الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 مشارق الشموس - المحقق الخوانساري ج 1

مشارق الشموس

المحقق الخوانساري ج 1


[ 1 ]

مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق العلامة حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

ترجمة المصنف قدس سره ملخصا عن كتاب روضات الجنات التي ألفها العالم الفاضل الكامل البارع سناد الفقهاء والمحققين سيد العلماء و المجتهدين السيد محمد باقر الخوانسارى دام ظله العالي وهو الشيخ الشهيد والسمح السعيد والركن العميد والقطب الحميد شمس الملة والدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ جمال الدين مكى بن الشيخ شمس الدين محمد بن حامد بن أحمد النبطي العاملي الجزينى وهذا الرجل الاجل الابجل هو المراد بالشهيد الاول وبالشهيد المطلق أيضا في كلمات جميع أهل الحق وكان (ره) بعد مولانا المحقق على الاطلاق أفقه جميع فقهاء الافاق وأفضل من انعقد على كمال خبرته واستاديته اتفاق محل الوفاق وتوحدة في حدود الفقه وقواعد الاحكام مثل تفرد شيخنا الصدوق (ره) في نقل أحاديث أهل البيت الكرام عليهم السلام والمحقق الخوانسارى في توقد القريحة والتصرف الجيد في كل مقام وقد كان معظم اشتغاله في العلوم عند فخر الدين بن العلامة المرحوم وله الرواية أيضا عنه بالاجازة التي كتبها له بخطه الشريف على ظهر كتاب القواعد عند قرائته عليه ومن جملة ما كتبه هناك فيما نقل عنه قدس سره ما صورته هكذا قرأ على مولينا الامام العلامة الاعظم أفضل علماء العالم سيد فضلاء بنى آدم مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكى بن محمد بن حامد أدام الله أيامه من هذا الكتاب مشكلاته إلى أن كتب وأجزت له رواية جميع كتب والدى قدس سره وجميع ما صنفه أصحابنا المتقدمون رضى الله عنهم عنى عن والدى عنهم بالطرق المذكورة لها إلى آخر ما ذكره ومن جملة أساتيده الكابرين أيضا المجايزين له في الاجتهادات والرواية هما الاخوان المعظمان المسلمان المقدمان السيد عميد الدين عبد المطلب والسيد ضياء الدين عبد الله الحليان الحسينيان وله الرواية أيضا بالاجازة وغيرها عن جماعة أخرى كابرين و معتمدين من المحدثين والمجتهدين ويروى أيضا مصنفات العامة عن نحو أربعين شيخا من علمائهم كما ذكره في بعض إجازاته وأما الاخذ منه والرواية عنه والتلمذ لديه فهى أيضا لجمله من علمائنا الاعليان وجملة من عظماء ذلك الزمان منهم أبنائه الامجاد الثلاثة ومنهم الشيخ مقداد السيودى صاحب كتاب التنقيح وغيره والشيخ حسن بن سليمان الحلى صاحب مختصر بصائر الدرجات والسيد بدر الدين حسن بن أيوب الشهير بابن نجم الدين الاعرج الحسينى ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن فجده الشهير بابن عبد العالي ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبد العالي الكركي ومنهم الشيخ زين الدين على بن الخازن الحايرى شيخ رواية أحمد بن فهد الحلى فمما صنفه (ره) كتاب القواعد والفوائد في الفقه مختصر يشتمل على ضوابط كلية أصولية وفرعية يستنبط منها أحكام شرعية لم يعمل الاصحاب مثله ومن ذلك كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية ومن ذلك كتاب غاية المراد في شرح الارشاد في الفقه ومن ذلك شرح التهذيب الجمالى في أصول الفقه ومن ذلك كتاب اللمعة الدمشقية مختصر لطيف في الفقه ومن ذلك رسالتان في الصلوة تشتملان على حصر فرضها ونفلها في أربعة آلاف مسألة مجازاة لقولهم عليهم السلام للصلوة أربعة آلاف باب وغير ذلك هذا وقد ذكره صاحب الامل بعنوان الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الشهيد محمد بن مكى العاملي الجرينى وقال في صفته كان عالما ماهرا فقيها محدثا ثقة متبحرا كاملا جامعا لفنون العقليات والنقليات زاهدا عابدا ورعا شاعرا أديبا منشيا فريد دهره وعديم النظير في زمانه روى عن الشيخ فخر الدين محمد بن العلامة وعن جماعة كثيرة من علماء الخاصة والعامة وكانت وفاته (ره) سنة ست وثمانين وسبعمائة 786 التاسع من جمادى الاولى قتل بالسيف ثم صلب ثم رجم بدمشق في دولت بيدمرر وسلطنة برقوق بفتوى القاضى برهان الدين المالكى وعباد بن جماعة الشافعي بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام وفي مدة الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام وما كان تحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع وكان سبب حبسه وقتله إنه وشى به رجل من أعدائه وكتب محضر يشتمل على مقالات شنيعة عند العامة من مقالات الشيعة وغيرهم وشهد بذلك جماعة كثيرة وكتبوا عليه شهاداتهم وثبت ذلك عند قاضى صيدا ثم أتوا به إلى قاضى الشام فحبس سنة ثم أفتى الشافعي بتوبته والمالكي بقتله فتوقف في التوبة خوفا من أن يثبت عليه الذنب وأنكر ما نسبوه إليه للتقية فقالوا قد ثبت ذلك عليك وحكم القاضى لا ينقض والانكار لا يفيد فغلب رأى المالكى لكثرة المتعصبين عليه فقتل ثم صلب ورجم ثم أحرق قدس الله روحه سمعنا ذلك من بعض المشايخ وذكر إنه وجده بخط المقداد تلميذ الشهيد (ره) انتهى كلام الامل

[ 3 ]

ترجمة الشارح قدس سره ملخصا عن كتاب روضات الجنات أيضا وهو استاد الكل في الكل عند الكل وجنة العلم والفضل الدائمة الاكل بحر البهية ونهرها الجارى وكنز الحكمة ورشحها السارى الاقا حسين بن الفاضل الكامل جمال الدين محمد الخوانسارى افيضت على تربته الزاكية سبحان رحمة ربه الباري أصله ومولده القصبة المدعوة بخوانسار وكان رحمه الله قد انتقل من قبل بلوغه الاشد إلى أصفهان لاستفادة العلوم واكتساب الحكم والمعارف من علمائها الاعيان ونزل في مدرسته خواجه ملك التي هي بجنب مسجد الشيخ لطف الله الواقع في ميدان الشاه فبقى رحمه الله هنالك مشغولا بالافاضة والارشاد غب استفاضته على حسب المراد من ميامن أنفاس كل استاد إلى أن جاء بمرور قليل من الدهر فائقا على سائر أساتيد علوم السر والجهر وقد ذكره صاحب مناقب الفضلاء بهذه العبارة ومنهم العلامة الفهامة المحقق المدقق النحرير أفضل العلماء في القرون والادوار ومفخر الفضلاء في الامصار والاقطار استاد الحكماء والمتكلمين ومربى الفقهاء والمحدثين محط رجال أفاضل الزمان ومرجع الفضلاء في جميع الاحيان أكمل المتبحرين وأفضل المتقدمين والمتأخرين المعروف بطنطنة الفضل بين لا بمتى المشرقين المولى الثقة العدل اقا حسين أجله الله أعلى غرف الجنان وأفاض على تربته شأبيب الغفران وقال صاحب السلافة موردا إياه في زمرة علماء عصره ومنهم الاقا حسين الخوانسارى علامة هذا العصر الذي عليه المدار وإمامه الذي يخضع لمقداره الاقدار وفي أمل الامل إنه فاضل عالم حكيم متكلم محقق مدقق ثقة جليل القدر عظيم الشأن علامة العلماء فريد العصر له مؤلفات منها شرح الدروس حسن لم يتم وعده كتب في الكلام والحكمة وترجمة القرآن الكريم وترجمة الصحيفة وغير ذلك من المعاصرين أطال الله بقائه أقول وشرحه المشار إليه على الدروس كبير موسوم بمشارق الشموس لم يصنف مثله في كثرة التحقيق وجوده الاستدلال وحسن البيان وتفصيل المطلب والاستمال على أغلب القواعد الاصولية والضوابط الاجتهادية قال صاحب رياض العلماء عقيب نبذ واف من محامد أوصافه الباهرة قد قرأ عليه فضلاء الزمان والعلماء الاعيان في المعقول والمنقول والفروع والاصول لم ير عين الزمان بمن يداينه فكيف بمن يساويه ولعمر الله إنه كان عين الكمال فأصابه عين الكمال وكان ظهرا وظهيرا لكافة أهل العلم وحصنا حصينا لارباب الفضل والسلم وهو قدس سره كما قد أخبر عن درجة نفسه من باب لطيفة خاطره كان تلميذا للبشر لكثرة مشايخه انتهى ثم إن من جملة تلاميذه النبلاء ولديه المحققين الاقا جمال الدين محمد والاقا رضى الدين أخاه ومنهم الامير محمد صالح الخاتون آبادى ختن العلامة المجلسي (ره) وقد قرأ عنده الحاشية القديمة وشرح الاشارات والشفا وشرح مختصر الاصول وشرح اللمعة مدة عشرين سنة كما ذكره في حدايق المقربين ومنهم المدقق الشروانى محشمي أصول المعالم والشيخ جعفر القاضى والسيد نعمة الله الجزايرى ومنهم المولى محمد بن عبد الفتاح التنكابنى المعروف بسراب ومنهم السيد الميرزا فخر الدين المشهدي الخراساني الفاضل المتكلم الحكيم ومن جملة مصنفاته أيضا على ما كتبه هو أولا في الرد عليه وحاشيتان على الحاشية القديمة الجلالية لم يتم أحديهما ورسالة في نفى وجوب مقدمة الواجب تعرض للرد فيها على السبزواري والفاضل القزويني والنائيني وأخرى في مسائل متفرقة يرد فيها على المدقق الشروانى ورسايل متفرقة في دفع بعض الشكوك والشبهات منها شبهة الايمان والكفر وشبهة الاستلزام وشبهة الطفرة وغير ذلك واعتذر صاحب الحدايق عن كثرة اشتغاله في أغلب عمره بالمراتب الحكمية بأن من بركات انتقاله ذلك انكسرت صولة أصول الفلاسفة وانهدام أساس قواعد المقررة عندهم التي كانت مسلمة عند الحكماء من زمن المعلم الاول والثاني والثالث الذي هو أبو على سينا وكانت تنافر ظواهر الكتاب والسنة وتورث اعتقادها الضلالة ولم ينكرها أحد قبل هذا الفحل المعظم له فحفة في الحقيقة أعظم حقوق علماء العالم على الاسلام فإن ذلك لم يكن من قوة أحد غيره ثم إن في بعض المواضع إنه كان في حدة الذهن وشدة الادراك وحذاقة وسرعة الانتقال بحيث لم يحتج إلى إعمال زيادة فكرة في فهم المطالب ولا يتكلم في المجامع إلا قليلا بحسب الضرورة ولا يتفوه أبدا لا بما لم يتيسر لاحد رده وتوفى (ره) أيضا باصفهان في آخر سنة تسع وتسعين بعد الالف من الهجرة كما في حدايق المقربين ودفن في مزاره الكبير الواقع من وراء نهر زنده رود المعروف بتخت فولاد فأمر السلطان الشاه سليمان الصفوى ببناء قبة عالية على مرقده الشريف وعمارة بقعته الزكية باحسن ما يكون من شريف ودفن بجنبه أيضا من غير فاصلة ولده الاقا جمال الدين بل من خلفهما الاقا رضى الدين كما نقله الثقات ومن كرامة ذلك الموضع المطهر إنه لا يوجد في ذلك المراد فضلا عن ساير مقابر الاقطار بقعة يكون أكثر زوارا منه وأدوم هجوما لديه وقد وافق تاريخها قوله تعالى أدخلي جنتي وقد تم ما أردنا إيراده في هذه الورقة فالحمد لله أولا واخرا

[ 4 ]

كتاب مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق إستاذ الكل في الكل عند الكل غريق رحمة الباري اقا حسين الخوانساري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مفيض النعم الروايع وملهم الحكم والشرايع الواهب من أصول النعم وفروعها ما يعجز العقول عن نيل غايته ويقف حمل العقول دون إدراك نهايته من على عباده بالهداية إلى معالم الدين وأخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور اليقين أنعم عليهم بإرشاد اذهانهم إلى قواعد الاحكام وأضاء بلمعة من لطفه مسالك أفهامهم كي يهتدوا إلى شرايع الاسلام نور بمصابيح الدراية قلوبهم لينقذهم من حيرة الجهالة وشرح بأنوار الهداية صدورهم خلاصا لهم من حومة الضلالة أنزل الكتاب فيه تبيان كل شئ وتمييز الرشد من الغي تفضل بإرسال الرسل وإيضاح السبل كي لا يضل بهم الطرق عن مدارك معرفته وبين الايات ونصب البينات حتى لا يعذر أحد في ترك طاعته لم يعتور أمره التباس ولم يغير حكمه قياس نحمده حمدا يليق بكبريائه ونشكره شكرا يستوجب المزيد بعد المزيد من آلائه ونقر بتوحيده إقرارا ينفعنا يوم لقائه ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا رسول الله الامي الذي أتى بكتاب عجز عن نيل مبانيه مصاقع الفصحاء وحار دون إدراك معانيه أقلام العلماء التهامي الذي شرف كل غور ونجد المكي الذي منه فاض على الافاق كل فضيل ومجد الاخر الذي مد الاولون عين الرجاء إلى شفاعته الخاتم الذي لم يخرج من حلقة الذل من لم يتحل بفص طاعته أرسله رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين ومؤسسا للملة السمحاء ومورد إلى الشريعة البيضاء فقام بأعباء الرسالة حتى تجدد ذكر المعارف الوحيدية غب طموسها وانكشف بيان السرائر الالهية بعد دروسها وكان إتمام الدين وإكمال النعمة أن نصب للخلق باب مدينة العلم هاديا إلى ثواب الاعمال وعقابها وكاشفا عن الامة غياهب ارتيابها وألهم الهداة المرضيين أئمة للعباد وحفظة للاحكام إلى يوم التناد اللهم فصل عليه وآله البررة الاخيار الذين من أجمع على متابعتهم واستصحب هدى طريقتهم فاز بالبرائة من النار كما بلغوا جملة آياتك و حلوا عن سنن بيناتك صلوة باقية ما استخرج التفاصيل من الجمل واتضح بالمبين المجمل أما بعد فيقول الراجي إلى رحمة ربه الباري حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري أوتيا كتابهما يمينا وحوسبا حسابا يسيرا إن العلوم على شرف جلتها ورفعة مكانها وحلتها متفاضلة في مدى الفخار متفاوتة في المزايا والاثار وأشرفها دراية ورواية وأفضلها معلولا وغاية وأسدها دليلا وحجة وأوضحها منارا ومحجة وأعظمها للراغب منفعة وأورثها للطالب رفعة بعد علم المعرفة علم الفقه الذي به يعرف ما كلف به العباد ويفرق بين الغي والرشاد ويميز بين ما ينجي ويوبق يوم التناد ومنه يشرح آيات كلام رب العالمين ويوضح سنن خير المرسلين وآثار عترتة الطاهرين وبه تنال السعادة الابدية ويدرك الفوز بالحيوة السرمدية فمن تمسك بالفقه الاحمدي فله البشرى وهو الفاخر

[ 5 ]

بنيل منتهى المطلب في الاخرة والاولى والفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله والمهذب الجامع لخصال أدرك بها غاية مراده وأمله ولما كان كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية من تصانيف شيخنا الاجل المحقق والحبر المسدد المدقق أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين عمدة علماء الفرقة الناجية بل الذي لم يظفر بمثله في القرون الماضية الحائز لمرتبة السعادة الفايز بمنقبة الشهادة محمد بن مكي أعلى الله تعالى درجته كما شرف خاتمته أحسن الكتب المصنفة تحقيقا وتهذيبا وأتقن الرسائل المؤلفة تدقيقا وتقريبا وأكثرها اشتمالا على الفروع التي تعم بها البلوى وأسدها تنقيحا للمسائل التي تشتد الحاجة إليها أجبنا أن نشرحه شرحا يوضح مقاصده الدقيقة ويجلي مطالبه الانيقة ويبين حقايق أنظاره ويظهر دقايق أفكاره غير مقتصرين على حل الكتاب وبينان مبانيه ولا مكثفين بكشف الحجاب عن عرايس معانيه بل أوضحنا في كل مسألة مقاصد من تكلم فيها وأشبعنا القول فيما يصح أن يقال لها أو عليها وأوردنا من الادلة ما أمكن بلوغ الفهم إليها وأطلقنا النظر في متن كل دليل وسنده وأجلنا الفكر في رد كل مذهب ونقده وأنعمنا سر الاقوال في الابرام والنقص وأمعنا الغور في ترجيح بعضها على بعض وسميناه مشارق الشموس في شرح الدروس وجعلناها تحفة للخزانة العامرة التي هي بدخائر العز غامرة أعني خزانة السلطان الاعظم والخاقان الافخم مالك رقاب الامم ناشر لواء المعدلة في البسيطة الغبراء رافع أعلام المجد إلى القبة الخضراء مالك ملاك السلطنة العظمى والدولة الكبرى دافع مهالك البغي والفساد عارف مسالك الهدي والرشاد أسنى الملوك نسبا وحسبا وأعلاهم موروثا ومكتسبا وأعظمهم شأنا وسلطانا وأشدهم إيمانا وإيقانا وأسدهم قولا وبيانا خضع للرب فتعاظم في الورى سلطانه واستخف ميزان الدينار كي يثقل في الحشر ميزانه النسر الطاير واقع دون قبته والسماك الرامح أعزل لدى شوكته عتبتة العلية شماء بارع قدرها وحضرته السنية سماء بازغ بدرها من وضع جبهة العبودية على بابه لم يرض بالاكليل تاجا ومن استضاء بصبح عزته أنف من القمر سراجا قبة مجده بادية لكل حاضر وباد وعين عدله صافية يردها كل ري وصاد يطلع صبح العزة من غرته ويطلع على سر العظمة من أسرته جوده العميم دليل يدرك به أصناف الخلق مطلبهم وكفه الكريم بحر يغرف منه كل أناس مشربهم لو كان قيصر الروم يروم العز لم يقصر في متابعته ولو أن ملك الهند صاحب الرأي لرأى السعادة في إطاعته زهر الشجرة المصطفوية غصن الدوحة المرتضوية سراج الدولة الصفوية ماحي آثار الجور والعناد حامي أرجاء البلاد والعباد مروج أحكام الشريعة الحقة في الخافقين ناشر آثار الفرقة المحقة في المشرقين والمغربين مولى ملوك الورى من لا يقاس به عزا ومجدا وإحسانا وتمكينا ذو العرش أعطاه سلطانا ومكنه كي يظهر العدل في الافاق والدنيا * جنوده لا يهابون العدو وهل * يخاف حزب سليمان الشياطينا * أنى يؤثر حجد الناس قدركم * حاميم حام لكم يا آل ياسينا * دعوت يبقي بقاء الدهر دولته * وقول كل الورى قد كان آمينا * الداعي إلى طريقة الائمة المعصومين ظل الله في الارضين قهرمان الماء والطين السلطان بن السلطان بن السلطان الخاقان بن الخاقان بن الخاقان أبو المظفر السلطان شاه سليمان الصفوي الموسوي الحسيني بهادر خان لا زالت عقبان راياته المنصورة كاسرة لاجنحة جنود المخالفين صايرة للفتح والظفر في أرجاء الارضين ولا برحت حومة مملكته المحروسة محمية الثغور والاطراف مخضرة ؟ ؟ والاكناف ومن الله تعالى استمد المعونة في أن يفتح باب الهداية من كل باب ويملا صحيفة الحسنات في شرح الكتاب وأن، يجعله خالصا لوجهه العلي وينفع به المبتدي والمتوسط والمنتهي وها نحن نشرح فنقول متضرعا إلى الله تعالى في إجابة المسئول قال المصنف خلد أفادات درسه وروح زكي رمسه كتاب الطهارة خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب الطهارة والكتاب فعال من الكتب بفتح الكاف لما يكتب به أو المكتوب والكتب بمعنى الجمع ومنه الكتيبة للجيش والكتاب في العرف كلام جامع لمسائل متحدة جنسا مختلفة نوعا كما قيل وهي أي الطهارة لغة النزاهة من الادناس أي الاوساخ ومنه قوله تعالى يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك وقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وفي اصطلاح أهل الشرع يطلق على معنيين أحدهما إزالة الخبث وعليه يحمل قوله عزوجل وثيابك فطهر وثانيهما ما ذكره المصنف (ره) بقوله وشرعا استعمال الطهور مشروط بالنية لاستباحة الصلوة والابحاث الموردة على تعاريف الطهارة وأجوبتها ووجوه التفصي عنها تارة بمنع كونها حقيقة بل لفظية لئلا يضرها عدم الجمع والمنع وتارة بتسليم صناعيتها وارتكاب تكلفات وتصنعات لتتميمها وترسيمها مشهورة في كتب القوم رضوان الله عليهم فلا حاجة إلى التعرض لها مع إنها لا فائدة مهمة تحتها وهي أي الطهارة (وضوء وغسل وتيمم) منقسمة إلى هذه الاقسام الثلاثة منحصرة فيها وماهية كل من هذه الاقسام ستعلم في طي المباحث الاتية مشروحة وكل منها واجب وندب والواجب ما يكون فعله مصلحة وتركه مفسدة والندب ما يكون فعله مصلحة ولم يكن تركه مفسدة وبعبارة أخرى الواجب ما يذم تاركه بوجه والندب ما يمدح فاعله ولم يذم تاركه فالواجب منها بحسب وجوب غايته التي هي الصلوة والطواف ومس خط المصحف قوله بحسب خبر لقوله فالواجب أي وجوب هذه الثلاثة إنما يتحقق بوجوب غاية من غاياتها الثلاثة التي هي الصلوة والطواف ومس خط المصحف وغاية الشئ

[ 6 ]

العرض والمقصود منه فغاية الوضوء ما يكون الوضوء لاجله أما بأن يكون له مدخل في صحته أو جوازه أو كماله أو ارتفاع كراهته ونحو ذلك من الامور التي تعلم في ضمن تفاصيل غاياته كما سيأتي والمفهوم من الكلام بمعونة اقتضاء المقام وكونه بصدد ضبط الاقسام إن وجوب الطهارة إنما يكون حال وجوب إحدى هذه الغايات المذكورة فقط دون غيره من الاحوال إلا ما ذكره لخصوص الغسل والتيمم وما استدركه آخرا لثلاثتها بقوله وتحت الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وحينئذ يرد عليه النقض بوجوب الطهارة لاجزاء الصلوة المنسية وسجدة السهو وسجدة التلاوة والجواب عن الاولين بأنهما داخلان تحت الصلوة لكونهما من أجزائها ومتعلقاتها وعن الاخير بأن المصنف (ره) لم يقل بوجوب الوضوء لسجدة التلاوة كما سيجئ وأما النقص بصلوة الجنازة من حيث إنها غاية واجبة من جملة الغايات الثلاث مع عدم وجوب الطهارات لها فمندفع أيضا من وجوه أحدها يمنع كونها صلوة حقيقة حتى يدخل تحت الغايات المذكورة لقوله (عليه السلام) تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولا صلوة إلا بفاتحة الكتاب بل إنما يعد من الصلوة ومجازا شرعيا وثانيها عدم تسليم كون المفهوم من العبارة تحقق وجوب الطهارات متى ما تحقق وجوب إحدى هذه الغايات بل القدر المسلم إنه يفهم منها عدة الوجوب في غير هذه الحال وثالثها تخصيص الغاية بما يكون للطهارة مدخل في صحته أو جوازه أو وجوده فقط لا يجعله أعم منه بحيث يشمل ما يكون لها مدخل في كماله ورفع كراهته وغير ذلك أيضا لان هذا المعنى أقرب من معناها للشهود أي ما يكون لوجوده وجود شئ آخر لان الصحة والجواز بمنزلة ذاتيات الشئ فإذا وجد بدونهما فكأنه لم يوجد بخلاف الكمال والفضيلة وغير ذلك فعلى هذا لا يكون صلاة الجنازة غاية الطهارة لصحتها وجوازها بدونها فإن قلت فعلى هذا يظهر الخلل في الكلام من وجه آخر لانه إذا نذر أحد أن يصلي صلوة الجنازة كاملة بالكمال الذي يحصل لها من الطهارة فلا شك في صحة نذره ووجوب الوضوء حينئذ مع إنه ليس داخلا تحت الضابطة المذكورة لعدم كون تلك الصلوة غاية على ما قررت قلت لا نسلم عدم كونها غاية حينئذ إذ يصدق عليه التعريف المذكور لان للطهارة حينئذ مدخلا في وجودها إذ الصلوة الكاملة بالكمال الذي يستفاد من الطهارة لا يمكن أن يوجد بدونها نعم قبل النذر لم يكن غاية بهذا المعنى ولهذا الايراد جواب آخر يظهر مما سنذكره في جواب النقض الاتي وهو أن ما ذكره المنف (ره) منقوض بوجوب الوضوء على من نذر أن يقرأ القرآن مثلا قرائة كاملة بالكمال المستفاد من الطهارة لانه ليس داخلا فيما ذكره المصنف ولا ينفع الجواب المذكور آنفا إذ لا يكفي كونه غاية بل لابد أن يكون من الغايات الثلاث وأما منع فهم الحصر من عبارة المصنف فبعيد كما لا يخفى إلا أن يجاب بأنه داخل تحت قوله ويجب الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وسيجئ لهذا الكلام تتمة عند شرح هذا القول إن شاء الله تعالى ثم اعلم إن للواجب معنيين أحدهما ما مر وثانيهما ما يكون شرطا لصحة شئ كما يقولون إن الوضوء واجب للصلوة المندوبة أي شرط لها والمراد هاهنا هو الاول بقرينة جعله قسيما للندب الذي جعل من أقسامه ما يكون للصلوة المندوبة مع كونه شرطا لها وإن كان الوجوب بكلا معنييه حاصلا للطهارات بالنسبة إلى الاولين أي الصلوة والطواف وكذا بالنسبة إلى الثالث أيضا إن جعل الواجب بالمعنى الثاني أعم من أن يكون شرطا لصحة شئ أو جوازه أما إذا خصص بالصحة فلا إلا على رأى من يقول بأن النهي في العبادة مستلزم للفساد فتأمل ولما كان أحوال الطهارات الثلاث ووجوبها لتلك الغايات المذكورة ويتفاوت في بعض الامور رأينا الاولى أن يفصل كلا منها عن الاخرين ونذكر ما يتعلق به على حدة فنبدء بما بدأ الله تعالى به أي الوضوء ونقول أما بوجوبه بالمعنى الاول للصلوة في الجملة فمما انعقد الاجماع عليه بل كاد أن يكون من ضروريات الدين ولا حاجة إلى الاستدلال عليه ولكن سنذكر كثيرا مما يرتبط به من الكتاب والسنة أيضا تبركا بهما وليكون الكلام في الابتداء جاريا على وتيرة ما بعده مناسبا له فيتخيل نوع براعة إذ نريد أن نورد إن شاء الله تعالى بحسن توفيقه وعظيم منه في أكثر مسايل الكتاب معظم ما يتعلق به من الايات والاخبار بقدر جهدنا وطاقتنا مستعينين بلطفه وتوفيقه إنه خير موفق ومعين وحين كان غرضنا في هذا الباب هذا لا إثبات الدعوى وثبوت المدعى لم نزد على مجرد إيراد الاية والاخبار وبيان وجه الدلالة إن كان محتاجا إليه ولم نشتغل بذكر ما فيها من القيل والقال ولم نتعرض لاحوال الاسناد والرجال أما الكتاب فقوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم الاية صيغة الامر ظاهرها الوجوب وسياق الكلام دال على إنه للصلوة لانه إذا قيل إذا لقيت العدو فخذ سلاحك وإذا أردت الامير فالبس ثيابك يفهم منه عرفا إن أخذ السلاح ولبس الثياب لاجل لقاء العدو والامير فقد دل على المدعى بتمامه وأما الاخبار فمنها ما رواه الشيخ في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارات عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا إنه قد يمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة وإن كان قد مضى وقت تلك الصلوة التي قد صلى فقد جازت صلوته وليتوضأ لما يستقبل من الصلوة ووجه الدلالة ظاهرا ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في باب الاغسال المفروضات والمسنونات عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز

[ 7 ]

الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلوتين وللفجر فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلوة وروى في الكافي أيضا في باب أنواع الغسل وفي الفقيه أيضا في باب علة الاغسال ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب حكم الحيض والاستحاضة عن سماعة قال المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل وقد أورد الشيخ (ره) مكررا هذه الرواية في أواخر الباب المذكورة وذكر هذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الوقت الذي يوجب التيمم بلا تفوات في السند والمتن إلا إنه بدل فليتوضأ فليتوض ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا بعد الرواية السابقة بأسطر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليمسك ما دام في الوقت فإذا تخوف أن يفوته فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب أيضا في زيادات كتاب الطهارة في باب الحيض والاستحاضة عن يونس عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث طويل قال وسئل عن المستحاضة فقال إنما ذلك غرف أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلوة أيام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب جامع في الحايض والمستحاضة إلا إنه فيه غرف عابر والمسؤول عنه في قوله (عليه السلام) وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا ما قصدنا إيراده من جملة الروايات الدالة على وجوب الوضوء للصلوة في الجملة والروايات الدالة على وجوبه بدون دلالتها على إنه للصلوة فهي أكثر من أن تحصر ولم نوردها هاهنا لان الغرض هاهنا ليس متعلقا بوجوب الوضوء فقط بل وجوبه للصلوة لكن سنوردها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الابواب الاتية وأما وجوب الوضوء للصلوة بالمعنى الثاني أي شرطية لها في الجملة وعدم صحتها بدونه فهو أيضا مما انعقد عليه الاجماع ولا خلاف فيه بل يمكن أن يكون أيضا من ضروريات الدين وسنذكر طرفا من الاخبار الدالة عليه أيضا لما ذكرنا سابقا فمنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلوة إلا بطهور وكررها في أوايل باب صفة التيمم وفي كتاب الصلوة في باب تفصيل ما تقدم ذكره وروى الصدوق (ره) في الفقيه في باب من ترك الوضوء أو بعضه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) هذه الرواية بعينها ورواها أيضا في باب وقت وجوب الطهور عنه (عليه السلام) أيضا مرسلا مع زيادة في أولها قال قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلوة ولا صلوة إلا بطهور ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوايل باب صفة الوضوء والغرض منه عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلوة قلت وكيف ذلك قال لانه يغسل ما أمر الله بمسحه وقد أوردها الشيخ (ره) مكررا في أواخر هذا الباب ووجه الدلالة ظاهر وهذه الرواية في الكافي أيضا بعينها في باب مسح الرأس والقدمين ومنها ما رواه الشيخ في أواخر هذا الباب عن منصور قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال ينصرف ويمسح رأسه ورجليه وقد كرر هذه الرواية في هذا الباب بادنى تغيير في السند وما روى أيضا بعد هذا بأسطر عن أحمد بن عمر قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال من نسي مسح رأسه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن أعاد الصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن ذكرت وأنت في صلوتك إنك قد تركت شيئا من وضوءك المفروض عليك فانصرف وأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلواتك وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعيد هذه الرواية عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه وقدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تيمم فصلى ثم أصاب الماء قال أما أنا فكنت فاعلا إني أتوضأ وأعيد وما روي أيضا متصلا بهذه الرواية عن يعقوب بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلوته ماء يتوضأ ويعيد الصلوة أو يجوز الصلوة قال إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه ومنها ما رواه أيضا في أواخر هذا الباب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث قال قلت فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلوة قال فلينصرف وليتوضأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلوته فإن التيمم أحد الطهورين والمراد من المصيب في الرواية المتيمم ورواه أيضا ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الوقت الذي يوجب التيمم ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن عبد الله بن عاصم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتمم ويقيم في الصلوة فجاء الغلام فقال هو ذا الماء فقال إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في الباب المذكور آنفا ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعد هذه الرواية في آخر الباب المذكور عن الحسن بن جهم قال سئلته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر والعصر وأحدث حين جلس في الرابعة فقال إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلا يعيد

[ 8 ]

وإن كان لم يشهد قبل أن يحدث فليعد ومنها ما رواه أيضا في باب صفة التيمم عن أبي بصير قال سئلته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه فتيمم وصلى ثم ذكر إن معه ماء قبل أن يخرج الوقت قال عليه أن يتوضأ ويعيد الصلوة وفي الكافي أيضا بعينها في الباب المذكور ومنها ما رواه الشيخ في الزيادات في أول باب التيمم عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء قال يقطع الصلوة ويتوضأ ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب آخر تطهير الثياب والبدن من النجاسات عن علي بن مهزيار وهو كتاب ورد جوابا عن سؤال في أثنائه هذه العبارة وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلواة المكتوبات اللواتي فاتته ومنها ما رواه الشيخ (ره) في كتاب الصلوة في باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلوة عن عبد الله بن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما فرض الله من الصلوات فقال الوقت والطهور والركوع والسجود والقبلة والدعاء والتوجه وهذه الرواية في الكافي بأدنى تغيير في المتن والسند في باب فرض الصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) متصلا بهذه الرواية عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود وهذه الرواية في الكافي بعينها بلا تفاوت في المتن والسند في باب المذكور وفي الفقيه رواه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب النوادر وقبل أبواب الحيض عن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتتاح الصلوة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ورواه الصدوق (ره) أيضا في الفقيه في باب افتتاح الصلوة وتحريمها قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) افتتاح الصلوة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ومنها ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه قال قال النبي (صلى الله عليه وآله) ثمانية لا يقبل لهم صلوة الابق حتى يرجع إلى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكوة وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون وتارك الوضوء والمرأة المدركة تصلي بغير خمار والزبين وهو الذي يدافع البول والغايط والسكران ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام والمفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلوة قال فلينصرف فليمسح برأسه وليعد الصلوة هذا ما قصدنا إيراده في هذا المقام فإن قلت هلا استدللت على شرطية الوضوء للصلوة بالاية الكريمة المتقدمة والاخبار المذكورة في المسألة السابقة على هذا المطلب لا يخلو عن إشكال إذ غاية ما يفهم منها عرفا كما ذكرنا سابقا إن الوضوء لاجل الصلوة والصلوة غاية له وقد عرفت فيما تقدم إن كون الوضوء مغيا بشئ لا يستلزم أن يكون له مدخل في صحته بل يجوز أن يكون لاجل كماله وفضيلته أو غير ذلك فإن قلت هذا أيضا يكفينا لانه إذا كان الوضوء واجبا وكان الغرض من وجوبه كمال الصلوة وفضيلتها فلا بد أن يكون الصلوة الكاملة أيضا مطلوبة حتمية وإلا لم يكن الوضوء الذي لاجلها وهي الغرض من وجوبه مطلوبا حتميا ضرورة فإذا كان المكلف به الصلوة الكاملة بالكمال المستفاد من الوضوء ولا شك إنها موقوفة على الوضوء لا يحصل بدونه فإذا أتى بالمكلف بالصلوة بدون الوضوء فلم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدة التكليف ولم نعن بالشرط سوى هذا وإن لم يكن شرطا شرعيا بالمعنى المشهور أي الذي يمكن أن يوجد المأمور به بدونه لكن جعله الشارع شرطا بل نقول إن جميع الشروط الشرعية عند التحقيق كذلك أي مما لا يمكن أن يتحقق المأمور به بدونه على ما هو معنى الشرط العقلي في الاصطلاح وإن الفرق الذي ذكره القوم بينهما بناء على عدم التدبر وغفلة عما هو الحق لكن ليس هاهنا موضع تحقيقه وتنقيحه قلت أما أولا فلا نفهم إن المفهوم من الاية عرفا أن الغرض من الوضوء وإيجابه هو الصلوة فقط حتى يكون مطلوبيته حتما مستلزمة لمطلوبيتها أيضا كما ذكرت بل المفهوم منها إن لها غرضية في الجملة لايق إنها أما تمام الغرض أو جزئه ولا معنى لوجوب شئ بدون وجوب تمام غرض إيجابه أو جزئه بالضروة لانه لا يلزم أن يكون الصلوة تمام الغرض أو جزئة بل يجوز أن يكون إيجاب الوضوء لاجل نفسه أو لغرض آخر تام في الاقتضاء ويكون الصلوة أيضا غرضا ومقتضيه ناقصة ولا استحالة في ذلك لان علل الشرع معرفات ويجوز اجتماع غرضين تامين من الاغراض الشرعية فكيف بالتام والناقص والاية الكريمة لا تدل على أزيد من ذلك وفيه بعد ولا يذهب عليك إنه على هذا لو كان المراد في المدعى الاول أيضا أي وجوب الوضوء للصلوة بالمعنى الاول هذا المعنى لكانت الاستدلالات السابقة متجهة وأما إذا كان المراد إن الصلوة غرض تام للوضوء فلا فتأمل وأما ثانيا فلان بعد تسليم إنفهام حصر الغرض في الصلوة من الاية وكون فضيلة الصلوة وكمالها مطلوبا حتميا لا ثم إنه يلزم أن يكون المطلق في الاوامر الواردة بالصلوة الصلوة الكاملة حتى لا يكون المكلف الاتي بها بدون الوضوء آتيا بالمأمور به بل يجوز أن يكون المطلوب طبيعة الصلوة مطلقة كما هو مقتضى الصيغة ويكون تحصيل كمالها وفضيلتها مطلوبا حتما آخر يستفاد مطلوبيته من إيجاب الوضوء له ولا يكون شرطا لامتثال التكليف الاول ولا جزءا منه في ما إذا

[ 9 ]

أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فقد خرج عن عهدة الامر بالصلوة المطلقة لكن يبقى في عهدة التكليف بالوضوء وتحصيل كمال الصلوة فتدبر وقس عليه الكلام في الاخبار المتقدمة سؤالا وجوابا وقد يستدل بالاية على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن يقال إنه قد استفيد منها وجوب الوضوء قبل الصلوة والامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده فتكون الصلوة التي هي ضد الوضوء منهيا عنها فتكون فاسدة فثبت الاشتراط وفيه إنه موقوف على ثبوت إن الامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده والنهي مستلزم للفساد وكلاهما ممنوعان وهاهنا شك آخر وهو إن معنى كون الامر بالشئ مستلزما للنهي عن ضده إنه إذا كان شئ مأمور به في وقت ولم يأت المكلف في ذلك الوقت بذلك الشئ بل أتى بضده يكون ذلك الضد حراما منهيا عنه وحينئذ نقول تحقق هذا المعنى مما لا يمكن فيما نحن فيه لانه إذا كان الوضوء واجبا قبل الصلوة فالاتيان بالصلوة في وقته إنما يتحقق بإتيان الصلوة قبل الصلاة هف والجواب أن المراد أن وقت الوضوء إنما هو بعد إرادة الصلاة كما هو مدلول الاية الكريمة ولا شك في إمكان الاتيان بالصلوة في ذلك الوقت فارتفع الخلف فإن قلت المأمور به في الاية أما الوضوء بعد الارادة المتصلة بالصلوة وبعد الارادة المنفصلة عنها بقدر الوضوء والاول باطل لانه تكليف بما لا يطاق وعلى الثاني يلزم ما ذكرنا أولا من عدم إمكان الاتيان بالصلاة في وقت الوضوء لان المفروض وقته وقت انفصال الصلوة عن الارادة فكيف يمكن أن يصير وقتا للصلوة إذ يلزم حينئذ أن يكون الصلوة متصلة بالارادة منفصلة عنها هف قلت وقت الوضوء بعد الارادة التي يمكن انفصالها عن الصلوة واتصالها بها باختيار المكلف وحينئذ نقول إن كل جزء من أجزاء أوقات ما بعد تحقق الارادة وقت الوضوء ويمكن الاتيان بالصلوة فيه أيضا لما ذكرنا من إن الاتصال والانفصال باختيار المكلف فلو لم يأت المكلف بالوضوء وأتى بالصلوة فقد أتى بضد المأمور به فيكون منهيا عنه فاندفع المحذوران فإن قلت إن تلك الارادة إن كانت تامة يجب الاتصال وإن كانت ناقصة يجب الانفصال قلت إنها ناقصة وإنما يجب الانفصال لو لم تصر تامة هذا ثم إن في المقام كلاما آخر وهو إنه قد ثبت بما ذكر إمكان الاتيان بالصلوة في وقت الوضوء لكن هذا مما لا يكفي في إثبات المرام لان الاتيان بضد المأمور به في وقته إنما يكون منهيا عنه إذا كان وجوب المأمور به مضيقا وأما إذا كان موسعا فلا كما تقرر في الاصول وعلى هذا نقول لا شك إن وقت الوضوء الذي هو أوقات حصول الارادة متسع فلو أتى المكلف بالصلوة في جزء منها لم يأت بضد المأمور به في وقته المضيق نعم إذا بقي من الوقت مقدار الوضوء والصلوة فعسى أن يكون جريان الدليل فيه ممكنا أما قبله فلا فتأمل فالاولى أن يستدل بالاية على المرام بطريق آخر بأن يقال يستفاد من الاية عرفا إن الوضوء قبل الصلوة واجب وإذا أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فيلزم حينئذ أن لا يمكن الاتيان بالوضوء المأمور به إذ لا شك إن بعد الاتيان بالصلوة لا يمكن الوضوء الكائن قبل الصلوة فيلزم ترك الواجب وترك الواجب حرام وملزوم الحرام حرام فيكون الاتيان بالصلوة الملزوم لترك الوضوء حراما وهذا مثل ما إذا كان أحد مأمورا بالصعود على السطح المتوقف على السلم فكسره باختياره أو كان مكلفا بالوضوء فأراق الماء ونحو ذلك لا يقال إنا لا نسلم عدم الامكان الاتيان بالوضوء المتقدم على الصلوة بعد الصلوة إذ يمكن أن يتوضأ ويصلي صلوة أخرى لان المأمور به الوضوء المتقدم على الصلوة التي يتحقق بها امتثال الامر ولا شك أن بالصلوة السابقة على تقدير صحتها يتحقق الامتثال والخروج عن العهدة ولا يمكن تحقق هذا الوصف في الصلوة اللاحقة فلا يكون الاتيان بالوضوء المذكور إتيانا بالمأمور به كما لا يخفى واعلم إن إتمام هذا الوجه أيضا موقوف على ثبوت أن ملزوم الحرام حرام وهو أيضا مما يقبل المنع كالمقدمتين السابقتين فتدبر بقي في المقام شئ وهو أنه قد ظهر بما ذكرنا وتلونا عليك وجوب الوضوء بالمعنيين للصلوة في الجملة كما ذكرنا في صدر المقامين وأما وجوبه لجميع الصلوة الواجبة سوى صلوة الجنازة بكل من المعنيين كما هو مدعى القوم ففيه خفاء وتفصيل المقام إن وجوب الوضوء بمعنى الشرطية وتوقف الصحة عليه لجميع الصلوة الواجبة بل المندوبة أيضا سوى صلوة الجنازة مما لا ينبغي أن يشك فيه للاجماع الصريح ودلالة بعض الاخبار المتقدمة عليه أيضا مثل لا صلوة إلا بطهور إذ نفى الصحة أقرب المجازات إلى الحقيقة التي هي نفي الوجود كما لا يخفى والصلوة ثلاثة أثلاث ونحو ذلك وأما وجوبه بالمعنى الاول لجميع الصلوات الواجبة ففيه نوع خفاء إذ لا يمكن أن يستدل عليه بالاية لانه لو حمل الاية على العموم بالنسبة إلى الواجب والمندوب فيلزم أن لا يمكن حمل الامر في فاغسلوا على الوجوب بل الرجحان المطلق وحينئذ لا يثبت المدعى مع أنه لو حمل على العموم لكان قابلا للمنع إذ احتمال العهدية وكون المراد الفرد المتعارف أعني الصلوة اليومية احتمال ظاهر بل هو أولى من العموم على ما قيل أن اللام حقيقية في العهد ولو خصص بالصلوة الواجبة وعمم بالنسبة إلى أفرادها ففيه أنه لا دليل على التخصص ولو جعل دليل التخصيص إبقاء الامر على ظاهره من الوجوب فيرد عليه أن إبقاء الامر على ظاهره ليس أولى من إبقاء العام على ظاهره فهلا أبقيته على العموم وأخرجت الامر عن ظاهره مع ما فيه من ظهور احتمال العهدية كما عرفت وكذا لا يتم الاستدلال بالاخبار المتقدمة إذ ليس فيها ما يدل على عموم الوجوب كما لا يخفى وكذا الاستدلال عليه بشرطيته للصلوة بأن يقال قد ثبت بالاجماع والاخبار شرطية لجميع الصلواة الواجبة وشرط الواجب واجب فيكون واجبا لجميع الصلوة لان الكبرى ممنوعة وموضعه في الاصول

[ 10 ]

وبهذا ظهر الجواب عن الاستدلال بالخبر المتقدم من قوله (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث لانه يمكن أن يكون حكمه (عليه السلام) بأن الطهور ثلث الصلوة من باب المبالغة المتعارفة وتنزيل كونه شرطا ضروريا ثابتا شرطيته في جميع الاحوال بخلاف ساير الشروط الاخر مثل طهارة الثوب وغير ذلك بمنزلة الجزئية وليس هذا حملا على خلاف الظاهر خصوصا مع وجود الادلة الدالة ظاهرا على خروجه من الصلوة مثل الاية الكريمة ونحوها وحينئذ نقول أنه بمحض الشرطية للواجب لا يلزم الوجوب كما عرفت على إنا لو سلمنا جزئيته للصلوة ودلالة الخبر عليها لكان الاستدلال أيضا غير تام إذ وجوب جزء الواجب أيضا غير ثابت بل التحقيق أنه بمنزلة الشرط فمن لم يسلم وجوب الشرط فله أن لا يسلم وجوبه أيضا وتحقيقه في الاصول والاستدلال بالخبر الاخر من قوله (عليه السلام) افتتاح الصلوة الوضوء فهو أضعف من سابقه إذ ليس فيه دلالة على الجزئي أصلا كما لا يخفى بل على الشرطية أيضا وإيرادنا له في طي أدلة الاشتراط بناء على التسامح وكذا في بعض آخر كما أشرنا إليه في صدر الباب أيضا وقس عليهما حالا الاستدلال برواية عبد الله بن زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام) الوقت والطهور آه وأما الاستدلال عليه بالاجماع ففيه أيضا شك لان الوجوب بمعنى اللابدية والوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك كثيرا ما يشتبه أحدهم بالااخر فيمكن أن يكون إطلاق بعض القوم لفظ الوجوب على الوضوء بالنسبة إلى جميع الصلوات الواجبة بمعنى الشرطية فاشتبه بالمعنى الاخر وظن الاجماع عليه ونقل وهذا مم لا يبعد جدا كما لا يخفى على من تتبع كلمات القوم صلوات الله عليهم وأقاويلهم المتشابهة مع أن ها هنا شيئا آخر وهو أن كثيرا من الاصحاب قابلون بوجوب مقدمة الواجب شرطا كان أو غيره فلما رأوا إطلاق الوجوب بمعنى الشرطية لجميع الصلوات على الوضوء إجماعا حكموا بناء على اعتقادهم بأن الوجوب بالمعنى الاخر أيضا إجماعي وبالجملة الحكم بالوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك لاجل جميع الصلوات الواجبة بأصل الشرع وغيره لا يخلو من خدشة والله تعالى ورسوله وأهل الذكر (عليه السلام) اعلم تذنيب إعلم أن الظاهر من الاية الكريمة المتقدمة وجوب الوضوء على كل مقيم إلى الصلوة حتى المتطهرين أيضا لدلالة كلمة إذا على العموم عرفا مع أن حمله ها هنا على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها وهو لا يناسب بكلام الحكيم كما قيل لكن الاجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط ؟ قال الشيخ (ره) في التهذيب في بحث التيمم في أثناء كلام ثم لو صح الخبر لكان محمولا على الاستحباب كما يحمل تجديد الوضوء على الاستحباب وإن كان لا خلاف في استباحة صلوات كثيرة به وقال العلامة (ره) في المنتهى مسألة إذا توضأ لنافلة جاز أن يصلي بها فريضة وكذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلواة وهو مذهب أهل العلم خلافا لظاهر النهاية انتهى فقال بعضهم أن الحكم كان في الابتداء كذلك وكان الوضوء واجبا عند كل صلوة عل المتطهر والمحدث لكنه قد نسخ وهذا الوجه ضعيف من وجوه اتفاق الجمهور على أن المائدة ثابتة لا نسخ فيها وما روي عنه (صلى الله عليه وآله) المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وعدم ظهور ناسخ واعتبار الحديث في التيمم الذي هو بدل منه في الاية واعترض على القول بالنسخ بوجه آخر هو أنه إذا كان الحكم العام بوجوب الوضوء باقيا في المحدثين مرتفعا عن المتطهرين فكيف يكون نسخا بل يكون تخصيصا إذ لا معنى للتخصيص سوى ذلك وأجيب بأن التخصيص هو أن يورد لفظ عام ويراد منه ابتداء بعض أفراده لا جميعها وأما إذا أريد منه في الابتداء جميع أفراده ثم خصص ببعض فيكون نسخا البته والامر ها هنا كذلك وقال بعض أن الامر للندب لان تجديد الوضوء عند كل صلوة مستحب كما يشهد به الاخبار وهذا أيضا ضعيف من حيث أنه يلزم حينئذ عدم موافقة القرينة الذي هو فاطهروا لانه للوجوب قطعا ومن أن الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتة إلا أن يقال الاستحباب ينسحب إلى الشمول والعموم وفيه بعد وقد ضعف هذا الوجه أيضا بما ضعف الوجه الاول به من حديث اعتبار الحدث وفيه تأمل لان الامر في فتيمموا محمول على الوجوب فلا مفسدة في اعتبار الحديث فيه بدون اعتباره في المبدل منه لندبية الامر به نعم يلزم حينئذ عدم موافقة آخر بين القرينتين وقيل يحمله على الرجحان المطلق ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضيين والوجوب بالنسبة إلى المحدثين وفيه أيضا لزوم عدم الموافقة ولزوم عموم المجاز والاشتراك الذي هو أما غير جايز أو بعيد جدا أيضا لو كان مراد القايل أن الندب بالنسبة إلى البعض والوجوب بالنسبة إلى آخر مدلول الصيغة وأما إذا كان مراده أنه مفهوم من الخارج وإن مدلول الصيغة هو الرجحان مطلقا فلا والاولى أن يقال أن الاية مخصصة بالمحدثين لا بأن يكون المراد من الذين آمنوا المحدثين بل بإبقائه على العموم ؟ إن كنتم محدثين في نظم الكلام فيصير المعنى حينئذ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فإن كنتم محدثين بالحدث الاصغر فتوضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا وإن لم تقدروا على الماء وكنتم محدثين أما بالحدث الاصغر أو الاكبر فتيمموا فيوافق القرائن ويطابق النظائر ثم أن الشيخ (ره) روى في التهذيب في أوائل باب الاحداث الموجبة للطهارة ؟ رواية موثقة عن ابن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله إذا قمتم إلى الصلوة ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلوة قال إذا قمتم من النوم وعلى هذا فلا إشكال هذا واعلم إن الحكم المذكور أي عدم وجوب الوضوء عند كل صلوة بل وجوبه على المحدثين فقط مع كونه إجماعيا كما نقل يدل عليه أيضا روايات منها الروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر بالمعنى الدالة جميعا على حصر ناقض الوضوء في الاحداث من جملتها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوائل باب الاحداث بطريق صحيح على الظاهر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم

[ 11 ]

وما رواه أيضا في هذا الباب بطريق صحيح على الظاهر عن إسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا حدث والنوم حدث وما رواه أيضا في هذا الباب غير سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك إلى غير ذلك ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه بطريق صحيح عن حماد بن عثمان قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة قال لا هو بمنزلة الماء ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب صفة التيمم بطريق صحيح أو حسن عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) يصلى الرجل بوضوء واحد صلوة الليل والنهار كلها قال نعم ما لم يحدث ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل باب الاغسال المفترضات والمسنونات في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبيه قال قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت وهذه الرواية في الكافي أيضا بإشراك الطريق في باب الشك في الوضوء وهذا الخبر الاخير من جملة ما استدل به العلامة في المنتهى على هذا المطلب وقد يناقش فيه بأنه يجوز أن يكون مراده (عليه السلام) التحذير عن إحداث الوضوء بالشك في الحديث وحسبان أن الحدث المشكوك أيضا ناقض لئلا ينجر إلى الوسواس وتطرق الشيطان والحرج المنفي في الدين وعلى هذا لا دلالة له على المدعى كما لا يخفى ومما يؤيد هذا الاحتمال أن الرواية في بعض نسخ الكافي بهذه العبارة إذا استيقنت إنك أحدثت فتوض وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى يستيقن إنك أحدثت وتأييده لما ذكرنا مما يشهد به الوجدان السليم ويؤيده أيضا استحباب التجديد هذا ثم أن العلامة (ره) استدل في المنتهى بروايتين أخريين أحديهما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلوة قال يمضي على صلوته ولا يعيد وقال العلامة بعد نقل الحديث والنهي عن الاعادة عام في الصلوة والوضوء انتهى ولا يخفى ما في هذا الاستدلال لان قصارى ما يدل عليه الخبر أن الشك بعد الفراغ لا حكم له وإن الوضوء والصلوة السابقين عليه صحيحان لا حاجة إلى إعادتهما وأما أنه لا يلزم وضوء آخر عند حضور وقت صلوة أخرى فهو عنه بمراحل كما يشهد به الفطرة السليمة والعجب أن العلامة (ره) أورد ها هنا على نفسه أن حمل الاعادة على العموم يستلزم التخصيص لان من تجدد حدثه يعيد وضوئه بخلاف تخصيصه بالصلوة إذا الصلوة السابقة لا تعاد بوجه وأجاب عنه بوجهين ثم قال على إنا نمنع أن يكون ذلك إعادة بل هو تجديد واجب آخر ولم يتنبه أنه بهذا يبطل استدلاله أيضا لان الوضوء الواجب للصلوة الاخرى ليس إعادة للوضوء الاول كما لا يخفى وثانيهما ما رواه الشيخ قبل هذا الخبر بأسطر في الصحيح ورواه الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في أثناء حديث فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلوة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمي الله مما أو جب الله عليك فيه وضوءئه لا شئ عليك فيه وحال هذا الاستدلال أيضا كحال سابقه في الضعف وعدم الاستقامة ووجههما ثم أنه (ره) قال بعد ذكر هذه الرواية وذلك يدل على جواز استعمال الوضوء في الصلوة المتعددة فإن قوله (عليه السلام) وقد صرت في حال أخرى في الصلوة أو غيرها أي في غير الصلوة التي وقع فيها الشك علم في كل ما غاير تلك الصلوة لا يقال يحتمل أن يعود الضمير إلى الحال وهي تؤنث تارة وتذكر أخرى وحينئذ يدل على الاجتزاء بذلك الوضوء إلا في تلك الصلوة ولان الحكم معلق على الشك وهو خلاف قولكم لانا نجيب عن الاول بأن الصلوة أقرب فالعود إليه أولى فإن النحويين اتفقوا على أن قولنا ضرب زيد عمروا وأكرمته يعود الضمير فيه إلى عمرو لقربه وبأن غير تلك الحال أيضا أعم من كونها في تلك الصلوة أو غيرها لا يقال تقييد المعطوف عليه يستلزم تقييد العطف لوجوب الاشتراك لانا نقول نمنع ذلك والاشتراك إنما يجب في الحكم الثابت لهما وهو الاجتزاء بذلك الوضوء أما في التقييد فلا وعن الثاني إن الاجتزاء إذا وجد مع الشك فمع اليقين أولى انتهى كلامه رفع الله مقامه وهو كما ترى وليت شعري لم لم يستدل بالروايتين اللتين استدللنا بهما مع صراحة دلالتهما وتمسك بهاتين الروايتين غير ظاهرتي الدلالة وكأنه غفل عنهما لورودهما في غير باب الوضوء أو لانه لما ضم إلى هذا المطلب في صدد المسألة مطلبا آخر كما نقلناه عنه سابقا وظن أن هاتين الروايتين لم يثبتا ذلك المطلب فلذا أعرض عنهما لكن لا يخفى إن دلالة ما ذكره على هذا المطلب أيضا ليس بأزيد كثيرا مما ذكرنا كما يظهر عند التأمل فتأمل والله أعلم وإذ قد فرغنا من بيان وجوب الوضوء للصلوة وما يتعلق به فلنشرع في بيان وجوبه للطواف ومس خط المصحف أما وجوبه للطواف فقد نقل الاجماع عليه وبه روايات أيضا وسنذكرها مفصلة مع ما يتعلق بها من الابحاث ومبحث الحج إنشاء الله تعالى وأما وجوبه لمس خط المصحف الواجب بنذر أو شببه أو لاصلاح غلط لا يمكن بدونه بناء على وجوب الاصلاح فهو مبني على تحريم اللمس على المحدث بالحدث الاصغر وفيه خلاف قال الشيخ (ره) في المبسوط بكراهته ونسب العلامة في (المختلف) القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البراج أيضا وحرمة الشيخ في التهذيب والخلاف وبه قال أبو الصلاح والمحقق والعلامة (ره) وهو الظاهر من كلام الصدوق أيضا في الفقيه احتج القائلون بالتحريم بوجوه الاول قوله تعالى في سورة الواقعة أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وجه الاستدلال أن قوله تعالى لا يمسه لا يمكن أن يكون محمولا على الخيرية والنفي وإلا يلزم الكذب لوقوع المس من غير المطهرين كثيرا فلا بد من حمله على الانشاء والنهي وظاهر النهي التحريم فيكون المس بدون الطهارة حراما وفيه أن

[ 12 ]

الاستدلال بهذه الاية موقوف على أن يكون ضمير لا يمسه راجعا إلى القرائن وهو مسلم لجواز رجوعه إلى كتاب مكنون كما جوزه بعض المفسرين بل هو أقرب لقربه ويكون المعنى أنه لا يطلع على الكتاب المكنون أي المستور المصون أما عن الناس أو عن التغيير والتبديل أو الغلط والباطل أو التضييع والمراد به اللوح المحفوظ كما قال المفسرون إلا الملائكة المطهرون من الكدورات الجسمانية أو أدناس المعاصي وقد يضعف هذا الاحتمال بوجوه أحدها إن قوله تعالى لا يمسه حينئذ يكون تأكيد لقوله تعالى مكنون والحمل على التأسيس أولى وبما ذكرنا من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر لك الجواب عنه وثانيها أن إطلاع الملائكة على اللوح المحفوظ غير ثابت بل في بعض الاخبار وكلام بعض الاخيار ما يدل على خلافه وفيه أن عدم ثبوت إطلاعهم على اللوح المحفوظ لا يكفي في هذا المقام بل لا بد من ثبوت العدم وإلا لكان منعا على المنع وما وقع في بعض الاخبار على تقدير وقوعه يمكن أن يكون المراد منه عدم إطلاعهم بدون الاذن منه سبحانه وثالثها أن سياق الكلام لاظهار شرف القران وفضيلته لا اللوح وما فيه وفيه أن ثبوته في اللوح الذي لا يمسه إلا المطهرون شرف وفضيلة أيضا إلا ترى إلى قوله عز وجل في كتاب مكنون فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفا وفضيلة لكان هذا أيضا شرفا وفضلا بالطريق الاولى وإن لم يكن ذلك شرفا فقد بطل مبني لاعتراض من أن سياق الكلام لاظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى ورابعها أن قوله (عليه السلام) بعد هذه الاية متصلا بها تنزيل من رب العالمين صفة للقرآن بمعنى المفعول أو من قبيل الوصف بالمصدر من باب المبالغة إذ لما لم ينزل نجوما من بين الكتب السماوية سواه فكأنه هو التنزيل لا الكتاب لانه المنزل دونه وقوله سبحانه كريم وفي كتاب مكنون أيضا صفة له فينبغي أن يكون لا يمسه أيضا صفة له وإلا لم يحسن التوسيط وفيه أنه إذا كان لا يمسه صفة لمكنون يكون من جملة متعاقبات الصفة الثانية ومتمماتها فكان مجموع هذا الكلام صفة واحدة فلم يكن توسيطا غير مستحسن مخلا بحسن الكلام وبلاغته إلا ترى إلى توسيط مكنون مع أنه صفة الكتاب ودفع هذا الاعتراض بمنع كون تنزيل من رب العالمين صفة لجواز كونه جملة برأسها معطوفا على جملة أنه لقرآن بحذف المبتدأ أو يكون خبرا لانه وكذا القول في لا يمسه وفي كتاب ليس بشئ إذ على هذا التقدير أيضا يكون في كتاب وتنزيل من جملة أحكام القرآن وأحواله فلا يكون توسيط حال غيره مناسبا كما لا يخفى وخامسها أنه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المس وهو ظاهر وكذا في المطهرون لان الطهارة حقيقة شرعية في الوضوء وهو خلاف الاصل وفيه إنا لا نسلم أن الحمل على الحقيقة مطلقا أولى من الحمل على المجاز إلا ترى أن علماء البلاغة أطبقوا على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأيضا ثبوت الحقايق الشرعية مسلم ومع تسليمه لا نسلم أن حقيقة الطهارة الوضوء بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث ولا شك في تحقق هذا المعنى في الملائكة أيضا وأيضا ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الانشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذا المجازين إلا أن يقال أنه مجاز واحد وهذا مجازان ثم على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول أن دلالتها على المطلب أيضا غير تمام إذ يجوز أن يكون إتصافه بأنه لا يمسه إلا المطهرون باعتبار اصله الذي في اللوح كما أن اتصافه في كتاب مكنون أيضا كذلك وأيضا يجوز أن يكون المراد والله أعلم أنه لا يعلم حقايقه ودقايق وأسراره إلا المطهرون من الذنوب وهم أصحاب العصمة (عليه السلام) وعن جنيد المطهرون أسرارهم عما سوى الله تعالى وفي بعض التفاسير عن محمد بن الفضل المراد لا يقرء القرآن إلا موحد وعن حسين بن الفضل لا يعلم تفسيره وتأويله إلا المطهرون من الكفر والنفاق وأما حديث لزوم مجازية المس والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه على أنه على تقدير تسليم حمل المس على حقيقته وثبوت الحقايق الشرعية وحمل الطهارة على حقيقتها لا نسلم أن الطهارة حقيقة شرعا في رفع الحدث الاصغر أو جميع الاحداث إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كل حدث وكذا في رفع الخبث أيضا فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهرون المطهرين من الحدث الاكبر والنجاسة ثم لو سلم أن المراد الطهارة من الحدث الاصغر أو جميع الاحداث فلا نسلم أن النهي ها هنا للتحريم وما يقال أن ظاهر النهي التحريم (فعلى تقدير تسليمه إنما يسلم في أن يكون تصريح مبتغيه النهي فقط لا فيما يكون نفيا مستعملا بمعنى النهي أيضا والقول بأن التحريم) أقرب المجازات إلى النفي ممنوع هذا ثم أنه قد يمسك في إفادة الاية الكريمة لمطلوبهم ورفع الاحتمالات السابقة بما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب حكم الجنابة وفي الاستبصار في باب أن الجنب لا يمس المصحف عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه أن الله يقول لا يمسه إلا المطهرون وفي بعض نسخ التهذيب خيطه وهذا بالحقيقة استدلالان أحدهما من حيث دلالة الرواية في نفسها على المطلب والاخر من حيث دلالتها على أن المراد من الاية الكريمة هذا المعنى فيتم الاستدلال بها وفي هذا التمسك أيضا نظر من وجوه أحدها أن الرواية غير نقية السند جدا لان فيها جعفر بن محمد بن حكيم وهو غير موثق ولا ممدوح وجعفر محمد بن أبي الصباح وهو مجهول وعلي بن الحسن بن فضال وهو فطحي وإبراهيم بن عبد الحميد ونقل الشيخ أنه واقفي وثانيها أنه يمكن أن يكون لا يمسه في الرواية نفيا لا نهيا وقد عرفت حال النفي الذي بمعنى النهي وعدم ظهوره في التحريم فيجوز أن يكون للكراهة وثالثها أنه على تقدير أن يكون نهيا لا نسلم أن الامر والنهي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) للوجوب والحرمة وإن سلم أن صيغة الامر والنهي لهما لشيوع استعمالهم (عليهم السلام) هاتين الصيغتين للندب والكراهة كما يظهر من تتبع آثارهم (عليهم السلام) فيكون مجازا شايعا بالغا حد الحقيقة أو منقولا وعلى التقديرين لا يجب

[ 13 ]

حملهما عن الاطلاق على الوجوب والحرمة ويريد حمله على الكراهة أنه ورد في هذه الرواية النهي عن التعليق والحال أنه للكراهة فيحمل هذا أيضا عليهما ليوافق القرائن وأما كونه للكراة فللاجماع على عدم حرمته كما نقله العلامة (ره) في المنتهى ولروايتين أيضا أحديهما ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن التعويذ يعلق على الحايض فقال نعم إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة حديد وثانيتها ما سنذكره مع تفصيل القول فيه لكن يمكن أن يقال أن جواز تعليق التعويذ وإن كان فيه آيات القرآن لا ينافي حرمة تعليق المصحف كما في الرواية إذ يجوز أن يكون لمجموع القرآن حرمة لا تكون لبعض الايات وما أيدنا به حمل لا يمسه في الرواية على الكراهة مؤيدا حمله في الايه أيضا عليها وقرينة عليه لان استشهاده (عليه السلام) به للكراهة إنما يكون على تقدير كونه بمعنى الكراهة كما لا يخفى فظهر أن هذه التمسك إنما يجعل الاستدلال بالاية مقلوبا عليهم وفيه أنه يجوز أن يكون النهي عن التعليق في الرواية محمولا على رجحان العدم المشترك بين الحرام والمكروه إذ هذا لا ينافي الاجماع المذكور والتجوز في النهي يحمل على الكراهة ليس بأولى من التجوز فيه بحمله على القدر المشترك وحينئذ نقول غاية ما يلزم أن يكون لا يمسه في الرواية محمولا على القدر المشترك بين الحرمة والكراهة ليحصل المناسبة وهذا لا يستلزم أن يكون في الاية المستهشد بها بمعنى الكراهة حتى يصير الاستدلال مقلوبا وهو ظاهر الثاني ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب متصلا بالرواية المتقدمة قال وسئل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل أيحل له أن يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء قال لا وجه الاستدلال أن يقال أنه إذا كان كتابة القرآن للمحدث حراما فالمس بطريق أولى أو يقال أن أصل الكتابة لا يحرم على المحدث بلا نقل خلاف عن أحد من علمائنا فيكون نهيه (عليه السلام) إنما يكون باعتبار عدم انفكاكه عن المس غالبا وفي الوجهين نظر من وجوه أحدها القدح في سند الرواية لان للشيخ (ره) إلى علي بن جعفر (عليه السلام) ثلاثة طرق على ما نقل أحدها ما ذكره في آخر التهذيب من أن ما كان فيه عن علي بن جعفر فطريقي كذا وهذا الطريق ليس بصحيح وإن وصفه العلامة (ره) في الخلاصة بالصحة لان فيه حسين بن عبد الله الفضايري ولم ينص الاصحاب على توثيقه والاخران ما نقلهما في فهرسته وهذان الطريقان وإن كانا صحيحن إلا أنه (ره) قال في الفهرست في أثناء ذكر علي بن جعفر كلاما بهذه العبارة وله كتاب المناسك ومسايل لاخيه موسى الكاظم بن جعفر (عليه السلام) سئله عنها أخبرنا بذلك وفي بعض النسخ به جماعة إلى آخر ما ذكره من الطريقين وهذه العبارة كما ترى ليست ظاهرة في أن كل ما يرويه الشيخ (ره) عن علي بن جعفر (عليه السلام) إنما هو بهذين الطريقين إذ يجوز أن يكون تلك المسائل مسائل خاصة مجتمعة في كتاب مثلا ولم يكن كل ما يرويه عنه داخلا فيها مع احتمال رجوع الضمير إلى الكتاب فقط على أن في نسخة الفهرست التي عندنا قد وضع علامة النسخة فوق قوله ومسايل إلى قوله أخبرنا وحينئذ يقوى الشك جدا وبالجملة ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب والاستبصار مرسلا عن علي بن جعفر (عليه السلام) لا يخلو من شئ وإن كان يمكن أن يقال أن عدم توثيق حسين بن عبد الله لا يضر إذ الظاهر أن الشيخ (ره) في الكتابين ما حذف أول سنده من الروايات إنما أخذه من الاصول المشهورة المتواترة انتسابها إلى أصحابها كتواتر انتساب الكتابين إليه (ره) الان وكذا ساير الكتب المتواترة الانتساب إلى مصنفيها ثم في آخر الكتابين إنما ذكر طريقة إليها للتبرك والتيمن ولمجرد اتصال السند و إلا فلا حاجة إليه كما أشار إليه نفسه (ره) أيضا في آخر الكتابين وحينئذ إذا كان في تلك الطرق من لم يوثقه الاصحاب فلا ضير والله أعلم بحقيقة الحال وثانيهما معارضهتها بما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن التعويذ يعلق على الحايض قال نعم لا بأس قال وقال وتقرئة وتكتبه ولا تصيبه يدها وهذه الرواية وإن رواها الشيخ في التهذيب قبل باب التيمم وأحكامه متصلا به بطريق صحيح عن داود عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) بأدنى تفاوت في المتن إذ فيه بدل لا تصيبه يدها لا تمسكه لكن السند الذي في الكافي مما يعتمد عليه كثيرا لان إبراهيم بن هاشم وإن لم ينص الاصحاب على توثيقه لكن الظاهر أنه من أجلاء الاصحاب وعظمائهم المشار إلى عظم منزلتهم ورفع قدرهم في قول الصادق (عليه السلام) إعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا وبالجملة هذا الحديث ليس بأنقص في باب الاعتماد من سابقه وتوجيه المعارضة أن يقال أنه (عليه السلام) أجاز كتابة التعويذ للحايض والظاهر أن التعويذ غالبا لا ينفك عن آيات القرآن فقد أجاز لها كتابة القرآن وإذا كان كتابتة الحايض جايزا فللمحدث بالحث الاصغر بطريق أولى وهذه الاولوية أولى من الاولوية التي أدعوها في الاستدلال ومع قطع النظر عن دعوى الاولوية نقول أن الحايض يندر أن تخلو عن الحدث الاصغر فإطلاقه (عليه السلام) في إجازة الكتابة لها وترك الاستفصال مع أن الفرد الغالب الكثير هو أن تكون محدثة بالحدث الاصغر يدل على أن ليس المراد حال خلوها عنه وقس عليه القول في التعويذ أيضا بالنسبة إلى اشتماله على آيات القرآن وعدمه مع أن في الرواية ليس لفظا لحدث الاصغر بل كونه على غير وضوء ولا شك أن الحايض على غير وضوء وإذا ثبت المعارضة فيجب الجمع بينهما بحمل رواية علي بن جعفر (عليه السلام) على الكراهة وهذه الرواية على نفي البأس بمعنى الحرمة ولا يبعد الايراد على المعارضة أما على الوجه الاول الذي تمسك

[ 14 ]

فيه بالاولوية فبأن يمنع الاولوية ويسند بأن المحدث لما كان ارتفاع حدثه يحصل بسهولة ولا يتوقف على زمان طويل ومهلة فلم يجز له الكتابة حتى يتطهر وأما الحايض فلما كان ارتفاع حدثها يتوقف على مهلة ومضي زمان كثير يمكن أن يمس الحاجة فيه كثيرا إلى الكتابة فاجيز لها الكتابة لما في منعها في ذلك الزمان الطويل من احتمال الضرر وتعطل أمرها كما لا يخفى وأما على الوجه الثاني فبأن يقال أن في رواية علي (ره) قد سئل عن الرجل فلا يكون الرواية الثانية الحاكمة بجواز الكتابة للحايض معارضة له والقول بأن الفرق بينهما مما لا يعقل مندفع بما ذكرته من سند المنع آنفا وعلى تقدير تسليم أن يكون المسئول عنه أعم من الرجل والمرأة أيضا فنقول أن تعارضهما ليس من باب التعارض الذي الذي يجب الجمع بينهما بحمل أحدهما على الكراهة وغير ذلك بل من باب تعارض العام والخاص المتعارف في العمومات والمخصصات فليخصص العام بالخاص فيخرج ما يخرج ويبقى الحكم فيما عداه وأما حديث أن إخراج الحايض في هذا الحكم عن تحت المحدث مع أن حدثهما قد تضاعف غير معقول فقد عرفت ما يندفع به أولا وأما الايراد على المعارضة بأن وجه الجمع بينهما غير منحصر في حمل رواية على بن جعفر (ره) على الكراهة فلنحملها على أن المراد فيها تحريم كتابة القرآن بقصد أن يصير مصحفا والمحكوم بجوازه في الرواية الاخرى كتابة القرآن في التعويذ فلا منافاة فلا يخلو عن بعد لاباء قوله أيحل له أن يكتب القرآن في الالواح عن هذا الحمل كما يحكم به الوجدان والايراد بأنه يمكن الجمع أيضا بأن تحمل الرواية الاولى على الكتابة التي يقع فيها المس والثانية على التي لا يقع فيها كما يدل عليه عجزها لا يخلو عن قوة وإن كان في حمل الرواية الاولى على المعنى المذكور تكلف لما ذكرنا سابقا من حكاية الاطلاق وترك الاستفصال مع أن في الايرادين أن الاحتمال لا ينفع في الاستدلال فأحسن التدبر وأتقن وثالثها بأن يقال على الوجه الاول إن الاولوية التي تدعونها في الاستدلال ممنوعة بل هي من باب القياس الذي لا نعمل ولا نقول به وحينئذ فإن ثبت الاجماع على جواز الكتابة للمحدث فليحمل الرواية على الكراهة وإلا فلنحكم بمقتضاها من حرمة الكتابة وأما تعديته إلى المس فلا وفيه بعد وعلى الوجه الثاني إن عدم نقل الخلاف لا يدل على الاجماع فيمكن حمل الرواية على إرادة حرمة الكتابة لنفسها وعلى تقدير التسليم أيضا فلا نسلم إن الغالب في الكتابة حصول المس وهو ظاهر فإذا حملتم الرواية الحاكمة بحرمة الكتاب مطلقا على أن الحكم بالحرمة إنما يكون باعتبار المس الذي يقع فيه في بعض الاحيان وارتكبتم هذا التوجيه البعيد فلم لا تحملونه على الكراهة مع كونه أقرب إذ ليس لفظ لا تحل مما يكون نصا في التحريم فتأمل الثالث ما رواه في التهذيب قيل رواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة وفي الاستبصار أيضا كذلك عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن قرء في المصحف وهو على غير وضوء قال لا بأس ولا يمس الكتاب وهذه الرواية في الكافي أيضا بعينها في باب الجنب يأكل ويشرب بلا تفاوت في المتن والسند ويورد عليهما أما أولا فبالطعن في السند لان فيه الحسين بن المختار وهو وإن نقل ابن عقدة عن الحسن بن الفضال توثيقه لكن قيل أنه واقفي وأبو بصير أيضا فيه كلام وسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى فيما بعد وأما ثانيا فبعدم صراحتها في التحريم لانه يمكن أن يكون نفيا وعلى تقدير كونه نهيا أيضا لا ظهور له في التحريم وقد مر مرارا الرابع ما رواه أيضا في التهذيب قبل الرواية السابقة وكذا في السرائر عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان إسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام) عنده فقال يا بني أقرأ المصحف فقال أني لست على وضوء فقال لا تمس الكتاب ومس الورق وأقرئه وهذا الاستدلال أيضا ضعيف بالارسال وعدم الظهور في التحريم كما مر غير مرة هذا ما وجدنا مما يمكن أن يستدل به على التحريم ولم نقف على دليل آخر وقد عرفت حال جميعها من عدم صلاحيتها لتحصيل الظن الصالح المعول عليه والاصل برائة الذمة حتى يثبت شغلها بدليل صالح فأذن الحكم بالحرمة مشكل لكن لما تكاثرت وتظافرت الاخبار ولم يوجد معارض قوي يوجب حملها على الكراهة أو شئ آخر غير الحرمة واشتهر أيضا بين الاصحاب الحكم بالوجوب فالاولى والاحوط أن لا يترك العمل بما حكم به الاصحاب فإن الرشد في متابعتهم والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد واعلم أنه على تقدير ثبوت حرمة المس للمحدث إنما يكون القول بوجوب الوضوء للمس الواجب مبنيا على القول بوجوب مقدمة الواجب لانه إذا كان المس محدثا حراما فيجب تركه وترك المس محدثا أما بترك المس مطلقا أو بتركه على هذا الحال والمفروض عدم جواز الاول فيكون الثاني واجبا وهو يتوقف على الوضوء فيكون واجبا هذا ثم إن ها هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها الاول إن حرمة المس على تقدير ثبوتها هل تختص بالمس بالجسد أم يشتمل المس بالكم وغيره أيضا الظاهر عدم الشمول لان المس ظاهره عرفا ما يكون بالجسد وعلى تقدير عدم ظهوره فيه لا ريب في عدم ظهوره عند الاطلاق في المعنى الشامل للمس بالكم ونحوه فيكون من الافراد المشكوكة للمس والقول بأن التكليف اليقيني لا بد في امتثاله من الاتيان بالافراد المشكوكة أيضا حتى يخرج عن العهدة بيقين مما يعسر إثباته بل القدر الثابت إن الاتيان بالقدر اليقيني أو الظني كاف في الامتثال وأيضا الظاهر أنه لم يقل أحد من علمائنا بتحريم المس بالكم ونحوه الثاني أن تحريم المس بظاهر الجسد مختص بباطن الكف أو لا الظاهر عدم الاختصاص لتناوله له عرفا وقيل باختصاصه بما تحله الحيوة لان ما لا تحله الحيوة لان ما لا تحله الحيوة لا يتعلق به حكم الحدث وهو ضعيف لانه إذا صدق المس على المس بذلك الجزء فلا شك في دخوله

[ 15 ]

تحت التحريم وعدم حلول الحيوة مما لا دخل له والقول بأن حكم الحدث لا يتعلق به كلام خال عن التحقيق لان الحدث ليس مما يتعلق بجزء جزء من البدن بل هو معنى قايم بالشخص بمجموعه وظهر مما ذكرنا أيضا أنه إذا غسل بعض أجزائه في الوضوء ولم يتم الوضوء لم يجز له المس بذلك العضو الذي غسل لان الحدث لا يرتفع ما لم يتم الوضوء وارتفاع حدث ذلك العضو بغسله غير معقول الثالث هو الاية الكريمة المثبتة في غير المصحف المجيد داخلة في هذا الحكم أم لا وفيه وجهان من حيث أن المس في المصحف المجيد أيضا إنما يتعلق بالايات لا بالمجموع فيكون مسه خارج المصحف أيضا حراما بلا تفاوت وإشعار رواية على بن جعفر (عليه السلام) المتقدمة أيضا وللتعظيم ومن حيث أنه يجوز أن يكون مجتمعة لها حرمة ليس لها مع الانفراد ويقوى طرف الدخول إذا كانت الايات في التفاسير التي يكتب فيها القرآن بتماسه لانه لا يعبد حينئذ صدق المصحف عليه وقد روى رواية مشعرة بجواز مس الاية في الدرهم وسيجئ في باب الجنابة إنشاء الله تعالى الرابع مس اسم الله تعالى والانبياء والائمة (عليهم السلام) في دينار أو غيره وكذا مس كتب التفاسير والاحاديث والفقه هل حكمه ذلك أم لا الظاهر العدم لعدم دليل على حرمته فإن الدلائل التي قد تقدمت لا تدل عليها أصلا ولم نجد سوى ذلك والاصل برائة الذمة حتى يثبت شغلها وقد روى ما يدل على جواز مس اسم الله تعالى ورسوله للجنب في الدرهم كما سيجيئ فللمحدث بطريق أولى لكن لا بأس بالكراهة للتعظيم وأما جواز لمس هامش المصحف وغلافه وحمله وتعليقه على كراهيته فالظاهر أنه جماعي كما نقله العلامة في المنتهى الخامس المنسوخ تلاوته من القرآن دون حكمه غير داخل في حكمه ظاهر أو العكس بالعكس السادس لما كان الوجوب والحرمة فرع التكليف فلم يكن مس الصبيان مما يمكن أن يقال أنه حرام وهل يجب على الولي منعهم الظاهر أنه لا يجب لعدم الدليل وعدم المدرك مدرك العدم هذا والله أعلم وإذا قد تم القول في وجوب الوضوء للغايات الثلاث المتقدمة فلنشرع الان في بيان وجوب الغسل لها أعلم أن الغسل له أقسام متعددة يختلف حكمها في هذه المسألة في بعض الامور وجمعها معا في البيان مما لا ينبغي فلذا نورد كلا منها على حدة إنشاء الله تعالى ونخص البحث ها هنا بغسل الجنابة لانه الفرد الاكثر الاشهر ونورد أحكام الاغسال الاخرى في بابها إنشاء الله تعالى فنقول قد علمت في بيان وجوب الوضوء أن الوجوب للصلوة له معنيان وهذان المعنيان يتحققان في الغسل أيضا وإن كان مراد المصنف ها هنا أحدهما كما تقدم أما وجوبه بالمعنى الاول للصلوة الواجبة فقد نقل عليه الاجماع وقد يتمسك أيضا بقوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا ووجه الاستدلال ما مر في الاستدلال بها على وجوب الوضوء للصلوة وقد يناقش بأنه يجوز أن يكون جملة وإن كنتم جنبا معطوفة على جملة إذا قمتم لا على فاغسلوا حتى يدخل إذا قمتم عليها ويدل على مطلوبكم ويوجه بأن توسطها بين جملتين الوضوء والتيمم اللتين هما مدخولتا إذا قمتم إنما يدل على مدخوليتها أيضا وكذا إيراد كلمة أن دون إذا وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان أن الطهارات واجبة لنفسها أم لا ثم أن في الروايات وإن كان ما يدل على وجوب الغسل أكثر من أن يعد لكن لم نجد ما يد على المعنى الذي نحن بصدده لان هذا المعنى إنما يتحقق بأمرين أحدهما أن يكون الغسل مأمورا به بالامر الايجابي مستحقا تاركه للعقاب بتركه بخصوصه وثانيهما أن يكون دلالته على أن ذلك الايجاب والتكليف إنما هو لاجل الصلوة والامران إنما يتحققان بأن يقال مثلا اغتسل للصلوة أو نحو ذلك من العبارات ولم نقف على مثل ذلك والاخبار نعم في رواية الكاهلي التي سيجئ في مبحث أن الطهارة لنفسها أم لغيرها دلالة على أن الغسل للصلوة لكن لم يدل على وجوبه وأما وجوبه المجرد وكذا شرطيته للصلوة على ما سنثبته وكذا هما معا فلا يكفي في المطلوب إلا على رأى من يقول بوجوب الشرط للواجب المطلق كما أشرنا إليه سابقا ولا يخفى أن الاجماع الذي ذكرنا ففيه أيضا الشك الذي تقدم في الاجماع المنقول على وجوب الوضوء للصلوة بهذا المعنى فإن قلت إذا كان الغسل واجبا وكان أيضا شرطا للصلوة فأى فائدة في هذا النزاع وما ثمرته نعم إذا لم يثبت وجوبه وثبت شرطيته فقط لكان للنزاع فائدة على ما بينوه في مسألة مقدمة الواجب من أنه إذا ترك الشرط و المشروط معا فإن قلنا بأن الشرط للواجب واجب فقد ترك واجبا واحدا ويظهر ثمرته في باب النذر وغير ذلك حسب ما فصلوه وأما إذا كان وجوبه وشرطيته كلاهما ما تبين فلا طايل لان يتعرض لان وجوبه لها أم لا لان المكلف إذا ترك الغسل فقد ترك الواجبين سواء قلنا بالوجوب للصلوة أو لا بل لا معنى للوجوب للصلوة إلا أن يكون واجبا وكان لها مدخل في صحتها أو فضيلتها قلت فرق بين أن يكون الشئ واجبا لشئ بأن يقال إفعل هذا لذاك وبين أن يكون وجابا في نفسه ومع ذلك يكون شرطا لشئ آخر لان في الصورة الاولى يكون تضيقه تابعا لتضيق ذلك الشئ كما يفهم من العبارة عرفدا بخلاف الثاني على تقدير عدم القول بوجوب الشرط للواجب المطلق وأما على القول به فالثاني أيضا كذلك كما لا يخفى وعلى هذا يظهر ثمرة النزاع فيما إذا تضيق وقت الصلوة مثلا فإنه إذا قلنا بأن الغسل شرط لها وواجب أيضا بسبب إنزال المني أو غيره مثلا لكن ليس واجبا لها وترك المكلف حينئذ الغسل فلم يكن مستحقا للذم إلا بترك واجب واحد هو الصلوة لان وجوب الغسل والذي كان بسبب آخر لم يتضيق حينئذ فلم يكن مستحقا للذم

[ 16 ]

على تركه وأما إذا قلنا بأنه واجب للصلوة فقد ترك واجبين مضيقين واستحق الذم برتكهما ويثمر هذا المعنى في باب النذر وغيره كما قرره القوم في ثمرة النزاع في وجوب المقدمة هذا ولا يذهب عليك أنه قد يتفرع على وجوبه لنفسه أيضا أشياء آخر غير ما ذكرناه من وجوبه مضيقا عند ظن الموت وإن لم يكن وقت الصلوة وغير ذلك لكن لما كان غرضنا الخاص بهذا المقام بيان ما يلزم من عدم وجوبه للصلوة لا ما يلزم من وجوبه لنفسه فلذا اقتصرنا عليه وأما بيان تلك الامور فسيجئ إنشاء الله تعالى مفصلا في موضعه الاخص به من البحث في أن وجوب الطهارت لنفسها أم لغيرها وأما وجوب - ص 22 - (والحاصل أن المطلوب في هذا المقام وجوب الغسل للصلاة مطلقا أعم من أن يكون واجبا في نفسه أم لا لانحصار الوجوب فيه كما هو المطلوب في البحث الاخر والكلام إنما هو عليه ولذالك اورد المعترض أنه بعد تسليم الوجوب والشرطية لا فائدة في هذا النزاع وإلا فثمرة النزاع في البحث الاخر مما لا شك فيه كما ذكره ولذلك ترى بعض العلماء مثل العلامة ره قال ها هنا بوجوب الغسل لهذه الامور مع إعتقاده أن الغسل واجب لنفسه وبهذا اندفع ما أورد عليه العلامة الرازي في الارشاد من التنافي بين كلاميه فتدبر ويمكن الفرق بينهما بوجه آخر أيضا على ما ذكرنا أن الوجوب لا يستلزم أن يكون ذالك الشئ غرضا تاما له لكنه بعيد فتدبر منه ؟) الغسل للصلوة بالمعنى الاخر أي الشرطية فقد نقل عليه الاجماع أيضا بل كاد أن يكون من ضروريات الدين ويدل عليه أيضا الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى في سورة النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم إلى آخر ما حررناه سابقا وسنبسط القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان وجوب الغسل لدخول المساجد وأما السنة فمنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل باب الاغسال المفترضات والمسننونات في أثناء حديث رواه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال حماد قال حريز قال زرارة قلت له رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة فقال إذا شك وكانت به بلة وهو في صلوته مسح بها عليه وإن كان استيقن رجع فأعاد عليها ما لم يصب بلة فإن دخله الشك وقد دخل في صلوته فليمض في صلوته ولا شئ عليه وإذا استيقن رجع فأعاد عليه الماء وإن رآه وبه بلة مسح عليه وأعاد الصلوة باستيقان وإن كان شاكا فليس عليه في شكه شئ فليمض في صلوته وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب قبل باب حكم الحيض والاستحاضة متصلا به عن الحلبي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال عليه أن يقضي الصلوة والصيام ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في زيادات التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن الحسن الصيقل قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر وقد صلى ركعة قال فليغتسل وليستقبل الصلوة ومنها ما رواه في الزيادات أيضا قبل باب تلقين المحتضرين متصلا به عن علي بن مهزيار أن الامام (عليه السلام) كما هو الظاهر أجاب مسألة سليمان بن رشيد بجواب قرائه بخطه وفي أثناء ذلك الجواب وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لان الثوب خلاف الجسد فأعمل على ذلك إنشاء الله تعالى وأما وجوب الغسل للطواف ومسل خط المصحف فسيجئ بيانه إنشاء الله تعالى في شرح كتاب الحج ومبحث الجنابة ولنتكلم الان في وجوب التيمم للغايات الثلاث المذكورة ونبدء بالصلوة فنقول لا شك في مشروعية التيمم ووجوبه في الجملة كما نطق به الكتاب والسنة والاجماع بل الضرورة من الدين وأما وجوبه للصلوة بالمعنيين فالظاهر أيضا أنه إجماعي وقد عرفت حال الاجماع على الوجوب بالمعنى الاول في نظيريه فقس عليه ها هنا أيضا وقد يستدل على الوجوب بالمعنى الاول بقوله تعالى في سورة المائدة تتمة الاية الكريمة المتقدمة وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا الاية وقد يناقش فيه بجواز أن لا يكون جملة وإن كنتم مرضى داخلا تحت وإذا قمتم بل يكون معطوفا عليه أو على جملة وإن كنتم جنبا وهي لا يكون داخلا تحته ويستدل بقوله تعالى أيضا في سورة النساء تتمة للاية الكريمة المتقدمة وإن كنتم مرضى الاية وفيه كلام سيجئ في وجوب الغسل الدخول المساجد ويمكن أن يستدل عليه أيضا ببعض الروايات الذي له دلالة ما بحسب العرف وإن لم يكن دلالته ظاهرة منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضأ منه للصلوة قال لا إنما هو الماء و الصعيد ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة عن أحدهما قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن ابي همام عن الرضا (عليه السلام) قال يتيمم لكل صلوة حتى يوجد الماء ونظائر الروايتين الاوليين في الروايات كثرة والرواية الاخيرة لا يخفى ظهورها في المدعى ويستدل على الوجوب الثاني أيضا بالاية الثانية وفيه أيضا كلام سيجئ ولقوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور مع أنه ظهوركما سنبينه وكذا قول الصادق (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهوره (آه) وبالجملة هذا المطلب مما لا يحتاج إلى زيادة تجشم في الاستدلال عليه وأما وجوب التيمم للطواف فسيجئ إنشاء الله تعالى في بابه وأما وجوبه لمس خط المصحف فبناء على تحريم المس للمحدث وللجنب وحال المحدث وقد عرفت وحكم المجنب سيجئ إنشاء الله تعالى وعلى تقدير التحريم فالمشهور بين علمائنا بل الاجماع منهم كما هو الظاهر من كلام العلامة (ره) في المنتهى حيث لم ينقل فيه خلافا إلا من أبي محرمة من عدم تجويزه إلا المكتوبة ومن الاوزاعي من القول بكراهة المس للمتيمم أن التيمم مبيح له لكن قد نقل عن فخر المحققين (ره) القول بعدم إباحة التيمم له فلا يكون واجبا أيضا عند وجوبه على قول هذا الفاضل وقد احتج عليه بقوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وسنذكر وجه الاحتجاج وما يرد عليه ثم أن هذا الحكم لما لم يثبت وقوع ضرورة ولا إجماع ظاهر (عليه فلا بد من شرحه وتفصيل القول فيه كما سيأتي إنشاء الله تعالى في باب وجوب التيمم لدخول المسجدين وفي اللبث فميا عداهما قال المصنف أعلى الله درجته (ويختص الغسل والتيمم بدخول مسجدي مكة والمدينة واللبث في

[ 17 ]

باقي المساجد) المراد بالغسل والتيمم طبيعتهما لا جميع الافراد ولا فرد معين كيف ويعد من جملة ما يجبان له صوم الحايض والجنب وحينئذ لا حاجة إلى تقييد الغسل بغير غسل المس لانه لم يجب للدخول واللبث وكذا لما سيجئ من قرائة العزائم على ما صرح به المصنف (ره) في البيان كما فعله المحقق الشيح علي (ره) في شرح القواعد في هذا المقام ولا يخفى أن وجوب الغسل والتيمم للدخول واللبث وكذا قرائة العزائم إنما هو عند وجوب هذه الامور والمصنف (ره) لم يقيد به أما للطهور أو للاعتماد على السابق حيث قيد الحكم فيه بالوجوب أو لان معنى العبارة أن وجوب الغسل والتيمم دون الوضوء إنما يكون لهذه الامور في الجملة و هذا لا يستلزم وجوبهما لجميع أفرادهما حتى يلزم التقييد بل يكفي الوجوب للبعض ثم أن وجوب الغسل للامرين المذكورين إنما هو بناء على تحريمهما للجنب والحايض ومن بحكمهما وهو قول علمائنا أجمع سوى ما نقل عن سلار من القول بالكراهة وسيجئ تفصيل القول فيه في مبحث أحكام الجنب والحايض إنشاء الله تعالى وأما وجوب التيمم فبناء على وجوب الغسل وإباحة التيمم لهما ولنتعرض ها هنا لبيان الامر الاخير فنقول إعلم أن المستفاد ظاهرا من كلام العلامة (ره) في المنتهى إجماع علمائنا على أن التيمم بدلا من الغسل مبيح لدخول المسجدين واللبث فيما عداهما وكذا مس خط المصحف عند علمائنا إذ لم ينقل في هذا المقام خلافا سوى ما نقل من أبي محرمة من القول بعدم جوازه إلا للمكتوبة والاوزاعي من القول بكراهة المس للمتيمم كما ذكرنا سابقا من القول بكراهة المس للتيمم كما ذكرنا سابقا لكن نقل عن ولده فخر المحققين (ره) المنع من إباحة التيمم لهما محتجا في الاول بقوله تعالى ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وجه الاستدلال أنه سبحانه جعل الاغتسال غاية لحرمة القرب إلى المساجد فلو كان التيمم مبيحا له فلم يكن الغاية غاية وفي الثاني بعدم فرق الامة بينهما في هذا الحكم ويلزم على قوله (ره) تحريم الطواف أيضا للمتيمم لاستلزامه دخول المسجد لكنه لم يصرح به وضعف الشهيد الثاني (ره) هذا الاحتجاج بمعارضته بقول النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (رضي الله عنه) لما أتاه وقال يا رسول الله هلكت جامعت على غير ماء قال يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين ووجهه بأن الاطلاق يقتضي الاكتفاء به في العبادات إذ لو أراد الاكتفاء به في الصلوة في البيت لوجب البيان حذرا عن الاجمال في وقت الخطاب الموجب للاغراء ويقول الصادق (عليه السلام) إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وبقوله (عليه السلام) التراب أحد الطهورين ولان الصلوة المشترطة بالطهارة الصغرى والكبرى أعظم من دخول المساجد فباجتهاد تلزم إباحته بطريق الاولى وفي الكل نظر أما في الاول فلانا لا نسلم أنه إذا كان المراد الاكتفاء به في الصلوة ألزم تأخير البيان عن وقت الخطاب مع أنه لا فساد فيه كما بين في موضعه إذ يجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) إنما بين له قبل أن التيمم لماذا وأى شئ يستباح به فإن قلت إذا بين له النبي (صلى الله عليه وآله) قبل أن التيمم يبيح الصلوة فمم كان جزعه واضطرابه قلت كان جزعه من أنه ظن أن التيمم وإن كان مبيح للصلوة لكنه فيه كراهة ونقص مرتبة أو من أنه لما جامع اختيارا مع عدم الماء تخوف أن يكون فعله حراما وأيضا لو تم ما ذكره للزم أن يستفاد أكثر مباحث التيمم من كيفيته وأحكامه وموجباته ونواقضه من ذلك الخبر وإلا يلزم تأخير البيان فما هو جوابه فهو جوابنا ولا يخفى أنه لو وجه المعارضة بأن الخبر يدل على الاكتفاء بالتيمم في الصلوة كما هو الظاهر وكان متعارف صلواتهم وأكثر أفرادها في المسجد وكون المراد الفرد الغير المتعارف وإخراج الفرد المتعارف مع الاطلاق في الكلام وعدم الاشعار بالمرام خلاف الظاهر لكان أولى مما ذكره وإن كان أيضا غير صحيح في نفسه إذ دلالته على الاكتفاء به في الصلوة غير مسلم بل يجوز أن يكون واجبا لنفسه كما هو مذهب بعض وعلى تقدير التسليم ليس هذا من قبيل أن يورد في حكم لفظ عام ويراد منه فرده الغير المتعارف فقط من غير إشعار لانه (عليه السلام) في هذا المقام ليس في صدد بيان أنه يكفي لاى شئ ويبيح أي شئ بل مراده (عليه السلام) إن الصعيد الذي قد عرفته وبينت لك كيفيته وإباحته لما يبيح ليس فيه نقص مرتبة وقصور وكراهة حتى أنه لو ارتكبه أحد للزم أن لا يرتكبه إلا شاذا نادرا كما يتخيله بل يكفي عشر سنين وليس فيه قصور تسلية لابي ذر (رضي الله عنه) وتسكينا لخاطره وما ذكرناه ظاهر لمن يراجع وجدانه وأما في الثاني فلان حكمه (عليه السلام) بجعل التراب طهورا لا يقتضي أن يكون مبيحا لكل ما تبيحه المائية بل لا يدل على أزيد من أنه يثبت له طهوريتة ما لا طهورية الماء إذا لا يلزم أن يكون كل طهور حكمه حكم الطهور الاخر كما يشهد به الفطرة السليمة وقس عليه حال الرواية الاخرى وأما في الثالث فلان الاولوية ممنوعة إذ يجوز أن يكون الصلوة لكونها أمرا ضروريا لا ينبغي أن يترك في حال من الاحوال إنما يكتفي فيها عند الضرورة بالتيمم بخلاف دخول المساجد فإنه لما لم يكن بهذه المثابة فلا ضرورة في أن يكتفي فيه بالتيمم ونظيرها في الوجود أكثر من أن يحصى كما لا يخفى وأيضا أحكام الله تعالى و شرايعه وحكمته فيها ليس مما يجد العقل إليه سبيلا فالقول فيها بمثل هذه الوجود والدلايل ليس مما ينبغي إذ ليس مآله عند التحقيق إلا إلى القياس الذي تواتر عن أصحاب العصمة (عليه السلام) إنكاره ومنع القول به فتدبر وقد أورد على الاستدلال أيضا بأنه موقوف على أن يكون المراد بالصلوة مواضعها أما على المجاز في الاعراب بحذف المضاف أو على المجاز في اللفظ من قبيل تسمية المحل باسم الحال وهو مما إذا يجوز أن يكون المراد معناها الحقيقي أي لا تصلوا جنبا إلا إذا كنتم مسافرين فإنه يجوز لكم حينئذ الصلوة متيمما والحاصل أن السفر لما كان مظنة تعذر الغسل استثناه سبحانه بل هذا

[ 18 ]

أولى لئلا يلزم ارتكاب المجاز وفيه أن ارتكاب خلاف الظاهر في هذا المعنى أيضا لازم من جهة لزوم التكرار في قوله سبحانه أو على سفر مع أن في الاول يمكن أن يحل اللفظ على حقيقته بدون ارتكاب مجاز لان الدخول في مواضع الصلوة قرب منها واعلم إن لكل من الوجهين مرجحات ومضعفات مذكورة في موضعها ولا يصحل منها ترجيح تام لاحدهما لكن ما رواه الصدوق (ره) في كتاب علل الشرايع في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له الحايض والجنب يدخلان المسجد أم لا قال لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن الله تبارك وتعالى يقول ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا مرجح قوي للمعنى الاول وبذلك يندفع الايراد المذكور عن الاستدلال ثم أن الشهيد الثاني (ره) قال بعدما نقلناه عند وذكر الغسل في الاية لكونه أصلا اختياريا وهو لا ينفي الاضطراري إذا دخل بدليل آخر انتهى ولا يخفى أن ما ذكرناه من وجه الاكتفاء بالغسل وجعله غاية للتحريم وجه ظاهر قريب لكن الكلام في وجود دليل دال على كون التيمم بدلا اضطراريا له لان ما ذكره من الوجوه غير تام كما بينا ولما كان هذا المقام موضع إشكال واشتباه فلا علينا أن نشبع الكلام فيه و نوضحه بقدر ما بلغ إليه فهمنا وطاقتنا حفظنا الله تعالى عن الخطأ والتقصير فنقول أعلم أن للاصحاب رضوان الله عليهم عبارتين أحديهما أن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية والثانية أنه يجب لما يجب له الطهارتان واستدل على الاولى بالروايات الدالة على كون التيمم والتراب طهورا من الروايتين السابقتين وغيرهما مما سنذكره بعد وبقوله (عليه السلام) لابي ذر المتقدم وقد عرفت الحال فيهما وبما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم في الصحيح عن حماد بن عثمان قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة قال لا هو بمنزلة الماء وفيه أن لفظ المنزلة لا نسلم عمومه عرفا بل هو بمنزلة الماء وفيه أن لفظ المنزلة لا نسلم عمومه عرفا بل هو بمنزلة الالفاظ المجملة والسؤال قرينة ظاهره ها هنا على أن المراد أنه بمنزلة الماء في استباحة صلوات كثيرة به وأما دلالته على أزيد من ذلك فمما يأباه الوجدان ومما يمكن أن يستدل به على الثانية أنه لما ثبت أنه يستباح به كل ما يستباح بالطهارتين فإذا كان شئ من غايات الطهارتين واجبا ولم نقدر عليهما فلا شك في وجوب التيمم حينئذ لان الاتيان بذلك الواجب صحيحا ممكن حينئذ إذ المفروض استباحته بالتيمم وهو موقوف على التيمم وما يتوقف عليه الواجب واجب فيكون واجبا كما هو معتقدهم وفيه أنه موقوف على المقدمة الاولى ولم يثبت والسيد الفاضل صاحب المدارك (ره) رجح أن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية واستدل عليه ببعض ما ذكرنا ثم قال فمما ثبت توقفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمم وما ثبت توقفه على نوع خاص منها كالغسل في صوم الجنب مثلا فالاظهر عدم وجوب التيمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بينهما فتأمل انتهى ولا يخفى ما فيه من الخلل والاضطراب لان مراده (ره) بقوله فما ثبت توقفه إلى آخره أما أن ما ثبت توقفه على طبيعة الطهارة بدون خصوصية فرد يجب له التيمم وما يتوقف على خصوص فرد لا يجب ففيه أن تفريع هذا المعنى على إباحته لكل ما يبيحه الطهارتان غير موجه لانه على التقدير المذكور ينبغي أن يجب لكل ما يجبان له كما قررنا آنفا إلا أن يكون نظره إلى الدقيقة التي سنذكرها بعد وحينئذ يبقى عليه بحث لفظي فقط لا معنوي من جهة عدم حسن التفريع لان هذا المعنى بناء على الدقيقة المذكورة لا يتفرع على إباحته لكل ما يبيحانه بل على أمر آخر والامر فيه سهل لكن سنذكر إنشاء الله تعالى عند ذكر هذه الدقيقة أنه ليس نظره إليها فانتظر وأيضا فيه أنه مناف لما سيرجحه بعد من وجوب التيمم لدخول المساجد ومس خط المصحف ونحوهما بناء على هذه الدلايل إذ ظاهر أن هذه الامور ليس مما يثبت توقفه على طبيعة الطهارة فقط بل على فرد خاص كما في صوم الجنب بعينه وأما أن ما ثبت توقفه على فرد ما من الطهارة يجب له التيمم وهذا أيضا مثل سابقه بعينه وأما أن ما يتوقف على كل فرد من الطهارة يجب له وما ليس فلا كالغسل لصوم الجنب فإنه لا يتوقف على بعض الافراد لصحته من المحدث بالحدث الاصغر وفيه أيضا أن تفريعه على ظاهر قوله إن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية ليس بصواب وهو ظاهر إلا أن يؤول بأنه يبيح كلما يبيحه جميع الطهارات المائية وفيه بعد مع أن دلالة الادلة التي أوردها يصير حينئذ أضعف وأيضا أنه مناف لحكمه بوجوب التيمم للامور التي ذكرنا آنفا لانها أيضا ليست مما يتوقف على جميع الطهارات وإن وجه الكلام بأن مراده (ره) أن التيمم يبيح كلما يبيحه فرد من أفراد الطهارة المائية من حيث أنه فرد للطهارة ولا يستلزم هذا المعنى وجوب التيمم لجميع ما يجب له الوضوء والغسل إذ يجوز أن يتوقف شئ على أحدهما لا من حيث أنه فرد للطهارة والفرق بينه وبين التوجيه الاول ظاهر ففيه أيضا أنه حينئذ بم عرفت أن الصوم موقوف على الغسل لا من حيث أنه فرد الطهارة ودخول المسجد مثلا موقوف عليه من تلك الحيثية بل ظاهر أنه لا فرق بينهما نعم لو لم يقل احد بتوقف صحة الصوم عليه بل بوجوبه له فقط ولزوم القضاء والكفارة مع صحة الصوم في نفسه كما يشعر به كلام بعض علمائنا (ره) لم يكن القول به بعيد جدا لانه لما كان صحيحا مع الحدث فوجوب الغسل له يمكن أن يقال أنه ليس لاجل فرديته للطهارة لكن حينئذ يبقى الكلام في تحقق معنى الوجوب للصوم فيه فتدبر والعجب أنه (ره) قبل هذا الكلام أورد على عبارة المصنف المحقق (ره) والمندوب ما عدا ذلك بعد أن قال التيمم يجب للصلوة ولخروج الجنب من المسجدين أن هذا الاطلاق مناف لما سيصرح به من إباحة التيمم لكل ما يبيحه المائية فإنه يقتضي وجوب التعيمم عند وجوب ما لا يستباح إلا به انتهى ثم حكم نفسه بأن التيمم يبيح كل ما يبيحه المائية مع أنه لم يجب لما يجبا له ولعله له

[ 19 ]

وجها لم يصل إليه فهمي والله أعلم وهذا الكلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه وبالجملة ما وقفنا واطلعنا عليه من الدلايل على هذين المطلبين هو هذا ولم نطلع على دليل آخر ظاهر الدلالة فالحكمان المذكوران في محل التوقف نعم غاية ما يمكن أن يستفاد من الاخبار إن التيمم مبيح لما يبيحه الطهارة بمعنى إن ما ورد في الشرع أنه لا يباح بدون الطهارة أو لا تفعله بدونها أو مشروط بها أو نحو ذلك من العبادات فالتيمم مبيح له لاطلاق الطهور عليه في الشرع لورود الروايات الكثيرة المتظافرة المستفيضة في هذا المعنى وظاهر قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم أما ما ورد في الشرع أنه لا يباح دونه الوضوء أو الغسل أو مشروط بهما أو نحو ذلك فإباحة التيمم له غير ثابت إلا إذا كان عليه دليل خاص من إجماع أو خبر أو نحوهما ولا بأس أن نذكر الروايات الواردة في هذا المعنى فمنها ما روي عنه (عليه السلام) جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن محمد بن مسلم قال سئلت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى ثم وجد الماء فقال لا يعيد أن رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين (ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في آخر حديث فإن التيمم أحد الطهورين) ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب التيمم وأحكامه عن محمد بن حمران وجميل عن أبى عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث فإن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وهذه الرواية في الكافي أيضا عنهما في باب الرجل يكون معه الماء القليل في السفر وفي الفقيه أيضا عنهما في باب التيمم وفي باب الجماعة وفضلها ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب التيمم عن سماعة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فإن الله عز وجل جعلهما طهورا الماء والصعيد ومنها ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب التيمم في آخر حديث ولا ينقضها لمكان الماء لانه دخلها وهو على طهر تيمم ثم ها هنا دقيقة أخرى وهي أنه إذا كان شئ مشروطا بالطهارة لا خصوص الوضوء أو الغسل وكان التيمم مبيحا له كما ظهر من الروايات فهل يجب التيمم له إذا كان واجبا أو يستحب إذا كان مستحبا مع تعذر الوضوء أو الغسل بدون دليل آخر أم لا وفيه أيضا إشكال إذ بمجرد إباحة التيمم له لا يلزم وجوبه عند وجوبه لان التيمم عبادة والعبادة لا بد أن يكون متلقاة من الشارع ومأذونا فيها من قبله إجماعا كما هو الظاهر وهو لم يأذن في التيمم له كما هو المفروض نعم حكم بإباحته له وغاية ما يلزم منه أنه إذا تيمم المكلف لما إذن له ورخص كان ذلك الشئ أيضا مباحا له إلا أن يجعل طلب الشارع ذلك الشئ مع حكمه بأنه لا يباح بدون الطهارة واشتراطه إياه بها وإن التيمم طهور قرينة على الاذن في التيمم لذلك الشئ والحاصل إن في مثل هذه الصورة قد اجتمع ثلاثة أمور لا يمكن حملها جميعا على ظاهرها طلب الشئ المفروض واشتراطه بالطهارة والنهي عن الظاهر ما لم يأذن فلا بد من أحد ثلاثة أمور أما القول بعدم وجوب ذلك الشئ بتخصيص العام الذي يشمله إذا كان الطلب لامر يعمه أو بتقييد وجوبه بشرط أو وقت أو نحو ذلك إذا لم يكن الطلب لامر عام أو بتخصيص شرطية الطهارة له بشرط أو نحوه أو بتخصيص النهي عن الطهارة بدون الاذن ولا يبعد أن يرجح الاخير لانه في الحقيقة ليس تخصيصا للنهي المذكور بل نقول أن الامرين الاولين قرينة على الاذن (والرخصة والاذن) لا يجب أن يكون صريحا فحينئذ يخرج التيمم المذكور عن عنوان الحكم أي الطهارة بدون الاذن لا أن يخصص من الحكم والمفرق بينهما ظاهر إذ التخصيص أن يكون لفظ دالا على أشياء ويخرج بعض الاشياء عن إرادته من اللفظ المذكور مع بقائه تحته بحسب الدلالة وها هنا قد خرج بحسب الدلالة فتدبر وإذا لم يلزم حينئذ تخصيص بخلاف الاولين لاستلزامهما التخصيص قطعا فتعين ارتكابه فإن قلت السيد الفاضل المذكور لعلة نظرا إلى هذه الدقيقة حيث حكم بإباحة التيمم لما يبيحه الطهارتان مع عدم وجوبه لما يجبان له قلت إذا كان كذلك لما كان الفرقة بين ما يتوقف على نفس الطهارة وبين ما يتوقف على خصوص فرد في وجوب التيمم لهما وجه ظاهرا إذ قد عرفت أن التيمم لا يلزم أن يكون واجبا لما يتوقف على نفس الطهارة أيضا بناء على الدقيقة المذكورة لا يقال كان تخيل أنه إذا قال الشارع هذا الامر مشروط بالطهارة وقال أيضا أن التيمم طهارة ثم أمر بالامر المذكور كان ذلك قرينة على الرخصة في التيمم قرينة ظاهرة أما إذا قال إن هذا الامر مشروط بالوضوء مثلا وإن التيمم طهور فلا ظهور حينئذ لكون الامر به قرينة في الاذن وإن ثبت أن التيمم مبيح لما يبيحه الوضوء أيضا فلم يتعين أذن ارتكاب الامر الاخير من الثلاثة المذكورة فلم يثبت وجوب التيمم لان ذلك التخيل وإن كان له وجه لكنه إذا كان مراده هذا فلا ينبغي أن يفرق بين وجوبه لصوم الجنب ودخول المساجد إذ ليس في دخول المساجد أيضا ما يدل على توقفه على طبيعة الطهارة كما في صوم الجنب بعينه بل في الاية والاخبار منع الجنب فقط كما سيأتي إنشاء الله تعالى في باب الجنابة وإذ قد تمهد هذه المقدمات فلنعد إلى بيان المسئلتين السابقتين من وجوب التيمم للمساجد ولمس خط المصحف أما وجوب التيمم للمساجد فالظاهر على ما ذكرنا من المقدمات العدم لانه ليس في الاية والاخبار كما أشرنا إليه آنفا إن دخول المسجدين الحرمين واللبث فيما عداهما إنما يبيحه نفس الطهارة أو التيمم يصلح لبدلية الغسل فيه إذا الموجود فيهما منع الجنب وغير المغتسل فقط وأما إيراده عز وجل ببيان التيمم بعد قوله سبحانه ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فهو وإن صلح لان يكون قرينة لبدليته للغسل في إباحة القرب من المساجد وكونه متعلقا بهذا الحكم لكن يعارضه قوله تعالى أو جاء أحدكم من الغائط لانه لا دخل له في هذا المعنى لاباحة القرب من المسجد بدون الوضوء فيشعر هذا بأنه استيناف حكم آخر لبدلية التيمم

[ 20 ]

الموضوء والغسل إجمالا وبيانه على مظهر الشريعة الصادع بها فيقصر على ما بينه وليس فيه عموم ولا اختصاص بهذا الحكم وقس عليه الحال في إيراد التيمم في الاية الكريمة السابقة في المائدة لانه على تقدير عدم اختصاص الحكم بالوضوء العموم ممنوع بل غايته الاجمال فيحال إلى بيانه (عليه السلام) وإذا لم يوجد دليل على ذلك ففي إباحة التيمم لهما نظر ومع عدم الاباحة لا وجوب وإذا لم يبحهما التيمم يجب لهما فيكونان بدون الغسل حراما سواء كان واجبا بالنذر أو لا للاجماع ظاهرا لان النهي عنهما جنبا يخصص الاوامر العامة باستحبابهما والعمومات الدالة على الايفاء بالنذر مثل اوفوا بالعقود وغير ذلك وإن كان بينهما وبين العمومات الدالة على منعهما جنبا عموم من وجه ويكون الحكم التوقف والتخيير في أكثر مواضعه لكن الظاهرها هنا ترجيح عمومات المنع لان الظاهر إن المراد بالاوامر الدالة على الايفاء بالنذر إنما هو الايفاء به إذا لم يكن مخالفا لما ثبت أصالته بالشرع وأنه لا يصير سببا لتخصص الاحكام الاصلية كما لا يخفى ولم إذا كان الوجوب بغير النذر مثل الدخول للطواف ونحوه فيحتاج إلى النظر في أدلة الطرفين والترجيح هذا كله إذا لم يكن الحكم إجماعيا كما هو الظاهر مما نقلناه من أن الخلاف إنما وقع من الفاضل فخر المحققين (ره) دون من قبله فلا عبرة به ومع قطع النظر عن ثبوت الاجماع أيضا نقول أنه لا شك في شهرته واستفاضته بين الاصحاب شهرة عظيمة متاخمة للاجماع ومثل هذه الشهرة كاد أن يكون متمسكا قويا في إثبات الاحكام الشرعية إذا الظن الحاصل منه بصدور الحكم عن المعصومين (عليه السلام) ليس بما نقص من الظن الحاصل بأخبار الاحاد وحينئذ فمقتضى الاحتياط أنه إذا كان دخول الحرمين واللبث فيما عداهما واجبا مضيقا فيتيمم ويؤتى به وأما إذا لم يكن واجبا مضيقا بل موسعا أو كان مندوبا فلم يتيمم له ولم يؤت به بل ينتظر إمكان الغسل ولا يذهب عليك إن في الصورة الاولى إذا تيمم لما يبيحه التيمم بلا خلاف مثل الصلوة وضم إلى قصدها قصد الدخول واللبث أو تيمم تيمما آخر بعده لهما للخروج عن عهدة القول بعدم التداخل ثم دخل أو لبث لكان أولى كما يظهر وجهه من الكلمات السابقة فتفطن هذا ما بلغ إليه ظني في هذه المسألة والله ورسلوه وأهل بيته (عليه السلام) أعلم وأما وجوب التيمم لمس خط المصحف فاعلم إن الاية الكريمة المتقدمة تدل على اشتراطه بالطهارة فيكون مما يبيحه مطلق الطهارة ويلزم منه إباحة التيمم له كما قدمناه لكن الروايات يشعر بعضها باشتراط الوضوء وبعضهما بالمنع منه جنبا وحينئذ لا يكون مما يبيحه التيمم فلو لم نقل بأولوية حمل الاية على الاخبار لكثرتها فلا أقل من عدم أولوية حملها عليه فيؤل إلى الشك في أن الشرط هل هو مطلق الطهارة أو خصوص فرديها وكذا المنهي عنه أما المس بدون مطلقها أو بدون فرديها وحينئذ لا يخلو الحال أما أن نقول بأن الاوامر والنواهي اليقينية لا بد من الاتيان بأفرادها المشكوكة للخروج عن العهدة بيقين أولا وعلى التقديرين الظاهر أن رعاية حال النهي أولى لانه كما يكون حينئذ المس بالتيمم مما يشك في كونه داخلا تحت الاوامر العامة من جهة وجوب إصلاحه أو من جهة النذر فيجب الاتيان به للبرائة اليقينية فلذلك مما يشك في كونه داخلا تحت النواهي العامة عن المس بدون شرطه المتعين في الواقع المجهول عندنا فيجب الاجتناب عنه للبرائة أيضا مع أن في هذه الصورة يراعى جانب النهي العام أيضا من الاتيان بالعبادة بدون إذن الشارع المشكوك في دخول الاتيان بالتيمم في هذه الحال تحته فيكون أولى وكذا الحال على التقدير الاخر كما لا يخفى والامر في حالة ما إذا كان الوجوب بالنذر أظهر لما مر وقس عليه الحال فيما إذا شك في صدق الجنب على المتيمم في هذه المسألة وسابقتها مع أن الاية في المسألة السابقة تدل على منع غير المغتسل فلا يؤثر ذلك الشك كثيرا وكذا بعض الاخبار في هذه المسألة يدل على (تعليق المنع بعدم) الوضوء هذا وحديث الاجماع والشهرة والاحتياط في هذه المسألة أيضا مثل المسألة السابقة فقس عليها ولا تغفل قال المصنف أعلى الله تعالى مقامه وقرائة العزائم وجوب الغسل والتيمم لها موقوف على تحريمها على الجنب والحايض ومن بحكمهما وسيأتي بيانه في مبحث الجنابة إنشاء الله تعالى ويختص وجوب التيمم بتوقفه على إباحته لها ويفهم ظاهرا من كلام العلامة (ره) في المنتهى أنه إجماع منا حيث قال ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له من فريضة ونافلة ومسح مصحف وقرائة عزائم ودخول المساجد وغيرها ونسب القول به إلى علماء العامة أيضا ولم ينقل خلافا سوى ما نقل عن أبي محرمة من عدم تجويزه إلا للمكتوبة ومن الاوزاعي من أنه كره مس (المصحف للمتيمم والخلاف الذي نقل عن فخر المحققين (ره) إنما يختص بدخول المساجد والمس) فقط ولو قطع النظر عن الاجماع والشهرة فحاله (إنما يستنبط مما ذكر في فحسا بقيه ؟) وصوم الحايض وانفساء والمستحاضة والجنب إذا صادف الليل على تفصيل يأتي إنشاء الله تعالى ونشرح أيضا إنشاء الله تعالى في كل باب ما يتعلق به ويختص التيمم بخروج الجنب من المسجدين هذا الحكم مشهور بين الاصحاب ولم ينقل فيه خلاف سوى ما نقل من ابن حمزة من القول بالاستحباب ومستند الحكم ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب التيمم في الصحيح عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس به أن يمر في ساير المساجد ولا يجلس في شئ من المساجد وما رواه ثقة الاسلام في الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن محمد بن يحيى مرفوعا عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل وكذلك الحايض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك وهاتان الروايتان مع انضمامهما بالشهرة العظيمة بين الاصحاب حجة قوية على الوجوب فالظاهر القول به وما يتوهم من معارضتهما بالروايات الكثيرة الواردة في منع الجنب من الكون في المسجدين

[ 21 ]

مطلقا كما سيأتي في بابه إنشاء الله تعالى وإن تخصيصها بهما ليس بأولى من تخصيصهما بها بأن يقيد الحكم بما إذا لم يزد بسبب التيمم الكون في المسجد كما إذا أمكن التيمم خارجا بل الامر بالعكس لكثرتها واستفاضتها ضعيف لا يعارض الشهرة بل الاجماع ظاهرا لان الخلاف المنقول من ابن حمزة فقط وهو أيضا قائل بالاستحباب مع صراحة دلالتهما على المدعى بخلاف معارضتهما والظاهر شمول الحكم لما إذا كان زمان التيمم ناقصا عن زمان الخروج أولا لعموم اللفظ وعدم الاطلاع على القول بالفرق ثم أن الظاهر من كلام المصنف (ره) شموله الحكم لكل مجنب سواء كان محتلما أو لا كما إذا دخل المسجدين مجنبا عمدا أو سهوا وهو خلاف ظاهر الرواية لاختصاصها بالمحتلم ظاهرا وما قال في الذكى من عدم تعقل خصوصية الاحتلام ضعيف إذا إحلامنا الضعيفة لا سبيل لها إلى إدراك علل الشرايع وسرائرها المخفية فيها وأما المرئة فلا يبعد إلحاقها بالرجل وإن كانت الرواية مختصة به ظاهر الشيوع إجراء الاحكام المتعلقة بالصنفين على الرجل خاصة والله أعلم وأيضا قد قرب (ره) في الذكرى استحباب التيمم لباقي المساجد لما فيه من القرب إلى الطهارة ولا يزيد الكون فيه على الكون في التيمم في المسجدين وهو أيضا ضعيف لعدم دليل عليه وحديث القرب إلى الطهارة بعيد لمعارضته بحرمة اللبث خرج اللبث في المسجدين بالنص فبقي الباقي وترك ما يخاف عليه العقاب أولى من فعله طمعا للثواب وقياسه على اللبث في المسجدين ليس من باب القياسين المعمول بهما عندنا كما لا يخفى نعم لو أمكن التيمم خارجا بدون أن يزيد بسببه اللبث وكان زمانه أنقص من زمان الخروج لكان القول باستحبابه حينئذ سالما عن معارضة حرمة اللبث لكن يخاف عليه من البدعة والتشريع والقول في الدين بالرأي وكذا الحايض في الاقرب مستنده مرفوعه أبي حمزة المتقدمة و دلالتها على المطلق ظاهرة لكن المرفوعية رافعة لحجيتها وقال المحقق (ره) في المعتبر لا يجب على الحايض وإن استحب لانه لا سبيل لها إلى الطهارة بخلاف الجنب واعترض عليه المصنف في الذكرى بأنه اجتهاد في مقابلة النص وقد يعتذر عنه (ره) بأن عدم حكمه بالوجوب إنما هو لرفع الرواية وعدم صلاحيتها للحجية ولما كان يتسامح في أمر الاستحباب ويعمل فيه بالروايات الضعيفة فلذا قال به عملا بتلك الرواية وإن كانت مرفوعة وهذا الاعتذار وإن كان يصحح مدعى المحقق (ره) لكن لا يصحح استدلاله إذ انتفاء السبيل لها إلى الطهارة مما لا ينافي الوجوب إذ يجوز أن لا يرتفع حدثها ويكون التيمم واجبا عليها تعبدا مع أنه يرد على القول بالاستحباب أيضا كما لا يخفى إلا أن يحمل كلامه على أنه تأييد لا استدلال مع أن في صلاحيته للتأييد أيضا مناقشته لان القول بمثل هذا الوجوه في الشرع مما لا ينبغي في طريقتنا بل هو مناسب لطريقة العامة وبالجملة الحكم بوجوب التيمم على الحايض مما لا ظهور له أما أولا فللطعن في السند وأما ثانيا فلامكان حمل الخبر على الاستحباب لعدم ظهور النهي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) في التحريم مع أنها ها هنا بلفظ الخبر إلا أن يقال أن تشبيهها بالجنب ظاهر في الوجوب عليه وأما ثالثا فلمعارضتها بالاخبار الدالة على تحريم كونها في المسجد خرج كونها للخروج للضرورة فبقي الباقي وبهذا ظهر أن القول بالاستحباب أيضا كما هو مختار المعتبر مشكل لان الاكتفاء في باب السنن بغير الصحاح إنما هو عند عدم معارضته بما هو أقوى منه بل بالمساوي أيضا إذا كان دالا على الحرمة كما فيما نحن فيه إذ دفع الخوف أولى من جانب النفع نعم لو أمكنها التيمم خارجة بحيث لا يزيد بسببه كون وكان زمانه أنقص من زمان الخروج فلا يبعد حينئذ القول بالاستحباب تمسكا بالخبر لشموله بعمومه هذه الصورة أيضا مع خلوه عن المعارض فيها بل بالوجوب أيضا بناء على إباحة التيمم الكون في المسجد للحايض لعموم وجوب الطهارة للكون خرج الكون بقدر زمان التيمم لعدم إمكان الطهارة له وبقي الزايد فيجب التيمم له بدلا عن الغسل واستدل العلامة (ره) في المنتهى على الوجوب (بأن الاجتياز فيهما حرام إلا مع الطهارة وهي متعذرة) والتيمم يقوم مقامها في جواز الصلوة فكان قائما مقامهما في قطع المسجد وضعفه ظاهر مما ذكرنا ولو أمكن الغسل فيهما وسيأتي زمان التيمم قدم الغسل كان الظاهر من إطلاق كلام الاصحاب وجوب التيمم للخروج مطلقا سواء لم يمكن الغسل فيهما وساوى زمان التيمم قدم الغسل كان الظاهر من إطلاق كلام الاصحاب وجوب التيمم للخروج مطلقا سواء لم يمكن الغسل أو أمكن وكان زمانه مساويا أو لا والمصنف (ره) استشكل في الذكرى في تقديمه على الغسل في صورة إمكان الغسل سواء كان زمانه مساويا لزمان التيمم أو لا وحسب الاجزاء في صورة المساواة أقوى ولا يخفى أنه في صورة النقصان بطريق الاولى والشهيد الثاني (ره) كأنه رجح القول بتقديم الغسل في صورة المساواة أو نقصان لزمان الغسل وقال وإنما قيدنا جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع أن الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقا وإلا لكان القول به متوجها والاظهر الاول لتخصيص التيمم بالذكر وعدم ما يدل على وجوب الغسل وما استدلوا به سنزيفه وعدم الدليل دليل العدم وأيضا العمومات دالة على تحريم الكون في المسجدين مطلقا خرج الكون للتيمم بالدليل والكون حالة الخروج للضروة وبقي الباقي تحتها فيكون الكون للغسل حراما لعدم ضرورة ولا دليل وإذا كان الكون للغسل حراما فلا يمكن القول بتقديمه على التيمم لكن لا يذهب عليك أنه إذا كان زمان الغسل أنقص من زمان الخروج لم يجر هذان الوجهان فيه لان الدليل حينئذ على وجوب الغسل موجود وحرمة الكون لاجله منتف أما الدليل فالعمومات الدالة على تحريم الكون مطلقا ووجوب الغسل له خرج الكون بقدر زمان الغسل لعدم إمكان الغسل له فيبقى الزايد تحتها لامكان الغسل له شرعا لما تبين من عدم حرمة الكون لاجله فيجب الغسل وأما

[ 22 ]

عدم الحرمة فلان الضرورة يقتضي بجواز الكون بقدر ما يمكن أن يتخلص من الكون مجنبا في المسجد والتخلص منه يحصل بوجهين أما بالخروج عن المسجد أو بالغسل ولا دليل على تعيين الخروج لان اللبث والمشي كليهما حرامان ولا مرجح للمشي بحيث يمكن التمسك به شرعا فكان الغسل بمنزلة طريق ثان وكما لا يجب اختيار طريق واحد من الطريقين في المسجد فكذلك لا يجب اختيار الخروج على الغسل وحينئذ يقع التعارض بين الدلائل الدالة على وجوب الغسل والروايتين الدالتين على وجوب التيمم فكما يرجح دلائل الغسل بالكثرة كذلك يرجح دليلا التيمم بصراحة الدلالة وأظهريتها كما يعلم من التأمل في أدلة الطرفين وكما يمكن الجمع بينهما بحمل الروايتين على أنهما مخصوصتان بما عدا هذه الصورة كذلك يمكن تخصيص الادلة به نعم قد يظن تخصيص الروايتين لان بناء أكثر الاحكام والاخبار على الغالب المتعارف ولما كان الغالب عدم إمكان الغسل في المسجد خصوصا مع نقصانه عن الخروج وعدم تنجيس شئ من المسجد وآلاته مع نجاسة بعض بدن المغتسل كما فيما نحن فيه إذ مورد الخبر المحتلم فلذا أطلق الحكم بالتيمم فعلى هذا ينبغي أما أن يصار إلى القول بالاختيار بين الغسل والتيمم إن لم نقل بوجود المرجح في طرف الغسل أو بوجوب اختيار الغسل إن قلنا بالترجيح لكن قد يقال إن الحكم بتقديم الغسل في هذه الصورة فقط مما يخاف عليه من كونه خرقا للاجماع المركب لان القائلين بتقديم التيمم قالوا بتقديمه مطلقا والقايلين بتقديم الغسل قالوا بتقديمه مع مساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه وأما القول بتقديمه في هذه الصورة فلم يقل به أحد نعم لو كان في هذه الصورة زمان الغسل مساويا لزمان التيمم أو أنقص منه لكان القول بتقديم الغسل متجها فإن قلت قد ثبت بما ذكرت وجوب الغسل إذا كان زمانه انقص من زمان الخروج وهو أعم من أن يكون زمانه مساويا لزمان التيمم أو أنقص منه أو أكثر خرج الاكثر بالجماع لعدم القابل به وبقي الباقي فثبت الحكم في بعض صور المساوات أو النقصان وهو ما إذا كان زمان الغسل أنقص من زمان الخروج فحينئذ نقول قد ثبت الحكم في بعض الصور فوجب أن يكون ثابتا في الباقي أيضا وإلا لزم خرق الاجماع المركب وبهذا يثبت قول المخالفين قلت يمكن قلب الدليل أيضا عليهم بأن يقال قد ثبت بالوجهين الاولين عدم وجوب الغسل في بعض صور المساواة والنقصان وهو ما إذا كان زمان الغسل أزيد من زمان الخروج فوجب ثبوته في الباقي أيضا وإلا لزم المحذور المذكور فإن قلت فعلى هذا فما التفصي عن ذلك وكيف الحيلة في الخروج عن الشبهة قلت أما بالمنع عن ثبوت الاجماع المركب إذ الظاهر أن مذهب القدماء في تفاصير تلك المسألة غير معلوم بل اكثرهم أطلقوا القول بوجوب التيمم للخروج على المحتلم في المسجدين ولم يفصلوا القول فيه والتفصيل إنما نشاء من المتأخرين وإذا لم يثبت الاجماع فالامر واضح إذ نقول بمقتضى الدليل الاخير بوجوب تقديم الغسل في جميع ما إذا كان زمان الغسل ناقصا عن زمان الخروج سواء كان مساويا لزمان التيمم أو أنقص أو أكثر ويعمل بمقتضى الوجهين الاولين فيما سوى ذلك ونقول بتقديم التيمم فيه وأما بتسليم الاجماع و منع تمامية الدليل الاخير لما في بعض الشقوق من مجال المنع كما عرفت في أثناء تقريره ومع تماميته أيضا لا يبعد القول برجحان القلب المذكور على معارضته لما في العلم بمقتضاه من التجمد على النص والوقوف مع ظاهر الخبر مع موافقته لظاهر أقوال أكثر الاصحاب ولا يخفى عليك أن في صورة مساواة زمان الغسل لزمان الخروج أيضا لا يمكن إجراء الوجة الاخير لما ذكر في صورة النقصان بعينه لكن يمكن إجراء الوجه الاول لعدم الدليل حينئذ على وجوب الغسل إذ غاية ما يلزم مما ذكرنا أن لا يكون الغسل حراما ؟ بل يكون المجنب مخيرا بينه وبين الخروج وأما تعيينه فلا فحينئذ لا يعارض دليل وجوب التيمم بشئ فتعين العمل به فإن قلت بل لا يمكن إجراء الوجه الاول أيضا فيه إذ على تقدير التيمم يلزم إزدياد زمان الكون في المسجد جنبا على القدر الضروري إذ يمكن الغسل في بعض ذلك الزمان وهو الذي بقدر زمان الخروج وإدراك البعض الاخر منه وهو الذي بقدر زمان التيمم متطهرا فحينئذ يجب الغسل لادراك ذلك البعض فقد دل الدليل على وجوبه وسقط الوجه الاول وآل الامر إلى المعارضة كما في صورة النقصان بعينه قلت إزدياد الزمان على تقدير وجوب التيمم وعلى ذلك التقدير لا يمكن القول بوجوب الغسل لانه بمنزلة تقدير عدم وجوبه وفيه نظر لا، ذلك التقدير ليس تقديرا واقعيا بإثبات بل تقديرا تقديريا فلا استحالة في أن يكون الغسل واجبا على ذلك التقدير ويصير حاصل الدليل هكذا إذا كان التيمم واجبا في صورة مساواة زمان الغسل لزمان الخروج لزم أن يحصل كون زايد على القدر الضروري المباح وكل كون زايد على ذلك القدر يجب الغسل له للعمومات الدالة على وجوب الغسل مطلقا فيجب الغسل لذلك القدر الزايد فيثبت وجوب الغسل على ذلك التقدير ولزوم وجوبه على تقدير وجوب التيمم الذي هو بمنزلة عدم وجوبه لا يضر بالاستدلال إذ غاية ما يزلم منه استحالة عدم وجوبه وذلك غير مضر بل هو مؤيد للمطلق وبعبارة أخرى لو لم يكن الغسل واجبا في صورة مساواة زمانه لزمان الخروج لزم أن يكون التيمم واجبا للاتفاق على عدم المخرج عنهما وإذا كان التيمم واجبا يحصل كون زائد وكل كون زايد يجب له الغسل فإذا لم يكن الغسل واجبا لزم أن يكون واجبا (وهذا خلف) وبطريق آخر إذا كان التيمم في هذه الصورة واجبا لزم أن لا يكون واجبا (هذا خلف) بيان الملازمة أنه على ذلك التقدير يحصل كون زايد وكل كون زايد يجب له التيمم وجوابه أنه حينئذ يكون الكلية القايلة بأن كل كون زايد يجب له الغسل ممنوعة لان ما يجب له الغسل كون زايد يمكن له الغسل شرعا اتفاقا وهذا الكون الزايد على ذلك التقدير لا يمكن له الغسل شرعا لعدم الاذن من الشارع في الكون له نعم كل كون زايد حرام بالعمومات لكنه حينئذ يرجع حقيقة إلى المعارضة بين وجوب التيمم والادلة الدالة على التحريم عموما وقد ذكرنا في أول المسألة وقس عليه الحال فيما

[ 23 ]

إذا كان زمان الغسل أكثر من زمان الخروج لكن يكون أقل من زمان التيمم مع الخروج فتدبر هذا ثم إعلم أنه إذا كان في هاتين الصورتين وقت مشروط بالغسل كالصلوة مثلا مضيفا فالقول بتقديم الغسل حينئذ يصير أقوى إذ دلايل وجوب الغسل للصلوة أيضا يصير مقويا ومرجحا لما يعارض وجوب التيمم وأما إذا تضيق وقت الصلوة مثلا في غير هاتين الصورتين فالقول بتقديم الغسل لا يخلو عن إشكال إذ حينئذ يعارض الدلايل الدالة على وجوب الغسل للصلوة بروايتي وجوب التيمم والعمومات الدالة على حرمة الكون إلا أن يكون مرجح آخر من قبله فتأمل ثم إن الشهيد الثاني (ره) استدل على ما رجحه بأن فيه جمعا بين ما دل على الامر بالتيمم مطلقا وهو الروايتان السابقتان وبين ما دل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم ووجه تخصيصه القول بصورة المساواة والنقصان وإن كان الدليل عاما قد مر سابقا وفيما استدل به نظرا ما أولا فلمنع وجود ما يدل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم مطلقا إذ لم نقف في الروايات على ما يدل عليه ظاهرا وأما إيتاء التيمم ففي ظهور دلالتهما أيضا نظر وأما آية المائدة فلاحتمال تعلقه بإذا قمتم احتمالا غير مرجوح وحينئذ يكون اشتراط عدم وجدان الماء في التيمم مخصوصا بالتيمم للصلوة فلا عموم فيه وأما آية النساء فلذلك الاحتمال أيضا لامكان أن يكون المراد بالصلوة حقيقتها لا مواضعها فتكون مثل سابقتها وعلى تقدير أن يكون المراد مواضعها ويكون حكم التيمم حكما مستأنفا غير متعلق بسابقه أيضا دلالتها على عموم الاشتراط بحيث يتناول ما نحن فيه ممنوعة إذ غاية ما يدل عليه أن عدم وجدان الماء شرط في التيمم بسبب الاشياء المذكورة في الاية والاحتلام ليس داخلا فيها والاجماع على كونه بمنزلة الملامسة غير ثابت في صورة النزاع مع أنه لا يدل على عموم الاشتراط بالنسبة إلى هذه الاشياء أيضا لعدم إرادة عموم فيها والقول بلزوم تأخر البيان وخلو الكلام من الفائدة المعتد بها الغير المناسب لكلام الحكيم ليسا مما يثمر ظنا قويا بالمدعى كيف وأكثر الاحكام الواردة في القرآن مجمل محتاج إلى بيان وتفصيل قد بينه وفصله النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليه السلام) والاجماع الذي نقله بعض العلماء كالمحقق (ره) في المعتبر حيث قال شرط التيمم عدم الماء أو عدم الوصلة أو حصول مانع كالبرد والمرض أما عدم الماء فعليه إجماع أهل العلم أيضا غير ظاهر في العموم إذ يجوز أن يكون مراد الناقلين الاجماع في الافراد المتعارفة للتيمم من التيمم للصلوة ونحوه لا مطلقا أو يكون مراد المجمعين ذلك واشتبه على الناقلين منقلوه مطلقا ومثل هذا ليس ببعيد جدا ومع هذا الاحتمال لا يبقى الظن بحجية والله أعلم وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم وجود ما يدل على الاشتراط مطلقا ليس تخصيص الحكم بالتيمم به أولى من تخصيصه بذلك الحكم فلم لم يقل به أو بالتوقف والتخيير إلا أن يقال أنه إذا قال السيد لعبده هذا الشئ مشروط بكذا ثم قال له إفعل الشئ الفلاني فالظاهر أن مراده إفعل الشئ الفلاني بالشرط المعلوم أو يقال إن الغالب لما كان عدم التمكن من الغسل في المسجد بالشروط المذكورة فالمظنون إن إطلاق الحكم بالتيمم بناء على الغالب كما مر هذا ثم إن السيد الفاضل صاحب المدارك بعد نقل الاحتجاج المذكور عن جده (ره) وإيراد بعض ما أوردنا عليه قال والاظهر الاقتصار على التيمم وقوفا مع ظاهر الخبر وكما جاز أن يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغاب من تعذر الغسل في المسجدين فيجوز أن يكون لاقتضاء الغسل فيهما إزالة النجاسة فإن مورد الخبر المحتلم وهو ملازم للنجاسة وقد أطلق جماعة من الاصحاب تحريم إزالتها في المسجد وصرح بعضهم بعموم المنع وإن كانت الازالة في الكثير انتهى والظاهر أن قوله وكما جاز أن يكون (أه) مع هؤلاء القائلين بتقديم الغسل في صورة المساواة والقصور كالمصنف وجده (ره) فإن المصنف (ره) في الذكرى وجده (ره) في شرح الارشاد ذكر أنه يجوز أن يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغالب من تعذر الغسل في المسجد ولم نعلم أنه وجه توجيه لان هذا الكلام منهما في مقام بيان وجه الاشكال في المسألة وتبيين طرفيه بإيراد احتمالات ظاهرة وكذا في مقام منع الاستدلال بالرواية وعمومها وإبداء احتمال ظاهر يقدح في ظهور العموم لا في مقام الاستدلال وهو ظاهر وحينئذ تجويز احتمال آخر في مقابلة خارج عن قانون التوجيه و على تقدير تسليم أنه في مقام الاستدلال أيضا نقول أنه لا شك أن حكمها بتقديم الغسل إنما هو بناء على القول بجواز إزالة النجاسة في المسجد وذهاب بعض الاصحاب إلى منعه لا يقدح فيه كما لا يخفى وأيضا على تقدير القول بحرمة الازالة يقيدون الحكم بصورة لا يلزم ذلك مثل أن يفرض أنه جاء سيل مثلا في النوم وأحاط به وبعد التيقظ وجد بدنه متطهرا هذا بقي في المقام شئ وهو أنه إذا تيمم المجنب المذكور أما لعدم إمكان الغسل أو مع وجوده لكن رجح وجوب التيمم وكان الغسل بعده ممكنا وكان زمانه مساويا لزمان الخروج أو أقل منه فهل يجب الغسل حينئذ لادراك القدر الزايد متطهرا في الصورة الاخيرة ويتخير بينه وبين الخروج في الصورة الاولى والذي يقتضيه النظر أن يكون الامر كذلك إذ الدليل المذكور سابقا في صورة نقصان زمان الغسل عن زمان الخروج على وجوب الغسل وبيان انتفاء الحرمة في الصورتين جاز ها هنا أيضا مع عدم معارضته لوجوب التيمم لكن الظاهر إن الحكم بوجوب الغسل بعد التيمم مع وجود الماء خارج المسجد وكذا جوازه أيضا مما لم يقل به أحد وأما مع عدم الماء ففيه تفصيل سيأتي إنشاء الله تعالى ولا يخفى أنه لو تضيق وقت الصلوة مثلا في هذه الصورة فلا ريب في أن الاولى الاتيان بالغسل إذ لا تصريح بالاجماع على عدمه في مثل هذا الموضع مع قيام الدليل على الوجوب أو التخيير ولو تضييق الوقت في غير هذه الصورة فيقع التعارض بين أدلة وجوب الغسل وأدلة تحريم الكون فينبغي النظر فيهما وهو خروج عن البحث تذنيب

[ 24 ]

قد اختلف الاصحاب في أن هذا التيمم الذي للخروج هل يبيح الصلوة ونحوها أو لا فقال بعضهم بالمنع لوجوب الخروج عقيبه بغير فصل متحريا أقرب الطرق و فصل بعضهم ومنع وجوب الخروج عقيبه بغير فصل مطلقا بل بتفصيل وهو الاقرب كما يظهر في طي التفصيل وحاصله أنه إذا تيمم المجنب المذكور في المسجدين أما لعدم الماء أو مع وجوده لكن على القول بتقديمه على الغسل فلا يخلو الحال أما أن يكون الغسل بعد ذلك التيمم ممكنا في المسجد أو لا وعلى الاول لا يكون ذلك التيمم مبيحا للصلوة ونحوها وإن كان مبيحا للكون في الجملة في بعض الصور كما سيظهر لانه حينئذ أما أن يكون الغسل خارج المسجد أيضا ممكنا أو لا وعلى التقديرين لا يتصور إباحته أما على الاول فظاهر وأما على الثاني فلان الكون للغسل أما مباح له أو لا فإن كان مباحا فقد ثبت التمكن شرعا والتمكن العقلي أيضا ثابت بالفرض فقد وجب الغسل اتفاقا فلا يكون التيمم مبيحا وإن لم يكن مباحا فلم يتمكن من الغسل شرعا حينئذ أصلا لا في خارج المسجد لعدم الماء ولا في المسجد لعدم إباحة الكون للغسل فيلزم أن يكون تيممه مبيحا للكون في المسجد مطلقا إذ مع عدم التمكن من الغسل رأسا يبيح التيمم الكون في المسجد مطلقا كما مر فيكون الكون للغسل أيضا مباحا مع فرض عدمه (هف) ولا يذهب عليك أن ما ذكرنا إنما هو بناء على القول بالتداخل في الطهارات مطلقا أما لو لم نقل به بل أما بعدمه مطلقا أو به لكن مع اشتراط نية الجمع فحينئذ نقول في الصورة الثانية ذلك التيمم لا يبيح له الكون للغسل أما مطلقا على القول بعدم التداخل مطلقا أو على تقدير أن لا ينوي الاباحة على القول باشتراط نية الجمع إذ القدر المعلوم أن ذلك التيمم للخروج في الجملة وأما أنه للاباحة مطلقا بدلا من الغسل في صورة تعذره فليس بمعلوم فلا بد حينئذ للاباحة من تيمم آخر فعلى هذا لا يخلو الحال في الصورة المفروضة أما أن يكون زمان الغسل أنقص من زمان الخروج أو مساويا أو أكثر فعلى الاول الظاهر أن يكون الغسل بعد التيمم المذكور واجبا ولا يجوز له التيمم الاخر لاباحة الكون كما ذكرنا سابقا وبينا وجهه وعلى الثاني الظاهر التخيير بين الغسل وبين الخروج وعدم جواز التيمم الاخر للاباحة لما مر أيضا ولا يتوهم أن في صورة اختيار الخروج يجب التيمم إذا كان زمانه انقص من زمان الخروج ويمكن الاتيان به خارجا لادراك القدر الزايد على زمانه متطهرا لان حال التمكن من استعمال الماء لا يجوز التيمم للاباحة و نحوها إجماعا فإن قلت التمكن من الغسل بالنسبه إلى ذلك القدر غير متحقق وهو ظاهر فينبغي أن يكون التيمم له جائزا قلت لا يكفي في جواز التيمم مع عدم إمكان الغسل بالنسبة إلى قدر من الكون إلا يرى أن الجنب إذا كان على باب المسجد وكان الماء موجودا على قدر خمسين ذراعا مثلا ولم يكن به مانع من الاستعمال لم يجز له حينئذ التيمم لاباحة الكون مع أن الكون بقدر الذهاب إلى الماء لا يمكن الغسل له بل لا بد من عدم إمكان الغسل له وللكون القريب منه بحسب ما قدر في الشرع وعلى الثالث والظاهر عدم جواز الغسل بدون التيمم للاباحة فحينئذ أما أن يمكن التيمم الاخر في المسجد أولا وعلى الثاني لا بد من الخروج ليتيمم ثم يدخل إن شاء وعلى الاول أما أن يكون زمانه أنقص من زمان الخروج أو مساويا أو أكثر وعلى الاول الظاهر وجوب التيمم لاباحة الكون ثم الغسل إنشاء أو الخروج ووجهه ظاهر مما مر ولا يخفى ورود نظير الشبهة المذكورة سابقا ها هنا أيضا وعلى الثاني التخيير بينه وبين الخروج ثم الغسل أو الخروج وورود الشبهة ها هنا أيضا مثل سابقه وعلى الثالث يجب الخروج ثم التيمم للدخول إنشاء هذا وعلى الثاني أي على تقدير أن لا يكون الغسل بعد التيمم ممكنا في المسجد فحينئذ أما أن يكون الغسل ممكنا خارج المسجد أو لا وعلى الاول لا يكون ذلك التيمم مبيحا للصلوة ونحوها بل يجب الخروج بعده إلا مع ضيق الوقت على ما بين في موضعه ولا حاجة إلى تيمم آخر لاباحة الكون وإن كان يمكن خارجا وكان زمانه انقص من زمان الخروج ولم نقل بالتداخل أيضا للاجماع وعلى الثاني ففيه التفصيل المذكور من القول بالتداخل أو عدمه وعلى الاول عدم الاحتياج إلى تيمم اخر للكون والصلوة وغيرهما وعلى الثاني ففيه جريان الاحتمالات الثلاثة وحكم كل منهما على ما بين انفا فتدبر (ويجب الخروج بأقرب الطرق للمتيمم) هذا الحكم على إطلاقه ليس بصحيح ظاهرا لعدم الظفر بدليل عليه بل فيه تفصيل قد علم في تضاعيف الباحث السابقة وكان قول الاصحاب رضوان الله عليهم أيضا بالاطلاق محمول عليه جمعا بين قولهم هذا وقولهم بإباحة التيمم لدخول المسجدين سوى ما نقل عن فخر المحققين (ره) وضابطه وجوب الخروج بعد التيمم بناء على التفصيل المذكور أن لا يكون ذلك التيمم مبيحا للكون ولا يمكن الاتيان بطهارة مبيحة بعده بقدر زمان الخروج أو أنقص منه ويجب الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه) من العهد واليمين وعد التحمل عن الغير والاستيجار له أيضا من جملته ووجوب الطهارات في الجملة بالنذر والعهد واليمين كأنه إجماعي ويدل عليه أيضا عموم قوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذي آمنوا أوفوا بالعقود وعموم بعض الروايات أيضا مثل ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب النذر عن أبي بصير عن احدهما (عليهما السلام) قال من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر الله طاعة فحنث فعليه صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ويؤيد قوله (تعالى ؟) أيضا في سورة الحج وليوافوا نذورهم وفي سورة الانسان يوفون بالنذر وأما وجوبها بالمتحمل عن الغير والاستيجار له فبناء على جوازهما في مثل هذه المواضع وسيجئ إنشاء الله تعالى في موضعه والمراد منهما أن يكون مثلا طهارة واجبة على أحد بنذر أو شبهة مثلا ثم مات قبل الاتيان بها فتحمل منه الولي واستؤجر له وأما وجوب الطهارة بسبب تحمل الصلوة أو نحوها من الاب أو استيجارها لميت فليس من هذا الباب بل هو داخل في الوجوب للصلوة وغيرها المتقدم ثم أن نذر الطهارة يحتمل وجهين الاول أن ينذر طبيعة الطهارة دون إفرادها وحينئذ يمتثل بالاتيان بكل ما يصدق عليه اسم الطهارة والظاهر أن لا حقيقة

[ 25 ]

لها في العرف وأما الشرع فصدقها على الوضوء والغسل في الجملة فمما لا ريب فيه وكذا على التيمم أيضا لما تقدم وأما صدقها على المبيح أو الرافع من الثلاثة أو الاعم منهما بحيث يشمل وضوء الحايض مثلا ففيه خفاء وكأنه لا فائدة يعتد بها في تحقيقه والثاني أن ينذر خصوص أفرادها وحينئذ الظاهر الامتثال بكل ما يصدق عليه هذه الثلاثة وإن لا يعتبر فيه الاباحة أو الرفع حتى أن وضوء الحايض أيضا مما يمتثل به لقضية اللفظ إلا أن يقيد بخصوصيته فحينئذ يجب ذلك الخاص واعلم أنه لا ريب في الصورتين في أنه لا بد أن يكون متعلق النذر من الطهارات التي وضعها الشارع وأمر بها إيجابا أو استحبابا إن قلنا بجواز تعلق النذر وشبهه بالواجبات وإلا فاستحبابا فقط سواء قلنا بلزوم رجحان متعلق النذر أو لا إذ العبادة بدون إذن الشارع مما لا يستباح أصلا بالاجماع كما هو الظاهر وأما الطهارة التي لم يأمر بها الشارع كالوضوء مع غسل الجنابة مثلا على المشهور أو غسل الجمعة في يوم الاربعاء أو تجديد الوضوء ثانيا بدون تخلل الصلوة على القول بعدم مشروعيته أو التيمم مع وجود الماء أو نحو ذلك فلا ينعقد نذرها ولم يتعلق وجوب بالذمة بسببه ثم أن النذر أما أن يكون مطلقا غير مقيد بوقت من الاوقات أو لا فعلى الاول وقته العمر ويتضيق بتضيق الوفات ويجب الاتيان به حسب ما نذر في أي وقت كان من الاوقات العمر مع رعاية الشرايط المعتبرة في الشرع وعلى الثاني فوقته ما عينه في النذر فإن اتفق أن يكون هذا الوقت مما يصلح لايقاع المنذور فيه شرعا فيجب الاتيان به مثل ما لو نذر أن يتوضأ في وقت الضحى مثلا وكان في ذلك الوقت محدثا متمكنا من استعمال الماء أو نذر أن يغتسل بعد يومين مثلا فاتفق أن يكون ذلك اليوم يوم جمعة أو عيدا أو نحو ذلك مع التمكن من استعمال الماء أيضا أو نذر أن يتيمم في وقت فصادف ذلك الوقت محدثا غير قادر على استعمال الماء وأمثال ذلك وإن لم يتفق ذلك كما لو نذر أن يتوضأ وقت الظهر مثلا فصادف ذلك الوقت متطهرا ولم نقل بشرعية التجديد قبل تخلل الصلوة أو نقول بها لكن فرض النذر مقيدا بكونه وضوء رافعا ولم نقل برفع التجديد أو نذر أن يغتسل في وقت كذا ولم يكن ذلك الوقت وقتا لغسل واجب أو مندوب أو نذر أن يتيمم في وقت فصادفه واجدا للماء ونحو ذلك فحينئذ لا يخلو أما أن يتمكن من الاتيان بفعل يصير سببا لصلاحية الوقت لايقاع المنذور فيه شرعا كالتمكن من الحدث في الصورة الاولى والجنابة في الثانية وإهراق الماء في الثالثة أو لا يتمكن وعلى الثاني لا إشكال في عدم الوجوب لعدم القدرة على الاتيان بالطهارة على الوجه المعتبر في الشرع وأما على الاول فقد حكم جماعة من الاصحاب رحمهم الله كالعلامة والشهيد الثاني (ره) وغيرهما بعدم الوجوب أيضا واستدل عليه الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد بأن تحصيل شرط الواجب المشروط ليس بواجب وفيه نظر لان الوجوب المشروط الذي كان بأصل الشرع صار بسبب النذر مطلقا لان المفروض أنه نذر الطهارة في وقت كذا ولم يقيده بأنه إذا كان محدثا والعمومات دالة على وجوب الوفاء بالنذر مطلقا من غير اشتراط فيلزم أن يتطهر في ذلك الوقت من غير توقف وجوبه على شئ غايته أنه لما كانت الطهارة التي يتعلق بها النذر يجب أن يكون متلقاة من الشارع والطهارة المتلقاة من الشارع إنما يكون بعد الحدث فيجب عليه الطهارة بعد الحدث لا الطهارة بشرط الحدث وهو ظاهر والطهارة بعد الحدث موقوفة على الحدث توقفا عقليا فلا بد من الحدث ليمكن الاتيان بالواجب المطلق نعم إذا كان قرينة في اللفظ أو كان في نيته أنه إذا حصل شرائطها الشرعية تطهر لكان الامر حينئذ كما ذكر لكن يختلج بالبال أن وقت حصول الطهارة الشرعية وعدم مطلوبية طهارة أخرى من الشارع الاتيان بالحدث ليتطهر كأنه أمر لغو عبث لا رجحان له في نظر الشارع وكذا الحال في إتلاف الماء ليتيمم بشرط أن لا يكون متضمنا لمفسدة أخرى من الاسراف ونحوه وإلا لكان حراما بل هذا الغى من سابقه لانه فرار من الراجح الذي هو الطهارة المائية إلى المرجوح الذي هو الطهارة الترابية والاول فرار من الشئ إلى مسألة نعم يمكن أن يفرض في الصورة الاخيرة فايدة ما في بعض الاحوال كما إذا علم أحد من نفسه أنه لا يتطهر بالماء في ذلك الوقت البته لكسل أو نحوه ففي اتلافه بطريق شرعي مصلحة ما من حصول الطهارة الترابية وعلى هذا نقول ينبغي بناء المسألة على أن ما ذكره القوم أن متعلق النذر يجب أن يكون راجحا هل المراد به أنه لا بد من رجحانه أما في نفسه بدون أن يكون لنا مدخل في رجحانه أصلا أو مع مدخليتنا أيضا لكن بشرط أن لا يكون ما نأتي به لتحصيل رجحانه مرجوحا أو عبأ ؟ والمراد رجحانه مطلقا أعم من أن يكون في نفسه أو بمدخليتنا بالشرط المذكور أو لا فعلى الاول لا يجب الطهارة حينئذ وعلى الثاني يجب فإن قام دليل على أحدهما فالعمل عليه وإلا لكان مما يشك في دخوله تحت إفراد الواجب إذ العمومات التي في باب النذر ليست مما يبقى الظن بشمولها لهذه الصورة بعد الظن أو العلم بأنه مخصص بما إذا كان مطلوبا في نظر الشارع راجحا عنده فيبتني الكلام على وجوب الاتيان بالافراد المشكوكة في التكليف اليقيني وعدمه وأمر الاحتياط واضح هذا وقس عليه الحال فيما إذا لم يأت بالنذر في الصورة الاولى أي التي لم يقيد بوقت حتى تضيق الوقت بظن الوفاة ثم أن المفهوم ظاهرا من كلام الشهيد الثاني (ره) في شرحه للرسالة أن الوضوء المتحمل عن الغير والاستيجار له لا يشترط بالحدث ولم يظهر له مستند ففيه إشكال إذ يمكن أن يقال بوجوبه على المتحمل والاجير بعنوان وجوبه على الميت إن ابتدائيا فابتدائي بعد الحدث وأن تجديديا

[ 26 ]

فتجديدي مقتضى الاحتياط في الابتدائي أن يؤتى به بعد الحدث خصوصا مع عموم موثقة ابن بكير المتقدمة وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت والله أعلم بحقايق الامور (ولا يجب شئ منها وجوبا مطلقا في الاصح) أي لا يجب شئ من الوضوء والغسل والتيمم وجوبا مطلقا بدون أن يكون وجوبه الغاية من الغايات المذكورة أو بسبب نذر من المكلف أو شبهة بل في نفسه بأصل الشرع أعلم إن كلام قدمائنا رضوان الله عليهم كما نقل خال عن التعرض لان وجوب الطهارات هل هو في نفسها أو لغيرها وإنما طال التشاجر والتنازع بين المتأخرين رحمهم الله في خصوص غسل الجنابة هل هو واجب لنفسه أو لغيره فإبن إدريس والمحقق رحمهما الله وجماعة على الثاني والراوندي والعلامة ووالده رحمهم الله وجماعة على الاول ويفهم من كلام المصنف (ره) في الذكرى وقوع الخلاف في غير غسل الجنابة أيضا من الطهارات حيث قال وربما قيل بطرد الخلاف في كل الطهارات لان الحكمة ظاهرة في شرعيتها مستقلة انتهى لكنه لم يشتهر كالاول فلا بد أولا من تحرير محل النزاع وما يتعلق به عموما ثم الكلام في أدلة الطرفين في خصوص كل من الطهارات فنقول القائلون بوجوبه في نفسه مرادهم أنه إذا وقع حدث من المكلف من الاحداث التي سيأتي ذكرها إنشاء الله تعالى فيجب بعد ذلك الحدث الطهارة التي ذلك الحدث سبب لها ولا يتوقف وجوبها على دخول وقت وجوب العبادة التي مشروطة بها ولا على الظن بأنها سيجب والقائلون بوجوبها لغيرها يقولون أن بعد الحدث لا يجب الطهارة بل يجب بعد وجوب مشروطها ولعل مرادهم أنها يجب بعد وجوب مشروطها إذا كان المشروط موسعا يفضل وقته منه كالصلوة وأما إذا كان مضيقا كالصوم فإنما يجب عند تضيق دخول وقته بقدر فعلها وإنما اكتفوا بالاول لكثرته وندور الثاني معتمدا على ما ذكروه في وجوب الغسل للصوم فلا يرد ما أورد عليهم من أنه مناف للقول بوجوب الغسل للصوم قبل وقته والظاهر أن معنى الوجوب بالغير الذي إدعوه ليس هذا بعينه بل هذا لازم من لوازمه باعتقادهم فلذا قد يفسرونه به وإنما معناه أن الغرض من وجوب الطهارة إنما هو مشروطها من الصلوة ونحوها ولم يتعلق بها غرض في نفسها بل إنما شرع لتحصيل صحته فقط لكنهم اعتقدوا أن هذا المعنى يستلزم أن يكون وجوبها بعد وجوب مشروطها أو عنده مضيقا ولا يخفى ما فيه إذ الاستلزام ممنوع لان غاية ما يلزم ذلك المعنى أن لا يجب الطهارة عند العلم أو الظن بأن ما هو مقصودها والغرض منها لم يمكن الاتيان به ولم يصر واجبا في وقته وأما إذا علم أو ظن أنه سيصير واجبا ويمكن الاتيان به فلا مانع من القول بوجوبها لذلك الغرض وإن لم يجب بعد لكن وجوبا موسعا بتضيق الغرض وقد يدعون أيضا لازما آخر لهذا المعنى وهو تضيقها بتضيق الغرض والظاهر أنه كما يدعون وإذا عرفت هذا فاعلم أنهم ذكروا في ثمرة النزاع أن المكلف إذا خلت ذمته بعد وقوع الحدث من واجب مشروط بالطهارة فهل يوقعها إذا أراد إيقاعها بنية الوجوب أو الندب فعلى الاول بالاول وعلى الثاني بالثاني مع اتفاق الفريقين ظاهرا على شرعية الايقاع وبما قررنا ظهر ما فيه لما علمت من عدم استلزام الوجوب بالغير بالمعنى الذي سبق لعدم وجوب الطهارة قبل وقت وجوب المشروط بها نعم إذا خلت ذمته ولم يظن بشغلها بعده أو دل دليل على حدة على ما يدعونه لازما للوجوب بالغير لكان الامر كما ذكروه وسيجئ إنشاء الله تعالى ما يصلح لان يكون دليلا عليه وبهذا ظهر أن ما ذكره صاحب المدارك (ره) في بحث وجوب الغسل للصوم ومقتضى العبارة أن المكلف إذا أراد تقديمه وكانت ذمته بريئة من مشروط بالطهارة قوى الندب إن اعتبرنا الوجه وهو كذلك بناء على القول بأن وجوبه لغيره ورجح بعض مشايخنا المعاصرين جواز إيقاعه بنية الوجوب من أول الليل وإن قلنا بوجوبه لغيره وكأنه أراد به الوجوب الشرطي وإلا فالوجوب بالمعنى المصطلح منتف على هذا التقدير قطعا انتهى منظور فيه وحال من ظن قبل وقت وجوب المشروط أنه سيجب لكن لم يكن غرضه من الاتيان بالطهارة إيقاع ذلك المشروط في وقته على القول بالوجوب بالغير في جواز إيقاعه إياها بنية الوجوب كحال من يوقعها بعد الوقت لا لذلك الغرض فقس عليه ولا يذهب عليك أن الظاهر أن النزاع في أن الطهارت هل هي واجبة في نفسها أيضا أم لا بل ينحصر وجوبها في الوجوب بالغير بعد الاتفاق على الوجوب بالغير في الجملة كما أشرنا إليه أيضا سابقا لان القائلين بالوجود لنفسها أيضا يذكرون في كتبهم إن الوضوء يجب لكذا وكذا والغسل يجب لكذا وكذا وهو ظاهر في الوجوب بالغير خصوصا في الوضوء لوجود روايات كثيرة دالة على وجوبه للغير كما أوردناها في مفتح الكتاب فيبعد القول مع ذلك بعدم وجوبه للغير رأسا وبهذا اندفع ما يورد على ما جعلوه ثمرة النزاع من أن الوجوب بالغير لا ينافي إيقاع الطهارة قبل وقت وجوب مشروطها بنية الوجوب لجواز أن يكون واجبة في نفسها أيضا ومما يعد من ثمرات النزاع أيضا أنه إذا ظن المكلف بعد الحدث بالوفاة قبل أن يدخل وقت المشروط بالطهارة فعلى القول الاول يجب الطهارة وعلى الثاني لا يجب وهو كذلك سواء قلنا باستلزام الوجوب بالغير المعنى الذي ادعوه من عدم وجوبها ما لم يجب المشروط أو لا وكذا الحال فيما إذا ظن الوفاة بعد دخول الوقت لكن بقدر الطهارة لا بقدر الصلوة مثلا أيضا نعم لو قال أحد باللازم فقط دون الملزوم للزم على قوله أيضا وجوب الطهارة في هذه الصورة كما على القول بوجوبها لنفسها لكن الظاهر أنه لم يقل به أحد هذا إذا جعل اللازم عدم وجوبه ما لم يدخل الوقت وأما إذ جعل اللازم عدم وجوبه ما لم يجب الصلوة أفعلى القول به فقط ايضا الظاهر أنه لا يجب الوضوح لعدم وجوب الصلوة فافهم ولا يخفى أن

[ 27 ]

تضيق الطهارة بتضيق مشروطها كما يقول به القائلون بالوجوب الغيري يجب أن يقول به القائلون بالوجوب النفسي أيضا لما ذكرنا عن قولهم بالوجوب الغيري أيضا ظاهرا لكن من جهة الوجوب الغيري وإن لم يجب أن يقولوا بتضيقها من جهة الوجوب النفسي وتظهر الفائدة فيما إذا خرج وقت الصلوة مثلا ولم يتطهر ولم يصل فعلى عدم تضيق الطهارة وبقاء وجوبها النفسي يجب الاتيان بها بعد خروج الوقت ويرجع الامر إلى حال بعد الحدث وقبل دخول الوقت بالنسبة إلى الصلوة المستقبلة هذا وإذا قد حرر محل النزاع وما يتعلق به فلنشرع الان في بيان أدلة الطرفين ونبدء بالوضوء فنقول أما الاستدلال على وجوبه لغيره في الجملة فلا نحتاج إلى التعرض له إذ قد مر مستقصى في صدر الكتاب وإنما الحاجة ها هنا إلى الاستدلال على وجوبه لغيره فقط وعدم وجوبه في نفسه كما هو المراد ها هنا ظاهرا فمما يمكن أن يستدل عليه قوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية والاستدلال به من وجهين الاول أن المفهوم من الاية عرفا إن الوضوء لاجل الصلوة كما يقال إذا لقيت العدو فخذ سلاحك أي لاجل العدو فيكون الغرض منه الصلوة فلا يكون واجبا لنفسه ويرد عليه أن غاية ما يدل عليه الاية الشريفة أن الصلوة غرض من الوضوء في الجملة إلا أنها غرض تام لا يقال كونها جزء للغرض أيضا كاف في غرضنا هذا انتفاء الجزء مستلزم لانتفاء الكل فعند انتفاء الصلوة ينتفي الغرض وبانتفائه ينتفى الوضوء لان المراد من كونها غرضا في الجملة ليس أنها جزء الغرض بل أن لها غرضية ناقصة مع جواز أن يكون للوضوء غرض تام آخر أما نفسه أو شئ آخر يتحقق معه دائما واجتماع العلل التامة الشرعية جايز فكيف بالتام والناقص وقد مر هذا الاحتمال في صدر الكتاب مع الحكم ببعده ومع تسليم أن المفهوم من الاية كونها غرضا تاما فلا نسلم انفهام حصر الغرض فيها أصلا وعلى تقدير تسليم فهم حصر الغرض فيها في الجملة إنما يسلم فهم حصر الغرض من هذا الامر فيها لا مطلقا ومما يحقق ما ذكرنا أنه إذا قال السيد لعبده إذا لقيت اللص فخذ سلاحك وإذا لقيت الاسد فخذ سلاحك وإذا لقيت الذئب فخذ سلاحك فلا يريب من له ادنى معرفة بالعرف مع وجدان صحيح في أن ليس بين ظواهر هذه الاوامر توهم منافاة أو شائبة معارضة فلو لا صحة ما ذكرنا من المنوع كلا أو بعضها لما كان كذلك وعلى تقدير تسليم فهم حصر الغرض مطلقا فمعارض بما سنذكره من أدلة الطرف الاخر فينبغي النظر في الترجيح ولا يخفى جريان مثل هذا الوجه في بعض الروايات المتقدمة في صدر الكتاب أيضا والجواب الجواب والثاني أن إذا من أداة الشرط ويفهم منها عدم المشروط عند عدم الشرط فحينئذ نقول أن معنى الاية الكريمة إذا أردتم القيام فاغتسلوا للصلوة ويفهم منها بمقتضى الشرط عدم وجوب الغسل والمسح عند عدم إرادة الصلوة ورد عليه أما أولا فبالمنع من حجية مفهوم الشرط وفيه شئ وعلى تقدير حجيته إنما هو حجته فيما إذا لم يظهر للشرط فائدة أخرى سوى مفهومه لئلا يكون عبثا غير جايز في كلام الحكيم والفائدة فيما نحن فيه ظاهرة أما بيان أن الصلوة غرض للوضوء ناقصا وتاما على مأمر آنفا أو بيان اشتراطها بالوضوء أما بأن يقال أنه يفهم الاشتراط من نفس الكلام أو يقال أنه يفهم منه وجوب الوضوء (قبل الصلوة فيكون الاتيان بالصلوة بدون الوضوء حراما لانه ضد المأمور به وضد المأمور به حرام والنهي في العبادة مستلزم للفساد فيمكن الصلوة بدون الوضوء فاسدا فقد ثبت الاشتراط أو باعتبار أنه يفهم منه وجوب الوضوء) الكائن قبل الصلوة وعند الاتيان بالصلوة بدون الوضوء يلزم ترك ذلك الوضوء وملزوم الحرام حرام فبكون الصلوة حراما فيكون فاسدا لما مر فقد ثبت الاشتراط أيضا وقد مر الكلام في هذين الاستدلالين في صدر الكتاب وعلى تقدير عدم ظهور فائدة أخرى نقول أن مفهوم الشرط ها هنا عدم هذا الامر الخاص بالوضوء عند عدم الشرط لا الامر به مطلقا على ما يستفاد من كلام بعض المحققين ظاهرا وعلى تقدير التسليم أيضا عموم مفهوم الشرط ممنوع وما يقال أنه على تقدير الاهمال يخلو الكلام عن الفائدة ممنوع إذ فائدة المنطوق كافية مع أنك قد عرفت أن أكثر أحكام الكتاب مجمل يحتاج إلى بيان أهل الذكر (عليهم السلام) لكن لا يخفى أن منع عموم المفهوم إنما هو لاجل أن يحمل عدم وجوب الوضوء عند عدم الارادة على بعض أوقات عدم الارادة ولا يمكن أن يكون ذلك البعض في داخل الوقت للاجماع بل في خارجه وحينئذ يثبت المطلوب بالتمسك بالاجماع المركب كما سيجئ فلا يجدي ذلك المنع فإن قلت بل يجدي إذ يحمل على بعض أوقات خارج الوقت الذي لا يكون حدث فحينئذ لم يثبت المطلوب قلت حينئذ لم يبق للشرط فائدة إذ ليس فرق بين حال إرادة الصلوة وبين عدمها في ذلك المعنى إذ حال الارادة أيضا إذا لم يكن حدث لم يجب الوضوء والمثال المذكور سابقا أيضا مما يحقق هذه الممنوع كلا أو بعضا وأما ثانيا فلانه غير دال على المراد من عدم وجوب الوضوء قبل الوقت إذ لا قرينة على إرادة المتصلة والارادة الغير المتصلة بتحقق قبل الوقت أيضا فلم يثبت عدم وجوب الوضوء خارج الوقت مطلقا ويمكن أن يقال قد استفيد من الاية عدم وجوب الوضوء عند عدم إرادة الصلوة مطلقا بناء على تسليم عموم المفهوم فيشمل جميع أوقات عدم الارادة سواء كان داخل الوقت أو خارجه بعد الحدث أو قبله خرج داخل الوقت بالاجماع وبقي الباقي فثبت عدم وجوب الوضوء في بعض أوقات خارج الوقت وبعد الحدث فيلزم أن لا يجب في جميعه أيضا وإلا لزم خرق الاجماع المركب لان القائلين بالوجوب النفسي أيضا لا يقولون بوجوب الوضوء في بعض أوقات خارج الوقت وبعد الحدث فثبت المطلوب وسيجئ قلب هذا الدليل عليهم في حجج الطرف الاخر ويمكن أن يدفع هذا الايراد أيضا بأنه لا يلزم علينا أن نحمل الاية على معنى إذا أردتم القيام حتى يرد ما ذكرتم بل نحملها على معناها الظاهر من أنه إذا تهيأتم واستعددتم لاتيان

[ 28 ]

الصلوة بحيث لم يبق فصل بينكم وبينها فتوضؤا ولا يخفى ظهور الاية في هذا المعنى وإنكاره مكابرة وحينئذ يقول لا يتحقق القيام بهذا المعنى خارج الوقت فاندفع الايراد لا يقال حمل الاية على القيام الذي لا فصل بينه وبين الصلوة أصلا ممتنع وإلا يلزم أن يكون التكليف بالوضوء بعده تكليفا بما لا يطاق فلا بد من حمله على قيام يتحقق بينه وبين الصلوة فصل ما لا أقل بقدر الوضوء وحيئذ يعود الايراد إذ يجوز تحقق هذا القيام قبل دخول الوقت بمقدار الوضوء ويحتاج إلى تركيب الاجماع المركب مع الدليل ليتم إذ يمكن أن يقال أنه إذا وقت السيد لعبده وقتا لفعل ثم قال إذا قمت لهذا الفعل فافعل كذا فالظاهر منه أن المراد القيام الذي يمكن الاتيان بذلك الفعل عقيبه بلا قصد ويريد العبد إيقاعه بعده إرادة تامة لو لا ذلك الامر الاخر ولا شك أن ذلك القيام لا يمكن إلا داخل الوقت الموقت ولا محذور حينئذ أصلا إذ ليس المراد قياما يجب اتصاله بالصلوة حتى يكون تكليفا بما لا يطاق بل قياما يمكن اتصاله بالصلوة وقد مر مثل هذا سابقا فتأمل وقد يستدل أيضا على الوجوب بالغير بصحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة ويورد عليه أما أولا فبالمنع من حجية المفهوم وهو ضعيف وعلى تقدير حجيته إنما يكون فيما لم تظهر للكلام فائدة أخرى سوى ذلك وفيما نحن فيه ليس كذلك إذ يمكن أن يكون الفائدة فيه الاشعار باشتراط الصلوة بالوضوء بالوجهين المذكورين سابقا وأما منع عموم المفهوم فحاله إنما يستنبط من حاله في الدليل السابق فقس عليه وأما ثانيا فيجوز أن يكون المراد وجوب الوضوء والصلوة معا فعند عدم دخول الوقت يلزم عدم وجوب المجموع وهو كذلك إذ الصلوة قبل الدخول ليست بواجبة فلا يكون المجموع واجبا ولا يخلو عن بعد سواء كان المراد وجوب المجموع من حيث المجموع أو وجوب كل واحد يعني أن عند دخول الوقت يجب كل واحد من الطهور والصلوة أي يصدق هذه الكلية بخلاف قبل الدخول إذ لا يصدق الكلية لعدم وجوب الصلوة وقد يعترض أيضا بجواز أن يكون المراد بوجوب الطهور وجوبه الغيري وهو أيضا خلاف الظاهر كما لا يخفى ولا يذهب عليك أن هذا الاستدلال على تقدير تمامه إنما يدل على ما يدعونه لازما للوجوب الغيرى أعني عدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت فلو كان المراد منه الاستدلال على الوجوب الغيري فلا يكاد يتم إذ بمجرد ثبوت اللازم لا يثبت الملزوم إلا إذا ثبت المساواة بينهما والمساواة فيما نحن فيه ممنوع إذ يجوز أن لا يجب الوضوء إلا بعد دخول الوقت ولم يكن الغرض منه الصلوة بل يكون الغرض منه شيئا آخر وهو ظاهر وتظهر الفائدة في الغرض المذكور من بقاء المكلف بعد دخول الوقت بمقدار الوضوء فقط إذ على الاول يجب الوضوء وعلى الثاني لا يجب وكذا في التضيق إذ على الثاني يجب تضيقه بتضيق وقت الصلوة وعلى الاول لا يجب فلو أريد اتمام الاستدلال على الوجوب الغيري فأما أن يقال إن عدم وجوب الوضوء إلا بعد دخول وقت الصلوة قرينة على أن وجوبه لها وهو ضعيف وأما أن يتمسك بالاجماع المركب إذ كل من قال بوجوبه بعد دخول الوقت يقول بالوجوب الغيرى هذا وأما حجة القول بالوجوب النفسي فالاية الكريمة المتقدمة أيضا لانها بإطلاقها دالة على وجوب الوضوء كلما تحققت الارادة ولان ؟ في تحققها قبل دخول الوقت أيضا فيكون الوضوء قبل دخول الوقت واجبا إذ قد ثبت وجوبه قبل دخول الوقت في الجملة فقد ثبت في جميع أوقات قبل الدخول بعد الحدث وإلا يلزم خرق الاجماع فقد ثبت الوجوب النفسي وهذا القلب الذي وعدناك وهو راجح على مقلوبه لان هذا استدلال بعموم المنطوق وذاك بعموم المفهوم وهو مع ضعفه يستلزم ها هنا التخصيص في عموم المنطوق ولا شك أن عموم مفهوم كلام إذا عارض عموم منطوقه لا عبرة به ويرد عليه أنه لا نسلم أن المراد من الاية الشريفة إذا أردتم القيام حتى يتم ما ذكرتم بل المعنى الذي تقدم وهو لا يتحقق قبل الدخول وأيضا العموم ممنوع وما يقال أن الاهمال يخرج الكلام عن الفائدة غير ممنوع وقد مر غير مرة ومع تسليمه مخصص بالرواية المتقدمة وفيه ضعف إذ تخصيص منطوق الكتاب بمفهوم الخبر مشكل في صورة العموم المطلق فكيف بالعموم من وجه كما فيما نحن فيه وقد يستدل عليه أيضا بما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب الاحداث الموجبة للطهارة عن عبد الله بن المغيرة و محمد بن عبد الله قالا سئلنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته فقال إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء وجه الاستدلال أنه علق وجوب الوضوء بذهاب النوم فقط فالظاهر وجوبه عنده بدون اشتراطه بأمر آخر وبما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء يوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد ينام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء ووجه الاستدلال ما مر وبما رواه أيضا في هذا الباب عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السلام) في آخر حديث إذا خفى عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه وبما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث أن عليا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النوم فإنما وجب عليه الوضوء إلى غير ذلك من الروايات المفيدة لوجوب الوضوء بالحدث من غير أن يشترط فيها بشئ آخر وهي كثيرة وفيما ذكرناه كفاية ويرد على الجميع أن مثل هذه الاطلاقات جامع فيما إذا علم الاشتراط كالاطلاقات الورادة في وجوب غسل الثياب والاناء وغير ذلك مع كونها مشروطة بالاتفاق

[ 29 ]

وها هنا أيضا لما كان اشتراط وجوب الوضوء بالصلوة أمرا معلوما شايعا فلذا أطلق تلك الرواية ولم يقيد بالصلوة لعدم الاحتياج إليه وفيه أنه وإن كان الامر كما ذكر فيما علم الاشتراط لكن علم معلومية الاشتراط وتعارفه فيما بينهم فيما نحن بصدده إذ مجرد الاحتمال لا يكفي ها هنا وإن كان المقام مقام المنع إذ الاستدلال بظواهر الاطلاقات والعمومات لا يقدحه احتمال التقييد والتخصيص وإلا تبطل أكثر الاستدلالات بالظواهر والدلايل المتقدمة لا يتم كما عرفت فينبغي حمل الروايات على ظواهرها حتى يظهر خلافها هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على الطرفين وليس في شئ منها ما تسكن النفس وتطمئن إليه لكن أصالة برائة الذمة من الوجوب قبل دخول الوقت والشهرة بين الاصحاب فإن المتقدمين وإن لم يتعرضوا لذلك المعنى صريحا لكن بعض كلماتهم يشعر بذلك حيث يذكرون أن الوضوء يجب لكذا وكذا ولم يذكروا وجوبه في نفسه أصلا والمتأخرين الذي تعرضوا لهذا المعنى أكثرهم قايلون بالوجوب الغيري والقول بالوجوب النفسي ليس له قايل معلوم سوى ما نقل المصنف (ره) في الذكرى مجهولا إنما يقوى طرف الوجوب الغيري وأمر ظواهر الروايات سهل لان الاطلاق في مثل هذا المقام لا يثمر ظنا بعدم الاشتراط كما يظهر عند الرجوع إلى الوجدان وتتبع الروايات ولا يخفى عليك أن ما ذكروه في ثمر النزاع من أمر نية الوجوب أو الندب فأمره سهل إذ الظاهر كما سيجئ إنشاء الله تعالى عدم الاحتياج إلى تعرض وجه الوجوب والندب في النية مع أنك قد عرفت أنه على تقدير الوجوب بالغير أيضا لا يبعد صحة نية الوجوب قبل دخول الوقت إلا أن يثبت ما هو لازمه باعتقادهم من عدم الوجوب قبل وجوب غايته وأمر الاحتياط في الفائدة الاخرى واضح إذ عند ظن يتضيق الوفاء بدون شغل الذمة بغايته ينبغي أن يؤتى به حتى يخرج عن عهدة الخلاف هذا ثم أن المفهوم من كلام الاصحاب ها هنا أن الوضوء الذي يجب بعد دخول الوقت على القول بالوجوب بالغير إذا فعل قبل الدخول يكون ندبا ولم ينصوا على أن هذه الوضوء المندوب وخارج عن الاقسام التي يذكرونها للوضوء المستحب كما سيجئ بعد هذا أو داخل وعلى الاول ما الدليل على استحبابه وعلى الثاني دخوله في تحت أي قسم من الاقسام المذكورة وسيجئ لهذا زيادة بسط في بيان إباحة الوضوء المندوب للصلوة إنشاء الله تعالى ولنذكر الان أدلة الجانبين في الغسل ونخص الكلام ابتداء بغسل الجنابة لشهرة الخلاف فيه حجة القائلين بالوجوب لغيره أمور منها قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا والاستدلال به ومن وجوه الاول إن المفهوم منه عرفا أن الغسل للصلوة كما في قولك إذا أردت الامير فالبس ثيابك فيكون الغرض منه الصلوة فلا يكون واجبا لنفسه ويرد عليه مع ما تقدم في نظيره من الاستدلال على وجوب الوضوء للغير أن عطف وإن كنتم على فاغسلوا ممنوع إذ يجوز أن يكون معطوفا على جملة إذا قمتم فإن قيل العطف بأن دون إذا يأباه قلنا يمكن أن يكون في العطف بأن دون إذا استعار المبالغة في أمر الصلوة والتأكيد فيها حيث أتى في القيام بها بكلمة إذا الدالة على تيقن الوقوع يعني أنه أمر متيقن الوقوع البتة وليس مما يجوز العقل عدمه وفي الجنابة بكلمة أن الموضوعة للشك مع تحقق وقوعها وتيقنها تنبيها على أنها في جنب القيام كأنه أمر مشكوك الوقوع والثاني أن المفهوم من الشرط عدم الوجوب عند عدم القيام إلى الصلوة ويرد عليه أيضا مع ما تقدم في نظيره الاراد المذكورة آنفا الثالث أن عطفه على الوضوء يقتضي وجوبه لغيره كالوضوء لوجوب تشريك المتعاطفين في الحكم ويرد عليه أنه إن كان المراد من عطفه على جملة فاغسلوا فقد عرفت ما فيه وإن كان المراد عطفه على جملة إذا قمتم فلا يتمشى الاستدلال إذ ليس لهذه الجملة حكم الوجوب بالغير حتى يلزم ثبوته للمعطوف عليه وهو ظاهر نعم لا بد من المناسبة بين المتعاطفين وهي حاصلة هنا باعتباران أن كلا منهما حكم متعلق برفع الحدث والصلوة لان الغسل على تقدير الوجوب لنفسه أيضا مما يرفع الحدث ويبيح الصلوة بل واجب للصلوة أيضا لما عرفت من أن الظاهر عدم الخلاف في الوجوب الغيري في الجملة ولا يلزم أن يكون مناسبة تامة من جميع الوجوه مع أن الحال في الوضوء أيضا قد عرفت ما فيه الرابع أن عطف جملة التيمم عليه يقتضي الوجوب لغيره للتشريك ويرد عليه أيضا إن التيمم المذكور بعده ليس مخصوصا بالتيمم الذي بدل من الوضوء بل يعمه وغيره من الذي يدل من الغسل أيضا والتيمم الذي بدل من الغسل لا نسلم وجوبه لغيره بل حكمه حكم مبدله فحينئذ فالتيمم الذي يشمل الصنفين إذا أورد بعد جملتين أحديهما يكون الحكم فيها الوجوب لغيره والثانية الوجوب لنفسه فلا يخفى ما فيه من المناسبة والملائمة وعلى تقدير أن يكون التيمم منحصرا في الواجب لغيره أيضا قد عرفت عدم وجوب المناسبة التامة من جميع الوجوه بل يكفي كون كل منهما من متعلقات الحدث والصلوة مع أن حال التيمم أيضا كحال الوضوء في عدم الجزم بوجوبه لغيره الخامس أن توسيطه بين جملتي الوضوء والتيمم الواجبين بالغير يقتضي وجوبه بالغير أيضا وإلا لم يناسب التوسيط وجوابه أيضا يظهر مما ذكر في سابقيه ومنها صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة وقد ما مر فيه ويزيد ها هنا إيراد آخر لجواز أن يكون المراد بالطهور الوضوء لانه الفرد السابع المتعارف والمتبادر إلى الذهن ومنها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال وكيفية الغسل من الجنابة عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض وهي في المغتسل فتغتسل أم لا قال قد جاء ما يفسد الصلوة فلا تغتسل ووجه الدلالة أنه عليه السلام نفى الغسل معللا بفساد الصلوة في أصل كلامه عليه السلام أن الفرض من الغسل الصلوة ولما جاء ما يفسدها فلا غسل وهذا دلالة ظاهرة على وجوبه لغيره لا لنفسه ويورد

[ 30 ]

عليه أما أولا فبعدم صحة السند لان عبد الله المذكور لم يوثقه أحد من الرجاليين بل إنما يمدح فقط نعم إنما نقلوا عن ابن إدريس (ره) أنه وصف هذه الرواية بالصحة وهو مما لم يصلح للتعويل بعد عدم توثيق الرجاليين لعدم ظهور مراده من لفظ الصحة لجواز أن يكون مراده غير الصحة المشهورة بين المتأخرين وأما ما ذكره العلامة (ره) في المختلف والمنتهى في هذا المقام من رواية الشيخ (ره) في الصحيح عن عبد الله بن يحيى الكاهلي فلا يدل على توثيقه إذ يجوز أن يكون مراده أنه صحيح إلى عبد الله وكثيرا ما يجري كلامهم على هذا الاصطلاح وأما ثانيا فمنع دلالتها على المدعى لان انتفاء الغسل عند مجئ ما يفسد الصلوة ويحتمل وجهين أحدهما أن يكون لاجل أن الصلوة غرض من الغسل فعند عدم إمكان الاتيان به لم يكن غسل وثانيهما أن يكون لاجل أن صحة الغسل موقوفة على عدم تحقق حدث لا يمكن ارتفاعه وقد كنى عنه في الرواية بمجئ ما يفسد الصلوة فعند تحقق الحيض لم يكن غسل لعدم صحته وعلى هذا فلا يتم الاستدلال بل نقول حمل الرواية على الاحتمال الاخير أظهر لان قوله (عليه السلام) فلا تغتسل أما نهي أو نفي وعلى الاول أما للحرمة أو للكراهة ولا شك في عدم ترتب الحرمة والكراهة على مجرد كون الغرض من الغسل الصلوة فقط مع عدم وجوب الصلوة كيف والقائلون بوجوبه بالغير وعدم وجوبه ما لم يجب الغير أيضا قائلون باستحبابه قبل وجوب الغير ولا كذلك الاحتمال الاخير لظهور ترتب الحرمة على عدم صحة الغسل إذ العبادة ما لم يكن متلقاة من الشارع لا يجوز الاتيان بها وعلى الثاني أيضا لما لم يمكن حمله على ظاهره فلابد من حمله على النهي ويعود ما ذكرنا فعلى الاحتمال الاول لا بد أن يخرج الكلام عن ظاهره ويحمل على نفي الوجوب سواء كان نفيا أو نهيا حتى يستقيم بخلاف الاحتمال الاخير مع أنك تعلم مما سبق أن ترتب نفي الوجوب أيضا على المعنى المذكور محل نظر وتأمل وإن الاستلزام الذي يدعونه ممنوع ويرد أيضا أن حمله على نفي الوجوب ليس بأولى من حمله على نفي التضيق فكان السائل إنما سئل عن تضيق الغسل عليها وعدمه فأجاب (عليه السلام) بأنه لا تضيق حينئذ إذ ليس وقت صلوة حتى يتضيق ولا يتوهم أن كونه مضيقا بتضيق الصلوة أيضا يدل على المراد إذ قد عرفت أن الخلاف ها هنا ظاهرا في انحصار الوجوب في الغيري وعدمه لا في أصل الوجوب الغيري إذ لا خلاف فيه وهذا المعنى كما يلزم الاول كذلك يلزم الثاني أيضا فلا دلالة له على المراد لا يقال إذا كان الغسل واجبا لنفسه لا وجه لتوقف صحته على انتفاء الحدث المانع من الصلوة نعم إنما يعقل ذلك إذا كان واجبا للصلوة إذ لا منافاة بينهما لجواز أن يكون شرع الغسل لتحصيل الحالة التي يستباح معها الصلوة وإن لم يكن استباحة الصلوة غرضا بل يكون تلك الحالة أمرا مهما في نفسها أو لغرض آخر فإذا لم يمكن تحصيل تلك الحالة لم يشرع الغسل لفوات الغرض منه فإن قلت قد روى الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الحيض عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المرئة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل قال أن شائت أن تغتسل فعلت وعلى هذا لا يمكن حمل قوله (عليه السلام) فلا تغتسل في رواية الكاهلي على التحريم مع أن الاحتمال الاخير الذي ذكرت إنما يستلزم التحريم كما قررت فعلى تقدير الوجوب لنفسه على ما تحمل الرواية الكاهلي بناء على العمل بهذه الرواية قلت أما أولا فقد عرفت حمله على نفي التضيق مع عدم منافاته للوجوب النفسي وأما ثانيا فنحمل فلا تغتسل على الكراهة ونقول بجواز كون فضيلة الغسل وكماله موقوفة على انتفاء الحدث لا صحته ولا فساده أو نحمله على نفي الوجوب ولا استبعاد في أن يكون الغسل على تقدر وجوبه لنفسه أيضا لا يجب في وقت الحدث وإن كان يصح الاتيان به كما في صورة الوجوب الغيري بعينه واستدل أيضا بجواز تأخيره إلى وقت تضيق الصلوة فلا يكون واجبا لغيرها وضعفه ظاهر واستدل أيضا بوجوه ضعيفة لا يحسن إيرادها وأما حجة القائلين بالوجوب النفسي فأمور أيضا منها قوله تعالى وإن كنتم جنبا إلى آخره علق الوجوب على الجنابة فقط فلم يكن مشروطا بشئ آخر وفيه أنه موقوف على كونه معطوفا على جملة إذا قمتم وهو ممنوع لجواز عطفه على فاغسلوا وإن كنتم محدثين المقدر في نظم الكلام كما قيل ومنها قوله تعالى ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وجه الاستدلال أنه تعالى نهى عن قربان الصلوة جنبا بدون الغسل فيكون حراما فيجب تركه وهو يحصل بأمرين ترك القربان مطلقا أو تركه على هذه الصفة وإذ لم يجز الاول فتعين الثاني فإذا فرض أن قبل دخول وقت الصلوة يمكن الغسل ويظن أو يعلم أن وقت الدخول لم يتيسر لفقد الماء مثلا فحينئذ نقول لا شك أن المعنى الثاني الذي بينا وجوبه إنما يتوقف على الغسل في هذا الوقت فيكون واجبا بناء على وجوب ما يتوقف عليه الواجب فإذا ثبت الوجوب في بعض أوقات خارج الوقت فقد ثبت في جميعه بشرط الحدث لئلا يلزم خرق الاجماع المركب فثبت الوجوب النفسي أو يقال إذا ثبت الوجوب خارج الوقت في الجملة فقد بطل الوجوب الغيري لانتفاء لازمه حسب ما يعتقدون أعني عدم الوجوب ما لم يدخل الوقت فيكون إلزاما عليهم فإن قلت هذا إنما يتم إذا كان المراد بالصلوة حقيقتها وأما إذا كان المراد مواضعها كما مر أنه الراجح فلا قلت على هذا أيضا يمكن إجراء الدليل بأن يفرض أنه نذر أحد الاستيطان في المسجد في وقت الظهر مثلا وفرض الغرض المذكور فيلزم حينئذ أيضا وجوب الغسل مع عدم وجوب غايته فبطل الوجوب الغيري كما قررنا إلا أن يقال أن مرادهم من نفي الوجوب النفسي أنه لا وجوب نفسيا بحسب أصل الشرع وهذا في الحقيقة داخل في الوجوب بالنذر الذي استثنوه لكن لا يخفى أنه يتحقق وجوب الدخول بأصل الشرع أيضا بدون النذر مثل دخول المسجد الحرام للطواف

[ 31 ]

فإذا فرض هذا الغرض قبل دخول وقت الطواف يلزم الوجوب النفسي بحسب أصل الشرع أو يقال مرادهم نفي الوجوب النفسي بالاصالة وهذا وجوب بالتبعية وفيه بعد أو يمنع وجوب مقدمة الواجب وهذا المنع وإن كان موجها لكن الظاهر أن القائلين بالوجوب الغيري لا يقولون بوجوبه قبل دخول الوقت ولا ببدليته أيضا ولم يكتفوا بالاول فقط لا يقال لا نسلم التوقف على الغسل لانه حكم سبحانه تعالى بعده ببدلية التيمم له لانه تعلق ما بعده به لا ظهور له كما مر سابقا وعلى تقدير التسليم يفرض الكلام فيما إذا لم يمكن الغسل والتيمم جميعا وقت دخول الوقت فحينئذ يلزم ما ذكرنا وفيه كلام سيجئ عن قريب ولا يخفى جريان مثل هذا الاستدلال في قوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور بالنسبة إلى جميع الطهارات فتدبر ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة فقال إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم والاستدلال به من وجهين الاول أنه (عليه السلام) علق وجوب الغسل على الدخول فقط فلم يكن معلقا على غيره الثاني أنه علق وجوب المهر والرجم على الادخال ولا خلاف في أنهما غيره شرطين بعبادة من العبادات فكذا الغسل قضية للعطف وفيه ضعف ظاهر لان العطف لا يقتضي التساوي في جميع الامور بل التساوي في أن للادخال دخلا في وجوبهما كاف إلا يرى اشتراطه كل من المهر والرجم بشرط خلاف الشرط الاخر بل نقيضيه لان المهر مشروط بالعقد والرجم بعدمه والحق أن مثل هذا الاستدلال مما لا يليق بمن له وجدان سليم ومنها ما رواه (ره) ايضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل فقال الانصار الماء من الماء وقال المهاجرون إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي (عليه السلام) ما تقول يا أبا الحسن فقال علي (عليه السلام) أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من الماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل والاستدلال به أيضا من وجهين أحدهما من حيث تعليقه (عليه السلام) وجوب الغسل على الالتقاء فقط ولم يشترط بشئ آخر وثانيهما أنه أنكر (عليه السلام) إيجاب الحد والرجم بدون إيجاب الغسل وكان وجهه أن إيجاب الاصعب يقتضي إيجاب الاسهل بطريق الاولى ولا شك أنه يتحقق وجوب الاصعب وقت عدم وجوب الصلوة مثلا فيجب أن يتحقق وجوب الاسهل أيضا وإلا يلزم ما أنكره (عليه السلام) وفيه أن حمل كلامه (عليه السلام) على هذا المعنى يقتضي ظاهر أن يكون من باب القياس الذي تواتر عنهم (عليه السلام) منعه وإنكاره إذ لا أولوية في إيجاب أسهل العقوبتين عند إيجاب أصعبهما كما لا يخفى وحينئذ فلا بد أما أن يقال أنه إلزام لهم حيث أنهم كانوا قائلين بالقياس إن جوز البحث الالزامي مع اعتقاد بطلانه لمصلحة مثلا كما ورد في باب القيافة أو يقال أنه ليس بحثا إلزاميا بل إنما أنكر (عليه السلام) قولهم هذا مع مخالتفه لاعتقادهم في أصل كلامه (عليه السلام) أنه استبعد منهم أولا وقال أنكم كيف تقولون بهذا القول مع أنه مخالف لمعتقدكم من صحة القياس ثم بعد ذلك بين الحكم بقوله (عليه السلام) إذا التقى الختانان ويؤيده قوله توجبون ولا توجبون ولا يجب ولا يجب فتأمل وعلى التقديرين لا يبقى الحجية مجالها أو يقال أن استنادا لامور الثلاثة إلى شئ واحد كأنه كان أمرا معلوما فقال (عليه السلام) لم تسندون إثنين منهما إليه دون الاخر لكن يأباه قوله (عليه السلام) صاعا من ماء أدنى باء كما يحكم به الوجدان إلا أن يقال التعبير بهذه العبارة كأنه للاشعار بالالزام وعلى هذا أيضا لا دلالة لجواز معلوميته استناد كل منهما إلى الادخال بشرايط مخصوصة والله أعلم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن إسماعيل قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها أعليها غسل فقال إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر وغير البكر وكذا ما رواه أيضا عن الحلبي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المفخذ عليه غسل قال نعم إذا أنزل والروايات الواردة بهذا المضمون كثيرة ووجه الاستدلال في الجميع واحد وهو تعليق الوجوب على مجرد الالتقاء والانزال فلا يشترط بشئ آخر ويجاب عن جمسع الاستدلالات التي بهذا الوجه بأن الاشتراط كأنه كان أمرا معلوما شايعا فلم يحتاجوا إلى التعرض له كالاطلاقات الواردة في باب الوضوء وغسل الثوب وغير ذلك وقد عرفت ما فيه سابقا في باب الوضوء من أنه ممنوع علم معلومية الاشتراط وشيوعه إذ مجرد الاحتمال غير كاف وإن كان المقام مقام المنع لما مر والاستدلالات التي ذكروها على الاشتراط قد عرفت حالها والتمسك بأصالة البرائة أيضا ضعيف بعد وجود الظواهر الدالة على شغلها كيف ولو كان أصل البرائة معارضة للظواهر لما ثبت حكم من الاحكام المظنونة نعم إنما يصلح متمسكا عند عدم ظاهر مخرج عن الاصل وهو ظاهر وقد يستدل أيضا على الوجوب النفسي بأن القول بالوجوب الغيري والقول بفساد صوم من أصبح جنبا عامدا مما لا يجتمعان مع أنهم قايلون بالثاني فانتفى الاول وجه المنافاة أن الوجوب بالغير إنما يلزمه عدم وجوب الغسل ما لم يجب غايته كما يعترفون به أيضا فلم يكن الغسل للصوم واجبا في الليل إذ لم يجب الصوم بعد فلم يكن الصوم المذكور فاسدا وجوابه ما مر في تحريم محل النزاع فتذكر والشهيد الثاني (ره) تخيل أن وجه المنافاة التي إدعاها المستدل هو أن الصوم لما لم يكن مشروطا بالغسل فلم يكن الغسل واجبا له فإذا انحصر الوجوب في الغيري لزم أن لا يفسد صوم من أصبح جنبا عامدا ثم أجاب عنه بأن عدم اشتراط الصوم بالغسل ممنوع بل القايلون بفساد

[ 32 ]

الصوم المذكور قايلون باشتراطه بالغسل في الجملة ولا يخفى عليك أن الحق في التوجيه ما ذكرناه لان هذا في غاية السقوط وكلام العلامة (ره) في المنتهى أيضا يشير إلى ما ذكرناه والظاهر أن هذا الاستدلال منه وهو أعرف بمقصود وقد أيد أيضا بما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك قال إن الله يتوفى الانفس في منامها ولا يدري ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل وجه التأييد أنه إذا لم يكن واجبا لنفسه فلا وجه لخوف الموت في النوم قبل الغسل إذ الظاهر من الرواية أن احتمال الموت إنما يخاف منه لاجل فوات الغسل فقط لا لاجل فوات غايته والحكم عليه بالتأييد لا لاستدلال الاحتمال أن يكون الامر فيه للندب ويكون ملاقاة الله تعالى متطهرا أمرا محبوبا فيستحب الغسل قبل النوم لاحتمال الموت فيه وقوة ذلك المعنى منه احتمالا قريبا وأنت تعلم أن القايلين بالوجوب النفسي أيضا لا يقولون بالتضييق والعصيان بترك الغسل إذا مات في النوم ما لم يظن بالموت فلا بد من حمل كلامه (عليه السلام) المشعر بالتضيق والتعجيل ظاهرا على الاستحباب البته وحينئذ ففي التأييد أيضا نظر لان القايلين بالوجوب الغيري أيضا قايلون بالاستحباب قبل دخول الوقت فتأمل وأيد أيضا بالروايات الدالة على وجوب تغسيل الميت غسل الجنابة إذا مات جنبا مثل ما رواه الشيخ (ره) في الزيادات في باب تلقين المحتضرين عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزيه من الماء قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة وما رواه أيضا في هذا الباب عن عيص عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلت عن رجل مات وهو جنب قال يغسل غسلة واحدة بماء ثم يغسل بعد ذلك إلى غير ذلك من الروايات وجه التأييد أنه أوجب غسل الجنابة على من مات جنبا وهو أعم من أن يكون بعد وجوب غايته عليه أو قبله فلو لم يكن الغسل واجبا عليه قبل وجوب غايته حال الحيوة لم يجب عليه أيضا بعد الوفاة وفي هذا التأييد أيضا نظر لان الاوامر الواردة في هذا الباب أما للوجوب أو للندب وعلى الثاني لا تأييد أصلا لان غاية ما يلزم من استحبابه بعد الموت استحبابه حال الحيوة ولا نزاع فيه وعلى الاول الفرق ظاهر بين الحالين لان أحديهما حالة ملاقات الله تعالى وملائكته فلا بعد في أن يجب عليه الغسل فيها ليكون متطهرا بخلاف الاخرى هذا غاية ما يمكن أن يستدل به من الجانبين وقد عرفت ما في أكثرها من الضعف فالمسألة موضع اشكال وإن كان النفس إلى الوجوب النفسي أميل أعاذنا الله من ميلها وهواها ووفقنا للامور التي يحبها ويرضاها لاطلاق الروايات التي تقدمت من غير معارض قوي يصلح للمعارضة كما ذكرنا والشهرة العظيمة التي في باب الوضوء والروايات الدالة على وجوبه بالغير اللتان يرجحان طرف الوجوب الغيري مفقودة ها هنا أيضا لان معتقد القدماء غير معلوم وإن كان بعض عباراتهم يشعر أدنى إشعار بالوجوب الغيري والمتأخرون المتعرضون لهذا الخلاف ليس أكثرهم أيضا قايلين بالوجوب بالغير ظاهرا وقد عرفت عدم الاطلاع أيضا على الرواية بهذا المعنى فإذن الراجح في النظر أدنى ترجيح خلافه والله تعالى و رسوله وأهل الذكر (عليه السلام) أعلم وأما حال الاغسال الاخر فمما يمكن أن تستنبط بعضا منه من البابين وسيجئ تفصيله إنشاء الله تعالى وكذا التيمم يمكن استنباط بعض أحواله من حال مبدليه وسيأتي مشروحا في بابه إنشاء الله تعالى تتمة إذا كان الوضوء أو الغسل أو التيمم ممكنا قبل دخول الوقت ويعلم المكلف عدم إمكانه بعد الدخول فهل يتفرع وجوبه حينئذ مضيقا والعصيان بتركه وعدمهما على الخلاف السابق أو لا وعلى التقديرين ما الحال فيه ظاهرا فاعلم أني لم أقف إلى الان على كلام الاصحاب في هذا الباب سوى النزر والقليل الذي سيذكر في باب التيمم مما له أدنى ارتباط به لكن ما يقتضيه النظر أن الظاهر عدم تفريع التضيق وعدمه في هذا الحال على الخلاف المذكور لان القائلين بالوجوب النفسي لا يقولون بالتضيق بمجرد ذلك الوجوب ما لم يتضيق وقت العمر ولا مدخل لتضيق وقت التطهر لاجل الصلوة وأما القائلون بالوجوب الغيري فظاهر عدم قولهم بالوجوب حينئذ بناء على اعتقادهم من أنه لا يجب ما لم يجب مشروطه وإن الوجوب بالغير مستلزم لهذا المعنى ولو قطع النظر عن ذلك الاعتقاد لعدم ظهور مستند له وقيل بالوجوب بالغير كما يدل عليه في خصوص الوضوء الروايات المتقدمة في صدر الكتاب الدالة على وجوب الوضوء للصلوة فالظاهر أنه يستلزم وجوب الوضوء في الفرض المذكور كما يستلزم التضيق عند تضيق وقت الصلوة بلا تفاوت كما هو الظاهر ويحكم به الوجدان عند التأمل فيما إذا قال السيد لعبده إفعل الشئ الفلان بتحصيل الغرض الكذائي في وقت الظهر مثلا على أن يكون الظرف ظرفا للتحصيل لا لافعل بل يكون هو مطلوب ثم علم العبد أنه إذا لم يفعل ذلك الشئ في الصبح مثلا لم يكن فعله بعده إلى الظهر ويفوت بذلك غرض السيد فإنه يحكم حينئذ بتضيق وجوب ذلك الفعل على العبد وبإثمه بتركه في وقت الصبح كما يحكم بتضيقه عليه إذا لم يفعله إلى الظهر ويتمكن منه حينئذ وهذا الوجه كما ترى مخصوص بالوضوء لعدم الاطلاع على ما يدل على هذا المعنى في أخويه كما ذكرنا سابقا ولا يذهب عليك أن القايلين بالوجوب النفسي أيضا لا بد أن يقولوا بالوجوب في هذه الصورة بناء على هذا الدليل لان هذا الوجوب إنما يتفرع على الوجوب للصلوة فقط لا على انحصار الوجوب فيه وقد عرفت أن الظاهر أنهم قائلون به أيضا وهؤلاء أيضا بالنظر إلى هذا القول يمكن افتراقهم

[ 33 ]

فرقتين فالخلاف المثمر في هذا الباب الخلاف في الاستلزام المذكور وعدمه فالقائلون بالوجوب الغيري المدعون للاستلزام المذكور وإن لم يقولوا بالوجوب لكن لا يخفى أن محافظة الماء إذا كان ممكنا إلى دخول الوقت يلزم عليهم القول بوجوبها في بعض الصور بالدليل المذكور وعلى هذا إذا أمكن في الصورة المذكورة كل من الوضوء خارجا الوقت ومحافظة الماء إلى الوقت كان المكلف مخيرا بين الاتيان بالوضوء وجوبا موسعا على قول وندبا على الاخر وبين محافظة الماء إلى مجئ الوقت وإن لم يمكن المحافظة بل الوضوء خارج الوقت فقط فيجب الوضوء مضيقا على قول ويستحب على الاخر وإن أمكن المحافظة فقط تعين ولهذا المطلب مسلكان آخران أحدهما التمسك بالروايات الدالة على عدم صحة الصلوة بدون الطهارة مثل لا صلوة إلا بطهور والصلوة ثلاثة أثلاث وجه الاستدلال أن المكلف مأمور بالصلوة أمرا مطلقا وقد دلت الروايتان على أن الصلوة لا يكون إلا بالطهور فالصلوة المأمور بها إنما هي الصلوة المقرونة بالطهارة وذلك يتوقف في الصورة المفروضة على الطهارة قبل الدخول فيكون واجبا بناء على وجوب ما يتوقف عليه الواجب وهذا الاستدلال كما ترى لا يدل على وجوب خصوص الغسل والوضوء خارج الوقت إذا علم عدم إمكانهما في الوقت لان التيمم أيضا طهور كما مر نعم إذا علم أنه لا يمكن التيمم أيضا في الوقت ففيه تفصيل يعلم بالتأمل والثاني في التمسك بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغتسلوا الاية وجه الاستدلال أنه أمر بالوضوء عند قيام الصلوة أمرا مطلقا وهو في الصورة المفروضة يتوقف على محافظة الماء إلى الوقت فيكون واجبا وقس عليه الاستدلال بصحيحة إذا دخل الوقت وهذا الاستدلال مخصوص بالوضوء ووجوب محافظة الماء للوضوء ولا يدل على وجوب الوضوء خارج الوقت ولا محافظة الماء للغسل والتراب للتيمم لجواز أن لا يكون جملتا الغسل والتيمم معطوفتين على فاغسلوا وقد يناقش في هذا الدليل بأن إطلاق الامر بالوضوء حال القيام إلى الصلوة لجواز أن يكون جملة التيمم معطوفة على فاغسلوا وحينئذ يكون الامر بالوضوء في تلك الحالة مشروطا بوجدان الماء لان قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا يدل على أن الامر بالتيمم في حال عدم وجدان الماء وقرينة المقابلة تدل على أن الامر بالوضوء مشروط بوجدان الماء وعلى هذا لا يجب محافظة الماء إلى دخول الوقت ولا يخفى ما فيها لا يقال من يقدر على وجدان الماء في تلك الحال ولو تنزل عن دعوى التبادر فلا أقل من عدم التبادر في خلافه فآل الامر إلى الشك فلا يبقى الظن بإطلاق الامر فإن قيل الامر الاول مطلق فيجب حمله على إطلاقه حتى يثبت مخصص ومقيد والقدر الذي يثبت من جملة التيمم على تقدير عدم التبادر في احدهما تخصيصه بحال عدم القدرة على وجدان الماء فيجب الحكم به في هذه الحال وأما الحال الاخر فيلزم بقائه تحت إطلاق الحكم قيل لا نسلم وجوب حمل المطلق على إطلاقه حتى يثبت التقييد مطلقا بل فيما لا يكون في الكلام الذي فيه المطلق ما يجوز أن يخصصه ونقيده كما فيما نحن فيه والحاصل أن الكلام إنما يتم بآخره فلو كان في الكلام مطلق ولم يجئ بعده شئ يحتمل أن يقيده فيحصل الظن بإطلاقه ويكون معمولا به حتى يظهر خلافه وأما إذا جاء بعده ذلك الشئ فحينئذ لم يحصل الظن بالاطلاق حتى يتبع إلى ظهور الخلاف هذا ولا يذهب عليك أنه على تقدير تمامية الدليل إذا كان المكلف في الفرض المذكور قادرا على محافظة الماء إلى الوقت والوضوء خارجه يكون مخيرا بين الوضوء والمحافظة ولو كان قادرا على الوضوء فقط دون المحافظة فلا يحكم بالوجوب عليه بناء على هذا الدليل نعم بالدليل الاخر وعلى تقدير ورود المنع إذا علم التمكن من التراب في الوقت فلا يجب محافظة الماء وإذا علم عدم التمكن فإن كان محافظة التراب أيضا ممكنة إلى الوقت فيتخير بينها وبين محافظة الماء أو الوضوء قبل الوقت إن أمكن بناء على كفايته وإن لم يمكن محافظة التراب بل محافلظة الماء فقط ففيه إشكال ينشأ من أن قوله تعالى فلم تجدوا على تقدير كونه معطوفا على فاغسلوا هل يصير قرينة على اشتراط الوضوء بوجدان الماء في الوقت أو على اشتراطه بعدم وجوب التيمم فعلى الاول لا يجب محافظة الماء حينئذ وعلى الثاني يجب وعلى تقدير ظهور أحد الاحتمالين الحكم واضح وعلى تقدير التساوي فالامر كما مر آنفا فتأمل (ويستحب الوضوء لندبي الصلوة والطواف) لا يخفى عليك بعد ما سبق في باب الوجوب إن استحباب الوضوء للصلوة المندوبة أيضا إنما يتم بأمرين أحدهما الامر بالوضوء والثاني الاشعار بأنه للصلوة ويفتقر أيضا إلى أن لا يكون الامر أمرا إيجابيا لكونه لازما للامرين الاولين إذ لا يعقل وجوب شئ مع عدم وجوب غايته وما يتوهم من وجوب الوضوء للصلوة المندوبة بناء على استحقاق العقاب إذا ترك الوضوء وأتى بالصلوة كما يدل عليه بعض الروايات بل الاجماع أيضا ظاهرا ساقط لان استحقاق العقاب حينئذ ليس لترك الوضوء بل لفعل الصلوة بدون الوضوء إذ لو لم يصل لم يكن مستحقا للعقاب نعم الوجوب بمعنى الشرطية كما في بعض الاصطلاحات ثابت للوضوء بالنسبة إليها ولم نقف في الروايات على ما يدل على الامر بالوضوء للصلوة المندوبة مطلقا بل في بعض الصلوات بخصوصه نعم الاشتراط في الجميع يدل عليه الروايات مثل قوله (عليه لسلام) لا صلوة إلا بطهور والصلوة ثلاثة اثلاث فحينئذ أما أن يتمسك في عموم الاستحباب للصلوة المندوبة بعموم الاشتراط بناء على أن شرط المستحب مستحب كما أن شرط الواجب واجب أو بالاجماع كما نقله العلماء

[ 34 ]

وأما استحبابه للطواف المندوب واشتراطه به وعدمه فسيجئ إنشاء الله تعالى في كتاب الحج وحمل المصحف لم نقف في الرواية على ما يدل عليه والعلامة (ره) في المنتهى والنهاية والمصنف (ره) في الذكرى عللاه بالتعظم ولا يخفى إن إثبات الحكم به مشكل لكن لا بأس بالقول به للشهرة بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بناء على التسامح في أدلة السنن وهاهنا بحث لا بد من التنبيه له لنفعه في امتثال هذه المواضع وهو أنه قد اشتهر بين العلماء إن الاستحباب إنما يكتفي فيه بالادلة الضعيفة وأورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما والاكتفاء فيه بالضعاف وأجيب عنه بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك المستند الضعيف بل بما رواه ثقة الاسلام (ره) في أصول الكافي في باب من بلغه ثواب من الله على عمل بطريق حسن بإبراهيم بن هاشم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه ويؤيده ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن كما بلغه ولا ريب أن السند الاول سند معتبر معول عليه سيما مع انضمامه بما يؤيده ويعضده فيكون صالحا للاحتجاج وقد ذكر بعض العلماء ورود هذا المضمون بطريق صحيح أيضا ولم أره في الكتب الاربعة المشهورة لكن رأيته في كتاب المحاسن للبرقي ولعله أراد ذلك ويخدش الجواب بعد تسليم صحة الاحتجاج بأمثال هذه الاسانيد بأن مفاد الروايتين أنه وإذا روى إن في العمل الفلاني ثوابا كذا مثلا فعمل أحد ذلك العمل رجاء لذلك الثواب فإنما يؤتاه وإن كان ما روى خلاف الواقع لا أنه إذا روى أصل العمل أيضا كان الاتي به مثابا والفرق بينهما ظاهرا لا أن يقال الاخبار بأن الفعل الفلاني قد أمر به يستلزم الاخبار بأن فيه ثوابا إذ الامر يستلزم الثواب فإذا فعل ذلك الامر رجاء للثواب لزم أن يؤتاه به بناء على الروايتين فإن قلت الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب أيضا فلم خصص الحكم بالمستحب قلت الامر كما ذكرت من شمول سماع الثواب على شئ للواجب والمستحب لكن الروايتين لا يدلان على الوجوب بعد السماع إذ غاية ما يدلان عليه أنه إذا فعل أحد بعد السماع يكون مثابا وذلك إنما يستلزم رجحان فعله لا فساد تركه فيكون الفعل مستحبا فعلى هذا إذا روى الامر الوجوبي بشئ بطريق ضعيف لكان فعله مستحبا لما ذكرنا وما ترى يفعل الاصحاب من حمل الروايات الضعيفة الدالة على الوجوب صريحا إن ظاهرا أو احتمالا مساويا للندب على الاستحباب إنما هو بمعنى أن الحكم بالنسبة إلينا الاستحباب لما عرفت لا أنهم يحملون الامر في الرواية على الاستحباب فاعلم هذا ينفعك في بعض المواضع ويخدش أيضا بأن بين الرواتين وبين ما يدل على عدم العمل بقول الفاسق من قوله تعالى إن جائكم فاسق بنبأ الاية عموما من وجه ولا تصريح فيهما بأنه إذا عمل بقول الفاسق أيضا لكان يحصل الثواب لان عدم كون الحديث كما بلغ لا يستلزم أن يكون راويه فاسقا كما لا يخفى ولا ترجيح لحمل الثاني على الاول فلم لم يعكس ويخص سماع الثواب من العدل ويمكن أن يقال الاية دالة على عدم العمل بقول الفاسق بدون التثبت والعمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايتين ليس عملا بلا تثبت ولا يتوهم تخصيص الروايتين لها حينئذ إذ بهما يخرج بعض الافراد عن عنوان الحكم لا عن الارادة وليس هذا تخصيصا وقد مر توضيحه في فواتح الكتاب ويخدش أيضا بأن المسألة أي ثبوت الاستحباب بالادلة الضعيفة إنما هو من مسائل الاصول على المشهور وجواز الاكتفاء فيه بالظن الحاصل من خبر الواحد محل إشكال ولتحقيق الكلام في هذا المقام موضع آخر وبالجملة الجواب لا يخلو عن شائبة لكن اشتهار العمل بهذه الطريقة بين الاصحاب من غير نكير ظاهر بل بين العامة أيضا مما يجرء النفس ويشجعها عليه لعل الله يقبل عذرها ولا يؤاخذها به ولا يخفى أن حكم مس المصحف المندوب حكم الحمل في شهرة استحباب الوضوء له بين الاصحاب فلا بأس بالقول به وكان المصنف إنما اقتصر على الحمل ليحمل المس عليه بطريق الاولى (وأفعال الحج الباقية) سيأتي إنشاء الله تعالى في بابه (وصلوة الجنازة) هذا الحكم أيضا مشهور بين الاصحاب والذي يدل على عدم وجوبه من الروايات ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في الباب التالي لباب الصلوة على الاموات في الموثق عن يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء فقال نعم إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب من يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء وفي الفقيه في باب الصلوة على الميت وما روي في الكافي أيضا في الباب المذكور عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يفجأه الجنازة وهو على غير طهر قال فليكبر معهم لكن يمكن حمل هذه الرواية على الاضطراري كما يشعر به لفظ يفجأه وما يدل على استحبابه ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن عبد الحميد بن سعيد قال قلت لابي الحسن (عليه السلام) الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فإن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلوة يجزي أن أصلي عليها وأنا على غير وضوء قال تكون على طهر أحب إلي وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم بأدنى تغيير لكن يمكن أن يقال أن الظاهر من الطهر في كلام الامام (عليه السلام) التيمم لان السائل إنما سأله (عليه السلام) عن الحال التي لا يمكن فيه الوضوء فحكمه (عليه السلام) فهذه الحال باستحباب الطهر لا بد من حمله على التيمم كما هو الظاهر وبالجملة الامر واضح بعد حصول

[ 35 ]

الشهرة العظيمة وطلب الحاجة هذا أيضا مما اشتهر بينهم ويتمسك فيه بما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم يقض فلا يلومن إلا نفسه ودلالته على المطلوب غير واضحة لان مفاد إن الحاجة بدون الوضوء لم يقض فينبغي أن يطلب الحاجة في حالة ما إذا توضأ بالوضوء الذي رخص فيه من الشارع لانه عبادة موقوفة على الاذن وليس فيه دلالة على الاذن والرخصة للوضوء في وقت طلب الماء كما يشهد به الفطرة السليمة لكن الامر فيه أيضا واضح كما تقدم (وزيارة القبور) لم نقف فيه أيضا على مستند سوى الشهرة وقد ذكروا أن به رواية مختصة بمقابر المؤمنين ولم أرها (وتلاوة القرآن) هذا أيضا بما لا يحصل الاطلاع على مستنده سوى الشهرة أو التعظيم بشعائر الله تعالى كما ذكر في الحمل (والتأهب للفرض قبل وقته) أي التهئ له من الاهبة بمعنى الاستعداد قال في الصحاح تأهب أي استعد واستدل عليه باستحباب الصلوة أول الوقت وهو موقوف على الوضوء قبله وفيه أن استحباب الصلوة أول الوقت الحقيقي غير معلوم إذ ما يدل على استحبابه ينبغي أن يحمل على الاول العرفي لتقدم الحقيقة العرفية على اللغوية كما بين في موضعه والصلوة في أول الوقت العرفي لا يتوقف على الوضوء قبله ويمكن أن يقال لا شك أن الاول العرفي لا يباين الاول الحقيقي وإن كان أعم منه فحينئذ نقول إذا ورد الامر مطلقا بالصلوة في أول الوقت فيكون الاول الحقيقي أيضا داخلا تحته وإن حمل على العرفي ويستفاد منه الاستحباب فأيضا بناء على إطلاق الامر وعدم تقييده وإذا كان الصلوة في الاول الحقيقي مطلقا فلا شك أن في بعض الاوقات يتوقف على الوضوء قبل الوقت مستحبة فيكون الوضوء قبله مستحبا أيضا لقضية التوقف وفيه كلام سيجئ عن قريب وعلل العلامة (ره) في النهاية هذا الحكم بالخبر ولم يحصل الاطلاع عليه والكون على الطهارة بالجر عطف على ندبي أو التأهب ولما كان الكون على الطهارة أثرا من آثار الوضوء لا نفسه صح الحكم باستحباب الوضوء له وما استند إلى المصنف (ره) من أنه حكم في مثل هذه العبارة بعدم جواز الخبر لانه بمنزلة أنه يستحب الوضوء للكون على الوضوء وهو فاسد وكذا الرفع على أن يكون فاعل يستحب إذ معنى الكلام أنه يستحب الوضوء ويستحب الكون على الوضوء وهو تكرار بل يجب رفعه على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر وهو مستحب فاسد لما عرفت ولان التكرار في صورة كونه فاعلا ليستحب لان المذكور سابقا استحباب الوضوء لاجل الغايات المذكورة وهذا استحباب الوضوء في نفسه مع أن فيما اختاره أيضا التكرار الذي زعمه موجود هذا والمراد من استحباب الوضوء للكون على الطهارة أن يكون الغرض منه هذا الاثر في نفسه بدون أن يكون الغرض من هذا الاثر شئ آخر بخلاف الصور السابقة لان الغرض منه غيره من الصلوة والطواف ونحوهما واعلم أن الحكم أيضا ليس له مستند ظاهر سوى الشهرة على ما اطلعنا عليه وقد يؤخذ من قوله تعالى أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وفيه ضعف ومن قوله (عليه السلام) المؤمن معقب ما دام متطهرا وهذا أضعف ثم أن فيما ذكروه من كون الكون على الطهارة غاية برأسها أيضا خفاء إذ وجود حالة في المكلف عقيب الوضوء سوى حصة وقوع الاشياء المتوقفة على الوضوء كمالا أو صحة منه كاملا أو صحيحا غير معلوم وأكثر ما ورد الطهر في الروايات يحمل على نفس الفعل والبعض الذي لا يمكن حمله على نفس الفعل يجوز أن يكون المراد من الصحة المذكورة وعلى هذا يدخل الكون على الطهارة تحت الامور السابقة فكيف يجعل غاية برأسها والفرق بينهما بإثبات معنيين أحدهما صحة وقوع الفعل من المكلف أو كون الفعل بحيث يصح وقوعه من المكلف والثاني كون المكلف بحيث يصح منه الفعل لا عبرة به في نظر الفقيه كما لا يخفى وسيجئ مزيد بسط في البحث لهذا (وكل هذه يرفع الحدث ويبيح الصلوة) أعلم أنه قد تكرر وتكثر في كلام الاصحاب (رضي الله عنه) ذكر رفع الحدث واستباحة الصلوة ونحوها والظاهر أن مرادهم بالحدث حالة يحصل في باطن المكلف عقيب البول والغايط ونحوهما مما يعد إحداثا شبيهة بالنجاسة الظاهرة وذلك يستلزم عدم إباحة الصلوة ونحوهما مما يتوقف صحته وجوازه على الوضوء والغسل بما تقدم وكذا عدم كمال القرائة وغيرها مما لم يتوقف صحته وجوازه عليهما بل فضله وكماله و من ارتفاع هذا المعنى يستباح الصلوة ويصح استكمال القرائة مثلا وكأنهم يدعون أيضا أن الامر بالطهارة لما يتوقف صحته أو جوازه عليها وكذا لما يتوقف فضيلته وكماله إنما هو لاجل أن يرتفع المعنى المذكور ليمكن وقوع الغايات صحيحا أو كاملا إلا فيما لا يمكن ارتفاع هذا المعنى مثل الوضوء لنوم الجنب وجماع المحتلم وغيرهما فإن الامر فيه ليس لذلك لعدم الامكان وعلى هذا الفرق بين رفع الحدث وبين استباحة الصلوة ظاهر وأيضا كأنهم زعموا أن الطهارة أيضا أمرا آخر ضد للحدث يحصل في باطن المكلف بعد رفع الحدث شبيه بالطهارة الظاهرة وإذ تقرر هذه الامور ظهر وجه ما ذكره المصنف (ره) أما في الوضوء للصلوة المندوبة فلان الصلوة المندوبة لما لم يصح بدون الوضوء فكان مانعها الحدث ويكون الامر بالوضوء لاجل ارتفاع ذلك المانع فإذا توضأ يلزم ارتفاعه وإذا ارتفع الحدث استباح الصلوة المفروضة أيضا لما مر من أنه متى ارتفع الحدث يستباح الصلوة وأما الوضوء للطواف المندوب فهو أيضا كذلك بناء على شرطية الوضوء له وأما على عدم الشرطية فلان كماله موقوف على الوضوء فيكون من جهة أن

[ 36 ]

الحدث مانع من كماله والوضوء لاجل زوال المانع فيلزم ما ذكر بعينه وقس عليه البواقي سوى الاخيرين فإن الاستدلال فيهما نحو آخر وأما الوضوء للتأهب للفرض فأمره ظاهر لانه في الحقيقة وضوء للصلوة أمر بتقديمه على الوقت استحبابا فلا شك في رفعه وإباحته وأما الوضوء للكون على الطهارة فلما عرفت من أن الطهارة صفة تحصل بعد ارتفاع الحدث فإذا أمر بالوضوء لهذا المعنى فينبغي أن يحصل بعده وهو إنما يحصل برفع الحدث فيلزم ارتفاعه ويلزم ما ذكرنا واعلم أن في جميع ما نقلنا من العموم نظرا أما أولا فبالمنع من وجود حالة في باطن المكلف شبيهة بالنجاسة وهو الحدث لعدم دليل عليه وما ورد في بعض الروايات إنما يحمل على معنى آخر وأما ثانيا فبالمنع من أن متى ارتفع ذلك المعنى يستباح الصلوة ونحوها وأما ثالثا فبالمنع من أن الغرض من الامر بالوضوء في جميع ما أمر له إلا ما استثنى إنما هو ارتفاع الحدث لم لا يجوز أن يكون شيئا آخر كما في الصور المستثناة وأما رابعا فبالمنع من كون الطهارة صفة وراء جواز الاتيان بالصلوة ونحوها صحيحا كاملا كما مر آنفا وفيه بعد لورود الطهارة في الروايات بمعنى آخر كثيرا بحيث لا تقبل المنع وعلى تقدير التسليم لا نسلم توقفه على رفع الحدث إذ يجوز أن يكون للطهارة مراتب أو معان مختلفة يحصل بعضها بدون ارتفاع الحدث كما ورد فيمن اغتسل غسل الجمعة أنه في طهر إلى الجمعة الاخرى مع أنه في بعض الاوقات محدث ألبتة والحاصل أن ثبوت الحقايق الشرعية لهذه الامور غير معلوم وعلى تقديره أيضا لم يتيقن عندنا بل يفهم من الروايات إطلاقه في موارد مختلفة فيجوز أن يكون لها معان متعددة أو معنى واحد له مراتب مختلفة بعضها يجامع الحدث وبعضها لا يجامع بل يجوز أن يكون للحدث أيضا مراتب مختلفة وكذا يجو أن يكون لخصوص الاوقات والساعات دخول في حصول بعض المراتب من الوضوء أو الغسل مثلا يجوز أن يحصل المرتبة التي لا يجامع الحدث من الوضوء في الوقت مثلا دون خارجه أو بقصد الصلوة مثلا دون غيرها فعلى هذا إذا أمر بالوضوء للكون على طهارة قبل الوقت فيجوز أن يكون تلك الطهارة التي تحصل من ذلك الوضوء والطهارة التي يجامع الحدث فلا يكفي في استباحة الصلوة بل لا بد فيه من الوضوء في الوقت ليحصل الطهارة التي لا يجامع الحدث وقس عليه الحال في الوضوء للاشياء المذكورة إذ يجوز أن يكون الغرض من الوضوء حصوله بعض مراتب الطهارة التي لا يكفي في الصلوة فظهر أن القول بامتثال هذه الوجود والدلايل مما لا يسمن ولا يغني من جوع بل لا بد من النظر في الروايات وعمومها وخصوصها وإطلاقها وتقييدها والترجيح على النحو المقرر المعمول فعلى هذا نقول قد ورد الامر العام بالوضوء عند القيام إلى الصلوة من قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة الاية فلا بد من حمله على ظاهره حتى يثبت المخصص والمخصص في الصورة التي توضأ المكلف قبل الوقت للامور المذكورة استحبابا غير ثابت لعدم تمام الدليل كما عرفت فيجب الحكم بوجوب الوضوء وكذا الحال في قوله (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة هذا في غير التأهب وأما في التاهب فنقول فيه أن الدليل الذي ذكر سابقا على استحبابه غير تام إذ على تقدير أن يكون الامر بالصلوة في أول الوقت عاما شاملا لاوله الحقيقي يكون معارضا بالعمومين المذكورين وحملهما عليه ليس أولى من العكس بل الامر بالعكس لعدم صراحته في العموم كما لا يخفى والشهرة بين الاصحاب وإن عول عليها في بعض المواضع لكن ليس مما لا يمكن الاعتماد عليه حال معارضتها للكتاب والسنة وبهذا ظهر إيراد آخر على أكثر الموارد المذكورة أيضا إذ ليس فيه مستند ظاهر سوى الشهرة كما عرفت وظهر أيضا حال الوضوء المندوب الذي ذكره القوم في باب الوجوب لنفسه ولغيره لان الظاهر مما ذكروه أما الوضوء للتأهب أو للكون وقد عرفت حالهما وعلى تقدير كونه فردا أيضا يعلم حاله بالمقايسة فتدبر اللهم إلا أن يمنع عموم الاية والرواية ونقول بوجوب الوضوء في بعض الاوقات مما وقع الاجماع عليه مثلا وما نحن فيه لما لم يكن فيه إجماع ولا دليل آخر فيحكم فيه بأصل البرائة والاستدلال بأن التكليف اليقيني لا بد له من البرائة اليقينية أيضا أجزاؤه ها هنا مشكل لان التكليف اليقيني إنما هو بالصلوة والطهارة خارجة عنها نعم وجوبها لها في بعض الصور ثابت بالاجماع أو نحوه فيحكم بوجوبها فيه وأما في البعض الاخر كما فيما نحن فيه فلا وعموم الاشتراط المستفاد من قوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور لا يجدي ها هنا أيضا لتحقق الطهور في فرضنا ولا يتوهم المنافاة بين هذا وبين ما ذكرنا من جواز كون الصلوة موقوفة على مرتبة معينة من الطهارة لاندفاعه بالتأمل واعلم أن بعضهم ادعى الاجماع على أن الوضوء المندوب الذي لا يجامع الحدث الاكبر مثل الوضوء لنوم الجنب مبيح للصلوة الواجبة المشروطة بالطهارة وهذا وإن كان الظاهر من كلام ابن إدريس حيث قال ويجوز أن يؤدى بالطهارة المندوبة والفرض بدليل الاجماع من أصحابنا لكن ذكر في موضع آخر ما يدل ظاهرا عل خلافه قال وإجماعنا منعقد على أنه لا يستباح الصلوة إلا بنية رفع الحدث أو بنية استباحة الصلوة بالطهارة وأما أن توضؤ الانسان بنية دخول المساجد والكون على طهارة والاخذ في الحوائج لان الانسان مستحب له أن يكون في هذه المواضع على طهارة فلا يرتفع حدثه ولا يستبيح بذلك الوضوء الدخول في الصلوة انتهى وحمله على أن المراد منه أن الوضوء الواجب بنية هذه الامور لا يبيح الصلوة لا الوضوء المندوب لا يجدي نفعا

[ 37 ]

لانه إذا كان الوضوء الواجب بنية هذه الامور لا يرفع الحدث فكذا المندوب وإذا لم يرفع الحدث لم يبح الصلوة لان بناء حكمهم بإباحة الصلوة إنما هو رفعه للحدث إلا بأن يأول بأن الوضوء لهذه الامور بدون نية الرفع أو الاستباحة لمشروط بالطهارة لا يصح لا أنه يصح ولا يبيح فلا يكون مخالفا للاجماع إذ الاجماع إنما هو على إباحة الوضوء المندوب إذا كان صحيحا وسيجئ لهذا زيادة بسط في مبحث النية إنشاء الله تعالى وكلام العلامة (ره) في التذكرة أيضا يدل ظاهرا على الاجماع حيث قال يجوز أن يصلي بوضوء واحد جميع الصلوات فرايضها وسننها ما لم يحدث سواء كان الوضوء فرضا أو نفلا وسواء توضأ لنافلة أو فريضة قبل الوقت أو بعده مع ارتفاع الحدث بلا خلاف كالمستحاضة فقولان انتهى ونسب الخلاف فيه إلى بعض الظاهر به لكن قوله سواء توضأ لنافلة أو فريضة مما يوهم أن الاجماع إنما هو في الوضوء للصلوة المندوبة ويؤيده أيضا المنتهى ذكر هذا الاتفاق والخلاف من الظاهر به في خصوص الوضوء للصلوة المندوبة والواجبة وكلام الشيخ في المبسوط أيضا يشعر أدنى إشعار بعدم إباحة الوضوء لدخول المساجد مثلا للصلوة وإن كان يمكن أيضا حمله على ما حملنا كلام ابن إدريس (ره) وبالجملة إثبات الاجماع لا يخلو من اشكال ومراعاة الاحتياط يقتضي أن لا يترك الوضوء في الوقت لاجل الصلوة إذا توضأ قبله لما الطهارة مكملة له بل لغير الصلوة المندوبة نعم إذا توضأ في الوقت لهذه الامور مندوبا ومنعنا حكم القول بمنعه كما سيجئ إنشاء الله تعالى لكان الاجتزأ به لا يخلو عن قوة لصدق الامتثال ظاهر أو عدم الاحتياط إلى قصد الوجوب والندب في النية ومنع استحالة اجتماعهما وكذا الاجتزاء به في الصلوة الواجبة غير اليومية إذ ليس ما يدل على عموم وجوب الوضوء لها لجواز كون اللام في الاية للعهد ويكون المراد اليومية لتبادرها وتعارفها والعمومات الدالة على أن لا صلوة إلا بطهور لا ينافيه لان غاية أما يستفاد منها أنه لا بد في الصلوة من الطهور وهذا أيضا طهور وعلى تقدير الامر العام بالوضوء أيضا وجوبا حديث صدق الامتثال بحاله هذا ثم إن السيد الفاضل صاحب المدارك بعد أن زيف الاستدلال على هذا المطلب بأنه متى شرع الوضوء كان رافعا للحدث إذ لا معنى لصحة الوضوء إلا ذلك ومتى ثبت ارتفاع الحدث انتفى وجوب الوضوء قطعا بما يستفاد مما ذكرها سابقا من جواز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه وإن لم يكن رافعا كما في الاغسال المندوبة عند الاكثر قال والاجود الاستدلال عليه بعموم ما دل عليها من الوضوء لا ينقض إلا بالحدث كقوله (عليه السلام) في صحيحة إسحاق بن عبد الله الاشعري لا ينقض الوضوء إلا حدث وفي صحيحة زرارة لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك والنوم وغير ذلك من الاخبار الكثيرة ويؤيده ما رواه عبد الله بن بكير في الموثق عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا استيقنت إنك أحدثت فتوضأ وإياك إن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت انتهى كلامه (ره) وفيه نظرا ما أولا فلان نقض الوضوء عبارة عن رفع حكمه ونسخ أثره المترتب عليه فمقتضى الروايتين الاوليين على هذا أن الاثر المترتب على الوضوء لا يرتفع إلا بالحدث وإذا اعترف هو نفسه بأن أثر الوضوء في هذه المواضع يجوز أن يكون وقع تلك الغايات المترتبة عليه عقيبه وإن لم يقع رافعا كما نقلنا آنفا فلم يبق فيها دلالة على ما ادعاه أصلا توضيحه إن حاصل ما استدل به (ره) أن مقتضى الروايات الكثيرة عدم انتقاض الوضوء إلا بالحدث فمتى لم يقع حدث فالوضوء باق بحاله فيقرر حكمه فيجوز الدخول به في الصلوة الواجبة والايراد عليه بأن تقرير حكم الوضوء وبقائه بحاله لا يستلزم استباحة الدخول به في الصلوة لانك اعترفت آنفا بأن حكم الوضوء في هذه المواضع يجوز أن يكون غير رفع الحدث ومتى لم يرتفع الحدث لم يتسبح الدخول في الصلوة فيحقق هذا الحكم ويقرره لا فائدة له أصلا نعم لو ثبت أن حكمه رفع الحدث لكان كما ذكره وحينئذ لا حاجة إلى التطويل ويرجع إلى الدليل الذي زيفه فإن قلت لا ضير في تجويز كون أثر الوضوء في هذه المواضع وقوع غايته عقيبه ومنع كونه رفع الحدث إذ به أيضا يتم ما ادعاه لان حاصل الاستدلال أنه إذا ثبت أن الحدث ينقض الوضوء فلو لم يكن الوضوء في هذه المواضع رافعا للحدث لكان الحدث السابق باقيا بحاله فينقض الوضوء ويرفع أثره الذي وقوع غايته عقيبه فيصير عبثا قلت لا دلالة في الروايتين إلا على أن الحدث ينقض الوضوء في الجملة لا أن كل حدث ينقض الوضوء وهو (ذا) فحينئذ يجوز أن يكون الحدث اللاحق ناقضا للوضوء لوروده على الوضوء دون السابق لورود الوضوء عليه ونظيره مما يرد عليه ونظيره مما يرد في الاحكام الشرعية مثل تنجيس الماء القليل لورود النجاسة عليه لا وروده عليها كما قيل على إنك قد عرفت منع ثبوت صفة مسماة بالحدث يكون أثرا من البول والغايط ونحوهما وحينئذ فما في الروايات نقض تلك الاشياء للوضوء لا أثرها فانتقض الدليل وأما ثانيا فلان الرواية التي أوردها للتأييد إنما يصلح له لو كان المراد منها أنه إذا استيقنت إنك أحدثت توضأ ولا تتوضأ بعد ذلك الوضوء إلا إإذا أحدثت وهو ممنوع بل يجوز أن يكون المراد إنك أذا استيقنت بالحدث توضأ ولا تتوضأ أبدا بدون اليقين بالحدث فيكون منطوق الجزء الاخير مفهوم الجزء الاول و حاصله المنع من التوضأ بسبب الشك وهذا أظهر من الاول كما يشهد به الوجدان فإن قلت لا حاجة إلى حمله على المعنى الاول حتى يكون مؤيدا بل على هذا المعنى أيضا يصلح للتأييد لانه إذا نهى عن الوضوء بدون يقين الحدث ولا شك أن فيما نحن فيه لا يقين به لجواز أن يكون الوضوء السابق وأفعاله فلا يجوز الوضوء

[ 38 ]

فثبت الظاهر قلت عدم اليقين بالحدث في الصورة المذكورة ممنوع إذ اليقين بالحدث المتقدم على ذلك الوضوء حاصل والرافع له غير متيقن لح جواز أن لا يكون ذلك الوضوء وأفعاله كما ذكرنا وقد ورد في الاخبار أن اليقين لا ينتقض إلا باليقين فيكون الحكم اليقين السابق باقيا بحاله فالوضوء للصلوة بعد الوضوء السابق ليس مما حذر عنه لمصادفته اليقين الشرعي وأيضا على تقدير أن يكون المراد المعنى الاول نقول أن قوله (عليه السلام) فتوضأ أمر وظاهره الوجوب فالمنع عن الوضوء بعده حين يحصل اليقين بحدث آخر منع عن الوضوء بعد الوضوء الواجب فلا دلالة على المدعى ولا يخفى أن النسخ مختلفة في هذه الرواية ففي بعض نسخ الكافي بالطريق الذي ذكره (ره) وفي بعض أخرى منها وفي نسخ التهذيب بهذه الطريقة إذا استيقنت إنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت وعلى هذه النسخة دلالتها على المراد ظاهرا ولا يرد ما أوردنا عليه نعم يمكن المناقشة بأنه يجوز أن يكون المراد النهي عن إحداث الوضوء بسبب الشك لا المنع عن الاحداث مطلقا كما ذكرنا في فواتح الكتاب والعجب أنه قد أورد في التأييد النسخة الغير المشهورة مع عدم ظهور دلالتها وترك النسخة المشهورة مع ظهورها وكأنه لم يكن في نسخة (ره) هكذا هذا وأما القول بأنه يعتبر في الوضوء لهذه الاشياء المذكورة نية رفع الحدث واستباحة الصلوة مشروط بالطهارة فسيجئ مفصلا في مبحث النية إنشاء الله تعالى (ونوم الجنب) يدل عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب صفة غسل الجنابة في الصحيح قال وقال عبد الله بن علي الحلبي سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينبغي له أن ينام وهو جنب قال يكره ذلك حتى يتوضأ وفي حديث آخر أنا أنام على ذلك حتى أصبح وذلك أني أريد أن أعود انتهى وما يتوهم من الحديث الاخر من فعله (عليه السلام) النوم المكروه يمكن رفعه بوجهين أحدهما أنه ليس فيه أنه (عليه السلام) إنما ينام بغير الوضوء لجواز أن يكون المراد أني أنام على الجنابة بغير غسل وثانيهما أن يقال بكراهة النوم بدون الوضوء إذا لم يرد الاعاده أما مع إرادة الاعادة فلا كما يدل عليه آخر الحديث وبالوجه الاخير يندفع ما يتوهم أيضا من تركه (عليه السلام) الافضل نظرا إلى الرواية الاتية وما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال في الموثق عن سماعة قال سئلته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم قال إني أحب أن يتوضأ فليفعل والغسل أفضل من ذلك وإن هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ إن شاء واعلم إن النوم مطلقا أيضا مما يستحب له الوضوء لما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في كتاب الصلوة في باب ما يقول الرجل إذا أوى إلى فراشه قال قال الصادق (عليه السلام) من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده وروى أيضا في ثواب الاعمال عن محمد بن كردوس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من توضأ ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده والمصنف اقتصر على نوم الجنب لقوة مستندة ففي تحقيق غاية النوم للوضوء كلام سيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث النية (وجماع المحتلم) يدل عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب الاوقات التي يكره فيها الجماع قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره أن يغشى الرجل المرئة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل فخرج الولد مجنونا فلا يلومن إلا نفسه والحكم مختص بالمحتلم فلا يكره الجماع بعد الجحماع بدون الوضوء وغاسل الميت يحتمل وجهين أحدهما ان يكون عطفا على المحتلم أي يستحب لغاسل الميت إذا أراد الجماع قبل غسل المس أن يتوضأ والثاني أن يكون معطوفا على الجماع أي يستحب لغاسل الميت أي من يريد غسله أن يتوضأ إذا كان جنبا والذي يدل عليهما معا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في أواسط باب تلقين المحتضرين عن شهاب بن عبد ربه عقال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغسل الميت أو من غسل ميتا أيأتي أهله ثم يغتسل قال لا هما سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يده وتوضأ وغسل الميت وإن غسل ميتا ثم يأتي أهله توضأ ثم أتى ويجزيه غسل واحد لهما وهذه الرواية في الكافي أيضا في أواخر كتاب الجنايز في أول باب النوادر وذكر الحايض المشهور بين الاصحاب استحباب الوضوء لذكر الحايض وقال علي بن بابويه بالوجوب والاظهر الاول لشهرة وعدم ما يدل على الوجوب ظاهرا مع أصالة البرائة فلنذكر الروايات الواردة في هذا الباب منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الحيض في الحسن أو الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلوة وعليها أن تتوضأ وضوء الصلوة عند كل وقت صلوة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عز وجل فتسبحه وتهلله وتحمده بمقدار صلوتها ثم تفرغ لحاجتها وهذا يمكن أن يكون متمسكا لابن بابويه (ره) باعتبار دلالته عليها على الوجوب والجواب منع كونها حقيقة في الوجوب ومع تسليمه تحمل على الاستحباب مجازا بقرينة ما سنذكره ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زيد الشحام قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ينبغي للحايض أن تتوضأ عند وقت كل صلوة ثم تستقبل القبلة فتذكر الله عز وجل مقدار ما كانت تصلي وكلمة ينبغي في هذه الرواية الدالة ظاهرا على الاستحباب قرينة على حمل كلمة على في غير الرواية السابقة على الندب فإن قلت على تقدير كون كلمة ينبغي ظاهرة في الاستحباب لا، أصل الرجحان ثابت والاصل عدم الوجوب حتى يثبت ولم يثبت لوجود المعارض فإذن الحكم الثابت بالنسبة إلينا الاستحباب ؟ نحمل كلمة عليها على الاستحباب البتة مع أن لنا قرينة أخرى على الاستحباب كما سنذكر فترجيح على قرينة الوجوب وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في باب ما يجب على الحايض في أوقات الصلوة ومنها ما رواه في الكافي في هذا الباب عن معوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال تتوضأ المرأة

[ 39 ]

الحايض إذا أرادت أن تأكل وإذا كان وقت الصلوة توضأت واستقبلت القبلة وهللت وكبرت وتلت القرآن وذكرت الله عز وجل وهذا أيضا قرينة على الاستحباب من حيث اقترانه مع الوضوء للاكل الذي ليس بواجب إجماعا كما هو الظاهر ومنها ما رواه في الكافي أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحايض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله قال أما الطهر فلا ولكنها توضأ في وقت الصلوة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى وهذه الرواية نسبتها إلى الطرفين على السواء ومقتضى الاحتياط أن لا تترك الوضوء لورود تلك الروايات الكثيرة به مع وجود الخلاف (والتجديد) بالجر أو بالرفع على أنه فاعل يستحب استحباب التجديد في الجملة كأنه إجماعي ويدل عليه أيضا روايات منها ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن سماعة قال كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فصلى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعى بوضوء فتوضأ للصلوة ثم قال لي توض فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال وإن كنت على وضوء إن من توضأ للمغرب كان وضوئه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر ومن توضأ للصبح كان في وضوئه ذلك كفاره لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن سعد إن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال للطهر على الطهر عشر حسنات ومنها ما رواه الصودق (ره) في الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال روى أن تجديد الوضوء لصلوة العشاء يمحو لا والله ويلي والله وروى في خبر آخر أن الوضوء على الوضوء نور على نور ومن جدد وضوئه بغير حدث جدد الله توبته من غير استغفار ثم أعلم أنه لا شبهة في استحباب التجديد بعد إن صلى بالاول وأما بدونه فقد قطع العلامة في التذكرة بالاستحباب لاطلاق الاوامر من غير تقييد وتوقف المصنف في الذكرى لعدم النقل بهذا الطريق وهو ضعيف بعد إطلاق الاذن وعموم الامر لكن قد تعارض العمومات بموثقة عبد الله بن بكير المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا استيقنت إنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت خرج التجديد بعد الصلوة بالاجماع عن عموم النهي فبقى الباقي ويحمل أحاديث التجديد على التجديد بعد الصلوة وتلك على ما عداه للجمع وقد يقال بجواز حمل الموثقة على النهي عن التجديد باعتقاد الوجوب بسبب عروض الشك كما مر وبالجملة الاحوط ترك التجديد بدون تخلل الصلوة خوفا عن التعريض المعاقب طمعا للثواب وأيضا هل يستحب التجديد لكل صلوة ثالثة وأربعة إلى غير ذلك أم يختص بالثانية المشهورة الاول كما ذكره العلامة (ره) في المختلف والصدوق (ره) في الفقيه حمل الاخبار الواردة بتكرار الوضوء مرتين وإن من زاد لم يوجر على التجديد فيكون التجديد ثانيا عنده بدعة لكن لم يظهر أن المراد التجديد ثانيا وإن كان لصلوة ثالثة حتى يخالف المشهور أو التجديد ثانيا لصلوة واحدة والعلامة (ره) في المختلف قال إن كان مراده الاول فقد خالف المشهور وإن كان الثاني فلم أقف فيه على نص ولا يخفى جريان ما ذكرنا سابقا في هاتين الصورتين أيضا لكن الظاهر في الصورة الاولى الاستحباب للشهرة بين الاصحاب مع عدم الجزم بالخلاف من الصدوق (ره) وعدم صراحة المعارض في خلافه وفي الثاني العكس لعدم الشهرة واحتمال كونه بدعة عند الصدوق ووجود المعارض وأدائه إلى الكثرة المفرطة كما ذكره المصنف (ره) في الذكرى وفيه ضعف قال المصنف (ره) الاقرب لا يستحب تجديده لسجود التلاوة والشكر ولا الوضوء شرط في كماله للاصل وفي الطواف احتمال للحكم بمساواته للصلوة انتهى ولا يخفى أنه ليس في أكثر الروايات المتقدمة الحكم بأن التجديد للصلوة بإعانة ما يستفاد منه أن إحداث الوضوء بعد الوضوء مرغوب فيه وليس فيه كونه مغيا بغاية أو مقيدا بشئ فينبغي بناء على ظواهرها الحكم باستحبابه مطلقا سواء كان الوضوء الاول نفلا أو فرضا للصلوة أو غيرها داخل الوقت أو خارجه يكون الغرض منه شيئا من الصلوة والطواف وغيرهما أولا بل لا يبعد أن يقال جعله مغيا بشئ سوى ما ورد من صلوة العشاء للرواية المتقدمة ليس بشئ لعدم دليل عليه من الشرع والعقل لا سبيل له إلى هذه الامور إذ يجوز أن يكون استحبابه لنفسه بدون أن يكون له دخل في فضيلة الصلوة وكمالها مثلا نعم رواية سماعة السابقة أيضا لا يخلو عن إشعار بكونه للصلوة لكن لا مطلقا أيضا بل في خصوص التجديد في المغرب والصبح فما ذكره المصنف من الاصل منظور فيه لكن لما عارض الروايات الموثقة المتقدمة فالاولى الاقتصار على المواضع التي فيها إجماع أو شهرة أخذ بالاحتياط (وهذه لا ترفع ولا تبيح) عدم رفع الوضوء لنوم الجنب وجماع المحتلم وغاسل الميت بأحد معنييه وكذا عدم إباحته ظاهر وأما عدمهما في وضوء الغاسل بالمعنى الاخر فبناء على كون حدث المس مانعا من الصلوة وسيجئ إنشاء الله تعالى وكذا رفع الوضوء للذكر وعدم إباحته ظاهر (وفي المجدد قول قوي بالرفع) وسيجئ إنشاء الله تعالى تفصيله في مبحث الوضوء (ويستحب الغسل للجمعة) مشروعية الغسل ليوم الجمعة ورجحانه مما لا خلاف فيه ويدل عليه روايات كثيرة بالغة حد التواتر كما سنذكر طرفا منها إنشاء الله تعالى وإنما الخلاف في وجوبه واستحبابه والمشهور بين الاصحاب الثاني وقال الصدوق في الفقيه وغسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر و الحضر إلا أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وفي موضع آخر منه وغسل يوم الجمعة سنة واجبة ولنذكر ما يمكن أن يتمسك به من الطرفين فحجة القول بالوجوب روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب العمل في ليلة الجمعة ويومها في الصحيح عن محمد بن عبد الله وعبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا

[ 40 ]

(عليه السلام) قال سئلته عن الغسل يوم الجمعة قال واجب على كل ذكر وأنثى عبدا وحرا وروى هذه الرواية بعينها في باب الاغسال أيضا بطريق حسن وفي الكافي أيضا في باب وجوب الغسل يوم الجمعة بهذا الطريق وفيه بعد قطع النظر عن القدح في السند لان الثاني ليس بصحيح والاولى وإن كان رجاله ثقاة لكن فيه خدشة من حيث إن الراوي فيه عن عبد الله بن المغيرة أحمد بن محمد بن عيسى وقد نقل النجاشي أنه لم يرو عن عبد الله أصلا المنع عن دلالته لفظ الوجوب على المدعى إذ لم يعلم كونه في عرفهم (عليه السلام) بهذا المعنى المتعارف بيننا وعلى تقدير كونه أيضا بهذا المعنى ينبغي حمله على الاستحباب المؤكد للقرائن التي سنذكر ومنها ما رواه في الكافي في باب وجوب الغسل يوم الجمعة في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الغسل يوم الجمعة على الرجال والنساء في الحضر وعلى الرجال في السفر وليس على النساء في السفر قال وفي رواية أخرى أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وقد روى صدر الرواية في باب التزيين ليوم الجمعة أيضا في كتاب الصلوة وفيه أيضا المنع عن ظهور على في الوجوب وعلى تقدير التسليم يصرف عن الظاهر للجمع ومنها ما رواه في باب التزيين أيضا في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل واجب يوم الجمعة وفيه أيضا مثل ما مر وقد عد هذه الرواية في المدارك والحبل المتين في الصحاح ولا يظهر له وجه ومنها ما رواه الشيخ في التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن النساء أعليهن غسل الجمعة قال نعم والجواب ما مر ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اغتسل يوم الاضحى والفطر والجمعة وفيه منع كون الامر للوجوب في عرف أئمتنا (عليه السلام) مع أن انضمامه بيومي الاضحى والفطر قرينة ظاهرة على الاستحباب لعدم وجوبهما إجماعا كما هو الظاهر ومنها ما رواه أيضا في زيادات الجزء الثاني في باب العمل في ليله الجمعة ويومها في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال اغتسل يوم الجمعة إلا أن تكون مريضا أو تخاف على نفسك وفيه أيضا مثل ما مر ومنها ما رواه أيضا في باب الاغسال في الموثق عن سماعة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السفر والحضر إلا أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب علة الاغسال وفي الكافي أيضا في باب أنواع الاغسال والجواب ما مر مع أنه حكم في تتمة هذه الرواية بالوجوب على كثير من الاغسال التي لا خلاف في استحبابها ظاهرا ومنها ما رواه (ره) أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى قال إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلوة وإن مضى الوقت فقد جازت صلوته وفيه أيضا مثل ما مر مع أن الاصحاب لم يعملوا بمضمونه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن عبيد الله قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن غسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر وأنثى من عبد أو حر وفيه أيضا ما مر أيضا مع ضعف السند ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن سهل قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو غير ذلك قال إن كان ناسيا فقد تمت صلوته وإن كان متعمدا فالغسل احب إلى وإن هو فعل فليستغفر الله ولا يعود وفيه أيضا إن الاستغفار إن سلم ظهوره في الحرمة فيعارض بلفظ أحب الظاهرة في الاستحباب مع أنه ضعيف السند ومنها ما رواه في الكافي في باب وجوب الغسل يوم الجمعة عن حريز عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا بد من غسل يوم الجمعة في السفر والحضر فمتى نسي فليعد من الغد وروى فيه رخصة للعليل ورواه في باب التزيين يوم الجمعة أيضا والجواب على قياس ما مر مع الارسال ومنها ما رواه في الفقيه في باب غسل يوم الجمعة قال سئل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا فقال إذا كان ناسيا فقد تمت صلوته وإن كان متعمدا فليستغفر الله ولا يعد والجواب أيضا على قياس ما مر هذا جملة ما يمكن أن يستدل به على الوجوب وحجة الاستحباب أيضا روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في باب أغسال التهذيب في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة والاضحى والفطر قال سنة وليس بفريضة وفيه إن لفظ السنة لا ظهور له في الاستحباب لا في اللغة إذ فيها بمعنى الطريقة ولا في عرف الائمة (عليه السلام) إذ أكثر ما يستعملونه إنما هو بمعنى الثابت بسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) دون الثابت بالقرآن ظاهرا مثل ما رواه سعد بن أبي خلف عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الغسل في أربعة عشر موطنا واحد فريضة والباقي سنة إذ ظاهر أنه ليس بمعنى الاستحباب للاجماع على وجوب بعض الاغسال الاخر وما رواه الحسن التفليسي قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ما يكفي أحدهما أيهما يغتسل قال إذا اجتمعت سنة وفريضة بدأ بالفرض وما رواه الحسن بن النضر الارمني قال سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما أيهما يبدأ قال يغتسل الجنب ويترك الميت لان هذا فريضة وهذا سنة إلى غير ذلك واستعماله في معنى الاستحباب في عرفهم إن كان فعلى سبيل الندرة وما يقال من إن حمل السنة هنا على ما ثبت بالسنة بعيد جدا إذ السؤال انما وقع عن تحتم فعله وعدمه لا عن مأخذ حكمه كما هو الظاهر لا ظهور له وعلى تقدير ظهوره في الاستحباب أيضا نقول إن حمل الروايات الواردة بلفظ الوجوب على الاستحباب بقرينة هذه الرواية وللجمع بينهما ليس بأولى من حمل هذه الرواية على معنى الثابت بالسنة للرسول (صلى الله عليه وآله) فهلا تحملونها عليه إلا أن يقال عدم أولوية خلافه يكفينا إذ مع التعارض يحكم بالتساقط

[ 41 ]

ويتمسك بالاصل ومنها ما رواه (ره) في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن غسل يوم الجمعة قال سنة في السفر والحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه الضرر والكلام فيه أيضا كالكلام في سابقه ومنها ما رواه في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة في الحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة وهذا أيضا مثل ما سبق ومنها ما رواه في التهذيب في الباب المذكور عن علي بن يقطين قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل العيدين أو اجب هو فقال سنة قلت فالجمعة قال هو سنة وهذا أظهر دلالة من سابقيه من حيث قوبل السنة فيه بالوجوب ظاهرا وهو دليل الاستحباب لكنه ضعيف السند ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن الحسين بن خالد قال سئلت أبا الحسن الاول (عليه السلام) كيف صار غسل يوم الجمعة واجبا قال إن الله تعالى أتم صلوة الفريضة بصلوة النافلة وأتم صيام الفريضة بصيام النافلة وأتم وضوء النافلة بغسل الجمعة ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان أو نقصان وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب وجوب الغسل يوم الجمعة ودلالته على الاستحباب من وجهين الاول كونه نظير الصيام النافلة وصلوة النافلة والثاني كونه لتمامية وضوء النافلة ويمكن المناقشة فيهما لكن الحق أنها مكابرة وأنه قرينة ظاهرة على حمل الروايات السابقة على الاستحباب لو لم يكن ضعيف السند وروى هذه الرواية في باب العمل في ليلة الجمعة أيضا وفيه موضع وضوء النافلة وضوء الفريضة وحينئذ الاستدلال من وجه واحد وروى هذا المضمون في الفقيه أيضا في باب غسل الجمعة وفيه وأتم الوضوء بدون القيدين وهذا ما يمكن أن يحتج به على الاستحباب من الروايات ومما يؤيده أيضا ضمه مع مستحبات يوم الجمعة في صحيحة هشام ابن الحكم رواها في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة وفي التهذيب في باب العمل ليلة الجمعة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) ليتزين أحدكم يوم الجمعة يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس أنظف ثيابه إلى آخر الحديث وإذ قد عرفت حال الروايات فنقول على هذا الظاهر القول بالاستحباب لاصالة برائة الذمة حتى يثبت بدليل معول عليه وقد ظهر أنه لا يحصل من دلايل الوجوب ظن صالح قوي يصلح للاعتماد خصوصا مع وجود المعارضات المذكورة وإن كان في كل منها شئ لكن المجموع إنما يضعف الظن بنقيضه وخصوصا اشتهار خلافه بين الاصحاب ومع هذا كله الاولى الاخذ بالاحتياط التام وعدم الاجتزاء على تركه والمواظبة على فعله مهما أمكن للتشديد العظيم والحث البليغ عليه الواقع في الشريعة واللوم والتوبيخ على تركه والفضل والثواب في فعله فقد روى في التهذيب في باب العمل ليلة الجمعة والكافي في باب وجوب غسل الجمعة عن الاصبغ بن نباتة قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد أن يوبخ الرجل يقول والله أنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى وروى في التهذيب أيضا في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من اغتسل يوم الجمعة فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين كان له طهرا من الجمعة إلى الجمعة وهذه الرواية في الفقيه في باب غسل يوم الجمعة بتكرار لفظ أشهد وفيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينها من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة هذا والاولى أن لا يتعرض في النية للوجوب أو الندب بل يكتفي بالقربة لما سيجئ إنشاء الله تعالى من عدم وجوب قصد الوجوب والندب أداء ما بين طلوع الفجر إلى الزوال أما كون مبدائه طلوع الفجر فلاضافة الغسل إلى يوم الجمعة كما مر في الروايات واليوم إنما هو من بعد طلوع الفجر لغة وشرعا وعرفا كما هو الظاهر فلا يجزي قبله ويكون مجزيا بعده أي وقت اتفق لاطلاق الروايات السابقة ويدل على المعنيين أيضا ما رواه في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة عن زرارة والفضل قالا قلنا له أيجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة قال نعم وكذلك أيضا ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا غتسلت بعد طلوع الفجر أجزاك غسلت ذلك للجنابة والجمعة إلى آخر الحديث والظاهر أن الحكمين اجماعي أيضا وأما اختصاصه من اليوم بما قبل الزوال فقد قال في المعتبر أن عليه اجماع الناس ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي في باب التزيين عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة وشتم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت الشمس فقم وعليك السكينة والوقار ويؤيده أيضا ما روى في الغرض منه في زيادات التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كانت الانصار تعمل في نواضحها وأموالها فإذا كان يوم الجمعة جاؤا فتأذى الناس بأرواح أباطهم وأجسادهم فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك السنة ورواه في الفقيه بعينه في باب غسل يوم الجمعة وكذا ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل لا يغتسل ويوم الجمعة في أول النهار قال يقضيه في آخر النهار فإن لم يجد فليقضيه يوم السبت ولما كان القضاء لم يكن صريحا في كلامهم (عليه السلام) في المعنى المتعارف بين الفقهاء حكمنا عليه بالتأييد دون الاستدلال فإن قلت الامر بالقضاء أخيرا لا بد من حمله على المعنى المتعارف فليكن الاول ايضا كذلك للتوافق بين النظرين قلت حمل الاخير أيضا على المعنى المتعارف غير لازم لجواز حمله في الموضعين على الاتيان وإن كان كل من الاتيان بوجه آخر في الواقع وذلك لا يخل بالتوافق بين النظيرين وكذا أيضا ما روي في هذا الباب في الموثق

[ 42 ]

عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة قال يغتسل ما بينه وبين الليل فإن فاته يغتسل يوم السبت والحكم عليه بالتأييد وعلى جواز أن لا يكون مراده (عليه السلام) من قوله يغتسل ما بينه وبين الليل إن من فاته الغسل يفعل كذلك حتى يكون دالا على المدعى بل يكون المراد بيان وقت غسل الجمعة وإعلام السائل بأنه متى يتحقق فواته ثم الافصاح بالجواب عن سؤاله وهذا ليس ببعيد وإن كان الاحتمال الاول أظهر أدنى ظهور وأنت خبير بأنه لو لم يكن دعوى الاجماع على الحكم كما نقلنا لم يبعد القول بامتداده إلى الليل لاطلاق اليوم في الروايات وجواز حمل الامر في رواية زرارة المذكورة على الافضلية سيما مع كونه محفوفا بالاوامر الاستحبابية وكون الغرض من وضعه ابتداء المعنى المذكور لا ينافيه أيضا كما لا يخفى إلا ترى أن الغرض من وضع الاذان الاعلام مع أنه يصح إخفاتا أيضا إلى غير ذلك وأما التأييدان فقد عرفت حالهما وقد نسب إلى الشيخ في الخلاف بامتداده إلى أن تصلي الجمعة ولا يخفى أنه إن لم يكن تصريح فيه بأنه خلاف القول المشهور لامكن حمله عليه بأن يحكم بخروج الغاية ويقال أن مراده من وقت الصلوة الزوال لاتفاقهما في بعض الاحيان والتفاوت القليل بينهما في بعض آخر فيجوز أن يراد به الزوال وإن وجد تصريح به فيمكن حمله أذن على المعنيين أحدهما ان يكون الغاية داخلة ويكون المراد امتداده إلى الفراغ من الصلوة والثاني أن يكون خارجه وتظهر الفائدة في بعض الاحيان التي يتخلف الصلوة عن الزوال وكأنه حمل في المدارك على الاخير حيث قال وهو حسن تمسكا بمقتضى الاطلاق والتفاتا إلى أن ذلك محصل للغرض المطلوب من الغسل وكأنه علمه من خارج وإلا فمجرد هذا القول لم يتعين الحمل عليه بل الاول أظهر كما لا يخفى وأيا ما كان لم يظهر له وجه لان وجهه أما إطلاق الروايات وهو لا يصلح له إذ ما يستفاد منه الامتداد إلى الليل لا إلى هذا الحد بخصوصه وأما الاطلاق مع انضمامه إلى الغرض المذكور بعد اختصاص المراد بالاحتمال الاخير فهو أيضا غير صالح للتعويل لما عرفت من حال الغرض مع مخالفة الاجماع أو الشهرة فالاولى الوقوف عليه والاخذ به وقد يقال بجواز التمسك في هذا القول بموثقة عمار المتقدمة في وجوب الغسل وهو أيضا ضعيف كما لا يخفى (وتعجيلا يوم الخميس لخائف تعذره يوم الجمعة) مستند الحكم ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن قيس عن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال لاصحابه إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه الماء فاغتسلوا اليوم لغد فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة وما رواه أيضا في هذا الباب عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أمه وأم أحمد بن موسى بن جعفر قالتا كنا مع أبي الحسن (عليه السلام) بالبادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس اغتسلا للغد يوم الجمعة فإن الماء غدا بها قليل فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب وجوب غسل يوم الجمعة وفي الفقيه أيضا في باب غسل الجمعة والروايتان وإن كانتا ضعيفتي السند لكن الشهرة تجبرهما ولا يخفى أنهما يدلان على تقديم الغسل لاعواز الماء لا التعذر مطلقا فتعميم الحكم بحيث يشتمل كل عذر كما في ظاهر الكتاب وظاهر المبسوط ومال إليه الشهيد الثاني (ره) لا يخلو عن الاشكال إلا أن يثبت شهرة بين الاصحاب والظاهر أنه لم يثبت وكذا يدلان على التقديم يوم الخميس فإلحاق ليلة الجمعة به أيضا مشكل إلا مع الشهرة ولو وجد المقدم للغسل يوم الخميس الماء يوم الجمعة قبل الزوال فالظاهر استحباب الاعادة لاطلاق أوامر غسل الجمعة كما صرح به الصدوق (ره) في الفقيه وإن سلمنا إن ظاهر الروايتين بدلية هذا الغسل لغسل يوم الجمعة مطلقا لان تخصيص الروايات الكثيرة النقية السند بمثل هاتين الروايتين مشكل وإذا وجد الماء بعد الزوال يوم الجمعة أو وجد يوم السبت فهل يستحب الاعادة أم لا الظاهر لا سيما في يوم السبت لان أدلة القضاء كما سيجئ غير صحيحة وإنما العمل عليها باعتبار الشهرة ولا شهرة فيما نحن فيه وهل يشترط في استحباب التقديم خوف الاعواز يوم الجمعة فقط أو فيه وفي يوم السبت أيضا احتمل العلامة (ره) في المنتهى الثاني لان القضاء أولى من التقديم كما في صلوة الليل وفيه ضعف والظاهر الاولى فإن في الروايتين على الحكم باعواز الماء في يوم الجمعة فقط وآخر الوقتين أفضل أي وقت الاداء ووقت التقديم ففي الاول كلما قرب من الزوال كان أفضل وفي الثاني كلما قرب من الفجر أن الحقنا الليلة بالخميس في الحكم وإلا فكلما قرب من الليل وعلل القوم الحكم بأنه مؤكد للغرض من غسل يوم الجمعة كما عرفت وفيه إشكال نعم الشهرة بينهم لعل أن يكون متمسكا لنا وقضاء إلى آخر السبت يدل عليه الروايتان اللتان أوردناهما للتأييد آنفا في بيان وقت الاداء مرسلة حريز المذكورة في طي دلايل وجوب الغسل وما رواه الشيخ (ره) في زيادات الجزء الثاني من كتاب الصلوة في باب العمل لنية الجمعة وفي الموثق عن ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل هل يقضي غسل الجمعة قال لا لا يصلح للمعارضة وإن كان أوضح سندا منهما لكثرتها واشتهار العمل بها بين الاصحاب وإمكان الجمعة بحمل الرواية الاخيرة على نفي وجوب القضاء أو يقال أن المراد هل للرجل أن يؤخر غسل الجمعة حتى يصير قضاء والله أعلم واعلم إن ظاهر إطلاق العبارة استحباب القضاء للفوات مطلقا سواء كان بعمد أو نسيان أو علة أو غير ذلك كما هو ظاهر عبارة المبسوط والنهاية والصدوق (ره) في الفقيه خصص الحكم حيث قال ومن نسي الغسل أو فاته لعلة فليغتسل بعد العصر أو يوم السبت والظاهر عدم التخصيص لاطلاق

[ 43 ]

الروايتين وإن كانت المرسلة مختصة بالنسيان ويحتمل أن يكون مراد الصدوق (ره) أيضا التعميم وتسامح في العبادة بينها على المبالغة في أمر الغسل حتى كان فواته لا يتصور إلا من النسيان أو العلة ثم أن ظاهر الروايات مختص بيوم السبت ففي الحاق الليلة به كما هو ظاهر عبارة المتن إشكال اللهم إلا أن يثبت الشهرة لكن الظاهر عدم الثبوت وأوله أفضل مستندا لحكم أيضا الشهرة وحديث تأكد الغرض لا يجري ها هنا إلا بعض أوقات بعد الزوال حيث لم تنقض الجماعة والصلوة وأنت خبير بأن التعبير في هذه المسألة وفي نظيرتها بكلما قرب من أوله وكلما قرب من آخر الوقتين أفضل لخروج ما عدا الاول والاخر مما ذكره مع أنه داخل في الحكم أيضا وتوهم خروج الاول والاخر من العبارة المذكورة فاسد لشمولها لغة وعرفا كما لا يخفى فإذا اكتفى عنهما معا بكلما قرب من الزوال كان أفضل وأحضر كما فعله غيره (ره) (وفرادى شهر رمضان) لم أقف فيه على نص لكن رأيت بخط بعض العلماء ما ظاهره إن السيد الجليل ابن طاووس (ره) روى في كتاب الاقبال استحباب الغسل في فرادى رمضان وفي كل ليلة من العشر الاخر عن الصادق (عليه السلام) وأكده نصفه ذهب إليه الثلاثة ولم نطلع فيه على رواية في الكتب الاربعة قال في المعتبر ولعله لشرف تلك الليلة فاقترانها بالطهر حسن وقال الشيخ (ره) في المصباح الكبير وإن اغتسل ليالي الافراد كلها خاصة ليلة النصف كان فيه فضل كثير انتهى ولا يخفى إن وجه الشرف لا يصلح نعم ذهاب الثلاثة إليه عسى أن يكون متمسكا وقد رأيت بالخط المذكور أيضا أن السيد (ره) في كتاب الاقبال روى بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يستحب الغسل من أول الليلة من شهر رمضان وليلة نصف منه (وسبع عشر وتسع عشر وإحدى وعشرين وثلاثة وعشرين) فيه روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال الغسل في سبعة عشر موطنا ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وهي ليلة التقى الجمعان وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة وليلة إحدى وعشرين وهي اليلة التي أصيب فيها أوصياء الانبياء وفيها رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) وقبض موسى (عليه السلام) وليلة ثلث وعشرين يرجي فيها ليلة القدر ويومي العيدين وإذا دخلت الحرمين ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت ويوم التروية ويوم عرفة وإذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسته بعد ما يبرد ويوم الجمعة وغسل الجنابة فريضة وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل ومنها ما رواه في الفقيه في باب علة الاغسال قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) الغسل في سبعة عشر موطنا ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وفيها يرجى ليلة القدر وغسل العيدين وإذا دخلت الحرمين ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت ويوم التروية ويوم عرفة وإذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته بعد ما يبرد ويوم الجمعة وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله واستيقضت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلوة وغسل الجنابة فريضة ومنها ما رواه أيضا في الفقيه في كتاب الصوم في باب الغسل في الليالي المخصوصة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) أنه قال يغتسل في ثلاث ليال من شهر رمضان في تسع عشر وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين وأصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) في تسع عشرة وقبض في إحدى وعشرين وقال والغسل في أول الليل ويجزي إلى آخره قال في الفقيه وروى أنه يغتسل في ليلة سبع عشر وصحيحة محمد بن مسلم هذه مذكورة في الكافي أيضا في كتاب الصوم في باب الغسل في شهر رمضان ومنها ما روي في الكافي في هذا الباب عن سليمان بن خالد قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) كم اغتسل في شهر رمضان ليلة قال ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين قال قلت فإن شق علي قال في إحدى وعشرين وثلاث وعشرين قال قلت فإن شق علي قال حسبك الان ومنها ما رواه في التهذيب في كتاب الصوم في باب سنن شهر رمضان عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال سئلته عن الليالي التي يستحب فيها الغسل في شهر رمضان فقال ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وقال في ليلة تسع عشرة تكتب وفد الحاج وفيها يفرق كل أمر حكيم وليلة إحدى وعشرين رفع فيها عيسى (عليه السلام) وقبض وصي موسى (عليه السلام) وفيها قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) وليلة ثلاث وعشرين وهي ليلة الجهني و هذه الرواية في الفقيه أيضا في باب الغسل في الليالي المخصوصة في شهر رمضان ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن سماعة عن بي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث وغسل المولود وأوجب غسل الميت واجب وغسل مس الميت واجب وغسل المحرم واجب وغسل يوم عرفة واجب وغسل الزيارة واجب إلا من علة وغسل دخول البيت واجب وغسل دخول الحرام ويستحب أن لا يدخله إلا بغسل وغسل المباهلة واجب وغسل الاستسقاء واجب وغسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب وغسل ليلة إحدى وعشرين سنة وغسل ليلة ثلاث وعشرين سنة لا شركها لانه يرجى في أحديهن ليلة القدر وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى سنة لاأحب تركها وغسل الاستخارة مستحب وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب أنواع الغسل في الفقيه في باب علة الاغسال لكن فيهما تغييرات ومنها ما رواه الكافي في باب أنواع الغسل عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول الغسل من الجنابة ويوم الجمعة والعيدين وحين تحرم وحين تدخل مكة والمدينة ويوم تزور البيت وحين تدخل الكعبة وفي ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا ومنها ما رواه التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)

[ 44 ]

قال الغسل من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين ويوم عرفة وثلاث ليال في شهر رمضان وحين تدخل الحرم وإذا أردت دخول البيت الحرام وإذا أردت دخول مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ومن غسل الميت والظاهر إن ثلاث ليال ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين ويوم عرفة أو ثلاث ليال في شهر رمضان وحين تدخل الحرم وإذا أردت دخول مسجد النبي (صلى اللله عليه وآله) ومن غسل الميت والظاهر أن الثلاث ليال ليلة سبع عشرة وإحدى وعشرين إلى غير ذلك من الروايات وأنت خبير بأن الاولى أن يذكر المصنف أول ليلة منه أيضا بخصوصه لورود الروايات وذكر الاصحاب له واعلم إن إطلاق العبارات يقتضي إجزاء الغسل في أي جزء كان من الليل ويدل عليه أيضا ما رواه الكافي في باب الغسل في شهر رمضان عن عيص بن قاسم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الليلة التي يطلب فيها ما يطلب متى الغسل فقال من أول الليل وإن شئت حيث تقوم من آخره وسئلته عن القيام فقال تقوم أوله وآخره فما ورد من أن الغسل أو الليل مثل رواية محمد بن مسلم المتقدمة آنفا ورواية بكير بن أعين الاتية عن قريب وحسنة زرارة وفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في الكافي في باب المذكور قال الغسل في شهر رمضان عند وجوب الشمس قبيله ثم يصلي ثم يفطر وفي الفقيه أيضا في باب الغسل في الليالي المخصوصة إنما يحمل على الافضلية جمعا بين الروايات الاخيرة كأنها تدل على وقوع الغسل قبل الليل هذا وقد روى في آخر زيادات كتاب صوم التهذيب في الصحيح عن بريد قال رأيته والظاهر أنه الامام (عليه السلام) اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرتين مرة من أول الليل ومرة من آخر الليل ولا يأمن بالقول باستحباب الغسل مرتين لو سلم ظهور الرواية في أنها الليلة (وليلة الفطر) يدل عليه ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن الحسين بن راشد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ينبغي لنا أن نعمل في ليلة الفطر قال فقال إذا غربت الشمس فاغتسل فإذا صليت الثلاث ركعات فارفع يديك وقل تمام الحديث (ويومي العيدين) استحباب الغسل فيهما فيما مذهب العلماء كافة كما ذكره وحكى الوجوب عن ظاهرية ويدل عليه الروايات السابقة ورواية الحلبي وعلي بن يقطين المتقدمة في غسل الجمعة وما رواه في التهذيب أيضا في باب الاغسال عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الغسل من الجنابة ويوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الاضحى ويوم عرفة عند زوال الشمس ومن غسل ميتا وحين تحرم ودخول مكة والمدينة ودخول الكعبة وغسل الزيارة والثلاث الليالي من شهر رمضان والظاهر امتداد وقت الغسل فيهما إلى الليل لاطلاق اللفظ وقال المصنف في الذكرى ويتخرج من تعليل الجمعة أنه إلى الصلوة أو إلى الزوال الذي هو وقت صلوة العيد وهو ظاهر الاصحاب ولا يخفى ضعف التعليل لكن لو ثبت أنه ظاهر الاصحاب وظهر الاشتهار بينهم فالاولى العمل به ويؤيده أيضا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات الجزء الثاني من كتاب الصلوة في الموثق عن عمار الساباطي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى صلى قال إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلوة وإن مضى الوقت فقد جازت صلوته (وليلتي نصف رجب وشعبان ويوم المبعث) أما ليلة النصف من شعبان ففيها روايتان ضعيفتان أحديهما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب وفي باب الاغسال عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه ذلك تخفيف من ربكم وثانيتهما ما رواه أيضا في المصباح عن سالم مولى حذيفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال من تطهر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر وساق الحديث إلى قوله قضى الله له ثلاث حوائج ثم إن سأل أن يراني في ليلته رآني وأما ليلة النصف من رجب ويوم المبعث وهو يوم السابع والعشرين فقد ذكرهما الشيخ (ره) في الجمل والمصباح والمبسوط وقال المصنف (ره) في الذكرى ولم يصل إلينا خبر فيهما وقال المحقق (ره) في المعتبر وربما كان لشرف الوقتين والغسل مستحب مطلقا فلا بأس بالمتابعة فيه ولا يخفى أن استحباب الغسل مطلقا محل تأمل وقد رأيت أيضا بخط بعض العلماء ما صورته في كتاب الاقبال عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوله وأوسطه وآخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (والمولد) المراد مولد النبي (صلى الله عليه وآله) وهو اليوم السابع عشر من ربيع الاول على المشهور ولم نقف إلى الان على مستنده (والغدير) وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ذكر الشيخ (ره) في التهذيب إجماع الفرقة المحقة عليه وروى أيضا في باب صلوة الغدير عن علي بن الحسين العبدي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن يزول مقدار نصف ساعة وساق الحديث إلى أن قال عدلت عند الله عز وجل مائة الف حجة ومائة ألف عمرة إلى آخر الحديث (والتروية وعرفة) وهما اليوم الثامن والتاسع من ذي الحجة ويدل عليه الورايات السابقة وما في بعضها من لفظ الوجوب محمول على تأكد الاستحباب لما عرفت (والدحو) أي دحو الارض من تحت الكعبة وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة قال المصنف في الذكرى وذكر الاصحاب لدحو الارض الخامس والعشرين من ذي القعدة انتهى وهذا يشعر بأن لا مستند له سوى قول الاصحاب ولا بأس به (والمباهلة) وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة وقيل الخامس والعشرون وقد مر ما يدل عليه ولفظ الوجوب محمول على تأكد الاستحباب (والنيروز لخبر معلى) وهو أول سنة الفرس وقد فسر بحلول الشمس الحمل وبعاشر آيار وبأول يوم من شهر فروردين القديم الفارسي قال المصنف في الذكرى وفي المعلى قول مع عدم اشتهاره انتهى ولا

[ 45 ]

يخفى أن حسنة من سمع شيئا من الثواب يكفي في هذا المقام ولا حاجة إلى الشهرة وصحة المستند والاحرام والطواف ورمى الجمار وسيجئ إنشاء الله تعالى مفصلا في كتاب الحج (والسعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاث عمدا) قال الصدوق (ره) في الفقيه وروى أن من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة ونقل عن أبي الصلاح القول بالوجوب ويمكن أن يكون مذهب الصدوق أيضا لان أكثر ما يرويه في هذا الكتاب مذهب له ويعول عليه ولم يحصل الاطلاع على رواية أخرى في هذا الباب وبمجرد هذه الرواية الحكم بالوجوب ضعيف نعم القول بالاستحباب لا بأس به للرواية والشهرة ثم أن الظاهر أن مجرد السعي لا يكفي في الاستحباب كما هو ظاهر عبارة المتن وفي بعض عبارات الاصحاب بل يتوقف على الرؤية كما يدل عليه الرواية المذكورة وأنه لا فرق بين من صلب بحق أو ظلم وبين من صلب على الهيئة المعتبرة شرعا وغيره لاطلاق الرواية وعدم المخصص إلا أن المصلوب في عرف الشرع حقيقة في المصلوب حقا على الهيئة الشرعية ولا يخلو من بعد لاصالة عدم النقل (وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحد الائمة (عليه السلام) الاخبار الواردة في استحباب الغسل لزيارتهم (عليه السلام) عليهم السلام كثيرة ذكرها القوم في بيان كيفية زيارتهم وأما الزيارة ويوم الزيارة الواقعتين في الروايات المتقدمة فالظاهر إن المراد منهما زيارة البيت أي الطواف بقرينة المقام والاستسقاء مستندة ما مر من قوله (عليه السلام) وغسل الاستسقاء واجب والوجوب محمول على تأكد الاستحباب للاصل والقرينة والاتفاق كما مر مرارا ودخول الكعبة (ومكة والحرم والمدينة ومسجديهما) قد مر ما يدل على جميع ذلك سوى المسجد الحرام إلا أن يحمل البيت الحرام الواقع في رواية محمد بن مسلم المتقدمة على المسجد دون الكعبة أو يقال أن الغسل لدخول المسجد هو بعينه الغسل للزيارة أي الطواف وسيجئ بعض الروايات الاخر في هذه الابواب في مبحث الحج إنشاء الله تعالى (ولصلوة الحاجة والاستخارة) قيل ليس المراد أي صلوة اقترحها المكلف لاحد الامرين بل المراد بذلك ما نقله الاصحاب عن الائمة (عليه السلام) وله مظان فليطلب منها انتهى ولا يخفى أن هذا في صلوة الحاجة موجه لان الغسل عبارة متوقفة على الاذن ولا إذن فيه لصلوة الحاجة عموما فليقتصر على موضع الاذن أما صلوة الاستخارة فلا لاطلاق ما مر من أن غسل الاستخارة مستحب وحمله على العهد بعيد بل الظاهر أن لا يقيد بصلوة الاستخارة أيضا بل يقال باستحبابه للاستخارة مطلقا وعلى هذا يمكن أن يجعل الاستخارة معطوفة على صلوة الحاج لا الحاجة (والمولد حين يولد) قال ابن حمزة بوجوبه لما في رواية سماعة المتقدمة من لفظ الوجوب وجوابه قد مر مرارا نعم الاستحباب ظاهرا والكسوف المستوعب مع تعمد الترك اختلف الاصحاب في هذه المسألة فالسيد المرتضى (ره) في المسائل المصرية الثالثة وأبو الصلاح وسلار وذهبوا إلى وجوبه كما ذكره العلامة (ره) في المختلف وقال المفيد (ره) في المقنعة وغسل قاضي صلوة الكسوف لتركه إياها متعمدا سنة ولم يتعرض للاستيعاب والظاهر أن مراده استحباب الغسل عند الاستيعاب لنقل الاجماع على عدم الاستحباب بدونه كما في ظاهر السرائر لكن كلام المحقق في المعتبر يشعر بخلافه حيث قال واختلف الاصحاب في غسل قاضي الكسوف فقال الشيخ باستحبابه إذا احترق القرص كله وترك الصلوة متعمدا واقتصر المفيد وعلم الهدى على تركها متعمدا انتهى وكان المرتضى (ره) قال بالاستحباب في غير المسايل المصرية وهو اختيار ابن البراج وابن إدريس كما ذكر في المختلف وذكر فيه أيضا وللشيخ قولان كالمذهبين ففي النهاية و الجمل والخلاف يجب القضاء مع الغسل وفي موضع من الجمل أنه يستحب ولم يتعرض في المبسوط لوجوبه بل قال يقضيها مع الغسل وكذا قال ابن بابويه ولم يتعرض ابن أبي عقيل لهذا الغسل بوجوب ولا استحباب انتهى وكأنه (ره) لم يراجع مبحث الاغسال في المبسوط لانه قد صرح فيه باستحباب الغسل قال (ره) في طي تعداد الاغسال المندوبة وغسل قاضي صلوة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها متعمدا وحجة القول بالوجوب روايات منها ما رواه في الفقيه في باب علة الاغسال مرسلا عن الباقر (عليه السلام) في أثناء الخبر الذي قدمناه سابقا وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلوة ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يصل فليغتسل من غدو ليقضي الصلوة وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل وروى هذه الرواية في باب صلوة الكسوف أيضا بادنى تغيير حيث فيه موضع ولم يصل فكسل أن يصلي وهذه الرواية وإن كانت مطلقة غير مقيدة بالاستيعاب لكن يجب تقيدها به لدلالة بعض الروايات على عدم القضاء في الترك بغير عمدا إذا لم يستوعب الاحتراق والروايتان وإن كانتا مختصتين بالقمر صريحا وظاهرا وبالترك بعد الاستيقاظ لكن لم يعتبر التخصيصان اتفاقا كما هو الظاهر وأجيب عنهما بالطعن في السند للارسال وبمنع الدلالة على الوجوب وفيه إشكال لان ظاهر عليك وإن لم يكن للوجوب لكن مع انضمامه بالصلوة التي هي واجبة كأنه ظاهر فيه والامر في الحديث الثاني أيضا أمره كذلك من حيث اقترانه بالاصل بالصلوة ومنها ما رواه في التهذيب أيضا في باب الاغسال في آخر الحديث المنقول سابقا عن محمد بن مسلم وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغستل والرواية وإن كانت صحيحة السند لكن دلالتها على المطلب قاصرة إذ ليس فيها إن الغسل للقضاء ومع

[ 46 ]

تعمد الترك بل ظاهره إن الغسل بسبب احتراق كل القرص ولا بعد فيه لجواز أن يجب أو يستحب الغسل بسبب الكسوف لانه محل الفزع إلى الله تعالى واللجاء إليه فلا يبعد حسن التطهر وعلى هذا يبعد القول باستحباب الغسل للكسوف للرواية مع صحة سندها إن لم نقل بالوجوب لعدم ظهورها فيه وعدم قول من الاصحاب ولا تظنن إن القول بالاستحباب أيضا أحداث قول جديد لما سيظهر من الكلام الذي نقله عن العلامة (ره) في المختلف من وجود القول به لكن يخدشه جواز حملها على العهد إذ يجوز أن يكون الغسل لقضاء الكسوف دونه معلوما شايعا بينهم فيكون قوله (عليه السلام) وغسل الكسوف إشارة إليه وقوله إذا احترق إلى بيان اشتراطه باستيعاب الاحتراق لا يقال صرف الكلام عن الظاهر بمجرد الاحتمال غير جايز وإلا لارتفع الامان عن الظواهر لان هذا الاحتمال ظاهر لشيوع ذلك الغسل للقضاء بينهم وورود الروايات فيه هذا واحتج العلامة (ره) في المختلف على الاستحباب بأصالة البرائة وقوله (عليه السلام) من فاتته صلوة فليصلها كما فاتته وكما لا يجب في الاداء الغسل بل هو مستحب كذلك للقضاء ولحديث سعد عن الصادق (عليه السلام) المنقول سابقا من أن الاغسال أربعة عشر واحد فريضة والباقي سنة والجواب عن الثاني إن غاية ما يستفاد من الخبر أن صلوة القضاء يجب أن يكون مثل الاداء فيما هو داخل في حقيقة الصلوة وأما في الامور الخارجة فلا وعن الثالث بما مر من أن السنة لا ظهور لها في الاستحباب وعلى تقدير الظهور أيضا نقول إن الحمل عليه مستلزم للتخصيص البتة لوجوب بعض الاغسال الاخر اتفاقا والتخصيص لا رجحان له على المجاز فلم لم يجوز فيها بحملها على المعنى الثابت بالسنة مثلا وأما أصل البارئة فإنما يتمسك به إذا لم يكن مخرج عن الاصل وقد ذكرنا ما هو المخرج لكن لا يخفى أن الكلام في صلاحيته للاخراج لان مرسلة الصدوق (ره) وإن كانت معتبره بحكمه (ره) بصحة جميع ما في الكتاب وإنه حجة فيما بينه وبين الله تعالى خصوصا مع اعتضادها بالمرسلة الاخرى وتأييدها في الجملة بالصحيحة الاخرى لكنها ليست مما لم يناقش فيه ولم يكن للكلام فيه مجال كما لا يخفى خصوصا مع عدم اشتهار العمل بين الاصحاب ومع هذا كله ظهور الدلالة على الوجوب أيضا ظهورا يصلح للاعتماد غير ظاهر وما ذكرنا سابقا من وجه الظهور ليس مما يسكن إليه ويعتمد عليه فأذن الحكم بالوجوب مشكل فينبغي إبقاء الاصل على حاله لكن لا بد من الاحتياط التام فيه وعدم الترك مهما أمكن لان الخطب أعظم من ذلك وقد ظهر في طي ما ذكرنا إن كلام المفيد والمرتضى (ره) لو حملا على ظاهرهما وجعلا قولا ثالثا لكان هو مما لا دليل عليه لان الروايات المذكورة الحكم في إثنين منهما مقيد بالاستيعاب صريحا وفي الاخرى أيضا لا بد من التقييد لما ذكرنا وقد يقال أنه يمكن حمل الرواية على ظاهرها والجمع بينها وبين ما يدل على عدم القضاء في صورة عدم الاستيعاب بأن يحمل قوله (عليه لسلام) وإن لم يستيقظ على أن في صورة عدم العلم بالانكشاف و يجب القضاء في الجملة وهو حال الاستيعاب لا أنه يجب القضاء في جميع أفراده بخلاف الغسل إذ لم يجب أصلا ويخلو من بعد أو يحمل الامر بالقضاء مطلقا على نفي الاستحباب وما يدل على نفي القضاء في صورة عدم الاستيعاب على نفي الوجوب وهذا موقوف على وجود القول بالاستحباب لئلا يكون خلافا للاجماع وأما على مذهب المفيد (ره) من وجوب القضاء مع احتراق البعض ؟ فلا إشكال ولا يخفى عليك أن المطلق وإن لم يجب حمله على المقيد في مثل هذا المقام لكن لا شك إن التقييد في الروايتين المذكورتين إنما يضعف الظن بإطلاق هذه الرواية خصوصا مع وجود المعارض للاطلاق والاحتياج إلى ارتكاب مثل التوجيهين المذكورين مع ما فيهما من الخدشة وخصوصا مع العمل بمفهوم الشرط فالاولى الاقتصار في الحكم بالاستحباب على صورة االاستيعاب فإن قلت قول المفيد (ره) والمرتضى (ره) بالاستحباب يكفي في الحكم به لدلالة حسنة من سمع شيئا المتقدمة قلت الحكم بالاستحباب وإن كان يكتفي فيه بأدنى مستند لكن الظاهر أنه لا بد أن يكون مستندا إلى روايه من أصحاب العصمة وظهور دلالة الرواية مع عدم العلم بوضعها وأما قول بعض العلماء بالاستحباب الظاهر أنه من الاجتهاد المظنون الخطأ فلا عبرة به وكذا الشهرة التي يظن أنها ناشية من الاجتهاد ومع ظن خطأه هذا واستقرب العلامة في النهاية استحبابه لجاهل وجوب الصلوة أيضا وفيه إشكال إذ لا ظهور للروايتين في شمول الحكم له مع وجود النسخة المذكور الظاهرة في المتعمد وكون حكمه حكم المتعمد في بعض الصور لا يستلزم الكلية (والتوبة) مستندها ما رواه الشيخ في التهذيب في باب الاغسال قال روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن رجلا جاء إليه فقال أن لي جيرانا ولهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا مني لهن فقال (عليه السلام) لا تفعل فقال والله ما هو شئ آتيه برجلي إنما هو سماع إسماعه بأذني فقال الصادق (عليه السلام) تالله أنت أما سمعت الله يقول أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فقال الرجل كأني لم أسمع بهذه الاية من كتاب الله عز وجل من عربي ولا عجمي لا جرم وأني قد تركتها فأنى استغفر الله تعالى فقال له الصادق (عليه السلام) قم واغتسل وصل ما بدا لك فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما أسوء حالك لو مت على ذلك استغفر الله وأسئله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا القبيح والقبيح دعه لاهله فإن لكل أهلا وهذه الرواية في أواخر كتاب اشتريته وفي الكافي أيضا في باب الغناء مسندة وفي الفقيه أيضا في باب علة الاغسال مرسلة ثم إن بعض الاصحاب كالعلامة (ره) في القواعد قال باستحباب الغسل للتوبة عن فسق أو كفر وقال شارحه المحقق (ره) لا فرق في الفسق بين كونه عن صغيرة أو كبيرة وعن المفيد (ره) التقييد بالكبائر والخبر يدفعه انتهى وفيه نظر لان الظاهر أن الخبر هو الذي ذكرناه دون غيره

[ 47 ]

إذا لم نطلع على خبر سواه وقد اعترف الاصحاب به أيضا ودلالة الخبر على الغسل للتوبة عن الصغاير ممنوع إذ كون سماع الغناء من الصغاير غير معلوم وعلى تقديره أيضا نقول إن الخبر دال على إصرار الرجل عليه ولا صغيرة مع الاصرار فحينئذ إصراره في الصغاير مشكل مع أن في الكبائر أيضا إشكال بناء على اختصاص الرواية بمورد خاص من غير دلالة على الشمول قال المحقق (ره) في المعتبر وهذه مرسلة وهي متناولة لصورة معينة فلا يتناول غيرها والعمدة فتوى الاصحاب منضما إلى أن الغسل خير فيكون مرادا ولانه تفال بغسل الذنب والخروج من ذنبه انتهى وهذا وإن كان في قوله الغسل خير على إطلاقه أو في تأمل كما ذكرنا سابقا أيضا وكذا في قوله ولانه ؟ لان إثبات الاحكام بمثل هذه الوجوه العقلية غير مناسب نعم إيراد هذه النكات بعد ثبوت الحكم بالدليل الشرعي لا بأس به على سبيل الاحتمال لا عل سبيل الجزم لان حكم الله تعالى مخفية كثيرة لا سبيل للعقل إلى إدراكها والاحاطة بها ولا يذهب عليك إن كلام العلامة (ره) أيضا يمكن أن يكون موافقا لكلام المفيد في التقييد بالكبائر لان الفسق ظاهره ما به يخرج من العدالة لا الذنب مطلقا والصغيرة لا يوجب الخروج عن العدالة لكن كلامه (ره) في النهاية ظاهر في التعميم وبما ذكرنا ظهر إن اختصاص الحكم بالكبائر أولى لعدم ثبوت شهره التعميم هذا إذا كانت الصغيرة محتاجة إلى التوبة إذ على عدم الاحتياج خارجة عن البحث وأما التوبة عن الكفر فالظاهر استحباب الغسل له للشهرة بالاجماع منا كما يشعر به عبارة المحقق في المعتبر قال الكافر إذا أسلم لم يجب عليه الغسل بل يستحب كما يستحب الغسل بل يستحب كما يستحب الغسل للتائب وهو مذهب الاصحاب وأكثر علماء الجمهور وقال مالك يجب انتهى والدليل على عدم الوجوب مع قطع النظر عن الشهرة أو الاجماع منا الاصل وعدم دليل ظاهر على خلافه ويؤيده أيضا أنه أسلم جماعة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمرهم بالغسل إذ فلو أمر لنقل وفيه أيضا ضعف لما سيظهر وما نقل من أمره (عليه السلام) لبعض بالغسل لعله إنما يكون لوقوع بعض الاسباب منهم مثل الجنابة إذ الغالب عدم الانفكاك عنه فإن وجوب الغسل بعد حدوث السبب مما لا خلاف فيه أو يكون أمره (عليه السلام) للندب (وقتل الوزغ) قال الصدوق (ره) في الفقيه وروى إن من قتل وزغا فعليه الغسل وقال بعض مشايخنا أن العلة في ذلك أنه يخرج عن ذنوبه فيغتسل منها وقال المحقق في المعتبر وعندي أن ما ذكره ابن بابويه (ره) ليس حجة وما ذكره المعلل ليس طايلا لانه لو صحت علته لما اختص الوزغة انتهى والظاهر إن ما رواه الصدوق (ره) يكفي حجة في هذا الباب لما مر مرارا من التسامح في السنن والعلة التي ذكرها بعض المشايخ نكتة مناسبة فلا يحسن الايراد عليه بعدم الاطراد (ويقتضي غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر لرواية بكير عن الصادق (عليه السلام) قد ذكر هذا الحكم في الذكرى أيضا قال وروى بكير بن أعين عنه (عليه السلام) قضاء غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر إن فاته ليلا انتهى والظاهر إن مراده من رواية بكير ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في آخر باب الاغسال عنه قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام في أي الليالي اغتسل في شهر رمضان قال في تسع عشرة وفي إحدى وعشرين وفي ثلاث وعشرين والغسل أول الليل قلت فإن نام بعد الغسل قال هو مثل غسل الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك إذ لم نجد في الكتب الاربعة رواية أخرى عنه في هذا الباب وأنت خبير بأن حمل الرواية على ما فهمه (ره) فاسد لمنافاته لقوله فإن نام بعد الغسل بل معناها كما هو الظاهر أن الغسل في أول الليل يجزي إلى آخره ولا يبطله النوم كما أن غسل الجمعة أيضا إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك لتمام اليوم ولا حاجة إلى إعادته بعد الحديث كما أشير إليه في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة اللهم إلا أن يكون الرواية في كتاب آخر أو تكون نسخة تهذيبه مخالفة لما ذكرنا والله أعلم (ولا يرفع الغسل المندوب الحدث خلافا للمرتضى (ره) واعلم أن ها هنا مقامين الاول عدم رفع الغسل المندوب للحدث الاكبر وسنشرح القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان تداخل أسباب الاغسال والثاني عدم رفعه للحدث الاصغر ولما علمت سابقا عدم تشخص معنى الحدث ورفعه فتعبر عن هذا المطلب بعدم كفايته عن الوضوء للصلوة والحاصل أن اخلاف في أنه بمجرد هذه الاغسال هل يستبيح الدخول في الصلوة ولا يحتاج إلى الوضوء قبلها أو بعدها أولا فالمشهور أنه لا يستباح بها الدخول بل لا بد من الوضوء قبل أو بعد والمرتضى (ره) على أنه يستباح به الدخول ولا حاجة إلى الوضوء لا قبل ولا بعد وهو مختار ابن الجنيد أيضا كما نقل في المختلف والاظهر ما ذهب إليه المرتضى (ره) لنا ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل يجزي عن الوضوء وأي وضوء أطهر من الغسل وفي الكافي أيضا في باب صفة الغسل والوضوء قبله وروى أي وضوء أطهر من الغسل والايراد عليه بجعل اللام للعهد الخارجي إشارة إلى غسل الجنابة أو العهد الذهني من دون إشارة في الكلام لكن تحققه في ضمن غسل الجنابة في الواقع يدفعه سياق الكلام كما يشهد به الفطرة السليمة على أن الاحتمال الاخير يخرج الكلام عن الفائدة المعتد بها وكذا الايراد بأنه يجوز أن يكون المراد عدم الاحتياج إلى الوضوء لتحقق الغسل لا لاجل الصلوة وهذا أبعد من الاول بكثير لاباء لفظة يجزي عنه كل الاباء ولنا ما رواه أيضا (ره) في الباب المذكور في الصحيح عن حكم بن حكيم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال أقض وساق الحديث إلى أن قال قلت إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل فضحك وقال أي وضوء أنقى من الغسل

[ 48 ]

وأبلغ والسؤال وإن كان مخصوصا بغسل الجنابة لكن العبرة بعموم الجواب والايراد أن السابقان يردان ها هنا أيضا والجواب الجواب ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم الجمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل ولا بعد قد أجزأه الغسل والمرئة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد قد أخراها الغسل وقد اعترض عليه أيضا بالايراد الثاني وهو بعيد جدا كما يحكم به الوجدان خصوصا مع انضمام هذه الاغسال بغسل الجنابة والتسوية بينهما في الحكم مع أنه يجزي عن الوضوء للصلوة إجماعا ولنا أيضا ما رواه في هذه الباب عن إبراهيم بن محمد أن محمد بن عبد الرحمن الهمداني قال كتب إلي أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسئله عن الوضوء للصلوة في غسل الجمعة فكتب لا وضوء للصلوة في غسل يوم الجمعة ولا غيره وهذه الرواية وإن لم تكن نقية السند لكنها مما يصلح للتأييد والتقوية للروايات الاخرى وأورد عليه أيضا أنه يجوز أن يكون المراد أنه لا وضوء للصلوة في غسل يوم الجمعة إذا لم يكن وقت الصلوة وأما أجيب بأن الحدث عام فتخصيصه بغير وقت الصلوة يخرجه عن حقيقة تمسك بأنا نمنع العموم لدليل آخر وهو ما يدل على وجوب الوضوء لكل صلوة وسنتكلم عليه في أثناء ذكر أدلة المخالفين ولنا أيضا ما رواه (ره) في الباب المذكور عن حماد بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزيه عن الوضوء فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أي وضوء أطهر من الغسل وعدم نقاوة السند لا يضر كما ذكرنا والايراد عليه والجواب يظهر مما سبق ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الوضوء بعد الغسل بدعة ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن سليمان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الوضوء بعد الغسل بدعة وهذه الرواية في الكافي أيضا في صفة الغسل والوضوء قبله وجه الاستدلال بالحديثين إن القائلين بعدم إجزاء الغسل عن الوضوء يقولون بوجوب الوضوء قبل أو بعد من غير اختصاص بالغسل اتفاقا كما يظهر من كلام ابن إدريس (ره) في السرائر حيث قال في هذا المقام وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا في كيفية غسل الحايض مثل كيفية غسل الجنب ويزيد بوجوب تقديم الوضوء على الغسل وهذا غير واضح من قائله بل الزيادة على غسل الجنابة أن لا يستبيح الحايض إذا طهرت بغسل حيضها وبمجرده للصلوة كما يستبيح الجنب سواء قدمت الوضوء أو أخرت فإن أراد يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بلا خلاف انتهى وهذا ظاهر في الاتفاق الذي ذكرنا إذ لا فرق في هذا المعنى بين غسل الحيض والاغسال المندوبة اتفاقا وحينئذ نقول قد دلت الروايتان على عدم جواز الوضوء بعد الغسل فلم يكن واجبا قبله أيضا وإلا يلزم خرق الاجماع المركب لكن الظاهر من كلام بعض الاصحاب وقوع الخلاف في وجوب التقديم وحينئذ لا يتم ما ذكرنا لكنه يكون إلزاميا على الاكثرين منهم حيث يقولون بالتخيير بين التقديم والتأخير وضعف السند الاخير قد عرفت أنه لا يضر والايراد والجواب فيهما أيضا يستنبط مما ذكر احتج القائلون بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية وجه الاستدلال إن سبحانه أمر مريد القيام إلى الصلوة مطلقا بالوضوء وهو عام فيمن اغتسل وغيره فيجب الوضوء مع الغسل والجواب أما أولا فيمنع العموم لانه كلمة إذا ليس من إدانة بل للاهمال وأما ثانيا فلوجود المخصص مما أوردنا من الروايات فإن قلت ما أوردته من الروايات ليس نصا في المطلوب وهو ظاهر بل ظاهرا فحينئذ لم لم تحملها على خلاف الظاهر من التأويلات المتقدمة وتخصيص الاية الكريمة مع أن التخصيص أيضا خلاف الظاهر قلت ارتكاب مثل هذا التخصيص أيضا خلاف الظاهر قلت ارتكاب مثل هذا التخصيص ليس فيه خلاف ظاهر كثيرا لشيوعه وتعارفه لخلاف التأويلات في الروايات إذ فيها يلزم ارتكاب خلاف الظاهر كثيرا خصوصا في بعضها وأيضا لو سلم التساوى فتعارضا وتساقطها والاصل معنا وبهذا ظهر الجواب أيضا عما يقال إن بين الاية وبين بعض الروايات المذكورة كرواية إبراهيم بن محمد عموما من وجه لشمولها الوقت وقبل الوقت فلم نخصص الاية بها ولم يعكس هذا مع صلاحية هذه الرواية لمعارضة الاية لكنها لم يصح لضعف سندها إلا أنك قد عرفت أن إيرادها للتأييد والتقوية لا أنها بمجردها دليل تام وقس عليه الاية الكريمة الروايات المطلقة الدالة على وجوب الوضوء وبما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة ورواه الكافي أيضا في الباب المتقدم ذكره والجواب أما أولا فبالقدح في السند للارسال وما اشتهر بينهم من قبول مراسيل ابن أبي عمير ليس مما لا يناقش فيه كما بين في موضعه وأما ثانيا فبالحمل على الاستحباب إذ لا ظهور له في الوجوب مع إنك قد عرفت أن المخالفين أيضا لا بد أن يحملوه على الاستحباب أما بأجمعهم أو أكثرهم إلا أن يحملوه على الوجوب التخييري ولا يخلو عن بعد ثم لا يخفى إن القائلين بوجوب التقديم إن صح ذلك القول لا يعقل منهم القول به في الاغسال المندوبة وهو ظاهر لان هذا الوضوء أما للصلوة ولا مدله له في الغسل فلا وجه لوجوب تقديمه على كغسل خصوصا في خارج الوقت وأما للغسل ولا معنى للوجوب حينئذ أيضا لعدم معقولية وجوب المعنى بدون وجوب الغاية إلا أن يقولوا بالوجوب بمعنى الاشتراط وبالجملة كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تشويش وأنت خبير بأنه إذا قيل باشتراط الغسل بالوضوء وإن ذلك

[ 49 ]

الوضوء المتقدم إنما هو لصحة الغسل لم يقل بأن كل وضوء مندوب يستباح به الصلوة وأمكن القول بوجوب وضوء آخر بعد الوقت للصلوة وكذا على القول باستحباب الوضوء قبل الغسل لاجل الغسل لكن الظاهر أنه لم يقل أحد به لكنه مظنة الاحتياط كما سيذكر وبما رواه في هذا الباب أيضا عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في كل غسل وضوء إلا الجنابة والجواب ما مر أيضا فإن قلت إذا حملت الروايتين عل الاستحباب فكيف يجمع بينهما وبين ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته قلت كيف أصنع إذا أجنبت قال أغسل كفك وفرجك وتوضأ وضوء الصلوة ثم اغتسل وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن ميسر قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يده ويتوضأ ويغتسل هذا مما قال الله عز وجل ما جعل عليكم في الدين من حرج إذا على ما ذكرت يدل الروايتان السابقتان على نفي استحباب الوضوء مع غسل الجنابة وهاتان الروايتان يدلان لا أقل على الاستحباب قلت أما الرواية الاخيرة فلا ظهور لها في إن المراد من التوضأ المعنى المتعارف انسياق الكلام مشعر بخلافه كما لا يخفى وأما الرواية الاولى فيمكن حملها على التقية إذ الظاهر انهم كانوا قائلين بالوضوء مع غسل الجنابة كما يفهم من بعض الروايات المتقدمة ويؤيده اشتهار القول بعدم الاستحباب بين الاصحاب وإنما ذكره الشيخ (ره) فقط في التهذيب أو نقول بأنه يجوز أن يكون للاستحباب مراتب بعضها آكد من بعض ففي الروايتين المتقدمتين نفى عنه الاستحباب المؤكد الذي في باب الاغسال وفي هذه أثبت أصل الاستحباب ويؤيده ما ذكر في الكافي في الباب المذكور وروى أنه ليس في شئ من الغسل وضوء إلا غسل يوم الجمعة فإن قبله وضوء وعلى هذا يكون الاستحباب في غسل الجمعة آكد وبعده باقي الاغسال سوى غسل الجنابة وبعده غسل الجنابة فارتفع المنافاة وقس عليه حال الرواية الاخيرة أيضا على تقدير تسليم ظهورها في الوضوء المتعارف فإن قلت كيف يجمع بين استحباب الوضوء قبل الغسل وبين ما رواه في التهذيب في الباب المذكور من رواية محمد بن أحمد بن يحيى مرسلا بأن الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة قلت أما أولا فلا عبرة به كما ذكره الشيخ (ره) في التهذيب من أنه مرسل لم يسنده إلى إمام وأما ثانيا فيحمل قوله قبل الغسل على أنه خبر الوضوء وبعده بدعة كلام مستأنف فتطابق الروايات هذا إذا كانت الرواية المنقولة بهذه العبارة ولم يكن ما ذكره الشيخ (ره) نقلا بالمعنى وبما رواه (ره) أيضا في هذا الباب عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل وفيه مع القدح في السند الحمل على الاستحباب مع أنه مخصوص بغسل الجمعة فلا يثبت المدعى بتمامه إلا أن يتمسك بعدم القول بالفرق وبأنه قبل الغسل ممنوع من الدخول في الصلوة وكذا بعده عملا بالاستصحاب وفيه إن ممنوعيته من الدخول في الصلوة قبل الغسل أما بالاجماع أو بالاية والروايات باعتبار عمومها فيرجع فإن كان الاجماع فلا نسلم أنه إذا انعقد الاجماع على حكم في وقت مخصوص أو حال خاص يجب أن يستصحب ذلك الحكم في وقت آخر وحال آخر ليس فيه الاجماع وهو ظاهر وإثباته دون خرط القتاد وإن كان بالاية والروايات باعتبار عمومها فيرجع إلى الدليل السابق ويستدرك أخذ الاستصحاب وقد عرفت الجواب وبما تقدم ظهر أنه كما لا حاجة في هذه الاغسال إلى الوضوء للصلوة كذا لا حاجة إلى الوضوء لتحقق الاغسال لان الاوامر بها مطلقة والاخبار التي تدل على الوضوء فيها أو قبلها قد عرفت جواز حملها على الاستحباب هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام وقد عرفت ما هو الاظهر من القولين لكن مقتضى الاحتياط أن لا يترك الوضوء مع هذه الاغسال للشهرة بين الاصحاب والاحتياط التام إن كان غير وقت الصلوة أن يتوضأ قبل هذه الاغسال بينما غسل الجمعة للروايتين فيه بخصوصه ثم يحدث بعدها ثم يتوضأ للصلوة فإن قلت ما حال ما ذكره بعض الاصحاب كالعلامه (ره) في القواعد حيث قال ولا يشترط في هذه الاغسال الطهارة من الحدثين قلت هذه المسألة إنما يستنبط بعض شقوقها من الكلمات السابقة لان هذه الاغسال أما أن يكون منجزية عن الوضوء كما هو الاظهر وحينئذ فلا ريب في عدم اشتراطها بارتفاع الحدث الاصغر وهو ظاهر وأما غير مجزية عنه وعلى هذا أيضا الظاهر عدم الاشتراط لما مر من إطلاق الامر بها وما ورد من تقديم الامر الوضوء يحمل على الاستحباب هذا حال الحديث الاصغر وأما حال الحدث الاكبر الذي يمكن ارتفاعه حال الغسل كالجنابة مثلا أو الحيض بعد الانقطاع فسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان تداخل أسباب الغسل وأما الذي لا يمكن ارتفاعه حال الغسل كالحيض قبل الانقطاع فالظاهر أيضا بالنظر إلى إطلاق الاوامر بالغسل من غير تقييد وعدم العلم بأن الغرض رفع الحدث أو التنظيف المتوقف عليه صحة الغسل معه ويؤيده أيضا صحة غسل الاحرام حال الحيض و النفاس كما رواه في التهذيب في باب حكم الحيض عن محمد وفضيل وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تغتسل وغير ذلك وظاهر كلام الشيخ (ره) في المبسوط أيضا يدل عليه حيث قال في أوايل كتاب الحيض ولا يصح منها الغسل ولا الوضوء على وجه يرفعان الحدث لكن روى الكافي في باب ما يجب على الحايض في أوقات الصلوة في الحسن عن محمد بن مسلم

[ 50 ]

قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحايض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله قال أما الطهر فلا ولكنها توضأ في وقت الصلوة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى وهذا بظاهره يدل على عدم صحة غسل يوم الجمعة منها لان الظاهر إن مراد السائل من قوله تطهر الغسل وقوله (عليه السلام) وأما الطهر فلا إنكار للغسل بل يمكن أن يقال بظهوره في العموم أيضا أي عدم صحة الغسل مطلقا وعلى هذا فالاولى أن تترك الحايض الاغسال المندوبة في أثناء الحيض خصوصا غسل يوم الجمعة سوى ما خرج كالاحرام بالدليل لكن إذا كان الاغسال المندوبة واجبة بالنذر وشبهه ففيه إشكال ثم أعلم إنه ظهر بما تقدم أجزاء هذه الاغسال عن الوضوء للصلوة فهل تجزي عن الوضوء الواجب لغير الصلوة والوضوء المندوب وكالوضوء لدخول المساجد أولا الظاهر الاجزاء نظرا إلى إطلاق الروايات السابقة إلا وضوء الحايض فإن فيه ما سبق آنفا نعم إذا جوز لها الغسل حال الحيض لم يبعد أجزاءه عن الوضوء للذكر وأهل الذكر أعلم (ويقدم ما للفعل إلا التوبة والسعي إلى المصلوب وما للزمان فيه) لا يخفى شمول ما للفعل لما للمكان أيضا لان معنى الغسل للمكان الغسل لدخوله فيرجع إلى الفعل وجه ما ذكره ظهر مما تقدم وكان الصواب استثناء قتل الوزغ أيضا لما عرفت من أنه بعد الفعل ويرد عليه أيضا إن حال الغسل للكسوف كحاله للتوبة لانه يمكن أن يجعل للقضاء فيكون مقدما عليه فلا حاجة إلى الاستثناء وإن يجعل للترك فيكون متأخرا عنه فيحتاج إليه وكذا الغسل للتوبة يمكن أن يجعل للصلوة كما يدل عليه ظاهر الرواية المتقدمة وأن يجعل للتوبة فلم لم يستثن غسل الكسوف واستثنى غسل التوبة ويمكن أن يقال أنه لما ينسب دائما ذلك الغسل إلى التوبة بخلاف غسل الكسوف إذ قد ينسب إلى القضاء وقد ينسب إلى الترك فلذا استثنى التوبة دون الكسوف مع أن جعل غسل الكسوف للترك مخل باختصار الضابطة لخروجه عن القسمين حينئذ فيحتاج إلى إيراد قسم آخر (فإن فات أمكن استحباب القضاء مطلقا) الظاهر تعلقه بما للزمان ووجه استحباب القضاء مطلقا غير ظاهرا لا ما ثبت فيه نص أو شهرة كقضاء غسل الجمعة أما بدونهما فلا وما يقال من أنه طاعة في نفسه فلا يؤثر فيها الوقت ضعيف جدا (ويستحب التيمم بدلا عن الوضوء المستحب الرافع) في هذا الحكم على إطلاقه نظر بل استحباب التيمم إنما يكون فيما فيه نص أو إجماع أو شهرة وليس كذلك كل ما يستحب فيه الوضوء الرافع كما هو الظاهر نعم ما ورد فيه الامر الاستحبابي بالطهارة مطلقا كما ورد في دخول المساجد لم يبعد أيضا الحكم باستحباب التيمم حال فقدان الماء لانه طهور أيضا وقد مر في مبحث وجوب التيمم لدخول المساجد ما ينفعك في هذا الموضع وسيجئ في مبحث التيمم أيضا إنشاء الله تعالى ما يتعلق به (وللنوم ولصلوة الجنازة إذا خاف الفوت بالوضوء) يدل على الاول ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في كتاب الصلوة باب ما يقول الرجل إذا أوى إلى فراشه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده فإن ذكر أنه ليس على وضوء فليتيمم من دثاره كائنا ما كان فإنه لم يزل في صلوة ما ذكر الله عزوجل ولا يخفى إن الرواية يدل على جوازه مع وجود الماء أيضا لكن بشرط أن يذكر عدم الوضوء حال الاضطجاع ويدل ظاهر النص على عدم اشتراط التراب بل يجوز أن يضرب يده على الدثار ثم إن ظاهر الرواية مختص كما ترى بحال ما إذا ذكر في الفراش أنه ليس على وضوء فهل يمكن إطراده في غير ذلك الحال أم لا فاعلم إن ها هنا أمور الاول جواز التيمم على الفراش للنوم مطلقا سواء ذكر في حال الاضطجاع أنه ليس على وضوء أو لا وسواء وجد الماء أو لا وسواء وجد التراب أو لا وهذا الحكم على إطلاقه لا وجه له كما لا يخفى سوى أقسام الصورة الاولى للرواية لكن في بعض أقسامها أيضا إشكال مثل ما إذا ذكر في الفراش عدم الوضوء وكان التراب حاضرا بحيث لم يحتج إلى القيام من الفراش فهل يجوز في هذه الحال التيمم على الدثار أو لا نظرا إلى إطلاق الرواية والى أن الظاهر أنه من قبيل الغالب لعدم التمكن من التراب في هذا الوقت غالبا وكذا الحال إذا تمكن من الوضوء كذلك الثاني جواز التيمم على التراب مع وجود الماء ولا وجه له إلا في الصورة السابقة التي استشكلنا فيها إذ الظاهر حينئذ جواز التيمم على التراب لكن لما كان المشهور بين الاصحاب جوازه مع وجود الماء مطلقا الثالث جواز التيمم على التراب مع فقد الماء ولا يبعد القول حينئذ لجوازه أما على رأى المصنف (ره) فظاهر لانه اعتقد إن الوضوء للنوم رافع للحدث فيستحب التيمم بدلا منه كما ذكره وأما على ما ذكرنا من عدم وضوح هذه الكلية فلقوله (عليه السلام) من تطهر لان التطهر شامل للتيمم أيضا كما مر ولا يذهب عليك أنه إذا جوز التيمم مع فقد الماء فإذا فقد التراب أيضا جاز التيمم بالدثار وإن كان مستيقضا قبل الايواء فيحصل قسم آخر لجواز التيمم على الدثار فتدبر ويدل على الثاني ما رواه الكافي في باب من يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء في الحسن عن الحلبي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدركه الجنازة وهو على غير وضوء فإن ذهب يتوضأ فاتته الصلوة عليها قال تيمم وما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الحميد بن سعد قال قلت لابي الحسن (عليه السلام) الجنازة تخرج بها ولست على وضوء فإن ذهبت وأتوضأ فاتتني الصلوة إلى أن أصلي عليها وأنا على غير وضوء قال نكون على طهر أحب إلي وهذه الرواية في التهذيب أيضا بأدنى تغيير في الباب الثاني لباب الصلوة على الاموات والتقريب يظهر بالتأمل وقد أشرنا إليه سابقا وما رواه أيضا في الباب في الموثق عن سماعة قال سئلته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع قال يضرب بيديه على حايط اللبن ويتيمم وهذه الرواية في التهذيب أيضا في الباب المذكور وأنت خبير بأن هذه الرواية لا تدل على

[ 51 ]

اختصاص التيمم بما إذا خاف فوت الصلوة واستخراجه من قوله مرت غير ظاهر لكن لم تكن ظاهرة في خلافه أيضا والحكم على خلاف الاصل فالاولى الاقتصار على المتيقن لكن الشيخ (ره) ادعى الاجماع على جوازه مطلقا في الخلاف سواء خاف الفوت أو لا ويتمسك فيه أيضا بهذه الرواية وأورد عليه المحقق في المعتبر أن الاجماع لا نعلمه والخبر ضعيف السند والمتن مقطوع فالتمسك بالاصل من اشتراط عدم الماء في التيمم أولا ما لم يخف فوت الجنازة ورد بأن الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة وعمل الاصحاب بالرواية يجبر ضعفها وأنت خبير بأن الاجماع وإن سلم عدم تحققه فلا أقل من الشهرة العظيمة من الاصحاب و مثل هذه الشهرة يكفي فيما نحن فيه لانه من باب المندوبات والاصل الذي ادعى لو كان ثابتا لكان الامر كما ذكره إذ حينئذ تعارض الندب والحرمة فيصار إليها مع إن دليل الندب ضعيف لكنه ليس بثابت لما علمت من أن هذه الكلية لم يستنبط من الاية والرواية بل إنما يثبت فيه بالاجماع وظاهر فقده فيما نحن فيه نعم الاستدلال بالرواية لا يخلو من شئ لعدم صراحتها في المطلوب كما عرفت وليعلم إن ابن الجنيد (ره) لم يقل بالاطلاق بل إنما قيده بخوف الفوت كما ذكره في الذكرى فدعوى الاجماع من الشيخ كأنه بناء على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب والمصنف (ره) ذهب ظاهرا في الذكرى إلى الاطلاق لكن ظاهر كلامه في هذا الكتاب التقييد هذا ثم إعلم أنه لا وجه لذكر النوم وصلوة الجنازة على حدة إذ هما أيضا داخلان تحت ما يستحب له الوضوء الرافع على مذهب المصنف والاعتذار بأن إفرادهما بالذكر كأنه لاجل أن التيمم جايز لهما مع وجود الماء بخلاف ما عداهما يأباه قوله إذا خاف الفوت بالوضوء لان ما سوى صلوة الجنازة أيضا كذلك إذ مع خوف الفوت بالوضوء يجوز التيمم وإن وجد الماء إلا أن يقال التيمم أن المندوب ليس كذلك مثلا إذا خاف فوات نافلة موقتة مثلا لو اشتغل بالوضوء لما ساغ التيمم حينئذ نعم الحال في الواجب كذلك مع أن المحقق لم يسلم الحكم في الواجب أيضا كما سيجئ إنشاء الله تعالى (وتجديده بحسب الصلوة) على رواية رواها الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه في الصحيح عن أبي همام عن الرضا (عليه السلام) قال يتيمم لكل صلوة حتى يوجد الماء ويدل أيضا عليه ما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال لا يتمتع بالتيمم إلا صلوة واحدة ونافلتها وإنما حملتا على الاستحباب لعدم الظهور في الوجوب والاصل البرائة وللجمع بينهما وبين الروايات الدالة على خلافهما منها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) يصلي الرجل بتيمم واحد يصلى صلوة الليل والنهار كلها فقال نعم ما لم يحدث أو يصيب ماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الوقت الذي يوجب التيمم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن حماد بن عثمان قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة قال لا هو بمنزلة الماء ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال لا بأس بأن يصلي صلوة الليل والنهار كلها ما لم يحدث أو يصيب الماء (درس يجب الوضوء بالبول والغايط والريح من المعتاد طبيعيا أو عرضيا) وجوب الوضوء لخروج الثلاثة من الموضع الطبيعي مما لا خلاف فيه ولا يشترط فيه الاعتياد بل الخارج أول مرة أيضا يوجب الوضوء ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع روايات منها ما رواه في التهذيب في باب الاحداث الموجبة للطهارة في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) ما ينقض الوضوء فقالا ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر والدبر من البول والغايط أو مني أو ريح والنوم حتى يذهب العقل وكل النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت وما رواها في هذا الباب بطريق حسن أيضا وروى في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء بطريق حسن وفى الفقيه أيضا في باب ما ينقض الوضوء بإسقاط بعضه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك وروى في الكافي أيضا في الباب المذكور ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أحدهما قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أديم بن الحر أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين إلى غير ذلك مما سنذكر أكثرها إن شاء الله تعالى في المباحث الاتية وكذلك يوجب الوضوء بخروج البول والغايط من المخرج الخلفي في غير الموضع الطبيعي إجماعا كما ذكر في المنتهى ولا يبعد ادعاء دلالة الروايات المذكورة عليه أيضا لصدق الطرفين اللذين أنعم الله بهما عليه ولا يشترط في ذلك الاعتياد وكذا لو انسد الطبيعي وانفتح غيره إجماعا كما هو ظاهر المنتهى وقالوا بعدم اشتراط الاعتياد حينئذ أيضا وإن كان ظاهر كلام العلامة (ره) في النهاية يوهم اشتراطه وأما لو لم ينسد الطبيعي وانفتح غيره ففيه أقوال أحدها النقض بخروج البول والغايط من غير الطبيعي مطلقا سواء كان من تحت المعدة أو فوقها وسواء اعتاد أم لا وهو مذهب ابن ادريس والعلامة في التذكرة وثانيها النقض بخروجهما من دون المعدة وبدونه فلا ولم يشترط الاعتياد وهو مذهب الشيخ (ره) في المبسوط وثالثها النقض بهما مع الاعتياد بدون اعتبار تحتية المعدة وهو مذهب المحقق (ره) في المعتبر والعلامة في المنتهى والقواعد والمصنف في هذا الكتاب والذكرى ورابعها عدم النقض مطلقا سواى كان تحت المعدة أم لا وسواء اعتاد أم لا ولم نعرف لهذا قائلا بعينه لكن كلام العلامة (ره) في المنتهى يشعر بعدم الاجماع على خلافه حيث قال لو اتفق المخرج من غير المعتاد خلقة ينقض الطهارة بخروج الحدث منه اجماعا لانه ما أنعم به وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره أما لو انفتح مخرج آخر والمعتاد على حاله فإن صار معتادا فالاقرب مساواته له في الحكم وإن كان نادرا فالوجه أنه لا ينقض انتهى والاخير أظهر لنا الاصل وعدم دليل صالح

[ 52 ]

للخروج عنه كما سيظهر عند رد الادلة المخالفين والروايات المتقدمة أيضا لحصر الناقص فيها في الخارج عن الطرف الاسفل والطرف الذي أنعم الله به أما الثلاثة الاخيرة فظاهر وأما الاولى فلان السؤال بما الدالة على الاستيعاب ظاهرا يدل على الحصر في الجواب للزوم المطابقة والحال أنه لم يصدق الطرف الاسفل الذي أنعم الله به على الموضع المنفتح المذكور خصوصا بين في الرواية الاولى بأنه الذكر والدبر وعدم صدقهما عليه واضح جدا لكن يمكن المناقشة في هذه الرواية بخصوصها أنها لا ظهور لها في اشتراط الخروج من الطرفين الاسفلين إذ يمكن أن يكون مراده (عليه السلام) أن الناقض شئ من شأنه وعادته أن يخرج من الطرفين وليس ببعيد ولا يذهب عليك أن هذه المناقشة لا يتأتى في الروايات الاخيرة لبعدها حينئذ جدا لغة وعرفا فإن قلت هب أن دلايل الخصوم في هذا الباب ليس بتمام لكن ما تقول في قوله تعالى إذا قمت إلى الصلوة الاية لانه يدل بعمومه على وجوب الوضوء عند كل قيام خرج القيام بعد الوضوء الذي لم يتعقبه حدث أصلا بالاجماع فبقي الباقي ومن جملته القيام بعد الوضوء المتعقب للحدث المتنازع فيه فيجب الوضوء عنده إذ لا إجماع ولا دليل آخر على خروجه فيثبت وجوب الوضوء بعد الحدث المذكور ونقض حكم الوضوء السابق عليه وإذا يثبت في الصلوة يثبت في غيرها أيضا لعدم القول بالفصل قلت أما أولا فبمنع العموم لان إذا للاهمال وقد مر غير مره وعلى تقدير كونها من أدات العموم أيضا نقول قد وردت رواية موثقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن المراد إذا قمتم من النوم وقد تقدم ذكرها ونقل العلامة في المنتهى إجماع المفسرين على ذلك وحينئذ لا دلالة وأما ثانيا فبتسليمه ومنع عدم ما يدل على خروج القيام المذكور لما عرفت من دلالة الروايات على حصر الناقض في الخارج من الطرفين الاسفلين والخارج المتنازع فيه لما لم يكن خارجا منهما لم يكن ناقضا فلم يجب الوضوء بعده فثبت التخصيص وأيضا موثقة ابن بكير المتقدمة من قوله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك توضأت الحديث وما في صحيحة زرارة الاية من قوله وإلا فإنه على يقين من وضوء ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر أيضا يخصصان القيام المذكور وما يقال إن الشك في الحدث وكذا عدم الاستيقان به باعتبار الشك وعدم الاستيقان في الحكم الشرعي بأن الشئ الفلاني حدث مع التيقن بوجوده ليس داخلا في الروايتين بل المراد منهما الشك وعدم الاستيقان بوجود شئ بعد العلم بأنه حدث لا ظهور له لاطلاق اللفظ لغة وعرفا نعم الشك في الحكم إنما لم يعتبر إذا لم يتفحص المأخذ ولم يتبع المدارك وأما الشك بعد التفحص والتتبع فلا هذا ولنذكر الان حجج المخالفين أما بن ادريس (ره) فقد احتج بعموم قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط وهذا وإن كان في باب التيمم لكن لا فرق بينه وبين الوضوء في هذا الحكم إجماعا وأيضا كان الاية يدل على وجوب التطهر بالماء مع وجوده حينئذ وفيه نظر لان الظاهر أن المراد بالغايط في هذا المقام معناه الاصلي وهو الموضع المطمئن من الارض والمجئ منه كناية عن التغوط أو أعم منه ومن التبول والظاهر كونه كناية عن التغوط من الموضع الطبيعي لشيوعه وتبادره ولا أقل من عدم الظهور في الاعم منه وتصير الحكم مشكوكا ولا نسلم وجوب تحصيل البرائة اليقينية من المشكوك بل المسلم وجوب تحصيل البراءة من القدر اليقيني واحتج أيضا بالاخبار ولم يذكرها ونحن نورد ما يصلح ظاهرا للاحتجاج له منه ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يوجب الوضوء إلا من الغايط أو من البول أو ضرطة أو فسوة تجد ريحها ورواه في الزيادات أيضا بأدنى تغيير ومنه ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زكريا بن آدم قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن الناسور قال إنما ينقض الوضوء ثلاث البول والغايط والريح وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء وجه الاستدلال أنه حكم بالنقض على الغايط والبول فالخارج من غير الموضع الطبيعي يجب أن يكون ناقضا إذا صدق عليه سواء خرج من تحت المعدة أو فوقها وسواء اعتيد أم لا لاطلاق اللفظ والجواب أن نفس الغايط والبول ليس بناقض حتى يكون كل ما يصدقان عليه ناقضا وهذا ظاهر فالروايتان إما أن يقال بضهورها في الخروج من الموضع الطبيعي كما يقال بظهور حرمت عليكم الميتة في الاكل أو بإجمالها وعلى التقديرين لا دلالة كما عرفت والقول بظهورها في الخروج مطلقا بعيد وأما الشيخ (ره) فقد فقال في المبسوط والغايط والبول إذا خرجا من غير السبيلين من جرح وغيره فإن خرجا من موضع في البدن دون المعدة نقض الوضوء لعموم قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط وما يروى من الاخبار أن الغايط ينقض الوضوء يتناول ذلك ولا يلزم ما فوق المعدة لان ذلك لا يسمى غايطا انتهى وإلاستدلال بالاية والاخبار على العموم قد عرفت حاله وأما ما ذكره من أن ما يخرج من فوق المعدة لا يسمى غايطا فقد اعترض عليه في المعتبر أنه ضعيف لان الغايط اسم للمطمئن ونقل إلى الفضلة المخصوصة فعند هضم المعدة للطعام وانتزاع الاجزاء الغذائية منه يبقى الثفل فيكف خرج تناوله الاسم ولا اعتبار بالمخرج في تسميته انتهى وهذا اعتراض جيد وقد أجاب عنه بعض المتأخرين (ره) أن غرض الشيخ (ره) أنه إنما يسمى غايطا بعد انحداره من المعدة إلى الامعاء وخلعه الصورة النوعية الكيلوسية التي كانت عليها في المعدة أما قبل الانحدار من المعدة فليس بغايط إنما هو من قبيل القئ وليس مراده وقوع المخرج فيما سفل من المعدة وفيما علاها إذ لا عبرة بتحتية نفس المخرج وفوقيته بل لخروج الخارج بعد انحداره

[ 53 ]

عن المعدة وصيرورته تحتها أو قبل ذلك غاية أنه (ره) عبر عما يخرج قبل الانحدار عنها بما يخرج من فوقها وعما يخرج بعده بما يخرج من تحتها والامر فيه سهل وأنت خبير ببعد هذا التوجيه عن كلام الشيخ (ره) المنقول آنفا جدا وأيضا لو كان مراده ذلك لكان ينبغي أن يقال أنه إن سمى في العرف غايطا فهو ناقض وإلا فلا لان الانحدار عن المعدة وعدمه أمر لا يعلمه كل أحد بخلاف اطلاق الغايط وعدمه فإنه معلوم لكل أحد فجعله مناطا وضابطة لصدق الاطلاق وعدمه ركيك ولا يذهب عليك أنه على هذا التوجيه لكلام الشيخ (ره) يرتفع الخلاف بينه وبين ابن ادريس ويصير قوله قوله بعينه وأما القول الاخر فقد احتج عليه المصنف في الذكرى بأن مع العادة يشمله عموم الاية وقول الصادق (عليه السلام) ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك اللذين أنعم الله بهما عليك لتحقق النعمة بهما وأما مع الندور فلا للاصل والخبر إذ ليس الطرفين وفيه نظر لانا لا نسلم شمول الاية لهذا الفرد ظاهرا بل هي إما ظاهرة في المتعارف المعتاد لاكثر الناس وأما مجملة بالنسبة إليه وإلى الاعم منه ومن المعتاد لبعض وعلى التقديرين لا يثبت المدعى كما مر مرارا وأما شمول الرواية فغير ظاهر جدا لان الاصل في الاضافة العهد وكذا الموصول كما قيل وحينئذ فالظاهر أن يكون إشارة إلى الطرفين المتقارنين وأيضا كيف يدعى في هذا الظرف أنه مما أنعم الله به أذ ظاهر أن الانعام إنما هو في الطرفين الطبيعيين وأما غيرهما فليس من باب النعمة بل النقمة هذا واعلم أن هذا القول الاخير وإن كان مشكلا إثباته لكن الاحوط الاخذ به والتوضأ عند خروج البول والغايط من غير الطبيعي مع الاعتياد خصوصا إذا كان دون المعدة للاشتهار بين الاصحاب وتحصل البرائة اليقينية للشك في شمول الاية والروايات لهذا الفرد وأكمل منه في الاحتياط الاخذ بقول ابن ادريس (ره) وتمام الاحتياط أن يحدث بعد هذا الحدث ويتوضأ ليحصل الجزم بالنية ويتقي التحذير الذي في موثقة ابن بكير المتقدمة وقس على ما ذكرنا من حال الخارج عن غير الطبيعي ما إذا خرجت القعدة متلطخة بالعذرة ثم عادت من غير انفصال العذرة هذا حكم البول والغايط وأما الريح فعند خروجه من الدبر الطبيعي ظاهر حاله كما عرفت وقد قيد في الروايات بأن يكون مما يسمع صوته أو يجد ريحه كصحيحة زرارة المتقدمة في جملة أدلة ابن ادريس وفي زيادات التهذيب زيد فيها بعد ضرطة تسمع صوتها وما رواه أيضا في الزيادات في باب الاحداث في الصحيح عن معوية بن عمار قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه قد خرج منه ريح ولا ينقض وضوئه إلا ريح يسمعها أو يجد ريحها وهذه الرواية في الكافي بطريق حسن في باب ما ينقض الوضوء وما رواه الشيخ أيضا في هذا الباب عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال قلت له أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت فقال ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح ثم قال إن ابليس يجئ فيجلس بين اليتي الرجل فيفسو ليشككه وهذه الرواية في الفقيه أيضا بطريق صحيح بأدنى تغيير في باب ما ينقض الوضوء ولا يذهب عليك أنه إذا حصل الشك في خروج الريح فلا شك في عدم النقض لدلالة هذه الرواية وما ورد رواه أيضا من أنه لا ينقض اليقين بالشك وموثقة ابن بكير وأما إذا حصل اليقين بالخروج ولم يسمع صوت ولم يوجد ريح ففيه شك من حيث التقييد في الروايات بهما أو بأحدهما ومن حيث احتمال أن مراده حصول اليقين بالخروج وذكر هذين الوصفين لانهما مما يوجب اليقين ولم أقف في كلام الاصحاب على نص صريح في هذا الباب لكن الظاهر أنهم اكتفوا بحصول اليقين ولا ريب أنه الاولى والاحوط والله أعلم وأما إذا خرج عن غير الدبر الطبيعي فإن كان من القبل فسيجئ بيانه وإن كان من غيره فإن كان من الدبر الخلقي أو غير الخلقي مع انسداد الطبيعي فالظاهر أن إيجابه أيضا للوضوء إجماعي كالبول والغايط كما يدل عليه اطلاق كلام المنتهى المنقول سابقا وأما مع عدم الانسداد فالظاهر أن الخلاف المنقول عن الشيخ (ره) وابن ادريس (ره) في البول الغايط ليس فيه بل الظاهر من السرائر عدم نقض الخارج من غير الدبر مطلقا والمعتبرون للاعتياد وعدمه في البول والغايط كأنهم يعتبرون فيه أيضا كما يفهم ظاهرا من كلام المنتهى والمعتبر وقد ادعى المعتبرون للاعتياد الاجماع على أن الجشأ لا ينقض الوضوء ولا يعلم أنهم ما يقولون في الجشأ المنتن إذا أعتيد خروج الغايط من الفم كما في بعض الامراض هل يدخلونه تحت الاجماع أو لا وكذا الحال إذا انسد الطبيعي وخروج الفضلة من الفم وبالجملة كلامهم في هذا الباب لا يخلو من إجمال والذي تقتضيه النظر عدم النقض في غير صورة الاجماع كما يظهر وجهه مما تقدم وإن كان الاحوط إحداث الوضوء بعد الخروج من الموضع المعتاد للغايط بعد إيقاع حدث آخر والله أعلم بحقيقة الحال (والنوم الغالب على الحاستين) أي السمع والبصر والمراد بالغلبة كأنه الازالة والابطال كما سيظهر إعلم إن المشهور بين الاصحاب إيجاب النوم للوضوء مطلقا سواء كان مضطجعا أو قائما أو قاعدا منفرجا أو لا ومع تمكن المقعدة من الارض أو لا وسواء كان في حال الصلوة أو غيرها لكن يشترط زوال السمع والبصر وقد نسب إلى العامة بعض التقييدات لا طايل في ذكره وقد يتخيل أيضا ذهاب بعض أصحابنا إلى التقييد لكن لم يصرح به ظاهرا قال العلامة (ره) في المنتهى وروى أبو جعفر ابن بابويه قال سأله سماعة بن مهران عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلوة قائما أو راكعا فقال ليس عليه وضوء قال وسئل موسى بن جعفر

[ 54 ]

(عليه السلام) عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء فقال لا وضوء عليه قاعدا ما لم ينفرج فإن كانت هاتان الروايتان مذهبا له فصارت المسألة خلافية وإلا فلا على أن الشيخ (ره) أباه علي بن بابويه قال ولا يجب إعادة الوضوء إلا من بول أو مني أو غايط أو ريح يستيقنها ولم يذكر النوم انتهى ولا يخفى أنه على تقدير كونه مخالفا بالمشهور يحتمل أن يقيد النوم بكونه في غير وقت الصلوة بالنظر إلى الرواية الاولى كما هو مذهب أبي حنيفة أو تقييده بالانفراج بالنظر إلى الرواية الاخيرة وقد نسب إليه في المنتهى والمعتبر هذا القول الاخير وهذا أيضا يحتمل وجهين يظهر بالتأمل وإذ قد عرفت الحال فنقول المعتمد هو القول بالاطلاق كما هو المشهور لنا صحيحتا زرارة المتقدمتان المتضمنتان للنوم وما رواه التهذيب أيضا في باب الاحداث في الصحيح عن محمد بن عبد الله وعبد الله بن المغيرة قالا سئلنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته فقال إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفقة والخفقتين فقال ما أدرى ما الخفقة والخفقتين إن الله تعالى يقول بل الانسان على نفسه بصيرة إن عليا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النوم فإنما وجب عليه الوضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء بزيادة قائما أو قاعدا بعد طعم النوم وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء قال يا زرارة قد ينام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والقلب والاذن فقد وجب الوضوء قلت فإن حرك إلى جنبيه شئ ولم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين أخر وما رواه أيضا في الصحيح في هذا الباب عن معمر بن خلاد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسايد فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال قال يتوضأ قلت له إن الوضوء يشتد عليه فقال إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه وهذا الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور و الاغفاء النوم قال في الصحاح أغفيت إغفاء نمت وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل هل ينقض وضوئه إذا نام وهو جالس قال إن كان يوم الجمعة وهو في المسجد فلا وضوء عليه وذلك أنه في حال ضرورة والاستدلال به من حيث أن قوله (عليه السلام) وذلك أنه في حال ضرورة يدل على أنه في غير حال الضرورة يجب الوضوء ووجه الاستدلال في الجميع أنه علق وجوب الوضوء على مطلق النوم بدون تقييد بحال من الاحوال فيجب الحكم به ما لم يثبت مخصص ولم يثبت لما سيرد عليك من رد ما يظن كونه مخصصا ولنا أيضا ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن اسحق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء الا حدث والنوم حدث واورد على هذا الاستدلال إن الجزء الاول من الرواية يشتمل على عقدين سلبي وإيجابي الاول لا ينقض الوضوء غير الحدث والثاني ينقض حدث والحدث لما كان منكرا في مقام الاثبات يكون معناه فردا ما لا الطبيعة من حيث هي ولا جميع الافراد وظاهر أن العقد الاول لا ينتج مع الجزء الثاني لعدم اتحاد الوسط والعقد الثاني أيضا لا يخلو إما أن يجعل صغرى أو كبرى وأيا ما كان لا ينتج لانه إما أن يترتب القياس هكذا النوم حدث والحدث ناقض ليكون من الشكل الاول وحينئذ لا يكون كبراه كلية بل مهملة لما عرفت فلم يتحقق شرط الانتاج وأما أن يترتب هكذا الناقض حدث والنوم حدث ليكون من الشكل الثاني ولا انتاج لعدم اختلاف مقدمتيه في الكيف وأما أن يترتب هكذا الحدث ناقض والنوم حدث ليكون من الشكل الرابع ولا ينتج أيضا لعدم كليه الصغرى وأجاب عنه العلامة (ره) في المنتهى والمختلف بما حاصلة أن كل واحد من الاحداث فيه جهتا اشتراك وامتياز وجهة الاشتراك وهي مطلق الحدث مغايرة لجهة الامتياز وهي خصوصية كل واحد منها قطعا ولا شك أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا وإلا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز فيحتاج إلى مايز آخر وننقل الكلام حتى يلزم التسلسل وإذا انتفت الحدثية عن المميزات لم يكن لها مدخل في النقض أيضا لنفيه (عليه السلام) النقض عن غير الحدث في العقد السلبي المذكور وإذا لم يكن للخصوصيات مدخل في النقض يلزم استناد النقض يلزم استناد النقض إلى القدر المشترك الذي هو مطلق الحدث وهو موجود في النوم لحكمه (عليه السلام) في الجزء الثاني عليه بأنه حدث وحينئذ نقول كلما تحقق النوم تحقق الحدث وكلما تحقق الحدث تحقق النقض لان وجود العلة يستلزم وجود المعلول وكلما تحقق النوم تحقق النقض وهو المطلوب وفيه نظر إما أولا فلمنع قوله ولا شك أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا قوله وإلا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز ولا بد من مايز آخر قلنا لا نسلم أنه على تقدير كون الخصوصية حدثا يلزم دخول ما به الاشتراك فيما به الامتياز لجواز أن يكون عارضا وتفصيل أن يقال إن طبيعة الحدث المشترك في الاحداث لا يخلو أما أن يكون ذاتيا لها أو عرضيا وعلى الاول إما جنس أو نوع فيكون الامتياز بين الاحداث إما بالفصول أو المشخصات وأيا ما كان لا يلزم من صدق الحدث عليها دخوله فيها ليحتاج إلى جزء آخر مميز بل إنما يصدق عليها صدقا عرضيا كما تقرر من أن الجنس عرض عام بالنسبة إلى الفصول وحينئذ يكون الامتياز بين الانواع والافراد وبين الفصول والمشخصات المشتركة في الحدثية بنفس الذات لا بجزء

[ 55 ]

مميز لعدم الاشتراك في الجزء إذ الحدث جزء ما في الاوليين وعارض في الاخيرين وعلى الثاني فالامر أظهر لان مادة المغالطة حينئذ تضمحل بالكلية كما لا يخفى وقس عليه أيضا إذا كان ذاتيا لبعض وعرضيا لاخر وأما ثانيا فنقول على تقدير تسليم أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا لا نسلم أن ليس لها مدخل في النقض قوله أنه (عليه السلام) نفى النقض عن غير الحدث قلنا نفي النقض عنه إنما يستلزم أن لا يكون ناقضا برأسه لم لا يجوز أن يكون جزء للناقض فحينئذ يمكن أن يكون بعض أفراد الحدث المشتمل على تلك الطبيعة وخصوصية معينة ناقضا فيكون الخصوصية أو لا يكون الفرد المشتمل على خصوصية غيرها ناقضا لفوات جزء العلة وقال بعض علمائنا المتأخرين (ر ه) في توجيه هذا الاستدلال بعد أن أورد الاشكال بأنه ليس فيه شرايط الانتاج فأما أن تجعل الحدث في الصغرى بمعنى كل حدث كما قالوه في قوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت من أن المراد كل نفس فيصير في قوة قولنا كل حدث ناقض ويؤل إلى الشكل الرابع فينتج بعض الناقض نوم وأما أن يجعل الصغرى كبرى وبالعكس فيكون من الشكل الاول وأما أنه يستدل على استلزامه للمطلوب وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس كما قالوه في قولنا زيد مقتول بالسيف والسيف آله حديدية فإنه لا شك في انتجاه زيد مقتول بآلة حديدية مع عدم جريانه على وتيرة شئ من الاشكال الاربعة وكما في قولنا زيدا ابن عمرو وعمرو ليس في البلد انتهى وقال في حاشية هذا المقام فإنه إذا قام الدليل في بعض الصور على استلزام المطلب لم يضر عدم استجماع شرايط القياس كما في قولنا كل ممكن حادث وكل وجاب قديم إذ لا شك في التزامه أن لا شئ من الممكن بواجب مع عدم استجماعه شرايط القياس وقس عليه الاستدلال على وجوب التسليم بقولنا شئ من التسليم واجب ولا شئ منه في غير الصلوة بواجب انتهى كلامه رفع مقامه وفيه نظر أما في أول الوجهين فلان النكرة في سياق الاثبات لابد من حملها على العموم من دليل ولا دليل ههنا وما يقال من أن حمله على فرد ما يخرج الكلام عن الفائدة المعتد بها ويلزم الاغراء بالجهل ففيه إن حصول الفايدة المعتد بها في الجزء السلبي كاف في امثال هذا المقام إذ يستفاد منه أن غير الحدث لا ينقض وتلك فائدة تامة لوقوع الاختلاف في نقض بعض أفراد غير الحدث ولا يلزم أن يستفاد منه أيضا نقض جميع الاحداث والاغراء بالجهل غير لازم وإنما يلزم لو لم يتبين أصلا وأما إذا بين في موضع آخر فلا وأما في الاخير فلان ما ذكره من جواز استلزام الدليل المطلوب وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس أما أن يراد به جواز الاستلزام وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس في الواقع فهو باطل ظاهرا وما نقله من قولهم زيد مقتول بالسيف فالحق أنه أيضا مستجمع لشرايط القياس في الواقع نعم لا يلزم ملاحظة ارجاعه إلى أحد الاشكال الاربعة وليس هذا موضع ذكره وعلى تقدير تسليم عدم استجماعه نقول لا شك أن هذا الحكم مخصوص بهذا القياس أعني ما يكون متعلق محمول صغراه موضوعا في الكبرى لحكم العقل فيه بالانتاج ضرورة ولم يقل أحد من العقلاء باطراده في غيره أصلا كيف وهو مخالف لبديهة العقل والقياسان اللذان ذك‍ رهما في الحاشية فاستجماعهما للشرايط وإرجاعهما إلى الاقيسة المتعارفة ظاهر لان كبرى الاول بمنزلة لا شئ من الواجب بحادث والثاني يرجع إلى قياس استثنائي حاصله أنه لو لم يكن التسليم واجبا في الصلوة لما كان واجبا والثاني باطل فالقدم مثله أما الملازمة فلعدم وجوبه في غير الصلوة وأما بطلان التالي فلوجوبه في الجملة وأما أن يراد به جواز حكم العقل باستلزامه النتيجة وإن لم يلاحظ ارجاعه إلى الاقيسه المنطقية مفصلا فهو حق كما يشهد به الفطرة التسليمة لكن لابد أن يكون في الواقع مستجمعا للشرايط المعتبرة في المنطق وحينئذ لا نسلم أن ما نحن فيه من هذا القبيل أي مما يحكم به العقل ابتداء بدون ملاحظة الارجاع كما لا يخفى بل هو خلاف البديهة ولو تنزل عن كونه خلاف البديهة فنقول لو كان كما ذكره لكان راجعا إلى قياس جامع للشرايط في الواقع كما ذكرنا فليبين أنه ماذا هذا والاجود في توجيه هذا الاستدلال أن يقال أن قوله (عليه السلام) والنوم حدث بعد قوله لا ينقض الوضوء إلا حدث قرينة ظاهرة على أن مراده النوم حدث ناقض للوضوء كما يحكم به الوجدان على أن الظاهر أن قوله (عليه السلام) لبيان حكم شرعي إذ ليس شأنهم (عليهم السلام) بيان اللغة ولا بيان حكم لا دخل له في الاحكام الشرعية أو المعارف الدينية وبالجملة ما لا نفع له في الدين أو الدنيا ولا شك أن الحكم بأن النوم حدث إن لم يتعلق به غرض شرعي يكون من باب الاحكام التي لا نفع له في الدين والدنيا والظاهر أن الغرض الشرعي الذي يتعلق بحدثيته إنما هو النقض فثبت المرام ولنا أيضا ما رواه الشيخ (ره) في الباب المتقدم في الموثق عن ابن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة ما يعني بذلك قال إذا قمتم من النوم قلت ينقض النوم الوضوء فقال نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت وما رواه في هذا الباب أيضا عن سماعة قال سمعت أبا عبد الله عن الرجل ينام وهو ساجد قال ينصرف ويتوضأ وهذه الرواية لا يدل على تمام المدعى إذ لم يثبت به نقض النوم قاعدا مع تمكن المقعدة من الارض وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء وفيه أيضا عدم دلالته على الصورة المذكورة آنفا لجواز أن يكون الحالات للعهد الذكري إشارة إلى الحالات المتقدمه وقد يقال أن التعميم أولى لرجحان التأسيس على التأكيد وما رواه الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء عن سعد عن أبي عبد الله

[ 56 ]

(عليه السلام) قال إذنان وعينان ينام العينان ولا ينام الاذنان وذلك لا ينقض الوضوء فإذا نامت العينان والاذنان انتقض الوضوء هذا جملة ما يمكن أن يستدل به على المطلب وأنت خبير بأنه كما دلت الروايات على نقض النوم كذلك دلت على اشتراطه بإزالة العقل وإبطال السمع والبصر فابتداء النوم الذي لم يصل إلى ذلك الحد لم يكن ناقضا للاشتراط المذكور مع أنه لا يسمى نوما أيضا بل سنة وقال العلامة في التذكرة لو شك في النوم لم ينتقض طهارته وكذا لو تخايل له شئ ولم يعلم أنه منام أو حديث النفس ولو تحقق أنه رؤيا نقض انتهى والظاهر أن ما ذكره آخرا من أنه لو تحقق أنه رؤيا نقض محل نظر إذ يمكن أن يتحقق الرؤيا مع عدم إبطال السمع والعقل إذا قوي الخيال كما تشهد به التجربة وحينئذ فالحكم بالنقض مشكل والله أعلم فإن قلت كيف تجمع بين هذه الروايات والروايت السابقة الدالة على حصر الناقض في الثلاثة أو فيما يخرج من السبيلين قلت نحمل الحصر على الحصر الاضافي بالنسبة إلى آخر غير أشياء النوم مما وقع الخلاف في نقضه كما سيجئ أو نقول بتخصيصها بها وأما ما يمكن أن يستدل به على التقييد ببعض الاحوال فروايات أيضا منها الروايتان المتقدمتان المنقولتان في المختلف عن الفقيه والجواب عنهما أما عن الاولى فبالقدح في السند لان سماعة واقفي وأيضا في طريق الفقيه إليه عثمن ابن عيسى العامري وهو مجهول ويمنع دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه لان المراد من خفق الرأس ابتداء النوم بحيث لا يصل إلى حد النقض قال في الصحاح خفق الرجل حرك رأسه وهو ناعس والظاهر إن النعاس ابتداء النوم وعلى تقدير ظهورها في خلافه فليحمل عليه جمعا بينها وبين ما ذكرنا وأيضا يمكن حملها على التقية لانهم ذهبوا إلى أن النوم في الصلوة ليس بناقض كما نسب إلى أبي حنيفة وأما عن الثاني فبالقدح في السند أيضا للارسال وبالحمل على التقية ؟ إلى أن النوم قاعدا ممكن مع المقعدة من الارض لا ينقض كما نسب إلى الشافعي ومنها ما رواه الشيخ (ره) في الباب المتقدم عن عمران بن حمران أنه سمع عبدا صالحا يقول من نام وهو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه وفيه أيضا القدح في السند لان عمران بن حمران مجهول والحمل على التقية مع جواز حمل قوله (عليه السلام) وهو جالس لم يتعمد النوم على أنه لم يصل إلى حد يبطل عقله ولم يستحفظ نفسه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن بكر بن أبي بكر الحضرمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) هل ينام الرجل وهو جالس فقال كان أبي يقول إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء والجواب عنه أيضا بالطعن في السند لان بكر بن أبي بكر مجهول وبالحمل على التقية كما عرفت وكان في قوله (عليه السلام) كان أبي يقول إيماء إليه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يخفق وهو في الصلوة فقال إذا كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء وأعاده الصلوة وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة وفيه أيضا الطعن في السند لان في طريقه محمد بن الفضل وهو مشترك والحمل على التقية واعلم إن الشيخ (ره) أول الخبرين السابقين عليه بأن معناهما إن النوم إذا لم يغلب على العقل ويكون الانسان معه متماسكا ضابطا لما يكون منه لم يكن ناقضا فأورد هذا الخبر الاخير للدلالة على صحة تأويله وأنت خبير بأنه (ره) إن كان معتقده النوم ناقض في نفسه وليس نقضه باعتبار احتمال وقوع الحدث فيه لكن بشرط أن يذهب العقل والسمع كما يدل عليه ظاهر الروايات المتقدمة والظاهر أنه المشهور أيضا ففي تأييد هذه الرواية لمطلبه نظر إذ ظاهرها أن نقض النوم باعتبار احتمال الحدث لا باعتباره في نفسه حتى إذا استيقن أنه لم يحدث لم يكن ناقضا وإن اعتقد عدم نقضه في نفسه بل باعتبار احتمال الحدث فدلالتها حينئذ على مدعاه ظاهرة لكنه خلاف ظاهر الروايات المتقدمة وخلاف ظاهر المشهور ولذا لم نذكر هذه الرواية في طي أدلة المذهب المشهور بل أوردناها في المعارضات فإن قلت أي فائدة في هذا الفرق إذ اليقين بعدم الحدث إنما يكون عند عدم زوال العقل والسمع ومع زوالهما لا يقين البتة قلت يمكن أن يحصل اليقين بعدم الحدث مع زوال العقل والسمع بأخبار معصوم مثلا وحينئذ يظهر الفائدة ولا يذهب عليك أن هذه الرواية وإن كان ظاهرها ما ذكرنا لكن يمكن حلمها على ظاهر الروايات وظاهر المشهور كما لا يخفى فليحمل عليه جمعا بين الاخبار (ولو تقديرا) أي إذا كان فاقدا للسمع أو البصر قدر أنه لو كان واجدا لهما هل يحس أو لا وأنت خبير بأن هذا التقدير في غاية التعسر لكن قد علمت أيضا إناطة الحكم بذهاب العقل ووجد أن طعم النوم وعلى هذا الامر سهل لسهولة الاطلاع عليها (ومزيل العقل) اختلف عبارة الاحصاب (ره) ها هنا فالشيخ (ره) في ضمن تعداد نواقض الوضوء قال وكلما أزال العقل من اغماء وجنون وسكر وغير ذلك وقال في النهاية المرض المانع من الذكر وقال المفيد في المقنعة المرض المانع من الذكر والاغماء ومثله قال علم الهدى في المصباح وقال في جمل العلم النوم وما أشبهه من الجنون والمرض وقال ابن الجنيد كلما غلبت على العقل كالغشى والفرغة إذا تطاولت والظاهر إن المراد في الكل واحد والظابط زوال العقل قال المحقق (ره) في المعتبر وضابطه كلما غلب على الحاستين وفيه ما لا يخفى لان الجنون والسكر لا يغلب على الحالتين فالاولى ما ذكرنا لا يقال ليس مراده إن ضابط الاقوال هذا بل ما ضابط يعتقد نقضه من هذه الامور هذا فكأنه اعتقد نقض الغالب على الحاسين فقط لانه يصرح بعد ذلك بنقض السكر ونقض الجنون أيضا الظاهر أنه اجماعي فلا يجوز حصر الناقض في الغالب فقط

[ 57 ]

هذا والمعتمد في هذا الحكم الاجماع كما ذكر العلامة في المنتهى قال كلما غلب على العقل من اغماء أو جنون أو سكر أو غيره ناقض لا نعرف خلافا فيه بين أهل العلم انتهى واستدل عليه أيضا بأن النوم الذي يجوز معه الحدث وإن قل يجب معه الوضوء فمع الاغماء والسكر أولى قال في المعتبر وهذا الاستدلال بالمفهوم لا بالقياس وأنت خبير بأن الروايات المتقدمة ظاهرها إن النوم ناقض مطلقا لا أن نقضه باعتبار احتمال وقوع الحدث فيه إلا رواية أبي الصباح وهي مع عدم صحتها لا يدل أيضا على أن العلة في نقض النوم إنما هو احتمال طرو الحدث بل على إن النوم عند تطرق ذلك الاحتمال ناقض وعند عدمه لا وبمجرد هذا الدوران لا يثبت العليه لجواز أن لا يكون له دخل في العليه أصلا أو يكون خصوصية النوم شرطا إلا يرى أن ذلك الاحتمال في اليقظة لا يوجب الوضوء بل حذر عن الوضوء بسببه فكيف يدعي عليته مطلقا والاولوية التي ادعاها إنما يتم لو ثبت أن العلة هذا كما لا يخفى إذ التحقيق إن القياس بالطريق الاولى إنما يكون فيما يثبت فيه عليه الجامع والفرق بينه وبين منصوص العلة إن العلة يثبت ها هنا بالنص وهناك بالعقل فتدبر ونظيره أيضا الاستدلال بقوله (عليه السلام) إذا ذهب النوم بالعقل والنوم حتى يذهب العقل ونحوه واستدل عليه أيضا برواية معمر بن خلاد المتقدمة قال في المعتبر بعد ذكر هذا الدليل لا يقال صدر الحديث يتضمن الاغفاء وهو من أسماء النوم لانا نقول هذه اللفظ مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة انتهى وأراد بهذا اللفظ قوله (عليه السلام) إذا خفي عنه الصوت فقد وجب عليه الوضوء أورد عليه إن الضمير راجع إلى المحدث عنه وهو المريض الذي اغفى حال القعود فلا يكون مطلقا بل مقيدا بالنوم وربما يقال أن الظاهر من الاغفاء في الرواية الاغماء أما أولا فلدلالة ربما لان الغالب فيها التكثير كما صرح به مغني اللبيب بل ذكر الشيخ الرضي (ره) إن التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة وظاهر إن ما يتكثر في حال المرض هو الاغماء دون النوم وأما ثانيا فلدلالة تتمة الحديث المورد في الكافي فقال يؤخر الظهر ويصليها مع العصر يجمع بينهما وكذا المغرب والعشاء لان هذه أيضا مما يشعر بتكثير هذه الحال وتواتره كما لا يخفى والتكثر والتواتر ظاهرا في الاغماء والله أعلم ولا يخفى عليك أن هذا الاستدلال لو فرض تمامه لا يدل على تمام المدعى بل يختص بما خفي فيه الصوت لا الجنون والسكر ونحوهما مع عدم الخفاء وهو ظاهر فالمعتمد هو الاجماع كما ذكرنا سابقا وبعض الاستحاضة سيجئ في بابها إنشاء الله تعالى والخارج من السبيلين إذا استصحب ناقضا النقض به مع استصحاب الناقض مما لا خفاء فيه لدلالة الروايات السابقة عليه ولما رواه الشيخ (ره) أيضا في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن الرجل يكون في صلوته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع قال ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوئه وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء وقال في الكافي وروى إذا كانت ملطخة بالعذرة أعاد الوضوء وأما عدم النقض مع عدم الاستصحاب كما هو مفهوم العبارة فليحصر الناقض في الروايات المتقدمة في البول والغايط والريح ولهذه الرواية ولما رواه أيضا في هذا الباب عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل تسقط منه الدواب وهو في الصلوة قال يمضي في صلوته ولا ينقض ذلك وضوئه ولما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن يزيد عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال ليس في حب القرع والديدان الصغار وضوء ما هو إلا بمنزلة القبل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء وفي الفقيه أيضا مرسلا في باب ما ينقض الوضوء وكان التقييد بالصغار لان الكبار كثيرا ما يخالط الفضلة ولما رواه في باب الاحداث أيضا في الزيادات عن صفوان قال سئل رجل أبا الحسن (عليه السلام) وأنا حاضر فقال إن لي جرحا في مقعدتي فأتوضأ ثم استنجي ثم أجد بعد ذلك الندى والصفرة يخرج من المقعدة فأعيد الوضوء قال قد ايقنت قال نعم قال لا ولكن ترشه بالماء ولا تعد الوضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء من البول بطريقين أحدهما عن صفوان عن الرضا (عليه السلام) والاخر عن أبي بصير عنه (عليه السلام) ولما رواه الكافي في الباب المذكور عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام في الرجل يخرج منه مثل حب القرع قال ليس عليه الضوء وأما ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن ابن أخي فضيل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال قال في الرجل يخرج منه مثل حب القرع قال عليه وضوء فمحمول على أنه إذا كان متلطخا بالعذرة جمعا بين الاخبار أو على التقية لان أكثر العامة على النقض أو الاستحباب (والحق بعض خروج الريح من الذكر) إن كان الريح الخارج من الذكر لم يكن له صوت أو ريح فعدم النقض فيه ظاهر لما عرفت سابقا من تقييد الريح في بعض الروايات بهما وأما إذا كان له أحدهما بناء على فرض بعيد لا يخلو من إشكال خصوصا مع الاعتياد إذ يصدق عليه أنه الخارج من السبيلين إلا أن يحمل الخروج على المعهود من خروج الريح من الدبر والظاهر فيه أيضا عدم النقض لان الروايات أما ظاهرا في الخروج العهود والامر ظاهر وأما مجملة وقد مر أنه على تقدير الاجمال لم يثبت وجوب الاتيان بالافراد المشكوكة وقد استدل عليه أيضا بأنه لا منفذ لها إلى الجوف وهو ضعيف وأما الخارج من قبل المرئة فحكمه أيضا كذلك قال المصنف (ره) في الذكرى أما قبل المرأة فقال الفاضلان ينقض خروج الريح منه للمنفذ وتسميته ريحا ويشكل بالحمل على المعهود مع التمسك بالاصل حتى تعتاد انتهى وقد عرفت بما سبق إن مع الاعتياد أيضا لم يثبت الوجوب لكن الاحتياط فيه وأعلم أن العلامة (ره)

[ 58 ]

ذهب في المنتهى إلى عدم النقض وأطلق ولم يتعرض للاعتياد وعدمه لكن الظاهر أن مراده عدم النقض مع عدمه كما في الذكرى لان ما نقلناه عنه سابقا ظاهرا في أن خروج الريح من غير الفرجين ناقض مع الاعتياد فمن الفرج بالطريق الاولى (وابن الجنيد الحقنة) وكأنه قائل بالنقض إذا خرجت كما يفهم من ظاهر الذكرى وهو ضعيف لنا روايات الدالة على حصر الناقض في الثلاثة ويؤيده أيضا ما رواه الشيخ (ره) في الزيادات في باب الاحداث في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل هل يصلح له أن يستدخل الدواء ثم يصلي وهو معه أينقض الوضوء قال لا ينقض الوضوء ولا يصلي حتى يطرحه ووجه التأييد ظاهر بالوجدان وهذ الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء ولم نقف لابن الجنيد (ره) على تمسك اللهم إلا أن يتمسك بإطلاق ما ورد في بعض الروايات من نقض الخارج من السبيلين أو بالاحتياط لانه فطنة المخالطة بالفضلة وكلاهما ضعيف كما لا يخفى (والمذي عن شهوة) المذي ما يخرج عقيب الملاعبة والتقبيل كما في الصحاح والقاموس ذهب علماؤنا أجمع إلى عدم نقه إذا لم يكن عن شهوة والاكثر إلى عدم نقضه مطلقا وابن الجنيد قال بنقضه إذا خرج عقيب شهوة وقد يشعر كلام الشيخ (ره) في التهذيب بنقضه كما إذا كان كثيرا خارجا عن المعتاد لكن لا يبعد أن لا يكون هذا مذهبا له بل إنما أورد في مقام البحث على سبيل الاحتمال والاظهر ما ذهب إليه الاكثر لنا الروايات الدالة على الحصر في الثلاثة وما رواه التهذيب أيضا في باب الاحداث في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه وقال إن عليا (عليه الصلوت) أمر المقداد أن يسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستحيى أن يسئله فقال فيه الوضوء قلت فإن لم أتوضأ قال لا بأس به وارجاع ضمير به إلى الوضوء بعيد جدا وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال إن سال من ذكرك من شئ من مذي أو وذي فلا تغسله ولا تقطع له الصلوة ولا تنقض له الوضوء إنما ذلك بمنزلة النخامة كل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبايل والحبايل عروق الظهر أو عروق الذكر كما يفهم من القاموس وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المذي ينقض الوضوء قال لا ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ثلاثة يخرجن من الاحليل وهن المني فمنه الغسل والودي فمنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول قال والمذي ليس فيه وضوء إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف ودريرة البول موضع سيلانه أو بقية ما سال كما في القاموس وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولامن مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد وما رواه الكافي أيضا في باب المذي في الحسن عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن سال من ذكرك شئ من مذي أو وذي وأنت في الصلاوة فلا تغسله ولا تقطع الصلوة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقيبك فإنما ذلك بمنزلة النخامة وكل شئ يخرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبايل أو من البواسير فليس بشئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره وما رواه أيضا في الباب المذكور في الحسن عن بريد بن معاوية قال سئلت أحدهما (عليهما السلام) عن الوذي فقال لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جد إنما هو بمنزلة المخاطة والبصاق وما رواه أيضا في الحسن عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ قال لا يقطع صلوته ولا يغسله من فخذه إنه لم يخرج من مخرج المني إنما هو بمنزلة النخامة وما رواه التهذيب أيضا في الباب المتقدم في الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المذي قال إن عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء واستحيى أن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان فاطمة (عليها السلام) فأمر مقداد أن يسئله وهو جالس فسئله فقال له ليس بشئ وما راه أيضا في هذا الباب عن عمر بن حنظلة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المذي فقال ما هو عندي إلا كالنخامة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المذي بأدنى تغيير وما رواه أيضا في هذا الباب عن عنبسة قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان عليا (عليه السلام) لا يرى في المذي وضوءا ولا غسلا ما أصا ب الثوب منه إلا في الماء الاكبر وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المني والمذي يصيبان الثوب والجسد وما رواه أيضا في هذا الباب عن ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يخرج من الاحليل المني والمذي والودي مع الوذي فأما المني فهو الذي يسترخي له العظام ويفتر منه الجسد وفيه الغسل وأما المذي يخرج من الشهوة ولا شئ فيه وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول وأما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء جمع الداء كما في الصحاح فهذا جملة ما يدل على ما اخترناه وأما ما يمكن أن يحتج به لابن الجنيد (ره) فروايات أيضا منها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أينقض الوضوء قال إن كان من شهوة نقض والجواب أنه محمول على الاستحباب جمعا بين الاخبار ويؤيده صحيحة ابن بزيع المتقدمة فإن قلت إنما يجب التأويل عند تعارض يوجب التأويل وها هنا لا تعارض يوجب التأويل لان ما تقدم من الروايات سوى مرسلتي ابن أبي عمير وابن رباط مطلق وهذا

[ 59 ]

مقيد والمطلق يجب حمله على المقيد فلا يصح التأويل في المقيد والمرسلتان أيضا لا يصح التأويل في المقيد والمرسلتان أيضا لا يصلحان للتعارض باعتبار السند قلت أما ما ذكرت من أن المطلق يجب حمله على المقيد فليس بمسلم مطلقا لان حمل المطلق على المقيد لا بد من ارتكاب خلاف ظاهر فيه البتة فلو جاز تأويل في المقيد لم يكن ارتكاب خلاف الظاهر فيه أكثر منه في الاول لم يتعين حمل المطلق على المقيد بل مع التساوي يحكم بالتوقف ومع النقصان يرتكب التأويل في المقيد وما نحن فهى من قبيل الاخير لان المذي إن لم نقل بأنه يستلزم أن يكون عقيب الشهوة كما يشعر به كلام أهل اللغة ومرسلة ابن رباط المتقدمة وكلام الفقيه حيث فسره بما يخرج قبل المني حتى لا يكون تعارض الروايات من باب تعارض المطلق والمقيد بل من باب تعارض المطلقين أو المقيدين فلا يستريب أحد أن الغالب منه ما يكون عقيب الشهوة فحينئذ نقول حمل تلك الروايات الكثيرة الحاكمة على عدم نقض المذي بالاطلاق وعلى الفرد النادر الغير المتعارف منه أشد خلافا للظاهر من حمل تلك الروايات على الاستحباب خصوصا مع ما يؤيد ذلك الحمل من صحيحة ابن بزيع المتقدمة وخصوصا مع لزوم ارتكاب التأويل في الروايات الدالة على الحصر على تقدير عدم ذلك الحمل وعلى تقدير تسليم التساوي في خلاف الظاهر فيحكم بالتساقط والاصل معنا مع روايات الحصر وأما ما قلته من عدم صلاحية المرسلتين للمعارضة ففيه أيضا شئ لان مراسيل ابن أبي عمير قد تلقوها بالقبول خصوصا هذه المرسلة لانه قد رواها غير واحد من أصحابنا خصوصا مع اعتضادها بالمرسلة الاخرى والمطلقات وقد يقال بحمل هذه الرواية على التقية لان الجمهور مطبقون على النقض بالمذي وفيه إن إطباق الجمهور على النقض بالمذي مطلقا لا ما هو عقيب الشهوة فقط كما هو الظاهر فحمل هذه الرواية على التقية غير مناسب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء وقال إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمر المقداد ابن الاسود أن يسئل النبي (صلى الله عليه وآله) واستحيى أن يسئله فقال (صلى الله عليه وآله) فيه الوضوء والجواب أن هذا الرواي روى هذا الحديث بعينه مع زيادة كما نقلنا ولا شك أن الراوي إذا روى الحديث تارة مع زيادة وتارة بدونها عمل على تلك الزيادة إذا لم يكن مغيرة ويكون بمنزلة الروايتين قال العلامة (ره) في المنتهى لا يقال الزيادة ها هنا مغيرة لانها تدل على الاستحباب مع أن الخبر الخالي منها تدل على الوجوب لانا نقول هذا ليس بتغيير بل هو تفسير لما دل عليه لفظ الامر لانه لو كان تغييرا لكان الخبر المشتمل على الزيادة مناقضا انتهى وأيضا قصة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المقداد قد روى بطريق مخالف له كما نقلنا عن إسحاق بن عمار وذلك يضعف الظن به وأيضا يحمل على الاستحباب للجمع مع أن هذه الرواية مطلقة ولا بد لابن الجنيد أن يحمله على المذي بشهوة حتى يصير موافقا لمذهبة وحمله على التقييد ليس بأولى من حملها على الاستحباب فإن قلت كيف يجمع بين هذه الرواية وبين سابقتها على تقدير حملهما على الاستحباب كما حملت لان الاولى حينئذ تدل على عدم الاستحباب فيما ليس بشهوة وهذا تدل على الاستبحاب فيه مطلقا قلت إن قلنا بأن المذي ما يكون من شهوة فالامر ظاهر لعدم المنافات وحينئذ أما أن يقال بأن المذي الواقع في كلام السايل في الرواية الاولى مجاز عن الاعم منه ومن الماء الذي يخرج بغير شهوة أو يحمل على حقيقته ويقال أن ضمير كان في قوله (عليه السلام) راجع إلى الماء الخارج بقرينة المقام فكان السايل انما سئله عن المذي لكن أجابه (عليه السلام) ببيان ضابطة يعلم به حكم جميع المياه التي تخرج وليس ذلك ببعيد وإن لم نقل به بل بتعميمه فنقول يمكن أن يكون للاستحباب مراتب بعضها فوق بعض ففي الرواية الاولى المراد الاستحباب المؤكد فيما تخرج من الشهوة ونفيه عن غيرها وفي الثانية الاستحباب المطلق فيهما معا وقد مر نظيره سابقا وأيضا يجوز حملها على التقية لما عرفت ومنها ما رواه في هذا الباب في الصحيح عن يعقوب بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي وهو في الصلوة من شهوة أو من غير شهوة فقال المذي منه الوضوء والجواب أنه محمول على التقية أو الاستحباب جمعا بين الاخبار وقيل إن كون السؤال عن المذي في الصلوة يوجب ضعف الحمل على الاستحباب وليس بظاهر إذ لا بعد في استحباب قطع الصلوة حينئذ واستينافها بعد الوضوء كما لا يخفى والشيخ (ره) حمله في التهذيب على التعجب ولا يخلو من بعد وأنت خبير بأن هذه الرواية لا يصلح أن يكون متمسكا لابن الجنيد للتصريح فيها بالتعميم فعلى تقدير ظهورها في الوجوب كما يكون مناقضة لمذهب الاكثرين تكون مناقضة لمذهبه أيضا فهم يأولونها بالاستحباب وهو بالرجحان المطلق ولا رجحان لتأويله حتى يكون متمسكا له ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن الكاهلي قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي فقال ما كان منه لشهوة فيتوضأ منه والجواب أما أولا فبالقدح في السند لان الكاهلي لم يوثق وبعض رجاله أيضا غير إمامي وأما ثانيا فبالحمل على الاستحباب للجمع ولعدم الظهور في الوجوب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المذي الذي يخرج من الرجل قال أحدثك فيه حدا قال قلت نعم جعلت فداك قال فقال إن خرج منك على شهوة فتوضأ وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء والجواب عنه أيضا بالقدح في السند وبالحمل على الاستحباب هذا

[ 60 ]

وأما الاحتمال الذي نقلنا من الشيخ في التهذيب فلا مستند له مما وقفنا عليه من الروايات فالقول به بعيد جدا مع أن بعض الاخبار ظاهرا على عدم نقض هذه الصورة بخصوصها كما لا يخفى تذنيب قد ظهر مما سلف أن ما يخرج من الاحليل غير البول أربعة المني والمذي والودي بالدال المهملة والوذي بالمعجمة أما المني فسيجئ حكمه إنشاء الله تعالى وأما المذي فقد عرفت حاله من الخلاف فيما يخرج منه بشهوة والوفاق في غيره وأما الودي بالدال المهملة فهو ماء ثخين يخرج عقيب البول فقد نقل الاتفاق أيضا من علمائنا رحمهم الله على عدم نقضه ويدل عليه أيضا بعض الروايات السابقة لكن يعارضه بعض آخر وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في مبحث الاستبراء وأما الوذي بالذال المعجمة فلم يتشخص معناه لان ما وقفنا عليه من كتب اللغة لم يذكروا شيئا مناسبا وفي الرواية السابقة فسر بما يخرج من الادواء والادواء كأنه جمع داء على ما في الصحاح فالمراد حينئذ ما يخرج بسبب الامراض ولا يخلو من بعد وفي بعض نسخ الاستبصار الاوداج بدل الادواء وكأنها أريد بها العروق مطلقا وإن كان الودج في الاصل عرق في العنق ولعل هذا أنسب من الاول وقال الصدوق (ره) في الفقيه الودي ما يخرج عقيب المني والحاصل أنه فيه إبهاما لكن غير ضائر لظهور الحكم في جميع ما يخرج من الاحليل وإن شك في تسمية بعض أفراده لان ما سوى المني والبول والودي إما معلوم دخوله تحت المذي والوذي أو مشكوك أو معلوم خروجه عنهما وعلى التقادير الظاهر فيه عدم النقض أما على الاول فإن كان داخلا تحت المذي فقد ظهر حاله وإن كان تحت الودي فالظاهر فيه أيضا عدم النقض للاصل والروايات الداله على الحصر وعدم نقض الطهارة بالشك في الحدث وبعض الروايات السابقة الدالة على الوذي مخصوصة وأما على الثاني والثالث أيضا فكذلك بعين ما ذكرنا والله أعلم (والتقبيل عنها ومس الرجل فرجها) الضمير في الاول راجع إلى الشهوة وفي الثاني إلى المرأة لدلالة الشهوة عليها ذهب إلى عدم النقض أكثر علمائنا وقال ابن الجنيد من قبل بشهوة للجماع ولذة في المحرم نقض الطهارة والاحتياط إذا كانت في محلل إعادة الوضوء وقال أيضا أن مس ما انظم عليه الثقبان نقض وضوئه مس ظهر الفرج من الغير إذا كان بشهوة فيه الطهارة واجبة في المحرم والمحلل احتياطا ومس باطن الفرجين من الغير ناقض للطهارة من المحلل والمحرم والظاهر قول الاكثرين لنا الاصل والروايات الدالة على الحصر وما رواه التهذيب في باب الاحداث في الصحيح عن الحلبي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القبلة ينقض الوضوء قال لا بأس وفي الصحيح أيضا عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء وهذه الرواية في الفقيه أيضا مرسلة في باب ما ينقض الوضوء والظاهر أن المراد بالمباشر الملامسة بقرينة الرواية السابقة وإن أمكن إرادة الجماع أيضا لان فيه الغسل لا الوضوء وما رواه في هذا الباب أيضا عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سئلته عن رجل مس فرج امرأته قال ليس عليه شئ وإن شاء غسل يده والقبلة لا يتوضأ منه واستدل عليه أيضا العلامة (ره) في المنتهى والمختلف والمصنف في الذكرى بمرسلة ابن أبي عمير المتقدمة في المذي وفيه إن الظاهر إن قوله (عليه السلام) ولا من الانعاظ إلى آخر الحديث عطف على من الشهوة ويكون المعنى إن المذي من هذه الامور ليس فيه وضوء لا أنه معطوف على المذي حتى يدل على المدعى وذلك بوجهين أحدهما إيراد كلمة من دون في والثاني قوله (عليه السلام) في آخر الحديث ولا يغسل من الثوب والجسد وعلى تقدير عدم الظهور فيه لا ريب في مساواته للاحتمال الاخر فلا دلالة على المطلوب والقول بأن المذي من هذه الامور إذا لم يكن ناقضا لم يكن أنفسها أيضا ناقضة بط واحتج ابن الجنيد بما روي أيضا في هذا الباب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء والجواب بعد القدح في صحة السند أنه محمول على الاستحباب للجمع ولعدم الظهور في الوجوب أو على التقية والشيخ حمله على غسل اليد لانه قد يسمى وضوءا أيضا وفيه بعد لا بالفظة أعاد منه (والصدوق (ره) مس باطن الدبر والاحليل أو فتحة) والمشهور بين الاصحاب عدم النقض بهذه الامور وقال الصدوق (ره) في الفقيه وإن مس الرجل باطن دبره أو باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في الصلوة قطع الصلوة وتوضأ وأعاد الصلوة وإن فتح إحليله أعاد الوضوء والصلوة والمعتمد المشهور للاصل والشهرة والرواية الدالة على الحصر وما رواه التهذيب في باب إحداث الزيادات في الموثق عن سماعة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل مس ذكره وفرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي أيعيد وضوئه قال لا بأس بذلك إنما هو من جسده وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن معوية بن عمار قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بذكره في الصلوة المكتوبة قال لا بأس به حجة الصدوق (ره) ما رواه في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال ينقض وضوئه وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في الصلوة قطع الصلوة ويتوضأ ويعيد الصلوة وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلوة والجواب بعد القدح في السند بالحمل على الاستحباب للجمع أو على التقية أو على مصادقة شئ من الاحداث كما قال الشيخ (ره) في الستبصار وأمر الاحتياط واضح. كله لم يثبت قد ظهر وجهه مما تقدم ولا ينقض لمس المرأة يدل عليه مضافا إلى الاصل والروايات الحاصرة

[ 61 ]

وصحيحة زرارة المتقدمة في باب القبلة ما روى في التهذيب في باب الاحداث في الموثق عن أبي مريم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الرجل يتوضأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد فإن من عندنا يزعمون أنها الملامسة فقال لا والله ما بذلك بأس و ربما فعلته وما يعني بهذا أو لامستم النساء ألا المواقعة دون الفرج كان المراد بدون عند وقوله تعالى أو لامستم محمول على الجماع أما أولا فلقضاء العرف وأما ثانيا فاللروايتين ولا قلم الظفر وجز الشارب ونتف الابط يدل عليه مضافا إلى ما تقدم ما رواه الشيخ في باب أحداث الزيادات في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) الرجل يقلم أظفاره ويجز شاربه ويأخذ من شعر لحيته ورأسه هل ينقض ذلك وضؤه فقال يا زراره كل هذا سنة والوضوء فريضة وليس شئ من السنة ينقض الفريضة وأن ذلك ليزيده تطهيرا وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ما ينقض الوضوء وما رواه في الفقيه أيضا في هذا في باب ما ينقض الوضوء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن سعيد بن عبد الله الاعرج قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آخذ من أظفاري ومن شاربي ومن أحلق رأسي فأغتسل قال لا بأس ليس عليك وضوء قلت فأمسح على أظفاري الماء فقال هو طهور ليس عليك مسح وما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون على طهر فيأخذ من أظفاره أو شعره أيعيد الوضوء فقال لا ولكن يمسح رأسه وأظفاره قال قلت فإنهم يزعمون إن فيه الوضوء فقال إن خاصموكم فلا تخاصموهم وقولوا هكذا السنة والامر بالمسح بالماء كأنه على الاستحباب جمعا بينه وبين سابقه وأكل لحم البل يدل عليه منظما إلى ما تقدم ما رواه في هذا الباب في الصحيح عن بكير بن أعين قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الوضوء مما غيرت النار فقال ليس عليك فيه وضوء إنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل وما رواه أيضا في الحسن عن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يتوضأ من الطعام أشرب اللبن ألبان البقر والابل والغنم وأبوالها ولحومها قال لا يتوضأ منه وقد روى الجممهور أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحوم الابل فقال أتوضأ منها وأجيب بأنه منسوخ ببما ذكره جابر قال كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الوضوء مما مست النار أو محمول على غسل اليد والاستحباب والارتداد ذهب إلى نقضه للوضوء بعض الجمهور وهو ضعيف للاصل والروايات واحتج الذاهب إلى النقض بقوله لئن أشركت ليحبطن عملك ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله ويقول إبن عباس الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج و أشدهما حدث اللسان والجواب عن الاية أما أولا فبأن الاحباط عبارة عن إبطال ثواب قال في الصحاح حبط عمله حبطا بالتسكين وحبوطا بطل ثوابه وأحبطه الله وعلى هذا لا دلالة لان إبطال الثواب لا يستلزم إبطال جميع أحكامه وأما ثانيا فبأن الاحباط مشروط بعدم العود إلى الاسلام لقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فؤلئك حبطت أعمالهم وعن قول ابن عباس بأنه لا يصلح للاحتجاج مع عدم ظهور دلالته ويجب الغسل بالجنابة وجوب الغسل بالجنابة مما أجمع عليه بل كاد أن يكون من الضروريات ويدل عليه أيضا قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا والروايات أيضا متظافرة وقد تقدم أيضا بعض منها ولا حاجة إلى إيراد ما بقي منها لوضوح المطلب وأما إن الجنابة بأي شئ يحصل فسيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث الغسل والدماء الثلاثة والموت ومس الميت الادمي النجس سيجئ بيان هذه الامور إنشاء الله تعالى في أبوابها ويجبب التيمم بموجباتهما عند تعذرهما وجوب التيمم بالموجبات المذكورة سوى الموجب الاخير كأنه إجماعي والروايات أيضا متظافرة والاية أيضا تساعد في بعضها وأما الاخير فعلى تقدير إيجابه للغسل إن قلنا باشتراط الغسل الصلاة به فلا خفاء أيضا في إيجابه للتيمم عند تعذر الماء وإلا فمشكل وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في موضعه وموجبات الوضوء يتداخل أي إذا وجدت أسباب متعددة للوضوء كالبول والغائط والريح مثلا يكفى وضوء واحد للجميع وهذا الحكم موضع وفاق وأما إنه هل يكتفى في هذا الوضوء الواحد نية القربة من دون التعرض لرفع الحدث أو لا وعلى الثاني هل يشترط نية الجميع أو الرفع المطلق أو البعض وعلى الاخير هل يشترط عدم نفى البعض الاخر أو لا فسيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث النية وكذا موجبات الغسل على الاقوى والاجتزاء بغسل الجنابة دون غيره تحكم وفى تداخل أسباب الاغسال المندوبة إذا كان معها واجب قول مروى إعلم هاهنا ثلاث مقامات الاول تداخل الاغسال الواجبة والثانى تداخل الواجبة مع المستحبة والثالث تداخل المستحبة ولنفصل القول في كل منها إن شاء الله تعالى على حدة فنقول أولا أما أن يوجد في الاسباب الجنابة أو لا وعلى الاول فأما أن ينوى الجميع أو البعض وهو إما الجنابة أو غيرها أو يكتفى بالرفع المطلق أو الاستباحة أو يكتفى بالقربة فهي خمسة أقسام أما الاول فالظاهر إن إجزائه موضع وفاق ويدل عليه أيضا صدق الامتثال عرفا لان تعدد الاسباب لا يوجب تعدد المسببات وإن قلنا بعدم جواز اجتماع علل مستقلة على معلول واحد لان ذلك في الاسباب العقلية دون الشرعية وما يقال إن الاصل عدم التداخل كلام خال عن التحصيل كما لا يخفى والروايات أيضا تدل عليه منها ما رواه الكافي في باب ما يجزى الغسل منه إذا اجتمع في الحسن عن زرارة قال إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزاك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة

[ 62 ]

والنحر والذبح والزيارة فإذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد قال قال وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها وهذه الرواية وإن كانت مضمرة حسنة ظاهرا لكنها مسندة في التهذيب في باب الاغسال إلى أحدهما عليهما السلام وأيضا ظاهرا إن زرارة لا يروى إلا عن الامام عليه السلام فبهذا يخرج عن الاضمار ظاهرا وأما حسنها فبابراهيم بن هاشم ولا يبعد الول فيه بالتوثيق لان العلامة (ره) كثيرا ما يصف الرواية التى هو فيها بالصحة ومن جملتها هذه الرواية وأيضا يقولون كثيرا أن طريق الشيخ (ره) إلى فلان صحيح وطريق الصدوق إلى فلان صحيح وهو في الطريق مع انحصار الطريق فيه ظاهرا والظاهر إن الظنون التى في باب الرجال ليس بأقوى من هذا فإن لم نقل بصحة الرواية فلا ريب في اعتبارها خصوصا مع معاضدتها برواية التهذيب مع إن رواية التهذيب أيضا صالحة للاعتماد لان رجالها موثقون سوى على بن السندي وهو أيضا مما لا يبعد القول جدا بتوثيقه كما يفهم من الرجال وأيضا ابن إدريس (ره) أورد هذه الرواية في أواخر السراير وحكم بأنه مما انتزعه من كتاب حريز بن عبد الله السجستاني وكتاب حريز أصل معتمد معول عليه وبالجملة الظاهر أن هذه الرواية لا يقصر عن الصحاح ومنها ما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) أنه قال إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ منه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه ذلك اليوم ومنها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب أوايل باب تلقين المحتضرين في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزيه من الماء قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة وهذه الرواية في الكافي أيضا بطريق حسن عن إبراهيم بن هاشم في باب الميت يموت وهو جنب ووجه الاستدلال بالرواية من حيث تعليله (عليه السلام) لانه عام وقد وردت روايات كثيرة دالة على التداخل في خصوص بعض الاغسال وهي وإن لم يدل على تمام المدعى لكن يمكن تتميه بعدم القول بالفصل من جملتها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الحيض في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة قال غسل الجنابة والحيض واحد وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المرأة ترى الدم وهي جنب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا حاضت المرأة وهي جنب أجزأها غسل واحد وما رواه أيضا في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن رجل أصاب من إمرأته ثم حاضت قبل أن يغتسل قال تجعله غسلا واحدا وما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن حجاج الخشاب قال سألت أبا عبد الله عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ أتجعله غسلا واحدا إذا طهرت أو تغتسل مرتين قال تجعله غسلا واحدا عند طهرها ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل قال إن شائت أن تغتسل فعلت وإن لم تفعل ليس عليها شئ فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن شهاب بن عبد ربه وقد تقدم في بحث استحباب الوضوء لغاسل الميت وقد وردت روايات أيضا دالة على تداخل غسل الجنابة وغسل الميت لكن يمكن المناقشة في دلالتها على ما نحن فيه إذ ليس بظاهر وجوب غسل الجنابة على الميت لان تكليفات الغسل لم يتوجه إليه وتكليف آخر وجوبي على الاحياء بتغسيله لم يثبت ولفظة الحرمة في الرواية السابقة لا ظهور لها في الوجوب هذا ثم أنه هل يجب مع ذلك الغسل الوضوء أم لا فإن لم نقل بوجوب الوضوء مع غير الجنابة أيضا كما هو الظاهر وسيجئ إنشاء الله تعالى فالامر ظاهر وإن قلنا بالوجوب كما هو المشهور فحينئذ الظاهر من كلام القائلين به عدم الوجوب في هذه الصورة فإن حصل الاجماع فلا بحث وإن لم يحصل فلا يخلو من إشكال لان هذا الغسل كما يصدق عليه غسل الجنابة يصدق عليه غيره أيضا وكما ورد الاثر بعدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة كذلك ورد بوجوبه مع غيره على زعمهم فحينئذ يحصل التعارض بين الاثار فيتساقط ويبقى عموم آية الوضوء بحاله إلا أن يمنع العموم كما مر مرارا وأما الثاني وهو أن ينوي في الغسل الواحد الجنابة فقط وقد ادعوا الاتفاق أيضا في أجزائه عن الجميع ولا يخفى أن هذا القسم يحتمل وجهين نيه الجنابة مع عدم التعرض للباقي أو مع نفيه ولم يعلم أن الاجماع في الصورتين أو في الاولى فقط والظاهر الاخير لان بعضهم كالمصنف في الذكرى قرب عدم الصحة في نظير الصورة الاخيرة في الاحداث الاصاغر ففي الاكابر أيضا كذلك بالطريق الاولى والله أعلم وقد استدل على الاجزاء مضافا إلى الاجماع بأن الحدث الذي هو عبارة عن النجاسة الحكميه متحد وإن تعددت أسبابه فإذا نوى ارتفاعه بالسبب الاقوى ارتفع بالاضافة إلى غيره وفيه ضعف لما عرفت سابقا من عدم ثبوت هذه المقدمات التي يدعيها القوم من وجود معنى هو الحدث مانع للصلوة وإن الطهارة إنما شرعت لارتفاعه وبعد ارتفاعه إنما تستبيح الصلوة إلى غير ذلك من وجوه الضعف كما يظهر بالتأمل فإن قلت هل يجرى الدليلان السابقان هنا من صدق الامتثال والروايات قلت الظاهر أجراؤهما أما الامتثال فلانه إذا طلب شئ من أحد ثم أتى به وإن لم يكن إتيانه به من جهة ذلك الطلب لما يسوغ في العرف أن يقال له معترضا عليه لم لم تأت بذلك المطلب خصوصا إذا كان إتيانه به من جهة طلب آخر من ذلك المطالب كما فيما نحن فيه نعم القدر المسلم على تقدير تماميته

[ 63 ]

دليله أن في الاوامر الالهية التي من باب العبادات لا يكفي الاتيان بالمطلوب بأي وجه كان بل لا بد من الاتيان به متقربا إليه فالمأمور به في الحقيقة في أمثال هذه الاوامر ليس الطبيعة مطلقة بل الطبيعة مع قيد الاخلاص وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية ولا شك أن الاتيان بالمطلوب فيما نحن فيه التقرب ولا نسلم أنه يلزم أن يكون المنظور ذلك الطلب بخصوصه لا يقال أن ما ذكرت وإن صح بحسب العرف لكن الشرع ورد بخلافه للرواية التي كادت أن تكون متواترة كما هو المشهور من قوله إنما لامرء ما نوى لان في الصورة المذكورة لم ينو امتثال غير الجنابة فلم يكن له بدليل الحصر لانا نقول لا نسلم عموم هذه الرواية بل هي أما مجملة لم يعلم المراد منها أو ظاهرة في أن للمرء في أعماله ما قصده من ذلك العمل من التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته والمثوبات الاخروية أو مطلبا آخر فاسد من المطالب الدنيوية وحاصله أنه لا بد في الاعمال من الاخلاص وأن يكون الغرض منها ابتغاء مرضاته حتى يترتب عليها الثواب وقس عليه ما ورد أيضا من أنه لا عمل إلا بنية وإنما الاعمال بالنيات وليس المراد إن ما لم يقصد في الاعمال لم يحصل للمرء أي شئ كان كما يحكم به الوجدان وعلى تقدير تسليم العموم أيضا يمكن ؟ أن يقال لا نسلم أنه لم ينو في الغرض المذكور امتثال أوفر ما عدا الجنابة لان الامتثال كما عرفت إنما يحصل بإتيان الفعل مع الاخلاص فعند قصد ذلك الفعل مع الاخلاص إنما يقصد الامتثال أيضا ضمنا وإن لم يكن صريحا ولا نسلم ظهور الرواية في القصد الصريح فإن قلت بما تقرر ظهر أن في الصورة المذكورة يحصل الامتثال بمعنى سقوط الذم على الترك والعقاب به وعدم بقاء توجه التكليف إليه فهل يحصل الثواب والاجر على مثل ذلك الفعل قلت الظاهر على قاعدة القايلين بأن الحسن والقبح عقليان وهو الحق كما بين في موضعه أن يكون له استحقاق مدح أو ثواب على ذلك الفعل إذ على هذه القاعدة لا بد أن يكون للفعل في نفسه حسن حتى يأمر به الشارع فلما أمر الشارع بذلك الفعل علم أنه حسن في الواقع وحسنه لا بد أن لا يكون مشروطا بشئ إذ لو كان مشروطا لامر بذلك الشرط أيضا غاية ما في الباب تسليم اشتراطه بالقربة بناء على دلالة الكتاب والسنة عليه وأما اشتراطه بأن يكون الاتيان لخصوص ذلك الامر فلا إذا قد علمت أنه لا يلزم من نفس الامر بذلك الشئ ولا دليل خارجا أيضا يدل عليه والقربة موجودة في فرضنا هذا فلا بد أن يحصل للمكلف ما يترتب على ذلك الفعل من مدح أو ثواب أو كمال أو غير ذلك من المنافع الدنيوية والاخروية نعم لا نأبى أيضا من أن يكون الاتيان بقصد امتثال ذلك الامر بخصوصه حسنا لحكم العقل به ظاهر أو قد فاته حينئذ ذلك الحسن هذا ولا يخفى عليك جريان ما ذكرنا من تحقق الامتثال في كلا وجهي هذا القسم السابقين لان المكلف إذا كان عالما بأنه إذا اغتسل للجنابة يلزمه الخروج عن عهدة الغسل الاخر أيضا فلا يكون قصد نفيه قصدا حقيقيا بل يكون من باب التخيلات وإن لم يعلم فحينئذ وإن أمكن تحقق ذلك القصد منه خطأ لكن الظاهر أنه ليس بضائر لما علمت من كفاية الاتيان بالفعل في الامتثال عرفا واشتراطه بالقربة في العبادات شرعا وأما غير ذلك فلا حتى يثبت بدليل ولا دليل على اشتراط عدم قصد النفي وما يتخيل من دلالة الرواية المذكورة فقد عرفت ما فيه هذا حال الامتثال وأما الروايات فلانها بإطلاقها دالة على كفاية الغسل الواحد مطلقا هو شامل لهذه الصورة أيضا فيجب الحكم بدخولها تحته لعدم ما يخرجها نعم لو ثبت أن في مثل هذه الصورة لم يتحقق الامتثال للجميع بل الامتثال إنما هو للمنوي فقط لكان في دلالة الروايات حينئذ إشكال لوجود المعارض بيانه أنه لو لم يتحقق الامتثال للجميع بل للمنوى فقط لكان كفاية الغسل الواحد عنه باعتبار سقوط التكليف عن غير المنوي إذ مع التكليف لا بد في الخروج عن العهدة من الامتثال وهو ظاهر وسقوط التكليف عن غير المنوي مستلزم لتقييد التكاليف المطلقة به إذ مع بقائها على الاطلاق لا معنى للسقوط ومعنى التقييد ها هنا إن التكليف بغسل الحيض مثلا إنما هو مقيد بعدم الغسل للجنابة إذ معه لا يجب غسل الحيض وإذ تقرر هذا فنقول قد تعارض عموم الروايات الدالة على وجوب غسل الحيض مثلا والروايات الدالة على الكفاية وبينهما عموم من وجه فكما يمكن تقييد روايات الوجوب بعدم غسل الجنابة كذلك يمكن تقييد روايات الكفاية بقصد الجميع لتحقق الامتثال حينئذ والظاهر أن الثاني أولى لكثرة المعارضات وأرجحية مستندها مع أن الظاهر من رواية الكفاية أيضا بقاء وجوب الاغسال بحالها وكفاية غسل واحد لها لا سقوط بعضها ولا يذهب عليك أن في صورة الشك أيضا في كون هذا الفعل امتثالا للجميع أو لا يمكن الاستدلال بروايات الكفاية كما في صورة اليقين بالامتثال إذ لو بقي هذه الروايات على عمومها لم يعلم بتحقق التخصيص في روايات الوجوب لاحتمال الامتثال حينئذ ولو خصص لكان التخصيص متيقنا ولا ريب أن ارتكاب احتمال التخصيص أدنى من ارتكابه يقينا هذا وأما حال وجوب الوضوء مع هذا الغسل وعدمه فعلى ما اخترناه ظاهر وأما على المشهور فالظاهر أيضا أنهم قائلون بعدمه وأنت خبير بأن مع ثبوت الاتفاق لا بحث وأما مع عدم ثبوته فللبحث مجال كما علمت في سابقه نعم لو قيل بأن الكناية ها هنا ليس من جهة الامتثال للجميع بل من جهة سقوط غير الجنابة لكان عدم الوجوب حينئذ ظاهرا من غير مناقشة كما لا يخفى وأما الثالث وهو أن ينوي غير الجنابة ففي الاجزاء حينئذ خلاف فالمحقق في المعتبر والمصنف في الذكرى وهذا الكتاب ذهبا إلى الاجزاء والعلامة (ره) في القواعد إلى عدمه وهذا هو الذي حكم المصنف بأنه تحكم ولما كان في كلام القوم ها هنا اشتباه فلا بد أولا من تحرير محل النزاع وتوضيحه ثم الاشتغال بأدلة الطرفين فاعلم أولا أنهم ذكروا أن هذا الخلاف يتأتى على المشهور من وجوب الوضوء في غير الجنابة وعدمه فيها وأما

[ 64 ]

على ما ذهب إليه المرتضى (ره) من عدم الوجوب فيهما جميعا فلا مجال للخلاف إذ على هذا لا ريب في الاجزاء وعلى تقدير الخلاف فكلام العلامة (ره) مشتبه في كتبه أن الخلاف فيماذا فيفهم من بعض كتبه ظاهرا أن الخلاف في ارتفاع حدث الجنابة بذلك الغسل وعدم ارتفاعه مع صحته في نفسه وأجزائه عن الحدث المنوي ومن البعض الاخر أن الكلام في صحة هذا الغسل وإجزائه عن الحدث المنوي أيضا لا في إجزائه عن الجنابة فقط ويمكن أن يكون الاشكال في موضعين الاول في صحة هذا الغسل وإجزائه عن المنوي والثاني في إجزائه عن الجنابة بعد صحته في نفسه ولنفرض الكلام أولا في الموضع الاول فنقول الظاهر صحة هذا الغسل للامر به مطلقا من غير تقييد فيكون الاتيان به مجزيا وهو معنى الصحة وما يمكن أن يستدل به على خلافه كما يستنبط من كلام العلامة في كتبه فمدفوع وهو أن حد الجنابة أقوى من غيرها من أسباب الغسل ورفع الادنى لا يستلزم رفع الاقوى وإذا لم يرتفع الجنابة لم يرتفع غيرها أيضا لان مع بقاء الاقوى لا يمكن ارتفاع الاضعف ووجه قوة الجنابة أن مع ارتفاعها يرتفع باقي الاحداث بخلاف ما عداها بدليل وجوب الوضوء بعد غسله دون غسلها وهذه الاستدلال ضعيف ومن وجوه أحدها ما علمت سابقا من عدم ثبوت هذه المقدمات التي يدعيها القوم من ثبوت الحدث وغيره مما مر وثانيها منع قوة الجنابة قولهم في بيانها مع ارتفاعها برافع باقي الاحداث نقول هذا إنما يستلزم قوة رافعها لا قوتها وهو ظاهر وفيه كلام آخر أيضا سيجئ في الموضع الثاني كما يستنبط من كلام العلامة في كتبه والقول بأنها إذا لم تكن قوية لم يكن رافعها قويا بل يكون كرافع ما عداها ممنوع وثالثها قولهم أن رفع الادنى لا يستلزم رفع الاقوى إن أريد به ظاهره من عدم الاستلزام فممنوع لكن عدم الاستلزام لا يستلزم عدم ارتفاع الاقوى مطلقا إذ يجوز أن يرتفع الاقوى بارتفاع الادنى في بعض المواضع وإن لم يكن لازما فحينئذ لا نسلم وضع المقدم في قولهم وإذا لم يترفع الجنابة فإن قيل إذا لم يستلزم رفع الادنى رفع الاقوى يلزم عدم ارتفاع الاقوى فيما نحن بصدده إذ لا بد في ارتفاعه من دليل لانه حكم شرعي لا يرتفع إلا بدليل ولا دليل ها هنا قلنا عدم الدليل ممنوع لان الادلة الدالة على إجزائه عن الجنابة كما سنذكرها إنشاء الله تعالى دالة عليه وإن أريد عدم رفعه للاقوى مطلقا أو فيما نحن فيه فممنوع وسنذكر إنشاء الله تعالى في الموضع الثاني ما يمكن أن يستدل به على المقدمة ؟ مع جوابه ورابعها منع قولهم مع بقاء الاقوى لا يمكن ارتفاع الاضعف ثم أن العلامة (ره) استشكل في المقام بعد أن قرب عدم الاجزاء في صورة انضمام الوضوء إلى ذلك الغسل فإن كان فرض كلامه (ره) في هذا الموضع فوجه الاستشكال إن هذا الغسل مع الوضوء لما كان مساويا لغسل الجنابة في رفع جميع الاحداث و استباحة الصلوة فيلزم أن يرتفع به الجنابة أيضا كمساويه ومع ارتفاعها لا إشكال في ارتفاع ما عداها أيضا وأن هذا الغسل بنفسه لما لم يرفع الجنابة كما بينا فلم ينفع انضمام الوضوء إليه لانه لا دخل له في ارتفاع الجنابة أصلا بل إنما هو لارتفاع الحدث الاصغر وإذا لم يرتفع الجنابة فالحكم باق بحاله وإذ قد علمت الحال في هذا الموضع فلنشرع إلا أن في الموضع الثاني فنقول الظاهر أيضا تحقق التداخل في هذا الموضع أما على ما اخترناه من عدم وجوب الوضوء في الاغسال مطلقا فظاهر أما أولا فلما عرفت من عدم الخلاف على هذا القول وأما ثانيا فلصدق الامتثال وإطلاق الروايات المتقدمة وأما على المشهور فلثاني الوجهين وقد استدل المحقق الشيخ على (ره) في شرح القواعد بوجوه أخر ضعيفة يظهر ضعفها بالتأمل فيما ذكرناه ولم نذكرها مخافة التطويل فمن رامها فليراجعها وأما حجة النافين فهى إن غسل الجنابة أكمل من غيره من الاغسال وأقوى والاضعف لا يقوم مقام الاقوى فلا يكون هذا الغسل مجزيا عنه وأما بيان قوة غسل الجنابة فمن وجهين الاول إن حدث الجنابة أقوى من غيره لما تقدم فيكون الغسل الذي رافعه أقوى من غيره والثاني إن غسل الجنابة لما رفع جميع الاحداث صغيرها وكبيرها بدليل عدم الاحتياج إلى الوضوء يكون أقوى من غيرها مما لم يرفع الاصغر لاحتياجه إلى الوضوء وفيه نظر من وجوه أحدها عدم ثبوت هذه المعاني كما مر مرارا و ثانيها أنا لا نسلم أن ها هنا قياما لغير غسل الجنابة مقامه لان هذا الغسل غسل الجنابة أيضا لان غسل الجنابة ما يكون بالوجه الخاص بعد الجنابة للقربة وهذه الاوصاف متحققة فيه وأما قصد أنه غسل الجنابة صريحا فلا نسلم لزومه في تحققه وثالثها منع قوة غسل الجنابة وما ذكره في بيانه من الوجهين فاسد أما الاول فلمنع قولهم بارتفاعها يرتفع باقي الاحداث بخلاف ما عداها قولهم في بيانه بدليل وجوب الوضوء بعد غسله دون غسلها قلنا هذا لا يستلزم المطلوب لجواز أن لا يكون وجوب الوضوء لارتفاع الحدث الاصغر الباقي بعد أرتفاع الحدث الاكبر بل يكون لقوة هذه الاحداث بحيث لا يكفي في رفعها الغسل فقط بل لا بد فيه من الوضوء أيضا بخلاف الجنابة إذ يكفي في رفعها الغسل فقط لضعفها وقد يؤيد قوة الحيض بالنسبة إليها ما رواه الكافي في باب المرأة ترى الدم وهي جنب عن سعيد بن يسار قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد فقال قد أتاها ما هو أعظم من ذلك وأما الثاني فلمثل ما ذكرنا أيضا لان الاحتياج إلى الوضوء لا يلزم من أن يكون للحدث الاصغر بل يجوز أن يكون لما تقدم ولو سلم أنه للحدث الاصغر فنقول لم لا يجوز أن يكون الاغسال متساوية في القوة لكن لما كان حدث الجنابة ضعيفا يقوى غسلها على رفعه مع رفع الحدث الاصغر بخلاف باقي الاحداث لانها لقوتها لا يقوى غسلها على رفعها مع رفع الحدث الاصغر بل إنما يرفعها فقط ويحتاج إلى الوضوء لرفع الاصغر هذا ما يقال في هذا المقام

[ 65 ]

من باب المناظرة وموافقة القوم والحق أن أمثال هذه الوجوه والدلايل ما لا يناسب طريقتنا بل هي مناسبة لطريقة الجمهور وقد يستدل ؟ على عدم الاجزاء بأن الافعال تابعة للقصود والدواعي فحيث لم يقصد غسل الجنابة وارتفاعها لم يحصلا وجوابه يظهر مما قدمناه ويستدل أيضا بما رواه التهذيب في الزيادات في باب الحيض في الموثق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) قالا في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة قال غسل الجنابة عليها واجب وفيه بعد الطعن في السند أنه لا يستلزم المدعى لان وجوب غسل الجنابة عليها لا ينافي تداخله مع غسل الحيض إذ مع التداخل لا يرتفع الوجوب كما علمت مما سبق فإن قلت إذا لم يكن غسل الجنابة على حدة لازما ولا نية بخصوصه أيضا كما ذهبتم إليه فأي فائدة في حكمه (عليه السلام) بوجوبه قلت لعل فأيدته رفع توهم أنه حينئذ تسقط وجوب غسل الجنابة وإنما يجب غسل الحيض فقط وفايدة بقاء الوجوب ظاهرا حينئذ لو ترك الغسل بعد الحيض لكان العقاب بترك واجبين ولو أتى به لكان الثواب بفعلهما إلى غير ذلك ولا ينحصر الفايدة في الافراد والنية هذا ثم أنه إذا قيل بصحة هذا الغسل ورفعه للحدث المنوي وعدم رفعه للجنابة فلا بد له من الوضوء بناء على المشهور فمع الوضوء هل يرتفع الجنابة أو لا فقد توقف فيه العلامة (ره) في المنتهى وفى القواعد أيضا بناء على أن يكون كلامه في القواعد في الموضع الثاني وقرب الارتفاع في التذكرة ومنشأ التوقف كما في المنتهى عموم الاذن في الدخول في الصلوة من الاغتسال من الحيض والنفاس والوضوء وذلك يستلزم رفع كل حدث وكون الغسل الاول لم يقع من الجنابة والوضوء ليس برافع لها ووجه التقريب في التذكرة بوجود المساوي لغسل الجنابة في الرفع و ؟ غنيه عن النظر في هذه الوجوه وإذا قيل بصحته ورفعه للجنابة كما اخترنا فهل يجب الوضوء أم لا قرب المحقق في المعتبر عدم الوجوب وحكم العلامة (ره) أيضا في المنتهى بعدم الوجوب على ذلك الفرض وقرب المصنف (ره) في الذكرى وجوبه لعموم أدلة الوجوب وأنت بما ذكرنا سابقا يمكنك استنباط الحال ها هنا أيضا وأما على ما أخترناه من عدم وجوب الوضوء في الاغسال مطلقا فالامر واضح وأما الرابع وهو ما يكفي فيه نية رفع الحدث مطلقا أو الاستباحة فالظاهر أيضا الاجزاء عن الجميع لصدق الامتثال والروايات وكلام الاصحاب أيضا مما اطلعنا عليه دال على الاجزاء وذكروا أن نية السبب لا يحتاج إليها في الغسل الواجب لان المطلوب فيه رفع الحدث والاستباحة كما في الحدث الاصغر إلا أن العلامة (ره) استشكل فيه في القواعد وإن كان في الاستشكال أيضا مائلا إلى طرف الاجزاء كما يظهر من عبارته ومنشا الاشكال كما قال شارحه المحقق (ره) من أن غسله صالح لكل من الاضعف والاقوى والرفع إنما يتحقق بانصرافه إلى الاقوى وانصرافه إليه ترجيح من غير مرجح ومن عموم قوله (عليه السلام) إنما لكل امرء ما نوى وقد نوى بالاستباحة زوال المانع فيجب أن يحصل له وإنما يتحقق برفع حدث الجنابة فيرتفع انتهى ثم قال وقوة هذا الوجه ظاهرة و أنت بما قدمنا لا تحتاج إلى بيان ما في الوجه الاول وأما الوجه الاخير الذي قواه أيضا فهو ضعيف إذ لا دلالة في الخبر على أن جميع ما ينوي المرء يحصل له غايه ما في الباب تسليم دلالتها على أن جميع ما لم يبق لم يحصل له وهذا لا يستلزم الاول لان عكس نقيضه لا ينعكس كليا لايجابه وكلمة ما وإن سلم عمومها لكن في هذا المقام لا يدل على العموم ظاهرا كما يحكم به الوجدان في ملاحظة ما هو بمنزلته من النفي والاستثناء كما يقال ما عملت إلا ما يضرني ما وصل إلي من فلان إلا ما لا ينفعني ما اكتسب فلان إلا ما هو وبال عليه إلى غير ذلك فإنه يفهم من جميعها انتفاء ما عدا مدخول ما لا تحقق جميع أفراد مدخولها فالاولى أن يتمسك فيه بما ذكرنا من الامتثال والروايات وقد قطع القائلون بالاجزاء حينئذ بعدم الاحتياج إلى الوضوء وأنت خبير بإمكان المناقشة فيه لو لم يتحقق الاجماع كما قدمنا وأما الخامس وهو ما ينوى فيه القربة فقط بدون الرفع أو الاستباحة وهو على وجهين أما أن لا يقصد الوجوب أيضا أو يقصد والكلام فيه إنما يبتني على الكلام في النية فإن لم يشترط فيها نية الرفع والاستباحة و الوجه بل يكتفي بالقربة كما هو الظاهر على ما سيجئ إنشاء الله تعالى فالظاهر حينئذ الاجزاء عن الجميع بكلا وجهيه للامتثال والروايات ويتوهم فيه أيضا الاشكال الذي نقلنا آنفا من القواعد وإن اشترطا معا أو الاول خاصة فلم يجزء عن شئ أصلا على الوجهين وإن اشترط الثاني خاصة فلم يجزء الاول عن شئ ويجزئ الثاني عن الجميع والوجه في الكل ظاهر وبما ذكرنا ظهر الحال في الوجوه السابقة بالنسبة إلى نية الوجوب وعدمها والعلامة (ره) في النهاية شرط في الغسل نية أحد الامرين من الرفع والاستباحة ونيه الوجه ثم ذكر في هذا المقام الذي نحن فيه ولو نوى الاغتسال مطلقا احتمل رفع الادنى وعدمه ولا يخفى الاحتمال الاول بناء على أن رفع الادنى هو أقل المراتب والزياده لا دليل عليها فالغسل إنما يصار إليه ووجه الاحتمال الثاني ظاهر هذا وحال الوضوء في هذه الصورة أيضا بقياس سابقها هذا بيان أحكام ما إذا اجتمعت الاغسال الواجبة وفيها غسل الجنابة وأما إذا لم يوجد فيها غسل الجنابة فالظاهر من كلام القوم إطباقهم على جواز التداخل فيها سواء نوى الجميع أو البعض أو اكتفى برفع الحدث أو الاستباحة وذكروا في بيان السبب لا يلزم في الغسل الواجب كما نقلنا سابقا ولو اكتفى بالقربة فيبتني على الخلاف في النية كما مر ويدل عليه أيضا صدق الامتثال وبعض الروايات السابقة وحال الوضوء فيه ظاهر إذ على المشهور يجب قطعا على مذهب المرتضى (ره) لا يجب واعلم إن الابحاث التي ترد في خصوصيات بعض هذه الاقسام في تطهيره من الاحداث الاصاغر مثل ما

[ 66 ]

لو نوى البعض ونفى الباقي واردة ها هنا أيضا فلا تظن الاطباق في جميع الشقوق والحاصل أن هذه الاحداث حالها كحال الاحداث الاصاغر بعينها في هذا الحكم عند الاصحاب فما أورده وفيها جار ها هنا أيضا وأما المقام الثاني أي تداخل الواجبة مع لمستحبة فلنذكر أولا ما هو الظاهر عندنا ثم نورد ما هو مذهب الاصحاب (ره) فنقول الظاهر فيه التداخل مطلقا سواء نوى الجميع أم البعض أو لم ينو شيئا منها وسواء كان البعض واجبا أم ندبا لصدق الامتثال ولاطلاق روايتي زرارة ومرسلة جميل السابقة ويؤيده أيضا ما رواه الفقيه في كتاب الصوم في باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان قال وروى في خبر آخر أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان إن عليه أن يغتسل ويقضي صلوته وصومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضي صلوته وصيامه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك وأما ما يتوهم معارضا فسنذكره في ضمن نقل مذهب الاصحاب مع جوابه وأما الاصحاب فقد ذهب الشيخ (ره) إلى الاجزاء عن الجميع إذا نوى الجميع أو الواجب وكذا لو نوى الرفع ولو نوى الندب لم يجزء عن شئ لا من الواجب ولا من الندب أما من الواجب فلعدم نيته وأما من الندب فلان المقصود منه التنظيف و من هو محدث بالحدث الاكبر لم يصح منه التنظيف وكذا لو لم ينو شيئا منهما وفيه نظر أما في الاول فلمنع اشتراط نية الواجب بخصوصه لصدق الامتثال بدونه وأما في الثاني فلان كون المقصود منه التنظيف غير ممنوع ومع تسليمه لا نسلم توقفه على ارتفاع الحدث الاكبر إلا ترى صحة غسل الاحرام من الحائض وأيضا قد عرفت ارتفاع الحدث أيضا لاجزائه عن الواجب كما بينا هذا نسب إليه جمع من علمائنا في الخلاف والمبسوط لكن الظاهر من الخلاف إن في الصورة الثانية لا يقول بالاجزاء عن الجميع بل عن الواجب فقط وعدم الاجزاء عن شئ منهما في الصورة الثالثة كأنه مصرح به في الخلاف وأما عبارته في المبسوط فغير ظاهرة فيه بل لا يبعد إيماؤه إلى عدم الاجزاء عن الواجب فقط ووافقه المحقق (ره) في المعتبر في الصورة الاولى واستشكل في الصورة الثانية بناء على اشتراطه نية السبب في الغسل المستحب إذ ليس المقصود منه رفع الحدث بخلاف الواجب وفيه أن اشتراط نية السبب في الغسل المستحب ممنوع وما ذكر في بيانه غير تام لان الامر به مطلق من غير تقييد فيجب أن يكون مجرد الاتيان به كافيا في الامتثال واشتراطه بشئ آخر لا بد له من دليل ولا دليل والمقصود منه أي شئ كان لا يستلزم التقييد سواء كان رفعا أو تنظيفا أو غيرهما كما لا يخفى لكن هذا الاشكال وارد على الشيخ (ره) من حيث أنه يشترط في الغسل المندوب نية السبب كما هو الظاهر من كلامه وكانه (ره) مع قوله بالاشتراط نظر ها هنا إلى أن الغسل المندوب لما كان الغرض منه التنظيف فمع رفع الحدث يحصل ذلك الغرض بوجه أكمل فيكون مجزيا عنه ونية السبب إنما يشترط فيما لم يرتفع فيه الحدث واستشكل في الصورة ؟ الثالثه أيضا وقال وفيه أيضا إشكال لانه إن نوى الطهارة أجزء عنهما وإن نوى التنظيف دون الطهارة فقد أجزء عن الجمعة إذ ليس المراد من المندوبة رفع الحدث بل يصح أن يجامع الحدث كما يصح غسل الاحرام من الحايض انتهى وفيه إن ما ذكره من أنه لو نوى الطهارة أجزأ عنهما لا دخل له بالمقام إذ الكلام فيما نوى غسل الجمعة فقط أما لو نوى الطهارة فيخرج عن المبحث ويدخل في ما نوى رفع الحدث والشيخ قايل بأنه يجزي عن الجميع كما ذكرنا وأما ما ذكره من الاجزاء عن الجمعة فحسن لما عرفت لكن تقييده الاجزاء بشرط نية التنظيف فاسد إذ لا دليل عليه ولم يقل به أيضا أحد كما هو الظاهر إلا أن يكون مراده بنية التنظيف أن لا ينوي الطهارة بل ينوى غسل الجمعة فقط وقد يناقش أيضا في قوله إذ ليس المراد من المندوبة (آه) لان الشيخ (ره) لم يستعل على عدم الاجزاء بأن المراد منه رفع الحدث حتى يصح هذا في مقابله بل بأن المراد التنظيف وهو لا يحصل مع بقاء الجنابة فالاولى في الرد ما ذكرنا ووافق الشيخ (ره) في الصورة الاخيرة أيضا ووجهه اشتراط الغسل الواجب والمندوب بنية السبب أو الرفع في الواجب خاصة ولم يحصل شئ منهما ها هنا فلا يكون مجزيا والجواب منع الاشتراط كما أشرنا إليه وسيجئ أيضا زيادة بسط في مبحث النية إنشاء الله تعالى والعلامة (ره) في التذكرة ذهب إلى أنه لو نوى الواجب والندب جميعا بطل غسله ولو نوى الجنابة ارتفع حدثه ولم يثبت على غسل الجمعة وإن نوى الجمعة صح عنها وبقي حكم الجنابة إذ لا يراد به رفع الحدث ولهذا يصح للحايض غسل الاحرام ولو لم ينو شيئا منهما بطل ووجه البطلان في الاول كأنه لزوم اجتماع المتضادين لتضاد وجهي الوجوب والندب بوقوعه لو قلنا عنهما والترجيح من غير مرجح إذا قيل بوقوعه عن أحدهما مع أن قصدهما معا كانه لا يمكن أيضا مع الالتفات إلى المنافاة ولا يذهب عليك أن هذا الاشكال لا يختص بصورة ما إذا نوى الجميع بل يجزي فيما إذا نوى الواجب فقط أو الندب فقط أيضا إذا قيل بالجزاء عن الجميع كما اخترناه لكن تقرير الاشكال فيهما بوجه آخر وهو أن يقال لو كان الغسل الواحد مجزيا عن الجميع لكان واجبا ومندوبا وهو محال لتضادهما وجوابه منع استحالته لاختلاف الجمعة فإن هذا الغسل الواحد من حيث أنه فرد لغسل الجمعة وامتثال للامر به مستحب ومن حيث أنه فرد لغسل الجنابة وامتثال للامر به واجب وبهذا أظهر إمكان قصدهما أيضا مع أن الشيخ (ره) في الخلاف ادعى الاجماع على الاجزاء عن الجميع مع نية الجميع وما ذكره من عدم الثواب على غسل الجمعة في الصورة الثانية كان وجهه مع ما ذكر اشتراط نية السبب في المندوب وتبعية الفعل للمقصود لقوله تعالى وإن ليس للانسان إلا ما سعى وإنما الاعمال بالنيات وإنما لامرء ما نوى إلى غير ذلك مما هو من هذا القبيل والكل قاصر عن إفادة المرام كما أشرنا إلى بعضها فيما تقدم ويستنبط منه حال البعض الاخر وأما ما ذكره من بقاء حكم

[ 67 ]

الجنابة في الصورة الثالثة والبطلان في الاخيرة فقد عرفت ما فيه ولا حاجة إلى الاعادة وللمصنف (ره) في الذكرى بعد ما تكلم في تداخل المندوبة قال هذا كله مع اشتراكها في الندب أما لو جامعها الواجب فيشكل من حيث تضاد وجهي الوجوب والندب إن نويها معه ووقوع عمل بغير نية إن لم ينوها إلا أن يقال نية الوجوب يستلزم نية الندب لاشتراكهما في ترجيح الفعل ولا يضر اعتقاد منع الترك لانه مؤكد للغاية ومثله الصلوة على جنازتي بالغ وصبي لدون ست بل الصلوة الواجبة انتهى وقد عرفت رفع الاشكال وأما دفعه (ره) به ففاسد لظهور التضاد بين الوجوب والندب بديهة وكون اعتقاد منع الترك مؤكدا للغاية لا معنى له نعم لو كان الندب محض رجحان الفعل لكان كما ذكره وظاهر كلامه مشعر باختصاص الاشكال بما إذا نوى الجميع وقد عرفت عدمه والشهيد الثاني (ره) قال في شرحه للارشاد في هذا المقام ومع انضمام الواجب يكفي أحد الامرين نية الواجب أو نية الجميع صرح به جماعة ولا يخلو من إشكال لتضاد الوجه واعتبار نية السبب ويمكن سقوط اعتبار السبب ها هنا دخوله تحت الوجوب كما في الاذكار المندوبة خلال الصلوة الواجبة على جنازتي من زاد على الست ونقص عنها مع أن بعض مشايخنا المعاصرين مع حكمه بالتداخل مطلقا أسقط اعتبار السبب عملا بظاهر الرواية ولانه حكم شرعي فلا يتوقف على اختيار المكلف فيكون معناه سقوط الاستحباب وزيادة ثواب هذا الغسل على غيره وهو قريب انتهى وما ذكره من دخول المندوب إن أريد به استلزام نية الوجوب للندب كما قال المصنف (ره) ففاسد كما مر وإن أريد عدم الاحتياج الندب إلى النية بل يكفي نية الوجوب ففيه إن مع دلالة الدليل على اعتبار نيه السبب في المندوب مطلقا كما هو رأيكم فما يخصص هذا إلا أن يقال المخصص هو الروايات الدالة على التداخل وهذا إنما يصح لو لم يكن دليل اعتبار نية السبب عقليا غير قابل للتخصيص وأيضا لا يفي هذا برفع الاشكال لان غاية ما يلزم منه ارتفاع الاشكال بحسب النية وأما لزوم كون شئ واحد واجبا وندبا كما يلزم من القول بالاجزاء عن الجميع فلا يندفع به وما ذكره آخرا من سقوط الاستحباب فيرد عليه حينئذ أنه يشكل إثبات التداخل في صورة اجتماع الواجب والندب بيانه إن دليل التداخل أما العقل من حيث حكمه بصدق الامتثال وأما النقل من الروايات المتقدمة بحيث اعترفتم بامتناع اجتماع الوجوب والندب وسقوط الاستحباب حينئذ فقد اعترفتم بعدم الامتثال لهما فقد بطل الدليل الاول وأما الروايات فما يمكن أن يستدل به على هذا المطلب روايتا زرارة ومرسلة جميل وعلى هذا القول يلزم معارضتها للاحاديث الكثيرة الدالة على الاستحباب مطلقا فنقول حينئذ على تقدير تسليم صلاحية هذه الثلاثة للمعارضة ليس تقييد الروايات الكثيرة المطلقة بعدم الاجتماع مع الواجب أولى من تأويل هذه الثلاثة بل الاثنان منها وهو رواية زرارة في غسل الميت المجنب ورواية جميل لا يبعد القول فيهما بعدم الاحتياج إلى التأويل لظهورهما في اجتماع الواجبات لتبادر لفظ اللزوم والحرمة في الوجوب فبم يستدل إذن على ثبوت التداخل بمعنى سقوط الاستحباب إلا أن يقال لما حصل التعارض تساقطا معا ومع سقوط أدلة الاستحباب يسقط الاستحباب إذ الحكم الشرعي لا بد له من دليل لكن يرد أنه بم يعلم حينئذ زيادة الثواب على ذلك الفعل أو يقال إن التأويل في المعارضات أظهر منه في هذه وفيه إن مع تسليم أظهريته معارضته بالكثرة وأظهره السند فإن قلت بم تأول الرواية الاخرى لزرارة قلت أما قوله (عليه السلام) إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر إلى قوله غسل واحد فيمكن أن يحمل على أن المراد أن الغسل بعد الفجر مجز عن هذه الامور بمعنى أن بعد الفجر وقت لهذه الاغسال لا أن غسلا واحدا مجزء عنهما جميعا وبعد تعيين الوقت حكم (عليه السلام) بأنه إذا اجتمعت عليك حقوق في هذا الوقت الذي علمت أجزائها عنك غسل واحد ويقيد الحقوق بالحقوق التي من جنس واحد في الوجوب والندب وهذا التأويل وإن كان بعيدا بالنسبة إلى الجنابة لان تعيين وقته بما بعد الفجر لا فايدة له لكن لا يخفى أنهم أيضا لا بد أن يأولوها بسقوط الاستحباب وليس هذا بأبعد منه كثيرا ويمكن أيضا أن يحمل على ظاهره من أجزاء الغسل بعد الفجر لها جميعا لكن يقيد بما إذا كان ما سوى غسل الجنابة واجبا أيضا بنذر أو شبهه أو يكون هو أيضا ندبا كما إذا كان قبل الوقت على القول بوجوبه لغيره وأما قوله (عليه السلام) وكذلك المرأة فيمكن أن يؤول بالاخير وبأنه ليس المراد إجزاء غسل واحد عن الجميع بل يكون بطريق اللف والنشر ويكون المراد إجزاء غسل الجنابة عن الحيض والاحرام والجمعة عن العيد ويؤيده اقحام لفظ الغسل بعد جمعها فتأمل فإن قلت كيف تأول رواية الفقيه المتقدمة قلت الامر فيها ظاهر لان القضاء إنما هو بأمر جديد فلم لا يجوز أن يكون صوم ذلك الرجل فاسدا لكن بشرط وجوب القضاء بعدم غسل الجمعة وإن كان مستحبا ولا يلزم أن يتداخل مع الواجب ويكون عدم القضاء لصحة الصوم والمولى الفاضل الاردبيلي (ره) في شرح الارشاد بعد أن ذكر وجهين في دفع هذا الاشكال من عدم وجوب الوجه أما مطلقا أو فيما نحن فيه للاخبار أو باختيار الوجوب ودخول المندوب فيه كما قلنا من الشهيد الثاني (ره) قال والذي أظن أن الاشكال لم يندفع بالكلية بما ذكرناه في نفس الامر إلا أن يقال معنى التداخل حصول ثواب دولين ؟ مثلا لفعل واحد كما قاله في الشرح أو إن ليس حين الاجتماع أسباب بل يصير سببا واحدا فإن الظاهر إن المقصود من غسل الجمعة مثلا غسل هذه الاعضاء على الوجه المعتبر مطلقا سواء تحقق في ضمن الواجب مثل غسل الجنابة أو الحيض أو غيره بنية غسل يوم الجمعة وغيره من التوبة والزيارة انتهى ولا يخفى ما في قوله أو أن ليس (آه) إذ لو أريد بصيرورة الاسباب حينئذ سببا واحدا إن أسباب الاستحباب أيضا صارت أسبابا للوجوب ففساده ظاهر وإن أريد به ؟ سبب الاستحباب عن السببية

[ 68 ]

وبقاء سبب الوجوب فقط فهو بعينه ما نقله أولا من الشرح مع أن الدليل الذي ذكره لا يدل على المعنيين أصلا بل غاية ما يلزم منه أن الامر بغسل يوم الجمعة مثلا لا يستدعي أن يكون امتثاله بغسل مستحب بل تمثيل بالغسل الواجب أيضا ولا يخفى بقاء الاشكال بحاله لانه إذا امتثل الامر المذكور بالغسل الواجب يلزم اجتماع الوجوب والندب في شئ لان ما يكون امتثالا للامر المذكور يكون ندبا قطعا وهو باطل بزعمهم فظهر أن لا محيص إلا بما ذكرناه من جواز الاجتماع لاختلاف الجهة ويقرب مما ذكره هذا الفاضل (ره) ما قال له صاحب المدارك (ره) بعد أن رجح الاجتزاء بالغسل الواحد في هذه الصورة ومعنى تداخل الواجب والمستحب أن يكون تأدي أحدى الوظيفتين بفعل الاخرى كما يتأدى صلوة التحية بقضاء الفريضة وصوم الايام المسنون صومها بقضاء الواجب ونحو ذلك لظهور تعلق الغرض بمجرد ايجاد المهية على أي وجه اتفق وعلى هذا فلا يرد أن ذلك ممتنع لتضاد وجهي الوجوب والندب انتهى وفيه أيضا إن هذا الكلام منه (ره) أما لاثبات أن امتثال أمر الندب إنما يحصل بفعل الواجب ولا يستدعي الاتيان بفعل ليس واجبا فما ذكره صحيح ظاهر لكن لا يندفع الاشكال المذكور بل هو باق بحاله فلا يصح لتفريع في قوله وعلى هذا ؟ يرد وأما لدفع الاشكال فحينئذ لا يصح ما ذكره لما علمت وأما للقيام الثالث وهو تداخل الاغسال المستحبة فقط فالظاهر تداخلها أيضا مطلقا سواء نوى الجميع أم البعض أم لم ينو شيئا منها لصدق الامتثال وإطلاق الروايات وعدم صلاحية المعارض كما سنذكره والمحقق (ره) في المعتبر رجح التداخل مع نية الجميع ثم قال أما لو نوى البعض فالوجه اختصاصه بما نواه لانا بينا أن نية السبب في المندوب مطلوبة إذ لا يراد به رفع الحدث بخلاف الاغسال الواجبة فان المراد بها الطهارة فتكفى نيتها وإن لم ينوى السبب انتهى وجوابه أولا بمنع أن المراد منها ليس رفع الحدث وما يرى من مجامعتها للحدث كما في غسل الاحرام للحايض لا ينافيه لجواز أن يكون المراد رفع الحدث في موضع يمكن حصوله فيه وأما في غيره فيكون المقصود التنظيف مثلا كالوضوء فإنه يرفع الحدث في بعض المواضع دون بعض والفرق بينهما بأن الوضوء الرافع غير الوضوء الغير الرافع بخلاف هذه الاغسال ضعيف لان المغايرة بالنوع في الاول ممنوع وبالشخص في الثاني متحقق نعم يمكن أن يقال مجرد تجويز أن يكون المراد منها رفع الحدث لا ينفع في المقام بل لا بد من إثباته ودونه خرط القتاد وثانيا بتسليمه والقول بأن المراد منها التنظيف فلا يحتاج إلى نية السبب كما أن المراد من الواجب رفع الحدث ولا يحتاج إلى نية السبب وفيه أن يكون المراد منها التنظيف إن كان على سبيل التجويز واحتمال العقل فلا ينفع وإن كان على سبيل الجزم فيحتاج إلى دليل لكن يمكن إلزامه على ظاهر كلامه (ره) وكلام الشيخ حيث يفهم منهما أن المقصود منها التنظيف مع أنهما اشترطا ذكر السبب وثالثا بأنه على تقدير أن لا يكون المقصود رفع الحدث والتنظيف فما السبب في الاحتياج إلى ذكر السبب لان التكليف بالغسل مطلق وليس فيه التقييد بقصد السبب وما يتوهم أنه إذا قيل اغتسل في يوم الجمعة يفهم أن الغسل له ولو قيل للجمعة فالامر اظهر فلا بد من قصد كونه للجمعة لتحقق الامتثال باطل وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية والتمسك بقوله (عليه السلام) إنما لامرء ما نوى وانما الاعمال بالنيات ونحوهما قد عرفت حاله والعلامة رحمه الله في التذكرة وافق المعتبر وفي المنتهى قرب الاكتفاء بغسل واحد ولم يفصل وفي القواعد والارشاد حكم بعدم التداخل من دون تفصيل أيضا والمصنف (ره) في الذكرى وافق المعتبر والتذكرة وظاهر كلامه في هذا الكتاب القول بعدم التداخل في هذه الصورة مطلقا كما هو ظاهر القواعد والارشاد ونسب في الذكرى هذا الاطلاق إلى جمع متمسكا باعتبار نية السبب ويفهم من كلامه ظاهرا كون الشيخين منهم أيضا وأنت خبير بأن مرادهم لو كان ما هو الظاهر من الاطلاق أي سواء كان مع ذكر جميع الاسباب أو لا فما تمسكوا به ظاهر الفساد إذ غاية ما يلزم منه عذر التداخل مع عدم نية الاسباب أما مع نيتها فلا نسلم إن كلام الشيخ (ره) في المبسوط والخلاف والنهاية لا يظهر منه هذا الحكم لان في المبسوط والخلاف إنما تعرض لاجتماع الواجب والمندوب وحكم فيه بما فصلنا ولم يتعرض لاجتماع المندوبات وفي النهاية لم تعرض لشئ منها إلا أن وجده في موضع آخر والمحقق الشيخ على (ره) رجح في شرح القواعد عدم التداخل في هذه الصورة وصرح بأنه سواء مع تعيين الاسباب وعده متمسكا بعدم الدليل الدال على التداخل ولا يخفى ما فيه لما عرفت من الدلايل وما يقال أيضا أن الاصل عدم التداخل فكلام خال عن التحصيل لان المراد بالاصل إن كان هو الظاهر كما هو في بعض اصطلاحاته ويصير حاصل الدليل إن كلا من هذه الاسباب ؟ مستقل والظاهر استدعاء كل منهما ؟ فجوابه منع الظهور بل الظاهر اقتضاء كل منها مسمى الغسل وهو متحقق في ضمن فرد واحد وإن كان المراد به الاستصحاب كما يقولون الاصل عدم الحادث ففساده ظاهر وإنما الا إشتباه من شيوع أن الاصل العدم بينهم فلم يحققوا معناه واستعملوا في غير موضعه مع أنه في موضعه أيضا محل كلام ليس هذا موضعه وإن كان المراد الغسل والكثرة فهو أيضا باطل كما لا يخفى وأيضا مع تسليم إن الاصل عدم التداخل قلنا ما هو المخرج عن ذلك الاصل من الدليل الشهيد الثاني (ره) أيضا وافق المعتبر والفاضل الاردبيلي وصاحب المدارك (ره) ذهبا إلى التداخل مطلقا كما هو الظاهر هذا تفصيل القول في المقامات الثلاث وفذلكة ما اخترناه التداخل في جميع المقامات في جميع صورها والله أعلم لكن مقتضى الاحتياط أن لا يترك ملاحظة خصوص الاسباب واجبها ومندوبها خصوصا المندوبة ولا يكتفي بنية البعض سيما مع نفي الباقي حتى يحصل اليقين أو الظن القريب منه بتحقق الامتثال وترتب الثواب و الخروج عن عهدة الروايات الدالة على أن لا عمل إلابنية وللمرء ما نوى وفقنا الله للنية الخالصة والقصد الصحيح ثم أن التداخل على تقدير تحققه هل هو رخصة

[ 69 ]

أو عزيمة لم نقف في كلام الاصحاب على شئ سوى ما ذكره الفاضل الاردبيلي من أن الظاهر أنه رخصة واستدل عليه بما ورد من أن الحايض إن شائت أن تغتسل غسل الجنابة قبل الانقطاع تغتسل وهذا لا يدل على أن حال إمكان التداخلين معا كيف الحال كما لا يخفى ولا يذهب عليك أن ما ذكرناه من تحقق الامتثال يقتضي كونه عزيمة كان بعد الامتثال لا معنى للاتيان به ثانيا للامتثال كما هو الظاهر سواء كان الامر للوحدة أو للطبيعة من غير وحدة ولا تكرار فحينئذ يتطرق الاشكال في تعدد الغسل للاحتياط فيما فيه الخلاف في التداخل لحرمة العبادة الغير المتلقاة من الشارع الغير المتمثلة لامره إلا أن يمنع كلية هذه المقدمة لعدم دليل عام عليها من الايه والرواية كما هو الظاهر وإنما هي المشهورة في السنة القوم فلا يبعد إذن أن يقال بعدم البأس في الاتيان بفعل أمر الشارع بنوعه على الكيفية المتلقاة منه باحتمال أن يكون مراده احتياطا مع عدم الحكم بوجوبه أو ندبه تذنيب ؟ في اجتماع أسباب وجوب الوضوء وندبه معا وأسباب ندبه فقط أما الاول فالمشهور بينهم أن الوضوء لا يكون في حال واحدة واجبا وندبا بل مع اشتغال الذمة بمشروطة به واجب وبدونه ندب وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية وأما الثاني فلم يحصل الاطلاع فيه على نص من كلام الاصحاب ولكن يلوح من كلامهم كما ذكر المحقق الشيخ على (ره) إن الوضوء الرافع للحدث كاف في مثل التلاوة ودخول المساجد والكون على طهارة وزيارة المقابر والسعى في حاجة وحيث يمتنع الرفع كما في نوم الجنب وجماع المحتلم وأمثالهما مما شرع الوضوء فيه مع وجود المانع من الرفع ينبغي التعدد انتهى والاولى أن يقال اللائح من كلام من جوز الاجزاء عن الجميع في الغسل المندوب عند تعيين الاسباب جميعا والاختصاص بما نوى عند نية البعض فقط الاجتزاء بالوضوء الواحد إذا كان رافعا مطلقا وكذا إن لم يكن رافعا مع تعيين الاسباب وأما إذا لم يكن رافعا ولم يقصد الاسباب جميعا فلا بد من التعدد ومن كلام من لم يجوز التداخل في الغسل المندوب مطلقا ما ذكره (ره) ومن كلام من جوز التداخل فيه مطلقا الاجتزاء بالوضوء الواحد مطلقا سواء كان رافعا أو لا وسواء نوى الاسباب جميعا أو لا وأنت بعد الاطلاع على ما تقدم في الغسل خبير بوجه تلويح كلامهم بما ذكرنا وأدلة كل من الاحتمالات وما فيها وما عليها وظهور الاحتمال الاخير فلا حاجة إلى التعرض لها (ويجب معها الوضوء إلا في غسل الجنابة) المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء مع الاغسال الواجبة سوى غسل الجنابة وخالف فيه السيد المرتضى (ره) وابن الجنيد (ره) وهو الاظهر احتج الجمهور بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية لانه عام خرج منه غسل الجنابة للدليل فبقي الباقي والجواب منع العموم وقد مر مرارا وعلى تقدير التسليم مخصص بالروايات التي تقدمت عند شرح قول المصنف ولا يرفع الغسل المندوب الحدث وقس عليه الاستدلال بالروايات الدالة على وجوب الوضوء بعد الاحداث وكذا رواية افتتاح الصلوة الوضوء وبروايتي ابن أبي عمير المتقدمتين هناك أيضا وقد ذكرنا ما فيهما ولا نعيده وقال الصدوق (ره) في الفقيه الوضوء فرض وهذه الاغسال سنة ولا يجزي السنة عن الفرض ولا يخفى ضعفه وحجه ما اخترناه الروايات السابقة في المبحث المذكور وأيضا يؤيدها أيضا ما ورد من أن غسل الحيض والجنابة واحد وما ورد أيضا في بيان حكم الحايض والمستحاضة والنفساء من الامر بالغسل ثم الصلوة بدون تعرض للوضوء مع إيراد الغسل مقابل الوضوء في بعض الروايات أيضا وقد قدمنا من القول في المبحث المذكور ما يكفيك في هذا المقام ومقتضى الاحتياط أن لا يترك الوضوء مع هذه الاغسال وينبغي أن يقدم على الغسل لمرسلة ابن أبي عمير إن كل غسل قبله وضوء وما ورد من أن الوضوء بعد الغسل بدعة هذا وأما عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة فإجماعي كما ذكره الشيخ (ره) في التهذيب والعلامة في المنتهى ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع الروايات المتقدمة في المبحث المذكور ويزيده بيانا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن أحمد بن محمد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تغسل يدك إلى أن قال ولا وضوء فيه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن يقوب بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل (عليه السلام) فقال الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يضمهما في الماء ثم يغسل ما أصابه من أذى ثم يصب على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تبدا فتغسل كفيك ثم تفرغ يمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك إلى أن قال ليس قبله ولا بعده وضوء وما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) أن أهل الكوفة يرون عن علي (عليه السلام) أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة قال كذبوا على علي (عليه السلام) ما وجدوا ذلك في كتاب علي (عليه السلام) قال الله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا واستدل عليه أيضا بقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا وفيه أن الاستدلال به موقوف على أن لا يكون معطوفا على إذا قمتم كما لا يخفى وهو ممنوع وإن تمسك في دلالته على المراد بالرواية السابقة يلزم الاستدراك وبقوله تعالى حتى تغتسلوا حيث جعل الاغتسال غايه للمنع فإذا اغتسل وجب أن لا يمنع وفيه أن المراد أما أن الاغتسال غاية المنع فيلزم أن لا يكون منع بعده وأما أنه علق المنع بعدم الاغتسال فقط بدون شئ آخر فلا يكون مانعا فإن كان الاول فنمنع ظهوره فيما ذكروه بل المفهوم منه عرفا المنع من القربان بدون الاغتسال وأما أنه غاية فلا وأيضا لا يدفع وجوب الوضوء سابقا على الغسل فتأمل وإن كان الثاني فإن ادعى ظهوره في عدم مانعيته شئ آخر فممنوع وإن ادعى أن ما يفهم منه مانعية عدم الاغتسال وأما مانعية غير فينتفي بالاصل فممنوع لكن على هذا يلزم الاستدراك لان التمسك بالاصل ابتداء كاف وغسل الميت ويستحب في غسل

[ 70 ]

الميت) قد علم في ضمن العمومات عدم وجوب الوضوء في غسل الميت وأما ما اختص به فسيجئ إنشاء الله تعالى مع بيان الحكم التالي له في بابه (وفي التهذيب يستحب مع غسل الجنابة) والمشهور عدم الاستحباب ومستند قول الشيخ (ره) روايتا أبي بكر الحضرمي ومحمد بن ميسر السابقتان في البحث المذكور ولا يخفى أن القول باستحباب الوضوء قبل الغسل لا بأس به بناء على التسامح في ادلة السنن لروايتين وعدم معارض ظاهر لان ما ورد من أنه لا وضوء فيه يحمل على الوجوب وما ورد من أن الوضوء بعد الغسل بدعة لا ينافيه ومرسلة محمد بن أحمد بن يحيى من أن الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة فمع ضعف سنده قد عرفت سابقا توجيهه على وجه لا ينافي ما قلنا نعم الاولى الاجتناب عن الوضوء بعد الغسل لعدم دلالة الروايتين عليه ودلالة الروايات على بدعيته ولم نعلم أن مذهب الشيخ (ره) في الاستحباب ماذا هل هو الاستحباب قبل الغسل أو مطلقا سواء كان قبله أو بعده وما يتوهم من أن الاحتياط في الوضوء مع غسل الجنابة لرعاية جانب الايه واحتمال أن يكون نفي الوضوء معه في الروايات نفي الوضوء لتحقق الغسل لا وضوء الصلوة فلا عبرة به في نظر الفقيه بعد ورود تلك الروايات الكثير الظاهرة الدالة على المدعى (درس يجب على المتخلي ستر العورة عن الناظر) وجوب ستر العورة عن الناظر ليس بمختص بالمتخلي لكن لما كان ينكشف في هذا الحال العورة ذكروا هذا الحال العورة ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه ثم أن هذا الحكم لم نطلع فيه على خلاف ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب دخول الحمام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن ماء الحمام فقال إدخله بإزار وما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يغتسل الرجل بإزار فقال إذا لم يره أحد فلا بأس وما رواه الفقيه أيضا في باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام قال وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل قل للمؤمنين يغضو من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم فقال كلما كان في كتاب الله تعالى من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فإنه الحفظ من أن ينظر إليه وما رواه أيضا في الفقيه في الباب المذكور عن حنان بن سدير في أثناء حديث ثم قال وما يمنعكم من الازار فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال عورة المؤمن على المؤمن حرام والقائل هو على ابن الحسين (عليه السلام) وما رواه الفقيه أيضا في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أثناء حديث طويل أنه قال إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض فليحاذر على عورته واستدل عليه أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه وفيه أنه لا دلالة على وجوب الستر بل على تحريم النظر إلى أن يتمسك بأن كشف العورة على الناظر حينئذ يكون معاونة على الاثم وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال نعم فقلت أعني سفليه فقال حيث تذهب إنما هو إذاعة سره وما رواه أيضا في الباب المذكور عن حذيفة بن منصور قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) شئ يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس حيث يذهبون إنما عنى عورة المؤمن أن يزل زلة أو يتكلم بشئ يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره يوما وما رواه أيضا عن زيد الشحام عن أبى عبد الله (عليه السلام) في عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس أن يكشف فيرى منه شيئا إنما هوان يزري عليه ويعيبه فيمكن أن يقال مراده (عليه السلام) فيها أن المراد من هذه العبارة شئ آخر غير النظر إلى السوأتين لا أنه ليس بحرام لكن ينافي هذا ما روى آنفا عن علي بن الحسين (عليه السلام) فإن فيه تفسير هذه العبارة بهذا المعنى كما لا يخفى أو يقال أن مراده (عليه السلام) نفي حصر المراد من هذه العبارة في النظر بل إنما يشمله وغيره من إذاعة السر وهذا أيضا لا يخلو من تكلف ولو لم يكن مخافة خلاف الاجماع لامكن القول بكراهة النظر دون التحريم كما يشعر إليه ايضا ما رواه الفقيه في الباب المذكور عن الصادق (عليه السلام) قال إنما أكره النظر إلى عورة المسلم فأما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار فيسهل الجمع بين الروايات حينئذ كما لا يخفى وجهه واعلم أنهم ذكروا أن المراد من الناظر المحرم وأما غيره فلا بأس كالزوجة والمملوكة والطفل غير المميز ثم أن وجوب الستر هل هو مع العلم بالنظر أو يجب فيما هو مظنة النظر أيضا الظاهر الثاني وأما بمجرد احتمال النظر فلا يبعد القول بعدم وجوبه والتفصيل فيه أن يقال أما مع العلم بوجود الناظر أو الظن أو الشك أو الوهم وعلى التقارير أما نظر عمدا وسهوا فالاقسام ثمانية والظاهر عدم التحريم في القسمين الاخيرين والتحريم في الاول والثالث وأما الاربعة الباقية ففيها إشكال من حيث عموم رواية الفقيه عن الصادق (عليه السلام) ومن حيث أن الشهرة بين الاصحاب أو الاجماع غير معلومة في هذه الصورة فبمجرد هذه المرسلة لا يمكن الحكم هذا والكلام في معنى العورة وتحقيقه سيجئ إنشاء الله تعالى في كتاب الصلوة في المبحث اللباس (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها ولو في الابنية خلافا لابن الجنيد مطلقا وللمفيد في الابنية) المشهور بين الاصحاب تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال التخلي مطلقا سواء كان في الصحارى أو الابنية وسواء كان بناء المخرج عليه أو لا إلا إذا كان في موضع لا يمكن الانحراف ولم يمكن الخروج إلى موضع آخر أيضا وكان مراد الشيخ (ره) في المبسوط أيضا هذا حيث قال فإن كان الموضع مبنيا كذلك وأمكنه الانحراف عنه وجب عليه ذلك وإن لم يمكنه لم يكن عليه شئ ليوافق ظاهر كلامه في الخلاف حيث قال لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غايط إلا عند الاضطرار لا في الصحاري ولا في البنيان وقال ابن الجنيد (ره) على ما نقل عنه في المنتهى والمختلف يستحب للانسان إذا أراد التغوط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة وهو

[ 71 ]

صريح فيما نسب إليه المصنف وقال سلار على ما في المختلف وليجلس غير مستقبل القبلة ولا مستدبرها وإن كان في موضع قد بنى على استقبالها أو استدبارها فلينحرف في تعوده هذا إذا كان في الصحارى والفلوات وقد رخص ذلك في الدور وتجنبه افضل وهذا هو الموافق لما نسب المصنف (ره) إلى المفيد وأما المفيد (ره) فقد فقال في المقنعة ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولكن يجلس على استقبال المشرق إن شاء أو المغرب ثم قال بعد ذلك وإذا دخل الانسان دارا قد بنى فيها مقعده للغايط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره ذلك وإنما يكره ذلك في الصحارى والمواضع التي يمكن فيها الانحراف عن القبلة انتهى والعلامة (ره) في المختلف نزل هذه العبارة على مذهب ابن الجنيد وكانه لحمله لفظة الكراهة على معناها المتعارف وفي المنتهى حكم بموافقة المفيد (ره) لسلار كما في هذا الكتاب وهذا البناء على حمل الكراهة في كلامه على التحريم وأنت خبير بإمكان حمل عبارة المقنعة على المذهب المشهور بحمل الكراهة على التحريم كما هو الشايع في عباراتهم وارتكاب تقييد في العبارة كما يرتكب في عبارة المبسوط ولو لم يرتكب التقييد لكان الاولى حملها على مذهب رابع سوى المشهور ومذهبي ابن الجنيد وسلار بل مذهب موافق للمبسوط لو لم يرتكب التقييد فيه أيضا وأما حملها حينئذ على مذهب سلار كما في هذا الكتاب والمنتهى والمعتبر وظاهر الذكرى فبعيد جدا لوجود بعض التقييدات فيها ليس في كلام سلار إلا أن يقال كان استادهم هذا المذهب إلى المفيد ليس من جهة عبارة المقنعة لكنه بعيد وبما ذكرنا في حمل الكراهة في كلامه على التحريم يمكن استنباط الحال عند حملها على المعنى المصطلح أيضا فتأمل الظاهر عدم التحريم مطلقا كما ذهب إليه ابن الجنيد والكراهة كذلك أما عدم التحريم فللاصل وعدم دليل ظاهر في الحرمة كما سيظهر عند الجواب عن أدلتها وأما الكراهة فلدلايل الحرمة التي سنذكرها وسنذكر أيضا عدم دلالتها على التحريم فيحمل على الكراهة واحتج المشهور بأن القبلة محل التعظيم ولهذا أوجب استقبالها في الصلوة فناسب تحريم استقبالها بالحدث ولان فيه تعظيما لشعاير الله وضعف الوجهين ظاهرا لان الاول من باب القياس المردود وعموم تعظيم شعاير الله إلى حد يشمل هذا أيضا ممنوع لا بد له من دليل وأنى لهم بذلك واحتج أيضا بما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث عن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال قال لي النبي (صلى الله عليه وآله) إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولكن شرقوا أو غربوا والجواب عنه أما أولا فبالقدح في السند وثانيا بعد ظهور النهي في التحريم في كلامهم (عليهم السلام) خصوصا مع مقارنته بشرقوا أو غربوا الظاهر في الاستحباب عند القائلين بالتحريم أيضا لانهم لم يعلم منهم القول بوجوب التشريق والتغريب سوى ما نقل عن واحد من المتأخرين فينبغي أن يحمل هو أيضا على الكراهة لموافقة القرائن وبما رواه أيضا في هذا الباب عن ابن أبي عمير عن عبد الحميد بن أبي العلاء أو غيره رفعه قال سئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا تستقبل القبله ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها لكن فيه سئل أبو الحسن (عليه السلام) وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان للحدث وفيه أيضا القدح في السند لان مراسيل ابن أبي عمير وإن سلم مقبوليتها فإنما هو فيما إذا كان الارسال منه ولم يظهر فيما نحن فيه كون الارسال منه بل الظاهر أنه ممن يروي هو عنه وأيضا الارسال الاخر يحتمل أن يكون ممن يروي عنه لا منه ولو سلم ففي كونه من قبيل مراسيله المقبولة إشكال والحمل على الكراهة لما عرفت من عدم ظهور النهي في التحريم في كلامهم (عليه السلام) ويؤيده أيضا أقرانه بلا تستقبل الريح لكونه للكراهة عندهم أيضا وبما رواه أيضا في هذا الباب عن علي بن إبراهيم رفعه قال خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله (عليه السلام) وأبو الحسن موسى (عليه السلام) قايم وهو غلام فقال له أبو حنيفة يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال ولا تستقبل القبلة بغايط ولا بول وارفع ثوبك وضع حيث شئت و هذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وفيه أيضا مثل ما في سابقيه وبما رواه الفقيه في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في أثناء حديث طويل ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس أو القمر وقال إذا دخلتم الغايط فتجنبوا القبلة وفيه أيضا مثل ما ذكر واحتج سلار بما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن إسماعيل قال دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وفي منزله كنيف مستقبل القبلة وعدم دلالته على ما ادعاه ظاهر لان بناء الكنيف على الاستقبال لا يستلزم جواز الجلوس عليه من غير انحراف وهذه الرواية في باب الزيادات أيضا بدون مستقبل القبلة لكن مع ضميمة قوله سمعته يقول من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة وتعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له هذا ثم أن الظاهر من الاستقبال والاستدبار استقبال أو استدبار البدن كما هو المتعارف لا للعورة حتى لو صرفها زال المنع وقد قال به بعض ولا اعتداد به والظاهر أيضا كراهتها حال الاستنجاء أيضا لما رواه في الزيادات أيضا عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يريد أن يستنجى كيف يقعد قال كما يقعد للغايط وهذه الرواية للكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلا وفي الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان للحدث لكن الاصحاب لم ينصوا عليه ولا يخفى أن هذا الحكم إنما هو على تقدير الاكتفاء في الكراهة أيضا بالادلة الضعيفة كما في الاستحباب وللكلام فيه محال والظاهر أيضا استحباب التشريق أو التغريب لرواية عبد الله الهاشمي المتقدمة وقال بعض بوجوبه لها وأيده بما ورد من أن ما بين المشرق والمغرب قبلة وهو ضعيف كما لا يخفى وذكر بعض الاصحاب أنه إذا تعارض الاستقبال والاستدبار قدم الاستدبار ولا وجه له خصوصا في التغوط

[ 72 ]

ويجب غسل موضع البول بالماء المزيل للعين الوارد بعد الزوال وجوب غسل موضع البول إجماع منا وكذا تعينه بالماء ويدل أيضا مضافا إلى الاجماع روايات أما على وجوب الغسل فما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن عمرو بن أبي نصر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أبول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت قال اغسل ذكرك واعد صلواتك ولا تعد وضوءك وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال توضأت يوما ولم أغسل ذكري ثم صليت فسالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال اغسل ذكرك وأعد صلوتك وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن أذينة قال ذكر أبو مريم الانصاري ابن الحكم بن عتبة بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا فذكرت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام) فقال بئس ما صنع عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلوته ولا يعيد وضوئه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلوة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأما البول فلابد من غسله إلى غير ذلك من الروايات وأما على تعينه بالماء فما رواه أيضا في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انقطعت دره البول فصب الماء وهذه الرواية في الكفي أيضا في الباب المذكور وما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل عن يزيد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يجزي من الغايط المسح بالاحجار ولا يجزي من البول إلا الماء وأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عبد الله بن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحايط قال كل شئ يابس ذكي فلا ينافي ما ذكرناه لامكان جملة على التقية وعلى أن المراد أنه ذكى بمعنى عدم السراية إلى الغير والتعدي إليه لا أنه طاهر في نفسه لا يقال الذكي طاهر في الظاهر لان بعد تسليم ظهوره فيه التأويل فيه وحمله على غير ظاهره أولى من حمل الروايات السابقة على غير ظاهرها لكثرتها وصحة سندنا خصوصا مع نقل الاجماع على خلافه وأيضا حمله على الظاهر إنما يستلزم التخصيص فيه لان النجاسة اليابسة ليست بطاهرة بإجماع المسلمين والتخصيص ليس بأولى من المجاز وكذا ما رواه في هذا الباب عن سماعة قال قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) أني أبول ثم أمسح بالاحجار فيجئ البلل ما بعد الاستبراء وفي بعض النسخ ما يفسد سراويلي قال ليس به بأس أما أولا فلجهالة سندها وأما ثانيا فبالحمل على التقية لانه موافق لمذهب العامة والشيخ (ره) في التهذيب ذكر وجهين أحدهما أنه يجوز أن يكون مختصا بحال لم يكن فيها واجد للماء فجاز له حينئذ الاقتصار على الاحجار وثانيهما أن المراد ليس به بأس اعتبار الوضوء لا النجاسة لان ما خرج بعد الاستبراء إنما هو الودي ولا ينقض الوضوء والظاهر أن ما ذكره من الاقتصار على الاحجار حال عدم الماء لا يراد به أن يصير بها طاهرا لنقل الاجماع على خلافه بل أنه يجوز الصلوة والحال هذه لمكان الضرورة ولكن يجب الغسل بعد الوصول إلى الماء كما صرح به سابقا عليه واعلم أن بعض العلماء كالمحقق (ره) في المعتبر والعلامة (ره) في المنتهى ذكر أنه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعماله لجرح أو نحوه يجب المسح بالحجر و شبهه لان الواجب إزالة العين والاثر فملا تعذرت إزالتهما لم يسقط إزالة العين وفيه نظر لانه إنما يتم ذلك لو كنا مأمورين بكل من إزالة العين والاثر بانفراده وليس كذلك لانا أمرنا بالغسل وصب الماء فعند تعذرهما سقط التكليف وكونهما مشتملين على أمرين لا يستلزم التكليف بكل منهما على حدة وهو ظاهر ولكن الاحتياط فيما ذكراه للخروج عن عهدة قولهما ولا شعار الرواية الاتية أيضا به كما لا يخفى هذا وكذا لا ينافي ما ذكرناه ما رواه أيضا في باب الاحداث في الزيادات في الموثق عن حنان بن سدير قال سمعت رجلا سئل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي فقال إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وفي الفقيه في باب ما ينجس الثوب والجسد أما أولا فلعدم صحة سندها لان حسان بن سدير واقفي على ما صرح به الشيخ وثانيا لعدم دلالته على الطهاره بالمسح لان الظاهر أن المراد إذا بلت وتمسحت بالحجر ونحوه مثلا فامسح ذكرك أي غير موضع البول بالريق حتى إذا وجدت بللا بعده يمكنك حمله على أنه بلل الريق بناء على أصل الطهارة ولا تحتاج إلى تطهير ما لاقاه فيسهل عليك الامر إذ لو كان المراد غير ذلك وكان المسح مطهرا لما كان لمسح الذكر بالريق وحمل البلل الذي يجد عليه فائدة لان ما يخرج بعد البول إذا كان رأس الحشفة ظاهرا لا بأس به فلا حاجة إلى المسح بالريق لا يقال لعله لتطيب الخاطر لا لنجاسته ما يخرج بعد البول كما ورد من الامر بصبغ الثواب الذي لا يزول منه لون دم الحيض لانا نقول على هذا لا اختصاص له بهذا الحال فلم لم يؤمر موضع آخر بهذا الامر إلا أن يقال حال وجود الماء لا يحتاج إليه لان ما يجد من البلل حينئذ يمكن حمله على بلل بالماء أو يقال أن الماء يقطع البول كما نقل في المنتهى فحينئذ بعد الماء لا يحتاج إلى المسح لتطيب الخاطر فإن قلت لعل المسح بالريق لاجل تطهيره قلت أما أولا فلان هذا ليس مذهب الجمهور أيضا كما هو الظاهر لان بعض من لم يوجب الماء منهم يكتفي بالمسح بالاحجار ونحوهما وبعضهم لا يوجب ذلك أيضا وأما وجوب المسح بالريق مثلا بعد التمسح بالحجر ونحوه فلم يقل به أحد وأما ثانيا فلانه على هذا أيضا لا فائدة في قوله فإن وجدت ماء كما مر وثالثا للحمل على التقية لو سلم ظهوره في خلاف ما ذكرناه وصاحب المدارك (ره) حمله على أن المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا وأنت بما ذكرنا خبير بما فيه

[ 73 ]

ولا حاجة إلى التصريح هذا وسيجئ تتمة لهذه الحكم في بحث النجاسات إنشاء الله تعالى وإذا قد ثبت وجوب غسل مخرج البول بالماء فلنذكر أقل ما يجزي منه فنقول قد ذهب الشيخ في المبسوط والنهاية إلى أن أقل ما يجزي مثلا ما على رأس الحشفة وهو مذهب شيخه (ره) أيضا في المقنعة وتبعه المحقق في المعتبر والعلامة في القواعد والتذكرة ونسب إلى أبي الصلاح القول بأن أقل ما يجزي ما أزال العين عن رأس الفرج وهو مختار العلامة في المنتهى والمختلف وقال ابن إدريس (ره) في السرائل وأقل ما يجزى من الماء لغسله ما يكون جاريا ويسمى غسلا والظاهر أن مختار أبي الصلاح وابن إدريس واحد وهو وجوب الازالة بما يسمى غسلا سواء كان مثلين أو أزيد أو انقص كما صرح به في المختلف وقال أنه ظاهر ابن البراج أيضا والظاهر القول الاخير لنا الروايات السابقة من حيث إطلاق الامر فيها بالغسل والصب من دون تقييد والاصل برائة الذمة من الزايد حتى يثبت وكذا الروايات الاخرى الامرة بالغسل مطلقا من دون تقييد ولا حاجة إلى ذكرها ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الحسن عن ابن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال قلت له للاستنجاء حد قال لا ينقي ما ثمة قلت فإنه ينقي ما ثمة ويبقى الريح قال الريح لا ينظر إليها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء واحتج الشيخ بما رواه في باب آداب الاحداث في التهذيب عن نشيط بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول فقال بمثلي ما على الحشفة من البلل وفيه أن الرواية غير صحيحة السند فلا يوجب تقييد ما ذكرنا مع أنها معارضة بما رواه أيضا في هذا الباب عن نشيط المذكور عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يجزي من البول أن يغسله بمثله ثم أن في المقام اشتباها لا بد من إيضاحه وهو أنه لا يدري أن المراد من المثلين ماذا أهو مثلا البلل الذي على رأس الحشفة أو مثلا القطرة التي تبقى على رأسها غالب الامر بعد انقطاع البول وايضا المراد منه الدفعتان أو لا ففيه أربعة احتمالات الاول وجوب مثلي البلل دفعتين والثاني وجوبه لا كذلك والثالث وجوب مثلي القطرة دفعتين والرابع وجوبه لا كذلك فإن كان المراد الاول ففيه أن بعد تسليم صحة الرواية لا دلالة لها على المدعى إذ لا ظهور لها في كون المثلين دفعة أو دفعتين وهو ظاهر وقد يستدل عليه بما ورد في الروايات من أن البول إذا أصاب الجسد يصب عليه الماء مرتين كما سيجئ إنشاء الله تعالى وفيه منع شمولها للحشفة ظاهرا بل لا يبعد دعوى الظهور في اختصاصها بغيرها كما يحكم به الوجدان ومع ظهور الشمول أيضا قد عرفت أن للكلام في وجوب حمل المطلق على المقيد مطلقا محالا فحينئذ لا نسلم أولوية تقييد روايات وجوب الغسل مطلقا بها فهلا يخصصونها بغير الحشفة ومع تساوى الامرين الاصل معنا تدبر ويرد أيضا على هذا المذهب أي الاجتزاء بمثلي البلل مع وجوب كونهما دفعتين أن الغسل إنما يتحقق إذا ورد الماء على محل النجاسة شاملا له مع الغلبة والجريان وذلك منتف مع كل واحد من المثلين لان المماثل للبلل الذي على الحشفة لا يكون غالبا عليه وإن كان المراد الثاني فنقول إن كان الامر في الواقع إن كل ما يكون بقدر المثلين إنما يصدق عليه الغسل ويزيل النجاسة وبدونه لا يصدق فنعم الوفاق ويرفع النزاع وهو ظاهر وإن لم يكن كذلك بل قد يتخلف الحكم فإن كان المتخلف الحكم الاول فيرد على هذا المذهب حينئذ إن الاجتزاء بالمثلين الذى لا يصدق عليه الغسل بمجرد هذه الرواية الغير الصحيحة لا وجه له بعد ورود تلك الروايات الكثيرة الصحيحة بالغسل والصب مع أن في دلالة الرواية حينئذ أيضا نظرا لجواز حملها على مثلي القطرة لا البلل وإن كان المتخلف الثاني فيرد ما قدمنا من إطلاق الاوامر وبرائة الذمة عن الزائد حتى يثبت بمجرد هذه الرواية لم يثبت لكن لا يخفى أن الاحتياط في هذه الصورة في العمل بهذه الرواية لان عدم صحتها منجبر بالشهرة بين الاصحاب وإن كان المراد الثالث فإن كان يصدق الغسل على كل من القطرتين البتة فما يرد عليه حينئذ هو أن الرواية لا دلالة لها على العدد المدعى أما أولا فلجواز أن يكون المراد بها مثلي البلل وأما ثانيا فلعدم دلالتها على وجوب الدفعتين حقيقة أو تقديرا فلو تمسك بالروايات الدلالة على المرتين فجوابه ما ذكرنا ويعارض حينئذ أيضا بالروايات الدالة على الاكتفاء بمطلق الغسل والنقاء وإن لم يصدق فحاله يظهر مما ذكرنا في ثاني شقى القسم الثاني وإن كان المراد الرابع فحاله كحال الثاني بعينه فقس عليه هذا وبما ذكرنا ظهر قوة ما ذهبنا إليه لكن الاحتياط أن يغسل مرتين مع الفصل للخروج يقينا عن عهدة الاوامر الواردة بالمرتين في البول مطلقا مع أن ظاهر عبارة المعتبر يشعر بالاجماع عليه ويراعى مع ذلك كونه بقدر مثلى القطرة أو أزيد لاحتمال هذه الرواية ولا يبعد القول أيضا باستحباب الغسل ثلث مرات لما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن زرارة قال كان يستنجى من البول ثلاث مرات ومن الغايط بالمدر والخرق لظهور أن الضمير في مكان راجع إلى الامام (عليه السلام) واعلم أن المصنف (ره) قال في الذكرى ويجزي مثلاه مع الفصل للخبر مع أنه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري ووجهه المحقق الشيخ على (ره) في شرح القواعد أن مراده وجوب الانفصال على تقدير الاكتفاء بالمثلين لان المثلين مع عدم الانفصال إنما يعد غسلا واحدا مع أنه لا بد من التعدد وأما إذا لم يكتف به فلا يحتاج إلى الانفصال بل لو عد غسلين تقدير لكفى ولا يخفى أن وجوب التعدد كأنه بناء على الروايات الواردة بالمرتين وإلا فهذه الرواية لا دلالة لها عليه فإن قلت ما معنى عبارة المتن وعلى أي الاحتمالات تحمل قلت الظاهر أن مراده وجوب الغسلتين أحديهما مزيلة للعين والثانية واردة بعد الازالة فإن تحقق هذا المعنى بدون الانفصال الحقيقي فكفى وإلا فلابد منه وهذا كما هو مختارة في

[ 74 ]

الذكرى ظاهرا كما ذكرنا وظاهره الانطباق على الاحتمال الثالث كما لا يخفى ويرده على العبارة حينذ مناقشة لان الوصف الذي ذكره للماء لا يصدق على هذا المجموع لان وإن سلم كونه مزيلا للعين عرفا فليس بوارد بعد الزوال البتة إلا أن يقال أنه من قبيل إجراء أوصاف الجزء على الكل ويحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله بعد الزوال بعد انقطاع البول ويصير الحاصل أنه يجب الغسل بالماء المزيل للعين بعد انقطاع البول وحينئذ ينطبق على اخترناه فإن قلت على ما اخترته من القول على ما تحمل روايتي نشيط قلت أما الاولى فيمكن حملها على مثلي البلل وينطبق على ما ذهبنا إليه لان الظاهر أن مثلي البلل يبلغ حد الغسل ودونه لم يبلغ أو يحمل على مثلي القطرة ويدعى أن ما دون القطرتين لا يبلغ حد الغسل المعتبر فيه الغلبة والجريان وأما الثانية فيمكن حملها على مثلي القطرة وتصير موافقة لمثلي البلل في الرواية الاولى ومنطبقة على قولنا ويمكن أن يحمل أيضا على أن المراد من مثله أي مثل البول لمماثلته له في السيلان ويكون الكلام على الحصر أي إنما يجزي من البول الغسل بالماء فقط ولا يكفي المسح بالاحجار كما هو رأي الجمهور وأولها الشيخ (ره) في التهذيب باب المراد مثل ما خرج من البول وفيه مالا يخفى للاجماع على خلافه وضعفه المحقق في المعتبر بأن البول ليس بمغسول وإنما يغسل منه ما على الحشفة والامر فيه سهل (وغسل مخرج الغايط مع التعدي حتى يزول العين والاثر) ادعى العلامة (ره) في التذكرة أن مع التعدي عن المخرج لا بد من الماء إجماعا وكذا المحقق في المعتبر واستدل عليه أيضا بما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الاحجار ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقا كذا في الصحاح وبقوله (عليه السلام) يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة لكن روايات أصحابنا الدالة على جواز الاستنجاء بالاحجار خالية عن هذا التقييد كما سيجئ إنشاء الله تعالى فلو لم يكن مخافة الاجماع لامكن القول بجواز التمسح في الغايط مطلقا إلا أن يتفاحش ويخرج عن المعتاد بحيث لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء من الغائط لان الروايتين المنقولتين مع عدم صحة سندهما لا ينافيانه أيضا بل لا يبعد ادعاء ظهورهما خصوصا الاخيرة فيه مع أن الرواية الاولى ظاهرها الحمل على الاستحباب إذا لم يقل بوجوب الجمع أحد وعلى هذا فكما يمكن أن يكون الاستحباب باعتبار الاحجار فكذلك يمكن أن يكون باعتبار الماء ولا يخفى أن هذا انسب بالغرض المقصود من الرخصة في التمسح أي التخفيف وإزالة المشقة لان عدم التعدي عن المخرج نادر جدا والله أعلم ثم أن مع التعدي هل يجب غسل الجميع بالماء أو القدر المتعدي فقط ظاهر عبارة الكتاب الاول ولم يحصل الاطلاع على نص من الاصحاب بشئ وإثبات وجوب غسل الجميع لا يخلو من إشكال أن لم يكن إجماع والمراد بالعين ظاهرا وكذا وجوب إزالته عرفا للاجماع ولحسنة بن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) المتقدمة ولما رواه التهذيب أيضا في باب آداب الاحداث في الموثق عن يونس بن يعقوب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغايط أو بال قال يغسل ذكره ويذهب الغايط ثم يتوضأ مرتين ولما ورد أيضا في بعض الروايات من الامر بالغسل لان الظهار أنه ما لم تزل العين لم يصدق عليه الغسل عرفا وأما الاثر فليس في الاثار منه عين ولا أثر ولكن الاصحاب إنما ذكروه واختلف كلامهم في المعنى المراد منه فقال بعضهم المراد منه ما يتخلف على المحل بعد مسح النجاسة وتنشيفها وذكروا أنه غير الرطوبة لانها من العين وتحقق هذا المعنى الذي فسروا الاثر به لا وضوح له وعلى تقدير تحققه إثبات وجوب إزالته انما يتوقف على أن لا يصدق النقاء والذهاب والغسل قبل زواله إذ لو صدق قبله يلزم الحكم بالكفاية لما تقدم وعلى هذا يسشكل الحكم بالاكتفاء بزوال العين حين التمسح بوجوب النقاء والذهاب اللهم إلا أن يقال إن إزالة الاثر لما لم يمكن بالتمسح ووردت الروايات بجوازه ظهر أن الامر بالنقاء و الذهاب مخصص وبعضهم فسروا الاثر باللون وذكر أنه عرض لا يقوم بنفسه فلا بد له من محل جوهري يقوم به والانتقال على الاعراض محال فوجوده دليل على وجود العين فيجب إزالته وفيه نظر أما أولا فبالنقض بالرايحة لجريان لديل فيها مع أنها لا يجب إزالتها ويمكن أن يقال إن كان دليل على عدم وجوب إزالتها من إجماع أو خبر فيكون ذلك الدليل مخرجا لها عن الحكم ولا يلزم منه خروج ما ليس فيه دليل كاللون وإن لم يكن دليل فيجري الحكم فيها أيضا وأما ثانيا فبمنع استلزام ؟ ؟ انتقال الاعراض أن يكون العين موجودة في حال وجود اللون لجواز أن لا يكون هذا اللون اللون القائم بالعين بل يجوز أن يكون لونا آخر حدث بالمجاورة وأما ثالثا فيمنع وجوب الازالة على تقدير كون العين موجودا مطلقا لان ما ثبت وجوبه بالاخبار هو الانتفاء ؟ إلا ذهاب والغسل فلو صدق هذه الامور عرفا قبل زوال اللون لكان كافيا ولا يحتاج إلى إزالته ولو لم يصدق بدون إزالته لوجب وعدم الصدق ؟ وجوب إزالته في صورة التمسح أيضا إلا أن يتمسك بما ذكرنا وكلام المصنف (ره) في الذكرى يوهم أن مرادهم بالاثر الرايحة حيث قال في بحث الاستنجاء بالاحجار ولا عبرة بالاثر كالرايحة بخلاف الرطوبة لكن الظاهر أن مراده أنه لا عبرة بالاثر كما لا عبرة بالرايحة لان كلامه في هذا الكتاب صريح في أن المراد من الاثر غير الرايحة كما سيظهر وإيراد الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد على هذا التوجيه لكلام الذكرى بأنه بعيد لما ثبت من عدم الشتراط زوال الرايحة فيما هو أقوى من الاحجار لا وجه له أصلا كما لا يخفى هذا ومحصل القول على ما مر أن القدر الثابت وجوبه ظاهرا من الروايات وجوب الغسل بالماء إلى حد يصدق عليه في العرف

[ 75 ]

أنه انقاه وأذهبه وأما ما سوى ذلك سواء قلنا بوجود شئ هو الاثر أولا فلا ومن يدعيه فعليه البيان والظاهر أيضا الاكتفاء بانقاء ما ظهر على المخرج ولا يجب إدخال القطن أو الانملة لانقاء الباطن قال العلامة (ره) في المنتهى وهو مذهب أكثر أهل العلم وروى عن محمد تلميذ أبي حنيفة أنه قال ما لم يدخل إصبعه لا يكون نظيفا وهذا شاذ انتهى ويدل عليه ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) قال سمعته يقول في الاستنجاء نغسل ما ظهر على الشرج ولا ندخل فيه الانملة وما رواه أيضا في هذا الباب في الزيادات عن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام قال قلت له الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد قال كما يقعد المغابط وقال أنام عليه أن يغسل ما ظهر منه وليس عليه أن يغسل باطنه وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء والرواية الاولى في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وروى التهذيب في هذا الباب في الاصل في أثناء حديث طويل عن عمار أيضا هذا المضمون أيضا بعينه (ولو لم يتعد أجزاءها ثلاث مسحات بجسم طاهر مزيل للعين لا الاثر) إجزاء التمسح مع عدم التعدي إجماعي ويدل عليه أيضا روايات منها صحيحة زرارة ورواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدمتان في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء وحكاية زرارة من فعل الامام (عليه السلام) كما هو ظاهر المتقدمة أيضا في البحث المذكور ومنها ما رواه التهذيب في باب آداب إحداث الزيادات في الصحيح عن زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان الحسين بن علي (عليه السلام) يتمسح من الغايط بالكرسف ولا يغسل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جرت السنة في أثر الغايط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما ويشهد له إطلاق حسنة ابن المغيرة وموثقة يونس بن يعقوب المتقدمتين فأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا أنه قد تمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة فلا يعارض ما ذكرناه من الروايات لكثرتها وصحة سندها وقد حمله الشيخ (ره) في التهذيب على الاستحباب ويمكن حمله على صورة التعدي أيضا وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا استنجا أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء لا يصلح لمعارضتها لجهالة سنده فليحمل أيضا على الاستحباب أو التعدي وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء لا يصلح للمعارضة للارسال فليحمل أيضا على الاستحباب أو التعدي هذا وأما كون المسح ثلاثا فتدل عليه الروايات المتقدمة المتضمنة للثلاث ويشهد له أيضا ما رواه التهذيب في باب صفة التيمم في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن التمسح بالاحجار فقال كان الحسين بن علي (عليه السلام) يتمسح بثلاثة أحجار وأما كونه بمطلق الجسم سوى ما يستثنى فيما بعد فالظاهر أنه أيضا إجماع منا كما يفهم من ظاهر المنتهى حيث قال وهو مذهب أكثر أهل العلم ونسب الخلاف إلى بعض الجمهور والشيخ رحمه الله صرح في الخلاف بالاجماع عليه لكن المصنف (ره) قال في الذكرى إن سلار اعتبر الارض في أصله لذكر الحجارة وابن الجنيد لا يختار الاجر والخزف إلا أن يلابسه طين أو تراب يابس وهما ضعيفان لعدم مستند لهما فالظاهر عدم التقييد كما هو المشهور للشهرة ودلالة بعض الروايات المتقدمة عليه وأما اعتبار الطهارة فقد ادعى الاجماع عليه في المنتهى و يؤيده أيضا قوله (عليه السلام) بثلاثة أحجار أبكار واستدل عليه أيضا بأنه إزالة النجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل وللكلام فيه محال نعم لو تعدى نجاسته إلى المحل لكان حينئذ الوجه في عدم تطهيره ظاهرا لان الاستنجاء إنما يختص بالنجاسة المعهودة فلا يتعدى إلى غيرها وسيجئ أيضا لهذا تتمة إنشاء الله تعالى وأما إزالة العين دون الاثر فقد ظهر حاله في الاستنجاء بالماء ولا اعتبار بالريح فيهما أي في الاستنجاء بالماء والتمسح يدل عليه حسنة ابن المغيرة المتقدمة مضافة إلى الاصل ويشهد له أيضا إطلاق موثقة يونس بن يعقوب السابقة وأورد المصنف في هذا المقام إشكالا وهو أن وجود الرايحة يرفع أحد أوصاف الماء وذلك يقتضي النجاسة وأجاب عنه تارة بالعفو عن الرايحة وأخرى بأن الرايحة إن كان محلها الماء نجس لانفعاله وإن كان محلها اليد أو المخرج فلا وعند الشك يحمل على الطهارة للاصل ويمكن أيضا أن يقال أنه على تقدير كون محله الماء أيضا لا يلزم النجاسة لجواز أن يكون انفعال الماء من المحل أو اليد المتنجسين لا من النجاسة ويجزي ذو الجهات الثلاث قال الشيخ (ره) في المبسوط والحجر إذا كانت له ثلاث قرون فإنه يجزي عن ثلاثة أحجار عند بعض أصحابنا والاحوط اعتبار التعدد لظاهر الاخبار والمحقق في المعتبر والشرايع رجح عدم الاجزاء والمفيد وابن البراج والعلامة (ره) في جملة من كتبه رجحوا الاجزاء وهو الاقوى لنا حسنة ابن المغيرة وموثقة ابن يعقوب منضمتين إلى الاصل حجة القول بعدم الاجزاء الروايات الواردة بالمسح بثلاثة أحجار والحجر الواحد لا يسمى ثلاثة أحجار واستصحاب حكم النجاسة حتى يعلم لها مطهر شرعا وبدون المسح بثلاثة أحجار لم يعلم المطهر شرعا وحسنة ابن المغيرة وموثقة ابن يعقوب لا يخرجان عن الاصل لعدم صحة سندهما خصوصا مع معارضتهما بالروايات الاخرى الواردة بالمسح بثلاثة أحجار وأصل البرائة بعد ثبوت حكم النجاسة ووجوب إزالتها لا يبقى بحاله و الجواب عن الاول أو لا بمنع ظهور الروايات في اعتبار العدد في الاحجار لشيوع استعمال هذه العبارة فيما المراد منه تعدد الفعل لا تعدد الالة كما يقال اضربه

[ 76 ]

ثلاثة أسواط والمراد ضربه ثلاث مرات ولو بسوط واحد وقد يقال بالفرق بين وجود الباء وعدمه إذ مع وجود الباء يظهر في التعدد وليس بقوي لشيوع الاستعمال مع الباء أيضا بذلك المعنى ويؤيده أيضا أن بعض الروايات ورد بلفظ المسحات كما نقل عنه (عليه السلام) أنه قال إذا جلس أحدكم بحاجته فليمسح ثلاث مسحات وثانيا يمنع دلالتها على الوجوب إذا لو لم يكن لفظه السنة ظاهرة في الاستحباب فلا أقل من عدم ظهورها في الوجوب وما روي عن سلمان (رض) أنه قال نهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار فغير صالح للتعويل لجهالة سنده مع أن لفظ النهي أيضا ليس صريحا في التحريم وكذا ما روى عنه أيضا لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار وفي رواية ابن المنذر لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار والجواب عن الثاني بمنع حجية الاستصحاب ولما كان أصل الاستصحاب كثيرا ما يستعمله الاصحاب في الاحكام الشرعية ويبنون عليه المسائل وفي تحقيق معناه وإثبات حجية بعض من الابحاث كثيرة النفع في الترجيحات فلا بأس أن نذكر فيه نبذا من القول على سبيل الاجمال وإن لم يكن هنا موضعه إذ هو في الاصول اعلم أن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم شرعي في زمان لوجوده في زمان سابق عليه وهو ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره فالاول مثل ما إذا ثبت حكم شرعي بنجاسة ثوب أو بدن مثلا في زمان فيقولون أن بعد ذلك الزمان أيضا يجب الحكم بالنجاسة إذا لم يحصل اليقين بما يرفعها والثاني مثل ما إذا ثبت رطوبة ثوب في زمان فبعد ذلك الزمان أيضا يحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف وذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه وبعضهم إلى حجية القسم الاول فقط واستدل كل من الفريقين بدلايل كلها مذكورة في محلها قاصرة عن إفادة المرام كما يظهر عند التأمل فيها ولم نتعرض لذكرها ها هنا بل نشير إلى ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب فنقول الظاهر أن الاستصحاب بهذا المعنى لا حجية فيه بكلا قسميه أصلا إذ لا دليل عليه تاما لا عقلا ولا نقلا نعم الظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر وهو أن يكون دليل شرعي على أن الحكم الفلاني بعد تحققه ثابت إلى حدوث حال كذا أو وقت كذا مثلا معين في الواقع بلا اشتراطه بشئ اصلا فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم فيلزم الحكم باستمراره إلى أن يعلم وجود ما جعل مزيلا له ولا يحكم بنفيه بمجرد الشك في وجوده والدليل على حجيته أمران الاول أن ذلك الحكم أما وضعي أو اقتضائي أو تخييري ولما كان الاول أيضا عند التحقيق يرجع إليهما فينحصر في الاخيرين وعلى التقديرين يثبت ما ذكرنا أما على الاول فلانه إذا كان أمر أو نهى بفعل إلى غاية مثلا فعند الشك في حدوث تلك الغاية لو لم يتمثل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال والخروج عن العهدة وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال فلا بد من بقاء ذلك التكليف حال الشك أيضا وهو المطلوب وأما على الثاني فالامر أظهر كما لا يخفى والثاني ما ورد في الروايات من أن اليقين لا ينقض بالشك فلن قلت هذا كما يدل على حجية المعنى الذي ذكرته كذلك يدل على حجية ما ذكره القوم لانه إذا حصل اليقين في زمان فينبغي أن لا ينقض في زمان آخر بالشك نظرا إلى الرواية وهو يعنيه ما ذكروه قلت الظاهر أن المراد من عدم نقض اليقين بالشك أنه عند التعارض لا ينقض به والمراد بالتعارض أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك وفيما ذكروه ليس كذلك لان اليقين بحكم في زمان ليس ما يوجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض شك وهو ظاهر فإن قلت هل الشك في كون شئ مزيلا للحكم مع اليقين بوجود كالشك في وجود المزيل أولا قلت فيه تفصيل لانه إن ثبت بالدليل أن ذلك الحكم مستمر إلى غاية معينة في الواقع ثم علمنا حصولها عند حصول شئ وشككنا في حصولها عند حصول شئ آخر ؟ فحينئذ لا ينقض اليقين بالشك وأما إذا لم يثبت ذلك بل إنما شئت أن ذلك الحكم مستمر في الجملة ويزيله الشئ الفلاني وشككنا في أن الشئ الاخر أيضا يزيله أم لا فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم وثبوت استمراره إذ الدليل الاول ليس بجار فيه لعدم ثبوت حكم العقل في مثل هذه الصورة خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالة عل عدم المؤاخذة بما لا يعلم والدليل الثاني الحق أنه لا يخلو من إجمال وغاية ما يسلم منه إفادة الحكم في الصورتين اللتين ذكرناهما وإن كان فيه بعض المناقشات لكن لا يخلو من تأييد للدليل الاول فتأمل فإن قلت الاستصحاب الذي يدعونه فيما نحن فيه وأنت قد صنعت حجيته الظاهر أنه من قبيل ما اعترفت بحجيته لان حكم النجاسة ثابت ما لم يحصل مطهر شرعي إجماعا وهاهنا لم يحصل الظن المعتبر شرعا بوجود المطهر لان حسنة ابن المغيرة و موثقة ابن يعقوب ليستا حجة شرعية خصوصا مع معارضتهما بالروايات كما تقدم فغاية الامر حصول الشك بوجود المطهر وهو لا ينقض اليقين كما ذكرت فما وجه المنع قلت كونه من قبيل الثاني ممنوع إذ لا دليل على أن النجاسة ثابته ما لم يحصل مطهر شرعي وما ذكره من الاجماع غير معلوم لان غاية ما أجمعوا عليه أن بعد التغوط لا يصح الصلوة مثلا بدون الماء والتمسح رأسا لا بثلاثة أحجار متعددة ولا بشعب حجر واحد وهذا الاجماع لا يستلزم الاجماع على ثبوت حكم النجاسة حتى يحدث شئ معين في الواقع مجهول عندنا قد اعتبره الشارع صلى الله عليه وآله مطهرا فلا يكون من قبيل ما ذكرنا فإن قلت هب أنه ليس داخلا تحت الاستصحاب المذكور لكن نقول أنه قد ثبت بالاجماع وجوب شئ على المتغوط في الواقع وهو مردد بين أن يكون المسح بثلاثة أحجار متعددة أو الاعم منه ومن المسح بجهات حجرا واحد فما لم يأت بالاول لم يحصل اليقين بالامتثال والخروج عن العهدة فيكون الاتيان به واجبا قلت الاجماع على وجوب شئ معين في الواقع منهم في نظره عليه بحيث لو لم يأت بذلك الشئ للعين لا مستحق العقاب به

[ 77 ]

تم بل الاجماع على إن ترك الامرين معا سبب لاستحقاق العقاب فيجب أن لا يتركهما والحاصل أنه إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ مثلا معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق الامتثال ولا يكفي الشك في وجوده وكذا يلزم الحكم ببقاء ذلك الحكم إلى أن يحصل العلم أو الظن بوجود تلك الغاية المعلومة ولا يكفي الشك في وجودها في ارتفاع ذلك الحكم وكذلك إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع مردد في نظرنا بين أمور ويعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك الشئ مثلا أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء ويعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم مثلا يجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المرددة فيها في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الاشياء أيضا ولا يكفي الاتيان بشئ واحد منها في سقوط التكليف وكذا حصول شئ واحد في ارتفاع الحكم سواء في ذلك كون ذلك الواجب شيئا معينا في الواقع مجهولا عندنا أو أشياء كذلك أو غاية معينة في الواقع مجهولة عندنا أو غايات كذلك وسواء أيضا تحقق قدر مشترك بين تلك الاشياء والغايات أو تباينها بالكلية وأما إذا لم يكن كذلك بل ورد نص مثلا على أن الواجب الشئ الفلاني ونص آخر على أن ذلك الواجب شئ آخر أو ذهب بعض الامة إلى وجوب شئ والاخرون إلى وجوب شئ آخر دونه وظهر بالنص أو الاجماع في الصورتين إن ترك ذلك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما معا حتى يتحقق الامتثال بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما سواء اشتركا في أمرا وتباينا بالكلية وكذلك الحكم في ثبوت الحكم إلى الغاية هذا مجمل القول في هذا المقام وعليك بالتأمل في خصوصيات الموارد واستنباط أحكامها عن هذا الاصل ورعاية جميع ما يجب رعايته عند تعارض المعارضات والله الهادي إلى سواء الطريق وتجزية المسح أي لا يجب مسح كل الموضع بكل الحجر بل يجب مسح الجميع بالجميع وإن كان على سبيل التوزيع وهذا الحكم مشهور بين الاصحاب وذهب المحقق في الشرايع إلى عدم إجزاء التوزيع والظاهر القول المشهور لموثقة يونس وحسنة ابن المغيرة وإطلاق راويات ثلاثة أحجار منضمة إلى الاصل وحجة المنع أن مع التوزيع لا يصدق أنه ثلاث مسحات بل مسحة واحدة وهي ضعيفة إذ ليس في الروايات ما يدل على وجوب مسح جميع الموضع بثلاث مسحات وبما ذكرنا من مخالفة المحقق في الشرايع ظهر ما في كلام صاحب المعالم (ره) حيث قال ويظهر من كلام بعض المتأخرين إن للاصحاب قولا بعدم إجزاء التوزيع وأظنه توهما نشأ من نسبه العلامة القول بذلك إلى بعض الفقهاء والممارسة يطلع على أنه يعني بمثل هذه العبارة أهل الخلاف انتهى (ولو لم ينق) بالثلاثة وجب الزايد هذا الحكم إجماعي و ويدل عليه أيضا حسنة ابن المغيرة وموثقة يونس وذكر الاصحاب أنه يستحب أن يقطع على وتر للرواية المتقدمة من قوله (عليه السلام) إذا استنجى أحدكم فليوتر ولا بأس به (ولو نقى بالاقل وجب الاكمال على الاقوى) اختلف الاصحاب في هذا الحكم فذهب ابن إدريس والمحقق والعلامة في المنتهى إلى وجوب الاكمال وكلام الشيخ (ره) أيضا في المبسوط كأنه ناظر إليه والمفيد على ما نقل عنه والعلامة في المختلف والتذكرة ذهبا إلى عدم الوجوب وهو الاظهر و المسألة نظيرة المسألة السابقة من أجزاء ذي الجهات الثلاث فقس عليها سؤالا وجوابا واستدل من قبلنا أيضا بصحيحة زرارة المتقدمة كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغايط بالمدر والخرق وفيه أن دلالته على خلاف المدعى أظهر من دلالته على المدعي لان المدر والخرق جمع وأقله ثلاثة وعلى تقدير تطبيقه على هذا القول لا بد أما أن يقال أن الجمع باعتبار الاوقات أو يأول بجنس المدرة والخرقة فكيف يمكن جعله دليلا عليه فإن قلت على ما ذكرت من ظهورها في الثلاثة ما الجواب عنها قلت أما أولا فبأن فعله (عليه السلام) لا يدل على الوجوب إذ يجوز أن يكون على سبيل الاستحباب وأما ثانيا فبجواز أن لا يحصل له النقاء بدون ثلاثة واستبعاد عدم حصول النقاء بدون الثلاثة في جميع الاوقات مدفوع بأنه ليس في الرواية أنه عليه السلام يصنع في جميع الاوقات كذلك بل الظاهر أن زرارة إنما أخبر عن الاوقات التي رأى صنيعه (عليه السلام) واستدل الموجبون ها هنا بوجه آخر أيضا غير ما سبق وهو أن الحجر الواحد لا يحصل به الازالة بالكلية فلا جرم يتخلف شئ من بقايا النجاسة غالبا وقليل النجاسة لكثيرها وفي الثلاثة يحصل القطع بالازالة وهو ضعيف لان الكلام إنما هو بعد حصول النقاء ولكن لا يبعد القول باستحباب الاكمال للروايات الواردة بالثلاثة وأمر الاحتياط في أمثال هذه المواضع ظاهرا (وكذا لو شك في النقاء) أي لو شك في النقاء بالثلاثة وجب أن يزيد حتى يحصل اليقين بالنقاء على ما اخترناه من وجوب عدم وجوب الاكمال لو نقى بالاقل ووجه الحكمين ظاهر لان الانقاء واجب بالاجماع والنص فمع الشك لا يحصل الامتثال (ولا يجزي النجس) قد تقدم القول فيه (ولا الصيقل) أي ما يزلق عن النجاسة كالزجاجة ونحوها عدم الاجزاء مع عدم قلعة النجاسة طاهر وأما مع قلعها أيضا كما يشعر به إطلاق المتن وصرح به العلامة (ره) في النهاية فغير ظاهر بل الظاهر خلافه لصدق الامتثال لما ورد في الروايات (ولا الرخو كالفحم) هذا الحكم أيضا مع عدم قلع النجاسة ظاهرا ومعه لا يخلو من إشكال من حيث صدق الامتثال ومن حيث انفصال الاجزاء وتخلفها في المحل (ويجزي الروث

[ 78 ]

والعظم والمطعوم والمحترم وإن حرمت) فيه حكمان أحدهما عدم جواز الاستنجاء بهذه الامور والثاني إجزاؤه وطهارة المحل به أما الحكم الاول فظاهر المنتهى الاجماع في حرمة الثلاثة الاول لكنه في التذكرة احتمل الكراهة وصرح في المعتبر بالاجماع على التحريم في الاوليين منها واستدل أيضا على التحريم في الاوليين بما رواه الجمهور عن ابن مسعود قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن وبما رواه الشيخ (ره) في باب آداب الاحداث في الزيادات عن ليث المرادي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته من استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود قال أما العظام والروث فطعام الجن وذلك ما شرطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لا يصلح شئ من ذلك والرواية وإن كانت ضعيفة السند لكنها مما تلقوها بالقبول وعلى التحريم في الثالثة بأن له حرمة يمنع من الاستهانة به ولان طعام الجن منهي عنه فطعام أهل الصلاح أولى والوجهان لا يصلحان للتعول لكن المعتمد هو الشهرة العظيمة بل الاجماع ظاهرا كما ذكرنا وأما الحرمة في الاخير والمراد به ما له حرمة كورق المصحف العزيز والتفاسير وكتب الحديث والفقه وتربة الحسين (عليه السلام) ونحوها فهو المشهور بين الاصحاب بل كاد أن يكون إجماعا لان فيه هتكا للشريعة واستخفافا لحرمتها بل يحكم بكفر فاعله على بعض الوجوه وأما الحكم الثاني فقد اختلفت الاصحاب فيه فذهب الشيخ (ره) وابن إدريس والمحقق إلى عدم الاجزاء والعلامة (ره) في المنتهى والمختلف والتذكرة إلى الاجزاء وهو الاظهر للروايات المتقدمة واستدل المانعون بأنه منهي عنه والنهي يدل على الفساد وباستصحاب حكم النجاسة حتى يثبت زواله وبأن الاستجمار رخصة لموضع المشقة فإذا كان ما تعلقت به الرخصة منهيا لم يجز كسفر المعصية وبقوله (عليه السلام) لا يصلح شئ من ذلك والجواب عن الاول بالمنع عن دلالة النهي على الفساد مطلقا ولو سلم فإنما هو في العبادات وعن الثاني بأن الزوال معلوم مع الشرع للروايات وعن الثالث بالمنع للمقدمتين وعن الرابع بمنع الظهور في عدم الاجزاء بل يحمل على عدم الجواز ولا يخفى أن الدليل الاول والثالث لو تما لدلا على عدم الاجزاء حال العلم وأما مطلقا فلا وقد يستدل أيضا على عدم الاجزاء بما رواه الجمهور عنه (عليه السلام) لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنهما لا يطهرن وفيه أيضا جهالة السند (ويستحب ستر البدن) الظاهر إن المراد من الستر أن يطلب موضعا يستتر فيه عن الناس مثل وهذة أو بناء أو بعد بحيث لا يراه أحد واستدل عليه بأن فيه تأسيا بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) (والبعد) الظاهر أن هذا ليس مستحبا على حده بل هو من جمله وجوه الستر (وإعداد النبل) جمع نبله وهي في الاصل الحصاة والمراد هنا أحجار الاستنجاء والمراد بإعدادها تهيئتها قبل الاشتغال بالحدث لما في جمعها بعد الحدث من خوف انتشار النجاسة والاصل فيه ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) إذا ذهب أحدكم إلى الغايط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها يجزي والاعتماد على اليسرا سنده في الذكر إلى رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقال في النهاية لانه (صلى الله عليه وآله) علم أصحابه الاتكاء على اليسرى (والدعاء داخلا) باليسرى وخارجا باليمنى فيه حكمان أحدهما استحباب الدخول باليسرى والخروج باليمنى الثاني استحباب الدعاء عندهما أما الاول فلم يحصل الاطلاع فيه على نص قال المحقق في المعتبر وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج ليكون فرقا بين دخول المسجد والخروج منه ولم أجد لهذا حجة غير أن ما ذكره الشيخ (ره) وجماعة من الاصحاب حسن انتهى وأما الثاني فيدل عليه ما رواه في التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن معوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخلت المخرج فقل بسم الله وبالله اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم وإذا أخرجت فقل بسم الله وبالله والحمد لله الذي عافاني من الخبث المخبث وأماط عنى الاذى وإذا توضأت فقل أشهد أن لا إله إلا الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين والحمد لله رب العالمين وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما ذكره الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان المحدث قال وكان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول الحمد لله الحافظ المؤدي وإذا خرج مسح بطنه وقال الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه وأبقى في قوته فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها وصمير كان الظاهر انه راجع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنه يستنبط استحباب مسح البطن عند الفراغ من الاستنجاء فإسناد الاستحباب إلى قول المفيد (ره) ومن تبعه كما قال المصنف في الذكرى والمحقق الشيخ علي (ره) في شرح القواعد ليس بشئ ويمكن توجيه كلامهما بتكلف فتدبر ويدل على استحباب الدعاء عند خصوص الدخول ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الزيادات عن أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا دخلت الغايط فقل أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم وإذا فرغت فقل الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عني الاذى وما رواه الفقيه أيضا في الباب المذكور قال وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد دخول الموضي قال اللهم إني أعوذ بك من الرجل النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم اللهم امط عني الاذى وأعذني من الشيطان الرجيم وإذا استوى جالسا للوضوء قال اللهم إذهب عني القذى والاذى واجعلني من المتطهرين وإذا تزحر قال اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافيه فاخرجه مني خبيثا في عافية ومن هذا استنبط استحباب الدعاء عند الحدث أيضا كما قال المصنف (ره) في الذكرى الدعاء دخولا وخروجا وإخراجا وما رواه الفقيه أيضا في هذا الباب قال وكان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه ويقول في نفسه بسم الله وبالله ولا إله إلا الله رب اخرج مني

[ 79 ]

الاذى سرحا بغير حساب واجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عني من الاذى والغم الذي لو حبسته لهلكت لك الحمد اعصمني من شر ما في هذه البقعة واخرجني منها سالما وحل بيني وبين طاعة الشيطان الرجيم ومن هذا يستنبط استحباب التقنع عند الدخول وما رواه الفقيه أيضا في هذا الباب قال ووجدت بخط سعد بن عبد الله حديثا أسنده إلى الصادق (عليه السلام) قال من كثر عليه السهو في الصلوة فليقل إذا دخل الخلاء بسم الله وبالله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ويدل أيضا على خصوص الخروج ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي رزقني لذته وإبقاء قوته في جسدي وأخرج عني أذاه يا لها من نعمة ثلاثا وهذه الرواية في الزيادات أيضا (وعند الاستنجاء) يدل عليه ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع ابن الحنفية إذ قال له يا محمد أيتني بإناء من ماء أتوضأ للصلوة فأتاه محمد بالماء فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى قال بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا قال ثم استنجى فقال اللهم حصن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمني على النار وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض وفي الفقيه في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) ويدل أيضا رواية الفقيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) المتقدمة آنفا كما هو الظاهر والظاهر أن الاستنجاء شامل للغسل والمسح معا والفراغ يحتمل وجهين الفراغ من الحدث ومن الاستنجاء ويمكن أيضا أن يريدهما معا لكن كلامه (ره) في الذكرى وكذا كلام جمع من الاصحاب ككلام المعتبر والمنتهى والتذكرة ظاهر في المعنى الثاني والمفيد (ره) في المقنعة والشيخ (ره) في المقنعة والشيخ (ره) في المبسوط إنما صرحا بالمعنى الثاني ولم يذكر الاستحباب عند الفراغ من الحدث أصلا وكلام الصدوق (ره) في الفقيه يشعر باستحبابه حيث قال فإذا فرغ الرجل من حاجته فليقل الحمد لله الذي أماط عني الاذى وهناني طعامي وعافاني من البلوى والاستنجاء بثلاثة أحجار ثم بالماء انتهى ثم أن المفيد (ره) في المقنعة قال فإذا فرغ من الاستنجاء فليقم وليمسح بيده المينى بطنه وليقل ثم ذكر الدعائين المنقولين للخروج في روايتي معاوية بن عمار وعبد الله بن ميمون المتقدمتين كما هو الظاهر واستدل الشيخ (ره) عليه بالروايتين المذكورتين ولا يخفى أنه على هذا لا يكون الدعاء عند الفراغ من الاستنجاء مستحبا آخر بل هو بعينه الدعاء للخروج فلا معنى لجعله مستحبا على حدة وهذا الايراد إنما يرد على الشيخ (ره) حيث صرح بكونه مستحبا على حدة وأفرده عن الدعاء للخروج كما في المبسوط وأما المفيد (ره) فلم يحضرني الان عبارته في المقنعة تمام حتى يظهر الامر ويمكن أن لا يفرده عن دعاء الخروج فلا إيراد عليه ويمكن الاعتذار عن الشيخ بأن دليله على هذا المطلب كأنه غير ما ذكره ها هنا وإنما أورد هذا الدليل على إثبات مطلب المفيد (ره) وكأنه غير مطلبه واستدل المحقق (ره) في المعتبر عليه بما في رواية معاوية المتقدمة من قوله (عليه السلام) وإذا توضأت انتهى وفيه أنه لا طهور له في أن المراد من التوضي الاستنجاء بل الظاهر أن المراد منه الوضوء المصطلح كما هو المتبادر وإن جعل ذكره مع دخول الخلاء والخروج عنه قرينة على الاستنجاء فليجعل ذكره بعد الخروج قرينة على المعنى المتعارف واستدل عليه العلامة في المنتهى بما في رواية أبي بصير المتقدمة من قوله (عليه السلام) فإذا فرغت فقل انتهى وفيه أنه لا يدل على ما هو مرادهم ظاهرا من استحباب الدعاء عند الفراغ من الاستنجاء لجواز أن يكون المراد من الفراغ الفراغ من الحدث وصاحب المدارك أيضا ذكر هذا الدعاء في هذا الموضع وكأنه بالنظر إلى هذه الرواية وقد عرفت ما فيه والشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد قال عند قول المصنف (ره) وعند الاستنجاء وعند الفراغ منه والظاهر أنه الدعاء المذكور عند مسح بطنه لانه الاقرب إلى الفراغ من التخلي وهو الحمد لله الذي أماط عني الاذى وهناني طعامي وعافاني من البلوى انتهى ولا يخفى أن هذا الدعاء إنما ذكره الشيخ في (نه) عند مسح البطن بعد الفراغ من الاستنجاء والقيام منه ولم نجده في الكتب الاربعة الافي الفقيه كما نقلنا وليس فيه أنه عند مسح البطن ولا ظهور له أيضا في أن المراد الفراغ من الاستنجاء بل الظاهر خلافه كما مر والدعاء الذي ذكره المفيد (ره) عند مسح البطن بعد الفراغ من الاستنجاء إنما هو دعاء الخروج كما فصلنا وليس دعاء على حدة ويدل أيضا على اتحادهما ما رواه الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فإذا خرج مسح بطنه وقال انتهى كما تقدم وقد روى في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن أبي أسامة قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسئله رجل من المغيرية من شئ من السنن فقال ما من شئ يحتاج إليه أحد من ولد آدم إلا وقد جرت فيه من الله تعالى ومن رسوله (صلى الله عليه وآله) سنة عرفها من عرفها وأنكرها من أنكرها فقال الرجل فما السنة في دخول الخلاء فقال تذكر الله وتتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإذا فرغت قلت الحمد لله على ما أخرج منى من الاذى في يسر وعافية وهذا أيضا لا ظهور له في الفراغ من الاستنجاء والحاصل أن الاستدلال على استحباب الدعاء بعد الفراغ من الاستنجاء غير دعاء الخروج مشكل لما عرفت من حال الدلايل وكذا على استحباب الدعاء بعد الفراغ من الحدث لان ما يمكن الاستدلال به عليه إنما هو راية أبي بصير وعبارة الفقيه المذكورتين وهما أيضا ليستا بظاهرتين في المراد ظهورا يعتمد عليه لاحتمال الحمل

[ 80 ]

على الفراغ من الاستنجاء احتمالا غير بعيد لما اشتهر بين الاصحاب الاستحباب بعد الفراغ من الاستنجاء فلا بأس بالقول به على تقدير القول به الاولى أن يدعى بالدعاء الذي في روايه أبي بصير لا بما في عبارة الفقيه كما لا يخفى وجهه (والصبر هنيهة) والمراد الصبر بعد الحدث وقبل الاستبراء ذكر هذا الحكم في الذكرى أيضا ونقله العلامة (ره) أيضا في التذكرة ولم تجده في موضع آخر ولم نقف أيضا على مستنده بل ظاهر بعض الروايات عدم الاستحباب كما رواه التهذيب في باب آداب أحداث الزيادات في الصحيح عن جميل ابن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انقطعت درة البول فصب الماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما رواه أيضا في هذا الباب عن روح بن عبد الرحيم قال بال أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا قائم على رأسه ومعي أداوة أو قال كوز فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا إلي فناولته الماء فتوضأ مكانه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل عن داود الصرمي قال رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) غير مرة ويتناول كوزا صغيرا ويصب الماء عليه من ساعته ووجه دلالتها على عدم الاستحباب أما الاولى فلان الامر المعلق على شرط ظاهر في الفورية عند حصول الشرط كما ذكروه في قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وأما الاخيرتين فلانه لو كان مستحبا لما تركاه (عليه السلام) ويمكن أن يقال ظاهر الروايات عدم الفصل العرفي والفصل بمثل هذا الصبر لا يعتد به عرفا ويؤيده أيضا عدم التعرض في الروايات للاستبراء مع أنه مستحب إجماعا والفصل به أيضا أزيد من الفصل بالصبر لا يقال خرج الاستبراء بالدليل فبقي الباقي لان هذا لا ينافي التأييد الذي ادعيناه كما يشهد به الفطرة السليمة وعلى هذا لا يبعد القول بالاستحباب متابعة لهذين الفاضلين مع أن فيه استظهارا لخروج ما كاد يبقى من بقية البول (والاستبراء بأن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا والتنحنح ثلاثا) المشهور بين الاصحاب استحبابا الاستبراء بعد البول فظاهر الشيخ في الاستبصار الوجوب والظاهر المشهور للاصل وعدم ما يخرج عنه كما يظهر عند جواب دليل الخصم حجة الوجوب ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول قال ينتره ثلاثا ثم إن سأل حتى يبلغ الساق فلا يبالي وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل بال ولم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه فإن خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبايل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن أحدكم يعذب في قبره فيقال أنه لم يكن يستنتر عند بوله والجواب عن الاولين يمنع الدلالة على الوجوب لعدم ظهور الجملة الجزئية فيه وعن الثالث بعدم صلاحيته للتعويل لجهالة السند فإن قلت ما معنى الحديث الثاني قلت كان مراد السائل أنه إذا بال ولم يكن الماء كيف يصنع بقطعه ليمكنه الوضوء ولم ينتقض بخروجه وليس مراده السؤال عن تطهير المحل فأجابه (عليه السلام) بأنه يستبرء فإذا خرج بعد الاستبراء شئ فليس من البول ولا ينقض الوضوء لانه طاهر فإن قلت أي خصوصية لهذا السؤال بعدم الماء إذ مع وجود الماء أيضا يجري السؤال قلت كان السائل كان عالما بأن مع وجود الماء إذا استبرء وغسل المحل فلا بأس بما يخرج بعده ولكن لم يعلم الحال في حال العدم أو يكون بناء على ما يقال أن الماء يقطع البول كما ذكره العلامة (ره) في المنتهى إذ على هذا وجه الاختصاص ظاهر ثم اعلم أن كلام الاصحاب مختلف في كيفية الاستبراء قال المفيد (ره) في المقنعة فإذا فرغ من حاجته وأراد الاستبراء فليمسح بأصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا ثم يضع مسحبة تحت القضيب وإبهامه فوقه ويمترهما عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرة أو مرتين أو ثلاثا ليخرج ما فيه من بقية البول وقال الشيخ في المبسوط إذا أراد ذلك مسح من عند المقعده إلى تحت الانثيين ثلاثا ومسح القضيب ونتره ثلاثا وكذا قال في النهاية وقال المرتضى (ره) ويستحب عند البول نتر الذكر من اصله إلى طرفه ثلاث مرات وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن أراد الاستنجاء فليمسح باصبعه من عند المقعدة إلى الانثيين ثلاث مرات ثم ينتر ذكره ثلاث مرات ويقرب منه أيضا كلام السرائر والعلامة (ره) في المنتهى وقال في التذكرة والنهاية بمثل ما في المتن والذي وجدنا من الروايات من طريقتنا في هذا الباب أي كيفية الاستبراء ثلاثة إثنان منهما ما تقدم والثالث ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في باب الاحداث في الحسن عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا قال إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهم ثم استنجى فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي والظاهر بالنظر إلى هذه الروايات التخيير بين الطرق الثلاثة التي فيها وإن الغرض الاستظهار لاخراج بقية البول بأي وجه كان وعلى هذا لو جمع بين طريقتين منها أو جميعها لكان أبلغ في الاستظهار وأولى ثم أن ما في هذا الكتاب والتذكرة والنهاية جامع لما في الروايات الثلاثة سوى غمز ما بين المقعدة والانثيين المذكور في الرواية الاخيرة فلو ضم هذا أيضا إلى الامور التسعة لكان أولى لوجوده في الرواية مع أن له دخلا عظيما في إخراج البقايا كما يشهد به التجربة وأما التنحنح المذكورة فلم نجده في رواية وإنما المصنف (ره) نقله في الذكرى عن سلار ولا بأس به لقول الاصحاب مع مدخليته في الاستظهار وما في المبسوط والنهاية أيضا مثل ما في هذا الكتاب جامع لما في الروايات وما في المقنعة جامع لما في الرواية الاولى والاخيرة لان الظاهر أن المراد من النتر في الرواية الاولى عصر جميع الذكر لا نتر الحشفة

[ 81 ]

فقط لكن التخيير بين المرتين والثلاث ليس مما ينبغى لعدمه في الرويات فالاولى تعيين الثلاث وكلام المرتضى (ره) موافق للرواية الاولى وكلام المنتهى والفقيه والسرائر موافق لما في المقنعة لكنه أحسن من حيث ترك التخيير والعلامة (ره) في المنتهى استدل على ما ذكره فيه بالرواية الثانية ولا يخفى ما فيه لعدم انطباقها عليه أصلا هذا ثم إن الاصحاب ذكروا أنه إذا وجد بللا بعد الاستبراء فلا يلتفت إليه ويكون طاهرا غير ناقض للوضوء ولو وجد بدونه كان حكمه حكم البول وقد ادعى ابن إدريس في السرائر الاجماع في الموضعين والروايات أيضا دالة عليه لكن في بعض الروايات مظنة مناقضة للحكمين وسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى في مبحث استبراء المجنب (والجمع بين الحجارة والماء) هذا الحكم مشهور بين الاصحاب ويدل عليه مرفوعة أحمد بن محمد المتقدمة في بحث جواز الاستجمار والظاهر أن استحباب الجمع متحقق فيما تعين فيه الماء كما في صورة التعدي وفيما يجزي الاستجمار لاطلاق الرواية وكلام الاصحاب وقد صرح في المعتبر بالتعميم وكذا في غيره أيضا والظاهر أيضا أن في صوره الجمع يقدم الحجارة للتصريح به في الرواية ولما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة (واختيار الماء حيث يجزي الاستجمار) هذا الحكم أيضا مشهور بين الاصحاب وتمسك فيه بأنه أقوى المطهرين وأبلغهما في التنظيف وبما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لبعض نسائه مرى نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء ويبالغن فإنه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير وهذ الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وفي الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وبقوله (عليه السلام) إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء كما نقلناه في بحث الاستجمار ووجه الدلالة انه (عليه السلام) علق الاستجمار بعدم الماء فيجب أن يكون محمولا على الندب لما بين من جوازه مع وجود الماء وبما رواه التهذيب أيضا في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا معشر الانصار أن الله قد أحسن عليكم الثناء فماذا تصنعون قالوا نستنجي بالماء وبما رواه في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في قول الله عز وجل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال كان الناس يستنجون بالكرسف والاحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنعه فأنزل الله في كتابه إن الله يحب التوابين ويحب المتهطرين ويشعر به أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في بحث الاستجمار من قوله (عليه السلام) ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار وكذا مواثقة عمار المتقدمة في ذلك المبحث أيضا ولما كان المقام مقام الاستحباب لا يضره إمكان المناقشة في الدلايل قال صاحب المدارك (ره) في هذا المقام وأورد على هذا الحكم أن الازالة واجبة أما بالماء أو بالاحجار وجوبا تخييريا فكيف يكون أحدهما أفضل بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب ذلك الفرد الافضل ومنافات المستحب للواجب واضحة وأجيب عنه بأن الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني لان متعلق الوجوب في التخييري ليس أمرا معينا بل الامر الكلي فتعلق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه و فيه نظر فإنه إن أريد بالاستحباب ها هنا المعنى العرفي وهو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل لم يمكن تعلقه بشئ من أفراد الواجب التخييري وإن أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الاخر فلا امتناع فيه كما هو الظاهر انتهى وأنت خبير بأن ما ذكره آخرا من النظر منظور فيه لان كون طبيعة واجبة مثلا وكون خصوص فرد منها مستحبا مما لا خفاء في صحته وما عرض له من أشبهه من أنه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا فمندفع بأن التحقيق إن الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب لا تركه لا إلى بدل لان ما يكون له بدل ليس هو بواجب في الحقيقة بل الواجب أحدهما فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب أما بناء على هو المتراى في أول الوهلة أو غفلة عما هو الحق أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما فتعريف الواجب ليدخل الواجبات المشروطة وعلى هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطبيعة لان ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب بل السبب إنما هو ترك الطبيعة فيمكن استحبابه وهو ظاهر والاشكال بأن الفرد متحد مع الطبيعة فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا فعلى تقدير تسليم الاتصاف بالوجوب بالعرض مدفوع بما ذكرنا فيما سبق من جواز اجتماع الوجوب والندب باعتبارين واعلم أنه لا حاجة لنا إلى إثبات أن الواجب بالاصالة هو الطبيعة دون الفرد إذ على تقدير أن يكون الفرد أيضا واجبا بالاصالة يمكن دفع الايراد بالتمسك بالاعتبارين لكن لما لم يقع مثل هذا في الشريعة أي ورود الامر الايجابي والندبي في شئ بخصوصه باعتبارين وإن كان صحيحا بحسب العقل فلذلك تعرضا بالاثبات أن الواجب بالاصالة هو الطبيعة فتدبر والاستنجاء باليسار هذا الحكم بناء على كراهة الاستنجاء باليمين كما سيجئ إنشاء الله تعالى ويتوقف على كون ضد الخاص للمكروه مندوبا وهو محل كلام وأيضا لا وجه لتخصيص ضد هذا المكروه بالذكر والحكم عليه بالاستحباب بين أضداد المكروهات التى سيذكرها إلا أن يقال لعله فهم الاستحباب من موضع آخر لا من كراهة الاستنجاء باليمين مثل ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحب أن يجعل اليمنى لما علا من الامور واليسرى لما دنى ونحوه (وتقديم الدبر يدل عليه ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي قايما يبدأ بالمقعدة أو بالاحليل فقال بالمقعدة ثم بالاحليل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وقد علل بعضهم في الحكم بأنه لعدم نجاسة اليد عند الاستبراء (ويكره استقبال قرص الشمس والقمر في البول والغايط لا جهتهما) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

[ 82 ]

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به وما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول وما تقدم أيضا في مبحث استقبال القبلة من رواية الفقيه في باب ذكر جمل من المناهي وإنما حملت على الكراهة لعدم صراحة النهي لفظا وصيغة في التحريم في عرف النبي والائمة (عليه السلام) ولعدم صحة السند سيما في الاخيرين وللشهرة بين الاصحاب من الروايات لا يعلم حال الغايط لاخصتصها بالبول بل حال الدبر أيضا لظهورها في الذكر كما لا يخفى أن يقال إلا أن ذكره (عليه السلام) البول فقط إنما هو من باب الاكتفاء كما هو المتعارف من استهجان التصريح بذكر الغايط بل في غالب الامر يعبر عنهما بالبول وحينئذ يظهر أمر الدبر أيضا أو يقال أن الغايط والدبر إنما يحملان على البول والذكر بالطريق الاولى ولا يخلو أن من شئ وكذا الروايتان مخصوصتان بالاستقبال ولذا خص المصنف الحكم به ولم يذكر الاستدبار والعلامة (ره) في النهاية صرح بعد كرهة الاستدبار وقال الشهيد الثاني في شرح الارشاد ولا يكره استدبار هما مع احتمال للمساواة في الاحترام وقال صاحب المدارك والظاهر عدم كراهة استدبار هما إذ لا مقتضي له وكأنهم غفلوا عما رواه الفقيه في باب ارتياد المكان حيث قال وسئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح ولا يستدبرها وفي خبر آخر لا يستقبل الهلال ولا يستدبره إلا أن يقال أنه مخصوص بالهلال فلا يثبت الحكم به لكن الظاهر أن لم تغفلوا أن لا تتركوا التعرض للهلال وأنت خبير بأنه يمكن الاستدلال بهذه الرواية على حال التغوط أيضا لان الظاهر أنها أيضا متعلقة بحد الغايط وأيضا الظاهر من الروايتين استقبال قرص الشمس والقمر بالفرج أي كشفه مقابلا لهما سيما الرواية الاولى فلو كان بين الفرج وبينهما حايل من سحاب أو ستر أو نحوه لزال الكراهة وإن كان الشخص مستقبلا القرص وعبارة المصنف وإن كان صريحة في اشتراط استقبال القرص لكنها مجملة في أن الاستقبال يعتبر بالنسبة إلى الفرج أو الشخص وينبغي أن تحمل على الاول لعدم دلالة الروايتين لكن لا يبعد أن يعم الحكم بالنسبة إلى استقبال الشخص أيضا للرواية المنقولة عن الفقيه ولما رواه الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها قال وروى أيضا في حديث آخر لا يستقبل الشمس ولا القمر ومن هذا أيضا يمكن استنباط الحكم بالنسبة إلى الغايط كما لا يخفى وأما تعميم الحكم بالنسبة إلى استقبال الجهة أيضا نظرا إلى هاتين الروايتين بل رواية السكوني أيضا كما في استقبال القبلة فبعيد جدا لان المتبادر من استقبالهما استقبال قرصهما بخلاف القبلة وأيضا الظاهر عدم اشتراط الكراهة بظهور نورهما بل لو كانا منكسفين أيضا كره استقبالهما لصدق الاستقبال وإبداء الفرج عليه وها هنا نكتة ذكرها الشهيد الثاني (ره) وهي أن عند انكساف الشمس تكون الكراهة من جهة القمر لا من جهة الشمس وتظهر الفايدة في النذر فتأمل (واستقبال الريح واستدبارها) يدل عليه ما رواه التهذيب أيضا في أن المذكور عن عبد الحميد بن أبي العلاء وغيره رفعه قال سئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا تستقبل القبلة ولا تسدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مواضع التي يكره أن يتغوط فيها وفي الفقيه أيضا كما نقلنا آنفا والرواية وإن كان بلفظ الغايط لكن الظاهر أن المراد هنا معا وإنما اكتفى به بل لا يبعد أن يقال إن المراد منه المعنى اللغوي على قياس قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغايط وحينئذ فالتعميم ظاهر وأيضا المفسدة في استقبال الريح واستدبارها بالنسبة إلى البول أشد كما هو الظاهر والتعجب من الشيخ والعلامة والمحقق (ره) أنهم خصوا الكراهة بالبول نظرا إلى أن خوف الرد إنما هو فيه مع أن الرواية وردت بلفظ الغايط ولا تعليل فيها والتعليل إنما استنبطه القوم فبمجرده كيف يمكن التخصيص والعجب منهم أيضا بحيث خصو الحكم بالاستقبال نظرا إلى المعنى المذكور أيضا مع عموم الرواية وعدم التصريح بالتعليل وفي النهاية خص كراهة الاستدبار بحال خوف الرد وفيه أيضا تأمل (والبول في الصلبة) خوفا من الانعكاس يدل عليه ما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول تعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وما رواه أيضا في هذا الباب عن سليمان الجعفري قال بت مع الرضا (عليه السلام) في سفح جبل فلما كان آخر الليل قام فتنحى وصار على موضع مرتفع فبال وتوضأ وقال (عليه السلام) من فقه الرجل أن يرتاد لموضع بوله وبسط سراويله وما رواه الكافي أيضا في باب المتقدم عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه من فقه الرجل أن يرتاد موضعا لبوله (والجحر) بكسر الجيم وفتح الحاء والراء المهملتين موضع الحيوانات قال العلامة (ره) في المنتهى وروى الجمهور عن عبد الله بن سرحه أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى أن يبال في الجحر ولانه لا يؤمن خروج حيوان يلسعه فقد حكى أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام فاستلقى ميتا فسمعت لجن ينوح عليه بالمدينة ويقول نحن قتلنا سيد الخروج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده انتهى (والافنية) في الصحاح فناء الدار وما امتد من جوانبها والجمع أفنية وفي (ق) والنهاية أن الفناء هو المتسع أمام الدار فالمراد من الافنية إن كان المعنى الاول فإن أخذ بالنسبة إلى الدور مطلقا فلا دليل عليه إنما الخبر مختص بأفنية المساجد كما سيأتي وإن كان المعنى الثاني فيمكن تعميمه لان أبواب الدور الذي في الخبر كان قريب منه وما وجدناه من الخبر في هذا الباب ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن عاصم ابن حميد عن أبي عبد االله (عليه السلام) قال قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام) اين يتوضأ الغرباء قال يتقي شطوط الانهار والطرق (العامة ؟)

[ 83 ]

وتحت الاشجار المثمرة ومواضع اللعن قيل له وأين مواضع اللعن قال أبواب الدور وهذه الرواية في الكافي والفقيه أيضا في البابين المتقدمين وما رواه أيضا في الباب المذكور عن علي بن إبراهيم رفعة قال خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله وأبو الحسن موسى (عليه السلام) قائم وهو غلام فقال له أبو حنيفة يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال ولا يستقبل القبلة بغايط ولا بول وارفع ثوبك وضع حيث شئت وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور واعلم أن بعض المتأخرين فسر الفناء بما في الصحاح ثم ذكر أن المراد به ها هنا حريم الدار خارج المملوك منها ولم يظهر أنه من أين فهم إرادة هذا المعنى وكأنه نظرا إلى أن المملوك منها يحرم الحدث فيه بدون اذن صاحبه فالحكم بالكراهة إنما يكون في الخارج فتأمل (والشوارع والمشارع والنادي والملعن) الشوارع جمع شارع وهو الطريق الاعظم كما في الصحاح وكان المراد بها ها هنا الطرق النافذة مطلقا لورودها في الرواية المتقدمة والمشارع جمع مشروعة وهي موارد المياه كشطوط الانهار ورؤوس الابار والنادي مجلس القوم ومتحدثهم والملعن موضع اللعن وهي أبواب الدور كما في الرواية المتقدمة ويمكن أن يكون المراد أعم منها ويكون قوله (عليه السلام) أبواب الدور من باب التمثيل ووجه الاول ظاهرا من الرواية المتقدمة وكذا بعض أفراد الثاني من شطوط الانهار وأما البعض الآخر منه من رؤس الابار فيدل عليه ما رواه التهذيب في هذا الباب في الزيادات عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها ويمكن أيضا إدخاله في مواضع اللعن لما فيه من أيذاء الواردين وأما الثالث فلا نص فيه بخصوصه إلا أن يدخل تحت مواضع اللعن بل قد فسر بعضهم مواضع اللعن به وعلى هذا لا وجه لذكره بانفراده والرابع ظاهر (وتحت المثمرة) تدل عليه الروايات المتقدمة آنفا والظاهر أن المراد وقت الثمر وإن لم يشترط في صدق المشتق بقاء مبدأ الاشتقاق لدلالة الرواية الاخيرة وكذا ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها وقد جعل بعضهم مساقط الثمار في الرواية الثانية أيضا دليلا على التقييد وفيه نظر لانه أيضا مشتق بمنزلة المثمرة فلو لم يكن الشرط المذكور فلا دلالة فيه ويمكن أن يقال لو لم يشترط بقاء مبدأ الاشتقاق لا يلزم أن تحمل الروايتين المطلبتين على المقيدتين لجواز أن يكون التقييد لاجل شدة الكراهة لكن لما لم يثبت عدم الاشتراط ويصلح أيضا الروايتان المقيدتان للقرينة في الجملة والاصل أيضا العدم حتى يثبت فالاولى الاقتصار على القدر المتيقن وفي النزال أي الظل المعد لنزول القوافل والمترددين كموضع ظل جبل أو شجرة أو نحو ذلك ويمكن أن يراد به منازلهم مطلقا ويكون التعبير عن هذا بالفئ أما بناء على الغالب أو على أنه من فاء إذا رجع نظرا إلى أنهم يرجعون في النزول إليها والتعميم أولى لعموم مرفوعة علي بن إبراهيم المتقدمة ويدل أيضا على الحكم أما عموما أو خصوصا بناء على احتمالين ما رواه التهذيب في هذا الباب عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة من فعلهن ملعون التغوط في ظل النزال والمانع للماء المنساب وساد الطريق المسلوك وهذه الرواية في الكافي والفقيه أيضا في البابين المتقدمين (وفي الماء والجاري أخف كراهية) يدل على الكراهية في الراكد ما رواه في التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري وكره أن يبول في الماء الراكد وقال في الفقيه آخر باب المياه وقد روى أن البول في الماء الراكد يورث النسيان وفي الجاري ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة وقال أن للماء أهلا ويحمل نفي البأس في الرواية الاولى على خفة الكراهة جمعا بين الروايتين أو على عدم التنجيس وكذا فيما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الموثق عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس بالبول في الماء الجاري وكذا فيما رواه أيضا في هذا الباب عن عتيبة بن مصعب قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول في الماء الجاري قال لا بأس به إذا كان الماء جاريا وكذا فيما رواه أيضا في هذا الباب عن سماعة قال سألته عن الماء الجاري يبال فيه قال لا بأس واعلم أن رواية مسمع وإن لم يصلح لمعارضته الروايات لارسالها لكن لما لم ينبغي الطرح مهما أمكن الجمع والكراهة أيضا مما يتسامح فيها فلذا يحكم بالكراهة في الماء الجاري وقال الصدوق (ره) في الفقيه فأما الماء الجاري فلا بأس أن يبول فيه ولكن يتخوف عليه من الشيطان وبه وردت رواية سنذكر إنشاء الله تعالى في باب كراهة البول قائما ولا يخفى أن هذا القول من الصدوق (ره) لا يدل على عدم الكراهة بل ظاهره الكراهة فتأمل ثم اعلم أن الروايات مختصة بالبول كما ترى لكن المصنف وبعض المتأخرين عمموا الحكم في الغايط بطريق الاولى ولا يخلو عن ضعف (والاستنجاء باليمين) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن يونس عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يستنجي الرجل بيمينه وما رواه أيضا عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الاستنجاء باليمين من الجفاء وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في الباب المتقدم وما رواه الفقيه في باب الارتياد قال وقال (عليه السلام)

[ 84 ]

البول قائما من غير علة من الجفاء والاستنجاء باليمين من الجفاء وقد روى أنه لا بأس إذا كانت اليسار معتلة والجفاء خلاف البر كذا في الصحاح وقال أيضا في الباب المذكور وقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه ومنه يستنبط كراهة الاستبراء باليمين أيضا وأما ما رواه الكافي في باب مقدار الماء الذي يجزي الموضوء والغسل عن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بلت يمينك فمحمول على أن المراد باليمين اليد وفي نسخة التهذيب ما بللت يدك وحينئذ لا إشكال واعلم أن الاستعانة باليمين ليس بمكروه كما ذكره القوم لعدم تناول النهي له وللحاجة إليه والاستعانة مثل صب الماء ونحوه (واليسار وفيها خاتم عليه اسم الله تعالى أو نبي أو إمام (عليه السلام) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله ولا يجامع وهو عليه ولا يدخل المخرج الخلاء وهو عليه والظاهر أن ضمير يستنجي ونظائره راجع إلى الرجل المذكور في ضمن الجنب لا الجنب وبهذا يمكن الاستدلال على كراهة الاستصحاب مطلقا في الخلاء كما سيجئ والرواية وإن كانت مختصة باسم الله تعالى لكن الاصحاب الحقوا أسماء الانبياء والائمة وكذا اسم فاطمة (عليها السلام) للتعظيم ولا بأس به و ذكروا أن المراد باسم الانبياء والائمة (عليه السلام) ما كتب بقصد اسمهم أما لو كتب بقصد آخر من دون قصد فلا بأس به وأما اسم الله تعالى فلفظة الجلالة مطلقا حكمها ذلك وكذا الصفات الغالبة وأما غيرها فكأسم الانبياء (عليهم السلام) في اشتراط القصد وأيضا ذكروا أن الكراهة إنما هو عند عدم التلويث بالنجاسة وأما معه فيحرم بل يكفر فاعله لو فعله بقصد الاهانة هذا وأما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في الباب المذكور عن وهب بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان نقش خاتم أبي العزة لله جميعا وكان في يسار ويستنجي بها وكان نقش خاتم أمير المؤمنين (عليه السلام) الملك لله وكان في يده اليسر ويستنجي بها فلا يعارض ما ذكرناه لا، وهب بن وهب عامي متروك العمل بما يختص به كما ذكره الشيخ (ره) وأيضا يمكن حمله على التقية وأجاب الشيخ بوجه آخر أيضا وهو أنه لا ينافي الكراهة بل إنما ينافي التحريم ولم نقل به وهو بعيد لان ظاهر الرواية أنهما (عليه السلام) يواظبان على هذا الفعل ومواظبتهم عى المكروه لا معنى له بل أصل فعله أيضا لو لم يكن ضرورة وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي القسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى فقال ما أحب ذلك قال فيكون اسم محمد (صلى الله عليه وآله) قال لا بأس لان من جمله رواته سهل بن زياد وهو ضعيف وأيضا لا دلالة فيه على نفي البأس عن الاستنجاء معه بل على الاتصحاب فلا ينافي ما ذهب إليه مخصصوا الكراهة بالاستنجاء وأيضا يمكن أن يكون المراد بنفي البأس خفة كراهته بالنسبة إلى اسم الله تعالى أو يكون المراد باسم محمد ما ليس يقصد الرسول (أو فصه حجر زمزم) يدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات الباب المذكور عن علي بن الحسين بن عبد ربه قال قلت له ما تقول في الفص يتخذ من أحجار زمزم قال لا بأس به ولكن إذا أراد الاستنجاء نزعه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وفي بعض نسخه موضع زمزم زمرد قال المصنف في الذكرى بعد نقل هذه النسخة وسمعناه مذاكرة وأورد على نسخة زمزم إشكالا هو أنه لا يجوز إخراج الحصى من المسجد فكيف يكون هذا واجب تارة بأن هذا خارج بالنصف وتارة بأنه ليس في الخبر جواز هذا بل أنه لو فعل ذلك لكان حكمه هكذا وليس فيه أيضا تقرير لهذا الفعل وقد يجاب أيضا بأن الحجر المذكور ما يؤخذ من البئر بقصد الاصلاح وهو مما يجوز إخراجه كالقمامة (والكلام بغير ذكر الله تعالى وآية الكرسي أو حكاية الاذان على قول) ها هنا كلامان الاول كراهة الكلام والثاني استثناء هذه الامور منه أما الاول فقد استدل عليه بما رواه التهذيب في باب المذكور عن صفوان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يجيب الرجل آخر وهو على الغايط أو يكلمه حتى يفرغ وفيه أنه لا يدل على كراهة الكلام مطلقا بل كراهة التكلم مع الغير ويدل عليه أيضا ما سيجئ في البحث الثاني وقال الصدوق (ره) في باب ارتياد المكان للحدث ولا يجوز الكلام على الخلاء لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك وروى أنه من تكلم على الخلاء لم يقض حاجته انتهى وأما الثاني فالذي يدل على استثناء الذكر ما رواه أصول الكافي في باب ما يجب من ذكر الله عزوجل في كل مجلس في الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مكتوب في التورية التي لم تغير أن موسى (عليه السلام) سئل ربه فقال الهي أنه يأتي على مجالس أعزك وأجلك أن أذكر لك فيها فقال يا موسى أن ذكري حسن على كل حال وروي هذا المضمون في التهذيب والفقيه أيضا ويمكن أن يناقش فيه بعدم ظهوره في الذكر باللسان إلا أن الاطلاق يكفينا فإن قلت هذه الرواية عامة يدل رواية النهي عن الكلام فلم تخصصها بها بدون العكس قلت أما أولا فلان ما وجدنا مما يدل على النهي في الكلام روايتان أحديهما ما تقدم وقد عرفت عدم دلالته على العموم والثانية ما سيجئ من قوله (عليه السلام) لم يرخص في الكنيف انتهى وهي وإن كانت دالة على العموم لكن قد استثنى فيها بحمد الله ولا شك أن الذكر مطلقا تحميد الله فلا يشمل وأما ثانيا فلانه على تقدير أن يكون العموم من الطرفين ويكون بينهما عموم من وجه يحصل التعرض والتساقط وأصل الجواز يبقى بحاله وأيضا الظاهر أن مراد موسى (عليه السلام) من المجالس التي ذكرها الخلاء وأمثاله فلا يمكن إخراجه من عموم كل حال لما ثبت في الاصول من عدم جواز إخراج السبب ويستنبط مما ذكر حال رواية الفقيه أيضا ويدل أيضا على استثناء الذكر ما رواه الكافي في الباب المذكور عن الحلبي عن أبي

[ 85 ]

عبد الله قال لا بأس بذكر الله وأنت تبول لان ذكر الله عز وجل حسن على كل حال وما رواه التهذيب في الباب المذكرور في الموثق عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت الحايض والجنب يقرآن شيئا قال نعم ما شاء إلا السجدة ويذكر أن الله تعالى على كل حال والذي يدل على استثناء آية الكرسي ما رواه الفقيه في باب ارتياد المكان للحدث في الصحيح قال وسئل عمر بن يزيد أبا عبد الله (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج وقرائة القرآن فقال لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي وتحميد الله أو آية الحمد لله رب العالمين وهذه الرواية في التهذيب أيضا في زيادات باب آداب الاحداث من دون الحمد لله رب العالمين ويمكن الحكم باستثناء كل آيه نظرا إلى رواية التهذيب لكن مع وجود الزيادة في الفقيه لم يحصل الظن بالعموم فإن قلت كيف تجمع بين هذه الرواية وما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته أتقرأ النفساء والحايض والجنب والرجل يتغوط القرآن فقال يقرؤا ما شاءوا قلت يمكن الجمع بحمل رواية الحلبي على نفي الحرمة وأما حملها على التخصيص بآية الكرسي أو آية فبعيد جدا لبعد التخصيص بخروج أكثر الافراد بل امتناعه والذي يدل على استثناء حكاية الاذان ما رواه الصدوق (ره) في كتاب علل الشرايع في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يا محمد لا تدع ذكر الله على كل حال ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وأنت على الخلاء فاذكر الله عز وجل وقل كما يقول وبهذا يظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد حيث قال واستثنى المصنف (ره) أيضا حكاية الاذان وهو حسن في فصل فيه ذكر دون الحيعلات لعدم النص عليه على الخصوص إلا أن يبدل بالحوقلة كما ذكر في حكايته في الصلوة انتهى وهذا الايراد إنما أورده صاحب المدارك على جده ويمكن أن يجاب عن قبله أن الرواية المذكورة لا ظهور لها في حكاية الحيعلات إن لم يكن داخلة في الذكر بل يشعر بعدم حكايتها كما ينادي إليه قوله (عليه السلام) فاذكر الله عز وجل وقل كما يقول والوجدان الصحيح يحكم بما ذكرنا نعم لا يبعد القول بإشعارها بأن الاذان بتمامه ذكر كما لا يخفى وليس ببعيد وعلى هذا يمكن أن يكون نظره إلى هذا حيث حكم بعدم النص عليه على الخصوص والمراد عدم النص على خصوص الحيعلات لا الاذان هذا وقد استثنى أشياء آخر أيضا مثل الكلام لحاجة إن لم يقض بغيره من التصفيق باليد ونحوه ورد السلام والصلوة على النبي (صلى الله عليه وآله) والتحميد عند العطاس ووجه الجميع ظاهرا واستثنى أيضا تسميت العاطس معللا بأنه ذكر ورد بمنع كونه ذكرا وجعل بعضهم تركه أولى (والبول قائما) يدل عليه الرواية المتقدمة في الاستنجاء باليمنى عن الفقيه وما رواه التهذيب أيضا في زيادات آداب الاحداث عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له أيبول الرجل وهو قائم قال نعم ولكنه يتخوف عليه أن يلتبس به الشيطان أي يخيله فقلت يبول الرجل في الماء قال نعم ولكن يتخوف عليه من الشيطان ومطمحا بدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره للرجل أو ينهى الرجل أن يطمح ببوله من السطح في الهواء وما رواه الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نهى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يطمح الرجل ببوله من السطح ومن الشئ المرتفع في الهواء وقال الصدوق (ره) في باب ارتياد المكان ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يطمح الرجل ببوله في الهواء من السطح أو من الشئ المرتفع واعلم أن الاطماح بالبول يحتمل وجهين الاول البول إلى فوق وهو مناسب لما ذكره أهل اللغة في الصحاح طمح ببصره إلى الشئ ارتفع وطمح ببوله إذا رماه في الهواء ويناسب أيضا التعليل الذي ذكره العلامة في النهاية والمحقق الثاني في شرح القواعد من خوف الرد عليه لكنه لا يناسب ما ورد من الاطماح من السطح أو من الشئ المرتفع لان هذا المعنى لا دخل فيه لكونه من السطح أو من الشئ المرتفع كما هو الظاهر والثاني الرمي به في الهواء من موضع مرتفع وهذا وإن لم يكن مناسبا لكلام أهل اللغة والتعليل المذكور لكنه أظهر بالنظر إلى الرواية كما ذكرنا ولا يذهب عليك أنه على التقدير ؟ ؟ الذي هو ظاهر الرواية يرد إشكال وهو أن هذا الحكم مناف لما تقدم من استحباب ارتياد موضع مرتفع للبول ويمكن الجمع بينهما بأن يقال أن المستحب ارتفاع يسير يؤمن معه من النضح والترشيش والمكروه ما يخرج عن هذا الحد ويكون ارتفاعا كثيرا والله أعلم ثم أنه على هذا التقدير هل البول في البلاليع العميقة هكذا حكمه أم لا لا يبعد القول بالثاني لعدم الظن بدخوله عرفا في الطمح من الشئ المرتفع (وطول الجلوس) يدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال لقمان لابنه طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور قال فكتب هذا على باب الحش وقال الفقيه في الباب المذكور وقال (عليه السلام) طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور (واستصحاب ما عليه اسم الله تعالى) يدل عليه ما رواه الكافي في باب البول يصيب الثواب أو الجسد عن أبي أيوب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسم من أسماء الله تعالى قال لا ولا تجامع فيه وما تقدم في الاستنجاء باليسار وفيها خاتم من الخبرين لكن لا يخفى أن هذه الروايات إنما تدل على كراهة استصحاب الخاتم فقط لا مطلقا كما ذكره المصنف وتخصيص الحكم ها هنا باسم الله تعالى كأنه بالنظر إلى رواية أبي القاسم (فتدبر واستصحاب دراهم بيض غير مصرورة) أي لا يكون في الصرة يدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن غياث عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أنه كره أن يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض إلا أن يكون مصرورا ولك أن تقول أن هذا إنما يدل على خلاف الحكم السابق لان الظاهر أن الدرهم الابيض يكون

[ 86 ]

عليه اسم الله تعالى إلا أن يقال أنه خرج بالنص فبقي الباقي تحت العموم لكن قد عرفت الحال في عدم نص عليه عموما إلا أن يتمسك بعموم رجحان التعظيم أو غيره أو يقال المراد بالكراهة الكراهة الشديدة (وليس الاستنجاء شرطا في صحة الوضوء والتيمم وإن روعي في التيمم التضيق) عدم اشتراط صحة الوضوء بالاستنجاء من الغايط الظاهر أنه لا خلاف فيه ويدل عليه أيضا صدق الامتثال وأصالة برائة الذمة عن وجوب الاعادة وأما ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا أنه قد تمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة وإن كان قد مضى وقت تلك الصلوة التي صلى فقد جازت صلوته وليتوضأ لما يستقبل من الصلوة فلا يثبت به الاعادة لعدم صحة سنده مع عدم عمل الاصحاب بمضمونه ومنافاته أيضا ظاهرا لما ثبت من جواز الاستنجاء بالاحجار ومع ذلك كله الحمل على الاستحباب احتمال ظاهرا كما مر سابقا وأما عدم اشترطها بالاستنجاء من البول فالمشهور بين الاصحاب أنه أيضا كالاستنجاء من الغايط وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن صلى فذكر بعد ما صلى أنه لم يغسل ذكره فعليه أن يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلوة وهو ضعيف لنا الاصل وصدق الامتثال والروايات الكثيرة أيضا منها صحيحتا عمرو بن أبي نصر وابن أذينة المتقدمتان في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلوة فقال يغسل ذكره ولا يعيد وضوئه وقد روى في الكافي أيضا عن علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) مثل هذا المضمون بسند أوضح مما في التهذيب في باب القول عند دخول الخلاء ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح ظاهرا عن عمرو بن أبي نصر قال سئلت أبا عبد الله عن الرجل يبول فيسنى أن يغسل ذكره ويتوضأ قال يغسل ذكره ولا يعيد وضؤه ومنها ما رواه الكافي في الباب المتقدم في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول وينسى أن يغسل ذكره حتى يتوضأ ويصلي قال يغسل ذكره ويعيد الصلوة ولا يعيد الوضوء ويؤيده أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في البحث المذكور آنفا من حيث أمره بإعادة الصلوة خاصة لترك غسل موضع البول وأما ما يمكن أن يحتج به الصدوق فروايات أيضا منها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يتوضأ وينسى غسل ذكره قال يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء والجواب عنه أنه لا يعارض الروايات الكثيرة المتقدمة مع أنه غير ظاهر في الوجوب فليحمل على الاستحباب ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن أبي بصير قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أهرقت الماء ونسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء وغسل ذكرك والجواب عنه أيضا مثل ما سبق مع أنه غير نقي السند والشيخ (ره) حمله على ما إذا لم يتوضأ وفيه بعد لا بالفظة الاعادة عنه ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن سماعة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا دخلت الغايط فقضيت الحاجة فقضت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضأت ونسيت أن تستنجي فذكرت بعد ما صليت فعليك الاعادة فإن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلوة وغسل ذكرك فإن البول مثل البراز وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم وفي بعض نسخه ليس مثل البراز والجواب عنه أيضا مثل سابقة مع أن في متنه أيضا اضطرابا كما لا يخفى ونقل العلامة (ره) في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه قال الاولى إعادة الوضوء بعد الاستنجاء هذا حكم الوضوء وأما حكم التيمم فالظاهر أنه أيضا كحكم الوضوء مع التوسع فيه لما ذكرنا من صدق الامتثال وأصالة البرائة وأما مع التضيق فقد قال العلامة (ره) في القواعد بعدم صحته قبل الاستنجاء لمنافاته التضيق والمصنف (ره) حكم بخلافه نظرا إلى أن الاستنجاء أيضا من متعلقات الصلوة كالاذان والاقامة ونحوهما فكما لا ينافي إيقاع مثل هذه الامور والتضيق فكذا لا ينافيه وأيضا بناء التضيق على العرف ولا عبرة في العرف بهذا القدر اليسير وسيجئ تفصيل القول إنشاء الله تعالى في مبحث التيمم (ويصح الاستنجاء في غير المخرج إذا اعتيد ولو لم يعتد فهو إزالة نجاسة) المراد بصحة الاستنجاء في غير المخرج جريان أحكامه فيه مما يخالف أحكام إزالة البول والغايط في غير المخرجين مثل جواز الاستجمار وعدم وجوب الصب مرتين لو قيل به في غير الاحليل على ما اخترناه ونحو ذلك من طهارة غسالته والحكم بالصحة نظرا إلى أنه مع الاعتياد حكمه حكم الموضع الطبيعي فيجزي فيه أيضا ما هو جار فيه ويشكل من حيث أن الروايات الواردة في باب الاستنجاء ظاهرها الاختصاص بالموضع الطبيعي للتبادر والتعارف فلو كان عموم في كيفية إزالة البول والغايط فالظاهر أن يبقى على عمومه ولا يخرج منه غير الموضع الطبيعي وإن اعتيد نعم لو لم يكن عموم بل ثبت حكم بالاجماع فحينئذ الظاهر أنه لا إشكال في إخراج الموضع المذكور عنه لعدم الاجماع فيه بخصوصه والاستصحاب ويقين البرائة أيضا قد عرفت حالهما فيما سبق هذا على تقدير تسليم ظهور اختصاص الروايات الواردة في باب الاستنجاء بالموضع الطبيعي وأما على ادعاء ظهور شمولها للمعتاد أيضا فما ذكره المصنف ظاهرا وكذا على تقدير الشك في الشمول وعدمه كما هو الظاهر إذ على تقدير الشك فيه لا يحصل ظن العموم بحيث يشمل الموضع المذكور أيضا من العمومات الواردة على خلاف حكم الاستنجاء والاصل برائة الذمة فيقتصر على القدر المتيقن أو المظنون هذا وعليك بالتأمل في الروايات الواردة في الطرفين في خصوصيات

[ 87 ]

الاحكام واستنباط الحال منها بعد رعاية الضابطة المذكورة إذ التعرض لكل واحد منها بخصوصه وتفصيل القول فيه يفضي إلى الاطناب جدا (ولو استعمل نجسا وجب الماء وإن كانت نجاسته مماثلة للخارج) واحتمل العلامة (ره) في المنتهى عدم وجوب الماء في الصورة الاخيرة نظرا إلى أن النجاسة واحدة فلا يزيد بسبب استعمال ذلك النجس بنجاسة أخرى لامتناع اجتماع المثلين وفيه أن هذا لا يجري في الاحكام الشرعية إذ مع ازدياد النجاسة لا يلزم اجتماع المثلين المستحيل إذ لو فرض أنه قال إذا لاقى بدنك هذه النجاسة فاغسله وإذا لا قى مرة أخرى فاغسله وإذا لاقى مرة أخرى فاغسله مرتين فلا فساد فيه فكذا إذا قيل لو تغوطت فاغسل أو امسح ولو لاقى بعد التغوط بغايط آخر فاغسله البته ووجه ما ذكره المصنف (ره) إن الروايات الواردة بالاستجمار ظاهرها الاختصاص بتطهير النجاسة المخصوصة فلو لا لاقى المحل بنجاسة أخرى لكان مندرجا تجب العمومات الواردة في غير النجاسة المخصوصة فيكون تطهيره بما ورد فيها واعلم أن هذا إنما يتم لو تعدى نجاسة ذلك النجس إلى المحل أما لو لم يتعد كما إذا كانا يابسين فلا كما لا يخفى بل لا يبعد حينئذ تطهيره أيضا للمحل كما أشرنا إليه سابقا ولو تعذر الاستنجاء صلى بحاله مع الجفاف بحسب الامكان ثم يستنجي عند المكنة قد مر منا ما يتعلق بهذا الحكم في بحث إزالة البول بالماء ولو نسيه وصلى أعاد في الوقت وخارجه هذا هو المشهور بين الاصحاب وقال ابن الجنيد (ره) إذا ترك غسل البول ناسيا تجب الاعادة في الوقت وتستحب بعد الوقت كذا في المختلف وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن سهى أن يستنجي من الغايط حتى صلى لم يعد الصلوة ثم الظاهر في نسيان الاستنجاء من البول ما هو المشهور ومن الغايط وما ذهب إليه الصدوق (ره) أما الاول فلاطلاق صحيحة عمرو بن أبي نصر المتقدمة في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء والعجب أن العلامة (ره) في المختلف قال بعد الاستدلال بهذه الرواية لا يقال يحتمل أن الترك كان عمدا لا سهوا لانا نقول ترك الاستفصال في حكاية الحال يجري مجرى العموم في المقال انتهى مع أن في الرواية ورد لفظ النسيان صريحا وكذا إطلاق موثقتي سماعة وابن بكير المتقدمتين أيضا ويؤيده أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في البحث المذكور إذ لا يبعد ادعاء ظهور أن زرارة لم يترك غسل الذكر حتى يصلي متعمدا وما يمكن أن يحتج به لابن الجنيد ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل ذكر وهوفي صلوته أنه لم يستنج من الخلاء قال ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلوة وإن ذكروقد فرغ من صلوته اجزأه ذلك وفيه أنه لا بد في تطبيق هذه الرواية على مذهبه من ارتكاب التخصيص فيها وفي الروايات السابقة فالاولى أن يرتكب التخصيص فيها فقط بحملها على الغايط وترك الروايات السابقة على إطلاقها مع أنه لا يبعد أيضاا دعاء تعارف الاستنجاء في عرفهم في الاستنجاء من الغايط نعم لو ذهب أحد إلى أن في الوقت أيضا لا يجب القضاء لامكنه الاستدلال بهذه الرواية لكن الظاهر من كلام المختلف في هذا المقام عدم الذهاب إليه إذ نقل الخلاف المذكور من ابن الجنيد والصدوق فقط وإن كان كلامهم في حيث تطهير الثياب والبدن يشعر بهذا الذهاب أيضا لانهم ذكروا في صورة نسيان النجاسة ثلاثة أقوال أحدها عدم الاعادة مطلقا لا في الوقت ولا خارجه ولم يقيدوا بما سوى محل البول وسيجئ إنشاء الله تعالى تتمة لهذا في هذا البحث وما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الحسن عمرو بن أبي نصر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أني صليت فذكرت أني لم اغسل ذكري بعد ما صليت فأعيد قال لا وفيه أنه لا يعارض الروايات السابقة لعدم صحة سنده واشتهار العمل بخلافه بين الاصحاب وحمله الشيخ (ره) على عدم إعادة الوضوء وهو بعيد وما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال فقال يغسل ذكره ولا يعيد الصلوة و ؟ أنه ضعيف السند إذ من جملة رواته أحمد بن هلال وهو مذموم جدا مع اشتهار خلافه بين الاصحاب وأيضا لا يبعد وقوعه سهوا من الراوي بأن يدل الوضوء بالصلوة إذ ليس في السؤال حديث الصلوة بل الوضوء فالظاهر أن الجواب أيضا متعلق به والشيخ (ره) حمله على عدم وجدان الماء ولا يخلو عن بعد لاباء لفظة النسيان عنه واستدل العلامة (ره) في المختلف لابن الجنيد بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغايط حتى يصلي لم يعد الصلوة ولا يخفى فساده لان كلام ابن الجنيد في البول وهذا في الغايط اللهم إلا أن يكون (ره) فهم من موضع آخر أن كلام ابن الجنيد ليس مختصا بالبول هذا وأما الثاني فللاصل ولصحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا وموثقة عمار بن موسى هذه وحملهما على عدم الاستنجاء بالماء لكن مع الاستنجاء بالاحجار وعمل على خلاف الظاهر جدا من غير ضرورة وحجة المشهور موثقة سماعة المتقدمة في بحث عدم اشتراط الوضوء بالاستنجاء وفيه أنها لا تعارض ما ذكرنا لعدم صحتها وايضا فيها محمد بن عيسى عن يونس وقد ذكر الصدوق (ره) أنه لا يعمل بروايته عن يونس مع اضطراب ما في المتن أيضا كما تقدم وموثقة عمار المذكورة في البحث المذكور أيضا وفيه أيضا عدم صلاحيتها للمعارضة مع أنها مخصوصة بالوقت ولا يعم خارجه كما هو مدعاهم وفيها أيضا بعض الامور التي يتطرق الشك إليها كما مر وحمل الروايتين على الاستحباب ظاهر وسيجئ أيضا مزيد بسط لهذا إنشاء الله تعالى في بحث نجاسة الثوب والبدن (ولو جهله فلا) قد ظهر مما ذكرنا حكم الجاهل في الاستنجاء

[ 88 ]

من الغايط بالقياس على الناسي بالطريق الاولى وأما في الاستنجاء من البول فسيجئ إنشاء الله تعالى في البحث المذكرو وجاهل الحكم لا يعذر سيجئ هذا أيضا إنشاء الله تعالى في البحث المذكور (درس يجب في الوضوء النية المشتملة على القربة وهي موافقة إرادة الله تعالى والوجوب والرفع أو الاستباحة) النية في اللغة العزم والقصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ونويت السفر أي قصدته وعزمت عليه وفي الاصطلاح القصد الخاص الذي يختلف بالنسبة إلى الافعال وبالنظر إلى المذاهب كما ستطلع عليه إنشاء الله تعالى ثم أن المحقق (ره) في المعتبر قال النية شرط في صحة الطهارة وضوء كانت أو غسلا أو تيمما وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم وابن الجنيد ولم أعرف لقدمائنا فيه نصرا على التعيين انتهى لكن الشيخ (ره) في الخلاف والعلامة (ره) في المختلف نقلا الاجماع على وجوب النية وهو ظاهر المنتهى أيصا وفي الذكرى أن ابن الجنيد (ره) عطف على المستحب قوله وإن يعتقد عند إرادة طهارته أنه يؤدي فرض الله فيها لصلوته وأنت خبير بإمكان توجيهه بحيث لا ينافي كلام الثلاثة بأن يقال مراده استحباب أن يعتقد أنها للصلوة أي قصد الاستباحة بل قصد الوجوب أيضا كما يشعر به قوله فرض الله لا استحباب أصل النية واستدل على الوجوب بما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما الاعمال بالنيات وإنما لا مرئ ما نوى وعن علي بن الحسين (عليه السلام) لا عمل إلا بنية وعن الرضا (عليه السلام) لا قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية ولا نية إلا بإصابة السنة والكل لا يخلو عن مناقشة أما الاول والاخير أن فلانها لما كان يمكن حملها عل الحقيقة لمحذور الكذب فلا بد من ارتكاب تجوز والتجوز فيها بحملها على نفي الصحة ليس أولى منه بحملها على نفي الثواب ولو سلم أنه أقرب المجازات إليها نقول أن حملها عليه يستلزم التخصيص لخروج كثير من الاعمال حينئذ من الحكم اتفاقا بخلاف حملها على نفي الثواب فلا أولوية أيضا على هذا التقدير وأما الثاني فلجواز حمله على مثل ما حملناها عليه من أن المراد أن للمرء ما نواه من المثوبات الاخروية أو الاغراض الدنيوية إلا أنه ليس له شئ أصلا مما لم ينوه لكن لا يخفى أن جواز هذا الحمل فيه لا ظهور كما في البواقي فهو أجود الدلايل واستدل أيضا على وجوبها بالادلة التي تدل على تقدير تمامها على وجوب بعض الخصوصيات التي سنفصلها إنشاء الله تعالى فلا حاجة في ذكرها هاهنا بل نوردها عند الاستدلال على وجوب الخصوصيات ولنشتغل الان بذكر الخصوصيات التي يتشخص بها النية مما اتفق على وجوبه أو اختلف وما يتعلق به من الدلايل والابحاث ونبدأ أولا بقصد الفعل وأنه هل يجب قصده حتى ولا يعتد بوضوء الغافل مثلا أولا الظاهر الوجوب للاجماع عليه كما ادعاه العلامة (ره) في المختلف ويمكن الاستدلال عليه أيضا بالروايات السابقة لان مع عدم القصد إلى الفعل ينتفي جميع القصود فلا نية أصلا فلا عمل ويرد عليه أيضا ما ذكروا ما وجوب قصد القربة فقد ادعى العلامة (ره) في المختلف الاتفاق على وجوبه أيضا والشيخ (ره) وإن لم يذكرها في المبسوط لكن كأنه تركها للظهور واستدل عليه أيضا بوجوه منها قوله تعلى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة وفيه أنه إنما يدل على وجوب الاخلاص بمعنى البرائة من الشرك أو البرائة من الرياء وليس مرادهم بالقربة التي ذكروها هذا القدر بل أزيد منه كما سنذكر نعم لو أكرموا بمجرد وجوب عدم القصد إلى كونه عبادة لغير الله أو عدم الرياء لامكن الاستدلال به مع أن فيه وجوها آخر أيضا من البحث كما سيأتي إنشاء الله تعالى في بحث بطلان الوضوء بضم المنافي ومنها قوله تعالى فاعبدوا الله مخلصين وفيه إن كون الوضوء عبادة ممنوع ولو سلم فلا نسلم أن معنى الاية لا تعبدوا الله إلا على حال الاخلاص حتى يكون نهيا في الحقيقة عن عدم الاخلاص بأن معناها الامر بالعبادة المقرونة بالاخلاص والامر لا يدل على الدوام والتكرار ويكفي في الامتثال به به الاتيان بعبادة ما مخلصا إلا أن يتمسك بعدم القول بالفصل ولو سلم ففيه أيضا الايراد المذكور في سابقه ومنها قوله تعالى فاعبدوا الله مخلصا وفيه أيضا الايرادات المذكورة مع اختصاصه بالنبي (صلى الله عليه وآله) وإشكال إثبات وجوب التأسي ومنها قوله تعالى قل الله أعبد مخلصا له ديني وفيه أيضا الايرادات السابقة مع أنه ليس فيه أمر بالعبادة مخلصا بل بالقول إلا أن يقال أن التأسي في القول أيضا واجب ووجوب هذا القول علينا يستلزم وجوب العبادة مخلصا أيضا كما لا يخفى ثم أنهم فسروا القربة بوجهين أحدهما ما ذكره المصنف وهو موافقة إرادة الله تعالى أي يكون الاتيان بالوضوء لاجل أنه مراد الله تعالى وموافق رضاه وفي حكمه أيضا كونه أهلا للعبادة وكون العبادة شكر النعمة وشبهه وثانيهما طلب الرفعة عنده ونيل الثواب لديه تشبيها بالقرب المكاني وفي حكمه أيضا الخوف من العقاب وشبهه واختلفوا بعد الاتفاق على صحة الاول وفضيلته لما أشار إليه مولينا ومقتدانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك في صحة الثاني وعدمها فقد نقل المصنف في قواعده عن الاصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين أي طلب الثواب والخوف من العقاب وبه أيضا قطع السيد رضي الدين بن طاووس (ره) محتجا بأن قاصد ذلك إنما قصد الرشوة والبرطيل ولم يقصد وجه الرب الجليل وهو دال عل أن عمله سقيم وأنه عبد لئيم وهو الظاهر من كلام المصنف أيضا في هذا الكتاب حيث فسر القربة بالوجه الاول فقط واختار في قواعده وفي الذكرى الصحة قال في الذكرى والظاهر أن كلا منهما محصل للاخلاص وقد توهم قوم أن قصد الثواب يخرج عنه لانه جعله واسطة بينه وبين الله وليس بذلك لدلالة الاي والاخبار عليه وترغيبات القرآن والسنة مشعرة به ولا نسلم أن قصد الثواب مخرج عن ابتغاء

[ 89 ]

الله بالعمل لان الثواب لما كان من عند الله فمبتغيه مبتغ لوجه الله نعم قصد الطاعة التي هي موافقة الارادة أولى لانه وصول بغير واسطة ولو قصد المكلف في تقربه الطاعة لله أو ابتغاء وجه الله كان كافيا ويكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كل مقصد انتهى ومراده بالاى مثل قوله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون أي راجين الفلاح أو لكي تفلحوا والفلاح هو الفوز بالثواب قاله الطبرسي (ره) وقال بعض هو الفوز بالامنية وقوله تعالى قد أفلح المؤمنون وقوله تعالى إلا أنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته بعد قوله تعالى ويتخذ ما ينفق قربات عند الله كما ذكره في الذكرى ولا يخفي أن دلالة الايات المذكورة وأن لم يتم على المراد سيما بعضها لكنها مما يصلح للتأييد وكذا الحال في الترغيبات والترهيبات ويمكن الاستدلال عليه أيضا بما روى عنهم (عليهم السلام) في الصحيح عن من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه وكذا ما رواه أصول الكافي في باب العبادة في الحسن بن إبراهيم بن هاشم ظاهرا عن هارون بن خارجه عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال العبادة ثلاثة قوم عبدو الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة وأيضا تخليص القصد عن النظر إلى الثواب والعقاب أمر مشكل جدا يحتاج إلى مجاهدات عظيمة ورياضات شاقة فتكليف عامة الناس به لا يناسب الشريعة السمحة السهلة هذا كله مع أنك قد عرفت أن الدلايل التي استدلوا بها على وجوب القربة إنما يدل على تقدير تمامها على وجوب الاخلاص الذي هو اما البرائة من الشرك أو الريا ولا يدل على أزيد من ذلك وليس ما يدل على وجوب القربة حتى ينظر في معناها وعلى تقدير وجوده أيضا لما حصل الشك في المعنى القربة فإما يحكم بوجوب القدر المتيقن كما مر غير مرة خصوصا مع وجود المعارضات والاجماع الذي نقلوا على وجوبها أيضا على تقدير تحققه ليس بموجود في المعنى الاول فعلى هذا الظاهر صحة المعنى الثاني أيضا وعدم بطلان العبادة به بل لا يبعد القول بصحة العبادة لطلب الاغراض الدنيوية المباحة أيضا عن جنابه سبحانه كما نبه عليه ما ورد أن صلوة الليل تزيد في الرزق والصدقة ترد البلاء وصلة الرحم تنسي الاجل فإن قلت ما تقول في الاتيان بالعبادة لاجل حسنها في الواقع لا لانها أمر بها سبحانه ولا لطلب ثواب وخوف عقاب منه أو القرب إليه أو لحبه أو نحو ذلك مما ينظر فيه إلى وجه لله تعالى قلت الظاهر على ما ذكرنا من عدم دليل على الزايد من وجوب نفي الشرك أو الرياء صحة تلك العبادة وكذا الظاهر من كلام المتكلمين لكن لم نقف فيه على نص من الاصحاب وأنه على طريقتهم من وجوب القربة وابتغاء وجه الله تعالى ما يقولون في مثل هذا لكن لا يذهب عليك أن ما ذكر من الفرض يحتمل وجهين الاول أن يكون الفاعل مستشعرا بأنها عبادة وطاعه لله تعالى ويفعله الاجل حسنها في الواقع وحينئذ الظاهر أنها على طريقة القوم أيضا صحيحة وداخله تحت ابتغاء وجه الله بل هي في اعلى مراتب العبادة وأولى مما يكون لقصد الثواب والخوف من العقاب والثاني أن لا يكون مستشعرا بذلك بل قد حصل له العلم أما من العقل والشرع بأن لوضوء مثلا حسن وانما يفعله لاجل حسنه وحينئذ فيه إشكال على طريقة القوم ولا يخفى عليك أنه يمكن الاستدلال على وجوب القربة بالمعنى الذي ذكر بقوله (عليه السلام) إنما لامرئ ما نوى فتأمل هذا وبما ذكرنا من أن أحد إجزاء النية التي ذكرها الاصحاب إنما هو القربة بالمعنى الذي ذكروا لا شك أنها أمر مشكل سيما إذا كانت بالمعنى الاول فإنه في نهاية الصعوبة وليست هي مجرد القصد إلى الفعل ظهر حال ما قاله بعض الفضلاء في تسهيل أمر النية واستحسنه بعض من أنه كلف الله الصلوة وغيرها من العبادات بغير نية كان تكليف ما لا يطاق لان هذا إنما يكون له وجه صحة لو كان المراد من النية مجرد القصد إلى الفعل وأما عدم تعرض القدماء لامرها فكأنه لاجل أن وجوب ما سوى قصد الفعل والقربة من الزيادات التي ذكرها المتأخرون وكذا بعض الشرايط كالمقارنة والاحكام التي يتفرع على هذه الامور ليست بثابتة كما سنذكره إنشاء الله تعالى والامر الاول من هذين في غاية السهولة و الامر الثاني قد أغناهم كثرة الايات والروايات الواردة فيه عن التعرض له والله تعالى اعلم بحقايق الامور وأما قصد الوجوب فقد اختلف القوم فيه فالشيخ (ره) في النهاية وظاهر المبسوط والمحقق في المعتبر على عدم وجوبه والعلامة في جملة من كتبه والمحقق في الشرايع وابن إدريس على وجوبه والاول أظهر لنا أصل البرائة وصدق الامتثال مع عدم المخرج عن الاصل كما سيظهر من جواب دليل المخالفين ويؤيده أيضا أمرهم (عليهم السلام) بالواجبات والمندوبات بطريق واحد من غير تعرض الموجوب أو الندب ولو كان قصد الوجوب أو الندب شرطا لما كان كذلك واحتج المخالفون بوجهين الاول أن الامتثال في العبادة إنما يتحقق بإيقاعها على الوجه المطلوب ولا يتحقق ذلك الوجه في الفعل المأتي به إلا بالنية بدليل إنما لكل أمرئ ما نوى الثاني أن الفعل لما جاز وقوعه تارة على وجه الوجوب وأخرى على الندب فاشترط تخصيصه بأحدهما حيث يكون ذلك هو المطلوب و التخصيص لا يحصل إلا بالنية وفي الوجهين نظر أما الاول فلانه أن اريد بإيقاعها على الوجه المطلوب إيقاعها بشرائطها وإركانها المعتبرة فيها شرعا فمسلم لكن لا نسلم أن من جملتها قصد الوجوب أو الندب وإن أريد به إيقاعها عل قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب كان مصادرة محضة فإن قلت المراد الاول لكن لا ندعي أن من جملة وجوهها قصد الوجوب أو الندب حتى يكون في معرض المنع بل ندعي أن من جملتها الوجوب أو الندب وهو لا يقبل المنع إذ لا شك أن امتثال الامر الواجبي إنما يكون با الاتيان بالفعل الواجب دون الندب وكذا الحال في الندب وهذا الوجه لا يحصل في الفعل إلا بالنية إذ بدون النية يحتمل

[ 90 ]

الواجب والندب ولا يصار إلى أحدهما لامتناع الترجيح من غير مرجح وهذا التوجيه هو ظاهر كلام المستدل حيث قال ولا يتحقق ذلك الوجه انتهى فإندفع النظر قلت هذا بعينه هو الوجه الثاني ويندفع بما ندفعه به وبما قررنا من إمكان ارجاع الوجه الاول إلى الثاني بل أن الظاهر منه هو هذا أظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد حيث ضعف الوجه الاول وحكم بعدم صلاحية للدلالة وتأسيس حكم شرعي حتى قال انه قيل كلام شعري ومع هذا اعترف بتمامية الوجه الثاني في غير الوضوء إلا أن يكون إيراد على من ذكر الوجهين معا كابن إدريس في السرائر إذ حينئذ لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الاخر فتأمل وأما الثاني فلانه إن أريد به أن الاوامر لما كانت إيجابية أو ندبية فالفعل الذي يفعل المكلف لو لم يقصد أنه واجب أو ندب لم يتعين لكونه امتثالا لامر إذ صرفه إلى أحدهما دون الاخر ترجيح من غير مرجح ففيه إنا لا نسلم انه لا بد من مخصص يخصص الفعل لا أحد الاوامر إنما يكون ذلك فيما لم يجز التداخل وأما مع جوازه فلا إذ الفعل امتثال للجميع فلا حاجة إلى مخصص وايضا لا نسلم انحصار المخصص في قصد الوجوب والندب إذ يجوز أن يخصص شئ آخر كما إذا لاحظ وقت الفعل كونه امتثالا لبعض الاوامر بخصوصه وإن لم يعلم أنه ايجابي أو ندبي وأيضا هذا إنما يتم فيما كان فيه أوامر مختلفة فلا يثبت الكلية كما هو مذهبهم مع أن فيما نحن بصدده أي الوضوء ليس كذلك إذ لا يجتمع فيه أمر إيجابي مع ندبي إذ مع خلو الذمة عن مشروط به لا يجب قطعا ومع شغلها لا يندب ولا يخفى أن هذا الحكم الاخير وإن كان قد ذكره القوم لكنه ليس له وجه ظاهر وسيجئ تفصيله إنشاء الله تعالى عن قريب وإن أريد به أن الوضوء لما كان واجبا وندبا فلا بد في كونه امتثالا للامر الايجابي أن يكون واجبا إذ الوضوء المندوب لا يكون امتثالا للامر الايجابي ففيه أنه لو أريد توقف الامتثال على الوجوب فممنوع ولو أريد الاستلزام فممنوع فحينئذ نقول لما كان الامر بإيجاد الطبيعة مطلوب فعند الاتيان بها يحصل الامتثال وإذا حصل الامتثال تحقق الوجوب أيضا لان ما يمتثل به الامر الايجابي واجب هذا وخلاصته القول على ما قررنا أن اشتراط نية الوجوب والندب فيما لم يتعدد الاوامر لا ظهور له فحينئذ لو لم ينو الوجه أصلا أو نوى خلاف الواقع عمدا أو سهوا لكان الفعل صحيحا سواء كان ذلك الامر الواحد معلوم الايجاب أو الندب أو مشكوكهما ولو ردد في صورة الشك بين نية الوجوب والندب لكان الظاهر أيضا الصحة وما يقال من أن الترديد في النية ليس بصحيح لا وجه له ظاهر أو كذا الحال فيما تعدد الاوامر الايجابية والندبية لكن يكون ما يجزي فيه التداخل وأما إذا لم يجز التداخل مثل الامر بنافلة الصبح وفريضتها فحينئذ لا يبعد القول لاشتراط تخصيص الفعل بأحدهما سواء كان يقصد الوجوب والندب أو بغيره من المخصصات وكذا لا يبعد القول باشتراط التخصيص فيما تعدد الاوامر الايجابية فقط والندبية فقط ولم يجز التداخل في متعلقاتها إذا أن لوازمها وأحكامها مختلفة وأما إذا لم تكن مختلفة فالظاهر أيضا عدم الاشتراط هذا ثم اعلم أن المتكلمين ذكروا أنه لا بد في حسن الفعل من أن يفعل لوجوبه أو ندبه ويمكن أن يكون كلام الاصحاب أيضا ناظرا إليه كما يشعر به الوجه الاول من الوجهين المذكورين لكن هذا القول أيضا مما لم يقيموا عليه دليلا ظاهرا بل الظاهر أنه يندفع بالقربة التي ذكرها الاصحاب لانهم لم يقتصروا على الوجوب والندب بل عمموا الحكم بأنه لا بد من أن يكون الفعل لوجوبه أو ندبه أو لوجههما وفسروا الوجه بالشكر ونحوه ولا ريب أن هذا داخل تحت القربة كما فصلناها سابقا وأما اشتراط أحد الامرين من الرفع أو الاستباحة فقد اختلف فيه فالشيخ في المبسوط والعلامة في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر وابن إدريس قالوا باشتراطه وادعى ابن إدريس الاجماع عليه ونقلوا عن السيد المرتضى (ره) اشتراط خصوص الاستباحة وعن أبي الصلاح وابن زهرة وابن البراج وابن جمزة اشتراطهما معا والشيخ (ره) في النهاية والمحقق في الشرايع ذهبا إلى عدم الاشتراط وقال السيد السعيد جمال الدين ابن طاوس في البشرى لم أعرف نقلا متواترا ولا آحادا يقتضي الفضل إلى رفع الحدث واستباحة الصلوة لكن علمنا يقينا أنه لا بد من نية القربة وإلا كان هذا من باب اسكتوا عما سكت الله عنه انتهى والظاهر القول الاخير لاصالة البرائة وصدق الامتثال بدونه وعدم دليل مخرج عن الاصل كما سيظهر احتج المشترطون لاحدهما بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمت إلى الصلوة الاية وجه الاحتجاج إن المفهوم منه عرفا أن الوضوء لاجل الصلوة كما أن المفهوم من قولهم إذا لقيت الامير فخذ اهبتك وإذا لقيت العدو فخذ سلاحك إن أخذ الاهبة والسلاح لاجل لقاء الامير والعدو ولا معنى لكون الوضوء للصلوة إلا أنه لاستباحتها والجواب أن كون هذا المعنى مفهوما من الايه بحسب العرف مسلم لكن لا يثبت المطلوب لان كون الوضوء لاجل الصلوة لا يستلزم أن يقصد في الوضوء أنه لاجل الصلوة وهو ظاهر لا يرى أن في المثالين المذكورين لا يلزم من امتثالهما أن يقصد حين أخذ الاهبة والسلاح أنه لاجل الامير والعدو وأورد عليه أيضا أن هذا الدليل لو تم لدل على ما نسب إلى المرتضى (ره) من اشتراط الاستباحة لاحد الامرين كما هو مدعي المحتجين وأجاب العلامة (ره) في المختلف عن الايراد بوجهين أحدهما إن وجوب الاستباحة لا ينافي ما ذكرنا من كونه أحد الفردين المخير فيهما لان فرد الواجب المخير أيضا واجب وثانيهما أن نية رفع الحدث يستلزم الاستباحة لانها نية لازالة المانع من الدخول في الصلوة ليدخل المكلف في الصلوة فإنه الغاية الحقيقية فإن إزالة الحدث ليس غاية ذاتية وإنما هو مراد بالعرض لاجل استباحة الصلوة في الوجهين نظر أما في الاول فلان مراد المورد ليس أن وجوب

[ 91 ]

أحد الامرين يرفع وجوب نية الاستباحة بل مراده أن الدليل على تقدير تمامه إنما يدل على وجوب خصوص هذا الامر وأما بدلية الامر الاخر فلا دليل عليه ويمكن أن يجاب بأن العلامة (ره) قد استدل قبل هذا على الاكتفاء برفع الحدث بقوله (عليه السلام) إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وقال فإذا رفع الحدث مع باقي الصفات من الوجوب أو الندب أجزاه لانه قد حصله ما نواه وهو رفع الحدث عملا بالحديث فزال المانع من الدخول في الصلوة انتهى وهذا دليل على البداية ولك أن تقول بعد ثبوت وجوب قصد الاستباحة بالايه كما زعموا لو اكتفى في بدلية قصد الرفع له بهذا الدليل لزم أن يقال ببدليته أيضا لقصد الوجوب والندب والقربة أيضا بهذا الدليل بعينه والجواب الجواب إلا أن يجاب بالاجماع على عدم البدلية لهما ولا إجماع هاهنا وأنت خبير بما في دليليه المذكورين من الضعف إما الاول فظاهر وأما الثاني فلانه لا يدل على أن كل ما ينوي المرء يدركه وهو ظاهر وأما في الثاني فلانه قد ثبت وجوب الوضوء بقصد أنه للصلوة على زعمكم ولا نسلم أن استلزام رفع الحدث لاستباحة الصلوة في الواقع انما يستلزم أن يقصد على الوضوء بقصد رفع الحدث أنه يقصد الاستباحة إذا لم يكن حين قصد الرفع الاستباحة ولزومها للردع منظورين بل على تقدير كونهما منظورين ايضا لا نسلم صدق قصد الاستباحة إلا أن يكتفي بالقصد بالعرض ثم أنهم اكتفوا في قصد الاستباحة المعتبر في الوضوء والواجب باستباحة أي مشروط بالطهارة كان صلوة أو غيرها واجبا أو مندوبا وهو الظاهر من كلام المصنف أيضا حيث أطلق الاستباحة بل قد حكى عن فخر المحققين الاكتفاء بقصد استباحة مشروط بالطهارة وإن كان ممتنعا كان ينوي استباحة الطواف وهو بالعراق وكان دليلهم عليه أيضا ما نقلناه عن العلامة من الدليل على الاكتفاء برفع الحدث وقد عرفت ما فيه والحاصل أن كلامهم في هذا المقام غير منقح جدا وأما حجة المرتضى فقد ظهرت أيضا مع جوابها وأما حجة من اشترطهما معا فلم نقف عليها سوى ما ذكره المصنف في الذكرى من أن الرفع يوجد بدون الاستباحة في غسل الحايض إن قلنا برفعه الحدث الاكبر والاستباحة بدون الرفع في المتيمم والطهارة الضرورية فإذا لم يتلازما لم يكف أحدهما وأيضا لا بد من رفع الحدث لانه مانع من الدخول ومن الاستباحة لانه الوجه الذي لاجله يرفع الحدث فما لم ينوه لا يكون متمثلا للوجه الذي أمر به لاجله وضعف الوجهين ظاهر مما ذكرنا وحكى المصنف (ره) في شرح الارشاد أنهم احتجوا بالجمع بين أدلة الاقوال ونية كل من الرفع والاستباحة بالمطابقة لان اللزوم غير بين والاتحاد غير حاصل ولا يذهب عليك أن الظاهر أن وجوب الرفع فقط لا دليل عليه ولا قول به حتى يحتج بالجميع بين أدلة الاقوال فتدبر وعليك الاحتياط في جميع هذه الامور المختلف فيها والاخذ بمجامع الاقوال مهما أمكن والله الموفق (والمبطون والسلس والمستحاضة ينوون الاستباحة أو رفع ما مضى) قال في الذكرى ذو الحدث الدائم كالمبطون و السلس والمستحاضة ينوي الاستباحة فلو ضم إليها رفع الحدث لغى إلا أن يقصد رفع ما مضى فحسن ولو اقتصر عليه فإن نوى رفع ما مضى صح لانه في معنى الاستباحة وإن نوى رفعه مع ما هو حاصل أو سيحصل فقد نوى ما بعضه ممتنع فيمكن الصحة لتضمن النية رفع مانع الصلوة والبطلان لعدم إمكان ما نواه فكيف يحصل له انتهى وفيه أنه أما أن أريد برفع ما مضى رفع الحدث الكاين في الزمان الماضي نفسه أو رفع أثره الذي هو المنع من الصلوة فإن كان الاول فمع أنه يلغوا حينئذ ذلك القصد لان الحدث الكائن في الزمان الماضي مرتفع في هذا الزمان سواء قصد رفعه أم لا يرد عليه أنه كيف يكون هذا القصد في معنى قصد الاستباحة لان المانع من الصلوة موجود الان وهو الحدث الحاضر بل أثر الحدث السابق أيضا فبمجرد ارتفاع الحدث السابق كيف يستباح الصلوة وإن كان الثاني فيرد عليه أيضا الايراد السابق إذ بمجرد ارتفاع أثر الحدث السابق لا يستباح الصلوة بل لا بد من ارتفاع أثر الحدث اللاحق أيضا و القول بأنه مغتفر لا دليل عليه إلا أن يكون المنع كافيا في المقام وأيضا كما يصح رفع ما مضى بهذا المعنى كذلك يضح رفع الحاصل أيضا بهذا المعنى فلم يحكم بصحة الاول وامتناع الثاني هذا وبما ذكرنا ظهر أن دايم الحدث يجب عليه أن ينوي الاستباحة فقط بناء على وجوب قصد الرفع أو الاستباحة وأما على ما اخترناه فالامر واضح هذا على تقدير أن يكون رفع الحدث غير الاستباحة كما ذكرنا سابقا (ولا يشترط قصد الطاعة لله خلافا لابن زهرة) ذهب ابن زهرة إلى وجوب خمسة أمور في النية قصد الوجه والاستباحة والرفع والطاعة والقربة واستدل على الثلاثة الاول ببعض ما ذكرنا سابقا وقال في الاخيرين وتعلقها بالطاعة لله تعالى لان بذلك الفعل عبادة والقربة ومرادنا بها طلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه لانه الغرض المطلوب بطاعته انتهى وأنت خبير بما ذكرنا سابقا بكفاية أحد الامرين الذين أراد هما من الطاعة والقربة بل غيرهما أيضا مما فصل في بحث القربة (والمقارنة لابتداء غسل الوجه) إذ هو مبدء الافعال فلو أخر عنه لوقع بعض الافعال الواجبة بلا نية فيكون باطلا وببطلان الجزء يبطل الكل وكذا لو قدم ولم يبق إلى الشروع إذ حينئذ يقع جميع الافعال بلا نية واعلم إن ها هنا إشكالا سنذكره إنشاء الله تعالى في بحث استدامة حكم النية (ويجوز تقديمها عند غسل اليدين مستحبا وعند المضمضة والاستنشاق) المشهور بين الاصحاب جواز تقديم النية عند غسل اليدين استحبابا للوضوء وأولى منه عند المضمضة والاستنشاق لقربهما من الواجب ووجهه أنها من جملة أفعاله فجاز إيقاع النية

[ 92 ]

عندها وحكم في المنتهى باستحباب التقديم ليشمل النية أفعال الوضوء الواجبة والمندوبة وجوز ابن إدريس التقديم عند غسل اليدين في الغسل دون الوضوء وجوز في الوضوء التقديم عند المضمضة والاستنشاق معللا بأنهما من جملة العبادة وكأنه جعل غسل اليدين مستحبا خارجا لا من جملة افعال الوضوء وليس ببعيد لكن جعله في الغسل داخلا دون الوضوء بعيد ومنع ابن طاوس (ره) في البشرى التقديم مطلقا سواء كان عند غسل اليدين أو المضمضة والاستنشاق نظرا إلى أن مسمى الوضوء الحقيقي غيرهما ونقلوا الاجماع على عدم جواز تقديمها عند غيرها من المسنونات كالسواك و التسمية والظاهر ما ذهب إليه الاكثر كما سيظهر عن قريب إنشاء الله تعالى ولما لم يذكر المصنف فيما بعد غسل اليدين في مستحبات الوضوء فلا بأس أن نورد ها هنا بيان استحبابه وشرايطه أما الاستحباب فيستدل عليه بما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح ظاهرا عن عبيد الله الحلبي قال سئلته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل إدخالها في الاناء قال واحدة من حدث البول وإثنتان من الغايط وثلاث من الجنابة وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن حريز عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يغسل الرجل يده من النوم مرة ومن الغايط والبول مرتين ومن الجنابة ثلاثا وما رواه أيضا في الموثق عن عبد الكريم بن عتبة الكوفي الهاشمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شئ يدخلها في وضوءه قبل أن يغسلها قال لا حتى يغسلها قلت فإنه استيقظ من نومه ولم يبل أيدخل يده في وضوءه قبل أن يغسلها قال لا لانه لا يدري حيث باتت يده فليغسلها فإن قلت ما وجه حمل هذه الرواية على الاستحباب دون الوجوب قلت للجمع بينها وبين ما رواه التهذيب أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل يبول ولم تمس يده اليمنى شيئا يغمسها في الماء قال نعم وإن كان جنبا وهذا وإن كان مختصا بالبول لكن الغايط والنوم أيضا الظاهر إن حكمهما حكم البول لاقترانهما به في الروايات وكذا بينها وبين ما روي أنه (عليه السلام) عند بيان الوضوء غمس كفه في الماء من غير غسل وقال هكذا إذا كانت الكف طاهرة وسيجئ الرواية إنشاء الله تعالى ويؤيد الاستحباب أيضا آية الوضوء حيث لم يذكر فيها غسل اليد وكذا الاختلاف الواقع في الروايات في الغسل للبول هذا كله مع أن الاصل برائة الذمة من الوجوب ولا يذهب عليك إن استنباط غسل اليد اليسرى من الروايات مشكل لكن الشهرة بين الاصحاب كأنها يكفي في الحكم بالاستحباب وأما الشرايط فذكروا للاستحباب شرطين الاول أن يكون الوضوء من حدث النوم أو البول أو الغايط لا الريح ووجهه ظاهر مما ذكرنا الثاني أن يكون من ماء قليل في إناء يمكن الاغتراف منه فلو توضأ من نهر أو مصنع ؟ أو إناء لا يمكن الاغتراف منه لم يستحب الغسل ووجهه غير ظاهر لان الرواية الاولى وإن كانت مختصة بالاناء لكن الاخيرتين مطلقتان وكون علة الغسل توهم التنجيس غير ظاهر بل لو كان علته أيضا ذلك لكان هذا التوهم غير منحصر في تنجيس الماء بل جار في تنجيس الاعضاء وعدم صحة الوضوء معه وأيضا على تقدير التسليم لكان ينبغي أن يخص بالقليل فقط لا بكونه في إناء أيضا ثم أنه لو غسل اليد بعد هذه الاحداث بدون إرادة الوضوء فهل يستحب الغسل ثانيا عند إرادته أم لا لم أقف فيه على نص من الاصحاب والرواية الاخيرة نظرا إلى التعليل الواقع فيها تدل على عدم الاستحباب ثانيا بعد النوم وكذا ظاهرها في البول أيضا كما لا يخفى والرواية الثانية الامر فيها مطلق فيحصل امتثاله بالغسل قبل إرادة الوضوء أيضا كما هو الظاهر نعم الرواية الاولى كأنها ظاهرة في الاستحباب (ولو وجب غسل اليدين لنجاسة أو استحب لا للوضوء أو أبيح فلا نية عنده) ووجهه أنه ليس حينئذ من جملة إفعال الوضوء فلا يجوز مقارنة النية به والاستحباب لا للوضوء مثل الاستحباب للاكل والاباحة كالغسل بعد الريح أو عند الوضوء من النهر على القول بعدم الاستحباب حينئذ وكذا لو كان مكروها كما لو قصر الماء بسببه عن الغسلات المستحبة أو حراما كما لو قصر بسببه عن الغسلات الواجبة بطريق الاولى وقال المصنف (ره) في الذكرى وفي جوازها عند الواجب كإزالة النجاسة المعلومة وجه لانه أولى من الندب بالمراعاة والاقرب المنع لانه لا يعد من افعال الوضوء انتهى وأيد الشهيد الثاني (ره) الوجه بما ورد من التعليل في النائم فإنه لا يدري أين باتت يده فإنه يقتضي أنه لرفع نجاسة موهومة فالمحققة أولى هذا واعلم إن استفاده أن هذا الغسل من جملة إفعال الوضوء من الروايات مشكل جدا فلو كان بناء جواز تقديم النية عليه لكان الظاهر عدم الجواز لكنا سنذكر إنشاء الله تعالى وجها آخر للجواز ولذا اخترنا المذهب المشهور (واستدامة حكمها) إلى آخره نذكر اولا ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب ثم نشتغل بذكر كلام القوم اعلم إن الحركات الصادرة عنا بالاختيار إنما يصدر بعد تصور الفعل والغاية والضرورة قاضية بأن كثيرا ما نغفل في أثناء الحركة عنهما ومع ذلك يصدر تلك الحركة ولا حاجة لنا ها هنا إلى بيان كيفية الصدور وأنه كيف يصدر الامر الغير القار عن الامر الثابت لان موضعه في الحكمة ولا مدخل لتحقيقه في هذا المقام وظاهر أيضا أن الحركة التي يصدر بعد حصول الشوق والارادة المسماة بالاجماع الناشئين من تصور النفع والغرض لتلك الحركة إنما يطلق عليها في العرف أنها صادرة بالارادة لتلك الغرض والنفع وإن ذهل المتحرك في أثنائها عن تصور الفعل والنفع لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر به ما لم تحدث له إرادة أخرى لاصدار تلك الحركة ناشية من تصور نفع وغرض آخر وإذا تمهد هذا فنقول غاية ما ثبت

[ 93 ]

سابقا أنه لا بد في الوضوء من تصوره ممتازا عما عداه وأن يكون الغرض منه امتثال أمر الله وطلب مرضاته فإذا تصورنا الوضوء بالوجه الممتاز وتصورنا أيضا النفع الحاصل منه من الامتثال وقربه تعالى وانبعث من ذلك إرادة محركة للاعضاء فعلى المقدمة السابقة إنما يصدق على ذلك الوضوء في العرف أنه صادر بالارادة لغرض الامتثال والقربة وإن ذهلنا في أثنائه عن تصوره والغرض منه ما لم يحدث في الاثناء إرادة محركة للاعضاء للاتيان ببعض أفعاله ناشية من غرض آخر فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحصحا مخرجا عن العهدة لما علمت من عدم لزوم شئ آخر على المكلف سواه فظهر بما ذكرنا إن القدر الواجب إنما هو عدم إرادة مخالفة للارادة الاولى فيجب أن تفسر الاستدامة الحكمية به واعلم أنه على هذا يرد إشكال على قولهم بوجوب مقارنة النية لاول الوضوء إذ كما يجوز صدور الفعل بالارادة لغرض منع الذهول في أثنائه عن تصور الفعل والغرض مفصلا فكذلك يمكن صدوره أيضا بالارادة لغرض منع الذهول عنهما مفصلا في ابتداء الفعل أيضا إذا تصور الفعل والغرض في زمان سابق عليه وصار ذلك باعثا على صدور الفعل في هذا الزمان والضرورة حاكمة أيضا بوقوع هذا الغرض عند ملاحظة حال الافعال فحينئذ يجوز أن يصدر الوضوء لغرض الامتثال والقربة باعتبار تصوره وتصور ذلك الغرض في الزمان السابق فيلزم أن يكون ذلك الوضوء ايضا صحيحا لما عرفت من عدم لزوم شئ على المكلف زايدا على هذا المعنى فيبطل القول المذكور اللهم إلا أن يتمسكوا بالاجماع على وجوب المقارنة لكن الظاهران إثبات الاجماع مشكل إذ لم ينقل من القدماء شئ في أمر النية وثبوت الاجماع من المتأخرين بحيث يظن دخول المعصوم (عليه السلام) فيه ممالا سبيل إليه مع أن المصنف (ره) في الذكرى نقل عن الجعفي أنه قال لا عمل إلابنية ولا بأس أن تقدمت النية العمل أو كانت معه لكن الاولى الاخذ بما هو المشهور والوقوف عليه احتياطا للدين وبهذا ظهر أيضا وجه ما اخترناه من جواز تقديم النية عند غسل اليدين لان ما يمكن أن يتمسك به على عدم جواز التقديم على الوضوء أما الاجماع أو الشهرة وهما مفقودان في هذا التقديم هذا والقوم إنما ذكروا في تفسير الاستدامة الحكمية معنيين أحدهما ما ذكرنا وهو المذكور في المبسوط والمعتبر والمنتهى واستدل عليه في المعتبر والمنتهى بأن استدامة النية فعلا مما يتعسر أو يتعذر في الاكثر فاقتصر على استدامة الحكم مراعاة لليسر واستحب في المنتهى الاستدامة الفعلية ليقع جميع الافعال مقترنة بالنية و الاولى في الاستدلال على الاكتفاء بالاستدامة الحكمية ما ذكرناه لان هذا الدليل ربما يعترض عليه بأن عدم إمكان الاستدامة الفعلية لا يستلزم الاكتفاء بالحكمية بل يجب مراعاة الفعلية مهما أمكن فلما لم يمكن سقط وأما عدم مراعاتها بالكلية فلا إلا بدليل وأيضا لا وجه لقولهم إن الاستدامة الفعلية لما لم يمكن اقتصر على الحكمية لان هذا إنما يحسن إذا دل دليل على وجوب الاستدامة الفعلية ولا دليل عليه وما استدلوا به على وجوب النية من قوله (عليه السلام) إنما الاعمال بالنيات ونحوه مما تقدم لا يدل على وجوب الاستدامة الفعلية أصلا كما لا يخفى وثانيهما البقاء على حكم النية والعزم على مقتضاها وهذا هو الذي اختاره المصنف في الذكرى واستدل عليه أيضا بالدليل المذكور آنفا ويرد عليه أيضا الايراد إن المذكور إن أورد أيضا على المعنى الثاني أنه بعينه الاستدامة الفعلية التي نفاها المصنف (ره) بل نفس النية إذ هي عبارة عن العزم المخصوص ويمكن أن يجاب بالفرق بينهما بالاجمال والتفصيل فإن الاستدامة الفعلية هي أن يستحضر النية مفصلة كما هي في الابتداء إلى آخر الفعل والحكمية بهذا المعنى أن يستحضر مجملة وأورد أيضا إن ذلك مقتض لبطلان عبادة الذاهل عن العزم المذكور في أثناء العبادة وهو باطل قطعا ويمكن أن يقال أيضا أن المراد كما عرفت من العزم على مقتضى النية استحضارها وحصولها في النفس مجملة ولا نسلم انه مما ينتفي ما لم يحدث نية وإرادة اخرى منافية للاولى والحاصل إن المعنيين متلازمان لكن القايل بالمعنى الثاني كالمصنف (ره) كأنه زعم أن بعد ما حصل الغفلة عن تصور الفعل والغرض منه تفصيلا فكأنما يبقى في النفس أمرا إجمالي من التفصيل السابق هو المحرك والباعث للفعل إلى أن ينتهي الحركة وإن لم يكن لنا شعور به كما في اللعب باللحية أو نحوه فإن له سببا البته مع عدم علمنا به ولا يخفى أنه لا دليل على بطلان ما زعمه بل لا يبعد ادعاء الظهور في أن الامر كذلك ثم إن المصنف (ره) ذكر إن بناء التفسيرين على أن الباقي مستغن عن الموثر أم لا فالتفسير الاول بناء على الاول والثاني على الثاني والظاهر إن مراده (ره) بالباقي ها هنا الوضوء وبالمؤثر النية فيكون حاصل كلامه إن الباقي إن لم يكن محتاجا إلى المؤثر فالوضوء بعد حدوثه بالنية لا يحتاج في بقائه إلى بقاء النية فيكون باقيا إلى وقت حدوث مؤثر المقرونية نية أخرى بدون بقاء النية الاولى فعلى هذا تفسير الاستدامة الحكمية بأن لا ينوى نيه مخالفة للاولى إذ على هذا لا جزم ببقاء النية الاولى حتى يفسر الاستدامة به وإن كان محتاجا إلى المؤثر فحينئذ فالجزم ببقاء النية الاولى حاصل فلذا يفسر الاستدامة به واعترض عليه صاحب المدارك بأن هذا البناء غير مستقيم لان أسباب الشرع علامات ومعرفات لا علل حقيقية فيمكن القول بعدم الاستغناء عن المؤثر مع عدم اشتراط الاستدامة فضلا عن الحكمية وأنت خبير بما قدمنا إن النية ليست من الاسباب الشرعية للوضوء حتى يقال أنها من قبيل العلامات والمعرفات بل من الاسباب العقلية فإندفع ما أورده نعم يرد على المصنف أنه خلط الحدوث التدريجي بالبقاء وكأنه لاطلاق البقاء على الحدوث التدريجي أيضا في العرف لكنه ليس المعنى الذي في معرض النزاع فزعم أن بعد حدوث النية يحدث الوضوء ويبقى إلى الاخر وليس كذلك بل إنما يحدث

[ 94 ]

شيئا فشيئا ومثل هذا الباقي لا بد له من سبب إلى آخر وجوده على القولين فلا يمكن أن يكون وبناء كلام من فسر التفسير الاول على عدم الاحتياج إلى السبب بل أما بناؤه على أنه لا يرى إن السبب المستمر مع المسبب انما هو إجمال التفصيل السابق بل شئ آخر أو يقال إن تفسيره هذا لا ينافي بقاء النية نعم لا يستلزمها وفرق بينهما فحينئذ يجوز أن يعتقد بقاء النية مع تفسيره الاستدامة بهذا المعنى لانه أظهر وأقرب إلى الفهم من المعنى الاخر واعترض الشهيد الثاني (ره) أيضا في شرح الارشاد على المصنف (ره) بأن ذلك البناء إنما يتجه أن لو كانت النية بعد إحضارها يحصل منها أثر خارجي يستغني عن الموجود أو يحتاج إليه وليس كذلك بل عند غروبها عن القلب يلحق بالاعدام المفتقرة إلى المؤثر قطعا مع أن اللازم من الاحتياج إلى المؤثر وجوب إحضار النية بجميع مشخصاتها لا العزم المذكور فإنه غير الموجود الاول وغير مستلزم له وإن دخل ضمنا لكن الدلالة التضمنية ملغاة في هذه الاحكام ونظايرها انتهى وكأنه (ره) لم يحمل كلام المصنف على ما حملناه عليه وإلا فلا وجه لهذا الايراد أصلا والمعنى الذي حمله عليه بعيد جدا ويرد أيضا على إيراده الاخير إن استلزم الاحتياج إلى المؤثر وجوب إحضار النية بجميع مشخصاتها ممنوع وإنما يستلزم ذلك لو ثبت إن العلة المبقية يجب أن يكون بعينها هي العلة الموجدة وهي في محل المنع هذا (ولو نوى رفع حدث بعينه واستباحة صلوة بعينها فلا حرج) لا يذهب عليك أنه على ما اخترناه من عدم اشتراط قصد رفع الحدث أو الاستباحة الامر في هذه المسألة ونظائرها واضح وأما على رأي القائلين بالاشتراط فالمشهور بينهم ما ذكره المصنف وعللوا الاول بأن الاحداث تتداخل عند اجتماع أسبابها فلا يرتفع أحدها إلا بارتفاع الجميع وقد نوى رفع أحدها فوجب أن يحصل له بدلالة إنما لامرئ ما نوى فيحصل رفع الجميع وفيه إن تداخل الاحداث عند اجتماع أسبابها ممنوع لم لا يجوز أن يحصل من كل منها حدث على حدة لا بد لنفيه من دليل وعلى تقدير التداخل أيضا لا نسلم قولهم قد نوى رفع أحدها فوجب أن يحصل له لما علمت مرارا من عدم دلالة الرواية على أن جميع ما ينوي يحصل للمرء واحتمل العلامة (ره) في النهاية البطلان بناء على أن ما لم ينوي معه يبقى والاحداث لا يجري فإذا بقي البعض بقي الكل واحتمل أيضا رفع ما نواه خاصة بناء على أنها أسباب متعددة لمسببات متعددة قال فإن توضأ ثانيا لرفع آخر صح وهكذا إلى آخر الاحداث ولا يخفى ما فيه فتأمل وعللوا الثاني بأنه قد نوى أمرا ممكنا فوجب أن يحصل له بدلالة الرواية ولا يخفى إن حكمهم في هذه الصورة موجه لا من حيث الاستدلال بالرواية كما نقلنا لما عرفت من عدم تماميته بل من حيث إن وجود قصد الاستباحة لو فرض فهمه من الاية على ما زعموا لم يفهم منها إلا وجوب قصد الاستباحة مطلقا ولا شك أن في هذه الصورة يتحقق ذلك المعنى فيجب أن يحصل الامتثال ويخرج عن العهدة ويصح وضوءه بخلاف الصورة الاولى فإن جواز قصد الرفع والاكتفاء به عن قصد الاستباحة لا دليل عليه سوى ان رفع الحدث مستلزم للاستباحة فنيته مستلزمه لنيتها أو أنه عند نيته لما وجب حصوله بدلالة الرواية فيحصل لزمه كما مر سابقا وهذان الوجهان على تقدير تمامهما إنما يتمان فيما يثبت الاستلزام وما نحن فيه ليس كذلك للاحتمال الذي ذكرنا واعلم إن في الصورة الاخيرة يحصل استباحة الصلوة المنوية وغيرها لما علمت من صحة الوضوء وعند صحته يستباح به جميع الصلوات وهو ظاهر (ولو نفى غيرهما بطل) عدم البطلان في هذه الصورة على ما اخترناه ظاهرا إذا لم يصل تلاعبه بهذا القصد إلى تلاعبه بقصد القربة والامتثال أيضا وأما على رأيهم فقد اختلف فيه فذهب العلامة وفي القواعد إلى الصحة والمصنف في هذا الكتاب و (ى) إلى البطلان وجه الصحة انه قد نوى رفع حدث فيجب أن يحصل له بدلالة الرواية وهو إنما يحصل برفع جميع الاحداث كما مر فيرتفع جميع الاحداث ويصح الوضوء ويكون ضميمته النفي لغوا وكذا الحال في استباحة الصلوة وأنت بما قدمنا خبير بما فيه ووجه البطلان أنه قد نوى المتنافيين لان رفع حدث يستلزم رفع جميع الاحداث وبقاء غيره يستلزم بقاء ذلك الحدث أيضا فلو حصل له جميع ما نواه لزم حصول المتنافيين وهو محال وحصول أحدهما ترجيح من غير مرجح وفيه نظر لان الظاهر إن الرواية انما تدل على أن للمرء ما ينوي من العمل إذا كان ذلك العمل مما يصلح لان ينوي منه ذلك الشئ لا ما لا يصلح له كأن ينوي من الوضوء امتثال الصلوة مثلا وحينئذ يختار أنه يحصل له أحدهما وهو رفع الحدث ولا نسلم أنه ترجيح من غير مرجح لان الوضوء لا يصلح لا بقاء الحدث حتى ينوي منه ويحصل بخلاف رفعه فإن قلت الرواية دلت على أن ما لم ينو لم يحصل فحينئذ نعرف أنه لم ينو رفع غير ذلك الحدث فيجب أن لا يحصل له وإذا لم يحصل له ذلك لم يحصل له رفع ذلك الحدث أيضا فلزم اجتماع المتنافيين قلت أما اولا فيمكن أن يقال لا نسلم انه لم ينو رفع غير ذلك الحدث بل إنما نواه استلزاما ودلالة الرواية على أن ما لم ينو صريحا لم يحصل ممنوع وأما ثانيا فنقول أنه على هذا يلزم عليكم الحكم بالبطلان في صورة عدم نفي الغير أيضا لجريان هذا الوجه فيه بعينه مع أنكم حكمتم بصحته هذا وبما ذكرنا ظهر أن الصحة أشبه بقواعدهم (ولو نوى استباحة ما يكمل بالطهارة كالتلاوة أجزء) اختلف كلام الاصحاب فيه فالشيخ في المبسوط قطع بأنه إذا نوى استباحة شئ ليس من شرطه الطهارة لكن يستحب له كقرائة القرآن ودخول المسجد مثلا لم يرتفع حدثه وبه قال ابن إدريس أيضا في السرائر واستحسن المحقق في المعتبر الحكم بالاجزاء كما هو في هذا الكتاب والعلامة (ره) في القواعد والتذكرة والمنتهى ذهب إلى أنه لو نوى ما ليس من شرطه الطهارة بل فضيله أجزء وارتفع الحدث ولم يعلم أن مراده (ره) منه الاجزاء لو نوى استباحة ونواه بدون

[ 95 ]

قصد الاستباحة وقال في النهاية لو نوى ما يستحب له الطهارة كقرائة القرآن وقضاء الحاجة احتمل عدم الصحة لان هذه الافعال مباحة مع الحدث فلا يستلزم قصدها قصد رفعة والصحة لانه قصد كون ذلك الفعل على أكمل أحواله ولا يتم ذلك إلا برفع الحدث والوجه عندي التفصيل فإن كان الفعل مما يشترط فيه الطهارة كالصلوة المندوبة صح وإن كان يمتنع فيه رفع الحدث كالحايض للذكر والغاسل للتكفين والمتيمم لصلوة الجنازة لم يصح قطعا وإن لم يكن فإن كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء المقصود منه التنظيف لم يصح أيضا وإن كان باعتباره فإن قصد الكمال صح وإلا فلا وإن كان الفعل لا يتوقف على الوضوء ولا يستحب له الوضوء كدخول السوق إذا توضأ له لم يصح انتهى وكلام المصنف (ره) في الذكرى أيضا موافق للنهاية حيث قال ولو نوى استباحة ما الطهارة مكملة له كقرائة القرآن ودخول المساجد فالاقرب الصحة إن نوى إيقاعها على الوجه الافضل لتوقفه على رفع الحدث انتهى وتفصيل القول في هذا المقام أن يقال الاحتمالات في نية ما يكمل بالطهارة ثلاثة لانه أما أن ينوي استباحته أو كماله أو ينوي هو مطلقا من دون قصد الاستباحة والكمال فإن نوى الاول فالظاهر على مذهبهم من اشتراط قصد الاستباحة أو ما يستلزمه عدم الصحة وارتفاع الحدث به كما قال الشيخ في المبسوط وما ذكره العلامة في المنتهى بعد نقل قول الشيخ ويمكن أن يقال بارتفاع الحدث كأحد وجهي الشافعي لانه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له ما نواه عملا بالخبر وكونه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه ممنوع لانه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة وهو الوصلة الحاصلة لمن فعل ذلك وهو على طهارة فصحت طهارته كما لو نوى ما لا يباح إلا بها انتهى فالظاهر أنه لا ينفي ما قاله الشيخ (ره) لان ما ذكره أو لا من أنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له ففيه أنه لو صح ذلك فلا حاجة إلى قصد الاستباحة ورفع الحدث مطلقا والكلام إنما هو على تقديرها وما ذكره ثانيا من أنه نوى ما يتضمن رفع الحدث فعلى تقدير تمامه إنما يتم في الاحتمال الثاني والثالث بل الثاني فقط وأما الاحتمال الاول الذي هو صريح كلام الشيخ (ره) فلا كما لا يخفى وكذا الحال أيضا فيما ذكره المحقق في المعتبر بعد نقل قول الشيخ (ره) ولو قيل يرتفع حدثه كان حسنا لانه قصد الفضيلة وهي لا يحصل من دون الطهارة ولا يذهب عليك أن كلام المحقق أظهر فسادا من كلام العلامة كما يظهر عند التأمل فيه وإن نوى الثاني فالظاهر الاجزاء وارتفاع الحدث به على ما زعموه من أن الوضوء لهذه الاشياء إنما هو لاجل صدورها كاملة بالطهارة فهي إنما يحصل برفع الحدث وأما على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت إمثال هذه المقدمات فلا وحينئذ فكلام الشيخ وابن إدريس إن كان في هذه الصورة أيضا فلا وجه له وإن كان مختصا بالاول كما هو الظاهر فحسن وإن نوى الثالث ففيه وجهان من حيث إن القصد إلى هذا الشئ اعم من أن يكون لاجل استباحته أو كماله والعلم لا دلالة له على الخاص فلا يكون مستلزما لرفع الحدث ومن حيث إن الوضوء القصد إنما يصرف إلى القصد الصحيح ولما كان قصد استباحته غير صحيح فيصرف إلى كماله فيستلزم رفع الحدث ويمكن أن يرجح الاخير بأنه قد ورد في الشرع الوضوء لهذا الاشياء من غير تقييد بشئ فإذا توضأ بقصد هذه الامور لزم أن يمتثل به أمر الشرع وعند امتثال أمر الشرع يجب أن يترتب عليه ما هو المقصود للشارع وهو وقوع هذه الغايات كاملة ووقوعها كاملة إنما يستلزم رفع الحدث على زعمهم فثبت إن الوضوء بقصد هذه الامور انما يرفع الحدث فثبت ما ادعيناه إلا أن يقال على محاذاة ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى إن تعليل فضيلة تلك الافعال بالطهارة لا يستلزم صحة الوضوء لها إذا الموصل إلى حصول الفضيلة وضوء رافع للحدث فلينو رفعه أو استباحة شئ مشروط به وأنت خبير بأن هذا إنما يصح فيما لم يرد الامر بالوضوء لاجل شئ بل إنما ورد إن الشئ الفلاني مثلا كما له بالطهارة إذ على الثاني لا يبعد هذا القول إن لم يجعل تلك العبارة قرينة على إن المراد أنه توضأ المشئ الفلاني وأما على الاول فلا إذ بعد ورود الامر به بشئ مطلقا بدون تقييد بقصد الرفع أو الاستباحة لا مجال لهذا الاحتمال نعم يمكن أن يقال أنه إذا قيل توضأ للشئ الفلاني وكان معلوما من خارج إن إباحة ذلك الشئ لا يحتاج إلى الوضوء فيستفاد منه أن التوضي إنما هو لاجل كماله ويلزم من ذلك بناء على ما ذكروه في بيان وجوب قصد الاستباحة وجوب قصد الاستكمال أو ما يلزمه بزعمهم من رفع الحدث أو استباحة مشروط بالطهارة نظير ما قرروه في الوضوء للصلوة ولا يكفي قصد ذلك الشئ محملا فاندفع ما ذكر ويمكن أيضا أن يقال أن يكون الوضوء المندوب لهذه الامور رافعا للحدث على ما ذكرتم لا يستلزم أن يكون الوضوء الواجب أيضا بقصد هذه الامور كذلك فتأمل هذا كله على ما اختاروه من وجوب قصد الاستباحة أو ما يستلزمها وأما على ما اخترناه فالامر ظاهر من الصحة في جميع الاحتمالات غاية الامر أن يكون القصد في الاحتمال الاول لغوا لحصول الاستباحة بدونه لكنه لا يضر بالصحة وهو ظاهر هذا ثم أنهم استشكلوا في أمر صحة الوضوء للنوم ورفعه للحدث من حيث أنه كيف يعقل صحة الوضوء للحدث فالمحقق في المعتبر صححه وجعل الوضوء بقصده رافعا للحدث معللا بأنه قصد النوم على أفضل أحواله وهو لا يحصل من دون الطهارة وليس مراده أن فضيلة النوم أن يكون حال الطهارة على قياس ما عداه لانه ظاهر الفساد بل إن فضيلته أن يكون بعد الطهارة وهو معنى موجه معقول وذكر المصنف (ره) في الذكرى وجها آخر مثل ما ذكرنا آنفا في وجه الترجيح وأورد عليه بما نقلنا وقد مر تفصيل القول فيه ثم قال والتحقيق إن جعل النوم غاية مجاز إذ الغاية هي الطهارة في أن قبل النوم بحيث يقع النوم عليها فيكون من باب الكون على طهارة وهي غاية صحيحة انتهى وفيه أنه

[ 96 ]

لو أراد إن النوم ليس غاية أصلا وليس الوضوء لاجله بل إنما هو للطهارة في أن قبله فقط ففساده ظاهر لانه خلاف ما في الرواية وقد ذكرنا وجها صحيحا في معنى غايته فلم يعدل عنه وإن أراد أنه غاية لكن باعتبار الوقوع على الطهارة لا معها كما ذكرنا فهو مسلم لكن هذا لا يستلزم ممازية كونه غاية إذ غاية الوضوء ما يحصل له إباحة أو فضيلة بسبب الطهارة الحاصلة من الوضوء سواء كانت مع ذلك الشئ أو قبله ولا استبعاد في إيراث الطهارة المتقدمة فضيلة في ذلك الشئ بعدها كما يورث الوضوء المتقدم الطهارة بعده ولا يخفى عليك أنه على هذا يجري الاحتمالات الثلاثة المذكورة في قصد النوم أيضا مع ما يتعلق بها من الابحاث فقس عليها واستيقظ واعلم إن ورود الاشكال والاحتياج إلى دفعه إنما هو على رأيهم من أن الوضوء إنما هو لرفع الحدث فيما يمكن أن يكون رافعا وأما على ما ذكرنا من عدم تسليم هذا وأشباهه فالامر ظاهر إذ يجوز أن يكون أثر الوضوء أمرا آخر غير رفع الحدث باقيا حال النوم كما لا يخفى وقد بقي في المقام شئ وهو أنه هل يشترط في صحة الوضوء المندوب أو الواجب الذي لغير الصلوة نية رفع الحدث أو الاستباحة لمشروط بالطهارة إذا امكن تحققهما فيه أم لا أما على ما اخترناه من عدم اشتراطهما في الوضوء الواجب للصلوة فعدم الاشتراط فيما عداه ظاهر بالطريق الاولى سيما مع أنه لم يظهر عندنا ما ذكروه من معنى الحدث وأن الغرض من هذه الطهارات إنما هو رفعه وأما على مختارهم فالظاهر أنهم يقولون بالاشتراط أيضا فيما يكون مشروطا برفع الحدث مثل الصلوة المندوبة والطواف وإن كان دليلهم على تقدير تمامه إنما يدل على الاشتراط في الوضوء الواجب للصلوة إلا أن يتمسك بما ذكرناه (سابقا وأما فيما لا يكون مشروطا فلم نظفر بشئ ظاهر فيه أو إن كان كلام المصنف في الذكرى يشعر أدنى إشعارا بالاشتراط وما يمكن أن يتمسك به ما ذكرناه) ولا يخفى أنه على تقدير تمامه إنما يدل على وجوب أحد الامور الثلاثة من الرفع والاستباحة والاستكمال على تقدير أن يكون قصد ما يستلزم الاستكمال الذي يجب قصده كافيا كما ذكروه في الرفع والاستباحة في الوضوء الواجب إذ الرفع والاستباحة مستلزم للاستكمال بزعمهم كما مر وإن لم يكن قصد ما يستلزمه كافيا فإنما يجب قصد الاستكمال بخصوصه وقال المحقق الثاني (ره) في شرح القواعد في هذا المقام ويحتمل الاكتفاء بنية الغاية متمسكا بعموم قوله (عليه السلام) إنما لكل امرئ ما نوى ويظهر من كلام المصنف (ره) في الوضوء للتكفين فإنه استحب لذلك تردد و في الدخول به في الصلوة انتهى لا يذهب عليك إن ما ذكره من العلامة (ره) ليس ظاهرا فيما ادعاه لان كلامه إنما هو في وضوء الغاسل للتكفين قبل غسل المس وهو مما يجامع الحدث الاكبر وعدم اشتراط قصد الرفع والاستباحة فيه مما لا ريب فيه إنما الكلام فيما عداه فإن قلت إذا كان كلامه في هذا الوضوء فكيف يصح تردده في الدخول به في الصلوة إذ لا يصح الدخول حينئذ قطعا قلت مراده أنه يجوز به الدخول في الصلوة بانضمام الغسل يظهر ما ذكرناه من ملاحظة كلامه في النهاية والحاصل إن الظاهر بناء على كلمات القوم الداسرة بينهم ومعتقداتهم المشهورة عندهم أن يقولوا بوجوب قصد الاستكمال أو الرفع والاستباحة في الوضوء للغايات المذكورة ويمكن أيضا القول بالاكتفاء بقصد الغاية مجملا لما مر من أن يصرف إلى القصد الصحيح لقضاء العرف فلو لم يقولوا بأحد هذين القولين بل أما أن يقولوا بعدم وجوب القصد إلى شئ من الامور الاربعة أو بتعيين قصد الرفع أو الاستباحة أو غير ذلك فيتوجه عليهم الايراد بأنهم نقضوا مقالتهم وخالفوا عقيدتهم ومن ها هنا ظهر توجه مناقشة على العلامة في بحث الوضوء للتكفين حيث قال في التذكرة الاقرب عدم الاكتفاء بهذا الوضوء في الصلوة إذا لم ينو رفع الحدث وكذا في القواعد حاصلها أنهم كما يقولون في الغايات الي لا تجامع الحدث الاكبر أن الغرض من شرعية الوضوء لها إنما هو رفع الحدث فيجب قصده أو قصد ما يؤدي مؤداه فلا حد أيضا أن يقول إن الغرض من الوضوء للتكفين إنما هو رفع الحدث الحاصل من الوضوء وإن لم يكن رفعا تاما لانه هذا الوضوء إنما يمكن أن يرفع قدرا من الحدث كما اعترف به من أنه عند نية الرفع يصح الدخول به في الصلوة بعد انضمام الغسل فيجب حينئذ أيضا أما قصد رفع ذلك القدر أو ما يستلزمه كما في نظائره والفرق تحكم فلم حكم بصحة هذا الوضوء للتكفين بدون القصد المذكور فتأمل في المقام هذا ليظهر لك ما في الزوايا من الجنايا (ولو ضم المنافي بطل ولو ضم التبرد وغيره من اللوازم فوجهان) المراد بالمنافى الرياء وفيه إن القربة إن كانت هي القصد إلى امتثال أمر الله وموافقة إرادته فقط فجميع ما سوى ذلك من القصود مناف لها سواء كان رياء أو غيره وإن كان القصد إلى موافقه أمر الله في الجملة فالرياء أيضا ليس بمناف له وإن قيل أنها الامتثال لامر الله بدون أن يكون القصد مراءات الناس فحينئذ كيف يمكن ضم الرياء إلى القربة والحاصل إن المنافاة إن كانت بالمعنى المتعارف فلا يمكن الضم وإن كانت بمعنى المخالفة فلا اختصاص لها بالريا ولعل المراد المعنى المتعارف وأريد بضمة الضم بحسب بادي النظر وإن لم يكن عند التحقق للمنافاة والامر في مثله بعد وضوح المراد سهل ثم اعلم إن الامر في وجوب القربة واشتراطها إنما يحتمل أوجها وجوبها في الجملة أي سواء كانت مستقلة أو لاشتراطها كذلك وجوب استقلالها واشتراطه والاستقلال أما بالنسبة إلى الرياء أو غيره فها هنا ستة أمور أما الاول فقد ذكرنا سابقا أن العلامة (ره) في المختلف ادعى الاتفاق عليه وأوردنا أيضا بعض الاستدلالات والابحاث وأما الثاني فالظاهر وقوع الخلاف فيه لانهم نقلوا عن المرتضى (ره) إن الصلوة بقصد الريا صحيحة بمعنى إسقاط القضاء والعقاب لكنها لا يوجب الثواب والظاهر إطراد الحكم في غير الصلوة أيضا كالوضوء ونحوه بالطريق الاولى وكذا في غير الرياء أيضا من القصود التي يخالف القربة فإن قلت إن كان المرتضى (ره) قائلا بأن الصلوة بقصد الرياء مسقطة للعقاب فيلزم من ذلك وقوع

[ 97 ]

الخلاف في الامر الاول أيضا لانه إذا كان قصد القربة واجبا فلا ريب في استحقاق العقاب تركه فيخالف ما ذكرته من الاتفاق قلت أما أولا فيمكن أن يقال مراده سقوط العقاب الذي بسبب ترك الصلوة لا سقوط العقاب مطلقا كيف والظاهر أن لا خلاف في حرمة الرياء فيكون مستحقا للعقاب بسببه وأما ثانيا فنقول لا بعد في ذلك إذ يجوز أن لا يكون المرتضى (ره) قابلا بالوجوب أيضا والاتفاق الذي أعاده العلامة (ره) كأنه من حيث عدم الاعتداد بخلافه لشذوذه وندوره الوقوع الاتفاق بعده أو قبله والله أعلم ثم ما يمكن أن يحتج به على الاشتراط أمور الاول قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله الاية وجه الاستدلال أنه تعالى حصر الامر في الامر بالعبادة حال الاخلاص فلا يكون طبيعة العباد مطلقة مأمورا بها فلا يكون الاتي بها بدون الاخلاص اتيا بالمأمور بها فيكون باطلة وهذا إن كان في حق أهل الكتاب ظاهرا لكن قوله تعالى وذلك دين القيمة أي المستمرة على نهج الصواب كما في مجمع البيان يدل على ثبوته في حقنا أيضا وفيه نظر أما أولا فلان الحصر ممنوع إذ يجوز أن لا يكون اللام بمعنى الباء كما في قوله تعالى وأمرنا لنسلم بل بمعناها الظاهر وهو التعليل وحينئذ يجوز أن يكون أوامر أخرى أيضا غير الامر بالعبادة حال الاخلاص لكن يكون الغرض منها هذه باعتبار أن يكون لمتعلقاتها دخل في حصول هذا المعنى وعلى تقدير كونها بمعنى الباء أيضا يمكن أن يقال ذكر العبادة حال الاخلاص فقط كأنه من باب الاكتفاء بالاصل والعمدة كما اختص الصلوة والزكوة من بين العبادات بالذكر لفضلهما وشرفهما ويؤيده إن الظاهر ان الاوامر التي في الكتاب كثيرا ما يتعلق بغير العبادة كما لا يخفى إلا أن يقال إن جميع ما أمر عبادة ولا يخلو عن بعد وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم الحصر لا نسلم إن إخلاص الدين بمعنى القربة التي مرادهم إذ يجوز أن يكون الدين بمعنى الملة والاسلام كما في القاموس ويكون إخلاصه اختياره خالصا لله أو يكون بمعنى العبادة أيضا لكن يكون اخلاصه أن لا يكون عبادة لغيره تعالى من الاوثان وغيرها لا أن يكون لغرض سواء موافقة إرادته وكلام القاضي محتمل للوجهين معا وأيضا يمكن أن يكون الاخلاص ترك الرياء كما فسر به في الصحاح والقاموس وحينئذ وإن كان نافعا في بعض مدعاهم لكن لا ينفع في الجميع وأما ثالثا فلانه لا نسلم إن القيمة بمعنى المستمرة على نهج الثواب لم لا يجوز أن يكون بمعنى الحقة والمستقيمة ولا شك أن كل شريعة حقة مسقيمة وذلك لا ينافي طريان النسخ عليها ولو سلم انه بذلك المعنى فلا نسلم إن ذلك إشارة إلى حصر الامر في العبادة حال الاخلاص لم لا يجوز أن يكون إشارة إلى العبادة حال الاخلاص وكون تلك العبادة ثابتة في شرعنا لا يستلزم أن لا يكون الامر بالعبادة مطلقة أيضا وأرادا فيه هذا وقد يستنبط اشتراط الاخلاص من قوله تعالى حنفاء وفيه ضعف الثاني الايات الواردة بالامر بالاخلاص المتقدمة في صدر بحث النية ووجوه الايراد عليها أيضا ظاهر مما ذكرنا سابقا وآنفا الثالث إن الرياء حرام للاتفاق كما هو الظاهر ولقوله تعالى الذين يراؤون الناس ولا يشرك بعبادة ربه أحدا إلى غير ذلك من الاخبار والروايات والنهى في العبادة مستلزما للفساد وفيه أنا لا نسلم أنه من قبيل النهي في العبارة إذ يجوز أن يكون قصد مراءاة الناس حراما لا أن يكون العبادة بذلك القصد حراما ولو نسلم فلا نسلم إن النهي في العبادة مستلزم للفساد وما ذكروه في بيانه مدخول وليس ها هنا موضعه وأنت خبير بأن هذا الوجه على تقدير تمامه لا يدل على تمام مدعاهم بل على بعضه كما سبق نظيره ويراد أيضا على الوجوه الثلاثة جميعا منع في خصوص ما نحن فيه وهو منع إن الوضوء عبادة لم لا يجوز أن يكون من قبيل إزالة النجاسات الرابع قوله (عليه السلام) إنما لامرئ ما نوى ومن لم يقصد القربة بالمعنى المذكور لم يقصد الامتثال ولا حصول الثواب ولا سقوط العقاب فلم يكن له شئ منها فلا يكون عبادته صحيحة وفيه ما ذكر مرارا من الاجمال الحاصل فيه وعدم ظهور المراد منه بحيث يصلح للاحتجاج وكان المراد منه عدم حصول الاجر والثواب بدون أن يكون القصد إلى مرضات الله تعالى فلا يتم المطلب هذا ما يقال في هذا المقام وقد عرفت عدم تمامية شئ منها لكن الشهرة بين الاصحاب وتتبع الايات والروايت الواردة في هذا الباب مما يثمر ظنا بالاشتراط لانه وإن أمكن المناقشة في كل من الايات والروايات لكن يتخذ من جميعها إن العبادة بدون القربة ليست عبادة خصوصا مع قصد الريا فإذن الاولى الاخذ بالاحتياط التام في هذا المقام وأما الثالث والرابع وهو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى الرياء واشتراطه فهو أيضا مما اشتهر بين الاصحاب وخلاف المرتضى جار ها هنا أيضا اما فيهما أو في الثاني فقط والدلايل والابحاث أيضا يعلم مما سبق وأنت خبير بأن إثبات الحكم في هذا المقام أصعب في سابقه وأما الخامس والسادس وهو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى غير الرياء من التبرد والتسخن ونحوهما واشتراطه فمما اختلف فيه خلافا شايعا فالشيخ (ره) في المبسوط حكم بعدم الاشتراط وكذا المحقق في المعتبر والشرايع والعلامة في الارشاد وقد علمت إن الظاهر ذهاب المرتضى (ره) إليه أيضا بطريق الاولى والعلامة في بعض كتبه وجمع آخر مثل المحقق الثاني والشهيد الثاني ما لوا إلى الاشتراط والمصنف (ره) متردد في هذا الكتاب والذكرى والظاهر أن لا فرق ها هنا بين الوجوب والاشتراط فمن قال بالوجوب قال بالاشتراط ومن لم يقل بالاشتراط لم يقل بالوجوب أيضا حجة الشيخ ومن تبعه أنه فعل الواجب وزيادة غير منافيه فيكون صحيحا وفيه إن عدم المنافاة أول البحث إلا أن يرجع كلامهم إلى منع المنافاة أول وهم وإن كانوا مستدلين لا يقبل منهم المنع لكن استدلالهم في الحقيقة يؤول إلى أصل البرائة وعدم ثبوت قدر زايد على ما أثبتوه في هذا الاعتبار ويتوجه منهم منع المنافاة واحتجوا أيضا بأن اللازم واجب الحصول وإن لم ينوه فيكون نيتها كعدمها وفيه أولا النقض بالريا لان رؤية الناس أيضا لازم للفعل سواء نويت أم لا وثانيا إن لزومه لا يقتضي جواز قصده وإيقاع الفعل لاجله وهو ظاهر واحتج المشترطون بأنه مناف للاخلاص وفيه ما مر من منع المنافاة وعدم تسليم ثبوت قدر زايد على اشتراط القربة في الجملة سواء استقلت أو لا هذا ولا يذهب عليك أن

[ 98 ]

الظاهر كما عرفت من المباحث ما ذهب إليه الشيخ من عدم البطلان خصوصا إذا كان قصد القربة مقتضيا تاما بمعنى أنه لو لم يكن الضميمة أيضا لكان محركا وباعثا على الفعل واعلم أيضا إن الظاهر أن الخلاف فيما إذا لم يكن الضميمة راجحة بحسب الشرع وأما إذا كانت راجحة كقصد الامام باظهار تكبيرة الاحرام اعلام القوم وضم الصائم إلى نية الصوم قصد الحمية ومخرج الزكوة ظاهرا اقتداء غيره به ونحو ذلك فيصح اتفاقا والله أعلم (ولا يصح الطهارة وغيرها من العبادات من الكافر) بعد ما علمت من وجوب القربة وظهر عدم إمكانها في حقه لاخفاء في صحة هذا الحكم (ولو نوى قطع الطهارة أو ارتد بطل فيما بقي فيبني مع العود والبلل ويستأنف مع الجفاف) فيه حكمان عدم بطلان ما سبق وبطلان ما بقي أما الاول فلصدوره بشرايطه صحصحا والبطلان لا بد له من دليل ولا دليل وأما الثاني فلما علمت من وجوب الاستدامة الحكمية بالمعنى المذكور فلو قطع نيته لكان ما يأتي به بعده ليس بقصد القربة وكذا لو ارتد وما ذكره من النبأ مع عدم الجفاف والاستيناف معه فيظهر إنشاء الله تعالى في مبحث الموالاة (ولا يضر غروبها إلا مع نية المنافي أو اللازم) قد علم وجهه مما سبق (ولو أمكن استحضاره فعلا في جميع الوضوء أو بعضه لم يجب) هذا أيضا ظهر مما تقدم وقد تقدم إن العلامة قال في المنتهى بالاستحباب وإثباته مشكل إلا أن يقال باندراجه تحت حضور القلب المندوب إليه في الروايات (والخالي من موجب الوضوء ينوى الندب فلو نوى الوجوب أو نوى من وجب عليه الندب بطل في الاقوى) وجه الحكم الاول ظاهر على ما اختاروه من اشتراط قصد الوجه وأما على ما اخترناه من عدم الاشتراط فلا يبطل وأما الحكم الثاني فإن كان المراد منه إن فعل الوضوء الواجب الذي للصلوة مثلا بقصد الندب بطل فله وجه على رأيهم من اشتراط الوجه لكن الظاهر أنه ليس بمراد بل المراد أن وقت اشتغال الذمة بموجب الوضوء لا يندب الوضوء أصلا مثل الوضوء الواجب فلو نوى الندب كان باطلا كما مر في بحث اشتراط الوجه وهذا الحكم وإن كان دايرا في السنتهم لكن لم نجد له وجها ظاهرا وما يتخيل له من الوجه أمور الاول إن الامر بالشئ نهى عن ضده فلو كان الوضوء للصلوة مثلا مأمورا به وجوبا لما كان الوضوء لشئ آخر الذي هو ضد الوضوء الاول مأمورا به ندبا وضعفه ظاهرا لان هذا الحكم على تقدير تمامه إنما هو في المأمور به المضيق لا مطلقا و أيضا لا نسلم التضاد لان الوضوء المندوب يجامع الواجب لما ذكرنا سابقا من جواز التداخل بين الواجب والمندب وفيه إن تداخلهما اما مع نيتهما معا أو مع نية الندب فإن كان الاول فيمكن أن يقال هذا لا يضرهم لان مرادهم أن الوضوء حينئذ بقصد الندب فقط بطل وإن كان الثاني فنقول إن جعله امتثالا للامر الواجبي لا يصح لما يثبت عندهم من أن الوضوء الواجب لا بد فيه من قصد الوجوب فتدبر الثاني إن تحقق الندب حينئذ يخرج الواجب عن الوجوب إذ يجوز أن يتوضأ حينئذ ندبا وعنده يرتفع الحدث لما مر مرارا وعند ارتفاع الحدث لا يجب الوضوء فيلزم ما ذكرنا واشتراط الوجوب بعدم الاتيان به ندبا تقييد من غير دليل وفيه أنه كما إن الامر الواجبي مطلق لا بد لتقييده من دليل فكذا الاوامر الندبية فلم يخصصونها دونه وأيضا خروج الواجب عن الوجوب ممنوع إذ عند الاتيان به ندبا يمتثل الامر الواجبي أيضا وفيه مثل ما مر آنفا الثالث إن اجتماع أمر الوجوب والندب يستلزم اجتماع المتضادين إذ عند اجتماعهما يكون الوضوء الواحد متعلقا لهما الصدق الامتثال وحينئذ يلزم أن يكون واجبا وندبا وهو محال وإذا لم يجز اجتماعهما فأما أن يرتفع الوجوب أو الندب والاول بطل الاجماع فتعين الثاني وهو المراد وفيه إن الملازمة ممنوعة لجواز أن لا يجوز التداخل مطلقا كما هو رأي بعض وعلى تقدير جوازه لا يجوز ها هنا لما ذكر ثم فيكون الامتناع قرينة على أن المراد بالامرين تعدد متعلقيهما ما في الصور التي يعلم لزوم التعدد بالدليل مثل نافلة الصبح وفريضة ونحوهما ولو سلم فلا نسلم امتناع اجتماع الوجوب والندب وقد مر مرارا والحاصل إن هذا الحكم مما يشكل إثباته فالظاهر جواز الوضوء المندوب حال اشتغال الذمة بموجب الوضوء فإن جوزنا التداخل كما هو الظاهر يكون كافيا عن الواجب أيضا وإلا فلا بد من وضوء آخر للواجب (ولو نوى لكل عضو نية تامة بطل وأولى منه لو نوى رفع الحدث عنه لا غير) المراد بالنية التامة لكل عضو أن لا ينوي في الابتداء فعل الجميع بالوجه المذكور سابقا بل ينوي عند غسل الوجه أنه يغسل الوجه للقربة وساير الشروط المعتبرة وكذا عند غسل اليد إلى آخر الوضوء وذهب العلامة (ره) في جملة من كتبه إلى الصحة وهو الاظهر لنا إن القدر الثابت وجوبه بالدلائل السابقة أن يفعل الفعل لمحرك قصد القربة أما مع قصد الوجوب والاستباحة أيضا كما هو رأيهم أو لا كما هو المختار ولا ريب في تحقق هذا القدر في الفرض المذكور وأما وجوب القصد في الابتداء لجملة الفعل فلا دليل عليه والاصل برائة الذمة حتى يثبت بل قد يقال هذا أولى من القصد الابتدائي للمجموع لان ارتباط النية الخاصة بكل عضو أقوى من ارتباط النية العامة واحتجوا على البطلان بأن الوضوء عبادة واحدة فلا يفرد بعضها عن بعض وبالقطع بأن صاحب الشرع لم يفعل ذلك وكلاهما ممنوعان كما لا يخفى ولا يخفى إن هذا قريب مما حكم بصحته من فرض نية قطع الوضوء فتأمل وأما الحكم الثاني فظاهره البطلان على رأيهم من وجوب قصد الرفع لان الحدث ليس ما يتعلق بعضو عضو بل إنما يتعلق بالمجموع من حيث هو مجموع وقصد رفعه عن العضو لا يستلزم الرفع عن المجموع فلا يتحقق ما هو الواجب فيكون باطلا نعم لو قيل بقيامه بالمجموع بطريق السريان لكان للصحة وجه بناء على ما ذكر في صحة

[ 99 ]

الوضوء بقصد رفع حدث معين وكذا الحكم لو قصد الرفع عن الاعضاء الاربعة وأما على رأينا من عدم وجوب قصد الرفع فالحكم الصحة وهو ظاهر (ولو غسلت اللمعة بقصد الندب جهلا بها فوجهان) اللمعة بضم اللام في الاصل قطعة من النبت إذا أخذت من اليبس والمراد هنا الموضع الذي لم يصبه الماء والوجهان الصحة والبطلان أما الصحة فلاقتضاء النية الاولى وجوب الغسل فالطارئ لا يؤثر ولان شرعية المندوب إنما هي بعد الفراغ من الوجاب فقبله لا يشرع فقصده ممتنع فبقي عل الاول وكلاهم ضعيفان لان لنيه الاولى إنما يؤثر ما لم يطرء نية مخالفة لها وإلا يلزم أن لا يبطل الوضوء بطريان نية ضد القربة ولان عدم المشروعية قبل الفراغ من الواجب إنما يستلزم امتناع القصد مع العلم بعدم الفراغ أما إذا اعتقد الفراغ فلا مانع من القصد وهو ظاهر وأما البطلان فلعدم وقوع الضووء بتمامه بقصد الوجوب حقيقة أو حكما مع لزومه وقد أيد الاول بأن شرعية الثاني إنما هي لتدارك ما فات في الاول فيجب أن يحصل وينبه عليه حسنة زرارة وبكير عن الباقر (عليه السلام) إذ سئلاه عن أجزاء الغرفة الواحدة فقال نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله وفيه أيضا ضعف كون الشرعية المتدارك ممنوع لا بد له من دليل والحسنة المذكورة ظاهرها الغسلة الاولى لا الثانية كما لا يخفى واعلم أن بطلان الوضوء ها هنا يمكن تعليله بوجهين باعتبار نية الوجوب وباعتبار نية الاستباحة وما ذكر من التصحيح والابطال إنما هو بالاعتبار الثاني وإذا كان الغسلتان واجبتين أو مندوبتين يسقط الاعتبار الاول إلا إذا اعتبر في النية قصد حيثية الوجوب والندب وبما ذكرنا ظهر أن الاظهر على مختارهم من اشتراط قصد الوجه والاستباحة البطلان في هذه الصورة وعلى ما اخترناه من عدم اشتراطه لحكم الصحة ولا يخفى إن البطلان إنما هو عند جفاف الاعضاء وإلا فيغسل اللمعة بقصد الوجوب والاستباحة ويأتي بما بعده (وفي تجديدها بعد) أي لو غسلت اللمعة حال تجديد الوضوء ففي الصحة حينئذ بعد ووجه البعد بالنسبة إلى الاول ظاهر إذ قد خرج عن الوضوء الاول بالكلية والوضوء الثاني فعل آخر مباين له فإبقاء حكم نية الاول فيه بعيد ولا يخفى إن هذا ينافي ما ذكره سابقا من أن في المجدد قول قوي بالرفع إلا أن يقال إن السابق ليس مذهبه وإن اعتقد فيه قوة أو يقال بالرجوع وكلاهما لا يخلو من شئ ولا بأس أن نذكر ها هنا ما وعدنا سابقا من القول برفع المجدد وتوضيح الحال فيه اعلم أنه على ما ذهبنا إليه من عدم اشتراط الوجه والاستباحة لا إشكال في القول برفع المجدد وأما على ما ذهبوا إليه من اشتراطهما فيلزم في بادي النظر عدم الحكم بالرفع باعتبارين لكن الشيخ (ره) مع القول باشتراط قصد الاستباحة قال في المبسوط فإن توضأ ولم يحدث ثم جدد الوضوء وصلى عقيبه ثم ذكر أنه كان ترك عضوا من الاعضاء في احدى الطهارتين كانت صلوته صحيحة لانه أي الطهارتين كانت كاملة صحت الصلوة بصحتها سواء كانت الاولى أو الثانية وكذا قال فيه بإعادة الصلوة الاولى فقط لو صلى بكل منهما صلوة وبه قال أيضا في الخلاف وهذه الاقاويل يدل على اعتقاده الرفع في المجدد وتعجب العلامة (ره) منه في المختلف أنه في المبسوط اختار ما قلناه نحن في صفة النية ثم ذكر هذا الفرع الذي لا ينسحب عليه ووجه المصنف (ره) كلام الشيخ في الذكرى بأنه إنما قال في المجدد بالرفع وإن لم يقصد مع اعتقاده اشتراط القصد لان شرعية المجدد إنما هو لتدارك الخلل وكمالية الطهارة فيجب أن يحصل وإلا لكان لغوا فكان هذا مستثنى من القاعدة المذكورة بدليل من الشرع وهذا هو وجه قوة القول بالرفع في المجدد الذي ذكره المصنف (ره) سابقا وفيه إن كون شرعية المجدد لتدارك الخلل ممنوع إذ لا دليل عليه وما يذكره في الذكرى وتبعه صاحب المدارك من أنه الظاهر من فحاوي الاخبار غير ظاهر إذ لم نجد في الاخبار وما يدل عليه بل قد ورد في بعض الاخبار أن تمامية الوضوء وتدارك خلله بغسل الجمعة كما تقدم في بابه واستدل ايضا صاحب المدارك على هذا القول بأن نية الاستباحة إنما يكون معتبرة إذا كان المكلف ذاكرا للحدث لا مع اعتقاد حصول الاباحة بدونه وفيه إن هذا تخصيص من غير دليل واستشهد له أيضا بما رواه الفقيه من أجزاء غسل الجنابة وما أجمع عليه الاصحاب من أجزاء صوم يوم الشك بنية الندب عن الواجب وما ورد من استحباب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان تلافيا لما عساه فاته من الاغسال الواجبة ونحو ذلك وفيه أيضا إن بعد تسليم تماميته ودليلهم على اشتراط قصد الوجه والاستباحة لا وجه لهذه الامور إذ يجب على هذا القول بخروج ما خرج بالدليل وإبقاء الباقي نعم يمكن منع دليلهم ذلك وجعل هذه الامور شاهدا تدل على المنع لكنه غير المبحث إذ الكلام على تقدير التسليم والمحقق (ره) في المعتبر قال باشتراط الاستباحة و حكم في المجدد بالرفع لكن اشترط فيه أن يجدد بقصد الصلوة لا أن يقصد وضوء مطلقا واستدل على الرفع بالقصد المذكور بأنها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا يحصل إلا بها وفيه إن حصول الفضيلة إنما يمكن بعد رفع الحدث فلو لم يرتفع الحدث بالوضوء الاول لكان نيته عشاء إذ النية إنما تحصل الامر الممكن ولو سلم حصولها أيضا فلا يكفي في صحة الصلوة لان مجرد الفضيلة لا يكفي فيها بل لا بد من الرفع ولم يحصل فإن قلت لما نوى الفضيلة فيجب أن تحصل للرواية وحصولها يتوقف على الرفع فيجب أن يحصل هو أيضا قلت أما أولا فيلزم حينئذ النقض برفعه لو قصد به وضوء مطلقا أيضا مع أنه نفاه إذ يجري الدليل فيه فنقول أيضا أنه قصد الوضوء الشرعي فيجب أن يحصل له وضوء شرعي وحصوله يتوقف على الرفع فيحصل أيضا وأما ثانيا فلما

[ 100 ]

علمت من أن النية انما تحصل الامر الممكن (والفضيلة ليست بممكن لانها موقوفة على الرفع) والرفع ها هنا ليس بممكن لانه موقوف على الوضوء بقصد الرفع ولم يتحقق ويمكن أن يقال لا يتوقف حصول الرفع على الرفع بقصد الرفع بل أما بقصده أو بقصد ما يستلزمه وها هنا قصد ما يستلزمه وهو الفضيلة وقد يقال إن حصول ما يتوقف عليه المنوي أما يسلم فيما يمكن حصول المنوي وأما فيما لا يمكن كما فيما نحن فيه فلا والسند ظاهر ووجه عدم الامكان ها هنا إن هذا الوضوء لا يصلح لان يكون محصلا للرفع والفضيلة معا وإلا لكان ابتدائيا و مجددا معا وهو محال بل عند كونه رافعا يفوت التجديد اللهم إلا أن يقال بعدم لزوم إمكان الموقوف وأنه بمنزلة قصد شيئين فإذا لم يمكن أحدهما تحقق الاخر فتدبر وبما قررنا ظهر أن الاظهر عل تقدير اشتراط الوجه والاستباحة عدم رفع المجدد كما لا يخفى هذا كله إذا حمل مراده (ره) من قصد الصلوة وتحصيل الفضيلة على ما هو الظاهر من الاتيان بالصلوة وعلى الوجه الكامل وأما إذا حمل على قصد الاستباحة التقديرية وتدارك ما على فإته في الوضوء الاول فلا يرد ما ذكر لكن يبني الكلام حينئذ على اشتراط الجزم في النية وعدمه فعلى الاول لا يصح ما ذكر وعلى الثاني يصح واعلم إن المصنف (ره) في الذكرى قال إن الوضوء المجدد لا بد فيه من ذلك القصد وبدونه لا يشرع وفيه تأمل لا يخفى وجهه (وفي الغسلة الثانية منه أشد بعدا) وجهه ظاهر (وأبعد من الجميع لو انغسلت في الثالثة) المراد الغسلة الثالثة التي يكون بدعة سواء كانت في الوضوء الاول أو الثاني ويتفاوت البعد فيهما أيضا كما لا يخفى ووجه الابعدية أنها بدعة ليست بشرعية فكيف يحسب في الشرعي وهو ظاهر ولا يذهب عليك إن الظاهر على ما اخترناه أيضا عدم الصحة في هذه الصورة لما قررناه من أنه لا بد من أن لا ينوي إلى آخر الوضوء نية مخالفة للقربة وها هنا قد انتفى ذلك الشرط نعم لو لم يعتقد بدعية الثالثة ففعلها معتقدا شرعيتها أو اعتقد لكنه غفل فأتى بها بقصد الشرعية لكان الوجه حينئذ الصحة (وطهارة الصبي تمرينية فينوي الوجوب) ليقع التمرين موقعه والمراد بالوجوب أما الوجوب في حقه بمعنى اللابدية أو الوجوب في حق المكلف أو يقال بعدم كونه قصدا حقيقيا بل تخيليا شبيها بالقصد ليعتاد ويمرن عليه وقد يقال أنه ينوي الندب لتحققه في حقه دون الوجوب لعدم تحققه أما الثاني فظاهر وأما الاول فلان الندب لا معنى له سوى أن يكون مطلوبا من الشارع ويثاب على فعله ولا يعاقب على تركه وهذا المعنى متحقق في فعله أما المطلوبية فلامر الشارع الولي بأمره والامر بالامر أمر وأما الثواب فلقبح أن يأمر أحد أحدا بمشقة بدون عوض وأما الثالث فظاهر والظاهر أنه إذا كان له تميز ويفعل ما يفعله بقصد القربة فلا يبعد حينئذ القول بأنه مثاب وأما إذا لم يكن كذلك فلا نعم القول بلزوم العوض كأنه لا بأس به (فلو بلغ في الوقت استأنف إن بقي قدر الطهارة وركعة وإلا فلا) وجوب الاستيناف بناء على عدم كونها طهارة شرعية وكذا ساير أفعاله لعدم التكليف في حقه وبه قال العلامة (ره) أيضا وكلام الشيخ (ره) في المبسطو ط يدل على شرعية أفعاله لما حكم بأن الصبي والصبية إذا بلغا في أثناء الصلوة بما لا ينقض الطهارة إتما وفي الخلاف أوجب إعادة الصلوة مع بقاء الوقت محتجا بأن الندب لا يجزي عن الواجب ولم يذكر الطهارة وهذا أيضا يشعر باعتقاده شرعيتها من حيث حكمه بالندبية ومن حيث عدم ذكر الطهارة إذ لو كان اعتقد عدم الشرعية لكان الظاهر الحكم بإعادة الطهارة أيضا فإذن الظاهر اعتقاده الشرعية لكن حكم باعادة الصلوة للوجه المذكور ولما لم يجز هذا الوجه في الطهارة إذ بالطهارة المندوبة يستباح الصلوة الواجبة لم يحكم بإعادتها والمحقق (ره) في المعتبر وافق المبسوط في الصبية ووجه كونها شرعية بأمر الولي بأمره كما مر واستدل على شرعية طهارته خاصة بوجه آخر وهو أنها يستباح بها الصلوة التي هي حرام على المحدث وضعفه ظاهر والمسألة محل تردد والحكم بوجوب استيناف الطهارة لا يخلو من إشكال وما ذكره من الاشتراط سيجئ القول فيه في كتاب الصلوة انشاء الله تعالى (وغسل الوجه وهو ركن وكذا غسل باقي الاعضاء) المراد بالركن الجزء ويلزم الركنية بطلان الوضوء بترك واحد منها لعدم الاتيان بالمأمور به معه والذي يدل عليها الاية والاخبار والاجماع (وهو من قصاص الشعر إلى المحادر طولا وما دار عليه الابهام والوسطى عرضا) القصاص مثليه القاف منتهى منابت شعر الرأس من مقدمه ومؤخره والمراد هنا المقدم والمحادر جمع محدر أي محل الانحدار والمراد طرف الذقن وهو بالتحريم مجمع اللحيين اللذين فيهما منابت الاسنان السفلى وتحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء بهذا الحد طولا وعرضا هو المشهور بين الاصحاب بل كاد أن يكون إجماعا وفي المعتبر والمنتهى أنه مذهب أهل البيت (عليه السلام) واستدل عليه بما رواه الفقيه في باب حد الوضوء في الصحيح قال قال زرارة بن أعين لابي جعفر الباقر (عليه السلام) أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يتوضأ الذي قال الله عن رجل فقال الوجه الذي قال الله عز وجل بغسله الذي لا ينبغي لاحد أن يزيد عليه وينقص منه إن زاد عليه لم يوجر وإن نقص منه أثم ما دارت عليه الابهام والوسطى من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه فقال الصدغ من الوجه قال لا وهذه الرواية في التهذيب والكافي أيضا في باب صفة الوضوء وباب حد الوجه مضمرة مع أدنى تغيير ومعنى الرواية على ما فهمه القوم إن قوله (عليه السلام) ما دارت عليه الابهام والوسطى بيان لعرض الوجه وقوله من قصاص شعر الرأس إلى الذقن بيان لمطوله وقوله (عليه السلام) ما جرت عليه الاصبعان انتهى كأنه تأكيد لبيان العرض و حملها المحقق البهائي (ره) على معنى آخر وهو أن كلا من طول الوجه وعرضه ما اشتمل عليه الابهام والوسطى بمعنى إن الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن وهو مقدار ما بين الاصبعين غالبا إذا فرض ثبات وسطه وأدير على نفسه ليحصل شبه دايرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله قال في الحبل المتين وذلك

[ 101 ]

لان الجار والمجرور في قوله (عليه السلام) من قصاص شعر الرأس أما متعلق بقوله دارت أو صفة مصدر محذوف والمعنى إن الدور أن يبتدي من القصاص منتهيا إلى الذق وأما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه وهو لفظ ما إن جوزنا الحال عن الخبر والمعنى إن الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن فإذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية وطرف الابهام على آخر الذقن ثم أثبت وسط افنراجهما ودار طرف الوسطى مثلا على الجانب الايسر إلى أسفل دار طرف الابهام على الجانب الايمن إلى فوق وتمت الدائرة المستفادة من قوله (عليه السلام) مستديرا وتحقق ما نطق به قوله لما جرى عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه انتهى وأنت خبير بأنه وإن دقق في إبداء هذا الوجه لكن الظاهر إن حمل الرواية عليه بعيد جدا كما لا يخفى وأما ما استدل به على عدم صحة توجيه القوم للرواية من أنه يقتضي خروج بعض الا جزءا من حد الوجه مع دخوله في التحديد الذي عينه (عليه السلام) فيها ودخول البعض فيه مع خروجه عن التحديد المذكور وكيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عند الامام (عليه السلام) فيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى واعلم إنه وقع في نسخة التهذيب والكافي هكذا ما دارت عليه السبابة و الوسطى والابهام ولم يظهر المراد منه حينئذ ولم أقف عل كلام من الاصحاب فيه ولعل ذكر السبابة إنما وقع في الرواية سهوا بقرينة نسخة الفقيه أو يكون المراد التخيير بين ما دارت عليه السبابة والابهام والوسطى والابهام أو يكون المراد مما دارت عليه الثلاثة الحد الطولي والعرضي فالطول ما دارت عليه السبابة والابهام لان ما بين القصاص إلى الذقن بقدره غالبا والعرضي ما دارت عليه الوسطى والابهام وحينئذ يكون قوله (عليه السلام) من قصاص شعر الرأس إلى الذقن بيانا للحدين معا ويمكن توجيهات أخر غير ما ذكره كما لا يخفى على المتأمل والله أعلم بحقيقة المراد ويدل أيضا على الحد الطولي للوجه ما رواه الكافي والتهذيب في البابين المذكورين عن إسماعيل بن مهران قال كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أسئله عن حد الوجه فكتب إلى من أول الشعر إلى آخر الوجه كذلك الجبينين ويمكن أن يجعل قوله (عليه السلام) كذلك الجبينين بيانا للحد العرضي وهو قريب مما بين الاصبعين (والانزع والاغم وقصير الاصابع وطويلها يغسلون ما يغسله المستوي) المراد بالانزع من انحسر الشعر من بعض رأسه وبالاغم ما يقابله وهو من أنبت الشعر على جبهته فالانزع لا يغسل بعض بشرته الذي لا شعر فيه مما يعلو الجبهة والاغم يغسل بعض منابت شعره مما يكون تحتها وكذلك قصير الاصابع يغسل عرض الوجه ما زاد على ما بين أصبعيه بقدر ما يغسل المستوي وطويلها يغسل نقص ما بينهما والوجه في الجميع إن الواجب غسل الوجه دون ما زاد عليه أو نقص عنه والتحديد المذكور مبني على الغالب (وليس الصدغ والعذاران منه وإن غسلهما كان أحوط والعذار ما حاذى الاذنين بين الصدغ والعارض) الصدغ هو المنخفض الذي ما بين أعلى الاذنين وطرف الحاجب والعذار ما ذكره بينه وبين الاذن بياض يسيرا ما عدم دخول الصدغ في القدر الواجب غسله فلم نعرف فيه خلافا سوى ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى من أن ظاهر الراوندي في الاحكام غسل الصدغين وتدل عليه صريحا الرواية المتقدمة ودخوله تحت التحديد المذكور لشمول الاصبعين له غالبا ليس بضائر بعد ورود النص بخروجه وقد قيل إن التحديد المذكور إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة من أن في شمول الاصبعين له أيضا تأملا وكذا في دخوله في الوجه وهذا من جملة ما ذكره المحقق البهائي أنه داخل في التحديد وخارج عن الحد وقد عرفت الحال فيه مع أن الوجه الذي ذكره أيضا قريب مما ذكره القوم في هذا المعنى إذ على ذلك الوجه أيضا يدخل بعض الصدغ فيما حواه الاصبعان وأما عدم دخول العذار فقد اختلف فيه والظاهر من كلام الشيخ (ره) في المبسوط والخلاف وكذا من كلام ابن الجنيد دخوله في الوجه ويلوح أيضا من كلام ابن أبي عقيل والعلامة (ره) في جملة من كتبه ذهب إلى الخروج بل ظاهر كلامه في التذكرة دعوى الاجماع منا عليه وكذا المحقق في المعتبر وبهذا يشعر أيضا كلام الشيخ (ره) في التهذيب والظاهر أنه لا نزاع بينهم في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعض منه مما يشمله الاصبعان والقائلون بالخروج يريدون خروج البعض الاخر كما يشعر به تتبع كلماتهم وبالجملة ما يقتضيه الدليل ظاهرا هذا التفصيل للرواية السابقة فمن ذهب إلى خلافه أما بإدخال القدر الخارج مما بين الاصبعين أو بإخراج القدر الداخل فلا يعتد بقوله أما الثاني فظاهر لمنافاته للرواية بل للآية أيضا لان الوجه يشمله ظاهرا وأما الاول فلمنافاته للرواية وما يقال إن لوجه يصدق عليه فإخراجه بالرواية مشكل لانه من باب تخصيص الكتاب بالخبر وأيضا التكليف اليقيني لا بد له من البرائة اليقينية ففيه أولا إن ظهور صدق الوجه على القدر الزايد ممنوع بل غاية الامر الاجمال والرواية مبنية وهذا مما لا مجال للتوقف في صحته ولو سلم الظهور أيضا فنقول الظاهر إن تخصيص الكتاب بالخبر جايز وما ذكروا في عدم جوازه مدخول وموضعه في الاصول والقول بأن التكليف اليقيني لابد له من البرائة اليقينة فقد مر منعه مرارا وما يقال أيضا إن غسله واجب من باب المقدمة وإن العارض يجب غسله قطعا وهو متصل بالعذار قريب من محاذاته وكذا شعر الخدين يجب غسله مع اتصاله به وعدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار فيجب غسله أيضا فضعفه ظاهر لكن الاحتياط كما ذكره المصنف في غسله بل في غسل الصدغ أيضا وهذا أيضا من جملة ما ذكره المحقق المذكور أنه خارج عن التجديد وداخل في الحد عند بعض المتأخرين وأنت خبير بما فيه وأما البياض الواقع بينه وبين الاذن فالظاهر أنه لا خلاف في خروجه عن الوجه وليس بداخل تحت التحديد قطعا فلا وجوب فيه ولا احتياط (والعارضان من الوجه قطعا وهو الشعر المنحط عن القدر المحاذي للاذن إلى الذقن وهو مجمع اللحيين) والمراد هنا محله والعلامة (ره) حكم في المنتهى بعدم وجوب غسله وكان مراده القدر الذي يخرج منه من شمول الاصبعين كما يدل عليه كلامه في النهاية والكلام في هذه المسألة أيضا كالكلام في

[ 102 ]

سابقه من أن الظاهر فيه أيضا التفصيل السابق وما أورده صاحب المدارك على ما استدلوا به على وجوب غسله من أنه يناله الابهام والوسطى بقوله وضعفه ظاهر فإن ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة وإلا وجب غسل ما نالته الابهام والوسطى وإن تجاوز العارض وهو باطل إجماعا انتهى فضعفه ظاهر لان تخصيص التحديد بوسط التدوير مما لا وجه له ولا قرينة عليه وما ذكره من الدليل مردودا أما أولا فإن هذا التحديد ظاهر أنه فيما يصدق عليه الوجه كما يشعر به أيضا قوله (عليه السلام) وما جرت عليه الاصبعان من الوجه كما في نسخة التهذيب والكافي وما يتجاوز العارض لا يصدق عليه الوجه قطعا فشمول الاصبعين له لا يجدي وأما ثانيا فلان خروج ما ذكره بالدليل لا يستلزم خروج ما لا دليل فيه وهو ظاهر (ولا يجب غسل النزعتين وهما البياضان المكتنفان للناصية في أعلى الجبينين) وهما وإن كانا تحت القصاص حقيقة وينالهما أيضا الابهام والوسطى لكن الظاهر عدم وجوب غسلهما لان المتبادر من القصاص ما يكون منتهى الناصية وما يحاذيه وأيضا الظاهر دخولهما في الرأس كالناصية لخروجهما عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس ودخولهما في التدوير فلا يكون داخلين في التحديد وهذا أيضا من جملة ما ذكره المحقق (ره) المذكور أنه داخل في التحديد وخارج عن الحد وقد علمت ما فيه ولم يذكر المصنف مواضع التحذيف بالذال المعجمة وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة أو ما بين الصدغ والنزعة وإنما يسمى به لان النساء والمترفين يحذفون الشعر عنه والاولى أن لا يحذفه لانه محل الكلام والعلامة (ره) حكم في المنتهى و التذكرة بعدم وجوب غسله ويشكل من حيث دخوله في التسطيح والتحديد وكونه منبت الشعر ليس بضاير لعدم القطع بأنه مما يعد من شعر الرأس لكن لما كان يشك في كونه شعر الرأس وقد علمت إن القدر المشكوك لا دليل على وجوب الاتيان به في التكاليف اليقينية فالظاهر هاهنا أيضا عدم الوجوب لكن الاولى الاخذ بالاحتياط التام وعدم ترك غسله (ولا غسل ما استرسل من اللحية) المراد به ما زاد من اللحية عن التحديد المذكور طولا وعرضا ووجه عدم وجوب غسله ظاهر لخروجه عن التحديد وأما ما عدا المسترسل فيجب غسله لصدق الوجه عليه لانه مما يواجه به ودخوله في التحديد والظاهر إن الحكمين إجماعي أيضا (ويجب البدأة من الاعلى على الاصح) هذا هو المشهور بين الاصحاب وخالف فيه السيد المرتضى (ره) فقال بجواز النكس لكن كرهه ووافقه ابن إدريس احتج العلامة في المنتهى على المشهور بما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة بن أعين قال حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بقدح ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فاسد لها على وجهه من أعلى الوجه انتهى الحديث قال وفعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه وأيضا نقل عنه (عليه السلام) حين أكمل وضوئه أنه قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به وأيضا لاشك أنه توضأ بيانا فإن كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه ولا قائل به ويكون قد فعل المكروه فإنه وافق على الكراهة وهو منزه عنه وإن كان قد غسل من أعلاه وجب اتباعه هذا كلامه وقد يجاب عن الاول بأنا لا نسلم إن حكاية أبي جعفر (عليه السلام) للوضوء الذي فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيانا لم لا يجوز أن يكون المراد حكاية وضوئه الذي كان يفعله غالب الاوقات ولو سلم فنقول إن قوله أن الفعل يجب اتباعه إذا كان بيانا للمجمل ولكن لا إجمال ههنا في الغسل وفعله (عليه السلام) ليس قرينة على أن المراد الغسل بهذا الوجه لانه من أحد جزئيات طرق الغسل الذي لا بد له من أحدها خصوصا أنه ليس طريقا غير متعارف حتى يجعل العدول عن المتعارف إليه قرينة على أنه المراد وعن الثاني بأن هذه الرواية لم يوجد في طريقنا سوى ما رواه الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرسلا قال وتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به وهذا مع كونه مرسلا ليس فيه أنه ابتدء من أعلى الوجه وأيضا أما أن يحمل الوضوء في قوله (عليه السلام) هذا وضوء على الجزئي أو الكلي وعلى الاول لا يمكن أن يحمل الكلام على ظاهره إذ يلزم ان لا يقبل الله صلوة غيره (عليه السلام) إذ ليس لها هذا الوضوء الخاص بل صلوته (عليه السلام) أيضا التي ليست بهذا الوضوء فيجب أن يؤل بأن المراد لا يقبل الله الصلوة إلا بمثله مثلا وحينئذ لا دلالة لها لان المماثلة لا نسلم ظهورها في المساواة في جميع الصفات والاحوال الممكنة غاية ما في الباب ظهورها هاهنا في المساواة في الامور التي يعلم أنه ليس من باب العادات والاتفاقات وأما فيما عداه مثل الغسل من الاعلى فيما نحن فيه فلا لانه من قبيل الامور الاخر من كيفيات الحركات الواقعة فيه وحدودها من السرعة والبطؤ وغير ذلك كما لا ريب في عدم وجوب متابعته ولو لم نقل بظهور عدم وجوب رعاية المساواة فيه فلا أقل من عدم ظهور الوجوب وعلى هذا يصير من باب القدر المشكوك وقد عرفت مراد الحال فيه وعلى الثاني فأما أن يكون المشار إليه بهذا الوضوء الخاص الذي فعله والطبيعة المتحققة فيه فإن كان الثاني فلا يبقى الدلالة بحالها لان الطبيعة التي في ضمنه أما أن يقال بظهور عدم اعتبار مثل هذه الامور فيها أو بعدم ظهور اعتباره وعلى التقديرين لا يفيد كما مر آنفا وأما ظهور الاعتبار فلا وإن كان الاول فالكلام أما على الحصر أو لا فإن كان على الحصر فيلزم المحذوران المذكوران فلا بد أن يأول مثلا بأن المراد هذا ومثله وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به ويصير مثل الشق الاول وإن لم يكن على الحصر فالامر ظاهر لان كون هذا الفرد من أفراد هذا الوضوء لا يستلزم عدم كون غيره فردا منه مع إمكان المناقشة أيضا في استلزام عدم القبول عدم الصحة سيما على مذاق السيد (ره) وعن الثالث بأنا نختار أولا أنه ابتدء بالاسفل قوله لو كان هكذا لزم وجوبه ولا قايل به قلنا الملازمة

[ 103 ]

ممنوع لما تقدم من أن غسله (عليه السلام) بوجه خاص لا يستلزم وجوبه وقوله وأيضا يلزم أن يكون فعل مكروها وهو منزه عنه قلنا لعله فعل المكروه لبيان الجواز فإن قلت لو ابتدء (عليه السلام) من الاسفل لكان ينبغي أن لا يقع الخلاف في جوازه قلت ممنوع إذ يجوز أن لا يصل هذا الخبر إلى جميع الفريقين وثانيا أنه ابتدء من الاعلى قوله فيجب اتباعه نقول قد علمت ما فيه وقد يستدل أيضا على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن المطلق ينصرف إلى الفرد الشايع المتعارف والشايع المتعارف في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل فينصرف الامر في قوله (عليه السلام) فاغسلوا إليه وفيه أيضا إن شيوع هذا الفرد بحيث صار اللفظ حقيقة عرفية فيه ممنوع هذا واحتج السيد المرتضى (ره) بإطلاق الاية والاخبار وبما رواه حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا وضعف الاخير ظاهر لان الكلام في الغسل دون المسح وإذا عرفت المأخذ من الجانبين فنقول الظاهر مذهب السيد لقوة دليله الاول وضعف دلايل المشهور لكن الشهرة بين الاحصاب والتكليف اليقيني بالغسل بما يقتضيان ملازمة الاحتياط وعدم الاجتزاء على خلاف المشهور واعلم إن غاية ما يلزم من دلايل المشهور على تقدير تمامها وجوب البدأة بالاعلى بمعنى صب الماء عليه ثم اتباعه بغسل الباقي وأما عدم جواز غسل شئ من الاسفل قبل الاعلى وإن لم يكن في سمته كما تخيله بعض فلا دلالة لها عليه وإنما هو متعسر جدا بل متعذر فلا معنى للقول به ونعم ما قيل أنه من الخرافات الباردة والاوهام الفاسدة (وتخليل ما يمنع وصول الماء إذا خف احتياطا والمشهور عدم الوجوب) المراد بالموصول بالشعر وتخفيفه أن يتراي البشرة من خلاله في مجلس التخاطب وقد يفسر بأن يصل الماء إلى منبته من غير مبالغ ويفترق التفسيران بحسب سيوطة الشعر وجعودته ولا بد أولا من تحرير محل النزاع الذي في هذا المقام لانه مما اشتبه فيه كلام الاقوام ثم الاشتغال بذكر الدلائل من الجانبين وما يتعلق بها من النقض والابرام اعلم إن الشيخ (ره) في المبسوط أطلق القول وقال ولا يلزم تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة أو بعضها كثيفة وبعضها خفيفة ويكفيه امرار الماء عليها وكذا قال المحقق في المعتبر لا يلزم تخليل شعر اللحية ولا الشارب ولا العنفقة ولا الاهداب كثيفا كان الشعر أو خفيفا بل لا يستحب وأطبق الجمهور على الاستحباب وقال ابن أبي عقيل متى خرجت اللحية ولم تكثر فعلى المتوضي غسل الوجه حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته لانها لم تستر مواضعها انتهى كلام المعتبر وقال العلامة (ره) في المنتهى لا يلزم تخليل شعر اللحية ولا الشارب ولا العنفقة ولا الاهداب سواء كانت كثيفة أو خفيفة ولا يستحب أيضا بل الواجب إن فقد الشعر غسل هذه المواضع وإن وجد فإمرار الماء على ظاهر الشعر ثم نقل العبارة المنقولة عن ابن أبي عقيل ونسبها إلى ابن الجنيد وكذا حكم في الارشاد بعدم وجوب التخليل مطلقا وقال في المختلف قال الشيخ (ره) في المبسوط لا يجب تخليل شعر اللحية سواء كان خفيفة أو كثيفة أو بعضها كثيفة وبعضها خفيفة وقال ابن الجنيد إذا خرجت اللحيه فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه فعلى المتوضي غسل الوجه كما كان قبل أن ينبت الشعر حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حس البصر أما بالتخليل أو غيره لان الشعر إذا ستر البشرة قام مقامها وإذا لم يسترها كان على المتوضي إيصال الماء إليها وهو الظاهر من كلام السيد في المسائل الناصرية فإنه قال الامرد وكل من لا شعر على وجهه يجب عليه غسل وجهه ومن كان ذا لحية كثيفة تغطي بشرة وجهه فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة وجهه وما لا يظهر مما تغطيه اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه ويجزيه أجراء الماء على اللحية من غير إيصال الماء إلى البشرة المستورة والحق عندي قول ابن الجنيد لنا قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم دل على وجوب غسل الوجه وإنما انتقل إلى اللحية النابته عليه لانتقال الاسم إليها لان الوجه اسم لما يقع به المواجهة وإنما يحصل لها ذلك مع الستر أما مع عدمه فلا فإن الوجه مرئي فهو المواجه دون اللحية لا نها لم تستر الوجه فلا ينتقل الاسم إليها انتهى ولا يخفى أن الظاهر على ما نقلنا إن الشيخ المحقق (ره) والعلامة (ره) في المنتهى والارشاد ذهبوا إلى عدم وجوب تخليل اللحية الخفيفة وإيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر وابن الجنيد والمرتضى وابن أبي عقيل والعلامة (ره) في المختلف ذهبوا إلى وجوب إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر في الخفيف وأما ما يستر تحت الشعر ولو كان في الخفيف فالظاهر أنه لا نزاع لاحد في عدم وجوب غسله ولا أظنك في مرية من هذا لكن المصنف (ره) في ؟ بأنه لا خلاف ظاهرا بين الشيخ والمحقق والمرتضى وابن الجنيد في شئ أصلا بل الكل متفقون على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر وعدم وجوب غسل المستورة وذكر أن العلامة (ره) في التذكرة حمل كلام السيد وابن الجنيد على إن مرادهما وجوب غسل ما يستر من البشرة تحت الشعر الخفيف وتبعهما في ذلك وأوجب غسل الشعر الساتر ومنبته وحكم بأن غسل أحدهما لا يجزي عن الاخر والحال إن كلامهما يحتمل غير هذا المعنى وهو قصر الوجوب على غسل البشرة التي لا شعر عليها بل الظاهر من كلامهما هذا خصوصا كلام السيد وعلى هذا لا نزاع بينهما وبين الشيخ واعترض أيضا على ما في التذكره بأنه مع مخالفته الظاهر الاصحاب يخالف مشهور العامة أيضا لانه لم يفرق بين شعر اللحية وغيرها من الحاجب والاهداب ونحوهما في هذا الحكم مع أنهم فرقوا بينهما والحق إن ما ذكره المصنف في الذكرى من الاتفاق على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر ومن أن العلامة إنما حمل كلامهما في التذكرة على المعنى المذكور دون وجوب غسل البشرة الظاهرة منظور فيه أما الاول فلانه لا دليل على ذلك الاتفاق أصلا بل الظاهر من إطلاقاتهم خلافه كما علمت بل لا يبعد دعوى التصريح أيضا في كلام المختلف وأنت خبير بأن بعد ظهور كلامهم في هذا المعنى وتصريح العلامة بالحمل عليه وعدم معارض يدل على خلافه لا وجه للقول بأن مرادهم ليس ذلك وكان الباعث على هذا الدعوى حسبان إن البشرة إذا لم تستر بالشعر فيصدق عليها الوجه قطعا فكيف يمكن الحكم بعدم وجوب غسله

[ 104 ]

وهو ضعيف لان بعد ورود الرواية بعدم الوجوب كما سنذكره انشاء الله تعالى لا وجه لهذا القول ولو فرض عدم تمامية الدليل عليه لان عدم تمامية الدليل لا يدل على عدم القول بالمدلول أو ما يتوهم من الدليل الذي ذكره المحقق في المعتبر على هذا المطلب بأن الوجه اسم لما ظهر فلا يتبع المغاير من إشعاره بأن المراد عدم وجوب ما يستر لا ما ظهر خلال الشعر لان هذا الدليل إنما يدل على الاول فقط وهذا أيضا ضعيف لان مدعى المحقق عدم وجوب تخليل الكثيف والخفيف مطلقا فيكون هذا دليلا على بعض أجزاء مدعاه لا كله ولم يقتصر عليه حتى لا يصح بل أورد غيره أيضا مما يدل على العموم وأما الثاني فلان ما نسبه إلى التذكرة فهي بريئة منه بل كلام التذكرة أيضا قريب من كلام المختلف ولا بأس بذكر ما فيها حتى يتضح حقيقة الحال قال فيها يجب أن يغسل ما تحت الشعور الحقيقية في محل الفرض كالعنفقة الخفيفة والاهداب والحاجبين والسبال لانها غير ساترة فلا ينتقل اسم الوجه إليها ولو كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها بل غسل ظاهرها أما الذقن فإن كان شعره كثيفا لم يجب تخليله ولا إيصال الماء إلى ما تحته بل غسل ظاهره أيضا ذهب إليه علماؤنا وبه قال الشافعي ثم قال وأما إن كان الشعر خفيفا لا يستر البشرة فالاقوى عندي غسل ما تحته و إيصال الماء إليه وبه قال ابن أبي عقيل وهو مذهب الشافعي لانها بشرة ظاهره من الوجه وقال الشيخ لا يجب تخليلها كالكثيفة والفرق ظاهر انتهى وقال في موضع آخر لو أدخل يده وغسل بشرة اللحية لم يجز لانها إن كانت كثيفة فالغسل للظاهر وإن كانت خفيفة فالغسل لهما فلا يجزي أحدهما ولا شك أن هذه الكلمات إنما تدل على غسل البشرة الظاهرة تحت الشعر الخفيف لا البشرة المستورة فيكون بعينه مثل ما حمل المصنف كلام السيد وابن الجنيد عليه وليس فرق بينه وبين كلامه في المختلف مع أن المصنف قال بأن ظاهر المختلف أنه فسر كلامهما بما فسرناه إذا تقرر هذا فنقول إذا كان مراد الشيخ ومن تبعه من عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا سواء كانت خفيفة أو كثيفة عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة التي في الشعر سواء كان ظاهرا في خلاله أو لا كما ذكرنا أنه الظاهر فالخلاف حينئذ ظاهر أنه في أي شئ هو وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر كما هو رأي المرتضى وابن الجنيد وابن أبي عقيل والعلامة في بعض كتبه وعدم وجوبه كما هو رأي الشيخ والمحقق والعلامة في بعض آخر وأما إذا كان مرادهم منه عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة المستورة سواء كان بالكثيف والخفيف كما ذكره المصنف (ره) فحينئذ فالظاهر أنه لا خلاف بينهم وبين السيد وابن الجنيد إذ كلامهما أيضا ظاهره ذلك نعم لما كان كلام العلامة (ره) في المختلف والتذكرة صريحا في الخلاف فلابد من توجيه له وهو أن يقال إن الخلاف حينئذ في وجوب غسل البشر المستورة بالخفيفة وعدمه وإن اتفقوا على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلاله والحاصل إن الشعر إذا كان كثيفا ساترا لجميع ما تحته فلا يجب تخليله وإيصال الماء إلى تحته اتفاقا وإن كان خفيفا ساترا لبعضها غير ساتر لبعض فلا خلاف أيضا في وجوب غسل ما ليس يستره إنما الخلاف في وجوب غسل ما يستره فالشيخ المحقق على العدم وكذا السيد وابن الجنيد وابن أبي عقيل على ما هو الظاهر من كلامهم والعلامة على الوجوب في المختلف والتذكرة وكذا الثلاثة المذكورة بزعم العلامة ولا يذهب عليك إن الخلاف على التقدير الاخير قليل الفايدة جدا كما ذكره الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة لان خفيف الشعر إذا وجب عليه إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر فلا شك أنه عند إيصال الماء إليها يصل إلى البشرة المستورة أيضا ويندر أن لا يصل إليها فحصول العلم أو الظن بالوصول إلى الظاهرة لا ينفك عادة عن حصول العلم أو الظن بالوصول إلى المستورة فتقل فايدة الخلاف وبهذا ظهر فساد ما في حبل المتين حيث واعلم انه لا خلاف بين الفريقين في وجوب غسل ما يرى من البشرة خلال الشعر في مجلس التخاطب وفي عدم وجوب غسل ما لا يرى منها ومن ها هنا قال بعض مشايخنا (ره) إن النزاع في هذه المسألة قليل الجدوى انتهى لانك قد عرفت إن النزاع على هذا التقدير في عدم وجوب غسل ما لا يرى منها وقد صرح به الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة وأيضا لو كان كما ذكره من عدم الخلاف في المعنيين لما كان للنزاع معنى لانه كان قليل الجدوى وهذا وقد بقي في المقام شئ وهو إن الستر الذي يعتبر في عدم وجوب غسل البشرة عند العلامة والسيد وابن الجنيد على ما هو الظاهر وعند الجميع على ما هو زعم المصنف وتابعيه هل هو الستر في جميع كيفيات مجالس التخاطب أو يكفي في بعضها الكل محتمل ولم أقف في كلامهم على نص فيه والشهيد الثاني وحج الاول مع احتماله الثاني وسنذكر في ضمن الادلة إن الظاهر أنهما بالنظر إلى الدليل والمحقق البهائي (ره) احتمل أن يكون النزاع في الخفيف باعتبار هذا المعنى بأن يكون الاتفاق حاصلا في أن ما يستر بالشعر في جميع مجالس التخاطب سواء كان بالخفيف أو الكثيف لا يجب وصول الماء إليه ومالا يستر في حال أصلا يجب الوصول إليه ويكون النزاع فيما يستر في بعض الاحوال دون بعض فالشيخ (ره) وتابعوه على عدم وجوب الوصول إليه والعلامة ومن تبعه على الوجوب وعلى هذا لا يكون النزاع قليل الجدوى وهذا وإن كان احتمالا قريبا في نفسه لكن في حمل كلامهم عليه بعد إذ ليس في كلماتهم ما يشعر إليه ظاهرا والله أعلم بكيفية الحال ويمكن أيضا أن يكون الاتفاق واقعا على وجوب غسل البشرة الظاهرة في جميع الاحوال وكذا على عدم وجوب غسل ما يعلوه الشعر سواء كان ساترا له في جميع الاحوال أو لا ويكون الخلاف فيما لا يعلوه الشعر يكون ظاهرا في بعض الاحوال دون بعض والتفصيل التام في هذا المقام إن كلام الشيخ ومن يحذو حذوه أما أن يحمل على ظاهره ولم يسلم الاتفاق على خروج شئ منه أو لا فعلى الاول لا شك إن كلام السيد وابن الجنيد وابن أبي عقيل مخالف له وذلك الخلاف ويحتمل وجوها

[ 105 ]

الاول أن يكون في البشرة الظاهرة في جميع الاحوال والثاني أن يكون في الظاهرة في حال أو الثالث أن يكون فيما لا يعلوه شعر ويكون الاتفاق في عدم الوجوب فيما يعلوه سواء كان ساترا له في جميع الاحوال أو لا ويحتمل بعيدا أيضا أن يكون في مطلق بشرة الخفيف سواء كان مستورا دائما بالشعر أو لا وقس على كلامهم كلام العلامة (ره) وأيضا على الثاني فنقول ذلك الامر المتفق على خروجه من تلك الاطلاق ووجوب غسله يحتمل أن يكون الظاهر في جميع الاحوال أو حال ما أو ما لا يعلوه شعر وعلى التقادير أما أن يكون الحكم بعدم الوجوب في جميع ما عدا الخارج من كلام الشيخ وتابعيه اتفاقا أو لا فإن كان اتفاقيا فلا بد من حمل كلام الثلاثة على ما يوافق كلامهم بأن يحمل ما حكموا بوجوب غسله على الامر الخارج من اطلاقاتهم بأي معنى كان لئلا يلزم أن يكون كلامهم مخالفا للاجماع ويلزم حينئذ على العلامة غلط البتة أما حكم بخلاف الاجماع إن كان ما حكم بوجوب غسله في التذكرة والمختلف سوى ما هو المستثنى من كلام الشيخ وغيره أو عدم فهم المراد من كلام الجماعة إن كان هو بعينه وإن لم يكن اتفاقيا فحينئذ أما أن يكون الثلاثة أيضا موافقين للشيخ أو لا وعلى الثاني فإن كان القدر الخارج هو الاول فيحتمل أن يكون خلافهم في الثاني أو الثالث أو مطلق بشرة الخفيف على بعد وإن كان هو الثاني فالخلاف إنما هو في الاخير فقط أي في مطلق بشرة الخفيف بل في المستور منها دائما وإن كان هو الثالث فالخلاف أما في الثاني أو في مطلق البشرة بالمعنى المذكور وقس عليه أيضا كلام العلامة وعلى الاول فيلزم غلط على العلامة من حيث حكمه بكونهم مخالفين للشيخ مع أنه لا خلاف وحينئذ لا يخلو أما أن يكون مراده مما حكم بوجوب غسله مما هو المستثنى من كلام الشيخ فيلزم غلط آخر أيضا عله من عدم فهمه مراد الشيخ أو غيره وحينئذ فيه الاحتمالات السابقة وإذ قد تقرر هذا فلتشرع في ذكر أدلة طرفي الخلاف على ثلاثة تقادير ويحال الباقي عليها وترجيح ما هو الظاهر بحسب النظر أما التقدير الاول وهو الذي ذكرنا أنه الظاهر من كلامه فالظاهر فيه ما ذهب إليه الشيخ وتابعوه من عدم وجوب التخليل مطلقا سواء كان في اللحية أو غيرها من الحاجب والاهداب والشارب ونحوها وسواء كان كثيفا أو خفيفا وسواء كان لايصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر أو المستورة لوجوه الاول ما رواه الفقيه في باب خذ الوضوء في الصحيح عن زرارة قال في آخر الحديث المنقول سابقا في حد الوجه قال زرارة قلت له أرأيت ما أحاط به الشعر فقال كل ما أحاط الله به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء وهذه الرواياة في التهذيب أيضا في باب صفة الوضوء في الزيادات في الصحيح مضمرة وفيه موضع يطلبوه ويغسلوه وقد يناقش فيه بأن الاحاطة إنما يصدق إذا ستره دائما فلا يكون على تمام المدعى بل على بعضه مما لا نزاع لعلمائنا فيه بل لبعض العامة على هذا التقدير ولا يخفى أن الاحاطة ليست بمعنى الستر لا في اللغة ولا في العرف ولا شك إن معناها العرفي حاصل في جميع ما يدعيه لان في العرف يقولون للبشرة الظاهرة في خلال الشعر أنها محاطة بالشعر نعم لو كان الظاهر قدرا كثيرا ويكون الشعر بعيدا بعضها عن بعض جدا فحينئذ لا يصدق عليه الاحاطة في العرف وليس كلامنا أيضا فيه لان كلامنا في التخليل ومثله لا يكون محتاجا إلى التخليل ولو سلم عدم ظهور صدق الاحاطة عليه فلا أقل من عدم ظهور عدمه فآل الامر إلى الاجمال وعند إجمال المخصص يصير الاية والروايات الواردة بغسل الوجه أيضا بمنزلة المجمل وقد مر مرارا إن في التكليف المجمل يكفي الاتيان بالقدر الثابت كما هو الظاره الثاني ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته قال لا وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وهي مخصوصة باللحية ويمكن أن يتمسك فيما عداها بالاجماع المركب منا ويناقش فيه أيضا بأنه يدل على عدم وجوب غسل المستورة لانه المفهوم من التبطين وهي أيضا ضعيفة لان التخليل يستلزم التبطين البتة نعم لا تبطين فيما لا يحتاج إلى التخليل ولا كلام فيه الثالث ما ورد في الروايات كما سيجئ إنشاء الله تعالى من الاجتزاء بالغرفة الواحدة للوجه مطلقا من غير تقييد بعدم خفة الشعر ولا ريب أن الغرفة الواحدة لا يمكن وصولها إلى جميع ما أحاط به الشعر ويمكن أن يقال على الجميع إن بينها وبين الايه والروايات الواردة بغسل الوجه عموما من وجه فلم يخصصونها بها دون العكس بأن يخصصوا هذه الروايات بعدم وجوب غسل ما لا يصدق عليه الوجه من البشرة المستورة لكن لا يخفى أن الحكم في العموم من وجه إذا لم يكن مرجح التساقط والتوقف والرجوع إلى الاصل ولما لم يوجد مرجح ها هنا فيحكم بالتساقط ويرجع إلى الاصل من برائة الذمة وأنت خبير بأن الادلة المذكورة كما تدل على بعض أجزاء المدعى المذكور سابقا مما خالف فيه علمائنا على النحو الذي ذكرنا تدل على البعض الاخر مما وقع فيه الاجماع منا من البشرة المستورة بطريق أولى كما لا يخفى ويدل على هذا البعض أيضا مضافا إلى الاجماع عدم صدق الوجه على المستور لانه من المواجهة وعند الستر ينتقل المواجهة إلى الشعر وما روي من أنه (صلى الله عليه وآله) توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وهو (صلى الله عليه وآله) كان كث اللحية كما وصفه علي (عليه السلام) ولا ريب إن الغرفة الواحدة لا تصل إلى أصول الشعر مع كثه وما يمكن أن يحتج به المخالف ما نقلنا سابقا من المختلف من الاحتجاج وجوابه أن بعد ورود الروايات بعدم وجوب غسل غير المستور لا يجدي صدق الوجه عليه لانها بمنزلة المخصص واعلم إن الظاهر بحسب ما وجدناه من الادلة كما علمت عدم وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر سواء كان ظهوره في بعض الاحوال أو الجميع لكن لما وقع دعوى الاجماع على خلافه من المصنف ظاهرا وتابعيه أما في الثاني فقط أو فيهما معا على احتمالين فالاحوط أن لا يترك غسلها ويبالغ في وصول الماء إليها هذا وأما التقدير الثاني وهو ما فهمه المصنف من كلام العلامة وحمل تابعوه الخلاف عليه فالظاهر فيه أيضا ما ذهب إليه الشيخ ومن تبعه

[ 106 ]

بالطريق الاولى لدلالة الادلة المذكورة حينئذ صريحة من غير ورود خدشة ومناقشة والاحتجاج الذي ذكرنا من المختلف يصير حينئذ ظاهر الفساد لانه يخرج من محل النزاع اعلم إن المصنف (ره) قال في الذكرى المشهور عدم وجوب تخليل الشعر النابت على الوجه خف كله أو كثف كله أو تبعض لرجل كان أو لامرأة حتى لا يجب تخليل لحية المرأة نص على ذلك كله الشيخ في المبسوط وصاحب المعتبرة ثم استدل عليه بأن الوجه اسم لما يواجه به ظاهرا فلا يتبع غيره وبالادلة الثلاثة السابقة وبما روى من وضوئه (عليه السلام) بغرفة واحدة وهي لا تبلغ أصول الشعر خصوصا مع أنه كان كثيف اللحية كما ذكرنا وبأن كل شعرة تستر ما تحتها ضرورة فلا يجب غسله كالساتر للجميع لقيام المواجهة وأية عرض عليه في الحبل المتين بأن دليله الاول إنما يجزي بظاهره في الكثيف وليس النزاع فيه والعلاوة التي ظنها مؤيده لدليله الثالث تأييدها غير ظاهر بل الظاهر خلافه وقوله في الرابع إن كل شعرة تستر ما تحتها إن أراد أن أصلها يستر نفسه منبتها الحقيقي فليس الكلام فيه وإن أراد أن الشعرة تستر شعاع البصر عن الوقوع على ما يحاذيها من إجزاء الوجه فإن أراد إجزاء شخصية بعينها في كل مجالس التخاطب فالخفيف ليس كذلك فإن المستور به يتبدل بتبدل مجلس التخاطب بل بأدنى حركة من الرائي والمرئي يظهر ما كان مستورا ويستر ما كان ظاهرا وإن أراد إجزاء نوعية متبدلة الافراد بتبدل المجالس توجه المنع إلى الكبرى لحصول المواجهة بها في بعض الاوقات هذا كلامه ويمكن أن يجاب عن الاول بمنع اختصاص دليله بالكشف لانك قد علمت أنه (ره) أعتقد أنه لا خلاف في وجوب غسل ما ظهر في خلال الشعر فيكون مراده من عدم وجوب تخليل اللحية مطلقا عدم وجوب غسل المستور بالشعر خفيفا كان أو كثيفا ولا ريب في جريان هذا الدليل في جميع ما ادعاه ولا اختصاص له بالكثيف وأيضا لو سلم اختصاصه بالكثيف نقول إن مراده من هذه الدلايل ليس الاستدلال على ما هو المتنازع فيه بين علمائنا فقط بل على جميع ما ادعاه سواء كان إجماعا منا أو لا وحينئذ فيكون هذا الدليل دليلا على بعض ما ادعاه ومن الثاني بما ذكر في الوجه الاخير لانه إذا كان المراد الاستدلال على بعض المدعى وإن لم يكن خلافا منا فلا ريب في تأييد العلاوة المذكورة كما لا يخفى وعن الثالث ان مراده من التخليل في قوله عدم وجوب تخليل الشعر تخليله لغسل ما يستر به لا لغسل ما هو الظاهر خلاله كما هو معتقده وحينئذ نقول أن قوله كل شعرة تستر ما تحتها ضرورة يعني به أنها تستر ضرورة في الفرض الذي فيه الخلاف في وجوب التخليل وعدمه وحينئذ لا إيراد نعم يرد عليه أنه بعينه هو الوجه الاول فلا وجه لاعادته إلا أن يقال أن الوجه الاول مختص بالكثيف لظهور أجزائه فيه وهذا التخفيف بقياسه عليه وادعاء جريان المذكور فيه أيضا وحينئذ لا قصور فيه ولا تكرار كما لا يخفى وأما التقدير الثالث وهو ما احتمله المحقق البهائي فالظاهر فيه أيضا عدم وجوب التخليل للادلة الثلاثة المذكورة سابقا والايراد عليها والجواب عنه أيضا يستنبط مما سبق فقس عليه فصار فذلكة القول على ما اخترناه عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا سواء كان من اللحية أو غيرها وسواء خف أو كثف وسواء كان ظاهرا خلاله البشرة في جميع الاحوال أو بعضها أو لا إن لم يكن إجماع على الوجوب في الظاهر في جميع الاحوال أو فيه وفي الظاهر في بعضها أيضا بناء على الاحتمالين السابقين وإلا ففي ما عدا الاجماع والاحتياط في الصورتين اللتين يحتمل الاجماع فيهما أن لا يترك غسل البشرة خصوصا في غير اللحية وكذا في المستور بالخفيف سترا دائما لاحتمال الخلاف فيه والله تعالى أعلم بحقايق أحكامه (نعم يستحب و إن كثف) نفى المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى استحباب التخليل مطلقا لكنه حكم في التذكرة باستحباب تخليل الكثيف للاستظهار ولانه (عليه السلام) كان تخلل لحيته والظاهر إن الخفيف إن لم يكن تخليله واجبا كان الاستحباب فيه أظهر منه في الكثيف لشدة الاستظهار فيه لكن الحكم بالاستحباب بمجرد هذا الوجه مشكل وما روي من فعله (عليه السلام) لا يمكن إجراؤه في الخفيف والقياس عليه بالطريق الاولى لا يخلو من إشكال إلا أن يقال بدخوله تحت إسباغ الوضوء المندوب إليه (كما يستحب إفاضة الماء على ظاهر اللحية) ذكر العلامة في النهاية إن الاصطلاح إنما وقع على إطلاق الافاضة على غسل الظاهر فقط والغسل على غسل الظاهر والباطن معا اعلم أن ظاهر اللحية له ثلاثة أفراد الاول ظاهر اللحية الكثيفة التي في محل الفرض وهو ليس بمراد ها هنا لان الظاهر الاجماع منا على وجوب غسله وانتقال حكم محله إليه نعم نقل من أبي حنيفة الخلاف فيه الثاني ظاهر اللحية الخفيفة التى في محل الفرض ولا يخفى إن الشعر الخفيف الذي في محل الفرض يحتمل وجهين أحدهما أن يكون قائما غير مائل سواء كان يستر ما ورائه من البشرة دائما أو في بعض الاحوال أو لا ولا شك إن هذا الشعر إنما ينتقل إليه حكم منبته الحقيقي ويجب غسله لكن الكلام في أنه هل يجب غسل رأسه فقط أو غسل ما سواه أيضا مما يظهر على حس البصر فيه وجهان فإن قلنا بالثاني فلا يكون هذا أيضا مرادا ها هنا وإن قلنا بالاول فيمكن أن يكون مرادا ها هنا باعتبار غسل ما عد رأسه ولا يأباه لفظ الظاهر كما لا يخفى والثاني أن يكون مايلا فأما أن يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه أما لكونه ساترا له سترا دائميا على قول من يعتبره أو لا يستره سترا دائميا لكن على قول من يكتفي بالستر في الجملة وحينئذ يجب غسله ولا يكون مما نحن فيه أو لا يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه أما لكونه غير ساتر له سترا دائميا على قول من يكتفي بالستر الدائمي أو يكون يستره سترا دائميا لكن على قول من لا يكتفي به بل يعتبر ستر الجميع كما مر من احتمال الخلاف فيه وفيه أيضا وجهان وجوب غسله أيضا كما يجب غسل ما تحته كما يشعر به كلام التذكرة المنقول سابقا بناء على صدق الوجه عليه أيضا لانه

[ 107 ]

مما يواجه به وعدم وجوب غسله بل يجب غسل ما تحته فقط بناء على أن الوجه لا يزيد بنبات اللحيه فعلى تقدير وجوب غسل ما تحته لا وجه لوجوب غسله أيضا فعلى الاول لا يكون مما نحن فيه وعلى الثاني يمكن أن يكون منه ولا يخفى أنه على الثاني وجوب غسله بقدر ما يحاذي منبته الحقيقي باق بحاله الثالث ظاهر المسترسل من اللحية عن محل الفرض طولا وعرضا وهو أيضا مما يمكن أن يكون مرادا ها هنا إذا تقرر هذا فنقول إن المصنف (ره) استدل في الذكرى على هذا الحكم بوجهين أحدهما أنه إذا كان تخليل اللحيه مستحبا فيكون استحباب الافاضة على ظاهرها بطريق الاولى ولا يخفى ما فيه خصوصا في المعنى الاخير الذي ذكرنا إمكان إرادته هاهنا وثانيهما ما ورد في حكاية وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيجئ إنشاء الله تعالى أنه وضع الماء على جبهته وأسدله عل أطراف لحيته وفيه أيضا عدم ظهور دلالته على أي معنى كان من المعاني المذكورة التي يمكن إرادتها ها هنا وبالجملة هذا الحكم لا يخلو من إشكال خصوصا أنه لم نجده في كلام الاصحاب سوى المصنف (ره) (وغسل الاذنين ومسحهما بدعة) حكم المفيد (ره) في المقنعة بأن مسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما بدعة واستدل عليه الشيخ بأن غسل الاعضاء في الطهارة ومسحها حكم شرعي فينبغي أن يتبع في ذلك دليلا شرعيا وليس في الشرع ما يدل على وجوب مسح الاذنين في الوضوء ومن أثبت في الشريعة حكماء من غير دليل شرعي فهو مبدع بلا خلاف بين المسلمين ولا يخفى إن هذا الدليل جار بعينه في الغسل أيضا ثم ان البدعة كان معناها الحرمة أو كون الامر مردود كما يفهم من المعتبر في بحث الغسلة الثالثة حيث قال وأما كون الثالثة بدعة فلانها ليست مشروعة فإذا اعتقد التشرع أثم ولانه يكون إدخالا في الدين ما ليس منه فيكون مردودا لقوله (عليه السلام) من أدخل في ديننا ليس منه فهو رد ولا يعني بالبدعة إلا ذلك انتهى ويفهم من كلام الشيخ والمحقق (ره) إن مثل هذه الافعال إنما يكون بدعة لو فعل بقصد المشروعية والصلوة بل إن البدعة إنما هي اعتقاد مشروعيته وأما الاتيان بهذه الافعال بدون اعتقاد الشرعية فلا وسيجئ تفصيل القول في هذا المعنى في بحث الغسلة الثالثة إنشاء الله تعالى هذا والذي يدل على عدم وجوب غسل الاذنين ومسحهما مضافا إلى الاصل والاجماع ما رواه الشيخ في التهذيب في باب صفة الوضوء في الموثق عن زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) إن أناسا يقولون أن بطن الاذنين من الوجه وظهرها من الرأس فقال ليس عليها غسل ولا مسح وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وما رواه الكافي في باب مسح الرأس و القدمين في الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الاذنان ليستا من الوجه ولا من الرأس ويدل أيضا على خروجه من الوجه التحديد الذي ذكر سابقا فأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن علي بن باب قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) الاذنان من الرأس قال نعم قلت فإذا مسحت رأسي مسحت أذني قال نعم فمع القدح في سنده لان من جملة رجاله يونس وهو مشترك بين الموثق وغير الموثق كما في المنتهى محمول على التقية لموافقته المذهب العامة (ولا تبطل) لصدق الامتثال وحرمة ذلك الفعل لو كانت لا تستلزم الفساد لانها نهي في الخارج (ويجزي في الغسل مسماه) ترجع التسمية ألى العرف لانه الحاكم في أمثال هذه الامور وقيل أقل ما يحصل به المسمى أن يجري جزء من الماء على جزئين من البشرة ولو بمعاونة وكان العرف أيضا يكتفي بذلك (ولو كالدهن مع الجريان) قد تكرر في الروايات ما يدل بظاهره على الاكتفاء في الوضوء بأقل من الجريان منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الحسن إبراهيم ابن هاشم عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وإن المؤمن لا ينجسه شئ وإنما يكفيه مثل الدهن وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء بسند أحسن مما في التهذيب لضمه محمد بن إسماعيل عن الفضل أيضا وفي الفقيه أيضا مرسلة في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والدهن أما من الادهان بمعنى الاطراء بالدهن أو من دهن المطر الارض إذا بلها بللا يسيرا وعلى التقديرين الظاهر أنه لا جريان فيه ومنها الكافي في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملا بها جسده والماء أوسع من ذلك ومنها ما رواه التذهيب والكفي في البابين المذكورين في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) في الوضوء قال إذا مس جلدك الماء فحسبك ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) كان يقول الغسل من الجنابة والوضوء يجزي منه ما أجزى من الدهن الذي يبل الجسد والاصحاب (ره) إنما حملوها على المبالغة والمجاز لورود الامر بالغسل وهو لا يتحقق إلا مع الجريان ويؤيد أيضا عدم الاكتفاء بما دون الجريان ما رواه التذهيب في باب صفة الوضوء في باب الزيادات في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يسيل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه هل يجزي ذلك من الوضوء قال إن غسله فإن ذلك يجزيه وأنت خبير أنه لو لم يكن الشهرة بين الاصحاب بل الاجماع ظاهرا لامكن القول بالاكتفاء بالدهن حقيقة للروايات الكثيرة المعتمدة لكن الاولى متا بعتهم واعلم إن المفيد (ره) في المقنعة قال في بحث غسل الجنابة وأدنى ما يجزي في غسل الجنابة بالماء ما يكون كالدهن للبدن يمسح به الانسان عند الضرورة لشدة البرد أو عوز الماء ولعل رأيه في الوضوء أيضا ذلك كما نسبه إليه المصنف (ره) في الذكرى ونسب إلى الشيخ أيضا ولعل مستنده ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أسبغ الوضوء إن وجدت ماء وإلا فإنه يكفيك اليسير ثم إن هذا الكلام منه (ره) ويحتمل وجهين إلا وأن يكون محمولا على حقيقته من الاكتفاء بالمسح والثاني أن يكون مبالغة في الجريان القليل كما ذكره الاصحاب في الروايات فإن كان مراده الاول فإن استند في الحكم بالرواية المذكورة ففيه أنه لا دلالة لها ظاهرا على هذا المعنى وإن استند بالروايات السابقة (بحملها على ظاهرها ففيه أنه لا تقييد فيها بالضرورة إلا أن يقال مستنده الروايات السابقة بحملها على ظاهرها ففيه أنه لا تقييد فيها بالضرورة إلا أن يقال مستنده الروايات السابقة) وهذه الرواية قرينة التقييد والجمع بين هذه الروايات وبين الروايات الواردة بالغسل

[ 108 ]

وإن كان الثاني فالتقييد بالضرورة لا وجه له لجواز الاكتفاء بأقل الغسل حال الاختيار أيضا لصدق الامتثال والروايات إلا أن يحمل على الفضيلة كما يحمل الرواية المذكورة أيضا عليها ويمكن أن يؤيد القول بالمسح حال الضرورة بما نقله الكافي مرسلا في باب صفة الوضوء قال وروي في رجل كان معه من الماء مقدار كف و حضرت الصلوة قال فقال يقسمه أثلاثا ثلث للوجه وثلث لليد اليمنى وثلث لليسرى ويمسح بالبله رأسه ورجليه وهذه الرواية إن لم يكن ضعيفة بالارسال والاضمار لكان دليلا ظاهرا على المراد هذا والاحتياط في المقام أن لا يكتفي في حال الاختيار بما دون الجريان وعند الاضطرار يجمع بينه وبين التيمم (ولا يجب الدلك فلو غمس العضو أجزء) عدم وجوب الدلك هو المشهور بين الاصحاب وقال المصنف في الذكرى يلوح من كلام ابن الجنيد وجوب إمرار اليد على الوجه لكن ذكر أيضا أنه قال في موضع الجباير ما يدل على عدم الوجوب حيث قال يوصل الماء إلى العضو بالصب أو الغمس والظاهر المشهور لصدق الامتثال بدون الدلك حجة الوجوب فأورد في حكاية وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه أمر يده على وجهه وظاهر جبهته والكلام فيه توجيها ونقضا مثل ما سبق في بحث وجوب البدأة بالاعلى واحتج بأنه المعهود في الغسل وضعفه ظاهر ثم إن في تفريع المصنف إجزاء الغسل على عدم وجوب الدلك مناقشة لان عدم وجوب الدلك لا يستلزم جواز الغمس لجواز وجوب الصب وإن لم يجب الدلك وأيضا يفهم منه إن وجوب الدلك مستلزم لعدم جواز الغمس وهو أيضا ممنوع لجواز أن يجوز الغمس ويجب مع ذلك الدلك لكن كأنه لم يذهب إلى هذين الاحتمالين أحد فلذا فرع المصنف (ره) جواز الغمس على عدم وجوب الدلك هذا ويمكن أن يستدل على جواز الغمس بما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء فإنه إن كان ناعسا فزع واستيقظ وإن كان البرد فرغ ولم يجد البرد لكن يناقش فيه بأنه يجوز أن لا يكون هذا الصفق غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء بل يكون فعلا آخرا سابقا على الوضوء للغرض المذكور في الرواية أو يكون المراد ضرب الماء بالوجه من باب القلب أولا وبهذين الوجهين ظهر أيضا وجه الجمع بينها وبين ما رواه في هذا الباب عن السكوني عن جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تقربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم ولكن شنو الماء شنا وجمع الشيخ بينهما بحمل الاولى على الاباحة والثانية عل الاستحباب وفيه بعد الظهور الاول في الاستحباب ويجمع أيضا بينهما بتخصيص الاولى بحال النعاس والبرد والثانية بغيرهما واعلم أنه يمكن الاحتجاج لوجوب الصب أيضا بما ورد في الحكاية المذكورة والجواب تم إن صاحب البشرى (ره) ذكر أنه لو غمس العضو في الماء لم يمسح بمائه لما يتضمن من بقاء إن بعد الغسل يلزم منه استيناف المسح وذكر أيضا أنه لو نوى الغسل بعد خروجه من الماء أجزء إذ على العضو ماء جار فيحصل به الغسل وقال المصنف في الذكرى ويمكن أن يقال المراد بماء الوضوء الممسوح به ما يخلف بعد الحكم بالغسل والعضو الخارج من الماء محكوم بغسله وأجزاء الغسل بعد الاخراج بعيد لعدم صدق اسم الغسل عليه ومع ذلك منعه من المسح قوى انتهى ولا يخفى إن ما ذكره إن الحكم بالغسل إنما هو بعد الخروج منظور فيه نعم يمكن أن يورد عليه بأنه لو غمس اليد في الماء ولم يستقر فيه زمانا كثيرا بل بقدر ما يصدق عليه الغسل عرفا وأخرجت فلا يصدق عليه في العرف أنه استيناف ماء نعم لو استقر زمانا كثيرا فلا يبعد صدق الاستيناف عرفا حينئذ ويمكن تنزيل كلام المصنف (ره) أيضا عليه وسيجئ في بحث الاستيناف ما له نفع في هذا المقام (ثم غسل اليدين من المرفقين مبتديا بهما إلى أطراف الاصابع ولو نكس بطل على الاصح) غسل اليدين أيضا من أحد أركان الوضوء ويدل على وجوبه الاية والاخبار والاجماع ويدل على تحديده بكونه من المرفق إلى الاصابع الاخبار والاجماع أيضا وقد وقع الاجماع منا على دخول المرفقين وخالف فيه بعض العامة مستدلا بأن إلى الغاية والغاية خارجة عن ذي الغاية وأجيب أولا بمنع كونها للغاية بل بمعنى مع كما في قوله تعالى من أنصاري إلى الله وثانيا بمنع خروج الغاية فإن بعضهم ذهب إلى وجوب الدخول وآخرون قالوا بالوقف فإنها تارة تدخل وأخرى لا تدخل فكان مجملا وقال آخرون إن كان الحد من جنس المحدود دخل كقولهم بعتك هذا الثوب من هذا الطرف وإلا فلا كآية الصيام وهنا المرافق من جنس الايدي مع أنه ورد في روايات أصحابنا إن تنزيل الايه من المرافق كما سيجئ ثم الاصحاب بعد الاتفاق على دخول المرفق ووجوب غسله اختلفوا في سبب الوجوب أنه هل هو النص والاستنباط من باب كونه مقدمة الواجب واحتج القائلون بالاول بالاية أما لان إلى بمعنى مع كما في الايه المتقدمة أو لان الحد المجانس داخل في الابتداء والانتهاء وفيهما نظر لان كونها بمعنى مع مجاز لا بد له من قرينة ودخول الحد المجانس ممنوع لما مر من توقف بعضهم في الدخول مطلقا واحتج أيضا بما ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دار الماء على مرفقيه وفيه بعد قصور السند أنه لا يدل على عدم كونه من باب المقدمة وتتمة الكلام فيه سيجئ إنشاء الله تعالى فبيان ما جعلوه فائده الخلاف ممن غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق وأما الابتداء بالمرفق ففيه بحثان جواز الابتداء ووجوبه أما الجواز فهو أيضا مما وقع عليه الاتفاق منا بل من العامة أيضا ويدل عليه مضافا إلى الاجتماع روايات منها ما رواه الكافي في باب صفة الوضوء في الحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إلا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا بلى فدعا بعقب فيه شئ من ماء فوضعه بين يديه ثم حسر عن ذراعيه ثم غمس فيه كفه اليمنى ثم قال هكذا إذا كانت الكف طاهرة ثم غرف فملاها ماء فوضعها على جبهته ثم قال بسم الله وأسدله على أطراف لحيته ثم أمر يده على وجهه وظاهر جبهته مرة واحدة ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملاءها ثم وضعه على مرفقه الايمن فأمر كفه ح

[ 109 ]

على ساعده حتى جرى الماء على أطراف اصابعه ثم غرف بيمينه ملاها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر يده على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه و مسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرسلة بأدنى تغيير ومنها ما رواه التهذيب في الموثق في باب صفة الوضوء عن بكير وزرارة إبني أعين أنهما سئلا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفيه ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه ثم غمس كفه اليسرى في الماء فاغترف بهامن الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الاصابع لا يراد الماء إلى المرفق ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء وأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه ولم يجدد ماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المذكور بتغييرات لا يخل بغرضنا ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن الهيثم بن عروة التميمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق قال ليس هكذا تنزيلها إنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق ثم امر يده من مرفقه إلى أصابعه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وزيد فيه بعد إلى المرافق فقلت هكذا ومسحت ظهر كفي إلى المرافق فإن قلت هذا مناف لما في الاية من قوله تعالى إلى المرافق قلت قد سبق انه يجوز أن يكون بمعنى مع وأيضا يمكن أن يكون التحديد للمغسول لا للغسل مع أن الرواية الاخيرة يدل على أن تنزيلها ليس هكذا وأما وجوب الابتداء فقد اختلف فيه فالاكثر على الوجوب والسيد اختار الاستحباب وتبعه ابن إدريس والكلام فيه كما تقدم في الابتداء بأعلى الوجه (ويجب تخليل شعر اليد وإن كثف وغسله أيضا) وجه وجوب التخليل بشرط منع وصول الماء إلى اليد توقف الواجب عليه لان اليد معناها هذا العضو الخاص وقد أمر بغسله فيجب أن يغسل بتمامه لظاهر اللفظ ولما ورد أيضا في الروايات من التصريح بوجوب غسله بتمامه كما سيجئ إنشاء الله تعالى في بحث المسح خرج المنبت الحقيقي للشعر بالاجماع فيبقى الباقي ويمكن أن يحتج على عدم الوجوب بالرواية المتقدمة من قوله (عليه السلام) كلما أحاط به الشعر إلى آخر الحديث لانه بعمومه شامل لليد أيضا لكن لما كان السابق عليه الحديث عن الوجه فلا يبعد أن يجعل قرينة على اختصاصه به ويمكن أيضا الاحتجاج بما سيجئ إنشاء الله تعالى في بحث المضمضة من قوله (عليه السلام) إنما عليك أن تغسل ما ظهر لكن الرواية ضعيف مع احتمال أن يكون الظاهر في مقابلة الجوف بقرينة المقام فالاولى أن يؤخذ بالوجوب وأما وجه غسل الشعر ففيه إشكال من حيث عدم دليل تام عليه واحتج المصنف إلى الذكرى بأنه من توابع اليد وفيه ضعف والظاهر عدم الوجوب للاصل إن لم يكن اجماع نعم لو قلنا بعدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحته انتقل حكم الوجوب إليه (وغسل الظفر وإن طال) لو لم يخرج الظفر عن سمت اليد عرفا بحيث يعد في العرف من أطراف الاصابع فوجوب غسله ظاهر وأما إذا خرج عن ذلك الحد ففيه وجهان الوجوب لانه من أجزاء اليد وعدمه كالمسترسل من اللحية وفرق المصنف في الذكرى بينه وبين فاضل اللحية بإتصاله بمتصل دائما وليس بشئ والظاهر عدم الوجوب للاصل وعدم دليل صالح للخروج عنه ويحتمل على القول بعدم وجوب غسله القول بوجوب قصه وتقليمه ليصل الماء إلى أطراف الاصابع فمقتضى الاحتياط أن لا يترك الاظفار بحيث يخرج عن حد المتعارف والله أعلم (والسلعة تحت المرفق واليد الزائدة كذلك) يحتمل جر السلعة واليد عطفا على الظفر ويكون معنى قوله كذلك تحت المرفق ورفعها على الابتداء وكذلك خبرهما أي كالظفر والاول أولى لان تحتية المرفق في اليد مرادة البتة فالاولى أن يكون في اللفظ عليه دليل ولم يكتف بالقرينة والسلعة في اللغة زيادة تحدث في الجسد كالغدة تتحرك إذا حركت وقد يكون من حمصة إلى بطيخة ولعل المراد ها هنا كل زيادة تحت المرفق لحما أو إصبعا أو غيرهما لم نقف على خلاف بين الاصحاب في هذا الحكم واستدلوا عليه بأنه في محل الفرض فيكون تابعا له والاستدلال وإن أمكن المناقشة فيه لكن التعويل على الشهرة بل الاجماع ظاهرا مع رعاية الاحتياط ولو كانت فوق المرفق غسلت مع الاشتباه والا الاصلية الحكم الاول كأنه مجمع عليه والشيخ (ره) أطلق القول في المبسوط بعدم وجوب غسل الزايد فوق المرفق لكن نزلوه على المتميز وكذا أطلق الحكم في المعتبر واستدل عليه بأن غسلهما واجب من باب المقدمة كما لو نجست إحدى يديه ولم يعلمها بعينها وأيضا قد ورد الامر بغسل الايدي وكل منهما تصدق عليه اليد والحكم الثاني كأنه مختلف فيه فظاهر الشرايع والمختلف الحكم بوجوب الغسل والمبسوط والمعتبر والمنتهى على عدم الوجوب وهو الظاهر للاصل وعدم دليل مخرج واستدل في المختلف على الوجوب بصدق اليد عليها فيتناولها الامر بالغسل ثم أورد على نفسه أن الامر يتناول المعهود مما يسمى يدا وهو إنما يكون في الاصل إذ الزايد لا يطلق عليه اسم اليد وأجاب أولا بمنع عدم تناول اسم اليد له وأسنده بصحة تقسيم اليد إلى الزايدة والاصلية ومورد التقسيم يجب اشتراكه بين الاقسام التي قسم إليها وثانيا بالنقض بالزايدة تحت المرفق ويمكن أن يجاب عنه أما عن المنع فبأن كلامه خارج عن القانون لانه مستدل فليس منصبه المنع ولو صرف عن ظاهره وحمل على الاستدلال ويجعل ما هو السند بحسب الظاهر دليلا فيرد عليه منع إن اليد الحقيقي ينقسم إليهما ولو تمسك بأن الاصل في الاطلاق الحقيقة نقول غايه ما يلزم منه أن يكون اليد صادقة على اليد الزايدة لغة وكلامنا إنما هو في العرف والعادة ولو سلم الاطلاق في العرف أيضا فيمكن أن يقال أن الاضافة في أيديكم للعهد بناء على اصلها والمعهود إنما هو اليد الاصلية وأما عن النقيض فبان الوجوب في الزايدة تحت المرفق إن كان

[ 110 ]

إجماعيا أو يكون تبعيتها لمحل الفرض ظاهرا فبان الفرق إذ ليس هذان الوجهان في المتنازع فيه ولن لم يكن شئ منهما فيمنع الحكم فيها فلا نقض وفي المسألة احتمال آخر كما ذهب إليه بعض العامة وهو وجوب غسل ما حاذى منه محل الفرض إن كان دون ما لم يحاذه تنزيلا له بمنزلة ما خلق تحت المرفق وهو أيضا ضعيف قال بعض الفضلاء ولو لم يكن لليد الزايدة مرفق له يجب غسلها قطعا وهو جيد بناء على أن الامر ورد بغسل اليد إلى المرفق فعند عدم المرفق لا يمكن الاتيان بذلك الامر فيسقط وجوب شئ آخر يحتاج إلى الدليل وليس ومن ها هنا أيضا يستفاد عدم وجوب غسل يد ليس لها مرفق قولان انحصر اليد فيها اللهم إلا أن يكون إجماع على وجوب غسلها وعلى تقدير الوجوب يشكل الامر في تقدير ما يغسل منها وأنه هل يغسل الجميع أو ما هو بقدر اليد إلى المرفق والله أعلم (والاقطع يغسل ما بقي ولو استوعب سقط واستحب غسل العضد نصا) قطع اليد أما أن يكون من دون المرفق أو من نفسه أو من فوقه فإن كان الاول فقد ادعى الاجماع على وجوب غسل ما بقي من الذراع إلى المرفق قال في المنتهى وهو قول أهل العلم واستدل عليه أيضا بما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الاقطع اليد والرجل كيف يتوضأ قال يغسل ذلك المكان الذي قطع منه وفي الكافي أيضا في باب حد الوجه في الحسن عن رفاعة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاقطع قال يغسل ما قطع منه ولا يخفى إن الاستدلال بهاتين الروايتين على هذا المطلب لا يخلو من إشكال للاجمال الواقع فيهما لجواز أن يكون المراد من الاقطع الذي قطع من المرفق ويكون أمره (عليه السلام) بغسل محل القطع خصوصا في الرواية الاولى بل لا يبعد ادعاء ظهورها في الامر بغسل محل القطع فقط فحينئذ أما أن يحمل القطع على القطع من دون المرفق أو منه أو الاعم منهما وعلى التقادير لا يجدي في المطلوب واستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلت عن الاقطع اليد والرجل قال يغسلهما وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وهذه أيضا لا يخلو من إجمال واستدل أيضا بالاصل والاستصحاب وإن غسل الجميع بتقدير وجوده واجب فإذا زال البعض لم يسقط الاخر لان الميسور لا يسقط بالمعسور وفيه ضعف لان الاستصحاب في مثل هذا الموضع مما لا يمكن اجراؤه لان الحكم السابق إنما هو الامر بغسل المجموع من حيث هو مجموع أمرا واحدا وليس أوامر متعلقة كل جزء جزء منه ولما لم يبق متعلقه هنا فقط التكليف به فلا بد في غسل الجزء الباقي من تكليف على حدة وقس عليه أيضا حال قولهم الميسور لا يسقط بالمعسور والحاصل إن هذه الدلايل مما يشكل اتمامه فالعمدة في التعويل الاجماع وإن كان الثاني فقد اختلف فيه عبارة الاصحاب فالشيخ (ره) في المبسطوط قال ومن كانت يده مقطوعة من المرفق أو دونها وجب عليه أن يغسل من العضو ما بقي إلى المرفق مع المرفق وقال المحقق (ره) في المعتبر من قطعت يداه من المرفقين سقط عنه غسلهما ويستحب مسح موضع القطع بالماء ولو قطعت احديهما غسل الاخرى ولو بقي المرفق وجب غسله وفي الشرايع فإن قطعت من المرفق سقط فرض غسلها وقال ابن الجنيد إذا كان اقطع من مرفقه غسل ما بقي من عضده وقال العلامة (ره) في المنتهى لو انقطعت يده من المرفق سقط غسلها لفوات المحل وحكم في الارشاد أيضا بذلك وقال في التذكرة وإن قطعت من المرفق فقد بقي من محل الفرض بقيته وهو طرق عظم العضد لانه من جملة المرفق فإن المرفق مجمع عظم العضد وعظم الذراع وقال المصنف (ره) في الذكرى ولو قطعت من مفصل المرفق فالاقرب وجوب غسل الباقي لان المرفق مجموع عظم العضد وعظم الذراع فإذا فقد بعضه غسل الباقي ولا بد أولا من تحقيق معنى المرفق حتى يتضح جلية الحال إعلم أن صاحب الصحاح والقاموس فسر المرفق بموصل الذراع والعضد وقريب منه ما في التذكرة من أنه مجمع عظم العضد وعظم الذراع وقد فسر أيضا بالمفصل وهو أيضا مثل الاول لكن المصنف (ره) فسره كما نقلنا بمجموع العظمين وتبعه الشهيد الثاني في شرح الارشاد والظاهر أنه لا دليل عليه من كلام اللغويين لكن وقوع الخلاف فيما بين العلماء في دخول المرفق في الغسل وعدم دخوله والتعرض لاثبات دخوله بأن إلى بمعنى مع وإن الغاية قد دخل في المغيا حيث لا مفصل محسوس وإن الحد المجانس داخل في الابتداء والانتفاء مما يؤيد هذا التفسير لانه إذا كان المرفق الحد المشترك بين الذراع والعضد لما كان حاجة في إثبات وجوب غسله إلى دليل لانه إذا غسل اليد إلى هذا الحد واجبا فلابد أن يغسل ذلك الحد أيضا إذ لا يخلو أما أن يكون منتهى الغسل هذا الحد أو لا فإن كان الاول فقد ثبت المطلوب من غسله أيضا وإن كان الثاني فلابد أن يكون بين الحد الذي هو منتهى الغسل والحد الذي هو المرفق فصل ما البتة لامتناع تتالي الحدين فيلزم عدم الاتيان بالمأمور به وهو غسل اليد إلى المرفق اللهم إلا أن يقال أنه على الاول لا يلزم المطلوب إذ المراد بغسل المرفق أن يكون داخلا في الغسل لا حدا له لكن لا يخفى أنه على هذا أيضا لا محصل للنزاع إذ لا بد م غسل قدر ما فوق اليد الواجب غسله من باب المقدمة وحينئذ يدخل المرفق في الغسل قطعا أو يبنى الكلام على قاعده المتكلمين من القول بوجود الجزء الذي لا يتجزى إذ حينئذ يوجب حد قبل المرفق فيمكن أن يكون انتهاء الغسل ذلك الحد على تقدير عدم القول بدخول المرفق في الحكم أو يقال إن الخلاف حقيقة إنما هو في إن دخول المرفق في الغسل أما بالاصالة أو تبعية اليد لكن يخالفه ظاهر بعض كلماتهم وانقد تقرر وهذا فنقول إن كان المرفق هو الحد المشترك كما هو الظاهر من كلام أهل اللغة فعند قطع اليد منه لا يخلو أما أن يطلق المرفق على طرف العضد بأن يكون كل من الخطين المتداخلين اللذين هما طرف المساعد والعضد عند الوصل مرفقا فعند القطع يبقى الاطلاق على الخط الباقي أولا بل يكون إطلاق المرفق على الحد المشترك باعتبار كونه طرف الساعد أو بشرط التداخل فعند القطع ينتفي محل الاطلاق قطعا فعلى الاول لا يخلو أيضا أما أن يقال بدخول المرفق في الغسل أصالة

[ 111 ]

أو تبعا فإن كان الاول فينبغي ان يحكم على طريقتهم بوجوب غسل طرف العضد حين القطع من المرفق البتة بناء على ما ذكروه في وجوب غسل بقية الساعد عند قطع اليد من دون المرفق كما نقلنا من الاستصحاب وعدم سقوط الميسور بالمعسور لكن يرد عليه أيضا ما ذكرنا فلا تغفل واعلم أنه على تقدير القول بوجوب غسل طرف العضد حينئذ يتحقق احتمالان وجوب غسل الخط للمحيط بالطرف بناء على أنه كان عند الوصول هو المرفق أو جميع سطحه الظاهر بناء على أن عند الوصل لما لم يكن ظاهرا فلم يمكن غسله فلما ظهر الان وأمكن غسله وجب والاصل فيه البناء على اطلاق المرفق فعلى أيهما ثبت الاطلاق حكم بوجوب غسله وعلى تقدير الاشتباه يبنى الامر على وجوب الاتيان بالقدر المشكوك وعدمه وإن كان الثاني فلا يجب غسله لانتفاء متبوعه وعلى الثاني فينبغي القطع بعدم وجوب غسل طرف العضد لانه خارج من محل الفرض البتة وإنما يغسل عند الوصل باعتبار تداخله مع المرفق وقس عليه الحال في الجزء الذي كان يغسل من العضد باعتبار كونه مقدمة لغسل اليد إلى المرفق لانه أيضا خارج عن محل الفرض البتة وغسله إنما هو باعتبار كونه مقدمة فإذا انتفى ذو المقدمة انتفى هو أيضا وإن لم يكن المرفق الحد المشترك بل يكون مما له عرض فعند القطع اما أن لا يبقى منه شئ فلا إشكال في عدم وجوب غسل طرف العضد حينئذ لانه خارج عن محل الفرض البتة سواء كان المرفق داخلا في الحكم أصالة أو تبعا أو يبقى منه شئ فحينئذ لا يخلو أما أن يقال بدخول المرفق في الحكم أصالة أو يقال إن غسله باعتبار كونه مقدمة فعلى الاول يحكم بوجوب غسل البقية قطعا على طريقتهم كما علمت وعلى الثاني لا وجوب هذا كله بالنظر إلى ما يستفاد من نفس الامر الوارد بغسل اليد إلى المرفق مع قطع النظر عن الروايات الواردة في القطع ولنذكر الان ما يستنبط من الروايات الواردة فيه فمنها ما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ قال يغسل ما بقي من عضده وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وفي الفقيه أيضا مرسلة في باب حد الوضوء ولا يخفى إن هذه الرواية ظاهرة في غسل العضد ويصلح لان يحتج بها على ما هو ظاهر ابن الجنيد من وجوب غسل العضد لكن العلامة في المنتهى ادعى الاجماع على عدم وجوب غسله وأنه مما لم يقل به أحد وحمل الرواية على الاستحباب وعلى هذا يحمل كلام ابن الجنيد أيضا على الاستحباب ومع قطع النظر عن الاجماع أيضا يمكن ان يقال إثبات الوجوب بها مشكل لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه مع أن صريح الامر أيضا لا ظهور له فيه في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) كما مر غير مرة فيبقى أصل العدم بحاله نعم الاستحباب حسن كما هو رأي هذا الكتاب ورأي المنتهى لورود هذه الرواية الصحيحة وقال الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد بعد نقل الاحتجاج بهذه الرواية على الاستحباب والظاهر إن المراد به رأس العضد الذي كان يغسل قبل القطع وأطلق عليه العضد لعدم اللبس للاجماع على عدم وجوب غسل جميع العضد في حال وهو أولى من حمله على الاستحباب لانه خبر معناه الامر وهو حقيقة في الوجوب انتهى وفيه نظر أما أولا فلما عرفت من القول في وجوب غسل رأس العضد وأنه مبني على مقدمات يتطرق إليها المنع وأما ثانيا فلما ذكرنا آنفا من عدم ظهور الجملة الخبرية في الوجوب فليحمل العضد على ظاهره والخبر على الاستحباب كما ذكرنا من غير لزوم محذور وكان المحقق (ره) أيضا حمل العضد على رأسه لكنه حمل الرواية على الاستحباب ولهذا حكم في المعتبر في هذه الصورة باستحباب مسح موضع القطع بالماء كما نقلنا سابقا فيه وما فيه ويمكن أن يكون مستنده في هذا الحكم الرواية الاخرى كما سنذكره ومنها صحيحة رفاعة وحسنته المنقولتان في صدر البحث عن التهذيب والكافي وأنت خبير بأن صحيحته ظاهرة في غسل محل القطع فالاولى أن يحمل القطع الواقع في السؤال على القطع من المرفق لا القطع من دونه للاجماع على وجوب غسل ما بقي إلى المرفق في هذه الصورة فحينئذ أما أن يقول بوجوب غسل محل القطع بناء على تسليم المقدمات السابقة فلا إشكال وأما أن لا يقول فيحمل الرواية على الاستحباب لما علمت من عدم ظهور الخبر في الوجوب والشهيد الثاني (ره) استدل بهذه الرواية على وجوب غسل رأس العضد وقد عرفت ما فيه والظاهر إن مستند المحقق (ره) في الحكم المذكور هذه الرواية وتوجيهه ما ذكرنا فإن قلت كيف يجمع بين هذه الرواية و سابقها حيث حكم باستحباب غسل رأس العضد وفي السابقة باستحباب جميعها قلت لا منافاة إذ يجوز أن يكون للاستحباب مراتب فيكون غسل الجميع مستحبا ويكون بعده استحباب غسل الرأس والظاهر إن مراد المحقق (ره) من المسح هو الغسل كما في الرواية وإن كان محمولا على ظاهره فلم نقف له على مستند ولو لم يحمل الرواية على ظاهرها من غسل موضع القطع بل يحمل على غسل العضو الذي قطع منه فلا يخفى أنها بعمومها أيضا شاملة لهذه الصورة فيكون داله على غسل العضد ويحمل على الاستحباب كالرواية المتقدمة لكن يستشكل حينئذ من حيث لزوم عموم المجاز أو الاشتراك لو حمل القطع في السؤال على أعم من القطع من المرفق فأما أن يقال بمنع اللزوم بناء على أن الخبر يحمل على الرجحان المطلق وإن كان أحد فرديه واجبا والاخر ندبا أو يخص القطع بهذه الصورة ويمكن تخصيصه أيضا حينئذ بما دون المرفق وحينئذ يكون خارجا عما نحن فيه وأما الحسنة المذكورة فهي وإن لم يكن ظاهره جدا في غسل محل القطع بل يحتمله ويحتمل غسل العضو المقطوع لكنها تحمل أيضا بقرينة الصحيحة المروية عمن يرويها على الاول وجميع ما ذكرنا من الاحتمالات في الصحيحة جاريه فيها فقس عليها ومنها رواية محمد بن مسلم المتقدمة أيضا في صدر البحث ولما فيها من الاجمال لا يمكن استنباط حكم ظاهر منها هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام وملخص القول على ما اخترناه عدم وجوب شئ في هذه الصورة نعم يستحب غسل العضد وكذا غسل محل القطع والاحتياط أن لا يترك غسل محل القطع للرواية والخلاف من العلماء قطعا بل غسل العضد أيضا للرواية واحتمال الخلاف من ابن الجنيد وأنت بعد خبرتك بما فصلنا لا تحتاج إلى التصريح بما في كلام القوم رحمهم الله تعالى وأما الصورة الثالثة وهو الذي يكون القطع فوق المرفق فادعى العلامة في المنتهى الاجماع على عدم شئ على هذه التقدير لفوات

[ 112 ]

المحل لكنه حكم باستحباب غسل الباقي من العضد مستندا إلى صحيحته المتقدمة وبها استدل المصنف أيضا في الذكرى على الاستحباب وفيه نظر لاختصاص الصحيحة بالقطع من المرفق فإجراء الحكم في القطع من فوقه لا بد له من دليل والمصنف بعد نقل هذه الرواية قال وفي قوله (عليه السلام) إشارة إلى استحباب غسل العضد مع اليد كما روى العامة استحباب تطويل الغرة والتحجيل انتهى وأنت خبير بما فيه وقال الشيخ في المبسوط وإن كانت مقطوعة فوق المرفق فلا يجب عليه شئ ويستحب أن يمسح بالماء وكذا قال العلامة (ره) أيضا في التذكرة فإن كان مرادهما من المسح ظاهره فلم نطلع على مستند له وإن كان المراد الغسل فيمكن أن يستدل عليه بصحيحة رفاعة المتقدمة لشمولها بعمومها هذه الصورة وظهورها في غسل محل القطع كما سبق وكذا حسنته ولا يخفى أنه يمكن الاستدلال بهاتين الروايتين على استحباب غسل باقي العضد كما هو رأى المنتهى والذكرى بحملهما على غسل العضو المقطوع منه بل برواية محمد بن مسلم المتقدمة ايضا ولما كان أمر الاستحباب موسعا فالظاهر أنه لا يضر إمكان المناقشة في الدليل بعد ذهاب جمع من الاصحاب إليه والله سبحانه أعلم بحقايق أحكامه (ولو افتقر إلى معين بأجرة وجب من رأس ولو كان مريضا) وجوه الوجوب توقف الواجب المطلق عليه (وإن زادت عن أجرة المثل ما لم يجحف) أي ما لم يصل إلى حد الضرر واحتمل في الذكرى عدم وجوب الزايد عن اجرة المثل لان الغبن ضرر والاول اظهر لصدق التمكن وعدم دليل ظاهر على الرخصة بمثل هذا النحو من الضرر ويؤيده أيضا ما رواه التهذيب في الزيادات في باب صفة التيمم في الصحيح قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلوة وهو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها يشتري ويتوضأ أو يتيمم قال لا بل يشتري قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت وما يشتري بذلك مال كثير واعلم إن هذا الحكم في غير المريض ظاهر وأما فيه ففيه خفاء وسيجئ تفصيل القول فيه في كتاب الوصايا إنشاء الله تعالى (ولو تعذرت الاجرة قضى مع الامكان الظاهر أنه إذا تعذرت الاجرة للوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم ولو تعذر ذلك أيضا يكون حكمه حكم فاقد الطهورين وسيجئ إنشاء الله تعالى في بحث التيمم (ثم مسح مقدم الرأس مسح الرأس أيضا من أحد أركان الوضوء الثابت وجوبه بالايه والاخبار والاجماع وما ذكره من كونه بمقدم الرأس يتضمن حكمين أحدهما عدم وجوب مسح جميع الرأس وثانيهما اختصاصه بالقدم فلو مسح المؤخر أو الوسط أو جانبيه لم يجز أما الاول فيدل عليه مضافا إلى الاجماع ما رواه الفقيه في الصحيح في باب التيمم قال وقال زرارة قلت لابي جعفر (عليه السلام) ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين فضحك وقال يا زرارة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل به الكتاب من الله لان الله عز وجل قال فاغسلوا وجوهكم فعرفنا إن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال وأيديكم إلى المرافق فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسل إلى المرفقين ثم فصل بين الكلامين فقال وامسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلها بالرأس إن المسح على بعضها ثم فسر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس فضيعوه وهذه الرواية في التهذيب أيضا في باب صفة الوضوء وفي الكافي في باب مسح الرأس فإن قلت قد أنكر سيبويه في سبعة عشر موضعا في كتابه مجئ الباء للتبعيض وأنكر ابن جني أيضا فكيف يتمسكون بهذا الخبر الدال على إن الباء للتبعيض لا يقال بعد ورود الرواية عن أصحاب العصمة (عليه السلام) لا مجال للالتفات إلى كلام سيبويه وابن جني لان القطع لصدوره عن المعصوم (عليه السلام) غير حاصل وإنما العمل به باعتبار الظن وعند تحقق مثل هذا المعارض يضعف الظن بصدوره عنه فلا يبقى صاحلا للاحتجاج قلت إنكار سيبويه وابن جني معارض بإصرار الاصمعي على خلافه وقد وافقه أيضا جمع من النحويين كابي علي وابن كيسان وابن مالك ونقل أيضا عن الكوفيين جميعا وحملت على التبعيض ايضا في قوله تعالى عينا يشرب بها عباد الله وفي قول الشاعر شربن بماء البحر ثم ترفعت وإنكار سيبويه ونفيه له كانه من أصحاب البصريين كما صرح به ابن جني ويمكن أن يقال أيضا إن الامام (عليه السلام) ما حكم بأن معنى الباء التبعيض بل أن تغيير الاسلوب وإدخال الباء ها هنا يدل على إن المراد المسح ببعض الرأس ويدل عليه أيضا بعض الروايات الموردة في المباحث الاتية وأما الثاني فيدل عليه ايضا مضافا إلى الاجماع ما رواه التهذيب في باب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال مسح الرأس على مقدمه وروى عنه أيضا في هذا الباب بطريق آخر صحيح قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) امسح الرأس على مقدمه وروى الكافي أيضا في باب مسح الرأس عنه بطريق حسن بإبراهيم في آخر حديث قال وذكر المسح فقال امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابتدء بالشق الايمن والضمير في قال الاول لمحمد بن مسلم والثاني لابي عبد الله (عليه السلام) وما رواه الكافي أيضا في باب صفة الوضوء في الحسن أو الصحيح عن زرارة في آخر حديث القعب المتقدم قال وقال أبو جعفر (عليه السلام) إن الله وتر ويحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه وإثنتان للذراعين وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى وهذه الرواية في زيادات التهذيب أيضا بسنده الحسن ويؤيده أيضا ما ورد في الوضوء البياني من المسح بمقدم الرأس كما تقدم فأما ما رواه الشيخ في التهذيب في الباب المذكور عن الحسين بن عبد الله قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه أيجزيه ذلك فقال نعم فلا يعارض ما ذكرناه لعدم صحة سنده مع موافقته لمذهب بعض العامة فيحمل على التقية كما في التهذيب واحتمل الشيخ أن يكون المراد أن يدخل إصبعه من خلف ومع ذلك يمسح مقدم الرأس وفيه بعد وأما الروايات الدالة على مسح مقدم الرأس و مؤخره مثل ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) امسح الرأس على مقدمة ومؤخره وما رواه أيضا في الباب المذكور

[ 113 ]

مرفوعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مسح القدمين ومسح الرأس قال مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسح على الرأس فقال كأني نظر إلى عكنة في قفاء أبي يمر عليها يده وسألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدمه ومؤخره قال كأني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها فمع عدم صحة إسنادها إنما تحمل على التقية لموافقتها لمذهب العامة والظاهر إن إجماعنا منعقد على عدم استحباب الزايد على مقدم الرأس فلو لم يكن كذلك لامكن حمل هذه الروايات على الاستحباب ثم اعلم إن إجماعنا انعقد على جواز المسح ببشرة مقدم الرأس وشعره المختص به ونقل من بعض الشافعية جواز المسح على البشرة إذا كان محلوقا وإلا فيجب المسح على الشعر قياسا على اللحية وفسروا الشعر المختص بما لا يخرج بالمد عن حد المقدم وحكموا بعدم جواز المسح على القدر الخارج وسنذكر إنشاء الله تعالى في بحث المسح على الحايل (بمسماه ولا يحصل بأقل من إصبع وقيل ثلاث مضمومة للمختار أي بما يسمى مسحا وفيه أيضا حكمان الاكتفاء بالمسمى وعدم حصوله إلا بالاصبع والحاصل وجوب مقدار الاصبع وعدم وجوب الزايد عليه أما عدم وجوب الزايد فهو المشهور بين الاصحاب وحكموا باستحباب قدر ثلاث أصابع مضمومة والظاهر من كلام الصدوق (ره) في الفقيه حيث قال وحد مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس وكلام الشيخ في النهاية حيث قال والمسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار فإن خاف البرد من كشف الرأس أجزئه مقدار إصبع واحدة وجوب ذلك المقدار ونسب في المعتبر والمنتهى القول بوجوب ذلك القدر إلى المرتضى أيضا في مسائل الخلاف واحتمل العلامة (ره) في المختلف أن يكون كلام النهاية والفقيه محمولا على الفضيلة دون الوجوب وقال أن الشيخ كثيرا ما يطلق على المندوب أنه لا يجوز تركه وبالجملة الظاهر ما هو المشهور لصدق الامتثال وأصل البرائة عن الزايد ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة وبكير إبني أعين عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال في المسح تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الاصابع فقد أجزأك وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عنهما أيضا أنهما سئلا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بطست أو تور فيه ماء ثم حكى وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن انتهى إلى آخر ما قاله الله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم فقال فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الاصابع فقد أجزأه وهذه الرواية في الكافي ايضا بطريق حسن بإبراهيم في باب صفة الوضوء وقد نقلنا رأس الرواية في باب نكس غسل اليدين وما في الكافي هكذا بعد اتمام صفة الوضوء ثم قال ولا يدخل أصابعه تحت الشراك ثم قال إن الله عز وجل يقول يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله لان الله يقول اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ثم قال وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه وبشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الاصابع فقد أجزأه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يتوضأ وعليه العمامة قال يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه ويمكن أن يناقض فيه بحمله على الضرورة بقرينة المقام فيكون موافقا لما في النهاية واستدل العلامة في المختلف على المشهور بما رواه التهذيب في هذا الباب عن الحسين قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل توضأ وهو معتم وثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال ليدخل إصبعه وفيه نظر لانه لا ينافي ظاهر كلام النهاية من عدم الاكتفاء بما دون ثلاث أصابع عند عدم الضرورة مع أنه ضعيف السند أيضا والذي يمكن أن يحتج به على ظاهر ما ذهب إليه الصدوق والمرتضى ما رواه في التهذيب في الباب المذكور بطريقين صحيح وحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) المرئة يجزيها من مسح الرأس أن يمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها وهذه الرواية في الكافي أيضا بالطريق الحسن في باب مسح الرأس والجواب بحمله على الفضيلة والاستحباب جمعا بين الروايات مع أنه يمكن أن يكون الحكم بالاجزاء بالنظر إلى عدم القاء الخمار لا المسح فإن قلت لم لم تحمل الروايات المتقدمة على الضرورة ليحصل الجمع قلت أما أولا فلكثرة تلك الروايات فينبغي إن تبقى على حالها ويرتكب التأويل في خلافها الذي ليس بتلك الكثرة وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم صلاحية المعارضة لما كان الاصل عدم وجوب الزايد فيصار إليه ويمكن أن يحتج أيضا عليه بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس والجواب ما عرفت مع أن الرواية ضعيفة السند ولو أخذت هاتان الروايتان مع رواية الحسين المتقدمة يكون حجة لظاهر النهاية والجواب أيضا ما عرفت وأما وجوب قدر الاصبع فقد نسب المصنف (ره) في الذكرى القول به إلى الراوندي في أحكام القرآن وهو الظاهر أيضا من كلام المفيد (ره) في المقنعة حيث قال ويجزي للانسان في مسح رأسه أن يمسح من مقدمه مقدار إصبع يضعها عليه عرضا مع الشعر إلى قصاصه وإن مسح منه مقدار ثلاث أصابع مضمومة بالعرض كان أسبغ وفعل الافضل من كلام الشيخ (ره) أيضا في التهذيب حيث قال في شرح هذا الكلام المنقول عن المقنعة يدل على ذلك قوله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ومن مسح رأسه ورجليه بإصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويسمى ماسحا ولا يلزم على ذلك ما دون الاصبع لانا لو خلينا والظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه ومن المختلف أيضا حيث قال الشمهور فيما بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس والرجلين بإصبع واحدة لكن الظاهر من كلام المبسوط والمعتبر والتذكرة والمنتهى والسرائر عدم التحديد بهذا الحد ايضا بل يكفي ما يسمى مسحا وهو الظاهر أما الاصل وصدق الامتثال وروايتا زرارة وبكير المنقولتان آنفا والذي يمكن أن يحتج به على وجوب قدر الاصبع روايتا حماد والحسين المتقدمتان وفيه إنهما لا دلالة لهما على

[ 114 ]

وجوب المسح بتمام عرض الاصبع لجواز أن يكون الامر بإدخال الاصبع لان يكون آلة المسح والشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد حمل كلام القوم أيضا في التحديد بالاصبع على هذا المعنى وعلى هذا لا خلاف لكن كان الظاهر من التهذيب بل من الذكرى أيضا خلافه ثم أن القائلين بثلاث أصابع هل يقولون بوجوب المسح بثلاث أصابع أو بوجوب المسح بقدرها وإن كان بطول إصبع واحدة لم أقف فيه على نص منهم لكن الظاهر من الروايتين الدالتين على مطلوبهم وجوب ذلك القدر سواء كان بثلث أصابع أو أقل منها واعلم أن ما ذكره كله إنما هو بالنسبه إلى عرض مقدم الرأس وأما بالنسبه إلى طوله فالظاهر فيه أيضا الاكتفاء بإمرار اليد في الجملة بما يسمى مسحا نعم لا يكفي وضع الاصبع بدون إمرار لعدم صدق المسح عليه هذا والاحتياط أن لا يترك المسح بثلاث أصابع عرضا بل طولا أيضا ولا يجوز استقبال الشعر فيه على المشهور في كونه مشهورا تأمل لان كثيرا من أصحابنا العظماء ذهبوا إلى جواز الاستقبال كالشيخ في المبسوط وابن أبى عقيل كما نقل عنه في المختلف وابن إدريس والمحقق في المعتبر والشرايع والعلامة في جملة من كتبه وبالجملة الظاهر جواز الاستقبال لصدق الامتثال ولما رواه التهذيب في الصحيح عن حماد بن عثمان عن أبى عبد الله عليه السلام قال لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا وقد يناقش فيه بأنه لا دلالة له على جواز مسح الرأس مدبرا لامكان اختصاصه بالقدمين ويؤيده أنه روى الشيخ في موضع آخر عن حماد أيضا بأدنى تغير في السند وفيه موضع الوضوء القدمين وهذا مما يضعف الاحتجاج به فالتعويل على الدليل الاول واحتج السيد المرتضى على عدم جواز الاستقبال بأن مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث بلا خلاف بخلاف المسح مستقبلا فيجب فعل المتيقن وجوابه ظاهر والعجب أنه (ره) ذهب في الوجه واليدين إلى جواز العكس دون الرأس مع أن الامر بالعكس أولى ويمكن أيضا أن نحتج عليه بما تقدم من الاحتجاج بالوضوء البياني على عدم جواز النكس في الوجه واليدين والجواب الجواب ثم أن جمعا من القائلين بجواز الاستقبال صرحوا بكراهته ووجهه المحقق في المعتبر بالتفصي عن الخلاف وفيه ما فيه ولا المسح على حايل الحائل ثلثه العامة ونحوهما من المقنعة والحناء وشبهه من الاطلية والشعر أما الاول فقد ادعى الاجماع على عدم جواز المسح عليه ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع عدم صدق الامتثال لان المسح على العمامة لا يطلق عليه المسح بالرأس وهو ظاهر وما رواه التهذيب أيضا في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة فقال لا يمسح عليهما والروايتان المنقولتان سابقا أيضا عن حماد والحسين في العمامة وأما الثاني فقد ذكر المصنف في الذكرى أن المشهور عدم جواز المسح عليه يدل عليه أيضا عدم صدق الامتثال وما رواه التهذيب في الزيادات أيضا عن محمد بن يحيى رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس لكن يعارض بما رواه التهذيب في هذا الباب في الصحيح عن عمر بن يزيد قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال يمسح فوق الحناء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ويتوضأ للصلوة فقال لا بأس بأن يمسح رأسه والحناء عليه وجمع الشيخ بين الروايات بأنه إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة من غير مشقة فلا يجوز غيره فإذا تعذر ذلك جاز أن يمسح فوق الحنا ولا دليل على هذا الجمع نعم لو كان الحناء للدواء لامكن إدخاله تحت حكم الجبائر وشبهها كما سيجئ إنشاء الله تعالى وكذا الاطلية الاخر غير الحناء ويمكن الجمع بين الروايات بحمل الروايتين الدالتين على الجواز على جوازه فوق أثر الحناء وهو اللون للمجرد أو مع قيامه أيضا بجسم رقيق لا يعد في العرف حايلا وبالجملة الظاهر عدم جواز المسح فوق الحناء الذي له جمسيته بحيث يعد في العرف حائلا وكذا شبهه من غير ضرورة لعدم صدق الامتثال ظاهرا وعدم صلاحية الروايتين المذكورتين لاخراج هذا الفرد لاحتمال أن يكون المراد بهما الحناء الغير الحايل احتمالا غير مرجوح سيما مع وجود قرينة المرفوعة المذكورة واما عند الضرورة فيظهر حالها في الجبائر إنشاء الله تعالى وأما الثالث فقد ذكرنا أن الاجماع واقع منا بجواز المسح على البشرة والشعر وأيضا نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام كان على رؤسهم الشعر ويمسحون عليه وأيضا يلزم العسر والجرح وبالجملة جواز المسح على شعر المقدم في الجملة من ضروريات الدين إنما الكلام في تحديده فاعلم إن الشعر الذي يمسح عليه أما أن يكون شعر مقدم البشرة أو غيره والاول أما على المقدم أو استرسل منه فإن استرسل منه فلا خفاء في عدم جواز المسح عليه إذ لا يصدق عليه المسح على المقدم وإن لم يسترسل فأما أن يكون بحيث لو مد خرج عن حد المقدم أولا ف‍ إن لم يكن كذلك فالظاهر جواز المسح عليه للاجماع كما هو الظاهر وإن كان كذلك فأما أن يمسح على أصوله مما لا يخرج عن الحد فكالسابق أيضا وإن كان على الذي من شأنه أن يخرج فالمشهور بين القوم بحيث لم نعرف خلافا عدم الجواز لكن في إثباته بالدليل إشكال إذا أطلق عليه في العرف أنه مسح على الرأس أو الناصية لكن الاولى متابعة القوم خصوصا مع عدم معلومية ذلك الاطلاق وأما الثاني فإن كان على غير المقدم فالامر فيه ظاهر وإن كان على المقدم فهو أيضا مثل الاحتمال الاخير في الشق الاول بل هو أولى بعدم الجواز ثم اعلم إن الظاهر من كلام الصدوق في الفقيه والشيخ في المبسوط والنهاية أنه يجب على النساء وضع القناع في الصبح والمغرب عند المسح ورخص لهن في ساير الصلوات فيجوز أن يكتفي فيها إدخال الاصبع تحت القناع والعلامة والمحقق صرحا باستحباب الوضع مطلقا وتأكده في الغداوة والمغرب والظاهر عدم الوجوب للاصل والامتثال بالمسح تحته وإطلاق صحيحة زرارة المنقولة بطريقين صحيح وحسن المقتدمة في بحث جواز الاكتفاء بمسمى المسح والذي يمكن أن يحتج به على الوجوب ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال لا تمسح المرئة بالرأس كما يمسح الرجال إنما

[ 115 ]

المرئة إذا أصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها وإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها وفيه نظر أما أولا فلانه ضعيف السند وأما ثانيا فلعدم ظهوره في الوجوب لان الجملة الخبرية ليست بظاهرة فيه وعلى تقدير الظهور أيضا فليحمل على الاستحباب جمعا بينه وبين صحيحة زرارة ثم إن الرواية مختصة بالصبح فضم المغرب إليه في الوجوب أو تأكد الاستحباب كما فعلوه مما لا وجه له اللهم إلا أن يكون مستندهم روايه أخرى لكن الشيخ في التهذيب استدل بهذه الرواية وكذا العلامة في المنتهى ولا يخفى إن الاستحباب أيضا لا دليل عليه فيما سوى الصبح كم تقدم فالقول به مطلقا لا يخلو من الاشكال إلا أن يتسامح فيه ويكتفي بتسميته جمع من الاصحاب أو يقال باستنباطه من مفهوم صحيحة زرارة بان يجعل الاجزاء الواقع فيها بالنظر إلى عدم القاء الخمار ويدعي أن الاجزاء إنما هو فيما يكون خلافه أولى والله اعلم (ويجب كونه بنداوة الوضوء وتجويز ابن الجنيد غيرها عند عدمها شاذ ولو جف كفاه ما على اللحية والحاجب والاشفار فإن فقد استأنف الوضوء) لا خلاف بين علمائنا في جواز المسح ببقيه البلل خلافا للعمامة فإنهم أوجبوا استيناف الماء الجديد سوى مالك فإنه أجاز المسح بالبقية وكذا لا خلاف بيننا أيضا كما هو الظاهر في وجوب المسح بالبقية وعدم جواز الاستيناف عند بقاء النداوة على اليد وأما عند جفاف اليد فالمشهور أيضا عدم جواز الاستيناف بل يؤخذ من اللحية ونحوها لو كان بها بلة ويستأنف الوضوء لو جف أيضا نعم جوزوا في حال الضرورة كإفراط الحر مثلا بحيث لا يقدر على المسح ببقيه الوضوء أن يستأنف ماء جديد وقد نقلوا عن بن الجنيد ما يدل بظاهره على جواز الاستيناف عند جفاف اليد مطلقا سواء وجد بلل على اللحية ونحوها أو لا وسواء كان في حال الضرورة أو لا لكن يظهر من كلام بعض الاصحاب إن خلافه إنما هو حال جفاف جميع الاعضاء وحينئذ فلفظة اليد في كلامه إنما هي على سبيل التمثيل فإن قلت سيجئ إن ابن الجنيد حاكم ببطلان الوضوء مع الجفاف فكيف يصح منه الحكم بجواز الاستيناف حال الجفاف قلت سيجئ أيضا أنه لا يحكم بالبطلان إذا كان الجفاف لضرورة فحينئذ يمكن الحكم منه بجواز الاستيناف حال الجفاف فإن قلت الاصحاب أيضا قائلون بجواز الاستيناف حال الضرورة فما الفرق بين مذهبهما قلت فرق بين الضرورتين لان الضرورة التي جوز معها الاصحاب الاستيناف هي أن يتعذر المسح بالبلة مع مراعاة المتابعة في الوضوء لفرط حر أو شبهة والضرورة التي جوز معها ابن الجنيد الجفاف والاستيناف هي مثل أن ينقطع الماء في الاثناء فيجف الاعضاء إلى وصوله أو عرض حاجة فقطع الوضوء بسببها وعلى هذا فالفرق بين المذهبين ظاهر فها هنا أمور الاول جواز المسح بالبقية والثاني وجوبه عند وجود البلل على اليد والثالث وجوبه في غير هذه الصورة أيضا وهو وجود البلل على اللحية ونحوها والرابع وجوب الاستيناف حال جفاف جميع الاعضاء في غير حال الضرورة والخامس عدم وجوب الاستيناف بل جواز استيناف الماء الجديد عند الضرورة كإفراط الحر وقلة الماء بحيث كلما توضأ جف أما الاول فيدل عليه مضافا إلى الاجماع صدق الامتثال والروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر المتضمنة لفعلهم (عليه السلام) كذلك وقد تقدم طرف منها وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن ابي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسح الرأس قلت امسح بما في يدي من النداء رأسي قال لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح فمع إمكان المناقشة في صحة سنده لا يعارض الروايات الكثيرة ولما يحمل على التقية لموافقته لمذهب جمهور العامة وأوله أيضا الشيخ بأن يكون أراد به إذا جف وجهه أو أعضاء طهارته فيحتاج أن يجدد غسله فيأخذ ماء جديد أو يكون الاخذ له أخذا للمسح وفيه ما فيه وكذا أوله أيضا بأن يكون المراد من قوله بل تضع يدك في الماء الماء الذي بقي في لحيته أو حاجبيه وفيه أيضا ما فيه وكذا ما رواه أيضا في الباب المذكور عن جعفر بن عمارة أبي عمارة الحارثي قال سئلت جعفر بن محمد (عليه السلام) امسح رأسي ببلل يدي قال خذ لراسك ماء جديدا إنما يحمل على التقية سيما مع أن رجاله رجال العامة والزيديه كما ذكره التهذيب وأما الثاني فيدل عليه الاجماع واستدل ايضا بالروايات الواردة لبيان الوضوء حيث ورد فيها أنهم (عليهم السلام) لم يجدد وإماء وفيه ما مر من أنه لا يدل على الوجوب لجواز أن يكون فعلهم (عليه السلام) من أنه أحد الافراد لا لتعينه بخصوصه ويستدل عليه أيضا بما نقلنا عن الكافي في بحث مسح مقدم الرأس من رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن الله وترا إلى آخر الحديث وهذه الرواية في التهذيب أيضا في زيادات صفة الوضوء بطريق حسن بإبراهيم بن هاشم ويناقش فيه أيضا بعدم ظهوره في الوجوب كما مر غير مرة ويستدل أيضا على محاذاة ما ذكره المحقق في المعتبر بأن الامر بالمسح مطلق والامر المطلق للفور والاتيان به ممكن من غير استيناف ماء فيجب الاقتصار عليه تحصيلا للامتثال ولا يلزم مثله في غسل اليدين لان الغسل يستلزم استيناف الماء وفيه أنه على تقدير تسليم إن الامر للفور فلا نسلم أن مثل ذلك الفصل ينافي الفورية لان بنائها على العرف ولا يعد فيه مثل هذا تأخيرا وهو ظاهر وما ذكره من أن الغسل يستلزم استيناف الماء منظور فيه أيضا لامكان أن يكون في اليد بلل كثير بحيث يمكن إجراؤه على العضو ولا شبهة في ذلك والاولى أن يجاب عن النقض بأنه خارج بالاجماع وبالجملة التعويل في هذا الحكم على الاجماع والروايات وإن أمكن المناقشة فيها كما عرفت لكنها مما تصلح للتأييد وما أورده ابن إدريس في السرائر ما استطرفه من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر من رواية مثنى من أنه (عليه السلام) وضع يده في الماء فلا يعارض الاجماع وأما صحيحة علي بن جعفر المتضمنة لحديث المطر المنقولة سابقا عند شرح قول المصنف ولو كالدهن مع الجريان ففيها إجمال لا يظهر منها فهم المراد حتى يكون ظاهرا في المنافاة ويحتاج إلى التأويل فتدبر وأما الثالث فمما يمكن أن يستدل به عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه مرسلا قال وقال الصادق (عليه السلام) اإ نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك وإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك وإن لم يكن لحيته فخذ من حاجبيك وإشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك وإن لم يبق

[ 116 ]

من بلة وضوئك شئ أعدت الوضوء وهذه الرواية صريحة في الدلالة على المدعى لكنها مما يخدشها الارسال والايراد عليها بأنها مخصوصة بحال النسيان يمكن دفعه بالشك بالاجماع المركب ولا يبعد القول بانجبار ضعفها للارسال بالشهرة بين الاصحاب والعمل بها مع أن ما في الفقيه حكم الصدوق بصحته وإن حجة فيما بينه وبين ربه ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن خلف بن حماد عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلوة قال إن كان في لحيته بلل فليمسح قلت فإن لم يكن له لحية قال يمسح من حاجبيه أو من إشفار عينيه وفيه أنه مع عدم صحة السند لا ظهور له في المدعى لجواز أن يكون الامر بالمسح من بلل اللحية لكونه من الفردين المخيرين مع عدم تيسر الفرد الاخر في هذا الحال غالبا إذ الغالب أن في حال الصلوة لا يتيسر الماء الجديد فلا دلالة على عدم جوازه ويؤيد ما ذكرناه ما رواه التهذيب في أواخر باب أحكام السهو في الصلوة عن أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلوة فقال إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلوة وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلة وليمسح على رأسه وإن كان إمامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المنقول آنفا عن مالك بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه ولمسح رأسه وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء وفيه أيضا بعد القدح في السند ما مر في سابقه والظاهر أن الكلام ها هنا في حال الصلوة بقرينة فلينصرف ويمكن أن يقال إن الاستدلال بهذه الرواية إن كان من جهة الامر بالاخذ من اللحية لكان كما ذكر أما إذا كان من جهة الامر بالاعادة باعتبار أنه إذا لم يكن الاستيناف مع جفاف جميع الاعضاء جايز الدلالة الامر بالاعادة حينئذ عليه فلم يجز مع جفاف بعض الاعضاء بطريق الاولى فلا نعم يمكن أن يعترض حينئذ بأن الامر بالاعادة يجوز أن يكون لاجل جفاف جميع الاعضاء لا للاستيناف فلا يجري فيما نحن فيه وهذه إنما ينافي إذا لم يكن ابن الجنيد قائلا بالصحة مع جفاف جميع الاعضاء للضرورة ويحمل ما نقوله عنه من الصحة عند الجفاف مع الضرورة على جفاف البعض لانه قائل باشتراط وجود البلة على جميع الاعضاء حال الاختيار فتدبر ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور سابقا في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا ذكرت وأنت في صلوتك إنك قد تركت شيئا من وضوءك المفروض عليك فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلوتك ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء وفيه أنه لا دلالة له على تعيين الاخذ من اللحية لم لا يجوز أن يكون الاخذ من اللحية والاستيناف كلاهما جايزين نعم لو كان مذهب ابن الجنيد وجوب استيناف الماء الجديد حين جفاف اليد لكان حجة عليه ويرد عليه حينئذ أيضا إن عند الاخذ من اللحية والمسح به يتحقق الامتثال ولا بد للتكليف الزايد من دليل وليس فليس ويرد على هذا الاستدلال أيضا ما أوردنا على سابقه وقس عليه أيضا الاستدلال بما رواه الفقيه في الباب المذكور آنفا قال وروى أبو يصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل نسي مسح رأسه قال فليمسح قال لم يذكره حتى دخل في الصلوة قال فليمسح رأسه من بلل لحيته وكذا الاستدلال عليه بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلوة قال إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل مع أنه ضعيف السند وأما الاستدلال بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك وقد روى في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء بطريق حسن فأدون حالا من سابقيه كما لا يخفى ويمكن أن يستدل على جواز الاستيناف حينئذ بصدق الامتثال وعدم دليل دال على تقييد الامر بمطلق المسح لما عرفت حال الادلة فينبغي أن يبقى على إطلاقه وما ذكروه من تحقق الاجماع بعد ابن الجنيد على عدم جواز الاستيناف فما لا يصلح للتعويل لان إثبات تحقق الاجماع في زمان الغيبة أمر دونه خرط القتاد لكن محافظة الاحتياط خصوصا مع وجود مرسلة الفقيه يقتضي الاخذ بما عليه الاصحاب هذا كله إن حمل خلاف ابن الجنيد على ما يفهم من ظاهر كلامه كما ذكرنا وأما إذا حمل على ما يفهم من كلام بعض الاصحاب فيرتفع الاشكال إذ المسألة حينئذ يصير إجماعية كما هو الظاهر ثم أنه على المشهور هل يختص جواز أخذ الماء من اللحية بحال نسيان المسح أولا وهل يختص بحال جفاف اليد أو يجوز حال ابتلالها أيضا أما الاختصاص بالنسيان فهو وإن كان مما يشعر به ظاهر كلام المعتبر والمنتهى حيث خصصا الحكم بهذه الصورة لكن كلام التذكرة صريح في عدم الاختصاص وهو الاقوى بالنظر إلى الدليل وإن كانت الروايات الواردة في هذا الحكم مختصة بحال النسيان لما قد عرفت من إطلاق الامر بالمسح وصدق الامتثال عند الاخذ من اللحيه والمسح به من دون معارض لان الشهرة التي قد تحققت في عدم جواز الاستيناف ففيه ها هنا والروايات المذكورة أيضا خالية من الدلالة في هذه الصورة رأسا فيبقى الاطلاق بحاله وأما الاختصاص بحال الجفاف فهو ظاهر من كلام الشيخ والمحقق والعلامة والمصنف (ره) لكن الشهيد الثاني وصاحب الدار أولى ذكر أنه لا اختصاص له به وإن التعليق في عبارات الاصحاب يخرج مخرج الغالب وسا تدل عليه الشهيد الثاني باشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء فلا يصدق عليه الاستيناف ولاطلاق قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه مالك بن أعين عنه كما نقلنا آنفا وفيه نظر لان ما ذكره من اشتراك ؟ في كونه بلل الوضوء مما لا يجدي لان ما يستدل به على عدم جواز الاستيناف أما الاحاديث التي وردت بيانا وأما الحديث الذي قد تقدم من قوله (عليه السلام) إن الله وتر إلى آخر الحديث وفى أكثر الاحاديث

[ 117 ]

الواردة بيانا إنما وقع المسح ببلة اليد وهذا الحديث أيضا يدل على ذلك فكما يستدل بها على عدم جواز الاستيناف يمكن أن يستدل بها أيضا على عدم جواز الاخذ من اللحية إلا ما أخرجه الدليل وهو الاخذ حال جفاف اليد فالفرق تحكم وما ذكره من إطلاق الرواية إنما يعارضه مرسلة الفقيه المنقولة آنفا فيحمل على جفاف اليد كما هو الظاهر لان النسيان إنما يكون مظنة الجفاف خصوصا مع ما ذكرنا سابقا إن الظاهر أنه بعد الدخول في الصلوة نعم يمكن أن يقال بجواز الاخذ حال عدم الجفاف أيضا لما عرفت من الدلائل التي يستدل بها على عدم جواز الاستيناف ليست بتامة وإنما التعويل على الشهرة العظيمة أو الاجماع ولا يخفى أنهما منتفيان فيما نحن فيه فلا دليل على منعه والامر بالمسح مطلق فيبقى على إطلاقه ثم أنه هل يجب مراعاة الترتيب في الاخذ من الحية والحاجب والاشفار أولا الظاهر بالنظر إلى كلام القوم عدمه لكن ظاهر مرسلة الفقيه ومرسلة خلف المتقدمتين الترتيب إلا أنه لما لم تقويا من حيث السند والاصل جواز الاخذ من أي موضع كان والظاهر إن الاصحاب لم يعملوا بهما في حكم الترتيب مع إمكان أن يكون الامر بهذا الترتيب من باب المتعارف فلا يبعد القول بعدم وجوب الترتيب ومقتضى الاحتياط أن لا يكتفي بالوضوء الذي أخذ فيه من اللحية في غير صورة النسيان بل يجدد وضوء آخر وكذا يراعى جفاف اليد في صورة النسيان وغيره وكذا الترتيب بأن يأخذ أولا من اللحية لو كان ثم من الحاجب أو الاشفار ولا ترتيب فيهما والظاهر جواز الاخذ من مسترسل اللحية لاطلاق الروايات مع ما علمت من الاصل وما يتوهم من أنه ليس فضلة الوضوء ليس بشئ إذ لا دليل على كون المسح بفضلة الوضوء بل لو كان فإنما يكون في بلة اليد فلما لم يبق معمولا به فيها للروايات فلا وجه لاعتبار فضلة الوضوء مع إن عدم كونه فضلة الوضوء أيضا ممنوع لان غسل المسترسل أيضا من سننه وقد سبق ولا فرق أيضا في جواز الاخذ من فضلة الغسلة الاولى أو الثانية لما عرفت وأما فضلة الثالثة لو لم يجوزها أحد فقد استشكل في الاخذ منها بناء عل أنها بدعة فلا يعد من ماء الوضوء وقربه المصنف في الذكرى ومن حيث عدم انفكاكها عن ماء الوضوء ونصره المحقق في المعتبر والظاهر الثاني بالنظر إلى ما ذكرنا وكذا الظاهر جواز الاخذ من غير المواضع المذكورة ولا يخفى وجهه وأما الرابع وهو الذي يفهم من كلام بعض الاصحاب إن نزاع ابن الجنيد فيه فلا يخفى أنه يحتمل وجهين لانه أما أن يكون الجفاف مع التفريق بين إفعال الوضوء سواء كان لضرورة أم لا أو بدون التفريق فإن كان الاول فالظاهر بطلان الوضوء ووجوب الاعادة للروايات الواردة به والاجماع أيضا على احتمال أن يكون تجويز ابن الجنيد الجفاف مع الضرورة تجويز جفاف البعض كما أشرنا إليه سابقا لكن لا نعلم أن بطلانه لاجل الجفاف أو للاستيناف وإن كان الثاني فالظاهر إن ابن الجنيد قائل بالبطلان حينئذ إذ ما نقل عنه من تجويز الجفاف إنما هو عند الضرورة كما صرح به المصنف في الذكرى إلا أن يعتبر الضرورة حال عدم الاشتغال لكن يحتمل أن يكون الصدوق (ره) وأبوه أيضا قائلين بالصحة وهو الظاهر بحسب الدليل أيضا فإن تحقق قول من الاصحاب به فالظاهر الحكم بالصحة وإن لم يتحقق بل كان مختار الصدوق وأبيه من تجويز الجفاف حين الاشتغال بأفعال الوضوء مختصا بحال الغسل لا المسح أيضا ويكون الحكم ببطلان عند الجفاف حال المسح مجمعا عليه فإنما يتبع الاجماع وإن لم يظهر له دليل سواه وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بحث الموالاة وأما الخامس فقد ذكره المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد الثاني في شرح الارشاد وقال العلامة في التذكرة لو جف ماء الوضوء للحر أو الهواء المفرطين استأنف الوضوء ولو تعذر ابقى جزء من يده اليسرى ثم أخذ كفا غسله به وعجل المسح على الرأس والرجلين ولم يذكر استيناف الماء الجديد عند عدم إمكان ذلك المعنى وقال المصنف في الذكرى أيضا مثل ما في التذكرة واستدل المحقق في المعتبر على جواز الاستيناف برفع الحرج ولا يخفى إنا لو اعترفنا بأن الروايات المتضمنة لبيان الوضوء إنما تدل على أن الوضوء المفروض هو الذي كان مسحه ببلة اليد كما هو الظاهر من كلام القوم يلزم علينا أن لا نجوز الاستيناف في هذه الصورة لان المأمور به إذا كان هذا الوضوء الخاص والاتيان بغيره من عند أنفسنا بلا دليل شرعى على أنه بدل منه لا معنى له ويكون تشريعا وما ذكر من الحرج ليس بشئ إذ لا حرج ها هنا بل يسقط الوضوء وينتقل الفرض إلى التيمم نعم لو أنه سلم دلالة الروايات على ذلك كما ذكرنا ولم نمنع جواز الاستيناف أو منعناه أيضا لكن للشهرة أو الاجماع فحينئذ الظاهر الحكم بجواز استيناف الماء الجديد لاطلاق الامر بالمسح مع عدم شهره أو اجتماع على التقييد في هذه الصورة والاحتياط أن يستأنف الماء الجديد ويمسح ثم يضم إليه التيمم أيضا والاحوط أيضا لو كان رجاء أن يكسر سورة الحر مثلا إلى آخر الوقت أن يؤخر الوضوء إليه ليمكن المسح بنداوة الوضوء والله أعلم (ولا يجزي الغسل عنه) لا خفاء في عدم إجزاء الغسل المجرد عن المسح باليد عنه لعدم صدق الامتثال وكذا الغسل المقارن لامرار اليد فيما فرض أنه لم يصدق عليه المسح في العرف لكثرة جريان الماء مثلا وأما الغسل المقارن للمسح الذي يصدق المسح عليه في العرف لكونه غسلا خفيفا فالظاهر حينئذ الاجزاء لصدق الامتثال و عدم ما يدل على خلافه وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) أنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلوة قلت وكيف ذلك قال لانه يغسل ما أمر الله بمسحه فالظاهر أنه تعريض بالعامة في غسلهم الرجلين مجردا عن المسح مع أنه ضعيف السند وما نقل في التذكرة من الاجماع على عدم إجزاء الغسل فالظاهر انه في غير هذه الصورة كما يشعر به دليله من اشتماله على الاستيناف كما لا يخفى وما يتوهم من أنه لما وقع المسح في مقابلة الغسل فيجب أن يكون حقيقة مخالفة لحقيقة الغسل وإلا لا معنى المتقابل ففيه أنه لو أريد بالمخالفة التباين الكلي فلا نسلم استلزام التقابل هذا المعنى وإن أريد بها أعم منه فممنوع ولكنها متحققة فيها لان بينهما عموما من وجه إذ يصدق الغسل على الصب المجرد عن الامرار بدون المسح وبالعكس في المسح الخالي عن الجريان ويصدقان في الاجراء بالامرار ولا خفاء في كفاية هذا المعنى في صحته التقابل ولا يخفى أن الظاهر من طريقتهم عليهم السلام أيضا ذلك لاكتفاء بالامر بالمسح ببلة اليد من غير إشعار برعاية عدم حصول الجريان مع أن الغالب أن لا ينفك اليد بعد

[ 118 ]

الفراغ من الوضوء عن قدر بلة يحصل معه جريان يسير وعلى هذا فإن نزل كلام المصنف (ره) وكذا كلام غيره من الاصحاب الذي يؤدي مؤداه على ما ذكرنا فنعم الوفاق وإلا فالظاهر خلافه وقد صرح المصنف في الذكرى بما ذكرنا حيث قال من مسألة تعذر المسح بالبلل لافراط الحر وإنه يبقى حينئذ جزءا من اليسرى أو كلها ثم يغمس في الماء أو يكثر الصب ويمسح به ولا يقدح قصد إكثار الماء لاجل المسح لانه من بلل الوضوء وكذا لو مسح بماء جار على العضو وإن أفرط الجريان لصدق الامتثال ولان الغسل غير مقصود انتهى ولا يخفى ضعف تعليله الاخير (ولا المسح بآلة غير اليد) لظهور الروايات في المسح باليد والظاهر الاجزاء بأي جزء كان من اليد والحديثان المنقولان سابقا في بحث المسح على الحائل المتضمنان لذكر الاصبع كأنهما بناء على المعتاد قال المصنف في الذكرى والظاهر إن باطن اليد أولى نعم لو اختص البلل بالظاهر وعسر نقله أجزء ولو تعذر المسح بالكف فالاقرب جوازه بالذراع انتهى و هذا التفصيل وإن كان إثباته بالدليل مشكلا لكن الاحتياط في رعايته وقال العلامة في النهاية ولو مسح بخرقة مبلولة بماء الوضوء بأن كانت الاصابع مشدودة فالاقرب عدم الاجزاء لان ماء الوضوء هو المتصل بالاصابع لا ما على الحاوي أما لو كان المسح على الخرقة في اليد لضرورة الجرح وشبهه فمسح به فالاقرب الجواز لو كانت اليد الاخرى كذلك ولو كانت سليمة فإشكال انتهى وحاله أيضا كحال ما في الذكرى فتأمل (ويكره مسح جميع الرأس وحرمه ابن حمزة وفي الخلاف بدعة اجماعا) لاخفاء في عدم استحبابه لعدم توظيفه شرعا وأما كراهته فعلله المصنف (ره) في الذكرى بأنه تكليف ما لا يحتاج إليه وفيه ضعف وعلل ابن حمزة الحرمة بمخالفة الشرع وهو أيضا ضعيف والبدعة التي ادعى الاجماع عليها في الخلاف لم يظهر المراد منها والحاصل أن اثبات قدر زايد على عدم الاستحباب مشكل قال المصنف (ره) في الذكرى وقال ابن الجنيد لو مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره أجزأه إذا كان غير معتقد فرضه ولو اعتقد فرضه لم يجزء إلا أن يعود إلى مسحه ويضعف باشتماله على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزايد وأبو الصلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح وهو كالاول في الرد نعم يأثم باعتقاده انتهى وسيجئ إنشاء الله تعالى في بحث الغسلة الثالثة ما ينفع في هذا الموضع (والزايد عن إصبع من الثلاث مستحب) قال في الذكرى لو مسح بثلاث أصابع فالاقرب إن الزائد موصوف بالاستحباب لجواز تركه ويمكن الوجوب لانه أحد جزئيات الكلي هذا إذا أوقعه دفعة ولو أوقعه تدريجا فالزايد مستحب قطعا انتهى والظاهر فيما إذا أوقعه دفعة خلاف ما قربه المصنف لان الامتثال إنما يتحقق بهذا المجموع فيكون من إفراد الواجب وجواز تركه مع الاتيان بفرد آخر لا يقدح في كونه من أفراد الواجب المخير ويمكن بناء الكلام على أن حال المسح بثلاث أصابع دفعة هل إجزاء ذلك الفعل موجودة مع الكل بوجود واحد أو بوجودات متعددة فعلى الاول يكون ذلك الفعل مما يحصل به الامتثال فيكون واجبا لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر لان الظاهر أن هذه الاجزاء من قبيل الاجزاء الخارجية فلا يكون موجوده مع الكل بوجود واحد وعلى الثاني يكون وجود الاجزاء مقدما على الكل فيحصل الامتثال بالاجزء فلا يكون الكل واجبا لعدم حصول الامتثال به بل قبله إلا أن لا يعتد بالتقدم الذي أتى في العرف ويقال إن الامتثال يحصل بالمجموع أيضا وما ذكره من استحباب الزايد إذا أوقعه تدريجا منظور فيه بل الظاهر عدم الاستحباب للزوم التكرار في المسح ولا نسلم خروجه من تحت التكرار بالامر الوارد بالمسح بثلاث أصابع لان ظاهره المسح رفعة نعم ما ذكره من استحباب الزايد إنما يصح في غير هذا الموضع مثل التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود هذا إذا حكمنا بأن الاتيان بالمأمور به يكفي في الامتثال وإن لم يكن بقصد أنه امتثال لذلك الامر وأما إذا اعتبر هذا القيد فحينئذ لو قرء إحدى ثلاث تسبيحات بقصد المجموع امتثال للامر بالذكر لا ما كل واحد يكون المجموع واجبا لعدم حصول الامتثال قبله (ثم بشرة الرجلين) وجوب مسح الرجلين دون غسلهما مما انعقد عليه إجماعنا وخالف فيه العامة فقال أبو الحسن البصري وابن جرير الطبرسي وأبو علي الجبائي بالتخيير بين المسح والغسل وقال الفقهاء الاربعة وباقي الجمهور بوجوب الغسل دون المسح وقال داود بوجوبهما معا ويدل على وجوب المسح مضافا إلى الاجماع الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وجه الاستدلال إن الارجل أما مجرورة كما في بعض القراءات ومنصوبة كما في البعض الآخر وعلى الاول الظاهر عطفه على الرؤس فيكون في حكمها من وح جوب المسح عليها وجعله معطوفا على الايدي والقول بأن الجر من باب المجاورة ضعيف لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وأيضا اعراب المجاورة شاذ وإنما يقتصر على السماع وأيضا فيما لا لبس فيه مثل حجر ضبت حزب وهاهنا اللبس حاصل وعلى الثاني أيضا الظاهر أنه كذلك للقرب ويكون النصب حينئذ لكونه معطوفا على محل الرؤس والعطف على المحل شايع فإن قلت أولوية العطف على اللفظ يعارض القرب قلت لنا مرجح آخر من حصول التطابق بين القرائتين حينئذ وأما السنة فكثيرة كاد أن يبلغ حد التواتر فمنها الروايات المتضمنة لوصف الوضوء كما تقدم وصحيحة زرارة المتقدمة الدالة على التبعيض في المسح ورواية محمد بن مروان المتقدمة الدالة على عدم قبول الصلوة لترك المسح ومنها أيضا ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة قال قال لي لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت إن ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء ثم قال ابدء بالمسح على الرجلين فإن بدء لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن غالب بن هذيل قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المسح على الرجلين فقال هو الذي نزل به جبريل (عليه السلام) إلى غير ذلك من الاخبار وبعض الروايات الواردة على خلافها محمول على التقية لما عرفت من مذهب الجمهور مثل ما رواه في الباب المذكور عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا قال أجزئه ذلك وما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن أيوب بن نوح قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسئله عن المسح على القدمين فقال الوضوء بالمسح ولا

[ 119 ]

يجب فيه إلا ذلك ومن غسل فلا بأس ولا يخفى أن حمل الرواية على التقية لا يخلو عن مناقشة وحملها الشيخ على إن المراد الغسل للتنظيف لا للوضوء وأيد بما رواه في الصحيح عن أبي همام عن أبي الحسن (عليه السلام) في وضوء الفريضة في كتاب الله تعالى المسح والغسل في الوضوء للتنظيف وأنت خبير ببعد الحمل المذكور وعدم صلاحية ما ذكره للتأييد إذ ظاهره إن الفرض هو المسح لكن لو غسل أحد فيكون من باب التنظيف لا أنه مفروض متعين ولو لا مخافة مخالفة الاجماع بل الضرورة كما ادعاها بعض لامكن القول بإجزاء الغسل عن المسح بالنظر إلى ما يستفاد من الروايات كما لا يخفى على المتأمل ثم أنه انعقد إجماعنا أيضا على إن محل المسح هو ظاهر القدم دون باطنه والروايات أيضا ناطقة به وقد تقدم طرف منها في الابواب السابقة ويزيده بيانا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن أحمد بن محمد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المسح على القدمين كيف هو فوضع بكفه على الاصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين قال لا إلا بكفه كلها وما رواه الفقيه أيضا مرسلا في باب حد الوضوء قال وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لو لا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهر قدميه لظننت أن باطنهما أولى بالمسح وما رواه أيضا مرسلا قال وسئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون خفة مخرقا فيدخل يده ويمسح ظهر قدميه من تحتها أيجزيه فقال نعم وما رواه الكافي أيضا في باب مسح الرأس والقدمين عن جعفر بن سليمان قال سئلت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه ذلك قال نعم إلى غير ذلك فأما ما ورد من مسحهما ظاهرا وباطنا فشاذ ضعيف لا يعمل عليه وكأنه محمول على التقية مثل مرفوعة أبي بصير المتقدمة في بحث المسح على الرأس وحملها الشيخ على أن المراد المسح مقبلا ومدبرا وفيه بعد ومثل ما رواه أيضا في الباب المذكور عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا توضأت فامسح قدميكم ظاهرهما وباطنهما ثم قال هكذا فوضع يده على الكعب وضرب الاخرى على باطن قدمه ثم مسحهما إلى الاصابع واعلم إن الشهيد الثاني (ره) قال في شرح الارشاد عند قول مصنفه ومسح بشرة الرجلين واعلم أنه يستفاد من قوله بشرة الرجلين مع قوله في الرأس كذلك أو شعره المختص أنه لا يجزي المسح على الشعر في الرجلين بل تحتم البشرة والامر فيه كذلك انتهى وهذا الحكم مما لم أقف فيه على تصريح في كلام القوم غير أنهم أقحموا لفظة البشرة في هذا الموضع ويمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخف ونحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر لان المسح على الرجلين يصدق عرفا على شعرهما أيضا إلا إذا كان طويلا جما بحيث يخرج عن المعتاد سيما ليس فيه الباء الدالة على الالصاق وأيضا عدم التعرض له في الاحاديث مطلقا مع أن الغالب أن الرجل لا ينفك عن الشعر يؤيد ذلك لا يقال إن الغالب خلو بعض مواضع الرجل عن الشعر وسيأتي إن الاستيعاب ليس بلازم فيقع القدر المفروض من المسح على البشرة غالبا فلهذا لم يتعرضوا (عليهم السلام) له لان الاستيعاب الطولي لازم كما سيجئ ووقوع خط طولي غالبا على البشرة معلوم الانتفاء بل إنما يتحقق ذلك مع الملاحظة والالتفات التام وبالجملة استنباط هذا الحكم من الايه والروايات مشكل وكذا من كلام الاصحاب لان اقحام لفظة البشرة لا ظهور له في هذا المعنى مع أنه ليس في كلام بعضهم والاصل برائة الذمة وحديث لزوم تحصيل يقين البرائة من التكليف اليقيني قد مر مرارا (من رؤوس الاصابع إلى الكعبين وهما أعلى القدمين) تحديد الرجل الممسوح بكونه من رؤوس الاصابع إلى الكعبين مما لا خلاف فيه وكذا في جواز الابتداء من الاصابع إنما الكلام في ثلاثة مواضع في تعيين الابتداء من الاصابع وفي تحقيق معنى الكعب وفي تحديد المسح أما الاول فسيأتي إنشاء الله تعالى الكلام فيه عند شرح قوله ولا يجزي النكس وأما الثاني فنقول الظاهر من كلام الاصحاب (ره) إن الكعب هو العظم الناشر في وسط القدم وإن إجماعنا قد انعقد عليه وخالف الجمهور في ذلك فقالوا الكعبان هما العظمان النابتان عند مفصل الساق والقدمين عن الجنبين اللذان يقال لهما المنجمان والرهيان سوى محمد بن الحسن الشيباني منهم فإنه أيضا قال بالاول واحتجوا رحمهم الله على نفي ما ذهب إليه العامة بوجوه وحجج وأجابوا عما استدلوا به باجوبة ولا حاجة بنا إلى التعرض لها لان الخطب سهل إذ هو من الظهور عندنا بحيث لا يحتاج إلى دليل نعم يجب التعرض ها هنا لشئ آخر وهو أن العلامة (ره) ذكر في جملة من كتبه إن الكعب هو المفصل بين الساق والقدم وبعبارة أخرى مجمع القدم وأصل الساق وقد صب عبارة الاصحاب أيضا عليه وقال في كتابيه المنتهى والمختلف إن عبارة علمائنا يشتبه على من ليس له مزيد تحصيل لكن المحصل يعلم أن مرادهم بالكعب المفصل لا العظم الذي في وسط القدم واحتج عليه أيضا بوجوه الاول ما رواه التهذيب في الصحيح في باب صفة الوضوء عن زرارة وبكير عن أبي جعفر (عليه السلام) آخر حديث الطست المنقول في بحث جواز مسح الرأس بمسماه قلنا أصلحك الله فأين الكعبان قال ها هنا يعني المفصل دون عظم الساق فقالا هذا ما هو قال هذا عظم الساق وفي الكافي أيضا بعد ما نقلنا في البحث المذكور بأدنى تغيير في العبارة لا يؤثر في المراد وفيه بعد قوله (عليه السلام) هذا عظم الساق والكعب أسفل من ذلك والثاني ما روي في حديث القعب المنقول سابقا في بحث نكس غسل اليدين ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه فإنه يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم فيجب أن يمسح إلى المفصل الثالث أنه اقرب إلى ما حدوه أهل اللغة وقد أخذ المصنف (ره) في الذكرى والمحقق الشيخ علي (ره) في شرح القواعد والشهيد الثاني في شرح الارشاد وغيرهم أيضا في التشنيع عليه من وجوه الاول إن عبارة الاصحاب صريحة في خلاف ما يدعيه ناطقة بأن الكعبين هما العظمان الناتيان في ظهر القدم أمام الساق حيث يكون معقد الشراك فحملها على المفصل وادعاء إن فيها اشتباها على غير المحصل وإن المحصل لا يشتبه عليه إن مرادهم هذا عجيب جدا الثاني إن ما ذكره أحداث قول ثالث مستلزم لرفع ما أجمع عليه الامة لان الخاصة على إن الكعب هو العظم الناتي في وسط القدم والعامة على أنه مانعا عن يمين الرجل وشماله فالقول بأنه المفصل قول ثالث إن أراد به ظاهره وإن

[ 120 ]

أراد بالمفصل ما نتأ عن يمين القدم وشماله فهو بعينه مقالة العامة المخالفة لما أجمعنا عليه وهذا الايراد كأنه راجع إلى الايراد الاول عند التأمل الثالث إن ما ذكره مخالف لظواهر الاخبار الواردة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) الرابع أنه مخالف لكلام أهل اللغة ولم يساعد عليه الاشتقاق الذي ذكروه فإنهم قالوا أن اشتقاقه من كعب إذا ارتفع ومنه كعب ثدي الجارية والمفصل لا ارتفاع له وأجابوا عن دلايل الثلاثة أما عن الاول فبأن المراد من المفصل ما يقرب منه مجاز للجمع بين الاخبار وعن الثاني بأن الظهر أطلق هنا يحمل على المقيد لان استيعاب الظهر لم يقل به أحد منا كما قال المحقق في المعتبر ولا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل يكفي المسح من رؤس الاصابع إلى الكعبين ولو باصبع واحدة وهو إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) وعن الثالث بأنه أراد بأهل اللغة لغوية العامة فهم مختلفون وإن أراد لغوية الخاصة فهم متفقون على أنه العظم الناتي في وسط القدم حتى إن العلامة اللغوي عميد الرؤساء صنف في الكعب كتابا مفردا وأكثر فيه من الشواهد على أنه قبة القدم هذا وينبغي أن يذكر ها هنا عبارات الاصحاب والاخبار الواردة في هذا الباب التي ادعوا مخالفة كلام العلامة لهما ليتضح جليه الحال أما عبارات فقد قال ابن الجنيد الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق وهو المفصل الذي هو قدام العرقوب وقال السيد المرتضى (ره) الكعبان هما العظمان الناتيان في ظهر القدم عند معقد الشراك وقال ابن أبي عقيل الكعبان ظهر القدم وقال أبو الصلاح الكعبان معقد الشراك وقال الشيخ في أكثر كتبه هما الناتيان في وسط القدم وقال المفيد الكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل والمشط وقال ابن إدريس الكعبان هما العظمان اللذان في ظهر القدمين عند معقد الشراك وقال المحقق في المعتبر وعندنا الكعبان هما العظمان الناتيان في وسط القدم وهما معقد الشراك وهذا مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) وأما الاخبار فمنها ما نقلنا في الوجه الاول من وجوه العلامة ومنها ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سئلته عن المسح على القدمين كيف فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم فقلت جعلت فداك ولو أن رجلا قال باصبعن من أصابعه فقال لا إلا بكفه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس والقدمين ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الحسن عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الوضوء واحد ووصف الكعب في ظهر القدم وأورد في موضع أخر هذه الرواية بعينها بذلك السند لكن فيه بدل ميسر ميسرة وبدل واحد واحدة كما في الكافي في باب صفة الوضوء ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إلا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أخذ كفا من ماء فصبها على وجهه ثم أخذ كفا فصبها على ذراعه ثم أخذ كفا آخر فصبها على ذراعه الاخرى ثم مسح رأسه وقدميه ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال هذا هو الكعب قال فأومى بيده إلى أسفل العرقوب ثم قال إن هذا هو الظنبوب وما يتعلق بهذا البحث أيضا ما رواه في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة وبكر بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المسح تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وما رواه أيضا في الصحيح في الباب المذكور عن ثعلبة بن ميمون عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين ورواه الفقيه أيضا مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) بأدنى تغيير وما رواه الكافي في الحسن في أثناء حديث الطست المنقول سابقا في بحث مسح الرأس بمسماه من قول الراوي ثم قال ولا يدخل أصابعه تحت الشراك وما رواه الكافي أيضا في باب مسح االرأس والقدمين عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال توضأ علي عليه السلام فغسل وجهه و ذراعيه ثم مسح على رأسه وعلى نعليه ولم يدخل يده تحت الشراك وإذ قد علمت هذا فاعلم أن المحقق البهائي (ره) قد تعصب للعلامة (ره) وتصدى لتصحيح كلامه ودفع أبحاث القوم عنه فقال الكعب يطلق على معان أربعة الاول العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع فيما بين المفصل والمشط الثاني المفصل بين الساق والقدم الثالث عظم مايل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب وهو نابت في وسط ظهر القدم أعني وسطه العرضي ولكن نتوة غير ظاهر لحس البصر الارتكاز أعلاه في حفرة الساق وقد يعبر عنه بالمفص أيضا أما لمجاورته له أو من قبيل تسميه الحال باسم المحل الرابع الناتئين عن يمين القدم وشماله واللذين يقال لهما المنجمان وهذا المعنى الاخير هو الذي حمل اكثر العامة الكعب في الاية عليه وأصحابنا رضى الله عنهم مطبقون على خلافه وأما المعاني الثلاثة الاول فكلامهم قدس الله أرواحهم لا يخرج عنها وإن كان بعض عباراتهم أشد انطباقا على بعضها من بعض فالمعنى الاول ذكره من أصحابنا اللغويين عميد الرؤساء في كتابه الذي ألفه في الكعب وصريح عبارة المفيد طاب ثراه منطبق عليه فإنه قال الكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل والمشط والمعنى الثاني ذكره جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس حيث قال الكعب كل مفصل للعظام والرواية الاولى ظاهرة فيه وهو المفهوم بحسب الظاهر من كلام ابن الجنيد والمعنى الثالث هو الذي يكون في أرجل البقر والغنم أيضا وربما يلعب به الناس كما قاله صاحب القاموس وهو الذي بحث عنه علماء التشريح وقال به الاصمعي ومحمد بن الحسن الشيباني كما نقله عنهما العامة في كتبهم وهو الكعب على التحقيق عند العلامة (ره) وعبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل وفي بعضها بمجمع الساق والمقدم وفي بعضها بالناتي وسط القدم وفي بعضها بالمفصل وصب عبارات الاصحاب عليه وقال في المنتهى بعد ما فسره بالناتي في وسط القدم قد يشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب و الضابط فيه ما رواه زرارة وبكير في الصحيح ثم أورد الرواية الاولى وقال في المختلف يراد بالكعبين هنا المفصل بين الساق والقدم وفي عبارة علمائنا اشتباه على غير

[ 121 ]

المحصل واستدل بتلك الرواية وبأن استيعاب ظهر القدم كما يعطيه بعض الروايات يوجب الانتهاء إليه وإنما عبر قدس روحه عنه بالمفصل لموافقة الرواية ولئلا يشتبه بالمعنى الاول وأيضا فالمفصل أظهر للحس والمسح إليه مسح إلى المفصل في الحقيقة وأراد قدس الله روحه باشتباه عبارة علمائنا أنها لما كانت مجملة بحيث يحتمل المعنى الاول والثالث بل ظاهرها أقرب إلى الاول وقع الاشتباه فيها على غير المصحلين فحملوها على المعنى الاول والتحقيق يقتضي حملها على الثالث وهو الذي انطبق عليه الرواية الصحيحة واعتضد بكلام علماء التشريح وشاع نسبته إلى كل من قال بالمسح انتهى كلامه رفع مقامه ثم قال بعد نقل عبارات الاصحاب كما نقلنا ولا يخفى عدم إبائها عن الانطباق على ما قاله العلامة طاب ثراه فإنه قدس الله روحه لا ينكر إن الكعب عظم نابت في وسط القدم كيف وقد فسره بذلك في المنتهى والتذكرة وغيرهما ولكنه يقول ليس هو العظم الواقع أمام الساق بين المفصل والمشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم وهو الذي ذكره المشرحون وغيرهم وأنت خبير بأن تنزيل عبارات الاصحاب على هذا المعنى غير بعيد نعم عبارة المفيد (ره) صريحة في المعنى الاول فذكره لها في المختلف في طي هذه العبارات ليس على ما ينبغي ولعله طاب ثراه حمل المشط في كلامه على نفس القدم وجعل قوله أمام الساقين بالنظر إلى امتداد القامة لكنه محمل بعيد والله أعلم بحقايق الامور واعلم إن كتب العامة مشحونة بذكر ما ذهب إليه علماء الخاصة رضى الله عنهم من إن الكعب هو ذلك العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم المعبر عنه بالمفصل قال الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قالت الامامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم وهو قول محمد بن الحسن وكان الاصمعي يختار هذا القول ثم قال حجة الامامية إن اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات فوجب أن يكون في حق الانسان كذلك والمفصل يسمى كعبا ومنه كعاب الرمح لمفاصله وفي وسط القدم وفصل فوجب أن يكون هو الكعب انتهى كلامه وقال صاحب الكشف عند تفسير هذه الاية لو أريد المسح لقبل إلى الكعاب أو الكعب إذ ذاك مفصل القدم وهو واحد في كل رجل وإن أريد كل واحد فالافراد وإلا فالجمع انتهى كلامه وشبهة هذه ضعيفة فإنه يجوز كون التثنية بالنظر إلى كل وقال النيشابوري في تفسيره أن الامامية وكل من قال بالمسح ذهبوا إلى أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم والمفصل يسمى كعبا ومنه كعوب الرماح لمفاصله ثم قال إن العظم المستدير الموضوع في المفصل الذي يقول الامامية شئ خفي لا يعرفه إلا علماء التشريخ هذا حاصل كلامهم وليس الغرض من نقل كلام هؤلاء الاستدلال على أن مذهب أصحابنا رضى الله عنهم في الكعب هو ما نسبه العلامة طاب ثراه إليهم فإنه قدس الله روحه مصدق في تلك النسبة غير محتاج إلى التأييد بموافقة العامة له فيها وتلك الرواية الصحيحة الجالية عن المعارض مساعدة له على ذلك وإنما الغرض إن نسبة هذا القول إلى أصحابنا رضى الله عنهم مما اشتهر بين العامة أيضا والله أعلم بحقايق الامور انتهى كلامه زيد أكرامه ثم قال بعد نقل التشنيعات التي أوردها الشهيدان والمحقق الثاني على العلامة كما أشرنا إليه ولا يخفى إن حاصل ما شنعوا به على العلامة طاب ثراه يدور إلى سبعة أمور الاول إن ما ذهب إليه مخالف لما أجمع عليه أصحابنا بل لما أجمع عليه إلا أنه من الخاصة و العامة وهذا أقبح التشنيعات الثاني أنه مخالف للاخبار الصريحة الثالث أنه مخالف لاهل اللغة إذ لم يقل أحد منهم إن المفصل كعب الرابع أنه مخالف للاشتقاق من كعب أو المرتفع الخامس أنه زعم إن عبارات الاصحاب تنطبق على ما ادعاه مع أنها ناطقة بما يخالف دعواه غير قابلة للتأويل السادس إن الكعب وظهر القدم والمفصل الذي ادعا أنه الكعب ليس في ظهر القدم السابع إن قوله بوجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح مخالف للنص والاجماع فكيف جعله دليلا على وجو