الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 مجمع الفائدة - المحقق الأردبيلي ج 13

مجمع الفائدة

المحقق الأردبيلي ج 13


[ 1 ]

مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان للفقيه المحقق المدقق وحيد عصره وفريد دهره المولى احمد المقدس الاردبيلي (قدس سره) المتوفى سنة 993 ه‍ ق تحقيق الحاج اغا مجتبى العراقى والحاج شيخ على پناه الاشتهاردى والحاج اغا حسين اليزدى الاصفهانى الجزء الثالث عشر مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب الحدود

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود وفيه مقاصد: الاول: في الزنا وفيه فصول: الاول الزنا ايلاج ذكر الانسان حتى تغيب الحشفة في فرج امرأة - قبل أو دبر - محرمة من غير سبب مبيح ولا شبهة. قوله: " الزنا ايلاج الخ " المراد بالزنا، دخول ذكر انسان في فرج إمرأة قبلا أو دبرا، محرمة بالاصالة من غير سبب مبيح من العقد والملك، ولا شبهة. فمراد المصنف بالانسان، المكلف، وكذا بالمرأة، فيخرج الصبي والمجنون، والمكره، والصبية، والمجنونة، والمكرهة من الفاعل والمفعول وقوله: (من غير سبب الخ) بيان التحريم.

[ 6 ]

ويشترط في الحد، العلم بالتحريم، والبلوغ، والاختيار. فلو توهم العقد على المحرمات المؤبدة صحيحا سقط. ولا يسقط الحد بالعقد مع العلم بفساده. ولا باستيجارها معه للوطئ. ولو توهم الحل به أو بغيره كالاباحة فلا حد. ولو تشبهت عليه حدت هي دونه. والمراد تحريم المرأة والرجل، أي الاجنبي والاجنبية، لا الدخول، فلا يدخل الدخول في الحيض، والصوم، والاعتكاف، والاحرام. وكان يمكن ان يراد المرأة التي يحرم عليها وطؤها اصالة، فلا يحتاج إلى سبب مبيح، بل كان (من شبهة) كافيا. وأيضا المراد بالنسبة إلى الفاعل والمفعول إلى ذلك كله. واليه اشار بقوله: (ويشترط في الحد - أي يشترط في الحد بالزنا مطلقا - العلم بتحريمه) من غير ان يحصل عنده شبهة محللة. فلو توهم الواطئ حل احد المحرمات المؤبدة، نسبا أو رضاعا أو مصاهرة يسقط الحد - أي لا يجب به الحد -. ولا يسقط بمجرد العقد مع العلم بالتحريم معه وفساد العقد. وكذلك لا يسقط الحد، بل يتعلق ويجب. ويجب باستئجار المرأة للوطئ مع العلم بعدم الحل بذلك وفساد العقد، نعم لو توهم الحل بالاستيجار أو بغير الاستئجار مثل ان تهب نفسها أو تبيح وطئها أو يوقعه بلفظ غير صحيح أو يكون قصده الاباحة مع الجهل بان ذلك غير كاف، وكذا العقود الفاسدة لعدم العربية، أو القصد، أو الاعراب، أو المقارنة أو الاشتمال على

[ 7 ]

شرط فاسد مثل ان لا يطأ، وبالجملة جميع ما يمكن ان يتوهم ويعتقد أنه ليس بمحرم وان كان نفس رضاهما وباي شئ كان. فإنه (1) موجب لعدم تعلق الحد وسقوطه. ودليل تحريم الزنا ووجوب الحد مع الشرائط، الكتاب (2)، والسنة، والاجماع. ودليل عدمه مع عدم - ولو كان بوجه بعيد - كون الجاهل معذورا، وبناء الحدود على التخفيف، وادرأوا الحدود بالشبهات (3). وتدل عليه الاخبار أيضا، مثل صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: رجل دعوناه إلى جملة الاسلام فاقر به، ثم شرب الخمر، وزنا، وأكل الربا، ولم يبين (ولم تبين - ئل) عليه شئ من الحلال والحرام، أقيم عليه الحد إذا جهله؟ قال: لا، الا ان تقوم عليه بينة انه قد كان اقر بتحريمها (4). وقريب منه حسنة أبي عبيدة الحذاء عنه عليه السلام (5).

(1) جواب لقوله قدس سره: لو توهم الحل. (2) قال الله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض (إلى أن قال تعالى) ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا الآية - الفرقان: 62 - 67. وقال عزوجل: ولا تقربوا الزنا أنه كان فاحشة وساء سبيلا - الاسراء: 32. وقال عز من قائل: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ان لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن الآية - الممتحنة: 11. وقال جل وعلا: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الآية - النور: 2. (3) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 336. (4) الوسائل باب 14 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 324. (5) الوسائل باب 14 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 324.

[ 8 ]

ولو اكراها أو احدهما فلا حد. ورواية أبي بصير - المشتملة - على قضاء امير المؤمنين التي ما قضى بها احد (1) ولعل اجماع الامة أيضا فضلا عن اجماعنا. بل نقل عن أبي حنيفة انه ذهب إلى ان مجرد العقد على المحرمات وان كان عالما بفساده وتحريمه وعدم اثره، شبهة يدرأ بها الحد، فعنده إذا عقد شخص على المزني بها، الاجنبية أو المحرمة حتى الام والاخت عقدا معتقدا فساده ثم يطأها عمدا عالما، لا يلزمه الحد شرعا مع علم الشارع والحاكم بذلك، لانه شبهة مدرئة للحد. وفساده اظهر من فساد الحكم بحلية مال الناس بمجرد حكم الحاكم مع علم المحكوم له بانه مال الغير وليس له فيه حق أصلا، والشهود شهود زور وتزوير والحكم باطل في نفس الامر وقد نقل حليته عنه فافهم. ومن الشرائط أيضا، البلوغ والاختيار. ودليل اشتراطهما أيضا، العقل، والنقل من الكتاب (2)، والاجماع، وعموم السنة وخصوصا، مثل رفع عن امتي، الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (3). ورفع القلم عن ثلاثة، عن الطفل حتى بلغ، والمجنون حتى افاق، والنائم حتى استيقظ (4). ويكفي في سقوط الحد مجرد دعوى الاكراه مع عدم العلم بفساده، ولا

(1) الوسائل باب 14 حديث 5 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 324 ولاحظ ذيله. (2) قال تعالى: " الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان... " بل سوق آيات الزنا في البالغين المختارين كما لا يخفى على المتأمل. (3) الوسائل باب 30 حديث 2 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة ج 5 ص 345 منقول بالمعنى، وباب 56 من ابواب جهاد النفس ج 11 ص 795. (4) الوسائل باب 8 ذيل حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 317.

[ 9 ]

أو ادعيا الزوجية. ولو ادعاها احدهما سقط عنه وان كذبه الآخر من غير بينة ولا يمين أو ادعى الشبهة. يحتاج إلى السؤال، والتحقيق، والبينة، واليمين لما مر. ولصحيحة أبي عبيدة، عن ابي جعفر عليه السلام، قال: ان عليا عليه السلام أتى بامرأة مع رجل (قد خ) فجربها، فقالت: استكرهني والله يا أمير المؤمنين فدرأ عنها الحد ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا: لا تصدق وقد والله فعله امير المؤمنين (1) صلوات الله عليه. وكأن اشتراط العقل داخل في اشتراط العلم، ولذا ما ذكره ودليله خبر رفع عن امتي الخ (2) وهو ظاهر. وكذا يسقط الحد إذا ادعيا الزوجية بمعنى انه لا يجوز للشارع أن يحده لانه قد أبدا شبهة دارئة للحد وان لم تكن دارئة في نفس الامر لذلك، بل إنما قالاه لاسقاط الحد في الظاهر وفي نفس الامر لا يسقط، بل يجب عليه وتعلق به فالفرق بين ما تقدم وبين هذه، انه هناك لا حد في نفس الامر، ولا في ظاهر الشرع، بخلاف الثاني، فانه يثبت الحد في نفس الامر، ولكن ساقط بحسب الظاهر بناء على دعواهم الكاذبة، وهو ظاهر. ولو ادعى الزوجية احدهما دون الآخر، يسقط الحد عنه، لا عن صاحبه الذي لا يدعي الزوجية. وجهه ظاهر وهو إبداء الشبهة الدارئة وعدمها. وكذا يسقط الحد عن مدعي شبهة اخرى غيرها، فان إدعيا يسقط عنهما

(1) الوسائل باب 18 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 382. (2) تقدم ذكر موضعه آنفا.

[ 10 ]

ولو زنى المجنون بعاقلة حدت دونه، وبالعكس. ولو كانا مجنونين فلا حد. ويحد الاعمى الا مع الشبهة، ويصدق. ولو عقد فاسدا وتوهم الحل به فلا جد. ولا حد في التحريم العارض كالحيض والاحرام والصوم. وان ادعى احدهما سقط عنه دون الآخر، وان كذبه لا يحتاج في السقوط وسماع هذا القول منهما إلى بينة ولا يمين، بل يسقط ويقبل بدونهما للاجماع والخبر (1) وهو ظاهر. قوله: " ولو زنا المجنون بعاقلة الخ " أي لو وطئ المجنون مرأة عاقلة بالغة باختيارها وعلمها بانه حرام من غير شبهة، يحد المرأة حد الزنا دون المجنون، لحصول شروط الزنا فيها دونه. وكذا لو كان الرجل العاقل البالغ المتصف بشرائط الزنا، وطئ مجنونة، يحد الرجل دون المرأة لما مر. ولو كان كلاهما مجنونين، فلا حد على احدهما اصلا. ويحد الاعمى، إذ ليس البصر من شرائط الزنا الموجب للحد، فلو وجد منه الزنا حد الا ان يدعي شبهة فيصدق في ذلك فيقبل منه كالبصير. فلو عقد الاعمى أو شخص مطلق عقدا فاسدا في نفس الامر وتوهم ان ذلك العقد الفاسد صحيح ويحل به الوطئ، لا يحد العاقد وقد مر. وأيضا لا حد في الوطئ بالزوجة إذا عرض له التحريم، مثل الوطئ في الحيض، والصوم، والاحرام، والاعتكاف، فانه ليس زنا لما مر من تعريف الزنا،

(1) يحتمل أن يكون خبر إدرأوا الحدود كما تقدم.

[ 11 ]

ويشترط في الرجم - مع الشروط السابقة - الاحصان * وهو التكليف، والحرية، والاصابة في فرج مملوك بعقد دائم أو ملك يمين متمكن منه يغدو عليه ويروح. والمرأة كالرجل، والفاسد والشبهة لا يحصنان. بل وطئ حرام موجب للتعزير ان كان عالما بالتحريم، بناء على ما ثبت من التعزير في كل محرم. قوله: " ويشترط في الرجم الخ " الحد في الزنا إما جلد أو رجم، والجلد يتحقق بمجرد تحقق الزنا المذكور سابقا بالنص كتابا (1)، وسنة، واجماعا للمسلمين. واما الرجم، فهو مخصوص بالمحصن والمحصنة بنص السنة، والاجماع فيخصص عموم الكتاب بغير المحصن بهما. والشرائط السابقة المشتركة، هو دخول الذكر بحيث يغيب الحشفة أو مقدارها في العديم، في فرج امرأة، بغير عقد، ولا شبهة مع البلوغ، والعقل، والعلم، والاختيار ويزيد في الرجم عليها، الاحصان. والمراد به هنا، التكليف، والحرية، والدخول بعدهما، في فرج امرأة معقود عليها عقدا دائما، أو ملك يمين متمكنا منها حين الزنا أن يغدو ويروح يعني تكون حاضرة عنده بحيث كلما اراد وطئها كان متمكنا. ويحتمل ان يكون المراد ب‍ " يغدو ويروح " الوطئ في الصباح والمساء، والغداة والعشاء كما هو ظاهر معناهما الحقيقيين. والمرأة في هذه الشرائط الرجم، مثل الرجل الا أن التمكن يكون من جانب الزوج يعني لم يكن من زوجها مانع عن ذلك فكل ما أراد، فعل، لا كلما ارادت

(1) قد اشرنا إليه في أول البحث فراجع.

[ 12 ]

ولا تخرج المطلقة رجعية عن الاحصان وتخرج بالبائن. ولو تزوجت الرجعية عالمة بالتحريم رجمت. ويحد الزوج مع علمه بالتحريم والعدة. ولو جهل احدهما فلا حد. ولو علم احد الزوجين اختص بالحد التام. ويقبل ادعاء الجهل من المحتمل في حقه. فعل فالوطئ بالعقد الفاسد مع الجهل به، لا يحصن، وكذا الشبهة. والمطلقة الرجعية بحكم الزوجة، فالاحصان معها متحقق ما دامت في العدة بخلاف البائن فانها ليست بحكمها. فلو تزوجت الرجعية ودخل بها زوجها الثاني عالمة بالتحريم من غير شبهة موجبة لسقوط الحد رجمت. ورجم الزوج أيضا ان كان شرائط الرجم فيه أيضا متحققا، بان تكون عنده زوجة مدخولا بها متمكنا منها والا يجلد مع شرائط الجلد فقط مع العلم بتحريم التزويج في العدة والعلم بها. ولو جهل الزوج التحريم أو العدة فلا حد. وكذا لو كان معه شبهة اخرى مسقطة. ولو كان احد الزوجين عالما بالتحريم - أي تحقق في حقه شرائط الحد أي قسم كان دون الآخر - يختص جامع الشرائط بالحد دون الآخر، وهو ظاهر، وقد مر مرارا. ويقبل ادعاء الجهل من الذي يمكن في حقه ذلك ولو كان بعيدا بغير يمين ولا بينة. وكذا يقبل دعوى نسيانه وجميع ما يمكن ان يعد شبهة على ما مر غير مرة.

[ 13 ]

ولا يشترط الاحصان في الوطئين، بل لو كان احدهما محصنا رجم وجلد الآخر. ويشترط في احصان الرجل عقل المرأة وبلوغها، فلو زنى المحصن بمجنونة أو صغيرة فلا رجم. وفي احصان المرأة، بلوغ الرجل خاصة، فلو زنت المحصنة بصغير فلا رجم، ولو زنت بمجنون رجمت. ويشترط وقوع الاصابة بعد الحرية والتكليف ورجعة المخالع. ولا يشترط في رجم المحصن كون الآخر محصنا أيضا، بل إذا حصل الزنا منهما، فان كان الاحصان متحققا في احدهما يرجم المحصن ويجلد الآخر، وان لم يكن زنا بالنسبة إليه، فلا يرجم أيضا، فلا يشترط كون الوطئ زنا بالنسبة إلى الواطيين معا في الجلد، ولا في الاحصان، فضلا عن إحصانه، وهو ظاهر وقد مر. نعم يشترط في احصان الرجل ورجمه كون المرأة المزني بها عاقلة بالغة، فلو زنا المحصن بمجنونة أو صغيرة، فلا رجم. ويشترط أيضا في احصان المرأة ورجمها، بلوغ الرجل الزاني بها، لا عقله، فلو زنت المحصنة بصغير فلا رجم عليها أيضا، ولو زنت بمجنون رجمت فقط، ولا رجم ولا جلد على الصغير والمجنون، نعم قد يخوفان ويؤدبان (يؤذيان - خ ل) ان حصل باختيارهما. ويشترط في الدخول الذي من شرائط الاحصان كونه بعد الحرية وبعد التكليف، فلو اعتق العبد المزوج الداخل بمرأة ولم يدخل بعده وزنا حينئذ لا يرجم وان تحقق جميع شرائط الرجم الا الدخول بحليلته. وكذا لو دخل الصبي بامرأة ثم بلغ وزنى قبل الدخول لا يرجم، بل يجلدان وأيضا من شرائط الدخول كونه بعد رجعة الخالع (المخالع - خ ل) فلو دخل رجل

[ 14 ]

بامرأته ثم خالعها فرجعت المرأة في البذل، فرجع الرجل إلى زوجته المخالعة ثم زنى قبل وطئ امرأته المراجعة والمخالعة، لم يرجم وان تحقق شرائطه غير الدخول ويجلد. وجه ذلك ظاهر، فان المرأة بعد الخلع خرجت عن حباله وصارت اجنبية محضة، وبعد الرجوع صار بمنزلة شخص تزوج امرأة اجنبية أو التي طلقها بائنا، وقد شرط في الاحصان الوطئ بامرأته التي في حباله وما تحقق حينئذ، فإن هذه زوجته، زوجة اخرى فكأنه (فكأنها - ظ) ما صارت مدخولا بها منه أصلا. وكذا يشترط الوطئ بعد الحرية، فلابد ان يكون حرا فوطأ امرأته وكانت امرأة حرة مدخولا بها منه حتى يتحقق الاحصان، فلو لم يتحقق الوطئ بعد الحرية لم يتحقق الشرائط. وكذا يشترط ان يكون الدخول بعد التكليف لا قبله فإن الدخول قبل التكليف كاللادخول. نعم الزوجية كافية لو كانت قبله، وكذا الملكية لدوامهما. ولا يشترط ابتداؤها حال التكليف بخلاف الوطئ، فانه ليس بدائم، هذا ظاهر. وتدل عليه في الجملة، صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنا بامرأة؟ قال: يجلد الغلام دون الحد، وتجلد المرأة الحد كاملا، قيل: فان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم، لان الذي يلجها (نكحها - خ) ليس بمدرك، ولو كان مدركا رجمت (1) وموثقة ابن فضال، عن ابن بكير (عن أبي مريم - ئل)، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام في آخر ما لقيته عن غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة أو فجر بامرأة أي شئ يصنع بهما؟ قال: يضرب

(1) الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 362.

[ 15 ]

الغلام دون الحد ويقام على المرأة الحد، قلت: جارية لم تبلغ وجدت مع رجل يفجر بها؟ قال: تضرب الجارية دون الحد ويقام على الرجل الحد (1). ورواية ابان (عن أبي العباس - ئل) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يحد الصبي إذا وقع على المرأة، ويحد الرجل إذا وقع على الصبية (2). والمراد بضرب الصبي دون الحد، الظاهر، التعزير بما يراه الحاكم، وذلك قد يكون بنقص العدد، وقد يكون بنقص الضرب وكيفيته. وتدل عليه صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال ان في كتاب علي صلوات الله عليه انه كان يضرب بالسوط وبنصف السوط وببعضه وينقصه في الحدود وكان إذا أتي بغلام وجارية لم يدركا لا يبطل حدا من حدود الله عزوجل قيل له: وكيف كان يضرب؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه أو من ثلثه ثم يضرب به على قدر اسنانهم ولا يبطل حدا من حدود الله عزوجل (3). فالمراد بعدم الحد ودونه الضرب الناقص من الحد في الجملة وان كان ذلك على سبيل التعذر (التعزير - خ ل) ولا يبعد مثل ذلك في المجنون أيضا للعلة، فتأمل. واما الدليل على اشتراط الاحصان في الرجم بالمعنى المذكور الذي اعتبر فيه ما ذكره من البلوغ والعقل فما تقدم، وان الحد رجما وجلدا هو فرع التكليف، وهو فرع البلوغ والعقل وما في الخبر المشهور بين العامة والخاصة: " وعن المجنون حتى أفاق " (4) وما تقدم في الصبي، فتأمل، ونقل عن الشيخين وجماعة وجوب الحد على المجنون.

(1) الوسائل باب 9 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 362. (2) الوسائل باب 9 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 362. (3) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 307. (4) راجع الوسائل باب 56 من ابواب جهاد النفس ج 11 ص 795.

[ 16 ]

لرواية ابان بن تغلب، قال: أبو عبد الله عليه السلام: إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، وان كان محصنا رجم، قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المرأة انما تؤتى والرجل يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذة، وان المرأة انما تستكره وتفعل بها وهي لا تعقل ما يفعل بها (1). مع قصور السند والدلالة، لاحتمال حملها على القليل العقل أو المعتوه الذي زنى وقت افاقته، ويؤيده قوله عليه السلام: (انما يأتي إذا عقل) فتأمل. واما الحرية فيدل على اعتبارها، الاعتبار، من ان تغليظ العقوبة، انما هو باعتبار تغليظ العمل، فلما كان من الحر اغلظ - لشرف نفسه وتسهيل امره - لعدم يد عليه - بخلاف المملوك فيهما - فتناسب ذلك التخفيف بالنسبة إلى الحر، فتأمل. وتدل عليه أيضا صحيحة أبي بصير (يعني المرادي - ئل)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة؟ قال: فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق، قلت: فللحرة عليه خيار (خيار عليه - ئل) إذا اعتق؟ قال: لا، قد رضيت به وهو مملوك فهو على نكاحه الاول (2). هذه تدل على اعتبار الدخول في الاحصان وانه لا يكفي الدخول مطلقا، بل لابد من تحققه بعد حصول شرائط العتق والبلوغ كما مر، فتأمل. وتدل على عدم الخيار للحرة - التي تحته إذا اعتق مع العلة - كأنه لا خلاف في ذلك. وتدل على اعتبار الاصابة - وهو الدخول أيضا - صحيحة رفاعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزني قبل ان يدخل باهله ايرجم؟ قال: لا (3)

(1) الوسائل باب 21 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 388. (2) الوسائل باب 7 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 358. (3) الوسائل باب 7 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 358.

[ 17 ]

وتدل عليه أيضا، صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يزني ولم يدخل باهله أيحصن؟ قال: لا، ولا بالامة (1). وتدل على عدم الاحصان بالامة فتأمل. وصحيحة يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: فإذا أحصن؟ قال: احصانهن إذا دخل بهن، قال: قلت: ارأيت ان لم يدخل بهن واحدثن ما عليهن من حد؟ قال: بلى (2). وهي تدل على اعتبار الدخول في احصانهن أيضا. وفي موثق اسحاق - له (3) أيضا - اشعار باشتراط الدخول وستجيئان. والاعتبار أيضا من كسر (- كسره - خ) الشهوة وحصول اللذة والخصوصية فتأمل. ولابد من كون الدخول بالمرأة الدائمة أو المملوكة دون المتعة. وتدل عليه موثقتي اسحاق، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل إذا هو زنا وعنده السرية والامة يطأها، تحصنه الامة وتكون عنده؟ فقال: نعم انما ذلك لان عنده ما يغنيه عن الزنا، قلت: فان كانت عنده أمة وزعم انه لا يطأها فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة أتحصنه؟ فقال: لا، انما هو على الشئ الدائم عنده (4). ومثلها اخرى، قال: قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الرجل تكون له الجارية أتحصنه؟ قال: فقال: نعم انما هو على وجه الاستغناء، قال: قلت: والمرأة

(1) الوسائل باب 7 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 359. (2) الوسائل باب 7 حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 360. (3) يعني كونه موثقا لا صحيحا لاجل وجود اسحاق لكونه فطحيا ثقة. (4) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 352.

[ 18 ]

المتعة؟ قال: فقال: لا انما ذلك على الشئ الدائم، قال: قلت: فان زعم انه لم يكن يطأها؟ قال: فقال: لا يصدق، وانما أوجب ذلك عليه لانه يملكها (1). ورواية هشام وحفص بن البختري عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يتزوج المتعة أتحصنه؟ قال: لا انما ذاك على الشئ الدائم (2) (عنده - ئل). وفي ثانية، اسحاق، محمد بن عيسى عن يونس (3)، وفي الثالثة ارسال كما ترى (4). مع أن عدم الاحصان بالمتعة، معللة بعدم الدوام، فلو كانت متعته دائمة بان تكون سنين كثيرة، يحتمل حصول الاحصان، إذ يقال: انها دائمة عنده، إلا أن يمنع، فتأمل. وصحيحة حريز، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحصن؟ قال: الذي يزني وعنده ما يغنيه (5). وحسنة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المغيب والمغيبة ليس عليهما رجم، الا أن يكون الرجل مع المرأة، والمرأة مع الرجل (6). وصحيحة أبي بصير، قال: قال: لا يكون محصنا حتى (الا أن يكون

(1) الوسائل باب 2 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 353. (2) الوسائل باب 2 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 352. (3) سندها هكذا: علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن اسحاق بن عمار. (4) يعنى انه قال: (عمن ذكره). (5) الوسائل باب 2 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 353. (6) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 355.

[ 19 ]

خ - ل - ئل) تكون عنده امرأة يغلق عليها بابه (1). وصحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: ما المحصن رحمك الله؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن (2). هذه دليل شرط التمكن من الدخول بها، وهي تدل على اشتراط الحضور أيضا. مع حسنة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في الرجل الذي له إمرأة بالبصرة، ففجر بالكوفة ان يدرأ عنه الرجم ويضرب حد الزاني، قال: وقضى في رجل محبوس في السجن وله امرأة (حرة - ئل - كا) في بيته في المصر وهو لا يصل إليها فزنى في السجن؟ قال: يجلد الحد (عليه الجلد خ - ل ئل كا)، ويدرأ عنه الرجم (3). ورواية ربيع الاصم، عن الحارث، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل له امرأة بالعراق فاصاب فجورا وهو ب‍ (في خ - ل) الحجاز؟ فقال: يضرب حد الزاني مائة جلدة ولا يرجم قلت: فان كان معها في بلدة واحدة وهو محبوس في سجن لا يقدر أن يخرج إليها ولا تدخل هي عليه، أرأيت ان زنا في السجن؟ فقال: هو بمنزلة الغائب عنه أهله يجلد مائة جلدة (4). ويفهم من الكل أن المدار التمكن من فرج، والوصول إليه متعة كانت أو ملك يمين، فيمكن نفي المتعة فيما مر، في المتعة التي كان زمانها قليلة كما اشعر به العلة، فتأمل فيه.

(1) الوسائل باب 2 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 353. (2) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 351. (3) الوسائل باب 3 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 355. (4) الوسائل باب 3 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 356.

[ 20 ]

وتدل على ان الحبس مثل الغيبة. والظاهر أن لا حد للغيبة، بل العرف (1)، والتمكن من الوصول إليه بسهولة كلما اراد. ويحتمل الوصول إليه غدوة وعشية. وفي بعض الروايات ما يدل على ان كون البعد مقدار مسافة القصر، مسقط للرجم. مثل رواية محمد بن الحسين رفعه، قال: الحد في السفر الذي ان زنى لم يرجم ان كان محصنا؟ قال: إذا قصر فافطر (2). والقصور في اللفظ والسند والدلالة، ظاهر. ورواية عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عن الغائب عن اهله يزني هل يرجم إذا كانت له زوجة وهو غائب عنها؟ قال لا يرجم الغائب عن اهله ولا المملك الذي لم يبن باهله، ولا صاحب المتعة، قلت: ففي أي حد سفره لا يكون محصنا؟ قال: إذا قصر وأفطر فليس بمحصن (3). وفي سنده عبد الرحمان بن حماد (4)، وهو مجهول. ويمكن تأويلها أيضا، ودلالتها أيضا قاصرة. وفيها أيضا دلالة على نفي حصول الاحصان بالمتعة. وبالجملة، الرجم حد غليظ مخالف لظاهر نص الكتاب، فان المتبادر من

(1) يعنى ان حده صدق الغيبة في العرف. (2) الوسائل باب 4 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 356. (3) الوسائل باب 4 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 356. (4) سنده كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمان بن حماد، عن عمر بن يزيد.

[ 21 ]

قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (1) وجوب الجلد لكل زان واخراج المحصن وايجاب حد اغلظ، يحتاج إلى دليل قوي مع ان الحد يسقط بادنى شبهة، فكذا هذا الحد الخاص مع ثبوت اصله، ففي كل موضع وجد فيه نص صريح وصحيح بوجوب الرجم وحصول الاحصان الذي هو شرط قيل به، والا فلا. وينبغي عدم الخروج عن هذه القاعدة، ففي ثبوته في المتعة، غير معلوم. وكذا ملك اليمين، ولهذا ذهب جماعة إلى عدم حصول ذلك في ملك اليمين مع الاخبار المتقدمة لقصور في سندها أو عدم صراحتها واطلاقها أو عمومها وامكان تأويلها لوجود أصح منها في عدم الحصول. مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في الذي يأتي وليدة امرأته بغير اذنها عليه مثل ما على الزاني يجلد مائة جلدة، قال: ولا يرجم إن زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة، فان فجر بامرأة حرة وله امرأة حرة، فان عليه الرجم وقال: وكما لا تحصن (يحصنه - خ ل) الامة، والنصرانية، واليهودية إذا زنا بحرة، فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إن زنا بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرة (2). وقد مر في صحيحته أيضا: (ولا بالامة) فتذكر. وصحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يحصن الحر، المملوكة، ولا المملوك الحرة (3). وهما صحيحتان، وصريحتان في عدم الاحصان بملك اليمين. وتأويل الشيخ - بان المراد بالاحصان، الاحصان الذي يجب معه الرجم

(1) النور: 2. (2) الوسائل باب 2 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 354. (3) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 353.

[ 22 ]

على المحصنة أيضا على تقدير الزنا في الخبر الثاني وبانه يحتمل أن تكون الامة التي عنده بالمتعة في الخبر الاول - بعيد فعدم الحصول بالمتعة وملك اليمين أولى، فان أقلها شبهة دارئة لحد الرجم وان لم تكن دارئة للجلد. وبالجملة، النظر في القاعدة المقررة وقصور الاخبار، يدل على عدم حصول الاحصان بالمتعة وملك اليمين. وقالوا: الاحصان في المرأة، كالاحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل فيها اجماعا بمعنى اشتراط كونها مكلفة حرة موطوئة بالعقد الدائم متمكنة من الزوج بحيث يغدو عليها ويروح، فقيد الدائم للاحتراز عن المتعة وملك اليمين. ومعنى قولهم: المرأة كذلك يعني إذا كانت بالشرائط وعندها زوجها الذي دخل بها، وقادر على ان يدخل بها ويغدو ويروح، فهو محصن، سواء كانت تحت عبد أو حر، لا ان لو كان لها أيضا عبد تكون محصنة كما في الرجل ان كان له مملوكة محصن بها على القول المشهور، فانه لا يجوز لها الوطئ بملك اليمين. وقد يتخيل كون الاحصان بالنسبة إليها، بان يكون زوجها حاضرا عندها ويدخل بها ويفعل بالفعل جماعها على الوجه المتعارف، وانها تكون قادرة على ان تغدو عليه وتروح مثل ما اعتبر في الرجل، إذ مجرد وجوده عندها ولم يباشر ذلك مع غاية تمكنه من ذلك، ما ينفع المرأة وان كان لا ينفعه أيضا الا ان الامر بيده، ولتمكنه وكمال ندرته لو ترك وزنا يستحق الرجم، بخلاف الزوجة، فان الامر ليس بيدها وليست متمكنة، وانما المتمكن وصاحب القدرة، الزوج، فإذا تركها معطلة لا يحصل حينئذ غرض الشارع من الاحصان بالنسبة إليها، فتأمل. وبالجملة قد ورد النص برجم الزوجة على تقدير كونها مدخولا بها وزوجها حاضرا فلا بحث مع النص.

[ 23 ]

الفصل الثاني: في ثبوته وانما يثبت بأحد أمرين: الاقرار. قوله: " وانما يثبت باحد الامرين الخ " هذا بيان ما يثبت به الزنا، وانما يثبت على شخص الزنا مطلقا باحد الامرين، الاقرار أو البينة. (الاول) الاقرار، ويشترط في ثبوته به صدوره من المقر اربع مرات بانه زنا صريحا فلا يحصل بغير الصريح، لانه عقوبة عظيمة، والستر فيها مطلوب، ومبناها على التخفيف، ويدرأ بالشبهة، فمهما امكن عدم ثبوته ووقوعه لم يترك، ولهذا لم يشترط هذا العدد في غيره، لا في الاقرار، ولا في الشهود. فلو نقص عن اربع مرات لم يثبت الحد اصلا، بل يعزر. كأنه لان الاقرار بالفاحشة حرام وموجب لتشنيع الفاحشة، وهو حرام بالنص ويجب التعزير في كل محرم عندهم كما هو صريح في بعض عباراتهم مثل الشرائع (1) والكبرى ما نعرفها، بل الصغرى أيضا، فان الحرام موجب التشنيع،

(1) في الشرائع كل ماله عقوبة مقدرة يسمى حدا، وما ليس كذلك يسمى تعزيرا واسباب الاول ستة (إلى ان قال): والثاني اربعة، الردة، واتيان البهيمة وارتكاب ما سوى ذلك من البهائم (انتهى).

[ 24 ]

وذلك هنا غير معلوم، بل يريد عبادة الله وطهارة نفسه، ويظهر الزنا لذلك، لا انه يحب الفاحشة واظهارها. وما سيجئ من الاخبار لثبوته بالاقرار اربعا، يدل على عدم التعزير في كل محرم فانه ما عزر في الاقرارات الثلاث. الا ان يقال: ما فعل في ذلك الوقت من الاضراب والاعراض هو التعزير أو (ان - خ) كان لانه يأتي بالعدد، وانما التعزير متوجه بالترك والاقتصار على دون العدد. وتدل على ثبوت التعزير في امور كثيرة، أخبار كثيرة، مثل افتراء كل واحد من الشخصين صاحبه (1). والافتراء على اهل الذمة (2). وفي القول: انت خبيث، وانت خنزير (3) وشهود الزور (4). وتزويج الذمية على المسلمة بغير اذنها (5). واكل الربا إلى اربع مرات (6). وفي الوطئ في الصوم (7).

(1) راجع الوسائل باب 18 من ابواب حد القذف ج 18 ص 451. (2) لاحظ الوسائل باب 17 ج 18 ص 449 من ابواب بقية الحدود والتعزيرات. (3) راجع الوسائل باب 19 من ابواب حد القذف ج 18 ص 452. (4) راجع الوسائل باب 15 من كتاب الشهادات ج 18 ص 244. (5) الوسائل باب 7 حديث 4 من ابواب ما يحرم بالكفر ونحوه ج 14 ص 419. (6) لاحظ الوسائل باب 7 ج 18 ص 580 من ابواب بقية الحدود والتعزيرات، ولكن مدلولها إلى ثلاث مرات. (7) لاحظ الوسائل باب 12 ج 18 ص 585 من ابواب بقية الحدود والتعزيرات.

[ 25 ]

ويشترط فيه العدد، وهو اربع مرات، فلو اقر اقل فلا حد وعزر. وفي الوطئ في الحيض (1)، وغير ذلك. وقالوا أيضا: تعيينه إلى الامام (2)، وفي بعض الاخبار دون اربع اسواط (3). ودليل ثبوته بالاقرار، العقل، والنقل، مثل بعض الآيات والاخبار التي مضت في بحث الاقرار، مثل اقرار العقلاء على انفسهم جائز (4). واما اعتبار العدد فلاعتباره في الشهادة بنص الكتاب، واعتبار الشهادات الاربع في اللعان. ولما روي عن امير المؤمنين عليه السلام من حكاية المرأة التي جاءت، وقالت: زنيت يا أمير المؤمنين فطهرني وردها صلوات الله عليه حتى ذهبت وجاءت اربع مرات، ولما كانت تروح في كل مرة كان يقول عليه السلام: اللهم انها شهادة، وهذه اثنتان، وهذه ثلاث شهادات، وفي الاخيرة قال: اللهم أنه قد ثبت لك عليها اربع شهادات، ثم رجمها (5). والخبر طويل واشرنا إلى مضمون بعضه الذي يحتاج إليه هنا. وحكاية اخرى مثلها نقل عنه صلوات الله عليه مع امرأة اخرى حامل مثل الاولى (6) كأنها منقولة بطريق صحيح (7).

(1) لاحظ الوسائل باب 13 ج 18 ص 586 من ابواب بقية الحدود والتعزيرات. (2) يمكن ان يستفاد من روايات باب 28 من ابواب مقدمات الحدود في الوسائل ج 18 ص 338. (3) يستفاد من حديث 3 من باب 10 ج 18 ص 584. (4) عوالي اللئالي ج 1 ص 243 وج 2 ص 257 وج 3 ص 442. (5) راجع الوسائل باب 16 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 378. (6) راجع الوسائل باب 16 حديث 5 و 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 380. (7) سندها هكذا كما في الفقيه: وروى يونس بن يعقوب عن أبي مريم عن أبي جعفر وطريق الصدوق =

[ 26 ]

وروي عنه صلوات الله عليه ايضا انه اتاه رجل أقر عنده بالزنا فدفعه حتى كرر ذلك اربع مرات حتى رجع في الرابعة، فلما اقر قال امير المؤمنين عليه السلام لقنبر: احتفظ به ثم غضب ثم قال: ما اقبح بالرجل منكم ان يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا أفلا تاب، فوالله لتوبة فيما بينه وبين الله افضل من اقامتي عليه الحد ثم رجمه ثم قال في آخرها، فحضر وصلى عليه ودفنه، فقيل يا امير المؤمنين: الا تغسله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر (الرجم - خ) إلى يوم القيامة لقد صبر على امر عظيم (1). لعله كان اغتسل في حياته قبل رجمه، فتأمل. وما روي عنه صلوات الله عليه رواية أبي العباس نقلها صحيحة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل، فقال: اني زنيت فصرف النبي صلى الله عليه وآله وجهه عنه فاتيه من جانبه الآخر ثم قال: مثل ما قال، فصرف وجهه عنه ثم جاء الثالثة فقال له: يا رسول الله: اني زنيت وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبصاحبكم بأس - يعني جنة -؟ فقالوا: لا، فأقر على نفسه الرابعة فامر به رسول الله صلى الله عليه وآله ان يرجم محفورا له حفيرة، فلما أن وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه الزبير فرماه بساق بعير فعقله به فادركه الناس فقتلوه، فاخبروا النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: هلا تركتموه ثم قال: لو استتر ثم تاب كان خيرا له (2).

= إلى يونس كما في المشيخة هكذا: وما كان فيه عن يونس بن يعقوب فقد رويته عن أبي - رضي الله عنه - عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين، عن يونس بن يعقوب البجلي. (1) اورد قطعة منه في الوسائل في باب 14 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 375 وراجع تفسير علي بن إبراهيم ص 451 طبع الوزيري. (2) الوسائل باب 15 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376 منقول بالمعنى.

[ 27 ]

وبلوغ المقر وعقله، واختياره، وحريته، سواء الذكر والانثى. وفي اشتراط ايقاع كل اقرار في مجلس قولان. وتدل عليه أيضا رواية جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، ولا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات (1). وكأنه لا خلاف فيه، وحكاية ماعز (2) تدل عليه، وعلى انه لابد من التصريح بالاقرار بالولوج كالميل في المكحلة، وسيجئ في البينة ما يدل عليه، فتأمل قوله: " وبلوغ المقر الخ " يعني يشترط في المقر اتصافه بالشرائط التي يعتبر في مطلق المقر، وقد تقدم في بحث الاقرار (3)، وهو بلوغ المقر، وعقله، واختياره وحريته، سواء الذكر في ذلك، والانثى. ويحتمل ان يسمع اقرار المملوك في غير الرجم، والقتل من دون اذن السيد. ويحتمل سماعه مع اذن السيد في القتل والرجم أيضا، وبدونه يحتمل ان ينتظر إلى وقت الحرية. والتخفيف في الحدود ودرئها بالشبهة، يدل على عدم ذلك، فتأمل. قوله: " وفي اشتراط ايقاع الخ " هل يشترط في ترتب أحكام الزنا جلدا ورجما على الاقرار باربع مرات، وقوع كل مرة في مجلس غير مجلس الآخر ام لا، بل إذا وقع الكل في مجلس واحد مسترسلا، كاف في ترتب الحكم؟ فيه خلاف. وقد صرح جمع بعدم (4) الاشتراط كالمصنف في غير المتن، والمحقق (5).

(1) الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 380. (2) تقدم آنفا وهو حديث 1 من باب 15 من الوسائل ج 18 ص 376. (3) راجع ج 9 من هذا الكتاب ص 385. (4) وفي النسخ بالاشتراط والصواب ما اثبتناه. (5) قال في الشرائع: ولو اقر أربعا في مجلس واحد، قال في الخلاف والمبسوط لم يثبت وفيه تردد وفي النافع. وهل يشترط اختلاف مجالس الاقرار؟ اشبهه انه لا يشترط.

[ 28 ]

واطلق جمع كثير مثل الشيخ المفيد، والقاضي، والتقي، وسلار، وابن إدريس وغيرهم. وجمع آخر صرحوا بالاشتراط، مثل الشيخ في المبسوط والخلاف وتبعه ابن حمزة وقطب الدين الراوندي. لعل دليل الاشتراط ما وجد في فعله صلى الله عليه وآله وفعل أمير المؤمنين عليه السلام من انهما حكما بالرجم بعد الاقرار اربع مرات في اربع مجالس، مع التخفيف في الحدود خصوصا الرجم. ودليل العدم عموم ادلة الحدود مع اصل عدم الاشتراط، وعدم دليله، فان فعلهما صلوات الله عليهما كان كذلك اتفاقا، لا انهما امرا بذلك وقيداه، وهو ظاهر خصوصا فعله صلى الله عليه وآله على ما في بعض الروايات (1)، فانه ما دل على تعدد المجلس أيضا، فانه كان في مجلس واحد، الا انه كان تارة عن يمينه وتارة عن شماله. الا ان يراد بتعدد المجلس تغير مكان المقر، وهو بعيد. على ان ذلك غير ظاهر في فعله صلى الله عليه وآله في الثالثة والرابعة، نعم على ما نقل في بعض الكتب - من انه جاء فقال: زنيت، ثم جاء في المرتبة الثالثة والرابعة - يعلم دلك، وعموم رواية جميل (2) يدل على عدمه أيضا، فتأمل. ثم اعلم انه قال في الشرح - بعد ان عد المطلقين -: واعلم ان الاصحاب الذين اطلقوا لم نعلم لهم قولا في الحقيقة، فلعلهم قائلون بالتقييد، والله أعلم. وانت تعلم انهم إذا اطلقوا فالمتبادر ان ذلك هو مذهبهم خصوصا مع

(1) لاحظ الوسائل باب 15 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376. (2) لاحظ الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 380.

[ 29 ]

ويقبل اقرار الاخرس بالاشارة. اطلاق الدليل وعدم دليل على التقييد، فيعلم ان الاطلاق مذهبهم كما إذا رأينا دليلا من آية، ورواية دالة على حكم، يستفيد اطلاقه منهما ونعلمه، فكذا نعلم ان الاطلاق مذهب المطلق، وهو ظاهر، الله يعلم. قوله: " ويقبل اقرار الاخرس بالاشارة " دليله، ان اشارته مثل لسانه الدال على صدور الفعل الموجب للحد صادرا عنه، فإذا دلت على صدوره بحيث لا يبقى منه احتمال عدمه بوجه، مثل اللفظ الصادر عن لسانه، يثبت بذلك، والا لا يثبت به للتخفيف، والاصل، والدرء. واما مجرد الاخرسية، والعمى، والاصمية فلم يكن شبهة دارئة للحد، فلا يثبت في حقهم الزنا، فلا وجه له، مثل ما قاله أبو حنيفة في كون مجرد العقد ذلك. وتدل عليه أيضا رواية اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حد الاخرس، والاصم، والاعمى؟ فقال: عليهم الحدود إذا كانوا يعقلون ما يأتون به (1). ورواية محمد بن قيس، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الاعمى يجوز شهادته؟ قال: نعم إذا اثبت (2). وفي رواية ضعيفة لجميل عنه عليه السلام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة الاصم في القتل؟ قال: يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بالثاني (3). وقيل: لا يقبل دعوى الشبهة من الاعمى، وهو بعيد، ولا دليل له. وقيد بعض قبوله بوجود القرائن مثل وجدانه امرأة في فراشه واشتبه ونحو

(1) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 321. (2) الوسائل باب 42 حديث 1 من كتاب الشهادات ج 18 ص 296. (3) الوسائل باب 42 حديث 3 من كتاب الشهادات ج 18 ص 296.

[ 30 ]

ولو نسبه لم يثبت في حقه الا باربع، ويحد بالمرة، للقذف على إشكال. ذلك. وهو كالاول، إذ لا فرق بينه وبين غيره. قوله: " ولو نسبه لم يثبت الخ " أي لو نسب رجل امرأة إلى الزنا بان قال: زنيت بفلانة بنت فلان، أو نسبت امرأة رجلا إليه وقالت زنيت بفلان بن فلان، فلا شك انه بالنسبة إلى القائل لا يثبت الزنا الموجب للحد أو الرجم الا أن يكون ذلك اربع مرات وهل يثبت بذلك قذف المنسوب إليه الموجب لحد القذف على القاذف ام لا؟ فيه إشكال، من انه قذف ظاهر، فمع وجود شرائطه مثل كون المقذوف محصنا يحد القاذف، ولا يمنع عدم ثبوته في حقه - لاشتراطه باربع مرات حتى يترتب عليه الاحكام الخاصة من الجلد والرجم - ثبوت مالا يشترط على ذلك. ومن انه انما نسب الزنا إلى نفسه ولا يلزم من كونه زانيا ونسبته إليه، نسبة الآخر إليه، لاحتمال ان يكون هو مكرها أو مكرهة، ويكون شبهة بالنسبة إليه، إذ يصح ان يقال: زنيت انا بفلانة وهي مكرهة أو كانت شبهة، فهو اعم من كون المنسوب إليه زانيا، وعدمه، ولا دلالة للعام على الخاص باحدى الدلالات الثلاث والاصل عدم لزوم الحد والنسبة إلى الزنا، وكذلك الظاهر. ولهذا بمجرد وجدان امرأة مع رجل، لا يحكم عليهما بالزنا مع العلم بعدم الزوجية أيضا، لاحتمال الشبهة والاكراه وهو ظاهر، حتى يعلم انتفائهما. ولانه لو ادعى القائل ذلك، فالظاهر انه يسمع منه للدرء أو التخفيف، فالظاهر عدم ثبوته في حق الآخر. لكن الظاهر على هذا الوجه الذي قررناه لا يثبت بالاقرار اربع مرات أيضا. وظاهر الكلام كون الاشكال في المرة الواحدة ومن جهة كون المرة مثبتة

[ 31 ]

بالنسبة إلى المنسوب إليه، وعدمه بالنسبة إلى نفسه. فيحتمل ان يكون المراد: إذا كانت النسبة إلى الغير بحيث لا يحتمل الا كونه زنا بالنسبة إليه بان قال: زنيت بفلانة ولم تكن مكرهة، ولا مشتبها عليها، أو زنت بي فلانة أو يا زانية زنيت بك ونحو ذلك بحيث يعلم المراد كونه زنا بالنسبة إلى الغير أيضا. ولكن لما لم يكن موجبا بالنسبة إلى نفسه لتوقفه على اربع مرات، هل ذلك موجب للتوقف على اربع مرات أيضا - لتوهم عدم معقولية الانفكاك ظاهرا - أم لا؟ هذا ظاهر العبارة وحينئذ، الظاهر ثبوت القذف بالمرة الواحدة، لما مر. وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر صلوات الله عليه، في رجل قال لامرأته: يا زانية انا زنيت بك؟ قال: عليه حد (واحد - ئل) لقذفه اياها واما قوله: انا زنيت بكب فلا حد فيه الا ان يشهد على نفسه اربع شهادات بالزنا عند الامام (1). فيها اشارة إلى اشتراط سماع الامام اقراره بالزنا، فتأمل. وعلى كلا التقديرين، الاشكال ضعيف، فانه على التقدير الاول ينبغي عدمه، بل الجزم بعدم ثبوت الزنا والقذف به، لما مر. نعم يمكن التعزير بناء على ما تقرر عندهم من كون كل محرم موجبا لذلك، ولانه نسب الزنا إليه وما يتأذى به، ولا شك في ذلك، فان كل انسان يتأذى به عادة وعرفا، وكل ما هو كذلك فهو موجب للتعزير، لما تقرر عندهم، وان لم نعلم نحن دليله سوى كلامهم. وعلى التقدير الثاني، فلا ينبغي الاشكال ايضا في ثبوت الحد، لما مر، فتأمل.

(1) الوسائل باب 13 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 446.

[ 32 ]

ولم لم يبين الحد المقر به ضرب حتى ينهى أو يبلغ مائة. قوله: " ولو لم يبين الحد الخ " يعني إذا قال: من يقبل اقراره على نفسه على حد من حدود الله، ولم يبين الحد المقر به يسمع اقراره فيضرب السوط حتى ينتهي بان يقول: لا تضرب، أو يكفي ونحو ذلك، سواء وصل إلى اقل الحدود ام لا، لاحتمال ارادة التعزير أو يصل إلى مائة جلدة لعدم حد فوقها؟ ويحتمل عدم شئ اصلا لعدم التصريح بالموجب واحتمال ارادة التعزير الذي لم يكن مما يضرب به وعدم معرفته ذلك، ولبناء الحد على التخفيف، وللدرء. ولكن صرح الاصحاب بذلك من غير اشارة إلى اشكال، وتردد، وخلاف، للرواية بذلك. وهي رواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، عن امير المؤمنين عليه السلام في رجل اقر على نفسه بحد ولم يسم اي حد هو؟ قال: امر ان يجلد، حتى يكون هو الذي ينهى عن نفسه الحد (1) (في الحد - ئل). وهي ضعيفة ب‍ " سهل بن زياد " (2)، وقاصرة عن تمام المراد، من عدم تجاوزه المائة فكأنه ترك، للظهور، فتأمل. وقد قيد البعض في طرف النقصان بثمانين جلدا، فلو نهى قبله لا ينتهى، فانه اقل الحد وصوبه في الشرائع في طرف الكثرة دون النقصان، لاحتمال ارادة التعزير. فيه انه ليس بصواب لاحتمال الزيادة في مكان شريف أو زمان كذلك، فانه قد يزيد الحد فيهما، وفي طرف النقصان، إذ حد القواد خمسة وسبعون.

(1) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 318. (2) سندها كما عن الكافي هكذا: عده من اصحابنا عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس.

[ 33 ]

وأيضا قد يكون مملوكا فحده خمسون. وأيضا من وطئ البهائم، خمس وعشرون. الا ان يقال: المراد بالحد هنا التعزير، وقد يطلق الحد على التعزير وبالعكس كما سيجئ. وقد يقال الزيادة داخلة في التعزير، وقد بينا انه برأي الحاكم وليس جزء للحد المقرر. وحد القواد نادر ومعلوم عدمه هنا وكذلك المملوكية ووطئ البهائم. نعم الحد قد يكون قتلا، وان التعزير موقوف على رأي الحاكم وما يعرف، وبالجملة يرد على الفتوى - بحسب القوانين - امور كثيرة. ولكن الرواية حسنة (لابراهيم) (1) وقد افتى بها الجماعة، فطرحها مشكل، ومع العمل بها، يندفع كل ما يرد عليه، لكونها منصوص بها. نعم قد يقال: لا عموم له فقد يكون مخصوصا بواقعة. والحاصل، العفو، والترك غير بعيد، فان الحد يسقط بادنى شبهة واحتمال، ولهذا حال الاقرار بانه زنا قيل له: هل قبلته أو ضاجعته (2) ونحو ذلك. ويحتمل جواز العمل أيضا، ولكن لا يجب، وسقوط الاعتراضات للنص. واما ما ورد (3) ان الزنا يحتاج إلى اربعة اقرارات، والسرقة إلى مرتين فكيف يحد المائة؟ فدفعه ظاهر يعني (بغير ما ذكرناه - خ) ما ذكرناه فانه قد يكون اقرار بعد مرات من قبل فيؤخر الحد، فان قوله هذا ليس اقرارا، بل هو خبر عنه، فتأمل.

(1) تقدم آنفا بيان سندها. (2) راجع سنن أبي داود باب رجم ماعز بن مالك ج 4 ص 145. (3) راجع الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 380 وباب 12 حديث 5 منها ص 320.

[ 34 ]

ولو انكر اقرار الرجم سقط الحد ولا يسقط بانكار غيره. ولو تاب تخير الامام في الاقامة وعدمها جلدا (أوخ) ورجما. قوله: " ولو انكر اقرار الرجم الخ " لو أقر شخص بما يوجب الرجم ثم انكر ذلك، وقال: ما اقررت، أو اقراري فاسد، سقط الحد عنه للدرء، والتخفيف في الحد الغليظ، وللرواية الآتية. ولا يسقط بانكاره موجب الحد وغيره، للاستصحاب، واقرار العقلاء على انفسهم جائز (1) وسائر ادلة الاقرار. وللرواية، وهي حسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من اقر على نفسه بحد اقمته عليه الا الرجم، فانه إذا اقر على نفسه ثم جحد لم يرجم (2) قوله: " ولو تاب الخ " يعني إذا فعل الانسان ما يوجب حدا أو رجما أو جلدا فتاب قبل أن يثبت عند الحاكم، تخير الامام بين العفو عنه وعدم حده، وحده. لعل دليله الروايات، مثل مرسلة جميل بن دراج، عن رجل، عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب واصلح (صلح - خ ل)؟ فقال: إذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد، قال محمد بن أبي عمير: قلت: فان كان أمرا قريبا لم يقم (عليه - خ) قال: لو كان خمسة أشهر أو اقل وقد ظهر منه امر جميل، لم يقم عليه الحدود (3). وكأن فيها اشارة إلى اعتبار زمان بعد التوبة حتى يقبل الشهادة. ومرسلة صفوان بن يحيى، عن بعض اصحابنا (به - خ كا)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اقيمت عليه البينة بانه زنا، ثم هرب قبل ان

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 223 وج 2 ص 257 وج 3 ص 442 طبع مطبعة سيد الشهداء. (2) الوسائل باب 12 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 319. (3) الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 327.

[ 35 ]

والحمل من الخالية من بعل، لا يوجب الزنا. ولا يقوم التماس ترك الحد، والتهرب، والامتناع من التمكين مقام الرجوع. الثاني البينة، ويشترط العدد، وهو أربعة رجال عدول، أو ثلاثة وامرأتان. يضرب؟ قال: ان تاب فما عليه شئ، وان وقع في يد الامام اقام عليه الحد، وان علم مكانه بعث إليه (1). كأن ارسال صفوان بن يحيى كالمسند كما قالوا في محمد بن أبي عمير، والبزنطي، وأيد بالقبول والفتوى. ولكن التخيير غير ظاهر، فكأنه للاجماع، وقصور في الروايات وعدم الترك والعمل في الجملة، فتأمل. والظاهر أن الحاكم، مثل الامام على تقدير اقامة الحدود له. قوله: " والحمل من الخالية الخ " إذا وجد امرأة حاملا مع عدم زوج، لا يحكم عليها بالزنا، فانه يحتمل الاكراه، والشبهة، والاصل، والظهور، والستر في الشرع مؤيد، وهو ظاهر. قوله: " ولا يقوم التماس الخ " يعني إذا أقر بالزنا اقرارا تاما موجبا للحد ثم التمس من الحاكم عدم حده أو هرب من الحد أو امتنع ولم يخل أن يقيم عليه الحد لم يكن هذه الامور بمنزلة الرجوع والانكار، ولم يقم مقامه في سقوط الحد، فانها اعم من الرجوع، والعام لا دلالة له على الخاص. قوله: " الثاني البينة ويشترط العدد الخ " اشتراط العدد معلوم من

(1) الوسائل باب 16 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 328.

[ 36 ]

ولو شهد رجلان واربع نساء ثبت الجلد دون الرجم. ولا يقبل دون ذلك، بل يحد الشهود للفرية. ولو كان الزوج احدهم، فالاقرب حدهم للفرية. القرآن والحديث، والاجماع، وقد سبق في بحث الشهادة (1) بعض ذلك، وقد مر ان الزنا الموجب للجلد والرجم، يثبت باربعة رجال، وكذلك بثلاثة رجال وامرأتين، ولعل لا خلاف. واما ثبوته باربع نساء، ورجلين، ففيه خلاف تقدم في بحث الشهادة فتذكر، ولا يقبل الزنا بغير ذلك. الظاهر انه اجماعي، والكتاب (2) والسنة ظاهرة في ذلك، فلو شهد دون ذلك، يحد الشهود للفرية والافتراء حد القذف للثلاثة، وهو ظاهر. قوله: " ولو كان الزوج الخ " يعني إذا شهد اربعة رجال، أو ثلاثة رجال وامرأتان أو الرجلان واربع نساء على القول به، على امرأة بالزنا وكان احدهم زوجها، الاقرب عند المصنف ان يحد الشهود غير الزوج حد القذف، لانه لابد من الشهود الاربعة والرجل مدع وخصم ومتهم وليس بشاهد مقبول. ولرواية مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالفجور احدهم زوجها؟ قال: يحد الثلاثة ويلاعنها الزوج (زوجها - ئل)، ولا تحل له أبدا (3). ورواية زرارة، عن احدهما عليهما السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالزنا

(1) تقدم في ج 12 ص 419. (2) اشارة إلى قوله تعالى: واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم الآية النساء: 15 وقوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء (إلى قوله تعالى) لولا جاءوا عليه باربعة شهداء الآية النور: 4 - 13. (3) الوسائل باب 12 حديث 3 من كتاب اللعان ج 15 ص 606.

[ 37 ]

[... ] احدهم زوجها؟ قال: يلاعن الزوج ويجلد الآخرون (1). ولكن كون الزوج مدعياو خصما غير ظاهر. والخبران ضعيفان ومعارضان برواية ابراهيم بن نعيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته، عن اربعة شهدوا على امرأة بالزنا احدهم زوجها؟ قال: يجوز شهادتهم (2) والجمع بين الادلة بحمل الاولين على عدم شرائط الشهادة في الزوج ككونه فاسقا وخصما. وقد نقل في الفقيه رواية مسمع، عن نعيم بن ابراهيم (3)، عن مسمع أبي سيار، عن أبي عبد الله عليه السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالفجور احدهم زوجها؟ قال: يجلدون الثلاثة، ويلاعنها زوجها، ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا، وقد روي ان الزوج احد الشهود، قال مصنف هذا الكتاب رحمه الله: هذان الحديثان متفقان غير مختلفين، وذلك انه متى شهد أربعة على امرأة بالفجور احدهم زوجها ولم ينف ولدها، فالزوج احد الشهود، ومتى نفى ولدها مع اقامة الشهادة عليها بالزنا جلد الثلاثة الحد، ولاعنها زوجها وفرق بينهما ولم تحل له ابدا، لان اللعان لا يكون الا بنفى الولد (4). وانت تعلم ما في هذا من الخلل في الكلام، والاضطراب في الروايات، فتأمل.

(1) الوسائل باب 12 حديث 2 من كتاب اللعان ج 15 ص 606. (2) الوسائل باب 12 حديث 1 من كتاب اللعان ج 15 ص 606. (3) روي - في التهذيب - في باب توارث الازواج من الصبيان، عن الحسن بن محبوب، عنه، عن عباد بن كثير وفي آخر باب حدود الزنا، عنه، عن عباد البصري، وفي باب الحد في الفرية والسب، عنه، عنه عن غياث، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، وليس له ذكر في كتب الرجال (تنقيح المقال للمتتبع الماقاني) ج 3 ص 274 الطبع الاول الحجري. (4) إلى هنا عبارة الفقيه راجع باب حد القذف رقم 5078 ج 4 ص 52 طبع مكتبة الصدوق.

[ 38 ]

[ والمعاينة للايلاج. فلو شهدوا بالزنا من دونها حدوا للفرية. ] وظاهر أدلة سماع الشهود وعدم الحد، القذف. واشتراط اللعان في الآية - بعدم الشاهد إلا نفس الزوج - والذين يرمون ازواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة احدهم الآية (1) - يدل على ثبوت الزنا وعدم حد الشهود. ويؤيده ايضا ظاهر آية القذف، والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية (2)، فانها ظاهرة في أن الاربع كافية، سواء كان احدهم زوجها وغيره فتأمل. وهذا مختار التهذيب. ويحتمل ان لا يحد الشهود، ولا المقذوفة للشبهة لانه حصلت الشبهة في حدها، وفي حد الشهود ايضا، فتأمل. وقيل: إن سبق من الزوج، الرمي بالزنا والخصومة واختل شرط آخر مثل العدالة، حد الشهود، والا يثبت الزنا، وهذا هو الجمع المتقدم بين الاخبار، وهو محتمل، فتأمل. قوله: " والمعاينة للايلاج الخ " أي لابد من التصريح في الشهادة بالدخول في الفرج، والولوج كالميل في المكحلة، بلفظ موضوع له لغة، مثل النيك (3) أو عرفا أو يضم إليه ما يصير به صريحا في ذلك، كما انه لابد من ذلك في الاقرار. ويدل عليه ما روي في ماعز بن مالك: جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله اني قد زنيت فاعرض عنه، ثم جاء من شقه الايمن فقال: يا

(1) النور: 6. (2) النور: 4. (3) ناكحها ينيكها جامعها وكشداد، المكثر منه (القاموس).

[ 39 ]

[... ] رسول الله اني قد زنيت فاعرض عنه، ثم جاء فقال: اني قد زنيت فاعرض عنه، ثم جاء فقال: اني قد زنيت قال ذلك اربع مرات (1). وقريب منه ما روي في التهذيب بطريق حسن (2). وروي أيضا انه صلى الله عليه وآله قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال: لا يا رسول الله، قال: فأنكتها لا تكنى؟ قال: نعم قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: ما تريد هذا؟ قال: اريد ان تطهرني فامر به فرجم (3) (الحديث). وتدل على اعتبار ذلك في الشهود، صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: حد الرجم ان يشهد اربعة انهم رأوه يدخل ويخرج (4). ومثلها رواية شعيب، وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يرجم رجل، ولا امرأة حتى يشهد عليه أربعة شهود على الايلاج والاخراج (5). ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يجب الرجم حتى تقوم البينة الاربعة انهم قد رأوه يجامعها (6).

(1) صحيح البخاري ج 4 (باب سؤال الامام، المقر هل احصنت ص 110) قريبا مما نقله هنا من نسبة إلى ماعز. (2) الوسائل باب 15 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376. (3) لاحظ سنن أبي داود ج 4 باب رجم ماعز بن مالك رقم 4428 ص 148 منقول بالمعنى. (4) الوسائل باب 12 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 371. (5) الوسائل باب 12 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 371 وفيه: لا يجب الرجم حتى يشهد الشهود الاربع الخ.

[ 40 ]

[ ويكفى ان يقولوا: لا نعلم سبب التحليل. ] ورواية اخرى له عنه عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يرجم الرجل، والمرأة حتى يشهد عليها اربعة شهداء على الجماع والايلاج، والادخال كالميل في المكحلة (1). فلو شهد الشهود بالزنا من دون الرؤية والمعاينة حدوا للفرية للآية (2) والاخبار (3). قوله: " ويكفي ان يقولوا الخ " يعني ليس عليهم للشهادة بالزنا ان يقولوا انهما فعلا حراما ومن غير عقد وملك وشبهة، بل يكفي في ذلك، الشهادة على الفعل بالايلاج مع قولهم: ولا نعلم سبب التحليل، فيثبت الزنا فيعمل بمقتضاه جلدا أو رجما ان تمت الشهادة والا يثبت الحد عليهم، لفرية. وهذا مثل ما مر من انه يكفي ان يقول الشهود: هذا كان من قبل لفلان وما اعلم سبب زواله عنه، هكذا ظاهر عبارة المتن وغيره. وفي الشرائع ولابد في شهادتهم من ذكر المشاهدة للولوج كالميل في المكحلة من غير عقد ولا ملك ولا شبهة، ويكفي ان يقولوا: لا نعلم بينهما سبب التحليل وفيه تأمل واضح، فانه كيف يكون هذا كافيا لثبوت الزنا مع ان الزنا فعل حرام لا يكون فيه عقد ولا ملك ولا شبهة، فكيف يشهدون عليه بمجرد عدم العلم بسبب التحليل، فان ذلك ليس بسبب العلم في نفس الامر، ولا بحسب الظاهر. وأيضا يلزم شهادة شهود عزب لا يعرفون أحدا من النساء والرجال بان رأوا رجلا يجامع امرأته على انهما زنيا ويثبت ذلك بمجرد قولهم: (لا نعلم سبب

(1) الوسائل باب 12 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 371. (2) اشارة إلى قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة - النور: 4. (3) تقدم مواضع ذكرها آنفا.

[ 41 ]

[ والاتفاق في جميع الصفات، فلو شهد بعض بالمعاينة، والباقي بدونها أو بعض في زمان أو زاوية والباقي في غير ذلك حدا للفرية. ] التحليل) ويكون ذلك صدقا وموجبا للحد عليهما ولم يجب عليهم شئ، وهو بعيد وكثير المفاسد. ويمكن ان يكون المراد يكفي ذلك للشهادة للفعل ويثبت بذلك لا الزنا ويثبت به، ثم الحاكم يسأل من سبب التحليل فان ادعوه درئ عنهما الحد، سواء كان حلالا أو شبهة، وسواء كانا صادقين في نفس الامر أم لا. وفيه أيضا بعد واضح فان الفعل لا يحتاج إلى هذا القول، فانه يثبت بالمعاينة المذكورة. مع ان الظاهر انه لا يمكن اسناد الزنا بمجرد ذلك بل القول بانهما فعلا كذا، فانه موجب للهتك وكشف العورة وعدم الستر وذكر عرض الناس فينبغي أن لا يجوز فلو لم يحد القائل، فلا أقل أن يعزر فيبقى التعزير البتة، فكيف ثبوت الزنا به، فتأمل. وبالجملة الذي يقتضيه النظر عدم جواز الشهادة بالزنا حتى يعلم يقينا من غير شبهة بانتفاء عقد وملك وشبهة بل عدم جواز الشهادة ان فلانا فعل بفلانة، ولا نعلم سبب التحليل بمجرد المعاينة وعدم العلم بالمال فان ذلك موجب لهتك عرضهم مع عدم الموجب، فان على الانسان ان يستر على المسلمين ويكف عنهم الا مع العلم بالفساد والغرض الصحيح، والفرض عدمه، فان رجع كلام الاصحاب إلى هذا، والا فهو مشكل جدا، فتأمل. قوله: " والاتفاق في جميع الخ " الشرط الثالث للشهود، الاتفاق في جميع الصفات التي عليها الفاعل، والمفعول، بل المكان، والزمان وغيرهما. فلو شهد بعض الشهود على المعاينة، والباقي لم يشهد بالمعاينة، بل بانه وجد

[ 42 ]

[ ولو شهد اثنان بالاكراه واثنان بالمطاوعة حد الشهود على رأي والزاني على رأي ولا حد عليها. ] معها في الخلوة، بل على بطنها لم يثبت الزنا ويحد الشهود كلهم. وكذا لو شهد بعضهم انه زنا في زمان كذا كيوم الجمعة أو مكان كذا، مثل زاوية البيت الفلانية وشهد الباقي على غير ذلك مثل يوم السبت وفي الصحراء أو بيت آخر غير ذلك البيت أو زاوية اخرى غير تلك الزاوية، لم يثبت الزنا ويلزم الشهود كلهم الحد. وكذا لو شهد بعضهم مثل اثنين أن فلانا زنى بفلانة مكرها لها، وشهد اثنان آخران انها كانت مطاوعة له، حد الشهود على رأي المصنف هنا على الظاهر وحد الزاني على رأي آخر. وعلى كل حال لا حد عليها لعدم ثبوت الشهادة التامة عليها بالزنا الموجب للحد عليها فان الشهادة تختلف بالاكراه والمطاوعة، فان احدهما غير الآخر فما اتفقت الشهود على فعل واحد. واما دليل حد الشهود دونه، انه ما اتفق عليه أيضا الشهود كالمرأة، فان فعله مكرها لها غير فعله مع مطاوعتها له، فما اتفق الشهود عليه كما إذا شهد البعض في زمان وبعض في زمان آخر أو اختلف المكان، وذلك مما لا يثبت به الزنا الموجب للحد بالاجماع على ما يظهر فكذا هذا فيحد الشهود للفرية وعدم ثبوت الزنا. ونقل عن المبسوط وتبعه ابن حمزة، وابن ادريس، وهو مختار ابن الجنيد، ان الرجل يحد دون الشهود. ولانه ثبت عليه الزنا على كل تقدير من الشهادتين، لانه ان كان مكرها فثبت عليه الزنا، وكذا ان لم يكن مكرها، بل طاوعته هي. ولان التفاوت في فعلها بالمطاوعة وعدمها لا في فعله.

[ 43 ]

[ ولو سبق احدهم بالاقامة حد للقذف ولم يرتقب اتمام الشهادة. ] ويرد عليه انه نعم يثبت على كل تقدير ولكن شهود كل تقدير ليس بتام ولا يثبت باحدهما ولا بالمجموع لعدم اتحاد الفعل المشهود عليه. وأيضا انه منقوض باختلاف الزمان والمكان وغيرهما. وأيضا، التفاوت في فعلها وفي فعله أيضا، فان فعله مع اكراهه اياها غير فعله مع عدمه، وهو ظاهر. ويؤيده الاصل، والبناء، والدرء. ويحتمل عدم حد الشهود أيضا للمؤيد وليس بلازم على تقدير عدم الاول كما سيجئ. قوله: " ولو سبق احدهم الاقامة الخ " أي إذا حضر بعض الشهود مجلس الحكم وشهد بالزنا قبل الباقي يجب حد الشاهد الذي أقام ولا ينتظر باقي الشهود واتمام الشهادة وعدمها. فان كمل العدد لا يحد احد من الشهود بل المشهود عليه والا حد، بل يحد الذي شهد في الحال فحضور الشهود كلهم مجلس الحاكم واجتماعهم فيه قبل الشهادة - سواء دخلوا مجتمعين أو متفرقين - شرط لسماع شهادتهم واقامة شهادتهم وثبوت الحد بها على المشهود عليه وسقوطه عنهم، فلا يجوز قبل الاجتماع ولا ينفع. نعم يجوز التفرق في الاقامة، بل قالوا يستحب التفرقة بين الشهود بعد اجتماعهم حال الاقامة فيفرق بعد الاجتماع ويستشهد واحد بعد واحد كما قالوا باستحباب ذلك في سائر الاحكام لكن مع الريبة وهنا مطلقا للاحتياط، والتخفيف. ودليل حد الشاهد السابق من غير انتظار الباقي، هو انه صدق عليه انه

[ 44 ]

[... ] افترى ورمى بالزنا ولم يات باربعة شهداء، وانه كاذب، فيحد بالفعل للفرية، إذ لا تأخير لحد على ما ثبت بالرواية (1)، بل بالاجماع. ويدل عليه أيضا رواية نعيم بن إبراهيم، عن عباد البصري، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، وقالوا: الآن نأتي بالرابع؟ قال: يجلدون حد القاذف ثمانين جلدة كل رجل منهم (2). ورواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه، عن علي عليهما السلام في ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اين الرابع؟ فقالوا: الآن يجيئ فقال امير المؤمنين عليه السلام (علي عليه السلام خ - ئل) حدوهم فليس في الحدود نظرة ساعة (3). وقد ترى سندهما كانه انجبر بالشهرة، وفيه ما مر مرارا. وقد بالغ في القواعد في ذلك حيث قال باشتراط اجتماعهم في الحضور مجلس الحكم، فلو تفرقوا بالحضور حدوا. وهو بعيد، وكذا الاول أيضا، لان ثبوت الحد بعد غير معلوم حتى يقال: (ولا تأخير لحد)، فان الشاهد قد يكمل شهادته بالباقي، وقد يكون - اعتمادا على ذلك - شهد، فحده قبل شهادة الباقي - ومعلومية حالهم خصوصا مع العلم بوجود الباقي، وانه سيجئ عن قريب ويشهد - محل التأمل. ولانه يصدق بعد شهادة الباقي انه أتى باربعة شهداء فلا حد عليه، بل لا يبعد الصدق قبله وان كان على سبيل المجاز. وبالجملة ابطال هذه الشهادة وحد الشهود بمجرد السبق، مشكل مع

(1) راجع الوسائل باب 1 و 25 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 307 و 336. (2) الوسائل باب 12 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 373. (3) الوسائل باب 12 حديث 8 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 372.

[ 45 ]

[ ولو شهدوا بزنا قديم سمعت، وكذا لو شهدوا على اكثر من اثنين ] التخفيف في الحدود والدرء بالشبهات، بل ينبغي أن يحمل على الوجه المتعارف في ذلك، فان كمل الشاهد المسقط، والا حدوا. وكأنه لذلك قال الشيخ في الخلاف بعدم اشتراط اتحاد المجلس، لانه قال: إذا تكاملت شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا في مجلس واحد أو مجالس وشهادتهم متفرقين أحوط. وتأويل المختلف وحمله على تفرقهم بعد اجتماعهم لاقامة الشهادة ودفعه - نظرا إلى ان ذلك هو المذهب عندنا - بعيد الا ان يثبت الاجماع وهو بعيد لخلاف الشيخ المتقدم على الظاهر. نعم ان شهد البعض ونكل البعض حد الشاهد للفرية وعدم الاتيان بالاربعة ولحسنة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال: لا اكون أول الشهود الاربعة (على الزنا - خ) اخشى ان ينكل بعضهم فاجلد (1)، فتأمل. قوله: " ولو شهدوا بزنا قديم الخ " أي لو شهد الشهود بزنا قديم أي زنا واقع قبل زمان اقامته بمدة طويلة أو قصيرة، سمعت الشهادة وقبلت إذا كانت على وجهها وشرائطها لعموم الادلة وعدم مخصص بزمان قريب. وكذا تجوز شهادة شهود معينة على اكثر من اثنين فيحد كل اثنين اثنين مع ثبوت الزنا عليهم ومع عدم ثبوته يحد الشهود فيتعدد حدودهما وحدود الشهود. واما الشهادة المتعددة على شخصين شخصين، فالظاهر انه يجوز من شهود بعينه وغيرهم، ولكن الظاهر انه لا يتعدد الحد الا مع توسط الحد، والا فهو حد واحد على المشهود عليها، ويتعدد على الشهود مع عدم ثبوته عليهما. لتعدد الموجب، والافتراء، والفرية، والكذب.

(1) الوسائل باب 12 ذيل حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 373.

[ 46 ]

[ وينبغي تفريق الشهود في الاقامة بعد الاجتماع. ولو شهد اربعة (بالزنا) (1) فشهد اربع نساء بالبكارة فلا حد ولا على الشهود على رأي. ] وانه حق للآدمي ايضا بخلاف حدهما، فانه حق الله، فهو مبني على التخفيف. ويدل عليه ما رواه علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يزني في اليوم الواحد مرارا كثيرة؟ قال: فقال: ان زنى بامرأة واحدة كذا وكذا مرة، فانما عليه حد واحد، فان هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد، وفي ساعة واحدة، فان عليه في كل امرأة فجر بها حدا (2). ولعل المراد، التفصيل الذي ذكرناه. وتدل عليه في الجملة صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يقذف الرجل فيجلد، فيعود عليه بالقذف؟ فقال: ان قال له ان الذي قلت لك حق لم يجلد، وان قذفه بالزنا بعدما جلد فعليه الحد، وان قذفه قبل ما يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه الا حد واحد (3). ويؤيده العقل، فافهم. والتعدد في النسوة المتعددة، هو مذهب ابن الجنيد، والصدوق. وعدم التكرار مطلقا هو المشهور بين الاصحاب لبناء الحد على التخفيف، والدرء للشبهة، فان التكرر غير معلوم فتحصل الشبهة، والرواية ضعيفة والتأويل بها نادر. وقد مر دليل قوله: " وينبغي الخ ". قوله: " ولو شهد اربعة بالزنا الخ " أي لو شهد اربعة رجال أو ثلاثة مع

(1) عن بعض النسخ - بعد قوله -: (بالزنا) (نسوة). (2) الوسائل باب 23 حديث 1 من أبواب حد الزنا ج 18 ص 392. (3) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 443.

[ 47 ]

[ ويسقط بالتوبة قبل البينة لا بعدها. ] المرأتين أو اربع نساء مع الرجلين على انه زنا في قبلها الشهادة المعروفة المقبولة فشهدت اربع نساء متصفات بقبول الشهادة، ان تلك المرأة باكرة، سواء كان مضي زمان بين الشهادتين يمكن عود البكارة فيه ام لا، فلا حد على المشهود عليهما لتعارض البينات فلم يثبت الزنا، ولا على الشهود بالزنا، لعدم الترجيح، ولسقوطه بالشبهات، ولعدم ثبوت الكذب والفرية للتعارض، ولاحتمال العود في بعض الصور، وان بعد. وقيل: يحد شهود الزنا، إذ ردت شهادتهم بشهادة النساء بالبكارة، وذلك مستلزم لكونهم مفترين وكاذبين ورد شهادتهم بقبول شهادة النساء. وقبول شهادتهن للروايات. مثل رواية زرارة، عن أحدهما عليهما السلام في اربعة شهدوا على امرأة بالزنا فادعت البكارة (فقالت: انا بكر - ئل) فنظر إليها النساء فشهدن بوجودها (فوجدنها بكرا - ئل) بكرا؟ فقال: يقبل شهادة النساء (1). ومثلها رواية السكوني (2). وقبول شهادتهن مستلزم لرد شهادة الرجال على الزنا، وهو ظاهر. وانت تعلم ان قبول شهادة النساء - بمعنى ان لا يحكم بوقوع الزنا - لا يستلزم ردهم المستلزم للحكم بكذبهم، الموجب للحد للفرية، وهذا المعنى محتمل. وبالجملة بناء سقوط الحد على ادنى شبهة وتخفيف، يستلزم عدم الحد رأسا مهما امكن، فتأمل. قوله: " ويسقط بالتوبة الخ " يعني إذا تاب من زنا قبل ان يثبت الزنا

(1) الوسائل باب 24 حديث 44 من كتاب الشهادات ج 18 ص 267. (2) لاحظ الوسائل باب 25 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 395 منقول بالمعنى الشارح قدس سره ومثلها رواية السكوني يعني في اصل الحكم لا في الفاظ الرواية.

[ 48 ]

[ ويحكم الحاكم بعلمه. ] بالبينة الشرعية عند الحاكم، سقط الحد للشبهة والتخفيف، والرواية. ولو تاب بعد الثبوت بها لا يسقط لعدم الدليل مع عموم الادلة. ويفهم ذلك كله من رواية جميل بن دراج، عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنا فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب واصلح (صلح - ئل) وعرف منه امر جميل، لم يقم عليه الحد، قال محمد بن أبي عمير: قلت: ان كان امرا قريبا لم يقم؟ قال: لو كان خمسة أشهر أو أقل وقد ظهر منه امر جميل لم يقم عليه الحدود وروي ذلك عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام (1). ومرسلة صفوان بن يحيى، عن بعض اصحابه (بنا - ئل)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اقيمت عليه البينة بانه زنا ثم هرب قبل ان يضرب؟ قال: ان تاب فما عليه شئ وان وقع في يد الامام اقام عليه الحد وان علم مكانه بعث إليه (2). لعل المراد ان تاب قبل ان يثبت، فما عليه حد، فان وقع في يد الامام، يضربه الحد، والا فان عرف مكانه بعث إليه ليعلم الحاكم فيضربه الحد، فتأمل. ويدل عليه ما سيجئ في سقوط الحد عن السارق ان تاب قبل الاخذ. قوله: " ويحكم الحاكم بعلمه " قد تقدم (3) البحث في ذلك، فتذكر. وتدل عليه في الجملة رواية حسين بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: الواجب على الامام إذا نظر إلى الرجل يزني أو يشرب خمرا ان يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه امين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق، (فالواجب - خ) ان يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: فكيف ذاك؟

(1) الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 327. (2) الوسائل باب 16 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 328. (3) تقدم آنفا.

[ 49 ]

[ ولو شهد بعض وردت شهادة الباقين حد الجميع وان ردت بخفي على رأي. الفصل الثالث: في العقوبة وهي اربعة: (الاول) في القتل، ويجب على الزاني بالمحرمات نسبا كالام. ] قال: لان الحق إذا كان لله، فالواجب على الامام اقامته، وإذا كان للناس فهو للناس (1). قوله: " ولو شهد بعض الخ " أي لو شهد النصاب، ولكن ردت شهادة بعضهم لعدم شرائط القبول معهم حد جميع الشهود المردودة وغيرهم، سواء كان ردهم بفسق خفي ام ظاهر، وهذا مذهب البعض. ودليله ما تقدم - فرارا - من عدم ثبوت الزنا ورد شهادة البعض المستلزم لكون الباقي كاذبا ومفتريا، فيلزم الحد، ولعدم الاتيان باربعة شهداء، الموجب للسقوط. وقد فصل بعض بانه ان ردت شهادة المردودين بامر خفي فلا حد على غير المردودين، والا يلزم سد باب الشهادة، إذ يحتمل أن يعتقد الشهود ان يرد بعضهم بفسق خفي عليه، فيمتنع من الشهادة فينسد باب ذلك، وللشبهة، والدرء، والتخفيف، ويحتمل مطلقا أيضا لذلك، فتأمل. قوله: " الاول القتل الخ " الاول من العقوبات الاربعة، هو قتل الزاني بالسيف، وسببه الزنا بالمحرمات نسبا للاخبار.

الوسائل باب 32 حديث 3 من ابواب مقدمات الزنا ج 18 ص 344.

[ 50 ]

[... ] مثل حسنة أبي ايوب، قال: سمعت بكير بن اعين يروي عن أحدهما عليهما السلام قال: من زنا بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف اخذت منه ما أخذت وان كانت تابعة، ضربت ضربة، بالسيف اخذت منها ما اخذت، قيل له: فمن يضربهما وليس لهما خصم؟ قال: ذاك إلى الامام إذا رفعا إليه (1). وبكير مشكور (2) (مشهور - خ). هذه تدل على كون الزانية مثل الزاني، وان القتل إلى الامام عليه السلام فلا يكون إلى المدعي، والحاكم أيضا مع احتمال كونه لهما أيضا. ويشعر بالاول، التقييد في الخبر بعدم الخصم، وبالثاني كونه قائما مقامه ويؤيده أنه لو لم يكن كذلك لزم الفساد حين الغيبة وعدم تمكن الامام من ذلك. ورواية جميل بن دراج، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اين يضرب الذي يأتي ذات محرم بالسيف؟ اين هذه الضربة؟ قال: يضرب عنقه أو قال: يضرب رقبته (3). في السند (4) على بن الحسن وعلي بن أسباط المشهوران، والحكم بن مسكين المجهول. وفي رواية اخرى - ضعيفة -، عن جميل، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يأتي ذات محرم أين يضرب بالسيف؟ قال: رقبته (5).

(1) الوسائل باب 19 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 385. (2) وفي التحرير الطاووسي بكير بن اعين مشكور مات على الاستقامة، تنقيح المقال للمتتبع المامقاني ج 1 ص 181 الطبع الاول الحجري. (3) الوسائل باب 19 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 385. (4) السند كما في الكافي باب من زنى بذات محرم هكذا: احمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن علي بن اسباط، عن الحكم بن مسكين، عن جميل بن دراج. (5) الوسائل باب 19 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 385.

[ 51 ]

[... ] روي عنه عليه السلام أيضا - بسند ضعيف بالارسال وغيره -، قال: سألته عن رجل وقع على اخته؟ قال: يضرب ضربة بالسيف، قلت: فانه يخلص؟ قال: يحبس أبدا حتى يموت (1). هذه تدل على عدم جواز قتله الا بالضرب بالسيف، فان لم يمت يحبس حتى يموت ورواية ابن بكير، عن رجل، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يأتي ذات محرم؟ قال: يضرب (ضربة) بالسيف قال: ابن بكير، حدثني حريز، عن بكير بذلك (2). والسند كما ترى (3). ورواية ابن بكير، عن أبيه، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أتى ذات محرم ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت (4). وضعيفة اخرى، عن جميل بن دراج، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اين يضرب هذه الضربة؟ - يعني من اتى ذات محرم - قال: يضرب عنقه أو قال: رقبته (5) قال في الفقيه: وفي رواية جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يضرب عنقه أو قال: رقبته (6). وكأنها رواية جميل المذكورة فهي صحيحة، فان طريقه (7) إليه كذلك.

(1) الوسائل باب 19 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 385. (2) الوسائل باب 19 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 386. (3) يعني ان الراوي ابن بكير وهو كما قيل فطحي مع كونها مرسلة. (4) الوسائل باب 19 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 386. (5) الوسائل باب 19 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 386. (6) الوسائل باب 19 حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 378. (7) طريق الصدوق - كما في المشيخة هكذا: وما كان فيه، عن محمد بن حمران وجميل بن دراج، فقد =

[ 52 ]

وبإمرأة الاب. وجعل الشيخ في التهذيب الامام مخيرا بين قتله بالسيف وبين الرجم ان استحق الزاني ذلك، جمعا بين ما تقدم ورواية أبي بصير - الضعيفة - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني الا انه اعظم ذنبا (1). وهو بعيد كما ترى. واعلم ان الاخبار بلفظ (ذات محرم) كما سمعت مع سندها، وهو اللغة فالظاهر (والظاهر - خ) التي يحرم نكاحها مؤبدا، فحينئذ يشمل المحرمات النسبية والسببية رضاعا ومصاهرة، فمع العمل بها يلزم قتل كل من زنا بهن، وهو محتمل. ولكن ظاهر كلام الاصحاب انهم حملوها على ذات المحرمات نسبا فقط للتبادر، وكأنه وضع عرفي في ذلك. ثم اختلفوا في الحاق غيرهن بهن، ويوجد في كثير من العبارات، التصريح بقتل من زنا بامرأة الاب، الظاهر منها الزوجة، ويحتمل كونها كناية عن الحليلة ولو كانت أمة. لعل ذلك لخصوص الرواية في ذلك والا فحكمها حكم جميع المصاهرات مثل حليلة الولد. وهي رواية اسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، عن امير المؤمنين عليه السلام انه رفع إليه: رجل وقع على امرأة أبيه فرجمه وكان غير محصن (2). فكأنه اراد به القتل، أو كان مخيرا بين الضرب بالسيف وبين الرجم - كما قاله الشيخ - واختار الرجم.

= رويته عن أبي رضي الله عنه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمر، عن حمران، وجميل بن دراج. (1) الوسائل باب 19 حديث 8 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 386. (2) الوسائل باب 19 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 386.

[ 53 ]

وعلى المكره للمرأة. وبالجملة العمل بظاهر الروايات يقتضي التعميم، ولكن سند اكثرها غير صحيح، ومبنى الحدود على التخفيف والسقوط للشبهة. وفتوى الاكثر على خلاف ذلك على ما يظهر من تقييد الاكثر بالنسب والتردد في غيره أو السكوت مع ذكر امرأة الاب، كما في المتن، فتأمل. ثم ان الظاهر على تقدير العمل، الاقتصار على ضرب العنق لذكره في الروايات وترك الغير، فلو كان معه شئ آخر لذكره، والا لزم التأخر (تأخير البيان - خ) عن وقت الحاجة ويحتمل ضم الجلد مع عدم الاحصان، والتخيير معه للجمع بين الادلة، فان دليل الجلد يقتضي عمومه في جميع الافراد وكذا الرجم، ولما لم يكن الجمع تخير بين ضرب العنق، والرجم في الجملة ثم يضرب العنق وهو غير مفهوم ولا مأنوس فيكون التخيير بين العقوبتين. وأيضا لا شك ان الرجم اعظم عقوبة والزنا بذات المحرم اعظم فلا يناسب سقوطه عنه وجوبا، وانما جوز غيره تعجيلا للعقوبة للنصوص الكثيرة فلما امكن الجمع بين الجلد وضرب العنق يفعل، عملا بالدليلين. ويؤيده ما سيجئ من القتل في غصب الفرج محصنا كان ام لا. ويحتمل حمل الروايات على غير المحصن ويكون القتل بدل الجلد فتخصص آية الجلد بغير من زنا بذات المحرم كما خصصت بغير المحصن. واما دليل قتل المكره، المرأة على الزنا فهو اخبار، مثل صحيحة بريد العجلي، قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها؟ قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن (1). وصحيحة زرارة، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يغصب المرأة

(1) الوسائل باب 17 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 381.

[ 54 ]

وعلى الذمي بالمسلمة. سواء الشيخ، والشاب، والحر، والعبد، والمحصن وغيره، والمسلم، والكافر. نفسها؟ قال: يقتل (1). وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا كابر الرجل المرأة على نفسها ضرب ضربة بالسيف مات منها أو عاش (2). وحسنة زرارة، عن احدهما عليهما السلام في رجل غصب امرأة نفسها؟ قال: يقتل (3). واما قتل الذمي إذا زنا بمسلمة، فكأنه لما في الصحيح، عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن يهودي فجر بمسلمة؟ قال: يقتل (4). ولا يضر القول في (حنان). والاجماع المدعى في شرح الشرائع، وادعاه على الاولين أيضا. ويحتمل قتل المسلمة مثل الذمي ان زنت به ولزوم ما تقرر للزانية من الجلد والرجم. قوله: " سواء، الشيخ والشاب الخ " تعميم للجميع الا الكافر والمسلم، فانه مخصوص بالاولين يعني ان الواجب على الذي زنا بذات محرمة، والذي اكره امرأة على الزنا والذمي الذي زنا بمسلمة، القتل فقط لا الجلد معه أو الرجم، سواء كان الزاني شيخا أو شابا، وسواء كان حرا أو عبدا، وسواء كان محصنا أو غير

(1) الوسائل باب 17 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 381. (2) الوسائل باب 17 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 382. (3) الوسائل باب 17 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 382. (4) الوسائل باب 26 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 407.

[ 55 ]

(الثاني) الرجم والجلد، ويجبان على المحصن والمحصنة. واشترط الشيخ في الجميع الشيخوخة، واوجب على الشاب الرجم خاصة ويبدأ بالجلد. محصن، وسواء كان الاولان مسلمين أو كافرين، للنص المتقدم. وربما يقال: بجواز الرجم أيضا، لادلته، ولانه اعظم عقوبة، فناسب اعظم ذنبا، ولانه قتل أيضا. وربما يقال: بالتفصيل، وهو الجلد ثم القتل في غير المحصن، والرجم فيه ان قيل بالرجم فيه فقط، وان قيل فيه ايضا بالجلد والرجم، يقال هنا ايضا فيه بالجلد والرجم أو القتل لعدم المنافاة بين دليل الجلد والقتل والرجم، إذ يجوز ايجاب الجلد مع القتل، ومع الرجم، فينبغي القول به اعمالا لدليلي الكتاب والسنة ما امكن، فان الاول موجود في الاول، والثانيين موجودان في الثاني، وسيجئ أيضا ما يوضح ذلك. قوله: " الرجم والجلد الخ " ثاني عقوبات الزاني، الامران، وهما الرجم والجلد وهما يجبان على الزاني المحصن والمحصنة مطلقا عند المصنف وجماعة حتى الشيخ في التبيان. ونقل اشتراط الشيخوخة عن الشيخ في ذلك مع جماعة اخرى في كتابي الاخبار. وينبغي أن لا يكون احد هؤلاء الذين تقدموا من الزاني بذات المحرم والزاني المكره والذمي الزاني بالمسلمة. دليل المصنف ان الآية (1) قد وردت بالجلد، وهي بظاهرها تدل على العموم عرفا، لا لكون اللام في المفرد للعموم على ما قيل، لما ثبت خلافه في الاصول

(1) هي قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، الآية - النور: 2.

[ 56 ]

وورد الاخبار برجم المحصن والمحصنة، ولا منافاة بينهما فيجب ان يعمل بهما مهما امكن، وامكن في المحصن والمحصنة ذلك فيقال به. وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في المحصن والمحصنة جلد مائة ثم الرجم (1). وما في رواية الفضيل - كأنه ابن يسار - الطويلة: فإذا شهدوا ضربه الجلد مائة جلدة ثم يرجمه (2)، كأنها صحيحة (3). ورواية موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الذي لم يحصن) المحصن يجلد مائة ويرجم، ومن لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى، والتي قد املكت (والذي قد املك - ئل) ولم يدخل بها، يجلد مائة وينفى (4). واخرى له عنه عليه السلام قال: قضى علي عليه السلام في امرأة زنت فحبلت فقتلت ولدها سرا فامر بها فجلدها مائة جلدة ثم رجمت وكانت (كان - خ) أول من رجمها (5). وصحيحته عنه عليه السلام أيضا مثل صحيحة محمد بن مسلم بعينها (6). ودليل الشيخ، رواية عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا، ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى النصف من الرجال رجم

(1) الوسائل باب 1 حديث 8 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (2) الوسائل باب 1 ذيل حديث 15 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 350. (3) فان سندها كما في التهذيب هكذا: الحسن بن محبوب، عن أبي ايوب، عن الفضيل، وطريق الشيخ إلى حسن محبوب صحيح. (4) الوسائل باب 1 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (5) الوسائل باب 1 حديث 13 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349. (6) الوسائل باب 1 حديث 14 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349.

[ 57 ]

ولم يجلد إذا كان قد احصن، وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد ونفي سنة من مصره (1). ورواية عبد الرحمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان علي عليه السلام يضرب الشيخ والشيخة مائة ويرجمهما، ويرجم المحصن والمحصنة، ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة (2). ورواية الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في - ئل) الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة (3). قيل: هي صحيحة، وليست بصحيحة، لعبد الرحمان بن حماد (4). ورواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنا النصف من الرجال رجم ولم يجلد إذا كان قد احصن وإذا زنا الشاب الحدث جلد ونفي سنة من مصره (5). لعل نسبة هذا المذهب والاحتجاج إلى كتابي الاخبار لقوله - في التهذيب بعد نقل جميع ما تقدم فاما ما رواه - ونقل صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الرجم حد الله الاكبر، والجلد حد الله الاصغر، فإذا زنى الرجل المحصن يرجم ولم يجلد (6) فلا ينافي ما قدمناه من الاخبار من وجوب الجمع بين الجلد والرجم لانه يحتمل شيئين (احدهما) انه خرج مخرج التقية، لان هذا الحكم لا يوافقنا عليه احد من العامة وما هذا حكمه يجوز التقية فيه. (والوجه الثاني) ان

(1) الوسائل باب 1 حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349. (2) الوسائل باب 1 حديث 12 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349. (3) الوسائل باب 1 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (4) سندها كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن حماد، عن الحلبي. (5) الوسائل باب 1 مثل حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349. (6) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 346.

[ 58 ]

يكون المراد به من لم يكن شيخا بل يكون حدثا لان الذي يوجب عليه الرجم والجلد، إذا كان شيخا (محصنا - خ ل) وقد فصل ذلك في رواية عبد الله بن طلحة وعبد الرحمان بن الحجاج، والحلبي، وزرارة، وعبد الله بن سنان التي قدمناها (1). وقد علم ان عبد الرحمان المذكور هو ابن الحجاج، كأن الشيخ علم بقرينة ما نعلمها. وأنت تعلم ان ليس شئ من هذه الروايات التي دلت على المذهب المنسوب إلى الشيخ صحيحة، بل ولا حسنة الا رواية الحلبي في الفقيه، فانها صحيحة مع صحة غيرها. وان ليس فيما تقدم من روايات زرارة، الشيخ والشيخة، ولهذا ما قال في الاستبصار: (وزرارة). وان ذلك ليس بصريح في اختياره هذا المذهب واحتجاجه عليه، بل هو الاحتمال الثاني للجمع بين الاخبار، والاحتمال الاول هو مذهب المصنف، فاسناد الثاني إليه دون الاول محل التأمل. فقد علم ان لا دليل على المذهب المنسوب إلى الشيخ، بل ليس مذهبه على التعيين والتحقيق ومذهب المصنف لا بأس به لو لم يكن لدليله معارض مثل صحيحة أبي بصير الا ان يمنع الصحة باشتراك أبي بصير، ولكن هذا الاشتراك مما قطع النظر عنه كأنه قد علم وتقرر عندهم انه المرادي الثقة. وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: المحصن يرجم، والذي قد املك ولم يدخل بها يجلد (جلد - ئل) مائة ونفي سنة (2).

(1) وقدمنا بيان مواضعها آنفا. (2) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348.

[ 59 ]

ومثلها رواية سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مائة جلدة، فاما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم (1). وحسنة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة ان يجلدا مائة، وقضى للمحصن، الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا، جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللذان قد املكا ولم يدخل بها (2). وما في صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: فان فجر بامرأة حرة، وله امرأة حرة، فان عليه الرجم (3) وامثالها كثيرة. وصحيحة أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يجلد، وذكروا ان عليا عليه السلام رجم بالكوفة وجلد، فانكر ذلك أبو عبد الله عليه السلام وقال: ما نعرف هذا، قال يونس أي لم يحد رجلا حدين (رجم وضرب - خ كا) في ذنب واحد (4). ولا يضر وجود ابان (5). وأيضا ما يدل على فعله صلى الله عليه وآله وفعل امير المؤمنين عليه السلام على ما نقل انهم رجموا وامروا برجم من أقر عندهم اربع مرات مثل فعله صلى الله عليه وآله مع رجل وماعز (6) وفعله عليه السلام بامرأة مرة، وباخرى اخرى،

(1) الوسائل باب 1 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 347. (2) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 347. (3) الوسائل باب 2 قطعة من حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 354. (4) الوسائل باب 1 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 347. (5) سندها كما في التهذيب (باب حدود الزنا حديث 19) هكذا: يونس بن عبد الرحمان، عن أبان، عن أبي العباس. (6) راجع سنن أبي داود ج 4 (باب رجم ماعز بن مالك) ص 145.

[ 60 ]

وكذا لو اجتمعت الحدود بدئ بما لا يفوت معه الآخر ولا يتوقع برء جلده. وبرجل (1)، وغير ذلك وقد مر بعضها، فانها ظاهرة، بل صريحة في عدم الجلد، بل الرجم فقط. فلا يبعد حمل ما ورد في الجلد والرجم معا على الجواز والاستحباب لا الوجوب، فان المتبادر من الاخبار التي فيها الرجم، انه فقط، وكذا المتبادر من أدلة الجلد، انه فقط خصوصا مع المقابلة، مثل (اما المحصن فيرجم) ونحو ذلك. ولهذا قال المصنف، ومن قال بالجمع بينهما، على المحصن: بالقتل فقط في المكره والزاني بذات المحرم، والذمي إذا زنى بالمسلمة، لانه كان في دليلها، القتل، والمتبادر منه، انه لا غير. فالمناسب لقول المصنف ومن قال بقوله، هذا القول (و - خ) بالجمع فيهم أيضا، والا ينبغي هنا أيضا، القول بالرجم فقط. وعلى تقدير عدمه في هؤلاء - كما قاله المصنف - ينبغي استثناء هؤلاء من الحكم بالجمع، وكأنه المراد، وترك للظهور، فتأمل. وعلى تقدير الجمع يبدأ بالجلد ثم الرجم، وكذا في جميع الحدود، فانه على تقدير الاجتماع يبدأ بما لا يفوت معه الآخر، مثل الجلد، والقتل، فيمن سرق، وزنا بذات محرم، وإذا لم يفت شئ يتخير، مثل ان قذف وسرق، وزنا وهو غير محصن. وجهه ظاهر، ومع ذلك تدل عليه الاخبار. مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يؤخذ وعليه حدود احدها القتل؟ فقال كان علي عليه السلام يقيم (عليه - ئل) الحدود ثم

(1) راجع الوسائل باب 14 و 15 و 16 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 374.

[ 61 ]

ويدفن المرجوم إلى حقويه، والمرأة إلى صدرها. يقتله ولا تخالف عليا (1) وقريب منها صحيحتا حماد بن عثمان، وعبد الله بن سنان (2). ولا يتوقف ان يبرأ جراحاته التي حصلت بالاول ثم يرجم أو يقتل، بل يجوز، بل يجب ان يقتل بعد ذلك أو يرجم بما لا يعد تأخيرا. وعبارة المصنف (3) مشعرة بعدم جواز التأخير ووجوب التعجيل، وهو اشارة إلى رد الشيخ بانه قال بالتخيير حتى يبرأ ليذوق تمام ألم الجرح. وهو غير ثابت بذلك، مع ما مر، ولما مر ان لا تأخير في الحد. ونقل عن امير المؤمنين عليه السلام انه جلد سراقة يوم الخميس ورجمها ليلة الجمعة (4) فتأمل. قوله: " ويدفن المرجوم الخ " بيان كيفية الرجم، وهي ان المرأة تدفن إلى صدرها، والرجل إلى حقويه. وظاهر العبارات أن ذلك على سبيل الوجوب، ولكن الادلة لا تساعده، لعدم صحة السند، بل لعدم اعتباره، مع ان في الادلة: (وسط المرأة) لا (صدرها). وقد يوجد ما يدل على عدم الحفر ايضا من فعله عليه السلام، فتأمل. والذي يدل على الدفن، موثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: تدفن المرأة إلى وسطها ثم يرمي الامام ويرمي الناس باحجار صغار، ولا يدفن الرجل إذا رجم الا إلى حقويه (5).

(1) الوسائل باب 15 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 326. (2) لاحظ الوسائل باب 15 حديث 5 و 6 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 326. (3) حيث قال: وكذا لو اجتمعت الحدود بدء بما لا يفوت معه الآخر الخ. (4) المستدرك باب 1 حديث 12 من ابواب حد الزنا ج 3 ص 222 وفيه اختلاف وتتمة (5) الوسائل باب 14 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 374.

[ 62 ]

وفيها دلالة على رمي الامام أولا، ووجوبه غير معلوم، وسيجئ ان ذلك فيما إذا ثبت الرجم بالاقرار، وإذا ثبت بالبينة، فان من يبدأ، الشهود. وكذا (1) على كون الاحجار صغارا، ووجهه أيضا، غير ظاهر. ويدل على تفضيل الابتداء بالرجم، رواية صفوان، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا أقر الزاني المحصن كان أول من يرجمه الامام ثم الناس، فإذا قامت عليه البينة كان اول من يرجمه البينة ثم الناس (2). ويدل على الدفن أيضا موثقة أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: تدفن المرأة إلى وسطها إذا ارادوا، ان يرجموها، ويرمي الامام ثم (يرمي - ئل) الناس بعد باحجار صغار (3). وهذه مثل الاولى، ومثلها موثقة سماعة (4). والتأسي به صلى الله عليه وآله، فان المنقول انه حفر لماعز بن مالك ثم رجم (5). ولكن الاخبار قد عرفت سندها، واشتمالها على مالا يجب من ابتداء الامام، وصغار الاحجار، وان الفعل مطلقا لا يدل على الوجوب على كل حال، مع انه ما فعله صلى الله عليه وآله ولم يعلم كون ذلك بامره، ولا بحضوره مع عدم دلالته على الوجوب لو كان، فتأمل.

(1) يعني فيها دلالة على كون الاحجار صغارا. (2) الوسائل باب 14 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 374 وفيه: عن صفوان عمن رواه بدل عن زرارة. (3) الوسائل باب 14 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 374. (4) لاحظ الوسائل باب 14 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 374. (5) سنن أبي داود باب رجم ماعز بن مالك ج 4 ص 150 تحت رقم 4435.

[ 63 ]

فان فر اعيد ان ثبت بالبينة والا لم يعد. قوله: " فان فر، اعيد الخ " لو فر المرجوم من محل الرجم بعد الدفن، اعيد ليتم رجمه ان كان ما يوجب رجمه ثابتا بالبينة - أي الشهود الاربعة المقبولة - وان لم يكن ثابتا بالبينة بل باقراره لم يعد، بل يخلى وسبيله. دليله ما رواه - في الحسن - الحسين بن خالد - كانه الصيرفي المجهول المذكور في كتاب رجال الشيخ - قال: قلت لابي الحسن: اخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفيرة، هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال: يرد ولا يرد، قلت: وكيف ذاك؟ فقال: إذا كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد، وان كان انما قامت عليه البينة وهو يجحد ثم يهرب (هرب - خ ئل) يرد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد وذلك ان ماعز بن مالك اقر عند رسول الله صلى الله عليه وآله، بالزنا فامر به ان يرجم فهرب من الحفيرة، فرماه الزبير بن العوام بساق بعير فعقله فسقط، فلحقه الناس فقتلوه ثم اخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: هلا تركتموه إذا هرب يذهب، فانما هو الذي اقر على نفسه، قال: وقال لهم: اما لو كان علي حاضرا معكم لما ضللتم، ووداه رسول الله صلى الله عليه وآله من بيت مال المسلمين (1). وما في رواية أبي العباس: فأقر على نفسه الرابعة، فامر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يرجم فحفروا له حفيرة، فلما ان وجد مس الحجارة خرج يشتد فلقيه الزبير (إلى قوله): هلا تركتموه (2). ورواية عبد الله بن زبير، عن ابيه، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الزاني يجلد فيهرب بعد ان اصابه بعض الحد، أيجب عليه ان يخلا عنه ولا يرد كما

(1) الوسائل باب 15 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376. (2) الوسائل باب 15 قطعة من حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376.

[ 64 ]

وقيل يشترط اصابة الحجارة. يجب للمحصن إذا رجم؟ قال: لا ولكن يرد حتى يضرب الحد كاملا، قلت: فما فرق بينه وبين المحصن وهو حد من حدود الله؟ قال: المحصن هرب من القتل ولم يهرب إلا إلى التوبة، لانه عاين الموت بعينه، وهذا إنما يجلد فلابد من ان يوفى (في - خ) الحد، لانه لا يقتل (1). ولانه قتل بسبب قوله واقراره والهرب بمنزلة الرجوع كما إذا رجع عن اقراره بالرجم يقبل قوله ولا يرجم. لحسنة محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اتى على نفسه بحد، أقمته عليه الا الرجم، فانه إذا أقر على نفسه ثم جحد لم يرجم (2). فكذا هنا فافهم. ولان حفظ النفس مطلوب، وبناء الحدود على التخفيف. ولانه حق الله ما ثبت الا بقوله وارادته ذلك، فلما لم يرد، وما لنا حجة الا قوله وما بقي فخلي بينه وبين الله. ولان الستر وعدم الاقرار مطلوب كما مر فلما رجع فكأنه ما أقر، واستتر وظهر عنده شئ انه لم يستحق ذلك، إذ ما ثبت الا بقوله، بخلاف ما ثبت بالبينة الشرعية، فانها حجة شرعية مطلقة، فكما لا يفيد انكاره معها، فلا ينفع هربه أيضا، فانه ليس باعظم منه، فانه يرجم غضبا عليه لثبوته بالبينة الشرعية ويؤيده قول العلماء وهذا هو المشهور. وقد قيد البعض عدم الرد بما إذا اصابه الحجر، فلو هرب قبله يعاد ويرجم والستر والتخفيف مطلوب ما لم يثبت الموجب وقد ثبت، واقراره مقبول، ولم يعلم

(1) الوسائل باب 35 قطعة من حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 407 وفيه: محمد بن عيسى بن عبد الله، عن أبيه. (2) الوسائل باب 12 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 319.

[ 65 ]

رجوعه والفرق بين الهرب والرجوع - على تقدير تسليم عدم الرجم بعده - بان الهرب اعم. ويدل على عدم الرد مفهوم الرواية الاولى، فان مفهوم قوله: (بعد ما يصيبه) (1) انه لو لم يصيبه يعاد، وفي الرواية الاخرى: " بعد ان اصابه بعض الحد " (2) وان لم نقل: انه حجة، ولكن يقال: انما الدليل هو الرواية، وهي مقيدة بالاصابة، فمن اين يعلم عدم الرد قبلها أيضا. الا أن يدعى أيضا دليلا مثل ما مر، وان سوق الروايات أيضا يدل عليه حيث فرق بين الجلد والرجم، وبين الاقرار والبينة، ولهذا ما ذكر حكم الاقرار قبل الاصابة، والتقييد بالاصابة للاغلبية والاتفاق، فان الغالب انما يهرب لذلك، ولهذا قال: " فلما ان وجد الخ " (3). ويمكن ان يقال: ما ثبت دليل على وجوب الرجم بل جوازه بعد الهرب أيضا والهرب أيضا شبهة فيدرأ بها الحدود. ويؤيده البناء على التخفيف، والاحتياط في الحدود، وحفظ الانفس، وقول الاكثر. ولكن الادلة قد اثبتت الرجم بعد الفعل المعهود، فهو باق حتى يأتي به أو يجئ مسقط ولا مسقط الا الرواية التي فيها الرد بعد الاصابة. ويؤيده مرسلة صفوان، عن رجل، عن أبي بصير، عن غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت: المرجوم يفر من الحفيرة فيطلب؟ قال: لا ولا يعرض له ان كان اصابه حجر واحد لم يطلب، فان هرب قبل ان يصيبه الحجارة رد حتى يصيبه

(1) الوسائل باب 15 قطعة من حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376. (2) الوسائل باب 15 حديث 3 و 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 377 منقول بالمعنى. (3) الوسائل باب 15 قطعة من حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 377.

[ 66 ]

ويبدأ الشهود بالرجم وجوبا، وفي المقر يبدأ الامام. ويستحب الاشعار واحضار طائفة واقلها واحد في الحد وصغر الحجارة. الم العذاب (1). هذه تدل بالمنطوق والمفهوم ومؤيدة لاعتبار مفهوم في غيرها مما مر. ولا يضر ارسال صفوان، كانه ابن يحيى الذي ارساله مقبول، فتأمل. قوله: " ويبدأ الشهود الخ " يعني إذا كان موجب الرجم ثابتا بالشهود، يجب ان يبدأوا بالرجم، وان كان ثابتا بقولهم، فيجب ان يبدأ به الامام، لانه امر عظيم، ولما كان المدار على حكمه، فلابد ان يبدأ هو حتى يحصل لغيره الجرأة، فهو بمنزلة الشهود. ويؤيده ما تقدم من الروايات، ولكن قد عرفت أنها قاصرة عن الوجوب لعدم اعتبار السند ودخول ما هو المستحب فيه من الحفيرة على القول به وصغار الحجار الا ان يقال بوجوبهما. قوله: " ويستحب الاشعار الخ " لعل دليل استحباب الاشعار والاعلان واحضار طائفة واقلها واحد، حمل الامر في الآية: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (2) على الاستحباب والارشاد، لان الغرض الاعتبار والعبرة، وكذا أوامر الاخبار في كلام امير المؤمنين عليه السلام في رجم كم واحد من الرجال والنساء حيث خطب، وقال: غدا بظهر الكوفة حتى يقام عليه بحد من حدود الله (3). وفي بعضها قيد الاخبار بعدم معرفة بعضهم بعضا (4).

(1) الوسائل باب 15 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 377. (2) النور: 2. (3) وسائل الشيعة: ب 31 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 341. (4) يستفاد اكثر ما نقل في الوسائل باب 21 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 241.

[ 67 ]

وفي بعضها: متلثمين مع قوله: كل من لله عليه حد لا يرمي حجرا (1) ونحو ذلك. وفي بعضها: لما قال ذلك رجع بعض وبقي بعض (2). وفي بعضها: انه ما بقي غيره وغير الحسنين عليهم السلام (3). واما كون الاقل واحدا في جهة اختياره، فذهب بعض اللغويين إلى أن أقل الطائفة واحد كما في قوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة طائفة " (4)، إذ لا شك انه يكفي هنا نفر طائفة من كل فرقة وهذا ظاهر. ولان طائفة الشئ بعضه، والواحد من المؤمنين بعضهم. ولرواية غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام في قول الله عزوجل: " لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله " قال: في اقامة الحدود وفي قوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الطائفة واحد، وقال: لا يستحلف صاحب الحد (5). ولان الاصل عدم الزيادة وعدم وجوب (على - خ) ازيد من ذلك الواحد. وقيل: اقله ثلاثة، كانه فهموا أن معناها الجمع واقله ثلاثة وكانه جعل (من المؤمنين) بيانا ل‍ (الطائفة)، وليس كذلك. وقيل: اربعة عدد الشهود. واعلم ان ظاهر الآية ان المراد بالعذاب هو الجلد، لانه المذكور سابقا

(1) و (2) و (3) وسائل الشيعة: ب 31 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 342 و 343. (4) سورة توبة آية 122. (5) الوسائل باب 24 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 335 ولاحظ ذيله والآية في سورة النور - الآية: 1.

[ 68 ]

ولا يرجمه من عليه حد. فالاشهاد المفهوم من الآية يكون في الجلد لا الرجم، وكأنهم حملوه عليه قياسا أو بالطريق الاولى أو ان المراد: فليشهد عذاب الزاني والزانية أي شئ كان، (عذابهما طائفة)، وسبق الجلد لا يخصص كما هو المقرر في الاصول، فكل ما ثبت انه عذابهما يكون الناس مأمورين بحضوره، فتأمل. واما استحباب صغر الحجارة، فهو كما في الاخبار القاصرة عن الدلالة على الوجوب كما مر. قوله: " ولا يرجمه من عليه حد " ظاهره هذا تحريم الرجم فيمن كان لله عليه حد سواء كان رجما أو غيره. ودليله، النهي عن أمير المؤمنين عليه السلام في عدة اخبار، مثل حكاية امرأة جاءت إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد ان نادى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس وخرجوا معه إلى ظهر الكوفة متنكرين متلثمين بعمائمهم ومعهم احجارهم لا يعرف بعضهم بعضا، فامر ان يحفر لها حفيرة فدفنت فيه ثم ركب بغلته ثم وضع اصبعيه السبابتين في اذنيه نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس ان الله تبارك وتعالى عهد إلى نبيه صلى الله عليه وآله عهدا عهده محمد صلى الله عليه وآله الي بانه لا يقم الحد من لله عليه حد، فمن لله عليه حد مثل ماله عليها فلا يقيم عليها الحد، قال: فانصرف الناس كلهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، فاقام هؤلاء الثلاثة الحد يومئذ وما معهم غيرهم (1). ظاهر اول هذه عموم المنع لكل احد عليه حد ان يقيم حدا أي حد كان، ويشعر آخرها بان لا يرجم عليه من عليه موجبه، فتأمل. وفي الصحيح عن خلف بن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

(1) الوسائل باب 31 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 341 منقول بالمعنى فلاحظ.

[ 69 ]

جاءت امرأة حامل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالت له: اني فعلت (زنيت - ظ) فطهرني ثم ذكر نحوه (1). ومرسلة ابن أبي عمير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام، قال: اتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل قد اقر على نفسه بالفجور، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: اغدوا علي متلثمين، فغدوا عليه متلثمين، فقال لهم: من فعل مثل فعله فلا يرجمه ولينصرف قال: فانصرف بعضهم وبقي بعضهم فرجمه من بقي منهم (2). وفي مرفوعة احمد بن محمد بن خالد رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: اتاه رجل بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين: اني زنيت فطهرني (إلى قوله): فقال: يا معشر المسلمين ان هذه حقوق الله، فمن كان لله في عنقه حق فلينصرف ولا يقيم حدود الله من في عنقه حد فانصرف الناس وبقي الحسن والحسين (إلى قوله): فحفر له وصلى عليه ودفنه فقيل: يا أمير المؤمنين الا تغسله؟ فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة، لقد صبر على أمر عظيم (3). وهذه أعم من ذلك، ولكن عدم الغسل لعلها (4) محمولة على انه قد اغتسل قبل بل كفن ايضا وقوله عليه السلام لبيان عظم شأنه وثوابه وأجره عند الله، وهو لا ينافي ما تقدم من (انه لو ستره وتاب بينه وبين الله لكان أولى (5) من اقامة الحد) فتأمل.

(1) راجع الوسائل باب 16 نحو حديث 1 بالسند الثاني ج 18 ص 379 وباب 31 نحو حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ص 341. (2) الوسائل باب 21 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 342 ولكن السند هكذا: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: اتى الخ. (3) الوسائل باب 14 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 375. (4) يعني لعل الرواية الدال على عدم الغسل. (5) لاحظ الوسائل باب 16 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 327.

[ 70 ]

ثم يدفن بعد رجمه. ولو غاب الشهود أو ماتوا لم يسقط الحد. فان سندها لا يخلو عن شئ والاصل عدم التحريم. ويؤيده وجود المبالغة في امثاله وانه عليه السلام لما امر برجم ماعز ما ذكر انه لا يرجم من كان لله عليه حد وغيره، فتأمل. قوله: " ثم يدفن بعد رجمه " الظاهر أن المراد وجوب الدفن (دفنه - خ)، ولكن بعد الغسل والكفن والصلاة، ترك للظهور، لعموم ادلتها وعدم مخصص لها. الا أن يكون اغتسل ولبس كفنه فيسقط عنه الغسل والكفن على ما قالوه وقد تقدم ثم يصلي عليه، فيدفن. ولا يمنع فعله من هذه الاحكام الثابتة للمسلم مع انه قد تاب توبة لم يكن أولى منها. وروي انه صلى الله عليه وآله صلى على الجهينة بعد رجمها فقال له عمر: تصلى عليها يا رسول الله وقد زنت فقال صلى الله عليه وآله: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من اهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت افضل من ان جاءت بنفسها (1)؟ ونحوها في الغامدية لما رجموها (2). وهذان لا ينافيان كون الستر أولى، فتأمل. قوله: " ولو غاب الشهود الخ " يعني ليس من شرائط الرجم واقامة الحد إذا ثبت بالشهود حضورهم ورميهم قبل الناس، فلو غابوا أو ماتوا بعد اقامة الشهادة

(1) سنن أبي داود (باب المرأة التي امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجمها من جهينة) ج 4 ص 151 رقم 4440. (2) سنن أبي داود (باب المرأة التي امر النبي صلى الله عليه وآله برجمها من جهينة) ج 4 ص 152 رقم 4442.

[ 71 ]

ويرجم المريض والمستحاضة. لم يسقط الحد، ولا يمنع الحكم به فيحكم ويفعل مقتضاه من الجلد والرجم. ودليله واضح، فانه لا اعتبار ببقاء الحجة بعد اقامتها، وهو ظاهر. وفي هذا اشارة إلى عدم وجوب بدأة الشهود، فان الحضور غير واجب، فكيف الابتداء، فتأمل. وكذا ابتداء الامام عليه السلام فانه صلى الله عليه وآله امر برجم ماعز ولم يكن حاضرا مجلس الرجم فضلا عن الابتداء، فتأمل. قوله: " ويرجم المريض والمستحاضة " يعني انه إذا كان من يرجم مريضا يخاف تلفه امرأة كانت أو رجلا أو كانت امرأة في الحيض أو النفاس أو المستحاضة (الاستحاضة - خ ل) التي هي مرض عندهم، لا يمنع ذلك كله ونحوها، من الرجم، فان الرجم قتل فلا يخاف معه القتل، فلا يقام (فيقام - خ) على مستحقه وان مات فانه يموت، فكل ما قتله فهو احسن له. نعم لو كان الحد غير القتل مثل الجلد لا يقام في المرض، ولا في الاستحاضة خوفا من فعله بغير استحقاق. ويؤيده رواية النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يقام الحد على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها (1). كأن المراد بالحد الجلد، لعله لانها بمنزلة المريضة، ففي المريض بالطريق الاولى. وفي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال اتي امير المؤمنين عليه السلام برجل أصاب حدا وبه قروح في جسده كثيرة فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخروه (اقروه - الفقيه) حتى تبرأ لا تنكؤها (2) عليه فتقتلوه (3).

(1) الوسائل باب 13 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 321. (2) نكات القرحة أنكاها - مهموز - قشرها وبابه منع (مجمع البحرين). (3) الوسائل باب 13 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 321.

[ 72 ]

(الثالث) الجلد والجز والتغريب، وهو واجب على الذكر الحر غير المحصن، وهل يشترط ان يكون مملكا (1)؟ قولان، ويجلد مائة ويجز رأسه ويغرب عن مصره سنة ورواية مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام ان أمير المؤمنين عليه السلام اتى برجل اصاب حدا وبه قروح ومرض واشباه ذلك فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اخروه حتى يبرأ لا تنكأ قروحه عليه فيموت، ولكن إذا برء حددناه (2). فما يدل على جواز حد المريض بالشماريخ مثل ما نقل من فعله صلوات الله عليه انه اخذ بعذق (3) مائة فضرب شماريخه (4) مرة واحدة، مريضا زنا، وفي اخرى ضرب بها مريضا ومريضة أيضا (5). فيحتمل أن يكون هذا في مرض لا يرجى برءه ويخاف فوت الحد بالكلية ويشعر به ان المريض في الخبر كان مستسقيا. أو يكون مخيرا بين الصبر والتعجيل على هذا الوجه فتأمل. قوله: " الثالث الجلد الخ " ثالث عقوبات الزنا، ثلاث، الجلد، والجز، والتغريب وقد ادعى الاتفاق على ثبوتها على البكر. ومستند، مثل رواية الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: في الشيخ،

(1) في هامش بعض النسخ المخطوطة قبل: يشترط في الجز والتغريب ان لا يكون مملكا وهو الذي املك ولم يدخل وقال بعضهم: كل من لم يكن محصنا وجب الجز والتغريب وهو جيد (منه). (2) الوسائل باب 13 حديث 6 من ابواب حد مقدمات الحدود ج 18 ص 322. (3) العذق كفلس، النخلة بحملها واما العذق بالكسر فالكباسة وهي عنقود التمر والجمع اعذاق كاحمال (مجمع البحرين). (4) الشمراخ بالكسر والشمروخ بالضم، العتكال، وهو ما يكون فيه الرطب والجمع شماريخ (مجمع البحرين). (5) راجع الوسائل باب 13 حديث 5 و 7 و 9 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 322 - 323.

[ 73 ]

والشيخة جلد مائة، والرجم، والبكر، والبكرة جلد مائة ونفي سنة (1). قيل هي صحيحة، وفيه تأمل لوجود عبد الرحمان بن حماد المجهول (2). ومثلها رواية عبد الرحمان عنه عليه السلام انه قال: البكر والبكرة جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (3). وهي عامية ولا تضر. وقد اختلف في تفسيره، فقال جماعة: انه الحر الذكر الغير المحصن فيجب لهذه الثلاث على كل زان ذكر حر غير محصن بالمعنى الذي تقدم، سواء املك أي عقد على امرأة دواما وتكون هي في حباله ولم يدخل بها، أو دخل بها وغاب عنها ام لم يعقد اصلا. وهو غير معلوم من الروايات، والمفهوم من الروايات غيره مثل ما تقدم. ومثل رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الذي لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى والذي قد أملك ولم يدخل بها يجلد مائة وينفى (4). ورواية اخرى عنه عليه السلام، قال: المحصن يرجم، والذي قد املك ولم يدخل بها يجلد (جلد - ئل) مائة ونفي سنة (5). قيل: هذه مرسلة، لعلها (6) رآها في التهذيب عن يونس بن عبد الرحمان

(1) الوسائل باب 1 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (2) سندها هكذا: كما في التهذيب (باب حدود الزنا) حديث 14 الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن حماد، عن الحلبي. (3) لم نعثر على هذه الرواية بهذه الالفاظ في الكتب الحديثية ولا يبعد ان تكون منقولة بالمعنى مأخوذة من رواية 12 من باب 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349 فلاحظ وتتبع. (4) الوسائل باب 1 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (5) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 348. (6) هكذا في النسخ كلها مطبوعة ومخطوطة.

[ 74 ]

ولكن قد ذكر في الخلاصة وغيرها ان الطريق إليه (1) صحيح فهي صحيحة أو رآها (2) (رواها - خ ل) في الكافي حيث قال فيه: عن يونس عمن ذكره (3)، فعلى هذا مرسلة ولكن نقل في التهذيب عنه، عن يونس، عن زرارة (4) الخبر، فعلى هذا صحيح، ودلالتها على المطلوب ظاهر. ونحوها حسنة محمد بن قيس - لابراهيم - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة ان يجلدا مائة، وقضى للمحصن الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللذان قد املكا ولم يدخل بها (5). قيل: محمد بن قيس مشترك، وقد عرفت مرارا فساده فهذه حسنة. فالقول بان الاخبار غير نقية، غير نقي.

(1) طريق الشيخ إلى يونس بن عبد الرحمان كما في مشيخة التهذيب والاستبصار هكذا: وما ذكرته في هذا الكتاب عن يونس بن عبد الرحمان فقد اخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله والحميري وعلي بن إبراهيم بن هاشم، عن اسماعيل بن مرار وصالح بن السندي، عن يونس واخبرني الشيخ أيضا والحسين بن عبيد الله واحمد بن عبدون كلهم عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس. واخبرني أيضا الحسين بن عبيد الله، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، عن أبي العباس محمد بن جعفر بن محمد البزاز، عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن يونس بن عبد الرحمان. (2) عطف على قوله قدس سره: رآها في التهذيب. (3) في الكافي (باب الرجم والجلد ومن يجب عليه ذلك) بعد ملاحظة التعليق المصطلح بين المحدثين هكذا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس عمن رواه، عن زرارة. (4) في التهذيب (باب حدود الزنا) حديث 7 هكذا: الحسين بن سعيد، عن يونس بن عبد الرحمان، عن زرارة. (5) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 347.

[ 75 ]

واستدل الجماعة التي يقولون بان البكر هو غير المحصن، بما في رواية عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا زنا الشاب الحدث السن جلد ونفي سنة من مصره (1). بيان الاستدلال انه عام ولو كان خاصا في بعض افراده لزم تأخير البيان وهو باطل. وجوابه واضح، فانها ضعيفة من وجوه شتى، فارجع إليه. وانها غير تامة، وعلى تقديره، المخصص موجود وهو ما تقدم. مع ان التأخير عنه (عن - خ ل) وقت الخطاب جائز كما ثبت في الاصول، وانما الباطل، التأخير عن وقت الحاجة. " فروع " (الاول) وجوب الجز مذكور في كلامهم وما رايت له دليلا الا في بعض الروايات، مثل رواية حنان (حسان - خ ئل)، قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وانا اسمع عن البكر يفجر وقد تزوج ففجر قبل أن يدخل بأهله؟ فقال: يضرب مائة ويجز شعره وينفى من المصر حولا ويفرق بينه وبين أهله (2). فيها دلالة على ان البكر، من املك. ورواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها فزنا، ما عليه؟ قال: يجلد الحد ويحلق رأسه ويفرق بينه وبين أهله وينفى سنة (3).

(1) الوسائل باب 1 قطعة من حديث 11 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 349. (2) الوسائل باب 7 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 359. (3) الوسائل باب 7 حديث 8 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 359.

[ 76 ]

فيها أيضا دلالة على ان البكر هو أملك. ونقل في شرح الشرائع في خبر عبد الله بن طلحة: (وحلق رأسه بعد الجلد وقبل النفي) وما رأيته في الاصول، ولا في الفروع، وهو أعلم. (الثاني) قيل: يختص الجز بالناصية فيحلق ناصيته فقط نقله في المختلف وشرح الشرائع، وكأنه المراد هنا بجز الرأس، فتأمل. (الثالث) على تقديره في بعض العبارات انه مخصوص بالرجل، فلا جز على المرأة مع انه ظاهر كونه عقوبة فيها دونه. (الرابع) النفي مخصوص بالرجل أو أعم؟ نقل انه لا قائل بالاعم غير ابن أبي عقيل قاله في المختلف. وقال في الشرح: الخبران متروكا الظاهر لتضمنهما النفي على المرأة، ولم يذكره غير ابن أبي عقيل. فيه انه ان كان اجماعيا فهو، ويمكن حذفه عن الخبرين وترك العمل به فقط للمعارض، لا ترك الخبرين بالكلية، والا فعدم ذكر ابن أبي عقيل على تقدير التسليم ليس بحجة فانه لا يدل على الاجماع، وهو ظاهر. (الخامس) قالوا: النفي والجز كلاهما مختصان بالرجل، والمرأة ليس عليها شئ منهما. وهو غير ظاهر الا ان يقال: لا دليل قوي عليهما، والاصل وظاهر بعض الادلة - حيث اقتصر على الجلد أو الرجم - يدل على نفيهما، والاجماع ورد في الرجل فقط، فتأمل. (السادس) الاملاك في اكثر العبارات والروايات غير مقيد بالدائم فيعم المنقطع والدائم، وقد خص في بعض العبارات بالدائم، لما مر من ان المتعة لا تحصن، فلا فرق في وجود العقد عليها وعدمه، وقد مر البحث في ذلك، فتأمل.

[ 77 ]

ويجلد مجردا قائما اشد الضرب، ويفرق على جسده، ويتقى وجهه، ورأسه، وفرجه، والمرأة تضرب جالسة قد ربطت عليها ثيابها. (السابع) يحتمل على تقدير كون الامة محصنة وجودها عنده بحيث يقدر عليه يكون كالاملاك على المرأة من باب مفهوم الموافقة، فتأمل. (الثامن) التغريب، الاخراج عن البلد الذي زنا فيه إلى بلد آخر لا عن تحت حكومة قاضي تلك البلد. (التاسع) ان مدة التغريب سنة لا أزيد. ثم أعلم أنه على تقدير اشتراط الاملاك في البكر، القسمة ثلاثية، المحصن، وغيره، وهو اما بكر أو غيره، وعلى تقدير عدمه فالقسمة ثنائية وهو ظاهر. قوله: " ويجلد مجردا الخ " هذا اشارة إلى بيان كيفية ضرب الجلد، فيجلد الرجل قائما أشد الضرب، ويفرق على جسده الضرب، ولا يضرب وجهه، ولا رأسه ولا فرجه وتضرب المرأة جالسة ويربط ثيابها عليها. تدل عليه رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: يضرب الرجل الحد قائما، والمرأة قاعدة، ويضرب على كل عضو، ويترك الرأس (الوجه - فقيه) والمذاكير (1). ولا يضر وجود (ابان) (2) كأنه (الاحمر) فيصح الخبر. وصحيحة اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الزاني كيف يجلد؟ قال: أشد الجلد، قلت: في (فمن - ئل) فوق ثيابه؟ قال: بل يخلع ثيابه قلت: فالمفتري؟ قال: يضرب بين الضربين جسده كله فوق ثيابه (3). لعل الرأس والعورتين مستثنى هنا أيضا، ترك للظهور.

(1) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 369. (2) سندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن زرارة. (3) الوسائل باب 11 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 369.

[ 78 ]

واخرى له، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الزاني كيف يجلد؟ قال: أشد الجلد، فقلت: من فوق الثياب؟ فقال: بل مجردا (1) (يجرد - ئل). ولا يضر القول في (اسحاق). وموثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حد الزاني كأشد ما يكون من الحدود (2). واما مرسلة حريز عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: يفرق الحد على الجسد كله ويتقى الفرج والوجه ويضرب بين الضربين (3). ورواية طلحة بن زيد، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: لا يجرد في حد ولا يشنبخ (4) يعني يمده قال: ويضرب الزاني على الحال التي وجد عليها ان وجد عريانا ضرب عريانا وان وجد وعليه ثيابه ضرب وعليه ثيابه (5). فلا ينافيان ما تقدم حيث دلت الاولى على كون الضرب بين الضربين، لا ان يضرب أشد الضرب، والثانية دلت على التفصيل لا انه يضرب عريانا، فانه يمكن الحمل على التخيير وانه قد يكون الزاني ضعيفا لا يستطيع أشد الضرب أو تقتضي المصلحة ان لا يضرب الضرب الشديد أو لا يضرب عريانا. مع أن الاولى احسن سندا وأظهر. واعلم أنه ما علم كون ضرب الزانية اشد أو أخف فيمكن أن يكون ضربا بين الضربين.

(1) الوسائل باب 11 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 369. (2) الوسائل باب 11 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 370. (3) الوسائل باب 11 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 370. (4) الشبخ محركة الجمد، تقبض في الجلد، شبخ كفرح والشبح وتشبخ وتشنجته تشنيجا (القاموس). (5) الوسائل باب 11 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 370.

[ 79 ]

ولا يقام في شدة الحر والبرد، بل ينتظر التوسط، ففي نهار الصيف طرفه، وفي الشتاء اوسطه. وأيضا ما علم دليل ربط ثيابها عليها، كأنه للاعتبار حتى لا تروح عنها فيكشف جسدها. وانه ينبغي ان يفرق الضرب عليها أيضا ويتقى وجهها وجسدها ورأسها، وعورتها، ترك في المتن، للظهور. واعلم أيضا ان ظاهر هذه العبارة وغيرها يدل على وجوب الاعتدال من الايام في ذلك الزمان، ففي الشتاء يجلدان وسط النهار، وفي الصيف طرفاه فان الغالب ان هذه الازمنة معتدلة بالنسبة إلى ذلك الزمان. دليله الاعتبار، وهو عدم حصول زيادة المشقة، بل قد يؤول إلى القتل فيكون اعانة عليه بغير استحقاق. وخبر هشام بن أحمر عن العبد الصالح عليه السلام قال: كان جالسا في المسجد وانا معه فسمع صوت رجل يضرب صلاة الغداة في يوم شديد البرد فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يضرب، فقال: سبحان الله في هذه الساعة انه لا يضرب احد في شئ من الحدود في الشتاء الا في احر ساعة من النهار، ولا في الصيف الا في ابرد ما يكون من النهار (1). ورواية أبي داود المسترق قال: حدثني بعض اصحابنا قال: مررت مع أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة في يوم بارد، وإذا رجل يضرب بالسياط فقال أبو عبد الله عليه السلام: سبحان الله في مثل هذا القوت يضرب؟ قلت له: وللضرب حد؟ قال: نعم إذا كان في البرد ضرب في حر النهار وإذا كان في الحر ضرب في برد النهار (2).

(1) الوسائل باب 7 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 315. (2) الوسائل باب 7 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 315.

[ 80 ]

ولا في ارض العدو. ولا في الحرم للملتجئ، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب. والظاهر ان هذا في غير القتل، وهو ظاهر الا ان يكون المراد ملاحظة القاتل والشاهد. وأيضا ظاهر هذه العبارة يدل على وجوب اختيار ذلك الوقت، والظاهر الاستحباب لنقصان الدليل عن افادة الوجوب. قوله: " ولا في ارض العدو " دليله رواية أبي مريم الانصاري عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يقام على احد حد، بارض العدو (1). ورواية غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال لا اقيم على رجل حدا بارض العدو حتى يخرج منها مخافة ان تحمله الحمية فيلحق بالعدو (2). والظاهر أن المراد عدو الدين فيخاف ان يذهب إليه فيذهب دينه. والظاهر أن المراد أيضا، الكراهة لعدم افادة الدليل التحريم، فتأمل. قوله: " ولا في الحرم للملتجئ الخ " إذا فعل شخص ما يوجب الحد والتعزير ايضا فالتجأ إلى الحرم لا يحد ولا يعزر، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يتعب فيخرج ليقام عليه الحد لئلا يجعل الناس ذلك حجة فيفعل، ما يوجب الحد والتعزير وينهزم إلى الحرم فيحصل بذلك فساد كبير هذا. ومقتضى ظاهر عباراتهم أنه لا يمنع عن الطعام والشراب بالكلية، بل يطعم مقدارا لا يموت ويعيش ولا يشبع، بل لا يعطى ما يقنع نفسه به ليضطر ويطلع ويندفع الفساد ويحتمل المنع بالكلية، ويحتمل (يحمل - خ ل) التضييق على ذلك.

(1) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 317. (2) الوسائل باب 10 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 318.

[ 81 ]

ولو جنى فيه حد. ولا يسقط باعتراض الجنون ولا الارتداد. وتدل عليه صحيحة هشام بن الحكم - في الفقيه - عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يجئ في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم؟ قال: لا يقام عليه حد (الحد - ئل) ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلم ولا يبايع فانه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيقام الحد وان جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحد في الحرم فانه لم ير للحرم حرمة (1). ولهذا قال عليه السلام: (بأن لا يطعم ولا يبايع) وينبغي (2) (ولا يتكلم) كما في الرواية. ولو جنى في الحرم قوبل بموجب جنايته حدا كان أو تعزيرا، لانه كسر حرمة الحرم فلا حرمة له ودل عليه الخبر أيضا وقد مر ذلك مفصلا فتذكر (3). قوله: " ولا يسقط باعتراض الجنون والارتداد " دليل عدم سقوط حد الواجب على كل عاقل بالغ مستجمع لجميع شرائطه بحصول جنون بعده، ادلة وجوب الحد وصحيحة أبي عبيدة، عن الباقر عليه السلام في رجل وجب عليه حد فلم يضرب حتى خولط فقال: ان كان أوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقله (عقل - خ ئل)، اقيم عليه الحد كائنا ما كان (4). وهذا أجود، والاستصحاب وعدم دليل مسقط، فان الجنون مانع من وجوب الحد بفعل موجبه حينئذ لعدم التكليف، لا انه مسقط لما وجب عليه حال

(1) الوسائل باب 34 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 346. (2) يعني ينبغي للمصنف أن يضيف إلى قوله: بل يضيق عليه الخ وقوله: (ولا يتكلم كما في رواية هشام). (3) راجع ج 7 ص 424 و 425 من هذا الكتاب. (4) الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 317.

[ 82 ]

ولا تؤخر الحائض، ويؤخر المريض والمستحاضة إلى البرء، فان اقتضت المصلحة التقديم ضرب بالضغث المشتمل على العدد، ولا يشترط وصول كل شمراخ إلى جسده. تكليفه وكونه مانعا اولا لا يستلزم ذلك، وهو ظاهر. ويحتمل السقوط إلى ان يفيق لعدم التكليف والنفع في الحد فانه لا يدرك حتى ينتهي. ولظاهر رواية حماد بن عيسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: لا حد على مجنون حتى يفيق، ولا على صبي حتى يدرك، ولا على النائم حتى يستيقظ (1). ويمكن حملها على الموجب وقت المانع ويحصل النفع في الجملة. وكذا لا يسقط بعروض الارتداد الموجب للكفر والقتل، لما تقدم، وأيضا الكفر ليس بمانع من الحد وليس من شروطه الاسلام، فتأمل. قوله: " ولا يؤخر الحائض الخ " دليله واضح، فان الحد واجب والحيض لا يمنع منه، لا عقلا، ولا شرعا، وهو ظاهر، وكذا النفاس. نعم قد قيل: ان الاستحاضة مرض فتكون المستحاضة كالمريضة يمنع مثلها فيؤخر إلى أن تطهر وتبرأ، وقد دلت عليه الرواية وقد مرت مع تجويز الحد بالشمراخ المشتمل على عدد الحد والتعزير للروايات، ولفعله صلى الله عليه وآله، بل فعلهم عليهم السلام (2). وذلك منوط بنظر الحاكم فان رأى فيه المصلحة يضرب والا يؤخر فيحد حدا كاملا.

(1) الوسائل باب 8 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 316. (2) راجع لذلك كله باب 13 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 321 - 325 وقد ذكرنا معنى الشمراخ عند شرح قول الماتن: (ويرجم المريض) الخ.

[ 83 ]

وتؤخر الحامل في الجلد والرجم حتى تضع وترضع ان فقد الكافل. ولو زنى في زمان شريف أو مكان شريف عوقب زيادة يراها الحاكم. وعلى تقدير ضرب الشمراخ لا يشترط وصول كل شمراخ إلى بدنه، ويكفي ثقله. ولا يبعد تعميم الحكم للمستحاضة لانها كالمريضة. ومعلوم ان هذا في الجلد ونحوه لا الحد الذي هو القتل، إذ قد مر عدم التأخير فيه، لعدم القائل عندهم. قوله: " وتؤخر الحامل الخ " وجه وجوب تأخير جلد الحامل ورجمها بل قتلها واضح، وانه موجب لضرر غير المستحق - وهو الحمل - وذلك لا يجوز (لا يوجب - خ)، فلا بد من التأخير مطلقا، ومع ظهوره تدل عليه الروايات أيضا. مثل ما في الفقيه: سئل - أي أبو عبد الله عليه السلام - عن محصنة زنت وهي حبلى؟ قال: تؤخر حتى تضع ما في بطنها وتوضع ولدها ثم ترجم (1). ومثل ان حكم عمر برجم حامل، قال أمير المؤمنين: لا سبيل لك على الحمل فأخر (2). وقال لامرأة اقرت بالزنا: اذهبي حتى تضعي، ثم قال لها بعد ان وضعت: اذهبي حتى ترضعيه وتربية إلى ان يكبر ويستغني عنك وعن تربيتك (3)، وقال: وقد وردت مثلها مكررا. قوله: " ولو زنى في زمان شريف الخ " تغليظ الحد - ان وقع الموجب في

(1) راجع الوسائل باب 16 حديث 4 من ابواب حد الزنا بالسند الثاني ج 18 ص 380. (2) راجع الوسائل باب 16 حديث 7 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 381. (3) راجع الوسائل باب 16 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 378.

[ 84 ]

(الرابع) الجلد خاصة، وهو ثابت في حق المرأة وغير المملك على رأي والعبد. مكان شريف أو زمان كذلك كالمساجد، والمشاهد، وشهر رمضان نهارا أو ليلا، والجمعة، والاعياد، وكون ذلك موكولا على رأي الحاكم - هو المشهور بينهم ويؤيده الاعتبار، فتأمل. هذا انما يكون في الجلد والضرب دون القتل، فانه لا شئ فوقه. الا ان يقال باعتبار اقبح الافراد واكثرها عقابا أو يراد امرا آخر غير القتل، مثل ان يجلد، ويضرب، ويشنع فيقتل. واعلم ان مجرد الشهرة لا يكفي بمثل هذا الحكم، بل لا بد له من دليل، نص أو اجماع فان زيادة عقوبة - لا لدليل خصوصا فيما عين له الشارع حدا - غير معقول وكذا تعيينها برأي الحاكم مهما اراد من الزيادة. ويدل عليه - في الجملة - ما روي في الفقيه ان أمير المؤمنين عليه السلام اتى بالنجاشي (الحارثي - خ ل ئل) الشاعر قد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ثمانين ثم حبسه ليلة ثم دعا به من الغد فضربه عشرين (سوطا - خ)، فقال: يا أمير المؤمنين ضربتني ثمانين في شرب الخمر فهذه العشرون ما هي؟ فقال: وهذا لجرأتك (لتجرئك - خ) على شرب الخمر في شهر رمضان (1). لعل زيادة التغليظ - ولو كان في ليلة شهر رمضان أيضا - مفهوم من هذه الرواية فافهم. قوله: " الجلد خاصة الخ " رابع عقوبات الزنا، الجلد خاصة، وهي توجد في المرأة الغير المحصنة، والغير الزانية بذي محرمها باختيارها، فان المحصنة عليها، الرجم مثل المحصن، والمطاوعة في الزنا مع ذي محرمها، تقتل مثله، سواء املك عليها

(1) الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 475.

[ 85 ]

دائما ام لا فهي البكرة على قول. وفي الرجل الغير الزاني بذات محرمه والذي لم يملك دائما، وهو أيضا بكر على قول. فثبوت الجلد خاصة فيهما انما هو على القول بان المراد بالبكر الذي وجب عليه الجلد، والجز، والتغريب، هو الرجل الحر الذي لم يجب عليه القتل، والغير المحصن المملك على امرأة. فيبقى الجلد خاصة للمرأة الغير المحصنة، والغير الزانية بذي محرمها مطلقا، وللرجل الغير المحصن الغير المملك، والزاني بذات محرمه. فهذا على القول بتثليث القسمة، المحصن، والبكر، وغيرهما، فانه على هذا، الرجم للمحصن، والجلد والجز والتغريب للمملك، والجلد خاصة لغيرهما وهو الرجل والمرأة اللذين ذكرناهما، والعبد. واما على القول بتثليث (1) القسمة، المحصن، والبكر، وهو غيره وعدم الفرق بين الاملاك وغيره، يكون الجلد خاصة مخصوصا بالمرأة والعبد. وقد مر هذا الخلاف، ودليله، وانه ما رأيت دليلا بل قولا بجز المرأة صريحا وان القائل بنفيها (بهما - خ) ليس الا ابن أبي عقيل، وان النفي للمرأة أيضا موجود في الروايات مثل رواية الحلبي ومحمد بن قيس، والرواية العامية ورد الاولين في الشرح (2) باشتمالهما على نفي المرأة ولا قائل له الا ابن أبي عقيل وقد مر ما فيه. وبالجملة قد تقدم البحث فيه وما علم اختيار المصنف هنا اولا. ويعلم من هذه ان القسمة ثلاثية، والاملاك شرط في البكر، وان البكر

(1) هكذا في النسخ كلها مطبوعة ومخطوطة والصواب تثنية القسمة كما لا يخفى. (2) كتاب الحدود في شرح قول المصنف: (الثالث الجلد والجز والتغريب الخ) حيث قال: وهذان الخبران متروك ظاهرهما لتضمنهما النفي على المرأة ولم يذكره غير ابن أبي عقيل.

[ 86 ]

ويجلد الحر والحرة مائة، والامة خمسين وان كانا محصنين. عليه، العقوبات الثلاث بخلاف غير البكر، وان ليست المرأة بكرة، وان المرأة لا فرق فيها بين المملكة وغيرها، وان حكم غير المحصن، والتي يجب قتلها، الجلد فقط، فلا جز ولا تغريب عليها كل ذلك من قوله: (على رأي) حيث علم انه إذا قال: (رأي) بغير شئ يريد رأيه، وان الجلد ثابت على العبد الزاني، ولو ذكر الامة أيضا أو يترك (يصرف - خ) العبد أيضا لما سيجئ، لكان أولى. قوله: " ويجلد الحر والحرة الخ " دليل وجوب جلد مائة على الزاني الحر والحرة في الجملة قوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (1)، خصا بالحر لقوله تعالى: " نصف ما على المحصنات من العذاب " (2)، المراد اثبات نصف الجلد الذي اثبته للزاني والزانية للعبد والامة، فيكون المراد بها، الحر والحرة. وتدل على ثبوت نصف الجلد للامة والعبد مطلقا روايات كثيرة. والجلد المذكور في الحر والحرة مخصوص بغير المحصن وبغير المقتول بسبب الاكراه أو الزنا بذات المحرم على القول بوجوب القتل فيهم كلهم. ثم انه لا شك في تحقق وجوب الجلد بغيبوبة الحشفة، فانه المعيار للدخول الموجب للغسل والمهر، فانه يصدق عليه الدخول تحقيقا. وللروايات، مثل رواية منصور بن حازم، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا التقى الختانان فقد وجب الجلد (3). ولا يضر اشتراك أبي بصير، ويونس بن عبد الرحمان (4)، فتأمل. ومثل رواية بريد العجلي، عن أبي جعفر (عبد الله - خ ل ئل) عليه السلام في

(1) النور: 2. (2) النساء: 25. (3) الوسائل باب 10 حديث 17 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 367. (4) سندها كما في التهذيب هكذا: يونس بن عبد الرحمان، عن منصور بن حازم، عن أبي بصير.

[ 87 ]

ولو تكرر من الحر الزنا ثلاثا قتل في الرابعة أو الثالثة على خلاف. الامة تزني قال: تجلد نصف الحد كان لها زوج أو لم يكن لها زوج (1). وصحيحة الحسن بن السري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا زنى العبد والامة وهما محصنان فليس عليهما الرجم، انما عليهما الضرب خمسين، نصف الحد (2). وحسنة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في العبيد (والاماء - كا) إذا زنى احدهم ان يجلد خمسين جلدة وان كان مسلما أو كافرا أو نصرانيا، ولا يرجم، ولا ينفى (3). قوله: " ولو تكرر من الحر الخ " يعني إذا تكرر الزنا من الحر الذي لا يقتل اولا مذكرا كان أو مؤنثا، فان المراد به، الجنس ثلاثا وحد كل مرة، قتل في الرابعة، وقيل: لو حد مرتين قتل في الثالثة. وان تكرر من المملوك قتل في التاسعة. ولو تكرر الزنا ممن كان من غير توسط حد، فالواجب حد واحد وقد مر ذلك. واما القتل في الرابعة ففيه مذاهب، اشهرها (4) وهو اختياره في النهاية والمبسوط، وهو خيرة الشيخ المفيد، والسيد، وسلار، والقاضي، والتقي، والصهرشتي، وابن زهرة، وابن حمزة، والكيدري (5)، والمحقق، وصاحب جامع

(1) الوسائل باب 31 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 401. (2) الوسائل باب 31 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 402. (3) الوسائل باب 31 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 402. (4) هكذا في النسخ والصواب اشهرها ذلك. (5) هو قطب الدين صاحب الاصباح في الفقه، وقال المحدث القمي في الكنى ج 3 ص 60 كان معاصرا للقطب الراوندي وتلميذا لابن حمزة الطوسي فرغ من شرحه على النهج سنة 576 انتهى ولم يذكر سنة وفاته.

[ 88 ]

الجوامع (1)، والمصنف رحمهم الله وهو ظاهر ابن الجنيد، لقول الصادق عليه السلام في حديث أبي بصير: الزاني إذا جلد ثلاثا، يقتل في الرابعة (2). ولان فيه صورا للنفس المطلوب صونها عن التلف. واوسطها - وقال ابن ادريس: انه اظهرها واختاره - انه يقتل في الثالثة، وهو فتوى ابن بابويه، لرواية يونس عن الكاظم عليه السلام: ان اصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة (3). وخصه الشيخ بما عدا حد الزنا كشرب الخمر لان الخاص يقدم على العام والثالث - وهو اغربها - انه يقتل في الخامسة ذكره في المختلف هكذا قال في الشرح (4) ثم ذكر الخلاف في المملوك، قيل: يقتل في الثامنة، وقيل: في التاسعة واسنده إلى جماعة كثيرة ولم يسم القائل بالثامنة. ونقل عن الراوندي، التفصيل بان يكون القتل في الثامنة مع ثبوت الموجب بالبينة، وفي التاسعة مع الثبوت بالاقرار (5). وجهه - غير الحسن الظاهر - غير ظاهر فلا يمكن القول بمثله في مثله، فتأمل. ثم اعلم ان القتل امر عظيم لاهتمام الشارع بحفظ النفس، فانه مدار التكاليف والسعادات ولهذا أوجبوا حفظها حتى انه ما جوزوا الترك ليقتل، بل أوجبوا عليها ان تقتل غيرها ولا تقتل، والعقل أيضا يساعده في الجملة وحينئذ

(1) الظاهر ارادة صاحب مجمع البيان الطبرسي المتوفى سنة 552 أو 548 أو 561. (2) الوسائل باب 5 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 314 وزاد فيه: يعني إذا جلد ثلاث مرات، كما يأتي من الشارح قدس سره أيضا عن قريب. (3) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 313. (4) في غاية المراد للشهيد عند قول المصنف في كتاب الحدود ولو تكرر من الحر الزنا الخ. (5) إلى هنا مضمون كلام الشارح رحمه الله.

[ 89 ]

ينبغي الاحتياط التام في ذلك لظاهر الآية المقتضية للجلد فقط حتى يثبت غيره، ولما ثبت انه استحق القتل في الرابعة بالاتفاق فلا حرج في اختياره. واما قبلها فلا دليل عليه بحسب الظاهر الا رواية يونس، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال عليه السلام: اصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحدود مرتين قتلوا في الثالثة (1). وهي قاصرة من جهة السند، لان سندها: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان، عن يونس، لاشتراك يونس وان كان الظاهر انه ابن عبد الرحمان، ومع ذلك فيه قول خصوصا لابن بابويه الذي هو صاحب هذا المذهب. وقد يناقش في احمد بن محمد، فانه أيضا مشترك، بل في محمد بن يحيى، وصفوان أيضا هذا في الكافي. واما في التهذيب فهي مقطوعة عن يونس، وقيل: الطريق إلى يونس بن عبد الرحمان (2) صحيح، فان كان هو، فهو صحيح. ولكن يرد عليه ان في الطريق محمد بن عيسى، عن يونس كما في السند الرابعة (3) فتأمل. وفي الدلالة أيضا من حيث العموم مع نقل يونس خلافه، فيمكن تخصيصها بغير الزاني جمعا بين الادلة كما قاله في التهذيب وحملها على القتل بعد

(1) تقدم ذكر موضعها آنفا فلاحظ. (2) وذكرنا طريق الشيخ إلى يونس بن عبد الرحمان في اواخر شرح قول المصنف: (الثالث الجلد) فراجع. (3) يعني في الرواية المشتملة على القتل في المرتبة الرابعة.

[ 90 ]

الثلاثة فيكون في الرابعة وان كان بعيدا. والعجب من ابن إدريس انه اختار هذا المذهب النادر بالنسبة مع عدم ظهور دليله عليه سوى هذه الرواية مع اقتضاء ظاهر الآية الجلد فقط، فتأمل. وان كان سند المشهور ايضا لا يخلو عن قصور، فانه روي في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن اسحاق بن عمار، عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الزاني إذا زنى جلد (يجلد - خ) ثلاثا، ويقتل في الرابعة يعني إذا جلد ثلاث مرات (1). ولكنها مؤيدة بظاهر الآية، وبالشهرة، بل الاجماع. والاصل ما ذكرناه من اعتداد الشارع بحفظ النفس. ورواية محمد بن عيسى، عن يونس لا بأس بها، وكذا لا بأس ب‍ " اسحاق " وبالحقيقة العمل هنا بالاجماع، فتأمل. ويؤيده أيضا ان المملوك يقتل في الثامنة أو التاسعة كما سيجئ، وهو نصف الحر، فينبغي في الحر ذلك. وأيضا نعلم من الرواية الدالة على قتل المملوك في الثامنة، قتل الحر في الرابعة. والتي تدل على ذلك رواية محمد بن سليمان (المصري - ئل)، عن مروان بن مسلم، عن عبيد بن زرارة أو بريد العجلي - الشك من محمد أي محمد بن سليمان لا محمد بن مسلم كما قاله في الشرح (2) كأنه غلط - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أمة زنت؟ قال: تجلد خمسين جلدة، قلت: فانها عادت؟ قال: تجلد خمسين، قلت: فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات؟ قال: إذا زنت ثماني

(1) الوسائل باب 5 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 314. (2) تقدم ذكر محله آنفا.

[ 91 ]

ومن المملوك ثماني قتل في التاسعة، ولو تكرر من غير حد فواحد. مرات يجب عليها الرجم، قلت: كيف صار في ثماني مرات؟ فقال: لان الحر إذا زنى اربع مرات واقيم عليه الحد، قتل، فإذا زنت الامة ثماني مرات رجمت في التاسعة، قلت: وما العلة في ذلك؟ قال: لان الله عزوجل رحمها ان يجمع عليها ربق الرق وحد الحر، قال: ثم قال: وعلى امام المسلمين ان يدفع ثمنه إلى مواليه من سهم الرقاب (1). فيها دلالة على كون القتل في الحر بعد الرابعة من وجوه ثلاثة، من اطلاق القتل إذا زنى ثمانية مرات، والمراد بعد التاسعة، فيمكن ذلك في الثالثة كما مر، ومن وجوب القتل في الثامن أو التاسع في المملوك، ومن قوله: (إذا زنت اربع مرات) واراد بالرجم القتل، ولهذا ما قاله به (2) احد وصرح في الحسنة الآتية عن بريد بالقتل. وحسنة بريد، عن أبي عيد الله عليه السلام (قال: - خ) إذا زنى العبد ضرب خمسين، فان عاد ضرب خمسين فان عاد ضرب خمسين إلى ثماني مرات، فان زنى ثماني مرات قتل وادى الامام قيمته إلى مواليه من بيت المال (3). واختلفوا في المملوك أيضا، فذهب بعض كالمصنف والمحقق إلى انه يقتل في التاسعة للرواية الاولى. وجمع كثير مثل الشيخ المفيد، والسيد، وابني بابويه، وسلار، والتقي، وابن زهرة، والكيدري وابن إدريس، إلى انه يقتل في الثامنة لهذه الحسنة.

(1) الوسائل باب 32 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 402. (2) هكذا في النسخ كلها، والصواب ما قال به احد أو ما قاله أحد. (3) الوسائل باب 32 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 403 وفي الكافي حميد بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 92 ]

وكأن سبب الاكثر اختيار هذه، انها أوضح سندا، فان الاولى ضعيفة السند من وجوه. ولكن هذه أيضا غير صحيحة، بل حسنة كما قالوا، مع امكان المناقشة في ذلك أيضا لوجود جميل وبريد (1) من غير بيان واضافة، فقد يكون غير الثقة وان كان الظاهر خلاف ذلك، على ان بدل (جميل عن بريد) في الكافي (حميد بن زياد) (2)، وقيل: انه واقفي، وقال المصنف في الخلاصة: نعتمد على روايته مع عدم المعارض. والاعتماد على مثلها في القتل الذي يجب فيه الملاحظة، والاحتياط التام كما مر. وانه خلاف ظاهر القرآن. فيمكن ترجيح الاولى بالاصل والاحتياط. وانه لا خلاف في القتل بعد التاسعة فليس الدليل في الحقيقة تلك الضعيفة بل الاجماع ونفي ما دونها لعدم دليل صالح. على انه يمكن حمل الثانية على الاولى، فان القتل بعد الثامنة - بمعنى انه ان زنى بعد ذلك يقتل - غير بعيد للجمع بين الادلة ووجود مثلها في الرواية السابقة مع كونها عن بريد أيضا فانه قال فيها اولا: (إذا زنت ثماني مرات فيجب عليها الرجم) ثم بينه ثانيا بقوله: (فإذا زنت الامة ثماني مرات رجمت في التاسعة) فيبعد نظر الشارح في كلام المصنف حيث قال - بعد استدلال الجماعة بالحسنة -: واجاب

(1) سندها كما في التهذيب هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن جميل، عن بريد عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) والسند في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن جميل، عن حميد بن زياد (عن بريد - خ).

[ 93 ]

ويتخير الامام في دفع الذمي الزاني بذمية إلى حاكمهم والحكم بينهم بشرع الاسلام. المصنف بجواز ان يكون المراد، القتل في التاسعة: ففيه (وفيه - خ ل) نظر لانه جزاء الشرط فلا يعلق الشرط بغيره (1). ثم اعلم انه يفهم من الروايتين انه على الامام ان يعطي قيمة المملوك الذي قتل بالزنا من الزكاة من سهم الرقاب، ومن بيت المال. وهو مستبعد ومخالف لبعض القوانين، فان القتل جزاء الزاني وكفارة فعله فلا عوض، وما قتل في مصالح المسلمين، وليس من مواضع الزكاة فليس عليهم عوضه. ولكن إذا كان الدليل القتل الروايتين فينبغي الفتوى به أيضا، إذ يبعد اسقاط البعض والعمل بالبعض وان كان جائزا. قال في الشرح: قال بعض الاصحاب ان المملوك إذا قتل كانت قيمته من بيت المال لمولاه، وهو تعويل على تمام الروايتين المذكورتين فان في الاولى: (وعلى الامام ان يدفع ثمنه إلى مواليه من سهم الرقاب) وفي الثانية: (وادى الامام قيمته إلى مواليه من بيت المال) وهو غير بعيد (2). وكان المراد من بيت المال في الثانية من وجه الزكاة أيضا، فانها قد تكون بيده أيضا، ويضعها في بيت المال ويصرف (يعرف - خ ل) مصرفها أو تكون زائدة وما بقي بها محل، فجعلها في بيت المال، فتأمل. قوله: " ويتخير الامام الخ " إذا زنى ذمي بذمية، يتخير الامام والحاكم في ان يحكم عليهما بما في شرع الاسلام أو يردهما إلى أهل نحلتهما للحكم بينهما فيه

(1) قاله الشارح في ذيل العبارة المتقدم ذكرها. (2) إلى هنا كلام الشارح رحمه الله.

[ 94 ]

ومن وجد مع زوجته رجلا يزني بها فله قتلهما ولا يصدق الا بالبينة أو تصديق وليهما. على وجهه، فكأنه مما لا خلاف فيه. والذي يدل على حكم الاسلام قوله تعالى لنبيه: " وانزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله " (1). وقد روي ان اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله برجل وامرأة منهم قد زنيا، فرجمهما (2). ويدل على التخيير قوله تعالى: " فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " (3)، قال ابن عباس (رضي الله - خ): خير الله تعالى نبيه بقوله: (فإن جاءوك الآية) (4) وهذا التخيير كما كان ثابتا له صلى الله عليه وآله يكون للحكام من امته للتأسي وكون الامام مثله. ودعوى نسخ هذه الآية غير ثابتة والاصل عدمه، ويكن كون التنافي بينهما ظاهرا، قرينة النسخ، وكذا بينها وبين ما يدل على اثبات حكم الزاني والزانية انه عام في الكافر والمسلم. ويؤيده أن حكم الاسلام حق وحكمهم باطل بعده مع ان الآية غير صريحة في التخيير، فان كان اجماعيا، والا التخيير مشكل، ولا شك ان الاولى حكم الاسلام، فتأمل. قوله: " ومن وجد مع زوجته الخ " من وجد من يجامع زوجته فله قتلهما بحسب نفس الامر ولا اثم عليه في ذلك، سواء كان دخل بزوجته ام لا، وسواء

(1) المائدة: 48. (2) راجع سنن أبي داود ج 4 ص 153 باب في رجم اليهوديين تحت رقم 4455 ص 7. (3) المائدة: 42. (4) مجمع البيان ج 2 ص 304 في ذيل تفسير الآية

[ 95 ]

كان حرا أو عبدا، وسواء كانت زوجته أمة أو حرة، وسواء كان الزاني بها حرا أو عبدا، محصنا أو غير محصن مما يجب قتلهما بالزنا ام لا، وسواء كان الزوج حاكما ممن يجوز له قتل ذلك الزاني ام لا. ودليله كأنه الاجماع المؤيد بالاعتبار العقلي. وصحيحة داود بن فرقد (أبي يزيد - ئل) في التهذيب والكافي والفقيه - قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: إن اصحاب النبي صلى الله عليه وآله قالوا لسعد بن عبادة: أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال: كنت اضربه بالسيف قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ماذا يا سعد؟ قال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك ما كنت تصنع (صانعا به؟ خ - ل ئل)؟ فقلت: اضربه بالسيف، فقال: يا سعد وكيف بالاربعة الشهود؟ فقال: يا رسول الله: بعد رأي عيني وعلم الله انه قد فعل؟ قال: أي والله بعد رأي عينك وعلم الله انه قد فعل، لان الله عزوجل جعل لكل شئ حدا، وجعل لمن تعدى ذلك الحد حدا (1). وفي استفادة الحكم المذكور خصوصا التعميم الذي ذكرناه اخذا من قول بعضهم، تأمل. ولكن اصل الحكم مشهور، بل يمكن ان يكون اجماعيا حيث لم يذكر الخلاف ثم الظاهر انه لابد من الرؤية التي اشترطت في الشهود، فلا يجوز القتل بمجرد الوجود على بطن المرأة ونحوه كما هو ظاهر اول الخبر هذا بحسب نفس الامر. واما بحسب ظاهر الشرع فهو مؤاخذ بذلك فيقتص منه الا ان يجيئ بالشهود المثبت لذلك أو صدقه ولي الدم بذلك.

(1) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 309.

[ 96 ]

ومن افتض بكرا باصبعه فعليه مهر نسائها ولو كانت أمة فعشر قيمتها. وظاهر العبارات يشعر بانه لو اتى بالشهود أو أقر ولي الدم انه فعل، كان كافيا في سقوط القود عنه مطلقا، سواء كان الزنا موجبا للقتل أو للجلد. وفي الثاني تأمل، فان من وجب عليه الجلد فقط كيف يقتل ويهدر دمه؟ ويمكن أن يقال: ان يقال: الزنا الذي رآه الزوج موجب لجواز القتل له، لا الجلد فقط كالزنا بذات المحرم، فبعد ثبوته بالشهود أو الاقرار لا قصاص عليه حيث قتل. ثم ان الظاهر أن هذا الحكم مخصوص بالرؤية، فلو أقر الفاعل بالفعل أو شهد الشهود بذلك، لم يكن له القتل، لا ظاهرا، ولا بحسب نفس الامر للاصل، ولعدم جواز القتل الا مع ثبوت الموجب ولم يثبت كون ذلك موجبا. وهو ظاهر فان الموجب هو الرؤية أو الزنا، وشهادة الشهود، وحكم الحاكم في مواضع مثل الزنا بذات محرم، والاحصان ونحو ذلك مع كون ذلك للامام عليه السلام، لا لكل احد وان كان الظاهر من كلامهم ان للزوج الحد على زوجته. فيمكن ان يكون مع ثبوته عند الحاكم وحكمه، وان يكون ثبوته عنده بالشهود أو الاقرار من دون الحاكم، وان يكون مخصوصا برؤيته، الله يعلم. ويحتمل كون الاقرار والشهود مثل المشاهدة. ويحتمل سقوط القصاص أيضا باقرار الفاعل به بعد رؤية الزوج. والظاهر اختصاصه به فليس للاخ والاب وغيرهما من الاقارب ذلك لما تقدم وخرج الزوج بالاجماع. قوله: " ومن افتض بكرا الخ " دليل وجوب مهر المثل الذي، على الذي افتض بكرا باصبعه.

[ 97 ]

صحيحة ابن سنان وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة افتضت (اقتضت - ئل) جارية بيدها؟ قال: عليها المهر وتضرب الحد (1). الظاهر أن المراد بالمهر مهر امثالها للقادر، وبالحد التعزير، فانه كثيرا ما يطلق عليه. ويحتمل الحد كما تدل عليه صحيحته أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام قضى بذلك، وقال: تجلد ثمانين (جلدة - خ) (2) فتأمل. وحسنته، عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة افتضت (اقتضت - ئل) جارية بيدها؟ قال: قال: عليها مهرها وتجلد ثمانين (جلدة - خ) (3) فتأمل. هذا إذا كانت حرة، وان كانت أمة، فعلى المفتض (المقتض - خ ل) عشر قيمتها، فانه عقرها كما ثبت في الروايات على ما تقدم. ويحتمل الارش، فان ازالة البكارة نقص في الجارية كقص (نقص - خ ل) بعض عضوه، واحداث عيب فيها فيلزمه الارش. ويحتمل اكثر الامرين من الارش وعشر القيمة. ويحتمل لزوم مهرها قياسا على الحرة واكثر الامور فتأمل، وقد مر البحث في ذلك فتذكر. قيل: ولو كان المفتض (المقتض - خ ل) زوجها استقر مهرها المسمى وعزر على التقادير. وفي استقرار المهر تأمل، لانه يستقر بالدخول، فتأمل.

(1) الوسائل باب 39 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 409 وفيه: عن ابن سنان يعني ابن سنان وغيره. (2) الوسائل باب 39 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 409. (3) الوسائل باب 39 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 410.

[ 98 ]

ومن تزوج أمة على حرة مسلمة ووطأ قبل الاذن فعليه ثمن حد الزاني. واما التعزير فللرواية المذكورة، ولانه فعل حراما، وفي كل حرام تعزير عندهم وقد مر فتذكر. قوله: " ومن تزوج أمة الخ " من تزوج وعقد أمة على حرة مسلمة بدون اذن الحرة ووطأها قبل اذن الحرة، فعليه ثمن حد الزاني، وهو اثنا عشر سوطا ونصفا. يحتمل كون النصف باعتبار الكيفية فيضرب ضربا اخف من الضرب الشديد المعتبر في ضرب الزاني بمقدار النصف، أو بمقدار طول السوط فيؤخذ من نصفه فيضرب به، وهو موجود في الروايات. مثل صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: في نصف الجلدة وثلث الجلدة يؤخذ بنصف السوط وثلثي السوط (1). وما في صحيحة الحلبي عنه عليه السلام: في كتاب علي عليه السلام كان يضرب بالسوط وبنصف السوط وببعضه في الحدود، وكان إذا اتى بغلام وجارية لم يدركا، لا يبطل حدا من حدود الله عزوجل، قيل له: وكيف كان يضرب؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه، أو من ثلثه ثم يضرب به على قدر اسنانهم ولا يبطل حدا من حدود الله عزوجل (2). يفهم منها صحة اطلاق الحد على التعزير، وتعزير الصبيان، وببعض السوط. ويحتمل كون هذا حدا كما هو الظاهر من تسميته بذلك ومن تعيينه،

(1) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 311. (2) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 307.

[ 99 ]

وكونه تعزيرا فانه يسمى حدا، وهو كثير في الروايات، ويكون تعيينه مستثنى من التعزيرات. ولعل دليل الحكم المذكور الاجماع، وانه حرام، فلا بد له من التعزير واتفق على تعيينه فان تزويج الحر الامة على الحرة المسلمة بغير اذنها لا يجوز وان قلنا بجواز اخذه الامة بدون الشرطين (1)، فإذا فعل يكون حراما فكأنه ليس بزنا، بل الامة حلال، لكن لا يجوز الوطء الا باذنها. ولكن مقتضى ما تقدم من المصنف انه زنا، فان العقد بدون اذنها يقع باطلا ولا يصح فلا تحل به، فإذا لم تحل يكون زنا، ومع ذلك فلا بد من فرضه عمدا عالما من غير شبهة والا يسقط كالحدود بل بالطريق الاولى، فإذا كان كذلك لا معنى لهذا المقدار من الحد والتعزير. نعم يحتمل ذلك على القول بان العقد لا يبطل، بل يقع موقوفا، فان اذنت الحرة والا بطل. وفيه ايضا تأمل. وبالجملة لو وجد له دليل صالح من اجماع أو نص يمكن اخراجه من الزنا أيضا بذلك وتخصص ادلة حد الزنا به والا يعمل عليها ولم يقل بهذا الحكم. والتقييد بمسلمة، يدل على انها لو كانت ذمية لم يكن الحكم ذلك. كأنه مبني على عدم اشتراط اذنها لعقد الامة عليها وما قيد فيما سبق ذلك، فان ثبت له ايضا دليل، يكون عاما. ويحتمل مع عموم ذلك اختصاص هذا الحكم بالمسلمة بالاجماع في ذلك لو كان، فتأمل.

(1) وهما عدم استطاعة الطول، والعنت المستفادان من الآية الشريفة.

[ 100 ]

المقصد الثاني اللواط وهو وطئ الذكران. فان أوقب قتلا معا ان كالنا بالغين عاقلين، حرين كانا أو عبدين، مسلمين أو كافرين، محصنين أو غيرهما، أو بالتفريق. قوله: " (في - خ) اللواط الخ " مما يوجب الحد، اللواط، وهو وطئ الذكران بعضهم بعضا بادخال ذكره دبره، سواء ادخل حشفته بحيث غابت ام لا، وهو الظاهر منه. وقد يطلق في هذا الباب في العبارات والروايات على التفخيذ (و - خ) بين الاليتين كما سيجئ. قوله: " فان اوقب الخ " لعل المراد بالايقاب ادخال الحشفة مطلقا، سواء غابت ام لا، فان معناه لغة الادخال، وهو أعم. واعتبر في القواعد غيبوبة الحشفة فيحتمل كونه مرادا، لعله للاحتياط وكون التخفيف في الحدود - ولو كان في الجملة - مطلوبا.

[ 101 ]

ولو ادعى المملوك اكراه مولاه صدق. ولو لاط بصبي أو مجنون قتل، وادب الصبي. فعلى تقدير تحققه، فالحد الواجب هنا قتل الفاعل والمفعول معا ان كانا بالغين عاقلين مختارين. وما ذكر (العالمين)، لان تحريمه مما علم من الدين ضرورة. ويمكن سماع دعوى الجهل ممن يمكن في حقه ذلك. ويحتمل النسيان أيضا كذلك، بل مطلقا لعموم (ادرأوا). وعدمه لقبح ذلك وعدم فتح مثله، فان فتح مثله يوجب فسادا كثيرا، فتأمل. ولا فرق في الحكم بين حرين وعبدين، وبالتفريق، ومسلمين وكافرين وبالتفريق، محصنين وغيرهما كذلك. قوله: " ولو ادعى المملوك الخ " دليل قبول دعوى الاكراه من العبد من مولاه، الاحتياط في الحدود و (أدرأوا) والتخفيف وتسلط المولى عليه، الموجب لظن ذلك فيحد المولى دونه. قوله: " ولو لاط بصبي الخ " دليل قتل اللائط بالصبي والمجنون عموم دليل قتله. ودليل عدم قتلهما، عدم تكليفهما، وتأديبهما لاصلاحهما وامتناعهما ورفع الفساد كما في سائر المحرمات، وما تقدم في الزنا من الروايات الدالة على ان من زنى بصبية، حد الزاني وادبت الصبية، وضرب دون الحد (1). وكذا من زنت بصبي حدت وضرب الصبي دون الحد (2). ورواية أبي بكر الحضرمي، قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام برجل وامرأة

(1) لاحظ الوسائل باب 9 حديث 2 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 362. (2) لاحظ الوسائل باب 9 حديث 4 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 363.

[ 102 ]

ولو لاط مجنون بعاقل قتل العاقل وادب المجنون. ويتخير الامام في القتل بين ضربه بالسيف والتحريق، والرجم والالقاء من شاهق والقاء جدار عليه، والجمع بين احدها مع الاحراق. وان لم يوقب جلدا مائة حرين كانا أو عبدين (مسلمين - خ) أو كافرين، محصنين أو غيرهما أو بالتفريق على راي. الا الذمي إذا لاط بمسلم، فانه يقتل، ولو لاط بمثله تخير الحاكم بين رفعه إلى اهل نحلته وبين اقامة الحد بشرعنا. ولو تكرر الجلد قتل في الرابعة أو الثالثة على خلاف. قد لاط زوجها بابنها من غيره ونقبه (ثقبه - خ ل ئل) وشهد عليه بذلك الشهود، فامر به أمير المؤمنين عليه السلام فضرب بالسيف حتى قتل وضرب الغلام دون الحد، وقال: اما لو كنت مدركا لقتلتك، لامكانك اياه من نفسك بنقبك (1) (بثقبك - خ ل ئل). يفهم منه اطلاق اللواط على دون النقب، والظاهر انه أعم من الغيبوبة وانه لو لم يمكن، ما عليه شئ، وهو ظاهر، فان المكره معذور بالعقل والنقل. قوله: " ولو لاط مجنون بعاقل الخ " دليل عدم قتل المجنون اللائط وتأديبه فقط وقتل المفعول العاقل ان كان بالغا مختارا، يفهم مما مر. وكذا تأديب المفعول أيضا ان لم يكن مشروطا بشرائط التكليف والقتل ويجئ الخلاف في قتل المجنون الفاعل كما إذا زنى هو ممنوع كالاصل لعدم التكليف، فتأمل. قوله: " ويتخير الامام الخ " بيان كيفية قتل اللائط، وهو القتل مطلقا

(1) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 418.

[ 103 ]

على المشهور الا ان الامام مخير بين اقسامه المذكورة، الضرب بالسيف، والتحريق، والرجم، الالقاء من شاهق جبل وغيره، والقاء جدار عليه، والجمع بين احدها غير الخرق والحرق. هذا مع الايقاب، لعل المراد به، الدخول مطلقا، ومع عدمه مثل التفخيذ والفاعل بين الاليتين حده، جلد مائة. ولا فرق في ذلك كله بين حرين وعبدين وبالتفريق، وبين مسلمين وكافرين وبالتفريق، محصنين وغيرهما وبالتفريق، الا الذمي اللائط بمسلم، فانه يقتل. فالحكم بعدم التفريق شامل لهذا القسم أيضا الا انه لما كان حكمه غير ذلك استثناه. ولعل وجهه دعوى الاجماع في الشرح وغيره، وانه لابد من فرق بين المسلم والذمي، وانه أهان الاسلام وأهله، فلابد من التغليظ وعموم دليل قتل اللائط. ويحتمل ان يكون الحربي كذلك بالطريق الاولى، وظاهر العبارة، التخصيص بالذمي، فتأمل. وقد مر دليل تخيير الامام بين اجراء حكم المسلمين عليه وبين رده إلى اهل نحلته كما ان لاط بمثله. وكذا مر دليل القتل في الثالثة أو الرابعة لو تكرر اللواط الموجب للحد وحد لانه مثل الزنا الموجب للجلد، فتذكر. واما دليل القتل في الايقاب على الوجه المذكور والمشهور، فهو الروايات. مثل حسنة مالك بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: بينا (بينما - خ ل ئل) أمير المؤمنين عليه السلام في ملا من اصحابه، إذ اتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين اني أوقبت على غلام فطهرني، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك، فلما كان من غد عاد إليه فقال: يا أمير

[ 104 ]

المؤمنين اني اوقبت على غلام فطهرني، فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك حتى فعل ذلك ثلاثا بعد مرته الاولى، فلما كان في الرابعة، قال له: يا هذا ان رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك ثلاثة احكام فاختر ايهن شئت، قال: وما هي (هن - خ ل) يا أمير المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو اهدارك (اهداء - ئل) عن جبل مشدود اليدين والرجلين، أو احراق بالنار، قال: فقال يا أمير المؤمنين، فايهن اشد علي؟ قال: الاحراق بالنار، قال: فقال: فاني قد اخترتها يا أمير المؤمنين، قال له: خذ (لذلك - ئل) اهبتك، فقال: نعم قال: فصلى ركعتين ثم جلس في تشهد، فقال: اللهم اني قد اتيت من الذنب ما قد علمته واني قد تخوفت من ذلك فجئت (اتيت - خ ل ئل) إلى وصي رسولك وابن عم نبيك وسألته ان يطهرني فخيرني بين ثلاثة اصناف من العذاب واني قد اخترت اشدها (هن - خ ل) اللهم فاني اسألك ان تجعل ذلك كفارة لذنوبي وان لا تحرقني بنارك في آخرتي ثم قام وهو باك حتى جلس (دخل - ئل) في الحفرة التي حفرها له أمير المؤمنين عليه السلام وهو يرى النار تأجج (تتأجج - ئل) حوله، قال: فبكى أمير المؤمنين عليه السلام وبكى اصحابه جميعا فقال له امير المؤمنين عليه السلام: قم يا هذا فقد ابكيت ملائكة السماء وملائكة الارض وان الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودن شيئا مما قد فعلت (1). ولا يذهب عليك ان ليس فيها، الرجم، ولا القاء جدار عليه، ولا الحرق مع كل واحد من المذكورات. نعم يوجد القتل بضرب العنق ثم الحرق في رواية عبد الرحمان العرزمي (2)

(1) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 422. (2) العرزمي بالعين المهملة المفتوحة، ثم الراء المهملة الساكنة، ثم الزاي المعجمة المفتوحة، ثم الميم =

[ 105 ]

انه اتى في زمان عمر برجل قد نكح في دبره فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بضرب عنقه وحرقه بعد ذلك (1). وفي اخرى له: وجد رجل مع رجل في أمارته فهرب احدهما، واتى بالآخر أمر بضرب عنقه وحرقه بعد ذلك (2). وليس فيها تصريح بقتل الفاعل، وقد صرح في رواية أبي بكر بقتله. ويمكن فهم جواز الرجم باللآئط الناقب المحصن من الزاني المحصن. من (ومن - خ ل) صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: إن في كتاب علي عليه السلام: إذا أخذ الرجل مع غلام في لحاف واحد مجردين، ضرب الرجل وادب الغلام، وان كان نقب وكان محصنا - أي الرجل - رجم (3). فيبقى جواز الرجم مطلقا، من غير دليل. ثم انه ما نقل الخلاف، في الحكم المذكور في الايقاب. وفي الروايات ما يدل على ان حكمه حكم الزاني فيرجم مع الاحصان، ويجلد مع عدمه ويمكن فهم الاول من صحيحة أبي بصير المتقدمة (4) صريحا، والثاني ايضا ضمنا، فافهم. وتدل عليه صحيحة حماد بن عثمان، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام:

= والياء نسبة إلى جبانة عرزم بالكوفة نسب إليها بعض رواة العامة، أو إلى عرزم علم رجل من قبيلة فزارة (تنقيح المقال للمتتبع المامقاني) ج 1 ص 122. (1) الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 420، والحديث منقول بالمعنى فلاحظه. (2) الوسائل باب 3 حديث 4 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 420 منقول بالمعنى أيضا فلاحظ. (3) الوسائل باب 3 حديث 7 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 421. (4) تقدمت آنفا.

[ 106 ]

رجل أتى رجلا؟ قال: ان كان محصنا فعليه القتل (1)، وان لم يكن محصنا فعليه الجلد، قال: قلت: فما على المؤتى به؟ قال: عليه القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن (2). هي صحيحة في الفقيه، وان كان في طريق الكافي والتهذيب معلى بن محمد والحسن بن علي (3). فقول شارح الشرائع: انها ضعيفة ب‍ " معلى بن محمد، محل التأمل ". ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: المتلوط (الملوط - ئل)، حده، حد الزاني (4). ولا يضر وجود ابان (5)، والظاهر انه ابن عثمان للتصريح باسم أبيه في مثل هذا السند بعينه بعد في باب السحق (6). فسقط قول شارح الشرائع: انه مشترك بين الثقة وغيره فتأمل. ورواية العلا بن الفضيل، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: حد اللوطي مثل حد الزاني. وقال: ان كان قد احصن رجم والا جلد. واعلم ان ليس في هذه الروايات ما ينافي المذهب المشهور في الحكم

(1) في الوسائل: عليه ان كان محصنا، القتل. (2) الوسائل باب 1 حديث 4 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 417. (3) طريقه في الكافي هكذا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن حماد بن عثمان. (4) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 416. (5) سندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن زرارة. (6) لاحظ السوائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد السحق والقيادة، ج 18 ص 425.

[ 107 ]

بالقتل مع الايقاب ولهذا حملها في التهذيب على غير الايقاب قال: إذا كان الفعل دون الايقاب يعتبر فيه الاحصان وغير الاحصان وقد فصل ذلك فيما رواه سليمان بن هلال، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يفعل بالرجل؟ قال: فقال: ان كان دون النقب (الثقب - ئل) فالحد وان كان نقب (ثقب - ئل) اقيم قائما ثم ضرب بالسيف اخذ السيف منه ما اخذ، فقلت له: هو القتل؟ قال: هو ذاك (1). لكنها ضعيفة، واراد بالحد الجلد، ويقال على الفعل دون الايقاب مثل التفخيذ أو بين الاليين (الاليتين - خ): اللواط. وهو في رواية حذيفة بن منصور - الضعيفة -، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اللواط فقال (قال - خ ل ئل): بين الفخذين، قال: وسألته عن الذي يوقب؟ قال: فذلك الكفر بما انزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله (2). كأنه باعتبار الاستحلال أو كناية عن كثرة عقابه كالكفر. وبالجملة ما وجدت خبرا صحيحا صريحا على الحكم المشهور في الموقب، بل على قتل الفاعل محصنا أو غير محصن أيضا، ولكن الحكم مشهور، بل قيل: لا خلاف فيه وان كان مقتضى بعض الاخبار ان حكم الناقب حكم الزاني ورجم المحصن وجلد غيره، مثل صحيحة حماد ورواية زرارة والعلا بن الفضيل وأبي بصير المتقدمات (3). وصحيحة ابن أبي عمير، عن عدة من اصحابنا، عن أبي عبد الله

(1) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 416. (2) الوسائل باب 20 حديث 3 من ابواب النكاح المحرم ج 14 ص 257. (3) راجع الوسائل باب 1 حديث 4 - 31 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 416.

[ 108 ]

عليه السلام في الذي يوقب ان عليه الرجم ان كان محصنا وعليه الجلد (الحد - خ ل) ان لم يكن محصنا (1). وقد حملها الشيخ في التهذيب على التقية فقط كما حمل ما تقدم عليها تارة، وعلى كون الفعل دون الايقاب اخرى. واما غير الموقب بل الذي فعل بين الاليتين والفخذين، ففيه الخلاف، والمشهور ما اختاره المصنف من وجوب الجلد مائة لاصل عدم الزيادة، وان حكمه حكم الزاني الذي في القرآن، بل يمكن اطلاقه عليه. ولما تقدم في بعض الروايات مثل رواية سليمان: " ان كان دون النقب فالحد " (2) والظاهر منه جلد مائة هنا. وذهب جماعة إلى ان حكمه حكم الزاني، فمع الاحصان الرجم، ومع عدمه الجلد، لما تقدم في بعض الروايات مثل رواية زرارة، والعلا، وحماد (3) جمعا بينها وبين ما دل على القتل مطلقا حيث حملت المجملات على الموقب، والمفصلات على غيره كما نقلناه عن التهذيب فيما تقدم. وقد عرفت عدم المنافاة حتى يجمع، فان المجمل يحمل على المقيد فيجعل الكل على (في خ) الموقب بالتفصيل برجم المحصن وجلد غيره الا انه قيل: لا خلاف في القتل مع الايقاب محصنا كان أو غيره. وقد يفهم من الشرح وجوب القتل مطلقا عند بعض، قال: وظاهر كلام ابن بابويه وابن الجنيد وجوب القتل مطلقا قالا: اما اللواط فهو بين الفخذين، واما الدبر فهو الكفر بالله العظيم، عملا برواية حذيفة، المتقدمة.

(1) الوسائل باب 3 حديث 8 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 421. (2) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد اللواط ج 18 ص 416. (3) تقدم آنفا.

[ 109 ]

ويثبت بالاقرار اربع مرات من البالغ العاقل الحر المختار، وبشهادة اربعة رجال بالمعاينة، فلو أقر دون الاربع عزر، ولو شهد دونها حدوا للفرية ويحكم الحكم (الحاكم - خ) بعلمه. والمجتمعان في ازار (لحاف - خ) واحد مجردين ولا رحم، يعزران من ثلاثين إلى تسعة وتسعين، فان فعل بهما ذلك مرتين حدا في الثالثة. وقد عرفت انها ضعيفة به وبغيره (1)، وانها غير صريحة في المطلوب، وانها محمولة على المستحل أو المبالغة، والتشبيه في كثرة الذنب بالكفر. فالخلاف في القتل في الرابعة أو الثالثة يكون على غير قولهم، فانه عندهم القتل أول مرة مطلقا، وعند غيرهما (2) في غير الموقب، فان في الموقب يقتل مطلقا عندهم كما مر. قوله: " ويثبت بالاقرار الخ " الظاهر ان هذا الحكم وما يترتب عليه من عدم الحد إذا لم يكن الاقرار أربعة، من الذي يصح اقراره، ومن حد الشاهد إذا لم يكن بالشرائط، سواء كان عددا أو غيره، مما علم من الزنا. فكأنهم يجعلونه باعتبار الثبوت مثله بغير نزاع، وكأنه اجماع أو عليه دليل آخر غيره، وما رأيته. وأما التعزير بالاقرار اقل من اربع مرات بحيث اويس عن الاكمال وامتنع منه، فكأنه لانه حرام، فانه تشييع فاحشة وليس له حد فيلزم التعزير للكلية التي تقدمت. والظاهر ان الاقرار في الزنا أيضا كذلك، فتأمل. وحكم الحاكم بعلمه من غير حاجة إلى البينة والاقرار، كما مر في غيره. قوله: " والمجتمعان في ازار (لحاف - خ) الخ " يعني إذا اجتمع الرجلان

(1) سندها كما في التهذيب هكذا: سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سنان عن حذيفة بن منصور. (2) يعني غير ابن بابويه وابن الجنيد.

[ 110 ]

- ويحتمل المرأتان، والرجل والمرأة أيضا - مجردتان (1) لا حائل لعورة واحد عن الآخر ولا يكون احدهما رحما للآخر. ظاهره أعم من أن يكون ممن يجوز نكاحه على تقدير المخالفة ام لا، فالمراد القرابة المعروفة. وسبب التقييد غير ظاهر، فان اكثر الادلة أعم، والفحش في القرابة آكد الا ان يحمل على عدم وقوع ذلك من الرحم بالنسبة إلى الآخر غالبا ألا ترى ان الاخ لا ينظر إلى اخته (اخيه - خ ل) نظر شهوة قط، وكذا الوالد إلى ولده وان كان احسن من الخلائق ولم يكن الاخ والاب مقيدين بالشرع. وحينئذ ان كان بينهما رحم يحمل على وقوعهما مجردين هكذا اتفاقا وعدم وقوع شئ يوجب الحد بينهما لبعدهما عن ذلك الا ان يعلم ذلك، فلا فرق، بل يمكن أن يكون تعزيرهما اشد واغلظ، وهو موكول إلى رأي الحاكم. ويمكن أن يكون التقييد لما في بعض الروايات وسيجئ. وينبغي التقييد بعدم الضرورة أيضا، للعقل والنقل الذي سيجئ. ويجب على الحاكم تعزيرهما، وقد عين طريق التعزير بان أقله ثلاثون سوطا، واكثره تسعة وتسعون. فان عزرا مرتين حدا في الثالثة كمال حد الزنا ثم القتل بعد الثالثة أو الرابعة على الاحتمال. واما الدليل على انه الاقل فرواية سليمان بن هلال، قال: سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام، فقال: جعلت فداك، الرجل ينام مع الرجل في

(1) هكذا في النسخ كلها والصواب مجردان كما لا يخفى.

[ 111 ]

لحاف واحد، فقال: أذو (ذوا محرم - ئل) محرم؟ قال: لا، فقال: (أ) من ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا ثلاثين سوطا، قال: فانه فعل، قال: ان كان دون النقب (الثقب - ئل) فالحد، وان هو نقب (ثقب - ئل) اقيم قائما ثم ضرب ضربة بالسيف أخذ منه ما اخذه، قال: قلت له: فهو القتل؟ قال: هو ذاك، قلت فامرأة نامت مع امرأة في لحاف (واحد - خ)؟ فقال: اذات محرم (ذواتا محرم - ئل)؟ قلت: لا، قال: (أ) من ضرورة؟ قلت: لا، قال: تضربان ثلاثين سوطا ثلاثين سوطا، قلت: فانها فعلت قال: فشق ذلك عليه، فقال: اف، اف، اف، (ثلاثا - ئل)، وقال: الحد (1). هذه ضعيفة لسليمان وغيره (2). واما عدم كونه فوق تسعة وتسعين، فتدل عليه رواية سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد؟ قال: يجلدان مائة مائة غير سوط (3) وهذه أيضا ضعيفة ب‍ " مفضل بن صالح " (4). ورواية ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين يوجدان في لحاف واحد؟ فقال: يجلدان حدا غير سوط واحد (5). لعلها صحيحة، ولا يضر القطع إلى يونس (6)، فان الظاهر انه ابن

(1) الوسائل باب 10 حديث 21 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 367. (2) فان سندها كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير، عن سليمان بن هلال الخ ولعل نظره قدس سره من قوله قدس سره: (وغيره) هو القاسم بن سليمان، والارسال. (3) الوسائل باب 10 حديث مثل حديث 3 بالسند الثاني ج 18 ص 364. (4) سندها كما في التهذيب هكذا: يونس عن مفضل بن صالح عن زيد الشحام وسماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) الوسائل باب 10 حديث 18 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 367. (6) فان سندها هكذا: يونس، عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 112 ]

عبد الرحمان، وقالوا: الطريق إليه صحيح (1)، وان كان فيه محمد بن عيسى عن يونس، فتأمل. وصحيحة ابان بن عثمان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام وجد امرأة مع رجل في لحاف واحد فضرب (فجلد - ئل) كل واحد منهما مائة سوط غير سوط (2). ولا يضر القطع (3) بيونس (4) لما مر، ولا ابان لما مر غير مرة. وفيها دلالة على حكم الحاكم بعلمه من غير اقرار واشهاد. وان المرأة والرجل كالرجلين والمرأتين كما مر في رواية سماعة. ومثلها صحيحة حريز عنه عليه السلام الا انه قال: الا (سوطا) بدل (غير سوط) (5). والظاهر عدم الفرق بين المرأة والرجل، والرجلين، والمرأتين فوجد الصحيح في تعيين الطرف الاعلى (6).

(1) في مشيخة التهذيب والاستبصار هكذا: وما ذكرته في هذا الكتاب عن يونس بن عبد الرحمان فقد اخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله والحميري، وعلي بن إبراهيم بن هاشم، عن اسماعيل بن مرار وصالح بن السندي عن يونس. (2) الوسائل باب 10 حديث 19 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 367. (3) سندها كما في التهذيب هكذا: يونس عن ابان بن عثمان الخ وليس المراد بالقطع في الموضعين القطع الاصطلاحي اعني عدم ذكر المعصوم عليه السلام بل القطع في اول السند ولذا قال قدس سره: ولا يضر إلى يونس. (4) الصواب إلى يونس كما مر. (5) الوسائل باب 10 حديث 20 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 367. (6) يعني في اجتماعهما صور ثلاثة 1 - اجتماع الرجل والمرأة 2 - اجتماع الرجلين 3 - اجتماع المرأتين والاولى اعلاها لحرمتها بتا وجزما لاحتمال عدمها في الاخيرتين وقد وجد في الاولى التي هي الاعلى خبر صحيح وهو صحيح ابان وصحيح حريز فالقول بضعف الاخبار في الطرفين محل التأمل والله العالم.

[ 113 ]

فقول شارح الشرائع: والاخبار في الطرفين ضعيفة، محل التأمل. وتدل اخبار معتبرة على الحد، والظاهر منه، الحد التام، وحملها الشيخ على التعزير دون الحد التام للجمع. وهي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: حد الجلد ان يوجدا في لحاف واحد والرجلان يجلدان إذا اخذ (وجدا - ئل) في لحاف واحد الحد، والمرأتان تجلدان إذا اخذتا في لحاف واحد الحد (1). وصحيحة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: سمعته يقول: حد الجلد في الزنا ان يوجدا في لحاف واحد (2). وصحيحته أيضا عنه عليه السلام، قال: سمعته يقول: حد الجلد في الزنا ان يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يوجدان في لحاف واحد، والمرأتان توجدان في لحاف واحد (3). وحسنة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي عليه السلام إذا اخذ (وجد - ئل) الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، وإذا اخذ المرأتين في لحاف واحد ضربهما الحد (4). وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إذا شهد الشهود على الزاني انه قد جلس منها مجلس الرجل من امرأته اقيم عليها الحد (5). واما رواية عبد الرحمان الحذاء، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

(1) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 363. (2) الوسائل باب 10 حديث 22 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 368. (3) الوسائل باب 10 حديث 23 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 368. (4) الوسائل باب 10 حديث 6 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (5) الوسائل باب 10 حديث 13 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 366.

[ 114 ]

إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة جلدة (1) (مائة مائة - يب). وعبد الرحمان هذا غير ظاهر التوثيق. ونحوها مما يدل بالمائة صريحا رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن امرأة وجدت مع رجل في ثوب، قال: يجلدان مائة جلدة ولا يجب الرجم حتى تقوم البينة الاربعة بأنهم (بأن قد رأوا - خ) قد رأوه يجامعها (2). وقريب منها رواية الكناني (3). ورواية سلمة، عن أبي عبد الله عن أبيه ان عليا عليهم السلام، قال: إذا وجد الرجل مع المرأة في لحاف واحد جلد كل واحد منهما مائة (4) (جلدة - يب). فمع عدم اعتبار سند شئ منها حملها في التهذيب على فعل الزنا، أو اللواط، أو السحق مع كونهما في لحاف واحد وعلم الامام بذلك وحينئذ يقام عليهما الحد كاملا ومطلقا. ولا يثبت الرجم الا بالبينة حيث تضمنه خبر أبي بصير والكناني (5) وايده برواية الحسين بن خالد المتقدمة (6) في حكم الحاكم بعلمه. واما رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:

(1) الوسائل باب 10 حديث 5 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 364. (2) الوسائل باب 10 حديث 8 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (3) الوسائل باب 10 حديث 10 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (4) الوسائل باب 10 حديث 24 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 368. (5) راجع الوسائل باب 10 حديث 8 - 10 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (6) راجع الوسائل باب 32 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 344.

[ 115 ]

إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد وقامت بذلك عليهما البينة ولم يطلع منهما على سوى ذلك جلد كل واحد منهما مائة جلدة (1). وكذا رواية سماعة بن مهران، قال: سألته عن المرأتين توجدان في لحاف واحد قال: تجلد كل واحدة منهما مائة جلدة (2). فحمله على أن يكون الامام قد زبرهما (زجرهما - خ) وادبهما بالكون في اللحاف مجردتين ثم وجدهما عادا إلى مثل ذلك الفعل، فحينئذ جاز له اقامة الحد تاما وقال: هذا الوجه يحتمله الاخبار الاول أيضا ويمكن العكس ايضا. وأيده برواية عبد الرحمان بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، قال: لا ينبغي لامرأتين تناما في لحاف واحد الا وبينهما حاجز، فان فعلتا نهيتا عن ذلك فان وجدهما بعد النهي في لحاف جلدتا، كل واحدة منهما حدا حدا، فان وجدتا الثالثة في لحاف حدتا، فان وجدتا الرابعة قتلتا (3). والحمل لا يخلو من بعد مع ما في سند المؤيدة، فان عبد الرحمان مجهول وأبا خديجة ضعيف وكأنها دليل الحد التام في الثالثة بعد التعزير مرتين فتأمل فان استخراجه منها أيضا، يحتاج إلى التأمل، وما رأيت غيرها، فتأمل. ثم اعلم أن ظاهر الاخبار انه لابد من الحد التام بمجرد وجود الرجلين والمرأتين أو الرجل والمرأة في اللحاف مجردين كما مر. ومثل صحيحة ابان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد فأتت عليهما البينة ولم يطلع منهما

(1) الوسائل باب 10 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (2) الوسائل باب 2 حديث 3 من ابواب حد السحق ج 18 ص 426. (3) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد السحق ج 18 ص 425 والمذكور في النسخ كما اثبتنا ولكن ما في الكافي والتهذيب والوسائل غير هذه العبارة فراجع.

[ 116 ]

على سوى ذلك جلد كل واحد منهما مائة جلدة (1). وحسنة أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي عليه السلام إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجردين جلدهما حد الزاني مائة جلدة كل واحد منهما، وكذا المرأتان إذا وجدتا في لحاف واحد مجردتين جلد (جلدهما - خ ئل) كل واحدة منهما مائة جلدة (2). وكونهما في لحاف واحد مثل الزنا والايلاج، بعيد. ويبعد كون وجدانهما في لحاف واحد مجردتين، موجبا للحد التام. وفعل الرجل بالمرأة الاجنبية دون الايلاج حتى التفخيذ، بل ادخال بعض الحشفة لا يكون كذلك، وهو ظاهر. ولكن ما يثبت (ثبت - خ ل) أيضا فيما سبق انه لابد في الحد التام مطلقا ثبوت الزنا الحقيقي مثل الميل في المكحلة. نعم هو مشهور وقد يكون اجماعيا وكأن بعض الاخبار (3) قد دل على انه لابد منه في الذي يوجب الرجم بالبينة وفي الاقرار أيضا. فيمكن الفرق بين الرجم وغيره بأن الايلاج لابد في الاول لا غير، وبين ما يثبت بالبينة والاقرار وبعلم الحاكم، فيشترط في الاول ذلك لا غير. ولكن القول غير معلوم الا ما تقدم من قول الشيخ، وهو لا يخلو عن بعد. وان الفرق بين الزنا بالايلاج بغيبوبة الحشفة، وبعدم الايلاج والوجود في لحاف واحد باسقاط سوط واحد كما دل عليه بعض الاخبار والعبارات، بعيد. وحمل الاخبار الدالة على الحد عليه - مع تبادر كونه حدا تاما - كما ترى.

(1) الوسائل باب 10 حديث 9 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 365. (2) الوسائل باب 10 حديث 15 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 366. (3) الظاهر كونه اشارة إلى رواية أبي بصير المتقدمة فراجع الوسائل باب 10 حديث 8 ج 18 ص 365.

[ 117 ]

ويعزر من قبل غلاما اجنبيا بشهوة. فينبغي العمل بالاحتياط التام في الحدود خصوصا القتل ل‍ " ادرأوا " (1) وبناء الحد على التخفيف مهما امكن، فتأمل. قوله: " ويعزر من قبل غلاما الخ " الظاهر أن تقبيل الرجل البالغ العاقل والمرأة كذلك، الغلام بشهوة، حرام أجنبيا كان ام لا. فكأن التقييد بالاجنبي لبيان ان لا يكون تقبيل غير الاجنبي بشهوة، إذ لا يبعد حمله على الذي لا يصح نكاحه شرعا، والشهوة حينئذ لا شك في بعدها، بل في مطلق الاقارب لا يبعد ذلك، ولو فرضت الشهوة بينهما والتقبيل بها فالظاهر وجود الحكم، بل اغلظ، فانه اقبح. ويحتمل ان يكون الحكم في الغلامين الغير البالغين كذلك ويكون التأديب أقل. والظاهر ان تقبيل الرجل والمرأة، الصبية بشهوة، كذلك، وان هذا التعزير كسائر التعزيرات، ينوط (منوط - خ) برأي الحاكم. ودليل وجوب التعزير هو ما تقرر عندهم من وجوبه في كل كبيرة، ولعل التقبيل كبيرة. وخصوص الروايات من طرق العامة والخاصة، مثل ما روي: من قبل غلاما لعنته ملائكة السماوات وملائكة الارضين، وملائكة الغضب وأعد له جهنم وساءت مصيرا (2). وفي حديث آخر من قبل غلاما بشهوة الجمه الله بلجام من نار (3). وروى اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: محرم قبل

(1) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 336. (2) فقه الرضا (ع): باب 44 الزنا واللواطة ص 278. (3) الوسائل باب 21 حديث 1 من ابواب النكاح المحرم ج 14 ص 257.

[ 118 ]

والتوبة قبل البينة تسقط الحد، لا بعدها. غلاما من شهوة؟ قال: يضرب مائة سوط (1). لعل تخصيص المحرم لزيادة العقوبة، ولهذا ضرب مقدار الحد، وهو خلاف المشهور فان المشهور عدم بلوغ التعزير، الحد. قوله: " والتوبة قبل البينة الخ " كون التوبة على اللواط قبل البينة مسقطا للحد - بحيث لا يجوز حده اصلا، وعدمه بعدها وقبل الاقرار كذلك وتخيير الامام بين الاقامة والعفو إذا تاب بعده - هو المشهور مثل التوبة عن الزنا. ويحتمل، بل الظاهر أن المراد مطلق التوبة عن الزنا واللواط الموجبين للحد وما يتبعهما من النوم في لحاف واحد مجردين والتقبيل فيسقط التعزير أيضا بالتوبة إن تاب قبل الاثبات بالبينة. وكذا بعد الاقرار وقبله، يكون الامام مخيرا بين العفو وبين الحد والتعزير لان التعزير أيضا يقال له: الحد. ويحتمل اختصاصه بالحد فقط، فتأمل. واما دليله فما رأيت هذا التفصيل في خبر، نعم مر في حديث جميل عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم ذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح؟ فقال: إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد (2). والنهي ظاهر في التحريم وعدم جواز الحد بعد ذلك. ولكن ظاهرها أعم من الثبوت بالبينة وغيرها وان كان ظاهره في غير الاقرار. كأنهم حملوها على كون التوبة قبل الثبوت، فتأمل.

(1) الوسائل باب 4 حديث 1 من أبواب حد اللواط ج 18 ص 422. (2) الوسائل باب 16 صدر حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 327.

[ 119 ]

وبعد الاقرار يتخير الامام. وتدل على سقوطه بالتوبة مع الثبوت بالبينة رواية أبي بصير المتقدمة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اقيمت عليه البينة بانه زنى ثم هرب قبل ان يضرب؟ قال: إن تاب فما عليه شئ، الخبر (1). لعل المراد إن تاب قبل الثبوت بالبينة كما تقدم، واما حال الاقرار، فما علم له دليل، وكأنه اجماعي أو ما اعرفه. ويمكن ان يقال: لما كان الثبوت بقوله وقد تاب ورجع، فصار التخيير إلى الامام في أخذه بالاول أو بالثاني. ويمكن ترجيح العفو لانه حسن، ولبناء الحد على التخفيف وله " ادرأوا " (2) ولانه حق الله تعالى، ولما مر في الحديث من انه إذا هرب بعد الاقرار لا يرد (3) فلولا خوف خرق الاجماع لامكن القول بالسقوط هنا حتما، بل في الثبوت بالبينة أيضا. ويؤيد السقوط بالتوبة أنها تسقط الذنب والعقوبة في الآخرة ففى الدنيا بالطريق الاولى. وهذا يفيد السقوط على تقدير وقوع التوبة بعد الاثبات بالبينة أيضا الا ان الظاهر انه ما ذهب بالاسقاط بعدها حتما احد. نعم نقل التخيير حينئذ أيضا - كما مر في الاقرار - عن الشيخ المفيد وأبي الصلاح ومستندهما غير ظاهر. ومستند عدم السقوط هو الثبوت شرعا فلا يسقط الا بمسقط شرعي ولم يعلم ان التوبة مسقطة للعقوبات الدنيوية، والطريق الاولى غير مسلمة بل المساواة أيضا، فتأمل.

(1) الوسائل باب 16 قطعة من حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 328 وتمامه: وان وقع في يد الامام اقام عليه الحد وان علم مكانه بعث إليه. (2) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 436. (3) راجع الوسائل باب 15 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 376.

[ 120 ]

المقصد الثالث في السحق والقيادة تجلد المساحقة البالغة العاقلة مائة جلدة، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كافرة، فاعلة أو مفعولة، محصنة أو غيرها على رأي. قوله: " تجلد المساحقة الخ " اشتراط البلوغ والعقل في حد المساحقة، يظهر مما تقدم. وكونه مائة جلدة وتعميمه بحيث يشمل مسحق (المسلمة - خ) الكافرة، الفاعلة والمفعولة، المحصنة وغير المحصنة - كما هو المشهور والتعميم بالفاعلية والمفعولية - غير مناسب فافهم. ويفهم من حسنة محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص، عن أبي عبد الله عليه السلام انه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق؟ فقال: حدها حد الزاني فقالت المرأة: ما ذكر الله عزوجل في القرآن؟ فقال: بلى، قالت: اين (هن - ئل)؟ قال: هن أصحاب الرس (1).

(1) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد السحق ج 18 ص 424.

[ 121 ]

أي المساحقات اصحاب الرس كما ان اللائطين أصحاب لوط. فالظاهر أن السؤال عن محض ذكرهن لا عن حدهن، ولهذا قال: هن اصحاب الرس من غير بيان الحد لهن الا أن يكون حدهن معلوما في ذلك الوقت، فتأمل. ومعلوم ان حد الزاني والزانية في القرآن، هو مائة جلدة. ورواية سماعة بن مهران، قال: سألته عن المرأتين توجدان في لحاف واحد؟ فقال: يجلد كل واحدة منهما مائة جلدة (1). فكأنه كناية عن السحق أو انه إذا كان مجرد كونهما في لحاف واحد، موجبا للمائة فالسحق بالطريق الاولى، والزيادة منفية بالاصل وغيره. ورواية أبي خديجة المتقدمة (2). ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الساحقة تجلد (3). لعلها صحيحة ولا يضر (أبان) (4) كأنه الاحمر، فافهم. ثم اعلم ان في دلالة هذه الاخبار وسندها، كلاما. بل قد يقال: أن الاول يدل على التفصيل، فان حد الزاني المحصن في الشرع هو الرجم، وغيره الجلد، وليس بمعلوم كون المراد ما في القرآن وهو الجلد. وكذا في عموم الثاني وسنده كما ترى، فافهم.

(1) الوسائل باب 2 حديث 3 من ابواب حد السحق ج 18 ص 426. (2) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد السحق ج 18 ص 426. (3) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد السحق ج 18 ص 425. (4) سندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابان بن عثمان، عن زرارة.

[ 122 ]

ولكن لما كان القتل والرجم امرا عظيما وبناء الحدود على التخفيف والسقوط واصل العدم وما قيل باقل من مائة جلدة حد (1)، ذهب الاكثر إلى ذلك، فتأمل. وقد ذهب إلى التفصيل بان المحصن يرجم وغيره يجلد مائة جلدة. وربما يستدل عليه بالرواية وبما في الروايات من رجم الساحقة بالجارية وحملت من ماء زوجها، وهو مذكور في روايات ستجئ. مثل صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر وابا عبد الله عليهما السلام يقولان: بينا (بينما - خ ل) الحسن بن علي عليهما السلام في مجلس أمير المؤمنين عليه السلام إذ اقبل قوم فقالوا: يابا محمد (يا ابا محمد - خ) أردنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا ان نسأله عن مسألة قال: وما هي؟ تخبرونا بها فقالوا: امرأة جامعها زوجها فلما قام عنها قامت بحموتها (2) فوقعت على جارية بكر فساحقتها فوقعت (القت - خ ل) النطفة فيها فحملت فما تقول في هذا؟ فقال الحسن: معضلة وابو الحسن لها، واقول: فان اصبت فمن الله و (ثم - خ ل) من أمير المؤمنين، وان اخطأت فمن نفسي فأرجو ان لا اخطئ ان شاء الله تعالى، يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة، لان الولد لا يخرج منها حتى تشق فتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة لانها محصنة، وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها ويرد الولد إلى ابيه صاحب النطفة ثم تجلد الجارية الحد قال: فانصرف القوم من عند الحسن عليه السلام فلقوا أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما قلتم لابي محمد؟ وما قال لكم؟ فاخبروه فقال: لو انني المسؤول ما كان عندي

(1) هكذا في النسخ كلها ولكن الصواب: وما قيل من ان اقل من مائة جلدة حد. (2) في القاموس: حمى من الشئ كرضى حمية ومحمية كمنزلة انف، والشمس والنار حما وحميا وحموا اشتد حرهما، انتهى.

[ 123 ]

فان تكرر الحد ثلاثا قتلت في الرابعة. منها (فيها - خ ئل) اكثر من ما قال ابني (1). وفي التهذيب قريب منه بسند آخر (2) وبدل قوله: (فمن نفسي) (فان أمير المؤمنين من ورائكم)، وهو أولى. ومعلوم ان مثل هذا الكلام على سبيل كسر النفس والتواضع والا فامثال هذا الكلام ليس بالحقيقة عن المعصوم، وهو ظاهر أو مصلحة اخرى في نحوها، وفيها احكام فافهم. وفي مثل هذه المرأة روى اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: قلت له: ترجم المرأة وتجلد الجارية ويلحق الولد بأبيه؟ قال: ولا أعلمه الا قال: وهو (الذي - خ) ابتلى بها (3). وفي رواية معلى بن حنيس مثلها عنه عليه السلام فقال: الولد للرجل، وعلى المرأة الرجم، وعلى الجارية الحد (4). يمكن اختصاص هذا الحكم بمثل الصورة المذكورة من حمل الباكرة من سحق المرأة بعد وطئها. ويحتمل عمومه - كما هو الظاهر - فيكون السحق مثل الزنا، على المحصنة الرجم، وعلى غيرها الجلد مائة، الله يعلم. والرأي اشارة إلى رأي آخر وهو هذا التفصيل. قوله: " فان تكرر الحد الخ " قد مر دليل قتل من ارتكب كبيرة مرة بعد اخرى وحد في الثالثة وقتل في الرابعة وحينئذ قد يقال: هذه كبيرة وله حد فيصير

(1) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد السحق والقيادة ج 18 ص 426. (2) الوسائل باب 3 ذيل حديث 3 من ابواب حد السحق والقيادة ج 18 ص 427. (3) الوسائل باب 3 ذيل حديث 2 من ابواب حد السحق والقيادة ولاحظ صدرها. (4) الوسائل باب 3 ذيل حديث 4 من ابواب حد السحق والقيادة ص 428 ولاحظ صدرها.

[ 124 ]

والتوبة تسقط الحد قبل البينة لا بعدها. ويتخير الامام لو تابت بعد الاقرار. وتعزر الاجنبيتان المجتمعان في ازار، مجردتين. فان تكرر التعزير مرتين حدتا في الثالثة. ولو القت ماء الرجل في رحم البكر جلدتا وغرمت (1) مهر المثل لها ولحق الولد بالرجل. القول فيها مبنيا على القول في الكبيرة. ويمكن ان يكون: حكمه حكم الزنا وليس بأقوى منه، وقد مر انه موجب للقتل في الرابعة لا في الثالثة وان كانت كبيرة، قلنا: انها موجبة للقتل في الثالثة الا الزنا فانه موجب للقتل في الرابعة، وأنه أحوط. قوله: " والتوبة تسقط الحد الخ " قد مر دليل سقوط الحد بالتوبة قبل اثبات الموجب بالبينة لا بعده. وكذا التخيير بين الاقامة وعدمها إذا تاب بعد الثبوت بالاقرار في الزنا واللواط وهذا مثلها. قوله: " وتعزر الاجنبيتان الخ " وقد مر دليل تعزير المرأتين المجردتين في لحاف وازار واحد من غير حاجز بينهما. ووجه التقييد بالاجنبية ما فهم، وكذا الحد بعد تكرر التعزير في الثالثة. ثم انه يحتمل القتل بعد الحد ثلاث مرات أو مرتين على ما تقدم في صاحب الكبيرة، وعدمه للشبهة، والدرء، والتخفيف، وعدم العلم فيحتمل تكرار التعزير والحد ثالثا وهكذا دائما، فتأمل. قوله: " ولو القت ماء الرجل الخ " قد مر في الاخبار رجم المساحقة بعد

(1) وغرمت مهر مثل البكر لها - خ.

[ 125 ]

وطي زوجها بالبكر فحملت من ماء زوجها وجلد البكر بعد وضع حملها وتغريم المساحقة مهر المثل للباكرة، ولحوق الولد بزوجها. ولكن المصنف وغيره - مثل المحقق القائلين بعدم الرجم في السحق - عملوا بها الا في الرجم حيث ثبت عندهم عدم الرجم على المساحقة، فكأنهم عملوا بها في غير هذا الجزء، فاسقطوه بالمعارض الاقوى. ولكن قد عرفت عدم معارض اقوى منها وان هذا بعيد. ويحتمل ان يكون لهم دليل آخر على هذه الاحكام واسقطوا هذه الرواية بالكلية، أو قالوا: انها حكاية مخصوصة بما وقعت. ويحتمل أيضا القول بالرجم في التي القت ماء زوجها في فرج وحملت فقط لهذه الرواية وخص ما يدل على عدم الرجم بغير هذه الصورة ان كان دليلا، والا تجعل هذه دليل الكل. ولكنه بعيد، فان القتل - خصوصا على هذه الصورة - يحتاج إلى دليل قوي مع التخفيف في الحدود، والاسقاط بالشبهة والدرء. ونقل عن ابن إدريس اسقاط هذه بالكلية بخروجها عن القواعد، فان الباكرة باغية لا مهر لها، فلا يلحق الولد بالزوج ايضا لان الولد للفراش، والباكرة مختارة وليست فراشا له ولا شبهة ايضا، وقد امر ان الحد هو الجلد فجلدتا. وفيه نظر لانه ورد بها نص صريح صحيح وليس له معارض في العقل والنقل، فانه ما ثبت الجلد مطلقا بدليل، لما عرفت. وليس هذا بزنا، والماء ماء الرجل فيمكن ان يحكم الشارع باللحوق وان لم يحكم بالزنا. وكونها مختارة لهذا الفعل، لا ينافي المهر بسبب ازالة البكارة فانها ما اختارت ذلك ومع ذلك لا بعد فيه للنص.

[ 126 ]

ويجلد القواد - وهو الجامع بين الرجال امثالهم للواط وبينهم وبين النساء للزنا - خمسا وسبعين جلدة ويحلق رأسه ويشهر وينفى. وبالجملة لا معنى لرد النص ولا لبعضه بامثال ذلك الا ان يرى له دليلا. ويحتمل لحوق الولد بالباكرة أيضا للولادة من غير زنا والصدق لغة، ويحتمل عدم كون مثله موجبا له شرعا، فتأمل. قوله: " ويجلد القواد الخ " دليل حد القواد، رواية عبد الله بن سنان، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اخبرني عن القواد ما حده؟ قال: لا حد على القواد، أليس انما يعطى الاجر على أن يقود؟ قلت: جعلت فداك انما يجمع بين الذكر والانثى حراما، قال: ذاك المؤلف بين الذكر والانثى حراما؟ فقلت: هو ذلك (ذاك - خ ل)، قال: يضرب ثلاثة ارباع حد الزاني - خمسة وسبعين سوطا - وينفى من المصر الذي هو فيه، قلت: جعلت فداك، فما على رجل وثب على امرأة فحلق رأسها؟ قال: يضرب ضربا وجيعا ويحبس في سجن المسلمين حتى يستبرأ شعرها، فان نبت اخذ منه مهر نسائها، وان لم ينبت اخذ منه الدية كاملة - - خمسة آلاف درهم - خ) - قلت: فكيف صار مهر نسائها ان نبت شعرها؟ فقال: يابن سنان ان شعر المرأة وعذرتها يشتركان في الجمال، فإذا ذهب بأحدهما وجب لها المهر كاملا (كملا - خ ل) (1). انت تعلم ما فيها سندا لوجود محمد بن سليمان المشترك. ودلالة فانها لم تدل على الحلق، ولا على الشهرة، وانها لم تدل أيضا على الذي يجمع بين الرجلين، ولا بين المرأتين وعلى تقدير العموم فاستثناء المرأة من النفي والحلق الذي يراد به الجز هنا والشهرة، يحتاج إلى دليل، الا أن يقال: الاصل

(1) الوسائل أورد صدره في باب 5 حديث 1 من ابواب حد السحق والقيادة ج 18 ص 429 وذيله في باب 30 حديث 1 من ابواب ديات الاعضاء ج 19 ص 255.

[ 127 ]

سواء الحر والعبد، والمسلم والكافر، والرجل والمرأة الا في الجز والشهرة والنفي فيسقط عنها. وتثبت بالاقرار مرتين من البالغ العاقل الحر المختار، وبشهادة عدلين. العدم، ثبت في الرجل بالاجماع ولا اجماع ولا غيره في المرأة. وبالجملة، اصل ثبوت هذا الحكم، ثم تعميمه - بجعله أعم من أن يكون المؤلف مسلما أو كافرا، ذكرا أو انثى، حرا أو عبدا الا في المرأة فيسقط هذه الثلاثة، الجز، والشهرة، والنفي - غير ظاهر الدليل. قوله: " ويثبت بالاقرار الخ " أي يثبت القيادة أو السحق أو كل واحد منهما بالاقرار مرتين ممن يصح اقراره، وهو البالغ العاقل الحر المختار، وبشهادة عدلين. دليل الاول، دليل اقرار العقلاء على انفسهم جائز (1) مع الاحتياظ في الحدود، والتخفيف، والدرء في حدود الله بالشبهة (2)، وعدم حصول الزنا واللواط الا بالاربعة، فالاعتبار، والاصل، يشعر بعدم الاكتفاء بالمرة، وسوق الخبر الدال على اعتبار العدد، يشعر باعتباره في امثال ذلك، فتأمل. ودليل الثاني، ثبوت حجية العدلين، فهما حجة شرعية الا ان يدل دليل على العدم واعتبار الزيادة، فتأمل. وبالجملة دليل هذه الاحكام، غير واضح الا ان يكون اجماعا. وقد نقل في شرح الشرائع اتفاق الكل على ثبوت الجلد المذكور على القواد، وانما الاختلاف في ثبوت الزيادة، مثل الحلق، والنفي، والشهرة، فان كانت الحجة

(1) عوالي اللئالي: ج 1 ص 223 وج 2 ص 257 وج 3 ص 443 طبع مطبعة سيد الشهداء - قم. (2) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 236.

[ 128 ]

هو الخبر فقط، ينبغي الاقتصار على مضمونه فيدخل النفي أيضا دونهما. ولكن لم يثبت في غير المؤلف بين الذكر والانثى للزنا وان كان غيره من الاجماع يعمل به فيما إذا ثبت، ولا يتعدى عن الدليل، فتأمل.

[ 129 ]

المقصد الرابع في حد القذف وفيه مطلبان: الاول: في أركانه وهي ثلاثة: (الاول) الصيغة، وهي الرمي بالزنا أو اللواط، مثل انت زان، أو لائط، أو منكوح في دبره، أو زنيت أو لطت، أو يا زان، أو يا لائط، أو انت زانية أو زني بك، وما اشبه ذلك. قوله: " الاول الصيغة الخ " معنى القذف لغة معلوم، وهو الرمي ولعله شرعا نسبة شخص بالزنا أو اللواط. دليل تحريم القذف، وكونه موجبا للجلد، نص الكتاب: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (1).

(1) النور: 4.

[ 130 ]

والمراد من القذف، الرمي بالزنا، قاله المفسرون. والسنة، وهي كثيرة، مثل حسنة عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قضى أمير المؤمنين عليه السلام ان الفرية ثلاثة (ثلاث - خ) - يعني من ثلاث وجوه - إذا رمى الرجل، الرجل بالزنا، وإذا قال: ان امه زانية، وإذا ادعى لغير أبيه فذلك فيه حد، ثمانون (1). ولعله يريد الاشارة إلى اصول صيغة القذف، فيدخل قذف المرأة الرجل وبالعكس في الاول، فان المقصود منه قذف المواجه بانه زنى، رجلا كان أو امرأة وكذا المواجه. الثاني أن لا يقذف المواجه والمخاطب، بل غيره، مثل ان قذف امه واباه. والثالث قذف الولد بانه غير حاصل من أبيه. والباقي ليس بخارج منها فان الغرض الاشارة والتمثيل ليتضح. والظاهر أن لا خلاف بين المسلمين في انه موجب للحد ثمانين جلدة في الجملة وان وجد الخلاف بينهم في بعض الفروع. ويدل على ذلك - في القذف بالزنا في المرأة - اخبار كثيرة، مضافة إلى الآية، وعلى ثبوته أيضا بالرمي باللواط، أخبار كثيرة. مثل رواية عباد البصري عن جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: إذا قذف الرجل الرجل فقال: انك لتعمل (تعمل - خ ئل) عمل قوم لوط تنكح الرجال؟ قال: يجلد حد القاذف ثمانين جلدة (2). ومثلها رواية غياث، قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن رجل

(1) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 432. (2) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 433 وفيه: عن نعيم بن إبراهيم بن عباد البصري.

[ 131 ]

قال لرجل: انك لتعمل عمل قوم لوط قل: يضرب حد القاذف ثمانين جلدة (1). وسيجئ في خبر عباد بن صهيب من لزوم الحد على من قال: يا منكوحا في دبره (2). وانه افحش من الزنا فيلزم بقذفه حده بالطريق الاولى مع نفي الزيادة بالاصل، فتأمل. وله أركان ثلاثة (ركنه - خ) الاول الصيغة، مثل أنت، أو هو، أو فلان، أو فلانة زان، أو لائط، أو زانية أو زنيت أو لطت، وبطريق النداء: يا زان أو زانية أو يا لائط أو يا منكوحا في دبره أو زنى بك فلان. وفي كونها قذفا للمخاطب، اشكال، بل الذي يقتضي قواعد الحد، عدمه فانه صريح في قذف الفاعل وهو فلان. وأما المخاطب والمخاطبة، فلا لجواز كونهما مكرهين أو مشتبها عليهما أو نائمين، نعم لا شك انه قذف لو قصد ذلك وعلم فحد لها أيضا. الا أن يقال: انه ظاهر في ذلك في مقام الشتم، وانه مجمع عليه، وكأنه - عرفا - معناه ذلك. ويدل عليه خبر عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته كان علي عليه السلام يقول: إذا قال الرجل للرجل: يا مفتوح (معفوج - ئل) ومنكوحا (يا منكوح - ئل) في دبره فان عليه الحد حد القاذف (3). فتأمل، فان الاحتمال الضعيف شبهة دارئة للحد، وانه لو قال: ما أردت

(1) الوسائل باب 3 ذيل حديث 2 بالسند الثالث نقلا عن الشيخ رحمه الله ج 18 ص 433. (2) الوسائل باب 3 حديث 2 بالسند الاول ج 18 ص 433. (3) الوسائل باب 3 حديث 2 من ابواب حد القذف، وفيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: كان علي عليه السلام يقول: إذا قال الرجل للرجل الخ ج 18 ص 433.

[ 132 ]

باي لغة كان مع معرفته. وكذا، لست بولدي لمن اعترف به أو لست لابيك. ذلك أو كذلك، يقبل منه ولا يحد، والعرف، والاجماع غير ظاهرين، والخبر ضعيف. ولا فرق في تحقق القذف بالرمي بلسان دون آخر، ولكن يشترط معرفة اللافظ، فان لم يكن عالما بمعناه وقال كلاما موجبا للحد وقذفا عند العارف (القاذف - خ) لم يحد ويصدق في ذلك ان امكن عدم معرفته بذلك ولا يشترط عدم المقذوف سابقا، فانه إذا علم ان ذلك قذف في لسان المتكلم يثبت عليه الحدان من غير توقف على شئ آخر لتحقق معنى القذف فيدل على ثبوته، أدلة حد القذف. وكذا يتحقق القذف بقول شخص لولده الذي اقر انه ولده: لست بولدي فانه قذف لامه بانه حصلته من الزنا، ولو لم يقر لم يثبت الحد لجواز نفيه باللعان. وكذا إذا قال لولد غيره: لست لابيك، فانه قذف لامه بالزنا. قيل: اشار بالتسوية بين المثالين إلى رد بعض العامة ان الاول ليس بقذف، إذ قد يقول ذلك شخص لتأديب ابنه بخلاف الثاني. وهو باطل لعدم حصر التأديب في ذلك وعدم جوازه إذا كان صريحا في القذف (أو كان - خ) ظاهرا. ولا فرق بينهما في المفهوم إذا كان الثاني قذفا فالاول كذلك. ولكن في ذلك تأمل مر، إذ قد تكون امه حصلته بالشبهة أو الاكراه، وليس بصريح في القذف بالزنا للام لغة الا أن يقال: قد صار عرفا صريحا في الرمي به، فتأمل. ويفهم من شرح الشرائع كونه لغة وعرفا صريحا في الرمي الموجب للحد، فتأمل.

[ 133 ]

ولو قال: زنت بك امك أو يابن الزانية، فقذف للام. و (لو قال) زنا بك ابوك أو يابن الزاني فقذف للاب. ويابن الزانيين وزنا بك ابواك، فلهما. ولاشك في اثبات التعزير للمواجه الذي هو الولد، فان لم يكن موجبا للحد للام يكون موجبا للتعزير لها أيضا، فتأمل. قوله: " ولو قال: زنت بك الخ " لو قيل لشخص: زنت بك امك أي حصلتك امك من زنا أو يابن الزانية، فلا شك انه قذف للام بالزنا فيحد لها، واذاء للولد فيعزر له زائدا على الحد بناء على ما تقرر من لزوم التعزير لكل كبيرة لو كان القذف بالنسبة إلى المواجه كبيرة كما يظهر من كلامهم حيث يوجبون بذلك، التعزير. وفيه تأمل لعدم ثبوت الصغرى والكبرى الا أن يكون اجماعيا كما يظهر من كلامهم أو انه ثبت بالاجماع كل ما يكره المواجه من الكلام إذا لم يكن قذفا موجبا للحد ولا جائزا بوجه موجب للتعزير كما يظهر من كلامهم، فتأمل. قوله: " ولو قال: زنا بك ابوك الخ " ولو قال احد لاحد: زنى بك ابوك أي حصلك ابوك من الزنا، فهو قذف للاب بالزنا من غير شك وليس بقذف للام لاحتمال الاشتباه والكراهة بالنسبة إليها. وأصرح منه قوله: (يابن الزاني) فيحد للاب، ويعزر للولد. وفيه ما مر. وإذا قال: يابن الزانيين أو زنى بك ابواك أي حصلاك من الزنا فهو قذف للاب والام بالزنا فيحد لهما، وفي التعزير للولد ما مر. ولو قال: ولدتك امك من الزنا، فهو قذف للام فقط، لان معناه حصلتك من الزنا فتكون هي زانية وما نسب الزنا إلى غيرها.

[ 134 ]

و (لو قال) ولدتك امك من الزنا قذف للام وولدت من الزنا قذف لهما على اشكال. قوله: " لو قال: ولدت من الزنا الخ " ظاهره ان الاشكال في قوله: (ولدت) فيحتمل حينئذ كونه قذفا لهما معا لان المتبادر من هذا اللفظ كونه حاصلا من الزنا كولد الزنا، فان الولادة من الزنا، وولد الزنا واحد. ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى الام فقط، فان الولادة تنسب في الاكثر إليها فهو كقوله: ولدتك امك من الزنا. ويحتمل بالنسبة إلى الاب فقط فانه الاصل المحصل، والولادة تنسب إليه أيضا، لانه الوالد. ويحتمل عدم الحد اصلا فانه ليس بصريح في نسبة الزنا إليهما معا. ويحتمل احدهما فقط ولما لم يتعين احدهما ولم يمكن الحد لاحدهما لا على التعيين فيسقط للشبهة الدارئة، ولعدم تعيين المستحق كما أنه إذا سمع أنه قذف شخص شخصا لا على التعيين ولم يعلم المقذوف وقد يفرق (1). وعدمه (2)، فيمكن الحد إذا طلبا معا على الاجمال. ولا خفاء في انه لما كان مبنى الحد على التخفيف والاسقاط للشبهة، فمع احتمال ضعيف، يسقط فلا يحد لهما معا لاحتمال صدق هذا الكلام باعتبار زنا احدهما، ولما لم يتعين ذلك أيضا فلا يحد ولا يعزر. ولا يبعد حد واحد بطلبهما معا لئلا يحصل للناس الجرأة على قذف بعضهم بعضا ولا يفتح هذا الباب ولكن قد ينسد بالتعزير. والظاهر أن هذه الاحتمالات تجري في قوله: (ولدتك امك من الزنا)

(1) يعني يفرق بين المثال والممثل. (2) عطف على قوله: كونه قذفا.

[ 135 ]

ويا زوج الزانية أو يا أبا الزانية أو يابن الزانية أو أخا الزانية، قذف للمنسوب إليه دون المواجه. وزنيت بفلانة أو لطت بفلان، قذف للمواجه والمنسوب على اشكال. ايضا لاحتمال أن تكون الولادة التي ولدتها امه كانت من الزنا ولم يعلم من الزاني بخصوصه؟ فتأمل وان كان احتمال كونه قذفا للام فقط اظهر. ويحتمل قذفا لهما بل قذف الاب فقط على احتمال اضعف كما يظهر من الشرائع. قوله: " ويا زوج الزانية الخ " لا شك في أن، يا زوج الزانية، ويا أبا الزانية ويا أخا الزانية، قذف بالنسبة إلى الزوجة والبنت المضاف اليهن، فانه صريح في ذلك فان كانت واحدة فهو ظاهر. وان كانت متعددة، فيحتمل السقوط لعدم تعيين المستحق والحد للجميع كما مر واما المواجه فيحتمل التعزير وقد مر مرارا. ولو قال: وزنيت بفلانة أو لطت بفلان، فهو قذف للمواجه المخاطب من غير اشكال. واما كونه قذفا بالنسبة إلى المنسوب إليه، ففيه إشكال ينشأ من انه قذف له عرفا، ومن أنه لغة ليست بصريحة (1)، فانه مع كون المنسوب إليه مكرها أو مشتبها عليه أو نائما، يصدق هذا اللفظ، والعرف غير ظاهر، والاصل عدم وجوب الحد. والدرء للشبهة والبناء على التخفيف يدل على العدم، نعم يمكن التعزير له أيضا بناء على اثباته مطلقا، فتأمل.

(1) هكذا في النسخ والصواب: ليس بصريح.

[ 136 ]

ولو قال: يا ديوث أو يا كشخان أو يا قرنان، وفهم ارادة الرمي للاخت والام والزوجة حد والا عزر ان افادت الشتم، والا فلا. (الثاني) القاذف، ويشترط فيه: البلوغ، والعقل، سواء الذكر، والانثى فيعزر الصبي والمجنون وان قذفا كاملا. قوله: " ولو قال: يا ديوث الخ " قيل: الديوث (1) قذف بالزوجة بأن زوجته زنت، والكشخان هو قذف بالام، والقرنان هو قذف بالاخت. والذي يفهم من المتن ان الديوث رمي للاخت، والكشخان للام، والقرنان بالزوجة. وعلى كل حال ان كان معلوما كون كل واحد قذفا بالنسبة إلى من كانت فهو قذف موجب للحد له وان لم يعرف كونه قذفا وعلم كونه شتما يكون فيه التعزير بناء على ما مر والا فلا شئ. واعلم أنه ما علم محل ثبوت التعزير هل هو في كل محرم، صغيرا كان أو كبيرا كما يظهر من كثير من المواضع بحيث يصرحون بالتعزير مع عدم عده في الكبائر (2)، إذ الكبائر كما صرح به في بعض المواضع، مثل الشرائع (3) في أوائل الحدود وسيجئ تحقيق ذلك. قوله: " الثاني القاذف الخ " الركن الثاني القاذف. دليل اشتراط البلوغ والعقل في القاذف مطلقا ذكرا كان أو انثى، هو سقوط التكليف عنهما مع عموم دليل الحد الشامل للذكر والانثى، والكافر والمسلم

(1) يقال: الديوث هو الذي يدخل الرجل على زوجته، والقرنان هو الذي يرضى أن يدخل الرجال على بناته والكشخان من يدخل الاخوات (مجمع البحرين). (2) هذه العبارة ناقصة كما لا يخفى. (3) في آخر الباب الثالث (حد القذف) من الشرائع: كل من فعل محرما أو ترك واجبا فللامام تعزيره بما لا تبلغ حدا وتقديره إلى الامام ولا تبلغ به حد الحر في الحر ولا حد العبد في العبد (انتهى).

[ 137 ]

وفي المملوك قولان: (احدهما) انه كالحر و (الآخر) ان عليه النصف. وكذا الخلاف في الامة، فلو ادعاها صدق مع الجهل، وعلى مدعي الحرية البينة. على الظاهر. فلا حد على الصبي، ولا على المجنون بل يعزران على ما يراه الحاكم حتى لا يؤذيان المسلمين ولا يحصل الفساد به. ولا فرق في ذلك بين أن يقذفا البالغين العاقلين الكاملين بشرائط المقذوف ام لا. وفي اشتراط الحرية في تمام الحد خلاف، فقيل: العبد والامة مثل الحر والحرة في حد القاذف فيحدان حدا كاملا، لعموم الادلة. وقيل: عليهما نصف ما على الاحرار، قياسا على الزنا، فتأمل. ولو ادعى القاذف الرقية على القول بالتنصيف صدق، فيحد نصف الجلد، للاصل، وللدرء، وللتخفيف. ويحتمل التصديق من غير يمين لذلك، واليمين، بناء على عموم، اليمين على من انكر، وعلى مدعي حريته، البينة لعموم، البينة على المدعي، فتأمل. واعلم أن المذهب الاول، هو قول الاكثر، وعليه الادلة ايضا اكثر، مثل قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات " (1)، المفهوم من الذين، هو العموم عرفا ولغة، من جهة اشعار الوصف بالعلية وغير ذلك، لا لانه جمع معرف بلام الجنس كما قيل، فانه خلاف ما تقرر عندهم فهو شامل للعبيد والاماء. وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قذف العبد الحر

(1) النور: 4.

[ 138 ]

جلد ثمانين، وقال: هذا من حقوق الناس (1). ورواية أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن عبد افترى على حر؟ فقال: يجلد ثمانين (2). ولا يضر وجود محمد بن الفضيل (3). ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في مملوك قذف حرة محصنة؟ قال: يجلد ثمانين لانه انما يجلد بحقها (4). ولا يضر موسى بن بكر (5). ورواية أبي بكر الحضرمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عبد قذف حرا؟ فقال: يجلد ثمانين هذا من حقوق المسلمين (الناس - خ ئل)، فأما ما كان من حقوق الله عزوجل، فانه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحد (6). ولا يضر عدم التصريح بتوثيق أبي بكر، مع توثيقه في كتاب ابن داود. ومثلها، عن ابن بكير (7).

(1) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 435. (2) الوسائل باب 4 حديث 7 من ابواب حد القذف ج 18 ص 435. (3) سنده كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن اسماعيل، عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني. (4) الوسائل باب 4 حديث 8 من ابواب حد القذف ج 18 ص 435. (5) سنده كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة. (6) الوسائل باب 4 حديث 10 من ابواب حد القذف ج 18 ص 437 ولاحظ ذيله. (7) الوسائل باب 4 حديث 14 من ابواب حد القذف ج 18 ص 437.

[ 139 ]

ولا يضر عدم توثيقه، ويكفي كونه ممن اجمع على تصحيح ما صح عنه. ورواية بكير عن احدهما عليهما السلام انه قال: من افترى على مسلم ضرب ثمانين، يهوديا كان أو نصرانيا أو عبدا (1). وصحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن العبد يفتري على الحر، قال: يجلد حدا (2). وهو ظاهر في الحد التام للقذف، وهو ثمانون جلدة. ونقل عن ابن بابويه (3) والمبسوط جلد اربعين نصف الثمانين. واستدل عليه باصالة البراءة، وهو مضمحل بما سمعت من الادلة. وبانه يثبت في الزنا نصف الحد للمملوك وليس هذا اعظم منه فلا يكون حده اكثر وقد يمنع ذلك بالنص (4). وبقوله تعالى: " فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " (5). ضمير (اتين) للاماء ولا فرق بينها وبين العبيد، والظاهر من الفاحشة اي فاحشة كانت كما هو مقتضى النكرة في الاثبات لا فاحشة معينة لعدم الفهم من النكرة، ولزوم الاجمال الذي هو خلاف الاصل فلا يحتاج إلى كونها عامة، بل ليس بمعقول ولا يفيد (ولا بمفيد - خ) للمطلوب، فان المطلوب ليس الاتيان بكل واحدة

(1) الوسائل باب 4 حديث 13 من ابواب حد القذف ج 18 ص 436. (2) الوسائل باب 4 حديث 18 و 19 من ابواب حد القذف ج 18 وفي الثاني بعد قوله: (حدا) الا سوطا أو سوطين. (3) كانه علي فان محمدا صرح بانه في الفقيه (منه رحمه الله) هكذا في هامش بعض النسخ. (4) راجع الوسائل باب 31 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 401. (5) النساء: 25.

[ 140 ]

(الثالث) المقذوف، ويشترط فيه: البلوغ، والعقل، والحرية، واحدة من الفاحشة وهو ظاهر. فلا يرد ان الاستدلال موقوف على كونها للعموم، والنكرة في الاثبات ليست للعموم كما قاله في الشرح. نعم قد يقال: انها عبارة عن الزنا، قاله المفسرون، ويدل عليه ما قبلها (1) ولا قائل بعمومها، فتأمل. وبرواية القاسم بن سليمان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد إذا افترى على الحر كم يجلد؟ قال: اربعين، وقال: إذا اتى بفاحشة فعليه نصف العذاب (2). ولا شك في دلالتها على المطلوب الا ان القاسم مجهول ولم يمكن الاستدلال به خصوصا مع مخالفتها ظاهر الكتاب والاخبار الكثيرة والشهرة. ونسبها الشيخ في التهذيب إلى الشذوذ، ويمكن حملها على التقية، فان ذلك مذهب الشافعي، والحنفي من العامة قاله في الشرح. ثم قال: والعجب أن المحقق والمصنف نقلا فيها قولين ولم يرجحا احدهما مع ظهور الترجيح، فان القول بأربعين نادر جدا (3). يفهم منه ان تعجبه من شهرة ذلك القول وندرة هذا وليس ذلك محل التعجب، بل محله خلاف الدليل، فتأمل. قوله: " المقذوف ويشترط الخ " شرائط المقذوف، التكليف، بالبلوغ، والعقل، والاسلام، والحرية، والعفة عن الزنا غير المتظاهر.

(1) فان قبل هذه الجملة قوله تعالى: " فانكحوهن بإذن أهلهن واتوهن اجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا احصن فإن أتين " الخ. (2) الوسائل باب 4 حديث 15 من ابواب حد القذف ج 18 ص 437. (3) شرح الارشاد للشهيد الاول عنه قول المصنف: وفي المملوك قولان الخ.

[ 141 ]

والاسلام، والعفة، فلو قذف صبيا، أو عبدا، أو مجنونا، أو كافرا، أو متظاهرا بالزنا عزر. دليل ذلك كله آية (1) القذف المشتملة على الاحصان المفسر بها كلها، المؤيدة بالاخبار والاشتهار، بل الاجماع. ولو قذف من استجمع شرائط القاذف غير المكلف، لم يحد بل يعزر. اما انتفاء الحد، فلما تقدم، ولصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يقذف الصبية، يجلد؟ قال: لا حتى تبلغ (2). وصحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا حد لمن لا حد عليه يعني لو ان مجنونا قذف رجلا لم أر عليه شيئا، ولو قذفه رجل فقال له: يا زان لم يكن عليه حد (3). ورواية أبي مريم الانصاري، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الغلام لم يحتلم فقذف (يقذف - ئل) الرجل، هل يجلد؟ قال: لا وذلك (كما ان - خ) لو ان رجلا قذف الغلام لم يجلد (4). وفيها دلالة على اشتراط تكليف القاذف أيضا. وما في رواية أبي بصير، قال: وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل

(1) وهى قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتو بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا، واولئك هم الفاسقون " النور: 4. وفي مجمع البيان للطبرسي ج 7 هكذا: (المعنى) لما تقدم ذكر حد الزنا عقبه سبحانه بذكر حد القاذف بالزنا فقال سبحانه: " والذين يرمون المحصنات " أي يقذفون العفائف من النساء بالفجور والزنا وحذف لدلالة الكلام عليه... الخ. ج 7 ص 198 - 199. (2) الوسائل باب 5 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 440. (3) الوسائل باب 19 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 332. (4) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 439.

[ 142 ]

يقذف الجارية الصغيرة فقال: لا يجلد الا أن قد ادركت أو قاربت (1). ولعله يريد ب‍ (قاربت) انها بلغت ولكن بعد، ما كملت وادركت بحيث ترشد وتعرف الامور وجرت عليها ما يجري على النساء بحسب العادة من مجيئ الحيض ونحوه فتأمل. واما ما يدل على ثبوت التعزير، فلما مر، ولما سيأتي. ولو قذف كافرا فعل حراما، فلا حد عليه، ويعزر لما مر، ولرواية اسماعيل بن فضيل (الفضل - ئل) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الافتراء على أهل الذمة واهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا ولكن يعزر (2). وورد في الصحيح، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام انه نهى عن قذف من ليس على الاسلام الا ان يطلع على ذلك منهم، فقال: ايسر ما يكون ان يكون قد كذب (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام انه نهى عن قذف من كان على غير الاسلام الا ان تكون قد اطلعت على ذلك منه (4). وهما يدلان على الجواز على تقدير العلم بانه زنى. وينبغي تقييدهما بما إذا لم يكن بالنسبة إلى مذهبهم أيضا نكاحا كما دل عليه رواية أبي الحسن الحذاء، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسألني رجل ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة، فنظر الي أبو عبد الله عليه السلام نظرا

(1) الوسائل باب 5 حديث 3 بالسند الثالث ج 18 ص 439. (2) الوسائل باب 17 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 450. (3) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 430. (4) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 430.

[ 143 ]

شديدا، قال: فقلت: جعلت فداك انه مجوسي امه، اخته، فقال: أو ليس ذاك (ذلك - ئل) في دينهم نكاح؟ (1). ويمكن حملها على الجواز على سبيل الشهادة كما في المسلمين، فتأمل. وتدل عليهما - لو كان المقذوف مملوكا - رواية عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو اتيت برجل قذف عبدا مسلما بالزنا لا نعلم منه الا خيرا لضربته الحد حد الحر الا سوطا (2). وفي طريق التهذيب والكافي: (عبد العزيز العبدي) (3)، وهي صحيحة في الفقيه. وفيها دلالة ما على عدم مثل هذا التعزير في العبد الكافر. وعلى اطلاق الحد على التعزير. وعلى اشتراط العفة في الحر، والتعزير (4). وان المراد بالعفة عدم العلم منه الا خيرا، وتعيين التعزير في الجملة. ويدل أيضا على نفي الحد - على تقدير انتفاء العفة - الاصل، ومفهوم الآية، وقول الاصحاب. وعلى اثبات التعزير، ما تقدم من القاعدة، وما سيجئ. وانه قد يثبت التعزير في رمي الكافر بالزنا، ففي المسلم المتظاهر بالطريق الاولى.

(1) الوسائل باب 1 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 340. (2) الوسائل باب 4 حديث 2 منها بطريق الصدوق بالسند الثاني ص 34. (3) سنده كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبيد بن زرارة ولم ينقلها في الوسائل من التهذيب. (4) يعني يدل على اشتراط العفة في التعزير.

[ 144 ]

ولو قال لمسلم حر: يابن الزانية وكانت كافرة أو أمة عزر على رأي. وقد يمنع ذلك وليس باجماعي، وإليه اشار بقوله: (على رأي). ونقل النظر من الشهيد رحمه الله، لما روي عن الصادق عليه السلام: إذا ظاهر الفاسق بفسقه، فلا حرمة له ولا غيبة (1). وما في بعض الاخبار (2): تمام العبارة، الوقيعة في أهل الريب. ويأتي ما معناه أيضا، وسيجئ زيادة التحقيق، وقد صرح في القواعد والنهاية أيضا ثبوت التعزير لعدم صحة الخبر وصراحتها في ذلك. ويحتمل أن يكون المراد غير الرمي في الزنا لفحشه، وعدم الحرمة له لا يستلزم جواز فحشه وكذا الوقيعة فيه، فتأمل. ثم ان الظاهر ان المتظاهر باللواط يكون مثل المتظاهر بالزنا، فلا حد على قاذفه بذلك الرمي بالزنا المتظاهر، لان حكمه حكمه. ويحتمل العدم، فيحد دائما لانه افحش. ولان الاحصان انما قيد في الزنا في اللواط فيبقى عموم أدلة الحد به على حاله. وعلى تقدير سقوطه فالظاهر عدم سقوط التعزير. ويحتمل سقوطه أيضا مع القول بسقوطه بالرمي بالزنا مع التظاهر. واما رمي الرجل بالزنا، فالظاهر عدم اشتراط حده بالاحصان أيضا كالمرأة لانه زنى وان كانت الآية في النساء فحكمه معلوم من حكمها، قياسا، ومن بعض الاخبار، وكأنه للاجماع وعدم القائل بالفرق. قوله: " ولو قال لمسلم حر الخ " ولو قال شخص لمسلم حر: يابن الزانية

(1) الوسائل باب 154 حديث 4 من ابواب احكام العشرة ج 8 ص 604 وفيه: إذا جاهر الفاسق الخ. (2) يستفاد ذلك من حديث 1 من باب 39 من ابواب الامر والنهي من الوسائل: أيضا ج 11 ص 508.

[ 145 ]

وكانت امه كافرة أو أمة، لم يلزم بقذفهما الحد ويجب عليه التعزير. اما التعزير، فلما مر وسيأتي من أن توجيه مثل هذا الكلام إلى مخاطب مسلم إذا لم يكن موجبا للحد، موجب للتعزير. واما عدم الحد فان موجبه القذف بالزنا ولا شك انه ليس برمي للمخاطب بالزنا فانه ليس مما وضع له، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا. نعم هو قذف بالنسبة إلى امه وهي كافرة أو أمة بالفرض وهما ممن لا يجب بقذفهما الحد، لعدم الاحصان وهو شرط كما مر، والاصل، والدرء، والتخفيف مؤيد، وهذا واضح. ومع ذلك نقل عن الشيخ في النهاية، الحد لحرمة الولد وقد عرفت انها لا توجب الحد بل التعزير. ولرواية محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: النصرانية واليهودية تكون تحت المسلم فيقذف ابنها (قال - خ)، يضرب القاذف (الحد - خ)، لان المسلم قد حصنها (1). هكذا وجدتها في التهذيب (2)، وفي الطريق، معلى بن محمد وابان المشترك، والقطع (3) بعدم النقل عن الامام عليه السلام. وفي الكافي كذا الا بتغيير، مثل عدم معلى بن محمد في الطريق (4)،

(1) الوسائل باب 17 حديث 6 من ابواب حد القذف بالسند الثاني ج 18 ص 450. (2) في التهذيب الذي عندنا المطبوع بالطبع الحجري ص 410 بالسند المذكور، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام وكذا في التهذيب المطبوع بالطبع الجديد ج 10 ص 75 حديث 55 وص 67 حديث 13. (3) بناء على النسخة التي ذكرنا لا قطع. (4) لكن في فروع الكافي المطبوع في مجلدين ج 2 ص 296 وج 7 ص 209 بالطبع الجديد هكذا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء عن ابان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 146 ]

والظاهر انه ساقط، ولهذا نقل في التهذيب عنه، ووجوده في مثل هذا السند كثير وبعد نقل الحسين عن الوشاء ووجود (فيجلد) قبل (فيقذف) و (الحد) بدل (حد). وفي الدلالة أيضا مناقشة حيث قال: (ابنها) فليس بصريح في قذف الام وان كان قوله: (لان المسلم حصنها) يدل على أن المراد من قذف ابنها قذفه فيها فهو قذفها. ويمكن حمل الحد على التعزير جمعا بين الادلة. ونقل في شرح الارشاد والشرائع، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام انه سئل عن اليهودية والنصرانية تحت المسلم فيقذف ابنها؟ قال: يضرب القاذف لان المسلم قد حصنها (1). وقال فيهما: ضرب القاذف ليس بصريح في الحد. وقال في شرح الشرائع: فيها قصور في السند والدلالة، اما الاول، فلان في طريقها بنان بن محمد، وحاله مجهول، وابان وهو مشترك بين الثقة وغيره (2). واما الثاني، فلما قلناه من الوجهين من قوله: (يقذف ابنها) ليس بصريح في قذفها، وضرب القاذف ليس بصريح في الحد، قال: هذا على الرواية التي رواها في التهذيب، واما الكليني، فانه رواها بطريق آخر ليس فيها (بنان) وذكر في متنها بدل (ويضرب القاذف) (ويضرب الحد الخ) (3) وقد رايتها فيهما بطريق واحد متنا وسندا كما ذكرت ثم رأيت في التهذيب الرواية على الوجه الذي ذكراه (4) فتأمل.

(1) الوسائل باب 17 حديث 6 بالسند الاول من ابواب حد القذف ج 18 ص 450. (2) سندها كما في التهذيب باب الحد في الفرية الخ هكذا: محمد بن علي بن محبوب، عن بنان بن محمد، عن موسى بن القاسم بن الحكم جميعا، عن ابان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام وفي الوسائل موسى بن القاسم وعلي بن الحكم جميعا الخ وكذا في الوافي ج 3 ص 56. (3) الكافي باب حد القاذف حديث 21 من كتاب الحدود ج 2 ص 296. (4) يعني شارح الارشاد والشرائع.

[ 147 ]

ولو قال للكافر وامه مسلمة حرة، حد. ولو قال لابن الملاعنة، أو لابن المحدودة بعد التوبة، حد لاقبلها. الظاهر أن تقييد الولد بالمسلم الحر ليكون ممن يجب الحد له لو قذف حتى يجري فيه الخلاف لو قذف بامها، وترك في الشرائع، كأنه للظهور كما في الرواية فيحتمل في المطلق، فتأمل. واما وجوب حد القذف لام المواجه، على تقدير كون المواجه كافرا وامه مسلمة حرة محصنة، فهو (وهو - خ) ظاهر فان القذف للام وقد وجدت فيها الشرائط، وكفر الولد المواجه لا يمنع ذلك، نعم قد يمنع من التعزير للمواجه، فتأمل. قوله: " ولو قال لابن الملاعنة الخ " أي لو قال قاذف لابن الملاعنة التي لاعن زوجها: يابن الزانية أو قال لابن الزانية التي حدت وتابت ذلك، حد في الموضعين. ولو قذف المحدودة قبل التوبة لا حد عليه. اما الاول فظاهر، لان الفرض وجود شرائط الحد بالقذف الا انها ملاعنة، ومعلوم أن كونها ملاعنة لا يمنع الحد، فانه باللعان لا تصير معروفة بالزنا حتى تخرج عن كونها محصنة ولم تصر مشهورة بالزنا، وعدم تنافيه لباقي الشرائط، أظهر. وتدل عليه أيضا رواية سليمان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يجلد القاذف للملاعنة (2). وسليمان مشترك ولا يضر، فتأمل. وعن ابن محبوب، عن بعض اصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

(1) في الوسائل - يعني ابن خالد. (2) الوسائل باب 8 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 442.

[ 148 ]

يجلد قاذف ابن الملاعنة (1). واما الثاني، فلأن الحد والتوبة قد اسقطا عنها الذنب فصارت عفيفة كمن لم يزن، فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهي محصنة، وباقي الشرائط موجود فيحد قاذفها. وتدل عليه رواية اسماعيل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام وأبا الحسن عليه السلام، عن امرأة زنت فأتت بولد واقرت عند امام المسلمين بأنها زنت وأن ولدها ذلك من الزنا، فاقيم عليها الحد، وان ذلك الولد نشأ حتى صار رجلا فافترى عليه رجل، هل يجلد من افترى عليه؟ فقال: يجلد ولا يجلد، فقلت كيف يجلد ولا يجلد. قال: فقال: من قال له: يا ولد الزنا لم يجلد، انما (و - خ) يعزر وهو دون الحد، ومن قال له: يابن الزانية جلد الحد تاما (كاملا - ئل)، فقلت: كيف صار هذا هكذا؟ فقال: انه إذا قال: يا ولد الزنا كان قد صدق فيه وعزر على تعييره امه ثانية وقد اقيم عليها الحد وإذا قال له: يابن الزانية جلد الحد تاما لفريته عليها بعد اظهارها التوبة واقامة الامام عليها الحد (2). وفي السند والمتن تأمل، بخلاف ما إذا كان القذف قبل التوبة فانها حينئذ غير عفيفة لثبوت الزنا عليها شرعا ولم تخرج عن حكمها بالتوبة فلم تكن محصنة فلا يوجد شرط حد قذفها. ومنه يعلم ان ليس للحد دخل، فان المدار على التوبة، فانها متى وجدت توبة مقبولة مسقطة، كانت محصنة فيحد قاذفها، والا فلا الا ان التوبة بدون الحد نادرة فيقيد به، فتأمل.

(1) الوسائل باب 8 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 442 وفيه: قاذف اللقيط ويحد قاذف الملاعنة. (2) الوسائل باب 7 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 441.

[ 149 ]

ويعزر الاب لو قذف ولد أو (و - خ) زوجته الميتة إذا كان هو الوارث، ولو كان غيره حد له تاما. ثم انه يمكن التعزير للمواجه، سواء حد لتحقيق شروط القذف ام لا، فتأمل. قوله: " ويعزر الاب الخ " لو قذف اب، ولده لم يحد الاب للولد مع تحقق شرائط الحد، لان الاب لو قتل الولد لم يقتل به فلا يحد له، نعم يعزر لانه فعل غير مشروع (به - خ) موجب للتعزير وليس هذا حق الولد، بل حق الله المحض، ولسد باب القذف، فتأمل. ويدل على عدم الحد حسنة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ فقال: لو قتله ما قتل به، وان قذفه لم يجلد له، قلت: فان قذف ابوه امه؟ فقال: ان قذفها وانتفى من ولدها تلاعنا ولم يلزم ذلك الولد الذي انتفى منه وفرق بينهما ولم يجلد له (1)، قال وان كان قال لابنه وامه حية: يابن الزانية ولم ينتف من ولدها جلد الحد لها ولم يفرق بينهما، قال: وان كان قال لابنه: يابن الزانية وامه ميتة ولم يكن لها من يأخذ بحقها منه الا ولدها منه، فانه لا يقام عليه الحد، لان حق الحد قد صار لولده منها، فان كان لها ولد من غيره، فهو وليها يجلد له، وان لم يكن لها ولد من غيره وكان لها قرابة يقومون باخذ الحد، جلد لهم (2). وكذا لو قذف الاب زوجته التي هي ام ولده وهي ميتة ليس لها وارث غير الولد الذي منه، لا يحد الاب، لان الحق صار إليه وقد عرفت انه لا يحد إذا قذفه ولا يقتل إذا قتله، فعدم الحد لقذف امه الذي هو حقه، بالطريق الاولى، وهنا أيضا يتوجه التعزير لما مر.

(1) (ولم تحل له ابدا) بدل (ولم تجلد له) الوسائل. (2) الوسائل باب 14 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 447.

[ 150 ]

ويحد الولد بقذف الوالد، والام بقذف الولد، وبالعكس. ولو كان لها وارث غير الولد الذي له من الزوج القاذف يحد له حدا تاما فانه إذا لم يكن، حد الاب للولد، ينتقل تمام الحد إلى وارثها الذي غير ذلك الولد، فان حق غير ولده لم يسقط، والحد لم يتبعض فانه ليس بحق الناس محضا. وتدل عليه رواية عمار (الساباطي - ئل)، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لو ان رجلا قال لرجل: يابن الفاعلة - يعني الزنا - وكان للمقذوف اخ لابيه وامه فعفى احدهما عن القاذف واراد احدهما ان يقدمه إلى الوالي ويجلده كان له ذلك؟ فقال: أليس امه هي ام الذي عفى ثم قال: ان العفو اليهما جميعا إذا كانت امهما ميتة فالامر اليهما في العفو وان كانت حية، فالامر إليها في العفو (1). وفي اخرى له عنه عليه السلام قال: سمعته يقول: ان الحد لا يورث كما يورث الدية والمال (والعقار - خ) ولكن من قام به من الورثة وطلبه، فهو وليه، ومن تركه ولم يطلبه فلا حق له وذلك مثل رجل قذف (رجلا - خ) وللمقذوف اخ (اخوان - خ ل ئل) فان عفا عنه احدهما كان للآخر أن يطلبه بحقه، لانها امهما جميعا، والعفو إليهما جميعا (2). وعن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الحد لا يورث (3). قوله: " ويحد الولد والام الخ " حد الولد بقذف الوالد ظاهر، لوجود الشرائط، بل كان ينبغي ان يكون اكثر واغلظ، ولكن التغليظ والكثرة يحتاج إلى النص وما وجد، فاقتصر على الحد المشهور والمعلوم. وكذا لو قذف الام. وتحد الام أيضا لو قذفت ولدها لما مر ولم يثبت ان الام مثل الاب، فان

(1) الوسائل باب 22 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 456. (2) الوسائل باب 22 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 456. (3) الوسائل باب 22 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 457.

[ 151 ]

المطلب الثاني: في الاحكام يجب بالقذف مع الشرائط ثمانون جلدة متوسطا بثيابه. مجرد ثبوت حقها عليه لا يوجب ذلك، لعموم ادلة الحد وعدم ثبوت كون ذلك مسقطا شرعا، وهو ظاهر. قوله: " يجب بالقذف الخ " دليل كون الحد ثمانين جلدة هو الكتاب (1)، والسنة، والاجماع. ودليل كون الجلد، المتوسط مع الثياب دون التجرد، هو الصدق، فيكفى مع قلة الاذاء الذي الاصل عدمه، والروايات. مثل رواية الشعيري، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ينزع من ثياب القاذف الا الرداء (2). ورواية اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام (أبي الحسن عليه السلام - كا - يب - ئل)، قال: المفتري يضرب بين الضربين، يضرب جسده كله فوق ثيابه (3). ومثلها اخرى له عنه عليه السلام (4). ومضمرة سماعة بن مهران، قال: سألته عن الرجل (رجل - كا) يفتري كيف ينبغي للامام ان يضربه؟ قال: جلد بين جلدين (5) (الجلدين - ئل).

(1) اما الكتاب فقوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية، سورة النور: 4، واما السنة والاجماع فمعلومان كما تقدم. (2) الوسائل باب 15 مثل حديث 4 بالسند الثاني ج 18 ص 448. (3) الوسائل باب 15 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 448. (4) الوسائل باب 15 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 448 إلى قوله: (كله). (5) الوسائل باب 15 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 448، وفيه: سألت أبا عبد الله عليه السلام.

[ 152 ]

ويشهر لتجتنب (ليجتنب - خ ل) شهادته. ويثبت باقرار المكلف الحر المختار مرتين، وبشهادة عدلين. وفي رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الزاني أشد ضربا من شارب الخمر، وشارب الخمر أشد ضربا من القاذف، والقاذف أشد ضربا من التعزير (1). واما تشهيره ليجتنب شهادته فلم اقف على دليل له فكأنه، ما ذكره، وذلك غير مثبت له، فتأمل. قوله: " ويثبت باقرار المكلف الخ " لا شك في ثبوت القذف باقرار المقر المتصف بشرائط صحة الاقرار، المتقدمة، مرتين به على وجه لا يحتمل غيره لغة، وعرفا أو شرعا. وكذا بالشاهدين العدلين، لما تقدم من أن إقرار العقلاء على انفسهم جائز، أي ماض. وقد دل عليه الكتاب (2)، والسنة، والاجماع. وأن العدلين حجة شرعية يثبت بهما كل شئ الا ما خرج عنه بالدليل وهو الزنا، فانه كان محتاجا إلى الاربعة. وإنما البحث في ثبوته بغيرهما، فيحتمل ثبوته بالاقرار مرة، لما مر عن غير دليل يقتضي التكرار، فانه كان في الزنا فقط، والقياس ليس بحجة ان امكن. الا أن يقال: لا نص فيها على خصوص سماع الاقرار هنا، ولا عموم بحيث يشمل، بل انما هو بعض الاطلاقات، والتخفيف في الحدود والدرء بالشبهة، والاحتياط تقتضي عدم الخروج عن الشهرة، فتأمل.

(1) الوسائل باب 15 حديث 5 من ابواب حد القذف ج 18 ص 488. (2) لعله قدس سره نظر إلى عموم الكتاب الدال على الاستشهاد بعدلين مثل قوله تعالى: واشهدوا ذوى عدل منكم.

[ 153 ]

ولو تقاذفا عزرا. ولا يسقط الحد الا بالبينة المصدقة أو تصديق المقذوف أو العفو، ويسقط بذلك. واما عدم ثبوته بغير العدلين، مثل العدل الواحد واليمين، فهو ظاهر لما مر، مع انه لا يمين في حد كما مر، وانما يثبت بهما الحقوق المالية. وكذا غيره من الرجل والمرأتين، لما مر من ان الاحتياط في الحدود وعدم ثبوته، حجة شرعية مطلقا، وكذا الاربع من النساء. قوله: " ولو تقاذفا عزرا " يعني إذا قذف احد الشخصين صاحبه قذفا موجبا للحد وكذا قذفه صاحبه، لا يثبت على أحدهما الحد للتعارض الموجب للتساقط، ويعزران لفعلهما المحرم الموجب للتعزير لعمومه. وتدل عليهما صحيحة أبي ولاد الحناط، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اتي أمير المؤمنين عليه السلام برجلين قذف كل واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه؟ قال: فدرأ عنهما الحد، وعزرهما (1). وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه؟ فقال: يدرأ عنهما الحد ويعزران (2). قوله: " ولا يسقط الا بالبينة الخ " أي إذا ثبت الحد بموجبه لا يسقط بعد الا بامور: (الاول) البينة الشرعية، المثبتة للزنا والمصدقة - يحتمل بكسر الدال وفتحه - أي صدقه القاذف أو صدقها الشارع وقبلها، وهي البينة التي يثبت بها الزنا وقد تقدم شرائطها وعددها. فإذا قذف أحد شخصا بالزنا وجاء باربعة شهداء المعتبرة يثبت بها الزنا على المقذوف ولم يثبت الحد على القاذف، ولا على الشهود وان لم تكن مقبولة

(1) الوسائل باب 18 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 451. (2) الوسائل باب 18 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 451.

[ 154 ]

حدت الشهود والقاذف ولا يجوز الرمي به الا للشهود والمدعي الذي له شهود يشهدون على الوجه الذي يقبل عند الشارع وان كان صادقا ورأي ما قال الا للزوج مع التلاعن. ويجوز الشهادة بدون المدعي فيجتمع الشهود المعتبرة ويشهدون ويثبت بذلك، ولا حد عليهم. (الثاني) تصديق المقذوف واقراره بما نسب إليه من الفعل القبيح ولو مرة واحدة وقلنا: لا يثبت عليه الحد الا بمرتين فان ذلك موجب لتصديقه فلا معنى (نفع - خ) للمؤاخذة بالافتراء عليه، فتأمل. (الثالث) عفو صاحب الحق فانه حق الناس كما سمعت. ويسقط باسقاط مستحقه وتدل عليه الاخبار أيضا وقد تقدم بعضها. ورواية سماعة، قال: سألته عن الرجل يفتري على الرجل، ثم يعفو عنه، ثم يريد ان يجلده بعد العفو؟ قال: ليس له ذلك بعد العفو (1). وما في اخرى له، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ليس له حد، بعد العفو وقال: العفو إلى امه (الامام - خ) وان كانت قد ماتت، فانه ولي امرها يجوز عفوه (2) وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: رجل جنى علي اعفو عنه أو ارفعه إلى السلطان؟ قال: هو حقك ان عفوت عنه فحسن، وان رفعته إلى الامام فانما طلبت حقك وكيف لك بالامام (3)!

(1) الوسائل باب 21 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 455. (2) الوسائل باب 20 قطعة من حديث 3 من ابواب حد القذف والظاهر ان في النقل سقطا فان الحديث هكذا: ليس له حد بعد العفو قلت: ارأيت ان هو قال: يابن الزانية فعفا عنه وترك ذلك لله؟ فقال: ان كانت امه حية فليس له ان يعفو، العفو إلى امه متى شاءت اخذت بحقها فان كانت امه قد ماتت فانه ولي امرها يجوز عفوه. (3) الوسائل باب 20 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 454.

[ 155 ]

وباللعان في الزوجة. فهي تدل على أن العفو حسن، وانه لا يحتاج إلى الامام. والظاهر ان الجناية تعم القذف، الله يعلم. وكأنه لذلك نقلها الشيخ في باب القذف، فتأمل. وصحيحة ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يعفى عن الحدود التي لله دون الامام، فاما ما كان من حق (حقوق - ئل) الناس في حد فلا بأس ان يعفى عنه دون الامام (1). ورواية عمار الساباطي وقد مرت. وفي كثير من الاخبار انه من حقوق الناس، وانه يوفى، كما سيجئ. واما صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن الرجل يقذف امرأته؟ قال: يجلد، قلت: ارأيت ان عفت عنه؟ قال: لا ولا كرامة (2). فهي مضمرة وان كان الظاهر انه عن الامام عليه السلام، وواحدة في مقابل اخبار كثيرة، وأظن انها ليست بصريحة في عدم السقوط بالعفو، بل ولا ظاهرة فيمكن حملها على الكراهة أو القول بمضمونها في مادة الزوجة. وقال الشيخ: انه إذا كان بعد الرفع إلى الحاكم فلا عفو، وقبله له العفو، وجمع بين الاخبار بذلك فذهب إلى عدم العفو مطلقا إذا كان بعد الرفع إلى الحاكم، لرواية محمد (3). وهي قاصرة عن ذلك كما ترى. وحمل الاولى على القتل، وهو بعيد، وسيجئ ذلك في العفو عن السرقة. (الرابع) اللعان وهو مخصوص في رمي الزوجة.

(1) الوسائل باب 20 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 454. (2) الوسائل باب 20 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 454. (3) قد تقدمت آنفا.

[ 156 ]

وكل تعريض بما يكرهه المواجه يوجب التعزير، كأنت ولد حرام، أو حملت بك امك في حيضها، أو لم اجدك عذراء، أو احتلمت بامك البارحة، أو يا فاسق، أو يا كافر أو يا خنزير، أو يا حقير، أو يا وضيع، أو يا اجذم، أو يا أبرص. فالحد (1) يسقط بالثلاثة المتقدمة وباللعان، وإليه اشار بقوله: (ويسقط بذلك وباللعان في الزوجة). وتدل عليه الاخبار، بل الكتاب (2)، وقد مر في بحث اللعان طرف منها فتذكر وترك استثناء التقاذف، بناء على الظهور. قوله: " وكل تعريض بما يكره الخ " هو الاهانة والعقوبة التي لا تقدير لها شرعا غالبا، بخلاف الحد، وموجبه كل تعريض مخاطب بخطاب يكرهه ولم يكن قذفا لغة ولا شرعا ولا عرفا، فانه إذا كان كذلك يكون موجبا للحد لا التعزير. والظاهر ان كل ما يؤذي المسلم بغير حق، بل كل ذنب غير موجب للحد، موجب للتعزير وليس بمخصوص بالخطاب إلى مواجه بما يكرهه كما يفهم من تضاعيف الابحاث. ولانه لا خصوصية له بالمخاطب، بل باللفظ والكلام أيضا، فان سببه كونه معصية وذنبا فيؤخذ أينما وجد. واما الدليل على الكلية فلا يكاد ان يوجد ما يكون نصا فيه. نعم قد يوجد في الاخبار ما يمكن فهمه منها، وقد مر بعضها. مثل صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن

(1) وفي بعض النسخ هكذا: فالحد بقذف الزوجة يسقط الخ. (2) يعني بها آية اللعان.

[ 157 ]

رجلين افترى كل واحد منهما (على - ئل) صاحبه؟ فقال: يدرأ عنهما الحد ويعزران (1). ومثلها صحيحة أبي ولاد الحناط (2) وقد تقدمت. وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام - ئل)، عن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه تعزير (3). ورواية اسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الافتراء على أهل الذمة، واهل الكتاب هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا ولكن يعزر (4). ورواية جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قال للرجل: أنت خبيث (خنث - خ ل ئل) أو أنت خنزير فليس فيه حد ولكن فيه موعظة وبعض العقوبة (5). ومضمرة سماعة، قال: سألته عن شهود الزور (زور - ئل) فقال: يجلدون حدا، ليس له وقت وذلك إلى الامام ويطاف بهم حتى يعرفهم الناس الخ (6). هذا في غير المواجه. ورواية منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة ولم يستأمرها، قال: يفرق بينهما، قال: قلت: فعليه

(1) الوسائل باب 18 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 451. (2) الوسائل باب 18 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 451. (3) الوسائل باب 19 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 452. (4) الوسائل باب 17 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 450. (5) الوسائل باب 19 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 452. (6) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب بقية الحدود والتعزيرات ج 18 ص 584.

[ 158 ]

أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطا ونصف، ثمن حد الزاني وهو صاغر، قلت: فان رضيت المرأة الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل؟ قال: لا يضرب، ولا يفرق بينهما يبقيان على النكاح الاول (1)، كذا في الكافي. وفي التهذيب بدلها (أمة) (الامة - ئل)، وهو الاصح. هذا أيضا في غير المواجه وغير الكلام، ومن (2) المواضع التي عين فيها التعزير. وفي مضمونها تأمل، وفي سندها جهالة، وارسال وهو صالح بن سعيد، عن بعض اصحابنا (3) وفي مضمرة اسحاق وسماعة وأبي بصير: ان آكل الربا بعد البينة يؤدب (4). وفي رواية اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: انه قال: آكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير عليه (عليهم - ئل) أدب، فان عاد ادب وليس عليه حد (5). ورواية أبي مخلد السراج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل دعى آخر، ابن المجنون فقال له الآخر: انت ابن المجنون فامر الاول ان يجلد صاحبه عشرين جلدة، وقال له: اعلم انه ستعقب (مستعقب - ئل) مثلها عشرين فلما جلده اعطى المجلود السوط فجلده عشرين،

(1) الوسائل باب 49 حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 415. (2) عطف على قوله قدس سره في غير المواجه يعني هذا من المواضع التي الخ. (3) سندها كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن سعيد عن بعض اصحابنا، عن منصور بن حازم. (4) راجع الوسائل باب 7 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 581 وفيه وسماعة عن أبي بصير بدل (وأبي بصير). (5) الوسائل باب 7 حديث 3 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 581.

[ 159 ]

نكالا، ينكل بهما (1). والاوليان في غير المواجه وغير الكلام أيضا، وفي الاخيرة تعيين التعزير فتأمل. ورواية مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اتى امرأته وهي صائمة وهو صائم؟ قال: ان كان استكرهها فعليه كفارتان وان لم يستكرهها فعليه كفارة وعليها كفارة وان كان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد وان كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا وضربت خمسة وعشرين سوطا (2). هذا أيضا في غير المواجه وغير الكلام، وفيه أيضا تعيين التعزير، وتحمل الرجل تعزير المرأة وكفارتها مع الاكراه. ورواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أتى اهله وهي حائض؟ قال: يستغفر الله ولا يعود، قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم خمسة وعشرون سوطا ربع حد الزاني وهو صاغر، لانه اتى سفاحا (3). وهذه أيضا غير المواجه وغير الكلام مع تعيين التعزير. ورواية أبي حنيفة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لآخر: يا فاسق قال: لا حد عليه ويعزر (4). ورواية أبي مريم قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الهجاء (على - خ) التعزير (5) هذا أيضا في غير المواجه.

(1) الوسائل باب 19 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 452. (2) الوسائل باب 12 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 585. (3) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 586. (4) الوسائل باب 19 حديث 4 من ابواب حد القذف ص 453. (5) الوسائل باب 19 حديث 5 من ابواب حد القذف ص 453.

[ 160 ]

ورواية محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض؟ قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي استدباره نصف دينار، قال: قلت: جعلت فداك يجب عليه شئ من الحد؟ قال: نعم خمس وعشرون سوطا ربع حد الزاني، لانه اتى سفاحا (1). هذه في غير المواجه وفي غير الكلام. وفيها وجوب التعزير، وتسميته حدا، والكفارة في الحيض بالتفصيل في الجملة فانه ما ذكر في آخره شيئا. ولعلها (لعل - خ) حملها على الاستحباب من قال بالاستحباب للقصور متنا وسندا للجهل بمحمد بن جعفر وأبي حبيب (2) فتأمل، وقد مر البحث في ذلك في اول الكتاب. ويفهم التعزير في كل ما يؤذي المسلمين، من رواية الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ان رجلا لقى رجلا على عهد امير المؤمنين عليه السلام فقال: ان هذا افترى علي؟ قال: وما قال لك؟ قال: انه احتلم بام الآخر، قال: ان في العدل ان شئت جلدت ظله، فان الحلم انما هو مثل الظل ولكنا سنوجعه ضربا وجيعا حتى لا يؤذي المسلمين فضربه ضربا وجيعا (3). فيمكن استفادة الكلية من هذه الاخبار، وكأن ذلك مرادهم واشار (4) إلى ذلك بكثرة الامثلة، مثل أن قال لمخاطب: انت ولد حرام فان ذلك ليس

(1) الوسائل باب 13 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 15 ص 586. (2) سندها كما في الكافي هكذا: علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن محمد بن جعفر، عن أبي حبيب عن محمد بن مسلم. (3) الوسائل باب 24 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 458. (4) يعني المصنف في المتن.

[ 161 ]

بموجب للحد، للاصل، وعدم ثبوت كونه صريحا في العرف بولد الزنا فانه كثيرا ما يقال ذلك على الذي خبيث شيطان يصدر منه افعال قبيحة مشتملة على التزوير. فقول ابن إدريس: انه يفهم منه عرفا كونه ولد زنا وحاصلا من الزنا - فهو موجب للحد -، غير ظاهر. ويؤيده الشهرة، وادرأوا، ومبنى الحدود على التخفيف، والاحتياط. وقوله: (حملت امك في الحيض) أيضا موجب للتعزير لا الحد، فان الوطء في الحيض ليس بزنا بل الوطء فيه حرام، فهو مشعر بوقوعه في الحيض وان لم يكن صريحا في ذلك فهو موجب للتعزير، لان فيه اذاء له بمجرده، سواء كان اسنادا لامه أوله، إلى الحرام ام لا وحينئذ يمكن التعزير لهما أيضا، فتأمل. واما قوله: (لم اجدك عذراء) فلا شك أنه موجب لاذاء زوجته، ولكن ليس برمي على الزنا - وهو ظاهر - فهو موجب للتعزير لا الحد. وتدل عليه الاخبار بخصوصها، مثل رواية أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل قال لامرأته: لم اجدك عذراء؟ قال: يضرب، قلت: فان عاد؟ قال: يضرب فانه يوشك ان ينتهي (1). ويحمل على التعزير. ويحمل رواية زرارة - كأنها صحيحة - عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس عليه شئ (ليس بشئ - ئل)، لان العذرة تذهب بغير جماع (2). تعليل لعدم لزوم شئ عليه يعني انه ما نسبها إلى الزنا فلا شئ عليه لاحتمال ذهابه بغير جماع، فهو مشعر بنفي الحد فان التعزير يثبت بغير النسبة إلى

(1) الوسائل باب 17 حديث 2 من كتاب اللعان ج 15 ص 609. (2) الوسائل باب 17 حديث 1 من كتاب اللعان ج 15 ص 609.

[ 162 ]

الجماع والزنا. وتؤيد في نفي الحد، رواية سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل قال لامرأته - بعد ما دخل بها -: لم نجدك (اجدك - خ ئل) عذراء؟ قال: لا حد عليه (1). ويحمل على التعزير ايضا صحيحة عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ان (إذا - ئل) قال الرجل لامرأته لم نجدها (اجدك - ئل) عذراء وليست له بينة يجلد الحد ويخلى بينه وبينها (2). فان كثيرا ما يقال الحد على التعزير في الروايات كما مر مرارا. ويحتمل الحد التام الحقيقي، ولكن مع التصريح بأن البكارة ذهبت بالجماع المحرم والزنا. وبالجملة لا يثبت الحد بمجرد القول بانه ما وجدها عذراء، بل يمكن مع التصريح بانها ذهبت بالجماع ما لم يأت بما يدل على انها ذهبت بالحرام والزنا، فضلا عن عدم وجدانها عذراء، فانها ليست بصريحة في عدم البكارة وذهابها قبل ان تأتي عنده، فتأمل. ولزوم التعزير بقوله: (احتلمت بامك) وعدم الحد ظاهر وعليه رواية بخصوصها وقد مرت. وكذا يا فاسق، ويا كافر، ويا خنزير وما شابه ذلك مما يدل على التحقير والاذى مثل الحقير والوضيع وما يدل على اتصافه بالامراض مثل الاجذم والابرص. هذا كله مع عدم استحقاق المقول في حقه، ذلك من القائل مثل ان فعل

(1) الوسائل باب 17 حديث 4 من كتاب اللعان ج 15 ص 610. (2) الوسائل باب 17 حديث 5 من كتاب اللعان ج 15 ص 610.

[ 163 ]

ولو كان المقول له مستحقا فلا تعزير. شيئا واستحق مثل الحقير والوضيع من الشارع تعزيرا له أو يتجاهر بالفسق ولا يبال من ان يقال له: يا فاسق. واما إذا تظاهر ومع ذلك يتأذى بالقول له: يا فاسق أو ذكره بين الناس بالفسق، فيمكن المنع عن ذلك وكونه موجبا للتعزير أيضا لعموم ما يدل على ذلك، وعلى عدم جواز الغيبة الا أن يكون المقصود من ذكره امتناعه بذلك عنه وهو ممن هو كذلك بظن القائل وعدم طريق اسهل إلى منعه، منه. ويحتمل جواز ذكره على ذلك الوجه حينئذ فلا يحرم ولا يستحق التعزير للخبر المشهور (لا غيبة لفاسق) (1) وان احتمل ان يكون معناه النهي عن غيبة الفاسق مثل (لا فسوق ولا جدال في الحج) (2) قاله الشهيد في قواعده. وقال في شرح الشرائع: والمراد بكون المقول له مستحقا للاستخفاف ان يكون فاسقا متظاهرا بفسقه، فانه لا حرمة له حينئذ، لما روي عن الصادق عليه السلام إذا جاهر الفاسق بفسقه، فلا حرمة له ولا غيبة له (3). وفي بعض الاخبار: من تمام العبادة، الوقيعة في اهل الريب (1). ورواية داود بن سرحان - في الصحيح - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فاظهروا البراءة منهم واكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم لئلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب (الله - خ) لكم بذلك

(1) عوالي اللآلي ج 1 ص 438 رقم 153 طبع مطبعة سيد الشهداء - قم. (2) البقرة: 197. (3) الوسائل باب 154 حديث 4 من ابواب آداب العشرة ج 8 ص 604. (4) بحار الانوار: كتاب العشرة، باب من لا ينبغي مجالسته ومصادقته ج 74 ص 204.

[ 164 ]

الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة (1). والظاهر ان مراده بقوله: والمراد بطريق التمثيل لا الحصر. وان الروايات السابقة على كلام شارح الشرائع غير ظاهرة الصحة ولا صريحة الدلالة في التعزير بكل ما يكره المخاطب. ويفهم من الرواية الاولى جواز مواجهة الفاسق بفسقه كفيته (2) كما مر فتأمل. وان المراد بالرواية الثانية ذكر جماعة من اهل البدع بالوقيعة فيهم ومن جهة بدعتهم حتى لا يتبعهم أحد. قيل: من احدث مذهبا ودينا غير دين الله ودعا الناس إليه فيجب على المسلمين ردهم عن ذلك وتزييفهم والوقيعة في دينهم بما يبطله وتشنيعهم على ذلك الدين مقتصرا على الواقع والتشنيع على ذلك الدين فقط لا غير. وصرح الشهيد في قواعده بانه يحتمل عدم جواز غيبة المخالف الا ان يذكره في دينه ويذمه على ذلك فقط ولا يتعدى إلى غيره، فتأمل، وكذا الثالثة. واعلم انه قد يفهم من كلام الاصحاب في هذا المقام، ومما تقدم من الاخبار، ان كل ما يكرهه المواجه بل كل محرم، موجب للتعزير، فهو يدل على عدم جواز اذاء المخالف، بل عدم جواز ذلك بالنسبة إلى بعض الكفار أيضا، فتأمل. الا ان يذكره المسلم بالوقيعة في دينه لدليل ان كان صحيحا وغير قذف ولا يقول: الابرص والاجذم، والحقير، والوضيع وان كان كذلك في الواقع ولا يقول في دينهم ما ليس فيه من القبائح كما يفهم ذلك من قواعد الشهيد. وأيضا يلزم التعزير على الصغائر مع القول بانها لم تقدح في العدالة، بل تقع

(1) الوسائل باب 39 حديث 1 من ابواب الامر والنهي ج 11 ص 508. (2) كذا في النسخ كلها مطبوعة ومخطوطة ولعل العبارة: (كغيبته) والله العالم.

[ 165 ]

ولو قذف جماعة بلفظ واحد وجاءوا به مجتمعين فحد واحد، وان تفرقوا به فلكل حد، ولو قذفهم على التعاقب، فلكل حد. مكفرة كما هو مذهب البعض، وهو بعيد، فتأمل. قوله: " ولو قذف جماعة الخ " ولو رمى شخص جماعة بالزنا بلفظ واحد، فان جاءوا عند الحاكم وادعو ذلك مجتمعين بدعوى واحدة فيحد القاذف حدا واحدا للجميع، لانه يصدق عليه انه حد فحصل المأمور به فسقط. وان جاءوا متفرقين فاثبت كل واحد عليه، حدا على حدته فلا يسقط الحدود عنه لواحد ولا يحد واحد للكل، لان الثابت هو المتعدد فكيف يسقط بالواحد. وان رماهم بألفاظ متعددة مرات مترتبة بان يقول: زنيت يا فلان، ثم يقول للآخر كذلك، فيجلد لكل واحد واحد، لما مر، بل ثبوت المتعدد هنا أولى، فتأمل. وتؤيد جميع ما ذكرنا صحيحة الحسن العطار - كأنه ابن زياد الثقة ولا يضر ابان (1) فان الظاهر انه الاحمر الذي ممن اجمعت عليه الخاصة - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قذف قوما جميعا فقال بكلمة واحدة؟ قلت: نعم، قال: يضرب حد واحد (حدا واحدا - ئل)، وان فرق بينهم في القذف ضرب لكل واحد منهم حدا (2). ورواية بريد، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يقذف القوم جميعا بكلمة واحدة، قال (له - خ): إذا لم يسمهم، فانما عليه حد واحد، وان سمى فعليه لكل واحد (رجل - ئل) حد (3).

(1) فان سنده كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن ابان بن عثمان عن الحسن العطار. (2) الوسائل باب 11 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 444. (3) الوسائل باب 11 حديث 5 من ابواب حد القذف ج 18 ص 445.

[ 166 ]

ويرث حد القذف وارث المال عن الذكر والانثى عدا الزوج والزوجة ولو ورثه جماعة فعفا أحدهم كان للباقي الجميع وان كان واحدا. وهذه تشعر بانه مع الكلمة ان جاءوا مجتمعين فواحد، والا فمتعدد. وصحيحة جميل (بن دراج - ئل) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل افترى على قوم جماعة، فقال: ان أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، وان أتوا به متفرقين ضرب لكل (منهم - ئل) حدا واحدا (1). ومثلها رواية محمد بن حمران (2) تحمل على رميه بكلمة واحدة لرواية بريد والحسن المتقدمتين فيكون التفصيل في الكلمة الواحدة لا مطلقا ويكون الاتيان بالفاظ متعددة موجبا لتقدير الحد مطلقا. ويحتمل العمل بظاهرها لصحتها فيكون التفصيل بالاتيان مجتمعين أو متفرقين مطلقا، فتأمل. قوله: " ويرث حد القذف الخ " يعني إن مات مستحق حد القذف يرث الحد جميع من يرث ماله الا الزوجة فانه لا حظ لها من الحد الذي يوجب (وجب - خ) لقذف زوجها، فانه ما حصل لها به أذاء. وكأنه للاجماع أيضا، والظاهر أن غيرها في الاسباب (الانساب - خ ل) كذلك، لما مر فتأمل. واما غيرهما من الاسباب فيرثون الحد ذكرا كان أو انثى بمعنى أنه لكل واحد المطالبة بذلك بدون اذن الآخر وشركته. وانه إذا عفا احدهم يكون للآخر المطالبة بكله لا انه سقط حصته ويطلب

(1) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 444. (2) الوسائل باب 11 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 444.

[ 167 ]

وللمستحق العفو قبل الثبوت وبعده ولا يقيمه الحاكم الا بعد مطالبته. من لا يعف (يعفا - خ) بحصته، فهو موروث، ولا كالمال (لانه كالمال - خ). وتدل عليه الشهرة والرواية، مثل رواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الحد لا يورث كما يورث الدية والمال والعقار، ولكن من قام به من الورثة وطلبه فهو وليه ومن تركه ولم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف رجلا وللمقذوف أخوان، فان عفا عنه احدهما كان للآخر ان يطلب بحقه لانها امهما جميعا والعفو إليهما جميعا (1). وعليه حملت رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: الحد لا يورث (2). أي لا يورث كالدية والمال. قوله: " وللمستحق العفو الخ " يعني ان الغالب في حد القذف انه حق الآدمي فلمستحقه، العفو عنه كسائر الحقوق قبل ثبوته عند الحاكم، وبالاقرار والبينة أو بعده بهما وبعلمه، للتخفيف والاحتياط في الحدود، و (ادرأوا الحدود بالشبهات) (3). وقد مرت الاخبار الدالة عليه مع تأويل ما يمنع عن ذلك من صحيحة محمد بن مسلم (4)، فتذكر. قوله: " ولا يقيم الحاكم الخ " من متفرعات انه حق آدمي، انه لا يقيم الحاكم الا بعد طلبه كما لا يحكم له في الاموال، والدماء بعد ثبوتها عنده الا بعد

(1) الوسائل باب 22 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 456. (2) الوسائل باب 22 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 457. (3) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 336. (4) لاحظ الوسائل باب 20 حديث 4 من ابواب حد القذف ج 18 ص 455.

[ 168 ]

ولا يطالب الاب لو قذف الولد (الوالد) الرشيد. مطالبته اياه، فتذكر. قوله: " ولا يطالب الاب الخ " إذا قذف ولد شخص وهو بالغ رشيد ولا ولاية لاحد عليه، يثبت له حق حد القذف على قاذفه، وليس لابيه ولا جده استيفاء ذلك الحد. وجهه ظاهر، وهو انه حقه وليس لاحد استيفاء حق احد ما لم يكن وليا أو وكيلا والفرض عدمهما الا أن يفرض الوكالة. ويفهم من مفهوم هذا الكلام ان للاب استيفاء حق القذف لو كان الولد صغيرا أو كبيرا غير رشيد، وذلك كأنه لثبوت ولايته التي له عليهما. ولكن ثبوت ذلك له من الولاية محل التأمل، فان دخول مثل هذا الحق تحت ولايته محل بحث. هذا على تقدير ثبوت حد القذف للصغير، وذلك غير معلوم، فانه يشترط بلوغ المقذوف على ما مر، نعم يتصور في البالغ السفيه. وحينئذ ثبوته له ابعد، إذ ثبوت مثل هذه الولاية له على السفيه غير معلوم، خصوصا إذا كان بعد زواله ثم وجد بعده، فانه يحتمل كون الولاية للامام عليه السلام وقد صرحوا بذلك، فان له التصرف الذي ليس له دخل في المال، ولهذا قالوا: انه له (1) يطلق وليس له ان يتزوج. وأيضا قد يعفو (يعفا - خ) عنه فكيف يستوفي الاب. وأيضا مقتضى كلامه أنه يجوز له العفو وقد لا يعفو الولد، فتأمل.

(1) يعني للسفيه.

[ 169 ]

ولو تكرر الحد ثلاثا قتل في الرابعة، ولو قذف فحد فقال: الذي قلت كان صحيحا، عزر، ولو كرر القذف فحد واحد، ولو تخلل الحد تعدد. ولو تنابز الكفار عزروا ان خشي الفتنة. قوله: " ولو تكرر الحد ثلاثا قتل في الرابعة " قد مر البحث في قتل من تكرر منه الكبيرة وانه قتل في الثالثة أو الرابعة، فتذكر. قوله: " ولو قذف فحد الخ " وجه التعزير إذا قال بعد الحد: (القذف الذي قلت كان صحيحا) ظاهر، وهو انه تعريض بما يكرهه المواجه، وغير موجب للحد إذ لا يحد في امر واحد مرتين وغير صريحة ايضا في ذلك. واما وجه عدم تكرر الحد لو قذف شخص واحدا مرة بعد اخرى من غير توسط قذف، فهو انه قذف فحد فيأتي بالمأمور به وخرج الحاكم عما وجب عليه ولا شئ غير ذلك. ووجه التكرر مع التوسط ظاهر، لان كل واحد موجب له فلابد من اتحاد موجبه. وايضا تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم، عن (أبي عبد الله عليه السلام) (1) في الرجل يقذف الرجل فيجلد فيعود عليه بالقذف؟ فقال: ان قال له: ان الذي قلت لك حق لم يجلد، وان قذفه بالزنا بعد ما جلده فعليه الحد، فان قذفه قبل ان يجلد بعشر قذفات لم يكن عليه الا حد واحد (2). وقد مر امثال ذلك من التداخل في الكفارات والاغتسال، فتذكر. قوله: " ولو تنابز الكفار الخ " أي لو لقب بعض الكفار بعضا بلقب قبيح

(1) هكذا في النسخ كلها لكن في الكافي والتهذيب والوسائل أبي جعفر عليه السلام. (2) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب القذف ج 18 ص 443.

[ 170 ]

وساب النبي صلى الله عليه وآله وأحد الائمة عليهم السلام يقتله السامع مع أمن الضرر. وعيره بالامراض، لم يعزروا بذلك الا ان يخشى حصول الفتنة والفساد بان يحصل منهم القتال والجرح أو يتعدى إلى المسلمين فيعزرهم الامام بما يراه كما في غير هذه الصورة. وهذا هو المشهور بل وما نقل الاكثر فيه الخلاف. ولعل وجهه انه يجوز للامام ان لا يتعرض بهم ويخليهم ومذهبهم في الحدود وهنا بالطريق الاولى، فتأمل فيه. ويحتمل ان يكون المراد إذا وجد من الطرفين أي لقب هذا ذاك وبالعكس مع عدم زيادة احدهما على الآخر وحينئذ لا يوجبه ويسقط كما يسقط الحد بيننا بالتقاذف وان بقي التعزير كما مر، فتأمل. بل يحتمل حمله على عدم كونه مقتضيا عندهم شيئا من التعزير أو عدم حرمة لهم فلا يلزم من كسر حرمة بعضهم بعضا، شئ حتى يلزم بالتعزير، ولهذا لو تظاهر الفاسق، قيل: يسقط حرمته ولا يعزر له لذلك، فتأمل. قوله: " وساب النبي صلى الله عليه وآله الخ " الدليل على قتل من سب النبي صلى الله عليه وآله، معلومية وجوب تعظيمه من الدين ضرورة، والذي يسبه منكر لذلك ويفعل خلاف ما علم من الدين ضرورة، مثل رمي المصحف في القاذورات وإهانة الله، واهانة الدين والاسلام، والعبادات، وشعائر الله. ونقل في شرح الشرائع ان جواز قتل الساب محل وفاق. وتدل عليه النصوص، مثل ما في الرواية الطويلة، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن أبيه عليهما السلام، قال: اخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال (ان) الناس في اسوة سواء، من سمع أحدا يذكرني، فالواجب عليه ان يقتل من يشتمني (شتمني - خ ل)، ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان

[ 171 ]

إذا رفع إليه ان يقتل من نال مني (1). وحسنة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ان رجلا من هذيل كان يسب رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ ذلك، النبي صلى الله عليه وآله، فقال: من لهذا؟ فقام رجلان من الانصار فقالا: نحن يا رسول الله فانطلقا حتى إذا أتيا عرنة (عربة - ئل كا) فسألاه (فسألا عنه - ئل)، فإذا هو بتلقاء (يلى - خ ل) (يتلقى - ئل) غنمه فلحقاه بين اهله وغنمه فلم يسلما عليه، فقال: من انتما؟ وما اسمكما، فقالا له: انت فلان بن فلان؟ قال: نعم فنزلا فضربا عنقه، قال محمد بن مسلم: فقلت لابي جعفر عليه السلام: ارأيت لو ان رجلا الآن سب النبي صلى الله عليه وآله أيقتل؟ قال: ان لم تخف على نفسك فأقتله (2). وفي رواية مطر بن ارقم، عن أبي عبد الله عليه السلام (3) أيضا ما يدل عليه. ثم ان الرواية تدل على وجوب قتله، وكذا بعض العبارات مثل المتن وقال في الشرائع: من سب النبي صلى الله عليه وآله جاز لسامعه قتله ما لم يخف (4). فعله يريد رفع التحريم والمنع، فيكون الجواز بالمعنى الاعم. والظاهر ان المراد بالسب، والشتم، والنيل شئ واحد، وهو ما يقتضي النقص، ومعلوم انه مشروط بعدم حصول الضرر على القاتل نفسه وماله وعرضه وكذا سائر المسلمين بمعنى أنه لو ظن امثال ذلك يجوز له ترك قتله على تقدير الوجوب. ويحتمل وجوب ترك قتله حينئذ كما هو الظاهر، ويكون فرق بينه وبين

(1) الوسائل باب 25 قطعة من حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 459. (2) الوسائل باب 25 حديث 3 من ابواب حد القذف ج 18 ص 460. (3) الوسائل باب 26 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 460. (4) في الشرائع: ما لم يخف على نفسه الضرر أو ماله أو غيره من أهل الايمان، وكذا من سب احد الائمة عليهم السلام.

[ 172 ]

سبه صلوات الله عليه وآله بنفسه فيكون هناك مخيرا بين التسليم للقتل وبين ان ينالوا ويخلصوا انفسهم من القتل كفعل عمار (1)، المشهور، فتأمل. وما أمير المؤمنين عليه السلام، فهو ملحق به، لانه نفسه كما تدل عليه الآية (2) والاخبار (3). وتدل عليه ايضا رواية عبد الله بن سليمان العامري، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اي شئ تقول في رجل سمعته يشتم عليا عليه السلام ويتبرأ (يبرأ - خ ل ئل) منه؟ قال: فقال لي: والله (هو - ئل) حلال الدم، وما الف رجل منهم برجل منكم، دعه (4). وصحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل سبابة لعلي عليه السلام؟ قال: فقال لي حلال الدم والله لولا ان تعم به بريئا، قال: قلت: فما تقول في رجل موذ لنا؟ قال: فيما ذا؟ قلت: فيك يذكرك، قال: فقال لي: له في علي عليه السلام نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذاك ويظهره؟ قال: لا تعرض له (5). وتدل على جواز ترك قتله، رواية أبي الصباح الكناني، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام:، ان لنا جارا من همدان يقال له: جعل (الجعد - خ ل كا) بن

(1) راجع الوسائل باب 29 حديث 2 من ابواب الامر والنهي ج 11 ص 477. (2) قال الله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم الآية - آل عمران: 61. (3) راجع غاية المرام في حجة الخصام للمتتبع السيد هاشم البحراني الباب الثالث في قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك الخ فيه تسعة عشر حديثا من طرق العامة وخمسة عشر حديثا من طريق الخاصة ص 300 - 303. (4) الوسائل باب 27 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 462. (5) الوسائل باب 27 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 461.

[ 173 ]

عبد الله وهو يجلس الينا فنذكر عليا امير المؤمنين عليه وفضله فيقع فيه أتاذن لي فيه؟ فقال: يا ابا الصباح أفكنت فاعلا؟ فقلت: اي والله ان (لئن - خ كا) اذنت فيه لي فأرصدته (لارصدته - كا)، فإذا صار فيها اقتحمت عليه بسيفي فخبطته حتى اقتله، قال: فقال يا أبا الصباح هذا الفتك فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الفتك، يا أبا الصباح إن الاسلام قيد الفتك، ولكن دعه فستكفي بغيرك، قال أبو الصباح: لما رجعت من المدينة إلى الكوفة لم البث بها الا ثمانيه عشر يوما فخرجت إلى المسجد فصليت الفجر ثم عقبت، فإذا برجل يحركني برجلي (برجلة - كا)، قال: يا أبا الصباح، البشرى، قلت: بشرك الله بخير فما ذاك؟ قال: ان جعد بن عبد الله مات البارحة في داره التي في الجبانة فايقظوه للصلاة، فإذا هو مثل ذق المنفوخ ميتا فذهبوا يحملونه، فإذا لحمه يسقط عن عظمه فجمعوه في نطع (1)، فإذا تحته اسود، فدفنوه. وعن الحسن بن محبوب في الصحيح مثله (2). وفيها دلالة على استيذان الامام. وتدل عليه مرفوعة ابراهيم بن هاشم، عن بعض اصحاب أبي عبد الله عليه السلام - اظنه أبا عاصم السجستاني - اخبر أبا عبد الله عليه السلام بانه قتل سبعا ممن يشتم أمير المؤمنين عليه السلام، قال له: يا أبا خداش عليك بكل رجل منهم قتلته كبشا تذبحه بمنى، لانك قتلتهم بغير اذن الامام عليه السلام ولو انك قتلتهم باذن الامام عليه السلام لم يكن عليك شئ في الدنيا والآخرة (3).

(1) النطع بالكسر والفتح كغيب، وكطبق ايضا، بساط من الاديم ويجمع على انطاع ونطوع (مجمع البحرين). (2) فروع الكافي باب النوادر من كتاب الديات حديث 16 - 17 ج 2 طبع امير بهادري. (3) فروع الكافي باب النوادر من كتاب الديات حديث 17 ج 2 طبع امير بهادري.

[ 174 ]

ومدعي النبوة والشاك في نبوة نبينا صلى الله عليه وآله ممن ظاهره الاسلام وعامل السحر المسلم، يقتلون، ولو عمله الكافر ادب. وهي أيضا مشعرة بجواز ترك قتل الساب، فتأمل. ثم ان الظاهر من كلامهم الحاق الباقي من الائمة عليهم السلام به عليه السلام، ويدل عليه وجوب مودتهم وتعظيمهم الثابت بالنص كتابا (1) وسنة واجماعا، وكونه معلوما من الدين ضرورة. ويشعر به ما في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة حيث قال له: (في علي نصيب الخ) (2) أي ان كان يحب امير المؤمنين عليه السلام لا تعرض له ولا تقتل فكأنهم عليهم السلام لطفوا به، وهبوا به (وهبوه - ئل) بذلك. وكأنه اشارة إلى انه ليس من العداوة والبغض وعن (3) المعرفة، بل للجهل بحالهم عليهم السلام فيكون اشارة إلى كون الجاهل معذورا ولا شك في ذلك ان كان ممن يمكن الجهل في شأنه. وكذا في سائر الامور الضرورية كما قيل في مستحل ترك الصلاة فتأمل. والحقوا فاطمة سلام الله عليها بهم عليهم السلام أيضا، لانها بضعة منه وتعظيمها وحرمتها معلوم من دين الاسلام. قوله: " ومدعي النبوة يقتل الخ " دليل وجوب قتل مدعي النبوة انه يدعي حقية ما علم بطلانه من الدين ضرورة، فيرتد فيقتله. وهكذا (كذا - خ ل) وجوب قتل الشاك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله إذا كان مسلما ظاهرا، فانه ارتداد واضح من المسلم، فيجب قتله. نعم ذلك من الكفار غير موجب لشئ، لاقرارهم على دينهم ان كانوا من

(1) قال الله عزوجل: قل لا اسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى - الشورى: 23. (2) الوسائل باب 27 حديث 1 من ابواب حد القذف ج 18 ص 461. (3) هكذا في النسخ ولعل الصواب وعدم المعرفة.

[ 175 ]

أهل الذمة ومأمونا ان كان من غيرهم آمنين وان كان من غيرهم فهو موجب للقتل على الوجه المقرر في القتال. واما قتل الساحر من المسلمين ان كان مستحلا فهو ارتداد الا مع الدعوى وامكان القبول، فهو مثل غير المستحل. واما قتل غير المستحل وعدم قتل الكافر، فدليله رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل، قيل (فقيل - خ ل ئل): يا رسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار؟ قال: لان الكفر (الشرك - خ ل) أعظم من السحر، ولان السحر والشرك مقرونان (1). ولانه موجب للفتنة والفتنة اكبر من القتل. ورواية زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه (2). وفي طريق الثاني سيار (3) وهو مجهول. ورواية زيد بن علي، عن آبائه عن علي عليهم السلام، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساحر؟ فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا (بذلك - خ) عليه فقد حل دمه (4). فيها دلالة على اشتراط العدالة في الشهود.

(1) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 576. (2) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 576. (3) طريقه - كما في الكافي باب حد الساحر من كتاب الحدود - هكذا: حبيب بن الحسن، عن محمد بن عبد الحميد، عن بشار (سيا - خ ل ئل) عن زيد الشحام. (4) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 577.

[ 176 ]

وكل من فعل محرما أو ترك واجبا عزره الامام بما يراه ولا يبلغ حد الاحرار ان كان حرا وحد العبيد ان كان عبدا. وانه يجوز قتله لكل أحد، فتأمل. ورواية اسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه ان عليا عليه السلام كان يقول: من تعلم من السحر شيئا (شيئا من السحر - ئل) كان آخر عهده بربه، وحده القتل (1) (الا ان يتوب - ئل). قوله: " وكل من فعل حراما الخ " قد مر دليل وجوب التعزير لكل محرم فعلا أو ترك واجب، مفصلا في شرح قوله: (وكل تعريض بما يكره الخ) وانه ما كان شئ يدل على الكلية بخصوصها. نعم يمكن فهم الكلية من سوق الاخبار بضرب من القياس، أو الاشعار في البعض وقد مرت فتذكر. واما كون التعزير غير محدود، فللاصل وللروايات، مثل ما في رواية جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قال الرجل للرجل: انت خبيث (خبث - خ ل)، و (أو - ئل) انت خنزير فليس فيه حد ولكن فيه موعظة وبعض العقوبة (2). واما كونه بما يراه الامام عليه السلام فللاصل، ولما سبق، في بعض الاخبار من الاشارة على ذلك. ومثل ما في مضمرة سماعة، قال: سألته، عن شهود الزور (زور - خ ئل)؟ فقال: يجلدون حدا ليس له وقت وذلك إلى الامام عليه السلام (3).

(1) الوسائل باب 3 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 577. (2) الوسائل باب 19 حديث 2 من ابواب حد القذف ج 18 ص 452. (3) الوسائل باب 11 صدر حديث 1 و 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 584 وللحديث ذيل لاحظه.

[ 177 ]

وفيه دلالة على عدم التعيين أيضا ولكنها ليست بكلية إذ قد مر على التعيين في مواضع، مثل الوطء في الحيض وفي شهر رمضان وغيرهما فهي مستثناة من هذه القاعدة. إلا أن يقال: تلك حدود ولكن خلاف المشهور. واما عدم التجاوز عن حد الحر ان كان المعزر حرا، وعن حد المملوك إذا كان عبدا، فليس دليله أيضا واضحا، نعم في بعض الاخبار اشارة مجملة إلى أنه لا يصل الحد، أو " مائة سوط الا سوطا " ونحو ذلك. وفي رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام (عن آبائه - ئل)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين (1). وما سيجئ في عتق العبد من ضربه في غير الحد حدا. وجعل في شرح الشرائع، الضابط في عدم وصوله إلى الحد، عدم وصول كل جنس إلى حد ذلك الجنس، مثل: انه ان كان سبا لا يصل إلى حد القذف ومباشرة النساء دون الجماع حد الزنا ونحو ذلك، ونقله عن الشيخ والمختلف. ودليله - غير استحسان العقل - غير واضح، وذلك ليس بحجة. مع انه لا يكون في كل جنس حد. على ان بعض الاخبار يدل على عدم تجاوزه عن الاربعين مطلقا، وهو اقل حد في مملوك عند بعض كالصدوق. لرواية حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد، قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: (فقال - خ): لا ولكن دون الاربعين، فانها حد المملوك، قال: قلت: وكم ذاك؟ قال: (واقله - خ)

(1) الوسائل باب 3 حديث 6 بالسند الثاني من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 312.

[ 178 ]

ولا يؤدب الصبي والمملوك بأزيد من عشرة اسواط. على قد ما يرى الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه (1). ويدل على كون اكثره عشرين، واقله عشرة، صحيحة اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله (أبا ابراهيم - ئل) عليه السلام: التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطا ما بين العشرة إلى عشرين (2). وفي اسحاق قول، فتأمل. قوله: " ولا يؤدب الصبي الخ " ظاهره جواز (3) تأديب الصبي والمملوك لمن يجوز له تأديبهما اكثر من عشرة أسواط. وظاهر بعض العبارات، الكراهة، قال في الشرائع: ويكره ان يزاد في تأديب الصبي لمن يجوز له تأديبهما اكثر من عشرة أسواط وكذا المملوك. دليلهما غير ظاهر، فان التأديب ينبغي أن يكون على حسب ما يراه المؤدب، فانه به يحصل الادب المطلوب منها فلا يجوز فوقه، ودونه يجوز. ويمكن كراهة الترك، بل تحريمه إذا انجر إلى وقوعهما إلى المحرمات وتضيعهما (وتضييعهما - خ). نعم قد يقال: ان كان الامر بالنسبة إلى حال المالك يكون العفو له حسنا. ويدل عليه الرواية، وفي رواية انه عليه السلام حلف ان يضرب غلامه ولم يفعل وعفا، وقال: العفو لا حنث فيه (4). وكذا التخفيف، وكذا في الولد، فانه قد يظن الولي التأديب باقل واكثر،

(1) الوسائل باب 10 حديث 3 بالسند الثاني من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 584. (2) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 583. (3) هكذا في النسخ كلها، والصواب عدم جواز الخ. (4) لاحظ الوسائل باب 38 حديث 1 من كتاب الايمان ج 16 ص 206 منقول بالمعنى فلاحظ.

[ 179 ]

وجوز الزيادة لزيادة الادب، أو لسرعته، وهنا أيضا قلته اولى، وقد يكون عفوه ايضا أولى. وفي الاخبار ما يدل على خمسة أو ستة، مثل رواية حماد بن عثمان، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: في أدب الصبي والمملوك؟ فقال: خمسة أو سنة وارفق (1). وفي الفقيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحل لوال يؤمن بالله واليوم الاخر يجلد اكثر من عشرة اسواط الا في حد وأذن في أدب المملوك من ثلاثة إلى خمسة (2). وروى السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام (إن أمير المؤمنين عليه السلام - ئل) القى صبيان الكتاب الواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال: اما انها حكومة، والجور فيها كالجور في الحكم، ابلغوا معلمكم ان ضربكم فوق ثلاث ضربات في الادب، اقتص منه (3). يحتمل أن يحمل على ان المصلحة تقتضي ذلك. وكذا رواية اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ربما ضربت الغلام في بعض ما يحرم، فقال: وكم تضربه؟ فقلت: ربما ضربته مائة، فقال: مائة مائة فاعاد ذلك مرتين ثم قال: حد الزاني (الزنا - خ)، اتق الله: فقلت: جعلت فداك فكم ينبغي لي ان اضربه؟ فقال: واحد (واحدا - خ) فقلت: والله لو علم اني لا اضربه الا واحدا ما ترك لي شيئا الا افسده، فقال: فاثنين، فقلت: هذا هو هلاكي، قال: فلم ازل اماكسه حتى بلغ خمسة ثم غضب فقال: يا إسحاق إن كنت تدري حد ما اجرم فاقم الحد فيه ولا تعد حدود الله (4).

(1) الوسائل باب 8 حديث 1 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 581. (2) الوسائل باب 10 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 585. (3) الوسائل باب 8 حديث 2 من ابواب بقية الحدود ج 18 ص 582. (4) الوسائل باب 30 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 339.

[ 180 ]

ويستحب لمن ضرب عبدا حدا في غيره، عتقه. والاولى ترك الضرب، وعلى تقديره فالتخفيف، مهما امكن كما يدل عليه ما مر، ورواية احمد بن محمد في مسائل اسماعيل بن عيسى عن الاخير عليه السلام في مملوك يعصي صاحبه ايحل ضربه ام لا؟ فقال: لا يحل ضربه (ان يضربه - ئل) ان وافقك فأمسكه، والا فخل سبيله (1). ثم انه ان ضربه فيضربه للتأديب واصلاحه أو فعله حراما وتركه الواجب لا لغضبه واطفاء غيظه والانتقام منه كما تدل عليه مرسلة علي بن اسباط عن بعض اصحابنا قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الادب عند الغضب (2). ولا يضر ضعف السند بما ترى، لانها موافقة للعقل والنقل، وهو ظاهر، فان العبد المؤمن لا ينبغي أن يفعل ويترك الا لله. قوله: " ويستحب لمن ضرب الخ " يعني إذا ضرب الانسان مملوكه مقدار الحد - في موضع لم يكن عليه الحد، بل التعزير والتأديب فقط ام لم يكن عليه شئ اصلا على الاحتمال - ان يعتقه. لصحيحة أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من ضرب مملوكا حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه، لم يكن لضاربه كفارة الا عتقه (3). حملوها على الاستحباب، كأنه لعدم القائل بالوجوب، واحتمال ضعف أبي بصير وبعد مضمونها عن القواعد في الجملة. ثم إن ظاهرها تجويز الحد على المملوك، وهو والعتق يدلان على ان

(1) الوسائل باب 27 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 337. (2) الوسائل باب 26 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 337. (3) الوسائل باب 27 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 337.

[ 181 ]

وكل ما يجب به التعزير لله تعالى يثبت بشاهدين أو بالاقرار من اهله مرتين. ويعزر من قذف أمته أو عبده. الاستحباب للمولى، ويحتمل ايضا لغيره ذلك بان يشتريه ويعتقه ان فعل ذلك، فتأمل. قوله: " وكل ما يجب به التعزير لله تعالى الخ " دليل ثبوت ما يوجب التعزير بشاهدين عدلين، انهما حجة شرعية ولا يحتاج إلى الزيادة للاصل، ودونهما ليس كذلك للاصل. واما عدم ثبوته بالاقرار مرة وانه لابد من مرتين، فغير ظاهر، فان أدلة حجية الاقرار ظاهرة في المرة الواحدة، الا انه خرج الزنا بالنصوص الخاصة، وألحق به اللواط بالاجماع. وكون مجرد الاحتياط - والتخفيف، والدرء، والشريعة السهلة، والاصل، وقوله تعالى: " عفوا غفورا " (1)، والامر بالعفو، حجة لتقييد تلك الادلة كما فعل في القذف - محتمل، فتأمل. ويؤيد عدم الاجماع في اعتبار المرتين، ما سيصرح المصنف من ثبوت وطء البهائم بالمرة فهو ينافي هذه الكلية، لعله اخرجه منها بنص أو اجماع وما نعرفهما لاصل فتأمل. ومعلوم اعتبار أهلية الاقرار في المقربان يوجد فيه شرائطه التي تقدمت. قوله: " ويعزر من قذف الخ " يعني إذا قذف مولى مملوكه عبدا كان أو أمة، قذفا موجبا للحد لو كان المقذوف غيره، لم يثبت عليه الحد للمملوك، بل يعزر

(1) لعله اشارة إلى قوله تعالى في ذيل آية الرمي: فان الله غفور رحيم ويحتمل ارادة مطلق اتصافه تعالى بهاتين الصورتين في القرآن الكريم كما في سورة الحج - 10 وسورة النساء - 43 - 99، وسورة المجادلة - 2.

[ 182 ]

ولا يسقط الحد باباحة القذف، لما فيه من مشابهة حق الله تعالى ولا يقع موقعه لو استوفاه المقذوف لكن الاغلب حق الآدمي، لسقوطه بعفوه وانتقاله بالارث. كما في سائر المحرمات. دليل عدم الحد غير ظاهر، فان عموم ادلة الحد للقذف يشمله الا أن اخرجه دليل أو اثبت (أو ثبت) اشتراط حرية المقذوف مطلقا كما قال المصنف. فحينئذ لا خصوصية له بالمولى، فان كل من يقذف مملوكا لا يحد، فكأنه خصه لدفع توهم عدم تعزير المولى ذكرا كان أو انثى، ولا يسقط نظرا إلى انهما مولى ولهما تسلط وتأديب، فان القذف حرام لا يؤدب به، وكذا كل محرم على ما ثبت. وتؤيده رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من افترى على مملوك عزر لحرمة الاسلام (1). وما روي عن الصادق عليه السلام ان امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله اني قلت لامتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها زنا؟ فقالت: لا فقال: انها تستقاد منك (أما أنها ستقاد منك - ئل) يوم القيامة فرجعت إلى امتها فاعطتها سوطا ثم قالت: (اجلديني - ئل) فابت الامة فاعتقها ثم أتت إلى النبي صلى الله عليه وآله فاخبرته فقال: عسى ان يكون به (2). محمولة على التعزير، فتأمل. قوله: " ولا يسقط الحد الخ " يعني لو اباح واذن شخص لغيره قذفا بما كان في الشرع موجبا للحد مثل ان يقول: أبحت لك قذفي (إذا قذفني - خ) بالزنا فقذفه لم يسقط عن ذلك القاذف، الحد أي لا يمنع ذلك من تعلق الحد به كمن لا

(1) الوسائل باب 4 حديث 12 من ابواب حد القذف ج 18 ص 436. (2) الوسائل باب 1 حديث 4 من أبواب حد القذف ج 18 ص 431.

[ 183 ]

يبيح له اصلا وكذا ما يوجب التعزير على الظاهر بل وكذا لو اباح له بعد القذف أيضا، نعم يسقط بالعفو كما مر. ودليل عدم السقوط، عموم أدلة الحد من غير استثناء، وعدم حصول الاباحة بذلك، لعدم كونه حق الناس المحض، بل فيه حق الله تعالى أيضا فان الله يبغض بتفضيح المسلم وكسر حرمته ولا يرضى بذلك وان رضي هو (عنده - خ)، ولهذا فلابد لقائله من التوبة بعد استرضاء صاحبه. وانه لا يقع حد القذف موقعه لو حد المقذوف القاذف من غير اذن الامام وحكمه واثباته عنده، بل له الحد بعده ويكون للقاذف المحدود قصاصه في ذلك. ويمكن التعارض والتساقط. وفيه تأمل إذ عدم رضاء الله بكسر حرمة المسلم لا يدل على ثبوت حقه فيه بحيث لا يسقط الحد ولم يبح باباحته. وكذا الاحتياج إلى التوبة، لان جميع المحرمات كذلك مع أن فيها ما يبيح بالاذن ويسقط ما يترتب عليه. وكذا عدم وقوعه موقعه بدون اذن الحاكم، فان استيفاء حقهم قد يكون موقوفا على اذنه كالقتل قصاصا على ما قيل (1). نعم له مشابهة بحقوق الله تعالى لما مر، ولكن الاغلب انه حق الناس لما مر من سقوطه بعفو صاحبه المقذوف وانتقاله بالارث على ما مر، فلو كان حق الله لما كان كذلك، فتأمل. مع انه لا يلزم الاباحة بالاذن وسقوط ما يترتب عليه من الحد وغيره. وبالجملة لا يوجد حق الناس المحض، مع انه (قوله): بالاذن وسقوط

(1) وهو اختيار القواعد - منه رحمه الله كذا في هامش بعض النسخ.

[ 184 ]

وإنما يجب الحد بقذف ليس على صورة الشهادة. ولو شهد الفاسق حد. ولو رد القاضي شهادة الاربعة لاداء اجتهاده إلى تفسيقهم، فلا حد. والشهادة هي التي تؤدي في مجلس القضاء بلفظ الشهادة مع الشرائط، وما عداه قذف. ما يترتب عليه من التعزير وغيره، مثل الاذن في السرقة. قوله: " وانما يجب الحد الخ " يعني أن القذف الذي هو حرام وكبيرة وموجب للحد انما هو الذي يقع على غير صورة الشهادة المقبولة شرعا فان وقع على تلك الصورة بان جاء اربع شهود مقبول الشهادة معا وشهدوا بالزنا كالميل في المكحلة، فما فعلوا حراما، ولم يجب عليهم حد ولا تعزير. قالوا: لا بد من أن يكون الكل حاضرا حتى شهد احدهم ويقبل، فلو شهد ثلاثة وقالوا: سيجئ الرابع لا تقبل، بل يحد الشهود للرواية المتقدمة. بل قيل باشتراط دخولهم مجلس القاضي معا فلا يكفي الدخول متفرقين وان شهدوا مجتمعين. ولا بد من كونها بلفظ الشهادة على ما هو شرط في الشهادة ومجلس القاضي وطلبه الشهادة وغير ذلك من الشرائط المتقدمة فلو اختل بعض الشرائط مثل ان يكون احدهم فاسقا، حد الكل. ولو اجتهد القاضي فادى اجتهاده إلى فسقهم مع كونهم مستورين، لا حد عليهم لخفاء فسق البعض على البعض وعدم العلم، فلا تعمد في الشهادة الغير المقبولة، ولا على المشهود له لعدم ثبوت شهادة شرعية، فتأمل.

[ 185 ]

المقصد الخامس في حد الشرب وفيه مطلبان الاول: في الاركان. وهي اثنان: " الشارب " والمراد به، المتناول بشرب واكل صرفا وممتزجا بالاغذية والادوية. قوله: " وهي اثنان الخ " اركان حد الشارب اثنان، الشارب، والمشروب والمراد بالشارب، الذي يتناول الشراب بحيث يتعدى إلى حلقه، سواء كان خالصا صرفا أو ممزوجا بالاغذية والادوية، المباحة والمحرمة، قليلا كان أو كثيرا أو أكلا كذلك. لعموم الادلة الموجبة للحد به، فانها دلت على (انه) موجبه لذلك، قليلا كان أو كثيرا، أو ممتزجا وغيره. وفي الممتزج ربما يشكل، إذ ربما يكون تابعا للاسم، ولا شك في عدم الصدق مع المزج، فانه إذا مزج شئ من الخمر بحب ماء أو كوز أو طبيخ، لا يقال لها: الشراب فيشكل صدق شربها واكلها كما إذا حلف ان لا يشرب الخل يجوز

[ 186 ]

وشروطه (شرطه - خ ل)، البلوغ فالصبي يؤدب وإن تكرر منه. والعقل والاسلام، والاختيار، والعلم فلا حد على الصبي بل يعزر، ولا المجنون، ولا الحربي، ولا الذمي مع الاستتار، فإن ظهر بها حد، ولا على المكره ولا (على) من اضطره العطش أو اساغة اللقمة، ولا على جاهل التحريم. شرب السكباج (1). وعلى عدم الدهن فيجوز اكل طعام يكون ممزوجا بالدهن بحيث لا يتميز. والتمر يجوز الحلاوة منه، وغير ذلك على ما صرحوا به في محله. والفرق لا يخلو عن اشكال، فلعل الفرق أن العين حرام اين وجدت ولا شك في وجودها في الممتزج، والفرض انه موجب للحد فيجتنب (فيجب - خ ل)، بخلاف ما ذكر في باب اليمين فان المحلوف ليس بحرام الا ان يصدق عليه المحلوف عليه وليس بذلك (ذلك - خ) الا ما يصدق عليه الاسم، فتأمل. قوله: " وشروطه، البلوغ الخ " أي شروط الشارب - التي لابد من تحققها حتى يحد - أربعة، البلوغ، والعقل، للعقل والنقل، فلا يحد الصبي ولا المجنون، بل يعزر المميز الذي علم تحريم الشرب في الاسلام أو الاظهار في الذمي، فلا يحد الحربي، ولا الذمي مع الاستتار، بل يحد المسلم والذمي المتظاهر. كأن دليله الاجماع وبعض الاخبار، والاصل. وتدل عليه الاخبار مثل رواية أبي بصير عن احدهما عليهما السلام (2). والاختيار، للعقل والنقل، وهو ظاهر فلا حد على المكره الذي وجر في حلقه أو ضرب حتى شرب أو خوف بالقتل أو الضرب بحيث يتحقق عنده ذلك

(1) السكباج بكسر السين طعام معروف يصنع من خل وزعفران ولحم (مجمع البحرين). (2) راجع الوسائل باب 6 حديث 1 - 2 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 471.

[ 187 ]

ولا جاهل المشروب، ويثبت على العالم بهما وان جهل وجوب الحد. ونحو ذلك. وكذا على الذي شربه لازالة العطش المضر أو لاساغة اللقمة إلى جوفه يدل على ذلك، العقل مؤيدا بعموم بعض المنقول (النقول - خ) (1) والاصل. واما الشرب للدواء، فقد مر البحث في ذلك في الاشربة والاطعمة، فتذكر. والعلم بانه شراب وحرام، فلا حد على الجاهل بتحريم شربه ممن امكن ذلك في حقه مثل جديد الاسلام، ومن أسلم وبقي عند الكفار، ولا الذي لم يعلم ان المشروب خمر ومسكر، وهو ظاهر. ولا يعذر العالم بهما الجاهل بان الشرب موجب للحد، فان العلم بالتحريم كاف في المنع فكان عليه ان لا يشرب، فإذا خالف وفعل حراما يجب حده لادلته، وهو ظاهر. ودليله كون الجهل عذرا، مع بعض ما تقدم. ورواية ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: شرب رجل على عهد أبي بكر خمرا فرفع إلى أبي بكر فقال له: أشربت خمرا؟ فقال: نعم، قال: ولم؟ وهي محرمة؟ قال: فقال له الرجل: اني أسلمت وحسن اسلامي، ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلون، ولو علمت انها حرام اجتنبتها فالتفت أبو بكر إلى عمر، قال: فقال: ما تقول في امر هذا الرجل؟ فقال عمر: معضلة فليس لها الا أبو الحسن فقال أبو بكر: ادع لنا عليا (عليه السلام) فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته فقاما

(1) لعل نظره قدس سره إلى ما عبر فيه بالاضطرار بضميمة ان صدق الاضطرار لاجل ازالة العطش أو لاساغة اللقمة والله العالم.

[ 188 ]

الثاني (المشروب) وهو لك ما من شأنه ان يسكر وان لم يبلغ حد الاسكار، سواء كان خمرا أو نبيذا أو بتعا أو نقيعا أو مزرا أو غيرها من المسكرات. والفقاع حكمه حكم المسكر. والرجل معهما ومن حضرهما من الناس حتى اتوا أمير المؤمنين عليه السلام فاخبراه بقصة الرجل وقص الرجل قصته، قال: فقال عليه السلام: ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين والانصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه ففعلوا ذلك به ولم (فلم - خ) يشهد أحد بانه قرأ عليه آية التحريم فخلى عنه (سبيله - خ ل)، وقال له: ان شربت الخمر بعدها اقمنا عليك الحد (1). قوله: " الثاني المشروب الخ " الركن الثاني، المشروب، وهو كل ما من شأنه أن يسكر بمعنى انه يكون مسكرا كثيره وإن لم يكن قليله كذلك، وهو اقسام، الخمر - وهو ظاهر - والنبيذ، وهو من التمر، والبتع بكسر الباء، وهو من العسل، قيل: من الذرة، والمرز وهو من الشعير، والنقيع من الزبيب، وغيرها من المسكرات. وبالجملة، كل مسكر حرام، وشربه موجب للحد. واما الفقاع فحكمه حكم الخمر وان لم يكن مسكرا، بل كل ما سمي في أسواق اهل الخلاف به ولم يكن معلوم الحل، فهو فقاع حرام عند الاصحاب. وقد مر ما دل عليه ذلك في كتاب الاشربة، وان ذلك خمر استصغره الناس (2). ومن الاخبار الصحيحة التي تدل على الحد بخصوصه، صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الفقاع؟ فقال: خمر

(1) الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 475. (2) راجع الوسائل باب 28 حديث 1 من ابواب الاشربة المحرمة ج 17 ص 292.

[ 189 ]

والعصير إذا غلى واشتد وان لم يقذف بالزبد ولا اسكر إلى (الا - خ ل) أن يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا ولو غلى التمر أو الزبيب ولم يسكر، فلا تحريم. وفيه حد شارب الخمر (1) ومثلها رواية ابن فضال وابن الجهم عنه عليه السلام (2). وكذا مر ما دل على تحريم العصير إذا غلا واشتد وان لم يحصل منه الزبد ولم يسكر والوصل اشارة إلى خلاف بعض العامة، من أن التحريم مشروط بذلك، وانه إذا ذهب ثلثاه وبقي الثلث حل. وكذا إذا انقلب خلا، وينبغي: (أو دبسا) كأنه ترك لانه غالبا لم يصر دبسا قبل ذهاب ثلثيه، فتأمل. وقد مر أيضا أن الغليان كاف في التحريم ولا يحتاج إلى الاشتداد، وأنهما متلازمان ام لا. وقد مر أيضا ان التمر والزبيب إذا غليا لم يحرما ما لم يسكرا والخلاف في ذلك، ودليل الطرفين، فلا يحتاج إلى الاعادة، فتذكر. فرعان (الاول) لو غلى ما في العنب بنفسه أو بالنار هل حكمه حكم العصير فيحرم ام لا؟ يحتمل ذلك، لاشتراكه في المعنى مع العصير، وعدمه للاصل وعدم تسميته عصيرا فعليا، فانه لا يغلى، بل يحمى. (الثاني) إذا عجن بشئ مثل الطحين هل يحرم أم لا؟ يحتمل ذلك

(1) لم نعثر على رواية لمحمد بن اسماعيل بن بزيع بهذه الالفاظ نعم قد روى ما يدل على تحريم الفقاع فلاحظ باب 27 حديث 2 من ابواب الاشربة المحرمة ج 17 ص 289. (2) الوسائل باب 27 حديث 2 و 11 من ابواب الاشربة المحرمة ص 287 و 289.

[ 190 ]

المطلب الثاني: في الاحكام ويجب الحد ثمانون جلدة رجلا كان أو امرأة حرا أو عبدا. وعدمه للوجهين المتقدمين، والاحتياط فيهما، الاجتناب. قوله: " ويجب الحد ثمانون جلدة الخ " الظاهر أن كون شرب المذكورات - من الخمر وغيرها بالشرائط المذكورة موجبا للحد المذكور - اجماعي، سواء كان الشارب ذكرا أو كان انثى سكر ام لا. ويدل عليه بعض الاخبار في الجملة، مثل صحيحة أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كل مسكر من الاشربة يجب فيه ما يجب في الخمر من الحد (1). وصحيحة سليمان بن خالد قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يضرب في النبيذ المسكر ثمانين كما يضرب في الخمر ويقتل في الثالثة كما يقتل صاحب الخمر (2). وفي مرسلة عنه عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يجلد في قليل النبيذ كما يجلد في قليل الخمر ويقتل في الثالثة من النبيذ كما يقتل في الثالثة من الخمر (3). وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: ان الرجل إذا شرب الخمر سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فاجلدوه حد المفتري (4). وحسنة بريد بن معاوية قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

(1) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 469. (2) الوسائل باب 11 حديث 13 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 478. (3) الوسائل باب 11 حديث 12 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 478. (4) الوسائل باب 3 حديث 4 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 467 وباب 3 حديث 4 منها ص 467.

[ 191 ]

(ان ئل) في كتاب علي عليه السلام يضرب شارب الخمر ثمانين وشارب النبيذ ثمانين (1). ورواية زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام ان الوليد بن عتبة (عقبة - ئل) حين شهد عليه بشرب الخمر، قال عثمان لعلي عليه السلام: اقض بينهم وبين هؤلاء الذين يزعمون (زعموا - ئل) أنه شرب الخمر فامر علي عليه السلام فضرب (فجلد - ئل) بسوط له شعبان (شعبتان) اربعين جلدة (2). وصحيحة اسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل شرب حسوة خمر؟ قال: يجلد ثمانين جلدة، قليلها وكثيرها حرام (3). لعل فيها اشارة إلى ان قليها وكثيرها موجب للحد ممزوجة أو منفردة، ولا يضر اسحاق، فتأمل. وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: كيف كان يجلد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: فقال: كان صلى الله عليه وآله يضرب بالنعال ويزيد كلما أتى بالشارب ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف على ثمانين أشار بذلك علي عليه السلام على عمر فرضي بها (4). وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: ارأيت النبي صلى الله عليه وآله كيف كان يضرب في الخمر؟ قال: كان يضرب بالنعال ويزيد (يزداد - خ ل ئل) إذا أتى بالشارب ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف على ثمانين أشار بذلك علي عليه السلام على عمر فرضي بها (5)، وكأن الحد في غير

(1) الوسائل باب 4 حديث 1 من ابواب حد الشرب ج 18 ص 468. (2) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب حد الشروب ج 18 ص 470. (3) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد الشرب ج 18 ص 465. (4) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد الشرب ج 18 ص 466. (5) الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب حد الشرب ج 18 ص 467.

[ 192 ]

الخمر والنبيذ فهم بالاجماع المركب، بل قد يفهم من (الخمر) فانه قد يطلق على ذلك. قال في الفقيه ولها (أي الخمر) خمسة اسامي، (العصير) وهو من الكرم، و (النقيع) وهو من الزبيب، و (البتع) وهو من العسل، و (المزر) وهو من الشعير، و (النبيذ) وهو من التمر، فتأمل. ولا فرق في ثبوت الحد بين قليل ما هو مسكر وموجب للحد في الجملة، وبين كثيره فالحد ثابت في قليل الخمر والنبيذ وغيرهما، وكثيرهما. ودليله، الاجماع المدعى في الاستبصار وغيره، وعموم الاخبار، وخصوص البعض كما تقدم. فما يدل على أن المسكر منه لا غير، مثل رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام كان النبي صلى الله عليه وآله إذا أتى بشارب الخمر ضربه، فان أتى به ثانيه ضربه، فان أتى به ثالثة ضرب عنقه، قلت: النبيذ؟ قال: إذا اخذ شاربه قد انتشى (1) ضرب ثمانين، قلت: ارأيت ان اخذ به ثانية قال: اضربه، قلت: فان اخذ به ثالثة؟ قال: يقتل كما يقتل شارب الخمر. قلت: ارأيت ان اخذ شارب النبيذ ولم يسكر أيجلد ثمانين؟ قال: لا (2) وفي الطريق محمد بن الفضيل المشترك (3). وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، قلت: ارأيت ان اخذ شارب النبيذ ولم يسكر أيجلد ثمانين؟ قال: لا وكل مسكر حرام (4).

(1) هو من قولهم: نشأ ينشى نشوا ونشوة - مثلثة - سكر كانتشأ وتنشأ والانتشاء أول السكر ومقدماته (مجمع البحرين). (2) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 469 ولاحظ ذيله. (3) طريقه كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح. (4) الوسائل باب 4 حديث 5 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 470.

[ 193 ]

وصحيحة محمد بن مسلم، قال: سألته عن الشارب؟ فقال أما رجلا (رجل - ئل) كانت منه زلة فاني معزره، واما آخر يدمن فاني كنت منهكه (مهلكه - ئل) عقوبة لانه مستحل (يستحل - ئل) المحرمات كلها، ولو ترك الناس وذلك لفسدوا (1). فيها اضمار، يمكن حملها على النبيذ الغير المسكر في الاصل مثل ان يلقى الماء في النبيذ فيشرب قبل أن يصير مسكرا الا أن يكون مسكرا وشرب منه مقدارا قليلا لا يسكر ويؤيده قوله: (وكل مسكر حرام)، وحملها في الاستبصار على التقية، وادعى انها خلاف اجماع الطائفة المحقة وموافقة لمذهب العامة. وكذا حمل عليها رواية النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام انه أتى بشارب الخمر، واستقرأه القرآن فقرأ فاخذ رداءه فالقاه مع أردية الناس، وقال له: خلص رداك فلم يخلصه فحده (2). ويمكن ردها لضعفها بما تراه. قوله (3): " حرا أو عبدا " اشارة إلى رد من يقول: ان على العبد نصف الحر، مثل الصدوق وهو اربعون، قياسا على الزنا. وما في رواية حماد بن عثمان المتقدمة في التعزير قال: (ولكنها دون الاربعين) (4). وما في رواية أبي بكر الحضرمي المتقدمة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن عبد مملوك قذف حرا؟ قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق

(1) الوسائل باب 4 حديث 6 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 469. (2) الوسائل باب 12 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 479. (3) يعني الماتن رحمه الله. (4) الوسائل باب 6 حديث 6 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 472 وفيه: ولكن دون الاربعين.

[ 194 ]

عاريا، على ظهره وكتفيه بعد افاقته. المسلمين، فاما ما كان من حقوق الله تعالى، فانه يضرب نصف الحد (1). حملها في الاستبصار على التقية، لما سبق من عموم الاخبار وخصوصها، مثل رواية اسحاق بن عمار، عن أبي بصير، عن احدهما عليهما السلام قال: كان علي عليه السلام يضرب في الخمر والنبيذ ثمانين، الحر والعبد الخ (2). وما في رواية اخرى، عن أبي بصير مثلها. وفي آخر عن أبي بصير، قال: قال: حد اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء (3). وابو بصير في الكل مشترك، وفي الاخير اضمار، وفي الثانية سماعة (4)، بل محمد بن عيسى (5) أيضا، وفي الاولى اسحاق، وفيه قول، والحسن بن علي المشترك، وفي خبر التنصيف أبو بكر الحضرمي غير ظاهر التوثيق، وفي خبر حماد، يعلى بن محمد والحسن بن علي المشترك (6). فالاخبار من الطريقين ليست بنقية، والتخفيف في الحدود، والاصل، والدرء يدل على الثاني، وكأن الشهرة والكثرة مؤيدة الاول، فتأمل. قوله: " عاريا على ظهره الخ " كأن دليل الضرب عاريا على ظهره وعلى كتفيه، ما في مضمرة أبي بصير، قال: وسألته عن السكران والزاني؟ قال: يجلدان بالسياط مجردين بين الكتفين، فاما الحد في القذف فيجلد على ثيابه (ما به - ئل)

(1) الوسائل باب 6 حديث 7 من ابواب جد المسكر ج 18 ص 472. (2) الوسائل باب 4 حديث 2 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 469. (3) الوسائل باب 6 حديث 5 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 472. (4) سندها كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس عن سماعة عن أبي بصير. (5) سندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن اسحاق بن محمد، عن أبي بصير. (6) سنده كما في الكافي هكذا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي عن حماد بن عثمان.

[ 195 ]

ولو حد ثلاثا قتل في الرابعة. ضربا بين الضربين (1)، فتأمل. واما كونه بعد الافاقة، فكأن دليله أن الحكمة في شرع الحدود هو الايلام والايذاء والتأثير ليمتنع الفاعل ولم يفعل مره اخرى، وذلك انما يحصل بعد الافاقة. قوله: " ولو حد ثلاثا الخ " يختار المصنف ان شارب الخمر يقتل في الرابعة بعد الحد ثلاثا، ونظره انه صاحب كبيرة، وهو انما يقتل في الرابعة لما مر وقد مر البحث فيه، فتذكر. على انه قد وردت أخبار كثيرة بقتل شارب الخمر في الثالثة، فلو صح ما مر من قتل صاحب الكبيرة في الرابعة للشبهة، والدرء، والتخفيف، وغيره، يستثنى منه شارب الخمر، للاخبار. مثل رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اتي بشارب الخمر ضربه، ثم إذا (إن - ئل) اتي به ثانية ضربه، ثم إذا اتي به ثالثة ضرب عنقه (2). وصحيحة أبي عبيدة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد فاقتلوه (3). وصحيحة سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد الثالثة فاقتلوه (4). وصحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال - في شارب

(1) الوسائل باب 8 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 474. (2) الوسائل باب 11 حديث 4 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 476. (3) الوسائل باب 11 حديث 3 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 476. (4) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 476.

[ 196 ]

ولو تكرر الشرب من غير حد، فواحد. ويثبت الشرب بشهادة عدلين ذكرين، وبالاقرار مرتين من أهله. الخمر إذا شرب - ضرب، فان عاد ضرب، فان عاد قتل في الثالثة، قال جميل: وروى بعض اصحابنا: انه يقتل في الرابعة، قال ابن أبي عمير كأن المعنى ان يقتل في الثالثة، ومن كان انما يؤتى به يقتل في الرابعة (1). لعل مراده انه ما اتي في الثالثة، بل انما اتي في الرابعة، فيقتل في الرابعة لانه ما اتي به الا حينئذ، لا انه ما استحق القتل الا في الرابعة، فتأمل. ورواية اسحاق بن عمار، عن أبي بصير، عن احدهما عليهما السلام قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد فاقتلوه (2). وصحيحة يونس، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: اصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحدود مرتين قتلوا في الثالثة (3). وحمل هذه على الرابعة بعيد، فيمكن كونه في الزنا، فتأمل. قوله: " ولو تكرر الشرب الخ " قد مر دليل عدم تكرر الحد بتكرر الموجب إذا لم يتوسط الحد، كعدم السقوط معه، فتذكر. قوله: " ويثبت الشرب الخ " ثبوت الشرب بعدلين ظاهر، وقد تقدم. وكذا تقدم ما يفيد عدم الثبوت بالعدل الواحد واليمين، فانهما في المال وحقوق الناس. وكذا بالواحد والمرأتين، والشرب ليس كذلك. وكذا عدم اثباته بالنساء فانها فيما لا يمكن الاطلاع الا لهن، وهو ليس

(1) الوسائل باب 11 حديث 6 - 7 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 477. (2) الوسائل باب 11 حديث 5 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 477. (3) الوسائل باب 11 حديث 2 من ابواب حد المسكر 18 ص 467.

[ 197 ]

ولو شهد أحدهما بالشرب والآخر بالقئ حد. كذلك. واما اثباته بالاقرار مرتين من المتصف بشرائط قبول الاقرار، فهو ظاهر. ولكن اشتراط ذلك وعدم ثبوته بالمرة فهو غير ظاهر، بل الظاهر من ادلة الاقرار قبوله بالمرة الواحدة. وكأن نظرهم إلى التخفيف، وسقوط الحد بالشبهة، والاحتياط حيث اشترطوا المرتين، فتأمل. قوله: " ولو شهد احدهما الخ " دليل ثبوت الحد على تقدير شهادة أحد الشاهدين أن زيدا مثلا شرب الخمر وشهد الآخر انه قاء الخمر، انهما شهدا معا بالشرب، إذ من المعلوم أن القئ لم يكن من غير شرب وهو ظاهر. ورواية الحسن بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ان عليا عليه السلام جلد الوليد لما شهد عليه واحد بشربها، والآخر بقيئها، وقال عليه السلام: ما قاءها الا وقد شربها (1) نقله في الشرح (2) عن التهذيب بسند غير صحيح، وما رأيته، وقال فيه: وعليه فتوى الاصحاب ولم أقف فيه على مخالف صريحا، لكن العلامة جمال الدين بن طاووس قال في الملاذ: لا اضمن درك طريقه، وهو يشعر بالتوقف (3).

(1) الوسائل باب 14 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 480 ولكن فيه كما في الكافي والتهذيب ايضا ان امره عليه السلام لجلد قدامة بن مظعون (مطعون - خ ل) وفي التهذيب (الحسين بن زيد) والحديث منقول بالمعنى ايضا الا أن يكون رواية غير ما اثبتناه من الوسائل فتتبع. (2) الظاهر انه قدس سره أراد من الشرح شرح الشرائع. (3) الاولى نقل عبارة شارح الشرائع بعينها، قال في المسالك - في شرح قول المصنف -: (لو شهد واحد بشربها الخ). ما هذا لفظه: الاصل في هذه المسألة رواية الحسين بن زيد (يزيد - خ ل) عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام: ان عليا جلد الوليد بن عقبة لما شهد عليه واحد بشربها وآخر بقيئها وقال: ما قاءها الا وقد شربها، وعليها فتوى الاصحاب ليس فيهم مخالف صريحا الا أن طريق الرواية ضعيف، لان فيه موسى بن جعفر =

[ 198 ]

قلت: الحجة في ذلك، العمل، وادعى ابن ادريس الاجماع عليه، قلت: العمل ليس بحجة الا أن يكون ممن عمله حجة. وفي الدليل تأمل إذ القئ لا يستلزم الشرب الموجب للحد، وهو ظاهر، والاحتياط في الحدود، والدرء للشبهة يقتضي عدم الحد بمجرد ذلك. قال في الشرح وغيره: شرط بعضهم ان لا (1) يتقدم زمان القئ على زمان الشرب، وهو حسن. وجهه غير ظاهر، الا ان يقال: قد اشترط اتحاد شهادتهما على فعل واحد، وإذا كان القئ مقدما على الشرب الذي شهد شاهد به لم تكن الشهادتان على فعل واحد فلم يثبت، وهو غير ظاهر. وعلى تقدير تسليمه لم يظهر اتحاد الفعل بمجرد عدم تقدم القئ، فانه مع التأخير ايضا يحتمل ان يكون الشرب الذي شهد احدهما به غير الذي يقئ. الا ان يقال: يكفي احتمال الاتحاد وعدم ظهور التعدد، ولهذا لم يشترطوا في الشهادة ذكر الوقت والمكان وما يوجب اتحاده، بل يجعلون ظهور تعدده مانعا من القبول.

= البغدادي وهو مجهول الحال، وجعفر بن يحيى، وهو مجهول العين، وعبد الله بن عبد الرحمان، وهو مشترك بين الثقة والضعيف، فلذلك قال السيد جمال الدين بن طاووس قدس سره في الملاذ: لا اضمن درك طريقه، وهو مشعر تردده والمصنف هنا صرح بالتردد من حيث ان القئ - وان استلزم الشرب - الا ان مطلق الشرب لا يكفي في اثبات الحد، بل لا بد له من وقوعه على وجه الاختيار، ومطلقه اعم منه ومن الاكراه، ويضعف بان الاصل عدم الاكراه، ولانه لو وقع لادعاه، فان اتفق دعواه سمع منه ودرئ عنه الحد (انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد في علو مقامه). (1) هذا الكلام منقول بالمعنى ولفظ العبارة هكذا: ويشترط مع دلك امكان مجامعة القئ للشرب المشهود به لتكون الشهادة على فعل واحد، فلو شهد احدهما انه شربها يوم الجمعة، والآخر انه قاءها قبله بيوم، أو بعده كذلك لم يحد (انتهى موضع الحاجة).

[ 199 ]

ويلزم منه الحد لو شهدا بالقئ. فالتحقيق انه ان شرط التفصيل في الشهادة بحيث لا يحتمل التعدد، لا ينفع الشرط، والا ينفع، فتأمل. قوله: " ويلزم منه الخ " أي يلزم من الحكم المذكور - وهو الحد - بشهادة احدهما بالقئ مع الآخر بالشرب، الحد بشهادة الاثنين بالقئ، فان الحد الاول موجب لقبول الشهادة بالقئ فيلزم القبول في الثاني ايضا. فيه تأمل، إذ الاول ليس بصريح في قبول الشهادة على القئ مطلقا، فيحتمل أن يكون للنص والاجماع، فلا يقاس، ولكن العلية في الاصل موجودة فينتفى القياس. الا ان يقال: ليس بعلة، بل وجه مناسبته وكونه غالبا مستلزما للشرب ومؤيدا بشهادة الآخر بالشرب بعينه. وبالجملة، لا يلزم من الحكم بقوي وضعيف، الحكم بضعيفين وهو ظاهر. والتحقيق هنا ان يقال: إن اشترط في الشهادة كونها وادائها بحيث لا يحتمل غير الموجب للحد بان تكون مستجمعة لجميع الشرائط مثل الشرب باختياره ومن غير علة، لم يلزم الحد حينئذ، والا لزم بناء على القياس واثبات العلة. وبالجملة ينبغي عدم التعدي عن موضع النص والاجماع. على ان ذلك أيضا غير ظاهر للتردد في الشرائع، وعلى ما قاله في الشرح - وقد نص كثير من الاصحاب - يوجب (موجب - خ ل) الحد هنا نظرا إلى التعليل المذكور. واورد عليه قوله عليه السلام: (ادرأوا الحد بالشبهات) (1) فربما كان مكرها.

(1) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 336.

[ 200 ]

ولا يعول الحاكم على النكهة والرائحة. ويكفي أن يقول الشاهد شرب مسكرا أو ما شرب غيره فسكر. واجيب بانه لو كان كذلك لادعاه، ولان القئ دليل الشرب، والاكراه خلاف الاصل. قد يقال: قد لا يدعى عدم علمه بالسماع أو غير ذلك، وبمجرد الاصل يشكل حده مع الاحتياط في الحدود، واحتمال وجوه اخر للسقوط. ولكن اكثر هذه الاحتمالات موجودة في غير هذه الصورة، فتأمل. قوله: " ولا يعول الحاكم الخ " يعني لا يعتمد الحاكم على رائحة الشرب المنتنة - التي تجئ من فم شخص في الحكم عليه - بالحد فلا يجعل ذلك علما له بالشرب فيحده بناء على حكمه بعلمه في الحد، ولا يسمع شهادة الشهود بذلك فيجعل كما لو شهدوا بالشرب فيحد، لان الرائحة لا تستلزم الشرب فضلا عن ان يكون شربا موجبا للحد، بل ربما اشتبه ولم تكن رائحة الشراب أيضا، إذ قد يشتبه على الشم كثيرا فيحكم على اتحاد المختلفين. وبالجملة، الاحتياط، والتخفيف، والدرء في الحدود، يقتضي عدم الحد بامثال ذلك، وهو ظاهر لا خفاء فيه. قوله: " ويكفي أن يقول الشاهد الخ " يعني يكفي لسماع شهادة المسكر الموجب للحد، ان يقول الشاهد بحضور الحاكم: (شرب زيد) مثلا مسكرا أو شرب مما شربه غيره فسكر، فإذا حصل باقي شرائط سماع الشهادة مثل عدالة الشاهد، حد، لان كلام الشاهد في شرب زيد ما يوجب حده، فيحد منه. تأمل لان شرب المسكر مطلقا ليس بموجب للحد فانه أعم من الموجب وغيره، إذ قد يكون مع العلم بانه مسكر، وقد يكون بدونه، وقد يكون مع العلم بالتحريم، وقد يكون بدونه، وقد يكون لدفع ضرر نحو ازالة العطش المضر واساغة اللقمة، وقد يكون باختياره، وقد لا يكون وليس كل ذلك موجبا بل بعضه، فكيف

[ 201 ]

والاقوى، الحكم بارتداد من استحل شرب الخمر، فيقتل من غير توبة إن كان عن فطرة ولا يقتل مستحل غيره بل يحد. تلك الشهادة - مع عمومها - كافية في اثبات الموجب الذي هو بعض ما ذكر مع بناء الحد على التخفيف والاحتياط واسقاطه بالشبهات. الا ترى انه إذا اقر بموجب صريحا، يشير إليه الحاكم ويلوح بما يأول ذلك وينكر ولم يقر، على ما مر في حد الزنا. والثاني (1) ابعد فان الذي يسكر غيره قد لا يكون مسكرا حراما، لاحتمال انحراف مزاج الغير ولا شك انه لو أدعى عدم العلم أو الاكراه والضرورة يسمع منه فينبغي دفع ذلك كله حتى تحقق ما يوجب الحد ولا ينبغي البناء على ان الاصل عدم تلك الامور، وانه لو كانت لذكرها، فان بناء الحد على التخفيف، يقتضي الالتفات إلى هذه الامور، إذ قد لا يعرف انه يسمع منه دعوى ذلك. وبالجملة، ان كان لهم على ذلك دليل من نص أو اجماع، والا فبمجرد ما ذكر الحكم مشكل، فتأمل. قوله: " والاقوى الحكم الخ " قد اختلف في ان مستحل شرب الخمر كافر ومرتد ام لا؟ فقال به بعض الاصحاب، لان تحريمه مجمع عليه الامة، ومن ضروريات الدين فيكون المسلم المنكر له مرتدا. فان كان فطريا يقتل من غير استتابة، وان كان مليا - أي غير فطري - يستتاب فان تاب، والا قتل. ولم يذكره المصنف لظهوره، ولانه يعلم من قوله: (فان رجع الخ)، وسيجئ تفصيل حكم المرتد. ونقل عن الشيخين وابتاعهما عدم الحكم بارتداد من استحل شرب الخمر، بل قالوا: انه يستتاب مطلقا، فالشارب يحد عندهم مطلقا، فان كان مستحلا

(1) يعني قده بالثاني ان يقول الشاهد: شرب مما شربه غيره فسكر كما مثل به في اول هذا البحث.

[ 202 ]

يستتاب فان تاب فالحد فقط، والا فالقتل على ما تقرر من قتل من يستحل محرما بعد العلم به. ودليلهم، الاصل، وانه ما صار ضروريا بحيث يعرفه كل واحد، ولم يمكن الجهل به، فان كثيرا من أهل القرى يعتقدون حله، فيمكن في حق من انكر تحريمه ذلك فلا يحكم بارتداده لذلك. والحق ان يقال: ان كان المنكر ممن امكن في حقه عدم علمه بتحريمه وان كان بعيدا يقبل للاحتياط، والدرء، والاصل، ولبعد انكار من هو عليه شعار المسلمين، وعلى ظاهر الاسلام ينكر، علم تحريم شئ في شرع الاسلام، بل لا يمكن ذلك حقيقة، بل بحسب الظاهر أو الخروج عن الاسلام وعدم الاعتقاد بحقيقته له مهما امكن حمله على الامكان والصحة، وان كان بعيدا يحمل عليه فلا يكفر، ولا يقتل وان لم يمكن. مثل ان يكون رجلا من اهل العلم والمعرفة باحكام المسلمين وكتاب الله والاخبار، فيحكم بارتداده وكفره ويجري عليه احكام المرتد التي ستجئ، لانه علم من حاله ثبوت التحريم في الشرع، فانكاره انكار الشرع ورده وعدم القول به فلا شك في كفره وهو ظاهر ويمكن الجمع بين القولين فتأمل هذا في الخمر. واما غيرها من المسكرات مثل النبيذ وغيره مما تقدم فلا يقتل مستحله ولا يكفر، لعدم ظهور تحريمه بحيث لم يكن مخفيا عليه فيحكم بالخفاء ولم يحكم بالكفر والقتل للاصل، والاحتياط، والدرء، والبعد. نعم يحد وإن استحل، لعموم أدلة شارب ذلك، فلا يعذر مدعي جهله، هذا ظاهر كلامهم. ويمكن ان يقال بعدم الفرق على ما حققنا، فانه ان كان مستحل غير الخمر من المسكرات المحرمة ممن علم تحريمه ولم يخف مثله على مثله، يكفر ويقتل لعين ما مر، فان دليل الكفر والقتل هو رد الشرع واظهار عدم حقيته، فانه بعد ان علم انه

[ 203 ]

وبايع الخمر مستحلا يستتاب، فان رجع، والا قتل. يحرم في الشرع فليس تحليله الا رد الشرع وهو ظاهر. وهو جار في كل محرم، بل في الاحكام كلها وان لم يكن اجماعيا ولا ضروريا، بل مسألة خفية في غاية الخفاء ولكن علم ذلك المنكر انه من الشرع وان مقتضى الشرع تحريمه أو وجوبه أو ندبيته أو كراهته أو اباحته علما يقينيا لا يحتمل التغيير ثم انكر ذلك. الا ان يظهر ان فهمه وعلمه الاول كان غلطا وهو خلاف الفرض، فيخرج عما نحن فيه وانما فرض العلماء ذلك في الضروري، والمجمع عليه لحصول العلم، فانه مما لا يخفى على احد من المسلمين الا من يدعي شبهة محتملة في حقه فيسمع، والا فالحكم كلي كما اشرنا إليه، فافهم. ثم في تحديد مطلق المستحل غير الشرب أيضا تأمل فان الجاهل قد يعذر للاصل والدرء والاحتياط وبناء الحدود على التخفيف وغير ذلك كما مر. ويؤيده ما تقدم في الرواية ان أمير المؤمنين عليه السلام ما حد شخصا ادعى جهلة بتحريم الخمر حيث ذهب به أبو بكر وعمر مع الجماعة للاستفتاء عن حكمه وأمر بان يدار به على المهاجرين والانصار ويسأل هل أحد قرأ عليه آية تحريم الخمر وفعلوا؟ وقال ما قرأ عليه احد ذلك (1)، فتأمل. قوله: " وبايع الخمر مستحلا الخ " بيع الخمر حرام، للنص بل الاجماع فان استحل احد بيعه يستتاب أي يقال له: هذا حرام فلا تفعل وتندم عما فعلت، فان لم يعرف ولا يحصل له العلم بمجرد القول لذلك، يثبت له بالدليل بحيث يعلم ذلك ويفيد له اليقين، فان قبل وتاب والا قتل، لانه مرتد وكافر، فانه بعد ان ثبت عنده انه من الشرع بالدليل اليقيني - لانه الفرض - انكر، فانكر الشرع ورده.

(1) راجع الوسائل باب 10 حديث 1 من ابواب حد المسكر ج 18 ص 475 والحديث منقول بالمعنى فلاحظ.

[ 204 ]

ويعزر لو لم يستحل. وما عداه يعزر وان استحله ولم يتب. والتوبة قبل البينة تسقط الحد لا بعدها. ولو باعه ولم يستحل ذلك يعزر كما في سائر المحرمات. هذا في الخمر، واما بايع غيره من المسكرات، بل المحرمات التي لا يجوز بيعها فلا قتل عليه وان استحله ولم يثبت - إذ لا ارتداد - لثبوت الخلاف بين المسلمين في تحريم ذلك فليس باجماعي ولا ضروري، فيمكن خفائه عليه، فليس ذلك موجبا للارتداد الموجب للقتل. ولهذا، بعض العامة قائل بتحليل النبيذ مثلا، فليس عليه القتل والحد بل يعزر كما يعزر فاعل سائر المحرمات ان لم يعتقد تحليله بشبهة اجتهاد أو تقليد وان كانا باطلين في نفس، هذا ظاهر كلامهم. وقد مر ما يفهم منه التأمل في ذلك من انه ان صار معلوما عنده انه من الشرع يكفر ويقتل وانه انما فرض ما ذكروه في الضروري والمجمع عليه لحصول العلم فيه غالبا وعدم انكاره الا بعد العلم كما مر في الحد. واعلم ان الظاهر ان العلم بالمكلف به والموجب للعقاب شرط للتكليف بمعنى العقاب بتركه في الدنيا والاخرة لقضاء العقل به مع بعض المنقول. وليس يعني أن العلم شرط التكليف، ان الشرط هو صلاحية العلم لا العلم به بالفعل والا يلزم الدور، إذ لا يلزم الدور (إذ لا دور - خ) على ما قلناه وتحقيق البحث في الاصول فارجع إليه فتأمل فيه. وكذا الكلام في التعزير لان تعزير من لم يعلم حرمة شئ وعقابه بانه فعل حراما بعيد فتأمل الا ان يعلم التحريم ويقصر فيعزر على ذلك فتأمل فيه. قوله: " والتوبة قبل البينة الخ " الظاهر ان لا خلاف في سقوط الحد،

[ 205 ]

وبعد الاقرار قيل: يتخير الامام، وقيل: يجب الحد هنا. بل التعزير أيضا بالتوبة قبل ثبوته عند الحاكم المستوفي، فلا يترتب على اقراره أو البينة بعدها، اثر، بل يمكن تعزير المدعي والمبينة ايضا لانه اثبات فسق للتائب. مع ان التوبة مسقطة للذنوب بالاجماع المنقول في مجمع البيان والنص كتابا وسنة، ان الله يقبل التوبة عن عباده (1)، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له (2)، وهو كثير حدا فيسقط عقوبة الدنيا أيضا، فتأمل. اما بعد ثبوته، فالمشهور انه ان كان السقوط بالبينة لم يسقط، وعند أبي الصلاح انه يسقط. وجه الاول انه بعد ان ثبت بحكم الشرع موجب الحد فلابد من مسقط شرعي أن التائب يسقط عنه الحد، وليس بالفرض. ولعل دليل أبي الصلاح ما تقدم من ان التوبة مسقطة للعقوبة الاخروية فكذا الدنيوية. وفي الملازمة بحث. واما بعد الاقرار فالمشهور انه مخير بين الاسقاط والعفو، وبين اجرائه قالوا: لان التوبة بعد الاقرار مسقطة لتحتم أقوى العقوبتين، وهو الرجم واقوى الذنبين، وهو الزنا، فاضعفهما - وهو الجلد والشرب - بالطريق الاولى. واجيب بان توبته موضع التهمة، وبأنه قد يكون سقوط الاقوى للمبالغة في حفظ النفس، وعدم القتل، واهلاك النفوس، فلا يلزم من سقوط مثله، سقوط ما ليس كذلك مثل الجلد والتعزير. قد يقال: إن الحدود مبني على التخفيف والاحتياط، ويسقط باول شبهة.

(1) لعل نظره قدس سره الاقتباس، والا فالآية الشريفة هكذا: الم يعلموا ان الله يقبل التوبة من عباده - التوبة: 104 - وهو الذي يقبل التوبة عن عباده - الشورى: 25. (2) الوسائل باب 86 حديث 8 من ابواب جهاد النفس ج 11 ص 358.

[ 206 ]

واجاب في الشرح عن كون توبته موضع التهمة، بان الفرض تحقق التوبة الحقيقية. ويمكن ان يقال: الفرض انه إذا تاب ولم يظهر فساد توبته بوجه شرعي يسقط الحد عنه ويحكم بصحة التوبة دائما ما لم يظهر خلافه كما في سائرها وهو التوبة الحقيقية. ومقصود المجيب ان ذلك دائما محل التهمة، فان مجرد التوبة في مثل هذا المقام لا يخلو عن التهمة فالتهمة ثابتة ولا يتحقق بغيرها الا ان يفرض دائما وليس المسقط - على القول باسقاطه بالتوبة - منحصرا في ذلك، بل بالتوبة الشرعية مطلقا، وهو أنه يظهر الندامة ولم يظهر خلافها منه، فتأمل. نعم يمكن ان يقال: لا ينظر إلى مثل هذه التهمة بأن اعمال المسلمين محمولة على الصحة، ولهذا تقبل شهادة التائب. مع انه قد يتهم كونها مقبول (لقبول - خ ل) الشهادة، وان التوبة ان كانت مسقطة ينبغي ان تسقطه بالكلية لا تحتمه، فان الموجب لو كان باقيا لم يسقط اصلا، والا فيسقط بالكلية، فالتخيير ليس بظاهر الوجه. وذهب المتأخرون مثل المحقق إلى عدم السقوط، لان الاسقاط بعد الثبوت يحتاج إلى دليل وليس. ويمكن ان يقال: ان السقوط بالاقرار مطلقا غير ظاهر، نعم ظاهر ما لم يتب، واما بعدها فقد يقال: انه ما ثبت، فيكون الحد بعد الاقرار غير ظاهر الحال، فيحتمل الثبوت والبقاء وعدمه، وتبين بالتوبة وعدمها، فالثبوت غير مسلم لا انه ثابت ثم يسقط، وفي العبارة (1) مسامحة.

(1) يعني في عبارة الماتن رحمه الله حيث قال: والتوبة قبل البينة يسقط الحد الخ فان التعبير بالسقوط فرع على الثبوت مع ان الموجب للحد إذا تاب قبل البينة غير ثابت والله العالم.

[ 207 ]

ومن استحل المحرمات المجمع عليها كالميتة، والخمر، ولحم الخنزير، والربا، ممن ولد على الفطرة، يقتل، فان فعله محرما، عزر. وأيضا، الحدود تسقط بالشبهات وهذه شبهة، فتأمل. نعم ان ثبت باقراره الحد عليه على كل حال تاب أو لم يتب، بمثل اقرار العقلاء على أنفسهم جائز، يحتاج المسقط إلى دليل. فتأمل في ذلك فان اثبات العموم بحسب الاوضاع بحيث يكون حجة، مشكل مع درء الحد بالشبهة، ويؤيد السقوط الشهرة، فتأمل. قوله: " ومن استحل المحرمات الخ " اعلم ان اكثر العبارات - حتى عبارة بعض العامة مثل القاضي (1) وفي شرح المختصر - ان من انكر ما اجمع عليه المسلمون تحريمه مثل اكل الميتة، ولحم الخنزير، والربا بعد البيان والتحريم يكفر، وقال الاصحاب: يحل قتله ان كان فطريا، والا استتيب، فان تاب، والا قتل. وان اكل المحرم المجمع عليه محرما له غير مستحل، يعزر ولا يقتل مثل فاعل سائر المحرمات. وقيد البعض (2) بما إذا صار، المجمع عليه ضروريا، إذ قد يكون مجمعا عليه

(1) هو القاضي عبد الرحمان بن احمد بن عبد الغفار الفارسي الشافعي الاصولي المتكلم الحكيم المدقق، كان من علماء دولة السلطان أولجايتو محمد المعروف ب‍ " شاه خدا بنده المغولي " يقال: ان اصله من بيت العلم والتدريس والرياسة وتولى القضاء بديار فارس إلى ان سلم له لقب اقضي القضاة في مدينة (شيراز) مع نهاية الاعزاز (إلى ان قال): له شرح مختصر ابن الحاجب وهو معروف بين العلماء وله المواقف في علم الكلام الذي شرحه المحقق الشريف (إلى ان قال): وآخر مصنفاته العقائد العضدية التي شرحها الدواني جرت له محنة مع صاحب الكرمان فحبسه بقلعة وريميان فمات مسجونا سنة 756 (الكنى والالقاب للمحدث القمي ج 2 ص 472 طبع مطبعة الحيدرية). (2) يحتمل ان يكون المراد من هذا البعض هو الشهيد الثاني في المسالك فانه قال (في شرح قول المصنف): (ومن استحل شيئا من المحرمات الخ): ما لفظه: وان كان مجمعا عليه بين المسلمين ولكن لم يكن ثبوته ضروريا فمقتضى عبارة المصنف رحمه الله وكثير من الاصحاب، الحكم بكفره أيضا، لان اجماع جميع فرق =

[ 208 ]

ولم يصر ضروريا فلا يكفر منكره، ولا يقتل. قد مر التحقيق والبحث في ذلك وان ذلك ليس بمخصوص المحرمات، ولا بالمجمع عليه والضروريات، فان المجمع عليه قد يكون مخفيا عند المنكر، بل الذي صار ضروريا من الدين ايضا بمعنى انه يعرفه الاكثر ممن قال بالاسلام فانه قد يكون مخفيا عليه. وذلك غير بعيد، ولهذا القائلون بذلك يقبلون شبهة من احتمل في حقه ذلك، فينبغي أن يقال: كل من ثبت عنده شئ وتحقق وعلم انه من شرع الاسلام وحكم به النبي صلى الله عليه وآله من المحرمات والواجبات وغيرهما ثم انكر ذلك مثل ان قال للمحرمات: ليس بحرام، وللواجبات: ليس بواجبات ونحو ذلك. بل في غير الاحكام الخمسة - أيضا، فانه إذا علم - انه قال الله، أو النبي: العالم حادث فقال: ليس كذلك، بل هو قديم ونحو ذلك، كفر، وارتد، ووجب عليه احكام الردة المعلومة في محلها وان لم يكن معلوما وما ثبت عنده كذلك ويكون مخفيا عليه لم يكفر بانكاره اي شئ كان، الا ان ذلك في المجمع عليه المسلمون (1) بعيد غالبا. وكأنه لذلك قال البعض بان انكار ما اجمع عليه المسلمون، كفر، ولما نظر البعض إلى انه قد يكون المجمع عليه مخفيا على العوام، فلا يكون انكاره موجبا للكفر

= المسلمين عليه يوجب ظهور حكمه فيكون امره كالمعلوم، ويشكل بان حجية الاجماع ظنية لا قطعية، ومن ثم اختلف فيها وفي جهتها ونحن لا نكفر من رد اصل الاجماع فكيف نكفر من رد مدلوله؟ فالاصح اعتبار القيد الآخر (انتهى موضع الحاجة). ويحتمل ان يكون المراد بعض العامة، كما في هامش بعض النسخ المخطوطة منه رحمه الله ما هذا لفظه: وفصل ذلك بعض العامة مثل التفتازاني في شرح الشرح (انتهى). (1) هكذا في النسخ كلها فتأمل في معناه.

[ 209 ]

ما لم يكن ضروريا، فنظر إلى انه إذ كان ضروريا لا يمكن الخفاء عليه فيتم كلية. ولكن يحتمل مع ذلك أن يكون فيه خفاء بالنسبة إلى بعض العوام الا ان يفرض الضروري عند الكل أو عند المنكر، وحينئذ يتم. ولكن الظاهر أن مرادهم، الضروري عند الاكثر والاغلب، ولهذا قد يقيد بعدم دعوى شبهة محتملة، فينبغي ان يقيد بالضروري عند المنكر ولا يسمع منه الجهل ودعوى ذلك، فمع الانكار حينئذ يكفر في نفس الامر، ويستحق القتل. ولكن إذا ادعى عدم ذلك وكان الشخص يحتمل في حقه ذلك وان كان احتمالا بعيدا جدا مثل كون شخص نشأ في الاسلام وبين المسلمين وادعى عدم علمه بتحريم الخمر يسمع لحمل قول المسلم على الصحة مهما امكن، والاصل، والاستصحاب، وحفظ النفوس، ولبعد رد مسلم الشرع والشارع وكلامه، وكفره (فالحكم - خ ل) حينئذ بذلك كله مشكل. نعم إذا أنكر شخص من أهل العلم أو الذي علم منه قبل ذلك العلم به فانكر، لا يسمع منه دعوى عدم ذلك فيحكم عليه بذلك كله، فتأمل. ومنه علم أن من انكر ما ثبت عنده انه مما اثبته الشارع ما يكفر ويجري عليه أحكام الارتداد. فحينئذ لو أنكر مؤمن قول إمامه الذي يعتقد عصمته، يكفر ويرتد، فالمؤمن إذا أنكر ما اجمع عليه الامامية بمعنى انه علم ذلك بحيث دخل فيه قول المعصوم ثم أنكر، يكفر ويرتد بانكاره الاجماع الذي دخل فيه المعصوم عليه السلام كاجماع جميع المسلمين بالنسبة إليهم، وهو ظاهر. بل قد عرفت ان انكار المسألة الخفية إذا كان هو عالما بها يكون انكارها كفرا فكيف انكار ما أجمع عليه الامامية، وانكار قول من يعتقد وثبت عنده عصمته.

[ 210 ]

نعم ذلك ليس بكفر عند من لم يعتقد ولم يثبت عنده ذلك كانكار المخالفين احد الائمة عليهم السلام، بل تقديم أمير المؤمنين عليه السلام أيضا، بخلاف انكار إمامته مطلقا، فانه موجب للكفر والارتداد، وكذا بغض أهل البيت عليهم السلام الا من يدعي ذلك شبهة وكل ذلك ظاهر، الحمد لله. وكأنه إلى ذلك اشار الشيخ رحمه الله على ما نقل عنه في شرح الشرائع قال: واما مخالف ما اجمع عليه الاصحاب خاصة فلا يكفر قطعا وان كان ذلك عندهم حجة فما كل من خالف حجة يكفر خصوصا الحجة الاجتهادية الخفية، ثم قال: وقد اغرب الشيخ رحمه الله حيث حكم في بعض المسائل بكفر مستحل ما اجمع عليه الاصحاب. وقد عرفت انه ما اغرب الشيخ، فان انكاره اجماع الاصحاب بالنسبة إلى الامامي انكار المعصوم بعد ثبوت عصمته باعتقاده فرده وانكاره منه كرد النبي صلى الله عليه وآله، وانه لا فرق بين انكار اجماع المسلمين واجماع الاصحاب، إذ لابد من حصول العلم بحقيته حتى يثبت كفر المنكر والا لم يثبت وهو ظاهر وقد مر وجهه مرارا. وكانه فهم أن الشيخ يريد انكار المخالف أو الاجماع الظني. ويحتمل ان يكون مراد الشيخ ما ذكرناه من كون الاجماع يقينا أو المنكر إماميا، وانه معلوم ان الشيخ ما ادعى ذلك في الاجماعات، الاجتهادية الخفية بالنسبة إلى المخالف أيضا والمنكر. وقال أيضا: مستحل المحرم ان كان ثبوته معلوما من الشرع ضرورة لا شبهة في كفره لانه حينئذ راد للشرع الذي لا يتحقق الاسلام بدون قبوله ولو بالاعتقاد وان كان مجمعا عليه بين المسلمين ولكن لم يكن ثبوته ضروريا فمقتضى عبارة المصنف وكثير من الاصحاب الحكم بكفره أيضا، لان إجماع جميع فرق المسلمين

[ 211 ]

عليه موجب ظهور حكمه فيكون امره كالمعلوم. ويشكل بان حجية الاجماع ظنية لا قطعية، ومن ثم اختلف فيها وفي جهتها ونحن لا نكفر من رد أصل الاجماع فكيف نكفر من رد مدلوله، فالاصح اعتبار القيد الاخير (1) وانت - بعد الاطلاع على ما تقدم من التحقيق - عرفت ما فيه من انه لابد من العلم، سواء كان القيد الاخير ام لا، وان مجرده لا يكفي في الكفر، وان عدم الشبهة إنما هو مع العلم، والا ففيه الشبهة. وكأنه بالحقيقة لا فرق بينهما. وان الاجماع لما كان مظنة العلم، قالوا بكفر منكره، وكذا مع قيد الضرورة الا انه اقرب. وأن رد شئ من الشرع انما يكون رد الشرع الموجب للكفر، بعد الثبوت لا قبله. واما الاشكال لما ذكره، فهو غير ظاهر أيضا، لان الاجماع ايضا حجة قطعية عندنا، بل عند بعضهم وصرح في شرح العضدي أيضا، فتأمل. وان ليس الاختلاف في حجيته بعد العلم بتحققه كيف وعندنا الامام عليه السلام داخل فيه فانكاره انكار الامام عليه السلام فهو انكار النبي صلى الله عليه وآله ورد للشرع. وعندهم خطأ كل الامة محال، فانكاره رد للشرع في نفس الامر وقد قال: انه كفر. وان الاختلاف في جهة حجيته، لا يستلزم عدم كفر منكره. وانه انما يقولون بكفر منكر الاجماع إذا تحقق وكان قطعيا لا مطلق الاجماع، فإذا

(1) يعني بالاخير كونه ضروريا.

[ 212 ]

كان قطعيا - مثل الاجماع على ان الصلاة واجبة، والركوع فيها واجب ونحو ذلك - فالظاهر كفر منكره، ولا يلزم من عدم تكفير منكر اصل الاجماع عدم تكفير منكر مدلوله بعد ثبوته، فتأمل.

[ 213 ]

المقصد السادس في السرقة وفيه مطالب: الاول: السارق. وشرطه البلوغ، فالصبي يؤدب وإن تكرر منه. قوله: " وشرطه البلوغ الخ " أي شرط الركن الاول من السرقة ومن السارق، البلوغ، فلو سرق الصبي فلا حد عليه أصلا وان فعل مرة بعد اخرى وهكذا، بل يؤدب لدفع الفساد واصلاحه لرفع القلم (1) عنه حتى يبلغ، وللاصل، ولانه لا تحريم ولا وجوب عليه، فلا حد، فانه فرعه، ولانه لا شئ عليه من الاحكام، فكذا الحد، فتأمل. وهذا هو المشهور بين المتأخرين حتى لم يشر المصنف هنا إلى الخلاف أيضا.

(1) راجع الوسائل باب 8 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 316.

[ 214 ]

لكن قد ورد اخبار كثيرة بحدهم الا انها مختلفة، ولننقل المعتبرة منها. وهي حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا سرق الصبي عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف الاصابع، فان عاد قطع اسفل من ذلك، وقال: اتي علي عليه السلام بغلام يشك في احتلامه فقطع أطراف الاصابع (1). يمكن كونها فيمن يمكن، بان بلغ ولم يعلم فيكون حكمه هذا، فتأمل. وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبي يسرق؟ قال: يعفى عنه مرة ومرتين ويعزر في الثالثة، فان عاد قطعت اطراف أصابعه، فان عاد قطع اسفل من ذلك (2). وصحيحة محمد بن مسلم، عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الصبي يسرق؟ قال: إذا سرق مرة وهو صغير عفي عنه (فان عاد عفي عنه - كا)، فان عاد قطع بنانه، فان عاد قطع اسفل من بنانه فان عاد قطع اسفل من ذلك (3). وصحيحة صفوان بن يحيى، عن اسحاق بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الصبيان إذا اتي بهم عليا (علي - خ ل ئل) عليه السلام قطع أناملهم من اين يقطع؟ قال (فقال - ئل): من المفصل (4) مفصل الانامل. وصحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في الصبي يسرق؟ قال: يعفى عنه مرة، فان عاد قطعت أنامله أو حكت حتى تدمى، فان عاد قطعت أصابعه، فان عاد قطع اسفل من ذلك (5).

(1) الوسائل باب 28 حديث 2 و 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 523. (2) الوسائل باب 28 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 522. (3) الوسائل باب 28 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 523. (4) الوسائل باب 28 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 523. (5) الوسائل باب 28 حديث 7 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 524.

[ 215 ]

وغيرها من الاخبار الضعيفة كثيرة. وينبغي العمل بالمعتبرة، والجمع بينها بوجه إن امكن، والا فالعمل بالراجح بوجه ونقل عن نهاية الشيخ ومختلف المصنف انه يعفى عنه أولا، فان عاد ادب، حكت (1) أنامله حتى تدمى فان عاد قطعت أنامله، فان عاد قطع كما يقطع الرجل. وقال في الاستبصار - في الجمع بين الاخبار -: إذا تكرر منهم الفعل دفعات كان عليهم القطع مثل ما على الرجل في أول دفعة ولم يجب عليهم القطع في اول مرة. ولا يخفى ان استخراج هذا من الاخبار بالجمع بينها مشكل، فتأمل. ويمكن ان يقال: لابد من العفو مرة واحدة، فان الاخبار مشتركة فيها ثم يجوز العفو مرة اخرى، لما في بعضها من العفو مرتين، ويجوز عدمه والتعزير حينئذ ولو بالحك والادماء أو قطع بعض الانامل كما في بعض الاخبار ثم ان عاد قطع اسفل من ذلك، ثم بعد العود يقطع من تحته. ويحتمل كون هذا هو القطع الكبير. وينبغي أن يكون هذه في المرة الخامسة للعفو مرتين، فيكون التعزير بالحك ونحوه في الثالثة، ثم القطع اسفل من ذلك رابعة ثم القطع الحقيقي في المرة الخامسة، فلا بد من ارتكاب القطع في الجملة للنصوص الصحيحة الصريحة، ودفعا للفساد، وانه نوع تعزير وتأديب، ولا شك في تجويز ذلك.

(1) هكذا في النسخ كلها مخطوطة ومطبوعة ولا يخفى اضطراب العبارة فالاولى نقل عبارة نهاية الشيخ قال: ومتى سرق من ليس بكامل العقل بان يكون مجنونا أو صبيا لم يبلغ - وان نقب وكسر القفل - لم يكن عليه قطع، فان كان صبيا عفي عنه مرة، فان عاد ادب، فان عاد ثالثة حكت انامله حتى تدمى، فان عاد قطعت أنامله فان عاد بعد ذلك قطع اسفل من ذلك كما يقطع الرجل سواء (النتهى).

[ 216 ]

والعقل، فلا حد على المجنون. وارتفاع الشبهة، فلو توهم الملك فبان الخلاف. والظاهر أن هذا في الصغير المميز تمييزا تاما، مثل كونه بعد سبع سنين، وكون القطع بعد تسع سنين. لرواية محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصبي يسرق؟ فقال: ان كان له سبع أو أقل دفع عنه، فان عاد بعد السبع سنين قطعت بنانه أو حكت حتى تدمى، وان عاد قطع منه اسفل من بنانه، فان عاد بعد ذلك وقد بلغ تسع سنين قطعت يده ولا يضيع حد من حدود الله (1). (وشرطه الثاني) العقل، فلا يحد على المجنون إذا سرق حال جنونه، سواء كان ادوارا أو مطبقا. ولو سرق حال افاقته ثم جن فالاستصحاب يقتضي عدم السقوط. ويحتمل السقوط لعموم مثل (وعن المجنون حتى افاق) (2)، فتأمل. ويحتمل التفصيل بانه ان كان ذا شعور يدرك، يقطع والا فلا. وكذا يمكن ان يقال ذلك في تأديب الذي سرق حال جنونه وكونه منوطا بحكم الحاكم، يغني عن البحث، فان رأي الحاكم كونه بحيث ينزجر ويحصل به نفع، فعل، والا فلا. قوله: " وارتفاع الشبهة الخ " ثالث الشروط عدم الشبهة أي عدم شئ يكون موجبا لعدم كونه سرقة، مثل ان يتوهم ان الذي يأخذه ملكه وظهر خلاف ذلك وكان مال الغير، فلا حد، لدرء الحدود بالشبهات. وكذا لو اخذ خفية من المال المشترك بينه وبين الغير بظن ان الذي يأخذه نصيبه وحصته وكان زائدا ولو كانت الزيادة قدر النصاب.

(1) الوسائل باب 28 حديث 12 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 525. (2) لاحظ الوسائل باب 4 حديث 10 من ابواب مقدمة العبادات ج 1 ص 32.

[ 217 ]

وكذا الغنيمة، فإذا سرق غانم من غنيمة دار الحرب شيئا، لا حد عليه وان كان ما اخذه زائدا على حصته بمقدار النصاب، لما تقدم من الشبهة. ورواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى علي عليه السلام في رجل اخذ بيضة من المغنم (المقسم - خ ل ئل) وقالوا: قد سرق إقطعه؟ فقال: إني لم اقطع أحدا له فيما اخذ شريك (شرك - خ ل ئل) (1). ورواية مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام اتي برجل سرق من بيت المال فقال: لا تقطعه (لا يقطع - خ ئل) فان له فيه نصيبا (2). ورواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال علي عليه السلام: أربع لا قطع عليهم، المختلس، والغلول، ومن سرق من الغنيمة، وسرقة الاجير لانها خيانة (3). وهذا الحكم هو المشهور، والاخبار ضعيفة ولكن مؤيدة لما تقدم من اسقاط الحد بالشبهات الا أنه قد دل بعض اخبار اخر على ثبوت الحد في المغنم. مثل صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين عليه السلام؟ قال: (فقال - خ ئل) بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه (4). كأنها كانت مقدار ما يوجب الحد. وحملها في الاستبصار على كون ذلك الرجل ممن لم يكن له في المغنم

(1) الوسائل باب 24 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 518. (2) الوسائل باب 24 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 518. (3) الوسائل باب 12 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 503. (4) الوسائل باب 24 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 418.

[ 218 ]

نصيب، وقال: على ان الذي يسقط عنه القطع إذا سرق بمقدار ماله أو مزيد عليه باقل مما يجب فيه القطع. فاما إذا زاد على نصيبه بمقدار ما يجب فيه القطع، وجب قطعه على كل حال. يدل على ذلك ما في رواية ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: (وان كان الذي سرق) أي الغانم (من المغنم اكثر ماله بقدر ثمن مجن قطع وهو صاغر، وثمن مجن ربع دينار) (1). وما رواه يونس بن عبد الرحمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: رجل سرق من المغنم ايش الذي يجب عليه القطع؟ قال: ينظر كم الذي نصيبه؟ فان كان الذي اخذ اقل من نصيبه عزر، ودفع إليه تمام ماله وان كان اخذ مثل (ماله - خ) الذي له فلا شئ عليه، وان كان الذي أخذ فضلا بقدر ثمن مجن وهو ربع دينار قطع (2). هذه كأنها صحيحة إذ الطريق إلى يونس (3) قالوا: صحيح، ويونس أيضا ثقة على الظاهر وان كان في الطريق عبيدي وفيهما كلام (و - خ) مفصلة فيجب حمل غيرها عليها والشيخ قائل به ولكن بقى درء الحد بالشبهة وكأن هنا ليس كذلك إذ يمكن كونها فيمن علم انها (ان الزيادة - خ) على نصيبه موجبة للحد فلا يكون شبهة أو يخرج عن عموم (ادرأوا)، ولو كان سندها نقية من غير كلام فيه، كان جيدا، فتأمل.

(1) (1) الوسائل باب 24 ذيل حديث 6 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 419. (2) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 519. (3) طريق الحد طريق الحديث إلى يونس كما في مشيخة التهذيب والاستبصار هكذا: وما ذكرته في هذا الكتاب عن يونس بن عبد الرحمان فقد اخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله والحميري وعلي بن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار وصالح بن السندي عن يونس بن عبد الرحمان.

[ 219 ]

أو سرق من المشترك ما يظنه نصيبه فزاد فلا قطع، وكذا الغنيمة، أو سرق ملك نفسه من المستأجر والمرتهن. وهتك الحرز منفردا أو مشاركا، فلو هتك غيره واخرج هو فلا قطع. قوله: " أو سرق ملك نفسه الخ " أي وكذا لا حد على من اخذ سرا من عند الغير وان كان في يده على وجه شرعي مثل ان يأخذ دابته التي آجرها غيره. وكذا لو اخذ ماله الذي ارتهنه عند شخص من تحت يده خفية. ودليله واضح (1)، فان ذلك شبهة واضحة للاسقاط، ولان ذلك ليس سرقة، وعلى تقدير تسليم ذلك ليس بموجب، فان الغرض من الحد حفظ اموال الناس، ولان في الروايات: (يعطى مال الناس ويقطع) (2). قوله: " وهتك الحرز الخ " رابع الشروط أن يأخذه من حرزه يعني يكون المال المأخوذ في موضع يكون حرزا له عادة، لانه معنى السرقة. ويدل عليه خبر طلحة عنهم عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ليس على السارق قطع حتى يخرج السرقة (بالسرقة - ئل) من البيت (3). ويكون هو هتك الحرز وحده الا مع غيره فلو هتكه أحد واخذه هو لم يكن على احدهما قطع إما على غير الآخذ، فلعدمه، وإما عليه فلعدم أخذه من الموضع الذي كان حرزا له عادة. وكذا لو اخذ احد الدراهم والدنانير المخطوطة (4) عند شخص، لا يقطع ونحو ذلك.

(1) في نسختين (غير واضح) بدل واضح والصواب ما اثبتناه. (2) لاحظ الوسائل باب 10 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 500. (3) الوسائل باب 8 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 499. (4) هكذا في النسخ فتأمل في المراد.

[ 220 ]

كأن الدليل عليه هو الاجماع والاخبار. مثل رواية النوفلي، عن السكوني، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: كل مدخل يدخل فيه بغير اذن فسرق منه السارق، فلا قطع عليه يعني الحمامات والخانات والارحية (1). وكذا روايته عنه عليه السلام بهذا الاسناد، قال: لا يقطع الا من نقب بيتا أو كسر قفلا (2). وتدل عليه أيضا الاخبار التي تدل على عدم القطع على الاجير والضيف، لانهما امينان خائنان لا سارقان، فان المال لا يحفظ عنهما فما اخذا من الحرز، فتأمل مثل (وكيل خان مالا في يده) (3) وسيجئ. ورواية السكوني أيضا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتى أمير المؤمنين عليه السلام بطرار (4) وقد طر دراهم من كم رجل فقال: ان كان طر من قميصه الاعلى لم اقطعه، وان كان طر من قميصه الداخل (السافل - خ) قطعته (5). ومثله رواية مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام (6) ويدل عليه أيضا بعض الاخبار العامة (7). ولكن يدل على عدم الاشتراط ظاهر الآية، وعمومات الاخبار

(1) الوسائل باب 18 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 509. (2) الوسائل باب 18 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 509. (3) راجع الوسائل باب 14 و 17 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 506. (4) الطرار هو الذي يقطع النفقات ويأخذها على غفلة من اهلها من الطر بالفتح والتشديد القطع (مجمع البحرين). (5) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504. (6) الوسائل باب 13 حديث 2 بالسند الثاني ج 18 ص 504. (7) راجع سنن أبي داود ج 4 باب القطع في الخلسة والخيانة ص 138.

[ 221 ]

وخصوصها. مثل رواية اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل سرق من بستان عذقا (1) قيمته درهمان؟ قال: يقطع به (2). وما في صحيحة جميل بن دراج قال: اشتريت انا والمعلى بن خنيس طعاما بالمدينة فأدركنا المساء قبل ان ننقله فتركناه في السوق في جواليقه فانصرفنا، فلما كان من الغد غدونا إلى السوق، فإذا اهل السوق مجتمعون على اسود قد اخذوه وقد سرق جوالقا من طعامنا فقالوا لنا: ان هذا قد سرق جوالقا من طعامكم فادفعوه إلى الوالي فكرهنا ان نتقدم على ذلك حتى نعرف رأي أبي عبد الله عليه السلام، فدخل المعلى على أبي عبد الله عليه السلام فذكر ذلك له فأمرنا ان نرفعه فرفعناه فقطع (3)، فتأمل. ورواية الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اخذ الرجل من النخل والزرع قبل ان يصرم فليس عليه قطع، فإذا صرم النخل واخذ وحصد الزرع فاخذ، قطع (4). وما في حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه؟ فقال: إن صفوان بن امية كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه فاخذ صاحبه فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله

(1) كفلس النخلة بحملها واما العذق بالكسر فالكباسة وهي عنقود التمر والجمع اعذاق كاحمال ومنه ما قام لي عذق بيثرب، والعذق المذلل الذي وضع على جريدة النخل (مجمع البحرين). (2) الوسائل باب 2 حديث 14 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 486. (3) الوسائل باب 33 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 531. (4) الوسائل باب 23 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 517.

[ 222 ]

فقال النبي صلى الله عليه وآله: اقطعوا يده، فقال صفوان: يقطع يده من اجل ردائي يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: انا اهبه (فانا - ئل) له فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهلا كان قبل ان ترفعه الي؟ قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم، قال: وسألته عن العفو قبل ان ينتهي إلى الامام؟ فقال: حسن (1). هذه تدل على كون العفو حسنا وان كان المعفو عنه فاسقا. وان العفو بعد الرفع، لا ينفع. وان الامام والنبي (صلوات الله عليهما) فيه سواء. ولعل الرداء كان يسوى نصاب القطع، وتحقيق ذلك سيجئ. وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يقطع السارق في كل شئ بلغ قيمته خمس دينار ان سرق من سوق أو زرع (أو ضرع - خ) أو غير ذلك (2). وحملها الشيخ (تارة) على التقية من جهة اشتمالها على خمس دينار و (تارة) على انه قد تكون هذه مختصة بمن يرى الامام المصلحة في القطع في خمس دينار، وقال: فيكون ذلك نهاية ما يقتضي (ما يقتص - خ) ولا يقتص بأقل من ذلك. وأيده بما رواه محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ادنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار، والخمس آخر الحد الذي لا يكون القطع في دونه، ويقطع فيه وفيما فوقه (3). فلو لم يكن اجماع على شرط الحرز لامكن القول بعدمه. وعلى تقدير الاشتراط، فهو المتعارف بمعنى انه كل موضع يقال: انه حرز

(1) الوسائل باب 17 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 329. (2) الوسائل باب 2 حديث 12 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485. (3) الوسائل باب 2 حديث 13 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485.

[ 223 ]

وإخراج المتاع بنفسه أو بالشركة إما بالمباشرة أو بالتسبيب كوضعه على دابة أو جناح طائر أو على وجه الماء أو أمره للصبي باخراجه. ولو نقب واخرج في ليلة اخرى قطع الا مع إهمال المالك بعد اطلاعه. لمثل هذا المتاع فهو حرز له، مثل الاصطبل للدواب، والبيوت للظروف والفروش، ولكن الظاهر مع الغلق. ويحتمل كفاية وجود الناظر (1) وعلى هذا القياس، البواقي. ويحتمل ان يكون المراد حرز الوديعة، فعموم الادلة يقتضي العدم الا فيما ثبت انه ليس بحرز بالاجماع ونحوه، فتأمل. قوله: " واخراج المتاع بنفسه الخ " وخامس الشروط أنه لابد أن يخرج الهاتك إما بنفسه أو شركة غيره إما بالمباشرة، مثل أن يأخذ بيده، أو يأخذ مع غيره بيده فيخرجه، أو بأن يعلقه على حبل في الحرز ثم يجر الحبل حتى يخرجه، أو على دابة ثم جر الدابة، أو علقه على جناح طائر ثم اخرج الطائر أو رماه في الحرز على الماء فاخرجه الماء أو امر الصبي أو اعطاه للصبي فأخرجه الصبي. قوله: " ولو نقب واخرج الخ " أي لو هتك بان نقب الحائط في ليلة ثم اخرج المتاع من حرز في ليلة اخرى، النصاب، قطع يده، لصدق السرقة، الموجب للحد مع شرائطها الا ان يطلع المالك على هتك الحرز والنقب ولم يسده، فانه حينئذ لا قطع عليه لو اخرجه بعد ذلك، لانه ما اخرجه من الحرز، فان ذلك بمنزلة ان يخلى المالك المال اولا في ذلك الموضع مع عدم كونه حرزا فلا يوجب شيئا، وهو ظاهر.

(1) زاد في بعض النسخ التي عندنا بعد قوله قدس سره: (الناظر): فانه عادة.

[ 224 ]

ولو اشتركا في النقب والاخراج قطعا ان بلغ نصيب كل واحد نصابا. ولو اشتركا في النقب واخرج احدهما، اختص بالقطع. ولو اخرجه احدهما إلى حد النقب فادخل الآخر يده فاخرجه، قطع خاصة. ولو اخرجه الاول إلى ظاهر النقب فأخذه الآخر قطع الاول خاصة. قوله: " ولو اشتركا في النقب الخ " أي لو اشترك اثنان في هتك الحرز بان نقبا جميعا، الحائط فاخرجا معا متاعا، قطع يداهما معا ان كان نصيب كل واحد منهما نصابا أي يكون ما اخرج بحيث لو قسم بينهما يكون ما وصل إلى كل واحد منهما ربع دينار ليصدق على كل واحد سرقة ما يوجب الحد، فانه لو كان نصيب كل واحد اقل لم يصدق عليه انه سرق نصابا. وان هتكا معا واخرج النصاب احدهما فقط دون الآخر يقطع مخرج النصاب لصدق اخراج النصاب من الحرز الموجب للحد ولا يضر اشتراك الآخر في الهتك كما مضى انه لو هتكا واخرجا قطعا، إذ الاستقلال في الهتك ليس بشرط للاصل وصدق السرقة الموجبة للحد بدونه ولا يقطع الآخر لعدم الاخراج، وهو ظاهر. ولو نقبا جميعا واخذ احدهما وجاء به إلى حد النقب وما ادخله فيه واخرجه الآخر يقطع المخرج لصدق السرقة الموجبة دون الآخر لعدم اخراجه عن الحرز، لا استقلالا، ولا شركة. ولو نقبا واخرجه احدهما إلى ظاهر النقب أي اخرجه عنه بالكلية واخذه الآخر بعد ذلك وذهبا به قطع الاول خاصة دون الثاني لتحقق السرقة الموجبة منه

[ 225 ]

ولو جعله في وسط النقب فاخذ آخر، فالاقرب سقوط القطع عنهما، إذ لم يخرجه كل منهما عن كمال الحرز. دون الثاني، لاخذه من غير الحرز. ولو نقبا ووضعه احدهما في وسط النقب، واخذه بعد ذلك الآخر، فذكر الاصحاب احتمالات ثلاث: (1) قطعهما معا لتحقق الاخراج من الحرز منهما. (2) والاخير لحصول كمال الاخراج منه. (3) وعدم قطع احد وهو الاقرب عند المصنف، لعدم تحقق الموجب من كل واحد، إذ النقب ليس بموجب، واحدهما ما اخرج من الحرز بالكلية فان الاول ما اخرجه من الحرز، ولهذا لو لم يخرجه الآخر ما يقطع الاول جزما، بل وضعه في وسط النقب فهو غير مخرج عن الحرز، والآخر أيضا كذلك، فانه ما اخرجه من الحرز، بل اخذ بعد ان اخرج عنه بعضه. ويمكن ان يقال: يقطع الاول، لانه اخرجه عن الحرز بالكلية، إذ النقب ليس، بحرز، فان الحرز ما وراءه، وهو ظاهر فان الحرز بعد الحائط، والنقب في الحائط، وهو ليس بحرز. هذا إذا ادخل كله في النقب بحيث ما بقي شئ منه في داخل الدار. وان لم يدخله كان القطع على الثاني وان اخرج بعضه من الدار وبقي بعضه فيها وبعضه في النقب فاخرج الآخر منه قطع يداهما معا، لانهما أخرجاه عن كمال الحرز فهو مثل ما إذا قبضاه معا واخرجاه عن الحرز معا. ويحتمل قطع الثاني فانه حمل اخراجه ولم يتحقق الاخراج التام الا منه. ويحتمل قطع الاول فقط، لانه الذي اخرجه عن الحرز، فان المال إذا كان بعضه في الحرز وبعضه خارجا وكان امرا واحدا متصلا، لم يكن في الحرز ولهذا لو وضع المال هكذا واخذه السارق، فالظاهر عدم قطعه، لعدم اخذه من الحرز، فان

[ 226 ]

ولو اكل في الحرز أو ابتلع جوهرة ولم يقصد الانفصال عنه، فلا قطع. ولو قصد قطع. ويشترط أن لا يكون والدا من ولده، فانه لا قطع. المحروز هو الذي يكون كله في الحرز، فتأمل. قوله: " ولو اكل في الحرز الخ " أي لو اكل شخص في الحرز متاعا كان قيمته نصابا - مثل النبات والسكر أو الحلاوة أو بعض المعاجن والتراكيب - أو ابتلع جوهرة ولم يقصد بذلك إخراج الجوهرة وانفصاله عنه، فلا قطع عليه، إذ الاكل ليس بسرقة واخراج مال عن الحرز الموجب للقطع، بل هو اتلاف، فهو ضامن (لرد - خ) يؤدي القيمة ويؤدب، وهو ظاهر. وكذا ابتلاع الجوهرة مع عدم القصد، بل هو أيضا اكل، واتلافها في الحرز ليس بسرقة والموجب هو السرقة. ويحتمل ذلك ان كانت عادتها الخروج، وهو بعيد، لانه يدعي عدم قصد الاخراج فهو شبهة ويدرأ بها الحد. واما إذا قصد الاخراج بذلك والانفصال بعده، فهو اخراج عن الحرز، فان الابتلاع حينئذ بمنزلة وضعها على الدابة وجناح الطير، فان ذلك من حيل الوسائل للاخراج وأحد طرق الاخراج، وهو ظاهر. ويمكن ان يصبر حينئذ، فان خرج وقيمته ما نقص عن النصاب يقطع، وإلا فلا، فتأمل. قوله: " ويشترط ان لا يكون الخ " من جملة شرائط القطع ان لا يكون السارق والد المسروق ماله، فان الاب ان سرق مال ولده لا يقطع به وان اجتمع فيه باقي الشرائط.

[ 227 ]

وبالعكس يقطع، وكذا تقطع الام لو سرقت مال الولد. وان يأخذ سرا، فلو اخذه قهرا أو بالخيانة لوديعته، فلا قطع. لعل دليله الاجماع المخصص لعموم الكتاب والسنة، وما سبق، قوله صلى الله عليه وآله لما ادعى عليه ولده، للولد: (انك ومالك لابيك) (1). ولانه لو قتله لا يقتل به فلا يقطع يده بيده فكيف يقطع يده بماله؟! واما دليل القطع لو سرق الولد من ماله أو سرقت الام من مال ولدها، وكذا سائر الاقارب، فهو عموم الكتاب والسنة والاجماع من غير مخصص ثابت، وما سيجئ مما يدل على عدم قطع الولد، والاخ، والاخت، على (2) عدم الحرز عنهم. قوله: " وان يأخذ سرا الخ " من شرائطه اخد المال سرا. لو قدمه كان أولى، ولو اهمله لكان ممكنا أيضا فافهم. لان السرقة أخذ المال خفية، فلو اخذه قهرا أو بالاختلاس، والطر أو بالخيانة لوديعة وغيرها، فلا قطع لان الموجب هو السرقة وهما ليسا منها (منه - خ). ويدل أيضا على عدم قطع الآخذ قهرا ما سيجئ من أدلة حكم المحارب. وعلى عدمه بالخلس والطر أيضا رواية أبي بصير، عن احدهما عليهما السلام قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا اقطع في الدغارة المعلنة وهي الخلسة ولكن اعزره (3). ورواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل اختلس ثوبا من السوق، فقالوا: قد سرق هذا الرجل فقال: إني لا اقطع في الدغارة المعلنة، ولكن اقطع من يأخذ ثم يخفي (4).

(1) الوسائل باب 78 ذيل حديث 1 من ابواب ما يكتسب به ج 12 ص 194. (2) هكذا في النسخ كلها مخطوطة ومطبوعة والظاهر حذف كلمة (محمول) كما لا يخفى. (3) الوسائل باب 12 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 502. (4) الوسائل باب 12 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 503.

[ 228 ]

لعل في جوابه عليه السلام اشارة إلى ان هذا ليس بسرقة. ورواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ليس على الذي يسلب (يستلب - ئل) قطع وليس على الذي يطر الدراهم من ثوب، قطع (1). ومضمرة سماعة، قال: قال: من سرق خلسة اختلسها (خلسها - خ ئل) لم يقطع، ولكن يضرب ضربا شديدا (2). ورواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال اتي أمير المؤمنين عليه السلام بطرار قد طر بدراهم (دراهم - خ ئل) من كم رجل، قال: فقال: ان طر من قميصه الاعلى لم اقطعه، وان كان طر من قميصه الداخل (السافل - خ ل) قطعته (3). ومثله رواية مسمع (4). لعل المراد انه ان اخذ خفية من التحت قطعت، لانه سرق (سرقه - خ ل) من الحرز. ورواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اربعة لا قطع عليهم، المختلس، والغلول، ومن سرق من الغنيمة، وسرقة الاجير فانها خيانة (5). فيه عدم القطع في الاجير والاخذ من الغنيمة للشركة والخيانة.

(1) الوسائل باب 13 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504. (2) الوسائل باب 12 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504. (3) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504 بالسند الاول. (4) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504 بالسند الثاني. (5) الوسائل باب 12 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 503.

[ 229 ]

وفي رواية اخرى ان أمير المؤمنين عليه السلام اتي برجل اختلس درة من اذن جارية، قال: هذه الدغارة المعلنة فضربه وحبسه (1). لعل الحبس لانه عليه السلام رآى المصلحة في ذلك. وتدل على عدم القطع في الخيانة، الروايات، مثل صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل يستأجر أجيرا فيسرق من بيته فهل يقطع يده؟ قال: هذا مؤتمن ليس بسارق، هذا خائن (2). وحسنة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: الضيف إذا سرق لم يقطع، وان (إذا - خ ل ئل) اضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف (3). لعل سبب قطع ضيف الضيف تحقق السرقة المشترطة مع عدم الامانة. وفي مضمرة سماعة، قال: سألته عمن (عن رجل - ئل) استأجر أجيرا فأخذ الاجير متاعه، فسرقه؟ قال: (فقال - ئل) هذا مؤتمن ثم قال: الاجير والضيف امناء ليس يقع عليهم حد السرقة (4). وحسنة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن قوم اصطحبوا في سفر، رفقاء فسرق بعضهم متاع بعضه؟ فقال: هذا خائن لا يقطع ولكن يتبع بسرقته وخيانته. قيل له: فان سرق من (منزل - خ) أبيه؟ فقال: لا يقطع، لان ابن الرجل لا يحجب عن الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن، وكذلك ان اخذ سرق من منزل

(1) الوسائل باب 12 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 503. (2) الوسائل باب 14 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 506. (3) الوسائل باب 17 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 508. (4) الوسائل باب 14 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 506.

[ 230 ]

ولا فرق بين المسلم والكافر والحر والذكر وغيرهم. ولا يقطع الراهن، ولا المؤجر، ولا (يقطع - خ) عبد المسروق اخيه أو اخته ان كان يدخل عليهم لا يحجبانه عن الدخول (1). كأن عدم قطع هؤلاء لعدم الحجب، بناء على عدم الحرز، فانه إذا لم يحجبوا عن الدخول دائما فهم اكثر الاوقات يدخلون، وان اخذوا شيئا لم يأخذوه عن حرزه وحفظه عنهم فهي تدل على اعتبار الحرز في الجملة. ولا ينافي ما تقدم من قطع الولد إذا سرق من مال أبيه. وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل استأجر أجيرا فاقعده (واقعده - ئل) على متاعه فسرقه؟ قال: هذا مؤتمن، وقال: في رجل أتى رجلا فقال: أرسلني فلان اليك لترسل إليه بكذا وكذا فاعطاه وصدقه فلقي صاحبه، فقال له: ان رسولك اتاني فبعثت اليك معه بكذا وكذا فقال: ما ارسلته اليك وما أتاني بشئ وزعم الرسول انه قد أرسله وقد دفعه إليه؟ فقال: ان وجد عليه بينة انه لم يرسله قطع يده ومعنى ذلك ان يكون الرسول قد أقر مرة انه لم يرسله، وان لم يجد بينة فيمينه بالله ما ارسلته ويستوفي الآخر من الرسول، المال، قلت: ارأيت ان زعم انه انما حمله على ذلك الحاجة؟ فقال: يقطع لانه سرق مال الرجل (2). والظاهر ان قوله: (ومعنى) و (ان لم يجد الخ) من كلام الكافي في بيان وجه البينة، ولهذا لم يوجد في التهذيب فصح الحكم بالبينة (بالبينتين - خ) وظهر وجهه ولكن لم يظهر للقطع وجه، فتأمل. قوله: " ولا فرق بين المسلم الخ " أي لا فرق في القطع بشرائطه بين الكافر والمسلم، والحر والعبد، والذكر والانثى لعموم الادلة وعدم مخصص وفارق. قوله: " ولا يقطع الراهن ولا المؤجر الخ " يعني لا يقطع مملوك انسان

(1) الوسائل باب 18 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 509. (2) الوسائل باب 15 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 507.

[ 231 ]

منه وان كان للغنيمة، بل يؤدب. ويقطع الاجير لو احرز من دونه، والضيف كذلك. بسرقة ماله ولو كان ذلك المملوك عبدا، من الغنيمة وسرق منها ماله. تدل عليه الاخبار، مثل صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال: إذا اخذ رقيق الامام لم يقطع، وإذا سرق واحد من رقيقي من مال الامارة قطعت يده، قال: وسمعته يقول: إذا سرق عبد أو اجير من مال صاحبه فليس عليه قطع (1). وفي رواية اخرى عنه عليه السلام موجود مثله (2). ومرسلة يونس، عن بعض اصحابه (عن بعض اصحابنا - ئل)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: المملوك إذا سرق من مواليه لم يقطع، وإذا سرق من غير مواليه، قطع (3). وقريب منه رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: عبدي إذا سرقني لم اقطعه، وعبدي إذا سرق غيري قطعته وعبد الامارة إذا سرق لم اقطعه لانه فئ (4). ويؤيده الاعتبار، إذ لا فائدة في قطع المملوك فانه زيادة تضييع للملك. واما تأديبه فلارتكابه المحرم لينزجر ولم يفعل مرة (5) اخرى بالسرقة كما في سائر المحرمات. قوله: " ويقطع الاجير الخ " قد مر ان الاجير والضيف لا يقطعان

(1) الوسائل باب 29 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 526. (2) الوسائل باب 29 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 526. (3) الوسائل باب 29 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 526. (4) الوسائل باب 29 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 527. (5) هكذا في النسخ والظاهر (ولا يفعل) كما لا يخفى وجهه.

[ 232 ]

والزوج والزوجة. ولو ادعى السارق الهبة أو الاذن أو الملكية قدم قول المالك ولا قطع. بالسرقة لعدم الحرز عنهما، لانهما مؤتمنان، فلو سرق الاجير المال الذي لم يحرز عنه، لم يقطع وان كان محروزا عن غيره. ولو سرق المال الذي ليس في تصرفه واحرز عنه قطع، وكذا الضيف. وظاهر المتن انه إذا احرز المال الذي سرقه الاجير والضيف عن غيرهما، قطعا وان لم يكن محروزا عنهما، وفيه تأمل، فتأمل. وكذا قطع الزوج إذا سرق مال زوجته الذي احرز عن غيره، وكذا الزوجة وفيه تأمل، والتقدير والزوج والزوجة كذلك. ويؤيد عدم القطع في الكل ما تقدم. وفي حسنة أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام من عدم قطع رفقاء سفر إذا سرق بعضهم عن بعض فانه خائن، وعدم قطع الابن والاخ والاخت إذا كانا يدخلان ولا يحجبان (1). قوله: " ولو ادعى السارق الخ " إذا ادعى السارق ان المال الذي بيده وادعى سرقته انه وهبه صاحبه اياه أو أذن له في التصرف أو ادعى انه ملكه وليس بملك المسروق منه وانكره، قدم قوله مع يمينه، لانه منكر وصاحب يد سابق واخذ من ملكه، وعلى السارق بينة ان كانت، والا فيحلف المنكر ويأخذ المال من يده ولكن لا يثبت بذلك، السرقة الموجبة للقطع، فلا يقطع، لان الاصل عدمه وعدم ثبوته شرعا ويدرأ الحدود بالشبهات وهو ظاهر.

(1) راجع الوسائل باب 18 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 508.

[ 233 ]

المطلب الثاني: (في - خ) المسروق وشرطه أن يبلغ (المال - خ) قيمته ربع دينار ذهبا خالصا مضروبا بسكة المعاملة قطعا لا باجتهاد المقوم من أي نوع كان المال. قوله: " وشرطه ان يبلغ الخ " من شرائط المسروق ان يبلغ قيمته ربع دينار ذهبا - لا فضة - خالصا لا مشوبا بالغش مضروبا بسكة معاملة يعامل بها بين الناس، لا غير مضروب مثل السبيكة، أو مضروبا بغير ضرب المعاملة بين الناس. وبلوغ ذلك يكون قطعيا وحقيقيا، لا باجتهاد المقومين، من أي نوع كان ذلك المال المسروق، ثوبا كان أو جوهرا أو فاكهة أو غيرها مما يملكه المسلم والدليل على ذلك، الروايات بعد الاجماع المدعى مع عدم ظهور مخالف على انه يعتبر فيه نصاب، فعموم الآية والاخبار مخصصة بهما، فانه لا يقطع بأي شئ كان ويصدق عليه المال والسرقة في الجملة. ومن الروايات العامة، مثل ما روي عنه صلى الله عليه وآله: انه قال: يقطع اليد في ربع دينار فصاعدا. وفي رواية اخرى: لا يقطع الا في ربع دينار (1). ومن الخاصة، صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: في كم يقطع السارق؟ فقال: في ربع دينار، وقال: قلت له: في درهمين؟ فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ، قال: فقلت له: رأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند الله سارق في تلك الحال؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه واحرزه فهو يقع عليه اسم السارق وهو عند الله السارق، ولكن لا يقطع الا في ربع دينار أو اكثر، ولو قطعت يد السارق (ايدي السراق - كا) فيما هو أقل من ربع دينار لالقيت عامة الناس

(1) راجع سنن أبي داود ج 4 باب ما يقطع فيه السارق ص 136.

[ 234 ]

مقطعين (1). وصحيحة يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يقطع يد السارق الا في شئ تبلغ قيمته مجنا، وهو ربع دينار (2). ولا يضر الاشتراك والقطع، فان الظاهر انه ابن عبد الرحمان، وقالوا الطريق إليه صحيح (3) وان كان فيه محمد بن عيسى وفيهما قول. وغيرهما من الاخبار المشتملة على انه لا يقطع يد السارق الا إذا بلغ ربع دينار، وفي اكثرها: ان أمير المؤمنين عليه السلام قطع يد السارق في بيضة حديد كانت قيمتها ربع دينار (4). وتدل على غيره أيضا أخبار، مثل صحيحة أبي حمزة - كأنه الثمالي - قال: سألت ابا جعفر عليه السلام في كم يقطع السارق؟ فجمع كفيه ثم قال في عددها من الدراهم (5). وحملها الشيخ على انه كانت عدد تلك الدراهم في ذلك الوقت ربع الدينار ولا اعتبار بالدرهم، وانما المعتبر هو الدينار، واليه اشار في رواية محمد المتقدمة: (قلت له: في درهمين، فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ) (6). ومضمرة سماعة، قال: سألته على كم يقطع السارق؟ قال: أدناه على

(1) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 482. (2) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 483. (3) طريقه إليه كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن عبد الله بن سنان. (4) راجع الوسائل باب 2 حديث 4 - 5 - 6 - 8 و 10 - 15 - 22 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485 و 487. (5) الوسائل باب 2 حديث 9 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485. (6) الوسائل باب 2 قطعة من حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 482.

[ 235 ]

ثلث دينار (1). وهي ضعيفة بعثمان بن عيسى (2)، وسماعة والاضمار، والمخالفة للمشهور، وحملها الشيخ على احتمال ان يكون حكاية حال قطع أمير المؤمنين عليه السلام وايده برواية عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قطع امير المؤمنين عليه السلام رجلا في بيضة، قلت: وأي بيضة؟ قال: بيضة حديد قيمتها ثلث دينار، فقلت: هذا أدنى حد السارق؟ فسكت (3). ولا يخفى بعد هذا الحمل وعدم التأييد، ولا يحتاج إلى هذا لما فيها من الضعف كما ترى، والمخالفة للمشهور والصحيحة، وعدم القائل. نعم ربما يشكل بما يدل على اعتبار الخمس، مثل صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أدنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار (4). ومثلها صحيحة ابان، عن زرارة لعله ابان بن عثمان، فلا يضر الاشتراك ولا القول بانه فطحي. وما في صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يقطع السارق في كل شئ بلغ قيمته خمس دينار ان سرق من سوق أو زرع أو غير ذلك (5). قال الشيخ: فالوجه في هذه الاخبار ان نحملها على ضرب من التقية، لانها موافقة لمذهب بعض العامة، ويحتمل هذه الاخبار ان تكون مختصة بمن يرى الامام

(1) الوسائل باب 2 حديث 11 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485. (2) فان سندها كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن عثمان عن سماعة. (3) الوسائل باب 2 حديث 10 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485. (4) الوسائل باب 2 حديث 13 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485 وتمامه: والخمس آخر الحد الذي لا يكون القطع في دونه ويقطع فيه وفيما فوقه. (5) الوسائل باب 2 حديث 12 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485.

[ 236 ]

من حاله ان المصلحة تقتضي فيه قطع يده فيما هذا قيمته، لان ذلك من فرائضه التي يقوم بها هو أو من يامره هو به، والذي يكشف عما ذكرناه ما رواه يونس، عن محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: أدنى ما يقطع فيه يد السارق خمس دينار، والخمس آخر الحد الذي لا يكون القطع في دونه ويقطع فيه وفيما فوقه (1). وفي الحمل بعد، وفي التأييد خفاء. ويفهم التردد من الفقيه، قال: سئل - أي الصادق عليه السلام - عن أدنى ما يقطع فيه السارق؟ قال: ربع دينار وفي خبر آخر خمس دينار (2). والعمدة في روايات كانت كثيرة، الربع، وان صحيحة محمد بن مسلم، وقد روى هو، الخمس أيضا في الصحيح فيمكن أن يسقط روايتاه ويعمل بعموم الآية والاخبار بعد اخراج ما لا يقطع به للاجماع وخصوص صحيحة زرارة وصحيحة الحلبي. على انه قد يمكن الجمع بينها بانه لا منافات صريحا بين قوله: (يقطع في الربع) وبين قوله: (ادنى ما يقطع فيه الخمس) نعم ظاهر الاولى ان الربع ادنى فيترك بالصريح أيضا. ويمكن الجمع أيضا بالتخيير في الخمس، والتحتم في الربع، فتأمل. فمرجح الخمس عموم الكتاب والسنة (وخصوصها وامكان الجمع والاسقاط بالتعارض وبقاء الزائد خصوصا مثل صحيحة زرارة والحلبي وعموما الكتاب والسنة، ومرجح الربع الاصل، والشهرة، والكثرة والاحتياط، ومبنى الحدود على التخفيف، والدرء بالشبهة فليتأمل. ولكن الامر في ذلك هين ان كان الامر إلى الامام عليه السلام حال

(1) الوسائل باب 2 حديث 13 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 485. (2) الوسائل باب 2 حديث 16 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 486.

[ 237 ]

ويقطع في خاتم وزنه سدس وقيمته ربع. ولو ظن الدنانير فلوسا لا تبلغ نصابا، قطع. ولو سرق قميصا و (قيمته) أقل وفيه نصاب لا يعلم (لا يعلمه - خ) ففي القطع اشكال. ظهوره على ما يظهر من كلام الشيخ، المتقدم، فهو عليه يعرف ما يفعل ونحن في هذا بل في اكثر هذا الباب (بل الكتاب - خ) غير مضطرين إلى معرفة ما يختص به وهو ظاهر وكذا إلى تحقق الدينار حتى يعلم ربعه وكأنه المراد، المتعارف ولو كان الدينار الذي استعمل في هذا الزمان ما استعمل في زمانهم عليهم السلام. ولا إلى رفع الاشكال بان ربع الدينار المضروب بضرب المعاملة من الذهب الخالص غير موجود، فلا يوجد مال يكون قيمته ربع المذكور. على انه ما رأينا في الادلة كونه كذلك بل الذي رأينا ما رأيت مثل كون المال المسروق ربع دينار أو خمسه أو ما يبلغ قيمته قيمته أو ما يساوي قيمته بمعنى انه ما يشترى بربع دينار في المعاوضة وان لم يكن الربع المذكور موجودا، فتأمل. قوله: " ويقطع في خاتم الخ " أي لو سرق شخص خاتما يكون بالوزن سدس الدينار المذكور، ولكن قيمته يكون ربعه - يعني يشتري بربع الدينار لما فيه من الصنعة - يقطع يده، لانه سرق ما قيمته ربع الدينار وان لم يكن هو ربعا، فان المراد من الربع ما كان قيمته قيمة الربع. قوله: " ولو ظن الدنانير الخ " إذا سرق الدنانير بظن انها فلوس لا يبلغ نصاب القطع - أي ربع الدينار - يقطع يده به لصدق انه سرق النصاب الموجب ولا يشترط علمه بانه موجب أو عدم اعتماده ببعضه للاصل وعدم الادلة ويمكن ان يقال: انه لا شبهة في انه شبهة والحد يدرأ بالشبهة فمبنى الحدود على التخفيف يقتضي العدم، فتأمل. قوله: " ولو سرق قميصا الخ " وجه الاشكال في القطع بسرقة قميص لم

[ 238 ]

ولو اخرج نصف الثوب من النقب فلا قطع وان كان المخرج اكثر من نصاب. يكن قيمته نصاب القطع ولكن في جيبه ما يبلغ ذلك عموم أدلة السرقة واخراج النصاب الموجب للقطع والشبهة والدرء بها، مع عدم العلم بحصول الموجب، فان السرقة لابد ان يكون مع القصد، ولا شك في انه ما قصد اخراج ما في الجيب فانه ما علم ذلك، والقصد فرعه، فتأمل. ولا يبعد ترجيح الاخير، لعدم تحقق الموجب والدرء بالشبهة والتفصيل المنسوب إلى المحقق - واشار إليه في الشرح ايضا - غير واضح، وهو انه إن شهدت القرائن - بانه بحيث لو علم بالنصاب لسرقه - قطع وتحقق القصد إليه اجمالا والا فلا، لانه يعلم اعتباره (1) القصد. فعلى تقدير ذلك، فالظاهر عدم تحققه مع عدم العلم بما في جيبه، إنتهى. فان مجرد الكون بحيث لو علم بقصد اخراجه واخرجه ليس بقصد ولا يستلزم له لا تفصيلا ولا اجمالا. نعم يتحقق ذلك في الفلوس المسروق فانه قصدها يقينا ولكن ما علم كونها دراهم فكأن القصد هنا موجود مع ان فيه أيضا تأملا. قوله: " ولو اخرج نصف الثوب الخ " ولو اخرج السارق بعض متاع من الحرز - وبقي بعضه فيه وان كان المخرج اكثره ويكون نصابا واكثر مثل ان اخرج اكثر ثوب من نقب وبقي بعضه فيه وان كان المخرج نصابا - لا يقطع. دليله عدم صدق اخراج النصاب من الحرز الموجب للقطع فان المتبادر من الاخراج اخراج كل ذلك المقبوض المسروق، فان بعضه ليس بمسروق ومنفصل، بل هو جزء متصل وبعضه داخل فالكل ليس بخارج وخروج بعض شئ لا

(1) هكذا في النسخ ولعل الصواب اعتبار القصد باسقاط الضمير كما لا يخفى.

[ 239 ]

ولو اخرج نصابا من حرزين فلا قطع. وان يكون محرزا بقفل أو غلق أو دفن، فلا قطع في المأخوذ من غير حرز كالحمامات والمساجد وان راعاه المالك. يوجبه، لانه ليس باخراج الشئ، فتأمل. قوله: " ولو اخرج نصابا الخ " ولو اخرج السارق مقدار نصاب من حرزين ولم يكن المخرج من كل واحد منهما نصابا، لا قطع، لان المتبادر ان الموجب هو السرقة الواحدة وحدها مستقلة فلابد من كونها مشتملة على الاخراج التام وهو اخراج مقدار النصاب من حرز واحد، فلم يتحقق الموجب، وبضم المخرجين من حرزين لم يتحقق سرقة واحدة موجبة للقطع، بل يتحقق به السرقتان وهما ليستا بموجبتين إذ الموجب انما هو السرقة الواحدة التامة. ويؤيده الدرء بالشبهة، والبناء على التخفيف (التحقيق - خ ل)، والشهرة، فتأمل. قوله: " وان يكون محرزا الخ " ومن شرائط المسروق ان يكون محرزا بقفل من حديد أو غلق من خشب أو مدفون في ارض فلا قطع في موضع يجوز دخوله من غير استيذان مثل الحمامات، والمساجد، والمشاهد وان كان المالك جالسا عنده وينظره وقد مر البحث في ذلك مفصلا. وكأن قوله: (بقفل الخ) لما تقدم في رواية السكوني عن امير المؤمنين عليه السلام من انه لا قطع في مكان مباح الدخول (1). ولروايته الاخرى بخصوصها (من كسر القفل) (2). ولكن أنت تعلم ان الحرز ليس بمنحصر فيما له قفل وغلق، مع ان الرواية كانت ضعيفة وان عدم القطع في المباحات مع كون المالك جالسا عنده ناظرا له،

(1) و (2) راجع الوسائل باب 18 حديث 2 - 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 509.

[ 240 ]

ولا في سارق ستارة الكعبة على رأي. ولا في السارق من الجيب والكم الظاهرين بل يقطع من الباطنين. غير ظاهر، فانه ينبغي ان يكون المراد بحرز كل شئ محله الذي يحفظ عنه عرفا كما بين في الوديعة، فتأمل. قوله: " ولا في سارق ستارة الكعبة علي رأي الخ " وجه رأيه ظاهر، لما تقدم من أنه محل مباح يدخله كل أحد بغير اذن وليس يحرز. وأيضا يؤيده بناء الحد على التخفيف. ووجه الرأي الآخر انه هكذا يكون حرز الستارة فانه في موضعه مع ملاحظة الخدام له. ويؤيده الرواية (1) التي انه إذا ظهر الامام يقطع يد بني شيبة، فتأمل. واما وجه عدم القطع من الجيب والكم الظاهرين ايضا كونهما عدم الحرز، ولان المراد ان يوضع فيهما الشئ مثلا مثل النقدين ويبين من الخارج وهو غير مستور مثل ان يعقد النقد مثلا في كمه وجعل العقد خارجا ظاهرا الا ان يجعل النقد داخلا ويعقد حتى يكون العقد داخلا غير بارز، وان يوضع بطانة على ظاهر القميص ويخيط فيحط فيه النقد. ويحتمل ان يكون المراد بالكم والجيب الظاهرين، الثوب الفوقاني وجيبه مطلقا، وكون المراد بالجيب - بل هو الظاهر - الا على الذي على الصدر والعنق، وبالباطن، كم، وبالثوب، التحتاني وجيبه. ويؤيد الثاني دليله، وهو رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: اتي امير المؤمنين عليه السلام بطرار قد طر دراهم من كم رجل فقال: ان كان قد طر من

(1) ارشاد المفيد: في ذكر الامام المنتظر (ع) ص 364.

[ 241 ]

ولا في ثمرة الشجرة عليها، بل محرزة. ولا على من سرق مأكولا عام مجاعة. قميصه الاعلى لم اقطعه وان كان قد طر من قميصه الداخل (السافل - ئل) قطعته (1). ورواية مسمع أبي سيار عن الصادق عليه السلام ان امير المؤمنين اتي بطرار قد طر من رجل من ردائه دراهم؟ فقال: ان طر من قميصه الاعلى لم يقطع وان كان طر من قميصه الاسفل قطعناه (2). وهما ضعيفان ولكن مؤيدتان بالشهرة مع المناسبة وعدم ظهور الخلاف. وهما يدلان على المعنى الثاني وعدم الفرق بين الوجه والبطن، فتأمل. وكذا دليل عدم القطع - في ثمرة الشجرة حال كونها عليها وانه انما يقطع إذا كانت مصرومة محروزة في حرزها - كونها في غير حرز وقد مر في الرواية أيضا. ويمكن ان يقال: إذا كانت على الشجرة ويكون عنده ناظر ينظرها أو يكون بحيث يكون في بستان محوط بحائط عال وباب مغلوق أو يكون في دار الانسان. وبالجملة يكون محفوظا ومحروزا، يقطع فيه. وظاهر الكلام هنا العدم، ويؤيده الاصل، ومبنى الحدود على التخفيف والشبهة والدرء وكذا المتقدمة. ويؤيده القطع عموم الكتاب والسنة مع صدق الحرز في الجملة وعدم دليل قوى يدل على الحرز المراد وضعف الرواية، فتأمل. قوله: " ولا على من سرق الخ " وجه عدم القطع على من سرق المأكول عام المجاعة - وان كان محرما - هو الاعتبار، وتخيل (تختل - خ ل) الاضطرار، وخبر

(1) الوسائل باب 13 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 504. (2) الوسائل باب 13 حديث 2 بالسند الثاني ج 18 ص 504.

[ 242 ]

ولا على سارق الجمال والغنم في الصحراء مع اشراف المالك عليها. عاصم بن حميد، عمن اخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان امير المؤمنين عليه السلام لا يقطع السارق في أيام المجاعة (1). وخبر السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: لا يقطع السارق في عام سنة مجدبة (يعني في المأكول دون غيره) (2) مجاعة وخبر زياد القندي، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يقطع السارق سنة في المحق (3) (المحل - خ ل) في شئ مما يؤكل مثل الخبز واللحم واشباهه (4) (واشباه ذلك - خ ل). وكأنه لهذا الحديث قيد في المتن وغيره بالمأكول. ولعلهم قيدوا الاولين به فتأمل، لعدم المنافات. وظاهر كلامهم كالروايات غير مقيد بالضرورة والعجز، وان المراد بالمأكول ما يصلح لذلك ومن جنسه سواء يؤكل بالفعل كالخبز ام بالقوة كاللحم. قوله: " ولا على سارق الجمال الخ " وجه عدم قطع سارق الجمال - من الصحراء وان كان صاحبه ناظرا أو مطلقا ومشرفا عليه - عدم الحرز، فان الصحراء ليس بحرز الجمل وان كان صاحبه فيه. فيه تأمل، إذ ما نعرف للجمال والغنم محرزا في البادية والصحراء غيره، فانه ليس لاهلها بيت ودار له غلق يكون حرزا، وانما حرزه حفظ صاحبه اياه واطلاعه عليه.

(1) الوسائل باب 25 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 520. (2) الوسائل باب 25 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 521. (3) والمحل، الشدة والجدب وانقطاع المطر ويبس الارض من الكلاء (مجمع البحرين). (4) الوسائل باب 25 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 520.

[ 243 ]

ويقطع سارق الصغير المملوك حدا، والحر مع بيعه حدا، دفعا لفساده. ولم لم يكن ذلك حرزا وحفظا له يلزم ضمانه دائما على من كان عنده بالامانة مثل الودعي والمستعير وغيرهما، على انا ما فهمنا لزوم حرز في كل شئ. قوله: " ويقطع سارق الصغير الخ " لو سرق شخص مملوكا صغيرا بشرائطه مثل النصاب وكونه في حرز، مثل البيت وعند ابيه وامه وحافظه، قطع يده حدا لانه مال كسائر الاموال ولعل الحرز هنا كونه في البيت واطلاع المولى أو وكيله عليه. واما إذا كان حرا فلا يقطع حدا لانه ليس بمال فليس سرقته سرقة عرفية وشرعية، بل قطع لدفع الفساد، لان الفساد والفتنة اشد من القتل (1)، وإذا كان القتل موجبا للقتل، فلا يبعد كون الفساد موجبا للقتل. ولرواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام اتي برجل قد باع حرا فقطع يده (2). ورواية سنان بن طريف، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سرق حرة فباعها؟ قال: فقال: فيها اربعة حدود، اما اولها فسارق يقطع يده الخ (3). ورواية اخرى، عن سنان بن طريف، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل باع امهاته؟ قال: على الرجل ان يقطع يده الخ (4).

(1) اشارة إلى قوله تعالى: واخرجوهم من حيث اخرجوكم والفتنة اشد من القتل - البقرة: 191. (2) الوسائل باب 20 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 514. (3) الوسائل باب 20 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 514 وفيه: معاوية بن طريف بن سنان الثوري. (4) الوسائل باب 28 قطعة من حديث 1 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 399 وفيه: عن معاوية عن طريف بن سنان.

[ 244 ]

ولو نقب بيته واخرج مال المستأجر أو المستعير قطع، لا مال الغاصب. ومن سرق الوقف مع مطالبة الموقوف عليه والاخبار صريحة، والدليل الاول غير تام، والاصل العدم الا ان يقال: انه سرقه عرفا وشرعا وهو موجب للقطع، فتأمل. قوله: " ولو نقب بيته الخ " لو نقب شخص بيته الذي أعاره أو آجره لشخص فسرق النصاب من مال المستودع والمستاجر من حرزه المتعارف قطع يده، لانه سرق النصاب من الحرز الشرعي. بخلاف ما لو سرق النصاب من مال غاصب داره وكان في حرزه لو كان مالكها بان نقب واخذ النصاب من بيته فانه لا يقطع لانه ما سرق من الحرز الشرعي فان بيته ليس يحرز لمال الغاصب فاخذه من غير حرزه. والظاهر انه لو كان غاصبا لدار غير السارق أيضا فنقب وسرق يكون الحكم كذلك لان الدار المغصوب (المغصوبة - ظ) ليس بحرز لمال الغاصب، وان الداخل والناقب والسارق أيضا غاصب في الدخول، فتأمل. قوله: " ومن سرق الوقف الخ " أي يقطع من سرق المال الموقوف إذا وجد شرائطه بشرط مرافعة ومطالبة الموقوف عليه، فانه ملكه أو انتفاعه له فهو بمنزلة المالك، فلا يقطع بغير طلبه ومرافعته له. اما اصل القطع فلعموم ادلة القطع من غير مخصص بغير الوقف. هذا - في الوقف الخاص وحصر الموقوف عليه - ظاهر. واما العام فيحتمل السقوط لوجود الشبهة، فان المستحق غير منحصر فليس له من يرفعه فلا يستحق. ويحتمل ان يطلبه الحاكم إذا سمع فأثبته عليه أو شخص آخر من باب الحسية وان كان الحاكم عالما، فيكون هو الطالب، فانه يحتمل ان يكون وليا

[ 245 ]

أو باب الحرز على رأي. للوقف مع عدم المتولي، ومعه يحتمل كون المطالبة إليه. هذا إذا لم يكن السارق ممن وقف عليه، والا فيكون مثل ما سبق من سرقه شخص من المال المشترك فيقطع ان كان الزائد على نصيبه نصابا على ما مر فقوله: (ومن سرق) عطف على ما يفهم من سوق الكلام من فاعل (يقطع) مقدرا وبالجملة عطفا على الجملة السابقة. قوله: " أو باب الحرز على رأي " عطف على الوقف مما سبق. قال في الشرح: وهو مبني على تفسير الحرز، فقيل: هو الحرز ما يكون سارقه على خطر خوفا من الاطلاع عليه، ويضعف في عكسه بالدار المفتحة الابواب في العمران وصاحبها ليس فيها وقال الشيخ في النهاية واتباعه: هو كل موضع ليس لغير المالك دخوله، و (لا - خ) ينتقض بما انتقض به الاول - ولعله اراد سلب القدرة - وقيل: ما راعاه المالك، وقيل: ما كان مغلقا عليه أو مقفلا أو مدفونا، فعلى الاول يقطع سارق باب الحرز والحلقة المسمرة في الباب وعلى الثاني والرابع، لا يقطع لعدم تحقق معناهما (هنا - خ)، وعلى الثالث يقطع ان كان مراعيا والا فلا، والشيخ اختار القطع في الخلاف والمبسوط وتبعه القاضي بناء على المراعات أو على جريانه مجرى ما ليس لغير المالك دخوله، وابن إدريس اختار عدمه بناء على الرابع، قال في المختلف: ولا بأس به والمراد بالباب هنا باب الدار لا باب الخزانة التي في الدار، فان كان مغلقا، فهو حرز عند الشيخ، والا فليس بحرز ولم يعتبر في باب الدار الاغلاق، وفي حكم الباب آلات الحائط لانه محرز في الحائط، وما قاله الشيخ قريب (1). ولا يخفى ما في الاولين من النقض بما ذكره وبغيره، بل هما ينتقضان في

(1) إلى هنا عبارة الشارح رحمه الله.

[ 246 ]

والمال من الباب المفتوح مع حراسة المالك على إشكال. طرده أيضا، فتأمل. وكذا الثالث، فان مراعاة المالك غير معتبر، ولهذا لا يقطع بالاخذ من الموضع المباح دخوله كالحمامات عندهم، وكذا الجمال، والغنم، وانه يقطع بالاخذ من المقفل وان لم يكن صاحبه يراعى بالفعل. واما الرابع، فهو تعريف بالاخص وهو ظاهر، وينبغي ان يحال ذلك إلى العرف حيث لا معنى له شرعا ولم يرد اللغة، فالمراد موضع حفظ الشئ على سبيل العرف والعادة كما ذكروا في حفظ الوديعة وان لم يقولوا في بعض المواضع مع تحققه فيه مثل عدم السرقة في المباحات والحمامات، والجمال، والغنم في الصحراء مع المراعاة، فان كان لنص أو اجماع فيخرج كالمستثنيات من الحكم، والا قتل (1) به ايضا. ثم ان الباب فيما نحن فيه ان كان مما لا قيمة له كثيرا ويكون من الابواب المتعارفة في الاكثر فليس حفظه الا كونه في الدار (و - خ) مع وجود الناس فيه وورود (وتردد - خ) فيها وان كان مما قيمته كثيرة ولم يتعارف ان يخلى مثلها في مثل ذلك البيت من غير ملاحظته، فلا يكون حرزه. وكأن وجه تخصيص الشارع (الشارح - خ) كونه (2) باب الدار لا باب الخزانة أنها محرزة بها ولكن يحتمل عدمه أيضا الا أن الاكثر ما قاله، فتأمل. قوله: " والمال من الباب المفتوح الخ " وجه الاشكال في قطع يد السارق المال من بيت كان بابه مفتوحا مع حفظ المالك ومراعاته اياه، أنه ليس بحرز، فان حرز ما في البيت قفله واغلاقه لا مراعاة المالك.

(1) هكذا في النسخ كلها ولعل الصواب (قطع) بدل (قتل). (2) قوله قدس سره كونه مفعول لقوله قدس سره تخصيص وقوله قدس سره: انها محرزة خبر قوله قدس سره (كان وجه الخ).

[ 247 ]

وسارق الكفن وان لم يكن نصابا على رأي. وان المراعاة حفظ فهو (فهي - ظ) حرز بل اكثر من الغلق بغير حافظ وعموم الادلة - مع عدم ظهور يثبت الحرز اكثر من ذلك - يدل على القطع. والاصل، والتخفيف، والدرء - مع اعتبار الحرز في الجملة بالاجماع وعدم معلومية كون المراعاة حرزا - يدل على العدم، فتأمل. قال في الشرح: منشأ الاشكال ما تقدم (1) ما تفاسير الحرز، فعلى الثلاثة الاول يقطع، وعلى الرابع لا يقطع وتؤيده رواية السكوني: ما يقطع الا من نقب نقبا (بيتا - خ) (2). وقد مر مع ما فيه، فتذكر. قوله: " وسارق الكفن الخ " كأن دليل قطع سارق الكفن - وان لم يكن الكفن نصابا كما هو مذهب ابن ادريس وظاهر كلام الشيخ والقاضي على ما نقل في الشرح - عموم الكتاب والسنة في قطع يد السارق والنباش من غير تقييد بالنصاب، مثل صحيحة عيسى بن صبيح، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الطرار والنباش والمختلس؟ فقال: يقطع الطرار والنباش، ولا يقطع المختلس (3). كأن المختلس هو الذي ياخذ قهرا، والطرار الذي ياخذ خفية. وما في رواية زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن

(1) تقدم نقل معاني الحرز من الشارح قدس سره نقلا من شرح الشهيد رحمه الله عند شرح قول المصنف: (وباب الحرز على رأي) فراجع. (2) راجع الوسائل باب 8 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 498، والظاهر ان ما نسبه إلى رواية السكوني منقول بالمعنى في بعض روايات السكوني والا فليس في رواية السكوني هذه العبارة نعم قد ورد في مرسلة جميل عن احدهما عليهما السلام راجع الوسائل باب 18 حديث 5 ص 510. (3) الوسائل باب 13 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 505.

[ 248 ]

أبي طالب عليه السلام يقطع النباش، وقال: هو سارق وهتاك للموتى (1). ووجه اشتراط النصاب، عموم ادلة الاشتراط وتخصيص عموم ادلة قطع السارق بالاجماع والنص، وتخصيص عموم دليل قطع النباش أيضا بذلك. على انه ليس كل الاخبار الدالة على قطع النباش، صحيحة، بل اكثرها ضعيفة ومقيدة بتشبيه الميت بالحي في القطع. مثل صحيحة حفص بن البختري، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: حد النباش حد السارق (2). ورواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الاحياء (3). وفي رواية عبد الله بن محمد الجعفي، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك: في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم (و - خ) نكحها، فان الناس قد اختلفوا علينا ها هنا، طائفة قالوا: اقتلوه، وطائفة قالوا: احرقوه، فكتب إليه أبو جعفر عليه السلام: ان حرمة الميت كحرمة الحي (حده ان - خ)، تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب ويقام عليه الحد في الزنا، ان احصن رجم، وان لم يكن احصن جلد مائة (4). وان حده مثل حد السارق، وذلك هو القطع مع النصاب فيكون هنا أيضا كذلك والاجماع المنقول، عن ابن ادريس، في الشرح. ورواية اسحاق بن عمار ان عليا عليه السلام قطع نباش القبر، فقيل له:

(1) الوسائل باب 19 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 511. (2) الوسائل باب 19 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 510. (3) الوسائل باب 19 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 510. (4) الوسائل باب 19 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 510.

[ 249 ]

ولو نبش ولم يأخذ عزر. اتقطع في الموتى؟ فقال: انا نقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا (1). واما وجه التعزير مع النبش وعدم الاخذ، فهو ظاهر، لانه فعل محرما موجبا للتعزير وما سرق شيئا حتى يجب قطعه. وتدل عليه ايضا رواية على بن سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل أخذ وهو ينبش؟ قال: لا أرى عليه قطعا الا ان يأخذ (يؤخذ - ئل) وقد نبش مرارا فاقطعه (2). وكأنه لا دخل لقوله: (وقد نبش مرارا) وذكر لزيادة السببية، فتأمل. وبالجملة، الروايات مختلفة، بعضها يدل على القطع مطلقا، وبعضها على ان قطعه كقطع الحي، وبعضها انه لا يقطع الا ان يكون له عادة، وبعضها انه يقتل، فينبغي ان يعمل بالصحيح والمعمول المطابق للقوانين. قال في الشرح - بعد ذكر القولين باشتراط النصاب وعدمه ودليلهما -: وقال الشيخ في الاستبصار: لا يقطع الا مع اعتياد اخراج الكفن. قال المحقق في النكت: وهو جيد ولكن الاحوط اعتبار النصاب في كل مرة لما روي عنهم عليهم السلام: انهم قالوا: لا يقطع يد السارق حتى يباع قيمة ربع دينار، قال: وهذا متفق عليه. وقال الصدوق في المقنع وكتاب من لا يحضره الفقيه: لا يقطع الا مع النبش مرارا ولم يذكر السرقة، ولا بلوغ النصاب، والاصح القطع مع اخراج النصاب ولو باول مرة ونقل عن ابن ادريس الاجماع على قطعه مطلقا، قال المحقق: وهو معزول (3) عن اختلاف الفقهاء واختلاف الاخبار المنقولة عن اهل البيت عليهم السلام (4)

(1) الوسائل باب 19 حديث 12 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 513. (2) الوسائل باب 19 حديث 11 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 513. (3) وهو غفول (الشرح). (4) إلى هنا عبارة الشارح رحمه الله.

[ 250 ]

ما رأيت ذلك في الاستبصار، بل الذي رأيته فيه انه نقل الاخبار الدالة على القطع، ثم نقل خبر الفضيل، كأنه ابن يسار، فالخبر صحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: النباش إذا كان معروفا بذلك قطع (1). وخبر ابن بكير، عن بعض اصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في النباش إذا اخذ اول مرة عزر، فان عاد قطع (2). ثم قال: هذه الاخبار الاخيرة كلها تدل على انه انما قطع النباش إذا كان له عادة فاما إذا لم يكن عادته، نظر، فان كان نبش وأخذ الكفن وجب قطعه، فان لم (يكن - خ) يأخذ لم يكن عليه اكثر من التعزير، وعلى هذا يحمل الاخبار التي قدمناها اولا، وايده برواية على بن سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل اخذ وهو ينبش؟ قال: لا ارى عليه قطعا الا أن يأخذ وقد نبش مرارا فاقطعه (3). ثم حمل الاخبار الدالة على قتل النباش بان يلقى تحت ارجل الناس فيوطؤوه حتى يموت على تكرر الفعل منهم ثلاث مرات كفاعل الكبائر. وكلام الاستبصار انه يقطع بالاخذ ولو مرة واحدة، ولا يقطع بالنبش اول مرة، بل إذا كان له عادة ويعزر باول مرة بدون العادة، فتأمل. وما نقل من المحقق لما روي عنهم عليهم السلام أيضا فما رأيته (بعينه - خ) في الاصول. ويحتمل ان يكون في موضع آخر، أو يكون النقل بالمعنى، وقد فهم ذلك من مجموع الاخبار، وهو أعلم.

(1) لم نعثر على هذا الصحيح في كتب الحديث التي بايدينا كما اعترف به الشارح قدس سره ايضا فيما يأتي عن قريب. (2) الوسائل باب 19 حديث 16 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 514. (3) الوسائل باب 19 حديث 11 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 513.

[ 251 ]

فان تكرر وفات السلطان قتل. ولو سرق اثنان نصابا قطعا على رأي، وسقط عنهما على رأي. واما دعوى اجماع ابن إدريس فهو غير ظاهر، فانا نجد القائل بالاشتراط اكثر على ما نقل. وكان ينبغي ان لا يخرج عن ظاهر القرآن والاخبار، كأنهم بينوا تخصيصهما بالاجماع ونحوه فتأمل، وهم أيضا اعرف. وما عرفت أيضا وجه قول المصنف: (فان تكرر وفات السلطان قتل) أي ان نبش مكررا فيحصل بالمرتين وانهزم من السلطان، فان اخذه سلطان أي حاكم آخر أو ظفر به الحاكم الذي وفاته، قتله. وما رأيت في الخبر، التكرر، ولا فوت السلطان. نعم دل بعض الاخبار على قتله، مثل ما روي: اتي امير المؤمنين عليه السلام برجل نباش، فاخذ امير المؤمنين عليه السلام بشعره فضرب به الارض ثم امر الناس (ان يطؤوه بارجلهم - خ) فوطؤوه حتى مات (1). وفي اخرى اتي امير المؤمنين عليه السلام بنباش، فأخر عذابه إلى يوم الجمعة فلما كان يوم الجمعة القاه تحت اقدام الناس فما زالوا يتوطؤنه بارجلهم حتى مات (2). قال في الاستبصار - بعدهما -: فان هاتين الروايتين نحملهما على انه إذا تكرر منهم الفعل ثلاث مرات واقيم عليهم الحدود فحينئذ، عليهم القتل كما يجب على السارق، والامام مخير في كيفية القتل كيف شاء حسب ما يراه اردع في الحال. قوله: " ولو سرق اثنان الخ " أي لو هتكا حرزا وقبضا متاعا كان نصابا واخرجاه معا من الحرز لا ان يأخذ كل واحد نصف النصاب، فان الظاهر ان لا

(1) الوسائل باب 19 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 511. (2) الوسائل باب 19 حديث 17 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 514.

[ 252 ]

ولو اخرج النصاب دفعتين وجب القطع. ولو احدث ما ينقصه عن النصاب كقطع الثوب قبل الاخراج فلا قطع، أما لو نقصت قيمته بعده قبل المرافعة ثبت القطع. خلاف في عدم القطع حينئذ. فللاصحاب خلاف، قيل: قطعهما معا، لان النصاب قد اخرج قطعا بخروجهما فيجب قطعهما، إذ قطع أحدهما، غير معقول، وكذا احدهما دون الآخر معينا. وقد يقال: قد لا يوجب القطع مطلق الاخراج، بل إذا كان ما اخرجه واحد يكون نصابا، فتأمل. والقول الآخر: لا يقطع للاصل، والدرء، والتخفيف، والاحتياط، وعدم تحقق كون ذلك موجبا، فان الموجب باليقين الثابت، هو اخراج وأخد ذلك واما غيره فغير معلوم، والقياس على القتل بانهما لو قتلا واحدا قتلا، باطل، وصدق السرقة الموجبة - وهو سرقة النصاب التام على واحد - غير ظاهر. بل ولو لم يكن اجماع فيما إذا نقبا معا واخذ ما ما يكون حصة كل واحد نصابا، لامكن منع كونه موجب القطع ولا يجزم به. هذا بعد ثبوت اشتراط النصاب في قطع كل سارق، واما إذا قيل: ان الشرط المحقق بالاجماع، اخراج النصاب لا بالنسبة إلى كل سارق، يقتضي القطع فتأمل. قوله: " ولو اخرج النصاب في دفعتين وجب القطع " إذا اخرج السارق النصاب من حرز واحد دفعتين أو دفعات وجب قطع يده لتحقق الشرائط. وفيه تأمل إذا كان بين الدفعات فاصلة بحيث لا يعد عرفا سرقة واحدة، بل سرقتين بحيث سرق بعض النصاب ليلة وبعضها الآخر ليلة اخرى، فكأن مراده ذلك فتأمل. قوله: " ولو احدث ما ينقصه الخ " يعني لو اخذ السارق النصاب من

[ 253 ]

ولو قال المسروق منه: هو لك فانكر، فلا قطع. ولو قال السارق: هو ملك شريكي في السرقة فلا قطع، فان انكر شريكه لم يقطع المدعي، وفي المنكر اشكال. الحرز ونقصه فيه قبل ان يخرجه منه - بان احدث فيه حدثا ينقصه قيمته عما كانت حتى صارت دون النصاب كقطع الثوب فيه - فلا قطع عليه لانه ما اخرج النصاب من الحرز، نعم ضامن للثوب بقيمته الاول، وهو ظاهر. بخلاف ما لو اخرج ما قيمته النصاب فصاعدا ثم نقصت قيمته عن النصاب، فانه موجب للقطع، سواء احدث قبل مرافعته إلى الحاكم أو بعده إذ الموجب، هو اخراج النصاب وقد تحقق. قوله: " ولو قال المسروق منه الخ " لو قال المسروق منه للسارق: الذي سرقته كان ملكك، وانكر السارق ذلك، وقال: ليس ملكي بل ملكك فحصل هنا عند الحاكم شبهة دارئة للقطع، ولان صاحب المال ينكر انه له فليس له مرافعة وطلب الحد، فلا يمكن حده. ويحتمل أن يكون المراد ثم انكر المسروق منه وقال: ذلك، وقال: بل ملكي، وكان نصابا وفي الحرز، لم يجز قطع يده للشبهة الدارئة للحد، إذ لا شك في أن ذلك شبهة. قوله: " ولو قال السارق الخ " لو قال سارق النصاب: ان الذي سرقته هو مال الشخص الذي كان شريكا معي في السرقة فلا قطع عليه، سواء انكر الشريك ذلك ام لا، إذ لا شك ان ذلك شبهة دارئة للحد الا ان ذلك حال الاقرار أظهر، وحينئذ لا قطع على الشريك. واما على تقدير انكاره هل عليه قطع أم لا؟ ففيه اشكال ينشأ (من) انه شبهة في الجملة فيحصل للحاكم شبهة وهي مسقطة (ومن) ان الشبهة إنما هي بالنسبة إلى المدعي، لا بالنسبة الى غيره فان صاحبه منكر ومعه تعدم الشبهة، فأدلة

[ 254 ]

ولو قال العبد: هو ملك سيدي فلا قطع وان كذبه السيد. ولو سرق مستحق الدين عن غريمه المماطل، فلا قطع، ولا على مستحق النفقة. ويقطع لو سرق من الودعي، والوكيل، والمرتهن، وبسرقة مباح الاصل كالماء والحطب بعد الاحراز. القطع تشمله من غير مخرج، ومعلوم ان المراد مع تحقق الشرائط حتى كون حصة كل واحد منهما نصابا، فتأمل. قوله: " ولو قال العبد هو الخ " لو سرق مملوك ثم قال: الذي سرقته هو ملك سيدي فلا قطع عليه، سواء صدقه المولى أو كذبه وادعى شخص آخر انه له للشبهة الدارئة. قوله: " ولو سرق مستحق الدين الخ " لو سرق من له دين على شخص من ماله شيئا وادعى انه كان مماطلا مسوفا لا يعطيني ديني فلا قطع عليه، سواء كان المدعى عليه مقرا بذلك ام لا للشبهة. وكذا لا قطع على من سرق من مال من وجب عليه نفقته، وادعى أنه انما اخذه لمنعه عن النفقة ومماطلته له، سواء اقر المدعى عليه أم لا، للشبهة. وبالجملة قد ثبت بناء الحدود على التخفيف والتحقيق والاحتياط فيسقط لادنى شبهة ممكنة، فتأمل. قوله: " ويقطع لو سرق الخ " أي لو كان مال شخص عند الودعي موضوعا في حرزه أو بيد وكيله أو عند المرتهن فسرقه سارق، يقطع بذلك، وليس كونه عند غير المالك من المرتهن والوكيل، والوصي (الودعي - خ)، مانعا من القطع أو (و - خ) شبهة مسقطة للحد لعموم أدلة القطع وعدم ثبوت مخصص ومخرج، وهو ظاهر.

[ 255 ]

المطلب الثالث: في الحد ويجب بأول مرة قطع الاصابع الاربع من اليد اليمنى، وتترك الراحة والابهام ولو كانت شلاء أو كانت يداه شلاوين، فان سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ويترك عقبه، فان سرق ثالثا خلد بالحبس، فان سرق فيه قتل. ويقطع ايضا سرقة مال مباح مثل الماء والحطب بعد التملك ووضعه في حرزه لعموم الادلة. وبالجملة يجب القطع بكل مال وفي كل يد مشروع بالشرائط المذكورة الا المستثنيات المقررة لا خصوصية له بمال دون آخر، لعموم الادلة وعدم المخصص. لعل ذكر (ذلك - خ) بعض (هذه - خ) الاشياء لدفع خلاف بعض العامة أو التوهم البعيد. قوله: " ويجب بأول مرة الخ " يجب في السرقة بأول مرة قطع اليد اليمنى من السارق من مفصل اصابعه الاربعة ويخلى به الابهام والراحة، سواء كانت تلك اليد شلاء والاخرى صحيحة أو العكس أو كلاهما شلاءين. ودليل ذلك - بعد اجماع الاصحاب ظاهرا - هو ظاهر الكتاب (1) وعموم الاخبار في الجملة، فانه صادق عليه قطع اليد، فهو كاف وبه يخرج عن العهدة. واما التعيين والحصر في ذلك، فللاصل واخبار اخر. مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: من اين يجب القطع؟ فبسط أصابعه فقال: من ها هنا يعني من مفصل الكف (2). ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القطع من وسط

(1) قال الله تعالى: السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما - المائدة: 28. (2) الوسائل باب 4 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 489.

[ 256 ]

الكف ولا يقطع الابهام، وإذا قطعت الرجل ترك العقب (و - خ) لم يقطع (1). وفيها دلالة على بيان قطع الرجل ثانيا وموضع قطعها أيضا. ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: اتي امير المؤمنين عليه السلام بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أيديهم من نصف الكف وترك الابهام ولم يقطعها (2) الخ. ويدل على قطع اليمنى حسنة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام - في السارق إذا سرق - قطعت يمينه، وإذا سرق مرة اخرى قطعت رجله اليسرى ثم إذا سرق مرة اخرى سجنه وتركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط ويده اليسرى يأكل بها ويستنجي بها، وقال: اني لاستحيي من الله ان اتركه لا ينتفع بشئ ولكني أسجنه حتى يموت في السجن وقال: ما قطع رسول الله صلى الله عليه وآله من سارق بعد يده ورجله (3). وفيها احكام اخر ما فهمتها. ورواية اسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: تقطع يد السارق ويترك ابهامه وصدر راحته، وتقطع رجله ويترك عقبه يمشي عليها (4). وتدل على قطع اليد اليمنى على كل حال - صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اشل اليد اليمنى، أو اشل الشمال سرق؟ قال: تقطع اليد (يده - خ) اليمنى على كل حال (5).

(1) الوسائل باب 4 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 489. (2) الوسائل باب 30 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 528 وللحديث ذيل فلاحظ. (3) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 492. (4) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 490. (5) الوسائل باب 11 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 501.

[ 257 ]

ورواية سماعة، قال: قال (أبو عبد الله عليه السلام - يب): إذا أخذ السارق قطعت يده (قطع - خ يب) من وسط الكف، فان عاد قطعت رجله من وسط القدم، فان عاد استودع السجن فان سرق في السجن قتل (1). وفي رواية محمد بن عبد الله بن هلال، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أخبرني عن السارق لم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ولا تقطع يده اليمنى ورجله اليمنى؟ فقال: ما احسن ما سألت، إذا قطعت يده اليمنى ورجله اليمنى سقط على جانبه الايسر ولم يقدر على القيام، فإذا قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى اعتدل واستوى قائما، قال: قلت له: جعلت فداك وكيف يقوم وقد قطعت رجله؟ قال: ان القطع ليس من حيث رأيت يقطع إنما يقطع الرجل من الكعب ويترك من قدمه ما يقوم عليه ويصلي ويعبد الله، قلت: من اين يقطع اليد؟ قال: يقطع الاربع أصابع ويترك الابهام يعتمد عليها في الصلاة ويغسل بها وجهه للصلاة، قلت: فهذا القطع من أول من قطع؟ قال: قد كان عثمان بن عفان حسن ذلك لمعاوية (2). ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي عليه السلام لا يزيد على قطع اليد والرجل ويقول: إنى لاستحيي من ربي ان أدعه ليس له ما يستنجي به أو يتطهر به، قال: وسألته ان هو سرق بعد (ما - خ) قطع اليد والرجل؟ فقال: استودعه السجن ابدا واغني (اكفى - خ ل ئل) عن الناس شره (3). ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: يقطع رجل السارق بعد قطع اليد ثم لا يقطع بعد، فان عاد حبس في السجن، وانفق عليه من بيت مال

(1) الوسائل باب 4 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 489. (2) الوسائل باب 5 حديث 8 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 494. (3) الوسائل باب 5 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 492.

[ 258 ]

ولو تكررت السرقة من غير حد فواحد. ولو كانت له اصبع زائدة في احدى الاربع قطعت ان لم يمكن قطعها منفردة. ولو قطع الحداد اليسار قصدا اقتص منه، ولم يسقط قطع اليمنى، ولو ظنها اليمنى فالدية عليه ولا يسقط القطع. المسلمين (1). ورواية (ابي - يب) القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل سرق؟ فقال: سمعت أبي عليه السلام يقول: اتي علي عليه السلام في زمانه برجل قد سرق فقطع يده ثم اتي به ثانية فقطع رجله من خلاف، ثم اتي به ثالثة فخلده في السجن، وانفق عليه من بيت مال المسلمين، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله لا اخالفه (2). فقد مر دليل ما في المتن (إلى قوله): فان سرق قتل وان كان دليل القتل غير صحيح، مع انه امر عظيم لكنه موافق لفتواهم، فان لم يكن اجماع يمكن خلافه فيقطع أيضا ان وجد شرائطه - فتأمل - في الحبس أيضا. وقد مر فيما سبق ما يمكن فهم دليل قوله: (ولو تكرر إلى آخره أيضا فافهم). قوله: " ولو كانت له الخ " ان كان للسارق اصبع زائدة متصلة بإحدى الاصابع الاربع التي تقطع ولا يمكن قطعها بدونها، يقطع الزائدة أيضا، إذ لا يمكن الاتيان بالواجب الا به، فيجب، ولو كانت خارجة عنها لا تقطع لعدم الموجب. قوله: " ولو قطع الحداد الخ " أي لو قطع الحداد الذي يحد السارق

(1) الوسائل باب 5 حديث 8 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 493. (2) الوسائل باب 5 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 493.

[ 259 ]

ولو لم يكن له يمين، قيل: تقطع اليسرى، وقيل: الرجل. ويقطع يده بامر الحاكم يسار السارق عمدا وقصدا، فعل حراما واقتص منه السارق بقطع يساره، أو يعفو أو يصطلح باخذ الدية ولم يسقط القطع عن السارق. ويحتمل ان يكون كذلك ان كان جاهلا ويحكم بقطعه. ويحتمل الدية كما إذا قطع خطأ بان ظن انه اليمين أو ظن أن اليسار يقطع على الاحتمال فيؤخذ الدية من مال الحداد، لا من بيت المال. وان كان المخطئ بالمسألة، الحاكم فيحتمل - كما قالوه - من بيت المال، لما تقدم من ان خطأ الحاكم على بيت المال، وهنا أيضا لم يسقط قطع يمينه كما لا يسقط في البواقي. وفيه تأمل يعلم مما تقدم من قوله: (واني لاستحييي من ربي الخ) (1) فتأمل. قوله: " ولو لم يكن له يمين الخ " أي إذا لم يكن للسارق يمين - ولكن ما قطعت في السرقة، فانه لو كانت مقطوعة فيها قطعت رجله، لما مر في الاخبار - وكان له يسار، ففي قطع يده اليسرى أو رجله اليسرى، قولان للشيخ. اليد اليسرى، لصدق اليد المذكورة في القرآن والحديث. والرجل اليسرى لما مر مما يدل على انه إذا سرق ثانيا بعد قطع يده اليمنى قطع رجله اليسرى، وهذا مثله، لان سبب الانتقال إلى الرجل اليسرى، هو عدم اليمنى. والظاهر أن القرآن والحديث، محمولان على المرة الاولى واليد اليمنى، ولهذا لا يقطع اليد اليسرى في المرة الثانية، بل يقطع الرجل اليسرى. ويمكن أن يقال: انما خصصوا القرآن والحديث باليد اليمنى، فيما إذا كانت اليمنى موجودة للاجماع ونحوه، لا مطلقا، فتأمل.

(1) الوسائل باب 5 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 492.

[ 260 ]

ولو لم تكن له يسار قطعت يمينه. ويحتمل عدم القطع حينئذ، إذ الواجب قطع اليمنى بأول مرة وليست، فلا قطع كأن لا يد ولا رجل أصلا، فتأمل. قوله: " ولو لم يكن له يسار الخ " أي لو لم يكن للسارق يسار وله يمين، قطعت يمينه للآية والحديث المحمولين عليها مع وجودها. وخصوص الاخبار - في قطع اليد اليمنى في السرقة الاولى - مثل ما تقدم في صحيحة عبد الله بن سنان، قال: يقطع يده اليمنى على كل حال (1). ولانه يقطع إذا كانتا شلاوين أو اليسرى شلاء هذا هو المشهور ومذهب الاكثر. ومنهم من قال: انه لا يقطع اليمين الا مع وجود اليسار، لانه يلزم ان يبقى بلا يد أصلا. وهو ممنوع لما تقدم من الروايات الدالة على انه عليه السلام قال: (لاستحيي على ان ادعه بلا يد ولا يقدر على الاستنجاء) (2). ولما في رواية المفضل بن صالح (3)، عن بعض اصحابنا عن الصادق عليه السلام، قال: قلت له: لو ان رجلا قطعت يده اليسرى في قصاص فسرق ما

(1) الوسائل باب 11 ذيل حديث 1 من ابواب السرقة ج 18 ص 501. (2) راجع الوسائل باب 5 حديث 12 - 16 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 495. (3) الظاهر انه اشتبه واختلط على الشارح قدس سره حين كتابة هذا الحديث فان رواية عبد الرحمان بن الحجاج فقلت في التهذيب والاستبصار عقيب رواية المفضل بن صالح بلا فصل فاشتبه متن الثانية بسند الاولى بمعنى انه قدس سره ذكر سند الاولى مع متن الثانية والبحث في السند أيضا متفرع على هذا الاشتباه فان سند الرواية التي نقلها قدس سره هنا سندها هكذا: الحسن بن محبوب عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام وسند الرواية لم ينقلها هنا سندها هكذا: يونس بن عبد الرحمان عن المفضل بن صالح عنه بعض اصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام الخ ولاحظ الوسائل باب 11 حديث 2 - 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 502 وليس في سنديهما (محمد بن عيسى) فراجع التهذيب باب الحد في السرقة الخ والاستبصار باب من وجب عليه القطع الخ ج 4 ص 242.

[ 261 ]

ولو كان له يمين فذهبت قبل القطع لم تقطع يساره. يصنع به؟ قال: فقال: لا يقطع ولا يترك بغير ساق، قال: قلت: فلو ان رجلا قطعت يده اليمنى في قصاص ثم قطع يد رجل اقتص (أيقتص - صا) منه ام لا؟ فقال: إنما يترك في حق الله عزوجل، فاما في حقوق الناس فيقتص منه في الاربع جميعا وفي الاستبصار: (ولا يترك (1) بساق) وهذه مع صحتها نص في المقصود مع اشتمالها على التعليل. فيمكن حمل الاولى وتخصيصها بما إذا كانت اليسرى موجودة لحمل العام على الخاص كما هو مقتضى القاعدة إلا أن الشهرة وعموم الآية والاخبار وكثرة القائل، وندرة هذه، وقلة القائل يؤيد الاول على أن لهم في الصحة تأملا، إذ الظاهر أن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمان وفيهما تأمل عندهم خصوصا فيما تفردا به. ويمكن دفع هذا بان في طريق الاستبصار ليس فيه محمد، ولا يونس، بل الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمان بن الحجاج. فالظاهر انها صحيحة وان كان الذي يظهر من الخلاصة (2) وغيرها انه مشترك بين الصحيحة والحسنة فتأمل. ولي أيضا تأمل في عبد الرحمان بن الحجاج، فانه قال في مشيحة الفقيه: كان إذا ذكر عند الكاظم عليه السلام، فقال: انه لثقيل على الفؤاد، وان وثق في الكتب وضعف رواية المفضل ظاهر (3)، وان الاخبار الدالة على تركه بلا يد، كانت فيما إذا قطع اليمين ثم سرق، ولا يلزم منه عدم قطع اليمنى في المرة الاولى مع عدم اليسار فتأمل. قوله: " ولو كان له يمين الخ " لو كان للسارق حين السرقة يمين فذهبت

(1) في الاستبصار في النسخة التي منه عندنا (لا يترك بغير ساق) ولعلها كذلك في نسخته قدس سره والله العالم. (2) لم نجد في الخلاصة ما يستظهر منه اشتراكه. (3) وقد بينا في الهامش السابق ان الرواية لم يروها المفضل فراجع.

[ 262 ]

ولو سرق ولا يد له ولا رجل حبس. ولو كان له كفان قطعت اصابع (اصابعه - خ) الاصلية. وتثبت بشهادة عدلين. اليمين قبل ان يقطع بالسرقة لم يقطع عوضه يساره، لانه قد تعلق القطع باليمين فوجب قطعه لا غير، فمع ذهابها ما بقي محل الوجوب فسقط وما وجب قطع اليسرى بدله لتعلق الوجوب بغيرها وعدم دليل على وجوب تعويضها. قوله: " ولو سرق الخ " ولو لم يكن للسارق حين سرقته يد ولا رجل أصلا حبس حتى يموت كما إذا سرق في المرتبة الثالثة بعد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، بل هنا بالطريق الاولى، لانه إذا كان مع بقاء يد ورجله لا يقطع، بل يحبس ففيما إذا لم يكن شئ منهما بالطريق الاولى. فيه تأمل، إذ لا يلزم من ايجاب المرة الثالثة الحبس دائما، ايجاب المرة الاولى ذلك وهو ظاهر، فالدليل هو قياس مع الفارق. نعم لو ثبت ان السبب في المرة الثالثة هو السرقة مع عدم بقاء محل القطع يلزم ذلك ولكن أنى اثبات ذلك. قوله: " ولو كان له كفان الخ " لو كان للسارق على يده اليمنى التي هي محل القطع، كفان قطعت الاصابع الاربع من الكف الاصلية. هذا مع الامتياز، ومع عدمه يمكن التخيير. قوله: " وتثبت بشهادة عدلين الخ " لا شك في ثبوت السرقة الموجبة للقطع والغرم بالشاهدين الموصوفين بشرائط قبول الشهادة لانهما حجة شرعية عندهم. وانما لم يثبت بعض الامور بهما - مثل الزنا - للنص والاجماع. وكذا ثبوتها باقرار السارق في الموصوف بشرائط قبول اقراره مرتين، لان اقرار العقلاء على انفسهم جائز وهو ظاهر الا انه يلزم اثباتها بالاقرار مرة واحدة أيضا. لكنهم قالوا: لا يثبت بها السرقة الموجبة للقطع والغرم، بل الغرم فقط اما

[ 263 ]

أو الاقرار مرتين من أهله، وبالمرة يثبت الغرم خاصة. عدم القطع، فللاصل والاحتياط في الحدود وكون مبناه على القطع واليقين، واما الغرم فلانه اقرار بالمال ويثبت المال بالاقرار مرة واحدة اجماعا ونصا، فتأمل. وتدل على عدم قبول الاقرار في القطع إلا مرتين، رواية جميل بن دراج، عن بعض اصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام، قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود وقال: لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات إذا لم يكن شهود، فان رجع ترك ولم يرجم (1). وهذه مذكورة في التهذيب في باب السرقة مرتين. وهي تدل على سقوط حد الرجم بالرجوع أيضا إذا كان الثبوت بالاقرار دون الشهود فلا يسقط ان كان بها. وحمل في التهذيب - على التقية - صحيحة الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا (ان - ئل) أقر الرجل الحر على نفسه بالسرقة مرة واحدة عند الامام قطع (2)، وقال: لانها موافقة لمذهب بعض العامة، واما الروايات التي قدمناها في انه إذا اقر قطع، ليس فيها انه مرة أو مرتين، بل هي مجملة، وإذا كانت الاحاديث التي قدمناها مفصلة فينبغي ان يكون العمل بها (3). وما رأيت قدم رواية في ذلك، غير مرسلة جميل (4)، مع انها ربما ترد بالارسال، وضعف علي بن حديد الواقع (5) في الطريق، على ما صرح في كتب الرجال وفي التهذيب والاستبصار أيضا. مع اشتمالها على سقوط الحد بالانكار بعد الاقرار مرتين، وهو خلاف ما

(1) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487. (2) الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 488. (3) إلى هنا عبارة التهذيب. (4) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب السرقة ج 18 ص 487. (5) وسندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج، عن بعض اصحابنا.

[ 264 ]

تقرر عندهم كما سيجئ. ويمكن ان يقال: لكن الحكم مشهور، ويمكن جبر الضعف والارسال بالشهرة، وهم يفعلون ذلك كثيرا، والاحتياط في الحدود، والبناء على التخفيف والتحقيق، والسقوط بالشبهة يؤيده ويمكن ان يستدل عليه أيضا برواية جميل، رواها الشيخ - في التهذيب في باب حد الزنا - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين ولا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات (1). وليس فيها الا علي بن السندي (2) المجهول فهذه اوضح سندا واسلم من الاولى، فتأمل. على ان في صحة رواية الفضيل تأملا، لاشتراك الفضيل وأبي ايوب (3) فانهما مشتركان. الا أن الظاهر انها صحيحة، لان أبا ايوب هو الخزاز، وهو ابراهيم بن عيسى الثقة والفضيل هو ابن يسار الثقة، لانهما الواقعان في مثل هذا السند وقد صرح بهما في مواضع. ومثلها صحيحته الاخرى، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من اقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله مرة واحدة، حرا كان أو عبدا أو حرة كانت أو امة فعلى الامام ان يقيم الحد على الذي (عليه للذي - يب - ئل) اقر به على نفسه كائنا من كان الا الزاني المحصن، فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحد مائة جلد، ثم يرجمه، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: ومن اقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله في حقوق

(1) الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 380. (2) سندها كما في التهذيب هكذا: محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن السندي، عن ابن أبي عمير، عن جميل. (3) سندها كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب، عن أبي ايوب عن الفضيل.

[ 265 ]

المسلمين فليس على الامام ان يقيم عليه الحد الذي اقر به عنده حتى يحضر صاحب الحق أو وليه فيطالبه بحقه، قال: فقال له بعض اصحابنا: يا ابا عبد الله فما هذه الحدود التي إذا اقر بها عند الامام مرة واحدة على نفسه اقيم عليه الحد فيها؟ فقال: إذا اقر على نفسه عند الامام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق الله، وإذا اقر على نفسه انه شرب خمرا حده فهذا من حقوق الله، وإذا اقر على نفسه بالزنا وهو غير محصن فهذا من حقوق الله، قال: واما حقوق المسلمين، فإذا اقر على نفسه عند الامام بفرية لم يحد حتى يحضر صاحب الفرية أو وليه، وإذا اقر بقتل رجل لم يقتله حتى يحضر اولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم (1). قال الشيخ في التهذيب - بعد نقلها -: قال محمد بن الحسن: ما تضمن أول هذا الخبر من انه يقبل اقرار الانسان على نفسه في كل حد من الحدود الا الزنا، فالوجه في استثناء الزنا من بين سائر الحدود انه يراعى في الزنا، الاقرار اربع مرات وليس ذلك في شئ من الحدود الاخر الخ. وهي صحيحة، إذ ليس فيها الا ابي (ابا - ظ) ايوب، والفضيل (2)، والظاهر انهما ثقتان كما مر. وصريحة في الاكتفاء في الاقرار بمرة واحدة في كل حد من حدود الله غير الزنا المحصن. وينبغي أن يستثنى الزنا مطلقا. وان السرقة، والخمر، والزنا الغير المحصن من حقوق الله. وان الفرية من حقوق الناس. وان كل ما هو من حقوق الله لا يحتاج إلى الطلب وهو خلاف المقرر عندهم في السرقة.

(1) الوسائل باب 32 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 343. (2) سندها كما في التهذيب هكذا: الحسن بن محبوب، عن أبي ايوب، عن الفضيل.

[ 266 ]

لعل المراد انه ليس بحق الناس محضا، وانه بعد الترافع والثبوت لا يحتاج إلى المطالبة، بل وان عفى صاحب السرقة، لم ينفع. وتدل على سماع اقرار المملوك أيضا مرة واحدة بالسرقة وانه كاف للقطع وهو أيضا خلاف ما تقرر، لعل المراد اقرار المولى ايضا. وان الزاني المحصن يجلد ثم يرجم. وانه لابد من الشهود الاربعة. وانه يجوز التوكيل في مطالبة حق حد الفرية. وان الامام يقتل في القصاص، ولكن بعد طلب صاحب الدم ولا تدل على عدم جوازه لصاحب الدم، فيمكن جمعها مع عدم اشتراط اذن الامام في القصاص، فتأمل. وصحيحة ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: العبد إذا اقر على نفسه عند الامام مرة انه (قد - ئل) سرق قطعه، والامة إذا اقرت على نفسها عند الامام بالسرقة قطعها (1). وهي أيضا صحيحة صريحة في قبول اقرار المملوك على نفسه بالسرقة بمرة (مرة - خ) واحدة. وحملها في التهذيب على انضياف البينة، وهو بعيد. ويمكن حملها على اذن المولى أو اقراره أيضا. ورواية جميل (2) ضعيفة، والشهرة ليست بحجة، والاجماع غير واقع فان المنقول عن الصدوق، القول بالقطع مرة واحدة، والجبر بها مضمحل، والبناء على التخفيف و التحقيق انما يكون مع عدم الدليل، وكذا الاحتياط والسقوط بالشبهة.

(1) الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487. (2) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487.

[ 267 ]

ولو رد المكره على الاقرار السرقة لم يقطع على رأي. ويؤيده عموم الادلة الدالة على قبول الاقرار مطلقا وفي السرقة أيضا بخصوصها. مثل صحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا اقر الرجل على نفسه انه سرق ثم جحد (بعد - ئل) فاقطعه وان ارغم انفه، وان اقر على نفسه انه شرب خمرا أو بفرية ثم جحد فاجلدوه (فاجلدوه ثمانين جلدة كايب - ئل)، قلت: ارأيت ان أقر على نفسه بحد (يجب فيه - كايب) يبلغ الرجم أكنت راجمه؟ قال: لا ولكني كنت ضاربه الحد (1) وغير ذلك. ويحتمل ان يقال: فرق بين الاقرار عند الامام وغيره، فإذا كان عنده يحد بمرة واحدة، وإذا اقر عند غيره وثبت ذلك عنده (عنده ذلك - خ) بالبينة فلابد من مرتين كما قال في المختلف. وهو جمع ممكن غير بعيد بناء على القواعد، ولكن ما نجد لذلك داعيا الا رواية جميل (2). وهي لا تصلح للمعارضة حتى يؤول غيرها. الا ان يقال: بجبرها بالشهرة والكثرة أو يقال: ان الرواية الاخرى لجميل (3) ليست بمرسلة ولا ضعيفة ظاهرا ويحتمل توثيق علي بن السندي (4) فتأمل. قوله: " ولو رد المكره على الاقرار الخ " ظاهره ان المراد إذا اكره شخص على الاقرار بانه سرق فاقر وجاء بالمال المسروق الذي انه ادعى انه سرقه، لم يلزمه القطع لان الاقرار بالاكراه لم يقبل، والمجئ، بالمال المسروق لا يدل على

(1) الوسائل باب 12 حديث 1 بالسند الثاني من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 319. (2) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487. (3) الوسائل باب 3 حديث 6 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 488. (4) قدمنا آنفا نقل سندها فراجع.

[ 268 ]

السرقة، فان وجود المال عنده ومجيئه به اعم من السرقة، إذ قد يكون عنده امانة أو وجده مطروحا، أو يكون له فجاء مكرها أو غير ذلك من الاحتمالات الكثيرة. ويؤيده بناء الحد على التخفيف والتحقيق والاحتياط. قال في الشرح: والقطع فتوى النهاية (1)، والقاضي، والصهرشتي، وصاحب الجامع والمصنف في المختلف، قال: لانه ثبت سرقته لوجود المال عنده فوجب (فيجب - خ) الحد كوجوبه على مقئ (متقياء - خ) الخمر لوجود سببه وهو الشرب وهو برهان اني وفيه نظر لان وجود المسبب أعم من وجود السبب والعام لا يدل على الخاص، والمسبب في القئ مساو لسببه، لاستحالة القئ بدون الشرب، والاكراه امر خارج عن حقيقة السبب. ثم احتج بحسنة سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام في مضروب على السرقة فجاء بعينها ايقطع؟ قال: نعم، وإذا اعترف ولم يأت بها فلا قطع، لانه اعترف على العذاب (2) ثم قال: ولك ان تقول: إن الاكراه هنا ليس على الاتيان بالسرقة على الاقرار فكان الاتيان بها اختيارا فجرى مجرى الاتيان بها ابتداء فيقطع وقال الفاضل والمحقق والامام المصنف في اكثر كتبه: لا يقطع لانه مكره فدخل (فيدخل - خ) تحت عموم قوله: (رفع) (3) وعلى ما قلنا يطهر الجواب، وافاد شيخنا عميد الدين ان الرواية تدل على انه يكفي في الاقرار بالسرقة مرة كقول الصدوق، ولقائل ان يقول: ان الاقرار المعتبر بمرتين مع عدم مجيئه بعينها لحصول الشك فيه وهنا لاشك فيه على انه قد روى الحسن بن محبوب في الصحيح، عن أبي ايوب عن الفضيل قال:

(1) يعني الشيخ وعبد العزيز بن البراج، وسليمان بن الحسن الصهرشتي صاحب كتاب قبس المصباح مختصر مصباح المتهجد، ويحيى بن سعيد صاحب كتاب جامع الشرائع. (2) الوسائل باب 7 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 497. (3) راجع الوسائل باب 37 حديث 2 من ابواب قواطع الصلاة ج 4 ص 1284.

[ 269 ]

سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: من اقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله تعالى مرة واحدة، حرا كان أو عبدا أو حرة أو امة فعلى الامام ان يقيم الحد عليه للذي اقر به على نفسه كائنا من كان الا الزاني المحصن (1) (الحديث) ثم قال: وهو يدل على اعتبار اقرار العبد وفي تتمة الحديث انه عليه السلام سئل عن ذلك ففسره بالسرقة والشرب (2). وحملها الشيخ على التقية. وفي المختلف: الاقرار عند الامام يحتمل ان يخالف الاقرار عند الناس، لانه في الغالب يقع عقيب اقرار آخر عند الناس، وفي خبر جميل: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين رواه عن الصادق عليه السلام (3). ولا يخفى ان المتبادر من الاتيان بالمال - بعد دعواها عليه والاقرار بها وان كان مكرها - انه سرقه كما ان القئ انما يكون بعد الشرب، فلا يضر الاحتمالات في الاول كالثاني فانه يحتمل ان يكون الشرب بالاكراه أو جهلا بانه خمر أو للاضطرار مثل اساغة اللقمة، بل يحتمل الحقنة ايضا كما يحتمل وجود المال عنده وجوها كثيرة فلا يضر هذه الاحتمالات بثبوت القطع كهو أي القئ بوجوب الحد. الا ان الظاهر المطابق للقوانين عدم القطع والحد فيهما. لكنه لما وجد النص الدال عليه - مثل حسنة سليمان (4) - اقتضى القول بذلك فالعمدة هو الرواية، والمذكور وجه مناسب عقلي ذكره قبل الدليل، لا انه الدليل، وذلك دأبه وعادته في المختلف والنهاية فلا ينبغي رد ذلك.

(1) الوسائل باب 32 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 343. (2) إلى هنا من كلام الشارح الذي نقله بقوله: قال في الشرح الخ وذكره الشارح عند شرح قول المصنف: ولو رد المكره، على الاقرار فراجع. (3) الوسائل باب 3 قطعة من حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487. (4) تقدم ذكر موضعها آنفا.

[ 270 ]

فقد علمت عدم الفرق بين القئ والاتيان بعين المال، وان صريح الرواية (ان - خ) الاكراه على السرقة أي على الاتيان بالمال، لا على الاقرار، بل ظاهرها انه اقر ولم يأت فاكره ثم اتى به. وليس كما قاله الشارح وليس موافقا للمتن، والظاهر انه شخص توهم في حقه وضرب على ان يأتي بالمال فاتى به فهو يدل على صحة الدعوى عليه حيث جاء وما ذكر شيئا موجبا لسقوط الحد فلم يكن (1) والا لذكره. وبالجملة ما تقدم من التخفيف والتحقيق والشبهة والاحتياط، يدل على عدم القطع، والدليل العقلي ليس بتام، والرواية ليست بصحيحة ولا صريحة في المدعى، فانها تحتمل ان يكون فيما إذا اقر وضرب على ان يأتي بالمال، فاتى به، فيقطع، والمذكور في المتن وغيره، غير ذلك، ولهذا اختيار المصنف في اكثر كتبه عدم القطع واشار إلى ضعف دليلي العقل والنقل كما مر. فظهر عدم ظهور قوله: (وعلى ما قلناه الخ) فتأمل. وان ليس في ظاهر الرواية، الاقرار بالسرقة، فلا يدل على مطلوب الصدوق وعلى تقدير الاقرار فهو مقرون بالمجئ، فلا يدل على غيره كما قاله الشارح، ولهذا قال في الشق الثاني انه لا يقطع مع الاعتراف فيمكن جعلها دليلا على عدم قبوله مرة واحدة لا على قبوله بها، فتأمل. وانه قد مر رواية الفضيل الطويلة، وانها صحيحة على الظاهر، وكأنه تردد في ذلك حيث ما قال: صحيحة أبي ايوب والفضيل لاشتراكهما، وانها الدليل للصدوق مع غيرها: وقد مرت، وان الشيخ ما حمل هذه على التقية، بل اخرى غيرها وهي صحيحة الفضيل المتقدمة، فتأمل.

(1) أي موجبا - كذا في هامش بعض النسخ.

[ 271 ]

ولو رجع بعد الاقرار مرتين لم يسقط القطع. ولو تاب قبل الثبوت سقط، لا بعده قوله: " ولو رجع بعد الاقرار مرتين الخ " قد مر ان الانكار بعد الاقرار بمرة واحدة، لا يسقط الغرم كما هو مقتضى قاعدة الاقرار وبعد المرتين بالطريق الاولى. واما سقوط الحد، فان كان الثبوت بمرة، فلا يسقط بعده الا بدليل مثل سقوط الرجم وقد تقدم. وتدل عليه صريحا ايضا صحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم (1) المتقدمة في ثبوت الحد بالاقرار. ويدل عليه ايضا ما يدل على وجوب الحد والقطع بالاقرار، مثل صحيحتي الفضيل المتقدمتين (2) فافهم. الا ان في مرسلة جميل (3) دلالة على سقوطه بالانكار بعد ثبوته بالاقرار مرتين وقد عرفت حالها. وهذا أيضا من جملة ما يضعف العمل بها فان القائل به غير معلوم مع ان الاكثر قائلون بمضمونها من عدم ثبوت حد القطع الا بالاقرار مرتين لا بمرة واحدة. واما التوبة فيمكن ان تكون مسقطة في الجملة، لما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السارق إذا كان جاء من قبل نفسه تائبا إلى الله ورد سرقته على صاحبه (صاحبها - ئل)، فلا قطع عليه (4). كأنها محمولة على قبل الثبوت كما هو ظاهرها أيضا.

(1) راجع الوسائل باب 12 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 318. (2) راجع الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 489. (3) راجع الوسائل باب 12 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 320. (4) الوسائل باب 31 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 530.

[ 272 ]

ومرسلة جميل بن دراج، عن رجل، عن احدهما عليهما السلام في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح؟ فقال: إذا صلح وعرف منه امر جميل لم يقم عليه الحد، قال محمد بن أبي عمير: قلت: فان كان امرا قريبا لم يقم؟ قال: لو كان خمسة اشهر أو أقل وقد ظهر منه أمر جميل لم يقم عليه الحدود (1). ويؤيده ان العقاب الذي هو اعظم العقوبتين يسقط بالتوبة فالقطع الذي هو اضعف بالطريق الاولى. ثم انه يحتمل سقوطه حتما - كما هو مقتضى ظاهر الادلة - وتخييرا، فتأمل. واما سقوطه بهبة صاحب الحق وعفوه، فهو محتمل جيد قبل ثبوته عند الحاكم. يدل عليه حكاية سرقة رداء صفوان بن امية المشهورة، وهي مذكورة في حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه؟ فقال: إن صفوان بن امية كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج يهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه فرجعه (فدفعه - ئل) إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله: اقطعوا يده فقال صفوان (الرجل - ئل): يقطع (يده - ئل) من اجل ردائي يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: انا اهبه له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهلا كان قبل ان ترفعه الي؟ قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم، قال: وسألته، عن العفو قبل ان ينتهي إلى الامام؟ فقال: حسن (2).

(1) الوسائل باب 16 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 327. (2) الوسائل باب 17 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 329.

[ 273 ]

وهي تدل على ان العفو عن الظالم الفاسق ايضا حسن مطلقا. وان الامام بمنزلة النبي صلى الله عليه وآله، وهي تشعر بان ليس مثل ذلك، الحاكم. وانه يجوز العفو والهبة ايضا في الحقوق الغير المالية فلا يشترط عين مال (ماله - خ) في الهبة كما هو المشهور. وان القطع يفعله غير الحاكم بامره. بل فيها دلالة ايضا على عدم اشتراط الحرز على الوجه الذي ذكروه، فان المسجد ليس بحرز للرداء مع عدم الحافظ. بل تدل على عدم اشتراط النصاب المقرر، فانه يبعد أن يكون لصفوان رداء قيمته ربع دينار الا أن يكون من خصائص رداء صفوان. وما علم ان اثباته عنده صلى الله عليه وآله بأي شئ لعله، باقرار السارق ويحتمل الشهود أيضا ولم يذكر. وهي موجودة في صحيحة الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام (1). ورواية سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اخذ سارقا فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلى الامام قطعه، فان قال الذي سرق منه: انا اهب له لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وانما الهبة قبل ان يرفع إلى الامام، وذلك قول الله عزوجل: والحافظون لحدود الله (2) فإذا انتهى إلى الامام فليس لاحد ان يتركه (3).

(1) الوسائل باب 17 نحو حديث 2 بالسند الثاني من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 329. (2) التوبة: 112. (3) الوسائل باب 17 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 330.

[ 274 ]

لعل المراد عدم وجوب السقوط أو الثبوت بالشهود لا الاقرار، فانه يدل على تخيير الامام بين العفو والهبة إذا ثبت بالاقرار لا بالبينة. ورواية طلحة بن زيد، عن جعفر عليه السلام قال: حدثني بعض أهلي ان شابا اتي امير المؤمنين عليه السلام فاقر عنده بالسرقة قال: فقال عليه السلام: اني اراك شابا لا باس بهيئتك فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم سورة البقرة قال: فقد وهبت يدك بسورة البقرة، قال: وانما منعه ان يقطعه، لانه لم يقم عليه البينة (1). ومرسلة أبي عبد الله البرقي، عن بعض اصحابه، عن بعض الصادقين عليهم السلام قال: جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام، فاقر بالسرقة فقال له امير المؤمنين عليهم السلام: اتقرأ شيئا من كتاب الله؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك سورة البقرة، فقال اشعث: أتعطل حدا من حدود الله؟ فقال: وما يدريك ما هذا إذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو وإذا اقر الرجل على نفسه فذلك (فذاك - خ) إلى الامام ان شاء عفى، وان شاء قطع (2). وعليه حمل الشيخ رواية سماعة وحسنة الحلبي، وصحيحة الحسين وافتى به. ويؤيده بناء الحدود على التخفيف والتحقيق والاحتياط والاسقاط بالشبهة. وهما تدلان على تعظيم قاري القرآن. ويمكن حملهما على الجاهل، لما يدل على عدم القطع له مثل حسنة أبي عبيدة الحذاء - الثقة -، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لو وجدت رجلا كان من العجم

(1) الوسائل باب 18 نحو حديث 3 بالسند الثاني من أبواب الحدود ج 18 ص 331. (2) الوسائل باب 18 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 331.

[ 275 ]

ويستحب الحسم بالزيت. أقر بجملة الاسلام ولم يأته شئ من التفسير، زنى أو سرق أو شرب الخمر (خمرا - ئل)، لم اقم عليه الحد إذا جهله إلا ان تقوم عليه البينة انه قد اقر بذلك وعرفه (1). قوله: " ويستحب الحسم بالزيت الخ " أي يستحب ان يعالج يد المقطوع بان يوضع محل القطع في الزيت المغلى ليحسم وينقطع الدم وينسد أفواه العروق حتى لا يذهب الدم الكثير فيموت. الدليل عليه قول العلماء، والاعتبار، والتجربة بانه نافع وفعله صلى الله عليه وآله على ما نقل انه كان هكذا يفعل، وكأنه منقول من طرقهم (2). وقالوا: هذا لمصلحة السارق لا تتمة للحد وواجب أو مستحب لله فيكون مؤنته من الزيت وغيره، على السارق، ولا يجوز الا باذنه. ونقل عن بعض العامة انهم يقولون: انه لله ومن تتمة الحد للايلام به، وان الولاة لا يزالون يفعلون ذلك وان كره السارق، فالمؤنة من بيت المال. ويحتمل على الاول أيضا كونها من بيت المال، لانه للمصالح، وبغير اذنه واكراها، لانه يحصل له النفع، وهو قد لا يخلى ولا يرضى للالم الخالي، فتأمل. والذي في رواية اصحابنا عن فعل امير المؤمنين عليه السلام رعاية المقطوعين ودواء جروحهم واطعامهم السمن، والعسل، واللحم ثم اعطائهم الكسوة. مثل رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: اتي امير المؤمنين عليه السلام بقوم لصوص قد سرقوا فقطع ايديهم من نصف الكف وترك الابهام لم يقطعها وامرهم ان يدخلوا دار الضيافة وامر بايديهم ان تعالج فاطعمهم

(1) الوسائل باب 14 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 324. (2) راجع سنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 270 - 271 باب السارق يسرق أولا.

[ 276 ]

السمن، والعسل، واللحم حتى برئوا ودعا بهم (هم - كا - ئل)، وقال: يا هؤلاء إن ايديكم قد سبقت إلى النار، فان تبتم وعلم الله عزوجل منكم صدق النية تاب الله عليكم وجررتم ايديكم إلى الجنة، وان انتم لم تتوبوا ولم تقلعوا (ولم تنتهوا - كا) عما انتم عليه جرتكم ايديكم إلى النار (1). ورواية حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: اتي امير المؤمنين عليه السلام بقوم سراق قد قامت عليهم البينة وأقروا قال: فقطع أيديهم ثم قال: يا قنبر ضمهم اليك فداو كلومهم واحسن القيام عليهم، فإذا برئوا فاعلمني، فلما برءوا اتاه فقال: يا امير المؤمنين، القوم الذين اقمت عليهم الحدود قد برئت جراحاتهم، قال: اذهب فاكس كل واحد (رجل - خ ل) منهم ثوبين وأتى بهم، قال: فكساهم ثوبين ثوبين واتني بهم في احسن هيئة متردين مشتملين كأنهم قوم محرمون فمثلوا بين يديه قياما فاقبل على الارض ينكسها باصبعه مليا ثم رفع رأسه إليهم، فقال: اكشفوا ايديكم ثم قال: ارفعوا إلى السماء فقولوا: اللهم ان عليا قطعنا ففعلوا، فقال: اللهم على كتابك وسنة نبيك ثم قال لهم: يا هؤلاء ان تبتم سلمتم (استلمتم - يب) ايديكم، وان لم تتوبوا الحقتم بها ثم قال: يا قنبر خل سبيلهم واعط كل واحد منهم ما يكفيه إلى بلده (2). فيها دلالة على التوبة وكونها مسقطة للذنوب السابقة، وعدم الالتزام بها. وانه لابد من القربة فيها، وهو المراد بصدق النية. وكأن المراد بالنية في الاخبار، واطعام الفاسق الغير التائب واكسائه والاحسان إليه وكان ذلك من بيت المال، ويحتمل ذلك من خاصته عليه السلام. ودخول اعضاء الانسان إلى الجنة والنار، واعادتها معه وان لم يكن اجزاؤه

(1) الوسائل باب 30 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 528. (2) الوسائل باب 30 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 529.

[ 277 ]

ويجب رد العين، فان تعذر غرم المثل أو القيمة ان تعذر المثل أو لم يكن مثليا ولو تغيب ضمن، ولو مات المالك فالى الورثة، فان فقدوا فالى الامام. مسائل من هذا الباب لو شهد رجل وامرأتان ثبت الغرم خاصة. الاصلية وقطعت منه حال حياته (1)، وهو ظاهر فافهم. قوله: " ويجب رد العين الخ " أي يجب على السارق دفع المال المسروق إلى مالكه مع نمائه المتصل والمنفصل، سواء كان عالما به ام لا، بل اجرته ان كان ذا اجرة وان لم يستعمله، سواء كان آدميا ام لا، فان لم يكن المال موجودا بعينه فيدفع مثله ان كان مثليا والمثل يوجد، وان لم يوجد فقيمته محتمل، وقت الاعواز، ووقت التلف، ووقت الطلب، واعلى القيم. وان كان قيميا فقيمته وقت التلف أو وقت الطلب، أو الاعلى. وان لم يكن فالى ورثته بالنسبة ان لم يكن هناك دين أو وصية متعلقة به والا تصرف فيه باذن الوارث أو الوصي. ولو لم يكن الوارث الا الامام عليه السلام فيدفع إليه ان كان حاضرا، والا فالظاهر انه يصرف في فقراء البلد كما مر، فتذكر. وينبغي استيذان الحاكم، وكذا كل متصرف في مال الغير بغير اذنه، هكذا ذكروه. قوله: " لو شهد رجل الخ " دليل عدم ثبوت القطع برجل وامرأتين

(1) واوضح منها في الدلالة على هذا موثقة سماعة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتي امير المؤمنين عليه السلام برجال قد سرقوا فقطع ايديهم، ثم قال: ان الذي بان من اجسادكم قد يصل إلى النار، فان تتوبوا تجتروها، والا تتوبوا تجتركم الوسائل باب 30 حديث 4 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 529.

[ 278 ]

ويشترط في الشهادة التفصيل. ولو سرق ولم يقدر عليه فسرق ثانيا غرم المالان وقطع بالاولى خاصة. وثبوت المال المسروق وغرامة بهما، ما تقدم من انه يثبت بهما المال لا غير، فتذكر ويشكل بان المال إذا ثبت بالشهادة التامة التي لو كانت من الرجلين لثبت بها القطع أيضا ثبت القطع، فان وجود احدهما معلولي علة معينة، يستلزم وجود معلوله الآخر وهو ظاهر. وهذا يرد في الاقرار بالمرة ونحوها أيضا. والحل أن هذه، العلامات، ولا بعد في ان يجعل الشارع، الاقرار مرة والشهادة المذكورة لثبوت حكم، وهو ثبوت المال والغرم عليه ولم يجعلها كذلك للقطع وان كان الثابت فيهما، السرقة الموجبة لذلك، إذ يجوز أن يكون السرقة إذا ثبت بهما يوجب المال فقط، وإذا ثبت بغيرها (1) مثل الرجلين والمرأتين يوجب القطع، وهو ظاهر فتأمل. قوله: " ويشترط في الشهادة التفصيل " اشتراط التفصيل في الشهادة على السرقة الموجبة للقطع ظاهر، فانه امر خاص مفصل على وجه، فلابد من ثبوتها حتى يترتب عليها القطع ولا تثبت الا بالشهادة مفصلة، فلابد منها من ذكر الحرز والنصاب على وجه لا يبقى فيه احتمال عدم تحقق الموجب. قوله: " ولو سرق ولم يقدر الخ " أي إذا سرق السارق ما يوجب القطع فغاب الحاكم وانهزم ولم يقدر عليه وما قطع حتى سرق مرة اخرى لزمه المالان المسروقان لانه قد ثبت انه سرقهما فيلزمه ويقطع يمينه بالسرقة الاولى، لان الاولى قد اوجبت القطع فقد تعلق باليمين حال وجود الثانية فليس لها محل يوجب قطعه اما باليمين، فلوجوب قطعه بالاولى، واما الرجل اليسرى، فانه انما يقطع بعد قطع اليمين.

(1) هكذا في النسخ كلها - ولعل الاصوب (بغيرهما) بضمير التثنية كما لا يخفى.

[ 279 ]

ولو شهدت البينة فقطع ثم شهدت بعده باخرى قيل: تقطع رجله. ويؤيده الرواية التي هي دليل القول بقطع اليسرى لو شهدت البينة فقطع ثم شهد بعده باخرى. يعني سرق مرتين قبل اين يتحلل بينهما قطع فشهد الشهود بهما، الاولى قبل القطع، والثانية بعده. رواها بكير بن اعين، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل سرق فلم يقدر عليه ثم سرق مرة اخرى فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والسرقة الاخيرة فقال: يقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة فقيل (له - ئل - العلل): كيف ذاك (1)؟ فقال: لان الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل ان تقطع بالسرقة الاولى، ولو ان الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثم امسكوا حتى يقطع يده ثم شهدوا عليه بالسرقة الاخيرة قطعت رجله اليسرى (2). وفي طريق التهذيب سهل بن زياد (3) الضعيف، ولكن روى مثلها في الفقيه صحيحا عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا اقيم على السارق الحد نفي إلى بلده (وان (4) سرق رجل فلم يقدر عليه حتى سرق مرة اخرى فأخذ فجاءت البينة فشهدوا عليه جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى فانه يقطع يده

(1) كيف تقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة؟ (العلل ج 2 ص 270 باب 385 نوادر العلل. (2) الوسائل باب 9 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 499. (3) سندها كما في التهذيب هكذا: سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب عن عبد الرحمان بن الحجاج عن بكير بن اعين. (4) انه من هنا إلى قوله: اقطعت رجله اليسرى مأخوذ من خبر بكير بن اعين المتقدم ذكره الصدوق عقيب صحيحة الحلبي لصورة الفتوى لا جزء للصحيحة كما سننبه عليه عن قريب.

[ 280 ]

بالسرقة الاولى ولا يقطع رجله بالسرقة الاخيرة، لان الشهود شهدوا عليه جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل ان يقطع يده بالسرقة الاولى ولو ان الشهود شهدوا عليه جميعا بالسرقة الاولى فقطعت يده ثم شهدوا عليه بعد بالسرقة الاخيرة قطعت رجله اليسرى) (1). قال في الشرح: القول بالقطع فتوى الصدوق، والنهاية والقاضي والصهرشتي وابن حمزة، لرواية سهل بن زياد ونقلها الشيخ عنه، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن بكير بن اعين، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام (2) قال: فقال في المبسوط - وتبعه الفاضل والمحقق والامام المصنف -: انه لا يقطع، وهو المعتمد، لان الامر لا يدل على التكرار، ولان سهلا ضعيف مع عدم وجودها في كتاب الحسن - أي الحسن بن محبوب الذي في هذه الرواية - ومنافاتها لاصل البراءة ولقوله: (ادرأوا الحدود بالشبهات) (3) والشبهة متحققة، ولانه خبر واحد مطعون فيه وتوقف الشيخ في الخلاف (4). والظاهر انها صحيحة في الفقيه ولا يضر اشتراك ابن مسكان والحلبي، فانه عبد الله الذي تلميذ محمد بن علي الحلبي، فتأمل. فقول المبسوط وتبعية الفاضل المحقق، والامام المصنف في غير الكتاب

(1) من قوله قدس سره: وان سرق رجل إلى هنا مأخوذ من رواية بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام لاحظ الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 499 وعلل الشرائع ج 2 ص 269 مكتبة الطباطبائي وجعل الصدوق رحمه الله في الفقيه هذا المضمون فتواه بعد نقل صحيحة الحلبي فزعم الشارح قدس سره انها تتمة صحيحة الحلبي لاحظ الفقيه باب حد السرقة ج 4 ص 65 ح 5116 طبع مكتبة الصدوق عليه الرحمة. (2) الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب حد السرقة بالسند الثالث ج 18 ص 499. (3) الوسائل باب 24 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 336. (4) الى هنا عبارة الشرح.

[ 281 ]

ولا تقطع الا بعد مطالبة المالك وان قامت البينة أو اقر. ولو وهبه المال أو عفا عن القطع سقط ان كان قبل المرافعة لا بعده ولو ملكه بعد المرافعة لم يسقط. ولو اعاده إلى الحرز قيل: لا يسقط، ويشكل من حيث توقفه على المرافعة. وتوقفه هنا والشيخ في الخلاف: ما كان ينبغي، ولا يضر لصحيحة الحلبي، وكذا الاصل والدرء بالشبهة ومطعونية الخبر، فتأمل. وفيها دلالة على قطع اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ونفي السارق، والقائل به غير معلوم. ويمكن الحمل على الاستحباب لانه اردع إذا رآه الامام كذلك، فتأمل. قوله: " ولا يقطع الا بعد مطالبة المالك الخ " وجه عدم القطع الا بعد مطالبة المالك المال المسروق أو وليه ووكيله، هو ان الحق له، ولهذا لو وهب قبل المرافعة يسقط كما مر ولا فرق في ذلك بين ثبوته بالشهود أو الاقرار. قوله: " ولو وهبه المال الخ " قد مر دليل سقوط القطع بالعفو قبل المرافعة ووجه سقوطه بهبة المال المسروق له قبل المرافعة من السارق اظهر لان فيه، العفو عن القطع والزيادة. ووجه عدمه - ان كان بعدها - استصحاب الثبوت، واصل عدم سقوطه وعدم الدليل عليه، وما مر من عدم سقوطه بالعفو قوله: (ولو ملكه الخ) بعد ذكر قوله: لا بعدها لا يحتاج إليه، ولو ذكره بالفاء حتى يكون متفرعا عليه، لكان اولى فتأمل. قوله: " ولو اعاده إلى الحرز الخ " إذا سرق السارق النصاب من الحرز ثم اعاده إليه قبل المرافعة، قيل: لا يسقط القطع، لحصول السبب التام، وهو اخراج

[ 282 ]

ولو أكذب الشاهد لم يسقط. اما لو ادعى ما يخفى عنه كالاتهاب من المالك أو نفي الملك من المالك سقط. النصاب من الحرز سرا، ولا دليل على سقوطه بالرد إلى الحرز. ويشكل من حيث أن القطع موقوف على المرافعة، ولا معنى لها بعد رد المال إليه والى حرزه. ويمكن أن يقال: إن رد المال على وجه صار بيد المالك أو وكيله بحيث سقط ضمانه فلا مرافعة ولا قطع فيرافع ويقطع، فإذا تلف من الحرز بعد الرد يمكن المرافعة والقطع وان كان وقع بيد المالك أو وكيله فلا، ويحتمل ذلك ايضا مع وجوده في حرزه، فتأمل. قال الشارح: التحقيق أن النزاع لفظي فان الرد ان تضمن براءة ذمة السارق من المال قبل المرافعة، فلا مرافعة ولا قطع، ويمنع حصول السبب التام للقطع لانه مشروط بالمرافعة وكيف يتم السبب اعني الذي يحصل عنده المسبب مع فقد شرطه وان لم يتضمن البراءة من ذلك قطع لحصول السبب التام لاضافة الشرط إليه. قوله: " ولو أكذب الشاهد الخ " إذا شهد الشاهد بالسرقة شهادة تامة مفصلة ثم كذب نفسه لم يضر التكذيب، بل يلزم المال، والغرم، والقطع بالشهادة، ولا يلتفت إلى التكذيب والانكار، لانه قد ثبت القطع فلا يسقط بمثل ذلك. ولكن يمكن رجوع السارق إليه في المال في دية اليد أيضا، بل يمكن الاقتصاص منه على تقدير التعمد، فتأمل. اما لو ادعى الشاهد بعد الشهادة ما يخفى عليه عادة مثل ان المالك كان وهب المال المسروق من المسروق منه أو نفى المالك ملكية ذلك المال عن نفسه، فان

[ 283 ]

ولا يقبل اقرار العبد في القطع، ولا الغرم، ولا السيد عليه، ولو اتفقا قطع. مثل هذه الامور الخفية على غير المالك المتصرف، وفي بيته وحرزه، قد يخفى على الشاهد ويبتني (يبني - خ) في الشهادة على الظاهر قبل منه وسقط منه الحد بذلك فتأمل، فلا ينبغي للعدول ان يشهدوا مع هذه الاحتمالات بالسرقة المفصلة الموجبة للقطع والغرم، بل انما يشهد عن يقين. قوله: " ولا يقبل اقرار العبد الخ " الروايات في قبول اقرار العبد في القطع بالسرقة مختلفة وقد مر البعض. والتي تدل على القطع صحيحة الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: العبد إذا اقر على نفسه عند الامام مرة انه قد سرق قطعه، والامة إذا اقرت على نفسها عند الامام قطعها (1). حملها الشيخ على انضمام الشهادة مع الاقرار لدفع الثبوت بالاقرار مرة واحدة لصحيحة الفضيل - كأنه ابن يسار الثقة - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا اقر العبد (المملوك - خ) على نفسه بالسرقة لم يقطع، وإذا شهد عليه شاهدان قطع (2). ويمكن الجمع بالحمل على اذن المولى في الاقرار وانضمام اقرار المولى بذلك، فان اقراره فقط اقرار على مال السيد لا يقبل، واقرار السيد عليه اضرار به في القطع فلا يقبل. نعم يقبل في المال ان كان بحيث يلزم المولى، وإذا اجتمعا فيقبل، وعليه تحمل الاخبار، وهو جمع جيد.

(1) الوسائل باب 3 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 487. (2) الوسائل باب 35 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 532.

[ 284 ]

ويستحب للحاكم التعريض بالانكار مثل ما اظنك سرقت. ويستوي في القطع الذكر والانثى، والحر والعبد، والمسلم والكافر. لكن يشكل الثبوت بمرة واحدة، وقد مر البحث في ذلك، فانه يمكن القبول إذا سمع الامام بنفسه، فتذكر. ثم انه قد تقرر ان المملوك إذا سرق من مولاه فهو غير موجب للقطع، ولا الغرم وقد مر ما يدل على ذلك وتدل عليه ايضا مرسلة يونس عن بعض اصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المملوك إذا سرق من مواليه لم يقطع، وإذا سرق من غير مواليه قطع (1). وصحيحة محمد بن قيس - الثقة - عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إذا اخذ رقيق الامام لم يقطع وإذا سرق واحد من رقيقي من مال الامام (الامارة - يب) قطعت يده، قال: وسمعته يقول: إذا سرق عبد (أو حر وأجير) (أو أجير - ئل) من مال صاحبه فليس عليه قطع (2). كأنه محمول في الاخيرين على عدم الحرز، فتأمل. قوله: " ويستحب للحاكم الخ " دليل استحباب تعريض الحاكم واشارته وإيمائه إليه واعطائه ما يفهم انه منكر ولا يقر - مثل قوله: (ما اظنك سارقا) - ما تقدم في الاقرار بالزنا الموجب للحد والرجم، وما تقدم في بعض الاخبار من قوله: (هل به جنون) (3) ونحو ذلك فتذكر. قوله: " ويستوي في القطع الخ " دليل استواء الذكر والانثى، والمسلم والكافر، والمملوك والحر في القطع وموجبه وشرائطه هو عموم الادلة المشتركة بين

(1) الوسائل باب 29 حديث 3 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 527. (2) الوسائل باب 29 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 527. (3) الوسائل باب 16 حديث 2 من أبواب حد الزنا ج 18 ص 379 وفيه " أبك جنة "

[ 285 ]

ولو قصد بسرقة آنية الذهب الكسر فلا قطع. ولو سرق ما وضع في القبر أو ما ليس للميت (الميت - خ ل) به غير الكفن فلا قطع. الكل، والاجماع. الا انه قد مر ان المملوك لا يقطع بالاقرار، بل إذا انضم إليه اقرار مولاه وتسليمه، وهو لا يحتاج إلى الاستثناء. قوله: " ولو قصد بسرقة الخ " إذا قصد سارق بسرقته آنية الذهب والفضة المحرمة كسرها لا ليأخذها وينتفع بها، فلا قطع عليه، لانه ما سرق حقيقة شيئا، بل انما اراد دفع منكر ومحرم، وان كان غلط ففيها شبهة مسقطة للحد، وهو ظاهر. ومنه علم شرط آخر للسرقة، ويمكن ادخاله في السرقة، فان ذلك لا يسمى سرقة وهو ظاهر. قوله: " ولو سرق ما وضع الخ " دليل عدم القطع بسرقة غير الكفن من القبر مما يوضع فيه مع الميت، انه ليس بحرز لذلك فالسرقة من غير حرز، فلا يوجب القطع، واما الكفن فقد مر بحثه، فتذكر.

[ 286 ]

المقصد السابع في المحارب وفيه بحثان: الاول في ماهيته. وهو كل من جرد السلاح لاخافة الناس في بر أو بحر، ليلا أو نهار، في مصر وغيره، ذكرا وانثى، ولو اخذ في بلد مالا بالمقاهرة فهو محارب. قوله: " وهو كل من جرد السلاح الخ " ويتحقق المحارب بتجريد السلاح أي آلة الحرب والقتل وما يقاتل به ويضرب به مطلقا وان كان عصا أو حجرا يقصد اخافة الناس كما يفهم من شرح الشرائع. والظاهر انه لابد من صدق المحارب عرفا فلابد من اظهار السلاح العرفي واخافة الناس بالفعل لاخذ ماله بحيث لو منعوه لقتلهم، لا مجرد أخذ ما يمكن ان يضرب به احد بقصد ذلك وان لم يظهر السلاح العرفي أو ظهر ولكن ما اخاف أو

[ 287 ]

اخاف ولكن لا لقصد اخذ المال، بل لمجرد المزاح والامتحان ونحو ذلك كما يفهم من شرح الشرائع. وبعد تحقق ذلك لا فرق بين الواحد والمتعدد، والذكر والانثى، والحر والعبد، والضعيف والقوي، وبين ان يكون في البر أو البحر، ليلا أو نهارا. فلا اعتبار بخلاف من خصص الحكم بالمذكر لوجود لفظ المذكر في الآية، فان احكام النساء داخلة في احكام الرجال غالبا بطريق التغليب المتعارف. ولا بخلاف من خصصه بالبر. ولا اشتراط كونه من أهل الريبة والفتنة وان كان في رواية ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: من حمل السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلا ليس من اهل الفتنة (الريبة - ئل) (1). يشعر (2) بكونه في الليل ومن اهل الفتنة. وفي الطريق سهل بن زياد (3). على انه يمكن حملها على من ليس قصده، الضرب والفتنة، واخذ المال لكونه صالحا بل أمر آخر. ولا كونه قويا لا ضعيفا. وتردد في الشرائع في ثبوت الحكم في المجرد الضعيف عن الاخافة ورجح الثبوت بمجرد قصده للاخافة، وقواه شارحه أيضا، مع انه سلم ان المكتفي بمجرد قصده للاخافة محارب مجازا.

(1) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 537 بالسند الثاني. (2) الاصوب (ما يشعر) ليصير اسما لكان في قوله قدس سره: (وان كان في رواية الخ). (3) طريقها كما في الكافي هكذا: عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب عن ضريس.

[ 288 ]

وتثبت المحاربة بشاهدين عدلين، وبالاقرار مرة من أهله. ولو شهد بعض اللصوص على بعض أو بعض المأخوذين لبعض لم تقبل. وفيه تأمل فانه لا يقال: انه محارب عرفا كما سلم، والمتبادر منه حقيقته فلا يدخل المحارب مجازا، تحته، وهو ظاهر. والظاهر انه مقيد بالمكلف كسائر الاحكام خصوصا حد السرقة والزنا والشرب، فلا يدخل الصبي والمجنون تحته، فلا يثبت الحكم فيهما. مع احتمال ذلك في الصبي المميز إذا وجدت شروط المحارب المتقدمة كما في القصاص، لعموم الادلة ظاهرا ولما تقدم في الاخبار الدالة على اعتبار حد السارق فيه وان كان في بعضها خلاف ذلك مثل قطع الانملة وحكها، فتذكر. ولا يشترط الاخذ في البر بل الاخذ في البلد والمصر أيضا باظهار السلاح للاخافة، داخل في عموم الادلة، وداخل في خصوص صحيحة محمد بن مسلم الآتية فانها صريحة في ذلك، فافهم. قوله: " وتثبت المحاربة الخ " ثبوت المحاربة بالشاهدين، لانه حجة شرعية. وكذا بالاقرار مرة واحدة إذا كان ممن يقبل اقراره، لان اقرار العقلاء على انفسهم جائز، ولا شك في صدقه بالمرة الواحدة، وانما يحتاج إلى الاكثر في بعض المواضع الذي تقدم لدليل خاص تقدم، فتذكر. قوله: " ولو شهد بعض اللصوص الخ " دليل عدم قبول شهادة بعض اللصوص على بعض، ظاهر، وهو الفسق المانع من القبول. ودليل عدم قبول شهادة بعض الرفقاء المأخوذين على البعض على اللصوص، هو العداوة الظاهرة المانعة من قبول الشهادة وقد مر ذلك مفصلا فتذكر.

[ 289 ]

واللص محارب، فإذا دخل دارا متغلبا، فلصاحبه المحاربة، فان قتل فهدر، ويضمن لو جنى. ويجوز الكف عنه الا أن يطلب النفس ولا مهرب فيحرم الاستسلام. ولو عجز عن المقاومة وامكن الهرب وجب. قوله: " واللص محارب الخ " واللص إذا جرد السلاح لاخافة الناس ليأخذ المال، محارب، فإذا دخل دار انسان متغلبا مجردا سلاحه مخوفا، فهو محارب، فلصاحب الدار محاربته باخراجه ومنعه عن اخذه ماله، فلو قتل بالدفع فدمه هدر، ولو قتل هو صاحبها أو جرح، ضمن. ويجوز لصاحبها الكف عن دفعه وترك محاربته ويخلى أن يأخذ المال الا أن يريد قتل النفس ولم يكن له استخلاص بالهرب وغيره الا بالقتل فلا يجوز الاستسلام بل يجب (يجوز - خ ل) المدافعة والمحاربة حتى يقتل أو يقتل. وان عجز عن المقاومة ولا يمكن الخلاص منه الا بالهرب، يجب والا يجوز المحاربة مع ظن السلامة. يفهم من هذا المتن انه إذا تمكن من تلخيص النفس بوجه آخر غير القتل، يجوز القتل والترك. والظاهر انه مع ظن السلامة. وإذا لم يتمكن الا باحدهما فتعين (1). وانه إذا أراد المال يجوز الترك والاستسلام مطلقا. ولا شك انه مقيد بما إذا لم يكن موقوفا عليه الحياة وحينئذ مثل ارادة القتل واما إذا لم يكن كذلك يجوز ترك ذلك وان ظن السلامة وعدم القتل والجرح فلم

(1) هكذا في النسخ والصواب يتعين كما لا يخفى.

[ 290 ]

والاقرب عدم اشتراط كونه من اهل الريبة. وعدم اشتراط قوته، فلو ضعف عن الاخافة وقصدها فمحارب، على إشكال. يكن حفظ المال واجبا مطلقا، فكأنه مثل ترك الانماء، وترك التحصيل، فتأمل فيه. قوله: " والاقرب الخ " قد مر دليل كون الاقرب عدم اشتراط عدم الريبة، وهو عموم الادلة مثل الآية والاخبار الاتيتين. وقيل: بالاشتراط للشبهة، وللرواية الضعيفة المتقدمة. وقد يقال: لا يكاد يتحقق النزاع، فانه لابد من تجريد السلاح بقصد الاخافة، بل الاخافة بالفعل فهو من اهل الفساد والريبة. وان لم يظهر ولا يقصد فليس بمحارب، سواء كان من أهلها ام لا. ويمكن حمل الرواية على من لا يخيف ولا يقدر، فتأمل. قوله: " وعدم اشتراط الخ " أي الاقرب عدم اشتراط قوته، فلو ضعف عن (على - خ) الاخافة وقصد الاخافة بتجريد السلاح، فهو محارب، ولكن استشكله، وقال: (على اشكال) أي مع كونه أقرب، لا يخلو عن اشكال، فهو اشارة إلى بقاء احتمال ضعيف مع قوة الطرف الآخر. والمصنف يفعل مثل ذلك في كتبه كثيرا، ولو لم يقل: (على اشكال) لكان اظهر. ولعله لاظهار قوة الاحتمال في الجملة وبالنسبة بخلاف الاحتمال المفهوم من لفظ (الاقرب) فتأمل، والامر في ذلك هين. والظاهر في المسألة انه ينبغي ان يكون إذا اظهر السلاح واخاف بحيث يتحقق مفهوم المحارب المذكور في الآية والاخبار فهو محارب ولا يشترط القوة والا

[ 291 ]

والطليع ليس بمحارب، والمستلب والمختلس والمختال بالتزوير والرسائل الكاذبة والمبنج، وساقي المرقد، لا قطع عليهم، بل التعزير واعادة المال وضمان الجناية ان وقعت. فلا (1) فيشترط، فتأمل. قوله: " والطليع الخ " الطليع هو الذي يطلع على الطريق وينظر فيه ان جاء أحد يخبر اللص والمحارب، فيهرب ولا يأخذ. والمستلب قيل: هو الذي يسلب المال من القدام. والمختلس هو الذي يسلبه من الخلف. والمحتال هو الذي يستعمل الحيلة والتزوير حتى يأخذ المال أو يصنع الرسائل والكتب الكاذبة بأن فلانا طلب منك كذا وكذا دينا، فيأخذ من غير ان يكون لفلان خبر بذلك. والمبنج هو الذي يطعم البنج صاحب المال حتى يأخذ ماله. وساقي المرقد هو الذي يسقي المرقد لصاحبه حتى يأخذ ماله. دليل عدم كونهم محاربا، بل سارقا أيضا - فلا قطع ايضا عليهم كما لا حد عليهم حد المحارب - ظاهر، وهو عدم صدق المحارب والسارق. نعم يلزمهم التعزير على ما يراه الحاكم قطعا للفساد والفتنة ولزومه في كل محرم كما مر. ولو رأى القطع تعزيرا لا حدا لدفع الفتنة فلا يبعد لما دل عليه الخبر المتقدم، فتذكر من انه جاء شخص إلى آخر وقال: انا رسول فلان اليك لتعطيه كذا وكذا فأخذ ثم قال للمرسل: ان فلانا جاء معك بكذا وكذا واعطيته بكذا، فقال: ما ارسلته اليك فامر بالقطع بعد الشهود (2).

(1) أي فلا يكون محاربا فيشترط كذا في هامش بعض النسخ. (2) راجع الوسائل باب 15 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 507 والحديث منقول بالمعنى.

[ 292 ]

البحث الثاني: في الحد وفيه قولان: التخيير بين القتل والصلب، وقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى والنفي عن بلده ثم يكتب إلى كل بلد يقصده بالمنع من مؤاكلته ومشاربته ومعاملته ومجالسته إلى أن يتوب ويمنع من بلاد الحرب، ويقاتلون لو ادخلوه. نعم على كل منهم ضمان المال المأخوذ، فيجب اعادته على صاحبه مع البقاء، والا فعوضه مثلا أو قيمة. وكذا يلزم عوض جناية وقعت منهم على صاحب المال وان وقعت عليهم فهي هدر وكل ذلك ظاهر، الحمد لله. قوله: " وفيه قولان الخ " أي في تعيين حد المحارب قولان للاصحاب: (احدهما)، التخيير بين القتل وبين الصلب، وبين قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وبين النفي عن بلده الذي حارب فيه ثم يكتب إلى كل بلد يقصده أن يمنعه أهله من مؤاكلته، ومشاربته، ومعاملته، ومصاحبته إلى ان يتوب وفي الرواية إلى سنة (1) حملت على التوبة، والا فالى ان يتوب لظاهر الآية لعموم النفي قيد بعدم التوبة لبعض الاخبار، كأنه الاجماع ايضا. ولو قصد دخول دار الحرب، منع من ذلك، فان دخل اخرج منه، وان منع اهل الحرب عن ذلك وعاونوه يقتلون على ذلك حتى تخرج من بيتهم (بينهم - خ ل). دليله ظاهر الآية فان (أو) في الآية صريحة في التخيير، لانه معناها وقد ورد في بعض الاخبار الصحيح ان كل (أو) في القرآن للتخيير كأنه في بحث كفارة شهر رمضان (2).

(1) تأتي عن قريب ان شاء الله. (2) وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بقية كفارات الاحرام ج 9 ص 295.

[ 293 ]

وهي قوله تعالى: انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض (1) وتدل عليه الاخبار أيضا، مثل رواية أبي صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام: انها نزلت في بني ضبة، فاختار رسول الله صلى الله عليه وآله، القطع فقطع ايديهم وارجلهم من خلاف (2). وحسنة جميل بن دراج، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: انما جزاء الذين الآية، فقلت: أي شئ عليهم من هذه الحدود التي سمى الله عزوجل؟ قال: ذلك إلى الامام، ان شاء قطع، وان شاء صلب، وان شاء نفى، وان شاء قتل، قلت: النفي إلى أين؟ قال: (ينفى - خ) من مصر إلى مصر آخر، وقال: ان عليا عليه السلام نفى رجلين من الكوفة إلى البصرة (3). وفي حسنة حنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية، قال: لا يبايع ولا يؤوى (ولا يطعم - خ) ولا يتصدق عليه (4). وصحيحة بريد بن معاوية قال: سألت إبا عبد الله عليه السلام، عن قول الله عز وجل: انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: ذلك إلى الامام يفعل ما يشاء، قلت: فمفوض ذلك إليه؟ قال: لا، ولكن نحو الجناية (5). أول الخبر دليل التخيير مطلقا، ولكن قوله: (قال) لا يدل على الترتيب في

(1) المائدة: 33. (2) الوسائل باب 1 حديث 7 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 535. (3) الوسائل باب 1 حديث 3 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 533. (4) الوسائل باب 4 حديث 1 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 539. (5) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 533.

[ 294 ]

الجملة، فيحتمل ان يكون المراد التخيير، ولكن على وجه المصلحة لا مطلقا، فتأمل. واما دليل الترتيب فهو بعض الروايات الضعيفة والمختلفة في ذلك مع عدم موافقة للقول به. وهي رواية عبيد الله (عبد الله - خ) بن اسحاق المدائني، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سئل عن قول الله عزوجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا الآية فما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الاربع؟ فقال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا فقتل، قتل به وان قتل واخذ المال قتل وصلب، وان اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وان شهر السيف وحارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي من الارض، فقلت (قلت - ئل) ينفى؟ وما حد نفيه؟ قال: ينفى من المصر الذي فعل فيه ما فعل إلى مصر غيره ويكتب إلى اهل ذلك المصر انه (بانه - خ) منفي فلا تجالسوه، ولا تبايعوه، ولا تناكحوه، ولا تواكلوه، ولا تشاربوه فيفعل ذلك به سنة، فان خرج من ذلك المصر إلى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة، قلت: فان توجه إلى ارض الشرك ليدخلها؟ قال: ان توجه إلى ارض الشرك ليدخلها قوتل أهلها (1). وروايته، عن أبي الحسن عليه السلام مثله الا انه في آخره: يفعل به ذلك سنة، فانه سيتوب قبل ذلك وهو صاغر، قال: قلت: فان أم ارض الشرك يدخلها؟ قال: يقتل (2) وهو نقل مثل هذه ايضا عن أبي عبد الله أيضا (3).

(1) الوسائل أورد صدرها في باب 1 حديث 4 وذيلها في باب 4 حديث 2 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 534 وص 539. (2) الوسائل باب 1 حديث 4 بالسند الثاني وقد جعله في الوسائل نحوه من غير نقل اختلاف العبارات. (3) الوسائل باب 1 حديث 2 بالسند الثالث.

[ 295 ]

والترتيب، فيقتل ان قتل، ولو عفا الولي قتل حدا، ويقتل ان والسند ضعيف بجهل عبيد الله وغيره. وضعيفة عبيد بن بشر الخثعمي، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قاطع الطريق وقلت: الناس يقولون: ان الامام فيه مخير اي شئ شاء صنع قال: ليس أي شئ شاء صنع، ولكنه يصنع بهم على قدر جنايتهم، من قطع الطريق فقتل واخذ المال، قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم يأخذ المال قتل، ومن قطع الطريق فاخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق فلم يأخذ مالا ولم يقتل، نفي من الارض (1). وضعيفة داود الطائي، عن رجل من اصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المحارب وقلت له: ان أصحابنا يقولون: إن الامام مخير فيه ان شاء قطع وان شاء صلب، وان شاء قتل؟ فقال: لا ان هذه اشياء محدودة في كتاب الله عزوجل، فإذا ما هو قتل واخذ، قتل وصلب، وإذا قتل ولم يأخذ، قتل وإذا اخذ ولم يقتل قطع، ان هو فر ولم يقدر عليه ثم أخذ قطع الا ان يتوب، فان تاب لم يقطع (2). وكلها مشتركة في الضعف من وجوه مع الاختلاف الذي تراه ولم يوافق القائل بالترتيب كما ترى. ورواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه ونفي من تلك المدينة، ومن شهر السلاح في غير الامصار وضرب وعقر واخذ المال ولم يقتل، فهو محارب، فجزاؤه جزاء المحارب وأمره إلى الامام ان شاء قتله وصلبه، وان شاء قطع يده ورجله، قال: وان ضرب وقتل واخذ المال فعلى الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه إلى أولياء المقتول

(1) الوسائل باب 1 حديث 5 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 534. (2) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 535.

[ 296 ]

فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه، قال: فقال له أبو عبيدة: (اصلحك الله - خ): ان عفى عنه اولياء المقتول؟ قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: ان عفوا عنه فان (كان - خ) على الامام أن يقتله، لانه قد حارب (الله - خ) وقتل وسرق قال: فقال له أبو عبيدة: ان اراد اولياء المقتول أن ياخذوا منه الدية ويدعونه ألهم ذلك؟ قال: فقال: لا، عليه القتل (1). وهي صحيحة، ولكن القائل بها غير ظاهر حيث فرق بين تشهير السلاح في مصر من الامصار مفتر، واختصاص ذلك بالاقتصاص والنفي من تلك البلاد، وبين تشهيره في غير الامصار وضرب وعقر واخذ المال، فهو محارب فجعل مع ذلك المحارب منحصرا فيما ذكره وجعل الامام مخيرا بين المذكورات في الآية غير القتل والصلب، فانه جمع بينهما، فهو موافق لحملها على التخيير في الجملة. ولكن وقع المخالفة فيما ذكرناه، فلو اريد الجمع بين الاخبار المعتبرة، فهو ممكن بتخصيص ما تقدم بهذه، فتأمل. وبعد ما سمعت الآية وهذه الاخبار وتأملتها، عرفت أنه لا يمكن الجمع بينها. ونقل في الاستبصار رواية عبيد الله، ثم حمل رواية جميل أولا على التقية وايده برواية داود وثانيا على ان الامام مخير إذا حارب وشهر السلاح وضرب وعقر واخذ المال، فان لم يقتل فانه يكون أمره إلى الامام. والحمل الثاني غير ظاهر، وكذا تأييده، والاول ممكن. وينبغي حمل الروايات الباقية الدالة على التخيير أيضا، فتأمل. وقد عرفت ايضا ان لا دليل للقول بالترتيب فان الآية ظاهرة كالاخبار

(1) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 532.

[ 297 ]

اخذ المال بعد استعادته وقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم يصلب بعد قتله، وان اخذ المال خاصة قطع مخالفا ونفي، وان جرح خاصة اقتص منه ونفي، وان اشهر السلاح خاصة نفي. المعتبرة في التخيير، واخبار الترتيب ضعيفة ويخالف بعضها بعضا ولم يوافق شئ منها - فضلا عن الكل - القول بالترتيب المنقول في الكتاب وغيره، فانه على ما ذكر ان قتل فقط قتل قصاصا. وان عفى الولي قتل حدا. وان اخذ مع ذلك المال اخذ المال وقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ثم قتل ثم صلب مقتولا. وان اخذ المال فقط قطع مخالفا ونفي من بلد إلى آخر. وان جرح فقط اقتص منه ولكن مع الامكان والا اخذ ارشه وديته ثم نفي. وان شهر فقط، نفي فقط. ومعلوم عدم مطابقته لخبر من الاخبار المتقدمة مع عدم حصره للاحتمال الممكن وهو ظاهر. فالظاهر هو التخيير ولكن بعد تحقيق معنى المحارب. واظن انه ليس بالعموم الذي نقلناه سابقا والمتبادر مطلقا قاطع الطريق الذي يفسد كما فهم من صحيحة محمد المتقدمة. وانه إنما يكون ذلك بعد صدور ذلك منهم، لا كل من جرد واخذ السلاح وقصد اخافة الناس. وان لم يفعل شيئا ولم يخوف اصلا أو كان في بلد بين الناس ولكن إذا وقع منه القطع والقتل والاخذ والفساد في البلاد، يكون قاطع الطريق. واعلم ان تحقيق هذه المسألة مشكل للخلاف فيها، واختلاف الروايات

[ 298 ]

ولو تاب قبل القدرة عليه سقط الحد دون المال والقصاص، ولو تاب بعدها لم يسقط، ولا يعتبر في قطعه اخذ النصاب، ولا الحرز. والآية بحيث لا يمكن الجمع مع اعتبار سند في البعض. ولكن لما كان الامر إلى الامام - كما يظهر في الرواية - فلا يضر اشكاله علينا، غاية الامر انه يلزم جهلنا بها والمجهولات كثيرة، فتأمل. قوله: " ولو تاب قبل القدرة الخ " لو تاب المحارب بعد ان يقدر عليه واخذ لم يسقط الحكم المذكور عنه بالتوبة، بخلاف ما لو تاب ثم قدر عليه، فانه يسقط الحكم بالتوبة لقوله تعالى بعد هذه الآية: إلا الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم (1) فانها ظاهرة في سقوط هذه الاحكام بالتوبة قبل القدرة، وعدمه بعدها. ولكن الظاهر ان الساقط، الاحكام التي تكون حدودا، وحق الله، دون حقوق الناس مثل القصاص والمال. ولانها مسقطة لاعظم العقوبتين - وهي عقوبة الآخرة - فالدنيا بالطريق الاولى، فتأمل. ولما مر من سقوط الحد بالتوبة، فتذكر. ولما في رواية داود المتقدمة: (الا ان يتوب فان تاب لم يقطع) (2). وللدرء بالشبهة، والاحتياط، وبناء الحدود على التخفيف والتحقيق ولعل يكون مجمعا عليه أيضا ولا يسقط القصاص والمال على كل حال وهو ظاهر. واعلم ان القطع الذي فيه ليس مشروطا باخذ المال من الحرز، وكونه نصابا على تقدير كونه شرطا لقطع السرقة كما يظهر من القول بالترتيب فانه ليس بقطع السارق وهو ظاهر، ولهذا يقطع اليد والرجل معا.

(1) المائدة: 34. (2) الوسائل باب 1 ذيل حديث 6 من ابواب حد السرقة ج 18 ص 535.

[ 299 ]

ولو فقد احد العضوين اقتصر على الآخر. ولو قتل للمال اقتص ان كان المقتول كفوا، ولو عفا الولي قتل حدا وان لم يكن كفوا. ولو قتل لا له، فهو عامد امره إلى الولي. وعلى القول بالتخيير، فعدم الاشتراط أظهر، فانه غير موقوف على اخذ المال فكيف النصاب والحرز. قوله: " ولو فقد احد العضوين الخ " على تقدير وجوب قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ان لم يكن احدهما قطع، الموجود ولا يسقط لعدم الآخر، وهو ظاهر. ولا يقطع بدل المعدوم موجودا من اليسرى أو الرجل اليمنى، لان الذي يجب قطعه غيرهما وليستا بموجودتين، فلا قطع فهو بمنزلة من لا يد له اصلا والاصل عدم وجوب البدل. ويحتمله لصدق اليد والرجل وعدم تعيينه في الآية. هذا متوجه لو لم يتعين كون المراد بالآية اياهما بالاجماع والخبر، وقد مر الخبر الا ان يخص بالموجود، وذلك غير بعيد، وقد مر مثله في السارق، فتذكر. قوله: " ولو قتل للمال اقتص الخ " لو قتل المحارب شخصا لاخذ ماله، يقتل قصاصا ان كان المقتول كفوا له مثل ان يكونا مسلمين حرين أو المحارب كافرا أو مملوكا وصاحب المال المقتول حرا مسلما وبالجملة يكون ممن يجوز قتله به. وان لم يكن كفوا يجوز قتله قصاصا، قتل حدا واخذ معه الدية وان عفى عنه قتل حدا أيضا وان لم يكن كفوا أيضا. وان قتله لا لاخذ المال، بل تعمد قتله لا بسبب أو بسبب غير المال فهو قاتل عمدا وأمره إلى ولي الدم ليس للحاكم من حيث الحد دخل أصلا، فلو عفا أو

[ 300 ]

ولو جرح للمال اقتص الولي، فإن عفا سقط. خاتمة للانسان ان يدفع عن نفسه وماله وحريمه بقدر المكنة. ولا يجوز التخطي إلى الاشق مع إفادة الاسهل، فيقتصر على الصياح إن أفاد، والا فالضرب باليد أو العصا أو السلاح مع الحاجة. اخذ الدية سقط القتل ولا يجوز قتله حدا. وكذا لو جرح لاخذ ماله اقتص ان كان قابلا للاقتصاص، والا اخذ الدية، فان عفا سقط بالكلية، وليس للامام الاقتصاص حدا، وهو ظاهر. قوله: " للانسان ان يدفع الخ " دليل جواز دفع الانسان عن نفسه وماله وحريمه وعرضه بقدر المكنة، ظاهر من عموم النقل وخصوصه. مثل رواية غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: إذا دخل عليك اللص يريد اهلك ومالك، فان استطعت ان تبدره وتضربه فابدره واضربه، وقال: اللص محارب لله ورسوله فاقتله فما ذهب (مسك - يب) منه، فهو علي (1). وانه دفع ضرر ممكن، وهو جائز، بل واجب عقلا ونقلا عن النفس. بل يجوز ذلك عن نفس غيره قريبا أو بعيدا، بل عن ماله وبضعه كذلك. بل قد يجب من باب الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. بل قد يجوز الترك، عن ماله، لجواز التسامح في ماله، بأن يراه محتاجا وغيره ويخلى له ذلك باختياره، بخلاف مال الناس المحفوظ ما لهم من المسلمين والمعاهدين والمأمومين. ولابد ان يقتصر في الدفع - سواء كان واجبا ام لا - على الاسهل والاسهل،

(1) الوسائل باب 17 حديث 2 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 543.

[ 301 ]

والمدفوع هدر، والدافع شهيد. ولا يتعدى ولا يتخطى عن الاسهل إلى الاشق كما في مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لان المقصود، الدفع، فإذا حصل بالاسهل قبح التعدي، وهو ظاهر. فلو حصل المقصود بمجرد الصياح بان يندفع ولا يتعرض بالنفس والبضع والعرض والمال الذي هو المطلوب، يقتصر عليه ولا يتعدى إلى الشتم. ثم في الشتم يكتفى بالمرتبة الادنى ان افادت المقصود، والا يتعدى إلى المفيد مقتصرا عليه. وكذا ان احتاج إلى الضرب باليد. وكذا ان تعدى إلى العصا والحجارة أو السلاح الجارحة، مثل السكين والسيف ويلاحظ في الضرب به ايضا بأن يختار الاضعف على الاشد، والمواضع الغير القاتل، على القتل، والجرح القليل، على الكثير، مع عدم الحاجة. والمدفوع - لو هلك مع عدم التعدي - هدر، وكذا جرحه ولا قصاص له ولا أرش. وكذا لا عوض لماله لو تلف أو جرح. كل ذلك معلوم من العقل والنقل. ولو تلف الدافع فهو كالشهيد في الاجر لا في سقوط أحكام الميت مثل الغسل والكفن كأنه المراد بما روى أبو بصير، قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن الرجل يقاتل عن (دون - خ) ماله فقال (قال - خ ل): ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد، فقلنا (فقلت - خ) له: أفنقاتل افضل أو لا؟ فقال ان لم يقاتل فلا باس اما انا فلو كنت لتركته ولم اقاتل فيه (1).

(1) الوسائل باب 46 حديث 10 من ابواب جهاد العدو ج 11 ص 93 لكن الراوي الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الخ وهو الحق كما في الكافي باب فضل الشهادة والتهذيب باب الشهداء واحكامهم فراجع وتتبع.

[ 302 ]

ولا يبدأ الدافع الا مع القصد. فإن ادبر كف عنه، فان عطله قاصدا لم يذفف (1). ولو قطع يده مقبلا فلا قصاص وان سرت، فلو ضربه اخرى مدبرا ضمن، وان سرتا اقتص بعد رد نصف الدية، وان سرت الاولى ثبت قصاص الثانية خاصة، وان سرت الثانية ثبت قصاص النفس. فيها دلالة على جواز المقاتلة على المال وعدم وجوب حفظه بها، بل الافضل حينئذ، الترك حتى يؤخذ المال. ولعدم صحة الرواية ووجود المبالغة في امثال ذلك في الاخبار. وايضا، الدافع إذا تلف مضمون على قاتله، وكذا لو حصل فيه نقص ومضمون على المتلف المدفوع، وكذا ماله وجرحه. قوله: " ولا يبدأ الدافع الخ " أي لا يبدأ الدافع الذي هو يدفع اللص والمحارب عن النفس أو الحريم أو المال الا بعد ان علم انه قصد النفس أو المال أو الحريم. فإذا ادبر المحارب واللص بمجرد عرفانه أن الانسان غير نائم أو بمجرد الصياح أو رمي شئ، كف عنه أي لا يجوز قتله وضربه وان جاز الصياح عليه ورميه بما يعرف عدم اصابته وعدم تضرره بذلك، فان عرف انه ان صاح، يأخذوه ويقتلوه ويفعلون به ما ليس بحق، لا يجوز له ذلك الصياح، فان عطله مثل ان جرحه جرحا صار معطلا لا يقدر على شئ أو قطع رجليه، أو واحدة بعد ان كان هو قاصده ولا يمكن دفعه الا بذلك، لا شئ عليه في ذلك وكان له ذلك، وهو ظاهر. قوله: " ولو قطع، يده مقبلا الخ " أي لو قصد المحارب واقبل على (إلى - خ) من يريد نفسه أو ماله أو عرضه، يضربه حتى قطع يده مع عدم اندفاعه الا

(1) التذفيف على الجريح الاجهاز عليه وتحريم قتله يقال: ذففت على الجريح تذفيفا إذا اسرعت قتله (مجمع البحرين).

[ 303 ]

فان قطع يده مقبلا ثم رجله مدبرا ثم يده مقبلا وسرى الجميع أو يديه مقبلا ورجله مدبرا، فالنصف فيهما على رأي. به، فلا قصاص ولا دية له عليه، وان سرت إلى نفسه، فماتت، وهو معلوم مما تقدم. فلو ضربه ضربة اخرى وهو مدبر ومنهزم أو كان تاركا لارادته اياه لعجزه أو لخوفه أو غير ذلك، كانت ذلك حراما ومضمونة، فله عليه القصاص مع الامكان، والا الدية، فان سرت الضربتان معا حتى ماتت اقتص له من الضارب الدافع بعد رد نصف ديته، لانه قتل بامرين (احدهما) جائز غير مضمون، (والآخر) حرام ومضمون فيكون النصفين، فلا يمكن التنصيف الا برد الدية، وامثاله كثيرة. مثل ان قتل رجل امرأة، فانه يقتل بها بعد رد نصف الدية، ومثل ان اقتص من الظالم بقطع يده ثم قطع يده الاخرى فسرتا. فان سرت الاولى فقط وماتت بها ثبت له قصاص الثانية خاصة ان كان مما يقتص، والا فديته خاصة. وان سرت الثانية فقط ثبت له قصاص النفس من غير رد شئ أصلا، لان الملهك هو الضربة المضمونة المحرمة، وهو ظاهر. قوله: " ولو قطع يده مقبلا ثم الخ " أي لو قطع الدافع يد السارق مقبلا على الوجه الجائز الغير المضمون ثم قطع رجله مدبرا على الوجه الغير الجائز المضمون ثم قطع يده الاخرى ايضا مثل الاولى مقبلا وسرى الجميع حتى مات أو قطع يديه مقبلا دفعة، أو بالترتيب ثم رجله مدبرا وسرى الجميع ايضا حتى مات، فعليه في المسألتين نصف النفس فيقتل به قصاصا بعد رد نصف ديته، أو يؤخذ نصف الدية منه ان توافقا على الدية على رأي المصنف، لانه اتلفه بجائز غير مضمون وبغير جائز مضمون فانتصفت الجناية. ويحتمل ان يكون عليه ثلث النفس فيرد إليه ولي الدم ثلثي الدية فيقتله أو يرد إليه ثلث الدية مع التراضي، لانه قتل بثلاث جراحات، ثنتان غير مضمونتين،

[ 304 ]

والواحدة مضمونة، فتكون موزعة على الجراحات بتلك النسبة. قال في الشرح: ولا شك في المسألة الثانية - اعني التي قطع فيها يديه مقبلا ورجله مدبرا، لتتالي الجرحين المباحين من غير تخلل محرم فصار كالواحد فقتل بسبب مباح وسبب محرم، والشيخ وافق غيره في ذلك ولم يعتبر التعدد. واما الاولى - اعني التي حصل فيها جرحان مباحان بينهما جرح محرم فقال الشيخ (فافتى في المبسوط - الشرح): على الجارح ثلث الدية ان اصطلحا لعدم التتالي باعتبار تخلل الجرح المحرم بينهما فله يتجانس الجراح، فلم يبن احدهما على الآخر. وقال المحقق والمصنف في غير هذا الكتاب صريحا وفيه ظاهرا (1): ان عليه النصف لان جناية الطرف أسقط اعتبارها مع السراية إلى النفس كما لو تخلل بين جرحين عاديين جرح عاد آخر، فانه مع السراية يتساويان دية وقصاصا والشيخ موافق على هذا. ويمكن الفرق بان المجانسة هنا حاصلة إذ الجراحات الثلاثة مضمونة، بالخلاف المتنازع، فان ثانيها خاصة مضمون فلا يمكن البناء. ويمكن الجواب (2) بان جرح الثاني بالنسبة إلى الاول غير مضمون وقد تخلل بين الجرحين المضمونين، جرح غير مضمون ولم يمنع البناء فكذا عكسه (3). ولا يخفى ما فيه، فان الجواب عن الفرق غير ظاهر، لان الجرح المتوسط غير مضمون اصلا فيما نحن فيه وفي صورة النقص مضمون لكن لا بالنسبة إلى الجارح الاول وكونه غير مضمون بالنسبة إليه، غير نافع.

(1) بل فيه صريحا ايضا (منه) كذا في هامش بعض النسخ. (2) الظاهر ارادة الجواب عن قوله: ويمكن الفرق. (3) إلى هنا ما نقله بقوله قدس سره: قال في الشرح ولا شك الخ.

[ 305 ]

ولو وجد مع زوجته أو غلامه أو جاريته من يناله دون الجماع فهو هدر ان لم يندفع بالدفاع. ولو زجر المطلع، فان اصر فرماه بحصاة أو عود، فهدر. وان المجانسة بذلك لا يستلزم البناء وعدمها عدمه فانه إذا كان الطرف داخلا لم يحصل فرق بذلك اصلا، ففي الكل ينبغي النصف. الا ان يقال: بعدم جواز دخول الطرف في النفس فالثلث متجه فيحتمل الثلث في الكل، فتأمل. قوله: " ولو وجد مع زوجته الخ " أي ان وجد شخص ان رجلا بامرأته أو جاريته أو غلامه (ينال) دون الجماع مثل التفخيذ والتقبيل فله قتله، ودمه هدر ولا قصاص ولا دية له ان لم يندفع بغير القتل، وان دفع بغيره فتلف فدمه ايضا هدر، لانه من الدفاع الجائز بل الواجب. وفي حكمهم الولد، بل جميع الاقارب، بل يمكن جميع الخلق من باب النهي عن المنكر. واحترز بقوله: (دون الجماع) عنه في الزوجة فانه يجوز قتله كما مر. ويحتمل الحاق الجارية، والغلام، والولد، بها. ومعلوم ان السقوط بينه وبين الله لا يحتاج إلى الاثبات عند الحاكم بالبينة وغيرها، فلو لم تكن له بينة ولم يثبت بالاقرار، يقتص منه أو يؤخذ الدية وان كان مظلوما في نفس الامر. والظاهر جواز ذلك وان علم عدم امكان اثباته، ولكن ان علم انه يقتل قصاصا ففي القتل الموجب لذلك ظاهرا اشكال، فتأمل. واما ان اندفع بالدفع فتعدى فقتله فظاهر العبارة انه مضمون، فلو كان عمدا يكون موجبا للقصاص والا فالدية فتأمل. قوله: " ولو زجر المطلع الخ " أي لصاحب الدار والاهل زجر من يطلع

[ 306 ]

وينظر إلى اهله، فان أصر ولم ينزجر ولم يترك بالكلام والمنع والزجر بدون الرمي، فله رميه بالحصى والعود ونحوهما، فان رماه فقتل به أو عمي بصره، فهو هدر لا دية ولا قصاص له. وجهه ظاهر وبه رواية مثل حسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ايما رجل اطلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم (فرموه - خ) وفقؤا عينه وجرحوه فلا دية (له عليهم - خ)، وقال: من بدأ (اعتدى - ئل) فاعتدي عليه فلا قود له (1). ومثلها في رواية العلاء بن الفضيل عنه عليه السلام وزاد في آخرها (2) بعد قوله: فرموه: فأصابوه فقتلوه أو فقؤوا عينيه فليس عليهم غرم: وقال: ان رجلا اطلع من خلل حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بمشقص (3) ليفقأ عينه فوجده قد انطلق فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أي خبيث اما والله لو ثبت لي لفقأت عينك (4). ولا فرق في ذلك بينه صلى الله عليه وآله وبيننا. وصرح به في رواية عبيد بن زرارة قال (5): سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اطلع رجل على النبي صلى الله عليه وآله من الجريد فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لو اعلم انك تثبت لي لقمت اليك بالمشقص حتى افقأ به عينيك، قال: فقلت له: وذلك (اذلك - ئل) لنا؟ فقال: ويحك أو ويلك اقول لك ان رسول الله

(1) الوسائل باب 25 حديث 7 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 50. (2) الصحيح في اولها. (3) هو كمنبر نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض وإذا كان طويلا فهو المعبلة (مجمع البحرين). (4) الوسائل باب 25 حديث 6 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 49، صدرها هكذا: العلاء بن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا اطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر من خلل شئ لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقأوا عينيه فليس عليهم غرم وقال: ان رجلا الخ. (5) في الوسائل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اطلع الخ.

[ 307 ]

ولو بادر من غير زجر أو رمى ذا الرحم بعد الزجر الا أن تكون المرأة مجردة. ولو تلفت (ماتت - خ) الدابة الصائلة بالدفع فلا ضمان. ولو انتزع يده فسقطت اسنان العاض فلا ضمان. صلى الله عليه وآله فعل وتقول: أذلك لنا؟ (1). وهذه صريحة في كون فعله صلى الله عليه وآله حجة للجواز لنا. وهما يدلان على جواز القتل والجرح والفقأ قبل الزجر بغير ذلك، ومع امكان الدفع بغيره فخصصت بالاجتهاد بذلك. فيحتمل بذلك مطلقا جزاء للعادي الا ان يكون جاهلا محضا، فتأمل. ولو بادر فرماه قبل الزجر بالكلام فقتله أو فقأ عينه، ضمن ذلك فعليه مقتضى ما فعله من قصاص وجناية نفسا وطرفا وجرحا، وهو ظاهر. ولا فرق بين الرحم وغيره فيما (إذا - ئل) لم يكن جائزا لنظره. وكذا يضمن إذا كان المطلع ذا رحم، يجوز نظره إلى من في الدار ولم يكن غيره فيها فرماه فجنا عليه نفسا وغيرها. وان كان بعد المنع والزجر بالكلام ولم يمتنع، وكان نظره جائزا له منعه الا أن تكون المرأة المنظورة إليها في الدار مجردة (وقد - خ) كان نظر المطلع إلى عورتها فمنعه ولم ينزجر فرماه وجنى، فانه حينئذ غير ضامن، وكل ذلك ظاهر. قوله: " ولو تلفت الدابة الصائلة الخ " لو صالت الدابة على شخص فله دفعها، فلو تلفت بالدفع لم يضمنها، ولو انتزع المعضوض يده من فم (يد - خ) العاض دابة كان أو انسانا فسقطت أسنان العاض، فلا ضمان، فلا يضمن المعضوض اسنان العاض لانه لخلاص عضوه من المتعدي، فليس بأقل من الاتلاف بالدفع.

(1) الوسائل باب 25 حديث 4 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 48.

[ 308 ]

وان افتقر إلى الجرح بالسكين أو اللكم جاز ويعتمد الاسهل وجوبا مع الامتناع به فيضمن لو تخطاه. ويضمن الزحفان العاديان، فان كف احدهما وصال الآخر ضمن ولو دفعه الممسك فلا ضمان ان ادى الدفع إلى جناية. وان افتقر دفع الصائل وانتزاع اليد من فمه إلى الجرح بالسكين، والسيف أو إلى اللكم أي ضربه بكل الكف، جاز بل قد يجب، فلو حصل حينئذ بذلك جناية لا يضمن ارشها، وهو ظاهر. ويجب ان يعتمد في ذلك، فيفعل الاسهل فالاسهل، فلا يتعدى من الدفع بالصياح ان امكن وجوبا، إلى الضرب، ومنه، إلى الجرح. وكذلك (وكذا - خ) في مراتب الضرب والجرح، فان تعدى فتخطى من الاسهل مع امكان الدفع به، إلى الاشق، ضمن ما فعله من الجناية. والوجه ظاهر، فان التسويغ انما هو للدفع، فيناط بما يمكن مما لا ضرر فيه على احد. فان لم يكن بدون ضرر فيجوز ادخاله على العادي، فالاقل ضررا كعادمه بالنسبة إلى الاكثر كما في الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما مضى مفصلا. قوله: " ويضمن الزحفان الخ " أي إذا تقاتلت الطائفتان العاديتان ظالم كل واحدة الاخرى فيقتل بعضهم بعضا للنفس، عداوة، أو للمال، أو لاخذ البلاد، أو السلطنة فلا يجوز لهم ذلك فيضمن كل واحد ما يفعل من الجناية على الآخر من الاموال والانفس والجراحات فان كف وامتنع احداهما وصالت الاخرى عليها تكون هي المتعدية والاخرى تكون دافعة. فالاولى تكون ضامنة لكل ما يتلف، بخلاف الثانية ان اقتصرت على الدفع ولم تتجاوز عنه.

[ 309 ]

ولو تجارحا وادعى كل الدفع، تحالفا وضمن. ولو دفع الطائفة الطائفة الممسكة الكافة عن نفسها أو مالها، الصائلة فاتلفت أو قطعت طرفها أو جرحت أو اتلفت مالها، لا ضمان عليها، وهو ظاهر مما سبق. وكذا كل صورة تكون احداهما عادية فقط، مثل ان تكون المقاتلة مع الامام فتكون الدافعة (دافعه - خ) غير ضامنة (ضامن - خ) والآخر ظالما وباغيا وضامنا وهو ايضا ظاهر. قوله: " ولو تجارحا وادعى الخ " لو تجارح كل واحد من الشخصين مع الآخر أي هذا على الآخر، وذلك، عليه، وادعى كل واحد التعدي وينكر الآخر ذلك، بل قال: انه فعل دفعا عن نفسه، فكل يدعي على الآخر الجرح المضمون، والآخر ينكر ذلك فيقول: انا كنت دافعا، فكل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فعليه يمين من جهة الانكار، والبينة من جهة الدعوى، فمع البينة مقدم. وان كانت لكل منهما ثبت الجرحان ويتساقطان مع تساوي ديتهما، ومع التفاضل يرجع صاحب الزائد بالزيادة. ومع عدم البينة للمدعي على انه كان دافعا يحلف كل منهما، فيحلف على نفي كونه دافعا فيثبت به الجرحان فيثبت لكل، الدية لا القصاص وان كان الدعوى عمدا، للاحتياط واحتمال صدق المدعى، والشبهة. وانما قدم قول المنكر مع الدية، لان الاصل في المسلم ان يكون دمه محرما ولم يكن هدرا. وفيه تأمل لانه قد ثبت الجرحان، فان كان مقتضاهما، القصاص ينبغي ثبوته مع عدم المانع، وهو ليس بحد حتى يسقط بالشبهة. والاصل، والاحتياط ليس بحجة الا ان الموجب انما هو العمد العدوان، وذلك غير ثابت، والاصل عدمه.

[ 310 ]

ولو اكرهه الامام بالصعود إلى نخلة أو النزول في بئر فالضمان على بيت المال ان كان لمصلحة عامة، ولو لم يكرهه، فلا دية. وايضا يحتمل ان يحلف كل واحد على عدم كونه عاديا وعدم فعل ما يوجب الضمان، لان الاصل عدمه، فلا ضمان على احد. ومع النكول يعلم الحكم مما تقدم، فتذكر فتأمل. قوله: " ولو اكرهه الامام الخ " لو اكره الامام شخصا بالصعود على نخلة أو بالنزول في بئر فتلف أو حصل فيه نقص بجرح وقطع، فضمان ذلك على بيت المال ان كان الانزال والاصعاد لمصلحة عامة للمسلمين كاخراج جيفة عن بئر يشرب المسلمون منها، والصعود لاخذ مال الزكاة أو ليطلع وينظر في الطريق ويخبر المسلمين بهجوم الكفار حيث يكون بينهما جبل حائل ونحو ذلك. وان كان لمصلحة نفسه، فالضمان على الامام. وان كان لمصلحة نفس الصاعد والنازل، فلا ضمان على احد. قال في الشرائع: وفي هذا الفرض منافاة للمذهب فان الامام عليه السلام لم يجبر احدا على ذلك فيقدر فرضه في النائب. ويمكن ان يقال: قد تقتضي مصلحة المسلمين مثلا ذلك ولم يفعله احد برضاه فللامام ان يقهره عليه فانه يجوز له قهر الناس على الجهاد مثلا وعلى الامر بالمعروف و النهي عن المنكر والبعث إلى الآفاق. نعم قد يناقش في لزوم الدية، حينئذ. ويمكن ان يقال: ويجوز ان يكون ذلك جائزا هنا، بل يجب دفع ذلك، يترتب عليه الضمان ويكون من بيت مال المسلمين لكونه لمصالحهم ايضا مع الضمان، إذ لا تنافي بين الجواز والضمان كما في التأديب بل وبين الايجاب والضمان كما في الختان والطبيب، والبيطار فتأمل.

[ 311 ]

ولو ادب زوجته أو ولده، ضمن الجناية. ولا ضمان على المأمور بقطع السلعة. ولو قطعها الاب أو الجد أو الاجنبي عن الصغير والمجنون، ضمنوا. نعم لابد من دليل، ولا يكفي مجرد تلفه. ولو لم يكرهه، بل هو صعد أو نزل باختيار نفسه، فلا دية له ولا ضمان على احد ولو كان بامر الامام من غير اكراه للمصالح مع حصره في ذلك وعدمه، يحتمل الضمان ايضا، ويمكن ارجاعه إلى الاكراه، فتأمل. قوله: " ولو أدب زوجته الخ " أي لو ادب من له التأديب مثل الزوج أدب زوجته والولي أي الاب والجد له بل الوصي منهما ايضا، فأدى إلى تلف النفس أو الجرح الموجب للضمان يضمن المؤدب جنايته، لانه تعد موجب للضمان، يضمن ولا ينافيه جواز أصل التأديب، فان الجواز هو التأديب لا الاتلاف ولو فرض ذلك لم يرخص له ذلك، فتأمل. قوله: " ولا ضمان على المأمور الخ " لو أمر صاحب السلعة البالغ العاقل - وهي كالغدد في الجسد - شخصا بقطعها فقطعها وسرت حتى تلف أو تلف العضو الذي هو فيه - وبالجملة ثبت عليه ضرر - لم يضمنه المأمور، فانه فعل بأمر صاحبها للمكلف البالغ الذي له الامر والاذن بمثل دلك، فانه دفع ضرر عن نفس بالفعل المأذون من المفعول به ولم يتعد إلى غيره بوجه اصلا بالفرض. ولا يعقل التضمين لفعل مأمور به بأمر من له ذلك مع عدم التعدي بوجه، إذ يأباه العقل والنقل ظاهرا، فان وجد خلافه في مادة لنص، لا ينافي ذلك، فتأمل.

[ 312 ]

ولو ادعى القاتل ارادة نفسه أو ماله واقام البينة بدخوله مع سيف مشهرا مقبلا على صاحب المنزل، فلا ضمان. ولكن ينبغي ان يكون لاصلاحه مع عدم كونه مضرا، بل نافعا، بل غالبا وعادة ولكن اتفق الضرر. وان لم يكن بإذنه، فالظاهر، الدية فقط. هذا إذا لم يكن قاتلا غالبا. وإذا كان قاتلا غالبا يحتمل الضمان قويا. واما إذا قطعها الولي مثل الاب والجد والوصي، والاجنبي بالطريق الاولى - وان كان باذن الولي من غير البالغ أو المجنون - ضمنوا دية ما حصل من الاتلاف نفسا أو غيره، لانه غير مأمون من ترتب مثل هذا الضرر عليه وليس له الا فعل ما فيه المصلحة الخالية عن المفسدة المعلومة مثل هذه المفاسد وليس له قابلية الاذن فلو اذن ايضا، فلا اثر له الا انه لما لم يكن عمدا عدوانا، بل لمصلحة لم يلزم الا الدية. والظاهر انه في ماله لا على العاقلة، لما سيجئ من ان مثل ذلك عليه، لا عليها، فتأمل. ويحتمل في الاجنبي ايضا على الولي ان كان بإذنه، فكأن الجواز له والمأذون، مشروطا بالسلامة. وقد يشكل في موضع يظن أو يعلم بحسب العادة عدم الضرر والمصلحة وعدم التقصير بوجه، فيحتمل عدم الضمان حينئذ، وعلى تقدير الضمان، فالدية في جميع الصور، لا القصاص، فان القصاص انما يكون مع قصد القتل، والفرض عدمه، فتأمل. قوله: " ولو ادعى القاتل الخ " أي إذا قتل شخص شخصا فادعى عليه ذلك وقبل ذلك، ولكن ادعى ان المقتول اراد نفسي أو مالي أو عرضي وبضعي أو

[ 313 ]

المقصد الثامن في الارتداد وهو قطع الاسلام من مكلف إما بفعل كالسجود للضم وعبادة الشمس وإلقاء المصحف في القاذورات وشبه ذلك مما يدل على الاستهزاء. شيئا يجوز له قتله لذلك، وأقام القاتل بينة بدخوله عليه وبيده سيف مشهر مقبلا على القاتل الذي هو صاحب المنزل الذي هو دخل فيه وقتل. فلا ضمان في هذه الصورة على القاتل، لان العلم بان المقتول قتله متعسر، بل متعذر فلا يمكن الشهادة في امثال ذلك الا على هذا الوجه في اكثر الاوقات فالاكتفاء بمثل هذه القرائن القوية في مثل هذه الشهادة، مما ينبغي والا يبعد اثبات مثل هذا المطلب فيقع الفساد، فتأمل. ولو لم تكن البينة فيكون القول قول الوارث مع اليمين بعدم علمه بان المقتول قصد أحد الامور المذكورة التي يدعيها القاتل لاصل عصمة المسلم، فتأمل. قوله: " وهو قطع الاسلام الخ " الارتداد، هو قطع الاسلام من مسلم

[ 314 ]

واما بقول عنادا أو استهزاء أو اعتقادا. ولا عبرة بردة الصبي والمجنون والمكره والسكران. ولو كذب الشاهدين بالردة لم يقبل. مكلف أي بالغ عاقل، إما بفعل دال عليه، مثل عبادة غير الله تعالى كعبادة الاصنام والسجود لها وعبادة الشمس والقمر، وإلقاء المصحف عمدا عالما في القاذورات وضربه بالرجل وتمزيقه إهانة واعراضا ونحو ذلك مما يدل على الاستهزاء بالشرع والشارع. واما بقول دال على الخروج من الاسلام والاهانة بالشرع والشارع والاستهزاء به، سواء كان عنادا أو تمسخرا أو اعتقادا مثل ان يقول: (الله ليس بموجود) أو (له شريك) أو (ليس شئ) أو محمدا صلى الله عليه وآله ليس بحق أو الاسلام ليس بحق ونحو ذلك أو ينكر ما علم من الدين ضرورة مثل انكار وجوب الصلاة، والصوم، والزكاة. وبالجملة ما يدل على قصده إهانة الشرع وعدم اعتقاد حقيته والاعتداد به، فعلا كان أو قولا، سواء كان معتقدا له ام لا، بل مجرد هزل ومزاح لعدم الاعتداد بشأنه. ولا عبرة بفعل الصبي وقوله ما لم يبلغ، وكذا المجنون ما لم يفق، وكذا المكره ما لم يرتفع اكراهه، والسكران ما لم يترك سكره، للعقل والنقل، فتأمل. قوله: " ولو كذب الشاهدين الخ " إذا شهد الشاهدان - بان فلانا مرتد أو ارتد - شهادة مقبولة شرعا، وكذبهما المشهود عليه لم يقبل تكذيبه ولم يسمع، بل يحكم عليه بها ويلزم بأحكامها كما لا يسمع تكذيب المشهود عليه شاهدين في سائر الشهادات الا في الحدود لدرئها بالشبهة، وبنائها على التخفيف. إذ لا يمكن رد الحجة الشرعية بمجرد دعوى المدعى عليه أن الشاهد كاذب، والا فلا يمكن اثبات حكم بها وهو ظاهر.

[ 315 ]

ولو ادعى الاكراه قبل، مع الامارة. ولو نقل الشاهد لفظه فصدقه وادعى الاكراه قبل، إذ لا تكذيب فيه بخلاف الشهادة بالردة، فإن الاكراه ينفي الردة دون اللفظ ولا تسمع الشهادة الا مفصلة. ويدل عليه ايضا ما سيجئ في الارتداد في خبر جابر عنه عليه السلام (لو كذبت الشهود لضربت عنقك) (1). اما لو ادعى الاكراه، وقال: انا كنت مكرها في الارتداد فتلفظت بلفظ دال أو فعلت فعلا دالا عليه مكرها قبل وسمع ذلك ان كان هناك امارة دالة عليه، مثل كونه أسيرا بيد الكفار المكرهين على ذلك، ولا يسمع بدون ذلك، فان سماعه حينئذ رد حجة شرعية بدعوى المدعى عليه، لان الشهادة على الردة شهادة على عدم الاكراه. ولا يبعد السماع حينئذ ايضا إذا لم يصرحا بعدم الاكراه وكان ذلك محتملا وحمل كلامهما على ظاهر الامر وعدم اطلاعهما على الاكراه فبنيا على اصل العدم فشهدا بها وفيه جمع بين قوله وقول الشاهدين وليس برد الحجة، وهو ظاهر. ويؤيده الاحتياط في الدم، وبعد الحكم بكفر شخص مع احتمال عدمه فان شهادتهما على الوجه الذي ذكرناه غير بعيد، بل غير حرام فلا بعد في ذلك بوجه. ولو علم انهما لم يشهدا بها الا مع العلم بعدم الاكراه، فلا يسمع منه. اما إذا نقلا اللفظ الدال عليها وقال: سمعنا منه هذه فصدقهما في ذلك، وادعى هو الاكراه على ذلك قبل وسمع ذلك، إذ لا منافاة بين الشهادة بصدور اللفظ وكونه بالاكراه والجمع بينهما مع الامكان متعين فلا يحكم بالردة، بل يحكم بعدمها كما كان.

(1) الكافي: حد المرتد ح 9 ج 7 ص 257.

[ 316 ]

ولو اكره الكافر على الاسلام قبل منه ان لم يكن ممن يقر على دينه، والا فلا. ولهذا لا تسمع الشهادة الا مفصلة أي مشتملة على شرائط حصول الردة، مثل ان يقول: فعل فعلا، وقال قولا يوجب الردة وهو مكلف بالغ عاقل مختار عامد، لانه قد لا يكون متصفا بشرائط قبولها وصدر منه الردة والاحتياط في الدماء والحكم (1) بكفر المسلم يقتضي ذلك. ومنه يعلم انه إذا كذب الشاهدين في شهادة مجملة بانه مرتد مثلا، أو ارتد قبل لانها غير مقبولة فكيف إذا كذبهما المشهود عليه والحال انه منع من ذلك، وقال: لا يسمع التكذيب. وايضا يلزم كون كل شهادة فيها شرائط لقبولها، لم تسمع مجملة وهم لا يقولون به وينبغي ذلك. ويمكن الاكتفاء بها مجملة إذا كان الشهود بحيث علم من حالهم انه لو لم يكن الشرائط متحققة لم يشهدوا مجملة أيضا البتة. وكذا البحث في دعوى العمد والنسيان وعدم التكليف حال وقوع صدور ما يدل عليها، بل هنا أولى، السماع لان الاصل عدم التكليف مع احتمال الشهود، البناء على الظاهر. قوله: " ولو اكره الكافر الخ " إذا اكره الكافر على الاسلام، فان كان حربيا وليس بذمي يقر على دينه ولا يزاحم أو لم يكن كذلك، بل ذميا يقر على دينه. (فالاول) يقبل منه الاسلام وحكم باسلامه بمجرد ذلك، فان الزامهم على ذلك جائز بل واجب ولذلك يقاتلون حتى يقولون: لا اله الا الله.

(1) لعله عطف على قوله: (في الدماء) لا على الاحتياط.

[ 317 ]

ولو صلى بعد ارتداده لم يحكم باسلامه. والمرتد إما عن فطرة - وهو المولود على الاسلام -. وان قالوا ذلك، خوفا واكراها لحفظ اموالهم وانفسهم وصاروا بحكم المسلم في الاحكام الظاهرة الدنيوية فيترتب على الاكراه والجبر اثر اما بالنسبة إلى الآخرة فلابد من الرضا به والاقرار به وقبول ذلك حتى ينفع، والا فلا ينفع بل يصير منافقا وهو اقبح من الكفر الحقيقي. (الثاني) من اقر على دينه مثل اليهودي، فانه إذا اسلم كرها لا يقبل منه ذلك ولم يصر بذلك مسلما وبحكمه، إذ لا يجوز اكراههم عليه ولم يتحقق معه الاسلام الحقيقي، فان المكره على شئ لم يقل به بل ينكره ويكرهه فتأمل. قوله: " ولو صلى الخ " لو حكم بارتداد شخص ثم رأى، انه صلى لم يحكم باسلامه وعوده إليه وتوبته بمجرد ذلك وان كان ممن يقبل ذلك منه، إذ لا دلالة لها على الاسلام والرجوع، لاحتمال ان يعتقد عدم كفره فيأتي بها، أو انه ارتد باعتبار انكاره ضرورية من ضروريات الدين أو اهان الشرع بالقاء المصحف ونحو ذلك، وهو لا ينافي الصلاة بحسب الظاهر، ويحتمل باعتقاده ايضا، فتأمل. بل قالوا: فعلها لا يدل على الاسلام عن الكفر ولو سمعت منه الشهادتان ايضا وكان سبب كفره انكار الصلاة، لاحتمال الاستهزاء أو السخرية والتقية والارائة وتقليد المسلمين في ذلك. فتأمل فيه فان الاصل بل الظاهر أيضا عدم ذلك، وهي علامة واضحة للاسلام فلو لم تكن هناك قرينة دالة على العلم بعدم الاعتقاد والاستهزاء ونحو ذلك يمكن ان يحكم بها، به، وهو ظاهر. وكذا إذا أذن أو اقام واسمع الشهادتان منه ولم يظهر هناك ما يخرجه عن ظاهر الاسلام مثل التمسخر ونحوه. قوله: " والمرتد اما عن فطرة الخ " يريد ان يبين قسمي الارتداد

[ 318 ]

واحكامهما. والمشهور ان له قسمين، فطري وملي والمشهور في تعريف الاول، هو المرتد الذي ارتد بعد ان ولد على الاسلام أي ولد واحد أبويه مسلم. وقريب منه انعقد نطفته حال اسلام أحد ابويه. والثاني، هو الذي لم يكن كذلك، بل اسلم عن كفر ثم كفر. ومأخذ التعريفين ليس اللغة، فان معناهما اللغوي ليس ذلك وهو ظاهر. وليس باصطلاح ايضا، ولا يكون لاهله ان يصطلح، بل لابد ان يكون مأخوذا من الشرع، فان لكل واحد منهما أحكاما مخصوصة شرعية، وما نجد الآن له مأخذا غير ما سيجئ في بعض الروايات مثل موثقة عمار ومكاتبة الحسين بن سعيد وكلامهم رحمهم الله. لعل لهم مأخذا آخر الله يفتح، مع انه لا يخلو عن خفاء. فالظاهر من تعريف الاول انه إذا كان احد ابويه وقت انعقاد نطفته يعني حين صار مبدأ الانسان وحملا مسلما، فهو فطري وان صار بعد ذلك كافرا. وانه إذا أسلم احدهما أو هما بعد ذلك ثم يصير فطريا وذلك غير ظاهر، بل يظهر خلاف ذلك من كلامهم. فلعل مرادهم انه بقي من حين انعقاد النطفة احد ابويه مسلما إلى ان يبلغ أو يسلم قبل بلوغه ان لم يكن قبل ذلك وبقي إلى حين بلوغه. بل لو اسلم احد ابويه فبلغ هو بغير فصل، هو فطري. وأيضا ظاهر كلامهم بل صريحه أن مجرد اسلامه كاف ولا يحتاج إلى تقييده به ومعرفة امكانه. وهو ايضا لا يخلو عن شئ. ولا شك في كونه فطريا إذا كان احد ابويه مسلما من حين العلوق إلى ان

[ 319 ]

فهذا يجب قتله، ولا تقبل توبته، وتعتد في الحال زوجته عدة الوفاة وتنتقل تركته إلى ورثته. وإما عن غير فطرة - وهو من اسلم عن كفر ثم ارتد. يبلغ وكان مقيدا بالشرع ويعرف أحكام الاسلام، يعمل به وهذا ايضا ظاهر كلامهم فتأمل. قوله: " فهذا يجب قتله الخ " هذا بيان أحكام القسم الاول، لا شك في كفر المرتد مطلقا وجريان بعض أحكام الكفر الاصلي عليه، مثل عدم قتل المسلم به وكونه من أهل النار. وجهه ظاهر كتابا وسنة، فان الآيات (1) في ذلك كثيرة وسنة كما تدل عليه الاخبار الكثيرة (2)، والاجماع كما يظهر من قولهم. واما الاحكام الخاصة، مثل وجوب قتله في الحال، ووجوب قسمة تركته على ورثته، وفراق زوجته، والحكم عليها بعدة وفاته، وعدم تملكه شيئا، بل كلما يتملك ويكتسب ينتقل إلى ورثته كما يظهر من بعض المواضع، وعدم استتابته، وقبول توبته، وعدم سقوط الكفر من النجاسة وغيرها. فدليله (3) من الكتاب غير ظاهر، وكذا الاجماع أيضا في ذلك بحيث يشمل جميع أقسامه واحكامه، وكذا السنة. نعم يدل على بعض ذلك في بعض أقسامه بعض الروايات مثل حسنة

(1) قال الله عزوجل: ان تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين - آل عمران: 100 وقال عز من قائل: ود كثير، من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا - البقرة: 109 وقال تعالى: ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فاولئك حبطت اعمالهم الآية البقرة: 217 وغيرها من الآيات. (2) راجع الوسائل باب 1 وباب 10 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 544 و 557. (3) جواب لقوله قدس سره: واما الاحكام الخاصة.

[ 320 ]

محمد بن مسلم قال: سألت ابا جعفر عليه السلام؟ فقال: من رغب عن الاسلام وكفر على ما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه، فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه امرأته ويقسم ما ترك، على ولده (1). هذه - مع عدم صحتها - تشعر بأن المرتد الفطري هو الذي كفر بعد اسلامه، والمتبادر منه هو الاسلام الحقيق لا حكم الاسلام باسلام أحد ابويه، فهو يشمل القسمين، وما يقولون به. وانه مرتد خاص وهو الكافر بما انزل عليه صلى الله عليه وآله، وكأنه تفسير الراغب عن الاسلام، وبالجملة يبعد ادخال جميع افراده فقط فيها، فتأمل. وان المراد بقسمة تركته لاولاده ان كانوا هم الورثة فقط. وموثقة عمار الساباطي (له) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الاسلام وجحد محمدا صلى الله عليه وآله نبوته، وكذبه، فان دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، وامرأته بائنة منه يوم ارتد (فلا تقربه - خ)، ويقسم ماله على ورثته وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، وعلى الامام ان يقتله ولا يستتيبه (2). هذه - مع ضعفها ب‍ (عمار) - ليس فيها التفصيل وتخصيص الحكم المذكور بالمرتد الفطري عندهم. ولم تشتمل جميع اقسامه كالاولى ومشتملة على جواز قتله لكل من سمع وذلك غير معلوم انه المفتى به، بل المشهور أن قتله إلى الامام كما يشعر به آخر هذه فاولها لا يلائم آخرها، ويحتمل النائب أيضا، فتأمل.

(1) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 544. (2) الوسائل باب 1 حديث 3 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 545.

[ 321 ]

وتدل على أن الفطري هو المسلم الذي كان ابواه مسلمين ثم ارتد، فكأنه المأخذ لتعريف الفطري، فتأمل فيه. وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن مسلم تنصر؟ قال: يقتل ولا يستتاب، قلت: فنصراني أسلم ثم ارتد عن الاسلام؟ قال: يستتاب فان رجع والا قتل (1). هذه ايضا في بعض افراد المرتد مع انها لا يفهم منه غير القتل وعدم التوبة في مسلم تنصر والقتل بعد الاستتابة ولم يتب في نصراني أسلم ثم ارتد وقبولها ان تاب. وما يفهم ان المراد بالمسلم ما هو مرادهم بالفطري فليست بصريحة بل ظاهرة في التفصيل المطلوب وتخصيص الحكم المذكور بالفطري عندهم. وصحيحة الحسين بن سعيد، قال: قرأت بخط رجل إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: رجل ولد على الاسلام ثم كفر واشرك وخرج عن الاسلام هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب فكتب عليه السلام: يقتل (2). وهذه ما تدل على اكثر من القتل وتدل على (ان الفطري هو الذي - خ ل) الفطري، وهو الذي ولد على الاسلام، وهذا مجمل غير مفصل بحيث يفهم منه ان المراد كون احدهما مسلما حين العلوق، مع انها مكاتبة. ومرفوعة عثمان بن عيسى رفعه، قال: كتب عامل امير المؤمنين عليه السلام إليه إني أصبت قوما من المسلمين زنادقة وقوما من نصارى زنادقة، فكتب إليه: اما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه ولا

(1) الوسائل باب 1 حديث 5 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 545. (2) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 545.

[ 322 ]

فيستتاب ثلاثة أيام، فان تاب قبلت توبته. ولا تزول املاكه، بل هي باقية عليه إلى ان يقتل أو يتوب وتعتد زوجته (في الحال - خ) عدة الطلاق، فان رجع في العدة فهو املك بها والا بانت، وتؤدى من امواله ديونه وما عليه من النفقات ما دام حيا، ولو قتل أو مات فميراثه لورثته المسلمين، فان لم يوجد مسلم فللامام. تستتبه ومن لم يولد منهم على الفطرة فاستتبه، فان تاب والا فاضرب عنقه، وأما النصارى فما هم عليه اعظم من الزندقة (1). وفي سندها ودلالتها على تمام المطلوب ما لا يخفى فافهم. واما الملي، فحكمه في المتن ان يستتاب ثلاثة أيام، فان تاب ورجع قبل توبته فصار مسلما كما كان، والا قتل يوم الرابع، وهو مذهب الشرائع ايضا. وقيل: ينبغي ان يكون مدة توبته منوطا برأي الحاكم. وقيل: لا مدة لها، بل مقدار زمان يمكن فيه الرجوع. ولعل دليل الاول، الاحتياط، ورجاء رجوعه إلى الاسلام، والتحذير (التحذر) عن القتل مهما امكن. ورواية مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: المرتد تعزل عنه امرأته، ولا يؤكل ذبيحته ويستتاب ثلاثة أيام، فان تاب، والا قتل يوم الرابع (2). ولا يزول أملاكه عن ملكه، بل هي باقية على ذلك ويعطى منها النفقات الواجبة عليه، مثل نفقة الزوجة والمملوك إلى ان يقتل أو يموت فينتقل إلى ورثة المسلمين ان كانت والا فيرثه الامام عليه السلام، ويخرج منها ديونه ووصاياه كما

(1) الوسائل باب 5 حديث 5 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 552. (2) الوسائل باب 3 حديث 5 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 548.

[ 323 ]

إذا مات مسلما. وتعتد زوجته ايضا عدة الطلاق، فان أسلم قبل انقضائها فهي زوجته كما كانت، فان لم يرجع، بانت عنه زوجته وان كان حيا. دليل الاخير الروايات العامة في انه يستتاب، فان تاب، والا قتل. حملها في التهذيب والاستبصار على الملي بعد ان نقل رواية محمد بن مسلم وعمار، على حكم الفطري. وهي رواية الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام ان رجلا من المسلمين تنصر فاتي به امير المؤمنين عليه السلام فاستتابه فأبى عليه فقبض على شعره ثم قال: طئوا يا عباد الله فوطئ (فوطؤوه - ئل) حتى مات (1). وفي (2) السند موسى بن بكر، وفي الدلالة على جميع الاحكام - وان حمل على الملي - مالا يخفى. ومرسلة الحسن بن محبوب، عن غير واحد من اصحابنا، عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام في المرتد يستتاب، فان تاب، والا قتل، والمرأة إذا ارتدت عن الاسلام استتيبت، فان تابت (ورجعت - خ ل)، والا خلدت في السجن وضيق عليها في حبسها (3) ومنها علم حكم المرتدة أيضا وترى السند والدلالة. وضعيفة علي بن حديد، عن جميل بن دراج وغيره، عن احدهما عليهما السلام في رجل رجع عن الاسلام؟ قال: يستتاب، فان تاب، والا قتل (4).

(1) الوسائل باب 1 حديث 4 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 545. (2) وسنده هكذا كما في الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر عن الفضيل بن يسار. (3) الوسائل باب 4 حديث 6 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 550. (4) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 547.

[ 324 ]

والسند معلوم، والدلالة مثل الاولى. وضعيفة جابر، عن أبي جعفر (عبد الله عليه السلام - ئل كا) عليه السلام، قال: اتي امير المؤمنين عليه السلام برجل من تغلبة (بني ثعلبة - خ ئل) قد تنصر بعد إسلامه، فشهدوا عليه فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما يقول هؤلاء الشهود؟ قال: صدقوا وانا ارجع إلى الاسلام فقال: اما انك لو كذبت الشهود لضربت عنقك وقد قبلت منك فلا تعد، وانك ان رجعت لم اقبل منك رجوعا بعده (1). وهي ضعيفة من وجوه مع عدم ظهور وجه ضرب العنق لو كذب الشهود، والكل شريك في عدم المهلة. وحسنة هشام بن سالم - في الكافي والتهذيب والاستبصار - وهي صحيحة في الكافي (منه - خ) ايضا عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أتى قوم امير المؤمنين عليه السلام فقالوا: السلام عليك يا ربنا فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها نارا وحفر حفيرة اخرى إلى جانبها، وافضى إلى ما بينهما، فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة، وأوقد في الحفيرة الاخرى حتى ماتوا (2). قال الشيخ - بعد هذه الاخبار -: لا تنافي الاولة - اشارة إلى روايتي محمد وعمار في ان المرتد لا يستتاب - لان الاخبار الاولة متناولة لمن ولد على فطرة الاسلام ثم ارتد، فانه لا تقبل توبته ويقتل على كل حال، والاخبار الاخيرة متناولة لمن كان كافرا ثم أسلم ثم ارتد بعد ذلك، فانه يستتاب، فان تاب فيما بينه وبين ثلاثة ايام، والا قتل وقد فصل ما ذكرناه أبو عبد الله عليه السلام في رواية عمار الساباطي عنه عليه السلام، وقد قدمناها (3).

(1) الوسائل باب 3 حديث 4 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 547. (2) الوسائل باب 6 حديث 1 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 552. (3) إلى هنا عبارة الشيخ رحمه الله في التهذيب.

[ 325 ]

وانت تعلم ان وجه الجمع غير منحصر في ذلك، وان (ثلاثة أيام) ما كانت الا في رواية مسمع وانه ما تقدم التفصيل في رواية عمار، بل قال فيه: (كل مسلم بين مسلمين) وذكر حكمه فقط، فتأمل. ثم قال (1): ويؤكد ذلك ما رواه وذكر صحيحة علي بن جعفر المتقدمة ومكاتبة الحسين بن سعيد في الاستبصار (2) وزاد في التهذيب مرفوعة عثمان بن عيسى وذكر فيه رواية الفضيل بن يسار أيضا، عن أبي عبد الله عليه السلام: ان رجلين من المسلمين كانا بالكوفة فاتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فشهد أنه رآهما يصليان للصنم فقال له: ويحك لعله بعض من تشبه عليك فأرسل رجلا فنظر إليهما وهما يصليان إلى الصنم فاتى بهما فقال لهما: ارجعا فأبيا فخدلهما في الارض خدا فاجج نارا فطرحهما فيه (3). وذكر أيضا رواية عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: المرتد يستتاب، فان تاب، والا قتل، والمرأة تستتاب فان تابت، والا حبست في السجن واضربها (4). وفي الصحيح، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا (ان - ئل) ارتد الرجل عن الاسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة (ثلاثا - يب) وتعتد منه كما تعتد المطلقة، فان رجع إلى الاسلام فتاب (وتاب - ئل) قبل التزويج (قبل ان تتزوج - ئل) فهو خاطب من الخطاب ولا عدة عليها منه له

(1) يعني الشيخ في التهذيب. (2) راجع الوسائل باب 1 حديث 5 - 6 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 545. (3) الوسائل باب 9 حديث 1 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 556. (4) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 550.

[ 326 ]

وانما عليها العدة لغيره (1)، وان تاب أو قتل قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها، وهي ترثه في العدة ولا يرثها ان ماتت وهو مرتد عن الاسلام (2). وحملها على الملي أيضا. واعلم ان استخراج احكامها على التفصيل الذي مذكور في الفروع من هذه الاخبار، مشكل وان كان جمع الشيخ غير بعيد. وصحيحة علي بن جعفر، تدل عليه في الجملة، ويشعر به مكاتبة الحسين بن سعيد الصحيحة وموثقة عمار (3). ومذهب ابن الجنيد، الموافق لمذاهب العامة، استتابة مطلق المرتد، فان تاب والا قتل. ودليله الاخبار المطلقة المتقدمة الكثيرة، واوضحها حسنة هشام وهي صحيحة في الكافي، مع انها لا تدل على الارتداد، إذ قد يكون اعتقادهم دائما ربوبيته عليه السلام، وان ذلك فوق الارتداد. ومعارضته بما هو أوضح منها، مثل حسنة محمد في عدم الاستتابة مطلقا وغيرها. مع انه خلاف المشهور وموافق العامة. فقول شرح الشرائع: وعموم الادلة المعتبرة يدل عليه - أي مذهب ابن الجنيد - وتخصيص عامها أو تقييد مطلقها برواية عمار، لا يخلو عن اشكال، ورواية علي بن جعفر عن اخيه غير صريحة في التفصيل الا ان المشهور، بل المذهب هو

(1) الوسائل باب 6 ذيل حديث 5 بالسند الثاني من ابواب موانع الارث ج 17 ص 387. (2) في نسخ الكتاب بدل قوله: (وانما عليها العدة لغيره) هكذا: فتعتد منه لغيره. (3) تقدم بيان مواضعها.

[ 327 ]

التفصيل. غير جيد، إذ لا عموم معتبر، والمفصل الموجب لحمل التقييد والتخصيص غير رواية عمار ورواية علي بن جعفر. مع انها ظاهرة، وهو كاف ولا يحتاج إلى التصريح. ولانه قد علم أن دليل ابن الجنيد معتبر، ودليل المذهب المشهور ليس كذلك، فكيف يقول: انه هو المذهب. ثم انه لا شك انه يمكن استخراج البعض من البعض، فلعل ما ذكره من الاحكام مجمع عليها اما اجماعا مركبا أو بسيطا ثبت عندهم أو دليل آخر ما نعرفه، والا فان الذي عليه الخبر المعتبر لا يمكن رده بل يجب القول به وارجاع غيره إليه ان امكن والا طرح. فالحكم بعدم قبول توبة الفطري أصلا - ولو بينه وبين الله وفي نفس الامر وان كانت مشتملة على شرائط قبولها - بعيد، فان قبول التوبة واجب على الله على ما مر مرارا. وايضا لا شك في انه لم يسقط عنه التكليف بالايمان والاحكام الشرعية وذلك لا يجتمع مع القول بعدم قبول توبته أصلا، والا يلزم التكليف المحال ولم يثبت الاجماع على عدم قبول توبته أصلا، ولا دل عليه كتاب ولا سنة على ما تراه، صريحا. نعم يدل بعض الاخبار على وجوب قتله قبل استتابته وعدم قبول توبته وذلك يمكن ان يكون بالنسبة إلى سقوط الاحكام الظاهرة مثل اسقاط القتل. وينبغي أن لا يكون نجسا أيضا في نفس الامر على تقدير ثبوت نجاسة المرتد وما نعرفه، ويجب على غيره اجتنابه ان علم نجاسته ولم يعلم المزيل. وكذا ما دل دليل على عدم تملكه شيئا، وانه ان تملك يملكه الوارث

[ 328 ]

وولد المرتد بحكم المسلم، فان بلغ مسلما، والا استتيب، فان تاب، والا قتل. وذلك بعيد جدا. بل يحتمل انه ان تاب في نفس الامر يرجع ماله إليه لو خرج ولم يقتل. بل يمكن ان ترجع إليه - حين تاب - زوجته ايضا في العدة أو يكون له العقد عليها في العدة وبعدها وعلى غيرها، فانه لا دليل يمنع ذلك بعد التوجه، فلو لم يطلع على ارتداده أو اطلع ولم يقدر عليه وتاب هو، لا يبعد كونه مثل الملي بينه وبين الله مقبول التوبة وان كان واجب القتل كالواجب قتله حدا أو قصاصا ولم يقتل. ويحتمل عدم عقابه في الآخرة وان لم يقتل، فتأمل. ويكون ما في الخبر محمولا على تقدير قتله أو عدم توبته أو مخصوصا بالمال الموجود ولا يسري في المتجدد. وبالجملة يجب اتباع الدليل ولا يجوز غيره حتى لو وجد دليل نقلي يعارض الدليل العقلي يؤول النقل ان امكن أو يطرح، ولا يمكن القول باجتماع الضدين والتكليف المحال، فتأمل. قوله: " وولد المرتد الخ " أي ولد المسلم الذي حصل قبل ارتداده، بحكم المسلم بمعنى انه طاهر، وانه لو قتله مسلم، يقتل به، سواء قتله قبل البلوغ أو بعده قبل اتصافه بالكفر ونحو ذلك لا في كل الاحكام حتى في انه مسلم فطري فيلزم قتله بعد البلوغ ان انكر الاسلام أو شيئا منه مما يرتد به المسلم، بل بعد البلوغ والعقل ان أظهر الاسلام، صار مسلما حقيقيا وخرج عن كونه بحكم المسلم، وان انكر أو قال أو فعل شيئا لو فعله مسلم لارتد به وحكم بكفره وارتداده، يستتاب، فان تاب قبل توبته وصار كمن لا ينكر، والا قتل مثل المرتد الملي، فحكمه حكم الملي لا الفطري للاحتياط في الدماء والاصل وعموم بعض الاخبار الدالة على الاستتابة مطلقا.

[ 329 ]

ولان الظاهر أن لا خلاف في ان حكمه اما حكم الفطري أو الملي، ولا دليل على الاول فيكون حكمه حكم الثاني. بل لو لم يكن امثال ذلك لكان القول بعدم ذلك الحكم ايضا متعينا، إذ لا يلزم من وجود حكم في مسلم، وجوده فيمن هو بحكمه الا ان يثبت عليه دليل آخر غير ذلك فافهم. ولعدم دليل موجب لغير ذلك، فان الادلة الدالة على حكم الفطري تدل على ان من كان مسلما مولودا من مسلمين أو من مسلم وكافر وأسلم إسلاما حقيقيا - أي بلغ وأظهر الاسلام - ثم ارتد. وهو مراد الاصحاب ايضا، فان المرتد من كفر بعد الاسلام، والمتبادر منه الاسلام الحقيقي لا حكمه مثل الولادة من المسلم والا يلزم التكرار في ذكر حكم ولد المرتد بل التناقض والتنافي بين حكمهم في المرتد الفطري بالقتل من غير استتابة، وبين الحكم بأن ولده الذي ولد حال إسلامه وانعقد في تلك الحال إذا انكر الاسلام بعد البلوغ، يستتاب، وهو ظاهر. وقد عرضت ايضا حال دليل المسلم الفطري، ودليل حكمه المذكور، فخلافه غير مستبعد. وبالجملة، إذا وجد منهم حكم موافق للدليل وغير موافق لما لا دليل عليه وان كان مقررا عندهم، فهو جيد، وليحكم بخروجه عن ذلك (لاجماع) ونحوه كما تقرر في غير هذا. فلا يرد قول شرح الشرائع: (وهذا لا يوافق القواعد المتقدمة إذ (أن - خ) المنعقد (المعتقد - خ ل) حال إسلام احد ابويه يكون إرتداده عن فطرة ولا يقبل توبته) وما وفقت على ما اوجب العدول عن ذلك هنا ولو قيل: بانه يلحقه حينئذ حكم المرتد عن فطرة، كان متوجها وهو الظاهر من الدروس لانه اطلق كون الولد

[ 330 ]

ولو قتله قاتل قبل وصفه بالكفر، قتل به، سواء قتله بعد بلوغه أو قبله. السابق على الارتداد مسلما، ولازمه ذلك (انتهى) (1). إذ قلنا: يحتمل ان يكون مرادهم انه مع كونه ولد في الاسلام بلغ واسلم ثم ارتد، لما مر، ولو كان المراد ما قاله يكون هذا نقيضا صريحا لما ذكروه أولا، لانهم ذكروا انه مرتد فطري على ما زعمه وقد ذكروا حكمه من وجوب قتله وعدم استتابته. وان قوله: (ما وقفت على ما اوجب الخ) غير جيد، لما مر من الموجب، مع انه لا يحتاج إلى موجب بل المحتاج إلى الموجب ما قاله: من لحوق حكم الفطري، فانه غير معلوم كونه فطريا، لما مر من احتمال مرادهم. وان لم يكن صريحا فلا شك انه محتمل فيحمل عليه فيحتاج إلى موجب غير ذلك. على انك قد عرفت ما في معنى الفطري ودليل حكمه، فاثبات مثل هذا الحكم مع مخالفة الاصحاب له، إذ كاد ان يكون اجماعيا، فان الموجود في العبارات التي رأيناها خلاف ذلك بعيد جدا، لما مر. على انه قال من قبل بوجود الادلة المعتبرة لمذهب ابن الجنيد وهو الاستتابة مطلقا. وانه لا مقتضى لتقييدها بغير الفطري سوى الشهرة ومعلوم عدم حجيتها، بل عدمها فيما نحن فيه، فان المشهور استتابة ولد المرتد، بل لم يعلم خلافه. وان قول الدروس: فالظاهر انه مثل قول غيره من انه بحكم المسلم، واطلق عليه المسلم بناء على ظاهر الحال، أو لانه بحكم المسلم قبل البلوغ عندهم وقد صرحوا بذلك فليس لازمه حكم الفطري، فتأمل. واما قتل المسلم به سواء كان قبل بلوغه وإسلامه أو بعده ما لم يحكم بكفره

(1) إلى هنا عبارة شرح الشرائع (المسالك).

[ 331 ]

ولو ولد بعد الردة من مسلمة فهو بحكم المسلم. وان كانت مرتدة والحمل بعد ارتدادهما فحكمه حكمهما لا يقتل المسلم بقتله. بعد بلوغه، فكأنه للاجماع، ولظاهر ان ولد المسلم حكمه حكم المسلم في نحو ذلك، ولعموم: الحر بالحر والعبد بالعبد (1)، ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (2) وامثال ذلك فلا يلزم منه كون حكم المرتد الفطري فيه كما عرفت. قوله: " ولو ولد بعد الردة الخ " أي لو ولد الولد من مسلمة وابوه مرتد، فذلك الولد بحكم المسلم، فان كان ذكرا فهو بحكم مسلم ذكر، وان كان انثى فهي بحكمها، فيما ذكرناه لا مطلقا، سواء صارت الام بعد الولادة مرتدة ام بقيت على اسلامها. بل الظاهر - بناء على ما تقدم - انه إذا علق الولد واحدهما مسلم، فالولد بحكم المسلم فيما قلناه، وان ارتدا أو ارتد أحدهما بعد ذلك بفصل أو بلا فصل بعد تحقق الحمل حال الاسلام في نفس الامر وان كان العلم بذلك حصل بعد الارتداد. قوله: " وان كانت مرتدة الخ " يكفي وان كان الحمل بعد ارتدادهما أي لو حصل الولد والحمل بعد ارتدادهما وقبل التوبة فهو مثلهما، الذكر مثل الاب، والانثى مثل الام بمعنى انه كافر نجس مع ثبوت نجاسة المرتد، ولا يقتل به المسلم، وديته دية الكافر لا انه ايضا مرتد مثلها ملي مع كونهما كذلك أو فطري لو كانا أو احدهما كذلك بمعنى انه يقتل بعد بلوغه أو قبله ولا يسمع توبته، فان (3)

(1) البقرة: 178. (2) البقرة: 194. (3) تعليل لقوله قدس سره: لا انه الخ.

[ 332 ]

ذلك بعيد جدا، بل ان كانا عالمين بالتحريم، يكون ولد زنا. فيحتمل ان لا يكون حكمه حكم أبويه في النجاسة وغيرها ايضا، للاصل، وعدم كونه ولدهما وملحقا بهما شرعا، ولا ولد شبهة فيكون مثلهما بالمعنى الذي تقدم. فهو ايضا مؤيد لما قلناه، من ان معنى قولهم: انه بحكمه (انه بحكمة - خ) في الجملة لا في جميع الاحكام فافهم. والظاهر مما تقدم اشتراط كونه بحكمها في الارتداد، بقائهما كذلك إلى حال البلوغ، فلو اسلما أو اسلم أحدهما لحق به الولد، في الاسلام، فصار حكمه حكم المسلم. وإذا صار الولد الحاصل من المرتدين - حال الحصول بحكم المرتد بالمعنى الذي ذكرناه مثل عدم قتل المسلم بقتله - هل يجوز استرقاقه ام لا؟ فيه اشكال عند المصنف. قال في الشرح: المراد بقوله: (وان كانت مرتدة) الزوجة وانها حامل من (مرتد) والمراد بالمرتد هاهنا، عن علة، ومبنى المسألة على ان المتولد بين المرتدين، هل هو كافر اصلي أو مرتد كالابوين، أو مسلم؟ لان حرمة الاسلام باقية في المرتد، والمسلم يعلو ولا يعلى عليه (1) فعلى الاول يسترق، وعلى الاخيرين، لا، والمراد بقوله: (حكمه حكمهما) في بعض الوجوه، إذ هما لا يسترقان قطعا (وفي استرقاقه اشكال) ينشأ من تولده بين كافرين غير ذميين، وكل من كان كذلك يجوز استرقاقه، وفي الكبرى منع، ومن تحرمه بالاسلام المانع من الاسترقاق، ولانه لا ينقص حاله عن ابويه وهما لا يسترقان ولقوله عليه السلام (كل مولود يولد على

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 226 وج 3 ص 496 ولاحظ ذيلهما وفيه وفي الشرح: (الاسلام الخ).

[ 333 ]

الفطرة) (1) ويحتمل الاسترقاق ان ولد في دار الحرب، وعدمه ان ولد في دار الاسلام عملا باصالة الدارين واغلبية احكامهما، والاول ذكره في كتاب المرتد من المبسوط والخلاف مصرحا بعدم الفرق بين الدارين، محتجا في الخلاف بعموم الادلة من الكتاب والسنة على جواز استرقاق ذرية الكفار، والثاني فتوى كتاب قتال اهل الردة من المبسوط، وصرح بعدم الفرق ايضا، وتبعه المحقق الا في التصريح، والثالث فتوى كتاب قتال اهل الردة من الخلاف محتجا باجماعنا واخبارنا، ويلوح من كلام ابن الجنيد تفصيل آخر في الكينونة في دار الحرب وعدمها فانه قال: ومن كان من ولد المرتد حاضرا مع العسكر (معه في العسكر - خ) وقت الحرب استرق (2) (انتهى). كون المراد بالمرتدة، الزوجة والحامل من المرتد ظاهر لا يحتاج إلى البيان. وكون المراد المرتد عن ملة، يحتاج إلى البيان، فان كان بسبب ان الفطري ينفسخ عقده ويحرم عليه زوجته، فالملي أيضا قبل التوبة كذلك. وكونها تحرم عليه في الاول أبدا، بخلاف الثاني، ليس بمؤثر، فتأمل. ثم في البناء عليه أيضا خفاء، فان الظاهر من انه لا خلاف ولا اشكال في عدم جواز قتل المسلم به انه ليس بمسلم، كيف يكون مسلما ولا يقتل به مسلم. وايضا يبعد كون الحاصل من الكافرين، مع كونه ملحقا بهما وولدا شرعا لهما، يكون مسلما فانه ليس بحقيقي فان الفرض قبل البلوغ، لان بعد البلوغ ان اسلم فلا شك في انه مسلم، وان لم يسلم فهو كافر. والرواية غير معتبرة السند وان كانت مشهورة ولا ظاهرة المعنى. وايضا كونه كافرا بعيد، فان الكفر الاصلي لا سبب له اصلا، وكذا

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 35. (2) إلى هنا كلام الشارح.

[ 334 ]

وفي استرقاقه إشكال. ويحجر الحاكم على اموال المرتد لئلا يتلفها، فان عاد فهو أولى بها، وان التحق بدار الحرب، احتفظت. الارتداد لعدم سبق الاسلام فلا يبعد ان لا يحكم عليه بشئ حتى يبلغ ويختار شيئا ويكون طاهرا بحكم الاصل ويقتل به قاتله، وان كان حرا مسلما للنفس بالنفس (1) ونحوه وعدم ظهوره عدم الكفر واشتراطه في الكل، فتأمل. وايضا، الفرق بدار الحرب وغيره ليس بمعتد به، فان الدار لا يكفر ولا يسلم وهو ظاهر. والاجماع والاخبار غير ظاهر، واختار عدم التفصيل في المبسوط وموضع آخر في الخلاف. وما نعرف عموم الادلة الدالة على استرقاق ذرية مطلق الكافر حتى المرتد. وتفصيل ابن الجنيد أيضا غير ظاهر. وكذا تحرير الاشكال بعد تحقيق المبنى وعدم مدخليته فيه. وايضا لم يظهر فائدة لذكر المبنى مع عدم تحقيق الحق فيه، فتأمل. قوله: " ويحجر الحاكم الخ " أي لا يخرج أمول الملي عن ملكه، بل يمنع الحاكم ويجعل المرتد ممنوعا ومحجورا عليه من التصرف في امواله لئلا يتلفها وجوبا على الظاهر كما يمنع سائر المحجورين عليه مثل الصبي والسفيه والمفلس فانه قد تعلق بغيره في الجملة، فان تاب ورجع إلى الاسلام فهو أولى بماله يفعل به ما يريد كالبالغ الرشيد بعده، والمفلس بعد زوال فلسه. فالظاهر ان زواله لم يحتج إلى حكم الحاكم كما في غيره. قال في شرح الشرائع: (قوله: ويحجر الحاكم على امواله لئلا يتصرف فيها

(1) المائدة: 45.

[ 335 ]

بالاتلاف، فان عاد فهو احق بها) ظاهرها (ظاهر هذه - خ) توقف الحجر على حكم الحاكم، وهو احد الوجهين في المسألة، ووجهه ان الارتداد امر اجتهادي يناط حكمه بنظر الحاكم. وقيل: يحصل الحجر بنفس الردة، لانها العلة، فوجودها يستلزم ثبوت المعلول وهذا اقوى وهو اختيار العلامة في القواعد والشهيد في الدروس. ذلك ليس بظاهر فانه للحاكم، الحجر، سواء كان هو محجورا عليه بدونه ام لا كالصبي. ودليله ايضا غير ظاهر، إذ كون الارتداد اجتهاديا لا دخل له في المطلوب، فان الكلام في انه بعد ثبوت الارتداد هل هو محجور عليه بمجرده أو يحتاج إلى حكم الحاكم؟ ثم اختيار مذهب القواعد والدروس من غير رد (1) ودليل عدمه، غير جيد، فكأنه ترك للظهور كما أشرنا إليه فمختاره جيد ان ثبت استقلال علية الارتداد للحجر، وهو أول المسألة فان المنازع لا يسلم ذلك، والا فلا مقتضى للنزاع وهو ظاهر، فكان عليه بيانه. وان التحق المرتد بدار الحرب يحفظ الحاكم ماله ويبيع ما يتلف ويليق بحاله البيع مثل الحيوان، فان تاب ورجع فهو له، وان مات صار ملكا لوارثه كما إذا كان عندنا. وان لم يتب ولم يرجع، فيحتمل ان يكون فيئا له عليه السلام، وان يكون لوارثه، كالفطري، فتأمل. واعلم ان دليل حجر المرتد الملي عن ماله غير ظاهر، فانه مالك حر بالغ رشيد الا ان يكون اجماعيا أو نصا، ما رأيتهما.

(1) في نسختين: من غير ورود دليل عدمه.

[ 336 ]

والمرأة المرتدة لا تقتل وان كانت عن فطرة، بل تحبس دائما وتضرب أوقات الصلوات. قوله: " والمرأة المرتدة الخ " تدل على حكم المرأة مرسلة الحسن بن محبوب عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام (في حديث): والمرأة إذا ارتدت عن الاسلام (كا) استتيبت، فان تابت ورجعت، والا خلدت في السجن وضيق عليها في حبسها (1). ورواية غياث بن ابراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: إذا ارتدت المرأة عن الاسلام لم تقتل، ولكن تحبس ابدا (2). وصحيحة حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام في المرتدة عن الاسلام؟ قال: لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة وتمنع الطعام والشراب الا ما يمسك نفسها وتلبس اخشن (خشن - يب) الثياب وتضرب على الصلوات (3). وليس استخدام الخدمة الشديدة في كلام الاصحاب، ولعله رأي الامام والحاكم ايضا ان رآه، زجرها عن الكفر. وصحيحة حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا يخلد في السجن إلا ثلاثة، الذي يمسك على الموت، والمرأة المرتدة (ترتد - ئل) عن الاسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل (4). ورواية عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: المرتد يستتاب، فان تاب، والا قتل، والمرأة تستتاب، فان تابت، والا حبست في السجن

(1) الوسائل باب 4 حديث 6 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 550. (2) الوسائل باب 4 حديث 2 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 549. (3) الوسائل باب 4 حديث 1 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 549. (4) الوسائل باب 4 حديث 3 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 549.

[ 337 ]

ولو تكرر الارتداد قتلت (قتل - خ) في الرابعة. وما يتلفه المرتد على المسلم في الدارين يضمنه قبل انقضاء واضر بها (1). قوله: " ولو تكرر الارتداد الخ " أي لو تكرر الارتداد من الرجل بان ارتد الملي ثم تاب ثم ارتد ثم تاب وهكذا إلى الثلاثة، فان ارتد في المرتبة الرابعة لا يطلب منه التوبة بل يقتل. كأنه بناء على ما تقدم من ان صاحب الكبيرة يقتل في الرابعة. وقيل: في الثالثة لصحيحة يونس بن يعقوب (2) وغيرها من الروايات الكثيرة في قصاص شارب الخمر، فتأمل. وكأن مراد الشرائع: (وروى اصحابنا انه يقتل في الثالثة) هي صحيحة يونس المتقدمة. لا ما ذكره جميل أيضا بعد نقل روايته عن احدهما عليهما السلام في رجل رجع عن الاسلام قال: يستتاب، فان تاب، والا قتل، قيل لجميل: فما تقول ان تاب ثم رجع عن الاسلام؟ قال: يستتاب فقيل: ما تقول ان تاب ثم رجع ثم تاب ثم رجع؟ فقال: لم اسمع في هذا شيئا، ولكنه عندي بمنزلة الزاني الذي يقام عليه الحد مرتين ثم يقتل بعد ذلك (3). كما احتمله في شرح الشرائع، لان المراد بالرواية، الرواية عن اهل البيت عليهم السلام الذي روايتهم حجة، لا ما ظنه الجميل. قوله: " وما يتلفه المرتد الخ " أي كل ما اتلف المرتد المسلم من الاموال

(1) الوسائل باب 4 حديث 4 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 550. (2) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 313. (3) أورد صدرها في الوسائل (إلى قوله) والا قتل في باب 3 حديث 3 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 547 فراجع لتمامه فروع الكافي ج 7 طبع جديد حديث 5 والتهذيب ج 10 طبع جديد حديث 5 ص 137.

[ 338 ]

الحرب وبعده بخلاف الحربي على إشكال. والانفس والاطراف، والجراحات، يضمنه وعليه الخروج عن عهدته بنفسه وبماله، أو صدر منه ذلك، سواء كان في دار الحرب أو دار الاسلام، وسواء، الاتلاف في حال الحرب أو قبله أو بعده بلا اشكال، بخلاف الحربي، فانه إذا اتلف في دار الاسلام أو في دار الحرب لا يضمن على اشكال عنده. والظاهر ان الاشكال في المال فقط وان كان ظاهر عباراتهم اعم كبعض الادلة. قال في الشرح: أما الحربي: ففي المبسوط: لا ضمان عليه، لعدم التزامه الاحكام الاسلامية ذكره في فصل المرتد، وفي فصل البغاة: ادعى الاجماع على ضمانه بعد إسلامه والشيخ نجم الدين احتمل ضمانه في داري الاسلام والحرب لحصول سبب الغرم وهو الاتلاف للمال المعصوم بغير حق وعدم التزامه، لا ينفي عدم الزامه، والمصنف في غير هذا الكتاب لم يتردد في ضمانه في دارنا بل في دارهم، ووجهه ظاهر، لانه بدخوله دارنا التزم احكامنا (مها - خ) بخلاف دارهم، ومما ذكر نشأ الاشكال، وحاصله عدم الالتزام بالاحكام الاسلامية وادعى الشيخ الاجماع وحصول سبب التغريم ثم اعلم ان وقوع تضمينه اما بعد الاسلام أو بعد الاستيمان ويبعد من دونهما (1). ولا يخفى ان لا دخل للالتزام، فان المسلم ايضا إذا لم يلتزم ويقول: أنا ما أقبل أحكامه، لا يسقط عنه ضمان ما اتلفه، فان الحكم في شرع الاسلام أن المال المعصوم، مضمون على المتلف مطلقا، فهو الوجه مطلقا، سواء كان في دار الحرب وغيره. وان الضمان لا خصوصية له ببعدية وقوع الاسلام والاستيمان فمتى حصل القدرة على اخذه منه يؤخذ، فتأمل.

(1) إلى هنا كلام الشارح الذي نقله عنه هذا الشارح قدس سره.

[ 339 ]

ولو جن بعد الردة من غير فطرة لم يقتل. ولو تزوج بمسلمة أو كافرة لم يصح. وكلمة الاسلام: اشهد ان لا اله الا الله، و (اشهد - خ) ان محمدا رسول الله. قوله: " ولو جن بعد الردة الخ " أي لو جن المرتد الملي قبل التوبة لم يقتل، فانه لا يقتل الا بعد ان يستتاب ولم يتب، وحينئذ لم يعلم توبته ولم يستتب، لجنونه. ويحتمل قتله ان كان عروض الجنون بعد الاستتابة ومضى مدتها، لانه حينئذ وقت قتله، ووجد سبب قتله، فلا يمنع الجنون انه إذا قتل ووجب قتله قصاصا ثم جن، وغيره مما مر من عروض الجنون بعد تحقق سبب الحد. ولانه صار كالفطري، فان عروض جنونه لا يمنع من قتله لتعين قتله. ويحتمل هنا العدم، للاصل، والاحتياط في الدماء، والشبهة الدارئة للحد كما سيجئ، فان القتل أيضا حد، وارجاء توبته ان لم يقتل، فان الظاهر انه يقبل توبته وان حصلت بعد مضي مدتها فحين قتله مجنونا، يحتمل ان لو كان عاقلا لتاب قبيله بنفس، فتأمل. قوله: " ولو تزوج الخ " وجه عدم صحة تزويجه أما بالمسلمة فظاهر، فانه كافر كيف يتزوج بالمسلمة، واما بالكافرة، فلوجود حرمة الاسلام فيه، فتأمل. ويحتمل ان يكون وجه عدم التزويج مطلقا بكافرة اصلية أو مرتدة أو مسلمة، الاجماع أو النص، وما عرفتهما. وانه ينفسخ نكاحه بالنص والاجماع على الظاهر، فلا يصح استدامته فالابتداء كذلك، بل أولى، لانه اقوى، فتأمل. قوله: " وكلمة الاسلام الخ " كون ذلك كلمة الاسلام منصوص (1)

(1) راجع اصول الكافي ج 2 باب دعائم الاسلام حديث 2 - 6 - 9 - 13 ص 18، وباب ان الايمان يشرك الاسلام حديث 1 ص 25 طبع الآخوندي.

[ 340 ]

ولو جحد عموم نبوته (صلى الله عليه وآله) أو وجوده نبه على ذلك. ومجمع عليه الامة. ولهذا اكتفى بها وترك مقاتلة من يقولها، واجراء احكام المسلمين عليه كما كان يفعله صلوات الله عليه وآله، وبعده خلفاءه. والظاهر منها ان الحكم بالاسلام، لا يحتاج إلى العلم بانه يعتقد معناها، بل يكفي التكلم بها بعد معرفته، مع عدم العلم بعدم اعتقاده ذلك وعدم كونه على سبيل الاستهزاء والتمسخر ونحوه مما يدل على عدم اعتقاده مثل تقليد المسلم. وانه لا يحتاج إلى الدليل والبرهان، ولا إلى غير ذلك من اللوازم والاعتقاد بصفاته الثبوتية والسلبية، وكذا الصفات التي تعتبر في النبي صلى الله عليه وآله مثل العصمة. ويؤيده أنه لم يحكم بكفر من لم يقل ببعض تلك الصفات اجماعا مثل من قال بالجبر والتشبيه ومن لم يقل بانه عدل وحكيم، فتأمل. لعل المراد ان المرتد إذا تاب يكفي في توبته ان يقول ذلك، ولكن إذا كان الارتداد بغير انكار الاله والوحدة والرسالة لا يكفي، ولابد من ضم اثبات ما انكر مثل انكار فريضة الصلاة. ويمكن ان يقال: عموم الرسالة وجميع ماله دخل في الاسلام، داخل فيها، فتأمل. قوله: " ولو جحد عموم نبوته الخ " لما كان في عموم نبوته صلى الله عليه وآله خفاء، لا يحكم بمجرد انكاره على ارتداده لاحتمال ذهوله وغفلته عنه بل ينبه على ذلك ويعلم به بان يقال: قال الله تعالى: وما ارسلناك الا كافة للناس (1) ورحمة للعالمين (2).

(1) سبأ: 28. (2) الانبياء: 107 والآية: وما ارسلناك الا رحمة للعالمين.

[ 341 ]

ولو قتل المرتد مسلما عمدا قتل به، فان عفا الولي قتل حدا، وان قتل خطأ فالدية في ماله مخففة وتحل بقتله أو موته. فان لم يقبل وينكر بعد ذلك، يحكم بارتداده، ومعلوم ان ذلك ليس بارتداد إذا كان ممن يمكن خفاء ذلك عليه وغفلته. وكذا لو أنكر وجوده بان قال: بعد ما بعث وسيبعث كما أنكر في الاول عمومه، وقال: أنه مبعوث إلى العرب فقط. وفيه اشكال، فان ذلك غير مخفي على احد، وان ذلك موجب لانكار نبوته بالطريق الاولى، ومنكره مرتد فكيف منكر وجوده. ويمكن ان يقال: إنما ذلك التنبيه والاعلام فيمن يسلم وكان كافرا. واما المسلم إذا أنكر احدهما فيحكم بارتداده الا ان يدعي شبهة محتملة كما في غيرهما، فتأمل. ويمكن ان يكون مراده انه إذا ارتد بسبب انكار عموم النبوة، وقال: انه مبعوث إلى العرب فقط كما قال بعض: ان محمدا حق ولكن ما وجد وما بعث بعد وسيبعث، فلا يكفيه في إسلامه، وتوبته، الشهادتان، بل لابد من ضم انه مبعوث على كل مكلف، وانه مبعوث منذ كم سنة كما صرح في غير المتن. قوله: " ولو قتل المرتد مسلما الخ " قتل المرتد - بقتله مسلما عمدا قصاصا - ظاهر، وانما ذكره للاشعار بتقديمه على الحد، فان حق الآدمي مقدم على الحد وحق الله، وهو مقرر عندهم، ولذكر ان عفا له الولي ذلك قتل حدا، سواء كان العفو مجانا أو على دية، فان قتل المرتد قد وجب حدا، لارتداده وما وجد سبب آخر أقوى منه وهو حق الآدمي قدم عليه، وإذا سقط ذلك الحق بقي القتل حدا الذي كان عليه. وان قتل المسلم خطأ يجب عليه دية المسلم في ماله لا على عاقلته، مخففة أي مؤجلة ومؤداة في ثلاث سنين.

[ 342 ]

ولو قتله من يعتقد بقاءه (على الردة - خ) بعد توبته ففي القصاص إشكال. ولكن إذا قتل أو مات تحل الدية المؤجلة ويصير حاله كساير ديونه كما هو المقرر في جميع المديونين انه إذا قتل (قتله - خ) أو مات يحل ما عليه من الديون. وكأن وجه كونه في ماله لا على عاقلته، لقطع علاقة العاقلة بالارتداد كأنه ليس بقريب منه. فتأمل فانه لو مات يرثه عاقلته المسلم ان لم يكن أولى منه. ويحتمل النص والاجماع وما أعلمهما الآن. ويشكل ذلك في المرتد الفطري حيث لا مال له عندهم. وقد يدفع بناء على احتمال تملكه المتجدد من الاموال بكسبه وغيره كما سيجئ الا ان يكون حال القتل معسرا ان لم يتجدد له مال فيعمل معه ما يعمل بالمعسر أو يقال: يؤخذ من بيت المال، فانه لا يبطل دم امرئ مسلم. ويحتمل من ماله، ويكون الانتقال إلى الورثة متزلزلا، وهو بعيد. قوله: " ولو قتله من يعتقد الخ " لو تاب المرتد الملي ثم قتله مسلم باعتقاد انه باق على ارتداده ولم يرجع ولم يتب، ففي قصاص المسلم القاتل له، اشكال من حيث انه قتل هو مسلما عمدا، وذلك، هو الموجب للقصاص. ومن حيث انه ما قصد قتل مسلم، فهو ليس بقاتل مسلم باعتقاده، فلا عمد إلى ما قتل المسلم مع علمه بكونه مسلما فليس بعمد، فيؤخذ الدية لعدم بطلان دم امرئ مسلم. والظاهر انه يكون في ماله، لا على العاقلة. ويحتمل ترجيح الاول للنفس بالنفس (1)، وخرج منه ما خرج بالنص

(1) المائدة: 45.

[ 343 ]

والاجماع وبقي غيره، وما نحن فيه منه. ويؤيده أنه لا يجوز له قتله، واصل عدم اشتراط العلم بكونه مسلما وقصده باعتقاد ذلك في القصاص، والا لو يدعي قاتل مسلم انه ما كان يعتقد اسلامه حين قتله، لزم عدم قصاصه، فتأمل. وليس قتله قصاصا، حدا حتى يسقط بالشبهة كما قيل في شرح الشرائع (1). قال في الشرح: الفظة (بعد) (2) متعلقة ب‍ (قتله) لا بلفظ (يعتقد) ولا ب‍ (بقائه) (3) وتحرير المسألة ان قتل المكافي - في غير زعم القاتل، مباحا كان كالفرض المذكور أو غيره كمعتقد بقاء الذمي على الذمة أو العبد على العبودية حال إسلامه وحريته - هل يوجب القود ام لا؟ فيه وجهان، نعم لتحقق قتل المكافي ظلما، ولعموم قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة (4)، وكتب عليكم القصاص (5)، ان النفس بالنفس (6)، وقوله عليه السلام: إلى قوله (7): وقول الصادق عليه السلام في صحيحة الحلبي وعبد الله بن سنان: من قتل مؤمنا متعمدا اقيد به (8)، ولا لعدم القصد إلى قتله الذي هو شرط في القصاص، والقصد الذي

(1) في المسالك عند شرح قول المحقق: (إذا قتل المرتد مسلما عمدا فالوجه قتله): بعد بيان وجه جواز قتله قال: ووجه العدم عدم القصد إلى قتله على الحالة المحرمة، وان قصد مطلق القتل وان القصاص حد لتحقق معناه فيه، والظن شبهة فيدرأ بها وهذا اقوى وحينئذ فيجب الدية في ماله مغلظة لانه شبيه عمد (انتهى). (2) يعني في قول المصنف: ولو قتله من يعتقد بقائه على الردة بعد توبته ففي القصاص اشكال. (3) هكذا في النسخ كلها ولكن في الشرح: لا بلفظ (يعتقد بقائه). (4) البقرة: 179. (5) البقرة: 178. (6) المائدة: 45. (7) في الشرح وقوله عليه السلام: فاهله بين حربين وقول الصادق عليه السلام الخ. (8) الوسائل باب 19 حديث 3 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 37 وفيه قيد منه الا ان =

[ 344 ]

ولو طلب الاسترشاد احتمل عدم الاجابة بل يكلف الاسلام ثم يستكشف. هو إلى مطلق القتل، لا يستلزم القصد إلى مقيده، ولان القصاص حد، لاستعماله فيه، ولتحقق المعنى المشتق منه إذ الحد هو المنع، وهو حاصل في القصاص، والظن شبهة، والشيخ في المبسوط قوي القصاص محتجا بالعموم، وبان الظاهر من حاله انه لا يطلق من قبضة السلطان الا بعد الاسلام فكان (فكأن - خ) القصد إلى قتل المكافي متحققا (متحقق - خ)، وبه افتى في المختلف، واعلم انه مع عدم القول بالقصاص يجب الدية مغلظة في ماله وعليه نص في المبسوط (انتهى) (1). ولا يخفى أن القصاص اظهر، لما مر من العمومات بل الخصوصات مع عدم العلم بان مثل ذلك مسقط. وان الشبهة على تقدير تسليمها لا تسقط القصاص الذي هو حق الآدمي وان سمي حدا. والقصد إلى القيد (المقيد - خ) واقع في نفس الامر، وهو الموجب وان لم يعلم المقاصد ذلك. ولا يعتبر في تعلق قصد شخص بشئ علمه به، وهو ظاهر، فتأمل. قوله: " ولو طلب الاسترشاد الخ " إذا طلب المرتد الملي الاسترشاد وطلب كشف الغطاء عن الحق ورفع شكوكه وشبهته واظهار الحق ليقول به ويرتدع عما فعله مما يوجب الارتداد، يحتمل عدم الالتفات إليه وعدم الاصغاء إليه، وعدم سماع كلامه. قال في الشرح: وجه الاحتمال تضييق الاسلام أو القتل لقوله

= يرضى اولياء المقتول ان يقبلوا الدية، فان رضوا بالدية واحب ذلك القاتل فالدية اثنا عشر الفا والف دينار. (1) إلى هنا عبارة الشارح رحمه الله الذي نقله عنه هذا الشارح قدس سره.

[ 345 ]

عليه السلام: (ومن بدل دينه فاقتلوه)، والفاء للتعقيب رواه ابن عباس فيقدم، ولان الخيالات لا تنحصر، فيؤدي إلى طول البقاء على الكفر (والازالة ممكنة بعده - شرح)، ومن انه عذر في التأخير فيرشده ولان الاستتابة انما شرعت وفرض لها وقت إما مقدرا أو بحسب ما يؤمل معه الرجوع لدفع الشبهات بنظر أو تنبيه، وهو ظاهر المبسوط، والتحقيق أن مبنى (1) المسألة أن الاستتابة واجبة ام لا؟ الاجماع من المسلمين الا من شذ على الوجوب، فحينئذ هل لها مقدر ام لا؟ ظاهر فتاوى الاصحاب عدم التقدير، بل القدر الذي يؤمل معه الرجوع، وهو صريح المبسوط وظاهر الخلاف عدم تقديره أصلا، واحتاط في المبسوط بثلاثة ايام، وهو موجود في رواية مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام قال: المرتد عن الاسلام يعزل (عنه - ئل) امرأته ولا تؤكل ذبيحته ويستتاب ثلاثة ايام (2) وحينئذ هل ذلك واجب ام لا؟ ظاهرهم الوجوب ايضا فنقول: ان كان السؤال عن المناظرة دخل الشبهة قبل انقضاء الثلاثة أو القدر الذي يمكن معه الرجوع، فالاجود الاجابة، وان كان بعد انقضائهما فالاجود (فالاقرب - شرح) عدمه، والا أدى إلى طول الاستمرار على الكفر، ولانه متخاذل في هذه المدة عن السؤال إذ قد مضى عليه ما يمكن فيه التذكر (3). ولا يخفى ان التضييق غير مسلم فانه اول البحث. والرواية - مع الجهل بسندها - (4) لا تدل على المطلوب.

(1) ان مبنى هذه المسألة على الاستتابة هل هي واجبة ام لا (الشرح). (2) الوسائل باب 3 حديث 5 من ابواب حد المرتد ج 18 ص 548 وتمامه: فان تاب والا قتل يوم الرابع. (3) إلى هنا عبارة الشارح رحمه الله الذي نقله عنه هذا الشارح قدس سره. (4) سنده كما في الكافي هكذا: عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمان، عن مسمع بن عبد الملك.

[ 346 ]

ويملك ما يكتسبه حال ردته عن غير فطرة، وعنها اشكال. وانه يمكن ان يسترشد مقدار ما يمكن فيه الفهم والارشاد، فان حصل، والا فلا يسمع بعد ذلك فلا يؤدي إلى الطول، فدليل السماع أظهر. ويؤيده ان العقل يحكم بحسن اجابة من استرشد وطلب الهداية، وقبح رده عقلا ونقلا (1) حتى يظهر انه معاند الا ان يكون مما علم عدم فائدة ارشاده، وهو ظاهر. ولهذا قال: (ان الاستتابة واجبة باجماع المسلمين). وان التقدير بثلاثة ايام مذهب المتن فليس فتوى الاصحاب عدم التقدير. فالاجود ان يحال إلى نظر الحاكم، فان احتمل عنده الرجوع والارتداع (الارتداد - خ) وانه يسئل عن الارشاد معتقدا له ومريدا لازالة شبهته بفعل مقدار ما يمكن دفع مثله بمثله، لان ردعه واجب، وهو موقوف على ذلك بظنه، فلابد من فعله. وان رأى عدم التأثير والعناد وعدم التوجه إلى التحقيق والاستكشاف لا يسمع قوله بل يقتله، فهذا هو التحقيق، فافهم. قوله: " ويملك ما يكتسبه الخ " قال في الشرح: أما الاول - (أي تملك الملي ما يكتسبه من الاموال المتجددة بالاتهاب والاحتطاب، والاحتشاش وغيرها) - فلعدم زوال ملكه عنه، واما الثاني - (أي تملك الفطري ما يكتسبه ويحصل له من الاموال بعد الردة) - فمنشأ الاشكال زوال الملك عن أملاكه الحاصلة فعدم دخول المتجددة أولى، لان حفظ الباقي اضعف من ايجاد الحادث خصوصا مع القول باستغناء الباقي عن المؤثر، ولانه يجري عليه احكام الميت بالنسبة إلى امواله فلا يملك كما لا يملك الميت ومن وجود سبب الملك، وهو استيلاء الآدمي على مباح

(1) راجع اصول الكافي باب بذل العلم ج 1 ص 41 طبع الآخوندي.

[ 347 ]

وشبهه مع وجود نية التملك فيثبت مسببه، ولان انتقال الملك إلى غيره لا ينافي تملكه، وتكون فائدته ذلك الانتقال والاصح انه لا يملك اصلا، وهو اقرب وجهي القواعد، لان الاستيلاء مع وجود النية ليس علة تامة في الملك إذا لم يكن القابل حاصلا كالعبد، وهاهنا، القابل ممتنع القبول، وفي قول المصنف (يكتسبه) فائدة، هي ان القهري كالارث، والضمني كإيفاء الدين لا شك في الحكم فيهما، وهو عدم الملك في الاول وثبوت الملك الضمني في الثاني كثبوته في الميت، ويتفرع على الاشكال انتقاله إلى الوارث وعدمه (1). واعلم أن عموم أدلة تملك الانسان ما يتملك لسائر الاكتسابات - مثل الاحتطاب والاصطياد مع النية أو عدم نية الغير والاستيجار - يشمل المرتد كغيره. ولا شك ان ذلك علة ما لم يدل دليل على عدمها مع (من - خ) شرط آخر معدوم، أو وجود مانع، وهو ظاهر. ولا يصح خروج ما كان ملكا له عن ملكه مانعا لذلك، إذ يجوز في نظر العقل ان يزول ملكه عنه ويتملك ما يتجدد بسبب، لاحتمال مدخلية ورود الارتداد على ما يملك، دخلا في الازالة وعدم بقاء التملك. وبالجملة قد يكون سببا لزوال أمر في وقت ولم يكن مانعا لوجوده في وقت آخر لاحتمال تأثير ما كان معه في ذلك، مثل وجود المال حال الارتداد أو نفس الوقت، وهو ظاهر. أو يتملك ولم يبق، فكون الحفظ أضعف من الايجاد، لا يدل على ذلك خصوصا عند من قال: ان البقاء يحتاج إلى العلة كما هو الحق، لان علة الاحتياج هو الامكان، لا الحدوث كما حقق في محله.

(1) إلى هنا عبارة الشارح رحمه الله التي نقلها هذا الشارح قدس سره.

[ 348 ]

ثم ان انتقاله إلى الورثة - وهو حي - غير ظاهر، ووجود الدليل على انتقال الاملاك التي قبل حال الارتداد لا يدل على ذلك. وكذا كونه في حكم الميت في بعض الامور، فانه يجوز ان يكون حكمه حكم الميت في بعض احكامه دون البعض، ولهذا لا يجب بمسه الغسل، ولا يجب غسله وتكفينه ودفنه. ويؤيد التملك وعدم الانتقال، انه حي يحتاج إلى النفقة فيبعد ان لا يكون له صلاحية التملك، خصوصا مع عدم وجوب نفقته على غير ووجوبه عليه. الا ان يقال: انه لا يجب عليه، بل لا يجوز، فانه يجب انعدامه فلا يجوز ان يقال: حتى يموت، أو يقال: نفقته على بيت المال فتأمل وان في - الفائدة ايضا - تأملا فان الاول أي المرتد الملي يحتمل ان يملك القهري في الجملة، مثل ان كان مورثه كافرا أصليا أو مرتدا، فالتقييد بالكسب مضر من جهة، وان كان نافعا من جهة اخرى. وان لفظة (اشكال) في المتن غير ظاهر الاعراب، فان تقديره: (ويملك ما يكتسبه حال ردته عن غير فطرة وعنها - أي عن فطرة - اشكال) فالعبارة غير جيد (1) والمقصود ظاهر وهو ان في تملك المرتد الفطري ما يكتسبه بعد زمان ردته اشكال.

(1) نعم لكن في النسخة المطبوعة اولا بالطبع الحجري، وضع لفظة (على - خ) قبل قوله: اشكال وعلى هذه النسخة يرتفع الاشكال كما لا يخفى.

[ 349 ]

المقصد التاسع في وطء البهائم والاموات من وطأ من العقلاء البالغين دابة مأكولة اللحم، عزر وغرم قيمتها ان لم تكن له، وحرمت، ونسلها المتجدد، ولبنها، وذبحت واحرقت وإن كانت غير مأكولة اللحم كالخيل، والبغال، والحمير، اخرجت من البلد وبيعت في غيره واغرم ثمنها لمالكها ويتصدق بما يباع به على رأي، ودفع إليه على رأي. قوله: " من وطأ من العقلاء البالغين الخ " من المحرمات الموجبة للتعزير والحد وغيرهما من الاحكام الآتية، وطء البهائم، جمع بهيمة، وهو الحيوان غير الانسان. اما الفاعل وهو العاقل البالغ فلا يثبت الحكم المذكور عنده للصبي والمجنون، وهو ظاهر. ولا يحتاج إلى الدليل بالنسبة إلى أن فعلهما حرام وموجب للتعزير أو الحد

[ 350 ]

على ما سيأتي، فان فعلهما لا يوصف به، وانهما لا يعزران، ولا يحدان لانهما غير مكلفين، وهما في فعل المكلف، نعم يؤدبان لدفع الفتنة والاستصلاح. واما بالنسبة إلى سائر الاحكام من تحريم الموطوءة، وتحريقها، والتغريم لصاحبها، فليس بواضح وسيأتي دليلها، فتأمل في شمولها. واما المفعول، فقد علم انه مطلق الحيوان غير الانسان. واما احكامه، فهي انه ان كانت الموطوءة دابة أي حيوانا مأكولة اللحم أي المطلوب منها أكل لحمها، وانه المتعارف منها مثل الغنم، والبقر، والناقة مذكرا كان أو مؤنثا، فبمجرد تحقق ما يصدق عليه الوطء دبرا كان أو قبلا، عزر الفاعل، وغرم لصاحبها قيمتها ان لم تكن له وحرم نسلها المتجدد بعد الوطء بان تحمل حينئذ. ويحتمل تحريم نسل الفحل الموطوء الذي حصل بعده، فتأمل. وكذا لبنها الذي حصل بعد الوطء، وذبحت واحرقت. وان كانت غير ماكولة اللحم - أي لا يكون المقصود منه الاكل ولم يكن متعارفا اكل لحمها وان كان لحمه حلالا مثل الخيل والبغال والحمير - اخرجت من البلد، بدل الذبح، والتحريق في الاولى وباقي الاحكام مشترك. وتباع ويتصدق بما يباع به من الثمن على رأي. لعل البايع هو المالك أو وكيله، ويحتمل الحاكم والغارم، وكذا المتصدق ورأي آخر انه (1) يدفع إلى الغارم الواطي، وعلى هذا ينبغي أن يكون هو البايع فكأنه بعد اعطاء قيمتها صارت له، فتأمل. أما دليل هذه الاحكام، فهي رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام والحسن (الحسين - ئل) بن خالد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام،

(1) يعني الحيوان الغير المأكول اللحم الموطوء.

[ 351 ]

واسحاق بن عمار، عن أبي ابراهيم موسى عليه السلام في الرجل يأتي البهيمة؟ فقالوا جميعا: ان كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت احرقت بالنار ولم ينتفع بها، وضرب هو خمسة وعشرين سوطا ربع حد الزاني وان لم تكن البهيمة له قومت عليه واخذ ثمنها منه ودفع إلى صاحبها وذبحت واحرقت بالنار، وضرب خمسة وعشرين سوطا، فقلت: فما ذنب البهيمة؟ قال: لا ذنب لها، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وآله - فعل هكذا وأمر به لكيلا يجترئ الناس بالبهائم وينقطع النسل (1). ولا يضر جهل (الحسن) والقول في (اسحاق) فانها صحيحة بطريق (عبد الله بن سنان) ولا يضر يونس بن عبد الرحمان (2)، بل محمد بن عيسى عنه (3) ايضا، فتأمل. وهي لا تدل على جميع الاحكام المذكورة، مثل تحريم النسل واللبن، ولكن يمكن ادعاء ذلك فانه قال: (ذبحت ولم ينتفع بها) واكل النسل واللبن انتفاع بها. ولانه لولاه لما جاز ذبحها فافهم. وايضا ما تدل على الفرق المذكور بين المأكول وغيره، بل تدل على ان الحكم واحد، وهو المذكور في الاول، فتأمل. ورواية سماعة - كأنها موثقة له - قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل يأتي بهيمة، شاة أو ناقة أو بقرة؟ قال: فقال: عليه ان يجلد حدا غير الحد ثم ينفى من بلاده إلى غيرها وذكروا (وذكر - خ) أن لحم تلك البهيمة محرم ولبنها (4).

(1) الوسائل باب 1 حديث 1 من ابواب نكاح البهائم ج 18 ص 570. (2) سنده كما في التهذيب هكذا: يونس بن عبد الرحمان، عن عبد الله بن سنان. (3) اورد في مشيخة التهذيب والاستبصار طريقه إلى يونس بن عبد الرحمان بأربعة طرق في اثنين منها ينتهي إلى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني عن يونس بن عبد الرحمان فراجع أواخر المشيخة من الكتابين. (4) الوسائل باب 1 حديث 2 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 571.

[ 352 ]

وهذه مع ضعفها ما تدل على تمام الحكم المشهور، بل على تحريم لحمها ولبنها، وتدل على غير المشهور، وهو نفي الفاعل في البهيمة المأكولة، وما نرى قائلا به، وانه يحد. والظاهر أن المراد به التعزير، ولهذا قال: غير الحد فيحمل على ما تقدم من خمسة وعشرين سوطا. ورواية سدير، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يجلد دون الحد ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق، (وتدفن - خ) ان كانت مما يؤكل لحمه، وان كانت مما يركب ظهره اغرم قيمتها وجلد دون الحد واخرجها من المدينة التي فعل بها فيها إلى بلاد اخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كي لا يعير بها صاحبها (1). وفي الطريق اسحاق بن جرير (2)، مع سدير، ولا تدل على كل الاحكام فافهم. وتدل على الحد المجهول، وكأنه يريد بالحد، (دون الحد)، التعزير المتقدم ورواية (العلا بن - ئل يب) الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يقع على بهيمة؟ قال: فقال: ليس عليه حد، ولكن تعزير (3). وفي الطريق يونس، عن محمد بن سنان (4)، ولا يضر، فانها لا تدل الا على التعزير، وهو ظاهر، وكذا رواية الفضيل (بن يسار - ئل) وربعي بن عبد الله، عن

(1) الوسائل باب 1 حديث 4 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 571. (2) طريقه كما في التهذيب هكذا: احمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن اسحاق بن جرير، عن حريز عن سدير. (3) الوسائل باب 1 حديث 3 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 571. (4) طريقه كما في التهذيب هكذا: يونس بن عبد الرحمان، عن محمد بن سنان، عن العلا بن الفضيل.

[ 353 ]

أبي عبد الله عليه السلام في رجل يقع على البهيمة؟ قال: ليس عليه حد، ولكن يضرب تعزيرا (1). لعل المراد ب‍ (الرجل) هو البالغ، لانه المتبادر منه الا الصبي ايضا، والعاقل لدلالة العقل عليه، فيكون التعزير المذكور بل الاحكام كلها مخصوصة بالبالغ العاقل. ويؤيده الاصل وسقوط الحد وبنائه على التحقيق والتخفيف، والتعزير كذلك. وتدل على القتل صحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أتى بهيمة: قال: يقتل (2). وكذا مرسلة سليمان بن هلال - الضعيفة - قال: سأل بعض اصحابنا ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي البهيمة؟ فقال: يقام قائما ثم يضرب ضربة بالسيف اخذ السيف منه ما اخذ، قال: فقلت: هو القتل؟ قال: هو ذاك (3). ورواية أبي فروة، تدل على حد الزاني (4). وكذا صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أتى بهيمة فأولج؟ قال: عليه الحد (5). كأن المراد حد الزنا كما يدل عليه روايته الاخرى، عن أبي عبد الله عليه السلام في الذي يأتي البهيمة فيولج؟ قال: عليه حد الزاني (6).

(1) الوسائل باب 1 حديث 5 من ابواب نكاح البهائم ج 18 ص 571. (2) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (3) الوسائل باب 1 حديث 7 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (4) راجع الوسائل باب 1 حديث 9 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (5) راجع الوسائل باب 1 حديث 8 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (6) راجع الوسائل باب 1 حديث 8 بالسند الثاني من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572.

[ 354 ]

والشيخ جمع بينها باحد الامرين، (إما) حمل الاخيرة على الوطئ والادخال، كأنه يريد مجرد الدخول، ويحتمل غيبوبة الحشفة فيكون الامام مخيرا بين القتل وحد الزاني ان اولج وايده بالتصريح في روايتي أبي بصير، فكأنها تدل على انه إذا كان دون الايلاج، لا يحد وحمل الاول على عدم الدخول والايلاج فيكون ذلك موجبا للتعزير فقط. (واما) حمل الاول على المرة الواحدة أو الاثنين والاخيرة على من تكرر منه ذلك مع الحد فيقتل في المرة الثالثة، لما مر في صحيحة يونس ان صاحب الكبيرة يقتل في الثالثة. وقيل: في الرابعة ان يريد بحد الزنا حينئذ، القتل، والرجم لانه حد الزاني المحصن. وهو لا يخلو عن بعد. والتخيير بين القتل ومائة جلدة ان لم يزد ذلك، وهو وان لم يكن (كان - خ) بعيدا الا انه لا يناسب تعيين القتل لرواية يونس (1). واعلم أن بعض الروايات الدالة على الحد والقتل صحيحة، الا انها خلاف المشهور، والاصل، والتخفيف، والتحقيق، والاحتياط. والظاهر ان ذلك كله لا يضر عند من اثبت حجية خبر الواحد ولم يقل بحجية الشهرة فالجمع لابد منه لصحة الروايات وان كان بعيدا، وقد مر جمع الشيخ. ويمكن حمل القتل على الضرب، وهو ايضا بعيد في صحيحة جميل (2)،

(1) الوسائل باب 5 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 313. (2) الوسائل باب 1 حديث 6 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572.

[ 355 ]

وهو (1) الآن متعارف الناس. وكذا مرسلة سليمان بن هلال (2) ان امكن، وان لم يمكن فنحذفها لضعفها. ويمكن المناقشة في صحة رواية أبي بصير (3)، لاشتراكه، واشتراك يونس وابن مسكان (4)، وما ذكر من الشهرة وغيرها مؤيدة، فتأمل. واما بيع غير المأكول، ودفع القيمة إلى الواطئ بعد ان يغرم القيمة، فظاهر. واما التصدق بها، فما دل عليه شئ من الروايات وغيرها وبالجملة لا دليل له. فالذي يقتضيه النظر أن تكون القيمة، بل الدابه بعد أخذ قيمتها من الواطئ لصاحبها، له يفعل بها ما يريد، ولكن بعد اخراجها من تلك البلدة، لانه إذا وقع عوضها وقيمتها فصارت هي له. ولعل مجرد الدفع موجب للانتقال، ولا يحتاج إلى شئ من العقود الناقلة، بل بالوطئ فقط فيكون قيمتها عليه، دفعها ام لا. ويحتمل ان تكون الدابة لمالكها ويكون أخذ القيمة للحيلولة فيه، ففرع عليه انه بعد بيعها بالزيادة لمن تكون فتأمل. ويحتمل التصدق بالقيمة، لان الواطئ خان، والتغريم لما فعل من القبيح

(1) الظاهر ان المراد ان الضرب متعارف الناس لا القتل. (2) الوسائل باب 1 حديث 7 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (3) الوسائل باب 1 حديث 8 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 572. (4) فان سندها كما في التهذيب هكذا احمد بن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير.

[ 356 ]

ويثبت بعدلين وبالاقرار مرة إن كانت ملكه والا ثبت التعزير. ويقتل مع تخلل التعزير ثلاثا. ووطئ الميتة كالحية، بل يغلظ في العقوبة في غير المحصن ولو كانت زوجة عزر. واسقط انتفاع صاحبها، فلا عوض له، ولهذا لم يصل إليه عوض في المأكولة، وليس للمالك ايضا، إذ فيه جمع بين العوض والمعوض، فيكون في سبيل الله فيتصدق به. وفيه تأمل، إذ الظاهر انه للغارم، فانه غرم لمالكها، فيكون الثمن له، وعقوبته هي حده وتعزيره. قوله: " ويثبت بعدلين الخ " ثبوت وطئ البهيمة اما بعدلين، فظاهر فانهما حجة شرعية واما باقرار الواطئ فان كانت الداببة الموطوءة، ملكه ثبت بالاقرار مرة ان كان ممن يقبل اقرار لاقرار العقلاء على انفسهم جائز، والا لم يثبت الوطئ، فان اقرار العقلاء في حق مال الغير غير مقبول، فلا يلزم شئ من الاحكام الا التعزير فانه يثبت بذلك، فانه اقرار في حقه بموجب ذلك وان لم يسمع بالنسبة إلى باقي الاحكام، وهو ظاهر، وله نظائر. ولكن لم ينتفع هو بتلك الدابة وان انتقلت إليه يفعل بها ما تقدم. ويحتمل ان يلزمه القيمة ايضا بينه وبين الله فيوصلها إليه. ويحتمل العدم فانه ما أخرجت الدابة من يد صاحبها فلا عوض له، والا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. قوله: " ويقتل الخ " قد مر ان القتل في الثالثة أو الرابعة في مطلق الكبائر، فتأمل. قوله: " ووطئ الميتة كالحية الخ " تدل على ذلك رواية عبد الله بن

[ 357 ]

محمد الجعفي، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها و (ثم - ئل) نكحها، فان الناس قد اختلفوا علينا (هاهنا - كا) في هذا فطائفة قالوا: اقتلوه، وطائفة قالوا: احرقوه بالنار؟ فكتب إليه أبو جعفر عليه السلام: ان حرمة الميت كحرمة الحي، حده ان يقطع يده لنبشه وسلبه الثياب، ويقام عليه الحد في الزنا، ان احصن رجم، وان لم يكن احصن، جلد مائة (1). ولا يضر الضعف بجهل آدم بن اسحاق وعبد الله (2). ومرسلة ابن أبي عمير، عن بعض اصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في الذي يأتي المرأة وهي ميتة؟ فقال: وزره اعظم من ذلك الذي يأيتها وهي حية (3). ولا يضر الارسال، ولا وجود الحسن بن علي بن فضال (4). فإذا كان وزره اعظم من الزاني بحية، تكون عقوبته، وحده كذلك، والزيادة على الرجم لم يثبت، فالمحصن يرجم، وفي الجلد يزاد في الجملة كما أو كيفا. واليه اشار بقوله: (بل يغلظ في العقوبة في غير المحصن). هذا في غير الزوجة، ولو كانت الميتة الموطوءة زوجة الواطئ لا يحد، لانه

(1) الوسائل باب 2 حديث 1 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 573. (2) سندها كما في الكافي هكذا: علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن آدم بن اسحاق، عن عبد الله بن محمد الجعفي. (3) الوسائل باب 2 حديث 2 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 574. (4) سندها كما في التهذيب هكذا: محمد بن علي بن محبوب، عن ايوب بن نوح، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن أبي عمير، عن بعض اصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 358 ]

ويثبت بما يثبت به الزنا على رأي. ليس بالزنا كوطئ زوجته في الحيض، الا انه لما كان حراما عزر كما في غيره. فعلم أن حكمها حكم الحية. وعلى الزوجة حمل الشيخ - تارة - رواية أبي حنيفة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل زنى بميتة؟ قال: لا حد عليه (1). وتارة حملها على عدم تعيين حد واحد، فانه - تارة - رجم - وتارة - جلد. وهما بعيدان، فان وطئ الزوجة الموطوءة لا يقال له الزنا ولو كان الزنا لكان فيه الحد ايضا. وظاهر نفي الحد هو الجلد والرجم معا. ويمكن ان يقال: بحذفها، للضعف بابي حنيفة (2) ونعمان بن عبد السلام وسليمان بن خالد داود، والقاسم بن محمد، وعلي بن محمد القاساني. وعدم دليل حد (3) على الواطئ زوجته الميتة، هو الاصل مع عدم دليل عليه، فان الخبر السابق لا يدل عليه، لعدم العموم والصحة، وعدم صدق الزنا، فتأمل. قوله: " ويثبت بما يثبت به الزنا الخ " الظاهر ان مذهب أكثر الاصحاب ان وطء الميتة يثبت بما يثبت به الزنا من الشهود الاربعة، والاقرار به باربعة مرات، لا أقل عن ذلك، لعموم ما يدل على ان الزنا إنما يثبت بذلك، اعم من ان يكون بالميتة أو بالحية والوطء بالميتة زنا. وللاصل والاحتياط في الحدود، وسقوطها بالشبهة.

(1) الوسائل باب 2 حديث 3 من ابواب نكاح البهائم ووطء الاموات ج 18 ص 574. (2) سندها كما في التهذيب هكذا: محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن النعمان بن عبد السلام، عن أبي حنيفة. (3) هكذا في النسخ والصواب هكذا: (ودليل عدم حد الخ).

[ 359 ]

وبعدلين أو الاقرار مرتين على رأي. واللائط بالميت كالحي ويغلظ لو لم يوقب. ولما مر في الاقرار بالزنا من المبالغة لعدم ثبوته والتعريض لانكاره وعدم الاقرار به. ولخفاء الامر، ولتحقق حد القذف بالزنا والاصل عدم سقوطه حتى يتيقن ذلك، وانما ذلك بالاربعة. وقال بعض آخر: بالثبوت بالشاهدين، والاقرار مرتين، لعموم كونهما حجة شرعيه و (إقرار العقلاء على انفسهم جائز) (1) كانه لا قائل بالمرة فيثبت بالمرتين. وقد يمنع العموم، وبعد التسليم يخصص بما خصص به الزنا، فتأمل. وقد فرق بين الزنا بالحية والميتة بان الاربعة للحية لاثبات زنا الرجل والمرأة، وفي الميتة بالواحد. وهو ضعيف، وكأن وجه مناسبته بعد إقامة الدليل لا إستدلال، ولهذا لابد من الاربعة ولو كان المشهود عليه زنا احدهما فقط والآخر يكون مكرها أو مشتبها عليه أو مجنونا. ولانه لو كان كذلك لزم ثبوت زنا أحدهما لو شهد إثنان بزنا احدهما والحال انه لابد من اجتماع الكل على واحد وهو ظاهر. قوله: " واللائط بالميت الخ " يعلم دليله والبحث فيه من المقايسة بالزنا بالميتة، فان ذلك مثل اللواط بالحي الا انه يغلظ في الميت لو لم يوقب، لانه افحش، وفي الايقاب لزم القتل فلا تغليظ. ويحتمل التغليظ بان يقدم التعزير ثم يقتل، وكذا في الزنا بالميتة كما يجمع بين الجلد والرجم فتأمل فيثبت بما يثبت اللواط في الحي فهو مثله في الاحكام وما

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 223 وج 2 ص 257 وج 3 ص 442 طبع مطبعة سيد الشهداء.

[ 360 ]

ويعزر المستمني بيده. نقل هنا الخلاف وهذا مؤيد لكون الزنا بالميتة مثله بالحية. قوله: " ويعزر المستمني الخ " دليل التعزير في الاستمناء باليد فأمنى، هو ثبوت التعزير في مطلق المحرمات وهو منها، كأنه للاجماع والخبر مثل ما روي عنه عليه السلام: لعن الناكح بالكف (1) (بكفه - خ). قال في شرح الشرائع: الاستمناء باليد وغيرها من أعضاء المستمني وغيره عدا الزوجة والامة محرم (محرمة - خ) تحريما مؤكدا، قال الله تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم (إلى قوله): ومن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون (2) وهذا الفعل مما وراء ذلك. وعن النبي صلى الله عليه وآله (الخبر المتقدم) (3). تحريم جميع الاعضاء من الجميع، غيرهما (غيرها - خ)، غير ظاهر وان كان قريبا. والآية غير صريحة، بل غير ظاهرة ايضا، نعم الخبر دل على التحريم بكفه لو صح. وتدل عليه ايضا بخصوصه رواية طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام اتي برجل عبث بذكره فضرب يده حتى احمرت ثم زوجه من بيت المال (4). ورواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: إن عليا عليه السلام اتي

(1) عوالي اللئالي: ج 38 ج 1 ص 260. (2) المؤمنون: 4 - 7. (3) المصدر السابق. (4) الوسائل باب 3 حديث 1 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 574.

[ 361 ]

ويثبت بعدلين أو الاقرار مرة. برجل عبث بذكره حتى انزل فضرب يده (بالدرة - خ) حتى احمرت قال: ولا اعلمه الا قال: وزوجه من بيت مال المسلمين (1). ولا يضر ضعفها لفتوى الاصحاب مع عدم ظهور الخلاف وما تقدم، فتأمل. ويمكن حمل رواية ثعلبة بن ميمون وحسين (حسن - خ) بن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بيده حتى ينزل؟ قال: لا بأس به ولم يبلغ به ذاك شيئا (2). على (3) عدم حد وتعزير مقرر وموظف لا يجوز التعدي عنه وعدم بلوغه ذلك فانه تعزير موكول إلى رأي الامام يفعل ما يراد بحسب المصلحة فينبغي التزويج من بيت المال ايضا. وإذا لم يمن يحتمل عدم شئ للاصل وللتقييد به في الخبر وان كان الاولان غير مقيدين به فيقيدان به، وللتبادر. ويحتمل هنا أيضا التعزير، ولكن غير ما كان هناك، لعدم المنافاة بينهما حتى يقيد احدهما بالآخر، ولثبوته في مطلق المحرمات، وهذا عندهم كذلك. ولو لم يكن كذلك فالعمل برواية زرارة متعين، فانها الصحيحة لا غيرها، فتأمل. قوله: " ويثبت بعدلين الخ " دليله ما تقدم من انهما حجة شرعية والاقرار من اهله جائز على نفسه، كأنه لا قائل بالثبوت بالمرة فيثبت بالمرتين، فتأمل.

(1) الوسائل باب 3 حديث 2 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 575. (2) الوسائل باب 3 حديث 3 من ابواب نكاح البهائم الخ ج 18 ص 575. (3) متعلق بقوله قدس سره: (حمل رواية الخ).

[ 362 ]

تتمة لا كفالة في حد، ولا شفاعة في اسقاطه، ولا تأخير مع الامكان. قوله: " لا كفالة في حد الخ " دليل عدم الكفالة، رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كفالة في حد (1). ويدل على عدم سقوطه بالشفاعة، رواية سلمة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان اسامة يسمع في الشئ الذي لا حد فيه فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله بانسان قد وجب عليه حد فشفع له اسامة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تشفع في حد (2). ورواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان لام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمة فسرقت من قوم فاتي بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكلمته ام سلمة فيها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا ام سلمة هذا حد من حدود الله عزوجل لا يضيع فقطعها رسول الله صلى الله عليه وآله (3). ورواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يشفعن احد في حد إذا بلغ الامام فانه لا يملكه وان شفع فيما لم يبلغ الامام إذا رأيت الندم واشفع عند الامام في غير الحد مع الرجوع من المشفوع له ولا يشفع في حق امرء مسلم ولا غيره إلا بإذنه (4). ورواية المثنى الحناط عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله

(1) الوسائل باب 21 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 333. (2) الوسائل باب 20 حديث 3 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 333. (3) الوسائل باب 20 حديث 1 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 332. (4) الوسائل باب 20 حديث 4 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 333.

[ 363 ]

ولا دية لمقتول الحد أو التعزير على رأي، وعلى بيت المال على رأي. صلى الله عليه وآله لاسامة بن زيد: يا اسامة لا تشفع في حد (1). ويدل عليه الاعتبار أيضا، فان سقوط حق شرعي - بعد ان ثبت - يحتاج إلى دليل ولا دليل لجواز اسقاطه بالشفاعة. نعم قد يسقط بالتوبة وبالعفو من صاحبه قبل المرافعة، فتذكر. وقد مر عدم جواز تأخيره ايضا في الخبر مع امكان اقامته بالفعل ومعجلا، فتذكر. ويدل عليه ايضا، الاعتبار فتأمل. قوله: " ولا دية لمقتول بالحد الخ " دليل عدم دية المقتول حدا على قاتله ولا على بيت المال، الاصل، وانه فعل جائز، بل واجب، فلا يستعقب الضمان. وصحيحة سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام (يقول - ظ) من بدأ فاعتدى، فاعتدي عليه فلا قود (2). فافهم فان الظاهر ان المقصود نفي العوض مطلقا كما في آية الاعتداء، فتأمل. وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له (3). ورواية زيد الشحام، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل قتله القصاص هل له دية؟ قال: لو كان ذلك لم يقتص من احد، و (قال) من قتله

(1) الوسائل باب 20 حديث 2 من ابواب مقدمات الحدود ج 18 ص 333. (2) الوسائل: ب 22 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 43. (3) الوسائل باب 24 حديث 9 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 47.

[ 364 ]

الحد، فلا دية له (1). ومثلها بعينها رواية ابي الصباح الكناني (2). وفي الطريق محمد بن الفضيل (3)، المشترك. ودليل القول بالدية، لعل رواية الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان يقول: من ضربناه حدا من حدود الله فمات، فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدا في شئ من حقوق (حدود - ئل) الناس فمات، فان ديته علينا (4). وهذه واحدة ضعيفة ب‍ (الحسن) فتطرح بالسابقات مع اعتبار بعضها وموافقتها للاصل والجماعة. مع انها لا تدل على الرأي المذكور في المتن، بان كون الدية على بيت المال، وهذه ظاهرة في انها على الامام عليه السلام. فيحتمل ان يكون دليل قول آخر كما يظهر من كلام الشيخ المفيد رحمه الله، في الشرح. وأيضا تدل على الاخص من ذلك. وجمع الشيخ بينها بحمل الاول على عدم الدية في بيت المال ان كان الحد في حدود الله مثل الزنا، والاخيرة على كونها فيه إذا تاب، في حد يكون من حق الناس، مثل القذف مع انها ظاهرة في مآل الامام عليه السلام.

(1) الوسائل باب 24 نحو حديث 1 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 46. (2) الوسائل باب 24 حديث 1 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 46. (3) طريقها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني. (4) الوسائل باب 24 حديث 3 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 46.

[ 365 ]

ولو ظهر فسق الشاهدين بعد الحد فالدية في بيت المال. ثم انه قال في الشرح: محل الخلاف حقوق (حد الآدمي الشرح) الناس والتعزير (1). ويؤيده ان رواية الحسن التي منشأ الخلاف مخصوصة بحقوق الناس وقد نفى صريحا الضمان عن حقوق الله. وفيه تأمل، فان ظاهر المتن خلافه، والخبر لا يدل على اختصاص الخلاف هذا في الحد، والظاهر انه مثله في التعزير. قال في الشرح: وقيل: الخلاف يختص بالتعزير، لان الحد مقدر، والتعزير اجتهادي وليس بجيد ادعاء واستدلالا، أما الاول، فلما ذكرناه من حصول الخلاف في الحد واما الثاني، فلان التعزير ربما كان من الامام ولا يمكن الاجتهاد في حقه. ومفهوم هذا الكلام انه ربما حصلت فيه زيادة، وهي ممتنعة في حق المعصوم (2). ويحتمل كون الخلاف في غيبة الامام عليه السلام، فلا يرد عليه ما اورده، فتأمل. وايضا قد رأوا من الاجتهاد، النظر في المصلحة. وايضا كون المفهوم ما ذكره غير ظاهر، لاحتمال اداء التعزير المعين له إلى الهلاك، فتأمل. قوله: " ولو ظهر فسق الشاهدين الخ " أي لو شهد الشهود بموجب حد على شخص فحكم عليه بالقصاص لشهادتهما بعد تحقيق حالهما، على الوجه الذي يجب فقتل المشهود عليه أو قطع.

(1) إلى هنا عبارة الشرح. (2) إلى هنا عبارة الشرح.

[ 366 ]

ولو انفذ الحاكم الى حامل لاقامة الحد فاجهضت خوفا فدية الجنين في بيت المال. ولو أمر الحاكم بالضرب أزيد من الحد فمات ضمن نصف الدية في ماله ان لم يعلم الحداد. طرفه ثم ظهر فسقهما أو فسق احدهما، يلزم ديته في بيت مال المسلمين، فانه من خطأ الحكام، وهو على بيت المال، لما مر ما يدل عليه من رواية السكوني (1). ولان إبطال حق الناس غير معقول، وإلزام الحداد أو الحاكم كذلك فيلزم في بيت المال الذي هو لمصالح المسلمين. ويحتمل على الشهود على تقدير تدليسهما. قوله: " ولو انفذ الحاكم الخ " أي لو أنفذ وبعث الحاكم جماعة إلى ان يقيموا على حامل حدا فاجهضت والقت الحامل جنينها من خوف ذلك، فالجنين مضمون وديته على بيت مال المسلمين، لما تقدم في المسألة السابقة لعل الحاكم اخطأ في الانفاذ لحد الحامل، فانها لا تحد أو جعل ذلك. ويحتمل (2) حدا لا يضر الحمل مثل قطع اصبعها، فتأمل. قوله: " ولو امر الحاكم بالضرب الخ " أي لو امر القاضي الغير الامام ان يضرب من عليه حد كمائة للزنا - مثلا - ازيد من ذلك، بسوط وما فوق فمات المحدود بضرب الكل وكان الحداد جاهلا بعدم جواز الزيادة وكان الحاكم عامدا في ذلك، ضمن الحاكم نصف دية المحدود في ماله، لا في بيت المال، ولا يضمن

(1) تقدم موضعها آنفا فلاحظ. (2) يعني يحتمل كون المراد من قول الماتن رحمه الله (لاقامة الحد) حدا لا يضر الحمل فلا يحتاج إلى التوجيه بقولنا: (لعل الحاكم اخطأ الخ).

[ 367 ]

ولو كان سهوا فالنصف على بيت المال، ولو زاد الحداد عمدا مع أمر الحاكم بالاقتصار على الواجب، فالنصف عليه في ماله، وان كان سهوا، فعلى عاقلته. وسراية الحد غير مضمونة وان اقيم في حر أو برد. الحداد شيئا، لانه مأمور من جهة الحاكم، فهو وان كان مباشرا الا ان السبب - وهو الحاكم - اقوى منه فهو الضامن، ولما كان مقتولا بحق وظلم، فيكون النصف على الظالم ولم يكن قتله به لشركة الحق معه. ولعدم قصد القتل وعمده فلا يوجب القصاص فيكون عليه نصف الدية في ماله لا في مال العاقلة لعدم الخطأ. ويحتمل التمام، إذ قد يقال: لو لم يكن الزائد لما يموت، وأيضا حكمه غير جائز، لانه فاسق لا يصح حكمه لاشتراط العدالة في الحاكم. ولو كانت الزيادة من الحاكم سهوا وخطأ يكون نصف الدية حينئذ في بيت مال المسلمين، فان خطأ الحاكم فيه. وان كانت الزيادة من الحداد عمدا يكون النصف في ماله لانه مباشر مع عدم قوة السبب، فإنه كان عليه، ان لا يفعل سواء كان الحاكم امره بالاقتصار على الواجب ام لا، الا ان يكرهه على ذلك، فيكون على المكره. وان كان سهوا وخطأ من الحداد يكون نصف الدية على عاقلته، فان الخطأ على العاقلة. ويحتمل ضمان تمام الدية لما مر، فتأمل. قوله: " وسراية الحد الخ " قد مر ان سراية الحد غير مضمونة فلا وجه للتكرار، بل قد يتوهم الرجوع، فإنه أولا تردد حيث نقل القولين من غير ترجيح وهنا جزم بعدم السراية.

[ 368 ]

فلعله اعاد لذلك، أو كان وجهه ذكره (وان اقيم في حر أو برد) دفعا لتوهم أنه زمان له دخل في الاتلاف، فكأنه لاختياره مع عدم جواز التأخير له ضامن ووجه العدم، أنه كان له الحد في ذلك الزمان وان كان جائزا لتأخير ومكروها (ومكرها) حينئذ مع عدم التعدي عن الشرع، فلا ضمان كما في غيرها فتأمل.

[ 369 ]

كتاب الجنايات

[ 371 ]

كتاب الجنايات الجناية إما على نفس أو طرف وهي إما عمد محض. ويحصل بقصد المكلف إلى الجناية بما يؤدي إليها ولو نادرا. كتاب الجنايات قوله: " الجناية إما على نفس أو طرف وهي إما عمد محض ". الظاهر أن المراد بالجناية هنا اعم مما يوجب القصاص في النفس أو الطرف، بل في الاعضاء مطلقا ومما يوجب الدية كذلك فقط، لما يفهم من تقسيمها وبيان الاقسام. وكان ينبغي ان يراد بها ما يوجب القصاص فقط، لما سيأتي من كتاب الديات. وايضا كان ينبغي تقسيمها إلى النفس والاعضاء لا إلى النفس والطرف، الا أن يريد بالطريف مطلق العضو. وكان ينبغي ان يعبر ب‍ (كتاب القصاص) لما سيأتي من كتاب الديات كما فعل في الشرائع وغيره أو ب‍ (كتاب الجناية) ثم يجعل مقصدا في القصاص وآخر في الديات كما فعل في القواعد. قوله: " ويحصل بقصد الخ ". إشارة إلى تعريف جناية العمد الموجبة

[ 372 ]

لا بالقصد إلى الفعل الذي يحصل به الموت، إذا لم يكن قاتلا غالبا، كضرب الحصاة والعود الخفيف وإما خطأ محض، وهو ما لا قصد فيه إلى الفعل، كما لو زلق فسقط على غيره. أو ما لا قصد فيه إلى الشخص، كما لو رمى صيدا، فأصاب انسانا. للقصاص في النفس، وهي ان يقصد المكلف القتل بما يؤدى إليه سواء كان مما يقتل به غالبا أو نادرا، ولا يتحقق بمجرد قصد الفعل، وإن حصل به الموت إذا لم يكن ذلك الفعل قاتلا غالبا كالضرب بالحصاة والعود الخفيف فإن قصد بهما مجرد الضرب وإن حصل القتل والموت لم يكن عمدا، وإن قصد بهما القتل يكون عمدا وكذا إن قصد الضرب بما يقتل قتل وعمد (قتل عمد - خ). وكذا الضرب في المواضع التي يقتل بالضرب عليها. فكان ينبغي أن يأخذ في التعريف، ويقول: ويحصل بما يحصل به القتل غالبا مع تحقق الموت ويقصد القتل بما يقتله نادرا أو غالبا. فالعمد عنده يحصل بامور ثلاثة وهذا هو الموجب للقصاص في النفس مع الشرائط الآتية. ثم أنه لا شك (ولا خلاف - خ) في تحقق العمد الموجب للقصاص بما يقتله غالبا لصدق العمد للقتل لغة وعرفا وشرعا ايضا. والظاهر أن القتل بما يقتل غالبا إن قصد الفعل ولم يقصد القتل ايضا، عمد. وفي القتل بما لا يقتل غالبا مع قصد القتل خلاف، فقيل: انه عمد ايضا لتحقق القصد فيدخل في عموم العمد، وقيل: خطأ نظرا إلى عدم صلاحية الآلة للقتل غالبا وعرفا وعادة، فلا يؤثر القصد بدون الصلاحية، وللرواية الآتية.

[ 373 ]

وإما شبيه (شبه - خ) عمد بأن يقصد الفعل ويخطأ في القصد، كالطبيب الذي يقصد العلاج فيؤدي إلى الموت، أو المؤدب الذي يقصد التأديب فيتلف. وهنا مقاصد: الاول في قتل العمد وفيه مطالب: لعل الاول أقرب، لما مر، وضعف الرواية. وفيما لو قصد الفعل والضرب فقط بما لا يحصل به القتل غالبا فاتفق القتل كالضرب بالحصاة والعود الخفيف ايضا قولان: (أحدهما) أنه عمد، وهو اختيار المبسوط، والثاني - وهو المشهور - أنه ليس بعمد موجب للقصاص، بل شبيه بالعمد، لعدم تعمد القتل لا بالنسبة إلى قصد القتل، ولا بالنسبة إلى الفعل، لنقص الآلة. ودليل الاول عموم الآيات مثل " النفس بالنفس " (1) و " الحر بالحر " (2). والروايات مثل رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لو أن رجلا ضرب رجلا بخزفة أو آجرة أو بعود فمات كان عمدا (3).

(1) المائدة: 45. (2) البقرة: 178. (3) الوسائل باب 11 حديث 8 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 26.

[ 374 ]

في السند علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير (1)، الظاهر أنه قائد أبي بصير - وهو يحيى بن القاسم - فهي ضعيفة بهما مع اشتراك علي، فتأمل. ومرسلة جميل، عن بعض اصحابنا، عن احدهما قال: قتل العمد كلما عمد به الضرب، فعليه القود وإنما الخطأ أن تريد الشئ فتصيب غيره، قال: إذا أقر على نفسه بالقتل، قتل وإن لم يكن عليه بينة (2). وسندها كما ترى (3). وصحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: العمد كلما اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا، أو يوكزه، فهذا كله عمد، والخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره (4). والطريق علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس - كأنه ابن عبد الرحمان - (5). وفيهما ما قيل خصوصا ما رواه محمد (6) عنه، مع أن في ملاقات علي (7) له تأملا، فإنه لم يرو، عن احدهم عليهم السلام ومحمد روى عن الهادي عليه السلام (8).

(1) سندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير. (2) الوسائل باب 11 حديث 6 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 25. (3) وسندها كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن علي بن حديد وابن أبي عمير، عن جميل بن دراج عن بعض اصحابنا. (4) الوسائل باب 11 حديث 3 من ابواب القصاص ج 19 ص 24. (5) عن عبد الله بن مسكان، عن الحلبي. (6) يعني محمد بن عيسى، عن يونس. (7) يعني ملاقات علي بن إبراهيم لمحمد بن عيسى. (8) وحاصل ما يستفاد من بيان وجه التأمل، أن ملاقاة من لم يرو عنهم عليهم السلام أصلا لمن روى عن =

[ 375 ]

لكن هذا كثير وهو ممكن. وقد عرفت مرارا حال محمد ويونس، مع أنه ليس بمنفرد. وما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام: وإنما الخطأ إن يريد الشئ فيصيب غيره (1). ولي في عبد الرحمان تأمل ما ذكرناه مرارا. وفي الدلالة ايضا تأمل لاحتمال حصر الخطأ المحض الذي لا يشبه العمد اصلا الذي لاشك فيه، كما في رواية ابي العباس الآتية، فتأمل. ودليل الثاني رواية أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفارة أهو أن يعتمد ضرب رجل ولا يعتمد قتله؟ قال: نعم، قلت: رمى شاتا فاصاب انسانا؟ قال: ذلك (ذاك - ئل) الخطأ الذي

= الامام الهادي عليه السلام بعيد جدا، والمفروض أن علي بن إبراهيم، ممن لم يرو عنهم عليهم السلام، ومحمد بن عيسى، ممن يروي عن الهادي عليه السلام، فكيف يصح رواية علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، فيكشف ذلك عن سقوط الواسطة فلا تكون مسندة فضلا عن كونها صحيحة، هذا حاصل ما قيل ثم قال: لكن هذا كثير، وهو ممكن يعني نقل علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى كثير وليس مختصا بهذا المقام، فالمناسب نقل كلام من المحقق المتتبع الحاج الشيخ عبد الله المامقاني رحمه الله في تنقيح المقال: فإنه في آخر ترجمة محمد بن عيسى ونقل كثير ممن روى، عن محمد بن عيسى، عن أهل الرجال، قال - ما هذا لفظه -: والعجب من عدم عدهم فيمن روى عنه علي بن إبراهيم، مع أنه روى عنه مرارا عديدة فراجع باب دعائم الاسلام من الكافي - بعد ابواب الطينة - تجد رواية علي بن ابراهيم عنه (يعني محمد بن عيسى) من غير توسيط ابيه ابراهيم بن هاشم، وكذا بعد ذلك بخمسة اوراق تقريبا، وكذا في اوائل الكافي، في باب اصناف الناس، وفي باب مجالسة العلماء، وباب النهي عن القول بغير علم، وباب البدع، وباب ذم الدنيا وغيرها، والتاريخ لا يأبى من ذلك، لان علي بن ابراهيم كان في الوجود سبع وثلاثمائة كما يكشف عنه رواية حمزة بن القاسم عنه في ذلك التاريخ، فيمكن روايته عمن كان في الوجود عند وفاة الهادي عليه السلام سنة مائتين واربع وخمسين كما لا يخفى (انتهى) تنقيح المقال: ج 3 ص 170 من الطبع الاول. (1) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص الرواية 1 قطعة من الرواية ج 19 ص 23.

[ 376 ]

لا شك فيه، عليه (فعليه - خ) الدية والكفارة (1). وروى (رواية - خ) العلا بن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: العمد الذي يضرب بالسلاح أو بالعصا (و - خ) لا يقلع عنه حتى يقتل والخطأ الذي لا يتعمده (يعتمده - خ) (2). وهما ضعيفتان، والاولى تدل على غير المطلوب ايضا الا ان تخصص بما لا يقتل غالبا، لما مر. ومرسلة يونس، عن بعض اصحابنا (عن بعض اصحابه - ئل)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن ضرب رجل رجلا بعصا (بالعصا - خ) أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو يشبه (شبه - خ ل) العمد، والدية على القاتل، الخبر (3). وهذا يدل على الاعم فيخصص. ورواية أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أرمي الرجل بالشئ الذي لا يقتل مثله؟ قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمى الشاة فأصاب رجلا؟ فقال: هذا الخطأ الذي لا شك فيه، والعمد الذي يضرب بالشئ الذي يقتل بمثله (4). قيل: صحيحة، وفيه تأمل لوجود احمد بن الحسن الميثمي (5).

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص الرواية 9 ج 19 ص 26. (2) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص الرواية 4 ج 19 ص 25. (3) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص الرواية 5 ج 19 ص 25. (4) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص الرواية 7 ج 19 ص 25. (5) سند الرواية كما في الكافي هكذا: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، ومحمد بن يحيى، عن احمد بن محمد جميعا، عن احمد بن الحسن الميثمي، عن ابان بن عثمان عن أبي العباس.

[ 377 ]

نقل عن الشيخ والكشي أنه واقفي، وفي النجاشي أنه صحيح المذهب يعتمد على كل ما قال، وقال في الخلاصة في الباب الثاني: وعندي فيه توقف. وابان بن عثمان وهو عنده ايضا ليس بثقة. وفي دلالتها ايضا تأمل إذ أولها غير صريح في القتل، فتأمل فيه وفي آخرها ايضا، فإن العمد غير منحصر في ذلك، فتأمل. نعم رواية الفضل بن عبد الملك في الفقيه صحيحة عنه أنه قال: إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد، قال: وسألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفارة أهو الرجل يضرب الرجل فلا يعتمد قتله قال: نعم، قلت: فإذا رمى شيئا فأصاب رجلا فإن (قال - خ ل) ذلك الخطأ الذي لا شك فيه وعليه كفارة ودية (1). والفضل هو أبو العباس المذكور في الروايتين السابقتين، والظاهر أن ضمير (عنه) و (أنه) و (قال) و (سألته) راجع إلى أبي عبد الله عليه السلام، وقد ذكر قبيله بسطر ويؤيده نقل أبي العباس ما تقدم عنه صريحا. وفيها بعض المناقشة مثل حصر العمد بضرب الرجل بالحديدة، وأنه مناف للمقصود في الجملة، وكذا حصر الخطأ فيما ذكر على ما هو مقتضى الظاهر. وأن ذلك قد يكون بما يقتل غالبا، فيكون عمدا. ومع ذلك كله ممكن ترجيح الثاني بالشهرة والاحتياط في الدماء والجمع بين الادلة، إذ يمكن تقييد الآيات (2) بما إذا قتل عمدا. وحمل رواية أبي بصير ومرسلة جميل (3) على أنه قصد به (بها - خ) القتل

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 9 بالسند الثاني ج 19 ص 26. (2) مثل قوله تعالى: من قتل نفسا بغير نفس " الآية المائدة: 32 فان اطلاقه يشمل للقتل بالحديدة وغيرها، وغيرها من الآيات المطلقة مثل النفس بالنفس. (3) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 6 و 8 ج 19 ص 25 - 26.

[ 378 ]

والضرب للقتل وحصر الخطأ فيما ذكر، على الخطأ المحض الذي لا شك فيه أي ولا يشبه العمد. وكذا صحيحة الحلبي، على من إعتمد القتل بحديدة ونحوها لا الضرب. والحصر فيها وفي صحيحة عبد الرحمان، على ما تقدم، فتأمل. ويمكن ترجيح الاول بان الآية ظاهرة فيه (1)، وكذا اكثر الاخبار، والتأويل خلاف الظاهر، وليس بشئ صحيح صريح خال عن القصور يوجب ذلك. ولعل الاول أولى لما مر وضعف المناقشة في صحيحة أبي العباس. ولصحيحة عبد الله بن سنان، قال: سمعت ابا عبد الله يقول: قال امير المؤمنين عليه السلام: في الخطأ شبيه العمد أن يقتل بالسوط وبالحجر وبالعصا، الحديث (2). وظاهر أن المراد مع عدم القتل، فتأمل. ويظهر من هذه الروايات ترجيح القود فيما إذا قصد القتل بما لا يقتل غالبا وتقسيم القتل إلى ثلاثة اقسام العمد المحض هو الذي يقصد به القتل أو قصد الضرب بما يقتل غالبا. والخطأ المحض هو الذي يقصد شيئا واصاب شيئا آخر، أو لم يقصد شيئا مثل أن يزلق فيسقط على شئ ويقتله. والشبيه بالعمد هو الذي يقصد الضرب بما لا يقتل ويقتل. ويمكن التعبير بما لا يقصد فيه بفعله إنسانا، والشبيه بالعمد هو الذي يقصد

(1) مثل وقوله تعالى " النفس بالنفس " و " الحر بالحر ". (2) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 11 والتعبير بالصحيحة باعتبار نقل التهذيب بالسند الثاني فراجع التهذيب ج 19 ص 27.

[ 379 ]

فعلا ولم يقصد القتل والاتلاف، ويترتب عليه ذلك ولم يكن قاتلا ومهلكا غالبا مثل ما تقدم في الروايات. ومثل الطبيب الماهر في علاج ذلك المرض علما وعملا ولم يغلط فيما عين له الذي يقصد بفعله العلاج، فيؤدي إلى الموت. وكذا البيطار والختان والحجام والفصاد ونحو ذلك والمؤدب الذي يقصد بفعله تأديب الاطفال فيترتب عليه الموت أو الاتلاف، سواء كان وليا أو وصيا أو غيرهما ممن يؤدب، مثل معلم الاطفال بإذنهم. ويحتمل بغير إذن أحد أيضا كذلك إذا كان قصده التعليم والتأديب لله، خصوصا مع عدم امكان اذن ولي لهم. وظاهر المتن أنه لا فرق في ذلك بين الاذن وعدمه فيكون كل واحد ضامنا لدية المقتول وإن اذن المقتول أو وارثه أو وليه. وفيه تأمل، لان العلاج وامثال ما ذكرناه مما يحتاج إليه، فلو لم يكن الاذن موجبا لدفع ذلك واسقاطه لتعذر العلاج. مع أنه قد روى السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: من تطبب أو تبيطر فليأخذ البراءة من وليه والا فهو ضامن (1). بل يخطر بالبال عدمه بدونه ايضا، إذا كان مما يحتاج إليه فإنه يفهم من كلامهم أنه واجب كفائي، فيبعد الضمان بفعل الواجب الكفائي مع عدم تقصير بوجه اصلا مع حذاقتهم مثل الطبيب، فتأمل. ثم ان الظاهر أن ضمان الطبيب مثلا لا يحتاج إلى فعله مثل أن يسقى بل

(1) الوسائل الباب 24 من ابواب موجبات الضمان الرواية 1 ج 19 ص 194.

[ 380 ]

يكفي كونه بأمره وان سقاه غيره أو استقى (استقاه - خ ل) بنفسه فإنه السبب القوي والسبب القوي مقدم على المباشر. ويمكن استخلاصه بأن يقول: لو كنت انا مثلا لشربت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا. والحاصل ان في ضمان الطبيب إذا كان حاذقا - أي ماهرا - في علاج مرض علما وعملا فعالجه بإذن المريض فاتفق التلف لا بتقصير فيه بوجه بل عمل ما تقرر بحسب علمه وعمله في هذا المرض فاتفق التلف بذلك العلاج أي علم أنه تضرر به ومات بذلك، أو تلف العضو المعالج (به - خ) الموجب للضمان لو لم يكن بالعلاج قولين (1). والاشهر الضمان، وأنه شبيه العمد لحصول التلف المستند إلى فعل الطبيب فرضا ولكون ثبوت قصد الفعل لا التلف، مع عدم كونه متلفا، فيكون شبيها به لما مر من تفسيره. ونقل عن ابن إدريس عدم الضمان للاصل، ولسقوطه بإذنه، ولانه فعل سائغ شرعا بل واجب، لما عرفت إما كفائيا أو عينيا فلا تتعقب ضمانا. واجيب بأن اصالة البراءة لا تتم مع دليل الشغل، والاذن في العلاج لا في الاتلاف، ولا منافاة بين الجواز والضمان كالضرب للتأديب. وقد روى السكوني، عن الصادق عليه السلام، إن أمير المؤمنين عليه السلام ضمن ختانا قطع حشفة غلام (2). ونقل عن المحقق أنه قال في النكت: الاصحاب متفقون على أن الطبيب

(1) قوله قدس سره: قولين اسم لقوله: ان في ضمان الطبيب. (2) الوسائل الباب 24 من ابواب موجبات الضمان الرواية 2 ج 19 ص 195 وفيه عن جعفر عن أبيه عليهما السلام ان عليا عليه السلام.

[ 381 ]

يضمن ما يتلفه بعلاجه. وهذه تدل على الاجماع، وكأنه ما التفت إلى خلاف ابن إدريس، وكذا نقل عن ابن زهرة. ولا يخفى ما فيه إذ شغل الذمة غير معلوم الثبوت، فالاصل، باق والاذن لما كان في العلاج بمعنى أنه يفعل ما يعلم في ذلك المرض ولا يكون عليه بشئ إلا أنه يعالج في نفس الامر، وهو ظاهر، فهو مستلزم للاذن بمعنى أنه لو ترتب عليه تلف يكون بإذنه فلا يضمن، فإن الاذن لذلك، لا لعلاج النفس الامري وهو ظاهر. وقوله: لا منافات بين الجواز والضمان نعم، ولكن الاصل عدمه حتى يثبت بالدليل وهو غير ظاهر، فان ثبت في الضارب فهو وإلا هناك ايضا غير مسلم، وكذا الختان، فإن الراوي السكوني وحاله معلوم. نعم ان ثبت الاجماع فهو الحجة، وإلا فالحق مع ابن إدريس، والاجماع مما قد عرفت ما فيه. ثم على تقدير الضمان هل يبرأ بالابراء قبل العلاج ام لا؟ فيه خلاف، قيل: نعم. لرواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: من تطبب أو تبيطر فيأخذ (فليأخذ - ئل) البراءة من وليه وإلا فهو ضامن (1) ولان العلاج مما يمس به الحاجة فلو لم يشرع الابراء تعذر العلاج. وقيل: لا يبرأ لانه اسقاط الحق قبل ثبوته، وقد عرفت ان من جملة ادلة الضمان هذه فهي على تقدير حجيتها تكون حجة للسقوط بالبراءة. ولا بعد في سقوط الحق بمعنى عدم ثبوته في الذمة بالابراء فيكون المراد

(1) الوسائل باب 24 من ابواب موجبات الضمان الرواية 1.

[ 382 ]

الاول: في سببه. وهو إما مباشرة كالذبح والخنق وسقي السم والضرب بالسيف والسكين والحجر الغامز والجرح في المقتل ولو بغرز (بغرزه - خ ل) الابرة. وإما تسبيب كالرمي بالسهم والحجر والخنق بالحبل حتى يموت أو الضرب بالعصا مكررا ما لا يحتمله (ما لا يحتمل - خ ل) مثله، أو يحتمله لكن أعقبه مرضا ومات به. أو الحبس عن الطعام والشراب مدة لا يصبر مثله. أو طرحه في النار فاحترق وان قدر على الخروج، إلا مع العلم بالتخاذل. أو سرت جراحته وان ترك التداوي تخاذلا، أو فصده فلم ينقطع الدم حتى مات إلا ان يترك شده الموجب للقطع، أو رمى به (رماه - خ ل) في الماء ولم يمكنه الخروج، إلا أن يمسك نفسه تحته مع القدرة على الخروج، أو أوقع نفسه أو غيره على انسان قصدا فمات ولو كان الوقوع لا يقتل مثله غالبا فشبيه عمد، أو أقر أنه قتله بسحره. بالبراءة المعنى المجازي، أو يكون ساقطا على تقدير ثبوته، ولا بعد في ذلك بعد الدليل فقد يكون من الولي باعتبار الاول إليه وقد يكون من المعالج بان يكون اتلاف عضو، فتأمل. قوله: " الاول في سببه الخ ". أي سبب القتل عمدا، الاولى ان يجعل البحث في سبب القصاص كما في غيره، وهو إما بالمباشرة، أي قد يحصل القتل عمدا، بأن باشر القاتل قتل المقتول بأن يترتب على فعله بغير واسطة فعل آخر

[ 383 ]

كالذبح والخنق بيده وسقي السم والضرب بالسيف والسكين والحجر الغامز - أي القاطع - بان يكون في يده حين الضرب، لا أن يرمى به، والجرح في المقتل، ولو كان مما لا يقتل غالبا كغرز إبرة بل الجرح القاتل أي موضع بقصد القتل أو بقصد الفعل على الخلاف الذي تقدم. وإما بالتسبيب وهو الذي يترتب القتل على فعله بواسطة مثل رمي شخص بيده على انسان (انسانا - خ ل) بسهم فوصل إليه السهم فجرح به ومات (فمات - خ ل) بذلك الجرح وكذا رمي الحجر والخنق بحبل حتى يموت فإن الموت بالاثر الحاصل من الحبل والحجر والسهم الذي حصل من الرامي والخانق، فتأمل. وكذا الضرب بالعصا مكررا ضربا لا يحتمل هذا الضرب مثل هذا المضروب فيموت في الحال أو ضربا يحتمله ولا يموت به في الحال، ولكن حصل منه مرض فمات به. وفيه تأمل ايضا إذ الظاهر عدم الفرق بينه وبين الضرب بالسيف في كونه مباشرا ولا بين التكرير وعدمه، ولا بين ما يحتمله ام لا، وإن وجد بينها الفرق من جهة اخرى. إلا أن يريد المباشرة التي توجب القصاص، وذلك ايضا غير صحيح، وهو ظاهر فهو مثل حبسه ومنعه من أكل وشرب الماء حتى مات. وهنا ايضا قيد (مدة لا يصبر مثله فيها) محل التأمل. ومثل طرحه في النار فيقتله بالحرق وإن كان الملقى قادرا على الخروج من النار بحسب الظاهر ولم يخرج، فإن السبب لقتل العمد هنا هو الملقى. نعم إن علم بالتحقيق أن الملقى كان قادرا على الخروج وترك ذلك باختياره ولم يخرج يحتمل أن يكون هو ايضا سببا بل سببا مقدما على ذلك السبب فلم يكن هذا موجبا للقصاص ولم يستند إليه القتل العمد الموجب له، فتأمل.

[ 384 ]

ومثل سراية جراحته وان ترك المجروح التداوي مخاذلا وعمدا من غير سبب. ومثل ان فصد شخصا ولم ينقطع دمه حتى مات، فإن سبب مجئ الدم الموجب للقتل هو الفصاد، إلا ان يترك المفصود شد محل فصده الموجب لقطع الدم باختياره وقدرته، فإنه حينئذ يكون هو السبب لا الفصاد. وفيه ايضا تأمل فإنه السبب وان قصر المفصود ايضا في ترك الشد. ثم أنه يحتمل عدم شئ مع ذلك عليه ان كان باذنه وكذا اذن الولي مع المصلحة التي اقتضاها الطب وقول الحذاق منهم، إذ السبب القوي هو الطبيب لا الفصاد، فيحتمل ضمانه، كما قيل ذلك في العلاج، فإنه علاج، وقد مر ما في الضمان في العلاج ايضا، فتأمل وتذكر. وكذا لو رمى شخصا في الماء ولم يمكنه الخروج منه ومات فيه فإنه السبب القوي فعليه الضمان، إلا ان يمسك المرمى نفسه تحت الماء مع القدرة على الخروج حتى مات فيكون هو سببا اقرب فلم يكن ضمانه على الرامي. ويحتمل ان لو قبض نفسه في الماء حتى مات، يكون كذلك، ولم يحتج إلى كونه تحت الماء، فيحتمل أن يكون ذلك مرادا (في الماء)، فلو كان ذلك (1) بقوله (تحت الماء) لكان أظهر. وفيه ما مر في ترك شد محل الفصد. وكذا لو رمى نفسه أو غيره على انسان وقصد الوقوع و (فلو - خ) كان (في - خ) ذلك مما يقتل غالبا أو قصد القتل فمات بذلك. ولو كان الوقوع مما لا يقتل مثله غالبا ولكن اتفق ذلك اتفاقا، لم يكن

(1) اشارة إلى قول المصنف رحمه الله في المتن يعني فلو كان ذلك مرادا بقوله الخ.

[ 385 ]

ولو قدم إليه طعاما مسموما فأكله عالما فلا قصاص ولا دية، وان جهل فالقود. ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل فأكله، قال الشيخ: عليه القود. هذا عمدا بل يصير حينئذ شبيه عمد. وكذا من السبب القتل بالسحر فلو أقر من فيه شرائط قبول الاقرار به الزم به فصار قاتلا عمدا، بالسبب لا بالمباشر. ظاهر هذا أعم من ان يكون للسحر حقيقة ام لا، لان اقرار العقلاء على انفسهم جائز، مع جواز القتل بعمله خوفا أو نحو ذلك وإن لم يكن للسحر حقيقة، فتأمل. قوله: " ولو قدم إليه طعاما الخ ". اي لو قدم شخص إلى غيره طعاما مسموما فأكله ذلك الغير عالما بالسم وكونه قاتلا، لا شئ على المقدم من القصاص والدية لانه السبب القوي بل المباشر، فهو القاتل لنفسه لا غير، وإن جهل أحدهما يكون المقدم قاتل عمد فعليه القصاص مع علمه بهما، والدية عليه مع جهله بأحدهما. قوله: " ولو جعل السم الخ ". لو جعل شخص سما في طعام صاحب المنزل فأكله، قال الشيخ: عليه القصاص فانه قتل نفسا بالتسبيب وهو موجب للقصاص. وقيل: بالدية، لانه أكل بنفسه طعام نفسه فلا يلزم على الغير، إذ صدق القاتل عمدا عليه غير ظاهر، ولكن لما صار سببا للقتل في الجملة - ولابد لدم امرئ مسلم من شئ، ولما لم يلزم القود للشك في كونه قاتلا - لزم الدية. ويحتمل عدم شئ اصلا، لانه ما فعل الا القاء السم وهو غير قاتل، ولا

[ 386 ]

ولو حفر بئرا في طريق ودعا غيره مع الجهل فوقع فمات، قتل (به - خ). سبب موجب، لعدم الالجاء. وهذا ضعيف. وينبغي التفصيل وهو أنه ان كان الملقى عالما بأنه سم قاتل وأكل الآكل جاهلا بذلك فعليه القصاص، لانه تعمد القتل أو ما يؤول إليه غالبا لان إلقاءه مع عدم مانع أكله بمنزلة فعل السبب، ولانه لو لم يكن مثل هذا موجبا للزم منه وجود قتل كثير مع عدم القصاص يلزم عدم القود في مقدم الطعام المسموم ايضا إذ لا الجاء هنا ايضا كذلك، وكذا في امثال ذلك وهو ظاهر، وفتح للفساد والقتل الكثير وهو مناف لحكمة شرع القصاص، فتأمل. وإن أكل عالما لا شئ عليه وأن (1) الآكل هو القاتل نفسه لا غير. وإن فعل جاهلا فعليه الدية لعدم قصد القتل ولا إلى موجبه التام ولو نادرا فلا يكون عامدا مع ثبوت عدم إبطال دم امرئ، وعدم اعتبار القصد والعمد في الدية، فتأمل. ثم اعلم أنه لم يظهر فرق بين طعامه أو طعام غيره، فتأمل. قوله: " ولو حفر بئرا الخ ". لو حفر شخص بئرا في طريق فدعا غيره الجاهل بذلك إلى ذلك الطريق فوقع فيه فمات، قتل به. وجهه ظاهر ولا فرق بين إن قصد بالحفر إلقاءه فيه أم لا. نعم إن كان هو عالما فاوقع نفسه فيه لم يلزم الحافر شئ، وهو ظاهر. ولكن يرد على امثاله شئ وهو أن الموجب للقصاص هو قتل العمد المحض وهو قصد القتل أو الفعل القاتل غالبا وتحققهما في كل ما أوجبوا فيه القصاص محل

(1) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب لان الآكل الخ.

[ 387 ]

ولو داوى جرحه بسم (بسمي - خ ل) مجهز فعلى الجارح قصاص الجرح خاصة، وان كان غير مجهز والغالب التلف أو السلامة فعليه نصف (دية - خ) النفس، ولو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فالقود. ولو ألقاه إلى البحر فالتقمه الحوت قبل الوصول ففي القود نظر، التأمل، فتأمل. قوله: " ولو داوى جرحه، الخ ". لو جرح شخص آخر جرحا غير قاتل وداوى المجروح نفسه بدواء ذي سم قاتل فمات فعلى الجارح قصاص الجرح إن كان مما يقتص وإلا أرش الجرح، لانه ما جنى الجاني الا الجرح، وإنما قتله المداوى بالسم فليس عليه إلا أرش جنايته، وهو ظاهر فهو مثل إن جرحه شخص وقتله آخر فعلى الجارح مقتضى جرحه وعلى القاتل القتل. وإن داواه بسم غير قاتل يقينا فمات لا يقتل الجارح سواء كان قاتلا غالبا ام لا فعلى الجارح نصف الدية فإنه مات بالتداوي والجرح. قوله: " ولو القاه الخ ". إذا ألقى شخص آخر إلى ما بين يدى الحوت فأكله، لزمه القود والقصاص لانه سبب قوي مقدم على المباشر لعدم كونه مكلفا، ولانه صار بالطبع فهو كآلة القتل مثل السيف. قوله: " ولو القاه إلى البحر، الخ ". وجه النظر أنه قصد القتل أو الفعل الذي يترتب عليه الفعل غالبا وحصل فهو موجب للقود، ولا يضر القتل بغير ما قصد إذ يصدق عليه أنه قصد القتل وقتل بسببه مع ضعف المباشر. وليس مثله الالقاء من شاهق وقده آخر نصفين قبل وقوعه إلى الارض، فإن المباشر هنا أقوى ومقدم على السبب، وأنه قتل بغير ما قصد بل بغير فعله فهو كالقتل بغير قصد بل بغير فعله فإنه قتل بإلتقام الحوت. ولعل الاول اوجه، فتأمل.

[ 388 ]

ولو ألقاه إلى أسد ولا مخرج له أو أغرى العقور به فقتله أو أنهشه حية قاتلا فمات أو طرحها عليه فنهشته فالقود. ولو جرحه وعضه الاسد فسرتا، قتل الجارح بعد رد نصف الدية. ثم الظاهر أنه يلزم الملقى الدية على تقدير عدم القول بالقود لئلا يبطل دم امرء مسلم غير مستحق للقتل مع كونه مقتولا بسبب فعله، فتأمل. قوله: " ولو ألقاه إلى اسد، الخ ". دليل لزوم القود على ملقى إنسان إلى اسد - ولا مخرج له أو كان ولم يقدر فقتله الاسد - أنه سبب للقتل العمد العدوان مع ضعف المباشر لعدم شعوره وتكليفه. ولا فرق في ذلك بين ان يكون قصده القتل أو مجرد الالقاء، فانه موجب للقتل غالبا، وهو دليل القود على مغري الكلب العقور على انسان ولا مخلص منه فقتله، وكذا لزومه على منهشي ومغري الحية على انسان فنشته ولسعته وقتلته. وكذا لزومه على مطرح الحية عليه ولم يقدر على الخلاص وإن كان بسبب غلبة خوف الحية حتى قتلته. ولو قدر واهمل من غير سبب من جهة الملقى لم يكن القصاص على الملقى لتقصيره فإنه سبب لقتله مع تكليفه وقدرته فهو اقوى من الملقى، فتأمل. ويحتمل هنا أيضا القصاص فإنه سبب للقتل، ولكنه بعيد، فتأمل. قوله: " ولو جرحه الخ ". أي لو جرح انسان انسانا آخر وعضه أسد أو لسعته حية أو حصل عليه جناية اخرى، ثم سرتا حتى مات لزم الجارح القتل به لكن بعد رد نصف ديته إليه لانه قتل بجرحه وبغيره وكل واحد نصف، فعليه نصف النفس ولا يمكن الاستيفاء من الاسد ونحوه، فيكون هدرا، فالولي إذا أراد قتل شخص فعليه نصف الدم لابد من اعطاء عوض نصفه وهو ظاهر.

[ 389 ]

وكذا لو شاركه الاب أو شارك حر عبدا في عبد ولو ألقاه مكتوفا في مسبعة فافترسه السبع اتفاقا فالدية. وكذا لو شارك في قتل انسان يلزمه قتله به. ومن لا يلزمه شئ بقتله مثل ان قتل شخص بمشاركة اب ولده فإن الاب لا شئ عليه مثل الاسد. فإذا اراد ولي الدم قتل شريكه في الدم لابد ان يعطيه نصف ديته حتى يقتله. وكذا لو شارك حر وعبد في قتل عبد فعلى كل واحد نصف العبد ولا يمكن قتل الحر، نعم لمولى المقتول قتل العبد القاتل، ولكن رد نصف قيمته إلى مولاه كائنا ما كان ما لم يتجاوز نصف الدية ويأخذ من الحر نصف قيمة عبده كائنا ما كان ما لم يتجاوز نصف الدية. قوله: " ولو ألقاه الخ ". أي لو القى شخص انسانا مربوط اليدين في محل السبع ولم يكن السبع حاضرا فأكله السبع إتفاقا لزمه الدية لا القود، لانه ما قصد القتل ولا فعلا قاتلا غالبا، فلا عمد وقد تلف نفس بسببه. ويحتمل القود ايضا، فإنه قتل نفسا بالتسبيب فيدل " النفس بالنفس " (1) عليه. وهو بعيد إذا لم يكن قاصدا للقتل، والقائه في فم السبع وإلا فليس ببعيد، فإن القاء المربوط في محل السبع - ولو كان مجيئه إليه نادرا - لا يخلو عن قصد قتله، بل ولو ثبت عدم قصده فان فعله موجب لذلك. وينبغي التأمل في ذلك، وهو فرع التأمل في معنى العمد، وقد مر، فتذكر.

(1) المائدة: 45.

[ 390 ]

ولو كان به بعض الجوع فحبسه عالما بجوعه حتى مات جوعا فالقصاص، كما لو ضرب المريض بما يقتل مثله (فعله - خ ل) المريض دون الصحيح. ولو لم يعلم جوعه احتمل القصاص أو الدية أو نصفها. والظاهر أنه كذلك إذا لم يكن مربوط اليدين ايضا وما تمكن من التخلص من السبع وهلك، فحكمه حكم المربوط. نعم لو كان قادرا وتخاذل مع القدرة لا شئ على الملقي، فتأمل. قوله: " ولو كان به بعض الجوع الخ ". لو كان انسان جوعانا وحبسه العالم بذلك ومنعه من الاكل حتى مات لزمه القصاص فإنه فعل فعلا قاتلا غالبا، وهو موجب للقصاص وإن لم يقصد القتل كما مر مرارا. مثل ما لو ضرب مريضا ضربا يقتل مثله المريض ولم يقتل الصحيح فإن ذلك موجب للقصاص وهو ظاهر. ولو لم يكن عالما بجوعه ولم يقصد القتل ولم تمض مدة يموت فيها مثله من الجوع لو لم يكن جوع سابق، ففيه احتمالات ثلاث: الاول: القصاص لحصول القتل بفعله، وحاله ظاهر مما تقدم ولو كان مدة لا يعيش فيها مثله أو قصد قتله به لزم القود وقد مر ما يفهم منه ذلك ايضا. الثاني: الدية لانه مثل شبيه العمد فيكون عليه الدية. الثالث: نصف الدية لانه قتل بالجوع السابق والحبس، والاخير ظلم بخلاف الاول فالسبب الموجود منه، نصف فعليه نصف الدية. وضعف هذا ظاهر، فإن الموت إنما يحصل بحبسه والجوع ليس علة، وذلك مثل ضرب مريض جاهلا بمرضه بما لم يكن قاتلا لو لم يكن مريضا فإنه لا ينقض من ديته بذلك شئ، وهو ظاهر، فالظاهر تمام الدية.

[ 391 ]

وإما بشرط (شرط - خ ل) كحفر البئر، فان التردي علته المشي عند الحفر لا (بالحفر - خ) ولا يتعلق القصاص بالشرط. المطلب الثاني: في اجتماع العلل لا اعتبار بالشرط مع المباشرة كالممسك مع القاتل والحافر مع الدافع. قوله: " وإما شرط الخ ". عطف على قوله: (إما مباشر) فسبب القتل العمد ثلاثة المباشرة وهو (هي - ظ) العلة التي يستند الفعل إليه مثل القتل بالسيف. والسبب وهو ماله أثر ظاهر في الفعل كما للعلة لكنه يشبه بالشرط من وجه آخر وهو عدم ترتب القتل عليه. والشرط وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر ولا مدخل له في العلية كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع والتردي فيها وهو علة والمشي على حافتها وطلبه إلى ذلك سبب، وتحقيق ذلك بحيث يمتاز كل واحد عن آخر، لا يخلو عن اشكال، فتأمل. قوله: " لا اعتبار الخ ". إذا اجتمع علتان وسببان من الاسباب الثلاثة الموجبة للقصاص أو الدية، يقدم الاقوى على الاضعف، فإذا اجتمع الشرط والمباشر المباشر مقدم، لانه اقوى ما لم يعرض عارض مثل إن امسك انسان انسانا وقتله آخر، لا شك أن القاتل اقوى فالضمان عليه، فيقتص به، ويحبس الممسك لاعانته على الظلم. وتدل عليه الروايات، مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قضى امير المؤمنين (علي - ئل) عليه السلام في رجلين امسك أحدهما وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر حتى يموت غما كما حبسه حتى مات غما

[ 392 ]

(الحديث - ئل) (1). وكذا إذا حفر انسان بئرا في غير ملكه ودفع آخر انسانا فيها، فالضمان على الدافع، لا الحافر. ومن جملة ما يقدم الشرط والسبب دون المباشر، جهل المباشر بالسبب مثل ان حفر بئرا في غير ملكه وغطاه ودفع غيره شخصا فوقع فيها، فالضمان هنا على الحافر. وكذا لو وقع فيها بنفسه فالحافر ضامن ولا يسقط بأنه المباشر فلا ضمان هنا لان السبب اقوى. وتؤيده صحيحة أبي الصباح، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أضر بشئ من طريق المسلمين، فهو له ضامن (2). ورواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: رجل حفر بئرا في غير ملكه فمر عليها رجل فوقع فيها؟ فقال: عليه الضمان لان كل من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان (3) ولا يضر ضعف سندها (4). وأما إذا حفر في ملك نفسه فسترها ودعا انسانا إلى ملكه فوقع فيها، ففيه خلاف، والمشهور الضمان على الحافر لانه سبب وغار بالطلب والستر. وقيل بعدم الضمان لرواية زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لو أن رجلا حفر بئرا في داره ثم دخل رجل فوقع فيها لم يكن عليه شئ ولا ضمان ولكن ليغطها (5).

(1) الوسائل الباب 17 من ابواب القصاص الرواية 1 ج 19 ص 35 هكذا في الفقيه وفي التهذيب: كما كان حبس عليه حتى مات غما وفي الكافي: كما كان حبسه عليه حتى مات وفي بعض النسخ المخطوطة: كما كان حبس عليه الخ. (2) الوسائل الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الرواية 2 ج 19 ص 179. (3) الوسائل الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الرواية 1 ج 19 ص 179. (4) فان سندها كما في التهذيب هكذا: ابن أبي نجران عن مثنى عن زرارة. (5) الوسائل الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الرواية 4 ج 19 ص 180.

[ 393 ]

وان اجتمع المباشر والسبب فقد يغلب السبب بان تباح المباشرة كقتل القاضي مع شهادة الزور فالقصاص على الشهود، وقد يغلب المباشر كما لو القاه من عال فقده انسان نصفين (بنصفين - خ ل) فلا قصاص على الدافع، بخلاف الحوت. ومضمرة سماعة قال: سألته عن الرجل. يحفر البئر في داره أو في أرضه؟ فقال: أما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان وأما ما حفر في الطريق أو في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيها (فيه - ئل) (1). ومثلها موثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام (2). وهما دليلا المسألة السابقة. ويمكن حملهما على ظهور البئر وعدم تغطيها وسترها، وعدم الاذن في دخول الغير إلى ملكه. ويؤيده ما في رواية بعض اصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته، قلت: جعلت فداك (سألته عن رجل - ئل) رجل دخل دار قوم فوثب كلبهم عليه في الدار فعقره؟ فقال: ان كان دعي، فعلى أهل الدار أرش الخداش (الخدش - ئل) وإن لم يدع (فدخل - ئل) فلا شئ عليه (3). وإذا اجتمع المباشر والسبب، المباشر مقدم، ولكن قد يغلب السبب على المباشر بأن يكون المباشرة ذوي السبب، مثل ان شهد الشهود بما يوجب قتل شخص فقتل القاضي المشهود عليه ثم ظهر كون الشهود شهود زور وكذب عمدا، فالقصاص والضمان على الشهود الذين هم سبب دون المباشر وهو القاضي أو من امره به.

(1) الوسائل الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الرواية 3 ج 19 ص 180. (2) الوسائل الباب 8 من ابواب موجبات الضمان الرواية 3 بالسند الثاني. (3) الوسائل الباب 17 من ابواب موجبات الضمان الرواية 1 مع اختلاف يسير في بعض التعابير ج 19 ص 189.

[ 394 ]

ولو اعتدلا كالاكراه على القتل فالقصاص على المباشر، ويحبس المكره دائما. ومن صور تغليب المباشر، من قد شخصا رماه آخر من سطح مثلا فالقصاص على القاد لا الرامي. وليس إلقاء شخص انسانا في البحر فالتقمه الحوت، منها فإنه من العكس، فالضمان حينئذ على الملقي. قوله: " ولو اعتدلا الخ ". أي لو اعتدل وتساوى المباشر والسبب بغير رجحان من العقل أي لم يجد العقل الرجحان، بل يحكم بالتساوي وحينئذ الحكم على المباشر لا السبب، كما إذا أكره انسان آخر على قتل آخر فالقصاص على المباشر لا المكره، بل يحبس المكره دائما وحينئذ لابد من رجحان جانب المباشر من نص أو اجماع. فيمكن أن يقال هنا: لقوله: النفس بالنفس (1) أو الاجماع، ولعدم تحقق الاكراه عند اصحابنا، يعني لا يسوغ له القتل بوجه. ولخصوص رواية ابن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، في رجل امر رجلا بقتل رجل (فقتله - خ ئل)؟ فقال: يقتل الذي قتله ويحبس الآمر بقتله في السجن حتى يموت (2) كأنها صحيحة. وقال في الشرائع وفي رواية علي بن رئاب، يحبس الآمر بقتله حتى يموت. لعل فيه إشارة إلى توقفه فيه، ووجهه غير ظاهر بعد الصحة ووجود الفتوى وعدم خلاف الاصول.

(1) المائدة: 49. (2) الوسائل الباب 13 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 ونقل فيه عن الفقيه امر رجلا حرا ج 19 ص 32.

[ 395 ]

مع أنه ينبغي أن يقول: رواية زرارة فانه الراوي عن الامام عليه السلام. هذا في النفس واما في الاطراف التي يتحقق فيها الاكراه بمعنى يجوز بل يجب عليه ارتكاب المكره ولا يتركه فحينئذ لا شك أن السبب أقوى فلا قصاص ولا دية على المباشر. ويحتمل القصاص على المكره فإنه الفاعل، والمباشر كالآلة، والدية (1) لانه غير مباشر حقيقة، وهو ظاهر. هذا كله إذا كان المكره والمكره بالغين عاقلين وحرين أما إذا كان المكره غير مكلف، فالظاهر عدم الحبس، بل التعزير والتأديب حتى لا يعود إلى مثله. والظاهر عدم الفرق فيه بين الحر وغيره. وأما المكره الغير المميز فالظاهر عدم شئ عليه فيقتل لانه أقوى، وغير المميز مثل الآلة له. وإن كان مميزا فيحتمل كون القصاص على الآمر ايضا لعدم التكليف على المكره واسقاط الدم غير معقول، بل والدية ايضا لانه عمد. ويحتمل الدية على عاقلة المكره لان عمده خطأ وخطائه على عاقلته وحينئذ يحتمل حبس الآمر للخبر. ولا يضر عدم العمل بجزئه الآخر لعدم التكليف وعدم القتل عليه. ويحتمل الدية على الآمر. ونقل عن الشيخ في النهاية والمبسوط القصاص من المكره إن بلغ عشر سنين (2). ووجهه غير ظاهر.

(1) عطف على قوله قدس سره: القصاص. (2) راجع الوسائل الباب 44 من كتاب الوصايا ج 13 ص 428.

[ 396 ]

ولو أكرهه على صعود (صعوده - خ ل) شجرة فزلق فعليه الدية. ولو قال اقتلني والا قتلتك سقط القصاص والدية دون الاثم. ويحتمل أن يكون للرواية. ويحتمل لعموم أدلة قصاص المباشر وإخراج ما دون العشرة بالاجماع ويؤيده الاخبار في لزوم بعض احكامه فيمن بلغ عشرا. وقال في الشرائع: وهو مطرح (مطروح - خ ل). ونقل عن الشيخ المفيد والصدوق اطلاق الاقتصاص إذا بلغ خمسة أشبار لرواية السكوني (1). ويمكن اجراء ما تقدم في قول الشيخ. وأما المملوك فقيل: لا فرق بين الحر والمملوك الغير المييز والبالغ. وأما المميز فقيل يتعلق الجناية برقبته وعلى السيد المكره السجن. وفي الاستبصار: إن كان السيد الآمر معتادا لذلك قتل، وخلد العبد السجن، وان كان نادرا فالعكس، جمعا بين رواية زرارة المتقدمة (2) ورواية السكوني واسحاق (3) فتأمل. قوله: " ولو أكره الخ ". لو أكره شخص آخر على صعود شجرة فزلق ووقع من الشجرة ومات فعليه الدية، لانه ليس بقاتل عمدا بل تلف النفس بسبب منه فهو ضامن لها فعليه الدية. الظاهر أنها في ماله دون العاقلة لعدم الخطأ. قوله: " ولو قال الخ ". لو قال انسان لآخر اقتلني وان لم تقتلني فأنا

(1) الوسائل الباب 36 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 ج 19 ص 66. (2) الوسائل الباب 13 من ابواب القصاص الرواية 1 ج 19 ص 32. (3) أما رواية السكوني فقد تقدمت آنفا. واما رواية اسحاق نقلها في الوسائل الباب 11 من ابواب العاقلة الرواية 3 ج 19 ص 307.

[ 397 ]

ولو اجتمع المباشر مع مثله قدم الاقوى. اقتلك، فقتله، اختار المصنف هنا، وهو المشهور أن لا قصاص ولا دية بل عليه إثم القتل فقط، لانه إنما فعل بامره وخوفا من قتله اياه فليس بضامن فان الاتلاف بإذنه، مع الخوف، فسقط حقه، وحق الوارث فرع حقه، وأما الاثم فلانه منهي مع ذلك إذ (فإنه - خ) لا يباح بإذنه ولا بتخويفه إياه، إذ لا إكراه في القتل، كما مر، فيكون حراما، بل موجبا لدوام دخول النار، ان كان المتقول مؤمنا. ومنه علم النظر في سقوط (ثبوت - خ) القصاص، لانه قد ثبت بقاء النهي لعدم تحقق الاكراه في القتل فكان عليه أن لا يقتل، ولو قتل فصدق (يصدق - خ) عليه أنه قتل النفس المحرم ف‍ " النفس بالنفس " (1) يقتضي القصاص. وفيه شئ فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه فإن كان قتله للدفع فلا شئ. إلا ان يقال: المراد أنه إنما قتله بغير ذلك القصد بل بأمره بالقتل. وبالجملة سقوط الحق بإذنه غير معلوم إذ كون الحق له غير معلوم، ولهذا تردد في القواعد في سقوط القصاص وكذا الدية لو لم نقل بالقصاص. ويمكن أن يقال: ان قتله دفعا عن نفسه فهو مسقط للاثم والقصاص والدية ايضا، وان قتله لا للدفع ثبت القصاص والاثم معا فيجب على المأمور حينئذ قصد الدفع، فتأمل. قوله: " ولو اجتمع الخ ". لو إجتمع المباشر مع مباشر آخر قدم الاقوى منهما، مثل أن جرح انسان انسانا (2) عمدا عدوانا وصار كالمذبوح وأزال استقرار حياته. المراد بعدم استقرار الحياة مع عدم بقاء حركة ونطق اختياريين وبالجملة زوال الروح وإن كان يتحرك مثل حركة الشاة والطير المذبوحين فكمل الآخر قتله،

(1) المائدة: 45. (2) متعلق بقوله قدس سره مثل ان جرح انسان انسانا الخ.

[ 398 ]

فلو جرحه حتى جعله كالمذبوح وقتله الثاني فالقود على الاول ولو قتل من نزع احشائه وهو يموت بعد يومين أو ثلاثا قطعا فالقود على القاتل لاستقرار الحياة بخلاف حركة المذبوح. ولو قطع يده من الكوع والآخر من المرفق وسرتا تساويا. فالقصاص على الاول لانه القاتل حقيقة، وعلى الثاني مقتضى جنايته على الميت. ولو جرحه جرحا قاتلا يقينا، ولكن يعيش يومين أو ثلاثة مثل إن شق بطنه وأخرج حشاه بحيث علم أنه يموت بعد يومين وقتله الآخر حينئذ، فالقود على الثاني لا الاول، لانه القاتل إذ الغرض استقرار الحياة فهو قتل جفاء مثل من قتل مريضا مشرفا على الموت، بخلاف أن جعله في حكم المذبوح وازال استقرار حياته فإنه بحكم الميت فالقاتل هو الاول فليس الثاني إلا الجارح على ميت فعليه مقتضى جنايته. قوله: " ولو قطع الخ ". أي إذا قطع أحد يد آخر من الزند الذي هو محل التيمم وقطع الآخر ايضا يد ذلك من المرفق وسرت الجنايتان، إن علم موته بهما فهما قاتلان وشريكان في القتل على السواء. فللولي قتلهما بعد رد نصف دية كل واحد كما في باقي الشركاء في القتل. والظاهر أنه يكفي في العلم بسرايتها موته بعد جرحهما مع عدم العلم باستقلال احدهما في القتل وان ذلك يظهر فيما إذا كانت اليد المقطوعة ثانيا غير الاولى. وأما إذا كانت الاولى فهو مشكل فإنه ينقطع ألمه وأثره بالقطع الثاني. إلا ان يقال: بقطعه حصل ألم وسراية أثرت في البدن وانضم إليه القطع الثاني فهو بمنزلة جرحة جرحها واحد ووسعها الآخر. إن علم هذا فهو جيد ولكن العلم به مشكل، ولهذا إستشكله في الشرائع.

[ 399 ]

ولو قطع أحدهما يده وقتله آخر انقطعت سراية الاول. ولو قتل مريضا مشرفا فالقود. ولو أمسك واحد وقتل ثان ونظر ثالث قتل القاتل وخلد الممسك (في - خ) السجن وسملت (1) عين الناظر. ويحتمل كون الثاني هو القاتل فقط، والاول هو قاطع، فعليه مقتضى جنايته، وهو قطع يده أو ديتها كما إذا قطع أحد يده ثم قتله الآخر، فتأمل. قوله: " ولو قطع الخ ". ولو قطع أحد الشخصين يد شخص والآخر قتله، ينقطع سراية القطع بالقتل، فعلى الاول أرش جنايته وهو قطع يده قصاصا أو الدية، وعلى الثاني القصاص مع العمد، والدية مع عدمه، فهذه ليست مثل سابقتها، فإن سراية الاول ينقطع بالقتل. قوله: " ولو قتل الخ ". لو قتل أحد من اشرف على الموت ولم يمت بعد ولم يصر بحكم الميت كالمريض المشرف على الموت، فعلى قاتله، القصاص مع العمد العدوان، لانه قتل نفسا حية، وقد مر. قوله: " ولو أمسك الخ ". قد دل على قتل القاتل وحبس الممسك، الاعتبار والاخبار، مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجلين امسك أحدهما وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل ويحبس الآخر حتى يموت غما كما (كان - خ) حبسه عليه حتى مات غما (2). وغيرهما من الاخبار (3). وقد دل عليهما وعلى الاخيرة وهو سمل عين الناظر - أي فقأ عينه - رواية

(1) أي قلعت. (2) الوسائل الباب 17 من ابواب القصاص الرواية 1 ج 19 ص 35. (2) راجع الوسائل الباب 17 من ابواب القصاص ج 19 ص 35.

[ 400 ]

ولو قهر الصبي والمجنون على القتل فالقصاص عليه، لانهما كالآلة، ولو كان مميزا غير بالغ حرا فالدية على عاقلته ولو كان مملوكا فالدية في رقبته. ويتحقق الاكراه فيما دون النفس. السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، أن ثلاثة نفر رفعوا إلى امير المؤمنين عليه السلام، واحد منهم امسك رجلا واقبل الآخر فقتله والآخر يراهم، فقضى في (صاحب - خ ئل) الرؤية ان تسمل عيناه وفي الذي امسك أن يسجن حتى يموت كما امسكه، وقضى في الذي قتل ان يقتل (1) وسندها ضعيف الا أنها محمولة ومشتملة على ما اشتمل عليه الصحيحة المتقدمة (2). ولكن الاصل عدم عقوبة على الناظر، وما فعل ما يوجبها بحسب الظاهر، فالحكم الاخير لو لم يكن مجمعا عليه، فهو محل التأمل، فتأمل. قوله: " ولو قهر الصبي الخ ". ولو قهر بالغ عاقل الصبي الغير المميز أو المجنون على القتل حتى قتل شخصا، فالقصاص على المكره لانهما كالآلة له. ولو كان مميزا عاقلا حرا فلا قود ولا دية على المكره لانه غير قاتل، والقاتل مميز حر كالبالغ، وتلزم الدية عاقلة القاتل، لعدم ابطال دم امرء مسلم، وليست على القاتل (الفاعل - خ)، لانه صبي وعمده خطأ وخطأه على عاقلته وقد مر، فتأمل. ولو كان المكره صبيا مملوكا مميزا - إذ غير المميز والبالغ حكمه حكم الحر على ما مر - لزم الدية على السيد في رقبة الفاعل، وفيه أقوال اخر، وقد مر بعضها مع بعض البحوث. قوله: " ويتحقق الاكراه الخ ". قد مر أن الاكراه عند الاصحاب

(1) الوسائل الباب 17 من ابواب القصاص الرواية 3 ج 19 ص 35. (2) الوسائل الباب 17 من ابواب القصاص الرواية 1.

[ 401 ]

فلو أكرهه على قطع يد أحدهما فاختار فالاقرب القصاص على الآمر. ولو اجتمع سببان ضمن من سبق سببه بالجناية كواضع الحجر في الطريق لو عثر به فوقع في بئر حفرها آخر في الطريق فالضمان على واضع الحجر ولو كان أحدهما عاديا اختص بالضمان. لا يتحقق في النفس بمعنى أنه لم يصر بالاكراه جائزا ولم يكن على القاتل شيئا (1) بل هو حرام كما كان ويلزمه القود لما مر، بخلاف الاكراه في غيره من الضرب والجرح وغيرهما، فإنه يتحقق بالمعنى المذكور ويصير بذلك جائزا، ولا يلزمه ضمانه، بل إنما ذلك على المكره فإنه حينئذ بمنزلة الآلة، لانه مضطر، وقد جوز له الشارع، بل قد يجب عليه ذلك، فحينئذ إذا كان الجرح يوجب القصاص أو الدية، فهو على المكره. قوله: " فلو أكرهه الخ ". متفرع على ما قبله من تحقق الاكراه في غير القتل، أي لو أكره انسان انسانا على قطع احد الشخصين فاختار المكره يد احدهما باختياره، فالاقرب عند المصنف أن القصاص هنا على الآمر المكره بالقطع لا المكره القاطع، لان الاكراه متحقق على التعيين ايضا، إذ الفرض وجود الاكراه ولا يمكن التخلص إلا بقطع يد احدهما ولا يمكن قطع يد احدهما لا على التعيين، فلابد من اختيار وتعيين احدهما فالمكره مكره على التعيين ايضا، وهو ظاهر. ويحتمل عدم القصاص على الآمر، فإنه ما أمر بقطع اليد المقطوعة، وإنما قطعها القاطع باختياره، وفيه تأمل واضح يفهم من وجه الاقرب، فافهم. قوله: " ولو اجتمع الخ ". إذا اجتمع سببان للقتل قدم اسبقهما في الجناية، أي يجعل الضمان على من اوجد السبب الذي أثر تأثيره قبل تأثير السبب الثاني، مثل إن حفر شخص بئرا في الطريق وآخر وضع فيه حجرا فعثر به شخص

(1) هكذا في في جميع النسخ والصواب شئ بالرفع.

[ 402 ]

ولو نصب سكينا في بئر محفورة في الطريق فوقع انسان فقتله السكين فالضمان على الحافر. فوقع في البئر ومات، فالضمان على الواضع لا على الحافر، لان وضع الحجر وكونه في الطريق اثر في الواقع قبل وقوعه في البئر. دليله ان السابق إذا عمل وأثر فحصل به الضمان فلا ضمان على المتأخر. وفيه تأمل، فان الاول ما أثر تأثيرا تاما مستقلا، إذ المفروض بل المعلوم ان لو لم يكن البئر لم يمت العاثر، فكيف يكون الضمان عليه فقط. على أنهم يصرحون بأنه إذا جرح اثنان احدهما سابق والآخر لاحق به وأثرا جميعا فمات بهما - وان كان الاول بحيث لو كان وحده كان قاتلا - كلاهما قاتل وضامن فينبغي ان يكون في مثالنا كذلك، بالطريق الاولى. هذا إن كان كلا السببين عدوانا وغير جائز كما في المفروض. واما إذا لم يكن شئ منهما عدوانا فلا ضمان على أحد مثل إن دخل شخص إلى بيت شخص كان فيه حجر وبئر فعثر ووقع في البئر فمات وإن كان احدهما عاديا خاصة، فالضمان عليه خاصة، وان كان السبب اللاحق، لان المسلمين مسلطون على اموالهم فلهم ان يفعلوا ما ارادوا ولا حجر عليه في ذلك، فالذي دخل هو سبب لجنايته فيه وكان عليه ان لا يدخل. وإن كان الدخول بإذن اهله كان عليه أن يحتاط ويلاحظ إلا أن يكون بئرا مستورة ونحو ذلك ولم ينبه عليه، وحينئذ يحتمل ضمان المالك. وبالجملة المسألة مجملة والحكم على الوجه الاجمالي مشكل، فينبغي التفحص والتأمل في ذلك وعدم الجرأة والاستعجال. قوله: " ولو نصب الخ ". دليل الضمان على حافر بئر محفورة في الطريق ونصب فيها انسان آخر سكينا فوقع فيها انسان على السكين فمات دون ناصب السكين ان الحفر هو السبب المقدم دون نصب السكين فجنايته مقدمة، كما مر، فتأمل.

[ 403 ]

ولو قال: ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة وعلي ضمانه ضمن وان شاركه صاحب المتاع في الحاجة ولو اختص (به - خ) لم يحل له الاخذ بخلاف مزق ثوبك وعلي ضمانه، أو ألق متاعك مجردا عن علي (وعلي - خ ل) ضمانه. قوله: " ولو قال الخ ". إذا قال انسان لشخص في السفينة الثقيلة إلق متاعك عن السفينة في البحر مثلا لتخف، وعلي ضمان متاعك وعوضه ففعل صاحب المتاع، لزمه الخروج عن عهدة ضمانه، سواء كان الالقاء ضرورة وحاجة أم لا. وعلى تقديرها سواء كانت الضرورة مخصوصة بالقائل أو شاركه غيره، صاحب المتاع وغيره. دليله وجوب الايفاء بالوعد والشرط، وهو ظاهر من الكتاب والسنة (1). وأما إذا كانت الضرورة والحاجة مختصة بصاحب المتاع فلا ضمان على القائل فإنه اعطاء مال واجب عليه لتخليص نفسه فلا معنى للعوض حينئذ بل يجب حينئذ ان يؤخذ متاعه ويلقى في البحر. كمن توقف حياته على أكل ماله ولم يأكل فقيل له: كل لتسلم وعلي ضمان ما أكلت لم يجب الضمان والعوض، فتأمل. وكما إذا قال: مزق ثوبك وعلي ضمانه، فإنه لا ضمان حينئذ على القائل، فإن العاقل البالغ مكلف بان لا يضيع ماله فإذا ضيعه بقول شخص لم يلزم ذلك الشخص شئ، فإنه المضيع، إذ ما ألجأ على ذلك ولم يلزمه بقوله، وكان عليه مع ذلك ان لا يضيع ولا يسمع كلامه. وكذا إذا قال: ألق متاعك في البحر لتسلم السفينة وما شرط الضمان،

(1) أما الكتاب فقوله تعالى " اوفوا بالعقود " المائدة: 1. بناء على تفسيره بالعهود وأما السنة فقوله عليه السلام " المؤمنون عند شروطهم ".

[ 404 ]

ولو قال: وعلي ضمانه مع الركبان (الركاب - خ ل) فامتنعوا، فقال: أردت التساوي الزم بحصته خاصة. ولو ادعى إذنهم حلفوا. ولو قال للمميز: اقتل نفسك فلا شئ على الملزم، وإلا القود. فإنه لا يلزمه حينئذ الضمان، للاصل وعدم الموجب وهو شرط الضمان بقوله وعلي ضمانه (1)، فهاتان الصورتان بخلاف ما لو قال: ألق متاعك وعلي ضمانه، فإنه ضامن، كما مر. قوله: " ولو قال الخ ". لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه مع الركبان فإن أعطوا معه بالحصص فلا بحث، وإن امتنعوا فإن قال: اردت التساوي بيني وبينهم لزمه حصته خاصة لا حصة الركبان. وكذا لو قال: أردت التساوي بين الرؤوس بمعنى أنه يكون قيمة المتاع على كل الركبان بالسوية لانه لا يؤاخذ إلا بما قال: وقال: ألق متاعك علي وعلى الركبان ضمانه، واللفظ صالح لما فسره، وهو اعرف بقصده فيقبل منه، ولا يلزم (لا يلزمه - خ) حصة الركبان، فإنه ما ضمن حصتهم، بل قال: (عليهم)، وبمجرد ذلك لم يجب شئ، وهو ظاهر، بل ولا على الركبان ايضا، فإنه ما ضمنوا وما قالوا ما يلزمهم به شئ وبمجرد قوله، لم يجب عليهم شئ، وهو ظاهر. وإن ادعى أنهم اذنوا له ان يقول: ألق متاعك وعلي وعلى الركبان ضمانه وعوضه وانكروا له، فإن كان له الشهود على ذلك، فهو ظاهر، وإلا فلصاحب المتاع احلافهم، فإن لم يحلفوا يلزموا بالحق إن فضى بالنكول، وإلا يحلف صاحب الحق ان كان عالما، وإن لم يحلف سقط الدعوى، فتأمل. قوله: " ولو قال الخ ". لو قال انسان لمميز بالغا كان أم لااقتل نفسك

ليس في بعض النسخ المخطوطة من قوله فهاتان الصورتان إلى قوله: وعلي ضمانه، فتذكر.

[ 405 ]

ولو اكره العاقل على قتل نفسه، فلا ضمان عليه، إذ لا يتحقق هذا (هنا - خ) (هاهنا - خ) الاكراه. ولو علم الولي التزوير وباشر القصاص فالقود عليه دون الشهود. ولو جرحاه فاندمل جرح أحدهما وسرى الآخر، فالآخر قاتل يقتل بعد رد دية الجرح، والاول جارح، ولو صدق الولي مدعى اندمال فقتل المأمور نفسه لم يلزم الآمر الدية ولا القصاص، بل الاثم فقط، فإنه ليس بقاتل لا مباشرة ولا تسبيبا ولا شرطا، فإنه العاقل المميز مختار وهو مباشر من غير مدخلية أحد، فهو القاتل. وإن لم يكن المأمور مميزا بل كان مجنونا أو كان صغيرا غير مميز يلزم الآمر القصاص فإنه القاتل حقيقة وغير المميز بمنزلة الآلة، كما إذا أمر غير مميز بقتل غيره فإنه القاتل، وعليه القصاص، فتأمل. قوله: " ولو اكره الخ ". إذا أكره شخص عاقلا مميزا على أن يقتل نفسه فلا شئ على المكره غير الاثم، إذ لا يتحقق عند الاصحاب الاكراه في القتل وكان عليه ان لا يقتل نفسه، ولو قتله المكره، وكان لزمه الضمان. ويحتمل حبس الآمر دائما، كما إذا اكره شخصا على قتل آخر، فإنه معنى أن يقتل القاتل ويسجن الآمر سجنا دائما. قوله: " ولو علم الخ ". ولو علم ولي الدم التزوير في الشهادة وكذب الشهود وحكم الحاكم بلزوم القصاص بهذه الشهادة مع عدم علمه بالحال ومع ذلك اقتص من المشهود عليه، فعل حراما يقتل به قصاصا، فإنه قتل عمدا وعدوانا لا الشهود، فإن المباشر اقوى من السبب. قوله: " ولو جرحاه الخ ". لو جرح اثنان على انسان جرحين فأخذ دية

[ 406 ]

جرحه لم يقبل في حق الآخر، فعلى الآخر نصف الجناية وعلى المصدق جناية الجرح. المطلب الثالث: في العقوبة يجب بقتل العمد العدوان كفارة الجمع على ما سبق، والقصاص مع الشرائط الآتية، ولا تجب الدية إلا صلحا. الجرحين فطاب احدهما وسرى الآخر فمات به قتل صاحبه قصاصا بعد رد ما اخذ منه من دية جرحه فهو قاتل والآخر جارح. هذا إذا كان اندمال جرحه ثابتا بالبينة الشرعية. واما إذا كان ثابتا باقرار الولي وتصديقه ذلك فقط، فهو مقبول في حقه لا في حق الجارح الآخر، فلا يسمع في حقه فهما قاتلان فله قتل صاحب غير المندمل بعد رد نصف الدية وليس له على صاحب المندمل إلا دية جرحه والدية عليهما معا فعلى غير مدعي الاندمال نصف دية المقتول وليس للولي نصف الدية على المدعى المصدق، بل له عليه دية جرحه المندمل فقط، والكل ظاهر. قوله: " تجب بقتل العمد الخ ". لا شك (في - خ) إن القتل العمد - بالمعنى (بالذي - خ) الذي تقدم العدوان بمعنى كونه معصوم الدم لم يستحق القتل - موجب لكفارة الجمع، وقد مر في باب الكفارات، فتذكر. ولنذكر هنا رواية اسماعيل الجعفي، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يقتل الرجل متعمدا؟ قال: عليه ثلاث كفارات يعتق رقبة، ويصوم شهرين متتابعين، ويطعم ستين مسكينا، وقال علي بن الحسين عليهما السلام بمثل ذلك (1).

(1) الوسائل الباب 10 من ابواب القصاص في النفس الرواية 3 وفيه وقال: افتى علي بن الحسين عليهما السلام بمثل ذلك ج 19 ص 22.

[ 407 ]

وقد ورد روايات متعددة في صوم يوم العيد وأيام التشريق أيضا إذا كان القتل في شهر حرام، وهو مذهب الشيخ. مثل صحيحة زرارة، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلا خطأ في اشهر الحرم؟ قال: عليه الدية، وصوم شهرين متتابعين من اشهر الحرم، قلت: إن هذا يدخل في العيد وأيام التشريق؟ فقال: يصومه فإنه حق لزمه (1). ومثلها صحيحة اخرى له في القتل في الحرم (2). وفي صحيحة اخرى له: قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: إذا قتل الرجل في شهر حرام صام شهرين متتابعين من اشهر الحرم (3). وقد مر البحث في ذلك فتذكر. وأما ايجابه فالمشهور أنه موجب له على التعيين حتى لم يذكروا الخلاف في أكثر كتب الفروع. دليله مفهوم الايات مثل " النفس بالنفس " (4) " والحر بالحر والعبد بالعبد " (5) " ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (6). والاخبار مثل صحيحة عبد الله بن سنان، قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام، يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه، إلا ان يرضى اولياء المقتول ان يقبلوا الدية فان رضوا بالدية واحب ذلك القاتل فالدية إثنا عشر الف درهم

(1) الوسائل الباب 3 من ابواب ديات النفس الرواية 4 ج 19 ص 150. (2) الوسائل الباب 3 من ابواب ديات النفس الرواية 3 ج 19 ص 150. (3) الوسائل الباب 3 من ابواب ديات النفس الرواية 2 ج 19 ص 150. (4) المائدة: 45. (5) البقرة: 178. (6) البقرة: 194.

[ 408 ]

(الفا - يب ئل) أو الف دينار أو مائة من الابل وان كان في ارض فيها الدنانير فالف دينار وإن كان في ارض فيها الابل فمائه من الابل، وإن كان في ارض فيها الدراهم فدراهم بحساب ذلك اثنى عشر الفا (1). وغيرها من الروايات الدالة على أن العمد يقتضي القود كثيرة. مثل ما في مرسلة جميل، عن بعض اصحابه، عن احدهما عليهما السلام، قال: قتل العمد كلما عمد به الضرب وفيه (فعليه - ئل) القود (الحديث) (2). ولكنها ليست بصريحة في عدم الدية إلا برضا المقتول، مثل الآيات. نعم صحيحة عبد الله صريحة (3) والشهرة مؤيدة، وظاهر الآيات وباقي الاخبار. ونقل عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل التخيير بين القود والدية. والاحتجاج برواية عنه عليه السلام: من قتل له قتيل فهو مخير إما ان يفدي واما ان يقتل (4). وبرواية اخرى عنه عليه السلام، من اصيب بدم أو حبل - والحبل الجرح - فهو بالخيار بين احدى ثلاث إما ان يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو، فإن اراد رابعة فخذوا على يديه (5). وما في رواية علا بن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: العمد هو القود أو رضى ولي المقتول (6).

(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الديات الرواية 9 ج 19 ص 144. (2) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 6 ج 19 ص 25. (3) تقدمت آنفا. (4) و (5) لم نعثر عليهما في الاخبار المنقولة عن الائمة (ع)، نعم نقلها صاحب المسالك ج 2 ص 476 عن النبي صلى الله عليه وآله قريبا منهما فلاحظ. (6) الوسائل الباب 1 من ابواب ديات النفس ذيل رواية 13 ج 19 ص 145.

[ 409 ]

فلو عفا عن القصاص ولم يشترط المال سقط (القصاص - خ) ولا دية. ولو عفا على مال لم يسقط القود ثم ان رضي الجاني سقط ووجب المال، والا القود. والاوليان عاميتان، وفي دلالة الخاصة بل تركيبها، وسندها شئ، لعدم الصراحة في المطلوب، فإن الظاهر منها أنه لابد في قتل العمد إما القود أو تحصيل رضى الولي باي شئ كان إما ان يعفو أو يأخذ الدية اكثر أو أقل، وهذا مما لا نزاع فيه. قال في المختلف: ونقول بالموجب في الحديث، فإن الواجب له القود ان طلب، للاصل (طلب الاصل - خ) أو رضاء ان طلب الدية. وفي السند محمد بن سنان ومحمد بن قيس عن يونس (1). ثم إنه يظهر منهم أن مقتضى المذهب الاول أن ولي الدم ان طلب الدم يتخير الجاني بين دفعه وبين تسليم نفسه للقصاص، ولم يجب قبول المال وان قل. وأنه لو عفى على مال لم يصح عفوه بدون رضا القتل لان المال ليس حقه وأنه لو عفى عن القود مطلقا يسقط (لسقط - خ) ولم يجز له طلب المال والدية فإنه لا دية له عليه، وما كان له إلا القود وقد عفى عنه. بخلاف المذهب الثاني فإنه كان مخيرا بين القود واخذ الدية فإذا ترك القود بقي الآخر لا ان يعفو عنه ايضا، ويلزمه المال إن عفى عنه إن كان الدية أو أقل فإنه اخذ ما يلزمه، وأنه يجب عليه دفعه إن طلبه، وهو ظاهر. ونقل ذلك عن ابن الجنيد وابن أبي عقيل أيضا.

(1) والسند كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن محمد بن سنان عن العلا بن الفضيل.

[ 410 ]

ثم اعلم أن الخلاف جار في قصاص الطرف والجراح أيضا، وأن دليل المذهب المشهور جيد. ولكن فيه اشكال من جهة أن حفظ النفس عن القتل والجرح واجب ولو ببذل المال مهما أمكن، ولذا (ولهذا - خ) يجب ان اريد قتله ان يبذل ماله ويخلص نفسه ويخلى ماله ليؤخذ ولا يجوز الجدال لو ظن قتله، وامثال ذلك كثيرة، فكان ينبغي أن يجب على القاتل بذل المال ان رضى صاحب الدم به وليس مقتضى المذهب الاول. ودليله عدم وجوب بذل المال عليه بعد رضا ولي الدم، كما يفهم من كلام صاحب هذا المذهب، إذ لا منافاة بين عدم وجوب شئ عليه اصالة غير القود وبين وجوب اعطاء المال على القاتل لتخليص نفسه من القتل بعد رضا ولي الدم به لوجوب حفظ النفس المعلوم من دليل آخر نقلي وعقلي فان كل عاقل يدرك أن الذي لا يفك نفسه من القتل بالمال الذي له خصوصا إذا كان قليلا جدا، مذموم. كما أنه يجب عليه ان يقبل العفو والابراء لو ابرأه وليس له ان يقول، ما اريد العفو والابراء اقتلني قصاصا، فليس هنا ما يقتضي عدم وجوب حفظ النفس ببذل المال حتى يخصص ادلة وجوب حفظ النفس به، فتأمل. فالوجوب غير بعيد كما هو مذهب ابن الجنيد وابن أبي عقيل وان كان المذهب هو المشهور، فافهم. ولا شك أن الاولى والاحوط له ان يفك نفسه بالمال وإن كان اضعاف الدية بعد رضا ولي الدم ان امكنه ذلك واعلم أيضا أن قول المصنف: (ولا يجب الدية الا صلحا) أي إلا برضا ولي الدم والقاتل بها (1) بناء على المذهب المشهور.

(1) يعني مع رضاية ولي الدم والقاتل بالدية.

[ 411 ]

ولو لم يرض بالدية جاز أن يفتدى بأكثر. ولو لم يرض الجاني بالدية فالقود إلا أن يتراضيا على الاقل. ولو هلك قاتل العمد فالدية في ماله على رأي. وأن قوله: (فلو عفى ولي الدم عن القصاص) من غير اشتراط مال سقط القصاص، ولم يلزم القاتل مال طلا ذمة اصلا، متفرع على قوله: (ولا يجب) المبني على المذهب المشهور، فلو قيل بمذهب غيره، يجب حينئذ الدية، إذ لولي الدم كان احد الامرين القود والدية فإذا سقط أحدهما بقي الآخر، فله طلبه، وهو ظاهر. وكذا قوله: (ولو عفى على مال لم يسقط القود) فإنه إذا سقط من له امر معين بعوض لا يسقط بدون العوض ورضا صاحبه به فإن رضي سقط المسقط وبقي العوض وإلا فلا يسقط بل يبقى كما كان بخلاف المذهب الثاني فإنه يسقط القود ولزم الدية، رضي القاتل ام لا، لان من له احد الامرين إذا التزم احدهما سقط الآخر. وأما قوله: (ولو لم يرض الخ) فهو صحيح على المذهبين، وهو ظاهر فليس من فروع المذهب المشهور. وقوله: ولو لم يرض - أي لو لم يرض القاتل بتمام الدية فلولي الدم القصاص، إلا ان يتفقا على أقل منها، أو عفى الولي القصاص - من فروع المذهب الاول، إذ على تقدير التخيير ليس له عدم الرضا بتمام الدية بعد اختيار ولي الدم ذلك، فإنه على تقدير التخيير لو لم يرض القاتل بالدية لم يتعين القصاص، بل للولي اخذ الدية منه قهرا عليه فإنه احد فردي التخيير (المخير فيه - خ) فيه، فله اختياره، وهو ظاهر. قوله: " ولو هلك الخ ". إذا مات قاتل العمد العدوان الذي وجب عليه القصاص قبل أن يقتص منه بغير تقصير من جانبه على ما يقتضيه ما بعده فتعذر

[ 412 ]

القصاص يسقط. وهل يجب الدية حينئذ ام لا؟ فظاهر المتن لزومها لئلا يلزم ابطال دم امرئ مسلم كما يقتضيه ما روي عنه صلى الله عليه وآله (1) وعنهم عليهم السلام في عدة اخبار: لا يبطل دم امرئ مسلم (2). ولقوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " (3). وفيه تأمل ظاهر بناء على المذهب المشهور، فإن الواجب ما كان إلا القصاص، وقد تعذر فسقط بتعذره، فوجوب عوضه يحتاج إلى دليل آخر، ولا دليل، إذ الرواية وان كانت صحيحة مخصوصة بالابطال اختيارا بسبب من المكلف ولهذا لو مات ولا مال له ولا قريب له يبطل، بالاجماع. وغير صحيحة بل ظاهرة في كون الدية في مال القاتل، وهو ظاهر. ولا مال لانه ما دام حيا ما وجب في ماله شئ وبعد الموت لا مال له، وايجابه على مال الورثة الذي انتقل منه إليهم يحتاج إلى دليل. والآية غير ظاهرة في الدية، فإن الظاهر ان المراد منها السلطنة على قتله، ولهذا لا تسلط له على اخذها مع حياة الجاني على المذهب المشهور. نعم هو متوجه على مذهب ابن الجنيد وابن أبي عقيل، فإنه إذا كان

(1) سنن الترمذي باب 10 ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم ج 4 ص 19 ولفظ الحديث... عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ولاله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم الخ. وعوالي اللآلي ج 2 ص 365 وفيه " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: لا يبطل دم امرئ مسلم " وراجع كنز العمال ج 1 ص 87 وص 90 وص 92 وفيه " لا يحل دم امرئ مسلم... الخ ". ولم نجد إلى الآن في كتب العامة التعبير بلفظة " لا يبطل ". (2) الوسائل الباب 29 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 والباب 46 من تلك الابواب الرواية 2 والباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 1. (3) الاسراء: 33.

[ 413 ]

وكذا لو هرب فلم يقدر عليه حتى مات، ولو لم يكن له مال سقط. الواجب احدهما، وتعذر احدهما بعينه تعين الآخر، وهو ظاهر، الحمد لله. قوله: " وكذا لو هرب الخ ". أي يجب الدية في مال القاتل لو هرب ولم يسلم نفسه للقود حتى مات. والذي يقول بالدية في الاولى يلزمه القول بها هنا بالطريق الاولى، وهو ظاهر، ويقول بها هنا بعض من لم يقل هناك، مثل المحقق الثاني، فإن سقوط القود هنا بسببه فهو مقصر ومسقط للقصاص الواجب، فيجب عليه عوضه، وهو الدية، كما إذا خلص احد من وجب عليه القصاص حتى مات يجب على المخلص الدية لرواية حريز - كأنها صحيحة - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل قتل رجلا عمدا فدفع إلى الوالي فدفعه الوالي إلى اولياء المقتول ليقتلوه فوثب عليهم قوم فخلصوا القاتل من ايدي الاولياء؟ فقال: ارى ان يحبس الذين خلصوا القاتل من أيدي الاولياء (ابدا - خ) حتى يأتوا بالقاتل، قيل: فإن مات القاتل وهم في السجن؟ فقال: أن مات فعليهم الدية (1). ولرواية ابن أبي نصر - وهو البزنطي - عن أبي جعفر عليه السلام - وهو أبو جعفر الثاني أعني الجواد عليه السلام، لا الاول وهو الباقر عليه السلام، كما يفهم من المختلف وشرح الشرائع لانه ليس من رجاله ولا من رجال الصادق عليه السلام - في رجل قتل رجلا عمدا، ثم فر فلم يقدر عليه حتى مات؟ قال: إن كان له مال اخذ منه، وإلا اخذ من الاقرب فالاقرب (2). ومثله رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام، وزاد في آخرها: فإنه

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب قصاص النفس الرواية 1 ج 19 ص 34. (2) الوسائل الباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 3 ج 19 ص 303.

[ 414 ]

لا يبطل دم امرئ مسلم (1) وللآية (2) والرواية (3) المتقدمتين وهو مذهب المتن والشيخ في النهاية وابن البراج والسيد وابن زهرة مدعيا للاجماع. ونحوه قال ابو الصلاح على ما ذكره في المختلف. وقال في الخلاف: إذا قتل رجل رجلا ووجب عليه القتل فهلك القاتل قبل ان يستفاد منه سقط القصاص إلى الدية، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يسقط القصاص لا إلى بدل دليلنا قوله عليه السلام: لا يبطل (لا يطل - خ) الخ. ثم قال: ولو قلنا بقول أبي حنيفة لكان قويا لان الدية عندنا لا تثبت إلا بالتراضي بينهما وقد فات ذلك. قال المصنف (4): وهذا يدل على تردده في ذلك وقال في المبسوط: قال قوم: يسقط القود إلى غير مال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، ونقل عن ابن ادريس أنه قال: قول الشيخ في النهاية غير واضح، لانه خلاف الاجماع وظاهر الكتاب والمتواتر من الاخبار واصول المذهب، وهو ان موجب (ان يوجب - خ ل) قتل العمد القود دون الدية، فأما (فإذا - المختلف) ما فات محله وهو الرقبة فقد سقط لا إلى بدل وانتقاله إلى مال الميت أو مال اوليائه حكم شرعي يحتاج تبينه (مثبته - المختلف) إلى دليل شرعي والكعتمد قول الشيخ في النهاية وهو قول ابن الجنيد. واستدل (5) بما ذكرناه من الادلة، وأنه اخل بدفع الواجب عليه حتى تعذر، فكان عليه البدل، فإذا مات وجب ان يؤخذ من تركته، وإذا لم يكن له تركة اخذ من عاقلته الذين يرثون ديته (الدية - المختلف)، لانهم يأخذون ديته مع العفو

(1) الوسائل الباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 1 ج 19 ص 302. (2) اشارة إلى قوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " الاسراء: 33. (3) راجع الوسائل باب 29 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1. (4) أي صاحب المختلف العلامة. (5) يعني العلامة في المختلف.

[ 415 ]

على المال أو تعذر الاستيفاء بالقصاص، فكان ديته عليهم كما في الخطأ ولانهم يضمنون الديه في الخطأ ولم يبطلها الشارع حراسة على النفوس (للنفوس - المختلف) وحفظا لها وزجرا عن القتل خطأ، فالعمد اولى بالحراسة والزجر عنه والمعاقبة عليه واخذ العوض منه (فيه - خ ل) وقول ابن إدريس من أن قول شيخنا في النهاية مخالف للاجماع جهل منه لان مذهب النهاية مذهب جماعة من الاصحاب مع أن الشيخ اعرف من مواقعه (بمواضعه - خ ل) منه واي اخبار تواترت له في ذلك حتى يخالفها الشيخ (شيخنا رحمه الله - المختلف)، واي منافات بين ما قلناه وبين ان الواجب القود، فانا لو سلمنا له ذلك لم يلزم ابطال ما اخترناه، فإن مفوت العوض مع مباشرة اتلاف المعوض ضامن للبدل (1). وقد افتى بقول الشيخ جماعة من علمائنا. وفي ادلة لزوم الدية في هذه المسألة ايضا تأمل، إذ مجرد الهرب المحرم وعدم تسليم النفس الواجب حتى مات لا يستلزم ضمان الدية، فإنه غير متلف للعوض، بل إنما باشر الهرب، ودلك ليس باتلاف النفس ولا يستلزم له إذ قد يهرب ولا يموت، ولا يقتل قببل القصاص، فليس بمفوت حينئذ، ولهذا لا يجب ما لم يمت كما في المخلص ايضا، وإن ادعى مطلقا. فان كان له دليل والا يمنع ذلك أيضا أو يقال بالفرق فإثبات الدية بمجرد ذلك مشكل، والظاهر أنه يحتاج إلى دليل. ورواية أبي بصير ضعيفة، لقطع الطريق إلى الحسن بن محمد بن سماعة الواقفي (2) وبه توقف احمد بن الحسن الميثمي وبالخلاف في ابان بن عثمان،

(1) انتهى كلام المختلف - كتاب القصاص ص 234 من الطبعة الحجرية. (2) سنده كما في الكافي هكذا: حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن ابان بن عثمان، عن ابي بصير.

[ 416 ]

واشتراك أبي بصير. ورواية البزنطي غير ظاهر الصحة، إذ في طريقه العلا (1)، وهو مشترك، وإن كان الغالب أنه الثقة، فإن غير الثقة من رجال الصادق عليه السلام، وهو ابن المسيب، والناقل عنه هنا محمد بن علي بن محبوب، وهو ممن لم يرو، وأنه روى عن أحمد بن محمد عن البزنطي رواها عن الجواد عليه السلام، وهو ايضا ممن لم يرو على الباقر والصادق عليهما السلام أيضا. مع أن ايجاب الدية على الاقرب فالاقربب - مع عدم ضبط ذلك - بعيد، وخلاف القوانين العقلية والنقلية. وما ذكره المصنف (في المختلف - خ) من وجه صحة كونه على الاقرب فالاقرب، لا يوجبه. نعم لو صح ذلك الحكم بدليل - كما في الخطأ - يكون ذلك وجه مناسبة، فانه بمجرد مثل هذه الامور لا يمكن اثبات هذه الاحكام على ما اظن ولهذا قال في المتن بوجوب الدية في ماله، وسقوطها مع عدم وجود مال له فليست الروايتان (2) دليله، والا لزم القول بلزومه على الاقرب فالاقرب لاشتمالهما عليه فقوله في المتن يخالف الرواية والقائل بالضمان قال بمضمونهما والآية والرواية المتقدمة (3) قد عرفت حالهما، والاجماع معلوم عندك حاله، خصوصا إذا ادعى المخالف الاجماع على خلافه، فتأمل فيه. واعلم أن هنا مسألتين كما يفهم من المتن وحرزناهما، وأن القول بالدية في

(1) سنده كما في الكافي هكذا: محمد بن علي بن محبوب، عن العلاء، عن احمد بن محمد، عن ابن أبي نصر. (2) الوسائل الباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 1 و 3 ج 19 ص 302 وص 303. (3) تقدم موضع ذكرهما آنفا فلاحظ.

[ 417 ]

الاولى لا يخلو عن بعد، وفي الثانية لا يخلو عن قرب وإن كان الظاهر هنا أيضا العدم، لعدم الدليل، إذ لم يثبت صحة الروايتين (1) لما عرفت. مع احتمال كون العلا غير المذكورين في كتب الرجال. وإن صحت الروايتان فهو المذهب كما اختاره في النهاية والمختلف، مع القول بكونهما الاقرب فالاقرب، مع عدم ماله والا فمذهب ابن إدريس ارجح على ما نفهمه. وأنه قد خلط بين المسألتين في الشرح والمختلف ولم يفرق بينهما. وأنه بالحقيقة ما نجد منافاة بين كلام النهاية وبين كلام الخلاف والمبسوط، فإن الاول في المسألة الثانية وما فيهما في المسألة الاولى على ما نقل عنه في الشرح والمختلف. فما رجع (2) عن الاول فيهما، وما ذكر ما ينافيه فيهما، وهو ظاهر. وإن كلام المختلف على ابن إدريس وارد، فإن البحث في كلام النهاية، وقد عرفت أنه في المسألة الثانية، فلا يرد ما في الشرح وفيه نظر (3) فإنه لو مات فجأة قبل مضي زمان يمكن فيه القصاص أو لم يمنع من القصاص ولم يهرب حتى مات لم يتحقق منه تفريط، اللهم إلا ان تخصص الدعوى بالهارب ليموت وبه نطقت الرواية واكثر كلام الاصحاب، وهو محتمل ولكن الخ. نعم كلامه لا يثبت المدعى لما عرفت. وأنه ما يرد على ابن ادريس، اين الكتاب والاخبار المتواترة وأنه لا اجماع، فإنه قد أفتى بقول الشيخ جماعة وادعى ابن زهرة الاجماع على خلافه.

(1) تقدم الاشارة إليهما آنفا. (2) يعني ما رجع الشيخ عن القول الاول في الخلاف والمبسوط. (3) الظاهر ان قوله قدس سره: " وفيه نظر " مقول قول الشرح إلى قوله: (ولكن الخ).

[ 418 ]

لان مقصوده إن ما عليه الكتاب والاخبار المتواترة والمجمع عليه، هو أن قتل العمد موجب للقصاص في الاصل وبينه بقوله: وهو الخ. نعم يرد عليه إن ذلك أيضا غير مجمع عليه، لما مر من خلاف ابن الجنيد وابن أبي عقيل، لا عدم لزوم الدية هنا، فتأمل. وأن ظاهر المصنف هنا نقل الخلاف في المسألتين والبحث فيهما، إذ قال بعد قوله على رأي: (فكذا الخ). فهو صريح في ان فيه أيضا خلافا وبحثا، فقول الشارح - ولكن المصنف في هذا الكتاب صدر المسألة بالموت المطلق وجعله محل الخلاف ثم اتبعها بالهرب إلى حصول الموت، ولعله لو عكس كان انسب - غير واضح، فتأمل. وأنه أيضا جعل الشارح مبنى المسألة الاولى، على أن الواجب في العمد بالاصالة، هو القود، وان ذلك، هو مذهب الاصحاب إلا ابن الجنيد وابن أبي عقيل، وقال: الرأي لابن الجنيد والسيد رحمه الله والشيخ في النهاية وابن زهرة مدعيا فيه الاجماع، والقاضي، والتقي، والطبري، وابن حمزة والكيدري، والمحقق، والمصنف في المختلف. وذلك غير جيد فإنه إذا كان المبنى مذهب غير ابن الجنيد فكيف يكون الرأي له. وأن ليس مبناها ذلك، بل مبناها مذهب ابن الجنيد، فكيف يكون مذهبا لهذه الجماعة الكثيرة. وأن الظاهر أن الرأي للمتن وما ذكره (1). وأن مذهب المصنف في المختلف مع بعض المذكورين مثل الشيخ في النهاية

(1) في حواشي بعض النسخ زاد بعد قوله: وما ذكره، الشارح.

[ 419 ]

في المسألة الثانية لا الاولى. وأنه حينئذ لا يصح جعل الادلة المذكورة دليلا على المدعى الموضوع اولا وهو المسألة الاولى، فتأمل. وكذا جعل مبنى المسألة الاولى ذلك في شرح الشرائع ونقل الاقوال قريبا مما في الشرح. وقال: لا إشكال على مذهب ابن الجنيد في لزوم الدية وعلى المذهب المشهور فيه خلاف منشأه هل للقود بدل ام لا؟ فذهب جماعة منهم الشيخ في المبسوط وابن إدريس مدعيا الاجماع إلى العدم وقال: وذهب الاكثر إلى ثبوت الدية منهم الشيخ في النهاية وابن زهرة مدعيا الاجماع الخ. وفيه أيضا ما لا يخفى من أنه كيف يكون مبناها مع أنه يلزم هنا الدية، فمبناها عدم ذلك، وهو مذهب ابن الجنيد، ولو كان مبناها ذلك لم يكن الدية مذهبا لهذه الجماعة، بل لابن الجنيد فقط. وان ليس ذلك مذهب النهاية فان كلامه فيه في الثانية. وان ليس دعوى اجماع ابن إدريس ما ذكره وغير ذلك، فتأمل. وقد احسن المحقق في الشرائع حيث قال: إذا هلك قاتل العمد سقط القصاص، وهل يسقط الدية؟ قال في المبسوط: نعم، وتردد في الخلاف وفي رواية أبي بصير الخ (1). حيث جعل كلام المبسوط والخلاف فيمن هلك، ولم يذكر كلامه النهاية الذي فيمن هرب، وهي المسألة الثانية وذكر أن في رواية أبي بصير (2).

(1) الوسائل الباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 1 ج 19 ص 302. (2) الوسائل الباب 4 من ابواب العاقلة الرواية 3 ج 19 ص 302.

[ 420 ]

وتؤخر الحامل حتى تضع وترضع إن فقد غيرها، وإن تجدد حملها بعد الجناية. ولو ادعته وتجردت دعواها عن شهادة القوابل فالوجه التصديق. ولو بان الحمل بعد القصاص فالدية على القاتل مع علمه، ولو جهل فعلى الحاكم ان علم. ما يدل على حكم المسألة الثانية، وما جعلها دليلا على الاولى، مع الاشارة إلى قصورها من جهة السند والاشتمال على انتقال الدية إلى مال الاقرب فالاقرب، وذلك غير مستقيم. وأما وجه تركه رواية البزنطي (1) - مع أنها أوضح سندا - غير ظاهر، فتأمل في ذلك. قوله: " وتؤخر الحامل الخ ". دليل تأخير قصاص الحامل حتى تضع - بل ويستغنى الطفل عنها ان لم يوجد من يكفله - العقل والنقل مثل الرواية التي تقدمت في امرأة جاءت إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقالت: زنيت فطهرني الخ (2) ولغيرها. هذا في النفس واضح، ويحتمل في الطرف والجراح أيضا كذلك. والظاهر أنه ان احتمل السراية وظنت فكذلك وإلا فلا، فتأمل. ولا فرق بين كون الولد من الحلال أو الحرام، أو المملوك وغيره، وبين حدوثه قبل الجناية وبعدها، فلا يقتص منها إلا مع استغناء الولد عنها بأي وجه اتفق، فتأمل.

(1) الوسائل الباب 16 من ابواب حد الزنا الرواية 1 ج 18 ص 377. (2) راجع الوسائل باب 16 من ابواب حد الزنا ج 18 ص 377.

[ 421 ]

ولو ادعت التي وجب عليها القصاص - واريد قصاصها - الحمل، وليس لها بينة من النساء الثقات العارفات بالحمل، بعلامته المعلومة بذلك، ولا ما يدل عليه من علامات الحمل، هل يسمع وتصدق في ذلك ام لا؟ يحتمل عدمه للاصل وعدم سماع الدعوى بغير بينة، وأنها متهمة ودافعة عن نفسها الضرر، ولعدم التأخير في الحدود كما مر. والوجه التصديق وتأخير القصاص حتى يعلم عدم الحمل أو تضع، فيقتص منها إن كان من يكفله وترضعه موجودا، وإلا أخر حتى يستغنى الولد عنها للاحتياط. ولان أمثال ذلك إليها، إذ إثباتها بالبينة متعذر كالحيض والطهر وظاهر حال المسلم فيحتمل بغير يمين ويحتمل معها، فتأمل. ولو اقتصت امرأة وظهرت أنها كانت حاملا، فقتل الولد ظلما، فدية الولد على الذي اقتص منها مع علمه بالحمل. ويحتمل القصاص إن كان عالما، فإنه قتل عمد عدوان. ولو جهل الحمل فدية الحمل على الحاكم مع علمه به. وظاهر العبارة أنه على القاتل لا الحاكم مع علمهما، وذلك غير بعيد، لانه المباشر. ويحتمل التشريك. ولم يعلم الحكم في المتن حال جهلهما، فيحتمل ايضا على القاتل، لانه مباشر للقتل، وليس العلم والعمد شرطا للدية، فيكون الدية عليه، كما إذا قتل بفعله احدا خطأ ومن غير شعوره أصلا، بان يكون غافلا أو نائما. ويحتمل على الحاكم فإن فعله بقوله واجتهاده ورأيه وكان عليه الاستفسار والاحتياط.

[ 422 ]

ولا يضمن المقتص سراية القصاص مع عدم التعدي، فان اعترف بالتعمد اقتص في الزائد. وان اعترف بالخطأ اخذت ديته ويصدق في الخطأ مع اليمين. ويحتمل التشريك. ويحتمل على بيت المال والسقوط. وظاهر العبارة عدم لزوم الدية على القاتل ولا على الحاكم مع جهلهما، حيث شرط العلم وما ذكر غيرهما، فيكون على بيت المال أو ساقطا. وهو مشكل، لابطال دم امرئ مسلم مع وجود المباشر والسبب. قوله: " ولا يضمن الخ ". لو وجب لشخص قصاص في غير النفس فاقتص من المستحق فسرى القصاص، فإن ذهب غير ما ثبت قصاصه من الاعضاء أو النفس، لم يضمن المقتص، للاصل، ولانه أثر فعله الجائز المستحق، ولوازمه وللروايات. مثل رواية زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل قتله القصاص، هل عليه دية؟ فقال: لو كان ذلك، لم يقتص من أحد، وقال: من قتله الحد فلا دية (1). ومثله في رواية أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه السلام (2)، ولا يضر عدم صحتهما. وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له (3).

(1) الوسائل الباب 24 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 بالسند الثالث ج 19 ص 46. (2) الوسائل الباب 24 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 بالسند الاول ج 19 ص 46. (3) الوسائل الباب 24 من ابواب القصاص في النفس الرواية 5 ج 19 ص 47.

[ 423 ]

ويثبت القصاص في الطرف لكل من يثبت له القصاص في النفس. ولا يقتص الا بالسيف غير الكال والمسموم، وان قتل بغيره، وفي صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: من قتله القصاص فلا دية له، الحديث (1). ولا فرق بين كونه بإذن الامام ام لا، نعم لابد من كونه جائزا. ولا يدل ما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام - قال: من قتله القصاص بأمر الامام فلا دية له (2) - على اشتراط إذن الامام في ذلك. إلا أن يقال: بعدم جواز القصاص إلا بإذن الامام، فتأمل. وهذا مع عدم التعدي عما وجب له، ومنه فإن اعترف بإنه وقع عمدا (فيه - خ) اقتص فيما سرى فيه من العضو الزائد والنفس. وإن لم يعترف به، بل اعترف أنه خطأ سمع منه ذلك، مع يمينه، للاصل، واخذ منه ديته للجناية الموجبة ان كان مما يوجب الدية، وإلا فلا أرش، تأمل. قوله: " ويثبت القصاص الخ ". أي يثبت القصاص في العضو والطرف المقطوعين لصاحبهما على قاطعهما الذي يثبت له عليه القصاص في النفس لو قتله، ولا يثبت في الطرف لو لم يثبت في النفس لو قطع أب يد إبنه أو جرح عضوا منه بحيث لو فعل بغيره لاقتص منه. وبالجملة يثبت القصاص في غير النفس كما في النفس، إذا كان عمدا عدوانا بشرائطه الآتية في النفس. قوله: " ولا يقتص الخ ". أي إذا اراد ان يقتص من القاتل لا يفعل إلا

(1) الوسائل الباب 24 من ابواب القصاص في النفس الرواية 5 ج 19 ص 47. (2) الوسائل الباب 24 حديث 8 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 47.

[ 424 ]

ويقتصر على ضرب العنق من غير تمثيل، وان كان قد فعله. بالسيف الصارم الحاد لا غيره من سائر آلات القتل والقطع مثل السكين، ولا بالسيف الكال المعذب لا يقطع سريعا، فيحصل له الالم الكثير فيأثم، وإن لم يضمن شيئا. وان لا يقتل بالسيف المسموم خصوصا في الطرف لئلا يفسد البدن بسراية السم فيه فيتعسر الغسل والكفن والدفن، فتحصل الاهانة فيأثم، وإن لم يضمن. إلا ان يكون في الطرف فيضمن السراية، وإن قتل القاتل المقتول الاول بغير السيف مثل الغرق والحرق وبالسيف الكال والمسموم. وايضا يجب ان يقتصر في الاقتصاص على ضرب العنق من غير تمثيل، وإن مثل القاتل المقتول الاول. لعل دليل المذكور تحريم هذه الامور إلا القتل الذي جوز له بدليله، وهو يحصل بما مر فلا يتعدى. ورواية موسى بن بكر عن عبد صالح عليه السلام، في رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع العصا حتى مات؟ قال: يدفع إلى أولياء المقتول ولكن لا يترك يتلذذ به، ولكن يجاز عليه بالسيف (1). وحسنة الحلبي، ورواها ابو الصباح الكناني أيضا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قالا: سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا، فلم يقلع عنه الضرب حتى مات أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه (بالسيف - ئل) (2). ومثلها صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 10 ج 19 ص 26. (2) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 2.

[ 425 ]

واجرة القصاص على بيت المال، فان ضاق فعلى القاتل. ويقضى بالقصاص مع التيقن، لا مع اشتباه التلف بغير الجناية، فيقتص حينئذ في الجرح خاصة. عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع عنه حتى قتل، أيدفع إلى اولياء المقتول؟ قال: نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجاز عليه (1). واعلم ان هذه ليس لها دليل واضح، فإن كانت اجماعية، والظاهر عدمه كما نقله في شرح الشرائع وإلا فالظاهر جواز القتل بالمثل نقلا، للآية (2) والخبر (3) وعقلا، ما لم يكن محرما مثل القتل بالسحر مع اختلاف في تأثيره، وعدم العلم بحصوله، فتأمل. قوله: " واجرة القصاص الخ ". إن اقتص الولي بنفسه، أو من وكله واذن له بغير اجرة فلا بحث، وان احتاج إلى الاجرة فهي على بيت المال لانه لمصالح المسلمين، وهذا من ذاك. وان ضاق بيت المال ولم يف به، فقال المصنف: فعلى القاتل، فيجب عليه ان يعطي شيئا ليقتله احد إذ يجب عليه تسليم الذي يترتب عليه القتل بغير كلفة على ولي الدم، فيكون الاجرة عليه، ولانه ازهق روح شخص فوجب ازهاق روحه بيد الولي وإذنه فيجب عليه ما يتوقف عليه ذلك، فمؤنته عليه. وقيل: على ولي الدم فإنه لمصلحته واستيفاء حقه، فتأمل. قوله: " ويقضي الخ ". أي يقضي من يحكم بالقصاص على الجاني إذا تيقن ان القتل وقع بجنايته، ولا يحكم بمجرد الظن والوهم، إذا اشتبه، بعد ان مات

(1) الوسائل الباب 11 من ابواب القصاص في النفس الرواية 12 ج 19 ص 27. (2) المائدة: 45 " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس... ". (3) الوسائل: ب 19 من ابواب قصاص النفس ج 19 ص 37.

[ 426 ]

ويرث القصاص والدية وارث المال عدا الزوج والزوجة في القصاص، ويرثان من الدية ان رضى الاولياء بها، ولو عفا الولي عن القصاص فلا دية لهما، ولو عفا عن دية الخطأ فلهما نصيبهما. المجني عليه هل مات بجنايته أم بشئ آخر، فالشاهد لا يشهد الا مع علمه بذلك. وكذا لا يحكم القاضي الا بحكم من يدعي اليقين. وكذا ولي الدم ان اراد قتل القاتل بغير حكم الحاكم لابد ان يعرف أنه قتل المقتول يقينا. والظاهر أنه لا يحتاج الحاكم إلى اليقين، بل يكفيه الظن الحاصل مما يثبت به القتل، سواء كان إقرارا أو شاهدين عدلين، وكذا ولي الدم بعد حكم الحاكم، فتأمل فيه. وإذا كان الجناية والجرح متحققا ولم يعلم الموت بتلك الجناية، لا يقتل، بل يعمل بمقتضى الجناية، فإن كان مما يقتص له مثل قطع اليد يقتص، وإلا يأخذ الدية. قوله: " ويرث الخ ". قد مر في كتاب الميراث قولان في ميراث من يتقرب بالام من الدية وعدم رجحان المتن أحدهما، بل اقتصر على نقلهما. وهو مشعر بتردده هناك، لعموم آية الارث (1) واخباره الدالين على ارث كل مناسب ومسابب من جميع ما تركه الميت، وفي شموله للدية والقصاص تأمل فافهم. وللاخبار الدالة على عدم ارث الاخوة والاخوات من الام من الدية. مثل صحيحة عبد الله بن سنان (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام: إن أمير

(1) اشارة إلى قوله تعالى: " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله ". الانفال: 75. (2) هكذا في النسخ كلها مخطوطة ومطبوعة، ولكن ليس في كتب الاحاديث لا في الكافي ولا في =

[ 427 ]

المؤمنين عليه السلام قضى أن الدية يرثها الورثة على كتاب الله وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين إلا الاخوة والاخوات من الام فإنهم لا يرثون من الدية شيئا. ومثلها صحيحة محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام (1)، وغيرهما. وجزم (2) هنا بتوريثهم ترجيحا للكتاب (3). وفيه تأمل، لما مر ولتقديم الخاص. ولكن يمكن الاقتصار على ما في النص من الاخوة والاخوات من الام إلا أن يقال بعدم القائل بالفصل أو انه يفهم عدم ارث غيرهم من الاخوال واولادهم بالطريق الاولى، وذلك غير بعيد، فتأمل. وأما عدم توريث الزوج والزوجة من القصاص، وتوريثهم من الدية سواء كانت بالاصالة أو كانت عوضا عن القصاص برضا ولي الدم والقاتل، فقد إدعى فيه الاجماع وما علم من يخالفه ويؤيده عموم الكتاب (4) والسنة (5) وان كان في

= الفقيه، ولا في التهذيب ولا في الوسائل عين ولا أثر من صحيحة عبد الله بن سنان بهذه العبارة والمتن، نعم نقلها المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قضى امير المؤمنين (علي - ئل) عليه السلام في دية المقتول في كتاب الله إلى آخر الحديث كما نقله الشارح قدس سره هنا، ثم نقل في الكافي والتهذيب بلا فصل عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قضى أمير المؤمنين عليه السلام أن الدية يرثها الورثة إلا الاخوة من الام فإنهم لا يرثون من الدية شيئا، والمظنون بالظن القوي ان الذي اوقع الاشتباه للشارح قدس سره كون صحيحة عبد الله بن سنان عقيب صحيحة سليمان بن خالد في الكافي والتهذيب فوقع نظره الشريف اولا إلى عبد الله بن سنان ثم كتب متن صحيحة سليمان بن خالد فراجع الكافي باب مواريث القتلى الخ والتهذيب باب ميراث المرتد ومن يستحق من الدية الخ والفقيه باب ميراث القاتل الخ والوسائل باب 10 من ابواب موانع الارث ج 17 ص 393. (1) يعنى الماتن رحمه الله. (2) وهو قوله تعالى: " واولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله ". الانفال: 75. (3) لاحظ عمومات آيات الارث. (4) راجع الاخبار الواردة في هذا المقام من الاحاديث النبوية والاولوية.

[ 428 ]

ويستحب للامام احضار عارفين عند الاستيفاء. دلالتهما (1) نظر. ومعلوم أن المراد بالارث من (عن) الدية، بعد الدين والوصايا وإن لم يكن لانتقال الدية إلى الميت ثم قضاء الدين أو التوريث، معنى (2) منقح إلا أنه قد ثبت أنها بحكم مال الميت في ذلك كله، للنصوص الخاصة (3)، لا لادلة الارث فلا اشكال فافهم. ومعلوم أيضا أنه على تقدير عفو الورثة عن القصاص لا ارث لهما، ولا منع لهما، ولا لغيرهما ممن يرث الدية دون القصاص، وكذا الديان والموصى له، وإليه، فتأمل. وأنه لو عفا بعض الورثة عن الدية في الخطأ، لهما حصتهما من الدية، وكذا لغيرهما ممن لم يعف. وأن ليس للوارث العفو الا عن حصته فعلى تقدير الدين أو الوصية ليس له العفو إلا عما يرثه، وكل ذلك ظاهر والحمد لله. قوله: " ويستحب للامام الخ ". يستحب للامام ويحتمل ان لمطلق الحاكم كذلك، بل ذلك لغيره ينبغي بالطريق الاولى، ولهذا قيل في غيره: ويستحب للحاكم الخ فلو قال هنا أيضا ذلك كان أولى. فيمكن ان يكون مراده اعم ان (4) يحضر الشاهدين المقبولين عند استيفاء

(1) في هامش بعض النسخ المخطوطة هكذا: وجهه أن الضامن (مال) الميت ما تخلف من الاموال ولا شك ان الدية ليست من الاموال (انتهى). (2) اسم مؤخر لقوله قدس سره: وان لم يكن، وقوله قدس سره: لانتقال الدية خبر مقدم. (3) راجع الوسائل باب 14 حديث 1 من ابواب موانع الارث ج 17 ص 397 وفيه عن اسحاق بن عمار عن جعفر ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا قبلت دية العمد فصارت مالا فهي ميراث كسائر الاموال، وغيرها فما نقل في الوصايا - في الدين - في القرض. (4) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب من ان يحضر الخ.

[ 429 ]

ولو اتحد مستحق القصاص فالاولى اذن الحاكم وليس واجبا على رأي. الولي القصاص طرفا كان أو نفسا ليكونا شاهدين عليه، ويثبت على الولي ذلك عند الحاجة والدعوى، ولاحتمال ان ينسى الحاكم ولان لا يحتاج إلى الحكم بالعلم المختلف فيه، وقد يؤدى إلى التهمة، فتأمل. واعلم أن اثبات استحقاق الثواب بمثل هذا لا يخلو عن شئ، ولكن يفعلون ذلك كثيرا. ويمكن الفهم من الامر بالاشهاد في الآيات والاخبار، فافهم (1). وهذه العبارة مشعرة بحضور الامام، ويحتمل ان يراد الامر بالاحضار، وحينئذ وجه الاستحباب أظهر، وثبوت الاستيفاء عنده (2). قوله: " ولو اتحد الخ ". إذا كان مستحق القصاص شخصا واحدا واراد القصاص ينبغي ان يفعل ذلك بإذن الحاكم ويوقعه (ويوقفه - خ) على إذنه ويستأذنه فيه ويفعل بعد إذنه مع الامكان، وعلى تقدير إستيذانه ليس له المنع عن ذلك، ولو منع لا يجب إتباعه، بل فعل هو حراما. نعم له ان يلتمس العفو والصلح بمال، ولا يجب على المستحق استيذانه. واذنه ليس شرطا للجواز والاستيفاء فيجوز له ان يفعل بغير ذلك مع امكانه، ويقع في محله، كما إذا اذن. دليل عدم الوجوب والشرطية، الاصل واطلاق أدلة القصاص من الكتاب والسنة مع عدم دليل ظاهر على ذلك حتى يرفع الاصل ويقيد الاطلاق.

(1) أما الآيات فقوله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم " البقرة: 282، وقوله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " البقرة: 282، وقوله تعالى: " فاستشهدوا عليهن اربعة منكم " النساء: 15 وغيرها من الآيات وأما الاخبار فراجع الباب 1 و 2 و 3 من كتاب الشهادات. (2) في بعض النسخ المخطوطة: وهو ثبوت الاستيفاء عنده.

[ 430 ]

وان تعدد وجب الاتفاق أو الاذن، ولا يجوز لاحدهم المبادرة على رأي، فان بادر ضمن حصص الباقين. وذهب جماعة إلى وجوب ذلك، فلو بادر من غير ذلك أثم، ويجب تعزيره، وليس عليه سوى ذلك شئ، وما عرفت دليلهم وهم أعرف. وليس لتقييد المتن بوحدة المستحق وجه ظاهر، فإن الخلاف يجري مع الكثرة أيضا، ولعله لان مع الكثرة خلاف آخر أيضا وهو أنه هل يحتاج إلى إذن سائر الورثة ام لا، لانه لا خلاف في اعتبار اذن الامام مع الكثرة، مع أنه قد يكون الخلاف مع الوحدة كما هو ظاهر المتن. قوله: " ولو تعدد الخ ". لو تعدد مستحق القصاص يجب في وقوعه على الوجه الشرعي اتفاق جميع ورثة القصاص على ذلك، بان يقتلوه جميعا بأن يأخذوا السيف ويضربوه جميعا على عنقه، أو يوكلوا غيرهم للقصاص أو واحدا منهم، فلا يجوز لبعضهم المبادرة قبل ذلك، فلو بادر بعضهم من غير ذلك فحصل القصاص ضمن حصص الباقين، فعليه الدية لكل واحد نصيبه منها. هذا رأي المحقق والمصنف، ووجهه ظاهر، وهو أن الحق للكل فلا يجوز للغير، التصرف والاستيفاء، فعلى الفاعل ضمان العهدة. والاكثر على أنه يجوز للبعض الاستقلال في ذلك، ونقل عن السيد والشيخ الاجماع على ذلك لقوله تعالى: " فقد جعلنا لوليه سلطانا " (1) ولبناء القصاص على التغليب، ولانه لو عفى بعض على مال أو بغير مال كان للآخر القصاص، مع أن القاتل قد أحرز بعض نفسه، فهنا كذلك بالطريق الاولى. ويمكن ان يقال: الاجماع غير ظاهر، ولهذا خالف المصنف والمحقق، والآية غير ظاهرة في المطلوب، والتغليب ليس بحجة، بل غير مسلم، فإنه يسقط بالشبهة

(1) الاسراء: 35.

[ 431 ]

ولو كان المستحق صغيرا فللولي استيفاء حقه على رأي. ولو اختار بعض المتعددين الدية ورضى القاتل، فللباقين القصاص بعد رد نصيب المفادى ولو لم يرض القاتل جاز القصاص لطالبه بعد رده نصيب شريكه من الدية، ولو عفا البعض جاز للباقي القصاص بعد رد نصيب العافي من الدية على القاتل. مثل سائر الحدود، وجواز استقلال البعض بالاستيفاء والقصاص - بعد اخذ الباقي حقه بالعفو وغيره - لا يستلزم جوازه بدون اخذهم ذلك، فكيف الاولوية، فتأمل. ويمكن ان يقال: يجوز للبعض ذلك، لان الباقي إما يريدون قتله أو الدية أو العفو فإن أراد القتل فقد حصل، وإن اراد الدية فالمباشر يعطي، وان اراد العفو فيعفو. فيه أيضا تأمل لاحتمال ارادة العفو عنه لا عن المباشر وكذا أخذ الدية منه (فيه - خ) ومن ماله. أو القتل بأنفسهم أو بإذنهم. قوله: " ولو كان الخ ". ولو كان مستحق الدم ووارثه صغيرا وله ولي كولد أو مجنون قتلت امه وله أب أو جد، فالمصنف والمحقق جوزا له استحقاق الحق، لانه ولي وله ان يفعل مقتضى مصلحته، ولانه قد يموت أو يهرب قبل البلوغ والاقامة فيتعذر القصاص، ولم يمكن له أخذ الدية أيضا فيتعذران فيضيع حقه مع امكان اخذه. ونقل عن الشيخ (1) وجوب حبس القاتل، وعن المحقق أنه قال: وفي التأخير للقصاص اشكال، والحبس أشد اشكالا وقال (أيضا - خ): قلت: وتجويزه للعفو على مال ثم تجويزه للصغير القصاص اقوى اشكالا منهما، فتأمل. قوله: " ولو اختار الخ ". إذا كانت ورثة المقتول متعددة، ورضي

(1) في الشرح، هكذا في هامش بعض النسخ.

[ 432 ]

بعضهم بالدية، ورضي القاتل أيضا بذلك ولم يرض الباقون بل أرادوا القصاص، لهم ذلك، بعد رد ما اعطاه القاتل إلى الراضين بالدية، وهو المراد بنصيب المفادى أي القاتل ولو قال العافي، لكان أولى. وان لم يرض القاتل، لهم ذلك أيضا: لكن بعد اعطاء مقدار نصيب من يرضى بالدية إليهم. وجه ذلك كله ظاهر. ولو عفى بعض الورثة دون بعض جاز فلغير العافي أخذ الدية بحساب حصته مع رضى القاتل، وله القصاص أيضا، ولكن يرد إلى القاتل مقدار حصة العافي من الدية، وجهه ظاهر. ويدل عليه أيضا رواية جميل بن دراج، عن بعض اصحابه، رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، في رجل قتل وله وليان فعفا أحدهما وأبى الآخر ان يعفو؟ قال: إن أراد الذي لم يعف ان يقتل قتل، ورد نصف الدية على اولياء المقتول المقاد منه (1). وغيرها، مثل صحيحة أبي ولاد الحناط (2). فيحذف مثل رواية اسحاق بن عمار، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام إن عليا عليه السلام كان يقول: من عفى عن الدم من ذي سهم له فيه، فعفوه جائز ويسقط الدم ويصير دية ويرفع عنه (عنهم - خ) حصة الذي عفى (3) الدالة (4) على سقوط القصاص بعفو البعض وتعيين الدية حينئذ.

(1) الوسائل الباب 52 من ابواب القصاص في النفس الرواية 2 ج 19 ص 84. (2) الوسائل الباب 52 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1. (3) الوسائل الباب 54 من ابواب القصاص في النفس الرواية 4 ج 19 ص 86. (4) صفة لقوله قدس سره رواية اسحاق بن عمار.

[ 433 ]

ولو اقتص مدعي العفو على شريكه على مال فصدقه أخذ المال، والا الجاني والشريك على حاله في شركة القصاص. وللولي القصاص من دون ضمان الدية للديان على رأي. لمخالفته (1) للاصول مع الضعف، أو يؤول بما إذا لم يعط من يريد القصاص الدية إلى القاتل مقدار حصة من عفى عنه، كما فعله في التحرير. قوله: " ولو اقتص الخ ". أي لو أراد بعض الورثة الاقتصاص من القاتل وادعى على البعض الآخر من شركائه في استحقاق القصاص العفو عن القاتل على مال، فإن صدق الشريك المدعى اخذ الشريك المال الذي عفى عليه من الجاني إن قتله الجاني، وإن لم يقبل المال فإن امكنه الاثبات أثبت، وإلا سقط حقه، والجاني يأخذ مقدار تمام حصة العافي، وان كان ما اعطاه شيئا يسيرا، أو ما اعطى شيئا من الحصة، أو اعطى الاكثر. وإن لم يصدقه الشريك، بل قال: ما عفوت لا على مال ولا على غير مال ان امكن إثباته فقد مر حكمه، وإلا اخذ الجاني من المقتص الزائد على حصته من الدية التي هي حصة الباقي. والشريك يبقى على شركته، فإن رضي بالقصاص الذي وقع فلا بحث ولا شئ له، وان لم يرض فله اخذ حصته من الدية من شريكه المقتص، والكل واضح، الحمد لله. قوله: " وللولي الخ ". إذا قتل مديون معسر بما يوجب القصاص فللورثة قتل القاتل قصاصا من غير أن يرضى الديان، ومن غير ان يضمنوا لهم الدية، على رأي المصنف والمحقق وجماعة، لان الواجب هو القصاص، وذلك إلى الورثة، والفرض عدم المال، ولا يجب على الورثة اسقاط حقهم ليحصل وفاء الدين فإنه

(1) تعليل لقوله قد سره: فيحذف.

[ 434 ]

بمنزلة الكسب، وهو غير واجب لاداء دين المورث وهو ظاهر. ولظاهر الآية (1) والاخبار الدالتين على ثبوت القصاص مطلقا، سواء كان المقتول مديونا معسرا ام لا، من غير ايجاب ضمان مال على تقدير الاعسار. ونقل في الشرح عن جماعة مثل ابن الجنيد والشيخ في النهاية أن ليس لهم القصاص إلا بعد ضمان الدين لهم، ولهم العفو. وعن المبسوط: روي أن لهم منع الوارث من العفو والقصاص حتى يضمنوا الدية، وتبعه الصهرشتي وأبو الصلاح والقاضي وابن زهرة والكيدري وصفي الدين محمد بن معد العلوي الموسوي، ذكره في مسألة له في هذا المعنى لرواية عبد الحميد بن سعيد قال: قال سألت ابا الحسن الرضا عليه السلام، عن رجل قتل، وعليه دين ولم يترك مالا واخذ اهله الدية من قاتله أعليهم ان يقضوا الدين؟ قال: نعم قال: قلت: ولو لم يترك شيئا؟ قال: إنما اخذوا الدية فعليهم ان يقضوا عنه الدين (2) هكذا إحتج المصنف، واجاب بعدم الدلالة على المتنازع، لاحتمال كون القتل غير عمد، ولان السؤال وقع عن اولياء اخذوا الدية ونحن نقول بموجبه واقول: هذه الرواية ظاهرة في عدم الدلالة على المراد. ونحوه في الاحتجاج رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يقتل وعليه دين وليس له مال فهل للاولياء ان يهبوا دمه لقاتله؟ فقال: إن اصحاب الدين هم الغرماء الخصماء (للقاتل - ئل)، فان وهب اولياؤه دمه للقاتل فجائز، وان ارادوا القود فليس لهم ذلك حتى يضمنوا الدية للغرماء (3).

(1) وهي قوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب " وقوله تعالى: " النفس بالنفس ". (2) الوسائل باب 24 حديث 1 من كتاب الدين ج 13 ص 111 وفي يحيى الازرق عن أبي الحسن عليه السلام، لا عبد الحميد. (3) الوسائل الباب 59 من ابواب القصاص في النفس حديث 1 ج 19 ص 92.

[ 435 ]

وهذه الرواية لا يرد عليها شئ مما ذكر أما تجويز كون القتل خطأ وشبهه فمنفي بقوله: (وان ارادوا القود). وأما كون السؤال وقع عمن اخذ الدية، فهو ظاهر الانتفاء. واجاب المحقق في النكت بضعف السند وندورها، فلا تعارض الاصول. وجمع الشيخ ابو منصور الطبرسي في كتابه بأن القاتل إذا بذل الدية وجب قبولها ولم يكن للاولياء القصاص إلا بعد الضمان، وإن لم يبذلها جاز القود بلا ضمان (1). قلت: هذه الرواية على الوجه الذي ذكرها لا يرد عليه شئ مما ذكر، كما ينبه. ولكن يرد عليه أنه كان من المطلوب عدم جواز العفو، وهي تدل عليه، وأن التي في التهذيب ليست كذلك قال فيه يونس (2)، عن ابن مسكان، عن أبي بصير (يعني المرادي - ئل)، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام، عن رجل (الرجل - ئل) قتل وعليه دين، وليس له مال فهل لاوليائه ان يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال: ان اصحاب الدين هم الخصماء للقاتل فإن وهب اولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء وإلا فلا (3). ولا شك في عدم دلالتها على المطلوب، ولعل المصنف هكذا رواها. ويؤيده أنه لا معنى لقوله: (وهم الخصماء) مع كون الهبة للاولياء وتفريع

(1) إلى هنا عبارة الشرح. (2) يحتمل كون يونس هو ابن عبد الرحمان وابن مسكان هو عبد الله وابو بصير هو ليث فالخبر صحيح ولكنه غير ظاهر منه رحمه الله (هكذا في حاشية بعض النسخ المخطوطة). (3) الوسائل الباب 59 من ابواب القصاص الرواية 1 وفيه عن أبي بصير يعنى المرادي ج 19 ص 92 وراجع باب 24 من كتاب الدين ج 13 ص 112.

[ 436 ]

ولو اقتص الوكيل بعد علم العزل فعليه القصاص، والا فلا شئ، ولو استوفى بعد العفو جاهلا فالدية، ويرجع على الموكل. ذلك عليه بقوله: (فان وهب الخ). وأيضا يبعد الفرق بين الهبة والقود بعدم الضمان في الاول، وبه في الثاني. وبالجملة الاولى تدل على بعض المطلوب، وهو عدم القصاص إلا مع الضمان وجواز العفو بدونه. والثانية تدل على عدم جواز العفو إلا مع الضمان، ولم يذكر القصاص، فتأمل. ثم انه يعلم منهما صحة الهبة في غير المال بل الدم. فكأنها بمعنى العفو والابراء، فتأمل. قوله: " ولو اقتص الوكيل الخ ". إذا وكل ولي الدم المستحق للقصاص من يقتص بوكالته، فان فعل قبل العزل وقع في محله، لانه فعل قابل للوكالة، إذ الغرض وقوع الفعل، وقد وقع، فحصل المطلوب. وإن عزله، فإن كان بعد الفعل فلا أثر له كعدمه، وإن كان قبل الفعل واعلمه ففعل بعد علمه به صار قاتل عمد عدوان، فعليه القصاص. ولو نسى ذلك وفعل يحتمل الدية في ماله، ويمكن قبول قوله فيه. ولو لم يعلم ولم يشهد، وقيل بعدم إنعزاله بدونهما، فلا شئ هنا ايضا، فإنه مثل ما إذا لم يعزله مطلقا. وإن قيل بعزله مطلقا أو بالاشهاد واشهد فالظاهر أنه لا شئ ايضا لو لم يكن عفا. وإن عفا على مال مساو للدية فكذلك، وان كان أقل لو عفى على غير مال، فحينئذ (1) يحتمل لزوم الدية أو ثمنها (تتمتها - خ) على الموكل فإنه صار سببا لقتل

(1) أي لو عفى تبرعا يحتمل الخ.

[ 437 ]

ولو عفا مقطوع اليد فقتله القاطع قتل بعد رد دية اليد على اشكال، وكذا لو قتل مقطوع اليد قصاصا أو اخذ ديتها، والا فلا رد، ولو قطع كفا بغير اصابع، قطعت كفه بعد رد دية الاصابع. نفس غير مستحق، ولا يبطل دم امرئ مسلم والقصاص غير معقول، فالدية، وليس على الوكيل المباشر لضعفه، فعلى الموكل السبب. ويحتمل على الوكيل ابتداء لانه باشر الاتلاف، فالضمان ابتداء عليه، ولما كان ناشيا عن امر الموكل يرجع بها عليه، وقد عرفت التفصيل، ويفهم منه اجمال المتن. قوله: " ولو عفا مقطوع اليد الخ ". أي إذا قطع شخص يد آخر، فعفا المقطوع، القاطع عن قطع اليد، ثم جاء القاطع وقتل مقطوع اليد الذي عفا عنه، قتل القاتل بالقتل، ولكن بعد رد دية يده على اشكال. قال الشارح: الاشكال هنا في موضعين: الاول: في جواز قتله، وتوجيهه ان يقال: إن القتل بعد القطع كالسراية للجناية الاولى، وقد سبق العفو عن بعضها، فليس له القصاص في الباقي، هكذا علله في المبسوط. ويمكن ان يقال: ازهق نفسا متكافئة معصومة فيقتل، وهو الاصح، وكونها كالسراية ممنوع، بل هو أحداث قاطع للسراية فكيف يكون كالسراية وبتقديره، لمانع أن يمنع إن العفو عن البعض يستلزم سقوط القود بالباقي حتى قام عليه دليل (1). ولا يخفى أن احتمال العدم في غاية البعد، فإنه قتل نفسا عمدا عدوانا بقطع غير معفو عنه، والعفو عن قطع سابق لا يستلزم - بوجه من الوجوه - العفو عن

(1) إلى هنا عبارة الشارح (الشهيد الاول).

[ 438 ]

قطع وضرب آخر، وليس ذلك إلا كقتل شخص آخر، ولا فرق في قتله المقطوع وغيره، فكما أن قتله غيره موجب للضمان والقود، فكذلك المقطوع، فيقتص، لعموم ادلة القصاص، وهو في غاية الوضوح. نعم لو مات بسراية القطع المعفو عنه، لكان للخلاف وجها، من جهة أنه عفا عن قطع اليد، بمعنى أنه لا يقتص، ولا يؤخذ ديتها، وهو غير مستلزم للعفو عن سرايته، فإن سرايته هو الموجب للقتل، وما عفا عنه، فان العفو عن بعض أثر شئ، لا يستلزم العفو عن بعض آخر. ولاحتمال أنه اعتقد أن أثره هو القطع ومن جهة أنه عفا عن القطع وبعده سرى القطع إلى النفس فكأنه عفا عن المجموع فلا يقتص. وتحقيقه أنه ان علم ان العفو عن أثر الضرب والقطع مطلقا فهو معفو عنه وعن جميع ما يترتب عليه من تلف عفو آخر والنفس. وان كان عن موجبه الذي هو سقوط اليد فلا يعفى عن غيره، فيبقى اثره الذي يترتب عليه بعده من تلف عضو أو نفس وهو ظاهر وبالجملة ان هذا ليس محل الخلاف. والثاني (1): أنه على تقدير الجواز هل يرد دية اليد على المقتص منه ام لا؟ فيه اشكال، ينشأ من ان الناقص لا يقتص له من الكامل إلا بعد الرد كالمرأة، وهو متحقق هنا، فيرد. ومن عموم قوله تعالى: " النفس بالنفس " (2) وقوله تعالى: " والحر بالحر " (3).

(1) تتمة: عبارة الشهيد الاول في الشرح. (2) المائدة: 45. (3) البقرة: 178 وهنا تنتهى عبارة الشارح (الشهيد الاول).

[ 439 ]

ولان فاقد اليد خلقة أو ذهبت بآفة سماوية ونحوها يقتص له من غير رد، فكذا هنا. قال في الشرح: بنى الشيخ المسألة على عدم دخول الطرف في النفس الخ. ثم قال: والمحقق جعل مستند احتمال الرد رواية سورة بن كليب، عن أبي عبد الله عليه السلام، ونقل معناها ولفظها، قال: سئل عن رجل قتل رجلا عمدا وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: ان كانت يده قطعت في جناية جناها على نفسه أو كان قطع واخذ دية يده من الذي قطعها، فان اراد اولياؤه ان يقتلوا قاتله ادوا إلى اولياء قاتله دية يده التي قيد منها ان كان اخذ دية يده ويقتلوه، وان شاؤوا طرحوا عنه دية يد واخذوا الباقي. قال: وان كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا اخذ لها دية قتلوا ولا يغرم شيئا، وان شاؤوا اخذوا دية كاملة، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام (1). ثم قال: وهذه قريبه من صورة الفرض، ويناسبها أنه لو قطع كفا بغير اصابع قطعت كفه بعد رد دية الاصابع اعتمادا على رواية الحسن بن الجريش ونقل الرواية في الكافي هي رواية الحسن بن العباس بن الجريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، قال: قال أبو جعفر الاول عليه السلام لعبد الله بن عباس، يا ابن عباس انشدك الله هل في حكم الله إختلاف؟ قال: فقال: لا، قال: فما تقول في رجل قطع رجل اصابعه بالسيف حتى سقطت، فذهب، وأتى رجل آخر فاطار كف يده فأتى به إليك وانت قاض كيف انت صانع؟ قال: اقول لهذا القاطع: اعطه دية كفه، واقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، وابعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم الله ونقضت القول الاول، أبى الله ان يحدث في

(1) الوسائل الباب 50 من أبواب القصاص في النفس الرواية 1 ج 19 ص 82.

[ 440 ]

خلقه شيئا من الحدود وليس تفسيره في الارض اقطع يد قاطع الكف اصلا ثم اعطه دية الاصابع، هذا حكم الله (1). ثم قال والراوي ضعيف، وفي طريقها سهل بن زياد (2)، وابن إدريس منع من حكم هذه المسألة، وأوجب فيها الحكومة في الكف، وعمل بموجبها اكثر الاصحاب كالشيخ والقاضي وغيرهما وقال المصنف في المختلف: قول ابن إدريس لا بأس به انتهى (3). دليل القتل من غير رد الدية في المسألة لا يخلو عن قوة، وهو عموم الآيات. واحتمال الرد لا دليل له، فإن الوجه ممنوع. وما ذكر في بيانه من قصاص المرأة قياس غير مسموع. ورواية سورة ليست بصحيحة ولا حسنة، لعدم توثيق سورة، بل عدم مدحه الذي يقتضي الحسن أيضا، فإنه نقل في الخلاصة عن الكشي رواية دالة على صحة عقيدته في الباقر والصادق عليهما السلام وهذا لا يقتضي الايمان الكامل فكيف المدح الموجب للحسن، على أنه قال: في طريق هذه الرواية حذيفة بن منصور (4). وقد ضعفه ابن الغضائري، وان قال في كتاب ابن داود (كش): ممدوح، فهو غير ظاهر، على أنه قال في رجال ابن داود: سورة بن كليب إثنان. فقول شرح الشرائع (حسنة سورة) - مع ترك المصنف وغيره ذلك، بل

(1) الوسائل الباب 10 من ابواب قصاص الطرف الرواية 1 ج 19 ص 129. (2) طريقه كما في الكافي هكذا: عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسين (الحسن - خ) بن العباس بن الجريش. (3) إلى هنا عبارة الشرح. (4) ص 42 طبع طهران في القسم الاول.

[ 441 ]

ولو برئ بعد الاقتصاص في النفس مع ظن الموت، فان ضربه الولي بالممنوع اقتص بعد القصاص منه والا قتله من غير قصاص. عبروا (برواية سورة) - محل التأمل. وعلى تقدير صحة الرواية لا دلالة لها على هذا الاحتمال هنا. بل يمكن أن يقال أنها تدل على عدم هذا الاحتمال، فإن فيها تفصيل أن اليدان كانت قطعت جناية وقصاصا أو اخذ صاحبها ديتها وقتل، يرد ولي دمه دية يده، ثم يقتص له. وان كانت يده قطعت من غير جناية وقصاص ولا اخذ ديتها، فلهم قتل القاتل من غير رد. وجعل العفو قائما مقام أخد الدية خلاف الظاهر سيما إذا كان القاتل هو القاطع الذي عفي عنه واحسن إليه، فتأمل. والرواية الثانية ضعيفة لما قاله، فإن الحسن قالوا: ضعيف جدا، وضعف سهل بن زياد أيضا، والعمل بمضمونها مشكل، وعمل الاكثر ليس بحجة. ولهذا قال في المختلف: مذهب ابن إدريس لا بأس به، فتأمل. ومن هذا الكلام ظهر وجه قوله: ولو قطع كفا بغير اصابع قطعت كفه بعد رد دية الاصابع، وهو عدم قطع الكامل للناقص والرواية. وضعفه أيضا (1)، إذ يحتمل الحكومة والارش، فلا قصاص للكامل بالناقص، والرواية ضعيفة، وأن المصنف رجع عن هذا القول، حيث نفى البأس عن مذهب ابن إدريس في المختلف، فتأمل. قوله: " ولو برأ الخ ". إذا أراد ولي الدم ان يقتص في النفس وضرب الجاني وجرحه وتركه لظنه أنه قتله ومات، وكان مجروحا فداوى نفسه حتى برأ ففي

(1) يعني وظهر ضعفه أيضا.

[ 442 ]

رواية أنه يقتل ثانيا بعد ان يقتص هو الضرب والجرح من الولي الذي جرحه اولا وعمل بها الاصحاب. وهي مرسلة ابان بن عثمان، عمن اخبره عن أحدهما عليهما السلام قال: اتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل اخا رجل فدفعه إليه وأمره بقتله فضربه الرجل حتى رأى أنه قد قتله فحمله (فحمل - ئل) إلى منزله فوجدوا به رمقا فعالجوه فبرأ فلما خرج اخذه اخ المقتول الاول، فقال: انت قاتل أخي، ولي أن أقتلك، فقال: قد قتلتني مرة فانطلق به إلى عمر، فأمره بقتله، فخرج وهو يقول: ايها الناس والله قد قتلني مرة، فمروا (فمروا على امير المؤمنين عليه السلام - ئل) به إلى امير المؤمنين عليه السلام فاخبره خبره، فقال: لا تعجل حتى اخرج إليك فدخل على عمر فقال: ليس الحكم فيه هكذا، فقال: ما هو يا ابا الحسن؟ فقال: يقتص هذا من أخي المقتول الاول ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنه إن اقتص منه أتى على نفسه فعفا عنه وتتاركا (1). ولما كانت ضعيفة تركها المصنف هنا، وكذا المحقق بعد ان أشارا إليها، وقالا: بأنه ان كان الذي اراد القصاص وجرحه فان ضربه بما يجوز له ذلك في القصاص مثل ان ضربه بسيف على عنقه وظن أنه مات ولم يكن، فله أن يقتص من غير قصاص، ولا شئ عليه، لان له القصاص بمثل ذلك، فلو لم يحصل بالمرة الاولى فيقتله الثانية وهكذا ولهذا لو علم أولا ما قتل بذلك، كان له قتله بالثانية وهكذا من غير قصاص، ولان فعله كان جائزا فلا يستعقب القصاص، وان كان مما لا يجوز إما لكون الآلة غير السيف كالخشب والحجر، أو وقوع الضرب على غير العنق، فعليه القصاص فيقتص منه، لان ما فعله، مما له القصاص فيجب عليه

(1) الوسائل الباب 61 من ابواب القصاص الرواية 1 ج 19 ص 94.

[ 443 ]

ويدخل قصاص الطرف في قصاص النفس مع اتحاد الجاني والضربة، فلو تكرر (تكثر - خ ل) الجاني أو ضربه الواحد ضربتين لم يدخل. القصاص، وان كان مما له الدية فيأخذ ثم يقتل. ويمكن حمل الرواية على وقوعه بما لا يجوز وما له القصاص، فتأمل. قوله: " ويدخل قصاص الطرف الخ ". في دخول قصاص الطرف والجراحات في قصاص النفس إذا حصل موجبها، اقوال: (الاول) الدخول مطلقا، لصحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فاجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ، فذهب عقله؟ فقال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له، فإنه ينتظر به سنة فإن مات فيما بينه وبين السنة اقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة ولم يرجع إليه عقله اغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله، قلت: فما ترى عليه في الشجة شيئا؟ قال: لا، لانه إنما ضربه ضربة واحدة، فجنت الضربة جنايتين، فألزمته أغلظ الجنايتين، - وهي الدية - ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لالزمته جناية ما جنتا، كائنا ما كان، إلا ان يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الاخرى فيقاد به ضاربه، فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات الزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه قال: فان ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة الزمته تلك الجناية التي جنتها تلك العشر ضربات كائنة ما كانت (ما لم يكن فيها الموت - يب فيه) (1).

الوسائل الباب 7 من ابواب ديات المنافع الرواية 1 ج 19 ص 281 ولم يذكر فيه قوله: كائنة ما =

[ 444 ]

وفيه بعد، إذ يلزم ان لو قطع يده مثلا في وقت ثم يده الاخرى في سنة اخرى ثم رجله في سنة واخرى في اخرى ثم قتله في سنة اخرى، لم يلزمه إلا القود أو دية النفس، فينبغي اشتراط اتحاد الوقت أو تقاربهما، ولكنه غير منضبط، مع أنها منافية لظاهر الآيات والاخبار الدالة على عدم الدخول مطلقا، هو مذهب ابن إدريس وهي مثل " من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) و " الجروح قصاص " (2) " الانف بالانف والاذن بالاذن " (3) وهو القول الثاني. ويمكن حمل صحيحة أبي عبيدة على عدم شئ إلا القتل والقود على تقدير تعدد الجنايات بما إذا كانت الجنايات، للقتل، وما أوجب قصاصا في طرف مثل قطع يد وانف بل مجرد ضرب أو جرح لا يمكن اقتصاصه من دون القتل، فليس حينئذ إلا القتل. ولكن كيفية القتل قد مرت أنه يجوز باي شئ أراد أو بما فعله القاتل أو يقتصر على ضرب العنق بالسيف الحاد. وأنه لا يبعد القتل على الوجه الذي فعله القاتل إلا المثلة للرواية (4)، فتأمل. أو على عدم ايجاب الديات المتعددة ان قتل بالجنايات المتكثرة، لا أنه لا يجوز القود والقصاص على الوجه الذي فعله الجاني، فإن قوله (فان ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات الزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنا ما كان ما لم يكن فيه الموت فيقاد به ضاربه) ليس فيه إلا العمل بمقتضى تعدد الجنايات والضربات وتعدد العوض والموجب مع عدم الموت والقتل

= كانت الخ ولكنه موجود في النسخ كما في التهذيب والفقيه. (1) البقرة: 194. (2) و (3) المائدة: 45. (4) الوسائل: ب 62 من ابواب القصاص في النفس ج 19 ص 95.

[ 445 ]

والقود مع الموت. وأن مأله (وأما أن مأله - خ) حينئذ غير ذلك من دون الاتيان في القتل على الوجه الذي فعله أو الاتيان بمقتضى كل جنايات فلا، فتأمل. وإن قلنا أنها ظاهرة في ذلك، يحتمل ما قلناه للجمع. (الثالث التفصيل) وهو أنه ان كان القتل وقطع الاطراف الموجب للقصاص فيهما بضربة واحدة فلا يتعدد وليس إلا القود والقصاص في النفس، فيدخل الطرف فيها. وإن كانت بمراتب متعددة يتعدد، ولا يدخل، لان مع الوحدة يقال أنه قتله فقط، ومع التعدد يقال قطع يده مثلا ثم قتله، فيجب هنا التعدد دون الاول. وايضا في المتعدد ثبت موجب الضرب الاول به فيستصحب، ولم يعلم سقوطه بجناية اخرى أقوى، فإن ذلك غير مستلزم له عقلا ولا نقلا صريحا في ذلك. ويمكن تخصيص العمومات المتقدمة ويشعر به ما في صحيحة أبي عبيدة (لانه إنما ضربه ضربة واحدة فجنت الخ) (1) فتأمل. ولحسنة حفص بن البختري، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثم مات؟ فقال إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتص منه ثم قتله، وان كان اصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتص منه (2). ورواية محمد بن قيس، عن أحدهما عليهما السلام، في رجل فقأ عين رجل وقطع اذنه ثم قتله؟ فقال: إن كان فرق ذلك اقتص منه ثم يقتل، وإن كان ضربه

(1) الوسائل الباب 7 من ابواب ديات المنافع الرواية 1. (2) الوسائل الباب 51 من ابواب القصاص في النفس الرواية 2 ج 19 ص 82.

[ 446 ]

وتدخل دية الطرف في دية النفس مع اتحاد الجاني. ضربة واحدة ضرب عنقه ولم يقتص منه (1). فيها اشتراك محمد بن قيس، لعله لا يضر، فتأمل، هذا مع اتحاد الجاني. وأما مع تعدده فتعدد القصاص وموجب الجنايتين ظاهر. قوله: " وتدخل دية الطرف الخ ". وقد ادعى اجماعنا في الشرائع على دخول دية الطرف في دية النفس مع اتحاد الجاني. الظاهر أن المراد بالطرف مطلق الجرح الموجب للدية. هذا مع اتحاد الضرب الموجب لدية الجرح والقتل. وكذا مع تعددهما مع تقارب زمانهما بأن يكونا في مجلس واحد أو متعدد بحيث يكون أحدهما قريبا من الآخر، غير بعيد. أما بعد زمانهما مثل كون أحدهما في سنة والآخر بعد سنة أو سنتين، فمشكل. على أن الدليل العقلي لعدم التداخل في القصاص جار هنا ولا يمكن أن يقال: ما ثبت مستقرا موجب الاول حتى يعلم أنه لم يقتله، إذ مثله جار في القصاص أيضا. إلا ان يقال: يجوز القصاص في الطرف بمقتضى الاول، ولا يمكن عوضه، إذ بعد تجويز القصاص لا معنى للقصاص بخلاف الدية، فإنه يمكن تجويزها ثم اخذ عوضه كما في المتعدد حين جوازها، فتأمل. ويمكن عدم التداخل فيما ان استوفى مقتضى الاول في القصاص والدية، وإلا فالتداخل، كما قيل ذلك في الكفارات وأمثالها، فتذكر. ويفهم من تقرير الاحتمالات في مسألة الصيد - إذا جرحه شخص فنقص

(1) الوسائل الباب 51 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 ج 19 ص 82.

[ 447 ]

المطلب الرابع: في الاستيفاء مع الاشتراك لو اشترك الاب أو من لا يقتص منه مع من يقتص اقتص من الشريك بعد رد الآخر عليه فاضل جنايته، ولو كان الشريك سبعا رد الولي. ولو اشترك جماعة في قتل واحد فللولي قتل واحد ويرد الباقون قيمته ثم جرحه آخر فنقص شئ آخر، ثم مات بهما -، عدم الاجماع في دخول دية الطرف في النفس، فتذكر. قوله: " لو اشترك الاب الخ ". يعني إذا اشترك من يجوز أن يقتص للمقتول منه مع من لا يجوز الاقتصاص له، منه - مثل ان قتل أب ولده مع غيره ممن يجوز له الاقتصاص له منه قريبا كان أو بعيدا مثل الاخت أو الاخ - فلولي الدم أن يقتل الشريك الذي يجوز الاقتصاص منه بعد رد الذي لم يجز قتله نصف دية المقتول إلى الشريك، وهو الفاضل عن جناية الشريك المقتول وأرش جناية الذي لم يقتص منه، والتعبير بالثاني احسن من الاول. وكذا إذا اشترك حر وعبد في قتل عبد، قتل العبد واخذ نصف قيمة العبد المقتول لمولى المقتول. ولو كان احد الشريكين ممن يجوز قتله والاقتصاص منه والآخر غير مكلف ولا من يلزم بفعله ضمان على مالكه كالاسد، فلولي الدم قتل الشريك الذي يجوز قتله بعد رد نصف دية الشريك إليه، إذ ليس له إلا نصف الدم على الشريك ونصفه الآخر هدر ولهذا لو كان الاسد مستقلا لكان كله هدرا، ولا قصاص ولا دية على أحد، وهو ظاهر. قوله: " ولو اشترك جماعة الخ ". إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل واحد

[ 448 ]

ما فضل من جنايته، وقتل أكثر فيرد ما فضل عن دية المقتول، ويرد الباقون دية جنايتهم على المقتولين، وقتل لجميع، ويرد ما فضل عن دية المقتول، فيأخذ كل منهم ما فضل من ديته عن جنايته. يجوز الاقتصاص له منهم، فولي الدم مخير بين قتل أيهم أراد واختار وبين قتل اكثر من واحد حتى الكل، فإذا اختار قتل واحد منهم له ذلك ويرد الباقون فاضل جناية المقتول الثاني، وهو ما قابل جنايتهم على المقتول الاول ثم يقتل، وهو نصف الدية في الاثنين وثلثاها في الثلاثة على كل واحد من الباقين الثلث وفي الاربعة ثلاثة ارباعها، وعلى كل واحد من الثلاث الباقين ربعها وهو ظاهر. ولولي الدم قتل اكثر من واحد ايضا، ولكن يرد حينئذ على الذين يريد قتلهم الزائد على عوض مقتوله من دياتهم ويرد الباقون أيضا عليهم ما قابل جنايتهم حتى يكمل لهم فاضل جنايتهم، فإذا قتل اثنين من اربعة مثلا يرد ولي الدم دية كاملة ويرد كل من الباقين ربع دية فصار المجموع دية وربعين يرد إلى كل واحد من الذين يقتلهما ثلاثة ارباع دية، وهو فاضل جنايتهما، فإن جناية كل واحد ربع، وهو ظاهر وله قتل جميع الشركاء، ولكن يرد ما فضل عن عوض دم صاحبه، وهو دية الكل الا دية شخص واحد تكون ديته فيأخذ كل واحد من المقتولين قبل قتلهم فاضل جنايتهم فلو كان عشرة واراد قتلهم كلهم يرد تسعة ديات على كل واحد تسعة اعشار دية كاملة، فإن جناية كل واحد عشر وهو الساقط فقط. والدليل على ذلك كأنه الاجماع، والاعتبار، والاخبار. مثل صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في عشرة اشتركوا في قتل رجل؟ قال: يخبر اهل المقتول فأيهم شاؤوا فتلوا، ويرجع أولياؤه على الباقين بتسعة اعشار الدية (1).

(1) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 3 ج 19 ص 29.

[ 449 ]

وصحيحة عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، في رجلين قتلا رجلا؟ قال: إن اراد أولياء المقتول قتلهما أدوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فان أرادوا قتل أحدهما قتلوه، وأدى المتروك نصف الدية إلى اهل المقتول، وإن لم يؤد دية أحدهما ولم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما (1). ولا يضر علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس (2). ورواية ابن مسكان - بالسند المتقدم -، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قتل الرجلان والثلاثة رجلا، فان ارادوا قتلهم ترادوا فضل الديات، فان قبل اولياؤه الدية كانت عليهما، والا اخذوا دية صاحبهم (3). ورواية الفضيل بن يسار، قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: عشرة قتلوا رجلا؟ فقال (قال - ئل): ان شاء اولياؤه قتلوهم جميعا، وغرموا تسع ديات، وان شاؤوا تخيروا رجلا فقتلوه وادعى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الاخير عشر الدية كل رجل منهم، قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحبسهم (4). فيها دلالة على تعزير الباقين بالضرب والحبس وما ذكره الاصحاب وان كان الامر إلى الامام فقط فهو العالم، وإلا فلابد من العلم به للعامل به، فيكون برأي الحاكم التعزير، فلو اقتضى رأيه ذلك لدفع الفتنة حين عرف أنهم يفعلون ذلك لا يبعد الحبس، فتأمل.

(1) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 4 ج 19 ص 3. (2) وسند الرواية - كما في الكافي - هكذا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن مسكان. (3) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 5 ج 19 ص 30 هكذا في الوسائل ولكن النسخ المطبوعة والمخطوطة والكافي والتهذيب جملة (فان قبل أولياء الدية كانت عليهما). (4) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 6.

[ 450 ]

وفي سند هذه الرواية احمد بن الحسن الميثمي عن ابان (1)، كأنه ابن عثمان ولا يضر القول فيه، ولا في وقف احمد الميثمي، فتأمل. وصحيحة داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام، في رجلين قتلا رجلا، قال: ان شاء اولياء المقتول ان يؤدوا دية ويقتلوهما جميعا قتلوهما (2). وروايته عنه أيضا، في رجلين قتلا رجلا، قال: يقتلان ان شاء أهل المقتول، ويرد على اهلهما دية واحدة (3). ويدل على ان الحكم في الاطراف ايضا على هذا القياس، صحيحة أبي مريم الانصاري، عن أبي جعفر عليه السلام، في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: ان احب ان يقطعهما ادى إليهما دية يد احد واقتسماها، وان أحب أخذ منهما دية يد، قال: وان قطع يد احدهما رد الذي لم يقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية (4). ولا ينافيهما ظاهر آية " النفس بالنفس " (5) و " الحر بالحر " (6) و " الاذن بالاذن " (7) فإنهما فيما إذا كانت النفس الجانية واحدة لا مطلقا. على أن دلالتهما بالمفهوم على نفي الزائد، والمنطوق مقدم. وأنه فيما ذكرناه يحصل بدل النفس الاخرى، وكان المراد النفس بالنفس

(1) وسندها - كما في الكافي - هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن احمد بن الحسن الميثمي، عن ابان، عن الفضيل بن يسار. (2) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 ج 19 ص 29. (3) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 11. (4) الوسائل الباب 25 من ابواب قصاص الطرف الرواية 1 ج 19 ص 140. (5) المائدة: 45. (6) البقرة: 178. (7) المائدة: 45.

[ 451 ]

ولو قتله امرأتان قتلتا به ولا رد. فقط إذا لم يرد عوض غيرها، وان ليس بالاصالة ومن دون رد شئ الا النفس. فلا ينافيه ثبوت الزيادة بالدية وردها إلى أهلها، فتأمل. وكذا رواية ابي العباس وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا إجتمع العدة على قتل رجل واحد حكم الوالي ان يقتل أيهم شاؤوا، وليس لهم ان يقتلوا اكثر من واحد، إن الله عزوجل يقول: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل " (1). زاد في التهذيب والاستبصار: وإذا قتل ثلاثة واحدا خير الولي (الوالي - خ) أي الثلاثة شاء ان يقتل، ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول (2). قال في الكتابين: هذه محمولة على من أراد قتل الاكثر من غير رد شئ، فإنه ليس له إلا قتل واحد حينئذ، جمعا بين الادلة. وكأنه رد على بعض من تقدم على امير المؤمنين عليه السلام، فإنه كان يجوز قتل اكثر من غير رد، ويحتمل التقية أيضا، قاله في الاستبصار، فتأمل. على أنها غير صحيحة لعدم ثبوت توثيق قاسم بن عروة (3) وعدم وضوح أبي العباس، وان كان الظاهر أنه البقباق، فتأمل. قوله: " ولو قتله امرأتان الخ ". ان قتل المرأتان رجلا قتلتا به معا، فإنهما قاتلتاه، ولا رد حينئذ، إذ هما بمنزلة رجل واحد، وكل واحدة نصف الرجل، وديتها نصف ديته، وقد تقرر ذلك، كأنه مجمع عليه. ويدل عليه الاخبار من غير اختلاف مثل صحيحة عبد الله بن مسكان،

(1) و (2) الوسائل الباب 12 من ابواب القصاص في النفس الرواية 7 ج 19 ص 30 والرواية 8 ج 19 ص 30 والآية الشريفة في سورة الاسراء: 33. (3) والسند كما في الكافي هكذا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس وغيره.

[ 452 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا قتلت المرأة رجلا قتلت به، وإذا قتل الرجل المرأة، فإن ارادوا القود أدوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وان لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة ودية المرأة نصف دية الرجل (1). وصحيحة أبي بصير (يعني المرادي - ئل)، عن أحدهما عليهما السلام، قال: ان قتل رجل امرأة واراد اهل المرأة ان يقتلوه أدوا نصف الدية إلى اهل الرجل (2). وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل قتل امرأته متعمدا، فقال (قال - ئل): ان شاء أهلها ان يقتلوه قتلوه ويؤدوا إلى اهله نصف الدية، وإن شاؤوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم، وقال في امرأة قتلت زوجها متعمدة، قال: ان شاء اهله ان يقتلوها قتلوها، وليس يجني أحد اكثر من جنايته على نفسه (3). وحسنة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال في الرجل يقتل المرأة متعمدا فأراد اهل المرأة ان يقتلوه، قال: ذلك (ذاك - ئل) لهم إذا أدوا إلى اهله نصف الدية، وان قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وان قتلت المرأة الرجل قتلت به وليس لهم إلا نفسها، وقال: جراحات الرجال والنساء سواء، سن المرأة بسن الرجل وموضحة المرأة بموضحة الرجل واصبع المرأة باصبع الرجل حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية اضعفت دية الرجل على دية المرأة (4) وغيرها من الاخبار. فظهر منها أنه ان قتلت المرأتان رجلا قتلتا به من غير رد.

(1) الوسائل الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الرواية 2 ج 19 ص 59. (2) الوسائل الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الرواية 6 ج 19 ص 60. (3) الوسائل الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الرواية 1 ج 19 ص 59. (4) الوسائل الباب 33 من ابواب القصاص في النفس الرواية 3 ج 19 ص 59 إلى قوله نفسها.

[ 453 ]

ولو كن ثلاثا ثلاثا قتلن ورد (يرد - خ ل) الولي نصف الدية بين الثلاث، ولو قتل اثنتين ردت الباقية ثلثي ديتها عليهما. ولو قتله رجل وامرأة فقتلهما الولي رد دية المرأة على الرجل. ولو قتل الرجل خاصة ردت المرأة على ورثة الرجل ديتها. ولو قتل المرأة خاصة اخذ من الرجل نصف الدية مع التراضي. ولو قتله حر وعبد فقتلهما الولي رد نصف دية الحر عليه، والزائد من قيمة العبد عن النصف ما لم تتجاوز دية الحر على مولاه. وان قتلته ثلاث فللوالي قتلهن بعد رد دية واحدة يقسم عليهن أثلاثا، وله قتل إثنتين ولا رد عليه وترد الباقية ثلثي ديتها عليهما بالسوية لان عليها ثلث دية الرجل، وهو ثلثي ديتها، فحصل لكل واحدة ثلث ديتها وفات ثلثاها بجنايتها ثلث الرجل وهو ظاهر. ولو قتل رجلا رجل وامرأة فلوليه قتلهما، ولكن بعد رد نصف دية الرجل وهو دية المرأة على الرجل، ولا رد للمرأة، فإن ديتها نصف دية الرجل، وقد جنت النصف. ولو قتل الرجل خاصة ردت المرأة الشريكة ديتها وهي نصف دية الرجل عليه لانها شريكة في قتله بالنصف. ولو قتل المرأة خاصة لا رد لها ويأخذ نصف دية الرجل من الرجل مع التراضي. وان لم يرض ليس لها الاجبار، على المشهور وقد مر التأمل فيه بل لابد من رد نصف الدية ان اراد قتله. قوله: " ولو قتله حر وعبد الخ ". إذا قتل رجلا حر وعبد فلا شك أن

[ 454 ]

وان قتل الحر دفع المولى العبد إلى ورثته ما لم تتجاوز قيمته النصف وما ساوى النصف ان زادت، أو يفديه بنصف الدية. للولي قتلهما، ولكن بعد رد نصف دية الحر عليه والزائد عن نصف دية الرجل من قيمة العبد ان كانت زائدة عن نصف دية الرجل ما لم تتجاوز قيمته عن دية الحر على مولى العبد المقتول، لان جناية كل واحد نصف، فليس على كل واحد إلا نصف النفس، فلابد من رد نصف القيمة أو أقل على المولى ان زادت قيمته عن نصف دية الحر، لان دية المملوك قيمته. ولكن اشترط عدم تجاوزها عن الدية. كأنه للاجماع والاعتبار والاخبار، مثل صحيحة ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: دية العبد قيمته، فإن كان نفيسا فافضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يتجاوز دية الحر (1). وغير ذلك من الاخبار الصحيحة وغيرها، ويحمل عليها ما في بعض الاخبار: دية المملوك ثمنه (2). وان قتل الولي الحر دفع المولى العبد القاتل إلى ورثة الحر إن لم تكن قيمته زائدة على نصف دية الحر، ودفع مقدار ما يساوي نصف الدية من العبد ان كان قيمته زائدة على نصف الدية، مثل ان يكون تمام الدية، فيكون نصفه له للجناية ونصفه لمولاه الاول، أو يفديه المولى بنصف الدية فيعطي نصف الدية إلى المقتول الثاني الذي كان العبد شريكا معه في قتل الحر، فالخيار له إما ان يدفع من العبد ما يساوي نصف الدية ان كان كله أو بعضه، أو يعطي نصف الدية، وجهه ظاهر.

(1) الوسائل الباب 6 من أبواب ديات النفس الرواية 2 ج 19 ص 152. (2) الوسائل الباب 40 من ابواب القصاص في النفس الرواية 5 قطعة منها ج 19 ص 71.

[ 455 ]

وان قتل العبد ولم تزد قيمته على النصف اخذ من الحر نصف الدية مع التراضي، وإن زادت اعاد الحر على مولاه الزيادة، فان كملت الدية، والا اخذ الولي التمام. ولو قتله عبد وامرأة فقتلهما الولي فلا رد ان لم تتجاوز قيمة العبد النصف، والا رد الزائد على مولاه ان لم تتجاوز دية الحر. وان قتل العبد، فان لم تكن قيمته زائدة على نصف دية الحر، فصار هو عوض جنايته، سواء كان مساويا أو ناقصا، إذ لا يجني الجاني اكثر من نفسه، ولهذا لو قتلت امرأة رجلا، أو عبد قيمته ادنى شئ حرا، ليس عليهما الا قتلهما، فلا شئ للولي الا قتلهما. وتدل عليه الاخبار، وكأنه مجمع عليه ايضا، واخذ من الحر نصف الدية مع التراضي، والا يقتله ويرد عليه نصفها بناء على المشهور وان كانت قيمته دية أو زائدة رد الحر الشريك على مولى العبد المقتول نصف الدية، ولا شئ لولي الدم وان كانت ناقصة عن الدية يعطيه لولي الدم والكل واضح، الحمد لله. وزائدة على نصفها مثل ان تكون القيمة ثلث الدية فيرد الحر على مولاه، الزائد على نصف الدية وما يكمل به نصف الدية. ولو قتل الحر عبد وامرأة، للولي قتلهما، وما يدل على قتلهما كثير، يعلم مما تقدم أيضا. ولا ينافي " العبد بالعبد " (1) ذلك لان الظاهر ان مفهومه ليس بمراد، فانه مفهوم لقب، وان قيل: انه صفة وسلم اعتبارها، فيقال: انها متروكة بالمنطوق، من الاجماع والاخبار. وليس عدم قتل الحر بالعبد باعتبار مفهوم " الحر بالحر " (2) بل بالاعتبار

(1) و (2) البقرة: 178.

[ 456 ]

ولو قتل المرأة اخذ العبد ان لم نزد قيمته على النصف أو قدر النصف. وان قتل العبد ولم تزد قيمته على النصف اخذ من المرأة ديتها، وان زادت ردت المرأة الزيادة، ما لم تتجاوز دية الحر، فان نقضت فالتمام للولي. ويقدم الرد على الاستيفاء. والاخبار، بل الاجماع، فتأمل. فإن قتلهما، فلا رد للمرأة فإن جنايتها نصف وديتها نصف، وأما للعبد فإن لم تكن قيمته زائدة على نصف الدية فلا رد أيضا وان زادت فيرد الزائد على مولاه ما لم يتجاوز عن نصف الدية، وهو ظاهر. ولو قتل المرأة اخذ العبد كله، إن لم يزد قيمته على النصف، ويأخذ قدر نصف الدية منه، فيكون مشتركا بينه وبين مولاه بأن يكون مقدار نصف الدية له والباقي للمولى، فإن كان قيمته ديته فيكون مشتركا بالنصف. وإن كان أقل فبالنسبة والزائد لا اعتبار به. ولو قتل العبد ولم تزد قيمته على النصف اخذ من المرأة ديتها فإنها نصف دية الحر وهي جنايتها. وإن زاد قيمته على النصف ردت المرأة الزائدة على مولاه ما لم تتجاوز عن دية الحر، فإن ساوته فلا شئ لولي الدم، وان نقصت عنه فتعطي المرأة الزائدة على النصف المولى وتتمة ديتها فعلى ولي الدم. قوله: " ويقدم الخ ". يجب تقديم الرد على الاستيفاء، بمعنى أنه ليس لصاحب الحق ان يستوفي قبل الرد إلى صاحبه وله أن يمتنع من التسليم للاستيفاء قبله، وأما إذا رضي فيجوز قتله، فيجب أولا ان يرد على من يريد قتله أو على وليه

[ 457 ]

وتحصل الشركة بفعل كل منهم ما يقتل لو انفرد أو تكون له شركة في السراية مع قصد الجناية، ولا يشترط تساوي الجناية فلو جرحه واحد جرحا وآخر مائة وسرى الجميع تساويا. ولو قطع يد رجل وقتل آخر قدم القطع. إذا كانت جنايته اقل من نفسه كما مر في الامثلة في جميع المسائل المتقدمة، ووجهه ظاهر. قوله: " وتحصل الشركة الخ ". بيان للشركة الموجبة للقصاص بأنها تحصل بقتل كل من الشركاء ما يقتل لو كان منفردا مستقلا من دون الشريك، ويكون القتل مستندا إليهم جميعا، بأن أثر كل منهم حتى قتل، مع قصد الكل تلك الجناية ليكون (فيكون - خ) ذلك موجبا للقصاص، ويكفي ذلك في تحقق الاشتراك، ولا يشترط فيه تساوي الجنايات في العدد والمقدار، فلو جرح المقتول احدهم جرحا واحدا والآخر مائة وسرى الجميع حتى مات تساوى الجميع في انه قاتل على السواء، فعلى كل واحد نصف الدم، لان المدار على القاتل، ولما كان القاتل الجارح اثنين، كان على كل واحد نصف الدية، لعل لا خلاف في ذلك. قوله: " ولو قطع الخ ". لو قطع شخص يد واحد وقتل آخر، قدم القطع، يعني في القصاص فيقتص اولا يده فيقطع به في القصاص، ثم يقتل بالآخر لئلا يفوت شئ مما وجب عليه بالجناية ولا يفوت حق احد. إذا كان القطع مقدما لا كلام فيه فإنه استحق قطع يده قبل القتل، فكأنه صار مقطوع اليد، ثم قتل آخر. وكذا لو فعلهما معا، فإنه حصل وجوب القطع والقتل دفعة، وبتقديم القتل يفوت الآخر بخلاف العكس. وأما على تقدير التأخير، ففيه تأمل، لانه استحق القتل اولا، فكأنه صار

[ 458 ]

وإن بدأ بالقتل فان سرى القطع اخذ (اخذت - خ ل) نصف الدية من تركته. ولو اقتص من قاطع يديه ثم سرت جراحته فللولي القصاص في النفس. اليد مما تعلقت بها الجناية، ثم قطع. والظاهر عدم الفرق، فتأمل. قوله: " وان بدأ الخ ". ان قدم القتل على قطع اليد قصاصا فات قصاص اليد، فيتعلق ديتها بمال الجاني، فيأخذ منه نصف ديته. وان سرى القطع ومات المقطوع بعد قتل الجاني، قال المصنف: ليس عليه الا نصف الدية من تركته. وفيه تأمل لان القتل وقع من جرحه - ولما لم يبق للقصاص محل، ولم يبطل دم امرئ مسلم - وجب كمال الدية في ماله. ولعل نظر المصنف إلى أن الموت لما وقع بعد قتل الجاني، ولا معنى (1) للزوم شئ على الميت. وفيه تأمل لان الموت بفعله، لا أنه اثر ذلك بالعرض، وذلك يكفي، وإلا يلزم أن لو مات الجاني بعد الجناية الموجبة للقتل قبل موت المجني عليه، ان لا يلزمه تمام الدية في ماله. قوله: " ولو اقتص الخ ". أي لو قطع شخص يدي آخر وقطع يداه قصاصا، ثم سرت الجناية الاولى فمات المجني عليه بذلك، كان لوليه القصاص في النفس. دليله عموم الآيات، والاخبار، والاعتبار، والاجماع، وهو ظاهر.

(1) هكذا في النسخ والصواب (فلا معنى).

[ 459 ]

ولو قطع يهودي فاقتص المسلم وسرت جراحته فللولي قتل الذمي ولو طلب الدية أخذ الا دية يد ذمي. قوله: " ولو قطع يهودي الخ ". لو قطع يهودي يد مسلم فاقتص المسلم منه، ثم سرى الجناية التي كانت على المسلم، فلولي المسلم قتل الذمي قصاصا، ولا رد، لان النفس بالنفس. على أنه ان قتل مقطوع اليد فقتل كذلك، وان قتل صحيحها فقتل مقطوعها، ولكن بعد القصاص فكأنه قتل الصحيح بالصحيح، وهو ظاهر، ومعلوم مما قبله ايضا. وكأنه ذكره لقوله: " ولو طلب الخ " أي لو طلب ولي الدم المسلم الدية من اليهودي فله ذلك، ولكن يسقط دية يد ذمي لانه (لان - ظ) جناية الذمي بعد السراية صارت نفسا فقصاص اليد منه وقع في غير محله (1) فله عوضها، وهو دية يد الذمي، ثم يأخذ تتمة دية المسلم الكاملة، وفيه اشكال سيجئ. واعلم أنه لا خصوصية له باليهودي، فإنه في المسلم أيضا كذلك، بل لو ذكر قوله: " ولو طلب " بعد قوله: " في النفس " الذي قبيل هذا لكفى في فهم هذه المسألة. ثم ان ظاهر هذا الكلام ان للولي اخذ الدية عن الذمي وان لم يرض هو، وما تقرر ان مقتضى القتل العمد مطلقا هو القصاص، ينافي هذا، إلا ان يكون الذمي خارجا عنه عنده هنا، وهو بعيد. ويمكن أنه ترك اشتراطه برضا اليهودي للظهور والثبوت، فإنه قد تقرر أن اخذ الدية إنما يكون في القتل العمد مع التراضي، ولهذا ترك هذا القيد فيما بعده ايضا.

(1) في بعض النسخ المخطوطة زاد بعد قوله: " في غير محله ": " فيسقط دية يد الذمي " ولم يذكر جملة: " فله عوضها وهو دية يد الذمي " ولعله الاصح.

[ 460 ]

ولو اقتص الرجل من يد المرأة ثم سرت جراحته فللولي القصاص ولو طلب الدية اخذ الا الربع. ولو قطع يده ورجله فاقتص ثم سرت فللولي القصاص لا الدية لاستيفاء ما يقوم مقامها. وفي الكل اشكال ينشأ من ان للنفس دية والمستوفى وقع قصاصا. في قوله: " ولو اقتص الرجل الخ " أي إذا قطعت المرأة يد رجل واقتص منها في يدها، ثم سرت جنايتها عليه فمات بها فلوليه القصاص منها في النفس، ولا رد هنا مثل اليهودي، وأما إذا طلب الدية منها يأخذها مع التراضي، ولكن بعد اسقاط دية يد المرأة، وهي ربع دية الرجل. وجه هذه المسألة بعينه ما تقدم في مسألة اليهودي وفيها أيضا الاشكال الآتي. قوله: " ولو قطع يده ورجله الخ ". إذا قطع شخص يد شخص ورجله قطعا موجبا للقصاص فاقتص له منه ثم سرت جناية المجني عليه حتى مات، فلولي الدم هنا القصاص فقط، وليس له الدية فإنه قد استوفى موجب دية تامة فلا معنى لاخذ الدية، والا لزم اخذ الديتين لقتل نفس واحدة. هكذا حكم المصنف في هذه المسائل اولا، ثم قال: " وفي الكل اشكال " ينشأ من أن للنفس دية والذي استوفاه من الجاني من قطع اليد في الاوليين واليد والرجل في الاخيرة لما وقع قصاصا حيث وجد من الجاني مقتضاه وموجبه، فلا عوض له لما ثبت من عدم العوض لما يؤخذ قصاصا، بل لا يضمن سرايته ايضا فكيف نفسه. هذا احد طرفي الاشكال وقد تقدم الآخر.

[ 461 ]

فمقتضى ما ذكره من وجه الاشكال جواز أخذ دية النفس تامة في المسائل الثلاث (الثلاثة - خ) من غير نقص وعوض للعضو الذي قطع قصاصا. وحاصله أن ما قطع وقع قصاصا لا عدوانا. وهو في محله ولا مانع منه، إذ السراية لا تمنع ذلك، بل توجب شيئا آخر، وذلك غير مانع. وما تقدم يقتضي اسقاط (بدل - خ) ذلك العضو، وهو ظاهر، لان الذي فات هو ذلك العضو، وحاصله أن بعد السراية علم أن لا يستحق إلا النفس فلابد للمأخوذ من عوض ولما كان العضو اخذ بسبب عوض آخر لا يمكن قصاصه، فلابد من اسقاط ديته، ولهذا (1) لو فرض أنه اخذ ديته بعد اسقاط دية العضو المقطوع، إذ لا عوض له حينئذ إلا النفس وقد قطع العضو سومح في عدم القصاص منه لانه وقع قصاصا (لانه وقع القصاص - خ)، وعلى الثاني لا يلزم العوض فيأخذ تمام الدية فتأمل. ولا يرد أنه هنا لابد من القول بعدم دخول الطرف في النفس إذ وقع القصاص للطرف، كما قاله في الشرح، لما ذكرناه من الفرض، وذلك كاف، فتأمل. ثم اعلم أنه لا فرق بين القصاص والدية، فلا يفهم جواز القصاص من غير رد بغير اشكال، والاشكال في أخذ الدية حينئذ، فينبغي جواز اخذ الدية التامة لانها عوض عن النفس، والذي وقع وقع قصاصا كالقصاص، وأن الدية إنما تكون مع التراضي، فمداره عليه، فلا معنى للاشكال، فتأمل.

(1) في بعض النسخ المخطوطة هكذا: ولهذا لو فرض انه اخذ ديته ولم يكن يأخذ تمام الدية الا بعد اسقاط ما اخذه بسببه، وهو ظاهر ويمكن ان يجعل مبنى المسألة على ان الطرف هل يدخل في النفس ام لا وعلى الاول يأخذ الدية بعد اسقاط دية العضو المقطوع إذ لا عوض الخ.

[ 462 ]

ولو اقتص من قاطع اليد ثم مات المجني عليه بالسراية ثم الجاني وقع القصاص بالسراية موقعه. ولو تقدمت سراية الجاني فهدر ويأخذ الولي نصف الدية على إشكال. قوله: " ولو اقتص الخ ". إذا قطع شخص يد آخر فاقتص منه لم يقطع يده ثم مات المجني عليه بسراية الجناية ثم مات الجاني أيضا بسراية القصاص، وقع القصاص في النفس بالسراية موضعه، لانه قتل الجاني بعد قتله المجني عليه ووجوب قتله به فحصل القصاص، كما لو قتل وليه. قد يقال: ان سراية القصاص هدر فيحتمل ان لا يكون قصاصا، ولهذا لو مات الجاني بسراية القصاص ولم يمت المجني عليه بسراية الجناية، لا شئ على المجني عليه، فيحتمل نصف الدية بل تمامها، فتأمل. هذا إن تأخر موت الجاني عن موت المجني عليه. واما إذا تقدم عليه مثل ان مات الجاني بسراية القصاص ثم المجني عليه بالسراية، فقال المصنف: فدم الجاني هدر. ويحتمل ان يجب نصف الدية في مال الجاني لان قتله بالسراية هدر، ولم يصلح ان يكون قصاصا لتقدمه، إذ لا معنى لوجود العقوبة على سبيل العوضية واسقاط لاثرها قبل وجود مقتضيه وما بقي للقصاص محل وقد استوفى ما يقابل نصف الدية وهو قطع يده فبقي النصف. ويحتمل تمام الدية وعدم شئ أصلا ويقع قصاصا بمعنى أن لا يوجب هنا قصاصا ولا دية لان السبب والمقتضي وجد في الجملة وتحقق في علمه تعالى قتله به فمنع ذلك من وجوب القصاص بل يقابل بما سيقع، كما إذا جنى على احد ثم قتله المجني عليه ثم سرى جناية الجاني فمات بها لا شئ هنا في مال المجني عليه، لانه لما

[ 463 ]

كان سبب قتله مقدما وقع هذا قصاصا له، ولان كل واحد جرح وسراية فيقابل بعضه ببعض من غير زيادة لاحدهما على الآخر. قال في الشرح: والحق الاول، وهو مذهب الشيخ في المبسوط والمحقق والمصنف في غير هذا الكتاب، والفرق حاصل بين القتل وبين هذا فان في صورة القتل صار جانيا بعد ان كان مجنيا عليه، فعاد الحكم إلى المسألة الاولى، وتماثل الجرحين في المهية لا يمنع من تخالفهما في بعض العوارض إذا حصل مقتضيه (مقتضاه - الشرح) وهو هنا موجود، فإن الجرح الاول سبب لازهاق نفس معصومة، فيجب ضمانها، وليس الاخير بازاء ضمان النفس بل بازاء الطرف وسرايته غير مضمونة، فبقي النفس بغير عوض حينئذ (1). ولا يخفى أن هذا الفرق غير مؤثر، لان البحث في قتل المجني عليه الجاني بغير قصاص مع تقدمه عليه لا في قتل المجني عليه حتى ينفع كونه جانيا، فتأمل. وان تخالف الجرحين يجوز بحيث لا يكون خارجا عن القواعد مثل ان يلزم قتل النفس ونصف الدية في مقابل النفس. وان ما ذكره في بيانه يدل على تمام الدية بل على الدية في المسألة الاولى أيضا، فانه جار فيها ايضا، فان موت المجني عليه وان كان مقدما الا ان سراية الجاني هدر وليس بعوض وان تأخر كما اشرنا إليه، فان نظر إلى ما ذكرناه من أنه في نفس الامر قتل نفس بجرح بسبب قتله نفسا بجرحه فلا زيادة لاحدهما على الآخر، فلا شئ كأنه الاظهر للاصل وما ذكر. وإن نظر إلى ان جرح السراية هدر فينبغي تمام الدية في الثانية بل في الاولى أيضا، فتأمل.

(1) إلى هنا عبارة الشرح.

[ 464 ]

ولو قتل الحر حرين فلوليهما قتله خاصة فان قتله احدهما فللآخر الدية. قوله: " ولو قتل الحر الخ ". إذا قتل حر حرين عمدا عدوانا بحيث يوجب القصاص فلكل واحد من ولي المقتولين قتل القاتل وليس له بالاصالة الا القتل، لما مر من ان موجب العمد هو القتل خاصة، وقد وجد بالنسبة إلى المقتولين فلوليهما القصاص لا الدية. فان قتلاه دفعة أو وكيلهما أو احدهما مع كونه وكيلا للآخر فقد استوفيا حقهما وليس لاحدهما نصف الدية في ماله، إذ لا مقتضى للعمد الا القصاص، ولا يجنى الجاني اكثر من نفسه. وكذا لو عفا احدهما على غير شئ أو على مال. ولا فرق في ذلك كله بين قتل الجاني اياهما معا أو على التعاقب كما مر. واما إذا قتله احدهما من غير وكالة من الآخر، استوفى القاتل حقه، لان، عليه الدم تاما، فله قتله من غير رد شئ للنفس بالنفس (1) فللآخر الدية في مال الجاني لئلا يلزم ابطال دم امرئ مسلم. ولقائل ان يقول: ما كان عليه الا القصاص وقد فات باهماله وباستيفاء غيره ما استحقه مثله، فما بقي للآخر محل الاستيفاء، فابطال دم امرئ مسلم لزم من استيفاء الغير حقه وان فرض عدم اهمال الولي كما إذا مات الجاني العامد يسقط القصاص لعدم بقاء المحل، ولا يلزم الدية، فان لازم جنايته كان القصاص فقط، فتأمل. ويمكن ان يفرق بين ما إذا قصر الولي الثاني وعدمه. ويمكن ان يقال ايضا بالفرق بين القتل بالترتيب، والمعية كما سيجئ في العبد، فان كان بالترتيب لم يكن لولي الثاني قتله بغير اذن ولي الاول.

(1) اشارة إلى قوله تعالى: " النفس بالنفس " المائدة: 45.

[ 465 ]

ولو قتلهما عبد دفعة تساويا وعلى التعاقب يشتركان ان لم يحكم به الاول فيكون للثاني ويكفي في الحكم للاول اختيار الولي استرقاقه وإن لم يحكم الحاكم. وعلى تقديره يمكن الزامه بالدية،