الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مشارق الشموس - المحقق الخوانساري ج 1

مشارق الشموس

المحقق الخوانساري ج 1


[ 1 ]

مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق العلامة حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

ترجمة المصنف قدس سره ملخصا عن كتاب روضات الجنات التي ألفها العالم الفاضل الكامل البارع سناد الفقهاء والمحققين سيد العلماء و المجتهدين السيد محمد باقر الخوانسارى دام ظله العالي وهو الشيخ الشهيد والسمح السعيد والركن العميد والقطب الحميد شمس الملة والدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ جمال الدين مكى بن الشيخ شمس الدين محمد بن حامد بن أحمد النبطي العاملي الجزينى وهذا الرجل الاجل الابجل هو المراد بالشهيد الاول وبالشهيد المطلق أيضا في كلمات جميع أهل الحق وكان (ره) بعد مولانا المحقق على الاطلاق أفقه جميع فقهاء الافاق وأفضل من انعقد على كمال خبرته واستاديته اتفاق محل الوفاق وتوحدة في حدود الفقه وقواعد الاحكام مثل تفرد شيخنا الصدوق (ره) في نقل أحاديث أهل البيت الكرام عليهم السلام والمحقق الخوانسارى في توقد القريحة والتصرف الجيد في كل مقام وقد كان معظم اشتغاله في العلوم عند فخر الدين بن العلامة المرحوم وله الرواية أيضا عنه بالاجازة التي كتبها له بخطه الشريف على ظهر كتاب القواعد عند قرائته عليه ومن جملة ما كتبه هناك فيما نقل عنه قدس سره ما صورته هكذا قرأ على مولينا الامام العلامة الاعظم أفضل علماء العالم سيد فضلاء بنى آدم مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكى بن محمد بن حامد أدام الله أيامه من هذا الكتاب مشكلاته إلى أن كتب وأجزت له رواية جميع كتب والدى قدس سره وجميع ما صنفه أصحابنا المتقدمون رضى الله عنهم عنى عن والدى عنهم بالطرق المذكورة لها إلى آخر ما ذكره ومن جملة أساتيده الكابرين أيضا المجايزين له في الاجتهادات والرواية هما الاخوان المعظمان المسلمان المقدمان السيد عميد الدين عبد المطلب والسيد ضياء الدين عبد الله الحليان الحسينيان وله الرواية أيضا بالاجازة وغيرها عن جماعة أخرى كابرين و معتمدين من المحدثين والمجتهدين ويروى أيضا مصنفات العامة عن نحو أربعين شيخا من علمائهم كما ذكره في بعض إجازاته وأما الاخذ منه والرواية عنه والتلمذ لديه فهى أيضا لجمله من علمائنا الاعليان وجملة من عظماء ذلك الزمان منهم أبنائه الامجاد الثلاثة ومنهم الشيخ مقداد السيودى صاحب كتاب التنقيح وغيره والشيخ حسن بن سليمان الحلى صاحب مختصر بصائر الدرجات والسيد بدر الدين حسن بن أيوب الشهير بابن نجم الدين الاعرج الحسينى ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن فجده الشهير بابن عبد العالي ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبد العالي الكركي ومنهم الشيخ زين الدين على بن الخازن الحايرى شيخ رواية أحمد بن فهد الحلى فمما صنفه (ره) كتاب القواعد والفوائد في الفقه مختصر يشتمل على ضوابط كلية أصولية وفرعية يستنبط منها أحكام شرعية لم يعمل الاصحاب مثله ومن ذلك كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية ومن ذلك كتاب غاية المراد في شرح الارشاد في الفقه ومن ذلك شرح التهذيب الجمالى في أصول الفقه ومن ذلك كتاب اللمعة الدمشقية مختصر لطيف في الفقه ومن ذلك رسالتان في الصلوة تشتملان على حصر فرضها ونفلها في أربعة آلاف مسألة مجازاة لقولهم عليهم السلام للصلوة أربعة آلاف باب وغير ذلك هذا وقد ذكره صاحب الامل بعنوان الشيخ شمس الدين أبو عبد الله الشهيد محمد بن مكى العاملي الجرينى وقال في صفته كان عالما ماهرا فقيها محدثا ثقة متبحرا كاملا جامعا لفنون العقليات والنقليات زاهدا عابدا ورعا شاعرا أديبا منشيا فريد دهره وعديم النظير في زمانه روى عن الشيخ فخر الدين محمد بن العلامة وعن جماعة كثيرة من علماء الخاصة والعامة وكانت وفاته (ره) سنة ست وثمانين وسبعمائة 786 التاسع من جمادى الاولى قتل بالسيف ثم صلب ثم رجم بدمشق في دولت بيدمرر وسلطنة برقوق بفتوى القاضى برهان الدين المالكى وعباد بن جماعة الشافعي بعد ما حبس سنة كاملة في قلعة الشام وفي مدة الحبس ألف اللمعة الدمشقية في سبعة أيام وما كان تحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع وكان سبب حبسه وقتله إنه وشى به رجل من أعدائه وكتب محضر يشتمل على مقالات شنيعة عند العامة من مقالات الشيعة وغيرهم وشهد بذلك جماعة كثيرة وكتبوا عليه شهاداتهم وثبت ذلك عند قاضى صيدا ثم أتوا به إلى قاضى الشام فحبس سنة ثم أفتى الشافعي بتوبته والمالكي بقتله فتوقف في التوبة خوفا من أن يثبت عليه الذنب وأنكر ما نسبوه إليه للتقية فقالوا قد ثبت ذلك عليك وحكم القاضى لا ينقض والانكار لا يفيد فغلب رأى المالكى لكثرة المتعصبين عليه فقتل ثم صلب ورجم ثم أحرق قدس الله روحه سمعنا ذلك من بعض المشايخ وذكر إنه وجده بخط المقداد تلميذ الشهيد (ره) انتهى كلام الامل

[ 3 ]

ترجمة الشارح قدس سره ملخصا عن كتاب روضات الجنات أيضا وهو استاد الكل في الكل عند الكل وجنة العلم والفضل الدائمة الاكل بحر البهية ونهرها الجارى وكنز الحكمة ورشحها السارى الاقا حسين بن الفاضل الكامل جمال الدين محمد الخوانسارى افيضت على تربته الزاكية سبحان رحمة ربه الباري أصله ومولده القصبة المدعوة بخوانسار وكان رحمه الله قد انتقل من قبل بلوغه الاشد إلى أصفهان لاستفادة العلوم واكتساب الحكم والمعارف من علمائها الاعيان ونزل في مدرسته خواجه ملك التي هي بجنب مسجد الشيخ لطف الله الواقع في ميدان الشاه فبقى رحمه الله هنالك مشغولا بالافاضة والارشاد غب استفاضته على حسب المراد من ميامن أنفاس كل استاد إلى أن جاء بمرور قليل من الدهر فائقا على سائر أساتيد علوم السر والجهر وقد ذكره صاحب مناقب الفضلاء بهذه العبارة ومنهم العلامة الفهامة المحقق المدقق النحرير أفضل العلماء في القرون والادوار ومفخر الفضلاء في الامصار والاقطار استاد الحكماء والمتكلمين ومربى الفقهاء والمحدثين محط رجال أفاضل الزمان ومرجع الفضلاء في جميع الاحيان أكمل المتبحرين وأفضل المتقدمين والمتأخرين المعروف بطنطنة الفضل بين لا بمتى المشرقين المولى الثقة العدل اقا حسين أجله الله أعلى غرف الجنان وأفاض على تربته شأبيب الغفران وقال صاحب السلافة موردا إياه في زمرة علماء عصره ومنهم الاقا حسين الخوانسارى علامة هذا العصر الذي عليه المدار وإمامه الذي يخضع لمقداره الاقدار وفي أمل الامل إنه فاضل عالم حكيم متكلم محقق مدقق ثقة جليل القدر عظيم الشأن علامة العلماء فريد العصر له مؤلفات منها شرح الدروس حسن لم يتم وعده كتب في الكلام والحكمة وترجمة القرآن الكريم وترجمة الصحيفة وغير ذلك من المعاصرين أطال الله بقائه أقول وشرحه المشار إليه على الدروس كبير موسوم بمشارق الشموس لم يصنف مثله في كثرة التحقيق وجوده الاستدلال وحسن البيان وتفصيل المطلب والاستمال على أغلب القواعد الاصولية والضوابط الاجتهادية قال صاحب رياض العلماء عقيب نبذ واف من محامد أوصافه الباهرة قد قرأ عليه فضلاء الزمان والعلماء الاعيان في المعقول والمنقول والفروع والاصول لم ير عين الزمان بمن يداينه فكيف بمن يساويه ولعمر الله إنه كان عين الكمال فأصابه عين الكمال وكان ظهرا وظهيرا لكافة أهل العلم وحصنا حصينا لارباب الفضل والسلم وهو قدس سره كما قد أخبر عن درجة نفسه من باب لطيفة خاطره كان تلميذا للبشر لكثرة مشايخه انتهى ثم إن من جملة تلاميذه النبلاء ولديه المحققين الاقا جمال الدين محمد والاقا رضى الدين أخاه ومنهم الامير محمد صالح الخاتون آبادى ختن العلامة المجلسي (ره) وقد قرأ عنده الحاشية القديمة وشرح الاشارات والشفا وشرح مختصر الاصول وشرح اللمعة مدة عشرين سنة كما ذكره في حدايق المقربين ومنهم المدقق الشروانى محشمي أصول المعالم والشيخ جعفر القاضى والسيد نعمة الله الجزايرى ومنهم المولى محمد بن عبد الفتاح التنكابنى المعروف بسراب ومنهم السيد الميرزا فخر الدين المشهدي الخراساني الفاضل المتكلم الحكيم ومن جملة مصنفاته أيضا على ما كتبه هو أولا في الرد عليه وحاشيتان على الحاشية القديمة الجلالية لم يتم أحديهما ورسالة في نفى وجوب مقدمة الواجب تعرض للرد فيها على السبزواري والفاضل القزويني والنائيني وأخرى في مسائل متفرقة يرد فيها على المدقق الشروانى ورسايل متفرقة في دفع بعض الشكوك والشبهات منها شبهة الايمان والكفر وشبهة الاستلزام وشبهة الطفرة وغير ذلك واعتذر صاحب الحدايق عن كثرة اشتغاله في أغلب عمره بالمراتب الحكمية بأن من بركات انتقاله ذلك انكسرت صولة أصول الفلاسفة وانهدام أساس قواعد المقررة عندهم التي كانت مسلمة عند الحكماء من زمن المعلم الاول والثاني والثالث الذي هو أبو على سينا وكانت تنافر ظواهر الكتاب والسنة وتورث اعتقادها الضلالة ولم ينكرها أحد قبل هذا الفحل المعظم له فحفة في الحقيقة أعظم حقوق علماء العالم على الاسلام فإن ذلك لم يكن من قوة أحد غيره ثم إن في بعض المواضع إنه كان في حدة الذهن وشدة الادراك وحذاقة وسرعة الانتقال بحيث لم يحتج إلى إعمال زيادة فكرة في فهم المطالب ولا يتكلم في المجامع إلا قليلا بحسب الضرورة ولا يتفوه أبدا لا بما لم يتيسر لاحد رده وتوفى (ره) أيضا باصفهان في آخر سنة تسع وتسعين بعد الالف من الهجرة كما في حدايق المقربين ودفن في مزاره الكبير الواقع من وراء نهر زنده رود المعروف بتخت فولاد فأمر السلطان الشاه سليمان الصفوى ببناء قبة عالية على مرقده الشريف وعمارة بقعته الزكية باحسن ما يكون من شريف ودفن بجنبه أيضا من غير فاصلة ولده الاقا جمال الدين بل من خلفهما الاقا رضى الدين كما نقله الثقات ومن كرامة ذلك الموضع المطهر إنه لا يوجد في ذلك المراد فضلا عن ساير مقابر الاقطار بقعة يكون أكثر زوارا منه وأدوم هجوما لديه وقد وافق تاريخها قوله تعالى أدخلي جنتي وقد تم ما أردنا إيراده في هذه الورقة فالحمد لله أولا واخرا

[ 4 ]

كتاب مشارق الشموس في شرح الدروس للمولى المحقق المدقق إستاذ الكل في الكل عند الكل غريق رحمة الباري اقا حسين الخوانساري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مفيض النعم الروايع وملهم الحكم والشرايع الواهب من أصول النعم وفروعها ما يعجز العقول عن نيل غايته ويقف حمل العقول دون إدراك نهايته من على عباده بالهداية إلى معالم الدين وأخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور اليقين أنعم عليهم بإرشاد اذهانهم إلى قواعد الاحكام وأضاء بلمعة من لطفه مسالك أفهامهم كي يهتدوا إلى شرايع الاسلام نور بمصابيح الدراية قلوبهم لينقذهم من حيرة الجهالة وشرح بأنوار الهداية صدورهم خلاصا لهم من حومة الضلالة أنزل الكتاب فيه تبيان كل شئ وتمييز الرشد من الغي تفضل بإرسال الرسل وإيضاح السبل كي لا يضل بهم الطرق عن مدارك معرفته وبين الايات ونصب البينات حتى لا يعذر أحد في ترك طاعته لم يعتور أمره التباس ولم يغير حكمه قياس نحمده حمدا يليق بكبريائه ونشكره شكرا يستوجب المزيد بعد المزيد من آلائه ونقر بتوحيده إقرارا ينفعنا يوم لقائه ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا رسول الله الامي الذي أتى بكتاب عجز عن نيل مبانيه مصاقع الفصحاء وحار دون إدراك معانيه أقلام العلماء التهامي الذي شرف كل غور ونجد المكي الذي منه فاض على الافاق كل فضيل ومجد الاخر الذي مد الاولون عين الرجاء إلى شفاعته الخاتم الذي لم يخرج من حلقة الذل من لم يتحل بفص طاعته أرسله رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين ومؤسسا للملة السمحاء ومورد إلى الشريعة البيضاء فقام بأعباء الرسالة حتى تجدد ذكر المعارف الوحيدية غب طموسها وانكشف بيان السرائر الالهية بعد دروسها وكان إتمام الدين وإكمال النعمة أن نصب للخلق باب مدينة العلم هاديا إلى ثواب الاعمال وعقابها وكاشفا عن الامة غياهب ارتيابها وألهم الهداة المرضيين أئمة للعباد وحفظة للاحكام إلى يوم التناد اللهم فصل عليه وآله البررة الاخيار الذين من أجمع على متابعتهم واستصحب هدى طريقتهم فاز بالبرائة من النار كما بلغوا جملة آياتك و حلوا عن سنن بيناتك صلوة باقية ما استخرج التفاصيل من الجمل واتضح بالمبين المجمل أما بعد فيقول الراجي إلى رحمة ربه الباري حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري أوتيا كتابهما يمينا وحوسبا حسابا يسيرا إن العلوم على شرف جلتها ورفعة مكانها وحلتها متفاضلة في مدى الفخار متفاوتة في المزايا والاثار وأشرفها دراية ورواية وأفضلها معلولا وغاية وأسدها دليلا وحجة وأوضحها منارا ومحجة وأعظمها للراغب منفعة وأورثها للطالب رفعة بعد علم المعرفة علم الفقه الذي به يعرف ما كلف به العباد ويفرق بين الغي والرشاد ويميز بين ما ينجي ويوبق يوم التناد ومنه يشرح آيات كلام رب العالمين ويوضح سنن خير المرسلين وآثار عترتة الطاهرين وبه تنال السعادة الابدية ويدرك الفوز بالحيوة السرمدية فمن تمسك بالفقه الاحمدي فله البشرى وهو الفاخر

[ 5 ]

بنيل منتهى المطلب في الاخرة والاولى والفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله والمهذب الجامع لخصال أدرك بها غاية مراده وأمله ولما كان كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية من تصانيف شيخنا الاجل المحقق والحبر المسدد المدقق أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين عمدة علماء الفرقة الناجية بل الذي لم يظفر بمثله في القرون الماضية الحائز لمرتبة السعادة الفايز بمنقبة الشهادة محمد بن مكي أعلى الله تعالى درجته كما شرف خاتمته أحسن الكتب المصنفة تحقيقا وتهذيبا وأتقن الرسائل المؤلفة تدقيقا وتقريبا وأكثرها اشتمالا على الفروع التي تعم بها البلوى وأسدها تنقيحا للمسائل التي تشتد الحاجة إليها أجبنا أن نشرحه شرحا يوضح مقاصده الدقيقة ويجلي مطالبه الانيقة ويبين حقايق أنظاره ويظهر دقايق أفكاره غير مقتصرين على حل الكتاب وبينان مبانيه ولا مكثفين بكشف الحجاب عن عرايس معانيه بل أوضحنا في كل مسألة مقاصد من تكلم فيها وأشبعنا القول فيما يصح أن يقال لها أو عليها وأوردنا من الادلة ما أمكن بلوغ الفهم إليها وأطلقنا النظر في متن كل دليل وسنده وأجلنا الفكر في رد كل مذهب ونقده وأنعمنا سر الاقوال في الابرام والنقص وأمعنا الغور في ترجيح بعضها على بعض وسميناه مشارق الشموس في شرح الدروس وجعلناها تحفة للخزانة العامرة التي هي بدخائر العز غامرة أعني خزانة السلطان الاعظم والخاقان الافخم مالك رقاب الامم ناشر لواء المعدلة في البسيطة الغبراء رافع أعلام المجد إلى القبة الخضراء مالك ملاك السلطنة العظمى والدولة الكبرى دافع مهالك البغي والفساد عارف مسالك الهدي والرشاد أسنى الملوك نسبا وحسبا وأعلاهم موروثا ومكتسبا وأعظمهم شأنا وسلطانا وأشدهم إيمانا وإيقانا وأسدهم قولا وبيانا خضع للرب فتعاظم في الورى سلطانه واستخف ميزان الدينار كي يثقل في الحشر ميزانه النسر الطاير واقع دون قبته والسماك الرامح أعزل لدى شوكته عتبتة العلية شماء بارع قدرها وحضرته السنية سماء بازغ بدرها من وضع جبهة العبودية على بابه لم يرض بالاكليل تاجا ومن استضاء بصبح عزته أنف من القمر سراجا قبة مجده بادية لكل حاضر وباد وعين عدله صافية يردها كل ري وصاد يطلع صبح العزة من غرته ويطلع على سر العظمة من أسرته جوده العميم دليل يدرك به أصناف الخلق مطلبهم وكفه الكريم بحر يغرف منه كل أناس مشربهم لو كان قيصر الروم يروم العز لم يقصر في متابعته ولو أن ملك الهند صاحب الرأي لرأى السعادة في إطاعته زهر الشجرة المصطفوية غصن الدوحة المرتضوية سراج الدولة الصفوية ماحي آثار الجور والعناد حامي أرجاء البلاد والعباد مروج أحكام الشريعة الحقة في الخافقين ناشر آثار الفرقة المحقة في المشرقين والمغربين مولى ملوك الورى من لا يقاس به عزا ومجدا وإحسانا وتمكينا ذو العرش أعطاه سلطانا ومكنه كي يظهر العدل في الافاق والدنيا * جنوده لا يهابون العدو وهل * يخاف حزب سليمان الشياطينا * أنى يؤثر حجد الناس قدركم * حاميم حام لكم يا آل ياسينا * دعوت يبقي بقاء الدهر دولته * وقول كل الورى قد كان آمينا * الداعي إلى طريقة الائمة المعصومين ظل الله في الارضين قهرمان الماء والطين السلطان بن السلطان بن السلطان الخاقان بن الخاقان بن الخاقان أبو المظفر السلطان شاه سليمان الصفوي الموسوي الحسيني بهادر خان لا زالت عقبان راياته المنصورة كاسرة لاجنحة جنود المخالفين صايرة للفتح والظفر في أرجاء الارضين ولا برحت حومة مملكته المحروسة محمية الثغور والاطراف مخضرة ؟ ؟ والاكناف ومن الله تعالى استمد المعونة في أن يفتح باب الهداية من كل باب ويملا صحيفة الحسنات في شرح الكتاب وأن، يجعله خالصا لوجهه العلي وينفع به المبتدي والمتوسط والمنتهي وها نحن نشرح فنقول متضرعا إلى الله تعالى في إجابة المسئول قال المصنف خلد أفادات درسه وروح زكي رمسه كتاب الطهارة خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب الطهارة والكتاب فعال من الكتب بفتح الكاف لما يكتب به أو المكتوب والكتب بمعنى الجمع ومنه الكتيبة للجيش والكتاب في العرف كلام جامع لمسائل متحدة جنسا مختلفة نوعا كما قيل وهي أي الطهارة لغة النزاهة من الادناس أي الاوساخ ومنه قوله تعالى يا مريم إن الله اصطفيك وطهرك وقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وفي اصطلاح أهل الشرع يطلق على معنيين أحدهما إزالة الخبث وعليه يحمل قوله عزوجل وثيابك فطهر وثانيهما ما ذكره المصنف (ره) بقوله وشرعا استعمال الطهور مشروط بالنية لاستباحة الصلوة والابحاث الموردة على تعاريف الطهارة وأجوبتها ووجوه التفصي عنها تارة بمنع كونها حقيقة بل لفظية لئلا يضرها عدم الجمع والمنع وتارة بتسليم صناعيتها وارتكاب تكلفات وتصنعات لتتميمها وترسيمها مشهورة في كتب القوم رضوان الله عليهم فلا حاجة إلى التعرض لها مع إنها لا فائدة مهمة تحتها وهي أي الطهارة (وضوء وغسل وتيمم) منقسمة إلى هذه الاقسام الثلاثة منحصرة فيها وماهية كل من هذه الاقسام ستعلم في طي المباحث الاتية مشروحة وكل منها واجب وندب والواجب ما يكون فعله مصلحة وتركه مفسدة والندب ما يكون فعله مصلحة ولم يكن تركه مفسدة وبعبارة أخرى الواجب ما يذم تاركه بوجه والندب ما يمدح فاعله ولم يذم تاركه فالواجب منها بحسب وجوب غايته التي هي الصلوة والطواف ومس خط المصحف قوله بحسب خبر لقوله فالواجب أي وجوب هذه الثلاثة إنما يتحقق بوجوب غاية من غاياتها الثلاثة التي هي الصلوة والطواف ومس خط المصحف وغاية الشئ

[ 6 ]

العرض والمقصود منه فغاية الوضوء ما يكون الوضوء لاجله أما بأن يكون له مدخل في صحته أو جوازه أو كماله أو ارتفاع كراهته ونحو ذلك من الامور التي تعلم في ضمن تفاصيل غاياته كما سيأتي والمفهوم من الكلام بمعونة اقتضاء المقام وكونه بصدد ضبط الاقسام إن وجوب الطهارة إنما يكون حال وجوب إحدى هذه الغايات المذكورة فقط دون غيره من الاحوال إلا ما ذكره لخصوص الغسل والتيمم وما استدركه آخرا لثلاثتها بقوله وتحت الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وحينئذ يرد عليه النقض بوجوب الطهارة لاجزاء الصلوة المنسية وسجدة السهو وسجدة التلاوة والجواب عن الاولين بأنهما داخلان تحت الصلوة لكونهما من أجزائها ومتعلقاتها وعن الاخير بأن المصنف (ره) لم يقل بوجوب الوضوء لسجدة التلاوة كما سيجئ وأما النقص بصلوة الجنازة من حيث إنها غاية واجبة من جملة الغايات الثلاث مع عدم وجوب الطهارات لها فمندفع أيضا من وجوه أحدها يمنع كونها صلوة حقيقة حتى يدخل تحت الغايات المذكورة لقوله (عليه السلام) تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولا صلوة إلا بفاتحة الكتاب بل إنما يعد من الصلوة ومجازا شرعيا وثانيها عدم تسليم كون المفهوم من العبارة تحقق وجوب الطهارات متى ما تحقق وجوب إحدى هذه الغايات بل القدر المسلم إنه يفهم منها عدة الوجوب في غير هذه الحال وثالثها تخصيص الغاية بما يكون للطهارة مدخل في صحته أو جوازه أو وجوده فقط لا يجعله أعم منه بحيث يشمل ما يكون لها مدخل في كماله ورفع كراهته وغير ذلك أيضا لان هذا المعنى أقرب من معناها للشهود أي ما يكون لوجوده وجود شئ آخر لان الصحة والجواز بمنزلة ذاتيات الشئ فإذا وجد بدونهما فكأنه لم يوجد بخلاف الكمال والفضيلة وغير ذلك فعلى هذا لا يكون صلاة الجنازة غاية الطهارة لصحتها وجوازها بدونها فإن قلت فعلى هذا يظهر الخلل في الكلام من وجه آخر لانه إذا نذر أحد أن يصلي صلوة الجنازة كاملة بالكمال الذي يحصل لها من الطهارة فلا شك في صحة نذره ووجوب الوضوء حينئذ مع إنه ليس داخلا تحت الضابطة المذكورة لعدم كون تلك الصلوة غاية على ما قررت قلت لا نسلم عدم كونها غاية حينئذ إذ يصدق عليه التعريف المذكور لان للطهارة حينئذ مدخلا في وجودها إذ الصلوة الكاملة بالكمال الذي يستفاد من الطهارة لا يمكن أن يوجد بدونها نعم قبل النذر لم يكن غاية بهذا المعنى ولهذا الايراد جواب آخر يظهر مما سنذكره في جواب النقض الاتي وهو أن ما ذكره المنف (ره) منقوض بوجوب الوضوء على من نذر أن يقرأ القرآن مثلا قرائة كاملة بالكمال المستفاد من الطهارة لانه ليس داخلا فيما ذكره المصنف ولا ينفع الجواب المذكور آنفا إذ لا يكفي كونه غاية بل لابد أن يكون من الغايات الثلاث وأما منع فهم الحصر من عبارة المصنف فبعيد كما لا يخفى إلا أن يجاب بأنه داخل تحت قوله ويجب الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وسيجئ لهذا الكلام تتمة عند شرح هذا القول إن شاء الله تعالى ثم اعلم إن للواجب معنيين أحدهما ما مر وثانيهما ما يكون شرطا لصحة شئ كما يقولون إن الوضوء واجب للصلوة المندوبة أي شرط لها والمراد هاهنا هو الاول بقرينة جعله قسيما للندب الذي جعل من أقسامه ما يكون للصلوة المندوبة مع كونه شرطا لها وإن كان الوجوب بكلا معنييه حاصلا للطهارات بالنسبة إلى الاولين أي الصلوة والطواف وكذا بالنسبة إلى الثالث أيضا إن جعل الواجب بالمعنى الثاني أعم من أن يكون شرطا لصحة شئ أو جوازه أما إذا خصص بالصحة فلا إلا على رأى من يقول بأن النهي في العبادة مستلزم للفساد فتأمل ولما كان أحوال الطهارات الثلاث ووجوبها لتلك الغايات المذكورة ويتفاوت في بعض الامور رأينا الاولى أن يفصل كلا منها عن الاخرين ونذكر ما يتعلق به على حدة فنبدء بما بدأ الله تعالى به أي الوضوء ونقول أما بوجوبه بالمعنى الاول للصلوة في الجملة فمما انعقد الاجماع عليه بل كاد أن يكون من ضروريات الدين ولا حاجة إلى الاستدلال عليه ولكن سنذكر كثيرا مما يرتبط به من الكتاب والسنة أيضا تبركا بهما وليكون الكلام في الابتداء جاريا على وتيرة ما بعده مناسبا له فيتخيل نوع براعة إذ نريد أن نورد إن شاء الله تعالى بحسن توفيقه وعظيم منه في أكثر مسايل الكتاب معظم ما يتعلق به من الايات والاخبار بقدر جهدنا وطاقتنا مستعينين بلطفه وتوفيقه إنه خير موفق ومعين وحين كان غرضنا في هذا الباب هذا لا إثبات الدعوى وثبوت المدعى لم نزد على مجرد إيراد الاية والاخبار وبيان وجه الدلالة إن كان محتاجا إليه ولم نشتغل بذكر ما فيها من القيل والقال ولم نتعرض لاحوال الاسناد والرجال أما الكتاب فقوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم الاية صيغة الامر ظاهرها الوجوب وسياق الكلام دال على إنه للصلوة لانه إذا قيل إذا لقيت العدو فخذ سلاحك وإذا أردت الامير فالبس ثيابك يفهم منه عرفا إن أخذ السلاح ولبس الثياب لاجل لقاء العدو والامير فقد دل على المدعى بتمامه وأما الاخبار فمنها ما رواه الشيخ في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارات عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا إنه قد يمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة وإن كان قد مضى وقت تلك الصلوة التي قد صلى فقد جازت صلوته وليتوضأ لما يستقبل من الصلوة ووجه الدلالة ظاهرا ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في باب الاغسال المفروضات والمسنونات عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز

[ 7 ]

الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلوتين وللفجر فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلوة وروى في الكافي أيضا في باب أنواع الغسل وفي الفقيه أيضا في باب علة الاغسال ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب حكم الحيض والاستحاضة عن سماعة قال المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلوتين وللفجر غسلا فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل وقد أورد الشيخ (ره) مكررا هذه الرواية في أواخر الباب المذكورة وذكر هذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الوقت الذي يوجب التيمم بلا تفوات في السند والمتن إلا إنه بدل فليتوضأ فليتوض ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا بعد الرواية السابقة بأسطر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليمسك ما دام في الوقت فإذا تخوف أن يفوته فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب أيضا في زيادات كتاب الطهارة في باب الحيض والاستحاضة عن يونس عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث طويل قال وسئل عن المستحاضة فقال إنما ذلك غرف أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلوة أيام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلوة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب جامع في الحايض والمستحاضة إلا إنه فيه غرف عابر والمسؤول عنه في قوله (عليه السلام) وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا ما قصدنا إيراده من جملة الروايات الدالة على وجوب الوضوء للصلوة في الجملة والروايات الدالة على وجوبه بدون دلالتها على إنه للصلوة فهي أكثر من أن تحصر ولم نوردها هاهنا لان الغرض هاهنا ليس متعلقا بوجوب الوضوء فقط بل وجوبه للصلوة لكن سنوردها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الابواب الاتية وأما وجوب الوضوء للصلوة بالمعنى الثاني أي شرطية لها في الجملة وعدم صحتها بدونه فهو أيضا مما انعقد عليه الاجماع ولا خلاف فيه بل يمكن أن يكون أيضا من ضروريات الدين وسنذكر طرفا من الاخبار الدالة عليه أيضا لما ذكرنا سابقا فمنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلوة إلا بطهور وكررها في أوايل باب صفة التيمم وفي كتاب الصلوة في باب تفصيل ما تقدم ذكره وروى الصدوق (ره) في الفقيه في باب من ترك الوضوء أو بعضه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) هذه الرواية بعينها ورواها أيضا في باب وقت وجوب الطهور عنه (عليه السلام) أيضا مرسلا مع زيادة في أولها قال قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلوة ولا صلوة إلا بطهور ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوايل باب صفة الوضوء والغرض منه عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلوة قلت وكيف ذلك قال لانه يغسل ما أمر الله بمسحه وقد أوردها الشيخ (ره) مكررا في أواخر هذا الباب ووجه الدلالة ظاهر وهذه الرواية في الكافي أيضا بعينها في باب مسح الرأس والقدمين ومنها ما رواه الشيخ في أواخر هذا الباب عن منصور قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال ينصرف ويمسح رأسه ورجليه وقد كرر هذه الرواية في هذا الباب بادنى تغيير في السند وما روى أيضا بعد هذا بأسطر عن أحمد بن عمر قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال من نسي مسح رأسه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن أعاد الصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن ذكرت وأنت في صلوتك إنك قد تركت شيئا من وضوءك المفروض عليك فانصرف وأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلواتك وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعيد هذه الرواية عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه وقدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تيمم فصلى ثم أصاب الماء قال أما أنا فكنت فاعلا إني أتوضأ وأعيد وما روي أيضا متصلا بهذه الرواية عن يعقوب بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلوته ماء يتوضأ ويعيد الصلوة أو يجوز الصلوة قال إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه ومنها ما رواه أيضا في أواخر هذا الباب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث قال قلت فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلوة قال فلينصرف وليتوضأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلوته فإن التيمم أحد الطهورين والمراد من المصيب في الرواية المتيمم ورواه أيضا ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الوقت الذي يوجب التيمم ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن عبد الله بن عاصم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتمم ويقيم في الصلوة فجاء الغلام فقال هو ذا الماء فقال إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في الباب المذكور آنفا ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعد هذه الرواية في آخر الباب المذكور عن الحسن بن جهم قال سئلته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر والعصر وأحدث حين جلس في الرابعة فقال إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلا يعيد

[ 8 ]

وإن كان لم يشهد قبل أن يحدث فليعد ومنها ما رواه أيضا في باب صفة التيمم عن أبي بصير قال سئلته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه فتيمم وصلى ثم ذكر إن معه ماء قبل أن يخرج الوقت قال عليه أن يتوضأ ويعيد الصلوة وفي الكافي أيضا بعينها في الباب المذكور ومنها ما رواه الشيخ في الزيادات في أول باب التيمم عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء قال يقطع الصلوة ويتوضأ ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب آخر تطهير الثياب والبدن من النجاسات عن علي بن مهزيار وهو كتاب ورد جوابا عن سؤال في أثنائه هذه العبارة وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلواة المكتوبات اللواتي فاتته ومنها ما رواه الشيخ (ره) في كتاب الصلوة في باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلوة عن عبد الله بن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما فرض الله من الصلوات فقال الوقت والطهور والركوع والسجود والقبلة والدعاء والتوجه وهذه الرواية في الكافي بأدنى تغيير في المتن والسند في باب فرض الصلوة ومنها ما رواه الشيخ (ره) متصلا بهذه الرواية عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود وهذه الرواية في الكافي بعينها بلا تفاوت في المتن والسند في باب المذكور وفي الفقيه رواه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب النوادر وقبل أبواب الحيض عن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتتاح الصلوة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ورواه الصدوق (ره) أيضا في الفقيه في باب افتتاح الصلوة وتحريمها قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) افتتاح الصلوة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ومنها ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه قال قال النبي (صلى الله عليه وآله) ثمانية لا يقبل لهم صلوة الابق حتى يرجع إلى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكوة وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون وتارك الوضوء والمرأة المدركة تصلي بغير خمار والزبين وهو الذي يدافع البول والغايط والسكران ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام والمفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلوة قال فلينصرف فليمسح برأسه وليعد الصلوة هذا ما قصدنا إيراده في هذا المقام فإن قلت هلا استدللت على شرطية الوضوء للصلوة بالاية الكريمة المتقدمة والاخبار المذكورة في المسألة السابقة على هذا المطلب لا يخلو عن إشكال إذ غاية ما يفهم منها عرفا كما ذكرنا سابقا إن الوضوء لاجل الصلوة والصلوة غاية له وقد عرفت فيما تقدم إن كون الوضوء مغيا بشئ لا يستلزم أن يكون له مدخل في صحته بل يجوز أن يكون لاجل كماله وفضيلته أو غير ذلك فإن قلت هذا أيضا يكفينا لانه إذا كان الوضوء واجبا وكان الغرض من وجوبه كمال الصلوة وفضيلتها فلا بد أن يكون الصلوة الكاملة أيضا مطلوبة حتمية وإلا لم يكن الوضوء الذي لاجلها وهي الغرض من وجوبه مطلوبا حتميا ضرورة فإذا كان المكلف به الصلوة الكاملة بالكمال المستفاد من الوضوء ولا شك إنها موقوفة على الوضوء لا يحصل بدونه فإذا أتى بالمكلف بالصلوة بدون الوضوء فلم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدة التكليف ولم نعن بالشرط سوى هذا وإن لم يكن شرطا شرعيا بالمعنى المشهور أي الذي يمكن أن يوجد المأمور به بدونه لكن جعله الشارع شرطا بل نقول إن جميع الشروط الشرعية عند التحقيق كذلك أي مما لا يمكن أن يتحقق المأمور به بدونه على ما هو معنى الشرط العقلي في الاصطلاح وإن الفرق الذي ذكره القوم بينهما بناء على عدم التدبر وغفلة عما هو الحق لكن ليس هاهنا موضع تحقيقه وتنقيحه قلت أما أولا فلا نفهم إن المفهوم من الاية عرفا أن الغرض من الوضوء وإيجابه هو الصلوة فقط حتى يكون مطلوبيته حتما مستلزمة لمطلوبيتها أيضا كما ذكرت بل المفهوم منها إن لها غرضية في الجملة لايق إنها أما تمام الغرض أو جزئه ولا معنى لوجوب شئ بدون وجوب تمام غرض إيجابه أو جزئه بالضروة لانه لا يلزم أن يكون الصلوة تمام الغرض أو جزئة بل يجوز أن يكون إيجاب الوضوء لاجل نفسه أو لغرض آخر تام في الاقتضاء ويكون الصلوة أيضا غرضا ومقتضيه ناقصة ولا استحالة في ذلك لان علل الشرع معرفات ويجوز اجتماع غرضين تامين من الاغراض الشرعية فكيف بالتام والناقص والاية الكريمة لا تدل على أزيد من ذلك وفيه بعد ولا يذهب عليك إنه على هذا لو كان المراد في المدعى الاول أيضا أي وجوب الوضوء للصلوة بالمعنى الاول هذا المعنى لكانت الاستدلالات السابقة متجهة وأما إذا كان المراد إن الصلوة غرض تام للوضوء فلا فتأمل وأما ثانيا فلان بعد تسليم إنفهام حصر الغرض في الصلوة من الاية وكون فضيلة الصلوة وكمالها مطلوبا حتميا لا ثم إنه يلزم أن يكون المطلق في الاوامر الواردة بالصلوة الصلوة الكاملة حتى لا يكون المكلف الاتي بها بدون الوضوء آتيا بالمأمور به بل يجوز أن يكون المطلوب طبيعة الصلوة مطلقة كما هو مقتضى الصيغة ويكون تحصيل كمالها وفضيلتها مطلوبا حتما آخر يستفاد مطلوبيته من إيجاب الوضوء له ولا يكون شرطا لامتثال التكليف الاول ولا جزءا منه في ما إذا

[ 9 ]

أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فقد خرج عن عهدة الامر بالصلوة المطلقة لكن يبقى في عهدة التكليف بالوضوء وتحصيل كمال الصلوة فتدبر وقس عليه الكلام في الاخبار المتقدمة سؤالا وجوابا وقد يستدل بالاية على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن يقال إنه قد استفيد منها وجوب الوضوء قبل الصلوة والامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده فتكون الصلوة التي هي ضد الوضوء منهيا عنها فتكون فاسدة فثبت الاشتراط وفيه إنه موقوف على ثبوت إن الامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده والنهي مستلزم للفساد وكلاهما ممنوعان وهاهنا شك آخر وهو إن معنى كون الامر بالشئ مستلزما للنهي عن ضده إنه إذا كان شئ مأمور به في وقت ولم يأت المكلف في ذلك الوقت بذلك الشئ بل أتى بضده يكون ذلك الضد حراما منهيا عنه وحينئذ نقول تحقق هذا المعنى مما لا يمكن فيما نحن فيه لانه إذا كان الوضوء واجبا قبل الصلوة فالاتيان بالصلوة في وقته إنما يتحقق بإتيان الصلوة قبل الصلاة هف والجواب أن المراد أن وقت الوضوء إنما هو بعد إرادة الصلاة كما هو مدلول الاية الكريمة ولا شك في إمكان الاتيان بالصلوة في ذلك الوقت فارتفع الخلف فإن قلت المأمور به في الاية أما الوضوء بعد الارادة المتصلة بالصلوة وبعد الارادة المنفصلة عنها بقدر الوضوء والاول باطل لانه تكليف بما لا يطاق وعلى الثاني يلزم ما ذكرنا أولا من عدم إمكان الاتيان بالصلاة في وقت الوضوء لان المفروض وقته وقت انفصال الصلوة عن الارادة فكيف يمكن أن يصير وقتا للصلوة إذ يلزم حينئذ أن يكون الصلوة متصلة بالارادة منفصلة عنها هف قلت وقت الوضوء بعد الارادة التي يمكن انفصالها عن الصلوة واتصالها بها باختيار المكلف وحينئذ نقول إن كل جزء من أجزاء أوقات ما بعد تحقق الارادة وقت الوضوء ويمكن الاتيان بالصلوة فيه أيضا لما ذكرنا من إن الاتصال والانفصال باختيار المكلف فلو لم يأت المكلف بالوضوء وأتى بالصلوة فقد أتى بضد المأمور به فيكون منهيا عنه فاندفع المحذوران فإن قلت إن تلك الارادة إن كانت تامة يجب الاتصال وإن كانت ناقصة يجب الانفصال قلت إنها ناقصة وإنما يجب الانفصال لو لم تصر تامة هذا ثم إن في المقام كلاما آخر وهو إنه قد ثبت بما ذكر إمكان الاتيان بالصلوة في وقت الوضوء لكن هذا مما لا يكفي في إثبات المرام لان الاتيان بضد المأمور به في وقته إنما يكون منهيا عنه إذا كان وجوب المأمور به مضيقا وأما إذا كان موسعا فلا كما تقرر في الاصول وعلى هذا نقول لا شك إن وقت الوضوء الذي هو أوقات حصول الارادة متسع فلو أتى المكلف بالصلوة في جزء منها لم يأت بضد المأمور به في وقته المضيق نعم إذا بقي من الوقت مقدار الوضوء والصلوة فعسى أن يكون جريان الدليل فيه ممكنا أما قبله فلا فتأمل فالاولى أن يستدل بالاية على المرام بطريق آخر بأن يقال يستفاد من الاية عرفا إن الوضوء قبل الصلوة واجب وإذا أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فيلزم حينئذ أن لا يمكن الاتيان بالوضوء المأمور به إذ لا شك إن بعد الاتيان بالصلوة لا يمكن الوضوء الكائن قبل الصلوة فيلزم ترك الواجب وترك الواجب حرام وملزوم الحرام حرام فيكون الاتيان بالصلوة الملزوم لترك الوضوء حراما وهذا مثل ما إذا كان أحد مأمورا بالصعود على السطح المتوقف على السلم فكسره باختياره أو كان مكلفا بالوضوء فأراق الماء ونحو ذلك لا يقال إنا لا نسلم عدم الامكان الاتيان بالوضوء المتقدم على الصلوة بعد الصلوة إذ يمكن أن يتوضأ ويصلي صلوة أخرى لان المأمور به الوضوء المتقدم على الصلوة التي يتحقق بها امتثال الامر ولا شك أن بالصلوة السابقة على تقدير صحتها يتحقق الامتثال والخروج عن العهدة ولا يمكن تحقق هذا الوصف في الصلوة اللاحقة فلا يكون الاتيان بالوضوء المذكور إتيانا بالمأمور به كما لا يخفى واعلم إن إتمام هذا الوجه أيضا موقوف على ثبوت أن ملزوم الحرام حرام وهو أيضا مما يقبل المنع كالمقدمتين السابقتين فتدبر بقي في المقام شئ وهو أنه قد ظهر بما ذكرنا وتلونا عليك وجوب الوضوء بالمعنيين للصلوة في الجملة كما ذكرنا في صدر المقامين وأما وجوبه لجميع الصلوة الواجبة سوى صلوة الجنازة بكل من المعنيين كما هو مدعى القوم ففيه خفاء وتفصيل المقام إن وجوب الوضوء بمعنى الشرطية وتوقف الصحة عليه لجميع الصلوة الواجبة بل المندوبة أيضا سوى صلوة الجنازة مما لا ينبغي أن يشك فيه للاجماع الصريح ودلالة بعض الاخبار المتقدمة عليه أيضا مثل لا صلوة إلا بطهور إذ نفى الصحة أقرب المجازات إلى الحقيقة التي هي نفي الوجود كما لا يخفى والصلوة ثلاثة أثلاث ونحو ذلك وأما وجوبه بالمعنى الاول لجميع الصلوات الواجبة ففيه نوع خفاء إذ لا يمكن أن يستدل عليه بالاية لانه لو حمل الاية على العموم بالنسبة إلى الواجب والمندوب فيلزم أن لا يمكن حمل الامر في فاغسلوا على الوجوب بل الرجحان المطلق وحينئذ لا يثبت المدعى مع أنه لو حمل على العموم لكان قابلا للمنع إذ احتمال العهدية وكون المراد الفرد المتعارف أعني الصلوة اليومية احتمال ظاهر بل هو أولى من العموم على ما قيل أن اللام حقيقية في العهد ولو خصص بالصلوة الواجبة وعمم بالنسبة إلى أفرادها ففيه أنه لا دليل على التخصص ولو جعل دليل التخصيص إبقاء الامر على ظاهره من الوجوب فيرد عليه أن إبقاء الامر على ظاهره ليس أولى من إبقاء العام على ظاهره فهلا أبقيته على العموم وأخرجت الامر عن ظاهره مع ما فيه من ظهور احتمال العهدية كما عرفت وكذا لا يتم الاستدلال بالاخبار المتقدمة إذ ليس فيها ما يدل على عموم الوجوب كما لا يخفى وكذا الاستدلال عليه بشرطيته للصلوة بأن يقال قد ثبت بالاجماع والاخبار شرطية لجميع الصلواة الواجبة وشرط الواجب واجب فيكون واجبا لجميع الصلوة لان الكبرى ممنوعة وموضعه في الاصول

[ 10 ]

وبهذا ظهر الجواب عن الاستدلال بالخبر المتقدم من قوله (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث لانه يمكن أن يكون حكمه (عليه السلام) بأن الطهور ثلث الصلوة من باب المبالغة المتعارفة وتنزيل كونه شرطا ضروريا ثابتا شرطيته في جميع الاحوال بخلاف ساير الشروط الاخر مثل طهارة الثوب وغير ذلك بمنزلة الجزئية وليس هذا حملا على خلاف الظاهر خصوصا مع وجود الادلة الدالة ظاهرا على خروجه من الصلوة مثل الاية الكريمة ونحوها وحينئذ نقول أنه بمحض الشرطية للواجب لا يلزم الوجوب كما عرفت على إنا لو سلمنا جزئيته للصلوة ودلالة الخبر عليها لكان الاستدلال أيضا غير تام إذ وجوب جزء الواجب أيضا غير ثابت بل التحقيق أنه بمنزلة الشرط فمن لم يسلم وجوب الشرط فله أن لا يسلم وجوبه أيضا وتحقيقه في الاصول والاستدلال بالخبر الاخر من قوله (عليه السلام) افتتاح الصلوة الوضوء فهو أضعف من سابقه إذ ليس فيه دلالة على الجزئي أصلا كما لا يخفى بل على الشرطية أيضا وإيرادنا له في طي أدلة الاشتراط بناء على التسامح وكذا في بعض آخر كما أشرنا إليه في صدر الباب أيضا وقس عليهما حالا الاستدلال برواية عبد الله بن زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام) الوقت والطهور آه وأما الاستدلال عليه بالاجماع ففيه أيضا شك لان الوجوب بمعنى اللابدية والوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك كثيرا ما يشتبه أحدهم بالااخر فيمكن أن يكون إطلاق بعض القوم لفظ الوجوب على الوضوء بالنسبة إلى جميع الصلوات الواجبة بمعنى الشرطية فاشتبه بالمعنى الاخر وظن الاجماع عليه ونقل وهذا مم لا يبعد جدا كما لا يخفى على من تتبع كلمات القوم صلوات الله عليهم وأقاويلهم المتشابهة مع أن ها هنا شيئا آخر وهو أن كثيرا من الاصحاب قابلون بوجوب مقدمة الواجب شرطا كان أو غيره فلما رأوا إطلاق الوجوب بمعنى الشرطية لجميع الصلوات على الوضوء إجماعا حكموا بناء على اعتقادهم بأن الوجوب بالمعنى الاخر أيضا إجماعي وبالجملة الحكم بالوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك لاجل جميع الصلوات الواجبة بأصل الشرع وغيره لا يخلو من خدشة والله تعالى ورسوله وأهل الذكر (عليه السلام) اعلم تذنيب إعلم أن الظاهر من الاية الكريمة المتقدمة وجوب الوضوء على كل مقيم إلى الصلوة حتى المتطهرين أيضا لدلالة كلمة إذا على العموم عرفا مع أن حمله ها هنا على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها وهو لا يناسب بكلام الحكيم كما قيل لكن الاجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط ؟ قال الشيخ (ره) في التهذيب في بحث التيمم في أثناء كلام ثم لو صح الخبر لكان محمولا على الاستحباب كما يحمل تجديد الوضوء على الاستحباب وإن كان لا خلاف في استباحة صلوات كثيرة به وقال العلامة (ره) في المنتهى مسألة إذا توضأ لنافلة جاز أن يصلي بها فريضة وكذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلواة وهو مذهب أهل العلم خلافا لظاهر النهاية انتهى فقال بعضهم أن الحكم كان في الابتداء كذلك وكان الوضوء واجبا عند كل صلوة عل المتطهر والمحدث لكنه قد نسخ وهذا الوجه ضعيف من وجوه اتفاق الجمهور على أن المائدة ثابتة لا نسخ فيها وما روي عنه (صلى الله عليه وآله) المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وعدم ظهور ناسخ واعتبار الحديث في التيمم الذي هو بدل منه في الاية واعترض على القول بالنسخ بوجه آخر هو أنه إذا كان الحكم العام بوجوب الوضوء باقيا في المحدثين مرتفعا عن المتطهرين فكيف يكون نسخا بل يكون تخصيصا إذ لا معنى للتخصيص سوى ذلك وأجيب بأن التخصيص هو أن يورد لفظ عام ويراد منه ابتداء بعض أفراده لا جميعها وأما إذا أريد منه في الابتداء جميع أفراده ثم خصص ببعض فيكون نسخا البته والامر ها هنا كذلك وقال بعض أن الامر للندب لان تجديد الوضوء عند كل صلوة مستحب كما يشهد به الاخبار وهذا أيضا ضعيف من حيث أنه يلزم حينئذ عدم موافقة القرينة الذي هو فاطهروا لانه للوجوب قطعا ومن أن الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتة إلا أن يقال الاستحباب ينسحب إلى الشمول والعموم وفيه بعد وقد ضعف هذا الوجه أيضا بما ضعف الوجه الاول به من حديث اعتبار الحدث وفيه تأمل لان الامر في فتيمموا محمول على الوجوب فلا مفسدة في اعتبار الحديث فيه بدون اعتباره في المبدل منه لندبية الامر به نعم يلزم حينئذ عدم موافقة آخر بين القرينتين وقيل يحمله على الرجحان المطلق ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضيين والوجوب بالنسبة إلى المحدثين وفيه أيضا لزوم عدم الموافقة ولزوم عموم المجاز والاشتراك الذي هو أما غير جايز أو بعيد جدا أيضا لو كان مراد القايل أن الندب بالنسبة إلى البعض والوجوب بالنسبة إلى آخر مدلول الصيغة وأما إذا كان مراده أنه مفهوم من الخارج وإن مدلول الصيغة هو الرجحان مطلقا فلا والاولى أن يقال أن الاية مخصصة بالمحدثين لا بأن يكون المراد من الذين آمنوا المحدثين بل بإبقائه على العموم ؟ إن كنتم محدثين في نظم الكلام فيصير المعنى حينئذ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فإن كنتم محدثين بالحدث الاصغر فتوضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا وإن لم تقدروا على الماء وكنتم محدثين أما بالحدث الاصغر أو الاكبر فتيمموا فيوافق القرائن ويطابق النظائر ثم أن الشيخ (ره) روى في التهذيب في أوائل باب الاحداث الموجبة للطهارة ؟ رواية موثقة عن ابن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله إذا قمتم إلى الصلوة ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلوة قال إذا قمتم من النوم وعلى هذا فلا إشكال هذا واعلم إن الحكم المذكور أي عدم وجوب الوضوء عند كل صلوة بل وجوبه على المحدثين فقط مع كونه إجماعيا كما نقل يدل عليه أيضا روايات منها الروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر بالمعنى الدالة جميعا على حصر ناقض الوضوء في الاحداث من جملتها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوائل باب الاحداث بطريق صحيح على الظاهر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم

[ 11 ]

وما رواه أيضا في هذا الباب بطريق صحيح على الظاهر عن إسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا حدث والنوم حدث وما رواه أيضا في هذا الباب غير سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك إلى غير ذلك ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه بطريق صحيح عن حماد بن عثمان قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة قال لا هو بمنزلة الماء ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب صفة التيمم بطريق صحيح أو حسن عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) يصلى الرجل بوضوء واحد صلوة الليل والنهار كلها قال نعم ما لم يحدث ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل باب الاغسال المفترضات والمسنونات في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبيه قال قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت وهذه الرواية في الكافي أيضا بإشراك الطريق في باب الشك في الوضوء وهذا الخبر الاخير من جملة ما استدل به العلامة في المنتهى على هذا المطلب وقد يناقش فيه بأنه يجوز أن يكون مراده (عليه السلام) التحذير عن إحداث الوضوء بالشك في الحديث وحسبان أن الحدث المشكوك أيضا ناقض لئلا ينجر إلى الوسواس وتطرق الشيطان والحرج المنفي في الدين وعلى هذا لا دلالة له على المدعى كما لا يخفى ومما يؤيد هذا الاحتمال أن الرواية في بعض نسخ الكافي بهذه العبارة إذا استيقنت إنك أحدثت فتوض وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى يستيقن إنك أحدثت وتأييده لما ذكرنا مما يشهد به الوجدان السليم ويؤيده أيضا استحباب التجديد هذا ثم أن العلامة (ره) استدل في المنتهى بروايتين أخريين أحديهما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلوة قال يمضي على صلوته ولا يعيد وقال العلامة بعد نقل الحديث والنهي عن الاعادة عام في الصلوة والوضوء انتهى ولا يخفى ما في هذا الاستدلال لان قصارى ما يدل عليه الخبر أن الشك بعد الفراغ لا حكم له وإن الوضوء والصلوة السابقين عليه صحيحان لا حاجة إلى إعادتهما وأما أنه لا يلزم وضوء آخر عند حضور وقت صلوة أخرى فهو عنه بمراحل كما يشهد به الفطرة السليمة والعجب أن العلامة (ره) أورد ها هنا على نفسه أن حمل الاعادة على العموم يستلزم التخصيص لان من تجدد حدثه يعيد وضوئه بخلاف تخصيصه بالصلوة إذا الصلوة السابقة لا تعاد بوجه وأجاب عنه بوجهين ثم قال على إنا نمنع أن يكون ذلك إعادة بل هو تجديد واجب آخر ولم يتنبه أنه بهذا يبطل استدلاله أيضا لان الوضوء الواجب للصلوة الاخرى ليس إعادة للوضوء الاول كما لا يخفى وثانيهما ما رواه الشيخ قبل هذا الخبر بأسطر في الصحيح ورواه الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في أثناء حديث فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلوة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمي الله مما أو جب الله عليك فيه وضوءئه لا شئ عليك فيه وحال هذا الاستدلال أيضا كحال سابقه في الضعف وعدم الاستقامة ووجههما ثم أنه (ره) قال بعد ذكر هذه الرواية وذلك يدل على جواز استعمال الوضوء في الصلوة المتعددة فإن قوله (عليه السلام) وقد صرت في حال أخرى في الصلوة أو غيرها أي في غير الصلوة التي وقع فيها الشك علم في كل ما غاير تلك الصلوة لا يقال يحتمل أن يعود الضمير إلى الحال وهي تؤنث تارة وتذكر أخرى وحينئذ يدل على الاجتزاء بذلك الوضوء إلا في تلك الصلوة ولان الحكم معلق على الشك وهو خلاف قولكم لانا نجيب عن الاول بأن الصلوة أقرب فالعود إليه أولى فإن النحويين اتفقوا على أن قولنا ضرب زيد عمروا وأكرمته يعود الضمير فيه إلى عمرو لقربه وبأن غير تلك الحال أيضا أعم من كونها في تلك الصلوة أو غيرها لا يقال تقييد المعطوف عليه يستلزم تقييد العطف لوجوب الاشتراك لانا نقول نمنع ذلك والاشتراك إنما يجب في الحكم الثابت لهما وهو الاجتزاء بذلك الوضوء أما في التقييد فلا وعن الثاني إن الاجتزاء إذا وجد مع الشك فمع اليقين أولى انتهى كلامه رفع الله مقامه وهو كما ترى وليت شعري لم لم يستدل بالروايتين اللتين استدللنا بهما مع صراحة دلالتهما وتمسك بهاتين الروايتين غير ظاهرتي الدلالة وكأنه غفل عنهما لورودهما في غير باب الوضوء أو لانه لما ضم إلى هذا المطلب في صدد المسألة مطلبا آخر كما نقلناه عنه سابقا وظن أن هاتين الروايتين لم يثبتا ذلك المطلب فلذا أعرض عنهما لكن لا يخفى إن دلالة ما ذكره على هذا المطلب أيضا ليس بأزيد كثيرا مما ذكرنا كما يظهر عند التأمل فتأمل والله أعلم وإذ قد فرغنا من بيان وجوب الوضوء للصلوة وما يتعلق به فلنشرع في بيان وجوبه للطواف ومس خط المصحف أما وجوبه للطواف فقد نقل الاجماع عليه وبه روايات أيضا وسنذكرها مفصلة مع ما يتعلق بها من الابحاث ومبحث الحج إنشاء الله تعالى وأما وجوبه لمس خط المصحف الواجب بنذر أو شببه أو لاصلاح غلط لا يمكن بدونه بناء على وجوب الاصلاح فهو مبني على تحريم اللمس على المحدث بالحدث الاصغر وفيه خلاف قال الشيخ (ره) في المبسوط بكراهته ونسب العلامة في (المختلف) القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البراج أيضا وحرمة الشيخ في التهذيب والخلاف وبه قال أبو الصلاح والمحقق والعلامة (ره) وهو الظاهر من كلام الصدوق أيضا في الفقيه احتج القائلون بالتحريم بوجوه الاول قوله تعالى في سورة الواقعة أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وجه الاستدلال أن قوله تعالى لا يمسه لا يمكن أن يكون محمولا على الخيرية والنفي وإلا يلزم الكذب لوقوع المس من غير المطهرين كثيرا فلا بد من حمله على الانشاء والنهي وظاهر النهي التحريم فيكون المس بدون الطهارة حراما وفيه أن

[ 12 ]

الاستدلال بهذه الاية موقوف على أن يكون ضمير لا يمسه راجعا إلى القرائن وهو مسلم لجواز رجوعه إلى كتاب مكنون كما جوزه بعض المفسرين بل هو أقرب لقربه ويكون المعنى أنه لا يطلع على الكتاب المكنون أي المستور المصون أما عن الناس أو عن التغيير والتبديل أو الغلط والباطل أو التضييع والمراد به اللوح المحفوظ كما قال المفسرون إلا الملائكة المطهرون من الكدورات الجسمانية أو أدناس المعاصي وقد يضعف هذا الاحتمال بوجوه أحدها إن قوله تعالى لا يمسه حينئذ يكون تأكيد لقوله تعالى مكنون والحمل على التأسيس أولى وبما ذكرنا من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر لك الجواب عنه وثانيها أن إطلاع الملائكة على اللوح المحفوظ غير ثابت بل في بعض الاخبار وكلام بعض الاخيار ما يدل على خلافه وفيه أن عدم ثبوت إطلاعهم على اللوح المحفوظ لا يكفي في هذا المقام بل لا بد من ثبوت العدم وإلا لكان منعا على المنع وما وقع في بعض الاخبار على تقدير وقوعه يمكن أن يكون المراد منه عدم إطلاعهم بدون الاذن منه سبحانه وثالثها أن سياق الكلام لاظهار شرف القران وفضيلته لا اللوح وما فيه وفيه أن ثبوته في اللوح الذي لا يمسه إلا المطهرون شرف وفضيلة أيضا إلا ترى إلى قوله عز وجل في كتاب مكنون فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفا وفضيلة لكان هذا أيضا شرفا وفضلا بالطريق الاولى وإن لم يكن ذلك شرفا فقد بطل مبني لاعتراض من أن سياق الكلام لاظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى ورابعها أن قوله (عليه السلام) بعد هذه الاية متصلا بها تنزيل من رب العالمين صفة للقرآن بمعنى المفعول أو من قبيل الوصف بالمصدر من باب المبالغة إذ لما لم ينزل نجوما من بين الكتب السماوية سواه فكأنه هو التنزيل لا الكتاب لانه المنزل دونه وقوله سبحانه كريم وفي كتاب مكنون أيضا صفة له فينبغي أن يكون لا يمسه أيضا صفة له وإلا لم يحسن التوسيط وفيه أنه إذا كان لا يمسه صفة لمكنون يكون من جملة متعاقبات الصفة الثانية ومتمماتها فكان مجموع هذا الكلام صفة واحدة فلم يكن توسيطا غير مستحسن مخلا بحسن الكلام وبلاغته إلا ترى إلى توسيط مكنون مع أنه صفة الكتاب ودفع هذا الاعتراض بمنع كون تنزيل من رب العالمين صفة لجواز كونه جملة برأسها معطوفا على جملة أنه لقرآن بحذف المبتدأ أو يكون خبرا لانه وكذا القول في لا يمسه وفي كتاب ليس بشئ إذ على هذا التقدير أيضا يكون في كتاب وتنزيل من جملة أحكام القرآن وأحواله فلا يكون توسيط حال غيره مناسبا كما لا يخفى وخامسها أنه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المس وهو ظاهر وكذا في المطهرون لان الطهارة حقيقة شرعية في الوضوء وهو خلاف الاصل وفيه إنا لا نسلم أن الحمل على الحقيقة مطلقا أولى من الحمل على المجاز إلا ترى أن علماء البلاغة أطبقوا على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأيضا ثبوت الحقايق الشرعية مسلم ومع تسليمه لا نسلم أن حقيقة الطهارة الوضوء بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث ولا شك في تحقق هذا المعنى في الملائكة أيضا وأيضا ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الانشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذا المجازين إلا أن يقال أنه مجاز واحد وهذا مجازان ثم على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول أن دلالتها على المطلب أيضا غير تمام إذ يجوز أن يكون إتصافه بأنه لا يمسه إلا المطهرون باعتبار اصله الذي في اللوح كما أن اتصافه في كتاب مكنون أيضا كذلك وأيضا يجوز أن يكون المراد والله أعلم أنه لا يعلم حقايقه ودقايق وأسراره إلا المطهرون من الذنوب وهم أصحاب العصمة (عليه السلام) وعن جنيد المطهرون أسرارهم عما سوى الله تعالى وفي بعض التفاسير عن محمد بن الفضل المراد لا يقرء القرآن إلا موحد وعن حسين بن الفضل لا يعلم تفسيره وتأويله إلا المطهرون من الكفر والنفاق وأما حديث لزوم مجازية المس والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه على أنه على تقدير تسليم حمل المس على حقيقته وثبوت الحقايق الشرعية وحمل الطهارة على حقيقتها لا نسلم أن الطهارة حقيقة شرعا في رفع الحدث الاصغر أو جميع الاحداث إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كل حدث وكذا في رفع الخبث أيضا فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهرون المطهرين من الحدث الاكبر والنجاسة ثم لو سلم أن المراد الطهارة من الحدث الاصغر أو جميع الاحداث فلا نسلم أن النهي ها هنا للتحريم وما يقال أن ظاهر النهي التحريم (فعلى تقدير تسليمه إنما يسلم في أن يكون تصريح مبتغيه النهي فقط لا فيما يكون نفيا مستعملا بمعنى النهي أيضا والقول بأن التحريم) أقرب المجازات إلى النفي ممنوع هذا ثم أنه قد يمسك في إفادة الاية الكريمة لمطلوبهم ورفع الاحتمالات السابقة بما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب حكم الجنابة وفي الاستبصار في باب أن الجنب لا يمس المصحف عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه أن الله يقول لا يمسه إلا المطهرون وفي بعض نسخ التهذيب خيطه وهذا بالحقيقة استدلالان أحدهما من حيث دلالة الرواية في نفسها على المطلب والاخر من حيث دلالتها على أن المراد من الاية الكريمة هذا المعنى فيتم الاستدلال بها وفي هذا التمسك أيضا نظر من وجوه أحدها أن الرواية غير نقية السند جدا لان فيها جعفر بن محمد بن حكيم وهو غير موثق ولا ممدوح وجعفر محمد بن أبي الصباح وهو مجهول وعلي بن الحسن بن فضال وهو فطحي وإبراهيم بن عبد الحميد ونقل الشيخ أنه واقفي وثانيها أنه يمكن أن يكون لا يمسه في الرواية نفيا لا نهيا وقد عرفت حال النفي الذي بمعنى النهي وعدم ظهوره في التحريم فيجوز أن يكون للكراهة وثالثها أنه على تقدير أن يكون نهيا لا نسلم أن الامر والنهي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) للوجوب والحرمة وإن سلم أن صيغة الامر والنهي لهما لشيوع استعمالهم (عليهم السلام) هاتين الصيغتين للندب والكراهة كما يظهر من تتبع آثارهم (عليهم السلام) فيكون مجازا شايعا بالغا حد الحقيقة أو منقولا وعلى التقديرين لا يجب

[ 13 ]

حملهما عن الاطلاق على الوجوب والحرمة ويريد حمله على الكراهة أنه ورد في هذه الرواية النهي عن التعليق والحال أنه للكراهة فيحمل هذا أيضا عليهما ليوافق القرائن وأما كونه للكراة فللاجماع على عدم حرمته كما نقله العلامة (ره) في المنتهى ولروايتين أيضا أحديهما ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن التعويذ يعلق على الحايض فقال نعم إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة حديد وثانيتها ما سنذكره مع تفصيل القول فيه لكن يمكن أن يقال أن جواز تعليق التعويذ وإن كان فيه آيات القرآن لا ينافي حرمة تعليق المصحف كما في الرواية إذ يجوز أن يكون لمجموع القرآن حرمة لا تكون لبعض الايات وما أيدنا به حمل لا يمسه في الرواية على الكراهة مؤيدا حمله في الايه أيضا عليها وقرينة عليه لان استشهاده (عليه السلام) به للكراهة إنما يكون على تقدير كونه بمعنى الكراهة كما لا يخفى فظهر أن هذه التمسك إنما يجعل الاستدلال بالاية مقلوبا عليهم وفيه أنه يجوز أن يكون النهي عن التعليق في الرواية محمولا على رجحان العدم المشترك بين الحرام والمكروه إذ هذا لا ينافي الاجماع المذكور والتجوز في النهي يحمل على الكراهة ليس بأولى من التجوز فيه بحمله على القدر المشترك وحينئذ نقول غاية ما يلزم أن يكون لا يمسه في الرواية محمولا على القدر المشترك بين الحرمة والكراهة ليحصل المناسبة وهذا لا يستلزم أن يكون في الاية المستهشد بها بمعنى الكراهة حتى يصير الاستدلال مقلوبا وهو ظاهر الثاني ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب متصلا بالرواية المتقدمة قال وسئل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل أيحل له أن يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء قال لا وجه الاستدلال أن يقال أنه إذا كان كتابة القرآن للمحدث حراما فالمس بطريق أولى أو يقال أن أصل الكتابة لا يحرم على المحدث بلا نقل خلاف عن أحد من علمائنا فيكون نهيه (عليه السلام) إنما يكون باعتبار عدم انفكاكه عن المس غالبا وفي الوجهين نظر من وجوه أحدها القدح في سند الرواية لان للشيخ (ره) إلى علي بن جعفر (عليه السلام) ثلاثة طرق على ما نقل أحدها ما ذكره في آخر التهذيب من أن ما كان فيه عن علي بن جعفر فطريقي كذا وهذا الطريق ليس بصحيح وإن وصفه العلامة (ره) في الخلاصة بالصحة لان فيه حسين بن عبد الله الفضايري ولم ينص الاصحاب على توثيقه والاخران ما نقلهما في فهرسته وهذان الطريقان وإن كانا صحيحن إلا أنه (ره) قال في الفهرست في أثناء ذكر علي بن جعفر كلاما بهذه العبارة وله كتاب المناسك ومسايل لاخيه موسى الكاظم بن جعفر (عليه السلام) سئله عنها أخبرنا بذلك وفي بعض النسخ به جماعة إلى آخر ما ذكره من الطريقين وهذه العبارة كما ترى ليست ظاهرة في أن كل ما يرويه الشيخ (ره) عن علي بن جعفر (عليه السلام) إنما هو بهذين الطريقين إذ يجوز أن يكون تلك المسائل مسائل خاصة مجتمعة في كتاب مثلا ولم يكن كل ما يرويه عنه داخلا فيها مع احتمال رجوع الضمير إلى الكتاب فقط على أن في نسخة الفهرست التي عندنا قد وضع علامة النسخة فوق قوله ومسايل إلى قوله أخبرنا وحينئذ يقوى الشك جدا وبالجملة ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب والاستبصار مرسلا عن علي بن جعفر (عليه السلام) لا يخلو من شئ وإن كان يمكن أن يقال أن عدم توثيق حسين بن عبد الله لا يضر إذ الظاهر أن الشيخ (ره) في الكتابين ما حذف أول سنده من الروايات إنما أخذه من الاصول المشهورة المتواترة انتسابها إلى أصحابها كتواتر انتساب الكتابين إليه (ره) الان وكذا ساير الكتب المتواترة الانتساب إلى مصنفيها ثم في آخر الكتابين إنما ذكر طريقة إليها للتبرك والتيمن ولمجرد اتصال السند و إلا فلا حاجة إليه كما أشار إليه نفسه (ره) أيضا في آخر الكتابين وحينئذ إذا كان في تلك الطرق من لم يوثقه الاصحاب فلا ضير والله أعلم بحقيقة الحال وثانيهما معارضهتها بما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن التعويذ يعلق على الحايض قال نعم لا بأس قال وقال وتقرئة وتكتبه ولا تصيبه يدها وهذه الرواية وإن رواها الشيخ في التهذيب قبل باب التيمم وأحكامه متصلا به بطريق صحيح عن داود عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) بأدنى تفاوت في المتن إذ فيه بدل لا تصيبه يدها لا تمسكه لكن السند الذي في الكافي مما يعتمد عليه كثيرا لان إبراهيم بن هاشم وإن لم ينص الاصحاب على توثيقه لكن الظاهر أنه من أجلاء الاصحاب وعظمائهم المشار إلى عظم منزلتهم ورفع قدرهم في قول الصادق (عليه السلام) إعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا وبالجملة هذا الحديث ليس بأنقص في باب الاعتماد من سابقه وتوجيه المعارضة أن يقال أنه (عليه السلام) أجاز كتابة التعويذ للحايض والظاهر أن التعويذ غالبا لا ينفك عن آيات القرآن فقد أجاز لها كتابة القرآن وإذا كان كتابتة الحايض جايزا فللمحدث بالحث الاصغر بطريق أولى وهذه الاولوية أولى من الاولوية التي أدعوها في الاستدلال ومع قطع النظر عن دعوى الاولوية نقول أن الحايض يندر أن تخلو عن الحدث الاصغر فإطلاقه (عليه السلام) في إجازة الكتابة لها وترك الاستفصال مع أن الفرد الغالب الكثير هو أن تكون محدثة بالحدث الاصغر يدل على أن ليس المراد حال خلوها عنه وقس عليه القول في التعويذ أيضا بالنسبة إلى اشتماله على آيات القرآن وعدمه مع أن في الرواية ليس لفظا لحدث الاصغر بل كونه على غير وضوء ولا شك أن الحايض على غير وضوء وإذا ثبت المعارضة فيجب الجمع بينهما بحمل رواية علي بن جعفر (عليه السلام) على الكراهة وهذه الرواية على نفي البأس بمعنى الحرمة ولا يبعد الايراد على المعارضة أما على الوجه الاول الذي تمسك

[ 14 ]

فيه بالاولوية فبأن يمنع الاولوية ويسند بأن المحدث لما كان ارتفاع حدثه يحصل بسهولة ولا يتوقف على زمان طويل ومهلة فلم يجز له الكتابة حتى يتطهر وأما الحايض فلما كان ارتفاع حدثها يتوقف على مهلة ومضي زمان كثير يمكن أن يمس الحاجة فيه كثيرا إلى الكتابة فاجيز لها الكتابة لما في منعها في ذلك الزمان الطويل من احتمال الضرر وتعطل أمرها كما لا يخفى وأما على الوجه الثاني فبأن يقال أن في رواية علي (ره) قد سئل عن الرجل فلا يكون الرواية الثانية الحاكمة بجواز الكتابة للحايض معارضة له والقول بأن الفرق بينهما مما لا يعقل مندفع بما ذكرته من سند المنع آنفا وعلى تقدير تسليم أن يكون المسئول عنه أعم من الرجل والمرأة أيضا فنقول أن تعارضهما ليس من باب التعارض الذي الذي يجب الجمع بينهما بحمل أحدهما على الكراهة وغير ذلك بل من باب تعارض العام والخاص المتعارف في العمومات والمخصصات فليخصص العام بالخاص فيخرج ما يخرج ويبقى الحكم فيما عداه وأما حديث أن إخراج الحايض في هذا الحكم عن تحت المحدث مع أن حدثهما قد تضاعف غير معقول فقد عرفت ما يندفع به أولا وأما الايراد على المعارضة بأن وجه الجمع بينهما غير منحصر في حمل رواية على بن جعفر (ره) على الكراهة فلنحملها على أن المراد فيها تحريم كتابة القرآن بقصد أن يصير مصحفا والمحكوم بجوازه في الرواية الاخرى كتابة القرآن في التعويذ فلا منافاة فلا يخلو عن بعد لاباء قوله أيحل له أن يكتب القرآن في الالواح عن هذا الحمل كما يحكم به الوجدان والايراد بأنه يمكن الجمع أيضا بأن تحمل الرواية الاولى على الكتابة التي يقع فيها المس والثانية على التي لا يقع فيها كما يدل عليه عجزها لا يخلو عن قوة وإن كان في حمل الرواية الاولى على المعنى المذكور تكلف لما ذكرنا سابقا من حكاية الاطلاق وترك الاستفصال مع أن في الايرادين أن الاحتمال لا ينفع في الاستدلال فأحسن التدبر وأتقن وثالثها بأن يقال على الوجه الاول إن الاولوية التي تدعونها في الاستدلال ممنوعة بل هي من باب القياس الذي لا نعمل ولا نقول به وحينئذ فإن ثبت الاجماع على جواز الكتابة للمحدث فليحمل الرواية على الكراهة وإلا فلنحكم بمقتضاها من حرمة الكتابة وأما تعديته إلى المس فلا وفيه بعد وعلى الوجه الثاني إن عدم نقل الخلاف لا يدل على الاجماع فيمكن حمل الرواية على إرادة حرمة الكتابة لنفسها وعلى تقدير التسليم أيضا فلا نسلم إن الغالب في الكتابة حصول المس وهو ظاهر فإذا حملتم الرواية الحاكمة بحرمة الكتاب مطلقا على أن الحكم بالحرمة إنما يكون باعتبار المس الذي يقع فيه في بعض الاحيان وارتكبتم هذا التوجيه البعيد فلم لا تحملونه على الكراهة مع كونه أقرب إذ ليس لفظ لا تحل مما يكون نصا في التحريم فتأمل الثالث ما رواه في التهذيب قيل رواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة وفي الاستبصار أيضا كذلك عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن قرء في المصحف وهو على غير وضوء قال لا بأس ولا يمس الكتاب وهذه الرواية في الكافي أيضا بعينها في باب الجنب يأكل ويشرب بلا تفاوت في المتن والسند ويورد عليهما أما أولا فبالطعن في السند لان فيه الحسين بن المختار وهو وإن نقل ابن عقدة عن الحسن بن الفضال توثيقه لكن قيل أنه واقفي وأبو بصير أيضا فيه كلام وسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى فيما بعد وأما ثانيا فبعدم صراحتها في التحريم لانه يمكن أن يكون نفيا وعلى تقدير كونه نهيا أيضا لا ظهور له في التحريم وقد مر مرارا الرابع ما رواه أيضا في التهذيب قبل الرواية السابقة وكذا في السرائر عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان إسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام) عنده فقال يا بني أقرأ المصحف فقال أني لست على وضوء فقال لا تمس الكتاب ومس الورق وأقرئه وهذا الاستدلال أيضا ضعيف بالارسال وعدم الظهور في التحريم كما مر غير مرة هذا ما وجدنا مما يمكن أن يستدل به على التحريم ولم نقف على دليل آخر وقد عرفت حال جميعها من عدم صلاحيتها لتحصيل الظن الصالح المعول عليه والاصل برائة الذمة حتى يثبت شغلها بدليل صالح فأذن الحكم بالحرمة مشكل لكن لما تكاثرت وتظافرت الاخبار ولم يوجد معارض قوي يوجب حملها على الكراهة أو شئ آخر غير الحرمة واشتهر أيضا بين الاصحاب الحكم بالوجوب فالاولى والاحوط أن لا يترك العمل بما حكم به الاصحاب فإن الرشد في متابعتهم والله هو الهادي إلى سبيل الرشاد واعلم أنه على تقدير ثبوت حرمة المس للمحدث إنما يكون القول بوجوب الوضوء للمس الواجب مبنيا على القول بوجوب مقدمة الواجب لانه إذا كان المس محدثا حراما فيجب تركه وترك المس محدثا أما بترك المس مطلقا أو بتركه على هذا الحال والمفروض عدم جواز الاول فيكون الثاني واجبا وهو يتوقف على الوضوء فيكون واجبا هذا ثم إن ها هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها الاول إن حرمة المس على تقدير ثبوتها هل تختص بالمس بالجسد أم يشتمل المس بالكم وغيره أيضا الظاهر عدم الشمول لان المس ظاهره عرفا ما يكون بالجسد وعلى تقدير عدم ظهوره فيه لا ريب في عدم ظهوره عند الاطلاق في المعنى الشامل للمس بالكم ونحوه فيكون من الافراد المشكوكة للمس والقول بأن التكليف اليقيني لا بد في امتثاله من الاتيان بالافراد المشكوكة أيضا حتى يخرج عن العهدة بيقين مما يعسر إثباته بل القدر الثابت إن الاتيان بالقدر اليقيني أو الظني كاف في الامتثال وأيضا الظاهر أنه لم يقل أحد من علمائنا بتحريم المس بالكم ونحوه الثاني أن تحريم المس بظاهر الجسد مختص بباطن الكف أو لا الظاهر عدم الاختصاص لتناوله له عرفا وقيل باختصاصه بما تحله الحيوة لان ما لا تحله الحيوة لان ما لا تحله الحيوة لا يتعلق به حكم الحدث وهو ضعيف لانه إذا صدق المس على المس بذلك الجزء فلا شك في دخوله

[ 15 ]

تحت التحريم وعدم حلول الحيوة مما لا دخل له والقول بأن حكم الحدث لا يتعلق به كلام خال عن التحقيق لان الحدث ليس مما يتعلق بجزء جزء من البدن بل هو معنى قايم بالشخص بمجموعه وظهر مما ذكرنا أيضا أنه إذا غسل بعض أجزائه في الوضوء ولم يتم الوضوء لم يجز له المس بذلك العضو الذي غسل لان الحدث لا يرتفع ما لم يتم الوضوء وارتفاع حدث ذلك العضو بغسله غير معقول الثالث هو الاية الكريمة المثبتة في غير المصحف المجيد داخلة في هذا الحكم أم لا وفيه وجهان من حيث أن المس في المصحف المجيد أيضا إنما يتعلق بالايات لا بالمجموع فيكون مسه خارج المصحف أيضا حراما بلا تفاوت وإشعار رواية على بن جعفر (عليه السلام) المتقدمة أيضا وللتعظيم ومن حيث أنه يجوز أن يكون مجتمعة لها حرمة ليس لها مع الانفراد ويقوى طرف الدخول إذا كانت الايات في التفاسير التي يكتب فيها القرآن بتماسه لانه لا يعبد حينئذ صدق المصحف عليه وقد روى رواية مشعرة بجواز مس الاية في الدرهم وسيجئ في باب الجنابة إنشاء الله تعالى الرابع مس اسم الله تعالى والانبياء والائمة (عليهم السلام) في دينار أو غيره وكذا مس كتب التفاسير والاحاديث والفقه هل حكمه ذلك أم لا الظاهر العدم لعدم دليل على حرمته فإن الدلائل التي قد تقدمت لا تدل عليها أصلا ولم نجد سوى ذلك والاصل برائة الذمة حتى يثبت شغلها وقد روى ما يدل على جواز مس اسم الله تعالى ورسوله للجنب في الدرهم كما سيجيئ فللمحدث بطريق أولى لكن لا بأس بالكراهة للتعظيم وأما جواز لمس هامش المصحف وغلافه وحمله وتعليقه على كراهيته فالظاهر أنه جماعي كما نقله العلامة في المنتهى الخامس المنسوخ تلاوته من القرآن دون حكمه غير داخل في حكمه ظاهر أو العكس بالعكس السادس لما كان الوجوب والحرمة فرع التكليف فلم يكن مس الصبيان مما يمكن أن يقال أنه حرام وهل يجب على الولي منعهم الظاهر أنه لا يجب لعدم الدليل وعدم المدرك مدرك العدم هذا والله أعلم وإذا قد تم القول في وجوب الوضوء للغايات الثلاث المتقدمة فلنشرع الان في بيان وجوب الغسل لها أعلم أن الغسل له أقسام متعددة يختلف حكمها في هذه المسألة في بعض الامور وجمعها معا في البيان مما لا ينبغي فلذا نورد كلا منها على حدة إنشاء الله تعالى ونخص البحث ها هنا بغسل الجنابة لانه الفرد الاكثر الاشهر ونورد أحكام الاغسال الاخرى في بابها إنشاء الله تعالى فنقول قد علمت في بيان وجوب الوضوء أن الوجوب للصلوة له معنيان وهذان المعنيان يتحققان في الغسل أيضا وإن كان مراد المصنف ها هنا أحدهما كما تقدم أما وجوبه بالمعنى الاول للصلوة الواجبة فقد نقل عليه الاجماع وقد يتمسك أيضا بقوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا ووجه الاستدلال ما مر في الاستدلال بها على وجوب الوضوء للصلوة وقد يناقش بأنه يجوز أن يكون جملة وإن كنتم جنبا معطوفة على جملة إذا قمتم لا على فاغسلوا حتى يدخل إذا قمتم عليها ويدل على مطلوبكم ويوجه بأن توسطها بين جملتين الوضوء والتيمم اللتين هما مدخولتا إذا قمتم إنما يدل على مدخوليتها أيضا وكذا إيراد كلمة أن دون إذا وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان أن الطهارات واجبة لنفسها أم لا ثم أن في الروايات وإن كان ما يدل على وجوب الغسل أكثر من أن يعد لكن لم نجد ما يد على المعنى الذي نحن بصدده لان هذا المعنى إنما يتحقق بأمرين أحدهما أن يكون الغسل مأمورا به بالامر الايجابي مستحقا تاركه للعقاب بتركه بخصوصه وثانيهما أن يكون دلالته على أن ذلك الايجاب والتكليف إنما هو لاجل الصلوة والامران إنما يتحققان بأن يقال مثلا اغتسل للصلوة أو نحو ذلك من العبارات ولم نقف على مثل ذلك والاخبار نعم في رواية الكاهلي التي سيجئ في مبحث أن الطهارة لنفسها أم لغيرها دلالة على أن الغسل للصلوة لكن لم يدل على وجوبه وأما وجوبه المجرد وكذا شرطيته للصلوة على ما سنثبته وكذا هما معا فلا يكفي في المطلوب إلا على رأى من يقول بوجوب الشرط للواجب المطلق كما أشرنا إليه سابقا ولا يخفى أن الاجماع الذي ذكرنا ففيه أيضا الشك الذي تقدم في الاجماع المنقول على وجوب الوضوء للصلوة بهذا المعنى فإن قلت إذا كان الغسل واجبا وكان أيضا شرطا للصلوة فأى فائدة في هذا النزاع وما ثمرته نعم إذا لم يثبت وجوبه وثبت شرطيته فقط لكان للنزاع فائدة على ما بينوه في مسألة مقدمة الواجب من أنه إذا ترك الشرط و المشروط معا فإن قلنا بأن الشرط للواجب واجب فقد ترك واجبا واحدا ويظهر ثمرته في باب النذر وغير ذلك حسب ما فصلوه وأما إذا كان وجوبه وشرطيته كلاهما ما تبين فلا طايل لان يتعرض لان وجوبه لها أم لا لان المكلف إذا ترك الغسل فقد ترك الواجبين سواء قلنا بالوجوب للصلوة أو لا بل لا معنى للوجوب للصلوة إلا أن يكون واجبا وكان لها مدخل في صحتها أو فضيلتها قلت فرق بين أن يكون الشئ واجبا لشئ بأن يقال إفعل هذا لذاك وبين أن يكون وجابا في نفسه ومع ذلك يكون شرطا لشئ آخر لان في الصورة الاولى يكون تضيقه تابعا لتضيق ذلك الشئ كما يفهم من العبارة عرفدا بخلاف الثاني على تقدير عدم القول بوجوب الشرط للواجب المطلق وأما على القول به فالثاني أيضا كذلك كما لا يخفى وعلى هذا يظهر ثمرة النزاع فيما إذا تضيق وقت الصلوة مثلا فإنه إذا قلنا بأن الغسل شرط لها وواجب أيضا بسبب إنزال المني أو غيره مثلا لكن ليس واجبا لها وترك المكلف حينئذ الغسل فلم يكن مستحقا للذم إلا بترك واجب واحد هو الصلوة لان وجوب الغسل والذي كان بسبب آخر لم يتضيق حينئذ فلم يكن مستحقا للذم

[ 16 ]

على تركه وأما إذا قلنا بأنه واجب للصلوة فقد ترك واجبين مضيقين واستحق الذم برتكهما ويثمر هذا المعنى في باب النذر وغيره كما قرره القوم في ثمرة النزاع في وجوب المقدمة هذا ولا يذهب عليك أنه قد يتفرع على وجوبه لنفسه أيضا أشياء آخر غير ما ذكرناه من وجوبه مضيقا عند ظن الموت وإن لم يكن وقت الصلوة وغير ذلك لكن لما كان غرضنا الخاص بهذا المقام بيان ما يلزم من عدم وجوبه للصلوة لا ما يلزم من وجوبه لنفسه فلذا اقتصرنا عليه وأما بيان تلك الامور فسيجئ إنشاء الله تعالى مفصلا في موضعه الاخص به من البحث في أن وجوب الطهارت لنفسها أم لغيرها وأما وجوب - ص 22 - (والحاصل أن المطلوب في هذا المقام وجوب الغسل للصلاة مطلقا أعم من أن يكون واجبا في نفسه أم لا لانحصار الوجوب فيه كما هو المطلوب في البحث الاخر والكلام إنما هو عليه ولذالك اورد المعترض أنه بعد تسليم الوجوب والشرطية لا فائدة في هذا النزاع وإلا فثمرة النزاع في البحث الاخر مما لا شك فيه كما ذكره ولذلك ترى بعض العلماء مثل العلامة ره قال ها هنا بوجوب الغسل لهذه الامور مع إعتقاده أن الغسل واجب لنفسه وبهذا اندفع ما أورد عليه العلامة الرازي في الارشاد من التنافي بين كلاميه فتدبر ويمكن الفرق بينهما بوجه آخر أيضا على ما ذكرنا أن الوجوب لا يستلزم أن يكون ذالك الشئ غرضا تاما له لكنه بعيد فتدبر منه ؟) الغسل للصلوة بالمعنى الاخر أي الشرطية فقد نقل عليه الاجماع أيضا بل كاد أن يكون من ضروريات الدين ويدل عليه أيضا الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى في سورة النساء يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم إلى آخر ما حررناه سابقا وسنبسط القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان وجوب الغسل لدخول المساجد وأما السنة فمنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل باب الاغسال المفترضات والمسننونات في أثناء حديث رواه عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال حماد قال حريز قال زرارة قلت له رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة فقال إذا شك وكانت به بلة وهو في صلوته مسح بها عليه وإن كان استيقن رجع فأعاد عليها ما لم يصب بلة فإن دخله الشك وقد دخل في صلوته فليمض في صلوته ولا شئ عليه وإذا استيقن رجع فأعاد عليه الماء وإن رآه وبه بلة مسح عليه وأعاد الصلوة باستيقان وإن كان شاكا فليس عليه في شكه شئ فليمض في صلوته وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب قبل باب حكم الحيض والاستحاضة متصلا به عن الحلبي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال عليه أن يقضي الصلوة والصيام ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في زيادات التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن الحسن الصيقل قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل تيمم ثم قام يصلي فمر به نهر وقد صلى ركعة قال فليغتسل وليستقبل الصلوة ومنها ما رواه في الزيادات أيضا قبل باب تلقين المحتضرين متصلا به عن علي بن مهزيار أن الامام (عليه السلام) كما هو الظاهر أجاب مسألة سليمان بن رشيد بجواب قرائه بخطه وفي أثناء ذلك الجواب وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لان الثوب خلاف الجسد فأعمل على ذلك إنشاء الله تعالى وأما وجوب الغسل للطواف ومسل خط المصحف فسيجئ بيانه إنشاء الله تعالى في شرح كتاب الحج ومبحث الجنابة ولنتكلم الان في وجوب التيمم للغايات الثلاث المذكورة ونبدء بالصلوة فنقول لا شك في مشروعية التيمم ووجوبه في الجملة كما نطق به الكتاب والسنة والاجماع بل الضرورة من الدين وأما وجوبه للصلوة بالمعنيين فالظاهر أيضا أنه إجماعي وقد عرفت حال الاجماع على الوجوب بالمعنى الاول في نظيريه فقس عليه ها هنا أيضا وقد يستدل على الوجوب بالمعنى الاول بقوله تعالى في سورة المائدة تتمة الاية الكريمة المتقدمة وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا الاية وقد يناقش فيه بجواز أن لا يكون جملة وإن كنتم مرضى داخلا تحت وإذا قمتم بل يكون معطوفا عليه أو على جملة وإن كنتم جنبا وهي لا يكون داخلا تحته ويستدل بقوله تعالى أيضا في سورة النساء تتمة للاية الكريمة المتقدمة وإن كنتم مرضى الاية وفيه كلام سيجئ في وجوب الغسل الدخول المساجد ويمكن أن يستدل عليه أيضا ببعض الروايات الذي له دلالة ما بحسب العرف وإن لم يكن دلالته ظاهرة منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضأ منه للصلوة قال لا إنما هو الماء و الصعيد ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة عن أحدهما قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن ابي همام عن الرضا (عليه السلام) قال يتيمم لكل صلوة حتى يوجد الماء ونظائر الروايتين الاوليين في الروايات كثرة والرواية الاخيرة لا يخفى ظهورها في المدعى ويستدل على الوجوب الثاني أيضا بالاية الثانية وفيه أيضا كلام سيجئ ولقوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور مع أنه ظهوركما سنبينه وكذا قول الصادق (عليه السلام) الصلوة ثلاثة أثلاث ثلث طهوره (آه) وبالجملة هذا المطلب مما لا يحتاج إلى زيادة تجشم في الاستدلال عليه وأما وجوب التيمم للطواف فسيجئ إنشاء الله تعالى في بابه وأما وجوبه لمس خط المصحف فبناء على تحريم المس للمحدث وللجنب وحال المحدث وقد عرفت وحكم المجنب سيجئ إنشاء الله تعالى وعلى تقدير التحريم فالمشهور بين علمائنا بل الاجماع منهم كما هو الظاهر من كلام العلامة (ره) في المنتهى حيث لم ينقل فيه خلافا إلا من أبي محرمة من عدم تجويزه إلا المكتوبة ومن الاوزاعي من القول بكراهة المس للمتيمم أن التيمم مبيح له لكن قد نقل عن فخر المحققين (ره) القول بعدم إباحة التيمم له فلا يكون واجبا أيضا عند وجوبه على قول هذا الفاضل وقد احتج عليه بقوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وسنذكر وجه الاحتجاج وما يرد عليه ثم أن هذا الحكم لما لم يثبت وقوع ضرورة ولا إجماع ظاهر (عليه فلا بد من شرحه وتفصيل القول فيه كما سيأتي إنشاء الله تعالى في باب وجوب التيمم لدخول المسجدين وفي اللبث فميا عداهما قال المصنف أعلى الله درجته (ويختص الغسل والتيمم بدخول مسجدي مكة والمدينة واللبث في

[ 17 ]

باقي المساجد) المراد بالغسل والتيمم طبيعتهما لا جميع الافراد ولا فرد معين كيف ويعد من جملة ما يجبان له صوم الحايض والجنب وحينئذ لا حاجة إلى تقييد الغسل بغير غسل المس لانه لم يجب للدخول واللبث وكذا لما سيجئ من قرائة العزائم على ما صرح به المصنف (ره) في البيان كما فعله المحقق الشيح علي (ره) في شرح القواعد في هذا المقام ولا يخفى أن وجوب الغسل والتيمم للدخول واللبث وكذا قرائة العزائم إنما هو عند وجوب هذه الامور والمصنف (ره) لم يقيد به أما للطهور أو للاعتماد على السابق حيث قيد الحكم فيه بالوجوب أو لان معنى العبارة أن وجوب الغسل والتيمم دون الوضوء إنما يكون لهذه الامور في الجملة و هذا لا يستلزم وجوبهما لجميع أفرادهما حتى يلزم التقييد بل يكفي الوجوب للبعض ثم أن وجوب الغسل للامرين المذكورين إنما هو بناء على تحريمهما للجنب والحايض ومن بحكمهما وهو قول علمائنا أجمع سوى ما نقل عن سلار من القول بالكراهة وسيجئ تفصيل القول فيه في مبحث أحكام الجنب والحايض إنشاء الله تعالى وأما وجوب التيمم فبناء على وجوب الغسل وإباحة التيمم لهما ولنتعرض ها هنا لبيان الامر الاخير فنقول إعلم أن المستفاد ظاهرا من كلام العلامة (ره) في المنتهى إجماع علمائنا على أن التيمم بدلا من الغسل مبيح لدخول المسجدين واللبث فيما عداهما وكذا مس خط المصحف عند علمائنا إذ لم ينقل في هذا المقام خلافا سوى ما نقل من أبي محرمة من القول بعدم جوازه إلا للمكتوبة والاوزاعي من القول بكراهة المس للمتيمم كما ذكرنا سابقا من القول بكراهة المس للتيمم كما ذكرنا سابقا لكن نقل عن ولده فخر المحققين (ره) المنع من إباحة التيمم لهما محتجا في الاول بقوله تعالى ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وجه الاستدلال أنه سبحانه جعل الاغتسال غاية لحرمة القرب إلى المساجد فلو كان التيمم مبيحا له فلم يكن الغاية غاية وفي الثاني بعدم فرق الامة بينهما في هذا الحكم ويلزم على قوله (ره) تحريم الطواف أيضا للمتيمم لاستلزامه دخول المسجد لكنه لم يصرح به وضعف الشهيد الثاني (ره) هذا الاحتجاج بمعارضته بقول النبي (صلى الله عليه وآله) لابي ذر (رضي الله عنه) لما أتاه وقال يا رسول الله هلكت جامعت على غير ماء قال يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين ووجهه بأن الاطلاق يقتضي الاكتفاء به في العبادات إذ لو أراد الاكتفاء به في الصلوة في البيت لوجب البيان حذرا عن الاجمال في وقت الخطاب الموجب للاغراء ويقول الصادق (عليه السلام) إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وبقوله (عليه السلام) التراب أحد الطهورين ولان الصلوة المشترطة بالطهارة الصغرى والكبرى أعظم من دخول المساجد فباجتهاد تلزم إباحته بطريق الاولى وفي الكل نظر أما في الاول فلانا لا نسلم أنه إذا كان المراد الاكتفاء به في الصلوة ألزم تأخير البيان عن وقت الخطاب مع أنه لا فساد فيه كما بين في موضعه إذ يجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) إنما بين له قبل أن التيمم لماذا وأى شئ يستباح به فإن قلت إذا بين له النبي (صلى الله عليه وآله) قبل أن التيمم يبيح الصلوة فمم كان جزعه واضطرابه قلت كان جزعه من أنه ظن أن التيمم وإن كان مبيح للصلوة لكنه فيه كراهة ونقص مرتبة أو من أنه لما جامع اختيارا مع عدم الماء تخوف أن يكون فعله حراما وأيضا لو تم ما ذكره للزم أن يستفاد أكثر مباحث التيمم من كيفيته وأحكامه وموجباته ونواقضه من ذلك الخبر وإلا يلزم تأخير البيان فما هو جوابه فهو جوابنا ولا يخفى أنه لو وجه المعارضة بأن الخبر يدل على الاكتفاء بالتيمم في الصلوة كما هو الظاهر وكان متعارف صلواتهم وأكثر أفرادها في المسجد وكون المراد الفرد الغير المتعارف وإخراج الفرد المتعارف مع الاطلاق في الكلام وعدم الاشعار بالمرام خلاف الظاهر لكان أولى مما ذكره وإن كان أيضا غير صحيح في نفسه إذ دلالته على الاكتفاء به في الصلوة غير مسلم بل يجوز أن يكون واجبا لنفسه كما هو مذهب بعض وعلى تقدير التسليم ليس هذا من قبيل أن يورد في حكم لفظ عام ويراد منه فرده الغير المتعارف فقط من غير إشعار لانه (عليه السلام) في هذا المقام ليس في صدد بيان أنه يكفي لاى شئ ويبيح أي شئ بل مراده (عليه السلام) إن الصعيد الذي قد عرفته وبينت لك كيفيته وإباحته لما يبيح ليس فيه نقص مرتبة وقصور وكراهة حتى أنه لو ارتكبه أحد للزم أن لا يرتكبه إلا شاذا نادرا كما يتخيله بل يكفي عشر سنين وليس فيه قصور تسلية لابي ذر (رضي الله عنه) وتسكينا لخاطره وما ذكرناه ظاهر لمن يراجع وجدانه وأما في الثاني فلان حكمه (عليه السلام) بجعل التراب طهورا لا يقتضي أن يكون مبيحا لكل ما تبيحه المائية بل لا يدل على أزيد من أنه يثبت له طهوريتة ما لا طهورية الماء إذا لا يلزم أن يكون كل طهور حكمه حكم الطهور الاخر كما يشهد به الفطرة السليمة وقس عليه حال الرواية الاخرى وأما في الثالث فلان الاولوية ممنوعة إذ يجوز أن يكون الصلوة لكونها أمرا ضروريا لا ينبغي أن يترك في حال من الاحوال إنما يكتفي فيها عند الضرورة بالتيمم بخلاف دخول المساجد فإنه لما لم يكن بهذه المثابة فلا ضرورة في أن يكتفي فيه بالتيمم ونظيرها في الوجود أكثر من أن يحصى كما لا يخفى وأيضا أحكام الله تعالى و شرايعه وحكمته فيها ليس مما يجد العقل إليه سبيلا فالقول فيها بمثل هذه الوجود والدلايل ليس مما ينبغي إذ ليس مآله عند التحقيق إلا إلى القياس الذي تواتر عن أصحاب العصمة (عليه السلام) إنكاره ومنع القول به فتدبر وقد أورد على الاستدلال أيضا بأنه موقوف على أن يكون المراد بالصلوة مواضعها أما على المجاز في الاعراب بحذف المضاف أو على المجاز في اللفظ من قبيل تسمية المحل باسم الحال وهو مما إذا يجوز أن يكون المراد معناها الحقيقي أي لا تصلوا جنبا إلا إذا كنتم مسافرين فإنه يجوز لكم حينئذ الصلوة متيمما والحاصل أن السفر لما كان مظنة تعذر الغسل استثناه سبحانه بل هذا

[ 18 ]

أولى لئلا يلزم ارتكاب المجاز وفيه أن ارتكاب خلاف الظاهر في هذا المعنى أيضا لازم من جهة لزوم التكرار في قوله سبحانه أو على سفر مع أن في الاول يمكن أن يحل اللفظ على حقيقته بدون ارتكاب مجاز لان الدخول في مواضع الصلوة قرب منها واعلم إن لكل من الوجهين مرجحات ومضعفات مذكورة في موضعها ولا يصحل منها ترجيح تام لاحدهما لكن ما رواه الصدوق (ره) في كتاب علل الشرايع في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له الحايض والجنب يدخلان المسجد أم لا قال لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن الله تبارك وتعالى يقول ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا مرجح قوي للمعنى الاول وبذلك يندفع الايراد المذكور عن الاستدلال ثم أن الشهيد الثاني (ره) قال بعدما نقلناه عند وذكر الغسل في الاية لكونه أصلا اختياريا وهو لا ينفي الاضطراري إذا دخل بدليل آخر انتهى ولا يخفى أن ما ذكرناه من وجه الاكتفاء بالغسل وجعله غاية للتحريم وجه ظاهر قريب لكن الكلام في وجود دليل دال على كون التيمم بدلا اضطراريا له لان ما ذكره من الوجوه غير تام كما بينا ولما كان هذا المقام موضع إشكال واشتباه فلا علينا أن نشبع الكلام فيه و نوضحه بقدر ما بلغ إليه فهمنا وطاقتنا حفظنا الله تعالى عن الخطأ والتقصير فنقول أعلم أن للاصحاب رضوان الله عليهم عبارتين أحديهما أن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية والثانية أنه يجب لما يجب له الطهارتان واستدل على الاولى بالروايات الدالة على كون التيمم والتراب طهورا من الروايتين السابقتين وغيرهما مما سنذكره بعد وبقوله (عليه السلام) لابي ذر المتقدم وقد عرفت الحال فيهما وبما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم في الصحيح عن حماد بن عثمان قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلوة قال لا هو بمنزلة الماء وفيه أن لفظ المنزلة لا نسلم عمومه عرفا بل هو بمنزلة الماء وفيه أن لفظ المنزلة لا نسلم عمومه عرفا بل هو بمنزلة الالفاظ المجملة والسؤال قرينة ظاهره ها هنا على أن المراد أنه بمنزلة الماء في استباحة صلوات كثيرة به وأما دلالته على أزيد من ذلك فمما يأباه الوجدان ومما يمكن أن يستدل به على الثانية أنه لما ثبت أنه يستباح به كل ما يستباح بالطهارتين فإذا كان شئ من غايات الطهارتين واجبا ولم نقدر عليهما فلا شك في وجوب التيمم حينئذ لان الاتيان بذلك الواجب صحيحا ممكن حينئذ إذ المفروض استباحته بالتيمم وهو موقوف على التيمم وما يتوقف عليه الواجب واجب فيكون واجبا كما هو معتقدهم وفيه أنه موقوف على المقدمة الاولى ولم يثبت والسيد الفاضل صاحب المدارك (ره) رجح أن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية واستدل عليه ببعض ما ذكرنا ثم قال فمما ثبت توقفه على مطلق الطهارة من العبادات يجب له التيمم وما ثبت توقفه على نوع خاص منها كالغسل في صوم الجنب مثلا فالاظهر عدم وجوب التيمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بينهما فتأمل انتهى ولا يخفى ما فيه من الخلل والاضطراب لان مراده (ره) بقوله فما ثبت توقفه إلى آخره أما أن ما ثبت توقفه على طبيعة الطهارة بدون خصوصية فرد يجب له التيمم وما يتوقف على خصوص فرد لا يجب ففيه أن تفريع هذا المعنى على إباحته لكل ما يبيحه الطهارتان غير موجه لانه على التقدير المذكور ينبغي أن يجب لكل ما يجبان له كما قررنا آنفا إلا أن يكون نظره إلى الدقيقة التي سنذكرها بعد وحينئذ يبقى عليه بحث لفظي فقط لا معنوي من جهة عدم حسن التفريع لان هذا المعنى بناء على الدقيقة المذكورة لا يتفرع على إباحته لكل ما يبيحانه بل على أمر آخر والامر فيه سهل لكن سنذكر إنشاء الله تعالى عند ذكر هذه الدقيقة أنه ليس نظره إليها فانتظر وأيضا فيه أنه مناف لما سيرجحه بعد من وجوب التيمم لدخول المساجد ومس خط المصحف ونحوهما بناء على هذه الدلايل إذ ظاهر أن هذه الامور ليس مما يثبت توقفه على طبيعة الطهارة فقط بل على فرد خاص كما في صوم الجنب بعينه وأما أن ما ثبت توقفه على فرد ما من الطهارة يجب له التيمم وهذا أيضا مثل سابقه بعينه وأما أن ما يتوقف على كل فرد من الطهارة يجب له وما ليس فلا كالغسل لصوم الجنب فإنه لا يتوقف على بعض الافراد لصحته من المحدث بالحدث الاصغر وفيه أيضا أن تفريعه على ظاهر قوله إن التيمم يبيح كلما يبيحه المائية ليس بصواب وهو ظاهر إلا أن يؤول بأنه يبيح كلما يبيحه جميع الطهارات المائية وفيه بعد مع أن دلالة الادلة التي أوردها يصير حينئذ أضعف وأيضا أنه مناف لحكمه بوجوب التيمم للامور التي ذكرنا آنفا لانها أيضا ليست مما يتوقف على جميع الطهارات وإن وجه الكلام بأن مراده (ره) أن التيمم يبيح كلما يبيحه فرد من أفراد الطهارة المائية من حيث أنه فرد للطهارة ولا يستلزم هذا المعنى وجوب التيمم لجميع ما يجب له الوضوء والغسل إذ يجوز أن يتوقف شئ على أحدهما لا من حيث أنه فرد للطهارة والفرق بينه وبين التوجيه الاول ظاهر ففيه أيضا أنه حينئذ بم عرفت أن الصوم موقوف على الغسل لا من حيث أنه فرد الطهارة ودخول المسجد مثلا موقوف عليه من تلك الحيثية بل ظاهر أنه لا فرق بينهما نعم لو لم يقل احد بتوقف صحة الصوم عليه بل بوجوبه له فقط ولزوم القضاء والكفارة مع صحة الصوم في نفسه كما يشعر به كلام بعض علمائنا (ره) لم يكن القول به بعيد جدا لانه لما كان صحيحا مع الحدث فوجوب الغسل له يمكن أن يقال أنه ليس لاجل فرديته للطهارة لكن حينئذ يبقى الكلام في تحقق معنى الوجوب للصوم فيه فتدبر والعجب أنه (ره) قبل هذا الكلام أورد على عبارة المصنف المحقق (ره) والمندوب ما عدا ذلك بعد أن قال التيمم يجب للصلوة ولخروج الجنب من المسجدين أن هذا الاطلاق مناف لما سيصرح به من إباحة التيمم لكل ما يبيحه المائية فإنه يقتضي وجوب التعيمم عند وجوب ما لا يستباح إلا به انتهى ثم حكم نفسه بأن التيمم يبيح كل ما يبيحه المائية مع أنه لم يجب لما يجبا له ولعله له

[ 19 ]

وجها لم يصل إليه فهمي والله أعلم وهذا الكلام وقع في البين فلنرجع إلى ما كنا فيه وبالجملة ما وقفنا واطلعنا عليه من الدلايل على هذين المطلبين هو هذا ولم نطلع على دليل آخر ظاهر الدلالة فالحكمان المذكوران في محل التوقف نعم غاية ما يمكن أن يستفاد من الاخبار إن التيمم مبيح لما يبيحه الطهارة بمعنى إن ما ورد في الشرع أنه لا يباح بدون الطهارة أو لا تفعله بدونها أو مشروط بها أو نحو ذلك من العبادات فالتيمم مبيح له لاطلاق الطهور عليه في الشرع لورود الروايات الكثيرة المتظافرة المستفيضة في هذا المعنى وظاهر قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم أما ما ورد في الشرع أنه لا يباح دونه الوضوء أو الغسل أو مشروط بهما أو نحو ذلك فإباحة التيمم له غير ثابت إلا إذا كان عليه دليل خاص من إجماع أو خبر أو نحوهما ولا بأس أن نذكر الروايات الواردة في هذا المعنى فمنها ما روي عنه (عليه السلام) جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه عن محمد بن مسلم قال سئلت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى ثم وجد الماء فقال لا يعيد أن رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين (ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في آخر حديث فإن التيمم أحد الطهورين) ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب التيمم وأحكامه عن محمد بن حمران وجميل عن أبى عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث فإن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا وهذه الرواية في الكافي أيضا عنهما في باب الرجل يكون معه الماء القليل في السفر وفي الفقيه أيضا عنهما في باب التيمم وفي باب الجماعة وفضلها ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب التيمم عن سماعة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته قال يتيمم بالصعيد ويستبقي الماء فإن الله عز وجل جعلهما طهورا الماء والصعيد ومنها ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب التيمم في آخر حديث ولا ينقضها لمكان الماء لانه دخلها وهو على طهر تيمم ثم ها هنا دقيقة أخرى وهي أنه إذا كان شئ مشروطا بالطهارة لا خصوص الوضوء أو الغسل وكان التيمم مبيحا له كما ظهر من الروايات فهل يجب التيمم له إذا كان واجبا أو يستحب إذا كان مستحبا مع تعذر الوضوء أو الغسل بدون دليل آخر أم لا وفيه أيضا إشكال إذ بمجرد إباحة التيمم له لا يلزم وجوبه عند وجوبه لان التيمم عبادة والعبادة لا بد أن يكون متلقاة من الشارع ومأذونا فيها من قبله إجماعا كما هو الظاهر وهو لم يأذن في التيمم له كما هو المفروض نعم حكم بإباحته له وغاية ما يلزم منه أنه إذا تيمم المكلف لما إذن له ورخص كان ذلك الشئ أيضا مباحا له إلا أن يجعل طلب الشارع ذلك الشئ مع حكمه بأنه لا يباح بدون الطهارة واشتراطه إياه بها وإن التيمم طهور قرينة على الاذن في التيمم لذلك الشئ والحاصل إن في مثل هذه الصورة قد اجتمع ثلاثة أمور لا يمكن حملها جميعا على ظاهرها طلب الشئ المفروض واشتراطه بالطهارة والنهي عن الظاهر ما لم يأذن فلا بد من أحد ثلاثة أمور أما القول بعدم وجوب ذلك الشئ بتخصيص العام الذي يشمله إذا كان الطلب لامر يعمه أو بتقييد وجوبه بشرط أو وقت أو نحو ذلك إذا لم يكن الطلب لامر عام أو بتخصيص شرطية الطهارة له بشرط أو نحوه أو بتخصيص النهي عن الطهارة بدون الاذن ولا يبعد أن يرجح الاخير لانه في الحقيقة ليس تخصيصا للنهي المذكور بل نقول أن الامرين الاولين قرينة على الاذن (والرخصة والاذن) لا يجب أن يكون صريحا فحينئذ يخرج التيمم المذكور عن عنوان الحكم أي الطهارة بدون الاذن لا أن يخصص من الحكم والمفرق بينهما ظاهر إذ التخصيص أن يكون لفظ دالا على أشياء ويخرج بعض الاشياء عن إرادته من اللفظ المذكور مع بقائه تحته بحسب الدلالة وها هنا قد خرج بحسب الدلالة فتدبر وإذا لم يلزم حينئذ تخصيص بخلاف الاولين لاستلزامهما التخصيص قطعا فتعين ارتكابه فإن قلت السيد الفاضل المذكور لعلة نظرا إلى هذه الدقيقة حيث حكم بإباحة التيمم لما يبيحه الطهارتان مع عدم وجوبه لما يجبان له قلت إذا كان كذلك لما كان الفرقة بين ما يتوقف على نفس الطهارة وبين ما يتوقف على خصوص فرد في وجوب التيمم لهما وجه ظاهرا إذ قد عرفت أن التيمم لا يلزم أن يكون واجبا لما يتوقف على نفس الطهارة أيضا بناء على الدقيقة المذكورة لا يقال كان تخيل أنه إذا قال الشارع هذا الامر مشروط بالطهارة وقال أيضا أن التيمم طهارة ثم أمر بالامر المذكور كان ذلك قرينة على الرخصة في التيمم قرينة ظاهرة أما إذا قال إن هذا الامر مشروط بالوضوء مثلا وإن التيمم طهور فلا ظهور حينئذ لكون الامر به قرينة في الاذن وإن ثبت أن التيمم مبيح لما يبيحه الوضوء أيضا فلم يتعين أذن ارتكاب الامر الاخير من الثلاثة المذكورة فلم يثبت وجوب التيمم لان ذلك التخيل وإن كان له وجه لكنه إذا كان مراده هذا فلا ينبغي أن يفرق بين وجوبه لصوم الجنب ودخول المساجد إذ ليس في دخول المساجد أيضا ما يدل على توقفه على طبيعة الطهارة كما في صوم الجنب بعينه بل في الاية والاخبار منع الجنب فقط كما سيأتي إنشاء الله تعالى في باب الجنابة وإذ قد تمهد هذه المقدمات فلنعد إلى بيان المسئلتين السابقتين من وجوب التيمم للمساجد ولمس خط المصحف أما وجوب التيمم للمساجد فالظاهر على ما ذكرنا من المقدمات العدم لانه ليس في الاية والاخبار كما أشرنا إليه آنفا إن دخول المسجدين الحرمين واللبث فيما عداهما إنما يبيحه نفس الطهارة أو التيمم يصلح لبدلية الغسل فيه إذا الموجود فيهما منع الجنب وغير المغتسل فقط وأما إيراده عز وجل ببيان التيمم بعد قوله سبحانه ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فهو وإن صلح لان يكون قرينة لبدليته للغسل في إباحة القرب من المساجد وكونه متعلقا بهذا الحكم لكن يعارضه قوله تعالى أو جاء أحدكم من الغائط لانه لا دخل له في هذا المعنى لاباحة القرب من المسجد بدون الوضوء فيشعر هذا بأنه استيناف حكم آخر لبدلية التيمم

[ 20 ]

الموضوء والغسل إجمالا وبيانه على مظهر الشريعة الصادع بها فيقصر على ما بينه وليس فيه عموم ولا اختصاص بهذا الحكم وقس عليه الحال في إيراد التيمم في الاية الكريمة السابقة في المائدة لانه على تقدير عدم اختصاص الحكم بالوضوء العموم ممنوع بل غايته الاجمال فيحال إلى بيانه (عليه السلام) وإذا لم يوجد دليل على ذلك ففي إباحة التيمم لهما نظر ومع عدم الاباحة لا وجوب وإذا لم يبحهما التيمم يجب لهما فيكونان بدون الغسل حراما سواء كان واجبا بالنذر أو لا للاجماع ظاهرا لان النهي عنهما جنبا يخصص الاوامر العامة باستحبابهما والعمومات الدالة على الايفاء بالنذر مثل اوفوا بالعقود وغير ذلك وإن كان بينهما وبين العمومات الدالة على منعهما جنبا عموم من وجه ويكون الحكم التوقف والتخيير في أكثر مواضعه لكن الظاهرها هنا ترجيح عمومات المنع لان الظاهر إن المراد بالاوامر الدالة على الايفاء بالنذر إنما هو الايفاء به إذا لم يكن مخالفا لما ثبت أصالته بالشرع وأنه لا يصير سببا لتخصص الاحكام الاصلية كما لا يخفى ولم إذا كان الوجوب بغير النذر مثل الدخول للطواف ونحوه فيحتاج إلى النظر في أدلة الطرفين والترجيح هذا كله إذا لم يكن الحكم إجماعيا كما هو الظاهر مما نقلناه من أن الخلاف إنما وقع من الفاضل فخر المحققين (ره) دون من قبله فلا عبرة به ومع قطع النظر عن ثبوت الاجماع أيضا نقول أنه لا شك في شهرته واستفاضته بين الاصحاب شهرة عظيمة متاخمة للاجماع ومثل هذه الشهرة كاد أن يكون متمسكا قويا في إثبات الاحكام الشرعية إذا الظن الحاصل منه بصدور الحكم عن المعصومين (عليه السلام) ليس بما نقص من الظن الحاصل بأخبار الاحاد وحينئذ فمقتضى الاحتياط أنه إذا كان دخول الحرمين واللبث فيما عداهما واجبا مضيقا فيتيمم ويؤتى به وأما إذا لم يكن واجبا مضيقا بل موسعا أو كان مندوبا فلم يتيمم له ولم يؤت به بل ينتظر إمكان الغسل ولا يذهب عليك إن في الصورة الاولى إذا تيمم لما يبيحه التيمم بلا خلاف مثل الصلوة وضم إلى قصدها قصد الدخول واللبث أو تيمم تيمما آخر بعده لهما للخروج عن عهدة القول بعدم التداخل ثم دخل أو لبث لكان أولى كما يظهر وجهه من الكلمات السابقة فتفطن هذا ما بلغ إليه ظني في هذه المسألة والله ورسلوه وأهل بيته (عليه السلام) أعلم وأما وجوب التيمم لمس خط المصحف فاعلم إن الاية الكريمة المتقدمة تدل على اشتراطه بالطهارة فيكون مما يبيحه مطلق الطهارة ويلزم منه إباحة التيمم له كما قدمناه لكن الروايات يشعر بعضها باشتراط الوضوء وبعضهما بالمنع منه جنبا وحينئذ لا يكون مما يبيحه التيمم فلو لم نقل بأولوية حمل الاية على الاخبار لكثرتها فلا أقل من عدم أولوية حملها عليه فيؤل إلى الشك في أن الشرط هل هو مطلق الطهارة أو خصوص فرديها وكذا المنهي عنه أما المس بدون مطلقها أو بدون فرديها وحينئذ لا يخلو الحال أما أن نقول بأن الاوامر والنواهي اليقينية لا بد من الاتيان بأفرادها المشكوكة للخروج عن العهدة بيقين أولا وعلى التقديرين الظاهر أن رعاية حال النهي أولى لانه كما يكون حينئذ المس بالتيمم مما يشك في كونه داخلا تحت الاوامر العامة من جهة وجوب إصلاحه أو من جهة النذر فيجب الاتيان به للبرائة اليقينية فلذلك مما يشك في كونه داخلا تحت النواهي العامة عن المس بدون شرطه المتعين في الواقع المجهول عندنا فيجب الاجتناب عنه للبرائة أيضا مع أن في هذه الصورة يراعى جانب النهي العام أيضا من الاتيان بالعبادة بدون إذن الشارع المشكوك في دخول الاتيان بالتيمم في هذه الحال تحته فيكون أولى وكذا الحال على التقدير الاخر كما لا يخفى والامر في حالة ما إذا كان الوجوب بالنذر أظهر لما مر وقس عليه الحال فيما إذا شك في صدق الجنب على المتيمم في هذه المسألة وسابقتها مع أن الاية في المسألة السابقة تدل على منع غير المغتسل فلا يؤثر ذلك الشك كثيرا وكذا بعض الاخبار في هذه المسألة يدل على (تعليق المنع بعدم) الوضوء هذا وحديث الاجماع والشهرة والاحتياط في هذه المسألة أيضا مثل المسألة السابقة فقس عليها ولا تغفل قال المصنف أعلى الله تعالى مقامه وقرائة العزائم وجوب الغسل والتيمم لها موقوف على تحريمها على الجنب والحايض ومن بحكمهما وسيأتي بيانه في مبحث الجنابة إنشاء الله تعالى ويختص وجوب التيمم بتوقفه على إباحته لها ويفهم ظاهرا من كلام العلامة (ره) في المنتهى أنه إجماع منا حيث قال ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له من فريضة ونافلة ومسح مصحف وقرائة عزائم ودخول المساجد وغيرها ونسب القول به إلى علماء العامة أيضا ولم ينقل خلافا سوى ما نقل عن أبي محرمة من عدم تجويزه إلا للمكتوبة ومن الاوزاعي من أنه كره مس (المصحف للمتيمم والخلاف الذي نقل عن فخر المحققين (ره) إنما يختص بدخول المساجد والمس) فقط ولو قطع النظر عن الاجماع والشهرة فحاله (إنما يستنبط مما ذكر في فحسا بقيه ؟) وصوم الحايض وانفساء والمستحاضة والجنب إذا صادف الليل على تفصيل يأتي إنشاء الله تعالى ونشرح أيضا إنشاء الله تعالى في كل باب ما يتعلق به ويختص التيمم بخروج الجنب من المسجدين هذا الحكم مشهور بين الاصحاب ولم ينقل فيه خلاف سوى ما نقل من ابن حمزة من القول بالاستحباب ومستند الحكم ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب التيمم في الصحيح عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس به أن يمر في ساير المساجد ولا يجلس في شئ من المساجد وما رواه ثقة الاسلام في الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن محمد بن يحيى مرفوعا عن أبي حمزة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل وكذلك الحايض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك وهاتان الروايتان مع انضمامهما بالشهرة العظيمة بين الاصحاب حجة قوية على الوجوب فالظاهر القول به وما يتوهم من معارضتهما بالروايات الكثيرة الواردة في منع الجنب من الكون في المسجدين

[ 21 ]

مطلقا كما سيأتي في بابه إنشاء الله تعالى وإن تخصيصها بهما ليس بأولى من تخصيصهما بها بأن يقيد الحكم بما إذا لم يزد بسبب التيمم الكون في المسجد كما إذا أمكن التيمم خارجا بل الامر بالعكس لكثرتها واستفاضتها ضعيف لا يعارض الشهرة بل الاجماع ظاهرا لان الخلاف المنقول من ابن حمزة فقط وهو أيضا قائل بالاستحباب مع صراحة دلالتهما على المدعى بخلاف معارضتهما والظاهر شمول الحكم لما إذا كان زمان التيمم ناقصا عن زمان الخروج أولا لعموم اللفظ وعدم الاطلاع على القول بالفرق ثم أن الظاهر من كلام المصنف (ره) شموله الحكم لكل مجنب سواء كان محتلما أو لا كما إذا دخل المسجدين مجنبا عمدا أو سهوا وهو خلاف ظاهر الرواية لاختصاصها بالمحتلم ظاهرا وما قال في الذكى من عدم تعقل خصوصية الاحتلام ضعيف إذا إحلامنا الضعيفة لا سبيل لها إلى إدراك علل الشرايع وسرائرها المخفية فيها وأما المرئة فلا يبعد إلحاقها بالرجل وإن كانت الرواية مختصة به ظاهر الشيوع إجراء الاحكام المتعلقة بالصنفين على الرجل خاصة والله أعلم وأيضا قد قرب (ره) في الذكرى استحباب التيمم لباقي المساجد لما فيه من القرب إلى الطهارة ولا يزيد الكون فيه على الكون في التيمم في المسجدين وهو أيضا ضعيف لعدم دليل عليه وحديث القرب إلى الطهارة بعيد لمعارضته بحرمة اللبث خرج اللبث في المسجدين بالنص فبقي الباقي وترك ما يخاف عليه العقاب أولى من فعله طمعا للثواب وقياسه على اللبث في المسجدين ليس من باب القياسين المعمول بهما عندنا كما لا يخفى نعم لو أمكن التيمم خارجا بدون أن يزيد بسببه اللبث وكان زمانه أنقص من زمان الخروج لكان القول باستحبابه حينئذ سالما عن معارضة حرمة اللبث لكن يخاف عليه من البدعة والتشريع والقول في الدين بالرأي وكذا الحايض في الاقرب مستنده مرفوعه أبي حمزة المتقدمة و دلالتها على المطلق ظاهرة لكن المرفوعية رافعة لحجيتها وقال المحقق (ره) في المعتبر لا يجب على الحايض وإن استحب لانه لا سبيل لها إلى الطهارة بخلاف الجنب واعترض عليه المصنف في الذكرى بأنه اجتهاد في مقابلة النص وقد يعتذر عنه (ره) بأن عدم حكمه بالوجوب إنما هو لرفع الرواية وعدم صلاحيتها للحجية ولما كان يتسامح في أمر الاستحباب ويعمل فيه بالروايات الضعيفة فلذا قال به عملا بتلك الرواية وإن كانت مرفوعة وهذا الاعتذار وإن كان يصحح مدعى المحقق (ره) لكن لا يصحح استدلاله إذ انتفاء السبيل لها إلى الطهارة مما لا ينافي الوجوب إذ يجوز أن لا يرتفع حدثها ويكون التيمم واجبا عليها تعبدا مع أنه يرد على القول بالاستحباب أيضا كما لا يخفى إلا أن يحمل كلامه على أنه تأييد لا استدلال مع أن في صلاحيته للتأييد أيضا مناقشته لان القول بمثل هذا الوجوه في الشرع مما لا ينبغي في طريقتنا بل هو مناسب لطريقة العامة وبالجملة الحكم بوجوب التيمم على الحايض مما لا ظهور له أما أولا فللطعن في السند وأما ثانيا فلامكان حمل الخبر على الاستحباب لعدم ظهور النهي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) في التحريم مع أنها ها هنا بلفظ الخبر إلا أن يقال أن تشبيهها بالجنب ظاهر في الوجوب عليه وأما ثالثا فلمعارضتها بالاخبار الدالة على تحريم كونها في المسجد خرج كونها للخروج للضرورة فبقي الباقي وبهذا ظهر أن القول بالاستحباب أيضا كما هو مختار المعتبر مشكل لان الاكتفاء في باب السنن بغير الصحاح إنما هو عند عدم معارضته بما هو أقوى منه بل بالمساوي أيضا إذا كان دالا على الحرمة كما فيما نحن فيه إذ دفع الخوف أولى من جانب النفع نعم لو أمكنها التيمم خارجة بحيث لا يزيد بسببه كون وكان زمانه أنقص من زمان الخروج فلا يبعد حينئذ القول بالاستحباب تمسكا بالخبر لشموله بعمومه هذه الصورة أيضا مع خلوه عن المعارض فيها بل بالوجوب أيضا بناء على إباحة التيمم الكون في المسجد للحايض لعموم وجوب الطهارة للكون خرج الكون بقدر زمان التيمم لعدم إمكان الطهارة له وبقي الزايد فيجب التيمم له بدلا عن الغسل واستدل العلامة (ره) في المنتهى على الوجوب (بأن الاجتياز فيهما حرام إلا مع الطهارة وهي متعذرة) والتيمم يقوم مقامها في جواز الصلوة فكان قائما مقامهما في قطع المسجد وضعفه ظاهر مما ذكرنا ولو أمكن الغسل فيهما وسيأتي زمان التيمم قدم الغسل كان الظاهر من إطلاق كلام الاصحاب وجوب التيمم للخروج مطلقا سواء لم يمكن الغسل فيهما وساوى زمان التيمم قدم الغسل كان الظاهر من إطلاق كلام الاصحاب وجوب التيمم للخروج مطلقا سواء لم يمكن الغسل أو أمكن وكان زمانه مساويا أو لا والمصنف (ره) استشكل في الذكرى في تقديمه على الغسل في صورة إمكان الغسل سواء كان زمانه مساويا لزمان التيمم أو لا وحسب الاجزاء في صورة المساواة أقوى ولا يخفى أنه في صورة النقصان بطريق الاولى والشهيد الثاني (ره) كأنه رجح القول بتقديم الغسل في صورة المساواة أو نقصان لزمان الغسل وقال وإنما قيدنا جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه مع أن الدليل يقتضي تقديمه مطلقا مع إمكانه لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقا وإلا لكان القول به متوجها والاظهر الاول لتخصيص التيمم بالذكر وعدم ما يدل على وجوب الغسل وما استدلوا به سنزيفه وعدم الدليل دليل العدم وأيضا العمومات دالة على تحريم الكون في المسجدين مطلقا خرج الكون للتيمم بالدليل والكون حالة الخروج للضروة وبقي الباقي تحتها فيكون الكون للغسل حراما لعدم ضرورة ولا دليل وإذا كان الكون للغسل حراما فلا يمكن القول بتقديمه على التيمم لكن لا يذهب عليك أنه إذا كان زمان الغسل أنقص من زمان الخروج لم يجر هذان الوجهان فيه لان الدليل حينئذ على وجوب الغسل موجود وحرمة الكون لاجله منتف أما الدليل فالعمومات الدالة على تحريم الكون مطلقا ووجوب الغسل له خرج الكون بقدر زمان الغسل لعدم إمكان الغسل له فيبقى الزايد تحتها لامكان الغسل له شرعا لما تبين من عدم حرمة الكون لاجله فيجب الغسل وأما

[ 22 ]

عدم الحرمة فلان الضرورة يقتضي بجواز الكون بقدر ما يمكن أن يتخلص من الكون مجنبا في المسجد والتخلص منه يحصل بوجهين أما بالخروج عن المسجد أو بالغسل ولا دليل على تعيين الخروج لان اللبث والمشي كليهما حرامان ولا مرجح للمشي بحيث يمكن التمسك به شرعا فكان الغسل بمنزلة طريق ثان وكما لا يجب اختيار طريق واحد من الطريقين في المسجد فكذلك لا يجب اختيار الخروج على الغسل وحينئذ يقع التعارض بين الدلائل الدالة على وجوب الغسل والروايتين الدالتين على وجوب التيمم فكما يرجح دلائل الغسل بالكثرة كذلك يرجح دليلا التيمم بصراحة الدلالة وأظهريتها كما يعلم من التأمل في أدلة الطرفين وكما يمكن الجمع بينهما بحمل الروايتين على أنهما مخصوصتان بما عدا هذه الصورة كذلك يمكن تخصيص الادلة به نعم قد يظن تخصيص الروايتين لان بناء أكثر الاحكام والاخبار على الغالب المتعارف ولما كان الغالب عدم إمكان الغسل في المسجد خصوصا مع نقصانه عن الخروج وعدم تنجيس شئ من المسجد وآلاته مع نجاسة بعض بدن المغتسل كما فيما نحن فيه إذ مورد الخبر المحتلم فلذا أطلق الحكم بالتيمم فعلى هذا ينبغي أما أن يصار إلى القول بالاختيار بين الغسل والتيمم إن لم نقل بوجود المرجح في طرف الغسل أو بوجوب اختيار الغسل إن قلنا بالترجيح لكن قد يقال إن الحكم بتقديم الغسل في هذه الصورة فقط مما يخاف عليه من كونه خرقا للاجماع المركب لان القائلين بتقديم التيمم قالوا بتقديمه مطلقا والقايلين بتقديم الغسل قالوا بتقديمه مع مساواة زمانه لزمان التيمم أو قصوره عنه وأما القول بتقديمه في هذه الصورة فلم يقل به أحد نعم لو كان في هذه الصورة زمان الغسل مساويا لزمان التيمم أو أنقص منه لكان القول بتقديم الغسل متجها فإن قلت قد ثبت بما ذكرت وجوب الغسل إذا كان زمانه انقص من زمان الخروج وهو أعم من أن يكون زمانه مساويا لزمان التيمم أو أنقص منه أو أكثر خرج الاكثر بالجماع لعدم القابل به وبقي الباقي فثبت الحكم في بعض صور المساوات أو النقصان وهو ما إذا كان زمان الغسل أنقص من زمان الخروج فحينئذ نقول قد ثبت الحكم في بعض الصور فوجب أن يكون ثابتا في الباقي أيضا وإلا لزم خرق الاجماع المركب وبهذا يثبت قول المخالفين قلت يمكن قلب الدليل أيضا عليهم بأن يقال قد ثبت بالوجهين الاولين عدم وجوب الغسل في بعض صور المساواة والنقصان وهو ما إذا كان زمان الغسل أزيد من زمان الخروج فوجب ثبوته في الباقي أيضا وإلا لزم المحذور المذكور فإن قلت فعلى هذا فما التفصي عن ذلك وكيف الحيلة في الخروج عن الشبهة قلت أما بالمنع عن ثبوت الاجماع المركب إذ الظاهر أن مذهب القدماء في تفاصير تلك المسألة غير معلوم بل اكثرهم أطلقوا القول بوجوب التيمم للخروج على المحتلم في المسجدين ولم يفصلوا القول فيه والتفصيل إنما نشاء من المتأخرين وإذا لم يثبت الاجماع فالامر واضح إذ نقول بمقتضى الدليل الاخير بوجوب تقديم الغسل في جميع ما إذا كان زمان الغسل ناقصا عن زمان الخروج سواء كان مساويا لزمان التيمم أو أنقص أو أكثر ويعمل بمقتضى الوجهين الاولين فيما سوى ذلك ونقول بتقديم التيمم فيه وأما بتسليم الاجماع و منع تمامية الدليل الاخير لما في بعض الشقوق من مجال المنع كما عرفت في أثناء تقريره ومع تماميته أيضا لا يبعد القول برجحان القلب المذكور على معارضته لما في العلم بمقتضاه من التجمد على النص والوقوف مع ظاهر الخبر مع موافقته لظاهر أقوال أكثر الاصحاب ولا يخفى عليك أن في صورة مساواة زمان الغسل لزمان الخروج أيضا لا يمكن إجراء الوجة الاخير لما ذكر في صورة النقصان بعينه لكن يمكن إجراء الوجه الاول لعدم الدليل حينئذ على وجوب الغسل إذ غاية ما يلزم مما ذكرنا أن لا يكون الغسل حراما ؟ بل يكون المجنب مخيرا بينه وبين الخروج وأما تعيينه فلا فحينئذ لا يعارض دليل وجوب التيمم بشئ فتعين العمل به فإن قلت بل لا يمكن إجراء الوجه الاول أيضا فيه إذ على تقدير التيمم يلزم إزدياد زمان الكون في المسجد جنبا على القدر الضروري إذ يمكن الغسل في بعض ذلك الزمان وهو الذي بقدر زمان الخروج وإدراك البعض الاخر منه وهو الذي بقدر زمان التيمم متطهرا فحينئذ يجب الغسل لادراك ذلك البعض فقد دل الدليل على وجوبه وسقط الوجه الاول وآل الامر إلى المعارضة كما في صورة النقصان بعينه قلت إزدياد الزمان على تقدير وجوب التيمم وعلى ذلك التقدير لا يمكن القول بوجوب الغسل لانه بمنزلة تقدير عدم وجوبه وفيه نظر لا، ذلك التقدير ليس تقديرا واقعيا بإثبات بل تقديرا تقديريا فلا استحالة في أن يكون الغسل واجبا على ذلك التقدير ويصير حاصل الدليل هكذا إذا كان التيمم واجبا في صورة مساواة زمان الغسل لزمان الخروج لزم أن يحصل كون زايد على القدر الضروري المباح وكل كون زايد على ذلك القدر يجب الغسل له للعمومات الدالة على وجوب الغسل مطلقا فيجب الغسل لذلك القدر الزايد فيثبت وجوب الغسل على ذلك التقدير ولزوم وجوبه على تقدير وجوب التيمم الذي هو بمنزلة عدم وجوبه لا يضر بالاستدلال إذ غاية ما يزلم منه استحالة عدم وجوبه وذلك غير مضر بل هو مؤيد للمطلق وبعبارة أخرى لو لم يكن الغسل واجبا في صورة مساواة زمانه لزمان الخروج لزم أن يكون التيمم واجبا للاتفاق على عدم المخرج عنهما وإذا كان التيمم واجبا يحصل كون زائد وكل كون زايد يجب له الغسل فإذا لم يكن الغسل واجبا لزم أن يكون واجبا (وهذا خلف) وبطريق آخر إذا كان التيمم في هذه الصورة واجبا لزم أن لا يكون واجبا (هذا خلف) بيان الملازمة أنه على ذلك التقدير يحصل كون زايد وكل كون زايد يجب له التيمم وجوابه أنه حينئذ يكون الكلية القايلة بأن كل كون زايد يجب له الغسل ممنوعة لان ما يجب له الغسل كون زايد يمكن له الغسل شرعا اتفاقا وهذا الكون الزايد على ذلك التقدير لا يمكن له الغسل شرعا لعدم الاذن من الشارع في الكون له نعم كل كون زايد حرام بالعمومات لكنه حينئذ يرجع حقيقة إلى المعارضة بين وجوب التيمم والادلة الدالة على التحريم عموما وقد ذكرنا في أول المسألة وقس عليه الحال فيما

[ 23 ]

إذا كان زمان الغسل أكثر من زمان الخروج لكن يكون أقل من زمان التيمم مع الخروج فتدبر هذا ثم إعلم أنه إذا كان في هاتين الصورتين وقت مشروط بالغسل كالصلوة مثلا مضيفا فالقول بتقديم الغسل حينئذ يصير أقوى إذ دلايل وجوب الغسل للصلوة أيضا يصير مقويا ومرجحا لما يعارض وجوب التيمم وأما إذا تضيق وقت الصلوة مثلا في غير هاتين الصورتين فالقول بتقديم الغسل لا يخلو عن إشكال إذ حينئذ يعارض الدلايل الدالة على وجوب الغسل للصلوة بروايتي وجوب التيمم والعمومات الدالة على حرمة الكون إلا أن يكون مرجح آخر من قبله فتأمل ثم إن الشهيد الثاني (ره) استدل على ما رجحه بأن فيه جمعا بين ما دل على الامر بالتيمم مطلقا وهو الروايتان السابقتان وبين ما دل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم ووجه تخصيصه القول بصورة المساواة والنقصان وإن كان الدليل عاما قد مر سابقا وفيما استدل به نظرا ما أولا فلمنع وجود ما يدل على اشتراط عدم الماء في جواز التيمم مطلقا إذ لم نقف في الروايات على ما يدل عليه ظاهرا وأما إيتاء التيمم ففي ظهور دلالتهما أيضا نظر وأما آية المائدة فلاحتمال تعلقه بإذا قمتم احتمالا غير مرجوح وحينئذ يكون اشتراط عدم وجدان الماء في التيمم مخصوصا بالتيمم للصلوة فلا عموم فيه وأما آية النساء فلذلك الاحتمال أيضا لامكان أن يكون المراد بالصلوة حقيقتها لا مواضعها فتكون مثل سابقتها وعلى تقدير أن يكون المراد مواضعها ويكون حكم التيمم حكما مستأنفا غير متعلق بسابقه أيضا دلالتها على عموم الاشتراط بحيث يتناول ما نحن فيه ممنوعة إذ غاية ما يدل عليه أن عدم وجدان الماء شرط في التيمم بسبب الاشياء المذكورة في الاية والاحتلام ليس داخلا فيها والاجماع على كونه بمنزلة الملامسة غير ثابت في صورة النزاع مع أنه لا يدل على عموم الاشتراط بالنسبة إلى هذه الاشياء أيضا لعدم إرادة عموم فيها والقول بلزوم تأخر البيان وخلو الكلام من الفائدة المعتد بها الغير المناسب لكلام الحكيم ليسا مما يثمر ظنا قويا بالمدعى كيف وأكثر الاحكام الواردة في القرآن مجمل محتاج إلى بيان وتفصيل قد بينه وفصله النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليه السلام) والاجماع الذي نقله بعض العلماء كالمحقق (ره) في المعتبر حيث قال شرط التيمم عدم الماء أو عدم الوصلة أو حصول مانع كالبرد والمرض أما عدم الماء فعليه إجماع أهل العلم أيضا غير ظاهر في العموم إذ يجوز أن يكون مراد الناقلين الاجماع في الافراد المتعارفة للتيمم من التيمم للصلوة ونحوه لا مطلقا أو يكون مراد المجمعين ذلك واشتبه على الناقلين منقلوه مطلقا ومثل هذا ليس ببعيد جدا ومع هذا الاحتمال لا يبقى الظن بحجية والله أعلم وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم وجود ما يدل على الاشتراط مطلقا ليس تخصيص الحكم بالتيمم به أولى من تخصيصه بذلك الحكم فلم لم يقل به أو بالتوقف والتخيير إلا أن يقال أنه إذا قال السيد لعبده هذا الشئ مشروط بكذا ثم قال له إفعل الشئ الفلاني فالظاهر أن مراده إفعل الشئ الفلاني بالشرط المعلوم أو يقال إن الغالب لما كان عدم التمكن من الغسل في المسجد بالشروط المذكورة فالمظنون إن إطلاق الحكم بالتيمم بناء على الغالب كما مر هذا ثم إن السيد الفاضل صاحب المدارك بعد نقل الاحتجاج المذكور عن جده (ره) وإيراد بعض ما أوردنا عليه قال والاظهر الاقتصار على التيمم وقوفا مع ظاهر الخبر وكما جاز أن يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغاب من تعذر الغسل في المسجدين فيجوز أن يكون لاقتضاء الغسل فيهما إزالة النجاسة فإن مورد الخبر المحتلم وهو ملازم للنجاسة وقد أطلق جماعة من الاصحاب تحريم إزالتها في المسجد وصرح بعضهم بعموم المنع وإن كانت الازالة في الكثير انتهى والظاهر أن قوله وكما جاز أن يكون (أه) مع هؤلاء القائلين بتقديم الغسل في صورة المساواة والقصور كالمصنف وجده (ره) فإن المصنف (ره) في الذكرى وجده (ره) في شرح الارشاد ذكر أنه يجوز أن يكون الامر بالتيمم مبنيا على الغالب من تعذر الغسل في المسجد ولم نعلم أنه وجه توجيه لان هذا الكلام منهما في مقام بيان وجه الاشكال في المسألة وتبيين طرفيه بإيراد احتمالات ظاهرة وكذا في مقام منع الاستدلال بالرواية وعمومها وإبداء احتمال ظاهر يقدح في ظهور العموم لا في مقام الاستدلال وهو ظاهر وحينئذ تجويز احتمال آخر في مقابلة خارج عن قانون التوجيه و على تقدير تسليم أنه في مقام الاستدلال أيضا نقول أنه لا شك أن حكمها بتقديم الغسل إنما هو بناء على القول بجواز إزالة النجاسة في المسجد وذهاب بعض الاصحاب إلى منعه لا يقدح فيه كما لا يخفى وأيضا على تقدير القول بحرمة الازالة يقيدون الحكم بصورة لا يلزم ذلك مثل أن يفرض أنه جاء سيل مثلا في النوم وأحاط به وبعد التيقظ وجد بدنه متطهرا هذا بقي في المقام شئ وهو أنه إذا تيمم المجنب المذكور أما لعدم إمكان الغسل أو مع وجوده لكن رجح وجوب التيمم وكان الغسل بعده ممكنا وكان زمانه مساويا لزمان الخروج أو أقل منه فهل يجب الغسل حينئذ لادراك القدر الزايد متطهرا في الصورة الاخيرة ويتخير بينه وبين الخروج في الصورة الاولى والذي يقتضيه النظر أن يكون الامر كذلك إذ الدليل المذكور سابقا في صورة نقصان زمان الغسل عن زمان الخروج على وجوب الغسل وبيان انتفاء الحرمة في الصورتين جاز ها هنا أيضا مع عدم معارضته لوجوب التيمم لكن الظاهر إن الحكم بوجوب الغسل بعد التيمم مع وجود الماء خارج المسجد وكذا جوازه أيضا مما لم يقل به أحد وأما مع عدم الماء ففيه تفصيل سيأتي إنشاء الله تعالى ولا يخفى أنه لو تضيق وقت الصلوة مثلا في هذه الصورة فلا ريب في أن الاولى الاتيان بالغسل إذ لا تصريح بالاجماع على عدمه في مثل هذا الموضع مع قيام الدليل على الوجوب أو التخيير ولو تضييق الوقت في غير هذه الصورة فيقع التعارض بين أدلة وجوب الغسل وأدلة تحريم الكون فينبغي النظر فيهما وهو خروج عن البحث تذنيب

[ 24 ]

قد اختلف الاصحاب في أن هذا التيمم الذي للخروج هل يبيح الصلوة ونحوها أو لا فقال بعضهم بالمنع لوجوب الخروج عقيبه بغير فصل متحريا أقرب الطرق و فصل بعضهم ومنع وجوب الخروج عقيبه بغير فصل مطلقا بل بتفصيل وهو الاقرب كما يظهر في طي التفصيل وحاصله أنه إذا تيمم المجنب المذكور في المسجدين أما لعدم الماء أو مع وجوده لكن على القول بتقديمه على الغسل فلا يخلو الحال أما أن يكون الغسل بعد ذلك التيمم ممكنا في المسجد أو لا وعلى الاول لا يكون ذلك التيمم مبيحا للصلوة ونحوها وإن كان مبيحا للكون في الجملة في بعض الصور كما سيظهر لانه حينئذ أما أن يكون الغسل خارج المسجد أيضا ممكنا أو لا وعلى التقديرين لا يتصور إباحته أما على الاول فظاهر وأما على الثاني فلان الكون للغسل أما مباح له أو لا فإن كان مباحا فقد ثبت التمكن شرعا والتمكن العقلي أيضا ثابت بالفرض فقد وجب الغسل اتفاقا فلا يكون التيمم مبيحا وإن لم يكن مباحا فلم يتمكن من الغسل شرعا حينئذ أصلا لا في خارج المسجد لعدم الماء ولا في المسجد لعدم إباحة الكون للغسل فيلزم أن يكون تيممه مبيحا للكون في المسجد مطلقا إذ مع عدم التمكن من الغسل رأسا يبيح التيمم الكون في المسجد مطلقا كما مر فيكون الكون للغسل أيضا مباحا مع فرض عدمه (هف) ولا يذهب عليك أن ما ذكرنا إنما هو بناء على القول بالتداخل في الطهارات مطلقا أما لو لم نقل به بل أما بعدمه مطلقا أو به لكن مع اشتراط نية الجمع فحينئذ نقول في الصورة الثانية ذلك التيمم لا يبيح له الكون للغسل أما مطلقا على القول بعدم التداخل مطلقا أو على تقدير أن لا ينوي الاباحة على القول باشتراط نية الجمع إذ القدر المعلوم أن ذلك التيمم للخروج في الجملة وأما أنه للاباحة مطلقا بدلا من الغسل في صورة تعذره فليس بمعلوم فلا بد حينئذ للاباحة من تيمم آخر فعلى هذا لا يخلو الحال في الصورة المفروضة أما أن يكون زمان الغسل أنقص من زمان الخروج أو مساويا أو أكثر فعلى الاول الظاهر أن يكون الغسل بعد التيمم المذكور واجبا ولا يجوز له التيمم الاخر لاباحة الكون كما ذكرنا سابقا وبينا وجهه وعلى الثاني الظاهر التخيير بين الغسل وبين الخروج وعدم جواز التيمم الاخر للاباحة لما مر أيضا ولا يتوهم أن في صورة اختيار الخروج يجب التيمم إذا كان زمانه انقص من زمان الخروج ويمكن الاتيان به خارجا لادراك القدر الزايد على زمانه متطهرا لان حال التمكن من استعمال الماء لا يجوز التيمم للاباحة و نحوها إجماعا فإن قلت التمكن من الغسل بالنسبه إلى ذلك القدر غير متحقق وهو ظاهر فينبغي أن يكون التيمم له جائزا قلت لا يكفي في جواز التيمم مع عدم إمكان الغسل بالنسبة إلى قدر من الكون إلا يرى أن الجنب إذا كان على باب المسجد وكان الماء موجودا على قدر خمسين ذراعا مثلا ولم يكن به مانع من الاستعمال لم يجز له حينئذ التيمم لاباحة الكون مع أن الكون بقدر الذهاب إلى الماء لا يمكن الغسل له بل لا بد من عدم إمكان الغسل له وللكون القريب منه بحسب ما قدر في الشرع وعلى الثالث والظاهر عدم جواز الغسل بدون التيمم للاباحة فحينئذ أما أن يمكن التيمم الاخر في المسجد أولا وعلى الثاني لا بد من الخروج ليتيمم ثم يدخل إن شاء وعلى الاول أما أن يكون زمانه أنقص من زمان الخروج أو مساويا أو أكثر وعلى الاول الظاهر وجوب التيمم لاباحة الكون ثم الغسل إنشاء أو الخروج ووجهه ظاهر مما مر ولا يخفى ورود نظير الشبهة المذكورة سابقا ها هنا أيضا وعلى الثاني التخيير بينه وبين الخروج ثم الغسل أو الخروج وورود الشبهة ها هنا أيضا مثل سابقه وعلى الثالث يجب الخروج ثم التيمم للدخول إنشاء هذا وعلى الثاني أي على تقدير أن لا يكون الغسل بعد التيمم ممكنا في المسجد فحينئذ أما أن يكون الغسل ممكنا خارج المسجد أو لا وعلى الاول لا يكون ذلك التيمم مبيحا للصلوة ونحوها بل يجب الخروج بعده إلا مع ضيق الوقت على ما بين في موضعه ولا حاجة إلى تيمم آخر لاباحة الكون وإن كان يمكن خارجا وكان زمانه انقص من زمان الخروج ولم نقل بالتداخل أيضا للاجماع وعلى الثاني ففيه التفصيل المذكور من القول بالتداخل أو عدمه وعلى الاول عدم الاحتياج إلى تيمم اخر للكون والصلوة وغيرهما وعلى الثاني ففيه جريان الاحتمالات الثلاثة وحكم كل منهما على ما بين انفا فتدبر (ويجب الخروج بأقرب الطرق للمتيمم) هذا الحكم على إطلاقه ليس بصحيح ظاهرا لعدم الظفر بدليل عليه بل فيه تفصيل قد علم في تضاعيف الباحث السابقة وكان قول الاصحاب رضوان الله عليهم أيضا بالاطلاق محمول عليه جمعا بين قولهم هذا وقولهم بإباحة التيمم لدخول المسجدين سوى ما نقل عن فخر المحققين (ره) وضابطه وجوب الخروج بعد التيمم بناء على التفصيل المذكور أن لا يكون ذلك التيمم مبيحا للكون ولا يمكن الاتيان بطهارة مبيحة بعده بقدر زمان الخروج أو أنقص منه ويجب الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه) من العهد واليمين وعد التحمل عن الغير والاستيجار له أيضا من جملته ووجوب الطهارات في الجملة بالنذر والعهد واليمين كأنه إجماعي ويدل عليه أيضا عموم قوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذي آمنوا أوفوا بالعقود وعموم بعض الروايات أيضا مثل ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب النذر عن أبي بصير عن احدهما (عليهما السلام) قال من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر الله طاعة فحنث فعليه صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ويؤيد قوله (تعالى ؟) أيضا في سورة الحج وليوافوا نذورهم وفي سورة الانسان يوفون بالنذر وأما وجوبها بالمتحمل عن الغير والاستيجار له فبناء على جوازهما في مثل هذه المواضع وسيجئ إنشاء الله تعالى في موضعه والمراد منهما أن يكون مثلا طهارة واجبة على أحد بنذر أو شبهة مثلا ثم مات قبل الاتيان بها فتحمل منه الولي واستؤجر له وأما وجوب الطهارة بسبب تحمل الصلوة أو نحوها من الاب أو استيجارها لميت فليس من هذا الباب بل هو داخل في الوجوب للصلوة وغيرها المتقدم ثم أن نذر الطهارة يحتمل وجهين الاول أن ينذر طبيعة الطهارة دون إفرادها وحينئذ يمتثل بالاتيان بكل ما يصدق عليه اسم الطهارة والظاهر أن لا حقيقة

[ 25 ]

لها في العرف وأما الشرع فصدقها على الوضوء والغسل في الجملة فمما لا ريب فيه وكذا على التيمم أيضا لما تقدم وأما صدقها على المبيح أو الرافع من الثلاثة أو الاعم منهما بحيث يشمل وضوء الحايض مثلا ففيه خفاء وكأنه لا فائدة يعتد بها في تحقيقه والثاني أن ينذر خصوص أفرادها وحينئذ الظاهر الامتثال بكل ما يصدق عليه هذه الثلاثة وإن لا يعتبر فيه الاباحة أو الرفع حتى أن وضوء الحايض أيضا مما يمتثل به لقضية اللفظ إلا أن يقيد بخصوصيته فحينئذ يجب ذلك الخاص واعلم أنه لا ريب في الصورتين في أنه لا بد أن يكون متعلق النذر من الطهارات التي وضعها الشارع وأمر بها إيجابا أو استحبابا إن قلنا بجواز تعلق النذر وشبهه بالواجبات وإلا فاستحبابا فقط سواء قلنا بلزوم رجحان متعلق النذر أو لا إذ العبادة بدون إذن الشارع مما لا يستباح أصلا بالاجماع كما هو الظاهر وأما الطهارة التي لم يأمر بها الشارع كالوضوء مع غسل الجنابة مثلا على المشهور أو غسل الجمعة في يوم الاربعاء أو تجديد الوضوء ثانيا بدون تخلل الصلوة على القول بعدم مشروعيته أو التيمم مع وجود الماء أو نحو ذلك فلا ينعقد نذرها ولم يتعلق وجوب بالذمة بسببه ثم أن النذر أما أن يكون مطلقا غير مقيد بوقت من الاوقات أو لا فعلى الاول وقته العمر ويتضيق بتضيق الوفات ويجب الاتيان به حسب ما نذر في أي وقت كان من الاوقات العمر مع رعاية الشرايط المعتبرة في الشرع وعلى الثاني فوقته ما عينه في النذر فإن اتفق أن يكون هذا الوقت مما يصلح لايقاع المنذور فيه شرعا فيجب الاتيان به مثل ما لو نذر أن يتوضأ في وقت الضحى مثلا وكان في ذلك الوقت محدثا متمكنا من استعمال الماء أو نذر أن يغتسل بعد يومين مثلا فاتفق أن يكون ذلك اليوم يوم جمعة أو عيدا أو نحو ذلك مع التمكن من استعمال الماء أيضا أو نذر أن يتيمم في وقت فصادف ذلك الوقت محدثا غير قادر على استعمال الماء وأمثال ذلك وإن لم يتفق ذلك كما لو نذر أن يتوضأ وقت الظهر مثلا فصادف ذلك الوقت متطهرا ولم نقل بشرعية التجديد قبل تخلل الصلوة أو نقول بها لكن فرض النذر مقيدا بكونه وضوء رافعا ولم نقل برفع التجديد أو نذر أن يغتسل في وقت كذا ولم يكن ذلك الوقت وقتا لغسل واجب أو مندوب أو نذر أن يتيمم في وقت فصادفه واجدا للماء ونحو ذلك فحينئذ لا يخلو أما أن يتمكن من الاتيان بفعل يصير سببا لصلاحية الوقت لايقاع المنذور فيه شرعا كالتمكن من الحدث في الصورة الاولى والجنابة في الثانية وإهراق الماء في الثالثة أو لا يتمكن وعلى الثاني لا إشكال في عدم الوجوب لعدم القدرة على الاتيان بالطهارة على الوجه المعتبر في الشرع وأما على الاول فقد حكم جماعة من الاصحاب رحمهم الله كالعلامة والشهيد الثاني (ره) وغيرهما بعدم الوجوب أيضا واستدل عليه الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد بأن تحصيل شرط الواجب المشروط ليس بواجب وفيه نظر لان الوجوب المشروط الذي كان بأصل الشرع صار بسبب النذر مطلقا لان المفروض أنه نذر الطهارة في وقت كذا ولم يقيده بأنه إذا كان محدثا والعمومات دالة على وجوب الوفاء بالنذر مطلقا من غير اشتراط فيلزم أن يتطهر في ذلك الوقت من غير توقف وجوبه على شئ غايته أنه لما كانت الطهارة التي يتعلق بها النذر يجب أن يكون متلقاة من الشارع والطهارة المتلقاة من الشارع إنما يكون بعد الحدث فيجب عليه الطهارة بعد الحدث لا الطهارة بشرط الحدث وهو ظاهر والطهارة بعد الحدث موقوفة على الحدث توقفا عقليا فلا بد من الحدث ليمكن الاتيان بالواجب المطلق نعم إذا كان قرينة في اللفظ أو كان في نيته أنه إذا حصل شرائطها الشرعية تطهر لكان الامر حينئذ كما ذكر لكن يختلج بالبال أن وقت حصول الطهارة الشرعية وعدم مطلوبية طهارة أخرى من الشارع الاتيان بالحدث ليتطهر كأنه أمر لغو عبث لا رجحان له في نظر الشارع وكذا الحال في إتلاف الماء ليتيمم بشرط أن لا يكون متضمنا لمفسدة أخرى من الاسراف ونحوه وإلا لكان حراما بل هذا الغى من سابقه لانه فرار من الراجح الذي هو الطهارة المائية إلى المرجوح الذي هو الطهارة الترابية والاول فرار من الشئ إلى مسألة نعم يمكن أن يفرض في الصورة الاخيرة فايدة ما في بعض الاحوال كما إذا علم أحد من نفسه أنه لا يتطهر بالماء في ذلك الوقت البته لكسل أو نحوه ففي اتلافه بطريق شرعي مصلحة ما من حصول الطهارة الترابية وعلى هذا نقول ينبغي بناء المسألة على أن ما ذكره القوم أن متعلق النذر يجب أن يكون راجحا هل المراد به أنه لا بد من رجحانه أما في نفسه بدون أن يكون لنا مدخل في رجحانه أصلا أو مع مدخليتنا أيضا لكن بشرط أن لا يكون ما نأتي به لتحصيل رجحانه مرجوحا أو عبأ ؟ والمراد رجحانه مطلقا أعم من أن يكون في نفسه أو بمدخليتنا بالشرط المذكور أو لا فعلى الاول لا يجب الطهارة حينئذ وعلى الثاني يجب فإن قام دليل على أحدهما فالعمل عليه وإلا لكان مما يشك في دخوله تحت إفراد الواجب إذ العمومات التي في باب النذر ليست مما يبقى الظن بشمولها لهذه الصورة بعد الظن أو العلم بأنه مخصص بما إذا كان مطلوبا في نظر الشارع راجحا عنده فيبتني الكلام على وجوب الاتيان بالافراد المشكوكة في التكليف اليقيني وعدمه وأمر الاحتياط واضح هذا وقس عليه الحال فيما إذا لم يأت بالنذر في الصورة الاولى أي التي لم يقيد بوقت حتى تضيق الوقت بظن الوفاة ثم أن المفهوم ظاهرا من كلام الشهيد الثاني (ره) في شرحه للرسالة أن الوضوء المتحمل عن الغير والاستيجار له لا يشترط بالحدث ولم يظهر له مستند ففيه إشكال إذ يمكن أن يقال بوجوبه على المتحمل والاجير بعنوان وجوبه على الميت إن ابتدائيا فابتدائي بعد الحدث وأن تجديديا

[ 26 ]

فتجديدي مقتضى الاحتياط في الابتدائي أن يؤتى به بعد الحدث خصوصا مع عموم موثقة ابن بكير المتقدمة وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت والله أعلم بحقايق الامور (ولا يجب شئ منها وجوبا مطلقا في الاصح) أي لا يجب شئ من الوضوء والغسل والتيمم وجوبا مطلقا بدون أن يكون وجوبه الغاية من الغايات المذكورة أو بسبب نذر من المكلف أو شبهة بل في نفسه بأصل الشرع أعلم إن كلام قدمائنا رضوان الله عليهم كما نقل خال عن التعرض لان وجوب الطهارات هل هو في نفسها أو لغيرها وإنما طال التشاجر والتنازع بين المتأخرين رحمهم الله في خصوص غسل الجنابة هل هو واجب لنفسه أو لغيره فإبن إدريس والمحقق رحمهما الله وجماعة على الثاني والراوندي والعلامة ووالده رحمهم الله وجماعة على الاول ويفهم من كلام المصنف (ره) في الذكرى وقوع الخلاف في غير غسل الجنابة أيضا من الطهارات حيث قال وربما قيل بطرد الخلاف في كل الطهارات لان الحكمة ظاهرة في شرعيتها مستقلة انتهى لكنه لم يشتهر كالاول فلا بد أولا من تحرير محل النزاع وما يتعلق به عموما ثم الكلام في أدلة الطرفين في خصوص كل من الطهارات فنقول القائلون بوجوبه في نفسه مرادهم أنه إذا وقع حدث من المكلف من الاحداث التي سيأتي ذكرها إنشاء الله تعالى فيجب بعد ذلك الحدث الطهارة التي ذلك الحدث سبب لها ولا يتوقف وجوبها على دخول وقت وجوب العبادة التي مشروطة بها ولا على الظن بأنها سيجب والقائلون بوجوبها لغيرها يقولون أن بعد الحدث لا يجب الطهارة بل يجب بعد وجوب مشروطها ولعل مرادهم أنها يجب بعد وجوب مشروطها إذا كان المشروط موسعا يفضل وقته منه كالصلوة وأما إذا كان مضيقا كالصوم فإنما يجب عند تضيق دخول وقته بقدر فعلها وإنما اكتفوا بالاول لكثرته وندور الثاني معتمدا على ما ذكروه في وجوب الغسل للصوم فلا يرد ما أورد عليهم من أنه مناف للقول بوجوب الغسل للصوم قبل وقته والظاهر أن معنى الوجوب بالغير الذي إدعوه ليس هذا بعينه بل هذا لازم من لوازمه باعتقادهم فلذا قد يفسرونه به وإنما معناه أن الغرض من وجوب الطهارة إنما هو مشروطها من الصلوة ونحوها ولم يتعلق بها غرض في نفسها بل إنما شرع لتحصيل صحته فقط لكنهم اعتقدوا أن هذا المعنى يستلزم أن يكون وجوبها بعد وجوب مشروطها أو عنده مضيقا ولا يخفى ما فيه إذ الاستلزام ممنوع لان غاية ما يلزم ذلك المعنى أن لا يجب الطهارة عند العلم أو الظن بأن ما هو مقصودها والغرض منها لم يمكن الاتيان به ولم يصر واجبا في وقته وأما إذا علم أو ظن أنه سيصير واجبا ويمكن الاتيان به فلا مانع من القول بوجوبها لذلك الغرض وإن لم يجب بعد لكن وجوبا موسعا بتضيق الغرض وقد يدعون أيضا لازما آخر لهذا المعنى وهو تضيقها بتضيق الغرض والظاهر أنه كما يدعون وإذا عرفت هذا فاعلم أنهم ذكروا في ثمرة النزاع أن المكلف إذا خلت ذمته بعد وقوع الحدث من واجب مشروط بالطهارة فهل يوقعها إذا أراد إيقاعها بنية الوجوب أو الندب فعلى الاول بالاول وعلى الثاني بالثاني مع اتفاق الفريقين ظاهرا على شرعية الايقاع وبما قررنا ظهر ما فيه لما علمت من عدم استلزام الوجوب بالغير بالمعنى الذي سبق لعدم وجوب الطهارة قبل وقت وجوب المشروط بها نعم إذا خلت ذمته ولم يظن بشغلها بعده أو دل دليل على حدة على ما يدعونه لازما للوجوب بالغير لكان الامر كما ذكروه وسيجئ إنشاء الله تعالى ما يصلح لان يكون دليلا عليه وبهذا ظهر أن ما ذكره صاحب المدارك (ره) في بحث وجوب الغسل للصوم ومقتضى العبارة أن المكلف إذا أراد تقديمه وكانت ذمته بريئة من مشروط بالطهارة قوى الندب إن اعتبرنا الوجه وهو كذلك بناء على القول بأن وجوبه لغيره ورجح بعض مشايخنا المعاصرين جواز إيقاعه بنية الوجوب من أول الليل وإن قلنا بوجوبه لغيره وكأنه أراد به الوجوب الشرطي وإلا فالوجوب بالمعنى المصطلح منتف على هذا التقدير قطعا انتهى منظور فيه وحال من ظن قبل وقت وجوب المشروط أنه سيجب لكن لم يكن غرضه من الاتيان بالطهارة إيقاع ذلك المشروط في وقته على القول بالوجوب بالغير في جواز إيقاعه إياها بنية الوجوب كحال من يوقعها بعد الوقت لا لذلك الغرض فقس عليه ولا يذهب عليك أن الظاهر أن النزاع في أن الطهارت هل هي واجبة في نفسها أيضا أم لا بل ينحصر وجوبها في الوجوب بالغير بعد الاتفاق على الوجوب بالغير في الجملة كما أشرنا إليه أيضا سابقا لان القائلين بالوجود لنفسها أيضا يذكرون في كتبهم إن الوضوء يجب لكذا وكذا والغسل يجب لكذا وكذا وهو ظاهر في الوجوب بالغير خصوصا في الوضوء لوجود روايات كثيرة دالة على وجوبه للغير كما أوردناها في مفتح الكتاب فيبعد القول مع ذلك بعدم وجوبه للغير رأسا وبهذا اندفع ما يورد على ما جعلوه ثمرة النزاع من أن الوجوب بالغير لا ينافي إيقاع الطهارة قبل وقت وجوب مشروطها بنية الوجوب لجواز أن يكون واجبة في نفسها أيضا ومما يعد من ثمرات النزاع أيضا أنه إذا ظن المكلف بعد الحدث بالوفاة قبل أن يدخل وقت المشروط بالطهارة فعلى القول الاول يجب الطهارة وعلى الثاني لا يجب وهو كذلك سواء قلنا باستلزام الوجوب بالغير المعنى الذي ادعوه من عدم وجوبها ما لم يجب المشروط أو لا وكذا الحال فيما إذا ظن الوفاة بعد دخول الوقت لكن بقدر الطهارة لا بقدر الصلوة مثلا أيضا نعم لو قال أحد باللازم فقط دون الملزوم للزم على قوله أيضا وجوب الطهارة في هذه الصورة كما على القول بوجوبها لنفسها لكن الظاهر أنه لم يقل به أحد هذا إذا جعل اللازم عدم وجوبه ما لم يدخل الوقت وأما إذ جعل اللازم عدم وجوبه ما لم يجب الصلوة أفعلى القول به فقط ايضا الظاهر أنه لا يجب الوضوح لعدم وجوب الصلوة فافهم ولا يخفى أن

[ 27 ]

تضيق الطهارة بتضيق مشروطها كما يقول به القائلون بالوجوب الغيري يجب أن يقول به القائلون بالوجوب النفسي أيضا لما ذكرنا عن قولهم بالوجوب الغيري أيضا ظاهرا لكن من جهة الوجوب الغيري وإن لم يجب أن يقولوا بتضيقها من جهة الوجوب النفسي وتظهر الفائدة فيما إذا خرج وقت الصلوة مثلا ولم يتطهر ولم يصل فعلى عدم تضيق الطهارة وبقاء وجوبها النفسي يجب الاتيان بها بعد خروج الوقت ويرجع الامر إلى حال بعد الحدث وقبل دخول الوقت بالنسبة إلى الصلوة المستقبلة هذا وإذا قد حرر محل النزاع وما يتعلق به فلنشرع الان في بيان أدلة الطرفين ونبدء بالوضوء فنقول أما الاستدلال على وجوبه لغيره في الجملة فلا نحتاج إلى التعرض له إذ قد مر مستقصى في صدر الكتاب وإنما الحاجة ها هنا إلى الاستدلال على وجوبه لغيره فقط وعدم وجوبه في نفسه كما هو المراد ها هنا ظاهرا فمما يمكن أن يستدل عليه قوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية والاستدلال به من وجهين الاول أن المفهوم من الاية عرفا إن الوضوء لاجل الصلوة كما يقال إذا لقيت العدو فخذ سلاحك أي لاجل العدو فيكون الغرض منه الصلوة فلا يكون واجبا لنفسه ويرد عليه أن غاية ما يدل عليه الاية الشريفة أن الصلوة غرض من الوضوء في الجملة إلا أنها غرض تام لا يقال كونها جزء للغرض أيضا كاف في غرضنا هذا انتفاء الجزء مستلزم لانتفاء الكل فعند انتفاء الصلوة ينتفي الغرض وبانتفائه ينتفى الوضوء لان المراد من كونها غرضا في الجملة ليس أنها جزء الغرض بل أن لها غرضية ناقصة مع جواز أن يكون للوضوء غرض تام آخر أما نفسه أو شئ آخر يتحقق معه دائما واجتماع العلل التامة الشرعية جايز فكيف بالتام والناقص وقد مر هذا الاحتمال في صدر الكتاب مع الحكم ببعده ومع تسليم أن المفهوم من الاية كونها غرضا تاما فلا نسلم انفهام حصر الغرض فيها أصلا وعلى تقدير تسليم فهم حصر الغرض فيها في الجملة إنما يسلم فهم حصر الغرض من هذا الامر فيها لا مطلقا ومما يحقق ما ذكرنا أنه إذا قال السيد لعبده إذا لقيت اللص فخذ سلاحك وإذا لقيت الاسد فخذ سلاحك وإذا لقيت الذئب فخذ سلاحك فلا يريب من له ادنى معرفة بالعرف مع وجدان صحيح في أن ليس بين ظواهر هذه الاوامر توهم منافاة أو شائبة معارضة فلو لا صحة ما ذكرنا من المنوع كلا أو بعضها لما كان كذلك وعلى تقدير تسليم فهم حصر الغرض مطلقا فمعارض بما سنذكره من أدلة الطرف الاخر فينبغي النظر في الترجيح ولا يخفى جريان مثل هذا الوجه في بعض الروايات المتقدمة في صدر الكتاب أيضا والجواب الجواب والثاني أن إذا من أداة الشرط ويفهم منها عدم المشروط عند عدم الشرط فحينئذ نقول أن معنى الاية الكريمة إذا أردتم القيام فاغتسلوا للصلوة ويفهم منها بمقتضى الشرط عدم وجوب الغسل والمسح عند عدم إرادة الصلوة ورد عليه أما أولا فبالمنع من حجية مفهوم الشرط وفيه شئ وعلى تقدير حجيته إنما هو حجته فيما إذا لم يظهر للشرط فائدة أخرى سوى مفهومه لئلا يكون عبثا غير جايز في كلام الحكيم والفائدة فيما نحن فيه ظاهرة أما بيان أن الصلوة غرض للوضوء ناقصا وتاما على مأمر آنفا أو بيان اشتراطها بالوضوء أما بأن يقال أنه يفهم الاشتراط من نفس الكلام أو يقال أنه يفهم منه وجوب الوضوء (قبل الصلوة فيكون الاتيان بالصلوة بدون الوضوء حراما لانه ضد المأمور به وضد المأمور به حرام والنهي في العبادة مستلزم للفساد فيمكن الصلوة بدون الوضوء فاسدا فقد ثبت الاشتراط أو باعتبار أنه يفهم منه وجوب الوضوء) الكائن قبل الصلوة وعند الاتيان بالصلوة بدون الوضوء يلزم ترك ذلك الوضوء وملزوم الحرام حرام فبكون الصلوة حراما فيكون فاسدا لما مر فقد ثبت الاشتراط أيضا وقد مر الكلام في هذين الاستدلالين في صدر الكتاب وعلى تقدير عدم ظهور فائدة أخرى نقول أن مفهوم الشرط ها هنا عدم هذا الامر الخاص بالوضوء عند عدم الشرط لا الامر به مطلقا على ما يستفاد من كلام بعض المحققين ظاهرا وعلى تقدير التسليم أيضا عموم مفهوم الشرط ممنوع وما يقال أنه على تقدير الاهمال يخلو الكلام عن الفائدة ممنوع إذ فائدة المنطوق كافية مع أنك قد عرفت أن أكثر أحكام الكتاب مجمل يحتاج إلى بيان أهل الذكر (عليهم السلام) لكن لا يخفى أن منع عموم المفهوم إنما هو لاجل أن يحمل عدم وجوب الوضوء عند عدم الارادة على بعض أوقات عدم الارادة ولا يمكن أن يكون ذلك البعض في داخل الوقت للاجماع بل في خارجه وحينئذ يثبت المطلوب بالتمسك بالاجماع المركب كما سيجئ فلا يجدي ذلك المنع فإن قلت بل يجدي إذ يحمل على بعض أوقات خارج الوقت الذي لا يكون حدث فحينئذ لم يثبت المطلوب قلت حينئذ لم يبق للشرط فائدة إذ ليس فرق بين حال إرادة الصلوة وبين عدمها في ذلك المعنى إذ حال الارادة أيضا إذا لم يكن حدث لم يجب الوضوء والمثال المذكور سابقا أيضا مما يحقق هذه الممنوع كلا أو بعضا وأما ثانيا فلانه غير دال على المراد من عدم وجوب الوضوء قبل الوقت إذ لا قرينة على إرادة المتصلة والارادة الغير المتصلة بتحقق قبل الوقت أيضا فلم يثبت عدم وجوب الوضوء خارج الوقت مطلقا ويمكن أن يقال قد استفيد من الاية عدم وجوب الوضوء عند عدم إرادة الصلوة مطلقا بناء على تسليم عموم المفهوم فيشمل جميع أوقات عدم الارادة سواء كان داخل الوقت أو خارجه بعد الحدث أو قبله خرج داخل الوقت بالاجماع وبقي الباقي فثبت عدم وجوب الوضوء في بعض أوقات خارج الوقت وبعد الحدث فيلزم أن لا يجب في جميعه أيضا وإلا لزم خرق الاجماع المركب لان القائلين بالوجوب النفسي أيضا لا يقولون بوجوب الوضوء في بعض أوقات خارج الوقت وبعد الحدث فثبت المطلوب وسيجئ قلب هذا الدليل عليهم في حجج الطرف الاخر ويمكن أن يدفع هذا الايراد أيضا بأنه لا يلزم علينا أن نحمل الاية على معنى إذا أردتم القيام حتى يرد ما ذكرتم بل نحملها على معناها الظاهر من أنه إذا تهيأتم واستعددتم لاتيان

[ 28 ]

الصلوة بحيث لم يبق فصل بينكم وبينها فتوضؤا ولا يخفى ظهور الاية في هذا المعنى وإنكاره مكابرة وحينئذ يقول لا يتحقق القيام بهذا المعنى خارج الوقت فاندفع الايراد لا يقال حمل الاية على القيام الذي لا فصل بينه وبين الصلوة أصلا ممتنع وإلا يلزم أن يكون التكليف بالوضوء بعده تكليفا بما لا يطاق فلا بد من حمله على قيام يتحقق بينه وبين الصلوة فصل ما لا أقل بقدر الوضوء وحيئذ يعود الايراد إذ يجوز تحقق هذا القيام قبل دخول الوقت بمقدار الوضوء ويحتاج إلى تركيب الاجماع المركب مع الدليل ليتم إذ يمكن أن يقال أنه إذا وقت السيد لعبده وقتا لفعل ثم قال إذا قمت لهذا الفعل فافعل كذا فالظاهر منه أن المراد القيام الذي يمكن الاتيان بذلك الفعل عقيبه بلا قصد ويريد العبد إيقاعه بعده إرادة تامة لو لا ذلك الامر الاخر ولا شك أن ذلك القيام لا يمكن إلا داخل الوقت الموقت ولا محذور حينئذ أصلا إذ ليس المراد قياما يجب اتصاله بالصلوة حتى يكون تكليفا بما لا يطاق بل قياما يمكن اتصاله بالصلوة وقد مر مثل هذا سابقا فتأمل وقد يستدل أيضا على الوجوب بالغير بصحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة ويورد عليه أما أولا فبالمنع من حجية المفهوم وهو ضعيف وعلى تقدير حجيته إنما يكون فيما لم تظهر للكلام فائدة أخرى سوى ذلك وفيما نحن فيه ليس كذلك إذ يمكن أن يكون الفائدة فيه الاشعار باشتراط الصلوة بالوضوء بالوجهين المذكورين سابقا وأما منع عموم المفهوم فحاله إنما يستنبط من حاله في الدليل السابق فقس عليه وأما ثانيا فيجوز أن يكون المراد وجوب الوضوء والصلوة معا فعند عدم دخول الوقت يلزم عدم وجوب المجموع وهو كذلك إذ الصلوة قبل الدخول ليست بواجبة فلا يكون المجموع واجبا ولا يخلو عن بعد سواء كان المراد وجوب المجموع من حيث المجموع أو وجوب كل واحد يعني أن عند دخول الوقت يجب كل واحد من الطهور والصلوة أي يصدق هذه الكلية بخلاف قبل الدخول إذ لا يصدق الكلية لعدم وجوب الصلوة وقد يعترض أيضا بجواز أن يكون المراد بوجوب الطهور وجوبه الغيري وهو أيضا خلاف الظاهر كما لا يخفى ولا يذهب عليك أن هذا الاستدلال على تقدير تمامه إنما يدل على ما يدعونه لازما للوجوب الغيرى أعني عدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت فلو كان المراد منه الاستدلال على الوجوب الغيري فلا يكاد يتم إذ بمجرد ثبوت اللازم لا يثبت الملزوم إلا إذا ثبت المساواة بينهما والمساواة فيما نحن فيه ممنوع إذ يجوز أن لا يجب الوضوء إلا بعد دخول الوقت ولم يكن الغرض منه الصلوة بل يكون الغرض منه شيئا آخر وهو ظاهر وتظهر الفائدة في الغرض المذكور من بقاء المكلف بعد دخول الوقت بمقدار الوضوء فقط إذ على الاول يجب الوضوء وعلى الثاني لا يجب وكذا في التضيق إذ على الثاني يجب تضيقه بتضيق وقت الصلوة وعلى الاول لا يجب فلو أريد اتمام الاستدلال على الوجوب الغيري فأما أن يقال إن عدم وجوب الوضوء إلا بعد دخول وقت الصلوة قرينة على أن وجوبه لها وهو ضعيف وأما أن يتمسك بالاجماع المركب إذ كل من قال بوجوبه بعد دخول الوقت يقول بالوجوب الغيرى هذا وأما حجة القول بالوجوب النفسي فالاية الكريمة المتقدمة أيضا لانها بإطلاقها دالة على وجوب الوضوء كلما تحققت الارادة ولان ؟ في تحققها قبل دخول الوقت أيضا فيكون الوضوء قبل دخول الوقت واجبا إذ قد ثبت وجوبه قبل دخول الوقت في الجملة فقد ثبت في جميع أوقات قبل الدخول بعد الحدث وإلا يلزم خرق الاجماع فقد ثبت الوجوب النفسي وهذا القلب الذي وعدناك وهو راجح على مقلوبه لان هذا استدلال بعموم المنطوق وذاك بعموم المفهوم وهو مع ضعفه يستلزم ها هنا التخصيص في عموم المنطوق ولا شك أن عموم مفهوم كلام إذا عارض عموم منطوقه لا عبرة به ويرد عليه أنه لا نسلم أن المراد من الاية الشريفة إذا أردتم القيام حتى يتم ما ذكرتم بل المعنى الذي تقدم وهو لا يتحقق قبل الدخول وأيضا العموم ممنوع وما يقال أن الاهمال يخرج الكلام عن الفائدة غير ممنوع وقد مر غير مرة ومع تسليمه مخصص بالرواية المتقدمة وفيه ضعف إذ تخصيص منطوق الكتاب بمفهوم الخبر مشكل في صورة العموم المطلق فكيف بالعموم من وجه كما فيما نحن فيه وقد يستدل عليه أيضا بما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب الاحداث الموجبة للطهارة عن عبد الله بن المغيرة و محمد بن عبد الله قالا سئلنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته فقال إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء وجه الاستدلال أنه علق وجوب الوضوء بذهاب النوم فقط فالظاهر وجوبه عنده بدون اشتراطه بأمر آخر وبما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء يوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة قد ينام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن والقلب فقد وجب الوضوء ووجه الاستدلال ما مر وبما رواه أيضا في هذا الباب عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السلام) في آخر حديث إذا خفى عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه وبما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث أن عليا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النوم فإنما وجب عليه الوضوء إلى غير ذلك من الروايات المفيدة لوجوب الوضوء بالحدث من غير أن يشترط فيها بشئ آخر وهي كثيرة وفيما ذكرناه كفاية ويرد على الجميع أن مثل هذه الاطلاقات جامع فيما إذا علم الاشتراط كالاطلاقات الورادة في وجوب غسل الثياب والاناء وغير ذلك مع كونها مشروطة بالاتفاق

[ 29 ]

وها هنا أيضا لما كان اشتراط وجوب الوضوء بالصلوة أمرا معلوما شايعا فلذا أطلق تلك الرواية ولم يقيد بالصلوة لعدم الاحتياج إليه وفيه أنه وإن كان الامر كما ذكر فيما علم الاشتراط لكن علم معلومية الاشتراط وتعارفه فيما بينهم فيما نحن بصدده إذ مجرد الاحتمال لا يكفي ها هنا وإن كان المقام مقام المنع إذ الاستدلال بظواهر الاطلاقات والعمومات لا يقدحه احتمال التقييد والتخصيص وإلا تبطل أكثر الاستدلالات بالظواهر والدلايل المتقدمة لا يتم كما عرفت فينبغي حمل الروايات على ظواهرها حتى يظهر خلافها هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على الطرفين وليس في شئ منها ما تسكن النفس وتطمئن إليه لكن أصالة برائة الذمة من الوجوب قبل دخول الوقت والشهرة بين الاصحاب فإن المتقدمين وإن لم يتعرضوا لذلك المعنى صريحا لكن بعض كلماتهم يشعر بذلك حيث يذكرون أن الوضوء يجب لكذا وكذا ولم يذكروا وجوبه في نفسه أصلا والمتأخرين الذي تعرضوا لهذا المعنى أكثرهم قايلون بالوجوب الغيري والقول بالوجوب النفسي ليس له قايل معلوم سوى ما نقل المصنف (ره) في الذكرى مجهولا إنما يقوى طرف الوجوب الغيري وأمر ظواهر الروايات سهل لان الاطلاق في مثل هذا المقام لا يثمر ظنا بعدم الاشتراط كما يظهر عند الرجوع إلى الوجدان وتتبع الروايات ولا يخفى عليك أن ما ذكروه في ثمر النزاع من أمر نية الوجوب أو الندب فأمره سهل إذ الظاهر كما سيجئ إنشاء الله تعالى عدم الاحتياج إلى تعرض وجه الوجوب والندب في النية مع أنك قد عرفت أنه على تقدير الوجوب بالغير أيضا لا يبعد صحة نية الوجوب قبل دخول الوقت إلا أن يثبت ما هو لازمه باعتقادهم من عدم الوجوب قبل وجوب غايته وأمر الاحتياط في الفائدة الاخرى واضح إذ عند ظن يتضيق الوفاء بدون شغل الذمة بغايته ينبغي أن يؤتى به حتى يخرج عن عهدة الخلاف هذا ثم أن المفهوم من كلام الاصحاب ها هنا أن الوضوء الذي يجب بعد دخول الوقت على القول بالوجوب بالغير إذا فعل قبل الدخول يكون ندبا ولم ينصوا على أن هذه الوضوء المندوب وخارج عن الاقسام التي يذكرونها للوضوء المستحب كما سيجئ بعد هذا أو داخل وعلى الاول ما الدليل على استحبابه وعلى الثاني دخوله في تحت أي قسم من الاقسام المذكورة وسيجئ لهذا زيادة بسط في بيان إباحة الوضوء المندوب للصلوة إنشاء الله تعالى ولنذكر الان أدلة الجانبين في الغسل ونخص الكلام ابتداء بغسل الجنابة لشهرة الخلاف فيه حجة القائلين بالوجوب لغيره أمور منها قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا والاستدلال به ومن وجوه الاول إن المفهوم منه عرفا أن الغسل للصلوة كما في قولك إذا أردت الامير فالبس ثيابك فيكون الغرض منه الصلوة فلا يكون واجبا لنفسه ويرد عليه مع ما تقدم في نظيره من الاستدلال على وجوب الوضوء للغير أن عطف وإن كنتم على فاغسلوا ممنوع إذ يجوز أن يكون معطوفا على جملة إذا قمتم فإن قيل العطف بأن دون إذا يأباه قلنا يمكن أن يكون في العطف بأن دون إذا استعار المبالغة في أمر الصلوة والتأكيد فيها حيث أتى في القيام بها بكلمة إذا الدالة على تيقن الوقوع يعني أنه أمر متيقن الوقوع البتة وليس مما يجوز العقل عدمه وفي الجنابة بكلمة أن الموضوعة للشك مع تحقق وقوعها وتيقنها تنبيها على أنها في جنب القيام كأنه أمر مشكوك الوقوع والثاني أن المفهوم من الشرط عدم الوجوب عند عدم القيام إلى الصلوة ويرد عليه أيضا مع ما تقدم في نظيره الاراد المذكورة آنفا الثالث أن عطفه على الوضوء يقتضي وجوبه لغيره كالوضوء لوجوب تشريك المتعاطفين في الحكم ويرد عليه أنه إن كان المراد من عطفه على جملة فاغسلوا فقد عرفت ما فيه وإن كان المراد عطفه على جملة إذا قمتم فلا يتمشى الاستدلال إذ ليس لهذه الجملة حكم الوجوب بالغير حتى يلزم ثبوته للمعطوف عليه وهو ظاهر نعم لا بد من المناسبة بين المتعاطفين وهي حاصلة هنا باعتباران أن كلا منهما حكم متعلق برفع الحدث والصلوة لان الغسل على تقدير الوجوب لنفسه أيضا مما يرفع الحدث ويبيح الصلوة بل واجب للصلوة أيضا لما عرفت من أن الظاهر عدم الخلاف في الوجوب الغيري في الجملة ولا يلزم أن يكون مناسبة تامة من جميع الوجوه مع أن الحال في الوضوء أيضا قد عرفت ما فيه الرابع أن عطف جملة التيمم عليه يقتضي الوجوب لغيره للتشريك ويرد عليه أيضا إن التيمم المذكور بعده ليس مخصوصا بالتيمم الذي بدل من الوضوء بل يعمه وغيره من الذي يدل من الغسل أيضا والتيمم الذي بدل من الغسل لا نسلم وجوبه لغيره بل حكمه حكم مبدله فحينئذ فالتيمم الذي يشمل الصنفين إذا أورد بعد جملتين أحديهما يكون الحكم فيها الوجوب لغيره والثانية الوجوب لنفسه فلا يخفى ما فيه من المناسبة والملائمة وعلى تقدير أن يكون التيمم منحصرا في الواجب لغيره أيضا قد عرفت عدم وجوب المناسبة التامة من جميع الوجوه بل يكفي كون كل منهما من متعلقات الحدث والصلوة مع أن حال التيمم أيضا كحال الوضوء في عدم الجزم بوجوبه لغيره الخامس أن توسيطه بين جملتي الوضوء والتيمم الواجبين بالغير يقتضي وجوبه بالغير أيضا وإلا لم يناسب التوسيط وجوابه أيضا يظهر مما ذكر في سابقيه ومنها صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة وقد ما مر فيه ويزيد ها هنا إيراد آخر لجواز أن يكون المراد بالطهور الوضوء لانه الفرد السابع المتعارف والمتبادر إلى الذهن ومنها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال وكيفية الغسل من الجنابة عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض وهي في المغتسل فتغتسل أم لا قال قد جاء ما يفسد الصلوة فلا تغتسل ووجه الدلالة أنه عليه السلام نفى الغسل معللا بفساد الصلوة في أصل كلامه عليه السلام أن الفرض من الغسل الصلوة ولما جاء ما يفسدها فلا غسل وهذا دلالة ظاهرة على وجوبه لغيره لا لنفسه ويورد

[ 30 ]

عليه أما أولا فبعدم صحة السند لان عبد الله المذكور لم يوثقه أحد من الرجاليين بل إنما يمدح فقط نعم إنما نقلوا عن ابن إدريس (ره) أنه وصف هذه الرواية بالصحة وهو مما لم يصلح للتعويل بعد عدم توثيق الرجاليين لعدم ظهور مراده من لفظ الصحة لجواز أن يكون مراده غير الصحة المشهورة بين المتأخرين وأما ما ذكره العلامة (ره) في المختلف والمنتهى في هذا المقام من رواية الشيخ (ره) في الصحيح عن عبد الله بن يحيى الكاهلي فلا يدل على توثيقه إذ يجوز أن يكون مراده أنه صحيح إلى عبد الله وكثيرا ما يجري كلامهم على هذا الاصطلاح وأما ثانيا فمنع دلالتها على المدعى لان انتفاء الغسل عند مجئ ما يفسد الصلوة ويحتمل وجهين أحدهما أن يكون لاجل أن الصلوة غرض من الغسل فعند عدم إمكان الاتيان به لم يكن غسل وثانيهما أن يكون لاجل أن صحة الغسل موقوفة على عدم تحقق حدث لا يمكن ارتفاعه وقد كنى عنه في الرواية بمجئ ما يفسد الصلوة فعند تحقق الحيض لم يكن غسل لعدم صحته وعلى هذا فلا يتم الاستدلال بل نقول حمل الرواية على الاحتمال الاخير أظهر لان قوله (عليه السلام) فلا تغتسل أما نهي أو نفي وعلى الاول أما للحرمة أو للكراهة ولا شك في عدم ترتب الحرمة والكراهة على مجرد كون الغرض من الغسل الصلوة فقط مع عدم وجوب الصلوة كيف والقائلون بوجوبه بالغير وعدم وجوبه ما لم يجب الغير أيضا قائلون باستحبابه قبل وجوب الغير ولا كذلك الاحتمال الاخير لظهور ترتب الحرمة على عدم صحة الغسل إذ العبادة ما لم يكن متلقاة من الشارع لا يجوز الاتيان بها وعلى الثاني أيضا لما لم يمكن حمله على ظاهره فلابد من حمله على النهي ويعود ما ذكرنا فعلى الاحتمال الاول لا بد أن يخرج الكلام عن ظاهره ويحمل على نفي الوجوب سواء كان نفيا أو نهيا حتى يستقيم بخلاف الاحتمال الاخير مع أنك تعلم مما سبق أن ترتب نفي الوجوب أيضا على المعنى المذكور محل نظر وتأمل وإن الاستلزام الذي يدعونه ممنوع ويرد أيضا أن حمله على نفي الوجوب ليس بأولى من حمله على نفي التضيق فكان السائل إنما سئل عن تضيق الغسل عليها وعدمه فأجاب (عليه السلام) بأنه لا تضيق حينئذ إذ ليس وقت صلوة حتى يتضيق ولا يتوهم أن كونه مضيقا بتضيق الصلوة أيضا يدل على المراد إذ قد عرفت أن الخلاف ها هنا ظاهرا في انحصار الوجوب في الغيري وعدمه لا في أصل الوجوب الغيري إذ لا خلاف فيه وهذا المعنى كما يلزم الاول كذلك يلزم الثاني أيضا فلا دلالة له على المراد لا يقال إذا كان الغسل واجبا لنفسه لا وجه لتوقف صحته على انتفاء الحدث المانع من الصلوة نعم إنما يعقل ذلك إذا كان واجبا للصلوة إذ لا منافاة بينهما لجواز أن يكون شرع الغسل لتحصيل الحالة التي يستباح معها الصلوة وإن لم يكن استباحة الصلوة غرضا بل يكون تلك الحالة أمرا مهما في نفسها أو لغرض آخر فإذا لم يمكن تحصيل تلك الحالة لم يشرع الغسل لفوات الغرض منه فإن قلت قد روى الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الحيض عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المرئة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل قال أن شائت أن تغتسل فعلت وعلى هذا لا يمكن حمل قوله (عليه السلام) فلا تغتسل في رواية الكاهلي على التحريم مع أن الاحتمال الاخير الذي ذكرت إنما يستلزم التحريم كما قررت فعلى تقدير الوجوب لنفسه على ما تحمل الرواية الكاهلي بناء على العمل بهذه الرواية قلت أما أولا فقد عرفت حمله على نفي التضيق مع عدم منافاته للوجوب النفسي وأما ثانيا فنحمل فلا تغتسل على الكراهة ونقول بجواز كون فضيلة الغسل وكماله موقوفة على انتفاء الحدث لا صحته ولا فساده أو نحمله على نفي الوجوب ولا استبعاد في أن يكون الغسل على تقدر وجوبه لنفسه أيضا لا يجب في وقت الحدث وإن كان يصح الاتيان به كما في صورة الوجوب الغيري بعينه واستدل أيضا بجواز تأخيره إلى وقت تضيق الصلوة فلا يكون واجبا لغيرها وضعفه ظاهر واستدل أيضا بوجوه ضعيفة لا يحسن إيرادها وأما حجة القائلين بالوجوب النفسي فأمور أيضا منها قوله تعالى وإن كنتم جنبا إلى آخره علق الوجوب على الجنابة فقط فلم يكن مشروطا بشئ آخر وفيه أنه موقوف على كونه معطوفا على جملة إذا قمتم وهو ممنوع لجواز عطفه على فاغسلوا وإن كنتم محدثين المقدر في نظم الكلام كما قيل ومنها قوله تعالى ولا جنبا إلا عا بري سبيل حتى تغتسلوا وجه الاستدلال أنه تعالى نهى عن قربان الصلوة جنبا بدون الغسل فيكون حراما فيجب تركه وهو يحصل بأمرين ترك القربان مطلقا أو تركه على هذه الصفة وإذ لم يجز الاول فتعين الثاني فإذا فرض أن قبل دخول وقت الصلوة يمكن الغسل ويظن أو يعلم أن وقت الدخول لم يتيسر لفقد الماء مثلا فحينئذ نقول لا شك أن المعنى الثاني الذي بينا وجوبه إنما يتوقف على الغسل في هذا الوقت فيكون واجبا بناء على وجوب ما يتوقف عليه الواجب فإذا ثبت الوجوب في بعض أوقات خارج الوقت فقد ثبت في جميعه بشرط الحدث لئلا يلزم خرق الاجماع المركب فثبت الوجوب النفسي أو يقال إذا ثبت الوجوب خارج الوقت في الجملة فقد بطل الوجوب الغيري لانتفاء لازمه حسب ما يعتقدون أعني عدم الوجوب ما لم يدخل الوقت فيكون إلزاما عليهم فإن قلت هذا إنما يتم إذا كان المراد بالصلوة حقيقتها وأما إذا كان المراد مواضعها كما مر أنه الراجح فلا قلت على هذا أيضا يمكن إجراء الدليل بأن يفرض أنه نذر أحد الاستيطان في المسجد في وقت الظهر مثلا وفرض الغرض المذكور فيلزم حينئذ أيضا وجوب الغسل مع عدم وجوب غايته فبطل الوجوب الغيري كما قررنا إلا أن يقال أن مرادهم من نفي الوجوب النفسي أنه لا وجوب نفسيا بحسب أصل الشرع وهذا في الحقيقة داخل في الوجوب بالنذر الذي استثنوه لكن لا يخفى أنه يتحقق وجوب الدخول بأصل الشرع أيضا بدون النذر مثل دخول المسجد الحرام للطواف

[ 31 ]

فإذا فرض هذا الغرض قبل دخول وقت الطواف يلزم الوجوب النفسي بحسب أصل الشرع أو يقال مرادهم نفي الوجوب النفسي بالاصالة وهذا وجوب بالتبعية وفيه بعد أو يمنع وجوب مقدمة الواجب وهذا المنع وإن كان موجها لكن الظاهر أن القائلين بالوجوب الغيري لا يقولون بوجوبه قبل دخول الوقت ولا ببدليته أيضا ولم يكتفوا بالاول فقط لا يقال لا نسلم التوقف على الغسل لانه حكم سبحانه تعالى بعده ببدلية التيمم له لانه تعلق ما بعده به لا ظهور له كما مر سابقا وعلى تقدير التسليم يفرض الكلام فيما إذا لم يمكن الغسل والتيمم جميعا وقت دخول الوقت فحينئذ يلزم ما ذكرنا وفيه كلام سيجئ عن قريب ولا يخفى جريان مثل هذا الاستدلال في قوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور بالنسبة إلى جميع الطهارات فتدبر ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة فقال إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم والاستدلال به من وجهين الاول أنه (عليه السلام) علق وجوب الغسل على الدخول فقط فلم يكن معلقا على غيره الثاني أنه علق وجوب المهر والرجم على الادخال ولا خلاف في أنهما غيره شرطين بعبادة من العبادات فكذا الغسل قضية للعطف وفيه ضعف ظاهر لان العطف لا يقتضي التساوي في جميع الامور بل التساوي في أن للادخال دخلا في وجوبهما كاف إلا يرى اشتراطه كل من المهر والرجم بشرط خلاف الشرط الاخر بل نقيضيه لان المهر مشروط بالعقد والرجم بعدمه والحق أن مثل هذا الاستدلال مما لا يليق بمن له وجدان سليم ومنها ما رواه (ره) ايضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل فقال الانصار الماء من الماء وقال المهاجرون إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي (عليه السلام) ما تقول يا أبا الحسن فقال علي (عليه السلام) أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من الماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل والاستدلال به أيضا من وجهين أحدهما من حيث تعليقه (عليه السلام) وجوب الغسل على الالتقاء فقط ولم يشترط بشئ آخر وثانيهما أنه أنكر (عليه السلام) إيجاب الحد والرجم بدون إيجاب الغسل وكان وجهه أن إيجاب الاصعب يقتضي إيجاب الاسهل بطريق الاولى ولا شك أنه يتحقق وجوب الاصعب وقت عدم وجوب الصلوة مثلا فيجب أن يتحقق وجوب الاسهل أيضا وإلا يلزم ما أنكره (عليه السلام) وفيه أن حمل كلامه (عليه السلام) على هذا المعنى يقتضي ظاهر أن يكون من باب القياس الذي تواتر عنهم (عليه السلام) منعه وإنكاره إذ لا أولوية في إيجاب أسهل العقوبتين عند إيجاب أصعبهما كما لا يخفى وحينئذ فلا بد أما أن يقال أنه إلزام لهم حيث أنهم كانوا قائلين بالقياس إن جوز البحث الالزامي مع اعتقاد بطلانه لمصلحة مثلا كما ورد في باب القيافة أو يقال أنه ليس بحثا إلزاميا بل إنما أنكر (عليه السلام) قولهم هذا مع مخالتفه لاعتقادهم في أصل كلامه (عليه السلام) أنه استبعد منهم أولا وقال أنكم كيف تقولون بهذا القول مع أنه مخالف لمعتقدكم من صحة القياس ثم بعد ذلك بين الحكم بقوله (عليه السلام) إذا التقى الختانان ويؤيده قوله توجبون ولا توجبون ولا يجب ولا يجب فتأمل وعلى التقديرين لا يبقى الحجية مجالها أو يقال أن استنادا لامور الثلاثة إلى شئ واحد كأنه كان أمرا معلوما فقال (عليه السلام) لم تسندون إثنين منهما إليه دون الاخر لكن يأباه قوله (عليه السلام) صاعا من ماء أدنى باء كما يحكم به الوجدان إلا أن يقال التعبير بهذه العبارة كأنه للاشعار بالالزام وعلى هذا أيضا لا دلالة لجواز معلوميته استناد كل منهما إلى الادخال بشرايط مخصوصة والله أعلم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن إسماعيل قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها أعليها غسل فقال إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر وغير البكر وكذا ما رواه أيضا عن الحلبي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المفخذ عليه غسل قال نعم إذا أنزل والروايات الواردة بهذا المضمون كثيرة ووجه الاستدلال في الجميع واحد وهو تعليق الوجوب على مجرد الالتقاء والانزال فلا يشترط بشئ آخر ويجاب عن جمسع الاستدلالات التي بهذا الوجه بأن الاشتراط كأنه كان أمرا معلوما شايعا فلم يحتاجوا إلى التعرض له كالاطلاقات الواردة في باب الوضوء وغسل الثوب وغير ذلك وقد عرفت ما فيه سابقا في باب الوضوء من أنه ممنوع علم معلومية الاشتراط وشيوعه إذ مجرد الاحتمال غير كاف وإن كان المقام مقام المنع لما مر والاستدلالات التي ذكروها على الاشتراط قد عرفت حالها والتمسك بأصالة البرائة أيضا ضعيف بعد وجود الظواهر الدالة على شغلها كيف ولو كان أصل البرائة معارضة للظواهر لما ثبت حكم من الاحكام المظنونة نعم إنما يصلح متمسكا عند عدم ظاهر مخرج عن الاصل وهو ظاهر وقد يستدل أيضا على الوجوب النفسي بأن القول بالوجوب الغيري والقول بفساد صوم من أصبح جنبا عامدا مما لا يجتمعان مع أنهم قايلون بالثاني فانتفى الاول وجه المنافاة أن الوجوب بالغير إنما يلزمه عدم وجوب الغسل ما لم يجب غايته كما يعترفون به أيضا فلم يكن الغسل للصوم واجبا في الليل إذ لم يجب الصوم بعد فلم يكن الصوم المذكور فاسدا وجوابه ما مر في تحريم محل النزاع فتذكر والشهيد الثاني (ره) تخيل أن وجه المنافاة التي إدعاها المستدل هو أن الصوم لما لم يكن مشروطا بالغسل فلم يكن الغسل واجبا له فإذا انحصر الوجوب في الغيري لزم أن لا يفسد صوم من أصبح جنبا عامدا ثم أجاب عنه بأن عدم اشتراط الصوم بالغسل ممنوع بل القايلون بفساد

[ 32 ]

الصوم المذكور قايلون باشتراطه بالغسل في الجملة ولا يخفى عليك أن الحق في التوجيه ما ذكرناه لان هذا في غاية السقوط وكلام العلامة (ره) في المنتهى أيضا يشير إلى ما ذكرناه والظاهر أن هذا الاستدلال منه وهو أعرف بمقصود وقد أيد أيضا بما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك قال إن الله يتوفى الانفس في منامها ولا يدري ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل وجه التأييد أنه إذا لم يكن واجبا لنفسه فلا وجه لخوف الموت في النوم قبل الغسل إذ الظاهر من الرواية أن احتمال الموت إنما يخاف منه لاجل فوات الغسل فقط لا لاجل فوات غايته والحكم عليه بالتأييد لا لاستدلال الاحتمال أن يكون الامر فيه للندب ويكون ملاقاة الله تعالى متطهرا أمرا محبوبا فيستحب الغسل قبل النوم لاحتمال الموت فيه وقوة ذلك المعنى منه احتمالا قريبا وأنت تعلم أن القايلين بالوجوب النفسي أيضا لا يقولون بالتضييق والعصيان بترك الغسل إذا مات في النوم ما لم يظن بالموت فلا بد من حمل كلامه (عليه السلام) المشعر بالتضيق والتعجيل ظاهرا على الاستحباب البته وحينئذ ففي التأييد أيضا نظر لان القايلين بالوجوب الغيري أيضا قايلون بالاستحباب قبل دخول الوقت فتأمل وأيد أيضا بالروايات الدالة على وجوب تغسيل الميت غسل الجنابة إذا مات جنبا مثل ما رواه الشيخ (ره) في الزيادات في باب تلقين المحتضرين عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزيه من الماء قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة وما رواه أيضا في هذا الباب عن عيص عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلت عن رجل مات وهو جنب قال يغسل غسلة واحدة بماء ثم يغسل بعد ذلك إلى غير ذلك من الروايات وجه التأييد أنه أوجب غسل الجنابة على من مات جنبا وهو أعم من أن يكون بعد وجوب غايته عليه أو قبله فلو لم يكن الغسل واجبا عليه قبل وجوب غايته حال الحيوة لم يجب عليه أيضا بعد الوفاة وفي هذا التأييد أيضا نظر لان الاوامر الواردة في هذا الباب أما للوجوب أو للندب وعلى الثاني لا تأييد أصلا لان غاية ما يلزم من استحبابه بعد الموت استحبابه حال الحيوة ولا نزاع فيه وعلى الاول الفرق ظاهر بين الحالين لان أحديهما حالة ملاقات الله تعالى وملائكته فلا بعد في أن يجب عليه الغسل فيها ليكون متطهرا بخلاف الاخرى هذا غاية ما يمكن أن يستدل به من الجانبين وقد عرفت ما في أكثرها من الضعف فالمسألة موضع اشكال وإن كان النفس إلى الوجوب النفسي أميل أعاذنا الله من ميلها وهواها ووفقنا للامور التي يحبها ويرضاها لاطلاق الروايات التي تقدمت من غير معارض قوي يصلح للمعارضة كما ذكرنا والشهرة العظيمة التي في باب الوضوء والروايات الدالة على وجوبه بالغير اللتان يرجحان طرف الوجوب الغيري مفقودة ها هنا أيضا لان معتقد القدماء غير معلوم وإن كان بعض عباراتهم يشعر أدنى إشعار بالوجوب الغيري والمتأخرون المتعرضون لهذا الخلاف ليس أكثرهم أيضا قايلين بالوجوب بالغير ظاهرا وقد عرفت عدم الاطلاع أيضا على الرواية بهذا المعنى فإذن الراجح في النظر أدنى ترجيح خلافه والله تعالى و رسوله وأهل الذكر (عليه السلام) أعلم وأما حال الاغسال الاخر فمما يمكن أن تستنبط بعضا منه من البابين وسيجئ تفصيله إنشاء الله تعالى وكذا التيمم يمكن استنباط بعض أحواله من حال مبدليه وسيأتي مشروحا في بابه إنشاء الله تعالى تتمة إذا كان الوضوء أو الغسل أو التيمم ممكنا قبل دخول الوقت ويعلم المكلف عدم إمكانه بعد الدخول فهل يتفرع وجوبه حينئذ مضيقا والعصيان بتركه وعدمهما على الخلاف السابق أو لا وعلى التقديرين ما الحال فيه ظاهرا فاعلم أني لم أقف إلى الان على كلام الاصحاب في هذا الباب سوى النزر والقليل الذي سيذكر في باب التيمم مما له أدنى ارتباط به لكن ما يقتضيه النظر أن الظاهر عدم تفريع التضيق وعدمه في هذا الحال على الخلاف المذكور لان القائلين بالوجوب النفسي لا يقولون بالتضيق بمجرد ذلك الوجوب ما لم يتضيق وقت العمر ولا مدخل لتضيق وقت التطهر لاجل الصلوة وأما القائلون بالوجوب الغيري فظاهر عدم قولهم بالوجوب حينئذ بناء على اعتقادهم من أنه لا يجب ما لم يجب مشروطه وإن الوجوب بالغير مستلزم لهذا المعنى ولو قطع النظر عن ذلك الاعتقاد لعدم ظهور مستند له وقيل بالوجوب بالغير كما يدل عليه في خصوص الوضوء الروايات المتقدمة في صدر الكتاب الدالة على وجوب الوضوء للصلوة فالظاهر أنه يستلزم وجوب الوضوء في الفرض المذكور كما يستلزم التضيق عند تضيق وقت الصلوة بلا تفاوت كما هو الظاهر ويحكم به الوجدان عند التأمل فيما إذا قال السيد لعبده إفعل الشئ الفلان بتحصيل الغرض الكذائي في وقت الظهر مثلا على أن يكون الظرف ظرفا للتحصيل لا لافعل بل يكون هو مطلوب ثم علم العبد أنه إذا لم يفعل ذلك الشئ في الصبح مثلا لم يكن فعله بعده إلى الظهر ويفوت بذلك غرض السيد فإنه يحكم حينئذ بتضيق وجوب ذلك الفعل على العبد وبإثمه بتركه في وقت الصبح كما يحكم بتضيقه عليه إذا لم يفعله إلى الظهر ويتمكن منه حينئذ وهذا الوجه كما ترى مخصوص بالوضوء لعدم الاطلاع على ما يدل على هذا المعنى في أخويه كما ذكرنا سابقا ولا يذهب عليك أن القايلين بالوجوب النفسي أيضا لا بد أن يقولوا بالوجوب في هذه الصورة بناء على هذا الدليل لان هذا الوجوب إنما يتفرع على الوجوب للصلوة فقط لا على انحصار الوجوب فيه وقد عرفت أن الظاهر أنهم قائلون به أيضا وهؤلاء أيضا بالنظر إلى هذا القول يمكن افتراقهم

[ 33 ]

فرقتين فالخلاف المثمر في هذا الباب الخلاف في الاستلزام المذكور وعدمه فالقائلون بالوجوب الغيري المدعون للاستلزام المذكور وإن لم يقولوا بالوجوب لكن لا يخفى أن محافظة الماء إذا كان ممكنا إلى دخول الوقت يلزم عليهم القول بوجوبها في بعض الصور بالدليل المذكور وعلى هذا إذا أمكن في الصورة المذكورة كل من الوضوء خارجا الوقت ومحافظة الماء إلى الوقت كان المكلف مخيرا بين الاتيان بالوضوء وجوبا موسعا على قول وندبا على الاخر وبين محافظة الماء إلى مجئ الوقت وإن لم يمكن المحافظة بل الوضوء خارج الوقت فقط فيجب الوضوء مضيقا على قول ويستحب على الاخر وإن أمكن المحافظة فقط تعين ولهذا المطلب مسلكان آخران أحدهما التمسك بالروايات الدالة على عدم صحة الصلوة بدون الطهارة مثل لا صلوة إلا بطهور والصلوة ثلاثة أثلاث وجه الاستدلال أن المكلف مأمور بالصلوة أمرا مطلقا وقد دلت الروايتان على أن الصلوة لا يكون إلا بالطهور فالصلوة المأمور بها إنما هي الصلوة المقرونة بالطهارة وذلك يتوقف في الصورة المفروضة على الطهارة قبل الدخول فيكون واجبا بناء على وجوب ما يتوقف عليه الواجب وهذا الاستدلال كما ترى لا يدل على وجوب خصوص الغسل والوضوء خارج الوقت إذا علم عدم إمكانهما في الوقت لان التيمم أيضا طهور كما مر نعم إذا علم أنه لا يمكن التيمم أيضا في الوقت ففيه تفصيل يعلم بالتأمل والثاني في التمسك بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغتسلوا الاية وجه الاستدلال أنه أمر بالوضوء عند قيام الصلوة أمرا مطلقا وهو في الصورة المفروضة يتوقف على محافظة الماء إلى الوقت فيكون واجبا وقس عليه الاستدلال بصحيحة إذا دخل الوقت وهذا الاستدلال مخصوص بالوضوء ووجوب محافظة الماء للوضوء ولا يدل على وجوب الوضوء خارج الوقت ولا محافظة الماء للغسل والتراب للتيمم لجواز أن لا يكون جملتا الغسل والتيمم معطوفتين على فاغسلوا وقد يناقش في هذا الدليل بأن إطلاق الامر بالوضوء حال القيام إلى الصلوة لجواز أن يكون جملة التيمم معطوفة على فاغسلوا وحينئذ يكون الامر بالوضوء في تلك الحالة مشروطا بوجدان الماء لان قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا يدل على أن الامر بالتيمم في حال عدم وجدان الماء وقرينة المقابلة تدل على أن الامر بالوضوء مشروط بوجدان الماء وعلى هذا لا يجب محافظة الماء إلى دخول الوقت ولا يخفى ما فيها لا يقال من يقدر على وجدان الماء في تلك الحال ولو تنزل عن دعوى التبادر فلا أقل من عدم التبادر في خلافه فآل الامر إلى الشك فلا يبقى الظن بإطلاق الامر فإن قيل الامر الاول مطلق فيجب حمله على إطلاقه حتى يثبت مخصص ومقيد والقدر الذي يثبت من جملة التيمم على تقدير عدم التبادر في احدهما تخصيصه بحال عدم القدرة على وجدان الماء فيجب الحكم به في هذه الحال وأما الحال الاخر فيلزم بقائه تحت إطلاق الحكم قيل لا نسلم وجوب حمل المطلق على إطلاقه حتى يثبت التقييد مطلقا بل فيما لا يكون في الكلام الذي فيه المطلق ما يجوز أن يخصصه ونقيده كما فيما نحن فيه والحاصل أن الكلام إنما يتم بآخره فلو كان في الكلام مطلق ولم يجئ بعده شئ يحتمل أن يقيده فيحصل الظن بإطلاقه ويكون معمولا به حتى يظهر خلافه وأما إذا جاء بعده ذلك الشئ فحينئذ لم يحصل الظن بالاطلاق حتى يتبع إلى ظهور الخلاف هذا ولا يذهب عليك أنه على تقدير تمامية الدليل إذا كان المكلف في الفرض المذكور قادرا على محافظة الماء إلى الوقت والوضوء خارجه يكون مخيرا بين الوضوء والمحافظة ولو كان قادرا على الوضوء فقط دون المحافظة فلا يحكم بالوجوب عليه بناء على هذا الدليل نعم بالدليل الاخر وعلى تقدير ورود المنع إذا علم التمكن من التراب في الوقت فلا يجب محافظة الماء وإذا علم عدم التمكن فإن كان محافظة التراب أيضا ممكنة إلى الوقت فيتخير بينها وبين محافظة الماء أو الوضوء قبل الوقت إن أمكن بناء على كفايته وإن لم يمكن محافظة التراب بل محافلظة الماء فقط ففيه إشكال ينشأ من أن قوله تعالى فلم تجدوا على تقدير كونه معطوفا على فاغسلوا هل يصير قرينة على اشتراط الوضوء بوجدان الماء في الوقت أو على اشتراطه بعدم وجوب التيمم فعلى الاول لا يجب محافظة الماء حينئذ وعلى الثاني يجب وعلى تقدير ظهور أحد الاحتمالين الحكم واضح وعلى تقدير التساوي فالامر كما مر آنفا فتأمل (ويستحب الوضوء لندبي الصلوة والطواف) لا يخفى عليك بعد ما سبق في باب الوجوب إن استحباب الوضوء للصلوة المندوبة أيضا إنما يتم بأمرين أحدهما الامر بالوضوء والثاني الاشعار بأنه للصلوة ويفتقر أيضا إلى أن لا يكون الامر أمرا إيجابيا لكونه لازما للامرين الاولين إذ لا يعقل وجوب شئ مع عدم وجوب غايته وما يتوهم من وجوب الوضوء للصلوة المندوبة بناء على استحقاق العقاب إذا ترك الوضوء وأتى بالصلوة كما يدل عليه بعض الروايات بل الاجماع أيضا ظاهرا ساقط لان استحقاق العقاب حينئذ ليس لترك الوضوء بل لفعل الصلوة بدون الوضوء إذ لو لم يصل لم يكن مستحقا للعقاب نعم الوجوب بمعنى الشرطية كما في بعض الاصطلاحات ثابت للوضوء بالنسبة إليها ولم نقف في الروايات على ما يدل على الامر بالوضوء للصلوة المندوبة مطلقا بل في بعض الصلوات بخصوصه نعم الاشتراط في الجميع يدل عليه الروايات مثل قوله (عليه لسلام) لا صلوة إلا بطهور والصلوة ثلاثة اثلاث فحينئذ أما أن يتمسك في عموم الاستحباب للصلوة المندوبة بعموم الاشتراط بناء على أن شرط المستحب مستحب كما أن شرط الواجب واجب أو بالاجماع كما نقله العلماء

[ 34 ]

وأما استحبابه للطواف المندوب واشتراطه به وعدمه فسيجئ إنشاء الله تعالى في كتاب الحج وحمل المصحف لم نقف في الرواية على ما يدل عليه والعلامة (ره) في المنتهى والنهاية والمصنف (ره) في الذكرى عللاه بالتعظم ولا يخفى إن إثبات الحكم به مشكل لكن لا بأس بالقول به للشهرة بين الاصحاب (رضوان الله عليهم) بناء على التسامح في أدلة السنن وهاهنا بحث لا بد من التنبيه له لنفعه في امتثال هذه المواضع وهو أنه قد اشتهر بين العلماء إن الاستحباب إنما يكتفي فيه بالادلة الضعيفة وأورد عليه أن الاستحباب أيضا حكم شرعي كالوجوب فلا وجه للفرق بينهما والاكتفاء فيه بالضعاف وأجيب عنه بأن الحكم بالاستحباب فيما ضعف مستنده ليس في الحقيقة بذلك المستند الضعيف بل بما رواه ثقة الاسلام (ره) في أصول الكافي في باب من بلغه ثواب من الله على عمل بطريق حسن بإبراهيم بن هاشم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه ويؤيده ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن مروان قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن كما بلغه ولا ريب أن السند الاول سند معتبر معول عليه سيما مع انضمامه بما يؤيده ويعضده فيكون صالحا للاحتجاج وقد ذكر بعض العلماء ورود هذا المضمون بطريق صحيح أيضا ولم أره في الكتب الاربعة المشهورة لكن رأيته في كتاب المحاسن للبرقي ولعله أراد ذلك ويخدش الجواب بعد تسليم صحة الاحتجاج بأمثال هذه الاسانيد بأن مفاد الروايتين أنه وإذا روى إن في العمل الفلاني ثوابا كذا مثلا فعمل أحد ذلك العمل رجاء لذلك الثواب فإنما يؤتاه وإن كان ما روى خلاف الواقع لا أنه إذا روى أصل العمل أيضا كان الاتي به مثابا والفرق بينهما ظاهرا لا أن يقال الاخبار بأن الفعل الفلاني قد أمر به يستلزم الاخبار بأن فيه ثوابا إذ الامر يستلزم الثواب فإذا فعل ذلك الامر رجاء للثواب لزم أن يؤتاه به بناء على الروايتين فإن قلت الثواب كما يكون للمستحب كذلك يكون للواجب أيضا فلم خصص الحكم بالمستحب قلت الامر كما ذكرت من شمول سماع الثواب على شئ للواجب والمستحب لكن الروايتين لا يدلان على الوجوب بعد السماع إذ غاية ما يدلان عليه أنه إذا فعل أحد بعد السماع يكون مثابا وذلك إنما يستلزم رجحان فعله لا فساد تركه فيكون الفعل مستحبا فعلى هذا إذا روى الامر الوجوبي بشئ بطريق ضعيف لكان فعله مستحبا لما ذكرنا وما ترى يفعل الاصحاب من حمل الروايات الضعيفة الدالة على الوجوب صريحا إن ظاهرا أو احتمالا مساويا للندب على الاستحباب إنما هو بمعنى أن الحكم بالنسبة إلينا الاستحباب لما عرفت لا أنهم يحملون الامر في الرواية على الاستحباب فاعلم هذا ينفعك في بعض المواضع ويخدش أيضا بأن بين الرواتين وبين ما يدل على عدم العمل بقول الفاسق من قوله تعالى إن جائكم فاسق بنبأ الاية عموما من وجه ولا تصريح فيهما بأنه إذا عمل بقول الفاسق أيضا لكان يحصل الثواب لان عدم كون الحديث كما بلغ لا يستلزم أن يكون راويه فاسقا كما لا يخفى ولا ترجيح لحمل الثاني على الاول فلم لم يعكس ويخص سماع الثواب من العدل ويمكن أن يقال الاية دالة على عدم العمل بقول الفاسق بدون التثبت والعمل به فيما نحن فيه بعد ورود الروايتين ليس عملا بلا تثبت ولا يتوهم تخصيص الروايتين لها حينئذ إذ بهما يخرج بعض الافراد عن عنوان الحكم لا عن الارادة وليس هذا تخصيصا وقد مر توضيحه في فواتح الكتاب ويخدش أيضا بأن المسألة أي ثبوت الاستحباب بالادلة الضعيفة إنما هو من مسائل الاصول على المشهور وجواز الاكتفاء فيه بالظن الحاصل من خبر الواحد محل إشكال ولتحقيق الكلام في هذا المقام موضع آخر وبالجملة الجواب لا يخلو عن شائبة لكن اشتهار العمل بهذه الطريقة بين الاصحاب من غير نكير ظاهر بل بين العامة أيضا مما يجرء النفس ويشجعها عليه لعل الله يقبل عذرها ولا يؤاخذها به ولا يخفى أن حكم مس المصحف المندوب حكم الحمل في شهرة استحباب الوضوء له بين الاصحاب فلا بأس بالقول به وكان المصنف إنما اقتصر على الحمل ليحمل المس عليه بطريق الاولى (وأفعال الحج الباقية) سيأتي إنشاء الله تعالى في بابه (وصلوة الجنازة) هذا الحكم أيضا مشهور بين الاصحاب والذي يدل على عدم وجوبه من الروايات ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في الباب التالي لباب الصلوة على الاموات في الموثق عن يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء فقال نعم إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب من يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء وفي الفقيه في باب الصلوة على الميت وما روي في الكافي أيضا في الباب المذكور عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يفجأه الجنازة وهو على غير طهر قال فليكبر معهم لكن يمكن حمل هذه الرواية على الاضطراري كما يشعر به لفظ يفجأه وما يدل على استحبابه ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن عبد الحميد بن سعيد قال قلت لابي الحسن (عليه السلام) الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فإن ذهبت أتوضأ فاتتني الصلوة يجزي أن أصلي عليها وأنا على غير وضوء قال تكون على طهر أحب إلي وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم بأدنى تغيير لكن يمكن أن يقال أن الظاهر من الطهر في كلام الامام (عليه السلام) التيمم لان السائل إنما سأله (عليه السلام) عن الحال التي لا يمكن فيه الوضوء فحكمه (عليه السلام) فهذه الحال باستحباب الطهر لا بد من حمله على التيمم كما هو الظاهر وبالجملة الامر واضح بعد حصول

[ 35 ]

الشهرة العظيمة وطلب الحاجة هذا أيضا مما اشتهر بينهم ويتمسك فيه بما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم يقض فلا يلومن إلا نفسه ودلالته على المطلوب غير واضحة لان مفاد إن الحاجة بدون الوضوء لم يقض فينبغي أن يطلب الحاجة في حالة ما إذا توضأ بالوضوء الذي رخص فيه من الشارع لانه عبادة موقوفة على الاذن وليس فيه دلالة على الاذن والرخصة للوضوء في وقت طلب الماء كما يشهد به الفطرة السليمة لكن الامر فيه أيضا واضح كما تقدم (وزيارة القبور) لم نقف فيه أيضا على مستند سوى الشهرة وقد ذكروا أن به رواية مختصة بمقابر المؤمنين ولم أرها (وتلاوة القرآن) هذا أيضا بما لا يحصل الاطلاع على مستنده سوى الشهرة أو التعظيم بشعائر الله تعالى كما ذكر في الحمل (والتأهب للفرض قبل وقته) أي التهئ له من الاهبة بمعنى الاستعداد قال في الصحاح تأهب أي استعد واستدل عليه باستحباب الصلوة أول الوقت وهو موقوف على الوضوء قبله وفيه أن استحباب الصلوة أول الوقت الحقيقي غير معلوم إذ ما يدل على استحبابه ينبغي أن يحمل على الاول العرفي لتقدم الحقيقة العرفية على اللغوية كما بين في موضعه والصلوة في أول الوقت العرفي لا يتوقف على الوضوء قبله ويمكن أن يقال لا شك أن الاول العرفي لا يباين الاول الحقيقي وإن كان أعم منه فحينئذ نقول إذا ورد الامر مطلقا بالصلوة في أول الوقت فيكون الاول الحقيقي أيضا داخلا تحته وإن حمل على العرفي ويستفاد منه الاستحباب فأيضا بناء على إطلاق الامر وعدم تقييده وإذا كان الصلوة في الاول الحقيقي مطلقا فلا شك أن في بعض الاوقات يتوقف على الوضوء قبل الوقت مستحبة فيكون الوضوء قبله مستحبا أيضا لقضية التوقف وفيه كلام سيجئ عن قريب وعلل العلامة (ره) في النهاية هذا الحكم بالخبر ولم يحصل الاطلاع عليه والكون على الطهارة بالجر عطف على ندبي أو التأهب ولما كان الكون على الطهارة أثرا من آثار الوضوء لا نفسه صح الحكم باستحباب الوضوء له وما استند إلى المصنف (ره) من أنه حكم في مثل هذه العبارة بعدم جواز الخبر لانه بمنزلة أنه يستحب الوضوء للكون على الوضوء وهو فاسد وكذا الرفع على أن يكون فاعل يستحب إذ معنى الكلام أنه يستحب الوضوء ويستحب الكون على الوضوء وهو تكرار بل يجب رفعه على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر وهو مستحب فاسد لما عرفت ولان التكرار في صورة كونه فاعلا ليستحب لان المذكور سابقا استحباب الوضوء لاجل الغايات المذكورة وهذا استحباب الوضوء في نفسه مع أن فيما اختاره أيضا التكرار الذي زعمه موجود هذا والمراد من استحباب الوضوء للكون على الطهارة أن يكون الغرض منه هذا الاثر في نفسه بدون أن يكون الغرض من هذا الاثر شئ آخر بخلاف الصور السابقة لان الغرض منه غيره من الصلوة والطواف ونحوهما واعلم أن الحكم أيضا ليس له مستند ظاهر سوى الشهرة على ما اطلعنا عليه وقد يؤخذ من قوله تعالى أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وفيه ضعف ومن قوله (عليه السلام) المؤمن معقب ما دام متطهرا وهذا أضعف ثم أن فيما ذكروه من كون الكون على الطهارة غاية برأسها أيضا خفاء إذ وجود حالة في المكلف عقيب الوضوء سوى حصة وقوع الاشياء المتوقفة على الوضوء كمالا أو صحة منه كاملا أو صحيحا غير معلوم وأكثر ما ورد الطهر في الروايات يحمل على نفس الفعل والبعض الذي لا يمكن حمله على نفس الفعل يجوز أن يكون المراد من الصحة المذكورة وعلى هذا يدخل الكون على الطهارة تحت الامور السابقة فكيف يجعل غاية برأسها والفرق بينهما بإثبات معنيين أحدهما صحة وقوع الفعل من المكلف أو كون الفعل بحيث يصح وقوعه من المكلف والثاني كون المكلف بحيث يصح منه الفعل لا عبرة به في نظر الفقيه كما لا يخفى وسيجئ مزيد بسط في البحث لهذا (وكل هذه يرفع الحدث ويبيح الصلوة) أعلم أنه قد تكرر وتكثر في كلام الاصحاب (رضي الله عنه) ذكر رفع الحدث واستباحة الصلوة ونحوها والظاهر أن مرادهم بالحدث حالة يحصل في باطن المكلف عقيب البول والغايط ونحوهما مما يعد إحداثا شبيهة بالنجاسة الظاهرة وذلك يستلزم عدم إباحة الصلوة ونحوهما مما يتوقف صحته وجوازه على الوضوء والغسل بما تقدم وكذا عدم كمال القرائة وغيرها مما لم يتوقف صحته وجوازه عليهما بل فضله وكماله و من ارتفاع هذا المعنى يستباح الصلوة ويصح استكمال القرائة مثلا وكأنهم يدعون أيضا أن الامر بالطهارة لما يتوقف صحته أو جوازه عليها وكذا لما يتوقف فضيلته وكماله إنما هو لاجل أن يرتفع المعنى المذكور ليمكن وقوع الغايات صحيحا أو كاملا إلا فيما لا يمكن ارتفاع هذا المعنى مثل الوضوء لنوم الجنب وجماع المحتلم وغيرهما فإن الامر فيه ليس لذلك لعدم الامكان وعلى هذا الفرق بين رفع الحدث وبين استباحة الصلوة ظاهر وأيضا كأنهم زعموا أن الطهارة أيضا أمرا آخر ضد للحدث يحصل في باطن المكلف بعد رفع الحدث شبيه بالطهارة الظاهرة وإذ تقرر هذه الامور ظهر وجه ما ذكره المصنف (ره) أما في الوضوء للصلوة المندوبة فلان الصلوة المندوبة لما لم يصح بدون الوضوء فكان مانعها الحدث ويكون الامر بالوضوء لاجل ارتفاع ذلك المانع فإذا توضأ يلزم ارتفاعه وإذا ارتفع الحدث استباح الصلوة المفروضة أيضا لما مر من أنه متى ارتفع الحدث يستباح الصلوة وأما الوضوء للطواف المندوب فهو أيضا كذلك بناء على شرطية الوضوء له وأما على عدم الشرطية فلان كماله موقوف على الوضوء فيكون من جهة أن

[ 36 ]

الحدث مانع من كماله والوضوء لاجل زوال المانع فيلزم ما ذكر بعينه وقس عليه البواقي سوى الاخيرين فإن الاستدلال فيهما نحو آخر وأما الوضوء للتأهب للفرض فأمره ظاهر لانه في الحقيقة وضوء للصلوة أمر بتقديمه على الوقت استحبابا فلا شك في رفعه وإباحته وأما الوضوء للكون على الطهارة فلما عرفت من أن الطهارة صفة تحصل بعد ارتفاع الحدث فإذا أمر بالوضوء لهذا المعنى فينبغي أن يحصل بعده وهو إنما يحصل برفع الحدث فيلزم ارتفاعه ويلزم ما ذكرنا واعلم أن في جميع ما نقلنا من العموم نظرا أما أولا فبالمنع من وجود حالة في باطن المكلف شبيهة بالنجاسة وهو الحدث لعدم دليل عليه وما ورد في بعض الروايات إنما يحمل على معنى آخر وأما ثانيا فبالمنع من أن متى ارتفع ذلك المعنى يستباح الصلوة ونحوها وأما ثالثا فبالمنع من أن الغرض من الامر بالوضوء في جميع ما أمر له إلا ما استثنى إنما هو ارتفاع الحدث لم لا يجوز أن يكون شيئا آخر كما في الصور المستثناة وأما رابعا فبالمنع من كون الطهارة صفة وراء جواز الاتيان بالصلوة ونحوها صحيحا كاملا كما مر آنفا وفيه بعد لورود الطهارة في الروايات بمعنى آخر كثيرا بحيث لا تقبل المنع وعلى تقدير التسليم لا نسلم توقفه على رفع الحدث إذ يجوز أن يكون للطهارة مراتب أو معان مختلفة يحصل بعضها بدون ارتفاع الحدث كما ورد فيمن اغتسل غسل الجمعة أنه في طهر إلى الجمعة الاخرى مع أنه في بعض الاوقات محدث ألبتة والحاصل أن ثبوت الحقايق الشرعية لهذه الامور غير معلوم وعلى تقديره أيضا لم يتيقن عندنا بل يفهم من الروايات إطلاقه في موارد مختلفة فيجوز أن يكون لها معان متعددة أو معنى واحد له مراتب مختلفة بعضها يجامع الحدث وبعضها لا يجامع بل يجوز أن يكون للحدث أيضا مراتب مختلفة وكذا يجو أن يكون لخصوص الاوقات والساعات دخول في حصول بعض المراتب من الوضوء أو الغسل مثلا يجوز أن يحصل المرتبة التي لا يجامع الحدث من الوضوء في الوقت مثلا دون خارجه أو بقصد الصلوة مثلا دون غيرها فعلى هذا إذا أمر بالوضوء للكون على طهارة قبل الوقت فيجوز أن يكون تلك الطهارة التي تحصل من ذلك الوضوء والطهارة التي يجامع الحدث فلا يكفي في استباحة الصلوة بل لا بد فيه من الوضوء في الوقت ليحصل الطهارة التي لا يجامع الحدث وقس عليه الحال في الوضوء للاشياء المذكورة إذ يجوز أن يكون الغرض من الوضوء حصوله بعض مراتب الطهارة التي لا يكفي في الصلوة فظهر أن القول بامتثال هذه الوجود والدلايل مما لا يسمن ولا يغني من جوع بل لا بد من النظر في الروايات وعمومها وخصوصها وإطلاقها وتقييدها والترجيح على النحو المقرر المعمول فعلى هذا نقول قد ورد الامر العام بالوضوء عند القيام إلى الصلوة من قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة الاية فلا بد من حمله على ظاهره حتى يثبت المخصص والمخصص في الصورة التي توضأ المكلف قبل الوقت للامور المذكورة استحبابا غير ثابت لعدم تمام الدليل كما عرفت فيجب الحكم بوجوب الوضوء وكذا الحال في قوله (عليه السلام) إذا دخل الوقت فقد وجب الطهور والصلوة هذا في غير التأهب وأما في التاهب فنقول فيه أن الدليل الذي ذكر سابقا على استحبابه غير تام إذ على تقدير أن يكون الامر بالصلوة في أول الوقت عاما شاملا لاوله الحقيقي يكون معارضا بالعمومين المذكورين وحملهما عليه ليس أولى من العكس بل الامر بالعكس لعدم صراحته في العموم كما لا يخفى والشهرة بين الاصحاب وإن عول عليها في بعض المواضع لكن ليس مما لا يمكن الاعتماد عليه حال معارضتها للكتاب والسنة وبهذا ظهر إيراد آخر على أكثر الموارد المذكورة أيضا إذ ليس فيه مستند ظاهر سوى الشهرة كما عرفت وظهر أيضا حال الوضوء المندوب الذي ذكره القوم في باب الوجوب لنفسه ولغيره لان الظاهر مما ذكروه أما الوضوء للتأهب أو للكون وقد عرفت حالهما وعلى تقدير كونه فردا أيضا يعلم حاله بالمقايسة فتدبر اللهم إلا أن يمنع عموم الاية والرواية ونقول بوجوب الوضوء في بعض الاوقات مما وقع الاجماع عليه مثلا وما نحن فيه لما لم يكن فيه إجماع ولا دليل آخر فيحكم فيه بأصل البرائة والاستدلال بأن التكليف اليقيني لا بد له من البرائة اليقينية أيضا أجزاؤه ها هنا مشكل لان التكليف اليقيني إنما هو بالصلوة والطهارة خارجة عنها نعم وجوبها لها في بعض الصور ثابت بالاجماع أو نحوه فيحكم بوجوبها فيه وأما في البعض الاخر كما فيما نحن فيه فلا وعموم الاشتراط المستفاد من قوله (عليه السلام) لا صلوة إلا بطهور لا يجدي ها هنا أيضا لتحقق الطهور في فرضنا ولا يتوهم المنافاة بين هذا وبين ما ذكرنا من جواز كون الصلوة موقوفة على مرتبة معينة من الطهارة لاندفاعه بالتأمل واعلم أن بعضهم ادعى الاجماع على أن الوضوء المندوب الذي لا يجامع الحدث الاكبر مثل الوضوء لنوم الجنب مبيح للصلوة الواجبة المشروطة بالطهارة وهذا وإن كان الظاهر من كلام ابن إدريس حيث قال ويجوز أن يؤدى بالطهارة المندوبة والفرض بدليل الاجماع من أصحابنا لكن ذكر في موضع آخر ما يدل ظاهرا عل خلافه قال وإجماعنا منعقد على أنه لا يستباح الصلوة إلا بنية رفع الحدث أو بنية استباحة الصلوة بالطهارة وأما أن توضؤ الانسان بنية دخول المساجد والكون على طهارة والاخذ في الحوائج لان الانسان مستحب له أن يكون في هذه المواضع على طهارة فلا يرتفع حدثه ولا يستبيح بذلك الوضوء الدخول في الصلوة انتهى وحمله على أن المراد منه أن الوضوء الواجب بنية هذه الامور لا يبيح الصلوة لا الوضوء المندوب لا يجدي نفعا

[ 37 ]

لانه إذا كان الوضوء الواجب بنية هذه الامور لا يرفع الحدث فكذا المندوب وإذا لم يرفع الحدث لم يبح الصلوة لان بناء حكمهم بإباحة الصلوة إنما هو رفعه للحدث إلا بأن يأول بأن الوضوء لهذه الامور بدون نية الرفع أو الاستباحة لمشروط بالطهارة لا يصح لا أنه يصح ولا يبيح فلا يكون مخالفا للاجماع إذ الاجماع إنما هو على إباحة الوضوء المندوب إذا كان صحيحا وسيجئ لهذا زيادة بسط في مبحث النية إنشاء الله تعالى وكلام العلامة (ره) في التذكرة أيضا يدل ظاهرا على الاجماع حيث قال يجوز أن يصلي بوضوء واحد جميع الصلوات فرايضها وسننها ما لم يحدث سواء كان الوضوء فرضا أو نفلا وسواء توضأ لنافلة أو فريضة قبل الوقت أو بعده مع ارتفاع الحدث بلا خلاف كالمستحاضة فقولان انتهى ونسب الخلاف فيه إلى بعض الظاهر به لكن قوله سواء توضأ لنافلة أو فريضة مما يوهم أن الاجماع إنما هو في الوضوء للصلوة المندوبة ويؤيده أيضا المنتهى ذكر هذا الاتفاق والخلاف من الظاهر به في خصوص الوضوء للصلوة المندوبة والواجبة وكلام الشيخ في المبسوط أيضا يشعر أدنى إشعار بعدم إباحة الوضوء لدخول المساجد مثلا للصلوة وإن كان يمكن أيضا حمله على ما حملنا كلام ابن إدريس (ره) وبالجملة إثبات الاجماع لا يخلو من اشكال ومراعاة الاحتياط يقتضي أن لا يترك الوضوء في الوقت لاجل الصلوة إذا توضأ قبله لما الطهارة مكملة له بل لغير الصلوة المندوبة نعم إذا توضأ في الوقت لهذه الامور مندوبا ومنعنا حكم القول بمنعه كما سيجئ إنشاء الله تعالى لكان الاجتزأ به لا يخلو عن قوة لصدق الامتثال ظاهر أو عدم الاحتياط إلى قصد الوجوب والندب في النية ومنع استحالة اجتماعهما وكذا الاجتزاء به في الصلوة الواجبة غير اليومية إذ ليس ما يدل على عموم وجوب الوضوء لها لجواز كون اللام في الاية للعهد ويكون المراد اليومية لتبادرها وتعارفها والعمومات الدالة على أن لا صلوة إلا بطهور لا ينافيه لان غاية أما يستفاد منها أنه لا بد في الصلوة من الطهور وهذا أيضا طهور وعلى تقدير الامر العام بالوضوء أيضا وجوبا حديث صدق الامتثال بحاله هذا ثم إن السيد الفاضل صاحب المدارك بعد أن زيف الاستدلال على هذا المطلب بأنه متى شرع الوضوء كان رافعا للحدث إذ لا معنى لصحة الوضوء إلا ذلك ومتى ثبت ارتفاع الحدث انتفى وجوب الوضوء قطعا بما يستفاد مما ذكرها سابقا من جواز أن يكون الغرض من الوضوء وقوع تلك الغاية المترتبة عليه عقيبه وإن لم يكن رافعا كما في الاغسال المندوبة عند الاكثر قال والاجود الاستدلال عليه بعموم ما دل عليها من الوضوء لا ينقض إلا بالحدث كقوله (عليه السلام) في صحيحة إسحاق بن عبد الله الاشعري لا ينقض الوضوء إلا حدث وفي صحيحة زرارة لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك والنوم وغير ذلك من الاخبار الكثيرة ويؤيده ما رواه عبد الله بن بكير في الموثق عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا استيقنت إنك أحدثت فتوضأ وإياك إن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت انتهى كلامه (ره) وفيه نظرا ما أولا فلان نقض الوضوء عبارة عن رفع حكمه ونسخ أثره المترتب عليه فمقتضى الروايتين الاوليين على هذا أن الاثر المترتب على الوضوء لا يرتفع إلا بالحدث وإذا اعترف هو نفسه بأن أثر الوضوء في هذه المواضع يجوز أن يكون وقع تلك الغايات المترتبة عليه عقيبه وإن لم يقع رافعا كما نقلنا آنفا فلم يبق فيها دلالة على ما ادعاه أصلا توضيحه إن حاصل ما استدل به (ره) أن مقتضى الروايات الكثيرة عدم انتقاض الوضوء إلا بالحدث فمتى لم يقع حدث فالوضوء باق بحاله فيقرر حكمه فيجوز الدخول به في الصلوة الواجبة والايراد عليه بأن تقرير حكم الوضوء وبقائه بحاله لا يستلزم استباحة الدخول به في الصلوة لانك اعترفت آنفا بأن حكم الوضوء في هذه المواضع يجوز أن يكون غير رفع الحدث ومتى لم يرتفع الحدث لم يتسبح الدخول في الصلوة فيحقق هذا الحكم ويقرره لا فائدة له أصلا نعم لو ثبت أن حكمه رفع الحدث لكان كما ذكره وحينئذ لا حاجة إلى التطويل ويرجع إلى الدليل الذي زيفه فإن قلت لا ضير في تجويز كون أثر الوضوء في هذه المواضع وقوع غايته عقيبه ومنع كونه رفع الحدث إذ به أيضا يتم ما ادعاه لان حاصل الاستدلال أنه إذا ثبت أن الحدث ينقض الوضوء فلو لم يكن الوضوء في هذه المواضع رافعا للحدث لكان الحدث السابق باقيا بحاله فينقض الوضوء ويرفع أثره الذي وقوع غايته عقيبه فيصير عبثا قلت لا دلالة في الروايتين إلا على أن الحدث ينقض الوضوء في الجملة لا أن كل حدث ينقض الوضوء وهو (ذا) فحينئذ يجوز أن يكون الحدث اللاحق ناقضا للوضوء لوروده على الوضوء دون السابق لورود الوضوء عليه ونظيره مما يرد عليه ونظيره مما يرد في الاحكام الشرعية مثل تنجيس الماء القليل لورود النجاسة عليه لا وروده عليها كما قيل على إنك قد عرفت منع ثبوت صفة مسماة بالحدث يكون أثرا من البول والغايط ونحوهما وحينئذ فما في الروايات نقض تلك الاشياء للوضوء لا أثرها فانتقض الدليل وأما ثانيا فلان الرواية التي أوردها للتأييد إنما يصلح له لو كان المراد منها أنه إذا استيقنت إنك أحدثت توضأ ولا تتوضأ بعد ذلك الوضوء إلا إإذا أحدثت وهو ممنوع بل يجوز أن يكون المراد إنك أذا استيقنت بالحدث توضأ ولا تتوضأ أبدا بدون اليقين بالحدث فيكون منطوق الجزء الاخير مفهوم الجزء الاول و حاصله المنع من التوضأ بسبب الشك وهذا أظهر من الاول كما يشهد به الوجدان فإن قلت لا حاجة إلى حمله على المعنى الاول حتى يكون مؤيدا بل على هذا المعنى أيضا يصلح للتأييد لانه إذا نهى عن الوضوء بدون يقين الحدث ولا شك أن فيما نحن فيه لا يقين به لجواز أن يكون الوضوء السابق وأفعاله فلا يجوز الوضوء

[ 38 ]

فثبت الظاهر قلت عدم اليقين بالحدث في الصورة المذكورة ممنوع إذ اليقين بالحدث المتقدم على ذلك الوضوء حاصل والرافع له غير متيقن لح جواز أن لا يكون ذلك الوضوء وأفعاله كما ذكرنا وقد ورد في الاخبار أن اليقين لا ينتقض إلا باليقين فيكون الحكم اليقين السابق باقيا بحاله فالوضوء للصلوة بعد الوضوء السابق ليس مما حذر عنه لمصادفته اليقين الشرعي وأيضا على تقدير أن يكون المراد المعنى الاول نقول أن قوله (عليه السلام) فتوضأ أمر وظاهره الوجوب فالمنع عن الوضوء بعده حين يحصل اليقين بحدث آخر منع عن الوضوء بعد الوضوء الواجب فلا دلالة على المدعى ولا يخفى أن النسخ مختلفة في هذه الرواية ففي بعض نسخ الكافي بالطريق الذي ذكره (ره) وفي بعض أخرى منها وفي نسخ التهذيب بهذه الطريقة إذا استيقنت إنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت وعلى هذه النسخة دلالتها على المراد ظاهرا ولا يرد ما أوردنا عليه نعم يمكن المناقشة بأنه يجوز أن يكون المراد النهي عن إحداث الوضوء بسبب الشك لا المنع عن الاحداث مطلقا كما ذكرنا في فواتح الكتاب والعجب أنه قد أورد في التأييد النسخة الغير المشهورة مع عدم ظهور دلالتها وترك النسخة المشهورة مع ظهورها وكأنه لم يكن في نسخة (ره) هكذا هذا وأما القول بأنه يعتبر في الوضوء لهذه الاشياء المذكورة نية رفع الحدث واستباحة الصلوة مشروط بالطهارة فسيجئ مفصلا في مبحث النية إنشاء الله تعالى (ونوم الجنب) يدل عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب صفة غسل الجنابة في الصحيح قال وقال عبد الله بن علي الحلبي سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينبغي له أن ينام وهو جنب قال يكره ذلك حتى يتوضأ وفي حديث آخر أنا أنام على ذلك حتى أصبح وذلك أني أريد أن أعود انتهى وما يتوهم من الحديث الاخر من فعله (عليه السلام) النوم المكروه يمكن رفعه بوجهين أحدهما أنه ليس فيه أنه (عليه السلام) إنما ينام بغير الوضوء لجواز أن يكون المراد أني أنام على الجنابة بغير غسل وثانيهما أن يقال بكراهة النوم بدون الوضوء إذا لم يرد الاعاده أما مع إرادة الاعادة فلا كما يدل عليه آخر الحديث وبالوجه الاخير يندفع ما يتوهم أيضا من تركه (عليه السلام) الافضل نظرا إلى الرواية الاتية وما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال في الموثق عن سماعة قال سئلته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم قال إني أحب أن يتوضأ فليفعل والغسل أفضل من ذلك وإن هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ إن شاء واعلم إن النوم مطلقا أيضا مما يستحب له الوضوء لما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في كتاب الصلوة في باب ما يقول الرجل إذا أوى إلى فراشه قال قال الصادق (عليه السلام) من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده وروى أيضا في ثواب الاعمال عن محمد بن كردوس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من توضأ ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده والمصنف اقتصر على نوم الجنب لقوة مستندة ففي تحقيق غاية النوم للوضوء كلام سيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث النية (وجماع المحتلم) يدل عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب الاوقات التي يكره فيها الجماع قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره أن يغشى الرجل المرئة وقد احتلم حتى يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل فخرج الولد مجنونا فلا يلومن إلا نفسه والحكم مختص بالمحتلم فلا يكره الجماع بعد الجحماع بدون الوضوء وغاسل الميت يحتمل وجهين أحدهما ان يكون عطفا على المحتلم أي يستحب لغاسل الميت إذا أراد الجماع قبل غسل المس أن يتوضأ والثاني أن يكون معطوفا على الجماع أي يستحب لغاسل الميت أي من يريد غسله أن يتوضأ إذا كان جنبا والذي يدل عليهما معا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في أواسط باب تلقين المحتضرين عن شهاب بن عبد ربه عقال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يغسل الميت أو من غسل ميتا أيأتي أهله ثم يغتسل قال لا هما سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يده وتوضأ وغسل الميت وإن غسل ميتا ثم يأتي أهله توضأ ثم أتى ويجزيه غسل واحد لهما وهذه الرواية في الكافي أيضا في أواخر كتاب الجنايز في أول باب النوادر وذكر الحايض المشهور بين الاصحاب استحباب الوضوء لذكر الحايض وقال علي بن بابويه بالوجوب والاظهر الاول لشهرة وعدم ما يدل على الوجوب ظاهرا مع أصالة البرائة فلنذكر الروايات الواردة في هذا الباب منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الحيض في الحسن أو الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلوة وعليها أن تتوضأ وضوء الصلوة عند كل وقت صلوة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عز وجل فتسبحه وتهلله وتحمده بمقدار صلوتها ثم تفرغ لحاجتها وهذا يمكن أن يكون متمسكا لابن بابويه (ره) باعتبار دلالته عليها على الوجوب والجواب منع كونها حقيقة في الوجوب ومع تسليمه تحمل على الاستحباب مجازا بقرينة ما سنذكره ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زيد الشحام قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ينبغي للحايض أن تتوضأ عند وقت كل صلوة ثم تستقبل القبلة فتذكر الله عز وجل مقدار ما كانت تصلي وكلمة ينبغي في هذه الرواية الدالة ظاهرا على الاستحباب قرينة على حمل كلمة على في غير الرواية السابقة على الندب فإن قلت على تقدير كون كلمة ينبغي ظاهرة في الاستحباب لا، أصل الرجحان ثابت والاصل عدم الوجوب حتى يثبت ولم يثبت لوجود المعارض فإذن الحكم الثابت بالنسبة إلينا الاستحباب ؟ نحمل كلمة عليها على الاستحباب البتة مع أن لنا قرينة أخرى على الاستحباب كما سنذكر فترجيح على قرينة الوجوب وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في باب ما يجب على الحايض في أوقات الصلوة ومنها ما رواه في الكافي في هذا الباب عن معوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال تتوضأ المرأة

[ 39 ]

الحايض إذا أرادت أن تأكل وإذا كان وقت الصلوة توضأت واستقبلت القبلة وهللت وكبرت وتلت القرآن وذكرت الله عز وجل وهذا أيضا قرينة على الاستحباب من حيث اقترانه مع الوضوء للاكل الذي ليس بواجب إجماعا كما هو الظاهر ومنها ما رواه في الكافي أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحايض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله قال أما الطهر فلا ولكنها توضأ في وقت الصلوة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى وهذه الرواية نسبتها إلى الطرفين على السواء ومقتضى الاحتياط أن لا تترك الوضوء لورود تلك الروايات الكثيرة به مع وجود الخلاف (والتجديد) بالجر أو بالرفع على أنه فاعل يستحب استحباب التجديد في الجملة كأنه إجماعي ويدل عليه أيضا روايات منها ما رواه ثقة الاسلام في الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن سماعة قال كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فصلى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعى بوضوء فتوضأ للصلوة ثم قال لي توض فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال وإن كنت على وضوء إن من توضأ للمغرب كان وضوئه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر ومن توضأ للصبح كان في وضوئه ذلك كفاره لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن سعد إن عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال للطهر على الطهر عشر حسنات ومنها ما رواه الصودق (ره) في الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال روى أن تجديد الوضوء لصلوة العشاء يمحو لا والله ويلي والله وروى في خبر آخر أن الوضوء على الوضوء نور على نور ومن جدد وضوئه بغير حدث جدد الله توبته من غير استغفار ثم أعلم أنه لا شبهة في استحباب التجديد بعد إن صلى بالاول وأما بدونه فقد قطع العلامة في التذكرة بالاستحباب لاطلاق الاوامر من غير تقييد وتوقف المصنف في الذكرى لعدم النقل بهذا الطريق وهو ضعيف بعد إطلاق الاذن وعموم الامر لكن قد تعارض العمومات بموثقة عبد الله بن بكير المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا استيقنت إنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت خرج التجديد بعد الصلوة بالاجماع عن عموم النهي فبقى الباقي ويحمل أحاديث التجديد على التجديد بعد الصلوة وتلك على ما عداه للجمع وقد يقال بجواز حمل الموثقة على النهي عن التجديد باعتقاد الوجوب بسبب عروض الشك كما مر وبالجملة الاحوط ترك التجديد بدون تخلل الصلوة خوفا عن التعريض المعاقب طمعا للثواب وأيضا هل يستحب التجديد لكل صلوة ثالثة وأربعة إلى غير ذلك أم يختص بالثانية المشهورة الاول كما ذكره العلامة (ره) في المختلف والصدوق (ره) في الفقيه حمل الاخبار الواردة بتكرار الوضوء مرتين وإن من زاد لم يوجر على التجديد فيكون التجديد ثانيا عنده بدعة لكن لم يظهر أن المراد التجديد ثانيا وإن كان لصلوة ثالثة حتى يخالف المشهور أو التجديد ثانيا لصلوة واحدة والعلامة (ره) في المختلف قال إن كان مراده الاول فقد خالف المشهور وإن كان الثاني فلم أقف فيه على نص ولا يخفى جريان ما ذكرنا سابقا في هاتين الصورتين أيضا لكن الظاهر في الصورة الاولى الاستحباب للشهرة بين الاصحاب مع عدم الجزم بالخلاف من الصدوق (ره) وعدم صراحة المعارض في خلافه وفي الثاني العكس لعدم الشهرة واحتمال كونه بدعة عند الصدوق ووجود المعارض وأدائه إلى الكثرة المفرطة كما ذكره المصنف (ره) في الذكرى وفيه ضعف قال المصنف (ره) الاقرب لا يستحب تجديده لسجود التلاوة والشكر ولا الوضوء شرط في كماله للاصل وفي الطواف احتمال للحكم بمساواته للصلوة انتهى ولا يخفى أنه ليس في أكثر الروايات المتقدمة الحكم بأن التجديد للصلوة بإعانة ما يستفاد منه أن إحداث الوضوء بعد الوضوء مرغوب فيه وليس فيه كونه مغيا بغاية أو مقيدا بشئ فينبغي بناء على ظواهرها الحكم باستحبابه مطلقا سواء كان الوضوء الاول نفلا أو فرضا للصلوة أو غيرها داخل الوقت أو خارجه يكون الغرض منه شيئا من الصلوة والطواف وغيرهما أولا بل لا يبعد أن يقال جعله مغيا بشئ سوى ما ورد من صلوة العشاء للرواية المتقدمة ليس بشئ لعدم دليل عليه من الشرع والعقل لا سبيل له إلى هذه الامور إذ يجوز أن يكون استحبابه لنفسه بدون أن يكون له دخل في فضيلة الصلوة وكمالها مثلا نعم رواية سماعة السابقة أيضا لا يخلو عن إشعار بكونه للصلوة لكن لا مطلقا أيضا بل في خصوص التجديد في المغرب والصبح فما ذكره المصنف من الاصل منظور فيه لكن لما عارض الروايات الموثقة المتقدمة فالاولى الاقتصار على المواضع التي فيها إجماع أو شهرة أخذ بالاحتياط (وهذه لا ترفع ولا تبيح) عدم رفع الوضوء لنوم الجنب وجماع المحتلم وغاسل الميت بأحد معنييه وكذا عدم إباحته ظاهر وأما عدمهما في وضوء الغاسل بالمعنى الاخر فبناء على كون حدث المس مانعا من الصلوة وسيجئ إنشاء الله تعالى وكذا رفع الوضوء للذكر وعدم إباحته ظاهر (وفي المجدد قول قوي بالرفع) وسيجئ إنشاء الله تعالى تفصيله في مبحث الوضوء (ويستحب الغسل للجمعة) مشروعية الغسل ليوم الجمعة ورجحانه مما لا خلاف فيه ويدل عليه روايات كثيرة بالغة حد التواتر كما سنذكر طرفا منها إنشاء الله تعالى وإنما الخلاف في وجوبه واستحبابه والمشهور بين الاصحاب الثاني وقال الصدوق في الفقيه وغسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء في السفر و الحضر إلا أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وفي موضع آخر منه وغسل يوم الجمعة سنة واجبة ولنذكر ما يمكن أن يتمسك به من الطرفين فحجة القول بالوجوب روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب العمل في ليلة الجمعة ويومها في الصحيح عن محمد بن عبد الله وعبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا

[ 40 ]

(عليه السلام) قال سئلته عن الغسل يوم الجمعة قال واجب على كل ذكر وأنثى عبدا وحرا وروى هذه الرواية بعينها في باب الاغسال أيضا بطريق حسن وفي الكافي أيضا في باب وجوب الغسل يوم الجمعة بهذا الطريق وفيه بعد قطع النظر عن القدح في السند لان الثاني ليس بصحيح والاولى وإن كان رجاله ثقاة لكن فيه خدشة من حيث إن الراوي فيه عن عبد الله بن المغيرة أحمد بن محمد بن عيسى وقد نقل النجاشي أنه لم يرو عن عبد الله أصلا المنع عن دلالته لفظ الوجوب على المدعى إذ لم يعلم كونه في عرفهم (عليه السلام) بهذا المعنى المتعارف بيننا وعلى تقدير كونه أيضا بهذا المعنى ينبغي حمله على الاستحباب المؤكد للقرائن التي سنذكر ومنها ما رواه في الكافي في باب وجوب الغسل يوم الجمعة في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الغسل يوم الجمعة على الرجال والنساء في الحضر وعلى الرجال في السفر وليس على النساء في السفر قال وفي رواية أخرى أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وقد روى صدر الرواية في باب التزيين ليوم الجمعة أيضا في كتاب الصلوة وفيه أيضا المنع عن ظهور على في الوجوب وعلى تقدير التسليم يصرف عن الظاهر للجمع ومنها ما رواه في باب التزيين أيضا في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل واجب يوم الجمعة وفيه أيضا مثل ما مر وقد عد هذه الرواية في المدارك والحبل المتين في الصحاح ولا يظهر له وجه ومنها ما رواه الشيخ في التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن النساء أعليهن غسل الجمعة قال نعم والجواب ما مر ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اغتسل يوم الاضحى والفطر والجمعة وفيه منع كون الامر للوجوب في عرف أئمتنا (عليه السلام) مع أن انضمامه بيومي الاضحى والفطر قرينة ظاهرة على الاستحباب لعدم وجوبهما إجماعا كما هو الظاهر ومنها ما رواه أيضا في زيادات الجزء الثاني في باب العمل في ليله الجمعة ويومها في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال اغتسل يوم الجمعة إلا أن تكون مريضا أو تخاف على نفسك وفيه أيضا مثل ما مر ومنها ما رواه أيضا في باب الاغسال في الموثق عن سماعة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجمعة فقال واجب في السفر والحضر إلا أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب علة الاغسال وفي الكافي أيضا في باب أنواع الاغسال والجواب ما مر مع أنه حكم في تتمة هذه الرواية بالوجوب على كثير من الاغسال التي لا خلاف في استحبابها ظاهرا ومنها ما رواه (ره) أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى قال إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلوة وإن مضى الوقت فقد جازت صلوته وفيه أيضا مثل ما مر مع أن الاصحاب لم يعملوا بمضمونه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن عبيد الله قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن غسل يوم الجمعة فقال واجب على كل ذكر وأنثى من عبد أو حر وفيه أيضا ما مر أيضا مع ضعف السند ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن سهل قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو غير ذلك قال إن كان ناسيا فقد تمت صلوته وإن كان متعمدا فالغسل احب إلى وإن هو فعل فليستغفر الله ولا يعود وفيه أيضا إن الاستغفار إن سلم ظهوره في الحرمة فيعارض بلفظ أحب الظاهرة في الاستحباب مع أنه ضعيف السند ومنها ما رواه في الكافي في باب وجوب الغسل يوم الجمعة عن حريز عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا بد من غسل يوم الجمعة في السفر والحضر فمتى نسي فليعد من الغد وروى فيه رخصة للعليل ورواه في باب التزيين يوم الجمعة أيضا والجواب على قياس ما مر مع الارسال ومنها ما رواه في الفقيه في باب غسل يوم الجمعة قال سئل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمدا فقال إذا كان ناسيا فقد تمت صلوته وإن كان متعمدا فليستغفر الله ولا يعد والجواب أيضا على قياس ما مر هذا جملة ما يمكن أن يستدل به على الوجوب وحجة الاستحباب أيضا روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في باب أغسال التهذيب في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة والاضحى والفطر قال سنة وليس بفريضة وفيه إن لفظ السنة لا ظهور له في الاستحباب لا في اللغة إذ فيها بمعنى الطريقة ولا في عرف الائمة (عليه السلام) إذ أكثر ما يستعملونه إنما هو بمعنى الثابت بسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) دون الثابت بالقرآن ظاهرا مثل ما رواه سعد بن أبي خلف عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الغسل في أربعة عشر موطنا واحد فريضة والباقي سنة إذ ظاهر أنه ليس بمعنى الاستحباب للاجماع على وجوب بعض الاغسال الاخر وما رواه الحسن التفليسي قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ما يكفي أحدهما أيهما يغتسل قال إذا اجتمعت سنة وفريضة بدأ بالفرض وما رواه الحسن بن النضر الارمني قال سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما أيهما يبدأ قال يغتسل الجنب ويترك الميت لان هذا فريضة وهذا سنة إلى غير ذلك واستعماله في معنى الاستحباب في عرفهم إن كان فعلى سبيل الندرة وما يقال من إن حمل السنة هنا على ما ثبت بالسنة بعيد جدا إذ السؤال انما وقع عن تحتم فعله وعدمه لا عن مأخذ حكمه كما هو الظاهر لا ظهور له وعلى تقدير ظهوره في الاستحباب أيضا نقول إن حمل الروايات الواردة بلفظ الوجوب على الاستحباب بقرينة هذه الرواية وللجمع بينهما ليس بأولى من حمل هذه الرواية على معنى الثابت بالسنة للرسول (صلى الله عليه وآله) فهلا تحملونها عليه إلا أن يقال عدم أولوية خلافه يكفينا إذ مع التعارض يحكم بالتساقط

[ 41 ]

ويتمسك بالاصل ومنها ما رواه (ره) في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن غسل يوم الجمعة قال سنة في السفر والحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه الضرر والكلام فيه أيضا كالكلام في سابقه ومنها ما رواه في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة في الحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة وهذا أيضا مثل ما سبق ومنها ما رواه في التهذيب في الباب المذكور عن علي بن يقطين قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل العيدين أو اجب هو فقال سنة قلت فالجمعة قال هو سنة وهذا أظهر دلالة من سابقيه من حيث قوبل السنة فيه بالوجوب ظاهرا وهو دليل الاستحباب لكنه ضعيف السند ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن الحسين بن خالد قال سئلت أبا الحسن الاول (عليه السلام) كيف صار غسل يوم الجمعة واجبا قال إن الله تعالى أتم صلوة الفريضة بصلوة النافلة وأتم صيام الفريضة بصيام النافلة وأتم وضوء النافلة بغسل الجمعة ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان أو نقصان وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب وجوب الغسل يوم الجمعة ودلالته على الاستحباب من وجهين الاول كونه نظير الصيام النافلة وصلوة النافلة والثاني كونه لتمامية وضوء النافلة ويمكن المناقشة فيهما لكن الحق أنها مكابرة وأنه قرينة ظاهرة على حمل الروايات السابقة على الاستحباب لو لم يكن ضعيف السند وروى هذه الرواية في باب العمل في ليلة الجمعة أيضا وفيه موضع وضوء النافلة وضوء الفريضة وحينئذ الاستدلال من وجه واحد وروى هذا المضمون في الفقيه أيضا في باب غسل الجمعة وفيه وأتم الوضوء بدون القيدين وهذا ما يمكن أن يحتج به على الاستحباب من الروايات ومما يؤيده أيضا ضمه مع مستحبات يوم الجمعة في صحيحة هشام ابن الحكم رواها في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة وفي التهذيب في باب العمل ليلة الجمعة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) ليتزين أحدكم يوم الجمعة يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته ويلبس أنظف ثيابه إلى آخر الحديث وإذ قد عرفت حال الروايات فنقول على هذا الظاهر القول بالاستحباب لاصالة برائة الذمة حتى يثبت بدليل معول عليه وقد ظهر أنه لا يحصل من دلايل الوجوب ظن صالح قوي يصلح للاعتماد خصوصا مع وجود المعارضات المذكورة وإن كان في كل منها شئ لكن المجموع إنما يضعف الظن بنقيضه وخصوصا اشتهار خلافه بين الاصحاب ومع هذا كله الاولى الاخذ بالاحتياط التام وعدم الاجتزاء على تركه والمواظبة على فعله مهما أمكن للتشديد العظيم والحث البليغ عليه الواقع في الشريعة واللوم والتوبيخ على تركه والفضل والثواب في فعله فقد روى في التهذيب في باب العمل ليلة الجمعة والكافي في باب وجوب غسل الجمعة عن الاصبغ بن نباتة قال كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد أن يوبخ الرجل يقول والله أنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الاخرى وروى في التهذيب أيضا في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من اغتسل يوم الجمعة فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين كان له طهرا من الجمعة إلى الجمعة وهذه الرواية في الفقيه في باب غسل يوم الجمعة بتكرار لفظ أشهد وفيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) غسل يوم الجمعة طهور وكفارة لما بينها من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة هذا والاولى أن لا يتعرض في النية للوجوب أو الندب بل يكتفي بالقربة لما سيجئ إنشاء الله تعالى من عدم وجوب قصد الوجوب والندب أداء ما بين طلوع الفجر إلى الزوال أما كون مبدائه طلوع الفجر فلاضافة الغسل إلى يوم الجمعة كما مر في الروايات واليوم إنما هو من بعد طلوع الفجر لغة وشرعا وعرفا كما هو الظاهر فلا يجزي قبله ويكون مجزيا بعده أي وقت اتفق لاطلاق الروايات السابقة ويدل على المعنيين أيضا ما رواه في الكافي في باب التزيين يوم الجمعة عن زرارة والفضل قالا قلنا له أيجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة قال نعم وكذلك أيضا ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا غتسلت بعد طلوع الفجر أجزاك غسلت ذلك للجنابة والجمعة إلى آخر الحديث والظاهر أن الحكمين اجماعي أيضا وأما اختصاصه من اليوم بما قبل الزوال فقد قال في المعتبر أن عليه اجماع الناس ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي في باب التزيين عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة وشتم الطيب والبس صالح ثيابك وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت الشمس فقم وعليك السكينة والوقار ويؤيده أيضا ما روى في الغرض منه في زيادات التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كانت الانصار تعمل في نواضحها وأموالها فإذا كان يوم الجمعة جاؤا فتأذى الناس بأرواح أباطهم وأجسادهم فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك السنة ورواه في الفقيه بعينه في باب غسل يوم الجمعة وكذا ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل لا يغتسل ويوم الجمعة في أول النهار قال يقضيه في آخر النهار فإن لم يجد فليقضيه يوم السبت ولما كان القضاء لم يكن صريحا في كلامهم (عليه السلام) في المعنى المتعارف بين الفقهاء حكمنا عليه بالتأييد دون الاستدلال فإن قلت الامر بالقضاء أخيرا لا بد من حمله على المعنى المتعارف فليكن الاول ايضا كذلك للتوافق بين النظرين قلت حمل الاخير أيضا على المعنى المتعارف غير لازم لجواز حمله في الموضعين على الاتيان وإن كان كل من الاتيان بوجه آخر في الواقع وذلك لا يخل بالتوافق بين النظيرين وكذا أيضا ما روي في هذا الباب في الموثق

[ 42 ]

عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة قال يغتسل ما بينه وبين الليل فإن فاته يغتسل يوم السبت والحكم عليه بالتأييد وعلى جواز أن لا يكون مراده (عليه السلام) من قوله يغتسل ما بينه وبين الليل إن من فاته الغسل يفعل كذلك حتى يكون دالا على المدعى بل يكون المراد بيان وقت غسل الجمعة وإعلام السائل بأنه متى يتحقق فواته ثم الافصاح بالجواب عن سؤاله وهذا ليس ببعيد وإن كان الاحتمال الاول أظهر أدنى ظهور وأنت خبير بأنه لو لم يكن دعوى الاجماع على الحكم كما نقلنا لم يبعد القول بامتداده إلى الليل لاطلاق اليوم في الروايات وجواز حمل الامر في رواية زرارة المذكورة على الافضلية سيما مع كونه محفوفا بالاوامر الاستحبابية وكون الغرض من وضعه ابتداء المعنى المذكور لا ينافيه أيضا كما لا يخفى إلا ترى أن الغرض من وضع الاذان الاعلام مع أنه يصح إخفاتا أيضا إلى غير ذلك وأما التأييدان فقد عرفت حالهما وقد نسب إلى الشيخ في الخلاف بامتداده إلى أن تصلي الجمعة ولا يخفى أنه إن لم يكن تصريح فيه بأنه خلاف القول المشهور لامكن حمله عليه بأن يحكم بخروج الغاية ويقال أن مراده من وقت الصلوة الزوال لاتفاقهما في بعض الاحيان والتفاوت القليل بينهما في بعض آخر فيجوز أن يراد به الزوال وإن وجد تصريح به فيمكن حمله أذن على المعنيين أحدهما ان يكون الغاية داخلة ويكون المراد امتداده إلى الفراغ من الصلوة والثاني أن يكون خارجه وتظهر الفائدة في بعض الاحيان التي يتخلف الصلوة عن الزوال وكأنه حمل في المدارك على الاخير حيث قال وهو حسن تمسكا بمقتضى الاطلاق والتفاتا إلى أن ذلك محصل للغرض المطلوب من الغسل وكأنه علمه من خارج وإلا فمجرد هذا القول لم يتعين الحمل عليه بل الاول أظهر كما لا يخفى وأيا ما كان لم يظهر له وجه لان وجهه أما إطلاق الروايات وهو لا يصلح له إذ ما يستفاد منه الامتداد إلى الليل لا إلى هذا الحد بخصوصه وأما الاطلاق مع انضمامه إلى الغرض المذكور بعد اختصاص المراد بالاحتمال الاخير فهو أيضا غير صالح للتعويل لما عرفت من حال الغرض مع مخالفة الاجماع أو الشهرة فالاولى الوقوف عليه والاخذ به وقد يقال بجواز التمسك في هذا القول بموثقة عمار المتقدمة في وجوب الغسل وهو أيضا ضعيف كما لا يخفى (وتعجيلا يوم الخميس لخائف تعذره يوم الجمعة) مستند الحكم ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن قيس عن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال لاصحابه إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه الماء فاغتسلوا اليوم لغد فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة وما رواه أيضا في هذا الباب عن الحسين بن موسى بن جعفر عن أمه وأم أحمد بن موسى بن جعفر قالتا كنا مع أبي الحسن (عليه السلام) بالبادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس اغتسلا للغد يوم الجمعة فإن الماء غدا بها قليل فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب وجوب غسل يوم الجمعة وفي الفقيه أيضا في باب غسل الجمعة والروايتان وإن كانتا ضعيفتي السند لكن الشهرة تجبرهما ولا يخفى أنهما يدلان على تقديم الغسل لاعواز الماء لا التعذر مطلقا فتعميم الحكم بحيث يشتمل كل عذر كما في ظاهر الكتاب وظاهر المبسوط ومال إليه الشهيد الثاني (ره) لا يخلو عن الاشكال إلا أن يثبت شهرة بين الاصحاب والظاهر أنه لم يثبت وكذا يدلان على التقديم يوم الخميس فإلحاق ليلة الجمعة به أيضا مشكل إلا مع الشهرة ولو وجد المقدم للغسل يوم الخميس الماء يوم الجمعة قبل الزوال فالظاهر استحباب الاعادة لاطلاق أوامر غسل الجمعة كما صرح به الصدوق (ره) في الفقيه وإن سلمنا إن ظاهر الروايتين بدلية هذا الغسل لغسل يوم الجمعة مطلقا لان تخصيص الروايات الكثيرة النقية السند بمثل هاتين الروايتين مشكل وإذا وجد الماء بعد الزوال يوم الجمعة أو وجد يوم السبت فهل يستحب الاعادة أم لا الظاهر لا سيما في يوم السبت لان أدلة القضاء كما سيجئ غير صحيحة وإنما العمل عليها باعتبار الشهرة ولا شهرة فيما نحن فيه وهل يشترط في استحباب التقديم خوف الاعواز يوم الجمعة فقط أو فيه وفي يوم السبت أيضا احتمل العلامة (ره) في المنتهى الثاني لان القضاء أولى من التقديم كما في صلوة الليل وفيه ضعف والظاهر الاولى فإن في الروايتين على الحكم باعواز الماء في يوم الجمعة فقط وآخر الوقتين أفضل أي وقت الاداء ووقت التقديم ففي الاول كلما قرب من الزوال كان أفضل وفي الثاني كلما قرب من الفجر أن الحقنا الليلة بالخميس في الحكم وإلا فكلما قرب من الليل وعلل القوم الحكم بأنه مؤكد للغرض من غسل يوم الجمعة كما عرفت وفيه إشكال نعم الشهرة بينهم لعل أن يكون متمسكا لنا وقضاء إلى آخر السبت يدل عليه الروايتان اللتان أوردناهما للتأييد آنفا في بيان وقت الاداء مرسلة حريز المذكورة في طي دلايل وجوب الغسل وما رواه الشيخ (ره) في زيادات الجزء الثاني من كتاب الصلوة في باب العمل لنية الجمعة وفي الموثق عن ذريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل هل يقضي غسل الجمعة قال لا لا يصلح للمعارضة وإن كان أوضح سندا منهما لكثرتها واشتهار العمل بها بين الاصحاب وإمكان الجمعة بحمل الرواية الاخيرة على نفي وجوب القضاء أو يقال أن المراد هل للرجل أن يؤخر غسل الجمعة حتى يصير قضاء والله أعلم واعلم إن ظاهر إطلاق العبارة استحباب القضاء للفوات مطلقا سواء كان بعمد أو نسيان أو علة أو غير ذلك كما هو ظاهر عبارة المبسوط والنهاية والصدوق (ره) في الفقيه خصص الحكم حيث قال ومن نسي الغسل أو فاته لعلة فليغتسل بعد العصر أو يوم السبت والظاهر عدم التخصيص لاطلاق

[ 43 ]

الروايتين وإن كانت المرسلة مختصة بالنسيان ويحتمل أن يكون مراد الصدوق (ره) أيضا التعميم وتسامح في العبادة بينها على المبالغة في أمر الغسل حتى كان فواته لا يتصور إلا من النسيان أو العلة ثم أن ظاهر الروايات مختص بيوم السبت ففي الحاق الليلة به كما هو ظاهر عبارة المتن إشكال اللهم إلا أن يثبت الشهرة لكن الظاهر عدم الثبوت وأوله أفضل مستندا لحكم أيضا الشهرة وحديث تأكد الغرض لا يجري ها هنا إلا بعض أوقات بعد الزوال حيث لم تنقض الجماعة والصلوة وأنت خبير بأن التعبير في هذه المسألة وفي نظيرتها بكلما قرب من أوله وكلما قرب من آخر الوقتين أفضل لخروج ما عدا الاول والاخر مما ذكره مع أنه داخل في الحكم أيضا وتوهم خروج الاول والاخر من العبارة المذكورة فاسد لشمولها لغة وعرفا كما لا يخفى فإذا اكتفى عنهما معا بكلما قرب من الزوال كان أفضل وأحضر كما فعله غيره (ره) (وفرادى شهر رمضان) لم أقف فيه على نص لكن رأيت بخط بعض العلماء ما ظاهره إن السيد الجليل ابن طاووس (ره) روى في كتاب الاقبال استحباب الغسل في فرادى رمضان وفي كل ليلة من العشر الاخر عن الصادق (عليه السلام) وأكده نصفه ذهب إليه الثلاثة ولم نطلع فيه على رواية في الكتب الاربعة قال في المعتبر ولعله لشرف تلك الليلة فاقترانها بالطهر حسن وقال الشيخ (ره) في المصباح الكبير وإن اغتسل ليالي الافراد كلها خاصة ليلة النصف كان فيه فضل كثير انتهى ولا يخفى إن وجه الشرف لا يصلح نعم ذهاب الثلاثة إليه عسى أن يكون متمسكا وقد رأيت بالخط المذكور أيضا أن السيد (ره) في كتاب الاقبال روى بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يستحب الغسل من أول الليلة من شهر رمضان وليلة نصف منه (وسبع عشر وتسع عشر وإحدى وعشرين وثلاثة وعشرين) فيه روايات منها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب الاغسال في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال الغسل في سبعة عشر موطنا ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وهي ليلة التقى الجمعان وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة وليلة إحدى وعشرين وهي اليلة التي أصيب فيها أوصياء الانبياء وفيها رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) وقبض موسى (عليه السلام) وليلة ثلث وعشرين يرجي فيها ليلة القدر ويومي العيدين وإذا دخلت الحرمين ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت ويوم التروية ويوم عرفة وإذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسته بعد ما يبرد ويوم الجمعة وغسل الجنابة فريضة وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل ومنها ما رواه في الفقيه في باب علة الاغسال قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) الغسل في سبعة عشر موطنا ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وفيها يرجى ليلة القدر وغسل العيدين وإذا دخلت الحرمين ويوم تحرم ويوم الزيارة ويوم تدخل البيت ويوم التروية ويوم عرفة وإذا غسلت ميتا أو كفنته أو مسسته بعد ما يبرد ويوم الجمعة وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله واستيقضت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلوة وغسل الجنابة فريضة ومنها ما رواه أيضا في الفقيه في كتاب الصوم في باب الغسل في الليالي المخصوصة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) أنه قال يغتسل في ثلاث ليال من شهر رمضان في تسع عشر وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين وأصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) في تسع عشرة وقبض في إحدى وعشرين وقال والغسل في أول الليل ويجزي إلى آخره قال في الفقيه وروى أنه يغتسل في ليلة سبع عشر وصحيحة محمد بن مسلم هذه مذكورة في الكافي أيضا في كتاب الصوم في باب الغسل في شهر رمضان ومنها ما روي في الكافي في هذا الباب عن سليمان بن خالد قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) كم اغتسل في شهر رمضان ليلة قال ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين قال قلت فإن شق علي قال في إحدى وعشرين وثلاث وعشرين قال قلت فإن شق علي قال حسبك الان ومنها ما رواه في التهذيب في كتاب الصوم في باب سنن شهر رمضان عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال سئلته عن الليالي التي يستحب فيها الغسل في شهر رمضان فقال ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وقال في ليلة تسع عشرة تكتب وفد الحاج وفيها يفرق كل أمر حكيم وليلة إحدى وعشرين رفع فيها عيسى (عليه السلام) وقبض وصي موسى (عليه السلام) وفيها قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) وليلة ثلاث وعشرين وهي ليلة الجهني و هذه الرواية في الفقيه أيضا في باب الغسل في الليالي المخصوصة في شهر رمضان ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن سماعة عن بي عبد الله (عليه السلام) في آخر حديث وغسل المولود وأوجب غسل الميت واجب وغسل مس الميت واجب وغسل المحرم واجب وغسل يوم عرفة واجب وغسل الزيارة واجب إلا من علة وغسل دخول البيت واجب وغسل دخول الحرام ويستحب أن لا يدخله إلا بغسل وغسل المباهلة واجب وغسل الاستسقاء واجب وغسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب وغسل ليلة إحدى وعشرين سنة وغسل ليلة ثلاث وعشرين سنة لا شركها لانه يرجى في أحديهن ليلة القدر وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى سنة لاأحب تركها وغسل الاستخارة مستحب وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب أنواع الغسل في الفقيه في باب علة الاغسال لكن فيهما تغييرات ومنها ما رواه الكافي في باب أنواع الغسل عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول الغسل من الجنابة ويوم الجمعة والعيدين وحين تحرم وحين تدخل مكة والمدينة ويوم تزور البيت وحين تدخل الكعبة وفي ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا ومنها ما رواه التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)

[ 44 ]

قال الغسل من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين ويوم عرفة وثلاث ليال في شهر رمضان وحين تدخل الحرم وإذا أردت دخول البيت الحرام وإذا أردت دخول مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ومن غسل الميت والظاهر إن ثلاث ليال ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين من شهر رمضان ومن غسل ميتا ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين ويوم عرفة أو ثلاث ليال في شهر رمضان وحين تدخل الحرم وإذا أردت دخول مسجد النبي (صلى اللله عليه وآله) ومن غسل الميت والظاهر أن الثلاث ليال ليلة سبع عشرة وإحدى وعشرين إلى غير ذلك من الروايات وأنت خبير بأن الاولى أن يذكر المصنف أول ليلة منه أيضا بخصوصه لورود الروايات وذكر الاصحاب له واعلم إن إطلاق العبارات يقتضي إجزاء الغسل في أي جزء كان من الليل ويدل عليه أيضا ما رواه الكافي في باب الغسل في شهر رمضان عن عيص بن قاسم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الليلة التي يطلب فيها ما يطلب متى الغسل فقال من أول الليل وإن شئت حيث تقوم من آخره وسئلته عن القيام فقال تقوم أوله وآخره فما ورد من أن الغسل أو الليل مثل رواية محمد بن مسلم المتقدمة آنفا ورواية بكير بن أعين الاتية عن قريب وحسنة زرارة وفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في الكافي في باب المذكور قال الغسل في شهر رمضان عند وجوب الشمس قبيله ثم يصلي ثم يفطر وفي الفقيه أيضا في باب الغسل في الليالي المخصوصة إنما يحمل على الافضلية جمعا بين الروايات الاخيرة كأنها تدل على وقوع الغسل قبل الليل هذا وقد روى في آخر زيادات كتاب صوم التهذيب في الصحيح عن بريد قال رأيته والظاهر أنه الامام (عليه السلام) اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرتين مرة من أول الليل ومرة من آخر الليل ولا يأمن بالقول باستحباب الغسل مرتين لو سلم ظهور الرواية في أنها الليلة (وليلة الفطر) يدل عليه ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن الحسين بن راشد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما ينبغي لنا أن نعمل في ليلة الفطر قال فقال إذا غربت الشمس فاغتسل فإذا صليت الثلاث ركعات فارفع يديك وقل تمام الحديث (ويومي العيدين) استحباب الغسل فيهما فيما مذهب العلماء كافة كما ذكره وحكى الوجوب عن ظاهرية ويدل عليه الروايات السابقة ورواية الحلبي وعلي بن يقطين المتقدمة في غسل الجمعة وما رواه في التهذيب أيضا في باب الاغسال عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الغسل من الجنابة ويوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الاضحى ويوم عرفة عند زوال الشمس ومن غسل ميتا وحين تحرم ودخول مكة والمدينة ودخول الكعبة وغسل الزيارة والثلاث الليالي من شهر رمضان والظاهر امتداد وقت الغسل فيهما إلى الليل لاطلاق اللفظ وقال المصنف في الذكرى ويتخرج من تعليل الجمعة أنه إلى الصلوة أو إلى الزوال الذي هو وقت صلوة العيد وهو ظاهر الاصحاب ولا يخفى ضعف التعليل لكن لو ثبت أنه ظاهر الاصحاب وظهر الاشتهار بينهم فالاولى العمل به ويؤيده أيضا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات الجزء الثاني من كتاب الصلوة في الموثق عن عمار الساباطي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى صلى قال إن كان في وقت فعليه أن يغتسل ويعيد الصلوة وإن مضى الوقت فقد جازت صلوته (وليلتي نصف رجب وشعبان ويوم المبعث) أما ليلة النصف من شعبان ففيها روايتان ضعيفتان أحديهما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب وفي باب الاغسال عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه ذلك تخفيف من ربكم وثانيتهما ما رواه أيضا في المصباح عن سالم مولى حذيفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال من تطهر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر وساق الحديث إلى قوله قضى الله له ثلاث حوائج ثم إن سأل أن يراني في ليلته رآني وأما ليلة النصف من رجب ويوم المبعث وهو يوم السابع والعشرين فقد ذكرهما الشيخ (ره) في الجمل والمصباح والمبسوط وقال المصنف (ره) في الذكرى ولم يصل إلينا خبر فيهما وقال المحقق (ره) في المعتبر وربما كان لشرف الوقتين والغسل مستحب مطلقا فلا بأس بالمتابعة فيه ولا يخفى أن استحباب الغسل مطلقا محل تأمل وقد رأيت أيضا بخط بعض العلماء ما صورته في كتاب الاقبال عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوله وأوسطه وآخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (والمولد) المراد مولد النبي (صلى الله عليه وآله) وهو اليوم السابع عشر من ربيع الاول على المشهور ولم نقف إلى الان على مستنده (والغدير) وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ذكر الشيخ (ره) في التهذيب إجماع الفرقة المحقة عليه وروى أيضا في باب صلوة الغدير عن علي بن الحسين العبدي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ومن صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن يزول مقدار نصف ساعة وساق الحديث إلى أن قال عدلت عند الله عز وجل مائة الف حجة ومائة ألف عمرة إلى آخر الحديث (والتروية وعرفة) وهما اليوم الثامن والتاسع من ذي الحجة ويدل عليه الورايات السابقة وما في بعضها من لفظ الوجوب محمول على تأكد الاستحباب لما عرفت (والدحو) أي دحو الارض من تحت الكعبة وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة قال المصنف في الذكرى وذكر الاصحاب لدحو الارض الخامس والعشرين من ذي القعدة انتهى وهذا يشعر بأن لا مستند له سوى قول الاصحاب ولا بأس به (والمباهلة) وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة وقيل الخامس والعشرون وقد مر ما يدل عليه ولفظ الوجوب محمول على تأكد الاستحباب (والنيروز لخبر معلى) وهو أول سنة الفرس وقد فسر بحلول الشمس الحمل وبعاشر آيار وبأول يوم من شهر فروردين القديم الفارسي قال المصنف في الذكرى وفي المعلى قول مع عدم اشتهاره انتهى ولا

[ 45 ]

يخفى أن حسنة من سمع شيئا من الثواب يكفي في هذا المقام ولا حاجة إلى الشهرة وصحة المستند والاحرام والطواف ورمى الجمار وسيجئ إنشاء الله تعالى مفصلا في كتاب الحج (والسعي إلى رؤية المصلوب بعد ثلاث عمدا) قال الصدوق (ره) في الفقيه وروى أن من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه الغسل عقوبة ونقل عن أبي الصلاح القول بالوجوب ويمكن أن يكون مذهب الصدوق أيضا لان أكثر ما يرويه في هذا الكتاب مذهب له ويعول عليه ولم يحصل الاطلاع على رواية أخرى في هذا الباب وبمجرد هذه الرواية الحكم بالوجوب ضعيف نعم القول بالاستحباب لا بأس به للرواية والشهرة ثم أن الظاهر أن مجرد السعي لا يكفي في الاستحباب كما هو ظاهر عبارة المتن وفي بعض عبارات الاصحاب بل يتوقف على الرؤية كما يدل عليه الرواية المذكورة وأنه لا فرق بين من صلب بحق أو ظلم وبين من صلب على الهيئة المعتبرة شرعا وغيره لاطلاق الرواية وعدم المخصص إلا أن المصلوب في عرف الشرع حقيقة في المصلوب حقا على الهيئة الشرعية ولا يخلو من بعد لاصالة عدم النقل (وزيارة النبي (صلى الله عليه وآله) أو أحد الائمة (عليه السلام) الاخبار الواردة في استحباب الغسل لزيارتهم (عليه السلام) عليهم السلام كثيرة ذكرها القوم في بيان كيفية زيارتهم وأما الزيارة ويوم الزيارة الواقعتين في الروايات المتقدمة فالظاهر إن المراد منهما زيارة البيت أي الطواف بقرينة المقام والاستسقاء مستندة ما مر من قوله (عليه السلام) وغسل الاستسقاء واجب والوجوب محمول على تأكد الاستحباب للاصل والقرينة والاتفاق كما مر مرارا ودخول الكعبة (ومكة والحرم والمدينة ومسجديهما) قد مر ما يدل على جميع ذلك سوى المسجد الحرام إلا أن يحمل البيت الحرام الواقع في رواية محمد بن مسلم المتقدمة على المسجد دون الكعبة أو يقال أن الغسل لدخول المسجد هو بعينه الغسل للزيارة أي الطواف وسيجئ بعض الروايات الاخر في هذه الابواب في مبحث الحج إنشاء الله تعالى (ولصلوة الحاجة والاستخارة) قيل ليس المراد أي صلوة اقترحها المكلف لاحد الامرين بل المراد بذلك ما نقله الاصحاب عن الائمة (عليه السلام) وله مظان فليطلب منها انتهى ولا يخفى أن هذا في صلوة الحاجة موجه لان الغسل عبارة متوقفة على الاذن ولا إذن فيه لصلوة الحاجة عموما فليقتصر على موضع الاذن أما صلوة الاستخارة فلا لاطلاق ما مر من أن غسل الاستخارة مستحب وحمله على العهد بعيد بل الظاهر أن لا يقيد بصلوة الاستخارة أيضا بل يقال باستحبابه للاستخارة مطلقا وعلى هذا يمكن أن يجعل الاستخارة معطوفة على صلوة الحاج لا الحاجة (والمولد حين يولد) قال ابن حمزة بوجوبه لما في رواية سماعة المتقدمة من لفظ الوجوب وجوابه قد مر مرارا نعم الاستحباب ظاهرا والكسوف المستوعب مع تعمد الترك اختلف الاصحاب في هذه المسألة فالسيد المرتضى (ره) في المسائل المصرية الثالثة وأبو الصلاح وسلار وذهبوا إلى وجوبه كما ذكره العلامة (ره) في المختلف وقال المفيد (ره) في المقنعة وغسل قاضي صلوة الكسوف لتركه إياها متعمدا سنة ولم يتعرض للاستيعاب والظاهر أن مراده استحباب الغسل عند الاستيعاب لنقل الاجماع على عدم الاستحباب بدونه كما في ظاهر السرائر لكن كلام المحقق في المعتبر يشعر بخلافه حيث قال واختلف الاصحاب في غسل قاضي الكسوف فقال الشيخ باستحبابه إذا احترق القرص كله وترك الصلوة متعمدا واقتصر المفيد وعلم الهدى على تركها متعمدا انتهى وكان المرتضى (ره) قال بالاستحباب في غير المسايل المصرية وهو اختيار ابن البراج وابن إدريس كما ذكر في المختلف وذكر فيه أيضا وللشيخ قولان كالمذهبين ففي النهاية و الجمل والخلاف يجب القضاء مع الغسل وفي موضع من الجمل أنه يستحب ولم يتعرض في المبسوط لوجوبه بل قال يقضيها مع الغسل وكذا قال ابن بابويه ولم يتعرض ابن أبي عقيل لهذا الغسل بوجوب ولا استحباب انتهى وكأنه (ره) لم يراجع مبحث الاغسال في المبسوط لانه قد صرح فيه باستحباب الغسل قال (ره) في طي تعداد الاغسال المندوبة وغسل قاضي صلوة الكسوف إذا احترق القرص كله وتركها متعمدا وحجة القول بالوجوب روايات منها ما رواه في الفقيه في باب علة الاغسال مرسلا عن الباقر (عليه السلام) في أثناء الخبر الذي قدمناه سابقا وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاستيقظت ولم تصل فعليك أن تغتسل وتقضي الصلوة ومنها ما رواه في التهذيب في باب الاغسال عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يصل فليغتسل من غدو ليقضي الصلوة وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل وروى هذه الرواية في باب صلوة الكسوف أيضا بادنى تغيير حيث فيه موضع ولم يصل فكسل أن يصلي وهذه الرواية وإن كانت مطلقة غير مقيدة بالاستيعاب لكن يجب تقيدها به لدلالة بعض الروايات على عدم القضاء في الترك بغير عمدا إذا لم يستوعب الاحتراق والروايتان وإن كانتا مختصتين بالقمر صريحا وظاهرا وبالترك بعد الاستيقاظ لكن لم يعتبر التخصيصان اتفاقا كما هو الظاهر وأجيب عنهما بالطعن في السند للارسال وبمنع الدلالة على الوجوب وفيه إشكال لان ظاهر عليك وإن لم يكن للوجوب لكن مع انضمامه بالصلوة التي هي واجبة كأنه ظاهر فيه والامر في الحديث الثاني أيضا أمره كذلك من حيث اقترانه بالاصل بالصلوة ومنها ما رواه في التهذيب أيضا في باب الاغسال في آخر الحديث المنقول سابقا عن محمد بن مسلم وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغستل والرواية وإن كانت صحيحة السند لكن دلالتها على المطلب قاصرة إذ ليس فيها إن الغسل للقضاء ومع

[ 46 ]

تعمد الترك بل ظاهره إن الغسل بسبب احتراق كل القرص ولا بعد فيه لجواز أن يجب أو يستحب الغسل بسبب الكسوف لانه محل الفزع إلى الله تعالى واللجاء إليه فلا يبعد حسن التطهر وعلى هذا يبعد القول باستحباب الغسل للكسوف للرواية مع صحة سندها إن لم نقل بالوجوب لعدم ظهورها فيه وعدم قول من الاصحاب ولا تظنن إن القول بالاستحباب أيضا أحداث قول جديد لما سيظهر من الكلام الذي نقله عن العلامة (ره) في المختلف من وجود القول به لكن يخدشه جواز حملها على العهد إذ يجوز أن يكون الغسل لقضاء الكسوف دونه معلوما شايعا بينهم فيكون قوله (عليه السلام) وغسل الكسوف إشارة إليه وقوله إذا احترق إلى بيان اشتراطه باستيعاب الاحتراق لا يقال صرف الكلام عن الظاهر بمجرد الاحتمال غير جايز وإلا لارتفع الامان عن الظواهر لان هذا الاحتمال ظاهر لشيوع ذلك الغسل للقضاء بينهم وورود الروايات فيه هذا واحتج العلامة (ره) في المختلف على الاستحباب بأصالة البرائة وقوله (عليه السلام) من فاتته صلوة فليصلها كما فاتته وكما لا يجب في الاداء الغسل بل هو مستحب كذلك للقضاء ولحديث سعد عن الصادق (عليه السلام) المنقول سابقا من أن الاغسال أربعة عشر واحد فريضة والباقي سنة والجواب عن الثاني إن غاية ما يستفاد من الخبر أن صلوة القضاء يجب أن يكون مثل الاداء فيما هو داخل في حقيقة الصلوة وأما في الامور الخارجة فلا وعن الثالث بما مر من أن السنة لا ظهور لها في الاستحباب وعلى تقدير الظهور أيضا نقول إن الحمل عليه مستلزم للتخصيص البتة لوجوب بعض الاغسال الاخر اتفاقا والتخصيص لا رجحان له على المجاز فلم لم يجوز فيها بحملها على المعنى الثابت بالسنة مثلا وأما أصل البارئة فإنما يتمسك به إذا لم يكن مخرج عن الاصل وقد ذكرنا ما هو المخرج لكن لا يخفى أن الكلام في صلاحيته للاخراج لان مرسلة الصدوق (ره) وإن كانت معتبره بحكمه (ره) بصحة جميع ما في الكتاب وإنه حجة فيما بينه وبين الله تعالى خصوصا مع اعتضادها بالمرسلة الاخرى وتأييدها في الجملة بالصحيحة الاخرى لكنها ليست مما لم يناقش فيه ولم يكن للكلام فيه مجال كما لا يخفى خصوصا مع عدم اشتهار العمل بين الاصحاب ومع هذا كله ظهور الدلالة على الوجوب أيضا ظهورا يصلح للاعتماد غير ظاهر وما ذكرنا سابقا من وجه الظهور ليس مما يسكن إليه ويعتمد عليه فأذن الحكم بالوجوب مشكل فينبغي إبقاء الاصل على حاله لكن لا بد من الاحتياط التام فيه وعدم الترك مهما أمكن لان الخطب أعظم من ذلك وقد ظهر في طي ما ذكرنا إن كلام المفيد والمرتضى (ره) لو حملا على ظاهرهما وجعلا قولا ثالثا لكان هو مما لا دليل عليه لان الروايات المذكورة الحكم في إثنين منهما مقيد بالاستيعاب صريحا وفي الاخرى أيضا لا بد من التقييد لما ذكرنا وقد يقال أنه يمكن حمل الرواية على ظاهرها والجمع بينها وبين ما يدل على عدم القضاء في صورة عدم الاستيعاب بأن يحمل قوله (عليه لسلام) وإن لم يستيقظ على أن في صورة عدم العلم بالانكشاف و يجب القضاء في الجملة وهو حال الاستيعاب لا أنه يجب القضاء في جميع أفراده بخلاف الغسل إذ لم يجب أصلا ويخلو من بعد أو يحمل الامر بالقضاء مطلقا على نفي الاستحباب وما يدل على نفي القضاء في صورة عدم الاستيعاب على نفي الوجوب وهذا موقوف على وجود القول بالاستحباب لئلا يكون خلافا للاجماع وأما على مذهب المفيد (ره) من وجوب القضاء مع احتراق البعض ؟ فلا إشكال ولا يخفى عليك أن المطلق وإن لم يجب حمله على المقيد في مثل هذا المقام لكن لا شك إن التقييد في الروايتين المذكورتين إنما يضعف الظن بإطلاق هذه الرواية خصوصا مع وجود المعارض للاطلاق والاحتياج إلى ارتكاب مثل التوجيهين المذكورين مع ما فيهما من الخدشة وخصوصا مع العمل بمفهوم الشرط فالاولى الاقتصار في الحكم بالاستحباب على صورة االاستيعاب فإن قلت قول المفيد (ره) والمرتضى (ره) بالاستحباب يكفي في الحكم به لدلالة حسنة من سمع شيئا المتقدمة قلت الحكم بالاستحباب وإن كان يكتفي فيه بأدنى مستند لكن الظاهر أنه لا بد أن يكون مستندا إلى روايه من أصحاب العصمة وظهور دلالة الرواية مع عدم العلم بوضعها وأما قول بعض العلماء بالاستحباب الظاهر أنه من الاجتهاد المظنون الخطأ فلا عبرة به وكذا الشهرة التي يظن أنها ناشية من الاجتهاد ومع ظن خطأه هذا واستقرب العلامة في النهاية استحبابه لجاهل وجوب الصلوة أيضا وفيه إشكال إذ لا ظهور للروايتين في شمول الحكم له مع وجود النسخة المذكور الظاهرة في المتعمد وكون حكمه حكم المتعمد في بعض الصور لا يستلزم الكلية (والتوبة) مستندها ما رواه الشيخ في التهذيب في باب الاغسال قال روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن رجلا جاء إليه فقال أن لي جيرانا ولهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا مني لهن فقال (عليه السلام) لا تفعل فقال والله ما هو شئ آتيه برجلي إنما هو سماع إسماعه بأذني فقال الصادق (عليه السلام) تالله أنت أما سمعت الله يقول أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا فقال الرجل كأني لم أسمع بهذه الاية من كتاب الله عز وجل من عربي ولا عجمي لا جرم وأني قد تركتها فأنى استغفر الله تعالى فقال له الصادق (عليه السلام) قم واغتسل وصل ما بدا لك فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما أسوء حالك لو مت على ذلك استغفر الله وأسئله التوبة من كل ما يكره فإنه لا يكره إلا القبيح والقبيح دعه لاهله فإن لكل أهلا وهذه الرواية في أواخر كتاب اشتريته وفي الكافي أيضا في باب الغناء مسندة وفي الفقيه أيضا في باب علة الاغسال مرسلة ثم إن بعض الاصحاب كالعلامة (ره) في القواعد قال باستحباب الغسل للتوبة عن فسق أو كفر وقال شارحه المحقق (ره) لا فرق في الفسق بين كونه عن صغيرة أو كبيرة وعن المفيد (ره) التقييد بالكبائر والخبر يدفعه انتهى وفيه نظر لان الظاهر أن الخبر هو الذي ذكرناه دون غيره

[ 47 ]

إذا لم نطلع على خبر سواه وقد اعترف الاصحاب به أيضا ودلالة الخبر على الغسل للتوبة عن الصغاير ممنوع إذ كون سماع الغناء من الصغاير غير معلوم وعلى تقديره أيضا نقول إن الخبر دال على إصرار الرجل عليه ولا صغيرة مع الاصرار فحينئذ إصراره في الصغاير مشكل مع أن في الكبائر أيضا إشكال بناء على اختصاص الرواية بمورد خاص من غير دلالة على الشمول قال المحقق (ره) في المعتبر وهذه مرسلة وهي متناولة لصورة معينة فلا يتناول غيرها والعمدة فتوى الاصحاب منضما إلى أن الغسل خير فيكون مرادا ولانه تفال بغسل الذنب والخروج من ذنبه انتهى وهذا وإن كان في قوله الغسل خير على إطلاقه أو في تأمل كما ذكرنا سابقا أيضا وكذا في قوله ولانه ؟ لان إثبات الاحكام بمثل هذه الوجوه العقلية غير مناسب نعم إيراد هذه النكات بعد ثبوت الحكم بالدليل الشرعي لا بأس به على سبيل الاحتمال لا عل سبيل الجزم لان حكم الله تعالى مخفية كثيرة لا سبيل للعقل إلى إدراكها والاحاطة بها ولا يذهب عليك إن كلام العلامة (ره) أيضا يمكن أن يكون موافقا لكلام المفيد في التقييد بالكبائر لان الفسق ظاهره ما به يخرج من العدالة لا الذنب مطلقا والصغيرة لا يوجب الخروج عن العدالة لكن كلامه (ره) في النهاية ظاهر في التعميم وبما ذكرنا ظهر إن اختصاص الحكم بالكبائر أولى لعدم ثبوت شهره التعميم هذا إذا كانت الصغيرة محتاجة إلى التوبة إذ على عدم الاحتياج خارجة عن البحث وأما التوبة عن الكفر فالظاهر استحباب الغسل له للشهرة بالاجماع منا كما يشعر به عبارة المحقق في المعتبر قال الكافر إذا أسلم لم يجب عليه الغسل بل يستحب كما يستحب الغسل بل يستحب كما يستحب الغسل للتائب وهو مذهب الاصحاب وأكثر علماء الجمهور وقال مالك يجب انتهى والدليل على عدم الوجوب مع قطع النظر عن الشهرة أو الاجماع منا الاصل وعدم دليل ظاهر على خلافه ويؤيده أيضا أنه أسلم جماعة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمرهم بالغسل إذ فلو أمر لنقل وفيه أيضا ضعف لما سيظهر وما نقل من أمره (عليه السلام) لبعض بالغسل لعله إنما يكون لوقوع بعض الاسباب منهم مثل الجنابة إذ الغالب عدم الانفكاك عنه فإن وجوب الغسل بعد حدوث السبب مما لا خلاف فيه أو يكون أمره (عليه السلام) للندب (وقتل الوزغ) قال الصدوق (ره) في الفقيه وروى إن من قتل وزغا فعليه الغسل وقال بعض مشايخنا أن العلة في ذلك أنه يخرج عن ذنوبه فيغتسل منها وقال المحقق في المعتبر وعندي أن ما ذكره ابن بابويه (ره) ليس حجة وما ذكره المعلل ليس طايلا لانه لو صحت علته لما اختص الوزغة انتهى والظاهر إن ما رواه الصدوق (ره) يكفي حجة في هذا الباب لما مر مرارا من التسامح في السنن والعلة التي ذكرها بعض المشايخ نكتة مناسبة فلا يحسن الايراد عليه بعدم الاطراد (ويقتضي غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر لرواية بكير عن الصادق (عليه السلام) قد ذكر هذا الحكم في الذكرى أيضا قال وروى بكير بن أعين عنه (عليه السلام) قضاء غسل ليالي الافراد الثلاث بعد الفجر إن فاته ليلا انتهى والظاهر إن مراده من رواية بكير ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في آخر باب الاغسال عنه قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام في أي الليالي اغتسل في شهر رمضان قال في تسع عشرة وفي إحدى وعشرين وفي ثلاث وعشرين والغسل أول الليل قلت فإن نام بعد الغسل قال هو مثل غسل الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك إذ لم نجد في الكتب الاربعة رواية أخرى عنه في هذا الباب وأنت خبير بأن حمل الرواية على ما فهمه (ره) فاسد لمنافاته لقوله فإن نام بعد الغسل بل معناها كما هو الظاهر أن الغسل في أول الليل يجزي إلى آخره ولا يبطله النوم كما أن غسل الجمعة أيضا إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك لتمام اليوم ولا حاجة إلى إعادته بعد الحديث كما أشير إليه في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة اللهم إلا أن يكون الرواية في كتاب آخر أو تكون نسخة تهذيبه مخالفة لما ذكرنا والله أعلم (ولا يرفع الغسل المندوب الحدث خلافا للمرتضى (ره) واعلم أن ها هنا مقامين الاول عدم رفع الغسل المندوب للحدث الاكبر وسنشرح القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان تداخل أسباب الاغسال والثاني عدم رفعه للحدث الاصغر ولما علمت سابقا عدم تشخص معنى الحدث ورفعه فتعبر عن هذا المطلب بعدم كفايته عن الوضوء للصلوة والحاصل أن اخلاف في أنه بمجرد هذه الاغسال هل يستبيح الدخول في الصلوة ولا يحتاج إلى الوضوء قبلها أو بعدها أولا فالمشهور أنه لا يستباح بها الدخول بل لا بد من الوضوء قبل أو بعد والمرتضى (ره) على أنه يستباح به الدخول ولا حاجة إلى الوضوء لا قبل ولا بعد وهو مختار ابن الجنيد أيضا كما نقل في المختلف والاظهر ما ذهب إليه المرتضى (ره) لنا ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الغسل يجزي عن الوضوء وأي وضوء أطهر من الغسل وفي الكافي أيضا في باب صفة الغسل والوضوء قبله وروى أي وضوء أطهر من الغسل والايراد عليه بجعل اللام للعهد الخارجي إشارة إلى غسل الجنابة أو العهد الذهني من دون إشارة في الكلام لكن تحققه في ضمن غسل الجنابة في الواقع يدفعه سياق الكلام كما يشهد به الفطرة السليمة على أن الاحتمال الاخير يخرج الكلام عن الفائدة المعتد بها وكذا الايراد بأنه يجوز أن يكون المراد عدم الاحتياج إلى الوضوء لتحقق الغسل لا لاجل الصلوة وهذا أبعد من الاول بكثير لاباء لفظة يجزي عنه كل الاباء ولنا ما رواه أيضا (ره) في الباب المذكور في الصحيح عن حكم بن حكيم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال أقض وساق الحديث إلى أن قال قلت إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلوة قبل الغسل فضحك وقال أي وضوء أنقى من الغسل

[ 48 ]

وأبلغ والسؤال وإن كان مخصوصا بغسل الجنابة لكن العبرة بعموم الجواب والايراد أن السابقان يردان ها هنا أيضا والجواب الجواب ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم الجمعة أو يوم عيد هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده فقال لا ليس عليه قبل ولا بعد قد أجزأه الغسل والمرئة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد قد أخراها الغسل وقد اعترض عليه أيضا بالايراد الثاني وهو بعيد جدا كما يحكم به الوجدان خصوصا مع انضمام هذه الاغسال بغسل الجنابة والتسوية بينهما في الحكم مع أنه يجزي عن الوضوء للصلوة إجماعا ولنا أيضا ما رواه في هذه الباب عن إبراهيم بن محمد أن محمد بن عبد الرحمن الهمداني قال كتب إلي أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يسئله عن الوضوء للصلوة في غسل الجمعة فكتب لا وضوء للصلوة في غسل يوم الجمعة ولا غيره وهذه الرواية وإن لم تكن نقية السند لكنها مما يصلح للتأييد والتقوية للروايات الاخرى وأورد عليه أيضا أنه يجوز أن يكون المراد أنه لا وضوء للصلوة في غسل يوم الجمعة إذا لم يكن وقت الصلوة وأما أجيب بأن الحدث عام فتخصيصه بغير وقت الصلوة يخرجه عن حقيقة تمسك بأنا نمنع العموم لدليل آخر وهو ما يدل على وجوب الوضوء لكل صلوة وسنتكلم عليه في أثناء ذكر أدلة المخالفين ولنا أيضا ما رواه (ره) في الباب المذكور عن حماد بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزيه عن الوضوء فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أي وضوء أطهر من الغسل وعدم نقاوة السند لا يضر كما ذكرنا والايراد عليه والجواب يظهر مما سبق ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الوضوء بعد الغسل بدعة ولنا ما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن سليمان قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الوضوء بعد الغسل بدعة وهذه الرواية في الكافي أيضا في صفة الغسل والوضوء قبله وجه الاستدلال بالحديثين إن القائلين بعدم إجزاء الغسل عن الوضوء يقولون بوجوب الوضوء قبل أو بعد من غير اختصاص بالغسل اتفاقا كما يظهر من كلام ابن إدريس (ره) في السرائر حيث قال في هذا المقام وقد يوجد في بعض كتب أصحابنا في كيفية غسل الحايض مثل كيفية غسل الجنب ويزيد بوجوب تقديم الوضوء على الغسل وهذا غير واضح من قائله بل الزيادة على غسل الجنابة أن لا يستبيح الحايض إذا طهرت بغسل حيضها وبمجرده للصلوة كما يستبيح الجنب سواء قدمت الوضوء أو أخرت فإن أراد يجب تقديم الوضوء على الغسل فغير صحيح بلا خلاف انتهى وهذا ظاهر في الاتفاق الذي ذكرنا إذ لا فرق في هذا المعنى بين غسل الحيض والاغسال المندوبة اتفاقا وحينئذ نقول قد دلت الروايتان على عدم جواز الوضوء بعد الغسل فلم يكن واجبا قبله أيضا وإلا يلزم خرق الاجماع المركب لكن الظاهر من كلام بعض الاصحاب وقوع الخلاف في وجوب التقديم وحينئذ لا يتم ما ذكرنا لكنه يكون إلزاميا على الاكثرين منهم حيث يقولون بالتخيير بين التقديم والتأخير وضعف السند الاخير قد عرفت أنه لا يضر والايراد والجواب فيهما أيضا يستنبط مما ذكر احتج القائلون بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية وجه الاستدلال إن سبحانه أمر مريد القيام إلى الصلوة مطلقا بالوضوء وهو عام فيمن اغتسل وغيره فيجب الوضوء مع الغسل والجواب أما أولا فيمنع العموم لانه كلمة إذا ليس من إدانة بل للاهمال وأما ثانيا فلوجود المخصص مما أوردنا من الروايات فإن قلت ما أوردته من الروايات ليس نصا في المطلوب وهو ظاهر بل ظاهرا فحينئذ لم لم تحملها على خلاف الظاهر من التأويلات المتقدمة وتخصيص الاية الكريمة مع أن التخصيص أيضا خلاف الظاهر قلت ارتكاب مثل هذا التخصيص أيضا خلاف الظاهر قلت ارتكاب مثل هذا التخصيص ليس فيه خلاف ظاهر كثيرا لشيوعه وتعارفه لخلاف التأويلات في الروايات إذ فيها يلزم ارتكاب خلاف الظاهر كثيرا خصوصا في بعضها وأيضا لو سلم التساوى فتعارضا وتساقطها والاصل معنا وبهذا ظهر الجواب أيضا عما يقال إن بين الاية وبين بعض الروايات المذكورة كرواية إبراهيم بن محمد عموما من وجه لشمولها الوقت وقبل الوقت فلم نخصص الاية بها ولم يعكس هذا مع صلاحية هذه الرواية لمعارضة الاية لكنها لم يصح لضعف سندها إلا أنك قد عرفت أن إيرادها للتأييد والتقوية لا أنها بمجردها دليل تام وقس عليه الاية الكريمة الروايات المطلقة الدالة على وجوب الوضوء وبما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة ورواه الكافي أيضا في الباب المتقدم ذكره والجواب أما أولا فبالقدح في السند للارسال وما اشتهر بينهم من قبول مراسيل ابن أبي عمير ليس مما لا يناقش فيه كما بين في موضعه وأما ثانيا فبالحمل على الاستحباب إذ لا ظهور له في الوجوب مع إنك قد عرفت أن المخالفين أيضا لا بد أن يحملوه على الاستحباب أما بأجمعهم أو أكثرهم إلا أن يحملوه على الوجوب التخييري ولا يخلو عن بعد ثم لا يخفى إن القائلين بوجوب التقديم إن صح ذلك القول لا يعقل منهم القول به في الاغسال المندوبة وهو ظاهر لان هذا الوضوء أما للصلوة ولا مدله له في الغسل فلا وجه لوجوب تقديمه على كغسل خصوصا في خارج الوقت وأما للغسل ولا معنى للوجوب حينئذ أيضا لعدم معقولية وجوب المعنى بدون وجوب الغاية إلا أن يقولوا بالوجوب بمعنى الاشتراط وبالجملة كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تشويش وأنت خبير بأنه إذا قيل باشتراط الغسل بالوضوء وإن ذلك

[ 49 ]

الوضوء المتقدم إنما هو لصحة الغسل لم يقل بأن كل وضوء مندوب يستباح به الصلوة وأمكن القول بوجوب وضوء آخر بعد الوقت للصلوة وكذا على القول باستحباب الوضوء قبل الغسل لاجل الغسل لكن الظاهر أنه لم يقل أحد به لكنه مظنة الاحتياط كما سيذكر وبما رواه في هذا الباب أيضا عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في كل غسل وضوء إلا الجنابة والجواب ما مر أيضا فإن قلت إذا حملت الروايتين عل الاستحباب فكيف يجمع بينهما وبين ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته قلت كيف أصنع إذا أجنبت قال أغسل كفك وفرجك وتوضأ وضوء الصلوة ثم اغتسل وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن ميسر قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يده ويتوضأ ويغتسل هذا مما قال الله عز وجل ما جعل عليكم في الدين من حرج إذا على ما ذكرت يدل الروايتان السابقتان على نفي استحباب الوضوء مع غسل الجنابة وهاتان الروايتان يدلان لا أقل على الاستحباب قلت أما الرواية الاخيرة فلا ظهور لها في إن المراد من التوضأ المعنى المتعارف انسياق الكلام مشعر بخلافه كما لا يخفى وأما الرواية الاولى فيمكن حملها على التقية إذ الظاهر انهم كانوا قائلين بالوضوء مع غسل الجنابة كما يفهم من بعض الروايات المتقدمة ويؤيده اشتهار القول بعدم الاستحباب بين الاصحاب وإنما ذكره الشيخ (ره) فقط في التهذيب أو نقول بأنه يجوز أن يكون للاستحباب مراتب بعضها آكد من بعض ففي الروايتين المتقدمتين نفى عنه الاستحباب المؤكد الذي في باب الاغسال وفي هذه أثبت أصل الاستحباب ويؤيده ما ذكر في الكافي في الباب المذكور وروى أنه ليس في شئ من الغسل وضوء إلا غسل يوم الجمعة فإن قبله وضوء وعلى هذا يكون الاستحباب في غسل الجمعة آكد وبعده باقي الاغسال سوى غسل الجنابة وبعده غسل الجنابة فارتفع المنافاة وقس عليه حال الرواية الاخيرة أيضا على تقدير تسليم ظهورها في الوضوء المتعارف فإن قلت كيف يجمع بين استحباب الوضوء قبل الغسل وبين ما رواه في التهذيب في الباب المذكور من رواية محمد بن أحمد بن يحيى مرسلا بأن الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة قلت أما أولا فلا عبرة به كما ذكره الشيخ (ره) في التهذيب من أنه مرسل لم يسنده إلى إمام وأما ثانيا فيحمل قوله قبل الغسل على أنه خبر الوضوء وبعده بدعة كلام مستأنف فتطابق الروايات هذا إذا كانت الرواية المنقولة بهذه العبارة ولم يكن ما ذكره الشيخ (ره) نقلا بالمعنى وبما رواه (ره) أيضا في هذا الباب عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل وفيه مع القدح في السند الحمل على الاستحباب مع أنه مخصوص بغسل الجمعة فلا يثبت المدعى بتمامه إلا أن يتمسك بعدم القول بالفرق وبأنه قبل الغسل ممنوع من الدخول في الصلوة وكذا بعده عملا بالاستصحاب وفيه إن ممنوعيته من الدخول في الصلوة قبل الغسل أما بالاجماع أو بالاية والروايات باعتبار عمومها فيرجع فإن كان الاجماع فلا نسلم أنه إذا انعقد الاجماع على حكم في وقت مخصوص أو حال خاص يجب أن يستصحب ذلك الحكم في وقت آخر وحال آخر ليس فيه الاجماع وهو ظاهر وإثباته دون خرط القتاد وإن كان بالاية والروايات باعتبار عمومها فيرجع إلى الدليل السابق ويستدرك أخذ الاستصحاب وقد عرفت الجواب وبما تقدم ظهر أنه كما لا حاجة في هذه الاغسال إلى الوضوء للصلوة كذا لا حاجة إلى الوضوء لتحقق الاغسال لان الاوامر بها مطلقة والاخبار التي تدل على الوضوء فيها أو قبلها قد عرفت جواز حملها على الاستحباب هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام وقد عرفت ما هو الاظهر من القولين لكن مقتضى الاحتياط أن لا يترك الوضوء مع هذه الاغسال للشهرة بين الاصحاب والاحتياط التام إن كان غير وقت الصلوة أن يتوضأ قبل هذه الاغسال بينما غسل الجمعة للروايتين فيه بخصوصه ثم يحدث بعدها ثم يتوضأ للصلوة فإن قلت ما حال ما ذكره بعض الاصحاب كالعلامه (ره) في القواعد حيث قال ولا يشترط في هذه الاغسال الطهارة من الحدثين قلت هذه المسألة إنما يستنبط بعض شقوقها من الكلمات السابقة لان هذه الاغسال أما أن يكون منجزية عن الوضوء كما هو الاظهر وحينئذ فلا ريب في عدم اشتراطها بارتفاع الحدث الاصغر وهو ظاهر وأما غير مجزية عنه وعلى هذا أيضا الظاهر عدم الاشتراط لما مر من إطلاق الامر بها وما ورد من تقديم الامر الوضوء يحمل على الاستحباب هذا حال الحديث الاصغر وأما حال الحدث الاكبر الذي يمكن ارتفاعه حال الغسل كالجنابة مثلا أو الحيض بعد الانقطاع فسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى في بيان تداخل أسباب الغسل وأما الذي لا يمكن ارتفاعه حال الغسل كالحيض قبل الانقطاع فالظاهر أيضا بالنظر إلى إطلاق الاوامر بالغسل من غير تقييد وعدم العلم بأن الغرض رفع الحدث أو التنظيف المتوقف عليه صحة الغسل معه ويؤيده أيضا صحة غسل الاحرام حال الحيض و النفاس كما رواه في التهذيب في باب حكم الحيض عن محمد وفضيل وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تغتسل وغير ذلك وظاهر كلام الشيخ (ره) في المبسوط أيضا يدل عليه حيث قال في أوايل كتاب الحيض ولا يصح منها الغسل ولا الوضوء على وجه يرفعان الحدث لكن روى الكافي في باب ما يجب على الحايض في أوقات الصلوة في الحسن عن محمد بن مسلم

[ 50 ]

قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحايض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله قال أما الطهر فلا ولكنها توضأ في وقت الصلوة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى وهذا بظاهره يدل على عدم صحة غسل يوم الجمعة منها لان الظاهر إن مراد السائل من قوله تطهر الغسل وقوله (عليه السلام) وأما الطهر فلا إنكار للغسل بل يمكن أن يقال بظهوره في العموم أيضا أي عدم صحة الغسل مطلقا وعلى هذا فالاولى أن تترك الحايض الاغسال المندوبة في أثناء الحيض خصوصا غسل يوم الجمعة سوى ما خرج كالاحرام بالدليل لكن إذا كان الاغسال المندوبة واجبة بالنذر وشبهه ففيه إشكال ثم أعلم إنه ظهر بما تقدم أجزاء هذه الاغسال عن الوضوء للصلوة فهل تجزي عن الوضوء الواجب لغير الصلوة والوضوء المندوب وكالوضوء لدخول المساجد أولا الظاهر الاجزاء نظرا إلى إطلاق الروايات السابقة إلا وضوء الحايض فإن فيه ما سبق آنفا نعم إذا جوز لها الغسل حال الحيض لم يبعد أجزاءه عن الوضوء للذكر وأهل الذكر أعلم (ويقدم ما للفعل إلا التوبة والسعي إلى المصلوب وما للزمان فيه) لا يخفى شمول ما للفعل لما للمكان أيضا لان معنى الغسل للمكان الغسل لدخوله فيرجع إلى الفعل وجه ما ذكره ظهر مما تقدم وكان الصواب استثناء قتل الوزغ أيضا لما عرفت من أنه بعد الفعل ويرد عليه أيضا إن حال الغسل للكسوف كحاله للتوبة لانه يمكن أن يجعل للقضاء فيكون مقدما عليه فلا حاجة إلى الاستثناء وإن يجعل للترك فيكون متأخرا عنه فيحتاج إليه وكذا الغسل للتوبة يمكن أن يجعل للصلوة كما يدل عليه ظاهر الرواية المتقدمة وأن يجعل للتوبة فلم لم يستثن غسل الكسوف واستثنى غسل التوبة ويمكن أن يقال أنه لما ينسب دائما ذلك الغسل إلى التوبة بخلاف غسل الكسوف إذ قد ينسب إلى القضاء وقد ينسب إلى الترك فلذا استثنى التوبة دون الكسوف مع أن جعل غسل الكسوف للترك مخل باختصار الضابطة لخروجه عن القسمين حينئذ فيحتاج إلى إيراد قسم آخر (فإن فات أمكن استحباب القضاء مطلقا) الظاهر تعلقه بما للزمان ووجه استحباب القضاء مطلقا غير ظاهرا لا ما ثبت فيه نص أو شهرة كقضاء غسل الجمعة أما بدونهما فلا وما يقال من أنه طاعة في نفسه فلا يؤثر فيها الوقت ضعيف جدا (ويستحب التيمم بدلا عن الوضوء المستحب الرافع) في هذا الحكم على إطلاقه نظر بل استحباب التيمم إنما يكون فيما فيه نص أو إجماع أو شهرة وليس كذلك كل ما يستحب فيه الوضوء الرافع كما هو الظاهر نعم ما ورد فيه الامر الاستحبابي بالطهارة مطلقا كما ورد في دخول المساجد لم يبعد أيضا الحكم باستحباب التيمم حال فقدان الماء لانه طهور أيضا وقد مر في مبحث وجوب التيمم لدخول المساجد ما ينفعك في هذا الموضع وسيجئ في مبحث التيمم أيضا إنشاء الله تعالى ما يتعلق به (وللنوم ولصلوة الجنازة إذا خاف الفوت بالوضوء) يدل على الاول ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في كتاب الصلوة باب ما يقول الرجل إذا أوى إلى فراشه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) من تطهر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده فإن ذكر أنه ليس على وضوء فليتيمم من دثاره كائنا ما كان فإنه لم يزل في صلوة ما ذكر الله عزوجل ولا يخفى إن الرواية يدل على جوازه مع وجود الماء أيضا لكن بشرط أن يذكر عدم الوضوء حال الاضطجاع ويدل ظاهر النص على عدم اشتراط التراب بل يجوز أن يضرب يده على الدثار ثم إن ظاهر الرواية مختص كما ترى بحال ما إذا ذكر في الفراش أنه ليس على وضوء فهل يمكن إطراده في غير ذلك الحال أم لا فاعلم إن ها هنا أمور الاول جواز التيمم على الفراش للنوم مطلقا سواء ذكر في حال الاضطجاع أنه ليس على وضوء أو لا وسواء وجد الماء أو لا وسواء وجد التراب أو لا وهذا الحكم على إطلاقه لا وجه له كما لا يخفى سوى أقسام الصورة الاولى للرواية لكن في بعض أقسامها أيضا إشكال مثل ما إذا ذكر في الفراش عدم الوضوء وكان التراب حاضرا بحيث لم يحتج إلى القيام من الفراش فهل يجوز في هذه الحال التيمم على الدثار أو لا نظرا إلى إطلاق الرواية والى أن الظاهر أنه من قبيل الغالب لعدم التمكن من التراب في هذا الوقت غالبا وكذا الحال إذا تمكن من الوضوء كذلك الثاني جواز التيمم على التراب مع وجود الماء ولا وجه له إلا في الصورة السابقة التي استشكلنا فيها إذ الظاهر حينئذ جواز التيمم على التراب لكن لما كان المشهور بين الاصحاب جوازه مع وجود الماء مطلقا الثالث جواز التيمم على التراب مع فقد الماء ولا يبعد القول حينئذ لجوازه أما على رأى المصنف (ره) فظاهر لانه اعتقد إن الوضوء للنوم رافع للحدث فيستحب التيمم بدلا منه كما ذكره وأما على ما ذكرنا من عدم وضوح هذه الكلية فلقوله (عليه السلام) من تطهر لان التطهر شامل للتيمم أيضا كما مر ولا يذهب عليك أنه إذا جوز التيمم مع فقد الماء فإذا فقد التراب أيضا جاز التيمم بالدثار وإن كان مستيقضا قبل الايواء فيحصل قسم آخر لجواز التيمم على الدثار فتدبر ويدل على الثاني ما رواه الكافي في باب من يصلي على الجنازة وهو على غير وضوء في الحسن عن الحلبي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدركه الجنازة وهو على غير وضوء فإن ذهب يتوضأ فاتته الصلوة عليها قال تيمم وما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الحميد بن سعد قال قلت لابي الحسن (عليه السلام) الجنازة تخرج بها ولست على وضوء فإن ذهبت وأتوضأ فاتتني الصلوة إلى أن أصلي عليها وأنا على غير وضوء قال نكون على طهر أحب إلي وهذه الرواية في التهذيب أيضا بأدنى تغيير في الباب الثاني لباب الصلوة على الاموات والتقريب يظهر بالتأمل وقد أشرنا إليه سابقا وما رواه أيضا في الباب في الموثق عن سماعة قال سئلته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير وضوء كيف يصنع قال يضرب بيديه على حايط اللبن ويتيمم وهذه الرواية في التهذيب أيضا في الباب المذكور وأنت خبير بأن هذه الرواية لا تدل على

[ 51 ]

اختصاص التيمم بما إذا خاف فوت الصلوة واستخراجه من قوله مرت غير ظاهر لكن لم تكن ظاهرة في خلافه أيضا والحكم على خلاف الاصل فالاولى الاقتصار على المتيقن لكن الشيخ (ره) ادعى الاجماع على جوازه مطلقا في الخلاف سواء خاف الفوت أو لا ويتمسك فيه أيضا بهذه الرواية وأورد عليه المحقق في المعتبر أن الاجماع لا نعلمه والخبر ضعيف السند والمتن مقطوع فالتمسك بالاصل من اشتراط عدم الماء في التيمم أولا ما لم يخف فوت الجنازة ورد بأن الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة وعمل الاصحاب بالرواية يجبر ضعفها وأنت خبير بأن الاجماع وإن سلم عدم تحققه فلا أقل من الشهرة العظيمة من الاصحاب و مثل هذه الشهرة يكفي فيما نحن فيه لانه من باب المندوبات والاصل الذي ادعى لو كان ثابتا لكان الامر كما ذكره إذ حينئذ تعارض الندب والحرمة فيصار إليها مع إن دليل الندب ضعيف لكنه ليس بثابت لما علمت من أن هذه الكلية لم يستنبط من الاية والرواية بل إنما يثبت فيه بالاجماع وظاهر فقده فيما نحن فيه نعم الاستدلال بالرواية لا يخلو من شئ لعدم صراحتها في المطلوب كما عرفت وليعلم إن ابن الجنيد (ره) لم يقل بالاطلاق بل إنما قيده بخوف الفوت كما ذكره في الذكرى فدعوى الاجماع من الشيخ كأنه بناء على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب والمصنف (ره) ذهب ظاهرا في الذكرى إلى الاطلاق لكن ظاهر كلامه في هذا الكتاب التقييد هذا ثم إعلم أنه لا وجه لذكر النوم وصلوة الجنازة على حدة إذ هما أيضا داخلان تحت ما يستحب له الوضوء الرافع على مذهب المصنف والاعتذار بأن إفرادهما بالذكر كأنه لاجل أن التيمم جايز لهما مع وجود الماء بخلاف ما عداهما يأباه قوله إذا خاف الفوت بالوضوء لان ما سوى صلوة الجنازة أيضا كذلك إذ مع خوف الفوت بالوضوء يجوز التيمم وإن وجد الماء إلا أن يقال التيمم أن المندوب ليس كذلك مثلا إذا خاف فوات نافلة موقتة مثلا لو اشتغل بالوضوء لما ساغ التيمم حينئذ نعم الحال في الواجب كذلك مع أن المحقق لم يسلم الحكم في الواجب أيضا كما سيجئ إنشاء الله تعالى (وتجديده بحسب الصلوة) على رواية رواها الشيخ (ره) في التهذيب في باب التيمم وأحكامه في الصحيح عن أبي همام عن الرضا (عليه السلام) قال يتيمم لكل صلوة حتى يوجد الماء ويدل أيضا عليه ما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال لا يتمتع بالتيمم إلا صلوة واحدة ونافلتها وإنما حملتا على الاستحباب لعدم الظهور في الوجوب والاصل البرائة وللجمع بينهما وبين الروايات الدالة على خلافهما منها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) يصلي الرجل بتيمم واحد يصلى صلوة الليل والنهار كلها فقال نعم ما لم يحدث أو يصيب ماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الوقت الذي يوجب التيمم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن حماد بن عثمان قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة قال لا هو بمنزلة الماء ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال لا بأس بأن يصلي صلوة الليل والنهار كلها ما لم يحدث أو يصيب الماء (درس يجب الوضوء بالبول والغايط والريح من المعتاد طبيعيا أو عرضيا) وجوب الوضوء لخروج الثلاثة من الموضع الطبيعي مما لا خلاف فيه ولا يشترط فيه الاعتياد بل الخارج أول مرة أيضا يوجب الوضوء ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع روايات منها ما رواه في التهذيب في باب الاحداث الموجبة للطهارة في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) ما ينقض الوضوء فقالا ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر والدبر من البول والغايط أو مني أو ريح والنوم حتى يذهب العقل وكل النوم يكره إلا أن تكون تسمع الصوت وما رواها في هذا الباب بطريق حسن أيضا وروى في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء بطريق حسن وفى الفقيه أيضا في باب ما ينقض الوضوء بإسقاط بعضه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك وروى في الكافي أيضا في الباب المذكور ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أحدهما قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أديم بن الحر أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين إلى غير ذلك مما سنذكر أكثرها إن شاء الله تعالى في المباحث الاتية وكذلك يوجب الوضوء بخروج البول والغايط من المخرج الخلفي في غير الموضع الطبيعي إجماعا كما ذكر في المنتهى ولا يبعد ادعاء دلالة الروايات المذكورة عليه أيضا لصدق الطرفين اللذين أنعم الله بهما عليه ولا يشترط في ذلك الاعتياد وكذا لو انسد الطبيعي وانفتح غيره إجماعا كما هو ظاهر المنتهى وقالوا بعدم اشتراط الاعتياد حينئذ أيضا وإن كان ظاهر كلام العلامة (ره) في النهاية يوهم اشتراطه وأما لو لم ينسد الطبيعي وانفتح غيره ففيه أقوال أحدها النقض بخروج البول والغايط من غير الطبيعي مطلقا سواء كان من تحت المعدة أو فوقها وسواء اعتاد أم لا وهو مذهب ابن ادريس والعلامة في التذكرة وثانيها النقض بخروجهما من دون المعدة وبدونه فلا ولم يشترط الاعتياد وهو مذهب الشيخ (ره) في المبسوط وثالثها النقض بهما مع الاعتياد بدون اعتبار تحتية المعدة وهو مذهب المحقق (ره) في المعتبر والعلامة في المنتهى والقواعد والمصنف في هذا الكتاب والذكرى ورابعها عدم النقض مطلقا سواى كان تحت المعدة أم لا وسواء اعتاد أم لا ولم نعرف لهذا قائلا بعينه لكن كلام العلامة (ره) في المنتهى يشعر بعدم الاجماع على خلافه حيث قال لو اتفق المخرج من غير المعتاد خلقة ينقض الطهارة بخروج الحدث منه اجماعا لانه ما أنعم به وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره أما لو انفتح مخرج آخر والمعتاد على حاله فإن صار معتادا فالاقرب مساواته له في الحكم وإن كان نادرا فالوجه أنه لا ينقض انتهى والاخير أظهر لنا الاصل وعدم دليل صالح

[ 52 ]

للخروج عنه كما سيظهر عند رد الادلة المخالفين والروايات المتقدمة أيضا لحصر الناقص فيها في الخارج عن الطرف الاسفل والطرف الذي أنعم الله به أما الثلاثة الاخيرة فظاهر وأما الاولى فلان السؤال بما الدالة على الاستيعاب ظاهرا يدل على الحصر في الجواب للزوم المطابقة والحال أنه لم يصدق الطرف الاسفل الذي أنعم الله به على الموضع المنفتح المذكور خصوصا بين في الرواية الاولى بأنه الذكر والدبر وعدم صدقهما عليه واضح جدا لكن يمكن المناقشة في هذه الرواية بخصوصها أنها لا ظهور لها في اشتراط الخروج من الطرفين الاسفلين إذ يمكن أن يكون مراده (عليه السلام) أن الناقض شئ من شأنه وعادته أن يخرج من الطرفين وليس ببعيد ولا يذهب عليك أن هذه المناقشة لا يتأتى في الروايات الاخيرة لبعدها حينئذ جدا لغة وعرفا فإن قلت هب أن دلايل الخصوم في هذا الباب ليس بتمام لكن ما تقول في قوله تعالى إذا قمت إلى الصلوة الاية لانه يدل بعمومه على وجوب الوضوء عند كل قيام خرج القيام بعد الوضوء الذي لم يتعقبه حدث أصلا بالاجماع فبقي الباقي ومن جملته القيام بعد الوضوء المتعقب للحدث المتنازع فيه فيجب الوضوء عنده إذ لا إجماع ولا دليل آخر على خروجه فيثبت وجوب الوضوء بعد الحدث المذكور ونقض حكم الوضوء السابق عليه وإذا يثبت في الصلوة يثبت في غيرها أيضا لعدم القول بالفصل قلت أما أولا فبمنع العموم لان إذا للاهمال وقد مر غير مره وعلى تقدير كونها من أدات العموم أيضا نقول قد وردت رواية موثقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن المراد إذا قمتم من النوم وقد تقدم ذكرها ونقل العلامة في المنتهى إجماع المفسرين على ذلك وحينئذ لا دلالة وأما ثانيا فبتسليمه ومنع عدم ما يدل على خروج القيام المذكور لما عرفت من دلالة الروايات على حصر الناقض في الخارج من الطرفين الاسفلين والخارج المتنازع فيه لما لم يكن خارجا منهما لم يكن ناقضا فلم يجب الوضوء بعده فثبت التخصيص وأيضا موثقة ابن بكير المتقدمة من قوله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك توضأت الحديث وما في صحيحة زرارة الاية من قوله وإلا فإنه على يقين من وضوء ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر أيضا يخصصان القيام المذكور وما يقال إن الشك في الحدث وكذا عدم الاستيقان به باعتبار الشك وعدم الاستيقان في الحكم الشرعي بأن الشئ الفلاني حدث مع التيقن بوجوده ليس داخلا في الروايتين بل المراد منهما الشك وعدم الاستيقان بوجود شئ بعد العلم بأنه حدث لا ظهور له لاطلاق اللفظ لغة وعرفا نعم الشك في الحكم إنما لم يعتبر إذا لم يتفحص المأخذ ولم يتبع المدارك وأما الشك بعد التفحص والتتبع فلا هذا ولنذكر الان حجج المخالفين أما بن ادريس (ره) فقد احتج بعموم قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط وهذا وإن كان في باب التيمم لكن لا فرق بينه وبين الوضوء في هذا الحكم إجماعا وأيضا كان الاية يدل على وجوب التطهر بالماء مع وجوده حينئذ وفيه نظر لان الظاهر أن المراد بالغايط في هذا المقام معناه الاصلي وهو الموضع المطمئن من الارض والمجئ منه كناية عن التغوط أو أعم منه ومن التبول والظاهر كونه كناية عن التغوط من الموضع الطبيعي لشيوعه وتبادره ولا أقل من عدم الظهور في الاعم منه وتصير الحكم مشكوكا ولا نسلم وجوب تحصيل البرائة اليقينية من المشكوك بل المسلم وجوب تحصيل البراءة من القدر اليقيني واحتج أيضا بالاخبار ولم يذكرها ونحن نورد ما يصلح ظاهرا للاحتجاج له منه ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يوجب الوضوء إلا من الغايط أو من البول أو ضرطة أو فسوة تجد ريحها ورواه في الزيادات أيضا بأدنى تغيير ومنه ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زكريا بن آدم قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن الناسور قال إنما ينقض الوضوء ثلاث البول والغايط والريح وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء وجه الاستدلال أنه حكم بالنقض على الغايط والبول فالخارج من غير الموضع الطبيعي يجب أن يكون ناقضا إذا صدق عليه سواء خرج من تحت المعدة أو فوقها وسواء اعتيد أم لا لاطلاق اللفظ والجواب أن نفس الغايط والبول ليس بناقض حتى يكون كل ما يصدقان عليه ناقضا وهذا ظاهر فالروايتان إما أن يقال بضهورها في الخروج من الموضع الطبيعي كما يقال بظهور حرمت عليكم الميتة في الاكل أو بإجمالها وعلى التقديرين لا دلالة كما عرفت والقول بظهورها في الخروج مطلقا بعيد وأما الشيخ (ره) فقد فقال في المبسوط والغايط والبول إذا خرجا من غير السبيلين من جرح وغيره فإن خرجا من موضع في البدن دون المعدة نقض الوضوء لعموم قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط وما يروى من الاخبار أن الغايط ينقض الوضوء يتناول ذلك ولا يلزم ما فوق المعدة لان ذلك لا يسمى غايطا انتهى وإلاستدلال بالاية والاخبار على العموم قد عرفت حاله وأما ما ذكره من أن ما يخرج من فوق المعدة لا يسمى غايطا فقد اعترض عليه في المعتبر أنه ضعيف لان الغايط اسم للمطمئن ونقل إلى الفضلة المخصوصة فعند هضم المعدة للطعام وانتزاع الاجزاء الغذائية منه يبقى الثفل فيكف خرج تناوله الاسم ولا اعتبار بالمخرج في تسميته انتهى وهذا اعتراض جيد وقد أجاب عنه بعض المتأخرين (ره) أن غرض الشيخ (ره) أنه إنما يسمى غايطا بعد انحداره من المعدة إلى الامعاء وخلعه الصورة النوعية الكيلوسية التي كانت عليها في المعدة أما قبل الانحدار من المعدة فليس بغايط إنما هو من قبيل القئ وليس مراده وقوع المخرج فيما سفل من المعدة وفيما علاها إذ لا عبرة بتحتية نفس المخرج وفوقيته بل لخروج الخارج بعد انحداره

[ 53 ]

عن المعدة وصيرورته تحتها أو قبل ذلك غاية أنه (ره) عبر عما يخرج قبل الانحدار عنها بما يخرج من فوقها وعما يخرج بعده بما يخرج من تحتها والامر فيه سهل وأنت خبير ببعد هذا التوجيه عن كلام الشيخ (ره) المنقول آنفا جدا وأيضا لو كان مراده ذلك لكان ينبغي أن يقال أنه إن سمى في العرف غايطا فهو ناقض وإلا فلا لان الانحدار عن المعدة وعدمه أمر لا يعلمه كل أحد بخلاف اطلاق الغايط وعدمه فإنه معلوم لكل أحد فجعله مناطا وضابطة لصدق الاطلاق وعدمه ركيك ولا يذهب عليك أنه على هذا التوجيه لكلام الشيخ (ره) يرتفع الخلاف بينه وبين ابن ادريس ويصير قوله قوله بعينه وأما القول الاخر فقد احتج عليه المصنف في الذكرى بأن مع العادة يشمله عموم الاية وقول الصادق (عليه السلام) ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك اللذين أنعم الله بهما عليك لتحقق النعمة بهما وأما مع الندور فلا للاصل والخبر إذ ليس الطرفين وفيه نظر لانا لا نسلم شمول الاية لهذا الفرد ظاهرا بل هي إما ظاهرة في المتعارف المعتاد لاكثر الناس وأما مجملة بالنسبة إليه وإلى الاعم منه ومن المعتاد لبعض وعلى التقديرين لا يثبت المدعى كما مر مرارا وأما شمول الرواية فغير ظاهر جدا لان الاصل في الاضافة العهد وكذا الموصول كما قيل وحينئذ فالظاهر أن يكون إشارة إلى الطرفين المتقارنين وأيضا كيف يدعى في هذا الظرف أنه مما أنعم الله به أذ ظاهر أن الانعام إنما هو في الطرفين الطبيعيين وأما غيرهما فليس من باب النعمة بل النقمة هذا واعلم أن هذا القول الاخير وإن كان مشكلا إثباته لكن الاحوط الاخذ به والتوضأ عند خروج البول والغايط من غير الطبيعي مع الاعتياد خصوصا إذا كان دون المعدة للاشتهار بين الاصحاب وتحصل البرائة اليقينية للشك في شمول الاية والروايات لهذا الفرد وأكمل منه في الاحتياط الاخذ بقول ابن ادريس (ره) وتمام الاحتياط أن يحدث بعد هذا الحدث ويتوضأ ليحصل الجزم بالنية ويتقي التحذير الذي في موثقة ابن بكير المتقدمة وقس على ما ذكرنا من حال الخارج عن غير الطبيعي ما إذا خرجت القعدة متلطخة بالعذرة ثم عادت من غير انفصال العذرة هذا حكم البول والغايط وأما الريح فعند خروجه من الدبر الطبيعي ظاهر حاله كما عرفت وقد قيد في الروايات بأن يكون مما يسمع صوته أو يجد ريحه كصحيحة زرارة المتقدمة في جملة أدلة ابن ادريس وفي زيادات التهذيب زيد فيها بعد ضرطة تسمع صوتها وما رواه أيضا في الزيادات في باب الاحداث في الصحيح عن معوية بن عمار قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه قد خرج منه ريح ولا ينقض وضوئه إلا ريح يسمعها أو يجد ريحها وهذه الرواية في الكافي بطريق حسن في باب ما ينقض الوضوء وما رواه الشيخ أيضا في هذا الباب عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال قلت له أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت فقال ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح ثم قال إن ابليس يجئ فيجلس بين اليتي الرجل فيفسو ليشككه وهذه الرواية في الفقيه أيضا بطريق صحيح بأدنى تغيير في باب ما ينقض الوضوء ولا يذهب عليك أنه إذا حصل الشك في خروج الريح فلا شك في عدم النقض لدلالة هذه الرواية وما ورد رواه أيضا من أنه لا ينقض اليقين بالشك وموثقة ابن بكير وأما إذا حصل اليقين بالخروج ولم يسمع صوت ولم يوجد ريح ففيه شك من حيث التقييد في الروايات بهما أو بأحدهما ومن حيث احتمال أن مراده حصول اليقين بالخروج وذكر هذين الوصفين لانهما مما يوجب اليقين ولم أقف في كلام الاصحاب على نص صريح في هذا الباب لكن الظاهر أنهم اكتفوا بحصول اليقين ولا ريب أنه الاولى والاحوط والله أعلم وأما إذا خرج عن غير الدبر الطبيعي فإن كان من القبل فسيجئ بيانه وإن كان من غيره فإن كان من الدبر الخلقي أو غير الخلقي مع انسداد الطبيعي فالظاهر أن إيجابه أيضا للوضوء إجماعي كالبول والغايط كما يدل عليه اطلاق كلام المنتهى المنقول سابقا وأما مع عدم الانسداد فالظاهر أن الخلاف المنقول عن الشيخ (ره) وابن ادريس (ره) في البول الغايط ليس فيه بل الظاهر من السرائر عدم نقض الخارج من غير الدبر مطلقا والمعتبرون للاعتياد وعدمه في البول والغايط كأنهم يعتبرون فيه أيضا كما يفهم ظاهرا من كلام المنتهى والمعتبر وقد ادعى المعتبرون للاعتياد الاجماع على أن الجشأ لا ينقض الوضوء ولا يعلم أنهم ما يقولون في الجشأ المنتن إذا أعتيد خروج الغايط من الفم كما في بعض الامراض هل يدخلونه تحت الاجماع أو لا وكذا الحال إذا انسد الطبيعي وخروج الفضلة من الفم وبالجملة كلامهم في هذا الباب لا يخلو من إجمال والذي تقتضيه النظر عدم النقض في غير صورة الاجماع كما يظهر وجهه مما تقدم وإن كان الاحوط إحداث الوضوء بعد الخروج من الموضع المعتاد للغايط بعد إيقاع حدث آخر والله أعلم بحقيقة الحال (والنوم الغالب على الحاستين) أي السمع والبصر والمراد بالغلبة كأنه الازالة والابطال كما سيظهر إعلم إن المشهور بين الاصحاب إيجاب النوم للوضوء مطلقا سواء كان مضطجعا أو قائما أو قاعدا منفرجا أو لا ومع تمكن المقعدة من الارض أو لا وسواء كان في حال الصلوة أو غيرها لكن يشترط زوال السمع والبصر وقد نسب إلى العامة بعض التقييدات لا طايل في ذكره وقد يتخيل أيضا ذهاب بعض أصحابنا إلى التقييد لكن لم يصرح به ظاهرا قال العلامة (ره) في المنتهى وروى أبو جعفر ابن بابويه قال سأله سماعة بن مهران عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلوة قائما أو راكعا فقال ليس عليه وضوء قال وسئل موسى بن جعفر

[ 54 ]

(عليه السلام) عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء فقال لا وضوء عليه قاعدا ما لم ينفرج فإن كانت هاتان الروايتان مذهبا له فصارت المسألة خلافية وإلا فلا على أن الشيخ (ره) أباه علي بن بابويه قال ولا يجب إعادة الوضوء إلا من بول أو مني أو غايط أو ريح يستيقنها ولم يذكر النوم انتهى ولا يخفى أنه على تقدير كونه مخالفا بالمشهور يحتمل أن يقيد النوم بكونه في غير وقت الصلوة بالنظر إلى الرواية الاولى كما هو مذهب أبي حنيفة أو تقييده بالانفراج بالنظر إلى الرواية الاخيرة وقد نسب إليه في المنتهى والمعتبر هذا القول الاخير وهذا أيضا يحتمل وجهين يظهر بالتأمل وإذ قد عرفت الحال فنقول المعتمد هو القول بالاطلاق كما هو المشهور لنا صحيحتا زرارة المتقدمتان المتضمنتان للنوم وما رواه التهذيب أيضا في باب الاحداث في الصحيح عن محمد بن عبد الله وعبد الله بن المغيرة قالا سئلنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته فقال إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخفقة والخفقتين فقال ما أدرى ما الخفقة والخفقتين إن الله تعالى يقول بل الانسان على نفسه بصيرة إن عليا (عليه السلام) كان يقول من وجد طعم النوم فإنما وجب عليه الوضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء بزيادة قائما أو قاعدا بعد طعم النوم وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء قال يا زرارة قد ينام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والقلب والاذن فقد وجب الوضوء قلت فإن حرك إلى جنبيه شئ ولم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين أخر وما رواه أيضا في الصحيح في هذا الباب عن معمر بن خلاد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسايد فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال قال يتوضأ قلت له إن الوضوء يشتد عليه فقال إذا خفي عنه الصوت فقد وجب الوضوء عليه وهذا الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور و الاغفاء النوم قال في الصحاح أغفيت إغفاء نمت وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل هل ينقض وضوئه إذا نام وهو جالس قال إن كان يوم الجمعة وهو في المسجد فلا وضوء عليه وذلك أنه في حال ضرورة والاستدلال به من حيث أن قوله (عليه السلام) وذلك أنه في حال ضرورة يدل على أنه في غير حال الضرورة يجب الوضوء ووجه الاستدلال في الجميع أنه علق وجوب الوضوء على مطلق النوم بدون تقييد بحال من الاحوال فيجب الحكم به ما لم يثبت مخصص ولم يثبت لما سيرد عليك من رد ما يظن كونه مخصصا ولنا أيضا ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن اسحق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء الا حدث والنوم حدث واورد على هذا الاستدلال إن الجزء الاول من الرواية يشتمل على عقدين سلبي وإيجابي الاول لا ينقض الوضوء غير الحدث والثاني ينقض حدث والحدث لما كان منكرا في مقام الاثبات يكون معناه فردا ما لا الطبيعة من حيث هي ولا جميع الافراد وظاهر أن العقد الاول لا ينتج مع الجزء الثاني لعدم اتحاد الوسط والعقد الثاني أيضا لا يخلو إما أن يجعل صغرى أو كبرى وأيا ما كان لا ينتج لانه إما أن يترتب القياس هكذا النوم حدث والحدث ناقض ليكون من الشكل الاول وحينئذ لا يكون كبراه كلية بل مهملة لما عرفت فلم يتحقق شرط الانتاج وأما أن يترتب هكذا الناقض حدث والنوم حدث ليكون من الشكل الثاني ولا انتاج لعدم اختلاف مقدمتيه في الكيف وأما أن يترتب هكذا الحدث ناقض والنوم حدث ليكون من الشكل الرابع ولا ينتج أيضا لعدم كليه الصغرى وأجاب عنه العلامة (ره) في المنتهى والمختلف بما حاصلة أن كل واحد من الاحداث فيه جهتا اشتراك وامتياز وجهة الاشتراك وهي مطلق الحدث مغايرة لجهة الامتياز وهي خصوصية كل واحد منها قطعا ولا شك أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا وإلا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز فيحتاج إلى مايز آخر وننقل الكلام حتى يلزم التسلسل وإذا انتفت الحدثية عن المميزات لم يكن لها مدخل في النقض أيضا لنفيه (عليه السلام) النقض عن غير الحدث في العقد السلبي المذكور وإذا لم يكن للخصوصيات مدخل في النقض يلزم استناد النقض يلزم استناد النقض إلى القدر المشترك الذي هو مطلق الحدث وهو موجود في النوم لحكمه (عليه السلام) في الجزء الثاني عليه بأنه حدث وحينئذ نقول كلما تحقق النوم تحقق الحدث وكلما تحقق الحدث تحقق النقض لان وجود العلة يستلزم وجود المعلول وكلما تحقق النوم تحقق النقض وهو المطلوب وفيه نظر إما أولا فلمنع قوله ولا شك أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا قوله وإلا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز ولا بد من مايز آخر قلنا لا نسلم أنه على تقدير كون الخصوصية حدثا يلزم دخول ما به الاشتراك فيما به الامتياز لجواز أن يكون عارضا وتفصيل أن يقال إن طبيعة الحدث المشترك في الاحداث لا يخلو أما أن يكون ذاتيا لها أو عرضيا وعلى الاول إما جنس أو نوع فيكون الامتياز بين الاحداث إما بالفصول أو المشخصات وأيا ما كان لا يلزم من صدق الحدث عليها دخوله فيها ليحتاج إلى جزء آخر مميز بل إنما يصدق عليها صدقا عرضيا كما تقرر من أن الجنس عرض عام بالنسبة إلى الفصول وحينئذ يكون الامتياز بين الانواع والافراد وبين الفصول والمشخصات المشتركة في الحدثية بنفس الذات لا بجزء

[ 55 ]

مميز لعدم الاشتراك في الجزء إذ الحدث جزء ما في الاوليين وعارض في الاخيرين وعلى الثاني فالامر أظهر لان مادة المغالطة حينئذ تضمحل بالكلية كما لا يخفى وقس عليه أيضا إذا كان ذاتيا لبعض وعرضيا لاخر وأما ثانيا فنقول على تقدير تسليم أن تلك الخصوصيات ليست أحداثا لا نسلم أن ليس لها مدخل في النقض قوله أنه (عليه السلام) نفى النقض عن غير الحدث قلنا نفي النقض عنه إنما يستلزم أن لا يكون ناقضا برأسه لم لا يجوز أن يكون جزء للناقض فحينئذ يمكن أن يكون بعض أفراد الحدث المشتمل على تلك الطبيعة وخصوصية معينة ناقضا فيكون الخصوصية أو لا يكون الفرد المشتمل على خصوصية غيرها ناقضا لفوات جزء العلة وقال بعض علمائنا المتأخرين (ر ه) في توجيه هذا الاستدلال بعد أن أورد الاشكال بأنه ليس فيه شرايط الانتاج فأما أن تجعل الحدث في الصغرى بمعنى كل حدث كما قالوه في قوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت من أن المراد كل نفس فيصير في قوة قولنا كل حدث ناقض ويؤل إلى الشكل الرابع فينتج بعض الناقض نوم وأما أن يجعل الصغرى كبرى وبالعكس فيكون من الشكل الاول وأما أنه يستدل على استلزامه للمطلوب وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس كما قالوه في قولنا زيد مقتول بالسيف والسيف آله حديدية فإنه لا شك في انتجاه زيد مقتول بآلة حديدية مع عدم جريانه على وتيرة شئ من الاشكال الاربعة وكما في قولنا زيدا ابن عمرو وعمرو ليس في البلد انتهى وقال في حاشية هذا المقام فإنه إذا قام الدليل في بعض الصور على استلزام المطلب لم يضر عدم استجماع شرايط القياس كما في قولنا كل ممكن حادث وكل وجاب قديم إذ لا شك في التزامه أن لا شئ من الممكن بواجب مع عدم استجماعه شرايط القياس وقس عليه الاستدلال على وجوب التسليم بقولنا شئ من التسليم واجب ولا شئ منه في غير الصلوة بواجب انتهى كلامه رفع مقامه وفيه نظر أما في أول الوجهين فلان النكرة في سياق الاثبات لابد من حملها على العموم من دليل ولا دليل ههنا وما يقال من أن حمله على فرد ما يخرج الكلام عن الفائدة المعتد بها ويلزم الاغراء بالجهل ففيه إن حصول الفايدة المعتد بها في الجزء السلبي كاف في امثال هذا المقام إذ يستفاد منه أن غير الحدث لا ينقض وتلك فائدة تامة لوقوع الاختلاف في نقض بعض أفراد غير الحدث ولا يلزم أن يستفاد منه أيضا نقض جميع الاحداث والاغراء بالجهل غير لازم وإنما يلزم لو لم يتبين أصلا وأما إذا بين في موضع آخر فلا وأما في الاخير فلان ما ذكره من جواز استلزام الدليل المطلوب وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس أما أن يراد به جواز الاستلزام وإن لم يكن مستجمعا لشرايط القياس في الواقع فهو باطل ظاهرا وما نقله من قولهم زيد مقتول بالسيف فالحق أنه أيضا مستجمع لشرايط القياس في الواقع نعم لا يلزم ملاحظة ارجاعه إلى أحد الاشكال الاربعة وليس هذا موضع ذكره وعلى تقدير تسليم عدم استجماعه نقول لا شك أن هذا الحكم مخصوص بهذا القياس أعني ما يكون متعلق محمول صغراه موضوعا في الكبرى لحكم العقل فيه بالانتاج ضرورة ولم يقل أحد من العقلاء باطراده في غيره أصلا كيف وهو مخالف لبديهة العقل والقياسان اللذان ذك‍ رهما في الحاشية فاستجماعهما للشرايط وإرجاعهما إلى الاقيسة المتعارفة ظاهر لان كبرى الاول بمنزلة لا شئ من الواجب بحادث والثاني يرجع إلى قياس استثنائي حاصله أنه لو لم يكن التسليم واجبا في الصلوة لما كان واجبا والثاني باطل فالقدم مثله أما الملازمة فلعدم وجوبه في غير الصلوة وأما بطلان التالي فلوجوبه في الجملة وأما أن يراد به جواز حكم العقل باستلزامه النتيجة وإن لم يلاحظ ارجاعه إلى الاقيسه المنطقية مفصلا فهو حق كما يشهد به الفطرة التسليمة لكن لابد أن يكون في الواقع مستجمعا للشرايط المعتبرة في المنطق وحينئذ لا نسلم أن ما نحن فيه من هذا القبيل أي مما يحكم به العقل ابتداء بدون ملاحظة الارجاع كما لا يخفى بل هو خلاف البديهة ولو تنزل عن كونه خلاف البديهة فنقول لو كان كما ذكره لكان راجعا إلى قياس جامع للشرايط في الواقع كما ذكرنا فليبين أنه ماذا هذا والاجود في توجيه هذا الاستدلال أن يقال أن قوله (عليه السلام) والنوم حدث بعد قوله لا ينقض الوضوء إلا حدث قرينة ظاهرة على أن مراده النوم حدث ناقض للوضوء كما يحكم به الوجدان على أن الظاهر أن قوله (عليه السلام) لبيان حكم شرعي إذ ليس شأنهم (عليهم السلام) بيان اللغة ولا بيان حكم لا دخل له في الاحكام الشرعية أو المعارف الدينية وبالجملة ما لا نفع له في الدين أو الدنيا ولا شك أن الحكم بأن النوم حدث إن لم يتعلق به غرض شرعي يكون من باب الاحكام التي لا نفع له في الدين والدنيا والظاهر أن الغرض الشرعي الذي يتعلق بحدثيته إنما هو النقض فثبت المرام ولنا أيضا ما رواه الشيخ (ره) في الباب المتقدم في الموثق عن ابن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة ما يعني بذلك قال إذا قمتم من النوم قلت ينقض النوم الوضوء فقال نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت وما رواه في هذا الباب أيضا عن سماعة قال سمعت أبا عبد الله عن الرجل ينام وهو ساجد قال ينصرف ويتوضأ وهذه الرواية لا يدل على تمام المدعى إذ لم يثبت به نقض النوم قاعدا مع تمكن المقعدة من الارض وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء وفيه أيضا عدم دلالته على الصورة المذكورة آنفا لجواز أن يكون الحالات للعهد الذكري إشارة إلى الحالات المتقدمه وقد يقال أن التعميم أولى لرجحان التأسيس على التأكيد وما رواه الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء عن سعد عن أبي عبد الله

[ 56 ]

(عليه السلام) قال إذنان وعينان ينام العينان ولا ينام الاذنان وذلك لا ينقض الوضوء فإذا نامت العينان والاذنان انتقض الوضوء هذا جملة ما يمكن أن يستدل به على المطلب وأنت خبير بأنه كما دلت الروايات على نقض النوم كذلك دلت على اشتراطه بإزالة العقل وإبطال السمع والبصر فابتداء النوم الذي لم يصل إلى ذلك الحد لم يكن ناقضا للاشتراط المذكور مع أنه لا يسمى نوما أيضا بل سنة وقال العلامة في التذكرة لو شك في النوم لم ينتقض طهارته وكذا لو تخايل له شئ ولم يعلم أنه منام أو حديث النفس ولو تحقق أنه رؤيا نقض انتهى والظاهر أن ما ذكره آخرا من أنه لو تحقق أنه رؤيا نقض محل نظر إذ يمكن أن يتحقق الرؤيا مع عدم إبطال السمع والعقل إذا قوي الخيال كما تشهد به التجربة وحينئذ فالحكم بالنقض مشكل والله أعلم فإن قلت كيف تجمع بين هذه الروايات والروايت السابقة الدالة على حصر الناقض في الثلاثة أو فيما يخرج من السبيلين قلت نحمل الحصر على الحصر الاضافي بالنسبة إلى آخر غير أشياء النوم مما وقع الخلاف في نقضه كما سيجئ أو نقول بتخصيصها بها وأما ما يمكن أن يستدل به على التقييد ببعض الاحوال فروايات أيضا منها الروايتان المتقدمتان المنقولتان في المختلف عن الفقيه والجواب عنهما أما عن الاولى فبالقدح في السند لان سماعة واقفي وأيضا في طريق الفقيه إليه عثمن ابن عيسى العامري وهو مجهول ويمنع دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه لان المراد من خفق الرأس ابتداء النوم بحيث لا يصل إلى حد النقض قال في الصحاح خفق الرجل حرك رأسه وهو ناعس والظاهر إن النعاس ابتداء النوم وعلى تقدير ظهورها في خلافه فليحمل عليه جمعا بينها وبين ما ذكرنا وأيضا يمكن حملها على التقية لانهم ذهبوا إلى أن النوم في الصلوة ليس بناقض كما نسب إلى أبي حنيفة وأما عن الثاني فبالقدح في السند أيضا للارسال وبالحمل على التقية ؟ إلى أن النوم قاعدا ممكن مع المقعدة من الارض لا ينقض كما نسب إلى الشافعي ومنها ما رواه الشيخ (ره) في الباب المتقدم عن عمران بن حمران أنه سمع عبدا صالحا يقول من نام وهو جالس لم يتعمد النوم فلا وضوء عليه وفيه أيضا القدح في السند لان عمران بن حمران مجهول والحمل على التقية مع جواز حمل قوله (عليه السلام) وهو جالس لم يتعمد النوم على أنه لم يصل إلى حد يبطل عقله ولم يستحفظ نفسه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن بكر بن أبي بكر الحضرمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) هل ينام الرجل وهو جالس فقال كان أبي يقول إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء والجواب عنه أيضا بالطعن في السند لان بكر بن أبي بكر مجهول وبالحمل على التقية كما عرفت وكان في قوله (عليه السلام) كان أبي يقول إيماء إليه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يخفق وهو في الصلوة فقال إذا كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء وأعاده الصلوة وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا إعادة وفيه أيضا الطعن في السند لان في طريقه محمد بن الفضل وهو مشترك والحمل على التقية واعلم إن الشيخ (ره) أول الخبرين السابقين عليه بأن معناهما إن النوم إذا لم يغلب على العقل ويكون الانسان معه متماسكا ضابطا لما يكون منه لم يكن ناقضا فأورد هذا الخبر الاخير للدلالة على صحة تأويله وأنت خبير بأنه (ره) إن كان معتقده النوم ناقض في نفسه وليس نقضه باعتبار احتمال وقوع الحدث فيه لكن بشرط أن يذهب العقل والسمع كما يدل عليه ظاهر الروايات المتقدمة والظاهر أنه المشهور أيضا ففي تأييد هذه الرواية لمطلبه نظر إذ ظاهرها أن نقض النوم باعتبار احتمال الحدث لا باعتباره في نفسه حتى إذا استيقن أنه لم يحدث لم يكن ناقضا وإن اعتقد عدم نقضه في نفسه بل باعتبار احتمال الحدث فدلالتها حينئذ على مدعاه ظاهرة لكنه خلاف ظاهر الروايات المتقدمة وخلاف ظاهر المشهور ولذا لم نذكر هذه الرواية في طي أدلة المذهب المشهور بل أوردناها في المعارضات فإن قلت أي فائدة في هذا الفرق إذ اليقين بعدم الحدث إنما يكون عند عدم زوال العقل والسمع ومع زوالهما لا يقين البتة قلت يمكن أن يحصل اليقين بعدم الحدث مع زوال العقل والسمع بأخبار معصوم مثلا وحينئذ يظهر الفائدة ولا يذهب عليك أن هذه الرواية وإن كان ظاهرها ما ذكرنا لكن يمكن حلمها على ظاهر الروايات وظاهر المشهور كما لا يخفى فليحمل عليه جمعا بين الاخبار (ولو تقديرا) أي إذا كان فاقدا للسمع أو البصر قدر أنه لو كان واجدا لهما هل يحس أو لا وأنت خبير بأن هذا التقدير في غاية التعسر لكن قد علمت أيضا إناطة الحكم بذهاب العقل ووجد أن طعم النوم وعلى هذا الامر سهل لسهولة الاطلاع عليها (ومزيل العقل) اختلف عبارة الاحصاب (ره) ها هنا فالشيخ (ره) في ضمن تعداد نواقض الوضوء قال وكلما أزال العقل من اغماء وجنون وسكر وغير ذلك وقال في النهاية المرض المانع من الذكر وقال المفيد في المقنعة المرض المانع من الذكر والاغماء ومثله قال علم الهدى في المصباح وقال في جمل العلم النوم وما أشبهه من الجنون والمرض وقال ابن الجنيد كلما غلبت على العقل كالغشى والفرغة إذا تطاولت والظاهر إن المراد في الكل واحد والظابط زوال العقل قال المحقق (ره) في المعتبر وضابطه كلما غلب على الحاستين وفيه ما لا يخفى لان الجنون والسكر لا يغلب على الحالتين فالاولى ما ذكرنا لا يقال ليس مراده إن ضابط الاقوال هذا بل ما ضابط يعتقد نقضه من هذه الامور هذا فكأنه اعتقد نقض الغالب على الحاسين فقط لانه يصرح بعد ذلك بنقض السكر ونقض الجنون أيضا الظاهر أنه اجماعي فلا يجوز حصر الناقض في الغالب فقط

[ 57 ]

هذا والمعتمد في هذا الحكم الاجماع كما ذكر العلامة في المنتهى قال كلما غلب على العقل من اغماء أو جنون أو سكر أو غيره ناقض لا نعرف خلافا فيه بين أهل العلم انتهى واستدل عليه أيضا بأن النوم الذي يجوز معه الحدث وإن قل يجب معه الوضوء فمع الاغماء والسكر أولى قال في المعتبر وهذا الاستدلال بالمفهوم لا بالقياس وأنت خبير بأن الروايات المتقدمة ظاهرها إن النوم ناقض مطلقا لا أن نقضه باعتبار احتمال وقوع الحدث فيه إلا رواية أبي الصباح وهي مع عدم صحتها لا يدل أيضا على أن العلة في نقض النوم إنما هو احتمال طرو الحدث بل على إن النوم عند تطرق ذلك الاحتمال ناقض وعند عدمه لا وبمجرد هذا الدوران لا يثبت العليه لجواز أن لا يكون له دخل في العليه أصلا أو يكون خصوصية النوم شرطا إلا يرى أن ذلك الاحتمال في اليقظة لا يوجب الوضوء بل حذر عن الوضوء بسببه فكيف يدعي عليته مطلقا والاولوية التي ادعاها إنما يتم لو ثبت أن العلة هذا كما لا يخفى إذ التحقيق إن القياس بالطريق الاولى إنما يكون فيما يثبت فيه عليه الجامع والفرق بينه وبين منصوص العلة إن العلة يثبت ها هنا بالنص وهناك بالعقل فتدبر ونظيره أيضا الاستدلال بقوله (عليه السلام) إذا ذهب النوم بالعقل والنوم حتى يذهب العقل ونحوه واستدل عليه أيضا برواية معمر بن خلاد المتقدمة قال في المعتبر بعد ذكر هذا الدليل لا يقال صدر الحديث يتضمن الاغفاء وهو من أسماء النوم لانا نقول هذه اللفظ مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة انتهى وأراد بهذا اللفظ قوله (عليه السلام) إذا خفي عنه الصوت فقد وجب عليه الوضوء أورد عليه إن الضمير راجع إلى المحدث عنه وهو المريض الذي اغفى حال القعود فلا يكون مطلقا بل مقيدا بالنوم وربما يقال أن الظاهر من الاغفاء في الرواية الاغماء أما أولا فلدلالة ربما لان الغالب فيها التكثير كما صرح به مغني اللبيب بل ذكر الشيخ الرضي (ره) إن التكثير صار لها كالمعنى الحقيقي والتقليل كالمعنى المجازي المحتاج إلى القرينة وظاهر إن ما يتكثر في حال المرض هو الاغماء دون النوم وأما ثانيا فلدلالة تتمة الحديث المورد في الكافي فقال يؤخر الظهر ويصليها مع العصر يجمع بينهما وكذا المغرب والعشاء لان هذه أيضا مما يشعر بتكثير هذه الحال وتواتره كما لا يخفى والتكثر والتواتر ظاهرا في الاغماء والله أعلم ولا يخفى عليك أن هذا الاستدلال لو فرض تمامه لا يدل على تمام المدعى بل يختص بما خفي فيه الصوت لا الجنون والسكر ونحوهما مع عدم الخفاء وهو ظاهر فالمعتمد هو الاجماع كما ذكرنا سابقا وبعض الاستحاضة سيجئ في بابها إنشاء الله تعالى والخارج من السبيلين إذا استصحب ناقضا النقض به مع استصحاب الناقض مما لا خفاء فيه لدلالة الروايات السابقة عليه ولما رواه الشيخ (ره) أيضا في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن الرجل يكون في صلوته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع قال ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شئ ولم ينقض وضوئه وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء وقال في الكافي وروى إذا كانت ملطخة بالعذرة أعاد الوضوء وأما عدم النقض مع عدم الاستصحاب كما هو مفهوم العبارة فليحصر الناقض في الروايات المتقدمة في البول والغايط والريح ولهذه الرواية ولما رواه أيضا في هذا الباب عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل تسقط منه الدواب وهو في الصلوة قال يمضي في صلوته ولا ينقض ذلك وضوئه ولما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن يزيد عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال ليس في حب القرع والديدان الصغار وضوء ما هو إلا بمنزلة القبل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء وفي الفقيه أيضا مرسلا في باب ما ينقض الوضوء وكان التقييد بالصغار لان الكبار كثيرا ما يخالط الفضلة ولما رواه في باب الاحداث أيضا في الزيادات عن صفوان قال سئل رجل أبا الحسن (عليه السلام) وأنا حاضر فقال إن لي جرحا في مقعدتي فأتوضأ ثم استنجي ثم أجد بعد ذلك الندى والصفرة يخرج من المقعدة فأعيد الوضوء قال قد ايقنت قال نعم قال لا ولكن ترشه بالماء ولا تعد الوضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء من البول بطريقين أحدهما عن صفوان عن الرضا (عليه السلام) والاخر عن أبي بصير عنه (عليه السلام) ولما رواه الكافي في الباب المذكور عن فضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام في الرجل يخرج منه مثل حب القرع قال ليس عليه الضوء وأما ما رواه الشيخ (ره) في الباب المذكور عن ابن أخي فضيل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال قال في الرجل يخرج منه مثل حب القرع قال عليه وضوء فمحمول على أنه إذا كان متلطخا بالعذرة جمعا بين الاخبار أو على التقية لان أكثر العامة على النقض أو الاستحباب (والحق بعض خروج الريح من الذكر) إن كان الريح الخارج من الذكر لم يكن له صوت أو ريح فعدم النقض فيه ظاهر لما عرفت سابقا من تقييد الريح في بعض الروايات بهما وأما إذا كان له أحدهما بناء على فرض بعيد لا يخلو من إشكال خصوصا مع الاعتياد إذ يصدق عليه أنه الخارج من السبيلين إلا أن يحمل الخروج على المعهود من خروج الريح من الدبر والظاهر فيه أيضا عدم النقض لان الروايات أما ظاهرا في الخروج العهود والامر ظاهر وأما مجملة وقد مر أنه على تقدير الاجمال لم يثبت وجوب الاتيان بالافراد المشكوكة وقد استدل عليه أيضا بأنه لا منفذ لها إلى الجوف وهو ضعيف وأما الخارج من قبل المرئة فحكمه أيضا كذلك قال المصنف (ره) في الذكرى أما قبل المرأة فقال الفاضلان ينقض خروج الريح منه للمنفذ وتسميته ريحا ويشكل بالحمل على المعهود مع التمسك بالاصل حتى تعتاد انتهى وقد عرفت بما سبق إن مع الاعتياد أيضا لم يثبت الوجوب لكن الاحتياط فيه وأعلم أن العلامة (ره)

[ 58 ]

ذهب في المنتهى إلى عدم النقض وأطلق ولم يتعرض للاعتياد وعدمه لكن الظاهر أن مراده عدم النقض مع عدمه كما في الذكرى لان ما نقلناه عنه سابقا ظاهرا في أن خروج الريح من غير الفرجين ناقض مع الاعتياد فمن الفرج بالطريق الاولى (وابن الجنيد الحقنة) وكأنه قائل بالنقض إذا خرجت كما يفهم من ظاهر الذكرى وهو ضعيف لنا روايات الدالة على حصر الناقض في الثلاثة ويؤيده أيضا ما رواه الشيخ (ره) في الزيادات في باب الاحداث في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل هل يصلح له أن يستدخل الدواء ثم يصلي وهو معه أينقض الوضوء قال لا ينقض الوضوء ولا يصلي حتى يطرحه ووجه التأييد ظاهر بالوجدان وهذ الرواية في الكافي أيضا في باب ما ينقض الوضوء ولم نقف لابن الجنيد (ره) على تمسك اللهم إلا أن يتمسك بإطلاق ما ورد في بعض الروايات من نقض الخارج من السبيلين أو بالاحتياط لانه فطنة المخالطة بالفضلة وكلاهما ضعيف كما لا يخفى (والمذي عن شهوة) المذي ما يخرج عقيب الملاعبة والتقبيل كما في الصحاح والقاموس ذهب علماؤنا أجمع إلى عدم نقه إذا لم يكن عن شهوة والاكثر إلى عدم نقضه مطلقا وابن الجنيد قال بنقضه إذا خرج عقيب شهوة وقد يشعر كلام الشيخ (ره) في التهذيب بنقضه كما إذا كان كثيرا خارجا عن المعتاد لكن لا يبعد أن لا يكون هذا مذهبا له بل إنما أورد في مقام البحث على سبيل الاحتمال والاظهر ما ذهب إليه الاكثر لنا الروايات الدالة على الحصر في الثلاثة وما رواه التهذيب أيضا في باب الاحداث في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه وقال إن عليا (عليه الصلوت) أمر المقداد أن يسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستحيى أن يسئله فقال فيه الوضوء قلت فإن لم أتوضأ قال لا بأس به وارجاع ضمير به إلى الوضوء بعيد جدا وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال إن سال من ذكرك من شئ من مذي أو وذي فلا تغسله ولا تقطع له الصلوة ولا تنقض له الوضوء إنما ذلك بمنزلة النخامة كل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبايل والحبايل عروق الظهر أو عروق الذكر كما يفهم من القاموس وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زيد الشحام قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المذي ينقض الوضوء قال لا ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ثلاثة يخرجن من الاحليل وهن المني فمنه الغسل والودي فمنه الوضوء لانه يخرج من دريرة البول قال والمذي ليس فيه وضوء إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف ودريرة البول موضع سيلانه أو بقية ما سال كما في القاموس وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولامن مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد وما رواه الكافي أيضا في باب المذي في الحسن عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن سال من ذكرك شئ من مذي أو وذي وأنت في الصلاوة فلا تغسله ولا تقطع الصلوة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقيبك فإنما ذلك بمنزلة النخامة وكل شئ يخرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبايل أو من البواسير فليس بشئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره وما رواه أيضا في الباب المذكور في الحسن عن بريد بن معاوية قال سئلت أحدهما (عليهما السلام) عن الوذي فقال لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جد إنما هو بمنزلة المخاطة والبصاق وما رواه أيضا في الحسن عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ قال لا يقطع صلوته ولا يغسله من فخذه إنه لم يخرج من مخرج المني إنما هو بمنزلة النخامة وما رواه التهذيب أيضا في الباب المتقدم في الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المذي قال إن عليا (عليه السلام) كان رجلا مذاء واستحيى أن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمكان فاطمة (عليها السلام) فأمر مقداد أن يسئله وهو جالس فسئله فقال له ليس بشئ وما راه أيضا في هذا الباب عن عمر بن حنظلة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المذي فقال ما هو عندي إلا كالنخامة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المذي بأدنى تغيير وما رواه أيضا في هذا الباب عن عنبسة قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان عليا (عليه السلام) لا يرى في المذي وضوءا ولا غسلا ما أصا ب الثوب منه إلا في الماء الاكبر وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المني والمذي يصيبان الثوب والجسد وما رواه أيضا في هذا الباب عن ابن رباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يخرج من الاحليل المني والمذي والودي مع الوذي فأما المني فهو الذي يسترخي له العظام ويفتر منه الجسد وفيه الغسل وأما المذي يخرج من الشهوة ولا شئ فيه وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول وأما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء جمع الداء كما في الصحاح فهذا جملة ما يدل على ما اخترناه وأما ما يمكن أن يحتج به لابن الجنيد (ره) فروايات أيضا منها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي أينقض الوضوء قال إن كان من شهوة نقض والجواب أنه محمول على الاستحباب جمعا بين الاخبار ويؤيده صحيحة ابن بزيع المتقدمة فإن قلت إنما يجب التأويل عند تعارض يوجب التأويل وها هنا لا تعارض يوجب التأويل لان ما تقدم من الروايات سوى مرسلتي ابن أبي عمير وابن رباط مطلق وهذا

[ 59 ]

مقيد والمطلق يجب حمله على المقيد فلا يصح التأويل في المقيد والمرسلتان أيضا لا يصح التأويل في المقيد والمرسلتان أيضا لا يصلحان للتعارض باعتبار السند قلت أما ما ذكرت من أن المطلق يجب حمله على المقيد فليس بمسلم مطلقا لان حمل المطلق على المقيد لا بد من ارتكاب خلاف ظاهر فيه البتة فلو جاز تأويل في المقيد لم يكن ارتكاب خلاف الظاهر فيه أكثر منه في الاول لم يتعين حمل المطلق على المقيد بل مع التساوي يحكم بالتوقف ومع النقصان يرتكب التأويل في المقيد وما نحن فهى من قبيل الاخير لان المذي إن لم نقل بأنه يستلزم أن يكون عقيب الشهوة كما يشعر به كلام أهل اللغة ومرسلة ابن رباط المتقدمة وكلام الفقيه حيث فسره بما يخرج قبل المني حتى لا يكون تعارض الروايات من باب تعارض المطلق والمقيد بل من باب تعارض المطلقين أو المقيدين فلا يستريب أحد أن الغالب منه ما يكون عقيب الشهوة فحينئذ نقول حمل تلك الروايات الكثيرة الحاكمة على عدم نقض المذي بالاطلاق وعلى الفرد النادر الغير المتعارف منه أشد خلافا للظاهر من حمل تلك الروايات على الاستحباب خصوصا مع ما يؤيد ذلك الحمل من صحيحة ابن بزيع المتقدمة وخصوصا مع لزوم ارتكاب التأويل في الروايات الدالة على الحصر على تقدير عدم ذلك الحمل وعلى تقدير تسليم التساوي في خلاف الظاهر فيحكم بالتساقط والاصل معنا مع روايات الحصر وأما ما قلته من عدم صلاحية المرسلتين للمعارضة ففيه أيضا شئ لان مراسيل ابن أبي عمير قد تلقوها بالقبول خصوصا هذه المرسلة لانه قد رواها غير واحد من أصحابنا خصوصا مع اعتضادها بالمرسلة الاخرى والمطلقات وقد يقال بحمل هذه الرواية على التقية لان الجمهور مطبقون على النقض بالمذي وفيه إن إطباق الجمهور على النقض بالمذي مطلقا لا ما هو عقيب الشهوة فقط كما هو الظاهر فحمل هذه الرواية على التقية غير مناسب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن المذي فأمرني بالوضوء منه ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء وقال إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمر المقداد ابن الاسود أن يسئل النبي (صلى الله عليه وآله) واستحيى أن يسئله فقال (صلى الله عليه وآله) فيه الوضوء والجواب أن هذا الرواي روى هذا الحديث بعينه مع زيادة كما نقلنا ولا شك أن الراوي إذا روى الحديث تارة مع زيادة وتارة بدونها عمل على تلك الزيادة إذا لم يكن مغيرة ويكون بمنزلة الروايتين قال العلامة (ره) في المنتهى لا يقال الزيادة ها هنا مغيرة لانها تدل على الاستحباب مع أن الخبر الخالي منها تدل على الوجوب لانا نقول هذا ليس بتغيير بل هو تفسير لما دل عليه لفظ الامر لانه لو كان تغييرا لكان الخبر المشتمل على الزيادة مناقضا انتهى وأيضا قصة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المقداد قد روى بطريق مخالف له كما نقلنا عن إسحاق بن عمار وذلك يضعف الظن به وأيضا يحمل على الاستحباب للجمع مع أن هذه الرواية مطلقة ولا بد لابن الجنيد أن يحمله على المذي بشهوة حتى يصير موافقا لمذهبة وحمله على التقييد ليس بأولى من حملها على الاستحباب فإن قلت كيف يجمع بين هذه الرواية وبين سابقتها على تقدير حملهما على الاستحباب كما حملت لان الاولى حينئذ تدل على عدم الاستحباب فيما ليس بشهوة وهذا تدل على الاستبحاب فيه مطلقا قلت إن قلنا بأن المذي ما يكون من شهوة فالامر ظاهر لعدم المنافات وحينئذ أما أن يقال بأن المذي الواقع في كلام السايل في الرواية الاولى مجاز عن الاعم منه ومن الماء الذي يخرج بغير شهوة أو يحمل على حقيقته ويقال أن ضمير كان في قوله (عليه السلام) راجع إلى الماء الخارج بقرينة المقام فكان السايل انما سئله عن المذي لكن أجابه (عليه السلام) ببيان ضابطة يعلم به حكم جميع المياه التي تخرج وليس ذلك ببعيد وإن لم نقل به بل بتعميمه فنقول يمكن أن يكون للاستحباب مراتب بعضها فوق بعض ففي الرواية الاولى المراد الاستحباب المؤكد فيما تخرج من الشهوة ونفيه عن غيرها وفي الثانية الاستحباب المطلق فيهما معا وقد مر نظيره سابقا وأيضا يجوز حملها على التقية لما عرفت ومنها ما رواه في هذا الباب في الصحيح عن يعقوب بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمذي وهو في الصلوة من شهوة أو من غير شهوة فقال المذي منه الوضوء والجواب أنه محمول على التقية أو الاستحباب جمعا بين الاخبار وقيل إن كون السؤال عن المذي في الصلوة يوجب ضعف الحمل على الاستحباب وليس بظاهر إذ لا بعد في استحباب قطع الصلوة حينئذ واستينافها بعد الوضوء كما لا يخفى والشيخ (ره) حمله في التهذيب على التعجب ولا يخلو من بعد وأنت خبير بأن هذه الرواية لا يصلح أن يكون متمسكا لابن الجنيد للتصريح فيها بالتعميم فعلى تقدير ظهورها في الوجوب كما يكون مناقضة لمذهب الاكثرين تكون مناقضة لمذهبه أيضا فهم يأولونها بالاستحباب وهو بالرجحان المطلق ولا رجحان لتأويله حتى يكون متمسكا له ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن الكاهلي قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المذي فقال ما كان منه لشهوة فيتوضأ منه والجواب أما أولا فبالقدح في السند لان الكاهلي لم يوثق وبعض رجاله أيضا غير إمامي وأما ثانيا فبالحمل على الاستحباب للجمع ولعدم الظهور في الوجوب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المذي الذي يخرج من الرجل قال أحدثك فيه حدا قال قلت نعم جعلت فداك قال فقال إن خرج منك على شهوة فتوضأ وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء والجواب عنه أيضا بالقدح في السند وبالحمل على الاستحباب هذا

[ 60 ]

وأما الاحتمال الذي نقلنا من الشيخ في التهذيب فلا مستند له مما وقفنا عليه من الروايات فالقول به بعيد جدا مع أن بعض الاخبار ظاهرا على عدم نقض هذه الصورة بخصوصها كما لا يخفى تذنيب قد ظهر مما سلف أن ما يخرج من الاحليل غير البول أربعة المني والمذي والودي بالدال المهملة والوذي بالمعجمة أما المني فسيجئ حكمه إنشاء الله تعالى وأما المذي فقد عرفت حاله من الخلاف فيما يخرج منه بشهوة والوفاق في غيره وأما الودي بالدال المهملة فهو ماء ثخين يخرج عقيب البول فقد نقل الاتفاق أيضا من علمائنا رحمهم الله على عدم نقضه ويدل عليه أيضا بعض الروايات السابقة لكن يعارضه بعض آخر وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في مبحث الاستبراء وأما الوذي بالذال المعجمة فلم يتشخص معناه لان ما وقفنا عليه من كتب اللغة لم يذكروا شيئا مناسبا وفي الرواية السابقة فسر بما يخرج من الادواء والادواء كأنه جمع داء على ما في الصحاح فالمراد حينئذ ما يخرج بسبب الامراض ولا يخلو من بعد وفي بعض نسخ الاستبصار الاوداج بدل الادواء وكأنها أريد بها العروق مطلقا وإن كان الودج في الاصل عرق في العنق ولعل هذا أنسب من الاول وقال الصدوق (ره) في الفقيه الودي ما يخرج عقيب المني والحاصل أنه فيه إبهاما لكن غير ضائر لظهور الحكم في جميع ما يخرج من الاحليل وإن شك في تسمية بعض أفراده لان ما سوى المني والبول والودي إما معلوم دخوله تحت المذي والوذي أو مشكوك أو معلوم خروجه عنهما وعلى التقادير الظاهر فيه عدم النقض أما على الاول فإن كان داخلا تحت المذي فقد ظهر حاله وإن كان تحت الودي فالظاهر فيه أيضا عدم النقض للاصل والروايات الداله على الحصر وعدم نقض الطهارة بالشك في الحدث وبعض الروايات السابقة الدالة على الوذي مخصوصة وأما على الثاني والثالث أيضا فكذلك بعين ما ذكرنا والله أعلم (والتقبيل عنها ومس الرجل فرجها) الضمير في الاول راجع إلى الشهوة وفي الثاني إلى المرأة لدلالة الشهوة عليها ذهب إلى عدم النقض أكثر علمائنا وقال ابن الجنيد من قبل بشهوة للجماع ولذة في المحرم نقض الطهارة والاحتياط إذا كانت في محلل إعادة الوضوء وقال أيضا أن مس ما انظم عليه الثقبان نقض وضوئه مس ظهر الفرج من الغير إذا كان بشهوة فيه الطهارة واجبة في المحرم والمحلل احتياطا ومس باطن الفرجين من الغير ناقض للطهارة من المحلل والمحرم والظاهر قول الاكثرين لنا الاصل والروايات الدالة على الحصر وما رواه التهذيب في باب الاحداث في الصحيح عن الحلبي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القبلة ينقض الوضوء قال لا بأس وفي الصحيح أيضا عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء وهذه الرواية في الفقيه أيضا مرسلة في باب ما ينقض الوضوء والظاهر أن المراد بالمباشر الملامسة بقرينة الرواية السابقة وإن أمكن إرادة الجماع أيضا لان فيه الغسل لا الوضوء وما رواه في هذا الباب أيضا عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سئلته عن رجل مس فرج امرأته قال ليس عليه شئ وإن شاء غسل يده والقبلة لا يتوضأ منه واستدل عليه أيضا العلامة (ره) في المنتهى والمختلف والمصنف في الذكرى بمرسلة ابن أبي عمير المتقدمة في المذي وفيه إن الظاهر إن قوله (عليه السلام) ولا من الانعاظ إلى آخر الحديث عطف على من الشهوة ويكون المعنى إن المذي من هذه الامور ليس فيه وضوء لا أنه معطوف على المذي حتى يدل على المدعى وذلك بوجهين أحدهما إيراد كلمة من دون في والثاني قوله (عليه السلام) في آخر الحديث ولا يغسل من الثوب والجسد وعلى تقدير عدم الظهور فيه لا ريب في مساواته للاحتمال الاخر فلا دلالة على المطلوب والقول بأن المذي من هذه الامور إذا لم يكن ناقضا لم يكن أنفسها أيضا ناقضة بط واحتج ابن الجنيد بما روي أيضا في هذا الباب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء والجواب بعد القدح في صحة السند أنه محمول على الاستحباب للجمع ولعدم الظهور في الوجوب أو على التقية والشيخ حمله على غسل اليد لانه قد يسمى وضوءا أيضا وفيه بعد لا بالفظة أعاد منه (والصدوق (ره) مس باطن الدبر والاحليل أو فتحة) والمشهور بين الاصحاب عدم النقض بهذه الامور وقال الصدوق (ره) في الفقيه وإن مس الرجل باطن دبره أو باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في الصلوة قطع الصلوة وتوضأ وأعاد الصلوة وإن فتح إحليله أعاد الوضوء والصلوة والمعتمد المشهور للاصل والشهرة والرواية الدالة على الحصر وما رواه التهذيب في باب إحداث الزيادات في الموثق عن سماعة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل مس ذكره وفرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي أيعيد وضوئه قال لا بأس بذلك إنما هو من جسده وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن معوية بن عمار قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بذكره في الصلوة المكتوبة قال لا بأس به حجة الصدوق (ره) ما رواه في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال ينقض وضوئه وإن مس باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء وإن كان في الصلوة قطع الصلوة ويتوضأ ويعيد الصلوة وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلوة والجواب بعد القدح في السند بالحمل على الاستحباب للجمع أو على التقية أو على مصادقة شئ من الاحداث كما قال الشيخ (ره) في الستبصار وأمر الاحتياط واضح. كله لم يثبت قد ظهر وجهه مما تقدم ولا ينقض لمس المرأة يدل عليه مضافا إلى الاصل والروايات الحاصرة

[ 61 ]

وصحيحة زرارة المتقدمة في باب القبلة ما روى في التهذيب في باب الاحداث في الموثق عن أبي مريم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الرجل يتوضأ ثم يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد فإن من عندنا يزعمون أنها الملامسة فقال لا والله ما بذلك بأس و ربما فعلته وما يعني بهذا أو لامستم النساء ألا المواقعة دون الفرج كان المراد بدون عند وقوله تعالى أو لامستم محمول على الجماع أما أولا فلقضاء العرف وأما ثانيا فاللروايتين ولا قلم الظفر وجز الشارب ونتف الابط يدل عليه مضافا إلى ما تقدم ما رواه الشيخ في باب أحداث الزيادات في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) الرجل يقلم أظفاره ويجز شاربه ويأخذ من شعر لحيته ورأسه هل ينقض ذلك وضؤه فقال يا زراره كل هذا سنة والوضوء فريضة وليس شئ من السنة ينقض الفريضة وأن ذلك ليزيده تطهيرا وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ما ينقض الوضوء وما رواه في الفقيه أيضا في هذا في باب ما ينقض الوضوء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن سعيد بن عبد الله الاعرج قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) آخذ من أظفاري ومن شاربي ومن أحلق رأسي فأغتسل قال لا بأس ليس عليك وضوء قلت فأمسح على أظفاري الماء فقال هو طهور ليس عليك مسح وما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون على طهر فيأخذ من أظفاره أو شعره أيعيد الوضوء فقال لا ولكن يمسح رأسه وأظفاره قال قلت فإنهم يزعمون إن فيه الوضوء فقال إن خاصموكم فلا تخاصموهم وقولوا هكذا السنة والامر بالمسح بالماء كأنه على الاستحباب جمعا بينه وبين سابقه وأكل لحم البل يدل عليه منظما إلى ما تقدم ما رواه في هذا الباب في الصحيح عن بكير بن أعين قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الوضوء مما غيرت النار فقال ليس عليك فيه وضوء إنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل وما رواه أيضا في الحسن عن سليمان بن خالد قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يتوضأ من الطعام أشرب اللبن ألبان البقر والابل والغنم وأبوالها ولحومها قال لا يتوضأ منه وقد روى الجممهور أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحوم الابل فقال أتوضأ منها وأجيب بأنه منسوخ ببما ذكره جابر قال كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الوضوء مما مست النار أو محمول على غسل اليد والاستحباب والارتداد ذهب إلى نقضه للوضوء بعض الجمهور وهو ضعيف للاصل والروايات واحتج الذاهب إلى النقض بقوله لئن أشركت ليحبطن عملك ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله ويقول إبن عباس الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج و أشدهما حدث اللسان والجواب عن الاية أما أولا فبأن الاحباط عبارة عن إبطال ثواب قال في الصحاح حبط عمله حبطا بالتسكين وحبوطا بطل ثوابه وأحبطه الله وعلى هذا لا دلالة لان إبطال الثواب لا يستلزم إبطال جميع أحكامه وأما ثانيا فبأن الاحباط مشروط بعدم العود إلى الاسلام لقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فؤلئك حبطت أعمالهم وعن قول ابن عباس بأنه لا يصلح للاحتجاج مع عدم ظهور دلالته ويجب الغسل بالجنابة وجوب الغسل بالجنابة مما أجمع عليه بل كاد أن يكون من الضروريات ويدل عليه أيضا قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا والروايات أيضا متظافرة وقد تقدم أيضا بعض منها ولا حاجة إلى إيراد ما بقي منها لوضوح المطلب وأما إن الجنابة بأي شئ يحصل فسيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث الغسل والدماء الثلاثة والموت ومس الميت الادمي النجس سيجئ بيان هذه الامور إنشاء الله تعالى في أبوابها ويجبب التيمم بموجباتهما عند تعذرهما وجوب التيمم بالموجبات المذكورة سوى الموجب الاخير كأنه إجماعي والروايات أيضا متظافرة والاية أيضا تساعد في بعضها وأما الاخير فعلى تقدير إيجابه للغسل إن قلنا باشتراط الغسل الصلاة به فلا خفاء أيضا في إيجابه للتيمم عند تعذر الماء وإلا فمشكل وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في موضعه وموجبات الوضوء يتداخل أي إذا وجدت أسباب متعددة للوضوء كالبول والغائط والريح مثلا يكفى وضوء واحد للجميع وهذا الحكم موضع وفاق وأما إنه هل يكتفى في هذا الوضوء الواحد نية القربة من دون التعرض لرفع الحدث أو لا وعلى الثاني هل يشترط نية الجميع أو الرفع المطلق أو البعض وعلى الاخير هل يشترط عدم نفى البعض الاخر أو لا فسيجئ إنشاء الله تعالى في مبحث النية وكذا موجبات الغسل على الاقوى والاجتزاء بغسل الجنابة دون غيره تحكم وفى تداخل أسباب الاغسال المندوبة إذا كان معها واجب قول مروى إعلم هاهنا ثلاث مقامات الاول تداخل الاغسال الواجبة والثانى تداخل الواجبة مع المستحبة والثالث تداخل المستحبة ولنفصل القول في كل منها إن شاء الله تعالى على حدة فنقول أولا أما أن يوجد في الاسباب الجنابة أو لا وعلى الاول فأما أن ينوى الجميع أو البعض وهو إما الجنابة أو غيرها أو يكتفى بالرفع المطلق أو الاستباحة أو يكتفى بالقربة فهي خمسة أقسام أما الاول فالظاهر إن إجزائه موضع وفاق ويدل عليه أيضا صدق الامتثال عرفا لان تعدد الاسباب لا يوجب تعدد المسببات وإن قلنا بعدم جواز اجتماع علل مستقلة على معلول واحد لان ذلك في الاسباب العقلية دون الشرعية وما يقال إن الاصل عدم التداخل كلام خال عن التحصيل كما لا يخفى والروايات أيضا تدل عليه منها ما رواه الكافي في باب ما يجزى الغسل منه إذا اجتمع في الحسن عن زرارة قال إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزاك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة

[ 62 ]

والنحر والذبح والزيارة فإذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد قال قال وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها وهذه الرواية وإن كانت مضمرة حسنة ظاهرا لكنها مسندة في التهذيب في باب الاغسال إلى أحدهما عليهما السلام وأيضا ظاهرا إن زرارة لا يروى إلا عن الامام عليه السلام فبهذا يخرج عن الاضمار ظاهرا وأما حسنها فبابراهيم بن هاشم ولا يبعد الول فيه بالتوثيق لان العلامة (ره) كثيرا ما يصف الرواية التى هو فيها بالصحة ومن جملتها هذه الرواية وأيضا يقولون كثيرا أن طريق الشيخ (ره) إلى فلان صحيح وطريق الصدوق إلى فلان صحيح وهو في الطريق مع انحصار الطريق فيه ظاهرا والظاهر إن الظنون التى في باب الرجال ليس بأقوى من هذا فإن لم نقل بصحة الرواية فلا ريب في اعتبارها خصوصا مع معاضدتها برواية التهذيب مع إن رواية التهذيب أيضا صالحة للاعتماد لان رجالها موثقون سوى على بن السندي وهو أيضا مما لا يبعد القول جدا بتوثيقه كما يفهم من الرجال وأيضا ابن إدريس (ره) أورد هذه الرواية في أواخر السراير وحكم بأنه مما انتزعه من كتاب حريز بن عبد الله السجستاني وكتاب حريز أصل معتمد معول عليه وبالجملة الظاهر أن هذه الرواية لا يقصر عن الصحاح ومنها ما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) أنه قال إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ منه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه ذلك اليوم ومنها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب أوايل باب تلقين المحتضرين في الصحيح عن زرارة قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) ميت مات وهو جنب كيف يغسل وما يجزيه من الماء قال يغسل غسلا واحدا يجزي ذلك للجنابة ولغسل الميت لانهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة وهذه الرواية في الكافي أيضا بطريق حسن عن إبراهيم بن هاشم في باب الميت يموت وهو جنب ووجه الاستدلال بالرواية من حيث تعليله (عليه السلام) لانه عام وقد وردت روايات كثيرة دالة على التداخل في خصوص بعض الاغسال وهي وإن لم يدل على تمام المدعى لكن يمكن تتميه بعدم القول بالفصل من جملتها ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب الحيض في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة قال غسل الجنابة والحيض واحد وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المرأة ترى الدم وهي جنب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا حاضت المرأة وهي جنب أجزأها غسل واحد وما رواه أيضا في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن رجل أصاب من إمرأته ثم حاضت قبل أن يغتسل قال تجعله غسلا واحدا وما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن حجاج الخشاب قال سألت أبا عبد الله عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعد ما فرغ أتجعله غسلا واحدا إذا طهرت أو تغتسل مرتين قال تجعله غسلا واحدا عند طهرها ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل أن تغتسل قال إن شائت أن تغتسل فعلت وإن لم تفعل ليس عليها شئ فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن شهاب بن عبد ربه وقد تقدم في بحث استحباب الوضوء لغاسل الميت وقد وردت روايات أيضا دالة على تداخل غسل الجنابة وغسل الميت لكن يمكن المناقشة في دلالتها على ما نحن فيه إذ ليس بظاهر وجوب غسل الجنابة على الميت لان تكليفات الغسل لم يتوجه إليه وتكليف آخر وجوبي على الاحياء بتغسيله لم يثبت ولفظة الحرمة في الرواية السابقة لا ظهور لها في الوجوب هذا ثم أنه هل يجب مع ذلك الغسل الوضوء أم لا فإن لم نقل بوجوب الوضوء مع غير الجنابة أيضا كما هو الظاهر وسيجئ إنشاء الله تعالى فالامر ظاهر وإن قلنا بالوجوب كما هو المشهور فحينئذ الظاهر من كلام القائلين به عدم الوجوب في هذه الصورة فإن حصل الاجماع فلا بحث وإن لم يحصل فلا يخلو من إشكال لان هذا الغسل كما يصدق عليه غسل الجنابة يصدق عليه غيره أيضا وكما ورد الاثر بعدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة كذلك ورد بوجوبه مع غيره على زعمهم فحينئذ يحصل التعارض بين الاثار فيتساقط ويبقى عموم آية الوضوء بحاله إلا أن يمنع العموم كما مر مرارا وأما الثاني وهو أن ينوي في الغسل الواحد الجنابة فقط وقد ادعوا الاتفاق أيضا في أجزائه عن الجميع ولا يخفى أن هذا القسم يحتمل وجهين نيه الجنابة مع عدم التعرض للباقي أو مع نفيه ولم يعلم أن الاجماع في الصورتين أو في الاولى فقط والظاهر الاخير لان بعضهم كالمصنف في الذكرى قرب عدم الصحة في نظير الصورة الاخيرة في الاحداث الاصاغر ففي الاكابر أيضا كذلك بالطريق الاولى والله أعلم وقد استدل على الاجزاء مضافا إلى الاجماع بأن الحدث الذي هو عبارة عن النجاسة الحكميه متحد وإن تعددت أسبابه فإذا نوى ارتفاعه بالسبب الاقوى ارتفع بالاضافة إلى غيره وفيه ضعف لما عرفت سابقا من عدم ثبوت هذه المقدمات التي يدعيها القوم من وجود معنى هو الحدث مانع للصلوة وإن الطهارة إنما شرعت لارتفاعه وبعد ارتفاعه إنما تستبيح الصلوة إلى غير ذلك من وجوه الضعف كما يظهر بالتأمل فإن قلت هل يجرى الدليلان السابقان هنا من صدق الامتثال والروايات قلت الظاهر أجراؤهما أما الامتثال فلانه إذا طلب شئ من أحد ثم أتى به وإن لم يكن إتيانه به من جهة ذلك الطلب لما يسوغ في العرف أن يقال له معترضا عليه لم لم تأت بذلك المطلب خصوصا إذا كان إتيانه به من جهة طلب آخر من ذلك المطالب كما فيما نحن فيه نعم القدر المسلم على تقدير تماميته

[ 63 ]

دليله أن في الاوامر الالهية التي من باب العبادات لا يكفي الاتيان بالمطلوب بأي وجه كان بل لا بد من الاتيان به متقربا إليه فالمأمور به في الحقيقة في أمثال هذه الاوامر ليس الطبيعة مطلقة بل الطبيعة مع قيد الاخلاص وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية ولا شك أن الاتيان بالمطلوب فيما نحن فيه التقرب ولا نسلم أنه يلزم أن يكون المنظور ذلك الطلب بخصوصه لا يقال أن ما ذكرت وإن صح بحسب العرف لكن الشرع ورد بخلافه للرواية التي كادت أن تكون متواترة كما هو المشهور من قوله إنما لامرء ما نوى لان في الصورة المذكورة لم ينو امتثال غير الجنابة فلم يكن له بدليل الحصر لانا نقول لا نسلم عموم هذه الرواية بل هي أما مجملة لم يعلم المراد منها أو ظاهرة في أن للمرء في أعماله ما قصده من ذلك العمل من التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته والمثوبات الاخروية أو مطلبا آخر فاسد من المطالب الدنيوية وحاصله أنه لا بد في الاعمال من الاخلاص وأن يكون الغرض منها ابتغاء مرضاته حتى يترتب عليها الثواب وقس عليه ما ورد أيضا من أنه لا عمل إلا بنية وإنما الاعمال بالنيات وليس المراد إن ما لم يقصد في الاعمال لم يحصل للمرء أي شئ كان كما يحكم به الوجدان وعلى تقدير تسليم العموم أيضا يمكن ؟ أن يقال لا نسلم أنه لم ينو في الغرض المذكور امتثال أوفر ما عدا الجنابة لان الامتثال كما عرفت إنما يحصل بإتيان الفعل مع الاخلاص فعند قصد ذلك الفعل مع الاخلاص إنما يقصد الامتثال أيضا ضمنا وإن لم يكن صريحا ولا نسلم ظهور الرواية في القصد الصريح فإن قلت بما تقرر ظهر أن في الصورة المذكورة يحصل الامتثال بمعنى سقوط الذم على الترك والعقاب به وعدم بقاء توجه التكليف إليه فهل يحصل الثواب والاجر على مثل ذلك الفعل قلت الظاهر على قاعدة القايلين بأن الحسن والقبح عقليان وهو الحق كما بين في موضعه أن يكون له استحقاق مدح أو ثواب على ذلك الفعل إذ على هذه القاعدة لا بد أن يكون للفعل في نفسه حسن حتى يأمر به الشارع فلما أمر الشارع بذلك الفعل علم أنه حسن في الواقع وحسنه لا بد أن لا يكون مشروطا بشئ إذ لو كان مشروطا لامر بذلك الشرط أيضا غاية ما في الباب تسليم اشتراطه بالقربة بناء على دلالة الكتاب والسنة عليه وأما اشتراطه بأن يكون الاتيان لخصوص ذلك الامر فلا إذا قد علمت أنه لا يلزم من نفس الامر بذلك الشئ ولا دليل خارجا أيضا يدل عليه والقربة موجودة في فرضنا هذا فلا بد أن يحصل للمكلف ما يترتب على ذلك الفعل من مدح أو ثواب أو كمال أو غير ذلك من المنافع الدنيوية والاخروية نعم لا نأبى أيضا من أن يكون الاتيان بقصد امتثال ذلك الامر بخصوصه حسنا لحكم العقل به ظاهر أو قد فاته حينئذ ذلك الحسن هذا ولا يخفى عليك جريان ما ذكرنا من تحقق الامتثال في كلا وجهي هذا القسم السابقين لان المكلف إذا كان عالما بأنه إذا اغتسل للجنابة يلزمه الخروج عن عهدة الغسل الاخر أيضا فلا يكون قصد نفيه قصدا حقيقيا بل يكون من باب التخيلات وإن لم يعلم فحينئذ وإن أمكن تحقق ذلك القصد منه خطأ لكن الظاهر أنه ليس بضائر لما علمت من كفاية الاتيان بالفعل في الامتثال عرفا واشتراطه بالقربة في العبادات شرعا وأما غير ذلك فلا حتى يثبت بدليل ولا دليل على اشتراط عدم قصد النفي وما يتخيل من دلالة الرواية المذكورة فقد عرفت ما فيه هذا حال الامتثال وأما الروايات فلانها بإطلاقها دالة على كفاية الغسل الواحد مطلقا هو شامل لهذه الصورة أيضا فيجب الحكم بدخولها تحته لعدم ما يخرجها نعم لو ثبت أن في مثل هذه الصورة لم يتحقق الامتثال للجميع بل الامتثال إنما هو للمنوي فقط لكان في دلالة الروايات حينئذ إشكال لوجود المعارض بيانه أنه لو لم يتحقق الامتثال للجميع بل للمنوى فقط لكان كفاية الغسل الواحد عنه باعتبار سقوط التكليف عن غير المنوي إذ مع التكليف لا بد في الخروج عن العهدة من الامتثال وهو ظاهر وسقوط التكليف عن غير المنوي مستلزم لتقييد التكاليف المطلقة به إذ مع بقائها على الاطلاق لا معنى للسقوط ومعنى التقييد ها هنا إن التكليف بغسل الحيض مثلا إنما هو مقيد بعدم الغسل للجنابة إذ معه لا يجب غسل الحيض وإذ تقرر هذا فنقول قد تعارض عموم الروايات الدالة على وجوب غسل الحيض مثلا والروايات الدالة على الكفاية وبينهما عموم من وجه فكما يمكن تقييد روايات الوجوب بعدم غسل الجنابة كذلك يمكن تقييد روايات الكفاية بقصد الجميع لتحقق الامتثال حينئذ والظاهر أن الثاني أولى لكثرة المعارضات وأرجحية مستندها مع أن الظاهر من رواية الكفاية أيضا بقاء وجوب الاغسال بحالها وكفاية غسل واحد لها لا سقوط بعضها ولا يذهب عليك أن في صورة الشك أيضا في كون هذا الفعل امتثالا للجميع أو لا يمكن الاستدلال بروايات الكفاية كما في صورة اليقين بالامتثال إذ لو بقي هذه الروايات على عمومها لم يعلم بتحقق التخصيص في روايات الوجوب لاحتمال الامتثال حينئذ ولو خصص لكان التخصيص متيقنا ولا ريب أن ارتكاب احتمال التخصيص أدنى من ارتكابه يقينا هذا وأما حال وجوب الوضوء مع هذا الغسل وعدمه فعلى ما اخترناه ظاهر وأما على المشهور فالظاهر أيضا أنهم قائلون بعدمه وأنت خبير بأن مع ثبوت الاتفاق لا بحث وأما مع عدم ثبوته فللبحث مجال كما علمت في سابقه نعم لو قيل بأن الكناية ها هنا ليس من جهة الامتثال للجميع بل من جهة سقوط غير الجنابة لكان عدم الوجوب حينئذ ظاهرا من غير مناقشة كما لا يخفى وأما الثالث وهو أن ينوي غير الجنابة ففي الاجزاء حينئذ خلاف فالمحقق في المعتبر والمصنف في الذكرى وهذا الكتاب ذهبا إلى الاجزاء والعلامة (ره) في القواعد إلى عدمه وهذا هو الذي حكم المصنف بأنه تحكم ولما كان في كلام القوم ها هنا اشتباه فلا بد أولا من تحرير محل النزاع وتوضيحه ثم الاشتغال بأدلة الطرفين فاعلم أولا أنهم ذكروا أن هذا الخلاف يتأتى على المشهور من وجوب الوضوء في غير الجنابة وعدمه فيها وأما

[ 64 ]

على ما ذهب إليه المرتضى (ره) من عدم الوجوب فيهما جميعا فلا مجال للخلاف إذ على هذا لا ريب في الاجزاء وعلى تقدير الخلاف فكلام العلامة (ره) مشتبه في كتبه أن الخلاف فيماذا فيفهم من بعض كتبه ظاهرا أن الخلاف في ارتفاع حدث الجنابة بذلك الغسل وعدم ارتفاعه مع صحته في نفسه وأجزائه عن الحدث المنوي ومن البعض الاخر أن الكلام في صحة هذا الغسل وإجزائه عن الحدث المنوي أيضا لا في إجزائه عن الجنابة فقط ويمكن أن يكون الاشكال في موضعين الاول في صحة هذا الغسل وإجزائه عن المنوي والثاني في إجزائه عن الجنابة بعد صحته في نفسه ولنفرض الكلام أولا في الموضع الاول فنقول الظاهر صحة هذا الغسل للامر به مطلقا من غير تقييد فيكون الاتيان به مجزيا وهو معنى الصحة وما يمكن أن يستدل به على خلافه كما يستنبط من كلام العلامة في كتبه فمدفوع وهو أن حد الجنابة أقوى من غيرها من أسباب الغسل ورفع الادنى لا يستلزم رفع الاقوى وإذا لم يرتفع الجنابة لم يرتفع غيرها أيضا لان مع بقاء الاقوى لا يمكن ارتفاع الاضعف ووجه قوة الجنابة أن مع ارتفاعها يرتفع باقي الاحداث بخلاف ما عداها بدليل وجوب الوضوء بعد غسله دون غسلها وهذه الاستدلال ضعيف ومن وجوه أحدها ما علمت سابقا من عدم ثبوت هذه المقدمات التي يدعيها القوم من ثبوت الحدث وغيره مما مر وثانيها منع قوة الجنابة قولهم في بيانها مع ارتفاعها برافع باقي الاحداث نقول هذا إنما يستلزم قوة رافعها لا قوتها وهو ظاهر وفيه كلام آخر أيضا سيجئ في الموضع الثاني كما يستنبط من كلام العلامة في كتبه والقول بأنها إذا لم تكن قوية لم يكن رافعها قويا بل يكون كرافع ما عداها ممنوع وثالثها قولهم أن رفع الادنى لا يستلزم رفع الاقوى إن أريد به ظاهره من عدم الاستلزام فممنوع لكن عدم الاستلزام لا يستلزم عدم ارتفاع الاقوى مطلقا إذ يجوز أن يرتفع الاقوى بارتفاع الادنى في بعض المواضع وإن لم يكن لازما فحينئذ لا نسلم وضع المقدم في قولهم وإذا لم يترفع الجنابة فإن قيل إذا لم يستلزم رفع الادنى رفع الاقوى يلزم عدم ارتفاع الاقوى فيما نحن بصدده إذ لا بد في ارتفاعه من دليل لانه حكم شرعي لا يرتفع إلا بدليل ولا دليل ها هنا قلنا عدم الدليل ممنوع لان الادلة الدالة على إجزائه عن الجنابة كما سنذكرها إنشاء الله تعالى دالة عليه وإن أريد عدم رفعه للاقوى مطلقا أو فيما نحن فيه فممنوع وسنذكر إنشاء الله تعالى في الموضع الثاني ما يمكن أن يستدل به على المقدمة ؟ مع جوابه ورابعها منع قولهم مع بقاء الاقوى لا يمكن ارتفاع الاضعف ثم أن العلامة (ره) استشكل في المقام بعد أن قرب عدم الاجزاء في صورة انضمام الوضوء إلى ذلك الغسل فإن كان فرض كلامه (ره) في هذا الموضع فوجه الاستشكال إن هذا الغسل مع الوضوء لما كان مساويا لغسل الجنابة في رفع جميع الاحداث و استباحة الصلوة فيلزم أن يرتفع به الجنابة أيضا كمساويه ومع ارتفاعها لا إشكال في ارتفاع ما عداها أيضا وأن هذا الغسل بنفسه لما لم يرفع الجنابة كما بينا فلم ينفع انضمام الوضوء إليه لانه لا دخل له في ارتفاع الجنابة أصلا بل إنما هو لارتفاع الحدث الاصغر وإذا لم يرتفع الجنابة فالحكم باق بحاله وإذ قد علمت الحال في هذا الموضع فلنشرع إلا أن في الموضع الثاني فنقول الظاهر أيضا تحقق التداخل في هذا الموضع أما على ما اخترناه من عدم وجوب الوضوء في الاغسال مطلقا فظاهر أما أولا فلما عرفت من عدم الخلاف على هذا القول وأما ثانيا فلصدق الامتثال وإطلاق الروايات المتقدمة وأما على المشهور فلثاني الوجهين وقد استدل المحقق الشيخ على (ره) في شرح القواعد بوجوه أخر ضعيفة يظهر ضعفها بالتأمل فيما ذكرناه ولم نذكرها مخافة التطويل فمن رامها فليراجعها وأما حجة النافين فهى إن غسل الجنابة أكمل من غيره من الاغسال وأقوى والاضعف لا يقوم مقام الاقوى فلا يكون هذا الغسل مجزيا عنه وأما بيان قوة غسل الجنابة فمن وجهين الاول إن حدث الجنابة أقوى من غيره لما تقدم فيكون الغسل الذي رافعه أقوى من غيره والثاني إن غسل الجنابة لما رفع جميع الاحداث صغيرها وكبيرها بدليل عدم الاحتياج إلى الوضوء يكون أقوى من غيرها مما لم يرفع الاصغر لاحتياجه إلى الوضوء وفيه نظر من وجوه أحدها عدم ثبوت هذه المعاني كما مر مرارا و ثانيها أنا لا نسلم أن ها هنا قياما لغير غسل الجنابة مقامه لان هذا الغسل غسل الجنابة أيضا لان غسل الجنابة ما يكون بالوجه الخاص بعد الجنابة للقربة وهذه الاوصاف متحققة فيه وأما قصد أنه غسل الجنابة صريحا فلا نسلم لزومه في تحققه وثالثها منع قوة غسل الجنابة وما ذكره في بيانه من الوجهين فاسد أما الاول فلمنع قولهم بارتفاعها يرتفع باقي الاحداث بخلاف ما عداها قولهم في بيانه بدليل وجوب الوضوء بعد غسله دون غسلها قلنا هذا لا يستلزم المطلوب لجواز أن لا يكون وجوب الوضوء لارتفاع الحدث الاصغر الباقي بعد أرتفاع الحدث الاكبر بل يكون لقوة هذه الاحداث بحيث لا يكفي في رفعها الغسل فقط بل لا بد فيه من الوضوء أيضا بخلاف الجنابة إذ يكفي في رفعها الغسل فقط لضعفها وقد يؤيد قوة الحيض بالنسبة إليها ما رواه الكافي في باب المرأة ترى الدم وهي جنب عن سعيد بن يسار قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة ترى الدم وهي جنب أتغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد فقال قد أتاها ما هو أعظم من ذلك وأما الثاني فلمثل ما ذكرنا أيضا لان الاحتياج إلى الوضوء لا يلزم من أن يكون للحدث الاصغر بل يجوز أن يكون لما تقدم ولو سلم أنه للحدث الاصغر فنقول لم لا يجوز أن يكون الاغسال متساوية في القوة لكن لما كان حدث الجنابة ضعيفا يقوى غسلها على رفعه مع رفع الحدث الاصغر بخلاف باقي الاحداث لانها لقوتها لا يقوى غسلها على رفعها مع رفع الحدث الاصغر بل إنما يرفعها فقط ويحتاج إلى الوضوء لرفع الاصغر هذا ما يقال في هذا المقام

[ 65 ]

من باب المناظرة وموافقة القوم والحق أن أمثال هذه الوجوه والدلايل ما لا يناسب طريقتنا بل هي مناسبة لطريقة الجمهور وقد يستدل ؟ على عدم الاجزاء بأن الافعال تابعة للقصود والدواعي فحيث لم يقصد غسل الجنابة وارتفاعها لم يحصلا وجوابه يظهر مما قدمناه ويستدل أيضا بما رواه التهذيب في الزيادات في باب الحيض في الموثق عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) قالا في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة قال غسل الجنابة عليها واجب وفيه بعد الطعن في السند أنه لا يستلزم المدعى لان وجوب غسل الجنابة عليها لا ينافي تداخله مع غسل الحيض إذ مع التداخل لا يرتفع الوجوب كما علمت مما سبق فإن قلت إذا لم يكن غسل الجنابة على حدة لازما ولا نية بخصوصه أيضا كما ذهبتم إليه فأي فائدة في حكمه (عليه السلام) بوجوبه قلت لعل فأيدته رفع توهم أنه حينئذ تسقط وجوب غسل الجنابة وإنما يجب غسل الحيض فقط وفايدة بقاء الوجوب ظاهرا حينئذ لو ترك الغسل بعد الحيض لكان العقاب بترك واجبين ولو أتى به لكان الثواب بفعلهما إلى غير ذلك ولا ينحصر الفايدة في الافراد والنية هذا ثم أنه إذا قيل بصحة هذا الغسل ورفعه للحدث المنوي وعدم رفعه للجنابة فلا بد له من الوضوء بناء على المشهور فمع الوضوء هل يرتفع الجنابة أو لا فقد توقف فيه العلامة (ره) في المنتهى وفى القواعد أيضا بناء على أن يكون كلامه في القواعد في الموضع الثاني وقرب الارتفاع في التذكرة ومنشأ التوقف كما في المنتهى عموم الاذن في الدخول في الصلوة من الاغتسال من الحيض والنفاس والوضوء وذلك يستلزم رفع كل حدث وكون الغسل الاول لم يقع من الجنابة والوضوء ليس برافع لها ووجه التقريب في التذكرة بوجود المساوي لغسل الجنابة في الرفع و ؟ غنيه عن النظر في هذه الوجوه وإذا قيل بصحته ورفعه للجنابة كما اخترنا فهل يجب الوضوء أم لا قرب المحقق في المعتبر عدم الوجوب وحكم العلامة (ره) أيضا في المنتهى بعدم الوجوب على ذلك الفرض وقرب المصنف (ره) في الذكرى وجوبه لعموم أدلة الوجوب وأنت بما ذكرنا سابقا يمكنك استنباط الحال ها هنا أيضا وأما على ما أخترناه من عدم وجوب الوضوء في الاغسال مطلقا فالامر واضح وأما الرابع وهو ما يكفي فيه نية رفع الحدث مطلقا أو الاستباحة فالظاهر أيضا الاجزاء عن الجميع لصدق الامتثال والروايات وكلام الاصحاب أيضا مما اطلعنا عليه دال على الاجزاء وذكروا أن نية السبب لا يحتاج إليها في الغسل الواجب لان المطلوب فيه رفع الحدث والاستباحة كما في الحدث الاصغر إلا أن العلامة (ره) استشكل فيه في القواعد وإن كان في الاستشكال أيضا مائلا إلى طرف الاجزاء كما يظهر من عبارته ومنشا الاشكال كما قال شارحه المحقق (ره) من أن غسله صالح لكل من الاضعف والاقوى والرفع إنما يتحقق بانصرافه إلى الاقوى وانصرافه إليه ترجيح من غير مرجح ومن عموم قوله (عليه السلام) إنما لكل امرء ما نوى وقد نوى بالاستباحة زوال المانع فيجب أن يحصل له وإنما يتحقق برفع حدث الجنابة فيرتفع انتهى ثم قال وقوة هذا الوجه ظاهرة و أنت بما قدمنا لا تحتاج إلى بيان ما في الوجه الاول وأما الوجه الاخير الذي قواه أيضا فهو ضعيف إذ لا دلالة في الخبر على أن جميع ما ينوي المرء يحصل له غايه ما في الباب تسليم دلالتها على أن جميع ما لم يبق لم يحصل له وهذا لا يستلزم الاول لان عكس نقيضه لا ينعكس كليا لايجابه وكلمة ما وإن سلم عمومها لكن في هذا المقام لا يدل على العموم ظاهرا كما يحكم به الوجدان في ملاحظة ما هو بمنزلته من النفي والاستثناء كما يقال ما عملت إلا ما يضرني ما وصل إلي من فلان إلا ما لا ينفعني ما اكتسب فلان إلا ما هو وبال عليه إلى غير ذلك فإنه يفهم من جميعها انتفاء ما عدا مدخول ما لا تحقق جميع أفراد مدخولها فالاولى أن يتمسك فيه بما ذكرنا من الامتثال والروايات وقد قطع القائلون بالاجزاء حينئذ بعدم الاحتياج إلى الوضوء وأنت خبير بإمكان المناقشة فيه لو لم يتحقق الاجماع كما قدمنا وأما الخامس وهو ما ينوى فيه القربة فقط بدون الرفع أو الاستباحة وهو على وجهين أما أن لا يقصد الوجوب أيضا أو يقصد والكلام فيه إنما يبتني على الكلام في النية فإن لم يشترط فيها نية الرفع والاستباحة و الوجه بل يكتفي بالقربة كما هو الظاهر على ما سيجئ إنشاء الله تعالى فالظاهر حينئذ الاجزاء عن الجميع بكلا وجهيه للامتثال والروايات ويتوهم فيه أيضا الاشكال الذي نقلنا آنفا من القواعد وإن اشترطا معا أو الاول خاصة فلم يجزء عن شئ أصلا على الوجهين وإن اشترط الثاني خاصة فلم يجزء الاول عن شئ ويجزئ الثاني عن الجميع والوجه في الكل ظاهر وبما ذكرنا ظهر الحال في الوجوه السابقة بالنسبة إلى نية الوجوب وعدمها والعلامة (ره) في النهاية شرط في الغسل نية أحد الامرين من الرفع والاستباحة ونيه الوجه ثم ذكر في هذا المقام الذي نحن فيه ولو نوى الاغتسال مطلقا احتمل رفع الادنى وعدمه ولا يخفى الاحتمال الاول بناء على أن رفع الادنى هو أقل المراتب والزياده لا دليل عليها فالغسل إنما يصار إليه ووجه الاحتمال الثاني ظاهر هذا وحال الوضوء في هذه الصورة أيضا بقياس سابقها هذا بيان أحكام ما إذا اجتمعت الاغسال الواجبة وفيها غسل الجنابة وأما إذا لم يوجد فيها غسل الجنابة فالظاهر من كلام القوم إطباقهم على جواز التداخل فيها سواء نوى الجميع أو البعض أو اكتفى برفع الحدث أو الاستباحة وذكروا في بيان السبب لا يلزم في الغسل الواجب كما نقلنا سابقا ولو اكتفى بالقربة فيبتني على الخلاف في النية كما مر ويدل عليه أيضا صدق الامتثال وبعض الروايات السابقة وحال الوضوء فيه ظاهر إذ على المشهور يجب قطعا على مذهب المرتضى (ره) لا يجب واعلم إن الابحاث التي ترد في خصوصيات بعض هذه الاقسام في تطهيره من الاحداث الاصاغر مثل ما

[ 66 ]

لو نوى البعض ونفى الباقي واردة ها هنا أيضا فلا تظن الاطباق في جميع الشقوق والحاصل أن هذه الاحداث حالها كحال الاحداث الاصاغر بعينها في هذا الحكم عند الاصحاب فما أورده وفيها جار ها هنا أيضا وأما المقام الثاني أي تداخل الواجبة مع لمستحبة فلنذكر أولا ما هو الظاهر عندنا ثم نورد ما هو مذهب الاصحاب (ره) فنقول الظاهر فيه التداخل مطلقا سواء نوى الجميع أم البعض أو لم ينو شيئا منها وسواء كان البعض واجبا أم ندبا لصدق الامتثال ولاطلاق روايتي زرارة ومرسلة جميل السابقة ويؤيده أيضا ما رواه الفقيه في كتاب الصوم في باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان قال وروى في خبر آخر أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان إن عليه أن يغتسل ويقضي صلوته وصومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضي صلوته وصيامه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك وأما ما يتوهم معارضا فسنذكره في ضمن نقل مذهب الاصحاب مع جوابه وأما الاصحاب فقد ذهب الشيخ (ره) إلى الاجزاء عن الجميع إذا نوى الجميع أو الواجب وكذا لو نوى الرفع ولو نوى الندب لم يجزء عن شئ لا من الواجب ولا من الندب أما من الواجب فلعدم نيته وأما من الندب فلان المقصود منه التنظيف و من هو محدث بالحدث الاكبر لم يصح منه التنظيف وكذا لو لم ينو شيئا منهما وفيه نظر أما في الاول فلمنع اشتراط نية الواجب بخصوصه لصدق الامتثال بدونه وأما في الثاني فلان كون المقصود منه التنظيف غير ممنوع ومع تسليمه لا نسلم توقفه على ارتفاع الحدث الاكبر إلا ترى صحة غسل الاحرام من الحائض وأيضا قد عرفت ارتفاع الحدث أيضا لاجزائه عن الواجب كما بينا هذا نسب إليه جمع من علمائنا في الخلاف والمبسوط لكن الظاهر من الخلاف إن في الصورة الثانية لا يقول بالاجزاء عن الجميع بل عن الواجب فقط وعدم الاجزاء عن شئ منهما في الصورة الثالثة كأنه مصرح به في الخلاف وأما عبارته في المبسوط فغير ظاهرة فيه بل لا يبعد إيماؤه إلى عدم الاجزاء عن الواجب فقط ووافقه المحقق (ره) في المعتبر في الصورة الاولى واستشكل في الصورة الثانية بناء على اشتراطه نية السبب في الغسل المستحب إذ ليس المقصود منه رفع الحدث بخلاف الواجب وفيه أن اشتراط نية السبب في الغسل المستحب ممنوع وما ذكر في بيانه غير تام لان الامر به مطلق من غير تقييد فيجب أن يكون مجرد الاتيان به كافيا في الامتثال واشتراطه بشئ آخر لا بد له من دليل ولا دليل والمقصود منه أي شئ كان لا يستلزم التقييد سواء كان رفعا أو تنظيفا أو غيرهما كما لا يخفى لكن هذا الاشكال وارد على الشيخ (ره) من حيث أنه يشترط في الغسل المندوب نية السبب كما هو الظاهر من كلامه وكانه (ره) مع قوله بالاشتراط نظر ها هنا إلى أن الغسل المندوب لما كان الغرض منه التنظيف فمع رفع الحدث يحصل ذلك الغرض بوجه أكمل فيكون مجزيا عنه ونية السبب إنما يشترط فيما لم يرتفع فيه الحدث واستشكل في الصورة ؟ الثالثه أيضا وقال وفيه أيضا إشكال لانه إن نوى الطهارة أجزء عنهما وإن نوى التنظيف دون الطهارة فقد أجزء عن الجمعة إذ ليس المراد من المندوبة رفع الحدث بل يصح أن يجامع الحدث كما يصح غسل الاحرام من الحايض انتهى وفيه إن ما ذكره من أنه لو نوى الطهارة أجزأ عنهما لا دخل له بالمقام إذ الكلام فيما نوى غسل الجمعة فقط أما لو نوى الطهارة فيخرج عن المبحث ويدخل في ما نوى رفع الحدث والشيخ قايل بأنه يجزي عن الجميع كما ذكرنا وأما ما ذكره من الاجزاء عن الجمعة فحسن لما عرفت لكن تقييده الاجزاء بشرط نية التنظيف فاسد إذ لا دليل عليه ولم يقل به أيضا أحد كما هو الظاهر إلا أن يكون مراده بنية التنظيف أن لا ينوي الطهارة بل ينوى غسل الجمعة فقط وقد يناقش أيضا في قوله إذ ليس المراد من المندوبة (آه) لان الشيخ (ره) لم يستعل على عدم الاجزاء بأن المراد منه رفع الحدث حتى يصح هذا في مقابله بل بأن المراد التنظيف وهو لا يحصل مع بقاء الجنابة فالاولى في الرد ما ذكرنا ووافق الشيخ (ره) في الصورة الاخيرة أيضا ووجهه اشتراط الغسل الواجب والمندوب بنية السبب أو الرفع في الواجب خاصة ولم يحصل شئ منهما ها هنا فلا يكون مجزيا والجواب منع الاشتراط كما أشرنا إليه وسيجئ أيضا زيادة بسط في مبحث النية إنشاء الله تعالى والعلامة (ره) في التذكرة ذهب إلى أنه لو نوى الواجب والندب جميعا بطل غسله ولو نوى الجنابة ارتفع حدثه ولم يثبت على غسل الجمعة وإن نوى الجمعة صح عنها وبقي حكم الجنابة إذ لا يراد به رفع الحدث ولهذا يصح للحايض غسل الاحرام ولو لم ينو شيئا منهما بطل ووجه البطلان في الاول كأنه لزوم اجتماع المتضادين لتضاد وجهي الوجوب والندب بوقوعه لو قلنا عنهما والترجيح من غير مرجح إذا قيل بوقوعه عن أحدهما مع أن قصدهما معا كانه لا يمكن أيضا مع الالتفات إلى المنافاة ولا يذهب عليك أن هذا الاشكال لا يختص بصورة ما إذا نوى الجميع بل يجزي فيما إذا نوى الواجب فقط أو الندب فقط أيضا إذا قيل بالجزاء عن الجميع كما اخترناه لكن تقرير الاشكال فيهما بوجه آخر وهو أن يقال لو كان الغسل الواحد مجزيا عن الجميع لكان واجبا ومندوبا وهو محال لتضادهما وجوابه منع استحالته لاختلاف الجمعة فإن هذا الغسل الواحد من حيث أنه فرد لغسل الجمعة وامتثال للامر به مستحب ومن حيث أنه فرد لغسل الجنابة وامتثال للامر به واجب وبهذا أظهر إمكان قصدهما أيضا مع أن الشيخ (ره) في الخلاف ادعى الاجماع على الاجزاء عن الجميع مع نية الجميع وما ذكره من عدم الثواب على غسل الجمعة في الصورة الثانية كان وجهه مع ما ذكر اشتراط نية السبب في المندوب وتبعية الفعل للمقصود لقوله تعالى وإن ليس للانسان إلا ما سعى وإنما الاعمال بالنيات وإنما لامرء ما نوى إلى غير ذلك مما هو من هذا القبيل والكل قاصر عن إفادة المرام كما أشرنا إلى بعضها فيما تقدم ويستنبط منه حال البعض الاخر وأما ما ذكره من بقاء حكم

[ 67 ]

الجنابة في الصورة الثالثة والبطلان في الاخيرة فقد عرفت ما فيه ولا حاجة إلى الاعادة وللمصنف (ره) في الذكرى بعد ما تكلم في تداخل المندوبة قال هذا كله مع اشتراكها في الندب أما لو جامعها الواجب فيشكل من حيث تضاد وجهي الوجوب والندب إن نويها معه ووقوع عمل بغير نية إن لم ينوها إلا أن يقال نية الوجوب يستلزم نية الندب لاشتراكهما في ترجيح الفعل ولا يضر اعتقاد منع الترك لانه مؤكد للغاية ومثله الصلوة على جنازتي بالغ وصبي لدون ست بل الصلوة الواجبة انتهى وقد عرفت رفع الاشكال وأما دفعه (ره) به ففاسد لظهور التضاد بين الوجوب والندب بديهة وكون اعتقاد منع الترك مؤكدا للغاية لا معنى له نعم لو كان الندب محض رجحان الفعل لكان كما ذكره وظاهر كلامه مشعر باختصاص الاشكال بما إذا نوى الجميع وقد عرفت عدمه والشهيد الثاني (ره) قال في شرحه للارشاد في هذا المقام ومع انضمام الواجب يكفي أحد الامرين نية الواجب أو نية الجميع صرح به جماعة ولا يخلو من إشكال لتضاد الوجه واعتبار نية السبب ويمكن سقوط اعتبار السبب ها هنا دخوله تحت الوجوب كما في الاذكار المندوبة خلال الصلوة الواجبة على جنازتي من زاد على الست ونقص عنها مع أن بعض مشايخنا المعاصرين مع حكمه بالتداخل مطلقا أسقط اعتبار السبب عملا بظاهر الرواية ولانه حكم شرعي فلا يتوقف على اختيار المكلف فيكون معناه سقوط الاستحباب وزيادة ثواب هذا الغسل على غيره وهو قريب انتهى وما ذكره من دخول المندوب إن أريد به استلزام نية الوجوب للندب كما قال المصنف (ره) ففاسد كما مر وإن أريد عدم الاحتياج الندب إلى النية بل يكفي نية الوجوب ففيه إن مع دلالة الدليل على اعتبار نيه السبب في المندوب مطلقا كما هو رأيكم فما يخصص هذا إلا أن يقال المخصص هو الروايات الدالة على التداخل وهذا إنما يصح لو لم يكن دليل اعتبار نية السبب عقليا غير قابل للتخصيص وأيضا لا يفي هذا برفع الاشكال لان غاية ما يلزم منه ارتفاع الاشكال بحسب النية وأما لزوم كون شئ واحد واجبا وندبا كما يلزم من القول بالاجزاء عن الجميع فلا يندفع به وما ذكره آخرا من سقوط الاستحباب فيرد عليه حينئذ أنه يشكل إثبات التداخل في صورة اجتماع الواجب والندب بيانه إن دليل التداخل أما العقل من حيث حكمه بصدق الامتثال وأما النقل من الروايات المتقدمة بحيث اعترفتم بامتناع اجتماع الوجوب والندب وسقوط الاستحباب حينئذ فقد اعترفتم بعدم الامتثال لهما فقد بطل الدليل الاول وأما الروايات فما يمكن أن يستدل به على هذا المطلب روايتا زرارة ومرسلة جميل وعلى هذا القول يلزم معارضتها للاحاديث الكثيرة الدالة على الاستحباب مطلقا فنقول حينئذ على تقدير تسليم صلاحية هذه الثلاثة للمعارضة ليس تقييد الروايات الكثيرة المطلقة بعدم الاجتماع مع الواجب أولى من تأويل هذه الثلاثة بل الاثنان منها وهو رواية زرارة في غسل الميت المجنب ورواية جميل لا يبعد القول فيهما بعدم الاحتياج إلى التأويل لظهورهما في اجتماع الواجبات لتبادر لفظ اللزوم والحرمة في الوجوب فبم يستدل إذن على ثبوت التداخل بمعنى سقوط الاستحباب إلا أن يقال لما حصل التعارض تساقطا معا ومع سقوط أدلة الاستحباب يسقط الاستحباب إذ الحكم الشرعي لا بد له من دليل لكن يرد أنه بم يعلم حينئذ زيادة الثواب على ذلك الفعل أو يقال إن التأويل في المعارضات أظهر منه في هذه وفيه إن مع تسليم أظهريته معارضته بالكثرة وأظهره السند فإن قلت بم تأول الرواية الاخرى لزرارة قلت أما قوله (عليه السلام) إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر إلى قوله غسل واحد فيمكن أن يحمل على أن المراد أن الغسل بعد الفجر مجز عن هذه الامور بمعنى أن بعد الفجر وقت لهذه الاغسال لا أن غسلا واحدا مجزء عنهما جميعا وبعد تعيين الوقت حكم (عليه السلام) بأنه إذا اجتمعت عليك حقوق في هذا الوقت الذي علمت أجزائها عنك غسل واحد ويقيد الحقوق بالحقوق التي من جنس واحد في الوجوب والندب وهذا التأويل وإن كان بعيدا بالنسبة إلى الجنابة لان تعيين وقته بما بعد الفجر لا فايدة له لكن لا يخفى أنهم أيضا لا بد أن يأولوها بسقوط الاستحباب وليس هذا بأبعد منه كثيرا ويمكن أيضا أن يحمل على ظاهره من أجزاء الغسل بعد الفجر لها جميعا لكن يقيد بما إذا كان ما سوى غسل الجنابة واجبا أيضا بنذر أو شبهه أو يكون هو أيضا ندبا كما إذا كان قبل الوقت على القول بوجوبه لغيره وأما قوله (عليه السلام) وكذلك المرأة فيمكن أن يؤول بالاخير وبأنه ليس المراد إجزاء غسل واحد عن الجميع بل يكون بطريق اللف والنشر ويكون المراد إجزاء غسل الجنابة عن الحيض والاحرام والجمعة عن العيد ويؤيده اقحام لفظ الغسل بعد جمعها فتأمل فإن قلت كيف تأول رواية الفقيه المتقدمة قلت الامر فيها ظاهر لان القضاء إنما هو بأمر جديد فلم لا يجوز أن يكون صوم ذلك الرجل فاسدا لكن بشرط وجوب القضاء بعدم غسل الجمعة وإن كان مستحبا ولا يلزم أن يتداخل مع الواجب ويكون عدم القضاء لصحة الصوم والمولى الفاضل الاردبيلي (ره) في شرح الارشاد بعد أن ذكر وجهين في دفع هذا الاشكال من عدم وجوب الوجه أما مطلقا أو فيما نحن فيه للاخبار أو باختيار الوجوب ودخول المندوب فيه كما قلنا من الشهيد الثاني (ره) قال والذي أظن أن الاشكال لم يندفع بالكلية بما ذكرناه في نفس الامر إلا أن يقال معنى التداخل حصول ثواب دولين ؟ مثلا لفعل واحد كما قاله في الشرح أو إن ليس حين الاجتماع أسباب بل يصير سببا واحدا فإن الظاهر إن المقصود من غسل الجمعة مثلا غسل هذه الاعضاء على الوجه المعتبر مطلقا سواء تحقق في ضمن الواجب مثل غسل الجنابة أو الحيض أو غيره بنية غسل يوم الجمعة وغيره من التوبة والزيارة انتهى ولا يخفى ما في قوله أو أن ليس (آه) إذ لو أريد بصيرورة الاسباب حينئذ سببا واحدا إن أسباب الاستحباب أيضا صارت أسبابا للوجوب ففساده ظاهر وإن أريد به ؟ سبب الاستحباب عن السببية

[ 68 ]

وبقاء سبب الوجوب فقط فهو بعينه ما نقله أولا من الشرح مع أن الدليل الذي ذكره لا يدل على المعنيين أصلا بل غاية ما يلزم منه أن الامر بغسل يوم الجمعة مثلا لا يستدعي أن يكون امتثاله بغسل مستحب بل تمثيل بالغسل الواجب أيضا ولا يخفى بقاء الاشكال بحاله لانه إذا امتثل الامر المذكور بالغسل الواجب يلزم اجتماع الوجوب والندب في شئ لان ما يكون امتثالا للامر المذكور يكون ندبا قطعا وهو باطل بزعمهم فظهر أن لا محيص إلا بما ذكرناه من جواز الاجتماع لاختلاف الجهة ويقرب مما ذكره هذا الفاضل (ره) ما قال له صاحب المدارك (ره) بعد أن رجح الاجتزاء بالغسل الواحد في هذه الصورة ومعنى تداخل الواجب والمستحب أن يكون تأدي أحدى الوظيفتين بفعل الاخرى كما يتأدى صلوة التحية بقضاء الفريضة وصوم الايام المسنون صومها بقضاء الواجب ونحو ذلك لظهور تعلق الغرض بمجرد ايجاد المهية على أي وجه اتفق وعلى هذا فلا يرد أن ذلك ممتنع لتضاد وجهي الوجوب والندب انتهى وفيه أيضا إن هذا الكلام منه (ره) أما لاثبات أن امتثال أمر الندب إنما يحصل بفعل الواجب ولا يستدعي الاتيان بفعل ليس واجبا فما ذكره صحيح ظاهر لكن لا يندفع الاشكال المذكور بل هو باق بحاله فلا يصح لتفريع في قوله وعلى هذا ؟ يرد وأما لدفع الاشكال فحينئذ لا يصح ما ذكره لما علمت وأما للقيام الثالث وهو تداخل الاغسال المستحبة فقط فالظاهر تداخلها أيضا مطلقا سواء نوى الجميع أم البعض أم لم ينو شيئا منها لصدق الامتثال وإطلاق الروايات وعدم صلاحية المعارض كما سنذكره والمحقق (ره) في المعتبر رجح التداخل مع نية الجميع ثم قال أما لو نوى البعض فالوجه اختصاصه بما نواه لانا بينا أن نية السبب في المندوب مطلوبة إذ لا يراد به رفع الحدث بخلاف الاغسال الواجبة فان المراد بها الطهارة فتكفى نيتها وإن لم ينوى السبب انتهى وجوابه أولا بمنع أن المراد منها ليس رفع الحدث وما يرى من مجامعتها للحدث كما في غسل الاحرام للحايض لا ينافيه لجواز أن يكون المراد رفع الحدث في موضع يمكن حصوله فيه وأما في غيره فيكون المقصود التنظيف مثلا كالوضوء فإنه يرفع الحدث في بعض المواضع دون بعض والفرق بينهما بأن الوضوء الرافع غير الوضوء الغير الرافع بخلاف هذه الاغسال ضعيف لان المغايرة بالنوع في الاول ممنوع وبالشخص في الثاني متحقق نعم يمكن أن يقال مجرد تجويز أن يكون المراد منها رفع الحدث لا ينفع في المقام بل لا بد من إثباته ودونه خرط القتاد وثانيا بتسليمه والقول بأن المراد منها التنظيف فلا يحتاج إلى نية السبب كما أن المراد من الواجب رفع الحدث ولا يحتاج إلى نية السبب وفيه أن يكون المراد منها التنظيف إن كان على سبيل التجويز واحتمال العقل فلا ينفع وإن كان على سبيل الجزم فيحتاج إلى دليل لكن يمكن إلزامه على ظاهر كلامه (ره) وكلام الشيخ حيث يفهم منهما أن المقصود منها التنظيف مع أنهما اشترطا ذكر السبب وثالثا بأنه على تقدير أن لا يكون المقصود رفع الحدث والتنظيف فما السبب في الاحتياج إلى ذكر السبب لان التكليف بالغسل مطلق وليس فيه التقييد بقصد السبب وما يتوهم أنه إذا قيل اغتسل في يوم الجمعة يفهم أن الغسل له ولو قيل للجمعة فالامر اظهر فلا بد من قصد كونه للجمعة لتحقق الامتثال باطل وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية والتمسك بقوله (عليه السلام) إنما لامرء ما نوى وانما الاعمال بالنيات ونحوهما قد عرفت حاله والعلامة رحمه الله في التذكرة وافق المعتبر وفي المنتهى قرب الاكتفاء بغسل واحد ولم يفصل وفي القواعد والارشاد حكم بعدم التداخل من دون تفصيل أيضا والمصنف (ره) في الذكرى وافق المعتبر والتذكرة وظاهر كلامه في هذا الكتاب القول بعدم التداخل في هذه الصورة مطلقا كما هو ظاهر القواعد والارشاد ونسب في الذكرى هذا الاطلاق إلى جمع متمسكا باعتبار نية السبب ويفهم من كلامه ظاهرا كون الشيخين منهم أيضا وأنت خبير بأن مرادهم لو كان ما هو الظاهر من الاطلاق أي سواء كان مع ذكر جميع الاسباب أو لا فما تمسكوا به ظاهر الفساد إذ غاية ما يلزم منه عذر التداخل مع عدم نية الاسباب أما مع نيتها فلا نسلم إن كلام الشيخ (ره) في المبسوط والخلاف والنهاية لا يظهر منه هذا الحكم لان في المبسوط والخلاف إنما تعرض لاجتماع الواجب والمندوب وحكم فيه بما فصلنا ولم يتعرض لاجتماع المندوبات وفي النهاية لم تعرض لشئ منها إلا أن وجده في موضع آخر والمحقق الشيخ على (ره) رجح في شرح القواعد عدم التداخل في هذه الصورة وصرح بأنه سواء مع تعيين الاسباب وعده متمسكا بعدم الدليل الدال على التداخل ولا يخفى ما فيه لما عرفت من الدلايل وما يقال أيضا أن الاصل عدم التداخل فكلام خال عن التحصيل لان المراد بالاصل إن كان هو الظاهر كما هو في بعض اصطلاحاته ويصير حاصل الدليل إن كلا من هذه الاسباب ؟ مستقل والظاهر استدعاء كل منهما ؟ فجوابه منع الظهور بل الظاهر اقتضاء كل منها مسمى الغسل وهو متحقق في ضمن فرد واحد وإن كان المراد به الاستصحاب كما يقولون الاصل عدم الحادث ففساده ظاهر وإنما الا إشتباه من شيوع أن الاصل العدم بينهم فلم يحققوا معناه واستعملوا في غير موضعه مع أنه في موضعه أيضا محل كلام ليس هذا موضعه وإن كان المراد الغسل والكثرة فهو أيضا باطل كما لا يخفى وأيضا مع تسليم إن الاصل عدم التداخل قلنا ما هو المخرج عن ذلك الاصل من الدليل الشهيد الثاني (ره) أيضا وافق المعتبر والفاضل الاردبيلي وصاحب المدارك (ره) ذهبا إلى التداخل مطلقا كما هو الظاهر هذا تفصيل القول في المقامات الثلاث وفذلكة ما اخترناه التداخل في جميع المقامات في جميع صورها والله أعلم لكن مقتضى الاحتياط أن لا يترك ملاحظة خصوص الاسباب واجبها ومندوبها خصوصا المندوبة ولا يكتفي بنية البعض سيما مع نفي الباقي حتى يحصل اليقين أو الظن القريب منه بتحقق الامتثال وترتب الثواب و الخروج عن عهدة الروايات الدالة على أن لا عمل إلابنية وللمرء ما نوى وفقنا الله للنية الخالصة والقصد الصحيح ثم أن التداخل على تقدير تحققه هل هو رخصة

[ 69 ]

أو عزيمة لم نقف في كلام الاصحاب على شئ سوى ما ذكره الفاضل الاردبيلي من أن الظاهر أنه رخصة واستدل عليه بما ورد من أن الحايض إن شائت أن تغتسل غسل الجنابة قبل الانقطاع تغتسل وهذا لا يدل على أن حال إمكان التداخلين معا كيف الحال كما لا يخفى ولا يذهب عليك أن ما ذكرناه من تحقق الامتثال يقتضي كونه عزيمة كان بعد الامتثال لا معنى للاتيان به ثانيا للامتثال كما هو الظاهر سواء كان الامر للوحدة أو للطبيعة من غير وحدة ولا تكرار فحينئذ يتطرق الاشكال في تعدد الغسل للاحتياط فيما فيه الخلاف في التداخل لحرمة العبادة الغير المتلقاة من الشارع الغير المتمثلة لامره إلا أن يمنع كلية هذه المقدمة لعدم دليل عام عليها من الايه والرواية كما هو الظاهر وإنما هي المشهورة في السنة القوم فلا يبعد إذن أن يقال بعدم البأس في الاتيان بفعل أمر الشارع بنوعه على الكيفية المتلقاة منه باحتمال أن يكون مراده احتياطا مع عدم الحكم بوجوبه أو ندبه تذنيب ؟ في اجتماع أسباب وجوب الوضوء وندبه معا وأسباب ندبه فقط أما الاول فالمشهور بينهم أن الوضوء لا يكون في حال واحدة واجبا وندبا بل مع اشتغال الذمة بمشروطة به واجب وبدونه ندب وسيجئ الكلام فيه إنشاء الله تعالى في مبحث النية وأما الثاني فلم يحصل الاطلاع فيه على نص من كلام الاصحاب ولكن يلوح من كلامهم كما ذكر المحقق الشيخ على (ره) إن الوضوء الرافع للحدث كاف في مثل التلاوة ودخول المساجد والكون على طهارة وزيارة المقابر والسعى في حاجة وحيث يمتنع الرفع كما في نوم الجنب وجماع المحتلم وأمثالهما مما شرع الوضوء فيه مع وجود المانع من الرفع ينبغي التعدد انتهى والاولى أن يقال اللائح من كلام من جوز الاجزاء عن الجميع في الغسل المندوب عند تعيين الاسباب جميعا والاختصاص بما نوى عند نية البعض فقط الاجتزاء بالوضوء الواحد إذا كان رافعا مطلقا وكذا إن لم يكن رافعا مع تعيين الاسباب وأما إذا لم يكن رافعا ولم يقصد الاسباب جميعا فلا بد من التعدد ومن كلام من لم يجوز التداخل في الغسل المندوب مطلقا ما ذكره (ره) ومن كلام من جوز التداخل فيه مطلقا الاجتزاء بالوضوء الواحد مطلقا سواء كان رافعا أو لا وسواء نوى الاسباب جميعا أو لا وأنت بعد الاطلاع على ما تقدم في الغسل خبير بوجه تلويح كلامهم بما ذكرنا وأدلة كل من الاحتمالات وما فيها وما عليها وظهور الاحتمال الاخير فلا حاجة إلى التعرض لها (ويجب معها الوضوء إلا في غسل الجنابة) المشهور بين الاصحاب وجوب الوضوء مع الاغسال الواجبة سوى غسل الجنابة وخالف فيه السيد المرتضى (ره) وابن الجنيد (ره) وهو الاظهر احتج الجمهور بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا الاية لانه عام خرج منه غسل الجنابة للدليل فبقي الباقي والجواب منع العموم وقد مر مرارا وعلى تقدير التسليم مخصص بالروايات التي تقدمت عند شرح قول المصنف ولا يرفع الغسل المندوب الحدث وقس عليه الاستدلال بالروايات الدالة على وجوب الوضوء بعد الاحداث وكذا رواية افتتاح الصلوة الوضوء وبروايتي ابن أبي عمير المتقدمتين هناك أيضا وقد ذكرنا ما فيهما ولا نعيده وقال الصدوق (ره) في الفقيه الوضوء فرض وهذه الاغسال سنة ولا يجزي السنة عن الفرض ولا يخفى ضعفه وحجه ما اخترناه الروايات السابقة في المبحث المذكور وأيضا يؤيدها أيضا ما ورد من أن غسل الحيض والجنابة واحد وما ورد أيضا في بيان حكم الحايض والمستحاضة والنفساء من الامر بالغسل ثم الصلوة بدون تعرض للوضوء مع إيراد الغسل مقابل الوضوء في بعض الروايات أيضا وقد قدمنا من القول في المبحث المذكور ما يكفيك في هذا المقام ومقتضى الاحتياط أن لا يترك الوضوء مع هذه الاغسال وينبغي أن يقدم على الغسل لمرسلة ابن أبي عمير إن كل غسل قبله وضوء وما ورد من أن الوضوء بعد الغسل بدعة هذا وأما عدم وجوب الوضوء مع غسل الجنابة فإجماعي كما ذكره الشيخ (ره) في التهذيب والعلامة في المنتهى ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع الروايات المتقدمة في المبحث المذكور ويزيده بيانا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن أحمد بن محمد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تغسل يدك إلى أن قال ولا وضوء فيه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن يقوب بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سئلته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل (عليه السلام) فقال الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يضمهما في الماء ثم يغسل ما أصابه من أذى ثم يصب على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تبدا فتغسل كفيك ثم تفرغ يمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك إلى أن قال ليس قبله ولا بعده وضوء وما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) أن أهل الكوفة يرون عن علي (عليه السلام) أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة قال كذبوا على علي (عليه السلام) ما وجدوا ذلك في كتاب علي (عليه السلام) قال الله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا واستدل عليه أيضا بقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا وفيه أن الاستدلال به موقوف على أن لا يكون معطوفا على إذا قمتم كما لا يخفى وهو ممنوع وإن تمسك في دلالته على المراد بالرواية السابقة يلزم الاستدراك وبقوله تعالى حتى تغتسلوا حيث جعل الاغتسال غايه للمنع فإذا اغتسل وجب أن لا يمنع وفيه أن المراد أما أن الاغتسال غاية المنع فيلزم أن لا يكون منع بعده وأما أنه علق المنع بعدم الاغتسال فقط بدون شئ آخر فلا يكون مانعا فإن كان الاول فنمنع ظهوره فيما ذكروه بل المفهوم منه عرفا المنع من القربان بدون الاغتسال وأما أنه غاية فلا وأيضا لا يدفع وجوب الوضوء سابقا على الغسل فتأمل وإن كان الثاني فإن ادعى ظهوره في عدم مانعيته شئ آخر فممنوع وإن ادعى أن ما يفهم منه مانعية عدم الاغتسال وأما مانعية غير فينتفي بالاصل فممنوع لكن على هذا يلزم الاستدراك لان التمسك بالاصل ابتداء كاف وغسل الميت ويستحب في غسل

[ 70 ]

الميت) قد علم في ضمن العمومات عدم وجوب الوضوء في غسل الميت وأما ما اختص به فسيجئ إنشاء الله تعالى مع بيان الحكم التالي له في بابه (وفي التهذيب يستحب مع غسل الجنابة) والمشهور عدم الاستحباب ومستند قول الشيخ (ره) روايتا أبي بكر الحضرمي ومحمد بن ميسر السابقتان في البحث المذكور ولا يخفى أن القول باستحباب الوضوء قبل الغسل لا بأس به بناء على التسامح في ادلة السنن لروايتين وعدم معارض ظاهر لان ما ورد من أنه لا وضوء فيه يحمل على الوجوب وما ورد من أن الوضوء بعد الغسل بدعة لا ينافيه ومرسلة محمد بن أحمد بن يحيى من أن الوضوء قبل الغسل وبعده بدعة فمع ضعف سنده قد عرفت سابقا توجيهه على وجه لا ينافي ما قلنا نعم الاولى الاجتناب عن الوضوء بعد الغسل لعدم دلالة الروايتين عليه ودلالة الروايات على بدعيته ولم نعلم أن مذهب الشيخ (ره) في الاستحباب ماذا هل هو الاستحباب قبل الغسل أو مطلقا سواء كان قبله أو بعده وما يتوهم من أن الاحتياط في الوضوء مع غسل الجنابة لرعاية جانب الايه واحتمال أن يكون نفي الوضوء معه في الروايات نفي الوضوء لتحقق الغسل لا وضوء الصلوة فلا عبرة به في نظر الفقيه بعد ورود تلك الروايات الكثير الظاهرة الدالة على المدعى (درس يجب على المتخلي ستر العورة عن الناظر) وجوب ستر العورة عن الناظر ليس بمختص بالمتخلي لكن لما كان ينكشف في هذا الحال العورة ذكروا هذا الحال العورة ذكروا هذا الحكم فيه بخصوصه ثم أن هذا الحكم لم نطلع فيه على خلاف ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ (ره) في زيادات التهذيب في باب دخول الحمام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن ماء الحمام فقال إدخله بإزار وما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يغتسل الرجل بإزار فقال إذا لم يره أحد فلا بأس وما رواه الفقيه أيضا في باب غسل يوم الجمعة ودخول الحمام قال وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل قل للمؤمنين يغضو من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم فقال كلما كان في كتاب الله تعالى من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فإنه الحفظ من أن ينظر إليه وما رواه أيضا في الفقيه في الباب المذكور عن حنان بن سدير في أثناء حديث ثم قال وما يمنعكم من الازار فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال عورة المؤمن على المؤمن حرام والقائل هو على ابن الحسين (عليه السلام) وما رواه الفقيه أيضا في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أثناء حديث طويل أنه قال إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الارض فليحاذر على عورته واستدل عليه أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه وفيه أنه لا دلالة على وجوب الستر بل على تحريم النظر إلى أن يتمسك بأن كشف العورة على الناظر حينئذ يكون معاونة على الاثم وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال نعم فقلت أعني سفليه فقال حيث تذهب إنما هو إذاعة سره وما رواه أيضا في الباب المذكور عن حذيفة بن منصور قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) شئ يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس حيث يذهبون إنما عنى عورة المؤمن أن يزل زلة أو يتكلم بشئ يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره يوما وما رواه أيضا عن زيد الشحام عن أبى عبد الله (عليه السلام) في عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس أن يكشف فيرى منه شيئا إنما هوان يزري عليه ويعيبه فيمكن أن يقال مراده (عليه السلام) فيها أن المراد من هذه العبارة شئ آخر غير النظر إلى السوأتين لا أنه ليس بحرام لكن ينافي هذا ما روى آنفا عن علي بن الحسين (عليه السلام) فإن فيه تفسير هذه العبارة بهذا المعنى كما لا يخفى أو يقال أن مراده (عليه السلام) نفي حصر المراد من هذه العبارة في النظر بل إنما يشمله وغيره من إذاعة السر وهذا أيضا لا يخلو من تكلف ولو لم يكن مخافة خلاف الاجماع لامكن القول بكراهة النظر دون التحريم كما يشعر إليه ايضا ما رواه الفقيه في الباب المذكور عن الصادق (عليه السلام) قال إنما أكره النظر إلى عورة المسلم فأما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار فيسهل الجمع بين الروايات حينئذ كما لا يخفى وجهه واعلم أنهم ذكروا أن المراد من الناظر المحرم وأما غيره فلا بأس كالزوجة والمملوكة والطفل غير المميز ثم أن وجوب الستر هل هو مع العلم بالنظر أو يجب فيما هو مظنة النظر أيضا الظاهر الثاني وأما بمجرد احتمال النظر فلا يبعد القول بعدم وجوبه والتفصيل فيه أن يقال أما مع العلم بوجود الناظر أو الظن أو الشك أو الوهم وعلى التقارير أما نظر عمدا وسهوا فالاقسام ثمانية والظاهر عدم التحريم في القسمين الاخيرين والتحريم في الاول والثالث وأما الاربعة الباقية ففيها إشكال من حيث عموم رواية الفقيه عن الصادق (عليه السلام) ومن حيث أن الشهرة بين الاصحاب أو الاجماع غير معلومة في هذه الصورة فبمجرد هذه المرسلة لا يمكن الحكم هذا والكلام في معنى العورة وتحقيقه سيجئ إنشاء الله تعالى في كتاب الصلوة في المبحث اللباس (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها ولو في الابنية خلافا لابن الجنيد مطلقا وللمفيد في الابنية) المشهور بين الاصحاب تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال التخلي مطلقا سواء كان في الصحارى أو الابنية وسواء كان بناء المخرج عليه أو لا إلا إذا كان في موضع لا يمكن الانحراف ولم يمكن الخروج إلى موضع آخر أيضا وكان مراد الشيخ (ره) في المبسوط أيضا هذا حيث قال فإن كان الموضع مبنيا كذلك وأمكنه الانحراف عنه وجب عليه ذلك وإن لم يمكنه لم يكن عليه شئ ليوافق ظاهر كلامه في الخلاف حيث قال لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غايط إلا عند الاضطرار لا في الصحاري ولا في البنيان وقال ابن الجنيد (ره) على ما نقل عنه في المنتهى والمختلف يستحب للانسان إذا أراد التغوط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة وهو

[ 71 ]

صريح فيما نسب إليه المصنف وقال سلار على ما في المختلف وليجلس غير مستقبل القبلة ولا مستدبرها وإن كان في موضع قد بنى على استقبالها أو استدبارها فلينحرف في تعوده هذا إذا كان في الصحارى والفلوات وقد رخص ذلك في الدور وتجنبه افضل وهذا هو الموافق لما نسب المصنف (ره) إلى المفيد وأما المفيد (ره) فقد فقال في المقنعة ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولكن يجلس على استقبال المشرق إن شاء أو المغرب ثم قال بعد ذلك وإذا دخل الانسان دارا قد بنى فيها مقعده للغايط على استقبال القبلة أو استدبارها لم يضره ذلك وإنما يكره ذلك في الصحارى والمواضع التي يمكن فيها الانحراف عن القبلة انتهى والعلامة (ره) في المختلف نزل هذه العبارة على مذهب ابن الجنيد وكانه لحمله لفظة الكراهة على معناها المتعارف وفي المنتهى حكم بموافقة المفيد (ره) لسلار كما في هذا الكتاب وهذا البناء على حمل الكراهة في كلامه على التحريم وأنت خبير بإمكان حمل عبارة المقنعة على المذهب المشهور بحمل الكراهة على التحريم كما هو الشايع في عباراتهم وارتكاب تقييد في العبارة كما يرتكب في عبارة المبسوط ولو لم يرتكب التقييد لكان الاولى حملها على مذهب رابع سوى المشهور ومذهبي ابن الجنيد وسلار بل مذهب موافق للمبسوط لو لم يرتكب التقييد فيه أيضا وأما حملها حينئذ على مذهب سلار كما في هذا الكتاب والمنتهى والمعتبر وظاهر الذكرى فبعيد جدا لوجود بعض التقييدات فيها ليس في كلام سلار إلا أن يقال كان استادهم هذا المذهب إلى المفيد ليس من جهة عبارة المقنعة لكنه بعيد وبما ذكرنا في حمل الكراهة في كلامه على التحريم يمكن استنباط الحال عند حملها على المعنى المصطلح أيضا فتأمل الظاهر عدم التحريم مطلقا كما ذهب إليه ابن الجنيد والكراهة كذلك أما عدم التحريم فللاصل وعدم دليل ظاهر في الحرمة كما سيظهر عند الجواب عن أدلتها وأما الكراهة فلدلايل الحرمة التي سنذكرها وسنذكر أيضا عدم دلالتها على التحريم فيحمل على الكراهة واحتج المشهور بأن القبلة محل التعظيم ولهذا أوجب استقبالها في الصلوة فناسب تحريم استقبالها بالحدث ولان فيه تعظيما لشعاير الله وضعف الوجهين ظاهرا لان الاول من باب القياس المردود وعموم تعظيم شعاير الله إلى حد يشمل هذا أيضا ممنوع لا بد له من دليل وأنى لهم بذلك واحتج أيضا بما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث عن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال قال لي النبي (صلى الله عليه وآله) إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولكن شرقوا أو غربوا والجواب عنه أما أولا فبالقدح في السند وثانيا بعد ظهور النهي في التحريم في كلامهم (عليهم السلام) خصوصا مع مقارنته بشرقوا أو غربوا الظاهر في الاستحباب عند القائلين بالتحريم أيضا لانهم لم يعلم منهم القول بوجوب التشريق والتغريب سوى ما نقل عن واحد من المتأخرين فينبغي أن يحمل هو أيضا على الكراهة لموافقة القرائن وبما رواه أيضا في هذا الباب عن ابن أبي عمير عن عبد الحميد بن أبي العلاء أو غيره رفعه قال سئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا تستقبل القبله ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها لكن فيه سئل أبو الحسن (عليه السلام) وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان للحدث وفيه أيضا القدح في السند لان مراسيل ابن أبي عمير وإن سلم مقبوليتها فإنما هو فيما إذا كان الارسال منه ولم يظهر فيما نحن فيه كون الارسال منه بل الظاهر أنه ممن يروي هو عنه وأيضا الارسال الاخر يحتمل أن يكون ممن يروي عنه لا منه ولو سلم ففي كونه من قبيل مراسيله المقبولة إشكال والحمل على الكراهة لما عرفت من عدم ظهور النهي في التحريم في كلامهم (عليه السلام) ويؤيده أيضا أقرانه بلا تستقبل الريح لكونه للكراهة عندهم أيضا وبما رواه أيضا في هذا الباب عن علي بن إبراهيم رفعه قال خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله (عليه السلام) وأبو الحسن موسى (عليه السلام) قايم وهو غلام فقال له أبو حنيفة يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال ولا تستقبل القبلة بغايط ولا بول وارفع ثوبك وضع حيث شئت و هذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وفيه أيضا مثل ما في سابقيه وبما رواه الفقيه في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في أثناء حديث طويل ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس أو القمر وقال إذا دخلتم الغايط فتجنبوا القبلة وفيه أيضا مثل ما ذكر واحتج سلار بما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن إسماعيل قال دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وفي منزله كنيف مستقبل القبلة وعدم دلالته على ما ادعاه ظاهر لان بناء الكنيف على الاستقبال لا يستلزم جواز الجلوس عليه من غير انحراف وهذه الرواية في باب الزيادات أيضا بدون مستقبل القبلة لكن مع ضميمة قوله سمعته يقول من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة وتعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له هذا ثم أن الظاهر من الاستقبال والاستدبار استقبال أو استدبار البدن كما هو المتعارف لا للعورة حتى لو صرفها زال المنع وقد قال به بعض ولا اعتداد به والظاهر أيضا كراهتها حال الاستنجاء أيضا لما رواه في الزيادات أيضا عن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يريد أن يستنجى كيف يقعد قال كما يقعد للغايط وهذه الرواية للكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلا وفي الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان للحدث لكن الاصحاب لم ينصوا عليه ولا يخفى أن هذا الحكم إنما هو على تقدير الاكتفاء في الكراهة أيضا بالادلة الضعيفة كما في الاستحباب وللكلام فيه محال والظاهر أيضا استحباب التشريق أو التغريب لرواية عبد الله الهاشمي المتقدمة وقال بعض بوجوبه لها وأيده بما ورد من أن ما بين المشرق والمغرب قبلة وهو ضعيف كما لا يخفى وذكر بعض الاصحاب أنه إذا تعارض الاستقبال والاستدبار قدم الاستدبار ولا وجه له خصوصا في التغوط

[ 72 ]

ويجب غسل موضع البول بالماء المزيل للعين الوارد بعد الزوال وجوب غسل موضع البول إجماع منا وكذا تعينه بالماء ويدل أيضا مضافا إلى الاجماع روايات أما على وجوب الغسل فما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن عمرو بن أبي نصر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أبول وأتوضأ وأنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صليت قال اغسل ذكرك واعد صلواتك ولا تعد وضوءك وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة قال توضأت يوما ولم أغسل ذكري ثم صليت فسالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال اغسل ذكرك وأعد صلوتك وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن ابن أذينة قال ذكر أبو مريم الانصاري ابن الحكم بن عتبة بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا فذكرت ذلك لابي عبد الله (عليه السلام) فقال بئس ما صنع عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلوته ولا يعيد وضوئه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلوة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأما البول فلابد من غسله إلى غير ذلك من الروايات وأما على تعينه بالماء فما رواه أيضا في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انقطعت دره البول فصب الماء وهذه الرواية في الكفي أيضا في الباب المذكور وما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل عن يزيد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يجزي من الغايط المسح بالاحجار ولا يجزي من البول إلا الماء وأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عبد الله بن بكير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحايط قال كل شئ يابس ذكي فلا ينافي ما ذكرناه لامكان جملة على التقية وعلى أن المراد أنه ذكى بمعنى عدم السراية إلى الغير والتعدي إليه لا أنه طاهر في نفسه لا يقال الذكي طاهر في الظاهر لان بعد تسليم ظهوره فيه التأويل فيه وحمله على غير ظاهره أولى من حمل الروايات السابقة على غير ظاهرها لكثرتها وصحة سندنا خصوصا مع نقل الاجماع على خلافه وأيضا حمله على الظاهر إنما يستلزم التخصيص فيه لان النجاسة اليابسة ليست بطاهرة بإجماع المسلمين والتخصيص ليس بأولى من المجاز وكذا ما رواه في هذا الباب عن سماعة قال قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) أني أبول ثم أمسح بالاحجار فيجئ البلل ما بعد الاستبراء وفي بعض النسخ ما يفسد سراويلي قال ليس به بأس أما أولا فلجهالة سندها وأما ثانيا فبالحمل على التقية لانه موافق لمذهب العامة والشيخ (ره) في التهذيب ذكر وجهين أحدهما أنه يجوز أن يكون مختصا بحال لم يكن فيها واجد للماء فجاز له حينئذ الاقتصار على الاحجار وثانيهما أن المراد ليس به بأس اعتبار الوضوء لا النجاسة لان ما خرج بعد الاستبراء إنما هو الودي ولا ينقض الوضوء والظاهر أن ما ذكره من الاقتصار على الاحجار حال عدم الماء لا يراد به أن يصير بها طاهرا لنقل الاجماع على خلافه بل أنه يجوز الصلوة والحال هذه لمكان الضرورة ولكن يجب الغسل بعد الوصول إلى الماء كما صرح به سابقا عليه واعلم أن بعض العلماء كالمحقق (ره) في المعتبر والعلامة (ره) في المنتهى ذكر أنه لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعماله لجرح أو نحوه يجب المسح بالحجر و شبهه لان الواجب إزالة العين والاثر فملا تعذرت إزالتهما لم يسقط إزالة العين وفيه نظر لانه إنما يتم ذلك لو كنا مأمورين بكل من إزالة العين والاثر بانفراده وليس كذلك لانا أمرنا بالغسل وصب الماء فعند تعذرهما سقط التكليف وكونهما مشتملين على أمرين لا يستلزم التكليف بكل منهما على حدة وهو ظاهر ولكن الاحتياط فيما ذكراه للخروج عن عهدة قولهما ولا شعار الرواية الاتية أيضا به كما لا يخفى هذا وكذا لا ينافي ما ذكرناه ما رواه أيضا في باب الاحداث في الزيادات في الموثق عن حنان بن سدير قال سمعت رجلا سئل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي فقال إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وفي الفقيه في باب ما ينجس الثوب والجسد أما أولا فلعدم صحة سندها لان حسان بن سدير واقفي على ما صرح به الشيخ وثانيا لعدم دلالته على الطهاره بالمسح لان الظاهر أن المراد إذا بلت وتمسحت بالحجر ونحوه مثلا فامسح ذكرك أي غير موضع البول بالريق حتى إذا وجدت بللا بعده يمكنك حمله على أنه بلل الريق بناء على أصل الطهارة ولا تحتاج إلى تطهير ما لاقاه فيسهل عليك الامر إذ لو كان المراد غير ذلك وكان المسح مطهرا لما كان لمسح الذكر بالريق وحمل البلل الذي يجد عليه فائدة لان ما يخرج بعد البول إذا كان رأس الحشفة ظاهرا لا بأس به فلا حاجة إلى المسح بالريق لا يقال لعله لتطيب الخاطر لا لنجاسته ما يخرج بعد البول كما ورد من الامر بصبغ الثواب الذي لا يزول منه لون دم الحيض لانا نقول على هذا لا اختصاص له بهذا الحال فلم لم يؤمر موضع آخر بهذا الامر إلا أن يقال حال وجود الماء لا يحتاج إليه لان ما يجد من البلل حينئذ يمكن حمله على بلل بالماء أو يقال أن الماء يقطع البول كما نقل في المنتهى فحينئذ بعد الماء لا يحتاج إلى المسح لتطيب الخاطر فإن قلت لعل المسح بالريق لاجل تطهيره قلت أما أولا فلان هذا ليس مذهب الجمهور أيضا كما هو الظاهر لان بعض من لم يوجب الماء منهم يكتفي بالمسح بالاحجار ونحوهما وبعضهم لا يوجب ذلك أيضا وأما وجوب المسح بالريق مثلا بعد التمسح بالحجر ونحوه فلم يقل به أحد وأما ثانيا فلانه على هذا أيضا لا فائدة في قوله فإن وجدت ماء كما مر وثالثا للحمل على التقية لو سلم ظهوره في خلاف ما ذكرناه وصاحب المدارك (ره) حمله على أن المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا وأنت بما ذكرنا خبير بما فيه

[ 73 ]

ولا حاجة إلى التصريح هذا وسيجئ تتمة لهذه الحكم في بحث النجاسات إنشاء الله تعالى وإذا قد ثبت وجوب غسل مخرج البول بالماء فلنذكر أقل ما يجزي منه فنقول قد ذهب الشيخ في المبسوط والنهاية إلى أن أقل ما يجزي مثلا ما على رأس الحشفة وهو مذهب شيخه (ره) أيضا في المقنعة وتبعه المحقق في المعتبر والعلامة في القواعد والتذكرة ونسب إلى أبي الصلاح القول بأن أقل ما يجزي ما أزال العين عن رأس الفرج وهو مختار العلامة في المنتهى والمختلف وقال ابن إدريس (ره) في السرائل وأقل ما يجزى من الماء لغسله ما يكون جاريا ويسمى غسلا والظاهر أن مختار أبي الصلاح وابن إدريس واحد وهو وجوب الازالة بما يسمى غسلا سواء كان مثلين أو أزيد أو انقص كما صرح به في المختلف وقال أنه ظاهر ابن البراج أيضا والظاهر القول الاخير لنا الروايات السابقة من حيث إطلاق الامر فيها بالغسل والصب من دون تقييد والاصل برائة الذمة من الزايد حتى يثبت وكذا الروايات الاخرى الامرة بالغسل مطلقا من دون تقييد ولا حاجة إلى ذكرها ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الحسن عن ابن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) قال قلت له للاستنجاء حد قال لا ينقي ما ثمة قلت فإنه ينقي ما ثمة ويبقى الريح قال الريح لا ينظر إليها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء واحتج الشيخ بما رواه في باب آداب الاحداث في التهذيب عن نشيط بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول فقال بمثلي ما على الحشفة من البلل وفيه أن الرواية غير صحيحة السند فلا يوجب تقييد ما ذكرنا مع أنها معارضة بما رواه أيضا في هذا الباب عن نشيط المذكور عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يجزي من البول أن يغسله بمثله ثم أن في المقام اشتباها لا بد من إيضاحه وهو أنه لا يدري أن المراد من المثلين ماذا أهو مثلا البلل الذي على رأس الحشفة أو مثلا القطرة التي تبقى على رأسها غالب الامر بعد انقطاع البول وايضا المراد منه الدفعتان أو لا ففيه أربعة احتمالات الاول وجوب مثلي البلل دفعتين والثاني وجوبه لا كذلك والثالث وجوب مثلي القطرة دفعتين والرابع وجوبه لا كذلك فإن كان المراد الاول ففيه أن بعد تسليم صحة الرواية لا دلالة لها على المدعى إذ لا ظهور لها في كون المثلين دفعة أو دفعتين وهو ظاهر وقد يستدل عليه بما ورد في الروايات من أن البول إذا أصاب الجسد يصب عليه الماء مرتين كما سيجئ إنشاء الله تعالى وفيه منع شمولها للحشفة ظاهرا بل لا يبعد دعوى الظهور في اختصاصها بغيرها كما يحكم به الوجدان ومع ظهور الشمول أيضا قد عرفت أن للكلام في وجوب حمل المطلق على المقيد مطلقا محالا فحينئذ لا نسلم أولوية تقييد روايات وجوب الغسل مطلقا بها فهلا يخصصونها بغير الحشفة ومع تساوى الامرين الاصل معنا تدبر ويرد أيضا على هذا المذهب أي الاجتزاء بمثلي البلل مع وجوب كونهما دفعتين أن الغسل إنما يتحقق إذا ورد الماء على محل النجاسة شاملا له مع الغلبة والجريان وذلك منتف مع كل واحد من المثلين لان المماثل للبلل الذي على الحشفة لا يكون غالبا عليه وإن كان المراد الثاني فنقول إن كان الامر في الواقع إن كل ما يكون بقدر المثلين إنما يصدق عليه الغسل ويزيل النجاسة وبدونه لا يصدق فنعم الوفاق ويرفع النزاع وهو ظاهر وإن لم يكن كذلك بل قد يتخلف الحكم فإن كان المتخلف الحكم الاول فيرد على هذا المذهب حينئذ إن الاجتزاء بالمثلين الذى لا يصدق عليه الغسل بمجرد هذه الرواية الغير الصحيحة لا وجه له بعد ورود تلك الروايات الكثيرة الصحيحة بالغسل والصب مع أن في دلالة الرواية حينئذ أيضا نظرا لجواز حملها على مثلي القطرة لا البلل وإن كان المتخلف الثاني فيرد ما قدمنا من إطلاق الاوامر وبرائة الذمة عن الزائد حتى يثبت بمجرد هذه الرواية لم يثبت لكن لا يخفى أن الاحتياط في هذه الصورة في العمل بهذه الرواية لان عدم صحتها منجبر بالشهرة بين الاصحاب وإن كان المراد الثالث فإن كان يصدق الغسل على كل من القطرتين البتة فما يرد عليه حينئذ هو أن الرواية لا دلالة لها على العدد المدعى أما أولا فلجواز أن يكون المراد بها مثلي البلل وأما ثانيا فلعدم دلالتها على وجوب الدفعتين حقيقة أو تقديرا فلو تمسك بالروايات الدلالة على المرتين فجوابه ما ذكرنا ويعارض حينئذ أيضا بالروايات الدالة على الاكتفاء بمطلق الغسل والنقاء وإن لم يصدق فحاله يظهر مما ذكرنا في ثاني شقى القسم الثاني وإن كان المراد الرابع فحاله كحال الثاني بعينه فقس عليه هذا وبما ذكرنا ظهر قوة ما ذهبنا إليه لكن الاحتياط أن يغسل مرتين مع الفصل للخروج يقينا عن عهدة الاوامر الواردة بالمرتين في البول مطلقا مع أن ظاهر عبارة المعتبر يشعر بالاجماع عليه ويراعى مع ذلك كونه بقدر مثلى القطرة أو أزيد لاحتمال هذه الرواية ولا يبعد القول أيضا باستحباب الغسل ثلث مرات لما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن زرارة قال كان يستنجى من البول ثلاث مرات ومن الغايط بالمدر والخرق لظهور أن الضمير في مكان راجع إلى الامام (عليه السلام) واعلم أن المصنف (ره) قال في الذكرى ويجزي مثلاه مع الفصل للخبر مع أنه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري ووجهه المحقق الشيخ على (ره) في شرح القواعد أن مراده وجوب الانفصال على تقدير الاكتفاء بالمثلين لان المثلين مع عدم الانفصال إنما يعد غسلا واحدا مع أنه لا بد من التعدد وأما إذا لم يكتف به فلا يحتاج إلى الانفصال بل لو عد غسلين تقدير لكفى ولا يخفى أن وجوب التعدد كأنه بناء على الروايات الواردة بالمرتين وإلا فهذه الرواية لا دلالة لها عليه فإن قلت ما معنى عبارة المتن وعلى أي الاحتمالات تحمل قلت الظاهر أن مراده وجوب الغسلتين أحديهما مزيلة للعين والثانية واردة بعد الازالة فإن تحقق هذا المعنى بدون الانفصال الحقيقي فكفى وإلا فلابد منه وهذا كما هو مختارة في

[ 74 ]

الذكرى ظاهرا كما ذكرنا وظاهره الانطباق على الاحتمال الثالث كما لا يخفى ويرده على العبارة حينذ مناقشة لان الوصف الذي ذكره للماء لا يصدق على هذا المجموع لان وإن سلم كونه مزيلا للعين عرفا فليس بوارد بعد الزوال البتة إلا أن يقال أنه من قبيل إجراء أوصاف الجزء على الكل ويحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله بعد الزوال بعد انقطاع البول ويصير الحاصل أنه يجب الغسل بالماء المزيل للعين بعد انقطاع البول وحينئذ ينطبق على اخترناه فإن قلت على ما اخترته من القول على ما تحمل روايتي نشيط قلت أما الاولى فيمكن حملها على مثلي البلل وينطبق على ما ذهبنا إليه لان الظاهر أن مثلي البلل يبلغ حد الغسل ودونه لم يبلغ أو يحمل على مثلي القطرة ويدعى أن ما دون القطرتين لا يبلغ حد الغسل المعتبر فيه الغلبة والجريان وأما الثانية فيمكن حملها على مثلي القطرة وتصير موافقة لمثلي البلل في الرواية الاولى ومنطبقة على قولنا ويمكن أن يحمل أيضا على أن المراد من مثله أي مثل البول لمماثلته له في السيلان ويكون الكلام على الحصر أي إنما يجزي من البول الغسل بالماء فقط ولا يكفي المسح بالاحجار كما هو رأي الجمهور وأولها الشيخ (ره) في التهذيب باب المراد مثل ما خرج من البول وفيه مالا يخفى للاجماع على خلافه وضعفه المحقق في المعتبر بأن البول ليس بمغسول وإنما يغسل منه ما على الحشفة والامر فيه سهل (وغسل مخرج الغايط مع التعدي حتى يزول العين والاثر) ادعى العلامة (ره) في التذكرة أن مع التعدي عن المخرج لا بد من الماء إجماعا وكذا المحقق في المعتبر واستدل عليه أيضا بما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الاحجار ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقا كذا في الصحاح وبقوله (عليه السلام) يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة لكن روايات أصحابنا الدالة على جواز الاستنجاء بالاحجار خالية عن هذا التقييد كما سيجئ إنشاء الله تعالى فلو لم يكن مخافة الاجماع لامكن القول بجواز التمسح في الغايط مطلقا إلا أن يتفاحش ويخرج عن المعتاد بحيث لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء من الغائط لان الروايتين المنقولتين مع عدم صحة سندهما لا ينافيانه أيضا بل لا يبعد ادعاء ظهورهما خصوصا الاخيرة فيه مع أن الرواية الاولى ظاهرها الحمل على الاستحباب إذا لم يقل بوجوب الجمع أحد وعلى هذا فكما يمكن أن يكون الاستحباب باعتبار الاحجار فكذلك يمكن أن يكون باعتبار الماء ولا يخفى أن هذا انسب بالغرض المقصود من الرخصة في التمسح أي التخفيف وإزالة المشقة لان عدم التعدي عن المخرج نادر جدا والله أعلم ثم أن مع التعدي هل يجب غسل الجميع بالماء أو القدر المتعدي فقط ظاهر عبارة الكتاب الاول ولم يحصل الاطلاع على نص من الاصحاب بشئ وإثبات وجوب غسل الجميع لا يخلو من إشكال أن لم يكن إجماع والمراد بالعين ظاهرا وكذا وجوب إزالته عرفا للاجماع ولحسنة بن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام) المتقدمة ولما رواه التهذيب أيضا في باب آداب الاحداث في الموثق عن يونس بن يعقوب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغايط أو بال قال يغسل ذكره ويذهب الغايط ثم يتوضأ مرتين ولما ورد أيضا في بعض الروايات من الامر بالغسل لان الظهار أنه ما لم تزل العين لم يصدق عليه الغسل عرفا وأما الاثر فليس في الاثار منه عين ولا أثر ولكن الاصحاب إنما ذكروه واختلف كلامهم في المعنى المراد منه فقال بعضهم المراد منه ما يتخلف على المحل بعد مسح النجاسة وتنشيفها وذكروا أنه غير الرطوبة لانها من العين وتحقق هذا المعنى الذي فسروا الاثر به لا وضوح له وعلى تقدير تحققه إثبات وجوب إزالته انما يتوقف على أن لا يصدق النقاء والذهاب والغسل قبل زواله إذ لو صدق قبله يلزم الحكم بالكفاية لما تقدم وعلى هذا يسشكل الحكم بالاكتفاء بزوال العين حين التمسح بوجوب النقاء والذهاب اللهم إلا أن يقال إن إزالة الاثر لما لم يمكن بالتمسح ووردت الروايات بجوازه ظهر أن الامر بالنقاء و الذهاب مخصص وبعضهم فسروا الاثر باللون وذكر أنه عرض لا يقوم بنفسه فلا بد له من محل جوهري يقوم به والانتقال على الاعراض محال فوجوده دليل على وجود العين فيجب إزالته وفيه نظر أما أولا فبالنقض بالرايحة لجريان لديل فيها مع أنها لا يجب إزالتها ويمكن أن يقال إن كان دليل على عدم وجوب إزالتها من إجماع أو خبر فيكون ذلك الدليل مخرجا لها عن الحكم ولا يلزم منه خروج ما ليس فيه دليل كاللون وإن لم يكن دليل فيجري الحكم فيها أيضا وأما ثانيا فبمنع استلزام ؟ ؟ انتقال الاعراض أن يكون العين موجودة في حال وجود اللون لجواز أن لا يكون هذا اللون اللون القائم بالعين بل يجوز أن يكون لونا آخر حدث بالمجاورة وأما ثالثا فيمنع وجوب الازالة على تقدير كون العين موجودا مطلقا لان ما ثبت وجوبه بالاخبار هو الانتفاء ؟ إلا ذهاب والغسل فلو صدق هذه الامور عرفا قبل زوال اللون لكان كافيا ولا يحتاج إلى إزالته ولو لم يصدق بدون إزالته لوجب وعدم الصدق ؟ وجوب إزالته في صورة التمسح أيضا إلا أن يتمسك بما ذكرنا وكلام المصنف (ره) في الذكرى يوهم أن مرادهم بالاثر الرايحة حيث قال في بحث الاستنجاء بالاحجار ولا عبرة بالاثر كالرايحة بخلاف الرطوبة لكن الظاهر أن مراده أنه لا عبرة بالاثر كما لا عبرة بالرايحة لان كلامه في هذا الكتاب صريح في أن المراد من الاثر غير الرايحة كما سيظهر وإيراد الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد على هذا التوجيه لكلام الذكرى بأنه بعيد لما ثبت من عدم الشتراط زوال الرايحة فيما هو أقوى من الاحجار لا وجه له أصلا كما لا يخفى هذا ومحصل القول على ما مر أن القدر الثابت وجوبه ظاهرا من الروايات وجوب الغسل بالماء إلى حد يصدق عليه في العرف

[ 75 ]

أنه انقاه وأذهبه وأما ما سوى ذلك سواء قلنا بوجود شئ هو الاثر أولا فلا ومن يدعيه فعليه البيان والظاهر أيضا الاكتفاء بانقاء ما ظهر على المخرج ولا يجب إدخال القطن أو الانملة لانقاء الباطن قال العلامة (ره) في المنتهى وهو مذهب أكثر أهل العلم وروى عن محمد تلميذ أبي حنيفة أنه قال ما لم يدخل إصبعه لا يكون نظيفا وهذا شاذ انتهى ويدل عليه ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام) قال سمعته يقول في الاستنجاء نغسل ما ظهر على الشرج ولا ندخل فيه الانملة وما رواه أيضا في هذا الباب في الزيادات عن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام قال قلت له الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد قال كما يقعد المغابط وقال أنام عليه أن يغسل ما ظهر منه وليس عليه أن يغسل باطنه وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء والرواية الاولى في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وروى التهذيب في هذا الباب في الاصل في أثناء حديث طويل عن عمار أيضا هذا المضمون أيضا بعينه (ولو لم يتعد أجزاءها ثلاث مسحات بجسم طاهر مزيل للعين لا الاثر) إجزاء التمسح مع عدم التعدي إجماعي ويدل عليه أيضا روايات منها صحيحة زرارة ورواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدمتان في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء وحكاية زرارة من فعل الامام (عليه السلام) كما هو ظاهر المتقدمة أيضا في البحث المذكور ومنها ما رواه التهذيب في باب آداب إحداث الزيادات في الصحيح عن زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان الحسين بن علي (عليه السلام) يتمسح من الغايط بالكرسف ولا يغسل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جرت السنة في أثر الغايط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما ويشهد له إطلاق حسنة ابن المغيرة وموثقة يونس بن يعقوب المتقدمتين فأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا أنه قد تمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة فلا يعارض ما ذكرناه من الروايات لكثرتها وصحة سندها وقد حمله الشيخ (ره) في التهذيب على الاستحباب ويمكن حمله على صورة التعدي أيضا وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا استنجا أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء لا يصلح لمعارضتها لجهالة سنده فليحمل أيضا على الاستحباب أو التعدي وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء لا يصلح للمعارضة للارسال فليحمل أيضا على الاستحباب أو التعدي هذا وأما كون المسح ثلاثا فتدل عليه الروايات المتقدمة المتضمنة للثلاث ويشهد له أيضا ما رواه التهذيب في باب صفة التيمم في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن التمسح بالاحجار فقال كان الحسين بن علي (عليه السلام) يتمسح بثلاثة أحجار وأما كونه بمطلق الجسم سوى ما يستثنى فيما بعد فالظاهر أنه أيضا إجماع منا كما يفهم من ظاهر المنتهى حيث قال وهو مذهب أكثر أهل العلم ونسب الخلاف إلى بعض الجمهور والشيخ رحمه الله صرح في الخلاف بالاجماع عليه لكن المصنف (ره) قال في الذكرى إن سلار اعتبر الارض في أصله لذكر الحجارة وابن الجنيد لا يختار الاجر والخزف إلا أن يلابسه طين أو تراب يابس وهما ضعيفان لعدم مستند لهما فالظاهر عدم التقييد كما هو المشهور للشهرة ودلالة بعض الروايات المتقدمة عليه وأما اعتبار الطهارة فقد ادعى الاجماع عليه في المنتهى و يؤيده أيضا قوله (عليه السلام) بثلاثة أحجار أبكار واستدل عليه أيضا بأنه إزالة النجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل وللكلام فيه محال نعم لو تعدى نجاسته إلى المحل لكان حينئذ الوجه في عدم تطهيره ظاهرا لان الاستنجاء إنما يختص بالنجاسة المعهودة فلا يتعدى إلى غيرها وسيجئ أيضا لهذا تتمة إنشاء الله تعالى وأما إزالة العين دون الاثر فقد ظهر حاله في الاستنجاء بالماء ولا اعتبار بالريح فيهما أي في الاستنجاء بالماء والتمسح يدل عليه حسنة ابن المغيرة المتقدمة مضافة إلى الاصل ويشهد له أيضا إطلاق موثقة يونس بن يعقوب السابقة وأورد المصنف في هذا المقام إشكالا وهو أن وجود الرايحة يرفع أحد أوصاف الماء وذلك يقتضي النجاسة وأجاب عنه تارة بالعفو عن الرايحة وأخرى بأن الرايحة إن كان محلها الماء نجس لانفعاله وإن كان محلها اليد أو المخرج فلا وعند الشك يحمل على الطهارة للاصل ويمكن أيضا أن يقال أنه على تقدير كون محله الماء أيضا لا يلزم النجاسة لجواز أن يكون انفعال الماء من المحل أو اليد المتنجسين لا من النجاسة ويجزي ذو الجهات الثلاث قال الشيخ (ره) في المبسوط والحجر إذا كانت له ثلاث قرون فإنه يجزي عن ثلاثة أحجار عند بعض أصحابنا والاحوط اعتبار التعدد لظاهر الاخبار والمحقق في المعتبر والشرايع رجح عدم الاجزاء والمفيد وابن البراج والعلامة (ره) في جملة من كتبه رجحوا الاجزاء وهو الاقوى لنا حسنة ابن المغيرة وموثقة ابن يعقوب منضمتين إلى الاصل حجة القول بعدم الاجزاء الروايات الواردة بالمسح بثلاثة أحجار والحجر الواحد لا يسمى ثلاثة أحجار واستصحاب حكم النجاسة حتى يعلم لها مطهر شرعا وبدون المسح بثلاثة أحجار لم يعلم المطهر شرعا وحسنة ابن المغيرة وموثقة ابن يعقوب لا يخرجان عن الاصل لعدم صحة سندهما خصوصا مع معارضتهما بالروايات الاخرى الواردة بالمسح بثلاثة أحجار وأصل البرائة بعد ثبوت حكم النجاسة ووجوب إزالتها لا يبقى بحاله و الجواب عن الاول أو لا بمنع ظهور الروايات في اعتبار العدد في الاحجار لشيوع استعمال هذه العبارة فيما المراد منه تعدد الفعل لا تعدد الالة كما يقال اضربه

[ 76 ]

ثلاثة أسواط والمراد ضربه ثلاث مرات ولو بسوط واحد وقد يقال بالفرق بين وجود الباء وعدمه إذ مع وجود الباء يظهر في التعدد وليس بقوي لشيوع الاستعمال مع الباء أيضا بذلك المعنى ويؤيده أيضا أن بعض الروايات ورد بلفظ المسحات كما نقل عنه (عليه السلام) أنه قال إذا جلس أحدكم بحاجته فليمسح ثلاث مسحات وثانيا يمنع دلالتها على الوجوب إذا لو لم يكن لفظه السنة ظاهرة في الاستحباب فلا أقل من عدم ظهورها في الوجوب وما روي عن سلمان (رض) أنه قال نهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار فغير صالح للتعويل لجهالة سنده مع أن لفظ النهي أيضا ليس صريحا في التحريم وكذا ما روى عنه أيضا لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار وفي رواية ابن المنذر لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار والجواب عن الثاني بمنع حجية الاستصحاب ولما كان أصل الاستصحاب كثيرا ما يستعمله الاصحاب في الاحكام الشرعية ويبنون عليه المسائل وفي تحقيق معناه وإثبات حجية بعض من الابحاث كثيرة النفع في الترجيحات فلا بأس أن نذكر فيه نبذا من القول على سبيل الاجمال وإن لم يكن هنا موضعه إذ هو في الاصول اعلم أن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم شرعي في زمان لوجوده في زمان سابق عليه وهو ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره فالاول مثل ما إذا ثبت حكم شرعي بنجاسة ثوب أو بدن مثلا في زمان فيقولون أن بعد ذلك الزمان أيضا يجب الحكم بالنجاسة إذا لم يحصل اليقين بما يرفعها والثاني مثل ما إذا ثبت رطوبة ثوب في زمان فبعد ذلك الزمان أيضا يحكم برطوبته ما لم يعلم الجفاف وذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه وبعضهم إلى حجية القسم الاول فقط واستدل كل من الفريقين بدلايل كلها مذكورة في محلها قاصرة عن إفادة المرام كما يظهر عند التأمل فيها ولم نتعرض لذكرها ها هنا بل نشير إلى ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب فنقول الظاهر أن الاستصحاب بهذا المعنى لا حجية فيه بكلا قسميه أصلا إذ لا دليل عليه تاما لا عقلا ولا نقلا نعم الظاهر حجية الاستصحاب بمعنى آخر وهو أن يكون دليل شرعي على أن الحكم الفلاني بعد تحققه ثابت إلى حدوث حال كذا أو وقت كذا مثلا معين في الواقع بلا اشتراطه بشئ اصلا فحينئذ إذا حصل ذلك الحكم فيلزم الحكم باستمراره إلى أن يعلم وجود ما جعل مزيلا له ولا يحكم بنفيه بمجرد الشك في وجوده والدليل على حجيته أمران الاول أن ذلك الحكم أما وضعي أو اقتضائي أو تخييري ولما كان الاول أيضا عند التحقيق يرجع إليهما فينحصر في الاخيرين وعلى التقديرين يثبت ما ذكرنا أما على الاول فلانه إذا كان أمر أو نهى بفعل إلى غاية مثلا فعند الشك في حدوث تلك الغاية لو لم يتمثل التكليف المذكور لم يحصل الظن بالامتثال والخروج عن العهدة وما لم يحصل الظن لم يحصل الامتثال فلا بد من بقاء ذلك التكليف حال الشك أيضا وهو المطلوب وأما على الثاني فالامر أظهر كما لا يخفى والثاني ما ورد في الروايات من أن اليقين لا ينقض بالشك فلن قلت هذا كما يدل على حجية المعنى الذي ذكرته كذلك يدل على حجية ما ذكره القوم لانه إذا حصل اليقين في زمان فينبغي أن لا ينقض في زمان آخر بالشك نظرا إلى الرواية وهو يعنيه ما ذكروه قلت الظاهر أن المراد من عدم نقض اليقين بالشك أنه عند التعارض لا ينقض به والمراد بالتعارض أن يكون شئ يوجب اليقين لولا الشك وفيما ذكروه ليس كذلك لان اليقين بحكم في زمان ليس ما يوجب حصوله في زمان آخر لو لا عروض شك وهو ظاهر فإن قلت هل الشك في كون شئ مزيلا للحكم مع اليقين بوجود كالشك في وجود المزيل أولا قلت فيه تفصيل لانه إن ثبت بالدليل أن ذلك الحكم مستمر إلى غاية معينة في الواقع ثم علمنا حصولها عند حصول شئ وشككنا في حصولها عند حصول شئ آخر ؟ فحينئذ لا ينقض اليقين بالشك وأما إذا لم يثبت ذلك بل إنما شئت أن ذلك الحكم مستمر في الجملة ويزيله الشئ الفلاني وشككنا في أن الشئ الاخر أيضا يزيله أم لا فحينئذ لا ظهور في عدم نقض الحكم وثبوت استمراره إذ الدليل الاول ليس بجار فيه لعدم ثبوت حكم العقل في مثل هذه الصورة خصوصا مع ورود بعض الروايات الدالة عل عدم المؤاخذة بما لا يعلم والدليل الثاني الحق أنه لا يخلو من إجمال وغاية ما يسلم منه إفادة الحكم في الصورتين اللتين ذكرناهما وإن كان فيه بعض المناقشات لكن لا يخلو من تأييد للدليل الاول فتأمل فإن قلت الاستصحاب الذي يدعونه فيما نحن فيه وأنت قد صنعت حجيته الظاهر أنه من قبيل ما اعترفت بحجيته لان حكم النجاسة ثابت ما لم يحصل مطهر شرعي إجماعا وهاهنا لم يحصل الظن المعتبر شرعا بوجود المطهر لان حسنة ابن المغيرة و موثقة ابن يعقوب ليستا حجة شرعية خصوصا مع معارضتهما بالروايات كما تقدم فغاية الامر حصول الشك بوجود المطهر وهو لا ينقض اليقين كما ذكرت فما وجه المنع قلت كونه من قبيل الثاني ممنوع إذ لا دليل على أن النجاسة ثابته ما لم يحصل مطهر شرعي وما ذكره من الاجماع غير معلوم لان غاية ما أجمعوا عليه أن بعد التغوط لا يصح الصلوة مثلا بدون الماء والتمسح رأسا لا بثلاثة أحجار متعددة ولا بشعب حجر واحد وهذا الاجماع لا يستلزم الاجماع على ثبوت حكم النجاسة حتى يحدث شئ معين في الواقع مجهول عندنا قد اعتبره الشارع صلى الله عليه وآله مطهرا فلا يكون من قبيل ما ذكرنا فإن قلت هب أنه ليس داخلا تحت الاستصحاب المذكور لكن نقول أنه قد ثبت بالاجماع وجوب شئ على المتغوط في الواقع وهو مردد بين أن يكون المسح بثلاثة أحجار متعددة أو الاعم منه ومن المسح بجهات حجرا واحد فما لم يأت بالاول لم يحصل اليقين بالامتثال والخروج عن العهدة فيكون الاتيان به واجبا قلت الاجماع على وجوب شئ معين في الواقع منهم في نظره عليه بحيث لو لم يأت بذلك الشئ للعين لا مستحق العقاب به

[ 77 ]

تم بل الاجماع على إن ترك الامرين معا سبب لاستحقاق العقاب فيجب أن لا يتركهما والحاصل أنه إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ مثلا معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق الامتثال ولا يكفي الشك في وجوده وكذا يلزم الحكم ببقاء ذلك الحكم إلى أن يحصل العلم أو الظن بوجود تلك الغاية المعلومة ولا يكفي الشك في وجودها في ارتفاع ذلك الحكم وكذلك إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع مردد في نظرنا بين أمور ويعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك الشئ مثلا أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء ويعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم مثلا يجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المرددة فيها في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الاشياء أيضا ولا يكفي الاتيان بشئ واحد منها في سقوط التكليف وكذا حصول شئ واحد في ارتفاع الحكم سواء في ذلك كون ذلك الواجب شيئا معينا في الواقع مجهولا عندنا أو أشياء كذلك أو غاية معينة في الواقع مجهولة عندنا أو غايات كذلك وسواء أيضا تحقق قدر مشترك بين تلك الاشياء والغايات أو تباينها بالكلية وأما إذا لم يكن كذلك بل ورد نص مثلا على أن الواجب الشئ الفلاني ونص آخر على أن ذلك الواجب شئ آخر أو ذهب بعض الامة إلى وجوب شئ والاخرون إلى وجوب شئ آخر دونه وظهر بالنص أو الاجماع في الصورتين إن ترك ذلك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما معا حتى يتحقق الامتثال بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما سواء اشتركا في أمرا وتباينا بالكلية وكذلك الحكم في ثبوت الحكم إلى الغاية هذا مجمل القول في هذا المقام وعليك بالتأمل في خصوصيات الموارد واستنباط أحكامها عن هذا الاصل ورعاية جميع ما يجب رعايته عند تعارض المعارضات والله الهادي إلى سواء الطريق وتجزية المسح أي لا يجب مسح كل الموضع بكل الحجر بل يجب مسح الجميع بالجميع وإن كان على سبيل التوزيع وهذا الحكم مشهور بين الاصحاب وذهب المحقق في الشرايع إلى عدم إجزاء التوزيع والظاهر القول المشهور لموثقة يونس وحسنة ابن المغيرة وإطلاق راويات ثلاثة أحجار منضمة إلى الاصل وحجة المنع أن مع التوزيع لا يصدق أنه ثلاث مسحات بل مسحة واحدة وهي ضعيفة إذ ليس في الروايات ما يدل على وجوب مسح جميع الموضع بثلاث مسحات وبما ذكرنا من مخالفة المحقق في الشرايع ظهر ما في كلام صاحب المعالم (ره) حيث قال ويظهر من كلام بعض المتأخرين إن للاصحاب قولا بعدم إجزاء التوزيع وأظنه توهما نشأ من نسبه العلامة القول بذلك إلى بعض الفقهاء والممارسة يطلع على أنه يعني بمثل هذه العبارة أهل الخلاف انتهى (ولو لم ينق) بالثلاثة وجب الزايد هذا الحكم إجماعي و ويدل عليه أيضا حسنة ابن المغيرة وموثقة يونس وذكر الاصحاب أنه يستحب أن يقطع على وتر للرواية المتقدمة من قوله (عليه السلام) إذا استنجى أحدكم فليوتر ولا بأس به (ولو نقى بالاقل وجب الاكمال على الاقوى) اختلف الاصحاب في هذا الحكم فذهب ابن إدريس والمحقق والعلامة في المنتهى إلى وجوب الاكمال وكلام الشيخ (ره) أيضا في المبسوط كأنه ناظر إليه والمفيد على ما نقل عنه والعلامة في المختلف والتذكرة ذهبا إلى عدم الوجوب وهو الاظهر و المسألة نظيرة المسألة السابقة من أجزاء ذي الجهات الثلاث فقس عليها سؤالا وجوابا واستدل من قبلنا أيضا بصحيحة زرارة المتقدمة كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغايط بالمدر والخرق وفيه أن دلالته على خلاف المدعى أظهر من دلالته على المدعي لان المدر والخرق جمع وأقله ثلاثة وعلى تقدير تطبيقه على هذا القول لا بد أما أن يقال أن الجمع باعتبار الاوقات أو يأول بجنس المدرة والخرقة فكيف يمكن جعله دليلا عليه فإن قلت على ما ذكرت من ظهورها في الثلاثة ما الجواب عنها قلت أما أولا فبأن فعله (عليه السلام) لا يدل على الوجوب إذ يجوز أن يكون على سبيل الاستحباب وأما ثانيا فبجواز أن لا يحصل له النقاء بدون ثلاثة واستبعاد عدم حصول النقاء بدون الثلاثة في جميع الاوقات مدفوع بأنه ليس في الرواية أنه عليه السلام يصنع في جميع الاوقات كذلك بل الظاهر أن زرارة إنما أخبر عن الاوقات التي رأى صنيعه (عليه السلام) واستدل الموجبون ها هنا بوجه آخر أيضا غير ما سبق وهو أن الحجر الواحد لا يحصل به الازالة بالكلية فلا جرم يتخلف شئ من بقايا النجاسة غالبا وقليل النجاسة لكثيرها وفي الثلاثة يحصل القطع بالازالة وهو ضعيف لان الكلام إنما هو بعد حصول النقاء ولكن لا يبعد القول باستحباب الاكمال للروايات الواردة بالثلاثة وأمر الاحتياط في أمثال هذه المواضع ظاهرا (وكذا لو شك في النقاء) أي لو شك في النقاء بالثلاثة وجب أن يزيد حتى يحصل اليقين بالنقاء على ما اخترناه من وجوب عدم وجوب الاكمال لو نقى بالاقل ووجه الحكمين ظاهر لان الانقاء واجب بالاجماع والنص فمع الشك لا يحصل الامتثال (ولا يجزي النجس) قد تقدم القول فيه (ولا الصيقل) أي ما يزلق عن النجاسة كالزجاجة ونحوها عدم الاجزاء مع عدم قلعة النجاسة طاهر وأما مع قلعها أيضا كما يشعر به إطلاق المتن وصرح به العلامة (ره) في النهاية فغير ظاهر بل الظاهر خلافه لصدق الامتثال لما ورد في الروايات (ولا الرخو كالفحم) هذا الحكم أيضا مع عدم قلع النجاسة ظاهرا ومعه لا يخلو من إشكال من حيث صدق الامتثال ومن حيث انفصال الاجزاء وتخلفها في المحل (ويجزي الروث

[ 78 ]

والعظم والمطعوم والمحترم وإن حرمت) فيه حكمان أحدهما عدم جواز الاستنجاء بهذه الامور والثاني إجزاؤه وطهارة المحل به أما الحكم الاول فظاهر المنتهى الاجماع في حرمة الثلاثة الاول لكنه في التذكرة احتمل الكراهة وصرح في المعتبر بالاجماع على التحريم في الاوليين منها واستدل أيضا على التحريم في الاوليين بما رواه الجمهور عن ابن مسعود قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن وبما رواه الشيخ (ره) في باب آداب الاحداث في الزيادات عن ليث المرادي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته من استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود قال أما العظام والروث فطعام الجن وذلك ما شرطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لا يصلح شئ من ذلك والرواية وإن كانت ضعيفة السند لكنها مما تلقوها بالقبول وعلى التحريم في الثالثة بأن له حرمة يمنع من الاستهانة به ولان طعام الجن منهي عنه فطعام أهل الصلاح أولى والوجهان لا يصلحان للتعول لكن المعتمد هو الشهرة العظيمة بل الاجماع ظاهرا كما ذكرنا وأما الحرمة في الاخير والمراد به ما له حرمة كورق المصحف العزيز والتفاسير وكتب الحديث والفقه وتربة الحسين (عليه السلام) ونحوها فهو المشهور بين الاصحاب بل كاد أن يكون إجماعا لان فيه هتكا للشريعة واستخفافا لحرمتها بل يحكم بكفر فاعله على بعض الوجوه وأما الحكم الثاني فقد اختلفت الاصحاب فيه فذهب الشيخ (ره) وابن إدريس والمحقق إلى عدم الاجزاء والعلامة (ره) في المنتهى والمختلف والتذكرة إلى الاجزاء وهو الاظهر للروايات المتقدمة واستدل المانعون بأنه منهي عنه والنهي يدل على الفساد وباستصحاب حكم النجاسة حتى يثبت زواله وبأن الاستجمار رخصة لموضع المشقة فإذا كان ما تعلقت به الرخصة منهيا لم يجز كسفر المعصية وبقوله (عليه السلام) لا يصلح شئ من ذلك والجواب عن الاول بالمنع عن دلالة النهي على الفساد مطلقا ولو سلم فإنما هو في العبادات وعن الثاني بأن الزوال معلوم مع الشرع للروايات وعن الثالث بالمنع للمقدمتين وعن الرابع بمنع الظهور في عدم الاجزاء بل يحمل على عدم الجواز ولا يخفى أن الدليل الاول والثالث لو تما لدلا على عدم الاجزاء حال العلم وأما مطلقا فلا وقد يستدل أيضا على عدم الاجزاء بما رواه الجمهور عنه (عليه السلام) لا تستنجوا بعظم ولا روث فإنهما لا يطهرن وفيه أيضا جهالة السند (ويستحب ستر البدن) الظاهر إن المراد من الستر أن يطلب موضعا يستتر فيه عن الناس مثل وهذة أو بناء أو بعد بحيث لا يراه أحد واستدل عليه بأن فيه تأسيا بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) (والبعد) الظاهر أن هذا ليس مستحبا على حده بل هو من جمله وجوه الستر (وإعداد النبل) جمع نبله وهي في الاصل الحصاة والمراد هنا أحجار الاستنجاء والمراد بإعدادها تهيئتها قبل الاشتغال بالحدث لما في جمعها بعد الحدث من خوف انتشار النجاسة والاصل فيه ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) إذا ذهب أحدكم إلى الغايط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها يجزي والاعتماد على اليسرا سنده في الذكر إلى رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقال في النهاية لانه (صلى الله عليه وآله) علم أصحابه الاتكاء على اليسرى (والدعاء داخلا) باليسرى وخارجا باليمنى فيه حكمان أحدهما استحباب الدخول باليسرى والخروج باليمنى الثاني استحباب الدعاء عندهما أما الاول فلم يحصل الاطلاع فيه على نص قال المحقق في المعتبر وتقديم الرجل اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج ليكون فرقا بين دخول المسجد والخروج منه ولم أجد لهذا حجة غير أن ما ذكره الشيخ (ره) وجماعة من الاصحاب حسن انتهى وأما الثاني فيدل عليه ما رواه في التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن معوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخلت المخرج فقل بسم الله وبالله اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم وإذا أخرجت فقل بسم الله وبالله والحمد لله الذي عافاني من الخبث المخبث وأماط عنى الاذى وإذا توضأت فقل أشهد أن لا إله إلا الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين والحمد لله رب العالمين وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما ذكره الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان المحدث قال وكان (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقول الحمد لله الحافظ المؤدي وإذا خرج مسح بطنه وقال الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه وأبقى في قوته فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها وصمير كان الظاهر انه راجع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنه يستنبط استحباب مسح البطن عند الفراغ من الاستنجاء فإسناد الاستحباب إلى قول المفيد (ره) ومن تبعه كما قال المصنف في الذكرى والمحقق الشيخ علي (ره) في شرح القواعد ليس بشئ ويمكن توجيه كلامهما بتكلف فتدبر ويدل على استحباب الدعاء عند خصوص الدخول ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الزيادات عن أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا دخلت الغايط فقل أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم وإذا فرغت فقل الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عني الاذى وما رواه الفقيه أيضا في الباب المذكور قال وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد دخول الموضي قال اللهم إني أعوذ بك من الرجل النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم اللهم امط عني الاذى وأعذني من الشيطان الرجيم وإذا استوى جالسا للوضوء قال اللهم إذهب عني القذى والاذى واجعلني من المتطهرين وإذا تزحر قال اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافيه فاخرجه مني خبيثا في عافية ومن هذا استنبط استحباب الدعاء عند الحدث أيضا كما قال المصنف (ره) في الذكرى الدعاء دخولا وخروجا وإخراجا وما رواه الفقيه أيضا في هذا الباب قال وكان الصادق (عليه السلام) إذا دخل الخلاء يقنع رأسه ويقول في نفسه بسم الله وبالله ولا إله إلا الله رب اخرج مني

[ 79 ]

الاذى سرحا بغير حساب واجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عني من الاذى والغم الذي لو حبسته لهلكت لك الحمد اعصمني من شر ما في هذه البقعة واخرجني منها سالما وحل بيني وبين طاعة الشيطان الرجيم ومن هذا يستنبط استحباب التقنع عند الدخول وما رواه الفقيه أيضا في هذا الباب قال ووجدت بخط سعد بن عبد الله حديثا أسنده إلى الصادق (عليه السلام) قال من كثر عليه السهو في الصلوة فليقل إذا دخل الخلاء بسم الله وبالله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ويدل أيضا على خصوص الخروج ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه كان إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي رزقني لذته وإبقاء قوته في جسدي وأخرج عني أذاه يا لها من نعمة ثلاثا وهذه الرواية في الزيادات أيضا (وعند الاستنجاء) يدل عليه ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع ابن الحنفية إذ قال له يا محمد أيتني بإناء من ماء أتوضأ للصلوة فأتاه محمد بالماء فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى قال بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا قال ثم استنجى فقال اللهم حصن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمني على النار وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض وفي الفقيه في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) ويدل أيضا رواية الفقيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) المتقدمة آنفا كما هو الظاهر والظاهر أن الاستنجاء شامل للغسل والمسح معا والفراغ يحتمل وجهين الفراغ من الحدث ومن الاستنجاء ويمكن أيضا أن يريدهما معا لكن كلامه (ره) في الذكرى وكذا كلام جمع من الاصحاب ككلام المعتبر والمنتهى والتذكرة ظاهر في المعنى الثاني والمفيد (ره) في المقنعة والشيخ (ره) في المقنعة والشيخ (ره) في المبسوط إنما صرحا بالمعنى الثاني ولم يذكر الاستحباب عند الفراغ من الحدث أصلا وكلام الصدوق (ره) في الفقيه يشعر باستحبابه حيث قال فإذا فرغ الرجل من حاجته فليقل الحمد لله الذي أماط عني الاذى وهناني طعامي وعافاني من البلوى والاستنجاء بثلاثة أحجار ثم بالماء انتهى ثم أن المفيد (ره) في المقنعة قال فإذا فرغ من الاستنجاء فليقم وليمسح بيده المينى بطنه وليقل ثم ذكر الدعائين المنقولين للخروج في روايتي معاوية بن عمار وعبد الله بن ميمون المتقدمتين كما هو الظاهر واستدل الشيخ (ره) عليه بالروايتين المذكورتين ولا يخفى أنه على هذا لا يكون الدعاء عند الفراغ من الاستنجاء مستحبا آخر بل هو بعينه الدعاء للخروج فلا معنى لجعله مستحبا على حدة وهذا الايراد إنما يرد على الشيخ (ره) حيث صرح بكونه مستحبا على حدة وأفرده عن الدعاء للخروج كما في المبسوط وأما المفيد (ره) فلم يحضرني الان عبارته في المقنعة تمام حتى يظهر الامر ويمكن أن لا يفرده عن دعاء الخروج فلا إيراد عليه ويمكن الاعتذار عن الشيخ بأن دليله على هذا المطلب كأنه غير ما ذكره ها هنا وإنما أورد هذا الدليل على إثبات مطلب المفيد (ره) وكأنه غير مطلبه واستدل المحقق (ره) في المعتبر عليه بما في رواية معاوية المتقدمة من قوله (عليه السلام) وإذا توضأت انتهى وفيه أنه لا طهور له في أن المراد من التوضي الاستنجاء بل الظاهر أن المراد منه الوضوء المصطلح كما هو المتبادر وإن جعل ذكره مع دخول الخلاء والخروج عنه قرينة على الاستنجاء فليجعل ذكره بعد الخروج قرينة على المعنى المتعارف واستدل عليه العلامة في المنتهى بما في رواية أبي بصير المتقدمة من قوله (عليه السلام) فإذا فرغت فقل انتهى وفيه أنه لا يدل على ما هو مرادهم ظاهرا من استحباب الدعاء عند الفراغ من الاستنجاء لجواز أن يكون المراد من الفراغ الفراغ من الحدث وصاحب المدارك أيضا ذكر هذا الدعاء في هذا الموضع وكأنه بالنظر إلى هذه الرواية وقد عرفت ما فيه والشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد قال عند قول المصنف (ره) وعند الاستنجاء وعند الفراغ منه والظاهر أنه الدعاء المذكور عند مسح بطنه لانه الاقرب إلى الفراغ من التخلي وهو الحمد لله الذي أماط عني الاذى وهناني طعامي وعافاني من البلوى انتهى ولا يخفى أن هذا الدعاء إنما ذكره الشيخ في (نه) عند مسح البطن بعد الفراغ من الاستنجاء والقيام منه ولم نجده في الكتب الاربعة الافي الفقيه كما نقلنا وليس فيه أنه عند مسح البطن ولا ظهور له أيضا في أن المراد الفراغ من الاستنجاء بل الظاهر خلافه كما مر والدعاء الذي ذكره المفيد (ره) عند مسح البطن بعد الفراغ من الاستنجاء إنما هو دعاء الخروج كما فصلنا وليس دعاء على حدة ويدل أيضا على اتحادهما ما رواه الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فإذا خرج مسح بطنه وقال انتهى كما تقدم وقد روى في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن أبي أسامة قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسئله رجل من المغيرية من شئ من السنن فقال ما من شئ يحتاج إليه أحد من ولد آدم إلا وقد جرت فيه من الله تعالى ومن رسوله (صلى الله عليه وآله) سنة عرفها من عرفها وأنكرها من أنكرها فقال الرجل فما السنة في دخول الخلاء فقال تذكر الله وتتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإذا فرغت قلت الحمد لله على ما أخرج منى من الاذى في يسر وعافية وهذا أيضا لا ظهور له في الفراغ من الاستنجاء والحاصل أن الاستدلال على استحباب الدعاء بعد الفراغ من الاستنجاء غير دعاء الخروج مشكل لما عرفت من حال الدلايل وكذا على استحباب الدعاء بعد الفراغ من الحدث لان ما يمكن الاستدلال به عليه إنما هو راية أبي بصير وعبارة الفقيه المذكورتين وهما أيضا ليستا بظاهرتين في المراد ظهورا يعتمد عليه لاحتمال الحمل

[ 80 ]

على الفراغ من الاستنجاء احتمالا غير بعيد لما اشتهر بين الاصحاب الاستحباب بعد الفراغ من الاستنجاء فلا بأس بالقول به على تقدير القول به الاولى أن يدعى بالدعاء الذي في روايه أبي بصير لا بما في عبارة الفقيه كما لا يخفى وجهه (والصبر هنيهة) والمراد الصبر بعد الحدث وقبل الاستبراء ذكر هذا الحكم في الذكرى أيضا ونقله العلامة (ره) أيضا في التذكرة ولم تجده في موضع آخر ولم نقف أيضا على مستنده بل ظاهر بعض الروايات عدم الاستحباب كما رواه التهذيب في باب آداب أحداث الزيادات في الصحيح عن جميل ابن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا انقطعت درة البول فصب الماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وما رواه أيضا في هذا الباب عن روح بن عبد الرحيم قال بال أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا قائم على رأسه ومعي أداوة أو قال كوز فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا إلي فناولته الماء فتوضأ مكانه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وما رواه أيضا في هذا الباب في الاصل عن داود الصرمي قال رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) غير مرة ويتناول كوزا صغيرا ويصب الماء عليه من ساعته ووجه دلالتها على عدم الاستحباب أما الاولى فلان الامر المعلق على شرط ظاهر في الفورية عند حصول الشرط كما ذكروه في قوله تعالى فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وأما الاخيرتين فلانه لو كان مستحبا لما تركاه (عليه السلام) ويمكن أن يقال ظاهر الروايات عدم الفصل العرفي والفصل بمثل هذا الصبر لا يعتد به عرفا ويؤيده أيضا عدم التعرض في الروايات للاستبراء مع أنه مستحب إجماعا والفصل به أيضا أزيد من الفصل بالصبر لا يقال خرج الاستبراء بالدليل فبقي الباقي لان هذا لا ينافي التأييد الذي ادعيناه كما يشهد به الفطرة السليمة وعلى هذا لا يبعد القول بالاستحباب متابعة لهذين الفاضلين مع أن فيه استظهارا لخروج ما كاد يبقى من بقية البول (والاستبراء بأن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثم إلى رأسه ثم عصر الحشفة ثلاثا والتنحنح ثلاثا) المشهور بين الاصحاب استحبابا الاستبراء بعد البول فظاهر الشيخ في الاستبصار الوجوب والظاهر المشهور للاصل وعدم ما يخرج عنه كما يظهر عند جواب دليل الخصم حجة الوجوب ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول قال ينتره ثلاثا ثم إن سأل حتى يبلغ الساق فلا يبالي وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل بال ولم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه فإن خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبايل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وما رواه الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن أحدكم يعذب في قبره فيقال أنه لم يكن يستنتر عند بوله والجواب عن الاولين يمنع الدلالة على الوجوب لعدم ظهور الجملة الجزئية فيه وعن الثالث بعدم صلاحيته للتعويل لجهالة السند فإن قلت ما معنى الحديث الثاني قلت كان مراد السائل أنه إذا بال ولم يكن الماء كيف يصنع بقطعه ليمكنه الوضوء ولم ينتقض بخروجه وليس مراده السؤال عن تطهير المحل فأجابه (عليه السلام) بأنه يستبرء فإذا خرج بعد الاستبراء شئ فليس من البول ولا ينقض الوضوء لانه طاهر فإن قلت أي خصوصية لهذا السؤال بعدم الماء إذ مع وجود الماء أيضا يجري السؤال قلت كان السائل كان عالما بأن مع وجود الماء إذا استبرء وغسل المحل فلا بأس بما يخرج بعده ولكن لم يعلم الحال في حال العدم أو يكون بناء على ما يقال أن الماء يقطع البول كما ذكره العلامة (ره) في المنتهى إذ على هذا وجه الاختصاص ظاهر ثم اعلم أن كلام الاصحاب مختلف في كيفية الاستبراء قال المفيد (ره) في المقنعة فإذا فرغ من حاجته وأراد الاستبراء فليمسح بأصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا ثم يضع مسحبة تحت القضيب وإبهامه فوقه ويمترهما عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرة أو مرتين أو ثلاثا ليخرج ما فيه من بقية البول وقال الشيخ في المبسوط إذا أراد ذلك مسح من عند المقعده إلى تحت الانثيين ثلاثا ومسح القضيب ونتره ثلاثا وكذا قال في النهاية وقال المرتضى (ره) ويستحب عند البول نتر الذكر من اصله إلى طرفه ثلاث مرات وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن أراد الاستنجاء فليمسح باصبعه من عند المقعدة إلى الانثيين ثلاث مرات ثم ينتر ذكره ثلاث مرات ويقرب منه أيضا كلام السرائر والعلامة (ره) في المنتهى وقال في التذكرة والنهاية بمثل ما في المتن والذي وجدنا من الروايات من طريقتنا في هذا الباب أي كيفية الاستبراء ثلاثة إثنان منهما ما تقدم والثالث ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في باب الاحداث في الحسن عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا قال إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهم ثم استنجى فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي والظاهر بالنظر إلى هذه الروايات التخيير بين الطرق الثلاثة التي فيها وإن الغرض الاستظهار لاخراج بقية البول بأي وجه كان وعلى هذا لو جمع بين طريقتين منها أو جميعها لكان أبلغ في الاستظهار وأولى ثم أن ما في هذا الكتاب والتذكرة والنهاية جامع لما في الروايات الثلاثة سوى غمز ما بين المقعدة والانثيين المذكور في الرواية الاخيرة فلو ضم هذا أيضا إلى الامور التسعة لكان أولى لوجوده في الرواية مع أن له دخلا عظيما في إخراج البقايا كما يشهد به التجربة وأما التنحنح المذكورة فلم نجده في رواية وإنما المصنف (ره) نقله في الذكرى عن سلار ولا بأس به لقول الاصحاب مع مدخليته في الاستظهار وما في المبسوط والنهاية أيضا مثل ما في هذا الكتاب جامع لما في الروايات وما في المقنعة جامع لما في الرواية الاولى والاخيرة لان الظاهر أن المراد من النتر في الرواية الاولى عصر جميع الذكر لا نتر الحشفة

[ 81 ]

فقط لكن التخيير بين المرتين والثلاث ليس مما ينبغى لعدمه في الرويات فالاولى تعيين الثلاث وكلام المرتضى (ره) موافق للرواية الاولى وكلام المنتهى والفقيه والسرائر موافق لما في المقنعة لكنه أحسن من حيث ترك التخيير والعلامة (ره) في المنتهى استدل على ما ذكره فيه بالرواية الثانية ولا يخفى ما فيه لعدم انطباقها عليه أصلا هذا ثم إن الاصحاب ذكروا أنه إذا وجد بللا بعد الاستبراء فلا يلتفت إليه ويكون طاهرا غير ناقض للوضوء ولو وجد بدونه كان حكمه حكم البول وقد ادعى ابن إدريس في السرائر الاجماع في الموضعين والروايات أيضا دالة عليه لكن في بعض الروايات مظنة مناقضة للحكمين وسنفصل القول فيه إنشاء الله تعالى في مبحث استبراء المجنب (والجمع بين الحجارة والماء) هذا الحكم مشهور بين الاصحاب ويدل عليه مرفوعة أحمد بن محمد المتقدمة في بحث جواز الاستجمار والظاهر أن استحباب الجمع متحقق فيما تعين فيه الماء كما في صورة التعدي وفيما يجزي الاستجمار لاطلاق الرواية وكلام الاصحاب وقد صرح في المعتبر بالتعميم وكذا في غيره أيضا والظاهر أيضا أن في صوره الجمع يقدم الحجارة للتصريح به في الرواية ولما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة (واختيار الماء حيث يجزي الاستجمار) هذا الحكم أيضا مشهور بين الاصحاب وتمسك فيه بأنه أقوى المطهرين وأبلغهما في التنظيف وبما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن مسعدة بن زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لبعض نسائه مرى نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء ويبالغن فإنه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير وهذ الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وفي الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وبقوله (عليه السلام) إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء كما نقلناه في بحث الاستجمار ووجه الدلالة انه (عليه السلام) علق الاستجمار بعدم الماء فيجب أن يكون محمولا على الندب لما بين من جوازه مع وجود الماء وبما رواه التهذيب أيضا في باب آداب الاحداث في الزيادات في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا معشر الانصار أن الله قد أحسن عليكم الثناء فماذا تصنعون قالوا نستنجي بالماء وبما رواه في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في قول الله عز وجل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال كان الناس يستنجون بالكرسف والاحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنعه فأنزل الله في كتابه إن الله يحب التوابين ويحب المتهطرين ويشعر به أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في بحث الاستجمار من قوله (عليه السلام) ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار وكذا مواثقة عمار المتقدمة في ذلك المبحث أيضا ولما كان المقام مقام الاستحباب لا يضره إمكان المناقشة في الدلايل قال صاحب المدارك (ره) في هذا المقام وأورد على هذا الحكم أن الازالة واجبة أما بالماء أو بالاحجار وجوبا تخييريا فكيف يكون أحدهما أفضل بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب ذلك الفرد الافضل ومنافات المستحب للواجب واضحة وأجيب عنه بأن الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني لان متعلق الوجوب في التخييري ليس أمرا معينا بل الامر الكلي فتعلق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه و فيه نظر فإنه إن أريد بالاستحباب ها هنا المعنى العرفي وهو الراجح الذي يجوز تركه لا إلى بدل لم يمكن تعلقه بشئ من أفراد الواجب التخييري وإن أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الاخر فلا امتناع فيه كما هو الظاهر انتهى وأنت خبير بأن ما ذكره آخرا من النظر منظور فيه لان كون طبيعة واجبة مثلا وكون خصوص فرد منها مستحبا مما لا خفاء في صحته وما عرض له من أشبهه من أنه لا يجوز تركه لا إلى بدل فكيف يكون مستحبا فمندفع بأن التحقيق إن الواجب ما يكون تركه سببا لاستحقاق العقاب لا تركه لا إلى بدل لان ما يكون له بدل ليس هو بواجب في الحقيقة بل الواجب أحدهما فزيادة هذا القيد في تعريف الواجب أما بناء على هو المتراى في أول الوهلة أو غفلة عما هو الحق أو يكون المراد منه ما هو المراد بقولهم بوجه ما فتعريف الواجب ليدخل الواجبات المشروطة وعلى هذا لا يكون الفرد واجبا بل الواجب هو الطبيعة لان ترك الفرد ليس سببا لاستحقاق العقاب بل السبب إنما هو ترك الطبيعة فيمكن استحبابه وهو ظاهر والاشكال بأن الفرد متحد مع الطبيعة فيكون واجبا بوجوبها فكيف يكون مستحبا فعلى تقدير تسليم الاتصاف بالوجوب بالعرض مدفوع بما ذكرنا فيما سبق من جواز اجتماع الوجوب والندب باعتبارين واعلم أنه لا حاجة لنا إلى إثبات أن الواجب بالاصالة هو الطبيعة دون الفرد إذ على تقدير أن يكون الفرد أيضا واجبا بالاصالة يمكن دفع الايراد بالتمسك بالاعتبارين لكن لما لم يقع مثل هذا في الشريعة أي ورود الامر الايجابي والندبي في شئ بخصوصه باعتبارين وإن كان صحيحا بحسب العقل فلذلك تعرضا بالاثبات أن الواجب بالاصالة هو الطبيعة فتدبر والاستنجاء باليسار هذا الحكم بناء على كراهة الاستنجاء باليمين كما سيجئ إنشاء الله تعالى ويتوقف على كون ضد الخاص للمكروه مندوبا وهو محل كلام وأيضا لا وجه لتخصيص ضد هذا المكروه بالذكر والحكم عليه بالاستحباب بين أضداد المكروهات التى سيذكرها إلا أن يقال لعله فهم الاستحباب من موضع آخر لا من كراهة الاستنجاء باليمين مثل ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحب أن يجعل اليمنى لما علا من الامور واليسرى لما دنى ونحوه (وتقديم الدبر يدل عليه ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي قايما يبدأ بالمقعدة أو بالاحليل فقال بالمقعدة ثم بالاحليل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وقد علل بعضهم في الحكم بأنه لعدم نجاسة اليد عند الاستبراء (ويكره استقبال قرص الشمس والقمر في البول والغايط لا جهتهما) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

[ 82 ]

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به وما رواه أيضا في هذا الباب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول وما تقدم أيضا في مبحث استقبال القبلة من رواية الفقيه في باب ذكر جمل من المناهي وإنما حملت على الكراهة لعدم صراحة النهي لفظا وصيغة في التحريم في عرف النبي والائمة (عليه السلام) ولعدم صحة السند سيما في الاخيرين وللشهرة بين الاصحاب من الروايات لا يعلم حال الغايط لاخصتصها بالبول بل حال الدبر أيضا لظهورها في الذكر كما لا يخفى أن يقال إلا أن ذكره (عليه السلام) البول فقط إنما هو من باب الاكتفاء كما هو المتعارف من استهجان التصريح بذكر الغايط بل في غالب الامر يعبر عنهما بالبول وحينئذ يظهر أمر الدبر أيضا أو يقال أن الغايط والدبر إنما يحملان على البول والذكر بالطريق الاولى ولا يخلو أن من شئ وكذا الروايتان مخصوصتان بالاستقبال ولذا خص المصنف الحكم به ولم يذكر الاستدبار والعلامة (ره) في النهاية صرح بعد كرهة الاستدبار وقال الشهيد الثاني في شرح الارشاد ولا يكره استدبار هما مع احتمال للمساواة في الاحترام وقال صاحب المدارك والظاهر عدم كراهة استدبار هما إذ لا مقتضي له وكأنهم غفلوا عما رواه الفقيه في باب ارتياد المكان حيث قال وسئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح ولا يستدبرها وفي خبر آخر لا يستقبل الهلال ولا يستدبره إلا أن يقال أنه مخصوص بالهلال فلا يثبت الحكم به لكن الظاهر أن لم تغفلوا أن لا تتركوا التعرض للهلال وأنت خبير بأنه يمكن الاستدلال بهذه الرواية على حال التغوط أيضا لان الظاهر أنها أيضا متعلقة بحد الغايط وأيضا الظاهر من الروايتين استقبال قرص الشمس والقمر بالفرج أي كشفه مقابلا لهما سيما الرواية الاولى فلو كان بين الفرج وبينهما حايل من سحاب أو ستر أو نحوه لزال الكراهة وإن كان الشخص مستقبلا القرص وعبارة المصنف وإن كان صريحة في اشتراط استقبال القرص لكنها مجملة في أن الاستقبال يعتبر بالنسبة إلى الفرج أو الشخص وينبغي أن تحمل على الاول لعدم دلالة الروايتين لكن لا يبعد أن يعم الحكم بالنسبة إلى استقبال الشخص أيضا للرواية المنقولة عن الفقيه ولما رواه الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها قال وروى أيضا في حديث آخر لا يستقبل الشمس ولا القمر ومن هذا أيضا يمكن استنباط الحكم بالنسبة إلى الغايط كما لا يخفى وأما تعميم الحكم بالنسبة إلى استقبال الجهة أيضا نظرا إلى هاتين الروايتين بل رواية السكوني أيضا كما في استقبال القبلة فبعيد جدا لان المتبادر من استقبالهما استقبال قرصهما بخلاف القبلة وأيضا الظاهر عدم اشتراط الكراهة بظهور نورهما بل لو كانا منكسفين أيضا كره استقبالهما لصدق الاستقبال وإبداء الفرج عليه وها هنا نكتة ذكرها الشهيد الثاني (ره) وهي أن عند انكساف الشمس تكون الكراهة من جهة القمر لا من جهة الشمس وتظهر الفايدة في النذر فتأمل (واستقبال الريح واستدبارها) يدل عليه ما رواه التهذيب أيضا في أن المذكور عن عبد الحميد بن أبي العلاء وغيره رفعه قال سئل الحسن بن علي (عليه السلام) ما حد الغايط قال لا تستقبل القبلة ولا تسدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مواضع التي يكره أن يتغوط فيها وفي الفقيه أيضا كما نقلنا آنفا والرواية وإن كان بلفظ الغايط لكن الظاهر أن المراد هنا معا وإنما اكتفى به بل لا يبعد أن يقال إن المراد منه المعنى اللغوي على قياس قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغايط وحينئذ فالتعميم ظاهر وأيضا المفسدة في استقبال الريح واستدبارها بالنسبة إلى البول أشد كما هو الظاهر والتعجب من الشيخ والعلامة والمحقق (ره) أنهم خصوا الكراهة بالبول نظرا إلى أن خوف الرد إنما هو فيه مع أن الرواية وردت بلفظ الغايط ولا تعليل فيها والتعليل إنما استنبطه القوم فبمجرده كيف يمكن التخصيص والعجب منهم أيضا بحيث خصو الحكم بالاستقبال نظرا إلى المعنى المذكور أيضا مع عموم الرواية وعدم التصريح بالتعليل وفي النهاية خص كراهة الاستدبار بحال خوف الرد وفيه أيضا تأمل (والبول في الصلبة) خوفا من الانعكاس يدل عليه ما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول تعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ارتياد المكان وما رواه أيضا في هذا الباب عن سليمان الجعفري قال بت مع الرضا (عليه السلام) في سفح جبل فلما كان آخر الليل قام فتنحى وصار على موضع مرتفع فبال وتوضأ وقال (عليه السلام) من فقه الرجل أن يرتاد لموضع بوله وبسط سراويله وما رواه الكافي أيضا في باب المتقدم عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه من فقه الرجل أن يرتاد موضعا لبوله (والجحر) بكسر الجيم وفتح الحاء والراء المهملتين موضع الحيوانات قال العلامة (ره) في المنتهى وروى الجمهور عن عبد الله بن سرحه أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى أن يبال في الجحر ولانه لا يؤمن خروج حيوان يلسعه فقد حكى أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام فاستلقى ميتا فسمعت لجن ينوح عليه بالمدينة ويقول نحن قتلنا سيد الخروج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده انتهى (والافنية) في الصحاح فناء الدار وما امتد من جوانبها والجمع أفنية وفي (ق) والنهاية أن الفناء هو المتسع أمام الدار فالمراد من الافنية إن كان المعنى الاول فإن أخذ بالنسبة إلى الدور مطلقا فلا دليل عليه إنما الخبر مختص بأفنية المساجد كما سيأتي وإن كان المعنى الثاني فيمكن تعميمه لان أبواب الدور الذي في الخبر كان قريب منه وما وجدناه من الخبر في هذا الباب ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن عاصم ابن حميد عن أبي عبد االله (عليه السلام) قال قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام) اين يتوضأ الغرباء قال يتقي شطوط الانهار والطرق (العامة ؟)

[ 83 ]

وتحت الاشجار المثمرة ومواضع اللعن قيل له وأين مواضع اللعن قال أبواب الدور وهذه الرواية في الكافي والفقيه أيضا في البابين المتقدمين وما رواه أيضا في الباب المذكور عن علي بن إبراهيم رفعة قال خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله وأبو الحسن موسى (عليه السلام) قائم وهو غلام فقال له أبو حنيفة يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم فقال اجتنب أفنية المساجد وشطوط الانهار ومساقط الثمار ومنازل النزال ولا يستقبل القبلة بغايط ولا بول وارفع ثوبك وضع حيث شئت وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور واعلم أن بعض المتأخرين فسر الفناء بما في الصحاح ثم ذكر أن المراد به ها هنا حريم الدار خارج المملوك منها ولم يظهر أنه من أين فهم إرادة هذا المعنى وكأنه نظرا إلى أن المملوك منها يحرم الحدث فيه بدون اذن صاحبه فالحكم بالكراهة إنما يكون في الخارج فتأمل (والشوارع والمشارع والنادي والملعن) الشوارع جمع شارع وهو الطريق الاعظم كما في الصحاح وكان المراد بها ها هنا الطرق النافذة مطلقا لورودها في الرواية المتقدمة والمشارع جمع مشروعة وهي موارد المياه كشطوط الانهار ورؤوس الابار والنادي مجلس القوم ومتحدثهم والملعن موضع اللعن وهي أبواب الدور كما في الرواية المتقدمة ويمكن أن يكون المراد أعم منها ويكون قوله (عليه السلام) أبواب الدور من باب التمثيل ووجه الاول ظاهرا من الرواية المتقدمة وكذا بعض أفراد الثاني من شطوط الانهار وأما البعض الآخر منه من رؤس الابار فيدل عليه ما رواه التهذيب في هذا الباب في الزيادات عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها ويمكن أيضا إدخاله في مواضع اللعن لما فيه من أيذاء الواردين وأما الثالث فلا نص فيه بخصوصه إلا أن يدخل تحت مواضع اللعن بل قد فسر بعضهم مواضع اللعن به وعلى هذا لا وجه لذكره بانفراده والرابع ظاهر (وتحت المثمرة) تدل عليه الروايات المتقدمة آنفا والظاهر أن المراد وقت الثمر وإن لم يشترط في صدق المشتق بقاء مبدأ الاشتقاق لدلالة الرواية الاخيرة وكذا ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها وقد جعل بعضهم مساقط الثمار في الرواية الثانية أيضا دليلا على التقييد وفيه نظر لانه أيضا مشتق بمنزلة المثمرة فلو لم يكن الشرط المذكور فلا دلالة فيه ويمكن أن يقال لو لم يشترط بقاء مبدأ الاشتقاق لا يلزم أن تحمل الروايتين المطلبتين على المقيدتين لجواز أن يكون التقييد لاجل شدة الكراهة لكن لما لم يثبت عدم الاشتراط ويصلح أيضا الروايتان المقيدتان للقرينة في الجملة والاصل أيضا العدم حتى يثبت فالاولى الاقتصار على القدر المتيقن وفي النزال أي الظل المعد لنزول القوافل والمترددين كموضع ظل جبل أو شجرة أو نحو ذلك ويمكن أن يراد به منازلهم مطلقا ويكون التعبير عن هذا بالفئ أما بناء على الغالب أو على أنه من فاء إذا رجع نظرا إلى أنهم يرجعون في النزول إليها والتعميم أولى لعموم مرفوعة علي بن إبراهيم المتقدمة ويدل أيضا على الحكم أما عموما أو خصوصا بناء على احتمالين ما رواه التهذيب في هذا الباب عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة من فعلهن ملعون التغوط في ظل النزال والمانع للماء المنساب وساد الطريق المسلوك وهذه الرواية في الكافي والفقيه أيضا في البابين المتقدمين (وفي الماء والجاري أخف كراهية) يدل على الكراهية في الراكد ما رواه في التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن الفضيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري وكره أن يبول في الماء الراكد وقال في الفقيه آخر باب المياه وقد روى أن البول في الماء الراكد يورث النسيان وفي الجاري ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة وقال أن للماء أهلا ويحمل نفي البأس في الرواية الاولى على خفة الكراهة جمعا بين الروايتين أو على عدم التنجيس وكذا فيما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الموثق عن ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس بالبول في الماء الجاري وكذا فيما رواه أيضا في هذا الباب عن عتيبة بن مصعب قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول في الماء الجاري قال لا بأس به إذا كان الماء جاريا وكذا فيما رواه أيضا في هذا الباب عن سماعة قال سألته عن الماء الجاري يبال فيه قال لا بأس واعلم أن رواية مسمع وإن لم يصلح لمعارضته الروايات لارسالها لكن لما لم ينبغي الطرح مهما أمكن الجمع والكراهة أيضا مما يتسامح فيها فلذا يحكم بالكراهة في الماء الجاري وقال الصدوق (ره) في الفقيه فأما الماء الجاري فلا بأس أن يبول فيه ولكن يتخوف عليه من الشيطان وبه وردت رواية سنذكر إنشاء الله تعالى في باب كراهة البول قائما ولا يخفى أن هذا القول من الصدوق (ره) لا يدل على عدم الكراهة بل ظاهره الكراهة فتأمل ثم اعلم أن الروايات مختصة بالبول كما ترى لكن المصنف وبعض المتأخرين عمموا الحكم في الغايط بطريق الاولى ولا يخلو عن ضعف (والاستنجاء باليمين) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن يونس عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يستنجي الرجل بيمينه وما رواه أيضا عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الاستنجاء باليمين من الجفاء وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في الباب المتقدم وما رواه الفقيه في باب الارتياد قال وقال (عليه السلام)

[ 84 ]

البول قائما من غير علة من الجفاء والاستنجاء باليمين من الجفاء وقد روى أنه لا بأس إذا كانت اليسار معتلة والجفاء خلاف البر كذا في الصحاح وقال أيضا في الباب المذكور وقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه ومنه يستنبط كراهة الاستبراء باليمين أيضا وأما ما رواه الكافي في باب مقدار الماء الذي يجزي الموضوء والغسل عن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بلت يمينك فمحمول على أن المراد باليمين اليد وفي نسخة التهذيب ما بللت يدك وحينئذ لا إشكال واعلم أن الاستعانة باليمين ليس بمكروه كما ذكره القوم لعدم تناول النهي له وللحاجة إليه والاستعانة مثل صب الماء ونحوه (واليسار وفيها خاتم عليه اسم الله تعالى أو نبي أو إمام (عليه السلام) يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله ولا يجامع وهو عليه ولا يدخل المخرج الخلاء وهو عليه والظاهر أن ضمير يستنجي ونظائره راجع إلى الرجل المذكور في ضمن الجنب لا الجنب وبهذا يمكن الاستدلال على كراهة الاستصحاب مطلقا في الخلاء كما سيجئ والرواية وإن كانت مختصة باسم الله تعالى لكن الاصحاب الحقوا أسماء الانبياء والائمة وكذا اسم فاطمة (عليها السلام) للتعظيم ولا بأس به و ذكروا أن المراد باسم الانبياء والائمة (عليه السلام) ما كتب بقصد اسمهم أما لو كتب بقصد آخر من دون قصد فلا بأس به وأما اسم الله تعالى فلفظة الجلالة مطلقا حكمها ذلك وكذا الصفات الغالبة وأما غيرها فكأسم الانبياء (عليهم السلام) في اشتراط القصد وأيضا ذكروا أن الكراهة إنما هو عند عدم التلويث بالنجاسة وأما معه فيحرم بل يكفر فاعله لو فعله بقصد الاهانة هذا وأما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في الباب المذكور عن وهب بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان نقش خاتم أبي العزة لله جميعا وكان في يسار ويستنجي بها وكان نقش خاتم أمير المؤمنين (عليه السلام) الملك لله وكان في يده اليسر ويستنجي بها فلا يعارض ما ذكرناه لا، وهب بن وهب عامي متروك العمل بما يختص به كما ذكره الشيخ (ره) وأيضا يمكن حمله على التقية وأجاب الشيخ بوجه آخر أيضا وهو أنه لا ينافي الكراهة بل إنما ينافي التحريم ولم نقل به وهو بعيد لان ظاهر الرواية أنهما (عليه السلام) يواظبان على هذا الفعل ومواظبتهم عى المكروه لا معنى له بل أصل فعله أيضا لو لم يكن ضرورة وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي القسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى فقال ما أحب ذلك قال فيكون اسم محمد (صلى الله عليه وآله) قال لا بأس لان من جمله رواته سهل بن زياد وهو ضعيف وأيضا لا دلالة فيه على نفي البأس عن الاستنجاء معه بل على الاتصحاب فلا ينافي ما ذهب إليه مخصصوا الكراهة بالاستنجاء وأيضا يمكن أن يكون المراد بنفي البأس خفة كراهته بالنسبة إلى اسم الله تعالى أو يكون المراد باسم محمد ما ليس يقصد الرسول (أو فصه حجر زمزم) يدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات الباب المذكور عن علي بن الحسين بن عبد ربه قال قلت له ما تقول في الفص يتخذ من أحجار زمزم قال لا بأس به ولكن إذا أراد الاستنجاء نزعه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب القول عند دخول الخلاء وفي بعض نسخه موضع زمزم زمرد قال المصنف في الذكرى بعد نقل هذه النسخة وسمعناه مذاكرة وأورد على نسخة زمزم إشكالا هو أنه لا يجوز إخراج الحصى من المسجد فكيف يكون هذا واجب تارة بأن هذا خارج بالنصف وتارة بأنه ليس في الخبر جواز هذا بل أنه لو فعل ذلك لكان حكمه هكذا وليس فيه أيضا تقرير لهذا الفعل وقد يجاب أيضا بأن الحجر المذكور ما يؤخذ من البئر بقصد الاصلاح وهو مما يجوز إخراجه كالقمامة (والكلام بغير ذكر الله تعالى وآية الكرسي أو حكاية الاذان على قول) ها هنا كلامان الاول كراهة الكلام والثاني استثناء هذه الامور منه أما الاول فقد استدل عليه بما رواه التهذيب في باب المذكور عن صفوان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنه قال نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يجيب الرجل آخر وهو على الغايط أو يكلمه حتى يفرغ وفيه أنه لا يدل على كراهة الكلام مطلقا بل كراهة التكلم مع الغير ويدل عليه أيضا ما سيجئ في البحث الثاني وقال الصدوق (ره) في باب ارتياد المكان للحدث ولا يجوز الكلام على الخلاء لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك وروى أنه من تكلم على الخلاء لم يقض حاجته انتهى وأما الثاني فالذي يدل على استثناء الذكر ما رواه أصول الكافي في باب ما يجب من ذكر الله عزوجل في كل مجلس في الصحيح عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مكتوب في التورية التي لم تغير أن موسى (عليه السلام) سئل ربه فقال الهي أنه يأتي على مجالس أعزك وأجلك أن أذكر لك فيها فقال يا موسى أن ذكري حسن على كل حال وروي هذا المضمون في التهذيب والفقيه أيضا ويمكن أن يناقش فيه بعدم ظهوره في الذكر باللسان إلا أن الاطلاق يكفينا فإن قلت هذه الرواية عامة يدل رواية النهي عن الكلام فلم تخصصها بها بدون العكس قلت أما أولا فلان ما وجدنا مما يدل على النهي في الكلام روايتان أحديهما ما تقدم وقد عرفت عدم دلالته على العموم والثانية ما سيجئ من قوله (عليه السلام) لم يرخص في الكنيف انتهى وهي وإن كانت دالة على العموم لكن قد استثنى فيها بحمد الله ولا شك أن الذكر مطلقا تحميد الله فلا يشمل وأما ثانيا فلانه على تقدير أن يكون العموم من الطرفين ويكون بينهما عموم من وجه يحصل التعرض والتساقط وأصل الجواز يبقى بحاله وأيضا الظاهر أن مراد موسى (عليه السلام) من المجالس التي ذكرها الخلاء وأمثاله فلا يمكن إخراجه من عموم كل حال لما ثبت في الاصول من عدم جواز إخراج السبب ويستنبط مما ذكر حال رواية الفقيه أيضا ويدل أيضا على استثناء الذكر ما رواه الكافي في الباب المذكور عن الحلبي عن أبي

[ 85 ]

عبد الله قال لا بأس بذكر الله وأنت تبول لان ذكر الله عز وجل حسن على كل حال وما رواه التهذيب في الباب المذكرور في الموثق عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت الحايض والجنب يقرآن شيئا قال نعم ما شاء إلا السجدة ويذكر أن الله تعالى على كل حال والذي يدل على استثناء آية الكرسي ما رواه الفقيه في باب ارتياد المكان للحدث في الصحيح قال وسئل عمر بن يزيد أبا عبد الله (عليه السلام) عن التسبيح في المخرج وقرائة القرآن فقال لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي وتحميد الله أو آية الحمد لله رب العالمين وهذه الرواية في التهذيب أيضا في زيادات باب آداب الاحداث من دون الحمد لله رب العالمين ويمكن الحكم باستثناء كل آيه نظرا إلى رواية التهذيب لكن مع وجود الزيادة في الفقيه لم يحصل الظن بالعموم فإن قلت كيف تجمع بين هذه الرواية وما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته أتقرأ النفساء والحايض والجنب والرجل يتغوط القرآن فقال يقرؤا ما شاءوا قلت يمكن الجمع بحمل رواية الحلبي على نفي الحرمة وأما حملها على التخصيص بآية الكرسي أو آية فبعيد جدا لبعد التخصيص بخروج أكثر الافراد بل امتناعه والذي يدل على استثناء حكاية الاذان ما رواه الصدوق (ره) في كتاب علل الشرايع في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال يا محمد لا تدع ذكر الله على كل حال ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وأنت على الخلاء فاذكر الله عز وجل وقل كما يقول وبهذا يظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد حيث قال واستثنى المصنف (ره) أيضا حكاية الاذان وهو حسن في فصل فيه ذكر دون الحيعلات لعدم النص عليه على الخصوص إلا أن يبدل بالحوقلة كما ذكر في حكايته في الصلوة انتهى وهذا الايراد إنما أورده صاحب المدارك على جده ويمكن أن يجاب عن قبله أن الرواية المذكورة لا ظهور لها في حكاية الحيعلات إن لم يكن داخلة في الذكر بل يشعر بعدم حكايتها كما ينادي إليه قوله (عليه السلام) فاذكر الله عز وجل وقل كما يقول والوجدان الصحيح يحكم بما ذكرنا نعم لا يبعد القول بإشعارها بأن الاذان بتمامه ذكر كما لا يخفى وليس ببعيد وعلى هذا يمكن أن يكون نظره إلى هذا حيث حكم بعدم النص عليه على الخصوص والمراد عدم النص على خصوص الحيعلات لا الاذان هذا وقد استثنى أشياء آخر أيضا مثل الكلام لحاجة إن لم يقض بغيره من التصفيق باليد ونحوه ورد السلام والصلوة على النبي (صلى الله عليه وآله) والتحميد عند العطاس ووجه الجميع ظاهرا واستثنى أيضا تسميت العاطس معللا بأنه ذكر ورد بمنع كونه ذكرا وجعل بعضهم تركه أولى (والبول قائما) يدل عليه الرواية المتقدمة في الاستنجاء باليمنى عن الفقيه وما رواه التهذيب أيضا في زيادات آداب الاحداث عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له أيبول الرجل وهو قائم قال نعم ولكنه يتخوف عليه أن يلتبس به الشيطان أي يخيله فقلت يبول الرجل في الماء قال نعم ولكن يتخوف عليه من الشيطان ومطمحا بدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكره للرجل أو ينهى الرجل أن يطمح ببوله من السطح في الهواء وما رواه الكافي أيضا في باب المواضع التي يكره أن يتغوط فيها عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نهى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يطمح الرجل ببوله من السطح ومن الشئ المرتفع في الهواء وقال الصدوق (ره) في باب ارتياد المكان ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يطمح الرجل ببوله في الهواء من السطح أو من الشئ المرتفع واعلم أن الاطماح بالبول يحتمل وجهين الاول البول إلى فوق وهو مناسب لما ذكره أهل اللغة في الصحاح طمح ببصره إلى الشئ ارتفع وطمح ببوله إذا رماه في الهواء ويناسب أيضا التعليل الذي ذكره العلامة في النهاية والمحقق الثاني في شرح القواعد من خوف الرد عليه لكنه لا يناسب ما ورد من الاطماح من السطح أو من الشئ المرتفع لان هذا المعنى لا دخل فيه لكونه من السطح أو من الشئ المرتفع كما هو الظاهر والثاني الرمي به في الهواء من موضع مرتفع وهذا وإن لم يكن مناسبا لكلام أهل اللغة والتعليل المذكور لكنه أظهر بالنظر إلى الرواية كما ذكرنا ولا يذهب عليك أنه على التقدير ؟ ؟ الذي هو ظاهر الرواية يرد إشكال وهو أن هذا الحكم مناف لما تقدم من استحباب ارتياد موضع مرتفع للبول ويمكن الجمع بينهما بأن يقال أن المستحب ارتفاع يسير يؤمن معه من النضح والترشيش والمكروه ما يخرج عن هذا الحد ويكون ارتفاعا كثيرا والله أعلم ثم أنه على هذا التقدير هل البول في البلاليع العميقة هكذا حكمه أم لا لا يبعد القول بالثاني لعدم الظن بدخوله عرفا في الطمح من الشئ المرتفع (وطول الجلوس) يدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال لقمان لابنه طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور قال فكتب هذا على باب الحش وقال الفقيه في الباب المذكور وقال (عليه السلام) طول الجلوس على الخلاء يورث الناسور (واستصحاب ما عليه اسم الله تعالى) يدل عليه ما رواه الكافي في باب البول يصيب الثواب أو الجسد عن أبي أيوب قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه اسم من أسماء الله تعالى قال لا ولا تجامع فيه وما تقدم في الاستنجاء باليسار وفيها خاتم من الخبرين لكن لا يخفى أن هذه الروايات إنما تدل على كراهة استصحاب الخاتم فقط لا مطلقا كما ذكره المصنف وتخصيص الحكم ها هنا باسم الله تعالى كأنه بالنظر إلى رواية أبي القاسم (فتدبر واستصحاب دراهم بيض غير مصرورة) أي لا يكون في الصرة يدل عليه ما رواه التهذيب في الزيادات عن غياث عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أنه كره أن يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض إلا أن يكون مصرورا ولك أن تقول أن هذا إنما يدل على خلاف الحكم السابق لان الظاهر أن الدرهم الابيض يكون

[ 86 ]

عليه اسم الله تعالى إلا أن يقال أنه خرج بالنص فبقي الباقي تحت العموم لكن قد عرفت الحال في عدم نص عليه عموما إلا أن يتمسك بعموم رجحان التعظيم أو غيره أو يقال المراد بالكراهة الكراهة الشديدة (وليس الاستنجاء شرطا في صحة الوضوء والتيمم وإن روعي في التيمم التضيق) عدم اشتراط صحة الوضوء بالاستنجاء من الغايط الظاهر أنه لا خلاف فيه ويدل عليه أيضا صدق الامتثال وأصالة برائة الذمة عن وجوب الاعادة وأما ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا أنه قد تمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلوة فليعد الوضوء وليعد الصلوة وإن كان قد مضى وقت تلك الصلوة التي صلى فقد جازت صلوته وليتوضأ لما يستقبل من الصلوة فلا يثبت به الاعادة لعدم صحة سنده مع عدم عمل الاصحاب بمضمونه ومنافاته أيضا ظاهرا لما ثبت من جواز الاستنجاء بالاحجار ومع ذلك كله الحمل على الاستحباب احتمال ظاهرا كما مر سابقا وأما عدم اشترطها بالاستنجاء من البول فالمشهور بين الاصحاب أنه أيضا كالاستنجاء من الغايط وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن صلى فذكر بعد ما صلى أنه لم يغسل ذكره فعليه أن يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلوة وهو ضعيف لنا الاصل وصدق الامتثال والروايات الكثيرة أيضا منها صحيحتا عمرو بن أبي نصر وابن أذينة المتقدمتان في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلوة فقال يغسل ذكره ولا يعيد وضوئه وقد روى في الكافي أيضا عن علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) مثل هذا المضمون بسند أوضح مما في التهذيب في باب القول عند دخول الخلاء ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح ظاهرا عن عمرو بن أبي نصر قال سئلت أبا عبد الله عن الرجل يبول فيسنى أن يغسل ذكره ويتوضأ قال يغسل ذكره ولا يعيد وضؤه ومنها ما رواه الكافي في الباب المتقدم في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول وينسى أن يغسل ذكره حتى يتوضأ ويصلي قال يغسل ذكره ويعيد الصلوة ولا يعيد الوضوء ويؤيده أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في البحث المذكور آنفا من حيث أمره بإعادة الصلوة خاصة لترك غسل موضع البول وأما ما يمكن أن يحتج به الصدوق فروايات أيضا منها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يتوضأ وينسى غسل ذكره قال يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء والجواب عنه أنه لا يعارض الروايات الكثيرة المتقدمة مع أنه غير ظاهر في الوجوب فليحمل على الاستحباب ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن أبي بصير قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أهرقت الماء ونسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء وغسل ذكرك والجواب عنه أيضا مثل ما سبق مع أنه غير نقي السند والشيخ (ره) حمله على ما إذا لم يتوضأ وفيه بعد لا بالفظة الاعادة عنه ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن سماعة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا دخلت الغايط فقضيت الحاجة فقضت الحاجة فلم تهرق الماء ثم توضأت ونسيت أن تستنجي فذكرت بعد ما صليت فعليك الاعادة فإن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلوة وغسل ذكرك فإن البول مثل البراز وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم وفي بعض نسخه ليس مثل البراز والجواب عنه أيضا مثل سابقة مع أن في متنه أيضا اضطرابا كما لا يخفى ونقل العلامة (ره) في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه قال الاولى إعادة الوضوء بعد الاستنجاء هذا حكم الوضوء وأما حكم التيمم فالظاهر أنه أيضا كحكم الوضوء مع التوسع فيه لما ذكرنا من صدق الامتثال وأصالة البرائة وأما مع التضيق فقد قال العلامة (ره) في القواعد بعدم صحته قبل الاستنجاء لمنافاته التضيق والمصنف (ره) حكم بخلافه نظرا إلى أن الاستنجاء أيضا من متعلقات الصلوة كالاذان والاقامة ونحوهما فكما لا ينافي إيقاع مثل هذه الامور والتضيق فكذا لا ينافيه وأيضا بناء التضيق على العرف ولا عبرة في العرف بهذا القدر اليسير وسيجئ تفصيل القول إنشاء الله تعالى في مبحث التيمم (ويصح الاستنجاء في غير المخرج إذا اعتيد ولو لم يعتد فهو إزالة نجاسة) المراد بصحة الاستنجاء في غير المخرج جريان أحكامه فيه مما يخالف أحكام إزالة البول والغايط في غير المخرجين مثل جواز الاستجمار وعدم وجوب الصب مرتين لو قيل به في غير الاحليل على ما اخترناه ونحو ذلك من طهارة غسالته والحكم بالصحة نظرا إلى أنه مع الاعتياد حكمه حكم الموضع الطبيعي فيجزي فيه أيضا ما هو جار فيه ويشكل من حيث أن الروايات الواردة في باب الاستنجاء ظاهرها الاختصاص بالموضع الطبيعي للتبادر والتعارف فلو كان عموم في كيفية إزالة البول والغايط فالظاهر أن يبقى على عمومه ولا يخرج منه غير الموضع الطبيعي وإن اعتيد نعم لو لم يكن عموم بل ثبت حكم بالاجماع فحينئذ الظاهر أنه لا إشكال في إخراج الموضع المذكور عنه لعدم الاجماع فيه بخصوصه والاستصحاب ويقين البرائة أيضا قد عرفت حالهما فيما سبق هذا على تقدير تسليم ظهور اختصاص الروايات الواردة في باب الاستنجاء بالموضع الطبيعي وأما على ادعاء ظهور شمولها للمعتاد أيضا فما ذكره المصنف ظاهرا وكذا على تقدير الشك في الشمول وعدمه كما هو الظاهر إذ على تقدير الشك فيه لا يحصل ظن العموم بحيث يشمل الموضع المذكور أيضا من العمومات الواردة على خلاف حكم الاستنجاء والاصل برائة الذمة فيقتصر على القدر المتيقن أو المظنون هذا وعليك بالتأمل في الروايات الواردة في الطرفين في خصوصيات

[ 87 ]

الاحكام واستنباط الحال منها بعد رعاية الضابطة المذكورة إذ التعرض لكل واحد منها بخصوصه وتفصيل القول فيه يفضي إلى الاطناب جدا (ولو استعمل نجسا وجب الماء وإن كانت نجاسته مماثلة للخارج) واحتمل العلامة (ره) في المنتهى عدم وجوب الماء في الصورة الاخيرة نظرا إلى أن النجاسة واحدة فلا يزيد بسبب استعمال ذلك النجس بنجاسة أخرى لامتناع اجتماع المثلين وفيه أن هذا لا يجري في الاحكام الشرعية إذ مع ازدياد النجاسة لا يلزم اجتماع المثلين المستحيل إذ لو فرض أنه قال إذا لاقى بدنك هذه النجاسة فاغسله وإذا لا قى مرة أخرى فاغسله وإذا لاقى مرة أخرى فاغسله مرتين فلا فساد فيه فكذا إذا قيل لو تغوطت فاغسل أو امسح ولو لاقى بعد التغوط بغايط آخر فاغسله البته ووجه ما ذكره المصنف (ره) إن الروايات الواردة بالاستجمار ظاهرها الاختصاص بتطهير النجاسة المخصوصة فلو لا لاقى المحل بنجاسة أخرى لكان مندرجا تجب العمومات الواردة في غير النجاسة المخصوصة فيكون تطهيره بما ورد فيها واعلم أن هذا إنما يتم لو تعدى نجاسة ذلك النجس إلى المحل أما لو لم يتعد كما إذا كانا يابسين فلا كما لا يخفى بل لا يبعد حينئذ تطهيره أيضا للمحل كما أشرنا إليه سابقا ولو تعذر الاستنجاء صلى بحاله مع الجفاف بحسب الامكان ثم يستنجي عند المكنة قد مر منا ما يتعلق بهذا الحكم في بحث إزالة البول بالماء ولو نسيه وصلى أعاد في الوقت وخارجه هذا هو المشهور بين الاصحاب وقال ابن الجنيد (ره) إذا ترك غسل البول ناسيا تجب الاعادة في الوقت وتستحب بعد الوقت كذا في المختلف وقال الصدوق (ره) في الفقيه ومن سهى أن يستنجي من الغايط حتى صلى لم يعد الصلوة ثم الظاهر في نسيان الاستنجاء من البول ما هو المشهور ومن الغايط وما ذهب إليه الصدوق (ره) أما الاول فلاطلاق صحيحة عمرو بن أبي نصر المتقدمة في بحث وجوب غسل موضع البول بالماء والعجب أن العلامة (ره) في المختلف قال بعد الاستدلال بهذه الرواية لا يقال يحتمل أن الترك كان عمدا لا سهوا لانا نقول ترك الاستفصال في حكاية الحال يجري مجرى العموم في المقال انتهى مع أن في الرواية ورد لفظ النسيان صريحا وكذا إطلاق موثقتي سماعة وابن بكير المتقدمتين أيضا ويؤيده أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في البحث المذكور إذ لا يبعد ادعاء ظهور أن زرارة لم يترك غسل الذكر حتى يصلي متعمدا وما يمكن أن يحتج به لابن الجنيد ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل ذكر وهوفي صلوته أنه لم يستنج من الخلاء قال ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلوة وإن ذكروقد فرغ من صلوته اجزأه ذلك وفيه أنه لا بد في تطبيق هذه الرواية على مذهبه من ارتكاب التخصيص فيها وفي الروايات السابقة فالاولى أن يرتكب التخصيص فيها فقط بحملها على الغايط وترك الروايات السابقة على إطلاقها مع أنه لا يبعد أيضاا دعاء تعارف الاستنجاء في عرفهم في الاستنجاء من الغايط نعم لو ذهب أحد إلى أن في الوقت أيضا لا يجب القضاء لامكنه الاستدلال بهذه الرواية لكن الظاهر من كلام المختلف في هذا المقام عدم الذهاب إليه إذ نقل الخلاف المذكور من ابن الجنيد والصدوق فقط وإن كان كلامهم في حيث تطهير الثياب والبدن يشعر بهذا الذهاب أيضا لانهم ذكروا في صورة نسيان النجاسة ثلاثة أقوال أحدها عدم الاعادة مطلقا لا في الوقت ولا خارجه ولم يقيدوا بما سوى محل البول وسيجئ إنشاء الله تعالى تتمة لهذا في هذا البحث وما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الحسن عمرو بن أبي نصر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أني صليت فذكرت أني لم اغسل ذكري بعد ما صليت فأعيد قال لا وفيه أنه لا يعارض الروايات السابقة لعدم صحة سنده واشتهار العمل بخلافه بين الاصحاب وحمله الشيخ (ره) على عدم إعادة الوضوء وهو بعيد وما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال فقال يغسل ذكره ولا يعيد الصلوة و ؟ أنه ضعيف السند إذ من جملة رواته أحمد بن هلال وهو مذموم جدا مع اشتهار خلافه بين الاصحاب وأيضا لا يبعد وقوعه سهوا من الراوي بأن يدل الوضوء بالصلوة إذ ليس في السؤال حديث الصلوة بل الوضوء فالظاهر أن الجواب أيضا متعلق به والشيخ (ره) حمله على عدم وجدان الماء ولا يخلو عن بعد لاباء لفظة النسيان عنه واستدل العلامة (ره) في المختلف لابن الجنيد بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن عمار بن موسى قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لو أن رجلا نسي أن يستنجي من الغايط حتى يصلي لم يعد الصلوة ولا يخفى فساده لان كلام ابن الجنيد في البول وهذا في الغايط اللهم إلا أن يكون (ره) فهم من موضع آخر أن كلام ابن الجنيد ليس مختصا بالبول هذا وأما الثاني فللاصل ولصحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا وموثقة عمار بن موسى هذه وحملهما على عدم الاستنجاء بالماء لكن مع الاستنجاء بالاحجار وعمل على خلاف الظاهر جدا من غير ضرورة وحجة المشهور موثقة سماعة المتقدمة في بحث عدم اشتراط الوضوء بالاستنجاء وفيه أنها لا تعارض ما ذكرنا لعدم صحتها وايضا فيها محمد بن عيسى عن يونس وقد ذكر الصدوق (ره) أنه لا يعمل بروايته عن يونس مع اضطراب ما في المتن أيضا كما تقدم وموثقة عمار المذكورة في البحث المذكور أيضا وفيه أيضا عدم صلاحيتها للمعارضة مع أنها مخصوصة بالوقت ولا يعم خارجه كما هو مدعاهم وفيها أيضا بعض الامور التي يتطرق الشك إليها كما مر وحمل الروايتين على الاستحباب ظاهر وسيجئ أيضا مزيد بسط لهذا إنشاء الله تعالى في بحث نجاسة الثوب والبدن (ولو جهله فلا) قد ظهر مما ذكرنا حكم الجاهل في الاستنجاء

[ 88 ]

من الغايط بالقياس على الناسي بالطريق الاولى وأما في الاستنجاء من البول فسيجئ إنشاء الله تعالى في البحث المذكرو وجاهل الحكم لا يعذر سيجئ هذا أيضا إنشاء الله تعالى في البحث المذكور (درس يجب في الوضوء النية المشتملة على القربة وهي موافقة إرادة الله تعالى والوجوب والرفع أو الاستباحة) النية في اللغة العزم والقصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ونويت السفر أي قصدته وعزمت عليه وفي الاصطلاح القصد الخاص الذي يختلف بالنسبة إلى الافعال وبالنظر إلى المذاهب كما ستطلع عليه إنشاء الله تعالى ثم أن المحقق (ره) في المعتبر قال النية شرط في صحة الطهارة وضوء كانت أو غسلا أو تيمما وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم وابن الجنيد ولم أعرف لقدمائنا فيه نصرا على التعيين انتهى لكن الشيخ (ره) في الخلاف والعلامة (ره) في المختلف نقلا الاجماع على وجوب النية وهو ظاهر المنتهى أيصا وفي الذكرى أن ابن الجنيد (ره) عطف على المستحب قوله وإن يعتقد عند إرادة طهارته أنه يؤدي فرض الله فيها لصلوته وأنت خبير بإمكان توجيهه بحيث لا ينافي كلام الثلاثة بأن يقال مراده استحباب أن يعتقد أنها للصلوة أي قصد الاستباحة بل قصد الوجوب أيضا كما يشعر به قوله فرض الله لا استحباب أصل النية واستدل على الوجوب بما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما الاعمال بالنيات وإنما لا مرئ ما نوى وعن علي بن الحسين (عليه السلام) لا عمل إلا بنية وعن الرضا (عليه السلام) لا قول إلا بعمل ولا عمل إلا بنية ولا نية إلا بإصابة السنة والكل لا يخلو عن مناقشة أما الاول والاخير أن فلانها لما كان يمكن حملها عل الحقيقة لمحذور الكذب فلا بد من ارتكاب تجوز والتجوز فيها بحملها على نفي الصحة ليس أولى منه بحملها على نفي الثواب ولو سلم أنه أقرب المجازات إليها نقول أن حملها عليه يستلزم التخصيص لخروج كثير من الاعمال حينئذ من الحكم اتفاقا بخلاف حملها على نفي الثواب فلا أولوية أيضا على هذا التقدير وأما الثاني فلجواز حمله على مثل ما حملناها عليه من أن المراد أن للمرء ما نواه من المثوبات الاخروية أو الاغراض الدنيوية إلا أنه ليس له شئ أصلا مما لم ينوه لكن لا يخفى أن جواز هذا الحمل فيه لا ظهور كما في البواقي فهو أجود الدلايل واستدل أيضا على وجوبها بالادلة التي تدل على تقدير تمامها على وجوب بعض الخصوصيات التي سنفصلها إنشاء الله تعالى فلا حاجة في ذكرها هاهنا بل نوردها عند الاستدلال على وجوب الخصوصيات ولنشتغل الان بذكر الخصوصيات التي يتشخص بها النية مما اتفق على وجوبه أو اختلف وما يتعلق به من الدلايل والابحاث ونبدأ أولا بقصد الفعل وأنه هل يجب قصده حتى ولا يعتد بوضوء الغافل مثلا أولا الظاهر الوجوب للاجماع عليه كما ادعاه العلامة (ره) في المختلف ويمكن الاستدلال عليه أيضا بالروايات السابقة لان مع عدم القصد إلى الفعل ينتفي جميع القصود فلا نية أصلا فلا عمل ويرد عليه أيضا ما ذكروا ما وجوب قصد القربة فقد ادعى العلامة (ره) في المختلف الاتفاق على وجوبه أيضا والشيخ (ره) وإن لم يذكرها في المبسوط لكن كأنه تركها للظهور واستدل عليه أيضا بوجوه منها قوله تعلى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة وفيه أنه إنما يدل على وجوب الاخلاص بمعنى البرائة من الشرك أو البرائة من الرياء وليس مرادهم بالقربة التي ذكروها هذا القدر بل أزيد منه كما سنذكر نعم لو أكرموا بمجرد وجوب عدم القصد إلى كونه عبادة لغير الله أو عدم الرياء لامكن الاستدلال به مع أن فيه وجوها آخر أيضا من البحث كما سيأتي إنشاء الله تعالى في بحث بطلان الوضوء بضم المنافي ومنها قوله تعالى فاعبدوا الله مخلصين وفيه إن كون الوضوء عبادة ممنوع ولو سلم فلا نسلم أن معنى الاية لا تعبدوا الله إلا على حال الاخلاص حتى يكون نهيا في الحقيقة عن عدم الاخلاص بأن معناها الامر بالعبادة المقرونة بالاخلاص والامر لا يدل على الدوام والتكرار ويكفي في الامتثال به به الاتيان بعبادة ما مخلصا إلا أن يتمسك بعدم القول بالفصل ولو سلم ففيه أيضا الايراد المذكور في سابقه ومنها قوله تعالى فاعبدوا الله مخلصا وفيه أيضا الايرادات المذكورة مع اختصاصه بالنبي (صلى الله عليه وآله) وإشكال إثبات وجوب التأسي ومنها قوله تعالى قل الله أعبد مخلصا له ديني وفيه أيضا الايرادات السابقة مع أنه ليس فيه أمر بالعبادة مخلصا بل بالقول إلا أن يقال أن التأسي في القول أيضا واجب ووجوب هذا القول علينا يستلزم وجوب العبادة مخلصا أيضا كما لا يخفى ثم أنهم فسروا القربة بوجهين أحدهما ما ذكره المصنف وهو موافقة إرادة الله تعالى أي يكون الاتيان بالوضوء لاجل أنه مراد الله تعالى وموافق رضاه وفي حكمه أيضا كونه أهلا للعبادة وكون العبادة شكر النعمة وشبهه وثانيهما طلب الرفعة عنده ونيل الثواب لديه تشبيها بالقرب المكاني وفي حكمه أيضا الخوف من العقاب وشبهه واختلفوا بعد الاتفاق على صحة الاول وفضيلته لما أشار إليه مولينا ومقتدانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك في صحة الثاني وعدمها فقد نقل المصنف في قواعده عن الاصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين أي طلب الثواب والخوف من العقاب وبه أيضا قطع السيد رضي الدين بن طاووس (ره) محتجا بأن قاصد ذلك إنما قصد الرشوة والبرطيل ولم يقصد وجه الرب الجليل وهو دال عل أن عمله سقيم وأنه عبد لئيم وهو الظاهر من كلام المصنف أيضا في هذا الكتاب حيث فسر القربة بالوجه الاول فقط واختار في قواعده وفي الذكرى الصحة قال في الذكرى والظاهر أن كلا منهما محصل للاخلاص وقد توهم قوم أن قصد الثواب يخرج عنه لانه جعله واسطة بينه وبين الله وليس بذلك لدلالة الاي والاخبار عليه وترغيبات القرآن والسنة مشعرة به ولا نسلم أن قصد الثواب مخرج عن ابتغاء

[ 89 ]

الله بالعمل لان الثواب لما كان من عند الله فمبتغيه مبتغ لوجه الله نعم قصد الطاعة التي هي موافقة الارادة أولى لانه وصول بغير واسطة ولو قصد المكلف في تقربه الطاعة لله أو ابتغاء وجه الله كان كافيا ويكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كل مقصد انتهى ومراده بالاى مثل قوله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون أي راجين الفلاح أو لكي تفلحوا والفلاح هو الفوز بالثواب قاله الطبرسي (ره) وقال بعض هو الفوز بالامنية وقوله تعالى قد أفلح المؤمنون وقوله تعالى إلا أنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته بعد قوله تعالى ويتخذ ما ينفق قربات عند الله كما ذكره في الذكرى ولا يخفي أن دلالة الايات المذكورة وأن لم يتم على المراد سيما بعضها لكنها مما يصلح للتأييد وكذا الحال في الترغيبات والترهيبات ويمكن الاستدلال عليه أيضا بما روى عنهم (عليهم السلام) في الصحيح عن من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه وكذا ما رواه أصول الكافي في باب العبادة في الحسن بن إبراهيم بن هاشم ظاهرا عن هارون بن خارجه عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال العبادة ثلاثة قوم عبدو الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة وأيضا تخليص القصد عن النظر إلى الثواب والعقاب أمر مشكل جدا يحتاج إلى مجاهدات عظيمة ورياضات شاقة فتكليف عامة الناس به لا يناسب الشريعة السمحة السهلة هذا كله مع أنك قد عرفت أن الدلايل التي استدلوا بها على وجوب القربة إنما يدل على تقدير تمامها على وجوب الاخلاص الذي هو اما البرائة من الشرك أو الريا ولا يدل على أزيد من ذلك وليس ما يدل على وجوب القربة حتى ينظر في معناها وعلى تقدير وجوده أيضا لما حصل الشك في المعنى القربة فإما يحكم بوجوب القدر المتيقن كما مر غير مرة خصوصا مع وجود المعارضات والاجماع الذي نقلوا على وجوبها أيضا على تقدير تحققه ليس بموجود في المعنى الاول فعلى هذا الظاهر صحة المعنى الثاني أيضا وعدم بطلان العبادة به بل لا يبعد القول بصحة العبادة لطلب الاغراض الدنيوية المباحة أيضا عن جنابه سبحانه كما نبه عليه ما ورد أن صلوة الليل تزيد في الرزق والصدقة ترد البلاء وصلة الرحم تنسي الاجل فإن قلت ما تقول في الاتيان بالعبادة لاجل حسنها في الواقع لا لانها أمر بها سبحانه ولا لطلب ثواب وخوف عقاب منه أو القرب إليه أو لحبه أو نحو ذلك مما ينظر فيه إلى وجه لله تعالى قلت الظاهر على ما ذكرنا من عدم دليل على الزايد من وجوب نفي الشرك أو الرياء صحة تلك العبادة وكذا الظاهر من كلام المتكلمين لكن لم نقف فيه على نص من الاصحاب وأنه على طريقتهم من وجوب القربة وابتغاء وجه الله تعالى ما يقولون في مثل هذا لكن لا يذهب عليك أن ما ذكر من الفرض يحتمل وجهين الاول أن يكون الفاعل مستشعرا بأنها عبادة وطاعه لله تعالى ويفعله الاجل حسنها في الواقع وحينئذ الظاهر أنها على طريقة القوم أيضا صحيحة وداخله تحت ابتغاء وجه الله بل هي في اعلى مراتب العبادة وأولى مما يكون لقصد الثواب والخوف من العقاب والثاني أن لا يكون مستشعرا بذلك بل قد حصل له العلم أما من العقل والشرع بأن لوضوء مثلا حسن وانما يفعله لاجل حسنه وحينئذ فيه إشكال على طريقة القوم ولا يخفى عليك أنه يمكن الاستدلال على وجوب القربة بالمعنى الذي ذكر بقوله (عليه السلام) إنما لامرئ ما نوى فتأمل هذا وبما ذكرنا من أن أحد إجزاء النية التي ذكرها الاصحاب إنما هو القربة بالمعنى الذي ذكروا لا شك أنها أمر مشكل سيما إذا كانت بالمعنى الاول فإنه في نهاية الصعوبة وليست هي مجرد القصد إلى الفعل ظهر حال ما قاله بعض الفضلاء في تسهيل أمر النية واستحسنه بعض من أنه كلف الله الصلوة وغيرها من العبادات بغير نية كان تكليف ما لا يطاق لان هذا إنما يكون له وجه صحة لو كان المراد من النية مجرد القصد إلى الفعل وأما عدم تعرض القدماء لامرها فكأنه لاجل أن وجوب ما سوى قصد الفعل والقربة من الزيادات التي ذكرها المتأخرون وكذا بعض الشرايط كالمقارنة والاحكام التي يتفرع على هذه الامور ليست بثابتة كما سنذكره إنشاء الله تعالى والامر الاول من هذين في غاية السهولة و الامر الثاني قد أغناهم كثرة الايات والروايات الواردة فيه عن التعرض له والله تعالى اعلم بحقايق الامور وأما قصد الوجوب فقد اختلف القوم فيه فالشيخ (ره) في النهاية وظاهر المبسوط والمحقق في المعتبر على عدم وجوبه والعلامة في جملة من كتبه والمحقق في الشرايع وابن إدريس على وجوبه والاول أظهر لنا أصل البرائة وصدق الامتثال مع عدم المخرج عن الاصل كما سيظهر من جواب دليل المخالفين ويؤيده أيضا أمرهم (عليهم السلام) بالواجبات والمندوبات بطريق واحد من غير تعرض الموجوب أو الندب ولو كان قصد الوجوب أو الندب شرطا لما كان كذلك واحتج المخالفون بوجهين الاول أن الامتثال في العبادة إنما يتحقق بإيقاعها على الوجه المطلوب ولا يتحقق ذلك الوجه في الفعل المأتي به إلا بالنية بدليل إنما لكل أمرئ ما نوى الثاني أن الفعل لما جاز وقوعه تارة على وجه الوجوب وأخرى على الندب فاشترط تخصيصه بأحدهما حيث يكون ذلك هو المطلوب و التخصيص لا يحصل إلا بالنية وفي الوجهين نظر أما الاول فلانه أن اريد بإيقاعها على الوجه المطلوب إيقاعها بشرائطها وإركانها المعتبرة فيها شرعا فمسلم لكن لا نسلم أن من جملتها قصد الوجوب أو الندب وإن أريد به إيقاعها عل قصد وجهه الذي هو الوجوب أو الندب كان مصادرة محضة فإن قلت المراد الاول لكن لا ندعي أن من جملة وجوهها قصد الوجوب أو الندب حتى يكون في معرض المنع بل ندعي أن من جملتها الوجوب أو الندب وهو لا يقبل المنع إذ لا شك أن امتثال الامر الواجبي إنما يكون با الاتيان بالفعل الواجب دون الندب وكذا الحال في الندب وهذا الوجه لا يحصل في الفعل إلا بالنية إذ بدون النية يحتمل

[ 90 ]

الواجب والندب ولا يصار إلى أحدهما لامتناع الترجيح من غير مرجح وهذا التوجيه هو ظاهر كلام المستدل حيث قال ولا يتحقق ذلك الوجه انتهى فإندفع النظر قلت هذا بعينه هو الوجه الثاني ويندفع بما ندفعه به وبما قررنا من إمكان ارجاع الوجه الاول إلى الثاني بل أن الظاهر منه هو هذا أظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد حيث ضعف الوجه الاول وحكم بعدم صلاحية للدلالة وتأسيس حكم شرعي حتى قال انه قيل كلام شعري ومع هذا اعترف بتمامية الوجه الثاني في غير الوضوء إلا أن يكون إيراد على من ذكر الوجهين معا كابن إدريس في السرائر إذ حينئذ لا يمكن إرجاع أحدهما إلى الاخر فتأمل وأما الثاني فلانه إن أريد به أن الاوامر لما كانت إيجابية أو ندبية فالفعل الذي يفعل المكلف لو لم يقصد أنه واجب أو ندب لم يتعين لكونه امتثالا لامر إذ صرفه إلى أحدهما دون الاخر ترجيح من غير مرجح ففيه إنا لا نسلم انه لا بد من مخصص يخصص الفعل لا أحد الاوامر إنما يكون ذلك فيما لم يجز التداخل وأما مع جوازه فلا إذ الفعل امتثال للجميع فلا حاجة إلى مخصص وايضا لا نسلم انحصار المخصص في قصد الوجوب والندب إذ يجوز أن يخصص شئ آخر كما إذا لاحظ وقت الفعل كونه امتثالا لبعض الاوامر بخصوصه وإن لم يعلم أنه ايجابي أو ندبي وأيضا هذا إنما يتم فيما كان فيه أوامر مختلفة فلا يثبت الكلية كما هو مذهبهم مع أن فيما نحن بصدده أي الوضوء ليس كذلك إذ لا يجتمع فيه أمر إيجابي مع ندبي إذ مع خلو الذمة عن مشروط به لا يجب قطعا ومع شغلها لا يندب ولا يخفى أن هذا الحكم الاخير وإن كان قد ذكره القوم لكنه ليس له وجه ظاهر وسيجئ تفصيله إنشاء الله تعالى عن قريب وإن أريد به أن الوضوء لما كان واجبا وندبا فلا بد في كونه امتثالا للامر الايجابي أن يكون واجبا إذ الوضوء المندوب لا يكون امتثالا للامر الايجابي ففيه أنه لو أريد توقف الامتثال على الوجوب فممنوع ولو أريد الاستلزام فممنوع فحينئذ نقول لما كان الامر بإيجاد الطبيعة مطلوب فعند الاتيان بها يحصل الامتثال وإذا حصل الامتثال تحقق الوجوب أيضا لان ما يمتثل به الامر الايجابي واجب هذا وخلاصته القول على ما قررنا أن اشتراط نية الوجوب والندب فيما لم يتعدد الاوامر لا ظهور له فحينئذ لو لم ينو الوجه أصلا أو نوى خلاف الواقع عمدا أو سهوا لكان الفعل صحيحا سواء كان ذلك الامر الواحد معلوم الايجاب أو الندب أو مشكوكهما ولو ردد في صورة الشك بين نية الوجوب والندب لكان الظاهر أيضا الصحة وما يقال من أن الترديد في النية ليس بصحيح لا وجه له ظاهر أو كذا الحال فيما تعدد الاوامر الايجابية والندبية لكن يكون ما يجزي فيه التداخل وأما إذا لم يجز التداخل مثل الامر بنافلة الصبح وفريضتها فحينئذ لا يبعد القول لاشتراط تخصيص الفعل بأحدهما سواء كان يقصد الوجوب والندب أو بغيره من المخصصات وكذا لا يبعد القول باشتراط التخصيص فيما تعدد الاوامر الايجابية فقط والندبية فقط ولم يجز التداخل في متعلقاتها إذا أن لوازمها وأحكامها مختلفة وأما إذا لم تكن مختلفة فالظاهر أيضا عدم الاشتراط هذا ثم اعلم أن المتكلمين ذكروا أنه لا بد في حسن الفعل من أن يفعل لوجوبه أو ندبه ويمكن أن يكون كلام الاصحاب أيضا ناظرا إليه كما يشعر به الوجه الاول من الوجهين المذكورين لكن هذا القول أيضا مما لم يقيموا عليه دليلا ظاهرا بل الظاهر أنه يندفع بالقربة التي ذكرها الاصحاب لانهم لم يقتصروا على الوجوب والندب بل عمموا الحكم بأنه لا بد من أن يكون الفعل لوجوبه أو ندبه أو لوجههما وفسروا الوجه بالشكر ونحوه ولا ريب أن هذا داخل تحت القربة كما فصلناها سابقا وأما اشتراط أحد الامرين من الرفع أو الاستباحة فقد اختلف فيه فالشيخ في المبسوط والعلامة في جملة من كتبه والمحقق في المعتبر وابن إدريس قالوا باشتراطه وادعى ابن إدريس الاجماع عليه ونقلوا عن السيد المرتضى (ره) اشتراط خصوص الاستباحة وعن أبي الصلاح وابن زهرة وابن البراج وابن جمزة اشتراطهما معا والشيخ (ره) في النهاية والمحقق في الشرايع ذهبا إلى عدم الاشتراط وقال السيد السعيد جمال الدين ابن طاوس في البشرى لم أعرف نقلا متواترا ولا آحادا يقتضي الفضل إلى رفع الحدث واستباحة الصلوة لكن علمنا يقينا أنه لا بد من نية القربة وإلا كان هذا من باب اسكتوا عما سكت الله عنه انتهى والظاهر القول الاخير لاصالة البرائة وصدق الامتثال بدونه وعدم دليل مخرج عن الاصل كما سيظهر احتج المشترطون لاحدهما بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمت إلى الصلوة الاية وجه الاحتجاج إن المفهوم منه عرفا أن الوضوء لاجل الصلوة كما أن المفهوم من قولهم إذا لقيت الامير فخذ اهبتك وإذا لقيت العدو فخذ سلاحك إن أخذ الاهبة والسلاح لاجل لقاء الامير والعدو ولا معنى لكون الوضوء للصلوة إلا أنه لاستباحتها والجواب أن كون هذا المعنى مفهوما من الايه بحسب العرف مسلم لكن لا يثبت المطلوب لان كون الوضوء لاجل الصلوة لا يستلزم أن يقصد في الوضوء أنه لاجل الصلوة وهو ظاهر لا يرى أن في المثالين المذكورين لا يلزم من امتثالهما أن يقصد حين أخذ الاهبة والسلاح أنه لاجل الامير والعدو وأورد عليه أيضا أن هذا الدليل لو تم لدل على ما نسب إلى المرتضى (ره) من اشتراط الاستباحة لاحد الامرين كما هو مدعي المحتجين وأجاب العلامة (ره) في المختلف عن الايراد بوجهين أحدهما إن وجوب الاستباحة لا ينافي ما ذكرنا من كونه أحد الفردين المخير فيهما لان فرد الواجب المخير أيضا واجب وثانيهما أن نية رفع الحدث يستلزم الاستباحة لانها نية لازالة المانع من الدخول في الصلوة ليدخل المكلف في الصلوة فإنه الغاية الحقيقية فإن إزالة الحدث ليس غاية ذاتية وإنما هو مراد بالعرض لاجل استباحة الصلوة في الوجهين نظر أما في الاول فلان مراد المورد ليس أن وجوب

[ 91 ]

أحد الامرين يرفع وجوب نية الاستباحة بل مراده أن الدليل على تقدير تمامه إنما يدل على وجوب خصوص هذا الامر وأما بدلية الامر الاخر فلا دليل عليه ويمكن أن يجاب بأن العلامة (ره) قد استدل قبل هذا على الاكتفاء برفع الحدث بقوله (عليه السلام) إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى وقال فإذا رفع الحدث مع باقي الصفات من الوجوب أو الندب أجزاه لانه قد حصله ما نواه وهو رفع الحدث عملا بالحديث فزال المانع من الدخول في الصلوة انتهى وهذا دليل على البداية ولك أن تقول بعد ثبوت وجوب قصد الاستباحة بالايه كما زعموا لو اكتفى في بدلية قصد الرفع له بهذا الدليل لزم أن يقال ببدليته أيضا لقصد الوجوب والندب والقربة أيضا بهذا الدليل بعينه والجواب الجواب إلا أن يجاب بالاجماع على عدم البدلية لهما ولا إجماع هاهنا وأنت خبير بما في دليليه المذكورين من الضعف إما الاول فظاهر وأما الثاني فلانه لا يدل على أن كل ما ينوي المرء يدركه وهو ظاهر وأما في الثاني فلانه قد ثبت وجوب الوضوء بقصد أنه للصلوة على زعمكم ولا نسلم أن استلزام رفع الحدث لاستباحة الصلوة في الواقع انما يستلزم أن يقصد على الوضوء بقصد رفع الحدث أنه يقصد الاستباحة إذا لم يكن حين قصد الرفع الاستباحة ولزومها للردع منظورين بل على تقدير كونهما منظورين ايضا لا نسلم صدق قصد الاستباحة إلا أن يكتفي بالقصد بالعرض ثم أنهم اكتفوا في قصد الاستباحة المعتبر في الوضوء والواجب باستباحة أي مشروط بالطهارة كان صلوة أو غيرها واجبا أو مندوبا وهو الظاهر من كلام المصنف أيضا حيث أطلق الاستباحة بل قد حكى عن فخر المحققين الاكتفاء بقصد استباحة مشروط بالطهارة وإن كان ممتنعا كان ينوي استباحة الطواف وهو بالعراق وكان دليلهم عليه أيضا ما نقلناه عن العلامة من الدليل على الاكتفاء برفع الحدث وقد عرفت ما فيه والحاصل أن كلامهم في هذا المقام غير منقح جدا وأما حجة المرتضى فقد ظهرت أيضا مع جوابها وأما حجة من اشترطهما معا فلم نقف عليها سوى ما ذكره المصنف في الذكرى من أن الرفع يوجد بدون الاستباحة في غسل الحايض إن قلنا برفعه الحدث الاكبر والاستباحة بدون الرفع في المتيمم والطهارة الضرورية فإذا لم يتلازما لم يكف أحدهما وأيضا لا بد من رفع الحدث لانه مانع من الدخول ومن الاستباحة لانه الوجه الذي لاجله يرفع الحدث فما لم ينوه لا يكون متمثلا للوجه الذي أمر به لاجله وضعف الوجهين ظاهر مما ذكرنا وحكى المصنف (ره) في شرح الارشاد أنهم احتجوا بالجمع بين أدلة الاقوال ونية كل من الرفع والاستباحة بالمطابقة لان اللزوم غير بين والاتحاد غير حاصل ولا يذهب عليك أن الظاهر أن وجوب الرفع فقط لا دليل عليه ولا قول به حتى يحتج بالجميع بين أدلة الاقوال فتدبر وعليك الاحتياط في جميع هذه الامور المختلف فيها والاخذ بمجامع الاقوال مهما أمكن والله الموفق (والمبطون والسلس والمستحاضة ينوون الاستباحة أو رفع ما مضى) قال في الذكرى ذو الحدث الدائم كالمبطون و السلس والمستحاضة ينوي الاستباحة فلو ضم إليها رفع الحدث لغى إلا أن يقصد رفع ما مضى فحسن ولو اقتصر عليه فإن نوى رفع ما مضى صح لانه في معنى الاستباحة وإن نوى رفعه مع ما هو حاصل أو سيحصل فقد نوى ما بعضه ممتنع فيمكن الصحة لتضمن النية رفع مانع الصلوة والبطلان لعدم إمكان ما نواه فكيف يحصل له انتهى وفيه أنه أما أن أريد برفع ما مضى رفع الحدث الكاين في الزمان الماضي نفسه أو رفع أثره الذي هو المنع من الصلوة فإن كان الاول فمع أنه يلغوا حينئذ ذلك القصد لان الحدث الكائن في الزمان الماضي مرتفع في هذا الزمان سواء قصد رفعه أم لا يرد عليه أنه كيف يكون هذا القصد في معنى قصد الاستباحة لان المانع من الصلوة موجود الان وهو الحدث الحاضر بل أثر الحدث السابق أيضا فبمجرد ارتفاع الحدث السابق كيف يستباح الصلوة وإن كان الثاني فيرد عليه أيضا الايراد السابق إذ بمجرد ارتفاع أثر الحدث السابق لا يستباح الصلوة بل لا بد من ارتفاع أثر الحدث اللاحق أيضا و القول بأنه مغتفر لا دليل عليه إلا أن يكون المنع كافيا في المقام وأيضا كما يصح رفع ما مضى بهذا المعنى كذلك يضح رفع الحاصل أيضا بهذا المعنى فلم يحكم بصحة الاول وامتناع الثاني هذا وبما ذكرنا ظهر أن دايم الحدث يجب عليه أن ينوي الاستباحة فقط بناء على وجوب قصد الرفع أو الاستباحة وأما على ما اخترناه فالامر واضح هذا على تقدير أن يكون رفع الحدث غير الاستباحة كما ذكرنا سابقا (ولا يشترط قصد الطاعة لله خلافا لابن زهرة) ذهب ابن زهرة إلى وجوب خمسة أمور في النية قصد الوجه والاستباحة والرفع والطاعة والقربة واستدل على الثلاثة الاول ببعض ما ذكرنا سابقا وقال في الاخيرين وتعلقها بالطاعة لله تعالى لان بذلك الفعل عبادة والقربة ومرادنا بها طلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه لانه الغرض المطلوب بطاعته انتهى وأنت خبير بما ذكرنا سابقا بكفاية أحد الامرين الذين أراد هما من الطاعة والقربة بل غيرهما أيضا مما فصل في بحث القربة (والمقارنة لابتداء غسل الوجه) إذ هو مبدء الافعال فلو أخر عنه لوقع بعض الافعال الواجبة بلا نية فيكون باطلا وببطلان الجزء يبطل الكل وكذا لو قدم ولم يبق إلى الشروع إذ حينئذ يقع جميع الافعال بلا نية واعلم إن ها هنا إشكالا سنذكره إنشاء الله تعالى في بحث استدامة حكم النية (ويجوز تقديمها عند غسل اليدين مستحبا وعند المضمضة والاستنشاق) المشهور بين الاصحاب جواز تقديم النية عند غسل اليدين استحبابا للوضوء وأولى منه عند المضمضة والاستنشاق لقربهما من الواجب ووجهه أنها من جملة أفعاله فجاز إيقاع النية

[ 92 ]

عندها وحكم في المنتهى باستحباب التقديم ليشمل النية أفعال الوضوء الواجبة والمندوبة وجوز ابن إدريس التقديم عند غسل اليدين في الغسل دون الوضوء وجوز في الوضوء التقديم عند المضمضة والاستنشاق معللا بأنهما من جملة العبادة وكأنه جعل غسل اليدين مستحبا خارجا لا من جملة افعال الوضوء وليس ببعيد لكن جعله في الغسل داخلا دون الوضوء بعيد ومنع ابن طاوس (ره) في البشرى التقديم مطلقا سواء كان عند غسل اليدين أو المضمضة والاستنشاق نظرا إلى أن مسمى الوضوء الحقيقي غيرهما ونقلوا الاجماع على عدم جواز تقديمها عند غيرها من المسنونات كالسواك و التسمية والظاهر ما ذهب إليه الاكثر كما سيظهر عن قريب إنشاء الله تعالى ولما لم يذكر المصنف فيما بعد غسل اليدين في مستحبات الوضوء فلا بأس أن نورد ها هنا بيان استحبابه وشرايطه أما الاستحباب فيستدل عليه بما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح ظاهرا عن عبيد الله الحلبي قال سئلته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل إدخالها في الاناء قال واحدة من حدث البول وإثنتان من الغايط وثلاث من الجنابة وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن حريز عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يغسل الرجل يده من النوم مرة ومن الغايط والبول مرتين ومن الجنابة ثلاثا وما رواه أيضا في الموثق عن عبد الكريم بن عتبة الكوفي الهاشمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شئ يدخلها في وضوءه قبل أن يغسلها قال لا حتى يغسلها قلت فإنه استيقظ من نومه ولم يبل أيدخل يده في وضوءه قبل أن يغسلها قال لا لانه لا يدري حيث باتت يده فليغسلها فإن قلت ما وجه حمل هذه الرواية على الاستحباب دون الوجوب قلت للجمع بينها وبين ما رواه التهذيب أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل يبول ولم تمس يده اليمنى شيئا يغمسها في الماء قال نعم وإن كان جنبا وهذا وإن كان مختصا بالبول لكن الغايط والنوم أيضا الظاهر إن حكمهما حكم البول لاقترانهما به في الروايات وكذا بينها وبين ما روي أنه (عليه السلام) عند بيان الوضوء غمس كفه في الماء من غير غسل وقال هكذا إذا كانت الكف طاهرة وسيجئ الرواية إنشاء الله تعالى ويؤيد الاستحباب أيضا آية الوضوء حيث لم يذكر فيها غسل اليد وكذا الاختلاف الواقع في الروايات في الغسل للبول هذا كله مع أن الاصل برائة الذمة من الوجوب ولا يذهب عليك إن استنباط غسل اليد اليسرى من الروايات مشكل لكن الشهرة بين الاصحاب كأنها يكفي في الحكم بالاستحباب وأما الشرايط فذكروا للاستحباب شرطين الاول أن يكون الوضوء من حدث النوم أو البول أو الغايط لا الريح ووجهه ظاهر مما ذكرنا الثاني أن يكون من ماء قليل في إناء يمكن الاغتراف منه فلو توضأ من نهر أو مصنع ؟ أو إناء لا يمكن الاغتراف منه لم يستحب الغسل ووجهه غير ظاهر لان الرواية الاولى وإن كانت مختصة بالاناء لكن الاخيرتين مطلقتان وكون علة الغسل توهم التنجيس غير ظاهر بل لو كان علته أيضا ذلك لكان هذا التوهم غير منحصر في تنجيس الماء بل جار في تنجيس الاعضاء وعدم صحة الوضوء معه وأيضا على تقدير التسليم لكان ينبغي أن يخص بالقليل فقط لا بكونه في إناء أيضا ثم أنه لو غسل اليد بعد هذه الاحداث بدون إرادة الوضوء فهل يستحب الغسل ثانيا عند إرادته أم لا لم أقف فيه على نص من الاصحاب والرواية الاخيرة نظرا إلى التعليل الواقع فيها تدل على عدم الاستحباب ثانيا بعد النوم وكذا ظاهرها في البول أيضا كما لا يخفى والرواية الثانية الامر فيها مطلق فيحصل امتثاله بالغسل قبل إرادة الوضوء أيضا كما هو الظاهر نعم الرواية الاولى كأنها ظاهرة في الاستحباب (ولو وجب غسل اليدين لنجاسة أو استحب لا للوضوء أو أبيح فلا نية عنده) ووجهه أنه ليس حينئذ من جملة إفعال الوضوء فلا يجوز مقارنة النية به والاستحباب لا للوضوء مثل الاستحباب للاكل والاباحة كالغسل بعد الريح أو عند الوضوء من النهر على القول بعدم الاستحباب حينئذ وكذا لو كان مكروها كما لو قصر الماء بسببه عن الغسلات المستحبة أو حراما كما لو قصر بسببه عن الغسلات الواجبة بطريق الاولى وقال المصنف (ره) في الذكرى وفي جوازها عند الواجب كإزالة النجاسة المعلومة وجه لانه أولى من الندب بالمراعاة والاقرب المنع لانه لا يعد من افعال الوضوء انتهى وأيد الشهيد الثاني (ره) الوجه بما ورد من التعليل في النائم فإنه لا يدري أين باتت يده فإنه يقتضي أنه لرفع نجاسة موهومة فالمحققة أولى هذا واعلم إن استفاده أن هذا الغسل من جملة إفعال الوضوء من الروايات مشكل جدا فلو كان بناء جواز تقديم النية عليه لكان الظاهر عدم الجواز لكنا سنذكر إنشاء الله تعالى وجها آخر للجواز ولذا اخترنا المذهب المشهور (واستدامة حكمها) إلى آخره نذكر اولا ما هو الظاهر عندنا في هذا الباب ثم نشتغل بذكر كلام القوم اعلم إن الحركات الصادرة عنا بالاختيار إنما يصدر بعد تصور الفعل والغاية والضرورة قاضية بأن كثيرا ما نغفل في أثناء الحركة عنهما ومع ذلك يصدر تلك الحركة ولا حاجة لنا ها هنا إلى بيان كيفية الصدور وأنه كيف يصدر الامر الغير القار عن الامر الثابت لان موضعه في الحكمة ولا مدخل لتحقيقه في هذا المقام وظاهر أيضا أن الحركة التي يصدر بعد حصول الشوق والارادة المسماة بالاجماع الناشئين من تصور النفع والغرض لتلك الحركة إنما يطلق عليها في العرف أنها صادرة بالارادة لتلك الغرض والنفع وإن ذهل المتحرك في أثنائها عن تصور الفعل والنفع لكن يكون بحيث لو رجع إلى نفسه لاستشعر به ما لم تحدث له إرادة أخرى لاصدار تلك الحركة ناشية من تصور نفع وغرض آخر وإذا تمهد هذا فنقول غاية ما ثبت

[ 93 ]

سابقا أنه لا بد في الوضوء من تصوره ممتازا عما عداه وأن يكون الغرض منه امتثال أمر الله وطلب مرضاته فإذا تصورنا الوضوء بالوجه الممتاز وتصورنا أيضا النفع الحاصل منه من الامتثال وقربه تعالى وانبعث من ذلك إرادة محركة للاعضاء فعلى المقدمة السابقة إنما يصدق على ذلك الوضوء في العرف أنه صادر بالارادة لغرض الامتثال والقربة وإن ذهلنا في أثنائه عن تصوره والغرض منه ما لم يحدث في الاثناء إرادة محركة للاعضاء للاتيان ببعض أفعاله ناشية من غرض آخر فيلزم أن يكون ذلك الوضوء صحصحا مخرجا عن العهدة لما علمت من عدم لزوم شئ آخر على المكلف سواه فظهر بما ذكرنا إن القدر الواجب إنما هو عدم إرادة مخالفة للارادة الاولى فيجب أن تفسر الاستدامة الحكمية به واعلم أنه على هذا يرد إشكال على قولهم بوجوب مقارنة النية لاول الوضوء إذ كما يجوز صدور الفعل بالارادة لغرض منع الذهول في أثنائه عن تصور الفعل والغرض مفصلا فكذلك يمكن صدوره أيضا بالارادة لغرض منع الذهول عنهما مفصلا في ابتداء الفعل أيضا إذا تصور الفعل والغرض في زمان سابق عليه وصار ذلك باعثا على صدور الفعل في هذا الزمان والضرورة حاكمة أيضا بوقوع هذا الغرض عند ملاحظة حال الافعال فحينئذ يجوز أن يصدر الوضوء لغرض الامتثال والقربة باعتبار تصوره وتصور ذلك الغرض في الزمان السابق فيلزم أن يكون ذلك الوضوء ايضا صحيحا لما عرفت من عدم لزوم شئ على المكلف زايدا على هذا المعنى فيبطل القول المذكور اللهم إلا أن يتمسكوا بالاجماع على وجوب المقارنة لكن الظاهران إثبات الاجماع مشكل إذ لم ينقل من القدماء شئ في أمر النية وثبوت الاجماع من المتأخرين بحيث يظن دخول المعصوم (عليه السلام) فيه ممالا سبيل إليه مع أن المصنف (ره) في الذكرى نقل عن الجعفي أنه قال لا عمل إلابنية ولا بأس أن تقدمت النية العمل أو كانت معه لكن الاولى الاخذ بما هو المشهور والوقوف عليه احتياطا للدين وبهذا ظهر أيضا وجه ما اخترناه من جواز تقديم النية عند غسل اليدين لان ما يمكن أن يتمسك به على عدم جواز التقديم على الوضوء أما الاجماع أو الشهرة وهما مفقودان في هذا التقديم هذا والقوم إنما ذكروا في تفسير الاستدامة الحكمية معنيين أحدهما ما ذكرنا وهو المذكور في المبسوط والمعتبر والمنتهى واستدل عليه في المعتبر والمنتهى بأن استدامة النية فعلا مما يتعسر أو يتعذر في الاكثر فاقتصر على استدامة الحكم مراعاة لليسر واستحب في المنتهى الاستدامة الفعلية ليقع جميع الافعال مقترنة بالنية و الاولى في الاستدلال على الاكتفاء بالاستدامة الحكمية ما ذكرناه لان هذا الدليل ربما يعترض عليه بأن عدم إمكان الاستدامة الفعلية لا يستلزم الاكتفاء بالحكمية بل يجب مراعاة الفعلية مهما أمكن فلما لم يمكن سقط وأما عدم مراعاتها بالكلية فلا إلا بدليل وأيضا لا وجه لقولهم إن الاستدامة الفعلية لما لم يمكن اقتصر على الحكمية لان هذا إنما يحسن إذا دل دليل على وجوب الاستدامة الفعلية ولا دليل عليه وما استدلوا به على وجوب النية من قوله (عليه السلام) إنما الاعمال بالنيات ونحوه مما تقدم لا يدل على وجوب الاستدامة الفعلية أصلا كما لا يخفى وثانيهما البقاء على حكم النية والعزم على مقتضاها وهذا هو الذي اختاره المصنف في الذكرى واستدل عليه أيضا بالدليل المذكور آنفا ويرد عليه أيضا الايراد إن المذكور إن أورد أيضا على المعنى الثاني أنه بعينه الاستدامة الفعلية التي نفاها المصنف (ره) بل نفس النية إذ هي عبارة عن العزم المخصوص ويمكن أن يجاب بالفرق بينهما بالاجمال والتفصيل فإن الاستدامة الفعلية هي أن يستحضر النية مفصلة كما هي في الابتداء إلى آخر الفعل والحكمية بهذا المعنى أن يستحضر مجملة وأورد أيضا إن ذلك مقتض لبطلان عبادة الذاهل عن العزم المذكور في أثناء العبادة وهو باطل قطعا ويمكن أن يقال أيضا أن المراد كما عرفت من العزم على مقتضى النية استحضارها وحصولها في النفس مجملة ولا نسلم انه مما ينتفي ما لم يحدث نية وإرادة اخرى منافية للاولى والحاصل إن المعنيين متلازمان لكن القايل بالمعنى الثاني كالمصنف (ره) كأنه زعم أن بعد ما حصل الغفلة عن تصور الفعل والغرض منه تفصيلا فكأنما يبقى في النفس أمرا إجمالي من التفصيل السابق هو المحرك والباعث للفعل إلى أن ينتهي الحركة وإن لم يكن لنا شعور به كما في اللعب باللحية أو نحوه فإن له سببا البته مع عدم علمنا به ولا يخفى أنه لا دليل على بطلان ما زعمه بل لا يبعد ادعاء الظهور في أن الامر كذلك ثم إن المصنف (ره) ذكر إن بناء التفسيرين على أن الباقي مستغن عن الموثر أم لا فالتفسير الاول بناء على الاول والثاني على الثاني والظاهر إن مراده (ره) بالباقي ها هنا الوضوء وبالمؤثر النية فيكون حاصل كلامه إن الباقي إن لم يكن محتاجا إلى المؤثر فالوضوء بعد حدوثه بالنية لا يحتاج في بقائه إلى بقاء النية فيكون باقيا إلى وقت حدوث مؤثر المقرونية نية أخرى بدون بقاء النية الاولى فعلى هذا تفسير الاستدامة الحكمية بأن لا ينوى نيه مخالفة للاولى إذ على هذا لا جزم ببقاء النية الاولى حتى يفسر الاستدامة به وإن كان محتاجا إلى المؤثر فحينئذ فالجزم ببقاء النية الاولى حاصل فلذا يفسر الاستدامة به واعترض عليه صاحب المدارك بأن هذا البناء غير مستقيم لان أسباب الشرع علامات ومعرفات لا علل حقيقية فيمكن القول بعدم الاستغناء عن المؤثر مع عدم اشتراط الاستدامة فضلا عن الحكمية وأنت خبير بما قدمنا إن النية ليست من الاسباب الشرعية للوضوء حتى يقال أنها من قبيل العلامات والمعرفات بل من الاسباب العقلية فإندفع ما أورده نعم يرد على المصنف أنه خلط الحدوث التدريجي بالبقاء وكأنه لاطلاق البقاء على الحدوث التدريجي أيضا في العرف لكنه ليس المعنى الذي في معرض النزاع فزعم أن بعد حدوث النية يحدث الوضوء ويبقى إلى الاخر وليس كذلك بل إنما يحدث

[ 94 ]

شيئا فشيئا ومثل هذا الباقي لا بد له من سبب إلى آخر وجوده على القولين فلا يمكن أن يكون وبناء كلام من فسر التفسير الاول على عدم الاحتياج إلى السبب بل أما بناؤه على أنه لا يرى إن السبب المستمر مع المسبب انما هو إجمال التفصيل السابق بل شئ آخر أو يقال إن تفسيره هذا لا ينافي بقاء النية نعم لا يستلزمها وفرق بينهما فحينئذ يجوز أن يعتقد بقاء النية مع تفسيره الاستدامة بهذا المعنى لانه أظهر وأقرب إلى الفهم من المعنى الاخر واعترض الشهيد الثاني (ره) أيضا في شرح الارشاد على المصنف (ره) بأن ذلك البناء إنما يتجه أن لو كانت النية بعد إحضارها يحصل منها أثر خارجي يستغني عن الموجود أو يحتاج إليه وليس كذلك بل عند غروبها عن القلب يلحق بالاعدام المفتقرة إلى المؤثر قطعا مع أن اللازم من الاحتياج إلى المؤثر وجوب إحضار النية بجميع مشخصاتها لا العزم المذكور فإنه غير الموجود الاول وغير مستلزم له وإن دخل ضمنا لكن الدلالة التضمنية ملغاة في هذه الاحكام ونظايرها انتهى وكأنه (ره) لم يحمل كلام المصنف على ما حملناه عليه وإلا فلا وجه لهذا الايراد أصلا والمعنى الذي حمله عليه بعيد جدا ويرد أيضا على إيراده الاخير إن استلزم الاحتياج إلى المؤثر وجوب إحضار النية بجميع مشخصاتها ممنوع وإنما يستلزم ذلك لو ثبت إن العلة المبقية يجب أن يكون بعينها هي العلة الموجدة وهي في محل المنع هذا (ولو نوى رفع حدث بعينه واستباحة صلوة بعينها فلا حرج) لا يذهب عليك أنه على ما اخترناه من عدم اشتراط قصد رفع الحدث أو الاستباحة الامر في هذه المسألة ونظائرها واضح وأما على رأي القائلين بالاشتراط فالمشهور بينهم ما ذكره المصنف وعللوا الاول بأن الاحداث تتداخل عند اجتماع أسبابها فلا يرتفع أحدها إلا بارتفاع الجميع وقد نوى رفع أحدها فوجب أن يحصل له بدلالة إنما لامرئ ما نوى فيحصل رفع الجميع وفيه إن تداخل الاحداث عند اجتماع أسبابها ممنوع لم لا يجوز أن يحصل من كل منها حدث على حدة لا بد لنفيه من دليل وعلى تقدير التداخل أيضا لا نسلم قولهم قد نوى رفع أحدها فوجب أن يحصل له لما علمت مرارا من عدم دلالة الرواية على أن جميع ما ينوي يحصل للمرء واحتمل العلامة (ره) في النهاية البطلان بناء على أن ما لم ينوي معه يبقى والاحداث لا يجري فإذا بقي البعض بقي الكل واحتمل أيضا رفع ما نواه خاصة بناء على أنها أسباب متعددة لمسببات متعددة قال فإن توضأ ثانيا لرفع آخر صح وهكذا إلى آخر الاحداث ولا يخفى ما فيه فتأمل وعللوا الثاني بأنه قد نوى أمرا ممكنا فوجب أن يحصل له بدلالة الرواية ولا يخفى إن حكمهم في هذه الصورة موجه لا من حيث الاستدلال بالرواية كما نقلنا لما عرفت من عدم تماميته بل من حيث إن وجود قصد الاستباحة لو فرض فهمه من الاية على ما زعموا لم يفهم منها إلا وجوب قصد الاستباحة مطلقا ولا شك أن في هذه الصورة يتحقق ذلك المعنى فيجب أن يحصل الامتثال ويخرج عن العهدة ويصح وضوءه بخلاف الصورة الاولى فإن جواز قصد الرفع والاكتفاء به عن قصد الاستباحة لا دليل عليه سوى ان رفع الحدث مستلزم للاستباحة فنيته مستلزمه لنيتها أو أنه عند نيته لما وجب حصوله بدلالة الرواية فيحصل لزمه كما مر سابقا وهذان الوجهان على تقدير تمامهما إنما يتمان فيما يثبت الاستلزام وما نحن فيه ليس كذلك للاحتمال الذي ذكرنا واعلم إن في الصورة الاخيرة يحصل استباحة الصلوة المنوية وغيرها لما علمت من صحة الوضوء وعند صحته يستباح به جميع الصلوات وهو ظاهر (ولو نفى غيرهما بطل) عدم البطلان في هذه الصورة على ما اخترناه ظاهرا إذا لم يصل تلاعبه بهذا القصد إلى تلاعبه بقصد القربة والامتثال أيضا وأما على رأيهم فقد اختلف فيه فذهب العلامة وفي القواعد إلى الصحة والمصنف في هذا الكتاب و (ى) إلى البطلان وجه الصحة انه قد نوى رفع حدث فيجب أن يحصل له بدلالة الرواية وهو إنما يحصل برفع جميع الاحداث كما مر فيرتفع جميع الاحداث ويصح الوضوء ويكون ضميمته النفي لغوا وكذا الحال في استباحة الصلوة وأنت بما قدمنا خبير بما فيه ووجه البطلان أنه قد نوى المتنافيين لان رفع حدث يستلزم رفع جميع الاحداث وبقاء غيره يستلزم بقاء ذلك الحدث أيضا فلو حصل له جميع ما نواه لزم حصول المتنافيين وهو محال وحصول أحدهما ترجيح من غير مرجح وفيه نظر لان الظاهر إن الرواية انما تدل على أن للمرء ما ينوي من العمل إذا كان ذلك العمل مما يصلح لان ينوي منه ذلك الشئ لا ما لا يصلح له كأن ينوي من الوضوء امتثال الصلوة مثلا وحينئذ يختار أنه يحصل له أحدهما وهو رفع الحدث ولا نسلم أنه ترجيح من غير مرجح لان الوضوء لا يصلح لا بقاء الحدث حتى ينوي منه ويحصل بخلاف رفعه فإن قلت الرواية دلت على أن ما لم ينو لم يحصل فحينئذ نعرف أنه لم ينو رفع غير ذلك الحدث فيجب أن لا يحصل له وإذا لم يحصل له ذلك لم يحصل له رفع ذلك الحدث أيضا فلزم اجتماع المتنافيين قلت أما اولا فيمكن أن يقال لا نسلم انه لم ينو رفع غير ذلك الحدث بل إنما نواه استلزاما ودلالة الرواية على أن ما لم ينو صريحا لم يحصل ممنوع وأما ثانيا فنقول أنه على هذا يلزم عليكم الحكم بالبطلان في صورة عدم نفي الغير أيضا لجريان هذا الوجه فيه بعينه مع أنكم حكمتم بصحته هذا وبما ذكرنا ظهر أن الصحة أشبه بقواعدهم (ولو نوى استباحة ما يكمل بالطهارة كالتلاوة أجزء) اختلف كلام الاصحاب فيه فالشيخ في المبسوط قطع بأنه إذا نوى استباحة شئ ليس من شرطه الطهارة لكن يستحب له كقرائة القرآن ودخول المسجد مثلا لم يرتفع حدثه وبه قال ابن إدريس أيضا في السرائر واستحسن المحقق في المعتبر الحكم بالاجزاء كما هو في هذا الكتاب والعلامة (ره) في القواعد والتذكرة والمنتهى ذهب إلى أنه لو نوى ما ليس من شرطه الطهارة بل فضيله أجزء وارتفع الحدث ولم يعلم أن مراده (ره) منه الاجزاء لو نوى استباحة ونواه بدون

[ 95 ]

قصد الاستباحة وقال في النهاية لو نوى ما يستحب له الطهارة كقرائة القرآن وقضاء الحاجة احتمل عدم الصحة لان هذه الافعال مباحة مع الحدث فلا يستلزم قصدها قصد رفعة والصحة لانه قصد كون ذلك الفعل على أكمل أحواله ولا يتم ذلك إلا برفع الحدث والوجه عندي التفصيل فإن كان الفعل مما يشترط فيه الطهارة كالصلوة المندوبة صح وإن كان يمتنع فيه رفع الحدث كالحايض للذكر والغاسل للتكفين والمتيمم لصلوة الجنازة لم يصح قطعا وإن لم يكن فإن كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء المقصود منه التنظيف لم يصح أيضا وإن كان باعتباره فإن قصد الكمال صح وإلا فلا وإن كان الفعل لا يتوقف على الوضوء ولا يستحب له الوضوء كدخول السوق إذا توضأ له لم يصح انتهى وكلام المصنف (ره) في الذكرى أيضا موافق للنهاية حيث قال ولو نوى استباحة ما الطهارة مكملة له كقرائة القرآن ودخول المساجد فالاقرب الصحة إن نوى إيقاعها على الوجه الافضل لتوقفه على رفع الحدث انتهى وتفصيل القول في هذا المقام أن يقال الاحتمالات في نية ما يكمل بالطهارة ثلاثة لانه أما أن ينوي استباحته أو كماله أو ينوي هو مطلقا من دون قصد الاستباحة والكمال فإن نوى الاول فالظاهر على مذهبهم من اشتراط قصد الاستباحة أو ما يستلزمه عدم الصحة وارتفاع الحدث به كما قال الشيخ في المبسوط وما ذكره العلامة في المنتهى بعد نقل قول الشيخ ويمكن أن يقال بارتفاع الحدث كأحد وجهي الشافعي لانه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له ما نواه عملا بالخبر وكونه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه ممنوع لانه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة وهو الوصلة الحاصلة لمن فعل ذلك وهو على طهارة فصحت طهارته كما لو نوى ما لا يباح إلا بها انتهى فالظاهر أنه لا ينفي ما قاله الشيخ (ره) لان ما ذكره أو لا من أنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له ففيه أنه لو صح ذلك فلا حاجة إلى قصد الاستباحة ورفع الحدث مطلقا والكلام إنما هو على تقديرها وما ذكره ثانيا من أنه نوى ما يتضمن رفع الحدث فعلى تقدير تمامه إنما يتم في الاحتمال الثاني والثالث بل الثاني فقط وأما الاحتمال الاول الذي هو صريح كلام الشيخ (ره) فلا كما لا يخفى وكذا الحال أيضا فيما ذكره المحقق في المعتبر بعد نقل قول الشيخ (ره) ولو قيل يرتفع حدثه كان حسنا لانه قصد الفضيلة وهي لا يحصل من دون الطهارة ولا يذهب عليك أن كلام المحقق أظهر فسادا من كلام العلامة كما يظهر عند التأمل فيه وإن نوى الثاني فالظاهر الاجزاء وارتفاع الحدث به على ما زعموه من أن الوضوء لهذه الاشياء إنما هو لاجل صدورها كاملة بالطهارة فهي إنما يحصل برفع الحدث وأما على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت إمثال هذه المقدمات فلا وحينئذ فكلام الشيخ وابن إدريس إن كان في هذه الصورة أيضا فلا وجه له وإن كان مختصا بالاول كما هو الظاهر فحسن وإن نوى الثالث ففيه وجهان من حيث إن القصد إلى هذا الشئ اعم من أن يكون لاجل استباحته أو كماله والعلم لا دلالة له على الخاص فلا يكون مستلزما لرفع الحدث ومن حيث إن الوضوء القصد إنما يصرف إلى القصد الصحيح ولما كان قصد استباحته غير صحيح فيصرف إلى كماله فيستلزم رفع الحدث ويمكن أن يرجح الاخير بأنه قد ورد في الشرع الوضوء لهذا الاشياء من غير تقييد بشئ فإذا توضأ بقصد هذه الامور لزم أن يمتثل به أمر الشرع وعند امتثال أمر الشرع يجب أن يترتب عليه ما هو المقصود للشارع وهو وقوع هذه الغايات كاملة ووقوعها كاملة إنما يستلزم رفع الحدث على زعمهم فثبت إن الوضوء بقصد هذه الامور انما يرفع الحدث فثبت ما ادعيناه إلا أن يقال على محاذاة ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى إن تعليل فضيلة تلك الافعال بالطهارة لا يستلزم صحة الوضوء لها إذا الموصل إلى حصول الفضيلة وضوء رافع للحدث فلينو رفعه أو استباحة شئ مشروط به وأنت خبير بأن هذا إنما يصح فيما لم يرد الامر بالوضوء لاجل شئ بل إنما ورد إن الشئ الفلاني مثلا كما له بالطهارة إذ على الثاني لا يبعد هذا القول إن لم يجعل تلك العبارة قرينة على إن المراد أنه توضأ المشئ الفلاني وأما على الاول فلا إذ بعد ورود الامر به بشئ مطلقا بدون تقييد بقصد الرفع أو الاستباحة لا مجال لهذا الاحتمال نعم يمكن أن يقال أنه إذا قيل توضأ للشئ الفلاني وكان معلوما من خارج إن إباحة ذلك الشئ لا يحتاج إلى الوضوء فيستفاد منه أن التوضي إنما هو لاجل كماله ويلزم من ذلك بناء على ما ذكروه في بيان وجوب قصد الاستباحة وجوب قصد الاستكمال أو ما يلزمه بزعمهم من رفع الحدث أو استباحة مشروط بالطهارة نظير ما قرروه في الوضوء للصلوة ولا يكفي قصد ذلك الشئ محملا فاندفع ما ذكر ويمكن أيضا أن يقال أن يكون الوضوء المندوب لهذه الامور رافعا للحدث على ما ذكرتم لا يستلزم أن يكون الوضوء الواجب أيضا بقصد هذه الامور كذلك فتأمل هذا كله على ما اختاروه من وجوب قصد الاستباحة أو ما يستلزمها وأما على ما اخترناه فالامر ظاهر من الصحة في جميع الاحتمالات غاية الامر أن يكون القصد في الاحتمال الاول لغوا لحصول الاستباحة بدونه لكنه لا يضر بالصحة وهو ظاهر هذا ثم أنهم استشكلوا في أمر صحة الوضوء للنوم ورفعه للحدث من حيث أنه كيف يعقل صحة الوضوء للحدث فالمحقق في المعتبر صححه وجعل الوضوء بقصده رافعا للحدث معللا بأنه قصد النوم على أفضل أحواله وهو لا يحصل من دون الطهارة وليس مراده أن فضيلة النوم أن يكون حال الطهارة على قياس ما عداه لانه ظاهر الفساد بل إن فضيلته أن يكون بعد الطهارة وهو معنى موجه معقول وذكر المصنف (ره) في الذكرى وجها آخر مثل ما ذكرنا آنفا في وجه الترجيح وأورد عليه بما نقلنا وقد مر تفصيل القول فيه ثم قال والتحقيق إن جعل النوم غاية مجاز إذ الغاية هي الطهارة في أن قبل النوم بحيث يقع النوم عليها فيكون من باب الكون على طهارة وهي غاية صحيحة انتهى وفيه أنه

[ 96 ]

لو أراد إن النوم ليس غاية أصلا وليس الوضوء لاجله بل إنما هو للطهارة في أن قبله فقط ففساده ظاهر لانه خلاف ما في الرواية وقد ذكرنا وجها صحيحا في معنى غايته فلم يعدل عنه وإن أراد أنه غاية لكن باعتبار الوقوع على الطهارة لا معها كما ذكرنا فهو مسلم لكن هذا لا يستلزم ممازية كونه غاية إذ غاية الوضوء ما يحصل له إباحة أو فضيلة بسبب الطهارة الحاصلة من الوضوء سواء كانت مع ذلك الشئ أو قبله ولا استبعاد في إيراث الطهارة المتقدمة فضيلة في ذلك الشئ بعدها كما يورث الوضوء المتقدم الطهارة بعده ولا يخفى عليك أنه على هذا يجري الاحتمالات الثلاثة المذكورة في قصد النوم أيضا مع ما يتعلق بها من الابحاث فقس عليها واستيقظ واعلم إن ورود الاشكال والاحتياج إلى دفعه إنما هو على رأيهم من أن الوضوء إنما هو لرفع الحدث فيما يمكن أن يكون رافعا وأما على ما ذكرنا من عدم تسليم هذا وأشباهه فالامر ظاهر إذ يجوز أن يكون أثر الوضوء أمرا آخر غير رفع الحدث باقيا حال النوم كما لا يخفى وقد بقي في المقام شئ وهو أنه هل يشترط في صحة الوضوء المندوب أو الواجب الذي لغير الصلوة نية رفع الحدث أو الاستباحة لمشروط بالطهارة إذا امكن تحققهما فيه أم لا أما على ما اخترناه من عدم اشتراطهما في الوضوء الواجب للصلوة فعدم الاشتراط فيما عداه ظاهر بالطريق الاولى سيما مع أنه لم يظهر عندنا ما ذكروه من معنى الحدث وأن الغرض من هذه الطهارات إنما هو رفعه وأما على مختارهم فالظاهر أنهم يقولون بالاشتراط أيضا فيما يكون مشروطا برفع الحدث مثل الصلوة المندوبة والطواف وإن كان دليلهم على تقدير تمامه إنما يدل على الاشتراط في الوضوء الواجب للصلوة إلا أن يتمسك بما ذكرناه (سابقا وأما فيما لا يكون مشروطا فلم نظفر بشئ ظاهر فيه أو إن كان كلام المصنف في الذكرى يشعر أدنى إشعارا بالاشتراط وما يمكن أن يتمسك به ما ذكرناه) ولا يخفى أنه على تقدير تمامه إنما يدل على وجوب أحد الامور الثلاثة من الرفع والاستباحة والاستكمال على تقدير أن يكون قصد ما يستلزم الاستكمال الذي يجب قصده كافيا كما ذكروه في الرفع والاستباحة في الوضوء الواجب إذ الرفع والاستباحة مستلزم للاستكمال بزعمهم كما مر وإن لم يكن قصد ما يستلزمه كافيا فإنما يجب قصد الاستكمال بخصوصه وقال المحقق الثاني (ره) في شرح القواعد في هذا المقام ويحتمل الاكتفاء بنية الغاية متمسكا بعموم قوله (عليه السلام) إنما لكل امرئ ما نوى ويظهر من كلام المصنف (ره) في الوضوء للتكفين فإنه استحب لذلك تردد و في الدخول به في الصلوة انتهى لا يذهب عليك إن ما ذكره من العلامة (ره) ليس ظاهرا فيما ادعاه لان كلامه إنما هو في وضوء الغاسل للتكفين قبل غسل المس وهو مما يجامع الحدث الاكبر وعدم اشتراط قصد الرفع والاستباحة فيه مما لا ريب فيه إنما الكلام فيما عداه فإن قلت إذا كان كلامه في هذا الوضوء فكيف يصح تردده في الدخول به في الصلوة إذ لا يصح الدخول حينئذ قطعا قلت مراده أنه يجوز به الدخول في الصلوة بانضمام الغسل يظهر ما ذكرناه من ملاحظة كلامه في النهاية والحاصل إن الظاهر بناء على كلمات القوم الداسرة بينهم ومعتقداتهم المشهورة عندهم أن يقولوا بوجوب قصد الاستكمال أو الرفع والاستباحة في الوضوء للغايات المذكورة ويمكن أيضا القول بالاكتفاء بقصد الغاية مجملا لما مر من أن يصرف إلى القصد الصحيح لقضاء العرف فلو لم يقولوا بأحد هذين القولين بل أما أن يقولوا بعدم وجوب القصد إلى شئ من الامور الاربعة أو بتعيين قصد الرفع أو الاستباحة أو غير ذلك فيتوجه عليهم الايراد بأنهم نقضوا مقالتهم وخالفوا عقيدتهم ومن ها هنا ظهر توجه مناقشة على العلامة في بحث الوضوء للتكفين حيث قال في التذكرة الاقرب عدم الاكتفاء بهذا الوضوء في الصلوة إذا لم ينو رفع الحدث وكذا في القواعد حاصلها أنهم كما يقولون في الغايات الي لا تجامع الحدث الاكبر أن الغرض من شرعية الوضوء لها إنما هو رفع الحدث فيجب قصده أو قصد ما يؤدي مؤداه فلا حد أيضا أن يقول إن الغرض من الوضوء للتكفين إنما هو رفع الحدث الحاصل من الوضوء وإن لم يكن رفعا تاما لانه هذا الوضوء إنما يمكن أن يرفع قدرا من الحدث كما اعترف به من أنه عند نية الرفع يصح الدخول به في الصلوة بعد انضمام الغسل فيجب حينئذ أيضا أما قصد رفع ذلك القدر أو ما يستلزمه كما في نظائره والفرق تحكم فلم حكم بصحة هذا الوضوء للتكفين بدون القصد المذكور فتأمل في المقام هذا ليظهر لك ما في الزوايا من الجنايا (ولو ضم المنافي بطل ولو ضم التبرد وغيره من اللوازم فوجهان) المراد بالمنافى الرياء وفيه إن القربة إن كانت هي القصد إلى امتثال أمر الله وموافقة إرادته فقط فجميع ما سوى ذلك من القصود مناف لها سواء كان رياء أو غيره وإن كان القصد إلى موافقه أمر الله في الجملة فالرياء أيضا ليس بمناف له وإن قيل أنها الامتثال لامر الله بدون أن يكون القصد مراءات الناس فحينئذ كيف يمكن ضم الرياء إلى القربة والحاصل إن المنافاة إن كانت بالمعنى المتعارف فلا يمكن الضم وإن كانت بمعنى المخالفة فلا اختصاص لها بالريا ولعل المراد المعنى المتعارف وأريد بضمة الضم بحسب بادي النظر وإن لم يكن عند التحقق للمنافاة والامر في مثله بعد وضوح المراد سهل ثم اعلم إن الامر في وجوب القربة واشتراطها إنما يحتمل أوجها وجوبها في الجملة أي سواء كانت مستقلة أو لاشتراطها كذلك وجوب استقلالها واشتراطه والاستقلال أما بالنسبة إلى الرياء أو غيره فها هنا ستة أمور أما الاول فقد ذكرنا سابقا أن العلامة (ره) في المختلف ادعى الاتفاق عليه وأوردنا أيضا بعض الاستدلالات والابحاث وأما الثاني فالظاهر وقوع الخلاف فيه لانهم نقلوا عن المرتضى (ره) إن الصلوة بقصد الريا صحيحة بمعنى إسقاط القضاء والعقاب لكنها لا يوجب الثواب والظاهر إطراد الحكم في غير الصلوة أيضا كالوضوء ونحوه بالطريق الاولى وكذا في غير الرياء أيضا من القصود التي يخالف القربة فإن قلت إن كان المرتضى (ره) قائلا بأن الصلوة بقصد الرياء مسقطة للعقاب فيلزم من ذلك وقوع

[ 97 ]

الخلاف في الامر الاول أيضا لانه إذا كان قصد القربة واجبا فلا ريب في استحقاق العقاب تركه فيخالف ما ذكرته من الاتفاق قلت أما أولا فيمكن أن يقال مراده سقوط العقاب الذي بسبب ترك الصلوة لا سقوط العقاب مطلقا كيف والظاهر أن لا خلاف في حرمة الرياء فيكون مستحقا للعقاب بسببه وأما ثانيا فنقول لا بعد في ذلك إذ يجوز أن لا يكون المرتضى (ره) قابلا بالوجوب أيضا والاتفاق الذي أعاده العلامة (ره) كأنه من حيث عدم الاعتداد بخلافه لشذوذه وندوره الوقوع الاتفاق بعده أو قبله والله أعلم ثم ما يمكن أن يحتج به على الاشتراط أمور الاول قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله الاية وجه الاستدلال أنه تعالى حصر الامر في الامر بالعبادة حال الاخلاص فلا يكون طبيعة العباد مطلقة مأمورا بها فلا يكون الاتي بها بدون الاخلاص اتيا بالمأمور بها فيكون باطلة وهذا إن كان في حق أهل الكتاب ظاهرا لكن قوله تعالى وذلك دين القيمة أي المستمرة على نهج الصواب كما في مجمع البيان يدل على ثبوته في حقنا أيضا وفيه نظر أما أولا فلان الحصر ممنوع إذ يجوز أن لا يكون اللام بمعنى الباء كما في قوله تعالى وأمرنا لنسلم بل بمعناها الظاهر وهو التعليل وحينئذ يجوز أن يكون أوامر أخرى أيضا غير الامر بالعبادة حال الاخلاص لكن يكون الغرض منها هذه باعتبار أن يكون لمتعلقاتها دخل في حصول هذا المعنى وعلى تقدير كونها بمعنى الباء أيضا يمكن أن يقال ذكر العبادة حال الاخلاص فقط كأنه من باب الاكتفاء بالاصل والعمدة كما اختص الصلوة والزكوة من بين العبادات بالذكر لفضلهما وشرفهما ويؤيده إن الظاهر ان الاوامر التي في الكتاب كثيرا ما يتعلق بغير العبادة كما لا يخفى إلا أن يقال إن جميع ما أمر عبادة ولا يخلو عن بعد وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم الحصر لا نسلم إن إخلاص الدين بمعنى القربة التي مرادهم إذ يجوز أن يكون الدين بمعنى الملة والاسلام كما في القاموس ويكون إخلاصه اختياره خالصا لله أو يكون بمعنى العبادة أيضا لكن يكون اخلاصه أن لا يكون عبادة لغيره تعالى من الاوثان وغيرها لا أن يكون لغرض سواء موافقة إرادته وكلام القاضي محتمل للوجهين معا وأيضا يمكن أن يكون الاخلاص ترك الرياء كما فسر به في الصحاح والقاموس وحينئذ وإن كان نافعا في بعض مدعاهم لكن لا ينفع في الجميع وأما ثالثا فلانه لا نسلم إن القيمة بمعنى المستمرة على نهج الثواب لم لا يجوز أن يكون بمعنى الحقة والمستقيمة ولا شك أن كل شريعة حقة مسقيمة وذلك لا ينافي طريان النسخ عليها ولو سلم انه بذلك المعنى فلا نسلم إن ذلك إشارة إلى حصر الامر في العبادة حال الاخلاص لم لا يجوز أن يكون إشارة إلى العبادة حال الاخلاص وكون تلك العبادة ثابتة في شرعنا لا يستلزم أن لا يكون الامر بالعبادة مطلقة أيضا وأرادا فيه هذا وقد يستنبط اشتراط الاخلاص من قوله تعالى حنفاء وفيه ضعف الثاني الايات الواردة بالامر بالاخلاص المتقدمة في صدر بحث النية ووجوه الايراد عليها أيضا ظاهر مما ذكرنا سابقا وآنفا الثالث إن الرياء حرام للاتفاق كما هو الظاهر ولقوله تعالى الذين يراؤون الناس ولا يشرك بعبادة ربه أحدا إلى غير ذلك من الاخبار والروايات والنهى في العبادة مستلزما للفساد وفيه أنا لا نسلم أنه من قبيل النهي في العبارة إذ يجوز أن يكون قصد مراءاة الناس حراما لا أن يكون العبادة بذلك القصد حراما ولو نسلم فلا نسلم إن النهي في العبادة مستلزم للفساد وما ذكروه في بيانه مدخول وليس ها هنا موضعه وأنت خبير بأن هذا الوجه على تقدير تمامه لا يدل على تمام مدعاهم بل على بعضه كما سبق نظيره ويراد أيضا على الوجوه الثلاثة جميعا منع في خصوص ما نحن فيه وهو منع إن الوضوء عبادة لم لا يجوز أن يكون من قبيل إزالة النجاسات الرابع قوله (عليه السلام) إنما لامرئ ما نوى ومن لم يقصد القربة بالمعنى المذكور لم يقصد الامتثال ولا حصول الثواب ولا سقوط العقاب فلم يكن له شئ منها فلا يكون عبادته صحيحة وفيه ما ذكر مرارا من الاجمال الحاصل فيه وعدم ظهور المراد منه بحيث يصلح للاحتجاج وكان المراد منه عدم حصول الاجر والثواب بدون أن يكون القصد إلى مرضات الله تعالى فلا يتم المطلب هذا ما يقال في هذا المقام وقد عرفت عدم تمامية شئ منها لكن الشهرة بين الاصحاب وتتبع الايات والروايت الواردة في هذا الباب مما يثمر ظنا بالاشتراط لانه وإن أمكن المناقشة في كل من الايات والروايات لكن يتخذ من جميعها إن العبادة بدون القربة ليست عبادة خصوصا مع قصد الريا فإذن الاولى الاخذ بالاحتياط التام في هذا المقام وأما الثالث والرابع وهو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى الرياء واشتراطه فهو أيضا مما اشتهر بين الاصحاب وخلاف المرتضى جار ها هنا أيضا اما فيهما أو في الثاني فقط والدلايل والابحاث أيضا يعلم مما سبق وأنت خبير بأن إثبات الحكم في هذا المقام أصعب في سابقه وأما الخامس والسادس وهو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى غير الرياء من التبرد والتسخن ونحوهما واشتراطه فمما اختلف فيه خلافا شايعا فالشيخ (ره) في المبسوط حكم بعدم الاشتراط وكذا المحقق في المعتبر والشرايع والعلامة في الارشاد وقد علمت إن الظاهر ذهاب المرتضى (ره) إليه أيضا بطريق الاولى والعلامة في بعض كتبه وجمع آخر مثل المحقق الثاني والشهيد الثاني ما لوا إلى الاشتراط والمصنف (ره) متردد في هذا الكتاب والذكرى والظاهر أن لا فرق ها هنا بين الوجوب والاشتراط فمن قال بالوجوب قال بالاشتراط ومن لم يقل بالاشتراط لم يقل بالوجوب أيضا حجة الشيخ ومن تبعه أنه فعل الواجب وزيادة غير منافيه فيكون صحيحا وفيه إن عدم المنافاة أول البحث إلا أن يرجع كلامهم إلى منع المنافاة أول وهم وإن كانوا مستدلين لا يقبل منهم المنع لكن استدلالهم في الحقيقة يؤول إلى أصل البرائة وعدم ثبوت قدر زايد على ما أثبتوه في هذا الاعتبار ويتوجه منهم منع المنافاة واحتجوا أيضا بأن اللازم واجب الحصول وإن لم ينوه فيكون نيتها كعدمها وفيه أولا النقض بالريا لان رؤية الناس أيضا لازم للفعل سواء نويت أم لا وثانيا إن لزومه لا يقتضي جواز قصده وإيقاع الفعل لاجله وهو ظاهر واحتج المشترطون بأنه مناف للاخلاص وفيه ما مر من منع المنافاة وعدم تسليم ثبوت قدر زايد على اشتراط القربة في الجملة سواء استقلت أو لا هذا ولا يذهب عليك أن

[ 98 ]

الظاهر كما عرفت من المباحث ما ذهب إليه الشيخ من عدم البطلان خصوصا إذا كان قصد القربة مقتضيا تاما بمعنى أنه لو لم يكن الضميمة أيضا لكان محركا وباعثا على الفعل واعلم أيضا إن الظاهر أن الخلاف فيما إذا لم يكن الضميمة راجحة بحسب الشرع وأما إذا كانت راجحة كقصد الامام باظهار تكبيرة الاحرام اعلام القوم وضم الصائم إلى نية الصوم قصد الحمية ومخرج الزكوة ظاهرا اقتداء غيره به ونحو ذلك فيصح اتفاقا والله أعلم (ولا يصح الطهارة وغيرها من العبادات من الكافر) بعد ما علمت من وجوب القربة وظهر عدم إمكانها في حقه لاخفاء في صحة هذا الحكم (ولو نوى قطع الطهارة أو ارتد بطل فيما بقي فيبني مع العود والبلل ويستأنف مع الجفاف) فيه حكمان عدم بطلان ما سبق وبطلان ما بقي أما الاول فلصدوره بشرايطه صحصحا والبطلان لا بد له من دليل ولا دليل وأما الثاني فلما علمت من وجوب الاستدامة الحكمية بالمعنى المذكور فلو قطع نيته لكان ما يأتي به بعده ليس بقصد القربة وكذا لو ارتد وما ذكره من النبأ مع عدم الجفاف والاستيناف معه فيظهر إنشاء الله تعالى في مبحث الموالاة (ولا يضر غروبها إلا مع نية المنافي أو اللازم) قد علم وجهه مما سبق (ولو أمكن استحضاره فعلا في جميع الوضوء أو بعضه لم يجب) هذا أيضا ظهر مما تقدم وقد تقدم إن العلامة قال في المنتهى بالاستحباب وإثباته مشكل إلا أن يقال باندراجه تحت حضور القلب المندوب إليه في الروايات (والخالي من موجب الوضوء ينوى الندب فلو نوى الوجوب أو نوى من وجب عليه الندب بطل في الاقوى) وجه الحكم الاول ظاهر على ما اختاروه من اشتراط قصد الوجه وأما على ما اخترناه من عدم الاشتراط فلا يبطل وأما الحكم الثاني فإن كان المراد منه إن فعل الوضوء الواجب الذي للصلوة مثلا بقصد الندب بطل فله وجه على رأيهم من اشتراط الوجه لكن الظاهر أنه ليس بمراد بل المراد أن وقت اشتغال الذمة بموجب الوضوء لا يندب الوضوء أصلا مثل الوضوء الواجب فلو نوى الندب كان باطلا كما مر في بحث اشتراط الوجه وهذا الحكم وإن كان دايرا في السنتهم لكن لم نجد له وجها ظاهرا وما يتخيل له من الوجه أمور الاول إن الامر بالشئ نهى عن ضده فلو كان الوضوء للصلوة مثلا مأمورا به وجوبا لما كان الوضوء لشئ آخر الذي هو ضد الوضوء الاول مأمورا به ندبا وضعفه ظاهرا لان هذا الحكم على تقدير تمامه إنما هو في المأمور به المضيق لا مطلقا و أيضا لا نسلم التضاد لان الوضوء المندوب يجامع الواجب لما ذكرنا سابقا من جواز التداخل بين الواجب والمندب وفيه إن تداخلهما اما مع نيتهما معا أو مع نية الندب فإن كان الاول فيمكن أن يقال هذا لا يضرهم لان مرادهم أن الوضوء حينئذ بقصد الندب فقط بطل وإن كان الثاني فنقول إن جعله امتثالا للامر الواجبي لا يصح لما يثبت عندهم من أن الوضوء الواجب لا بد فيه من قصد الوجوب فتدبر الثاني إن تحقق الندب حينئذ يخرج الواجب عن الوجوب إذ يجوز أن يتوضأ حينئذ ندبا وعنده يرتفع الحدث لما مر مرارا وعند ارتفاع الحدث لا يجب الوضوء فيلزم ما ذكرنا واشتراط الوجوب بعدم الاتيان به ندبا تقييد من غير دليل وفيه أنه كما إن الامر الواجبي مطلق لا بد لتقييده من دليل فكذا الاوامر الندبية فلم يخصصونها دونه وأيضا خروج الواجب عن الوجوب ممنوع إذ عند الاتيان به ندبا يمتثل الامر الواجبي أيضا وفيه مثل ما مر آنفا الثالث إن اجتماع أمر الوجوب والندب يستلزم اجتماع المتضادين إذ عند اجتماعهما يكون الوضوء الواحد متعلقا لهما الصدق الامتثال وحينئذ يلزم أن يكون واجبا وندبا وهو محال وإذا لم يجز اجتماعهما فأما أن يرتفع الوجوب أو الندب والاول بطل الاجماع فتعين الثاني وهو المراد وفيه إن الملازمة ممنوعة لجواز أن لا يجوز التداخل مطلقا كما هو رأي بعض وعلى تقدير جوازه لا يجوز ها هنا لما ذكر ثم فيكون الامتناع قرينة على أن المراد بالامرين تعدد متعلقيهما ما في الصور التي يعلم لزوم التعدد بالدليل مثل نافلة الصبح وفريضة ونحوهما ولو سلم فلا نسلم امتناع اجتماع الوجوب والندب وقد مر مرارا والحاصل إن هذا الحكم مما يشكل إثباته فالظاهر جواز الوضوء المندوب حال اشتغال الذمة بموجب الوضوء فإن جوزنا التداخل كما هو الظاهر يكون كافيا عن الواجب أيضا وإلا فلا بد من وضوء آخر للواجب (ولو نوى لكل عضو نية تامة بطل وأولى منه لو نوى رفع الحدث عنه لا غير) المراد بالنية التامة لكل عضو أن لا ينوي في الابتداء فعل الجميع بالوجه المذكور سابقا بل ينوي عند غسل الوجه أنه يغسل الوجه للقربة وساير الشروط المعتبرة وكذا عند غسل اليد إلى آخر الوضوء وذهب العلامة (ره) في جملة من كتبه إلى الصحة وهو الاظهر لنا إن القدر الثابت وجوبه بالدلائل السابقة أن يفعل الفعل لمحرك قصد القربة أما مع قصد الوجوب والاستباحة أيضا كما هو رأيهم أو لا كما هو المختار ولا ريب في تحقق هذا القدر في الفرض المذكور وأما وجوب القصد في الابتداء لجملة الفعل فلا دليل عليه والاصل برائة الذمة حتى يثبت بل قد يقال هذا أولى من القصد الابتدائي للمجموع لان ارتباط النية الخاصة بكل عضو أقوى من ارتباط النية العامة واحتجوا على البطلان بأن الوضوء عبادة واحدة فلا يفرد بعضها عن بعض وبالقطع بأن صاحب الشرع لم يفعل ذلك وكلاهما ممنوعان كما لا يخفى ولا يخفى إن هذا قريب مما حكم بصحته من فرض نية قطع الوضوء فتأمل وأما الحكم الثاني فظاهره البطلان على رأيهم من وجوب قصد الرفع لان الحدث ليس ما يتعلق بعضو عضو بل إنما يتعلق بالمجموع من حيث هو مجموع وقصد رفعه عن العضو لا يستلزم الرفع عن المجموع فلا يتحقق ما هو الواجب فيكون باطلا نعم لو قيل بقيامه بالمجموع بطريق السريان لكان للصحة وجه بناء على ما ذكر في صحة

[ 99 ]

الوضوء بقصد رفع حدث معين وكذا الحكم لو قصد الرفع عن الاعضاء الاربعة وأما على رأينا من عدم وجوب قصد الرفع فالحكم الصحة وهو ظاهر (ولو غسلت اللمعة بقصد الندب جهلا بها فوجهان) اللمعة بضم اللام في الاصل قطعة من النبت إذا أخذت من اليبس والمراد هنا الموضع الذي لم يصبه الماء والوجهان الصحة والبطلان أما الصحة فلاقتضاء النية الاولى وجوب الغسل فالطارئ لا يؤثر ولان شرعية المندوب إنما هي بعد الفراغ من الوجاب فقبله لا يشرع فقصده ممتنع فبقي عل الاول وكلاهم ضعيفان لان لنيه الاولى إنما يؤثر ما لم يطرء نية مخالفة لها وإلا يلزم أن لا يبطل الوضوء بطريان نية ضد القربة ولان عدم المشروعية قبل الفراغ من الواجب إنما يستلزم امتناع القصد مع العلم بعدم الفراغ أما إذا اعتقد الفراغ فلا مانع من القصد وهو ظاهر وأما البطلان فلعدم وقوع الضووء بتمامه بقصد الوجوب حقيقة أو حكما مع لزومه وقد أيد الاول بأن شرعية الثاني إنما هي لتدارك ما فات في الاول فيجب أن يحصل وينبه عليه حسنة زرارة وبكير عن الباقر (عليه السلام) إذ سئلاه عن أجزاء الغرفة الواحدة فقال نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله وفيه أيضا ضعف كون الشرعية المتدارك ممنوع لا بد له من دليل والحسنة المذكورة ظاهرها الغسلة الاولى لا الثانية كما لا يخفى واعلم أن بطلان الوضوء ها هنا يمكن تعليله بوجهين باعتبار نية الوجوب وباعتبار نية الاستباحة وما ذكر من التصحيح والابطال إنما هو بالاعتبار الثاني وإذا كان الغسلتان واجبتين أو مندوبتين يسقط الاعتبار الاول إلا إذا اعتبر في النية قصد حيثية الوجوب والندب وبما ذكرنا ظهر أن الاظهر على مختارهم من اشتراط قصد الوجه والاستباحة البطلان في هذه الصورة وعلى ما اخترناه من عدم اشتراطه لحكم الصحة ولا يخفى إن البطلان إنما هو عند جفاف الاعضاء وإلا فيغسل اللمعة بقصد الوجوب والاستباحة ويأتي بما بعده (وفي تجديدها بعد) أي لو غسلت اللمعة حال تجديد الوضوء ففي الصحة حينئذ بعد ووجه البعد بالنسبة إلى الاول ظاهر إذ قد خرج عن الوضوء الاول بالكلية والوضوء الثاني فعل آخر مباين له فإبقاء حكم نية الاول فيه بعيد ولا يخفى إن هذا ينافي ما ذكره سابقا من أن في المجدد قول قوي بالرفع إلا أن يقال إن السابق ليس مذهبه وإن اعتقد فيه قوة أو يقال بالرجوع وكلاهما لا يخلو من شئ ولا بأس أن نذكر ها هنا ما وعدنا سابقا من القول برفع المجدد وتوضيح الحال فيه اعلم أنه على ما ذهبنا إليه من عدم اشتراط الوجه والاستباحة لا إشكال في القول برفع المجدد وأما على ما ذهبوا إليه من اشتراطهما فيلزم في بادي النظر عدم الحكم بالرفع باعتبارين لكن الشيخ (ره) مع القول باشتراط قصد الاستباحة قال في المبسوط فإن توضأ ولم يحدث ثم جدد الوضوء وصلى عقيبه ثم ذكر أنه كان ترك عضوا من الاعضاء في احدى الطهارتين كانت صلوته صحيحة لانه أي الطهارتين كانت كاملة صحت الصلوة بصحتها سواء كانت الاولى أو الثانية وكذا قال فيه بإعادة الصلوة الاولى فقط لو صلى بكل منهما صلوة وبه قال أيضا في الخلاف وهذه الاقاويل يدل على اعتقاده الرفع في المجدد وتعجب العلامة (ره) منه في المختلف أنه في المبسوط اختار ما قلناه نحن في صفة النية ثم ذكر هذا الفرع الذي لا ينسحب عليه ووجه المصنف (ره) كلام الشيخ في الذكرى بأنه إنما قال في المجدد بالرفع وإن لم يقصد مع اعتقاده اشتراط القصد لان شرعية المجدد إنما هو لتدارك الخلل وكمالية الطهارة فيجب أن يحصل وإلا لكان لغوا فكان هذا مستثنى من القاعدة المذكورة بدليل من الشرع وهذا هو وجه قوة القول بالرفع في المجدد الذي ذكره المصنف (ره) سابقا وفيه إن كون شرعية المجدد لتدارك الخلل ممنوع إذ لا دليل عليه وما يذكره في الذكرى وتبعه صاحب المدارك من أنه الظاهر من فحاوي الاخبار غير ظاهر إذ لم نجد في الاخبار وما يدل عليه بل قد ورد في بعض الاخبار أن تمامية الوضوء وتدارك خلله بغسل الجمعة كما تقدم في بابه واستدل ايضا صاحب المدارك على هذا القول بأن نية الاستباحة إنما يكون معتبرة إذا كان المكلف ذاكرا للحدث لا مع اعتقاد حصول الاباحة بدونه وفيه إن هذا تخصيص من غير دليل واستشهد له أيضا بما رواه الفقيه من أجزاء غسل الجنابة وما أجمع عليه الاصحاب من أجزاء صوم يوم الشك بنية الندب عن الواجب وما ورد من استحباب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان تلافيا لما عساه فاته من الاغسال الواجبة ونحو ذلك وفيه أيضا إن بعد تسليم تماميته ودليلهم على اشتراط قصد الوجه والاستباحة لا وجه لهذه الامور إذ يجب على هذا القول بخروج ما خرج بالدليل وإبقاء الباقي نعم يمكن منع دليلهم ذلك وجعل هذه الامور شاهدا تدل على المنع لكنه غير المبحث إذ الكلام على تقدير التسليم والمحقق (ره) في المعتبر قال باشتراط الاستباحة و حكم في المجدد بالرفع لكن اشترط فيه أن يجدد بقصد الصلوة لا أن يقصد وضوء مطلقا واستدل على الرفع بالقصد المذكور بأنها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا يحصل إلا بها وفيه إن حصول الفضيلة إنما يمكن بعد رفع الحدث فلو لم يرتفع الحدث بالوضوء الاول لكان نيته عشاء إذ النية إنما تحصل الامر الممكن ولو سلم حصولها أيضا فلا يكفي في صحة الصلوة لان مجرد الفضيلة لا يكفي فيها بل لا بد من الرفع ولم يحصل فإن قلت لما نوى الفضيلة فيجب أن تحصل للرواية وحصولها يتوقف على الرفع فيجب أن يحصل هو أيضا قلت أما أولا فيلزم حينئذ النقض برفعه لو قصد به وضوء مطلقا أيضا مع أنه نفاه إذ يجري الدليل فيه فنقول أيضا أنه قصد الوضوء الشرعي فيجب أن يحصل له وضوء شرعي وحصوله يتوقف على الرفع فيحصل أيضا وأما ثانيا فلما

[ 100 ]

علمت من أن النية انما تحصل الامر الممكن (والفضيلة ليست بممكن لانها موقوفة على الرفع) والرفع ها هنا ليس بممكن لانه موقوف على الوضوء بقصد الرفع ولم يتحقق ويمكن أن يقال لا يتوقف حصول الرفع على الرفع بقصد الرفع بل أما بقصده أو بقصد ما يستلزمه وها هنا قصد ما يستلزمه وهو الفضيلة وقد يقال إن حصول ما يتوقف عليه المنوي أما يسلم فيما يمكن حصول المنوي وأما فيما لا يمكن كما فيما نحن فيه فلا والسند ظاهر ووجه عدم الامكان ها هنا إن هذا الوضوء لا يصلح لان يكون محصلا للرفع والفضيلة معا وإلا لكان ابتدائيا و مجددا معا وهو محال بل عند كونه رافعا يفوت التجديد اللهم إلا أن يقال بعدم لزوم إمكان الموقوف وأنه بمنزلة قصد شيئين فإذا لم يمكن أحدهما تحقق الاخر فتدبر وبما قررنا ظهر أن الاظهر عل تقدير اشتراط الوجه والاستباحة عدم رفع المجدد كما لا يخفى هذا كله إذا حمل مراده (ره) من قصد الصلوة وتحصيل الفضيلة على ما هو الظاهر من الاتيان بالصلوة وعلى الوجه الكامل وأما إذا حمل على قصد الاستباحة التقديرية وتدارك ما على فإته في الوضوء الاول فلا يرد ما ذكر لكن يبني الكلام حينئذ على اشتراط الجزم في النية وعدمه فعلى الاول لا يصح ما ذكر وعلى الثاني يصح واعلم إن المصنف (ره) في الذكرى قال إن الوضوء المجدد لا بد فيه من ذلك القصد وبدونه لا يشرع وفيه تأمل لا يخفى وجهه (وفي الغسلة الثانية منه أشد بعدا) وجهه ظاهر (وأبعد من الجميع لو انغسلت في الثالثة) المراد الغسلة الثالثة التي يكون بدعة سواء كانت في الوضوء الاول أو الثاني ويتفاوت البعد فيهما أيضا كما لا يخفى ووجه الابعدية أنها بدعة ليست بشرعية فكيف يحسب في الشرعي وهو ظاهر ولا يذهب عليك إن الظاهر على ما اخترناه أيضا عدم الصحة في هذه الصورة لما قررناه من أنه لا بد من أن لا ينوي إلى آخر الوضوء نية مخالفة للقربة وها هنا قد انتفى ذلك الشرط نعم لو لم يعتقد بدعية الثالثة ففعلها معتقدا شرعيتها أو اعتقد لكنه غفل فأتى بها بقصد الشرعية لكان الوجه حينئذ الصحة (وطهارة الصبي تمرينية فينوي الوجوب) ليقع التمرين موقعه والمراد بالوجوب أما الوجوب في حقه بمعنى اللابدية أو الوجوب في حق المكلف أو يقال بعدم كونه قصدا حقيقيا بل تخيليا شبيها بالقصد ليعتاد ويمرن عليه وقد يقال أنه ينوي الندب لتحققه في حقه دون الوجوب لعدم تحققه أما الثاني فظاهر وأما الاول فلان الندب لا معنى له سوى أن يكون مطلوبا من الشارع ويثاب على فعله ولا يعاقب على تركه وهذا المعنى متحقق في فعله أما المطلوبية فلامر الشارع الولي بأمره والامر بالامر أمر وأما الثواب فلقبح أن يأمر أحد أحدا بمشقة بدون عوض وأما الثالث فظاهر والظاهر أنه إذا كان له تميز ويفعل ما يفعله بقصد القربة فلا يبعد حينئذ القول بأنه مثاب وأما إذا لم يكن كذلك فلا نعم القول بلزوم العوض كأنه لا بأس به (فلو بلغ في الوقت استأنف إن بقي قدر الطهارة وركعة وإلا فلا) وجوب الاستيناف بناء على عدم كونها طهارة شرعية وكذا ساير أفعاله لعدم التكليف في حقه وبه قال العلامة (ره) أيضا وكلام الشيخ (ره) في المبسطو ط يدل على شرعية أفعاله لما حكم بأن الصبي والصبية إذا بلغا في أثناء الصلوة بما لا ينقض الطهارة إتما وفي الخلاف أوجب إعادة الصلوة مع بقاء الوقت محتجا بأن الندب لا يجزي عن الواجب ولم يذكر الطهارة وهذا أيضا يشعر باعتقاده شرعيتها من حيث حكمه بالندبية ومن حيث عدم ذكر الطهارة إذ لو كان اعتقد عدم الشرعية لكان الظاهر الحكم بإعادة الطهارة أيضا فإذن الظاهر اعتقاده الشرعية لكن حكم باعادة الصلوة للوجه المذكور ولما لم يجز هذا الوجه في الطهارة إذ بالطهارة المندوبة يستباح الصلوة الواجبة لم يحكم بإعادتها والمحقق (ره) في المعتبر وافق المبسوط في الصبية ووجه كونها شرعية بأمر الولي بأمره كما مر واستدل على شرعية طهارته خاصة بوجه آخر وهو أنها يستباح بها الصلوة التي هي حرام على المحدث وضعفه ظاهر والمسألة محل تردد والحكم بوجوب استيناف الطهارة لا يخلو من إشكال وما ذكره من الاشتراط سيجئ القول فيه في كتاب الصلوة انشاء الله تعالى (وغسل الوجه وهو ركن وكذا غسل باقي الاعضاء) المراد بالركن الجزء ويلزم الركنية بطلان الوضوء بترك واحد منها لعدم الاتيان بالمأمور به معه والذي يدل عليها الاية والاخبار والاجماع (وهو من قصاص الشعر إلى المحادر طولا وما دار عليه الابهام والوسطى عرضا) القصاص مثليه القاف منتهى منابت شعر الرأس من مقدمه ومؤخره والمراد هنا المقدم والمحادر جمع محدر أي محل الانحدار والمراد طرف الذقن وهو بالتحريم مجمع اللحيين اللذين فيهما منابت الاسنان السفلى وتحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء بهذا الحد طولا وعرضا هو المشهور بين الاصحاب بل كاد أن يكون إجماعا وفي المعتبر والمنتهى أنه مذهب أهل البيت (عليه السلام) واستدل عليه بما رواه الفقيه في باب حد الوضوء في الصحيح قال قال زرارة بن أعين لابي جعفر الباقر (عليه السلام) أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يتوضأ الذي قال الله عن رجل فقال الوجه الذي قال الله عز وجل بغسله الذي لا ينبغي لاحد أن يزيد عليه وينقص منه إن زاد عليه لم يوجر وإن نقص منه أثم ما دارت عليه الابهام والوسطى من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه فقال الصدغ من الوجه قال لا وهذه الرواية في التهذيب والكافي أيضا في باب صفة الوضوء وباب حد الوجه مضمرة مع أدنى تغيير ومعنى الرواية على ما فهمه القوم إن قوله (عليه السلام) ما دارت عليه الابهام والوسطى بيان لعرض الوجه وقوله من قصاص شعر الرأس إلى الذقن بيان لمطوله وقوله (عليه السلام) ما جرت عليه الاصبعان انتهى كأنه تأكيد لبيان العرض و حملها المحقق البهائي (ره) على معنى آخر وهو أن كلا من طول الوجه وعرضه ما اشتمل عليه الابهام والوسطى بمعنى إن الخط الواصل من القصاص إلى طرف الذقن وهو مقدار ما بين الاصبعين غالبا إذا فرض ثبات وسطه وأدير على نفسه ليحصل شبه دايرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله قال في الحبل المتين وذلك

[ 101 ]

لان الجار والمجرور في قوله (عليه السلام) من قصاص شعر الرأس أما متعلق بقوله دارت أو صفة مصدر محذوف والمعنى إن الدور أن يبتدي من القصاص منتهيا إلى الذق وأما حال من الموصول الواقع خبرا عن الوجه وهو لفظ ما إن جوزنا الحال عن الخبر والمعنى إن الوجه هو القدر الذي دارت عليه الاصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن فإذا وضع طرف الوسطى مثلا على قصاص الناصية وطرف الابهام على آخر الذقن ثم أثبت وسط افنراجهما ودار طرف الوسطى مثلا على الجانب الايسر إلى أسفل دار طرف الابهام على الجانب الايمن إلى فوق وتمت الدائرة المستفادة من قوله (عليه السلام) مستديرا وتحقق ما نطق به قوله لما جرى عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه انتهى وأنت خبير بأنه وإن دقق في إبداء هذا الوجه لكن الظاهر إن حمل الرواية عليه بعيد جدا كما لا يخفى وأما ما استدل به على عدم صحة توجيه القوم للرواية من أنه يقتضي خروج بعض الا جزءا من حد الوجه مع دخوله في التحديد الذي عينه (عليه السلام) فيها ودخول البعض فيه مع خروجه عن التحديد المذكور وكيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عند الامام (عليه السلام) فيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى واعلم إنه وقع في نسخة التهذيب والكافي هكذا ما دارت عليه السبابة و الوسطى والابهام ولم يظهر المراد منه حينئذ ولم أقف عل كلام من الاصحاب فيه ولعل ذكر السبابة إنما وقع في الرواية سهوا بقرينة نسخة الفقيه أو يكون المراد التخيير بين ما دارت عليه السبابة والابهام والوسطى والابهام أو يكون المراد مما دارت عليه الثلاثة الحد الطولي والعرضي فالطول ما دارت عليه السبابة والابهام لان ما بين القصاص إلى الذقن بقدره غالبا والعرضي ما دارت عليه الوسطى والابهام وحينئذ يكون قوله (عليه السلام) من قصاص شعر الرأس إلى الذقن بيانا للحدين معا ويمكن توجيهات أخر غير ما ذكره كما لا يخفى على المتأمل والله أعلم بحقيقة المراد ويدل أيضا على الحد الطولي للوجه ما رواه الكافي والتهذيب في البابين المذكورين عن إسماعيل بن مهران قال كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أسئله عن حد الوجه فكتب إلى من أول الشعر إلى آخر الوجه كذلك الجبينين ويمكن أن يجعل قوله (عليه السلام) كذلك الجبينين بيانا للحد العرضي وهو قريب مما بين الاصبعين (والانزع والاغم وقصير الاصابع وطويلها يغسلون ما يغسله المستوي) المراد بالانزع من انحسر الشعر من بعض رأسه وبالاغم ما يقابله وهو من أنبت الشعر على جبهته فالانزع لا يغسل بعض بشرته الذي لا شعر فيه مما يعلو الجبهة والاغم يغسل بعض منابت شعره مما يكون تحتها وكذلك قصير الاصابع يغسل عرض الوجه ما زاد على ما بين أصبعيه بقدر ما يغسل المستوي وطويلها يغسل نقص ما بينهما والوجه في الجميع إن الواجب غسل الوجه دون ما زاد عليه أو نقص عنه والتحديد المذكور مبني على الغالب (وليس الصدغ والعذاران منه وإن غسلهما كان أحوط والعذار ما حاذى الاذنين بين الصدغ والعارض) الصدغ هو المنخفض الذي ما بين أعلى الاذنين وطرف الحاجب والعذار ما ذكره بينه وبين الاذن بياض يسيرا ما عدم دخول الصدغ في القدر الواجب غسله فلم نعرف فيه خلافا سوى ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى من أن ظاهر الراوندي في الاحكام غسل الصدغين وتدل عليه صريحا الرواية المتقدمة ودخوله تحت التحديد المذكور لشمول الاصبعين له غالبا ليس بضائر بعد ورود النص بخروجه وقد قيل إن التحديد المذكور إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة من أن في شمول الاصبعين له أيضا تأملا وكذا في دخوله في الوجه وهذا من جملة ما ذكره المحقق البهائي أنه داخل في التحديد وخارج عن الحد وقد عرفت الحال فيه مع أن الوجه الذي ذكره أيضا قريب مما ذكره القوم في هذا المعنى إذ على ذلك الوجه أيضا يدخل بعض الصدغ فيما حواه الاصبعان وأما عدم دخول العذار فقد اختلف فيه والظاهر من كلام الشيخ (ره) في المبسوط والخلاف وكذا من كلام ابن الجنيد دخوله في الوجه ويلوح أيضا من كلام ابن أبي عقيل والعلامة (ره) في جملة من كتبه ذهب إلى الخروج بل ظاهر كلامه في التذكرة دعوى الاجماع منا عليه وكذا المحقق في المعتبر وبهذا يشعر أيضا كلام الشيخ (ره) في التهذيب والظاهر أنه لا نزاع بينهم في الحقيقة بل القائلون بالدخول إنما يريدون به دخول بعض منه مما يشمله الاصبعان والقائلون بالخروج يريدون خروج البعض الاخر كما يشعر به تتبع كلماتهم وبالجملة ما يقتضيه الدليل ظاهرا هذا التفصيل للرواية السابقة فمن ذهب إلى خلافه أما بإدخال القدر الخارج مما بين الاصبعين أو بإخراج القدر الداخل فلا يعتد بقوله أما الثاني فظاهر لمنافاته للرواية بل للآية أيضا لان الوجه يشمله ظاهرا وأما الاول فلمنافاته للرواية وما يقال إن لوجه يصدق عليه فإخراجه بالرواية مشكل لانه من باب تخصيص الكتاب بالخبر وأيضا التكليف اليقيني لا بد له من البرائة اليقينية ففيه أولا إن ظهور صدق الوجه على القدر الزايد ممنوع بل غاية الامر الاجمال والرواية مبنية وهذا مما لا مجال للتوقف في صحته ولو سلم الظهور أيضا فنقول الظاهر إن تخصيص الكتاب بالخبر جايز وما ذكروا في عدم جوازه مدخول وموضعه في الاصول والقول بأن التكليف اليقيني لابد له من البرائة اليقينة فقد مر منعه مرارا وما يقال أيضا إن غسله واجب من باب المقدمة وإن العارض يجب غسله قطعا وهو متصل بالعذار قريب من محاذاته وكذا شعر الخدين يجب غسله مع اتصاله به وعدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار فيجب غسله أيضا فضعفه ظاهر لكن الاحتياط كما ذكره المصنف في غسله بل في غسل الصدغ أيضا وهذا أيضا من جملة ما ذكره المحقق المذكور أنه خارج عن التجديد وداخل في الحد عند بعض المتأخرين وأنت خبير بما فيه وأما البياض الواقع بينه وبين الاذن فالظاهر أنه لا خلاف في خروجه عن الوجه وليس بداخل تحت التحديد قطعا فلا وجوب فيه ولا احتياط (والعارضان من الوجه قطعا وهو الشعر المنحط عن القدر المحاذي للاذن إلى الذقن وهو مجمع اللحيين) والمراد هنا محله والعلامة (ره) حكم في المنتهى بعدم وجوب غسله وكان مراده القدر الذي يخرج منه من شمول الاصبعين كما يدل عليه كلامه في النهاية والكلام في هذه المسألة أيضا كالكلام في

[ 102 ]

سابقه من أن الظاهر فيه أيضا التفصيل السابق وما أورده صاحب المدارك على ما استدلوا به على وجوب غسله من أنه يناله الابهام والوسطى بقوله وضعفه ظاهر فإن ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة وإلا وجب غسل ما نالته الابهام والوسطى وإن تجاوز العارض وهو باطل إجماعا انتهى فضعفه ظاهر لان تخصيص التحديد بوسط التدوير مما لا وجه له ولا قرينة عليه وما ذكره من الدليل مردودا أما أولا فإن هذا التحديد ظاهر أنه فيما يصدق عليه الوجه كما يشعر به أيضا قوله (عليه السلام) وما جرت عليه الاصبعان من الوجه كما في نسخة التهذيب والكافي وما يتجاوز العارض لا يصدق عليه الوجه قطعا فشمول الاصبعين له لا يجدي وأما ثانيا فلان خروج ما ذكره بالدليل لا يستلزم خروج ما لا دليل فيه وهو ظاهر (ولا يجب غسل النزعتين وهما البياضان المكتنفان للناصية في أعلى الجبينين) وهما وإن كانا تحت القصاص حقيقة وينالهما أيضا الابهام والوسطى لكن الظاهر عدم وجوب غسلهما لان المتبادر من القصاص ما يكون منتهى الناصية وما يحاذيه وأيضا الظاهر دخولهما في الرأس كالناصية لخروجهما عن التسطيح الذي ينفصل به الوجه عن الرأس ودخولهما في التدوير فلا يكون داخلين في التحديد وهذا أيضا من جملة ما ذكره المحقق (ره) المذكور أنه داخل في التحديد وخارج عن الحد وقد علمت ما فيه ولم يذكر المصنف مواضع التحذيف بالذال المعجمة وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار والنزعة أو ما بين الصدغ والنزعة وإنما يسمى به لان النساء والمترفين يحذفون الشعر عنه والاولى أن لا يحذفه لانه محل الكلام والعلامة (ره) حكم في المنتهى و التذكرة بعدم وجوب غسله ويشكل من حيث دخوله في التسطيح والتحديد وكونه منبت الشعر ليس بضاير لعدم القطع بأنه مما يعد من شعر الرأس لكن لما كان يشك في كونه شعر الرأس وقد علمت إن القدر المشكوك لا دليل على وجوب الاتيان به في التكاليف اليقينية فالظاهر هاهنا أيضا عدم الوجوب لكن الاولى الاخذ بالاحتياط التام وعدم ترك غسله (ولا غسل ما استرسل من اللحية) المراد به ما زاد من اللحية عن التحديد المذكور طولا وعرضا ووجه عدم وجوب غسله ظاهر لخروجه عن التحديد وأما ما عدا المسترسل فيجب غسله لصدق الوجه عليه لانه مما يواجه به ودخوله في التحديد والظاهر إن الحكمين إجماعي أيضا (ويجب البدأة من الاعلى على الاصح) هذا هو المشهور بين الاصحاب وخالف فيه السيد المرتضى (ره) فقال بجواز النكس لكن كرهه ووافقه ابن إدريس احتج العلامة في المنتهى على المشهور بما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة بن أعين قال حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بقدح ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فاسد لها على وجهه من أعلى الوجه انتهى الحديث قال وفعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه وأيضا نقل عنه (عليه السلام) حين أكمل وضوئه أنه قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به وأيضا لاشك أنه توضأ بيانا فإن كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه ولا قائل به ويكون قد فعل المكروه فإنه وافق على الكراهة وهو منزه عنه وإن كان قد غسل من أعلاه وجب اتباعه هذا كلامه وقد يجاب عن الاول بأنا لا نسلم إن حكاية أبي جعفر (عليه السلام) للوضوء الذي فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيانا لم لا يجوز أن يكون المراد حكاية وضوئه الذي كان يفعله غالب الاوقات ولو سلم فنقول إن قوله أن الفعل يجب اتباعه إذا كان بيانا للمجمل ولكن لا إجمال ههنا في الغسل وفعله (عليه السلام) ليس قرينة على أن المراد الغسل بهذا الوجه لانه من أحد جزئيات طرق الغسل الذي لا بد له من أحدها خصوصا أنه ليس طريقا غير متعارف حتى يجعل العدول عن المتعارف إليه قرينة على أنه المراد وعن الثاني بأن هذه الرواية لم يوجد في طريقنا سوى ما رواه الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرسلا قال وتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به وهذا مع كونه مرسلا ليس فيه أنه ابتدء من أعلى الوجه وأيضا أما أن يحمل الوضوء في قوله (عليه السلام) هذا وضوء على الجزئي أو الكلي وعلى الاول لا يمكن أن يحمل الكلام على ظاهره إذ يلزم ان لا يقبل الله صلوة غيره (عليه السلام) إذ ليس لها هذا الوضوء الخاص بل صلوته (عليه السلام) أيضا التي ليست بهذا الوضوء فيجب أن يؤل بأن المراد لا يقبل الله الصلوة إلا بمثله مثلا وحينئذ لا دلالة لها لان المماثلة لا نسلم ظهورها في المساواة في جميع الصفات والاحوال الممكنة غاية ما في الباب ظهورها هاهنا في المساواة في الامور التي يعلم أنه ليس من باب العادات والاتفاقات وأما فيما عداه مثل الغسل من الاعلى فيما نحن فيه فلا لانه من قبيل الامور الاخر من كيفيات الحركات الواقعة فيه وحدودها من السرعة والبطؤ وغير ذلك كما لا ريب في عدم وجوب متابعته ولو لم نقل بظهور عدم وجوب رعاية المساواة فيه فلا أقل من عدم ظهور الوجوب وعلى هذا يصير من باب القدر المشكوك وقد عرفت مراد الحال فيه وعلى الثاني فأما أن يكون المشار إليه بهذا الوضوء الخاص الذي فعله والطبيعة المتحققة فيه فإن كان الثاني فلا يبقى الدلالة بحالها لان الطبيعة التي في ضمنه أما أن يقال بظهور عدم اعتبار مثل هذه الامور فيها أو بعدم ظهور اعتباره وعلى التقديرين لا يفيد كما مر آنفا وأما ظهور الاعتبار فلا وإن كان الاول فالكلام أما على الحصر أو لا فإن كان على الحصر فيلزم المحذوران المذكوران فلا بد أن يأول مثلا بأن المراد هذا ومثله وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به ويصير مثل الشق الاول وإن لم يكن على الحصر فالامر ظاهر لان كون هذا الفرد من أفراد هذا الوضوء لا يستلزم عدم كون غيره فردا منه مع إمكان المناقشة أيضا في استلزام عدم القبول عدم الصحة سيما على مذاق السيد (ره) وعن الثالث بأنا نختار أولا أنه ابتدء بالاسفل قوله لو كان هكذا لزم وجوبه ولا قايل به قلنا الملازمة

[ 103 ]

ممنوع لما تقدم من أن غسله (عليه السلام) بوجه خاص لا يستلزم وجوبه وقوله وأيضا يلزم أن يكون فعل مكروها وهو منزه عنه قلنا لعله فعل المكروه لبيان الجواز فإن قلت لو ابتدء (عليه السلام) من الاسفل لكان ينبغي أن لا يقع الخلاف في جوازه قلت ممنوع إذ يجوز أن لا يصل هذا الخبر إلى جميع الفريقين وثانيا أنه ابتدء من الاعلى قوله فيجب اتباعه نقول قد علمت ما فيه وقد يستدل أيضا على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن المطلق ينصرف إلى الفرد الشايع المتعارف والشايع المتعارف في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل فينصرف الامر في قوله (عليه السلام) فاغسلوا إليه وفيه أيضا إن شيوع هذا الفرد بحيث صار اللفظ حقيقة عرفية فيه ممنوع هذا واحتج السيد المرتضى (ره) بإطلاق الاية والاخبار وبما رواه حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا وضعف الاخير ظاهر لان الكلام في الغسل دون المسح وإذا عرفت المأخذ من الجانبين فنقول الظاهر مذهب السيد لقوة دليله الاول وضعف دلايل المشهور لكن الشهرة بين الاحصاب والتكليف اليقيني بالغسل بما يقتضيان ملازمة الاحتياط وعدم الاجتزاء على خلاف المشهور واعلم إن غاية ما يلزم من دلايل المشهور على تقدير تمامها وجوب البدأة بالاعلى بمعنى صب الماء عليه ثم اتباعه بغسل الباقي وأما عدم جواز غسل شئ من الاسفل قبل الاعلى وإن لم يكن في سمته كما تخيله بعض فلا دلالة لها عليه وإنما هو متعسر جدا بل متعذر فلا معنى للقول به ونعم ما قيل أنه من الخرافات الباردة والاوهام الفاسدة (وتخليل ما يمنع وصول الماء إذا خف احتياطا والمشهور عدم الوجوب) المراد بالموصول بالشعر وتخفيفه أن يتراي البشرة من خلاله في مجلس التخاطب وقد يفسر بأن يصل الماء إلى منبته من غير مبالغ ويفترق التفسيران بحسب سيوطة الشعر وجعودته ولا بد أولا من تحرير محل النزاع الذي في هذا المقام لانه مما اشتبه فيه كلام الاقوام ثم الاشتغال بذكر الدلائل من الجانبين وما يتعلق بها من النقض والابرام اعلم إن الشيخ (ره) في المبسوط أطلق القول وقال ولا يلزم تخليل شعر اللحية سواء كانت خفيفة أو كثيفة أو بعضها كثيفة وبعضها خفيفة ويكفيه امرار الماء عليها وكذا قال المحقق في المعتبر لا يلزم تخليل شعر اللحية ولا الشارب ولا العنفقة ولا الاهداب كثيفا كان الشعر أو خفيفا بل لا يستحب وأطبق الجمهور على الاستحباب وقال ابن أبي عقيل متى خرجت اللحية ولم تكثر فعلى المتوضي غسل الوجه حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته لانها لم تستر مواضعها انتهى كلام المعتبر وقال العلامة (ره) في المنتهى لا يلزم تخليل شعر اللحية ولا الشارب ولا العنفقة ولا الاهداب سواء كانت كثيفة أو خفيفة ولا يستحب أيضا بل الواجب إن فقد الشعر غسل هذه المواضع وإن وجد فإمرار الماء على ظاهر الشعر ثم نقل العبارة المنقولة عن ابن أبي عقيل ونسبها إلى ابن الجنيد وكذا حكم في الارشاد بعدم وجوب التخليل مطلقا وقال في المختلف قال الشيخ (ره) في المبسوط لا يجب تخليل شعر اللحية سواء كان خفيفة أو كثيفة أو بعضها كثيفة وبعضها خفيفة وقال ابن الجنيد إذا خرجت اللحيه فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه فعلى المتوضي غسل الوجه كما كان قبل أن ينبت الشعر حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حس البصر أما بالتخليل أو غيره لان الشعر إذا ستر البشرة قام مقامها وإذا لم يسترها كان على المتوضي إيصال الماء إليها وهو الظاهر من كلام السيد في المسائل الناصرية فإنه قال الامرد وكل من لا شعر على وجهه يجب عليه غسل وجهه ومن كان ذا لحية كثيفة تغطي بشرة وجهه فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة وجهه وما لا يظهر مما تغطيه اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه ويجزيه أجراء الماء على اللحية من غير إيصال الماء إلى البشرة المستورة والحق عندي قول ابن الجنيد لنا قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم دل على وجوب غسل الوجه وإنما انتقل إلى اللحية النابته عليه لانتقال الاسم إليها لان الوجه اسم لما يقع به المواجهة وإنما يحصل لها ذلك مع الستر أما مع عدمه فلا فإن الوجه مرئي فهو المواجه دون اللحية لا نها لم تستر الوجه فلا ينتقل الاسم إليها انتهى ولا يخفى أن الظاهر على ما نقلنا إن الشيخ المحقق (ره) والعلامة (ره) في المنتهى والارشاد ذهبوا إلى عدم وجوب تخليل اللحية الخفيفة وإيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر وابن الجنيد والمرتضى وابن أبي عقيل والعلامة (ره) في المختلف ذهبوا إلى وجوب إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر في الخفيف وأما ما يستر تحت الشعر ولو كان في الخفيف فالظاهر أنه لا نزاع لاحد في عدم وجوب غسله ولا أظنك في مرية من هذا لكن المصنف (ره) في ؟ بأنه لا خلاف ظاهرا بين الشيخ والمحقق والمرتضى وابن الجنيد في شئ أصلا بل الكل متفقون على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر وعدم وجوب غسل المستورة وذكر أن العلامة (ره) في التذكرة حمل كلام السيد وابن الجنيد على إن مرادهما وجوب غسل ما يستر من البشرة تحت الشعر الخفيف وتبعهما في ذلك وأوجب غسل الشعر الساتر ومنبته وحكم بأن غسل أحدهما لا يجزي عن الاخر والحال إن كلامهما يحتمل غير هذا المعنى وهو قصر الوجوب على غسل البشرة التي لا شعر عليها بل الظاهر من كلامهما هذا خصوصا كلام السيد وعلى هذا لا نزاع بينهما وبين الشيخ واعترض أيضا على ما في التذكره بأنه مع مخالفته الظاهر الاصحاب يخالف مشهور العامة أيضا لانه لم يفرق بين شعر اللحية وغيرها من الحاجب والاهداب ونحوهما في هذا الحكم مع أنهم فرقوا بينهما والحق إن ما ذكره المصنف في الذكرى من الاتفاق على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر ومن أن العلامة إنما حمل كلامهما في التذكرة على المعنى المذكور دون وجوب غسل البشرة الظاهرة منظور فيه أما الاول فلانه لا دليل على ذلك الاتفاق أصلا بل الظاهر من إطلاقاتهم خلافه كما علمت بل لا يبعد دعوى التصريح أيضا في كلام المختلف وأنت خبير بأن بعد ظهور كلامهم في هذا المعنى وتصريح العلامة بالحمل عليه وعدم معارض يدل على خلافه لا وجه للقول بأن مرادهم ليس ذلك وكان الباعث على هذا الدعوى حسبان إن البشرة إذا لم تستر بالشعر فيصدق عليها الوجه قطعا فكيف يمكن الحكم بعدم وجوب غسله

[ 104 ]

وهو ضعيف لان بعد ورود الرواية بعدم الوجوب كما سنذكره انشاء الله تعالى لا وجه لهذا القول ولو فرض عدم تمامية الدليل عليه لان عدم تمامية الدليل لا يدل على عدم القول بالمدلول أو ما يتوهم من الدليل الذي ذكره المحقق في المعتبر على هذا المطلب بأن الوجه اسم لما ظهر فلا يتبع المغاير من إشعاره بأن المراد عدم وجوب ما يستر لا ما ظهر خلال الشعر لان هذا الدليل إنما يدل على الاول فقط وهذا أيضا ضعيف لان مدعى المحقق عدم وجوب تخليل الكثيف والخفيف مطلقا فيكون هذا دليلا على بعض أجزاء مدعاه لا كله ولم يقتصر عليه حتى لا يصح بل أورد غيره أيضا مما يدل على العموم وأما الثاني فلان ما نسبه إلى التذكرة فهي بريئة منه بل كلام التذكرة أيضا قريب من كلام المختلف ولا بأس بذكر ما فيها حتى يتضح حقيقة الحال قال فيها يجب أن يغسل ما تحت الشعور الحقيقية في محل الفرض كالعنفقة الخفيفة والاهداب والحاجبين والسبال لانها غير ساترة فلا ينتقل اسم الوجه إليها ولو كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها بل غسل ظاهرها أما الذقن فإن كان شعره كثيفا لم يجب تخليله ولا إيصال الماء إلى ما تحته بل غسل ظاهره أيضا ذهب إليه علماؤنا وبه قال الشافعي ثم قال وأما إن كان الشعر خفيفا لا يستر البشرة فالاقوى عندي غسل ما تحته و إيصال الماء إليه وبه قال ابن أبي عقيل وهو مذهب الشافعي لانها بشرة ظاهره من الوجه وقال الشيخ لا يجب تخليلها كالكثيفة والفرق ظاهر انتهى وقال في موضع آخر لو أدخل يده وغسل بشرة اللحية لم يجز لانها إن كانت كثيفة فالغسل للظاهر وإن كانت خفيفة فالغسل لهما فلا يجزي أحدهما ولا شك أن هذه الكلمات إنما تدل على غسل البشرة الظاهرة تحت الشعر الخفيف لا البشرة المستورة فيكون بعينه مثل ما حمل المصنف كلام السيد وابن الجنيد عليه وليس فرق بينه وبين كلامه في المختلف مع أن المصنف قال بأن ظاهر المختلف أنه فسر كلامهما بما فسرناه إذا تقرر هذا فنقول إذا كان مراد الشيخ ومن تبعه من عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا سواء كانت خفيفة أو كثيفة عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة التي في الشعر سواء كان ظاهرا في خلاله أو لا كما ذكرنا أنه الظاهر فالخلاف حينئذ ظاهر أنه في أي شئ هو وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر كما هو رأي المرتضى وابن الجنيد وابن أبي عقيل والعلامة في بعض كتبه وعدم وجوبه كما هو رأي الشيخ والمحقق والعلامة في بعض آخر وأما إذا كان مرادهم منه عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة المستورة سواء كان بالكثيف والخفيف كما ذكره المصنف (ره) فحينئذ فالظاهر أنه لا خلاف بينهم وبين السيد وابن الجنيد إذ كلامهما أيضا ظاهره ذلك نعم لما كان كلام العلامة (ره) في المختلف والتذكرة صريحا في الخلاف فلابد من توجيه له وهو أن يقال إن الخلاف حينئذ في وجوب غسل البشر المستورة بالخفيفة وعدمه وإن اتفقوا على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلاله والحاصل إن الشعر إذا كان كثيفا ساترا لجميع ما تحته فلا يجب تخليله وإيصال الماء إلى تحته اتفاقا وإن كان خفيفا ساترا لبعضها غير ساتر لبعض فلا خلاف أيضا في وجوب غسل ما ليس يستره إنما الخلاف في وجوب غسل ما يستره فالشيخ المحقق على العدم وكذا السيد وابن الجنيد وابن أبي عقيل على ما هو الظاهر من كلامهم والعلامة على الوجوب في المختلف والتذكرة وكذا الثلاثة المذكورة بزعم العلامة ولا يذهب عليك إن الخلاف على التقدير الاخير قليل الفايدة جدا كما ذكره الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة لان خفيف الشعر إذا وجب عليه إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر فلا شك أنه عند إيصال الماء إليها يصل إلى البشرة المستورة أيضا ويندر أن لا يصل إليها فحصول العلم أو الظن بالوصول إلى الظاهرة لا ينفك عادة عن حصول العلم أو الظن بالوصول إلى المستورة فتقل فايدة الخلاف وبهذا ظهر فساد ما في حبل المتين حيث واعلم انه لا خلاف بين الفريقين في وجوب غسل ما يرى من البشرة خلال الشعر في مجلس التخاطب وفي عدم وجوب غسل ما لا يرى منها ومن ها هنا قال بعض مشايخنا (ره) إن النزاع في هذه المسألة قليل الجدوى انتهى لانك قد عرفت إن النزاع على هذا التقدير في عدم وجوب غسل ما لا يرى منها وقد صرح به الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة وأيضا لو كان كما ذكره من عدم الخلاف في المعنيين لما كان للنزاع معنى لانه كان قليل الجدوى وهذا وقد بقي في المقام شئ وهو إن الستر الذي يعتبر في عدم وجوب غسل البشرة عند العلامة والسيد وابن الجنيد على ما هو الظاهر وعند الجميع على ما هو زعم المصنف وتابعيه هل هو الستر في جميع كيفيات مجالس التخاطب أو يكفي في بعضها الكل محتمل ولم أقف في كلامهم على نص فيه والشهيد الثاني وحج الاول مع احتماله الثاني وسنذكر في ضمن الادلة إن الظاهر أنهما بالنظر إلى الدليل والمحقق البهائي (ره) احتمل أن يكون النزاع في الخفيف باعتبار هذا المعنى بأن يكون الاتفاق حاصلا في أن ما يستر بالشعر في جميع مجالس التخاطب سواء كان بالخفيف أو الكثيف لا يجب وصول الماء إليه ومالا يستر في حال أصلا يجب الوصول إليه ويكون النزاع فيما يستر في بعض الاحوال دون بعض فالشيخ (ره) وتابعوه على عدم وجوب الوصول إليه والعلامة ومن تبعه على الوجوب وعلى هذا لا يكون النزاع قليل الجدوى وهذا وإن كان احتمالا قريبا في نفسه لكن في حمل كلامهم عليه بعد إذ ليس في كلماتهم ما يشعر إليه ظاهرا والله أعلم بكيفية الحال ويمكن أيضا أن يكون الاتفاق واقعا على وجوب غسل البشرة الظاهرة في جميع الاحوال وكذا على عدم وجوب غسل ما يعلوه الشعر سواء كان ساترا له في جميع الاحوال أو لا ويكون الخلاف فيما لا يعلوه الشعر يكون ظاهرا في بعض الاحوال دون بعض والتفصيل التام في هذا المقام إن كلام الشيخ ومن يحذو حذوه أما أن يحمل على ظاهره ولم يسلم الاتفاق على خروج شئ منه أو لا فعلى الاول لا شك إن كلام السيد وابن الجنيد وابن أبي عقيل مخالف له وذلك الخلاف ويحتمل وجوها

[ 105 ]

الاول أن يكون في البشرة الظاهرة في جميع الاحوال والثاني أن يكون في الظاهرة في حال أو الثالث أن يكون فيما لا يعلوه شعر ويكون الاتفاق في عدم الوجوب فيما يعلوه سواء كان ساترا له في جميع الاحوال أو لا ويحتمل بعيدا أيضا أن يكون في مطلق بشرة الخفيف سواء كان مستورا دائما بالشعر أو لا وقس على كلامهم كلام العلامة (ره) وأيضا على الثاني فنقول ذلك الامر المتفق على خروجه من تلك الاطلاق ووجوب غسله يحتمل أن يكون الظاهر في جميع الاحوال أو حال ما أو ما لا يعلوه شعر وعلى التقادير أما أن يكون الحكم بعدم الوجوب في جميع ما عدا الخارج من كلام الشيخ وتابعيه اتفاقا أو لا فإن كان اتفاقيا فلا بد من حمل كلام الثلاثة على ما يوافق كلامهم بأن يحمل ما حكموا بوجوب غسله على الامر الخارج من اطلاقاتهم بأي معنى كان لئلا يلزم أن يكون كلامهم مخالفا للاجماع ويلزم حينئذ على العلامة غلط البتة أما حكم بخلاف الاجماع إن كان ما حكم بوجوب غسله في التذكرة والمختلف سوى ما هو المستثنى من كلام الشيخ وغيره أو عدم فهم المراد من كلام الجماعة إن كان هو بعينه وإن لم يكن اتفاقيا فحينئذ أما أن يكون الثلاثة أيضا موافقين للشيخ أو لا وعلى الثاني فإن كان القدر الخارج هو الاول فيحتمل أن يكون خلافهم في الثاني أو الثالث أو مطلق بشرة الخفيف على بعد وإن كان هو الثاني فالخلاف إنما هو في الاخير فقط أي في مطلق بشرة الخفيف بل في المستور منها دائما وإن كان هو الثالث فالخلاف أما في الثاني أو في مطلق البشرة بالمعنى المذكور وقس عليه أيضا كلام العلامة وعلى الاول فيلزم غلط على العلامة من حيث حكمه بكونهم مخالفين للشيخ مع أنه لا خلاف وحينئذ لا يخلو أما أن يكون مراده مما حكم بوجوب غسله مما هو المستثنى من كلام الشيخ فيلزم غلط آخر أيضا عله من عدم فهمه مراد الشيخ أو غيره وحينئذ فيه الاحتمالات السابقة وإذ قد تقرر هذا فلتشرع في ذكر أدلة طرفي الخلاف على ثلاثة تقادير ويحال الباقي عليها وترجيح ما هو الظاهر بحسب النظر أما التقدير الاول وهو الذي ذكرنا أنه الظاهر من كلامه فالظاهر فيه ما ذهب إليه الشيخ وتابعوه من عدم وجوب التخليل مطلقا سواء كان في اللحية أو غيرها من الحاجب والاهداب والشارب ونحوها وسواء كان كثيفا أو خفيفا وسواء كان لايصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر أو المستورة لوجوه الاول ما رواه الفقيه في باب خذ الوضوء في الصحيح عن زرارة قال في آخر الحديث المنقول سابقا في حد الوجه قال زرارة قلت له أرأيت ما أحاط به الشعر فقال كل ما أحاط الله به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء وهذه الرواياة في التهذيب أيضا في باب صفة الوضوء في الزيادات في الصحيح مضمرة وفيه موضع يطلبوه ويغسلوه وقد يناقش فيه بأن الاحاطة إنما يصدق إذا ستره دائما فلا يكون على تمام المدعى بل على بعضه مما لا نزاع لعلمائنا فيه بل لبعض العامة على هذا التقدير ولا يخفى أن الاحاطة ليست بمعنى الستر لا في اللغة ولا في العرف ولا شك إن معناها العرفي حاصل في جميع ما يدعيه لان في العرف يقولون للبشرة الظاهرة في خلال الشعر أنها محاطة بالشعر نعم لو كان الظاهر قدرا كثيرا ويكون الشعر بعيدا بعضها عن بعض جدا فحينئذ لا يصدق عليه الاحاطة في العرف وليس كلامنا أيضا فيه لان كلامنا في التخليل ومثله لا يكون محتاجا إلى التخليل ولو سلم عدم ظهور صدق الاحاطة عليه فلا أقل من عدم ظهور عدمه فآل الامر إلى الاجمال وعند إجمال المخصص يصير الاية والروايات الواردة بغسل الوجه أيضا بمنزلة المجمل وقد مر مرارا إن في التكليف المجمل يكفي الاتيان بالقدر الثابت كما هو الظاره الثاني ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته قال لا وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وهي مخصوصة باللحية ويمكن أن يتمسك فيما عداها بالاجماع المركب منا ويناقش فيه أيضا بأنه يدل على عدم وجوب غسل المستورة لانه المفهوم من التبطين وهي أيضا ضعيفة لان التخليل يستلزم التبطين البتة نعم لا تبطين فيما لا يحتاج إلى التخليل ولا كلام فيه الثالث ما ورد في الروايات كما سيجئ إنشاء الله تعالى من الاجتزاء بالغرفة الواحدة للوجه مطلقا من غير تقييد بعدم خفة الشعر ولا ريب أن الغرفة الواحدة لا يمكن وصولها إلى جميع ما أحاط به الشعر ويمكن أن يقال على الجميع إن بينها وبين الايه والروايات الواردة بغسل الوجه عموما من وجه فلم يخصصونها بها دون العكس بأن يخصصوا هذه الروايات بعدم وجوب غسل ما لا يصدق عليه الوجه من البشرة المستورة لكن لا يخفى أن الحكم في العموم من وجه إذا لم يكن مرجح التساقط والتوقف والرجوع إلى الاصل ولما لم يوجد مرجح ها هنا فيحكم بالتساقط ويرجع إلى الاصل من برائة الذمة وأنت خبير بأن الادلة المذكورة كما تدل على بعض أجزاء المدعى المذكور سابقا مما خالف فيه علمائنا على النحو الذي ذكرنا تدل على البعض الاخر مما وقع فيه الاجماع منا من البشرة المستورة بطريق أولى كما لا يخفى ويدل على هذا البعض أيضا مضافا إلى الاجماع عدم صدق الوجه على المستور لانه من المواجهة وعند الستر ينتقل المواجهة إلى الشعر وما روي من أنه (صلى الله عليه وآله) توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه وهو (صلى الله عليه وآله) كان كث اللحية كما وصفه علي (عليه السلام) ولا ريب إن الغرفة الواحدة لا تصل إلى أصول الشعر مع كثه وما يمكن أن يحتج به المخالف ما نقلنا سابقا من المختلف من الاحتجاج وجوابه أن بعد ورود الروايات بعدم وجوب غسل غير المستور لا يجدي صدق الوجه عليه لانها بمنزلة المخصص واعلم إن الظاهر بحسب ما وجدناه من الادلة كما علمت عدم وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر سواء كان ظهوره في بعض الاحوال أو الجميع لكن لما وقع دعوى الاجماع على خلافه من المصنف ظاهرا وتابعيه أما في الثاني فقط أو فيهما معا على احتمالين فالاحوط أن لا يترك غسلها ويبالغ في وصول الماء إليها هذا وأما التقدير الثاني وهو ما فهمه المصنف من كلام العلامة وحمل تابعوه الخلاف عليه فالظاهر فيه أيضا ما ذهب إليه الشيخ ومن تبعه

[ 106 ]

بالطريق الاولى لدلالة الادلة المذكورة حينئذ صريحة من غير ورود خدشة ومناقشة والاحتجاج الذي ذكرنا من المختلف يصير حينئذ ظاهر الفساد لانه يخرج من محل النزاع اعلم إن المصنف (ره) قال في الذكرى المشهور عدم وجوب تخليل الشعر النابت على الوجه خف كله أو كثف كله أو تبعض لرجل كان أو لامرأة حتى لا يجب تخليل لحية المرأة نص على ذلك كله الشيخ في المبسوط وصاحب المعتبرة ثم استدل عليه بأن الوجه اسم لما يواجه به ظاهرا فلا يتبع غيره وبالادلة الثلاثة السابقة وبما روى من وضوئه (عليه السلام) بغرفة واحدة وهي لا تبلغ أصول الشعر خصوصا مع أنه كان كثيف اللحية كما ذكرنا وبأن كل شعرة تستر ما تحتها ضرورة فلا يجب غسله كالساتر للجميع لقيام المواجهة وأية عرض عليه في الحبل المتين بأن دليله الاول إنما يجزي بظاهره في الكثيف وليس النزاع فيه والعلاوة التي ظنها مؤيده لدليله الثالث تأييدها غير ظاهر بل الظاهر خلافه وقوله في الرابع إن كل شعرة تستر ما تحتها إن أراد أن أصلها يستر نفسه منبتها الحقيقي فليس الكلام فيه وإن أراد أن الشعرة تستر شعاع البصر عن الوقوع على ما يحاذيها من إجزاء الوجه فإن أراد إجزاء شخصية بعينها في كل مجالس التخاطب فالخفيف ليس كذلك فإن المستور به يتبدل بتبدل مجلس التخاطب بل بأدنى حركة من الرائي والمرئي يظهر ما كان مستورا ويستر ما كان ظاهرا وإن أراد إجزاء نوعية متبدلة الافراد بتبدل المجالس توجه المنع إلى الكبرى لحصول المواجهة بها في بعض الاوقات هذا كلامه ويمكن أن يجاب عن الاول بمنع اختصاص دليله بالكشف لانك قد علمت أنه (ره) أعتقد أنه لا خلاف في وجوب غسل ما ظهر في خلال الشعر فيكون مراده من عدم وجوب تخليل اللحية مطلقا عدم وجوب غسل المستور بالشعر خفيفا كان أو كثيفا ولا ريب في جريان هذا الدليل في جميع ما ادعاه ولا اختصاص له بالكثيف وأيضا لو سلم اختصاصه بالكثيف نقول إن مراده من هذه الدلايل ليس الاستدلال على ما هو المتنازع فيه بين علمائنا فقط بل على جميع ما ادعاه سواء كان إجماعا منا أو لا وحينئذ فيكون هذا الدليل دليلا على بعض ما ادعاه ومن الثاني بما ذكر في الوجه الاخير لانه إذا كان المراد الاستدلال على بعض المدعى وإن لم يكن خلافا منا فلا ريب في تأييد العلاوة المذكورة كما لا يخفى وعن الثالث ان مراده من التخليل في قوله عدم وجوب تخليل الشعر تخليله لغسل ما يستر به لا لغسل ما هو الظاهر خلاله كما هو معتقده وحينئذ نقول أن قوله كل شعرة تستر ما تحتها ضرورة يعني به أنها تستر ضرورة في الفرض الذي فيه الخلاف في وجوب التخليل وعدمه وحينئذ لا إيراد نعم يرد عليه أنه بعينه هو الوجه الاول فلا وجه لاعادته إلا أن يقال أن الوجه الاول مختص بالكثيف لظهور أجزائه فيه وهذا التخفيف بقياسه عليه وادعاء جريان المذكور فيه أيضا وحينئذ لا قصور فيه ولا تكرار كما لا يخفى وأما التقدير الثالث وهو ما احتمله المحقق البهائي فالظاهر فيه أيضا عدم وجوب التخليل للادلة الثلاثة المذكورة سابقا والايراد عليها والجواب عنه أيضا يستنبط مما سبق فقس عليه فصار فذلكة القول على ما اخترناه عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا سواء كان من اللحية أو غيرها وسواء خف أو كثف وسواء كان ظاهرا خلاله البشرة في جميع الاحوال أو بعضها أو لا إن لم يكن إجماع على الوجوب في الظاهر في جميع الاحوال أو فيه وفي الظاهر في بعضها أيضا بناء على الاحتمالين السابقين وإلا ففي ما عدا الاجماع والاحتياط في الصورتين اللتين يحتمل الاجماع فيهما أن لا يترك غسل البشرة خصوصا في غير اللحية وكذا في المستور بالخفيف سترا دائما لاحتمال الخلاف فيه والله تعالى أعلم بحقايق أحكامه (نعم يستحب و إن كثف) نفى المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى استحباب التخليل مطلقا لكنه حكم في التذكرة باستحباب تخليل الكثيف للاستظهار ولانه (عليه السلام) كان تخلل لحيته والظاهر إن الخفيف إن لم يكن تخليله واجبا كان الاستحباب فيه أظهر منه في الكثيف لشدة الاستظهار فيه لكن الحكم بالاستحباب بمجرد هذا الوجه مشكل وما روي من فعله (عليه السلام) لا يمكن إجراؤه في الخفيف والقياس عليه بالطريق الاولى لا يخلو من إشكال إلا أن يقال بدخوله تحت إسباغ الوضوء المندوب إليه (كما يستحب إفاضة الماء على ظاهر اللحية) ذكر العلامة في النهاية إن الاصطلاح إنما وقع على إطلاق الافاضة على غسل الظاهر فقط والغسل على غسل الظاهر والباطن معا اعلم أن ظاهر اللحية له ثلاثة أفراد الاول ظاهر اللحية الكثيفة التي في محل الفرض وهو ليس بمراد ها هنا لان الظاهر الاجماع منا على وجوب غسله وانتقال حكم محله إليه نعم نقل من أبي حنيفة الخلاف فيه الثاني ظاهر اللحية الخفيفة التى في محل الفرض ولا يخفى إن الشعر الخفيف الذي في محل الفرض يحتمل وجهين أحدهما أن يكون قائما غير مائل سواء كان يستر ما ورائه من البشرة دائما أو في بعض الاحوال أو لا ولا شك إن هذا الشعر إنما ينتقل إليه حكم منبته الحقيقي ويجب غسله لكن الكلام في أنه هل يجب غسل رأسه فقط أو غسل ما سواه أيضا مما يظهر على حس البصر فيه وجهان فإن قلنا بالثاني فلا يكون هذا أيضا مرادا ها هنا وإن قلنا بالاول فيمكن أن يكون مرادا ها هنا باعتبار غسل ما عد رأسه ولا يأباه لفظ الظاهر كما لا يخفى والثاني أن يكون مايلا فأما أن يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه أما لكونه ساترا له سترا دائميا على قول من يعتبره أو لا يستره سترا دائميا لكن على قول من يكتفي بالستر في الجملة وحينئذ يجب غسله ولا يكون مما نحن فيه أو لا يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه أما لكونه غير ساتر له سترا دائميا على قول من يكتفي بالستر الدائمي أو يكون يستره سترا دائميا لكن على قول من لا يكتفي به بل يعتبر ستر الجميع كما مر من احتمال الخلاف فيه وفيه أيضا وجهان وجوب غسله أيضا كما يجب غسل ما تحته كما يشعر به كلام التذكرة المنقول سابقا بناء على صدق الوجه عليه أيضا لانه

[ 107 ]

مما يواجه به وعدم وجوب غسله بل يجب غسل ما تحته فقط بناء على أن الوجه لا يزيد بنبات اللحيه فعلى تقدير وجوب غسل ما تحته لا وجه لوجوب غسله أيضا فعلى الاول لا يكون مما نحن فيه وعلى الثاني يمكن أن يكون منه ولا يخفى أنه على الثاني وجوب غسله بقدر ما يحاذي منبته الحقيقي باق بحاله الثالث ظاهر المسترسل من اللحية عن محل الفرض طولا وعرضا وهو أيضا مما يمكن أن يكون مرادا ها هنا إذا تقرر هذا فنقول إن المصنف (ره) استدل في الذكرى على هذا الحكم بوجهين أحدهما أنه إذا كان تخليل اللحيه مستحبا فيكون استحباب الافاضة على ظاهرها بطريق الاولى ولا يخفى ما فيه خصوصا في المعنى الاخير الذي ذكرنا إمكان إرادته هاهنا وثانيهما ما ورد في حكاية وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيجئ إنشاء الله تعالى أنه وضع الماء على جبهته وأسدله عل أطراف لحيته وفيه أيضا عدم ظهور دلالته على أي معنى كان من المعاني المذكورة التي يمكن إرادتها ها هنا وبالجملة هذا الحكم لا يخلو من إشكال خصوصا أنه لم نجده في كلام الاصحاب سوى المصنف (ره) (وغسل الاذنين ومسحهما بدعة) حكم المفيد (ره) في المقنعة بأن مسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما بدعة واستدل عليه الشيخ بأن غسل الاعضاء في الطهارة ومسحها حكم شرعي فينبغي أن يتبع في ذلك دليلا شرعيا وليس في الشرع ما يدل على وجوب مسح الاذنين في الوضوء ومن أثبت في الشريعة حكماء من غير دليل شرعي فهو مبدع بلا خلاف بين المسلمين ولا يخفى إن هذا الدليل جار بعينه في الغسل أيضا ثم ان البدعة كان معناها الحرمة أو كون الامر مردود كما يفهم من المعتبر في بحث الغسلة الثالثة حيث قال وأما كون الثالثة بدعة فلانها ليست مشروعة فإذا اعتقد التشرع أثم ولانه يكون إدخالا في الدين ما ليس منه فيكون مردودا لقوله (عليه السلام) من أدخل في ديننا ليس منه فهو رد ولا يعني بالبدعة إلا ذلك انتهى ويفهم من كلام الشيخ والمحقق (ره) إن مثل هذه الافعال إنما يكون بدعة لو فعل بقصد المشروعية والصلوة بل إن البدعة إنما هي اعتقاد مشروعيته وأما الاتيان بهذه الافعال بدون اعتقاد الشرعية فلا وسيجئ تفصيل القول في هذا المعنى في بحث الغسلة الثالثة إنشاء الله تعالى هذا والذي يدل على عدم وجوب غسل الاذنين ومسحهما مضافا إلى الاصل والاجماع ما رواه الشيخ في التهذيب في باب صفة الوضوء في الموثق عن زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) إن أناسا يقولون أن بطن الاذنين من الوجه وظهرها من الرأس فقال ليس عليها غسل ولا مسح وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وما رواه الكافي في باب مسح الرأس و القدمين في الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الاذنان ليستا من الوجه ولا من الرأس ويدل أيضا على خروجه من الوجه التحديد الذي ذكر سابقا فأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن علي بن باب قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) الاذنان من الرأس قال نعم قلت فإذا مسحت رأسي مسحت أذني قال نعم فمع القدح في سنده لان من جملة رجاله يونس وهو مشترك بين الموثق وغير الموثق كما في المنتهى محمول على التقية لموافقته المذهب العامة (ولا تبطل) لصدق الامتثال وحرمة ذلك الفعل لو كانت لا تستلزم الفساد لانها نهي في الخارج (ويجزي في الغسل مسماه) ترجع التسمية ألى العرف لانه الحاكم في أمثال هذه الامور وقيل أقل ما يحصل به المسمى أن يجري جزء من الماء على جزئين من البشرة ولو بمعاونة وكان العرف أيضا يكتفي بذلك (ولو كالدهن مع الجريان) قد تكرر في الروايات ما يدل بظاهره على الاكتفاء في الوضوء بأقل من الجريان منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الحسن إبراهيم ابن هاشم عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه وإن المؤمن لا ينجسه شئ وإنما يكفيه مثل الدهن وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء بسند أحسن مما في التهذيب لضمه محمد بن إسماعيل عن الفضل أيضا وفي الفقيه أيضا مرسلة في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والدهن أما من الادهان بمعنى الاطراء بالدهن أو من دهن المطر الارض إذا بلها بللا يسيرا وعلى التقديرين الظاهر أنه لا جريان فيه ومنها الكافي في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملا بها جسده والماء أوسع من ذلك ومنها ما رواه التذهيب والكفي في البابين المذكورين في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) في الوضوء قال إذا مس جلدك الماء فحسبك ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) كان يقول الغسل من الجنابة والوضوء يجزي منه ما أجزى من الدهن الذي يبل الجسد والاصحاب (ره) إنما حملوها على المبالغة والمجاز لورود الامر بالغسل وهو لا يتحقق إلا مع الجريان ويؤيد أيضا عدم الاكتفاء بما دون الجريان ما رواه التذهيب في باب صفة الوضوء في باب الزيادات في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل لا يكون على وضوء فيصيبه المطر حتى يسيل رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه هل يجزي ذلك من الوضوء قال إن غسله فإن ذلك يجزيه وأنت خبير أنه لو لم يكن الشهرة بين الاصحاب بل الاجماع ظاهرا لامكن القول بالاكتفاء بالدهن حقيقة للروايات الكثيرة المعتمدة لكن الاولى متا بعتهم واعلم إن المفيد (ره) في المقنعة قال في بحث غسل الجنابة وأدنى ما يجزي في غسل الجنابة بالماء ما يكون كالدهن للبدن يمسح به الانسان عند الضرورة لشدة البرد أو عوز الماء ولعل رأيه في الوضوء أيضا ذلك كما نسبه إليه المصنف (ره) في الذكرى ونسب إلى الشيخ أيضا ولعل مستنده ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أسبغ الوضوء إن وجدت ماء وإلا فإنه يكفيك اليسير ثم إن هذا الكلام منه (ره) ويحتمل وجهين إلا وأن يكون محمولا على حقيقته من الاكتفاء بالمسح والثاني أن يكون مبالغة في الجريان القليل كما ذكره الاصحاب في الروايات فإن كان مراده الاول فإن استند في الحكم بالرواية المذكورة ففيه أنه لا دلالة لها ظاهرا على هذا المعنى وإن استند بالروايات السابقة (بحملها على ظاهرها ففيه أنه لا تقييد فيها بالضرورة إلا أن يقال مستنده الروايات السابقة بحملها على ظاهرها ففيه أنه لا تقييد فيها بالضرورة إلا أن يقال مستنده الروايات السابقة) وهذه الرواية قرينة التقييد والجمع بين هذه الروايات وبين الروايات الواردة بالغسل

[ 108 ]

وإن كان الثاني فالتقييد بالضرورة لا وجه له لجواز الاكتفاء بأقل الغسل حال الاختيار أيضا لصدق الامتثال والروايات إلا أن يحمل على الفضيلة كما يحمل الرواية المذكورة أيضا عليها ويمكن أن يؤيد القول بالمسح حال الضرورة بما نقله الكافي مرسلا في باب صفة الوضوء قال وروي في رجل كان معه من الماء مقدار كف و حضرت الصلوة قال فقال يقسمه أثلاثا ثلث للوجه وثلث لليد اليمنى وثلث لليسرى ويمسح بالبله رأسه ورجليه وهذه الرواية إن لم يكن ضعيفة بالارسال والاضمار لكان دليلا ظاهرا على المراد هذا والاحتياط في المقام أن لا يكتفي في حال الاختيار بما دون الجريان وعند الاضطرار يجمع بينه وبين التيمم (ولا يجب الدلك فلو غمس العضو أجزء) عدم وجوب الدلك هو المشهور بين الاصحاب وقال المصنف في الذكرى يلوح من كلام ابن الجنيد وجوب إمرار اليد على الوجه لكن ذكر أيضا أنه قال في موضع الجباير ما يدل على عدم الوجوب حيث قال يوصل الماء إلى العضو بالصب أو الغمس والظاهر المشهور لصدق الامتثال بدون الدلك حجة الوجوب فأورد في حكاية وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه أمر يده على وجهه وظاهر جبهته والكلام فيه توجيها ونقضا مثل ما سبق في بحث وجوب البدأة بالاعلى واحتج بأنه المعهود في الغسل وضعفه ظاهر ثم إن في تفريع المصنف إجزاء الغسل على عدم وجوب الدلك مناقشة لان عدم وجوب الدلك لا يستلزم جواز الغمس لجواز وجوب الصب وإن لم يجب الدلك وأيضا يفهم منه إن وجوب الدلك مستلزم لعدم جواز الغمس وهو أيضا ممنوع لجواز أن يجوز الغمس ويجب مع ذلك الدلك لكن كأنه لم يذهب إلى هذين الاحتمالين أحد فلذا فرع المصنف (ره) جواز الغمس على عدم وجوب الدلك هذا ويمكن أن يستدل على جواز الغمس بما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء فإنه إن كان ناعسا فزع واستيقظ وإن كان البرد فرغ ولم يجد البرد لكن يناقش فيه بأنه يجوز أن لا يكون هذا الصفق غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء بل يكون فعلا آخرا سابقا على الوضوء للغرض المذكور في الرواية أو يكون المراد ضرب الماء بالوجه من باب القلب أولا وبهذين الوجهين ظهر أيضا وجه الجمع بينها وبين ما رواه في هذا الباب عن السكوني عن جعفر (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تقربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم ولكن شنو الماء شنا وجمع الشيخ بينهما بحمل الاولى على الاباحة والثانية عل الاستحباب وفيه بعد الظهور الاول في الاستحباب ويجمع أيضا بينهما بتخصيص الاولى بحال النعاس والبرد والثانية بغيرهما واعلم أنه يمكن الاحتجاج لوجوب الصب أيضا بما ورد في الحكاية المذكورة والجواب تم إن صاحب البشرى (ره) ذكر أنه لو غمس العضو في الماء لم يمسح بمائه لما يتضمن من بقاء إن بعد الغسل يلزم منه استيناف المسح وذكر أيضا أنه لو نوى الغسل بعد خروجه من الماء أجزء إذ على العضو ماء جار فيحصل به الغسل وقال المصنف في الذكرى ويمكن أن يقال المراد بماء الوضوء الممسوح به ما يخلف بعد الحكم بالغسل والعضو الخارج من الماء محكوم بغسله وأجزاء الغسل بعد الاخراج بعيد لعدم صدق اسم الغسل عليه ومع ذلك منعه من المسح قوى انتهى ولا يخفى إن ما ذكره إن الحكم بالغسل إنما هو بعد الخروج منظور فيه نعم يمكن أن يورد عليه بأنه لو غمس اليد في الماء ولم يستقر فيه زمانا كثيرا بل بقدر ما يصدق عليه الغسل عرفا وأخرجت فلا يصدق عليه في العرف أنه استيناف ماء نعم لو استقر زمانا كثيرا فلا يبعد صدق الاستيناف عرفا حينئذ ويمكن تنزيل كلام المصنف (ره) أيضا عليه وسيجئ في بحث الاستيناف ما له نفع في هذا المقام (ثم غسل اليدين من المرفقين مبتديا بهما إلى أطراف الاصابع ولو نكس بطل على الاصح) غسل اليدين أيضا من أحد أركان الوضوء ويدل على وجوبه الاية والاخبار والاجماع ويدل على تحديده بكونه من المرفق إلى الاصابع الاخبار والاجماع أيضا وقد وقع الاجماع منا على دخول المرفقين وخالف فيه بعض العامة مستدلا بأن إلى الغاية والغاية خارجة عن ذي الغاية وأجيب أولا بمنع كونها للغاية بل بمعنى مع كما في قوله تعالى من أنصاري إلى الله وثانيا بمنع خروج الغاية فإن بعضهم ذهب إلى وجوب الدخول وآخرون قالوا بالوقف فإنها تارة تدخل وأخرى لا تدخل فكان مجملا وقال آخرون إن كان الحد من جنس المحدود دخل كقولهم بعتك هذا الثوب من هذا الطرف وإلا فلا كآية الصيام وهنا المرافق من جنس الايدي مع أنه ورد في روايات أصحابنا إن تنزيل الايه من المرافق كما سيجئ ثم الاصحاب بعد الاتفاق على دخول المرفق ووجوب غسله اختلفوا في سبب الوجوب أنه هل هو النص والاستنباط من باب كونه مقدمة الواجب واحتج القائلون بالاول بالاية أما لان إلى بمعنى مع كما في الايه المتقدمة أو لان الحد المجانس داخل في الابتداء والانتهاء وفيهما نظر لان كونها بمعنى مع مجاز لا بد له من قرينة ودخول الحد المجانس ممنوع لما مر من توقف بعضهم في الدخول مطلقا واحتج أيضا بما ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دار الماء على مرفقيه وفيه بعد قصور السند أنه لا يدل على عدم كونه من باب المقدمة وتتمة الكلام فيه سيجئ إنشاء الله تعالى فبيان ما جعلوه فائده الخلاف ممن غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق وأما الابتداء بالمرفق ففيه بحثان جواز الابتداء ووجوبه أما الجواز فهو أيضا مما وقع عليه الاتفاق منا بل من العامة أيضا ويدل عليه مضافا إلى الاجتماع روايات منها ما رواه الكافي في باب صفة الوضوء في الحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) إلا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا بلى فدعا بعقب فيه شئ من ماء فوضعه بين يديه ثم حسر عن ذراعيه ثم غمس فيه كفه اليمنى ثم قال هكذا إذا كانت الكف طاهرة ثم غرف فملاها ماء فوضعها على جبهته ثم قال بسم الله وأسدله على أطراف لحيته ثم أمر يده على وجهه وظاهر جبهته مرة واحدة ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملاءها ثم وضعه على مرفقه الايمن فأمر كفه ح

[ 109 ]

على ساعده حتى جرى الماء على أطراف اصابعه ثم غرف بيمينه ملاها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمر يده على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه و مسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرسلة بأدنى تغيير ومنها ما رواه التهذيب في الموثق في باب صفة الوضوء عن بكير وزرارة إبني أعين أنهما سئلا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفيه ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه ثم غمس كفه اليسرى في الماء فاغترف بهامن الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الاصابع لا يراد الماء إلى المرفق ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء وأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه ولم يجدد ماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المذكور بتغييرات لا يخل بغرضنا ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن الهيثم بن عروة التميمي قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق قال ليس هكذا تنزيلها إنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق ثم امر يده من مرفقه إلى أصابعه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وزيد فيه بعد إلى المرافق فقلت هكذا ومسحت ظهر كفي إلى المرافق فإن قلت هذا مناف لما في الاية من قوله تعالى إلى المرافق قلت قد سبق انه يجوز أن يكون بمعنى مع وأيضا يمكن أن يكون التحديد للمغسول لا للغسل مع أن الرواية الاخيرة يدل على أن تنزيلها ليس هكذا وأما وجوب الابتداء فقد اختلف فيه فالاكثر على الوجوب والسيد اختار الاستحباب وتبعه ابن إدريس والكلام فيه كما تقدم في الابتداء بأعلى الوجه (ويجب تخليل شعر اليد وإن كثف وغسله أيضا) وجه وجوب التخليل بشرط منع وصول الماء إلى اليد توقف الواجب عليه لان اليد معناها هذا العضو الخاص وقد أمر بغسله فيجب أن يغسل بتمامه لظاهر اللفظ ولما ورد أيضا في الروايات من التصريح بوجوب غسله بتمامه كما سيجئ إنشاء الله تعالى في بحث المسح خرج المنبت الحقيقي للشعر بالاجماع فيبقى الباقي ويمكن أن يحتج على عدم الوجوب بالرواية المتقدمة من قوله (عليه السلام) كلما أحاط به الشعر إلى آخر الحديث لانه بعمومه شامل لليد أيضا لكن لما كان السابق عليه الحديث عن الوجه فلا يبعد أن يجعل قرينة على اختصاصه به ويمكن أيضا الاحتجاج بما سيجئ إنشاء الله تعالى في بحث المضمضة من قوله (عليه السلام) إنما عليك أن تغسل ما ظهر لكن الرواية ضعيف مع احتمال أن يكون الظاهر في مقابلة الجوف بقرينة المقام فالاولى أن يؤخذ بالوجوب وأما وجه غسل الشعر ففيه إشكال من حيث عدم دليل تام عليه واحتج المصنف إلى الذكرى بأنه من توابع اليد وفيه ضعف والظاهر عدم الوجوب للاصل إن لم يكن اجماع نعم لو قلنا بعدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحته انتقل حكم الوجوب إليه (وغسل الظفر وإن طال) لو لم يخرج الظفر عن سمت اليد عرفا بحيث يعد في العرف من أطراف الاصابع فوجوب غسله ظاهر وأما إذا خرج عن ذلك الحد ففيه وجهان الوجوب لانه من أجزاء اليد وعدمه كالمسترسل من اللحية وفرق المصنف في الذكرى بينه وبين فاضل اللحية بإتصاله بمتصل دائما وليس بشئ والظاهر عدم الوجوب للاصل وعدم دليل صالح للخروج عنه ويحتمل على القول بعدم وجوب غسله القول بوجوب قصه وتقليمه ليصل الماء إلى أطراف الاصابع فمقتضى الاحتياط أن لا يترك الاظفار بحيث يخرج عن حد المتعارف والله أعلم (والسلعة تحت المرفق واليد الزائدة كذلك) يحتمل جر السلعة واليد عطفا على الظفر ويكون معنى قوله كذلك تحت المرفق ورفعها على الابتداء وكذلك خبرهما أي كالظفر والاول أولى لان تحتية المرفق في اليد مرادة البتة فالاولى أن يكون في اللفظ عليه دليل ولم يكتف بالقرينة والسلعة في اللغة زيادة تحدث في الجسد كالغدة تتحرك إذا حركت وقد يكون من حمصة إلى بطيخة ولعل المراد ها هنا كل زيادة تحت المرفق لحما أو إصبعا أو غيرهما لم نقف على خلاف بين الاصحاب في هذا الحكم واستدلوا عليه بأنه في محل الفرض فيكون تابعا له والاستدلال وإن أمكن المناقشة فيه لكن التعويل على الشهرة بل الاجماع ظاهرا مع رعاية الاحتياط ولو كانت فوق المرفق غسلت مع الاشتباه والا الاصلية الحكم الاول كأنه مجمع عليه والشيخ (ره) أطلق القول في المبسوط بعدم وجوب غسل الزايد فوق المرفق لكن نزلوه على المتميز وكذا أطلق الحكم في المعتبر واستدل عليه بأن غسلهما واجب من باب المقدمة كما لو نجست إحدى يديه ولم يعلمها بعينها وأيضا قد ورد الامر بغسل الايدي وكل منهما تصدق عليه اليد والحكم الثاني كأنه مختلف فيه فظاهر الشرايع والمختلف الحكم بوجوب الغسل والمبسوط والمعتبر والمنتهى على عدم الوجوب وهو الظاهر للاصل وعدم دليل مخرج واستدل في المختلف على الوجوب بصدق اليد عليها فيتناولها الامر بالغسل ثم أورد على نفسه أن الامر يتناول المعهود مما يسمى يدا وهو إنما يكون في الاصل إذ الزايد لا يطلق عليه اسم اليد وأجاب أولا بمنع عدم تناول اسم اليد له وأسنده بصحة تقسيم اليد إلى الزايدة والاصلية ومورد التقسيم يجب اشتراكه بين الاقسام التي قسم إليها وثانيا بالنقض بالزايدة تحت المرفق ويمكن أن يجاب عنه أما عن المنع فبأن كلامه خارج عن القانون لانه مستدل فليس منصبه المنع ولو صرف عن ظاهره وحمل على الاستدلال ويجعل ما هو السند بحسب الظاهر دليلا فيرد عليه منع إن اليد الحقيقي ينقسم إليهما ولو تمسك بأن الاصل في الاطلاق الحقيقة نقول غايه ما يلزم منه أن يكون اليد صادقة على اليد الزايدة لغة وكلامنا إنما هو في العرف والعادة ولو سلم الاطلاق في العرف أيضا فيمكن أن يقال أن الاضافة في أيديكم للعهد بناء على اصلها والمعهود إنما هو اليد الاصلية وأما عن النقيض فبان الوجوب في الزايدة تحت المرفق إن كان

[ 110 ]

إجماعيا أو يكون تبعيتها لمحل الفرض ظاهرا فبان الفرق إذ ليس هذان الوجهان في المتنازع فيه ولن لم يكن شئ منهما فيمنع الحكم فيها فلا نقض وفي المسألة احتمال آخر كما ذهب إليه بعض العامة وهو وجوب غسل ما حاذى منه محل الفرض إن كان دون ما لم يحاذه تنزيلا له بمنزلة ما خلق تحت المرفق وهو أيضا ضعيف قال بعض الفضلاء ولو لم يكن لليد الزايدة مرفق له يجب غسلها قطعا وهو جيد بناء على أن الامر ورد بغسل اليد إلى المرفق فعند عدم المرفق لا يمكن الاتيان بذلك الامر فيسقط وجوب شئ آخر يحتاج إلى الدليل وليس ومن ها هنا أيضا يستفاد عدم وجوب غسل يد ليس لها مرفق قولان انحصر اليد فيها اللهم إلا أن يكون إجماع على وجوب غسلها وعلى تقدير الوجوب يشكل الامر في تقدير ما يغسل منها وأنه هل يغسل الجميع أو ما هو بقدر اليد إلى المرفق والله أعلم (والاقطع يغسل ما بقي ولو استوعب سقط واستحب غسل العضد نصا) قطع اليد أما أن يكون من دون المرفق أو من نفسه أو من فوقه فإن كان الاول فقد ادعى الاجماع على وجوب غسل ما بقي من الذراع إلى المرفق قال في المنتهى وهو قول أهل العلم واستدل عليه أيضا بما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الاقطع اليد والرجل كيف يتوضأ قال يغسل ذلك المكان الذي قطع منه وفي الكافي أيضا في باب حد الوجه في الحسن عن رفاعة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاقطع قال يغسل ما قطع منه ولا يخفى إن الاستدلال بهاتين الروايتين على هذا المطلب لا يخلو من إشكال للاجمال الواقع فيهما لجواز أن يكون المراد من الاقطع الذي قطع من المرفق ويكون أمره (عليه السلام) بغسل محل القطع خصوصا في الرواية الاولى بل لا يبعد ادعاء ظهورها في الامر بغسل محل القطع فقط فحينئذ أما أن يحمل القطع على القطع من دون المرفق أو منه أو الاعم منهما وعلى التقادير لا يجدي في المطلوب واستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلت عن الاقطع اليد والرجل قال يغسلهما وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وهذه أيضا لا يخلو من إجمال واستدل أيضا بالاصل والاستصحاب وإن غسل الجميع بتقدير وجوده واجب فإذا زال البعض لم يسقط الاخر لان الميسور لا يسقط بالمعسور وفيه ضعف لان الاستصحاب في مثل هذا الموضع مما لا يمكن اجراؤه لان الحكم السابق إنما هو الامر بغسل المجموع من حيث هو مجموع أمرا واحدا وليس أوامر متعلقة كل جزء جزء منه ولما لم يبق متعلقه هنا فقط التكليف به فلا بد في غسل الجزء الباقي من تكليف على حدة وقس عليه أيضا حال قولهم الميسور لا يسقط بالمعسور والحاصل إن هذه الدلايل مما يشكل اتمامه فالعمدة في التعويل الاجماع وإن كان الثاني فقد اختلف فيه عبارة الاصحاب فالشيخ (ره) في المبسطوط قال ومن كانت يده مقطوعة من المرفق أو دونها وجب عليه أن يغسل من العضو ما بقي إلى المرفق مع المرفق وقال المحقق (ره) في المعتبر من قطعت يداه من المرفقين سقط عنه غسلهما ويستحب مسح موضع القطع بالماء ولو قطعت احديهما غسل الاخرى ولو بقي المرفق وجب غسله وفي الشرايع فإن قطعت من المرفق سقط فرض غسلها وقال ابن الجنيد إذا كان اقطع من مرفقه غسل ما بقي من عضده وقال العلامة (ره) في المنتهى لو انقطعت يده من المرفق سقط غسلها لفوات المحل وحكم في الارشاد أيضا بذلك وقال في التذكرة وإن قطعت من المرفق فقد بقي من محل الفرض بقيته وهو طرق عظم العضد لانه من جملة المرفق فإن المرفق مجمع عظم العضد وعظم الذراع وقال المصنف (ره) في الذكرى ولو قطعت من مفصل المرفق فالاقرب وجوب غسل الباقي لان المرفق مجموع عظم العضد وعظم الذراع فإذا فقد بعضه غسل الباقي ولا بد أولا من تحقيق معنى المرفق حتى يتضح جلية الحال إعلم أن صاحب الصحاح والقاموس فسر المرفق بموصل الذراع والعضد وقريب منه ما في التذكرة من أنه مجمع عظم العضد وعظم الذراع وقد فسر أيضا بالمفصل وهو أيضا مثل الاول لكن المصنف (ره) فسره كما نقلنا بمجموع العظمين وتبعه الشهيد الثاني في شرح الارشاد والظاهر أنه لا دليل عليه من كلام اللغويين لكن وقوع الخلاف فيما بين العلماء في دخول المرفق في الغسل وعدم دخوله والتعرض لاثبات دخوله بأن إلى بمعنى مع وإن الغاية قد دخل في المغيا حيث لا مفصل محسوس وإن الحد المجانس داخل في الابتداء والانتفاء مما يؤيد هذا التفسير لانه إذا كان المرفق الحد المشترك بين الذراع والعضد لما كان حاجة في إثبات وجوب غسله إلى دليل لانه إذا غسل اليد إلى هذا الحد واجبا فلابد أن يغسل ذلك الحد أيضا إذ لا يخلو أما أن يكون منتهى الغسل هذا الحد أو لا فإن كان الاول فقد ثبت المطلوب من غسله أيضا وإن كان الثاني فلابد أن يكون بين الحد الذي هو منتهى الغسل والحد الذي هو المرفق فصل ما البتة لامتناع تتالي الحدين فيلزم عدم الاتيان بالمأمور به وهو غسل اليد إلى المرفق اللهم إلا أن يقال أنه على الاول لا يلزم المطلوب إذ المراد بغسل المرفق أن يكون داخلا في الغسل لا حدا له لكن لا يخفى أنه على هذا أيضا لا محصل للنزاع إذ لا بد م غسل قدر ما فوق اليد الواجب غسله من باب المقدمة وحينئذ يدخل المرفق في الغسل قطعا أو يبنى الكلام على قاعده المتكلمين من القول بوجود الجزء الذي لا يتجزى إذ حينئذ يوجب حد قبل المرفق فيمكن أن يكون انتهاء الغسل ذلك الحد على تقدير عدم القول بدخول المرفق في الحكم أو يقال إن الخلاف حقيقة إنما هو في إن دخول المرفق في الغسل أما بالاصالة أو تبعية اليد لكن يخالفه ظاهر بعض كلماتهم وانقد تقرر وهذا فنقول إن كان المرفق هو الحد المشترك كما هو الظاهر من كلام أهل اللغة فعند قطع اليد منه لا يخلو أما أن يطلق المرفق على طرف العضد بأن يكون كل من الخطين المتداخلين اللذين هما طرف المساعد والعضد عند الوصل مرفقا فعند القطع يبقى الاطلاق على الخط الباقي أولا بل يكون إطلاق المرفق على الحد المشترك باعتبار كونه طرف الساعد أو بشرط التداخل فعند القطع ينتفي محل الاطلاق قطعا فعلى الاول لا يخلو أيضا أما أن يقال بدخول المرفق في الغسل أصالة

[ 111 ]

أو تبعا فإن كان الاول فينبغي ان يحكم على طريقتهم بوجوب غسل طرف العضد حين القطع من المرفق البتة بناء على ما ذكروه في وجوب غسل بقية الساعد عند قطع اليد من دون المرفق كما نقلنا من الاستصحاب وعدم سقوط الميسور بالمعسور لكن يرد عليه أيضا ما ذكرنا فلا تغفل واعلم أنه على تقدير القول بوجوب غسل طرف العضد حينئذ يتحقق احتمالان وجوب غسل الخط للمحيط بالطرف بناء على أنه كان عند الوصول هو المرفق أو جميع سطحه الظاهر بناء على أن عند الوصل لما لم يكن ظاهرا فلم يمكن غسله فلما ظهر الان وأمكن غسله وجب والاصل فيه البناء على اطلاق المرفق فعلى أيهما ثبت الاطلاق حكم بوجوب غسله وعلى تقدير الاشتباه يبنى الامر على وجوب الاتيان بالقدر المشكوك وعدمه وإن كان الثاني فلا يجب غسله لانتفاء متبوعه وعلى الثاني فينبغي القطع بعدم وجوب غسل طرف العضد لانه خارج من محل الفرض البتة وإنما يغسل عند الوصل باعتبار تداخله مع المرفق وقس عليه الحال في الجزء الذي كان يغسل من العضد باعتبار كونه مقدمة لغسل اليد إلى المرفق لانه أيضا خارج عن محل الفرض البتة وغسله إنما هو باعتبار كونه مقدمة فإذا انتفى ذو المقدمة انتفى هو أيضا وإن لم يكن المرفق الحد المشترك بل يكون مما له عرض فعند القطع اما أن لا يبقى منه شئ فلا إشكال في عدم وجوب غسل طرف العضد حينئذ لانه خارج عن محل الفرض البتة سواء كان المرفق داخلا في الحكم أصالة أو تبعا أو يبقى منه شئ فحينئذ لا يخلو أما أن يقال بدخول المرفق في الحكم أصالة أو يقال إن غسله باعتبار كونه مقدمة فعلى الاول يحكم بوجوب غسل البقية قطعا على طريقتهم كما علمت وعلى الثاني لا وجوب هذا كله بالنظر إلى ما يستفاد من نفس الامر الوارد بغسل اليد إلى المرفق مع قطع النظر عن الروايات الواردة في القطع ولنذكر الان ما يستنبط من الروايات الواردة فيه فمنها ما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ قال يغسل ما بقي من عضده وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وفي الفقيه أيضا مرسلة في باب حد الوضوء ولا يخفى إن هذه الرواية ظاهرة في غسل العضد ويصلح لان يحتج بها على ما هو ظاهر ابن الجنيد من وجوب غسل العضد لكن العلامة في المنتهى ادعى الاجماع على عدم وجوب غسله وأنه مما لم يقل به أحد وحمل الرواية على الاستحباب وعلى هذا يحمل كلام ابن الجنيد أيضا على الاستحباب ومع قطع النظر عن الاجماع أيضا يمكن ان يقال إثبات الوجوب بها مشكل لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه مع أن صريح الامر أيضا لا ظهور له فيه في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) كما مر غير مرة فيبقى أصل العدم بحاله نعم الاستحباب حسن كما هو رأي هذا الكتاب ورأي المنتهى لورود هذه الرواية الصحيحة وقال الشهيد الثاني (ره) في شرحه للارشاد بعد نقل الاحتجاج بهذه الرواية على الاستحباب والظاهر إن المراد به رأس العضد الذي كان يغسل قبل القطع وأطلق عليه العضد لعدم اللبس للاجماع على عدم وجوب غسل جميع العضد في حال وهو أولى من حمله على الاستحباب لانه خبر معناه الامر وهو حقيقة في الوجوب انتهى وفيه نظر أما أولا فلما عرفت من القول في وجوب غسل رأس العضد وأنه مبني على مقدمات يتطرق إليها المنع وأما ثانيا فلما ذكرنا آنفا من عدم ظهور الجملة الخبرية في الوجوب فليحمل العضد على ظاهره والخبر على الاستحباب كما ذكرنا من غير لزوم محذور وكان المحقق (ره) أيضا حمل العضد على رأسه لكنه حمل الرواية على الاستحباب ولهذا حكم في المعتبر في هذه الصورة باستحباب مسح موضع القطع بالماء كما نقلنا سابقا فيه وما فيه ويمكن أن يكون مستنده في هذا الحكم الرواية الاخرى كما سنذكره ومنها صحيحة رفاعة وحسنته المنقولتان في صدر البحث عن التهذيب والكافي وأنت خبير بأن صحيحته ظاهرة في غسل محل القطع فالاولى أن يحمل القطع الواقع في السؤال على القطع من المرفق لا القطع من دونه للاجماع على وجوب غسل ما بقي إلى المرفق في هذه الصورة فحينئذ أما أن يقول بوجوب غسل محل القطع بناء على تسليم المقدمات السابقة فلا إشكال وأما أن لا يقول فيحمل الرواية على الاستحباب لما علمت من عدم ظهور الخبر في الوجوب والشهيد الثاني (ره) استدل بهذه الرواية على وجوب غسل رأس العضد وقد عرفت ما فيه والظاهر إن مستند المحقق (ره) في الحكم المذكور هذه الرواية وتوجيهه ما ذكرنا فإن قلت كيف يجمع بين هذه الرواية و سابقها حيث حكم باستحباب غسل رأس العضد وفي السابقة باستحباب جميعها قلت لا منافاة إذ يجوز أن يكون للاستحباب مراتب فيكون غسل الجميع مستحبا ويكون بعده استحباب غسل الرأس والظاهر إن مراد المحقق (ره) من المسح هو الغسل كما في الرواية وإن كان محمولا على ظاهره فلم نقف له على مستند ولو لم يحمل الرواية على ظاهرها من غسل موضع القطع بل يحمل على غسل العضو الذي قطع منه فلا يخفى أنها بعمومها أيضا شاملة لهذه الصورة فيكون داله على غسل العضد ويحمل على الاستحباب كالرواية المتقدمة لكن يستشكل حينئذ من حيث لزوم عموم المجاز أو الاشتراك لو حمل القطع في السؤال على أعم من القطع من المرفق فأما أن يقال بمنع اللزوم بناء على أن الخبر يحمل على الرجحان المطلق وإن كان أحد فرديه واجبا والاخر ندبا أو يخص القطع بهذه الصورة ويمكن تخصيصه أيضا حينئذ بما دون المرفق وحينئذ يكون خارجا عما نحن فيه وأما الحسنة المذكورة فهي وإن لم يكن ظاهره جدا في غسل محل القطع بل يحتمله ويحتمل غسل العضو المقطوع لكنها تحمل أيضا بقرينة الصحيحة المروية عمن يرويها على الاول وجميع ما ذكرنا من الاحتمالات في الصحيحة جاريه فيها فقس عليها ومنها رواية محمد بن مسلم المتقدمة أيضا في صدر البحث ولما فيها من الاجمال لا يمكن استنباط حكم ظاهر منها هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام وملخص القول على ما اخترناه عدم وجوب شئ في هذه الصورة نعم يستحب غسل العضد وكذا غسل محل القطع والاحتياط أن لا يترك غسل محل القطع للرواية والخلاف من العلماء قطعا بل غسل العضد أيضا للرواية واحتمال الخلاف من ابن الجنيد وأنت بعد خبرتك بما فصلنا لا تحتاج إلى التصريح بما في كلام القوم رحمهم الله تعالى وأما الصورة الثالثة وهو الذي يكون القطع فوق المرفق فادعى العلامة في المنتهى الاجماع على عدم شئ على هذه التقدير لفوات

[ 112 ]

المحل لكنه حكم باستحباب غسل الباقي من العضد مستندا إلى صحيحته المتقدمة وبها استدل المصنف أيضا في الذكرى على الاستحباب وفيه نظر لاختصاص الصحيحة بالقطع من المرفق فإجراء الحكم في القطع من فوقه لا بد له من دليل والمصنف بعد نقل هذه الرواية قال وفي قوله (عليه السلام) إشارة إلى استحباب غسل العضد مع اليد كما روى العامة استحباب تطويل الغرة والتحجيل انتهى وأنت خبير بما فيه وقال الشيخ في المبسوط وإن كانت مقطوعة فوق المرفق فلا يجب عليه شئ ويستحب أن يمسح بالماء وكذا قال العلامة (ره) أيضا في التذكرة فإن كان مرادهما من المسح ظاهره فلم نطلع على مستند له وإن كان المراد الغسل فيمكن أن يستدل عليه بصحيحة رفاعة المتقدمة لشمولها بعمومها هذه الصورة وظهورها في غسل محل القطع كما سبق وكذا حسنته ولا يخفى أنه يمكن الاستدلال بهاتين الروايتين على استحباب غسل باقي العضد كما هو رأى المنتهى والذكرى بحملهما على غسل العضو المقطوع منه بل برواية محمد بن مسلم المتقدمة ايضا ولما كان أمر الاستحباب موسعا فالظاهر أنه لا يضر إمكان المناقشة في الدليل بعد ذهاب جمع من الاصحاب إليه والله سبحانه أعلم بحقايق أحكامه (ولو افتقر إلى معين بأجرة وجب من رأس ولو كان مريضا) وجوه الوجوب توقف الواجب المطلق عليه (وإن زادت عن أجرة المثل ما لم يجحف) أي ما لم يصل إلى حد الضرر واحتمل في الذكرى عدم وجوب الزايد عن اجرة المثل لان الغبن ضرر والاول اظهر لصدق التمكن وعدم دليل ظاهر على الرخصة بمثل هذا النحو من الضرر ويؤيده أيضا ما رواه التهذيب في الزيادات في باب صفة التيمم في الصحيح قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلوة وهو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها يشتري ويتوضأ أو يتيمم قال لا بل يشتري قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت وما يشتري بذلك مال كثير واعلم إن هذا الحكم في غير المريض ظاهر وأما فيه ففيه خفاء وسيجئ تفصيل القول فيه في كتاب الوصايا إنشاء الله تعالى (ولو تعذرت الاجرة قضى مع الامكان الظاهر أنه إذا تعذرت الاجرة للوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم ولو تعذر ذلك أيضا يكون حكمه حكم فاقد الطهورين وسيجئ إنشاء الله تعالى في بحث التيمم (ثم مسح مقدم الرأس مسح الرأس أيضا من أحد أركان الوضوء الثابت وجوبه بالايه والاخبار والاجماع وما ذكره من كونه بمقدم الرأس يتضمن حكمين أحدهما عدم وجوب مسح جميع الرأس وثانيهما اختصاصه بالقدم فلو مسح المؤخر أو الوسط أو جانبيه لم يجز أما الاول فيدل عليه مضافا إلى الاجماع ما رواه الفقيه في الصحيح في باب التيمم قال وقال زرارة قلت لابي جعفر (عليه السلام) ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين فضحك وقال يا زرارة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل به الكتاب من الله لان الله عز وجل قال فاغسلوا وجوهكم فعرفنا إن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال وأيديكم إلى المرافق فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسل إلى المرفقين ثم فصل بين الكلامين فقال وامسحوا برؤوسكم فعرفنا حين قال برؤوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلها بالرأس إن المسح على بعضها ثم فسر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) للناس فضيعوه وهذه الرواية في التهذيب أيضا في باب صفة الوضوء وفي الكافي في باب مسح الرأس فإن قلت قد أنكر سيبويه في سبعة عشر موضعا في كتابه مجئ الباء للتبعيض وأنكر ابن جني أيضا فكيف يتمسكون بهذا الخبر الدال على إن الباء للتبعيض لا يقال بعد ورود الرواية عن أصحاب العصمة (عليه السلام) لا مجال للالتفات إلى كلام سيبويه وابن جني لان القطع لصدوره عن المعصوم (عليه السلام) غير حاصل وإنما العمل به باعتبار الظن وعند تحقق مثل هذا المعارض يضعف الظن بصدوره عنه فلا يبقى صاحلا للاحتجاج قلت إنكار سيبويه وابن جني معارض بإصرار الاصمعي على خلافه وقد وافقه أيضا جمع من النحويين كابي علي وابن كيسان وابن مالك ونقل أيضا عن الكوفيين جميعا وحملت على التبعيض ايضا في قوله تعالى عينا يشرب بها عباد الله وفي قول الشاعر شربن بماء البحر ثم ترفعت وإنكار سيبويه ونفيه له كانه من أصحاب البصريين كما صرح به ابن جني ويمكن أن يقال أيضا إن الامام (عليه السلام) ما حكم بأن معنى الباء التبعيض بل أن تغيير الاسلوب وإدخال الباء ها هنا يدل على إن المراد المسح ببعض الرأس ويدل عليه أيضا بعض الروايات الموردة في المباحث الاتية وأما الثاني فيدل عليه ايضا مضافا إلى الاجماع ما رواه التهذيب في باب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال مسح الرأس على مقدمه وروى عنه أيضا في هذا الباب بطريق آخر صحيح قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) امسح الرأس على مقدمه وروى الكافي أيضا في باب مسح الرأس عنه بطريق حسن بإبراهيم في آخر حديث قال وذكر المسح فقال امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابتدء بالشق الايمن والضمير في قال الاول لمحمد بن مسلم والثاني لابي عبد الله (عليه السلام) وما رواه الكافي أيضا في باب صفة الوضوء في الحسن أو الصحيح عن زرارة في آخر حديث القعب المتقدم قال وقال أبو جعفر (عليه السلام) إن الله وتر ويحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه وإثنتان للذراعين وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى وهذه الرواية في زيادات التهذيب أيضا بسنده الحسن ويؤيده أيضا ما ورد في الوضوء البياني من المسح بمقدم الرأس كما تقدم فأما ما رواه الشيخ في التهذيب في الباب المذكور عن الحسين بن عبد الله قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه أيجزيه ذلك فقال نعم فلا يعارض ما ذكرناه لعدم صحة سنده مع موافقته لمذهب بعض العامة فيحمل على التقية كما في التهذيب واحتمل الشيخ أن يكون المراد أن يدخل إصبعه من خلف ومع ذلك يمسح مقدم الرأس وفيه بعد وأما الروايات الدالة على مسح مقدم الرأس و مؤخره مثل ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) امسح الرأس على مقدمة ومؤخره وما رواه أيضا في الباب المذكور

[ 113 ]

مرفوعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مسح القدمين ومسح الرأس قال مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسح على الرأس فقال كأني نظر إلى عكنة في قفاء أبي يمر عليها يده وسألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدمه ومؤخره قال كأني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها فمع عدم صحة إسنادها إنما تحمل على التقية لموافقتها لمذهب العامة والظاهر إن إجماعنا منعقد على عدم استحباب الزايد على مقدم الرأس فلو لم يكن كذلك لامكن حمل هذه الروايات على الاستحباب ثم اعلم إن إجماعنا انعقد على جواز المسح ببشرة مقدم الرأس وشعره المختص به ونقل من بعض الشافعية جواز المسح على البشرة إذا كان محلوقا وإلا فيجب المسح على الشعر قياسا على اللحية وفسروا الشعر المختص بما لا يخرج بالمد عن حد المقدم وحكموا بعدم جواز المسح على القدر الخارج وسنذكر إنشاء الله تعالى في بحث المسح على الحايل (بمسماه ولا يحصل بأقل من إصبع وقيل ثلاث مضمومة للمختار أي بما يسمى مسحا وفيه أيضا حكمان الاكتفاء بالمسمى وعدم حصوله إلا بالاصبع والحاصل وجوب مقدار الاصبع وعدم وجوب الزايد عليه أما عدم وجوب الزايد فهو المشهور بين الاصحاب وحكموا باستحباب قدر ثلاث أصابع مضمومة والظاهر من كلام الصدوق (ره) في الفقيه حيث قال وحد مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس وكلام الشيخ في النهاية حيث قال والمسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار فإن خاف البرد من كشف الرأس أجزئه مقدار إصبع واحدة وجوب ذلك المقدار ونسب في المعتبر والمنتهى القول بوجوب ذلك القدر إلى المرتضى أيضا في مسائل الخلاف واحتمل العلامة (ره) في المختلف أن يكون كلام النهاية والفقيه محمولا على الفضيلة دون الوجوب وقال أن الشيخ كثيرا ما يطلق على المندوب أنه لا يجوز تركه وبالجملة الظاهر ما هو المشهور لصدق الامتثال وأصل البرائة عن الزايد ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة وبكير إبني أعين عن أبى جعفر (عليه السلام) أنه قال في المسح تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الاصابع فقد أجزأك وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عنهما أيضا أنهما سئلا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بطست أو تور فيه ماء ثم حكى وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن انتهى إلى آخر ما قاله الله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم فقال فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الاصابع فقد أجزأه وهذه الرواية في الكافي ايضا بطريق حسن بإبراهيم في باب صفة الوضوء وقد نقلنا رأس الرواية في باب نكس غسل اليدين وما في الكافي هكذا بعد اتمام صفة الوضوء ثم قال ولا يدخل أصابعه تحت الشراك ثم قال إن الله عز وجل يقول يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله لان الله يقول اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ثم قال وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه وبشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الاصابع فقد أجزأه وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يتوضأ وعليه العمامة قال يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه ويمكن أن يناقض فيه بحمله على الضرورة بقرينة المقام فيكون موافقا لما في النهاية واستدل العلامة في المختلف على المشهور بما رواه التهذيب في هذا الباب عن الحسين قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل توضأ وهو معتم وثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال ليدخل إصبعه وفيه نظر لانه لا ينافي ظاهر كلام النهاية من عدم الاكتفاء بما دون ثلاث أصابع عند عدم الضرورة مع أنه ضعيف السند أيضا والذي يمكن أن يحتج به على ظاهر ما ذهب إليه الصدوق والمرتضى ما رواه في التهذيب في الباب المذكور بطريقين صحيح وحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) المرئة يجزيها من مسح الرأس أن يمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها وهذه الرواية في الكافي أيضا بالطريق الحسن في باب مسح الرأس والجواب بحمله على الفضيلة والاستحباب جمعا بين الروايات مع أنه يمكن أن يكون الحكم بالاجزاء بالنظر إلى عدم القاء الخمار لا المسح فإن قلت لم لم تحمل الروايات المتقدمة على الضرورة ليحصل الجمع قلت أما أولا فلكثرة تلك الروايات فينبغي إن تبقى على حالها ويرتكب التأويل في خلافها الذي ليس بتلك الكثرة وأما ثانيا فلانه على تقدير تسليم صلاحية المعارضة لما كان الاصل عدم وجوب الزايد فيصار إليه ويمكن أن يحتج أيضا عليه بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس والجواب ما عرفت مع أن الرواية ضعيفة السند ولو أخذت هاتان الروايتان مع رواية الحسين المتقدمة يكون حجة لظاهر النهاية والجواب أيضا ما عرفت وأما وجوب قدر الاصبع فقد نسب المصنف (ره) في الذكرى القول به إلى الراوندي في أحكام القرآن وهو الظاهر أيضا من كلام المفيد (ره) في المقنعة حيث قال ويجزي للانسان في مسح رأسه أن يمسح من مقدمه مقدار إصبع يضعها عليه عرضا مع الشعر إلى قصاصه وإن مسح منه مقدار ثلاث أصابع مضمومة بالعرض كان أسبغ وفعل الافضل من كلام الشيخ (ره) أيضا في التهذيب حيث قال في شرح هذا الكلام المنقول عن المقنعة يدل على ذلك قوله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم ومن مسح رأسه ورجليه بإصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم ويسمى ماسحا ولا يلزم على ذلك ما دون الاصبع لانا لو خلينا والظاهر لقلنا بجواز ذلك لكن السنة منعت منه ومن المختلف أيضا حيث قال الشمهور فيما بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس والرجلين بإصبع واحدة لكن الظاهر من كلام المبسوط والمعتبر والتذكرة والمنتهى والسرائر عدم التحديد بهذا الحد ايضا بل يكفي ما يسمى مسحا وهو الظاهر أما الاصل وصدق الامتثال وروايتا زرارة وبكير المنقولتان آنفا والذي يمكن أن يحتج به على وجوب قدر الاصبع روايتا حماد والحسين المتقدمتان وفيه إنهما لا دلالة لهما على

[ 114 ]

وجوب المسح بتمام عرض الاصبع لجواز أن يكون الامر بإدخال الاصبع لان يكون آلة المسح والشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد حمل كلام القوم أيضا في التحديد بالاصبع على هذا المعنى وعلى هذا لا خلاف لكن كان الظاهر من التهذيب بل من الذكرى أيضا خلافه ثم أن القائلين بثلاث أصابع هل يقولون بوجوب المسح بثلاث أصابع أو بوجوب المسح بقدرها وإن كان بطول إصبع واحدة لم أقف فيه على نص منهم لكن الظاهر من الروايتين الدالتين على مطلوبهم وجوب ذلك القدر سواء كان بثلث أصابع أو أقل منها واعلم أن ما ذكره كله إنما هو بالنسبه إلى عرض مقدم الرأس وأما بالنسبه إلى طوله فالظاهر فيه أيضا الاكتفاء بإمرار اليد في الجملة بما يسمى مسحا نعم لا يكفي وضع الاصبع بدون إمرار لعدم صدق المسح عليه هذا والاحتياط أن لا يترك المسح بثلاث أصابع عرضا بل طولا أيضا ولا يجوز استقبال الشعر فيه على المشهور في كونه مشهورا تأمل لان كثيرا من أصحابنا العظماء ذهبوا إلى جواز الاستقبال كالشيخ في المبسوط وابن أبى عقيل كما نقل عنه في المختلف وابن إدريس والمحقق في المعتبر والشرايع والعلامة في جملة من كتبه وبالجملة الظاهر جواز الاستقبال لصدق الامتثال ولما رواه التهذيب في الصحيح عن حماد بن عثمان عن أبى عبد الله عليه السلام قال لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا وقد يناقش فيه بأنه لا دلالة له على جواز مسح الرأس مدبرا لامكان اختصاصه بالقدمين ويؤيده أنه روى الشيخ في موضع آخر عن حماد أيضا بأدنى تغير في السند وفيه موضع الوضوء القدمين وهذا مما يضعف الاحتجاج به فالتعويل على الدليل الاول واحتج السيد المرتضى على عدم جواز الاستقبال بأن مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث بلا خلاف بخلاف المسح مستقبلا فيجب فعل المتيقن وجوابه ظاهر والعجب أنه (ره) ذهب في الوجه واليدين إلى جواز العكس دون الرأس مع أن الامر بالعكس أولى ويمكن أيضا أن نحتج عليه بما تقدم من الاحتجاج بالوضوء البياني على عدم جواز النكس في الوجه واليدين والجواب الجواب ثم أن جمعا من القائلين بجواز الاستقبال صرحوا بكراهته ووجهه المحقق في المعتبر بالتفصي عن الخلاف وفيه ما فيه ولا المسح على حايل الحائل ثلثه العامة ونحوهما من المقنعة والحناء وشبهه من الاطلية والشعر أما الاول فقد ادعى الاجماع على عدم جواز المسح عليه ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع عدم صدق الامتثال لان المسح على العمامة لا يطلق عليه المسح بالرأس وهو ظاهر وما رواه التهذيب أيضا في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة فقال لا يمسح عليهما والروايتان المنقولتان سابقا أيضا عن حماد والحسين في العمامة وأما الثاني فقد ذكر المصنف في الذكرى أن المشهور عدم جواز المسح عليه يدل عليه أيضا عدم صدق الامتثال وما رواه التهذيب في الزيادات أيضا عن محمد بن يحيى رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام في الذي يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه الماء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس لكن يعارض بما رواه التهذيب في هذا الباب في الصحيح عن عمر بن يزيد قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال يمسح فوق الحناء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل يحلق رأسه ثم يطليه بالحناء ويتوضأ للصلوة فقال لا بأس بأن يمسح رأسه والحناء عليه وجمع الشيخ بين الروايات بأنه إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة من غير مشقة فلا يجوز غيره فإذا تعذر ذلك جاز أن يمسح فوق الحنا ولا دليل على هذا الجمع نعم لو كان الحناء للدواء لامكن إدخاله تحت حكم الجبائر وشبهها كما سيجئ إنشاء الله تعالى وكذا الاطلية الاخر غير الحناء ويمكن الجمع بين الروايات بحمل الروايتين الدالتين على الجواز على جوازه فوق أثر الحناء وهو اللون للمجرد أو مع قيامه أيضا بجسم رقيق لا يعد في العرف حايلا وبالجملة الظاهر عدم جواز المسح فوق الحناء الذي له جمسيته بحيث يعد في العرف حائلا وكذا شبهه من غير ضرورة لعدم صدق الامتثال ظاهرا وعدم صلاحية الروايتين المذكورتين لاخراج هذا الفرد لاحتمال أن يكون المراد بهما الحناء الغير الحايل احتمالا غير مرجوح سيما مع وجود قرينة المرفوعة المذكورة واما عند الضرورة فيظهر حالها في الجبائر إنشاء الله تعالى وأما الثالث فقد ذكرنا أن الاجماع واقع منا بجواز المسح على البشرة والشعر وأيضا نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام كان على رؤسهم الشعر ويمسحون عليه وأيضا يلزم العسر والجرح وبالجملة جواز المسح على شعر المقدم في الجملة من ضروريات الدين إنما الكلام في تحديده فاعلم إن الشعر الذي يمسح عليه أما أن يكون شعر مقدم البشرة أو غيره والاول أما على المقدم أو استرسل منه فإن استرسل منه فلا خفاء في عدم جواز المسح عليه إذ لا يصدق عليه المسح على المقدم وإن لم يسترسل فأما أن يكون بحيث لو مد خرج عن حد المقدم أولا ف‍ إن لم يكن كذلك فالظاهر جواز المسح عليه للاجماع كما هو الظاهر وإن كان كذلك فأما أن يمسح على أصوله مما لا يخرج عن الحد فكالسابق أيضا وإن كان على الذي من شأنه أن يخرج فالمشهور بين القوم بحيث لم نعرف خلافا عدم الجواز لكن في إثباته بالدليل إشكال إذا أطلق عليه في العرف أنه مسح على الرأس أو الناصية لكن الاولى متابعة القوم خصوصا مع عدم معلومية ذلك الاطلاق وأما الثاني فإن كان على غير المقدم فالامر فيه ظاهر وإن كان على المقدم فهو أيضا مثل الاحتمال الاخير في الشق الاول بل هو أولى بعدم الجواز ثم اعلم إن الظاهر من كلام الصدوق في الفقيه والشيخ في المبسوط والنهاية أنه يجب على النساء وضع القناع في الصبح والمغرب عند المسح ورخص لهن في ساير الصلوات فيجوز أن يكتفي فيها إدخال الاصبع تحت القناع والعلامة والمحقق صرحا باستحباب الوضع مطلقا وتأكده في الغداوة والمغرب والظاهر عدم الوجوب للاصل والامتثال بالمسح تحته وإطلاق صحيحة زرارة المنقولة بطريقين صحيح وحسن المقتدمة في بحث جواز الاكتفاء بمسمى المسح والذي يمكن أن يحتج به على الوجوب ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال لا تمسح المرئة بالرأس كما يمسح الرجال إنما

[ 115 ]

المرئة إذا أصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها وإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها وفيه نظر أما أولا فلانه ضعيف السند وأما ثانيا فلعدم ظهوره في الوجوب لان الجملة الخبرية ليست بظاهرة فيه وعلى تقدير الظهور أيضا فليحمل على الاستحباب جمعا بينه وبين صحيحة زرارة ثم إن الرواية مختصة بالصبح فضم المغرب إليه في الوجوب أو تأكد الاستحباب كما فعلوه مما لا وجه له اللهم إلا أن يكون مستندهم روايه أخرى لكن الشيخ في التهذيب استدل بهذه الرواية وكذا العلامة في المنتهى ولا يخفى إن الاستحباب أيضا لا دليل عليه فيما سوى الصبح كم تقدم فالقول به مطلقا لا يخلو من الاشكال إلا أن يتسامح فيه ويكتفي بتسميته جمع من الاصحاب أو يقال باستنباطه من مفهوم صحيحة زرارة بان يجعل الاجزاء الواقع فيها بالنظر إلى عدم القاء الخمار ويدعي أن الاجزاء إنما هو فيما يكون خلافه أولى والله اعلم (ويجب كونه بنداوة الوضوء وتجويز ابن الجنيد غيرها عند عدمها شاذ ولو جف كفاه ما على اللحية والحاجب والاشفار فإن فقد استأنف الوضوء) لا خلاف بين علمائنا في جواز المسح ببقيه البلل خلافا للعمامة فإنهم أوجبوا استيناف الماء الجديد سوى مالك فإنه أجاز المسح بالبقية وكذا لا خلاف بيننا أيضا كما هو الظاهر في وجوب المسح بالبقية وعدم جواز الاستيناف عند بقاء النداوة على اليد وأما عند جفاف اليد فالمشهور أيضا عدم جواز الاستيناف بل يؤخذ من اللحية ونحوها لو كان بها بلة ويستأنف الوضوء لو جف أيضا نعم جوزوا في حال الضرورة كإفراط الحر مثلا بحيث لا يقدر على المسح ببقيه الوضوء أن يستأنف ماء جديد وقد نقلوا عن بن الجنيد ما يدل بظاهره على جواز الاستيناف عند جفاف اليد مطلقا سواء وجد بلل على اللحية ونحوها أو لا وسواء كان في حال الضرورة أو لا لكن يظهر من كلام بعض الاصحاب إن خلافه إنما هو حال جفاف جميع الاعضاء وحينئذ فلفظة اليد في كلامه إنما هي على سبيل التمثيل فإن قلت سيجئ إن ابن الجنيد حاكم ببطلان الوضوء مع الجفاف فكيف يصح منه الحكم بجواز الاستيناف حال الجفاف قلت سيجئ أيضا أنه لا يحكم بالبطلان إذا كان الجفاف لضرورة فحينئذ يمكن الحكم منه بجواز الاستيناف حال الجفاف فإن قلت الاصحاب أيضا قائلون بجواز الاستيناف حال الضرورة فما الفرق بين مذهبهما قلت فرق بين الضرورتين لان الضرورة التي جوز معها الاصحاب الاستيناف هي أن يتعذر المسح بالبلة مع مراعاة المتابعة في الوضوء لفرط حر أو شبهة والضرورة التي جوز معها ابن الجنيد الجفاف والاستيناف هي مثل أن ينقطع الماء في الاثناء فيجف الاعضاء إلى وصوله أو عرض حاجة فقطع الوضوء بسببها وعلى هذا فالفرق بين المذهبين ظاهر فها هنا أمور الاول جواز المسح بالبقية والثاني وجوبه عند وجود البلل على اليد والثالث وجوبه في غير هذه الصورة أيضا وهو وجود البلل على اللحية ونحوها والرابع وجوب الاستيناف حال جفاف جميع الاعضاء في غير حال الضرورة والخامس عدم وجوب الاستيناف بل جواز استيناف الماء الجديد عند الضرورة كإفراط الحر وقلة الماء بحيث كلما توضأ جف أما الاول فيدل عليه مضافا إلى الاجماع صدق الامتثال والروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر المتضمنة لفعلهم (عليه السلام) كذلك وقد تقدم طرف منها وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن ابي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسح الرأس قلت امسح بما في يدي من النداء رأسي قال لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح فمع إمكان المناقشة في صحة سنده لا يعارض الروايات الكثيرة ولما يحمل على التقية لموافقته لمذهب جمهور العامة وأوله أيضا الشيخ بأن يكون أراد به إذا جف وجهه أو أعضاء طهارته فيحتاج أن يجدد غسله فيأخذ ماء جديد أو يكون الاخذ له أخذا للمسح وفيه ما فيه وكذا أوله أيضا بأن يكون المراد من قوله بل تضع يدك في الماء الماء الذي بقي في لحيته أو حاجبيه وفيه أيضا ما فيه وكذا ما رواه أيضا في الباب المذكور عن جعفر بن عمارة أبي عمارة الحارثي قال سئلت جعفر بن محمد (عليه السلام) امسح رأسي ببلل يدي قال خذ لراسك ماء جديدا إنما يحمل على التقية سيما مع أن رجاله رجال العامة والزيديه كما ذكره التهذيب وأما الثاني فيدل عليه الاجماع واستدل ايضا بالروايات الواردة لبيان الوضوء حيث ورد فيها أنهم (عليهم السلام) لم يجدد وإماء وفيه ما مر من أنه لا يدل على الوجوب لجواز أن يكون فعلهم (عليه السلام) من أنه أحد الافراد لا لتعينه بخصوصه ويستدل عليه أيضا بما نقلنا عن الكافي في بحث مسح مقدم الرأس من رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن الله وترا إلى آخر الحديث وهذه الرواية في التهذيب أيضا في زيادات صفة الوضوء بطريق حسن بإبراهيم بن هاشم ويناقش فيه أيضا بعدم ظهوره في الوجوب كما مر غير مرة ويستدل أيضا على محاذاة ما ذكره المحقق في المعتبر بأن الامر بالمسح مطلق والامر المطلق للفور والاتيان به ممكن من غير استيناف ماء فيجب الاقتصار عليه تحصيلا للامتثال ولا يلزم مثله في غسل اليدين لان الغسل يستلزم استيناف الماء وفيه أنه على تقدير تسليم إن الامر للفور فلا نسلم أن مثل ذلك الفصل ينافي الفورية لان بنائها على العرف ولا يعد فيه مثل هذا تأخيرا وهو ظاهر وما ذكره من أن الغسل يستلزم استيناف الماء منظور فيه أيضا لامكان أن يكون في اليد بلل كثير بحيث يمكن إجراؤه على العضو ولا شبهة في ذلك والاولى أن يجاب عن النقض بأنه خارج بالاجماع وبالجملة التعويل في هذا الحكم على الاجماع والروايات وإن أمكن المناقشة فيها كما عرفت لكنها مما تصلح للتأييد وما أورده ابن إدريس في السرائر ما استطرفه من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر من رواية مثنى من أنه (عليه السلام) وضع يده في الماء فلا يعارض الاجماع وأما صحيحة علي بن جعفر المتضمنة لحديث المطر المنقولة سابقا عند شرح قول المصنف ولو كالدهن مع الجريان ففيها إجمال لا يظهر منها فهم المراد حتى يكون ظاهرا في المنافاة ويحتاج إلى التأويل فتدبر وأما الثالث فمما يمكن أن يستدل به عليه ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه مرسلا قال وقال الصادق (عليه السلام) اإ نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك وإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك وإن لم يكن لحيته فخذ من حاجبيك وإشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك وإن لم يبق

[ 116 ]

من بلة وضوئك شئ أعدت الوضوء وهذه الرواية صريحة في الدلالة على المدعى لكنها مما يخدشها الارسال والايراد عليها بأنها مخصوصة بحال النسيان يمكن دفعه بالشك بالاجماع المركب ولا يبعد القول بانجبار ضعفها للارسال بالشهرة بين الاصحاب والعمل بها مع أن ما في الفقيه حكم الصدوق بصحته وإن حجة فيما بينه وبين ربه ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن خلف بن حماد عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل ينسى مسح رأسه وهو في الصلوة قال إن كان في لحيته بلل فليمسح قلت فإن لم يكن له لحية قال يمسح من حاجبيه أو من إشفار عينيه وفيه أنه مع عدم صحة السند لا ظهور له في المدعى لجواز أن يكون الامر بالمسح من بلل اللحية لكونه من الفردين المخيرين مع عدم تيسر الفرد الاخر في هذا الحال غالبا إذ الغالب أن في حال الصلوة لا يتيسر الماء الجديد فلا دلالة على عدم جوازه ويؤيد ما ذكرناه ما رواه التهذيب في أواخر باب أحكام السهو في الصلوة عن أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلوة فقال إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلوة وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلة وليمسح على رأسه وإن كان إمامه ماء فليتناول منه فليمسح به رأسه ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المنقول آنفا عن مالك بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه ولمسح رأسه وإن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء وفيه أيضا بعد القدح في السند ما مر في سابقه والظاهر أن الكلام ها هنا في حال الصلوة بقرينة فلينصرف ويمكن أن يقال إن الاستدلال بهذه الرواية إن كان من جهة الامر بالاخذ من اللحية لكان كما ذكر أما إذا كان من جهة الامر بالاعادة باعتبار أنه إذا لم يكن الاستيناف مع جفاف جميع الاعضاء جايز الدلالة الامر بالاعادة حينئذ عليه فلم يجز مع جفاف بعض الاعضاء بطريق الاولى فلا نعم يمكن أن يعترض حينئذ بأن الامر بالاعادة يجوز أن يكون لاجل جفاف جميع الاعضاء لا للاستيناف فلا يجري فيما نحن فيه وهذه إنما ينافي إذا لم يكن ابن الجنيد قائلا بالصحة مع جفاف جميع الاعضاء للضرورة ويحمل ما نقوله عنه من الصحة عند الجفاف مع الضرورة على جفاف البعض لانه قائل باشتراط وجود البلة على جميع الاعضاء حال الاختيار فتدبر ويمكن أن يستدل أيضا بما رواه التهذيب في الباب المذكور سابقا في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا ذكرت وأنت في صلوتك إنك قد تركت شيئا من وضوءك المفروض عليك فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلوتك ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء وفيه أنه لا دلالة له على تعيين الاخذ من اللحية لم لا يجوز أن يكون الاخذ من اللحية والاستيناف كلاهما جايزين نعم لو كان مذهب ابن الجنيد وجوب استيناف الماء الجديد حين جفاف اليد لكان حجة عليه ويرد عليه حينئذ أيضا إن عند الاخذ من اللحية والمسح به يتحقق الامتثال ولا بد للتكليف الزايد من دليل وليس فليس ويرد على هذا الاستدلال أيضا ما أوردنا على سابقه وقس عليه أيضا الاستدلال بما رواه الفقيه في الباب المذكور آنفا قال وروى أبو يصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل نسي مسح رأسه قال فليمسح قال لم يذكره حتى دخل في الصلوة قال فليمسح رأسه من بلل لحيته وكذا الاستدلال عليه بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلوة قال إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل مع أنه ضعيف السند وأما الاستدلال بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك وقد روى في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء بطريق حسن فأدون حالا من سابقيه كما لا يخفى ويمكن أن يستدل على جواز الاستيناف حينئذ بصدق الامتثال وعدم دليل دال على تقييد الامر بمطلق المسح لما عرفت حال الادلة فينبغي أن يبقى على إطلاقه وما ذكروه من تحقق الاجماع بعد ابن الجنيد على عدم جواز الاستيناف فما لا يصلح للتعويل لان إثبات تحقق الاجماع في زمان الغيبة أمر دونه خرط القتاد لكن محافظة الاحتياط خصوصا مع وجود مرسلة الفقيه يقتضي الاخذ بما عليه الاصحاب هذا كله إن حمل خلاف ابن الجنيد على ما يفهم من ظاهر كلامه كما ذكرنا وأما إذا حمل على ما يفهم من كلام بعض الاصحاب فيرتفع الاشكال إذ المسألة حينئذ يصير إجماعية كما هو الظاهر ثم أنه على المشهور هل يختص جواز أخذ الماء من اللحية بحال نسيان المسح أولا وهل يختص بحال جفاف اليد أو يجوز حال ابتلالها أيضا أما الاختصاص بالنسيان فهو وإن كان مما يشعر به ظاهر كلام المعتبر والمنتهى حيث خصصا الحكم بهذه الصورة لكن كلام التذكرة صريح في عدم الاختصاص وهو الاقوى بالنظر إلى الدليل وإن كانت الروايات الواردة في هذا الحكم مختصة بحال النسيان لما قد عرفت من إطلاق الامر بالمسح وصدق الامتثال عند الاخذ من اللحيه والمسح به من دون معارض لان الشهرة التي قد تحققت في عدم جواز الاستيناف ففيه ها هنا والروايات المذكورة أيضا خالية من الدلالة في هذه الصورة رأسا فيبقى الاطلاق بحاله وأما الاختصاص بحال الجفاف فهو ظاهر من كلام الشيخ والمحقق والعلامة والمصنف (ره) لكن الشهيد الثاني وصاحب الدار أولى ذكر أنه لا اختصاص له به وإن التعليق في عبارات الاصحاب يخرج مخرج الغالب وسا تدل عليه الشهيد الثاني باشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء فلا يصدق عليه الاستيناف ولاطلاق قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه مالك بن أعين عنه كما نقلنا آنفا وفيه نظر لان ما ذكره من اشتراك ؟ في كونه بلل الوضوء مما لا يجدي لان ما يستدل به على عدم جواز الاستيناف أما الاحاديث التي وردت بيانا وأما الحديث الذي قد تقدم من قوله (عليه السلام) إن الله وتر إلى آخر الحديث وفى أكثر الاحاديث

[ 117 ]

الواردة بيانا إنما وقع المسح ببلة اليد وهذا الحديث أيضا يدل على ذلك فكما يستدل بها على عدم جواز الاستيناف يمكن أن يستدل بها أيضا على عدم جواز الاخذ من اللحية إلا ما أخرجه الدليل وهو الاخذ حال جفاف اليد فالفرق تحكم وما ذكره من إطلاق الرواية إنما يعارضه مرسلة الفقيه المنقولة آنفا فيحمل على جفاف اليد كما هو الظاهر لان النسيان إنما يكون مظنة الجفاف خصوصا مع ما ذكرنا سابقا إن الظاهر أنه بعد الدخول في الصلوة نعم يمكن أن يقال بجواز الاخذ حال عدم الجفاف أيضا لما عرفت من الدلائل التي يستدل بها على عدم جواز الاستيناف ليست بتامة وإنما التعويل على الشهرة العظيمة أو الاجماع ولا يخفى أنهما منتفيان فيما نحن فيه فلا دليل على منعه والامر بالمسح مطلق فيبقى على إطلاقه ثم أنه هل يجب مراعاة الترتيب في الاخذ من الحية والحاجب والاشفار أولا الظاهر بالنظر إلى كلام القوم عدمه لكن ظاهر مرسلة الفقيه ومرسلة خلف المتقدمتين الترتيب إلا أنه لما لم تقويا من حيث السند والاصل جواز الاخذ من أي موضع كان والظاهر إن الاصحاب لم يعملوا بهما في حكم الترتيب مع إمكان أن يكون الامر بهذا الترتيب من باب المتعارف فلا يبعد القول بعدم وجوب الترتيب ومقتضى الاحتياط أن لا يكتفي بالوضوء الذي أخذ فيه من اللحية في غير صورة النسيان بل يجدد وضوء آخر وكذا يراعى جفاف اليد في صورة النسيان وغيره وكذا الترتيب بأن يأخذ أولا من اللحية لو كان ثم من الحاجب أو الاشفار ولا ترتيب فيهما والظاهر جواز الاخذ من مسترسل اللحية لاطلاق الروايات مع ما علمت من الاصل وما يتوهم من أنه ليس فضلة الوضوء ليس بشئ إذ لا دليل على كون المسح بفضلة الوضوء بل لو كان فإنما يكون في بلة اليد فلما لم يبق معمولا به فيها للروايات فلا وجه لاعتبار فضلة الوضوء مع إن عدم كونه فضلة الوضوء أيضا ممنوع لان غسل المسترسل أيضا من سننه وقد سبق ولا فرق أيضا في جواز الاخذ من فضلة الغسلة الاولى أو الثانية لما عرفت وأما فضلة الثالثة لو لم يجوزها أحد فقد استشكل في الاخذ منها بناء عل أنها بدعة فلا يعد من ماء الوضوء وقربه المصنف في الذكرى ومن حيث عدم انفكاكها عن ماء الوضوء ونصره المحقق في المعتبر والظاهر الثاني بالنظر إلى ما ذكرنا وكذا الظاهر جواز الاخذ من غير المواضع المذكورة ولا يخفى وجهه وأما الرابع وهو الذي يفهم من كلام بعض الاصحاب إن نزاع ابن الجنيد فيه فلا يخفى أنه يحتمل وجهين لانه أما أن يكون الجفاف مع التفريق بين إفعال الوضوء سواء كان لضرورة أم لا أو بدون التفريق فإن كان الاول فالظاهر بطلان الوضوء ووجوب الاعادة للروايات الواردة به والاجماع أيضا على احتمال أن يكون تجويز ابن الجنيد الجفاف مع الضرورة تجويز جفاف البعض كما أشرنا إليه سابقا لكن لا نعلم أن بطلانه لاجل الجفاف أو للاستيناف وإن كان الثاني فالظاهر إن ابن الجنيد قائل بالبطلان حينئذ إذ ما نقل عنه من تجويز الجفاف إنما هو عند الضرورة كما صرح به المصنف في الذكرى إلا أن يعتبر الضرورة حال عدم الاشتغال لكن يحتمل أن يكون الصدوق (ره) وأبوه أيضا قائلين بالصحة وهو الظاهر بحسب الدليل أيضا فإن تحقق قول من الاصحاب به فالظاهر الحكم بالصحة وإن لم يتحقق بل كان مختار الصدوق وأبيه من تجويز الجفاف حين الاشتغال بأفعال الوضوء مختصا بحال الغسل لا المسح أيضا ويكون الحكم ببطلان عند الجفاف حال المسح مجمعا عليه فإنما يتبع الاجماع وإن لم يظهر له دليل سواه وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بحث الموالاة وأما الخامس فقد ذكره المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى والشهيد الثاني في شرح الارشاد وقال العلامة في التذكرة لو جف ماء الوضوء للحر أو الهواء المفرطين استأنف الوضوء ولو تعذر ابقى جزء من يده اليسرى ثم أخذ كفا غسله به وعجل المسح على الرأس والرجلين ولم يذكر استيناف الماء الجديد عند عدم إمكان ذلك المعنى وقال المصنف في الذكرى أيضا مثل ما في التذكرة واستدل المحقق في المعتبر على جواز الاستيناف برفع الحرج ولا يخفى إنا لو اعترفنا بأن الروايات المتضمنة لبيان الوضوء إنما تدل على أن الوضوء المفروض هو الذي كان مسحه ببلة اليد كما هو الظاهر من كلام القوم يلزم علينا أن لا نجوز الاستيناف في هذه الصورة لان المأمور به إذا كان هذا الوضوء الخاص والاتيان بغيره من عند أنفسنا بلا دليل شرعى على أنه بدل منه لا معنى له ويكون تشريعا وما ذكر من الحرج ليس بشئ إذ لا حرج ها هنا بل يسقط الوضوء وينتقل الفرض إلى التيمم نعم لو أنه سلم دلالة الروايات على ذلك كما ذكرنا ولم نمنع جواز الاستيناف أو منعناه أيضا لكن للشهرة أو الاجماع فحينئذ الظاهر الحكم بجواز استيناف الماء الجديد لاطلاق الامر بالمسح مع عدم شهره أو اجتماع على التقييد في هذه الصورة والاحتياط أن يستأنف الماء الجديد ويمسح ثم يضم إليه التيمم أيضا والاحوط أيضا لو كان رجاء أن يكسر سورة الحر مثلا إلى آخر الوقت أن يؤخر الوضوء إليه ليمكن المسح بنداوة الوضوء والله أعلم (ولا يجزي الغسل عنه) لا خفاء في عدم إجزاء الغسل المجرد عن المسح باليد عنه لعدم صدق الامتثال وكذا الغسل المقارن لامرار اليد فيما فرض أنه لم يصدق عليه المسح في العرف لكثرة جريان الماء مثلا وأما الغسل المقارن للمسح الذي يصدق المسح عليه في العرف لكونه غسلا خفيفا فالظاهر حينئذ الاجزاء لصدق الامتثال و عدم ما يدل على خلافه وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) أنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلوة قلت وكيف ذلك قال لانه يغسل ما أمر الله بمسحه فالظاهر أنه تعريض بالعامة في غسلهم الرجلين مجردا عن المسح مع أنه ضعيف السند وما نقل في التذكرة من الاجماع على عدم إجزاء الغسل فالظاهر انه في غير هذه الصورة كما يشعر به دليله من اشتماله على الاستيناف كما لا يخفى وما يتوهم من أنه لما وقع المسح في مقابلة الغسل فيجب أن يكون حقيقة مخالفة لحقيقة الغسل وإلا لا معنى المتقابل ففيه أنه لو أريد بالمخالفة التباين الكلي فلا نسلم استلزام التقابل هذا المعنى وإن أريد بها أعم منه فممنوع ولكنها متحققة فيها لان بينهما عموما من وجه إذ يصدق الغسل على الصب المجرد عن الامرار بدون المسح وبالعكس في المسح الخالي عن الجريان ويصدقان في الاجراء بالامرار ولا خفاء في كفاية هذا المعنى في صحته التقابل ولا يخفى أن الظاهر من طريقتهم عليهم السلام أيضا ذلك لاكتفاء بالامر بالمسح ببلة اليد من غير إشعار برعاية عدم حصول الجريان مع أن الغالب أن لا ينفك اليد بعد

[ 118 ]

الفراغ من الوضوء عن قدر بلة يحصل معه جريان يسير وعلى هذا فإن نزل كلام المصنف (ره) وكذا كلام غيره من الاصحاب الذي يؤدي مؤداه على ما ذكرنا فنعم الوفاق وإلا فالظاهر خلافه وقد صرح المصنف في الذكرى بما ذكرنا حيث قال من مسألة تعذر المسح بالبلل لافراط الحر وإنه يبقى حينئذ جزءا من اليسرى أو كلها ثم يغمس في الماء أو يكثر الصب ويمسح به ولا يقدح قصد إكثار الماء لاجل المسح لانه من بلل الوضوء وكذا لو مسح بماء جار على العضو وإن أفرط الجريان لصدق الامتثال ولان الغسل غير مقصود انتهى ولا يخفى ضعف تعليله الاخير (ولا المسح بآلة غير اليد) لظهور الروايات في المسح باليد والظاهر الاجزاء بأي جزء كان من اليد والحديثان المنقولان سابقا في بحث المسح على الحائل المتضمنان لذكر الاصبع كأنهما بناء على المعتاد قال المصنف في الذكرى والظاهر إن باطن اليد أولى نعم لو اختص البلل بالظاهر وعسر نقله أجزء ولو تعذر المسح بالكف فالاقرب جوازه بالذراع انتهى و هذا التفصيل وإن كان إثباته بالدليل مشكلا لكن الاحتياط في رعايته وقال العلامة في النهاية ولو مسح بخرقة مبلولة بماء الوضوء بأن كانت الاصابع مشدودة فالاقرب عدم الاجزاء لان ماء الوضوء هو المتصل بالاصابع لا ما على الحاوي أما لو كان المسح على الخرقة في اليد لضرورة الجرح وشبهه فمسح به فالاقرب الجواز لو كانت اليد الاخرى كذلك ولو كانت سليمة فإشكال انتهى وحاله أيضا كحال ما في الذكرى فتأمل (ويكره مسح جميع الرأس وحرمه ابن حمزة وفي الخلاف بدعة اجماعا) لاخفاء في عدم استحبابه لعدم توظيفه شرعا وأما كراهته فعلله المصنف (ره) في الذكرى بأنه تكليف ما لا يحتاج إليه وفيه ضعف وعلل ابن حمزة الحرمة بمخالفة الشرع وهو أيضا ضعيف والبدعة التي ادعى الاجماع عليها في الخلاف لم يظهر المراد منها والحاصل أن اثبات قدر زايد على عدم الاستحباب مشكل قال المصنف (ره) في الذكرى وقال ابن الجنيد لو مسح من مقدم رأسه إلى مؤخره أجزأه إذا كان غير معتقد فرضه ولو اعتقد فرضه لم يجزء إلا أن يعود إلى مسحه ويضعف باشتماله على الواجب فلا يؤثر الاعتقاد في الزايد وأبو الصلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح وهو كالاول في الرد نعم يأثم باعتقاده انتهى وسيجئ إنشاء الله تعالى في بحث الغسلة الثالثة ما ينفع في هذا الموضع (والزايد عن إصبع من الثلاث مستحب) قال في الذكرى لو مسح بثلاث أصابع فالاقرب إن الزائد موصوف بالاستحباب لجواز تركه ويمكن الوجوب لانه أحد جزئيات الكلي هذا إذا أوقعه دفعة ولو أوقعه تدريجا فالزايد مستحب قطعا انتهى والظاهر فيما إذا أوقعه دفعة خلاف ما قربه المصنف لان الامتثال إنما يتحقق بهذا المجموع فيكون من إفراد الواجب وجواز تركه مع الاتيان بفرد آخر لا يقدح في كونه من أفراد الواجب المخير ويمكن بناء الكلام على أن حال المسح بثلاث أصابع دفعة هل إجزاء ذلك الفعل موجودة مع الكل بوجود واحد أو بوجودات متعددة فعلى الاول يكون ذلك الفعل مما يحصل به الامتثال فيكون واجبا لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر لان الظاهر أن هذه الاجزاء من قبيل الاجزاء الخارجية فلا يكون موجوده مع الكل بوجود واحد وعلى الثاني يكون وجود الاجزاء مقدما على الكل فيحصل الامتثال بالاجزء فلا يكون الكل واجبا لعدم حصول الامتثال به بل قبله إلا أن لا يعتد بالتقدم الذي أتى في العرف ويقال إن الامتثال يحصل بالمجموع أيضا وما ذكره من استحباب الزايد إذا أوقعه تدريجا منظور فيه بل الظاهر عدم الاستحباب للزوم التكرار في المسح ولا نسلم خروجه من تحت التكرار بالامر الوارد بالمسح بثلاث أصابع لان ظاهره المسح رفعة نعم ما ذكره من استحباب الزايد إنما يصح في غير هذا الموضع مثل التسبيحات الثلاث في الركوع والسجود هذا إذا حكمنا بأن الاتيان بالمأمور به يكفي في الامتثال وإن لم يكن بقصد أنه امتثال لذلك الامر وأما إذا اعتبر هذا القيد فحينئذ لو قرء إحدى ثلاث تسبيحات بقصد المجموع امتثال للامر بالذكر لا ما كل واحد يكون المجموع واجبا لعدم حصول الامتثال قبله (ثم بشرة الرجلين) وجوب مسح الرجلين دون غسلهما مما انعقد عليه إجماعنا وخالف فيه العامة فقال أبو الحسن البصري وابن جرير الطبرسي وأبو علي الجبائي بالتخيير بين المسح والغسل وقال الفقهاء الاربعة وباقي الجمهور بوجوب الغسل دون المسح وقال داود بوجوبهما معا ويدل على وجوب المسح مضافا إلى الاجماع الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين وجه الاستدلال إن الارجل أما مجرورة كما في بعض القراءات ومنصوبة كما في البعض الآخر وعلى الاول الظاهر عطفه على الرؤس فيكون في حكمها من وح جوب المسح عليها وجعله معطوفا على الايدي والقول بأن الجر من باب المجاورة ضعيف لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وأيضا اعراب المجاورة شاذ وإنما يقتصر على السماع وأيضا فيما لا لبس فيه مثل حجر ضبت حزب وهاهنا اللبس حاصل وعلى الثاني أيضا الظاهر أنه كذلك للقرب ويكون النصب حينئذ لكونه معطوفا على محل الرؤس والعطف على المحل شايع فإن قلت أولوية العطف على اللفظ يعارض القرب قلت لنا مرجح آخر من حصول التطابق بين القرائتين حينئذ وأما السنة فكثيرة كاد أن يبلغ حد التواتر فمنها الروايات المتضمنة لوصف الوضوء كما تقدم وصحيحة زرارة المتقدمة الدالة على التبعيض في المسح ورواية محمد بن مروان المتقدمة الدالة على عدم قبول الصلوة لترك المسح ومنها أيضا ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة قال قال لي لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت إن ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء ثم قال ابدء بالمسح على الرجلين فإن بدء لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن غالب بن هذيل قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المسح على الرجلين فقال هو الذي نزل به جبريل (عليه السلام) إلى غير ذلك من الاخبار وبعض الروايات الواردة على خلافها محمول على التقية لما عرفت من مذهب الجمهور مثل ما رواه في الباب المذكور عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه ثم يخوض بهما الماء خوضا قال أجزئه ذلك وما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن أيوب بن نوح قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسئله عن المسح على القدمين فقال الوضوء بالمسح ولا

[ 119 ]

يجب فيه إلا ذلك ومن غسل فلا بأس ولا يخفى أن حمل الرواية على التقية لا يخلو عن مناقشة وحملها الشيخ على إن المراد الغسل للتنظيف لا للوضوء وأيد بما رواه في الصحيح عن أبي همام عن أبي الحسن (عليه السلام) في وضوء الفريضة في كتاب الله تعالى المسح والغسل في الوضوء للتنظيف وأنت خبير ببعد الحمل المذكور وعدم صلاحية ما ذكره للتأييد إذ ظاهره إن الفرض هو المسح لكن لو غسل أحد فيكون من باب التنظيف لا أنه مفروض متعين ولو لا مخافة مخالفة الاجماع بل الضرورة كما ادعاها بعض لامكن القول بإجزاء الغسل عن المسح بالنظر إلى ما يستفاد من الروايات كما لا يخفى على المتأمل ثم أنه انعقد إجماعنا أيضا على إن محل المسح هو ظاهر القدم دون باطنه والروايات أيضا ناطقة به وقد تقدم طرف منها في الابواب السابقة ويزيده بيانا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن أحمد بن محمد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن المسح على القدمين كيف هو فوضع بكفه على الاصابع ثم مسحهما إلى الكعبين فقلت له لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين قال لا إلا بكفه كلها وما رواه الفقيه أيضا مرسلا في باب حد الوضوء قال وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لو لا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح ظاهر قدميه لظننت أن باطنهما أولى بالمسح وما رواه أيضا مرسلا قال وسئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون خفة مخرقا فيدخل يده ويمسح ظهر قدميه من تحتها أيجزيه فقال نعم وما رواه الكافي أيضا في باب مسح الرأس والقدمين عن جعفر بن سليمان قال سئلت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه ذلك قال نعم إلى غير ذلك فأما ما ورد من مسحهما ظاهرا وباطنا فشاذ ضعيف لا يعمل عليه وكأنه محمول على التقية مثل مرفوعة أبي بصير المتقدمة في بحث المسح على الرأس وحملها الشيخ على أن المراد المسح مقبلا ومدبرا وفيه بعد ومثل ما رواه أيضا في الباب المذكور عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا توضأت فامسح قدميكم ظاهرهما وباطنهما ثم قال هكذا فوضع يده على الكعب وضرب الاخرى على باطن قدمه ثم مسحهما إلى الاصابع واعلم إن الشهيد الثاني (ره) قال في شرح الارشاد عند قول مصنفه ومسح بشرة الرجلين واعلم أنه يستفاد من قوله بشرة الرجلين مع قوله في الرأس كذلك أو شعره المختص أنه لا يجزي المسح على الشعر في الرجلين بل تحتم البشرة والامر فيه كذلك انتهى وهذا الحكم مما لم أقف فيه على تصريح في كلام القوم غير أنهم أقحموا لفظة البشرة في هذا الموضع ويمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخف ونحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر لان المسح على الرجلين يصدق عرفا على شعرهما أيضا إلا إذا كان طويلا جما بحيث يخرج عن المعتاد سيما ليس فيه الباء الدالة على الالصاق وأيضا عدم التعرض له في الاحاديث مطلقا مع أن الغالب أن الرجل لا ينفك عن الشعر يؤيد ذلك لا يقال إن الغالب خلو بعض مواضع الرجل عن الشعر وسيأتي إن الاستيعاب ليس بلازم فيقع القدر المفروض من المسح على البشرة غالبا فلهذا لم يتعرضوا (عليهم السلام) له لان الاستيعاب الطولي لازم كما سيجئ ووقوع خط طولي غالبا على البشرة معلوم الانتفاء بل إنما يتحقق ذلك مع الملاحظة والالتفات التام وبالجملة استنباط هذا الحكم من الايه والروايات مشكل وكذا من كلام الاصحاب لان اقحام لفظة البشرة لا ظهور له في هذا المعنى مع أنه ليس في كلام بعضهم والاصل برائة الذمة وحديث لزوم تحصيل يقين البرائة من التكليف اليقيني قد مر مرارا (من رؤوس الاصابع إلى الكعبين وهما أعلى القدمين) تحديد الرجل الممسوح بكونه من رؤوس الاصابع إلى الكعبين مما لا خلاف فيه وكذا في جواز الابتداء من الاصابع إنما الكلام في ثلاثة مواضع في تعيين الابتداء من الاصابع وفي تحقيق معنى الكعب وفي تحديد المسح أما الاول فسيأتي إنشاء الله تعالى الكلام فيه عند شرح قوله ولا يجزي النكس وأما الثاني فنقول الظاهر من كلام الاصحاب (ره) إن الكعب هو العظم الناشر في وسط القدم وإن إجماعنا قد انعقد عليه وخالف الجمهور في ذلك فقالوا الكعبان هما العظمان النابتان عند مفصل الساق والقدمين عن الجنبين اللذان يقال لهما المنجمان والرهيان سوى محمد بن الحسن الشيباني منهم فإنه أيضا قال بالاول واحتجوا رحمهم الله على نفي ما ذهب إليه العامة بوجوه وحجج وأجابوا عما استدلوا به باجوبة ولا حاجة بنا إلى التعرض لها لان الخطب سهل إذ هو من الظهور عندنا بحيث لا يحتاج إلى دليل نعم يجب التعرض ها هنا لشئ آخر وهو أن العلامة (ره) ذكر في جملة من كتبه إن الكعب هو المفصل بين الساق والقدم وبعبارة أخرى مجمع القدم وأصل الساق وقد صب عبارة الاصحاب أيضا عليه وقال في كتابيه المنتهى والمختلف إن عبارة علمائنا يشتبه على من ليس له مزيد تحصيل لكن المحصل يعلم أن مرادهم بالكعب المفصل لا العظم الذي في وسط القدم واحتج عليه أيضا بوجوه الاول ما رواه التهذيب في الصحيح في باب صفة الوضوء عن زرارة وبكير عن أبي جعفر (عليه السلام) آخر حديث الطست المنقول في بحث جواز مسح الرأس بمسماه قلنا أصلحك الله فأين الكعبان قال ها هنا يعني المفصل دون عظم الساق فقالا هذا ما هو قال هذا عظم الساق وفي الكافي أيضا بعد ما نقلنا في البحث المذكور بأدنى تغيير في العبارة لا يؤثر في المراد وفيه بعد قوله (عليه السلام) هذا عظم الساق والكعب أسفل من ذلك والثاني ما روي في حديث القعب المنقول سابقا في بحث نكس غسل اليدين ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه فإنه يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم فيجب أن يمسح إلى المفصل الثالث أنه اقرب إلى ما حدوه أهل اللغة وقد أخذ المصنف (ره) في الذكرى والمحقق الشيخ علي (ره) في شرح القواعد والشهيد الثاني في شرح الارشاد وغيرهم أيضا في التشنيع عليه من وجوه الاول إن عبارة الاصحاب صريحة في خلاف ما يدعيه ناطقة بأن الكعبين هما العظمان الناتيان في ظهر القدم أمام الساق حيث يكون معقد الشراك فحملها على المفصل وادعاء إن فيها اشتباها على غير المحصل وإن المحصل لا يشتبه عليه إن مرادهم هذا عجيب جدا الثاني إن ما ذكره أحداث قول ثالث مستلزم لرفع ما أجمع عليه الامة لان الخاصة على إن الكعب هو العظم الناتي في وسط القدم والعامة على أنه مانعا عن يمين الرجل وشماله فالقول بأنه المفصل قول ثالث إن أراد به ظاهره وإن

[ 120 ]

أراد بالمفصل ما نتأ عن يمين القدم وشماله فهو بعينه مقالة العامة المخالفة لما أجمعنا عليه وهذا الايراد كأنه راجع إلى الايراد الاول عند التأمل الثالث إن ما ذكره مخالف لظواهر الاخبار الواردة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) الرابع أنه مخالف لكلام أهل اللغة ولم يساعد عليه الاشتقاق الذي ذكروه فإنهم قالوا أن اشتقاقه من كعب إذا ارتفع ومنه كعب ثدي الجارية والمفصل لا ارتفاع له وأجابوا عن دلايل الثلاثة أما عن الاول فبأن المراد من المفصل ما يقرب منه مجاز للجمع بين الاخبار وعن الثاني بأن الظهر أطلق هنا يحمل على المقيد لان استيعاب الظهر لم يقل به أحد منا كما قال المحقق في المعتبر ولا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل يكفي المسح من رؤس الاصابع إلى الكعبين ولو باصبع واحدة وهو إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) وعن الثالث بأنه أراد بأهل اللغة لغوية العامة فهم مختلفون وإن أراد لغوية الخاصة فهم متفقون على أنه العظم الناتي في وسط القدم حتى إن العلامة اللغوي عميد الرؤساء صنف في الكعب كتابا مفردا وأكثر فيه من الشواهد على أنه قبة القدم هذا وينبغي أن يذكر ها هنا عبارات الاصحاب والاخبار الواردة في هذا الباب التي ادعوا مخالفة كلام العلامة لهما ليتضح جليه الحال أما عبارات فقد قال ابن الجنيد الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق وهو المفصل الذي هو قدام العرقوب وقال السيد المرتضى (ره) الكعبان هما العظمان الناتيان في ظهر القدم عند معقد الشراك وقال ابن أبي عقيل الكعبان ظهر القدم وقال أبو الصلاح الكعبان معقد الشراك وقال الشيخ في أكثر كتبه هما الناتيان في وسط القدم وقال المفيد الكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل والمشط وقال ابن إدريس الكعبان هما العظمان اللذان في ظهر القدمين عند معقد الشراك وقال المحقق في المعتبر وعندنا الكعبان هما العظمان الناتيان في وسط القدم وهما معقد الشراك وهذا مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) وأما الاخبار فمنها ما نقلنا في الوجه الاول من وجوه العلامة ومنها ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سئلته عن المسح على القدمين كيف فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم فقلت جعلت فداك ولو أن رجلا قال باصبعن من أصابعه فقال لا إلا بكفه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس والقدمين ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الحسن عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الوضوء واحد ووصف الكعب في ظهر القدم وأورد في موضع أخر هذه الرواية بعينها بذلك السند لكن فيه بدل ميسر ميسرة وبدل واحد واحدة كما في الكافي في باب صفة الوضوء ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إلا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أخذ كفا من ماء فصبها على وجهه ثم أخذ كفا فصبها على ذراعه ثم أخذ كفا آخر فصبها على ذراعه الاخرى ثم مسح رأسه وقدميه ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال هذا هو الكعب قال فأومى بيده إلى أسفل العرقوب ثم قال إن هذا هو الظنبوب وما يتعلق بهذا البحث أيضا ما رواه في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة وبكر بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المسح تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وما رواه أيضا في الصحيح في الباب المذكور عن ثعلبة بن ميمون عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) إن عليا (عليه السلام) مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين ورواه الفقيه أيضا مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) بأدنى تغيير وما رواه الكافي في الحسن في أثناء حديث الطست المنقول سابقا في بحث مسح الرأس بمسماه من قول الراوي ثم قال ولا يدخل أصابعه تحت الشراك وما رواه الكافي أيضا في باب مسح االرأس والقدمين عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال توضأ علي عليه السلام فغسل وجهه و ذراعيه ثم مسح على رأسه وعلى نعليه ولم يدخل يده تحت الشراك وإذ قد علمت هذا فاعلم أن المحقق البهائي (ره) قد تعصب للعلامة (ره) وتصدى لتصحيح كلامه ودفع أبحاث القوم عنه فقال الكعب يطلق على معان أربعة الاول العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع فيما بين المفصل والمشط الثاني المفصل بين الساق والقدم الثالث عظم مايل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق وزائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب وهو نابت في وسط ظهر القدم أعني وسطه العرضي ولكن نتوة غير ظاهر لحس البصر الارتكاز أعلاه في حفرة الساق وقد يعبر عنه بالمفص أيضا أما لمجاورته له أو من قبيل تسميه الحال باسم المحل الرابع الناتئين عن يمين القدم وشماله واللذين يقال لهما المنجمان وهذا المعنى الاخير هو الذي حمل اكثر العامة الكعب في الاية عليه وأصحابنا رضى الله عنهم مطبقون على خلافه وأما المعاني الثلاثة الاول فكلامهم قدس الله أرواحهم لا يخرج عنها وإن كان بعض عباراتهم أشد انطباقا على بعضها من بعض فالمعنى الاول ذكره من أصحابنا اللغويين عميد الرؤساء في كتابه الذي ألفه في الكعب وصريح عبارة المفيد طاب ثراه منطبق عليه فإنه قال الكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل والمشط والمعنى الثاني ذكره جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس حيث قال الكعب كل مفصل للعظام والرواية الاولى ظاهرة فيه وهو المفهوم بحسب الظاهر من كلام ابن الجنيد والمعنى الثالث هو الذي يكون في أرجل البقر والغنم أيضا وربما يلعب به الناس كما قاله صاحب القاموس وهو الذي بحث عنه علماء التشريح وقال به الاصمعي ومحمد بن الحسن الشيباني كما نقله عنهما العامة في كتبهم وهو الكعب على التحقيق عند العلامة (ره) وعبر عنه في بعض كتبه بحد المفصل وفي بعضها بمجمع الساق والمقدم وفي بعضها بالناتي وسط القدم وفي بعضها بالمفصل وصب عبارات الاصحاب عليه وقال في المنتهى بعد ما فسره بالناتي في وسط القدم قد يشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب و الضابط فيه ما رواه زرارة وبكير في الصحيح ثم أورد الرواية الاولى وقال في المختلف يراد بالكعبين هنا المفصل بين الساق والقدم وفي عبارة علمائنا اشتباه على غير

[ 121 ]

المحصل واستدل بتلك الرواية وبأن استيعاب ظهر القدم كما يعطيه بعض الروايات يوجب الانتهاء إليه وإنما عبر قدس روحه عنه بالمفصل لموافقة الرواية ولئلا يشتبه بالمعنى الاول وأيضا فالمفصل أظهر للحس والمسح إليه مسح إلى المفصل في الحقيقة وأراد قدس الله روحه باشتباه عبارة علمائنا أنها لما كانت مجملة بحيث يحتمل المعنى الاول والثالث بل ظاهرها أقرب إلى الاول وقع الاشتباه فيها على غير المصحلين فحملوها على المعنى الاول والتحقيق يقتضي حملها على الثالث وهو الذي انطبق عليه الرواية الصحيحة واعتضد بكلام علماء التشريح وشاع نسبته إلى كل من قال بالمسح انتهى كلامه رفع مقامه ثم قال بعد نقل عبارات الاصحاب كما نقلنا ولا يخفى عدم إبائها عن الانطباق على ما قاله العلامة طاب ثراه فإنه قدس الله روحه لا ينكر إن الكعب عظم نابت في وسط القدم كيف وقد فسره بذلك في المنتهى والتذكرة وغيرهما ولكنه يقول ليس هو العظم الواقع أمام الساق بين المفصل والمشط بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم وهو الذي ذكره المشرحون وغيرهم وأنت خبير بأن تنزيل عبارات الاصحاب على هذا المعنى غير بعيد نعم عبارة المفيد (ره) صريحة في المعنى الاول فذكره لها في المختلف في طي هذه العبارات ليس على ما ينبغي ولعله طاب ثراه حمل المشط في كلامه على نفس القدم وجعل قوله أمام الساقين بالنظر إلى امتداد القامة لكنه محمل بعيد والله أعلم بحقايق الامور واعلم إن كتب العامة مشحونة بذكر ما ذهب إليه علماء الخاصة رضى الله عنهم من إن الكعب هو ذلك العظم الواقع في ملتقى الساق والقدم المعبر عنه بالمفصل قال الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قالت الامامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم وهو قول محمد بن الحسن وكان الاصمعي يختار هذا القول ثم قال حجة الامامية إن اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات فوجب أن يكون في حق الانسان كذلك والمفصل يسمى كعبا ومنه كعاب الرمح لمفاصله وفي وسط القدم وفصل فوجب أن يكون هو الكعب انتهى كلامه وقال صاحب الكشف عند تفسير هذه الاية لو أريد المسح لقبل إلى الكعاب أو الكعب إذ ذاك مفصل القدم وهو واحد في كل رجل وإن أريد كل واحد فالافراد وإلا فالجمع انتهى كلامه وشبهة هذه ضعيفة فإنه يجوز كون التثنية بالنظر إلى كل وقال النيشابوري في تفسيره أن الامامية وكل من قال بالمسح ذهبوا إلى أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم والمفصل يسمى كعبا ومنه كعوب الرماح لمفاصله ثم قال إن العظم المستدير الموضوع في المفصل الذي يقول الامامية شئ خفي لا يعرفه إلا علماء التشريخ هذا حاصل كلامهم وليس الغرض من نقل كلام هؤلاء الاستدلال على أن مذهب أصحابنا رضى الله عنهم في الكعب هو ما نسبه العلامة طاب ثراه إليهم فإنه قدس الله روحه مصدق في تلك النسبة غير محتاج إلى التأييد بموافقة العامة له فيها وتلك الرواية الصحيحة الجالية عن المعارض مساعدة له على ذلك وإنما الغرض إن نسبة هذا القول إلى أصحابنا رضى الله عنهم مما اشتهر بين العامة أيضا والله أعلم بحقايق الامور انتهى كلامه زيد أكرامه ثم قال بعد نقل التشنيعات التي أوردها الشهيدان والمحقق الثاني على العلامة كما أشرنا إليه ولا يخفى إن حاصل ما شنعوا به على العلامة طاب ثراه يدور إلى سبعة أمور الاول إن ما ذهب إليه مخالف لما أجمع عليه أصحابنا بل لما أجمع عليه إلا أنه من الخاصة و العامة وهذا أقبح التشنيعات الثاني أنه مخالف للاخبار الصريحة الثالث أنه مخالف لاهل اللغة إذ لم يقل أحد منهم إن المفصل كعب الرابع أنه مخالف للاشتقاق من كعب أو المرتفع الخامس أنه زعم إن عبارات الاصحاب تنطبق على ما ادعاه مع أنها ناطقة بما يخالف دعواه غير قابلة للتأويل السادس إن الكعب وظهر القدم والمفصل الذي ادعا أنه الكعب ليس في ظهر القدم السابع إن قوله بوجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح مخالف للنص والاجماع فكيف جعله دليلا على وجوب إيصال المسح إلى المفصل والجواب عن الاول إن إجماع أصحابنا رضى الله عنهم إن تحقق فإنما يتحقق على أن الكعب عظم نات في ظهر القدم عند معقد الشراك والعلامة طاب ثراه قال به ومصرح بذلك في كتبه كما تلوناه عليك قبل هذا وتحقق الاجماع على ما وراء ذلك مما ينافي كلامه ممنوع وعن الثاني أنه لا خبر في هذا الباب أصرح من خبر الاخوين وعدم مخالفته لكلامه قدس الله روحه لا يخفى على المتأمل والعجب من شيخنا الشهيد طاب ثراه كيف أهمله عند ذكر دلايل العلامة مع أنه أقوى دلائله وأما الاخبار المتضمنة لكون الكعب في ظهر القدم فظاهر أنها لا يخالف كلامه فإن الكعب واقع عنده في ظهر القدم غير خارج عنه على إن قول ميسرة بضم الميم وميم وفتح الياء المثناة التحتانية كسر السين المهملة المشددة في الحديث الثالث إن الباقر (عليه السلام) وصف الكعب في ظهر القدم يعطي إن الامام (عليه السلام) ذكر للكعب أوصافا ليعرفه الراوي بها ولو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى الوصف بل كان ينبغي أن يقول هو هذا وقس عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الاول ها هنا بالاشارة إلى مكانه دون الاشارة إليه وعن الثالث إن صاحب القاموس وغيره صرحوا بأن المفصل يسمى كعبا كما مر وما ذكره صاحب الصحاح من أن الكعب هو العظم الناتي عند ملتقى الساق والقدم لا ينافي كلامه طاب ثراه وكذا ما ذكره صاحب القاموس إن الكعب هو العظم الناتي فوق القدم وعن الرابع إن دعوى المخالفة عن مسموعة وحصول الارتفاع فيما قاله ظاهر وعن الخامس إن كون تلك العبارات ناطقة بخلاف ما ادعاه ممنوع وتطبيقها عليه غير محتاج إلى التأويل نعم تطبيق عبارة المفيد (ره) على ذلك محتاج إلى ضرب من التأويل كما مر وعن السادس بما مر في الجواب عن الثاني وعن السابع إن المخالف للنص والاجماع إنما هو القول بوجوب إنما هو القول بوجوب استيعاب كل ظهر القدم طولا وعرضا والعلامة غير قابل به بل نقل الاجماع على خلافه قال في المنتهى لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل الواجب من رؤس الاصابع إلى

[ 122 ]

الكعب ولو بإصبع واحدة وهو مذهب علمائنا أجمع وإنما قال طاب ثراه بوجوب استيعاب الطولي أعني إيصال خط للمسح من رؤس الاصابع إلى الكعب على أن يكون الكعب داخلا في الممسوح وهذا مما لم ينعقد إجماع على خلافه انتهى كلام المحقق البهائي في هذا المقام ولنبين الان بتوفيق الله تعالى ما هو الظاهر بحسب نظرنا القاصر بحسب ما يستفاد من الاخبار وكلام القوم رحمهم الله وكلام أهل اللغة أعلم أنه لا يشك من به أدنى مسكة إن كلام الاصحاب صريح في أن الكعب هو العظم الناشر في الوسط الطولي من الرجل لوصفهم إياه بالنتؤ وكونه في وسط القدم ومعقد الشراك إذ لا نتو لغيره وليس غيره معقد الشراك وكذا التوسط وحمله على التوسط العرضي بعيد جدا خصوصا مع انضمامه بالوصفين الاخيرين وما ذكر من أن العظم الذي في المفصل أيضا له نتو وارتفاع فلا يخفى ما فيه لان النتو الذي لا يظهر للحس لا يمكن حمل الكلام عليه كيف وهذا العظم مما لم يعرفه إلا علماء التشريح فإرادة القوم إياه من هذه العبارات الظاهرة في معنى آخر بلا تفسير وتوضيح له مما لا يقبله الطبع التسليم وأيضا قد اعترف هذا القائل بأن كلام المفيد (ره) صريح في أن المراد العظم الناشز في الوسط الطولي والحال أن الشيخ (ره) في التهذيب ادعى الاجماع منا على أن الكعب بالمعنى الذي أورده المفيد (ره) وأيضا إطلاق الكعب على هذا المعنى لم نجده في كلام أهل اللغة وكتبهم المشهورة من النهاية والصحاح والقاموس والمغرب ولنجمل بل إنما هو في كلام أهل التشريح وما ذكره المحقق المذكور من نسبة هذا الاطلاق إلى القاموس فغير ظاهر بل الظاهر إن المراد من قوله في أثناء تفسير الكعب والذي يعلب به كالكعبة كعب النرد لا ما فهمه (ره) على محاذاة ما ذكره صاحب النهاية حيث قال الكعاب فصوص النرد وأحدها كعب وكعبة واللعب بها حرام ولا شك أنه إذا لم يكن هذا الاطلاق في كلام أهل اللغة فحمل الكعب عليه خطأ وإن كان موافقا لكلام أهل التشريح لان بناء الكتاب والسنة على اللغة والعرف والاصطلاح الشرعي إن كان لا على اصطلاحات الخاصة غير الشرع ولو تنزلنا عن صراحة العبارات في هذا المعنى وعدم قبول التأويل فلا خفاء في ظهورها فيه فما الحاجة إلى ارتكاب خلاف الظاهر والتأويل فإن كان الباعث حديث الآخوين فسنذكر إنشاء الله تعالى ما يدفع المنافاة ويظهر منه انطباقه على ظاهر العبارات وإن كان نسبة بعض المخالفين خلافه إلى علمائنا من الامام وصاحب الكشف والنيشابوري كما أورده المحقق المذكور ففيه إن كلامهم لا يصلح للاعتماد والتعويل ولا إطلاع لهم على مذاهب الخاصة إلا ترى أن صاحب النهاية الذي هو أعرف منهم بأمثال هذه الامور قد نسب إلى الشيعة ما هو الظاهر من عباراتهم قال في النهاية الكعبان العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم عن الجنبين وذهب قوم إلى أنهما العظمان اللذان في ظهر القدم وهو مذهب الشيعة ومنه قول يحيى بن الحرث رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم هذا إن حمل كلام العلامة (ره) على أن مراده إن الكعب الوارد في الكتاب والسنة هذا العظم الواقع في الملتقى وصب عبارات الاصحاب عليه وإن حمل على أن مراده إن الكعب الوارد فيهما بمعنى المفصل وحمل عبارات القوم عليه بأن جعل تفسيرهم إياه بالعظم الواقع في الملتقى من باب إطلاق الحال على المحل ففيه بعد ما ذكرنا إن كلامهم لا يحتمل ذلك العظم أنه أي شئ دعاهم إلى تفسير المفصل الظاهر عند كل أحد بالعظم الذى يخفى على كثير من الناس وأيضا إطلاق الكعب على المفصل مما لم يشتهر بين أهل اللغة وإنما رأيناه في كلام القاموس فقط ولعله إنما استنبطه من كعوب الرمح للنواشر في أطراف الانابيب وليس بجيد لان إطلاق الكعب عليه ليس باعتبار كونه مفصلا بل باعتبار النشوز والارتفاع والله أعلم وأيضا ما الدليل على الحمل على ذلك المعنى المخالف للمشهور فلن كان الحديث فسنذكر الحال فيه وإن كان كلام المخالفين فلا عبرة به كما عرفت فإن قلت لعل الداعي إلى هذا الحمل كلام ابن الجنيد لانه صريح في أنه المفصل كما تقدم قلت صراحته فيه بل ظهوره أيضا ممنوع لاحتمال أن يكون الضمير في قوله وهو المفصل الذي قدام العرقوب راجعا إلى عظم الساق ويكون المراد أنه عند المفصل بقرينة سابق كلامه إن الكعب في ظهر القدم ولو سلم ظهوره في المفصل فلا وجه لارتكاب خلاف الظاهر بل الصريح في الكتاب والسنة وكلام كثير من الاصحاب بمجرد كلام ابن الجنيد (ره) هذا ما يستفاد بالنظر إلى اللغة وكلام الاصحاب ولنذكر ما يستفاد بالنظر إلى الروايات فنقول لا يخفى عليك إن صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر المتقدمة ظاهرة بل صريحة في العظم الناشز في الوسط الطولي ولا مجال للكلام فيه وإنكاره مكابرة وحسنة ميسر أيضا ظاهرة فيه كما يحكم به الوجدان وإن لم يكن بمنزلة الصحيحة وما ذكره هذا المحقق من قوله على أن قول ميسرة إلى آخره فضعيف جدا إذ المراد من وصفه (عليه السلام) الكعب في ظهر القدم بيانه (عليه السلام) إن الكعب هو ظهر القدم لا أنه (عليه السلام) ذكر له أوصافا ليعرفه الراوي وهو ظاهر وأما الرواية الاخرى من ميسر فأظهر في المراد من أخته كما لا يخفى وأما الثلاثة الاخرى الداله على عدم وجوب دخول الاصبع تحت الشراك فدلالتها أيضا على هذا المعنى ظاهرة لان الشراك غالبا إنما يعقد أسفل من المفصل إلا أن يناقش فيها بأنها لا دلالة لها على أن الكعب دون المفصل لجواز أن يكون الكعب هو المفصل لكن لم يجب لاستيعاب الطولي لكن يمكن إلزامها على العلامة (ره) حيث قال بوجوب الاستيعاب الطولي كما اعترف به ذلك المحقق أيضا في آخر كلامه مع أن الظاهر أن أحدا لم يقل بعدم وجوب الاستيعاب الطولي وسيأتي تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى وأما صحيحة الاخوين التي تمسك بها العلامة (ره) فهي وإن كان يتراءى منها في بادي النظر إن الكعب هو المفصل لكن عند التأمل يظهر خلافه نظرا إلى الصحيحة التي في الكافي من قوله (عليه السلام) والكعب أسفل من ذلك كما نقلنا وذلك لان قوله (عليه السلام) هذا عظم الساق على ما في التهذيب أو من عظم الساق على ما في الكافي أما إشارة إلى المنجم أو المنتهى عظم الساق فإن كان الاول فهو عند المفصل كما نقلنا من النهاية أيضا فحكمه (عليه السلام) بأن الكعب أسفل منه ظاهر في أنه المعنى المعروف وإن كان الثاني فالامر أوضح فعلى هذا ظهر أنه يجب حمل قوله ها هنا يعني المفصل على أنه إشار إلى قريب من المفصل لئلا يلزم التناقض فإن قلت يمكن حمل قوله (عليه السلام) أسفل من ذلك على التحتية أو نحوها فلا يلزم

[ 123 ]

التناقض لو لم يرتكب التأويل في الاول قلت التأويل الثاني أبعد من الاول ولا أقل من مساواتهما فلم يبق للرواية ظهور في المدعى سلمنا ظهورها فيه فلتحمل على التجوز والتأويل جمعا بينها وبين ما ذكرنا من المعارضات مع كثرتها واعتضادها بالاصل وعند هذا ظهر حال ما قاله المحقق المذكور من أن هذه الرواية الصحيحة الخالية عن المعارض مساعدة للعلامة ولا يخفى ضعف ما قاله أيضا من إن قوله (عليه السلام) في هذا الخبر ها هنا بالاشارة إلى مكان الكعب دون الاشارة إليه يعطي أنه العظم المخفي لا الناتي ظهر القدم فتدبر فخلاصة القول على ما قررنا إن الظاهر أن الكعب هو العظم الناتي في وسط القدم وإن ما ذكره العلامة (ره) وتبعه المصنف (ره) في الرسالة والمقداد في الكنز مما لا وجه له ظاهرا نعم الاحتياط في الاخذ بقولهم للخروج عن عهدة اللخلاف ويحتمل أن يكون المصنف (ره) أيضا حكم في الرسالة بهذا المعنى رعاية للاحتياط كما يشعر به كلامه في البيان لا أنه رجحه وقواه كيف وقد شنع كثيرا في الذكرى على هذا القول والله أعلم بحقايق أحكامه وأما الثالث وهو تحديد المسح فقد ذكرنا سابقا أن الاجماع منقعد على أن المسح بالظاهر دون الباطن ثم الظاهر من كلام المحقق في المعتبر أن استيعاب الظاهر أيضا عرضا مما لا يجب إجماعا بل يكفي المسح ولو بإصبع واحدة قال فيه ولا يجب استيعاب الرجلين بالمسح بل يكفي المسح من رؤس الاصابع إلى الكعبين ولو باصبع واحدة وهو إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) وكذا قال العلامة في التذكرة لكن قال بعد ذلك بأسطر ويستحب أن يكون بثلاث أصابع مضمومة قال بعض علمائنا يجب وهو بظاهره مناف لسابقه إلا أن يقال أن الاجماع الذي ادعاه إنما هو على مجرد عدم وجوب الاستيعاب لا على كفاية إصبع واحدة أيضا فها هنا مقامان وجوب الاستيعاب وعدمه ووجوب مقدار ثلاث أصابع مضمومة وعدمه أما الاول فقد عرفت دعوى الاجماع على العدم ويدل عليه أيضا صحيحتا زرارة وبكير المنقولتان في بحث مسح الرأس بمسماه عن التهذيب وحسنتهما المنقولة عن الكافي فأما صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر المتقدمة آنفا الدالة على الاستيعاب فمحمولة على الاستحباب جمعا فان قلت لم لا تقيد الروايات المطلقة بهذه الرواية قلت أما أولا فلعدم ظهورها في الوجوب وأما ثانيا فلدعوى الاجماع على خلافها وأما ثالثا فلكثرة الروايات واعتضادها بالاصل وقس عليه أيضا ما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الحسن عن عبد الاعلى مولى سام قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على أصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء فقال يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل قال الله ما جعل عليكم في الدين من حرج أمسح عليه وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجباير ويمكن أن يحمل أيضا على ظفر اليد أو جميع الاظفار لكنه بعيد وأما الثاني فالظاهر فيه أيضا عدم الوجوب للروايات المتقدمة ولظاهر الاجماع المنقول عن المعتبر واحتج على الوجوب بالصحيحة المذكورة وفيه ضعف لعدم دلالتها على مرادهم بل لا بد من حملها على مرادهم من ارتكاب تخصيص فيها وهو ليس بأولى من حملها على الندب مجازا على تقدير تسليم ظهورها في الوجوب وبرواية معمر بن عمر المتقدمة في البحث المذكور أيضا والجواب بعد القدح في السند بحملها على الاستحباب للجمع وبما ذكرنا يمكن استنباط الحال في وجوب المسح بالاصبع وإجزاء ما دونها فتدبر والاحتياط في المسح بجميع الكف للصحيحة والحسنة المتقدمتين هذا كله بالنظر إلى استيعاب العرضي أما الاستيعاب الطولي فقد تردد فيه المحقق في المعتبر ثم رجح وجوب الاستيعاب بقوله تعالى إلى الكعبين فلابد من الاتيان بالغاية وكذا قال العلامة في التذكرة ولا يخفى إن هذا الاستدلال إنما يتم لو كانت العامة للمسح وأما إذا كانت للممسوح فلا فحينئذ الظاهر بالنظر إلى الروايات المتقدمة جواز المسح بأي جزء كان من ظاهر الرجل سواء ابتدى من الاصابع أو لا وسواء انتهى إلى الكعب أو لا لكن لم نقف على قول من الاصحاب به فالاولى متابعة ما اشتهر بينهم خصوصا مع اعتضاده بالحسنة المنقولة آنفا وإشعار ما أيضا في الاية به ثم الكلام في دخول الكعبين في المسح وعدمه كالكلام في المرفقين فقس عليه واستدل المعتبر على عدم وجوب الدخول بصحيحة زرارة وبكير المتقدمة المتضمنة لعدم وجوب إدخال اليد تحت الشراك ولك بما ذكرنا سابقا في المرفق غنية عن تفصيل القول ها هنا ولا يخفى أنه على تقدير كون الكعب العظم الناشز بتمامه واعترف بدخوله في المسح يرتفع الخلاف بين العلامة (ره) والجمهور (بالبلة الغالبة على رطوبتهما إن كانت) أي إن كانت رطوبة ها هنا حكمان أحدهما وجوب المسح بالبلة وثانيهما ببلة غالبة على رطوبة الرجلين أما الاولى فقد مر في بحث مسح الرأس بالبلة وعدم جواز الاستيناف ما يمكن أن يستنبط منه حال مسح الرجلين وقد بقي رواية متعلقة بالرجلين لم نوردها هناك فلنورد ها هنا وهي ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن معمر بن خلاد قال سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه فقال برأسه لا فقلت إبماء جديد فقال برأسه نعم وهذا مما لا كلام في عدم العمل بظاهره لمخالفته للاخبار الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ مبلغ التواتر لكن الكلام في أنه على ما يحمل و بأي شئ يأول لانه لصحته لا ينبغي طرحه بالكلية فالشيخ (ره) في التهذيب حمله على التقية وأورد عليه إن العامة لم يقولوا بمسحهما لا ببقية البلل ولا بماء جديد فكيف يحمل على التقية وأجيب بانهم يجوزون إطلاق المسح على الغسل فيمكن تنزيل الكلام على ما يوافق زعمهم ورد بأن ما تضمنه الحديث مع المسح بفضل الرأس يأبى هذا التنزيل وأنت خبير بأن الاباء غير ظاهر إذ لا بعد في أن يقال سئل أولا عن المسح ببقية البلل فلما لم يجوزه سال عن المسح بالماء الجديد كناية عن الغسل فأجازه تقية بل يمكن أن لا يقدر المسح في الكلام بل يقال تقدير ما يغسل بماء جديد وقيل تنزيله على مسح الخفيف أولى وفيه بعد والاولى أن يقال في توجيه الحمل على التقية إن العامة كما عرفت مختلفون فبعضهم يقولون بالتخيير بين الغسل والمسح وبعضهم بوجوبها معا وبعضهم بوجوب الغسل وحده

[ 124 ]

فالفرقتان الاوليان يمكن أن يقولا بلزوم الماء الجديد في المسح كما يقولون بلزومه في مسح الرأس وعلى هذا فالحمل على التقية موجه لموافقته لمذهب فريقين منها قال المحقق البهائي (ره) في توجيه هذا الخبر في الحبل المتين والذي ما زال يختلج بخاطري إن إيمائه (عليه السلام) إنما نهاه عن المسح ببقية البلل فقال إبماء جديد فسمعه الحاضرون فقال (عليه السلام) برأسه نعم ومثل ذلك يقع في المحاورات كثيرا انتهى كلامه وفيه نظر لان ما ذكره من التوجيه مع بعده لا يكاد ينفع فيما هو محل الاشكال إذ ظاهرا أن لا إشكال في الجزء الاول من الخبر لامكان حمله على ظاهره من باب التقية لموافقته لمذاهب العامة جميعا كما هو الظاهر أو أكثرها إنما الاشكال في الجزء الاخير وهذا التوجيه لا ينفع في تصحيحه اصلا وأما الثاني فقد اختلف فيه فذهب ابن الجنيد وابن إدريس والمحقق إلى جواز المسح على الرجلين مع كونهما رطبتين سواء كانت رطوبتهما أنقص من رطوبة اليد أو لا قال ابن إدريس من كان قائما في الماء توضأ ثم إخرج رجليه من الماء ومسح عليهما من غير أن يدخل يده في الماء فلا حرج عليه وقال ابن جنيد من تطهر إلا رجليه فدهمه أمر احتاج معه إلى أن يخوض بهما نهرا مسح يديه عليهما وهو في النهر إن تطاول خوضه وخاف جفاف ما وضاه من أعضائه وإن لم يخف كان مسحه بعد خروجه أحب إلى وأحوط وقال المحقق في المعتبر لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه جاز وعبارة المحقق يحتمل وجهين تجويزه المسح في الماء كما ذهب إليه ابن الجنيد والمسح بعد خروجه كما هو رأي ابن إدريس وبالجملة يظهر من كلام الثلاثة تجويز المسح مع الرطوبة أعم من أن يكون غالبة على بلة اليد أو مغلوبة ونقل العلامة (ره) عن والده في المنتهى والمختلف القول بالمنع ومال إليه في المختلف حجة الجواز صدق الامتثال وتناول إطلاق الاية والاخبار وإن اليد لم ينفك عن ماء الوضوء فلم يضره ما كان على القدمين من الماء وقال المصنف في الذكرى وكان ابن الجنيد قال به بناء على مذهبه من جواز الاستيناف وفيه نظر لان قوله بجواز الاستيناف انما هو حال جفاف اليد لا مطلقا كما تقدم واحتج العلامة في المختلف على المنع بأن المسح يجب بنداوة الوضوء ويحرم التجديد ومع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد والظاهر القول الاول لما علمت سابقا من عدم دليل تام على عدم جواز الاستيناف سوى التمسك بالشهرة أو الاجماع وهما منتفيان ها هنا فنبغي القول بالجواز لصدق الامتثال ثم إن الظاهر من كلام المصنف (ره) في هذا الكتاب اشتراط غلبة رطوبة اليد على رطوبة الرجل وقال في الذكرى بعد نقل كلام المجوزين والعلامة نعم لو غلب ماء المسح رطوبة الرجلين ارتفع الاشكال وبالجملة ما ذكروه قوي وما ذكره أحوط انتهى وهذا يدل على تجويزه المسح على الرطوبة سواء كانت رطوبة اليد غالبة ولا نعلم في صورة الغلبة يكون التجويز عنده أظهر ويرتفع في نظره الاشكال والظاهر التجويز مطلقا بدونه اشتراط الغلبة لما عرفت واعترض المحقق الثاني على قوله بارتفاع الاشكال عند غلبة الرطوبة بأن التعليل المذكور إنما يقتضي بقاء الاشكال حينئذ أيضا وكان نظر المصنف إلى أن في صورة الغلبة لا يصدق عليه المسح بالماء الجديد عرفا وإن صدق عليه لغة هذا والاحتياط ان راعى الجفاف مهما أمكن (ولا يجزي النكس على الاولى) المشهور بين الاصحاب جواز النكس وهو مختار الشيخ وابن أبي عقيل وسلار وابن البراج والمحقق والعلامة في جملة من كتبه وذهب ابن إدريس إلى عدم جوازه وهو الظاهر من كلام ابن بابويه والمرتضى رحمهم الله أيضا والظاهر المشهور لصحيحة حماد المتقدمة في جواز النكس في مسح الرأس ولما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن يونس قال أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى اعلى القدم وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الرأس والقدمين وزاد فيه بعد ما ذكرنا ويقول الامر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا فإنه من الامر الموسع إنشاء الله تعالى ويرد عليه أنه يمكن أن يكون المراد بالمسح من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم مسح القدم ظاهرا وباطنا تقية كما ورد في مرفوعة أبي بصير ورواية سماعة المتقدمتين لا أن يكون المراد المسح تارة مقبلا وتارة مدبرا كما هو المدعى مع أن الرواية ضعيفة بالارسال ويندفع الايراد بالزيادة التي نقلنا من الكافي كما لا يخفى نعم ما ذكره من الارسال متجه لكن لا يدفع تأييدها للرواية السابقة إنما يدفع كونها حجة مستقلة ويؤيد جواز النكس رواية سماعة المتتقدمة المتضمنة لمسح القدم ظاهرا وباطنا حجة المانعين قوله تعالى إلى الكعبين وفيه إن الغاية يجوز أن يكون للمسوح لا المسح والروايات المتضمنة لفعلهم (عليه السلام) كذلك وفيها أيضا ما مر غير مرة والامر الاحتياط واضح (ولا تقديم اليسرى على اليمنى ولا مسحهما معا احتياطا) قال العلامة في المختلف المشهور بين علمائنا سقوط وجوب ترتيب المسح بين الرجلين بل يجوز مسحهما دفعة واحدة بالكفين ومسح اليمين قبل اليسار وبالعكس وقال سلار يجب مسح اليمنى قبل اليسرى قال وفي أصحابنا من لا يرى الرجل ترتيبا وقال ابن أبي عقيل عقيب ذكر ترتيب الاعضاء وكذا إن بدء فمسح رجله اليسرى قبل اليمنى رجع فبدأ باليمنى ثم أعاد على اليسرى وقال ابن الجنيد لو بدء بيساره على يمينه في اليد أو في الرجل رجع على يساره بعد يمينه ولا يجزيه إلا ذلك قال ابن بابويه يبدأ بالرجل اليمنى قبل اليسرى وكذا قال ولده أبو جعفر انتهى وقال المصنف في الذكرى وفي كلام بعضهم تجويز مسحهما معا لا تقديم اليسرى انتهى والظاهر من المذاهب ما هو المشهور لاطلاق الاوامر وصدق الامتثال واحتج على وجوب الترتيب بالوضوء البياني وقد عرفت ما فيه وبما رواه الكافي في باب مسح الرأس في الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال وذكر المسح فقال امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابتدأ بالشق الايمن وفيه بعد المناقشة في السند إن الامر لا ظهور له في الوجوب كما مر مرارا سيما مع شهرة خلافه بين الاصحاب نعم الاستحباب مسلم بهذه الرواية والقول بالتفصيل الذي في الذكرى لم نقف له على مستنده

[ 125 ]

والاحتياط كما ذكره المصنف في رعاية الترتيب والله أعلم (والمقطوع يمسح على ما بقي ولو استوعب سقط واستحب المسح على موضع القطع) حال الحكم الاول والثاني معلوم مما سبق في قطع اليد وأما الحكم الثالث فلم نجده في كلام الاصحاب وليس في الروايات أيضا ما يدل عليه سوى ما رواه الفقيه مرسلا في باب حد الوضوء حيث قال بعد نقل الرواية التي نقلناه عنه في باب قطع اليد وكذلك روى في قطع الرجل وهو مع إرساله لا يخلو من إجمال أيضا فالحكم بمجرده مشكل وبعض الابحاث التي سبقت في قطع اليد جار ها هنا أيضا فعليك بالمقايسة (ولا يجزى المسح عل حايل من خف أو غيره إلا لتقية أو ضرورة) عدم إجزاء المسح على الحايل بدون ضرورة مما انعقد عليه إجماعنا وخالف فيه العامة ويدل عليه مضافا إلى الاجماع وإعدم صدق الامتثال والاخبار الكثيرة المتظافرة منها ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الزيادات في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) أنه سئل عن المسح على الخفين وعلى العامة فقال لا تمسح عليهما ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جفر (عليه السلام) قال سمعته يقول جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (عليه السلام) وفيهم علي (عليه السلام) وقال ما تقولون في المسح على الخفين فقام المغيرة بن شعبة فقال رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح على الخفين فقال علي (عليه السلام) قبل المائدة أو بعدها فقال لا أدرى فقال علي (عليه السلام) سبق الكتاب الخفين إنما أنزلت المائدة قبل إن يقبض بشهرين أو ثرلاثة ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسح على الخفين فقال لا يمسح وقال ان جدي قال سبق الكتاب الخفين ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بكر الحضرمي قال سئلته عن المسح على الخفين والعمامة فقال سبق الكتاب الخفين وقال لا يمسح على خف ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن رقبة بن مصقلة قال دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فسألته عن أشياء فقال إني أراك ممن يفتي في مسجد العراق فقلت نعم فقال لي من أنت فقلت ابن عم لصعصعة فقال مرحبا يا ابن عم صعصعة فقلت له ما تقول في المسح على الخفين فقال كان عمر يراه ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم وكان ابي لا يراه في سفر ولا حضر فلما خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب فقال لي اقبل يا ابن عم صعصعة فأقبلت عليه فقال إن القوم كانوا يقولون برأيهم فيخطئون ويصيبون وكان أبي لا يقول برأيه إلى غير ذلك من الاخبار وسيجئ بعض منها أيضا وأما جواز المسح على الحايل للتقية أو الضرورة كالبرد وشبهه فما نطق به كلام الاصحاب ولم نجد مخالفا له واستدل عليه بما رواه التهذيب في الباب المذكور عن أبي الورد قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) إن أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليا (عليه السلام) أراق الماء ثم مسح على الخفين فقال كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي (عليه السلام) فيكم سبق الكتاب الخفين فقلت هل فيها رخصة فقال لا إلا من عذر بتقية أو ثلج تخاف على رجليك وبانتفاء الحرج والضرر في الدين واعترض عليه بأن أبا الورد مجهول فلا يعتد بما رواه ولزوم الحرج والضرر بدون المسح على الحايل ممنوع لجواز اندفاعه بالانتقال إلى التيمم بل هو الظاهر بالنظر إلى ما يقتضيه الدليل إذ عند تعذر جزء من الوضوء يسقط التكليف به رأسا لانتفاء الكل عند انتفاء الجزء لانه تكليف واحد وعند سقوط التكليف به ينتقل الفرض إلى التيمم وأما التكليف بالامر الآخر الذي جزئه المسح على الحايل فلا بد له من دليل ولا دليل سوى رواية أبي ورد وقد عرفت عدم صلاحيتها للاعتماد ويمكن أن يقال هب إن التكليف الذي ثبت عندنا بالوضوء قد سقط ها هنا لتعذر جزئه لكن لا نسلم إنه حينئذ ينتقل الفرض إلى التيمم لانه معلوم الاشتراط بشرط لا يعلم تحققه حينئذ وعند الشك في تحقق الشرط يكون وجوب الشمروط مشكوكا فلا يلزم انتقال الفرض إلى التيمم غاية ما في الباب أن في هذه الصورة نعلم بالاجماع إن ترك الوضوء المشتمل على المسح على الحايل والتيمم معا مستلزم للعقاب فلا بد من الاتيان بأحدهما وحينئذ لا يخلو أما أن يقال بوجوب تحصيل اليقين بالبرائة في أمثال هذه الصورة بالاتيان بالامرين معا أو يكتفي بأحدهما كما ذكرنا مرارا فعلى الاول ينبغي القول بوجوبهما معا إن لم يثبت إجماع على إجزاء المسح على الحايل وعلى الثاني يكتفي بأحدهما ولا ريب أنه حينئذ الاتيان بالوضوء أولى لموافقته للمشهور بل للاجماع بل لظاهر الاية أيضا مع تأييده بالرواية المتقدمة بل برواية عبد الاعلى مولى آل سام ايضا المتقدمة في بحث استيعاب ظهر القدم كما لا يخفى هذا وقد يعارض الرواية المتقدمة الدالة على جواز المسح على الخف حال التقية والضرورة بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة قال قلت له هل في المسح على الخفين تقية فقال ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مسح الخف والصدوق (ره) أيضا نقلها مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في باب حد الوضوء وبما رواه الكافي في الباب المذكور عن إسحاق بن عمار قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض هل له رخصة في المسح قال لا ودفع المعارضة الاولى بوجوه الاول ما نقل عن زرارة وهو أنه أخبر عن نفسه بأنه لا يتقي فيهن أحدا ويجوز أن يكون إخباره بذلك لعمله بأنه لا يحتاج إلى ما يتقى فيه في ذلك ولم يقل لا تتقوا أنتم فيه أحدا والثاني أن يكون أراد لا أتقي فيه أحدا في الفتيا بالمنع من جواز المسح عليها دون الفعل لان ذلك معلوم من مذهبه فلا وجه لاستعمال التقية وفيه إن التخصيص بالفتيا على هذا لا وجه له لانه إذا كان ذلك معلوما من مذهبه فكما لا وجه لاستعمال التقية في الفتيا فكذا لا وجه لاستعمالها في الفعل أيضا والثالث أن يكون أراد لا أتقي فيه أحدا إذا لم يبلغ الخوف على النفس والمال وإن لحقه أدنى مشقة احتمله وإنما يجوز التقية في ذلك عند الخوف الشديد على النفس والمال ووجه المصنف (ره) في الذكرى بوجه آخر قال ويمكن أن يقال إن هذه الثلاثة لا يقع الانكار فيها من العامة غالبا لانهم لا ينكرون متعة الحج وأكثرهم يحرم المسكر ومن خلع خفه وغسل رجليه فلا إنكار عليه والغسل أولى منه عند انحصار الحال فيهما وعلى هذا يكون نسبته إلى غيره كنسبته إلى نفسه في أنه لا ينبغي التقية

[ 126 ]

وإذا قدر خوف ضررنا درجات التقية انتهى ويمكن أن يدفع المعارضة الثانية بأن الرواية مجملة لا ظهور لها في مخالفة الرواية المذكورة لجواز أن يكون المراد عدم الرخصة للمريض في مسح الرجل دون غلسها بناء على التقية أو يكون المراد مسح ما يجب غسله من الاعضاء وعلى التقديرين لا منافاة واعلم إن الاصحاب الحقو المسح على العامة أيضا بالمسح على الخف في جوازه عند الضرورة والكلام فيه أيضا كالكلام فيه لكن الامر فيه اخفى لخلوه من الرواية الدالة عليه صريحا رأسا والاحتياط في الموضعين الجمع بين الوضوء مع المسح على الحايل والتيمم (ولو زال السبب فالاقرب بقاء الطهارة وقيل ينقض) القول بالنقض للشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر وقربه العلامة في التذكره واستدل عليه بأنها طهارة مشروطة بالضرورة فيزول بزوالها ويتقدر تقدرها قال المحقق الثاني في شرح القواعد في هذا الموضع وتحقيق البحث يتم بمقدمات الاولى امتثال المأمور به يقتضي الاجزاء والاعادة على خلاف الاصل فيتوقف على الدليل وبيانهما في الاصول الثاني نية يجوز أن ينوي صاحب هذه الطهارة رفع الحدث لانتفاء المانع ومتى نواه يحصل له لقوله (عليه السلام) وإنما لكل امرء ما نوى الثالثة ظاهر بعد ارتفاع الحدث إنما ينقض الرافع له حدث لانتفاء المانع للحكم إلى أن يحصل حدث آخر ومتى تقررت هذه المقدمات لزم الجزم بعدم الاعادة هنا وفي الجبيرة وهو الاصح وتقدر الطهارة بقدر الضرورة إن أريد به عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحق وإن أريد به عدم إباحتها فليس بحق لان المقدر هي لا إباحتها فإن ذلك هو محل النزاع انتهى كلامه وفيه نظر أما أولا فلان ما ذكره من امتثال المأمور به يقتضي الاجزاء حق لكن لا دخل له بهذا المقام لان الاجزاء معناه الخروج به عن عهدة الامر المتعلق به وها هنا الاتيان بذلك الوضوء أيضا إنما يستلزم الخروج عن عهدة الامر المتعلق به لكن الكلام في وجوب وضوء آخر وليس هو بإعادة للاول حتى يكون منافيا للاجزاء فإن قلت هب أنه ليس بإعادة للاول لكن لا شك إن وجوبه إنما يحتاج إلى دليل البتة وإن لم يكن إعادة قلت الدليل عليه الاوامر الواردة بالوضوء الكذائي عند كل صلوة خرج الصلوة التى يتحقق فيها الضرورة بالنص أو الاجماع فبقي الباقي وها هنا لا ضرورة فيجب الوضوء الكذائي وأما ثانيا فلما عرفت مرارا من إجمال الرواية وعدم ظهورها في حصول كل ما ينوي المرء وأما ثالثا فلبناء المقدمة الثانية وما يتلوها على المقدمات التى قد مر غير مرة عدم تماميتها وانتفاء دليل عليها من ثبوت معنى هو الحدث وارتفاعه بالوضوء واستباحة الصلوة بعد ارتفاعه وأما رابعا فلان الظاهر من كلامه (ره) إن تلك المقدمات الثلاث بجميعها دليل واحد على المطلوب والحال إن الاولى على تقدير تمامها يستغني من الاخيرين وكذا العكس كما لا يخفى والظاهر أن يبنى الكلام على أن الامر بالوضوء عند القيام إلى الصلوة هل هو عام أو لا فإن قلنا بالعموم فينبغي الحكم بوجوب استيناف الوضوء حينئذ لان ما خرج بالدليل عدم وجوب الوضوء الكذائي عند تحقق الضرورة وها هنا لا ضرورة إلا أن يقال قد ظهر تخصيصه بأمر يشك في تعيينه وشموله لهذه الصورة فيكون هذه الصورة من قبيل الافراد المشكوكة مما لا ظهور له وإن لم نقل بالعموم بل نقول بأن إذا للاهمال وإنما يفهم العموم بالاجماع فينبغي الحكم بعدم وجوب الاستيناف لعدم تحقق الاجماع في هذه الصورة وكذا لو كان الشك في العموم والاهمال وبما ذكرنا ظهر إن الظاهر عدم وجوب الاستيناف كما لا يخفى ويمكن تأييده أيضا بموثقة ابن بكير المتقدمة مرارا من قوله (عليه السلام) إذا استيقنت إنك توضأت فإياك إن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن إنك أحدثت (فرع لو عاد السبب فإن كان قبل التمكن من الاعادة فلا إعادة وإلا فالاقرب الاعادة وإن كان كالوضوء الاول) هذا الفرع بالنظر إلى القول بالنقض ووجه الحكمين ظاهر على قياس وجود الماء بعد التيمم وفقده قبل التمكن من الاستعمال أو بعده ففي الاول لا يلزم استيناف التيمم وفي الثاني يلزم (ويجوز المسح على العربي وإن لم يدخل يده تحت شراكه) النعل العربي ما لا يستر ظهر القدم إعلم أن الكعب أما أن يكون هو المفصل أو قبة القدم وعلى الثاني أما أن يكون داخلا في الممسوح أو خارجا عنه لكن إنما يجب مسح جزء منه من باب المقدمة وعلى الثاني والثالث أما أن يستر شراك النعل الكعب أو القدر الذي يجب مسحه من باب المقدمة أولا فإن لم يستر فلا خفاء في جواز المسح عليه وعدم وجوب إدخال اليد تحت الشراك لاطلاق الاوامر وصدق الامتثال مع اعتضاده بالروايات المتقدمة الدالة على جواز المسح على اليد بدون إدخال اليد تحت الشراك وإن ستر فان لم ينقل بوجوب الاستيعاب الطولي فلا إشكال أيضا وإن قلنا به فيشكل من حيث وجوب الاستيعاب وعدم صراحة الروايات المتضمنة للمسح على النعل بدون إدخال اليد تحت الشراك لاستثناء ما تحت الشراك جواز أن يكون بنائها على العرف ويكون متعارف ذلك الزمان أن لا يستر شراكهم قدر الوجوب ومن حيث إطلاق الروايات وعلى الاول فالظاهر القول باستثناء ما يستره الشراك عن الحكم للروايات وما يقال أنها لا تدل على عدم وجوب مسح ما تحته بل على عدم إدخال اليد و هو لا يستلزم عدم المسح فضعيف جدا لظهور الروايات في عدم المسح كما يحكم به الوجدان وحينئذ لو بقي فوق الشراك بقية إلى المفصل فالظاهر وجوب المسح عليه على القول بالاستيعاب الطولي وعلى القول بالاستثناء هل يسري الحكم إلى غير النعل من السير المركب على الخشب أو السير المربوط بالرجل لحاجة أو عبثا أو لا الظاهر عدم السراية للوقوف فيما خالف الاصل على القدر المتيقن إلا في الربط لحاجة فإنه يكون حينئذ من باب الجباير وسيجئ حكمها إنشاء الله تعالى (والترتيب كما ذكر ركن أيضا) قال المحقق في المعتبر الترتيب واجب في الوضوء وشرط في صحته يبدأ بغسل الوجه ثم باليد اليمنى ثم باليسرى ثم بمسح الرأس ثم بمسح الرجلين وهو مذهب علمائنا أجمع وكذا العلامة في التذكرة ادعى إجماعنا على وجوب الترتيب واشتراطه وفي المنتهى قال علماؤنا الترتيب واجب في الوضوء ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع روايات كثيرة متظافرة منها ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة قال سئل أحدهما (عليه السلام) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه وبرجليه قبل يديه قال يبدأ بما بدأ الله وليعد ما كان ومنها ما رواه

[ 127 ]

أيضا في هذا الباب في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين قال يغسل اليمين ويعيد اليسار ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن منصور بن حازم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال ينصرف ويمسح رأسه ورجليه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام) تابع بين الوضوء كما قال الله تعالى ابدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح بالرأس والرجلين ولا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما أمرت به فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد على الذراع وإن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثم أعد على الرجل ابدأ بما بدء الله عز وجل به ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه وإن كان إنما ينسى شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ وقال اتبع وضوءك بعضه بعضا ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب المذكور في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فاعد على غسل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه فلن بدئت بذراعك الايسر قبل الايمن فأعد على الايمن ثم اغسل الايسر وإن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك وهذه الروايات الثلاث الاخيرة في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلوة قال إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل قال وإن نسي شيئا من الوضوء المفروض فعليه أن يبدء بما نسي ويعيد ما بقي لتمام الوضوء إلى غير ذلك وفيما ذكرناه كفاية وأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل توضأ ونسي غسل يساره فقال يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شئ غيرها فلا يعارض ما ذكرناه لجواز أن يكون المراد منه أنه لا يعيد وضوء شيى غيرها مما تقدمها دون ما تأخرها وقس عليه الحال في الجزء الاخير من حسنة الحلبي المنقولة آنفا فإن قلت إذا خالف أحدا الترتيب فغسل يمينه ثم غسل الوجه مثلا فهل يجب حينئذ إعادة غسل الوجه ايضا ثانيا أم يكتفي باعادة اليمين قلت الظاهر من كلام الاصحاب الثاني وقد صرح به المحقق في المعتبر والمحقق الثاني في شرح القواعد وهو الظاهر بالنظر الى إطلاق الاوامر الواردة بالوضوء فإن قلت ما تقول في صحيحة زرارة ومنصور وحسنة زرارة وموثقة أبي بصير المذكورات آنفا هل يدل على خلاف ما ذكرت أم لا قلت أما صحيحة زرارة فلا لجواز أن يكون قول السايل بدء بيده إلى آخره سؤالين وحينئذ لا دلالة في الكلام على حصول غسل الوجه في الاول وغسل اليدين في الثاني فلا مخالفة لما ذكر ولو سلم حمله على سؤال واحد فحينئذ وإن كان الظاهر حصول غسل الوجه لكن يمكن أن يقال بجواز أن يكون الامر بالاعادة لعدم مقارنة النية إذ المتعارف أن لا يبقى الاستدامة الحقيقية إلى آخر الضوء فحكمه (عليه السلام) بالاعادة مطلقا بناء على الغالب ويمكن أيضا ان يحمل الاعادة على إعادة ما يحصل معه الترتيب أو على الاستحباب لكن يشكل فيما يلزم فيه قطع العمل ومما ذكرنا يستنبط حال صحيحة منصور وحسنة زرارة وأما موثقة أبي بصير فالظاهر منها خلاف ما ذكر لكن لما كان طريقها غير نقي والظاهر أن الاصحاب لم يعملوا بها أيضا فبمجردها لا يمكن الحكم بوجوب الاعادة مع أن الامر أيضا ليس بظاهر في الوجوب لكن مقتضى الاحتياط الاعاده نعم يشكل فيما يستلزمه قطع العمل والاولى حينئذ تركها والله أعلم (والموالاة والاقرب إنها مراعاة الجفاف وقد حققناه في الذكرى لا خلاف بين أصحابنا في اشتراط الموالاة وإنما الخلاف في معناها فقال بعضهم هي أن لا يؤخر بعض الاعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه وهو اختيار الشيخ في الجمل والمرتضى في شرح الرسالة وأبي الصلاح وابن حمزة وابن البراج وابن إدريس والمحقق في الشرايع والمصنف في هذا الكتاب والذكرى والبيان وقال بعضهم هي أن تتابع بين غسل الاعضاء ولا يفرق إلا لعذر وهو قول المفيد والشيخ في النهاية والخلاف والمرتضى في المصباح والمحقق في المعتبر والعلامة في جملة من كتبه ثم أن بعض القايلين بالقول الاخير كالمحقق والعلامة صرحا بأن الاخلال بالموالاة بهذا المعنى لا يبطل الوضوء وإن كان حراما مع الاختيار ما لم يجف الاعضاء ويفهم ظاهرا من كلام الشيخ في المبسوط مجرد الاخلال بهذا المعنى مبطل للوضوء وإن لم يجف حال الاختيار وأما حال الاضطرار فيراعى الجفاف وكلامه في النهاية والخلاف محتمل للامرين فعلى ظاهر كلام المبسوط يكون الاقوال في المسألة ثلاثة وإن اول بما يوافق كلام المحقق والعلامة يصير قولين كما نقله العلامة في المختلف وبالجملة الظاهر القول الاول وهو مراعاة الجفاف لكن بمعنى اشتراطها في الوضوء لا وجوبها بمعنى استحقاق الذم على تركها اللهم إلا أن يثبت إجماع على الوجوب أو على حرمة إبطال العمل ثم اعلم إن الظاهر من كلام علي بن بابويه إن مع مراعاة الموالاة بالمعنى الثاني إذا جف الاعضاء فلا بأس به مطلقا نعم إذا لم يوال بهذا المعنى سواء كان لضرورة أولا وجب أعضاء الوضوء بطل والظاهر إن إبنه الصدوق أيضا قائل به حيث نقل كلام أبيه في الفقيه ولم ينكره والمصنف (ره) في الذكرى وفي هذا الكتاب قال بالابطال مع الجفاف في الصورة الاولى أيضا إلا مع الضرورة مثل إفراط الحر وشبهه والظاهر ما ذهب إليه الصدوقان فصار حاصل ما اخترناه ثلاثة أمور الاول عدم وجوب الموالاة بمعنى المتابعة وكذا اشتراطها سواء كان في حال الاختيار أولا الثاني بطلان الوضوء بالجفاف مع التفريق بين أفعال الوضوء للضرورة أولا الثالث عدم بطلانه مع الجفاف بدون التفريق مطلقا أما الاول فللاصل وصدق الامتثال وعدم دليل صالح على خلافه ما يظهر من جواب أدلة المخالفين ويدل على عدم الاشتراط أيضا بعض الروايات المتقدمة آنفا في بحث الترتيب وكذا بعض الروايات المتقدمة في بحث الماء للمسح ويمكن أيضا أن يجعل بعض تلك الروايات مؤيدا لعدم الوجوب من حيث إن الامام (عليه السلام) لم يذم فيه بترك المتابعة إلا أن يجيب القائل بالاشتراط عن الروايات

[ 128 ]

المتضمنة للنسيان بتخصيص الاشتراط بحال عدم النسيان أيضا وإن النسيان أيضا من جملة الاعذار التي جوز معها عدم الموالاة وعن الروايات الخالية عنه باغتفار أمثال تلك الفواصل المذكورة فيها بل إنما يقول بإبطال الفصل المعتد به عرفا وقس على هذه الروايات استدلالا وجوابا ما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة قال قال لي لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا ثم أضمرت أن ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء ثم قال ابدأ بالمسح على الرجلين فإن بدأ لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض ويمكن أن يجاب عنه بوجه آخر أيضا بحمله على الفصل للضرورة وأما الثاني فللاجماع ولما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن معاوية بن عمار قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ربما توضأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء فيجب وضوئي قال أعد وإذا ثبت وجوب الاعادة مع الضرورة فبدونها أولى وقد يعترض عليه بإمكان الحمل على الاستحباب وهو بعيد بعد اشتهار حرمة إبطال العمل مطلقا ولما رواه أيضا في الباب المذكور في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا توضأت بعض وضوءك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فاعد وضوئك فإن الوضوء لا يبعض وهاتان الروايتان في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ويدل أيضا على البطلان بالجفاف في خصوص حال المسح مرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السلام) ورواية مالك بن أعين المتقدمتان في بحث استيناف الماء الجديد وأما ما رواه التهذيب في أواخر باب أحكام السهو في الصلوة عن أبي الصلاح الكناني قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلوة قال فلينصرف وليمسح على رأسه وليعد الصلوة الدال بإطلاقه في الامر بالمسح على عدم البطلان حال الجفاف وجواز استيناف الماء الجديد فمع عدم صحة سنده إنما يحمل على بقاء البلة جمعا بين الاخبار وايضا الامر بالمسح يمكن أن يكون المراد منه الامر باعادة الوضوء أي يتوضأ وضوءا يمسح فيه رأسه وقس عليه الحال أيضا في حسنة الحلبي ورواية أبي بصير المتقدمتين في بحث الاستيناف وصحيحة منصور المتقدمة في بحث الترتيب ونظائرها وأما الثالث فللاصل وصدق الامتثال وعدم دليل على خلافه وما ذكره المصنف في الذكرى من ورود الاخبار الكثيرة بخلافه لا وجه له لان الاخبار الواردة في هذا الباب الموجودة في الكتب الاربعة المتداولة لا دلالة فيها على هذا المعنى رأسا إذ ما يمكن أن يستدل به من بينها هاتان الروايتان المذكورتان آنفا وهما كما ترى مخصوصتان بالتفريق ولا وجه لاجزائهما في غير صورة التفريق وكذا مرسلة الصدوق ورواية مالك بن اعين المتقدمتان سابقا مع أنهما مختصان بحال المسح فيجوز أن يكون البطلان لاجل لزوم الاستيناف ولا للجفاف ومما يترااي امكان الاستدلال به على ما اخترناه ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن حريز في الوضوء يجف قال قلت فإن جف الاول قبل أن أغسل الذي يليه قال جف أو لم يجف اغسل ما بقي قلت وكذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة ابدأ بالرأس ثم افض على ساير جسدك قلت وإن كان بعض يوم قال نعم وجه الاستدلال أنه حكم بعدم البطلان بالجفاف مطلقا خرج الجفاف مع التفريق بالدليل فيبقى الباقي وهو المطلوب لكن الظاهر أنه محمول على التقية لموافقة ظاهرة لمذهب العامة و الشيخ (ره) إنما حمله على ما إذا لم يقطع المتوضي وضوئه وإنما تجففه الريح الشديدة أو الحر العظيم وفيه بعد واعلم أن عروض الجفاف بدون التفريق ان كان عند بقاء بعض الغسلات فالحال كما عرفت وإن كان عند تمامها فحينئذ فيه إشكال من حيث احتمال أن يكون الحكم بالصحة حينئذ مخالفا للاجماع لان ابن الجنيد القايل بجواز الاستيناف من بين الاصحاب الظاهر أنه لا يقول بالصحة في هذه الصورة إذ مذهبه اشتراط وجود البلة على جميع الاعضاء إلا لضرورة وها هنا لا ضرورة والصدوقين القائلين بالصحة حال الجفاف مع الاشتغال بافعال الوضوء لم يظهر إن مذهبهما الصحة مع لزوم الاستيناف أيضا لان كلام علي بن بابويه على ما نقل في الفقيه مخصوص بغسل ما بقي عند الجفاف مع أن الصدوق أطلق القول بأن لا يجدد الماء للمسح فحينئذ الاولى في هذه الصورة إعادة الوضوء خوفا لمخالفة الاجماع ثم إن القائلين ببطلان الوضوء في هذه الصورة بدت واضطرار وعدمه فالظاهر معه إنه لا متمسك لهم في الجزء الاول كما علمت وأما في الجزء الثاني فكأنهم تمسكوا بالحرج والاضطرار كما استدل به المحقق في المعتبر وفيه نظر إذ بعد تسليم دلالة الاخبار على إن الجفاف مبطل للوضوء لا وجه لاخراج هذا الفرد للحرج إذ لا حرج ولا اضطرار لانتقال الفرض إلى التيمم اللهم إلا أن يدعوا الاجماع هذا واحتج القائلون بالقول الثاني أي وجوب المتابعة وعدم البطلان بتركها إلا مع الجفاف أما على الجزء الاول فبوجوه الاول قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الاية والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أمر فيقضي فيه بالفور لانه أحوط ولقوله تعالى سارعوا بالخيرات إلى مغفرة من ربكم فاستبقوا الخيرات ثانيهما أنه أوجب غسل الوجه والبدن والمسح عقيب إرادة القيام إلى الصلوة بلا فصل وفعل الجميع دفعة متعذر فيحمل على الممكن وهو المتابعة والجواب عنه أما عن الوجه الاول فبمنع إن الامر للفور وموضع بحثه في الاصول ولو سلم فليس هذا الامر للفور إجماعا وإلا لزم أن يكون تأخير الوضوء عن أول الوقت ممن يريد القيام إلى الصلوة عصيانا ولم يقل به احد وأما عن الثاني فبمنع إن هذا الفاء للتعقيب بلا فصل لان الفاء الموضوعة له إنما هي فاء العاطفة لا الداخلة على الجراء وأيضا لو كان كذلك للزم ما ذكرنا آنفا الثاني موثقة أبي بصير المتقدمة آنفا وجه الاستدلال حكمه (عليه السلام) بأن الوضوء لا يبعض وهو صادق مع الجفاف وعدمه والجواب إن تعليل البطلان بالتفريق مع اليبس بأن الوضوء لا يبعض قرينة على إن المراد بالتبعيض هو أن يصير بعضه جافا وبعضه رطبا مع التفريق وأيضا لو كان المراد بالتبعيض مجرد التفريق لزم عليهم القول ببطلان الوضوء بدون الجفاف أيضا لانه (عليه السلام) علل الاعادة بأن الوضوء لا يبعض مع أنهم لم يقولوا به الثالث قوله (عليه السلام) في حسنة الحلبي المتقدمة في بحث الترتيب اتبع وضوءك

[ 129 ]

بعضه بعضا لان المفهوم من المتابعة فعل كل واحد عقيب الاخر والجواب منع كون المفهوم من المتابعة فعل كل عقيب الاخر بلا فضل بل فعله عقيبه الذي هو الترتيب بل هو الظاهر بقرينة السياق وأولوية التأسيس من التأكيد لا ظهور لها مطلقا سيما هاهنا لمعارضة السياق ويؤيد هذا المعنى وقوعها في رواية زرارة المتقدمة في بحث الترتيب ايضا بمعنى الترتيب الرابع الاحتياط وجوابه ظاهر الخامس الوضوء البياني وقوله (عليه السلام) بعده هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة الآية ووجه الاستدلال والجواب عنه قد مر غير مرة السادسة صحيحة زرارة وموثقة أبي بصير المتقدمتان سابقا في بحث الترتيب وجه الاستدلال بهما أنه لو لم يكن الموالاة واجبة لما حكم بإعادة غسل الوجه والجواب إنك قد عرفت سابقا توجيه صحيحة زرارة وإنها لا تدل على إعادة غسل الوجه ولو سلم فقد مر أيضا أنه يمكن أن يكون الامر بالاعادة لعدم مقارنة النية فلم يتم الاستدلال على وجوب الموالاة وأيضا لا وجه للقول بأن الاعادة ها هنا لفوات الموالاة إذ ليس في الخبر على تقدير حمل السؤال على أنه سؤال واحد إشعار بوقوع فصل بعد غسل الوجه ولو حمل على السؤالين أيضا ليس في السؤال الاول ما يشعر بذلك فالحكم الاعادة مطلقا لاجل فوات الموالاه لا يصح إلا بأرتكاب تخصيص وتقييد وليس ارتكابهما أولى من ارتكاب التجوز بحمل الاعادة لو سلم فهمها على الاستحباب على أنه قد مر غير مرة إن الامر في أحاديثنا ليس بظاهر في الوجوب وأيضا قد ظهر من بعض الروايات المتقدمة في بحث الترتيب عدم الاحتياج إلى استيناف الوضوء عند تقديم بعض الاعضاء على بعض أو نسيانه وكذا في بحث استيناف الماء فقد عارض هذه الصحيحة والرجحان معه لتأييده بالاصل وأما موثقة أبي بصير فيجري فيها أيضا بعض ما ذكر مع أن الجزء الاخير منها قرينة على أن الامر بإعادة غسل الوجه في الاول ليس لفوات الموالاة وإلا لوجب إعادته في الصورة الثانية أيضا مع أن الظاهر منها عدم وجوبها كما لا يخفى هذا كله مع أن من احتج بهما كالعلامة (ره) لا يقول بالبطلان بترك الموالاة والاستدلال بهما لو تم لدل على البطلان وقد يستدل أيضا بما رواه الكافي في باب الشك في الوضوء عن حكم بن حكيم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس قال يعيد الوضوء إن الوضوء يتبع بعضه بعضا وجه الاستدلال إن المتابعة لو لم يكن واجبة لما حكم (عليه السلام) بالاعادة وأيضا تعليل الاعادة بأن الوضوء يتبع بعضه بعضا يدل على أن المراد بالمتابعة عدم الفصل لا الترتيب لان حصول الترتيب لا يتوقف على إعادة الوضوء بل يكفي فيه الاتيان على العضو المنسي وبما بعده والجواب إنك خبير بأن حمل الرواية على ظاهرها من إعادة الوضوء مطلقا لا معنى له لما عرفت من ورود الروايات الكثيرة بعدم الاعادة حال حال النسيان مع إن مذهبهم أيضا ليس الاعادة مطلقا فلا بد من الجمع بينهما بحمل هذه الرواية على الفصل الكثير أو الجفاف والروايات السابقة على ما يقابلهما والظاهر الثاني لاشعار بعض من تلك الروايات المتضمنة لعدم الاعادة بوقوع الفصل الكثير وبعضها ايضا على مراعاة الجفاف وعلى هذا فلا دلالة وأما ما ذكره من التعليل ففيه إن بعد ما علمت من ظهور الحمل على الاعادة مع الجفاف لا بد أن يحمل المتابعة على ما يوافقه نحو ما حملنا التبعيض عليه آنفا ويمكن أيضا أن يحمل اعادة الوضوء على الاتيان بما نسي وإعادة ما بعده هذا كله مع إن الرواية ضعيفة السند وقس عليه أيضا الاستدلال بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلوة هذا وأما على الجزء الثاني أي عدم البطلان إلا مع الجفاف فيتحقق الامتثال مع الاخلال بالمتابعة في غسل المغسول ومسح الممسوح فلا يكون قادحا في الصحة هكذا ذكره المحقق والعلامة رحمهما الله وأنت خبير بأن وجوب المتابعة بهذا المعنى لو استنبط من الروايات الدالة على وجوب المتابعة فما ذكراه موجه لان الامر بالوضوء مطلق وهذه الروايات لا ظهور لها في تقييدها اياه بل إنما يدل على وجوب المتابعة فقط فعند الاتيان بالوضوء بدون المتابعة يتحقق امتثال ذلك الامر وإن خولف تلك الاوامر وأما لو استنبط من فورية الامر أو من الوضوء البياني كما أورداهما أيضا في طي الادلة ففيه نظر كما لا يخفى وأما القول بالثالث اي وجوب المتابعة وبطلان الوضوء بالاخلال بها اختيارا وإن لم يجف وعدم البطلان به اضطرارا لا مع الجفاف فعلى تقدير تحققه الاستدلال على جزئيه الاولين والجواب عنه إنما يستخرج من الكلمات السابقة وأما الجزء الاخير فيمكن الاستدلال عليه باللاجماع وبمفهوم قوله (عليه السلام) في موثوقة أبي بصير المتقدمة حتى يبس وضوئك هذا والاحتياط يقتضي الاعادة مع الجفاف (مطلقا إلا لضرورة) مثل فرط الحر وشبهيه وكذا مع الاخلال بالمتابعة اختيارا وكذا ترك الاخلال بالمتابعة اختيارا احتياطا للحرمة فلو والى رجف بطل إلا مع إفراط الحر وشبهه) قد تقدم القول فيه (ولو فرق ولم يجف فلا أثم ولا إبطال إلا أن يفحش التراخي فيأثم مع الاختيار) وجه عدم الاثم والابطال بالتفريق مع عدم التفاحش قد ظهر مما سبق وأما الاثم مع التفاحش فلم يظهر له وجه لان ما ذكرنا سابقا إنما يدل على عدم الاثم بالتراخي مطلقا سواء كان متفاحشا أو لا إلا إذا جف فإنه حينئذ يحصل الاثم مع الاختيار بناء على حرمة إبطال العمل أو إجماع إن كان وأما الاثم بالتراخى مع التفاحش وإن لم يجف فلا وجه له ظاهرا ولم نقف في كلام الاصحاب أيضا على القول بهذا التفصيل الذي ذكره المصنف ولعل وجهه أنه مع التفاحش لا يصدق عليه المتابعة ويندرج تحت التبعيض ورفعه ظاهر مما سبق مع أنه لو سلم اندراجه تحت التبعيض لكان الظاهر لزوم البطلان أيضا لا مجرد الاثم فتدبر ثم أين الجفاف الذي يراعى في صحة الوضوء وعدمه هل هو جفاف جميع الاعضاء المتقدمة على العضو المفرق أو بعض ما تقدم والعضو السابق ظاهر الاكثر الاول وصرح ابن الجنيد بالثاني وظاهر المرتضى وابن إدريس الثالث هكذا ذكره المصنف في الذكرى وما ذكره الشيخ في الخلاف وإن جفت أعضاء الطهاره أعاد الوضوء وإن بقي في يده نداوة بنى على ما قطع عليه فكان مراده فيه من بقاء النداوة على اليد بقاؤها في الجملة وإنما ذكر اليد على سبيل التمثل بقرينة مقابلته لجفاف أعضاء الطهارة فيرجع إلى المشهور

[ 130 ]

والظاهر من الاقاويل قول الاكثر لانه حكم على خلاف الاصل فيقتصر على القدر المتيقن ولا يقين فيما سوى جفاف الجميع والروايتان السابقتان الدالتان على الاعادة مع الجفاف لا ظهور لهما في جفاف البعض كما لا يخفى ويؤيده ايضا الروايات السابقة في بحث استيناف الماء للمسح المتضمنة للاخذ من اللحية والحاجب والاشفار واعلم أيضا أن الاصحاب ذكروا إن مراعاة الجفاف إنما هو بالقياس إلى الهواء المعتدل وظاهره أن تعجيل الجفاف في الهواء الحار جدا وكذا تأخيره في الهواء الرطب جدا مما لا يعتد به بل إنما يراعى حكم التوسط لكن المصنف (ره) في الذكرى حكم بأن وجود البلل حسا كاف البتة ولم يضر الجفاف على تقدير اعتدال الهواء وحمل كلام الاصحاب على أن مرادهم من التقييد إخراج طرف الافراط في الحرارة وهو جيد لان الاعادة إنما علقت على الجفاف لا يصدق الجفاف ها هنا لا لغة ولا عرفا والجفاف التقديري لا عبرة به وأنت خبير بأن التقييد لاخراج طرف الافراط فقط أيضا فيه إشكال لان الحكم معلق على الجفاف وقد تحقق في هذا الفرض فالتقدير لا وجه له إلا أن يقال المتبادر منه الجفاف حال اعتدال الهواء وفيه ضعف أو يتمسك بالحرج والاضطرار وهو أيضا ضعيف سيما في بعض الصور نعم يمكن أن يقال إن هذا الحكم على خلاف الاصل فيقتصر على القدر المتيقن ولا يقين فيما سوى الجفاف على تقدير الاعتدال لعدم الاتفاق فيه والروايتان المنقولتان آنفا الدالتان على الاعادة مع الجفاف أحديهما موثقة فلا يصلح للتعويل والاخرى منقولة بطريقين أحدهما ما اشترك فيه التهذيب والكافي وهو ضعيف وثانهما ما اختص به التهذيب وهو وإن كان صحيحا لكن فيه حسين ابن سعيد عن معاوية بن عمار وهو يختلج الشك فيه من حيث بعد رواية حسين عنه بلا واسطة فهي أيضا مما يضعف الاعتماد عليه خصوصا مع عدم عمل الاصحاب بظاهرها وأما مرسلة الفقيه عن الصادق (عليه السلام) ورواية مالك بن أعين المنقولتان في بحث استيناف الماء للمسح فهما أيضا لا يصلحان للتعويل للارسال والجهالة مع أنهما يختصان بنسيان المسح وإعادة الوضوء مع الجفاف وعنده فحينئذ يجوز أن يكون الاعادة لاجل عدم جواز الاستيناف للمسح لا لبطلان الوضوء بالجفاف فتأمل ثم إن الشهيد الثاني في شرح الارشاد قال والمعتبر من البلل الحسي فلا اعتبار بتقدير الهواء حال كونه مفرط الرطوبة بكونه معتدلا ولا بتقييد بعضهم الهواء بالمعتدل ليخرج طرف الافراط في الحرارة فإن زوال البلل حينئذ مغتفر كما تقدم انتهى ولا يذهب عليك إن ما ذكره من اغتفار زوال البلل حينئذ هو بعينه ما ذكروه من تقييد الهواء بالمعتدل لاخراج طرف الافراط بالحرارة فلا وجه للايراد عليهم أصلا فتدبر وذكر المصنف (ره) أيضا في الذكرى أنه لو اشبع الماء بحيث لو اعتدل لجف لم يضر أيضا وهو أيضا حسن كما ظهر وجهه (ويصح نذر الولاء فيلزم ويبطل الاخلال به الوضوء إن جف وإلا ففيه وجهان ويكفر أن تعين) المراد بالولاء المتابعة بدون فصل واعلم إن أنذر الولاء يحتمل وجهين الاول أن ينذر أن يتابع بين أعضاء الوضوء الواجبي أو الندبي إن فعله الثاني أن ينذر الاتيان بوضوء يوالي فيه ولا خفاء في صحة النذر بالوجهين أما على تقدير عدم وجوب الموالاة فمطلقا لما فيه من المسارعة إلى الطاعة وأما على وجوبها فعلى القول بصحة نذر الواجبات وأما لو أخل بالولاء فهل يبطل الوضوء بدون الجفاف أم لا ففيه وجهان نظرا إلى إن المعتبر في صحة الفعل حاله الذي اقتضاه النذر أم أصله وتحقيق المقام أن يقال إن النذر إن كان بالنحو الاول فلو توضأ بالوضوء الذي نذر أن يوالي فيه ولم يوال فالظاهر صحته لان النذر المذكور لم يقيد الامر المطلق به كما هو الظاهر فيتحقق الامتثال نعم لم يأت بما نذره فإن كان مضيقا وفات وقته لزم الكفارة وإلا فلا بل إنما يلزم الاتيان به في وقت آخر في وضوء آخر وإن كان بالنحو الثاني فإن أتى بوضوء بدون الولاء فإن قصد به المنذور فلا خفاء في عدم أجزائه عنه فحينئذ ان كان في ذمته وضوء آخر واجب أو مندوب فلا يخلو أما إن قصده أيضا أو لا فإن قصده فإنما يجزي عنه البتة وإن لم يقصده فأجزاءئه عنه وعدمه بناء على وجوب قصد التكليف بخصوصه في الامتثال وعدمه فعلى الاول الثاني وعلى الثاني الاول ثم هذا النذر إن كان مضيقا فيلزم الكفارة وإلا فلا وإن لم يقصد به المنذور فالامر واضح (والمباشرة بنفسه مع الاختيار وعد ابن الجنيد ذلك ندبا باطل) المراد بالمباشرة بنفسه صب الماء على أعضاء الغسل والمسح بنفسه فأما صب الماء على اليد ليصيب على العضو الاخر فليس بمراد ظاهرا لانه ليس من افعال الوضوء واعلم إن وجوب المباشرة بنفسه مع الاختيار قد ادعى العلامة في المنتهى الاجماع عليه وقال المحقق أيضا في المعتبر هذا مذهب الاصحاب وقال المرتضى في الانتصار أنه انفرد به الامامية ونقل عن ابن الجنيد أنه قال يستحب أن لا يشرك الانسان في وضوءه غيره بأن يوضيه أو يعينه عليه وهذا القول ضعيف أما أولا فلدعوى الاجماع على خلافه وأما ثانيا فلان الاوامر الواردة بالوضوء إنما يتبادر منها توضي المكلف بنفسه لان إسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة ثم أنه لا خفاء في بطلان الوضوء بدون المباشرة وأما إنه هل يحرم ذلك أم لا ظاهر المعتبر والمنتهى الاجماع على عدم الجواز لكن الظاهر عدم حصول الظن بأمثال هذه العبارات في مثل هذا الموضع إذ كثيرا ما يستعملون في عدم الاجزاء عدم الجواز ويشتبه أحدهما بالاخر جدا إلا أن يقال ببدعية العبادات على النحو الغير المتلقى من الشارع وإن كل بدعة حرام وكلاهما لا يخلو من إشكال أو يقال بدخوله تحت إبطال العبادة وأنه منهي عنه وفيه أيضا خفاء ويمكن أن يستدل عليه بما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء عن الحسن بن علي الوشا قال دخلت على الرضا عليه السلام وبين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه إلى الصلوة فدنوت لاصب عليه فأبى ذلك وقال مه يا حسن فقلت له تنهاني إن أصب على يدك تكره أن أو جر فقال تؤجر أنت وأوزر أنا فقلت له وكيف ذلك فقال ما سمعت الله يقول فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وها أنا ذا أتوضأ للصلوة وهي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض ووجه الاستدلال إن الوزر ظاهره الاثم لكنه لما كان سند الرواية لم يظهر صحته ويمكن أيضا حمل الوزر على الكراهة سيما مع قرينة لفظة فأكره مع إن حسنات الابرار سيئات المقربين فلم يصلح للتعويل عليها في الحرمة فإن قلت ما معنى قوله عليه السلام تؤجر أنت وأوزرر أنا لانه إذا حصل الوزر له كيف يحصل الاجر للراوي لان معاونة الاثم إثم ومعاونة المكروه مكروه قلت كان مراده عليه السلام إنه لما كان الراوي يظن أنه إعانة على البر فهو إنما يثاب بظنه بظنه لو لم

[ 131 ]

ينهه ويكون هو عليه السلام مأزورا والله أعلم ثم أنه يجوز تولية الغير مع الاضطرار للاجماع كما ذكره العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر واستدل عليه المصنف في الذكرى و تبعه الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد بأن المجاز إنما يصار إليه عند تعذر الحقيقة وفيه نظر لان مرادهما من الصيرورة إلى المجاز أما إن الاوامر العامة الواردة بالوضوء مثل قوله تعالى فاغسلوا الاية إنما يحمل بالنسبة إلى المختار على الغسل بنفسه الذي هو الحقيقة وبالنسبة إلى المضطر على الغسل بتولية الغير الذي هو المجاز لامتناع الحمل على الحقيقة بالنسبة إليه ففيه أنه لو لم يصر إلى تخصيص المضطر من العموم بدلالة العقل من حيث امتناع التكليف بما لا يطاق ويصار إلى عموم المجاز الذي هو المرجوح أو الممتنع وأما إن تلك الاوامر إنما يختص بالمختارين ويكون المضطرون مكلفون بتكليف آخر بالغسل المجازي ففيه مع بعده من العبارة أنه حينئذ ما الدليل على ثبوت تكليف آخر بالغسل المجازي لان التكاليف المعلومة إنما هي بهذه العمومات المختصة بالمختارين على هذا التقدير فإن تمسكتم بالاجماع أو دليل آخر على ثبوت ذلك التكليف فليعول عليه ابتداء واستدل في المعتبر أيضا بأنه توصل إلى الطهارة بالقدر الممكن وفيه أيضا نظر كما لا يخفى (درس سنن الوضوء وضع الاناء على اليمين والاغتراف بها) المراد بالاناء الذي يغترف منه باليد لا يصب ما منه كالابريق أما استحباب وضعه الاناء على اليمين فذكر المحقق أنه مذهب الاصحاب واستدل عليه بأنه أمكن في الاستعمال وهو نوع من تدبير وبما روى عن النبي صلى الله عليه وآله إن الله يحب التيامن في كل شئ وبما روي عن عايشة أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله وأما ما ورد في حديث القعب المتقدم من أنه (عليه السلام) وضعه بين يديه فيمكن أن يقال أنه لا ينافي ما ذكر لان الوضع على اليمين أيضا يطلق عليه هذا المعنى كثيرا ولن كان على سبيل المسامحة ولا يذهب عليك أنه لو لم يكن الشهرة بين الاصحاب لكان الاولى الحكم باستحباب الوضع بين يديه لظهوره دلالة الرواية وعدم تمامية الادلة المذكورة لا على استحباب الوضع على اليمنى كما لا يخفى وأما الاغتراف باليمين فهو أيضا مثل سابقه في ذهاب الاصحاب إليه وجريان الدليل المذكورة مع ما ورد في الروايات المتضمنة لورودهم عليهم السلام من الاغتراف بها ويدل عليه أيضا في حكاية الثقفي والانصاري المنقولة في باب نوادر الكافي قبل أبواب الحيض وفي باب فضائل الحج في الفقيه لكن لا يذهب عليك إن ااستحباب الاغتراف باليمين لغسل الوجه وغسل اليد اليسرى مما لا خفاء فيه وأما استحبابه لغسل نفسها كما ذكره الاصحاب من أنه يغترف بها ويدير على اليسرى ففيه خفاء لان جميع الروايات الواردة في هذا الباب التي في الكتب الاربع على حسب ما وجدناه إنما يتضمن الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى سوى حديث الطست المنقول عن زرارة وبكير على النحو الذي في التهذيب فإن فيه الاغتراف باليمنى لغسل نفسها وأما على النحو الذي في الكافي فهو أيضا متضمن للاغتراف باليسرى والذي رواه في باب صفة الوضوء في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملا بها حده (جسده) والماء أوسع إلا أحكى لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت بلى قال فأدخل يده في الاناء ولم يغسل يده فأخذ كفا من ماء فصبه على وجهه ثم مسح جانبيه حتى مسحه كله ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الايمن ثم أخذ كفا آخر فغسل به ذراعه الايسر ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه فحينئذ الحكم باستحباب الاغتراف باليمنى مطلقا مشكل لان الروايات الدالة على الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى أكثر من الدال على خلافه لانها أربع وهي إثنتان سيما إن رواية الطست قد وقعت في الكافي على خلاف التهذيب وبهذا يتطرق ظن الغلط إليه لانه أثبت من التهذيب والرواية الاخرى فيها محمد بن عيسى عن يونس وفيه أيضا خدشة فالاولى الحكم باستحباب الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى أو بالتساوي بينهما قال الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد وفي حديث عن الباقر (عليه السلام) إنه أخذ باليسرى فغسل اليمنى وهو لبيان الجواز انتهى وهو كما ترى والله أعلم (والتسمية) استحباب التسمية عند الوضوء إجماع منا وقال الظاهرية بالوجوب والذي يدل على عدم الوجوب مضافا إلى الاجماع ما رواه التهذيب في الزيادات في باب صفة الوضوء في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا سميت في الوضوء طهر جسدك كله وإذا لم تسم لم يطهر جسدك إلا ما مر عليه الماء وما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) بهذا المضمون وقال الفقيه أيضا في باب حد الوضوء وروى إن من توضأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده وكان الوضوء الى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما أصابه الماء ويؤيده أيضا بعض ما ورد في صفة الوضوء وليس فيه ذكر التسمية كما تقدم في الابواب السابقة وكذا ما رواه في الباب المذكور أيضا في الصحيح عن عيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من ذكر اسم الله تعالى على وضوئه فكأنما اغتسل وهذه الرواية في الفقيه أيضا مرسلة في الباب المذكور وأما ما رواه أيضا في هذا الباب عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن رجلا توضأ وصلى فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعد وضوءك وصلواتك ففعل وتوضأ وصلى فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أعد وضوئك وصلوتك ففعل وتوضأ وصلى فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أعد وضوءك وصلوتك فأتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فشكا ذلك إليه فقال هل سميت حين توضأت قال لا قال فسم على وضوئك فسمى وتوضأ وصلى وأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يأمره أن يعيد فينافي ما ذكرناه لعدم ظهوره في الوجوب فليحمل على الاستحباب مع أنه مرسل وحمل الشيخ التسمية على النية وفيه بعد والذي يدل على استحباب التسمية مضافا إلى الاجماع والروايات المنقولة آنفا ما رواه أيضا في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا وضعت يدك في الماء فقل بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فإذا فرغت فقل الحمد لله رب العالمين وما رواه الفقيه في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) قال وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضأ قال بسم الله وبالله وخير الاسماء لله وأكبر الاسماء لله وقاهر لمن في السماء وقاهر لمن في الارض الحمد لله الذي جعل من الماء كل شئ حي وأحيى قلبي بالايمان اللهم تب علي وطهرني واقض لي بالحسنى وأرني كل الذي أحب وافتح لي بالخيرات من عندك يا سميع الدعاء وأما صفة التسمية فيستفاد

[ 132 ]

من هاتين الروايتين والظاهر أنه لو اكتفى ببسم الله لاجزى كما يدل عليه حديث القعب المتقدم وإطلاق الروايات المنقولة آنفا وكذا ما رواه الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن محمد بن قيس في حديث طويل حكاية الثقفي والانصاري وقد روى الفقيه أيضا هذه الرواية في باب فضايل الحج لكن فيه بدل بسم الله بسم الله الرحمن الرحيم ولا يخفى إنه أولى سيما إن التسمية في العرف كأنه ينصرف إليه (والدعاء) المراد الدعاء عند التسميه وقد مر آنفا ما يتضمن طريقين منه ويتضمن طريقا آخر أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع ابن الحنفية إذ قال له يا محمد إيتني بإناء من ماء أتوضأ للصلوة فأتا محمد بالماء فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى ثم قال بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعل نجسا قال ثم استنجى فقال اللهم حسن فرجي واعفه واستر عورتي وحرمني على النار وقال ثم تمضمض فقال اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وااطلق لساني بذكرك ثم استنشق فقال اللهم لا تحرم على ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها قال ثم غسل وجهه فقال اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه ثم غسل يده اليمنى فقال اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حسابا يسيرا ثم غسل يده اليسرى فقال اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران ثم مسح رأسه فقال اللهم غشني برحمتك وبركاتك ثم مسح رجليه فقال اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الاقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني ثم رفع رأسة فنظر إلى محمد فقال يا محمد من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويكبره فيكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب النوادر قبل أبواب الحيض وفي الفقيه في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) (والسواك) استحباب السواك أيضا أجماع منا وقال بعض العامة بالوجود الذي يدل على عدم الوجوب مضافا إلى الاجماع ما رواه الكافي في باب السواك عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك قال وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك مع كل صلوة وروى الفقيه أيضا في باب السواك هذا المضمون مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله) والذي يدل على استحبابه مضافا إلى الاجماع وما ذكرما رواه الفقيه في الباب المذكور قال وقال الصادق (عليه السلام) نزل جبرئيل بالسواك والحجامة والخلال وقال الصادق (عليه السلام) أربع من سنن المرسلين التعطر والسواك والنساء والحناء وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته لعلي (عليه السلام) يا علي عليك بالسواك عند وضوء كل صلوة والروايات في فضل السواك كثيرة وسيجئ بعض آخر منها إنشاء الله تعالى فيما بعد ثم أنهم اختلفوا في أن السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا فقيل أنه من سننه لانه نوع من النظافة يؤمر به المتوضي وقيل أنه سنة مقصوده في نفسه لانه يؤمر به غير المتطهر كالحائض والنفساء كما يؤمر به المتطهر ويظهر الفائدة فيما لو نذر الاتيان بسنن الوضوء والظاهر الاول لما رواه الفقيه في الباب المذكور قال وقال (عليه السلام) السواك شطر الوضوء ويؤيده أيضا ما تقدم في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) وكون غير المتطهر أيضا مأمورا به لا ينافيه كما لا يخفى (و المضمضة والاستنشاق ثلاثا ثلاثا) قد اتفق أصحابنا على استحبابهما أيضا إلا ابن أبي عقيل فإن الظاهر من كلامه عدم الاستحباب والوجوب جميعا وخالف بعض العامة فقال بوجوبهما والذي يدل على عدم وجوبهما ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ليس عليك استنشاق ولا مضمضة لانهما من الجوف وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب المضمضة وما رواه أيضا في الباب المذكور عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة ولا سنة إنما عليك أن تغسل ما ظهر والذي يدل على استحبابهما ما تقدم من وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) وما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح أو الموثق عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عنهما فقال هما من الوضوء فإن نسيتهما فلا تعدو ما رواه أيضا في الباب المذكور في الموثق عن سماعة قال سألته عنهما فقال هما من السنة فإن نسيتهما لم يكن عليك إعادة وما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن سنان قال المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال الصدوق (ره) أن السنن الحنفية عشر سنن وعد من جملتها المضمضه والاستنشاق وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء فمحمول على إنهما ليسا من فرايض الوضوء وكذا ما رواه الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن المضمضة والاستنشاق فقال ليسا هما من الوضوء هما من الجوف إلى غير ذلك من الاخبار الواردة بهذا المعنى وأما الرواية المتقدمة عن زرارة النافية لكونهما سنة أيضا فمع جهالة سندها محمولة على السنة التي لا يجوز تركها لان السنة في عرفهم ليس بمعنى الاستحباب في عرفنا بل ما ثبت بسنة الرسول وما ذكره المصنف من كونهما ثلاثا ثلاثا هو المشهور بين الاصحاب ولم نطلع على مستنده سوى ما تضمنه رواية معلى بن خنيس المنقولة آنفا من التمضمض ثلاث مرات بعد الوضوء عند نسيان السواك لكن الشهرة بين الاصحاب كأنها كافية في هذا الباب قال المصنف في الذكرى وكيفيتهما أن يبدء بالمضمضة ثلاثا بثلاث أكف من ماء ومع الاعواز بكف واحدة فيدير الماء في جميع فيه ثم يمجه ثم يستنشق وليبالغ فيهما (والدعاء فيهما) قد تقدم في حديث وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) (وتثنية الغسل) المشهور بين الاصحاب استحباب تثنية الغسلات وادعى ابن إدريس الاجماع عليه بناء على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب وفيه ضعف وخالف فيه الصدوق وقال بعدم الاستحباب وهو الظاهر من كلام الكافي أيضا كما سننقله ومن كلام أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أيضا على ما نقل ابن إدريس عنه أنه قال في نوادره واعلم إن الفضل في واحدة واحدة ومن زاد على إثنتين لم يؤجر ثم إن كلام الكافي صريح في عدم حرمته وبدعيته وهو الظاهر من كلام الصدوق

[ 133 ]

أيضا لكن ابن إدريس نسب إلى بعض الاصحاب القول بالتحريم ويظهر منه أنه الصدوق والشيخ أيضا في الخلاف ونسب التحريم إلى بعض الاصحاب وبالجملة الظاهر عدم الاستحباب وأما الحرمة بل الكراهة أيضا فلا لنا الروايات الكثيرة المتقدمة في صفة الوضوء المتضمنة لفعلهم (عليه السلام) مرة مرة وما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع وقد بال فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه وكفا غسل به ذراعه الايمن وكفا غسل به ذراعه الايسر ثم مسح بفضل النداء رأسه ورجليه وما رواه الكافي في باب صفة الوضوء في الصحيح عن حماد بن عثمان قال كنت قاعدا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدعا بماء فملا به كفه فعم به وجهه ثم ملا كفه فعم به يده اليمنى ثم ملا كفه فعم به اليسرى ثم مسح على رأسه ورجليه وقال هذا وضوء من لم يحدث حدثا قال الكافي يعني به التعدي في الوضوء ويمكن أن يكون مراده (عليه السلام) معناه الظاهر وكونه ما فعله (عليه السلام) وضوء من لم يحدث باعتبار عدم غسل اليد قبل الوضوء إذ المحدث يستحب له غسل اليد كما تقدم وما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن زرارة قال حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعا بقدح وأخذ كفا من ماء فأسدله على وجه ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا ثم أعاد يده اليسرى في الاناء فأسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها ثم أعاد اليمنى في الاناء فصبها على اليسرى ثم صنع بها كما صنع باليمنى ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء وهذه الرواية في التهذيب أيضا في باب صفة الوضوء ببعض التغييرات وقد نقلنا بعضا منها في بحث البدئة بأعلى الوجه وما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور في الحسن عن بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال ألا أحكي لكم وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ بكفه اليمنى كفا من ماء فغسل به وجهه ثم أخذ بيده اليسرى كفا فغسل به يده اليمنى ثم أخذ بيده اليمنى كفا من ماء فغسل به يده اليسرى ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه وما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور في الموثق عن عبد الكريم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء فقال ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلا مرة مرة وهذه الرواية في التهذيب أيضا لكن بسند ضعيف قال الكافي بعد نقل هذه الرواية هذا دليل على أن الوضوء إنما هو مرة مرة لانه (صلى الله عليه وآله) كان إذا أورد عليه أمران كلاهما لله طاعة أخذ بأحوطهما وأشدهما على بدنه وإن الذي جاء عنهم (عليهم السلام) أنه قال الوضوء مرتان إنه هو لو لم يقنعه مرة واستزاده فقال مرتان ثم قال ومن زاد على مرتين لم يوجر وهو اقصى غاية الحد في الوضوء الذي من تجاوزه أثم ولم يكن له وضوء وكان كمن قد صلى الظهر خمس ركعات ولو لم يطلق (عليه السلام) في المرتين لكان سبيلهما سبيل الثلاثة انتهى كلامه رفع مقامه وما رواه التهذيب في الباب المذكور عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الوضوء واحدة فرض وإثنتان لا يؤجر والثالث ردعة وما رواه أيضا في هذا الباب عن يونس بن عمار قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء للصلوة فقال مرة مرة وهذه الرواية في الكافي آيضا في باب صفة الوضوء وما تقدم من حسنة زرارة أو صحيحة في بحث مسح مقدم الرأس من قوله (عليه السلام) إن الله وتر إلى آخره وما تقدم من حسنة ميسر في بحث الكعب وما رواه الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال وقال الصادق (عليه السلام) والله ما كان وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا مرة مرة وتوضأ النبي (صلى الله عليه وآله) مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة إلا به واعلم إن هذه الروايات وإن أمكن المناقشة في بعضها بحمله مثلا على إن المراد صفة الوضوء البياني وأقل ما يجب وإن عدم الاجر باعتبار اعتقاد الوجوب وبضعف السند لكن بعضها مما لا يحتمل هذه المناقشات والبعض الذي يحتملها يؤيده في المطلب فيحصل من جميعها ظن قوى بالمراد كما يحكم به الوجدان هذا ما يدل على عدم الاستحباب وأما عدم الحرمة والكراهة فلعدم دليل عليهما مع اعتضاده ببعض الروايات الاتية واحتج القائلون بالاستحباب بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء فقال مثنى مثنى وفيه أنه لا دلالة له على الاستحباب لجواز أن يكون مراده (عليه السلام) بيان القدر الذي رخص فيه للناس الذي لا يجوز التجاوز عن والحاصل إن الثنتين إنما هو من باب الرخصة لا الاستحباب ويؤيده ما رواه الكشي عن حمدويه وإبراهيم قالا حدثنا محمد بن إسماعيل الرازي قال حدثني أحمد بن سليمان قال حدثني داود الترقي قال دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت جعلت فداك كم عدة الطهارة فقال ما أوجب الله تعالى فواحدة فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لضعف الناس ومن توضأ ثلاثا ثلاثا فلا صلوة له فإن هذا مشعر بأن إضافة الرسول (صلى الله عليه وآله) مرة أخرى إنما هو من باب التسهيل والرخصة لا من باب الرجحان والاولوية فإن قلت ما معنى الاضافة والازدياد لضعف الناس ورخصتهم بل ينبغي أن يكون الامر بخلافه قلت وجهه أن المرة الواحدة إنما تحتاج إلى مبالغة كثيرة ليتحقق الغسل ويطمئن الخاطر فيسبب تجويز المرتين ورخصة الناس في التكرار يرتفع عنهم كلفة المبالغة ومشقتها فصح تعليل الاضافة بضعفهم وأيضا يجوز أن يكون المراد بضعفهم ضعف عقولهم حيث لم يقاوم بالوساوس الوهمية التي تعرض لهم في وصول الماء إلى جميع العضو عند الاكتفاء بالمرة الواحدة ويعلق خاطرهم كما تشاهد من أنفسنا فحيث جوز المرتان يزول عنهم ذلك الوسواس وتطمئن قلوبهم لجزمهم التام حينئذ بأنه لو لم يصل في المرتبة الاولى إلى الجميع لوصل في الثانية البتة وها هنا كلام آخر وهو أنه يجوز أن يكون المراد بمثنى بمثنى الغرفتين لغسلة واحدة لا الغسلتين والكلام إنما هو في الغسلتين كما صرح به المصنف (ره) في الذكرى ويؤيده ما رواه التهذيب والكافي في آخر حديث الطست المنقول سابقا حيث قال الراوي فقلنا أصلحك الله فالغرفة الواحدة تجزء للوجه وغرفة للذراع فقال نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله وحينئذ يصير توجيه ما رويناه عن الكشي أظهر هذا وقد حمله المحقق إليها في علي معنى آخر وهو أنه يجوز أن يكون المراد غسلتين ومسحتين خلافا للعامة حيث أنهم يقولون بغسلات ومسحة وأيده بما روى ابن

[ 134 ]

عباس إن الوضوء غسلتان ومسحتان وليس ببعيد واحتجوا أيضا بما رواه في التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الوضوء مثنى مثنى والكلام فيه أيضا كالكلام في سابقه مع أن فيه كلاما آخر أيضا من حيث السند لانهم ذكروا إن صفوان لم يرو عن أبي عبد الله (عليه السلام) بلا واسطة فيكون في الخبر إرسال فيضعف وقد رد بعضهم هذا بأن الارسال هاهنا ليس بضائر للاجماع على تصحيح ما يصح عن صفوان وفيه شئ لاحتمال أن يكون معنى هذا الاجماع إن ما يصح عنه صحيح باعتباره نفسه لا باعتبار ما فوقه أيضا فيكون في الحقيقة راجعا إلى تعديله وتوثيقه وحينئذ لا يجدي في المرام هذا إذا كان المراد صفوان ابن يحيى كما هو الظاهر بالنظر إلى رواية أحمد بن محمد عنه لان الظاهر أنه أما ابن عيسى أو ابن خالد لرواية الشيخ عنهما وهما لا يرويان عن ابن مهران وإن كان ابن مهران كما هو الظاهر بالنظر إلى رواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) فحينئذ الظاهر أن أحمد بن محمد هو أحمد بن محمد بن أبي نصر لانه يروي عن ابن مهران وعلى هذا فيكون بينه وبين الشيخ واسطة وطريق الشيخ في الفهرست إلى أحد كتابيه ليس بصحيح فكان هذه الرواية منه فإذن يحصل القدح في صحته وإن حمل أحمد بن محمد حينئذ على أحد السابقين بقرينة رواية الشيخ يحصل الارسال بينه وبين صفوان قال الواسطة غير معلومة فعلى أي وجه لا يخلو عن قدح ولا يخفى أن أظهر الاحتمالات أن يكونا ابن أبي نصر وابن مهران لان الارسال في صدر الرواية أكثر منه في أوسطها بغير ذكر فتدبر وبما رواه أيضا في باب أبواب الاحداث في الموثق عن يونس بن يعقوب قال قلت الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال قال يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين وفيه أيضا ما تقدم وبما رواه أيضا في الباب المذكور عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الوضوء مثنى مثنى من زاد لم يؤجر عليه وحكى لنا وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغسل وجهه مرة واحدة (وذراعيه مرة واحدة) ومسح رأسه بفضل وضوئه ورجليه وفيه أيضا ما تقدم مع أنه ضعيف السند وما في آخر الخبر من حكاية الوضوء (لا يخلو من تأييد لما ذكرناه وبما رواه الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال فرض الله الوضوء) واحدة واحدة ووضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوضوء للناس إثنتين إثنتين ويعلم حاله أيضا مما سبق مع أنه مقطوع السند وقد حمله الصدوق على الانكار لا لاخبار وهو بعيد وبما رواه الفقيه أيضا عن عمرو بن أبي المقدام قال حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أني لاعجب ممن يرغب أن يتوضأ إثنتين إثنتين وقد توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إثنتين إثنتين وفيه أيضا ما تقدم مع القدح في السند وقس عليها ما رواه أيضا (إن مرتين أفضل وأنه إسباغ وقد حمل الفقيه الروايات الواردة بالمرتين والاثنتين على التجديد ولا يخلو عن بعد والله أعلم وقد يستدل أيضا) بما رواه التهذيب في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء يجزيه لم يؤجر على الثنتين وجه الاستدلال أن مفهومه هو أن مع اليقين بإجزاء الواحدة يؤجر على الثنتين فيكون الثنتان مستحبا إذ الاجر إنما يكون على المستحب ويمكن أن يقال أنه يجوز أن يكون المراد من منطوق الخبر أن من لم يستيقن بإجزاء الواحدة لم يؤجر على الثنتين أي مجموعهما لا المرة الثانية فقط والحاصل عدم الاجر على هذا العمل أصلا فيكون مفهومه الاجر على هذا العمل مع اليقين بإجزاء الواحدة وهو حاصل أما باعتبار جزئه وأما باعتباره مجموعا أيضا بناء على أنه أحد الفردين الواجبن على قول من يجعل في امثال هذه الصور الامتثال بالمجموع ولا يلزم منه حصول الاجر على المرة الثانية بنفسها فتدبر (لا المسح فيكره) عدم الاستحباب في تكرار المسح مما لا خفاء فيه لاجماعنا عليه وللروايات المتقدمة المتضمنة لوضوئهم (عليه السلام) حيث لا تكرار فيهما في المسح ولمرفوعة أبي بصير المتقدمة في بحث مسح مقدم الرأس ولان الامتثال إنما يحصل بواحدة فاستحباب الزايد لا بد له من دليل لانه حكم شرعي ولا دليل وما تقدم من الروايات الدال على أن الوضوء مثنى مثنى مع معارضتها بما سبق أيضا وورود الايرادات المذكورة عليها غير ظاهرة في شمول المسح لاحتمال اختصاصها بالغسل وأما مرسلة يونس المتقدمة في بحث النكس في مسح القدم فلا دلالة لها على التكرار لاحتمال المعنيين اللذين ذكرناهما هناك وأما كراهة التكرار فقد عللوه بأنه تكليف ما لا يحتاج إليه وفيه ضعف ظاهر ويفهم من ظاهر المبسوط والخلاف التحريم وعده ابن حمزة من التروك المحرمة وابن إدريس جعله بدعة ووجه الكل غير ظاهر واحتمل المصنف في الذكرى أن يكون مرادهم التكرار مع اعتقاد شرعيته وفيه أيضا كلام سيجئ في البحث التالي إنشاء الله تعالى نعم لا بأس بالقول بالكراهة للشهرة بين الاصحاب بل الاجماع ظاهرا لكن لا خلاف في عدا إبطال الوضوء به كما ذكره ابن إدريس في السرائر ويحرم الثالث لاخفاء في عدم استحباب الغسلة الثالثة للاجماع وللروايات المتقدمة آنفا في بحث تثنية الغسل وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن داود بن زرين قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء فقال لي توضأ ثلاثا ثلاثا قال ثم قال لي أليس تشهد بغداد وعساكرهم قلت بلى قال فكنت يوما أتوضأ في دار المهدي فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به فقال كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء فقال فقلت لهذا والله أمرني فمن باب التقية كما يدل عليه عجز الرواية والقصة كما نقل في الكشى صريحة في هذا المعنى واحتمل المحقق البهائي (ره) أن يكون المراد من تثليث الوضوء تثليث الغسل بمعنى غسل الرجل أيضا إذ التقية فيه أظهر من التقية في تثليث عدد الغسلات والله أعلم ثم المشهور بين الاصحاب تحريمها كما في الذكرى وقال ابن بابويه في كتابه من توضأ إثنتين لم يؤجر ومن توضئ ثلاثا فقد أبدع والشيخ أيضا في المبسوط قال والثالثة بدعه وفي النهاية أيضا حكم بذلك وقال ابن أبي عقيل وابن الجنيد بعدم التحريم وهو الظاهر من كلام المفيد في المقنعة حيث قال والثالثة كلفة واحتج القائلون بالتحريم بأنها إحداث في الدين ما ليس منه فيحرم ويمنعها عن الموالاة الواجبة بأنها بدعة لما تقدم من رواية بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في بحث تثنية الغسل فيكون حراما لما رواه أصول الكافي في باب البدع عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ولما رواه أيضا في هذا

[ 135 ]

الباب عن الفضل بن شاذان رفعه عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه لسلام) قالا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذم البدعة وقد يريد أيضا بما روى في الكافي والفقيه من أن الوضوء حد من حدود الله تعالى ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه ويرد على الاول أنه إن أردتم بالاحداث في الدين ما ليس منه أنه يفعل في الوضوء ما ليس من واجباته ومستحباته فهو مسلم لكن لا نسلم تحريمه وهو ظاهر وإن أردتم نه يدخل في أحكام الله تعالى ما ليس حكمه تعالى فحينئذ أما إن أريد بالحكم الذي يدخله في أحكام الله مع أنه ليس منها الحكم باستحباب الثالثة أو الحكم بإباحتها فإن كان الثاني فغير مسلم إذ هو أول البحث وإن كان الاول فنقول إن غاية ما يلزم منه تحريم اعتقاد ندبيتها لا فعلها بدون ذلك الاعتقاد بل مع الاعتقاد أيضا والكلام إنما هو في حرمة الفعل لا الاعتقاد كما هو الظاهر اللهم إلا أن يكون الكلام فيه شئ آخر وهو إن حرمة ذلك الاعتقاد أيضا ممنوعة لان الاعتقاد لو كان ناشئا من الاجتهاد أو التقليد لا وجه لحرمته غاية الامر أن يكون خطأ ولا إثم على الخطأ كما تقرر هاهنا عندهم اللهم أن يجعلوا هذا الحكم من قبيل الضروريات وفيه مع إنه خلاف الواقع إنه يلزم حينئذ الحكم بكفر معتقده لا بتأثيمه فقط مع أن الظاهر أنه لا يقول به أحد أو يقول أنه لم يصل إلى حد الضرورة لكنه ظاهر جدا قريب من الضرورة ومخالفته مثل هذه الاحكام حرام لكن لم يصل إلى حد الكفر والله أعلم وعلى الثاني أنه مبنى على وجوب الموالاة بمعنى المتابعة وقد علمت ما فيه مع أن الظاهر أن القائلين بالوجوب أيضا لا يعتدون بأمثال تلك الفواصل وعلى الثالث إن الرواية غير نقية السند وعلى التأييد أنه محمل لا يفهم المراد منه ظاهرا وتمسك القائلون بأنها بدعة بأنها ليست مشروعة فإذا اعتقد التشريع أثم ولانه يكون إدخالا في الدين ما ليس منه فيكون مردودا بقوله (عليه السلام) من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد ولا نعنى بالبدعة إلا ذلك هكذا قاله المحقق في المعتبر ويمكن الاحتجاج بالمرسلة المذكورة أيضا وأنت بعد الاطلاع على ما ذكرنا آنفا لا تحتاج إلى تفصيل القول فيه وحجة القول بعدم التحريم الاصل ورواية زرارة المتقدمة في بحث تثنية الغسل من إن الوضوء مثنى مثنى من زاد له يؤجر عليه واعترض عليه بأن عدم الاجر لا ينافي التحريم مع أنها ضعيفة السند ولا يذهب عليك أنه يمكن إجراء جميع ما ذكرنا في تثليث الغسلات في تثليث المسح أيضا هذا وقد ظهر بما ذكرنا إن إثبات التحريم مشكل لكن الاحتياط أن لا يزيد على الثنتين بل على الغرفتين وتمام الاحتياط أن لا يزيد على غرفة واحدة للروايات المتضمنة لوصف وضوئهم (عليهم السلام) وعدم ظهور معارض قوي لما عرفت من الاحتمال في الروايات الواردة بالمرتين والثنتين فإن قلت ما تقول في رواية الغرفة المتقدمة أليس لها ظهور أيضا في جواز الغرفتين قلت كأنها كذلك لما ذكره بعض الاصحاب من أنه يجوز أن يكون اللام في الثنتان إشارة إلى الغرفتين المذكورتين سابقا غرفه للوجه وغرفه للذراع ويكون المراد أن الغرفتين تأتيان على الوجه والذراع ولا حاجة إلى الزيادة فإن قلت هب أن هذه العبارة ليست ظاهرة في جواز الغرفتين لكن ما تقول في قوله (عليه السلام) نعم إذا بالغت فيها فإن المفهوم منه أن مع عدم المبالغة لابد من الاثنتين وهو صريح في الجواز قلت لا نسلم أن المفهوم منه إن مع عدم المبالغة لابد من الاثنتين بل المفهوم منه أنه لا يجزي الغرفة مع عدم المبالغة وهو أعم مما ذكر لجواز البطلان مع عدم المبالغة وإيصال الماء إلى الجميع بغرففة واحدة ويبطل إن مسح بمائها أي ماء الثالثة اختلف الاصحاب فيه على أربعة أقوال كما هو الظاهر الاول بطلان الوضوء بالغسلة الثالثة سواء مسح بمائها أو لا وهو الظاهر من أبى الصلاح الثاني عدم البطلان مطلقا سواء مسح بمائها أو لا وهو مختار المعتبر والثالث البطلان إن مسح بمائها مطلقا سواء كانت الغسلة في اليد اليسرى أو لا وهو ظاهر هذا الكتاب والذكرى والرابع البطلان إن كانت باليد اليسرى ومسح بمائها وهو مختار العلامة (ره) في النهاية والذكرى يمكن أن يستدل به على المذهب الاول مارويناه سابقا في بحث تثنية الغسل عن الكشي وذكر أيضا بعد ماروينا عنه عقيب قصة طويلة ثم قال يا داود بن زرمين توضأ مثنى مثنى ولا تزدن عليه فإنك إن زدت عليه فلا صلاة لك وهذه الرواية ظاهرة في المراد لكن فيها أحمد بن سليمان وهو غير موثوق وما رواه الفقيه في باب صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله مرسلا قال وقال (عليه السلام) من تعدى في وضوئه كان كناقضه وفيه أيضا القدح في السند للارسال مع إن في ظهور الدلالة أيضا مناقشة وحجة القول الثاني الاصل وصدق الامتثال وعدم دليل صالح للاخراج لما عرفت من ضعف دليل القول الاول وستعرف ضعف دليل القولين الاخيرين أيضا حجة القول الثالث أنه يستلزم المسح بماء جديد فيبطل وفيه ما عرفت سابقا في بابه إن بطلان الاستيناف مطلقا مما لادليل عليه نعم في بعض الصور كأنه يمكن التمسك بالاجماع وما نحن فيه ليس منه وأيضا غاية ما يلزم من دلايل بطلان الاستيناف وجوب المسح ببقية ماء الوضوء وهو هاهنا حاصل لان اليد حينئذ لا ينفك عن ماء الوضوء الاصلى كما ذكر المعتبر فإن قلت قد تقدم سابقا أن ابن الجنيد المخالف في حكم الاستيناف إنما خالف الاصحاب في جواز الاستيناف عند جفاف الاعضاء وأما عند رطوبتها فهو أيضا موافق لهم وما ذكرته من جواز الاستيناف حينئذ يكون مخالفا للاجماع وأيضا لو لم يكن أخذ الماء الجديد مع رطوبة اليد بماء الوضوء استينافا ومبطلا باعتبار بقاء ماء الوضوء كما هو رأي هذا الفريق فكيف يتصور حينئذ القول بأن الاستيناف مع رطوبة الاعضاء مبطل اتفاقا قلت القول بعدم جواز الاستيناف مع رطوبة الاعضاء لا ينافي القول الذي ذكرنا لان عدم الجواز فيما إذا كان بعض الاعضاء مثلا رطبا واليد جافة فيستأنف حينئذ ماء باليد ويمسح وهذا هو الذي نقلوا الاجماع عليه والجواز فيما إذا كان اليد رطبة ومع ذلك يأخذ ماء جديدا مع أن ما ذكرته من خلاف الاجماع يمكن أن يدفع بوجه آخر وهو أن ابن الجنيد كما لخالف الاصحاب في جواز

[ 136 ]

الاستيناف حال الجفاف كذلك يخالفهم في جوازه إذا غسل وجهه أو يديه مرتين فحينئذ لو قال أحد بجواز المسح بماء الغسلة الثالثة لم يكن مخالفا للاجماع وحجة القول الرابع أيضا لزوم الاستيناف لكن كأنه روعي فيه أن عند غسل اليسرى مرتين قد تم أخذ الماء للوضوء فكل ما أخذ بعده يكون ماء جديدا فيكون مبطلا وأما عند غسل اليمنى والوجه فليس كذلك والحال فيه أيضا كما علمت في سابقه وبما ذكرنا ظهر إن الاظهر من الاقوال القول الثاني والاحوط هو الاول ثم الثالث ثم الرابع وإنكار ابن بابويه التثنية ضعيف كما ضعف قول ابن عقيل بعدم تحريم الثالثة وقول أبى الصلاح بإبطالها للوضوء ولم يقيده بالمسح بمائها قد فصلنا الكلام في هذه الامور و بدئة الرجل بظاهر ذراعيه في الاولى وبباطنه في الثانية عكس المرأة ويتخير الخنثى وأكثر الاصحاب أطلقوا بدئة الرجل بالظهر والمرأة بالبطن الاصل في هذا الحكم ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) قال فرض الله على النساء في الوضوء أن يبدأن بباطن أذرعهن وفى الرجال بظاهر الذراع وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب حد الوجه وروى الفقيه أيضا مرسلا في باب حد الوضوء قال وقال الرضا (عليه السلام) فرض الله عزوجل على الناس في الوضوء أن تبدأ المرأة بباطن ذراعها والرجل بظاهر الذراع والرواية وإن كانت مجهولة السند ومرسلة لكن الشهرة بين الاصحاب وتلقيهم بالقبول مع المسامحة في الامر الاستحبابى كافية في هذا الباب ثم أنها كما ترى لادلالة لها على التفصيل الذي ذكره المصنف وجماعة منهم الشيخ (ره) في المبسوط فالاولى الحكم باستحباب بدئة الرجل بالظاهر والمرأة بالباطن بدون التفصيل كما ذكره جماعة أخرى ولكن لا بمعنى استحباب البدئة بهما في الغسلتين كما هو المستفاد من كلام الشهيد الثاني وصاحب المدارك لان الرواية لا تدل على هذا المعنى أيضا إذ غاية ما تدل عليه رجحان البدئة بالظاهر والباطن وعند الابتداء بهما في الغسلة الاولى يتحقق هذا المعنى ففي رجحانه أيضا في الغسلة الثانية لا بد من دليل آخر إذ دلالتها على رجحان الابتداء في كل غسلة ممنوع وقس عليه كلام الاصحاب أيضا ووجه ما ذكره من تخير الخنثى ظاهر (والدعاء عند الغسل والمسح وبعد الفراغ) قد مر في بحث استحباب التسمية والدعاء عندها ما يتضمن هذه الادعية أيضا (وفتح العين عند الوضوء قاله ابن بابويه) ومستنده ما رواه الفقيه في باب حد الوضوء مرسلا قال وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم ونقل في علل الشرايع أيضا عن محمد بن الحسن الصفا عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثله وهذه الرواية وإن كانت غير ظاهرة في الاستحباب لكن لما كانت مرسلة وغير ظاهرة أيضا في الوجوب فلذا حملت على الاستحباب مع أن الظاهر أن أحدا منا لم يقل بوجوبه إلا أن يكون غسل بعض الوجه وقوفا عليه فيكون حينئذ واجبا من باب المقدمة واعلم إن الظاهر إن مرادهم باستحباب فتح العين مجرد فتحها استظهار الغسل نواحيها لا مع ضمه بغسلها أيضا لانه مضرة عظيمة كادت أن تكون حراما وروى إن ابن عمر كان يفعله فعمى لذلك وأيضا الشيخ في الخلاف ادعى الاجماع بناء على عدم وجوبه واستحبابه (والوضوء بمد) عدم وجوب الوضوء بمد مما أجمع عليه أصحابنا كما ذكر في المنتهى والنهاية وفي المعتبر مستحب عند أهل البيت (عليه السلام) وقد خالف فيه أبو حنيفة وقال بعدم إجزاء أقل منه ويدل على عدم الوجوب مضافا إلى الاجماع والاصل الروايات السابقة في بحث إجزاء الغسل بمسماه ولو كالدهن واتفقوا أيضا على استحبابه ويدل عليه أيضا منضما إلى الاتفاق ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنهما سمعاه يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغتسل بصاع من ماء ويتوضأ بمد من ماء وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد ويغتسل بصاع والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال وحمله الشيخ على الرطل المدني فيكون تسعة أرطال بالعراقي وهو الظاهر لانه رطل بلدهم (عليه السلام) وما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء فقال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتوضأ بمد من ماء ويغتسل بصاع وما رواه أيضا في هذا الباب عن سماعة قال سألته عن الذي يجزي من الماء للغسل فقال اغتسل رسول الله بصاع وتوضأ بمد وكان الصاع على عهده خمسة ارطال وكان المد قدر رطل وثلاث أواق وما رواه أيضا في هذا الباب عن سليمان بن حفص المروزي قال قال أبو الحسن (عليه السلام) الغسل بصاع من ماء والوضوء بمد من ماء وصاع النبي خمسة أمداد والمد وزن مائتين وثمانين درهما والدرهم وزن ستة دوانيق والدانق وزن ستة حبات والحبة وزن حبتي شعير من أوساط الحب لا من صغاره ولا من كباره وهذه الرواية في الفقيه أيضا مرسلة في باب مقدار الماء للوضوء ويحتمل أن يكون من وكان الصاع أو من وكان المد وكذا وصاع النبي (صلى الله على وآله) أو من والمد إلى الاخر كلام الامام (عليه السلام) كما هو الظاهر من كلام التهذيب والفقيه كما حمله المصنف في الذكرى وما رواه الفقيه أيضا في الباب المذكور مرسلا قال وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوضوء مد والغسل صاع وسيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك فأولئك على خلاف سنتي والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس واعلم إن ما تضمنه بعض هذه الروايات من إن الصاع خمسة أمداد وكذا تحديد المد أو يخالف المشهور من أنه أربعة أمداد وكذا تحديد المد بالقدر المذكور يخالف ما ذكروه من أنه وزن مأتين واثنين وتسعين درهما وسيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بحث الزكوة ثم أن المصنف (ره) قال في الذكرى هذا المد لا يكاد يبلغه الوضوء فيمكن أن يدخل فيه ماء الاستنجاء واستشهد عليه برواية ابن كثير المتقدمة في بحث الدعاء عند التسمية وأبي عبيدة الحذاء المتقدمة في بحث استحباب تثنية الغسلات وتابعه في ذلك صاحب المدارك أيضا ولا يخفى ما في هذه الاستشهاد من الضعف لان

[ 137 ]

الاستشهاد بهما إن كان باعتبار أنه استنجى أيضا (عليه السلام) من هذا الماء فحينئذ إنما يتم لو ثبت أن ذلك الماء كان بقدر مد فقط وأنى لهما بذلك وإن كان باعتبار قوله (عليه السلام) اتيني بإناء من ماء أتوضأ للصلوة مع أنه استنجى به أيضا فيدل على أن الاستنجاء أيضا داخل في الوضوء وكذا قوله وضأت أبا جعفر (عليه السلام) مع أنه ناوله الماء للاستنجاء أيضا كما هو الظاهر من كلام الذكرى ففيه أن طلب الماء للوضوء مع إرادة الاستنجاء لا يدل أصلا على دخوله في الوضوء لشيوع أن يكتفوا في ذكر الغرض بما هو الاصل والعمدة وقس عليه أيضا القول الاخر مع أنه ليس قول الامام (عليه السلام) بل قول الراوي فلا يصلح للاحتجاج واعترض المحقق البهائي (ره) أيضا في الحبل المتين على هذا المتين على هذا الكلام من المصنف (ره) بقوله وظني إن كلامه هذا إنما يتمشى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية وعدم كون المضمضة والاستنشاق من إفعال الوضوء الكامل وأما على القول بذلك كما هو مختاره قدس سره فلا فإن المد على ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي المتعارف في زماننا هذا بشئ يعتد به وهذا المقدار إنما يفي بأصل الوضوء المسبع ولا يفضل منه شئ للاستنجاء فإن ماء غسل اليدين كف أو كفان وماء كل مضمضة والاستنشاق والغسلات الواجبة والمندوبة ثلاث أكف هذه ثلاث عشرة أو أربع عشرة كفا وهذا إن اكتفى في غسل كل عضو بكف واحدة وإلا زادت على ذلك فأين ما يفضل للاستنجاء وأيضا ففي كلامه طاب ثراه بحث آخر وهو أنه إن أراد بماء الاستنجاء الذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده فهو شئ قليل حتى قدر بمثلي ما على الحشفة وهو لا يؤثر في الزيادة والنقصان أثرا محسوسا وإن أراد ماء الاستنجاء من الغايط أو منهما معا لم يتم استدلاله بالروايتين المذكورتين إذ ليس في شئ منهما دلالة على ذلك بل في رواية الحذاء ما يشعر بأن الاستنجاء كان من البول وحده فلا تغفل هذا كلامه رفع مقامه (ويكره الاستعانة) الظاهر أن مرادهم من الاستعانة ها هنا الاستعانة بصب الماء على اليد ليغسل المتوضي بنفسه لا الصب على نفس العضو لانه من التولية المحرم ولا الاتيان بالماء ونحوه كما يشعر به عبارة المبسوط والمنتهى قال في المبسوط ويكره أن يستعين بغيره في صب الماء وفي المنتهى يكره الاستعانة في الوضوء بصب الماء واحتجوا على الكراهة برواية الوضاء المتقدمة في بحث وجوب المباشرة بنفسه مع الاختيار وفيه أنه يجوز أن يكون المراد منها الصب على نفس العضو بقرينة قوله (عليه السلام أوزر أنا إذ لا وزر في الاستعانة بهذا المعنى اتفاقا كما هو الظاهر وبما رواه الفقيه مرسلا في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) قال وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضأ لم يدع أحدا يصب عليه الماء فقيل له يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم يصبون عليك الماء فقال لا أحب أن أشرك في صلوتي أحدا وفيه أيضا ما تقدم من الاحتمال لكن لا يخفى أنه لا يلائمه قوله (عليه السلام) لا أحب لان ظاهره الكراهة والصب على نفس العضو حرام فينبغي حمله على المعنى المطلوب وبأن وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) اشتملا على ترك الاستعانة وبأن فيه زيادة مشقة في تحصيل أمر مطلق شرعا فيكون فيه زيادة ثواب مع الاستعانة بفقد ذلك القدر وفيهما ضعف ظاهر ولا يذهب عليك أنه لما كان دأبهم المسامحة في المندوبات والمكروهات فلا يبعد القول بكراهة الصب المشتهرة بين الاصحاب وورود الرواية ولن كانت مرسلة لانجبار إرسالها بقبول الاصحاب وأما رواية أبي عبيدة الحذاء المتقدمة في بحث تثنية الغسلات المتضمنة لصب الماء على يده (عليه السلام) فيمكن حملها على الضرورة أو بيان الجواز مع أنه روى هذه الرواية في موضع آخر من التهذيب في الباب المذكور وفيه موضع ثم صببت عليه ثم أخذ وحينئذ فلا إشكال وأما الاتيان بالماء ونحوه فالحكم بكراهته مشكل لما عرفت من إن الاصل في هذا الحكم الشهرة بين الاصحاب وتلقيهم الرواية بالقبول ولا دلالة للرواية على كراهة مثله والظاهر أن الشهرة أيضا فيه مفقودة مع أن رواية ابن كثير المتقدمة في بحث الدعاء عند التسمية دالة ظاهرا على عدم الكراهة (والتمندل في المشهور وقيل لا يكره) استدل على الكراهة بما رواه الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض عن إبراهيم بن محمد بن حمران عن أبي عبد الله (عليه اليسلام) قال من توضأ فتمندل كانت له حسنة وإن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوئه كانت له ثلاثون حسنة وهذه الرواية في الفقيه أيضا مرسلة في باب حد الوضوء وفيه مع القدح في السند أنه لا دلالة له على الكراهة بالمعنى المصطلح بل إنما يدل على قلة الثواب إلا أن يقال إن الكراهة في العبادات بهذا المعنى كما ذكره بعضهم وفيه نظر ليس ها هنا موضع ذكره وبرواية ابن كثير المتقدمة أيضا من قوله (عليه السلام) خلق الله له من كل قطرة إذ مع التمندل يزول التقاطر وبأن فيه إزالة أثر العبادة ولا يخفى ضعفه والذي يحتج به على عدم الكراهة مضافا إلى الاصل ما رواه التهذيب في باب زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التمسح بالمنديل قبل أن يجف قال لا بأس به وأورد عليه إن نفي البأس يتبادر منه نفي التحريم وبما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب إذا توضأ إذا كان الثوب نظيفا وفيه أيضا ما تقدم وبما رواه أيضا في الباب المتقدم عليه في الموثق عن إسماعيل بن الفضل قال رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) توضى للصلوة ثم مسح وجهه بأسفل قميصه ثم قال يا إسماعيل إفعل هكذا فإني هكذا أفعل ودفع أيضا بأنه يجوز أن يكون فعله (عليه السلام) وأمره لعارض وفيه بعد ويمكن أن يجمع بينه وبين رواية الكافي بأنها مختصة بالتمندل والمسح بالذيل لا يسمى تمندلا وبما رواه أيضا في باب ما يجوز للمحرم إتيانه في الصحيح عن منصور بن حازم قال رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وقد توضأ وهو محرم ثم أخذ منديلا فمسح به وجهه وأورد عليه أيضا بجواز أن يكون لعارض

[ 138 ]

وبما ذكرنا ظهر أن الحكم بالكراهة نظر إلى الروايات مشكلا إلا أن يتمسك بالشهرة بين الاصحاب هذا واعلم إن العلامة (ره) أسند الخلاف في هذه المسألة إلى الشيخ في الخلاف الظاهر أن القول بعدم الكراهة الذي ذكره المصنف إشارة إليه وذكر في المنتهى إن الشيخ استدل على هذا القول بصحيحة محمد بن مسلم المنقولة ثم أجاب عنه بما ذكر الظاهر إن إسناد هذا القول وهذا الاستدلال عليه إلى الخلاف خلاف الواقع لانه قال فيه لا بأس بالتمندل من نداوة الوضوء وتركه أفضل وبه قال أكثر الفقهاء وقال مالك والثوري لا بأس به في الغسل دون الوضوء وحكى ذلك عن ابن عباس وروى عن ابن عمر أن ذلك مكروه في الوضوء والغسل معاوية قال ابن أبي ليلى دليلنا على جوازه إن الاصل الاباحة والحظر يحتاج إلى دليل وعليه إجماع الفرقة المحقة وروى حريز عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا عبدا لله عليه السلام عن المسح بالمنديل قبل أن يجف قال لا بأس به انتهى ولا يخفى إن هذا الكلام لا يدل على ما ذكره بل الظاهر أن مراده الكراهة والاستدلال بالرواية انما هو على الجواز كما صرح به ردا على المالك والثوري لانفي الكراهة ثم أن الكراهة عندهم هل هو مختص بالتمندل أو يعمه والتمسح أيضا بالذيل والكم نحوهما بل يعمهما والتجفيف بالنار والشمس ونحوهما ظاهر بعض العبارات الاول وبعضها الثاني وقيل بالثالث أيضا نظر إلى الدليلين الاخيرين والمحقق الثاني (ره) خص الحكم بالمنديل والذيل وإخراج الكم لعدم صدق المنديل عليه وضعف بأن هذا التعليل يقتضي إخراج الذيل أيضا لعدم صدق المنديل عليه أيضا ثم الظاهر على تقدير الكراهة اختصاصها بالمنديل فقط إذ الرواية الاولى التي لا يخلو عن قوة مختصة به والدليلان الاخيران في غاية الضعف والشهرة بين الاصحاب أيضا تحققها في غيره غير معلوم فالاولى الاقتصار في هذا الحكم المخالف للاصل عليه (والوضوء في المسجد من البول والغايط) يدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات في باب آداب الاحداث عن رفاعة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من البول والغايط ولا ينافيه ما رواه أيضا في هذا الباب عن بكير بن أعين عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في المسجد ولا يختص بما إذا كان الحدث في المسجد كالنوم مثلا ثم أن ها هنا شيئين أحدهما إن النوم إذا كان واقعا في غير المسجد فهل يكره الوضوء لاجله في المسجد أولا الظاهر الاول نظرا إلى مفهوم الرواية الثانية ومفهوم الرواية الاولى لا يصلح لمعارضته لانه من باب مفهوم اللقب مع أنه عبارة الراوي وعبارة الامام (عليه السلام) غير معلومة أي شئ هي الثاني إن البول أو الغايط إذا حدث في المسجد فكيف حال الوضوء له في المسجد يحتمل وجهين الكراهة إبقاء لاطلاق الاولى بحاله وحمل الثانية على أن وقوع حدث البول والغايط لما كان نادرا في المسجد فلذا أطلق الحكم بعدم البأس في الوضوء في المسجد الحدث الواقع فيه وعدمها إبقاء لعموم الثانية أو إطلاقها بحاله وحمل الاولى على أن البول والغايط لما كان حدوثهما في المسجد نادرا فلذا أطلق الحكم بكراهة الوضوء لهما في المسجد والثاني أظهر لاعتضادها بالاصل (وتقديم المضمضة على الاستنشاق مستحب وفي المبسوط لا يجوز العكس) قال المصنف (ره) في الذكرى بعد إن قال مثل ما في المتن والمأخذ إن تغير هيئة المستحب هل يوصف بالحرمة لما فيه من تغيير الشرع أو بترك المستحب تبعا لاصلها هذا مع قطع النظر عن اعتقاد شرعية التغيير أما معه فلا شك في تحريم الاعتقاد لا عن شبهة أما الفعل فالظاهر لا وتظهر الفائدة في التأثيم ونقص الثواب وإيقاع النية انتهى اعلم إن هيئة المستحب أما أن يكون مستفاده من نفس الامر بذلك المستحب مثل أن يرو في الشرع تمضمض ثم استنشق ونحوه أو من أمر آخر مثل أن يرو أولا تمضمض واستنشق ثم ورد أمر آخر بأن قدم المضمضة على الاستنشاق وحينئذ لا يخلو أما أن يستفاد من الامر الثاني تقييد الاول واشتراطه به أولا وعلى الاولين وغير هيئة المستحب فالظاهر عدم الامتثال لذلك المستحب أصلا لعدم الاتيان بالمأمور به وعدم استحقاق الثواب بالكلية وأما الاثم فلا إلا بدليل من خارج وعلى الاخير الظاهر الامتثال لاحد الامرين واستحقاق الثواب به دون الامر الاخر والاثم أيضا منتف إلا بدليل خارج ثم أن ما ذكرنا إنما هو فيما ثبت الترتيب بالشرع وما نحن فيه لا يعلم كونه من هذا الباب إذ الاوامر بالمضمضة والاستنشاق مطلقة ولا دليل على الترتيب سوى التمسك بالتأسي بفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه ابن كثير كما تقدم وفي صلاحيته للاحتجاج نظر فلو لم يسلم الدلالة على الترتيب فالامر ظاهر من أن تقديم الاستنشاق لا بأس فيه من حيث الحرمة ولا من حيث نقض الثواب ولو سلم الدلالة فهل يدل على تقييد الاوامر المطلقة أولا الظاهر الثاني فحينئذ لو غير الترتيب فينتقص الثواب من حيث عدم الاتيان بمستحب التأسي لكن يحصل له ثواب الاوامر المطلقة ولا تأثيم نعم لو سلم دلالته على التقييد أيضا فلا ثواب عند التغيير أصلا لكن لا تأثيم أيضا إلا أن يظهر دليل آخر على الحرمة وبما ذكرنا ظهر ما في كلام الذكرى من الاخلال من وجهين فتأمل (ولو شك في عدد الغسل بنى على الاقل) قال (ره) في الذكرى لو شك في عدد الغسلات السابقة بنى على الاقل لانه المتيقن وفي الغسلات المقارنة وجهان من التعرض للثالثة وقضية الاصل وهو أقوى انتهى وتفصيل القول فيه أن يقال الشك أما في الواحد والاثنين أو الاثنين والثلاثة وعلى التقديرين أما في السابق أو المقارن فهاهنا أربعة أقسام إثنان منها في السابق وإثنان في المقارن أما السابق فإن كان الشك فيه في الواحد والاثنين فلا يخلو أما أن لا يكون الغسلة الثانية واجبة على ما هو أصل الشرع سواء قلنا برجحانها أو لا أو يكون واجبة بنذر وشبهه على تقدير انعقاد نذرها على القول برجحانها وعلى الاول لا إشكال فيه وهو ظاهر وعلى الثاني فإن لم يتضيق وقت النذر فلا إشكال أيضا وإن تضيق فإن كان بعد الفراغ من الوضوء فالظاهر عدم لزوم الكفارة إذ لا يقين ولا ظن بحث النذر عمدا لكن هل يحكم بكون ذلك الوضوء إمتثالا للنذر على قياس عدم الالتفات إلى الشك في إفعال الوضوء الاصلية بعد الفراغ وبعد ذلك الوضوء إمتثالا للامر أم لا فيه إشكال ويظهر الفائدة في الشق السابق على هذا الشق إذ لو لم يتضيق وقت

[ 139 ]

النذر وحصل الشك بعد الفراغ في الاتيان بالغسلة الثانية فلو قلنا بعدم الالتفات إليه فلا حاجة إلى الاتيان بالغسلة الثانية في وضوء آخر وإلا فلا و أما في هذا الشق فلا كما لا يخفى وإن كان في أثناء الوضوء فأما أن لا نقول بحرمة الغسلة الثالثة أو نقول بها فعلى الاول إن لم يلزم من الاتيان بالغسلة المشكوكة خلل في المتابعة عند القايلين بوجوبها واستيناف مبطل على القول بعدم جوازه فلا إشكال حينئذ أيضا إذ يأتي بها وبما بعدها وإن لزوم أحدهما ففيه إشكال من حيث أنها هل هي مثل الافعال الاصلية حتى يؤتى بها عند الشك قبل الفراغ كما سيجئ أولا وهذا الاشكال جار في صورة العلم بعدم الاتيان بالغسلة الثانية أيضا في هذا الشق وعلى الثاني ففيه إشكال بناء على أن الاتيان بالغسل تعرض للثالثة المحرمة وإن الحرمة إنما هي بعد العلم أو الظن بها ثالثة وكان الظاهر الثاني إذ الاصل عدم الحرمة حتى تثبت وثبوتها في هذه الصورة ممنوع ثم على القول بعدم الحرمة يجري فيه ما يجري في سابقه من الاحتمالين وحكمهما وعلى القول بالحرمة فإنما يتم وضوئه بدون الاتيان بالغسلة المشكوكة وما بعدها ولا كفارة على ما هو الظاهر ولا الاتيان بالوضوء الاخر على النحو المنذور ولفوات وقته على ما هو المفروض وإن كان الشك فيه في الاثنين والثلاثة فإن كان بعد الوضوء فالظاهر صحته وعدم الالتفات إلى الشك لما سيأتي من الروايات المطلقة الشاملة لهذه الصورة فيما بعد إنشاء الله تعالى وإن كان في أثنائه فإن لم نقل بإبطال الغسلة الثالثة للوضوء سواء قلنا بتحريمها أو لا فلا شك في صحة ذلك الوضوء وعدم الاحتياج إلى الاعادة اللهم إلا أن يتطرق الشك باعتبار احتمال لزوم استيناف الماء الجديد وأمره سهل لما علمت من ظهور عدم الفساد في المسح بماء الغسلة الثالثة يقينا فكيف بمشكوكه وإن قلنا بإبطالها فحينئذ يراد الاشكال من حيث أن الوضوء المأمور به على هذا ما لا يكون غسلاته ثلاثة وفي هذه الصورة لا علم ولا ظن بالاتيان بهذا الوضوء فيبقى في عهدة التكليف ومن حيث إن الامر بالوضوء مطلق والتقييد على تقدير تسليمه إنما يسلم في صورة العلم أو الظن بحصول الغسلة الثالثة وأما بدونهما فلا وهو الظاهر إذ إثبات التقييد مطلقا مشكلا والاصل عدمه مع أن الروايات الاتية عن قريب الدالة على عدم الالتفات إلى الشك بعد الفراغ شاملة بعمومها لهذه الصورة أيضا وأما المقارن فيستنبط حاله ما ذكر في السابق فتدبر (ولو شك في فعل أو في النية وهو بحالة أتى به) الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في وجوب الاتيان بالمشكوك وبما بعده عند عروض الشك حال الوضوء وعدم الحاجة إلى الاستيناف والمصنف كأنه لم يتعرض لما بعده للظهور ويدل على وجوب الاتيان به مضافا إلى الاجماع لزوم تحصيل العلم أو الظن بالاتيان بالمأمور به وبدونه لا يحصل وأما الاتيان بما بعده فيدل عليه منضما إلى الاجماع بعض ما تقدم في بحث الترتيب من أمرهم (عليهم السلام) باتباع الوضوء بعضه بعضا ويدل على عدم لزوم الاستيناف مضافا إلى الاجماع أيضا أصالة البرائة وعدم دليل مخرج وما يتوهم معارضا من لزوم الخلل بالمتابعة والاستيناف على تقدير عدم الاستيناف فقد مر ما فيه غير مرة ويدل أيضا على الاول والثالث ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه إنك لم تغسله أو تمسح مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلوة أو في غيرها وشككت في بعض ما قد سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوء لا شئ عليك فيه فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلوتك وإن تيقنت إنك لم تتم وضوئك فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء وأما ما رواه أيضا في الباب المذكور في الموثق عن عبد الله ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه فلا يصلح معارضا للرواية السابقة لعدم صحة مستنده واعتضادها بالاجماع والاستصحاب فليحمل على أن ضمير غيره راجع إلى الوضوء ليحصل الجمع بينهما فإن قلت ما تقول فيما رواه التهذيب في الزيادات في باب أحكام السهو في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ثم قال يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ وما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال كلما شككت فيه مما مضى فامضه كما هو قلت هذان الخبران عامان والخبر المتقدم خاص فليحملا عليه مع أن الخبر الاول بعد بيان الشك في أفعال الصلوة فهو مما يشعر بكونه مخصوصا بأفعال الصلوة والاصل في هذا الباب إن الخبر المتقدم يؤيده عدم الجزم بالامتثال بدون الاتيان بالمشكوك وكذا الاجماع على الظاهر فلذا نحكم بتعيين التأويل فيما يعارضه ولو لم يكن كذلك لامكن القول بحمله على الاستحباب وإبقاء ما يعارضه على العموم هذا وبما قدمنا ظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد حيث قال في هذا المقام بعد ما ذكر أن ضمير حاله في كلام المصنف يحتمل أن يكون راجعا إلى الوضوء وإلى المتوضي واحتمال عود الضمير في حاله إلى الشئ المشكوك فيه المذكور قبله صريحا لا دليل عليه من النقل وإن أمكن بحسب اللفظ انتهى وذلك لما عرفت من هذه الروايات الثلاثة إنما يقتضي بظاهرها هذا الاحتمال لكن يعدل عنه للاجماع اللهم إلا أن يمنع الظهور ويقال إن الدخول في الغير وكذا الجواز عن الشئ والخروج منه ومضيه إنما يتحقق إذا وقع التلبس بذلك الشئ في الجملة وعند الشك في فعل من أفعال الوضوء عند التلبس بفعل آخر منه لا يعلم تحقق هذه المعاني بالنسبة إلى الفعل المشكوك نعم إنما يتحقق هذه الامور بالنسبة إلى الوضوء بعد الفراغ والدخول في غيره لانه قد وقع التلبس به في الجملة يقينا فتدبر فإن قلت ما تقول فيما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله

[ 140 ]

(عليه السلام) قال قلت جعلت فداك أغسل وجهي ثم أغسل يدي ويشككني الشيطان إني لم أغسل ذراعي ويدي قال إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد حيث تدل بإطلاقه على عدم الالتفات إلى الشك وإن لم يحصل الفراغ أيضا قلت أما أولا فإنه مرسل لا يصلح للاعتماد وأما ثانيا فإنه لا ينافي ما ذكر إذ عند وجدان برد الماء على الذراع فلا أقل من أن يحصل الظن بغسله إن لم حصل اليقين فيخرج الشك وكلامنا فيه ولو سلم عدم الخروج عن الشك فليحمل على ما بعد الفراغ جمعا للاخبار ثم أن المصنف (ره) جعل النية أيضا في حكم الافعال في هذا المعنى واستدل عليه في الذكرى بأنها أيضا من الافعال والاصل عدم فعلها إذا كان الحال باقيا وفيه إشكال من حيث أن الرواية المتقدمة كما ترى مختصة بغير النية فما يمكن أن يستدل به حينئذ عل حكم النية أما الاجماع أو الاستصحاب وتحقق الاجماع في النية غير ظاهر والروايات المذكورة إنما يعارض الاستصحاب وتغلبه كما هو الظاهر فحينئذ الظاهر الحكم بعدم الاعادة للشك في النية اللهم إلا أن يثبت الاجماع أو يتمسك بما ذكرنا آنفا في دفع الايراد عن الشهيد الثاني واعلم إن المصنف قال في الذكرى لو كثر شكه فالاقرب إلحاقه بحكم الشك الكثير في الصلوة دفعا للعسر والحرج وكذا حكم ابن إدريس أيضا وليس ببعيد وقد أيده صاحب المدارك بما رواه التهذيب في الصحيح عن زرارة وأبي بصير أنه قال في كثير الشك يمضي في شكه ثم قال لا تعود والخبيث من أنفسكم نقض الصلوة فتطيعوه فإن الشيطان خبيث معتاد لما عود به فليمض أحدكم في الوهم ولا يكثرن نقض الصلوة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك فإن ذلك بمنزلة التعليل لوجوب المعنى فيتعدى إلى غير المسئول عنه كما قرر في محله (ولو جف البلل استأنف) هذا الحكم لا دخل له بالشك إذا الجفاف في أثناء الوضوء موجب للاستيناف مطلقا على زعم المصنف كما تقدم فإعادته ها هنا مما لا وجه له إلا أن يكون للتأكيد ويمكن أن يقال أنه سيظهر فيما بعد أن مختاره طاهرا أن المراد بحاله ليس حال الاشتغال بالوضوء يشمله وما بعده أيضا ما لم يقم أو يمكث طويلا وحينئذ يظهر وجه ما ذكره إذ لو فرض عروض الشك بعد الوضوء وقبل القيام فحينئذ لا يدخل فيما سبق ويحتاج إلى الاشارة إلى أن الجفاف حينئذ أيضا مثل الجفاف في الاثناء إذ الاتيان بالمشكوك وما بعده من تتمة الوضوء ولم يخص الحكم بهذه الصورة بل عممه لانه أفيد وأحضر ثم اعلم إن الظاهر من الرواية المذكورة الاعادة على العضو المشكوك مطلقا بدون تقييده بعدم الجفاف فالتخصيص به أما لروايتي معاوية بن عمار وأبي بصير المتقدمتين في بحث الموالاة فيرد عليه إنهما لا يشملان ما نحن فيه إذ هما مختصان بصورة خاصة فإن تمسك بعموم التعليل بأن الوضوء لايبعض ففيه أنك قد عرفت أنه لا ظهور له في مجرد التفريق ولا مجرد الجفاف بل يمكن أن يكون المراد منه قطع الوضوء مع الجفاف وتحققه فيما نحن فيه ممنوع خصوصا في بعض صوره مما لم يقع فصل كثير بين الاتيان على العضو السابق والاعادة على المشكوك مع أنه عام أيضا مثل هذه الرواية فتخصيص الرواية به دون العكس ترجيح بلا مرجح بل ينبغي أن يكون الامر بالعكس لصحتها دونه فإن قيل أنه معتضد بحصول البرائة اليقينية من التكليف اليقيني قلنا قد عرفت ما فيه غير مرة مع أن التكليف اليقيني ها هنا ليس إلا بالغسل والمسح مطلقا وهو يصدق مع الجفاف أيضا فالبرائة اليقينة أيضا حاصلة إذ الامتثال يستلزم الاجزاء والتقييد لا بد له من دليل وليس وأما لبعض الروايات المتقدمة في بحث استيناف الماء الجديد المتضمن للاعادة مع جفاف الاعضاء ففيه أيضا أنه مخصوص بالنسيان ولا يشمل ما نحن فيه مع أنه مختص بالمسح فلا وجه لاجرائه في الغسل أيضا كيف ويجوز أن يكون الاعادة مع جفاف الاعضاء عند نسيان المسح لاجل لزوم الاستيناف في المسح لا لاجل جفاف الاعضاء المتقدمة وأما للزوم الاستيناف ففيه مع اختصاصه بالشك في العضو الممسوح كما هو الظاهر ما عرفت مرارا من عدم تسليم بطلان الاستيناف مطلقا بل في بعض الصور اللهم إلا أن يدعى الاجماع في الحكم لكن إثباته مشكل (ولو انتقل عن محله ولو تقديرا لم يلتفت) هذا الحكم إجماع منا ويدل عليه أيضا صحيحة زرارة وموثقة عبد الله بن أبي يعفور المتقدمتان آنفا وكذا الروايتان المنقولتان عن كتاب صلوة التهذيب وما رواه أيضا في باب صفة الوضوء عن بكير بن أعين قال قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك ويدل أيضا على خصوص بعض صوره ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلوة قال يمضي على صلوته ولا يعيد واستدل أيضا بأنه لو شرع في التلافي للشك بعد الفراغ لادى إلى الحرج المنتف لعسر الانفكاك من ذلك الشك وغير عسر ضبط الانسان الامور السالفة فإن قلت هذا الاطلاق ينافي الصحيحة المتقدمة من زرارة لانها يحكم بوجوب المسح عند الشك بعد الفراغ لو وجدت بلة في الاعضاء قلت كأنه محمول على الاستحباب للاجماع على خلافه مع اعتضاده بالعمومات مما عرفت والمراد من الانتقال عن المحل قيامه عن الوضوء وقوله ولو تقديرا يعني به أنه لو طال القعود بعد الوضوء في محله فإنما هو في حكم القيام وهو بظاهره يشعر بأن الفراغ من الوضوء غير كاف ومستنده ما في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام) فإذا قمت من الوضوء وأنت خبير بأن هذه العبارة مجملة لا ظهور لها في المراد إذ يجوز أن يكون المراد بالقيام الفراغ ويكون التعبير به عنه بناء على الاغلب ويؤيده قوله (عليه السلام) بعده وفرغت منه لكن لما كان الحكم حكما على خلاف الاصل فينبغي أن يقتصر على القدر المتيقن إلا أن يقال بأن الامر حينئذ يؤل إلى الشك في التكليف ويصير من قبيل الاتيان بالافراد المشكوكة وقد عرفت إن إثبات وجوبه مشكل ويمكن أن يستدل على أن المناط هو الفراغ برواية بكير بن أعين المنقولة آنفا لكن فيه إن إثبات حكم مخالف للاصل برواية غير ظاهرة الصحة بل مضمرة لا يخلو من إشكال فإن قلت ما تقول في رواية عبد الله ابن أبي يعفور المتقدمة والروايتين المنقولتين عن كتاب صلوة التهذيب قلت أما رواية عبد الله فلا يخلو من إجمال لجواز أن يكون المراد من الدخول في غيره الدخول في فعل آخر مثل الصلوة ونحوها إلا أن يكون مجرد الفراغ منه دخولا في غيره وأنت

[ 141 ]

خبير بأنه إذا تمسك بمفهوم إنما الشك إذا إلخ اندفع ذلك الايراد وأما الرواياتان الاخريان فالاولى منهما حكمهما حكم الجزء الاول من رواية عبد الله وأما الثانية فيرد عليها أن أفعال الوضوء قد خرجت عنها بالمخصص كما عرفت فلا يبقى دلالتها على المراد لا يقال ينبغي أن يحكم بخروج القدر الذي يتقن خروجه وبقاء الباقي تحت العام كما هو المعمول لان بعد ورود مخصص مجمل لا يبقى الظن بشمول العام لجميع ما يحتمله فلم يكن حجة فيه لان مدار الحجية على الظن إلا أن يقال أنها بعمومها شاملة للوضوء بجميعه لدخوله تحت كلما وهو لم يخرج بالصحيحة المتقدمة لانها مخصوصة بافعاله ويصدق على الوضوء حينئذ أنه مما شك فيه وقد مضى فيجب إمضاؤه كما هو فثبت المطلوب وبالجملة الاولى غاية القيام من الوضوء أو ما هو في حكمه كما هو ظاهر المتن واعلم أنه قد يستشكل فيما إذا كان الشك في الرجل اليسرى لعدم تحقق الاكمال حينئذ والظاهر أنه ليس بذاك إذ لا يخلو أما أن يعتبر القيام عن المحل أو ما هو في حكمه أو لا بل يعتبر مجرد الفراغ فإن كان الاول فلا إشكال أصلا وهو ظاهر وإن كان الثاني فالظاهر إن الفراغ آنما يتحقق بأن لا يجد نفسه مشغولا بأفعال الوضوء فعند ذلك لو طرء الشك لم يعتد به ولن كان الاحوط التدارك ما لم يحصل القيام أو ما هو في حكمه (ولو تيقن أتى به مطلقا أي سواء كان قبل القيام أو بعده والمراد الاتيان به وبما بعده كما فيما سبق أما الاتيان به فبإجماع فقهاء الاسلام كما في المعتبر ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع صحيحة زرارة المتقدمة آنفا وحسنة الحلبي المتقدمة في بحث استيناف الماء الجديد للمسح والروايات المتقدمة في بحث وجوب الترتيب ويدل على خصوص المسح أيضا بعض الروايات المتقدمة في بحث الاستيناف والترتيب إلى غير ذلك وأما ما رواه التهذيب في زيادات باب صفة الوضوء عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كلما مضى من صلوتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا اعادة عليك فيه فغير صحيح السند لا يصلح لمعارضة ما ذكر مع أنه يمكن أن يكون المراد من التذكر الشك ويكون من البيان فيرجع إلى الشك بعد الفراغ ويوافق حكمه حكم ما عداه من الروايات وأما الاتيان بما بعده فالظاهر أنه إجماع منا أيضا كما في التذكرة ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الروايات المتقدمة في بحث الترتيب ويدل أيضا على خصوص المسح بعض الروايات المتقدمة في بحث الاستيناف ثم أن المصنف (ره) في الذكرى نقل عن ابن الجنيد أنه قال لو بقي موضع لم يبتل فإن كان دون الدرهم بلها وصلى ولن كانت أوسع أعاد على العضو وما بعده وإن جف ما قبله استأنف واستدل عليه بحديث ابي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وزرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) وابن منصور عن زيد بن علي ولا يخفى أن هذا القول مخالف للاجماع المنقول عن التذكرة آنفا إلا أن لا يستند العلامة بخلافه لمعلومية نسبته ولتحقق الاجماع قبله أو بعده ثم ما ذكره من الروايات لم يثبت عندنا نعم روى الفقيه مرسلا في باب من ترك الوضوء قال وسئل أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضأ موضع لم يصبه الماء فقال يجزيه أن يبله من بعض جسده وهذا بظاهره يدل على عدم وجوب الاتيان بما بعد المنسي كما ذهب إليه لكن خال أيضا عن التقييد بدون الدرهم كما ذكره والرواية مع ضعفها بالارسال لم يعمل الاصحاب بمضمونها فلا يصلح للتعويل وأما ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل توضأ ونسي غسل يساره فقال يغسل يساره وحده ولا يعيد وضوء شئ غيرها فمحمول على عدم إعادة غيرها مما تقدم لا ما تأخر أيضا وكذا الحال في عجز حسنة الحلبي المتقدمة في بحث الترتيب واعلم إن مراده (ره) من الاتيان به إنما هو عند عدم الجفاف وإلا فيجب الاستيناف كما ذكر في سابقه وإنما تركه إحاله عليه والكلام فيه أيضا إنما يستنبط من الكلام في سابقه وأما ما رواه الهتذيب في باب صفة الوضوء في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه وقدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلوة فمحمول على الجفاف بقرينة إعادة الصلوة إذ مع الاتيان بالصلوة لا يبقى البلة غالبا وكذا ما رواه الكافي عن حكم بن حكيم المتقدمة في بحث الموالاة (ولو شك في الحدث أو الطهارة بنى على المتيقن) هذان الحكمان اجماعيان منا وفي الروايات أيضا ما يدل عليهما أما على الاول فما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الموثق عن أبي عبد الله بن بكير عن أبيه قال قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت وما رواه أيضا في باب الاحداث في الصحيح عن زرارة في أثناء حديث قال قلت فإن حرك إلى جنبيه شيى ولم يعلم به قال لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر بين وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر وقد تقدم الخبر بتمامه في بحث النوم ويمكن أن يؤيده أيضا برواية ابن أبي يعفور والروايتين المنقولتين عن صلوة التهذيب وصحيحة محمد بن مسلم المذكورات آنفا واستدل عليه أيضا بأنه لو وجب الوضوء مع الشك المتجدد لزم الحرج إذ الاغلب في الناس تطرق الشك إليهم عدم الضبط في الامور السالفة والحرج منفي بالاية وأما على الثاني فإطلاق الرواية الثانية وقد ورد بعض الروايات الاخر أيضا بهذا المضمون والمحقق (ره) في المعتبر ادعى الاجماع على الحكم الثاني ثم قال ويؤكده ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد سئل عن الرجل يخيل إليه في الصلوة أنه يجد الشئ فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ومن طريق الاصحاب ما رواه عبد الله بن أبي يعفور وذكر الرواية المتقدمة ثم استدل بما ذكرنا آنفا من لزوم الحرج وأنت خبير بأن هذه الدلايل إنما تجري في الحكم الاول ولا يناسب الحكم الثاني فكان ذكره في هذا الحكم إنما وقع سهوا والله أعلم والمصنف (ره) في الذكرى استدل على الحكم الثاني برواية عبد الله بن بكير المتقدمة نظرا إلى أن مفهوم إذا استيقنت يدل على اعتبار اليقين في الوضوء وفيه نظر لان مفهومه لا يدل إلا على أن لا تحذير عن إحداث الوضوء بالشك في الحدث

[ 142 ]

إذا لم يستيقن الوضوء وهو لا يستلزم المراد من اعتبار اليقين في الوضوء إذ يجوز أن يكفي الشك فيه أيضا لكن يكون إحداث الوضوء حينئذ غير محذر عنه بخلاف ما إذا تيقن واعلم إن ظاهر كلام الاصحاب إن الظن أيضا حكمه حكم الشك وهو ظاهر بالنسبة إلى الحكم الاول لظهور دلالة الرواية المذكورة عليه مع تأييده بأصالة البرائة واستدل المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى أيضا بأن الظن لم يعتبر ما لم يعتبره الشارع كالشهادة بخلاف الظن الحاصل الحاكم بما لا ينوط باعتباره فإنه لا يعمل به ولا به رجوع عن اليقين إلى المظنون وهو باطل ولا يخفى ما في كونه رجوعا عن المتيقن إلى المظنون فتدبر قال المحقق البهائي (ره) في الحبل المتين ثم لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يبقى على نهج واحد بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان بل ربما يصير الطرف الراجح مرجوحا كما إذا توضأ عند المسح مثلا وذهل عن التحفظ ثم شك عند الغروب في صدور الحدث منه ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت والحاصل إن المدار على الظن فما دام باقيا فالعمل عليه وإن ضعف انتهى كلامه ولا يخفى إن هذا إنما يصح لو بنى المسألة على ما تيقن بحصوله في وقت ولم يعلم أو يظن طرفا يزيله يحصل الظن ببقائه فالشك في نقيضه لا يعارضه إذا الضعيف لا يعارض القوي لكن هذا البناء ضعيف جدا بل بنائها على الروايات مؤيده بأصالة البرائه في بعض الصور وهي تشمل الشك والظن معا فإخراج الظن عنه مما لا وجه له وأما في الحكم الثاني ففيه إشكال لان صحيحة زرارة المتقدمة كما يمكن أن يستدل بها على عدم اعتبار الظن نظرا إلى مفهوم ويمكن تنقضه بيقين آخر كذلك يمكن أن يستدل بها على اعتباره بمفهوم لا ينقض اليقين بالشك مع أن الاصل برائة الذمة اللهم إلا أن يتمسك بالاجماع وبعموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الاية خرج ما إذا تيقن بالطهارة السابقة وشك في الحدث بالدليل فبقي الباقي وفيه ما مر غير مرة من منع العموم هذا ثم أنه أورد في هذا المقام إشكال وهو أن الشك بأحد النقيضين ينافي اليقين بالنقيض الاخر فكيف يمكن اجتماع الشك في الحدث مع اليقين بالطهارة وكذا العكس وأجاب عنه المصنف في الذكرى بقوله قولنا اليقين لا يرفعه الشك لا نعني به اجتماع اليقين والشك في الزمان الواحد لامتناع ذلك ضرورة إن الشك في حد النقيضين يرفع يقين الا اخر بل المعنى به ان اليقين الذي كان في الزمن الاول لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمن الثاني لاصالة بقاء ما كان فيؤل إلى اجتماع الظن والشك في الزمان الواحد فيرجح الظن عليه كما هو مطرد في العبادات انتهى وفيه نظر لان الشك بأحد النقيضين كما ينافي اليقين بالنقيض الاخر كذلك ينافى الظن به أيضا البته فالفرار من اليقين إلى الظن لا يغني من الحق شيئا اللهم إلا أن يراد بالشك الوهم والصواب أن يقال المراد بيقين الحدث البقيه في زمان معين كالظهر مثلا بوقوع حدث في زمان سابق عليه كالغداة سواء كان المراد بالحدث نفس البول مثلا أو أثره الحاصل منه وبالشك في الطهارة في ذلك الزمان أيضا بحدوث طهارة بعد الغداة سواء كان المراد بالطهارة أيضا الوضوء أو أثره ولا شك إن اجتماع اليقين والشك بهذا المعنى مما لا شك فيه لعدم تناقض متعلقيهما لاختلاف الزمان ولا يخفى أن ما ذكره المصنف أيضا وجه دفع لكن ينبغي ان يسقط عنه قوله فيؤول إلى الاخر وبما ذكر ظهر أنه قد قصر صاحب المدارك في هذا المقام حيث قال المراد بالحدث هنا ما يترتب عليه الطهارة أعني نفس السبب لا الاثر الحاصل من ذلك وتيقن حصوله بهذا المعنى لا ينافي الشك في وقوع الطهارة بعده وإن اتحد وقتهما انتهى (ولو تيقنها لا ترتيبهما تطهر) قد أطلق القول في هذا الحكم جمع من الاصحاب كالثلاثة رحمهم الله وغيرهم أيضا كالمحقق والعلامة رحمهما الله في بعض كتبهما ونقل العلاقة (ره) في التذكرة عن الاصحاب كما هو الظاهر قولين آخرين أحدهما أنه إن لم يسبق له وقت يعلم حاله فيه أعاد وإن سبق بنى على ضد تلك الحال وثانيهما أنه يراعى في الشق الاخير الحال السابق فيبنى عليه إن محدثا فمحدث ولن متطهرا فمتطهر ثم قال والاقرب أن نقول إن تيقن الطهارة و الحدث متحدين متعاقبين ولم يسبق حالة علم على زمانهما تطهر ولن سبق استصحب وهذا مختاره في القواعد أيضا ومراده بقوله متحديث متعاقبين استوائهما في العدد وكون الطهارة رافعة للحدث والحدث ناقضا لها بمعنى أنه تيقن إن لوضوء الذي علم تحققه كان وضوءا رافعا لا مجددا وكذا الحدث المتحقق وقوعه كان حدثا ناقضا لا حدثا بعد الحدث والظاهر من المعتبر الميل إلى القول الثاني من المختلف إلى الثالث وإذ قد تقرر هذا فلنشرع في ذكر أدلة الاقوال وما يتعلق بها من القيل والقال حجة القول الاول كما ذكره الشيخ في التهذيب أنه مأخوذ على الانسان أن لا يدخل في الصلوة إلا بطهارة فينبغي أن يكون مستيقنا بحصول الطهارة له ليسوغ له الدخول بها في الصلوة ومن لا يعلم إن طهارته سابقة للحدث فليس على يقين من طهارته ووجب عليه استينافها وأنت خبير بأن هذا إنما يتم لو ثبت عموم قوله تعالى إذا قمتم الاية بالتقريب الذي ذكرنا آنفا وأما إذا لم يثبت فلا إذ لو كان إذا فيه للاهمال أو يكون مقيدا بأن كنتم محدثين كما ذكره بعض فعلى الاول إنما يسلم وجوب الوضوء فيما لو كان إجماع أو دليل آخر ولم يتحقق فيما نحن فيه فلا وجوب ولو تمسك بأنه ثبت الوجوب في بعض الاوقات ولم يعلم بعينه فوجب الاتيان في جميع الاوقات إلا ما أخرجه الدليل تحصيلا للبرائة اليقينية ففيه ما مر غير مرة من أن في أمثال هذه الصورة يكفي الاتيان بالقدر المتيقن وهو فيما نحن فيه الاتيان في الوقت الذي يعلم عدم الطهارة فيه وعلى الثاني نقول إن غاية ما يسلم منه وجوب الوضوء عند اليقين بالحدث وليس ها هنا فليس مع أنه لو سلم العموم أيضا لامكن أن يقال إن موثقة ابن بكير قد خصصها بغير هذه الصورة لانها دلت على أنه إذا حصلت اليقين بالوضوء فلا تتوضأ إلا إذا حصل اليقين بالحدث فها هنا يقين

[ 143 ]

بالحدث لا يقال اليقين بالحدث حاصل لان الظاهر إن المراد اليقين بالحدث بعده إذ لو كان اليقين بالحدث مطلقا كافيا لكان اليقين بالحدث السابق ايضا ناقضا إلا أن لا يكتفي بمثل هذه الرواية الغير الظاهرة الصحة في تخصيص الكتاب أو يقال أن يقال إن اليقين بالحدث مطلقا قد خرج عنه اليقين بالحدث السابق بالضرورة بقي الباقي فتأمل وحجة القول الثاني على ما يستنبط من المعتبر والتذكرة أنه إذا علم إن في الوقت السابق كان محدثا فيلزم أن يبنى حينئذ على الطهارة إذ الحدث السابق قد ارتفع بالطهارة المتيقنة بيقين وانتقاض تلك الطهارة بالحدث المتيقن مشكوك لجواز أن يكون ذلك الحدث واقعا بعد الحدث الاول بلا توسط الطهارة فيؤول الامر إلى اليقين بالطهارة والشك في الحدث فيكون متطهرا وإذا علم أن الوقت السابق كان متطهرا يلزم أن يبنى على الحدث إذ الطهارة السابقة قد انتقضت بالحدث المتيقن البتة ورفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقنة مشكوك لجواز أن يكون واقع بقصد التجديد أو بدون قصده بل نسيانا لطهارة السابقة فآل الامر إلى اليقين بالحدث والشك في الطهارة فيكون محدثا واعلم إن المستفاد من كلام المعتبر والتذكرة إن الحكم الثاني إنما هو على تقدير تجويز التجديد أو نحوه مما ذكرنا وأما على تقدير عدمه كما إذا تيقن إن طهارته المعلومة كانت طهارة رافعة للحدث فإنما يبنى على الطهارة البتة ووجهه البته ووجهه ظاهر والظاهر أن الحكم الاول أيضا إنما هو على تقدير تجويز أن يكون حدثه واقعا بعد الحدث بلا فصل وأما إذا تيقن إن حدثه المعلوم لم يكن بعد الحدث فإنما يبنى على الحدث البتة وكأنهم لم يذكروه للظهور وعلى هذا يدخل ما قربه العلامة في التذكرة واختاره في القواعد في ضمن هذا القول نعم هذا القول إنما يشتمل على جزء آخر من أن عند عدم العلم بالتعاقب مع العلم بالحال السابق إنما يبني على خلافها والعلامة ساكت عن هذا الحكم فلو كان رأيه في هذا الحكم أيضا ذلك فيكون قوله في الكتابين هو هذا القول بعينه وإلا فلا وقد اعترض على هذه الحجة صاحب المدارك آخذا مما في المنتهى أن الحدث السابق في الصورة الاولى وإن ارتفع قطعا بالطهارة المعلومة إلا أن الحدث المفروض مع الطهارة متحقق الوقوع أيضا فلا بد من العلم برافعه وهو غير معلوم لجواز تقدم الطهارة عليه وكذا الطهارة السابقة في الصورة الثانية وإن انتقضت بالحدث المعلوم إلا أن الطهارة المفروضة مع الحدث متيقنة الوقوع فلا بد من العلم بناقضها وهو غير معلوم لجواز تقدم الحدث عليها ونقض أيضا في الصورة الثانية بأن الطهارة المفروضة رافعة للاحداث السابقة قطعا وتأخر الحدث عنها معلوم فيجب البناء على الطهارة على حد ما قرروه في الصورة الاولى ولا يخفى أنه يمكن النقض عليهم أيضا فيما إذا لم يعلم الحال السابق بإثبات لزوم البناء على الطهارة بعين ما ذكر في هذا النقض وقد اعترض عليهم أيضا بأن ما ذكروه على تقدير تمامه لا ينافي كلام القائلين بالاطلاق إذ مرجعه إلى تيقن احدهما والشك في الاخر وكلامهم إنما هو إذ من رجعه إلى تيقن أحدهما والشك في الاخر وكلامهم إنما هو في تيقنهما معا بل وعلى الفرض الذي ذكره العلامة في التذكرة والقواعد لا يبقى الشك أصلا بل يؤل أما إلى يقين الحدث بدون الشك في الطهارة أو العكس كما لا يخفى فحينئذ لا وجه لايراده في طي مسألة الشك أصلا ويمكن أن يدفع الاعتراض الاول والنقضان المذكوران بعد تمهيد مقدمة وهو أن يبنى كلامهم على أن الحدث الواقع بعد حدث سابق لا يؤثر أثر الامتناع اجتماع المثلين وكذا الطهارة الواقعهة بعد طهارة أخرى ولا يذهب عليك أنه لا حاجة لهم إلى الاستدلال على نفي التأثير بل يكفيهم المنع أيضا وحينئذ نقول إن في الصورة الاولى الحدث السابق المعلوم تأثيره قد ارتفع بالطهارة المعلومة تأثيرها قطعا لانها أما بعده بلا فصل أو بعد الحدث الثاني وعلى التقديرين يرفع الحدث السابق قطعا والحدث المفروض ثانيا وإن كان وقوعه متيقنا لكن تأثيره غير معلوم لجواز أن يكون واقعا بعد الحدث الاول وقد عرفت أنه حينئذ لا يؤثر أثر بناء على المقدمة الممهدة واليقين بوقوع الحدث نفسه بدون أثره لا يجدي إذ الاستصحاب إنما في الاثر لا فيه نفسه وهو ظاهر والحاصل إن ها هنا حدثين بمعنى الاثر أحدهما متيقن والاخر مشكوك وطهارة بمعنى بمعنى الاثر أيضا متيقن والحدث المتيقن قد ارتفع بالطهارة المعلومة قطعا وقد بقي الحدث المشكوك وظاهر إن الحدث المشكوك لا يعارض الطهارة المعلومة وكذا الحال في الصورة الثانية لان الطهارة السابقة المعلومة تأثيرها قد ارتفعت بالحدث المعلوم تأثيره قطعا لانه أما بعدها بلا فصل أو بعد الطهارة الثانية وعلى التقديرين برفعها البتة والطهارة المفروضة ثانيا وإن كان نفسها متيقنة الوقوع لكن تأثيرها مشكوك لجواز أن يكون بعد الطهارة الطهارة الاولى فلم يكن لها تأثير بناء على المقدمة المذكورة فآل الامر أيضا إلى حدث بمعنى الاثر متيقن وطهارة بمعنى الاثر أيضا مشكوك فيبنى على الحدث وبهذا اندفع الاعتراض والنقضان أما الاعتراض فظاهر وأما النقض الاول فلمنع قولهم الطهارة المفروضة رافعة للاحداث السابقة قطعا لان رفعها لحدث إنما يكون عند تأثيرها وهو غير معلوم لجواز أن يكون واقعة بعد الطهارة الاولى وأما النقض الثاني فبعين ما ذكر أيضا لان الطهارة المتيقنة حال عدم العلم بالحال السابق لا يقين بتأثيرها لجواز أن يكون بعد طهارة سابقة وقس عليه الحال لو أورد الايراد بعنوان قلب الدليل في الحدث فتدبر ولا يذهب عليك أنه حينئذ يمكن إيراد الاعتراض بوجه آخر وهو أن يقال هب أن الحدث اللاحق والطهارة اللاحقة لا تأثير لهما والاستصحاب إنما يجري في تأثيرهما لا فيهما نفسهما لكن نقول في الصورة الاولى أن الحدث المفروض ثانيا وإن لم نعلم تأثيره لكنه نعلم قطعا إن حال حدوثه يتحقق حدث بمعنى الاثر البتة لانه أما بعد الحدث الاول بلا فصل فأثر الاول باق وقت حدوثه وأما بعد الطهارة المفروضة فهو إنما يؤثر بنفسه فعلى التقديرين يتحقق أثر الحدث حال حدوث الحدث الثاني جزما ولا بد من يقين آخر في رفعه

[ 144 ]

وليس إذا الطهارة المفروضة يجوز أن يكون متوسطة بين الحدثين وقس عليه الصورة الثانية وحينئذ يرجع ورود النقضين أيضا كما لا يخفى اللهم إلا أن لا يعتبروا مثل هذا اليقين المتعلق بأمر ردد فيه بل إنما اعتبروا تعلق اليقين بأمر مشخص كالطهارة في الاولى والحدث في الثانية لكن إثبات الفرق مشكل وأما الاعتراض الثاني بعدم منافاته لكلام القائلين بالاطلاق فيمكن دفعه بأنه يجوز أن لا يكون مرادهم إن هذا القول مخالف لكلامهم البتة بل الغرض التفصيل في هذا المقام لئلا يعرض غلط للوهم لقلة التأمل ويحسب هذه الصورة أيضا داخلة تحت اليقين بهما والشك في الترتيب فإن كان كلام القائلين بالاطلاق أيضا مختصا بغير ما ذكره هؤلاء فنعم الوفاق وإلا فالنزاع قائم وأما ما ذكر من أنه على الفرض الذي فرضه العلامة (ره) لا يبقى الشك بل إنما يؤل إلى اليقين فدفعه أيضا بأنه لما كان حينئذ يتراءى الشك أول الوهلة وإن كان بعد التأمل يحصل اليقين فلذا أورد في مسألة الشك كما يوردون في مسألة الشك في مبدأ السعي فرض علم الزوجية والفردية وهو على الصفا أو المروة مع أن هناك أيضا يرتفع الشك بعد التأمل هذا وحجة القول الثالث إن الطهارة والحدث المعلومين بعد الحال السابق تعارضا وتساقطا فيرجع إلى الحال المعلوم أولا وضعفها ظاهر لان الحال لاول إنما ارتفع بيقين فاستصحابه مما لا معنى له أصلا واعلم إن العلامة (ره) اختار في المختلف هذا القول ظاهرا حيث قال أطلق الاصحاب القول بإعادة الطهارة على من تيقن الحدث والطهارة وشك في المتأخر منهما ونحن فصلنا ذلك في أكثر كتبنا وقلنا أن كان في الزمان السابق على زمان تصادم اللاحتمالين محدثا يجب عليه الطهارة وإن كان متطهرا لم يجب انتهى ولا يخفى أنه ظاهر في اختيار هذا القول لكنه قال بعد ما نقلنا مثاله أنه إذا تيقن عند الزوال إنه نقض طهارة وتوضأ عن حدث وشك في السابق فإنه يستصحب حال السابق على الزوال فإن كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته لانه تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ ولا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك وإن كان قبل الزوال محدثا فهو الان محدث لانه تيقن أنه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها والطهارة بعد نقصضها مشكوك فيها انتهى ولا يخفى ما فيه من الخلل لان الدليل الذي ذكره إن كان لاثبات هذا المثال الخاص الذي ذكره فمسلم لكن لا يثبت به الدعوى الكلية التي ادعاها أولا إذ هي غير منحصرة في هذا المثال لجواز أن لا يعلم ان الطهارة المعلومة كانت رافعة والحدث المعلوم ناقضا وإن كان لاثبات الدعوى الكلية ففساده ظاهر لانه حينئذ يكون قوله لانه تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ ممنوعا لجواز أن يكون ذلك الوضوء بعد الوضوء السابق تجديدا وكذا قوله لانه تيقن أنه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها لجواز أن يكون ذلك الحدث بعد الحدث السابق بلا فصل فالصواب أن يقال إن مراده من الاطلاق المذكور المقيد بهذين القيدين بقرينة التمثيل بالمثال المذكور وحينئذ ينطبق الدليل على المدعى ويعتبر كلامه مثل ما ذكره في التذكرة والقواعد يعنيه والايراد عليه حينئذ بأنه يخرج من مسألة الشك قد عرفت دفعه لكن مع هذا أيضا في كلامه بعض المناقشات إذ حينئذ لا يصيب قوله ونقض الطهارة الثانية مشكوك فيه مرة أخرى إذ لا شك على هذا الفرض في نقض الطهارة بل إنما تيقن بعدم نقضها وكذا قوله والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها إذ الطهارة بعد نقضها يقينا ليست بمشكوك فيه بل إنما تيقن بعدمها اللهم إلا أن يقال أنه (ره) قد فرض التعاقب في المثال ولم يفرض الاتحاد فيجوز أن يكون لشك في الصورتين بناء على احتمال تجويز حدث آخر غير الحدث المتيقن أو طهارة أخرى غير الطهارة المتيقنة وكذا يناقش في قوله يستصحب حال السابق لانه ليس بالاستصحاب المصطلح ونقل عنه في دفعها إنه أراد به لازم الاستصحاب بخبر إذنه إذا حكم بكونه متطهرا مع تخلل الحدث لمزيل لحكم الاستصحاب للطهارة الاولى أثبت لازمه وكذا الحدث هذا ثم أن الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد بعد نقله كلام القائلين بالاطلاق وكلام المختلف والمعتبر قال والذي يحصل لنا في المسألة بعد تحرير كلام الجماعة أنه إن علم التعاقب فلا ريب في الاستصحاب وإلا فإن كان لا يعتاد التحديد بل إنما يتطهر حيث يتطهر طهارة رافعة للحدث فكلام المحقق مع فرض سبق الحدث أوجه لضعف الحكم بوجوب الطهارة مع العلم بوقوعها على الوجه المعتبر وعدم العلم بتعقب الحدث لها المقتضي للابطال إذا علم إنه كان قبلهما محدثا ولا يرد حينئذ أن يقين الحدث مكاف ليقين الطهارة لان الطهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث أما الحدث فغير معلوم نقضه للطهارة لاحتمال أن يقع بعد الحدث الاول قبل الطهارة إذا الفرض عدم اشتراط التعاقب فلا يزول المعلوم بالاحتمال بل يرجع إلى يقين الطهارة مع الشك في الحدث وكلام المختلف في فرض سبق الطهارة أوجه لان نفي احتمال التجديد يقتضي توسط الحدث بين الطهارتين إلا أن هذا القسم راجع إلى التعاقب فلا يحتاج إلى استدراكه ها هنا وإن لم يتفق له تحقق هذه القيود بل إنما تحقق الطهارة والحدث وشك في المتأخر منهما من غير تحقيق لحاله كما ذكرناه وجب عليه سواء تحقق هذه القيود بل إنما الطهارة علم حاله قبلهما أم لا لقيام الاحتمال واشتباه الحال انتهى وفيه نظر لان تقييده الحكم بالبناء على الطهارة في الصورة المذكورة بكونه متطهرا حيث يتطهر طهارة رافعة للحدث غير مجوز للتجديد مما لا وجه له أصلا لان الدليل الذي ذكره لو سلم تماميته وقطع النظر عن الايراد الذي ذكرنا في القول الثاني لدل على البناء على الطهارة في الصورة المذكورة وإن كان معتاد للتجديد أيضا لانه إذا علم أن الحالة السابقة كانت حدثا فيعلم بالضرورة إن الطهارة المتيقنة بعده واقعة على الوجه المعتبر رافعة للحدث لانه أما أن يعلم ومدة الطهارة أولا فإن علم الوحدة فإ أمر ظاهر لان تلك الطهارة الواحدة رافعة للحدث البتة لانها أما بعد الحدث السابق بلا فصل أو بعد الحدث الثاني وعلى التقديرين يكون رافعة البتة وإن لم يعلم الوحدة فحينئذ أيضا معلوم إن تلك الطهارات المتعددة على الاحتمال أو اليقين طهارة رافعة للحدث

[ 145 ]

البتة بالبيان المذكور آنفا وإذ قد ثبت العلم بوقوع طهارة رافعة للحدث فنسرد الكلام إلى آخره كما ذكره (ره) فإن قلت لعل التقييد ليس لاجل الحكم في هذه الصورة بل إنما هو للحكم في الصورة الثانية إذ لا شك أن ذلك الحكم يحتاج إلى هذا التقييد لا يقال إن تقييد الحكم الاول أيضا لا إجل احتياج الحكم الثاني لا معنى له بل إنما يجب حينئذ تقييد الثاني فقط لان المراد إن التقييد لمجموع الحكمين من حيث هو مجموع ولا خفاء في أن هذا المجموع محتاج إلى التقييد باعتبار جزئة الثاني قلت هذا وإن كان نوع تأويل لكن ينافيه تعميمه آخرا من أنه إن لم يتفق له تحقق هذه القيود فيجب عليه الطهارة سواء علم حاله قبلهما أم لا ولا يذهب عليك أنه على تقدير العلم بكونه وضوئه غير مجدد يجب الحكم بالبناء على الطهارة إن لم يعلم الحال السابق أيضا بناء على الدليل المذكور ولا اختصاص له بالعلم لكن هذا الايراد إيرادا عليه (ره) لانه لم يحضر الحكم في العلم غايته أنه يلزم إهماله (ره) لهذا أولا فساد فيه مع أنه يمكن أن يقال لما كان هذا لازما لما ذكره لان السابق لا يخلو من وجهين وأوجب البناء على الطهارة على كل وجه فاكتفى به ولم يتعرض للتصريح هذا وإذ قد عرفت مأخذ الاقوال فنقول الذي يقتضيه النظر أنه إذا حصل من جهة العادة أو فرض ما العلم بأن الواقع ايهما أو الظن أيضا على تقدير العبرة فلا إشكال وإن لم يحصل أحدهما فالظاهر عدم وجوب الطهارة كما يعلم وجهه من التأمل في الاقاويل السابقة إلا إذا ثبت إجماع على الوجوب في صورة خاصة والظاهر تحقق الاجماع في صورة عدم العلم بالحال السابق لان الخلاف الذي ذكروه إنما هو في صورة العلم فعلى هذا الظاهر الحكم بالوجوب في هذه الصورة مطلقا سواء كان من عادته التجديد أو لا وبعدم الوجوب في غيرها مطلقا إن لم يكن مخافة خرق الاجماع المركب لان ما ذكروه من الخلاف في صورة العلم أنما هو منحصر ظاهرا في القولين المذكورين من البناء على الضد أو السابق على تقدير أن يكون القائلون بالاطلاق أيضا متفقين مع القائلين بالقول الثاني أو الاقوال المذكورة على تقدير كونهم مخالفين هلم وهذا القول مخالف لها جميعا فإذن الاحتياط في إعادة الطهارة في جميع الصور سوى ما علم تحققها فيه بالقرينة الخارجية والله أعلم (ولو أفاد التعاقب استصحابا بنى عليه) قد مر ما يفي بشرح هذا الكلام (ولو ذكر بعد الصلوة ترك واجب إعادتهما) أي الوضوء والصلوة تدل عليه مضافا إلى لزوم الاتيان المأمور به على وجهه موثقة سماعة المتقدمة عند قول المصنف ولو تيقن أتى به مطلقا واعلم إن الذكر لو كان في أثناء الصلوة فالظاهر وجوب القطع والاتيان بالمنسي وما بعد مع عدم الجفاف وإعادة الوضوء مع الجفاف ثم استيناف الصلوة سواء كان المنسي الغسل أو المسح تدل عليه مضافا إلى الامر المذكور آنفا روايات كثيرة متظافرة منها رواية سماعة المذكورة ومنها ما رواه التهذيب في باب صفة الوضوء في الصحيح عن أحمد بن عمر قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال من نسي مسح رأسه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن أعاد الصلوة ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلوة قال ينصرف فيمسح رأسه فيعيد ومنها صحيحة منصور المتقدمة في بحث الاستيناف ورواية أبي الصباح الكناني المتقدمة في بحث الموالاة ومنها ما رواه الفقيه في باب من ترك الوضوء عن زيد الشحام والمفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلوة قال فلينصرف وليمسح برأسه وليعد الصلوة ثم أن الروايات المذكورة دالة على قطع الصلوة وأما التفصيل المذكور من الاتيان بالمنسي وما بعده مع عدم الجفاف وإعادة الوضوء معه فما يستنبط من الابحاث السابقة (فإن تعدد الوضوء ولم يعلم محل المتروك أجزء الواجبان والنفلان دون الواجب والنفل في الاقوى) لو توضأ أحد ثم أحدث وضوء آخر ثم ذكر الاخلال بعضو من إحدى الطاهرتين ولم يعلم أيهما بعينه فحينئذ يتصور أربعة أقسام الاول أن يكونا واجبين الثاني أن يكونا مندوبين الثالث أن يكون الاول واجبا والثاني مندوبا الرابع بالعكس أما الاول فيتصور بأن يتوضأ مثلا في الوقت وجوبا ثم جدد وجوبا أيضا بالنذر أو ذهل عن الاول فتوضأ باعتقاد الوجوب وأما الثاني فيتصور بأن يتوضأ خارج الوقت ندبا ثم جدده ندبا أيضا أو ذهل عن الاول وتأهب لفريضة قبل دخول وقتها مثلا وأما الثالث فيتصور بأن يتوضأ في الوقت واجبا ثم جدده ندبا أو ذهل عن الوقت والوضوء وظن أنه ليس بوقت صلوة فتوضأ ندبا وأما الرابع فيتصور بأن يتوضأ قبل الوقت ندبا ثم ندر التجديد فجدد وجوبا أو ذهل عن الوضوء الاول فتوضأ في الوقت وجوبا وإذ قد تمهد هذا التصوير فنقول لا يخلو أما يكتفي في النية بالقربة فقط أو يعتبر معها الوجه أيضا بدون إحدى الامرين من الرفع أو الاستباحة أو يعتبره هو أيضا فعلى الاول الظاهر إجزاء إحدى الطهارتين وعدم الاحتياج إلى طهارة أخرى في جميع الصور لان الخلل أما في الاولى فالثانية صحيحة البتة لاشتمالها على القربة وإن كان في الثانية فالاولى صحيحة بطريق الاولى وعلى الثاني فلا خفاء في الصورة في صحة إحدى الطهارتين في الصورة الاولى وكذا في الثانية أيضا لو كان الوضوان معا في وقت خلو الذمة عن مشروط بالطهارة وأما إذا كان إحدهما وقت اشتغال الذمة به كما إذا توضأ ندبا قبل الوقت ثم جدده ندبا في الوقت عنه وعن الوقت وتوضأ ندبا ففيه إشكال سيأتي وكذا حال في الثالثة أيضا لو كان الوضوء الاول الواجب لم يكن واجبا لاجل وجوب مشروط به بل لنذر وشبهه وتضيق وقته أو كان لاجل المشورط أيضا لكن فات وقته والوضوء الثاني المندوب قد فعل في وقت خلو الذمة عن المشروط به وإلا ففيه الاشكال أيضا وأما في الرابع فالظاهر صحة أحديهما مطلقا وعلى

[ 146 ]

الثالث فلا يخلو أما أن نقول برفع المجدد أما مطلقا كما هو ظاهر المبسوط أو مع القصد إلى الصلوة كما هو رأى المعتبر أولا فإن قلنا بالرفع فالحكم في الصور الاربعة مثل ما تقدم في الاحتمال الثاني بعينه أما مطلقا على رأي المبسوط أو حال القصد إلى الصلوة على رأي المعتبر وإن لم نقل به فالظاهر في الصورة الاولى صحة أحديهما لو كان الثاني للذهول عن الاول وعدم صحتهما لو كان للتجديد بنذر وشبهه لاحتمال أن يكون الخلل في الاولى فلا تصح والثانية أيضا غير صحيحة لعدم قصد الرفع أو الاستباحة وكذا الصورة الثانية سواء كانتا وقت خلو الذمة عن المشروط بالطهارة أو لا نعم إنما يتفاوت ذلك باعتبار قصد الوجه كما تقدم وقس عليهما الثالثة والرابعة أيضا هذا ما يلفق من كلام الاصحاب بما ذكرنا ظهر ما في كلام المصنف من الخلل لان مذهبه في هذا الحكم الكتاب اشتراط قصد الوجه وأحد الامرين كما تقدم فحينئذ أما أن نقول برفع المجدد كما هو الظاهر من كلامه في مفتح الكتاب باعتبار إن شرعيته لتدارك ما فات فيجب أن يقول بإجزاء الواجب والنفل أيضا كما يقول بإجزاء الواجبين والنفلين لان هذا الوجه كما يدل على سقوط اعتبار قصد أحد الامرين في المجدد يدل على سقوط اعتبار قصد الوجه أيضا لا يقال أنا لا نقول بسقوط اعتبار قصد أحد الامرين في المجدد بل نقول لانه لا بد في المجدد من قصد أحد الامرين على تقدير أن لا يقع بالاول كما صرح به المصنف في الذكرى بخلاف قصد الوجه إذ لم نقل باعتبار قصد وجه سابقه في المجدد وحينئذ يظهر الفرق بين الواجبين والنفلين وبين الواجب والنفل باعتبار وجوب قصد الوجه لانا نقول ما ذكر من الوجه في رفع المجدد إنما يدل على استدراكه الخلل الواقع في الاول البتة سواء اعتبر الوجه أو لا وسواء اعتبر قصد أحد الامرين أو لا ولا يجدى القول باعتبار ذلك القصد فيه دون الاول كما لا يخفى وأما أن لا يقول برفع المجدد كما يفهم من كلامه ثانيا في بقاء اللمعة فيجب أن لا يقول بإجزاء الواجبين والنفلين على الاطلاق كما لا يقول بإجزاء الواجب والنفل اللهم إلا أن يخص كلامه بما عدا التجديد وأنت خبير بأنه حينئذ أيضا لا يصح حكمه في الموضعين على الاطلاق كما يعلم وجهه مما سبق من التفصيل هذا ثم أن الاشكال الذي أشرنا إليه سابقا هو أن الوضوء الاول سواء كان مندوبا كما في الاحتمال الثاني أو واجبا كما في الثالث لما أمكن أن يكون الخلل فيه فلا جزم برفعه للحدث فعند اشتغال الذمة بعده بمشروط بالطهارة يحتمل أن لا يكون الذمة بريئة من الطهارة الواجبة فيكون الطهارة الثانية المندوبة به حينئذ باطلة فإذن قد بطلت الطهارتان فلا قطع بصحة أحديهما وقد يدفع الاشكال بأن تكليف الغافل مستحيل فلا يكون قبل العلم بوقوع الخلل مكلفا بالطهارة وجوبا بل على الوجه الذي ظنه فيكون مجزيا لان الامر يقتضي الاجزاء وفيه أنه كما لا يكون مكلفا بالايقاع على وجه الوجوب فلا دليل على كونه مكلفا على وجه الندب أيضا لان الاوامر الواردة بالتجديد إنما يدل على استحبابه حال كونه متطهرا سابقا لا مظنون التطهر إذ الظاهر أن الالفاظ موضوعة للمعاني النفس الامرية لا المظنونة وهو على تقدير الخلل في الاول منتف فلا يكون حينئذ مستحبا وعلى هذا فلما لم يعلم تحقق شرط التكليف لم يعلم تحققه أيضا فلم يحصل لنا القطع بأن الوضوء الثاني كان صحيحا لان صحته إنما هو على تقدير كونه امتثالا لامر وتحقق الامر غير معلوم نعم لو توضأ ثانيا لامر دل أمر عام على استحباب الوضوء له فحينئذ لا يبعد القول بالاجزاء لان العموم دل على استحبابه في جميع الاوقات خرج ما إذا علم تحقق وضوء سابق قبله أو اشتغال ذمته بوضوء واجب بالجماع فبقي ما عداهما وما نحن فيه من قبيل ما عداهما ولا يخفى أنه يرد الاشكال في الصورة الرابعة أيضا لان تجديد الوضوء وجوبا بالنذر لا يخلو أما أن يكون قبل دخول الوقت أو بعده فإن كان الاول فنقول وجوب التجديد إنما هو بعد صحة الوضوء الاول فإذا كان الخلل واقعا فيه لا يكون التجديد بعده واجبا وهو ظاهر ولما لم نعلم وجوب التجديد فلم نعلم إجزاء الوضوء الثاني لان إجزائه إنما يكون على تقدير كونه امتثالا لامر واجبي وتحققه غير معلوم وإن كان الثاني فنقول أيضا إن إجزاء الثاني غير معلوم لان إجزائه أما باعتبار كونه امتثالا للنذر وقد عرفت حاله وأما باعتبار كونه امتثالا للامر بالوضوء الثابت بأصل الشرع وهو أيضا باطل لان التكليف بالوضوء إنما يكون عند العلم بالخلل إذ بدونه تكليف للغافل والعلم منتف لا يقال الاخير مدفوع لان العلم بالتكليف حينئذ حاصل البتة لانه لا يخلو أما أن يكون الضووء الاولى صحيحا أو لا فإن كان صحيحا فيتحقق شرط النذر فيجب الوفاء به وإن كان فاسدا فيجب الوضوء الثابت بأصل الشرع للصلوة لعدم ارتفاع الحدث فالتكليف متحقق على أي وجه البتة فأن كونه الوضوء الثابت بأصل الشرع للصلوة لعدم إرتفاع الحديث بالتكليف متحقق على أي وجه البته فالوضوء الثاني يكون مجزيا قطعا لانه أما امتثال لهذا أو ذاك لانا نقول لا نسلم أنه لو كان فاسدا يجب الوضوء الاصلي لان الفساد لا يكفي في الوجوب بل لا بد من العلم به لما عرفت وكذا يرد الاشكال في الصورة الاولى أيضا لان الوضوئين الواجبين إن كانا في الوقت وكان الثاني للذهول عن الاول فحينئذ يمكن بطلانهما معا أما الاول فلاحتمال كون الخلل فيه وأما الثاني فلعدم كونه امتثالا لامر إذ تكليف الغافل مستحيل فإن قلت التكليف إنما يكون مستحيلا إذا كان جازما بالاتيان بالوضوء صحيحا وأما إذا ارتفع ذلك الجزم عنه بالنسيان كما فيما نحن فيه فلا إذ هو حينئذ معتقد بأنه مكلف وقادر على الاتيان فلا فساد في تكليفه قلت هذا مجرد احتمال لا يكفي في الاستدلال إذ لا دليل على وقوع هذا التكليف إذ الظاهر أنه ليس مقتضي التكليف الاول فلا بد لوقوعه من دليل آخر وليس ولا يخفى أن حقيقة الحال إنما يظهر بتحقيق إن القايل بإجزاء إحدى الطهارتين ها هنا هل هو مستدل أو مانع فإن كان مستدلا فلا ينفعه هذا الكلام أصلا وإن كان مانعا فحاله كما سنذكر إنشاء الله تعالى فنقول أما على طريقة الاصحاب من القول بتحقق معنى مانع للصلوة هو الحدث وعدم أباحتها بدون رفعه وحجية الاستصحاب فالظاهر ان القايل بالاجزاء مستدل لان الحدث السابق متيقن فيستصحب حكمه إلى أن يعلم زواله فلا بد من إثبات أن أحدا من الوضوئين رافع للحدث البتة حتى يحكم بارتفاع الحدث السابق وما لم يثبت ذلك يكون حكم الحدث

[ 147 ]

باقيا ولا بد من وضوء آخر وكذا إذا ثبت عموم الوجوب عند القيام إلى كل صلوة إلا ما خرج بالدليل إذ حينئذ أيضا يكون القايل بالاجزاء مستدلا فإن قلت لا شك أنا إذا ذهلنا عن الاتيان بالفعل وظننا أو جزمنا بعدم الاتيان ولم نأت به ثانيا فإنا نستحق العقاب بذلك الترك فظهر أن الاتيان حينئذ إنما هو مقتضي التكليف وثبت إن الوضوء الثاني امتثال للامر قلت على تقدير استحقاق العقاب بالترك لا نسلم حينئذ أن التلكيف الشرعي ثابت بل إنما هو بمقتضى حكم العقل إلا ترى أنه على تقدير الاتيان بالمأمور صحيحا أيضا لو ذهل عنه فإنه يحكم بلزوم الاتيان ثانيا واستحقاق العقاب بتركه مع أنه لا شك في سقوط التكليف الشرعي حينئذ البتة لكن لا يبعد أن يقال إذا ورد أمر بشئ بدون تقييده بشرط فالظاهر اقتضاء الامر ذلك الشئ على جميع التقادير وعدم الرخصة في تركه على حال وهذا إنما يستلزم استحقاق العقاب على عدم الاتيان به على جميع الاحوال إذ لو لم يستحق العقاب على حال فلم يرد الامر ذلك الشئ منه على تلك الحال وإنما يتقيد ذلك الامر بشرط باعتبار حكم العقل أو تقييد من الامر وعند ذلك يسقط استحقاق العقاب أيضا لم يأت به على تقدير فوات ذلك الشرط وأما بدونهما فلا (وإذا تقرر هذا) فنقول إن الامر قد ورد بالوضوء مطلقا بدون تقييد فيكون مقتضيا له على جميع الاحوال ويستحب العقاب بتركه أيضا على جميعها لكن قد خرج بالعقل ما إذا ترك وظن أو قطع بعدم الترك وبقي ذلك الظن أو القطع إلى خروج الوقت لاستحالة تكليف الغافل وأما غير هذه الحال مثل ما نحن بصدده أي مآل زوال ذلك الظن أو القطع فينبغي أن يحكم باستحقاق العقاب بالترك عليه إذ لم يحكم العقل بخروجه لعدم استحالته ولا تقييد من الامر أيضا فيكون التكليف حينئذ باقيا والوضوء الثاني امتثالا له فتدبر فإن قلت هل لا يمكن الاستدلال بارتفاع الحدث السابق وعدم الاحتياج إلى وضوء آخر حينئذ برواية ابن بكير المتقدمة من قوله (عليه السلام) إذا استيقنت إلخ إذ اليقين بالوضوء حاصل حينئذ فلا حاجة إلى وضوء آخر حينئذ قلت الظاهر لا أما أولا فلانا قد ذكرنا إن النسخة في هذه الرواية مختلفة وعلى بعض نسخ الكافي لا دلالة لها على المرام وعلى نسخة التهذيب وإن كان لها دلالة لكن لم يبق الظن بصحتها مع اختلاف النسخ وأيضا توثيق ابن بكير لا يخلو من إشكال وأما ثانيا فلان الظاهر أن المراد بالوضوء الوضوء الذي كان امتثالا لامر الله تعالى لا الوضوء مطلقا فتأمل فيه وأما إذا لم يقل أحد بذلك القول ولم يسلم عموم وجوب الوضوء بل إنما يسلم وجوبه فيما يثبت بإجماع أو دليل فحينئذ يترائى في بادي الرأي إن القايل بالاجزاء مانع وإنما يكون يكفيه احتمال أن يكون ذلك الوضوء الثاني امتثالا لامر شرعي لكن عند التحقيق لا يكفيه ذلك الاحتمال حينئذ أيضا إذ التكليف ما لم يثبت عند المكلف يكون مرتفعا في الواقع اللهم إلا إذا كان عد الثبوت عنده بسبب تقصير وتفريط منه كما ذكر في موضعه فالتكليف إذا كان على الاحتمال يكون متيقن الانتفاء فلا يجدي في المرام نعم يمكن منع وجوب إعادة الوضوء حينئذ لكن لا مستندا بإجزاء أحد الوضوئين بل لما عرفت أن عموم الوجوب غير ظاهر ولا دليل فيما نحن فيه إذ الاجماع منتف لتحقق الخلاف والاستصحاب أيضا غير جار لعدم تسليم تحقق معنى الحدث فإن قلت إن لم يتحقق معنى الحدث الذي هو الرافع فلا شك في تحقق معنى الرفع وإنكاره مكابرة قلت هب أن هذا المعنى متحقق لكن إثبات استصحابه مشكل إذ الاثبات أما بطريق الاصحاب في حكم الاستصحاب من حديث حصول الظن واتباعه فهو من الوهن بحيث لا يخفى وأما بما ذكرنا سابقا في بحث جواز المسح بشعب حجر واحد فإجرائه ها هنا مشكل كما لا يخفى فإن قلت الاجماع منعقد على أن استباحة الصلوة بعد الحدث إنما يكون باعتبار وضوء صحيح والقائلون بعدم وجوب الاعادة حينئذ إنما يقولون به باعتبار أنهم اعتقدوا صحة أحد الوضوئين وإذ قد ثبت عدم صحتهما فعند ذلك القول بعدم وجوب الاعادة يكون خرقا للاجماع قلت لا نسلم انعقاد الاجماع أصلا في هذا المعنى ولو سلم انعقاد إجماع في الجملة وقيل إن منعه مطلقا مكابرة فنقول أما أن أريد بالوضوء الصحيح في الواقع أو في نظر المكلف فإن أريد الثاني فالمراد أما الصحيح في نظر وقت فعله أو بعده أيضا فإن أريد الصحيح في نظره وقت الفعل فهو مسلم ولا نسلم انتفائه ها هنا وهو ظاهر وإن أريد بعد الفعل أيضا فممنوع وكذا يمنع أيضا إن أريد الصحيح في الواقع أي في حكم الله تعالى الواقعي ولو سلم فنقول إن أريد الاجماع على صحته في الواقع مع العلم بصحته أيضا فممنوع وإن أريد به الصحة مطلقا أعم من أن يكون مع العلم أولا فمسلم لكن لا نسلم انتفاء ها هنا إذ ما ذكرنا في نفي صحته ليس قطعيا حتى لا يمكن تجويز خلافه بل ظنيا فحينئذ نجوز أن يكون في حكم الله تعالى صحيحا كما ذكره الاصحاب وقد أخطأنا نحن في الظن بعدم صحته وأيضا الوضوء الاول لعله كان صحيحا و ها هنا كلام آخر سيذكر بعيد هذا وقس عليه الحال إذا لم يكن الوضوءان الواجبان في الوقت بل يكونان خارجين أو أحدهما خارجا والاخر داخلا وكذا إذا كان الثاني تجديد الاول وكذا حال الاحتمال الاول أيضا ولا يخفى جريان هذه الابحاث في الاشكالين السابقين أيضا ثم أيضا اعلم إن في أصل المسألة قولا آخر قد قواه العلامة في المنتهى ونسبه المصنف في الذكرى إلى ابن طاووس (ره) وهو عدم الالتفات إلى هذا الشك مطلقا لانه يرجع إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ لان الشك في إلحاق المتروك بالمعين منهما هو الشك في ترك أحد الاعضاء الواجبة وقد فرق بينهما بأن اليقين ها هنا حاصل بالترك وإنما حصل الشك في موضوعه بخلاف الشك بعد الفراغ فإنه لا يقين فيه بوجه والمتبادر من الاخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ الوضوء المتحد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه ولا يخفى أنه لو سلم التبادر المذكور فالامر كما ذكر ولو سلم الشمول لما نحن فيه فالامر ظاهر من عدم الالتفات إلى الشك ولو كان الامر مرددا بين الشمول وعدمه كما هو الظاهر فحينئذ يبنى الكلام على إن الاصل عموم الوجوب ويحتاج عدمه إلى دليل أو بالعكس فعلى الاول يحكم بالالتفات إلى الشك وعلى الثاني بعدمه وأنت خبير بأن

[ 148 ]

ما ذكرنا ها هنا من بناء الكلام على هذا الاصل وكذا نظيره مما تقدم في الاشكال السابق إنما هو بالنظر إلى الصلوة اللاحقة مثلا وإنما بقي الكلام باعتبار نفس ذلك التكليف اليقيني بهذا الوضوء الذي قد أتى به مرتين فنقول حينئذ مستدلا على عدم إجزاء ذينك الوضوئين إذا قد علمنا يقينا إنا مكلفون بالاتيان بهذه الافعال المعهودة امتثالا للامر وبعد ظهور الخلل في أحد الوضوئين لم يعلم الاتيان بجميع هذه الافعال امتثالا لان الضووء الاول يحتمل عدم تماميته والوضوء الثاني ليس امتثالا لامر كما بينا فلا بد من وضوء آخر ليحصل العلم بالامتثال قضاء لحق التكليف وهذا الاستدلال إنما يختص بحال بقاء الوقت ويمكن إطراده في حال الخروج أيضا بعدم القول بالفرق بعكس الاستدلال بالاستصحاب و عموم الايه كما لا يخفى ويمكن أن يجاب أولا بمنع اقتضاء التكليف بشئ أزيد من أن يؤتى بذلك الشئ معتقدا صحته وإن ظهر الفساد بعد ذلك والاتيان ثانيا بعد ظهور الفساد لو كان في بضع المواضع فبتكليف آخر وثانيا بتسليمه والقول بأنه إنما يقتضي الاتيان ثانيا بعد ظهور الخلل لو ائوت به مرة أخرى بظن أنه امتثال لامر ذلك الامر وإن لم يأمر به في الواقع لا يقال إذا لم يكن أمر في الواقع فكيف يكون ذلك الاتيان امتثالا للامر لانا نقول إنا لا نقول بأنه امتثال للامر بل بأنه مسقط للتكليف ولا بعد في أن لا يكون شئ امتثالا للامر مع كونه مسقطا له كما يسقط الامر بنسيانه والذهول عنه وكذا سقوط الامر بغسل الثوب بوقوعه في الماء بدون فعل العبد مع أن ما نحن فيه أولى بهذا المعنى وبالجملة القدر اليقيني من اقتضاء التكليف اليقيني ما ذكرو الزائد عليه مشكوك لا بد له من دليل وعند الشك لا وجوب فتأمل في الكلام لتحيط بأطراف المقام ويظهر لك ما في الزوايا من الخبايا (ولو تعدد بالنسبة إلى بعض الصلوات أعاد الاخرى) يعني أنه إذا توضأ وصلى بدون حدث فحينئذ تجب إعادة الصلوة المتوسطة البتة لاحتمال أن يكون الخلل واقعا في الوضوء الاول وأما الصلوة الاخيرة التي تعدد الوضوء بالنسبة إليها فلا يجب إعادتها في الاحوال التي حكم فيها بإجزاء أحد الوضوئين فيما تقدم لانها واقعة بوضوء صحيح البتة أما الاول وأما الثاني وأما في الاحوال التي حكم فيها بعدم الاجزاء فيعيدها أيضا هذا على القول المشهور وأما على القول بإجزائهما معا كما نقلنا من المنتهى وظهر من تضاعيف الكلمات السابقة قوته فلا يعيد شيئا من الصلوتين أصلا (ولو علمه) أي ترك واجب من أفعال الوضوء (في صلوة يوم) أي في جميع صلواته (تام) ليس بقصر (بخمس) أي بخمس طهارات (صلى ثلاثا) أي ثلاث صلوات والحاصل إنه إذا توضأ أحد في يوم ليس فيه تقصير لكل صلوته الخمس وضوءا لكن بشرط أن يقع حدث بعد كل صلوة ثم ذكر أنه ترك واجبا في إحدى الطهارات فحينئذ تفسد صلوة واحدة منها البتة فيجب إعادتها فالمصنف وكثير من الاصحاب ذهبوا إلى أنه يكفي أن يصلي ثلاث صلوات صبحا ومغربا ورباعية مرددة بين الظهر والعصر والعشاء والشيخ في المبسوط و أبو الصلاح وابن زهرة ذهبوا إلى وجوب خمس صلوات واحتج الشيخ بأن لاصلوة منها إلا وهي معرضة لا يكون إذ لها بالوضوء الفاسد ولا يبرء ذمته بيقين إلا إذا صليها جميعا ولا يخفى أن هذه الحجة بمجردها لا يدل على وجوب الخمس إذ غاية ما يلزم منها أن يجب الاتيان بما يحصل معه اليقين باتيان ما فسد على جميع الاحتمالات وهو يصحل بالثلاث أيضا لكن كأنهم اعتبروا اليقين أما بوجوب الجزم في النية وبطلان الترديد وأما لما روي من أن فاتته صلوة يقضيها كما فاتته وجه الاستدلال إن الصلوة الفايتة كانت بنية معينة لا مرددة فيجب أن يكون القضاء أيضا كذلك وفي الوجهين نظر أما في الاول فلمنع وجوب الجزم في النية ولو سلم فإنما هو فيما يمكن الجزم وها هنا ليس يمكن إذ على ما ذكروه أيضا لا جزم في النية لانه وإن كان الجزم حينئذ حاصلا باعتبار الصلوة لكن لا جزم باعتبار الوجوب والحاصل أنه لا بد من عدم جزم في النية أما باعتبار الصلوة وأما باعتبار الوجوب فترجيح أحدهما على الاخر لا بد له مرجح وليس لهم بل المرجح مع المشهور كما سنذكر وأما في الثاني فبالنقض أيضا لان الصلوة الفايتة كما كانت نيتها معينة باعتبار الصلوة كذلك كانت معينة باعتبار الوجوب فما هو جوابكم فهو جوابنا وحجة المشهور أصالة البرائة عن القدر الزايد وما روي من أن ناسي صلوة واحدة من صلوات يوم لم يعلمها بعينها يصلي ركعتين وثلاثا وأربعا وتعجب المصنف (ره) في الذكرى عن الشيخ (ره) حيث عمل بهذه الرواية في باب النسيان ولم يعمل بها في هذا الباب مع أن لا يعقل الفرق واعتذر عنه إن هذا الحكم لما كان مخالفا للاصل باعتقاده باعتبار وجوب اليقين فإنما اقتصر فيه على مورد السماع ولم يقس غيره عليه وهو جيد وبما ذكرنا ظهر إن القوة مع المشهور لكن يمكن الاحتجاج على قول الشيخ بوجه آخر إلزاما على المصنف (ره) وغيره من القائلين بوجوب الجهر والاخفات إذ القضاء لما كان يجب أن يكون مثل الفايت فعند الترديد لم يحصل اليقين بالمماثلة إذ لو جهر في الرباعية المرددة لجاز أن يكون الفايتة الظهر أو العصر فلم يحصل المماثلة وكذا لو اخفت والرواية المذكورة مع عدم صحة سندها والارسال الواقع فيها مختصة بصورة معينة فالتعدي عنها غير جايز هذا مجمل القول في هذا لا مقام وسيأتي تفصيله إنشاء الله تعالى في بحث قضاء الصلوة واعلم إن ما ذكر حكم الصلوة وأما حكم الوضوء فإن أحدث بعد الصلوة الاخيرة أيضا فلا إشكال ولو لم يحدث بعدها فيكون الكلام فيه أيضا مثل الكلام في المسألة السابقة من أنه هل يرجع إلى الشك بعد الفراغ أم لا وكذا بعض الابحاث الاخرى ولا يخفى أنه تجري في الطهارات الاحتمالات السابقة ويرد في بعضها أيضا الاشكال بقياس أما سبق وإن هذا الحكم جار فيما إذا علم تخلل حدث بين إحدى الطهارات والصلوة بدون خلل فيها وإنما قيدنا الحكم أولا بشرط وقوع الحدث بعد كل صلوة إذ لو لم يقع الحدث فلا يخلو أما أن يكون من قبيل ما يجزي طهارتان أولا فإن كان الاول فصلوتها صحيحة قطعا سوى الاولى لانها محتملة الفساد وإن كان الثاني فيجب إعادتها جميعا لجواز أن يكون الخلل في الوضوء الاول فيفسد جميع الطهارات (وفي القصر إثنين) أي لو

[ 149 ]

كان اليوم المذكور يوم قصر يصلى إثنين ثنائية مرددة بين أربع ومغربا والخلاف المذكور جار ها هنا أيضا وذهب ابن إدريس أيضا في هذه الصورة إلى ما ذهب إليه الشيخ باعتبار إن الرواية الدالة على الترديد مختصة بالتمام (ولو فسدت طهارتان صلى المتيمم أربعا والمقصر ثلاثا والمشتبه خمسا مراعين للترتيب) بناء على جواز الترديد والصلوة الاربع التي يصليها المتميم ثنائية للصبح ثم رباعية مرددة بين الظهر والعصر والعشاء أيضا ثم مغرب ثم رباعية أيضا مرددة بين العصر والعشار الترتيب أيضا يحصل على ما ذكرنا كما لا يخفى والثلاث التي يصليها للقصر ثنائية مرددة بين الصبح والظهر والعصر ثم مغرب ثم ثنائية أخرى مرددة بين الظهر العصر والعشاء وبهذا يحصل الترتيب أيضا والخمس التي يصليها المشتبه بين القصر والتمام ثنائية مرددة بين الصبح والظهر والعصر ثم رباعية مرددة بين الظهرين ثم مغرب ثم ثنائية مرددة بين ما عدا الصبح ورباعية مرددة بين العصر والعشاء ولا ترتيب بين الاخيرين واعلم إن المصنف (ره) في الذكرى قال أنه على مذهب الشيخ من وجوب التعيين يجب في هذا الغرض لكل فائتة مبهمة خمس صلوات وفيه نظر إذ ظاهر أن وجوب التعيين لا يستلزم إلا وجوب خمس صلوات فقط إذ على تقديرها يحصل التعيين في كل من الفائتتين نعم لو رأى تصريحا من الشيخ أو أبي الصلاح وابن زهرة بهذا المعنى لكان شيئا آخر وأما مع عدم التصريح فلا وجه لنسبة هذا إليهم ثم إن بيان وجوب إعادة الصلوة في هذه الفروض جميعا ورعاية الترتيب في صوره التعدد إنما يأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى في كتاب الصلوة (والجبائر تنزع أو تخلل فإن تعذر امسح عليها ولو في موضع الغسل) الجبيرة في الاصل الخرقة مع العيدان التي يشد على العظام المكسورة لكن الفقهاء يطلقونها على ما يشد به القروح والجروح أيضا ويسون بينهما في الاحكام واعلم إن الجبيرة أما أن يكون على أعضاء الغسل فإن أمكن نزعها وغسل العضو بدون ضرر ومشقة أو تكرار الماء عليها بحيث يصل إلى العضو ويجري عليه مع طهارته أو إمكان إزالة نجاسة وجب أحد الامرين من النزع وتكرار الماء فإن أمكنا معا تخير وإن أمكن أحدهما فقط تعين أما الاول فللامر بالغسل مطلقا فيجب مع الامكان وها هنا ممكن فيجب ولما أمكن حصوله من وجهين ولا دليل على تعين أحدهما فيكون المكلف مخيرا بينهم وأما الثاني فلتوقف تحصيل الواجب المطلق عليه وما ورد في بعض الروايات من إطلاق الامر بالنزع مع الامكان كما سنذكر إنشاء الله تعالى وكذا في عبارات الاصحاب فالظاهر أنه محمول على تعذر التكرار والاستحباب أو يكون من قبيل الامر بأحد الفردين المخيرين والاكتفاء به أما لكونه الاغلب أو لمعلومية بدلية الفرد الاخر له فإن قلت لم لم نحمل على تعين وجوب النزع حال الامكان بل تأوله قلت لاطلاق الاوامر بالغسل وعدم صلاحية هذه الرواية للتقييد أما أولا فلعدم ظهورها فيه بل يحتمل الوجوه المذكورة احتمالا غير مرجوح وأما ثانيا فلان الظاهر عدم ذهاب أحد من الاصحاب إليه سوى ما يفهم ظاهرا من التهذيب كما سنذكره ويؤيده أيضا ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه شا في الموثق عن إسحاق بن عمار أو عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن رجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يمسح عليه بحال الجبر إذا جبر كيف يصنع قال إذا أراد أن يتوضأ فليضع إناء فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلد وقد أجزئه ذلك من غير أن يحله وإنما حكمنا عليه بالتأييد لاحتمال حمله على تعذر الحل واستفيد أيضا منه وجوب إيصال الماء مع الامكان فإن قلت دلالته على وجوب الايصال مطلقة فلم تحمله على حال الامكان قلت للاجماع ظاهرا ولزوم الحرج والمشقة وللروايات الاتية وقد حمل الشيخ هذا الخبر على الاستحباب معللا بأنه قد بين أنه يجزي من الجباير أن يمسح عليها إذا لم يمكن حلها وإذا أمكن حلها فلا بد من ذلك وفيه نظر لان ما ذكره من وجوب الحل إذا أمكن غير مسلم عند إمكان وصول الماء إليه بدونه وأيضا الحمل على الاستحباب لا معنى له ها هنا لانه أما أن لا يمكن إيصال الماء إليه للضرر والمشقة فلا يستحب بل يحرم وإن أمكن فالظاهر الوجوب لما عرفت حمل الخبر على إمكان إيصال الماء أما مع إمكان الحل أيضا أولا وإن لم يكن أحد الامرين لا النزاع ولا التكرار فيجب غسل ما عدا موضع الجبيرة والمسح عليها أما غسل ما عداها فللاجماع ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في زيادات صفة الوضوء في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج فإن سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الكسر يكون عليه الجباير أو يكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء وعند غسل الجنابة وغسل الجمعة قال يغسل ما وصل إليه الغسل مما طهر مما ليس عليه الجباير ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجباير ويعبث بجراحته وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجباير مع التصريح في بعض نسخه بإسم الرضا (عليه السلام) وروى التهذيب في الباب المذكور أيضا هذه الرواية بطريق آخر صحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) لكن فيه بعض من التغيير إذ ليس فيه أو يكون به الجراحة وزيد فيها كلمة لا قبل يعبث بجراحته وقال الصدوق في الفقيه في باب حد الوضوء وقد روى في الجباير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال يغسل ما حولها وأما المسح عليها فللاجماع أيضا كما هو أظهر التذكرة ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ قال إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة وإن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها قال وسألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله قال يغسل ما حوله وهذه الرواية في الكافي ايضا في الباب المذكور وما ذكرنا أنه يدل على وجوب نزع الخرقة مع الامكان هو هذه وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن كليب الاسدي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلوة قال إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائر وليصل فإن قلت هاتان الروايتان تعارضهما الرواية الصحيحة السابقة حيث قال (عليه السلام) ويدع ما سوى ذلك فيجب أن تحملا على الاستحباب جمعا

[ 150 ]

بين الروايات قلت المعارضة ممنوعة لان الظاهر أن المراد بما سوى ذلك العضو الذي عليه الجبيرة وعلى تقدير المسح على الخرقة لم يقع التعرض له فلا ينافي أنه يدعه مع أنه يمكن أن يكون المراد ترك التعرض لغسله كما يشعر به آخر الرواية هذا كله مع دعوى الاصحاب الاجماع على وجوب المسح على الخرقة وإن كان الجبيرة على أعضاء المسح فإن استوعب محل المسح وبقي قدر ما هو المفروض فلا إشكال وإن استوعب فإن أمكن نزعها والمسح على البشرة مع طهارتها وإمكان تطهرها فيجب النزع البتة ولا يكفي تكرار الماء عليها بحيث يصل إلى البشرة لان المسح إنما يتحقق بايصال اليد إلى البشر فيجب مع الامكان ولا يخفى إمرار الماء كما عرفت سابقا في بحث المسح وإن لم يمكن مسح على الجبيرة للاجماع ولاطلاق الروايتين المنقولتين آنفا وبما ذكرنا من التفصيل ظهر ما في كلام المصنف من الاهمال الموجب للاخلال كما لا يخفى واعلم إن جمعا من الاصحاب ذكروا إن المسح على الخرقة إنما يكون عند طهارتها فإن لم يكن طاهرة يضع عليها خرقة طاهرة ويمسح عليها أو يطهرها إن أمكن ويمسح عليها واحتمل المصنف (ره) في الذكرى الاكتفاء بغسل ما حولها كالجرح المجرد على ما سيجئ والاحتياط في الاول بل الاحتياط التام أن يمسح أولا الخرقة النجسة ثم الخرقة الطاهرة فوقها لاطلاق الامر في الرواية واشتراط الطهارة غير واضح إذ مستنده عسى أن يكون إجماعا وإثباته مشكل (وكذا الطلاء واللصوق) هذا هو المشهور بين الاصحاب ويدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات باب صفة الوضوء في الصحيح عن الحسن بن علي الوشاء قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزيه أن يمسح على طلي الدواء فقال نعم يجزيه أن يمسح عليه وما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الاعلى مولى آل سام وقد تقدم في بحث تجديد مسح الرجل وقد يحمل أيضا صحيحتا عمر بن يزيد ومحمد بن مسلم المتقدمتان في بحث المسح على الحايل على الدالتان على جواز المسح على الحناء على هذا المعنى لكنه بعيد والظاهر حملها على إرادة مجرد اللون كما تقدم وأما ما رواه التهذيب في أواخر زيادات باب المياه في الموثق عن عمار الساباطي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز له أن يجعل عليه علكا قال لا ولا يجعل عليه إلا ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء ولا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء فالظاهر أنه محمول على ما إذا لم يحتج إلى وضع العلك ولم يصل إلى حد الضرورة فإن قلت إذا وضع عند عدم الاحتياج ثم لم يمكن رفعه للضرر كيف يصنع قلت هذه المسألة موضع إشكال إذ الروايات الواردة بالمسح على الطلا يمكمن أن يحمل على الاحتياج كما هو المتعارف ولما لم يمكن الازالة يسقط التكليف ببعض الوضوء وعند سقوط التكليف بالبعض يسقط التكليف رأسا لانه تكليف واحد والانتقال إلى التيمم أيضا لا يخلو من إشكال لعدم دليل شامل ظاهرا لهذه الصورة وثبوت الاجماع أيضا على أمر في هذه المسألة غير ظاهر والاحتياط أن يتوضأ ويمسح عليه ويضم إليه التيمم أيضا والله أعلم (ويجب استيعاب ذلك بالمسح) أي استيعاب الجبيرة وما في حكمها هذا مختار الفاضلين والشيخ في المبسوط جعل الاستيعاب أحوط وحسنه المصنف في الذكرى والظاهر الوجوب لظهور الروايتين المنقولتين في الاستيعاب والايراد عليه بمنع الظهور لصدق المسح عليها بالمسح على جزء منها كصدق المسح على الرجلين والخفين عند الضرورة لا يخلو عن بعد لان تبعيض المسح في الرجلين إنما هو لمكان البناء في المعطوف عليه وفي الخفين لتبعية مبدلهما واستدل ايضا في المعتبر بأن المسح بدل عن الغسل فكما إن الغسل يجب به الاستيعاب فكذا البدل ويمكن فيه المناقشة نعم لا خفاء في تأييده للوجه الاول واعلم إن وجوب الاستيعاب إنما يكون إذا كان في موضع الغسل وأما إذا كان في موضع المسح فالظاهر عدم القول بوجوبه (ولا يجب إجراء الماء) أي على الجبيرة عند إمكانه وهو ظاهر لعدم ورود الامر به بل إنما ورد بالمسح فلا وجه لايجابه واحتمل العلامة في النهاية وجوب أقل ما يسمى غسلا وهو بعيد (والمجروح يغسل ما حوله) المراد به جراحة لا يكون مشدودة بخرقة أو نحوها يدل عليه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الجرح كيف يصنع به صاحبه قال يغسل ما حوله وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجباير وكذا حسنة الحلبي المتقدمة آنفا ونسب إلى الشافعي القول بوجوب غسل ما حوله والتيمم ولم يثبت عندنا مستنده واعلم إن الكلام فيما إذا لم يكن غسل الجرح إذ عند الامكان لا بد من غسله وهو ظاهر به (ولو أمكن المسح عليه) أي على نفس الجرح (وجب في الاقرب) مال إليه المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة وهو المروي عن أحمد من العامة وإثبات الوجوب مشكل وإن كان أحوط لعدم دليل عليه وما يقال إن فيه تحصيلا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته لا محصل له (ولو أمكن بلصوق وجب) أي لو لم يمكن المسح على نفس الجرح وأمكن وضع خرقة عليه والمسح عليها وجب الوضع والمسح هذا بناء على وجوب المسح عليه مع الامكان وقد عرفت الحال في المبني عليه ومع تسليم الحكم فيه يشكل إثبات هذا الحكم إذ لا دليل عليه والقول بأن المسح بدل عن الغسل فيتسبب إليه بقدر الامكان ضعيف واحتمل المصنف في الذكرى على تقدير عدم القول بوجوب مسح الجرح أيضا وجوب وضع الخرقة عليه ومسحها ليحاذي الجبيرة وما عليه لصوق ابتداء ثم قال والرواية مسلطة على فهم عدم الوجوب أما الجواز فإن لم يستلزم ستر شئ من الصحيح فلا إشكال فيه وإن استلزم أمكن المنع لانه ترك للغسل الواجب والجواز عملا بتكميل الطهارة بالمسح انتهى ولا يخفى ما في الاحتمال الاخير من البعد ثم أنه على تقدير عدم وجوب الوضع والمسح عليه هل يجب المسح عليه إذا وضع أم لا فيه وجهان بناء على إطلاق رواية الحلبي وعلى إن المتبادر منه المسح على الخرقة التي يكون من ضروريات الجرح ولا أقل من مستحسناته وكذا القول فيما إذا شد خرقة ابتدء ثم استغنى عنها ولم يحلها وإن كان القول بالوجوب فيه أقرب والاحتياط في المسح في جميع الصور واعلم إن الاصحاب الحقوا الكسر المجرد عن الجبيرة أيضا بالجرح في الحكم وكذا كل داء في العضو لا يمكن بسببه إيصال الماء إليه والاثبات بالدليل مشكل لكن الاولى متابعتهم هذا

[ 151 ]

وقد بقي في المقام أمر لا بد من التنبيه عليه وهو أن جمعا من الاصحاب رحمهم الله ذكروا ها هنا إن ذا الجبيرة يتوضأ بالنحو المذكور والحقوا به المجروح والمقروح وإن لم يكن جرحه وقرحه مشدودا ثم ذكروا في بحث التيمم إن من مسوغاته القرح والجرح وما أشبههما ومن ها هنا يحصل الاشتباه والحيرة وكذا الروايات قد اختلفت في هذا الحكم فبعضها يدل على وجوب الغسل على المجروع وبعضها على وجوب التيمم فلا بأس أن نذكر بعض عبارات الاصحاب لينظر في توجيهه وتأويله وكذا الاخبار ليتحقق جلية الحال أما العبارات فمنها ما ذكره الشيخ في المبسوط قال فيه في بحث الوضوء وإن كان على أعضاء الوضوء جبايرا وجرح وما أشبهها وكانت عليه خرقة مشدودة فإن أمكنه نزعها نزعها وإن لم يمكنه مسح على الجباير سواء وضعت على طهر أو غير طهر والاحوط أن يستغرق جميعه وقال أيضا ومتى أمكنه غسل بعض الاعضاء وتعذر في الباقي غسل ما يمكنه غسله ومسح على حايل ما لا يمكنه غسله وإن أمكنه وضع العضو الذي عليه الجباير في الماء وضعه فيه ولا يمسح على الجباير ثم قال في بحث التيمم ومن كان في بعض جسده أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه والباقي عليه جراح أو عليه ضرر في إيصال الماء إليه جاز له التيمم ولا يجب عليه غسل الاعضاء الصحيحة وإن غسلها وتيمم كان أحوط سواء كان الاكثر صحيحا أو عليلا وإذا حصل على بعض أعضاء طهارته نجاسة ولم يقدر على غسلها لالم فيه أو قرح أو جراح تيمم وصلى ولا إعادة عليه انتهى وهذا الكلام يحتمل ضربين من التأويل أحدهما أن يخص الحكم بالاول بما يكون عليه خرقة مشددة والثاني بما لا يكون عليه خرقة وثانيهما التخيير بين الوضوء والتيمم كما يشعر به قوله جاز له التيمم ولا يخفى إن القول بالتخيير إنما يمكن في الجرح المجرد وما في حكمه من الكسر وأما ذو الجبيرة فالظاهر إن تعين الوضوء عليه إجماع منا وقال في النهاية في بحث الوضوء فإن كان على أعضاء طهارة الانسان جباير أو جرح أو ما أشبهها وكان عليه خرقة مشدودة فإن أمكنه نزعها وجب عليه نزعها وإن لم يمكنه مسح االخرقة وإن كان جراحا غسل ما حولها وليس عليه شئ ثم قال في بحث التيمم والمجروح وصاحب القروح والمكسور والمجدور إذا خافوا على نفوسهم استعمال الماء وجب عليهم التيمم عند حضور الصلوة وهذا الكلام يحتمل وجوها من التأويل إثنين منها ما تقدم والاخر أن يكون كلامه في التيمم مختصا بمن لا يتمكن من استعمال الماء أصلا وقال المحقق في المعتبر في بحث الوضوء إذا كانت الجباير على بعض الاعضاء غسل ما يمكن غسله و مسح ما لا يمكن ولو كان على الجميع جباير أو دواء يتضرر بإزالته جاز المسح على الجميع ولو استضر تيمم وقال في بحث التيمم لو كان به جرح ولا جبيرة غسل جسده وترك الجرح ولم يذكر التيمم للجرح فعلى ظاهر كلامه لا إشكال وقال العلامة في المنتهى في بحث الوضوء والجباير تنزع مع المكنة وإلا مسح عليها وأجزء عن الغسل وكذا العصايب التي يعصب بها الجروح والكسر وهو مذهب علمائنا أجمع وقال في بحث التيمم عند عد أسبابه السبب الرابع المرض والجرح وما أشبههما وقد ذهب علمائنا إلى أنه إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمم وقال في موضع آخر لو أمكن الجريح غسل بعض جسده أو بعض أعضائه في الوضوء جاز له التيمم قال الشيخ في الخلاف ولا تغسل الاعضاء الصحيحة أصلا فإن غسلها ثم تيمم كان أحوط ثم نقل عن الشافعي وأحمد أنه يجب عليه غسل ما أمكن وتيمم للباقي ثم نقل استدلالا عن القائلين بالجمع بما رواه جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجة في وجهه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت قادر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي (صلى اله عليه وآله) أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله إلا يسئلوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ثم يغسل ساير جسده وأجاب (ره) عنه بأنه يجوز أن يكون ويعصب عطفا على أن يتيمم ونحن نقول بموجبه فإنه يجوز أن يعصب على الجراح خرقة ويغسل جسده ويمسح على تلك الخرقة وحاصله حصول الاكتفاء بالتيمم والتعصب والمسح وغسل ساير الجسد على معنى إن واحد منهما كاف ويحتمل أن يكون عطفا على لفظ تيمم ويكون الواو بمعنى أو ولا استبعاد في ذلك ثم قال بعيد ذلك لو كان الجرح مما يتمكن من شده وغسل باقي العضو ومسح الخرقة التي عليه بالماء وجب ولا يتيمم فإن لم يتمكن من ذلك تيمم وقال أيضا لو كان الجرح في غير الاعضاء وخاف من استعمال الماء في الاعضاء سقط الوضوء ووجب التيمم كالمريض وقال في التذكرة في بحث الوضوء إذا كان الجباير على جميع أعضاء الغسل وتعذر غسلها مسح على الجميع مستوعبا بالماء ومسح رأسه ورجليه ببقية البلل ولو تضرر بالمسح تيمم وقال أيضا الجبيرة إن استوعب محل الفرض مسح عليه أجمع وغسل باقي الاعضاء وإلا مسح على الجبيرة وغسل باقي العضو ولو تعذر المسح على الجبيرة تيمم ولا يجب غسل باقي الاعضاء وقال في بحث التيمم الطهارة عندنا لا يتبعض فلو كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا يتيمم وكفاه عن غسل الصحيحة ثم قال بعيد ذلك لو تمكن من المسح بالماء على الجرح أو على جبيرة وغسل الباقي وجب ولا يتيمم وقال أيضا لو كان بعض بدنه صحيحا وبعضها جريحا وأجنب تيمم وقال أيضا لو كان على قرحه دم يخاف من غسله تيمم للحدث وصلى وقال أيضا لو كان به جرح ولا جبيرة غسل جسده وترك الجرح وقال في النهاية بعد ما ذكر أحكام الجبيرة على النحو المشهور ولا ينتقل فرضه إلى التيمم لان اعتلال بعض الاعضاء لا يزيد على فقدانه ولو كان مقطوع طرف لم يسقط غسل الباقي وقال أيضا ولا يجب التيمم مع التمكن من المسح على الجبيرة سواء كان ما تحت الجبيرة يتمكن من غسله لو كان ظاهرا أو لا ولو لم يتمكن من استعمال الماء وجب التيمم بالتراب وقال أيضا فلو لم يحتج إلى القاء الجبيرة على موضع الكسر فإن لم يخف من غسله أو مسحه وجب وإن خاف من غسله وتمكن من مسحه وجب لانه أحد الواجبين لتضمن الغسل إياه فلا يسقط بتعذر أصله ولو خاف من غسله ومسحه غسل الصحيح بقدر الامكان ويلطف إذا خاف سيلان الماء إليه بوضع خرقة مبلولة بقربه وتحامله عليها ليغسل بالتقاطر منها حوله من غير أن يسيل إليه وهل يسقط محل الكسر إشكال لرواية العدم فيضع عليه خرقة أو لوحا ثم يمسح عليه للضرورة ويحمتمل السقوط فيه خاصة وسقوط فرض الوضوء لتعذره وينتقل إلى التيمم وقال أيضا وحكم العضو المجروح حكم المكسور

[ 152 ]

ونسبة التعصب واللصوق من خرقة وقطنة ونحوهما إليه كنسبة الجبارير وقال أيضا وإذا لم يكن على الجراح لصوق وظاهر المحل طاهر وجب مسحه إذا لم يتضرر ولو كان نجسا أو تضرر لم يجب وفي وجوب وضع خرقة حينئذ إشكال وقال في بحث التيمم لو تمكن الجريح من غسل بعض جسده أو بعض أعضاء الوضوء لم يجب وساغ التيمم لتعذر كمال الطهارة وبالبعض لا يحصل الاجزاء والجمع بين البدل والمبدل غير واجب كالصيام والاطعام في الكفارة ولعموم الامر بالتيمم للجريح وقال أيضا لو كان الجرح يتمكن من شده وغسل باقي الاعضاء ومسح الخرقة التي وجب عليه ولا يتيمم وإلا تيمم وقال أيضا لو كان الجرح في غير الاعضاء وخاف من استعمال الماء في الاعضاء سقط ووجب التيمم ولو كان الصحيح لا يمكن غسله إلا بالوصول إلى الجريح كان حكمه حكمه في جواز المسح هذه كلماتهم ولا يخلو ظواهرها من إجمال وتشويش والملخص الذي يلفق من كلمات العلامة بحيث لا يأبى عن حمل جميعها عليه أن يقال إذا كان في أعضاء الطهارة كسر أو جرح أو نحوهما من القرح وكان عليه جبيرة أو خرقة يجب غسل الاعضاء الصحيحة أو مسحها والمسح على الجبيرة ونحوها إن لم يتمكن من النزع والايصال بالتفصيل الذي علم سابقا وإن كان جرح مجردا كسر مجرد في اعضاء الغسل ولم يتمكن من غسلهما وتمكن من مسحها وجب ولو لم يتمكن من المسح أيضا فحينئذ الاقرب عنده وضع خرقة أو نحوها عليهما والمسح عليها إن أمكن واحتمل احتمالين اخرين أيضا أحدهما عدم وجوب وضع الخرقة والاكتفاء بغسل الصحيح والاخر الانتقال إلى التيمم وإن لم يتمك من وضع الخرقة والمسح عليها فالحكم الانتقال إلى التيمم والظاهر أنه بناء على الاحتمال الاول من الاحتمالين المذكورين إنما يكتفي في هذه الصورة أيضا بغسل الصحيح ومنه يعلم حال ما إذا كانا في موضع المسح وإن كانا في غير أعضاء الطهارة لكن لا يمكن وصول الماء بسببهما إلى أعضاء الطهارة فينقل إلى التيمم البتة كالمريض لعدم ورود نص فيه والظاهر أنه لا يفهم من كلامه أصلا الفرق بين ما إذا كان الجرح أو الكسر مستوعبا لتمام عضو من أعضاء الطهارة أو لبعضه نعم يفهم من بعض كلماته التخيير بين الوضوء والتيمم في بعض الصور وكأنه أيضا ليس مختارا عنده بل إنما ذكره في مقام البحث والغرض من هذا التطويل الاطلاق على أطراف كلماتهم ليسهل توجيه الجمع بينها ويظهر أن أي وجه من التأويل أولى على من له طبع سليم وظهر بما ذكرنا أن التأويلين اللذين ذكرهما المحقق الثاني في شرح القواعد بين كلامي القوم أحدهما ما نقلنا من الفرق بين الاستيعاب للعضو وعدمه وثانيهما كون الحكم بالوضوء مختصا بالجرح والقرح والكسر والتيمم بما عداها من مرض ونحوه لا يصلحا للتعويل كما لا يخفى عند التأمل هذا والاهم في هذا المقام إيراد الروايات الواردة في هذا الباب والنظر في أنه ما يستفاد منها فمنها ما نقنلا سابقا ومنها ما رواه التهذيب في باب التيمم في الصحيح عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجنب يكون به القروح قال لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم وقد روى عنه ايضا في الكافي في باب الكسر والمجدور بأدنى تغيير وكذا في الفقيه في باب التيم ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال لا يغتسل ويتيمم ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في الرجل يصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يخاف على نفسه البرد قال لا يغتسل يتيمم ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن محمد ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يؤمم المجدور والكسير بالتراب إذا أصابتهما الجنابة وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الموثق عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) في الرجل يكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة قال يتيمم ومنها ما رواه أيضا في الحسن عن محمد بن سكين وغيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قيل له إن فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات فقال قتلوه إلا سألوا إلا يمموه إن شفاء العي السؤال قال وروى ذلك في الكسير والمبطون يتيمم ولا يغتسل وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وروى هذا المضمون في الفقيه أيضا مرسلا ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور عن علي بن أحمد رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن مجدور صابته جنابة قال إن كان اجنب هو فليغستل وإن كان احتلم فليتيمم وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور وفي الفقيه أيضا مرسلة ومنها ما رواه في الكافي في الباب المذكور عن جعفر بن إبراهيم الجعفري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر له أن رجلا أصابته جنابة على جرح كان به فأمر بالغسل فاغتسل فكز فمات فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتلوه قتلهم الله إنما كان دواء العي السؤال وهذه الرواية إنما ذكرت استطرادا هذا ما رأينا من الاخبار في هذا الباب ولا يخفى إن هذه الاخبار التي ذكرنا ها هنا إنما هي ظاهرة في وجوب التيمم للمجروح والمقروح والكسير مطلقا فيقع التعارض بينهما والروايات السابقة فلا بد من الجمع بينهما أما بحمل الروايات السابقة على ذي الجبيرة وهذه الروايات بعدمها لكنه بعيد بالنظر إلى بعض الروايات السابقة وأما بحملها عل الجرح والقرح الذي يمكن مسحهما أو شدهما والمسح على الشد وهذه على ما عداهما وأما بحملها على الذي لا يتضرر بإيصال الماء إلى الاعضاء الصحيحة وهذه بما يتضرر ويجمع بينهما بالتخيير أي بأن يكون المجروح ونحوه مخيرا بين غسل الاعضاء الصحيحة أو مسحها ومسح الاعضاء المجروحة أو مسح الخرقة أو تركها بالكليه على الاحتمالات كما هو مقتضى الروايات السابقة وبين التيمم كما هو مقتضى هذه الروايات والحاصل إن ها هنا وجوها من التأويل ولا دليل على تعيين أحدها فالحكم به مشكل فالصواب أن يؤخذ الحكم مما تقتضيه الاصول فنقول لما تعذر بعض أفعال الوضوء المأمور به فيجب أن يحكم بسقوط الامر به لانه تكليف واحد بهذا المجموع لا تكاليف متعددة بحسب الاجزاء والتكليف بالتيمم أيضا في الاية لا يشمل بظاهره هذه الصورة لانه مشروط

[ 153 ]

بعدم وجدان الماء وليس ها هنا ظاهرا فيخرج عن هذا التلكيف أيضا فحينئذ نقول إذا كان الكسر وما في حكمه في موضع الطهارة وكان عليه جبيرة طاهرة فالامر فيه سهل إذ الظاهر إن الحكم بوجوب الطهارة المائية في هذه الصورة إجماعي وإذا كان عليه جبيرة نجسة فالاحتياط كما عرفت المسح عليها ثم توضع خرقة ويمسح عليها والاحوط ضم التيمم أيضا إليه حينئذ وتمام الاحتياط ضم التيمم في الصورة الاولى أيضا وإذا لم يكن عليه جبيرة فالظاهر نظرا إلى اقتضاء الدليل التخيير بين الطهارة المائية والترابية لعدم دليل ظاهر على تعيين أحدهما والاجماع على عدم المخرج عنهما فلو اختير الطهارة المائية فالاحتياط المسح على نفس العضو إذا أمكن ولو لم يمكن فالمسح على الخرقة الموضوعة ولو لم يمكن أيضا فالاكتفاء بما عداه والاحتياط في جميع الصور في الجمع بين الطهارتين وإذا لم يكن الكسر وما في حكمه في موضع الطهارة لكن يتضرر بسببه أعضاء الطهارة أيضا من الغسل أو المسح فالظاهر حينئذ وجوب التيمم والاحتياط في ضم الطهارة المائية أيضا وقد بقي في المقام شئ وهو أن هذه الروايات المنقولة أخيرا المتضمنة لوجوب التيمم إنما هي مختصة بالجنب ولا يشمل المحدث بالحدث الاصغر والرايات السابقة مختصة ظاهرا بالمحدث سوى رواية عبد الرحمن بن الحجاج ورواية كليب وإن كانت مطلقة لكن لا يبعد ادعاء ظهورها في الوضوء لانه الفرد الاكثر المتعارف فحينئذ ظهر أن الروايات الواردة في الوضوء قد بقيت خالية عن المعارض فينبغي الحكم مطلقا بوجوب الوضوء دون التيمم في الحدث الاصغر والقول بعدم الفرق بين الوضوء والغسل في هذا الحكم لا ظهور له لانه نقل في المنتهى القول بالفرق وأما الحدث الاكبر فلا معارض لوجوب التيمم فيه للمجروح والمكسور سوى رواية عبد الرحمن ورواية كليب أيضا إن سلم عمومها وهما مختصان بالجبيرة فإذن الظاهر فيما عداها وجوب التيمم لكن الاحتياط أيضا في ضم الغسل مراعيا للامور التي ذكرنا آنفا هذا ما بلغ إليه فهمنا والله الموفق للصواب (ولو زال العذر فكوضوء التقية) قد مر في مبحث وضوء التقية ما يفي ببيان هذا المقام (والسلس والمبطون يتوضآن لكل صلوة خلافا للمبسوط) وإمراد بالسلس من لا يتمكن من استمساك بوله وبالمبطون من يعتريه الحدث من ريح أو غايط على وجه لا يمكنه دفعه والمشهور في السلس أنه يتوضى عند كل صلوة كالمستحاضة وهو مختار الشيخ في الخلاف وقال في المبسوط وأما من به سلس البول فيجوز له أن يصلي بوضوء واحد صلوة كثيرة لانه لا دليل على تجديد الوضوء وحمله على الاستحاضة قياس لا نقول به ولا يخفى إن مختار المبسوط يحتمل وجهين أحدهما أن لا يجعل البول بالنسبة إلى السلس حدثا أصلا بل يحصر أحداثه فيما سوى البول وثانيهما أن لا يجعل البول الذى يخرج بطريق التقاطر حدثا أما الذي يخرج بالطريق المعهود فيكون حدثا واختار العلامة (ره) في المنتهى مذهبا ثالثا وهو تجويز وضوء واحد للظهر والعصر يجمع بينهما وللمغرب والعشاء أيضا يجمع بينهما ويفرد للصبح بوضوء وإذا صلى غير هذه وجب تجديد الطهارة لكل صلوة واحتج المشهور بوجوه الاول إن الحدث إنما يوجب الوضوء مطلقا إلا ما أخرجه الدليل لكن الضرورة أخرج الاحداث الواقعة في أثناء الصلوة فبقي الباقي وأيضا الامر وارد بالوضوء عند القيام إلى كل صلوة فخرج المتطهر بالدليل وبقي الباقي وما نحن فيه من قبيل الباقي وقد يناقش في الوجهين بمنع عموم إيجاب الاحداث للطهارة ووجوب الوضوء عند القيام إلى الصلوة كما مر مرارا الثاني إن الاحتياط يقتضي ذلك فإنه محمد والحدث وإن لم يرتفع لاجل الضرورة فلا يسقط عنه وجوب الوضوء كالمستحاضة وفيه إن الاحتياط لا يصير دليل الوجوب ولو تمسك بحديث الحدث وأنه يقتضي الطهارة فيرجع إلى الوجه الاول بعينه الثالث إن القول بتكرير الطهارة في حق المستحاضة وعدمه في حق صاحب السلس أم لا يجتمعان والاول حق فالثاني باطل بيان التنافي إن خروج الحدث التكرر أما أن يقتضي إيجاب الطهارة المتكررة أو لا فإن اقتضى وجب التكرر في حق صاحب السلس عملا بالمقتضى السالم عن المعارض وإن لم يقتض وجب عدم التكرير في حق المستحاضة عملا بالاصل وهو برائة الذمة السالمة عن معارضة كون الخروج المتكرر موجبا وفيه أنا نختار الثاني قوله فيجب عدم التكرير في حق المستحاضة إلخ قلنا ممنوع لان برائة الذمة لا ينحصر معارضتها في كون الخروج المتكرر موجبا بل انما يعارضها النص وهو مفقود في السلس وحجة مختار المبسوط أيضا وجوه أحدها ما نقلنا عنه من عدم الدليل على التجديد والحمل على الاستحاضة قياس ورد بأن الدليل على التجديد موجود وهو ما نقلنا من عموم الايجاب والوجوب وغيره مما ذكر وقد عرفت ما فيه وثانيها ما رواه التهذيب في باب إحداث الزيادات في الموثق عن سماعة قال سألته عن رجل أخذه تقطير في فرجه أما دم أو غيره قال فليضع خريطة وليتوطأ وليصلي فإنما ذلك بلاء ابتلي به فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه وجه الاستدلال إن الحدث الذي يتوضأ منه لا يجوز أن يكون شاملا للبول أيضا لانه يلزم حينئذ وجوب إعادة الوضوء أو الصلوة على احتمالين للتقطير في أثناء الصلوة والمشهور أيضا لا يقول به وإذا لم يكن شاملا للبول فثبت المطلوب ورد بعد القدح في السند بأنه يجوز أن يكون شاملا للبول ويكون التقطير في أثناء الصلوة خارجا بالدليل كالجرح ونحوه فإن قلت الاصل عدم التخصيص فينبغي أن يحمل الكلام على ما يحتاج إلى تخصيص قلت التعميم في الجزء الاثبات من نظاير هذا الكلام غير مسلم وقد مر نظيره و أورد أيضا بأنه يجوز أن يكون المراد إعادة الوضوء لا الصلوة ويكون الاعادة للصلوة الاخرى وفيه بعد ولا يذهب عليك أن مراد المبسوط لو كان هو الاحتمال الاول الذي ذكرنا يرد إيراد آخر وهو أنه يجوز أن يكون المراد بالحدث الذي يتوضأ منه ما يشمل البول الخارج لا بطريق التقاطر فيكون هو ناقضا وإنما يخرج عنه الخارج بطريق التقاطر وإنما يخرج عنه الخارج بطريق التقاطر وعلى هذا يحصل مذهب رابع فلن قلت إذا كان الراوي عالما بأن البول الخارج لا بطريق التقاطر ناقض وموجب للوضوء لا الخارج بالتقاطر فما الحاجة إلى السؤال قلت كان السؤال إنما هو لاجل الدم ونحوه من القيح والصديد لا للبول أيضا مع أنه يرد هذا على

[ 154 ]

أصل الاستدلال أيضا كما لا يخفى فتأمل وثالثها ما رواه الكافي في باب الاستبراء من البول في الحسن عن منصور بن حازم قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يغريه البول ولا يقدر على حبسه قال فقال لي إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر يجعل خريطه وجه الاستدلال إن المعذورية إنما يستلزم سقوط حكم الخارج مطلقا وإلا لم يكن معذورا ورد بأن المعذورية لا يستلزم إلا سقوط حكم ما لا يمكن التوقي عنه إلى الحرج والمشقة وأما الوضوء لكل صلوة فليس مما يعذر فيه واحتج العلامة على ما ذهب إليه في المنتهى بما رواه الفقيه في باب ما ينقض الوضوء في الصحيح عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) إنه قال إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان حين الصلوة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا ثم علقه عليه وأدخل ذكره فيه ثم صلى يجمع بين الصلوتين الظهر والعصر يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان وإقامتين ويفعل ذلك في الصبح وهذه الرواية في التهذيب أيضا في الباب المذكور وجه الاستدلال إما على جواز الجمع بين الصلوتين بوضوء واحد فلانه لو لم يكف الوضوء الواحد لهما كان للجمع بينهما وجه وأما على عدم الجواز في الزيادة فلان تخصيص الصلوتين بالذكر يدل عل نفي ما عداهما وفيهما نظر أما الاول فلمنع قوله لو لم يكف الوضوء الواحد لما كان للجمع وجه إذ يجوز أن يكون الجمع باعتبار تقليل النجاسة الحاصلة منه لا لاجل الحدث ولو سلم أنه ليس كذلك فعدم معلوميته لنا لا يستلزم عدمه في الواقع إذا العقل لا سبيل له إلى أحكامه تعالى وأما الثاني فلانه يجوز يكون التخصيص بناء على الغالب بالنسبة إلى الاداء هذا مأخذ الاقوال وقد علمت أن أكثرها لا يخلو عن خدشة ومتابعة الشهرة والاحتياط يقتضي العمل بوجوب الوضوء عند كل صلوة وإن كان إبطال مذهب المبسوط مشكلا بحسب الدليل نعم لا يبعد أن يقال أن مقطوعة سماعة المتقدمة آنفا مما يومئ إلى وجوب الوضوء على صاحب السلس لاجل البول في الجملة فينافي القول بعدم كونه حدثا بالنسبة إليه مطلقا وكذا ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الزيادات عن عبد الرحيم قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في الخصى يبول فيلقى من ذلك شدة فيرى البلل بعد البلل قال يتوضأ وينتضح في النهار مرة واحدة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الاستبراء وفي الفقيه أيضا في باب ما ينجس الثوب والجسد لكن لقصور سندهما وعدم ظهور دلالتهما لا يمكن التعويل عليهما ثم اعلم أنهم ذكروا أن صاحب السلس إذا كانت له فترة معتادة تسع الطهارة والصلوة وجب انتظارها لزوال الضرورة التى هي مناط التخفيف واحتمل بعضهم أيضا عدم وجوب الانتظار بل له أن يصلي أول الوقت لعموم أدلة الاوقات والصلوة وكون العذر موجبا للتأخير غير متيقن وللحرج والضيق والاولى انتظار الفترة وذكروا أيضا وجوب المبادرة إلى الصلوة بعد الوضوء ولا ريب أنه أيضا أولى هذا وأما المبطون فقد قال المصنف في الذكرى الظاهر أن المبطون يجدد أيضا لكل صلوة لمثل ما قلناه ولم أرهم صرحوا به إلا أن فتواهم بالوضوء للحدث الطاري في أثناء الصلوة يشعر انتهى وكأنه أراد بقوله (عليه السلام) لم أرهم المتقدمين أو الجماعة وإلا فالعلامة (ره) صرح في المنتهى يشعر بوجوب الوضوء عليه ولكل صلوة قال فيه وأما المبطون فإنه مجدد الوضوء لكل صلوة لا يجمع بين صلوتي فرض لان الغايط حدث فلا يستباح معه الصلوة إلا مع الضرورة وهي متحققة في الواحدة دون غيرها انتهى ولا يخفى إن ما ذكره جار في السلس أيضا لكن كأنه قال بجواز الجمع فيه لاجل الصحيحة المذكورة وهي مختصة بالسلس والمحقق أيضا في المعتبر صرح بما صرح به العلامة وكذا ابن ادريس في السرائر ثم اعلم إن ظاهر المتن إن مخالفة المبسوط في السلس والمبطون معا ولم نطلع على خلاف في المبطون (ولو فحيه في الصلوة توضأ المبطون وبنى في الاشهر) إعلم أن المبطون إما أن لا يكون فترات يمكن أن يتحفظ نفسه فيها بقدر الطهارة والصلوة أو يكون فإن كان فالظاهر انتظار الفترة على ما تقدم في السلس ولو لم يكن فأما أن يمكنه التلبس بالصلوة بعد الطهارة من دون تخلل حدث أو لا فإن لم يمكنه التلبس فظاهر المنتهى والمعتبر أنه لا يبالي حينئذ بوقوع الحدث في أثناء الصلوة وإن أمكنه التلبس فحينئذ لو تلبس متطهرا ثم فجائه الحدث في الاثناء فيحتمل أن يكون محل الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى ويمكن أن يكون فجائه الحدث في أثناء الصلوة لمن له فترة مع توخيه زمان الفترة محلا للخلاف أيضا ولنتكلم في كل من المقامين أما الاول فإن كان بحيث يكون مفاجأة الحدث في أثناء صلوة واحدة متكررة بحيث تؤدي إعادة الوضوء في كل مرتبة إلى الحرج والعسر فلا يبعد أن يكون الحكم بعدم وجوب إعادة الوضوء والبناء بل استمرار في الصلوة إجماعا للزوم الحرج المنتفي في الدين وإن لم يكن كذلك ولم يصل إلى حد الحرج فحينئذ يحتمل أن يكون محل الخلاف فالمشهور كما ذكره المصنف إنه يتوضأ ويبني على صلوته ويفهم من المختلف ظاهرا أنه يستمر في صلوته قال في المختلف بعد نقل القول بالتطهر والبناء والوجه عندي أن عذره إن كان دائما لا ينقع فإنه يبني على صلوته من غير أن يجدد وضوءا كصاحب السلس وإن كان يتمكن من تخفظ نفسه بمقدار زمان الصلوة فإنه يتطهر ويستأنف الصلوة انتهى وقال المصنف في الذكرى بعد نقل مذهب المختلف وتشبيهه بالسلس ينفي ما أثبته من وجوب إعادة الصلوة للمتمكن إلا أن يرتكب مثله في السلس انتهى ولا يخفى فساده لانه شبهه في عدم تجدد الموضوع بصاحب السلس وهذا لا يستلزم النفي المذكور بل يمكن أن يقال أن تشبيهه في الاول بالسلس دون الثاني يشعر بالفرق بينهما فكيف يكون كلامه دالا على خلافه مع أنه لا يأبى عن الارتكاب المذكور لانه صرح في التذكرة به كما سيجئ حجة المشهور ما رواه الفقيه في باب صلوة المريض في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) إنه قال صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلوته وما رواه التهذيب أيضا في باب إحداث الزيادات في الموثق بابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع

[ 155 ]

في صلوته فيتم ما بقي وروى هذه الرواية في باب صلوة المضطر في الزيادات بدون كلمة ثم يرجع ويرد على الروايتين إنه يمكن أن يكون المراد صاحب البطن الذي يمكنه التحفظ بقدر الصلوة إذ لا عموم في اللفظ فحينئذ لو فجائه الحدث فحكمه ذلك وهو غير مورد النزاع وأول العلامة الرواية الثانية بأن المراد بما بقي ما بقى من الصلوة الاخرى لا تتمة الصلوة الاولى ولا يخلو عن بعد ويمكن مثل هذا التأويل البعيد في الرواية الاولى أيضا لا يخفى واحتج أيضا بما رواه التهذيب في أواخر باب كيفية الصلوة في الزيادات في الصحيح عن الفضل بن يسار قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) أكون في الصلوة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا فقال انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلوتك ما لم تنقض الصلوة متعمدا وإن تكلمت ناسيا فلا شئ عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلوة ناسيا قلت وإن قلب وجهه عن القبلة قال نعم وإن قلب وجهه عن القبلة وهذه الرواية في الفقيه أيضا في الباب المتقدم وهي وإن لم يكن صريحة في المبطون لكن بإطلاقها شاملة له ويرد عليه أيضا مثل ما أوردنا أولا بل يمكن أن يكون المبطون مطلقا خارجا عنها ويكون المراد من حدث له هذه الحالة اتفاقا واعلم أن الخبر لا يدل على خروج الحدث لكنهم حملوه على ما إذا لم يمكن أن يملك نفسه للاجماع كما قيل على أنه بمجرد وجدان الغمر في البطن وشبهه لا يكون الحكم كذلك بل يجب المحافظة ويدل بعض الروايات أيضا على وجوب المحافظة عند إمكان التحفظ مثل ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه أيصلي على تلك الحالة أو لا يصلي قال فقال إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالا عن الصلوة فليصل وليصبر وهذه الرواية في الفقيه أيضا في الباب المتقدم وفي الكافي أيضا في باب ما يقطع الصلوة وفي هذه الرواية رخصة في إيقاع الحدث لخوف الاعجال أيضا والظاهر أن الاصحاب لم يقولوا به ويمكن أن يقال أنها ليست ظاهرة في إصابة الغمز في أثناء الصلوة فيجوز أن يكون المراد قبل الصلوة فحينئذ لا ينافي كلام القوم ويمكن أن يحتج أيضا بما رواه التهذيب في آخر باب أحكام السهو في الزيادات عن أبي سعيد القماط قال سمعت رجلا سئل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول وهو في صلوة المكتوبة في الركعة الاولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة قال فقال إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه فيبني على صلوته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلوة بكلام قال قلت فإن التفت يمينا أو شمالا أو ولى عن القبلة قال نعم كل ذلك واسع إنما هو بمنزلة رجل سهى فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه أن يبني على صلوته ثم ذكر (عليه السلام) سهو النبي (صلى الله عليه وآله) وفيه بعد القدح في السند ما ذكر في سابقه واعلم إن ما تضمنه هذان الخبران من جواز البناء مع الاستدبار إنما يخالف المشهور بين الاصحاب وسيجئ بسط القول فيه أن شاء الله تعالى في كتاب الصلوة وأيد أيضا بالروايات الدالة على البناء مع سبق الحدث في الطهارة الترابية وفيه إن قياس المائية على الترابية لا وجه له مع أن الترابية لا تقييد فيها بالمبطون فالتقييد في المائية بالمبطون أيضا لا وجه له إلا أن يعمم في المائية أيضا لكن حينئذ يعارض الروايات الدالة على البطلان بالحدث وسيجئ أن شاء الله تعالى مفصلة وأيضا سيجئ إن شاء الله تعالى في بحث التيمم أن الروايات المذكورة يمكن توجيهها بوجه لا نكون دالا على البناء مع الحدث واحتج العلامة (ره) على ما في المختلف بأن الحدث المتكرر لو نقض الطهارة لابطل الصلوة لان شرط صحة الصلوة استمرار الطهارة واعترض عليه المصنف في الذكرى بأنه مصادرة على المطلب ورد المحقق الشيخ على (ره) بأن الطهارة شرط الصلوة إجماعا والمشروط عدم عند عدم الشرط والحدث مانع اتفاقا لا خلاله بالمشروط وليس في هذا مصادرة بوجه ورد الرد الشيهد الثاني في شرح الارشاد بقوله وهو ضعيف جدا فإن المصادرة نشأت من ادعاء الملازمة بين نقض الطهارة وبطلان الصلوة مع ورود النص الصحيح على فساد هذه الملازمة فلا معنى لدفعها بدعوى الاجماع على أن الطهارة شرط الصلوة مع تخلفها في مواضع كثيرة انتهى ولا يخفى أن هاهنا ليست مصادرة بالمعنى المصطلح إذ مدعى العلامة عدم انتقاض الطهارة في هذه الصورة والدليل هو الخلف الذي يبطل به نقيض المطلوب وهو أنه لو انتقض الطهارة لانتقض الصلوة أيضا وهو باطل فعلى هذا لا مصادرة أصلا نعم يمكن منع الملازمة وإبطالها بالرواية كذا منع الاجماع الذي يثبت به المقدمة الممنوعة إلا أن يتكلف ويقال أن هذه الملازمة بمنزلة أصل الدعوى فمن لم يسلمه لم يسلمها أيضا فلذا تسامح وسماه بالمصادرة ويمكن أن يحتج أيضا بما رواه التهذيب في باب صلوة المضطر في الزيادات في الموثق بابن بكير عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المبطون فقال يبني على صلوته وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب صلوة الشيخ الكبير ويرد عليه أنه مطلق وما تقدم مقيد فيجب أن يحمل عليه مع أن في لفظ البناء أيضا اشعارا بتخلل الطهارة هذا ما يمكن أن يقال من الجانبين وقد عرفت عدم تماميته لكن يمكن أن يقال الاصل مع العلامة لعدم دليل عام على وجوب الوضوء بعد الحدث مطلقا فإنما يتمسك بالاصل حتى يثبت خلافه لكن الاحتياط أن يتوضأ ويتم وتمام الاحتياط أن يصلي بعد ذلك صلوة أخرى لم يتجدد الوضوء في أثناءها بل يستمر مع الحدث وأما الثاني وهو الذي للمبطون فترة تسع الطهارة والصلوة وتوخي تلك الفترة ففاجأه الحدث في أثناء الصلوة فعلى تقدير كون الخلاف فيه المشهور التطهر والبناء ومختار المختلف التطهر والاستيناف حجة المشهور الروايات المتقدمة في المقام الاول في احتجاج المشهور مع الرواية الاخيرة إلا التي أوردناها للعلامة ويرد على الجميع أنه يمكن أن يكون المراد المبطون الذى لا يتحفظ نفسه بمقدار الطهارة والصلوة وقد تأول الرواية الاولى والاخيرة بأن المراد بالبناء الاستيناف وفيه بعد واحتج العلامة على الاستيناف بأنه يتمكن من فعل الصلوة كملا بطهارة فيجب عليه ما يتمكن

[ 156 ]

منه مما كلف به ويمكن أن يقال أنه لو أراد بأنه مكلف بفعل الصلوة كملا بطهارة أنه مكلف بأن يكون جميع أفعال صلوته مقرونا بالطهارة فمسلم لكن في صورة التطهير و البناء أيضا هذا المعنى متحقق وإن أراد به أنه مكلف بفعل الصلوة مقرونا بطهارة سابقة عليها مستمرة إلى آخرها فممنوع إذ لا دليل عاما يدل على هذا ولو فرض وجود عام أيضا فنقول هذه الروايات المتقدمة إن سلم عدم ظهورها في التخصيص بناء على إمكان حملها على ما ذكر فلا أقل من احتمالها للتخصيص وحينئذ يحصل الشك في العام وقد عرفت مرارا أن الاتيان بالافراد المشكوكة لا دليل على وجوبه ويحتج أيضا بالروايات الدالة على أن الحدث يقطع الصلوة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الصلوة واعترض عليه الشهيد الثاني (ره) في شرح الارشاد بقوله وهو ضعيف لان عام تلك الاخبار أو مطلقها مختص أو مقيد إجماعا بالمستحاضة والسلس فلا وجه لاخراج هذا الفرد مع النص عليه بالتعيين انتهى ولا يخفى ما فيه لان كونها مخصصة أو مقيدة بالمستحاضة والسلس لا دخل له في هذا الحكم إذ الكلام في المبطون اللهم إلا أن يكون بناء كلامه على ما ذهب إليه بعض الاصوليين إن العام المخصص لا يبقى حجة في الباقي لكن يأباه قوله فلا وجه إلى آخره كما لا يخفى وما ذكره من النص على هذا الفرد قد عرفت حاله واعلم أن الشهيد الثاني (ره) أورد المعارضة بهذه الاخبار الدالة على أن الحدث يقطع الصلوة للاخبار السابقة في المقام الاول كما هو ظاهر لكن لما لم يظهر قول بوجوب الاستيناف في المقام الاول فلذا لم نذكرها هناك وأوردنا هاهنا وإذ قد عرفت هذا فالظاهر بحسب الدليل المذهب المشهور والاحتياط أن يتوضأ ويبني ثم يستأنف صلوة أخرى (بخلاف السلس إلا أن يكون له فترات فيساوي المبطون) اعلم أن السلس أيضا تجري فيه الاحتمالات المذكورة في المبطون وبعض الاحتمالات الذي ذكرنا وقوع الاجماع فيه ظاهرا في المبطون يكون ظهور الاجماع فيه في السلس بطريق الاولى وأما الاحتمالان اللذان ذكرنا إمكان تحقق الخلاف فيهما في المبطون فكذا هاهنا أيضا لان ابن ادريس صرح بالمساواة بينهما وذكر أن صاحب السلس أيضا عند تراخي زمان الحدث يتطهر ويبني ولا يخفى أن تراخي زمان الحدث يحتمل وجهين أحدهما التراخي بقدر الطهارة والصلوة والثاني عدم الاتصال دائما بحيث لا يمكن الطهارة له أو بحيث يتعسر ويفضي إلى الحرج ويفهم من ظاهر كلام المبسوط والنهاية أيضا إنه يتطهر ويبني كالمبطون فكما يمكن أن يكون حكمه بالتطهير والبناء في المبطون محمولا على الوجهين فكذا في السلس والعلامة في التذكرة ذهب إلى أن صاحب السلس عند عدم إمكان التحفظ بقدر الطهارة والصلوة يستمر في الصلوة بدون تطهير وعند الامكان يتطهر ويستأنف فظهر من ذلك إمكان تحقق الخلاف في الموضعين فلنتكلم فيهما أما في الموضع الاول أي عندي عدم إمكان التحفظ بقدر الطهارة والصلوة فيكون مذهب الشيخ وابن ادريس وجوب التطهر والبناء ومذهب العلامة في التذكرة وجوب الاستمرار ولا يخفى أنه لا يمكن استدلال يتجه ظاهرا بالروايات المذكورة في هذا الباب على أحد من الجانبين سوى رواية أبي سعيد القماط المتقدمة فإنها مما يمكن أن يستدل به على مذهب الشيخ وابن ادريس لكنها ضعيفة لا تصلح للتعويل ومع ذلك يمكن حملها على صوره إمكان التحفظ والدليل الخلفي الذي نقلنا من المختلف يمكن إجرائه هاهنا أيضا على ما ذهب إليه العلامة والجواب أيضا لكن لما كان الاصل معه فالظاهر ما اختاره لكن الاحتياط أن يصلي صلوتين إحديهما مع التطهر والبناء والاخرى مستمرا مع الحدث وأما في الموضع الثاني أي عند إمكان التحفظ فيكون مذهبهما وجوب التطهر والبناء أيضا ومذهب العلامة وجوب الاستيناف ويحتمل هاهنا وجها آخر أيضا وهو وجوب الاستمرار بدون تطهر وهو الظاهر من كلام بعضهم ولا يذهب عليك أيضا إن الاستدلال بالروايات مما لا يتجه على أحد من المذاهب أصلا سوى الرواية المذكورة على المذكورة على المذهب الاول والجواب ما عرفت ويمكن أيضا الاستدلال بالدليل المذكور على المذهب الثاني والجواب الجواب أيضا وأما المذهب الثالث لو كان فمتمسكه الاصل بلا معارض فله الدست لكن الاحتياط أن يتطهر ويبني ثم يستأنف صلوة أخرى قال المصنف في الذكرى هل ينسحب مضمون الرواية في السلس يمكن ذلك لاستوائهما في الموجب وإشارة الروايات إلى البناء بالحدث مطلقا والوجه العدم لان أحاديث التحفظ بالكيس والقطن مشعرة باستمرار الحدث وأنه لا مبالات به والظاهر أنه لو كان في السلس فترات وفي البطن تواتر أمكن نقل حكم كل منهما إلى الاخر انتهى ولا يخفى ما في القول بالاستواء في الموجب لانه مجرد قياس والروايات قد عرفت حالها وما ذكر من إشعار التحفظ بالكيس والقطن ففيه أيضا أنه إما أن يجري في المقام الثاني أو الاول فإن كان في الثاني فنحمله على عدم إمكان التحفظ بقدر الطهارة والصلوة سواء كان متواترا أو لا وإن كان في الاول فنحمله على التواتر ولا بعد في شئ مما ذكر أصلا وما ذكره من الظاهر فيظهر حاله مما ذكر فتأمل في المقام لتحيط بجميع الاحتمالات والشقوق بعون الله وتوفيقه إنه خير موفق ومعين درس (الجنابة تحصل للرجل والمرأة بإنزال المني مطلقا) لا خلاف بين المسلمين ظاهرا في أن إنزال المني سبب للجنابة الموجبة للغسل بالاجماع أيضا سواء كان في النوم أو اليقظة وسواء كان للرجل أو المرأة إلا أنه اشترط بعض الجمهور مقارن الشهوة والدفق كما سيجئ ويدل عليه أيضا روايات كثيرة كادت أن تبلغ حد التواتر ولنذكر طرفا منها فمنها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سئلت أبا عبد الله عن المرأة ترى أن الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتى تنزل قال تغتسل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب احتلام الرجل والمرأة ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن أديم بن الحر قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل عليها غسل قال نعم ولا تحدثونهن فتتخذنه علة وهذا المضمون في الكافي أيضا في الباب المذكور مرسلا ومنها ما رواه المصنف في هذا الباب في الصحيح عن اسماعيل بن سعد الاشعري قال سئلت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى نزل الماء من غير أن يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل قال إذا

[ 157 ]

أنزلت (من شهوة فعليها الغسل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن اسماعيل بن بديع قال سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج فتنزل المرأة هل عليها الغسل قال نعم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل قال إن أنزلت) فعليها الغسل وإن لم تنزل فليس عليها الغسل وهذه الثالثة في الكافي أيضا في الباب المذكور وسابقه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن اسمعيل قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها فتنزل عليها غسل قال نعم ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن الحلبي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المفخذ عليه غسل قال نعم إذا أنزل وهذه الرواية في الكافي أيضا في سابق الباب المذكور ومنها ما رواه أيضا في الموثق ظاهرا عن معوية قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال إذا أمنت المرأة والامة من شهوة جامعها الرجل ولا يجامعها في نوم كان ذلك أو في يقظة فإن عليها الغسل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن الفصيل عن أبي الحسن (عليه السلام) قال قلت تلزمني المرأة والجارية من خلفي وأنا متكي على جنب فتتحرك على ظهري فتأتيها الشهوة فتنزل الماء أفعليها غسل أم لا قال نعم إذا جائت الشهوة وأنزلت الماء وجب عليها الغسل وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة إلى غير ذلك من الروايات وأما ما ورد بخلافها مثل ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يضع ذكره على فرج المرأة فيمني عليها غسل فقال إن أصابها من الماء شئ فتلغسله وليس عليها شئ إلا أن يدخله قلت فإن أمنت هي ولم يدخله قال ليس عليها الغسل فمطروق لمعارضته إجماع المسلمين والروايات الصحيحة المستفيضة وقد أوله الشيخ بأنه يمكن أن يكون أمذت بدل أمنت فوهم السامع في سماعه فرواه على ما ظن وكذا ما رواه أيضا عن عمر بن يزيد قال اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت أنا وأمنت هي فدخلني من ذلك ضيق فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال ليس عليك وضوء ولا عليها غسل وأول الشيخ هذه الرواية بوجه آخر أيضا وهو أنه يحتمل أن يكون إنما أجابه (عليه السلام) على حسب ما ظهر له في الحال منه وعلم أنه اعتقد أنها أمنت ولم يكن كذلك فأجابه (عليه السلام) على ما يقتضيه الحكم لا على اعتقاده واحتمل العلامة في المنتهى أن يكون المنى مجازا عن المذي للمصاحبة وقال فيه أيضا بعد ما نقل هاتين الروايتين عن عمر بن يزيد أن اختلاف روايته دال على عدم ضبطه فيجب إطراحها ولا يخفى ما فيه لانه لا اختلاف بين روايته أصلا وكأنه ظن أنه واقعة واحدة قد عبر عنها بهاتين العبارتين المختلفتين وأنت خبير بأنه لا دليل على ذلك لم لا يجوز أن يكونا خبرين متعددين ولعل منشأ ما ذكره كلام الشيخ في التهذيب حيث قال بعد نقل الرواية الاولى وروى الحديث الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة بلفظ آخر عن عمر بن يزيد ثم ذكر الرواية الاخيرة والظاهر أن مراد الشيخ أنه روى هذا الحكم أي عدم وجوب الغسل على المراء وإن أمنت بدون الادخال كأنه الحديث الاول بعبارة أخرى وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت قال لانها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل والاخر إنما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لانه لم يدخلها ولو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن وأوله الشيخ (ره) أيضا بما ذكر في خبر عمر بن يزيد ولا يخفى ما فيه لان التوجيه الاول إن أجري فيه لاقتضى أن يكون المرأة إذا أمذت في المنام يجب عليها الغسل فليس بصحيح وأما التوجيه الاخر فعدم إجرائه ظاهر وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن عمر بن أذينة قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) المرأة تحتلم في المنام وتهريق الماء الاعظم قال ليس عليها الغسل وروى مثل ذلك أيضا بطريق صحيح عن عمر بن يزيد وأوله الشيخ بأنها إذا رأت الماء الاعظم في منامها فإذا انتبهت لم تر شيئا فإنه لا يجب عليها الغسل وكذا ما رواه أيضا في هذا الباب عن عبيد بن زرارة قال قلت له هل على المرإة غسل من جنباتها إذا لم يأتها الرجل قال لا وأيكم يرضى أو يصبر على ذلك أن يرى ابنته أو أخته أو أمه أو أحدا من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك فتقول احتلمت وليس لها بعل ثم قال لا ليس عليهن ذلك وقد وضع الله ذلك عليكم قال وإن كنتم جنبا فاطهروا ولم يقل ذلك لهن واحتمل الشيخ تأويله أيضا بمثل ما ذكر ولا يخفى ما فيه ولا يذهب عليك أنه لو لم يكن دعوى الاجماع على وجوب الغسل على المرأة بمجرد الانزال سواء كان في النوم أو اليقظة لامكن حمل الاحاديث الدالة على الغسل عليها بالانزال على الاستحباب جمعا بين الاخبار ولكن الاولى حينئذ العمل على الاجماع والاخذ بالاحتياط (ومع الاشتباه يعتبر برائحة الطلع والعجين رطبا وبياض البيض جافا ومقارنة الشهوة وفتور الجسد والدفق غالبا إلا في المريض فيكفي الشهوة) إعلم أنه إذا تيقن أن الخارج مني فيجب عليه الغسل سواء كان مع الصفات المذكورة من مقارنة الشهوة وغيرها أو لا وهذا مما أجمع عليه أصحابنا ونسب إلى أحمد ومالك وأبي حنيفة القول بأنه لا يجب إلا إذا كان مع شهوة ودفق ويدل على ذلك مضافا إلى الاجماع بعض الروايات المتقدمة المتضمنة لتعليق الغسل على مطلق الانزال والماء بدون تقييد ولا ينافيه ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني فما عليه قال إذا جائت الشهوة ودفع وفتر بخروجه فعليه الغسل وإن كان إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس لما ذكره الشيخ أيضا من أن قوله (عليه السلام) وإن كان إنما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس معناه إذا لم يكن الخارج الماء الاكبر لان من المستبعد من العادة والطبايع أن يخرج المني من الانسان ولا يجد منه شهوة ولا لذة وإنما أراد أنه إذا اشتبه على الانسان فاعتقد أنه مني وإن لم يكن في الحقيقة منيا يعتبر بوجود الشهوة من نفسه

[ 158 ]

فإذا وجد وجب عليه الغسل وإذا لم يجد علم أن الخارج منه ليس بمني انتهى كلامه رفع مقامه وهذا كلام جيد مطابق لما يحكم به الوجدان وأيد أيضا بأن السائل رتب خروج المني على الملاعبة والتقبيل مع أن الغالب حصول المذي عقيبهما لا المني فبين (عليه السلام) حكم الخارج بقسميه وقس عليه أيضا ما رواه في هذا الباب عن يحيى بن أبي طلحة أنه سئل عبدا صالحا عن رجل مس فرج امرأته أو جاريته يعبث بها حتى أنزلت عليها غسل أم لا قال أليس قد أنزلت من شهوة قلت بلي قال عليها الغسل مع أنه غير صحيح وأيضا الاستدلال به بطريق المفهوم الذي لا يعتد به وكذا أيضا بعض الروايات المتقدمة مثل رواية اسمعيل بن سعد ومعوية ومحمد بن الفضيل هذا وأما إذا اشتبه الخارج ولم يعلم أنه منى أو لا فقد ذكر جمع من الاصحاب كالمحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى أنه يعتبر في حال الصحة باللذة والدفق وفتور البدن وفي المرض باللذة وفتور البدن ولا عبرة فيه بالدفق لان قوة المريض ربما عجزت عن دفقة وزاد جمع آخر كالمصنف في الذكرى وفي هذا الكتاب علامة أخرى يرجع إليها عند الاشتباه وهو قرب رايحته من راحية الطلع والعجين إذا كان رطبا وبياض البيض إذا كان جافا واحتج المحقق والعلامة على ما ذكراه في الصحيح بأنها صفات لازمة في الاغلب فمع الاشتباه يستند إليها وبصحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا وفي المريض بما تقدم من العجر وبما رواه التهذيب في باب اغسال الزيادات في الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة ويستيقظ فينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث الهوين بعد فيخرج قال إن كان مريضا فليغتسل وإن لم يكن مريضا فلا شئ عليه قال قلت له فما الفرق بينهما قال لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفعة قوية وإن كان مريضا لم يجئ إلا بعد واحتج المنتهى بمارواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن معوية بن عمار قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا قال ليس بشئ إلا أن يكون مريضا فإنه يضعف فعليه الغسل وهاتان الروايتان في الكافي أيضا بطريق حسن في باب احتلام الرجل والمرأة ويمكن أن يحتج بما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن زرارة قال إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة فإن ربما كان هو الدافق لكنه يجئ مجيئا ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا فاغتسل منه وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور ويؤيد بما رواه أيضا في هذا الباب عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل رأى في منامه فوجد اللذة والشهوة ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا قال فقال إن كان مريضا فعليه الغسل وإن كان صحيحا فلا شئ عليه ثم إن الظاهر بل الصريح من كلامهما إنه لابد في الصحيح من الامور الثلاثة ولا يكفي واحد منها أو اثنان و يكفي المريض الاثنان ولا يخفى أن كل حكم من هذين الحكمين مشتمل على جزئين إيجابي وسلبي الاول أنه يجب عليهما الغسل عند وجود هذه الاوصاف الثلاثة أو اثنين منها والثاني إنه لا يجب عند فقد أحد الثلاثة أو الاثنين أما الدليل الاول الذي أورداه في الصحيح فدلالته على الجزء السلبي ظاهر لان الاصل برائة الذمة من الوجوب حتى ثبت والظاهر في المني بناء على الاغلب وجود هذه الاوصاف الثلاثة فمع فقد أحديها لا يحصل العلم بكون الخارج منيا فينبغي أن يعمل بأصل البرائة بأصل استصحاب الطهارة لكن يعارضه بعض الروايات المتقدمة المتضمنة لتعليق الغسل على مجرد الشهوة كرواية اسماعيل بن سعد ومعاوية ومحمد بن الفضيل إلا أن تحمل على أنه اكتفى فيها بالشهوة بناء على الغالب إذ في الغالب لا ينفك الشهوة عن الوصفين الاخيرين لكن لا يخفى أنه خروج عن ظاهر اللفظ فلا بد له من دليل إلا أن يجعل الدليل رواية علي بن جعفر ونحوها وحينئذ يلزم الاستدراك إذ يكفي أن يتمسك أولا بالرواية وأما دلالته على الجزء الايجابي فالظاهر لو حصل العلم من هذه الاوصاف بكونه منيا وأما إذا لم يحصل ففيه إشكال من حيث أنه لا دليل ظاهرا على الاكتفاء بالظن في هذه الامور إلا أن يتمسك بالروايات ويلزم حينئذ أيضا الاستدراك وقس عليه الحال في ما ذكروه في المريض من حديث العجر والاولى التعويل في الحكم على الروايات فلنتكلم في كيفية دلالتها ومعارضته الروايات الاخرى لها ووجه الجمع بينهما فنقول أما صحيحة علي بن جعفر المتقدمة فمنطوق جزئها الاول صريح في وجوب الغسل مع تحقق الاوصاف الثلاثة ولا معارض له في هذا المعنى فيجب العمل فيه فقد ثبت الجزء الايجابي من المدعى المذكور في الصحيح ومفهومه دال على عدم وجوب الغسل مع عدم تحقق هذه الاوصاف وقد عرفت سابقا أنه يلزم تأويله بما إذا لم يتيقن أنه مني وبه يثبت الجزء السلبي أيضا من المدعى المذكور لكن يعارضه مفهوم الجزء الاخر من الرواية لان مفهومه دال على وجوب الباس مع تحقق الشهوة والفترة وإن لم يكن دفع على وجه ومع تحقق إحديهما فقط على آخر والجمع بينهما يمكن على الوجه الاول إما بحمل الجزء الاول على أن ذكر الدفع من باب الغالب إذ الغالب وجوده مع الشهوة والفترة وأما بحمل الجزء الثاني على الغالب أيضا لان الغالب انتفاء عند انتفائهما فاكتفى به عنه والحمل الثاني معتضدا بالاصل فتعين المصير إليه نظرا إلى مجرد هذه المعارضة وقس عليه الحال في الوجه الثاني ويعارضه أيضا رواية اسماعيل بن سعد ومعوية ومحمد بن الفضيل ويحيى بن أبي طلحة المتقدمة والجمع بينه وبينها أيضا بالوجهين المذكورين لكن الروايات غالبة عليه من حيث أن دلالتها من حيث المنطوق وهذه الدلالة من حيث المفهوم مع أن مفهوم الجزء الاخر أيضا معارض له فحينئذ الترجيح مع الروايات لان معاضدة الاصل لا ينفع مع غلبة المعارض هذا كله على تسليم أن مفهوم جزاء الاول من الصحيحة رفع الايجاب الكلي لا السلب الكلي وعلى تسليم عموم المفهوم أيضا ولو لم يسلما أو أحدهما فالامر أظهر كما لا يخفى فظهر أن ما يستنبط من النظر في هذه الرواية ومعارضاتها عدم الاعتذار بالدفع وأما الفتور فالظاهر أنه لازم للشهوة فلا حاجة إلى التعرض له ولو فرض عدم اللزوم فحاله يستنبط مما ذكر ويعلم منه أنه لا اعتداد به أيضا واعلم أن ما ذكر من عدم الاعتداد بالدفع والفتر نظرا إلى هذه الرواية ومعارضاتها إنما هو باعتبار

[ 159 ]

عدمهما مع وجود الشهوة إذ الظاهر حينئذ بالنظر إلى ما ذكر وجوب الغسل وأما وجودهما مع عدم الشهوة فالظاهر عدم الاعتداد به أيضا في وجوب الغسل إذ لا دليل عليه إلا أن يحصل به العلم أو الظن على تقدير العمل به بأن الخارج مني والشيخ في النهاية صرح بأن مع الدفق يجب الغسل وإن لم يكن عن شهوة وأما صحيحة معوية فالذي يمكن أن يستفاد منها ظاهرا أن الظن بخروج المني كاف في وجوب الغسل لان الظاهر بعد الاحتلام إن الخارج مني لكن كون البلل قليلا في الصحيح يعارض الظن المذكور فلا يجب الغسل بخلاف المريض لانه لضعفه لا يعارضه قلة البلل فيجب الغسل وعلى هذا يمكن الاستدلال بها على وجوب الغسل بمجرد الشهوة وكذا الخواص الاخر لو لم يعارضه شئ آخر وأما دلالته على ما ذكروه من اعتبار الثلاثة في الصحيح والاكتفاء بالاثنين في المريض فلا ظهور لها إلا أن يكون تحقق الثلاثة في الصحيح موجبا للظن بأنه مني وبدونها لا يحصل الظن وفي المريض إنما كان يحصل بالاثنين ولا يحصل بدونهما ويعارض ما ذكرنا إن المستفاد من الرواية ظاهرا استصحاب الطهارة وإن اليقين إنما ينقضه يقين آخر و الجمع بينهما إما بتخصص الاستصحاب أو بحمل اليقين على ما يشمل الظن أو بحمل الصحيحة المذكورة على الاستحباب وأصالة البرائة ترجح الجمع الاخير وأما صحيحة ابن أبي يعفور فيستفاد منها ظاهرا أن الشهوة غير كافية في الصحيح بل لابد من الدفق والقوة وإنما تكفي في المريض وحينئذ يعارض الروايات المتقدمة الدالة على وجوب الغسل بالشهوة والظاهر كما يحكم به الوجدان أن يجمع بينهما بأن بناء الروايات على الغالب فإن قلت يمكن أن يكون هذه الرواية معارضته للروايات المذكورة إذ لا تصريح فيها بوجود الشهوة في الواقع إذ يمكن أن يكون المراد وجدانها في النوم قلت هذا لا يخلو عن بعد مع أنه يمكن أن يستنبط ما ذكر من التعليل الواقع في الرواية كما لا يخفى واعلم أن هذه الرواية لا ظهور لها في وجوب الغسل بمجرد الظن كما هو ظاهر الرواية المتقدمة وأما حسنة زرارة فهي مثل صحيحة ابن أبي يعفور وربما يستفاد منها وجوب الغسل بمجرد الظن أيضا كصحيحة معوية بناء على لفظة ربما كان هو الدافق بل بالاحتمال أيضا إلا أن يكون ربما للتكثير كما ذكره بعض وأما رواية محمد بن مسلم فهي قريبة من صحيحة معوية هذا ما يستفاد من الروايات والمعارضات وفذلكة ما يحصل منها ظاهرا وجوب الغسل مع تحقق الشهوة والدفق وعدم الوجوب بمجرد الشهوة بدون الدفق في الصحيح ووجوبه في المريض وأما الدفق بدون الشهوة وكذا الخاصية الاخرى من الرايحة بدون الشهوة فالظاهر عدم الوجوب به إلا أن يقال باستفادة الوجوب بمجرد الظن مطلقا من صحيحة معوية ويفرض حصول الظن بالخواص الاخر بدون الشهوة فحينئذ يجب الغسل بدون الشهوة أيضا لكن لا يخلو إثباته من إشكال وأما الفتور فإن كان لازما للشهوة فالامر ظاهر وإن لم يكن لازما فحاله كالدفق وغيره والاحتياط أن لا يترك الغسل فيما يتحقق إحدى هذه الخواص وإن لم يكن غيرها وكذا الاحتياط في المريض أن لا يترك الغسل لو رأى في المنام أنه احتلم وإن لم يكن يرى بعد الانتباه شيئا ولو رأى بعد الانتباه بللا ولو كان قليلا ولم يكن فيه صفات المني أصلا فالاحتياط فيه آكد بل لم يبعد القول بالوجوب لصحيحة معوية هذا كله إذا لم يعلم أنه مني وأما مع فرض العلم فيجب الغسل وإن لم يتحقق فيه إلا صفة واحدة بل لو لم يوجد صفة أصلا كما ذكرنا سابقا ثم إن المحقق الشيخ علي (ره) قال في شرح القواعد عند قول المصنف وصفاته الخاصة رايحة الطلع والتلذذ بخروجه والتدفق فإن اشتبه اعتبر بالدفق والشهوة وتكفي الشهوة في المريض فإن تجرد عنها لم يجب الغسل إلا مع العلم بأنه مني هذه الصفات إنما يعتبر حال اعتدال الطبع وهي متلازمة حينئذ ولو تجد عن بعضها فإنما يكون لعارض وحينئذ فوجود البعض وإن كان هو الرايحة وحدها كاف وقد نبه عليه في المريض فإن تجرد منيه عن الدفق لعارض وهو ضعف القوة غير قادح لتعلق الحكم به ثم قال ويلوح من عبارة المصنف أن المعتبر عند الاشتباه إنما هو الدفق والشهوة دون باقي الصفات وليس بجيد وذكر أن ضمير عنهما راجع إلى كل من خاصتي المريض والصحيح ثم قال ولا ينبغي حمل العبارة على غير ذلك لانه يقتضي عدم وجوب الغسل مع وجود الرايحة وهو باطل بغير خلاف لما قدمناه من تلازم لصفات إلا لعارض فوجود بعضها كاف وأنت بعد الاطلاع على ما قدمناه لا تحتاج إلى التصريح بما فيه والشهد الثاني (ره) أيضا تبعه في ذلك في شرح الارشاد وذكر أن العلامة في النهاية صرح به والظاهر أنه ليس كذلك بل مراد النهاية أمر آخر ولا بأس أن نذكر عبارة النهاية حتى تعلم جلية الحال قال في النهاية بعد ما ذكر أن للمني خواصا ثلاثا الرايحة والدفق والتلذذ وإن مني الرجل غالبا ثخين أبيض ومني المرأة رقيق أصفر ولو استيقظ ولم ير إلا الثخانة والبياض لم يجب الغسل لاحتمال كونه وذيا فلا يجب بالشك ولو ظن أنه مني باعتبار أن الوذي لا يليق بطبعه أو تذكر وقاع تخيله احتمل استصحاب يقين الطهارة والبناء على الظن للاحتياط ولا يشترط اجتماع الخواص فلو خرج مني بغير دفق ولا شهوة لمرض أو حمل شئ ثقيل وجب الغسل ثم قال وكيف حصل الانزال وجب الغسل سواء كان بشهوة أو لا وسواء كان نائما أو لا ولو اشتبه الخارج اعتبره الصحيح باللذة والدفق وفتور الجسد لقول الكاظم (عليه السلام) وذكر حديث علي بن جعفر والمريض بالشهوة وفتور الجسد لضعف قوته عن التدفق انتهى ولا يخفى أن الظاهر مراده من قوله ولا يشترط اجتماع الخواص أن في حال العلم بكونه منيا لا يشترط ذلك كما يشير إليه قوله فلو خرج مني وكذا ذكر الاشتباه بعده وحوالة اعتباره بما ذكر فيوافق ظاهر المعتبر والمنتهى والقواعد والارشاد وبالجملة الظاهر مما يستفاد من الروايات ما ذكرنا وهو الظاهر من كلام جمع من الاصحاب كما عرفت فإن كان مرادهم في الواقع ما هو الظاهر فنعم الوفاق وإن لم يكن ذلك بل ما فهمه المحقق الثاني والشهيد الثاني فهم مطالبون بالدليل اللهم إلا أن يثبت إجماع عليه كما هو الظاهر من كلام المحقق الثاني هذا وبما ذكرنا ظهر ما في كلام المتن من التشويش والاجمال والله أعلم بحقيقة الحال وقد بقي في المقام شئ وهو أن المراد بالشهوة في هذا المقام

[ 160 ]

هل هو اللذة ومعناها الحقيقي الظاهر الاول كما يشعر به عبارة القواعد المنقولة وكذا ظاهر الروايات أيضا كما يحكم به الوجدان وقال في شرح القواعد وإنما ذكر في الصفات التلذذ بخروجه وهاهنا الشهوة للاشعار بأنهما في حكم صفة واحدة وذلك لتلازمهما فإذا ذكرت إحديهما فكأنما ذكرت الاخرى وفيه مالا يخفى إذ الشهوة لا يستلزم التلذذ أصلا ألا يرى أن المذي قد يكون بشهوة مع أنه لا التذاذ فيه بل الوجه في تغيير العبارة الاشعار بأن الشهوة المذكورة في هذا المقام إنما هي التلذذ (والتقاء الختانين بمعنى التحاذي) عطف على قوله إنزال المني وإنما فسره بالتحاذي لان الملاقاة حقيقية غير متصورة فإن مدخل الذكر أسفل الفرج وهو مخرج الولد والحيض وموضع الختان أعلاه وبينهما ثقبة البول وحصول الجنابة بالتقاء الختانين إجماعي أيضا ويدل عليه مع ذلك روايات منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن اسماعيل قال سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل قلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة قال نعم وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل ومنها ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها أعليها غسل قال إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر وغير البكر والمراد من الافضاء إما الادخال بتمامه أو الانزال ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل فقالت الانصار الماء من الماء وقال المهاجرون إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل عليه فقال عمر لعلي (عليه السلام) ما تقول يا أبا الحسن فقال علي (عليه السلام) أتوجبون عليه الرجم والحد ولا توجبون عليه صاعا من ماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر القول ما قال المهاجرون ودعوا ما قالت الانصار وقد تكلمنا في هذا الحديث في بحث كون وجوب الغسل لنفسه أو لغيره ومنها ما رواه الكافي في الباب المذكور في الصحيح عن حسين بن علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها ولا تنزل أعليها غسل وإن كانت ليست ببكر ثم أصابها ولم يفض إليها أعليها غسل قال إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر وغير البكر ومنها ما رواه الفقيه في باب غسل الجنابة في الصحيح عن الحلبي قال قال و سئل عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل أعليه غسل قال كان علي (عليه السلام) يقول إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وكان علي (عليه السلام) يقول كيف لا يوجب الغسل والحد يجب فيه وقال يجب عليه المهر والغسل وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى في المنام حتى يجد الشهوة وهو يرى أنه قد احتلم فإذا استيقظ فلم ير في ثوبه الماء ولا في جسده قال ليس عليه الغسل وقال كان علي (عليه السلام) يقول إنما الغسل من الماء الاكبر فإذا رأى في منامه ولم يرى الماء الاكبر فليس عليه غسل فلا ينافي ما ذكرنا لان الظاهر أن الحصر إضافي بالنسبة إلى رؤية الجماع في المنام وغير ذلك من المذي وغيره لا بالنسبة إلى التقاء الختانين أيضا ولو سلم الظهور في الحصر الحقيقي فيختص الالتقاء للجمع بين الروايات مع إنه غير صحيح وكذا ما رواه أيضا في الباب المذكور عن عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان علي (عليه السلام) لا يرى في شئ الغسل إلا في الماء الاكبر (ويحصل بمواراة الحشفة أو قدرها من المقطوع) الظاهر أنه لا خلاف في وجوب الغسل عند مواراة الحشفة مطلقا سواء حصل التقاء الختانين أو لا وإن كان إثباته في الصورة الاخيرة بالنظر إلى الروايات لا يخلو من إشكال لان ما يمكن أن يستدل به عليه رواية محمد بن اسماعيل المتقدمة وهي لا يخلو عن مناقشة لجواز حملها على المتعارف وكذا الظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب الغسل لو لم تغب الحشفة بتمامها والروايات المتقدمة أيضا دالة عليه وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور والكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال سألته متى يجب السغل على الرجل والمرأة فقال إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم فمحمول على إدخال الحشفة بقرينة الروايات المذكورة وكذا صحيحة عمر بن يزيد وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمتان في بحث أن الجنابة تحصل بإنزال المني مطلقا وأما مقطوع الحشفة فقد ذكر الاصحاب وجوب الغسل عليه عند غيبوبة قدر الحشفة واستدل عليه في المنتهى بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة آنفا وفيه نظر لان هذه الرواية إما محمولة على الروايات المتقدمة ويكون المراد من الادخال الواقع فيها إدخال الحشفة فلا دلالة لها على ما نحن فيه أصلا وأما محمولة على ظاهرها من الاطلاق فتدل على وجوب الغسل بمجرد الادخال سواء كان بقدر الحشفة أو أقل وكذا الكلام في صحيحة عمر بن يزيد ومحمد بن مسلم المذكورتين لكن يمكن أن يقال لما كان الظاهر حمل هذه الروايات الثلاث على الروايات السابقة فيكون الدليل على وجوب الغسل على مقطوع الحشفة سواء أدخل بقدر الحشفة أو لا مفقودا لكن لما كان الظاهر اتفاق الاصحاب على الوجوب في الصورة الاولى فيلزم اتباعهم وأما الصورة الثانية فلا اتفاق فيها فيعمل فيها بأصل البرائة هذا ولا يذهب عليك أنه إذا كان بعض الحشفة مقطوعا فأدخل الباقي فإن كان بحيث يصدق مع إدخاله التقاء الختانين فالظاهر الوجوب لصدق الالتقاء بل غيبوبة الحشفة أيضا وإن لم يصدق ففيه إشكال وعلى تقدير عدم الوجوب حينئذ هل يشترط إدخال قدر الحشفة أو القدر الذي يحصل به الالتقاء ولعل الظاهر الثاني وقال المصنف في الذكرى ولو قطع بعض الحشفة كفى الباقي إلا أن يذهب المعظم فيثبت تقدرها انتهى وهذا التفصيل مما لا مستند له إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا (والدبر كالقبل مطلقا) أي سواء كان للمرأة أو الرجل إما دبر المرأة فقد اختلف فيه الاصحاب فالاكثرون ومنهم السيد

[ 161 ]

المرتضى وابن الجنيد وابن حمزة وابن ادريس والمحقق والعلامة في جملة مركبة على وجوب الغسل بالوطي فيه والشيخ في الاستبصار وظاهر النهاية وكذا ظاهر الصدوق والسلار على عدم الوجوب ويظهر من المبسوط التردد فيه واحتج الموجبون بقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغايط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا وجه الاستدلال إن التيمم بدل من الغسل والوضوء فلو لم يجب الغسل باللمس مع وجود الماء لما وجب التيمم به مع فقده وفيه إن اللمس غير محمول على حقيقته اتفاقا فلا بد من حمله على المجاز ولا دليل على كونه مجازا عن الوطي في الفرجين معا لم لا يجوز أن يكون مجازا عن الوطي المتعارف أي الوطي في القبل وبأن الدبر فرج إذ الفرج موضع الحدث قبلا كان أو دبرا والجماع في الفرج موجب للغسل بالاحاديث المتقدمة وفيه منع شمول الفرج في العرف للدبر سيما فيما نحن فيه بعد ورود الروايات بإلتقاء الختانين وبصحيحة محمد بن مسلم المنقولة آنفا وفيه إنها محموله على التقاء الختانين بقرينة الروايات كما عرفت وبصحيحة زرارة المتقدمة الحاكية عن جمع عمر المهاجرين والانصار وجه الاستدلال أنه يفهم من كلامه (عليه السلام) أن عند وجوب الحد يجب الغسل والحد يجب في وطي الدبر فيجب الغسل وقد مر ما فيها من الكلام في بحث وجوب الغسل لغيره وبما رواه الاستبصار في باب الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج عن حفص بن سوقه عمن أخبره قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال هو أحد المائين فيه الغسل وفيه أنه ضعيف بالارسال وبأن عدم إيجاب الغسل هنا مع إيجابه عند التقاء الختانين من غير إنزال مما لا يجتمعان والثاني ثابت فينتفي الاول بيان التنافي أن إيلاج الفرج في الفرج المشتهى طبعا بحيث تغيب الحشفة إما أن يكون موجبا للغسل أو لا وأيا ما كان يلزم عدم الاجتماع أما إذا كان موجبا فلان الغسل يجب في صورة النزاع عملا بالمقتضى وأما إذا لم يكن فلان الغسل لا يجب هناك عملا بأصالة برائة الذمة السالمة عن معارض كون الغيبوبة علة للغسل وأما ثبوت الثاني فللروايات والاجماع وجوابه أن المراد بالفرج إما ما هو أعم من القبل والدبر أو القبل فقط فإن كان الاول فنختار الشق الثاني من الترديد المذكور ولا نسلم عدم وجوب الغسل حينئذ عند التقاء الختانين لان أصالة برائة الذمة معارضة بكون الغيبوبة في القبل علة للغسل وإن لم يكن الغيبوبة في القبل علة للغسل وإن لم يكن الغيبوبة في الفرج مطلقا علة للغسل وإن كان الثاني فنختار الاول ولا نسلم وجوب الغسل حينئذ في صورة النزاع لان المقتضي ليس بمتحقق فيه وأما ما يحتج به على عدم الوجوب منضما إلى أصل البرائة فما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن الحلبي قال سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب المراة فيما دون الفرج أعليها غسل إن هو أنزل ولم تنزل هي قال ليس عليها غسل وإن لم ينزل هو فليس عليه غسل وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب غسل الجنابة بأدنى تغيير لا يضر بالمقصود وأورد عليه إن الفرج أسم للقبل و الدبر معا لغة وعرفا أما لغة فلانه مأخوذ من الانفراج وأما عرفا فلقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون وأشار بذلك إلى ذكر الرجل وسماه فرجا للمعنى الذي هو الانفراج كذا في المختلف وما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن البرقي رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما فإن أنزل فعليه الغسل ولا غسل عليها وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل وأورد عليه أنه ضعيف بالارسال ومعارض برواية حفص المتقدمة وأيضا الاتيان في الدبر أعم من غيبوبة الحشفة وعدمها ولا دلالة للعام على الخاص فيحمل على عدم الغيبوبة لصحة تناول اللفظ له جمعا بين الادلة وفيه أن التخصيص خلاف الظاهر لا حاجة إلى ارتكابه لما عرفت من عدم دليل على خلافه حتى يحتاج إلى الجمع إلا أن يجعل على عدم الغيبوبة للجمع بينه وبين رواية حفص لانها تصلح لمعارضته لاشتراكهما في الارسال واحتج أيضا بمفهوم إذا التقا الختانان ورد بضعف حجية المفهوم مع أنه منفي هاهنا بالاجماع فإن الانزال إذا تحقق من غير التقاء وجب الغسل فلو دل على نفي الحكم عما عداه لزم خرق الاجماع وفيه إن خروج بعض ما عداه عن حكم المفهوم بالاجماع لا يستلزم خروج الباقي أيضا مما لا دليل على خروجه نعم يمكن أن يقال عموم المفهوم ممنوع وحينئذ لم يثبت ما ادعوه وبصحيحة عمر بن يزيد ومحمد بن مسلم المتقدمتين في بحث حصول الجنابة بإنزال المني وفيهما أيضا ما في الرواية الاولى هذا ما يمكن أن يستدل به على الجانبين وظهر مما ذكر أن الظاهر بالنظر إلى الادلة المذكورة عدم وجوب الغسل لان أصل البرائة ليس ما يعارضه كما عرفت لكن قال السيد المرتضى لا أعلم خلافا بين المسلمين أن الوطي في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطي في القبل مع الايقاب وغيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل والمفعول به وإن لم يكن إنزال ولا وجدت في الكتب المصنفة لاصحابنا الامامية إلا ذلك ولا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة يفتي إلا بذلك فهذه مسألة إجماع من الكل ولو شئت أن أقول أنه معلوم بالضرورة من دين الرسول (صلى الله عليه وآله) إنه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم ومع وجود هذا التشديد العظيم من مثل هذا السيد الكبير لا يمكن الاجتراء على القول بعدم الوجوب فالاولى متابعة الاكثرين والاحتياط في إيقاع الحدث بعد ذلك الغسل والتوضي بعده وأما دبر الرجل ففيه أيضا الخلاف كدبر المرأة والسيد المرتضى قايل هاهنا أيضا بالوجوب كما نقلنا وتردد الشيخ في المبسوط والمحقق ذهب هاهنا إلى عدم الوجوب حجة الموجبين وجوه الاول إنكار علي (عليه السلام) على الانصار كما تقدم وفيه ما تقدم أيضا الثاني أنه إيلاج فرج في دبر مشتهى طبعا فيجب الغسل كدبر المرأة وقبلها ولا يخفى ضعفه الثالث الاجماع المركب فإن كل من قال بوجوبه في دبر المرأة قايل بوجوبه في دبر الرجل وقد ثبت الوجوب في دبر المرأة فثبت في دبر الرجل أيضا هكذا نقلوا عن السيد المرتضى (ره) وأنت خبير بأنه لا حاجة له إلى دعوى الاجماع المركب إذ قد عرفت إنه ادعى الاجماع بل الضرورة على وجوب الغسل في وطي الدبر سواء كان للذكر أو الانثى إلا أن يكون مراده إقامة دليل آخر على المدعى من غير ما ادعاه من الاجماع المنقول

[ 162 ]

سابقا ويكون المراد من ثبوته في دبر المرأة ثبوته بأدلة أخرى غير الاجماع وقد رد المحقق (ره) في المعتبر هذا الدليل بعدم ثبوت الاجماع المركب واعترض عليه بأن الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة وللكلام فيه مجال ويرد أيضا على الدليل إن الثبوت في دبر المرأة ممنوع كما عرفت إلا أن يتمسك بالاجماع وحينئذ لا حاجة إلى الاجماع المركب لان الاجماع المنقول شامل لهما معا وحجة القول بعدم الوجوب الاصل ومفهوم الشرط في إذا التقى الختانان والثاني لا قوة له والاول قوي لكن هاهنا لا يجزي النفس على ذلك لما ذكره السيد (ره) والاحتياط أن يغتسل ويحدث ويتوضأ (والقابل كالفاعل) لا خلاف في هذا الحكم كما ظهر من الكلام المنقول عن السيد (ره) والقايلون بعدم الوجوب في الدبر أيضا لا يفرقون بين الفاعل والقابل (والحي كالميت) الاولى العكس نص عليه الشيخ في المبسوط وقال في الخلاف أما فرج الميتة فلا نص لهم فيه أصلا ثم ذكر أن الظاهر وجوب الغسل لما روي عنهم (عليه السلام) من أن حرمة الميت كحرمة الحي ولان الظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج تدل على ذلك بعمومها وطريقة الاحتياط يقتضيه ولا يخفى أن هذه الدلايل لا تكاد تتم أما الاول فلان كون حرمته كحرمة الحي لا يدل على المرام أصلا لان وجوب الغسل بالوطي ليس لاجل حرمة الحي وأما الثاني فلان الظواهر المذكورة إنما يحمل على المعهود المتعارف كما هو الظاهر وأما الثالث فظاهر وقد يستدل عليه أيضا بإنكار علي (عليه السلام) على الانصار وفيه أيضا ما مر فالظاهر التمسك بالاصل والسكوت عما سكت الله عنه اللهم إلا أن يكون إجماع عليه (والامر) الاحتياط واضح إعلم أنه لا فرق في كون الميت فاعلا أو مفعولا لاجراء الوجوه فيهما معا (وفي البهيمة قولان أحوطهما الوجوب) القول بعدم الوجوب قول الشيخ في بحث الجنابة من الخلاف والمبسوط وإن كان ظاهر كلامه في كتاب الصوم منه الوجوب ويفهم من كلام السيد المرتضى أيضا ذهاب أصحابنا إلى الوجوب واختاره العلامة في المختلف والاول أظهر للاصل وعدم ما يعارضه واحتج في المختلف بقول علي (عليه السلام) في إنكار الانصار وقد عرفت ما فيه ويحتج أيضا بقول ما أوجب الحد أوجب الغسل ولم يثبت عندنا وبأنه جماع في فرج فأشبه فرج الادمي ولا يخفى ضعفه واعلم إن العلامة في النهايه استشكل في إيجاب الغسل بالايلاج في فرج البهيمة ثم قال في موضع آخر وكذا يجب الغسل على من غاب فرج الميت والدابة في فرجه وكان مراده إنه على تقدير القول بالوجوب في وطي البهيمة يجب على المفعول أيضا إذا كان الفاعل بهيمة لا أنه يختصر بالفاعل وإلا فالفرق بين الفاعل والمفعول في الاستشكال وعدمه مما وجه له ظاهرا والاحتياط هاهنا أيضا مثل ما سبق (وواجد المني على جسده أو ثوبه المختص يغتسل ويعيد كل صلوة لا يمكن سبقها وفي المبسوط يعيد ما صلاه بعد آخر غسل رافع وهو احتياط حسن) الظاهر إن وجد أن المني على الجسد أو الثوب المختص إنما يكون هذا حكمه إذا لم يحتمل أن يجئ من خارج وإلا فلا للاجماع على أن اليقين بالطهارة لا ينقض بالشك ثم إن وجوب الغسل على ذلك الواجد فمما لا شك فيه إذ الفرض حصول العلم بالجنابة وبعد العلم يجب الغسل البتة لما سبق ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الموثق عن سماعة قال سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح ولم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم قال فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلوته وما رواه أيضا في هذا الباب عن سماعة في الموثق قال سألته أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام ولم ير في نومه أنه قد احتلم فوجد في ثوبه وعلى جسده (فخذه) الماء هل عليه غسل قال نعم وأما ما رواه في هذا الباب عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب بثوبه منيا ولم يعلم أنه احتلم قال ليغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ فسنده لا يخلو عن جهالة ويمكن حمله أيضا على ما إذا احتمل أن يكون من غيره جمعا بين الاخبار وأما اعادة كل صلوة لا يمكن سبقها على الجنابة فبناء على وجوب قضاء الصلوة التي صليت بغير طهارة سواء كان عمدا أو نسيانا أو جهلا في الوقت وخارجه وسيجئ القول فيه إن شاء الله تعالى في موضعه ووجه التقييد بعدم إمكان سبقها على الجنابة إنه مع الامكان يرجع إلى الشك في الحدث واليقين في الطهارة فلا عبرة به وأما قول المبسوط فلا وجه له ظاهرا سوى الاحتياط وهو لا يصلح دليل الوجوب ولا يخفى أن لا احتياط في إعادة كل ما يكون بعد آخر الاغسال إذ ما وقع بعده وقبل النوم لا احتياط في إعادتها أصلا وأيضا مقتضى الاحتياط أن يعيد ما صلاه قبل آخر الاغسال أيضا إذا احتمل أن يكون خروج المني سابقا عليه والاولى أن يقال بإعاده كل صلوة لا يعلم سبقها على المني ولم يفصل بينها وبينه على تقدير سبقه غسل رافع ثم اعلم أن إعادة الصلوة هاهنا يمكن أن يكون بالنظر إلى الحدث والخبث معا وبالنظر إلى أحدهما فقط وما ذكرنا من الشيخ إنما هو بالنظر إلى الحدث وأما بالنظر إلى الخبث فقد ذكر في المبسوط إنه يستحب أن يعيد كل صلوة صلاها من أول نومة نامها في ذلك الثوب ويجب أن يعيد ما صلاها من آخر نومة نامها فيه ثم قوى عدم وجوب إعادة شئ من الصلوات عليه إلا ما لم يخرج وقتها بناء على أن الظاهر عنده عدم الاعادة الجاهل بالنجاسة إذا خرج الوقت وسيجئ تفصيل القول فيه إن شاء الله تعالى واعلم أن صاحب المدارك (ره) ذكر أن الاظهر أنه إنما يحكم عليه بالجنابة من آخر أوقات إمكانها تمسكا بأصالة عدم التيقن واستصحابا للطهارة المتيقنة إلى أن يقين الحدث وحينئذ يحكم عليه بكونه محدثا ويجب عليه قضاء ما يتوقف على الطهارة من ذلك الوقت إلى أن يتحقق منه طهارة رافعة ثم قال وذهب الشيخ (ره) في المبسوط أولا إلى إعادة كل صلوة لا يعلم سبقها على الحدث ثم قوى ما اخترناه وقوته ظاهرة انتهى وأنت خبير بما نقلنا عن المبسوط إن ما نقله (ره) عنه لا يوافق الواقع (ولو اشترك الثواب أو الفراش فلا غسل نعم يستحب) وجه عدم الوجوب ظاهرا لاستصحاب يقين الطهارة وأما الاستحباب فلا دليل عليه ظاهرا إلا أن يتمسك بعموم الادلة المقتضية لرجحان الاحتياط في الدين وبذهاب الاصحاب إليه (ولو قيل بأن الاشتراك إن كان معا سقط عنهما وإن تعاقب وجب على صاحب النومة كان وجها) وذهب إليه الشهيد الثاني (ره) أيضا في شرح الارشاد ولا وجه له

[ 163 ]

ظاهرا لانه مع احتمال أن يكون خروج المني سابقا على المنوية يرجع أيضا إلى الشك في الحدث ويقين الطهارة فلا عبرة به وكون الوجدان في نوبته لا مدخل له أصلا إلا أن يورث علما بأنه منه فيخرج عن محل النزاع أو ظنا فيبني الكلام على العبرة بالظن وعدمها وبالجملة الفرق بين كون الاشتراك بطريق الاجتماع والتعاقب لم يظهر له وجه فالاولى التعميم (ولو لم يعلم صاحب النوبة فكالمعية) وجهه ظاهر (وباجتماعهما يقطع بجنب على الاقرب) ذهب إليه المحقق في المعتبر وقيل بسقوط اعتبار الجنابة في الجميع مال إليه العلامة في جملة من كتبه وتظهر فايدة الخلاف في انعقاد الجمعة بهما وإيتمام أحدهما بصاحبه إذ على الاول لا ينعقد الجمعة بهما لان أحدهما جنب البتة ولا تصح صلوة المأموم لانه نفسه أو إمامه جنب ونقل عن بعض الجمهور فساد صلوتهما معا وعلى الثاني ينعقد وتصح صلوتهما معا والظاهر هو القول الثاني حجة الاول القطع بحدث أحدهما البتة وفيه أنه لو أريد القطع بخروج المني عن أحدهما فمسلم لكن خروج المني عن واحد لا بعينه لا يوجب حكما ولو أريد القطع بكون أحدهما لا بعينه جنبا لا تصح منه الافعال التي لا تصح من الجنب وتتعلق صلوة به أحكامه فظاهر الفساد لان عدم صحة أفعال واحد منهما لا بعينه وتعلق أحكام الجنب به مع أن كل واحد بعينه أفعاله وأعماله صحيحة ولا يتعلق به حكم الجنب مما لا معنى له وبالجملة القدر المسلم في اشتراط انعقاد الجمعة أن تكون صلوة كل من العدد صحيحة في الواقع وهاهنا كذلك وأما ما وراء ذلك فلا وكذا يلزم في صحة صلوة المأموم عدم علمه بفساد صلوة الامام وقد تحقق هاهنا ومن يدعي الزايد على ذلك فعليه البيان وبما ذكرنا ظهرت حجة القول الثاني واعلم أنه لا خلاف ظاهرا في جواز دخولهما المساجد دفعة وقرائتهما العزائم دفعة ونحو ذلك نعم لو حمل أحدهما الاخر وأدخله المسجد لكان الظاهر على القول الاول أنه فعل حراما لانه دخل جنبا ولا يخفى أن الحكم بالحرمة هاهنا أقرب من الحكم بعدم انعقاد الجمعة وعدم صحة صلوة المأموم وإن كان الاثبات هاهنا أيضا مشكلا ولا يبعد أن يكون الحال في إدخال من يعلم أنه جنب مع عدم علمه نفسه أيضا كذلك وكأنه أقرب إلى الحرمة والاحتياط في الجميع واضح (ولو خرج المني من المرأة بعد الغسل اجنبت إن علمت اختلاطهما) أي مني الرجل بمنيها (أو شكت في الاقرب وإلا فلا) لاخفاء في وجوب الغسل بعد العلم باختلاط المائين وأن الخارج منهما جميعا وأما ما رواه التهذيب في أواخر باب حكم الجنابة عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ قال يعيد الغسل قلت فالمرأة يخرج منها بعد الغسل قال لا تعيد الغسل قلت فما الفرق بينهما قال لان ما يخرج من المرأة ماء الرجل وذكر أيضا إن مثل ذلك ورد بطريق آخر أيضا وذلك الطريق صحيح ورواه الكافي أيضا في باب الرجل والمرأة يغتسلان من الجنابة فكان المراد منه أن مع عدم العلم بخروج منيها لا يجب الغسل لان ما يخرج منها يمكن أن يكون ماء الرجل وإلا فظاهره لا يخلو من إشكال إذ الظاهر إمكان أن يخرج مني المرأة من فرجها والله أعلم وأما مع الشك فقد ذكر المصنف في الذكرى أن الاحوط حينئذ وجوب الغسل وهو أقرب من قوله في الاقرب هاهنا لانه يرجع إلى الشك في الحدث واليقين في الطهارة فلا عبرة به ولا دليل على الوجوب هاهنا بخصوصه مع أن الرواية المذكورة تعضد الاستصحاب المذكور وأما عدم الوجوب مع عدم التعليم والشك فظاهر للاصل والرواية المذكورة ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل فقال لا وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم وسيجئ لهذا تتمة في مبحث وجدان البلل المشتبه بعد الغسل (ولا يجب ببعض الحشفة) قد تقدم الكلام فيه (ولا بإيلاج الخنثى فرجه في امرأة أو خنثى) المراد بالخنثى المشكل إذ غير حكمه حكم ما ألحق به وعدم وجوب الغسل بإيلاج فرجه في فرج المرأة بناء على جواز أن يكون زايدا فلا يتعلق به حكم واحتمل العلامة في التذكرة وجوب الغسل عليهما معا وكأنه لعموم إذا التقا الختانان ويمكن منعه بحمله على المتعارف وكذا إيلاجه في فرج الخنثى وفيه أيضا الاحتمال المذكور (ولا بإيلاج الرجل في قبله على الاقوى) هذا أيضا لجواز الزيادة ووجه التذكرة الوجوب للعموم المذكور ووجوب الحد وقد يمنع الوجهان كما مر غير مرة وألزمه المصنف في الذكرى بالوجوب ولو علم رجولية المولج فيه ولا يبعد أن يلتزمه اللهم إلا أن يكون إجماع على عدمه وحينئذ يظهر الفرق ولا نقض (ويجب لو أولج الرجل في دبره) بناء على الوجوب في الدبر ووجهه ظاهر (أو أولج رجل في قبله وأولج الخنثى في فرج امرأة) لانه لا يخلو من أن يكون رجلا أو امرأة فإن كان رجلا فيجب عليه الغسل بإيلاجه في فرج المرأة وإن كان امرأة فيجب بإيلاج الرجل في قبله (وأما الرجل والمرأة فأحدهما جنب لا بعينه) إذ على تقدير الانوثية الرجل جنب دون المرأة وعلى تقدير الذكورية بالعكس فيكون أحدهما لا بعينه جنبا ويكون الحكم كما في واجدي المني في الثوب المشترك وعلى الاحتمال المنقول من التذكرة الجميع جنب والاقرب تعلق الاحكام بإيلاج الصبي والصبية) بناء على عموم إذا التقا الختانان ويحتمل العدم بحمله على المتعارف وادعاء ظهوره في التعلق بالمكلفين ويعضده أصل البرائة وثمرة النزاع وجوب منعهم من المساجد ومس المصحف وقرائة العزايم ووجوب الغسل وعليهم بعد البلوغ وفي الثمرة الاولى نظر ولو كان أحد الطرفين بالغا فقد قطع العلامة في التذكرة والمصنف في الذكرى بالوجوب عليه (والملفوف) بناء على صدق التحاذي ويحتمل عدمه لان استكمال اللذة إنما يحصل بارتفاع الحجاب كذا في النهاية وفيه نظر نعم يمكن تعليله بمنع صدق الالتقاء والتمسك بالاصل واحتمل في النهاية التفصيل باعتبار الخرقة فإن كانت لينة لا تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر ووصول الحرارة من أحدهما إلى الاخر وجب وإلا فلا ولا ظهور به أيضا إلا

[ 164 ]

أن يقال أن في الاول يصدق الالتقاء دون الثاني (وفي المقطوع) أي الذكر الذي قطع وانفصل من البدن (وآلة البهيمة نظر) بناء على صدق الالتقاء وعدم التعارف والظاهر العدم تمسكا بالاصل وعدم ظهور ما يعارضه ولعل الفرق بين فرج البهيمة وإدخال آلته حيث فصل بينهما في الذكر بناء على وجوب الحد في الاول دون الثاني فيكون دليل وجوب الغسل في الاول أظهر لكن الظاهر من كلام النهايه كما نقلنا سابقا أنه يرى الامر بالعكس ولا يبعد أن يفهم هذا من كلام المصنف أيضا حيث استشكل هاهنا وحكم باحتياط وجوب الغسل في الاول المشعر باعتقاد عدم الوجوب ولم يظهر له وجه ويجب على الكافر بناء على أن الكفار مكلفون بالفروع لكن لا يصح منهم حال كفرهم وقد منعه بعض وموضعه في الاصول (ولا يجبه الاسلام) والظاهر لا خلاف بيننا في عدم سقوطه بالاسلام إذ لم ينسب إلى أحد منا القول بخلافه وإنما نسب في المنتهى القول به إلى أبي حنيفة واحتج على عدم السقوط بقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا وكذا عموم الروايات الواردة بالغسل وبأنه لو كان محدثا بحدث أصغر لم يجز له الدخول في الصلوة إلا بالطهارة فكذا في الغسل والاخير ضعيف واحتج بالمسقطون بأنه لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه أمر أحدا بالغسل مع كثرة من أسلم من البالغين وهم غالبا لا يكادون يسلمون عن حدث الجنابة وبقوله (عليه السلام) الاسلام يجب ما قبله وأجيب عن الاول بالمنع من الترك إذ قد روى أبو داود عن قيس بن عاصم قال أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) أريد الاسلام فأمرني أن أغتسل مع أنه لا يلزم أن يأمرهم بخصوصهم بل تكفي الاوامر الواردة بالغسل عموما وهو أيضا مثل ساير التكليفات التي لم يأمرهم بها حين الاسلام يخصوصهم وعن الثاني بالقدح بالسند ومنع عمومه بحيث يشمل ما نحن فيه (ويتعلق بالجنابة حرمة الصلوة والطواف) بالاجماع (ومس خط المصحف) بالاجماع أيضا قال في المعتبر وهو إجماع فقهاء الاسلام وفي المنتهى وهو مذهب علماء الاسلام ولعلهما حملا الكراهة في كلام ابن الجنيد على التحريم أو يعتدا بخلافه أو انعقد الاجماع بعده والفاضل الاردبيلي وصاحب المدارك رحمهما الله أسندا القول بالكراهة إلى المبسوط أيضا وهو سهو لانه إنما قال بها في المحدث وأما في المجنب فقد صرح بالتحريم واستدل أيضا بقوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون وقد تقدم الكلام فيه في فواتح الكتاب وقد مر أيضا في بحث تحريم المس للمحدث بعض الروايات الذي يمكن أن يستدل به على هذا المطلب ولو لم يكن دعوى الاجماع لم يبعد القول بالكراهة لكن الاولى حينئذ الاخذ بالحرمة ثم أنه قد تقدم في أوايل الكتاب في بحث مس المحدث الفروع التي يتعلق بالمس من المس باليد والجسد والكم وكذا مس الايات وإن لم يكن في المصحف ونحوها فقس هاهنا عليه واعلم أنه قال المصنف (ره) في الذكرى ولا يمنع من مس كتب الحديث ولا الدراهم الخالية من القرآن أو المكتوب عليها القرآن ففي خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) إني لاتوى بالدرهم فاخذه وإني لجنب ثم ذكر أنه عليه سورة من القرآن انتهى والظاهر أن الخبر الذي رواه ما في المعتبر قال فيه وفي جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) سألته هل يمس الرجل الدرهم الابيض وهو جنب فقال والله إني لاوتى بالدرهم فاخذه وإني لجنب وما سمعت أحد يكره من ذلك شيئا إلا أن عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديد يقول جعلوا سورة من القرآن في الدرهم فيعطى الزانية وفي الخبر ويوضع على لحم الخنزير انتهى ولا يخفى إن ما فهمه المصنف من هذا الكلام لا يخلو من شئ إذ لم يظهر أن من قوله وما سمعت إلى الاخر كلام الامام (عليه السلام) فحينئذ لا دلالة إلا أن يقال إنه يشعر بأن الدراهم البيض التي كانت في زمانه (عليه السلام) يجعل فيها السوره وهذا أيضا إنما يتم لكان من كلام محمد بن مسلم أو يكون عبد الله بن محمد في زمان الامام (عليه السلام) (وما عليه اسم الله تعالى) المراد مس نفس الاسم لا مس شئ كتب عليه الاسم وعموم ما عليه يدل على تحريم المس وإن كان على درهم أو دينار واستدل عليه بأن فيه التعظيم لشعاير الله بما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله تعالى ويمكن المناقشة في كل من الدليلين مع أن التهذيب روى في الباب المذكور في الموثق عن اسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال سئلته عن الجنب والطامث يمسان بأيديهما الدراهم البيض قال لا بأس وأيضا نقل المحقق في المعتبر عن كتاب الحسن بن محبوب عن خالد عن أبي الربيع عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله قال لا بأس به ربما فعلت ذلك وقد أجاب الشيخ عن الرواية الاولى بأنه يمكن أن يكون إنما أجازه ذلك إذا لم يكن عليها اسم الله تعالى وإن كانت الدراهم بيضا ويمكن أن يجاب عن الاخرى أيضا بأن المراد مس موضع ليس فيه الاسلام من الدراهم لكن لا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه النظر بالنظر إلى هذه الادلة جواز مس اسم الله تعالى سيما إذا كان في دينار أو درهم لكن رعاية التعظيم ومتابعة الاصحاب ربما يمنع النفس عن الاجتراء على الحكم بالجواز (أو اسماء الانبياء والائمة (عليه السلام) قال المحقق في المعتبر قاله الشيخان ولا أعرف المستند ولعل الوجه رفع أسمائهم (عليه السلام) عن ملاقاة ما ليس بطاهر وليس حجة موجبة للتحريم والقول بالكراهة أنسب (وقرائة العزائم) العزائم في اللغة الفرايض كما في القاموس والمراد هاهنا السور التي فيها السجدات الواجبة وهي أربع سورة ألر وحم السجدة والنجم واقرأ باسم ربك وتسميتها بالعزائم باعتبار إيجاب السجدة عند قرائتها وتحريم قرائتها على الجنب إجماعي منا كما نص عليه المنتهى والمعتبر ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الموثق عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الحايض والجنب يقرآن شيئا قال نعم ما شاء إلا السجدة ويذكران الله تعالى على كل حال وما رواه أيضا في زيادات باب الاغسال في الحسن عن محمد بن مسلم قال قال أبو جعفر (عليه السلام) الجنب والحايض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن القرآن ما شاء إلا السجدة ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين وهاتان الروايتان وإن أمكن المناقشة فيهما من حيث السند لكن معاضدتهما بالاجماع يكفي

[ 165 ]

في الحكم وقد روى الصدوق (ره) في علل الشرايع رواية صحيحة عن زرارة قال قلت فهل يقرآن من القرآن شيئا قال نعم ما شاء إلا السجدة ويذكران الله من القرآن على كل حال وبهذه يزيد الحكم تقوية وروى المعتبر أيضا ذلك الحكم عن جامع البزنطي عن الحسن الصيقل عن أبى عبد الله (عليه السلام) وقد استدل الشيخ (ره) في التهذيب على الحرمة بأن في هذه السور سجودا واجبا ولا يجوز السجود إلا لطاهر من النجاسات بلا خلاف وفيه توقف إذ لم يثبت الاجماع على ما ادعاه كما سيجئ في بابه إن شاء الله تعالى مع أنه (ره) قال بعيد هذا باستحباب السجدة على الطامث إذا سمعتها وقد يعتذر بأن مراده من عدم جواز السجود إلا للطاهر السجود الواجب ولا يخلو عن بعد ولعل مراده من النجاسات الحكمية والعينية وإلا فلا دلالة على ما ادعاه لو اختص بالعينية كما هو الظاهر (وأبعاضها) الظاهر أنه أيضا لا خلاف فيه بيننا وإن كان دلالة الادلة المذكورة سابقا عليه محل نظر إذ غاية ما يدل عليه الروايات حرمة نفس السجدة وأما غيرها فلا وكذا ما استدل به الشيخ (ره) لكن الاجماع ظاهرا هو المتبع (ولو اشتركت الاية ونواها حرمت) هذا الحكم بناء على حرمة الابعاض ظاهر (ودخول المساجد إلا اجتياز إلا المسجدين) أي المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) حرمة لبث الجنب في المساجد وجواز اجتيازه فيها سوى المسجدين مما أطلق عليه الاصحاب سوى ما نقل عن سلار أنه قال بكراهة اللبث في المساجد وأطلق الحكم ولم يفرق بين المسجدين وغيرهما والظاهر ما ذهب إليه الاكثر ولا يخفى إنه يرجع إلى ثلاثة أمور اللبث في المساجد مطلقا وجواز الاجتياز فيما عدا المسجدين وحرمته فيهما فلنستدل على كل منها أما عدم جواز اللبث في المساجد مطلقا فلقوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل إذ الظاهر أن المراد من الصلوة مواضعها يتحقق معنى العبور والقربان مع أنه فسر في الرواية الصحيحة بما ذكر وهي ما رواه الصدوق في علل الشرايع عن زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قالا قلت له الحايض والجنب يدخلان المسجد أم لا فقال الحايض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن الله تبارك وتعالى يقول ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ويأخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا قال زرارة قلت له فما بالهما يأخذان منه ولا يضعان فيه قال لانهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلا منه ويقدر أن على وضع ما بيدهما في غيره ولتلك الرواية الصحيحة ولما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الحسن عن جميل قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد قال لا ولكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل ويشرب وفيه موضع الرسول النبي (صلى الله عليه وآله) ولحسنة محمد بن مسلم المتقدمة آنفا ولما رواه الكافي في الباب المذكور عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال للمجنب أن يمشي في المساجد كلها ولا يجلس فيها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ولما رواه التهذيب في زيادات باب تحريم المدينة عن محمد حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الجنب يجلس في المسجد قال لا ولكن يمر فيه إلا المسجد الحرام ومسجد المدينة وهذه الروايات وإن أمكن المناقشة فيها بحملها على الكراهة لكن يدفعها شهرة الحرمة بين الاصحاب وكذا الاية مع أن في الاية مرجحا آخر للحمل على الحرمة هو كون النهي عن قربان الصلوة سكارى محمولا على الحرمة ومما يمكن أن يستدل به لسلار الاصل وقد عرفت ما يعارضه وما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الصحيح ظاهرا عن محمد بن القاسم قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد فقال يتوضأ ولا بأس أن ينام في المسجد ويمر فيه قال في المعتبر وهذه الرواية متروكة بين أصحابنا لانها منافية لظاهر التنزيل ويمكن أن تحمل على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامة ولا يذهب عليك أنه لو لم يكن الشهرة العظيمة بين الاصحاب لامكن الجمع بين الروايات بحمل ما تقدم على الكراهة وحمل هذه الرواية على نفي الحرمة لكن الاولى اتباع الشهرة وأما جواز الاجتياز فيما عدا المسجدين فيدل عليه مضافا إلى الاجماع الاية والراويات المنقولة واعلم أن الظاهر من كلام القوم جواز العبور في المساجد وأما المشي في جوانبها فلم يجوزوه كما صرح به في النهاية وكذا اللبث بدون الجلوس بطريق الاولى ولا يخفى أنه الظاهر من الاية والصحيحة المذكورة وأما الروايات الاخرى ففي ظهورها في هذا المعنى تأمل سيما رواية جميل المنقولة عن الكافي لكن الاولى العمل بما هو ظاهر الاية والصحيحة وكلام القوم وأيضا مقتضى الاحتياط أن يكون المرور بأن يدخل من باب ويخرج من آخر لا بأن يذهب ويرجع وإن كان إثباته بالدليل مشكلا وأما حرمة الجواز في المسجدين فتدل عليه الروايات المتقدمة واعلم أن الصدوق (ره) في الفقيه أطلق القول بجواز الجواز في المساجد ولم يستثن المسجدين ونسب المصنف في الذكرى هذا الاطلاق إلى أبيه و المفيد أيضا وذكر أيضا في الفقيه أنه لا بأس أن ينام الجنب في المسجد وكان مستنده خبر محمد بن القاسم المذكور والحكم به مشكل مع معارضته بالروايات الكثيرة وعدم عمل الاصحاب بمضمونه واعلم أيضا أن المصنف والشهيد الثاني (ره) ألحقا المشاهد المقدسة والضرايح المشرفة بالمساجد في هذا الحكم لاشتمالها على فايدة المسجدية وزيادة تشرفها بمن نسبت إليه ولا يخلو من إشكال وإن كان الاحوط التجنب عنها حال الجنابة (ووضع الشئ فيها ويجوز الاخذ منها) هذا ايضا هو المشهور بين الاصحاب ونقلوا عن سلار القول بكراهة الوضع والظاهر المشهور لما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله (عليه لسلام) عن الجنب والحايض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه قال نعم ولكن لا يضعان في المسجد شيئا وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل ويشرب وللصحيحة المنقولة عن علل الشرايع حجة سلار الاصل وبحمل الروايتين على الكراهة لكن الاصل قد خرج عنه بالدليل والحمل على الكراهة وان كان احتمالا قريبا لكن الشهرة بين الاصحاب يدفعه (ويكره قرائة ما زاد على سبع ولم يجوز الزيادة ابن البراج وعن سلار تحريم القرائة مطلقا) المشهور بين الاصحاب جواز قرائة ما عدا العزائم مطلقا وكراهة ما زاد على السبع

[ 166 ]

أو السبعين وفي التذكرة إن ما زاد على السبع مكروه وما زاد على السبعين أشد كراهة وقال الفقيه ولا بأس بأن يقرأ الجنب القرآن كله ما خلا العزائم وقال ابن ادريس له أن يقرأ جميع القرآن سوى العزائم وأنت خبير بإمكان حملهما على المشهور بأن يحملا على نفي الحرمة والجواز وقال الشيخ في النهاية ويقرأ من القرآن من أي موضع ما شاء ما بينه وبين سبع إلا أربع سور وفي المبسوط يجوز أن يقرأ من القرآن ما شاء غير العزايم والاحتياط أن لا يزيد على سبع آيات أو سبعين آية ويمكن حملهما أيضا على المشهور سيما عبارة المبسوط بل ظاهرها ما هو المشهور وقال العلامة في المختلف وبعض أصحابنا لا يجوز إلا ما بينه وبين سبع آيات أو سبعين آية والزايد على ذلك محرمة مثل الاربع سور وقال في المنتهى وقال بعض الاصحاب يحرم ما زاد على سبعين وكان المراد بهذا البعض ابن البراج وحينئذ ما نسب إليه المصنف من عدم تجويزه الزيادة على سبع غير صحيح لكن قال الشيخ في الخلاف يجوز للجنب والحايض أن يقرأ القرآن وفي أصحابنا من قيد ذلك بسبع آيات وهو موافق لما ذكر المصنف ونسب العلامة إلى الشيخ القول بتحريم الزيادة على السبعين في كتابي الاخبار وهو إن كان ظاهر التهذيب لكن كلامه في الاستبصار يدل على تردده بين جواز ما زاد وحرمته وقد نقل المصنف في الذكرى عن سلار قولين أحدهما ما ذكره في هذا الكتاب وثانيهما الجواز مطلقا والمرتضى في الانتصار والشيخ في الخلاف ظاهرا والمحقق في المعتبر ادعوا الاجماع على الجواز فإن كان مرادهم الجواز مطلقا فيكون ما نسب إلى سلار وابن البراج مخالفا للاجماع وإن كان المراد الجواز في الجملة فقول سلار مخالف دون ابن البراج والظاهر الجواز مطلقا وكراهة ما زاد على السبع واشتدادها فيما زاد على السبعين أما الجواز مطلقا فعليه مضافا إلى الاصل روايات منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يأكل ويشرب ويقرء القرآن قال نعم يأكل ويشرب ويقرءه ويذكر الله عزوجل ما شاء وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل ويشرب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا بأس أن يتلو الجنب و الحايض القرآن ومنها ما رواه الكافي في باب الحايض والنفساء تقرأن القرآن في الحسن عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الحايض تقرأ القرآن والنفساء والجنب أيضا ومنها روايتا محمد بن مسلم الموثقة والحسنة المنقولتان في بحث قرائة العزايم وأما كراهة ما زاد على السبع فلما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الموثق عن سماعة قال سألته عن الجنب هل يقرء القرآن قال ما بينه وبين سبع آيات فإن قلت لم لم يجعل هذه الرواية مخصصة ومقيدة للروايات السابقة قلت أما أولا فلعدم صحتها وأما ثانيا فلعدم ظهورها في حرمة ما زاد ولو سلم ظهورها أيضا فتخصيص ما تقدم وتقييده بها ليس بأولى من حملها على خلاف ظاهرها وأما اشتداد ما زاد على السبعين فلما قال الشيخ أيضا بعد نقل الرواية السابقة وفي رواية زرعة عن سماعة سبعين آية والتقريب ظاهر والذي يمكن أن يحتج به على ما ذهب إليه ابن البراج هاتان الروايتان وقد ظهر جوابهما مما ذكر وأما ما ذهب إليه سلار فقد احتج عليه باشتهار النهي عن قرائة القرآن للجنب في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بين الرجال والنساء كما نقل أن عبد الله بن رواحة رأته امرأته مع جاريته فذهبت لتأخذ سكينا فقال ما رأيتني أليس نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقرأ أحدنا وهو جنب فقالت اقرأ فأنشد شعرا موهما أنه القرآن فقالت صدق الله وكذب بصري فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فضحك حتى بدت نواجده وبما نقل عن علي (عليه السلام) أنه قال لم يكن يحجب النبي (صلى الله عليه وآله) عن قرائة القرآن شئ سوى الجنابة وعنه (عليه السلام) لا يقرء الجنب ولا الحايض شيئا من القرآن والجواب عن الجميع أنه لم يثبت عندنا وعلى تقدير ثبوته يحمل على الكراهة جمعا بين الاخبار (ومس المصحف عطف على قرائة ما زاد هذا هو المشهور بين الاصحاب وقال المرتضى بالتحريم والظاهر الاول أما الجواز فللاصل وأما الكراهة فللشهرة بين الاصحاب مضافة إلى التعظيم وإلى ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خيطه ولا تعلقه إن الله تعالى يقول لا يمسه إلا المطهرون واحتج السيد بقوله تعالى لا يمسه وضعفه ظاهر وبهذه الرواية وفيها بعد القدح في السند أنها لا ظهور لها في التحريم كيف والسيد نفسه لا يقول بحرمة التعليق وحمله كأنه للتعظيم (ويجوز مس الكتب المنسوخة) للاصل وعدم معارض (وما نسخ تلاوته) من القرآن للاصل أيضا وعدم صدق القرآن عليه عرفا (والاكل والشرب والنوم ما لم يتوضأ ويكفي في الاكل والشرب المضمضة والاستنشاق عطف على مس المصحف أما الاكل والشرب فالظاهر من كلام الخمسة وهو المشهور كراهتهما قبل المضمضة والاستنشاق ولم يتعرضوا للوضوء والمحقق في المعتبر ذهب إلى أنه يكفيه غسل يده والمضمضة والعلامة في النهاية والمنتهى ذهب إلى كراهتهما قبل المضمضة والاستنشاق والوضوء كما هو مختار المصنف في هذا الكتاب وقال الصدوق في الفقيه غير أن الرجل إذا أراد أن يأكل ويشرب قبل الغسل لم يجز له إلا أن يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق فإنه إن أكل أو شرب قبل أن يفعل ذلك خيف عليه البرص وظاهر هذه العبارة التحريم لكن لا يبعد أن يكون مراده الكراهة إذ كثيرا ما يفعل مثل ذلك وينبغي أن نذكر الروايات الذي رأيناها في هذا الباب حتى يظهر عليه الحال فمنها ما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك قال إن الله يتوفى الانفس في منامها ولا يدري ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل قلت أيأكل

[ 167 ]

الجنب قبل أن يتوضأ قال إنا لنكسل ولكن ليغسل يده والوضوء أفضل ومنها ما رواه أيضا في باب حكم الجنابة في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل وتضمض وغسل وجهه وأكل وشرب وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل ويشرب ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب والكافي أيضا في الباب المذكور عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس بأن يختضب الرجل ويجنب وهو مختضب ولا بأس بأن يتنور الجنب ويحتجم ويذبح ولا يذوق شيئا حتى يغسل يديه ويتمضمض فإنه يخاف منه الوضح ومنها ما رواه الفقيه في باب غسل الجنابة قال وقال أبو جعفر عن أبيه (عليه السلام) إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ و قال أيضا وروى أن الاكل على الجنابة يورث الفقر وروى أيضا في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال نهى رسول الله عن الاكل على الجنابة قال إنه يورث الفقر هذا ما رأينا من الروايات ولا يخفى أنه لا يظهر من الاولى والثانية إلا استحباب غسل اليد والوضوء قبل الاكل وكذا استحباب غسل اليد والمضمضة وغسل الوجه ولا يدلان ظاهرا على كراهة الاكل اللهم إلا أن يقال بالفهم عرفا نعم الروايات الاربع الاخير سيما الاوليين منها والاخيره تدل ظاهرا عليها وهي مع انضمامها بقول الاصحاب كما فيه في هذا الباب ثم أنه يستفاد ظاهرا من الروايتين الاخيرتين كراهة الاكل قبل الغسل مطلقا ومن الرواية السابقة عليهما ارتفاعهما بالوضوء بناء على مفهوم الغاية فأما إن تقيد الاولى بالثانية أو يقال إن الوضوء يخفف الكراهة ويفهم من رواية السكوني الكراهة قبل غسل اليدين والمضمضة و ارتفاعها بهما وهي منافيه ظاهرا لكل من الروايات السابقة ودفع المنافاة بينها وبين الاخيرتين على قياس ما ذكر في دفع المنافاة المذكورة آنفا وأما بينها وبين الرواية التالية لها فأما بالحمل على التخيير بين الوضوء وبين وبين غسل اليد والمضمضة وأما بأن يقال إن لرفع الكراهة مراتب فالاولى الوضوء وبعده غسل اليد والمضمضة وأما حسنة زرارة فلا منافاة ظاهرا بينها وبين غيرها نعم نفهم منها إن غسل اليد والمضمضة وغسل الوجه مما ينبغي على أن يفعل قبل الاكل وذلك أيضا يحتمل وجهين أما أن يكون لرفع الكراهة مطلقا ويكون بدلا آخر للوضوء فيكون حينئذ لرفع الكراهة ثلاث أمور الوضوء وغسل اليد والمضمضة وغسل الوجه وغسل اليد والمضمضة أو يكون لتخفيف الكراهة و ح يكون بعد الوضوء ثم يجري الوجهان أيضا بينه وبين غسل اليد والمضمضة وقس عليه حال الرواية الاولى وحال غسل اليد الواقع فيها بالنظر إلى ما في الرواية الاخرى فالذي يقتضيه الاحتياط أن لا يؤكل ولا يشرب قبل الغسل ولو أكل أو شرب لاتى بالوضوء ولو لم يتيسر فيغسل اليد ويتمضمض ويغسل الوجه وإن لم يتيسر فغسل اليد والمضمضة وإلا فغسل اليد وحده ولا يبعد أن يقال بضم الاستنشاق أيضا إلى المضمضة في الصورتين كما ضمه الاصحاب بناء على أن المراد بالمضمضة الواقعة في الخبر هما معا وإنما اكتفى به وحده لما يكتفي كثيرا في ذكر أمرين يتعارف اقترانهما بأحدهما وبما ذكرنا ظهر أن ما نقلنا أنه المشهور لا دليل عليه أصلا مما وصلنا إليه وكذا ما ذهب إليه العلامة (ره) وما ذهب إليه المحقق في المعتبر يدل عليه رواية السكوني لكنه (ره) استدل عليه بحسنة زرارة ولا يخفى ما فيه وأما ما قاله الصدوق فلا دليل عليه أيضا إلا أن يأول التأويل المذكور آنفا في رواية السكوني فتكون حينئذ مستندا له فإن قلت على تقدير كراهة الاكل والشرب قبل الغسل مطلقا أو قبل الوضوء على ما تحمل ما في صحيحة عبد الرحمن المذكورة من قوله (عليه السلام) إنا لنكسل لانه ينافي مرتبة الامامة قلت قد حمله بعض علمائنا على أنه (عليه السلام) قد تكلم بلسان الحاضرين أي إنكم لتكسلون ويمكن أن يقال المراد إنا لنكسل عن الاكل ولم نتسارع إليه قبل الغسل هذا ثم إنه هل يكفي الاتيان بالمأمور المذكور مرة واحدة أو لابد عند كل أكل مع الفصل الكثير بين الاكلين أو مع تخلل الحدث أو مع التعدد عرفا الكل محتمل والاول أظهر والاخير أحوط والاحوط أيضا أن لا يتراخى بينهما كثيرا على وجه لا يبقى بينهما ارتباط في العادة وأما النوم فقد أجمع علمائنا على جوازه للجنب وكراهته قبل الوضوء ويدل عليه أيضا روايات أما الجواز فيدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الصحيح عن سعيد الاعرج قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ينام الرجل وهو جنب وتنام المرأة وهي جنب وما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سماعة قال سألته عن الجنب يجنب ثم يرد النوم قال إن أحب أن يتوضأ فليفعل والغسل أفضل من ذلك وإن هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ إن شاء الله تعالى وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم أما صحيحة عبد الرحمن المتقدمة فمحمولة على الاستحباب وأما الكراهة قبل الوضوء فيدل عليه ما رواه الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن علي الحلبي قال وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أينبغي له أن ينام وهو جنب فقال يكره ذلك حتى يتوضى قال وفي حديث آخر أنا أنام على ذلك حتى أصبح وذلك إني أريد أن أعود فإن قلت هل يمكن أن يستفاد من صحيحة عبد الرحمن وموثقة سماعة كراهة النوم قبل الغسل مطلقا لكن إنما يحصل التخفيف بالوضوء على قياس ما قالوه في الاكل قلت لا إذ لا دلالة لهما إلا على استحباب الغسل قبل النوم وفضله على الوضوء وأما كراهة النوم بدونه فلا والرواية التي فيها الكراهة فقد غياها بالوضوء فيبقى عنده وقد مر سابقا في بحث استحباب الوضوء لنوم الجنب توجيه ما نقل عن الفقيه من قوله (عليه السلام) أنا أنام الخ فتذكر (والخضاب) هذا ما ذهب إليه الثلاثة والمحقق والعلامة وجمع آخر أيضا من الاصحاب ويفهم من ظاهر المعتبر والمنتهى نسبة القول بعدم الكراهة إلى الصدوق بناء على ما قاله في الفقيه ولا بأس أن يختضب الجنب ويجنب وهو مختضب وأنت خبير بإمكان حمله على ما يوافق مذهبهم بإرادة الحرمة من البأس وبالجملة الظاهر الكراهة لما رواه التهذيب في باب حكم الحيض عن أبي سعيد قال قلت لابي إبراهيم (عليه السلام) أيختضب الرجل وهو جنب قال لا قال قلت فيجب وهو مختضب قال لا ثم سكت قليلا ثم قال يا أبا سعيد أفلا أدلك على شئ تفعله قلت بلى قال إذا اختضب بالحنا وأخذ الحناء

[ 168 ]

مأخذه وبلغ وحينئذ فجامع ولما رواه أيضا في هذا الباب عن كرد بن المسمع قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا يختضب الرجل وهو جنب ولا يغتسل وهو مختضب ولما رواه أيضا في هذا الباب عن جعفر بن محمد بن يونس أن أباه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسئله عن الجنب يختضب أو يجنب وهو مختضب فكتب لا أحب له ذلك ولما رواه أيضا في هذا الباب عن عامر بن خداعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول لا تختضب الحايض ولا الجنب ولا تجنب وعليها خضاب ولا يجنب هو وعليه خضاب ولا يختضب وهو جنب فإن قلت لم لا تحمل هذه الاخبار على الحرمة قلت أما أولا فلعدم صحتها وأما ثانيا فلوجود ما يعارضها من الاخبار الكثيرة مع أن السند في بعضها صحيح منها ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح ظاهرا عن علي عن العبد الصالح (عليه السلام) قال قلت الرجل يختضب وهو جنب قال لا بأس وعن المرأة تختضب وهي حايض قال ليس به بأس ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سماعة قال سئلت العبد الصالح (عليه السلام) عن الجنب والحايض أيختضبان قال لا بأس ومنها رواه الكافي في الباب المتقدم في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا بأس أن يختضب الرجل وهو جنب لكن في بعض نسخ الكافي يحتجم بدل يختضب ومنها ما رواه الكافي أيضا في الباب المتقدم عن أبي جميلة عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال لا بأس بأن يختضب الجنب ويجنب المختضب ويطلي بالنورة واعلم أن المفيد علل الكراهة بأن الخضاب إنما يمنع وصول الماء إلى ظاهر الجوارح ولما كان يرد عليه أنه لو كان يرد عليه أنه لو كان مانعا لكان يجب أن يكون حراما وجهه المحقق في المعتبر بأن اللون عرض لا ينتقل فيلزم حصول أجزاء من الخضاب في محل اللون ليكون وجود اللون بوجودها لكنها خفيفة لا يمنع الماء منعا تاما فكرهت لذلك ولا يخفى أن مجرد هذا لا يكفي في الحكم بالكراهة إذ يمكن الايراد عليه أما أولا فيمنع حصول الاجزاء إذ لعله كان حصول اللون بالمجاورة وأما ثانيا فبمنع الكراهة على تقدير حصول الاجزاء الخفيفة التى لايمنع الوصول نعم هذا إنما يصلح لان يكون ستر ما في الروايات ويكون المتمسك هي في الحقيقة (والادهان) يدل عليها رواه التهذيب في باب حكم الجنابة والكافي في الباب المتقدم عن حريز قال قلت لابي عبد الله (عليه لسلام) الجنب يدهن ثم يغتسل قال لا وقد زاد أيضا في الاستبصار في رواية السكوني المتقدمة آنفا قبل ولا يذوق ولا يدهن (وكيفية الغسل النية مقارنة لما سلف في الوضوء) أي غسل اليدين وقد تقدم في بحث الوضوء ما يفي بهذا المبحث أيضا فاستنبط (أو لغسل الرأس) هذا وقتها المضيق والاول الموسع (مستدامة الحكم) قد مر القول فيها أيضا في الوضوء (والبدأة بغسل الرأس والعنق ثم الجانب الايمن ثم الايسر) قد ادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على وجوب غسل الرأس ابتداء ثم الميامن ثم المياسر وذكروا أنه من متفردات أصحابنا واستدل عليه أيضا بوجوه الاول الروايات فمنها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الحسن عن زرارة قال قلت له كيف يغتسل الجنب فقال إن لم يكن أصاب كفه شئ غمسهما في الماء ثم بدا بفرجه فأنقاه ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد أجراه وهذا الخبر في الكافي أيضا في باب صفة الغسل وقد رواه المعتبر عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) فيخرج عن الاضمار وفيه إنه لا نسلم دلالته على وجوب الترتيب لان الجملة الخبرية لا ظهور لها في الوجوب وكونه بيانا لكيفيية الغسل الواجب فلا يصح اشتماله على ما ليس بواجب لا ظهور له إلا يرى أنه ورد فيه ثلاث أكف ومرتين مع أنه غير واجب بالاجماع ظاهرا وعلى تقدير كونها للوجوب لم لا يجوز أن يكون وجوبه لكونه فردا للواجب المخير لا بخصوصه ولو سلم فإنما يدل على وجوب الصب ابتداء على الرأس ثم الجسد ولا يدل على وجوب غسل الرأس بتمامه أولا ثم الجسد ولو سلم فإنما يدل على الترتيب بين الرأس والجسد ولا يدل على الترتيب بين الجسد لان كلمة ثم الدالة على الترتيب إنما هي بين الرأس والجسد دون الايمن والايسر ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب والكافي أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال سألته عن غسل الجنابة فقال تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصب على ساير جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر وفيه أيضا ما تقدم مع شدة ظهور البحث الاخير فيه ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب والكافي أيضا في الباب المذكور في الحسن عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من اغتسل من جنابة ولم يغسل رأسه ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدا من إعادة الغسل وفيه أيضا ما أورد على سابقيه أخيرا مع سابقه الثاني أن النبي (صلى الله عليه وآله) اغتسل كذلك وإلا لكان خلافه واجبا أو مستحبا وهو باطل فيكون واجبا لان فعله بيان للواجب وقد تقدم الكلام على نظير هذا الاستدلال في بحث الوضوء الثالث إن شيئا من الطهارة واجب وغير المرتب ليس بواجب فيجب المرتب وإلا لزم شمول عدم الوجوب المنفي بالاتفاق وأيضا الطهارة واجبة وغير المرتب ليس بواجب فغير المرتب ليس طهارة وفيه إن قولهم غير المرتب ليس بواجب إن أريد به عدم وجوبه بخصوصه فمسلم لكن لا ينتج حينئذ القياسان كما لا يخفى وإن أريد به عدم الوجوب مطلقا فممنوع لجواز أن يكون واجبا لكونه أحد الفردين المخيرين هذا وبما ذكرنا ظهر أن إثبات وجوب الترتيب بالادلة المذكورة سيما الترتيب بين الجسد لا يخلو من إشكال إلا أن يتمسك بالاجماع المطلق أو يقال أن وجوب الابتداء بالرأس في الجملة قد ثبت بهذه الروايات ظاهرا سيما الرواية الاخيرة فيلزم القول بوجوب الترتيب الذي هو المدعى ليلا يلزم خرق الاجماع المركب إذ لا قايل بالفضل كما ذكره المصنف في الذكرى قال المحقق في المعتبر واعلم أن الروايات دلت على وجوب تقديم الرأس على الجسد أما اليمين على الشمال فغير صريحة بذلك ورواية زرارة دلت على تقديم الرأس على اليمين ولم يدل على تقديم اليمين على الشمال لان الواو لا يقتضي ترتيبا فإنك

[ 169 ]

لو قلت قام زيد ثم عمرو وخالد دل ذلك على تقدم قيام زيد على عمرو أما تقدم عمرو على خالد فلا لكن فقهاؤنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقدم اليمين على الشمال ويجعلونه شرطا في صحة الغسل وقد أفتى بذلك الثلاثة وأتباعهم انتهى ثم اعلم إن الصدوقين لم يصرحا بالترتيب بين الجسد ولا بنفيه لكن كان الظاهر أنهما لا يريان الترتيب وإلا لاشعرا به كما صرح في الفقيه بالترتيب بين الرأس والجسد والظاهر من كلام ابن الجنيد أيضا عدم الترتيب في البدن وابن أبي عقيل عطف الايسر بالواو وهو مما يشعر أيضا بعدم الترتيب وعلى هذا فلا ظن الاجماع الذي ادعاه الشيخ في الخلاف كما نقلنا وابن زهرة وابن ادريس أيضا ولا بالاجماع المركب الذي نقلنا عن المصنف في الذكرى فلا يبعد حينئذ القول بعدم وجوب الترتيب بين الميامن والمياسر للاصل وإطلاق الاية والروايات الكثيرة المشعرة به منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن أحمد بن محمد قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك وتبول إن قدرت على البول ثم تدخل يدك في الاناء ثم اغسل ما أصابك منه ثم أفض على رأسك وجسدك ولا وضوء فيه ووجه الاشعار ظاهر ومنها صحيحة محمد قبن مسلم المتقدمة آنفا ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تصب على يدك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تمضمض وتستنشق وتصب الماء على رأسك ثلاث مرات وتغسل وجهك وتفيض على جسدك الماء ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفيه فليغسلهما دون المرفق ثم يدخل يده في إنائه ثم يغسل فرجه ثم يصب على رأسه ثلاث مرات ملا كفيه ثم يضرب بكف من ماء على صدره وكف بين كتفيه ثم يفيض الماء على جسده كله فما انتضح من مائه في إنائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس إلى غير ذلك من الروايات الواردة بهذا الطريق ويؤيده أيضا ما رواه في باب الاغسال في الزيادات عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اغتسل أبي من الجنابة فقيل له قد بقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء فقال له ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب صفة الغسل بطريق واضح الصحة وقد يستشكل في هذه الرواية من حيث إباء العصمة عن إغفال اللمعة وأجيب بأن الترك يجوز أن يكون عمدا للتعليم وما رواه أيضا في باب حكم الجنابة عن بكر بن كرب قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل من الجنابة أيغسل رجليه بعد الغسل فقال إن كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه فلا عليه أن يغسلهما وإن كان يغتسل في مكان يستنفع رجلاه في الماء فليغسلهما وهذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور قال المصنف في الذكرى وأبو الصلاح أوجب الترتيب ثم قال بعد غسل الايسر ويختم بغسل الرجلين فإن ظن بقاء شئ من صدره أو ظهره لم يصل إليه الماء فليسبغ بإراقة الماء على صدره وظهره وكذا قاله بعض الاصحاب انتهى وعلى هذا فالتأييدان المذكوران لا يدلان على عدم وجوب الترتيب مطلقا بين الجسد بل على ما ذهب إليه أبو الصلاح إلا أن يثبت أن ما ذهب إليه خرق للاجماع المركب فيكونان حينئذ دالين على عدم الترتيب مطلقا بين الجسد وقد يجاب عن الاول بأنه يجوز أن يكون تلك اللمعة في الجانب الايسر وعن الثاني بأنه يجوز أن يكون المراد غسل الرجلين للتنظيف لا الغسل الذي من أجزاء الغسل وقد يجاب عن الروايات السابقة أيضا بأنها مطلقة والمطلق يجب حمله على المقيد فليحمل على الروايات الدالة على الترتيب وفيه أنه بعد تسليم وجوب الحمل أن الروايات الدالة على الترتيب بين أجزاء الجسد إذ قد عرفت عدم دلالة ما تمسكوا به نعم هذا الجواب إنما يحسن لو تمسك ببعض الروايات المذكورة على الترتيب بين الرأس والجسد إذ لا دلالة الروايات المتقدمة على الترتيب بينهما ظاهرة مع قوة الظن أيضا بالاجماع عليه إذ لم يظهر من كلام أحد من الاصحاب خلافه وأما ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن هشام ابن سالم قال كان أبو عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة ومعه أم اسماعيل فأصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها وتركت رأسها فقال لها إذا أردت أن تركبي فاغسل رأسك ففعلت ذلك فعلمت بذلك أم اسماعيل فحلقت رأسها فلما كان من قابل انتهى أبو عبد الله (عليه السلام) إلى ذلك المكان فقالت له أم اسماعيل أي موضع هذا فقال لها هذا الموضع الذي أحبط الله فيه حجك عام أول فلا عبرة به لان هشام بن سالم نفسه روى عن محمد بن مسلم هذه الواقعة بعينها خلافه قال دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسطاطه وهو يكلم امرأة فأبطأت عليه فقال أدنه هذه أم إسماعيل جائت وأنا أزعم أن هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجها عام أول كنت أردت الاحرام فقلت ضعوا إلي الماء في الخباء فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستحفظتها فأصبت منها فقلت اغسل رأسك وامسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك فإذا أردت الاحرام فاغسلي جسدك ولا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئا فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها وضربتها فقلت لها هذا المكان الذى أحبط الله فيه حجك وحينئذ لا يبقى الظن به بل الظاهر أن الراوي سهى ونقل بالعكس مما كان إذ احتمال الغلط فيه أقرب منه في الثاني للتفصيل الواقع فيه فتدبر هذا والاحتياط أن يراعى الترتيب كما هو المعروف بين الاصحاب ولا يجري على تركه ثم اعلم أن ما ذكره المصنف من ضم العنق إلى الرأس قد نص عليه المفيد في المقنعة ونسب في الذكرى إلى الجماعة أيضا وما وجدنا في الروايات ما يدل عليه سوى مضمرة زرارة وموثقة سماعة المتقدمتين آنفا فإن لهما أدنى إشعار به فمقتضى الاحتياط حينئذ أن يغسل الرأس بتمامه

[ 170 ]

أولا ويتبعه العنق بتمامه ثم يدخل نصفه في غسل الميامن ونصفه الاخر في المياسر والله أعلم (وتخليل ما يمنع وصول الماء) للاجماع على وجوب إيصال الماء إلى جميع ظواهر البدن كما في المنتهى ولاطلاق الروايات الواردة بغسل البدن ولما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن حجر بن زايده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار وهو مما يتوقف على التخليل فيجب بناء على وجوب المقدمة ويدل عليه أيضا ما رواه في باب صفة الوضوء في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لا تدري أيجري الماء تحتهما أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت قال تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه وعن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف يضع قال إن علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب صفة الغسل وأما ما رواه الكافي في الباب المذكور في الصحيح عن الحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسل قال حوله من مكانه وقال في الوضوء تديره فإن نسيت حتى تقوم في الصلوة فلا آمرك أن تعيد الصلوة وقد ذكر الفقيه أيضا في باب حد الوضوء قال و إن كان مع الرجل خاتم فليدوره في الوضوء ويحوله عند الغسل وقال الصادق (عليه السلام) وإن نسيت حتى تقوم في الصلوة فلا أمرك أن تعيد انتهى فيمكن أن يحمل على الخاتم الذي لا يمنع الوصول ويكون الامر بالتحويل والادارة محمولا على الاستحباب ولا يبعد أيضا القول بمضمونه الظاهر لو لم يكن إجماع على خلافه وكذا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود والكافي أيضا عنه في باب الجنب قال قلت للرضا (عليه السلام) الرجل يجنب فيصيب جسده ورأسه الخلوق والطيب والشئ اللزق مثل علك الروم والطرب وما أشبهه فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق والطيب وغيره فقال لا بأس محمول على الاثر الذي لا يمنع الوصول ولا يبعد أيضا القول بعدم الاعتداد ببقاء شيى يسير لا يخل عرفا بغسل جميع البدن إما مطلقا أو مع النسيان وهو الظاهر ويجعل هذه الرواية دليلا عليه لو لم يكن إجماع على خلافه لكن الاولى أن لا يجري عليه وقس عليه الحال فيما رواه أيضا في زيادات باب الاغسال عن اسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليه السلام) قال كن نساء النبي (صلى الله عليه وآله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقى صفرة الطيب على أجسادهن وذلك لان النبي (صلى الله عليه وآله) أمرهن أن يصبن الماء صبا على أجسادهن مع ظهور الجل المذكور فيه وجهالة مستنده (والترتيب كما قلناه إلا في المرتمس) قد مر القول في الترتيب وأما سقوطه عن المرتمس فهو المشهور بين الاصحاب ويدل عليه ما رواه التهذيب في باب الجنابة وفي الزيادات أيضا في الصحيح عن زرارة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تبدأ إلى أن قال ولو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزء ذلك وإن لم يدلك جسده وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن الحلبي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله وهذه الرواية في الكافي في باب صفة الغسل وفي الفقيه أيضا في باب غسل الجنابة لكن فيه إن الحلبي قال وحدثني من سمعه يقول إلى آخره وما رواه الكافي في باب مقدار الماء الذي يجزى للوضوء والغسل عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة ويخرج يجزيه ذلك من غسله قال نعم وقد نقل الشيخ في المبسوط عن بعض الاصحاب أنه يرتب حال الارتماس حكما قال المصنف في الذكرى ما قاله الشيخ يحتمل أمرين أحدهما وهو الذي نقله عنه الفاضل أنه يعتقد الترتيب حال الارتماس ويظهر ذلك من المعتبر حيث قال وقال بعض الاصحاب إنه يرتب حكما فذكره بصيغة المتعدي وفيه ضمير يعود السى المغتسل ثم احتج بأن إطلاق الامر لا يستلزم الترتيب والاصل عدم وجوبه فثبت في موضع الدلالة والحجة تناسب ما ذكره الفاضل الثاني إن الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس ويظهر الفايدة لو وجد لمعة منفصلة فإنه يأتي بها وبما بعدها ولو قيل بسقوط الترتيب بالمرة أعاد الغسل من رأس لعدم الوحدة المذكورة في الحديث وفيما لو نذر الاغتسال مرتبا فإنه يبرء بالارتماس لا على معنى الاعتقاد المذكور لانه ذكره بصورة اللازم المستند إلى الغسل أي يترتب في نفسه حكما وإن لم يكن فعلا وقد صرح في الاستبصار بذلك لما أورد وجوب الترتيب في الغسل وأورد أجزاء الارتماس فقال لا ينافي ما قدمناه من وجوب الترتيب لان المرتمس يترتب حكما وإن لم يترتب فعلا لانه إذا خرج من الماء حكم له أولا بطهارة رأسه ثم جانبه الايمن ثم جانبه الايسر فيكون على هذا التقدير مترتبا انتهى وقال أيضا ولو قال الشيخ إذا ارتمس حكم له أولا بطهارة رأسه ثم الايمن ثم الايسر ويكون مرتبا لكان أظهر في المراد لانه إذا خرج من الماء لا يسمى مغتسلا وكأنه نظر إلى أنه ما دام في الماء ليس الحكم بتقدم بعض على الاخر أول من حكمه ولكن هذا يرد في الجانبين عند خروجه إذ لا يخرج جانب قبل آخر انتهى ولا يذهب عليك أن ما ذكر في تفسير الترتيب الحكمي لا يرجع إلى طايل ولا فايده في الخوض فيه بعد وضوح الحكم وقد احتج لهم في المختلف بحجة هي أيضا مثل مدعاهم في عدم التحصيل والحاصل أن الروايتين المعتبرتين دلتا على إجزاء الارتماس وسقوط الغسل عن الذمة به فيكون مجيزا مبريا للذمة خصوصا إطلاق الامر بإظهار في الاية والذي يظن معارضا الروايات السابقة الامرة بالصب على الرأس ثم الجسد والامر فيه سهل لانها تخصص بهاتين الروايتين جمعا بل يقال أنه لا حاجة إلى التخصيص لانه بيان لاحد نحوي الغسل من دون دلالة على حصر أو تعميم وهاتين لنحو آخر وليس هذا تخصيصا ولا خروجا عن ظاهر وأما اعتبار أمر آخر فلا وجه له أصلا أي شئ كان ولا حاجة إلى الخوض في تحقيق معناه وتبيين مؤداه (والحق به المطر والمجري وليس بذلك

[ 171 ]

قد أجرى الشيخ في المبسوط القفو وتحت المجرى والوقوف تحت المطر مجرى الارتماس في سقوط الترتيب به وإليه ذهب العلامة في جملة من كتبه وذهب ابن ادريس إلى اختصاص الحكم بالارتماس كما هو مختار المتن وإليه ينظر كلام المحقق (ره) في المعتبر حجة القول الاول ما رواه في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يجنب هل يجزيه عن غسل الجنابة أن يقوم في القطر حتى يغسل رأسه وجسده وهو يقدر على ما سوى ذلك قال إن كان يغسل اغتساله بالماء أجزئه ذلك وهذا الخبر في الفقيه أيضا في باب المياه وما رواه الكافي في باب صفة الغسل عن محمد بن أبي حمزة عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أصابته جنابة فقام في المطر حتى سال من جسده أيجزيه ذلك من الغسل قال نعم قال المحقق في المعتبر معترضا على الخبر الاول إن هذا الخبر مطلق وينبغي أن يقيد بالترتيب في الغسل وهو وارد على الثاني أيضا مع أنه ضعيف بالارسال ويرد أيضا على الاول أنه (عليه السلام) قال بالاجزاء عند كونه مثل الاغتسال بالماء وهو إنما يكون مع الترتيب فلا بد فيه أيضا منه وقد يجاب عن الايراد الاول بمنع كونهما مع الروايات السابقة من باب المطلق والمقيد بل الروايات السابقة بيان لاحد أنحاء الغسل وهذان لنحو آخر مباين له وليس في الروايات تعميم حتى يكون هذان مخالفين لها ولو سلم التعميم فإنما يخصص بهما كما هو المعمول وعن الثاني أن الظاهر أن المراد مماثلتهما في الجريان وشمول البدن كله لتأييد الرواية الثانية وطهور رجوع الضمير المستتر في يغسله إلى القطر مع إن المماثلة التي تتصور في حقه إنما هو الغسل بطريق الجريان لا الترتيب لعدم إمكانه في حقه إلا بالمجاز ولو سلم عدم ظهور الرجوع إلى القطر وكون المماثلة المتصورة في حقه هو الجريان فقط فلا أقل من عدم ظهوره في خلافه فيؤل الامر إلى الشك في التكليف كما لا يخفى وقد مر غير مرة أن في مثله يكفي الاتيان بالقدر المتيقن فتدبر وقد يجاب عنه أيضا بأن الاغتسال بإملاء أعم من الاغتسال المرتب وغير المرتب وقد علق (عليه السلام) الاجزاء بالمساواة لمطلق الاغتسال وهو إنما يتحقق بدون الترتيب وفيه إن بناء هذا الايراد إنما هو على أن ظاهر المساواة المطلقة المساواة في جميع ما يمكن التساوي فيه كما تقرر في الاصول لا في شئ ما أي شئ كان وحينئذ نقول مساواة هذا الغسل لمطلق الاغتسال ظاهرها مساواتهما في جميع ما يمكن التساوي ولا ريب أنه يمكن تساويهما في الترتيب فيجب اعتباره إلا أن يقال حينئذ المراد أنه علق الاجزاء على المساواة لمطلق الاغتسال فيكفي فيه المساواة لاي فرد كان إذ ليس بمخصص بفرد معين فيكفي المساواة للاغتسال الارتماسي وقد عرفت أن اعتبار المساواة إنما هو فيما يمكن التساوي فيه وإمكان التساوي هاهنا إنما هو في الجريان وشمول البدن فقط فتأمل وبما ذكرنا ظهر وجه احتجاج ابن ادريس وموافقيه مع الجواب عنه والاحتياط أن يراعى الترتيب في هذه الصورة بأن ينوي ويدلك أولا الرأس ثم الميامن ثم المياسر واعلم أن العلامة في التذكرة طرد الحكم في ماء الميزاب وشبهه وكان المبسوط أيضا موافق له في ذلك وإنما ذكر المجرى والمطر من باب التمثيل وفي الاقتصاد أيضا عمم الحكم بالنسبة إلى الميزاب ونحوه ونسب في الذكرى إلى بعض الاصحاب إلحاق صب الاناء الشامل للبدن والكل مشكل لاختصاص الروايتين بالمطر إلا أن يستنبط من قوله (عليه السلام) إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزئه أن المماثلة للاغتسال بالماء في الجريان وشمول البدن علة للاجزاء فيطرد في غير المطر أيضا لكن للكلام في هذا الاستنباط مجال والاولى الوقوف على المطر والله أعلم (ولا يجب غسل الشعر بل إيصال الماء إلى ما تحته وإن كثف) هاهنا حكمان أحدهما عدم وجوب غسل نفس الشعر والثاني وجوب تخليله وإيصال الماء إلى ما تحته وإن كثف أما الاول فهو المشهور بين الاصحاب بل يفهم من ظاهر المعتبر والذكرى الاجماع عليه وظاهر عبارة المقنعة حيث حكم بأن المرأة إن كانت شعرها مشدودة حلته وإن كان يشعر بوجوب غسل الشعر لكن الشيخ حملها على أن المراد وجوب الحل إذا لم يصل الماء إلى أصول الشعر بدونه وأما مع الوصول بدونه فلا وبالجملة الظاهر عدم الوجوب للاصل وللروايات الواردة بغسل الجسد والشعر لا يسمى جسدا وقد تقدم طرف منها في المباحث السابقة آنفا ويزيده تأكيدا ما رواه في التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن زرارة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال تبدأ فتغسل كفيك ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرج ومرافقك ثم تمضمض وتستنشق ثم تغسل جسدك من لدن قرنك لاى قدميك ليس قبله ولا بعده وضوء وكل شئ لمسته الماء فقد اتقيته ويريد أيضا عدم وجوب غسل الشعر ما رواه في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن علي الحلبي عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة وروى أيضا بطريق حسن عن محمد عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثل ذلك لكن لا يروى فيه عن أبيه عن علي (عليه السلام) وهذا الطريق الاخير في الكافي أيضا في باب صفة الغسل وروى التهذيب أيضا في باب حكم الحيض في الموثق عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن أبيه عن علي (عليه السلام) مثله وأما ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) من إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعرة وانفق البشرة وصحيحة حجر ابن زائدة المتقدمة في بحث وجوب تحليل ما يمنع وصول الماء فالجواب عنهما أما عن الاول فبعدم ثبوته عندنا وأما عن الثانية فبعدم ظهور دلالتها على المراد إذ يحتمل أن يكون المراد من الشعرة ما هو بقدرها من الجسد احتمالا قريبا إذ هو من المجازات الشايعة المتعارفة التي ليس حمل اللفظ عليها خروجا عن الظاهر عرفا خصوصا مع اعتضاد عدم الوجوب بالاصل والروايات المتقدمة والشهرة بل الاجماع ظاهرا وأما ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة والكافي في الباب المذكور في الحسن عن جميل قال سألت أبا

[ 172 ]

عبد الله (عليه السلام) عما تصنع النساء في الشعر والقرون فقال لم تكن سابقا هذه المشطة إنما كن يجمعنه ثم وصف أربعة أمكنة ثم قال يبالغن في الغسل وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال حدثني سلمى خادم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال كان أشعار نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرون رؤسهن مقدم رؤسهن فكان يكفيهن من الماء شئ قليل فأما النساء الان فقد ينبغي لهن أن يبالغن في الماء فالحق أنهما مجملان لا ظهور لهما في شئ من الطرفين هذا ولا يبعد القول بالاستحباب لرواية البل المذكورة واحتج المصنف في الذكرى على الاستحباب بفحوى صحيحة حجر المتقدمة وفيه نظر لانها لو حملت على الحقيقة فيدل على وجوب الغسل ولو حملت على المجاز فلا يدل على الاستحباب أيضا وأما الثاني فللاجماع عليه ظاهرا كما في المنتهى فظاهر الروايات الواردة بغسل الجسد ولصحيحة حجر المتقدمة وبعض الروايات المتقدم في بحث الوضوء المتضمن لان ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يبحثوا عنه إنما يحمل على الوضوء بقرينة المقام وكذا ما ورد من أن الغسل على الظاهر إنما المراد به ما يقابل الجوف (والمباشرة) عطف على التخليل يدل على وجوب المباشرة الاية والروايات المتقدمة الظاهرة في تولي المكلف بنفسه ويفهم من ظاهر كلام ابن الجنيد جواز مولى الغير وهو ضعيف (وفي الاستبراء قولان أحوطهما الوجوب على المنزل بالبول ثم الاجتهاد) والمراد هاهنا بالاستبراء الاجتهاد في إزالة بقايا المني المختلفة في المحل بالبول أو الاستبراء المتعارف المذكور سابقا في بحث الاستنجاء قد اختلف الاصحاب في وجوب الاستبراء على المجنب بالانزال فالشيخ في المبسوط صرح بوجوب الاستبراء بالبول أو الاجتهاد على الرجل والظاهر أن ترديده بناء على تيسر البول وعدمه فعلى الاول يجب البول وعلى الثاني الاجتهاد وهو الظاهر من كلام المفيد في المقنعة أيضا وكذا من كلام بن البراج ويفهم من ظاهر كلام الجعفي وجوب البول والاجتهاد معا ونسب العلامة في المختلف القول بوجوب الاستبراء إلى سلار وأبي الصلاح وابن حمزة أيضا والمصنف في الذكرى إلى ابن زهرة والكيدري أيضا وذكر المصنف أنه ظاهر الجامع لكن لم يفصلا أن مذهبهم هذا هل هو وجوب البول والاجتهاد معا أو أحدهما مرتبا أو مخيرا وقال الصدوق في الفقيه ومن ترك البول على أثر الجنابة أو شك أن يتردد بقية الماء في بدنه فيورثه الداء الذي لا دواء له وفي الذكرى إنه المروي في الجعفريات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقال ابن الجنيد يتعرض الجنب للبول وإذا بال فخرط ونتر وهو محتمل للوجوب والندب معا والمرتضى وابن ادريس والفاضلان إنما ذهبوا إلى نفي الوجوب وهو الظاهر للاصل وعدم دليل صالح كما يظهر عند ذكر دلايل الخصم احتج الشيخ في الاستبصار بالروايات الدالة على وجوب إعادة الغسل بخروج البلل لو لم يستبرء كما سنذكرها إن شاء الله تعالى في البحث التالي لهذا البحث وهو ضعيف إذ وجوب الاعادة بدون الاستبراء لا دلالة له أصلا على وجوب الاستبراء كما لا يخفى والاولى الاحتجاج عليه بصحيحة أحمد بن محمد المتقدمة في بحث وجوب الترتيب في الغسل وبما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة عن أحمد بن هلال قال سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول فكتب إن الغسل بعد البول إلا أن يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل والجواب عن الاول إن الجملة الخبرية لا ظهور لها في الوجوب سيما مع مسبوقيتها بالجملة الاخرى التي لغسل اليدين مع استحبابه إجماعا وعن الثاني إنه ضعيف جدا مع إن القائلين بالوجوب الظاهر أنهم لا يعملون بظاهره إذ ظاهره وجوب إعادة الغسل لو لم يبل قبله وأن لم يجد بللا وهم لا يقولون به ظاهرا وأيضا على تقدير العمل بظاهره إثبات وجوب الاستبراء به لا يخلو من إشكال كما لا يخفى قال المصنف في الذكرى ولا بأس بالوجوب محافظة على الغسل من طريان مزيله ومصير إلى قوله معظم الاصحاب والاخذ بالاحتياط انتهى ولا يذهب عليك إنه لو كان مراده أن الاحتياط في الاستبراء للمحافظة والمصير المذكورين فلا كلام معه وإن كان مراده الوجوب للوجوه المذكورة ففيه تأمل (فلو وجد بللا مشتبها بعده لم يلتفت ولو كان بعد البول خاصة توضأ ولو كان بعد الاجتهاد لتعذر البول فلا شئ) اعلم أن البلل الخارج بعد الغسل لا يخلو إما أن يعلم أنه مني أو بول أو غيرهما أو لا يعلم فإن علم إنه مني فلا ريب في وجوب الغسل عليه للاجماع ولبعض الروايات المتقدمة في الابواب السابقة وإن علم أنه بول فلا ريب أيضا في وجوب الوضوء للاجماع أيضا كما ذكروا للروايات وإن علم أنه غيرهما فلا يجب شئ منها إجماعا أيضا كما يفهم من كلام بعضهم وأما إذا اشتبه ففيه أربع صور لان الغسل إما يكون بعد البول والاجتهاد معا أو بدونهما أو بدون أحدهما وهو إما الاجتهاد أو البول أما الاول فقد ادعوا الاجماع على عدم وجوب شئ من الغسل والوضوء عليه ويدل عليه أيضا روايات أما على عدم وجوب الغسل فمنها الروايات الدالة على عدم نقض اليقين بالشك ومنها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شئ قال يغتسل ويعيد الصلوة إلا أن يكون بال قبل أن يغتسل فإنه لا يعيد غسله قال محمد وقال أبو جعفر (عليه السلام) من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ثم يجد بللا فقد انتقض غسله وإن كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء لان البول لم يدع شيئا ومنها ما رواه الفقيه عن الحلبي ظاهرا في الصحيح قال وسئل عن الرجل يغتسل ثم يجد بعد ذلك بللا وقد كان بال قبل أن يغتسل قال ليتوضأ وإن لم يكن بال قبل الغسل فليعد الغسل ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عن الرجل يغتسل ثم يجد بللا وقد كان بال قبل أن يغتسل قال إن كان بال قبل الغسل فلا يعيد الغسل وهذه الرواية

[ 173 ]

في الكافي أيضا في باب الرجل والمرأة يغتسلان من الجنابة ويخرج منهما الشئ بعد الغسل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سماعة قال سألته عن الرجل يجنب ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل قال يعيد الغسل فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي و هذه في الكافي أيضا في الباب المذكور ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن معوية بن ميسرة قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا قال إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ وإن لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل وأما على عدم وجوب الوضوء فمنها أيضا الروايات السابقة المتضمنة لعدم نقض اليقين بالشك ومنها ما رواه التهذيب في باب الاحداث في الصحيح عن حفص بن البحتري عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول قال ينتره ثلاثا ثم إن مال حتى يبلغ الساق فلا يبالي ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب والكافي في باب الاستبراء من البول في الحسن عن محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) رجل بال ولم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره إلى ذكره ثلاث عصرات وينتظر طرفه فإن خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبايل ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن عبد الملك بن عمر وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يبول ثم يستنجى ثم يجد بعد ذلك بللا قال إذا بال فخرط ما بين المقعد والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم استنجى فإن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي وقد روى الفقيه أيضا هذا الخبر مرسلا في باب ما ينقض الوضوء منها وما رواه أيضا في باب آداب الاحداث عن سماعة قال قلت لابي الحسن موسى (عليه السلام) إني أبول ثم أتمسح بالاجار فيجي مني البلل ما بعد استبرائي قال ليس به بأس وما رواه التهذيب في هذا الباب في الصحيح ظاهرا عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ثلاث يخرجن من الاحليل وهي المني فمنه الغسل والودي فمنه الوضوء فإنه يخرج من درير البول محمول على قبل الاستبراء لوجوب حمل المطلق على المقيد أو على الاستحباب أو على العلم باختلاطه بالبول وأما ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن عيسى قال كتب إليه رجل هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء فكتب نعم فلا يعارض ما ذكرنا لكونه مضمرا ومكاتبته وقد حمله الشيخ على الاستحباب وقد استبعد من حيث أن السؤال عن الوجوب ولعله ليس ببعيد لان الوجوب في العرف المتقدم كأنه لم يكن بالمعنى الذي في عرفنا كما يظهر من تتبع الروايات فإن قلت الروايات الدالة على عدم وجوب الوضوء مع الاستبراء عامة شاملة لما بعد الجنابة وغيره والروايات المتقدمة آنفا الدالة على وجوب الوضوء لوجدان البلل بعد البول عقيب الجنابة خاصة فيجب أن يخصص لها كما هو المعمول قلت ليس الامر كذلك بل بين الروايات عموم وخصوص من وجه لان تلك الروايات أيضا أعم من هذه باعتبار شموله للاستبراء وعدمه فيتوقف في محل الاجتماع ويعمل على أصل البرائة سيما مع معاضدته بالاجماع كما نقله ابن ادريس مع إمكان ادعاء عدم ظهورها في وجوب الوضوء غاية الامر الاستحباب ولا نزاع فيه إذ نحن أيضا نقول به وأما الثاني فالمشهور بين الاصحاب وجوب إعادة الغسل وادعى ابن ادريس الاجماع عليه ونسب المصنف في الذكرى دعوى الاجماع إلى العلامة أيضا ويظهر من كلام الصدوق (ره) في الفقيه الاكتفاء بالوضوء في هذه الصورة حجة المشهور روايات منها الروايات المتقدمة آنفا الدالة أكثرها بمنطوقة وبعضها وهو رواية الحلبي بمفهومه على وجوب إعادة الغسل لو لم يبل ومنها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن منصور عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثل ما رواه عن سليمان بن خالد وقد تقدم في بحث خروج البلل عن فرج المرأة بعد الغسل وقد تعارض هذه الروايات بالروايات الدالة على عدم نقض اليقين بالشك وبما رواه التهذيب في الباب المذكور عن جميل بن دراج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل ثم يرى بعد الغسل شيئا أيغتسل أيضا قال لا قد تعصرت ونزل من الحبايل وبما رواه أيضا في هذا الباب عن أحمد بن هلال وقد مر آنفا وبما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن هلال قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجامع أهله ثم يغتسل قبل أن يبول ثم يخرج منه شيئا بعد الغسل فقال لا شئ عليه إن ذلك مما وضعه الله تعالى عنه وبما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن رجل أجنب ثم اغتسل قبل أن يبول ثم رأى شيئا قال لا يعيد الغسل ليس ذلك الذي رأى شيئا وقد يجاب عن الاول بأن تلك الروايات عامة وهذه خاصة فيجب أن تحمل عليها وأنت خبير بإمكان المناقشة في وجوب حملها عليها لجواز بقائها بحالها وحمل هذه الرواية على الاستحباب مجازا لعدم أولوية التخصيص مع معاضدتها بالاصل على أنه يمكن ادعاء عدم الظهور في الوجوب فلا مجاز أيضا لكن دعوى الاجماع المنقول ومراعاة الاحتياط مما يمنع النفس عن الاجتراء على القول بعدم الوجوب وعن الثاني بأنه غير نفي السند لان فيه علي بن السندي وهو مجهول الحال وقد أوله أيضا الشيخ بوجهين أحدهما بحمله على العلم بأن الخارج منه بعد الغسل مذي وثانيهما باختصاصه بحال النسيان وفيهما من البعد ما لا يخفى والاحتمال الاخير لو كان مذهبا للشيخ يحصل في المسألة قول آخر لكن لا مستند له يعول عليه وقد أول أيضا بحمله على أنه لم يبل لتعذره لكنه اجتهد وفيه أيضا بعد لعدم قرينة عليه نعم لو ثبت هذا بدليل آخر فلا يبعد حينئذ حمل الخبر عليه وعن الثالث بالضعف أيضا مع أنه لم يسند إلى الامام (عليه السلام) على أنه ليس فيه خروج بلل مشتبه بعد الغسل وحمله الشيخ على الاختصاص بالنسيان كما هو صريحه وعن الرابع بجهالة السند وأول أيضا باحتمال أن يكون قد اجتهد ولم يتأت له البول وباحتمال أن يكون المراد الجماع بدون الانزال وعن الخامس بالضعف أيضا وبمثل ما ذكر في سابقيه ولا يخفى أنه

[ 174 ]

لو لم يكن دعوى الاجماع لامكن الجمع بينها بحمل الروايات السابقة على الاستحباب وهذه على نفي الوجوب لكنه مانع قوي هذا وأما الاكتفاء بالوضوء كما هو ظاهر الفقيه فمستنده ما رواه أيضا مرسلا في باب غسل الجنابة قال بعد ما نقلنا عنه سابقا من رواية الحلبي وروى في حديث آخر إن كان قد رأى بللا ولم يكن بال فليتوضأ ولا يغتسل إنما ذلك من الحبايل ثم قال قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه إعادة الغسل أصل والخبر الثاني رخصة انتهى ولا يخفى أنه لضعفه بالارسال لا يعارض الروايات المتقدم اللهم إلا أن يمنع ظهورها في وجوب الغسل وقد يأول أيضا بالتأويل المذكور آنفا واعلم أن المصنف (ره) في الذكرى نقل الجزء الاخير من صحيحة محمد المنقولة عن التهذيب في أول البحث هكذا قال محمد قال أبو جعفر (عليه السلام) من اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء المشار إليها في الفقيه عليه وعلى هذا يسلم عن الضعف لكنه ما وجدناه في التهذيب والاستبصار بهذا الطريق وقد نقله العلامة في المنتهى على النحو الذي نقلنا أيضا وكأنه كان في نسخته هكذا أو وقع سهو في البين والله أعلم وأما الثالث وهو وجدان البلل بعد البول دون الاجتهاد فالمعروف بينهم إعادة الوضوء حينئذ خاصة واستدل عليه بالروايات المتقدمة الدالة على عدم وجوب إعادة الغسل مع البول وإعادة الوضوء وبمفهوم رواية حفص ومحمد بن مسلم وعبد الملك بن عمر والمتقدمة آنفا وباطلاق رواية ابن سنان المذكورة وقد نقل أيضا ابن ادريس الاجماع عليه وقد تعارض الروايات بما رواه الكافي في باب الاستبراء من البول في الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بال ثم توضأ وقام إلى الصلوة فوجد بللا قال لا يتوضأ إنما ذلك من الحبايل وهذه الرواية في الفقيه أيضا في باب ما ينقض الوضوء وبما رواه التهذيب في باب الاحداث في الصحيح عن حريز قال حدثني زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال إن سال من ذكرك شئ من مذي أو وذي فلا تغسله ولا تقطع له صلوة ولا تنقض له الوضوء إنما ذلك بمنزلة النخامة كل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الخبايل ولا يذهب عليك إنه على قانون الجمع الترجيح مع هاتين الروايتين لانك قد عرفت أن الروايات المتقدمة الدالة على إعادة الوضوء مع البول للمجنب لو حمل على الوجوب لابد من تخصيصها بما قبل الاستبراء للاجماع والروايات فحملها على الاستحباب أولى من أن يرتكب التخصيص فيها وفي هاتين الروايتين مع ما عرفت من أنه يمكن أن لا يكون في الاستحباب خلاف ظاهر وقس عليه الحال في رواية ابن سنان وما مفهوم الروايات المذكورة فمع إمكان المناقشة في المفهوم لا ظهور له في الوجوب فالاولى حمله على الاستحباب وإبقاء إطلاق الروايتين بحاله لكن دعوى الاجماع هاهنا أيضا مانع قوي والاولى الاخذ بما يقتضيه ثم اعلم أن الشيخ (ره) قال في التهذيب بعد نقل روايتي محمد ومعوية بن ميسرة المتقدمتين فما يتضمن هذان الحديثان من ذكر إعادة الوضوء فإنما هو على طريقة الاستحباب لانه إذا صح بما قدمنا ذكره أن الغسل من الجنابة مجزي عن الوضوء ولم يحدث هاهنا حدث ينقض الوضوء فينبغي أن لا يجب عليه الطهارة ولا تعلق على ذمته الطهارة إلا بدليل قاطع وليس هاهنا دليل يقطع العذر ويحتمل أيضا أن يكون ما خرج منه بعد الغسل كان بولا فيجب عليه حينئذ الوضوء وإن لم يجب الغسل حسبما تضمنه الخبر انتهى وهذا بظاهره دليل على أنه لا يرى وجوب الوضوء لو وجد بلل مشتبه بعد البول وقبل الاستبراء لكنه قد صح في المبسوط بالوجوب وكأنه لما كانت الروايتان دالتين على إعادة الوضوء مطلقا فحملهما على الاستحباب في أحد نوعيه وهو ما بعد الاستبراء وحمل البلل أولا على البلل الذي لا يشتبه بالبول فلذا حمل على الاستحباب وحمله ثانيا على البلل المشتبه به فحكم بوجوب الوضوء والله أعلم ثم إن الظاهر من كلام الاصحاب أن البلل الذي يوجب إعادة الوضوء إذا خرج قبل الاستبراء إنما هو البلل المشتبه بالبول ولم يصرحوا بالمراد من الاشتباه هل هو الشك إو مجرد الاحتمال كاف والروايات مطلقة فالاولى والاحوط إعادة الوضوء باحتمال البول وكذا الحال في البلل المشتبه بالمني وأما الرابع وهو وجدان البلل بعد الاجتهاد دون البول فهو يحتمل وجهين لان أما أن يكون مع تيسر البول أو لا أما الاول فالظاهر من كلامهم وجوب إعادة الغسل حينئذ أيضا ويفهم من ظاهر الشرايع والنافع عدم الوجوب ولا يخفى إن الخلاف المنقول عن الصدوق في الصورة الثانية جريانه في هذه الصورة أظهر بالنسبة إلى عدم وجوب الغسل وأما بالنسبة إلى وجوب الوضوء فلا يعلم حاله والاول أظهر لاطلاق الروايات المتقدمة المتضمنة لاعادة الغسل بدون البول مع متابعة الاصحاب وإن كان للمناقشة مجال والاحتياط أن يضم في هذه الصورة مع الغسل وضوء أيضا خروجا عن عهدة إطلاق رواية الفقيه وكذا في الصورة الثانية وأما الثاني فالمفيد في المقنعة صرح بعدم وجوب شئ من الوضوء والغسل حينئذ وهو الظاهر من كلام الشيخ أيضا ومن الشرايع والنافع وكلام الصدوق ظاهر أيضا في عدم وجوب الغسل وأما عدم وجوب الوضوء فلا يعلم حاله من كلامه واستشكل العلامة (ره) في النهاية والمنتهى حجة القول بعدم وجوب الغسل والوضوء الروايات المتقدمة الدالة على عدم وجوب شئ لخروج البلل وإنما حملوها على عدم تيسر البول كما ذكرنا سابقا وفيه ضعف أما أولا فلعدم صحة الروايات وأما ثانيا فلعدم قرينة مخصصة بهذه الصورة والاظهر والاحوط الحكم بوجوب إعادة الغسل لاطلاق الروايات المعتبرة المتقدمة الدالة على وجوب الاعادة مع عدم البول وإن كان يمكن المناقشة بعدم الظهور في الوجوب و معارضتها بما يدل على أن اليقين لا ينقض إلا باليقين مع أنه لا إجماع هاهنا أيضا على الحكم وتمام الاحتياط أن يضم مع الغسل وضوء أيضا لما ذكرنا آنفا واعلم

[ 175 ]

أنه يفهم ظاهرا من كلام التهذيب والاستبصار والنهاية أنه يكفي في عدم وجوب إعادة الغسل الاجتهاد في إتيان البول ولا يدل على الاحتياج إلى الاستبراء المتعارف إلا أن يكون المراد بالاجتهاد الاجتهاد بطريق الاستبراء نعم كلام المقنعة صريح في الاحتياج إليه (ولو لم يستبرء فهو جنب من حين الرؤية لا قبله) هذا هو المعروف بين الاصحاب ونقل ابن ادريس أنه يوجب في الاخبار والكتب وجوب إعادة الصلوة التي صلاها قبل رؤية البلل وقد رده ونسب العلامة أيضا في المنتهى القول بإعادة الصلوة إلى بعض علمائنا لكن كلام المنتهى في البلل الذي يعلم أنه مني حجة القول بإعادة الصلوة صحيحة محمد المذكورة في أول البحث السابق واعترض عليها بأمكان حملها على الاستحباب أو على من صلى بعد وجدان البلل والاول أولى ويمكن أن يحتج عليه أيضا برواية أحمد بن هلال المتقدمة لدلالتها ظاهرا على أن الغسل قبل البول لا اعتداد به لكنها مخصوصة بحال التعمد ويرد عليها أنها ضعيفة جدا وقد يتمسك أيضا بأن الغسل الاول فاسد لخروج المني عن مقره وفيه ضعف لان الغسل إنما هو للخروج عن الذكر لا للخروج عن المقر ولذا لو حبسه لم يجب الغسل إلا بعد خروجه وحجة المشهور أنه صلوة صحيحة بطهارة صحيحة والاعادة إنما يحتاج إلى دليل ظاهر وليس لما عرفت من عدم ظهور الادلة وهذه الحجة قوية لكن الاحتياط في الاعادة عملا بالصحيحة المذكورة تذنيب اعلم أن ما ذكر من وجوب الاستبراء وعدمه والاحكام المتعلقة به إنما هو في الرجل المجنب بالانزال على المشهور وأما المرأة والمجنب بالجماع فلهما حكم آخر أما المرأه فقال المفيد في المقنعة وينبغي لها أن تستبري قبل الغسل بالبول فإن لم يتيسر لها ذلك لم يكن عليها شئ وتوقف العلامة في المنتهى في استبرائها بناء على أن مخرج البول منها غير مخرج المني فلا فائدة فيه وكذا علل الراوندي في الرابع وظاهر المبسوط أنه لا استبراء عليها ونسب هذا في الذكرى إلى ظاهر الجمل وابن البراج في الكامل أيضا وقال أيضا وأطلق أبو الصلاح الاستبراء وابنا بابويه والجعفي لم يذكرو المرأة انتهى والشيخ في النهاية سوى بين الرجل والمرأة في الاستبراء بالبول و الاجتهاد ونقل عن ابن الجنيد أنه قال إذا بالت تنحنحت بعد بولها فهاهنا ثلاث مقامات الاول أنها هل عليها استبراء وجوبا أو ندبا بعد الانزال أو لا الثاني أن حكمها بعد وجود البلل المشتبه ماذا الثالث هل تستبرأ بعد البول أم لا أما الاول فالظاهر إن وجوب الاستبراء منتف رأسا لعدم دليل عليه وأما استحبابه فلا بأس به للاستظهار ولذهاب بعض الاصحاب إليه ولاشعار رواية أحمد بن هلال المذكورة وما ذكر من أنه لافايدة فيه فليس بظاهر إذ يمكن أن يعصر البول عند خروجه مخرج المني فيخرجه أو يكون القوة الدافعة عند دفعها للبول تدفع بقايا المني كما يشاهد عن دفع الغايط فإن عند دفعه يدفع البول أيضا غالبا وإن اجتهد في حفظه مع إن الحال في الرجل أيضا كما في المرأة لان مخرج منيه غير مخرج بوله إلا أنهما أشد تقاربا من مخرجي المرأة واحتمال العصر فيه أظهر على أن هذا الوجه على تقدير تمامه إنما يتأتى في الاستبراء بالبول فقط ثم إن استبراء المرأة بالاجتهاد إنما يكون بالعرض كما ذكره القوم وأما الثاني فأما أن يكون وجدان البلل بعد الاستبراء أو قبله وعلى التقديرين إما أن يعلم أنه مني أو يشتبه فإن كان بعد الاستبراء ويعلم أنه مني فلا يخلو إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن لم يكن في فرجها مني رجل فالظاهر وجوب الغسل وإن كان في فرجها مني رجل فإما أن تعلم أن الخارج مني نفسها أو لا فعلى الاول الظاهر أنه أيضا كسابقه في وجوب الغسل وعلى الثاني الظاهر عدم الوجوب للروايات الدالة على عدم نقض اليقين بالشك ولصحيحة منصور وموثقة سليمان بن خالد المتقدمتين عند شرح قول المصنف ولو خرج المني من المرأة إلى آخره وتدل رواية عبد الرحمن المذكورة هناك أيضا على خصوص بعض الصور وقطع ابن ادريس في هذه الصورة أيضا بوجوب الغسل وطرح الخبرين لعموم الماء من الماء وفيه ضعف لمنع شموله ما نحن فيه سيما بعد ورود الروايات الصحيحة والموثقة بخروج هذا الفرد إلا أن يقال أنه ليس في الروايتين التصريح بخروج المني بل يخرج شئ وهو أعم من أن يكون منيا أو غيره فيكون حينئذ بين الروايات عموم من وجه لكنه بعيد لاباء التعليل الواقع في الفرق بين الرجل والمراة في الخبر عنه كما لا يخفى مع أن عند العموم من وجه أيضا يثبت مطلوبنا لان حكمه التوقف والرجوع إلى أصل البرائة لكن الاحتياط في الاعادة وإن لم يعلم أنه مني فلا يخلو أيضا إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن كان فلا خفاء في عدم وجوب الغسل للاصل والاستصحاب والروايتين وإن لم يكن فالظاهر أيضا عدم الوجوب للاصل والاستصحاب والاحتياط في هاتين الصورتين أيضا في الاعادة وإن كان قبل الاستبراء فأما أن تعلم أنه مني أو لا فإن علمت فلا يخلو أيضا إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن لم يكن فالظاهر وجوب الغسل وإن كان فأما أن تعلم أنه مني نفسها أو لا فإن علمت فالظاهر أيضا الوجوب وإن لم تعلم فالظاهر عدم وجوب الغسل للاصل والاستصحاب والروايتين والرواية الاخرى أيضا في بعض الصور وخلاف ابن ادريس هاهنا أيضا والكلام فيه على نحو ما مر والاحتياط في الاعادة وإن لم تعلم أنه مني فلا يخلو أيضا من الوجهين فعلى الاول الظاهر عدم الوجوب للوجوه المذكورة والروايات السابقة المتضمنة لوجوب الاعادة مع عدم البول مختصة بالرجل كما عرفت سوى رواية أحمد بن هلال فإن فيها إطلاقا ظاهرا لكنها ضعيفة لا تصلح للتعويل والاحتياط أيضا في الاعادة وتمام الاحتياط في ضم الوضوء وعلى الثاني فالظاهر أيضا أنه مثل سابقه للاصل والاستصحاب وحال الروايات قد عرفت وأمر الاحتياط وتمامه واضح وأما حال وجوب الوضوء وعدمه لو بالت ولم يستبرء منه فيظهر في المقام الثالث وأما الثالث فلا ريب في عدم وجوب الاستبراء عليها بعد البول وأما الاستحباب فلا بأس به لما فيه من الاستظهار ولقول بعض الاصحاب فلو وجدت بللا مشتبها فإن كان بعد الاستبراء فالظاهر عدم الالتفات للاصل والاستصحاب والاجماع أيضا ظاهرا وإن كان قبله فالظاهر أنه أيضا كذلك

[ 176 ]

للاصل والاستصحاب والروايات المتقدمة الدالة على المبالاة بالبلل قبل الاستبراء إنما هي مختصة بالرجل ظاهرا لكن الاحتياط في الالتفات والله أعلم بحقايق أحكامه وأما المجنب بالجماع بدون الانزال فلا خفاء في عدم وجوب الاستبراء عليه وأما الاستحباب فقد قطع المصنف في الذكرى بعدمه لعدم سببه ثم قال هذا مع تيقن عدم الانزال ولو جوزه أمكن استحباب الاستبراء أخذا بالاحتياط انتهى ولا بأس به لا يبعد القول به مع التيقن أيضا احتياطا لرواية أحمد بن هلال ولو وجد هذا المجنب بللا فإن علم أنه مني أو غيره فلا خفاء وإن اشتبه فإن كان بعد البول فلا إشكال أيضا وإن كان قبله ففيه إشكال من حيث إطلاق الروايات المتقدمة ومن حيث انصرافها إلى المتعارف مع إشعار قوله (عليه السلام) في آخر رواية محمد المتقدمة لان البول لم يدع شيئا به والظاهر عدم الوجوب للاصل والاستصحاب وعدم الظن بعموم الروايات وشمولها لما نحن فيه مع ما عرفت من إمكان المناقشة في ظهورها في الوجوب وأيضا الاصحاب ما عملوا بها في هذه الصورة لكن الاحتياط أيضا في الاعادة بل مع ضم الوضوء حال عدم البول (ويستحب غسل اليدين ثلاثا) هذا الحكم إجماع منا كما في المعتبر ويتعلق به أيضا روايات قد تقدم طرف منها في بحث جواز تقديم نيه الوضوء عند غسل اليدين وطرف منها في بحث ترتيب الغسل وطرف في غيرهما من المباحث والعلامة صرح بالاستحباب مطلقا وإن كان مرتمسا أو تحت المطر أو مغتسلا من إناء يصبه عليه من غير إدخال لليد ويحتج عليه بإطلاق صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في بحث الترتيب وصحيحة زرارة المذكورة في بحث الارتماس ولا بأس به وإن كان للمناقشة مجال ثم إن الجعفي قال باستحباب الغسل إلى المرفقين أو إلى نصفهما ويحتج عليه بصحيحة أحمد بن محمد وموثقة سماعة المتقدمتين في بحث الترتيب وبصحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة في بحث عدم وجوب الوضوء في غسل الجنابة وقد ورد أيضا بعض الروايات بغسل الكفين وقد تقدم أيضا في هذا البحث والظاهر أن الجميع مستحب و إن كان الفضل في الغسل إلى المرفقين (والمضمضة والاستنشاق) لا خلاف عندنا في عدم وجوبهما ويدل عليه أيضا روايات منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الجنب يتمضمض قال لا إنما يجنب الظاهر وما رواه أيضا في هذا الباب عن عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يجنب الانف والفم لانهما سائلان وأما استحبابها فهو المعروف بين الاصحاب بل الظاهر أنه إجماع منا وخلاف ابن عقيل كأنه في الوضوء فقط ويدل عليه أيضا صحيحة زرارة المتقدمة في بحث الارتماس ورواية أبي بصير المذكورة في بحث الترتيب وأما ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح عن الحسن بن راشد قال قال الفقيه العسكري (عليه السلام) ليس في الغسل ولا في الوضوء مضمضة ولا استنشاق فمحمول على أنهما ليسا من فرايض الغسل والوضوء جمعا بين الاخبار وكذا الحال في الروايتين المنقولتين آنفا (وإمرار اليد على الجسد) استحباب الامرار اختيار فقهاء أهل البيت (عليه السلام) ونسب القول بالوجوب إلى بعض العامة ويدل أيضا على عدم الوجوب مطلقا مضافا إلى الاجماع الاصل وإطلاق الاوامر الواردة بالغسل ورواية اسماعيل بن أبي زياد المتقدمة في بحث تحليل ما يمنع وصول الماء ويؤيده صحيحة إبراهيم بن محمد المذكورة في هذا البحث وفي خصوص الارتماس صحيحة زرارة المذكورة في بحث الارتماس وأما الاستحباب فللاستظهار و الاحتياط وللشهرة بل الاجماع أيضا ظاهرا هذا إذا وصل الماء بدون الامرار وأما مع عدم الوصول بدونه فإنما يجب من باب المقدمة (وتخليل ما يصل إليه الماء) بدون التخليل كالشعر الخفيف ومعاطف الاذان والابطين وعكن البطن في السمين وما تحت ثدي المرأة للاستظهار والاحتياط وأما صحيحة إبراهيم بن أبي محمود ورواية اسماعيل بن ابي زياد المتقدمتان في بحث التخليل فلا ينافيان ما ذكر لان غاية ما يدلان عليه صحة الغسل بدون التخليل وأما عدم استحبابه فلا سيما الصحيحة المذكورة وكذا الحال في توهم منافاتهما لاستحباب الامرار على الجسد (والدعاء) يدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الموثق عن عمار الساباطي قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا اغتسلت من الجنابة فقل اللهم طهر قلبي وتقبل سعيي واجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وإذا اغتسلت للجمعة فقل اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني ويبطل به عملي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وروى أيضا في باب حكم الجنابة عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال تقول في غسل الجمعة اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني وتبطل عملي وتقول في غسل الجنابة اللهم طهر قلبي وزك عملي واجعل ما عندك خيرا لي قال وفي حديث آخر اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وروى الكافي في باب صفة الغسل عن علي بن الحكم عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثل الحديث الاول زيادة وتقبل سعيي قبل واجعل وفي المصباح تقول عند الغسل اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني مدحتك والثناء عليك اللهم اجعله لي طهورا وشفاء ونورا إنك على كل شئ قدير قال المفيد (ره) في المقنعة ويسمى الله تعالى عند اغتساله ويمجده ويسبحه فإذا فرغ من غسله فليقل اللهم طهر قلبي إلى آخره والشيخ أورد في بيانه الحديث المنقول عن محمد ولا يخفى عدم دلالته على ما ذكر بل الظاهر استحباب هذا الدعاء عند الاشتغال بالغسل ولعله استفادة من حديث آخر (والولاء) عدم وجوب الموالاة هاهنا بكل من المعنيين المذكورين في الوضوء هو المعروف بين الاصحاب وقد صرح به جماعة منهم الشيخان وسلار وابن البراج وأبو الصلاح وابن زهرة والكيدري وابن ادريس وصاحب الجامع والعلامة وحكى الصدوق عن أبيه وكأنه إجماع منهم بعدم نقل خلاف فيه وعبارة التهذيب أيضا مشعرة به قال وعندنا أن الموالاة لا يجب في الغسل وإنما يجب في الوضوء وكذا عبارة المنتهى ويدل عليه أيضا الاصل وإطلاق الاوامر الواردة بالغسل وصحيحة

[ 177 ]

هشام بن سالم من قصة أم إسماعيل المتقدمة في بحث ترتيب الغسل وصحيحة حريز المقطوعة المذكورة في بحث موالاة الوضوء وما رواه التهذيب في الباب المذكور والكافي أيضا في الباب المتقدم في الحسن عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن عليا (عليه السلام) لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة ويغسل ساير جسده عند الصلوة وأما استحبابه فلما فيه من المسارعة والاستباق إلى الخير وحصول الطهارة المطلوبة للشارع كما يظهر من الكتاب والسنة وللتحفظ من طريان المفسد في الغسل ولفتوى جمع من الاصحاب باستحبابه قال في الذكرى ولان المعلوم من صاحب الشرع وذريته المعصومين فعل ذلك (والغسل بصاع) لا خلاف بين علمائنا في عدم وجوب الغسل بصاع بل يكفي عندهم أقل ما يسمى غسلا ونسب إلى أبي حنيفة القول بوجوب الصاع ويدل عليه مضافا إلى الاجماع الاصل وإطلاق الروايات المذكورة في الابواب السابقة ويزيده بيانا ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال أفض على رأسك ثلاث أكف وعن يمينك وعن يسارك إنما يكفيك مثل الدهن وما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن عن هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بللت يدك وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء والغسل بأدنى تغيير وما رواه أيضا في هذا الباب والكافي في الباب المذكور في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزء ورواية اسحق بن عمار المتقدمة في بحث الوضوء عند قول المصنف ويجزى في الغسل مسماه ولو كالدهن وأما ما رواه التهذيب في زيادات باب الاغسال في الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) أنهما قالا توضأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) واغتسل بصاع ثم قال اغتسل هو وزوجته بخمسة أمداد من إناء واحد قال زرارة فقلت له كيف صنع هو قال بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها وأنقى فرجه ثم ضربت فأنقت فرجها ثم أفاض هو وأفاضت هي على نفسها حتى فرغا فكان الذي اغتسل به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أمداد والذي اغتسلت به مدين وإنما أجزء عنهما لانهما اشتركا جميعا ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع وروى في الفقيه أيضا أكثر هذه الرواية مرسلا عن الباقر (عليه السلام) في باب مقدار الماء للوضوء والغسل فمحمول على الاستحباب جمعا بين الروايات وأما استحباب الغسل بصاع فهو أيضا إجماع منا ويدل عليه روايات كثيرة منها هذه الرواية منها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن معوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغتسل بصاع وإذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع ومد ومنها الروايات المذكورة في بحث استحباب الوضوء بمد ثم اعلم أن المفيد في المقنعة قال والغسل بصاع من الماء وقدره تسعة أرطال بالبغدادي وذلك إسباغ ودون ذلك مجزي في الطهارة وقال الشيخ في المبسوط والاسباغ بتسعة أرطال وفي النهاية والاسباغ يكون بتسعة أرطال من ماء وفي الخلاف الفرض في الغسل إيصال الماء إلى جميع البدن وفي الوضوء إلى أعضاء الطهارة وليس له قدر لا يجوز أقل منه إلا أن المستحب أن يكون الغسل بتسعة أرطال والوضوء بمد وهذه العبارة حسنة مطابقة للروايات لا غبار عليها لكن بعض آخر كالعلامة والمحقق غيراها قال المحقق في المعتبر والغسل بصاع فما زاد لا خلاف بين فقهائنا في استحبابه وقال العلامة في المنتهى الغسل بصاع فما زاد مستحب عند علمائنا أجمع قال المصنف في الذكرى والشيخ وجماعة ذكروا استحباب صاع فما زاد والظاهر إنه مقيد بعدم أدائه إلى السرف المنهي عنه انتهى ولا يخفى أنه مع هذا التقييد أيضا محل كلام لعدم دليل على استحباب ما زاد بل ظاهر الروايات السابقة عدم استحبابه سيما مرسلة الفقيه عن رسول الله (عليه السلام) المنقولة في بحث استحباب الوضوء بمد اللهم إلا أن يكون إجماع عليه وبما نقلنا عن عبارات الشيخ في كتبه ظهر أن ما نسب إليه في الذكرى خلاف الواقع إلا أن يكون في غير هذه الكتب من تصانيفه ثم إنه استفيد من بعض الروايات السابقة أن استحباب الصاع إنما يكون عند الانفراد وأما مع الاشتراك فيكفي أقل منه ويدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة والكافي في باب مقدار الماء في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) قال سألته عن وقت غسل الجنابة كم يجزي من الماء فقال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغتسل بخمسة أمداد بينه وبين صاحبته ويغتسلان جميعا من إناء واحد واستفيد أيضا ظاهرا إن ماء غسل الفرج محسوب من الصاع وقد ألحق به ماء غسل اليد والمضمضة والاستنشاق أيضا وليس ببعيد هذا والكلام في تحقيق الصاع سيجئ إن شاء الله تعالى في الزكوة تتمة قد ظهر بما سبق جوز الاكتفاء بما دون الصاع فهل يكفي المسح كالدهن أو لا بد من الجريان ظاهر الاصحاب الثاني متمسكا بعدم صدق الغسل بدون الجريان وبصحيحة محمد وحسنة زرارة المتقدمتين في بحث الترتيب وحسنة زرارة المتقدمة آنفا وما ورد في بعض الروايات السابقة من لفظ الافاضة وحملوا الروايات الواردة بإجزاء الدهن ونحوه على المبالغة والتجوز وأنت خبير بأنه لو لم يكن إجماع على ما ذكروه لكان الظاهر جواز الاكتفاء بالدهن الحقيقي لظاهر الروايات وعدم صلاحية ما تمسكوا به من الوجهين لمعارضتها أما الاول فلعدم معلومية المعنى الحقيقي للاظهار والاغتسال في عرف الشرع ولو سلم فحمل الروايات المذكورة على المجاز ليس بأولى من حمله عليه بل الامر بالعكس لمعاضدتها بالاصل وأما الثاني فلجواز حملها على المتعارف بلا ارتكاب خلاف ظاهر ولو سلم عدم الظهور ففيه ما ذكرنا ثانيا في الوجه الاول ولا يخفى أنه لو تحقق الصب في بعض الاعضاء ثم اكتفى بالمسح في بعض آخر فالجواز فيه أظهر إذ يصير حينئذ دعوى عدم صدق

[ 178 ]

الغسل ضعيفا سيما إذا كان العضو الذي اكتفى فيه بالمسح قليلا ويؤيده أيضا روايتا سماعة وزرارة المتقدمتان في بحث الترتيب المتضمنتان للاكف وكذا قصة اغتسال رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع زوجته إذ الظاهر أن هذا القدر من الماء لا يجري على جميع البدن سيما بدن المرأة لمكان الشعور وكذا يؤيده ما روى أنه عند نسيان شئ من الاعضاء يمسح عليه وسنذكر إن شاء الله تعالى عن قريب ولو انضم إلى ذلك الضرورة وعوز الماء فالجواز أشد ظهور التأييد ما سبق كله حينئذ بما رواه التهذيب في باب زيادات باب المياه في الصحيح عن علي بن جعفر عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه الجنابة أو يتوضأ منه للصلوة إذا كان لا يجد غيره والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مد للوضوء وهو متفرق فكيف يصنع وهو يتخوف أن يكون السباع قد شربت منه فقال إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه وكفا عن أمامه وكفا عن يمينه وكفا عن شماله فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم يمسح جلده بيده فإن ذلك يجزيه وإن كان الوضوء غسل وجهه ومسح يده على ذراعيه ورأسه ورجليه وإن كان الماء متفرقا فقدر أن يجمعه وإلا اغتسل من هذا وهذا فإن كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه أن يغسل ويرجع الماء فيه فإن ذلك يجزيه وقد روى أيضا في زيادات باب الاغسال عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يصيب الماء في الساقية أو مستنقعا فيتخوف أن يكون السباع قد شربت منها يغتسل منه ويتوضأ منه للصلوة إذا كان لا يجد غيره والماء لا يبلغ صاعا للجنابة ولا مد للوضوء وهو متفرق كيف يصنع قال إذا كان كفه نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة ولينضحه خلفه وعن أمامه وعن يمينه وعن يساره فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده فإن ذلك يجزيه إن شاء الله تعالى هذا وقد ذهب المفيد إلى جواز المسح عند الضرورة وقد نقلنا كلامه في بحث جواز كون غسل الوضوء كالدهن مع الجريان وتكلمنا عليه فليراجع إليه وظاهر ابن الجنيد العمل لمضمون هذه الرواية وبالجملة الظاهر جواز المسح على الاعضاء لو لم يكن إجماع على خلافه خصوصا إذا صب الماء على الرأس والجانبين وخصوصا مع الضرورة لكن الاولى أن لا يكتفي عند التوسع بمسح أي عضو كان وإن كان قليلا وعند الضرورة كعوز الماء أو البرد أو نحوه الاحتياط أن يؤتى بالغسل على ما تيسر ثم يضم إليه التيمم (ويكره الاستعانة) علل بما ذكر في الوضوء وقد عرفت سابقا إمكان المناقشة في الوجوه المذكورة فيه مع أن الروايتين اللتين هما أظهر الوجوه يشكل إجراءهما هاهنا لكن لما لم يضيق في أمر الكراهة لجاز الاكتفاء بها سيما مع ذهاب الاصحاب إليها إذ هو حجة برأسها لنا (ولو وجد لمعة غسلها وما بعدها ولو كان مرتمسا أعاد) فيه حكمان غسل اللمعة وما بعدها في المرتب وإعادة الغسل في المرتمس أما الاول فهو مركب من ثلاثة أمور عدم بطلان الغسل ووجوب غسل اللمعة ووجوب غسل ما بعدها أما الاولان فيدل عليهما مضافا إلى الاجماع ظاهرا وإطلاق الروايات المذكورة في أبواب الغسل رواية أبي بصير المتضمنة لبقاء اللمعة على ظهر الباقر (عليه السلام) وقد تقدمت في بحث الترتيب مع ما يتعلق بها من الكلام وما رواه التهذيب في أواخر باب صفة الوضوء في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث قال قال حماد قال حريز قال زرارة قلت له رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة فقال إذا شك وكانت به بله وهو في صلوته مسح بها عليه وإن كان استيقن رجع فأعاد عليهما ما لم يصب بلة فإن دخله الشك وقد دخل في صلوته فليمض في صلوته ولا شئ عليه وإذا استيقن رجع فأعاد عليه الماء وإن رآه وبه بلة مسح عليه وأعاد الصلوة باستيقان وإن كان شاكا فليس عليه في شكه شئ فليمض في صلوته واعلم إن ظاهر هذين الخبرين الاكتفاء بالمسح المطلق كما أشرنا إليه سابقا فعلى تقدير ثبوت وجوب الجريان إنما يحمل على المسح الذي يحصل معه الجريان ويستفاد أيضا من الاخير بل ظاهر الأول أيضا الاكتفاء ببلة الاعضاء ولا حاجة إلى ماء جديد والظاهر أنه إجماع منا كما يشعر به عبارة المنتهى والاصل أيضا يعضده وأما الثالث فقد استدل عليه بوجوب الترتيب وأنت خبير بأن إثبات وجوب الترتيب بحيث يشمل هذه الصورة من الروايات المتقدمة في بحث الترتيب مشكل جدا مع أن ظاهر الخبر الثاني الاكتفاء بمسح ما بقي ولا تخلو الروايات الاخر أيضا من نوع تأييد له مثل ما في رواية محمد بن مسلم المتقدمة في بحث الترتيب من قوله (عليه السلام) فما جرى عليه الماء فقد طهره وما في رواية زرارة المتقدمة في هذا البحث أيضا من قوله (عليه السلام) فما جرى عليه الماء فقد أجزئه وما في رواية زرارة أيضا المتقدمة في بحث الارتماس من قوله (عليه السلام) وكل شئ أمسته الماء فقد أنقيته لكن الاولى مراعاة الاحتياط وغسل ما بعدها أيضا إذ لم نعرف لاحد القول بخلافه ثم إنهم ذكروا أن وجوب غسل ما بعدها إنما يكون إذا لم يكن في الجانب الايسر إذ لو كان فيه لكفى غسلها فقط لان الترتيب إنما يكون بين الاعضاء الثلاثة لا في نفس الاعضاء أيضا وما ذكروه جيد مطابق لما تقتضيه الادلة والله أعلم وأما الحكم الثاني فقد احتمل العلامة (ره) في القواعد احتمالين آخرين غيره في هذه المسألة أحدهما الاكتفاء بغسل اللمعة فقط وثانيهما غسلها وغسل ما بعدها كالمرتب وجعل أقوى الاحتمالات غسل اللمعة فقط وأضعفها ما ذكره المصنف وقد فصل شارحه المحقق بطول الزمان وعدمه وجعل الاصح الاعادة معه والاكتفاء بغسل اللمعة فقط مع عدمه وحكم بعدم اتجاه الاحتمال الاخير حجة الاحتمال الاول إن المأخوذ عليه الارتماس دفعة واحدة بحيث يصل الماء إلى ساير الجسد في تلك الدفعة لما في الخبر فمع عدم الوصول إلى الجميع في تلك الدفعة لا يكون مجزيا وقد يمنع دلالة الخبر على وجوب وصول الماء إلى جميع الاعضاء دفعة واحدة بل غاية ما يدل عليه وجوب ارتماسه واحدة والظاهر أنه إذا ارتمس أحد في الماء ولم يصل الماء إلى بعض يسير من أعضائه يصدق عليه في العرف إنه ارتمس ارتماسة واحدة خصوصا إذا كان ذلك البعض تحت الماء ولم يصل إليه لمانع واحتج في المنتهى على الاحتمال الثاني بقوله ويمكن أن يقال بالاجتزاء

[ 179 ]

مع غسل تلك اللمعة لان الترتيب سقط في حقه وقد غسل أكثر بدنه فاجزأه لقول أبي عبد الله (عليه السلام) فما جرى عليه الماء فقد أجزأه انتهى ولا يخفى أن سقوط الترتيب في حقه لادخل له في عدم وجوب الاعادة لان الكلام في أن الواجب غسل جميع الاعضاء دفعة واحدة ولم يتحقق وما ذكره أيضا من غسل أكثر البدن لا وجه له ويمكن أن يقال أن مرده من سقوط الترتيب في حقه دفع الاحتمال الاخير ومما ذكره من غسل أكثر البدن غسل ما يصدق معه عرفا أنه ارتمس ارتماسة واحدة كما سبق وأما ما ذكره من قوله (عليه السلام) فلا دلالة له لانه في سياق الترتيب وقس عليه نظيريه المنقولين آنفا والاولى الاستدلال عليه بثاني الخبرين المذكورين وخبر هرون بن حمزة العنوي وخبر اسحق بن عمار وخبر زرارة المتقدمة في بحث الغسل بصاع وقد يناقش فيها أيضا بجواز حملها على المرتب لتعارف الترتيب وشيوعه في عهدهم (عليه السلام) والحاصل أن المسألة لا يخلو من إشكال إذ لا ظن يعتد به بظهور خبر الارتماس دفعة واحدة في وجوب غسل جميع الاعضاء دفعة حتى الجزء الصغير جدا وكذا لا ظن بشمول هذين الخبرين للارتماس أيضا لكن لما كان غاية الامر الشك في الحكم فلا يبعد الاكتفاء بالقدر المتيقن وهو غسل اللمعة فقط كما مر غير مرة لكن الاحتياط في الاعادة والتفصيل الذي ذكره الشارح المحقق (ره) نظر إلى أنه مع عدم الفصل الكثير تصدق عليه الوحدة العرفية فيكون غلسها فقط مجزيا ومع وجوده لا تصدق فلا يكون مجزيا وأنت خبير بأنه إنما يصح لو لم يخرج المغتسل من الماء ويكون تحته و أما إذا خرج فلا لانه إما أن يسلم دلالة الخبر على وجوب غسل جميع الاعضاء في الارتماسة الواحدة أو لا فإن لم يسلم فلا فرق في الاجزاء بين الصورتين وإن سلم فلا يخفى إنه عند الخروج وإن لم يقع فصل كثير لم يصدق على غسل اللمعة أنه وقع في الارتماسة الواحدة ولو سلم فإنما يسلم إذا أرمسها أيضا في الماء وأما إذا مسحها أو صب الماء عليها كما يفهم من إطلاق كلامه جوازهما أيضا فلا فتدبر وأما الاحتمال الاخير فكان بناء على أن الارتماس يترتب حكما كما سبق في بيان فايدة تلك المسألة وقد عرفت ضعف المبنى (ولو أحدث في أثنائه أعاد على الاقوى) الحدث المتخلل إما أن يكون أصغرا أو أكبرا فإن كان أصغر فقد اختلف الاصحاب فيه على أقوال فالشيخ في النهاية وظاهر المبسوط على إعادة الغسل ونقل الصدوق أيضا في الفقيه عن أبيه وبه قال العلامة في جملة من كتبه والشهيد الثاني من المتأخرين وذهب ابن البراج إلى أنه يتم الغسل ولا وضوء عليه واختاره ابن ادريس ومن المتأخرين المحقق الثاني (ره) وحكم السيد المرتضى (ره) بالاتمام والوضوء واختاره المحقق (ره) في المعتبر ومن المتأخرين الفاضل الاردبيلي وصاحب المدارك رحمهما الله وخير المذاهب أوسطها احتج العلامة في المختلف على وجوب الاعادة بقوله لنا أن الحدث الاصغر ناقض للطهارة لكمالها فلابعاضها أولى وإذا انتقض ما فعله وجب عليه إعادة الغسل لانه جنب لم يرتفع حكم جنابته بغسل بعض أعضائه ولا أثر للحدث الاصغر مع الاكبر انتهى وفيه من الخلل ما لا يخفى لان الحدث الاصغر لو كان ناقضا للغسل بعد كماله لكان موجبا له هذا خلف وأيضا فرق بين بعد اكمال الغسل وقبله لان بعده قد ارتفع الحدث الاكبر فيؤثر الحدث الاصغر وأما قبله فلم يرتفع فلا أثر له كما اعترف به نفسه (ره) ولا يخفى أن الايراد الثالث لا يجتمع مع الاول إذ لو حمل النقض على النقض بالكلية فلا يرد إلا ما أورد أولا ولو حمل على النقض في الجملة أي نقض الاستباحة الحاصلة من الغسل باعتبار رفع الحدث الاصغر أيضا فلا يرد الاول فالاولى أن يستفسر ويورد الاول لو اختار الاول والثالث لو اختار الثاني والظاهر أن مراد العلامة (ره) من هذا الاستدلال إن الحدث الاصغر أي السبب ناقض للطهارة بكمالها في الجملة فيكون ناقضا لابعاضها بطريق الاولى ولا يمكن أن يكون نقضه باعتبار إيراثه الحدث الاصغر بمعنى الاثر حتى يكفي في رفعه الوضوء لانه لا يجتمع مع الحدث الاكبر وهاهنا الحدث الاكبر متحقق البتة لانه لا يرتفع بغسل بعض الاعضاء فيكون نقضه باعتبار إبطال حكم ذلك البعض وإذا بطل حكمه فيجب الغسل بتمامه والذي يدل على إن مراده (ره) هذا قوله ولا أثر إلى آخره إذ لو لم يحمل على هذا لكان لغوا محضا بل مناقضا لما ذكره أولا من النقض وعلى هذا اندفع الايراد الاول والثالث جميعا نعم الايراد الثاني باق لم يندفع وأيضا يمكن الايراد عليه بمنع امتناع اجتماع الحدثين وما يستدل به عليه من أن الغسل فقط يبيح الصلوة وإن كان بعد الحدث الاصغر أيضا فهذا دليل على أن لا أثر له مع الحدث الاكبر وإلا لاحتاج إلى الوضوء ضعيف إذ لا دليل على انحصار رافع الحدث الاصغر في الوضوء لم لا يجوز أن يكون الغسل رافعا للحدثين معا ثم إن الشهيد الثاني (ره) قد تصدى لاقامة الدليل على هذا المطلب وتنقيحه وتحقيقه بحيث لا يرد عليه شئ وأطال الكلام بما حاصله أنه دلت الادلة بل الاجماع على أن الاحداث المعدودة سبب لوجوب الطهارة سواء تعددت أم اتحدت وتداخلها مع اتفاقها أو دخول الاصغر تحت الاكبر في الجنابة مع فرض الاجتماع لا يوجب سقوط ما ثبت لها من السببية ودل عليه الدليل وانعقد الاجماع فالاصل فيها أن يكون كل واحد منها سببا تاما في سببيتها وعلى هذا فلا بد للحدث الواقع في أثناء الغسل من طهارة ترفع أثره وهو إما الوضوء أو الغسل بتمامه لان أجزاء الغسل كلا منها مؤثر ناقض في رفع الحدث الاكبر والاصغر معا على تقدير وجوب الاصغر قبل الغسل إذ لو أخل بلمعة يسيرة من بدنه لم يرتفع الحدث أصلا لكن الوضوء لا يمكن أن يكون رافعا هاهنا للاجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب لغسل الجنابة فيتعين أن يكون الرافع الغسل بتمامه فثبت المطلوب وفيه نظر أما أولا فلمنع ما ذكره من دلالة الادلة بل الاجماع على أن الاحداث المعدودة سبب لوجوب الطهارة

[ 180 ]

مطلقا أما الاجماع فظاهر انتفاؤه كيف والعلامة (ره) هاهنا صرح بأن هذا الحدث الواقع في أثناء الغسل لا يوجب الوضوء ولا غسل الجنابة بل إنما جعل أثره نقض بعض الغسل ولو كان المراد الاجماع على أن له أثرا البتة فهو أيضا ممنوع لان ابن البراج وابن ادريس لا يقولان به وانعقاد الاجماع قبلهما أو بعدهما غير معلوم وأما الادلة فإن كان المراد بها العمومات التى تدل على وجوب التوضؤ عند الاحداث الاصاغر والغسل عند الاكابر كقوله (عليه السلام) إذا خفي عنك الصوت فقد وجب الوضوء وأمثاله ففيه أنه لا يجدي هاهنا لان بعد تسليم عمومها إنما يدل على وجوب الوضوء في الاحداث الاصاغر وهو قد اعترف بعدم العمل بها فيما نحن فيه للاجماع وإن كان غيرها فلا بد من بيانه ولو قيل المراد دلالة الدليل على أن له أثرا ويكون الدليل ما ذكره العلامة من أنه ناقض للغسل بتمامه فلبعضه بطريق الاولى ففيه ما مر آنفا من منع الاولوية مع أنه حينئذ لا حاجة إلى التطويل الذي ارتكبه وأما ثانيا فنسلم أن لهذا الحدث أثرا في الجملة ولا بد له من رافع لكن لا نسلم أن رافعه ليس هو الوضوء والاجماع الذي ادعاه ممنوع في صوره النزاع والسند ظاهر والاولى أن يتمسك فيه العمومات الدالة على عدم الوضوء مع غسل الجنابة سلمنا أن رافعه ليس هو الوضوء لكن لا نسلم أنه يجب أن يكون الغسل بتمامه وما استدل به عليه من أن كل جزء علة ناقصة ولهذا لو أخل بلمعة يسيرة لم يرتفع الحدث إنما يدل على أن كل جزء علة ناقصة لرفع مجموع الحدثين وكذا الحدث الاكبر وأما كونه علة ناقصة لرفع الحدث الاصغر فلا بد له من دليل آخر فإن قيل لو سلم أن له أثرا فلا بد من اليقين برفعه للاستصحاب ولا يقين إلا بإعادة الغسل لان تمام الغسل رافع البتة وأما بعضه ففي محل الشك قلنا لا نسلم أن بعضه في محل الشك توضيحه أنه قد تحقق عندنا بناء على صحة ما ذكر أحكام من الشارع أحدها أن الحدث الاصغر مطلقا سبب لشئ ثانيها أن الوضوء لا يجوز مع غسل الجنابة ثالثها أنه يجب الغسل بعد تحقق الجنابة رابعها أن اليقين لا ينقض إلا باليقين خامسها أن العبادة يجب أن تكون متلقاة من الشارع كما هو المشهور وحينئذ نقول إذا وقع الحدث في أثناء الغسل فبحكم الخطاب الاول يجب علينا الاتيان برافعه وبحكم الخطاب الثاني نعلم أن رافعه ليس هو الوضوء البتة وبحكم الخطاب الخامس والثالث نعلم أن رافعه ليس هو الغسل بتمامه لعدم الامر به بل رافعه هو تتمة الغسل للامر بها فعند الاتيان ببقية الغسل يحصل اليقين بالرافع ويعمل بمقتضى الخطاب الرابع أيضا فإن قيل الخطاب الخامس ممنوع بل إنما هو أمر مشهور بين القوم ولا مستند له ولو سلم فلا نسلم عمومه ولو سلم فنقول لو أعيد الغسل حينئذ فلا يلزم العمل بخلاف ذلك العموم إذ غايته أنه لا يجوز الاتيان بعبادة لم تكن متلقاة من الشارع أما صريحا أو ضمنا وهاهنا إن لم تتلق من الشارع صريحا لكن قد تلقيت ضمنا لان بعد ورود الخطاب الرابع يفهم منه إذن الشارع في فعل ما يحصل به اليقين بالرفع وهو إنما يحصل بالاعادة فيكون مأذونا فيها متلقاة منه فلو أعيد لم يلزم مخالفة ذلك العموم قلنا لنا أن نمنع عموم اليقين لا ينقض إلا باليقين ولو سلم فلا نسلم أن اليقين بالرفع يحصل بتمام الغسل حينئذ إذ القدر المعلوم أن الحدث الاصغر الذي قبل الغسل يرتفع بالغسل وأما الحدث الذي في أثنائه فلا يعلم أنه يرتفع بالغسل لجواز أن لا يرتفع به بل إنما يرتفع بالبقية لان الاحكام الشرعية لا سبيل للعقل إليها فإذا احتمل أن لا يرتفع به فلا يكون الخطاب الرابع متضمنا للاذن فيه والامر به فيكون التكليف به مشكوكا وعند الشك في التكليف لا تكليف يقينا ولا ظنا فلا تكليف بالاعادة وإنما يلزم إتمام الغسل بالتكليف المتيقن وأما حديث أن بعد العلم بأن الحدث الواقع في أثناء الغسل مستلزم لاثر يحصل العلم بالتكليف يرفع ذلك الاثر والتكليف اليقيني لا بد له من البرائة اليقينية فلا بد من الاعادة حينئذ من باب المقدمة وإن لم يكن واجبة بخصوصها فقد مرت المناقشة فيه غير مرة واحتج المصنف في الذكرى على وجوب الاعادة بامتناع الوضوء في غسل الجنابة عملا بالاخبار المطلقة وامتناع خلو الحدث عن أثر هاهنا مع تأثيره بعد الكمال ولا يخفى أنه يمكن حمله على ما وجهنا به كلام المختلف لكن كان فيه دليل أن أثر الحدث في الاثناء ليس هو الحدث الاصغر إنه لا يجوز اجتماع الحدثين وهاهنا دليله إنه لا وضوء مع غسل الجنابة فلو كان أثره الحدث الاصغر لكان رافعه الوضوء فيلزم اجتماع الوضوء مع غسل الجنابة ويرد عليه حينئذ مع الايراد الثاني المذكور إنه لم يجوز أن يكون رافعه بقية الغسل ولا دليل ولا إجماع على خلافه وأيضا عدم اجتماع الوضوء مع غسل الجنابة إن كان مستنده الاجماع فممنوع في صورة النزاع وإن كان العمومات فقد يمنع شمولها لما نحن فيه وفيه كلام سيجئ ويمكن أيضا حمله على ما ذكره الشهيد الثاني لكن ظاهر قوله مع تأثيره بعد الكمال إنما يرجح الحمل الاول فتأمل حجة مختار السيد (ره) أما على عدم وجوب الاعادة فهو إن الحدث الاصغر ليس موجبا للغسل ولا لبعضه قطعا فيسقط وجوب الاعادة وأما على وجوب الوضوء فإن الحدث المتخلل لابد له من رافع وهو إما الغسل بتمامه وأما الوضوء والاول منتف لعدم بعضه فتعين الثاني وبوجه آخر الحدث الاصغر لو حصل بعد إكمال الطهارة أوجب وجب الوضوء فكذا في أثنائها ولا يجب الاعادة وإلا لكان إذا بقي من جانبه الايسر مقدار درهم ثم أحدث وجب عليه الغسل وليس كذلك وشنعوا أيضا على القول بالاكتفاء بالامثلة وعدم الاحتياج إلى الوضوء بأنه يلزم أن لو بقي من الغسل قدر الدرهم من جانبه الايسر ثم تغوط أن يكتفي عن وضوئه بغسل موضع الدرهم وهو باطل و أجاب بعض القائلين بالاعادة أما عن الوجه الاول فبأنا لا نحكم بوجوب الاعادة لان الحدث الاصغر موجب للغسل بل لانه ناقض لما تقدم من الغسل

[ 181 ]

بالدليل المذكور فيلزم وجوب إعادة الغسل للجنابة الباقية بحالها فقد اشتبه الامر بين ما مع العلة والعلة وقد عرفت ما في دليلهم على نقض ما تقدم وأما عن الوجه الثاني فبالفرق بين الحالين لان الاصغر لا أثر له مع الحدث الاكبر المتحقق قبل كمال الغسل بخلاف ما إذا ارتفع حدث الجنابة فإن الاصغر يقتضي وجوب الطهارة الصغرى ولا يذهب عليك أنه لابد من تأويله بما ذكرنا سابقا وإلا فعلى ظاهره يكون نقضا عليهم حيث ذهبوا إلى تأثيره في أثناء الغسل وبأن ما ذكروه من بطلان وجوب الغسل للقدر اليسير فإنه استبعاد محض لان عندنا تجب إعادة الغسل ولو بقي جزء لا يتجزى من البدن وليس في هذا إلا استبعاد وتشنيع و عارضوهم بمثله فإنه يلزم عليهم أن من غسل رأسه جزءا يسيرا بقدر درهم فيبول يجب عليه الغسل والوضوء وهذا أيضا شنيع والجواب عن حجتهم على القول المختار أما عن الاول فبأن يمنع أن الحدث المتخلل لابد له من رافع إذ يجوز أن لا يحصل منه أثر لئلا يلزم توارد العلتين المستقلتين على معلول ولو سلم فلم لا يجوز أن يكون رافعه بقية الغسل ولو أثبت المقدمتان الممنوعتان بالاجماع فمسلم ولو أثبت بالعمومات الدالة على وجوب الوضوء بعد الحدث الاصغر فنمنع عمومها أولا ونسلم ثانيا ونقول قد ورد أيضا الحكم بأن للوضوء مع غسل الجنابة فيكون مخصصا لها ولو قيل ليس بينهما عموم وخصوص مطلق نقول العموم من وجه أيضا يكفينا إذ على تقدير التعارض يحكم بالتساقط ويتمسك بالاصل وأما عن الثاني فبالفرق بين الحالين كما مر وأما عن التشنيع فإنه استبعاد لا ينفع في المقام وكونه مستبعدا أيضا إنما يكون عند تسليم أن للحدث أثرا ورافعه بقية الغسل وأما لو لم يسلم فلا استبعاد أيضا وأما حجة القول المختار فإطلاق الامر بالغسل فيكون هذا الغسل الواقع في أثنائه الحدث صحيحا مجزيا إذ الامر يقتضي الاجزاء ونقض الحدث للبعض المتقدم لا دليل عليه كما عرفت وكذا اقتضاؤه لرافع وانحصاره في الوضوء أو الغسل بتمامه مع امتناع الوضوء هاهنا ومع إجزاء الغسل لا حاجة إلى الوضوء فلو ادعى عموم سببية الحدث للوضوء نجيب بتخصصه بالخطايات المتضمنة لعدم الوضوء مع غسل الجنابة لو سلم العموم المطلق أو بمعارضته بها لو قيل أن بينهما عموما من وجه ثم التمسك بالاصل كما ذكرنا واعلم أنه روى الصدوق (ره) في كتاب عرض المجالس عن الصادق (عليه السلام) قال لا بأس بتبعيض الغسل تغسل يدك وفرجك ورأسك وتؤخر غسل جسدك إلى وقت الصلوة ثم تغسل جسدك إذا أردت ذلك فإن أحدثت حدثا من بول أو غايط أو ريح أو مني بعدما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك فاعد الغسل من أوله وهذه الرواية نص على المذهب الاول لكن لما لم يعلم صحة سندها يشكل التمسك بها ومع ذلك الاحتياط في العمل بمضمونها بل الاحتياط أن يضم إليه وضوء أيضا للخروج عن عهدة المذهب الثالث وبعض القائلين بهذا المذهب قد اكتفوا بنية القطع والاعادة لان بنية القطع يصير الغسل باطلا فيقع الحدث حينئذ قبل الغسل فيكفي الغسل وحده وفيه نظر لان نية القطع لا يبطل ما تقدم نعم لو فعل بعدها شيئا مجردا عن نية القربة لكان باطلا وحينئذ فلا يجدي نيته في الابطال هذا كله حكم الحدث الاصغر وأما الاكبر فإن كان هو الجنابة فلا إشكال في وجوب الاعادة ونقض ما فعل وإن كان غيرها فلا خفاء أيضا في وجوب غسل كامل وأما نقض ما تقدم ففيه خفاء وتظهر الفايدة في أنه لو لم ينقض لكفى إتمامه في رفع حدث الجنابة وارتفاع أحكامها لكن يكون الحدث الاخر باقيا ويحتاج إلى غسل آخر في رفعه وظاهر النظر يقتضي عدم النقض وارتفاع الجنابة بالاتمام لاطلاق الاوامر ثم أن الحدث الاصغر لو وقع في أثناء غير غسل الجنابة من الاغسال الواجبة أو المندوبة فلو قلنا بعدم افتقارها إلى الوضوء كا تقدم أنه الظاهر فيجري الخلاف المذكور فيه والظاهر المذهب الثاني لما عرفت ولو قلنا بالافتقار فيجري فيه قولان من الثلاثة المذكورة الاول والثالث والظاهر الثالث وبناء القول الاول هاهنا على تخيل أن الوضوء والغسل بمجموعهما لرفع حدث الحيض مثلا فقط أو مع حدث أصغر مجامع له فيكون كل جزء منهما علة ناقصة لرفع الحدث فلو وقع حدث أصغر في الاثناء ولا بد له من أثر البتة فلا بد لرفعه من المجموع لما تقدم من أن كل جزء من المجموع علة ناقضة وقد عرفت ما فيه واعترض أيضا الشهيد الثاني بمنع كون كل جزء علة ناقضة لرفع الحدث الاصغر والاكبر مستندا بالاجماع على جواز الصوم بالغسل خاصة مع توقفه على رفع الحدث الاكبر غير المس و كذا في جواز دخول المساجد وقراءة العزائم وغيرهما مما لا يتوقف جوازه على رفع الحدث الاصغر وما يتوقف على الوضوء كالصلوة ومس كتابة القرآن ونحوهما يتوقف على الوضوء والغسل أيضا وهذا يدل على أن الوضوء ليس له صلاحية التأثير فيما يتوقف على الغسل خاصة هاهنا ولا جزء من المؤثر فيه فعلم منه أن حدث الغسل المكمل بالوضوء موجب للوضوء والغسل معا فكان قائما مقام الاكبر والاصغر معا وكل واحد من الغسل والوضوء الرافعين لم ينصرف إلى موجبه وفيه نظر لان غاية ما يلزم من السند المذكور أن الحدث الذي بإزاء الغسل ويحتاج ما يتوقف على الغسل خاصة من الصوم ودخول المساجد ونحوهم على رفعه لا يتوقف رفعه على الوضوء وإنما يكفي فيه الغسل ولم يلزم منه أن الحدث الذي بإزاء الوضوء ويحتاج ما يتوقف على الوضوء والغسل معا إلى رفعه إنما يكفي في رفعه الوضوء فقط ولم يحتج إلى الغسل مع أن ما ينفعنا في هذا المقام هو الثاني دون الاول والدليل الذي نقلنا عنه سابقا في كون كل جزء علة ناقصة جار هاهنا والقول بأن الحدث الاصغر لا معنى لتوقف رفعه على الغسل أو

[ 182 ]

على الغسل والوضوء يرد على الاول النقص بما ذهب إليه في غسل الجنابة كما ذكرنا وعلى الثاني إنه استبعاد لا يكفي في المطلب لان أحكام الشريعة لا مجال للعقل فيها فالاولى أن يرد بما ذكرنا سابقا وقد يتخيل طرد الوجهين فيما إذا وقع الحدث الاصغر بعد الغسل وقبل الوضوء بناء على ما ذكرنا أيضا والجواب الجواب تتمة اعلم أن جميع ما ذكر إنما هو في الغسل المرتب وأما الارتماس فقد قال المصنف في الذكرى إن قلنا بسقوط الترتيب فيه حكما فإن وقع بعد ملاقاة الماء جميع البدن أوجب الوضوء لا غير وإلا فليس له أثر وإن قلنا بوجوب الترتيب الحكمي القصدي فهو كالمرتب وإن قلنا بحصوله في نفسه وفسرناه بتفسير الاستبصار أمكن إنسحاب البحث فيه وأورد عليه أما أولا فأن قوله وإلا فليس له أثر ممنوع لان الارتماس فيه أيضا تدريج والوحدة إنما هي العرفية فلو وقع الحدث بعد النية وقبل وصول الماء إلى جميع البدن لاطراد فيه الخلاف وكان نظرة إلى أن الغسل الارتماسي إنما هو عبارة عن وصول الماء إلى جميع البدن تحت الماء والولوج في الماء ليس من أفعاله بل من مقدماته والتدريج إنما هو فيه لا في الاول والحاصل أن الغسل إنما هو بعد الولوج بجميع البدن في الماء وبعد الولوج بالتمام وصول الماء إلى الجميع دفعي لا تدريج فيه فلا يؤثر الحدث لكن لا يخفى أن إثباته مشكل إذ يجوز أن يكون الغسل إنما يحصل تدريجا بارتماس عضو عضو في الماء ولو استدل على خلافه بأنه لو كان كذلك للزم أن لو أخرج العضو الذي ارتمس في الماء قبل ارتماس الجميع لصح الغسل أمكن الجواب عنه بالالتزام أولا وبمنع الملازمة ثانيا لجواز أن يكون إبقاء العضو المرتمس في الماء إلى أن يدخل الاعضاء الاخرى شرطا في صحة الغسل فلو ثبت أحد الامرين فيبنى عليه ولو لم يثبت فلو قلنا في الترتيب بالاكتفاء بالاتمام فلا إشكال هاهنا لانه على أي تقدير يصح هذا الغسل ولا يحتاج إلى الوضوء ولو قلنا بالاعادة أو إلى الاحتياج إلى الوضوء فلا يخلو من إشكال لان بناء الاعادة والوضوء على أن الحدث يؤثر البتة ولا بد له من رافع أما الغسل بتمامه على قول أو الوضوء على آخر وحينئذ يحتمل وقوع الرافع بعده وهو الغسل فلو قيل أن اليقين لا ينقض بالشك شامل لهذه الصورة أيضا فلا بد من الاعادة أو الوضوء ولو لم يقل بشموله لها فالظاهر عدم الاحتياج إلى الاعادة والوضوء ولا يخفى أنه لو استدل على نقض الحدث المتخلل لما تقدم بما أولنا به كلام المختلف فحينئذ الظاهر عدم الاحتياج إلى الاعادة والوضوء على التقديرين معا لان النقض حينئذ مشكوك إذ هو إنما يتحقق لو كان في الاثناء وهو مشكوك لجواز كونه متقدما وعلى تقدير الشك في النقض لا حكم للحدث فيحكم بصحة الغسل وإجزائه عن الوضوء لاطلاق الاوامر وهاهنا كلام آخر وهو أنه على تقدير كون الغسل إنما يحصل دفعة بعد ولوج جميع البدن في الماء لا يظهر أيضا عدم تأثير الحدث أو وجوب الوضوء إذ يجوز أن يقع الحدث في هذا الان الذي يحصل فيه الغسل وحينئذ يشكل الامر فلا بد من تفصيل القول فيه فنقول الحدث أما دفعي أو تدريجي وعلى الاول أما أن يكون قبل أن الغسل أو بعده أو فيه وحكم الاولين ظاهر إذ على الاول لا حكم له وعلى الثاني يصح الغسل ويجب الوضوء البتة وأما الثالث ففيه إشكال نظرا إلى أن الحدث المقارن هل هو في حكم السابق أو اللاحق والظاهر أن القول فيه أيضا كالقول المذكور آنفا في حال الاشتباه وعلى الثاني أما أن يكون ابتداه قبل آن الغسل أو فيه وعلى الاول أما أن ينتهي بآن الغسل أو لا فإن كان قبل الغسل وانتهى به فلا يبعد حينئذ القول بإلحاقه بالسابق لان في آن الغسل لا تحقق له بل إنما تحقق انتهائه وفنائه فيكون سابقا في الحقيقة ويحتمل على بعد إلحاقه بالمقارن فيجري فيه ما ذكر في المقارن ولو لم ينته بل استمر بعده أيضا فحينئذ لا يتمشى القول المختار وهو ظاهر فإنما بقي الكلام في الاعادة والاكتفاء بالوضوء ولا يخفى أن الظاهر حينئذ أن في آن الغسل الحدث متحقق فيكون حكمه حكم الحدث المقارن ويستنبط حاله مما ذكر وإن كان في آن الغسل فلا يبعد حينئذ إلحاقه باللاحق لان في هذا الان لا تحقق له أصلا ويحتمل على بعد إلحاقه بالمقارن والكلام فيه كما ذكر ولا يخفى أنه لو قلنا بأن الارتماس تدريجي وابتداء الحدث في آن انتهاءه لكان القول بإلحاقه باللاحق أظهر منه في الدفعي فتأمل وأما ثانيا فإن ما ذكر أنه على تقدير الترتيب الحكمي القصدي يكون في حكم المرتب لا ظهور له إذ على ما ذكره من أن الارتماس رفعي في الواقع لا يمكن وقوع الحدث في الاثناء وإن وجب اعتقاد الترتيب وهو ظاهر إلا أن يكون نظره إلى أن وجوب اعتقاد الترتيب يستلزم وجوب اعتقاد ما يترتب عليه أيضا ومما يترتب على الترتيب إجراء الخلاف المذكور فيه وقد عرفت سابقا ضعف هذا القول فلا حاجة إلى الخوض فيما يتفرع عليه والاحتياط في الارتماس أيضا كما في الترتيب بأن يعيد و يتوضأ ويزداد فيه الاحتياط بأن لو كان الحدث في أثناء الولوج أتم الولوج ثم خرج وأولج مرة أخرى وتوضأ حذرا عن إبطال العمل (وفي وجوب ثمن الماء على الزوج نظر نعم يجب تمكينها منه) سنضم إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله تعالى كتاب النكاح إلى المتن ونشرح هذه المسألة أيضا فيه والله الموفق (ولو قام على مكان نجس غسل ما نجس ثم أفاض عليه الماء للغسل ولا يجزي غسل النجاسة عن رفع الحدث على الاصح) قال الشيخ في المبسوط وإن كان على يده نجاسة أزالها ثم اغتسل فإن خالف واغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة وعليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل بالغسل وإن زالت بالاغتسال فقد أجزائه غسلها وهذا يدل على أن طهارة المحل ليست شرطا في الغسل وعلى أن الغسل الواحد يجزي عن رفع الحدث والخبث معا وما ذكره هو الظاهر أما الاول فلان الامر بالاغتسال مطلق والتقييد بطهارة المحل خلاف الظاهر نعم لابد من وصول الماء إلى البشرة فيجب أن لا يكون للنجاسة عين مانع من الوصول فأما إذا لم يكن لها عين أو مكان ولم يكن مانعا فلا دليل على بطلانه وإن لم يطهر بصب الماء للغسل كما إذا كان لها غين غير مانع ولم يزل أو لم يكن لها عين لكن لابد في تطهيرها من الصب مرتين مثلا والظاهر أن مراد الشيخ من عدم زوالها بالغسل ما ذكرنا

[ 183 ]

لا أن يكون عين النجاسة مع منعها عن الوصول باقيا إذ لا شك في اشتراط وصول الماء إلى البشرة وأما الثاني فلمثل ذلك أيضا لان الامر بالاغتسال مطلق وكذا الامر بالتطهير فإذا صب الماء على العضو فقد امتثل الامرين فلو كانت النجاسة مما يكفيه صب واحد فقد ارتفع الحدث والخبث معا وإن لم يكفها صب واحد بل لابد فيه من مرتين كما إذا كانت بولا مثلا فيحسب هذا الصب بواحد ويجب صب آخر وأما النجاسة الحكمية فقد ارتفعت بالصب الاول وقال العلامة في القواعد لا يجزي غسل النجس من البدن عن غسله من الجنابة بل يجب إزالة النجاسة أولا ثم الاغتسال ثانيا وهو الموافق لما في المتن واستدل الشارح المحقق على ماقاله بأنه إنما وجب ذلك لانهما سببان فوجب تعدد حكمهما لان التداخل خلاف الاصل ولان ماء الغسل لابد أن يقع على محل طاهر وإلا لاجزء الغسل مع بقاء عين النجاسة ولانفعال ماء القليل وماء الطهارة ويشترط أن يكون طاهرا إجماعا وفيه نظر لان قوله التداخل خلاف الاصل مما لا محصل له وقد تكلمنا فيه في مبحث تداخل الاغسال فراجعه وقوله ماء الغسل لابد أن يقع على محل طاهر ممنوع وما استدل به عليه من لزوم إجزاء الغسل مع بقاء عين النجاسة إن أراد به الاجزاء مع بقائه بحيث يكون مانعا من وصول الماء فبطلان التالي مسلم لكن الملازمة ممنوعة لانا نجوز وقوع الغسل على المحل النجس بشرط عدم المنع كما أشرنا إليه وأما ما ذكره من انفعال الماء القليل واشتراط طهارة الماء إجماعا فإن أريد به الاجماع على طهارته قبل الوصول إلى العضو فممنوع لكن لا ينفعه وإن أريد الاجماع على الطهارة زمان الوصول فممنوع مع أن رأي العلامة أنه حال الوصول أيضا طاهر وإنما ينجس بعد الانفصال وبما قررنا ظهر ما في المختلف حيث قال بعد نقل الكلام المنقول عن المبسوط والحق عندي أن الحدث لا يرتفع إلا بعد إزالة النجاسة لان النجاسة إذا كانت عينية ولم تزل عن البدن لم يحصل إيصال الماء إلى جميع البدن فلا يزول حدث الجنابة وإن كانت حكمية زالت بنيته غسل الجنابة انتهى إلا أن يأول بما ذكرنا فإن قلت هل يمكن الاستدلال على ما ذكر بما ورد في الروايات وقد تقدم في بحث الترتيب والارتماس من الامر بغسل الفرج أولا ثم الاغتسال قلت لا لان طهوره في الوجوب ممنوع سيما بعد وقوعه بعد الامر بغسل اليدين المستحب وأيضا القايلون بوجوب إزالة النجاسة أولا لا يقولون بوجوبها قبل غسل جميع الاعضاء بل يقولون بوجوب إزالتها عن كل جزء حال إرادة اغتساله فلا يمكنهم حمل الاوامر المذكورة على الوجوب على أنه لو سلم الظهور في الوجوب فالتعدي عن مورد النص إلى غيره لا دليل عليه اللهم إلا أن يتمسك بالاجماع المركب أو بالروايات المطلقة التي سنشير إليها ثم أن العلامة (ره) في النهاية قال في تعداد سنن الغسل الرابع البدئة بغسل ما على جسده من الاذى والنجاسة ليصادف ماء الغسل محلا طاهرا فيرفع الحدث ولو زالت النجاسة به طهر المحل قطعا والاقرب حصول رفع الحدث أيضا إن كان في ماء كثير ولو أجرى الماء القليل عليه فإن كان في آخر العضو فكذلك وإلا فالوجه عدمه لانفعاله بالنجاسة انتهى ولا يخفى أن ما ذكره في الماء الكثير من حصول رفع الحدث والخيث معا فظاهر على ما اخترناه وكذا على ما اختاره لو كان مختاره اشتراط طهارة الماء حال الرفع أو طهارة المحل حاله لان الماء الكثير لا ينفعل بالنجاسة ففي حال ارتماس العضو النجس في الماء يطهره الماء الطاهر من النجاستين في حال واحد ففى حال رفع الحدث الماء والمحل كلاهما طاهران وأما إذا كان مختاره اشتراط طهارة المحل قبل رفع الحدث ففيه تفصيل لانه إن كان الغسل في الارتماس إنما يحصل تدريجا عند الولوج فيلزم أن لا يكفي ذلك لفقدان الشرط المذكور وإن كان يحصل بعد الولوج في الماء فيكفي لحصول الشرط لان كلما يلج في الماء يتطهر من النجاسة وبعد الولوج يرتفع الحدث فالشرط متحقق البتة فعلى هذا إذا ثبت أحد الامرين فيبنى عليه وإذا لم يثبت وكان الامر مشتبها فالظاهر على طريقتهم عدم الاكتفاء بارتماس العضو مرة واحدة بل لابد من مرتين أحديهما لرفع الخبث والثانية لرفع الحدث وأما ما ذكره من عدم حصول رفع الحدث بالماء القليل إذا لم يكن النجاسة في آخر العضو لانفعاله بالنجاسة فقد مر ما فيه من عدم دليل على اشتراط الطهارة حال الوصول مع إن نجاسته ممنوعة سيما على رأي العلامة (ره) لانه قايل بنجاسته عند الانفصال والعجب أنه (ره) علل في المنتهى عدم ارتفاع الحدث بذلك الماء الوارد على النجاسة بانفعاله بالنجاسة فلا يطهر المحل وما بعده ثم قال نعم الماء المزيل للنجاسة لا يلحقه حكم الاستعمال فيندفع النجاسة العينية لانه قائم على المحل وإنما يثبت له وصف الاستعمال بعد انفصاله انتهى وكأنه (ره) فرق بين الانفعال بالنجاسة والاستعمال وزعم أن الانفعال إنما يحصل بملاقاة النجاسة لكن لا يثبت حكم الاستعمال ما لم ينفصل واعتبر في رفع الحدث عدم الانفعال وفي رفع الخبث عدم الاستعمال والكل مشكل وأما الفرق الذي ذكره بين آخر العضو وغيره فلا وجه له ظاهرا لانه إما أن يقول بأن الماء بمجرد وروده على النجاسة ينفعل بالنجاسة ويشترط في رفع الحدث أن لا يكون الماء حال الرفع منفعلا بالنجاسة فلا فرق بين آخر العضو وغيره في عدم حصول رفع الحدث لاجراء الدليل فيهما على السواء ولو لم يقل بالانفعال بالنجاسة بمجرد الورود بل بشرط الانفصال فلا يخلو إما أن يعتبر الانفصال عن نفس العضو النجس حتى إذا أجرى منه على ما بعده يكون في حكم المنفصل أيضا أولا بل إنما يعتبر الانفصال عن الاعضاء بالمرة وعلى الثاني لا فرق أيضا بينهما في حصول رفع الحدث ويلزم أيضا إذا لم يكن النجاسة في آخر العضو أن يرفع حدث ما بعد محل النجاسة أيضا بإجراء الماء المنفصل منه عليه لعدم انفعاله بالنجاسة ما لم ينفصل بالكلية وعلى الاول لا فرق أيضا بينهم في حصول

[ 184 ]

رفع الحدث نعم يلزم إذا لم يكن في آخر العضوان ينجس ما بعد النجس لو أجرى الماء منه عليه ولا بد حينئذ من صب الماء عليه مرة أخرى ليزول منه النجاستان وهذا لا يصير سببا للفرق بينهم في هذا الحكم اللهم إلا أن يتكلف ويقال إن الفرق بينهما باعتبار هذا المعنى لا بعدم رفع الحدث مما عدا آخر العضو ورفعه عنه لكنه بعيد ثم في كلامه (ره) خدشة أخرى حيث عد إزالة الاذى والنجاسة ابتداء من المسنونات معه أنه حكم بأنه ما لم يزل النجاسة ابتداء لم يرتفع الحدث وهذا يستلزم وجوبه ويمكن أن يكون مراده إزالة النجاسة عن أي عضو كان قبل الغسل فإنه ليس بواجب على هذا المذهب أيضا كما عرفت عل هذا الرأى إزالة النجاسة عن كل جزء حال إرادة غسله نعم يبقى المناقشة في الدليل الذي أورده على الاستحباب لانه إنما يدل على الوجوب ولا يخفى توجيهه بتكلف ولا يذهب عليك إنه قد تقدم من الروايات يستنبط استحباب غسل الفرج قبل الغسل بل من بعضها استحباب إزالة النجاسة من أي عضو كان كصحيحة أحمد بن محمد المتقدمة في بحث الترتيب وفي بعض الروايات ورد الامر بغسل ما أصاب الجسد من الاذى وهو صحيحة يعقوب بن يقطين المتقدمة في بحث عدم وجوب الوضوء في غسل الجنابة وما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن حكم بن حكيم قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثم اغسل فرجك وأفض على رأسك وجسدك فاغتسل فإن كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك وإن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك ويمكن أن يكون المراد بالاذى النجاسة كما هو الظاهر ويمكن أن يكون أعم منها وبالجملة استحباب إزالة النجاسة ابتداء عن جميع البدن لا كلام فيه وأما غير النجاسة من الاذى فلا يخلو إثباته من إشكال واعلم أن المحقق الثاني (ره) قد نقل في شرح القواعد ما نقلنا من النهاية ثم قال والتحقيق أن محل الطهارة إن لم يشترط طهارته أجزأ الغسل مع وجود عين النجاسة وبقائه في جميع الصور ولا حاجة إلى التقييد بما ذكره خصوصا على ما اختاره من أن القليل الوارد إنما ينجس بعد الانفصال وإن اشترط طهارة المحل لم يجز غسلة واحدة لفقد الشرط والشايع على السنة الفقهاء هو الاشتراط فالمصير إليه هو الوجه انتهى وأنت خبير بأن ما ذكره من عدم إجزاء غسلة واحدة عند اشتراط طهارة المحل لا يصح على إطلاقه لان المراد من طهارة المحل إن كان طهارته حال رفع الحدث فيجزي الغسلة الواحدة في الكثير وفي القليل أيضا إذا كان إزالة النجاسة محتاجة إلى الصب مرة وإن كان المراد طهارته قبل رفع الحدث فيجزي في الكثير على وجه كما عرفت هذا والاحتياط أن يزيل النجاسة عن العضو قبل صب الماء للغسل عليه وتمام الاحتياط إزالتها عن أي عضو كان قبل الشروع في الغسل (ولا يجب غسل باطن الفم والانف) قد مر في بحث المضمضة ما يدل عليه ويفهم من المنتهى الاجماع عليه قال ويجب عليه إيصال الماء إلى جميع الظاهر دون الباطن منه بلا خلاف انتهى ولو ظهر ما كان باطنا بقطع الانف والشفتين مثلا فالظاهر وجوب غسله نص عليه المصنف في الذكرى وذكر أيضا أن ما ظهر من صماخ الاذن في حكم الظواهر ونبه عليه الشيخان والصدوق ولا يجب تتبع باطن الصماخين وحكم أيضا بوجوب غسل ما يبدو من الشقوق وكل ذلك ظاهر أن الثقب الذي يكون في الاذن للحلقة هل هو في حكم الظاهر أو لا الظاهر أنه لو كانت ضيقة بحيث لا يرى باطنها كانت في حكم الباطن وإلا فالظاهر وقد ذهب إليه الفاضل الاردبيلي وصاحب المدارك رحمهما الله والمحقق الشيخ علي (ره) حكم في حاشية الشرايع بوجوب إيصال الماء إلى باطنه مطلقا والاحتياط فيما ذكره والله أعلم درس (الماء المطلق طاهر مطهر ما دام على أصل الخلقة) المراد بالماء المطلق ما يصح إطلاق اسم الماء عليه مطلقا من دون تقييد وإن صح التقييد أيضا كما يقولون ماء البحر وماء البر وماء النهر ونحوها والمضاف ما يقابله وهو ما لا يصح إطلاق الماء عليه مطلقا بل لا بد من تقييد كماء الورد ونحوه إذ لا يصح أن يقال عليه إنه ماء بدون تقييد والمراد بكونه على أصل الخلقة كون لونه وريحه وطعمه الاصلي باقيا ثم كونه طاهرا مطهرا من الحدث والخبث مطلقا سواء كان نازلا من السماء أو نابعا من الارض أو ذائبا من الثلج أو البرد أو منقلبا عن الهواء مما وقع عليه إجماع المسلمين ويدل عليه الكتاب والسنة أيضا أما الكتاب فالدال منه على طهارته قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والدال على مطهريته قوله تعالى وننزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وقد نوقش في دلالته على عموم التطهير وأجاب عنها القوم ولا حاجة كثيرا إلى التعرض له وقد استدل عليه بالاية الكريمة الاولى أيضا وقد طال فيه التشاجر والتنازع ولا حاجة إلى التعرض له أيضا لان المطلب مما لا ينحصر دليله فيها حتى يلزم أن يتجشم لا تمامها وأما السنة فالدال منها على طهارته ما رواه التهذيب في باب المياه وأحكامها عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي بإسناده قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) الماء كله طاهر حتى يعلم إنه قذر وكذا عن حماد بن عيسى مثله وكذا عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله والرواية الاولى والاخيرة في الكافي في باب طهور الماء وروى الفقيه مرسلا في باب المياه قال وقال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر والدال على مطهريته ما رواه التهذيب في زيادات باب آداب الاحداث في الصحيح عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والارض وجعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون وقد رواه الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في الباب المذكور ولا يخفى أن المناقشة التي في كون الطهور في الاية بمعنى المطهر لا يتأتى هاهنا

[ 185 ]

لان القرينة قائمة على إرادة هذا لا معنى وما رواه التهذيب أيضا في باب المياه والكافي في الباب المتقدم عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الماء يطهر ولا يطهر ورواه الفقيه أيضا مرسلا في الباب المذكور إلى غير ذلك واعلم أن ما ذكرنا من إجماع المسلمين عليه بناء على إخراج ماء البحر عن موضوع الحكم لتغير طعمه ولو جعل طعمه داخلا تحت الطعم الاصلي فالخلاف فيه موجود لبعض العامة فإن سعيد بن المسيب وعبد الله بن عمرو و عبد الله بن عمرو بن العاص خالفوا في ماء البحر فقال سعيد إن ألجئت إليه توض ء منه وقال الاخران التيمم أحب إلينا لكن أصحابنا أجمعوا على مطهريته ويدل عليه أيضا مضافا إلى الاجماع واطلاق الاية والروايتين المذكورتين ما رواه التهذيب في باب المياه والكافي في الباب المذكور في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن ماء البحر أطهور هو قال نعم ورويا أيضا مثله في البابين في الموثق أو الحسن عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ولا يذهب عليك أن المناقشة في كون الطهور بمعنى المطهر وإن صحت نظرا إلى قياس اللغة لكونه مبالغة في الطاهر فيكون معناه زياد الطهارة كالاكول والضروب ولكن الظاهر أن الطهور قد جعل اسما لما يتطهر به وفسره به بعض من المفسرين وجمع كثير من اللغويين وتتبع الروايات مما يورث ظنا بأن الطهور في إطراقاتهم المراد منه المطهر أما لكونه صفة بهذا المعنى أو اسما لما يتطهر به وعلى التقديرين يثبت المرام (فإن خرج بمخالطة طاهر فهو على الطهارة فإن سلبه الاطلاق فمضاف وإلا كره الطهارة) لا خلاف بين المسلمين على ما في المنتهى إن الماء المطلق إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة جسم طاهر ولم يسلبه إطلاق الاسم يكون طاهرا مطهرا إذا كان الجسم المخالط مما لا ينفك عنه الماء عادة كالتراب والطحلب وورق الشجر والملح والكبريت الذين يكونان في مقره أو ممره وكذا إذا كان التغيير بمجرد مجاورة الجسم الطاهر لا مخالطته سواء كان مما ينفك عادة أو لا وأما أذا كان التغير بالمخالطة وكان الجسم المخلوط مما ينفك عنه الماء عادة كقليل الزعفران مثلا فقد انعقد إجماعنا أيضا على كونه طاهرا وقد خالف فيه بعض العامة فإن مالك والشافعي لا يجوزان الطهارة به وعلى أحمد روايتان والدليل على الحكمين الاوليين مضافا إلى إجماع المسلمين إطلاق الايات والروايات ولزوم الحرج والمشقة ولان الصحابة كانوا يسافرون وكان اسقيتهم الادم و هي لا تنفك عن الدباغ المغير للماء ولم ينقل عن أحد منهم الاحتراز عنه وعلى الحكم الثالث مضافا إلى إجماعنا إطلاق الايات والروايات ويؤيده أيضا ما رواه التهذيب في باب المياه والاستبصار في باب الوضوء بنبيذ التمر عن الكلبي النسابة أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ فقال حلال فقال إنا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك فقال شه شه تلك الخمر المنتنة قال جعلت فداك فأي نبيذ تعني فقال إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغير الماء وفساد طبايعهم فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره فقلت فكم كان عدد التمر الذي في الكف فقال ما حمل الكف قلت واحدة أو اثنتين فقال ربما كانت واحدة وربما كانت ثنتين فقلت وكم كان يسع الشن فقال ما بين الاربعين إلى الثمانين إلى فوق ذلك فقلت بأي الارطال فقال أرطال مكيال العراق واعلم أن الصدوق (ره) في الفقيه قال ولا بأس بالتوضي بالنبيذ لان النبي (صلى الله عليه وآله) قد توضأ به وكان ذلك ما قد نبذ فيه تميرات وكان صافيا فوقها فتوضأ به فإذا غير التمر لون الماء لم يجز التوضي به انتهى وظاهر هذا الكلام يخالف ما نقلنا من المنتهى من إجماع أصحابنا على الحكم إلا أن يحمل التغير على سلب الاطلاق كما في التهذيب والاستبصار واستدل عليه في المنتهى بحديث مسافرة الصحابة وفي جعله من باب الخلط تأمل ثم إنه لو خرج الماء بسبب المخالطة عن الاطلاق فهو مضاف وحكمه سيجئ إن شاء الله تعالى هذا كله فيما إذا كان التغير بسبب مخالطة الجسم الطاهر أو مجاورته وأما إذا كان تغير الماء من قبل نفسه لطول المكث فإن سلب عنه الاطلاق فحكمه حكم المضاف ولو لم يسلب فهو طاهر مطهر بإجماعنا كما هو الظاهر من المنتهى وعليه أكثر العامة وقد خالف ابن سييرين فلم يجوز الطهارة به وعندنا تكره الطهارة به أما الجواز فيدل عليه الاجماع والاطلاقات وأما الكراهة فيدل عليها ما رواه التهذيب في الباب المذكور والاستبصار في باب حكم الماء الكثير في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في الماء الاجن تتوضأ منه إلا أن تجد ماء غيره وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب الماء الذي فيه قلة بزيادة فتنز منه في آخرها وكذا رواها التهذيب أيضا في زيادات باب المياه و هذه الرواية كما تدل على الكراهة تدل على الجواز أيضا واعلم أن ظاهر هذا الكتاب كراهة الطهارة بالماء المتغير مطلقا سواء تغير من قبل نفسه أو بمخالطة جسم طاهر وهو الظاهر من الاستبصار أيضا لكن الظاهر من المعتبر والمنتهى والذكرى اختصاص الكراهة بالاول فقط وظاهر الحسنة المذكورة يساعد ما في هذا الكتاب لان أهل اللغة على ما رأيناه في الصحاح والقاموس والنهاية فسروا الاجن بالماء المتغير الطعم واللون ولم يقيدوا بشئ لكن نقل بعض مشايخنا عن بعض أهل اللغة أنه الماء المتغير من قبل نفسه وهو يقوى الثاني ولا يبعد أن يكون المعتبر في الكراهة التغير الذي يصير سبب النفرة واستكراه الطبخ وأما التغير الذي ليس كذلك فلا يكون سببا للكراهة لما تشعر به رواية الكلبي المذكورة إلا أن يحمل على الضرورة والاحوط الاجتناب عن التغير بأى شئ كان وبأى نحو كان ما لم يكن ضرورة (وإن خالطه نجس فأقسامه أربعة) باعتبار اختلاف أحكامها (أحدها الواقف القليل وهو ما نقص عن الكر وهو ينجس بالملاقاة تغير بالنجاسة

[ 186 ]

أو لا) نجاسة القليل بملاقاة النجاسة مع التغير بها إجماعي ويدل عليها أيضا روايات كثيرة سنذكر إنشاء الله تعالى وأما نجاسة بالملاقات بدون التغير فهو المعروف بين الاصحاب وقد ادعى الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه في مواضع لكن نقل الاصحاب عن الحسن بن أبي عقيل الحكم بعدم النجاسة فكان الشيخ لم يعتد به لشذوذه أو لكون قايله معلوم النسب أو لتحقق الاجماع قبله أو بعده حجة المشهور روايات منها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح وكذا الاستبصار في باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شئ عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب قال إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ وقد روى هذا الخبر في الكافي أيضا عن محمد في باب الماء الذي لا ينجسه شئ لكن بغير طريق الشيخ باد في تغيير في المتن والتهذيب والاستبصار أيضا روياه بالطريق الاخر مع ذلك التغير لكن لا من الكافي وإن كان أكثر السند مشتركا ومنها ما رواه التهذيب والاستبصار في الباب المذكورين في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ومنها ما رواه التهذيب والكافي في البابين عن عن معاوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ واعلم إن الروايات الواردة بهذا المضمون كثيرة كادت أن تبلغ حد التواتر وسنذكر بعضا آخر منها أيضا إنشاء الله تعالى في تحديد الكر ووجه الاستدلال في الجميع إن مفهوم الشرط دل على أنه إذا لم يكن الماء كرا ينجسه شئ ولا يمكن أن يحمل على التنجيس بالتغير إذ على هذا لم يبق فرق بين الكر وغيره لان الكر أيضا إنما ينجس بالتغير كما سيجئ إنشاء الله تعالى فلا بد من حمله على التنجس بالملاقاة في الجملة ولما لم يفرق أحد بين أفراد الملاقاة إلا في بعض الافراد التي سنذكر إنشاء الله تعالى فيجب الحكم بالتنجس بمقتضى هذه الروايات فيما عدا المواضع المختلف فيها لئلا يلزم خرق الاجماع المركب وأورد على هذا الاستدلال أولا بمنع حجية المفهوم وفيه ضعف إذ لا شك في حجيته عند عدم فايدة أخرى وفيما نحن فيه لا فايدة سوى الاشتراط كما لا يخفى وثانيا بمنع كون النجاسة في عرفهم (عليه السلام) بالمعنى المصطلح الان إذ يجوز أن يكون بمعنى الاستقذار والاستكراه وحينئذ لا يثبت نجاسة القليل بالمعنى المصطلح بل إنما يثبت استقذاره وغاية ما يلزم منه كراهة استعماله بعد ملاقاة النجاسة ولا نزاع فيه ولو سلم كونها في عرفهم (عليه السلام) بهذا المعنى فنقول إنما يعارضها عمومات دالة على عدم نجاسة الماء ما لم يتغير كما سنذكر في حجة عدم التنجس ولا نسلم أن تخصيص العمومات بها أولى من حملها على الجماز ولو لم يكن أولى لكان الرجحان مع الثاني لاعتضاده بالاصل والاستصحاب والعمومات المتقدمة الدالة على طهارة الماء ما لم يعلم إنه قذر وأيد أيضا بالاختلاف الوارد في الروايات في تحديد الكر كما ستطلع عليه إنشاء الله تعالى فلو لم يكن الامر على الاستحباب والاولوية لما كان كذلك كما لا يخفى ومنها ما رواه التهذيب في باب المياه والاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ به الكلب في الصحيح عن محمد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال اغسل الاناء وعن السنور قال لا بأس أن يتوضأ من فضلها إنما هي من السباع ومنها ما رواه أيضا في البابين في الصحيح عن أبي العباس قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس لا تتوضأ بفضله وأصيب ذلك الماء وأغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء ومنها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث في الصحيح عن ابن أبي نصر قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة قال يكفي الاناء ومنها ما رواه التهذيب في الزيادات في باب المياه والاستبصار في باب ماء القليل الذي يحصل فيه النجاسة في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الدجاجة والحمامة وأشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلوة قال لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء ووجه الاستدلال إن عدم التوضأ أما لاجل عدم الطهورية فقط أو لعدم الطهارة والاول منتف الاجماع فتعين الثاني ومنها ما رواه التهذيب في باب تطهير الثياب في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال وسألته عن خنزير يشرب من الاناء الماء كيف يصنع به قال يغسل سبع مرات ومنها ما رواه الكافي في باب النوادر قبل أبواب الحيض في الصحيح ورواه أيضا في البابين لكن لا في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل رعف فامتخط فصار ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب الاناء هل يصلح الوضوء منه قال إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس فإن كان شيئا بينا فلا يتوضأ منه وزاد الكافي في آخره وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه قال لا وهذا أيضا حجة أخرى ومنها صحيحة علي بن جعفر المتقدمة في بحث كون الغسل بصاع ومنها صحيحة زرارة المتقدمة في بحث غسل اليدين من المرفقين وأورد على هذه الروايات مثل ما سبق من عدم الظهور في النجاسة ومع تسليم الظهور إنما يحمل على استحباب التنزه منه جمعا بين الروايات كما يشعر به بعض الروايات التي سنورد في حجة الخصم وأيضا بعضها صريح في التغير ويمكن حمل البعض الاخر عليه على بعد وفي حديثي الولوغ وجه آخر ظاهر وهو أن يكون النهي عن الوضوء من فضله والامر بصبه بناء على دخول اللعاب فيه وكذا في حديث الخنزير مع أن فيه شيئا آخر لانه يمكن أن يكون الامر بغسل الاناء لاجل نجاسة الاناء بالملاقاة لا الماء وكذا الحال في صحيحة محمد هذه جملة من الروايات الصحيحة وعليه روايات كثيرة أيضا غير صحيحة أما الموثقات فمنها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في

[ 187 ]

باب الماء القليل يحصل فيه النجاسة عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس إن لم يكن أصاب يده شئ من المني ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن سماعة قال سألته عن رجل يمس الطست أو الركوه ثم يدخل يده في الاناء قبل أن يفرغ على كفيه قال يهريق من الماء ثلاث حفنات وإن لم يفعل فلا بأس وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شئ من المني وإن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله وأورد عليهما مثل ما سبق وأيد الحمل على الاستحباب بما رواه التهذيب في الباب المذكور في الموثق و كذا الاستبصار في باب غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء عن عبد الكريم ابن عتبة الكوفي الهاشمي قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شئ أيدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها قال لا حتى يغسلها قلت فإن استيقظ من نومه ولم يبل ايدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها قال لا لانه لا يدري حيث باتت يده فليغسلها فإنه محمول على الاستحباب اتفاقا فليكن هما أيضا كذلك والجزء الاخير من هذا الخبر في الكافي ايضا في باب الرجل يدخل يده في الماء ومنها ما رواه أيضا في باب المياه عن أبي بصير قال ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه ويشرب ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يشرب منه وفيه يستسقى أيضا ما ذكر سابقا ويؤيد الحمل على الاستحباب استثناء الحوض الكبير من دون تقدير بالكر ومنها ما رواه في هذا الباب والاستبصار في الباب المتقدم و الكافي في باب الوضوء من سؤر الدواب عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئل عما يشرب منه الجماعة فقال كلما أكل لحمه يتوضؤ من سؤره ويشرب و عما يشرب منه باز وصقر وعقاب فقال كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب وزاد الاستبصار وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة قال إن كان في منقارها قذر لم تشرب ولم تتوضأ منه وإن لم تعلم إن في منقارها قذرا توضأ واشرب وهذه الزيادة في التهذيب أيضا في آخر باب تطهير الثياب في أثناء حديث طويل موثق عن عمار وفيه أيضا وعن ماء يشرب منه باز إلج وروى الفقيه في باب المياه زيادة الدجاجة مرسلة عن الصادق (عليه السلام) ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور والاستبصار في باب ما ليس له نفس سائلة عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة ومنها ما رواه التهذيب في الزيادات في باب المياه والفقيه أيضا في باب المياه قال وسئل عمار بن موسى الساباطي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا وغسل منه ثيابه واغتسل منه وقد كانت الفارة منسلخة فقال إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم فعل ذلك بعدما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلوة وإن كان إنما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من الماء شيئا وليس عليه شئ لانه لا يعلم متى سقط فيه ثم قال لعله أن يكون إنما سقط في تلك الساعة التي رآها ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن سعيد الاعرج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجرة تسع مائة رطل من ماء يقع فيها أو قيه من دم أشرب منه وأتوضأ قال لا وفي هذه الروايات أيضا مثل ما ذكر ويمكن أيضا حمل أكثرها على التغير سيما الاخيرة منها ومنها ما رواه التهذيب في باب تطهر المياه عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل قال سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره قال يهريقهما جميعا ويتيمم وروى أيضا في هذا الباب عن سماعة مثله والرواية الاخيرة في الاستبصار ايضا في باب الماء القليل وفي الكافي أيضا في الباب المتقدم ولا يخفى أنه لا يتوجه عليهما ما أورد على ما تقدم من الجمل على الاستحباب لان الحكم بالاهراق والتيمم مع عدم نجاسة الماء مما لا يصح على قول إلا أن يعترض بجواز الحمل على التغير أو بالقدح في السند وأما الحسان فمنها ما رواه التهذيب في باب المياه والاستبصار في باب استعمال أسآر الكفار والكافي في باب الموضوء من سؤر الحايض عن سعيد الاعرج قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سؤر اليهودي والنصراني فقال لا وفيه أيضا جواز الحمل على الاستحباب لما تقدم أنه قد ورد روايات دالة على عدم نجاسة سؤرهما وسنذكر إنشاء الله تعالى في بحث نجاسة أهل الكتاب ومنها ما رواه الكافي في باب الرجل يدخل يده في الماء عن أبي بصير عنهم (عليه السلام) قال إذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابه فإن أدخلت يدك في الاناء وفيها شئ من ذلك فأهرق ذلك الماء ومنها ما رواه الكافي أيضا في هذا الباب عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الاناء قبل أن يغسلها إنه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ ومنها مضمرة زرارة المتقدمة في بحث ترتيب الغسل وفي هذه الروايات أيضا ما تقدم وأما الضعاف فمنها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب الماء القليل عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الجنب يجعل الركوه أو التور فيدخل إصبعه فيه قال إن كانت يده قذرة فليهرقه وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه هذا مما قال الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج ومنها ما رواه التهذيب في باب المياه عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا أولغ الكلب في الاناء فصبه و منها ما رواه أيضا في هذا الباب والاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ به الكلب عن معاوية بن شريح قال سأل عذافر أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عنده عن سؤر

[ 188 ]

السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه فقال نعم إشرب منه وتوضأ قال قلت له الكلب قال لا قلت أليس هو سبع قال لا والله إنه نجس ومنها ما رواه التهذيب في هذا الباب والكافي في باب البئر وما يقع فيها عن محمد بن يحيى رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يفسد الماء إلا إن كانت له نفس سائله ومنها ما رواه التهذيب في باب تطهير المياه والاستبصار في باب البئر يقع فيها الفارة عن علي بن حديد عن بعض أصحابنا قال كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد الله (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فارتان فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أرقه فاستسقى آخر فخرجت فيه فارة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أرقه قال فاستسقى الثالث فلم يخرج شئ فقال صبه في الاناء ومنها ما رواه التهذيب في الزيادات في باب دخول الحمام والكافي في باب ماء الحمام عن بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة ومنها ما رواه الكافي في الباب المذكور عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا يغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام فإن فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة أيام وفيها غسالة الناصب وهو شرهما إن الله لم يخلق خلقا شرا من الكلب وإن الناصب أهون على الله من الكلب ويرد على هذه الروايات مثل ما يرد على ما تقدم مع القدح في السند ويرد أيضا على الاخيرة إن قوله (عليه السلام) وهو لا يطهر إلى سبعة أيام قرينة على أنه ليس المراد النجاسة بالمعنى المصطلح وأيضا المنع عن الغسل يجوز أن يكون لاجل كون الغسالة من المستعمل لا لنجاستها ومنها رواية علي بن جعفر (عليه السلام) المتقدمة في بحث كون الغسل بصاع وفيها أيضا مثل ما تقدم هذه حجة المشهور وسيجئ أيضا إنشاء الله تعالى في بحث ماء المطر عدة روايات يمكن أن يحتج بها عليه مع ما فيها وأما ما يمكن الاحتجاج به لابن أبي عقيل في روايات أيضا منها ما رواه التهذيب في باب المياه والاستبصار في حكم الماء الكثير في الصحيح عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ منه ولا تشرب واعترض عليه أولا بأنه لا عموم له في المياه بل العموم باعتبار الغلبة وأنت خبير بأنه لو سلم إن الماء محمول على طبيعة الماء ويكون للطبيعة فلا وقع لهذا الايراد ولو لم يسلم بل يحمل اللام على العهد إشارة إلى الماء الكثير فلا يخفى إنه خلاف الظاهر إذ معهوديته غير ظاهرة وثانيا بتسليم العموم والقول بأن الروايات السابقة إنما تخصصه وقد مر الكلام فيه ومنها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب مقدار الماء في الصحيح عن أبي خالد القماط إنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة الجيفة فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إن كان الماء قد تغير ريحه وطعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه وإن لم يتغير ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ ومنها ما رواه الكافي في باب الماء الذي فيه قلة في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا جالس عن غدير وفيه جيفة فقال إذا كان الماء قاهرا ولا يوجد فيه الريح فتوض ورواه الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في باب المياه بأدنى تغيير ومنها ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال كتبت إلى من يسئله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو تسقى فيه من البئر فيستنجي فيه الانسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حده الذي لا يجوز فكتب لا يتوضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه وجه الاستدلال إنه لو كان نجسا لم يجز الوضوء منه عند الضرورة أيضا بالاتفاق وأورد على هذه الروايات أيضا بتخصيصها بالكثير لا يقال إن الرواية الاخيرة لا يمكن فيها هذا التخصيص لانه سأل عن حد الماء وأجاب (عليه السلام) بأنه لا يتوضأ إلا من ضرورة وهذا يدل على أنه لا فرق بين قليله وكثيره في الحكم وإلا لما كان الجواب مطابقا لانا نقول لا نسلم إن قوله ما حده سؤال عن قدر الماء بل عن حد حكمه والمراد بقوله لا يجوز لا يتعدى فيكون المراد ما حكمه الذي لا يتعدى عنه ومنها ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه الكافي في باب البئر في الصحيح عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستسقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء قال لا بأس واعترض عليه بحمله على عدم وصول الحبل إلى الماء ولا يخلو عن بعد وبأنه يمكن أن يكون شعر الخنزير طاهرا كما هو رأي السيد وفيه ضعف ومنها ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه والاستبصار في باب الماء القليل في الصحيح عن صفوان بن مهران الجمال قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها قال وكم قدر الماء قلت إلى نصف الساق والى الركبة فقال توضأ منه وفيه نظر ظاهر لجواز أن يكون الحياض المذكورة إذا كان مائها بقدر نصف الساق يكون كرا بل سؤاله (عليه السلام) عن قدر الماء يدل على خلاف المراد إذ لو لم ينجس القليل بالملاقات لما احتاج إلى السؤال إلا أن يقول السؤال لاجل أنه إذا كان دون الكر نهاه عن الوضوء تنزيها ثم إن الكافي روى هذا الخبر في الباب المتقدم وزاد فيه بعد قوله وإلى الركبة وأقل وعلى هذا يصير دلالته على المراد ظاهرة لكن سنده على ما فيه غير صحيح وأيضا يمكن أن يقال المراد من الاقل أقل من الركبة لا أقل من نصف الساق أيضا ولا يخفى إنه لو لم يحمل الاقل على هذا يشكل توجيه سؤاله (عليه السلام) عن القدر ثم جوابه بما أجاب ومنها ما رواه التهذيب في باب المياه في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد أنتنت قال إن كان النتن الغالب على الماء فلا

[ 189 ]

يتوضأ ولا يشرب ومنها ما رواه أيضا في زيادات باب المياه في الموثق عن سماعة قال سألته عن الرجل يمر بالميتة في الماء قال يتوضأ من الناحية التي ليس فيها الميتة ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب والاستبصار في باب الماء القليل في الموثق عن أبي بصير قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أنا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية فيكون فيه العذرة ويبول فيه الصبي وتبول فيه الدابة وتروث فقال إن عرض في قلبك منه شئ فقل هكذا يعني افرج الماء بيدك ثم توضأ فإن الدين ليس بمضيق فإن الله تعالى يقول ما جعل عليكم في الدين من حرج ورد عليها أيضا بعد القدح في السند أنها مخصصة بالكثير ومنها ما رواه التهذيب في أواخر باب حكم الجنابة والاستبصار في باب الجنب ينتهي إلى البئر والكافي في باب الماء الذي فيه قلة في الحسن بن إبراهيم عن محمد بن ميسر قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان قال يضع يده ويتوضأ ويغتسل هذا مما قال الله عز وجل ما جعل عليكم في الدين من حرج ورد بعد القدح في السند بحمل القليل على العرفي لا الشرعي أو على الجاري القليل وكلاهما خلاف الظاهر كما لا يخفى واعترض أيضا بمنع كون القذر بمعنى النجس وهو أيضا بعيد وعلى هذا دلالته على المطلوب ظاهرة نعم يخدشها عدم صحة السند لكن لا يخفى أن سنده وإن لم يكن صحيحا بالمعنى المصطلح لكنه معتبر جدا صالح للاعتماد لو لا تطرق خدشة ضعيفة باعتبار اشتراك محمد ومنها ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب الماء القليل عن عثمان بن زياد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أكون في السفر فأتى الماء النقيع ويدي قذرة فأغمسها في الماء قال لا بأس ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور والاستبصار في باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شيى عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب فقال تغير الماء فلا يتوضأ منه وإن لم يغيره أبوالها فيتوضأ منه وكذلك الدم إذا سأل في الماء وأشباهه ومنها ما رواه الكافي في الباب المتقدم عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال كلما غلب الماء ريح الجيفة فتوضأ واشرب ومنها ما رواه الكافي أيضا في هذا الباب والتهذيب في زيادات باب المياه عن علي بن أبي حمزة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الساكن والاستنجاء منه والجيفة فيه فقال توض من الجانب الاخر ولا توض من جانب الجيفة ورواه الفقيه أيضا مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في باب المياه ومنها ما رواه التهذيب في باب المياه والاستبصار في باب حكم الماء إذا ولغ به الكلب عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسؤر أو شرب منه حمل أو دابة أو غير ذلك أيتوضأ منه أو يغتسل قال نعم إلا أن تجد غيره فتنزه عنه ورد هذه الروايات أيضا بالضعف والحمل على الكثير واعلم إن العلامة (ره) حكم في المنتهى بصحة الرواية الاخيرة لكن الظاهر إنها ليست كذلك لان في سندها حسين بن سعيد عن ابن سنان والظاهر أنه محمد كما يظهر من تتبع الروايات ولا أقل من الاشتراك ومنها ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه والاستبصار في باب مقدار الماء عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قلت له رواية من الماء سقطت فيها فارة أو جرذا وصعوة ميتة قال إذا تفسخ فيها فلا تشرك من مائها ولا تتوضأ وصبها وإن كان غير منفسخ فاشرب منه وتوضأ واطرح الميتة إذا أخرجتها طرية وكذلك الجرة وجب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء قال وقال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا أن يجئ له ريح يغلب على ريح الماء فإن قلت هذا لا يوافق مذهب ابن أبي عقيل أيضا لانه إذا تنجس القليل بالملاقاة لم يكن فرق بين التفسخ وعدمه قلت كأنه إذا تفسخ يستلزم تغير بعض الماء وإن لم يظهر على الحسن بمخالطته بالاجزاء الاخرى وقلته ولما لم يتميز الاجزاء المتغيرة عن الاجزاء الغير متغيرة يجب صب الجميع وأيضا يمكن أن يكون النهي عن التوضأ عند التفسخ للتنزيه ورد هذه الرواية أيضا بالضعف وبالحمل على الكثير واعترض الشيخ في التهذيب على هذا الحمل بأن الجرة والحب والقربة كيف يمكن أن يسع الكر ثم أجاب بأنه ليس في الخبر أن جرة واحدة ذلك حكمها بل ذكرها بالالف واللام وذلك يدل على العموم عند كثير من أهل اللغة ولا يخفى ما فيه لانه على تقدير العموم يكون المعنى إن كل جرة كذلك وهذا لا ينفعه إنما ينفعه أن يحمل الجرة على مائها ويحمل اللام على الجلس وفيه من التكلف ما لا يخفى وأيضا في الحمل على الكثير شئ آخر إذ على هذا لا فرق بين التفسخ وعدمه والشيخ حمله على التغير وعدمه وفيه تكلف لان عجز الرواية يأبى عنه نعم يمكن الحمل على الاستحباب والتنزه على قياس ما ذكرنا واعلم إن جمعا من الاصحاب ذكروا في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل ما روى عن الباقر (عليه السلام) قال سئل عن الجرة والقربة تسقط فيهما فارة أو جرذا وغير ذلك فتموت فيهما قال إذا غلبت رايحته على طعم الماء أو لونه فارقه وإن لم تغلب فاشرب منه وتوضأ وردوه بالضعف وذكر العلامة في المنتهى إن رواية علي ابن حديد ولم نجد في الكتب الاربعة رواية علي بن حديد بالنحو الذي ذكروه وإنما وجدنا على ما نقلنا آنفا وكأنها كانت في كتاب آخر والله اعلم ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن زرارة قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء قال لا بأس ورواه الفقيه أيضا في باب المياه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) ورد بالضعف وبأنه لا دلالة له على المدعى لجواز أن يكون الاستسقاء لاجل الزرع وسقي الدواب وشبه ذلك لا للوضوء والشرب لا يقال يكون السؤال حينئذ لغوا لان الانتفاع بالميتة مطلقا في محل التردد أنه هل يجوز أم لا فسئل عن ذلك ومنها ما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور والاستبصار في باب البئر يقع فيها العذرة عن أبي مريم الانصاري قال كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) في حايط له فحضرت

[ 190 ]

الصلوة فنزح دلوا للوضوء من ركى له فخرج عليه قطعة عذرة يابسة فأكفا رأسه وتوضأ بالباقي ورد أيضا بالضعف ويحمل العذر على عذره ما يؤكل لحمه وفيه ضعف لانها فسرت في اللغة بغايط الانسان ومنها ما رواه التهذيب في هذا الباب والاستبصار في باب الماء القليل عن العلاء بن الفضيل قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها قال لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول ورد أيضا بالضعف وبالحمل على الكر وهو قريب ومنها ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله) أتى الماء فأتاه أهل الماء فقالوا يا رسول الله إن حياضنا هذه تردها السباع والكلاب والبهائم قال لها ما أخذت بأفواهها ولكم ساير ذلك ورد بالضعف وبجواز أن يكون الحياض المذكورة كرا وأنت خبير بأن عموم لها ما أخذت كاف في المطلب وإن كانت الحياض كرا لا أن يقال أنه بناء على الغالب من عدم أخذها ما يخرجها عن الكرية أو منها ما رواه التهذيب في باب المياه والكافي في باب الوضوء من سؤر الحايض عن الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه كره سؤر ولد الزناء وسؤر اليهودي والنصراني والمشرك وكل ما خالف الاسلام وكان أشد عنده سؤر الناصب ورد بالضعف وبأن الكراهة في عرفهم (عليه السلام) إنما يستعمل كثيرا بمعنى الحرمة أو الاعم منها ومنها ما رواه الكافي في باب الرجل يدخل يده في الماء عن بكار بن أبي بكر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يضع الكوز الذي يغرف به الحب في مكان قذر ثم يدخل الحب قال يصب من الماء ثلاث أكف ثم يدلك الكوز ورد بالضعف وباحتمال الحمل على الكثير أو أن لا يكون أسفل الكوز رطبا أو لا يكون القذر بمعنى النجس والكل لا يخلو عن بعد ومنها ما رواه الكافي في باب اختلاط ماء المطر بالبول عن عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة فيقع في الاناء ما ينتر ومن الارض فقال لا بأس به ورد أيضا بالضعف وبأنه لا دليل فيه على عدم التنجس مطلقا كما هو المدعى بل على عدم تنجسه إذا كان واردا على النجاسة كما هو مذهب السيد (ره) هذا ما وجدنا مما يصلح الاحتجاج به على الطرفين وقد عرفت إمكان المناقشة في الجميع ولو لم يكن الشهرة العظيمة بين الاصحاب لامكن القول بعدم التنجس وتأويل الروايات الدالة على خلافه بما مر للاصل والاستصحاب والروايات المنقولة الدالة عليه وإن كان يمكن المناقشة في كل منها لكن يحصل من المجموع كله صالح بالمراد خصوصا مع تأييدها بالاختلاف الواقع في باب الكر كما أشرنا إليه وشيوع استعمال الاوامر والنواهي في عرفهم (عليه السلام) في الاستحباب والتنزيه وكذا شيوع استعمال الطهارة والنجاسة في غير المعنى المصطلح وسيجئ طرف منه في بحث البئر إنشاء الله تعالى نعم ما يشكل حمله على الاستحباب والتنزيه من الروايات السابقة موثقتا عمار وسماعة المتضمنتان للاهراق والتيمم لكن أمرهما أيضا سهل لعدم صحتهما وإمكان الحمل على التغير لان السؤال فيهما عن حكم الاشتباه وليس سبب التنجس متطورا حتى يكون إطلاق وقوع القذر مخالفا ظاهرا للحمل على التغير وأيضا الغالب أن القذر يغير جزء من الماء وعند تغيره لا يمكن استعمال ذلك الماء فيجب الصب فيكون الامر بالاهراق محمولا على الغالب ويمكن إجراء هذا الوجه الاخير في بعض الروايات الاخرى أيضا لكن مع هذا كله الاولى متابعة المشهور واقتفاء الجمهور سيما مع تضمنه غالبا الاحتياط في الدين وحصول البرائة باليقين وإن كان في بعض الاوقات يتعارض الاحتياطان بل قد يصير الاحتياط في خلافه كما لا يخفى والاحتياط في الصورة الاخيرة أن يتطهر بهذا الماء ثم يتيمم ثم اعلم أن الظاهر من كلام الاصحاب أنه لا فرق في تنجس القليل بين ملاقاته بالنجاسة والمتنجس ويمكن الاستدلال عليه أيضا بظاهر بعض الروايات السالفة المتضمنة للتنجس بسبب إدخال اليد فيه وإن كان يمكن حمله على بقاء عين النجاسة فيها وبالجملة الاولى تعميم الحكم والله أعلم بحقايق أحكامه (كانت النجاسة دما لا يدركه الطرف على الاصح أو لا) المشهور بين القائلين بنجاسته القليل بالملاقاة عدم التفرقة بين نجاسته ونجاسة وبين قليلها وكثيرها والشيخ في المبسوط حكم بعدم نجاسته بما لا يمكن التحرز منه مثل رؤس الابر من الدم وغيره فإنه معفو عنه لانه لا يمكن التحرز منه واستدل أيضا على مختار الشيخ بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة في البحث السابق المتضمنة لامتخاط الرعاف واعترض عليه بأنها لا طهور لها في إلا لوصول إلى الماء لا يقال إن لم يصل إلى الماء فلا وجه للسؤال سيما مع عظم شأن السايل لانه لا يمكن أن يكون السؤال في موضع يكون الوصول إلى الاناء متيقنا والوصول إلى الماء مشكوكا أو مظنونا ولا ريب أن في هاتين الصورتين سيما الاخيرة للسؤال مجالا فحينئذ يكون جواب الامام (عليه السلام) أنه إذا كان يرى شئ في الماء ويحصل اليقين بالوصول فينجس الماء وإلا فلا ولا يخفى أن هذا أيضا لا يخلو من خدشة إذ لا حاجة حينئذ إلى بيان أن في صورة اليقين بالوصول ينجس الماء لكن الامر سهل فإن قلت قد تقرر أن النفي إنما يرجع إلى القيد إذا كان في الكلام قيد فحينئذ يكون النفي في قوله (عليه السلام) إن لم يكن شئ يستبين في الماء راجعا إلى الاستبانة التي يكون صفة لشئ فيفهم منه ظاهرا وجود شئ في الماء لكن غير ظاهر قلت يمكن أن يكون يستبين خبرا لكان لا صفة لشئ فحينئذ لا دلالة فإن قلت ما تقول في قوله (عليه السلام) فإن كان شيئا بينا لان شيئا خبر لكان واسمه الشئ الذي في الماء وحينئذ يتم الدلالة كما لا يخفى قلت ليجوز أن يكون اسمه الشئ الذي امتخط فأصاب الاناء ولم يعلم وصوله إلى الماء فيصير المعنى فإن كان الشئ الذي امتخظ شيئا يظهر في الماء فلا بأس وعلى قاعدة رجوع النفي إلى القيد يرجع إلى الظهور في الماء لا إلى كونه شيئا وهذا ليس ينفعكم فافهم واستشهد لهذا الاعتراض بالرواية الاخرى عنه أيضا

[ 191 ]

المنقولة سابقا عن الكافي وفيه نظر لان هذه الرواية إنما تدل على التنجس بالقطرة من الدم ومثل ما ذكره الشيخ لا يسمى قطرة وأيضا يرد على هذا الاستدلال أنه على تقدير تمامه إنما يدل على الدم فقط فإجرائه في غيره كما هو مختار المبسوط لابد له من دليل وسيجئ لهذا تتمة في بحث النجاسات إن شاء الله تعالى وأجيب عن استدلاله الاول بعدم إمكان التحرز بالمنع إن أريد معناه الظاهر وإن أريد به المشقة فربما يمنع أيضا ولو سلم فوصولها إلى حد يكون حرجا متيقنا في الدين غير مسلم واحتج القايلون بالنجاسة بأن القليل قابل للنجاسة والدم نجس وكذا غيره فيثبت التنجيس ولا يخفى أن هذا الاستدلال إنما كان متجها لو ثبت عموم تنجس القليل وقد ظهر مما سبق أنه ليس كذلك إذ غاية ما تدل عليه الروايات المتضمنة الحديث الكر الدالة بمفهومها على نجاسة القليل تنجسه بالملاقاة في الجملة وأما العموم فلا إذ لا عموم لمفهومها وما يقال إنه لو لم يكن عاما لخلي عن الفايدة التامة وهو غير جايز على الحكيم غير مسلم إذ وجود الفائدة التامة في المنطوق كاف والروايات الدالة بالمنطوق كانت مختصة ببعض الموارد ولا عموم لها أيضا وإنما كان التعدي إلى غير هذه الموارد باعتبار عدم القول بالفصل ولما وجد فيما نحن فيه القول بالفصل كان إجزاء الحكم فيه مشكلا فإن قلت صحيحة على المتقدمة في بحث نجاسة القليل المتضمنة لدخول الدجاجة التي تطاء العذرة في الماء ظاهرة في العموم قلت طهورها أيضا في العموم ممنوع لان الماء في قول السائل ثم تدخل في الماء جنس معرف باللام وهو ليس في حد صيغ العموم بل إنما يحمل عليه في كلام الحكيم عند تقنين القوانين حيث لا عهد ولا تعارض لبعض الافراد حذرا عن اللغو وهاهنا ليس كذلك إذ السؤال عن دخول الدجاجة والحمامة قرينة على أن المراد المياه التي يتعارف كونها في الدور والمساكن من مياه الاواني والظروف وأشباهها فتأمل على أن تعميم الماء لا ينفع في مسئلتنا هذه إذ النافع فيها تعميم النجاسة كما لا يخفى لكن مع ذلك الاولى متابعة المشهور والاحتياط وبما نقلنا عن المبسوط ظهر أن الاولى أن يضم المصنف غير الدم أيضا من النجاسات إليه كأنه نظر إلى الاستبصار إذ فيه ذكر الدم فقط لكن الظاهر أنه أيضا لااختصاص له بالدم بل يحتمل حمله على ما يوافق المبسوط احتمالا قريبا كما لا يخفى على الناظر فيه (وطهره بإلقاء كر عليه دفعة يزيل تغيره إن كان ولو لم يزله افتقر إلى كر آخر وهكذا) اعلم أنه لا يوجد في روايات أصحابنا رحمهم الله تعالى نص في تطهير المياه النجسة سوى رواية دالة على تطهير الجاري بعضه بعضا وكذا ماء الحمام كما سنذكر إن شاء الله تعالى فيما بعد والروايات المختصة بالبئر بل الظاهر من رواية الماء يطهر ولا يطهر المتقدمة عد إمكان تطهير الماء إلا أن يحمل على أنه لا يطهر بغيره لكن الاصحاب (ره) ذكروا وجوها لتطهير الماء كما سنشرح مفصلا إن شاء الله تعالى مع ما يتعلق بها من الابحاث أما الماء القليل فإن كان نجاسته بالملاقاة فقط بدون تغير فذكروا أن من جملة مطهراته إلقاء كر عليه دفعة وإن كان نجاسته بالتغير فبإلقاء كر أيضا فإن زال تغيره به فلا حاجة إلى شئ آخر وإن لم يزل فلا بد من إلقاء كر آخر وهكذا ولا يخفى أنهم لم يوجبوا إلقاء الكر في زوال التغير بل لو أزيل بغير الماء أو بالماء القليل أو زال بنفسه كفى حينئذ إلقاء كر عليه وإن كان ظاهر بعض عباراتهم كعبارة المتن يوهم خلافه واستدلوا على تطهيره بإلقاء الكر بأن الماء الطاري لكونه كرا لا يقبل النجاسة والنجس مستهلك به فيطهر ولا يخفى ما فيه من الضعف لان مرادهم بالاستهلاك إن كان الاستهلاك حقيقة بمعنى انعدامه وفنائه فبطلانه ظاهر وإن كان الاستهلاك بحسب الحس والعرف ففيه أولا أنه ليس بمسلم خصوصا إذا كان القليل النجس أنقص من الكر بقليل وهو ظاهر وثانيا أنه لو سلم الاستهلاك الحسي فما الدليل على طهارته بذلك إذ الدليل لو تم لدل على الطهارة بالاستحالة كما سيجئ إن شاء الله تعالى مع أن الاصل بقاء النجاسة حتى يثبت مزيلها سيما على رأيهم من حجية الاستصحاب مطلقا وإذ قد عرفت ضعف الاستدلال فالذي يمكن أن يعول عليه في هذا الباب اتفاق الاصحاب إذ لم ينقل لاحد فيه خلاف ثم أن هاهنا أمورا لابد من التنبيه عليها الاول أنه هل يشترط في التطهير الامتزاج مع كر طاهر أو لا بل يكفي الاتصال به ذهب المحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة والمصنف في الذكرى إلى عدم تطهيره بالاتصال والعلامة في التحرير والنهاية والمحقق الشيخ علي والشهيد الثاني رحمهم الله على الاكتفاء بالاتصال وفي المنتهى كالمتردد واحتج على الاكتفاء بالاتصال بوجوه الاول أن الاتفاق واقع على أن تطهير ما نقص عن الكر بإلقاء الكر عليه ولا شك أن المداخلة ممتنعة فالمعتبر إذن الاتصال الموجود هاهنا توضيحه أن حال إلقاء الكر عليه إما أن يلاقي جميع أجزائه ماء الكر وهو محال لامتناع التداخل إلا على القول بالجزء الذي لا يتجزى وهو باطل وعلى تقدير وجوده نقول إن كان المعتبر ملاقاة الجميع فلا بد لا أقل من حصول الظن بها في الطهارة ولا شك أنه لا ظن فيما نحن فيه بملاقاة الاجزاء بالاسر بل لا يبعد ادعاء الظن بل العلم بعدمها وأما أن لا يلاقي جميع الاجزاء بل بعضها فقط فلم يكن المطهر للبعض الاخر وصول الماء إليه بل مجرد اتصاله بما يصل إلى الماء ولا يخفى أن عند اتصاله بالكر أيضا هذا المعنى حاصل لان بعضه متصل بالكر والبعض الاخر متصل بذلك البعض فيجب أن يكون كافيا في التطهير الثاني إن الاجزاء الملاقية للكثير يطهر بمجرد الاتصال قطعا لطهورية الماء فتطهر الاجزاء المتصلة بذلك الاجزاء أيضا لاتصالها بالكثير الطاهر لان الاجزاء الاول صارت طاهرة وهي مع الكر المفروض أولا بمجموعهما كر طاهر والاجزاء الثواني متصلة بذلك المجموع وهكذا الثالث الاصل ويرد على الاول أنا نختار الثاني ونقول أن طهارة بعض الاجزاء باتصاله بما يصل إلى الماء لا يستلزم الاكتفاء بمطلق الاتصال لجواز

[ 192 ]

أن يكون ملاقاة أكثر الاجزاء أو القدر المعتد به منها لها مدخل في الطهارة وبالجملة التطهير إنما هو أمر شرعي لا مدخل للعقل فيه وقد ثبت بالاجماع أن الالقاء دفعة مطهر فالتعدي إلى غيره مما لا نص فيه ليس بجايز وإن لم يظهر لنا الفرق بينهما لما عرفت من عدم مدخلية العقل في هذه الامور فكيف مع ظهور الفرق إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله فلما لم يكن الملاقاة بالاسر فلا أقل من ملاقاة الاكثر أو القدر المعتد به وعلى الثاني إن عموم طهورية الماء غير مسلم لعدم دليل إذا الدلايل الدالة على طهوريته إنما يدل على طهوريته في الجملة كما مر في بابه خصوصا مع ما قد عرفت من وجود الرواية الدالة بظاهرها على أن الماء لا يطهر بشئ سلمنا لكن نقول إن الماء يطهر ما يلاقيه وملاقة الكر ههنا إنما هو مع سطح الماء النجس فيلزم أن يطهر ذلك السطح وليس سطح آخر متصل بذلك السطح الامتناع تتالى السطوح حتى يطهر ذلك السطح أيضا هكذا إلى الاخر بل هذا السطح إنما هو انتهاء الماء النجس ولا دليل على طهارة الجسم كله بطهارة سطحه وهو ظاهر ويمكن إجراء هذا التقريب بوجه آخر سيجئ إن شاء الله تعالى في بحث ماء المطهر وعلى الثالث أن الاصل لا معنى له بل الاصل مع خلافة إذ قد تحقق النجاسة والاصل بقائها حتى يثبت المزيد هذا ويمكن أن يأتي أنك قد عرفت فيما سبق أن الروايات الدالة على نجاسة القليل بالملاقاة مما لا يكاد يسلم عن المناقشة والعمدة في التمسك بنجاسة الشهرة بين الاصحاب ولا يخفى أن الشهرة ليست بعد الاتصال فيبنى على أصل الطهارة وانعقاد الاجماع على أن بعد ثبوب النجاسة يستمر حكمها حتى يحصل اليقين بمزيلها مم والاستصحاب في مثل هذا الموضع قد عرفت ماله إلا أن يأتي الشهرة بين الاصحاب قرينة على أن المراد بالروايات الدالة على النجاسة ظاهرها ومعارضاتها إنما تكون أولة وبعض الروايات كما عرفت دالة على النهى عن الوضوء بذلك الماء والشرب منه وإراقته والنهى يدل على التكرار والدوام ظاهرا فيستصحب حكمه يثبت المزيد وللتأمل فيه مجال واسع ولا يبعد أيضا أن يقول هب أن الشهرة دلت على ما ذكر لكن غاية ما فيه أن تكون الروايات ظاهرة في نفسها على دوام النهى لكن بعد وجود الخلاف في أن منتهاه ماذا هل هو الامتزاج أو الاتصال وعدم شهرة أحدهما بين الاصحاب يحصل الشك في التكليف وقد عرفت مرارا حال الشك ولا يذهب عليك أن إجراء هذا النحو من الكلام في القليل متغيرا شكل إذ ظهور دلالة الروايات الواردة فيه ليس اعتبار والشهرة فقط لعدم معارض لها بعضها ظاهر في استمرار النجاسة كما لا يخفى فيستصحب حتى يثبت المزيل والاولى رعاية الامتزاح وعدم الاكتفاء بالاتصال احتياط سيما في المتغير الثاني إن ألقاه الكر هل يجب أن يكون دفعة بمعنى وقوع جميع أجزائه في زمان قصير بحث يصدق عليه في العرف اسم الدفعة إذ الدفعة الحقيقية محال أو لا يجب بل يكفى وقوعه تدريجا لكن بشرط عدم الانقطاع ففى بعض كلماتهم يوعد التقييد بالدفعة وفى بعض آخر كعبارة المبسوط والخلاف والمعتبر لا تقييد والمصنف في الذكرى لم يقيد بالدفعة وقيده بالاتصال واعترضه المحقق الشيخ على (ره) بأن وصول أول جزء إلى النجس يقتضى نقصانه عن الكر فلا يطرح بورود النص بالدفعة وتصريح الاصحاب بها وأجيب عنه بأنه يكفى الطهارة بلوغ المطهر الكر حال الاتصال إذا لم تغير بعضه بالنجاسة وإن نقص بعد ذلك مع أن مجرد الاتصال لا يقتضى النقصان كما هو واضح وما ادعاء من ورود النص بالدفعة منظور فيه إذ لم يوقف عليه في كتب الحديث ولا نقله ناقل في كتب الاستدلال وتصريح الاصحاب ليس حجة مع أن العلامة في التحرير والمنتهى اكتفى في تطهير الغدير القليل النجس بالغدير البالغ كرا ومقتضى ذلك الاكفاء في طهارة القليل باتصال الكر وإن لم يلقى كله فضلا عن كونه دفعة ويمكن أن يقول أن ما ذكره من أنه يكفى في الطهارة بلوغ المطهر الكر حال الاتصال مم لما عرفت من عدم تمامية أدلته إلا أن يكون إلزاما على المعترض حيث اكتفى بالاتصال وقد يقول أنه وإن اكتفى بالاتصال لكن يعتبر مساواة السطوح والاجتماع في الكر فعلى تقدير الالقاء تدريجا لما لم يبق المساواة و الاجتماع بحالهما فعند ملاقاته بالنجس يصير نجسا فينقص عن الكر فلا يفيد التطهير وعلى هذا يندفع قوله مع أن مجرد الاتصال الخ أيضا كما لا يخفى و فيه أنه صرح في بعض تحقيقاته كما نسب إليه الشهيد الثاني تقوى الاسفل بالاعلى فهذا التوجيه لا يتمشى من قبله لكن لا يخفى أنا لم نقف في كلامه على هذا المعنى وإن ما يوهم ذلك من كلامه المراد منه شئ آخر وسنشير إليه فيما بعد إن شاء الله تعالى إلا أن يستنبط من كلامه في موضع آخر هذا وقد فصل بعض المحققين ههنا وذكروا أنه لا يخلو إما أن يعتبر في عدم انفعال الماء الكثير بالملاقاة استواء أسطحه أم لا وعلى التقديرين إما أن يعتبر الممازجة أو لا فإن لم يعتبر استواء السطح ولم يعتبر الممازجة فحينئذ لا يشترط الذريعة بل يكفى الاتصال كما ذكره الشهيد بل لا يلزم حينئذ إلقاء جميع الكر بل يكفى وصول أوله إليه نعم لو كان النجس متغيرا فلا بد من أن يدخل ماء الكر فيه بقدر ما يزيل تغيره ويشترط إذن أن لا يتغير بعض أجزاء الملقى ويزيد على الكر بقدر الاجزاء المتغيرة والحاصل أنه يشترط بقاء كر غير متغير متصل بالنجس وإن اعتبر استواء السطح فلا بد من الالقاء دفعة سواء اشترط الممازجة أو لا وسواء كان النجس متغيرا أو لا إذ مع انتفاء الدفعة يخرج الكر عن استواء السطوح فينجس جزئه الاول بالنجس وهكذا فلا يفيد التطهير فلا بد من الدفعة لئلا يخرج عن استواء السطح ولم ينفعل عن النجاسة وإن لم يعتبر استواء السطح واعتبر الممازجة فحينئذ أيضا لا يلزم الدفعة بل لابد من شيوع أجزائه فيه وإن لم يدخل جميع الكر

[ 193 ]

فإن لم يكن متغيرا فيكفي الشيوع وإن كان متغيرا فيجب أن يزول التغير بشيوعه بشرط أن لا يتغير ماء الكر أو يزيد على الكر بقدر الاجزاء المتغيرة وإذ قد عرفت هذا فيمكن أن يكون اكتفاء المصنف في الذكرى بالاتصال بناء على عدم اعتبار استواء السطح ويمكن أن يكون مراده بالاتصال الدفعة وقد حمل الشهيد الثاني الدفعة في كلام العلامة على الاتصال نظرا إلى أن إلقائه متفرقا بحيث يقطع بين أجزائه يوجب تعدد دفعات الالقاء ومع اتصال بعضه ببعض يصدق الدفعة وقد قيل بأنه لا حاجة إلى هذا الحمل لان كلامه في الحمام يعطي الحكم باشتراط استواء السطح وهو بعيد إذ الظاهر من كلماته كما سنذكر إن شاء الله تعالى عدم اعتباره الاستواء بل إنما يقول بتقوى الاسفل بالاعلى وتوجيه كلامه في الحمام سيجئ إن شاء الله تعالى فإن قلت فعلى هذا هل يجب حمل كلام العلامة (ره) على ما حمل عليه الشهيد الثاني (ره) أم يمكن حمله على معناه التبادر قلت لا بل يمكن حمله على المتبادر لانه (ره) إما أن يكتفي بالاتصال في التطهير كما في بعض كتبه أم لا فإن اكتفى بالاتصال فيمكن أن يكون مراده به الاتصال الذي يحصل به الوحدة ويعتقد أنه إنما يتحقق عند استواء السطوح فعند الالتقاء تدريجا لا يحصل ذلك الاتصال وإن لم ينجس أجزاء الكر لتقويها بالاعلى لا يقال أن الحكم بتقوى الاسفل بالاعلى يدل على أن الوحدة عنده يحصل بدون استواء السطوح لانه ممنوع إذ يجوز أن يكون لامر آخر إلا يرى إنه لم يقل بتقوى الاعلى بالاسفل ولو كان بناء الحكم على الوحدة لما كان فرق بين الصورتين ظاهرا وإن لم يكتف بالاتصال فيظهر حاله عن قريب ثم اعلم أن في بعض ما ذكر من التفصيل نظرا وهو إنه إن لم تعتبر المساواة ولا الممازجة فحينئذ لا يشترط الدفعة مطلقا ممنوع لما ذكرت آنفا نعم لو اكتفى بالاتصال مطلقا لكان الظاهر ما ذكر وأيضا أن في صورة اعتبار الممازجة يكفي دخول الماء فيه بقدر أن يحصل الامتزاج ولا يلزم دخول جميع الكر مما لادليل عليه لما عرفت سابقا من أن النص في باب التطهير مفقود سوى ما ذكروا لاصل بقاء النجاسة حتى يثبت مزيلها وغاية ما ثبت الاجماع على التطهير بالقاء الكر دفعة ولا ظاهر منه وجوب دخول جميع أجزاء الكر والحاصل أن الاجماع في غير صورة دخول جميع الاجزاء ممنوع والقائلون باعتبار الممازجة لا يعلم أنهم يكتفون بممازجة بعض أجزاء الكر أو يعتبر ممازجة جميعه بل الظاهر من كلماتهم اشتراط ورود جميع الكر عليه فالقول بالاكتفاء بممازجة البعض مما لا دليل عليه فيجب أن يحكم بنجاسة الماء بناء على الاستصحاب حتى يعلم المزيل إلا أن يقال على نحو ما ذكرنا سابقا أن المتمسك في النجاسة هو الشهرة وليست هاهنا وقد حصل الشك في التكليف فلا يجب الزايد على القدر المتيقن وحينئذ ينهدم بنيان اعتبار الامتزاج وأيضا ما ذكره من أن عند عدم اعتبار استواء السطح وعدم الاكتفاء بالاتصال لا حاجة إلى الدفعة بل يكفي شيوعه فيه ممنوع بعين ما ذكرنا آنفا والقول بعدم تعقل الفرق حينئذ بين الدفعة واللادفعة غير محصل إذ العقل لا سبيل له إلى هذه الامور مع إن الفرق أيضا حاصل بالقوة وكمال الاستيلاء وعدمهما ومقتضى الاحتياط أن يعتبر الدفعة مطلقا وأن يدخل جميع أجزاء الكر في النجس الثالث أنهم ذكروا إن في صورة التغير يجب إلقاء كر يزيل تغيره وظاهر هذا الكلام أن زوال التغير بإلقاء الكر يكفي في التطهير وإن تغير بعض الكر في ابتداء الوصول لكن الظاهر أن ليس مرادهم هذا بل لا بد من أن لا يتغير أجزاء هذا الكر أو تكون أجزائه زايدة على الكر بقدر المتغير والحاصل أنه يشترط بقاء كر بعد تغير بعض أجزاءه كما ذكرنا في التفصيل واعلم أيضا أنه يظهر من التفصيل السابق أنه لا بد في صورة اعتبار الممازجة وكذا في صورة التغير أن لا ينفصل أجزاء هذا الكر الملقي بعضها عن بعض وإلا ينفعل بالنجاسة وحينئذ حصول الظن أو العلم به متعذرا أو متعسر جدا على إن في صورة اعتبار مساواة السطح لا يبعد ادعاء الخروج عن المساواة بعد الامتزاج فيشكل حينئذ التطهير إلا أن يقال الاجماع منعقد على التطهير به وبعد انعقاد الاجماع لا مجال للاشكال وبالجملة في كل صورة ينعقد الاجماع بالتطهير يجب القول به وإن كان يجري فيه الاشكال إذ الاجماع مخصص للحكم وأما إذا لم يكن إجماع فللاشكال مجال وهذا أيضا مما يؤيد اعتبار الدفعة فتدبر الرابع أن ما ذكروا من وجوب إلقاء كر آخر إن لم يزل التغير بالاول إنما هو على تقدير أن لا يتميز كر طاهر غير متغير عن النجس إذ لو بقي فيكفي حينئذ في تطهير النجس التموج حتى يزول التغير بشيوع أجزاء الكر الطاهر فيه على اعتبار الامتزاج أو يزول التغير مع الاتصال به على عدمه كما سيجئ في تنجس بعض الكثير الواقف إن شاء الله تعالى الخامس أنه على القول بكفاية الاتصال هل يكفي الاتصال بأي وجه كان أو لابد من مساواة المطهر أو علوه يعلم من كلام بعضهم كالشهيد الثاني (ره) اشترط أحد الامرين بل يفهم ميله إلى اشتراط الاخير فقط وقد مر آنفا إنه يمكن أن يكون ميل العلامة إلى الاتصال بطريق المساواة والله أعلم (وكذا تطهر بالجاري) الظاهر أن تطهيره بالجاري في الجملة مما لا خلاف فيه نعم على القول باعتبار الامتزاج يشترط شيوع الجاري فيه وعلى القول بعدمه لا يشترط بل يكفي الاتصال وعلى تقدير الاكتفاء بالاتصال الكلام في اشتراط أحد الامرين من المساواة والعلو على قياس ما مر آنفا ومما يتعلق بهذا المقام تحقيق الكلام في موضعين الاول فيما إذا نبع الماء من تحت النجس لان كلامهم فيه مشوش جدا والثاني فيما إذا وصل الماء من الجاري أو الكثير إلى الماء النجس بالفوارة لكن سنذكر البحث الثاني في مبحث ماء الحمام إن شاء الله تعالى ولنذكر الان ما يتعلق بالبحث الاول ونبين أولا ما هو الظاهر بحسب النظر ثم نذكر كلام القوم فالذي يقتضيه النظر أن لا يكون فرق بين النبع من تحت وبين إجرائه إليه من خارج فيكون حكمه حكمه من الاكتفاء

[ 194 ]

بالاتصال أو اشتراط الممازجة وعلى القول بعدم كفاية الاتصال من تحت لابد هاهنا من الممازجة ولما علمت من أن الاكتفاء بالاتصال لا ظهور له خصوصا الاتصال من تحت فالاولى حينئذ رعاية الامتزاج وإن كان بعد الامتزاج أيضا إشكال لعدم ظهور إجماع فيه كما سيظهر من كلام الاصحاب ولا دليل سواه في هذا الباب نعم لو نبع بقدر كر من دون انقطاع أجزائه بسبب ملاقاة النجس وامتزج بالنجس لكان الظاهر حينئذ تطهيره له ويقل الاشكال وأما كلام الاصحاب فالعلامة (ره) حكم في القواعد والتحرير بعدم التطهير بالنبع من تحت وأطلق وكذا في التذكرة وبناء هذا يمكن أن يكون على أمرين الاول اشتراط العلو في المطهر ويرد عليه إنه حكم في الكثير إذا تغير بعضه وكان الباقي كرا بالطهارة إذا تموج وزال التغير ولا شك إنه لا علو هناك إلا أن يتمسك فيه بالاجماع لكن إثباته مشكل وعلى تقدير التسليم يرد عليه إنه حينئذ الحكم بعدم الطهر هاهنا مطلقا غير صحيح إذ لو نبع بقدر الكر وامتزج بالنجس لكان حكمه حكم ما فيه الاجماع إلا أن يقيد كلامه بغير هذه الصورة فإن قلت لعله اشترط أحد الامرين من المساواة والعلو قلت الايراد الثاني حينئذ باق بحاله وأيضا حكم في الجارى المتغير بطهره بالتدافع والتكاثر مطلقا وهو شامل لرأس المنبع الذي يكون نبع ماء ممن تحت إلا أن يقيد أيضا بغير ما ذكر الثاني ما هو مختاره من نجاسة الجاري بالملاقاة إذا كان قليلا ويرد عليه أنه حينئذ حكم في طهر الجاري بالتدافع والتكاثر ولا شك أن هذا يجري فيه أيضا والتخصيص بالكثير مشترك فإطلاق القول بالطهر هناك وبعدمه هاهنا لا وجه له إلا أن يقال الوجه إن في غير صورة النبع من تحت يمكن تحقق الكثرة وفي صورة النبع لا يمكن إذ كل ما ينبع يصير نجسا ويرد عليه حينئذ أنه يلزم على هذا أن لا يطهر الماء الجاري الذي في منبعه نجاسة وإن كان نهرا عظيما كالدجلة والفرات ولا يقول به عاقل إلا أن يكتفي بخروج الكر دفعة عرفية وحينئذ إطلاق الحكم في عدم الطهر بالنبع بناء على الغالب إذ الغالب عدم خروج كر دفعة عرفية أو على أن حكم ما إذا خرج كر دفعة ظاهر لاندراجه تحت إلقاء الكر ويمكن توجيه كلامه بحمل النبع على غير النبع من الارض أي الجريان بالشرعي بل النبع من ماء كثير تحته وسيجئ حكمه إن شاء الله تعالى أو من غيره وقال في النهاية ولو نبع من تحته فإن كان على التدريج لم يطهره وإلا طهره ولم يعلم أن مراده من النبع هاهنا ماذا أهو النبع من الارض أي الجاري أو النبع من الكثير فإن كان الاول فمراده من التدريج وعدمه إن كان ما سبق من خروج الكر دفعة عرفية وعدمه فإنما ينطبق ظاهرا على ما ذهب إليه لكن في بعض صوره استبعاد وإن كان غيره فيظهر حاله مما سيأتي وإن كان الثاني فيمكن أن يكون مراده من التدريج وعدمه القوة والفوران وعدمهما فحينئذ يكون الحكم بالتطهير في الاول بناء على القوة والاستيلاء والكثرة الفعلية وبعدم التطهير في الثاني بناء على عدمها والفرق مشكل لعدم دليل عليه من الشرع والعقل لا مدخل له في هذه الامور و أمثال هذه الامور إنما يناسب طريقة العامة اللهم إلا أن يثبت إجماع في صورة لكن ثبوته مشكل وسيجئ تفصيل القول فيه في بحث الحمام وقطع المحقق الشيخ على (ره) بحصول الطهارة لو كان النبع بقوته وفوران ويظهر من كلامه أنه لو كان النبع ضعيفا بطريق الترشح لا يفيد التطهير ولعل الفرق بناء على أنه إذا كان بطريق الترشح الضعيف فإنما ينقطع اتصاله بالمادة عند شيوعه في الماء النجس أو يتراخى آنات نبعه فلا يكون في حكم الجاري أو بناء على اشتراط القوة والاستيلاء في التطهير إذا كان المطهر أسفل أو مطلقا وإثباته مشكل كما أشرنا إليه والشيخ في الخلاف قال أنه لا يطهر إلا أن يرد عليه كر من ماء وقال في المبسوط ولا فرق بين أن يكون الطاري نابعا من تحته أو يجري إليه أو يقلب فيه وهذا بظاهره يعطي الحكم بالتطهير بالنبع مطلقا وهذا ظاهر على طريقتهم من عدم انفعال الجاري بالملاقاة إذ الوجه الذي ذكروه في تطهير إلقاء الكر من أن الطاري لا يقبل النجاسة والنجس مستهلك به فيطهر جار هاهنا أيضا والمحقق (ره) في المعتبر مع حكمه بعدم انفعال الجاري بالملاقاة وإن كان قليلا قال بعد نقل ما نقلنا آنفا من الخلاف والمبسوط مشيرا إلى ما في الخلاف وهذا أشبه بالمذهب لان النابع ينجس بالملاقاة بالنجاسة إن أراد بالنابع ما يوصل به من تحته لا أن يكون نبعا من الارض فهو صواب انتهى ولا يخفى ما فيه لان النابع من الارض على ما ذهب إليه لا ينجس بالملاقاة اللهم إلا أن يحمل على النابع بطريق الرشح ويتمسك بما ذكرنا من الوجهين أو يحمل على غير الجاري أما على النابع من غير مادة أيضا أو الاعم منه وقد يحمل على البئر والكل خلاف الظاهر ومراده مما يوصل به من تحته كأنه الكر من الماء الذي يصل إليه من تحته بحيث يخالطه ويمازجه لا أن يتصل به فقط لان مختاره في المعتبر عدم الطهارة بالاتصال وبالجملة كلامهم لا يخلو من تشويش واعلم أنهم ذكروا في تطهير القليل وجوها أخر منها إلقائه في الكر ولا شبهة في طهارته حينئذ مع الامتزاج بدون الامتزاج فيه الكلام السابق ولو كان القليل النجس في كوز وغمس في الكثير فعلى القول بالامتزاج لابد من دخول الماء فيه وشيوعه سواء كان ضيق الرأس أو لا وعلى القول بالاتصال يكفي أن يلاقي سطحه سطح الكثير لكن بشرط أن يكون الكثير مساويا أو أعلى وأما إذا كب الكوز في الماء بحيث يكون مائه أعلى من الكثير فلا ولو كان في وسط الكوز ثقبة وأدخل إلى الثقبة في الماء فالظاهر على رأيهم طهارة ما تحت الثقبة ونجاسة ما فوقها هذا على اشتراط أحد الامرين وأما بدونه فالتطهير حاصل في الكب أيضا وكذا يطهر ما فوق البقية أيضا ومنها إجراء الماء عن المادة الكثيرة إليه وسيجئ القول فيه في ماء الحمام إن شاء الله تعالى ومنها نزول الغيث وسيجئ ما يتعلق به إن شاء الله تعالى في بابه ومنها إتمامه كرا وسيذكره المصنف (وقول أبي عقيل يتوقف نجاسته

[ 195 ]

على التغير شاذا) قد مر تفصيل القول فيه ولا يطهر بإتمامه كرا سواء كانا نجسين أو أحدهما على الاقوى اختلف الاصحاب في تطهير القليل بإتمامه كرا فذهب الشيخ في الخلاف وابن الجنيد وأكثر المتأخرين إلى بقائه على النجاسة وعدم التطهير بالاتمام مطلقا سواء كان بطاهر أو نجس والمرتضى في المسائل الرسية وسلار وابن ادريس ويحيى بن سعيد قالوا بالطهارة ثم بعض القائلين بالطهارة أطلق القول ولم يصرح بكون الاتمام بطاهر أو لا والبعض الاخر كابن ادريس صرح بعدم الفرق بين الطاهر والنجس ونسبه إلى الشيخ في المبسوط إلى بعض أصحابنا أيضا ونقل الشيخ أيضا في المبسوط والمصنف (ره) في الذكرى القول بالفرق عن بعض فحكم بالطهارة في الاتمام بالطاهر دون النجس وربما نسب هذا القول إلى ابن حمزة والشيخ في المبسوط كالمتردد في الحكم وإن كان يظهر منه الميل إلى جانب الطهارة احتج القائلون بالطهارة بوجوه أحدها أن البلوغ يستهلك النجاسة فيستوي وقوعها قبل البلوغ وبعده وضعفه ظاهر لانه قياس محض لا نعمل به إذ استهلاك النجاسة الواقعة بعد البلوغ إنما ثبت بالنص ولا نص في استهلاك النجاسة الواقعة قبل البلوغ فيكون التسوية بينهما قياسا غير معمول به إذ لم يعلم أن العلة في الاستهلاك بلوغ الكرية ولو سلم أن العلة هي البلوغ فلم لا يجوز أن يكون البلوغ طاهرا له قوة دافعة للنجاسة بخلاف البلوغ نجسا لانقهاره بالنجاسة قبل فلا يصير قاهرا وثانيها أنه لو لا الحكم بالطهارة عند البلوغ لما حكم بطهارة الماء الكثير إذا وجد فيه نجاسة لانه كما يحتمل وقوعها بعد البلوغ يحتمل قبله فلا يكون الحكم بالطهارة أولى لكن الاجماع على الحكم بطهارته وهذا أيضا ضعيف لان الحكم بالطهارة في الصورة المفروضة بناء على أن الاصل الطهارة حتى تعلم النجاسة و لم يعلم النجاسة هاهنا الاحتمال أن يكون الوقوع بعد البلوغ لا لانه لا فرق بين الوقوع قبل البلوغ وبعده ومنها ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا وجه الاستدلال أن الماء مطلق شامل للطاهر والنجس والحمل بمعنى الاظهار فيكون المعنى أن الماء مطلقا سواء كان طاهرا أو نجسا إذا بلغ كرا لم يظهر فيه خبث وادعى ابن ادريس إجماع المخالف والموافق على هذه الرواية وأجاب عنه المحقق في المعتبر بقوله والجواب رفع الخبر فإنا لم نروه مسندا والذي رواه مرسلا المرتضى (ره) والشيخ أبو جعفر وآحاد ممن جاء بعده والخبر المرسل لا يعمل به وكتب الحديث عن الائمة (عليه السلام) خالية عنه أصلا وأما المخالفون فلم أعرف به عاملا سوى ما يحكى عن صالح بن حي وهو زيدي منقطع المذهب وما رأيت أعجب ممن يدعي إجماع المخالف والموافق فيما لا يوجد إلا نادرا فإذن الرواية ساقطة وأما أصحابنا فرووا عن الائمة (عليه السلام) إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ وهذا صريح في إن بلوغه كرا هو المانع لتأثره بالنجاسة ولا يلزم من كونه لا ينجسه شئ بعد البلوغ رفع ما كان ثابتا فيه ومنجسا قبله والشيخ (ره) قال بقولهم عليهم السلام ونحن فقد طالعنا كتب الاخبار المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ وإنما رأينا ما ذكرناه وهو قول الصادق (عليه السلام) إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ ولعل غلط من غلط في هذه المسألة لتوهمه أن معنى اللفظين واحد انتهى ويمكن أن يجاب أيضا بعد تسليم صحة السند أنه لا ظهور له فيما ذكر إذ الحمل لا ينحصر معناه في الظهور وتفسير صاحب القاموس والنهاية هذه العبارة بلم يظهر فيه خبث ليس حجة فيمكن أن يكون محمولا على معناه المتعارف وحينئذ الاظهر منه أنه لا يتحمل الخبث بعد بلوغ الكرية على محاذاة الروايات الاخرى وإن لم يكن ظاهرا فيه فلا أقل من عدم الظهور فيما ادعوه ومنها الاجماع على الحكم كما ادعاه ابن ادريس وأجاب عنه أيضا المحقق في المعتبر بقوله وهو ضعيف من الاول لانا لم نقف على هذا في شئ من كتب الاصحاب ولو وجدنا كان نادرا بل ذكره المرتضى (ره) في مسائل منفردة وبعده إثنان أو ثلاثة ممن تابعه ودعوى مثل هذا إجماعا غلط إذ لسنا بدعوى المائة نعلم دخول الامام فيهم فكيف بفتوى الثلاثة والاربعة انتهى وقد قيل أن الاجماع المنقول بخبر الواحد حجة فلا يضره عدم الوجدان في كلام باقي الاصحاب وأجيب بأنه حجة لو كان من ضابط وأما من مثل هذا الفاضل فلا وقد أطال ابن ادريس في هذا المقام واحتج بوجوه أخر ضعيفة أيضا فلا فايدة في إيرادها واحتج القايلون بالنجاسة مطلقا بأن النجاسة حكم شرعي فيقف زواله عليه ولان النجاسة سابقة على البلوغ فيستصحب ولان يقين النجاسة حاصل قبل البلوغ فلا يؤثر في العمل به الشك عنده وللنهي عن استعمال غسالة ماء الحمام وهي لا تنفك عن الطاهر ولا يخفى أن الوجوه الثلاثة الاول متقاربة ويمكن المناقشة فيها بمنع حجية الاستصحاب مطلقا ومنع عموم عدم زوال اليقين إلا بمثله ومنع توقف الزوال على الحكم الشرعي على أنه يمكن أن يقال طهارته حينئذ حكم شرعي لان نجاسته لما لم يكن دليل شرعي على استمراره حينئذ أيضا فلا يكون مستمرا والاصل الطهارة بالدلايل الشرعية والحاصل أن نجاسة القليل كما عرفت أقوى متمسكة الشهرة ولا شهرة فيما نحن فيه والاجماع على أن بعد ثبوت النجاسة تستمر إلى أن يعلم لها مزيل شرعي ممنوع ووجوب تحصيل البرائة يمكن أن يناقش فيه نعم قد علمت سابقا أن في صورة التغير بالنجاسة الامر أشكل لظهور بعض الروايات في الدوام والاستمرار من غير معارض نعم يخدشها أيضا حصول الشك في التكليف ويمكن أن يقال أيضا إنه إذا لم يتم الدليل في غير المتغير وثبت طهارته بالاتمام على الاصل يجب أن يكون الحكم في المتغير أيضا كذلك لعدم القول بالفصل وقد يقال أن هذا الدليل يمكن قلبه بأن يقال قد ثبت بالروايات وجوب الاجتناب عن التغير مطلقا خرج ما خرج بالدليل فبقي الباقي وإذ ثبت الحكم فيه فثبت الحكم في غير المتغير أيضا لعدم القول

[ 196 ]

بالفصل وروايات طهارة الماء ما لم يعلم أنه قذر لا يمكن إجرائها حينئذ لوجود العلم بالقذارة بالدليل الذي ذكر فظهر أن القوة للنجاسة إلا أن يتمسك بحديث الشك في التكليف أو يقال أن المتبادر منها وجوب الاجتناب عنه ما دام متغيرا والله أعلم وأما الوجه الاخر فيدفع أيضا بمنع نجاسة غسالة الحمام وسيجئ القول فيه إن شاء الله تعالى والامر الاحتياط واضح وأما القول بالتفصيل فلم نقف له على مستند ظاهر (وثانيها الواقف الكثير وهو ما بلغ ألفا ومأتي رطل أو ثلاثة أشبار ونصفا في أبعادها الثلاثة أو ساواها في بلوغ مضروبها) اعلم أن للاصحاب في تحديد الكر طريقين أحدهما الوزن والثاني المساحة أما الوزن فالظاهر اتفاقهم كما يفهم من ظاهر المعتبر والمنتهى على أنه ألف ومائتا رطل لكن اختلفوا في تعيين الرطل هو عراقي أو مدني والرطل العراقي مائة وثلاثون درهما والمدني مائة وخمسة وتسعون درهما فالشيخ في النهاية والمبسوط والمفيد في المقنعة على أنه عراقي والمرتضى في المصباح والصدوق في الفقيه على أنه مدني فلنذكر أولا ما يدل على الحكم الاول ثم لنشتغل ببيان أدلة طرفي الخلاف فالذي يدل عليه ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب كمية الكر في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومأتا رطل ورواه الكافي أيضا في باب الماء الذي لا ينجسه شئ بدون الذي لا ينجسه شئ والروايات وإن كانت مرسلة لكن قبول الاصحاب مراسيل ابن أبي عمير عموما وهذه الرواية خصوصا مما يجبر إرسالها وأما ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه والاستبصار في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له الغدير فيه ماء يجتمع يبول فيه الدواب ويلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال إذا كان قدر كر لم ينجسه شئ والكر ستمائة رطل وما رواه أيضا في باب آداب الاحداث عن عبد الله يعني ابن المغيرة يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أن الكر ستمائة رطل فسيجئ وجه الجمع بينهما وبين ما سبق في طي أدلة الفريقين وأما ما رواه التهذيب في هذا الباب والاستبصار في باب مقدار الماء الذى لا ينجسه شئ والكافي في الباب المتقدم في الحسن عن زرارة قال إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه إلا أن يجئ له ريح يغلب على ريح الماء فمحمول على أن الاكثر من راوية لا يمتنع أن يكون بقدر الارطال المذكورة وكذا ما رواه في الابواب المذكورة في الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الكر من الماء نحو حبي هذا وأشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة محمول على أن الحب يمكن أن يسع المقدار المذكور وما رواه التهذيب في زيادات باب المياه والاستبصار في الباب المذكور عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ والقلتان جرتان ورواه الفقيه أيضا مرسلا عن الصادق (عليه السلام) في باب المياه فأول ما فيه أنه مرسل ويحتمل أيضا أن يكون ورد مورد التقية لانه موافق لمذهب العامة ويحتمل أن يكون القلتان إنما تسع المقدار المذكور وقس على ما ذكرنا حال بعض الروايات الاخر الذي يتوهم منافاته لما ذكر ولنذكر الان أدلة الفريقين أما الفرقة الاولى فاحتجوا بأن الاصل طهارة الماء لانه خلق للانتفاع والانتفاع بالنجس لا يصح شرعا وفيه أنه لا يدل على أزيد من أن يكون الماء في أصل الخلقة طاهرا ولا نزاع فيه لكن لا ينفع هاهنا كما لا يخفى إلا أن ينضم إليه الاستصحاب فإن قلت عدم الحكم بالطهارة في صورة الشك بالنجاسة ينافي أيضا خلقه للانتفاع كما أن نجاسته في أصل الخلقة ينافيه إذ على هذا أيضا لا يمكن الانتفاع به قلت بعد ما ثبت بالشرع في كثير من المواضع أن احتمال النجاسة لا يعبأ به فحينئذ لا يبطل الانتفاع به بمجرد إن في صورة نادرة يعتد باحتمال النجاسة وهو ظاهر ولقوله (عليه السلام) كل ماء طاهر حتى يعلم إنه قذر علم قذارة الاقل من الارطال المذكورة بالعراقي بملاقاة النجاسة بدليل من خارج فبقي الباقي وهذا جيد وقد نوقش فيه بأن المراد العلم بوقوع النجاسة لا الحكم ولا قوة لها وبأن الاقل متيقن والزايد مشكوك فيه فيجب نفيه بالاصل وهذا إنما يتجه بالنسبة إلى بعض الامور التي يتفرع على الكرية لا جميعها فتأمل وبأن الحمل على العراقية يفضى إلى مقاربة التقدير بالوزن للتقدير المساحة كما ستعلم فيكون أولى من الحمل إلى المدنية لافضائه إلى التباعد بينهما وفيه أنه ممنوع إذ تباعد المدني عن المساحة على المشهور ليس بأبعد من تباعد العراقي عنه إلا أن يقال العراقي أقرب إلى مجموع طرق المساحة سوى ما ذكره ابن الجنيد من المدني وبصحيحة محمد بن مسلم ومرفوعة عبد الله المذكورتين وجه الاستدلال أن ما تضمنتاه من ستمائة أرطال لا يمكن أن يحمل على العراقي ولا على المدني لعدم عمل الاصحاب به رأسا فإن حمله على المكي إذ لا ثالث شايعا في عرفهم والرطل المكي يوازي رطلين بالعراقي فيثبت المراد واعترض عليه الشهيد الثاني (ره) بأنه يجوز أن يحمل ستمائة على المدنية لانه قريب من قول القميين ويمكن أن يجري الدليل على وجه لا يرد عليه هذا الايراد بأن يقال لو لم يحمل على العراقي لم يمكن الجمع بين روايات الارطال بخلاف ما إذا حمل على العراقي فإنه يمكن الجمع حينئذ فالحمل على العراقي أولى وهو ظاهر واحتج الاخرون بالاحتياط لانه إذا حمل على الاكثر دخل الاقل فيه وبأنهم (عليه السلام) من أهل المدينة فينبغي حمل كلامهم على عادة بلدهم وأجيب عن الاول بأن الاحتياط ليس دليلا شرعيا مع أنه معارض بمثله لان المكلف مع تمكنه من الطهارة المائية لا يشرع له العدول إلى الترابية ولا يحكم بنجاسة الماء إلا بدليل شرعي فإذا لم يقم على النجاسة فيما نحن فيه دليل شرعي كان الاحتياط في استعمال الماء لا في تركه وعن الثاني أن المهم في نظر الحكيم رعاية ما يفهمه السايل وذلك إنما يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاح بلده والسايل فيما نحن فيه يجوز أن يكون عراقيا سيما أن المرسل عراقي فيمكن أن يكون الجواب على اصطلاح أهل

[ 197 ]

العراق وقد اعترض على الجواب الاول في المعالم بأن الاخبار الدالة على اعتبار الكرية اقتضت كونها شرطا لعدم انفعال الماء بالملاقاة فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بالانفعال ثم قال وبهذا يظهر ضعف احتجاجهم بالاصل على الوجه الذي قرروه لان اعتبار الشرط مخرج عن حكم الاصل انتهى وفيه نظر لان كون الكرية شرطا لعدم الانفعال لا يقتضي الحكم بالانفعال في صورة عدم العلم بالشرط إذ عند عدم الشرط في الواقع ينتفي المشروط لا عند عدم العلم به على أنه معارض بأن الاخبار المذكورة كما يدل على كون الكرية شرط العدم الانفعال كذلك يدل على كون القلة شرطا للانفعال فما لم يدل دليل شرعي على حصول الشرط يجب الحكم بعدم الانفعال فوجوب الحكم بعدم الشروط حينئذ لا بد له من دليل آخر فأما أن يتمسك بأنا مكلفون باجتناب الماء النجس ولما كان النجاسة إنما ينتفي إذا كان كثيرا في الواقع فعند عدم العلم بالكثرة لا يحصل العلم باجتناب الماء النجس أو بأنا مكلفون باستعمال الماء الطاهر و الطهارة مشروطة بالكثرة فعند عدم العلم بالشرط لا يحصل لنا العلم بالمشروط فلم نخرج عن عهدة التكليف فيجاب عن الاول أولا بما مر غير مرة من أنه إذا حصل شك في متعلق التكليف يشكل الحكم بوجوب الافراد المشكوكة وثانيا بمنع أن عند عدم العلم بالكثرة لا يحصل العلم باجتناب الماء النجس لان غاية ما يستفاد من أخبار الكر اشتراط عدم الانفعال بالكرية وقد علمت أن مجرد عدم العلم بالشرط لا يوجب العلم بعدم المشروط بل إنما هو في مرتبة الشك وعندنا من الروايات إن الماء طاهر ما لم يعلم أنه قذر فيجب أن يكون هذا الماء المشكوك النجاسة طاهرا فحصل لنا العلم الشرعي بالطهارة واجتناب الماء النجس على إن ثبوت التكليف باجتناب الماء النجس ممنوع أيضا إذ ليس في الروايات تكليف بهذه العبارة بل ما يوجد في الروايات التكليف باجتناب بعض المياه المخصوصة من مثل ما في الاناء ونحوه مما ليس مما نحن بصدده بل التكليف باجتناب الماء النجس مطلقا إنما يستفاد من الاجماع وظاهر أن الاجماع لم ينعقد على هذه العبارة حتى يلزم الاتيان بمجملاتها بل إنما وقع الاتفاق في الموارد المخصوصة وما نحن فيه ليس منها ومما ذكر يستنبط الجواب عن الثاني أيضا وظهر أيضا صحة استدلال الفرقة الاولى بالاصل فإن قلت على ما ذكرت من عدم لزوم الاتيان بالافراد المشكوكة يلزم أن لا يجب عند انحصار الماء فيما نحن فيه الطهارة المائية لان التكليف بها إنما يقيد بطهارة الماء إجماعا ولا أقل من حصول الشك في أن التكليف بالطاهر ولما لم يعلم هاهنا طهارة فلم نعلم التكليف بالطهارة به فلم يجب علينا وعند عدم وجوب الطهارة المائية يجب التيمم بالاتفاق وإذا وجب التيمم يكون هذا الماء ممنوعا من شربه واستعماله فيما يتوقف على الطهارة إجماعا وهو معنى النجاسة فثبت المدعى قلت قد ظهر مما ذكرنا في الجواب ثانيا ما به يندفع هذا الايراد وطريقة الاحتياط في المقام أن يتجنب عن مثل هذا الماء عند وجود ماء آخر وإن يستعمله عند فقده و يضم التيمم ثم يتطهر عند الوصول إلى ماء آخر ويطهر ما لاقي الماء الاول وأما المساحة فقد اختلف الاصحاب فيها فذهب الاكثر إلى اعتبار بلوغ تكسيره اثنين وأربعين شبرا وسبعة أثمان شبرا واكتفى الصدوق وجماعة القميين على ما حكى عنهم ببلوغه سبعة وعشرين واختاره من المتأخرين العلامة في المختلف والمحقق والشهيد الثاني وحدده الشلمغاني بما لا يتحرك جنباه عند طرح حجر في وسطه وقال ابن الجنيد تكسيره بالذرع نحو مائة شبر ونسب إلى الشيخ قطب الدين الراوندي نفي اعتبار التكسير وأنه اكتفى ببلوغ الابعاد الثلاثة عشر أشبار ونصفا ويفهم من كلام المحقق في المعتبر الميل إلى قول سادس سنذكر إن شاء الله تعالى وذهب ابن طاوس (ره) إلى رفع النجاسة بكل ما روى حجة المشهور ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب كمية الكر والكافي في باب الماء الذي لا ينجسه شئ عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره قال إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض فذلك الكر من الماء واعترض عليه من حيث السند والمتن أما السند فلان فيه عثمان بن عيسى وهو واقفي وأبا بصير ولا يخلو من جهالة وأما المتن فلانه ليس فيه تحديد العمق وقد يجاب عن الاول بانجبار ضعفه بالشهرة وعن الثاني بأن العرف شاهد في مثل هذا المقام بأن عمقه أيضا كذلك لاكتفاء في المحاورات كثيرا في أمثال هذه المواضع يذكر بعض وقد يقال الظاهر أن القول بعدم تحديد العمق في الجبر لا وجه له بل لو كان عدم تحديد فإنما هو في العرض بيانه أن قوله (عليه السلام) ثلاثة أشبار ونصف الذي بدل من مثله إن كان حال العرض فيكون في عمقه كلاما منقطعا منها فتأمل إلا أن يكون المراد في عمقه كذلك وحينئذ يظهر تحديد العمق أيضا فيكون التحديد للعرض دون العمق مما لا وجه له بل الظاهر أن ثلاثة أشبار ونصف بدل من مثله وفي عمقه حال من مثله أو بدله أو نعت لهما وحينئذ يكون العمق محددا والعرض مسكوتا عنه ويجاب بشيوع الاكتفاء في مثله ويعترض عليه بأنه يجوز أن يكون المراد من ثلاثة أشبار الاول تحديد قطر الماء والثاني تحديد عمقه وحينئذ لم يكن اكتفاء في الكلام ولم يتم استدلالهم بهذا الخبر على مطلوبهم إذ لم يبلغ تكسير هذا القدر إلى ما اعتبروه ولا يخلو من بعد وقد يوجه الخبر بوجه يستفاد منه تحديد الابعاد بأسرها بأن يجعل ضمير عمقه راجعا إلى ثلاثة أشبار ونصف بقرينة رجوع ضمير مثله إليه إذ رجوعه إلى الماء لا محصله وفيه بعد لا يخفى إذ إضافة العمق إلى الاشبار لا محصل له مع أنه احتمال لا يكفي في الاستدلال إلا أن يقال ليس المراد بهذا التوجيه الاستدلال على تحديد الابعاد الثلاثة إذ لا خفاء في أنه لابد أن يفهم من الخبر تحديدها جميعا إذ تجديد البعض وإهمال الباقي لا معنى له ودلالته على

[ 198 ]

تحديد لجميع بنحو ما ذكر في الاعتراض بعيد فلا بد أن يكون دالا على تحديد الجميع بثلاثة أشبار ونصف إذ لاحتمال سواه فهذا التوجيه إنما هو لبيان أحد محتملات الخبر بحيث يستنبط منه تحديد كل من الابعاد الثلاثة بثلاثة أشبار ونصف فتأمل وما رواه الاستبصار في باب البئر يقع فيه ما يتغير أحد أوصافه عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ قلت وكم الكر قال ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها واعترض عليه بضعف السند وفيه خدشة من حيث المتن أيضا لان التهذيب رواه في زيادات باب المياه والكافي في الباب المتقدم بدون تحديد الطول وعلى هذا يضعف الظن بما في الاستبصار لكن يمكن أن يقال أن تحديد العرض بهذا الحد مستلزم لكون الطول أيضا كذلك إذ لو كان أقل منه لما كان طولا ولو لزم زيادته وعلى هذا الحد لكان الظاهر أن يشعر به مع أن الزيادة عليه منتف البتة لان خلاف ابن الجنيد والشلمغاني لا عبرة به كما سيجئ وقد يعترض عليه بمثل الاعتراض السابق من جواز كون المراد بالعرض القطر وحينئذ لا يتم المقصود وهو في هذا المقام ظاهرا لورود لان ماء البئر مستدير واحتج أيضا بالاحتياط وبأن بلوغ الماء كرا شرط في عدم الانفعال فلا بد للعلم بحصول الشرط من دليل ولا دليل على الاقل من ذلك كما سيظهر عند ذكر حجة القول الثاني والزيادة عليه منتف قطعا لما سنذكر فيثبت هذا وفيه ما مر آنفا من معارضة الاحتياط بمثله وعدم تمامية حديث الاشتراط حجة القول الثاني ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب كمية الكر في الصحيح عن اسماعيل بن جابر قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجسه شئ قال كر قلت ما الكر قال ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار ويعترض عليه من حيث السند والمتن أما السند فإن فيه محمد بن خالد البرقي وقد ضعف حديثه النجاشي وفيه نظر لان ما ذكره النجاشي ليس طعنا فيه بل مراده أنه يروي عن الضعفاء وهذا لا يوجب القدح فيه ولا في حديث الذي يروى عن الثقات وأيضا الشيخ وإن رواه في موضع من التهذيب والاستبصار عن عبد الله بن سنان عن اسماعيل بن جابر وعلى هذا الرواية صحيحة لكن رواه في موضع آخر من التهذيب في الباب المذكور أيضا عن محمد بن سنان بأدنى تغيير في المتن وهو أظهر بالنظر إلى تتبع الروايات وفي الكافي ذكر ابن سنان مطلقا فعلى هذا لا يبقى الظن بصحة السند بل الظاهر وقوع الغلط فيه واشتباه محمد بعبد الله ولا أقل من الشك فلا تعويل وأما المتن فإن فيه قصورا عن إفادة المراد لعدم تحديد الابعاد الثلاثة وأجيب كما سبق في الخبر الاول من الانفهام عرفا وشيوع الاكتفاء في مثله واحتج أيضا بالاصل وبالاحتياط وبما قربته للارطال ولاكثر من رواية والحب والقلتين المذكورات في الرواية المتقدمة وأما ما ذهب إليه الشلمغاني فلا مستند له وقد رده المصنف في الذكرى بأنه خلاف الاجماع وأيضا ليس هو بتحديد منضبط لوقوع التفاوت فيه كثيرا بحسب اختلاف أوضاع المياه وأقدار الاحجار وأنحاء الطروح وكذا ما ذهب إليه ابن الجنيد لم نقف له على مستند والروايات المذكورة في هذا الباب كلها دالة على خلاف ما ذهب إليه وبالجملة لا اعتداد بما ذهب إليه بعد مخالفته للروايات المعتبرة ولا تأويل الاصحاب والعجب أنه حدد الكر بقلتين وبألف ومأتي رطل وبالاشبار المذكورة مع أن القلتين كما فسره بعض أهل اللغة أقل إنما ذهب إليه الفرقة الثانية والارطال أيضا أقل بكثير عن مائة أشبار سواء كانت عراقية أو مدنية بل الظاهر أنهما لا يبلغاه نصف الاشبار نعم لو حملت على المكية لزادت على النصف وقد يتعجب أيضا من الصدوق (ره) حيث ذهب في الاشبار إلى الثلاثة وفي الارطال إلى المدنية مع أن بينهما تفاوتا كثيرا وكأنه بحذائه القائلون بثلاثة ونصف والعراقية لان الظاهر أن الارطال بالعراقية تقارب ثلاثة أشبار كما نص عليه العلامة في المختلف والفاضل الاردبيلي في شرح الارشاد وإن كان يفهم من الذكرى مقاربتها لثلاثة ونصف وعلى هذا فالمدنية يقارب ثلاثة لان التفاوت بين الرطلين بالنصف وبين الاشبار أيضا قريب منه ولو انعكس الامر لكان أظهر وأما ما نسب إلى الراوندي فلم يفهم منه المراد ظاهرا فقد حمله بعضهم على أنه إذا ضم أبعاده الثلاثة بعضها إلى بعض حصل عشرة أشبار ونصف ويحصل في التحديد على هذا التقدير تفاوت شديد لان الماء الذي يكون مجموع أبعاده كذا قد يكون مساويا للمشهور وقد يكون أقل منه بقليل كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار وعرضه ثلاثة وعمقه أربعة ونصف وقد يكون أقل منه بكثير كما لو فرض طوله ستة وعرضه أربعة وعمقه نصف شبر وجعل الشهيد الثاني في شرح الارشاد أبعد الفروض عن المشهور ما لو كان كل من عرضه وعمقه شبرا وطوله عشرة أشبار ونصفا واعترض عليه في الحبل المتين إنه ليس بأبعد الفروض بل يوجد أبعد منه بكثير كما لو فرض طوله تسعة أشبار وعرضه شبرا واحدا وعمقه نصف شبر وقد يوجد أبعد منه أيضا كما لا يخفى وأيضا ما فرضه إنما هو اثني عشر شبرا ونصف لا عشرة أشبار ونصف هذا وأيضا يلزم على هذا التحديد أن لا يكون ماء كرا مع كونه أزيد مما هو كر بكثير كما لو كان طوله ستة أشبار وعرضه ثلاثة أشبار وعمقه أربعين وسبعة أثمان شبر بل يكفي أن يكون عشرة أشبار ونصفا لا بطريق الجمع ليلزم ما ذكر بل بالتكسير وعلى أي تقدير لا مستند له ظاهرا وكان مستنده رواية أبي بصير المتقدمة ووجه التمسك بها أما على الاول فبعدم حمل لفظة في على الضرب بل على ما يقيد معنى المعية والجمع وحمل ثلاثة أشبار ونصف على التمثيل فيصير الحاصل أنه لابد أن يكون أبعاده الثلاثة بعد الجمع عشرة أشبار ونصفا وأما على الثاني فبمثل هذا أيضا لكن يسقط اعتبار الجمع بالنحو المذكور ويكتفي

[ 199 ]

ببلوغ الابعاد الثلاثة عشرة أشبار ونصف ويرد على الوجهين أنه خلاف الظاهر من الرواية مع ما في الاحتمال الاول من الخلل كما مر ويحتمل أيضا أن يكون مراده أنه لا بد من كون كل أبعاده الثلاثة ثلاثة أشبار ونصفا ولا يكفي بلوغ تكسيره إلى ما بلغ تكسير ثلاثة أشبار ونصف إليه وحينئذ وجه الاستدلال بالرواية ظاهر و يحتاج في رفعه إلى أن يقال التعبير بمثل هذه العبارة فيما يكون المراد التمثيل شايع ولا يخلو من ضعف أو يقال أنه خلاف ما ذهب إليه الاصحاب أو يقال إنه يلزم عليه الخلل الثاني من الخللين المذكورين في الاحتمال الاول كما لا يخفى وبالجملة هذا المذهب أيضا مما لا يعتد به على أي وجه كان وقد يوجه مراده بأن الكر هو الذي لو تساوت أبعاده الثلاثة لكان مجموعها عشرة أشبار ونصفا وحينئذ يوافق المشهور وهو جيد لو أمكن تطبيق كلامه عليه وأما ما يفهم ميل المحقق إليه في المعتبر فهو ما يدل عليه ما رواه التهذيب في الاستبصار في البابين المتقدمتين في الصحيح عن اسماعيل بن جابر قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الماء الذي لا ينجسه شئ قال ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته واعلم إن هذه الرواية أحسن وأوضح سندا من الروايات الواردة في باب الاشبار لكن متنها أيضا لا يخلو من إجمال إذ ليس فيها تحديد أحد الابعاد ظاهرا إلا أن يقال أن تحديد سعته بذراع وشبر يستلزم تحديد طوله أيضا بذلك إذ على تقدير نقصانه عنه لا تكون السعة سعة والزيادة لو كانت لكان الظاهر الاشعار بها إذ الاخلال يخل بمعرفة الكر عقيب السؤال عنه وهو غير لايق بالحكمة ثم بعد ذلك هل يمكن تطبيقه على أحد من الخبرين المذكورين أم لا فنقول الذراع إن كان شبرين كما في بعض الافراد فحينئذ لا ينطبق على شئ منهما بل هو أمر متوسط بينهما إذ تكسيره يبلغ ستة وثلاثين وإن كان أزيد منهما كما في البعض الاخر فيمكن أن ينطبق على المشهور وإن لم ينطبق فيقاربه جدا وعلى أي حال يكون أقرب إلى المشهور منه إلى القول الثاني فجعله مؤيدا للقول الثاني كما جعله بعض ليس بجيد وقد يكلف في جعله قريبا إلى الثاني بفرض الماء مستديرا وحمل سعته على قطرة وحينئذ يقرب إلى الثاني وظاهر المعتبر مخالف للقولين وكأنه جعل الذراع شبرين وأنه ينبغى المصير إليه لصحته وفي كل منهما نظرا ما في الاول فلما عرفت من أن الذراع قد يكون أزيد من شبرين وحينئذ يمكن تطبيقه على المشهور فلا يمكن الاستدلال به على خلافه وقد عرفت أيضا إمكان حمله على القول الثاني وأما في الثاني فلانه وإن كان صحيحا لكن عدم عمل الاصحاب بمضمونه مما يضعف التعويل عليه لسنا ندعى الاجماع حتى يقال أنه قد دفعه بقوله ولا تصغ إلى من يدعي الاجماع في محل الخلاف بل شهرة خلافه بين الاصحاب وعدم ظهور قايل به منهم و يكفينا كما هو دأبه (ره) في هذا الكتاب إلا أن يقال أن رواية الارطال يوافقه أو يقاربه جدا أزيد من مقاربتها للاخرين أو يقال أنه (ره) إنما يعمل بالشهرة بين الاصحاب ويطرح الخبر المخالف لها وإن كان صحيحا إذا كان في طرف الشهرة رواية ظاهرة الدلالة وإن لم يكن صحيحة وهاهنا ليس كذلك بزعمه لكنه (ره) لم يقدح في دلالة رواية أبي بصير بل إنما قدح في سنده وللكلام في هذا المقام مجال واسع لان كلامه (ره) في المعتبر في بيان ضابطة العمل بالاخبار يخالف ظاهرا ما عمل به في هذا الباب وفي ساير الابواب كما لا يخفى على من راجعه وهو أعلم بمراده وأما ما ذهب إليه ابن طاوس فلعل مستنده تعارض الروايات والظاهر أن مراده إن القدر الضروري للكر هو أقل ما في الروايات والزايد من باب الندب والفضيلة ليجمع بين الروايات ثم أنه ليس بمعلوم إن مراده بدفع النجاسة لكل ما روى دفعها بكل ما في هذه الروايات من الارطال بقسميها والاشبار بثلاثتها والقلتين والحب والاكثر من رواية أو المراد روايات الارطال والاشبار فإن كان الاول ففيه إشكال من حيث عدم معلومية قدر القلتين والحب والاكثر من رواية أيضا روايتا الارطال يمكن التوفيق بينهما فحملهما على أمرين لا بد له من دليل إلا أن لا يفرق بينهما وإن كان الثاني فإن فرق بين حديثي الارطال ففيه الاشكال السابق وإن لم يفرق فحينئذ ينحصر الامر في ألف ومأتي رطل بالعراقي أو المدني وثلاثة أشبار ونصف وما تضمنه حديث الذراعين ولا يخفى أن الاقل منها ثلاثة أشبار فرجع قوله إذن إلى القول الثاني هذا وإذ قد عرفت مأخذ الاقوال وما في هذا الباب من الروايات و الاختلاف فنقول الذي يقتضيه النظر ويرجح بحسب الدليل إن الدست لثلاثة أشبار لانك قد علمت في بحث نجاسة القليل بالملاقاة إنه ليس ما يدل بعمومه على المراد بل الدلايل التي يعتمد عليها بعضها مختصة بمورد خاص والبعض الاخر من الدلايل الدالة بالمفهوم له دلالة إجمالية والعمدة في تعميم نجاسة القليل بل في أصلها الشهرة العظيمة بين الاصحاب والحال أن الشهرة العظيمة في نجاسة ثلاثة أشبار مفقودة والاصل طهارة الماء حتى يعلم القذارة مع أن الرواية التي تمسك بها في المشهور ليست بصحيحة السند ورواية ثلاثة أشبار إن لم تكن صحيحة فليست بأدون كثيرا في الاعتبار منها مع أن دلالتها على نفي الكرية عما سوى ثلاثة أشبار ونصف بالمفهوم ودلالة هذه الرواية على كرية ثلاثة أشبار بالمنطوق واحتمال الحمل على الاستحباب والفضيلة احتمال ظاهر كما ذهب إليه ابن طاوس مع ما في ذلك الحمل من الجمع بين الروايات والعمل بجميعها إذ لو حمل على الوجوب يلزم إطراح بعضها ورواية الذراعين الصحيحة إن حملت على المشهور ففيه أنه لا ظهور في هذا الحمل وعلى تقدير التسليم الحمل على الاستحباب محمل ظاهر والقرينة لو سلم الظهور في الحصر الاختلاف العظيم الواقع في تحديد الكر وتأييد ثلاثة أشبار برواية الحب والاكثر من راويه والقلتين المفسر بالجبرتين إذ الظاهر إنها ليست بأكثر من ثلاثة أشبار وإن حملت على ستة وثلاثين ففيه بعد ترك الاصحاب العمل به الحمل على الفضيلة كما مر وأما روايتا الارطال فإن كان ألف ومائتا رطل بالارطال العراقية يوافق ثلاثة أشبار فنعم الوفاق وإن كان أزيد منها بكثير فيحمل على

[ 200 ]

الاستحباب والقرينة وما ذكر وحينئذ يمكن أيضا أن يحمل ستمائة أرطال على المدنية ليوافقها أو يقاربها ويصير قرينة أخرى على الحمل على الاستحباب وقول الشيخ بعدم قول الاصحاب به غير واضح إذ على تقدير موافقته لثلاثة أشبار كيف يمكن القول به هذا كله مع أن الاحتياط فيه أيضا لاطلاق الكتاب والسنة في الامر بالطهارة وإزالة النجاسة ورعاية اجتناب النجاسة لا يعارضه لعدم عموم ظاهر في جانبه بل إنما يكون المعول فيه الاجماع وهو فيما نحن فيه مفقود ونعم ما قيل ولو لا اتفاق القائلين بضرب الاشبار وأنه لا بد من سبعة وعشرين شبرا في حد الكر لكان الحكم به أيضا مشكلا لقصور متن دليله بل سنده أيضا عند البعض ولا يخفى أنه إذا لم يكن ضرورة لكان الاحتياط في رعاية المشهور وما ذكرنا من أن الاحتياط في القول الثاني إنما هو عند الضرورة وعدم وجدان ماء غيره وعند ذلك الاحتياط في استعمال ذلك الماء مع ملاقاته للنجاسة وضم التيمم ثم بعد وجدان ماء آخر التطهير به وتطهير ما لاقاه الاول كما ذكرنا في الارطال والله أعلم بحقايق أحكامه وقد بقي في المقام شئ وهو أنه هل يعتبر في الكر مساواة سطحه الظاهر أولا وعلى الثاني هل يكفي الاتصال مطلقا سواء كان الاختلاف بانحدار الارض أو بغير من التسنم من ميزاب ونحوه أو لا بل يعتبر أن يكون الاختلاف بالانحدار لا بالتسنم ونحوه أو يعتبر أن لا يكون الاختلاف فاحشا جيدا وعلى التقديرين هل يتقوى الاسفل بالاعلى فقط أو يتقوى كل منهما بالاخر وعلى التقادير هل يكفي في الاتصال الاتصال بإنبوبة أو ثقبة ضيقة أو نحوهما أولا بل لا بد من الاتصال بما يعتد به أما المقام الاول فالظاهر من كلام الاصحاب الاحتمال الثاني بل في بعض كلماتهم التصريح به كما سنذكر في المقام الثاني ولم نقف على نص ظاهر من كلام الاصحاب في خلافه إلا ظاهر كلام بعض المتأخرين وما يقال إن كلام العلامة (ره) في بحث الحمام حيث اعتبر كرية المادة مطلقا مما يشعر به لانه لو لم يعتبر مساواة السطح لم يلزم كرية المادة وحدها بل إنما يلزم أن يكون المجموع من المادة والحوض الصغير والساقية بينهما كرا لا يقال ما ذكرتم أعم من المدعى لان اعتبار الكرية مطلقا في المادة يدل على أن عند المساواة أيضا يلزم كرية المادة فنعلم إن الوجه غير ما ذكر لانا نقول إطلاق الحكم إنما هو بناء على الغالب إذ الغالب أن مادة الحمام أعلى ويؤيده أنه إنما يمثل في العلو بماء الحمام كما فعله المصنف في الذكرى ففيه نظر أما أولا فلان اعتبار الكرية في المادة وحدها ليس لاجل عدم انفعال الحوض الصغير بالملاقاة بل لكون حكمه حكم الماء الجاري وتطهير الحوض الصغير بعد نجاسته بإجراء المادة إليه واستيلائه عليه إذ لو لم يكن المادة وحدها كرا لما كان الامر كذلك وأما ثانيا فلانه يمكن أن يكون اعتبار الكرية لاجل أن الغالب انحدار ماء الحمام بالميزاب ونحوه فيجوز أن يعتبر عدم مثل ذلك الاختلاف وإن لم يعتبر عدم الاختلاف بالكلية وكلامنا فيه وأيضا يجوز أن يكون بناء على الغالب من أخذ الماء كثيرا من الحوض الصغير فلو لم يعتبر كرية المادة وحدها لنقص وانفعل كما ذكره بعض وظاهر الروايات والنصوص أيضا دال عليه إذ لا شك في دخول الماء الكثير المختلف السطوح مع قلة الاختلاف تحت عموم إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ وأما المقام الثاني فإن كان الكلام في اشتراط الانحدار وعدم كفاية الصب من ميزاب ونحوه وعدم الاشتراط فالظاهر أيضا عدم الاشتراط من بعض إطلاقاتهم فإن العلامة في جملة من كتبه حكم من باب الغديرين الموصول بينهما بساقية يتحدان في الحكم ولم يقيد اتصالهما بالمساواة أو الانحدار وصرح في التذكرة بأنه إذا كان أحدهما أعلى أيضا يكون الامر كذلك في حق السافل ولم يقيد العلو بشئ وكذا أطلق القول في الواقف المتصل بالجاري وحكم باتحادهما من دون تقييد والمحقق في المعتبر أيضا حكم في المسئلتين كذلك من دون تقييد والمصنف أيضا حكم في الواقف المتصل بالجاري في هذا الكتاب كما سيجئ وفي البيان باتحادهما إذا كان الجاري مساويا أو أعلى ولم يقيد العلو بشئ وحكم في الذكرى بعدم نجاسة القليل المتصل بالكثير إذا كان الكثير مساويا أو أعلى ومثل للاعلى بماء الحمام وهو ظاهر في أن التسنم من ميزاب أيضا يكفي في الحكم إذ الغالب في الحمام كذلك وظاهر إن ليس مراده الاختصاص بالحمام لانه ذكره من باب التمثيل مع أنه صرح في موضع آخر من الذكرى بمساواة الحمام وغيره في الحكم فإن قلت اشتراط العلامة والمصنف وغيرهما الكرية في مادة الحمام يدل على أنه لا يكفي الاتصال بطريق التسنيم من ميزاب كما هو الغالب في الحمام وإلا لكفى بلوغ المجموع كرا وما ذكروا من أن القليل الواقف المتصل بالجاري وإن كان الجاري أعلى وكذا القليل المتصل بالكثير في الحمام لا ينجس بملاقاة النجاسة ليس لاجل أن مساواة السطوح ليس بمعتبر في الكر وعلى تقدير عدم اعتباره يكفي الاتصال بالتسنم من ميزاب ونحوه أيضا بل لاجل أن الاتصال بالكثير يكفي في عدم التنجس وإن كان الكثير أعلى وكان العلو بطريق التسنم وأما إذا كان الكر الواحد مختلف السطوح وكان بعضه أعلى من بعض فلا يكفي في عدم التنجس نعم عبارة العلامة (ره) صريحة في التذكرة بعدم اعتبار والمساواة في الكر لكن يجب حمله على ما إذا كان الاختلاف بطريق الانحدار لا التسنم حتى يوافق كلامه في الحمام قلت قد عرفت سابقا إن اشتراط الكرية في الحمام يمكن أن يكون لاجل تطهير الحياض الصغار أو لتعارف الاخذ منه كثيرا لا لاجل عدم انفعال الحياض الصغار وأما حديث الفرق بين الاتصال بالكثير وعدم اعتبار المساواة فيه وبين اتصال الكثير بعضه ببعض واعتبار المساواة فيه فسيجئ الكلام فيه إنشاء الله وإذا عرفت هذا فاعلم إن صاحب المعالم (ره) ذهب إلى اعتبار المساواة في الكر والخروج عن الكثيرة بالاختلاف خصوصا إذا كان الاختلاف بالتسنم ونحوه متمسكا بأن ظاهر الاخبار المتضمنة لحكم الكر أشبارا و كمية اعتبار الاجتماع في الماء وصدق الوحدة والكثرة عليه وفي تحقق ذلك مع عدم المساواة في كثير من الصور نظر والتمسك في عدم اعتبارها بعموم ما دل على

[ 201 ]

عدم انفعال مقدار الكر بملاقاة النجاسة مدخول لانه من باب المفرد المحلي باللام وقد بين في المباحث الاصولية إن عمومه ليس من حيث كونه موضوعا لذلك على حد صيغ العموم وإنما هو باعتبار منافاة عدم إرادته الحكمة فيضان كلام الحكيم عنه وظاهر إن منافاة الحكمة حيث ينتفي احتمال العهد ولا ريب أن تقدم السؤال عن بعض أنواع الماهية عهد ظاهر وهو في محل النزاع واقع إذ النص متضمن للسؤال عن الماء المجتمع وحينئذ لا يبقى لاثبات الشمول لغير المعهود وجه وفيه نظر لان الظاهر في أمثال هذه المواضع التي هو في مقام تقنين القوانين وتبيين الاحكام هو العموم وقد اعترف به أيضا من حيث منافاة عدم إرادته الحكمة وما ذكره من احتمال العهد باعتبار تقدم السؤال عن بعض أنواع الماهيه لا وجه له لان السؤال إنما هو موجود في بعض الروايات وكثير من الروايات لا سؤال فيها وبعض ما فيه سؤال أيضا لا ظهور له و السؤال عن الماء المجتمع الذي لا اختلاف في سطوحه سلمنا عدم الظهور في العموم فلا شك في عدم الظهور في عدمه أيضا وعند الشك بني الحكم على أصل الطهارة و استصحابها ولو سلم الظهور في عدم العموم أيضا نقول قد مر سابقا أنه لا دليل على عموم نجاسة القليل سوى عدم القول بالفصل وهو ليس يحار ها هنا لوجود القول بالفصل لما عرفت من تصريح العلامة في التذكرة وصرح به أيضا المصنف في هذا الكتاب كما سيجئ وصرح به الشهيد الثاني في شرح الارشاد وهو الظاهر أيضا من إطلاق كلام المحقق وكلام العلامة في غير التذكرة وبما ذكرنا ظهر إن الاختلاف وإن كان بطريق التسنم من ميزاب أو نحوه لا بأس به وهو الظاهر من بعض إطلاقاتهم هذا وإن كان الكلام في المقام الثاني في اشتراط عدم الاختلاف الفاحش كالماء الذي يسيل من رأس جبل أو منارة أو نحوه وعدم اشتراطه فالظاهر أيضا بالنظر إلى الدليل عدم الاشتراط على قياس ما ذكرنا ولم نقف في كلام الاصحاب على نص ظاهر وإطلاق كلامهم في عدم اعتبار المساواة يمكن أن يكون محمولا على المتعارف وقد يستبعد على تقدير عدم الاشتراط حيث يلزم أن لا ينجس الماء الذي يصب من آنية على رأس منارة ويتصل أسفله بماء يبلغ وحده الكر أو مع ما في الانية وكذا يلزم تطهر الماء المذكور إذا كان نجسا باتصاله تحت المنارة بالكثير وكذا يلزم تطهر الاناء وفي الجميع ولا يخفي أن الالزام الاول متجه وقد نلتزمه والاستبعاد في أمثال هذه المواضع لا عبرة به وأما الالزامان الاخيران فإنما يتجهان على من يكتفي في تطهير الماء بالاتصال بالكثير كيف كان سواء كان الكثير أعلى أو أسفل وأما على ما نميل إليه من اشتراط الامتزاج فلا وكذا لو لم يشترط الامتزاج لكن اشترط علو المطهر أو مساواته وأما المقام الثالث فالظاهر أيضا من إطلاق كلام المحقق كما ذكرنا وكذا من كلام العلامة في التحرير والمنتهى والنهاية تقوى الاعلى بالاسفل وإليه ذهب الشهيد الثاني (ره) لكن صرح العلامة في التذكرة بعدم تقوية به وقد صرح به أيضا المصنف في هذا الكتاب وفي الذكرى والبيان وكذا المحقق الشيخ علي (ره) والظاهر هو الاول لما ذكرنا آنفا واحتج المحقق والشيخ علي على عدم التقوى بأن الاسفل والاعلى لو اتحد في الحكم للزم تنجيس كل أعلى متصل بأسفل مع القلة وهو معلوم البطلان وحيث لم ينجس بنجاسته لم يطهر بطهره وأجيب بمنع اللزوم بيانه إن القول بتقوى الاعلى بالاسفل أما لكونهما ماء واحدا مندرجا تحت عموم إذا كان الماء كرا أو لعدم دليل على تنجسه بناء على عدم عموم أدلة انفعال القليل كما ذكرنا فإن كان الاول فإنما يلزم ما ذكره لو ثبت إن كل ماء واحد قليل ينجس جميعا بنجاسته بعض منه وإن كان أسفل من بعض آخر ولم يثبت لما عرفت من عدم دليل عام على انفعال القليل وعلى تقدير وجوده نقول إنه مخصص بغير صورة النزاع للاجماع على عدم سراية النجاسة من الاسفل إلى الاعلى وذلك الاجماع لا يستلزم خروج الاسفل والاعلى من الوحدة كما لا يخفى وقس عليه الحال في نجاسة أسفل الكثير بالتغير وعدم نجاسة ما فوقه وإن كان الثاني فالامر أظهر وقد ألزم على القول بعدم التقوى بنجاسة كل ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كر أو إن كان نهرا عظيما وهو معلوم البطلان ويكون الجواب بمنع معلومية بطلانه لا بد له من دليل وقد أجاب أيضا صاحب المعالم (ره) بقوله ويمكن دفعه بالتزام عدم انفعال ما بعد عن موضع الملاقاة بمجردها لعدم الدليل عليه إذا لادلة على انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مختصة بالمجتمع والمتقارب وليس مجرد الاتصال بالنجس موجبا للانفعال في نظر الشارع وإلا نجس الاعلى بنجاسة الاسفل لصدق الاتصال حينئذ وهو منتفي قطعا وإذا لم يكن لاتصال بمجرده موجبا يسريان بالانفعال فلا بد في الحكم بنجاسة البعيد من دليل نعم جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل إليه فإذا استوعب الاجزاء المنحدرة نجسها وإن كثرت ولا تعد في ذلك فإنها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل فكما أنه ينجس بملاقاة النجاسة له وإن قلت وكان مجموعه في غاية الكثرة فكذا هذه انتهى وفيه نظر ظاهر لانه بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكر بالملاقاة مع الاجماع والتقارب لا شك إنه يلزم نجاسة جميع ماء النهر المذكور لان النجاسة ملاق لبعضه وذلك البعض ملاق للبعض الاخر القريب منه وهكذا فينجس الجميع إذ الظاهر إن القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لا يفرقون بين النجاسة والمتنجس وما ذكره من أن مجرد الاتصال بالنجس لو كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الاعل ى بنجاسة الاسفل ففيه إنه مخصص عن العموم بالاجماع فالحاق ما عداه به مما لا دليل عليه قياس لا نقول به على أن الفارق أيضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقل سريان النجاسة إلى الاعلى ثم إعلم إن الشهيد الثاني (ره) قد أخذ تناقضا في هذا المقام على جمع من المتأخرين منهم المصنف (ره) والمحقق الشيخ علي (ره) بيانه أنه ذكر أنهم قالوا إن الماء الجاري إذا تغير بعضه بالنجاسة ولم يشترط الكرية فيه فإنما ينجس المتغير خاصة دون ما فوقه وما تحته إلا أن يستوعب التغير عمود الماء وأما إذا اشترط الكرية أو كان الجاري لا عن مادة ولاقته نجاسة لم ينجس ما فوقها مطلقا ولا ما تحتها إن كان جميعهما كرا إلا مع تغير بعض الكر فينجس الاسفل أو مع استيعاب التغير ما بين الحافتين فيشترط في طهارة الاسفل كريته وهذا القول إنما يستلزم تقوى الاعلى بالاسفل وإلا للزم الحكم بنجاسة الاسفل مطلقا إلا إذا كان

[ 202 ]

الاعلى وحده كرا ولم يستوعب التغير عمود الماء ولم يكف بلوغ المجموع من الاعلى والاسفل كرا مع عدم الاستيعاب وكذا بلوغ الاسفل كرا مع عدم الاستيعاب لان أجزاء الاسفل غير مستوية فلا يقوى الجزء الاعلى الملاقي للنجاسة على هذا التقدير فيصير نجسا وبنجاسته ينجس الجزء الملاقي له وهكذا إلى آخر الماء ثم ذكروا إن الاعلى لا يتقوى بالاسفل فقد ناقضوا قولهم الاول ولا يذهب عليك إن ما نقله من التفصيل في الجاري من المتأخرين لم نجده في كلام أحد سوى المصنف (ره) في هذا الكتاب والبيان و يمكن دفع التناقض بأن يقال إن المصنف إنما حكم باشتراط العلو أو المساواة في كتبه في اتصال الواقف القليل بالجاري (وبالكثير فلعله إنما يشترط في تقوى الاعلى بالاسفل عدم امتياز الظاهر بينهما وحكم العرف بوحدتهما والماء الجاري يزعم أنه في العرف يقال لجميعه ماء واحد وإن كان بعضه أعلى وبعضه أسفل بخلاف الواقف المتصل بالجاري وبالكثير والحاصل إنه يشترط في التقوى وحدة المائين في العرف أو كون المقوى أعلى و الماء الجاري وإن كان لا عن مادة يحكم باتحاد جميعه في العرف والماء الواقف المتصل بالجاري أو الكثير عند علوه ينتفي فيه الامران معا فلا يتقوى بهما ويمكن أن يتكلف أيضا ويخصص الاسفل في كلامه بما إذا لم يكن أجزائه منحدرة هذا وأما المقام الرابع فلم نظفر فيه بتصريح والذي يقتضيه النظر الاكتفاء بالاتصال مطلقا وقد ظهر وجهه في تضاعيف الكلمات السابقة فقد تلخص بما ذكرنا إن الظاهر عدم اشتراط مساواة السطح في الكر مطلقا والاكتفاء بمطلق الاتصال وكذا الظاهر تقوى الاعلى بالاسفل وإن كان الاحتياط في اعتبار المساواة والاتصال بما يعتد به والتحرز عن الكر المختلف السطح الملاقي للنجاسة عند وجود غيره خصوصا إذا كان الاختلاف فاحشا أو يكون بطريق التسنم من ميزاب ونحوه وكذا عن الذي اتصال أجزائه ضعيف وعند فقد غيره الاحتياط في التطهر به وعدم ملاحظة جانب النجاسة ثم ضم التيمم وإعادة الطهارة عند وجدان ماء آخر وتطهير ما لاقى الاول كما مر في نظائره غير مرة ثم إن ها هنا كلاما آخر وهو إن صاحب المعالم بعد اعتبار المساواة في الكر للوجه الذي ذكرنا سابقا ذهب إلى أنه إذا كان الماء القليل متصلا بمادة كثيرة سواء كان مساويا لها ويكون أسفل منها وسواء كان الاتصال بطريق الانحدار والتسنم من ميزاب ونحوه كماء الحمام فإنه لا ينفصل بملاقات النجاسة ولا يشترط في عدم انفعال هذا الماء مساواة سطوح مادته بل لو كانت مختلفة أيضا لكانت مانعة عن انفعال هذا القليل نعم يشترط مساواتها في عدم انفعال المادة نفسها واستدل عليه بأن المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة ولا ريب أن تأثير المادة إنما هو باعتبار إفادتها الاتصال بالكثرة وليس الزايد منها على الكر معتبرا في نظر الشارع فيرجع حاصل المقتضي إلى كونه متصلا بالكر على جهة جريانه إليه واستيلائه عليه وهذا المعنى بعينه موجود فيما نحن فيه فيجب أن يعمل بمقتضاه قال ويريد ذلك حكم ماء الحمام فأنا لا نعلم من الاصحاب مخالفا في عدم انفعاله بالملاقاة مع بلوغ المادة الكر والاخبار الواردة فيه شاهدة بذلك أيضا وليس لخصوصية الحمام عند التحقيق مدخل في ذلك وتوقف العلامة في المنتهى والتذكرة بعد اشتراط كرية مادته في الحاق الحوض الصغير ذي المادة في غيره به لا معنى له نعم يتوجه ذلك على القول بعدم اعتبار الكرية في المادة فإنه يمكن حينئذ قصر الرخصة على موضع النص وقد بنى الشهيد في الذكرى هذا الالحاق على الخلاف في المادة فقال وعلى اشتراط الكرية في المادة يتساوى الحمام وغيره لحصول الكرية الدافعة للنجاسة وعلى العدم فالاقرب اختصاص الحمام بالحكم لعموم البلوى وانفراده بالنص انتهى واستدل على الحكم الاخير بأن المادة المعتبرة في النابع ليست بمستوية كما هو ظاهر وفي الكل نظرا ما في الاستدلال الاول فلان ما ذكره من أن المقتضي لعدم انفعال النابع بالملاقاة هو وجود المادة إنما هو ناظر إلى الرواية التي سنذكرها في بحث الجاري إنشاء تعالى المتضمنة لعدم نجاسة البئر لان لها مادة وأنت خبير بأنه لو سلم عدم الاختصاص بالبئر ولم نقل بجواز كون العلة في عدم النجاسة وجود المادة لخصوص البئر فلا نسلم صدق المادة على ما نحن فيه إذ معناه اللغوي أي الزيادة المتصلة معلوم أنه ليس بمراد ومعناها العرفي غير ظاهر فيجوز أن يكون المراد ماء كثير يصل مدده إليه آنا فآنا سلمنا صدقها لكن لا نسلم ظهور الخبر في أن كل مادة كذلك إذ ليس في مقام تقنين القانون وتحديد الضابطة حتى يكون الظاهر منه العموم كما لا يخفى عند الرجوع إلى الوجدان سلمنا لكن لا نسلم أن مجرد وجود المادة كاف في عدم التنجيس إذ يجوز أن تكون العلة وصول المدد من المادة إلى ذي المادة آنا فآنا لا يقال إن العلة في الرواية إنما هي مجرد وجود المادة له فقط لان وجود المادة ؟ ؟ ليس بظاهر أن يكون معناه مجرد اتصاله بها بل يجوز أن يكون معناه وجودها بحيث يصل إليه مدده آنا فآنا نعم قد ورد هذه العبارة في بعض روايات الحمام و ظاهرها فيه محض الاتصال بالمادة لكن الرواية ضعيفة وأيضا على تقدير كونها فيه بهذا المعنى بقرينة المقام لا يستلزم كونها في جميع الموارد بهذا المعنى وما يقال من أن الاصل في الاطلاق الحقيقة فيه تفصيل ليس ها هنا موضعه ولا يتوهم أن هذا الايراد متحد مع الايراد السابق للفرق بينهما فتأمل وأيضا ما ذكره من أن الزايد منها على الكر غير معتبر في نظر الشارع مما لا دليل عليه والاولى أن يقال علل بوجود المادة مطلقا وهو متحقق هاهنا لصدق المادة على ما نحن فيه وما ذكره من التأييد أيضا ضعيف لجواز اختصاص الحمام بالحكم لعموم البلوى فإلحاق غيره به مجرد قياس مع ظهور الفرق وأما في الاستدلال الثاني فلان عدم استواء مادة النابع ليس بظاهر والاولى أيضا أن يتمسك بإطلاق المادة وللمنع أيضا مجال وفي الاستدلال بهذه الرواية في تعميم الحكم بحث آخر سيجئ إنشاء الله تعالى

[ 203 ]

في بحث الجاري والحق أن بعد تسليم عموم انفعال القليل واعتبار التساوي في الكر إخراج هذا الفرد من الحكم بمجرد هذين الوجهين صعب جدا نعم لو لم يسلم أحد عموم انفعال القليل أو اعتبار المساواة لكان هذان الوجهان مما يصلحان لتأييد حكمه بعدم انفعال هذا الفرق فتأمل (ولا ينجس إلا بتغير لونه أو ريحه أو طعمه بالنجاسة) لا خلاف بين علماء الاسلام في عدم انفعال الكثير بالملاقاة كما صرح به في المنتهى ويدل عليه أيضا الروايات الكثيرة المستفيضة المتقدمة في بحث نجاسة القليل وأما ما رواه التهذيب في باب آداب الاحداث والاستبصار في باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شئ في الموثق عن أبي بصير قال سألته عن كر من ماء مررت به وأنا في سفر قد بال فيه حمار أو بغل أو إنسان قال لا يتوضأ منه ولا يشرب منه فمحمول على الكراهة أو التغير جمعا بين الاخبار وكذا الاخلاف في نجاسته بالتغير بالنجاسة ويدل عليه أيضا الروايات المتقدمة في هذا البحث وأما حسنة الحلبي المتقدمة في أوايل بحث الماء المتضمنة لجواز الطهارة من الماء الاجن فمحمولة على ما كان تغيره بنفسه أو بمخالطة الاجسام الطاهرة جمعا بين الاخبار واعلم إن الروايات المتقدمة خالية عن التعرض للون سوى رواية العلاء بن الفضيل فإنها بمفهومها تدل على نجاسته بتغير اللون لكنها ضعيفة بمحمد بن سنان ونقلوا رواية عن الجمهور أيضا متضمنة لذكر اللون ولا يصلح أيضا للتعويل وذكر بعضهم إن تغير الريح والطعم أسرع من تغير اللون أو لا ينفك تغير اللون عن تغيرهما فلا ثمرة في التعرض له ووجهه غير ظاهر وقد يستنبط اعتبار اللون من قوله (عليه السلام في صحيحة حريز المتقدمة فإذا تغير الماء وتغير الطعم وفيه أيضا إشكال وقد يتمسك فيه بما قاله ابن أبي عقيل إنه قد تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه إن الماء طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه والظاهر إن انضمام هذه الامور بعضها مع بعض مع اعتضادها بالاجماع يكفي في الحكم وأيضا يشكل أن يستنبط من تلك الروايات إن تغير الطعم وحده موجب للنجاسة لان في بعض نسخ التهذيب في صحيحة أبي خالد المتقدمة قد تغير ريحه أو طعمه وفي النسخة المعتمدة وطعمه ويؤيدها آخر الحديث والتعويل أيضا على الاجماع ثم إن ظاهر العبارة حيث قال بالنجاسة يدل على أنه إذا كان التغير بالمتنجس كما إذا تغير طعم الماء أو لونه مثلا بالدبس النجس لا يوجب التنجس وقد صرح به العلامة في المنتهى لكن ظاهر المبسوط نجاسة به أيضا ويحتمله أيضا كلام المعتبر والظاهر الاول لاصالة الطهارة واستصحابها والروايات المذكورة مختصة بالنجاسة فالتعدي إلى غيرها محتاج إلى دليل وليس وسيجئ تتمة لهذا في بحث المضاف إنشاء الله تعالى وقد صرحوا أيضا بأنه إذا كان التغير بمجرد مرور الرايحة مثلا لا بوقوع النجاسة فيه فلا يصير سببا للتنجس وهو جيد للاصل وعد ظهور الروايات في خلافه (تغير محققا لا مقدرا) هذه العبارة تشتمل صورتين أحديهما إذا كان الماء كاينا على حاله الاصلي وتكون النجاسة مسلوبة الصفات وتكون بحيث إذا لم تكن مسلوبة الصفات لغيرت الماء فحينئذ مختار المصنف في هذا الكتاب وأخويه عدم العبرة بالتقدير وذهب العلامة في جملة من كتبه إلى اعتبار التقدير والاول أظهر لانه جعل في الروايات مناط النجاسة التغير والغلبة وهما غير موجودين واعتبار التقدير محتاج إلى دليل والاصل معنا واحتج العلامة بأن التغير الذي هو مناط النجاسة داير مع الاوصاف فإذا فقدت وجب تقديرها وضعفه ظاهر واحتج عليه أيضا فخر المحققين (ره) بأن الماء مقهور بالنجاسة لانه كلما لم يصر الماء مقهورا لم يتغير بها على تقدير المخالفة وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما تغير على تقدير المخالفة كان مقهورا والكلية الاولى ممنوعة وهو ظاهر واحتج المحقق الشيخ على (ره) بأن المضاف المسلوب الاوصاف إذا وقع في الماء وجب اعتباره أما بقلة الاجزاء وكثرتها أو بتقديره مخالفا في الاوصاف على اختلاف القولين وإذا وجب الاعتبار في الجملة في المضاف فللنجاسة أولى وفيه أنه قياس لا نعمل به إذ الاولوية ممنوعة وبأن عدم وجوب التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال وإن زادت النجاسة على الماء أضعافا وهو كالمعلوم البطلان وفيه أنه لو كان ضرورة أو دليل في هذه الصورة فيكون خارجة بالدليل ويكون ما عداها باقيا في الحكم وإن لم يكن فنظر الحكم فيها أيضا وكان الواقع الاول لان بعض الاصحاب ادعى الاجماع على النجاسة إذا استهلكت النجاسة الماء هذا والاحتياط في التقدير في بعض الاوقات وعلى تقدير التقدير هل يعتبر أوصاف النجاسة على الوجه الاشد أو الاضعف أو الاوسط الكل محتمل وجعل المحقق الشيخ على الظاهر الاخير وقال بعد ذلك وهل يعتبر أوصاف الماء وسطا نظرا إلى شدة اختلافها كالعذوبة والملوحة والرقة والغلظة والصفار والكدورة فيه احتمال ولا يبعد اعتبارها لان له أثرا بينا في قبول التغير وعدمه انتهى وثانيتهما ما إذا كان الماء غير كائن على أوصافه الاصلية كالمياه الزاجية والكبريتية وتكون النجاسة على صفاتها الاصلية ولم تغيره لكن يكون بحيث إذا لم يكن الماء على هذه الصفة لغيرته وظاهر الكتاب على إطلاقه يدل على عدم التقدير حينئذ أيضا وهو الظاهر بالنظر إلى ما ذكرنا آنفا ولم نجد في كلام الاصحاب نصا على خلافه ويمكن إجراء الوجوه المذكورة في الصورة الاولى ها هنا أيضا والجواب الجواب والعبارة المنقولة آنفا عن المحقق الثاني (ره) يمكن أن يكون مراده منها اعتبار أوصاف الماء في هذه الصورة ويمكن أن يكون المراد اعتبار الاوصاف في الصورة الاولى عند اعتبار أوصاف النجاسة وعلى أي وجه لا وجه له كما لا يخفى ثم اعلم إن ما ذكرنا في الصورة الثانية إنما هو إذا لم تغير النجاسة أوصاف الماء في الواقع بسبب وصفه العارضي وأما إذا غيرته في الواقع ولم يظهر للحس بسبب وصفه العارضي كما إذا كان الماء أحمر ثم وقع فيه دم فقد

[ 204 ]

قطع بالنجاسة فإن التغير حاصل وإن لم يكن ظاهرا للحس والمناط التغير في الواقع لا التغير الحسي وممن قطع به المصنف في البيان (ويطهر بما مر) أي بالتقاء الكر دفعة حتى يزول التغير وإن لم يزل فكر آخر وهكذا وبالجاري وما ذكر من الابحاث في تطهير القليل جار ها هنا أيضا فاعتبر واعلم إن المشهور بين الاصحاب عدم طهارة المتغير بزوال التغير من قبل نفسه أو بتصفيق الرياح أو نحوه بدون ورود الماء وقد صرح بعضهم مثل يحيى بن سعيد بالطهارة به وهو من الذاهبين إلى طهارة القليل بالاتمام كرا ونسب أيضا إلى بعض القائلين بعدم الطهارة بالاتمام القول بطهارة الكثير بزوال التغير لكن الظاهر أنه لم يذهب أحد إلى طهارة القليل المتغير بزوال التغير كما يفهم من المنتهى وقال بعض الاصحاب كالمحقق والمصنف وغيرهما إن القول بالطهارة في الكثير بزوال التغير لازم على كل من قال بالطهارة بالاتمام وفيه نظر لان القول بالتمام أما أن يكون من جهة خبر البلوغ أو من غيرها من الوجوه التي ذكرنا سابقا فإن كان من غيرها فعدم اللزوم ظاهر وإن كان منها فكذلك أيضا لان خبر البلوغ إنما يدل عموما على إن الماء إذا بلغ كرا لم يظهر فيه خبث أصلا وقد خصص ذلك العموم بالروايات والاجماع بالخبث الذي لا يكون مغيرا فعند التغير يثبت النجاسة ويكون مستصحبا إلى أن يعلم المزيل كما ذكره القائلون بعدم الاتمام فإن قيل القدر الثابت تخصيصه من ذلك العموم المتغير ما دام متغيرا فيكون ما بعد التغير داخلا في العموم قلنا هذا على تقدير تمامه وارد على القائلين برواية إذا بلغ الماء كرا لم ينجسه شئ أيضا كما لا يخفى حجة المشهور أن النجاسة حكم شرعي فيتوقف زواله على حكم آخر ولانها نجسة قبل الزوال فيستصحب الحكم بعده أيضا ولان النجاسة تثبت بوارد فلا تزول إلا بوارد وضعف الاخير ظاهر وللمناقشة في الاولين مجال والاولى مجال أن يتمسك بالروايات المتقدمة الدالة على النجاسة بالتغير لان فيها النهي عن الوضوء والشرب عن هذا الماء والنهي للدوام والتكرار خرج ما بعد التطهير بالالقاء ونحوه مما فيه إجماع أو دليل آخر بالدليل فبقي الباقي واستدل القايلون بالطهارة بأن الاصل في الماء الطهارة والحكم بالنجاسة للتغير فإذا زالت العلة انتفى المعلول والجواب إن التغير لا نسلم أنه علة للنجاسة بل هو من العلامات والمعرفات كما هو شأن العلل الشرعية ولو سلمنا العلية فيمكن أن يكون علة لحدوث النجاسة لا لبقائها إذ العلة المبقية يجوز أن يكون غير العلة المحدثة فإن قلت البقاء لا بد له من علة كما هو الحق فلا بد أن تثبتوا تلك العلة حتى يتم مطلوبكم إذ الاحتمال لا يكفيكم لان أصل الطهارة معنا قلت لا يلزم علينا إثبات أن العلة ماذا بل يكفي أن يثبت إن الحكم باق بعد التغير وقد أثبتنا بعموم النهي وشموله لجميع الاوقات فتأمل (ولو تغير بعضه وكان الباقي كرا طهر بتموجه والانجس) هذا الحكم معروف بين الاصحاب ولم نعرف فيه خلافا واعلم أنه لا بد في الكر الباقي من الاتصال فلو قطع بعض أجزائه عن بعض بالاجزاء المتغيرة ينجس الجميع ثم اشتراط التموج إنما هو على القول بوجوب المزج فلو اكتفى بالاتصال لكفى زوال تغير المتغير مع اتصاله بالباقي والاولي أن يمزج جميع الكر الباقي مع المتغير ولا يكتفي بمزج بعضه (ولا فرق بين مياه الحياض والانية وغيرهما على الاصح) هذا هو المشهور بين الاصحاب وذهب المفيد وسلار إلى نجاسة ماء الحياض و الاواني بملاقاة النجاسة وإن كان كرا فصاعدا والمعتمد هو الاول للاصل والروايات المتقدمة في بحث القليل الدالة على إن الكر لا ينجسه شئ واحتجا على ما حكى عنهما بعموم النهي عن استعمال ماء الاواني مع ملاقاة النجاسة والجواب أنه محمول على الغالب إذ الغالب أن الانية لا تسع الكر ولو سلمنا عدم ظهوره في القليل فنقول أن بينه وبين العمومات الدالة على إن الكر لا ينجسه شئ عموما من وجه فنحكم فيما نحن بصدده بالتعارض والتساقط لو سلم عدم رجحان العمومات بالكثرة والشهرة فيبقى أصل الطهارة بحاله ولا يذهب عليك إن هذا الدليل لو تم لدل في الاواني فقط فالحاق الحوض بها مما وجه له وقد مر في بحث القليل عدة روايات تكون نصا في عدم نجاسة الحوض بالملاقاة فتذكر فرع (لو شك في استناد التغير إلى النجاسة فالاصل الطهارة) للاخبار الواردة بأن كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر وقد تقدمت في أول بحث المياه والاخبار الدالة على إن اليقين لا ينقض بالشك ولما رواه التهذيب في آخر باب تطهير الثياب في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال كلشئ نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد وما لم تعلم فليس عليك والحق المصنف في الذكرى الظن أيضا بالشك لعدم شمول العلم له وهو جيد (ولو جمد الماء لحق بالجامدات فينجس الموضع الملاقي) هذا هو الظاهر لعدم صدق الماء عليه عرفا ولغة والعلامة (ره) في المنتهى حكم بأن الماء إذا جمد وكان كثيرا لم ينجس بملاقاة النجاسة لدخوله تحت عموم إذا بلغ الماء كرا لان التجميد لا يخرج الماء عن حقيقته بل ذلك مما يؤكد ثبوت مقتضى حقيقته فإن الاثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت كانت آكد في ثبوتها والبرودة من معلولات طبيعة الماء وهي تقتضي الجمود وفيه نظر ظاهر لان مناط الاحكام العرف واللغة ولا يطلق فيهما اسم الماء على الجامد وعدم الخروج عن حقيقته بالجمود لا مدخل له وهو (ره) مع حكمه في الكثير بذلك حكم في القليل الجامد بأن النجاسة لا يسري إلى جميعه لانه لجموده يمنع من شيوع النجاسة فيه فلا يتعدى موضع الملاقاة بخلاف الماء القليل الذي يسري النجاسة إلى جميع أجزائه وهو حسن ولم يصرح في كلامه (ره) إن الكثير الجامد ما حكمه إذا تغير بالنجاسة والظاهر إنه أيضا كالقليل في نجاسته موضع الملاقاة حسب ولا يخفى ما في الجميع بين هذين الحكمين من غرابة ثم بعد هذا تردد في أن الماء القليل المايع الملاصق لما زاد على الكر من الثلج هل ينجس بملاقاة النجاسة أم لا نظر إلى أنه ماء متصل بالكر فلا يقبل التنجس وإلى أنه ماء قليل متصل بالجامد اتصال

[ 205 ]

مماسة لا ممازجة واتحاد فأشبه المتصل بغير الماء في انفعاله من النجاسة لقلته والتردد في هذا الحكم بعد الذهاب إلى إن الكثير الجامد لا ينجس بملاقاة النجاسة إلا وجه له أيضا وبالجملة الظاهر نجاسة موضع الملاقاة سواء كان كثيرا أو قليلا بناء على نجاسة الرطب الملاقي للنجاسة وعدم سراية النجاسة إلى ما عداه لعدم دليل عليه (ويطهر بإلقاء النجاسة وما يكتنفها) كالدهن النجس الذي ليس بمايع (ولو اتصل الموضع بالكثير فإن زال العين وتخلل طهر) لا خفاء في هذا الحكم وكان المراد بالمتخلل وصول الماء إلى جميع ما لاقته النجاسة ثم اختصاص تطهيره بالكثير كما يفهم من فحوى العبارة دون القليل سيجئ تفصيل القول فيه إنشاء الله تعالى في بحث تطهير الثياب والبدن (ولو جمد الماء النجس فطهره باختلاط الكثير به إذا صار مايعا) لا شك في حصول الطهارة بالاختلاط بالكثير بعد الميعان لانه ماء نجس وجميع ما مر في تطهير الماء النجس جار فيه أيضا (ولو قدر تخلله) أي تخلل الماء الكثير فيه قبل صيرورته مايعا كالثلج (أمكن الطهارة) هذا الحكم لا يخلو عن إشكال بيانه إن ما ثبت من تطهير الماء أنه إذا لاقى الموضع الذي لاقته النجاسة وصار نجسا فإنما يطهره والاعيان الجامدة التي ليست أعيانها نجسة إذا لاقته النجاسة نجسته فكلما لاقته النجاسة من أجزائه يصل إليه الماء أيضا بالضرورة فيطهره وأما الاعيان المايعة فلما كان بملاقاة النجاسة ينجس جميعها فلا بد من وصول الماء إلى جميعها ليطهرها وذلك محال لامتناع التداخل فعلى هذا إذا نجس الماء ينجس جميعه فلا بد من وصول الماء إلى جميعه حتى يطهر ولا شك أنه عند الجمود لا يصل الماء إلى جميعه لامتناع التداخل فلا يطهر فإن قلنا لو تم ما ذكرت للزم أن لا يطهر بعد ميعانه أيضا بل لا يطهر الماء النجس مطلقا قلت الاجماع دل على تطهير الماء فيتبع وما نحن فيه ليس إجماع فينبغي الحكم على مقتضى الاصول وغاية ما يمكن أن يقال أنه لما كان بعد الميعان يطهر بوصول الماء إلى أجزائه التي يمكن وصوله إليها فقبله أيضا الظاهر طهره بوصول الماء إلى تلك الاجزاء كما هو المفروض لعدم تعقل الفرق وفيه بعد تأمل لان عدم تعقل الفرق لا يفيد في المقام مع أن وصول الماء إلى جميع تلك الاجزاء مما لا يمكن حصول العلم به اللهم إلا إذا فرض أخبار المعصوم مثلا ولا يخفى أنه على الوجه الذي ذكرنا آخرا يلزم على القول بطهارة الماء النجس بالاتصال طهر هذا بإتصاله بالكثير وكأنه لم يقل به أحد اللهم إلا على رأي العلامة (ره) من إدخال الجامد تحت الماء وبالجملة الاولى أن لا يكتفي في تطهيره بتخلل الماء فيه قبل الميعان والله أعلم (وثالثها الجاري نابعا) احترز به عما إذا كان جاريا من غير نبع فإن حكمه حكم الواقف اتفاقا نعم القليل منه إذا كان منحدرا لا ينجس ما فوقه ما سيجئ واعلم أنه لا يشترط فيه الجريان بل يكفي مجرد النبع والمراد منه غير البئر بقرينة إفرادها بالذكر (ولا ينجس إلا بالتغير) لا خفاء في نجاسة الجاري بالتغير للاجماع والروايات المتقدمة في بحث القليل الدالة على نجاسة كل ماء بالتغير وأما بالملاقاة فإن كان كرا فلا خفاء أيضا في عدم نجاسته للاجماع والروايات وأما إذا لم يكن كرا فالمشهور بين الاصحاب عدم نجاسته به المحقق في المعتبر ادعى اتفاق الاصحاب عليه وتبعه العلامة (ره) في المنتهى والعلامة مع ذلك خالف الاصحاب وحكم باشتراط كريته في عدم الانفعال بالملاقاة وتبعه بعض المتأخرين منهم الشهيد الثاني (ره) في بعض كتبه والظاهر هو الاول للاجماع المنقول بخبر الواحد العدل وللاصل وعدم دليل مخرج عنه كما يظهر عند ذكر أدلة الخصم وللروايات المتقدمة في بحث القليل الدالة على طهارة كل ماء ما لم يتغير خرج عنه القليل الواقف بالدليل وبقي الجاري ولا يخلو عن بعد وبما رواه التهذيب والاستبصار في ماء البئر تقع فيه ما يغير أحد أوصافه في الصحيح عن محمد بن إسماعيل عن الرضا (عليه السلام) قال ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لان له مادة وجه الاستدلال أنه (عليه السلام) جعل العلة في عدم فساده بدون التغير أو في طهارته بزواله وجود المادة والعلة المنصوصة حجة كما تقرر في الاصول والمادة موجودة في الماء الجاري وأورد عليه أنه يمكن أن يكون التعليل الذهاب الريح وطيب الطعم كما يقال ألزم حتى يعطيك حقك فإنه يكره ملازمتك وألزم الحمية حتى يذهب مرضك فإن الحمية داء كل دواء وفيه بعد لان ذهاب الريح وطيب الطعم بالنزح مما لا يحتاج إلى بيان علة لانه أمر بديهي محسوس فحمل كلامه (عليه السلام) مما يخرجه عن الفايدة ولا يليق بهم (عليهم السلام) وقد يمنع أيضا وجود المادة في الجاري مطلقا إذ المادة كما هو الظاهر لا بد أن يكون كرا مجتمعا ووجود مثلها في كل جار غيره معلوم إذ يجوز أن يكون نبع بعضها بطريق الترشح عن عروق الارض سلمنا عدم اعتبار الاجتماع لكن وجود الكر أيضا متصلا به غير معلوم يجوز أن يحصل في بعض العيون الماء بقدر ما يخرج تدريجا في الارض أما بانقلاب الهواء كما هو رأي الحكماء أو بإيجاد الله تعالى إياه من غير مادة أو بذوبان الثلج ونعوده في الارض شيئا فشيئا والبعض الذي تبعد فيه هذه الاحتمالات لا ينفك عن الكثرة وبما ورد من نفي الباطن بالبول في الماء الجاري وقد تقدم في بحث كراهة البول في الماء وفيه نظر ظاهر لان نفي البأس في البول في الماء ظاهره أنه لا حرمة في هذا الفعل لانه لا ينجس الماء حجه العلامة روايات الكر المتقدمة الدالة بمفهومها على نجاسة كل قليل بالملاقاة وفيه نظر لان مفهوم الروايات لا عموم له إذ غاية ما يدل عليه نجاسة بعض ما ليس بكر وقد سبق إن القول بتعميمه بناء على عدم القول بالفصل والقائل بالفصل ها هنا موجود قال صاحب المدارك (ره) سلمنا العموم لكن نقول عمومان تعارضان من وجه فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالاخر والترجيح في جانب الطهارة بالاصل و الاجماع وقوه دلالة المنطوق على المفهوم انتهى والظاهر إن مراده (ره) من العمومين عموم المفهوم وعموم الروايات الدالة على إن كل ماء لا ينجس ما لم يتغير و فيه حينئذ أنه ليس بين العمومين عموم من وجه لان عموم المفهوم إن كل ماء قليل ينجس بالملاقاة وعموم الروايات إن كل ماء لا ينجس بالملاقاة وبينهما عموم

[ 206 ]

وخصوص مطلق فيجب أن يخصص العام ولو جعل مراده من العموم عموم حسنة محمد بن ميسر ففيه أنه لا معارضة حينئذ من وجه بل التعارض بينهما كلي ويمكن أن يقال مراده عموم رواية البئر إذ التعليل بناء على عمومه بمنزلة إن كل ذي مادة لا ينجس بالملاقاة وهذا شامل للقليل وغيره وعموم المفهوم إن كل قليل ينجس بالملاقاة وهو أعم من ذي مادة وغيره فيحصل بينهما عموم من وجه فحينئذ يظهر وجه ترجيح آخر لان تقييد العام الاول بالكثير مما يخرجه عن الفايدة لان الكثير لا حاجة له إلى المادة هذا ولو احتج للعلامة بالروايات الدالة بالمنطوق على نجاسة القليل ففيه أيضا أنها لا عموم لها أصلا سوى صحيحة علي المتضمنة لدخول الدجاجة في الماء وقد عرفت المناقشة في عمومها أيضا في بحث وقوع ما لا يدركه الطرف من الدم ولو سلم العموم فلا نسلم ظهورها في النجاسة ولو سلم فإثبات الحكم بمجردها مشكل سيما مع عدم عمل الاصحاب بمضمونها فيما نحن فيه وقس عليه الحال في نظاير هذا الموضع (ولو تغير بعضه نجس دون ما فوقه وما تحته إلا أن ينقص ما تحت النجاسة عن الكر ويستوعب التغير عمود الماء) وهو خط مما بين جانبيه عرضا وعمقا (فينجس التغير وما تحته) لا خفاء في هذه الاحكام إلا فيما ذكره من أن عند نقصان ما تحته عن الكر واستيعاب التغير عمود الماء ينجس المتغير وما تحته وهذا الحكم وإن كان مشهورا فيما بين المتأخرين لكن ليس له وجه ظاهر إذ ما يتخيل أنه حينئذ ينقطع اتصاله بما فوق فيصير في حكم القليل ليس بمسلم إذ الانقطاع إنما يحصل بانقطاع الما وعدم جريانه إليه بالاتصال وفيما نحن فيه ليس كذلك إذ الماء يجري إلى ما تحت غايته أنه في البين ماء نجس والحاصل أن الاصل الطهاره وعموم دلايل انفعال القليل قد عرفت حاله فلا بد في نجاسة هذا الماء من دليل ولا دليل عليه اللهم إلا أن يتمسك بالشهرة أو عدم القول بالفصل وفي الكل نظر لكن الاحتياط فيه واعلم إن العلامة (ره) أنه اشترط الكرية في الجاري أطلق القول في جملة من كتبه عند تغير البعض إذا كان كثيرا باختصاص النجاسة بالمتغير دون ما فوقه وما تحته وهذا بظاهره يعطي الحكم بعدم اشتراط مساواة السطوح في الكر وتقوى الاعلى بالاسفل إذ لو لم يكن ذلك لما كان الحكم صحيحا على إطلاقه بل فيه تفصيل لا يخفى لكنه صرح في بعض كتبه بعدم تقوى الاعلى بالاسفل كما نقلنا سابقا عن التذكرة فكلامه هذا أما رجوع عما في التذكرة أو إجمال في الكلام إحالة على أنه يعلم تفصيله بالتأمل في مقتضى الاصول التي تقرر عنده أو أنه يرى في الجاري خصوصيته لا يرى في غيره بناء على أن الغالب فيه عدم الاستواء فلو اعتبرت المساواة وعدم تقوى الاعلى بالاسفل للزم الحكم بتنجس الانهار العظيمة بملاقاة النجاسة أوايلها التي لا يبلغ مقدار الكر ولو بضم ما فوقها وذلك معلوم الانتفاء (وطهره بتدافعه حتى يزول التغير) الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الاصحاب ويريده الرواية التي سنذكرها إنشاء الله تعالى في بحث الحمام من أن ماء النهر يطهر بعضه بعضا والعلامة (ره) مع القول باشتراط الكرية إطلق هذا الحكم واستشكل عليه أنه إذا استوعب التغير جميع الماء أو بقدر ما يكون الباقي منه أقل من كر يلزم أن لا يطهر ذلك الماء إلا بمطهر من خارج وإن كان عينا عظيما جدا وهو منتف البتة لان ما يخرج من المنبع ليس بكر فيتحسن بالملاقاة وهكذا إلا أن يكتفي بخروج الكر دفعة عرفية ومع هذا أيضا لا يرتفع الاشكال إذ يلزم أن لا يطهر العين الذي في كمال القوة والغلبة إذ لم يخرج بقدر الكر دفعة عرفية وهذا أيضا معلوم الانتفاء وقد أشرنا إليه أيضا سابقا وقد يجعل هذا من الشواهد على بطلان اشتراط الكريه لاستلزامه هذه المفسدة وللعلامة أن يلتزمها ويدعي عدم فسادها لكنه بعيد جدا أو يحكم بخروج هذا الفرد من الكلية واعلم إن اشتراط التدافع حتى يزول التغير إنما هو على رأي من يعتبر الممازجة كالمصنف وأما من يكتفي بالاتصال فالظاهر على رأيه كفاية زوال التغير وإن لم يحصل التدافع وقد نسب إلى بعض القائلين بالاتصال عدم كفايته ها هنا نظرا إلى أن الاتصال الذي يكتفي به في التطهير هو الحاصل بطريق العلو أو المساواة وليس بمتحقق ها هنا لان المادة باعتبار خروجها من الارض لا يكون إلا أسفل منه ولا يخفى أنه على تقدير تمامه إنما يتم في بعض الصور إذ ليس في جميعها كذلك والاولى اعتبار التدافع والتمازج وعدم الاكتفاء بالاتصال وقد ظهر وجهه فيما سبق (ولا يسشتر فيه الكرية على الاصح) قد تقدم القول فيه (نعم يشترط دوام النبع) قد تبع الشيخ جمال الدين ابن فهد أيضا في الموجز المصنف في هذا الشرط واشتبه الامر في إن المراد منه ماذا فقال بعضهم إن المراد بالدوام عدم الانقطاع في أثناء الزمان ككثير من المياه التي يخرج زمن الشتاء وينقطع بالصيف وهذا غريب جدا إذ لا دليل عليه من الاخبار ولا يصاعده الاعتبار ولانه إن أريد به ما يعم الزمان كله فلا ريب في بطلانه إذ لا سبيل إلى العلم به وإن خصص ببعضها فمحض تحكم وقد قال المحقق الشيخ (ره) في بعض فوائده إن أكثر المتأخرين عن الشهيد (ره) لا تحصيل لهم فهموا هذا المعنى من كلامه وهو منزه عن أن يذهب إلى مثله فإنه تقييد لاطلاق النص بمجرد الاستحسان وهو أفحش أغلاط الفقهاء وبالغ في توجيه فساده حتى قال أنه ليس محط نظر فقيه فيحتاج إلى الكلام عليه والاعتناء به وإنما قصد بذلك الاشارة إلى خطائه ليتجنبه ذو البصائر ثم أنه (ره) حمله على معنى آخر وهو أن المراد بدوام النبع استمرار محال الملاقاة بالنجاسة وهذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر من اللفظ في الجملة لكنه صواب إذ عند عدم استمراره حال ملاقاة النجاسة يكون بمنزلة الماء القليل وإن كان في بعض الصور للتأمل مجال وهو ما إذا كان نبعه من الارض بطريق الترشح ويكون انقطاعه آنا فآنا بحيث لا يتراخى زمان معتد به بين القطع والنبع إذ حينئذ الجزم بدخوله تحت القليل وبشمول أدلة نجاسته بالملاقاة له مشكل لما عرفت أن تعميم هذه

[ 207 ]

الادلة بحسب عدم القول بالفرق وهو فيما نحن فيه غير معلوم وإن كان الاولى رعاية عدم الانقطاع حال الملاقاة ولا يخفى أيضا أن هذا الشرط مما لا يحتاج إليه لان اشتراط الجريان مغن عنه لانهما على هذا يتحدان في آمال إلا أن يقال إن مثل هذا الماء الذي فرضنا إنما يطلق أيضا عليه في العرف الجاري وإن كان حال انقطاعه فالتصريح بهذا الشرط لئلا يتوهم شمول الحكم له في جميع الاوقات ثم إن في مثل هذا الماء الذي فرضنا لو علم انقطاعه حال فالحال كما عرفت وإن علم الاستمرار فلا يصير نجسا للدلايل التي ذكرناها وإن شك في الانقطاع والاستمرار فيكون حكمه كما إذا شك في الكرية والظاهر فيه كما أشرنا إليه في بحث تحديد الكر الطهارة بناء على الاصل ثم إن صاحب المعالم (ره) بعد نقله ما نقلنا عن المحقق الثاني (ره) في توجيه كلام المصنف قال وهو حسن وتقريبه أن عدم الانفعال بالملاقاة في قليل الجاري معلق بوجود الماده كما علمت فلا بد في الحكم بعدم الانفعال فيه من العلم بوجودها حال ملاقاة النجاسة وربما يتخلف ذلك في بعض أفراد النابع كالقليل الذي يخرج بطريق الترشح فإن العلم بوجود المادة فيه عند ملاقاة النجاسة مشكل لانه يترشح آنا فآنا فليس له فيما بين الزمانين مادة وهذا يقتضي الشك في وجودها عند الملاقاة فلا يعلم حصول الشرط واللازم من ذلك الحكم بالانفعال بها عملا بعموم ما دل على انفعال القليل لسلامته حينئذ من معارضة المادة ولا يخفى أن اشتراط استمرار النبع يخرج مثل هذا ولولاه لكان داخلا في عموم النابع لصدق اسمه عليه وهذا التقريب وإن اقتضى تصحيح الاشتراط المذكور في الجملة إلا أنه ليس بحاسم لمادة الاشكال من حيث إن ما هذا شأنه في عدم العلم بوجود المادة له عند الملاقاة ربما حصل له في بعض الاوقات قوة بحيث يظهر فيه أثر وجود المادة واللازم حينئذ عدم انفعاله مع أن ظاهر الشرط يقتضي نجاسته ويمكن أن يقال إن الشرط ينزل على الغالب من عدم العلم بوجود المادة في مثله وقت الملاقاة ويكون حكم ذلك الفرد النادر محالا على الاعتبار وهو شاهد بمساواته للمستمر انتهى ولا يذهب عليك إن الظاهر منه أنه حمل كلام المحقق المذكور على أنه يجب أن يكون الجاري ما دام موجودا بحيث يعلم في كل أن مما تلاقيه نجاسة إن له مادة أي أنه نابع في هذا الان غير منقطع بناء على أنه يشترط وجود المادة في عدم الانفعال وما لم يعلم حصول الشرط يحكم بالانفعال وفيه نظر من وجوه الاول أن حمل كلام المحقق عليه بعيد جدا إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه بل ظاهره ما ذكرنا من أن الشرط الاستمرار حال الملاقاة والحكم بوجود الشرط وعدمه والشك فيهما مسألة أخرى لا دخل لها بهذا المقام الثاني إن ما ذكره من أن عدم الانفعال معلق بوجود المادة فلا بد في عدم الانفعال من العلم بوجودها غير ظاهر كما أشرنا إليه في بحث تحديد الكر وأيضا تعليقه على وجود المادة لا دليل عليه إذ العمدة في عدم الانفعال ما ذكرنا لا رواية البئر المتضمنة للمادة لما عرفت من ورود الايراد عليه الثالث أن تعليل عدم العلم بوجود المادة لهذا الماء بأنه يترشح آنا فآنا فليس له بين الانين مادة مما لا حاجة إليه إذ لا يعلم وجود المادة لمثل هذا الماء بمعنى وجود كر من الماء يجئ هو منه أصلا وإن كان في آن الترشح أيضا وهو ظاهر لكن هذا ليس إيرادا عليه في الحقيقة إذ إمكان التعليل بوجه آخر لا يقدح في صحة تعليله واختيار هذا الوجه كأنه لظهوره الرابع أن بعد أخذ العلم لا حاجة إلى أن يقال أنه لا بد أن يعلم في كل آن من آنات وجود الماء أنه نابع غير منقطع حتى يرد اعتراضه الذي أورده ويحتاج إلى أن يتكلف في جوابه بما تكلف بل يكفي أن يقال أنه يشترط العلم بوجود المادة حين الملاقاة وعلى هذا الاعتراض كما لا يخفى (ولو كان الجاري لا عن مادة ولاقته النجاسة لم ينجس ما فوقها مطلقا ولا ما تحتها إن كان جميعه كرا فصاعدا إلا مع التغير) هذا هو العبارة التي ذكرنا إن الشهيد الثاني (ره) أخذ التناقض باعتباره وقد مر الكلام فيه وكذا الحال في الجاري القليل أيضا عند العلامة وهو (ره) صرح في بعض كتبه بعدم نجاسة ما فوقه مطلقا ولم يتعرض لبيان حكم ما تحته ولعله أحاله على الاعتبار ثم إن الحكم بعدم نجاسة ما فوقه مطلقا إنما هو على انحدار الماء كما يشهد به لفظة ما فوق وأما على التساوي فإنما لم ينجس مع كريته وحده أو مع ما تحت النجاسة إن كان الجميع كرا مستويا مع اشتراط المساواة أو منحدرا أيضا على عدم اعتبارها وعدم القول بعدم تقوى الاعلى بالاسفل أما مطلقا أو مع الجريان (ومنه ماء الحمام) الداير في السنة الاصحاب إن ماء الحمام حكمه حكم الجاري إذا كان له مادة واختلفوا في اشتراط الكرية في المادة فالاكثر على الاشتراط والمحقق (ره) في المعتبر قال بعدمه فالكلام ها هنا في أمور الاول في المراد من ماء الحمام والثاني في معنى كون حكمه حكم الماء الجاري والثالث في تحقيق اشتراط الكرية في مادته أما الاول فالمراد بماء الحمام المبحوث عنه في هذا الموضع ما في حياضه الصغار التي لم يبلغ حد الكر لان ما بلغ حد الكر أمره ظاهر وأما الثاني فالمراد بتشبيهه بالجاري عدم نجاسته بالملاقاة عند اتصاله بالمادة وطهره بعد التنجس بإجراء المادة عليه أما مع الاستيلاء أو بدونه على الاحتمالين والدليل على الامر الاول منضما إلى الاجماع كما هو الظاهر ما رواه التهذيب في زيادات باب دخول الحمام في الصحيح عن داود بن سرحان قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في ماء الحمام قال هو بمنزلة الجاري ولا يخفى أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يتم بعد ما علم إن ماء الحمام في زمانهم (عليه السلام) كيف كان قليلا أم كثيرا إذ الظاهر إن السؤال من ماء الحمام المعهود عندهم سيما إن أصل الاضافة للعهد وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره اغتسل من مائه

[ 208 ]

قال نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب ولقد اغتسلت فيه ثم جئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلا مما لزق بهما من التراب وفيه أيضا عدم الظهور في الحوض الصغير وعدم الظهور أيضا في وصول النجاسة وما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح عن محمد بن مسلم قال رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائيا من الحمام وبينه و بين داره قذر فقال لو لا ما بيني وبين داري ما غسلت رجلي ولا تجتنب ماء الحمام وفيه أيضا مثل ما سبق وما رواه أيضا في هذا الباب والكافي في باب ماء الحمام عن بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة وهذه الرواية وإن كانت غير صحيحة لجهالة بكر لكن تلقي الاصحاب لها بالقبول يجبر ضعفها ويمكن ادعاء ظهورها في الحياض الصغار إذ لو كان حوضا كبيرا لما كان محتاجا إلى المادة وإن كان للمنع مجال وما رواه الكافي في الباب المذكور عن حنان قال سمعت رجلا يقول لابي عبد الله (عليه السلام) أني أدخل الحمام في السحر وفيه الجنب وغير ذلك فأقوم فاغتسل فيتضح على بعد ما أفرغ من مائهم قال أليس هو جار قلت بلى قال لا بأس وفيه بعد القدح في السند عدم ظهور المراد منه كما لا يخفى وهذه الرواية في التهذيب أيضا في الباب المذكور لكن ليس في سندها حنان والظاهر أنه سقط سهوا وما رواه التهذيب في الباب المذكور عن أبي الحسن الهاشمي قال سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا أعرف اليهودي من النصراني ولا الجنب من غير الجنب قال يغتسل منه ولا يغتسل من ماء آخر فإنه طهور وعن الرجل يدخل الحمام وهو جنب فيمس الماء من غير أن يغسلهما قال لا بأس وفيه أيضا بعد القدح في السند عدم الظهور في الحوض الصغير ولا وصول النجاسة إليه والدليل على الامر الثاني مضافا إلى الاجماع أيضا على تقدير كون المادة كرا إذ المحقق (ره) مع قوله بعدم اشتراط الكرية يقول بأن المادة إذا لم تكن كرا لا يطهر الحوض الصغير بعد نجاسته بجريانها إليه بل إنما يشترط في طهر الصغير بجريانها إليه كريتها ما رواه الكافي في الباب المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت أخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب والصبي واليهودي والنصراني والمجوسي فقال إن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا وفي سنده ضعف ولا يذهب عليك أن هذه الروايات كما عرفت يشكل الاستدلال بها على حكم فالمعول في عدم نجاسة الحوض الصغير بملاقاة النجاسة حال كونه متصلا بالمادة الاجماع كما هو الظاهر وكذا في تطهيره بعد النجاسة بجريان المادة إليه إذا كانت كرا أما مع الاستيلاء أو عدمه على الاحتمالين كما سنذكره وكذا لو كان الحوض كرا ونجس بالتغير مثلا ولو قطع النظر عن الاجماع وبنى على المقدمات المتقدمة في الابواب السابقة في بحث الماء نقول لا يخلو أما أن يكون مادته كرا أم لا فإن كانت كر وكان متصلا بالحوض الصغير فعلى ما حققنا سابقا من عدم طهور اشتراط تساو السطوح في الكر لا خفاء في عدم نجاسته بالملاقاة وأما تطهيره بعد النجاسة فأمره مشكل لما عرفت سابقا من عدم نص في تطهير الماء سوى ما في البئر وهذه الرواية التي ذكرنا أخيرا أو قد عرفت ضعفها مع إن فيها نوع إجمال فأما أن يتمسك في تطهيره إن كان نجاسته من الملاقاة بأن العمدة في نجاسة القليل مطلقا إنما هي الشهرة بين الاصحاب والشهرة بين الاصحاب والشهرة إنما هي فيما عدا ذلك الوقت وإن كانت نجاسته بالتغير بما ذكرنا سابقا من حصول الشك في التكليف وإن الظاهر من النواهي الواردة في الاجتناب عنه إنما هو الاجتناب حال التغير وبالجملة هذه الامور مع الاجماع ظاهرا مما يورث الظن القوى بطهارته بإجراء المادة ثم إن مجرد الاجراء كاف أو لا بد من الاستيلاء عليه وممازجته معه صرح العلامة في المنتهى والتذكرة والنهاية بأنه لا بد من الاستيلاء والغلبة واستدل بأن الصادق (عليه السلام) حكم بأنه بمنزلة الماء الجاري والجاري إذا نجس لم يطهر إلا بالاستيلاء واختار الشهيد الثاني (ره) أنه يكفي الاجراء فقط ونسب القول به إلى العلامة أيضا في بعض المواضع حيث اكتفى في مسألة الوصل بين الغديرين في طهارة النجس منهما باتصاله بالطاهر منهما كما صرح به في النهاية ويظهر منه الميل إليه في المنتهى ونسب هذا القول إلى المحقق الشيخ (ره) أيضا واستدل الشهيد الثاني (ره) بما نقلنا سابقا في بحث تطهير القليل من أدلة عدم اعتبار الممازجة وقد عرفت عدم تماميتها والاولى رعاة الامتزاج لتحقق الاجماع فيه ظاهرا دون الاول وعدم دليل عليه مع أن الاصل بقاء النجاسة على ما كان وإن كان يتطرق إليه المناقشات كما مر غير مرة ثم اعلم إن ما نقلنا عن العلامة (ره) كما فهمه الشهيد الثاني وتبعه بعض آخر يترائى منه تناقض وتهافت لانه صرح في النهاية بعدم كفاية جريان الماده إلى الحوض الصغير وصرح في الغديرين بالكافية ولا معنى لكون حكم الحمام أغلظ من غيره وهو ظاهر وكذا ما في المنتهى وهل هذا إلا تناقض وألحق إن مراده (ره) ليس كما فهموه ونسبوا إليه بل مراده من الغديرين اللذين يكتفي فيهما بالاتصال ما إذا كانا متساويين ومادة الحمام أعلى في الغالب نعم يمكن الايراد عليه بأن الوجه الذي ذكره في كفاية الاتصال من أن مداخلة الجميع محال فالمعتبر اذن الاتصال كما نقلنا يجري ها هنا أيضا فلم لم يكتف ها هنا بالاتصال وقد أخذ عليه (ره) أيضا أنه شرط في مادة الحمام الكرية وصرح بتقوى الاسفل بالاعلى في الذكرة كما نقلنا عنه سابقا مع أنه استشكل في التذكرة وغيرها في انسحاب حكم الحمام إلى غيره وهو أيضا مندفع عنه لانه يمكن أن يكون كلامه في التذكرة في الغديرين الاسفل والاعلى وتقوى الاول بالثاني مختصا بالغديرين اللذين يكون الاختلاف بينهما بطريق الانحدار لا بالتسنم من ميزاب ونحوه كما هو متعارف الحمام وحينئذ لا م واخذة وأيضا يجوز أن يكون مراده بانسحاب حكم الحمام إلى غيره ليس مجرد عدم انفعال السافل بتقوية بالاعلى بل تطهره بالاعلى أما بالاستيلاء أو بمجرد الجريان ولا يخفى إن هذا محل الاشكال وإن حكم بتقوى الاسفل بالاعلى في عدم الانفعال

[ 209 ]

وهو ظاهر والوجه الذي ذكره في التطهير بإلقاء الكر من أنه لا ينجس ويستهلك النجس وإن كان جاريا فيه لكن الظاهر إنه لم يعتمد في الحكم بهذا الوجه لضعفه كما أشرنا إليه في بحثه وإنما اعتمد على الاجماع وهذا الوجه قد ذكره للتأييد نعم يرد عليه حينئذ مناقشة وهي أنه في التذكرة استشكل في الانسحاب وحكم في الحمام بعدم تطهره بمجرد الجريان ثم بعد ذلك قرب طهارة الغدير الاسفل بممازجته بالغدير الاعلى مع إن هذا الحكم الاخير مستلزم لانسحاب حكم الحمام إلى غيره فلا معنى للاشكال السابق والامر فيه سهل لانه متعارف أن يستشكل في شئ أولا ثم يرجح أحد طرفيه على أنه يمكن أن لا يكون مراده بممازجة الغدير جريان الماء من الاعلى إلى الاسفل حتى يحصل الامتزاج بل امتزاجهما معا حال الاستوى بناء على اعتبار الاتحاد وزعم أنه لا يحصل بدون المساواة كما ذكرنا سابقا أو على إن الماء الذي يجري من العالي إلى السافل لما كان بدخوله في السافل وامتزاجه به ينقطع اتصاله بالاعلى يقينا أو ظنا أو لم يبق أحدهما بعدم الانقطاع مع أنه لا بد منه فيصير نجسا فلا يفيد فإن قلت على هذا يلزم أن لا يحكم في التطهر في الحمام بل في إلقاء الكر وكذا تموج ما زاد على الكر لجريان الوجه فيها قلت هذه إنما خرجت بالاجماع فيبقى الباقي على الاصل وقد أخذ عليه أيضا أنه قال في التذكرة وفي طهارة الكثير لو وقع في أحد جوانبه كر علم عدم شياعه فيه نظر ثم قال بعد أسطر قليلة إن الحوض الصغير في الحمام لا يطهر بمجرد وصول المادة ثم بعد ذلك حكم بأن بالغديرين الموصول بينهما بساقية لا يطهر النجس منهما بالاتصال ولا يخفى إن بعد الجزم بالحكمين الاخيرين لا وجه للنظر السابق وهو أيضا مندفع لان النظر السابق إنما هو في الكرين المتساويين فجزمه في الحمام لا ينافيه وأما حكمه في الغديرين فيمكن أن يقال أنه مختص بالغديرين الغير المتساويين لانه ذكر المتساويين أولا ثم المختلفين ثم حكم بهذا الحكم فلا يبعد أن يكون هذا الحكم مختصا بالاخير مع إنك قد عرفت إن الاستشكال أولا ثم ترجيح أحد الطرفين ليس ببعيد هذا وبما ذكرنا ظهر أن إجراء حكم الحمام في غيره بالنظر إلى عدم انفعال الصغير ظاهر وأما بالنظر إلى التطهير ففيه إشكال والاحتياط أن يراعى ورود كر من الاعلى إلى الاسفل بشرط امتيازه منه ثم الامتزاج بينهما والمصنف (ره) في الذكرى بنى الانسحاب على اشتراط الكرية في المادة فإن شرط الكرية كان الحكم منسحبا وإلا فلا ثم على تقدير عدم الانسحاب هل يختص الحكم بالحياض التي في البيت الحار من الحمام أو الحياض التي في المسلخ أيضا فذلك لا يخلو من إشكال إذ لم نعلم إن في زمانهم (عليه السلام) كان هذه الحياض أم لا بل الظاهر عدمها وإجماع الفقهاء أيضا غير معلوم فيها والقياس على الاول للضرورة والحرج مشكل مع أن لا ضرورة فيها بمنزلة الضرورة الاول ومقتضى الاحتياط الاحتراز مهما أمكن والله تعالى أعلم وأما الثالث فالظاهر اشتراط الكرية في المادة كما هو المشهور إذ مع عدم الكرية يدخل تحت القليل فينفعل إذ لا نص يخرجه كما ستعرف في جواب دليل الخصم احتج المحقق (ره) بخبر بكر بن حبيب المتقدم من حيث إطلاق المادة وفيه أنه ضعيف السند ولو جبر ضعفه بالشهرة فنقول لعل المتعارف في عهدهم (عليهم السلام) كون مادة الحمام كرا كما هو في زماننا وحينئذ الظاهر حمل الكلام على المتعارف وقد يدعى أيضا إشعار لفظة المادة بالكثرة فإن قلت قد مر مرارا إن عموم أدلة انفعال القليل غير مسلم فلم تحكم ها هنا بالعموم وتطلب المخصص قلت قد عرفت إن الشهرة بين الاصحاب مرجح قوي وفيما نحن فيه الشهره حاصلة إذ لم نعرف هذا الخلاف من أحد سوى المحقق (ره) ويمكن الاحتجاج أيضا بإطلاق خبر داود بن سرحان وغيره أيضا مما تقدم والجواب أيضا مثل ما سبق واعلم إن العلامة (ره) وغيره أطلقوا القول بكرية المادة مع أنهم أطلقوا القول بأن الغديرين إذا وصل بينهما بساقية وكان مجموعهما مع الساقية كرا لم ينفعلا بملاقاة النجاسة وهذا يقتضي أن يكون حكم الحمام أغلظ وهو باطل وقد أجيب عنه بأن إطلاق القول بكرية المادة في الحمام مختص بما إذا لم يكونا متساويين بناء على الغالب فأما مع التساوي فيكفي بلوغ المجموع كرا وإطلاق القول في الغديرين مقيد بالمتساويين ويرد حينئذ إن العلامة صرح في الغديرين المختلفين أيضا بتقوى الاسفل بالاعلى ودفع تخصيص مسألة الغديرين بالاختلاف بطريق الانحدار بخلاف الحمام وقد أجاب أيضا بعض بأن اشتراط الكرية بناء على أنه يؤخذ كثيرا من ماء الحمام فلو لم تكن المادة وحدها كرا لنقص بالاخذ وانفعل وإلا فالاجماع حاصل على أنه يكفي بلوغ المجموع كرا وإن اختلفت سطوحهما وليس بشئ ويفهم من كلام بعض إنه لا بد في الحمام من كون المادة وحدها كرا وإن استوت السطوح وهذا أيضا ليس بشئ وكم بين القولين من التباعد ولا يذهب عليك أنه يمكن دفع المنافاة بما ذكرنا سابقا من أن اشتراط الكرية في المادة وحدها لتطهير الحوض الصغير لا لمجرد عدم انفعاله ثم إن ها هنا أمورا لا بد من التنبيه عليها الاول أنه لو لم يكتف في تطهير الحوض الصغير بمجرد اتصال المادة إليه بل يشترط الاستيلاء والغلبة فهل يجب أن يكون المادة زايدة على الكر بقدر ما يحصل به الممازجة أم لا فإن قلنا بأن التساوي في سطوح الكر ليس بمعتبر فحينئذ لو كان المادة كرا فقط فبجريانها إلى الحوض الصغير لا ينجس مائها فلو حل الامتزاج لكفى في التطهير كما ذكرنا في التفصيل المتقدم في بحث طهارة القليل عن بعض الاصحاب لكن قد عرفت أيضا ورود الاشكال عليه من إن العلم باتصال الاجزاء وعدم انقطاعها حينئذ متعذر أو متعسر وعلى تقدير العلم أيضا الاكتفاء بورود بعض الكرمما يحصل به الامتزاج مشكل بل لا بد من ورود تمام الكر إلا أن يخص الحمام من الحكم لكن لا دليل عليه إذ الاجماع الذي يسلم في مادة الحمام فيما إذا كان مادته زايدة على الكر ويجري إلى الحوض الصغير ويمازجه ويستولي عليه وأما في غير هذه الصورة فلا وإن قلنا باعتبار

[ 210 ]

المساواة فلا بد من الزيادة على الكر البتة بقدر ما يصحل به الممازجة فإن قلت على تقدير اعتبار المساواة يلزم أن لا يكون الزيادة أيضا نافعة إذ كل ما يصل إلى القليل ينجس بالملاقاة لعدم الاستواء فلا يفيد التطهير قلت قد مر سابقا إن الماء الذي يتصل بمادة كثيرة لا يصير نجسا بالملاقاة كما ذكرنا عن صاحب المعالم لكن فيه ما مر وأن يقال إن الاجماع منعقد على التطهير في هذه الصورة فلا مجال للاستشكال واعلم إن المحقق الشيخ علي (ره) قال في هذا الموضع وينبغى التنبيه بشئ وهو إن المادة لا بد أن يكون أزيد من الكر إذ لو كانت كرا فقط لكان ورود شئ منها على ماء الحمام موجبا لخروجها عن الكرية فيقبل الانفعال حينئذ انتهى واعترض عليه بأن نجاسة أوله باتصاله بالنجس فاسد لان ذلك ليس أولى من طهارة النجس باتصاله به وبأن ذلك آت في صورة الزيادة أيضا وفيه نظر إذ على تقدير اعتبار التساوي في الكر كما هو رأي ذلك المحقق كل ما يصل إلى النجس ينجس ولا يفيد التطهير لخروجه عن الكرية إلا أن يقال إن ذلك المحقق قد صرح بتقوى الاسفل بالاعلى فحينئذ يلزم عليه أن لا ينجس الماء المنحدر إلى الحوض ولما كان هو قايلا بأن الاتصال كاف في التهطر ولا حاجة إلى المزج فيجب أن يحكم بطهر الحوض بالاتصال لا بنجاسة الماء المنحدر لكن لم نقف في كلامه (ره) بهذا التصريح وإن نسب إليه بعض نعم رأينا في كلامه تقوى الاسفل بالاعلى الكثير وهو خارج عما نحن فيه وقد ذهب بعض إلى الفرق بينهما كما عرفت على أنه يمكن أن يكون نظره إلى ما ذكرنا من أنه يحصل الانقطاع بين أجزاء الكر لشيوعه في الماء النجس فينجس وأما نقضه بصورة الزيادة فقد مر دفعه نعم يرد عليه ما أورد سابقا على العلامة من إن ما تمسكوا به في عدم العبرة بالمزج في تطهير الماء القليل من عدم تحصيل معناه جار ها هنا أيضا فما وجه الفرق الثاني إن المادة لو كانت مساوية للحوض فحينئذ الظاهر عدم الاحتياج إلى الزيادة بناء على كفاية مزج بعض الكر مع النجس لكن فيه الاشكال الذي ذكرنا إذ تحقق الاجماع في هذه الصورة غير معلوم الثالثة لو كانت أسفل فهل يكفي في عدم الانفعال والتطهير وعلى تقدير الكفاية فهل يشترط بشئ أم لا أما عدم الانفعال فإن كان مساواة السطوح غير معتبر في الكر كما هو الظاهر و قلنا بتقوى الاعلى بالاسفل فلا إشكال في عدم الانفعال حين اتصال المادة به بفوارة وشبهه ولا حاجة إلى كون المادة وحدها كرا بل لو كان المجموع بقدر كر لكفى وأما إذا اعتبر المساواة أو لم يعتبر لكن لم يقل بتقوى الاعلى فلا يكفي بلوغ المجموع كرا وهو ظاهر وأما كفاية كون المادة وحدها كرا فالظاهر من كلامهم ذلك نعم قد صرح بعضهم كالمصنف في الذكرى والمحقق الشيخ علي (ره) باشتراط القوة والقهر وهل يشترط حينئذ زيادتها على الكر بقدر ما يفور منه في الحوض الظاهر ذلك إذ لو لم يكن زايد النجس إذ قد خرج عن الكرية ولا مادة تقوية وأما التطهير فإن لم يعتبر المساواة واعتبر تقوى الاعلى أيضا بالاسفل ويكتفي في التطهير بالاتصال مطلقا فإنما يطهر بمجرد فورانه إليه وإن لم يقهره وكذا إن لم يكن زايدا على الكر وإن لم يعتبر المساواة و يحكم بتقوى الاعلى لكن لم يكتف بالاتصال فحينئذ لابد من فورانه إليه بقدر ما يحصل به الممازجة ولا يحتاج إلى الزيادة لكن فيه الاشكال السابق وإن لم يعتبر المساواة لكن لم يحكم بتقوى الاعلى فحينئذ الظاهر من كلام بعضهم أنه لا بد من الزيادة على الكر والفوران بالقوة والغلبة سواء قلنا بكفاية الاتصال أم لا وكذا إن اعتبرنا المساواة مطلقا ويفهم من ظاهر كلام المحقق (ره) في غير الحمام الاكتفاء بالاتصال من تحت مطلقا سواء كان بالقهر أو لا كما نقلنا سابقا ففي الحمام بطريق الاولى والحق إن القوة و الغلبة مما لا مستند له شرعا وإنما هو من باب الاستحسانات العقلية التي لا يناسب بطريقتنا لكن لما عرفت فقدان النص في باب التطهير مع إن الاصل استصحاب النجاسة فالاولى حينئذ تتبع مقالتهم وما انعقد إجماعهم عليه أو اشتهر بينهم شهرة عظيمة ولما كان الاجماع أو الشهرة غير متحقق فيما لا غلبة فيه فالاولى اعتبار الغلبة وقس عليه غير الحمام أيضا إذا كانت مادته أسفل وكان الفرق بينهما إن في صوره زيادة المادة على الكر والفوران بالقوة والغلبة الحكم بالتطهير في الحمام إجماعي على الظاهر ويمكن تأييده أيضا بالروايات بخلاف الحكم في غيره هذا وفذلكة ما مر في الحمام وغيره في التطهير إن المادة في الحمام إذا كانت مساوية أو أعلى وكانت زايدة على الكر بقدر ما يحصل به الممازجة وامتزج بالصغير النجس فإنما يطهره إجماعا ظاهرا وإذا كانت أسفل وزايدة وتفور بقوة وغلبة وامتزج بالصغير فحينئذ أيضا الحكم بالتطهير كاد أن يكون إجماعا لعدم تصريح من الاصحاب بخلافه وإن كان يمكن أن يكون حكمهم بالتطهير مطلقا بناء على الغالب من عدم تحتيه المادة وبالجملة تصريح جمع من الاصحاب به وعدم ظهور خلاف من غيرهم مع ظاهر الروايات المتقدمة وتوجه المناقشات على استصحاب النجاسة لعله كاف في الحكم بالتطهير والله أعلم وأما في غير هذه الصور فلا إجماع ظاهرا ولا دليل آخر فالاولى الحكم باستصحاب النجاسة رعاية للاحتياط وإن كان إثباته لا يخلو من إشكال لما عرفت من مجال المناقشات وأما غير الحمام فلا إجماع ظاهرا في تطهيره بالمادة في صورة من الصور فالاولى أيضا رعاية استصحاب النجاسة مطلقا وحصر تطهيره فيما ذكر سابقا في بحث تطهير القليل وفي المطر كما سيجئ الرابع هل يشترط العلم بعدم نجاسة المادة أو يكفي عدم العلم بنجاستها صرح العلامة في المنتهى بالثاني معللا بالعموم والتعذر والحرج وهو جيد الخامس لو شك في كرية المادة فالظاهر من كلامهم أنه يبنى على الاصل وهو عدم البلوغ وفيه ضعف ظاهر والظاهر البناء على طهارتها وعدم الحكم بنجاستها بملاقاة النجاسة للروايات المتقدمة

[ 211 ]

الدالة على إن كل ماء طاهر حتى يعلم أنه قذر ولاستصحاب الطهارة الوارد فيه النص بخصوصه كما سيجئ إنشاء الله تعالى في بحث تطهير الثياب وكذا طهارة الحوض الصغير نعم إذا تغير الحوض الصغير فلا يمكن الحكم بتطهره بإجراء تلك المادة إليه وكذا لا يمكن تطهير شئ نجس لا فيها ولا في الحوض الصغير وكذا الحال في جميع المياه المشكوك الكرية واعلم أنهم اكتفوا في الكرية بشهادة عدلين بها واختلف في الواحد فقد قطع المحقق الشيخ على الاكتفاء به بناء على أنه إخبار لا شهادة واستقرب لو كان له يد على الحمام كالمالك والمستأجر والوكيل ونقل عن فخر المحققين قبول قول ذي اليد على الحمام مطلقا سواء كان عدلا أم لا وفي غير شهادة العدلين إشكال قوي لعدم نص عليه وفيها أيضا بعض الاشكال السادس هل يعتبر في المادة تساوى سطوحها أم لا وقد نقلنا عن صاحب المعالم سابقا عدم اعتباره وقد مر باقي دليله والظاهر أن لا عبرة به في عدم انفعال الحوض الصغير كما مر وجهه مرارا وأما في التطهير فالامر مشكل لعدم ظهور الاجماع فيه إذ يجوز أن يكون إطلاقاتهم بناء على الغالب من مساواة سطوحها ولا دليل غيره أيضا ظاهرا والاولى رعايته آخذا باليقين والاحتياط (ولو انتزع الحمام من النابع فبحكمه) هذا الحم مما لا خفاء فيه ويشترط فيه اتصاله بالنابع وهو ظاهر (وماء الغيث نازلا كالنابع) المشهور بين الاصحاب إن ماء الغيث حالة تقاطره كالجاري وقد ذكر الشيخ في التهذيب إن ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم ماء الجاري لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو رايحته ويقرب منه ما في المبسوط أيضا ولنشتغل أولا بتحقيق ما هو المشهور ثم بيان ما ذكره الشيخ (ره) فاعلم إن كون حكمه حال التقاطر حكم الجاري إنما ينحل إلى أمور الاول عدم انفعاله بملاقاة النجاسة الثاني تطهيره للارض النجسة وغيرها من الظورف والثياب ما عدا الماء الثالث تطهير للماء النجس وما يمكن أن يستدل به على الاول ما رواه التهذيب في زيادات باب المياه والفقيه في باب المياه في الصحيح عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن يغسله فقال لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه فلا بأس وفيه أن دلالته موقوفة على نجاسة الخمر وهي ممنوعة وأيضا فيه إشعار بحصول الجريان فلا يدل على تمام المدعى وما رواه الكافي في باب اختلاط ماء المطر بالبول في الحسن عن الكاهلي عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت أمر في الطريق فيسيل علي الميزاب في أوقات اعلم إن الناس يتوضون قال ليس به بأس لا تسئل عنه قلت فيسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى آثار القذر فيقطر القطرات على وينتضح على منه والبيت يتوضأ على سطحه فكيف على ثيابنا قال ما بذا بأس لا تغسله كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر وفيه أنه مرسل لا يصلح للتعويل وما رواه الكافي أيضا في الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله وإن كان الطريق نظيفا لم تغسله وجه الاستدلال أنه (عليه السلام) حصر البأس في طين المطر فيما إذا نجسه شئ بعد المطر ففيما عداه لا بأس وهو شامل لما إذا كان الارض نجسة قبل المطر فحينئذ يستفاد منه تطهير المطر للارض وهو مستلزم لطهارته فثبت المطلوب وفيه أيضا القدح في السند ويمنع أيضا استلزام التطهر للطهارة وما رواه الفقيه في باب المياه قال وسئل (عليه السلام) عن طين المطر يصيب الثوب فيه البول والعذرة والدم فقال طين المطر لا ينجس والتقريب أيضا مثل ما تقدم من إطلاق عدم نجاسة طين المطر وفيه أيضا عدم صحة السند ومنع الاستلزام مع عدم ظهور العموم أيضا لا يقال لا حاجة إلى إثبات العموم وشموله لما إذا كانت الارض نجسة قبل المطر لان في الخبر التصريح بوجود البول والعذرة في الطين لكن لا يمكن أخذه عاما بحيث يشمل حال التقاطر وما بعد الانقطاع للاجماع على تنجسه بعد الانقطاع بملاقات النجاسة ويجب تخصيصه مجال النزول فظهر إن حال النزول إنما يطهر الارض النجسة ويمنعها عن الانفعال بالنجاسة وهو مستلزم للمطلب لانا نقول لا تصريح في الخبر بأن الطين الذي يصيب الثوب إنما هو الذي يتصل بالبول والعذرة فيمكن أن يكون المراد الطين الذي يقرب منهما وحينئذ لا دلالة لعدم السراية وما رواه التهذيب في زيادات باب تطهير الثياب عن أبي بصير قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فيمطر السماء فيقطر على القطرة قال لا بأس به وفيه أيضا القدح في السند وأورد أيضا على الاربعة الاخير أنها إنما تدل على عدم نجاسته بوروده على النجاسة لا على العكس أيضا كما هو المدعى واحتج أيضا بأن الاحتراز عن ماء الغيث يشق فلو لا التخفيف لزم الحرج و ضعفه ظاهر واعلم إن هذه الادلة وإن كان يتطرق إليها الابحاث كما عرفت لكن لما مر مرارا أن عموم انفعال القليل لا دليل عليه سوى عدم القول بالفصل في بعض الموارد والقول بالفصل ها هنا موجود فالظاهر البناء على أصل الطهارة سيما مع الشهرة بين الاصحاب والتأييد بالروايات فإن قلت ما ذكرته معارض بما رواه التهذيب والفقيه في البابين المذكورين في الصحيح عن علي بن جعفر أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن البيت يبال على ظهره ويغتسل فيه من الجنابة ثم يصيبه المطر أيؤخذ من مائه فيتوضأ به للصلوة فقال إذا جرى فلا بأس به وفي التهذيب موضع المطر والماء وجه المعارضة أنه علق نفي البأس بالجريان فعند عدم الجريان يوجد البأس وهو شامل لحال التقاطر الذي ادعيتم وكذا بما رواه الفقيه في الباب المذكور في الصحيح عن هشام بن سالم أنه سئل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السطح يبال عليه فيصيب الثوب فقال لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه وجه المعارضة على قياس ما سبق أنه (صلى الله عليه وآله) علق نفي البأس بإصابة

[ 212 ]

الماء أكثر من البول وهو أخص مما ادعيتم قلت أما الاول ففيه أنه دلالة بالمفهوم وهو إنما يعتبر فيما لا فايدة فيه سوى الاشتراط وها هنا ليس كذلك إذ يجوز أن يقال لما كان السؤال متضمنا للجريان فأجاب (عليه السلام) على وفق سؤاله تحقيقا وتثبيتا لنفي البأس في هذه الحال وأيضا أنه لا يدل على نجاسة ماء المطر بالملاقاة إذا لم يكن جاريا لجواز أن يكون البأس حين عدم الجريان بناء على عدم تطهيره للارض بدون الجريان ولما لم يطهر الارض والغالب اختلاط أجزائها بماء المطر فلذلك يتحقق البأس فلم يظهر دلالته على الانفعال بالملاقاة نعم على عدم تطهيره للارض النجسة وأيضا البأس أعم من الحرمة والكراهة في العرف فيجوز أن يكون التوضي به قبل الجريان مكروها وذلك لا يدل على نجاسته وأجاب المحقق في المعتبر بوجه آخر وهو أنه لا يدل على الاشتراط لانه لو لم يكن طاهرا لما طهره الجريان وضعفه ظاهر وحمل العلامة الجريان على النزول من المساء وفيه بعد إذ بعد السؤال عن إصابة المطر لا وجه للتقييد بالنزول من السماء إلا أن يكون المراد بالنزول من السماء عدم إنقاطعه وأما الثاني ففيه أيضا مثل ما سبق ويؤيد حمل البأس على الكراهة الاختلاف الواقع بين الخبرين في الشرط كما لا يخفى ويمكن أن يقال أن قوله (عليه السلام) ما أصابه إلخ ليس تقييدا بل تقليلا بمعنى أن ما أصابه أقوى وأعظم منه فيطهره لكن فيه بعد من حيث جعل الاكثر بهذا المعنى هذا و اعلم إن مرسلة الكاهلي المتقدمة مما يمكن أن يستدل به على نجاسة القليل بالملاقاة كما أشرنا في بحثه إلى أنه سيجئ ما يدل على نجاسته في بحث ماء المطر وجه الاستدلال أن قوله (عليه السلام) كل شئ يراه إلخ تعليل لنفي البأس وهو ظاهر فلو لم ينفعل القليل بالنجاسة لما كان نفي البأس معللا به وفيه مثل ما سبق من أنه لما كان الغالب اختلاط إجزاء الارض بماء المطر فحينئذ لا بد من التعليل به في نفي البأس كما لا يخفى من أنه يمكن المناقشة في كونه تعليلا بل يجوز أن يكون حكما آخر برأسه وفيه بعد ويمكن أيضا جعل البأس أعم وكذا صحيحتا علي وهشام ووجه الاستدلال ظاهر ودفعه أيضا بمثل ما ذكر وما يمكن أن يستدل به على الثاني المراسيل الثلاث المتقدمة ودلالة الاولى منها على التعميم ظاهر وأما الاخريين فإنما تدلان على تطهير الارض وإجراء الحكم في غيرها سوى الماء باعتبار عدم القول بالفصل ويمكن الاستدلال أيضا بصحيحة علي الاولى المتضمنة للخمر باعتبار أن صب الخمر في ماء المطر يستلزم تنجيس الارض أيضا لو لا منع المطر إياه فعند المرور فيه يلزم نجاسة الرجل بل عند إصابة الثوب أيضا لان الغالب اختلاط ماء المطر بالاجزاء الارضية عند التقاطر كما يعرض عليه الروايات ويرد على المراسيل أنها غير صالحة للتعويل وعلى الصحيحة أن دلالتها موقوفة على نجاسة الخمر مع أن صحيحتي هشام وعلي تدلان بمفهومهما على خلاف المدعى ولا يذهب عليك أنه بناء على أن الاصل استصحاب النجاسة حتى يثبت المزيل لا يمكن التمسك بمثل الروايات المتقدمة على طهارة الارض عند التقاطر لما عرفت من ضعفها خصوصا مع معارضة الصحيحتين وفي غير الارض من الثياب ونحوها بطريق الاولى لان عدم القول بالفصل مما يشكل إثباته لكن لما كان أصل الاستصحاب مما يتوجه عليه بعض المناقشات كما مر غير مره ومع ذلك انضمت الشهرة بين الاصحاب أيضا وأيدت بالروايات فلا يبعد القول بالتطهير ودفع معارضة الصحيحتين بما سبق من حمل البأس على الاعم من الحرمة لكن الاولى رعاية أحد الامرين من الجريان والاكثرية أخذا بالاحتياط وأما الثالث فما يمكن أن يستدل به عليه مرسلة الكاهلي وفيه نظر لانها تدل على أن ما يراه ماء المطر فقد طهر وظاهرا أنه لا يمكن أن يرى ماء المطر جميع الماء النجس لامتناع التداخل ومع إمكانه أيضا ظاهر أن عند التقاطر كما هو مذهبهم لا يمكن أن يصل إلى جميع أجزاء الماء إلا أن يقال إن الرواية دلت على طهارة ما يراه ماء المطر فمقتضاها أن يطهر من الماء الموضع الذي يصل إليه قطرة المطر وذلك مستلزم لطهارة ما عداه أيضا إذ لو لم يطهر ما عداه لما طهر ذلك الموضع أما أولا فللاجماع ظاهرا على أن عند نجاسة ما عداه ينجس ذلك الموضع أيضا وليس لكل