الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الحق المبين - الفيض الكاشاني

الحق المبين

الفيض الكاشاني


[ 1 ]

الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين للعالم الرباني محمد بن مرتضى المعروف بالفيض الكاشاني قدس سره عني بطبعه وتصحيحه ونشره مير جلال الدين الحسيني الارموي " المحدث " 1390 ه‍ ق = 1349 سازمان چاب دانشگاه

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى اما بعد فهذه كلمة تحوم حول الرسالة. قال المصنف (ره) في فهرس مصنفاته: " ومنها الرسالة الموسومة بالحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين من مائتين وخمسين بيتا، وقد صنف في سنة ثمان وستين بعد الالف ". قال السيد اعجاز حسين (ره) في كشف الحجب والاستار (ص 197): " الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين لمحمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشي المتوفي سنة بضع وتسعين والف، صنفه في سنة ثمان وستين والف ". قال الشيح آقا برزگ الطهراني - أعلى الله درجته - في الذريعة: " الحق المبين في كيفية التفقه في الدين، للمحدث الفيض المولى محسن الكاشاني المتوفي سنة 1091 قال في فهرس تصانيفه المطبوع بهامش أمل الامل: انه يقرب من مائتين وخمسين بيتا. قد صنفه في سنة 1058 رأيت منه عدة نسخ أوله: [ الحمد لله والصلوة على رسول الله (ص) ] مختصر مرتب على مقدمة ومقصد وخاتمة وفي آخره أحال بسط الكلام الى سائر كتبه، الاصول الاصيلة وتسهيل السبيل وسفينة النجاة ".

[ 3 ]

فليعلم أن المصنف - قدس الله سره - قد أورد مهمات هذه الرسالة النفيسة بعينها في أوائل كتابه الموسوم بالحقائق بحيث يمكن ان يقال: ان المذكور منها في الحقائق كأنه نسخة أخرى من ذلك الكتاب، وذلك ان أغلب ما في المقدمة والمقصد من الرسالة مذكور بعين تلك العبارة في الحقائق، نعم في الرسالة زيادات مفيدة منها الخاتمة وعبارات يسيرة مندوجة في اثناء المقدمة والمقصد وكذا ما ذكره في مطلع الرسالة فلذلك قد استفدنا في تصحيح الرسالة من نسخة الحقائق وأشرنا الى ما هو مذكور منها في الحقائق والى ما هو ليس بمذكور هناك في ذيل الصفحات. ومن أعظم فوائد الرسالة ان المصنف (ره) قد اعترف في أواخرها صريحا بأنه لقي صاحب الفوائد المدنية المولى محمد أمين - قدس الله سره - بمكة وأقر بأن الامين (ره) قد سبقه الى الاهتداء لما قد اهتدى هوله. ونظير هذا التصريح بحق تقدم الامين الاسترابادي في نشر لواء الاخبار كلام العالم التقي المولى محمد تقي المجلسي - قدس الله تربته - في اوائل الفائدة السادسة من فوائد ديباجة كتابه الموسوم بلوامع صاحبقراني وهو شرحه الفارسي على كتاب من لا يحضره الفقيه فانه (ره) قال فيه ضمن كلام طويل بالفارسية ما نصه (ص 16 من الطبعة الاولى: " اختلافات در ميان شيعة بهمرسيد وهريك بموجب يافت خود از قرآن وحديث عمل مى نمودند ومقلدان متابعت ايشان مى كردند تا آنكه سى سال تقريبا قبل از اين فاضل متبحر مولانا محمد امين استرآبادي رحمة الله عليه مشغول مطالعه ومقابلهء اخبار ائمة معصومين شد ومذمت آراء ومقائيس را مطالعه نمود وطريقهء أصحاب حضرات ائمهء معصومين را دانست فوائد مدنيه را نوشته باين بلاد فرستاد أكثر اهل نجف وعتبات عاليات طريقه أو را مستحسن دانستند ورجوع باخبار نمودند والحق اكثر آن چه مولانا محمد امين گفته است حق است ". ويقرب من ذلك ما ذكره صاحب الوسائل في أواخر الفائدة الثامنة من فوائد خاتمة كتاب الوسائل بعد ايراد اثنين وعشرين وجها من الوجوه الدالة على صحة أحاديث

[ 4 ]

الكتب التي جعلها مآخذ كتابه وهو قوله (ص 533 ج 3 من طبعة أمير بهادر): " وقد ذكر أكثر هذه الوجوه بعض المحققين من المتأخرين وان كان بعضها يمكن المناقشة فيه فمجموعها لا يمكن رده عند الانصاف ". وكيف كان، بعد ان كتبت مقدمة كتاب الاصول الاصيلة وجدت نسخة هذه الرسالة ضمن مجموعة بين كتبي المخطوطة وطالعتها فوجدتها صالحة للطبع والنشر فأقدمت على ذلك بعد أن قابلتها مع نسخة اخرى كانت في مكتبة مجلس الشورى بطهران مثبتة تحت رقم 8220 وجعلتها في الطبع ضميمة للاصول الاصيلة، فالحمد لله على كل حال وصلى الله على نبيه وآله خير آل. وكان تحرير ذلك في رابع صفر 1390 = 22 فروردين 1349 مير جلال الدين الحسيني الارموي المحدث

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلوة على رسول الله وأهل بيت رسول الله. اما بعد فيقول خادم علوم الدين محمد بن مرتضى المدعو بمحسن - جعله الله من الموقنين -: ان هذا لهو " الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين " به ينجو من أشرف على الغرق في بحر الضلال، وبه يسمو من اعتصم بحبل والال، ويشتمل على مقدمة ومقصد وخاتمة. المقدمة قال الله عز وجل (1): فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا


1 - قال المصنف (ره) في اوائل كتابه المسمى بالحقائق ما نصه: " فصل - اعلم ان كلا من العلوم الثلاثة الاخروية (اي العلم المقصود لذاته والعلم المقصود للعمل الذي ينقسم الى علمي الاخلاق والشرائع وهما وسيلتان الى العلم المقصود لذاته) يسمى بعلم الدين وعلم الفقه، وتعلمه يسمى بالتفقه في الدين، قال الله عز وجل: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، فساق الكلام الى آخر ما في المقصد قريبا مما في المتن فان شئت ان تراجعه فراجع (ص 11 - 7 من النسخة المطبوعة من الحقائق بايران سنة 1299).

[ 2 ]

قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. وقال الصادق عليه السلام (1) لاصحابه: عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة و لم يزك عملا [ وقال عليه السلام (2): تفقهوا في الدين، فان من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، ان الله عز وجل يقول في كتابه: ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ] وقال عليه السلام (3): لوددت ان اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا وفي رواية (4): ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال الحرام. وقال عليه السلام (5): لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لادبته. وقال عليه السلام (6): ان آية الكذاب ان يخبرك بخبر السماء والارض والمشرق والمغرب فإذا سألته عن حرام الله تعالى وحلاله لم يكن عنده شئ، الى غير ذلك مما في هذا المعنى: والتفقه في الدين عبارة عن تحصيل البصيرة في المسائل الدينية علمية كانت أو عملية، باطنية أو ظاهرية، متعلقة بالعبادات أو المعاملات، فرضا معرفتها أو العمل بها أو سنة أو أدبا. [ والغرض من وضع هذه الرسالة بيان كيفية هذا التحصيل على نهج يهدى الى سواء السبيل فان الناس اختلفوا فيه حتى أوقعوا الجماهير في التيه، ونحن بتأييد الله عز وجل نكشف عن وجه الحق فيه النقاب بحيث لا يبقى معه شك ولا ارتياب وقد كنا ألفنا فيه قبل ذلك رسالة أوردنا فيها ما قال فيه بعض أصحابنا معترضا على آخر ثم تكلمنا عليه بمحاكمة بينهما يرتضيها من أبصر وأما ههنا فلا نورد الا ما هو الحق فيه من دون تعرص لما قالوا بل ما يطابق الوحي والتنزيل ويوافق العقل الغير العليل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 - ان شئت ان تراجع مآخذ الاحاديث ص 147 و 148 من الاصول الاصيلة المطبوعة وهما اول الفصل التاسع، وما بين الحاصرتين ليس في نسخة المجلس.

[ 3 ]

المقصد اعلم ان الناس افترقوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله - فرقتين (1): ] فرقة قالوا بالاجماع في تعيين الامام وباتباع المتشابهات في العقائد والاحكام مضافا الى المحكمات ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل واختيار المدلول قبل اختيار (2) الدليل، وهم أصحاب أبي بكر بن أبي قحافة التيمي وعمر بن الخطاب العدوي ومن يحذو حذوهم من الذين قالوا بالاجتهاد والرأى في كل شئ فتتبدل آراؤهم وتختلف علماؤهم، ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس وان هم الا يخرصون. وهؤلاء صنفان مجتهد ومقلد، اما مجتهدهم فكيفية التفقه عنده استفراغ الوسع في تحصيل الظن فيما يحتاج إليه الناس من العلوم الدينية اصولية كانت أو فروعية، من القوانين التي وضعوها والقواعد التي اخترعوها للاستعانة بها على الاستنباط من المتشابهات. واما مقلدهم فكيفية التفقه عنده ان يأخذ من مجتهده ما استنبطه بنظره ولو بواسطة أو وسائط. وفرقة قالوا بالنص من الله عز وجل في تعيين الامام والاقتصار على اتباع المحكمات في العقائد والاحكام وقوفا على ما جاء به الوحي والتنزيل واتقاء عما كاد (3) يفضي الى الضلال والتضليل وهم أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهم السلام ومن يقتدي بهداهم من الذين لا يعولون الا على النصوص


1 - في الحقائق بدل ما بين الحاصرتين أعني من قوله: " والغرض من وضع هذه الرسالة " الى هنا اعني قوله: فرقتين " كذا: " وغرضنا الان بيان كيفية هذا التحصيل فان الناس اختلفوا فيه حتى أوقعوا الجماهير في التيه ونحن بتأييد الله عز وجل نكشف عن وجه الحق فيه النقاب بحيث لا يبقى معه شك ولا ارتياب فنقول: ان الناس كانوا في زمن رسول الله (ص) يأخذون عنه العلم بما يوحى إليه واما بعده فصاروا فرقتين ". 2 - في نسخة المجلس وفي الحقائق: " اختلاق " وفي نسختي " الاختيار " فالتصحيح نظري. 3 - في نسخة المجلس: " يكاد ".

[ 4 ]

بالخصوص في كل شئ مسلمين لامامهم الاخذ علمه من الله ومن رسوله في كل ما أنهاه إليهم في شئ شئ مطيعين لما أمرهم الله تعالى حيث قال: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون. وحيث قال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم. وأما ما ترى من اجتهاد بعض (1) متأخري أصحابنا وتدوينهم الاصول وخوضهم في الفضول فانما ذلك لشبهة جرت فيهم من مخالفيهم كما بينا وجهه في مسفوراتنا مع احتمال ان يكون سبب حدوثه فيهم اولا مصلحة رأوها ومماشاة مع مخالفيهم راعوها لئلا يزعموا ان دقائق العلم ليست فينا ثم صار ذلك شبهة لمن تأخر عنهم جرت فيهم ثم سرت في ذويهم وعلى التقديرين فليس ذلك قادحا في منزلتهم العليا ولا سببا لالحاقهم بالفرقة الاولى، حاشاهم عن ذلك، فان لهم حقوقا جمة على هذه الفرقة الناجية الجليلة لترويجهم (2) المذهب الحق بمساعيهم الجميلة ورفعهم جل التقية عن كثير من العباد والبلاد، فجزاهم الله عنا خير الجزاء وحشرهم مع أئمتهم يوم التناد. وهؤلاء الفرقة الثانية يرجعون الى امامهم في التفقه حين تيسر لهم ذلك والا فهم أيضا صنفان، بصير ومستبصر وبعبارة اخرى فقيه ومتفقه وبعبارة ثالثة خاصي وعامي وان شئت فسمهما المجتهد والمقلد فلا مشاحة في الالفاظ. اما بصيرهم وهو الذي له فهم وذكاء وقوة قدسية وزهد في الدنيا وورع في الدين فكيفية التفقه عنده ان يتبع محكمات الكتاب والسنة ومحكمات أحاديث أهل - البيت عليهم السلام مما صح عنهم فيستفهم منها ما يجب اعتقاده وما يجب ان يعمل به ويشيده بشواهد عقله القويم وفهمه المستقيم ويؤيده بواردات ترد على ذهنه المصفى بأعماله الصالحة المرضية وقلبه المنور بنور أخلاقه المهذبة الزكية فان شرف العقل لا يخفى ولولاه لما عرف الشرع وكأنه شرع من داخل كما ان الشرع عقل من خارج وهما يتعاضدان ويتظاهران الى ان يصيرا كأنهما متحدان وفي الحديث: ما أدى العبد


1 - في الحقائق: " لبعض ". 2 - في الحقائق وفي النسختين: " بترويجهم ".

[ 5 ]

فرائض الله حتى عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم اولوا الالباب. ولا تظنن أن خواص المؤمنين انما آمنوا بالله واليوم الاخر بمجادلات المتكلمين وأدلة المجادلين هيهات! هيهات! وانما عرفوا الله بمثل ما قلناه من تعاضد العقل والشرع واجتماع النور الداخل مع اجتماع النور الخارج كاجتماع نور العين مع نور الشمس في الرؤية والى مثل هذا العقل اشير بقوله عز وجل: يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يعني نور العقل ونور الشرع. وفي الحديث: ليس التعلم بكثرة التعلم وانما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه. فهذا البصير ان تبين له الحكم بحيث لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه أخذ به وشكر الله، وان اشتبه عليه الامر وكل علمه الى الله والى امامه المنصوص عليه من الله وعمل فيه بالاحوط ولا يفتى في مثله بالحتم والبت، قال الصادق - عليه السلام -: اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا. وقال عليه السلام: كل علم لم يخرج من هذا البيت فهو باطل، وأشار بيده الى بيته، فلا يخترع من تلقاء نفسه قاعدة كلية غير منقحة ولا مسموعة حتى يقع (1) الاختلاف فيه كقاعدة حجية خبر الواحد وعدم حجيته على الاطلاق التي لم يتحرر محل التنازع فيه قط ولن يتحرر، الى غير ذلك من القوانين المسماة عند أهلها بأصول الفقه بل يطلب في كل مسألة أهمته رواية خاصة يجوز التعويل عليها ودراية ناصة تطمئن النفس إليها. ولا يحكم بالمتشابه الا بالتشابه لانه المحكم فيه وكيف يجوز ان يجعل المتشابه محكما وقد جعله الله متشابها فلا يبتغي تأويله ولا رده الى أحد الطرفين كما يفعله الذي في قلبه زيغ وذلك لان الله سبحانه جعل الامور ثلاثة، بين رشده فيتبع، وبين غيه فيجتنب، ومتشابهات بين ذلك يرد حكمها الى الله والى الراسخين في العلم العالمين بتأويله فكيف يحكم بالتثني فيما حكم الله فيه بالتثليث! مع ان في المتشابه حكما ومصالح يمتحن الله


1 - في الحقائق: " ليقع ".

[ 6 ]

بها أصناف عباده. ولا يجمع أيضا بين الاخبار المتعارضة الا بما أشار إليه المروي عنهم عليهم السلام من التفصيل الذي ينتهي الى التخيير وبذلك ينجو البصير من الخلاف والاختلاف والقول بالرأي والجزاف فلا اجتهاد عنده ولا رأي ولا اجماع، ليس معوله الا على الرواية والدراية والسماع. ومعنى الاجماع عنده ليس الا اتفاق قدماء الاصحاب على العمل بالنص المشهور. بحيث صار من الضروريات حتى عند الجمهور كمسح الرجلين ونزع الخفين عند الوضوء فالاجماع عنده تابع للنص مؤيد له النص مستنبط من الاجماع كما اشتهر بين طائفة من اهل الخلاف والنزاع واليه اشير في كلام الصادق عليه السلام في خبر تعارض الاخبار: خذ بالمجمع عليه عند (1) أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه. واما عوام هذه الفرقة فكيفية تفقههم ان ياخذوا مسائلهم عن خواصهم ولو بواسطة أو وسائط الا ان اليوم اشتبه عليهم الامر غاية الاشتباه الالتباس من ليس من الخواص بالخواص وادخالهم أنفسهم في جملتهم فصارت العوام حائرين بائرين لا يهتدون الى شئ ولا يدرون ايا من اي فالحزم لهم ان يرجعوا في ذلك الى قوم متدينين عارفين بأهل البصيرة ليعرفوهم (2) اياهم، فان لم يتيسر فليستفت العامي من غلب ظنه أنه منهم وانه ممن لا يبيع دينه بدنياه فان أفتاه بحكم فليسأله: هل هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسول الله أو حديث أحد من الائمة المعصومين عليهم جميعا سلام الله؟ فان قال: نعم، فليعمل به، وان قال: انه ليس في شئ منها بخصوصه وانما يستفاد منها بالاستنباط، أو هو مما أجمعوا عليه من غير نص بلغني فيه أو نحو ذلك، سأل غيره حتى يصادف من أجابه من القرآن والحديث بخصوص ونصوص أو اشار له الى الاحتياط أو التخيير، فان فعل العامي ذلك فهو المتفقه في تلك المسألة. هذا هو الحق المبين ومذهب قدمائنا الاماميين وعليه المعول في الدين، وليس


1 - في نسخة المجلس والحقائق: " بين ". 2 - في النسختين: " ليعرفهم ".

[ 7 ]

لمن انتسب الى أهل البيت عليهم السلام وتسمى بالشيعي (1) والامامي والاثني عشري الا الاخذ بذلك فان خرج عن هذا الطريق الى شئ من طرق المخالفين من غير عذر فقد خرج عن صدق هذا الانتساب وهذه التسمية على وجهه وان لم يشعر بذلك. [ ان قيل (2): فهل للخبر الذي يجوز العمل به ضابطة يمكن التعويل عليها؟ ام هل لقوة الاعتقاد الذي يحصل من الاخبار حد لا يكتفي بأقل منه؟ - قلنا: لا، ليس لذا ضابطة ولا لهذا حد وانما وضع الضوابط والحدود (3) أوقع الاختلاف بين الاصوليين ولو أنهم نظروا في كل مسألة مسألة لما اختلفوا فيما اختلفوا فيه والسر فيه أن الحكم في مثل هذه الامور يختلف بحسب (4) اختلاف خصوصيات محاله الجزئية ولذا تراهم يمهدون اصولا كلية ثم لا يستعملونها في جميع جزئياتها بل في في بعض دون بعض وكذا الكلام فيما يبتنى عليها من الاحكام الشرعية فانها امور جزئية مختلفة لا يجمعها أمر واحد عقلي والامور الجزئية المختلفة لا يحكم عليها بالاحكام الكلية المضبوطة بل لا سبيل الى العلم بها الا بالنظر الى فرد فرد وهو موقوف هنا الى السماع إذ لا سبيل للعقل الى الشرائع بل انما سبيله الى فهمها إذا كان مستقيما وقد وقع التنبيه على ذلك في كثير من الاخبار. فان قيل: قد جاءت روايتان احداهما عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: علينا ان نلقي اليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا. والثانية عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: علينا القاء الاصول وعليكم التفريع. وهذا اذن منهم عليهم السلام في تفريع الجزئيات على أصل واحد؟ قلنا اولا: - انهم عليهم السلام قالوا: علينا ان نلقي اليكم الاصول ولم يقولوا:


1 - في النسختين وفي الحقائق: " بالشيعة ". 2 - من هنا اي " ان قيل " الى ما قبل الحاصرة الاخرى اعني قوله: " من الاصول الكلية التي تتفرع عليها الجزئيات " ليس في كتاب الحقائق. 3 - في نسختي: " الاصول ". 4 - في النسختين وفي الحقائق: " بسبب " فالتصحيح نظري.

[ 8 ]

عليكم ان تضعوا (1) اصولا بل فيه تنبيه على النهي عن ذلك كما يشعر به تقديم الظرف فلا يجوز لنا التفريع الا على اصولهم. وثانيا: - ان المراد بالحديثين ان نعمد الى ما ألقوا الينا من الاحكام الكلية التي تكون مواردها متحدة فنستخرج منها احكاما جزئية بالبرهان اليقيني الموافق لاحد الاشكال الاربعة المنطقية لا التي اختلفت مواردها ويحتاج الى استنباط أحكامها بالظن والتخمين وشتان ما بين الامرين وذلك مثل قولهم عليهم السلام: لا تنقض اليقين أبدا بالشك ولكن تنقضه بيقين آخر، فانا نفهم من هذا الاصل يقينا أن المتيقن للطهارة الشاك في الحدث لا يجب عليه الطهارة، والمتيقن لطهارة ثوبه الشاك في وصول نجاسة إليه لا يجب عليه غسله، والمتيقن لشعبان الشاك في دخول شهر رمضان لا يجب عليه الصيام الى غير ذلك من الفروع الجزئية. ومثل قولهم: كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى، وقولهم: كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، وقولهم: كل ما غلب الله عليه من أمر فالله أعذر لعبده وقولهم: إذا خرجت من شئ ثم شككت فيه فشككت ليس بشئ، الى غير ذلك من الاصول الكلية التي تتفرع عليها الجزئيات (2) ]. ثم لا تظنن ان العلم [ بصدق مضمون أخبار المعصومين عليهم السلام (3) ] لابد ان يكون كالعلم بوجودهم في الوضوح والانارة والقوة أو تواترها كتواتره والا فهي اخبار آحاد لا تفيد الا ظنا، كلا كيف ولو زعمت ذلك فما أراك تستيقن بامامتهم، لان قوة علمك بامامتهم ليست كقوة علمك بوجودهم ولا تواترها كتواتره قطعا بل أراك لم تعرف بعد أن اليقين كالظن له مراتب في القوة والضعف، وانه تزداد بازدياد نوري العقل والشرع واعتضاد كل منهما بالاخر، وأن في الاحكام الشرعية يكتفي بأقل مراتبه


1 - في نسختي: " تصنعوا ". 2 - هنا تمت العبارة التي لم تكن في الحقائق كما اشرنا إليه في الصفحة السابقة. 3 - في الحقائق: " بصدق نسبة مضمون اخبار المعصومين إليهم ".

[ 9 ]

مع أن أكثر الاخبار الاحكامية ليست في القوة بأقل من أخبار الامامة متنا وسندا فكل ما اطمأنت إليه النفس من الاخبار تعمل به، وكل ما لم تسكن إليه النفس فذره في سنبله، روى في الكافي باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام (1) انه سئل عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به؟ - قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله - صلى الله عليه وآله - والا فالذي جاءكم به أولى به. وفيه باسناده عنه عليه السلام (2) قال: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف. وفي عيون الاخبار عن الرضا عليه السلام في حديث طويل (3) قال في آخره بعد ذكر العرض على الكتاب ثم السنة ثم التخيير والرد الى رسول الله - صلى الله عليه وآله -: وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا. وقد ورد في الحث على العمل بأخبارهم عليهم السلام أخبار بلغت قريبا من مبلغ التواتر، منها ما يدل على جواز العمل بها وان صدرت عن تقية ومنها ما يدل على جواز العمل بها وان لم تصدر عنهم عليهم السلام في الواقع وهو قول الصادق عليه السلام (4): من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له أجره وان لم يكن على ما بلغه، وذلك لانه تسليم وطاعة وانقياد لا رأى فيه ولا اجتهاد. وقال عليه السلام (5): أحتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون إليها. وقال (ع) للمفضل بن عمر (6): اكتب وبث علمك في اخوانك فان مت فأورث كتبك بنيك فانه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه الا بكتبهم. وقال صاحب زماننا - صلوات الله عليه (7) -: واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة


1 - ان شئت مأخذه فراجع الاصول الاصيلة المطبوعة (ص 96). 2 و 3 - ان أردت موضعهما فراجع الاصول الاصيلة المطبوعة (ص 98 - 96). 4 - ان اردت مأخذه والتحقيق فيه فراجع الاصول الاصيلة (ص 65). 5 و 6 و 7 - ان اردت مآخذها فراجع الاصول الاصيلة المطبوعة (ص 53 و 50).

[ 10 ]

حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم. وبالجملة قد أذنوا في الاخذ بالاخبار والكتب بالتسليم والانقياد ولم يأذنوا في الاخذ بالاراء والاجتهاد بل نهوا عنه فليس لنا الا الاتباع والاقتصار على السماع من دون ابتغاء الدليل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (1). الخاتمة إذا ثبت ما حققناه وأبان عن الحق ما قررناه فليتتبع متتبع حتى يظهر له عدم الاحتياج الى العمل بكثير من أخبار الاحاد فضلا عن القوانين المخترعة الشائعة في البلاد والعباد وذلك لان ما اضطر إليه الناس في عباداتهم ومعاملاتهم من الاحكام الشرعية يجري مجرى الضروري الذي لا اشتباه فيه وانما الخلاف والاختلاف في أشياء ليست بضرورية أو هي تكاليف مخترعة وأحكام مبتدعة وذلك مثل ما يتعلق بالنية من التكاليف التي أخذتها طائفة من متأخري أصحابنا من كتب المخالفين وشددوا بها الامر على المسلمين وأوقعوهم في الحرج وأدخلوهم فيما ليس لهم عنه مخرج، ومثل ما يتعلق بصلوة الجمعة من بعض الشرائط المخترعة لانعقادها كاشتراط اذن الامام لرجل خاص يصليها، ومثل ما كلفوا الناس بالعلم بوجوب كل ما يجب من العبادات واستحباب كل ما يستحب منها جميعا وقصد أحد الامرين في نيتها لتنعقد، الى غير ذلك من التكاليف الشاقة التي ليس عليها دليل ولا إليها سبيل، لا شرع أتي به ولا عقل هدى إليه، بل هو من قبيل ما ورد فيه، أبهموا ما أبهم الله، واسكتوا عما سكت الله، قال أمير المؤمنين عليه السلام: ان الله تبارك وتعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقضوها، وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تكلفوها، رحمة من الله لكم فاقبلوها. ثم قال: حلال بين وحرام بين، وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله


1 - هذا آخر العبارة التي اشرنا إليها في اوائل الرسالة (ص 1) بأنها مذكورة في كتاب الحقائق للمصنف (ره) أيضا.

[ 11 ]

فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها. قوله عليه السلام: " وسكت عن أشياء " الى قوله: " فاقبلوها " معناه ان كل ما لم يصل اليكم من التكاليف ولم يثبت في الشرع فليس عليكم شئ فلا تكلفوه على أنفسكم فانه رحمة من الله لكم. ثم ان فرضنا احتياجنا الى مسألة ضرورية ليس عليها دليل واضح أو مستند معتبر فان وجدناها في المتشابهات أخذنا بالاحوط وان وجدناها في المتعارضات أخذنا بالتخيير بعد استيفاء مراتب الترجيح المنقولة عنهم عليهم السلام وان كان الاحسن فيها ايضا الاخذ بالاحتياط مهما أمكن، وان لم نجدها في شئ من هذين نرجع الى ما أرشدونا إليه من التوقف وانتظار الفرج كما دل عليه الحديث الذي نقلناه من عيون الاخبار. ان قيل: ما الفرق بين ما هو من قبيل الاحتياط والورع وبين ما هو من المخترعات والبدع؟ قلنا: الفرق بحمد الله واضح فان الاول اما جمع بين الامرين المحتملين أو أخذ بأشملهما وما يؤدى تأديتهما لتحصيل اليقين على سبيل التحري للاهتداء. والثاني تعمد لادخال ما ليس من الدين في الدين على سبيل الاجتراء والافتراء وشتان ما بينهما وانما اشتبه ذلك على طائفة من أهل عصرنا لاعوجاج ما في سريرتهم وعمه ما في بصيرتهم، أعاذنا الله وإخواننا من مثله. وقد ورد في الامر بالاحتياط عند الاشتباه في الحكم أخبار كثيرة وكذا في التخيير عند التعارض، والتخيير باب واسع فتحه الله لعباده رحمة منه سبحانه يؤيده العقل السليم ويعاضده الفهم المستقيم والحمد لله الذي لم يجعل علينا في الدين من حرج وهدانا في كل مضيق للمخرج، وجعلنا من أهل الملة الحنيفية السهلة السمحاء (1) وان لم يعرف قدرها المتكلفون منا الجهلاء حيث شددوا على أنفسهم وعلى من بهم ايتم، هداهم الله للتي هي أقوم.


1 - كذا، واظن ان " السمحاء " لم تستعمل في العربية، فتفطن وراجع.

[ 12 ]

وقد اهتدى لبعض ما اهتديت له بعض أصحابنا من أهل استراباد كان يسكن مكة - شرفها الله - وقد أدركت صحبته بها، فانه كان يقول بوجوب العمل بالاخبار واطراح طريقة الاجتهاد والقول بالاراء المبتدعة وترك استعمال الاصول الفقهية المخترعة ولعمري انه قد أصاب في ذلك وهو الفاتح لنا هذا الباب وهادينا فيه الى سبيل الصواب الا أنه ذهب عنه أصلان أصيلان وصدر عنه أمران إمران. اما الاصلان الاصيلان فأحدهما - اثبات المتشابه في الاحكام وتثليث الامر. والثاني - اسقاط التكاليف المبتدعة وتقليل الحكم. واما الامران الامران فاحدهما - افراطه في القول بالاخبار وغلوه فيه حيث ادعى ان جميع ما في الكتب الاربعة المشهورة مما يفيد القطع بصدورها عن أهل البيت عليهم السلام. والثاني - طعنه في طائفة من أجلة فقهائنا ونسبته اياهم الى الفساد والافساد وغلوه في مؤاخذتهم بما خاضوا فيه من الاجتهاد، والباعث له على الامر الاول ذهوله عن ذينك الاصلين في هذا الباب، وعلى الثاني غفلته عن غفلتهم وخطائهم (1) فيما أصاب وانهم لم يكونوا فيه متعمدين أو فعلوه لمصلحة في الدين ثم لم يغلوا فيه غلو المخالفين فعسى الله ان يعفو عنهم والله غفور رحيم. ولاجل ارتكابه لهذين الامرين اشمأزت قلوب متقلدة الفقهاء عن سماع كلامه ولم يقبلوا عليه ليدركوا كنه مرامه، فأنكروه بشراشر هممهم من دون ان يتأملوا فيما قال وشرعوا في تزييف قوله قبل ان يعرفوا كيفية الحال، فذهب حقه بباطله وحاليه بعاطله. وأما نحن فلا نغلو في ديننا ولا نقول على الله الا الحق والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله.


1 - في نسخة المجلس: " وخطاؤه عن خطائهم ".

[ 13 ]

هذا آخر ما أردنا ايراده في هذه الرسالة ومن أراد بسط الكلام فيه بتبيان مجملاته وتحقيق مدعياته فليرجع الى كتبنا المبسوطة في ذلك كالموسوم بسفينة النجاة والمعروف بالاصول الاصيلة والمسمى بتسهيل السبيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله اولا وآخرا. صورة ما في آخر النسختين: فما في آخر نسختي فهو: " تم بعون الله تعالى في 1117 ". وما في آخر نسخة مكتبة المجلس فهو: " تم في يوم الاربعاء ثاني عشر رمضان الثانية والعشرين بعد المائة والالف. وقد أنشد مؤلفها [ أ ] طاب الله ثراه وجعل الجنة مثواه في تأريخها: صورة ما في آخر النسختين: فما في آخر نسختي فهو: " تم بعون الله تعالى في 1117 ". وما في آخر نسخة مكتبة المجلس فهو: " تم في يوم الاربعاء ثاني عشر رمضان الثانية والعشرين بعد المائة والالف. وقد أنشد مؤلفها [ أ ] طاب الله ثراه وجعل الجنة مثواه في تأريخها: قال في تأريخه الروح الامين * ان هذا لهو الحق المبين الفظن ما لا يلفظ منه به * وائت من تعريفه بالمستبين يعني به ألفي التعريف من قوله الحق المبين ". أقول: فالمراد بقوله " الفظن " اي احذف وأسقط من الحساب فإذا حذفت الالفين من مجموع الحساب صار الحاصل ثمانية وستين والفا وهو تأريخ تأليف الكتاب كما صرح به مؤلفه في فهرس كتبه بل غيره ايضا في غيره، والسلام على من اتبع الهدى. نجز تصحيح طبع الكتاب بعون الله الملك الوهاب في اليوم السابع عشر من ربيع الاول سنة 1390 من الهجرة النبوية.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية