الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 مسالك الأفهام - الشهيد الثاني ج 14

مسالك الأفهام

الشهيد الثاني ج 14


[ 1 ]

مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الاسلام تأليف زين الدين بن علي العاملي (قدس سره) (الشهيد الثاني) (911 - 965 ه‍) الجزء الرابع عشر تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الاسلامي بسم الله الرحمن الرحيم

[ 2 ]

هوية الكتاب: إسم الكتاب: مسالك الافهام إلى تنقيح شرائع الاسلام ج 14. تأليف: زين الدين بن علي العاملي (الشهيد الثاني). تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الاسلامية. صف الحروف: مؤسسة المعارف الاسلامية. الطبعة: الاولى 1416 ه‍. ق. المطبعة: پاسدار اسلام. العدد: 2000 نسخة. السعر: 1200 تومان.

[ 3 ]

جميع الحقوق الطبع والنشر محفوظة لمؤسسة المعارف الاسلامية ايران - قم المقدسة ص. ب - 768 / 37185 تلفون 732009

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

خاتمة كتاب القضاء

[ 7 ]

خاتمة تشمل فصلين الاول في كتاب قاض إلى قاض إنهاء حكم الحاكم إلى الاخر: إما بالكتاب، أو القول، أو الشهادة. أما الكتابة، فلا عبرة بها، لامكان التشبيه. وأما القول مشافهة، فهو أن يقول للاخر: حكمت بكذا، أو أنفذت، أو أمضيت. ففي القضاء به تردد، نص الشيخ في الخلاف أنه لا يقبل. قوله: (في كتاب قاض إلى قاض... الخ). المشهور بين أصحابنا (1) أنه لا عبرة بكتاب قاض إلى قاض، بمعنى أنه إذا كتب حكما بشي وأنفذه إلى غيره من القضاة ليس لهم الاعتماد على الخط وإنفاذه مطلقا، لان الخط يحتمل التزوير، وعلى تقدير الامن منه يمكن كتبته من غير قصد تحقيقه (2). ويظهر من ابن الجنيد جوازه في حقوق الادميين دون حق الله تعالى، لانه قال: (لا يجوز عندنا كتاب قاض إلى قاض في حد لله وجب على أحد من بلد المكتوب إليه، فإن كتب القاضي بذلك لم يكن للمكتوب إليه أن يقيمه، فأما ما كان من حقوق الناس بعضهم على بعض في الاموال وما يجري مجراها دون الحدود في الابدان، فجائز كتاب القضاة من قبل إمام المسلمين بعضهم إلى

(1) في (أ، خ): الاصحاب. (2) في (ت): الحقيقة، وفي (م): بحقيقة.

[ 8 ]

وأما الشهادة، فإن شهدت البينة بالحكم، وبإشهاده إياهما على حكمه، تعين القبول، لان ذلك مما تمس الحاجة إليه، إذ احتياج أرباب الحقوق إلى إثباتها في البلاد المتباعدة غالب، وتكليف شهود الاصل التنقل متعذر أو متعسر، فلا بد من وسيلة إلى استيفائها مع تباعد الغرماء، ولا وسيلة إلا رفع الاحكام إلى الحكام، وأتم ذلك احتياطا ما صورناه. بعض) (1). وللعامة (2) في ذلك اختلاف أيضا، فمنهم من منعه مطلقا كما قلناه، ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من أجازه مع الوثوق بالخط والختم. وأما إنهاء الحاكم إلى آخر بالقول، بأن يقول له: إني حكمت بكذا ونحوه، ففي جواز قضاء السامع به - بمعنى إنفاذه له - خلاف، فذهب الشيخ في الخلاف (3) إلى عدم القبول. ووجهوه بأنه حكم من الثاني بغير علم، وقد نهى (4) الله تعالى عنه، خرج منه ما دل عليه دليل من خارج فيبقى الباقي على الاصل. والاصح القبول، لما سيأتي (5) إن شاء الله تعالى من جوازه مع الشهادة على حكمه، فمع مشافهته أولى. قوله: (وأما الشهادة... إلخ).

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 706. (2) الحاوي الكبير 16: 213، المغني لابن قدامة 11: 458، بدائع الصنائع 7: 7، روضة القضاة 1: 329 - 331، الكافي للقرطبي 2: 956، الانصاف 11: 321، روضة الطالبين 8: 162. (3) الخلاف 6: 245 مسألة (42). (4) الاسراء: 36. (5) في الصفحة التالية.

[ 9 ]

لا يقال: يتوصل إلى ذلك بالشهادة على شهود الاصل. لانا نقول: قد لا يساعد شهود الفرع على التنقل، والشهادة الثالثة لا تسمع. ولانه لو لم يشرع إنهاء الاحكام بطلت الحجج مع تطاول المدد. ولان المنع من ذلك يؤدي إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه إلى آخر، فإن لم ينفذ الثاني ما حكم به الاول اتصلت المنازعة. ولان الغريمين لو تصادقا أن حاكما حكم عليهما ألزمهما الحاكم ما حكم الاول، فكذا لو قامت البينة، لانها تثبت ما لو أقر الغريم به لزم. هذا هو القسم الثالث من إنهاء قاض إلى آخر مضمون حكمه بطريق الاشهاد على الحكم. وقد اختلف الاصحاب في جواز إنفاذه للحاكم المنهي إليه الحكم بشهادة الشهود، فذهب بعضهم (1) إلى عدم جواز ذلك، وآخرون إلى جوازه ومنهم المصنف - رحمه الله - [ وجماعة ] (2). وقد استدل على جوازه بوجوه أربعة: الاول: أن ذلك مما تمس إليه الحاجة، فوجب في الحكمة (3) نصب أمين (4) شرعي له. ووجه الحاجة: أن أرباب الحقوق قد يحتاجون إلى إثباتها في البلاد المتباعدة، ولا يكون لهم فيها شهود بالحق، ويكون شهودهم في بلاد أخرى، ولا

(1) لم نظفر على مصرح بذلك. نعم، يشعر كلام العلامة في المختلف (706) بوجود قائل به. وراجع مفتاح الكرامة 10: 174، جواهر الكلام 40: 306. (2) من (أ، ث، ل). وانظر الخلاف 6: 245 مسألة (42)، الجامع للشرائع: 530، المختلف: 706، إيضاح الفوائد 4: 364، الدروس الشرعية 2: 92، التنقيح الرائع 4: 261. (3) في الحجريتين: الحكم. (4) في (خ، د، ط، م): أمر.

[ 10 ]

يتيسر نقلهم إلى بلد الحق، فمست الحاجة إلى إثباته في بلد الشهود، والانتفاع في بلد المدعى عليه أو الذي فيه الحق، ولا وسيلة إلى ذلك إلا برفع الاحكام من بلد الشهود إلى الحكام في بلد الحق، ليتوصل ذو الحق إلى حقه، وإلا لزم تعطيل الحقوق، وهو مناف للحكمة. والضرورة إلى إثبات الحق كما تندفع بذلك، تندفع بشهادة الشاهدين على شهود الاصل ثم شهادة الفرع عند الحاكم الذي يريد إنهاء الحكم عنده. إلا أن في الشهادة على الشهادة قصورا عن الشهادة على الحكم، من حيث إنها مقصورة على المرتبة الثانية، فلا تسمع الشهادة الثالثة على الشهادة، والمرتبة الثالثة من الشهادة على الشهادة بمنزلة المرتبة الثانية من الشهادة على الشهادة على الحكم، فتكون مسموعة. فإذا تعذر وصول شهود الاصل في المرتبة الاولى من الشهادة على الحكم حصل الغرض من الشهادة عليهما (1)، دون ما لو كانت الشهادة على شهادة الاصل، لانها تنقص عنها بمرتبة، فقد لا يحصل الغرض بدون المرتبة الثالثة التي هي ثانية في الشهادة على الحكم. الثاني: أنه لو لم يشرع إنهاء الاحكام لبطلت الحجج مع تطاول المدة، لان الحاكم يموت فيبطل حكمه، فتنتفي فائدة الحكم حينئذ، بخلاف ما إذا أشهد على حكمه ولو قبل موته بيسير، فإن الشهود تصير طبقة ثانية بعده، فإذا أنفذ حكمه بشهادتهم طال زمان نفوذ الحجة والانتفاع بها، وهلم جرا بالنسبة إلى الحاكم الثاني والثالث، فيستمر الانتفاع بالحجة.

(1) في (ت، ط): عليها.

[ 11 ]

لا يقال: فتوى الاصحاب أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، ولا العمل به. ورواية طلحة بن زيد والسكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: أن عليا عليه السلام كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، [ لا ] في حد ولا غيره، حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبينات. الثالث: أن المنع من ذلك يؤول إلى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه إلى حاكم آخر، فإذا لم ينفذ حكم الاول يجب عليه سماع الدعوى. ثم قد يكون عالما بعدالة شهود الحق، فيحكم له كالاول. ثم يحاكمه إلى آخر كذلك، إما [ لو ] (1) توصلا إلى حاكم يختل معه بعض الشرائط المعتبرة في إثبات الحق فينتفي عنه، أو يحصل بتكرار الخصومة مشقة زائدة على المحكوم له، بخلاف ما إذا أنفذ حكم الاول، فإن الخصومة ترتفع حينئذ، ويمضى الحكم الاول على وجهه. وهذا هو الموافق لنصب الحكام من الشارع، فإنهم وضعوا لفصل الخصومات وقطع المنازعات، دون ما يوجب استمرار الخصومة. الرابع: أن الغريم لو أقر عند الحاكم أن حاكما حكم عليه بالحق ألزمه الحاكم المقر (2) عنده به بالحق، لان إقراره بذلك إقرار بثبوت الحق عليه شرعا، وإذا كان الحاكم الثاني يلزم الغريم بإقراره بالحكم ويقطع الخصومة بذلك، فكذا إذا شهدت عنده البينة بحكم الحاكم بذلك، لان البينة تثبت ما لو أقر به الغريم لزم، فإذا كان الاقرار بالحكم ملزما كانت البينة عليه ملزمة. قوله: (لا يقال: فتوى الاصحاب... إلخ).

(1) من (ث) والحجريتين. (2) في إحدى الحجريتين: المقر به عنده.

[ 12 ]

لانا نجيب عن الاول بمنع دعوى الاجماع على خلاف موضع النزاع، لان المنع من العمل بكتاب قاض إلى قاض ليس منعا من العمل بحكم الحاكم مع ثبوته. ونحن (1) فلا عبرة عندنا بالكتاب، مختوما كان أو مفتوحا. وإلى جواز ما ذكرنا أوماء الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - في الخلاف (2). ونجيب عن الرواية بالطعن في سندها، فإن طلحة بتري، والسكوني عامي. ومع تسليمها نقول بموجبها، فإنا لا نعمل بالكتاب أصلا ولو شهد به، فكان الكتاب ملغى. هذا إشارة إلى حجة المانع من إنفاذ القاضي حكم قاض آخر وإن شهدت البينة عنده بحكمه. ومرجع الحجة إلى أمرين: أحدهما: إجماع الاصحاب على أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، بمعنى أنه لا عبرة به ولا يترتب عليه حكم، وإجماع الاصحاب حجة، والمخالف لهم في ذلك منهم معلوم النسب، فلا يقدح فيه على ما تقرر في محله. والثاني: الرواية المشهورة عن طلحة بن زيد والسكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: (أن عليا عليه السلام كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، وإنما جوزه القضاة في زمن بني أمية) (3). فكان باطلا. وأجاب المصنف - رحمه الله - بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، فإن الاجماع - على تقدير تسليمه - إنما وقع على منع العمل بكتاب قاض إلى قاض بمجرد الكتابة، من غير أن يحكم به باللفظ ويشهد على حكمه وينهي

(1) في الشرائع الحجرية (324) ومتن الجواهر (40: 310): ونحن نقول فلا... (2) الخلاف 6: 245 مسألة (42). (3) التهذيب 6: 300 ح 840 - 841، الوسائل 18: 218 ب (28) من أبواب كيفية الحكم.

[ 13 ]

الشهود ذلك إلى حاكم آخر فينفذه، وهذا ليس منعا من العمل بحكمه مع ثبوته. ونحن نسلم أنه لا عبرة بالكتاب بمجرده، سواء كان مختوما أم لا، وإنما يجوز إنفاذ الحاكم الثاني حكم الاول على تقدير ثبوت حكمه عنده بالبينة، وهذا أمر خارج عما ادعي الاجماع عليه. فحاصل الجواب يرجع إلى أن الاجماع المدعى واقع على خلاف موضع النزاع، فلا يكون مسموعا. مع أنا نمنع الاجماع على ما ذكروه أيضا، لان ابن الجنيد قد جوزه على ما عرفت (1)، وهو من أجلة الاصحاب، ومعلومية نسبه وكونها غير قادحة في الاجماع قد بينا ما فيه غير مرة. وعن الرواية بأمرين: أحدهما: ضعف سندها، فإن طلحة بن زيد بتري، والبترية فرقة من الزيدية. وقال الشيخ في الفهرست (2) والنجاشي (3): إنه عامي. والسكوني عامي أيضا مشهور الحال. مع أنه لم ينص أحد من الاصحاب فيهما على توثيق ولا مدح، مضافا إلى فساد العقيدة، فلا يعتد بروايتهما. والثاني: على تقدير تسليمها لا دلالة لها على المنع في موضع النزاع، لانها دلت على أن عليا عليه السلام كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض، ونحن نقول بموجبه، فإنا لا نجيز الكتاب بمجرده، وإنما نجيز الحكم إذا شهد عليه شاهدان وأنهياه عند حاكم آخر، وهذا غير المتنازع.

(1) راجع ص: 7. (2) الفهرست: 86 رقم (362). (3) رجال النجاشي: 207 رقم (550).

[ 14 ]

إذا عرفت هذا، فالعمل بذلك مقصور على حقوق الناس، دون الحدود وغيرها من حقوق الله. فما ينهى إلى الحاكم أمران: أحدهما: حكم وقع بين متخاصمين. والثاني: إثبات دعوى مدع على غائب. وأجاب في المختلف (1) عن ضعف الروايتين بأن الرواية من المشاهير، فلا يضرها الطعن في الراوي. وهو يرجع إلى جبر الشهرة للضعف، وقد تكلمنا عليه غير مرة. واحتج على المنع أيضا بالاجماع على الحكم بالبينة واليمين من النبي صلى الله عليه وآله، وليس هذا أحدها. وجوابه: أن هذا ليس حكما، وإنما هو إقرار للحكم على حاله، وهو معنى إنفاذه. وعلى تقدير تسليمه فهو حكم بالبينة أيضا، فلا ينافي الاجماع المدعى. ولو سلم عدم كونه حكما بها منعنا الاجماع المذكور، فإن القول بجواز إنفاذ الحكم على هذا الوجه مذهب أكثر علماء الاسلام، ومنهم جملة (2) الاصحاب، سيما المتأخرين. قوله: (فالعمل بذلك مقصور... الخ). لان الحدود وحقوق الله مبنية على التخفيف، فيقتصر في إثباتها (3) على موضع الوفاق ومحل اليقين.

(1) المختلف: 706. (2) في (ت، ط): من الاصحاب. (3) في (ت، ث): إثباتهما.

[ 15 ]

أما الاول: فإن حضر شاهدا الانهاء خصومة الخصمين، وسمعا ما حكم به الحاكم، وأشهدهما على حكمه، ثم شهدا بالحكم عند الاخر، أثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم، وأنفذ ما ثبت عنده، لا أنه يحكم بصحة الحكم في نفس الامر، إذ لا علم له به، بل الفائدة فيه قطع خصومة المختصمين لو عاودا المنازعة في تلك الواقعة. وإن لم يحضرا الخصومة، فحكى لهما الواقعة وصورة الحكم، وسمى المتحاكمين بأسمائهما وآبائهما وصفاتهما، وأشهدهما على الحكم، ففيه تردد، والقبول أولى، لان حكمه كما كان ماضيا كان إخباره ماضيا. قوله: (فإن حضر شاهدا الانهاء... الخ). حيث حكمنا (1) بجواز إنفاذ الحاكم ماحكم به غيره، فأتم صوره احتياطا حضور شاهدي (2) الانهاء الواقعة وشهادة الشاهدين بأصل الحق، بعد دعوى المدعي وإشهاد الحاكم إياهما على حكمه. وهذه الصورة جوز إنفاذ الحكم فيها كل من قال به. فأما إذا انتفى حضورهما، ولكن حكى لهما الحاكم الاول صورة الواقعة وصورة الحكم، وعين لهما المتخاصمين، وأشهدهما على حكمه، ففي جواز إنفاذ الحكم حينئذ تردد، منشؤه من أن حكم الحاكم الثاني قول بما لا يعلم، وهو منهي عنه بقوله تعالى: (أتقولون على الله ما لا تعلمون) (3)، وبغيره من

(1) في (م): قلنا. (2) في (أ، ث، خ، ط): شاهدين لانهاء... (3) الاعراف: 28.

[ 16 ]

وأما الثاني: وهو إثبات دعوى المدعي، فإن حضر الشاهدان الدعوى وإقامة الشهادة والحكم بما شهدا به، وأشهدهما على نفسه بالحكم، وشهدا بذلك عند الاخر، قبلها وأنفذ الحكم. الايات (1) والروايات (2)، فيقتصر فيما خالفه على موضع الوفاق وما يوجب تمام الاحتياط، وهو الصورة الاولى، ومن أنه كلما كان حكم الحاكم ماضيا كان إخباره به ماضيا، لكن المقدم حق فالتالي مثله. وحقية المقدم واضحة، والملازمة ظاهرة، لان غاية الحضور سماعهما (3) الحكم، إذ لا اعتبار بما وقع في المجلس غيره من الدعوى وشهادة الشاهدين وتعديلهما ما لم يحصل الحكم، وهو عبارة عن الاخبار بثبوت الحق من أهله بلفظ (حكمت) ونحوه، وصورة النزاع إخبار بذلك، فلا ترجيح لاحدهما على الاخر. ولان الادلة السابقة الدالة على تسويغ أصل هذا الانفاذ آتية في هذه الصورة. فكان القول بالقبول أقوى، وهو الذي اختاره المصنف - رحمه الله - والاكثر. واحترز المصنف بقوله: (وأشهدهما على الحكم) عما لو قال لهما: ثبت عندي ونحوه، فإنه لا يقبل قطعا، وإنما الكلام على تقدير إخباره بالحكم. إذا تقرر ذلك، فالمراد بقضاء القاضي الثاني بما حكم به الاول إنفاذه لحكمه وإمضاؤه له، بحيث لا تسمع الدعوى ثانيا، وتنقطع المنازعة، ويبقى الحكم على حاله وإن لم يعلم حقيقة الامر، لا أنه يحكم بصحته كما يحكم به الاول، لعدم علمه بما يوجب الحكم، ولجواز مخالفته لاجتهاده فلا يمكنه الحكم بصحته. قوله: (وأما الثاني وهو إثبات... الخ).

(1) الاسراء: 36. (2) راجع الكافي 1: 42 باب النهي عن القول بغير علم. (3) في (أ، ث، ط): سماعها.

[ 17 ]

ولو لم يحضرا الواقعة، وأشهدهما بما صورته: أن فلان بن فلان الفلاني ادعى على فلان بن فلان الفلاني كذا، وشهد له بدعواه فلان وفلان - ويذكر عدالتهما أو تزكيتهما - فحكمت وأمضيت، ففي الحكم به تردد، مع أن القبول أرجح، خصوصا مع إحضار الكتاب المتضمن للدعوى وشهادة الشهود. أما لو أخبر حاكما آخر بأنه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني. وليس كذلك لو قال: حكمت، فإن فيه ترددا. البحث في هاتين الصورتين كالسابقتين قبولا وردا، وإنما تتميزان بأن الحكم في الاولتين على حاضر وهنا على غائب، وهو لا يوجب اختلاف الحكم. ولو اقتصر على أحدهما وأدرج الاخر فيه كان أخصر. قوله: (أما لو أخبر حاكما... إلخ). قد ظهر من الادلة المجوزة لقبول إنفاذ الحكم أن موردها الضرورة إلى ذلك في البلاد البعيدة عن الحاكم الاول. فذهب بعض الاصحاب (1) إلى اختصاص الحكم بما إذا كان بين الحاكمين وساطة، وهم الشهود على حكم الاول. فلو كان الحاكمان مجتمعين، وأشهد أحدهما الاخر على حكمه، لم يصح إنفاذه، لان هذا ليس من محل الضرورة المسوغة للانفاذ المخالف للاصل. والاقوى القبول، لان قوله نافذ، وحكمه حجة، والضرورة إلى ذلك باقية، فإنها غير منحصرة في الاماكن المتباعدة، لان من جملتها قطع الخصومة، وهو لا يتم إلا بقبول ذلك، بل هو في هذه الحالة أقوى من البينة، لان غاية البينة إثبات حكم الحاكم، وإخباره بالحكم أقوى.

(1) لم نجد تصريحا بهذا لاحد من الاصحاب. نعم، يشعر كلام الشيخ في الخلاف (6: 245 مسألة 42) بذلك. وللاستزادة انظر جواهر الكلام 40: 316.

[ 18 ]

وصورة الانهاء: أن يقص الشاهدان ما شاهداه من الواقعة، وما سمعاه من لفظ الحاكم، ويقولا: وأشهدنا على نفسه أنه حكم بذلك وأمضاه. ولو أحالا على الكتاب بعد قرأته، فقالا: أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنه حكم بذلك، جاز. ولابد من ضبط الشي المشهود به بما يرفع الجهالة عنه. ولو اشتبه على الثاني وقف الحكم حتى يوضحه المدعي. وهذه الصورة هي التي صدرها في أول الخاتمة (1)، وجعل فيها ترددا، ونقل عن الشيخ المنع منها. وإنما أعادها ليفرق بين قوله: (ثبت عندي كذا) و (حكمت بكذا)، فإن محل الانفاذ هو الثاني لا الاول، لانه لم يحكم بل أثبت، والحاكم الثاني لا يحكم بإثبات غيره، بل ينفذ حكمه، ولم يحصل. قوله: (وصورة الانهاء... إلخ). المراد أن الشاهدين لا يكفي شهادتهما بما في الكتاب من الحكم مجملا، بل لابد من تفصيل الواقعة على الوجه الذي ذكره (2)، إما بلفظهما، أو بأن يقراء الحاكم الثاني عليهما الكتاب المشتمل على الحكم، فيقول الشاهدان: أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنه حكم بذلك، لانها حينئذ شهادة على أمر مفصل معلوم بالقرأة عليهما. قوله: (ولابد من ضبط الشي... إلخ).

(1) راجع ص: 7. (2) في (خ): ذكرناه.

[ 19 ]

ولو تغيرت حال الاول بموت أو عزل لم يقدح ذلك في العمل بحكمه. وإن تغيرت بفسق لم يعمل بحكمه، ويقر ما سبق إنفاذه على زمان فسقه. ولا أثر لتغير حال المكتوب إليه في الكتاب، بل كل من قامت عنده البينة بأن الاول حكم به وأشهدهم به عمل بها، إذ اللازم لكل حاكم إنفاذ ما حكم به غيره من الحكام. إذا اشتبه المشهود به على الحاكم الثاني، لعدم ضبط الشهود (1) له بما يرفع الجهالة، وجب عليه إيقاف الحكم إلى أن يتضح، إما بتذكر الشاهدين تفصيله أو بشهادة غيرهما. وينبغي أن يكون ذلك هو المراد بإيضاح المدعي له، بأن أراد إيضاحه على وجه يثبت شرعا، وإلا فمطلق إيضاح المدعي له غير كاف في إنفاذ الثاني للحكم، لانه لا يجوز له التعويل على قول المدعي بمجرده. ولو قال: وقف الحكم حتى يتضح، كان أظهر. قوله: (ولو تغيرت حال الاول... إلخ). كما يجوز أن يكتب الحاكم الاول إلى قاض معين، يجوز أن يطلق فيكتب إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين. وعند بعض العامة (2) أنه لا يجوز الاطلاق. وعلى تقدير التعيين لا يختص الحكم بمن كتب إليه، بل يجب إنفاذه على كل من شهد عنده الشاهدان بالحكم، وطلب منه المحكوم له إنفاذه. ومن اعتبر التعيين لم يجوز إنفاذه لغير المعين مطلقا. إذا تقرر ذلك، فلا يقدح موت الكاتب ولا المكتوب إليه إذا شهد الشاهدان

(1) في (ت، د): المشهود. (2) روضة القضاة 1: 332 - 333، المغني لابن قدامة 11: 467.

[ 20 ]

مسائل ثلاث: الاولى: إذا أقر المحكوم عليه أنه هو المشهود عليه ألزم. ولو أنكر وكانت الشهادة بوصف يحتمل الاتفاق [ عليه ] غالبا، فالقول قوله مع يمينه، ما لم يقم المدعي البينة. وإن كان الوصف مما يتعذر اتفاقه إلا نادرا لم يلتفت إلى إنكاره، لانه خلاف للظاهر. ولو ادعى أن في البلد مساويا له في الاسم والنسبة، كلف إبانته [ في إثباته ]. فإن كان المساوي حيا سئل، فإن اعترف أنه الغريم ألزم، وأطلق الاول. وإن أنكر وقف الحكم حتى يتبين. عند من يقوم مقامه، بناء على عدم الانحصار ابتداء، لان الحكم لا يبطل بموت الحاكم. وفي معنى موت الحاكم عزله وجنونه وعماه - حيث يعتبر البصر - وخرسه. أما لو كتب القاضي إلى خليفته، ثم مات القاضي أو عزل، تعذر على الخليفة القبول والامضاء إن قلنا إنه ينعزل بانعزال الاصل. ولو ارتد القاضي الكاتب أو فسق، ثم وصل الكتاب إلى المكتوب إليه، لم يجز إنفاذه. وفرقوا بينه وبين الموت: بأن ظهور الفسق يشعر بالخبث وقيام الفسق يوم [ يرفع ] (1) الحكم. وفيه نظر. وذهب العامة (2) إلى جواز إنفاذه كالموت. وأما الانفاذ السابق على ظهور الفسق فيقر عليه كأصل الحكم. وأما المكتوب إليه فلا أثر لتغيره بفسق ولا غيره، فيبقى الحكم ماضيا وينفذ على غيره من القضاة، لما تقدم (3) من عدم انحصاره في المكتوب إليه. قوله: (إذا أقر المحكوم عليه... إلخ).

(1) من (ت، د، م). (2) الحاوي الكبير 16: 232، روضة القضاة 1: 340، روضة الطالبين 8: 164. (3) في الصفحة السابقة.

[ 21 ]

وإن كان المساوي ميتا، وهناك دلالة تشهد بالبرأة، إما لان الغريم لم يعاصره، وإما لان تاريخ الحق متأخر عن موته، ألزم الاول. وإن احتمل وقف الحكم حتى يتبين. ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له والمحكوم عليه وكنيتهما (1)، واسم أبيهما وجدهما وحليتهما (2) وصفتهما وقبيلتهما، ليسهل التميز. نعم، لو كان الرجل مشهورا، وحصل الاعلام ببعض ما ذكرنا، اكتفي به. فإذا فعل كما ذكرنا، وحمل الكتاب إلى المكتوب إليه، وأحضر الحامل عنده من زعمه محكوما عليه، نظر إن شهد شهود الكتاب والحكم على عينه، وأن القاضي الكاتب حكم عليه، طولب بالحق. وإن لم يشهدوا على عينه، ولكن شهدوا على رجل موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فإن أقر المحضر أنه هو المشهود عليه قبل وألزم، لعموم (إقرار العقلا على أنفسهم جائز) (3). وإن أنكر، وكانت الشهادة بوصف يحتمل المشاركة غالبا، فالقول قوله مع يمينه، لاصالة البرأة، وعدم حصر الوصف. وإن نكل حلف المدعي وتوجه عليه الحكم. وإن قال: لا أحلف [ على ] (4) أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شي إليه، ففي إجابته وجهان أصحهما عدمه، لقيام البينة

(1) كذا في (خ، ط)، وفي سائر النسخ: وكيفيتهما. (2) في (ط): وخلقتهما. (3) راجع الوسائل 16: 111 ب (2) من كتاب الاقرار ح 2، المستدرك 16: 31 ب (2) من كتاب الاقرار ح 1، عوالي اللئالي 3: 442 ح 5. وراجع أيضا المختلف: 443، التذكرة 2: 79، إيضاح الفوائد 2: 428، جامع المقاصد 5: 233، فهناك بحث في كون هذه الجملة رواية. (4) من الحجريتين.

[ 22 ]

على المسمى بهذا الاسم، وذلك يوجه الحق عليه. وإن قامت البينة على أنه اسمه ونسبه، فقال: نعم لكني لست المحكوم عليه، فإن لم يوجد هناك من يشاركه في الاسم والصفات المذكورة لزمه (1) الحكم، لان الظاهر أنه المحكوم عليه. وإن وجد، إما بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بينة، احضر الذي يشاركه وسئل، فإن اعترف بالحق طولب به، وتخلص الاول. وإن أنكر وقف حتى ينكشف. ولو أقام المحضر بينة على موصوف بتلك الصفات كان هناك وقد مات، فإن مات بعد الحكم وقع الاشكال. وإن مات قبله، فإن لم يعاصره المحكوم له فلا إشكال. وإن عاصره، فإن كان تاريخ الحق متأخرا عن موته فكذلك، فيلزم الاول، وإلا وقف الحكم. هذا كله إذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه وصفته كما قدمناه. أما إذا اقتصر على أني حكمت على محمد بن أحمد مثلا، فقيل: يبطل الحكم، لان المحكوم عليه مبهم لم يتعين بإشارة ولا وصف، حتى لو حضر رجل واعترف بأنه محمد بن أحمد وأنه المعني بالكتاب لم يلزم ذلك، لبطلان الحكم في نفسه، إلا أن يقر بالحق فيؤاخذ به، بخلاف ما لو استقصى الوصف ولم يقصر فظهر الاشتراك واتفق اشتباهه. ويظهر من إطلاق المصنف أنه (لو أقر بأنه المشهود عليه ألزم) لزوم الحق لصاحب الاسم المشترك غالبا، وإن كان لا يلزمه لو أنكر. وهو خيرة الدروس (2)، واستبعد خلافه. وهذا هو الوجه.

(1) في (ت، م): نفذ، وفي (د): أنفذ. (2) الدروس الشرعية 2: 92.

[ 23 ]

الثانية: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتى يشهد القابض. ولو لم يكن عليه بالحق شاهد، قيل: لا يلزم الاشهاد. ولو قيل: يلزم كان حسنا، حسما لمادة المنازعة، أو كراهية لتوجه اليمين. الثالثة: لا يجب على المدعي دفع الحجة مع الوفاء، لانها حجة له لو خرج المقبوض مستحقا. وكذا القول في البائع إذا التمس المشتري كتاب الاصل، لانه حجة له على البائع الاول بالثمن لو خرج المبيع مستحقا. قوله: (للمشهود عليه... إلخ). القول بعدم جواز الامتناع إلى أن يشهد حيث لا يكون بالحق شاهد للشيخ (1)، لعدم الضرر بالدفع حينئذ، لان غايته أن يدعي عليه به مرة أخرى ولا بينة له، فينكر ويقبل قوله في البرأة منه بيمينه، واليمين الصادقة لا ضرر فيها. ومثله ما لو كان له بالحق بينة ولكن كان الحق مما يقبل قول من هو بيده في رده كالوديعة، لان البينة لا تلزمه، وإنما غايته إلزامه باليمين كالسابق. والذي اختاره المصنف - رحمه الله - وجماعة (2) جواز الامتناع إلى أن يشهد مطلقا، لان المنازعة وتوجه اليمين مما ينبغي دفعه خصوصا عن ذوي المروات، فيكون حسم مادته بالاشهاد عذرا في تأخير الحق إلى أن يحكمه. وقد تقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الوكالة (3)، وكأنه أعادها لمناسبة المقام. قوله: (لا يجب على المدعي... إلخ).

(1) المبسوط 8: 131. (2) قواعد الاحكام 1: 258، اللمعة الدمشقية: 98. (3) في ج 5: 292.

[ 24 ]

الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة والنظر: في القاسم، والمقسوم، والكيفية، واللواحق ما ذكره من تعليل عدم وجوب دفع الحجة حسن، لان فائدة الحجة لا تنحصر في زمن ملكه، بل يحتاج إليها بعد البرأة وخروج الملك عنه ليكون حجة على الدرك. مع أنه يجوز التعليل أيضا بكونها ملكا لمن هي في يده، ولا يجب عليه دفع ملكه إلى غيره، وإن لم يكن له منفعة بها كغيرها من أمواله. قوله: (في لواحق من أحكام القسمة... الخ). إنما ذكر أحكام القسمة في كتاب القضاء لان القاضي لا يستغني عن القسام، للحاجة إلى قسمة المشتركات، بل القسام كالحاكم، فحسن الكلام في القسمة في هذا الكتاب كما فعله جماعة (1) من الفقهاء، ومن (2) أفردها كتابا برأسها نظر إلى استقلالها بالاحكام كغيرها من كتب الفقه. واعلم أن الحاجة الداعية إلى تجويز القسمة بينة، وذلك لانه قد يتبرم الشركاء أو بعضهم بالمشاركة أو يريدون الاستبداد بالتصرف، وفي كتاب الله: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) (3) الاية. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم الغنائم بين الغانمين (4).

(1) انظر المبسوط 8: 133، الجامع للشرائع: 531، قواعد الاحكام 2: 218، اللمعة الدمشقية: 53. (2) كالقاضي في المهذب 2: 573، والشهيد في الدروس الشرعية 2: 117. (3) النساء: 8. (4) المبسوط 8: 133، وانظر مسند أحمد 1: 427، صحيح البخاري 5: 200 - 201، صحيح مسلم 2: 738 ح 1061، سنن البيهقي 10: 131 - 132.

[ 25 ]

أما الاول: فيستحب للامام أن ينصب قاسما، كما كان لعلي عليه السلام. ويشترط فيه: البلوغ، وكمال العقل، والايمان، والعدالة، والمعرفة بالحساب. ولا يشترط الحرية. ولو تراضى الخصمان بقاسم لم تشترط العدالة. وفي التراضي بقسمة الكافر نظر، أقربه الجواز، كما لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم. قوله: (فيستحب للامام عليه السلام... الخ). القسمة قد يتولا ها الشركاء بأنفسهم، وقد يتولا ها غيرهم. وهو إما منصوب الامام، أو منصوبهم. ويستحب للامام أن ينصب قاسما ويرزقه من بيت المال، لان القسمة من جملة المصالح. وروي (1) أنه كان لعلي عليه السلام قاسم يقال له عبد الله بن يحيى، وكان يرزقه من بيت المال. ويشترط في منصوب الامام: التكليف، والايمان، والعدالة، والمعرفة بالمساحة والحساب، لان علمه بهما كالفقه في الحاكم. وقيل: يشترط أن يعرف التقويم، لان في أنواع القسمة ما يحتاج إليه. ولا يشترط عندنا الحرية، فلا يمتنع أن يكون العبد قاسما بإذن مولاه. أما منصوب الشركاء فلا يشترط فيه العدالة، لانه وكيل من جهتهم. وفي اشتراط إسلامه نظر، من حيث إنه ظالم منهي عن الركون إليه. والاصح الجواز، لجواز كونه وكيلا وهذه في معنى الوكالة، ولتراضيهما على قسمته، فكان كما لو تراضيا على القسمة بأنفسهما من غير قاسم.

(1) رواه الشيخ في المبسوط 8: 133.

[ 26 ]

والمنصوب من قبل الامام تمضي قسمته بنفس القرعة، ولا يشترط رضاهما بعدها. وفي غيره يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة. وفي هذا إشكال، من حيث إن القرعة وسيلة إلى تعيين الحق، وقد قارنها الرضا. قوله: (والمنصوب من قبل الامام... إلخ). قرعة قاسم الامام بمنزلة حكمه، فمن ثم اشترط فيه العدالة والمعرفة، فلا يعتبر رضاهما بعدها. أما القاسم الذي نصباه، أو إذا اقتسما بأنفسهما من غير قاسم، قال الشيخ (1): يعتبر رضاهما بعد القرعة، لانها إنما تتعين (2) بحكم الحاكم أو تراضيهما بعدها، ولاصالة بقاء الشركة. والمصنف - رحمه الله - استشكل ذلك، من حيث إن القرعة شرعت وسيلة إلى تعيين الحق، وقد قارنها الرضا فلا يعتبر بعدها، لان التعيين على هذا الوجه أوجب تميز أحد الحقين عن الاخر، فيتعين بالرضا المقارن. بل ينبغي أن يتعين بتراضيهما على القسمة وتخصيص كل واحد من الشركاء بحصته (3) وإن لم تحصل القرعة، كما تصح المعاطاة في البيع، إلا أن المعاطاة يتوقف لزومها على التصرف، من حيث إن ملك كل واحد من العوضين كان للاخر، فيستصحب ملكه إلى أن يتصرف أحدهما بإذن الاخر، فيكون رضا منه بكون ما في يده عوضا عن الاخر. أما القسمة فإنها مجرد تمييز أحد النصيبين عن الاخر، وما يصل إلى كل منهما هو

(1) المبسوط 8: 148. (2) في (أ، خ): تعتبر. (3) في (د، م): بحقه.

[ 27 ]

ويجزي القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة رد. ولابد من اثنين في قسمة الرد، لانها تتضمن تقويما، فلا ينفرد به الواحد. ويسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك. عين ملكه لا عوضا عن ملك الاخر، فيكفي تراضيهما عليها مطلقا. ومن جعلها بيعا مطلقا أو على بعض الوجوه يناسبه توقف اللزوم على التصرف، كالبيع معاطاة. واشترط في الدروس (1) تراضيهما بعد القرعة في غير قسمة منصوب الامام عليه السلام مع اشتمالها على الرد خاصة. وهو حسن. وفي اللمعة (2) اكتفى بتراضيهما عليها من غير قرعة مطلقا. وهو أجود. واختاره العلامة في القواعد (3) أيضا. قوله: (ويجزي القاسم الواحد... إلخ). القسمة إن اشتملت على رد فلا إشكال في اعتبار التعدد في القاسم حيث لا يتراضى الشريكان بالواحد، لان التعدد (4) مشترط في التقويم (5) مطلقا من حيث إنها شهادة وإن لم تشتمل على رد. فهل يجزي قاسم واحد، بمعنى أن الامام يجتزي بنصب واحد، أم لابد من اثنين كنصب الشاهد؟ مذهب الاصحاب هو الاول، إقامة له مقام الحاكم. ويؤيده ما سبق (6) من نصب علي عليه السلام قاسما واحدا.

(1) الدروس الشرعية 2: 117. (2) اللمعة الدمشقية: 53. (3) قواعد الاحكام 2: 218. (4) في (ت، خ، د، م): العدد. (5) في (ث، ط): المقوم. (6) في ص: 25.

[ 28 ]

وأجرة القسام من بيت المال، فإن لم يكن إمام، أو كان ولا سعة في بيت المال، كانت أجرته على المتقاسمين. فإن استأجره كل واحد بأجرة معينة فلا بحث. وإن استأجروه في عقد واحد، ولم يعينوا نصيب كل واحد من الاجرة، لزمتهم الاجرة بالحصص. وكذا لو لم يقدروا أجرة، كان له أجرة المثل عليهم بالحصص لا بالسوية. واعتبر بعض (1) العامة اثنين مطلقا، ترجيحا لجانب الشاهد، حيث إنه لا يشتمل على جميع أوصاف الحاكم. قوله: (وأجرة القسام من بيت المال... إلخ). قد ذكرنا (2) أن أجرة القسام في (3) بيت المال، لانه من المصالح. فإن لم يتفق له الكفاية من بيت المال فأجرته على الشركاء، سواء طلب جميعهم القسمة أم بعضهم دون بعض. ثم ينظر إن استأجر الشركاء قاسما وسموا له أجرة وأطلقوا فتلك الاجرة تتوزع على قدر الحصص، لانها من مؤونات الملك، فأشبهت النفقة، فتكون في مقابلة العمل، والعمل لمن يزداد نصيبه أكثر، كالكيل في المكيلات (4) والوزن في الموزونات. وكذا القول فيما لو لم يقدروا أجرة، أو استأجروه أجرة (5) فاسدة، فوجبت أجرة المثل.

(1) الحاوي الكبير 16: 247، حلية العلماء 8: 165 - 166، روضة الطالبين 8: 182. (2) راجع ص: 25. (3) في (خ): من. (4) في (ث): المكيل. (5) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، ولعل الصحيح: إجارة، أو: بأجرة.

[ 29 ]

وفيه وجه آخر أنه يقسم على عدد الرؤوس، لان عمله (1) في الحساب والمساحة يقع لهم جميعا، وقد يكون الحساب في الجز القليل أغمض. وأيضا فإن قلة النصيب توجب كثرة العمل، لان القسمة تقع بحسب أقل الاجزاء، فإن لم يجب على من قل نصيبه زيادة فلا أقل من التساوي. والاصح الاول. وإن سمى كل واحد منهم أجرة التزمها فله على كل واحد ما التزم، وانقطع النظر عن الحصص والرؤوس جميعا. وهذا واضح إن فرض اجتماعهم على الاستيجار، بأن قالوا: استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان، أو وكلوا وكيلا فعقد لهم كذلك. وإن فرضت عقود مترتبة، فقد ذكروا فيه إشكالا، وهو أن الشركاء إذا كانوا اثنين فعقد واحد لافراز نصيبه، فعلى القسام إفراز النصيبين وتمييز كل واحد منهما عن الاخر، لان تمييز نصيب المستأجر لا يمكن إلا بتمييز نصيب الاخر، وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب، فإذا استأجر بعد ذلك الاخر على تمييز نصيبه فقد استأجره على ما وجب عليه واستحق في ذمته لغيره، فلم يصح. وكذا لو كانوا ثلاثة فعقد واحد لافراز نصيبه، ثم الثاني كذلك، فعلى القسام إفراز النصيبين، فإذا ميزهما تميز الثالث، فإذا عقد الثالث بعد العقدين كان قد عقد على عمل مستحق في ذمة الاجير لغيره، فلا يصح. وأجيب بأن السؤال مبني على أنه يجوز استقلال بعض الشركاء باستيجار القسام لافراز نصيبه ولا سبيل إليه، لان إفراز نصيبه لا يمكن إلا بالتصرف في

(1) كذا في (خ، ث)، وفي سائر النسخ: علمه.

[ 30 ]

الثاني: في المقسوم وهو إما متساوي الاجزاء، كذوات الامثال مثل الحبوب والادهان، أو متفاوتها، كالاشجار والعقار. فالاول يجبر الممتنع مع مطالبة الشريك بالقسمة، لان الانسان له ولاية الانتفاع بماله، والانفراد أكمل نفعا. ويقسم كيلا ووزنا، متساويا ومتفاضلا، ربويا كان أو غيره، لان القسمة تمييز حق لا بيع. نصيب الاخرين ترددا وتقديرا، ولا سبيل إليه إلا برضاهم. نعم، يجوز أن ينفرد واحد منهم برضا الباقين، فيكون أصلا ووكيلا، ولا حاجة إلى عقد الباقين. وحينئذ إن فصل ما على كل واحد منهم بالتراضي فذاك، وإن أطلق عاد الكلام في كيفية التوزيع. قوله: (في المقسوم... إلخ). اعلم أن العين المشتركة إما أن يعظم الضرر في قسمتها، أولا يعظم. والثاني: إما أن تكون مثلية، وهي المتساوية الاجزاء في القيمة والصفات، كالحبوب والادهان، أو قيمية لكنها متشابهة الاجزاء، كالدار المتفقة الابنية، والارض المتشابهة الاجزاء، وما في معناها بحيث يمكن تعديلها بعدد الانصباء من غير رد ولا ضرر، أو يتوقف التعديل على الرد من غير أن يحصل ضرر على أحد الشركاء، أو يحصل ضرر، إما على الجميع أو على البعض. فهذه أقسام المقسوم. فالقسمان الاولان يجبر الممتنع من القسمة إذا طلبها الاخر. وسيأتي حكم الباقي.

[ 31 ]

ونبه بقوله: (ويقسم كيلا ووزنا - إلى قوله - لان القسمة تمييز حق لا بيع) على خلاف بعض العامة (1) حيث زعم أنها بيع مطلقا. ومنهم من جعل قسمة الرد بيعا دون غيرها. ومنهم من جعل قسمة التراضي بيعا دون غيرها. ووافقنا جماعة على أنها تمييز حق لا بيع مطلقا. واستدل على أنها ليست بيعا مطلقا بأنها لا تفتقر إلى صيغة، ويدخلها الاجبار، وتعتمد القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الاخر، والبيع ليس فيه شي من ذلك، واختلاف اللوازم والخواص يدل على اختلاف الملزومات والمعروضات. ومعنى أنها تمييز وإفراز أنها تبين أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه. واستدل من جعلها بيعا بأنه ما من جز من المال إلا وكان مشتركا بينهما، وإذا اقتسما فكأنه قد باع كل منهما ما كان له في حصة صاحبه بماله في حصته. واعتذروا عن الصيغة بأن البيع لا ينحصر في صيغة معينة. وعن الاجبار بالحاجة الداعية إليه، وذلك لا يخرجها عن كونها بيعا، فقد يدخل الاجبار البيع لمصلحة، كما يبيع الحاكم مال المديون قهرا، وغير ذلك من مواضع معدودة (2) في بابه. وأجيب بأن القول بكونها بيعا لا يتم في مادة مطلقا، لان النصف الايمن مثلا [ عن ] (3) الذي يأخذه زيد كما أنه لم يكن كله لزيد حتى يقال إن القسمة إفراز

(1) المغني لابن قدامة 11: 492، الانصاف 11: 344 و 347، روضة القضاة 2: 797، روضة الطالبين 8: 192 - 193. (2) في (ث، خ): متعددة. (3) من الحجريتين.

[ 32 ]

بالنصف الايسر، لم يكن كله له حتى يقال إنه باعه من عمرو، بل النصف الذي أخذه كان نصفه له ونصفه لصاحبه. فالقسمة إفراز ما كان له منه، ومعاوضة على ما كان لصاحبه. وهي لا تنحصر في البيع، لان الصلح يفيد ذلك، إلا أن يسموه حينئذ بيعا، وهو ممنوع. وأما قسمة الرد فهي معاوضة في مقابلة المردود، ومن ثم اشترط فيها التراضي، لكن لا تنحصر المعاوضة في البيع كما ذكرناه، ويمكن كونها هنا قسما برأسها. ويتفرع على الخلاف أن من جعلها بيعا فاقتسما شيئا ربويا وجب التقابض في المجلس، ولم تجز قسمة المكيل بالوزن والموزون بالكيل. وإن جعلناها إفرازا فالحكم بخلافه. وإليه أشار بقوله: (ويقسم كيلا ووزنا، ربويا كان أو غيره). وأما قوله: (متساويا ومتفاضلا) فالاصل في القسمة أن تكون بنسبة الاستحقاق، فإذا كان المشترك بينهما نصفين إفرازه قسمين، وإن كان بينهما أثلاثا إفرازه كذلك، والتفاضل في الثاني بحسب الصورة وإلا فهو متساو حقيقة، لان مستحق الثلث له فيما في يد صاحب الثلثين ثلثه، ولصاحب الثلثين في يد ما في صاحب الثلث ثلثاه، فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر إلى أصل الحق. وإن أراد بالتفاضل ترجيح أحدهما على الاخر زيادة على حقه، فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة، بل هو هبة محضة للزائد. فلو ترك قوله: (متساويا ومتفاضلا) كان أولى.

[ 33 ]

والثاني: إما أن يستضر الكل، أو البعض، أو لا يستضر أحدهم. وفي الاول: لا يجبر الممتنع، كالجواهر والعضائد الضيقة. وفي الثاني: إن التمس المستضر أجبر من لا يتضرر. وإن امتنع المتضرر لم يجبر. ويتحقق الضرر المانع من الاجبار بعدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة. وقيل بنقصان القيمة. وهو أشبه. وللشيخ قولان. قوله: (والثاني: إما أن يستضر... إلخ). المشترك غير المثلي إما أن يحصل الضرر بقسمته على جميع الشركاء، كالجوهرة النفيسة تكسر، والثوب الرفيع يقطع، أو يتضرر بعضهم دون بعض، كدار بين اثنين لاحدهما عشرها وللاخر باقيها، ولو قسمت لم يصلح العشر للمسكن وتصلح تسعة الاعشار، أولا يتضرر أحد منهم. فمع الضرر لا يجبر المتضرر إذا امتنع من القسمة، لظهور عذره، وعموم قوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار) (1). وإن طلب أحدهم حيث لا ضرر، أو طلب المتضرر حيث يختص الضرر بأحد (2)، أجيب. أما الاول فلانتفاء الضرر رأسا، فله طلب تخليص ملكه من الاخر، كما في المثلي. وأما الثاني فلان الطالب هو الذي أدخل الضرر على نفسه فيجاب إليه، وليس للاخر الامتناع، لانتفائه عنه. وكذا لو تضرر الجميع واتفقوا على القسمة. لكن يجب تقييد الحكم في الموضعين بما إذا لم تبطل منفعة

(1) الكافي 5: 292 ح 2، الفقيه 3: 147 ح 648، التهذيب 7: 146 ح 651، الوسائل 17: 341 ب (12) من أبواب إحياء الموات ح 3. (2) في (ت): بأحد الشركاء، وفي (خ):... الضرر به.

[ 34 ]

المقسوم بالكلية فتذهب ماليته، فإنهم لا يجابون إليها، لما فيه من إذهاب المال في (1) غير غرض صحيح. إذا تقرر ذلك، فقد اختلفوا (2) في ضبط الضرر المانع من القسمة على أقوال: أحدها: أنه عدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة. ووجه التضرر على هذا الوجه ظاهر، لان بطلان منفعة الملك ضرر بين، وهو منفي بالرواية. والثاني - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله هنا -: أنه نقصان القيمة وإن بقيت المنفعة. وحجته أيضا الخبر، نظرا إلى فوات المالية في الجملة. وهذان القولان للشيخ في المبسوط (3)، والاول له في الخلاف (4) أيضا. وللمصنف - رحمه الله - أيضا، أولهما في باب الشفعة (5)، والاخر هنا. وهما للعلامة (6) أيضا. والثالث: أنه عدم الانتفاع به منفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة، كالدار الصغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد موضع ضيق لا ينتفع به في السكنى على ذلك الوجه، وإن انتفع به في غيرها.

(1) في (ث، خ): من. (2) في (أ): اختلف. (3) المبسوط 8: 135. (4) الخلاف 6: 229 مسألة (27). (5) راجع ج 12: 265. (6) قواعد الاحكام 2: 219، تذكرة الفقهاء 1: 589 - 590.

[ 35 ]

ثم المقسوم إن لم يكن فيه رد ولا ضرر أجبر الممتنع. وتسمى قسمة إجبار. وإن تضمنت أحدهما لم يجبر. وتسمى قسمة تراض. ويقسم الثوب الذي لا تنقص قيمته بالقطع كما تقسم الارض. وإن كان ينقص [ قيمته ] بالقطع لم يقسم، لحصول الضرر بالقسمة. وتقسم الثياب والعبيد بعد التعديل بالقيمة قسمة إجبار. والرابع: أنه نقص القيمة نقصانا فاحشا بحيث يحصل به الضرر عرفا. وهذا أقوى. وهو خيرة الشهيد - رحمه الله - في الدروس (1). ويمكن أن يريد به مطلق القول بنقصان القيمة. ومرجع الاقوال كلها إلى خبر الضرر. قوله: (ثم المقسوم إن لم يكن... إلخ). قسم المصنف - رحمه الله - القسمة إلى أمرين: قسمة تراض، وقسمة إجبار، وجعل الضابط أن المقسوم متى أمكن تعديله من غير رد ولا ضرر فقسمته قسمة إجبار، ومتى اشتملت على أحدهما فهي قسمة تراض. والاول يشمل قسمة المثلي والقيمي. وألحق قسمة التعديل في الاعيان المتعددة القيمة بقسمة الاجبار. ومنهم (2) من قسمها ثلاثة أقسام: قسمة الافراز. وهي: أن يكون الشي قابلا للقسمة إلى أجزاء متساوية الصفات، كذوات الامثال، وكالثوب الواحد والعرصة الواحدة المتساوية. ولا إشكال في كون هذا القسم إجباريا مع بقاء الحصص بعد القسمة منتفعا بها أو حافظة للقيمة كما مر. والثاني: قسمة التعديل. وهي: ما تعدل سهامها بالقيمة. وهي تنقسم: إلى ما يعد شيئا واحدا، وإلى ما يعد شيئين فصاعدا.

(1) الدروس الشرعية 2: 117. (2) روضة الطالبين 8: 185 - 192.

[ 36 ]

فالاول: ما يعد شيئا واحدا، كالارض التي تختلف قيمة أجزائها، لاختلافها في قوة الانبات، أو في القرب من الماء والبعد منه، أو في أن بعضها يسقى من النهر وبعضها بالنضح، فيكون ثلثها لجودته بالقيمة مثل ثلثيها مثلا. فيجعل هذا سهما وهذا سهما إن كانت بينهما بالسوية، وإن اختلفت الانصباء اعتبرت بالقيمة دون المساحة. ومقتضى عبارة المصنف - رحمه الله - قسمة هذه إجبارا، إلحاقا للتساوي في القيمة بالتساوي في الاجزاء. ويحتمل عدم الاجبار هنا، لاختلاف الاغراض والمنافع. والوجهان جاريان فيما إذا كان الاختلاف لاختلاف الجنس، كالبستان الواحد المختلف الاشجار، والدار الواحدة المختلفة البناء. والاشهر الاجبار في الجميع، ولولا ذلك لامتنع الاجبار في البستان، لاشتماله على الاشجار المختلفة غالبا، وفي الدار المشتملة على الحيطان والجذوع والابواب. وهذا شأن الدور والبساتين. وينجر ذلك إلى أن لا تثبت فيها الشفعة، كالطاحونة والحمام. وهو بعيد. والثاني: ما يعد شيئين فصاعدا. وهو ينقسم إلى عقار وغيره. فالاول كما إذا اشتركا في دارين أو حانوتين متساويتي القيمة، وطلب أحدهما القسمة، بأن يجعل لهذا دار ولهذا دار. ولا يجبر الممتنع هنا، سواء تجاور الداران والحانوتان أم تباعدا، لشدة اختلاف الاغراض باختلاف المحال والابنية، فيلحقان بالجنسين المختلفين.

[ 37 ]

وعند بعض العامة (1) أنهما يجبران عند التجاور، وعند آخرين (2) مطلقا. ولو كانت بينهما دكاكين متلاصقة لا يحتمل آحادها القسمة - وتسمى العضائد - فطلب أحدهما أن تقسم أعيانها، ففي إجبار الممتنع وجهان أظهرهما العدم. وسيأتي (3). وأما غير العقار، فإذا اشتركا في عبيد أو دواب أو أشجار أو ثياب، فإما أن تكون من نوع واحد أو من متعدد (4). فإن كانت من نوع واحد، وأمكن التسوية بين الشريكين عددا وقيمة، كعبدين متساويي القيمة بين اثنين، وثلاث دواب متساوية القيمة بين ثلاثة، فالذي اختاره المصنف - رحمه الله - والاكثر أنه يجبر على قسمتها أعيانا، ويكتفى بالتساوي في القيمة، بخلاف الدور، لشدة اختلاف الاغراض فيها. ولان النبي (5) صلى الله عليه وآله جزاء العبيد الستة الذين أعتقهم الانصاري في مرضه ثلاثة أجزاء. ولانه ليس اختلاف الجنس الواحد في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة، فإن أرض القرية تختلف، سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة وأرضين متنوعة، والدار ذات البيوت المختلفة المساحة، فكما لا يمنع اختلاف الدار والقرية من الاجبار، لا يمنع اختلاف الجنس الواحد من الاجبار.

(1) حلية العلماء 8: 178 - 179، المغني لابن قدامة 11: 499، روضة القضاة 2: 800. (2) حلية العلماء 8: 178 - 179، المغني لابن قدامة 11: 499، روضة القضاة 2: 800. (3) في ص: 53. (4) في (خ): من أنواع متعددة. (5) مسند أحمد 4: 426، صحيح مسلم 3: 1288 ح 56، سنن أبي داود 4: 28 ح 3958، سنن الترمذي 3: 645 ح 1364، سنن البيهقي 10: 285.

[ 38 ]

وفي القواعد (1) استشكل الحكم في العبيد. ووجه الاشكال مما ذكرناه، ومن تفاوت الاغراض بتفاوت الاشخاص، كمختلفي الجنس. ونقل في المبسوط (2) عن بعضهم عدم الاجبار هنا. والمذهب هو الاول. ولو لم يمكن التسوية في العدد، كثلاثة أعبد بين اثنين على السواء، أحدهما (3) يساوي الاخرين في القيمة. فإن قلنا بالاجبار عند إمكان التسوية فهنا وجهان، ينظر أحدهما إلى تعادل القيمة، والثاني إلى اختلاف العدد وتفاوت الاغراض. ومثله القول في الاراضي المختلفة الاجزاء. ولو كانت الشركة لا ترتفع إلا عن بعض الاعيان، كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما مائة وقيمة الاخر مائتان، فطلب أحدهما القسمة ليختص من أخرجت له القرعة الخسيس به، ويربع النفيس، ففي إجبار الاخر وجهان مبنيان على المسألة السابقة، فإن قلنا لا إجبار هناك فهنا أولى، وإن قلنا بالاجبار هناك فهنا وجهان أصحهما المنع، لان الشركة لا ترتفع بالكلية. ولو كانت الاعيان من أنواع مختلفة، كالعبد التركي مع الهندي، والثوب الابريسم مع الكتان، مع تساويهما في القيمة، ففي إجبار الممتنع وجهان مرتبان. وأولى بالمنع هنا لو قيل به في السابق. وكذا القول لو اختلفت قيمتهما وأمكن التعديل. ويظهر من المصنف وجماعة عدم اعتبار اختلاف النوع مع اتفاق القيمة. وأما الاجناس المختلفة، كالعبد والثوب والحنطة والشعير والدابة والدار،

(1) قواعد الاحكام 2: 219. (2) المبسوط 8: 147. (3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، ولعل الصحيح: أحدها، أو: أحدهم.

[ 39 ]

وإذا سألا الحاكم القسمة، ولهما بينة بالملك، قسم. وإن كانت يدهما عليه ولا منازع [ لهما ]، قال الشيخ في المبسوط (1): لا يقسم، وقال في الخلاف (2): يقسم. وهو الاشبه، لان التصرف دلالة الملك. فلا إجبار في قسمة أعيانها بعضا (3) في بعض وإن تساوت قيمتها. والثالث: قسمة الرد، بأن يكون بينهما عبدان قيمة أحدهما ألف وقيمة الاخر ستمائة، فإذا رد آخذ النفيس مائتين استويا. ولا خلاف في كون هذا القسم مشروطا بالتراضي. وسيأتي (4) الكلام فيه. قوله: (وإذا سألا الحاكم... إلخ). إذا كان في يد اثنين ملكا يقبل القسمة، ولا منازع لهما في ملكه ظاهرا، فطلبا من الحاكم قسمته بينهما، فإن أقاما بينة أنه ملكهما أجابهما إلى القسمة. وإن لم يقيما بينة ففي إجابتهما قولان: أحدهما: العدم، لانه قد يكون في يدهما بإجارة أو إعارة، فإذا قسمه بينهما لم يؤمن أن يدعيا ملكه محتجين بقسمة القاضي. والثاني: نعم، اكتفاء بدلالة اليد على الملك، لكن يكتب الحاكم ويشهد أنه إنما قسم بقولهما (5) لئلا يتمسكا بقسمته. واعترض على تقدير إقامة البينة بأنها إنما تقام وتسمع على خصم، ولا خصم هاهنا.

(1) المبسوط 8: 147 - 148. (2) الخلاف 6: 232 مسألة (30). (3) في (ث): بعضها. (4) في ص: 48. (5) في الحجريتين: بقبولهما قولا لئلا...

[ 40 ]

الثالث: في كيفية القسمة. الحصص إن تساوت قدرا وقيمة فالقسمة بتعديلها على السهام، لانه يتضمن القيمة، كالدار تكون بين اثنين وقيمتها متساوية. وعند التعديل: يكون القاسم مخيرا بين الاخراج على الاسماء، والاخراج على السهام. أما الاول: فهو أن يكتب كل نصف في رقعة، ويصف كل واحد بما يميزه عن الاخر، ويجعل ذلك مصونا في ساتر كالشمع أو الطين، ويأمر من لم يطلع على الصورة بإخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين، فما خرج فله. وأما الثاني: فأن يكتب كل اسم في رقعة ويصونهما، ويخرج على سهم من السهمين، فمن خرج اسمه فله ذلك السهم. وأجيب بأن القسمة تتضمن الحكم لهما بالملك، وقد يكون لهما خصم غائب فتسمع البينة عليه. ولا فرق في ذلك كله بين كون المقسوم منقولا وغيره. وفرق بعض العامة (1) وخص الخلاف بالعقار، وقطع في المنقول بالقسمة. وهو تحكم. قوله: (في كيفية القسمة... إلخ). العين المقسومة (2) بالتعديل إما أن تكون متساوية القيمة بالنسبة إلى أجزائها، بحيث تساوي قيمة نصفها قيمة النصف الاخر وقيمة ثلثها قيمة الثلث، حيث يحتاج إلى قسمتها كذلك، أو تختلف القيمة. وعلى التقديرين: إما أن تكون

(1) الحاوي الكبير 16: 271، حلية العلماء 8: 181. (2) في (ث) والحجريتين: المنسوبة.

[ 41 ]

الحصص متساوية، كما لو كان الاشتراك بين اثنين لكل واحد نصفها، أو بين ثلاثة ولكل واحد ثلثها، أو مختلفة بأن كان لواحد من الاثنين ثلثان وللاخر ثلث، أو لواحد من الثلاثة نصف ولاخر ثلث وللثالث سدس. فالصور أربع. وقد أشار المصنف - رحمه الله - إلى حكمها. والمعتبر فيها صورتان، لان التعديل بالقيمة هو المعتبر، سواء اتفقت أجزاؤها فيها أم اختلفت. الصورة الاولى: أن تكون الحصص متساوية، كنصفين [ بين اثنين ] (1) وثلاثة أثلاث بين ثلاثة ونحو ذلك، فتعدل السهام بالقيمة كذلك، بأن تقسم في الاول نصفين بالقيمة وإن كان مقدار أحد النصفين أزيد من الاخر، وتعدل أثلاثا في الثاني كذلك، ثم تخرج بالقرعة كما ذكره المصنف رحمه الله. وطريقه واضح. وما ذكره من كتبة الاسماء والسهام ووضعه في بندقة من طين ونحوه هو المشهور في استعمال الفقهاء، ولكن لا يتعين، فلو جعلها بالاقلام والحصى والورق وما جرى مجراها مع مراعاة الستر كفى. وقد أشرنا إليه في باب العتق (2). وحيث تكون القسمة بين اثنين فخرج اسم أحدهما لاحد السهمين أو أحد السهمين له لا يحتاج إلى إخراج الاخر، بل تعين المتخلف له. ولو كان بين ثلاثة أثلاثا جعل ثلاثة أجزاء متساوية بالقيمة (3)، وكتب ثلاث رقاع أو ما في معناها باسم السهام الثلاثة معينة أو باسم الشركاء. وينبغي وضع الرقاع في حجر من لم يحضر الكتابة، أو لا يعرفها، أو لا يعرف ما عنيت (4)

(1) من (ت، ط). (2) في ج 10: 312 و 315. (3) في (أ، خ): القيمة. (4) في (ث، د، م): عينت.

[ 42 ]

وإن تساوت قدرا لا قيمة عدلت السهام قيمة وألغي القدر، حتى لو كان الثلثان بقيمته مساويا للثلث جعل الثلث محاذيا للثلثين. وكيفية القرعة عليه كما صورناه. وإن تساوت الحصص قيمة لا قدرا، مثل: أن يكون لواحد النصف وللاخر الثلث وللاخر السدس، وقيمة أجزاء ذلك الملك متساوية، سويت السهام على أقلهم نصيبا فجعلت أسداسا. ثم كم تكتب رقعة؟ فيه تردد بين أن يكتب بعدد الشركاء أو بعدد السهام. والاقرب الاقتصار على عدد الشركاء، لحصول المراد به، فالزيادة كلفة. له المجعولة لذلك في معنى الرقاع. ثم يؤمر بإخراج واحدة على الجز الاول إن كانت الرقاع مجعولة بالكتابة ونحوها بأسماء الشركاء، فمن خرج اسمه أخذ، ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجز الذي يلي الاول، فمن خرج اسمه من الاخرين أخذه، وتعين الثالث للثالث. وإن كانت مكتوبة باسم الاجزاء أخرجت رقعة باسم زيد، ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث. وتعيين من يبتدئ به من الشركاء والاجزاء منوط بنظر القسام. قوله: (وإن تساوت قدرا... إلخ). قد عرفت أن الحكم في هذه الصورة كالسابقة، وأن المعتبر التعديل بالقيمة، سواء تساوت الاجزاء فيها أم لا، فالحكم لا يختلف. قوله: (وإن تساوت الحصص قيمة لا قدرا... إلخ). إذا اختلفت مقادير الانصباء، كما إذا كان لزيد نصف ولعمرو ثلث ولثالث سدس، جزئت الاقسام على أقل السهام وهو سدس، لانه يتأدى به القليل والكثير، فيجعلها ستة أجزاء.

[ 43 ]

إذا عرفت هذا، فإنه يكتب ثلاث رقاع لكل اسم رقعة، ويجعل للسهام أول وثان، وهكذا إلى الاخير. والخيار في تعيين ذلك إلى المتقاسمين. ولو تعاسرا عينه القاسم. ثم يخرج رقعة، فإن تضمنت اسم صاحب النصف فله الثلاثة الاول. ثم يخرج ثانية، فإن خرج صاحب الثلث فله السهمان الاخران. ولا يحتاج إلى إخراج الثالثة، بل لصاحبها ما بقي. ثم في مقدار ما يكتب من الرقاع للقرعة بينهم وجهان: أحدهما - وهو الاشهر -: أن يكتب ثلاث رقاع بعدد الشركاء، في كل واحدة اسم واحد، ويخرج مرتين، ويكتفى بهما عن الثالثة، فلا وجه لتكلف الزائد. والثاني: أن يكتب ست رقاع، لصاحب السدس رقعة، ولصاحب الثلث رقعتان، ولصاحب النصف ثلاث. وقواه في المبسوط (1)، محتجا بأن كل من كان سهمه أكثر كان حظه أوفر، وله مزية على صاحب الاقل، فإذا كتب لصاحب النصف ثلاث رقاع كان خروج رقعته أسرع وأقرب، وإذا كتب له واحدة كان خروج رقعته ورقعة صاحب السدس سواء، فلهذا قيل: يكون له أكثر من رقاع غيره. والوجه: جواز الامرين، وإنما الكلام في الاولوية، ولا ريب أن الاول أولى، لحصول الفائدة، مع الاختصار، وترك تطويل الحساب [ أربح ]. (2) قوله: (إذا عرفت هذا... إلخ).

(1) المبسوط 8: 137 - 138. (2) من (أ، خ، ت، ث)، وفي الاخيرين: ربح..

[ 44 ]

وكذا لو خرج اسم صاحب الثلث أولا كان له السهمان الاولان. ثم يخرج أخرى، فإن خرج صاحب النصف فله الثالث والرابع والخامس. ولا يحتاج إلى إخراج أخرى، لان السادس تعين لصاحبها. وهكذا لو خرج اسم صاحب السدس أولا كان له السهم الاول. ثم يخرج أخرى، فإن كان صاحب الثلث كان له الثاني والثالث، والباقي لصاحب النصف. ولو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع، وبقي الاخران لصاحب الثلث من غير احتياج إلى إخراج اسمه. ما ذكره من الكيفية تفريع على ما اختاره من كتابة ثلاث رقاع بأسماء الشركاء. والحكم على ما ذكره واضح. وكذا يجري على القول بكتبة ست رقاع بأسمائهم، وليس فيه إلا أن اسم صاحب الكثير والاكثر يكون أسرع خروجا. وعليه، فإذا أخرج واحدة من رقاع صاحب النصف أعطي الثلاثة الاول، فإذا أخرج ثانية فخرجت باسمه ألغيت وأخرج ثالثة، فإن خرجت باسمه ألغيت أيضا، للاستغناء عنهما بالاولى. وإن خرجت واحدة من رقعتي صاحب الثلث أعطي الرابع والخامس، ولا يحتاج إلى إخراج ما بقي، وتعين السادس لصاحب السدس. وإن خرجت الاولى لصاحب السدس أعطي الاول، ثم أخرج أخرى، فإن خرجت لصاحب النصف أعطي الثاني والثالث والرابع، ولا يحتاج إلى إخراج الاربع الباقية، لتعين الخامس والسادس لصاحب الثلث. وإن خرجت الاولى لصاحب الثلث أعطي الاول والثاني، ثم تخرج أخرى، فإن خرجت له أيضا ألغيت وأخرجت أخرى، فإن خرج لصاحب

[ 45 ]

ولا يخرج في هذه على السهام، بل على الاسماء، إذ لا يؤمن من أن يؤدي إلى تفرق السهام، وهو ضرر. السدس أعطي الثالث، وتعينت الثلاثة الاخيرة لصاحب النصف، ولا يحتاج إلى إخراج باقي الرقاع. وهكذا. قوله: (ولا يخرج في هذه على السهام... إلخ). المراد أنه لا يكتب الرقاع بأسماء السهام الستة ويخرج على أسماء الشركاء، لانه ربما يخرج لصاحب السدس الجز الثاني أو الخامس فيتفرق ملك من له النصف أو الثلث. وأيضا ربما خرج السهم الرابع لصاحب النصف ويقول: آخذه وسهمين قبله، فيقول الاخران: بل خذه وسهمين بعده، فيفضي إلى التنازع. ويجوز مع رجوعهم في جميع الحصة إلى الرقاع أن يخرج لصاحب النصف ثلاثة متفرقة، وكذا لصاحب الثلث يخرج اثنتان متفرقتان، فيؤدي إلى الاضرار. وقد عرفت مما سبق أنه مع كتابة الرقاع باسم الشركاء يخرج على السهام الاول والثاني إلى الاخر، وإن كتبت باسم السهام يخرج على الاسماء. وهذه الصورة التي بين كيفيتها قد كتب فيها أسماء الشركاء، وجعل للسهام أول وثان إلى السادس، وأخرج عليها، بمعنى أن الخارج اسمه أولا يعطى الاول منها من الجهة التي اتفقوا عليها أو عينها القاسم، وما بعده إن احتيج إليه إلى الاخر. فكتابة الاسماء يخرج على السهام، وكتابة السهام يخرج على الاسماء. والمصنف - رحمه الله - جمع هنا بين الامر بكتابة الاسماء المستلزمة للاخراج على السهام، بل المصرحة بذلك، ثم أمر بإخراجها على الاسماء ونفى إخراجها على السهام، مع أن حقه العكس. ووافقه على هذه العبارة

[ 46 ]

العلامة في الارشاد (1). وعكس في القواعد (2)، وجماعة (3) من الفضلا. وهو الصواب. وفي التحرير (4) والدروس (5) اقتصر على إخراج الاسماء من غير أن يجعله على السهام أو غيرها. وهو أجود، إذ لا ينطبق الاخراج على السهام، لاختلافها باختلاف الاسماء، بل المعتبر في الاسم الخارج أولا أن يعطى الاول قطعا وما بعده إلى تمام الحق إن احتيج إليه، بأن كان الاسم لغير صاحب السدس. ولا تتعين السهام إلا بعد تحقق الاسم. لكن لما كان السهم الاول متعينا للاسم صدق إخراج الاسماء على السهام في الجملة، بخلاف العكس، فإنه إما فاسد أو محتاج إلى تكلف بعيد. إذا تقرر ذلك، فاعلم أن محذور تفريق السهام على تقدير إخراجها على الاسماء يلزم على تقدير الاخراج أولا على اسم صاحب السدس، بأن يخرج له السهم الثاني أو الخامس كما ذكرناه سابقا. ويمكن الغنا عنه بأن يبداء أولا باسم صاحب النصف، فإن خرج الاول باسمه أعطي الاول والثاني والثالث، وإن خرج الثاني فكذلك يعطى معه ما قبله وما بعده، وإن خرج الثالث قال بعضهم: يوقف ويخرج لصاحب الثلث، فإن خرج فله الاول والثاني، ولصاحب النصف الثالث واللذان بعده، وتعين السادس لصاحب السدس. وكذا الحكم لو خرج لصاحب الثلث الثاني. وإن خرج له الخامس فله الخامس والسادس.

(1) إرشاد الاذهان 1: 434. (2) قواعد الاحكام 2: 220. (3) انظر المغني لابن قدامة 11: 504 - 505، روضة الطالبين 8: 185. (4) تحرير الاحكام 2: 204. (5) الدروس الشرعية 2: 118.

[ 47 ]

وقيل: إذا خرج لصاحب النصف الثالث فله الثالث واللذان قبله. وإن خرج الرابع فله الرابع واللذان قبله، وتعين الاول لصاحب السدس، والاخيران لصاحب الثلث. وإن خرج الخامس فله الخامس واللذان قبله، وتعين السادس لصاحب السدس، والاولان لصاحب الثلث. وإن خرج السادس فله السادس واللذان قبله. ومتى أخذ الخارج حقه ولم يتعين حق الاخرين، أخرج رقعة أخرى باسم أحد الاخرين، فلا يقع تفريق. وهذه التوجيهات لا دليل على اعتبارها، وإن سلم معها التفريق. نعم، لو اتفق الشركاء على العمل بها، أو رأى القاسم ذلك صلاحا، اتجه ذلك. ومعه يمكن البدأة أيضا باسم صاحب السدس، فإن خرج باسمه الجز الاول أو الثاني دفع إليه الاول. وإن خرج الخامس أو السادس دفع إليه السادس، ثم يخرج باسم أحد الاخرين، فلا يقع تفريق. وإن خرج له الثالث دفع إليه، وتعين الاولان لصاحب الثلث، والثلاثة الاخيرة لصاحب النصف. وإن خرج له الرابع دفع إليه، وتعين الاخيران لصاحب الثلث، والثلاثة الاول لصاحب النصف. فإن بدئ لصاحب الثلث، فإن خرج له الاول أو الثاني دفع إليه الاول والثاني. وإن خرج الخامس أو السادس دفع إليه الخامس والسادس، ثم يخرج باسم أحد الاخرين ويكمل بسهولة. وإن خرج لصاحب الثلث الثالث فله الثالث والثاني، وتعين الاول لصاحب السدس، والثلاثة الاخيرة لصاحب النصف. وإن خرج الرابع فله الخامس معه، وتعين السادس لصاحب السدس، والثلاثة الاول لصاحب النصف.

[ 48 ]

ولو اختلفت السهام والقيمة عدلت السهام تقويما، وميزت على قدر سهم أقلهم نصيبا، وأقرع عليهما كما صورناه. أما لو كانت قسمة رد، وهي المفتقرة إلى رد في مقابلة بناء أو شجر أو بئر، فلا تصح القسمة ما لم يتراضيا جميعا، لما يتضمن من الضميمة التي لا تستقر إلا بالتراضي. وإذا اتفقا على الرد، وعدلت السهام، فهل يلزم بنفس القرعة؟ قيل: لا، لانها تتضمن معاوضة، ولا يعلم كل واحد من يحصل له العوض، فيفتقر إلى الرضا بعد العلم بما ميزته القرعة. هكذا قرر بعضهم (1). وهو إنما يتم مع اتفاقهم عليه أو مع رأي القاسم. ولا ريب في أن الاقتصار على ما ذكره المصنف أولى وأقل كلفة. قوله: (ولو اختلفت السهام... إلخ). هذا هو القسم الرابع. والحكم فيه كالثالث، لان المعتبر في جعل السهام على أقلها مراعاة القيمة لا المقدار، فإن اتفق المقدار (2) لذلك (3) فذاك، وإلا اعتبرت القيمة، فقد يجعل ثلث الارض بسدس، ونصفها بسدس آخر، والسدس الاخر يقسم أرباعا، فتصير السهام ستة متساوية القيمة. وهكذا. والامر في إخراجها بالقرعة كالسابق. قوله: (أما لو كانت قسمة رد... إلخ). قسمة الرد هي التي لا يمكن فيها تعديل السهام بالقيمة، بل تفتقر إلى

(1) انظر روضة الطالبين 8: 186 - 187. (2) في (د): المقداران. (3) سقطت من (خ، د).

[ 49 ]

ضميمة شي خارج عن المشترك إلى بعض الاقسام ليحصل التعادل. كما لو كان في أحد جانبي الارض بئرا وشجرا، وفي الدار بيت لا يمكن قسمته، فتقسم الجملة على أن يرد من يأخذ الجانب الذي فيه أحد تلك الامور شيئا من المال، أو يكون المشترك عبدين قيمة أحدهما ألف وقيمة الاخر ستة مائة، فلا يستويان إلا برد آخذ النفيس مائتين. ووجه عدم الاجبار في هذه القسمة: اشتمالها على دخول ما لا قسمة فيه، فكان معاوضة محضة تتوقف على التراضي. ثم على تقدير التراضي عليها إن اتفقا على أن يكون الرد من واحد معين، وأوقعا صيغة معاوضة تقتضي ذلك كالصلح، فلا بحث. وإن اتفقا عليه، ودفع الراد العوض من غير صيغة خاصة، كان الحكم هنا كالمعاطاة لا تلزم إلا بالتصرف عند من جعل ذلك حكم المعاطاة، وإن لم نقل بتوقف التراضي على القسمة مع عدم الرد على التصرف. والفرق ما أشرنا إليه من اشتمال قسمة الرد على المعاوضة المقتضية للصيغة الدالة على التراضي على ما وردت عليه من العوضين، والمقسوم الزائد على ما قابل المردود غير متعين، فلا يمكن تخصيصه باللزوم مع التراضي بدون التصرف. وإن اتفقا على إخراج السهم لاحدهما بالقرعة فهل يلزم بنفس القرعة، فيثبت العوض لمن أخرجته أو عليه؟ قال الشيخ - رحمه الله - في المبسوط (1): لا، لما ذكرناه من تضمنها المعاوضة التي لا مدخل للقرعة فيها، ولانه لا يعلم كل واحد من يحصل له العوض المردود. واقتصار المصنف - رحمه الله - على نقله قولا يؤذن برده أو التردد فيه.

(1) المبسوط 8: 148.

[ 50 ]

وكذلك فعل العلامة في القواعد (1). وفي التحرير (2) جزم بتوقف قسمة التراضي مطلقا على التراضي بعد القرعة باللفظ، مثل (رضيت) وما أدى معناه. وكذلك في الدروس (3). وهو الاقوى. ووجه العدم صدق اسم القسمة عليها. والقرعة موجبة لتميز الحق مع اقترانها بالرضا بها كما سلف. وظاهر المصنف وغيره (4) أن مورد الخلاف فيما إذا لم يكن القاسم منصوبا من الامام، وإلا لم يعتبر الرضا بعدها مطلقا. وقد تقدم (5) في العبارة ما يدل عليه. مع احتمال جريان الخلاف فيهما، لان المعاوضة لا تؤثر فيها نظر الحاكم، بل أمرها يرجع إلى المتعاوضين. وكلام الشيخ في المبسوط يدل على ذلك، لانه جعل مورد المسألة الاولى التي ذكر فيها لزوم قسمة المنصوب دون غيره قسمة الاجبار، وجعل مورد هذه قسمة الرد. وفرق في الاولى بين كون القاسم منصوب الامام وغيره، وأطلق في هذه. وهذه عبارته: (القسمة ضربان: قسمة إجبار، وقسمة تراض، فإن كانت قسمة إجبار نظرت في القاسم، فإن كان قاسم الامام لزمت بالقرعة، لان قرعة القاسم كحكم الحاكم، لانه يجتهد في تعديل السهام كما يجتهد الحاكم في إطلاق

(1) قواعد الاحكام 2: 220. (2) تحرير الاحكام 2: 204. (3) الدروس الشرعية 2: 117. (4) تحرير الاحكام 2: 204. (5) في ص: 48.

[ 51 ]

مسائل ثلاث: الاولى: لو كان لدار علو وسفل، فطلب أحد الشريكين قسمتها، بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب من العلو والسفل بموجب التعديل، جاز، وأجبر الممتنع مع انتفاء الضرر. ولو طلب انفراده بالسفل أو العلو لم يجبر الممتنع. وكذا لو طلب قسمة كل واحد منهما منفردا. الحق، وإن كان القاسم رجلا ارتضوا به حكما وقاسما فالحكم فيه كالتراضي بحاكم يحكم بينهما) (1). ثم قوى اعتبار التراضي بعد القرعة فيه وفيما لو اقتسما بأنفسهما. ثم قال: (هذا في قسمة الاجبار، أما قسمة التراضي، وهي التي فيها رد، فهل تلزم بالقرعة أم لا؟ قال قوم: تلزم كقسمة الاجبار، وقال آخرون: لا تلزم، لان القرعة هاهنا ليعرف البائع الذي يأخذ الرد والمشتري الذي يدفع الرد، فإذا تميز هذا بالقرعة اعتبرنا التراضي بعد القرعة على البيع والشراء، وهذا هو الاقوى) (2) انتهى. والمصنف - رحمه الله - أطلق (3) الحكم في لزومها بالقرعة في منصوب الامام، من غير فرق بين قسمة الاجبار والتراضي. وأطلق القول هنا في قسمة الرد كما ذكر الشامل للامرين. وفي الدروس (4) أيضا صرح بكون قسمة المنصوب تلزم بالقرعة مطلقا، وغيره يعتبر تراضيهما في قسمة الرد خاصة. قوله: (لو كان لدار علو وسفل... إلخ).

(1) المبسوط 8: 148. (2) المبسوط 8: 148. (3) راجع ص: 26. (4) الدروس الشرعية 2: 117.

[ 52 ]

الثانية: لو كان بينهما أرض وزرع، فطلب قسمة الارض حسب، أجبر الممتنع، لان الزرع كالمتاع في الدار. ولو طلب قسمة الزرع، قال الشيخ: لم يجبر الاخر، لان تعديل ذلك بالسهام غير ممكن. وفيه إشكال، من حيث إمكان التعديل بالتقويم إذا لم يكن فيه جهالة. أما لو كان بذرا لم يظهر لم تصح القسمة، لتحقق الجهالة. ولو كان سنبلا قال أيضا: لا يصح. وهو مشكل، لجواز بيع الزرع عندنا. العلو والسفل بمنزلة بيتين (1) متجاورين، فإذا طلب أحدهما قسمة كل واحد منهما على حدته، بحيث يكون لكل واحد منهما نصيبا من كل منهما، ولم يكن في ذلك ضرر، أجبر الممتنع، كما يجبر على قسمة البيت الواحد كذلك. ولا فرق بين أن يجعل نصيب كل منهما من العلو فوق نصيبه من السفل وعدمه. ويحتمل اشتراط الاول في الاجبار، لما في اختلاف النصيب من الضرر بكل منهما. وإن طلب قسمتهما (2) بحيث يكون لاحدهما العلو وللاخر السفل، لم يجبر الاخر، كما لا يجبر على قسمة الدارين المتلاصقتين كذلك. قوله: (لو كان بينهما أرض وزرع... الخ). إذا كان بينهما أرض مزروعة فأراد قسمة الارض وحدها فلا إشكال في وجوب إجابة الاخر، لان الارض مما يقسم قسمة إجبار، والزرع فيها غير مانع

(1) في (أ، ت، ث، ط): شيئين. (2) في (أ، ث، م): قسمتها.

[ 53 ]

الثالثة: لو كان بينهما قرحان متعددة، وطلب واحد قسمتها بعضا في بعض، لم يجبر الممتنع. ولو طلب قسمة كل واحد بانفراده أجبر الاخر. وكذا لو كان بينهما حبوب مختلفة. ويقسم القراح الواحد وإن اختلفت أشجار أقطاعه، كالدار الواسعة إذا اختلفت أبنيتها. ولا تقسم الدكاكين المتجاورة بعضها في بعض قسمة إجبار، لانها أملاك متعددة يقصد كل واحد منها بالسكنى على انفراده، فهي كالاقرحة المتباعدة. من ذلك، لانه في حكم المنقول. وإن أرادا قسمة الزرع فمقتضى الاصول الشرعية كون الحكم كذلك حيث يمكن تعديله، بأن لا يكون بذرا مستورا، سواء كان سنبلا أم حشيشا أم قصيلا. والشيخ (1) - رحمه الله - أطلق المنع من قسمته قسمة إجبار، محتجا بأن تعديله غير ممكن. ولا يخفى منعه، إذ لا مانع منه، سواء كان سنبلا أم لا. ولو أرادا قسمتهما معا فالحكم كما لو أرادا قسمة أحدهما عندنا. ومن جعل القسمة بيعا من العامة (2) شرط في جوازه أن لا يكون قد اشتد الحب، لانه لا يجوز عنده بيع المطعوم مع غيره [ بمطعوم مع غيره ] (3) وهو الارض. قوله: (لو كان بينهما... إلخ).

(1) المبسوط 8: 141. (2) الحاوي الكبير 16: 260، روضة الطالبين 8: 193. (3) من (ت، ث، خ، ط، م).

[ 54 ]

المشهور بين الاصحاب أن ما يعد شيئين فصاعدا من العقار، كالدور المتعددة، والارض المتعددة الخالية من الشجر، وهي المعبر عنها بالاقرحة، والدكاكين المتعددة، سواء تجاورت أم لا، والحبوب المختلفة كالحنطة والشعير، لا يقسم بعضها في بعض - بمعنى جعل بعضها في مقابلة بعض - قسمة إجبار. وإنما يقسم كل واحد منها على حدته قسمة الاجبار إذا أمكن ذلك من غير ضرر، لانها أملاك متعددة ولكل [ واحد ] (1) منها خواص لا تحصل في الاخر، بخلاف الارض الواحدة والدار الواحدة. وقال ابن البراج (2): إذا استوت الدور والاقرحة في الرغبات قسمت بعضها في بعض. قال: وكذا لو تضرر بعضهم بقسمة كل على حدته جمع حقه في ناحية. وفي الارشاد (3) حكم بأن الدكاكين المتجاورة يقسم بعضها في بعض كذلك، دون الدور والاقرحة. وهو مذهب جماعة من العامة (4)، تنزيلا لها منزلة الخان الواحد المشتمل على بيوت متعددة. وفرق بعضهم بين ما لو كانت مجتمعة ومتفرقة، فجوز قسمة المجتمعة بعضها في بعض، كالدار الواحدة والقراح الواحد. والمختار [ هو ] (5) المشهور.

(1) من (أ، ث، د، ط، م). (2) المهذب 2: 573 - 574. (3) إرشاد الاذهان 1: 434. (4) روضة الطالبين 8: 190. (5) من (د).

[ 55 ]

الرابع: في اللواحق وهي ثلاث: الاولى: إذا ادعى بعد القسمة الغلط عليه [ لم تسمع دعواه ]، فإن أقام بينة سمعت وحكم ببطلان القسمة، لان فائدتها تمييز الحق ولم يحصل. ولو عدمها، فالتمس اليمين كان له، إن ادعى على شريكه العلم بالغلط. قوله: (إذا ادعى بعد القسمة... إلخ). لا فرق في عدم سماع دعوى الغلط في القسمة بمجردها بين كون القاسم منصوب الامام ومن تراضيا به وأنفسهما، لاصالة صحة القسمة إلى أن يثبت المزيل، ولان منصوب الامام كالقاضي لا تسمع الدعوى عليه بالظلم. لكن لو أقام بينة سمعت ونقضت القسمة، كما لو أقام البينة على ظلم القاضي وكذب الشهود. وطريقه أن يحضر قاسمين حاذقين لينظرا ويمسحا ويعرفا الحال ويشهدا. ولو لم يقم بينة، وأراد تحليف الشريك مكن منه إن ادعى عليه العلم بالغلط، وإلا فلا، لان معه الاصل، خصوصا إذا كان القاسم غيره، فإن التبعة عليه، لا عليه مع عدم علمه. وقيل: له إحلاف الشريك مطلقا. وهو الوجه، عملا بالعموم (1). وفرق في المبسوط (2) بين قسمة التراضي وغيرها، كاختصاص أحدهما بالعلو والاخر بالسفل، أو اشتمالها على رد، أو كون القاسم غير منصوب، فحكم

(1) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم. (2) المبسوط 8: 141 - 142.

[ 56 ]

الثانية: إذا اقتسما ثم ظهر البعض مستحقا، فإن كان معينا مع أحدهما بطلت القسمة، لبقاء الشركة في النصيب الاخر. ولو كان فيهما بالسوية لم تبطل، لان فائدة القسمة باق، وهو إفراد كل واحد من الحقين. ولو كان فيهما لا بالسوية بطلت، لتحقق الشركة. وإن كان المستحق مشاعا معهما فللشيخ (1) - رحمه الله - قولان: أحدهما: لا تبطل فيما زاد عن المستحق. والثاني: تبطل، لانها وقعت من دون إذن الشريك. وهو الاشبه. بعدم الالتفات إليه في الثانية مطلقا، لانها مشروطة بالتراضي، فإن كان مبطلا في دعواه فعدم سماعها واضح، وإن كان محقا فقد رضي بترك هذه الفضلة. ويشكل بإمكان عدم علمه بها حال القسمة. فالوجه سماع الدعوى مع البينة كالسابق. وأطلق ابن الجنيد (2) عدم سماع دعواه إلا بالبينة. والوجه توجه اليمين على الشريك مطلقا، فإن حلف أقرت، وإن نكل حلف المدعي، ونقضت إن لم نقض بالنكول، وإلا نقضت بمجرده. ولو تعدد الشركاء وحلف بعضهم دون بعض ففي نقضها مطلقا، أو في حق الناكل خاصة وجهان، من أنها قسمة واحدة فلا تتبعض، ومن لزومها في حق الحالف فلا يساوي الناكل. والاول مختار الشهيد - رحمه الله - في بعض فوائده، والثاني مختار العلامة في التحرير (3). وهو الوجه. قوله: (إذا اقتسما ثم ظهر البعض... إلخ).

(1) المبسوط 8: 142. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 707 - 708. (3) تحرير الاحكام 2: 204.

[ 57 ]

الثالثة: لو قسم الورثة تركة ثم ظهر على الميت دين، فإن قام الورثة بالدين لم تبطل القسمة. وإن امتنعوا نقضت، وقضي منها الدين. إذا جرت قسمة ثم ظهر استحقاق بعض المقسوم، فإما أن يستحق في جز شائع، أو في شي معين. فإن استحق في شائع - كالثلث - بطلت القسمة في المستحق قطعا. وفي الباقي قولان: أحدهما: لا تبطل، لبقاء السهام بين الشركاء على التعديل، فلا وجه لابطالها. والثاني - وهو الاصح -: البطلان، لان المقصود من القسمة تمييز الحقوق، وإذا ظهر الاستحقاق كان المستحق شريك كل واحد منهم، فلا يحصل التمييز. وأيضا فقد بان أن المستحق شريك، وانفراد بعض الشركاء بالقسمة ممتنع. وإن استحق شي معين، نظر إن اختص (1) المستحق بنصيب أحدهما، أو كان من نصيب أحدهما أكثر، بطلت القسمة، لان ما يبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الاخر، وتعود الاشاعة. وإن كان المستحقان متماثلين مضت (2) القسمة في الباقي، لانتفاء المانع، إذ ليس إلا نقصان نصيب كل واحد، وهو غير قادح، كما لو ظهر الاستحقاق في ماله المنفرد، وأما القسمة فالمقصود منها التعديل (3) وتمييز نصيب أحد الشركاء عن الاخر، وقد حصل. ولبعض العامة (4) قول بالبطلان، لتفريق الصفقة. قوله: (لو قسم الورثة... إلخ).

(1) في (ت): استحق. (2) في (أ، ث، ط): بقيت، وفي (د): تثبت. (3) في (د، م): التعديل بين نصيب أحد الشركاء وبين الاخر.... (4) روضة الطالبين 8: 188 - 189.

[ 58 ]

النظر الرابع في أحكام الدعوى وهو يستدعي بيان: مقدمة، ومقاصد أما المقدمة فتشمل فصلين: الاول في المدعي إذا قسمت التركة بين الورثة ثم ظهر دين، فإن قام الورثة بالدين لم تبطل القسمة، بناء على أنها إفراز حق لا بيع. وإن لم يقوموا به بيعت الانصباء في الدين. ولو قام به البعض دون البعض، بيع نصيب الممتنع والقسمة بحالها. ومن جعلها بيعا من العامة (1) فله في بطلانها بظهور الدين وجهان، كما لو باعوها ثم ظهر الدين. ولا فرق بين ظهور الدين مستوعبا للتركة وعدمه، لان إفراز الحقوق لا ينافي وفاء الدين منها على تقدير عدم وفائهم له من غيرها. مع احتمال بطلانها مع الاستيعاب مطلقا إن قلنا بعدم انتقالها إليهم، لصدورها من غير المالك. والمصنف - رحمه الله - مع قوله بعدم الانتقال حكم بصحة القسمة مراعاة بوفاء الدين، نظرا إلى تعلق حق الوارث بها في الجملة وإن لم تنتقل إلى ملكه محضا. ولو ظهرت وصية بعد القسمة، فإن كانت مرسلة فهو كما لو ظهر دين. وإن كانت بجز شائع أو معين فعلى ما ذكرناه في ظهور الاستحقاق. ولا فرق في هذه الاحكام كلها بين قسمة الاجبار والتراضي. قوله: (في المدعي... إلخ).

(1) راجع الحاوي الكبير 16: 262، روضة الطالبين 8: 188.

[ 59 ]

وهو الذي يترك لو ترك الخصومة. وقيل: هو الذي يدعي خلاف الاصل، أو أمرا خفيا. وكيف عرفناه فالمنكر في مقابلته. ويشترط: البلوغ، والعقل، وأن يدعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه، ما يصح منه تملكه. فهذه قيود أربعة. فلا تسمع دعوى الصغير، ولا المجنون، ولا دعواه مالا لغيره، إلا أن يكون وكيلا أو وصيا أو وليا أو حاكما أو أمينا لحاكم. ولا تسمع دعوى المسلم خمرا أو خنزيرا. قد عرفت (1) بالخبر (2) أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقيل في سببه: إن جانب المنكر أقوى، لموافقته الظاهر، والبينة أقوى من اليمين، لبرأتها عن تهمة جلب النفع، فجعلت البينة على المدعي لتجبر قوة الحجة ضعف الخبر، وهو الكلام المدعى، وقنع من المنكر بالحجة الضعيفة، لقوة جنبه. وهذه القاعدة تحوج إلى معرفة المدعي والمدعى عليه ليطالب هذا بحجته وهذا بحجته إذا تخاصما. وقد اختلف الفقهاء في حد المدعي، فقيل: هو الذي يترك لو ترك الخصومة. ويعبر عنه بعبارة أخرى، وهو أنه الذي إذا سكت خلي ولم يطالب بشي، والمدعى عليه لا يخلى ولا يقنع منه بالسكوت. والثاني: أنه الذي يدعي خلاف الاصل، والمدعى عليه هو الذي يدعي ما يوافقه. وقيل: إن المدعي من يذكر أمرا خفيا يخالف الظاهر، والمدعى عليه من يوافق الظاهر. فإذا ادعى زيد دينا في ذمة عمرو أو عينا في يده فأنكر، فزيد هو

(1) في (ت، ث، ط، م): عرفنا. (2) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم.

[ 60 ]

الذي لو ترك الخصومة ترك، وهو الذي يذكر خلاف الاصل، لان الاصل برأة ذمة عمرو من الدين وفراغ يده من حق الغير، وهو الذي يذكر أمرا خفيا خلاف الظاهر، لان الظاهر برأة ذمة عمرو وفراغ يده من حق الغير. وعمرو هو الذي لا يترك وسكوته، ويوافق قوله الاصل والظاهر. فزيد مدع على جميع التعريفات، وعمرو مدعى عليه. ولا يختلف موجبها في الاغلب. وقد يختلف، كما إذا أسلم الزوجان قبل المسيس واختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا والنكاح باق بيننا، وقالت المرأة: بل على التعاقب ولا نكاح بيننا. فإن قلنا: المدعي من لو ترك ترك، فالمرأة مدعية والزوج مدعى عليه، لانه لا يترك لو ترك، فإنها تزعم انفساخ النكاح، فيحلف ويحكم باستمرار النكاح إذا حلف. وإن قلنا: إن المدعي من يخالف قوله الظاهر، فالزوج هو المدعي، لان التساوي (1) الذي يزعمه أمر خفي خلاف الظاهر، والمرأة مدعى عليها، لموافقتها الظاهر، فتحلف، فإذا حلفت حكم بارتفاع النكاح. وإن قلنا: إن المدعي هو الذي يذكر خلاف الاصل، فالمرأة مدعية أيضا، لان الاصل عدم تقدم أحدهما على الاخر. هذا هو المشهور في الفرق بين التعريفات. وقال بعضهم: إن الزوج هو الذي يترك وسكوته، لان النكاح حقه، فإذا لم يطالبها ترك، وهي لا تترك لو سكتت، لان بعد ثبوت الحق يصير مدعي زواله مدعيا.

(1) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، ولعل الصحيح: التساوق.

[ 61 ]

ولابد من كون الدعوى صحيحة لازمة. فلو ادعى هبة لم تسمع وإذا قال الزوج: أسلمت قبلي (1) فلا نكاح ولا مهر، وقالت: بل أسلمنا معا وهما بحالهما، فعلى الاول المدعي هو الزوجة، لانها تترك لو تركت. وكذا على الثالث، لان التقارن خلاف الظاهر، فإن وقوع لفظ الاسلام بحيث لا يتقدم أحدهما الاخر نادر جدا. وعلى الثاني الزوج هو المدعي، لان الاصل عدم سبق إسلام أحدهما على الاخر. وأما الامناء الذين يصدقون في الرد بيمينهم فهم مدعون، لانهم يزعمون الرد وهو خلاف الاصل والظاهر، ولا يتركون لو تركوا الدعوى، لان المالك مطالب بحقه، لكن اكتفي منهم باليمين لانهم أثبتوا أيديهم لغرض المالك، وقد ائتمنهم وأحسنوا إليه، فلا يحسن تكليفهم بينة على الرد. وربما تكلف بعضهم (2) بأنهم يدعون ما يوافق الظاهر، لان المالك قد ساعدهم على الامانة حيث ائتمنهم، فهم يستبقون الامانة وهو يزعم ارتفاعها، فكان الظاهر معهم. وعلى هذا فيجوز كون الامين المذكور مدعيا ومدعى عليه باعتبارين، كما يقع مثله في صورة التحالف. قوله: (ولا بد من كون الدعوى... إلخ). قد تقدم (3) ما يعتبر في صحة الدعوى من كونها معلومة أو مظنونة على بعض الوجوه، وكونها مضبوطة بذكر الجنس والوصف والقدر وغيرها. والمراد بكونها لازمة أن تكون ملزمة للمدعى عليه، فلو قال: وهب مني كذا، لم تسمع حتى يقول: وأقبضني، أو هبة يلزمه التسليم إلي، ونحو ذلك، لان

(1) في (ت، د، ط): قبل. (2) انظر روضة الطالبين 8: 287 - 288. (3) في ج 13: 436.

[ 62 ]

حتى يدعي الاقباض. وكذا لو ادعى رهنا. ولو ادعى المنكر فسق الحاكم أو الشهود، ولا بينة، فادعى علم المشهود له، ففي توجه اليمين على نفي العلم تردد أشبهه عدم التوجه، لانه ليس حقا لازما، ولا يثبت بالنكول ولا باليمين المردودة، ولانه يثير فسادا. الهبة أعم من المقبوضة (1)، ولانه قد يهب ويرجع. قوله: (وكذا لو ادعى رهنا). بناء على ما اختاره المصنف من اشتراط القبض في صحة الرهن. ومن لم يعتبر في صحته القبض يسمع الدعوى مجردة عنه. وقد يقال في الموضعين: إن القبض إذا كان شرطا في صحة الهبة والرهن فإطلاقهما محمول على الصحيح كغيرهما من العقود، وإنما يتوجه التفصيل حيث يجعل القبض شرطا في اللزوم، ليجعل إطلاقهما صحيحين (2) أعم من المقبوض وغيره. وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في باب الهبة (3). قوله: (ولو ادعى المنكر... إلخ). إذا ادعى المنكر جرح الحاكم أو الشهود كلف البينة، فإن فقدها وادعى علم المدعي بذلك، ففي توجه اليمين على المدعي وجهان: أحدهما: نعم، لانه ينتفع به في حق لازم، كما لو قذف الميت وطلب الوارث الحد، فادعى على الوارث العلم بالزنا فأنكر، فله تحليفه على نفي العلم.

(1) في (ط): اللازمة. (2) في (أ، ث): صحيحا. (3) في ج 6: 17 - 19.

[ 63 ]

وكذا لو التمس المنكر يمين المدعي منضمة إلى الشهادة، لم تجب إجابته، لنهوض البينة بثبوت الحق. وفي الالزام بالجواب عن دعوى الاقرار تردد، منشؤه أن الاقرار لا يثبت حقا في نفس الامر، بل إذا ثبت قضي به ظاهرا. والثاني: لا، لانه لا يدعي حقا لازما، ولا يثبت بالنكول ولا باليمين المردودة. ولانه يثير فسادا. ولانه كالدعوى على القاضي والشهود بالكذب، وهي غير مسموعة بدون البينة قطعا، وإن كان ينتفع بتكذيبهما أنفسهما، لانه يثير فسادا عاما. وهذا هو الوجه. قوله: (وكذا لو التمس المنكر... إلخ). فلا تجب الزيادة عليها، لانه تكليف حجة بعد قيام حجته (1)، ولانه كالطعن في الشهود. نعم، لو ادعى إبراء أو أداء توجهت اليمين. وقد تقدم (2) البحث في ذلك. قوله: (وفي ا لالزام بالجواب... إلخ). المراد أنه إن ادعي عليه الاقرار له بالحق، فهل تسمع الدعوى، بمعنى توجه اليمين على المدعى عليه لو أنكر؟ فيه وجهان: نعم، لانه ينتفع به مع التصديق، ولا، لان الحق لا يستحق بالاقرار في نفس الامر، وإن كان ثبوته يوجب الحق ظاهرا. والاظهر هنا السماع، لان المعتبر ثبوت الحق ظاهرا، واعترافه ينفعه، ونكوله يثبت عليه الحق، أو مع يمين المدعي. والمدعي يجوز له الحلف على أنه

(1) في (ث، خ، م): حجة. (2) في ج 13: 489.

[ 64 ]

ولا تفتقر صحة الدعوى إلى الكشف، في نكاح ولا غيره. وربما افتقرت إلى ذلك في دعوى القتل، لان فائته لا يستدرك. ولو اقتصرت على قولها: هذا زوجي، كفى في دعوى النكاح، ولا يفتقر ذلك إلى دعوى شي من حقوق الزوجية، لان ذلك يتضمن دعوى لوازم الزوجية. ولو أنكر النكاح لزمه اليمين. ولو نكل قضي عليه على القول بالنكول، وعلى القول الاخر ترد اليمين عليها، فإذا حلفت ثبتت الزوجية. وكذا السياقة لو كان هو المدعي. أقر له بذلك، ويثبت به الحق، إذ لا يشترط في استحقاق المقر له علمه بالسبب المقتضي للاقرار، بل يجوز له أخذه تعويلا على إقراره ما لم يعلم فساد السبب، فجاز استناد الاقرار إلى سبب لا يعلمه المقر له، كالنذر والجناية والاتلاف، وعموم: (إقرار العقلا على أنفسهم جائز) يشمله. قوله: (ولا تفتقر صحة الدعوى... إلخ). الدعوى (1) أنواع: منها: دعوى الدم. والمشهور أنه لابد فيها من التفصيل، على ما هو مبين في محله، للخلاف في الاسباب الموجبة منه للقود والدية، ولان فائت القتل لا يستدرك. ومنها: دعوى نفس المال مجردا عن ذكر السبب من بيع وقرض وغيرهما. ولا خلاف في عدم اشتراط التفصيل فيه، لان الاسباب التي يستحق بها المال

(1) في (م): للدعوى.

[ 65 ]

تكثر وتتكرر، وفي ضبط الاقدار الحاصلة بتلك الاسباب حرج شديد، فأغنى عنه. ومنها: النكاح والبيع وسائر العقود. وعند [ بعض ] (1) الاصحاب (2) أنه لا يشترط فيها الكشف والتفصيل، بل يكفي إطلاق الدعوى بها، كما يكفي في دعوى استحقاق المال، وكما أنه لا يجب في دعوى النكاح التعرض لعدم الموانع، كالردة والعدة والرضاع. وخالف فيه بعض العامة (3)، فأوجب التفصيل في الجميع، للخلاف في الاسباب كالدم. وبعضهم (4) خص إيجاب التفصيل بالنكاح، لان أمر الفروج مبني على الاحتياط كالدماء، والوط المستوفى لا يتدارك، كالدم المهراق. وعليه، فيعتبر في النكاح أن يقول: إنه وقع بالاوصاف المعتبرة عند موجب التفصيل، فيقول: إنه تزوجها بولي وشاهدين، ويصفهما بالعدالة ونحو ذلك. وعلى مذهب الاصحاب يكفي قولها: هذا زوجي، وإن لم تضم إليه شيئا من حقوق الزوجية، كالمهر والنفقة. واعتبر بعض العامة (5) أن يقترن بها حق من حقوق النكاح، كصداق ونفقة وقسم وميراث بعد موته، وإلا لم تسمع، محتجا بأن بقاء النكاح حق الزوج عليها، فكأنها تدعي كونها رقيقة، وهذه دعوى غير ملزمة.

(1) من (ت، ط). (2) المبسوط 8: 260 - 261، تحرير الاحكام 2: 189. (3) انظر الحاوي الكبير 17: 310 و 313، حلية العلماء 8: 185 - 186، المغني لابن قدامة 12: 165 و 167، روضة الطالبين 8: 293. (4) انظر الحاوي الكبير 17: 310 و 313، حلية العلماء 8: 185 - 186، المغني لابن قدامة 12: 165 و 167، روضة الطالبين 8: 293. (5) روضة الطالبين 8: 295.

[ 66 ]

ولو ادعى أن هذه بنت أمته، لم تسمع دعواه، لاحتمال أن تلد في ملك غيره ثم تصير له. وكذا لو قال: ولدتها في ملكي، لاحتمال أن تكون حرة أو ملكا لغيره. وكذا لا تسمع البينة بذلك ما لم يصرح بأن البنت ملكه. وكذا البينة. ومثله لو قال: هذه ثمرة نخلتي. وكذا لو أقر له من الثمرة في يده أو بنت المملوكة، لم يحكم عليه بالاقرار لو فسره بما ينافي الملك. ولا كذا لو قال: هذا الغزل من قطن فلان، أو هذا الدقيق من حنطته. ومن لم يعتبر التفصيل قال: إن النكاح وإن كان حقا له فهو مقصود لها من تعلق حقوق مثبتة، وتتوسل به إلى تلك الحقوق. وحينئذ فتسمع الدعوى، وتترتب عليها أحكامها من اليمين والنكول وغيرهما. وكذا القول في دعواه الزوجية. قوله: (ولو ادعى أن هذه... إلخ). عدم سماع الدعوى لبنت الامة بقوله: (إنها بنت أمته) واضح، لان ذلك أعم من كونها ملكا له، إذ يجوز كونها بنتا لامته ولا تكون ملكا له، بأن تلدها قبل أن يملك الام في ملك غيره، أو يكون قد زوجها من حر أو عبد وشرط لمولاه رقية الولد، أو غير ذلك. ومنه يعلم أنه لا فرق بين إضافة (ولدتها في ملكي) وعدمه، لبقاء الاحتمال على التقديرين. وأما قول المقر: هذه ثمرة شجرة فلان أو بنت أمته، فإن أضاف إلى ذلك ما ينافي التبعية كقوله: وهي ملكي، فلا إشكال في عدم ثبوت الاقرار، لما ذكرناه من الاشتراك، مضافا إلى تصريحه بما ينافي الاقرار.

[ 67 ]

وأما مع الاطلاق فظاهر كلام المصنف أنه يكون إقرارا بالولد والثمرة، عملا بالظاهر من كونهما تابعين للاصل حيث لا معارض، ولو كان هناك شي لذكره، فإطلاقه كونهما من الاصل الذي هو مملوك للمقر له ظاهر في تبعيتهما له، بخلاف الدعوى، فإن شرطها التصريح بالملك ولو بالاستلزام ولم يحصل. وتبع المصنف على هذا الحكم العلامة في القواعد (1) والتحرير (2). والفرق بين الدعوى والاقرار لا يخلو من إشكال، لان الاحتمال قائم على تقدير الاقرار والدعوى. والعمل بالظاهر في الاقرار دون الدعوى لا دليل عليه. والفرق باشتراط التصريح فيها دونه رجوع إلى نفس الدعوى. وفي الارشاد (3) أطلق عدم سماع الدعوى والاقرار معا، ولم يعتبر التقييد في الاقرار بتفسيره بما ينافي الملك. وهذا هو الظاهر. وأما الفرق بين قوله: (إنها ثمرة شجرته، وبنت أمته) وبين قوله: (إن الغزل من قطنه، والدقيق من حنطته) فواضح، لان الغزل والدقيق من نفس حقيقة القطن والحنطة، وإنما تغيرت الاوصاف، فملك الاصل يقتضي ملك الفرع، بخلاف الثمرة والولد، فإنهما منفصلان عن أصلهما حسا وشرعا، فالاقرار بالفرعية لا يقتضي الاقرار بالملك.

(1) قواعد الاحكام 2: 208. (2) تحرير الاحكام 2: 189. (3) إرشاد الاذهان 2: 143.

[ 68 ]

الفصل الثاني في التوصل إلى الحق من كانت دعواه عينا في يد إنسان، فله انتزاعها ولو قهرا ما لم يثر فتنة، ولا يقف ذلك على إذن الحاكم. ولو كان الحق دينا، وكان الغريم مقرا باذلا [ له ]، لم يستقل المدعي بانتزاعه من دون الحاكم، لان للغريم تخيرا في جهات القضاء، فلا يتعين الحق في شي من دون تعيينه، أو تعيين الحاكم مع امتناعه. ولو كان المدين جاحدا، وللغريم بينة تثبت عند الحاكم، والوصول إليه ممكن، ففي جواز الاخذ تردد أشبهه الجواز. وهو الذي ذكره الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2). وعليه دل عموم الاذن في الاقتصاص. ولو لم تكن له بينة، أو تعذر الوصول إلى الحاكم، ووجد الغريم من جنس ماله، اقتص مستقلا بالاستيفاء. قوله: (في التوصل... إلخ). الغرض من الباب أن المستحق متى يحتاج إلى المرافعة والدعوى؟ وتفصيله: أن الحق إما عقوبة أو مال. فإن كان عقوبة، كالقصاص وحد القذف، فلابد من الرفع إلى الحاكم، لعظم خطره، والاحتياط في إثباته، ولان استيفأه وظيفة الحاكم، على ما تقتضيه السياسة وزجر الناس.

(1) الخلاف 6: 355 مسألة (28). (2) راجع المبسوط 8: 311، ولكن ذكر ذلك فيما إذا لم يقدر على إثباته عند الحاكم.

[ 69 ]

وإن كان مالا، فهو إما عين أو دين. فإن كان عينا، فإن قدر على استردادها من غير تحريك فتنة استقل به، لانه عين ماله فلا حاجة إلى الرجوع في تحصيله إلى غيره. ولو أدى إلى الفتنة فلابد من الرفع إلى الحاكم دفعا لها. وأما الدين، فإن كان من عليه مقرا غير ممتنع من الاداء طالبه ليؤدي. وليس له الاستقلال بالاخذ، لان حقه أمر كلي في ذمة المديون، وله التخير في تعيينه من ماله، فلا يتعين في شي منه بدون تعيينه. ولا مدخل للحاكم في ذلك أيضا، لان الغرض كونه باذلا، والحاكم إنما يلي على الممتنع ومن في معناه. وقول المصنف في هذا القسم: (أو تعيين الحاكم مع امتناعه) لا وجه له، لانه خلاف الغرض. ولو كان جاحدا أو مماطلا، فإن لم يكن لصاحب الحق بينة يثبت بها الحق عند الحاكم، أو كان ولم يمكن الوصول إليه، أو أمكن ولم تكن يده مبسوطة بحيث يمكنه تولي القضاء عنه، جاز له الاقتصاص منه، لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (1). وقوله تعالى: (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (2). ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله لما قالت له هند: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم، فهل علي في ذلك شي؟ فقال صلى الله عليه وآله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (3).

(1) البقرة: 194. (2) النحل: 126. (3) مسند أحمد 6: 50، صحيح البخاري 7: 85، صحيح مسلم 3: 1338 ح 7، سنن الدارمي 2: 159.

[ 70 ]

وروى جميل بن دراج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له على الرجل دين فيجحده، فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم) (1). وعن داود بن زربي قال: (قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: إني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها والدابة الفارهة فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ فقال: خذ مثل ذلك، ولا تزد عليه) (2). وغير ذلك (3). ولو كان هناك بينة يثبت بها الحق عند الحاكم لو أقامها، والوصول إليه ممكن، ففي جواز أخذه قصاصا من دون إذن الحاكم قولان: أحدهما - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله هنا والاكثر -: الجواز، لعموم أدلة الاقتصاص، وقوله صلى الله عليه وآله: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) (4). والثاني: لا، لان التسلط على مال الغير على خلاف الاصل، فيقتصر منه على موضع الضرورة، وهي هنا منتفية. ولان الممتنع من وفاء الدين يتولى القضاء عنه الحاكم، ويعين من ماله ما يشاء، ولا ولاية لغيره. وهو خيرة المصنف في

(1) التهذيب 6: 349 ح 986، الاستبصار 3: 51 ح 167، الوسائل 12: 205 ب (83) من أبواب ما يكتسب به ح 10. (2) التهذيب 6: 347 ح 978، الوسائل 12: 201 الباب المتقدم ح 1. (3) راجع الوسائل 12: 201 ب (83) من أبواب ما يكتسب به. (4) أمالي الطوسي 2: 134، الوسائل 13: 90 ب (8) من أبواب الدين ح 4، وانظر مسند أحمد 4: 222، صحيح البخاري 3: 155، سنن أبي داود 3: 313 ح 3628، سنن النسائي 7: 316، سنن البيهقي 6: 51.

[ 71 ]

نعم، لو كان المال وديعة عنده، ففي جواز الاقتصاص تردد، أشبهه الكراهية. النافع (1). والاقوى الاول. وكون التسلط على مال الغير بغير إذنه خلاف الاصل مسلم، لكن العدول عن الاصل لدليل جائز، وهو هنا موجود. قوله: (نعم لو كان المال وديعة... إلخ). اختلف الاصحاب في جواز الاقتصاص من الوديعة، فذهب المصنف وقبله الشيخ في الاستبصار (2) وأكثر المتأخرين (3) إلى الجواز على كراهية. وذهب الشيخ في النهاية (4) وجماعة (5) إلى التحريم. ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات ظاهرا. والاظهر الاول، لعموم الادلة السابقة، وخصوص صحيحة أبي العباس البقباق: (أن شهابا ماراه في رجل ذهب له ألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الالف الذي أخذ منك، فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله عليه السلام فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحب إلي أن تأخذ وتحلف) (6).

(1) المختصر النافع 2: 284. (2) الاستبصار 3: 53 ذيل ح 172. (3) قواعد الاحكام 2: 213، إيضاح الفوائد 4: 347، الدروس الشرعية 2: 85 - 86، التنقيح الرائع 4: 269 - 270. (4) النهاية: 307. (5) الكافي في الفقه: 331، المؤتلف من المختلف 2: 578، غنية النزوع: 240، إصباح الشيعة: 284. (6) التهذيب 6: 347 ح 979، الاستبصار 3: 53 ح 174، الوسائل 12: 202 ب (83) من أبواب ما يكتسب به ح 2.

[ 72 ]

وهذا الخبر يدل على الجواز من غير كراهة، لانه عليه السلام لا يحب المكروه. وقوله عليه السلام: (وتحلف) أراد به أنه إذا طلب منه المودع الوديعة جاز له الانكار، فإن أحلفه حلف له على عدم الاستحقاق، أو على عدم الاستيداع مع التورية. ثم الكراهة تستفاد من ظاهر الادلة الاتية جمعا. حجة القائل بالتحريم عموم قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (1). والامر بأدائها إليهم ينافي جواز الاخذ. وخصوص رواية ابن أبي عمير عن ابن أخي الفضيل بن يسار، قال: (كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله، فقلت: عماذا؟ فقالت: إن ابني مات وترك مالا كان في يد أخي فأتلفه ثم أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شي؟ فأخبرته بذلك فقال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أد الامانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) (2). وفي هذا الحديث دلالة من ثلاثة مواضع: أحدها: من قوله: (لا) في جواب قولها: (فلي أن آخذ منه). وثانيها: من قوله عليه السلام: (أد الامانة إلى من ائتمنك) فإن الامر بأدائها إليه ينافي جواز الاخذ، ولانه ذكره في جواب سؤال الاخذ. وثالثها: من قوله عليه السلام: (ولا تخن من خانك). وهو ظاهر. ورواية سليمان بن خالد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثم حلف، ثم وقع له عندي مال، آخذه مكان

(1) النساء: 58. (2) التهذيب 6: 348 ح 981، الاستبصار 3: 52 ح 172، الوسائل 12: 202 الباب المتقدم ح 3.

[ 73 ]

مالي الذي أخذه وجحده وأحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه، ولا تدخل فيما عبته عليه) (1). والجواب بحمل ذلك على الكراهة جمعا. ويمكن أن يكون وجه الامر بردها إليه أنه أقر للامام بالحق، وادعى أن له عند صاحبه مالا، واللازم من ذلك قبول إقراره دون دعواه، فأمره بردها لاجل ذلك، وهو لا ينافي جواز أخذها فيما بينه وبين الله تعالى، أو على تقدير ثبوت الحق عند الامام. ولانه إن كان الامر الذي ادعاه حقا فأخذه للوديعة مقاصة في قوة أداء الامانة إلى من ائتمنه، لانه وفى منها دينه بإذن الشارع العام (2) كما سبق، فكان بمنزلة أدائها إلى وكيله، وأداء الامانة إلى الوكيل قائم مقام أدائها إلى المالك. ولا نسلم تحقق الخيانة بذلك، لان استيفاء الحق ليس بخيانة، وإنما يقتضي الخيانة أكل الوديعة بغير حق. وكذا الكلام في قوله: (إن خانك فلا تخنه، ولا تدخل فيما عبته عليه) فإن الاول خانه بإنكار حقه بالباطل، وعتب (3) عليه بذلك، وهو لا يقتضي خيانته بأخذها مكان دينه، وعتبه (4) عليه في الحق.

(1) الكافي 5: 98 ح 1، الفقيه 3: 113 ح 482، التهذيب 6: 348 ح 980، الاستبصار 3: 52 ح 171، الوسائل 12: 204 الباب المتقدم ح 7. (2) في الحجريتين: العالم. (3) في (ث، ط): وعيب، وفي (خ): وعيبه. (4) في (ث، خ، ط): وعيبه.

[ 74 ]

ولو كان المال من غير جنس الموجود جاز أخذه بالقيمة العدل، ويسقط اعتبار رضا المالك بإلطاطه، كما يسقط اعتبار رضاه في الجنس. ويجوز أن يتولى بيعها وقبض دينه من ثمنها، دفعا لمشقة التربص بها. قوله: (ولو كان المال... إلخ). حيث جاز له الاخذ مقاصة يقتصر على الاخذ من الجنس الموافق لحقه مع الامكان، اقتصارا في التصرف في مال الغير المخالف للاصل على أقل ما تندفع به الضرورة. فإن تعذر وصوله إلى جنس حقه جاز له الاخذ من غيره، لعموم الادلة السابقة، وقوله صلى الله عليه وآله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (1) حيث لم يفرق بين الجنس وغيره، بل ظاهر الحال أنها لا تجد عين المحتاج إليه في النفقة والكسوة، وإنما تجد مالا تصرفه في ذلك. وذهب جماعة من العامة (2) إلى وجوب الاقتصار على الجنس. وعلى ما اخترناه يتخير بين أخذه بالقيمة، وبين بيعه وصرفه في جنس الحق. ويستقل بالمعاوضة كما يستقل بالتعيين. ولو أمكن إثبات الحق عند الحاكم فالاولى الرجوع إليه هنا، ليستأذنه في هذا التصرف.

(1) تقدم ذكر مصادره في ص: 69 هامش (3). (2) الحاوي الكبير 17: 413، المغني لابن قدامة 12: 230، حلية العلماء 8: 215، روضة الطالبين 8: 282 - 284.

[ 75 ]

ولو تلفت قبل البيع قال الشيخ: الاليق بمذهبنا أنه لا يضمنها. والوجه الضمان، لانه قبض لم يأذن فيه المالك. ويتقاصان بقيمتها مع التلف. قوله: (ولو تلفت قبل البيع... إلخ). إذا أخذ المستحق من غير جنس حقه، فإن نوى أخذه لنفسه بالقيمة ملكه، وكان تلفه بعد ذلك منه. وإن قصد بيعه وصرفه في حقه، فهل يكون مضمونا عليه، أم يكون أمانة؟ فيه قولان: أحدهما - وهو الذي ذهب إليه المصنف رحمه الله -: الضمان، لانه قبضه بغير إذن المالك لمصلحة نفسه، فكان كقبض المرتهن الرهن بغير إذن الراهن. هكذا علله المصنف رحمه الله. وفيه: أن إذن الشارع أعظم من إذن المالك. وبه يفرق بينه وبين الرهن. والثاني: عدم الضمان. وهو مختار الشيخ في المبسوط (1)، لانه مقبوض بحق، فجرى مجرى الرهن. وهذا هو الاقوى. هذا إذا كان المقبوض بقدر حقه. أما لو كان زائدا عنه حيث لم يمكن الاقتصار على المقدار، ففي كون الزائد مضمونا أم أمانة الوجهان. ولا فرق حينئذ بين أن يتلف قبل البيع وبعده، حيث لم يمكن الاقتصار على بيع ما يقابل حقه. وحيث يجوز البيع يجب المبادرة إليه بحسب الامكان. فإن قصر فنقصت قيمته فكالغاصب. وحيث يضمن مع التلف، فإن كان بتقصير فكضمان الغاصب، وبغيره

(1) المبسوط 8: 311.

[ 76 ]

مسألتان: الاولى: من ادعى ما لا يد لاحد عليه قضي له. ومن بابه: أن يكون كيس بين جماعة فيسألون: هل هو لكم؟ فيقولون: لا، ويقول واحد منهم: هو لي، فإنه يقضى به لمن ادعاه. الثانية: لو انكسرت سفينة في البحر، فما أخرجه البحر فهو لاهله، وما أخرج بالغوص فهو لمخرجه. وبه رواية في سندها ضعف. فقيمة (1) يوم التلف مطلقا. وكذا تجب المبادرة إلى رد الزائد إلى المالك على تقدير اشتماله عليه، ولو بهبة (2) ونحوها، إذا خاف من الاعتراف بالواقع. قوله: (من ادعى ما لا يد لاحد عليه... إلخ). الاصل في مسألة الكيس رواية يونس بن عبد الرحمن، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قلت: عشرة كانوا جلوسا ووسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقال كلهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي، قال: هو للذي ادعاه). (3) ولانه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدعي منه، ولا لطلب البينة منه، ولا لاحلافه، إذ لا خصم له حتى يترتب عليه ذلك. قوله: (لو انكسرت سفينة... إلخ). الرواية المذكورة رواها الحسن بن علي بن يقطين، عن أمية بن عمرو، عن

(1) في (ط، م): فقيمته. (2) في (ت، ط): بهبته. (3) الكافي 7: 422 ح 5، التهذيب 6: 292 ح 810، الوسائل 18: 200 ب (17) من أبواب كيفية الحكم، وفيما عدا التهذيب: عن إبراهيم بن هاشم القمي، عن بعض أصحابه، عن منصور...

[ 77 ]

الشعيري، قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص، وأخرج البحر بعض ما غرق فيها، فقال: أما ما أخرجه البحر فهو لاهله، الله أخرجه لهم، وأما ما خرج بالغوص فهو لهم، وهم أحق به) (1). وعمل بمضمونها الشيخ في النهاية (2). والمصنف - رحمه الله - ذكر أنها ضعيفة السند، ولم يذكر ما ينافي حكمها. ووجه ضعف سندها أن أمية المذكور واقفي. والظاهر أن المراد بالشعيري إسماعيل بن زياد (3) السكوني المشهور، وهو عامي. ولكن لا يلزم من حكم المصنف بضعف سندها رد حكمها، لانه كثيرا ما يجبر الضعف بالشهرة وغيرها، والامر في هذه كذلك. وابن إدريس (4) رد الرواية [ خاصة ] (5) على أصله، وحكم بأن ما أخرجه البحر فهو لاصحابه، وما تركه أصحابه آيسين منه فهو لمن وجده وغاص عليه، لانه بمنزلة المباح، كالبعير يترك من جهد في غير كلا ولا ماء، فإنه يكون لواجده، وادعى الاجماع على ذلك. والاصح أن جواز أخذ ما يتخلف مشروط بإعراض مالكه عنه مطلقا، ومعه يكون إباحة لاخذه، ولا يحل أخذه بدون الاعراض مطلقا، عملا بالاصل.

(1) التهذيب 6: 295 ح 822، الوسائل 17: 362 ب (11) من أبواب اللقطة ح 2. (2) النهاية: 351. (3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، والصحيح: بن أبي زياد. (4) السرائر 2: 195. (5) من (أ، ث).

[ 78 ]

المقصد الاول في الاختلاف في دعوى الاملاك وفيه مسائل: الاولى: لو تنازعا عينا في يدهما ولا بينة، قضي بها بينهما نصفين. وقيل: يحلف كل منهما لصاحبه. ولو كانت يد أحدهما عليها، قضي بها للمتشبث مع يمينه، إن التمسها الخصم. ولو كانت يدهما خارجة، فإن صدق من هي في يده أحدهما أحلف وقضي له. وإن قال: هي لهما، قضي بها بينهما نصفين، وأحلف كل منهما لصاحبه. ولو دفعهما أقرت في يده. قوله: (لو تنازعا عينا... إلخ). إذا تداعيا عينا وادعى كل منهما أن مجموعها له، ولا بينة لاحدهما (1)، فلا يخلو: إما أن تكون في يدهما، أو في يد أحدهما، أو في يد ثالث. فهنا أحوال: أحدها: أن تكون في يدهما، فكل واحد مدع في النصف ومدعى عليه في النصف، فيحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه الاخر، ولا يتعرض واحد منهما في يمينه لاثبات ما في يده، بل يقتصر على أنه لا حق لصاحبه فيما في يده. ونقله الحلف قولا يشعر برده. والمذهب ثبوته، عملا بالعموم (2)، بل لم ينقل الاكثر فيه خلافا. فإذا حلفا أو نكلا ترك المدعى في يدهما كما كان. وإن حلف أحدهما دون الاخر قضي للحالف بالكل.

(1) في (أ، ث): لاحد منهما. (2) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم.

[ 79 ]

ثم إن حلف الذي بداء الحاكم بتحليفه، ونكل الاخر بعده، حلف الاول اليمين المردودة إن لم نقض بالنكول. وإن نكل الاول ورغب الثاني في اليمين، فقد اجتمع عليه يمين النفي للنصف الذي ادعاه صاحبه، ويمين الاثبات للنصف الذي ادعاه هو، فتكفيه الان يمين واحدة يجمع فيها بين النفي والاثبات، لان كلا منهما قد دخل فيه. وحينئذ فيحلف أن الجميع له ولا حق لصاحبه فيه، أو يقول: لا حق له في النصف الذي يدعيه، والنصف الاخر لي. ويحتمل وجوب يمينين: إحداهما نافية والاخرى مثبتة، لتعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب. وهل يتخير الحاكم في البدأة باليمين، أو يقرع بينهما؟ وجهان. وتظهر الفائدة في تعدد اليمين على المبتدي على تقدير نكول الاخر. ويمكن أن يقال: كل واحد منهما مدع ومدعى عليه هاهنا، فينبغي أن ينظر إلى السبق، فمن سبق دعواه بدئ بتحليف صاحبه. وثانيها: أن تكون العين في يد أحدهما، فيقضى بها للمتشبث - وهو ذو اليد - مع يمينه، لانه هو المدعى عليه، والخارج مدع، لان الاصل عدم تسلطه على ما في يد غيره، وظاهر الحال يشهد لذي اليد. فإن نكل ذو اليد عن الحلف أحلف الخارج إن لم نقض بالنكول. والكلام في حلفهما كما سلف، فيحلف ذو اليد على النفي، والمدعي على الاثبات. وثالثها: أن تكون في يد ثالث، فذو اليد من صدقه الثالث، وعليه اليمين للاخر، فإن امتنع حلف الاخر وأغرم القيمة. ولو صدقهما فهي لهما بعد حلفهما أو نكولهما. ولهما إحلافه إن ادعيا علمه، لفائدة الغرم مع اعترافه، لا القضاء بالعين.

[ 80 ]

الثانية: يتحقق التعارض في الشهادة مع تحقق التضاد، مثل: أن يشهد شاهدان بحق لزيد، ويشهد آخران أن ذلك الحق بعينه لعمرو، أو يشهدا أنه باع ثوبا مخصوصا لعمرو غدوة، ويشهد آخران ببيعه بعينه لخالد في ذلك الوقت. ومهما أمكن التوفيق بين الشهادتين وفق. فإن تحقق التعارض، فإما أن تكون العين في يدهما، أو يد أحدهما، أو [ في ] يد ثالث. ففي الاول يقضى بها بينهما نصفين، لان يد كل واحد على النصف، وقد أقام الاخر بينة، فيقضى له بما في يد غريمه. ولو أنكرهما حلف لهما، سواء ادعاها لنفسه أم لا. ولا يجب عليه نسبة الملك إلى نفسه أو إلى أحد معين. ولو قال: هي لاحدكما ولا أعرفه، احتمل قويا القرعة، فيحلف من خرجت له، فإن نكل حلف الاخر، وإن نكلا قسمت بينهما. قوله: (يتحقق التعارض... إلخ). إذا أقام المتداعيان بينتين، فإن أمكن التوفيق بينهما وفق، وعمل بما دلت على ملكه الان، كما لو شهدت إحداهما بملك المدعي أمس، والاخرى أنها ملك الاخر بسبب انتقالها عن ذلك المدعي اليوم، فيعمل بالثانية، لامكان صدقهما. وكذا لو أطلقت إحداهما، وفصلت الاخرى كما ذكرناه. وإن تحقق التعارض بحيث استلزم العمل بإحداهما تكذيب الاخرى، كأن تشهد إحداهما بهذه العين لزيد، وتشهد الاخرى بها للاخر، فإنه لا يمكن أن يكون كلها ملكا لكل واحد منهما، فيفتقر الحكم بتقديم إحداهما على الاخرى إلى المرجح، على التفصيل الذي يأتي. قوله: (فإن تحقق التعارض... إلخ).

[ 81 ]

وفي الثاني يقضى بها للخارج دون المتشبث، إن شهدتا لهما بالملك المطلق. وفيه قول آخر - ذكره في الخلاف - بعيد. إذا تعارضت البينتان، وكانت العين في يدهما، فلا إشكال في الحكم بها بينهما نصفين. لكن اختلف في سببه، فقيل: لتساقط البينتين بسبب التساوي، وبقي الحكم كما لو لم يكن هناك بينة. وقيل: لان مع كل منهما مرجحا (1) باليد على نصفها، فقدمت بينته على ما في يده. والذي اختاره المصنف - رحمه الله - أن العلة تقديم بينة الخارج، فيقضى لكل واحد منهما بما في يد صاحبه. وهذا هو الاشهر. وتظهر الفائدة في اليمين على من قضي له، فعلى الاول يلزم كلا منهما اليمين لصاحبه، لان تساقط البينتين أوجب الرجوع إلى اليمين كالمسألة السابقة. وعلى الثاني لا يمين على أحدهما، لان ترجيح البينة على الاخرى بسبب اليد أوجب العمل بالراجح وترك الاخر، كما لو تعارض الخبران. وعلى الثالث - وهو الاظهر - لا يمين، لان القضاء له مستند إلى بينته، وهي ناهضة بثبوت الحق، فيستغنى عن اليمين. وفي التحرير (2) قوى ثبوت اليمين على كل منهما، مع حكمه بتقديم بينة الخارج، وأن القضاء هنا لكل منهما بما في يد الاخر، واحتمل عدم اليمين. قوله: (وفي الثاني يقضى... إلخ).

(1) فيما لدينا من النسخ الخطية: مرجح، والصحيح ما أثبتناه. (2) تحرير الاحكام 2: 195.

[ 82 ]

ولو شهدتا بالسبب، قيل: يقضى لصاحب اليد، لقضاء علي عليه السلام في الدابة. وقيل: يقضى للخارج، لانه لا بينة على ذي اليد، كما لا يمين على المدعي، عملا بقوله [ صلى الله عليه وآله ]: (واليمين على من أنكر (1)، والتفصيل قاطع للشركة. وهو أولى. أما لو شهدت للمتشبث بالسبب وللخارج بالملك المطلق، فإنه يقضى لصاحب اليد، سواء كان السبب مما لا يتكرر، كالنتاج ونساجة الثوب الكتان، أو يتكرر كالبيع والصياغة. وقيل: بل يقضى للخارج وإن شهدت بينته بالملك المطلق، عملا بالخبر. والاول أشبه. إذا كانت العين المتنازع فيها في يد أحدهما، وأقام كل منهما بينة، ففي ترجيح أيهما أقوال: أحدها: ترجيح الخارج مطلقا، أي: سواء شهدتا بالملك المطلق أم المقيد بالسبب أم تفرقتا، بأن شهدت إحداهما بالملك المطلق والاخرى بالمقيد. ذهب إلى ذلك الصدوقان (2)، وسلا ر (3)، وابن (4) زهرة، وابن إدريس (5)، والشيخ في موضع من الخلاف (6). لكن الصدوق (7) قدم أعدل البينتين، ومع التساوي الخارج.

(1) مستدرك الوسائل 17: 397 ب (18) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1. (2) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130. (3) المراسم: 234. (4) غنية النزوع: 443. (5) السرائر 2: 168. (6) الخلاف 3: 130 مسألة (217). (7) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130.

[ 83 ]

والحجة: قوله صلى الله عليه وآله: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه). ووجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وآله جعل لكل واحد منهما حجة، فكما لا يمين على المدعي لا بينة على المدعى عليه، والتفصيل يقطع الاشتراك. ولرواية محمد بن حفص، عن منصور، عن الصادق عليه السلام قال: (قلت له: رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها وأقام البينة العدول أنها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده ولم يبع ولم يهب، قال عليه السلام: حقها للمدعي، ولا أقبل من الذي في يده بينة، إن الله عزوجل إنما أمر أن تطلب البينة من المدعي، فإن كانت له بينة وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر الله عزوجل) (1). وطريق الرواية إلى منصور حسن، أما هو فإنه مشترك بين الثقة وغيره. والثاني: ترجيح ذي اليد مطلقا. وهو قول الشيخ في كتاب الدعاوي من الخلاف (2). وهو الذي نسبه المصنف - رحمه الله - إلى البعد. وحجته رواية (3) جابر أن رجلين اختصما عند رسول الله صلى الله عليه وآله في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة أنه أنتجها، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وآله للذي هي في يده.

(1) التهذيب 6: 240 ح 594، الاستبصار 3: 43 ح 143، الوسائل 18: 186 ب (12) من أبواب كيفية الحكم ح 14. (2) الخلاف 6: 342 مسألة (15). (3) عوالي اللئالي 3: 526 ح 31، وانظر سنن الدارقطني 4: 209 ح 21، سنن البيهقي 10: 256، تلخيص الحبير 4: 210 ح 2141.

[ 84 ]

ورواية غياث بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام اختصم إليه رجلان في دابة، وكلاهما أقام البينة أنه أنتجها، فقضى بها للذي هي في يده). وقال: (لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين) (1). وهذان الحديثان - مع ضعف سندهما بكون الاول عاميا، والثاني بغياث - أخص من المدعى، لانهما دلا على تقديم ذي اليد مع السبب لهما، لامع الملك المطلق. والثالث: ترجيح الداخل إن شهدت بينته بالسبب، سواء انفردت به أم شهدت بينة الخارج به أيضا، وتقديم الخارج إن شهدتا بالملك المطلق أو انفردت بينته بالسبب. وهذا هو الذي اختاره المصنف - رحمه الله -، وقبله الشيخ في النهاية (2) وكتابي (3) الاخبار، وتلميذه القاضي (4) وجماعة. وقد وهم الشيخ في المبسوط (5) حيث نقل عن النهاية خلاف ذلك، فقال فيه: (ما يدل عليه أخبارنا هو ما ذكرناه في النهاية، وهو أنه إذا شهدتا بالملك المطلق ويد أحدهما عليها حكم لذي اليد، وكذلك إن شهدتا بالملك المقيد لكل واحد ويد أحدهما عليها حكم لذي اليد). قال: (وقد روي أنه يحكم لليد الخارجة). ووجه التنافي بين المنقول والمنقول عنه ظاهر.

(1) الكافي 7: 419 ح 6، التهذيب 6: 234 ح 573، الاستبصار 3: 39 ح 133، الوسائل 18: 182 ب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 3. (2) النهاية: 344. (3) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583، الاستبصار 3: 42 ذيل ح 142. (4) المهذب 2: 578. (5) المبسوط 8: 258.

[ 85 ]

وحجة هذا التفصيل الجمع بين الاخبار التي دل بعضها على تقديم الداخل مع بيان السبب، وقد سمعته، وبعضها على تقديم الخارج، وهو محمول على ما إذا أطلقتا أو اختصت بينة الخارج بالسبب بطريق أولى، كما أن تقديم بينة الداخل مع انفرادها بالسبب ثابت بطريق أولى، لورود النص (1) على تقديمها مع اشتراكهما في السبب. والرابع: ترجيح الاعدل من البينتين، أو الاكثر عددا مع تساويهما في العدالة، مع اليمين، ومع التساوي يقضى للخارج. وهو قول المفيد (2) رحمه الله. وقريب منه قول الصدوق (3)، فإنه قدم أعدل البينتين، ومع التساوي الخارج. وقد تقدم. والترجيح بهاتين الصفتين عمل به المتأخرون (4) على تقدير كون العين في يد ثالث، لورودها (5) في بعض (6) الاخبار كذلك. مع أن في بعضها ما يدل على هذا القول، ففي صحيحة أبي (7) بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم، ويقيم الذي في يده الدار أنه ورثها عن أبيه، لا ندري كيف أمرها؟ فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه).

(1) راجع ص: 83 - 84. (2) المقنعة: 730 - 731. (3) المقنع: 399، الفقيه 3: 39 ذيل ح 130. (4) اللمعة الدمشقية: 52، المقتصر: 383. (5) في (د): لورودهما. (6) الكافي 7: 418 ح 1 و 3، الفقيه 3: 38 ح 129 و 130، التهذيب 6: 234 ح 575 و 576، الاستبصار 3: 40 ح 135، الوسائل 18: 181 ب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1، 5. (7) الكافي 7: 418 ح 1 و 3، الفقيه 3: 38 ح 129 و 130، التهذيب 6: 234 ح 575 و 576، الاستبصار 3: 40 ح 135، الوسائل 18: 181 ب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1، 5.

[ 86 ]

وذكر: (أن عليا عليه السلام أتاه قوم يختصمون في بغلة، فقامت لهؤلا البينة أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وقامت لهؤلا البينة بمثل ذلك، فقضى بها لاكثرهم بينة واستحلفهم). قال: (فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادعى الدار قال: إن أبا هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن، ولم يقم الذي هو فيها بينة إلا أنه ورثها عن أبيه، قال: إذا كان أمرها هكذا فهي للذي ادعاها وأقام البينة عليها). فقد دلت هذه الرواية على الترجيح بالعدد مع تشبث أحدهما وخروج الاخر، وعلى ما لو ذكرا جميعا السبب. وهي أوضح سندا من الروايات السابقة. وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان علي عليه السلام إذا أتاه رجلان ببينة شهود، عدلهم سواء وعددهم سواء، يقرع بينهم على أيهم يصير اليمين، قال: وكان يقول: اللهم رب السماوات السبع أيهم كان الحق له فأده إليه، ثم يجعل الحق للذي يصير إليه اليمين عليه إذا حلف) (1). وهذه متناولة بإطلاقها لهذا القسم. وبقي في المسألة أقوال اخر نادرة ليس عليها دليل واضح. ونبه المصنف - رحمه الله - بقوله: (سواء كان السبب مما لا يتكرر، كالنتاج ونساجة الثوب، أو يتكرر، كالبيع والصياغة) على خلاف ابن حمزة (2) حيث فرق بين السبب المتكرر وغيره، وحكم بتقديم ذي اليد مع كون السبب مما يتكرر.

(1) الكافي 7: 419 ح 3، الفقيه 3: 53 ح 181، التهذيب 6، 233 ح 571، الاستبصار 3: 39 ح 131، الوسئل 18: 183 ب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 5. (2) الوسيلة: 219.

[ 87 ]

ولو كانت في يد ثالث، قضي بأرجح البينتين عدالة، فإن تساويا قضي لاكثرهما شهودا. ومع التساوي عددا وعدالة يقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف، وقضي له. ولو امتنع، أحلف الاخر وقضي له. وإن نكلا، قضي به بينهما بالسوية. وقال في المبسوط: يقضى بالقرعة إن شهدتا بالملك المطلق، ويقسم بينهما إن شهدتا بالملك المقيد. ولو اختصت إحداهما بالتقييد، قضي بها دون الاخرى. والاول أنسب بالمنقول. قوله: (ولو كانت في يد ثالث... إلخ). اختصاص هذا القسم بالترجيح بهذين المرجحين - وهما العدالة والعدد - دون باقي أقسام التعارض هو المشهور بين الاصحاب، خصوصا المتأخرين (1) منهم، تبعا للشيخ (2) - رحمه الله -، فإنه جعل ذلك جامعا بين الاخبار التي دل بعضها على الترجيح بهما، وبعضها على الترجيح بالسبب، وبعضها على ترجيح الخارج، وبعضها على ترجيح ذي اليد. ففصلوا الاحكام كما سبق، حتى إن الشيخ في التهذيب (3) صرح بكون خبر أبي بصير الذي حكيناه سابقا (4) - المقتضي للترجيح بالعدد - محمولا على حكم ما إذا كانت العين في يد ثالث. وهو عجيب، فإنها صريحة في كون أحدهما متشبثا، حيث قال: (يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم) (5). ومن ثم خالف جماعة (6) من المتقدمين واعتبروا الترجيح بهما في جميع

(1) إرشاد الاذهان 2: 150، اللمعة الدمشقية: 52، المقتصر: 383 - 384. (2) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583. (3) التهذيب 6: 237 ذيل ح 583. (4) راجع ص: 85. (5) راجع ص: 85. (6) المقنع: 399 - 400، المقنعة: 730 - 731.

[ 88 ]

الاقسام، وهو أنسب بحال الروايات التي بعضها مطلق في الترجيح بهما أو بأحدهما، وبعضها مصرح بخلاف ما ادعاه المفصلون. وأما ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1) من الحكم بالقرعة مع شهادتهما لهما بالملك المطلق، فتدل عليه صحيحة الحلبي، قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجلين شهدا على أمر، وجاء آخران فشهدا على غير ذلك، فاختلفوا، قال: يقرع بينهم فأيهم قرع فعليه اليمين، وهو أولى بالحق) (2). فحملها على ما إذا أطلقا، لدلالة ظاهر الشهادة عليه. ويدل على ما ذكره من أنه مع شهادتهما بالملك المقيد يقسم بينهما، رواية غياث بن إبراهيم السابقة (3)، وقول علي عليه السلام: (لو لم يكن في يده جعلتها بينهما نصفين) (4) والحال أنهما شهدتا بالسبب وهو النتاج. ويدل على ترجيح ذات السبب مع الاختلاف قوتها، مضافا إلى ما سبق من الاخبار الدالة على تقديم ذات السبب. وبالجملة، فالحكم في هذين القسمين لا يخلو من إشكال، لاختلاف الاخبار على وجه يعسر الجمع بينها، وضعف ما ذكروه من طريق الجمع، وضعف سند أكثرها، وعدم عمل الاصحاب بما اعتبر أسناده مقتصرين عليه. ولاجل ما ذكرناه اقتصر الشهيد في الدروس (5) على مجرد نقل الاقوال من غير ترجيح لاحدها.

(1) المبسوط 8: 258. (2) التهذيب 6: 235 ح 577، الاستبصار 3: 40 ح 137، الوسائل 18: 185 ب (12) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 11. (3) تقدم ذكر مصادرها في ص: 84 هامش (1). (4) تقدم ذكر مصادرها في ص: 84 هامش (1). (5) الدروس الشرعية 2: 101.

[ 89 ]

ويتحقق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرأتين. ولا يتحقق بين شاهدين وشاهد ويمين. وربما قال الشيخ نادرا يتعارضان ويقرع بينهما. ولابين شاهد وامرأتين وشاهد ويمين، بل يقضى بالشاهدين والشاهد والمرأتين، دون الشاهد واليمين. قوله: (ويتحقق التعارض... إلخ). أما تحقق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرأتين، فلان كلا منهما حجة مستقلة يثبت بها المال. وأما عدم معارضة الشاهد واليمين لهما، فلان الشاهد لا يستقل بالحجة (1)، واليمين معه وإن أوجبت ثبوت المال إلا أنه حجة ضعيفة، ومن ثم اختلف في ثبوته بها. وأيضا فالذي يحلف مع شاهده يصدق نفسه، والذي يقيم شاهدين يصدقه غيره، فهو أقوى جانبا وأبعد عن التهمة. وبهذا صرح الشيخ في المبسوط (2) في فصل الدعاوي والبينات، وفي الخلاف (3) أيضا. والقول النادر الذي نسبه المصنف - رحمه الله - إليه بالتعارض بينهما والقرعة ذكره في المبسوط (4) في فصل الرجوع عن الشهادة. ووجهه: أن الشاهد واليمين حجة مستقلة في إثبات المال كالشاهدين، فيعارضانهما كما يعارضهما الشاهد والمرأتان. وإنما قال المصنف - رحمه الله -: (وربما قال الشيخ... إلخ) لان كلامه

(1) في (د، م): بالحجية. (2) المبسوط 8: 259. (3) الخلاف 6: 334 مسألة (5). (4) المبسوط 8: 253 - 254.

[ 90 ]

ليس صريحا، وقد اختلف العلماء في فهم عبارته، فالشيخ فخر الدين (1) - رحمه الله - ذكر أنه تردد في ذلك، ولم يرجح أحد القولين. والشهيد في الدروس (2) قال: إنه صرح بالتعارض والقرعة. ولننقل عبارة الشيخ في ذلك وننظر فيها، فإن كلا الفهمين محتمل منها، والاظهر منها هو التردد الذي فهمه الشيخ فخر الدين. وهذه عبارة الشيخ: (شهد شاهدان أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد شاهد واحد أنه أوصى بثلث ماله لعمرو، وقال عمرو: أحلف مع شاهدي ليكون الثلث بيننا، فهل يزاحم الشاهدين شاهد ويمين أم لا؟ قال قوم: يحلف ويزاحم ويساويه، لان الشاهد واليمين في الاموال بمنزلة الشاهدين، وقال آخرون: لا يساويه، لان الشاهد واليمين أضعف من شاهدين، لان الشاهد وحده لا يقوم بنفسه حتى يضم إليه غيره، والشاهدان قائمان بأنفسهما، فلا يعارضهما. فمن قال لا يعارضهما حكم بالثلث لزيد وحده، ومن قال يعارضهما حلف عمرو مع شاهده، وكان الثلث بينهما نصفين. وعلى مذهبنا يقرع بينهما) (3). هذه عبارته. فالشهيد - رحمه الله - فهم التصريح بالتعارض من قوله: (وعلى مذهبنا يقرع بينهما). والذي يظهر أن هذا ليس حكما بالتعارض، لان القولين اللذين حكاهما عن المخالفين، كما هي عادته، ومذهبهم (4) أن الوصية المعينة - كالثلث مثلا - لاثنين متعارضين يوجب قسمته بينهما على سبيل العول، ومذهبنا أن الثاني يكون رجوعا عن الاول إن علم الترتيب، وإن اشتبه أقرع،

(1) إيضاح الفوائد 4: 409. (2) الدروس الشرعية 2: 102. (3) المبسوط 8: 253 - 254. (4) انظر الحاوي الكبير 8: 309، روضة الطالبين 5: 268.

[ 91 ]

وكل موضع قضينا فيه بالقسمة، فإنما هو في موضع يمكن فرضها كالاموال، دون ما يمتنع، كما إذا تداعى رجلان زوجة. وهذا المذكور على إطلاقه من مواضع الاشتباه. فلما ذكر حكم الوصية على القولين على مذهب المخالف، وكان مذهبنا يوافق القول الاول على تقدير تقديم الشاهدين، ذكر ما يوافق مذهبنا على تقدير التعارض، لئلا يتوهم أن مذهبنا على تقديره يوجب اشتراكهما في الموصى به، وهذا ليس حكما بترجيح القول بالتعارض، بل هو باق على تردده حيث اقتصر على مجرد نقلهما، وإنما فرع ما يناسب القول الثاني من مذهبنا. فنقل الشيخ فخر الدين - رحمه الله - عنه التردد أقعد. وقول المصنف - رحمه الله -: (وربما قال الشيخ... إلخ) يدل على احتماله للامرين. وكذلك فعل العلامة في القواعد (1) نقلا عن الشيخ. قوله: (وكل موضع قضينا فيه... إلخ). إذا تداعيا زوجة ولم تترجح بينة أحدهما، لكونهما خارجين ونكلا عن اليمين، فإنه لا يتصور القسمة هنا، كما يقسم بينهما المال لو كانت الدعوى مالا، بل الطريق هنا الحكم لمن أخرجته القرعة، إذ لا سبيل إلى غيره. ويؤيده مرسلة داود بن أبي يزيد العطار عن أبي عبد الله عليه السلام: (في رجل كانت له امرأة، فجاء رجل بشهود شهدوا أن هذه المرأة امرأة فلان، وجاء آخرون فشهدوا أنها امرأة فلان، فاعتدل الشهود وعدلوا، قال: يقرع بين الشهود، فمن خرج اسمه فهو المحق، وهو أولى بها) (2).

(1) قواعد الاحكام 2: 233. (2) الكافي 7: 420 ح 2، التهذيب 6: 235 ح 579، الاستبصار 3: 41 ح 139، الوسائل 18: 184 ب (122) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 8.

[ 92 ]

والشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث، مثل أن تشهد إحداهما بالملك في الحال، والاخرى بقديمه، أو إحداهما بالقديم، والاخرى بالاقدم، فالترجيح لجانب الاقدم. وكذا الشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد، لانها محتملة. وكذا الشهادة بسبب الملك أولى من الشهادة بالتصرف. وعلى هذا فلا فائدة في الاحلاف بعد القرعة، لان فائدته القضاء للاخر مع نكوله، وهو منفي هنا. وفي الرواية دلالة على نفي اليمين هنا. ولا فرق في ثبوت الشركة في المال على تقديره بين كونه قابلا للقسمة وعدمه كالجوهرة، وإن كانت العبارة توهم اختصاص الحكم بما يقبل القسمة، لكنه تجوز بها في إمكان الشركة، ولو عبر بها كان أولى. قوله: (والشهادة بقديم الملك... إلخ). هنا مسائل: الاولى: إذا تعارضت البينتان في الملك ولكن اختصت إحداهما بزيادة التأريخ، فالمشهور أنه مرجح، كما لو شهدت بينة أحدهما أنه ملكه في الحال، والاخرى أنه ملكه منذ سنة، أو شهدت بينة الاول أنه ملكه منذ سنة، وبينة الاخر أنه ملكه منذ سنتين. ووجه تقديم متقدمة التأريخ: أنها تثبت الملك في وقت لا تعارضها البينة الاخرى فيه، وفي وقت تعارضها الاخرى، فتتساقطان في محل التعارض، ويثبت موجبها (1) فيما قبل محل التعارض، والاصل في الثابت دوامه. وفي المسألة وجه آخر بعدم الترجيح بذلك، لان مناط الشهادة الملك في الحال، وقد استويا فيه، فأشبه ما إذا كانتا مطلقتين أو مؤرختين بتأريخ واحد.

(1) في (أ، ث، د، ط): موجبهما.

[ 93 ]

والمسألة مفروضة فيما إذا كان المدعى في يد ثالث، فأما إذا كان في يد أحدهما وقامت بينتان مختلفتا التاريخ، فإن كانت بينة الداخل أسبق تاريخا فهو المقدم لا محالة. وإن كانت بينة الاخر أسبق تاريخا، فإن لم نجعل سبق التاريخ مرجحا فكذلك يقدم الداخل. وإن جعلناه مرجحا ففي ترجيح أيهما وعدمه أوجه. أحدها: ترجيح اليد، لان البينتين متساويتان في إثبات الملك في الحال، فتتساقطان فيه، ويبقى من أحد الطرفين اليد، ومن الاخر إثبات الملك السابق، واليد أقوى من الشهادة على الملك السابق، ولهذا لا تزال بها. والثاني: ترجيح السبق، لان مع إحداهما ترجيحا من جهة البينة، ومع الاخرى ترجيحا من جهة اليد، والبينة تتقدم على اليد، فكذلك الترجيح من جهتها يتقدم على الترجيح من جهة اليد. والثالث: أنهما يتساويان، لتعارض البينتين (1). واعلم أن إطلاق عبارة المصنف يقتضي عدم اشتراط إضافة البينة بالملك القديم التعرض للملك (2) في الحال. وهو أحد الوجهين في المسألة، لان الملك إذا ثبت سابقا فالاصل فيه الدوام والاستمرار، فلا يفتقر إلى التصريح باستمراره. والثاني - وهو المشهور -: أن الشهادة بالملك القديم لا تسمع حتى يقول: وهو ملكه في الحال، أولا أعلم له مزيلا، حتى لو قال: لا أدري زال أم لا، لم يقبل، لان ثبوت الملك سابقا إن اقتضى بقأه فيد المدعي عليه وتصرفه يدل على

(1) كذا في (خ، م)، وفي سائر النسخ: المعنيين. (2) كذا في (ت، د)، وفي سائر النسخ: لذلك.

[ 94 ]

الانتقال إليه، فلا يحصل ظن الملك في الحال. ولان دعوى الملك السابق لا تسمع، فكذلك البينة عليه. وعللوا عدم قبول الشهادة مع قوله: (لا أدري زال أم لا)، مع أن مؤداها قريب من قوله: (لا أعلم له مزيلا)، بأن الاولى تقتضي ترددا أو ريبة، فهي بعيدة عن أداء الشهادة. وفيه نظر، لان الجزم الواقع في الشهادة بالصيغتين الاولتين إنما استند إلى استصحاب الملك وظن الاستمرار مع عدم ظهور المنافي، وإلا فاليقين بالاستمرار لا يتفق، لان الاسباب الموجبة لانتقال الملك عن المشهود له لا يمكن القطع بعدمها وإن صحبه الشاهد ليلا ونهارا، فإن منها ما يمكن وقوعه سرا بنفسه مع (1) نفسه. والاستناد إلى الاستصحاب وظن الاستمرار يتأدى بقوله: (لا أدري زال أم لا) كما يتأدى بقوله: (وهو ملكه في الحال) لانه إذا لم يدر هل زال أم لا؟ جاز له استصحاب البقاء والحكم به في الحال. وكون الصيغة بعيدة عن أداء الشهادة في حيز المنع، ومن ثم ذهب بعضهم إلى عدم اشتراط الضميمة، مع أن الشهادة بالملك السابق لا تنافي العلم بتجدد انتقاله عنه، فمع إضافة ما ينافي العلم بالانتقال أولى. والحق أن إطلاق الشهادة بالملك القديم لا تسمع، لعدم التنافي بين كونه ملكا له بالامس مع تجدد انتقاله عنه اليوم، وإن كان الشاهد يعلم بذلك، بل لابد من إضافة ما يفيد عدم علمه بتجدد الانتقال، وذلك يتحقق بهذه الصيغ، وإن كان

(1) في (ت، ط): في.

[ 95 ]

الاقتصار على ما لا يشمل على التردد أولى. الثانية: لو تعارضت البينة بالملك المطلق والبينة باليد فالترجيح لبينة الملك، لان اليد وإن كانت ظاهرة في الملك إلا أنها محتملة لغيره، لجواز استنادها إلى العارية والاجارة وغيرهما، بخلاف الملك، فإنه صريح في المطلوب، فكانت الشهادة به مرجحة. ولا فرق على هذا التقدير بين تقدم تاريخ شهادة اليد - بأن شهدت أن يده على العين منذ سنة، وشهدت بينة الملك بتأريخ متأخر، أو بأنه ملكه في الحال - وتأخره، لاشتراك الجميع في المقتضي وهو احتمال اليد، بخلاف الملك. وفي هذه المسألة قول بتقديم اليد على الملك القديم. وسيأتي (1) الكلام فيه. الثالثة: لو تعارضت البينة بسبب الملك والبينة بالتصرف، بأن شهدت الاولى أن العين لفلان اشتراها من فلان، وشهدت بينة الاخر أنها وجدته يتصرف في العين تصرف الملا ك، من البناء والهدم والبيع والرهن ونحو ذلك، قدمت بينة الملك المتسبب (2)، لان التصرف أعم من الملك المطلق، لجواز وقوعه من الوكيل وغيره، بخلاف الملك المتبين (3) سببه، فإنه صريح في المطلوب. ومقتضى هذا التعليل تقديم بينة الملك وإن لم يذكر سببه على بينة التصرف، كما رجحت على بينة اليد، وإن كان التصرف أقوى من مطلق اليد، لاشتراكهما في قيام الاحتمال دون الملك.

(1) في ص: 100. (2) في (ت، ط): المتشبث، وفي (د): المسبب. (3) في (أ، د): المبين.

[ 96 ]

الثالثة: إذا ادعى شيئا، فقال المدعى عليه: هو لفلان، اندفعت عنه المخاصمة، حاضرا كان المقر له أو غائبا. فإن قال المدعي: أحلفوه أنه لا يعلم أنها لي، توجهت اليمين، لان فائدتها الغرم لو امتنع، لا القضاء بالعين لو نكل أو رد. وقال الشيخ رحمه الله: لا يحلف ولا يغرم لو نكل. والاقرب أنه يغرم، لانه حال بين المالك و [ بين ] ماله بإقراره لغيره. ولو أنكر المقر له حفظها الحاكم، لانها خرجت عن [ ملك ] المقر، ولم تدخل في ملك المقر له. ولو أقام المدعي بينة قضي له. أما لو أقر المدعى عليه بها لمجهول لم تندفع الخصومة، وألزم البيان. قوله: (إذا ادعى شيئا... إلخ). إذا ادعى شيئا على إنسان فقال المدعى عليه: إنه ليس لي، فإما أن يقتصر عليه، أو يضيفه إلى مجهول، أو إلى معلوم. فإن اقتصر عليه، أو أضافه إلى مجهول، بأن قال: هو لرجل لا أعرفه أو لا اسميه، ففي انصراف الخصومة عنه وانتزاع المال من يده وجهان، أصحهما - وهو الذي لم يذكر المصنف غيره - أنها لا تنصرف ولا ينتزع المال من يده، لان الظاهر أن ما في يده ملكه، وما صدر عنه ليس بمزيل، ولم يظهر لغيره استحقاقا. وعلى هذا، فإن أقر بعد ذلك لمعين قبل، وانصرفت الخصومة إلى ذلك المعين، وإلا فيقيم المدعي البينة عليه أو يحلفه.

[ 97 ]

والوجه الثاني: أنها تنصرف عنه بذلك، لانه (1) يبرأ من المدعي، وينتزع الحاكم المال من يده. فإن أقام المدعي بينة على الاستحقاق فذاك، وإلا حفظه إلى أن يظهر مالكه. وإن أضافه إلى معلوم، فالمضاف إليه ضربان: أحدهما: أن يمتنع مخاصمته وتحليفه، كما إذا قال: هو وقف على الفقراء، أو على مسجد كذا، أو على ابني الطفل، أو هو ملك له، فتنصرف الخصومة عنه، ولا سبيل إلى تحليف الولي ولا طفله، ولا تغني إلا البينة. وإذا قضى له الحاكم بالبينة، وكان الاقرار لطفل، كتب الحاكم صورة الحال في السجل، ليكون الطفل على حجته إذا بلغ. والثاني: من لا يمتنع مخاصمته ولا تحليفه، كما إذا أضافه إلى شخص معين، فهو إما حاضر، وإما غائب. فإن كان حاضرا روجع، فإن صدق المدعى عليه انصرفت الخصومة إليه. وإن كذبه ففيه أوجه: أحدها - وهو الذي قطع به المصنف رحمه الله هنا -: أنه ينتزع منه، ويحفظه الحاكم إلى أن يظهر مالكه، لخروجه عن ملك المقر بالاقرار، وعدم ظهور مالكه بإنكار المقر له. والثاني: أنه يترك في يد المدعى عليه، إذ لا منازع له، ولعله يرجع ويدعيه. والثالث: أنه يسلم للمدعي، لخروجه عن ملك المقر، ولا منازع فيه للمدعي.

(1) في (ث، خ، م): لانها تبرئ.

[ 98 ]

وإن أضاف إلى غائب انصرفت عنه الخصومة أيضا، لان المال بظاهر الاقرار قد صار لغيره، ولهذا لو حضر الغائب وصدقه أخذه، وإذا كان لغيره وجب انصراف الخصومة عنه. ولا فرق بين أن يطلق ذلك، وبين أن يقول: وهو في يدي بإجارة أو إعارة أو وديعة أو غيرها. ثم إن كان للمدعي بينة أقامها، وقضي على الغائب بشرطه. وإن لم يكن له بينة أقر في يد المدعى عليه. وحيث تنصرف الخصومة عنه، وطلب المدعي إحلافه أنه لا يعلم أن العين له، ففي إجابته قولان مبنيان على أنه لو أقر له بعد ما أقر لغيره هل يغرم القيمة؟ فيه قولان مذكوران في محله (1). فإن قلنا: نعم - وهو الاظهر - فله إحلافه، فلعله يقر فيغرمه القيمة. وإن قلنا: لا، وهو أحد قولي الشيخ (2) - رحمه الله -، فإن قلنا النكول ورد اليمين كالاقرار لم يحلفه، لانه وإن أقر أو (3) نكل وحلف المدعي لا يستفيد شيئا. وإن قلنا كالبينة فله التحليف، لانه قد ينكل فيحلف المدعي، فإذا حلف وكانت العين تالفة أخذ القيمة. وحيث قلنا بوجوب القيمة، فأخذها بإقرار المدعى عليه ثانيا أو بيمين المدعي بعد نكوله، ثم سلمت له العين بالبينة أو بيمينه بعد نكول المقر له، فعليه رد القيمة، لانه إنما أخذ القيمة للحيلولة وقد زالت.

(1) في ج 11: 109 - 110. (2) المبسوط 8: 266. (3) في (ث، خ): ونكل.

[ 99 ]

الرابعة: إذا ادعى أنه آجره الدابة، وادعى آخر أنه أودعه إياها، تحقق التعارض مع قيام البينتين بالدعويين، وعمل بالقرعة مع تساوي البينتين في عدم الترجيح. فروع: الاول: لو رجع الغائب وكذب المدعى عليه فالحكم كما ذكرناه فيما إذا أضاف إلى حاضر وكذبه. الثاني: لو أقام المقر له الحاضر أو الغائب بعد رجوعه البينة على الملك، لم يكن للمدعي تحليف المقر ليغرمه وإن قلنا به في الاول، لان الملك استقر بالبينة، وخرج الاقرار عن أن تكون الحيلولة به. الثالث: لو قال المدعي: هذه الدار وقف علي، وقال من هي في يده: هي ملك لفلان، وصدقه فلان وانتقلت الخصومة إليه، فإن قلنا بعدم إحلاف المقر ليغرمه القيمة فهنا أولى. وإن قلنا به ففي إحلافه هنا وجهان، من حيث إن المدعي قد اعترف [ هنا ] (1) بالوقف والوقف لا يعتاض عنه، ومن أنه مضمون بالقيمة عند الاتلاف، والحيلولة في الحال كالاتلاف. وهذا أقوى. قوله: (إذا ادعى أنه آجره الدابة... إلخ). المراد أن الدابة في يد المدعى عليه والمدعيان خارجان، فادعى أحدهما أنه آجرها من صاحب اليد، وادعى الاخر أنه أودعه إياها. فإن لم يقيما بينة يحكم بها لمن يصدقه المتشبث. وإن أقام كل منهما بينة بدعواه تحقق التعارض مع الاطلاق أو اتحاد التاريخين. وحينئذ فيرجع إلى الترجيح في إحدى البينتين بالعدالة أو العدد، فإن انتفى فالقرعة. ولو تقدم تاريخ إحداهما بني على الترجيح

(1) من (أ).

[ 100 ]

الخامسة: لو ادعى دارا في يد إنسان، وأقام بينة أنها كانت في يده أمس أو منذ شهر، قيل: لا تسمع هذه البينة. وكذا لو شهدت له بالملك أمس، لان ظاهر اليد الان الملك، فلا يدفع بالمحتمل. وفيه إشكال، ولعل الاقرب القبول. أما لو شهدت بينة المدعي أن صاحب اليد غصبه أو استأجرها منه، حكم بها، لانها شهدت بالملك وسبب يد الثاني. به وعدمه. وقد تقدم نظيره في الملك، وسيأتي مثله في اليد. وقد كان ذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى، لان الاختلاف فيها اختلاف في العقود. قوله: (لو ادعى دارا... إلخ). إذا كان في يد أحد دار وادعاها غيره، وأقام بينة على أنها كانت في يده وملكه بالامس أو منذ شهر مثلا، فقد تعارض هنا اليد الحالية والقديمة أو الملك القديم. وفي تقديم أيهما قولان للشيخ في كل واحد من المبسوط (1) والخلاف (2). أحدهما: أن القديمة منهما لا تسمع أصلا، ويقضى باليد الحالية، لان اليد ظاهرها الان الملك فلا يدفعها أمر محتمل، إذ يحتمل أن يكون مع الاول بعارية ونحوها في صورة دعوى اليد، وثبوت مطلق اليد لا يستلزم ثبوت اليد الخاصة المفيدة للملك، ويحتمل في صورة دعوى الملك أن ينتقل بعد الامس إلى غيره، فكل واحد من الامرين غير متحقق الملكية (3) الان.

(1) المبسوط 8: 269 و 299. (2) الخلاف 6: 339 مسألة (11)، وص: 345 مسألة (19). (3) في (أ، ث، خ): الملك.

[ 101 ]

واحتج في المبسوط (1) أيضا بعدم المطابقة بين الدعوى والشهادة، إذ الدعوى بالملك الحالي والشهادة بالملك القديم. ولو قيل: إن ثبوته في الماضي يوجب استصحابه إلى الان، منع بأن اليد الحاضرة الظاهرة في الملك معارضة له فلم يتم استدامته، خصوصا اليد الماضية، لانقطاعها رأسا. والثاني - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله -: القبول، لان اليد الحاضرة إن كانت دليل الملك فالسابقة المستصحبة أو الملك الفعلي المستصحب أولى، لمشاركتهما لها في الدلالة على الملك الان وانفرادهما بالزمن السابق، فيكونان أرجح. والحكم باستصحابها أوجب المطابقة بين الدعوى والشهادة. وقد تقدم (2) البحث فيه. والفرق بين هذه والسابقة الموجب لاعادة البحث: أن المعارضة في هذه بين اليد المتحققة واليد السابقة الثابتة بالبينة أو الملك السابق كذلك، والسابقة وقع فيها التعارض بين البينتين الدالة إحداهما على اليد في الحال مع عدم ظهورها، والاخرى على الملك السابق، ولا (3) تعرض فيها للمعارضة بين اليد السابقة والحالية. وقد تأكد من إطلاقه الحكم هنا وفي السابقة بتقديم الملك القديم، بغير تقييد له بكونه إلى الان أو عدم علم المزيل، أن إضافة ذلك غير شرط. والاصح

(1) لم نجد هذا الاحتجاج في المبسوط، بل ذكره في الخلاف ذيل المسألة (11) راجع الهامش (2) في الصفحة السابقة. (2) في ص: 92. (3) في (أ، ث، د): فلا.

[ 102 ]

ولو قال: غصبني إياها، وقال آخر: بل أقر لي بها، وأقاما البينة قضي للمغصوب [ منه ]، ولم يضمن المقر، لان الحيلولة لم تحصل بإقراره، بل بالبينة. اشتراط إضافة ما يعلم منه أن الشاهد لم يتجدد عنده علم الانتقال، لما بيناه من عدم المنافاة بين علمه بالملك (1) السابق وشهادته به مع انتقاله عن المالك الان. واعلم أن موضع الخلاف في تقديم بينة الملك واليد السابقين على اليد الحالية ما إذا لم تشهد بينة السابق بفساد اليد الحالية، بأن (2) قالت: إنه غصبها من ذي الملك أو اليد القديمين، أو بعدم (3) استحقاقها للملك، بأن شهدت أنها في يد الثاني بالاجارة من الاول أو العارية، وإلا قدمت السابقة بغير إشكال، لعدم التعارض على هذا الوجه. قوله: (ولو قال: غصبني... إلخ). إنما قدمت بينة المغصوب [ منه ] (4) لانها تشهد له بالملك وبسبب يد المتشبث، وأنها عادية في مجموع وقتها، فيكون إقراره للغير بها في زمن اليد إقرارا بعين مغصوبة، فلا ينفذ إقراره. ولا يغرم المدعى عليه للمقر له، لانه لم يحل بينه وبين ملكه، إنما الحائل البينة.

(1) في (ث، خ): علمه بالسابق. (2) كذا في (خ)، وفي سائر النسخ: فإن. (3) في (ث، خ): عدم. (4) من إحدى الحجريتين.

[ 103 ]

المقصد الثاني في الاختلاف في العقود إذا اتفقا على استئجار دار معينة شهرا معينا، واختلفا في الاجرة، وأقام كل منهما بينة بما قدره، فإن تقدم تاريخ أحدهما عمل به، لان الثاني يكون باطلا. وإن كان التاريخ واحدا، تحقق التعارض، إذ لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين. وحينئذ يقرع بينهما، ويحكم لمن خرج اسمه مع يمينه. هذا اختيار شيخنا في المبسوط. وقال آخر: يقضى ببينة المؤجر، لان القول قول المستأجر لو لم تكن بينة، إذ هو يخالف على ما في ذمة المستأجر، فيكون القول قوله، ومن كان القول قوله مع عدم البينة، كانت البينة في طرف المدعي. وحينئذ نقول: هو مدع زيادة، وقد أقام البينة بها، فيجب أن تثبت. وفي القولين تردد. قوله: (إذا اتفقا على استئجار... إلخ). إذا اتفق المؤجر والمستأجر على استئجار الدار المعينة مثلا، وعلى مدة الاجارة، واختلفا في قدر الاجرة، فادعى المؤجر أنها عشرة دنانير مثلا، وادعى المستأجر أنها خمسة، فلا يخلو إما أن لا يقيم كل واحد بينة على مدعاه، أو يقيماها، أو يقيمها أحدهما خاصة. والمصنف - رحمه الله - اقتصر على حكم الوسطى، وهو مترتب على حكم الاولى كما ستعرفه، فاحتيج إلى البحث عنهما (1)

(1) في (د، ط): عنها.

[ 104 ]

هنا. وأما الاخيرة فحكمها واضح، لان من أقام البينة حكم له دون الاخر. فهنا مسألتان: الاولى: أن يعد ما البينة. والمشهور بين الاصحاب تقديم قول المستأجر مع يمينه، لانه منكر للزائد الذي يدعيه المؤجر، مع اتفاقهما على ثبوت ما يدعيه المستأجر (1)، فيكون الامر بمنزلة ما لو ادعى عليه عشرة دنانير مطلقا فأقر له منها بخمسة، فإن القول قوله في نفي الزائد بغير إشكال، لانه منكر له والمؤجر مدع، فيدخلان في عموم الخبر (2). وللشيخ - رحمه الله - في المبسوط (3) قول بالتحالف وثبوت أجرة المثل. ووافقه بعض (4) المتأخرين، نظرا إلى أن كلا منهما مدع ومدعى عليه، لان العقد المتشخص بالعشرة غير العقد المشتمل على الخمسة خاصة، فيكون كل واحد منهما مدعيا لعقد غير العقد الذي يدعيه الاخر، وهذا يوجب التحالف حيث لم يتفقا على شي ويختلفان (5) فيما زاد عنه. ويضعف بأن العقد لا نزاع بينهما فيه، ولا في استحقاق العين المؤجرة للمستأجر، ولا في استحقاق المقدار الذي يعترف به المستأجر، وإنما النزاع في القدر الزائد، فيرجع فيه إلى عموم الخبر (6). ولو كان ما ذكروه من التوجيه موجبا

(1) كذا في (ط) ونسخة بدل (ت)، وهو الصحيح، وفي سائر النسخ والحجريتين: المؤجر. (2) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم. (3) المبسوط 3: 2 65 - 266. (4) المختلف: 462. (5) كذا في (د، ط)، وفي سائر النسخ: ويختلفا. (6) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم.

[ 105 ]

للتحالف لورد في كل نزاع على حق مختلف المقدار، كما لو قال: أقرضتك عشرة، فقال: [ لا ] (1) بل خمسة، فإن عقد القرض المتضمن لاحد المقدارين غير العقد المتضمن للاخر. وكما لو قال: أبرأتني من عشرة من جملة الدين الذي علي، فقال: بل من خمسة، فإن الصيغة المشتملة على إسقاط أحدهما غير الاخرى. وهكذا القول في غيره. وهذا مما لا يقول به أحد. والحق أن التحالف إنما يرد حيث لا يتفق الخصمان على قدر ويختلفان في الزائد عنه، كما لو قال المؤجر: آجرتك الدار شهرا بدينار، فقال: بل بثوب، أو قال: آجرتك هذه الدار بعشرة، فقال: بل تلك الدار، ونحو ذلك. أما في المتنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هو الاصح. وللشيخ في موضع من الخلاف (2) قول آخر بالقرعة، لانه أمر مشكل، وكل أمر مشكل فيه القرعة. والمقدمة الثانية مسلمة دون الاولى، لانه لا إشكال مع دخوله في عموم: (اليمين على من أنكر). ولا فرق بين وقوع النزاع قبل مضي المدة المشترطة وبعدها، لاشتراك الجميع في المقتضي. وفرق في موضع من المبسوط (3) بين وقوع النزاع قبل انقضاء المدة وبعده، وحكم بالتحالف في الاول، وتردد في الثاني بين القرعة وبين تقديم قول المستأجر، لجريانه مجرى الاختلاف في ثمن المبيع إذا كان بعد تلفه. الثانية: أن يقيما معا البينة. فإن تقدم تاريخ إحداهما على الاخرى عمل بالمتقدم وبطل المتأخر، لانه يكون عقدا على معقود عليه من المتعاقدين كما

(1) من الحجريتين. (2) الخلاف 3: 521 مسألة (10). (3) المبسوط 3: 266.

[ 106 ]

ولو ادعى استئجار دار، فقال المؤجر: بل آجرتك بيتا منها، قال الشيخ: يقرع بينهما. وقيل: القول قول المؤجر. والاول أشبه، لان كلا منهما مدع. ولو أقام كل منهما بينة تحقق التعارض مع اتفاق التاريخ. ومع التفاوت يحكم للاقدم. لكن إن كان الاقدم بينة البيت حكم بإجارة البيت بأجرته، وبإجارة بقية الدار بالنسبة من الاجرة. كان، وهو باطل. وإن اتحد التاريخان، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة، فإن قلنا بتقديم قول المستأجر مع عدم البينة فالبينة بينة المؤجر هنا، لان البينة من طرف من لم يكن القول قوله، كما قد علم مرارا. وهذا هو الذي اختاره ابن إدريس (1) وأكثر المتأخرين (2). وإن قلنا بالتحالف في الاول أو بالقرعة اتجه القول بالقرعة هنا. وهو الذي اختاره الشيخ - رحمه الله - في المبسوط (3)، لانها لكل أمر مشكل، ولانهما دعويان فلا ترجيح لاحداهما على الاخرى. وحينئذ فيحلف من أخرجته القرعة ويثبت مدعاه. والمصنف - رحمه الله - تردد في القولين. وقد ظهر من توجيه القولين منشأ التردد. والاصح هو الاول. قوله: (ولو ادعى استئجار... إلخ).

(1) راجع السرائر 2: 464، فقد أطلق القول بأن على المؤجر البينة فيما إذا اختلفا في قدر الاجرة، سواء كان لهما بينة أم لا. (2) تحرير الاحكام 2: 200. (3) المبسوط 8: 264.

[ 107 ]

ولو ادعى كل منهما أنه اشترى دارا معينة وأقبض الثمن، وهي في يد البائع، قضي بالقرعة مع تساوي البينتين عدالة وعددا وتاريخا، البحث في هذه الصورة قريب من السابقة، لان الاتفاق هنا واقع على أصل الاجارة وعلى المدة ومقدار الاجرة، وإنما الاختلاف في مقدار العين المؤجرة، مع اتفاقهما أيضا على إيجار البيت واختلافهما في الزائد، فقيل: القول قول المؤجر، لانه ينكر الزائد، كما أن القول في السابقة قول المستأجر لذلك. وقال الشيخ (1): يقرع بينهما، لما ذكر في السابقة. هذا إذا لم يقيما بينة. فلو أقاماها واتفق التاريخ، أو أطلقتا، أو إحداهما، تحقق التعارض، ورجع إلى القرعة مع انتفاء المرجح. والمصنف - رحمه الله - هنا رجح القرعة، وتردد في السابقة. والفرق بينهما بعيد. ولو اختلف تاريخ البينتين، فإن كان المتقدم تاريخ الدار بأسرها بطلت إجارة البيت، لسبق ايجاره للمستأجر. وإن كان المتقدم تاريخ بينة البيت حكم به بالاجرة المسماة، وبطل من إجارة الدار ما قابله، وصح في الباقي. فلو كان البيت يساوي نصف أجرة الدار صح في باقيها بنصف الاجرة، فيجتمع على المستأجر مجموع الاجرة للبيت ونصفها لبقية الدار. فلو كان الاتفاق على أن الاجرة عشرة، لكن ادعى المستأجر أنها أجرة الجميع، وادعى المؤجر أنها أجرة البيت، وكان المتقدم تاريخ بينة البيت، ثبت على المستأجر خمسة عشر في مقابلة المجموع، عشرة أجرة البيت ببينة المؤجر، وخمسة في مقابلة باقي الدار ببينته. قوله: (ولو ادعى كل منهما... إلخ).

(1) المبسوط 8: 264.

[ 108 ]

وحكم لمن يخرج اسمه مع يمينه. ولا يقبل قول البائع لاحدهما، ويلزمه إعادة الثمن على الاخر، لان قبض الثمنين ممكن، فتزدحم البينتان فيه. ولو نكلا عن اليمين قسمت بينهما، ويرجع كل منهما بنصف الثمن. وهل لهما أن يفسخا؟ الاقرب نعم، لتبعض المبيع قبل قبضه. ولو فسخ أحدهما كان للاخر أخذ الجميع، لعدم المزاحم. وفي لزوم ذلك له تردد، أقربه اللزوم. إذا ادعى كل منهما شراء العين من ذي اليد وإيفاء الثمن، فإن انتفت البينة رجع إلى المالك، فإن كذبهما حلف لهما واندفعا عنه. وإن صدق أحدهما دفع إليه المبيع، وحلف للاخر. وله إحلاف الاول أيضا. وإن صدق كل واحد منهما في النصف حكم لكل منهما بما أقر به، وبقي النزاع في الباقي لكل منهما، فيحلف لهما كالسابق. وإن أقاما بينة - فهي مسألة الكتاب - فإن تقدم تاريخ إحداهما حكم له، وكان البيع الثاني باطلا، لان البائع باع مالا يملكه، ويرد الثمن، إذ لا تعارض هنا. وإن اتفقتا، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، رجع إلى الترجيح بالعدالة أو العدد. فإن انتفى أقرع بينهما، وحكم لمن أخرجته القرعة بعد يمينه للاخر. فإن نكل الخارج بالقرعة أحلف الاخر. فإن نكلا قسمت العين بينهما، ورجع كل منهما بنصف الثمن. وهل لهما الفسخ لتبعض الصفقة؟ وجهان أصحهما ذلك، لوجود المقتضي للفسخ.

[ 109 ]

ولو ادعى اثنان أن ثالثا اشترى من كل منهما هذا المبيع، وأقام كل منهما بينة، فإن اعترف لاحدهما قضي له عليه بالثمن. وكذا إن اعترف لهما قضي عليه بالثمنين. ولو أنكر، وكان التاريخ مختلفا أو مطلقا، قضي بالثمنين جميعا، لمكان الاحتمال. ولو كان التاريخ واحدا تحقق التعارض، إذ لا يكون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، ولا يمكن إيقاع عقدين في الزمان الواحد. ويقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف وقضي له. ولو امتنعا من اليمين قسم الثمن بينهما. ووجه العدم: أن التبعض جاء من قبلهما، فإن الخارج بالقرعة لو حلف لاخذ الجميع، فكأن التبعض جاء من قبله، كما لو أن الاخر لو حلف بعد نكول الاول لاخذ الجميع، فلا خيار لهما. ولو فسخ أحدهما أخذ الاخر الجميع، لعدم المزاحم. وهل يلزمه أخذ الجميع؟ وجهان أصحهما ذلك، لوجود المقتضي، وهو قيام بينته بشرائه، وانتفاء المانع، إذ ليس هناك مانع من أخذه الجميع إلا دعوى الغريم الاخر، وقد انتفت بتركه الاخذ. ولان المقتضي للخيار تبعيض الصفقة، وقد انتفى. ووجه عدم اللزوم: أنه قد ثبت له الفسخ ابتداء، والاصل البقاء. ويضعف بأنه كان مانعا، وقد زال موجبه. هذا كله إذا كانت العين في يد البائع. ولو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بينة الداخل أو الخارج مع تسبب البينتين. وقد تقدم (1). قوله: (ولو ادعى اثنان... إلخ).

(1) في ص: 84.

[ 110 ]

هذه المسألة عكس السابقة، فإنه هناك ادعى اثنان شراء ما في يده منه، وكل يطالب بالمبيع، وهاهنا ادعى اثنان بيع ما في يده منه، وكل يطالبه بالثمن. فإن أقر لهما طولب بالثمنين، لامكان صدقهما، فيؤاخذ بإقراره. وإن أقر لاحدهما طولب بالثمن الذي سماه، وحلف للاخر. وإن أنكر ما ادعياه ولا بينة حلف لهما يمينين. وإن أقام أحدهما البينة قضي له، وحلف للاخر. وإن أقام كل منهما بينة، نظر إن أرختا بتاريخين مختلفين فعليه الثمنان، لامكان اجتماعهما. وإن أرختا بتاريخ واحد، بأن عينتا أول يوم معين أو زواله، فهما متعارضتان، لامتناع كون الشي الواحد ملكا في وقت واحد لهذا وحده ولهذا وحده. وحينئذ فيرجع إلى المرجح، فإن انتفى أقرع بينهما، ومن أخرجته القرعة قضي له بالثمن الذي شهد به شهوده بعد حلفه للاخر، لانه لو اعترف له بعد ذلك لزمه. فإن امتنع من اليمين أحلف الاخر وأخذ. فإن امتنعا قسم الثمن بينهما إن كان متفق الجنس والوصف. وإن كان مختلفا فلكل واحد نصف ما ادعاه من الثمن. وإن كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة، فالوجه أنهما كالمؤرختين بتاريخين مختلفين، فيلزمه الثمنان، لان التنافي غير معلوم، والعمل بكل واحدة من البينتين ممكن. ويحتمل كونهما حينئذ كالمؤرختين بتاريخ واحد، لانهما ربما شهدتا على البيع في وقت واحد، والاصل برأة ذمة المشتري، فلا يؤاخذ إلا باليقين.

[ 111 ]

ولو ادعى شراء المبيع من زيد وقبض الثمن، وادعى آخر شرأه من عمرو وقبض الثمن أيضا، وأقاما بينتين متساويتين في العدالة والعدد والتاريخ، فالتعارض متحقق، فحينئذ يقضى بالقرعة، ويحلف من خرج اسمه ويقضى له. ولو نكلا عن اليمين قسم المبيع بينهما، ورجع كل منهما على بائعه بنصف الثمن. ولهما الفسخ والرجوع بالثمنين. ولو فسخ أحدهما جاز، ولم يكن للاخر أخذ الجميع، لان النصف الاخر لم يرجع إلى بائعه. قوله (ولو ادعى شراء المبيع... إلخ). هذه المسألة مركبة من السابقتين، فإن كلا من البائع والمشتري هنا مغاير للاخر. والمراد أن العين خارجة عن يد المتداعيين، فيحكم (1) بترجيح إحدى البينتين ثم بالقرعة. فلو كانت في يد أحدهما بني على تقديم بينة الداخل أو الخارج. ولو كانت في يدهما قسمت بينهما بعد التحالف أو النكول كما سبق. والتفريع في هذه [ المسألة ] (2) كما سبق، إلا أنه على تقدير القسمة بنكولهما لو اختار أحدهما فسخ العقد والاخر إجازته، لم يكن للمجيز أخذ النصف الاخر، سواء تقدم الفسخ أم تقدمت الاجازة، لان دعوى الشراء من شخصين، فالمردود يعود إلى غير من يدعي المجيز الشراء منه فكيف يأخذ؟! وحيث قلنا بثبوت الخيار على تقدير القسمة فذلك إذا لم يتعرض البينة لقبض المبيع ولا اعترف به المدعي، وإلا فإذا جرى القبض استقر العقد، وما

(1) في (ت): ليحكم. (2) من الحجريتين.

[ 112 ]

يحدث بعده فليس على البائع عهدته. واشترط بعضهم (1) زيادة على ما ذكره المصنف أن يقول كل واحد من المتداعيين في المسألة المفروضة: إني اشتريته من فلان وهو يملكه، لان من ادعى مالا في يد إنسان وقال: اشتريته من فلان، لم تسمع دعواه حتى يقول: وهو يملكه، ويقوم مقامه أن يقول: وتسلمته منه أو سلمه إلي، لان الظاهر أنه إنما يتصرف بالتسليم فيما يملك. وفي دعوى الشراء من صاحب اليد لا يحتاج أن يقول: وأنت تملكه، ويكتفى بأن اليد تدل على الملكية. وكذلك يشترط أن يقول الشاهد في الشهادة: اشتراه من فلان وهو يملكه، أو اشتراه وتسلمه منه أو سلمه هو إليه. وهذا القيد (2) حسن. وسيأتي (3) اختيار المصنف - رحمه الله - إياه، وكأنه تركه هنا اتكالا عليه. وفرعوا عليه أنه يجوز أن يقيم شاهدين على أنه اشترى من فلان، وآخرين على أن فلانا كان يملكه إلى أن باع منه، لحصول المطلوب من جملة الشهود. ولكن الاخيرين إن شهدا هكذا فقد شهدا على البيع والملك أيضا. وكأن المراد ما إذا أقام شهودا على أنه اشترى منه وقت كذا، وآخرين على أنه كان يملك ذلك إلى وقت كذا. ولو أقام أحد المدعيين بينة أنه اشترى الدار من فلان وكان يملكها، وأقام الاخر البينة على أنه اشتراها من مقيم البينة الاولى، حكم ببينة الثاني وإن لم يقل

(1) قواعد الاحكام 2: 228. (2) في (خ، ط): التوجيه. (3) في ص: 116 - 117.

[ 113 ]

ولو ادعى عبد أن مولاه أعتقه، وادعى آخر أن مولاه باعه منه، وأقاما البينة، قضي لاسبق البينتين تاريخا، فإن اتفقتا قضي بالقرعة مع اليمين. ولو امتنعا من اليمين قيل: يكون نصفه حرا، ونصفه رقا لمدعي الابتياع، ويرجع بنصف الثمن. ولو فسخ عتق كله. وهل يقوم على بائعه؟ الاقرب نعم، لشهادة البينة بمباشرة عتقه. لمقيم (1) البينة: وأنت تملكها، كما لا يحتاج أن يقوله لصاحب اليد، لان البينة تدل على الملك كما أن اليد تدل عليه. قوله: (ولو ادعى عبد... إلخ). إذا ادعى عبد أن مولاه أعتقه، وادعى آخر أنه باعه منه بكذا، وأنكر صاحب اليد ما ادعيا به، فإما أن يكون هناك بينة أو لا. فإن لم تكن، فإما أن يكون العبد في يد المالك المدعى عليه البيع والعتق، أولا. فإن كان في يده ولا بينة، وأنكر دعواهما، حلف لهما يمينين. وإن أقر بالعتق ثبت، ولم يكن للمشتري تحليفه إن قلنا إن إتلاف البائع كالافة السماوية، لانه بالاقرار بالعتق متلف قبل القبض، فينفسخ البيع. نعم، لو ادعى تسليم الثمن حلف له. وإن أقر بالبيع قضي به، ولم يكن للعبد تحليفه، لانه لو أقر بعد ذلك بالعتق لم يقبل، ولم يلزمه غرم، فلا وجه للاحلاف. قيل: وليس معنا موضع يقر لاحد

(1) في (ت، د) مقيم.

[ 114 ]

المدعيين (1) ولا يحلف للاخر قولا واحدا إلا هذا. وإن كان في يد المشتري قدم قوله. ولو كان هناك بينة، فإن اختصت بأحدهما عمل بها. وإن كانت لهما، فإن تقدم تاريخ إحداهما عمل بها، لان الثاني يكون باطلا. وإن اتحد التاريخان، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والاخرى مؤرخة، قال الشيخ (2): قدمت بينة المشتري إن كان في يده، لاجتماع البينة واليد. وهو مبني على أصله من تقديم بينة ذي اليد عند التعارض. وإن كان في يد المالك الاول، أو لم يكن في يد أحدهما، تعارضتا، فيطلب الترجيح، ومع انتفائه يقضى بالقرعة مع يمين الخارج بها. والشيخ (3) - رحمه الله - حكم باليمين احتياطا. والاقوى اللزوم كغيره. فإن امتنع من اليمين حلف الاخر. فإن امتنعا قسم بينهما على القاعدة السابقة، وحكم برق نصفه وحرية نصفه. هكذا أطلقه الشيخ (4) والجماعة (5) من غير تردد. ولكن المصنف - رحمه الله - نسبه إلى القيل، مؤذنا برده (6). والمختار المشهور. قال الشيخ (7) - رحمه الله -: وللمشتري حينئذ الخيار، لتبعض الصفقة. ورد بأن التبعض جاء من قبله حيث توجهت عليه اليمين فلم يحلف.

(1) في (أ): المتداعيين. (2) المبسوط 8: 286. (3) المبسوط 8: 287. (4) المبسوط 8: 287. (5) تحرير الاحكام 2: 199، إيضاح الفوائد 4: 391 - 392، الدروس الشرعية 2: 106. (6) في (خ): بتردده. (7) المبسوط 8: 287.

[ 115 ]

وعلى ما اختاره الشيخ لو فسخ عتق النصف الاخر، لان البينة قامت على أنه أعتق الجميع، وإنما لم يحكم بموجبها لمزاحمة مدعي الشراء، فإذا انقطعت زحمته حكم به. وفيه وجه آخر أنه لا يعتق، لان قضية القسمة اقتصار العتق على النصف. وإن أجاز مدعي الشراء استقر ملكه على النصف، وعليه نصف الثمن. ثم إن كان المدعى عليه معسرا لم يسر العتق إليه. وإن كان موسرا فوجهان: أحدهما: أن الامر كذلك، لانه عتق محكوم به قهرا، كما إذا ورث بعض قريبه، فإنه يعتق عليه ولا يسري. والثاني: أنه يسري، لقيام البينة على أنه أعتق باختياره. وهذا هو الذي اختاره المصنف وجماعة (1). واعترض الشهيد (2) - رحمه الله - على ذلك بأن: (الواقع في نفس الامر إما العتق أو الشراء أو ليس أحدهما، وأيما كان امتنع معه التقويم على المالك والسراية. أما على تقدير العتق فلانه يكون للمجموع، ومع عتق المجموع لا بعض موجود حتى يقوم. وأما على تقدير الشراء فلانه أيضا للجميع، فلا سبب للتقويم، إذ السبب عتق البعض وهو منتف. ومنهما يظهر انتفاؤه على تقدير انتفائهما). وهذا إيراد موجه، إلا أنه يمكن أن يقال على تقدير عتقه للجميع الذي قد قامت به البينة: يجب أن لا يؤخذ من المشتري عوض النصف الذي ثبت له، وقد حكم عليه بنصف الثمن، وهو قيمة النصف غالبا، فيجب تقويمه على المالك الاول، لان الحكم بعتق شي منه يقتضيه، لانحصار دلالة البينتين في أنه لم يعتق

(1) تحرير الاحكام 2: 199. (2) غاية المراد: 316.

[ 116 ]

مسائل: الاولى: لو شهد للمدعي أن الدابة ملكه منذ مدة، فدلت سنها على أقل من ذلك قطعا أو أكثر، سقطت البينة، لتحقق كذبها. الثانية: إذا ادعى دابة في يد زيد، وأقام بينة أنه اشتراها من عمرو، فإن شهدت البينة بالملكية مع ذلك للبائع أو للمشتري أو بالتسليم قضي للمدعي. وإن شهدت بالشراء لا غير، قيل: لا يحكم، لان ذلك قد يفعل بعضه ويملك بعضه على وجه مانعة الجمع، بل الواقع عتق الجميع أو ملك الجميع. وبهذا يثبت التقويم وإن كان في اعتبار قيمة النصف مغايرة لثمنه على بعض الوجوه، إلا أنه أقرب إلى الواقع من بقاء الرقية على النصف. وأيضا فإن الموجب للتقويم ينظر إلى الثابت شرعا من العتق، ولا ينظر إلى الواقع في نفس الامر، لان الاحكام الشرعية مرتبة على الظاهر، والثابت شرعا هو كون المالك قد أعتق نصفه باختياره، فيقوم عليه مع يساره. قوله: (لو شهد للمدعي... إلخ). أما على تقدير كون الدلالة قطعية فواضح، لان الكذب حينئذ قطعي. وأما على تقدير الاكثرية فالدلالة ظنية. ويشكل معارضتها للحكم الظاهر من عدالة الشاهد (1). وفي التحرير (2) اقتصر في الحكم بسقوط البينة على الدلالة القطعية. وهو أولى. قوله: (إذا ادعى دابة... إلخ).

(1) في (د): الشاهدين. (2) تحرير الاحكام 2: 196.

[ 117 ]

فيما ليس بملك، فلا تدفع اليد المعلومة بالمظنون. وهو قوي. وقيل: يقضى له، لان الشراء دلالة على التصرف السابق الدال على الملكية. الثالثة: الصغير المجهول النسب إذا كان في يد واحد، وادعى رقيته، قضي [ له ] بذلك ظاهرا. وكذا لو كان في يد اثنين. أما لو كان كبيرا وأنكر فالقول قوله، لان الاصل الحرية. القولان للشيخ - رحمه الله - أولهما في المبسوط (1). واختاره المصنف والاكثر. والثاني في الخلاف (2). ووافقه في المختلف. (3) وتعليلهما واضح مما ذكره المصنف. وأصحهما الاول. ويمنع من كون التصرف مطلقا دالا على الملكية. واعترض العلامة على الشيخ في اكتفائه في ثبوت الملك بالتسليم، بحكمه أنه لو شهدت البينة للخارج بأن الدار كانت في يده منذ أمس أنه لا تزال اليد المتصرفة، فكيف يمكن الجمع بين ذلك وبين ترجيحه هنا بتسليم البائع إلى المشتري؟! وجوابه: أن ذلك مبني على قوله بترجيح اليد السابقة، فإن له في المسألة قولين، فلا يعترض عليه بالقول الاخر، [ كما ] (4) أن له في هذه المسألة قولين أيضا، فلا ينضبط الاعتراض عليه في ذلك. وقد حققناه سابقا (5). قوله: (الصغير المجهول النسب... إلخ).

(1) راجع المبسوط 8: 295، وفرض المسألة فيما إذا ادعى دارا في يد زيد. (2) الخلاف 6: 345 مسألة (19). (3) المختلف: 711. (4) من (خ، د)، وفي (ط): مع أن له... (5) راجع ص: 100.

[ 118 ]

ولو ادعى اثنان رقيته، فاعترف لهما، قضي عليه. وإن اعترف لاحدهما كان مملوكا له دون الاخر. الرابعة: لو ادعى كل واحد منهما أن الذبيحة له، وفي يد كل واحد بعضها، وأقام كل [ واحد ] منهما بينة، قيل: قضي لكل واحد بما في يد الاخر. وهو الاليق بمذهبنا. وكذا لو كان في يد كل واحد شاة، وادعى كل منهما الجميع، وأقاما بينة، قضي لكل منهما بما في يد الاخر. احترز بمجهول النسب عن معلومه بالحرية، فإن دعوى رقيته لا تسمع، لظهور كذبها، بخلاف المجهول، فإنه وإن كان الاصل فيه الحرية إلا أن رقيته أمر ممكن، وقد ادعاه ذو اليد ولا منازع له فيحكم به. وحيث تثبت الرقية لا يلتفت إلى إنكار الصغير بعد بلوغه، لسبق الحكم برقيته. وفي حكم الصغير المجنون. أما البالغ فيعتبر تصديقه، لاستقلاله بنفسه، واعتبار قوله. ولا فرق بين تصديقه للواحد والاكثر، لاشتراك الجميع في المقتضي. وقد تقدم (1) البحث في ذلك كله في الاقرار بالنسب. قوله: (لو ادعى كل واحد... إلخ). إنما يقضى لكل واحد بما في يد الاخر على تقدير كون البعض الذي في يد كل منهما منفصلا عن الاخر، لتحقق اختصاص اليد به. أما لو كان متصلا كانت بينهما نصفين على الاشاعة، كما لو أقام المدعيان بينتين والعين في يدهما. والقضاء لكل بما في يد الاخر مبني على تقديم بينة الخارج، وهو الذي

(1) راجع مسالك الافهام 11: 125، ويلاحظ أنه لم يبحث هناك عن ادعاء رقية الصغير، بل عن الاقرار بنسبه.

[ 119 ]

الخامسة: لو ادعى شاة في يد عمرو وأقام بينة فتسلمها، ثم أقام الذي كانت في يده بينة أنها له، قال الشيخ: ينقض الحكم وتعاد. وهو بناء على القضاء لصاحب اليد مع التعارض. والاولى أنه لا ينقض. أشار إليه بكونه أليق بمذهبنا. وعلى القول بتقديم بينة ذي اليد، كما هو أحد قولي الشيخ (1)، يقضى لكل منهما بما في يده. ولو تعددت الشياة واختص كل واحد بواحدة، فالحكم كما لو اختص بجز منها منفصلا. وهذا واضح. ومما يتفرع على ذلك أنه لو كان أحدهما كافرا والاخر مسلما، حكم بكون ما يقضى به للكافر ميتة وللمسلم مذكى، وإن كان كل واحد من الجزأين قد انتزعه من الاخر، عملا بظاهر اليد المعتبرة شرعا. ولا يقدح في ذلك اليد السابقة، لظهور بطلانها شرعا. قوله: (لو ادعى شاة... إلخ). إذا ادعى زيد على عمرو شاة في يد عمرو، وأقام زيد فقط البينة حكم له قطعا، لنهوض البينة بالحق ولا معارض لها. فإذا صارت في يد زيد فأقام عمرو بينة أنها له، فإما أن يطلق دعوى الملك، وهو الذي فرضه المصنف - رحمه الله -، أو يدعي ملكا سابقا على إزالة يده، أو لاحقا عليها. فالصور ثلاث، وحكم المطلقة متفرع على الاخيرتين. فلنبداء بالبحث عنهما. فالاولى: أن يدعي ملكا سابقا على إزالة يده، فبينته على هذا الوجه معارضة للبينة الاولى، فيبنى على تقديم الخارج أو الداخل. ويزيد هنا أن المراد بالداخل والخارج عند التعارض أو عند الملك المدعى. فعلى المشهور والظاهر

(1) المبسوط 8: 300.

[ 120 ]

من تقديم الخارج وكون المراد به حال إقامة البينة يحكم بها لعمرو، لانه الان خارج. وكذا على القول باعتبار الدخول حال الملك وقدمنا الداخل. وهو الذي علل به المصنف - رحمه الله - حكم الشيخ (1) - رحمه الله - بتقديم عمرو. ولو قدمنا الخارج على هذا التقدير لم ترفع يد زيد عنها، لانه خارج حينئذ. وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله. والثانية: أن يدعي ملكا لاحقا بعد زوال يده، ويقيم عليه البينة، سواء ذكر تلقيه من زيد أم لا. والوجه القبول هنا، لعدم التعارض مع تصريحه بتلقي الملك عن زيد أو إطلاقه، توفيقا بين البينتين. ومع تصريحه بتلقيه من غيره يبنى على ترجيح الداخل أو الخارج. فعلى الاشهر من تقديم الخارج يقدم هنا أيضا، عملا بالعموم (2). والثالثة: أن يطلق الدعوى ويقيم البينة. وهو الموافق لعبارة الكتاب، وإن كان تعليله يناسب الاولى. فإن قدمنا عمرا في الصورتين السابقتين فهنا أولى، لانحصار أمره فيهما. وإن قدمنا زيدا في إحداهما احتمل تقديم عمرو هنا، لما تقدم من أنه مهما أمكن التوفيق بين البينتين وفق، وهو هنا ممكن مع (3) الاطلاق، بجعل ملك عمرو متلقى من زيد بعد انتقاله عنه حيث يمكن. وهذا أقوى (4). ويحتمل العدم، لامكان استناده إلى الملك السابق على وجه لا تقدم فيه بينته، إما

(1) المبسوط 8: 301 - 302. (2) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم. (3) في (أ، ث): فمع. (4) في (د): قوي.

[ 121 ]

السادسة: لو ادعى دارا في يد زيد، وادعى عمرو نصفها، وأقاما البينة، قضي لمدعي الكل بالنصف، لعدم المزاحم، وتعارضت البينتان في النصف الاخر، فيقرع بينهما، ويقضى لمن يخرج اسمه مع يمينه. ولو امتنعا من اليمين قضي بها بينهما بالسوية، فيكون لمدعي الكل ثلاثة الارباع، ولمدعي النصف الربع. بجعله على هذه الحالة داخلا، أو لعدم ترجيح الخارج. والوجه تقديم عمرو في جميع الصور. قوله: (لو ادعى دارا... إلخ). هذا الحكم هو المشهور بين الاصحاب، وهو مبني على قاعدة تعارض البينتين مع خروج يد المدعيين، فتقع القسمة مع امتناعهما من الحلف على النصف الذي فيه النزاع، لان النصف الاخر لا نزاع بينهما فيه، ونسبتهما إلى النصف واحدة، وبينتهما متساوية، وكل منهما مدع لكله، فيقسم بينهما نصفين، فتخلص لمدعي الكل ثلاثة أرباع. وذهب ابن الجنيد (1) - رحمه الله - إلى اقتسامهما ما يتنازعان فيه على طريق العول، فيجعل هنا لمدعي الكل الثلثان، ولمدعي النصف الثلث، لان المنازعة وقعت في أجزاء غير معينة ولا مشار إليها، بل كل واحد من أجزائها لا يخلو من دعوى كل منهما باعتبار الاشاعة، فلا يتم ما ذكروه من خلوص النصف لمدعي الكل بغير منازع، بل كل جز يدعي مدعي النصف نصفه ومدعي الكل جميعه (2)، ونسبة إحدى الدعويين إلى الاخرى بالثلث، فتقسم العين أثلاثا، واحد

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 701. (2) في (أ، ث): كله.

[ 122 ]

ولو كانت يدهما على الدار، وادعى أحدهما الكل والاخر النصف، وأقام كل منهما بينة، كانت لمدعي الكل، ولم يكن لمدعي النصف شي، لان بينة ذي اليد بما في يده غير مقبولة. لمدعي النصف، واثنان لمدعي الكل، فيكون كضرب الديان في مال المفلس والميت. وفي المختلف (1) وافق ابن الجنيد على ذلك مع زيادة المدعي على اثنين، إلا أن ابن الجنيد فرض الحكم على تقدير كون العين بيدهما، والعلة تقتضي التسوية بين الداخلين والخارجين حيث يقتسمان. وفي القواعد (2) جعل قول ابن الجنيد احتمالا على تقدير خروجهما، كما هو محتمل على تقدير الدخول. والاصح المشهور. والجواب عن حجة العول أن مدعي الكل يسلم له نصف مشاع بغير نزاع، وهو كاف في المطلوب، وإن كان النزاع واقعا في كل جز باعتبار التعيين. قوله: (ولو كانت يدهما... إلخ). إذا كانت يدهما على الدار فالنصف لمدعي الكل بغير معارض، وتعارضت البينتان في النصف الذي في يد مدعي النصف، فعلى المشهور من تقديم بينة الخارج فهو لمدعي الكل أيضا، ولا شي لمدعي النصف. وعلى القول بتقديم ذي اليد فهو لمدعي النصف. ولو لم يكن لهما بينة فهي بينهما بالسوية، لان مدعي النصف يده عليه، فيقدم قوله فيه بيمينه، ولا يمين على الاخر.

(1) المختلف: 701. (2) قواعد الاحكام 2: 223 - 224.

[ 123 ]

ولو ادعى أحدهم النصف والاخر الثلث والثالث السدس، و [ كانت ] يدهم عليها، فيد كل واحد منهم على الثلث. لكن صاحب الثلث لا يدعي زيادة على ما في يده، وصاحب السدس يفضل في يده ما لا يدعيه هو ولا مدعي الثلث، فيكون لمدعي النصف، فيكمل له النصف. وكذا لو قامت لكل منهم بينة بدعواه. وقال ابن الجنيد (1): تقسم بينهما أثلاثا، سواء أقاما بينة أم لم يقيماها، نظرا إلى العول. قوله: (ولو ادعى أحدهم... إلخ). هذه الصورة لا يقع فيها نزاع في الحقيقة، لان سهام المدعيين (2) لا تزيد عن أجزاء العين، فلا يفرق فيها بين أن يقيما (3) بينة وعدمه، ولا يمين لاحد منهم على الاخر، لعدم المعارضة. ونبه بذكر حكمها كذلك على خلاف بعض (4) العامة، حيث جعل لمدعي النصف ثلثا ونصف سدس، بناء على أن السدس الزائد على ما في يده لا يدعيه على مدعي السدس خاصة، إنما يدعيه شائعا في بقية الدار، وهي في يد الاخرين جميعا، فيستحلفهما. وإن كان السدس مدعى على الشيوع فنصفه على مدعي الثلث، وعارضت فيه بينته، وترجحت باليد على تقدير إقامتهما البينة، وقدم قول ذي اليد على تقدير عدمها. ونصفه على مدعي السدس فيحكم به لمدعي النصف ببينته، لان بينة مدعي السدس لا تعارضها. فيجعل لمدعي النصف

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 701. (2) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، ولعل الصحيح - سيما بملاحظة فرض المسألة في المتن، وتعبير الشارح (قدس سره) بعيد هذا: لاحد منهم -: المدعين.... أن يقيموا... (3) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، ولعل الصحيح - سيما بملاحظة فرض المسألة في المتن، وتعبير الشارح (قدس سره) بعيد هذا: لاحد منهم -: المدعين.... أن يقيموا... (4) روضة الطالبين 8: 333 - 334.

[ 124 ]

ولو ادعى أحدهم الكل، والاخر النصف، والثالث الثلث، ولا بينة، قضي لكل واحد [ منهم ] بالثلث، لان يده عليه. وعلى الثاني والثالث اليمين لمدعي الكل، وعليه وعلى مدعي الثلث اليمين لمدعي النصف. وإن أقام كل منهم بينة، فإن قضينا مع التعارض ببينة الداخل، فالحكم كما لو لم تكن بينة، لان لكل واحد بينة ويدا على الثلث. وإن قضينا ببينة الخارج، وهو الاصح، كان لمدعي الكل مما في يده، ثلاثة من اثني عشر بغير منازع، والاربعة التي في يد مدعي النصف، لقيام البينة لصاحب الكل بها، وسقوط بينة صاحب النصف بالنظر إليها، إذ لا تقبل بينة ذي اليد، وثلاثة مما في يد مدعي الثلث. ويبقى واحد مما في يد مدعي الكل لمدعي النصف. وواحد مما في يد مدعي الثلث، يدعيه كل واحد من مدعي النصف ومدعي الكل، يقرع بينهما، ويحلف من يخرج اسمه ويقضى له. فإن امتنعا، قسم بينهما ثلث ونصف سدس، وللاخرين مدعاهما، ويبقى بيد (1) مدعي السدس نصف سدس لا يدعيه أحد. ولا يخفى عليك ضعف هذا القول على تقدير الاشاعة كما هو المفروض. وأيضا فما ذكروه مبني على تقديم الداخل مع تعارض البينتين. وعلى القول بتقديم الخارج يقدم مدعي النصف في نصف السدس الذي يدعيه على مدعي الثلث، ويبقى نصف السدس الذي بيد مدعي السدس يدعيه مدعي الثلث ليتم له سهمه، إذ التقدير الاشاعة. فما اختاره الاصحاب أوضح. قوله: (ولو ادعى أحدهم الكل... إلخ).

(1) في (أ، خ): بعد لمدعي، وفي (ط): مع مدعي.

[ 125 ]

نصفين، فيحصل لصاحب الكل عشرة ونصف، ولصاحب النصف واحد ونصف، وتسقط دعوى مدعي الثلث. إذا ادعى أحدهم جميع الدار، والاخر نصفها، والثالث ثلثها، فلا يخلو: إما أن تكون أيديهم عليها، أو يكونوا خارجين عنها. ثم إما أن يكون لكل واحد بينة، أو لا يكون لاحدهم، أو يكون لبعضهم دون بعض. فإن كانت أيديهم عليها ولا بينة لاحدهم ففي يد كل واحد ثلث. فمدعي الثلث لا يدعي زائدا على ما في يده، ومدعي النصف يدعي سدسا عليهما، ومدعي الكل يدعي جميع ما بأيديهما، فيقدم قول كل واحد فيما بيده. ويحلف مدعي الثلث لكل واحد منهما، لانهما معا يدعيان عليه. ويحلف مدعي النصف لمدعي الجميع خاصة، وبالعكس. وإن أقام المستوعب خاصة بينة أخذ الجميع، لان قوله مقدم في الثلث الذي بيده بغير بينة، ويأخذ الباقي بها. وإن أقامها مدعي النصف خاصة أخذ ثلثا مما في يده، والسدس منهما بالبينة، والنصف الباقي بين الاخرين نصفان، للمستوعب السدس بغير منازع، ولمدعي الثلث ربع مما في يده، وهو الباقي بعد نصف السدس الذي أخذه ذو البينة، ويحلف عليه للمستوعب، ويبقى للمستوعب من النصف نصف سدس يأخذه باليمين لمدعي الثلث. وإن أقامها مدعي الثلث أخذه، والباقي بين الاخرين، للمستوعب السدس الزائد عن مدعي النصف بغير يمين، ويحلف على باقي ما في يده وهو السدس، ويحلف مدعي النصف على جميع ما يأخذه للمستوعب. وإن أقام كل بينة، فإن رجحنا بينة الداخل قسمت أثلاثا، لان لكل واحد بينة ويدا على الثلث.

[ 126 ]

وإن رجحنا الخارج فللمستوعب جميع ما بيد مدعي النصف، لسقوط بينته بالنظر إليه، وعدم المنازع له فيه من خارج. وتتعارض بينته وبينة [ الخارج فهو ] (1) مدعي النصف في نصف سدس مما في يد مدعي الثلث، فيقرع بينهما فيه، ويحلف الخارج بالقرعة. فإن امتنعا من اليمين قسم بينهما، وخلص للمستوعب ما في يد مدعي الثلث - وهو الربع - بغير منازع. ويسلم له أيضا ثلاثة أرباع ما في يده بغير منازع، لان مدعي النصف يدعي مما في يده نصف سدس، فيأخذه ببينته. فأصل المسألة من ستة، لان فيها نصفا وثلثا، ثم ترتقي إلى اثني عشر، للاحتياج فيها إلى نصف سدس، ثم ترتقي إلى أربعة وعشرين، حيث يقسم نصف السدس بين اثنين إذا امتنعا من اليمين، في يد كل واحد منهم ثمانية. فمدعي الثلث لا يدعي زيادة عما في يده، وهو داخل، فلا بينة له. ومدعي النصف يدعي على كل واحد اثنين تتمة النصف، فيأخذهما من المستوعب ببينته، لعدم المعارض، ويبقى للمستوعب ستة مما في يده. ويأخذ جميع ما في يد مدعي النصف، وينازع مدعي النصف في الاثنين اللذين يدعيهما على مدعي الثلث، فمع عدم اليمين يقتسمانهما لكل واحد واحد. ويأخذ من مدعي الثلث ستة هي الزائد عما يدعيه مدعي النصف، وتتعارض بينتاهما في اثنين، فيقتسمان بينهما مع امتناعهما من اليمين. فيجتمع للمستوعب أحد وعشرون، ولمدعي النصف ثلاثة. ولك أن تردها إلى ثمانية، للمستوعب سبعة أثمان، ولمدعي النصف ثمن.

(1) من الحجريتين.

[ 127 ]

هذا هو الذي تقتضيه قاعدة البينة الخارجة، وهو الذي حكم به الاكثر، ومنهم العلامة في التحرير (1). وأما في القواعد (2) فجعله احتمالا، واختار أن لمدعي النصف سدسا، لان بينته خارجة فيه، وللمستوعب خمسة أسداس، لان له السدس بغير بينة، إذ لا منازع له فيه، والثلثين، لكون بينته خارجة فيهما. والاصح الاول. ولو كانت أيديهم خارجة، واعترف ذو اليد أنه لا يملكها، ولا بينة، فللمستوعب النصف بغير منازع. ويقرع بينهم في النصف الباقي، فإن خرجت لصاحب الكل أو لصاحب النصف حلف وأخذه. وإن خرجت لصاحب الثلث حلف وأخذ الثلث. ثم يقرع بين الاخرين في السدس الباقي، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذه. ولو أقام أحدهم خاصة بينة، فإن كانت للمستوعب أخذ الجميع. وإن أقامها مدعي النصف أخذه، ويبقى للمستوعب السدس بغير منازع، والثلث يتنازع فيه مدعيه والمستوعب، فيكون الحكم فيه كما لو لم يكن بينة. ولو أقامها مدعي الثلث أخذه، وللمستوعب السدس أيضا بغير منازع، والنصف يقرع فيه بين مدعيه والمستوعب، ويكمل العمل. ولو أقام كل واحد بينة، فالنصف لمدعي الكل، لعدم المنازع، والسدس الزائد عن الثلث يتنازعه المستوعب ومدعي النصف، والثلث يدعيه الثلاثة، وقد تعارضت البينات فيه، فيقرع بينهم مع عدم المرجح، ويحلف من خرجت له

(1) تحرير الاحكام 2: 197. (2) قواعد الاحكام 2: 224 - 225.

[ 128 ]

ولو كانت في يد أربعة، فادعى أحدهم الكل، والاخر الثلثين، والثالث النصف، والرابع الثلث، ففي يد كل واحد ربعها. فإن لم تكن بينة قضينا لكل واحد بما في يده، وأحلفنا كلا منهم لصاحبه. ولو كانت يدهم خارجة، ولكل بينة، خلص لصاحب الكل الثلث، إذ لا مزاحم له، ويبقى التعارض بين بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين في السدس، فيقرع بينهما فيه. ثم يقع التعارض بين بينة مدعي الكل، ومدعي الثلثين، ومدعي النصف، في السدس أيضا، فيقرع بينهم فيه. ثم القرعة، ومع نكوله يحلف الخصم الاخر، ومع امتناع الجميع يرجع إلى القسمة، فيقسم السدس نصفين، والثلث أثلاثا، ويصح من ستة وثلاثين، لان فيها نصف سدس وتسعا (1)، وهو ثلث الثلث، ومخرج الاول إثنا عشر والثاني تسعة، وبينهما توافق بالثلث، ومضروب ثلث أحدهما في الاخر ستة وثلاثون. ولك أن تجعل أصل القسمة ستة، ثم تحتاج إلى قسمة السدس نصفين، فتضرب اثنين في ستة، وإلى قسمة الثلث أثلاثا، فتضرب ثلاثة في المرتفع وهو اثنا عشر. للمستوعب النصف ونصف السدس وثلث الثلث، وذلك خمسة وعشرون. ولمدعي النصف نصف السدس وثلث الثلث، وذلك سبعة. ولمدعي الثلث ثلثه أربعة. وعلى القول بالعول يصح من أحد عشر سهما، للمستوعب ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعي الثلث سهمان، لان فريضتهم من ستة، ويعال عليها نصفها وثلثها. قوله: (ولو كانت في يد أربعة... إلخ).

(1) فيما لدينا من النسخ الخطية: وتسع، والصحيح ما أثبتناه.

[ 129 ]

يقع التعارض بين الاربعة في الثلث، فيقرع بينهم، ويخص به من تقع القرعة له. ولا يقضى لمن يخرج اسمه إلا مع اليمين. ولا يستعظم أن يحصل بالقرعة الكل لمدعي الكل، فإن ما حكم الله تعالى به غير مخطئ. ولو نكل الجميع عن الايمان قسمنا ما يقع التدافع فيه بين المتنازعين، في كل مرتبة بالسوية. فتصح القسمة من ستة وثلاثين سهما، لمدعي الكل عشرون، ولمدعي الثلثين ثمانية، ولمدعي النصف خمسة، ولمدعي الثلث ثلاثة. إذا كان المتداعون في الدار أربعة على الوجه المذكور، فأقسامها (1) كالسابقة، لانه لا يخلو: إما أن يكون في يدهم، أو خارجة عنهم (2). ثم إما أن يكون لكل واحد بينة، أو لا يكون لاحدهم، أو يكون لبعضهم دون بعض. فإن كانت يدهم عليها ولا بينة لاحدهم، قضي لكل واحد بما في يده مع يمينه لكل واحد منهم، فإنه لم يخلص لاحد منهم ما يدعيه. ولو كان لهم بينة مع دخولهم فسيأتي حكمه. ولو كانت يدهم خارجة وهي في يد من لا يدعيها، وأقام كل واحد بينة، فلا تعارض في الثلث، فيختص به مدعي الكل، ويقع التعارض في الباقي. ففي السدس الزائد على النصف تتعارض بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين. وفي السدس الزائد على الثلث تتعارض بينتهما وبينة مدعي النصف. وفي الثلث الباقي تتعارض بينات الاربع. فمع عدم المرجح يقرع بين المتعارضين،

(1) في (أ): فاقتسامها. (2) في إحدى الحجريتين: عنها.

[ 130 ]

ويحلف الخارج بالقرعة. ومع امتناعه من اليمين يحلف الاخر ويأخذه. ومع امتناعهما يقسم بينهما. فيقسم السدس الزائد على النصف بين مدعي الكل ومدعي الثلثين بالسوية، والسدس الزائد على الثلث بينهما وبين مدعي النصف أثلاثا، والثلث الباقي بين الاربعة أرباعا. فتجعل الدار ستة وثلاثين سهما، لحاجتنا إلى عدد ينقسم سدسه على اثنين وعلى ثلاثة، فتضرب اثنين في ستة، ثم في ثلاثة، لمدعي الكل ثلثها اثنا عشر، ونصف السدس الزائد على النصف ثلاثة، وثلث السدس الزائد على الثلث اثنان، وربع الثلث الباقي وهو ثلاثة، وذلك عشرون، وهي خمسة أتساع الدار. ولمدعي الثلثين ثلاثة أسهم من السدس الزائد على النصف، وسهمان من السدس الزائد على الثلث، وثلاثة من الثلث الباقي، فيبلغ ثمانية، وهي تسعا الدار. ولمدعي النصف سهمان من السدس الزائد على الثلث، وثلاثة من الثلث الباقي، وذلك خمسة، وهي تسع وربع تسع. ولمدعي الثلث ثلاثة من الثلث الباقي لا غير، وهي ثلاثة أرباع تسع. فالمجتمع مجموع سهام الدار. وكذا البحث لو لم يكن لاحدهم بينة. ولو أقامها أحدهم خاصة قضي له بما يدعيه، فإن فضل عنه شي تعارضت فيه الدعوى، واعتبر ما أسلفناه.

[ 131 ]

ولو كان المدعى في يد الاربعة، ففي يد كل واحد [ منهم ] ربعها. فإذا أقام كل واحد منهم بينة بدعواه، قال الشيخ (1): يقضى لكل واحد [ منهم ] بالربع، لان له بينة ويدا. والوجه: القضاء ببينة الخارج على ما قررناه، فيسقط اعتبار بينة كل واحد بالنظر إلى ما في يده، ويكون ثمرتها [ في دعوى التكملة ] فيما يدعيه مما في يد غيره. فيجمع بين كل ثلاثة على ما في يد الرابع، وينتزع لهم، ويقضى فيه بالقرعة واليمين، ومع الامتناع بالقسمة. فيجمع بين مدعي الكل والنصف والثلث، على ما في يد مدعي الثلثين، وذلك ربع اثنين وسبعين، وهو ثمانية عشر. فمدعي الكل يدعيها أجمع، ومدعي النصف يدعي منها ستة، ومدعي الثلث يدعي اثنين. فتكون عشرة منها لمدعي الكل، لقيام البينة بالجميع الذي تدخل فيه العشرة. ويبقى ما يدعيه صاحب النصف - وهو ستة - يقرع بينه وبين مدعي الكل فيها ويحلف، ومع الامتناع يقسم بينهما. وما يدعيه صاحب الثلث - وهو اثنان - يقرع عليه بين مدعي الكل وبينه، فمن خرج اسمه احلف واعطي، ولو امتنعا قسم بينهما. ثم تجمع دعوى الثلاثة، على ما في يد مدعي النصف. فصاحب الثلثين يدعي عليه عشرة، ومدعي الثلث يدعي اثنتين، ويبقى في يده ستة لا يدعيها إلا مدعي الجميع، فتكون له، ويقارع الاخرين، ثم يحلف، وإن امتنعوا أخذ نصف ما ادعياه. ثم يجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الثلث، وهو ثمانية عشر. قوله: (ولو كان المدعى في يد الاربعة... إلخ).

(1) المبسوط 8: 292 - 293.

[ 132 ]

فمدعي الثلثين يدعي منه عشرة، ومدعي النصف يدعي ستة، يبقى اثنان لمدعي الكل، ويقارع على ما افرد للاخرين، فإن امتنعوا عن الايمان، قسم ذلك بين مدعي الكل، وبين كل واحد منهما بما ادعاه. ثم يجتمع الثلاثة على ما في يد مدعي الكل. فمدعي الثلثين يدعي عشرة، ومدعي النصف يدعي ستة، ومدعي الثلث يدعي اثنين، فتخلص يده عما كان فيها. فيكمل لمدعي الكل ستة وثلاثون من أصل اثنين وسبعين، ولمدعي الثلثين عشرون، ولمدعي النصف اثنا عشر، ولمدعي الثلث أربعة. هذا إن امتنع صاحب القرعة من اليمين ومقارعه. إذا كانت الدار المذكورة في يد المتداعيين الاربعة، وأقام كل منهم بينة بمدعاه، فإن قدمنا بينة الداخل كان الحكم كما لو لم يكن هناك بينة، فيقسم بينهم أرباعا. وإن رجحنا بينة الخارج - كما هو المشهور - سقط اعتبار بينة كل واحد منهم بالنظر إلى ما في يده، وتكون فائدتها فيما في يد غيره. فيجمع بين كل ثلاثة على ما في يد الرابع، ويكون الفاضل عن الدعاوي للمستوعب، ويقارع في المدعى به ويحلف، فإن نكل حلف الاخر، فإن نكلوا قسم. ويصح حينئذ من اثنين وسبعين، لان أصلها أربعة بعددهم، ثم مدعي الثلثين يدعي على الثلاثة سهما وثلثين زيادة على ما في يده، ومخرجه تسعة، ومدعي النصف يدعي سهما عليهم، ومخرجه ثلاثة، ومدعي الثلث يدعي ثلث سهم عليهم، ومخرجه أيضا تسعة، والثلاثة تداخلها، والعددان متماثلان فيقتصر على أحدهما، وتضربه في أربعة، ثم [ يضرب ] (1) المرتفع في اثنين، لان السهم المتنازع يقسم على تقدير النكول عن اليمين، فيبلغ ذلك اثنين وسبعين.

(1) من الحجريتين.

[ 133 ]

أو نقول: إن مدعي الثلث يدعي تسع ما في يد المستوعب وهو الربع، وبعد النكول يقسم، فيحتاج إلى نصف تسع الربع، وذلك يتم بضرب ثمانية عشر في أربعة، في يد كل واحد ثمانية عشر. فيجمع بين المستوعب والثالث والرابع على ما في يد الثاني وهو مدعي الثلثين، فالمستوعب يدعيه أجمع، ومدعي النصف - وهو الثالث - يدعي ثلثه (1)، لان الفائت عن مدعاه مما في يده ثمانية عشر يدعيها على الثلاثة، ومدعي الثلث - وهو الرابع - يدعي منها اثنين، لان الباقي عما في يده من مدعاه ستة يدعيها على الثلاثة بالسوية. فيبقى مما في يد الثاني عشرة للمستوعب بغير معارض. ثم يتقارع المستوعب والاخرين في الستة والاثنين، ويقسم بينهما مع عدم اليمين، فيكمل له ثلاثة من الثالث وواحد من الرابع، فيجتمع له أربعة عشر من الثاني. ثم تجتمع دعوى الثلاثة على ما في يد مدعي النصف، فالثاني يدعي منه عشرة، لان الزائد عما في يده من مدعاه ثلاثون يدعيها على الثلاثة بالسوية، وقد عرفت أن الرابع يدعي على كل واحد اثنين، يفضل للمستوعب ستة بغير منازع. ويقارع الثاني في العشرة والرابع في الاثنين، ويقسم بينهما على تقدير النكول عن اليمين، فيجتمع له من الثالث إثنا عشر. ثم تجتمع دعوى الثلاثة على ما في يد الرابع، فالثاني يدعي منه عشرة، والثالث ستة، يبقى للمستوعب اثنان بغير معارض. ويقاسم الاخرين في الستة والعشرة بعد النكول، فيجتمع له عشرة. ثم يجتمع الثلاثة الاخيرة على ما في يد الاول، فالثاني يدعي منه عشرة،

(1) في (أ) ونسخة بدل (ت): ستة.

[ 134 ]

السابعة: إذا تداعى الزوجان متاع البيت، قضي لمن قامت له البينة. ولو لم تكن بينة، فيد كل واحد منهما على نصفه. قال في المبسوط: يحلف [ كل واحد منهما ] لصاحبه، ويكون بينهما بالسوية، سواء كان مما يختص الرجال أو النساء أو يصلح لهما، وسواء كانت الدار لهما أو لاحدهما، وسواء كانت الزوجية باقية بينهما أو زائلة. ويستوي في ذلك تنازع الزوجين والوراث. وقال في الخلاف: ما يصلح للرجال للرجل، وما يصلح للنساء للمرأة، وما يصلح لهما يقسم بينهما. وفي رواية أنه للمرأة، لانها تأتي والثالث ستة، والرابع اثنين، فيأخذ كل منهم ما يدعيه، لعدم المعارض. فيجتمع للمستوعب نصف الدار، وهو أربعة عشر سهما من الثاني، واثنا عشر من الثالث، وعشرة من الرابع، وذلك ستة وثلاثون. وللثاني ربعها وربع تسعها، وهو عشرون سهما، خمسة من الثالث، وخمسة من الرابع، وعشرة من الاول. وللثالث سدسها اثنا عشر سهما، ستة من الاول، ومن كل واحد من الاخرين ثلاثة. وللرابع نصف التسع، وهو أربعة أسهم، اثنان من الاول، ومن كل واحد من الاخرين واحد. وذلك مجموع الدار، لان السدس تسع ونصف تسع، إذا ضما إلى نصف التسع نصيب الرابع، ثم إلى ربع التسع بلغت ربعا، يضاف إلى ثلاثة الارباع التي بيد الاول والثاني يبلغ ذلك المجموع. هذا إذا امتنع الخارج بالقرعة عن اليمين وخصومه، وإلا أخذ الحالف مجموع ما وقع فيه التنازع. ولا يخفى حينئذ الحساب لو وقع ذلك من المجموع أو من البعض. قوله: (إذا تداعى الزوجان... إلخ).

[ 135 ]

بالمتاع من أهلها. وما ذكره في الخلاف أشهر في الروايات، وأظهر بين الاصحاب. اختلف الاصحاب في حكم متاع البيت عند تنازع الزوجين فيه على أقوال، منشؤها الاعتبار أو اختلاف الاخبار، ثلاثة منها للشيخ - رحمه الله -، وثلاثة للعلامة متداخلة. الاول: أنهما فيه سواء، فيقسم بينهما بعد حلف كل لصاحبه، سواء كان المتنازع فيه مما يصلح للرجال، كالعمائم والدروع والسلاح، أم يصلح للنساء، كالحلي والمقانع وقمص النساء، أم يصلح لهما، كالفرش والاواني. وسواء كانت الدار لهما، أم لاحدهما، أم لثالث. وسواء كانت الزوجية باقية، أم زائلة. وسواء كانت يدهما عليه تحقيقا، أم تقديرا. وسواء كان التنازع بينهما، أم بين ورثتهما، أم بين أحدهما وورثة الاخر. وحجة هذا القول إلحاقه بسائر الدعاوي، لدخوله في العموم. ولا ريب أنه الذي يقتضيه الاصل، إلا أن فيه اطراحا للاخبار المعتبرة. وإلى هذا القول ذهب الشيخ في المبسوط (1)، وتبعه العلامة في القواعد (2)، وولده الفخر في الشرح (3). ونبه بهذه التسويات على خلاف جماعة من العامة (4)، حيث ذهب بعضهم إلى التفصيل بالصلاحية. وهو أحد أقوالنا. وبعض إلى أنه إن كان في يدهما تحقيقا كالمشاهدة فهو بينهما، وإن كان تقديرا رجع إلى الصلاحية، ومع كونها

(1) المبسوط 8: 310. (2) قواعد الاحكام 2: 223. (3) إيضاح الفوائد 4: 380 - 381. (4) الحاوي الكبير 17: 409، حلية العلماء 8: 213 - 214، المقنع في شرح مختصر الخرقي 4: 1325، الكافي في فقه أحمد 4: 326.

[ 136 ]

[ صالحة ] (1) لهما يحكم به للرجل. وبعض إن [ كان ] (2) الاختلاف بين أحدهما وورثة الاخر يقدم فيه قول الباقي من الزوجين. الثاني: أن ما يصلح للرجال [ خاصة ] (3) يحكم به للزوج، وما يصلح للنساء خاصة يحكم به للمرأة، وما يصلح لهما يقسم بينهما بعد التحالف أو النكول. ذهب إلى ذلك الشيخ في الخلاف (4)، وقبله ابن الجنيد (5)، وتبعهما ابن إدريس (6) والمصنف - رحمه الله - والعلامة في التحرير (7) والا كثر. والمستند - مع قضاء العادة بذلك - صحيحة رفاعة النخاس عن الصادق عليه السلام قال: (إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجال والنساء يقسم بينهما، وإذا طلق المرأة فادعت أن المتاع لها، وادعى الرجل أن المتاع له، كان له ما للرجال ولها ما للنساء) (8). وليست هذه الرواية صريحة في جميع مدعى القائلين، إذ ليس فيها أن ما يصلح لهما يقسم بينهما على تقدير التنازع، وذكره في صدر الرواية كان قبل النزاع. لكنه ظاهر في ذلك، على تهافت في لفظ الرواية. لكنها مؤيدة بجريان

(1) من إحدى الحجريتين. (2) من (خ). (3) من (ت، م). (4) الخلاف 6: 352 مسألة (27). (5) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 313. (6) السرائر 2: 193 - 194. (7) تحرير الاحكام 2: 200. (8) الفقيه 3: 65 ح 215، التهذيب 6: 294 ح 818، الاستبصار 3: 46 ح 153، الوسائل 17: 525 ب (88) من أبواب ميراث الازواج ح 4.

[ 137 ]

العادة بذلك، ورجوع الشرع في باب الدعاوي إلى العادات، كتقديم قول المنكر والمتشبث. والشيخ في الاستبصار (1) حمل هذه الرواية على التقية أو على الصلح، دون مر الحكم. الثالث: أن القول قول المرأة مطلقا. ذهب إلى ذلك الشيخ في الاستبصار (2)، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألني كيف قضى ابن أبي ليلى؟ قال: قلت: قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه في التي يتوفى عنها زوجها، فيجي أهله وأهلها في متاع البيت، فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي ما كان من متاع الرجل فللرجل، وما كان من متاع النساء فللمرأة، وما كان من متاع يكون للرجل والمرأة قسمه بينهما نصفين. ثم ترك هذا القول، فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو أن رجلا أضاف رجلا فادعى متاع بيته كلفه البينة، وكذلك المرأة تكلف البينة، وإلا فالمتاع للرجل. ورجع إلى قول آخر، فقال: إن القضاء أن المتاع للمرأة، إلا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته. ثم ترك هذا القول، فرجع إلى قول إبراهيم الاول. فقال أبو عبد الله عليه السلام: القضاء الاخير وإن كان رجع عنه، المتاع متاع المرأة، إلا أن يقيم الرجل البينة، قد علم من بين لابتيها - يعني بين جبلي

(1) الاستبصار 3: 47 ذيل ح 153. (2) راجع الاستبصار 3: 47، فقد ذكر ذيل الرواية الاخيرة في الباب أن الروايات الدالة على أن متاع البيت للمرأة لا يوافق عليها أحد من العامة، وحمل غيرها على التقية.

[ 138 ]

ولو ادعى أبو الميتة أنه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره، كلف البينة، كغيره من الانساب. وفيه رواية بالفرق بين الاب وغيره ضعيفة. منى - أن المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع، ونحن يومئذ بمنى) (1). وفي خبر آخر صحيح رواه عبد الرحمن بن الحجاج عنه عليه السلام، وفي آخره: (قلت له: يكون المتاع للمرأة، فقال: لو سألت من بينهما - يعني الجبلين، ونحن يومئذ بمكة - لاخبروك أن الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل، فتعطى التي جأت به، وهو المدعي، فإن زعم أنه أحدث فيه شيئا فليأت البينة) (2). الرابع: الرجوع في ذلك إلى العرف العام أو الخاص، فإن وجد عمل به، وإن انتفى أو اضطرب كان بينهما، لتصادم الدعويين، وعدم الترجيح. ذهب إلى ذلك العلامة في المختلف (3)، والشهيد في الشرح (4)، وجماعة (5) من المتأخرين. وهو المعتمد، لما فيه من الرجوع إلى العرف، والجمع بين الاخبار، مع مراعاة الاصول المقررة. قوله: (ولو ادعى أبو الميتة... إلخ). القول بالتسوية بين الاب وغيره في الدعوى هو مذهب الاصحاب، عملا بالاصل، مع عدم ثبوت ما يوجب الخروج عنه.

(1) التهذيب 6: 297 ح 829، الاستبصار 3: 44 ح 149. (2) الكافي 7: 130 ح 1، الوسائل 17: 523 ب (8) من أبواب ميراث الازواج ح 1. (3) المختلف: 698. (4) غاية المراد: 313. (5) المهذب البارع 4: 491.

[ 139 ]

المقصد الثالث في دعوى المواريث وفيه مسائل: الاولى: لو مات المسلم عن ابنين، فتصادقا على تقدم إسلام أحدهما على موت الاب، وادعى الاخر مثله، فأنكر أخوه، فالقول قول المتفق على تقدم إسلامه، مع يمينه أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه. والرواية المشار إليها هي رواية محمد بن إسماعيل، عن جعفر بن عيسى، قال: (كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك المرأة تموت فيدعي أبوها أنه أعارها بعض ما كان عندها من متاع وخدم، أتقبل دعواه بلا بينة أم لا تقبل إلا ببينة؟ فكتب إليه: يجوز بلا بينة). قال: (وكتبت إليه: إن ادعى زوج المرأة الميتة أو أبو زوجها أو أم زوجها في متاعها أو خدمها، مثل الذي ادعى أبوها من عارية بعض المتاع أو الخدم، أيكون بمنزلة الاب في الدعوى؟ فكتب: لا) (1). والاصح التسوية بين الجميع، لعموم: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) (2). قوله: (لو مات المسلم... إلخ).

(1) الكافي 7: 431 ح 18، الفقيه 3: 64 ح 214، التهذيب 6: 289 ح 800، الوسائل 18: 213 ب (23) من أبواب كيفية الحكم ح 1. وفي الفقيه: عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن جعفر بن عيسى. (2) راجع الوسائل 18: 170 ب (3) من أبواب كيفية الحكم.

[ 140 ]

وكذا لو كانا مملوكين فأعتقا، واتفقا على تقدم حرية أحدهما، واختلفا في الاخر. إذا مات مسلم وله ابنان أسلم أحدهما قبل موت الاب بالاتفاق، وقال الاخر: أسلمت أيضا قبله، وقال المتفق على إسلامه: بل أسلمت بعد موته، فله أحوال: أحدها: أن يقتصرا على هذا القدر، ولا يتعرضا لتاريخ موت الاب، ولا لتاريخ الاسلام. والثانية: أن يتفقا على موت الاب في رمضان، فقال المسلم: أسلمت في شعبان، وادعى أخوه المعلوم الاسلام أن إسلامه في شوال، أو أنه لا يعلم تقدم إسلامه، فالقول قول المتفق على إسلامه [ مع يمينه ] (1) أنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه في الحالين، لان الاصل استمراره على دينه إلى أن يثبت المزيل. وإنما كفاه الحلف على نفي العلم لانه حلف على نفي فعل الغير. وكذا القول في نظائرها، كما لو مات الاب حرا وأحد الابنين حر بالاتفاق، واختلفا في أن الاخر عتق قبل موته أو بعده. ولو أنهما اتفقا في حق أحدهما أنه لم يزل مسلما، وقال الاخر: لم أزل مسلما أيضا، ونازعه الاول وقال: كنت نصرانيا، وإنما أسلمت بعد موت الاب، احتمل المساواة، لاصالة عدم الاسلام، وتقديم قوله: إني لم أزل مسلما، لان ظاهر الدار يشهد له، وليس مع صاحبه أصل يستصحب هنا، بخلاف السابق. ولو قال كل منهما: إني لم أزل مسلما، و [ كان ] (2) صاحبي أسلم بعد موت

(1) من (خ، د). (2) من (أ، ث).

[ 141 ]

الثانية: لو اتفقا أن أحدهما أسلم في شعبان، والاخر في غرة رمضان، ثم قال المتقدم: مات الاب قبل شهر رمضان، وقال المتأخر: مات بعد دخول [ شهر ] رمضان، كان الاصل بقاء الحياة، والتركة بينهما نصفين. الاب، فوجهان: أحدهما: أنه لا يصرف إلى واحد منهما شي، لان الاصل عدم الاستحقاق. وأصحهما: أنه يحلف كل واحد منهما ويجعل المال بينهما، لان ظاهر الدار يشهد لكل واحد منهما فيما يقول في حق نفسه. ولو أقام أحدهما بينة في هذه المسائل قضي بها. ولو أقام كل واحد بينة في الصورة الاخيرة تعارضتا، فيرجع إلى القرعة مع عدم المرجح. وفي الاولى يحتمل ذلك أيضا، للتعارض وتقديم بينة مدعي تقدم الاسلام، لاشتمالها على زيادة، وهي نقله إلى الاسلام في الوقت السابق، والاول يستصحب دينه، فمع الاول زيادة علم. ورد بأن بينة المتأخر تشهد بالحياة في زمان بينة المتقدم، فيتحقق التناقض. وربما احتمل ضعيفا تقديم بينة المتأخر، بناء على أنه قد يغمى عليه في التاريخ المتقدم فيظن الشاهدان موته. وهو ضعيف، لانه قدح في الشاهد. قوله: (لو اتفقا أن أحدهما... إلخ). هذه هي الحالة الثالثة للمسألة الاولى، وكان إدراجها فيها أولى. وإنما قدم هنا قول مدعي تقدم الاسلام لاتفاقهما على إسلامه في وقت مخصوص لا يقبل

[ 142 ]

الثالثة: دار في يد إنسان، ادعى آخر أنها له ولاخيه الغائب إرثا عن أبيهما، وأقام بينة. فإن كانت كاملة، وشهدت أنه لا وارث سواهما، سلم إليه النصف، وكان الباقي في يد من كانت الدار في يده. و [ قال ] في الخلاف: يجعل في يد أمين حتى يعود. ولا يلزم القابض للنصف إقامة ضمين بما قبض. ونعني بالكاملة: ذات المعرفة المتقادمة والخبرة الباطنة. ولو لم تكن البينة كاملة، وشهدت أنها لا تعلم وارثا غيرهما، ارجئ التسليم حتى يبحث الحاكم عن الوارث مستقصيا، بحيث لو كان وارث لظهر، وحينئذ يسلم إلى الحاضر نصيبه، ويضمنه استظهارا. التقدم والتأخر، واختلافهما في وقت موت الاب على وجه يحتمل التقدم والتأخر، فيكون الاصل استمرار حياة الاب إلى بعد الوقت الذي اتفقا على إسلام المسلم فيه. والمراد بغرة رمضان أوله حقيقة، ليلائم قوله: (وقال المتأخر: مات بعد دخول رمضان). وقد تطلق الغرة على ثلاثة أيام من أول الشهر، وهي بهذا المعنى لا تطابق الفرض، لامكان إسلامه فيها وموت الاب بعد دخوله وقبل إسلامه. قوله: (دار في يد إنسان... إلخ). إذا شهد عدلان وهما من أهل الخبرة بباطن حال الميت أن هذا ابنه مع أخ آخر غائب، ليس له وارث غيرهما فيما يعلمان، ولا يجب القطع بل لا يصح، ولا تبطل به شهادتهم، دفع إلى الحاضر نصف التركة، سواء في ذلك الدار المذكورة وغيرها، من غير أن يطالب بضمين، لان المطالبة به حينئذ طعن في الشهود. وإن لم يكونا من أهل الخبرة، أو كانا ولم يقولا: لا نعلم وارثا سواه، لم

[ 143 ]

يعط في الحال، بل يتفحص الحاكم عن حال الميت في البلاد التي سكنها أو طرقها، فيكتب إليها للاستكشاف، أو يرسل من يستعلم الحال، فإذا تفحص مدة يغلب على الظن في مثلها أنه لو كان له وارث لظهر ولم يظهر، فحينئذ يدفع إلى الحاضر نصيبه، ويكون البحث والتفحص قائما مقام خبرة الشهود. وفي هذه الحالة لا يدفع إليه المال إلا بضمين احتياطا واستيثاقا، بناء على جواز ضمان الاعيان، ولا يكتفى بالكفيل. وهل تنتزع حصة الغائب على تقدير كمال البينة من ذي اليد؟ قال الشيخ في الخلاف (1): نعم، وتجعل في يد أمين حتى يعود الغائب، لان العين قد ثبتت لغير من هي في يده، وأنها لغائب والحاكم ولي الغائب، فيضعها في يد أمين. وقال في المبسوط (2): يقر الباقي في يد من هو في يده، لان الدعوى للميت، والبينة بالحق له، بدليل أنه إذا حكم بالدار تقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه، ومتى كانت الدعوى له لم تتم إلى أن يحضر الغائب، فيبقى في يد المتشبث. والاصح الاول. واعلم أنه قد اختلفت عبارات الاصحاب في معنى البينة الكاملة هاهنا، فمقتضى عبارة المصنف والاكثر أن المراد بها ذات الخبرة والمعرفة بأحوال الميت، سواء شهدت بأنها لا تعلم وارثا غيرهما أم لا، وأنها حينئذ تنقسم إلى ما يثبت بها حق المدعي، بأن تشهد بنفي وارث غيره، وإلى غيره، وهي التي لا تشهد بذلك.

(1) الخلاف 6: 340 مسألة (12). (2) المبسوط 8: 274.

[ 144 ]

ولو كان ذو فرض أعطي مع اليقين بانتفاء الوارث نصيبه تاما. وعلى التقدير الثاني يعطيه اليقين أن لو كان وارث، فيعطي الزوج الربع، والزوجة ربع الثمن، معجلا من غير تضمين، وبعد البحث يتمم الحصة مع التضمين. ولو كان الوارث ممن يحجبه غيره، كالاخ، فإن أقام البينة الكاملة أعطي المال، وإن أقام بينة غير كاملة، أعطي بعد البحث والاستظهار بالضمين. ويوجد في كلام بعضهم - وبه صرح في الدروس (1) - أن المراد بالكاملة ذات الخبرة كذلك مع شهادتها بنفي وارث ولو بعدم العلم بغيره، فانتفاء الكمال يحصل بانتفاء الخبرة والشهادة بنفي العلم أو أحدهما. ولكل وجه، لان الكمال أمر إضافي فيصدق بهما، وإن كان الثاني أقعد، حملا للكمال على ما يثبت به الحق، وهو لا يثبت بدون الامرين. وهل يعتبر في الشهادة بالقريب - كالابن - إضافة كونه وارثا؟ وجهان، من كونه أعم من الوارث فلا يدل على الخاص، ومن أصالة عدم المانع. قوله: (ولو كان ذو فرض... إلخ). إذا ادعى كونه وارثا مع الغائب وأقام البينة المذكورة، فلا يخلو: إما أن يكون ذا فرض، أو وارثا بالقرابة. وعلى تقدير كونه ذا فرض: إما أن يكون بحيث لا ينقص عنه، أو ينقص باختلاف الوارث. فإن كان ذا فرض، وأقام البينة الكاملة الشاهدة بانتفاء وارث ينقصه عن مدعاه، أعطي نصيبه تاما.

(1) الدروس الشرعية 2: 108.

[ 145 ]

الرابعة: إذا ماتت امرأة وابنها، فقال أخوها: مات الولد أولا ثم المرأة، فالميراث لي، وللزوج نصفان، وقال الزوج: بل ماتت المرأة ثم الولد، فالمال لي، قضي لمن تشهد له البينة. ومع عدمها لا يقضى بإحدى الدعويين، لانه لا ميراث إلا مع تحقق حياة الوارث. فلا ترث الام من الولد، ولا الابن من أمه. وتكون تركة الابن لابيه، وتركة الزوجة بين الاخ والزوج. وإن لم تكن البينة كذلك، فإن كان محجوبا على بعض التقادير أرجئ إلى أن يبحث ثم دفع إليه بضمين. ولو اختلف فرضه أعطي الاقل، إلا مع الكمال أو البحث والضمين. ولو صدق المتشبث المدعي على عدم وارث غيره فلا عبرة به إن كان المدعى به عينا، لانه إقرار في حق الغير. وإن كان دينا أمر بالتسليم، لانه إقرار في حق نفسه، إذ لا يتعين للغائب على تقدير ظهوره إلا بقبضه أو قبض وكيله. وقد تقدم (1) البحث في نظيره من دعوى وكالة الغائب في الامرين. قوله: (إذا ماتت امرأة... إلخ). إذا كان الرجل له زوجة وابن فماتا، واختلف الرجل وأخو الزوجة، فقال الرجل: ماتت الزوجة أولا فورثتها أنا وابني، ثم مات الابن فورثته أنا، وقال الاخ: بل مات الابن أولا فورثته مع أختي، ثم ماتت الاخت فورثناها. فإن كان لاحدهما بينة قضي بها. وإن أقاما بينة متكافئة تعارضتا وأقرع. وإن لم تكن لهما معا بينة فالقول قول الرجل في مال ابنه وقول الاخ في

(1) راجع ج 5: 285.

[ 146 ]

الخامسة: لو قال: هذه الامة ميراث من أبي، وقالت الزوجة: هذه أصدقني إياها أبوك، ثم أقام كل منهما بينة، قضي ببينة المرأة، لانها تشهد بما يمكن خفاؤه على الاخرى. مال أخته مع اليمين. فإن حلفا أو نكلا فهي من صور استبهام (1) الموت، فلا يورث أحد الميتين من الاخر، بل مال الابن لابيه، ومال الزوجة للزوج والاخ. هذا إذا لم يتفقا على وقت موت أحدهما. فإن اتفقا عليه واختلفا في موت الاخر قبله أو بعده فالمصدق مدعي التأخر، لان الاصل دوام الحياة. قوله: (لو قال: هذه الامة... إلخ). إذا ادعت الزوجة إصداق عين من التركة، أو ادعى أجنبي شراء عين منها، وأنكره الوارث وادعى الارث، فالقول قوله، لاصالة عدم انتقالها إلى غيره. فإن أقام المدعي بينة قضي بها. وإن أقاما معا بينة فالمدعي للاصداق والشراء خارج، فيبنى على تقديم الخارج مع التعارض. فإن قلنا به مطلقا فهنا أولى. وإن قلنا بتقديم الداخل فالاقوى هنا تقديم الخارج أيضا، لشهادة بينته بأمر زائد يخفى على الاخرى. ولو كانت العين في يد أجنبي لا يدعيها فكذلك، لعدم التعارض. نعم، لو تناقضتا (2) قطعا، بأن يدعي الاصداق أو الشراء في وقت بعينه، فتشهد البينة بموته قبل ذلك، أو بكونه غائبا عن موضع الدعوى بحيث لا يمكن حضوره في ذلك الوقت، تحقق التعارض، ورجع إلى القرعة مع عدم المرجح.

(1) في (د): اشتباه. (2) في (أ، خ): تعارض.

[ 147 ]

المقصد الرابع في الاختلاف في الولد إذا وطئ اثنان امرأة وطيا يلحق به النسب، إما بأن تكون زوجة لاحدهما ومشتبهة على الاخر، أو مشتبهة عليهما، أو يعقد كل واحد منهما عليها عقدا فاسدا، ثم تأتي بولد لستة أشهر فصاعدا، ما لم يتجاوز أقصى الحمل، فحينئذ يقرع بينهما، ويلحق بمن تصيبه القرعة، سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أو حرين، أو مختلفين في الاسلام والكفر والحرية والرق، أو أبا وابنه. هذا إذا لم يكن لاحدهم بينة. قوله: (إذا وطئ اثنان امرأة... إلخ). الولد لا يلحق بأبوين فصاعدا مطلقا عندنا. ولا عبرة بخبر القائف. وخبر (1) المدلجي الذي سر النبي صلى الله عليه وآله بإخباره أن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض لا يدل على الاعتماد عليه، لانه صلى الله عليه وآله لم يكن في شك من ذلك، وإنما سر بذلك لطعن المنافقين فيهما إغاظة له صلى الله عليه وآله، واعتمادهم على قول القائف. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (لا يأخذ بقول عراف ولا قائف) (2). وأنه لم يكن يقبل شهادة أحد من هؤلا. وعن أبي جعفر عيه السلام أنه قال: (من سمع قول قائف أو كاهن أو

(1) مسند أحمد 6: 226، صحيح البخاري 8: 195، صحيح مسلم 2: 1082 ح 39، سنن أبي داود 2: 280 ح 2267، سنن ابن ماجة 2: 787 ح 2349، سنن البيهقي 10: 262، تلخيص الحبير 4: 211 ح 2144. (2) الفقيه 3: 30 ح 91، الوسائل 18: 278، ب (32) من أبواب الشهادات ح 4.

[ 148 ]

ساحر فصدقه، أكبه الله على منخريه في النار) (1). فإذا اشتبه نسب الولد، بأن وطئها اثنان وطيا يلحق به الولد، بأن اشتبهت عليهما، أو على أحدهما وكانت زوجة للاخر، وجأت به في مدة يمكن إلحاقه بهما، أقرع بينهما وألحق بمن أخرجته القرعة. وقد روي عن زيد بن أرقم أنهم أتو أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة أتوها في طهر واحد كلهم يدعي الولد، فأقرع بينهم وألحق الولد بمن أقرع، وغرمه ثلثي قيمة الام. وأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: ما أعلم إلا ما قال علي، وكان علي عاملا على اليمن. وفي بعض الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما خبر بذلك ضحك حتى بدت نواجذه (2). وعن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن أعجب ما ورد عليه، فخبره بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس من قوم يتنازعون ثم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق (3). والعامة (4) رجعوا في أمر الولد المتنازع فيه إلى القائف، استنادا إلى الخبر

(1) لم نجده في الجوامع الحديثية. (2) مسند أحمد 4: 373، سنن أبي داود 2: 281 ح 2269 - 2271، سنن ابن ماجة 2: 786 ح 2348، سنن النسائي 6: 182، سنن البيهقي 10: 267. (3) الكافي 5: 491 ح 2، التهذيب 8: 170 ح 592، الاستبصار 3: 369 ح 1320، الوسائل 14: 567 ب (57) من أبواب نكاح العبيد والاماء ح 4. (4) الام للشافعي 6: 246 - 247، الحاوي الكبير 17: 380، بداية المجتهد 2: 359، المغني لابن قدامة 6: 425، بدائع الصنائع 6: 244.

[ 149 ]

ويلحق النسب بالفراش المنفرد والدعوى المنفردة، وبالفراش المشترك والدعوى المشتركة، ويقضى فيه بالبينة، ومع عدمها بالقرعة. الذي أشرنا إليه. وقد تقدم (1) البحث في الالحاق وشرائطه في باب أحكام الاولاد. ونبه المصنف - رحمه الله - بالتسوية بين المدعيين المذكورين على خلاف بعض (2) العامة، حيث فرق فألحق الولد بالمسلم منهما والحر مع الاختلاف، نظرا إلى الاصل أو الظاهر. قوله: (ويلحق النسب... إلخ). يتحقق اشتراك الفراش بما ذكره سابقا من الامثلة، من كونها زوجة لاحدهما ومشتبهة على الاخر، أو مشتبهة عليهما. هذا إذا وطئاها في طهر واحد. أما لو تخلل بين وطئهما حيض، قيل: انقطع الامكان عن الاول، إلا أن يكون الاول زوجا في نكاح صحيح، نظرا إلى جعل الشارع الحيض أمارة على برأة الرحم من الحمل، ومن ثم اعتبر به الاستبراء والعدة. وهذا يتم مع القول بأن الحمل والحيض لا يجتمعان مطلقا، وإلا أشكل الامر، لتحقق الامكان، إلا أن ينزل الغالب منزلة المتعين (3)، ويطرح النادر. ولا بأس به. وكما يقرع بينهما مع عدم البينة، فكذا مع قيامها من الطرفين. والله ولي التوفيق.

(1) في ج 8: 373. (2) الحاوي الكبير 17: 395، بدائع الصنائع 6: 252 - 253. (3) في (خ): المتيقن، وفي (أ): اليقين.

[ 151 ]

كتاب الشهادات

[ 153 ]

كتاب الشهادات والنظر في أطراف خمسة الاول في صفات الشهود ويشترط [ فيه ] ستة أوصاف: الاول: البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي، ما لم يصر مكلفا. وقيل: تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا. وهو متروك. الشهادة لغة: الاخبار عن اليقين. وشرعا: إخبار جازم عن حق لازم لغيره، واقع من غير حاكم. وبالقيد الاخير يخرج إخبار الله ورسوله والائمة عليهم السلام، وإخبار الحاكم حاكما آخر، فإن ذلك لا يسمى شهادة. وتعرض الكتاب والسنة (1) للشهادة وأحكامها مستفيض، كقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (2). وقال تعالى: (ولا تكتموا الشهادة) (3). وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه سئل عن الشهادة، فقال للسائل: (هل ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع) (4). قوله: (فلا تقبل شهادة الصبي... إلخ).

(1) الوسائل 18: 225، ب (1) وغيره من كتاب الشهادات. (2) البقرة: 282 - 283. (3) البقرة: 282 - 283. (4) عوالي اللئالي 2: 345 ح 12، وأخرجه بلفظ آخر الحاكم في المستدرك 4: 98، والبيهقي في السنن 10: 156.

[ 154 ]

واختلفت عبارة الاصحاب في قبول شهادتهم في الجراح والقتل، فروى جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام: (تقبل شهادتهم في القتل، ويؤخذ بأول كلامهم). ومثله روى محمد بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال الشيخ في النهاية: تقبل شهادتهم في الجراح والقصاص. وقال في الخلاف: تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا، إذا اجتمعوا على مباح. والتهجم على الدماء بخبر الواحد خطر. فالاولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر، وبقاء الاجتماع، إذا كان على مباح، تمسكا بموضع الوفاق. قد اختلف الاصحاب في شهادة الصبي، بعد الاتفاق على عدم قبول شهادة غير المميز. ونقل جماعة (1) منهم الشيخ (2) فخر الدين الاتفاق على عدم قبول شهادة من دون العشر، والخلاف فيمن زاد عن ذلك. فالمشهور بينهم عدم قبول شهادته مطلقا إلا في الجراح والقتل. أما عدم القبول في غيرهما فلعموم قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، ولفظ الرجال لا يقع على الصبيان. ولان الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فأولى أن لا يقبل [ قوله ] (3) على غيره بالشهادة.

(1) كشف الرموز 2: 514، المهذب البارع 4: 507. (2) إيضاح الفوائد 4: 417، ولكنه نقل الاجماع على عدم القبول في غير القصاص والقتل والجراح. (3) من الحجريتين.

[ 155 ]

وأما استثناء الجراح والقتل فلحسنة جميل قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: تجوز شهادة الصبيان، قال: نعم، في القتل يؤخذ بأول كلامه، ولا يؤخذ بالثاني منه) (1). ورواية محمد بن حمران عنه عليه السلام وقد سأله عن شهادة الصبي، قال: (فقال: لا، إلا في القتل يؤخذ بأول كلامه، ولا يؤخذ بالثاني) (2). ولفظ الروايتين تضمن القتل، فيمكن أن يدخل فيه الجراح بطريق أولى، ومن ثم ذكر الاكثر الجراح. ومنهم من اقتصر على الجراح، كالشيخ في الخلاف (3)، والمصنف في المختصر (4) النافع. ولعله أراد بها ما يشمل البالغة القتل، لان القتل هو المنصوص (5) فيما هو مستند الاستثناء. وفي الدروس (6) صرح باشتراط أن لا يبلغ الجراح النفس. واشتراط ذلك لا يخلو من إشكال، إلا أن يجعل مجرد الاحتياط في النفوس، وإلا فمراعاة النصوص تقتضي إدخالها، واطراحها نظرا إلى عدم صحتها ومخالفتها للاصل يقتضي إخراج الجراح أيضا. ثم اختلف القائلون بقبول شهادتهم في هذا النوع في الجملة في شرائطه، فالمستفاد من النصوص اشتراط أمر واحد، وهو أن يؤخذ بأول كلامهم مع الاختلاف دون باقيه.

(1) الكافي 7: 389 ح 2، التهذيب 6: 251 ح 645، الوسائل 18: 252 ب (22) من أبواب الشهادات ح 1. (2) الكافي 7: 389 ح 3، التهذيب 6: 251 ح 646، الوسائل 18: 252 الباب المتقدم ح 2. (3) الخلاف 6: 270 مسألة (20). (4) المختصر النافع: 286. (5) الوسائل 18: 252 ب (22) من كتاب الشهادات. (6) الدروس الشرعية 2: 123.

[ 156 ]

وزاد المصنف وجماعة (1) اشتراط بلوغ سنهم العشر، وأن لا يتفرقوا قبل أداء الشهادة. وزاد المصنف - رحمه الله - في المختصر النافع (2) تبعا للشيخ كونه في الجراح. فيمكن أن لا يدخل فيها القتل. وعلى تقدير دخوله فسببه (3) أعم من كونه بالجراح، مع أنه مورد النص. وفي المختصر النافع (4) نسب اشتراط عدم التفرق إلى الشيخ في الخلاف (5)، مؤذنا بعدم ترجيحه. وعذره واضح، لعدم الدليل المقتضي لاشتراطه. ولكن يرد مثله في اشتراط اجتماعهم على المباح، فإنه لا دليل عليه، ولا تكليف في حقهم. ولو أريد المباح بالنسبة إلى غيرهم من المكلفين لم يكن لتخصيصه وجه، بل ينبغي اشتراط باقي شرائط قبول الشهادة، من ترك المحرمات على المكلف، والقيام بالواجبات عليه، وملازمة المروة. وبالجملة، شرائط الشاهد عدا التكليف. وهذا بعيد في حق الصبي، لعدم وجوب شي في حقه وتحريمه، فلا يعد تركه وفعله قادحا. وأما اشتراط بلوغ العشر فليس عليه دليل صالح إلا رواية موقوفة تأتي (6). ولو أبدل هذا الشرط بالتمييز لكان أولى، حيث إن غير المميز لا يصلح للشهادة،

(1) الجامع للشرائع: 540، إرشاد الاذهان 2: 156، الدروس الشرعية 2: 123. (2) المختصر النافع: 286. (3) في (أ، ث) والحجريتين: بسببه. (4) المختصر النافع: 286. (5) الخلاف 6: 270 مسألة (20). (6) في ص: 158.

[ 157 ]

ولا يميز ما يشهد به، سواء بلغ العشر أم لا، كما أن التمييز قد يحصل قبل العشر، إلا أن يثبت الاجماع على اشتراط بلوغ العشر على وجه يكون حجة، فيكون هو الحجة، لكن إثبات ذلك بعيد. وبقي في المسألة قولان آخران متقابلان على الطرفين: أحدهما: عدم قبول شهادة الصبي مطلقا، لما تقدم (1) من الدليل، وقصور هذه الروايات عن إثبات الحكم المخالف للاصل، خصوصا مع عدم وقوف القائلين بقبول شهادته فيما ذكروه على مورد النص، فما دل عليه لا يقولون به، وما يقولون به لا دليل عليه. مع أنه يمكن أن يريد بقبول شهادة الصبيان فيما ذكر ثبوت الفعل بطريق الاستفاضة، بناء على الغالب من وقوع الجراح بينهم في الملعب حال اجتماعهم بكثرة يمكن أن يثبت بها الاستفاضة، إذ لا يشترط فيها بلوغ المخبر، بل ولا إسلامه. وهذا القول اختاره الشيخ فخر الدين في شرحه (2). وله وجه وجيه، إلا أن رواية (3) جميل [ بن دراج ] (4) حسنة مع اعتضادها بغيرها، فردها على أصل القائل لا يخلو من نظر. والقول الاخر قبول شهادة الصبي إذا بلغ عشرا مطلقا. نقل ذلك المصنف وجماعة (5)، ولم يظهر قائله. وقال صاحب كشف (6) الرموز: إنه الشيخ في النهاية.

(1) في ص: 154. (2) إيضاح الفوائد 4: 417. (3) تقدم ذكر مصادرها في ص: 155 هامش (1). (4) من (خ، ط، م). (5) قواعد الاحكام 2: 235، الدروس الشرعية 2: 123. (6) كشف الرموز 2: 514.

[ 158 ]

الثاني: كمال العقل فلا تقبل شهادة المجنون إجماعا. أما من يناله الجنون أدوارا، فلا بأس بشهادته في حال إفاقته، لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه واستكمال فطنته. وكذا من يعرض له السهو غالبا، فربما سمع الشي وأنسي بعضه، فيكون ذلك مغيرا لفائدة اللفظ وناقلا لمعناه، فحينئذ يجب الاستظهار عليه، حتى يستثبت ما يشهد به. وكذا المغفل الذي في جبلته البله، فربما استغلط، لعدم تفطنه وهو وهم، وإنما ذكر الشيخ في النهاية (1) قبول شهادته في الجراح والقصاص خاصة. نعم، له بعد ذلك عبارة موهمة لذلك، إلا أن مرادها غيره. ومستند هذا القول رواية أبي أيوب الخزاز قال: (سألت إسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قال: قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره، وجازت شهادته) (2). وفي طريق هذه الرواية - مع وقوفها على إسماعيل - محمد بن عيسى عن يونس، فالاستدلال بها على هذا الحكم المخالف للاجماع في غاية البعد. قوله: (كمال العقل... إلخ).

(1) النهاية: 331 - 332. (2) الكافي 7: 388 ح 1، التهذيب 6: 251 ح 644، الوسائل 18: 252 ب (22) من أبواب الشهادات ح 3.

[ 159 ]

لمزايا الامور. فالاولى الاعراض عن شهادته، ما لم يكن الامر الجلي، الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد له، وأنه لا يسهو في مثله. الثالث: الايمان فلا تقبل شهادة غير المؤمن وإن اتصف بالاسلام، لا على مؤمن ولا [ على ] غيره، لاتصافه بالفسق والظلم المانع من قبول الشهادة. لما كان الشاهد من شرطه أن يميز المشهود به وعليه وله، ويكون متصفا بالعدالة مرضيا، لم تجز شهادة المجنون، سواء كان جنونه مطبقا أم يقع أدوارا، وقد قال تعالى: (وأشهدو ا ذوي عدل منكم) (1). وقال: (ممن ترضون من الشهداء) (2). والمجنون بنوعيه غير مرضي. وهذا محل وفاق بين المسلمين. لكن غير المطبق إذا كمل عقله في غير دوره واستحكمت فطنته قبلت شهادته، لزوال المانع. وفي معناه المغفل الذي لا يحفظ ولا يضبط، ويدخل عليه التزوير والغلط من حيث لا يشعر، كما هو مشاهد (3)، لانه لا يوثق بقوله. وكذا من يكثر غلطه ونسيانه، ومن لا يتنبه لمزايا الامور وتفاصيلها، إلا أن يعلم الحاكم عدم غفلته فيما يشهد به، لكون المشهود به مما لا يسهو فيه غالبا. ومن هذه حاله فعلى الحاكم أن يستظهر في أمره، ويفتش عن حاله إلى أن يغلب على ظنه علمه وتيقظه. وأما الغلط القليل فلا يقدح في الشهادة، لبعد السلامة منه أو عدمها. قوله: (الايمان فلا تقبل... إلخ).

(1) الطلاق: 2. (2) البقرة: 282. (3) في (أ) والحجريتين:... مشاهد فلا يوثق...

[ 160 ]

ظاهر الاصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان في الشاهد، وينبغي أن يكون هو الحجة. واستدل المصنف - رحمه الله - عليه بأن غيره فاسق وظالم، من حيث اعتقاده الفاسد الذي هو من أكبر الكبائر، وقد قال تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (1). وقال: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (2). وفيه نظر، لان الفسق إنما يتحقق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه بل مع اعتقاد أنها طاعة بل من أمهات الطاعات فلا، والامر في المخالف للحق في الاعتقاد كذلك، لانه لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد. ومع ذلك لا يتحقق الظلم أيضا، وإنما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به، وهذا لا يكاد يتفق وإن توهمه من لا علم له بالحال. والعامة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الاصول ما لم يبلغ خلافه حد الكفر، أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيا، بحيث يكون اعتقاده ناشئا عن محض التقصير. والحق أن العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، ويحتاج في إخراج بعض الافراد إلى الدليل. وسيأتي (3) في شهادة أهل الذمة في الوصية ما يدل عليه.

(1) الحجرات: 6. (2) هود: 113. (3) في الصفحة التالية.

[ 161 ]

نعم، تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية، إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها. ولا يشترط كون الموصي في غربة. وباشتراطه رواية مطرحة. وعلى ما ذكره المصنف من فسق المخالف فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي (1) من اشتراط العدالة لا حاجة إليه، لدخوله فيه. قوله: (نعم، تقبل شهادة... إلخ). من شرط قبول الشهادة إسلام الشاهد، وهو بالنسبة إلى غير الذمي موضع وفاق، وكذلك فيه في غير الوصية. أما الاول فلما مر من الدليل على اشتراط الايمان، ولقوله صلى الله عليه وآله: (لا يقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمون، فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم) (2). وقول الصادق عليه السلام: (تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين) (3). وأما قبول شهادة الذمي في الوصية مع عدم [ حضور ] (4) عدول المسلمين فلقوله تعالى: (أو آخران من غيركم...) (5) الاية. ويشترط فيه العدالة في دينه، لظاهر العطف على قوله: (منكم) الداخل في حيز العدالة، وكأن التقدير: ذوي عدل منكم أو ذوي عدل من غيركم... إلخ، ولعموم أدلة العدالة.

(1) في ص: 165. (2) رواه الشيخ في الخلاف 6: 273 - 274 ذيل المسألة (22)، والماوردي في الحاوي الكبير 17: 62، وانظر عوالي اللئالي 1: 454 ح 192، تلخيص الحبير 4: 198 ح 2108. (3) الكافي 7: 398 ح 1، التهذيب 6: 252 ح 651، الوسائل 18: 284 ب (38) من كتاب الشهادات ح 1. (4) من (ط). (5) المائدة: 106.

[ 162 ]

وظاهر الاية كون الموصي مسافرا، وبظاهرها أخذ الشيخ في المبسوط (1) وابن الجنيد (2) وأبو الصلاح (3). ولخصوص حسنة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: (أو آخران من غيركم)، قال: (إذا كان الرجل في أرض غربة لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية) (4). ورواية حمزة بن حمران عنه عليه السلام قال: (سألته عن قول الله عزوجل: (ذوي عدل منكم أو آخران من غيركم) فقال: اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، قال: فإنما ذلك إذا مات الرجل المسلم في أرض غربة، فطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين، فيشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما) (5). والاشهر عدم الاشتراط. وجعل المصنف - رحمه الله - الرواية به مطرحة. ويدل على عدم الاشتراط عموم حسنة ضريس الكناسي أو صحيحته قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن شهادة أهل الملل هل تجوز على رجل من غير أهل ملتهم؟ فقال: لا إلا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية، لانه لا يصلح إذهاب حق امر مسلم، ولا تبطل

(1) المبسوط 8: 187. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 722. (3) الكافي في الفقه: 436. (4) الكافي 7: 398 ح 6، التهذيب 6: 252 ح 653، الوسائل 18: 287 ب (40) من كتاب الشهادات ح 3. (5) الكافي 7: 399 ح 8، التهذيب 9: 179 ح 718، الوسائل 13: 392 ب (20) من أبواب الوصايا ح 7.

[ 163 ]

وصيته) (1). مع أنه يمكن تخصيص هذا العام بالاية (2) والرواية (3) جمعا. والحكم مختص بوصية المال، فلا تثبت الوصية بالولاية المعبر عنها بالوصاية، وقوفا فيما خالف الاصل على مورده. ولو تعارض شهادة عدول أهل الذمة وفساق المسلمين فهم أولى، عملا بظاهر النص. وقدم في التذكرة (4) عليهم فساق المسلمين إذا كان فسقهم بغير الكذب والخيانة. وهو بعيد. أما المستور من المسلمين، فإن اكتفينا في العدالة بظاهر الاسلام مع عدم ظهور المعارض، فلا ريب في ترجيحه على الذمي وإن كان ظاهر العدالة. وإن منعنا من ذلك، احتمل تقديم عدول [ أهل ] (5) الذمة للاية (6)، وتقديم المستور، وبه قطع في التذكرة (7). وهو أولى. وظاهر الاية إحلاف الذمي بعد العصر بالصورة المذكورة في الاية، وهو: أنهما ما خانا ولا كتما شهادة الله تعالى، ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى. واعتبره العلامة أيضا في التحرير (8). ولا ريب في أولويته، إذ لا معارض له، وعمومات النصوص غير منافية له.

(1) الكافي 7: 399 ح 7، التهذيب 6: 253 ح 654، الوسائل 13: 390 الباب المتقدم ح 1. (2) المائدة: 106. (3) المذكورة في الصفحة السابقة. (4) التذكرة 2: 521 - 522. (5) من (خ). (6) المائدة: 106. (7) التذكرة 2: 521 - 522. (8) تحرير الاحكام 2: 208.

[ 164 ]

ويثبت الايمان بمعرفة الحاكم، أو قيام البينة أو الاقرار. وهل تقبل شهادة الذمي على الذمي؟ قيل: لا. وكذا لا تقبل على غير الذمي. وقيل: تقبل شهادة كل ملة على ملتهم. وهو استناد إلى رواية سماعة. والمنع أشبه. قوله: (ويثبت الايمان... إلخ). ومرجع الثلاثة إلى الاقرار، لان الايمان أمر قلبي لا يمكن معرفته إلا من معتقده بالاقرار، ولكن المصنف - رحمه الله - اعتبر الوسائط بينه وبين المقر. قوله: (وهل تقبل شهادة الذمي... إلخ). ما تقدم حكم شهادة الكافر على المسلم، أما على مثله فالمشهور بين الاصحاب أن الحكم كذلك، عملا بعموم الادلة. وذهب الشيخ في النهاية (1) إلى قبول شهادة كل ملة على ملتهم وعليهم (2)، لا على غيرهم ولا لهم. وذهب ابن الجنيد (3) إلى قبول شهادة أهل العدالة منهم في دينه على ملته وعلى غير ملته. ومستند الشيخ رواية سماعة عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن شهادة أهل الملة، قال: فقال: لا تجوز إلا على أهل ملتهم) (4).

(1) النهاية: 334، وفي الحجريتين بدل النهاية: المبسوط، ولكن صرح فيه بعدم القبول، راجع المبسوط 8: 187. (2) كذا فيما لدينا من النسخ الخطية، والصحيح: ولهم. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 722. (4) الكافي 7: 398 ح 2، التهذيب 6: 252 ح 652، الوسائل 18: 284 ب (38) من كتاب الشهادات ح 2.

[ 165 ]

الرابع: العدالة إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق، ولاريب في زوالها بمواقعة الكبائر، كالقتل والزنا واللواط وغصب الاموال المعصومة. وكذا بمواقعة الصغائر مع الاصرار أو في الاغلب. أما لو كان في الندرة، فقد قيل: لا يقدح، لعدم الانفكاك منها، إلا فيما يقل، فاشتراطه التزام للاشق. وقيل: يقدح، لامكان التدارك بالاستغفار. والاول أشبه. ولا يخفى ضعف [ هذا ] (1) المستند. وأولى بالمنع مذهب من عمم. قوله: (العدا لة... إلخ). العدالة شرط في قبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الفاسق إجماعا، قال تعالى: (إن جأكم فاسق بنبأ فتبينوا) (2)، والشهادة نبأ، فيجب التبين عندها. وقال تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (3). وقال: (ممن ترضون من الشهداء) (4) والفاسق ليس بمرضي الحال. وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: (لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية) (5). والكلام في العدالة يتوقف على أمرين: أحدهما: ما به يثبت. والثاني: ما به يزول.

(1) من (ث). (2) الحجرات: 6. (3) الطلاق: 2. (4) البقرة: 282. (5) عوالي اللئالي 1: 242 ح 163، سنن أبي داود 3: 306 ح 3601، سنن البيهقي 10: 201.

[ 166 ]

فالاول: قد تقدم (1) البحث فيه في القضاء، وأنه هل يحكم بها للمسلم من دون أن يعلم منه الاتصاف بملكتها، أم لابد من اختباره وتزكيته؟ وأما الثاني فلا خلاف في زوالها بمواقعة الكبائر من الذنوب، كالقتل والزنا وعقوق الوالدين، وأشباه ذلك. وإنما الكلام في أن الذنوب هل هي كلها كبائر، أم تنقسم إلى كبائر وصغائر؟ وقد اختلف الاصحاب وغيرهم في ذلك، فذهب جماعة منهم المفيد (2) وابن البراج (3) وأبو الصلاح (4) وابن إدريس (5) والطبرسي (6) - بل نسبه في التفسير إلى أصحابنا مطلقا - إلى الاول، نظرا إلى اشتراكها في مخالفة أمره تعالى ونهيه. وجعلوا الوصف بالكبر والصغر إضافيا، فالقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكبيرة بالنسبة إلى النظر، وكذلك غصب الدرهم كبيرة بالنسبة إلى غصب اللقمة وصغيرة بالاضافة إلى غصب الدينار، وهكذا. وذهب المصنف - رحمه الله - وأكثر المتأخرين (7) إلى الثاني، عملا بظاهر قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (8)، دل بمفهومه على أن اجتناب بعض الذنوب - وهي الكبائر - يكفر السيئات، وهو يقتضي كونها

(1) في ج 13: 397. (2) مصنفات الشيخ المفيد 4: 83 - 84. (3) المهذب 2: 556. (4) الكافي في الفقه: 435. (5) السرائر 2: 117 - 118. (6) مجمع البيان 3: 70. (7) تحرير الاحكام 2: 208، إيضاح الفوائد 4: 421، الدروس الشرعية 2: 125. (8) النساء: 31.

[ 167 ]

غير كبائر. وقال تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش) (1)، مدحهم على اجتناب الكبائر من غير أن يضايقهم في الصغائر. وفي الحديث: (أن الاعمال الصالحة تكفر الصغائر) (2). ثم على القول بالفرق بين الكبائر والصغائر فللعلماء في تفسير الكبيرة وجوه: أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد. والثاني: أنها التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد في الكتاب أو السنة. والثالث: أنها الذنب الذي توعد الله عليه بالنار. وعلى هذا القول دل خبر ابن أبي يعفور السابق عن الصادق عليه السلام، حيث سأله بما تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟ إلى قوله (3): (وتعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار) (4). وروي أنها سبع (5). وروي أنها إلى السبعين (6) أقرب. إذا تقرر ذلك، فعلى القول الاول يقدح في العدالة مواقعة أي معصية كانت. ولا يخفى ما في هذا من الحرج والضيق، لان غير المعصوم لا ينفك عن ذلك، وقد قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (7).

(1) النجم: 32. (2) لم نعثر عليهما. (3) في (خ، م): إلى أن قال. (4) الفقيه 3: 24 ح 65، التهذيب 6: 241 ح 596، الاستبصار 3: 12 ح 33، الوسائل 18: 288 ب (41) من أبواب الشهادات ح 1. (5) راجع الوسائل 11: 252 ب (46) من أبواب جهاد النفس. (6) لم نعثر عليهما. (7) الحج: 78.

[ 168 ]

وأجاب ابن إدريس (1) بأن الحرج ينتفي بالتوبة. وأجيب (2) بأن التوبة تسقط الكبائر والصغائر، ولا يكفي في الحكم بالتوبة مطلق الاستغفار وإظهار الندم حتى يعلم من حاله ذلك، وهذا قد يؤدي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشهادة ونحوها، فيبقى الحرج. وعلى الثاني يعتبر اجتناب الكبائر كلها وعدم الاصرار على الصغائر، فإن الاصرار عليها يلحقها بالكبيرة، ومن ثم ورد: (لا صغيرة مع الاصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار) (3). والمراد بالاصرار الاكثار منها، سواء كان من نوع واحد أم من أنواع مختلفة. وقيل: المداومة على نوع واحد منها. ولعل الاصرار يتحقق بكل منهما. وفي حكمه العزم على فعلها ثانيا وإن لم يفعل. [ و ] (4) أما من فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها العزم على فعلها ولا التوبة منها، فهذا هو الذي لا يقدح في العدالة، وإلا لادى إلى أن لا تقبل شهادة أحد. ولعل هذا مما تكفره الاعمال الصالحة من الصلاة والصيام وغيرهما، كما جاء في الخبر. واعلم أن المصنف - رحمه الله - لم يتعرض للمروة في قادح العدالة، وكأنه لم يجعل تركها قادحا أو يتوقف في ذلك. وهو قول لبعض العلماء (5)، من حيث إنه يخالف العادة لا الشرع.

(1) السرائر 2: 118. (2) المختلف: 718. (3) الكافي 2: 288 ح 1، الوسائل 11: 268 ب (48) من أبواب جهاد النفس ح 3. (4) من (أ). (5) انظر الحاوي الكبير 17: 151.

[ 169 ]

والاشهر اعتبارها في الشهادة، سواء جعلناها شطرا من العدالة، كما هو المشهور من أن العدل هو الذي تعتدل أحواله دينا ومروة وحكما، أم جعلناها خارجة عنها وصفة برأسها، كما جرى عليه جماعة (1). وقد أغرب في القواعد (2) حيث جعلها جزا من العدالة، وعرفها بأنها كيفية نفسانية راسخة تبعث على ملازمة التقوى والمروة، ثم جعلها قسيما للعدالة وشرطا آخر لقبول الشهادة، فجمع بين القولين. وكيف كان، فالوجه أنه لا تقبل شهادة من لا مروة له، لان اطراح المروة إما أن يكون بخبل ونقصان، أو قلة مبالاة وحياء، وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله. أما المخبل فظاهر. وأما قليل الحياء فلان من لا حياء له يصنع ما شاء، كما ورد في الخبر (3). وفي ضبط المروة عبارات متقاربة، منها: أن صاحب المروة هو الذي يصون نفسه عن الادناس ولا يشينها عند الناس، أو الذي يتحرز عما يسخر منه ويضحك به، أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه. فمن ترك المروة لبس ما لا يليق بأمثاله، كما إذا لبس الفقيه لباس الجندي، وتردد به في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب. وكما إذا لبس التاجر ثوب الحمالين ونحوهم بحيث يصير ضحكة. ومنه: المشي في الاسواق والمجامع مكشوف الرأس والبدن، إذا لم يكن

(1) الدروس الشرعية 2: 125. (2) قواعد الاحكام 2: 236 - 237. (3) مسند أحمد 4: 121، صحيح البخاري 8: 35، سنن أبي داود 4: 252 ح 4797، سنن ابن ماجة 2: 1400 ح 4183.

[ 170 ]

وربما توهم واهم: أن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا مع الاحباط. وهذا بالاعراض عنه حقيق، فإن إطلاقها بالنسبة، ولكل فريق اصطلاح. الشخص ممن يليق به مثله. وكذا مد الرجلين في مجالس الناس. ومنه: الاكل في السوق، إلا أن يكون الشخص سوقيا أو غريبا لا يكترث بفعله. ومنه: أن يقبل الرجل زوجته أو أمته بين يدي الناس، أو يحكي لهم ما يجري [ لهم ] (1) في الخلوة، أو يكثر من الحكايات المضحكة. ومنه: أن يخرج من حسن العشرة مع الاهل والجيران والمعاملين، ويضايق في اليسير الذي لا يستقصى (2) فيه. ومنه: أن يبتذل الرجل المعتبر بنقل الماء والاطعمة إلى بيته، إذا كان ذلك عن شح وضنة. ولو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف التاركين للتكلف لم يقدح ذلك في المروة. وكذا لو كان يلبس ما يجد ويأكل حيث يجد، لتقلله (3) وبرأته من التكلفات العادية، ويعرف ذلك بتناسب حال الشخص في الاعمال والاخلاق، وظهور مخايل (4) الصدق عليه. قوله: (وربما توهم واهم... إلخ). هذا الوهم ذهب إليه بعض الاصحاب، حيث قال: إن الصغائر لا تطلق على الذنب إلا على مذهب القائلين بالاحباط، على تقدير الموازنة بين الاعمال

(1) من (ث). (2) في (ت، د، ل): يستقضى. (3) في (ط): لتبتله. (4) في (أ، د، ط): محامل.

[ 171 ]

ولا يقدح في العدالة ترك المندوبات. ولو أصر مضربا عن الجميع، ما لم يبلغ حدا يؤذن بالتهاون بالسنن. الصالحة والمعاصي، كما نبه عليه تعالى بقوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) (1)، وقال تعالى: (وحبط ما صنعوا) (2)، فجعل الذنب الذي يحبط بالطاعة صغيرة، والذنب الذي يحبط الطاعة كبيرة. وتحقيق القول في الكلام. وهذا بناء ضعيف، لان الكبائر قد اعتبرها من قال بالاحباط ومن أبطله، وهم المحققون والجمهور، والصغائر تطلق بالنسبة إلى الكبائر، ولا ضرورة إلى بنائها على القول الضعيف، لامكان جعلها إضافية بالنسبة إلى ذنب آخر أو مخصوصة بذنوب معينة، وهو ما عدا الكبائر المحصورة في الكتاب والسنة، كما هو مذهب الاكثر. على أن القائل بالاحباط يعتبر الاكثر من الطاعة والمعصية، فيثبته أجمع، أو يثبت منه ما زاد عن مقابله من أي نوع كان من أنواع المعاصي، فربما كانت المعصية المخصوصة على هذا مما يحبط عن شخص، ويبقى على آخر بالنظر إلى ما يقابلها من الطاعة، فلا يتحقق الصغيرة في نوع من أنواع المعاصي، ومن ثم أطلق على هذا الفهم الوهم، وجعله حقيقا بالاعراض عنه. ثم على تقدير تسمية القائلين بالاحباط ما يكفر من السيئات صغيرة فهو اصطلاح لهم لا يلزم الفقيه مثله، فلكل فريق اصطلاح يرجعون إليه، وأسماء يطلقونها لا يلزم مثلها لغيرهم. قوله: (ولا يقدح في العدالة... إلخ). ترك المندوبات لا يقدح في التقوى، ولا يؤثر في العدالة، إلا أن يتركها

(1) هود: 114. (2) هود: 16.

[ 172 ]

وهنا مسائل: الاولى: كل مخالف في شي من أصول العقائد ترد شهادته، سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد. ولا ترد شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحق، إذا لم يخالف الاجماع. ولا يفسق وإن كان مخطئا في اجتهاده. أجمع فيقدح فيها، لدلالته على قلة المبالاة بالدين والاهتمام بكمالات الشرع. ولو اعتاد ترك صنف منها، كالجماعة والنوافل ونحو ذلك، فكترك الجميع، لاشتراكهما في العلة المقتضية لذلك. نعم، لو تركها أحيانا لم يضر. قوله: (كل مخالف... إلخ). المراد بالاصول التي ترد شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد والعدل والنبوة والامامة والمعاد. أما فروعها من المعاني والاحوال وغيرهما من فروع علم الكلام فلا يقدح الاختلاف فيها، لانها مباحث ظنية، والاختلاف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير. وقد عد بعض العلماء (1) جملة مما وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى وشيخه المفيد، فبلغ نحوا من مائة مسألة، فضلا عن غيرهما. والمراد بالفروع التي لا تقدح فيها المخالفة المسائل الشرعية الفرعية، لانها مسائل اجتهادية، والاصول التي تبنى عليها من الكتاب والسنة كلها ظنية. وينبغي أن يراد بالاجماع الذي تقدح مخالفته فيها إجماع المسلمين قاطبة، أو إجماع الامامية مع العلم بدخول قول المعصوم في جملة قولهم، لان

(1) وهو قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي (قدس سره)، انظر كشف المحجة للسيد ابن طاووس (ققدس سره): 20.

[ 173 ]

الثانية: لا تقبل شهادة القاذف. ولو تاب قبلت. وحد التوبة أن يكذب نفسه، وإن كان صادقا، ويوري باطنا. وقيل: يكذبها إن كان كاذبا، ويخطئها في الملا إن كان صادقا. والاول مروي. حجية الاجماع في قوله (1) على أصولهم، لا مطلق إجماعهم، إذ لا عبرة بقول غير المعصوم منهم مطلقا، وما لم يعلم دخول قوله في قولهم فلا عبرة بقولهم وإن كثر القائل. وقد تمادى بعضهم فسمى مثل ذلك إجماعا، بل سمى المشهور. ومخالفة مثل ذلك غير قادح بوجه من الوجوه، كما تقتضيه قواعدهم الدالة على حجية الاجماع. فتنبه لذلك لئلا تقع في الغلط، اغترارا بظاهر الاصطلاح، واعتمادا على الدعوى. قوله: (لا تقبل شهادة القاذف... إلخ). لا خلاف في عدم قبول شهادة القاذف قبل توبته، ولقوله تعالى: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) (2). فإذا تاب قبلت شهادته. واختلفوا في حد توبته، فقيل: أن يكذب نفسه فيما كان قذف به، سواء كان صادقا في قذفه أم كاذبا. ثم إن كان كاذبا فتكذيبه نفسه مطابق للواقع. وإن كان صادقا ورى باطنا بما يخرجه عن الكذب في تكذيبه نفسه، مع كونه غير كاذب في نفس الامر. وإنما لزمه التكذيب مطلقا لان الله تعالى سمى القاذف كاذبا متى لم يأت بالشهداء على ما قذف به، بقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) (3) إلى قوله: (فأولئك عند الله هم الكاذبون) (4).

(1) كذا في الحجريتين: ولعله الصحيح، وفيما لدينا من النسخ الخطية: قولهم. (2) النور: 4 - 13. (3) النور: 4 - 13. (4) النور: 4 - 13.

[ 174 ]

ولما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (توبة القاذف إكذابه نفسه) (1). ولرواية أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال: يكذب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب تقبل شهادته؟ قال: نعم) (2). ومرسلة يونس عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب؟ قال: نعم، قلت: وما توبته؟ قال: يجي فيكذب نفسه عند الامام، ويقول: قد افتريت على فلانة، ويتوب مما قال) (3). ومثله رواية ابن سنان عن الصادق عليه السلام (4). وإلى هذا ذهب الشيخ في النهاية (5)، وجماعة (6). وقال في المبسوط (7) وابن إدريس (8) والعلامة (9): حدها أن يكذب نفسه إن

(1) تلخيص الحبير 4: 204 ذيل ح 2131، الدر المنثور 6: 131. (2) الكافي 7: 397 ح 1، التهذيب 6: 245 ح 615، الاستبصار 3: 36 ح 120، الوسائل 18: 282 ب (366) من أبواب الشهادات ح 1. (3) الكافي 7: 397 ح 5، التهذيب 6: 245 ح 617، الاستبصار 3: 36 ح 122، الوسائل 18: 283 الباب المتقدم ح 4. (4) الكافي 7: 397 ح 6، التهذيب 6: 245 ح 616، الاستبصار 3: 36 ح 121، الوسائل 18: 283 ب (377) من أبواب الشهادات ح 1. (5) النهاية: 326. (6) غنية النزوع: 440، إصباح الشيعة: 529، الدروس الشرعية 2: 126، وحكاه العلامة عن الصدوقين وابن أبي عقيل في المختلف: 717 - 718. (7) المبسوط 8: 179. (8) السرائر 2: 116. (9) قواعد الاحكام 2: 236، تحرير الاحكام 2: 208، إرشاد الاذهان 2: 157.

[ 175 ]

وفي اشتراط إصلاح العمل، زيادة عن التوبة تردد. والاقرب الاكتفاء بالاستمرار، لان بقأه على التوبة إصلاح ولو ساعة. كان كاذبا، ويعترف بالخطاء إن كان صادقا، لان تكذيبه نفسه مع (1) عدم كونه كاذبا في نفس الامر قبيح، فيكفيه الاعتراف بالخطاء. وفيه: [ مع ] (2) أن إثبات الفرق بين الحالين يفهم من قوله بأنه مخطئ دون كاذب أن ما قذف به واقع، فهو قذف آخر تعريضي، وهو غير جائز. فما اختاره المصنف - رحمه الله - أنسب بالحكمة المطلوبة للشارع من الستر، وجبر الفرية بالحد مؤيد بظاهر الاية وصريح الرواية. قوله: (وفي اشتراط... إلخ). ذهب بعض الاصحاب (3) إلى اشتراط إصلاح العمل زيادة على التوبة في قبول شهادة القاذف، لقوله تعالى في حق القاذف: (فلا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك عند الله هم الكاذبون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) (4) فاستثنى ممن لا تقبل لهم شهادة منهم الذين تابوا وأصلحوا، فلا يكفي التوبة وحدها، لان المستثنى فاعل الامرين معا. والاظهر - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله - الاكتفاء بالاستمرار على التوبة، لتحقق الاصلاح بذلك. والامر المطلق (5) يكفي في امتثاله المسمى. والاصل عدم اشتراط أمر آخر. وفي الروايات السابقة ما يدل عليه.

(1) في (د): مع كونه صادقا في نفس... (2) من إحدى الحجريتين. (3) الوسيلة: 231. (4) النور: 4 و 5، ونص الاية في المصحف الشريف:... شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين.... (5) في الحجريتين: بالمطلق.

[ 176 ]

ولو أقام بينة بالقذف، أو صدقه المقذوف، فلا حد عليه ولا رد. الثالثة: اللعب بالات القمار كلها حرام، كالشطرنج والنرد والاربعة عشر، وغير ذلك، سواء قصد الحذق أو اللهو أو القمار. قوله: (ولو أقام بينة... إلخ). لان الله تعالى شرط في رد شهادته (1) عدم الاتيان بالشهداء بقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) (2). وإقرار المقذوف أقوى من البينة، فيسقطان به بطريق أولى. قوله: (اللعب بالات القمار... إلخ). مذهب الاصحاب تحريم اللعب بالات القمار كلها، من الشطرنج والنرد والاربعة عشر وغيرها. ووافقهم على ذلك جماعة من العامة، منهم أبو حنيفة (3) ومالك (4) وبعض الشافعية (5). ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) (6). وفي رواية أخرى أنه (من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير) (7).

(1) في (أ): شهادتهم. (2) النور: 4. (3) اللباب في شرح الكتاب 4: 62، بدائع الصنائع 6: 269، روضة القضاة 1: 236 رقم (1090)، رؤوس المسائل: 531 مسألة (391)، حلية العلماء 8: 251. (4) المدونة الكبرى 5: 153، الكافي للقرطبي 2: 895، وراجع أيضا الحاوي الكبير 17: 179. (5) روضة الطالبين 8: 203. (6) عوالي اللئالي 1: 243 ح 167، مسند أحمد 4: 394، سنن أبي داود 4: 285 ح 4938، سنن ابن ماجة 2: 1237 ح 3762، مستدرك الحاكم 1: 50، سنن البيهقي 10: 214. (7) عوالي اللئالي 1: 243 ح 168، مسند أحمد 5: 352، سنن أبي داود 4: 285 ح 4939

[ 177 ]

الرابعة: شارب المسكر ترد شهادته ويفسق، خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو منصفا أو فضيخا، ولو شرب منه قطرة. وكذا الفقاع. وكذا العصير إذا غلى من نفسه أو بالنار، ولو لم يسكر، إلا أن يغلي حتى يذهب ثلثاه. أما غير العصير من التمر أو البسر، فالاصل أنه حلال ما لم يسكر. وروى الاصحاب عن الصادق عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: الشطرنج والنرد هما الميسر) (1). وعن الصادق عليه السلام قال: (إن لله عزوجل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، إلا من أفطر على مسكر، أو مشاحن، أو صاحب شاهين، قلت: وأي شي صاحب شاهين؟ قال: الشطرنج) (2). وروى معمر بن خلا د في الصحيح عن أبي الحسن عليه السلام قال: (النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر) (3). وفي معناها أخبار كثيرة (4). وظاهر النهي أنها من الصغائر، فلا يقدح في العدالة إلا مع الاصرار عليها. ثم النرد والشطرنج مشهوران. وأما الاربعة عشر ففسروها (5) بأنها قطعة من خشب فيها حفر في ثلاثة أسطر، ويجعل في الحفر حصى صغار يلعب بها. قوله: (شارب المسكر... إلخ).

(1) الكافي 6: 435 ح 3، الوسائل 12: 242 ب (104) من أبواب ما يكتسب به ح 2. (2) الكافي 6: 435 ح 5، الوسائل 12: 237 ب (102) من أبواب ما يكتسب به ح 4. (3) الكافي 6: 435 ح 1، الوسائل 12: 242 ب (104) من أبواب ما يكتسب به ح 1. (4) راجع الوسائل 12: 237 ب (102 - 104) من أبواب ما يكتسب به. (5) راجع المبسوط 8: 222.

[ 178 ]

لا فرق في تحريم المسكر بين اتخاذه من العنب وغيره عند الاصحاب وأكثر العامة (1)، لقوله صلى الله عليه وآله: (كل مسكر حرام) (2). وقول الصادق عليه السلام: (إنما حرم الخمر لفعلها وفسادها) (3). وروى علي بن يقطين في الصحيح عن الكاظم عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر) (4). وفي حديث له عنه عليه السلام: (فما فعل فعل الخمر فهو خمر) (5). ولا فرق في المسكر بين ما يسكر منه وغيره، لتعليق التحريم على الاسم. وفي معناه الفقاع عندنا. وكذا العصير العنبي إذا غلى وإن لم يشتد. وقد تقدم البحث فيهما في باب الاطعمة (6). و [ أما ] (7) مالا يسكر من الاشربة غير ما ورد النص بتحريمه فالاصل فيه الحل، ومنه عصير الزبيب والتمر وغيرهما. وفي الدروس (8) قيد العصير العنبي مع غليانه بالاشتداد. وليس كذلك، فإن تحريمه معلق على مجرد الغليان، وإنما نجاسته عند من قال بها من الاصحاب (9) معلقة على الاشتداد، والبحث هنا في التحريم لا في النجاسة. نعم، ذهب في

(1) الحاوي الكبير 17: 184، بدائع الصنائع 5: 115. (2) الكافي 6: 410 ح 12، الوسائل 17: 270 ب (17) من أبواب الاشربة المحرمة ح 8. (3) الكافي 6: 412 ح 4، الوسائل 17: 273 ب (19) من أبواب الاشربة المحرمة ح 3. (4) الكافي 6: 412 ح 2، التهذيب 9: 112 ح 486، الوسائل 17: 273 الباب المتقدم ح 1. (5) الكافي 6: 412 ح 1، الوسائل 17: 273 الباب المتقدم ح 2. (6) في ج 12: 72 - 73. (7) من (ث، خ). (8) الدروس الشرعية 2: 126. (9) قواعد الاحكام 1: 7.

[ 179 ]

ولا بأس باتخاذ الخمر للتخليل. الخامسة: مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، يفسق فاعله، وترد شهادته، وكذا مستمعه، سواء استعمل في شعر أو قرآن. ولا بأس بالحداء [ به ]. الذكرى (1) إلى تلازم الوصفين. وهو ممنوع. وقد حققناه فيما سبق (2). قوله: (ولا بأس باتخاذ... إلخ). روى زرارة في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا، قال: لا بأس) (3). وروى عبيد بن زرارة في الموثق أو الصحيح عنه عليه السلام: (في الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا، قال: لا بأس) (4). ولا فرق بين اتخاذها بشي يجعل فيها وعدمه عند الاصحاب، وإن كان ترك العلاج بشي أفضل. وقد تقدم (5) البحث فيه. قوله: (مد الصوت المشتمل... إلخ). الغناء عند الاصحاب محرم، سواء وقع بمجرد الصوت أم انضم إليه آلة من آلاته. فقد ورد في تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) (6) أنه الغناء (7). وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: (الغناء

(1) الذكرى: 12. (2) راجع ج 12: 72 - 73. (3) الكافي 6: 428 ح 2، التهذيب 9: 117 ح 504، الاستبصار 4: 93 ح 355، الوسائل 17: 296 ب (31) من أبواب الاشربة المحرمة ح 1. (4) الكافي 6: 428 ح 3، التهذيب 9: 117 ح 505، الاستبصار 4: 93 ح 356، الوسائل 17: 296 الباب المتقدم ح 3. (5) في ج 12: 101 - 102. (6) لقمان: 6. (7) التبيان 8: 244، مجمع البيان 8: 76، النكت والعيون 4: 328، تفسير القرطبي 14: 51، الدر

[ 180 ]

يثبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) (1). ومن طريق الخاصة ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال سمعته يقول: (الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الاية: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) (2). وروى أبو بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) قال: الغناء) (3). وفي معناها أخبار كثيرة (4). والمراد بالغناء الصوت المشتمل على الترجيع المطرب. كذا فسره به المصنف - رحمه الله - وجماعة (5). والاولى الرجوع فيه إلى العرف، فما يسمى فيه غناء يحرم، لعدم ورود الشرع بما يضبطه، فيكون مرجعه إلى العرف. ولا فرق فيه بين وقوعه بشعر وقرآن وغيرهما. وكما يحرم فعل الغناء يحرم استماعه، كما يحرم استماع غيره من الملاهي. أما الحداء بالمد - وهو الشعر الذي يحث به الابل على الاسراع في السير -

(1) سنن البيهقي 10: 223، تلخيص الحبير 4: 199 ح 2113، الدر المنثور 6: 505، الدرر المنتثرة: 100 ح 308. (2) الكافي 6: 431 ح 4، الوسائل 12: 226 ب (99) من أبواب ما يكتسب به ح 6. (3) الكافي 6: 431 ح 1، الوسائل 12: 227 الباب المتقدم ح 9. (4) راجع الوسائل: 12، 225 ب (99) من أبواب ما يكتسب به. (5) إرشاد الاذهان 2: 156، الدروس الشرعية 2: 126.

[ 181 ]

ويحرم من الشعر ما تضمن كذبا، أو هجاء مؤمن، أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة له. وما عداه مباح. والاكثار منه مكروه. وسماعه فمباحان، لما فيه من إيقاظ النوام وتنشيط الابل للسير. وقد روي أنه صلى الله عليه وآله قال لعبدالله بن رواحة: (حرك بالقوم، فاندفع يرتجز) (1). وكان عبد الله جيد الحداء، وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فلما سمعه أنجشة تبعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله لانجشة: (رويدك رفقا بالقوارير) (2) يعني: النساء. قوله: (ويحرم من الشعر... إلخ). إنشاء الشعر وإنشاده والاستماع إليه جائز، وكيف لا وكان للنبي صلى الله عليه وآله شعراء يصغي إليهم، منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما (3). واستنشد الشريد شعر أمية بن أبي الصلت واستمع إليه (4). وفي حفظ دواوين العرب أبلغ معونة على درك أحكام الكتاب والسنة ومعانيهما. وقد قال بعض العلماء: (الشعر كلام، فحسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، وفضله على الكلام أنه سائر) (5). ويحرم منه الهجاء لمؤمن، صدقا كان أم كذبا. ولا فرق فيه بين التعريض والتصريح.

(1) تلخيص الحبير 4: 200 ح 2117. (2) النهاية لابن الاثير 4: 39. (3) أنظر السيرة الحلبية 3: 425. (4) مسند أحمد 4: 390، الادب المفرد: 269 ح 801، صحيح مسلم 4: 1767 ح 1، المعجم الكبير للطبراني 7: 377 ح 7238، سنن البيهقي 10: 226 - 227. (5) الام للشافعي 9: 311، الحاوي الكبير 17: 202.

[ 182 ]

وكذا يحرم منه ما اشتمل على الفحش أو التشبيب بامرأة بعينها، لما فيه من الايذاء والاشهار وإن كان صادقا. واحترز بغير المحللة له عن زوجته وأمته غير المزوجة، ومقتضاه جواز التشبيب بهما. وربما قيل بأن ذلك يرد الشهادة وإن لم يكن محرما، لما فيه من سقوط المروة. وهو حسن. وكذا التشبيب بالغلام محرم مطلقا، لتحريم متعلقه. وأما الشعر المشتمل على المدح والاطراء، فما أمكن حمله على ضرب من المبالغة فهو جائز، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة بنت قيس: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) (1). ومعلوم أنه كان يضعها كثيرا. وإن لم يمكن حمله على المبالغة وكان كذبا محضا، فهو كسائر أنواع الكذب. وربما قيل بعدم التحاقه بالكذب مطلقا، لان الكاذب يرى الكذب صدقا ويروجه، وليس غرض الشاعر أن يصدق في شعره، وإنما هو صناعة، كما أن التشبيب بغير المعين فن للشاعر، وغرضه به إظهار الصنعة في هذا الفن لا تحقيق (2) المذكور، فلا يخل بالعدالة. وعلى تقدير حله فالاكثار منه مكروه، على ما وردت به الروايات (3). السادسة: الزمر والعود والصنج، وغير ذلك من آلات اللهو حرام، يفسق فاعله ومستمعه. ويكره الدف في الاملاك، والختان خاصة.

(1) عوالي اللئالي 1: 438 ح 155، مسند الشافعي: 187، سنن الدارمي 2: 135، مسند أحمد 6: 412. (2) في (ص): تحقق. (3) راجع الوسائل 5: 83 ب (51) من أبواب صلاة الجمعة.

[ 183 ]

قوله: (الزمر والعود... إلخ). آلات اللهو من الاوتار - كالعود - وغيره، كاليراع والزمر والطنابير والرباب والصنج، وهو الدف المشتمل على الجلاجل، حرام بغير خلاف. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إن الله تعالى حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبة) (1). والكوبة هي الطبل. ويقال: طبل مخصوص. وقصر بعض العامة (2) التحريم عليه لذلك. وروى محمد بن الحنفية عن أبيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا كان في أمتي خمسة عشر خصلة حصل بها البلا: إذا اتخذوا الغنيمة دولة، والامانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وجفا أبيه، وعق أمه، ولبسوا الحرير، وشربوا الخمور، واشتروا المغنيات والمعازف، وكان زعيم القوم أرذلهم، واكرم الرجل السؤ خوفا منه، وارتفعت الاصوات في المساجد، وسب آخر هذه الامة أولها، فعند ذلك يرقبون ثلاثا: حجرا وخسفا ومسخا) (3). واستثني من ذلك الدف غير المشتمل على الصنج عند النكاح والختان، لقوله صلى الله عليه وآله: (أعلنوا النكاح [ والختان ] (4)، واضربوا عليها بالغربال) (5) يعني: الدف. وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: (فصل ما بين

(1) مسند أحمد 2: 165، سنن أبي داود 3: 331 ح 3696، تلخيص الحبير 4: 202 ح 2124. (2) روضة الطالبين 8: 206. (3) الخصال: 500 ح 1 و 2، إرشاد القلوب: 71، الوسائل 12: 231 ب (99) من أبواب ما يكتسب به ح 31. وفي المصادر: فارتقبوا عند ذلك: ريحا حمراء وخسفا... (4) من (خ) فقط. (5) سنن ابن ماجة 1: 611 ح 1895، نصب الراية 3: 167 - 168، تلخيص الحبير 4: 201 ح 2122، سنن البيهقي 7: 290، ولم ترد في المصادر: والختان.

[ 184 ]

السابعة: الحسد معصية، وكذا بغضة المؤمن. والتظاهر بذلك قادح في العدالة. الحلال والحرام الضرب بالدف عند النكاح) (1). ومنع منه ابن إدريس (2) مطلقا. ورجحه في التذكرة (3)، محتجا بأن الله تعالى ذم (4) اللهو واللعب، وهذا منه. قوله: (الحسد معصية... إلخ). لا خلاف في تحريم هذين الامرين. والتهديد عليهما في الاخبار مستفيض (5). وهما من الكبائر، فيقدحان في العدالة مطلقا. وإنما جعل التظاهر بهما قادحا لانهما من الاعمال القلبية، فلا يتحقق تأثيرهما في الشهادة إلا مع إظهارهما، وإن كانا محرمين بدون الاظهار. والمراد بالحسد: كراهة النعمة على المحسود وتمني زوالها عنه، سواء وصلت إلى الحاسد أم لا. وببغضه: كراهته واستثقاله لا لسبب ديني - كفسق - فيبغضه لاجله، سواء قاطعه مع ذلك أم لا. فإن هجره فهما (6) معصيتان. وقد يحصل كل منهما بدون الاخرى.

(1) مسند أحمد 3: 418، سنن النسائي 6: 127، سنن الترمذي 3: 398 ح 1088، سنن ابن ماجة 611 ح 1896، مستدرك الحاكم 2: 184، سنن البيهقي 7: 289. (2) السرائر 2: 215. (3) التذكرة 2: 581. (4) في (د، م): حرم. (5) راجع الوسائل 8: 569 ب (136)، وص: 584 ب (144) من أبواب أحكام العشرة، وج 11: 292 ب (55) من أبواب جهاد النفس. (6) في (ث، خ، ط): فيهما.

[ 185 ]

الثامنة: لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم، ترد به الشهادة. وفي التكأة عليه والافتراش له تردد، والجواز مروي. وكذا يحرم التختم بالذهب. والتحلي به للرجال. قوله: (لبس الحرير للرجال... إلخ). تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال موضع وفاق. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أحل الذهب والحرير للاناث من أمتي، وحرم على ذكورها) (1). وقال صلى الله عليه وآله: (لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الاخرة) (2). واستثني من الحرير أمور: أحدها: حالة الحرب. فروى سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن لباس الحرير والديباج، فقال: أما في الحرب فلا بأس به، وإن كان فيه تماثيل) (3). وروى إسماعيل بن الفضل عنه عليه السلام قال: (لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلا في الحرب) (4). وثانيها: الضرورة إلى لبسه، لمرض ونحوه. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير، لحكة كانت بهما (5). وفي رواية أخرى (أنهما شكيا إليه القمل، فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة) (6).

(1) مسند أحمد 4: 392، سنن النسائي 8: 161، سنن البيهقي 3: 275. (2) صحيح مسلم 3: 1641 ح 11، شرح السنة 12: 30. (3) الكافي 6: 453 ح 3، التهذيب 2: 208 ح 816، الاستبصار 1: 386 ح 1466، الوسائل 3: 270 ب (12) من أبواب لباس المصلي ح 3. (4) الكافي 6: 453 ح 4، الوسائل 3: 269 الباب المتقدم ح 1. (5) مسند أحمد 3: 273 صحيح البخاري 4: 50، صحيح مسلم 3: 1646 ح 24، سنن أبي داود 4: 50 ح 4056، سنن البيهقي 3: 268. (6) مسند أحمد 3: 192، صحيح البخاري 4: 50، صحيح مسلم 3: 1647 ح 26.

[ 186 ]

التاسعة: اتخاذ الحمام للانس وإنفاذ الكتب ليس بحرام. وإن اتخذها للفرجة والتطير فهو مكروه. والرهان عليها قمار. وثالثها: اليسير منه، كالعلم والرقعة وطرف الثوب. ففي رواية عنه صلى الله عليه وآله أنه (نهى عن لبس الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة) (1). وفي تعدي التحريم إلى غير اللبس من التكأة عليه في الوسائد والافتراش له قولان، منشؤهما اختلاف الاخبار، فروى العامة عن حذيفة - رحمه الله - قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه) (2). ويؤيده إطلاق النهي عنه في الخبر السابق. والاصح الجواز، لصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليهما السلام، قال: (سألته عن فراش حرير ومثله من الديباج، ومصلى من حرير ومثله من الديباج، يصلح للرجل النوم عليه والتكأة والصلاة عليه؟ قال: يفرشه ويقوم عليه، ولا يسجد عليه) (3). ولان النهي عنه في النصوص المعتبرة (4) معلق على اللبس، فيبقى غيره على الاصل. وأما الذهب فيحرم لبسه للرجال مطلقا، سواء في ذلك التختم والتحلي وغيرهما. قوله: (اتخاذ الحمام... إلخ).

(1) مسند أحمد 1: 51، صحيح مسلم 3: 1643 ح 15، سنن البيهقي 3: 269. (2) مسند أحمد 5: 404، سنن الدارقطني 4: 293 ح 87، سنن البيهقي 3: 266. (3) الكافي 6: 477 ح 8، التهذيب 2: 373 ح 1553، الوسائل 3: 274 ب (15) من أبواب لباس المصلي ح 1. (4) راجع الوسائل 3: 266 ب (11) من أبواب لباس المصلي ح 5، 6، 11.

[ 187 ]

اتخاذ الحمام للبيض والفرخ والانس بها وحمل الكتب جائز بلا كراهة، بل في الاخبار (1) ما يدل على الترغيب فيه، روي (أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وآله الوحدة، فقال: اتخذ زوجا من حمام) (2). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجن، إن سفهاء الجن يعبثون في البيت فيعبثون بالحمام، ويدعون الانسان) (3). وروى عبد الكريم بن صالح قال: (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر فقلت: جعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش، فقال: لا إنه يستحب أن يسكن في البيت) (4). وأما اقتناؤها للعب بها، وهو أن يطيرها تنقلب في السماء ونحو ذلك، فإنه مكروه، لما فيه من العبث وتضييع العمر فيما لا يجدي. ولكن لا ترد به الشهادة، إلا أن يكثر بحيث يؤذن بقلة المروة، خلافا لابن إدريس (5) حيث جعل اللعب بها قادحا، لقبح اللعب. وهو ممنوع. ورواية العلا بن سيابة عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق) (6) تدفع قبحه، وتدل على أن اللعب به ليس فسقا، وإلا لاستحال التقييد

(1) راجع الوسائل 8: 376 ب (31) من أبواب أحكام الدواب. (2) الكافي 6: 546 ح 6، الفقيه 3: 220 ح 1022، الوسائل 8: 378 الباب المتقدم ح 15. (3) الكافي 6: 546 ح 5، الوسائل 8: 377 الباب المتقدم ح 8. (4) الكافي 6: 548 ح 15، الوسائل 8: 380 ب (34) من أبواب أحكام الدواب ح 1. (5) السرائر 2: 124. (6) الفقيه 3: 30 ح 88، التهذيب 6: 284 ح 784، الوسائل 18: 305 ب (54) من أبواب الشهادات ح 1.

[ 188 ]

العاشرة: لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة، كالصياغة وبيع الرقيق، ولا من أرباب الصنائع الدنية، كالحياكة والحجامة، ولو بلغت في الدنأة كالزبال والوقاد، لان الوثوق بشهادته مستند إلى تقواه. به. وفي خبر آخر بالاسناد قال: (سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام) (1). وأما الرهان عليها فمحرم، لما تقدم في كتاب السبق (2) من اختصاص جوازه بالخف والحافر من الحيوان. وقيل: إن حفص بن غياث وضع للمهدي العباسي في حديث: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) (3) قوله: (أو ريش) ليدخل فيه الحمام، تقربا إلى قلب الخليفة حيث رآه يحب الحمام، فلما خرج من عنده قال: (أشهد أن قفاه قفا كذاب، ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أو ريش، ولكنه أراد التقرب إلينا بذلك) (4) ثم أمر بذبح الحمام. قوله: (لا ترد شهادة أحد... إلخ). أهل الحرف الدنية والمكروهة لا ترد شهادتهم عندنا مطلقا، لانها حرف مباحة والناس محتاجون إليها، ولو ردت شهادتهم لم يؤمن أن يتركوها فيعم الضرر.

(1) التهذيب 6: 284 ح 785، الوسائل 18: 305 الباب المتقدم ح 2. (2) في ج 6: 84. (3) الكافي 5: 50 ح 14، الوسائل 13: 348 ب (3) من كتاب السبق والرماية ح 1. وانظر مسند أحمد 2: 474، سنن ابن ماجة 2: 960 ح 2878، سنن أبي داود 3: 29 ح 2574، سنن النسائي 6: 226. (4) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 275، وفيه: غياث بن إبراهيم، بدل: حفص بن غياث.

[ 189 ]

الخامس: ارتفاع التهمة ويتحقق المقصود ببيان مسائل: الاولى: لا تقبل شهادة من يجر بشهادته نفعا، كالشريك فيما هو شريك فيه، وصاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه، والسيد لعبده المأذون، والوصي فيما هو وصي فيه. وكذا لا تقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا، كشهادة أحد وخالف في ذلك بعض العامة (1)، محتجا بأن اشتغالهم بهذه الحرف ورضاهم بها يشعر بالخسة وقلة المروة، خصوصا الحياكة، لازراء الناس بهم، وعدهم النسبة إلى الحياكة سبا وإيذاء. وألحق بعضهم الصباغين والصياغين بهم. وفرق آخرون بين من يليق به هذه الحرف وكانت صنعة آبائه وغيره، فترد شهادة الثاني دون الاول. نعم، من يكثر منهم ومن سائر المحترفة الكذب والخلف في الوعد ترد شهادته لذلك عند الجميع. قوله: (ار تفاع التهمة... إلخ). نبه بقوله: (ويتحقق المقصود) على أن مطلق التهمة غير قادح في الشهادة، بل التهمة في مواضع مخصوصة، وهي التي يذكرها، فإن شهادة الصديق لصديقه والوارث لمورثه مقبولة وإن كان مشرفا على التلف عندنا. وكذا شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين، مع ظهور التهمة في جميع ذلك. وسيأتي (2) البحث فيه. قوله: (لا تقبل شهادة... إلخ).

(1) حلية العلماء 8: 249 - 250، المغني لابن قدامة 12: 35، روضة الطالبين 8: 210. (2) في ص: 192.

[ 190 ]

العاقلة بجرح شهود الجناية. وكذا شهادة الوكيل والوصي بجرح شهود المدعي على الموصي أو الموكل. شهادة المتهم مردودة إجماعا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تقبل شهادة ظنين ولا خصم) (1). والظنين: المتهم. وصحيحة أبي بصير قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يرد من الشهود، قال: الظنين، والمتهم، والخصم) (2). وللتهمة المانعة أسباب: منها: أن يجر إلى نفسه بشهادته نفعا ولو بالولاية، أو يدفع ضررا، فلا تقبل شهادة السيد لعبده المأذون، والغريم للميت والمفلس المحجور عليه، والوارث بجرح مورثه، لان الدية تجب له عند الموت بسبب الجرح، فيلزم أن يكون شاهدا لنفسه، والشريك لشريكه فيما هو شريك فيه، والوكيل للموكل فيما هو وكيل فيه، والوصي والقيم في محل تصرفهما، خلافا لابن الجنيد (3) حيث قبل شهادة الوصي لليتيم بمال. ومال إليه في الدروس (4). والمشهور العدم. ولا ترد شهادتهم في غير ذلك. وكذا لا تقبل شهادة الشريك لشريكه في بيع الشقص ولا للمشتري، لان شهادته تتضمن إثبات الشفعة لنفسه. فإن لم يكن فيه شفعة أو عفا عنها قبل الشهادة قبلت.

(1) رواه الشيخ في الخلاف 6: 296 ذيل مسألة (43)، وانظر سنن البيهقي 10: 202، تلخيص الحبير 4: 203 ح 2128. (2) الكافي 7: 395 ح 3، التهذيب 6: 242 ح 598، الوسائل 18: 275 ب (30) من أبواب الشهادات ح 3. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 727. (4) الدروس الشرعية 2: 128.

[ 191 ]

الثانية: العداوة الدينية لا تمنع القبول، فإن المسلم تقبل شهادته على الكافر. أما الدنيوية فإنها تمنع، سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن. وتتحقق العداوة، بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمسأة الاخر، والمسأة بسروره، أو يقع بينهما تقاذف. وكذا تقبل شهادة الغريم لمديونه الموسر مطلقا، والمعسر قبل الحجر، لان الحق متعلق بذمته حينئذ لا بعين أمواله. ويحتمل العدم، لان المعسر لا مطالبة عليه، فإذا أثبت له شيئا أثبت المطالبة لنفسه. وفي المنع من شهادة السيد للمكاتب مطلقا قولان، من انتفاء سلطنته عنه، وظهور التهمة بعجزه، خصوصا المشروط. وبالاول قطع العلامة في القواعد (1)، وبالثاني في التحرير (2). ولعله أقوى. ولا فرق في التهمة المانعة بين كون الشهادة جالبة لنفع كما ذكر، أو دافعة لضرر عن الشاهد، كجرح بعض العاقلة شهود الجناية خطاء، لانها تدفع عنه الغرم، وكشهادة الوصي والوكيل بجرح الشاهد على الموصي والموكل، لانهما يدفعان بها الغرم المأخوذ من أيديهما وإن لم يكن من مالهما. ومثله شهادة الزوج بزنا زوجته التي قذفها على الاظهر. قوله: (العداوة الدينية... إلخ). من أسباب التهمة العداوة الدنيوية، فلا تقبل شهادة العدو على عدوه عندنا، وعند أكثر العامة (3).

(1) قواعد الاحكام 2: 237 (2) تحرير الاحكام 2: 209. (3) الحاوي الكبير 17: 161، الكافي للقرطبي 2: 894، حلية العلماء 8: 262، المغني لابن قدامة 12: 56، روضة الطالبين 8: 213.

[ 192 ]

وكذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق، لتحقق التهمة. لنا: قوله صلى الله عليه وآله في الخبر السابق (1): (لا تقبل شهادة ظنين ولا خصم). وقوله صلى الله عليه وآله: (لا تقبل شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمز على أخيه) (2). قيل: المراد من الخصم العدو. والعداوة التي ترد بها الشهادة هي التي تبلغ حدا يتمنى هذا زوال نعمة ذاك، ويفرح بمصيباته ويحزن بمسراته. وذلك قد يكون من الجانبين، وقد يكون من أحدهما، فيختص برد شهادته على الاخر. فإن أفضت العداوة إلى ارتكاب ما يوجب الفسق فهو مردود الشهادة على الاطلاق. وإن عاداه من يريد أن يشهد عليه وبالغ في خصومته، فلم يجب وسكت ثم شهد عليه قبلت شهادته، وإلا اتخذ الخصماء ذلك ذريعة إلى إسقاط الشهادات. والعداوة الدينية لا توجب رد الشهادة، بل تقبل شهادة المسلم على الكافر، والمحق على المبتدع. وكذا من أبغض الفاسق لفسقه لم ترد شهادته عليه. قوله: (وكذا لو شهد بعض الرفقاء... إلخ). إذا شهد بعض الرفقاء لبعض على اللصوص، فإن لم يكن الشاهد مأخوذا قبلت شهادته، لعدم التهمة. وإن كان مأخوذا، فإن تعرض لما أخذ منه لم تقبل في حق نفسه قطعا. وفي قبولها في حق غيره، وكذا لو لم يتعرض لما أخذ منه، وجهان، من ظهور التهمة فترد. وهو الذي قطع به المصنف - رحمه الله - وجماعة (3). ويدل

(1) راجع ص: 190. (2) معاني الاخبار: 208 ح 3، الوسائل 18: 279 ب (32) من أبواب الشهادات ح 8. (3) راجع النهاية: 326، السرائر 2: 122، الجامع للشرائع: 541 فقد أطلقوا الحكم بعدم القبول.

[ 193 ]

أما لو شهد العدو لعدوه قبلت، لانتفاء التهمة. عليه إطلاق رواية محمد بن الصلت قال: (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق، فأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار اللصوص، أو بشهادة من غيرهم عليهم) (1). ومن وجود العدالة المانعة من التهجم على غير الواقع. ومنع التهمة المانعة، بل هو كشهادة بعض غرماء المديون لبعض، وكما لو شهدا لاثنين بوصية من تركة، وشهد المشهود لهما للشاهدين بوصية منها أيضا. واختار في الدروس (2) القبول فيهما. أما في هذه الصورة فلما ذكر. وأما في صورة (3) التبعض فلتحقق المقتضي في أحد الطرفين، والمانع في الاخر. وكذا القول في كل شهادة مبعضة. قوله: (أما لو شهد العدو... إلخ). هذا إذا لم تتضمن العداوة فسقا. وإلا لم تقبل لذلك لا للعداوة نفسها. ولا يخفى أن الفرح بمسأة المؤمن والحزن بمسرته معصية، فإن كانت العداوة من هذه الجهة وأصر على ذلك فهو فسق. وظهور الفسق مع التقاذف أوضح. فالجمع بين العداوة وقبول الشهادة لا يخلو من إشكال، إلا أن يفسر الاصرار بالاكثار من الصغائر، لا بالاستمرار على واحدة مخصوصة.

(1) الكافي 7: 394 ح 2، الفقيه 3: 25 ح 68، التهذيب 6: 246 ح 625، الوسائل 18: 272 ب (27) من أبواب الشهادات ح 2. (2) الدروس الشرعية 2: 127 - 128. (3) في بعض النسخ الخطية:... صورة ما مع التبعض....

[ 194 ]

الثالثة: النسب وإن قرب لا يمنع قبول الشهادة، كالاب لولده وعليه، والولد لوالده، والاخ لاخيه وعليه. وفي قبول شهادة الولد على والده خلاف، والمنع أظهر، سواء شهد بمال، أو بحق متعلق ببدنه، كالقصاص والحد. قوله: (النسب وإن قرب... إلخ). ليس من أسباب التهمة عندنا البعضية، فتقبل شهادة جميع الاقرباء لاقربائهم، حتى الابن والاب، للاصل، وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (تجوز شهادة الولد لوالده، والوالد لولده، والاخ لاخيه) (1). وسأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام: (عن شهادة الولد لوالده، والوالد لولده، والاخ لاخيه، فقال: تجوز) (2). ولا تشترط الضميمة في شهادة كل من الولد والوالد والاخ والزوجين للاخر، خلافا للشيخ في النهاية (3)، للاصل وعموم الاخبار. واستثنى أكثر الاصحاب من شهادة القريب [ على القريب ] (4) شهادة الولد على والده، فحكموا بعدم قبولها، حتى نقل الشيخ في الخلاف (5) عليه الاجماع. واحتجوا عليه مع ذلك بقوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) (6)، وليس من المعروف الشهادة عليه والرد لقوله وإظهار تكذيبه، فيكون ارتكاب ذلك عقوقا مانعا من قبول الشهادة.

(1) الكافي 7: 393 ح 3، الوسائل 18: 270 ب (26) من أبواب الشهادات ح 1. (2) الكافي 7: 393 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 632، الوسائل 18: 271 الباب المتقدم ذيل ح 3. (3) النهاية: 330. (4) من (د). (5) الخلاف 6: 297 مسألة (45). (6) لقمان: 15.

[ 195 ]

ولا يخفى عليك ضعف هذه الحجة، فإن قول الحق ورده عن الباطل وتخليص ذمته من الحق عين المعروف، كما ينبه عليه قوله صلى الله عليه وآله: (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقيل: يا رسول الله كيف أنصره ظالما؟ قال: ترده عن ظلمه، فذلك نصرك إياه) (1). ولان إطلاق النهي عن عصيان الوالد يستلزم وجوب طاعته عند أمره له بارتكاب الفواحش وترك الواجبات، وهو معلوم البطلان. وأما دعوى الاجماع على وجه يتحقق بها الحجة فممنوعة، وقد خالف في ذلك المرتضى (2) - رضي الله عنه -، وكثير من المتقدمين كابن الجنيد وابن أبي عقيل لم يتعرضوا للحكم بنفي ولا إثبات. ويدل على القبول مع الاصل عموم قوله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والاقربين) (3). وقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (4). ورواية داود بن الحصين أنه سمع الصادق عليه السلام يقول: (أقيموا الشهادة على الوالدين والولد) (5). ورواية علي بن سويد الشامي عن أبي الحسن عليه السلام قال: (كتب أبي

(1) صحيح البخاري 9: 28 - 29، مسند أحمد 3: 99، سنن البيهقي 6: 94. (2) راجع الانتصار: 244، ولكن ظاهره ذلك، حيث نسب عدم القبول إلى بعض الاصحاب. (3) النساء: 135. (4) الطلاق: 2. (5) الفقيه 3: 30 ح 89، التهذيب 6: 257 ح 675، الوسائل 18: 250 ب (19) من أبواب الشهادات ح 3.

[ 196 ]

في رسالته إلي وسألته عن الشهادات لهم: فأقم الشهادة لله ولو على نفسك أو الوالدين والاقربين) (1). وروى إسماعيل بن مهران (2) مثله. وإلى هذا القول ذهب الشهيد في الدروس (3)، مع أنه في الشرح (4) اختار المشهور، معولا على الاجماع المنقول بخبر الواحد. واعترض في المختلف (5) على الاحتجاج بالاية بأن الامر بالاقامة لا يستلزم القبول. وأجيب (6) بأنه لولاه لزم العبث في إقامتها، وبأنه معطوف على القبول وهو الشهادة على نفسه، ومعطوف عليه بالقبول وهو الشهادة على الاقربين، فلو كان غير مقبول لزم عدم انتظام الكلام، وأنه محال. وعلى القولين ففي تعدي الحكم إلى من علا من الاباء وسفل من الاولاد وجهان، من الشك في صدق الابوة والبنوة على الجد وولد الولد بطريق الحقيقة. وأولى بالقبول هنا لو قيل به في القريب. ولا يتعدى إلى الاب والولد من الرضاعة، لعدم كونه ولدا حقيقة، ومن ثم لم يتبادر إليه عند الاطلاق، وصح سلبه عنه. مع احتمال دخوله. ونبه المصنف - رحمه الله - بقوله: (سواء شهد بمال أو بحق متعلق ببدنه،

(1) الكافي 7: 381 ح 3، التهذيب 6: 276 ح 757، الوسائل 18: 229 ب (3) من أبواب الشهادات ح 1. (2) الكافي 7: 381 ذيل ح 3. (3) الدروس الشرعية 2: 132. (4) غاية المراد: 321. (5) المختلف: 720. (6) غاية المراد: 321.

[ 197 ]

وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، مع غيرها من أهل العدالة. ومنهم من شرط في الزوج الضميمة كالزوجة. ولا وجه له. ولعل الفرق إنما هو لاختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج، [ من ] أن تجذبه دواعي الرغبة. والفائدة تظهر، لو شهد فيما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين. وتظهر الفائدة في الزوجة، لو شهدت لزوجها في الوصية. كالقصاص والحد) على خلاف بعض العامة (1)، حيث حكم بقبول شهادة الولد على والده بالمال دون القصاص والحد، محتجا بأنه لا يجوز أن يكون سببا لعقوبة الاب، كما لا يقتص منه (2) ولا يحد بقذفه. قوله: (وكذا تقبل... إلخ). لا خلاف عندنا في قبول شهادة كل من الزوجين للاخر، لوجود المقتضي، وانتفاء المانع، وضعف التهمة مع وصف العدالة. لكن شرط الشيخ - رحمه الله - في النهاية (3) انضمام عدل آخر إلى كل منهما، استنادا إلى صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (تجوز شهادة الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها، إذا كان معها غيرها) (4). وموقوف (5)

(1) الحاوي الكبير 17: 165، روضة الطالبين 8: 213. (2) في (ت، ط): به. (3) النهاية: 330. (4) الكافي 7: 392 - 393 ح 1، التهذيب 6: 247 ح 627، الوسائل 18: 269 ب (25) من أبواب الشهادات ح 1. (5) في (د): وموثق.

[ 198 ]

وتقبل شهادة الصديق لصديقه، وإن تأكدت بينهما الصحبة والملاطفة، لان العدالة تمنع التسامح. سماعة قال: (سألته عن شهادة الرجل لامرأته؟ قال: نعم، والمرأة لزوجها؟ قال: لا، إلا أن يكون معها غيرها) (1). وجوابه: منع الدلالة، لانه أطلق القبول في الزوج وقيده في الزوجة، فإلحاقه بها قياس مع وجود الفارق. وأبعد منه إلحاق باقي الاقارب كما مر (2). ووجه التقييد في الرواية أن المرأة لا يثبت بها الحق منفردة ولا منضمة إلى اليمين، بل يشترط أن يكون معها غيرها، إلا ما استثني نادرا وهو الوصية، بخلاف الزوج، فإنه يثبت بشهادته الحق مع اليمين، والرواية باشتراط الضميمة معها مبنية على الغالب في الحقوق، وهي ما عدا الوصية. والمصنف - رحمه الله - وافق الشيخ في الزوجة دون الزوج، عملا بإطلاق الرواية الصحيحة. وجعل الفائدة في شهادتها له بالوصية، فلا تقبل في الربع، بخلاف ما لو شهدت لغيره. وفرق بينها وبين الزوج بقوة مزاجه وسداد عقله، بخلافها، ومن ثم كانت شهادة امرأتين بشهادة رجل، فلا يوثق بعدالتها أن تميل إلى مطلوبه بدواعي الطبع، بخلاف الرجل. والاظهر عدم اشتراط الضميمة مطلقا. وعلى القول بها يكفي انضمام امرأة أخرى فيما يكتفى فيه بشهادة المرأتين، كنصف الوصية والمال الذي يكتفى فيه بهما مع اليمين. قوله: (وتقبل شهادة الصديق... إلخ).

(1) التهذيب 6: 247 ح 629، الوسائل 18: 270 الباب المتقدم ح 3. (2) في ص: 194.

[ 199 ]

الرابعة: لا تقبل شهادة السائل في كفه، لانه يسخط إذا منع، ولان ذلك يؤذن بمهانة النفس، فلا يؤمن على المال. ولو كان ذلك مع الضرورة نادرا، لم يقدح في شهادته. نبه بالغاية على خلاف بعض الشافعية (1)، حيث ذهب إلى أنه إذا كان بينهما ملاطفة وهدية لا تقبل شهادته له. وعموم الادلة يمنعه. والتهمة تندفع بالعدالة. قوله: (لا تقبل شهادة السائل... إلخ). المشهور بين الاصحاب عدم قبول شهادة السائل في كفه مطلقا، لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهما السلام قال: (سألته عن السائل الذي يسأل في كفه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفه) (2). وموثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (رد رسول الله صلى الله عليه وآله شهادة السائل الذي يسأل في كفه، قال أبو جعفر عليه السلام: لانه لا يؤمن على الشهادة، وذلك لانه إن أعطي رضي، وإن منع سخط) (3). وفي التعليل إيماء إلى تهمته. واستثنى ابن إدريس (4) من دعته الضرورة إلى ذلك. ووافقه المصنف وجماعة (5) من المتأخرين. وهو حسن. وفي حكم السائل بكفه الطفيلي. والمراد بالسائل في كفه من يباشر السؤال والاخذ بنفسه، والسؤال في الكف كناية عنه.

(1) هذا الخلاف من مالك، انظر الكافي للقرطبي 2: 894، ولم ينقل عن الشافعية، راجع الحاوي الكبير 17: 162 - 163، حلية العلماء 8: 260 - 261، المغني لابن قدامة 12: 71. (2) الكافي 7: 397 ح 14، التهذيب 6: 244 ح 609، الوسائل 18: 281 ب (35) من أبواب الشهادات ح 1. (3) الكافي 7: 396 ح 13، التهذيب 6: 243 ح 608، الوسائل 18: 281 الباب المتقدم ح 2. (4) السرائر 2: 122. (5) تحرير الاحكام 2: 210، الدروس الشرعية 2: 131 - 132، التنقيح الرائع 4: 299.

[ 200 ]

الخامسة: تقبل شهادة الاجير والضيف، وإن كان لهما ميل إلى المشهود له، لكن يرفع التهمة تمسكهما بالامانة. قوله: (تقبل شهادة الاجير... إلخ). لا خلاف في قبول شهادة الضيف من حيث هو ضيف، لعموم الادلة المتناولة له، وارتفاع ريبة التهمة بواسطة التقوى. وفي رواية أبي بصير قال: (لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا) (1). وأما الاجير فاختلف الاصحاب في شأنه، فجزم المصنف - رحمه الله - وقبله ابن إدريس (2) بقبول شهادته، وعليه المتأخرون (3)، للاصل، وعموم قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (4) (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (5). وذهب الشيخ في النهاية (6) والصدوقان (7) وأبو الصلاح (8) وجماعة (9) إلى عدم قبول شهادته ما دام أجيرا، لرواية العلا بن سيابة عن الصادق عليه السلام قال: (كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يجيز شهادة الاجير) (10). ورواية زرعة

(1) الفقيه 3: 27 ح 77، التهذيب 6: 258 ح 676، الاستبصار 3: 21 ح 64، الوسائل 18: 274 ب (299) من أبواب الشهادات ح 3. (2) السرائر 2: 121. (3) تحرير الاحكام 2: 210، كشف الرموز 2: 520، التنقيح الرائع 4: 297 - 298. (4) البقرة: 282. (5) الطلاق: 2. (6) النهاية: 325. (7) الهداية: 75، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 718. (8) الكافي في الفقه: 436. (9) الوسيلة: 230، غنية النزوع: 440، إصباح الشيعة: 529. (10) الكافي 7: 394 ح 4، التهذيب 6: 246 ح 624، الاستبصار 3: 21 ح 62، الوسائل 18: 274 ب (299) من أبواب الشهادات ح 2.

[ 201 ]

لواحق هذا الباب وهي ست: الاولى: الصغير والكافر والفاسق المعلن، إذا عرفوا شيئا، ثم زال المانع عنهم، فأقاموا تلك الشهادة قبلت، لاستكمال شرائط القبول. ولو أقامها أحدهم في حال المانع فردت، ثم أعادها بعد زوال المانع، قبلت. قال: (سألته عما يرد من الشهود، فقال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والاجير) (1). وفي طريق الرواية الاولى أحمد بن فضال عن أبيه. والثانية ضعيفة موقوفة. فكان القول بالقبول أجود. ويمكن حملهما على الكراهة، جمعا بينهما وبين رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (تكره شهادة الاجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره، ولا بأس به له بعد مفارقته) (2). أو على ما إذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر، كما لو شهد لمن استأجره على قصارة الثوب أو خياطته به (3) ونحو ذلك، فإنها لا تقبل قطعا. قوله: (الصغير والكافر والفاسق... إلخ).

(1) التهذيب 6: 242 ح 599، الاستبصار 3: 14 ح 38، الوسائل 18: 278 ب (32) من أبواب الشهادات ح 3. وفي المصادر: عن زرعة، عن سماعة، قال... (2) تقدم ذكر مصادرها في الصفحة السابقة هامش (1). (3) في (ث، ط): له.

[ 202 ]

وكذا العبد لو ردت شهادته على مولاه، ثم أعادها بعد عتقه، أو الولد على أبيه فردت، ثم مات الاب وأعادها. أما الفاسق المستتر، إذا أقام فردت، ثم تاب وأعادها، فهنا تهمة الحرص على دفع الشبهة عنه، لاهتمامه بإصلاح الظاهر. لكن الاشبه القبول. عد بعضهم (1) من أسباب التهمة أن يدفع عار الكذب عن نفسه، فإذا شهد فاسق مستتر بفسقه فرد الحاكم شهادته ثم تاب فشهادته مقبولة بعد ذلك، لكن لو أعاد تلك الشهادة قيل: لا تقبل. وهذا بخلاف ما لو ردت شهادة الفاسق المعلن فسقه أو العبد أو الصبي أو الكافر، ثم تاب الفاسق وأعتق العبد وبلغ الصبي وأسلم الكافر، فأعادوا شهادتهم، فإنها تقبل. والفرق من وجهين: أحدهما: أن العدالة والفسق يدركان بالنظر والاجتهاد، فإذا أدى نظر الحاكم واجتهاده إلى فسق الشاهد حكم بردها، وما حكم برده فقد أبطله، فليس له أن يصححه من تلك الجهة التي أبطله بها. والعبد والصبي والكافر والفاسق المعلن ليس لهم أهلية الشهادة، وما أتوا به ليس بشهادة معتد بها حتى تقبل أو ترد، ولو علم الحاكم حالهم لم يصغ إلى كلامهم، فليس في أمرهم نظر ولا اجتهاد. والثاني: أن المذكورين لا يتعيرون برد الشهادة. أما العبد والصبي فليس إليهما نقصانهما. وأما الكافر فلا يعتقد كفره نقصانا، بل يفتخر به، ولا يبالي برد

(1) قواعد الاحكام 2: 237، الدروس الشرعية 2: 129.

[ 203 ]

شهادته، لتمسكه بدينه. وكذا الفاسق المعلن، فإنه غير مبال بفسقه ولا يعده عارا، فكان كالكافر، بخلاف الفاسق المستتر، فإنه يتعير بالرد، لان الرد يظهر فسقه الذي يسعى في إخفائه، ويعترف بأنه نقص. ولانه يتهم بالكذب والمجازفة إذا ردت شهادته، فإذا أعاد تلك الشهادة فقد يريد دفع غضاضة الكذب، أو يرى أنه كان الحاكم مخطئا في ظن الفسق به فلما تبين خلافه قبل شهادته، وقد يتوهم أنه على فسقه لكن أظهر التوبة ليعيد الشهادة ويدفع العار، ومثل هذا لا يقدح في بلوغ الصبي وما في معناه. والمصنف - رحمه الله - بعد أن فرق في الحكم بين الفاسق والمذكورين رجح المساواة بينهم في القبول، لتحقق العدالة الدافعة لمثل هذه التهمة. وهو حسن مع ظهور صدق توبته، والثقة بعدم استنادها إلى ما يوجب التهمة. ولو كان الكافر مستترا بكفره ثم أسلم وأعادها فالوجهان. وكذا لو شهد على إنسان فردت شهادته لعداوة بينهما، ثم زالت العداوة فأعاد تلك الشهادة، فإن كان مستترا للعداوة فالوجهان، وإلا لم يمنع، لان الرد بالسبب الظاهر لا يورث عارا. ولو شهد لمكاتبه بمال، أو لعبده بنكاح، فردت شهادته، فأعادها بعد عتقهما، أو شهد اثنان من الشفعاء بعفو شفيع ثالث قبل أن يعفو فردت شهادتهما، ثم أعاداها بعد ما عفوا، أو شهد اثنان يرثان من رجل بجراحة عليه غير مندملة فردت شهادتهما، ثم أعاداها بعد اندمال الجراحة، قبلت في الجميع. وربما جاء احتمال المنع من حيث التهمة بالرد. وهو ممنوع، لظهور هذه الموانع.

[ 204 ]

الثانية: قيل: لا تقبل شهادة المملوك أصلا. وقيل: تقبل مطلقا. وقيل: تقبل إلا على مولاه. ومنهم من عكس. والاشهر القبول إلا على المولى. قوله: (قيل: لا تقبل شهادة المملوك... إلخ). اختلف الاصحاب في شهادة المملوك بسبب اختلاف الروايات، والنظر في الجمع بينها، على أقوال. الاول: قبول شهادته مطلقا. نقله المصنف - رحمه الله - هنا عن بعض الاصحاب، وهو اختيار ابن عمه نجيب الدين يحيى بن سعيد في جامعه (1). وحجته: عموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (2) (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (3) وغيرهما (4) من آيات العموم، فإنها تتناول المملوك كما تتناول الحر في أصح القولين للاصوليين (5). وخصوص صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: (تجوز شهادة العبد المسلم على الحر) (6). وهي تدل على جوازها على مثله بطريق أولى، لما سيأتي (7) من الروايات الدالة على جوازها على مثله زيادة على هذه. ورواية محمد بن مسلم أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام: (في شهادة

(1) الجامع للشرائع: 540. (2) الطلاق: 2. (3) البقرة: 282. (4) النساء: 6. (5) البحر المحيط 3: 181. (6) الفقيه 3: 26 ح 69، التهذيب 6: 249 ح 636. الاستبصار 3: 16 ح 44، الوسائل 18: 254 ب (233) من أبواب الشهادات ح 5. وفي المصادر: الحر المسلم. (7) في ص: 210.

[ 205 ]

المملوك إذا كان عدلا فهو جائز الشهادة، إن أول من رد شهادة المملوك عمر، وذلك أنه تقدم إليه مملوك في الشهادة فقال: إن أقمت الشهادة تخوفت على نفسي، وإن كتمتها أثمت بربي، فقال: هات شهادتك، أما إنا لا نجيز شهادة مملوك بعدك) (1). وحسنة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن المملوك تجوز شهادته؟ قال: نعم، إن أول من رد شهادة المملوك لفلان) (2). وحسنة عبد الرحمن بن الحجاج عنه عليه السلام: (إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا) (3). وهذه الاخبار كلها تدل على القبول مطلقا، وتخصيصها على خلاف الاصل. الثاني: عدم قبولها مطلقا. ذهب إلى ذلك الحسن بن أبي عقيل (4) من أصحابنا. وهو قول أكثر العامة (5). ومستنده من الاخبار صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام

(1) الكافي 7: 389 - 390 ح 2، التهذيب 6: 248 ح 633، الاستبصار 3: 15 ح 41، الوسائل 18: 254 ب (23) من أبواب الشهادات ح 3. (2) الكافي 7: 390 ح 3، التهذيب 6: 248 ح 635، الاستبصار 3: 16 ح 43، الوسائل 18: 254 الباب المتقدم ح 2. (3) الكافي 7: 389 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 634، الاستبصار 3: 15 ح 42، الوسائل 18: 253 الباب المتقدم ح 1. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 720. (5) حلية العلماء 8: 246، اللباب في شرح الكتاب 4: 60، الكافي للقرطبي 2: 894، روضة الطالبين 8: 199.

[ 206 ]

في حديث، وفي آخره: (العبد المملوك لا تجوز شهادته) (1). والمراد بنفي الجواز نفي القبول، إذ هو الظاهر. وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن شهادة ولد الزنا، قال: لا ولا عبد) (2). ورواية سماعة قال: (سألته عما يرد من الشهود، فقال: المريب، والخصم، والشريك، ودافع مغرم، والاجير، والعبد، والتابع، والمتهم، كل هؤلا ترد شهادتهم) (3). ومن الاعتبار أن الشهادة من المناصب الجليلة، فلا تليق بحال العبد كالقضاء. ولاستغراق وقته (4) بحقوق سيده، فلا يتفرغ لتحمل الشهادة ولا لادائها. ولان نفوذ القول على الغير نوع ولاية، فيعتبر فيها الحرية كما في سائر الولايات. وفيه نظر، لان الجواز المنفي مغاير للقبول في المفهوم، فحمله عليه - خصوصا مع معارضة تلك (5) الادلة الكثيرة - ليس بجيد. ومن الجائز حمله على معناه بإرادة عدم جواز شهادته بدون إذن مولاه، لما في ذلك من تعطيل حق سيده، والانتفاع به بغير إذنه. ولو كان هذا خلاف الظاهر لكان المصير إليه أولى، مراعاة للجمع.

(1) التهذيب 6: 249 ح 638، الاستبصار 3: 16 ح 46، الوسائل 18: 256 ب (23) من أبواب الشهادات ح 10. (2) التهذيب 6: 244 ح 612، الوسائل 18: 277 ب (31) من أبواب الشهادات ح 6. (3) التهذيب 6: 242 ح 599، الاستبصار 3: 14 ح 38، الوسائل 18: 278 ب (32) من أبواب الشهادات ح 3. (4) في (أ): رقبته. (5) في (خ): معارضته لتلك.

[ 207 ]

هذا مع أن صدر الرواية تضمن قبول شهادة المملوك على أهل الكتاب، وهو ينافي عدم قبول شهادته مطلقا. وأيضا فإن محمد بن (1) مسلم روى أيضا قبول شهادة المملوك على الحر المسلم، وروى (2) قبول شهادته مطلقا، فلا وجه لترجيح المنع. وأما صحيحة الحلبي فليست صريحة في عدم القبول، وقابلة للتأويل جمعا. واقترانه بولد الزنا في الشهادة يطرق الاحتمال أيضا، لما سيأتي (3) من الخلاف فيه. وأما رواية سماعة فوقوفها يوقف حالها، مضافا إلى ضعف سندها، فلا عبرة بها. وأما كون الشهادة من المناصب المرتفعة عن مقام المملوكية فظاهر المنع، بل عين المتنازع، وفيما يسوغ للعبد من المناصب - كالامامة - ما هو أشرف منها. واستغراق وقته في خدمة سيده لا ينافي قبول شهادته، لامكان وقوع ما لا ينافي ذلك ولو بإذنه. فهذان القولان طرفا الاقوال، وبقي بينهما وسائط. الثالث: قبولها مطلقا إلا على مولاه. وهذا مذهب الاكثر، ومنهم

(1) تقدم ذكر مصادره في ص: 204 هامش (6). (2) تقدم ذكر مصادره في ص: 205 هامش (1). (3) في ص: 221.

[ 208 ]

الشيخان (1)، والمرتضى (2)، وسلا ر (3)، والقاضي (4)، وابن إدريس (5)، والمصنف، وأكثر المتأخرين (6). والمستند التوفيق بين الادلة. ويناسب حمل أدلة المنع على شهادته على مولاه مشابهته للولد في عدم قبول شهادته على والده، لاشتراكهما في وجوب الطاعة وتحريم العصيان والعقوق. وفيه نظر، لان حمل أخبار المنع على ذلك غير متعين، لما ذكرناه سابقا، ولما سيأتي (7) من الاخبار الدالة على المنع من شهادته على غيره من الاحرار، فيمكن حملها عليه. وتشبيهه بالولد ممنوع. ولو سلم فالاصل ممنوع أيضا. وقد تقدم (8). واستدل في المختلف (9) لعدم قبول شهادته على مولاه بصحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: (في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما أخ له، فأعتق العبدين، وولدت الجارية غلاما، فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما أنه كان يقع على الجارية وأن الحمل منه، قال: تجوز شهادتهما، ويردا

(1) النهاية: 331، المقنعة: 726. (2) الانتصار: 246. (3) المراسم: 232. (4) المهذب 2: 557. (5) السرائر 2: 135. (6) المختلف: 721، غاية المراد: 322، التنقيح الرائع 4: 301. (7) في ص: 210. (8) في ص: 195. (9) المختلف: 721.

[ 209 ]

عبدين كما كانا) (1). قال: (وهي دالة على قبول شهادته لسيده، والمنع من قبولها على سيده، وإلا لم يكن للعتق فائدة) (2). وفي كل منهما نظر: أما الاول فلانهما حين الشهادة لم يكونا شاهدين لسيدهما ظاهرا، لان مولوية الولد إنما تحققت بعد شهادتهما وحكم الحاكم بها. نعم، شهادتهما مع الحكم كشفا عن كون الشهادة في نفس الامر للمولى، ولا يلزم منه قبولها مع ظهور الامر [ له ] (3). وأما الثاني فلان لفظ العتق لم يقيد به الامام ليكون دليلا على اعتباره في القبول، بل هو في (4) لفظ الراوي بيانا للواقع. سلمنا لكن مفهوم الصفة ليس بحجة عنده. والشيخ في الاستبصار (5) حملها على أنها شهادة في الوصية، فتقبل فيها لا غير، كما تقبل شهادة عدول الذمة عند عدم المسلمين. الرابع: عكسه. وهو عدم قبولها مطلقا إلا على مولاه. وهذا القول نقله المصنف - رحمه الله - هنا أيضا، وكذلك العلامة في القواعد (6)، ولم نعلم قائله.

(1) التهذيب 6: 250 ح 642، الاستبصار 3: 17 ح 50، الوسائل 18: 255 ب (23) من أبواب الشهادات ح 7. (2) المختلف: 721. (3) من (ت). (4) في الحجريتين: من. (5) الاستبصار 3: 17 ذيل ح 50. (6) قواعد الاحكام 2: 238.

[ 210 ]

ووجهه: الجمع بين الاخبار أيضا، بحمل أخبار القبول [ بكونها ] (1) على مولاه، والمانعة على غيره. ولا يخفى عدم الموجب لهذا التخصيص. مضافا إلى ما ذكرناه سابقا من وجوه ترجيح غيره. الخامس: قبولها على مثله وعلى الكافر، وردها على الحر المسلم. وهو مذهب أبي علي بن الجنيد (2). وحجته - مع الجمع بين تلك الاخبار - قول الباقر عليه السلام في رواية محمد بن مسلم: (لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم) (3). والتقييد بالصفة يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف. وعلى تقدير عدم حجية مفهوم الوصف فيستدل على قبول شهادته على الذمي بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: (تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب) (4). وعلى العبد بما روي عن علي عليه السلام أنه كان يقبل شهادة بعضهم على بعض، ولا يقبل شهادتهم على الاحرار. ذكر ذلك الشيخ في الخلاف (5). وفيه نظر، لان رواية محمد بن مسلم المذكورة معارضة بروايته أيضا الصحيحة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (تجوز شهادة العبد المسلم على الحر

(1) من (خ، د، م). (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 720. (3) التهذيب 6: 249 ح 637، الاستبصار 3: 16 ح 45، الوسائل 18: 256 ب (23) من أبواب الشهادات ح 12. (4) الفقيه 3: 28 ح 81، التهذيب 6: 249 ح 638، الاستبصار 3: 16 ح 46، الوسائل 18: 254 الباب المتقدم ح 4، وفي الفقيه: عن أبي جعفر عليه السلام. (5) الخلاف 6: 269 مسألة (19).

[ 211 ]

المسلم) (1). والرواية الثانية لا تدل على نفي قبولها على غير أهل الكتاب إلا بالمفهوم الضعيف. والرواية الثالثة ليس لها استناد (2) يعتمد، وقد عارضها رواية عبد الرحمن بن الحجاج أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: (لا بأس بشهادة المملوك) (3) من غير تقييد بكون شهادته على مثله. السادس: قبولها لغير مولاه وعليه، وردها له وعليه. ذهب إلى ذلك أبو الصلاح (4) رحمه الله. وحاول به أيضا الجمع بين الاخبار، وأن في شهادته لمولاه تهمة بجره النفع إليه، وعليه عقوق ومعصية. وقد تقدم (5) ما فيه. السابع: قال ابنا بابويه: (لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيده) (6). وهو يعطي المنع مما عدا ذلك من حيث المفهوم لا المنطوق. وإطلاق شهادته لغير سيده يشمل شهادته له على سيده، ويخرج بمفهومها شهادته لسيده على غيره. وفي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه؟ فقال: تجوز في الدين والشي اليسير) (7).

(1) تقدم ذكر مصادرها في ص: 204 هامش (6). (2) في (خ، ط): اسناد. (3) الكافي 7: 389 ح 1، التهذيب 6: 248 ح 634، الاستبصار 3: 15 ح 42، الوسائل 18: 253 ب (23) من أبواب الشهادات ح 1. (4) الكافي في الفقه: 435. (5) في ص: 208. (6) المقنع: 133، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 720. (7) التهذيب 6: 250 ح 640، الاستبصار 3: 17 ح 48، الوسائل 18: 255 ب (23) من أبواب الشهادات ح 8.

[ 212 ]

ولو أعتق، قبلت شهادته وعلى مولاه. وكذا حكم المدبر والمكاتب المشروط. أما المطلق، إذا أدى من مكاتبته [ شيئا ]، قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه. وفيه تردد، أقربه المنع. قوله: (ولو أعتق... إلخ). لوجود المقتضي للقبول وهو الحرية مع باقي الشرائط، وانتفاء المانع، إذ ليس إلا الرقية وقد زالت. لكن لو كان قد أداها حال الرقية فردت افتقر إلى إعادتها بعده، لان السابقة مردودة فلا يبنى عليها. وكذا لو شهد الولد على والده ثم مات الاب فأقامها بعده. قوله: (وكذا حكم المدبر... إلخ). المدبر قبل موت مولاه بحكم القن. وكذا المكاتب المشروط، سواء أدى شيئا من مال الكتابة أم لا، لبقائه على الرقية ما بقي عليه شي وإن قل، وعوده إليها لعجزه عنه كذلك. أما المطلق، فإن لم يؤد شيئا فكذلك، لان المقتضي للقبول هو الحرية ولم تحصل. وإن أدى شيئا، قال الشيخ في النهاية (1) وابن الجنيد (2) والقاضي (3) وجماعة (4): تقبل شهادته بنسبة ما أدى إلى جملة المال، وترد حيث ترد شهادة القن بنسبة المتخلف، لانتفاء المانع عن ذلك البعض، ولرواية أبي بصير قال:

(1) النهاية: 331، ولكن ذكر ذلك فيما إذا شهد على سيده. (2) حكاه عنه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 4: 430. (3) المهذب 2: 557، ولكن ذكر ذلك فيما إذا شهد لسيده. (4) الوسيلة: 230 - 231، الجامع للشرائع: 540.

[ 213 ]

الثالثة: إذا سمع الاقرار صار شاهدا، وإن لم يستدعه المشهود عليه. وكذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا، كالبيع والاجارة والنكاح وغيره. وكذا لو شاهد الغصب أو الجناية. وكذا لو قال له الغريمان: لا تشهد علينا، فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما. وكذا لو خباء (1)، فنطق المشهود عليه مسترسلا. (سألته عن شهادة المكاتب - إلى قوله - فإن كان أدى النصف أو الثلث فشهد لك بألف على رجل، أعطيت من حقك بحساب ما أعتق) (2). والرواية موقوفة، فمن ثم قرب المصنف - رحمه الله - المنع وإلحاقه بالقن إلى أن تكمل حريته. ووجه القرب: أن المانع من قبول شهادته هو الرقية، والمانع لم يزل بالكلية، فيستصحب الحكم إلى أن يزول. وهذا هو الاقوى. قوله: (إذا سمع الاقرار... إلخ). المعتبر في قبول شهادة الشاهد مع استجماعه للصفات المعتبرة فيه علمه بما يشهد به، سواء كان سبب العلم استدعاء المشهود له وعليه أم اتفاق علمه بالواقعة، لاشتراك الجميع في المقتضي وهو العلم، حتى لو فرض سماعه العقد ونحوه منهما أو تحاسبهما أو تصادقهما [ معا ] (3) فقالا له: لا تشهد علينا، فهذا القول لاغ، وله (4) بل عليه أن يشهد بما علم، لشمول الادلة لذلك كله.

(1) خباء الشي: ستره. لسان العرب 1: 62. (2) التهذيب 6: 279 ح 767، الوسائل 18: 257 ب (23) من أبواب الشهادات ح 14، مع اختلاف في بعض اللفظ. (3) من (ت). (4) سقط من (خ، ط).

[ 214 ]

الرابعة: التبرع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة، فيمنع القبول. أما في حقوق الله، أو الشهادة للمصالح العامة، فلا يمنع، إذ لا مدعي لها. وفيه تردد. وكذا تقبل شهادة من خباء وجلس في زاوية مستخفيا لتحمل الشهادة. ولا يحمل ذلك على الحرص، إذ الحاجة قد تدعوا إليه، بأن يقر من عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا حضر غيره. ولان الحرص على التحمل لا على الاداء. ويظهر من كلام ابن الجنيد (1) عدم قبول شهادته. وهو مذهب بعض العامة (2). وفرق آخرون (3) بين كون المشهود عليه ممن يتخدع (4) وغيره، فقبل الشهادة على الثاني دون الاول. وعموم الادلة - ومنها قوله تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) (5) - يشمله. قوله: (التبرع بالشهادة... إلخ). من أسباب التهمة الحرص على الشهادة بالمبادرة إليها قبل استنطاق الحاكم، سواء كان بعد دعوى المدعي أم قبله. واعلم أن الحقوق على ضربين: ضرب يمنع المبادرة إلى الشهادة بها من قبولها، وهو حقوق الادميين المحضة. وضرب مختلف فيه، وهو حقوق الله تعالى المحضة، كالزنا وشرب الخمر والوقف على المصالح العامة كالمساجد، أو لله

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 727، والشهيد في الدروس الشرعية 2: 131. (2) المغني لابن قدامة 12: 102، روضة الطالبين 8: 217. (3) الكافي للقرطبي 2: 898 - 899. (4) في (م): يخدع. (5) الزخرف: 86.

[ 215 ]

تعالى فيه حق وإن كان مشتركا، كحد القذف، والوقف على منتشرين، والعتق، والوقف على معين إن قلنا بانتقال الملك إلى الله تعالى. وتسمى الشهادة على هذا القسم على وجه المبادرة شهادة الحسبة. فالمبادر في القسم الاول لا تقبل شهادته. وفي الخبر أنه صلى الله عليه وآله قال في معرض الذم: (ثم يجي قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها) (1). وفي لفظ آخر: (ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد) (2). وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) (3). فجمع بين الحديثين بحمل الاول على الاول، والثاني على الثاني. والمصنف - رحمه الله - تردد في عدم المنع في القسم الثاني. ووجه التردد من عموم الادلة الدالة على الرد، وتطرق التهمة، ومن ثبوت الفرق الموجب لاختصاص الحكم بالاول، لان هذه الحقوق لا مدعي لها، فلو لم يشرع فيها التبرع لتعطلت، وهو غير جائز. ولانه نوع من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب، وأداء الواجب لا يعد تبرعا. وهذا هو الاقوى. إذا تقرر ذلك، فالتبرع بالشهادة في موضع المنع ليس جرحا (4) عندنا حتى لا تقبل شهادته في غير تلك الواقعة، لان الحرص المذكور ليس بمعصية، فتسمع شهادته في غيرها وإن لم يتب عما وقع ولا استبرئ من ذلك مدة، وإنما الرد

(1) مسند أحمد 4: 426، تلخيص الحبير 4: 204 ح 2130. (2) سنن ابن ماجة 2: 791 ح 2363، تلخيص الحبير 4: 204 ذيل ح 2130. (3) مسند أحمد 5: 193، صحيح مسلم 3: 1344 ح 19، سنن أبي داود 3: 304 ح 3956، سنن الترمذي 4: 472 ح 2295 و 2297، سنن البيهقي 10: 159. (4) في (ت، ط): حرجا، وفي (خ): حرصا.

[ 216 ]

الخامسة: المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته، الوجه أنها لا تقبل حتى يستبان استمراره على الصلاح. وقال الشيخ: يجوز أن يقول: تب أقبل شهادتك. لمعنى حاصل في نفس الواقعة، ولا يلزم منه حصوله في غيرها. ولو أعاد تلك الشهادة في مجلس آخر على وجهها ففي قبولها وجهان، من بقاء التهمة في الواقعة، واجتماع الشرائط في الشهادة الثانية. وهذا أجود. وذهب بعض العامة (1) إلى أنه يصير بذلك مجروحا، وأن المبادرة غير جائزة. واختلفوا في كونها من الصغائر أو الكبائر. وفرعوا عدم قبولها إذا أعادها - كالشهادة المردودة بعلة الفسق - على الثاني، وتقبل على الاول. قوله: (المشهور بالفسق... إلخ). التوبة المعتبرة تنقسم إلى ما هي بين العبد وبين الله تعالى، وهي التي يندفع بها إثم الذنب، وإلى توبة في الظاهر، وهي التي يتعلق بها عود (2) الشهادات والولايات. فأما التوبة الاولى فهي أن يندم على ما مضى، ويترك فعله (3) في الحال، ويعزم على أن لا يعود إليه، ويكون الباعث على ترك القبيح قبحه. ثم إن كانت المعصية لا يتعلق بها حق لله تعالى ولا للعباد، كالاستمتاع بما دون الوط، فلا شي عليه سوى ذلك. وإن تعلق بها حق مالي، كمنع الزكاة وكالغصب والجنايات في أموال الناس، فيجب مع ذلك تبرئة الذمة منه، بأن يؤدي الزكاة، ويرد أموال الناس إن

(1) انظر روضة الطالبين 8: 217. (2) في (ت): قبول. (3) في (أ، ت، ث، ط): مثله.

[ 217 ]

بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل من المستحق فيبرؤه منها. ولو كان معسرا نوى الغرامة له إذا قدر. وإن تعلق بالمعصية حق ليس بمالي، كما لو زنى أو شرب، فإن لم يظهر، فيجوز أن يظهره ويقر به ليقام عليه الحد، ويجوز أن يستره. وهو الاولى. فإن ظهر فقد فات الستر، فيأتي الحاكم ليقيم عليه الحد، إلا أن يكون ظهوره قبل قيام البينة عليه عند الحاكم، كما سيأتي (1) من سقوط الحد بالتوبة قبل قيام البينة مطلقا. وإن كان حقا للعباد، كالقصاص والقذف، فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء. فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يخبره ويقول: أنا الذي قتلت أباك مثلا، ولزمني القصاص، فإن شئت فاقتص، وإن شئت فاعف. وفي القذف والغيبة إن بلغه فالامر كذلك، وإن لم يبلغه فوجهان، من أنه حق آدمي فلا يزول إلا من جهته، وإليه ذهب الاكثر، ومن استلزامه زيادة الاذى ووغر (2) ا لقلوب. وعلى الاول فلو تعذر الاستحلال منه بموته أو امتناعه فليكثر من الاستغفار والاعمال الصالحة، عسى أن يكون عوضا عما يأخذه يوم القيامة من حسناته إن لم يعوضه الله تعالى عنه. ولا اعتبار فيه بتحليل الورثة وإن ورثوا حد القذف.

(1) في ص: 358. (2) الوغر: الحقد والضغن والعداوة.

[ 218 ]

أما الحق المالي إذا مات مستحقه، فإنه ينتقل إلى وارثه، ويبرأ بدفعه إليهم وبإبرائهم منه. وهكذا ينتقل من وارث إلى آخر. ومتى دفع هو أو أحد من ورثته أو بعض المتبرعين إلى الوارث في بعض الطبقات برئ منه. وإن بقي إلى يوم القيامة ففي مستحقه حينئذ أوجه: أحدها: رجوعه إلى صاحب الحق الاول. وهو المروي في الصحيح عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان للرجل على الرجل دين فمطله حتى مات، ثم صالح ورثته على شي، فالذي أخذ الورثة لهم، وما بقي فهو للميت يستوفيه منه في الاخرة، وإن هو لم يصالحهم على شي حتى مات ولم يقض عنه فهو للميت يأخذه به) (1). والمراد بالصلح على شي في الاول إما على بعض الحق مع إبقاء البعض في ذمته، أو الصلح على وجه غير لازم، إما لاستلزامه الربا، أو لعدم علم المستحق بمقدار الحق مع علم من عليه الحق به، أو نحو ذلك، وإلا فلو وقع على الجميع برئ منه وإن كان بأقل، وهو صلح الحطيطة، كما تقدم في بابه (2). والوجه الثاني: أنه يكتب الاجر لكل وارث مدة عمره، أو عوض المظلمة، ثم يكون لاخر وارث ولو بالعموم كالامام، لان ذلك هو قضية التوارث لما يترك الميت بعموم الكتاب (3) والسنة (4).

(1) الكافي 5: 259 ح 8، التهذيب 6: 208 ح 480، الوسائل 13: 166 ب (5) من أبواب أحكام الصلح ح 4. (2) راجع ج 4: 261 - 262. (3) النساء: 11 - 12. (4) الوسائل 17: 414 أبواب موجبات الارث.

[ 219 ]

والثالث: أنه ينتقل بعد موت الكل إلى الله تعالى، لانه الباقي بعد فناء كل شي، وهو يرث الارض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وأصحها الاول. وأما التوبة الظاهرة، فالمعاصي تنقسم إلى فعلية وقولية. أما القولية - كالقذف - فقد تقدم (1) الكلام في توبته. وأما الفعلية - كالزنا والسرقة والشرب - فإظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة وعود الولاية، لانه لا يؤمن أن يكون له في الاظهار غاية وغرض فاسد، فيختبر مدة يغلب على الظن فيها أنه قد أصلح عمله وسريرته وأنه صادق في توبته. ولا يتقدر ذلك بمدة معينة، لاختلاف الامر فيه باختلاف الاشخاص وأمارات الصدق. وعند بعض العامة (2) يتقدر بمضي الفصول الاربعة، لان لها أثرا بينا في تهييج النفوس وانبعاثها لمشتهياتها، فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة. واكتفى بعضهم (3) بستة أشهر، لظهور عوده إن كانت فيها غالبا. ولو كانت المعصية مما يترتب عليها حق مالي فلا بد من التخلص منه كالاولى. هذا هو المشهور بين الاصحاب. وذهب الشيخ في موضع من المبسوط (4) إلى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة، مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل. وأجيب (5) بمنع اعتبار توبته حينئذ، لان التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن

(1) في ص: 173. (2) الحاوي الكبير 17: 31، المغني لابن قدامة 12: 81 - 82، روضة الطالبين 8: 221 - 222. (3) الحاوي الكبير 17: 31، المغني لابن قدامة 12: 81 - 82، روضة الطالبين 8: 221 - 222. (4) المبسوط 8: 179. (5) غاية المراد: 319 - 320.

[ 220 ]

السادسة: إذا حكم الحاكم، ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول، فإن كان متجددا بعد الحكم لم يقدح، وإن كان حاصلا قبل الاقامة، وخفي عن الحاكم، نقض الحكم [ إذا علم ]. القبيح لقبحه، وهاهنا ظاهرها أنها لا لقبحه بل لقبول الشهادة. وفيه نظر، لانه لا يلزم من قوله: (تب أقبل شهادتك) كون التوبة لاجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علة في القبول، أما أنه غاية لها فلا. وأيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة، والمغياة بقبول شهادته ليست كذلك. نعم، مرجع كلام الشيخ إلى أن مضي الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة. والامر كذلك إن فرض غلبة ظن الحاكم بصدقه في توبته في الحال، وإلا فالمعتبر ذلك. قوله: (إذا حكم الحاكم... إلخ). إذا حكم الحاكم بشهادة اثنين ثم بان له ما يمنع قبول الشهادة، فإن كان المانع متجددا بعد الحكم - كالكفر والفسق - لم ينقض الحكم مطلقا، لوقوعه بشهادة عدلين. وإن كان حدوثه بعد الشهادة وقبل الحكم فسيأتي (1) البحث فيه. وإن كان حاصلا قبل الاقامة وخفي على الحاكم، كما لو تبين له أنهما كانا كافرين أو صبيين أو عبدين على وجه لا تقبل فيه شهادتهما، أو امرأتين، أو عدوين للمشهود عليه، أو أحدهما عدوا أو ولدا له على القول به، نقض حكمه، لانه تيقن الخطاء فيه، كما لو حكم باجتهاده ثم ظهر النص بخلافه.

(1) في ص: 294.

[ 221 ]

الوصف السادس: طهارة المولد فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا. وقيل: تقبل في اليسير مع تمسكه بالصلاح، وبه رواية نادرة. ولو جهلت حاله، قبلت شهادته، وإن نالته بعض الالسن. ولو تبين لقاض آخر أنه حكم بشهادتهما كذلك نقض حكمه أيضا، إلا في صورة الحكم بالعبدين والولد مع اختلافهما في الاجتهاد وذهاب الحاكم إلى قبول شهادتهما، فليس للثاني نقضه حينئذ. ولو كان موافقا له في الاجتهاد بعدم قبول شهادتهما فاتفق غلطه نقضه أيضا. وطريق ثبوت فسقهما سابقا يحصل بحضور جارحين لهما بأمر سابق على الشهادة. فرع: لو قال القاضي بعد الحكم بشهادة شاهدين: قد بان لي أنهما كانا فاسقين، ولم يظهر بينة تشهد بفسقهما، ففي تمكينه من نقضه وجهان أظهرهما ذلك، بناء على جواز قضائه بعلمه. ولو قال: أكرهت على الحكم بقولهما، وكنت أعرف فسقهما، قبل قوله من غير بينة على الاكراه، مع ظهور أمارته، كما لو كان قاضيا من قبل سلطان جائر يظهر في حقه ذلك، وإلا فوجهان، ولعل القبول أقوى مطلقا. قوله: (طهارة المولد... إلخ). المشهور بين الاصحاب - ومنهم الشيخ في الخلاف (1) والمرتضى (2) مدعيا عليه الاجماع - عدم قبول شهادة ولد الزنا مطلقا. واختلفوا في تعليله، فالجمهور عللوه بورود الاخبار الصحيحة بذلك، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله

(1) الخلاف 6: 309 مسألة (57). (2) الانتصار: 247.

[ 222 ]

عليه السلام قال: (سألته عن شهادة ولد الزنا فقال: لا ولا عبد) (1). وصحيحة محمد بن مسلم قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تجوز شهادة ولد الزنا) (2). ورواية أبي بصير قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ قال: لا، قلت: إن الحكم يزعم أنها تجوز، فقال: اللهم لا تغفر ذنبه) (3). ورواية عبيد بن زرارة عن أبيه قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لو أن أربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا وفيهم ولد زنا لحددتهم جميعا، لانه لا تجوز شهادته، ولا يؤم الناس) (4). وأجودها سندا الخبر الاول، لكن دلالته لا تخلو من قصور. وأما الثاني فصحته ممنوعة، وإن شهد له بها العلامة في المختلف (5) وولده في الشرح (6)، لان في طريقه محمد بن عيسى عن يونس، وهو مقدوح إما مطلقا، أو على هذا الوجه. وفي طريق الثالث أبان وأبو بصير، وهما مشتركان بين الثقة وغيره. وفي طريق الرابع ابن فضال، وحاله مشهور. وعلله ابن إدريس (7) بأن ولد الزنا كافر، محتجا بالاجماع، فمن ثم لا تقبل شهادته كغيره من الكفار. والدعوى للحكم والاجماع ممنوعان.

(1) التهذيب 6: 244 ح 612، الوسائل 18: 277 ب (31) من أبواب الشهادات ح 6. (2) الكافي 7: 395 ح 6، التهذيب 6: 244 ح 613، الوسائل 18: 276 الباب المتقدم ح 3. (3) الكافي 7: 395 ح 4، التهذيب 6: 244 ح 610، الوسائل 18: 275 - 276 الباب المتقدم ح 1. (4) الكافي 7: 396 ح 8، التهذيب 6: 244 ح 614، الوسائل 18: 276 الباب المتقدم ح 4. (5) المختلف: 718 - 719. (6) إيضاح الفوائد 4: 425. (7) السرائر 2: 122.

[ 223 ]

واحتج له المرتضى (1) بالاجماع، وبالخبر الذي ورد أن ولد الزنا لا ينجب. وأجاب عن ظواهر الايات التي تقتضي قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا، وأنه (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2)، فلا يتعدى إليه ذنب من خلق من نطفته: بأن الله تعالى قد علم ممن خلق من نطفة زنا أن لا يختار هو الخير والصلاح، فإذا علمنا بدليل قاطع أنه لا ينجب لم يلتفت إلى ما يظهره من الايمان والعدالة، لانه يفيد ظن صدقه، ونحن قاطعون بخبث باطنه وقبح سريرته، فلا تقبل شهادته. وهذا كله مبني على ثبوت الخبر الوارد بذلك، بل تواتره، لان غير المتواتر لا يوجب الحجة عنده، ونحن ومن قبلنا لم يمكنا إثباته بسند معتمد، فضلا عن كونه متواترا. واعتذر له في المختلف (3) بجواز كونه متواترا في زمانه ثم انقطع. ولا يخفى ما فيه من التكلف وظهور المنع. وعلله ابن الجنيد - رحمه الله - بورود الخبر أنه شر الثلاثة (4)، وعنى به هو والزانيين. قال: (فإذا كنا لا نقبل شهادة الزاني والزانية، كان رد شهادة من هو شر منهما أولى) (5).

(1) راجع الانتصار: 247 - 248، ولكن حكى إجماع طائفتنا على أن ولد الزنا لا يكون نجيبا، لا أنه خبر وارد. نعم، احتج بالخبر الذي يروى بأن ولد الزنا لا يدخل الجنة. ورواه الماوردي في الحاوي الكبير 17: 210، والبيهقي في سننه 10: 58، والهيثمي في مجمع الزوائد 6: 257. (2) الانعام: 164. (3) المختلف: 719. (4) علل الشرائع: 564 ب (363) ح 2، سنن أبي داود 4: 29 ح 3963، المعجم الكبير للطبراني 10: 346 رقم 10674، سنن البيهقي 10: 57. (5) الانتصار: 248.

[ 224 ]

واعترضه المرتضى - رضي الله عنه -: (بأنه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولا يرجع بمثله عن ظواهر الايات الموجبة للعلم) (1). وبانتقاضه بما لو تاب الزانيان، فإن شهادتهما تقبل إجماعا، فلا يلزم عدم قبول شهادته أبدا. وإيراده الثاني متوجه. أما الاول فهو مشترك بين خبريهما، فلا وجه للتخصيص. ووراء هذا القول قولان آخران: أحدهما: للشيخ في المبسوط (2) أنه تقبل شهادته مع عدالته في الزنا وغيره، نقل ذلك عن قوم. قال: (وهو قوي، لكن أخبار أصحابنا تدل على أنه لا تقبل شهادته). ومجرد معارضة أخبار أصحابنا (3) لا يقتضي الرجوع عما قواه، لجواز العدول عن الاخبار لوجه يقتضيه، فقد وقع له كثيرا. ووجه العدول واضح، فإن عموم الادلة من الكتاب (4) والسنة (5) على قبول شهادة العدل ظاهرا يتناول ولد الزنا، ومن ثم ذهب إليه أكثر من خالفنا (6). والثاني: قوله في النهاية (7) أنه تقبل شهادته في الشي اليسير دون الكثير، استنادا إلى رواية عيسى بن عبد الله عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن

(1) الانتصار: 248. (2) المبسوط 8: 228. (3) كذا في (أ)، وفي سائر النسخ: أصحابه. (4) الطلاق: 2. (5) الوسائل 18: 288 ب (41) من أبواب الشهادات. (6) اللباب في شرح الكتاب 4: 64، الحاوي الكبير 17: 210، حلية العلماء 8: 253، المغني لابن قدامة 12: 74، روضة الطالبين 8: 219. (7) النهاية: 326.

[ 225 ]

شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في الشي اليسير إذا رأيت منه صلاحا) (1). وإطلاق المنع من قبولها محمول على الكثير جمعا. وقد ورد أيضا في العبد المقترن (2) به رواية بقبول شهادته في اليسير، رواها ابن أبي يعفور في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه، فقال: تجوز في الدين والشي اليسير) (3). وأجاب في المختلف (4): (بالقول بالموجب، فإن قبول شهادته في الشي اليسير يعطي المنع من قبول اليسير من حيث المفهوم، إذ لا يسير إلا وهو كثير بالنسبة إلى ما دونه، فإذن لا تقبل شهادته إلا في أقل الاشياء الذي ليس بكثير بالنسبة إلى ما دونه، إذ لا دون له، ومثله لا يملك). ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، فإن اليسير منزل على العرف حيث لا معين له شرعا، واليسير الاضافي داخل في العرف. نعم، يمكن القدح في الرواية باشتراك عيسى بن عبد الله بين الثقة وغيره، فلا تعارض روايته تلك الاخبار الكثيرة أو عموم الكتاب والسنة الدالين على القبول مطلقا.

(1) التهذيب 6: 244 ح 611، الوسائل 18: 276 ب (31) من أبواب الشهادات ح 5. (2) في (ت): القن وبه رواية.... (3) التهذيب 6: 250 ح 640، الاستبصار 3: 17 ح 48، الوسائل 18: 255 ب (23) من أبواب الشهادات ح 8. (4) المختلف: 719.

[ 226 ]

الطرف الثاني في ما به يصير شاهدا والضابط: العلم، لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، ولقوله عليه السلام وقد سئل عن الشهادة: (هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع). ومستندها: إما المشاهدة، أو السماع، أو هما. فما يفتقر إلى المشاهدة الافعال، لان آلة السمع لا تدركها، كالغصب، والسرقة، والقتل، والرضاع، والولادة، والزنا، واللواط. فلا يصير شاهدا بشي من ذلك، إلا مع المشاهدة. ويقبل فيه شهادة الاصم. وفي رواية: يؤخذ بأول قوله لا بثانيه. وهي نادرة. قوله: (في ما به يصير شاهدا... إلخ). الاصل في الشهادة البناء على العلم واليقين، قال الله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1)، أي: لا تتبعه فتقول فيه بغير علم. يقال: قفوته أقفوه وقفيته إذا اتبعت أثره. وقال تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) (2). وقال صلى الله عليه وآله لمن سأله عن الشهادة: (ترى الشمس؟ فقال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع) (3). إلا أن من الحقوق ما لا يحصل اليقين فيه، ولا يستغنى عن إقامة البينة عليه، فأقيم الظن المؤكد فيه مقام اليقين، وجوزت الشهادة بناء على ذلك الظن،

(1) الاسراء: 36. (2) الزخرف: 86. (3) عوالي اللئالي 3: 528 ح 1، الدر المنثور 8: 195.

[ 227 ]

كما سيأتي (1) عند بعض. وبعضهم طرد الباب. وقد قسم المصنف - رحمه الله - وغيره (2) من الفقهاء المشهود به على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكفي فيه الابصار، وهو الافعال، كالزنا والشرب، والغصب والاتلاف والسرقة، والقتل، والولادة والرضاع، والاصطياد والاحياء، وكون المال في يد الشخص، فيشترط فيها الرؤية المتعلقة بها وبفاعلها، ولا يجوز بناء الشهادة فيها على السماع من الغير. وتقبل فيها شهادة الاصم، إذ لا مدخل للسمع فيها، ولعموم الادلة المتناولة له. وذهب الشيخ في النهاية (3) وتلميذه القاضي (4) إلى أنه يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بثانيه، استنادا إلى رواية جميل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شهادة الاصم في القتل، قال: يؤخذ بأول قوله، ولا يؤخذ بثانيه) (5). وأجيب بضعف سند الرواية، فإن في طريقها سهل بن زياد. وبالقول بالموجب، فإن قوله الثاني إن كان منافيا للاول ردت شهادته، لانه رجوع عما شهد به أولا، فلا يقبل، وإن لم يكن منافيا لم يكن ثانيا، بل شهادة أخرى مستأنفة.

(1) في الصفحة التالية. (2) قواعد الاحكام 2: 239، الدروس الشرعية 2: 134. (3) النهاية: 327. (4) المهذب 2: 556. (5) الكافي 7: 400 ح 3، التهذيب 6: 255 ح 664، الوسائل 18: 296 ب (42) من أبواب الشهادات ح 3.

[ 228 ]

وما يكفي فيه السماع: فالنسب، والموت، والملك المطلق، لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الاغلب. ويتحقق كل واحد من هذه، بتوالي الاخبار من جماعة، لا يضمهم قيد المواعدة، أو يستفيض ذلك حتى يتاخم العلم. وفي هذا عندي تردد. وقال الشيخ رحمه الله: لو شهد عدلان فصاعدا، صار السامع متحملا وشاهد أصل، لا شاهدا على شهادتهما، لان ثمرة الاستفاضة الظن، وهو حاصل بهما. وهو ضعيف، لان الظن يحصل بالواحد. وفي هذا القسم الاخير نظر. وكيف كان، فالوجه القبول مطلقا. قوله: (وما يكفي فيه السماع... إلخ). هذا هو القسم الثاني، وهو ما يكفي فيه السماع، فمنه النسب، فيجوز أن يشهد بالتسامع أن هذا الرجل ابن فلان، وأن هذه المرأة إذا عرفها بعينها بنت فلان، أو أنهما من قبيلة كذا، لانه أمر لا مدخل للرؤية فيه، وغاية الممكن رؤية الولادة على فراش الانسان، لكن النسب إلى الاجداد المتوفين والقبائل القديمة لا يتحقق فيه الرؤية ومعرفة الفراش، فدعت الحاجة إلى اعتماد التسامع. ومقتضى إطلاق النسب عدم الفرق بين كونه من الاب والام. وفي نسب الام وجه أنه لا تجوز الشهادة عليه بالسماع، لامكان رؤية الولادة. والاشهر الجواز كالرجل. وصفة التسامع في ذلك أن يسمع الشاهد الناس ينسبون المشهود بنسبه إلى ذلك الرجل أو القبيلة. ولا يعتبر التكرر والامتداد (1) مدة السماع، وإن كان الحكم

(1) في (ت، م): ولا امتداد.

[ 229 ]

به آكد، بل لو حضر جماعة لا يرتاب في صدقهم، فأخبروه بنسبه دفعة واحدة على وجه إفادة الغرض، جاز له الشهادة. ويعتبر مع انتساب الشخص ونسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة والريبة، فلو كان المنسوب إليه حيا وأنكر لم تجز الشهادة. ولو كان مجنونا جازت، كما لو كان ميتا. وفيه وجه بالمنع، لاحتمال أن يفيق فينكر. وهل يقدح في ذلك طعن من يطعن في النسب؟ وجهان أظهرهما مراعاة الشرط، وهو الظن المتاخم (1) أو العلم. ومنه الموت، والمشهور جواز الشهادة عليه بالاستفاضة كالنسب، لان أسباب الموت مما يكثر، ومنها ما يخفى ومنها ما يظهر، وقد يعسر الاطلاع عليها، فجاز أن يعتمد على الاستفاضة، ولانه يقع في الافواه وينتشر كالنسب. وفيه وجه بالمنع، لانه يمكن فيه المعاينة، بخلاف النسب. ومنه الملك المطلق، لان أسباب الملك يخفى على تطاول الازمان، ويبقى [ الملك ] (2) المطلق المجرد عن السبب، فلو لم يثبت بها أدى إلى بطلان الحق وتعذر إثبات الملك بموت الشهود. وكذا القول في الوقف والعتق وولاية القاضي. وقد تقدم (3) في القضاء. إذا تقرر ذلك، فقد اختلف فيما به يصير الشاهد شاهدا بالاستفاضة، فقيل: أن يكثر السماع من جماعة حتى يبلغ حد العلم بالمخبر عنه. وعلى هذا، فلا تكون هذه الاشياء خارجة عن أصل الشهادة. وقيل: يكفي بلوغه حدا يوجب

(1) في (خ): المتاخم للعلم. (2) من (ث) والحجريتين. (3) في ج 13: 351.

[ 230 ]

الظن الغالب المقارب للعلم. والمصنف - رحمه الله - تردد في ذلك، من حيث إن ذلك على خلاف الاصل، فإثباته يحتاج إلى دليل صالح يخرجه عنه، ومجرد ما ذكروه غير كاف في إثباته، ولامكان العلم بكثير من هذه الاشياء كما أشرنا إليه. والحق أنا إن اعتبرنا العلم لم ينحصر الحكم في المذكورات، وإن اكتفينا بالظن الغالب فللتوقف [ فيه ] (1) مجال، إلا أن يفرض زيادة الظن على ما يحصل منه بقول الشاهدين، بحيث يمكن استفادته من مفهوم الموافقة بالنسبة إلى الشاهدين الذي هو حجة منصوصة، فيمكن إلحاقه حينئذ به. وبالغ الشيخ في المبسوط (2) فقال: يكفي أن يسمع من عدلين فصاعدا، فيصير بسماعه منهما شاهد أصل ومتحملا للشهادة، لان ثمرة الاستفاضة هو الظن وهو حاصل بهما. واستضعفه المصنف - رحمه الله - بأن الظن يحصل بالواحد، والشيخ لا يقول بالاكتفاء به، بل ربما حصل الظن بالواحد إذا كان أنثى، وهو باطل قطعا. وأجيب (3): بأن الشيخ لم يعتبر الظن مطلقا، بل الظن الذي ثبت اعتباره شرعا وهو شهادة العدلين، والظن يقبل الشدة والضعف، فلا يلزم من الاكتفاء بفرد قوي منه الاكتفاء بالضعيف. وفيه: أن الظن المستند إلى جماعة غير عدول مما لم يثبت اعتباره شرعا، فإنه عين المتنازع، فاكتفاؤه به وتعديته الحكم إلى العدلين يدل على عدم تقييده بالظن المعتبر شرعا، فالنقض بحاله.

(1) من الحجريتين. (2) المبسوط 8: 180 - 181. (3) غاية المراد: 326 - 327.

[ 231 ]

فرع لو سمعه يقول للكبير: هذا ابني وهو ساكت، أو قال: هذا أبي وهو ساكت، قال في المبسوط: صار متحملا، لان سكوته في معرض ذلك رضا بقوله عرفا. وهو بعيد، لاحتماله غير الرضا. تفريع على القول بالاستفاضة الاول: الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب، مثل: البيع، والهبة، والاستغنام، لان ذلك لا يثبت بالاستفاضة، فلا يعزى الملك إليه مع إثباته بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة. قوله: (لو سمعه يقول للكبير... إلخ). هذا متفرع على ما اختاره الشيخ - رحمه الله - من الاكتفاء في الشهادة على الاستفاضة بالظن، وهو حاصل في هذه الصورة وإن لم يكن بطريق التسامع من الجماعة، لان سكوت الكبير عند دعوى الاخر للنسب مع عدم المانع من الانكار يفيد الظن الغالب بموافقته له عليه، فيكون ذلك بمنزلة إخبار الجماعة، إذ الاعتبار بالظن الغالب لا بالسماع من الجماعة من حيث هو سماع، وهو متحقق هنا. ويضعف بأن السكوت أعم من موافقته على الدعوى. ويمنع من حصول الظن الغالب بذلك مطلقا. وبتقدير تسليمه لا نسلم تعدي الحكم إليه، للنهي عن العمل بالظن إلا ما دل عليه دليل صالح، وهو منفي هنا. قوله: (الشاهد بالاستفاضة... إلخ).

[ 232 ]

أما لو عزاه إلى الميراث صح، لانه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة. والفرق تكلف، لان الملك إذا ثبت بالاستفاضة لم تقدح الضميمة، مع حصول ما يقتضي جواز الشهادة. الثاني: إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة، هل يفتقر إلى مشاهدة اليد والتصرف؟ الوجه: لا. أما لو كان لواحد يد، ولاخر سماع لما كانت الاستفاضة مخصوصة بأمور خاصة منها الملك المطلق دون البيع والهبة والاستغنام وما شاكلها، كان السبب الموجب للملك منه ما يثبت بالاستفاضة، كالموت بالنسبة إلى الملك بالارث، ومنه ما لا يثبت بها كالعقود. فإذا سمع الشاهد بالاستفاضة أن هذا ملك زيد ورثه عن أبيه الميت، فله أن يشهد بالملك وسببه، لانهما يثبتان بالاستفاضة. وإذا سمع مستفيضا أن هذا الملك لزيد اشتراه من عمرو شهد بالملك المطلق لا بالبيع، لان البيع لا يثبت بالاستفاضة. فلو فعل ذلك احتمل عدم قبول الشهادة، لاشتمالها على أمرين: أحدهما تقبل الشهادة عليه، والاخر لا تقبل، والشهادة لا تتبعض. والوجه أنها تسمع في الملك وتلغو الضميمة، وهي السبب الذي لا يثبت بالاستفاضة، لوجود المقتضي للقبول في أحدهما دون الاخر. وتظهر الفائدة فيما لو كان هناك مدع آخر وله شهود بالملك وسببه من غير استفاضة، فإن بينته ترجح على بينة هذا الذي لم يسمع إلا في المطلق المجرد عن السبب، وفي القسم الاول يتكافان. ولو كانت بينة الاخر شاهدة له بالملك المطلق رجحت بينة هذا في الاول عليه، وكافأت بينة الاخر في الثاني. وهكذا. قوله: (إذا شهد بالملك... إلخ).

[ 233 ]

مستفيض، فالوجه ترجيح اليد، لان السماع قد يحتمل إضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك وغيره، فلا تزال اليد بالمحتمل. إذا اجتمع في ملك يد وتصرف واستفاضة بالملك، فلا إشكال في جواز الشهادة له بالملك، بل هو غاية ما يبنى عليه الشهادة. وإنما يحصل الاشتباه فيما لو انفرد واحد من الثلاثة أو اجتمع اثنان. والمصنف - رحمه الله - فرق [ في ] (1) حكم المسألة في موضعين: هنا، وفي المسألة الاتية، ولو جمعهما في مسألة واحدة كان أضبط. والمقصود في هذه المسألة أن الشهادة المستندة إلى الاستفاضة بالملك هل يتوقف سماعها على رؤية الشاهد من استفاض الملك له - زائدا على الملك - يتصرف فيه بالبناء والهدم والاجارة ونحوها، أم تسمع من دون الامرين؟ الوجه عند المصنف - رحمه الله - الثاني، لما تقدم من أن الملك المطلق يثبت بالاستفاضة، لتعدد أسبابه وخفاء بعضها، فلا يفتقر إلى انضمام أمر آخر معه. ووجه العدم إمكان الاطلاع على أسبابه، فلا بد من ضميمة ما يفيد القوة ويقوم مقام السبب من اليد أو التصرف. ولا يخفى ضعفه، لان اليد والتصرف وإن كانا ظاهرين في الملك إلا أنهما ليسا من أسبابه، فاشتراط الاطلاع على السبب لامكانه لا يقتضي الاكتفاء باليد والتصرف المجردين عن علم السبب. والاجود الاكتفاء في الشهادة بالملك المطلق بالتسامع على الوجه المتقدم. وعلى هذا، فلو تعارض السماع واليد ففي ترجيح أيهما وجهان:

(1) من الحجريتين.

[ 234 ]

مسائل ثلاث: الاولى: لا ريب أن المتصرف بالبناء والهدم والاجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق. أما من في يده دار، فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد. وهل يشهد له بالملك المطلق؟ قيل: نعم، وهو المروي. وفيه إشكال من حيث إن اليد لو أوجبت الملك [ له ]، لم تسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي. أحدهما: ترجيح السماع، لانه يفيد الملك الحالي، وقد تقدم (1) في القضاء أن البينة بالملك مقدمة على اليد، لان اليد تحتمل غير الملك من العارية والاجارة بل الغصب، بخلاف الملك، فإنه صريح في معناه. والثاني - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله -: تقديم اليد، لانها ظاهرة في الملك وإن كانت محتملة لغيره، والسماع مشترك بين الملك والاختصاص المطلق المحتمل للملك وغيره. وهذا التوجيه إنما يتم إذا كان محصل السماع أن هذه الدار مثلا لفلان، فإن اللام تحتمل الملك والاختصاص الذي هو أعم منه. أما إذا كان محصله أن الدار ملك فلان فلم يتم، لانه صريح في المقصود، بخلاف اليد. ولابد من فرض المسألة على الوجه الاول ليتم التعليل، ويناسب الحكم المتقدم من ترجيح الملك على اليد، وإن كان إطلاق البينة المستندة إلى الاستفاضة أعم من ذلك. قوله: (لا ريب أن المتصرف بالبناء... إلخ). هذه تتمة أقسام المسألة السابقة، وهي ما إذا انفرد التصرف أو اليد عن

(1) في ص: 95.

[ 235 ]

التسامع، فهل تجوز الشهادة بالملك أم لا؟ فالمصنف - رحمه الله - قطع بالجواز مع التصرف المتكرر بالبناء والهدم والاجارة وغيرها بغير منازع. وهذا اختيار الاكثر، بل ادعى عليه في الخلاف (1) الاجماع، لقضاء العادة بأن ذلك لا يكون إلا في الملك، ولجواز شرائه منه، ومتى حصل عند المشتري يدعي ملكيته، وهو فرع على ملكية البائع. ويترتب على ذلك ما لو ادعي على المشتري فأنكر فله أن يحلف على القطع قطعا، وذلك يساوي الشهادة، وإن كان أصل الشراء بناء على الظاهر لا يساويها. ويعتبر في التصرف التكرر، لجواز صدور غيره من غير المالك كثيرا. وكذلك عدم المنازع، إذ لو وجد لم يحصل الظن الغالب بملك المتصرف. ولا حد للمدة التي يتصرف فيها ويضع يده على الملك، بل ضابطها ما أفادت الامر المطلوب من الاستفاضة. وفي الخلاف (2) صرح بعدم الفرق بين الطويلة والقصيرة. أما في المبسوط (3) فجعل القصيرة نحو الشهر والشهرين غير كاف، وأطلق [ في ] (4) كون الطويلة كالسنين مجوزة. وقيل: لا تجوز الشهادة بالملك بذلك كله، لوقوع ذلك من غير المالك، كالوكيل والمستأجر والغاصب، فإنهم أصحاب يد وتصرف، خصوصا الاجارة، لانها وإن تكررت فقد تصدر من المستأجر مدة طويلة، ومن الموصى له بالمنفعة، وكذلك الرهن قد يصدر من المستعير متكررا.

(1) الخلاف 6: 264 مسألة (14). (2) الخلاف 6: 264 مسألة (14). (3) المبسوط 8: 182. (4) من (د) والحجريتين.

[ 236 ]

والشيخ في المبسوط (1) اقتصر على نقل القولين، ولم يرجح أحدهما. وأما إذا انفردت اليد عن التصرف فالحكم فيه أضعف. فإن لم نجوز الشهادة بالملك في الاول فهنا أولى. وإن جوزناها فهنا وجهان: أحدهما - وهو الذي اختاره العلامة (2) وأكثر المتأخرين (3) -: الجواز، لدلالتها ظاهرا على الملك، كدلالة التصرف، وإن كان التصرف أقوى، إلا أن الاشتراك في أصل الدلالة عليه ظاهرا حاصل. ولما تقدم من جواز شرائه منه، والحلف عليه. ولرواية حفص بن غياث أنه: (سأل الصادق عليه السلام عن رجل رأى في يد رجل شيئا أيجوز أن يشهد أنه له؟ قال: نعم، قلت: فلعله لغيره، قال: ومن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه إليك قبله؟! ثم قال الصادق عليه السلام: لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق) (4). وهذه الرواية ضعيفة الاسناد، إلا أن مضمونها موافق للقواعد الشرعية، كما نبهنا عليه سابقا. والثاني: عدم جواز الشهادة بالملك بمجرد اليد، لان اليد لو دلت على الملك لكان قوله: (الدار التي في يده لي) بمنزلة قوله: (الدار التي هي ملكه لي)،

(1) المبسوط 8: 181 - 182. (2) قواعد الاحكام 2: 240. (3) الدروس الشرعية 2: 134، المقتصر: 393. (4) الكافي 7: 387 ح 1، الفقيه 3: 31 ح 92، التهذيب 6: 261 ح 695، الوسائل 18: 215 ب (25) من أبواب كيفية الحكم ح 2.

[ 237 ]

لكن التالي باطل فالمقدم مثله، والملازمة ظاهرة. وهذا هو الذي جعله المصنف - رحمه الله - منشأ الاشكال. وقد ذكره الشيخ في المبسوط (1) كذلك دليلا لهذا القول. وأجيب عن ذلك بأنه إنما جاز ذلك في الاقرار لان دلالة اليد ظاهرة، والاقرار بالملك قاطع، والصرف عن الظاهر بقرينة جائز، بخلاف القاطع، والقرينة هنا موجودة، وهي ادعاؤه بها. وبأنه معارض بالتصرف، فإنه لو قال: الدار التي في تصرف هذا لي، سمعت مع حكمهم بجواز الشهادة فيه بالملك المطلق. وأجاب الشهيد - رحمه الله - في شرح الارشاد عن ذلك: (بأن الدلالة الظاهرة إما أن تثمر للشاهد العلم أو لا، فإن كان الاول فلا تفاوت بينها وبين الاقرار بالملك، وإلا لم تصح الشهادة. فحينئذ نقول: إذا كانت اليد ظاهرة لا تصح الشهادة بالملك المطلق بسببها، وهو المطلوب. وعن المعارضة بالتزام عدم السماع في التصرف) (2). وفيهما نظر، لان الشهادة في هذه المواضع لم يعتبروا فيها العلم، بل اكتفوا فيها بالظن الغالب، لاتفاقهم على أنه مع اجتماع الثلاثة - أعني: اليد والتصرف والتسامع - تجوز الشهادة بالملك، وجعلوه غاية الامكان، مع أن ذلك لا يبلغ حد العلم غالبا، لجواز تخلف الملك معها، لان كل واحد منها أعم من الملك، ولهذا اختلفوا فيها منفردة، ومع انضمامها تأكد الظن، لا أنه بلغ حد العلم مطلقا أو في

(1) المبسوط 8: 182. (2) غاية المراد: 327.

[ 238 ]

الثانية: الوقف والنكاح يثبت بالاستفاضة. أما على ما قلناه، فلا ريب فيه. وأما على الاستفاضة المفيدة لغالب الظن، فلان الوقف للتأبيد، فلو لم تسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف، مع امتداد الاوقات وفناء الشهود. وأما النكاح فلانا نقضي: بأن خديجة عليها السلام زوجة النبي عليه السلام، كما نقضي بأنها أم فاطمة عليها السلام. ولو قيل: إن الزوجية تثبت بالتواتر، كان لنا أن نقول: التواتر لا يثمر إلا إذا استند السماع إلى محسوس. ومن المعلوم أن المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد، ولا عن إقرار النبي عليه السلام، بل نقل الطبقات متصل إلى الاستفاضة التي هي الطبقة الاولى. ولعل هذا أشبه بالصواب. بعض الفروض، ولو اعتبر العلم لما احتيج إلى جعله غاية الامكان، بل كان التعليل بإفادته العلم أولى وأظهر. وأما التزامه في التصرف بعدم السماع كاليد المجردة فغير قادح في المعارضة، لان المعارض أوردها على الشيخ والجماعة القائلين بسماعها مع التصرف دون اليد، فلا يضره التزام غيرهم بعدم السماع، مع ما فيه من البعد. قوله: (الوقف والنكاح... إلخ). هذا الحكم ذكره الشيخ - رحمه الله - في الخلاف (1) كذلك، واستدل عليه بما لخصه المصنف - رحمه الله - من أن الوقف مبني على التأبيد، فلو لم تجز

(1) الخلاف 6: 265 مسألة (15).

[ 239 ]

الشهادة فيه بالاستفاضة لادى إلى بطلان الوقف، لان شهود الوقف لا يبقون أبدا، والشهادة الثالثة لا تسمع. وأنه يجوز لنا الشهادة على أزواج النبي صلى الله عليه وآله، ولم يثبت ذلك إلا بالاستفاضة، لانا ما شاهدناهم. واعترض على الاول بأن الشهادة بدون العلم منهي عنها، فتخصيص ذلك بالوقف تحصيلا لمصلحة ثبوته ليس بأولى من تخصيص النهي عن سماع الشهادة الثالثة بالوقف لهذه المصلحة، بل هذا التخصيص أولى، لانه لا مانع منه عقلا، بخلاف الشهادة بمجرد الظن. وبأن الشهادة على أزواج النبي صلى الله عليه وآله ليست مستندة إلى الاستفاضة، بل إلى التواتر، لاخبار جماعة كثيرة يفيد قولهم العلم بذلك في كل طبقة. وأجاب المصنف - رحمه الله - عن الاول بأن المانع من سماع الشهادة الثالثة النقل والاجماع، فلم يمكن معارضتهما (1) بالتخصيص، بخلاف الشهادة ب‍ [ مجرد ] (2) الظن، فإنه لا إجماع على منعها، بل الاكثر على تجويزها. ويمنع من كون العقل دالا على النهي عن ذلك، لان أكثر الاحكام الشرعية مبناها على الظن. وعن الثاني بأن من شرط التواتر استناد المخبرين إلى محسوس، وهو منتف هنا، للعلم بأن الطبقة الاولى لم يخبروا عن مشاهدة العاقدين وسماع العقد، وإنما شاهده بعضهم ونقله إلى الباقين واستمر الامر، فلم يحصل شرط التواتر، إذ من شرطه استواء جميع الطبقات فيه.

(1) في (أ): معارضتها. (2) من (أ) والحجريتين.

[ 240 ]

الثالثة: الاخرس يصح منه تحمل الشهادة وأداؤها. ويبنى على ما يتحققه الحاكم من إشارته. فإن جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف بإشارته. نعم يفتقر إلى مترجمين. ولا يكون المترجمان شاهدين على شهادته، بل يثبت الحكم بشهادته أصلا، لا بشهادة المترجمين فرعا. وفيه نظر، لان الطبقة الاولى السامعين للعقد المشاهدين للمتعاقدين بالغون حد التواتر وزيادة، لان النبي صلى الله عليه وآله كان ذلك الوقت من أعلى قريش، وعمه أبو طالب المتولي لتزويجه كان حينئذ رئيس بني هاشم وشيخهم ومن إليه مرجع قريش، وخديجة عليها السلام أيضا كانت من أجلا (1) بيوتات قريش، والقصة في تزويجها مشهورة، وخطبة أبي طالب - رحمه الله - في المسجد الحرام بمجمع [ من ] (2) قريش ممن يزيد عن العدد المعتبر في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الاولى إلى مشاهدة العقد وسماعه ظاهرة المنع، وإنما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر، لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على هذا المطلوب. واعلم أن قول المصنف: - رحمه الله -: (أما على ما قلناه فلا ريب فيه) يدل على أن مختاره اشتراط العلم في الشهادة بالاستفاضة، ولم يصرح به فيما سبق، وإنما تردد (3) فيه، والتردد يقتضي تساوي الطرفين لا رجحان أحدهما. وعلى كل حال فالوجه ثبوت الامرين بالاستفاضة. قوله: (الاخرس يصح منه... إلخ).

(1) في (م): أعلى. (2) من (أ). (3) راجع ص: 228.

[ 241 ]

الثالث: ما يفتقر إلى السماع والمشاهدة، كالنكاح والبيع والشراء والصلح والاجارة، فإن حاسة السمع تكفي في فهم اللفظ، ويحتاج إلى البصر لمعرفة اللافظ. ولا لبس في شهادة من اجتمع له الحاستان. أما الاعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا، لتحقق الالة الكافية في فهمه. فإن انضم إلى شهادته معرفان، جاز له الشهادة على العاقد، مستندا إلى تعريفهما، كما يشهد المبصر على تعريف غيره. ولو لم يحصل ذلك، وعرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه، قيل: لا يقبل، لان الاصوات تتماثل. والوجه أنها تقبل، فإن الاحتمال يندفع باليقين، لانا نتكلم على تقديره. كما أن إشارة الاخرس المفهمة معتبرة في العبادات (1) اللفظية، وفي العقود والايقاعات من النكاح والطلاق وغيرهما، فكذا في أداء الشهادة، لاشتراك الجميع في المقتضي، ولحصول الافهام المعتبر، لانه الفرض. ثم إن عرف القاضي إشارته عمل بما يعلمه، وإلا افتقر إلى مترجمين يعرفان إشارته، كما يفتقر إليهما لو كان الشاهد أعجميا والحاكم لا يعرف لغته. وحيث يفتقر إلى مترجمين يكونان مخبرين بمعنى إشارته لا شاهدين على شهادته، فلا يشترط غيبته عن مجلس الحكم حال ترجمتهما، ولا تعد شهادتهما مرتبة أولى حتى تمتنع الثانية، إلى غير ذلك من الاحكام المترتبة على الشهادة الفرعية. قوله: (الثالث: ما يفتقر إلى السماع... إلخ).

(1) في (أ، ت، خ): العبارات.

[ 242 ]

وبالجملة: فإن الاعمى تصح شهادته، متحملا ومؤديا، عن علمه وعن الاستفاضة فيما يشهد به بالاستفاضة. هذا هو القسم الثالث، وهو ما يفتقر في الشهادة به إلى السمع والبصر معا، وهو الاقوال، فلا بد من سماعها ومن مشاهدة قائلها، وذلك كالنكاح والطلاق والبيع وجميع العقود والفسوخ والاقرار بها، فلا تقبل فيها شهادة الاصم الذي لا يسمع شيئا. وأما الاعمى ففي جواز شهادته اعتمادا على ما يعرفه من الصوت وجهان: أحدهما: المنع، لان الاصوات تتشابه، ويتطرق إليها التخييل (1) والتلبيس. والثاني - وهو الاشهر -: القبول، لان الفرض علمه القطعي بالقائل ومعرفته إياه، ووقوع ذلك أكثري مشاهد في كثير من العميان، يعلمون القائل بأدنى صوت يظهر منه، ويميزون بينه وبين غيره ممن يشبه صوته صوته، بل ربما يترقون (2) إلى المعرفة بدون ذلك. وللاجماع على أن للاعمى أن يطاء حليلته اعتمادا على ما يعرفه من صوتها. وفرق المانع من شهادته بأن الشهادة مبنية على العلم ما أمكن، كما تقدم (3)، والوط يجوز بالظن. وأيضا فالضرورة تدعو إلى تجويز الوط، ولا تدعو إلى الشهادة، فإن في البصراء غنية عنه. وفي هذين الجوابين تكلف. وللعامة في ذلك اختلاف، فمالك (4) وأحمد (5) على قبول شهادته كما هو

(1) في (م): التحييل، وفي (ت): التحيل. (2) في الحجريتين: يطرقون. (3) في ص: 226. (4) الكافي للقرطبي 2: 898. (5) المغني لابن قدامة 12: 62، الانصاف 12: 61.

[ 243 ]

ولو تحمل شهادة وهو مبصر ثم عمي، فإن عرف نسب المشهود أقام الشهادة. وإن شهد على العين، وعرف الصوت يقينا، جاز أيضا. أما شهادته على المقبوض فماضية قطعا. المشهور عندنا، والباقون (1) على المنع. وقد حكي أن جماعة من الفقهاء القائلين بالمنع من قبول شهادته سألوا رجلا قائلا بقبولها عن ذلك، قصدا للتشنيع عليه، فقال: ما قولكم في أعمى يطاء زوجته وأقرت تحته بدرهم فشهد عليها، أتصدقونه في أنه عرفها حتى استباح بضعها، وتقولون إنه لم يعرفها للاقرار بدرهم؟! فانعكس التشنيع. قوله: (ولو تحمل شهادة... إلخ). إذا تحمل شهادة يحتاج إلى البصر وهو بصير ثم عمي، نظر إن تحملها على رجل معروف النسب والاسم لرجل بهذه الصفة فله أن يشهد بعد ما عمي، لحصول العلم بالمشهود له والمشهود عليه. وكذا لو عمي ويد المقر في يده، فشهد عليه لمعروف الاسم والنسب. وإن لم يكن كذلك بني على القولين، فإن منعنا من شهادته على الصوت امتنع هنا، لانه لا يمكنه تعيين المشهود عليه، ولا الاشارة إلى المشهود له. وإن قبلناها مع العلم فكذا هنا. قوله: (أما شهادته على المقبوض... إلخ). هذه الصورة مما استثناها القائلون بالمنع من قبول شهادته، وسموها الضبطة، وهي أن يضع رجل فمه على أذن الاعمى ويد الاعمى على رأسه، بحيث يتيقن أنه يسمع منه، فيقر بطلاق أو عتق أو حق لرجل معروف الاسم

(1) اللباب في شرح الكتاب 4: 60، الحاوي الكبير 17: 41، روضة الطالبين 8: 232.

[ 244 ]

وتقبل شهادته إذا ترجم للحاكم عبارة حاضر عنده. والنسب، ويقبضه الاعمى، ولا يزال يضبطه حتى يشهد بما سمع منه عند الحاكم، فتقبل شهادته على القولين، لحصول العلم بالمشهود له وعليه. وربما قيل باطراد المنع هنا، لان التصوير المذكور فيه عسر وتدقيق، واللائق حسم الباب، كما أنا لا نقبل شهادة الفاسق على الاطلاق، وإن كان قد يغلب على ظننا صدقه في بعض الموارد. ويضعف بانتفاء المانع في هذه الصورة قطعا، مع وجود المقتضي للقبول. ودقة الفرض لا تدفع الحكم. وتشبيهه بالفاسق الذي يغلب على الظن صدقه فاسد، لوجود الفارق، وهوأن الفاسق منهي عن الركون إلى قوله مطلقا، لا باعتبار ظن صدقه وعدمه، بل من حيث كونه فاسقا، بخلاف الاعمى، فإن المانع من قبول شهادته عدم علمه بالمشهود عليه وله، لا من حيث هو أعمى، فإذا فرض العلم قبل. قوله: (وتقبل شهادته... إلخ). هذه الصورة أيضا مستثناة من شهادة الاعمى على الاقوال على القول بعدم قبولها، فإنه لو شهد عند الحاكم أعجمي لا يفهم كلامه، أو أقر عنده مقر والاعمى يعرف لغته، فترجمها للحاكم قبلت، لانتفاء المانع حينئذ، إذ الحاكم يعرف المشهود عليه وله، وإنما يشتبه عليه معنى اللفظ الواقع، فشهادة الاعمى بترجمته (1) لا تتوقف على البصر.

(1) في (ت، ط): وترجمته.

[ 245 ]

الطرف الثالث في أقسام الحقوق وهي قسمان: حق لله سبحانه، وحق للا دمي والاول منه: ما لا يثبت إلا بأربعة رجال: كالزنا واللواط والسحق. وفي إتيان البهائم قولان، أصحهما ثبوته بشاهدين. قوله: (في أقسام الحقوق.... إلخ). جعل العنوان في أقسام الحقوق ثم جعلها قسمين قد يوهم التنافي، من حيث جعل الجمع الذي أقله ثلاثة شيئين. والوجه فيه: أن الاقسام أزيد من ثلاثة كما ستقف عليها، ولكن جعل أصلها قسمين، وقسم كل واحد منهما إلى أقسام. والكلام في قوة: أن أقسام الحقوق المتكثرة ترجع إلى أمرين، ثم كل منهما ينقسم إلى أقسام. قوله: (منه ما لا يثبت إلا بأربعة... إلخ). الغرض من هذا الباب بيان العدد المعتبر في الشهادات، و [ بيان ] (1) مواضع اعتبار الذكورة وعدم اعتبارها. واعلم أن قول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به مطلقا، إلا ما قيل به في هلال رمضان. ومسألة الشاهد واليمين ليست مستثناة، لان القضاء ليس بالشاهد وحده، بل اليمين إما جز أو شرط فيه. ثم للفقهاء في هذا التقسيم اعتبارات، فالمصنف - رحمه الله - قسم الحقوق قسمين: حق لله تعالى، وحق للادمي، ثم قسم كل واحد منهما على حدة.

(1) من الحجريتين.

[ 246 ]

ومنهم (1) من قسمها ابتداء إلى الاقسام. وكثيرا ما تتداخل الاقسام في كلامهم، والامر سهل. فمن حقوق الله تعالى الزنا. وفي معناه اللواط والسحق عندنا. وإنما يثبت بشهادة أربعة رجال، قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) (2). وقال تعالى: (لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء) (3). وقال تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) (4). وقال سعد: (يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم) (5). قيل: والحكمة في اختصاصه بذلك أن الشهادة فيه على اثنين، فاعتبر لكل واحد رجلان. وهذا التعليل مروي (6) أيضا عن أبي حنيفة رواية عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: أن شهادة الاثنين مقبولة على الجماعة إذا شهدا على كل واحد منهم. ولانه قد لا يعرفون (7) أحد الزانيين فلا يمكنهم (8) الشهادة عليه. وفي أخبار (9) كثيرة أن ذلك تعبد محض، وأن فيه دليلا على بطلان القياس، وإلا لكان القتل

(1) كالشهيد في الدروس الشرعية 2: 136. (2) النور: 4 و 13. (3) النور: 4 و 13. (4) النساء: 15. (5) مسند أحمد 2: 465، صحيح مسلم 2: 1135 ح 15، سنن أبي داود 4: 181 ح 4533، سنن البيهقي 10: 147. (6) الكافي 7: 404 ح 7، التهذيب 6: 277 ح 760، الوسائل 18: 302 ب (49) من أبواب الشهادات ح 1. (7) كذا في (أ، د) وفي سائر النسخ: يعرف. (8) في (ت، ط): يمكنه. (9) راجع الوسائل 18: 371 ب (12) من أبواب حد الزنا.

[ 247 ]

ويثبت الزنا خاصة: بثلا ثة رجال وامرأتين، وبرجلين وأربع نساء، غير أن الاخير لا يثبت به الرجم، ويثبت به الجلد، ولا يثبت بغير ذلك. أولى باعتبار الاربعة، لانه أفحش. واختلفوا في إتيان البهائم هل يتوقف على أربعة رجال أم يكتفى فيه بشاهدين؟ فقيل بالاول، عملا بالاصل، وكونه وطيا محرما في معنى الزنا، ومشتملا على الهتك. والاصح ما اختاره المصنف والاكثر من ثبوته بشاهدين، لان الشارع جعل ثبوت الاحكام في غير الزنا بشاهدين، لقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (1) وقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (2). وإتيان البهائم ليس بزنا، ولا يوجب الحد، وإنما يوجب التعزير. وبهذا فارق اللواط والسحق، فإنهما يوجبان الحد عندنا. ومن أوجب بهما التعزير من العامة (3) أثبتهما بشاهدين. قوله: (ويثبت الزنا... إلخ). هاتان الصورتان خارجتان عن ظاهر الاية باشتراط أربعة رجال بنص خاص، وغير منافيتين لما دلت عليه الايات (4)، إذ ليس فيها ما يدل على الحصر، فإذا ثبت بدليل آخر عمل به. ومستند الحكم في الاولى روايات كثيرة، منها صحيحة عبد الله بن سنان

(1) الطلاق: 2. (2) البقرة: 282. (3) حلية العلماء 8: 271، الكافي في فقه أحمد 4: 349 - 350. (4) النور: 4 و 13، النساء: 15.

[ 248 ]

قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا تجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك ثلاثة رجال وامرأتان) (1). وحسنة الحلبي عنه عليه السلام قال: (سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، فإذا كان رجلان وأربع نسوة لم يجز في الرجم) (2). وصحيحة محمد بن مسلم عنه عليه السلام قال: (إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم تجز في الرجم) (3). وغيرها من الاخبار (4) الكثيرة. وهي مع كثرتها ليس فيها تصريح بثبوت الجلد برجلين وأربع نسوة. لكن الشيخ (5) وجماعة (6) استندوا في ثبوته إلى رواية أبان، عن عبد الرحمن، عن الصادق عليه السلام قال: (تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال) (7). وحيث انتفى الرجم بالاخبار الكثيرة ثبت الجلد.

(1) الكافي 7: 391 ح 8، التهذيب 6: 264 ح 702، الاستبصار 3: 23 ح 70، الوسائل 18: 260 ب (244) من أبواب الشهادات ح 10. (2) الكافي 7: 390 ح 3، التهذيب 6: 264 ح 703، الاستبصار 3: 23 ح 71، الوسائل 18: 258 الباب المتقدم ح 3. (3) التهذيب 6: 265 ح 708، الاستبصار 3: 24 ح 76، الوسائل 18: 264 الباب المتقدم ح 28. (4) راجع الوسائل: 18: 258 الباب المتقدم ح 4، 5، 7. (5) النهاية: 332. (6) السرائر 2: 137، إصباح الشيعة: 528. (7) التهذيب 6: 270 ح 728، الاستبصار 3: 30 ح 100، الوسائل 18: 262 ب (24) من أبواب الشهادات ح 21.

[ 249 ]

وفيه نظر، لضعف الطريق عن إثبات مثل ذلك، مع ورود روايات كثيرة (1) بأنه لا تقبل شهادتهن في حد، ومن ثم ذهب جماعة - منهم الصدوقان (2)، وأبو الصلاح (3)، والعلامة في المختلف (4) - إلى عدم ثبوت الحد بذلك، عملا بالاصل، وبأنه لو ثبت الزنا بشهادتهم لثبت الرجم، والتالي باطل، للاخبار (5) الكثيرة الدالة على عدم سماع رجلين وأربع نسوة في الرجم، فالمقدم مثله. وبيان الملازمة دلالة الاجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فإن ثبت هذا الوصف ثبت الحكم، وإلا فلا. وهذا [ الحكم ] (6) متجه. ونبه المصنف - رحمه الله - بقوله: في الزنا خاصة، على خلاف جماعة من الاصحاب - منهم الصدوق (7) وابن الجنيد (8) - بتعدي الحكم إلى اللواط والسحق. وهو ضعيف، لعدم المقتضي لالحاقهما بالزنا، مع عموم الاخبار بعدم قبول شهادتهن في الحد. وبقوله: (ولا يثبت بغير ذلك) على خلاف الشيخ في الخلاف (9)، حيث ذهب إلى ثبوت الحد دون الرجم بشهادة رجل واحد وست نساء. ولعله استند إلى عموم رواية عبد الرحمن السابقة. وهو شاذ.

(1) راجع الوسائل: 18: 264 الباب المتقدم ح 29، 30، 42. (2) المقنع: 402، وحكاه العلامة عنهما في المختلف: 715. (3) الكافي في الفقه: 436، 438. (4) المختلف: 715. (5) راجع الصفحة السابقة. (6) من الحجريتين. (7) المقنع: 402. (8) حكاه عنه العلامة في المختلف: 715، والشهيد في الدروس الشرعية 2: 136. (9) الخلاف 6: 251 مسألة (2).

[ 250 ]

ومنه ما يثبت بشاهدين، وهو ما عدا ذلك، من الجنايات الموجبة للحدود، كالسرقة وشرب الخمر والردة. ولا يثبت شي من حقوق الله [ تعالى ] بشاهد وامرأتين، ولا بشاهد ويمين، ولا بشهادة النساء منفردات ولو كثرن. وأما حقوق الادمي فثلاثة: منها، ما لا يثبت إلا بشاهدين. وهو: الطلاق، والخلع، والوكالة، والوصية إليه، والنسب، ورؤية الاهلة. وفي العتق، والقصاص، والنكاح، تردد، أظهره ثبوته بالشاهد والمرأتين. قوله: (ومنه ما يثبت بشاهدين... إلخ). لا فرق في حقوق الله تعالى بين كونها مالية كالزكاة والخمس والكفارة، وغيرها كالحدود. وقد دل على عدم قبول شهادتهن في الحدود روايات، واستثني منها ما تقدم. وأما حقوق الله المالية فليس عليها نص بخصوصها، لكن لما كان الاصل في الشهادة شهادة رجلين، وكان مورد الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين الديون ونحوها من حقوق الادميين، قصر على مورده، وبقي غيره على الاصل. قوله: (وأما حقوق الادمي... إلخ). مورد الشاهدين من حقوق الادمي كل ما ليس بمال ولا المقصود منه المال، فمن ثم توقفت الستة الاول على الشاهدين، إذ لا تعلق لها بالمال أصلا. ولكن اختلف كلام الشيخ في ثبوت الطلاق بشهادة النساء منضمات، ففي

[ 251 ]

الخلاف (1) والنهاية (2) نص على المنع، عملا بالقاعدة، ولورود الروايات (3) الكثيرة به. وقوى في المبسوط (4) قبول شهادتهن فيه مع الرجال. وإليه ذهب جماعة (5). وهو ضعيف. وأما الخلع، فإن كان مدعيه المرأة فكالطلاق. وإن كان هو الرجل فهو متضمن لدعوى المال، ومع ذلك فالمشهور عدم ثبوته بذلك مطلقا، من حيث تضمنه البينونة، والحجة لا تتبعض. وقيل: يثبت من جهة تضمنه المال، وهو مستلزم للبينونة، فيثبت أيضا لذلك. ولو تضمن الطلاق عوضا فكالخلع. وأما العتق والقصاص والنكاح ففي توقفها على الشاهدين، أو ثبوتها بالشاهد واليمين والشاهد والمرأتين، خلاف منشؤه اختلاف الروايات في الاخيرين، والاعتبار في الاول، فإن العتق ليس بمال، وإنما هو فك ملك، فلا تقبل فيه شهادتهن ولا اليمين، ولانه حق لله تعالى، ومن رجوعه إلى إزالة المالية وإثباتها للمملوك. فلذلك اختلف فيه كلام الشيخ وغيره، ففي الخلاف (6): لا يثبت بشهادة رجل وامرأتين. وقوى في المبسوط (7) القبول. واختاره المصنف رحمه الله. والوجه الاول.

(1) الخلاف 6: 252 مسألة (4). (2) النهاية: 332. (3) راجع الوسائل 1 8: 258 ب (24) من أبواب الشهادات ح 2، 4، 5، 7، 8. (4) المبسوط 8: 172. (5) حكاه العلامة في المختلف: 714 عن ظاهر كلام ابن أبي عقيل وابن الجنيد. (6) الخلاف 6: 252 مسألة (4). (7) المبسوط 8: 172.

[ 252 ]

وأما النكاح فالمقصود الذاتي منه ليس هو المال، ولكنه مشتمل عليه من النفقة والمهر وغيرهما، خصوصا من طرف الزوجة، ومن ثم اختلف فيه. واختلف فيه الرواية أيضا، فروى محمد بن الفضيل قال: (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام فقلت: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو في رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل، وتجوز شهادتهن في النكاح إذا كان معهن رجل) (1). وروى زرارة عن الباقر عليه السلام قال: (سألته عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم، ولا تجوز في الطلاق) (2). ومثله روى الكناني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام. وروى إبراهيم (4) الحارثي (5) عنه عليه السلام. وهذه الروايات مؤيدة للقبول، وإن كان في طريقها ضعف أو جهالة، فإن محمد بن الفضيل الذي يروي عن الرضا عليه السلام لم ينص علماء الرجال عليه بما يقتضي قبول روايته، بل اقتصروا على مجرد ذكره، والطريق إليه صحيح. وهو أيضا في طريق رواية الكناني. وفي طريق رواية زرارة سهل بن زياد. وراوي الاخيرة مجهول. وعلى كل حال، فهي شاهد قوي لهذا القول.

(1) الكافي 7: 391 ح 5، الفقيه 3: 31 ح 94، التهذيب 6: 264 ح 705، الاستبصار 3: 23 ح 73، الوسائل 18: 259 ب (24) من أبواب الشهادات ح 7. (2) الكافي 7: 391 ح 9، التهذيب 6: 265 ح 706، الاستبصار 3: 24 ح 74، الوسائل 18: 260 الباب المتقدم ح 11. (3) التهذيب 6: 267 ح 713، الاستبصار 3: 27 ح 84، الوسائل 18: 263 الباب المتقدم ح 25. (4) الكافي 7: 392 ح 11، التهذيب 6: 265 ح 707، الاستبصار 3: 24 ح 75، الوسائل 18: 259 الباب المتقدم ح 5. وفي التهذيبين: إبراهيم الخارقي. (5) في (د، ط): الخارقي.

[ 253 ]

وأما جانب المنع فيؤيده رواية السكوني عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليهما السلام أنه كان يقول: (شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا في حدود، إلا في الديون، ومالا يستطيع الرجال النظر إليه) (1). وفيها مع ضعف السند إمكان حملها على المنع من قبول شهادتهن فيه منفردات، فقد روي (2) ذلك أيضا. وبالجملة، فالاخبار مختلفة، وليس فيها خبر نقي (3)، والاكثر (4) دل على القبول. ويمكن الجمع بينها بحمل أخبار المنع على ما إذا كان المدعي الزوج، لانه لا يدعي مالا، وأخبار القبول على ما إذا كان المدعي المرأة، لان دعواها تتضمن المال من المهر والنفقة. وهذا متجه. وأما القصاص - أعني الجناية الموجبة له - فاختلف كلام الشيخ في حكمه أيضا، ففي الخلاف (5) منع من قبول شهادتهن مع الرجال فيه. وقوى في المبسوط (6) والنهاية (7) القبول. وعليه الاكثر. والاخبار مختلفة أيضا، إلا أن أصحها وأكثرها دال على القبول. فروى

(1) التهذيب 6: 281 ح 773، الاستبصار 3: 25 ح 80، الوسائل 18: 267 الباب المتقدم ح 42. (2) التهذيب 6: 280 ح 769، الاستبصار 3: 25 ح 79، الوسائل 18: 266 الباب المتقدم ح 39. (3) كذا في (خ)، وفي سائر النسخ: نفي. (4) في الحجريتين: والاكثرون على القبول. (5) الخلاف 6: 252 مسألة (4). (6) راجع المبسوط 8: 172، ولكن قوى القبول في الجناية الموجبة للقود، واستثنى منه القصاص، أي: ثبوت الدية بها دون القود. وفي ج 7: 248 صرح بعدم القبول مطلقا. ونسب إليه القبول مطلقا العلامة في المختلف: 714. (7) النهاية: 333.

[ 254 ]

جميل بن دراج وابن حمران في الصحيح عن الصادق عليه السلام قال: (قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، إن عليا عليه السلام كان يقول: لا يبطل دم رجل مسلم) (1). وروى الكناني عن الصادق عليه السلام قال: (تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال) (2). وعن زيد الشحام قال: (سألته عن شهادة النساء - إلى أن قال - قلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ فقال: نعم) (3). واستند المانع إلى القاعدة المشهورة بأنه (4) ليس بمال ولا متضمنا له. وإلى رواية ربعي عن الصادق عليه السلام قال: (لا تجوز شهادة النساء في القتل) (5). ورواية محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال: (لا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم) (6). وأجيب بحملها على شهادتهن منفردات جمعا، أو أنه لا يثبت القود بشهادتهن، بل تجب الدية. واعلم: أن محل الاشكال شهادتهن منضمات إلى الرجال، أما على الانفراد

(1) الكافي 7: 390 ح 1، التهذيب 6: 266 ح 711، الاستبصار 3: 26 ح 82، الوسائل 18: 258 ب (244) من أبواب الشهادات ح 1. (2) التهذيب 6: 267 ح 713، الاستبصار 3: 27 ح 84، الوسائل 18: 263 الباب المتقدم ح 25. (3) التهذيب 6: 266 ح 712، الاستبصار 3: 27 ح 83، الوسائل 18: 264 الباب المتقدم ح 32. (4) في (خ، د): فإنه. (5) التهذيب 6: 267 ح 716، الاستبصار 3: 27 ح 87، الوسائل 18: 263 الباب المتقدم ح 27. (6) الكافي 7: 391 ح 5، الفقيه 3: 31 ح 94، التهذيب 6: 264 ح 705، الاستبصار 3: 23 ح 73، الوسائل 18: 259 - 260 الباب المتقدم ح 7.

[ 255 ]

ومنها: ما يثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين. وهو: الديون، والاموال، كالقرض والقراض والغصب، وعقود المعاوضات: كالبيع، والصرف، والسلم، والصلح، والاجارات، والمساقاة، والرهن، والوصية له، والجناية التي توجب الدية. وفي فلا تقبل شهادتهن قطعا. وشذ قول أبي الصلاح (1) بقبول شهادة امرأتين في نصف دية النفس والعضو والجراح، والمرأة الواحدة في الربع. وأن إطلاق (2) الخلاف في القصاص وحكمه بثبوته بشاهد وامرأتين يقتضي ثبوت القود بذلك، لان ذلك هو مقتضاه. وبهذا المعنى صرح كثير (3) من الاصحاب ممن حكينا عنه سابقا القول به وغيره. وكذلك مقتضى الروايات الدالة عليه. وذهب جماعة (4) - منهم الشيخ في النهاية (5) - إلى أنه يثبت بشهادة المرأتين مع الرجل الدية دون القود. وكأنه جمع [ به ] (6) بين الاخبار، بحمل ما دل على عدم ثبوته على القود، وما دل عليه على الدية. والمصنف - رحمه الله - مع حكمه هنا بثبوته بذلك أنكر الامرين في كتاب القصاص (7)، وجزم بعدم ثبوته بشاهد وامرأتين، ونسب القول بثبوت الدية إلى الشذوذ، مع أنه قول كثير من الاصحاب. قوله: (ومنها ما يثبت بشاهدين... إلخ).

(1) الكافي في الفقه: 439. (2) في الحجريتين: إطلاقه. (3) لم نظفر على من صرح بذلك من الاصحاب، راجع المختلف: 714. (4) الكافي في الفقه: 436، المهذب 2: 558، المختلف: 714. (5) النهاية: 333. (6) من (ت) والحجريتين. (7) شرائع الاسلام 4: 224.

[ 256 ]

الوقف تردد، أظهره أنه يثبت بشاهد وامرأتين وبشاهد ويمين. ضابط هذا القسم ما كان متعلق الشهادة مالا أو كان المقصود منه المال، كالاعيان والديون والعقود المالية، فيثبت بشاهد وامرأتين كما يثبت برجلين. قال الله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) (1). وقد تقدم (2) أن مثل ذلك يثبت بشاهد ويمين بالرواية، ولا يثبت بشهادة النساء وحدهن. فمن هذا القسم: البيع، والاقالة، والرد بالعيب، والرهن، والحوالة، والضمان، والصلح، والقرض، والقراض، والشفعة، والاجارة، والمزارعة، والمساقاة، والهبة، والابراء، والمسابقة، والوصية بالمال، والصداق في النكاح، والوط بالشبهة، والغصب، والاتلاف. والجنايات التي لا توجب إلا المال، كالقتل الخطاء، وقتل الصبي والمجنون، وقتل الحر العبد، والمسلم الذمي، والوالد الولد، والسرقة التي لا قطع فيها، والمال خاصة فيما فيه القطع. وكذلك حقوق الاموال والعقود، كالخيار، وشرط الرهن، والاجل. وفي الاجل احتمال، من حيث إنه ضرب سلطنة فكان كالوكالة. ومنها قبض الاموال، ومن جملتها نجوم الكتابة. نعم، في النجم الاخير وجهان: أحدهما: أنه لا يثبت إلا برجلين، بناء على أن العتق لا يثبت إلا بهما، لتعلق العتق به. وبه جزم في التحرير (3).

(1) البقرة: 282. (2) في ص: 510. (3) تحرير الاحكام 2: 212.

[ 257 ]

وأصحهما: أنه كسائر النجوم، لان العتق يحصل بالكتابة، وإذا جمع النجوم فالاخير منها تمام السبب لا السبب التام للعتق، فلا فرق بينه وبين غيره. وهذا هو الذي اختاره الشيخ (1) وجماعة (2). وتوقف في القواعد (3). ومنه طاعة المرأة لاستحقاق النفقة، وقتل الكافر لاستحقاق السلب، وإزمان الصيد لتملكه، وعجز المكاتب عن النجوم. ومتعلق الشهادة في هذه الاربعة ليس مالا ولكن المقصود منه المال. واختلف في الوقف، بناء على أنه هل ينتقل إلى الله تعالى، أو إلى الموقوف عليه، أو يبقى على ملك المالك؟ فعلى الثاني يثبت بالشاهد والمرأتين [ مطلقا ] (4) وبالشاهد واليمين، لا على الاول، لانه ليس بمال للموقوف عليه، بل له الانتفاع به فقط. والاقوى ثبوته بالشاهد والمرأتين مطلقا، وبالشاهد واليمين إن كان على محصور، لتمكن حلفه. وقد تقدم (5) البحث فيه في باب الشاهد واليمين. ومن هذا القسم ما لو مات سيد المدبر، فادعى الوارث أنه كان قد رجع عن التدبير حيث يجوز الرجوع، فإنه يثبت دعواه برجل وامرأتين وبشاهد ويمين، لانه يدعي مالا.

(1) المبسوط 8: 172. (2) الدروس الشرعية 2: 138. (3) قواعد الاحكام 2: 239. (4) من (أ، د). (5) في ج 13: 514.

[ 258 ]

الثالث: ما يثبت بالرجال والنساء، منفردات ومنضمات. وهو: الولادة والاستهلال، وعيوب النساء الباطنة. وفي قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف، أقربه الجواز. وتقبل (1) شهادة امرأتين مع رجل، في الديون والاموال، وشهادة امرأتين مع اليمين. ولا تقبل فيه شهادة النساء منفردات ولو كثرن. ولو توافق الزوجان على الطلاق، وقال الزوج: طلقتك على كذا، وقالت: بل مجانا، تثبت دعوى الزوج (2) أيضا بهما. وكذا لو قال لعبده: أعتقتك على كذا، فقال: بل مجانا. قوله: (الثالث: ما يثبت... إلخ). ضابط هذا القسم: ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالبا. وذلك: كالولادة، والبكارة، والثيوبة، وعيوب النساء الباطنة، كالرتق والقرن والحيض، واستهلال المولود، وأصله الصوت عند ولادته، والمراد منه ولادته حيا ليرث. واحترز بالباطنة عن مثل العرج والجذام في الوجه وإن كانت حرة، لانه ليس من العورة. واختلف في الرضاع، والاظهر أنه كذلك، لانه أمر لا يطلع عليه الرجال غالبا، فمست الحاجة إلى قبول شهادتهن فيه، كغيره من الامور الخفية على الرجال من عيوب النساء وغيرها، وللاخبار الكثيرة عن الصادق عليه السلام أن

(1) لم ترد العبارة: (وتقبل شهادة امرأتين - إلى - ولو كثرن) في متن نسخ المسالك الخطية، ووردت في النسخة الخطية المعتمدة من الشرائع، وكذا في الشرائع الحجرية، وفي الجواهر (41: 173): أن الشارح الشهيد (قدس سره) لم يشرحها في المسالك، ولعله لسقوطها من نسخته. (2) في (أ): الزوجة، وفي (ث): الزوجية.

[ 259 ]

وتقبل شهادة المرأة الواحدة: في ربع ميراث المستهل، وفي ربع الوصية. وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقل من أربع. شهادة النساء تقبل فيما لا يجوز للرجال النظر إليه (1). ويؤيده ظاهر رواية ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام: (في امرأة أرضعت غلاما وجارية، قال: يعلم ذلك غيرها؟ قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها) (2). ومفهوم الشرط أنها تصدق حيث يعلم بذلك غيرها، لان عدم الشرط يقتضي عدم المشروط وهو عدم التصديق، فيثبت نقيضه وهو التصديق. وقال الشيخ في الخلاف (3) وموضع من المبسوط (4)، وابن إدريس (5)، ونجيب الدين يحيى بن سعيد (6)، والاكثر: إنه لا تقبل فيه شهادة النساء، لاصالة الاباحة. ولا يخفى ضعف الاصالة مع معارضة الشهادة. قوله: (وتقبل شهادة المرأة.... إلخ). حيث تقبل شهادة النساء منفردات يعتبر كونهن أربعا، لما عهد من عادة الشارع في باب الشهادات من اعتبار المرأتين برجل، والامر بإشهاد رجلين أو رجل وامرأتين. واستثني من ذلك أمران بنص خاص، وهما: الوصية بالمال، وميراث

(1) راجع الوسائل 18: 258 ب (24) من أبواب الشهادات ح 4، 5، 7، 9 وغيرها. (2) التهذيب 7: 323 ح 1330، الوسائل 14: 304 ب (12) من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 3. (3) الخلاف 6: 257 مسألة (9). (4) المبسوط 5: 311. (5) السرائر 2: 137. (6) الجامع الشرائع: 543.

[ 260 ]

المستهل. فيثبت جميع المشهود به بشهادة أربع، وثلاثة أرباعه بشهادة ثلاث، ونصفه باثنتين، وربعه بواحدة. والمستند صحيحة ربعي عن أبي عبد الله عليه السلام في شهادة امرأة حضرت رجلا يوصي، فقال: (يجوز ربع ما أوصى بحساب شهادتها) (1). وصحيحة عمر بن يزيد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاما، ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الارض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهل وصاح حين وقع إلى الارض ثم مات، قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام) (2). وفي رواية ابن سنان عنه عليه السلام: (قلت: فإن كانتا امرأتين؟ قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث) (3). وغيرها من الاخبار (4). وفي ثبوت النصف بشهادة الرجل، لكونه بمنزلة امرأتين، أو الربع لعدم النص عليه، وكونه المتيقن، إذ لا يقصر عن امرأة، أولا يثبت به شي أصلا، وقوفا فيما خالف الاصل على مورده، أوجه أجودها الوسط. وليس للمرأة تضعيف الحق ليصير ما يثبت بشهادتها مقدار الحق. فلو فعلت ذلك جاز للمشهود له أخذه إن علم بأصل الحق، وإلا فلا. والخنثى هنا كالمرأة.

(1) الكافي 7: 4 ح 4، التهذيب 9: 180 ح 719، الوسائل 13: 395 ب (22) من أبواب أحكام الوصايا ح 1. (2) الكافي 7: 392 ح 12، التهذيب 6: 268 ح 720، الاستبصار 3: 29 ح 92، الوسائل 18: 259 ب (244) من أبواب الشهادات ح 6. (3) الكافي 7: 156 ح 4، التهذيب 6: 271 ح 736، الاستبصار 3: 31 ح 104، الوسائل 18: 267 الباب المتقدم ح 45. (4) راجع الوسائل 13: 395 ب (22) من أبواب أحكام الوصايا.

[ 261 ]

مسائل: الاولى: الشهادة ليست شرطا في شي من العقود إلا في الطلاق. ويستحب في النكاح، والرجعة. وكذا في البيع. وقال المفيد: (يقبل: في عيوب النساء، والاستهلال، والنفاس، والحيض، والولادة، والرضاع، شهادة امرأتين مسلمتين، وإذا لم يوجد إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه) (1). وتبعه سلا ر (2). والمستند صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: (أنه سأله عن شهادة القابلة في الولادة، فقال: تجوز شهادة الواحدة) (3). وأجاب في المختلف (4) بالقول بالموجب، فإنه يثبت بشهادة الواحدة الربع، مع أنه لا يدل على حكم غير الولادة. وابن أبي عقيل (5) خص القبول بالواحدة بالاستهلال، عملا بظاهر الخبر. قوله: (الشهادة ليست شرطا... إلخ). الاشهاد مستحب في البيع، لقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) (6)، وفي النكاح والرجعة، للاخبار (7) الواردة بذلك، وقد تقدمت (8) في بابها. ولا يجب في

(1) المقنعة: 727. (2) المراسم: 233. (3) الكافي 7: 390 ح 2، التهذيب 6: 269 ح 723، الاستبصار 3: 29 ح 95، الوسائل 18: 258 ب (244) من أبواب الشهادات ح 2. (4) المختلف: 716. (5) حكاه عنه العلامة في المختلف: 716، ولكن عمم الحكم في الولادة وفي الصبي صاح أو لم يصح. (6) البقرة: 282. (7) الوسائل 14: 67 ب (43) من أبواب مقدمات النكاح، وج 15: 371 ب (13) من أبواب أقسام الطلاق. (8) في ج 7: 18، وج 9: 188.

[ 262 ]

الثانية: حكم الحاكم تبع للشهادة، فإن كانت محقة نفذ الحكم باطنا وظاهرا، وإلا نفذ ظاهرا. وبالجملة الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا. ولا يستبيح المشهود له ما حكم له، إلا مع العلم بصحة الشهادة أو الجهل بحالها. شي من العقود وغيرها، عملا بالاصل، وضعف الدليل الموجب. وقد تقدم البحث في ذلك مرارا. قوله: (حكم الحاكم... إلخ). أطبق علماؤنا وأكثر الجمهور على أن الحكم لا ينفذ إلا ظاهرا، وأما باطنا فيتبع الحق، فلا يستبيح المحكوم له أخذ المحكوم به مع علمه بعدم الاستحقاق، لاصالة بقاء الحق على أصله، والحل والحرمة كذلك. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) (1). أخرجه أصحاب السنن السبعة. وخالف في ذلك أبو حنيفة (2)، فحكم باستباحة المحكوم له وإن علم بطلانه، سواء في ذلك المال أو البضع. وقول المصنف: (أو الجهل بحالها) يندرج فيه ما إذا شهد لشخص شاهدان بحق، إما لكونه متروكا له من مورثه، أو له مع احتمال نسيانه، فإنه يستبيح أخذه

(1) صحيح البخاري 3: 235 - 236، سنن ابن ماجة 2: 777 ح 2317، سنن أبي داود: 3: 301 ح 3583، سنن الترمذي 3: 624 ح 1339. سنن النسائي 8: 233، سنن الدارقطني 4: 239 ح 127، سنن البيهقي 10: 149. (2) المبسوط للسرخسي 16: 180.

[ 263 ]

الثالثة: إذا دعي من له أهلية التحمل وجب عليه. وقيل: لا يجب. والاول مروي. والوجوب على الكفاية. ولا يتعين إلا مع عدم غيره ممن يقوم بالتحمل. أما الاداء فلا خلاف في وجوبه على الكفاية، فإن قام غيره سقط عنه. وإن امتنعوا لحقهم الذم والعقاب. ولو عدم الشهود إلا اثنان، تعين عليهما. ولا يجوز لهما التخلف، إلا أن تكون الشهادة مضرة بهما ضررا غير مستحق. مع (1) الحكم بشهادتهما، ما لم يعلم فساد ذلك، بأن يتجدد برأة المشهود عليه من غير أن يعلم به الشهود، ونحو ذلك، فلا يستبيح الاخذ، لعلمه بفساد الحكم. ولو توقف الحكم على يمينه، لكون الشهادة على ميت أو ما ألحق به، أو كون الشاهد واحدا، لم يجز له الحلف إلا مع العلم بالحال، لان استباحة الاخذ مترتبة على حكم الحاكم، وحكمه مترتب على يمينه، وليس له الحلف بدون العلم بالحال. قوله: (إذا دعي... إلخ). الكلام هنا في أداء الشهادة آخرا وتحملها أولا. أما الاول فلا خلاف في وجوبه وتحريم الامتناع منه، قال تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (2). وروي عن الباقر عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كتم شهادة، أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم، أو ليزوي مال امر مسلم، أتى

(1) في (أ، ث، خ): من الحاكم. (2) البقرة: 283.

[ 264 ]

يوم القيامة ولوجهه ظلمة مد البصر، وفي وجهه كدوح، تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ومن شهد شهادة حق ليحيي بها حق امرئ مسلم أتى يوم القيامة ولوجهه نور مد البصر، تعرفه الخلائق باسمه ونسبه، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: ألا ترى أن الله تعالى يقول: (وأقيموا الشهادة لله) (1). ووجوبه على الكفاية إن زاد الشهود عن العدد المعتبر في ثبوت الحق، وإلا فهو عيني، وإن كان الجميع في الاصل كفائيا، لان الواجب الكفائي إذا انحصر في فرد كان كالعيني. والمشهور عدم الفرق في الوجوب بين من استدعي وغيره، لعموم الادلة، وأنها أمانة حصلت عنده فوجب عليه الخروج منها، كما أن الامانات المالية تارة تحصل عنده بقبولها كالوديعة، وتارة بغيره كتطير الريح. وذهب جماعة (2) - منهم الشيخ (3) وابن الجنيد (4) وأبو الصلاح (5) - إلى عدم الوجوب إلا مع الاستدعاء، لصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها إن شاء شهد، وإن شاء سكت (6). وسأله أيضا عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما

(1) الكافي 7: 380 ح 1، الفقه 3: 35 ح 114، التهذيب 6: 276 ح 756، الوسائل 18: 227 ب (2) من أبواب الشهادات ح 2. والاية في سورة الطلاق: 2. (2) المهذب 2: 560. (3) النهاية: 330. (4) حكاه عنه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 4: 441. (5) الكافي في الفقيه: 436. (6) الكافي 7: 382 ح 5، التهذيب 6: 258 ح 678، الوسائل 18: 231 ب (5) من أبواب الشهادات ح 1.

[ 265 ]

يسمع منهما، قال: ذاك إليه إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، فإن شهد شهد بحق قد سمعه، وإن لم يشهد فلا شي عليه، لانهما لم يشهداه) (1). وحسنة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها، فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء سكت، وإذا أشهد لم يكن له إلا أن يشهد) (2). وغيرها من الاخبار (3). ولانه لم يؤخذ منه التزام، بخلاف ما إذا تحمل قصدا، فإنه يكون ملتزما كضمان الاموال. وفي المختلف (4) جعل النزاع لفظيا لا معنويا، نظرا إلى أنه فرض كفاية، فيجوز تركه إذا قام غيره مقامه، ولو لم يقم غيره مقامه وخاف لحوق ضرر بإبطال الحق وجب عليه إقامة الشهادة، ولا يبقى فرق بين أن يشهد من غير استدعاء وبين أن يشهد معه. وفيه نظر، لان الاخبار المذكورة مفصلة ومصرحة بالفرق بين من يستدعى وبين من لا يستدعى، وأنه يتعين على المستدعى الشهادة، مع أن الوجوب حينئذ كفائي اتفاقا وإن عرض له التعيين. وعلى ما ذكره في المختلف من المعنى لا يبقى فرق بين الحالين، ولا يبقى للتفصيل في الاخبار فائدة أصلا. ولا وجه لهذا التكلف الذي لا يساعد عليه الكلام. والحق أن النزاع معنوي صرف. ولو لم يعلم صاحب الحق بشهادة الشهود، إما لكونه قد نسي الاستدعاء، أو لكون المستدعي مورثه، أو مطلقا على المشهور، وجب عليهم تعريفه مع

(1) الكافي 7: 382 ح 6، التهذيب 6: 258 ح 677، الوسائل 18: 232 الباب المتقدم ح 5. (2) الكافي 7: 381 ح 1، التهذيب 6: 258 ح 679، الوسائل 18: 231 الباب المتقدم ح 2. (3) راجع الوسائل 18: 231 الباب المتقدم. (4) المختلف: 725.

[ 266 ]

خوفهم من بطلان الحق. ويجب كفاية مع زيادتهم عن العدد إعلام العدد الذي يثبت به الحق. ولو لم يكونوا عدولا، فإن أمكن ثبوت الحق بشهادتهم ولو عند حاكم الجور وجب أيضا، وإلا ففي الوجوب وجهان، من عدم الفائدة، وتوقع العدالة. وقرب في الدروس (1) الوجوب. ولو كان أحدهما عدلا وجب عليه قطعا، رجاء أن يحلف معه إن أمكن، بأن يكون عالما بالحق، وإلا ففي الوجوب نظر، لعدم الفائدة. ويمكن الوجوب مطلقا، رجاء أن يكون له شاهد آخر لا يعلم به فيثبت الحق بهما. وأما الثاني، وهو تحمل الشهادة ابتداء، فالمشهور والمروي وجوبه أيضا على الكفاية كالاداء، لقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (2)، الشامل بعمومه الامرين، أو لاختصاصه بهذه الحالة، فقد روى هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام: (في قول الله عزوجل: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)، قال: قبل الشهادة، وقوله تعالى: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (3)، قال: بعد الشهادة) (4). وهو نص في الباب، وتصريح بحمل الاية على حالة التحمل. ولصحيحة أبي الصباح الكناني عن الصادق عليه السلام: (في قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال: لا ينبغي لاحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد

(1) الدروس الشرعية 2: 135. (2) البقرة: 282 - 283. (3) البقرة: 282 - 283. (4) الكافي 7: 381 ح 2، الفقيه 3: 34 ح 112، التهذيب 6: 275 ح 750، الوسائل 18: 225 ب (1) من أبواب الشهادات ح 1.

[ 267 ]

عليها أن يقول: لا أشهد لكم عليها) (1). و (لا ينبغي) وإن كان ظاهره الكراهة إلا أنه فسر به النهي في الاية، والاصل فيه التحريم، فيحمل التفسير عليه. ورواية جراح المدائني عنه عليه السلام قال: (إذا دعيت إلى الشهادة فأجب) (2). وصحيحة محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام: (في قول الله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) فقال: إذا دعاك الرجل لتشهد على دين أو حق لم يسع لك أن تقاعس عنه) (3). وغيرها من الاخبار (4) الكثيرة الدالة بعمومها أو إطلاقها على المطلوب. ولانه من الامور الضرورية التي لا ينفك الانسان عنها، لوقوع الحاجة إلى المعاملات والمناكحات، فوجب في الحكمة إيجاب ذلك لتحسم مادة النزاع المترتب على تركه غالبا. وذهب ابن إدريس (5) - رحمه الله - إلى عدم الوجوب، عملا بالاصل، وطعنا في الاخبار ودلالة الاية، لان إطلاق الشهداء حقيقة بعد تحمل الشهادة، فتكون مخصوصة بالاداء، وإلا لزم المجاز أو الاشتراك.

(1) الكافي 7: 379 - 380 ح 2، التهذيب 6: 275 ح 751، الوسائل 18: 225 الباب المتقدم ح 2 (2) الكافي 7: 380 ح 5، التهذيب 6: 275 ح 752، الوسائل 18: 225 الباب المتقدم ح 3. (3) الكافي 7: 380 ح 3، التهذيب 6: 276 ح 754، الوسائل 18: 226 الباب المتقدم ح 7. (4) راجع الوسائل 18: 225 ب (1) من أبواب الشهادات. (5) السرائر 2: 125 - 126.

[ 268 ]

وأجيب (1): (بأنها وردت في معرض الارشاد بالاشهاد، لانه تعالى أمر (2) بالكتابة حال المداينة، ونهى الكاتب عن الاباء، ثم أمر بالاشهاد، ونهى الشاهد عن الاباء). فكان سياق الاية يقتضي إرادة هذا المعنى، مضافا إلى تفسيره به في الرواية المعتبرة. ولانه لا يشترط ثبوت المعنى المشتق منه في صحة الاشتقاق. وفيه نظر. واعلم أن إطلاق الاصحاب والاخبار يقتضي عدم الفرق في التحمل والاداء بين كونه في بلد الشاهد وغيره مما [ لا ] (3) يحتاج إلى سفر، ولا بين السفر الطويل والقصير مع الامكان. هذا من حيث السعي. أما المؤونة المحتاج إليها في السفر من الركوب وغيره فلا يجب على الشاهد تحملها، بل إن قام بها المشهود له وإلا سقط الوجوب، فإن الوجوب في الامرين مشروط بعدم توجه ضرر على الشاهد غير مستحق، وإلا سقط الوجوب. واحترز بالمستحق عما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد يناقشه عليه على تقدير الشهادة، ويمهله به أو يسامحه بدونها، فلا يعد ذلك عذرا، لانه مستحق مع قدرته على الوفاء لا بدونه.

(1) المختلف: 722. (2) البقرة: 282. (3) من (ط) والحجريتين.

[ 269 ]

الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة وهي مقبولة: في حقوق الناس، عقوبة كانت كالقصاص، أو غير عقوبة، كالطلاق والنسب والعتق، أو مالا كالقراض والقرض وعقود المعاوضات، أو مالا يطلع عليه الرجال غالبا، كعيوب النساء والولادة والاستهلال. ولا تقبل في الحدود، سواء كانت لله محضا، كحد الزنا واللواط والسحق، أو مشتركة، كحد السرقة والقذف على خلاف فيهما. قوله: (في الشهادة على الشهادة... إلخ). الشهادة على الشهادة مقبولة مرة واحدة في الجملة إجماعا، لعموم: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (1). وخصوص قول أبي جعفر عليه السلام في رواية محمد بن مسلم حيث سأل عن: (الشهادة على شهادة الرجل وهو بالحضرة في البلد، قال: نعم، ولو كان خلف سارية، إذا كان لا يمكنه أن يقيمها هو لعلة تمنعه من أن يحضر ويقيمها) (2). ولدعاء الحاجة إليها، فإن شهود الواقعة قد يغيبون أو يموتون. ولان الشهادة حق لازم الاداء، فتجوز الشهادة عليه كسائر الحقوق. ومحلها ما عدا الحدود إجماعا، سواء في ذلك الاموال والانكحة والعقود والايقاعات والفسوخ وغيرها، وسواء كانت حق الادميين أم حق الله تعالى، كالزكوات وأوقاف المساجد والجهات العامة والاهلة، كهلال رمضان وغيره.

(1) البقرة: 282. (2) الفقيه 3: 42 ح 141، التهذيب 6: 256 ح 672، الاستبصار 3: 20 ح 59، الوسائل 18: 297 ب (444) من أبواب الشهادات ح 1.

[ 270 ]

ولابد أن يشهد اثنان على الواحد، لان المراد إثبات شهادة الاصل، وهو لا يتحقق بشهادة الواحد. وأما الحدود، فإن كانت مختصة بالله - كحد الزنا - لم تسمع إجماعا. وإن كانت مشتركة - كحد السرقة والقذف - فالمشهور بين الاصحاب أن الحكم فيها كغيرها من الحدود، لاطلاق النصوص بعدم قبولها في الحد، كرواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليه السلام: (أنه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد) (1). ومثله روى غياث بن (2) إبراهيم [ عنه ] (3) عن علي عليه السلام. والطريق فيهما ضعيف، لكنهما مؤيدتان - مع الشهرة - بأن الحدود تدرأ بالشبهات. وقيام البدل مقام المبدل لا يخلو من شبهة. وقال الشيخ في موضع من المبسوط (4) وابن حمزة (5) بجوازها فيهما (6)، ترجيحا لحق الادمي، وأخذا بالعموم. وهذا أجود، لعدم دليل صالح للتخصيص فيهما. وهو اختيار الشهيد في الشرح (7). قوله: (ولا بد أن يشهد اثنان... إلخ).

(1) التهذيب 6: 255 ح 667، الوسائل 18: 299 ب (45) من أبواب الشهادات ح 1. (2) الفقيه 3: 41 ح 140، التهذيب 6: 256 ح 671، الوسائل 18: 299 الباب المتقدم ح 2. (3) من (ت، ط). (4) المبسوط 8: 231، لكن حكم بجوازها في القذف دون السرقة. (5) الوسيلة: 233. (6) في (ت، ث): فيها. (7) غاية المراد: 332.

[ 271 ]

فلو شهد على كل واحد اثنان صح. وكذا لو شهد اثنان، على شهادة كل واحد من شاهدي الاصل. وكذا لو شهد شاهد أصل، وهو مع آخر على شهادة أصل آخر. وكذا لو شهد اثنان على جماعة، كفى شهادة الاثنين على كل واحد منهم. وكذا لو كان شهود الاصل شاهدا وامرأتين، فشهد على شهادتهم اثنان، أو كان الاصل نساء مما تقبل فيه شهادتهن منفردات، كفى شهادة اثنين عليهن. ونبه المصنف بقوله: (عقوبة كالقصاص... إلخ) على خلاف بعض العامة (1)، حيث نفاها في العقوبات كالقصاص وإن كانت حقا للادميين. وأكثرهم على اختصاص المنع بحدود الله تعالى. ومنهم من أثبتها في الحدود أيضا. واعلم أن إطلاق المصنف كون محلها حقوق الادميين قد يوهم خروج ما كان حقا لله تعالى وليس حقا للادمي وإن لم يكن حدا. وهذا ليس بمراد، بل الضابط ما ذكرناه من أن محلها ما عدا الحدود، أو ما عدا حدود الله تعالى، كما تقتضيه الادلة والفتاوى. المقصود من الشهادة على الشهادة إثبات شهادة شاهد الاصل عند الحاكم، فكانت الشهادة كغيرها من الحقوق غير المالية، فيفتقر إثباتها إلى شاهدين ذكرين.

(1) اللباب في شرح الكتاب 4: 68، الحاوي الكبير 17: 221، حلية العلماء 8: 295، المغني لابن قدامة 12: 87، روضة الطالبين 8: 261.

[ 272 ]

وللتحمل مراتب، أتمها أن يقول شاهد الاصل: اشهد على شهادتي، أنني أشهد على فلان بن فلان، لفلان بن فلان بكذا. وهو الاسترعاء. ثم إن شهد شاهدان على أحدهما وآخران على شهادة الاخر تم النصاب بلا كلام. وإن شهد كل منهما على كل منهما، أو أحدهما مع شاهد الاصل على الاصل الاخر، فعندنا أن الحكم كذلك، لتحقق إثبات شهادة الشاهد باثنين، وهو المعتبر في الاثبات. وخالف في ذلك بعض العامة (1)، فمنع من جميع هذه الصور التي ذكرها المصنف، واعتبر المغايرة في شهود كل فرع. فشرط شهادة أربعة على الشاهدين، وعلى رجل وامرأتين ستة. ولو شهدوا على أربع من النساء في مثل الولادة افتقر إلى ثمانية، يشهد على كل واحدة اثنان. وهكذا. والاكثر على ما اخترناه من الاجتزاء باثنين مطلقا، لانهما شهدا على الجميع، كما لو شهدا على إقرار رجلين أو أربعة. ومبنى الخلاف في جواز كون الاصل فرعا مع آخر على أن الاشهاد على الشهادة هل هو لاثبات الشهادة، أو [ هو ] (2) بحكم النيابة عنها؟ فعلى الاول - وهو مذهب الاصحاب - يجوز أن يكون الاصل فرعا، لا على الثاني، لانه لا يصح كونه نائبا عن نفسه وغيره، لان قيامه بنفسه يستدعي استغنأه عن الغير، ونيابته يقتضي افتقاره، فلا يجتمعان. قوله: (وللتحمل مراتب... إلخ).

(1) حلية العلماء 8: 298 - 299، المغني لابن قدامة 12: 95 - 96، روضة الطالبين 8: 265. (2) من (أ) والحجريتين.

[ 273 ]

وأخفض منه أن يسمعه، يشهد عند الحاكم، إذ لا ريب في تصريحه هناك بالشهادة. ويليه أن يسمعه يقول: أنا أشهد لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا، ويذكر السبب، مثل أن يقول: من ثمن ثوب أو عقار، إذ هي صورة جزم. وفيه تردد. أما لو لم يذكر سبب الحق، بل اقتصر على قوله: أنا أشهد لفلان على فلان بكذا، لم يصر متحملا، لاعتياد التسامح بمثله. وفي الفرق بين هذه وبين ذكر السبب إشكال. إنما يجوز التحمل إذا عرف أن عند الاصل شهادة جازمة بحق ثابت. ولمعرفته أسباب ذكرها المصنف - رحمه الله - في ثلاث مراتب. أحدها: الاسترعاء. وهو: التماس شاهد الاصل رعاية شهادته. والشهادة بها والشهادة معه جائزة إجماعا. ولكن اختلفوا في كيفيته، فذكر المصنف - رحمه الله - والاكثر أن يقول شاهد الاصل للفرع: اشهد على شهادتي أنني أشهد على فلان... إلخ. وفي معناها أن يسمعه يسترعي شاهدا آخر. وكذا لو قال: أشهدك على شهادتي، أو يقول: إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد. ولا يقول: أشهدك عن شهادتي... إلخ. والفرق بين (على) و (عن) أن قوله: (أشهدك على شهادتي) تحميل، وقوله: (عن شهادتي) إذن في الاداء، فكأنه يقول: أدها عني، إذ لاذنه أثر في الطريق، ألا تراه لو قال له بعد التحميل: لا تؤد عني تلك الشهادة، امتنع عليه الاداء.

[ 274 ]

وربما رجح بعضهم (عن)، بل ناقش في (على)، من حيث إنها تقتضي كون الشهادة مشهودا عليها، وإنما هي مشهود بها، والمشهود عليه هو الشاهد، ولابد من التمييز بين المشهود به وله وعليه. لكن رعاية التحمل في (على) سهل أمرها، وأخرجها عن كون الشهادة مشهودا عليها صرفا. مضافا إلى كونه هو المشهور في الاستعمال. وثانيها: أن يسمعه يشهد عند الحاكم أن لفلان على فلان كذا، فله أن يشهد على شهادته وإن لم يسترعه، لانه لا يتصدى لاقامة الشهادة عند الحاكم إلا بعد تحقق الوجوب. وللحاكم أيضا أن يشهد على شهادته عند حاكم آخر. والشهادة عند المحكم (1) كالشهادة عند الحاكم المنصوب من الامام، لانه لا يشهد عند المحكم (2) أيضا إلا وهو جازم بثبوت المشهود به. وألحق بهذه المرتبة قوله: عندي شهادة مجزومة أو مثبوتة بأن على فلان لفلان كذا. وكذا لو قال: شهادة لا أرتاب فيها، أو لا أشك. ويظهر من كلام ابن الجنيد منع هذه المرتبة، لانه قال: (ليس للشهود أن يشهدوا إذا أخبرهم المشهود على شهادته، دون أن يسترعيهم إياها ويقول لهم بعد وصفه حال شهادته: فاشهدوا على شهادتي على فلان لفلان بكذا) (3). وثالثها: أن يبين سبب الوجوب، فيقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا من ثمن مبيع أو قرض أو أرش جناية. فيجوز الشهادة على شهادته وإن لم يشهد عند الحاكم، ولا وجد منه استرعاء، لان الاستناد إلى السبب يقطع احتمال الوعد

(1) في (د، ط): الحكم. (2) في (أ، ط): الحكم، وفي (د): الحاكم. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 729.

[ 275 ]

والتساهل. والمصنف - رحمه الله - تردد في قبول هذه الصورة، وكذلك العلامة (1). ومنشأ التردد مما ذكر، ومن اعتياد التسامح بمثل ذلك في غير مجالس الحكام. والوجه القبول، لان العدالة تمنع المسامحة إلى هذه الغاية. ولو قال: أشهد أن عليه كذا... إلخ، ولم يذكر السبب، ولا كان ذلك في مجلس الحاكم، فهذه الصورة قطع المصنف - رحمه لله - وغيره (2) بعدم جواز الشهادة عليها، لاعتياد التسامح بذلك من غير تحقيق لغرض صحيح أو فاسد، ولو آل الامر إلى أن إقامة الشهادة لا تخلو عنها، ولاحتمال إرادة الوعد، بمعنى أن المشهود عليه كان قد وعد المشهود له بذلك فجعلها عليه، لان الوفاء بالوعد من مكارم الاخلاق، فنزله منزلة الدين. وليس كذلك لو سمعه يقول: لفلان علي كذا، فإنه يجوز الشهادة عليه بالاقرار، ولا يحمل على الوعد ولا على التساهل. وفرقوا بين الاقرار وتحمل الشهادة بوجهين: أحدهما: أن الشهادة يعتبر فيها ما لا يعتبر في الاقرار، ألا ترى أنه لا تقبل شهادة الفاسق والمغفل والشهادة بالمجهول، والاقرار يخالفه، فجاز أن يعتبر في تحمل الشهادة ما لا يعتبر في تحمل الاقرار. والثاني: أن المقر مخبر عن نفسه، والشاهد مخبر عن غيره، [ والمخبر عن غيره ] (3) قد يتساهل، فيحتاج فيه إلى الاحتياط، بخلاف المخبر عن نفسه. واعلم: أن المصنف - رحمه الله - استشكل الفرق بين هذه الصورة التي سمعه يشهد من غير أن يذكر السبب، وبين ما لو ذكر السبب.

(1) قواعد الاحكام 2: 241. (2) قواعد الاحكام 2: 241. (3) من (ت، ث، خ).

[ 276 ]

ففي صورة الاسترعاء، يقول: أشهدني [ فلان ] على شهادته. وفي صورة سماعه عند الحاكم، يقول: أشهد أن فلانا شهد عند الحاكم بكذا. وفي صورة السماع لا عنده، يقول: أشهد أن فلانا شهد على فلان لفلان بكذا، بسبب كذا. ووجه الاشكال: من حيث اشتمال الصيغتين على الجزم الذي لا يناسب العدل أن يتسامح فيه. واستشكاله في الفرق يحتمل معنيين: أحدهما - وهو الاظهر -: إلحاق الاولى بالثانية في عدم القبول، لقيام الاحتمال بالتسامح والوعد، فيكون الاشكال موافقا لتردده السابق في حكم ما لو ذكر السبب، ويقتضي عدم قبول الشهادة في الموضعين، بخلاف ما ذكره الشيخ (1) وغيره (2) من الفرق وقبول الاولى دون الثانية. والثاني: إلحاق الثانية بالاولى في القبول، لاشتراكهما في الشهادة بصيغة الجزم الذي لا يصح للعدل أن يتلفظ به من غير علم بالحال، ولا يجوز في سماعه ذلك ممن لا يوثق به أو وعد ونحوه. إلا أن هذا الحكم بعيد، بل لم يقل به أحد وإن كان محتملا. والمحصل من الاشكال هو أن الحكم في إحداهما بالقبول دون الاخرى ترجيح من غير مرجح، ردا على الشيخ (3) حيث فرق. قوله: (ففي صورة الاسترعاء... إلخ).

(1) المبسوط 8: 231 - 232. (2) الدروس الشرعية 2: 142. (3) المبسوط 8: 231 - 232.

[ 277 ]

ولا تقبل شهادة الفرع، إلا عند تعذر حضور شاهد الاصل. ويتحقق العذر: بالمرض، وما ماثله، وبالغيبة. ولا تقدير لها. وضابطه: مراعاة المشقة على شاهد الاصل في حضوره. يجب على الفرع عند أداء الشهادة أن يبين جهة التحمل، لان الغالب على الناس الجهل بطريق التحمل، فربما استند إلى سبب لا يجوز التحمل به، فإذا ذكر السبب زال الريب، وللاختلاف (1) في المراتب كما عرفت، فربما أطلق الشهادة وكانت مستندة إلى وجه يجوز عنده لا عند الحاكم. فإن استرعاه الاصل قال: أشهد أن فلانا شهد أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته، أو يقول ابتداء: أشهدني فلان على شهادته أن لفلان... إلخ. وإن لم يسترعه بين أنه شهد عند الحاكم، أو أنه أسند المشهود به إلى سببه. وفي الاكتفاء بقوله: أشهد على شهادة فلان بكذا، مع الوثوق بمعرفة المراتب، وموافقة رأيه لرأي الحاكم، فيها وجهان، من ظهور الاستناد إلى سبب صحيح نظرا إلى الثقة به، ومن تطرق الاحتمال. قوله: (ولا تقبل شهادة الفرع.... إلخ). المشهور بين الاصحاب اشتراط تعذر حضور شاهد الاصل في قبول شهادة الفرع. وفي خبر محمد بن مسلم السابق (2) دليل عليه، لانه شرط أن يكون به علة تمنعه من أن يحضر ويقيمها. ونقل الشيخ في الخلاف (3) عن بعض أصحابنا عدم اشتراط ذلك، ومال

(1) في (ث، د، خ، م): والاختلاف. (2) راجع ص: 269. (3) الخلاف 6: 315 ذيل مسألة (65).

[ 278 ]

إليه. واستدل عليه بأن الاصل قبول الشهادة على الشهادة، وتخصيصها بوقت دون وقت أو على وجه دون وجه يحتاج إلى دليل. قال: (وأيضا روى (1) أصحابنا أنه إذا اجتمع شاهد الاصل وشاهد الفرع واختلفا، فإنه تقبل شهادة أعدلهما، حتى إن في أصحابنا من قال: تقبل شهادة الفرع وتسقط شهادة الاصل) (2). والمذهب هو المشهور. وعليه، فالمعتبر تعذر حضور الاصل لموت، أو زمانة، أو مانع يمنعه من حضور مجلس الحكم وإن كان حاضرا، أو يوجب له تحمل مشقة لا تتحمل غالبا. ولا فرق بين أن يكون فوق مسافة العدوى، وهي التي لو خرج بكرة لاداء الشهادة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلا، ودونها عندنا، عملا بالاصل. واشترط بعض العامة (3) كونه فوق مسافة القصر، وآخرون مسافة العدوى. وإلى خلافهما أشار المصنف - رحمه الله - بقوله: (ولا تقدير لها) لانه رجوع إلى ما لا دليل عليه. وفي خبر محمد بن مسلم السابق (4): (ولو كان خلف سارية إذا كان لا يمكنه أن يقيمها).

(1) الكافي 7: 399 ح 1 و 2، الفقيه 3: 41 ح 137، التهذيب 6: 256 ح 669 و 670، الوسائل 18: 299 ب (46) من أبواب الشهادات. (2) الخلاف 6: 315 - 316. (3) الحاوي الكبير 17: 225، حلية العلماء 8: 297 - 298، المغني لابن قدامة 12: 90 - 91، روضة الطالبين 8: 267. (4) راجع ص: 269.

[ 279 ]

ولو شهد شاهد الفرع، فأنكر [ شاهد ] الاصل، فالمروي العمل بشهادة أعدلهما. فإن تساويا اطرح الفرع. وهو يشكل بما أن الشرط في قبول الفرع عدم الاصل. وربما أمكن، لو قال الاصل: لا أعلم. قوله: (ولو شهد شاهد الفرع... إلخ). الحكم في هذه المسألة مبني على السابقة، فإن قلنا بعدم اشتراط تعذر حضور شاهد الاصل في صحة شهادة الفرع تمشى هذا البحث هنا، لجواز إحضار الفرع وإن كان شاهد الاصل موجودا. وأما على المشهور من اشتراط تعذره، فشهد الفرع ثم حضر الاصل، فإن كان بعد الحكم لم يعتد بإنكاره، وأمضي الحكم على وفق شهادة الفرع. وهذا لا إشكال فيه أيضا. وإن كان حضوره قبل الحكم بشهادة الفرع فأنكر، فالمشهور سقوط شهادة الفرع، لان الشرط في سماعها تعذر الاصل وقد زال. ولان مستند شهادة الفرع شهادة الاصل وهي مفقودة، فيفقد ما استند إليها. وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وقبله الشيخ في المبسوط (1) وابن إدريس (2) وجماعة [ من ] (3) المتأخرين (4). وذهب جماعة - منهم الصدوقان (5)، والشيخ في النهاية (6)، وتلميذه

(1) المبسوط 8: 233. (2) السرائر 2: 127. (3) من (ل). (4) المختلف: 723، غاية المراد: 333 - 334، التنقيح الرائع 4: 321. (5) المقنع: 399، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 723. (6) النهاية: 329.

[ 280 ]

القاضي (1) - إلى الحكم بشهادة أعدلهما، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: (في رجل شهد على شهادة رجل، فجاء الرجل فقال: لم أشهده، فقال: تجوز شهادة أعدلهما، ولو كانت عدالتهما واحدة لم يجز الشهادة) (2). وهذه الرواية وإن كان ظاهرها متروكا، من حيث اشتماله على شهادة الرجل الواحد على الواحد، إلا أن المطلوب يتم منها. على أن ذكر الواحد لا ينفي غيره، فيمكن حملها على وجه يصح. ولكن يشكل تمشيها على القول المشهور من اشتراط تعذر حضور شاهد الاصل. والمصنف - رحمه الله - قال: يمكن ذلك على تقدير أن يقول الاصل: لا أعلم. واعترضه السيد عميد الدين (3) - رحمه الله - بأنه لا يمكن حينئذ العمل بقول الاعدل إذا كان الاصل، لانه غير شاهد. وأورد عليه الشهيد - رحمه الله - أيضا بأن ذلك غير منطوق الرواية، لتضمنها قوله: (لم أشهده). ثم وجهها بأنه: (لا يلزم من أنه يشترط في إحضار شاهد الفرع تعذر الاصل أن يكون ذلك في السماع. سلمنا لكن المراد إذا كان الاصل والفرع متفقين، فإنه حينئذ لا يحتاج إلى شهادة الفرع، للاستغناء بالاصل، وزيادة الكلفة

(1) المهذب 2: 561. (2) الكافي 7: 399 ح 1، التهذيب 6: 256 ح 670، الوسائل 18: 300 ب (46) من أبواب الشهادات ح 3. (3) حكاه عنه الشهيد الاول في غاية المراد: 334.

[ 281 ]

ولو شهد الفرعان ثم حضر شاهد الاصل، فإن كان بعد الحكم لم يقدح في الحكم وافقا أو خالفا. وإن كان قبله، سقط اعتبار الفرع. وبقي الحكم لشاهد الاصل. ولو تغيرت حال الاصل بفسق أو كفر، لم يحكم بالفرع، لان الحكم مستند إلى شهادة الاصل. بالبحث عن الجرح والتعديل، أما مع التناكر فيمتنع تناول العبارة له. وبالجملة، فهم لم يصرحوا بأن ذلك مناف لشهادة الفرع، بل ظاهر كلامهم أن سماع شهادة الفرع مشروط بتعذر شاهد الاصل إذا كان يشهد، والمنكر لم يشهد) (1). وفي المختلف حمل الرواية: (على ما إذا أنكر بعد الحكم، فإنه لا يقدح في الحكم بشهادة أعدلهما، اعتبارا بقوة الظن، أما قبل الحكم فإن شهادة الفرع تبطل قطعا) (2). والاقوى أن إنكاره بعد الحكم أيضا لا يلتفت إليه. وقيل: يطرح الفرع. فالرواية تخالف الاصول على التقديرين. قوله: (ولو شهد الفرعان... إلخ). إذا طراء بعد التحمل ما يمنع شهادة الفرع، بأن حضر الاصل بناء على اعتبار غيبته، أو كفر أو فسق، أو طراء له عداوة للمشهود عليه، فإن كان بعد الحكم بشهادة الفرع لم ينقض، كما لو شهد الاصل بنفسه ثم تجدد فسقه أو غيره من موانع الشهادة.

(1) غاية المراد: 333. (2) المختلف: 723.

[ 282 ]

ولم يخالف في ذلك إلا ابن حمزة (1)، فإنه حكم بتقديم أعدلهما. ومال إليه في المختلف (2)، مؤولا به الرواية السابقة. وقد تقدم. وإن كان قبل الحكم وقبل أداء الشهادة، فلا إشكال في بطلانها أيضا، لانها شهادة على فاسق أو غيره ممن لا تقبل شهادته، ولسقوط اعتبار الفرع بحضور الاصل. وإن كان بعد الشهادة وقبل الحكم، فالمشهور بين الاصحاب أن الحكم كذلك. أما مع الحضور فلسقوط اعتبار الفرع، فلو حكم به اقتضى (3) الحكم بشهادة الفرع مع حضور الاصل، وهو ممنوع. وأما مع عروض قوادح الشهادة فلصدق القضاء بشهادة الفاسق ونحوه، لان الفرع إنما يؤدي شهادة الاصل، والحكم إنما هو بها، وكما لو فسق الاصل بعد شهادته وقبل الحكم. ووجهوه أيضا بأن هذه الحالات لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث الريبة فيما تقدم، والردة تشعر بخبث في العقيدة سابق، والعداوة لضغائن كانت مستكنة، وليس لمدة الريبة من قبل ضبط، فينعطف إلى حالة التحمل. ولو فرض زوالها قبل الشهادة عليه فهل للفرع أن يشهد بالتحمل الاول، أم يحتاج إلى تحمل جديد، بناء على انعطاف الريبة إلى حالة التحمل؟ فيه وجهان ناشئان من كونه عدلا عند الشهادة عليه وعند أدائها، ومن الريبة المذكورة. ولا يقدح طرو جنون الاصل والاغماء عليه، والعمى فيما لا تقبل شهادة الاعمى فيه، كما لو مات، لان ذلك لا يوقع ريبة فيما مضى، ولان العمى لا يبطل أهلية الشهادة بالكلية.

(1) الوسيلة: 233 - 234. (2) المختلف: 723. (3) في الحجريتين: اختص.

[ 283 ]

وتقبل شهادة النساء على الشهادة، فيما تقبل فيه شهادة النساء منفردات، كالعيوب الباطنة والاستهلال والوصية. وفيه تردد، أشبهه المنع. قوله: (وتقبل شهادة النساء... إلخ). اختلف الاصحاب في جواز شهادة النساء فرعا في موضع تجوز شهادتهن فيه أصلا على قولين: أحدهما: الجواز. ذهب إليه الشيخ في الخلاف (1)، محتجا بالاجماع والاخبار، وقواه في المبسوط (2)، لكنه جعل الاخر أحوط، وابن الجنيد (3) والعلامة في المختلف (4)، للاصل، وعموم قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) (5). وعموم رواية السكوني عن الصادق عليه السلام أن عليا عليه السلام قال: (شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه) (6). وذلك شامل للشهادة الاصلية والفرعية. ولان شهادتهن أصلا ثابتة فالفرع أولى، لاستناده إلى شهادة الاصل أو مساو. والثاني: المنع. ذهب إليه الشيخ في موضع من المبسوط (7)، وابن

(1) الخلاف 6: 316 مسألة (66). (2) المبسوط 8: 233 - 234. (3) حكاه فخر المحققين عنه في إيضاح الفوائد 4: 447. (4) المختلف: 724. (5) البقرة: 282. (6) التهذيب 6: 281 ح 773، الاستبصار 3: 25 ح 80، الوسائل 18: 267 ب (24) من أبواب الشهادات ح 42. (7) لم نجده فيه، ولعله أراد ما حكاه عنه قبل اسطر من الحكم بالاحوطية. ونسب إليه المنع الشهيد في غاية المراد: 333.

[ 284 ]

إدريس (1)، والعلامة في غير المختلف (2)، والمصنف - رحمه الله - هنا، وتردد في النافع (3)، وكذا العلامة في الارشاد (4). ووجه المنع: أن المجوز له إنما هو الضرورة، إما لضرورة الانفراد أو لفقد الرجال، كما في حالة الوصية، ولا ضرورة هنا. ولاختصاص النساء ببعض (5) الاحكام غالبا. والجواب عن الاول: أن الاصل عدل عنه للدليل. والاية محلها الاموال، والشهادة ليست مالا. ورواية السكوني مع ضعفها لا تدل على المطلوب، مع أنها عمدة الشيخ والعلامة في المختلف، لانه صدر بها الاستدلال. ووجه عدم الدلالة: أنه جعل مورد شهادتهن الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه، وشهادتهن فرعا إنما هي على الشهادة، ونفس الشهادة ليست من الديون ولا الاموال، ويطلع عليها الرجال، فلا يدخل في الخبر، ولا في قاعدة ما تدخل فيه شهادة النساء. وهذا أقوى. إذا تقرر ذلك، فاعلم أن قول المصنف: (تقبل شهادة النساء على النساء... إلخ) يدل على أن مورد الخلاف شهادتهن عليهن في موضع ينفردن بالشهادة، فيخرج من ذلك ما لو كان في موضعهن رجال حيث يجوز انفرادهن، فإن الشهادة في هذا المحل لا تختص بهن، بل يجوز بالرجال أيضا بطريق أولى. ويخرج من ذلك أيضا ما لو كان المحل مما تقبل فيه شهادتهن منضمات،

(1) السرائر 2: 128 - 129. (2) قواعد الاحكام 2: 242، تحرير الاحكام 2: 216. (3) المختصر النافع 2: 290. (4) إرشاد الاذهان 2: 165. (5) في (أ، ث، د، ط): بنقض.

[ 285 ]

ثم الفرعان إن سميا الاصل وعدلاه، قبل. وإن سمياه ولم يعدلاه سمعها الحاكم، وبحث عن الاصل، وحكم مع ثبوت ما يقتضي القبول، وطرح مع ثبوت ما يمنع القبول لو حضر وشهد. أما لو عدلاه ولم يسمياه، لم تقبل. سواء شهدن فرعا على النساء أم على الرجال. وفي النافع (1) جعل مورد الخلاف شهادتهن على الشهادة في الموضع الذي تقبل فيه شهادتهن، وهو شامل لجميع هذه الموارد. وبهذا صرح جماعة منهم الشهيد في الشرح (2) والعلامة في المختلف (3). وهو الحق. وعلى هذا، فموضع القول بالجواز شهادتهن على الشهادة فيما لهن فيه مدخل، سواء شهدن على مثلهن أم على الرجال. وحينئذ فتشهد على شاهد أربع نساء، سواء كان المشهود عليه رجلا أم امرأة. فلو كن أربع نساء شهدت عليهن ست عشرة امرأة، إن لم يشتركن في الشهادة على أزيد من واحدة، وإلا أمكن الاجتزاء بالاربع، كما مر (4) في شهادة الرجلين. قوله: (ثم الفرعان... إلخ). يجب على الفروع تسمية شهود الاصل وتعريفهم، لاشتراط معرفة عدالتهم، وما لم يعرفوا لا تعرف عدالتهم. ولو وصفوا الاصول بالعدالة ولم يسموهم، بأن قالوا: نشهد على شهادة عدلين أو عدول، لم يجز، لان الحاكم قد يعرفهم بالجرح لو سموا. ولانهم قد يكونون عدولا عند قوم وفساقا عند آخرين،

(1) المختصر النافع 2: 290. (2) غاية المراد: 332. (3) المختلف: 724. (4) في ص: 271.

[ 286 ]

ولو أقر باللواط، أو بالزنا بالعمة أو الخالة، أو بوطي البهيمة، ثبت بشهادة شاهدين. وتقبل في ذلك الشهادة على الشهادة. ولا يثبت بها حد، ويثبت انتشار حرمة النكاح. وكذا لا يثبت التعزير في وطي البهيمة، ويثبت تحريم الاكل في المأكولة. وفي الاخرى، وجوب بيعها في بلد آخر. لان العدالة مبنية على الظاهر. ولان ذلك يسد باب الجرح على الخصم. ولا يشترط في شهادة الفرع تزكية شهود الاصل، بل له إطلاق الشهادة، ثم الحاكم يبحث عن عدالتهم، خلافا لبعض العامة (1). وعلى تقدير تزكيتهم وهم بصفات المزكين تثبت عدالتهم، لوجود المقتضي وانتفاء المانع. قوله: (ولو أقر باللواط... إلخ). قد عرفت أن الشهادة على الشهادة إنما ترد في الحدود، فلو اشتمل سبب الحد على أمرين أو أمور منها الحد، كاللواط المترتب عليه نشر الحرمة بأم المفعول وأخته وبنته، والزنا بالعمة والخالة المترتب عليه تحريم بنتهما، أو الزنا مطلقا على ما تقدم (2) من الخلاف، وكالزنا مكرها للمرأة بالنسبة إلى ثبوت المهر، وكوطي البهيمة المترتب عليه التعزير وتحريم الاكل أو البيع، لم تقبل في الحد. وهل ترد في غيره؟ وجهان، من تلازم الامرين أو الامور، وكونها معلول علة واحدة، فلو ثبت بعضها لزم ثبوت البعض الاخر، لترتب الجميع على ثبوت أصل الفعل وهو الوطي، ومن وجود المانع في بعضها وهو الحد بالنص أو الاجماع، فيبقى الباقي، لانه حق آدمي لا مانع من إثباته بشهادة الفرع.

(1) روضة الطالبين 8: 267. (2) راجع ص: 269.

[ 287 ]

وتلازم معلولات الاحكام المستندة إلى علة واحدة ممنوع، ومن ثم ثبت بالشهادة على الشهادة بالسرقة المال دون الحد، وكذا مع الشاهد والمرأتين وبالعكس لو كان المقر سفيها، إلى غير ذلك من الاحكام التي ينفك بعض معلولاتها عن بعض مع استنادها إلى علة واحدة، فإن هذه العلل معرفات، وجاز أن تكون العلة في بعضها ذلك الامر مع شي آخر مما يقتضيه الحكم. وهذا هو الاقوى. فعلى هذا يثبت بشهادة الفرع حق الادمي دون الحد، سواء كانت الشهادة على نفس السبب وهو الزنا واللواط [ والوطي ] (1)، أم على الاقرار بذلك. وإنما فرض المصنف الحكم في الاقرار حذرا من تبعيض حكم السبب الواحد على تقدير الشهادة بنفس الزنا مثلا، فإنه سبب في الحد وفي نشر الحرمة، فيشكل تبعض الشهادة في أحدهما دون الاخر، بخلاف الاقرار بالفعل، فإنه ليس سببا للحد، وإنما السبب هو الفعل المقر به. والاصح عدم الفرق. وحينئذ فإن كانت الشهادة على الاقرار كفى اثنان في الاصل و [ في ] (2) الفرع على كل منهما، لان الاقرار مما يثبت بشاهدين. وقيل: يتوقف الاقرار بالزنا على أربعة كأصله. واختاره العلامة (3). وإن كانت شهادة الاصل على نفس الزنا اعتبر كونهم أربعة. وهل يشترط ذلك العدد في شاهد الفرع، أم يكفي على كل واحد اثنان؟ فيه وجهان منشؤهما

(1) من (ت، ث، ط، م). (2) من (ت، خ، ط، م). (3) لم نعثر عليه. ونسبه فخر المحققين إلى مختلفه في إيضاح الفوائد 4: 432.

[ 288 ]

الطرف الخامس في اللواحق وهي قسمان: الاول في اشتراط توارد الشاهدين على المعنى الواحد وتترتب عليه مسائل: الاولى: توارد الشاهدين على الشي الواحد شرط في القبول، فإن اتفقا معنى حكم بهما وإن اختلفا لفظا، إذ لا فرق بين أن يقولا: غصب، وبين أن يقول أحدهما: غصب، والاخر: انتزع. ولا يحكم لو اختلفا معنى، مثل: أن يشهد أحدهما بالبيع، والاخر بالاقرار بالبيع، لانهما شيئان مختلفان. نعم، لو حلف مع أحدهما ثبت. من أنها (1) شهادة على الزنا وتلك الاحكام تابعة له، وأنه لو اكتفي باثنين لكان شهود الاصل أسؤ حالا من شهود الفرع، مع أن الظاهر العكس أو التساوي، ومن أن المقصود هو حق الادمي من المال وغيره، وهو مما يكفي فيه اثنان، ويمنع اشتراط مساواة شهود الفرع للاصل مطلقا، إذ لا دليل عليه. قوله: (توارد الشاهدين... إلخ). لابد في قبول الشهادة من موافقتها للدعوى، وتوافق الشاهدين معنى لا لفظا، لان المشهود به لا يثبت إلا بتمام العدد. فلو قال أحدهما: غصب، والاخر: انتزع قهرا أو ظلما، فالمعنى واحد وإن اختلف اللفظ، فقد حصل بالفعل الواحد

(1) في (ت، ث، ط): أنهما.

[ 289 ]

الثانية: لو شهد أحدهما أنه سرق نصابا غدوة، وشهد الاخر أنه سرق عشية، لم يحكم بها، لانها شهادة على فعلين. وكذا لو شهد الاخر أنه سرق ذلك بعينه عشية، لتحقق التعارض، أو لتغاير الفعلين. الثالثة: لو قال أحدهما: سرق دينارا، وقال الاخر: درهما، أو قال أحدهما: سرق ثوبا أبيض، وقال الاخر: أسود، وفي كل واحد يجوز أن يحكم مع أحدهما ومع يمين المدعي، لكن يثبت له الغرم، ولا يثبت شاهدان، بخلاف ما لو شهد أحدهما بالبيع والاخر بالاقرار به، فإن البيع لم يقم به إلا شاهد واحد، وكذلك الاقرار، لتعددهما، فيحلف المدعي مع أحدهما. وكذا لو كانت الشهادة على أمر واحد واختلفا في زمانه أو مكانه أو وصفه، بأن قال أحدهما: إنه غصبه الثوب يوم الجمعة، وقال الاخر: يوم السبت، أو في البيت، وقال الاخر: في المسجد، أو ثوب كتان، وقال الاخر: قطن، لاقتضاء ذلك تغاير الفعلين. وحينئذ فيحلف مع أحدهما، سواء تكاذبا أم لا (1)، لان التعارض إنما يكون بين البينتين الكاملتين. قوله: (لو شهد أحدهما... إلخ). في التعليل لف ونشر غير مرتب، فإن تحقق التعارض الذي علل به أولا يحصل في الفرض الثاني، وتغاير الفعلين يحصل في الاول، لان النصاب المشهود به في الاول غير معين، فكانت الشهادة على فعلين. وفي المسألتين لا يثبت الفعل، لان به شاهدا واحدا. قوله: (لو قال أحدهما: سرق دينارا... إلخ).

(1) في (ط): أم تصادقا.

[ 290 ]

القطع. ولو تعارض في ذلك بينتان على عين واحدة، سقط القطع للشبهة، ولم يسقط الغرم. ولو كان تعارض البينتين لا على عين واحدة، ثبت الثوبان والدرهمان. كما يجوز للمدعي أن يحلف مع أحدهما يجوز له أن يحلف معهما، لعدم المنافاة، فيثبت الدينار والدرهم والثوب الابيض والاسود، إذا لم يعينا الزمان بحيث يحصل التنافي، فيقتصر على الحلف مع أحدهما خاصة. ولا يثبت القطع هنا، لان الحد لا يثبت باليمين. ولو شهد بالفعلين شاهدان، فإن تعارضا، بأن شهد شاهدان أنه سرق منه دينارا يوم الجمعة عند الزوال، وشهد آخران أنه سرق منه ذلك الدينار بعينه في وقت آخر، بحيث لا يمكن الجمع بين الفعلين، سقط القطع، للشبهة والحد يدرأ بها، ولا يسقط الغرم، لثبوت سرقة الدينار المعين على التقديرين. وإن لم يتعارضا، بأن شهدت إحداهما بسرقته غدوة، والاخرى عشية، بحيث يمكن أن يسترده المالك ثم يسرقه مرة أخرى، ثبت القطع والغرم. وكذا لو اختلفت العين، بأن شهدت إحداهما بسرقة الثوب الابيض، والاخرى بسرقة الاسود ولو في وقت واحد، أو شهدت إحداهما بسرقة الدينار، والاخرى بسرقة الدرهم كذلك، يثبت الامران، لامكان الجمع حتى مع اتحاد الزمان، لجواز أن يسرق فيه الامران. وفي قول المصنف - رحمه الله -: (ولو كان تعارض البينتين لا على عين واحدة) تجوز، لانه لا تعارض حينئذ. وكذا في قوله: (تعارض في ذلك)، لان

[ 291 ]

الرابعة: لو شهد أحدهما أنه باعه هذا الثوب [ غدوة ] بدينار، وشهد [ له ] الاخر أنه باعه [ ذلك الثوب ] بعينه في ذلك الوقت بدينارين، لم يثبتا، لتحقق التعارض، وكان له المطالبة بأيهما شاء مع اليمين. ولو شهد له مع كل واحد شاهد آخر، ثبت الديناران. ولا كذلك لو شهد واحد بالاقرار بألف، والاخر بألفين، فإنه يثبت الالف بهما، والاخر بانضمام اليمين. ولو شهد بكل واحد شاهدان، ثبت ألف بشهادة الجميع، والالف الاخر بشهادة اثنين. الاشارة تعود إلى الامرين المختلفين، والفرض هنا اتحاد العين. وأما قوله: (ثبت الدرهمان) فالمراد به الدينار والدرهم، وثناهما باسم أحدهما أو باسم أخفهما، كالقمرين والعمرين. قوله: (لو شهد أحدهما أنه باعه... إلخ). إثبات التعارض بين الشاهدين باعتبار صورته، وإلا فالتعارض لا يتحقق إلا بين البينتين الكاملتين كما مر (1). ولو اقتصر على قوله: (لم يثبتا، وكان له المطالبة... إلخ) كما فعل غيره كان أثبت، لانه لم يقم بكل واحد من البينتين إلا شاهد واحد، فلذلك لم يثبتا. والفرق بين الاقرار والبيع - حيث يثبت القدر الاقل بهما، ويتوقف الزائد على اليمين في الاقرار دون البيع -: أن الاقرار ليس سببا في ثبوت الحق في ذمته، بل كاشف عن سبقه، فجاز تعدده، ولم يناف أحد الاقرارين الاخر، بخلاف البيع، فإنه سبب لثبوت الحق، ولم يقم بكل واحد من السببين بينة كاملة.

(1) راجع ص: 80 و 89.

[ 292 ]

وكذا لو شهد أنه سرق ثوبا قيمته درهم، وشهد الاخر أنه سرقه وقيمته درهمان، ثبت الدرهم بشهادتهما، والاخر بالشاهد واليمين. ولو شهد بكل صورة شاهدان، ثبت الدرهم بشهادة الجميع، والاخر بشهادة الشاهدين بهما. ولو شهد أحدهما بالقذف غدوة، والاخر عشية، أو بالقتل كذلك، لم يحكم بشهادتهما، لانه شهادة على فعلين. أما لو شهد أحدهما بإقراره بالعربية، والاخر بالعجمية، قبل، لانه إخبار عن شي واحد. وعليه يترتب ما لو شهد بكل واحد من الاقرارين شاهدان، فإنه يثبت الاقل بشهادة الجميع والزائد بشهادة الاثنين، بخلاف البيع، فإنه لا يثبت المجموع إلا بشاهدين، لعدم إمكان تعدد السبب فيه. قوله: (وكذا لو شهد... إلخ). الكلام في سببية السرقة بالنسبة إلى القيمة كالاقرار، فإن السرقة نفسها ليست سببا في كون قيمة الثوب درهما أو درهمين، وإنما القيمة أمر لازم للعين، سواء سرق أم لم يسرق، فكان ذلك بمنزلة ما لو شهد أحدهما أن له في ذمته درهما، والاخر أن له في ذمته درهمين، فيثبت الدرهم بشهادتهما والاخر مع اليمين. ولو شهد بكل [ واحد ] (1) من الفرضين شاهدان ثبت الزائد بشهادة الاثنين، والاقل بشهادة الجميع، لعدم التنافي. قوله: (ولو شهد أحدهما بالقذف... إلخ).

(1) من (ث، ط).

[ 293 ]

القسم الثاني في الطوارئ وهي مسائل: الاولى: لو شهدا ولم يحكم [ بهما ]، فماتا، حكم بهما. وكذا لو شهدا ثم زكيا بعد الموت. لان القذف الواقع غدوة غير الواقع عشية، ولم يقم بكل واحد إلا شاهد واحد، فلا يثبت أحدهما وإن أمكن تعدده، ولا محل لليمين مع أحدهما في الحد. وأما القتل فكذلك، ويزيد أنه لا يقبل التكرر، فالتكاذب متحقق. وأما شهادة أحدهما بالاقرار بالعربية والاخر بالعجمية، فإن أطلقا وقته أو ذكراه مختلفا ثبت مدلولهما، لما ذكرناه من أنه ليس بسبب حتى يحصل بتعدد فعله اختلاف، وإنما مدلوله أمر خارج يمكن التعبير عنه في أوقات كثيرة وبلغات متعددة، والمدلول شي واحد. ولو اتحد الوقت بحيث لا يمكن الاجتماع، بأن شهد أحدهما أنه أقر عند الزوال بلا فصل بالعربية، والاخر أنه أقر في ذلك الوقت بعينه بالعجمية، لم يثبت، للتكاذب. قوله: (لو شهدا ولم يحكم... إلخ). لان الحكم مستند إلى أدائهما وقد حصل. والموت ليس قادحا في الشهادة، وإنما هو عذر طار غير منقص (1) ولا يوجب تهمة، كما لو ناما أو جنا أو أغمي عليهما أو على أحدهما.

(1) في (ت، د): منقض.

[ 294 ]

الثانية: لو شهدا ثم فسقا قبل الحكم، حكم بهما، لان المعتبر بالعدالة عند الاقامة. ولو كان حقا لله كحد الزنا، لم يحكم، لانه مبني على التخفيف، ولانه نوع شبهة. وفي الحكم بحد القذف والقصاص تردد أشبهه الحكم، لتعلق حق الادمي به. وكذا الحكم لو شهدا وعدالتهما مجهولة عند الحاكم، وماتا قبل التزكية، ثم زكيا بعد الموت، لان الحكم بشهادتهما المؤداة لا بالتزكية، وإنما التزكية كاشفة عن صحة الاعتماد على شهادتهما، فلم يقدح فيه موتهما قبلها (1). قوله: (لو شهدا ثم فسقا... إلخ). اختلف الاصحاب في جواز الحكم بشهادة العدلين لو طراء فسقهما أو أحدهما بعد أداء الشهادة وقبل الحكم، فذهب الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3) وابن إدريس (4) والمصنف - رحمه الله - والعلامة (5) في أحد القولين إلى الجواز، محتجين بأن الاعتبار بالعدالة عند الاقامة لا عند الحكم وقد حصل، ولان الحكم بشهادتهما مع استمرار العدالة ثابت فكذا مع زوالها، عملا بالاستصحاب. مع أن المصنف - رحمه الله - قد حكم فيما سبق (6) بأنه لو طراء فسق شاهد الاصل قبل

(1) في (أ، د): قبل الحكم. (2) الخلاف 6: 320 مسألة (73). (3) المبسوط 8: 244. (4) السرائر 2: 179. (5) قواعد الاحكام 2: 247. (6) في ص: 281.

[ 295 ]

الحكم بشهادة الفرع لم يحكم، محتجا بأن الحكم مستند إلى شهادة الاصل. وهكذا فعل الشيخ في المبسوط (1)، والعلامة في التحرير (2). ولا فرق بين الامرين، بل الحكم هنا بعدم الحكم أولى، لانه مستند إلى شهادة من قد فسق خاصة. وذهب العلامة في المختلف (3) والشهيد (4) وجماعة (5) إلى عدم جواز الحكم، لانهما فاسقان حال الحكم فلا يجوز الحكم بشهادتهما، إذ يصدق أنه حكم بشهادة فاسقين، كما لو رجعا قبله، وكما لو كانا وارثين ومات المشهود له قبل الحكم [ بشهادتهما ] (6). ولان طرو الفسق يضعف ظن العدالة السابقة، لبعد طروها دفعة واحدة. وأجابوا عن الاستدلال الاول بأنه مصادرة، لان كون الاعتبار بالعدالة حالة الاداء لاحال الحكم عين المتنازع. وهذا هو الاولى. وطرو العدالة كطرو الفسق. واتفق القائلان (7) على أن المشهود به إذا كان حقا لله تعالى، كحد الزنا واللواط وشرب المسكر، لم يحكم به، لوقوع الشبهة الدارئة للحد. ولو اشترك الحد كالقذف والقصاص، ففي جواز الحكم عند القائل به في غيره وجهان، من بنائه على التخفيف ودرئه بالشبهة، ومن تعلق حق الادمي به.

(1) المبسوط 8: 233. (2) تحرير الاحكام 2: 215. (3) المختلف: 728. (4) الدروس الشرعية 2: 133. (5) الجامع للشرائع: 546. (6) من (خ). (7) في (ث): القائلون.

[ 296 ]

الثالثة: لو شهدا لمن يرثانه، فمات قبل الحكم، فانتقل المشهود به إليهما، لم يحكم لهما بشهادتهما. الرابعة: لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم، لم يحكم. ولو رجعا بعد الحكم والاستيفاء وتلف المحكوم به، لم ينقض الحكم، وكان الضمان على الشهود. ولو رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فإن كان حدا لله نقض ورجح المصنف - رحمه الله - حق الادمي. وعلى هذا، لو كان المشهود به السرقة حكم بالمال خاصة. وعدمه فيها (1) أقوى. قوله: (لو شهدا لمن يرثانه... إلخ). نبه بقوله: (لم يحكم لهما بشهادتهما) على وجه الحكم، فإنه لو حكم بشهادتهما لزم أن يكون قد حكم للمدعي بشهادته، وهو باطل قطعا. ولو كان لهما في الميراث شريك ففي ثبوت حصته بشهادتهما وجهان، من انتفاء المانع من جهته، ومن أنها شهادة واحدة فلا تتبعض، كما لو شهد بعض رفقاء القافلة المأخوذين لبعض. وهذا أقوى. وبه قطع في القواعد (2). ويجي على القول بعدم قدح طرو الفسق احتمال عدمه هنا اعتبارا بحالة الاداء، كما علل به السابق، وعند الاداء لم يكن الشهادة لهما، إلا أن الجميع اتفقوا على امتناع الحكم هنا. قوله: (لو رجعا عن الشهادة... إلخ).

(1) في (خ، ط): فيهما. (2) قواعد الاحكام 2: 247.

[ 297 ]

الحكم، للشبهة الموجبة للسقوط. وكذا لو كان للادمي، كحد القذف، أو مشتركا كحد السرقة. وفي نقض الحكم لما عدا ذلك من الحقوق تردد. أما لو حكم وسلم، فرجعوا والعين قائمة، فالاصح أنه لا ينقض ولا تستعاد العين. وفي النهاية: ترد على صاحبها. والاول أظهر. رجوع الشهود عن الشهادة إما أن يفرض قبل القضاء بشهادتهم، أو بعده. فإن كان قبله امتنع القضاء مطلقا، لانا لا ندري أنهم صدقوا في الاول أو في الاخر، فلا يبقى ظن الصدق، ولم يحصل حكم يمتنع نقضه. ثم إن اعترفوا بأنهم تعمدوا الكذب فهم فسقة يستبرؤن. وإن قالوا: غلطنا، لم يفسقوا، لكن لا تقبل تلك الشهادة لو أعادوها. ولو كانوا قد شهدوا بالزنا، فرجعوا واعترفوا بالتعمد، حدوا للقذف. وإن قالوا: غلطنا، ففي حد القذف وجهان: أحدهما: المنع، لان الغالط معذور. وأظهرهما الوجوب، لما فيه من التعيير، وكان من حقهم التثبت والاحتياط. وعلى هذا ترد شهادتهم. ولو قلنا لا حد فلا رد. ولو رجعوا بعد القضاء، فرجوعهم إما أن يكون قبل الاستيفاء أو بعده. فإن رجعوا قبل الاستيفاء، نظر إن كانت الشهادة في مال استوفي، لان القضاء قد نفذ فيه، وليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع. وفيه وجه آخر أنه لا يستوفى، لان الحكم لم يستقر بعد، والظن قد اختل بالرجوع. وإن كانت في حد (1) لله تعالى [ قيل ] (2) لم يستوف، لانه مبني على

(1) في (ص): حق. (2) من (أ، د).

[ 298 ]

التخفيف، ويدرأ بالشبهة، وهي متحققة بالرجوع. وإن كان حق آدمي أو مشتركا فوجهان، من تغليب حق الادمي، ووجود الشبهة الدارئة له في الجملة. وهذا أولى. والمصنف - رحمه الله - جزم بالحكم في القسمين استضعافا للفرق. وتردد في نقض الحكم لما عدا الحد من الحقوق، سواء في ذلك المالية وغيرها. ومنشأ التردد مما ذكرناه في المال. وينبغي إلحاق العقوبات كالقتل والجرح بالحدود، والعقود والايقاعات بالمال، لسهولة خطرها، وترجيحا لحق الادمي. ويحتمل إلحاق النكاح بالحدود، لعظم خطره، وعدم استدراك فائت البضع. وحيث قلنا بالاستيفاء بعد الرجوع فاستوفي فالحكم [ كذلك ] (1) كما لو رجعوا بعد الاستيفاء. ولم يتعرض الاكثر لحكم الرجوع في غير المال قبل الاستيفاء، ولم يحرروا الحكم فيه. وإن رجعوا بعد الاستيفاء لم ينقض الحكم مطلقا، لنفوذ الحكم بالاجتهاد [ به ] (2) فلا ينقض بالاحتمال. ولان شهادتهم إقرار، ورجوعهم إنكار، والانكار بعد الاقرار غير مسموع. ولان الشهادة أثبتت الحق فلا يزول بالطارئ كالفسق والموت، خلافا للشيخ في النهاية (3)، حيث حكم برد العين على صاحبها مع قيامها، وتبعه القاضي (4) وجماعة (5)، محتجين بأن الحق ثبت بشهادتهما فإذا رجعا

(1) من (ث، خ، م). (2) من (ت). (3) النهاية: 336. (4) المهذب 2: 564. (5) الوسيلة: 234.

[ 299 ]

الخامسة: المشهود به إن كان قتلا أو جرحا فاستوفي ثم رجعوا، فإن قالوا تعمدنا اقتص منهم. وإن قالوا: أخطأنا كان عليهم الدية. وإن قال بعض تعمدنا، وبعض أخطأنا، فعلى المقر بالعمد القصاص، وعلى المقر بالخطاء نصيبه من الدية. ولولي الدم قتل المقرين بالعمد أجمع، ورد الفاضل عن دية صاحبه. وله قتل البعض، ويرد الباقون قدر جنايتهم. جرى مجرى عدم الشهادة. ولا يخفى ضعفه. وحيث لا ينقض يغرم الشهود للمحكوم عليه، لحصول الحيلولة بشهادتهم، وما يضمن بالتفويت بغير الشهادة يضمن بها كالنفس. ويؤيده حسنة جميل عمن أخبره عن أحدهما عليهما السلام: (في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم وقد قضي على الرجل، ضمنوا ما شهدوا به وغرموا، وإن لم يكن قضي طرحت شهادتهم، ولم يغرم الشهود شيئا) (1). ولبعض العامة (2) قول إنهم لا يغرمون، لانهم لم يثبتوا اليد على المال ولم يتلفوه، فلا يضمنون، وإن أثموا بما يفضي إلى الفوات، كمن حبس المالك عن ماشيته حتى ضاعت. قوله: (المشهود به إن كان قتلا... إلخ). إذا رجعوا بعد الاستيفاء وكان المشهود به مما يتعذر تداركه كالقتل والجرح، فإن قالوا تعمدنا فعليهم القصاص أو الدية في موضع لا يقتص فيه من

(1) الكافي 7: 383 ح 1، الفقيه 3: 37 ح 124، التهذيب 6: 259 ح 685، الوسائل 18: 238 ب (100) من أبواب الشهادات. (2) الحاوي الكبير 17: 267.

[ 300 ]

ولو قال أحد شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه: تعمدت، فإن صدقه الباقون، كان لاولياء الدم قتل الجميع، ويردوا ما فضل عن دية المرجوم. وإن شأوا قتلوا واحدا، ويرد الباقون تكملة ديته بالحصص بعد وضع نصيب المقتول. وإن شأوا قتلوا أكثر من واحد، ورد الاولياء ما فضل عن دية صاحبهم، وأكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين. المتعمد موزعة، على ما هو مذكور في الجنايات. وكذا لو شهدوا بالردة فقتل، أو على المحصن فرجم، أو على غير المحصن فجلد ومات منه. لكن هنا يلزمهم الدية، لانه عمد شبيه الخطاء، لقصدهم إلى الفعل المؤدي إلى القتل. وإن قالوا أخطأنا فعليهم الدية، على ما يفصل في قتل الخطاء. وإن تفرقوا في الوصف اختص كل بحكمه، على ما سيأتي (1) في المشتركين في القتل والجرح. قوله: (ولو قال أحد شهود الزنا... إلخ). الضابط: أن الشهادة متى أوجبت القتل، سواء كان ذلك بسبب الزنا أو بسبب القصاص أو الردة، فالحكم ما ذكر من جواز قتل المتعمد وأخذ الدية من الخاطئ. وحكم الرد مع زيادة المقتول على ما يفصل في بابه، فلا حاجة إلى تفصيل كل واحد من حكم الشهادة بالرجم وبالقتل على حدة.

(1) انظر شرائع الاسلام 4: 205 - 206.

[ 301 ]

أما لو لم يصدقه الباقون، لم يمض إقراره إلا على نفسه فحسب. وقال في النهاية: يقتل ويرد عليه الباقون ثلاثة أرباع الدية. ولا وجه له. قوله: (أما لو لم يصدقه... إلخ). إذا رجع أحد شهود الزنا عن الشهادة وقال: كذبنا، ولم يصدقه الباقون، لم يقبل قوله عليهم، لاختصاص حكم الاقرار بالمقر. فإن اختار الولي قتله رد عليه ثلاثة أرباع ديته. وإن اختار أخذ الدية كان عليه الربع خاصة، لانه إنما أقر بالشركة في القتل. وكذا لو قال: أخطأت. وقال الشيخ في النهاية (1): إن قال: تعمدت، قتل، وأدى الثلاثة إليه ثلاثة أرباع الدية. وإن رجع اثنان وقالا: أوهمنا، ألزما نصف الدية. وإن قالا: تعمدنا، كان للولي قتلهما، ويؤدي إلى ورثتهما دية كاملة بالسوية بينهما، ويؤدي الشاهدان الاخران إلى ورثتهما نصف الدية. وإن اختار الولي قتل واحد قتله، وأدى الاخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع الدية. ووافقه ابن الجنيد (2). ومستندهما حسنة إبراهيم بن نعيم قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته، قال: فقال: يقتل الراجع، ويؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية) (3). ووجه العدول عنها: مخالفتها للاصل، فإن أحدا لا يلزم بإقرار غيره. وربما حملت على ما إذا رجعوا بأجمعهم، لكن قال أحدهم: تعمدت، وقال الباقون: أخطأنا.

(1) النهاية: 335. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 726. (3) الكافي 7: 384 ح 5، التهذيب 6: 260 ح 690، الوسائل 18: 240 ب (12) من أبواب الشهادات ح 2.

[ 302 ]

ولو شهدا بالعتق فحكم، ثم رجعا، ضمنا القيمة، تعمدا أو أخطأ، لانهما أتلفاه بشهادتهما. وفي المختلف (1) جعل ذلك محملا لقول الشيخين. وليس بجيد. وإنما يصلح حملا للرواية التي هي مستند الحكم، وأما حكمهما فعلى ظاهر ما فهمناه من الرواية. قوله: (ولو شهدا بالعتق... إلخ). إنما ضمناه مطلقا لان إتلاف المال لا يفرق فيه بين العامد والخاطئ، وقد فوتا ماليته على المالك بشهادتهما وهو لا يريد (2)، لبنائه على التغليب، مع نفوذ الحكم فيه. ولا فرق بين أن يكون المشهود بعتقه قنا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد أو معلق العتق بصفة، خلافا لبعض العامة (3) في أم الولد، حيث قال: لا غرم. ولو كانت الشهادة على تدبير عبد ثم رجعا بعد القضاء لم يغرما في الحال، لان الملك لم يزل، فإذا مات غرما بالرجوع السابق، لان عتقه بسبب الشهادة وإن كان قادرا على نقضه، إذ لا يجب عليه إنشاء الرجوع لنفع الوارث. ويحتمل عدم الرجوع، لقدرته على نقضه إن لم يكن لازما بنذر وشبهه. نعم، لو كان رجوعهما بعد موته أغرما للورثة. وكذا لو شهدا على العتق (4) بصفة على وجه يصح. ولو شهدا بكتابته ورجعا وأدى العبد النجوم وعتق ظاهرا، ففيما يغرمان وجهان: أحدهما: ما بين قيمته وبين النجوم.

(1) المختلف: 726. (2) في الحجريتين: لا يزيد. (3) الكافي للقرطبي 2: 919. (4) في (د) والحجريتين: المعتق نصفه.

[ 303 ]

السادسة: إذا ثبت أنهم شهدوا بالزور، نقض الحكم واستعيد المال. فإن تعذر، غرم الشهود. ولو كان قتلا ثبت عليهم القصاص، وكان حكمهم حكم الشهود إذا أقروا بالعمد. وأصحهما: جميع القيمة، لان المؤدى من كسبه وكسبه للسيد. ولو عجز فرد في الرق لم يغرما سوى ما فات من منفعته زمن الكتابة. ولو شهدا أنه أعتقه على مال هو دون القيمة فكالكتابة، لانه يؤدى من كسبه. ولو شهدا أنه وقفه على مسجد أو جهة عامة فكالعتق، ولا يرد الوقف بالرجوع. وكذا لو شهد أنه جعل الشاة أضحية. قوله: (إذا ثبت أنهم شهدوا... الخ). وجه نقض الحكم مع ثبوت التزوير تبين اختلال شرط الشهادة، كما لو تبين فسقهما قبل الحكم، وأولى بالبطلان هنا. ويدل عليه أيضا صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور قال: (إن كان الشي قائما بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل) (1). وروى محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام: (قال في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث، إن كان شهد هذا وآخر معه) (2).

(1) الكافي 7: 384 ح 3، الفقيه 3: 35 ح 116، التهذيب 6: 259 ح 686، الوسائل 18: 239 ب (111) من أبواب الشهادات ح 2. (2) الكافي 7: 383 ح 2، التهذيب 6: 260 ح 687، الوسائل 18: 238 الباب المتقدم ح 1.

[ 304 ]

ولو باشر الولي القصاص، واعترف بالتزوير، لم يضمن الشهود، وكان القصاص على الولي. السابعة: إذا شهدا بالطلاق ثم رجعا، فإن كان بعد الدخول لم واعلم أن الزور إنما يتحقق بتعمد الكذب لا بمطلق كون الشهادة باطلة، ولذلك (1) كان حكمهم حكم من أقر بالعمد. وإنما يثبت شهادتهم بالزور بأمر مقطوع به، كعلم الحاكم أو الخبر المفيد للعلم، لا بالبينة لانه تعارض، ولا بالاقرار لانه رجوع. قوله: (ولو باشر الولي القصاص... الخ). إذا رجع ولي الدم وحده واعترف بالتزوير فعليه القصاص، أو كمال الدية على تقدير اعترافه بالخطاء. ولو رجع مع الشهود فوجهان: أجودهما (2): أن القصاص أو الدية بكمالها عليه، لانه المباشر، وهم معه كالممسك مع القاتل. والثاني: أنه معهم كالشريك، لتعاونهم على القتل، وليسوا كالممسك مع القاتل، فإنهم (3) صوروه بصورة المحقين. وعلى هذا، فعليهم جميعا القصاص أو الدية منصفة أو بالحساب. وينبغي على هذا الوجه أن لا يجب كمال الدية على الولي إذا رجع وحده. قوله: (إذا شهدا بالطلاق... إلخ).

(1) في (ت، ث): وكذلك. (2) في (ت، د): أحدهما، وفي نسخة بدل (د): أجودهما. (3) في (ث): كأنهم.

[ 305 ]

يضمنا. وإن كان قبل الدخول، ضمنا نصف المهر المسمى، لانهما لا يضمنان إلا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة. إذا شهدا على طلاق بائن كالطلاق بعوض والطلقة الثالثة، أو على رضاع محرم أو لعان أو فسخ بعيب أو غيرها من جهات الفراق، وحكم الحاكم بشهادتهما ثم رجعا لم يرد الفراق، لان قولهما في الرجوع محتمل، فلا يرد القضاء المبرم بقول محتمل. وهل يجب الغرم على الشاهدين مطلقا، أم يتقيد بعدم الدخول؟ يبنى على أن البضع هل يضمن بالتفويت أم لا؟ وفيه وجهان تقدم (1) الكلام فيهما مرارا. والمشهور أنه لا يضمن، ومن ثم لو قتلها أو قتلت نفسها لم يضمن. وكذا لو غصب أمة وماتت في يده، فإنه يضمن بذلك قيمتها وقيمة منافعها وإن لم يستوفها، دون بضعها مع عدم استيفائه. ووجه الضمان: أنه متقوم بالمال، ومن ثم لو استوفاه مستوف ضمنه بقيمته، وهي مهر المثل. فعلى هذا يغرم الشاهدان مهر المثل، سواء كان قبل الدخول أم بعده، لانهما فوتا عليه ما يتقوم فيغرمان قيمته، كما لو شهدا بعتق عبد ثم رجعا. وعلى المشهور إن كانت شهادتهما بالطلاق بعد الدخول لم يضمنا شيئا، لانهما لم يتلفا المهر، لاستقراره بالدخول، وما أتلفاه من البضع غير مضمون. وإن كانت قبل الدخول ضمنا نصف المسمى، لانهما ألزماه به، وقد كان بمعرض السقوط بالردة والفسخ من قبلها. وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وعليه العمل.

(1) في ج 7: 111.

[ 306 ]

وفي المسألة أقوال أخر نادرة: منها: ما اختاره (1) الشيخ في موضع من المبسوط (2) من أن المهر إن كان مقبوضا بيدها غرم الشاهدان جميع مهر المثل، لان الزوج لا يتمكن من استرداد شي، لزعمه أنها زوجته وأنها تستحق جميع الصداق. وإن كان قبل التسليم غرم النصف خاصة، لانها لا تطالبه إلا بالنصف. ومنها: ما اختاره في النهاية (3)، وهو أنها لو تزوجت بعد الحكم بالطلاق ثم رجعا ردت إلى الاول بعد العدة، وغرم الشاهدان المهر للثاني. واستند الشيخ في ذلك إلى موثقة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد الله عليه السلام: (في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها، فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق، قال: يضربان الحد، ويضمنان الصداق للزوج، ثم تعتد ثم ترجع إلى زوجها الاول) (4). والرواية ضعيفة بإبراهيم، فإنه واقفي وإن كان ثقة. وقد عرفت أن الحكم لا ينقض بعد وقوعه في مثل ذلك. وربما حملت الرواية على ما لو تزوجت بمجرد الشهادة من غير حكم الحاكم. وفي المختلف (5) جعل ذلك محملا لقول الشيخ. وليس بجيد، فإن الشيخ استند إلى الرواية وعمل بظاهرها، فلا تأويل في كلامه.

(1) في الحجريتين: منها قول الشيخ. (2) المبسوط 8: 247 - 248. (3) النهاية: 336. (4) الكافي 7: 384 ح 7، التهذيب 6: 260 ح 689، الوسائل 18: 241 ب (13) من أبواب الشهادات ح 1. (5) المختلف: 726.

[ 307 ]

فروع الاول: إذا رجعا معا، ضمنا بالسوية. فإن رجع أحدهما، ضمن النصف. ولو ثبت بشاهد وامرأتين فرجعوا. ضمن الرجل النصف، وضمنت كل واحدة الربع. ولو كان عشر نسوة مع شاهد، فرجع الرجل، ضمن السدس. وفيه تردد. ومنها: ضمان مهر المثل مع الدخول ونصفه مع عدمه. حكاه في المبسوط (1)، ومال إليه في التحرير (2)، ثم أفتى بالمشهور. ووجهه: أن الرجوع على الشاهد إنما يكون بما يتلفه بشهادته، وبشهادتهما بالطلاق قبل الدخول لم يتلفا نصف المهر، لانه واجب عليه بالعقد طلق أم لم يطلق، وبعد الدخول لم يتلفا المهر أيضا، لاستقراره في ذمته به، وإنما أتلفا بشهادتهما البضع عليه، فيجب عليهما قيمته، وهو مهر المثل مع الدخول ونصفه قبل الدخول، لانه إنما ملك نصف البضع، ولهذا إنما يجب عليه نصف المهر. وهذا القول مبني على ضمان البضع، والاصح عدمه. قوله: (إذا رجعا معا ضمنا... إلخ). إذا رجع الشهود أو بعضهم [ به ] (3) على وجه يثبت به الغرم، فلا يخلو: إما أن يفرض والمحكوم (4) بشهادتهم على الحد المعتبر، أو يفرض وهم أكثر عددا منه.

(1) المبسوط 8: 247. (2) تحرير الاحكام 2: 216 - 217. (3) من (ث، م). (4) في (خ): المحكوم.

[ 308 ]

فإن كانوا على الحد المعتبر، كما لو حكم في العتق أو القتل بشهادة رجلين ثم رجعا، فعليهما الغرم بالسوية، وإن رجع أحدهما فعليه النصف. وكذا لو رجم في الزنا بشهادة أربعة، فإن رجعوا جميعا فعليهم الدية أرباعا، وإن رجع بعضهم فعليه حصته منها. هذا إذا كان جميع الشهود ذكورا، أو إناثا في موضع يقبل فيه شهادتهن منفردات. أما إذا انقسموا إلى الذكور والاناث، فإن لم يزيدوا على أقل ما يكفي، كرجل وامرأتين في الاموال، أو ما تقبل فيه شهادتهن منفردات، فنصف الغرم على الرجل عند الرجوع، وعلى كل واحدة منهما الربع. وإن زادوا على الاقل، فالمشهود به إما أن يثبت بشهادة النساء وحدهن، أو لا يثبت. فالاول: كما لو شهد أربع نسوة مع رجل في الولادة أو الرضاع، فإن رجعوا جميعا فعلى الرجل ثلث الغرم وعليهن ثلثاه. وإن رجع الرجل وحده ففي غرمه وجهان يأتيان، من حيث بقاء الحجة. وكذا لو رجعت امرأتان. والثاني: وهو ما لا يثبت بشهادة النساء المتمحضات كالاموال، فشهد رجل وأربع نسوة ورجعوا، فوجهان: أحدهما: أن على الرجل ثلث الغرم، وعليهن الثلثان كالاول. والثاني: أن نصف الغرم عليه ونصفه عليهن، لان المال لا يثبت بشهادة النساء وإن كثرن، فنصف الحجة يقوم بالرجل معهن كم كن. وهذا الوجه هو الذي طواه المصنف - رحمه الله - بتردده في الاول.

[ 309 ]

الثاني: لو كان الشهود ثلاثة، ضمن كل واحد منهم الثلث، ولو رجع [ واحد ] منفردا. وربما خطر أنه لا يضمن، لان في الباقي ثبوت الحق، ولا يضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له. والاول اختيار الشيخ رحمه الله. وكذا لو شهد رجل وعشر نسوة، فرجع ثمان منهن، قيل: [ كان ] على كل واحدة نصف السدس، لاشتراكهم في نقل المال. والاشكال فيه كما في الاول. فإذا قلنا بالثاني، فإن رجع النساء فعليهن نصف الغرم. ولو رجعت امرأتان فلا شي عليهما على أحد الوجهين، لبقاء الحجة. ولو رجع الرجل دونهن، فعلى الرجل الثلث على الاول، والنصف على الثاني. ولو رجع النساء دونه فعليهن ثلثاه أو نصفه. وهكذا. قوله: (لو كان الشهود ثلاثة... إلخ). هذا هو القسم الثاني، وهو ما إذا زاد الشهود على الحد المعتبر، كما لو شهد بالمال أو القتل أو العتق ثلاثة، أو بالزنا خمسة، فإن رجع الكل فالغرم موزع عليهم بالسوية. وإن رجع البعض، فإما أن يثبت العدد المعتبر على الشهادة، أو لا يثبت إلا بعضهم. فإن ثبت العدد المعتبر، كما لو رجع من الثلاثة في العتق أو من الخمسة في الزنا واحد، فوجهان: أحدهما - وهو الذي اختاره الشيخ (1) رحمه الله -: أن على الراجع حصته من الغرم إذا وزع عليهم جميعا، لان الحكم وقع بشهادة الجميع، وكل منهم قد

(1) المبسوط 8: 248.

[ 310 ]

فوت قسطا، فيغرم ما فوت. والثاني - وهو الذي أشار (1) المصنف بخطوره -: أنه لا غرم على الراجع، لانه يبقى من يقوم به الحجة، ولو لم يشهد في الابتداء سوى من بقي لاكتفينا بشهادته، وكان الراجع كأن لم يشهد. وعلى هذا لو شهد رجل وعشر نسوة فرجع ثمان منهن، فعلى الاول يجب على كل واحدة نصف السدس، لاشتراكهم جميعا في نقل المال، فيقابل شهادة الرجل السدس وشهادتهن خمسة أسداس، فإذا رجع ثمان فعليهن أربعة أسداس على كل واحدة نصف سدس. وعلى الثاني لا شي عليهن، لبقاء من يقوم به الحجة. وإليه أشار المصنف - رحمه الله - بالاشكال الاول. ولو رجع الرجل دونهن، فإن كان الحق مما يثبت بشهادتهن منفردات فالوجهان. وإن كان مما لا يثبت بهن لم يبق من الشهود ما يثبت به الحكم، فيكون عليه النصف أو السدس على الخلاف. ولو لم يثبت العدد المعتبر على الشهادة، كما إذا رجع من الثلاثة أو الخمسة اثنان، بني على الوجهين في الحالة السابقة. فإن قلنا لا غرم على الراجعين هناك الزائدين على العدد المعتبر وزع الغرم هنا على العدد المعتبر، وحصة من نقص عن العدد توزع على من رجع بالسوية. ففي صورة الثلاثة يكون نصف الغرم على الراجعين، لبقاء نصف الحجة. وفي صورة الخمسة عليهما ربع الغرم، لبقاء ثلاثة أرباع الحجة. وإن أوجبنا الغرم على من رجع هناك فعلى الراجعين من الثلاثة ثلثا الغرم، ومن الخمسة خمساه.

(1) في (أ، ت، د): اختاره.

[ 311 ]

الثالث: لو حكم فقامت بينة بالجرح مطلقا، لم ينقض الحكم، لاحتمال التجدد بعد الحكم. ولو تعين الوقت، وهو متقدم على الشهادة، نقض. ولو كان بعد الشهادة، وقبل الحكم، لم ينقض. والاظهر هنا الثاني، لان البينة إذا نقص عددها زال حكمها، وصار الضمان متعلقا بالاتلاف، وقد استووا فيه. قوله: (لو حكم فقامت... إلخ). إذا حكم الحاكم بشهادة عدلين ثم ثبت جرحهما بعد الحكم، فإن كانت الشهادة بالجرح مطلقة - أي: غير معينة (1) بوقت الجرح - لم ينقض الحكم، لاحتمال أن يكون الجرح متجددا عليه، فيستصحب حكم العدالة إلى أن يثبت المزيل. وإن عين الجارح وقته وكان متقدما على الشهادة نقض، لظهور وقوع الحكم بشهادة فاسقين. ولو كان وقت الجرح بين الشهادة والحكم لم ينقض، لاداء الشهادة حالة العدالة. وهذا يناسب ما ذكره سابقا (2) من أن الفسق المتجدد بعد أداء الشهادة وقبل الحكم لا يمنع من الحكم. وعلى ما اختاره المتأخرون من عدم جواز الحكم يتجه نقضه هنا، لوقوعه في حالة لم يكن الشاهدان عدلين. ويحتمل عدم نقضه هنا مطلقا، لوقوعه حالة الحكم بعدالتهما ظاهرا، فوقع جامعا لشرائطه، فلا ينقض. وبهذا قطع العلامة في القواعد (3)، مع اختياره عدم

(1) في (أ، ت، ط): مبينة لوقت. (2) راجع ص: 294. (3) قواعد الاحكام 2: 247.

[ 312 ]

وإذا نقض الحكم، فإن كان قتلا أو جرحا فلا قود، والدية في بيت المال. ولو كان المباشر للقصاص هو الولي، ففي ضمانه تردد، والاشبه أنه لا يضمن، مع حكم الحاكم وإذنه. ولو قتل بعد الحكم وقبل الاذن ضمن الدية. أما لو كان مالا، فإنه يستعاد إن كانت العين باقية. وإن كانت تالفة، فعلى المشهود له، لانه ضمن بالقبض، بخلاف القصاص. جواز الحكم بتجدد الفسق بعد الاداء وقبل الحكم. ويضعف بأن الاكتفاء في صحة الحكم بظهور العدالة وقته (1) يستلزم صحته وإن ثبت الجرح متقدما على الشهادة، لاشتراكهما في المقتضي. والوجه نقض الحكم على هذا القول، لثبوت فسقهما حالة الحكم المانع منه، كما يمنع منه مع سبقه على الشهادة. قوله: (وإذا نقض الحكم... إلخ). إذا نقض الحكم بظهور مانع في الشهادة سابق على الاداء أو على الحكم على الخلاف، فإن كان المشهود به طلاقا أو عتقا أو عقدا من العقود تبين أنه لا طلاق ولا عتاق ولا عقد. فإن كانت المرأة قد ماتت فقد ماتت وهي زوجة، وإن مات العبد مات وهو رقيق، ويجب ضمانه على ما نذكره في ضمان المال. وإن كان المشهود به قتلا أو قطعا أو حدا واستوفي وتعذر التدارك، فضمانه في بيت المال، لانه من خطاء الحكام، وحكم خطئهم كذلك. ولا فرق بين أن يكون المباشر للفعل هو الولي أو غيره ممن يأمره الحاكم،

(1) كذا في (ت، د)، وفي سائر النسخ: وفيه يستلزم.

[ 313 ]

ولو كان معسرا، قال الشيخ: ضمن الامام، ويرجع به على المحكوم له إذا أيسر. وفيه إشكال من حيث استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده، فلا وجه لضمان الحاكم. لاستناد الفعل إلى الحكم (1) على التقديرين. وفيه وجه آخر يفرق بين ما إذا كان المستوفي هو الولي وغيره، لان استيفاء الولي مستند إلى أخذ حقه الذي تبين عدمه، فيكون كفعله خطاء. والاظهر الاول، لاستناده إلى حكم الحاكم على التقديرين. نعم، لو باشر القتل بعد الحكم وقبل إذن الحاكم له في الاستيفاء تعلق به الضمان، لتوقف جواز استيفائه على إذن الحاكم، وإن كان أصل الحق في ذلك له. ويحتمل عدم الضمان هنا أيضا وإن أثم، لان حكم الحاكم بثبوت الحق اقتضى كونه المستحق، وإن أثم بالمبادرة بدون إذن الحاكم. ولو كان المحكوم به مالا، فإن كان باقيا عند المحكوم له انتزع منه ورد إلى المأخوذ منه. وإن كان تالفا أخذ منه ضمانه، سواء أتلفه بنفسه أم تلف بافة سماوية. وفرقوا بينه وبين الاتلافات السابقة حيث قلنا لا غرم عليه: بأن الاتلافات إنما تضمن إذا وقعت على وجه التعدي، وحكم الحاكم أخرجه عن أن يكون متعديا، وأما المال فإذا حصل في يد الانسان بغير حق كان مضمونا وإن لم يوجد منه تعد. قوله: (ولو كان معسرا... إلخ). حيث قلنا بأن المال مضمون على المحكوم له مطلقا، فإن كان موسرا غرم

(1) في الحجريتين: الحاكم.

[ 314 ]

مسائل: الاولى: إذا شهد اثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه وقيمته الثلث، وشهد اخران أو الورثة أن العتق لغيره وقيمته الثلث، فإن قلنا: المنجزات من الاصل عتقا. وإن قلنا: تخرج من الثلث، فقد انعتق أحدهما. فإن عرفنا السابق، صح عتقه، وبطل الاخر. وإن جهل استخرج بالقرعة. ولو اتفق عتقهما في حالة [ واحدة ]، قال الشيخ: يقرع بينهما ويعتق المقروع. ولو اختلفت قيمتهما، أعتق المقروع. فإن كان بقدر الثلث صح، وبطل الاخر. وإن كان أزيد صح العتق منه في القدر الذي يحتمله الثلث. وإن نقص، أكملنا الثلث من الاخر. الحق. وإن كان معسرا قال الشيخ في المبسوط (1): ضمن الامام حتى يوسر المعسر فيرجع عليه. وعلى هذا فيتخير المضمون له بين رجوعه على الحاكم أو على المحكوم له المعسر، بأن ينظره إلى يساره. ومثله ما لو كان المحكوم له غائبا، ولا مال له حاضرا يتسلط عليه الحاكم. والمصنف - رحمه الله - استشكل ذلك، من حيث الحكم بضمان المحكوم له، والحال أنه لا تقصير من الحاكم، فلا وجه لضمانه. والاقوى استقرار الضمان على المشهود له، وينظر إلى يساره أو التمكن من الاستيفاء منه. قوله: (إذا شهد اثنان... إلخ).

(1) المبسوط 8: 250.

[ 315 ]

من الاصول الممهدة أن المريض مرض الموت إذا أعتق عبدين كل واحد منهما ثلث ماله على الترتيب، ولم يجز الورثة، ينحصر العتق في الاول. وإذا أعتقهما معا يقرع بينهما، كما فعل النبي (1) صلى الله عليه وآله بالعبيد الذين أعتقهم الانصاري ولا يملك سواهم. ولو علم سبق أحدهما ولم يعلم عين السابق فوجهان: أحدهما: أنه يقرع كما لو أعتقهما معا، لان معرفة السبق من غير معرفة السابق لا تنفع شيئا. والثاني: أنه يعتق من كل واحد نصفه، لانا لو أقرعنا لم نأمن خروج الرق على السابق وللسابق حق الحرية، فيلزم منه إرقاق حر وتحرير رقيق. إذا تقرر ذلك، فلو قامت بينة على أن المريض أعتق سالما، وأخرى على أنه أعتق غانما، من غير أن تتعرض إحداهما لنفي عتق الاخر، وكل واحد منهما ثلث ماله، فإن أرختا بتاريخين مختلفين عتق من أعتقه أولا. وإن أرختا بتاريخ واحد أقرع بينهما. وإن أطلقت إحداهما أو أطلقتا احتمل السبق والمعية، فيجي فيه الوجهان السابقان. والشيخ (2) - رحمه الله - اختار القرعة. وهو حسن، لانها لكل أمر مشتبه. والمصنف - رحمه الله - نسب القول إليه مؤذنا برده. ووجهه: أنها لاستخراج السابق، ومن المحتمل اقترانهما، فلا يكون أحدهما أولى من الاخر، فيعتق من كل واحد نصفه.

(1) مسند أحمد 4: 426، صحيح مسلم 3: 1288 ح 56، سنن أبي داود 4: 28 ح 3958، سنن البيهقي 10: 285. (2) المبسوط 8: 253.

[ 316 ]

وفيه: أن القرعة قد وردت في العتق مع الاقتران كما ذكرناه، وهي وجه الاولوية. ويتفرع على القولين ما لو قامت البينتان كذلك، لكن أحد العبدين سدس المال، فإن قلنا بالقرعة وخرجت للعبد الخسيس عتق، وعتق معه نصف الاخر ليكمل الثلث. وإن خرجت للنفيس انحصر العتق فيه. فإن قلنا هناك يعتق من كل واحد نصفه فهنا وجهان: أحدهما: أنه يعتق من كل واحد ثلثاه، لان ما زاد على الثلث من التبرع ينسب إلى جميع التبرع، وينقص بتلك النسبة من كل واحد منهم، وإذا نسبنا الزائد على الثلث - وهو السدس هنا - إلى جميع التبرع - وهو النصف - كان ثلثه، فيرد العتق في ثلث كل واحد منهما، وينفذ في ثلثيه. والثاني: أنه يعتق من النفيس ثلاثة أرباعه، ومن الخسيس نصفه، لانه إن سبق إعتاق النفيس فجميعه حر، وإن سبق إعتاق الاخر فنصفه حر، فنصفه على التقديرين حر، وإنما النزاع والازدحام في النصف الثاني وهو قدر سدس المال، فيقسم بينهما، فيعتق من النفيس ربعه، ومن الخسيس نصفه. ونبه المصنف - رحمه الله - بقوله: (وشهد آخران أو الورثة أن العتق لغيره) على أنه لا فرق هنا بين شهادة الوارث وغيره، إذ لا تهمة للوارث تمنع شهادته هنا، وإن كانت واردة في غير هذه الصورة، كما سيأتي (1) فيما لو شهدوا بالرجوع عن الاول.

(1) في الصفحة التالية.

[ 317 ]

الثانية: إذا شهد شاهدان بالوصية لزيد، وشهد من ورثته عدلان أنه رجع عن ذلك وأوصى لخالد، قال الشيخ: تقبل شهادة الرجوع، لانهما لا يجران نفعا. وفيه إشكال، من حيث إن المال يؤخذ من يدهما، فهما غريما المدعي. ويزيد الورثة عن الاجانب أنه لا يشترط هنا كونهم عدولا، لان شهادتهم بعتق الثاني مع عدم تعرضهم للاول بمنزلة الاقرار بعتقه، مضافا إلى ما ثبت بالبينة. نعم، يشترط كون الشاهد جميع الورثة، كما يرشد إليه قول المصنف - رحمه الله -: (أو الورثة). وقال في المسألة الثانية: (وشهد من ورثته عدلان). ولو كانوا عدولا كفى منهم اثنان كالاجانب. قوله: (إذا شهد شاهدان... إلخ). لا فرق في شهود العتق والوصية بين أن يكونوا أجانب أو وارثين في اعتبار عدم التهمة، فكما أن الاجنبي قد يجر نفعا إلى نفسه بشهادته كما في الصور المتقدمة في محلها، فكذلك الوارث، فلا تقبل شهادته. ويزيد الوارث أن شهادته على تقدير ردها قد تتضمن إقرارا للمشهود له فيؤاخذ بها. فلو شهد أجنبيان أنه أوصى بوصية لزيد، ولنفرضها كالاولى عتق سالم، وهو ثلث ماله، وشهد وارثان عدلان أنه رجع عن تلك الوصية وأوصى بعتق غانم، وهو ثلث ماله أيضا، قبلت شهادتهما على الرجوع عن الوصية الاولى، وتثبت بهما الوصية الثانية، لانهما أثبتا للمرجوع عنه بدلا يساويه، فارتفعت التهمة. ولا نظر إلى تبديل المال وخواصه، فقد يكون الثاني أصلح من الاول. ومجرد هذا الاحتمال لو أثر لما قبلت شهادة قريب لقريب يرثه.

[ 318 ]

الثالثة: إذا شهد شاهدان لزيد بالوصية، وشهد شاهد بالرجوع، وأنه أوصى لعمرو، كان لعمرو أن يحلف مع شاهده، لان شهادته منفردة لا تعارض الاولى. هذا هو الذي اختاره الشيخ - رحمه الله - في المبسوط (1) في فصل الرجوع. والمصنف - رحمه الله - استشكل ذلك. والعلامة (2) - رحمه الله - رجح عدم القبول، لما أشار إليه المصنف - رحمه الله - من التعليل، وهو أنه ينتزع المال من يده، فهو غريم للموصى له الاول، فهو كما لو شهد ذو اليد بما في يده لغيره بعد إقامة آخر البينة أنه له، فإنها لا تسمع، وإن كان بين المثالين فرق قليل، وهو أن الدعوى في المتنازع ليست متمحضة على الوارث، بخلاف المال. وإنما اعتبر كون الورثة عدلين ليثبت بهما الرجوع على تقديره، فإنهما لو كانا فاسقين لم يثبت بقولهما الرجوع، ويحكم بالاولى بشهادة الاجنبيين (3)، لان الثلث يحتملها كما هو المفروض، ويصح من الثانية قدر ما يحتمله ثلث الباقي (4) من المال بعد الاول. وبهذا افترق حكم العدالة وعدمها في هذه المسألة والسابقة، لان الوارث لو لم يتعرض للسابقة كان الحكم كالمسألة الاولى. قوله: (إذا شهد شاهدان لزيد... إلخ). لما تقدم في باب القضاء (5) أن الشاهد مع اليمين لا يعارض الشاهدين، بل يقدم الشاهدان مع التعارض، نبه هنا على دفع توهم أنه مع شهادة شاهدين

(1) المبسوط 8: 251 - 252. (2) قواعد الاحكام 2: 230. (3) في (ث، خ، ط): الاجنبي. (4) كذا في (خ، ص، م)، وفي سائر النسخ: الثاني. (5) في ص: 89.

[ 319 ]

الرابعة: لو أوصى بوصيتين منفردتين، فشهد آخران أنه رجع عن إحداهما، قال الشيخ: لا يقبل، لعدم التعيين، فهي كما لو شهدت بدار لزيد أو عمرو. بالوصية لزيد بعين، وشهادة واحد بالرجوع عنها وأنه أوصى بها لعمرو، من ذلك القبيل وأنه يقدم الشاهدان، فنبه على ما به يندفع الوهم، وأنه يحكم هنا بالشاهد واليمين، لانه لا تعارض بين الشاهدين وبينه، لان الشاهد يشهد بأمر آخر غير ما شهد به الشاهدان، ويصدق الشاهدين على ما شهدا به، ولكن يدعي الرجوع عما شهدا به وأنه أوصى لغيره فيقدم، لعدم التعارض، ويعمل بكل منهما في مورده، ويحكم ببطلان الوصية الاولى بالرجوع عنها. قوله: (لو أوصى بوصيتين... إلخ). وجه ما اختاره الشيخ (1) من البطلان أن الابهام يمنع [ من ] (2) قبول الشهادة، كما لو شهدا بأنه أوصى لاحد هذين، أو شهدا بدار لزيد أو عمرو. ونسب الحكم إلى الشيخ مؤذنا بعدم ترجيحه. ووراء قول الشيخ وجهان آخران: أحدهما: القرعة، لانه أمر مشكل، والمستحق في نفس الامر أحدهما، ونسبتهما إليه على السواء، وقد تعذر علمه بموت الموصي، وكل أمر مشكل فيه القرعة. والثاني: القسمة بينهما، لانه مال قد انحصر فيهما، ونسبتهما إليه على السواء، فيقسم بينهما، ويجعل كأنه رد وصية كل واحد إلى نصفها. والقرعة لا تخلو من قوة.

(1) المبسوط 8: 253. (2) من (خ).

[ 320 ]

الخامسة: إذا ادعى العبد العتق، وأقام بينة تفتقر إلى البحث، وسأل التفريق حتى تثبت التزكية، قال في المبسوط: يفرق. وكذا قال: لو أقام مدعي المال شاهدا واحدا، وادعى أن له آخر، وسأل حبس الغريم، لانه متمكن من إثبات حقه باليمين. وفي الكل إشكال، لانه تعجيل العقوبة قبل ثبوت الدعوى. قوله: (إذا ادعى العبد العتق... إلخ). وجه ما ذهب إليه الشيخ (1) أن العبد قد فعل الواجب عليه حيث [ قد ] (2) أتى ببينة كاملة، وليس عليه البحث عن حالها، لان الظاهر العدالة حتى يثبت الجرح، وإنما البحث وظيفة الحاكم. ولان المدعي ربما كان أمة، فلولا التفرقة لم يؤمن أن يواقعها، وهو ضرر عظيم. وأما مقيم شاهد واحد بالمال، فلانه يتمكن من إثبات حقه باليمين، إذ هما حجة في الاموال، فكان الشاهد الواحد في معنى الحجة الكاملة. والمصنف - رحمه الله - استشكل الحكم في الموضعين، من حيث إن التفرقة بين المالك ظاهرا وماله قبل أن يثبت خروجه عن ملكه، وتعجيل الحبس عقوبة لم يثبت موجبها. ودعوى أنه أتى ببينة كاملة في الاول مبني على مذهب الشيخ من أن الاصل في المسلم العدالة، وبحث الحاكم عن التزكية للاستظهار. وعلى المشهور من اشتراط ظهور العدالة لا يسلم كمال البينة قبل التزكية، بل يمنع من كماليتها على مذهبه أيضا، فإن ظاهر هذا المذهب أن للحاكم أن يبحث عن التزكية

(1) المبسوط 8: 254. (2) من (ط، م).

[ 321 ]

ويرجئ الحكم إلى أن يظهر، وحينئذ فلا تكون كاملة على هذا التقدير. وقد تقدم (1) البحث فيه. وحينئذ فلا مانع من تمكين المولى من وطي الامة قبل الثبوت، لانها ملكه ظاهرا، والناس مسلطون على أموالهم إلى أن يثبت خلافه. وأما مع إقامة الشاهد الواحد قبل اليمين فعدم الكمال أوضح، لانه متمكن من إثبات حقه بالحلف ولم يفعل، فلا وجه للحبس قبل ثبوت الحق. وإنما قيد المصنف الشاهد بالمال ليمكن إثباته معجلا باليمين، فيكون في قوة البينة الكاملة. فلو كان الحق مما لا يثبت إلا بشاهدين - كالطلاق - لم يحبس، لعدم كمال البينة حينئذ. كذا نص عليه الشيخ (2)، وذكر فيه احتمالا بالحبس أيضا. وربما قيل بجواز الحبس إن رآه الحاكم صلاحا. ولا بأس به، لانها مسألة اجتهادية، فتناط برأي (3) الحاكم.

(1) في ج 13: 386. (2) المبسوط 8: 255. (3) في (أ، ث): بنظر.

[ 323 ]

كتاب الحدود والتعزيرات

[ 325 ]

كتاب الحدود والتعزيرات قوله: (كتاب الحدود والتعزيرات) الحدود جمع حد. وهو لغة: المنع. ومنه أخذ الحد الشرعي، لكونه ذريعة إلى منع الناس عن فعل موجبه خشية من قوعه. وشرعا: عقوبة خاصة تتعلق بإيلام البدن، بواسطة تلبس المكلف بمعصية خاصة، عين الشارع كميتها في جميع أفراده. والتعزير لغة: التأديب. وشرعا: عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا. والاصل فيهما الكتاب والسنة والاجماع، وتفاصيله في الايات والاخبار كثيرة، لكثرة أفراده. واعلم أن الزنا من المحرمات الكبائر، قال الله تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) (1). وقال تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) (2). وأجمع أهل الملل على تحريمه حفظا للنسب. وقد كان الواجب به في صدر الاسلام الحبس والايذاء، على ما قال تعالى: (واللا تي يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله تعالى: (وا للذان يأتيانها منكم فاذوهما) (3). وظاهر الايات أن الحبس كان في حق النساء، والايذاء في حق الرجال، ثم استقر الامر على الحدود المفصلة فيما سيأتي.

(1) الاسراء: 32. (2) الفرقان: 68 - 69. (3) النساء: 15 - 16.

[ 326 ]

كل ما له عقوبة مقدرة يسمى: حدا. وما ليس كذلك يسمى: تعزيرا. وأسباب الاول ستة: الزنا، وما يتبعه، والقذف، والسرقة، وشرب الخمر، وقطع الطريق. قوله: (كل ما له عقوبة... إلخ). تقدير الحد شرعا واقع في جميع أفراده، كما أشرنا إليه سابقا. وأما التعزير فالاصل فيه عدم التقدير، والاغلب في أفراده كذلك، لكن قد وردت الروايات بتقدير بعض أفراده، وذلك في خمسة مواضع: الاول: تعزير المجامع زوجته في نهار رمضان، مقدر بخمسة وعشرين سوطا. الثاني: من تزوج أمة على حرة ودخل بها قبل الاذن، ضرب اثنا عشر سوطا ونصفا، ثمن حد الزاني. الثالث: المجتمعان تحت إزار واحد مجردين، مقدر بثلاثين إلى تسعة وتسعين على قول. الرابع: من افتض بكرا بإصبعه قال الشيخ (1): يجلد من ثلاثين إلى سبعة وسبعين. وقال المفيد (2): من ثلاثين إلى ثمانين. وقال ابن إدريس (3): من ثلاثين إلى تسعة وتسعين. الخامس: الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد أو إزار مجردين،

(1) النهاية: 699، وفيه: تسعة وتسعين، ولم نجده في سائر كتبه. وفي الجواهر (41: 371) نقلا عن الشيخ: سبعة وتسعين. (2) المقنعة: 785. (3) السرائر 3: 449.

[ 327 ]

والثاني أربعة: البغي، والردة، وإتيان البهيمة، وارتكاب ما سوى ذلك من المحارم. فلنفرد لكل قسم بابا، عدا ما يتداخل أو سبق. يعزران من عشرة إلى تسعة وتسعين. قاله المفيد (1). وأطلق الشيخ (2) التعزير. وقال في الخلاف (3): روى أصحابنا فيه الحد. ولقائل أن يقول ليس من هذه مقدر سوى الاول (4)، والباقي يرجع فيما بين الطرفين إلى رأي الحاكم، كما يرجع إليه في تقدير غيره، وإن لم يتحدد في طرفيه بما ذكر. قوله: (والثاني أربعة... إلخ). جعل عقوبة الباغي - وهو المحارب ومن في معناه - والمرتد تعزيرا غير معهود (5)، والمعروف بين الفقهاء تسميته حدا. ولا ينافي كون الحد مقدرا، لان القتل أيضا مقدر بإزهاق الروح، إما مطلقا أو على وجه مخصوص. وجعل ارتكاب المحارم قسيما للثلاثة، نظرا إلى أن الثلاثة الاول منصوصة بخصوصها من الشارع، والرابع داخل من حيث العموم. والاولى جعل سبب التعزير أمرا واحدا، وهو ارتكاب المحرم الذي لم ينصب الشارع له حدا مخصوصا.

(1) المقنعة: 774. (2) النهاية: 689 - 690. (3) الخلاف 5: 373 مسألة (9). (4) في (ث): الاولين. (5) في الحجريتين: معروف.

[ 328 ]

الباب الاول في حد الزنا والنظر في: الموجب، والحد، واللواحق أما الموجب: فهو إيلاج الانسان ذكره، في فرج امرأة محرمة، من غير عقد ولا ملك ولا شبهة. ويتحقق ذلك بغيبوبة الحشفة، قبلا أو دبرا. ويشترط في تعلق الحد: العلم بالتحريم، والاختيار، والبلوغ. وفي تعلق الرجم - مضافا إلى ذلك -: الاحصان. ولو تزوج محرمة: كالام، والمرضعة، والمحصنة، وزوجة الولد، و [ زوجة ] الاب، فوطئ مع الجهل بالتحريم فلا حد. قوله: (أما الموجب... إلخ). هذا تعريف لمطلق الزنا الموجب للحد في الجملة. ويدخل في الانسان الكبير والصغير والعاقل والمجنون، فلو زاد فيه: المكلف، كان أجود. ويمكن تكلف إخراجها بقوله: (في فرج امرأة محرمة) فإنه لا تحريم في حقهما. وكذا يدخل فيه المختار والمكره. ويجب إخراج المكره، إلا أن يخرج بما خرج به الاولان. وكذا يدخل الذكر والخنثى. لكن يمكن إخراج الخنثى بقوله: (ذكره) فإن ذكر الخنثى ليس بحقيقي، لعدم مبادرة المعنى عند إطلاقه إليه، وجواز سلبه عنه. ومن جعله ذكرا حقيقيا زاد بعد قوله (ذكره): الاصلي يقينا، لاخراج ما للخنثى المشكل. وكذا القول في إخراج الخنثى من قوله: (في فرج امرأة) فإن الخنثى خرجت بقوله: (امرأة). ومنهم من لم يخرجها بها، وزاد قوله: أصلي يقينا.

[ 329 ]

ولا ينهض العقد بانفراده شبهة في سقوط الحد. ولو استأجرها للوط، لم يسقط بمجرده. ولو توهم الحل به سقط. وكذا يسقط في كل موضع يتوهم الحل، كمن وجد على فراشه امرأة، فظنها زوجته فوطئها. وكما يتحقق ذلك بغيبوبة الحشفة، يتحقق بغيبوبة قدرها من مقطوعها. ولو قال: بغيبوبة قدر الحشفة، لشمل الامرين. والمراد بالمحرمة تحريما أصليا لتخرج المحرمة بالعرض، كزوجته الحائض والمحرمة والصائمة، فلا حد بوطيها، وإن استحق التعزير لفعل المحرم. قوله: (ولا ينهض العقد... إلخ). ضابط الشبهة المسقطة للحد توهم الفاعل أو المفعول أن ذلك الفعل سائغ له، لعموم: (ادرؤا الحدود بالشبهات) (1) لا مجرد وقوع الخلاف فيه مع اعتقاده تحريمه. فإذا عقد على امرأة لا تحل له بالعقد ووطئها بذلك العقد لم يكف ذلك في سقوط الحد، لانه عقد فاسد فلا يورث شبهة، كما لو اشترى حرة فوطئها أو خمرا فشربها. ولانه لو كان شبهة لثبت به النسب، ولا يثبت باتفاق الخصم. وكذا لو استأجرها للوطي، خلافا لابي حنيفة (2) في الموضعين، حيث أسقط الحد عنه بمجرد العقد وإن كان عالما بتحريمه، وإن كان العقد على الام. نعم، لو توهم الحل بذلك كان شبهة من حيث الوهم تسقط الحد، كما يسقط بغيرها من أنواع الشبهة وإن لم يكن هناك عقد.

(1) الفقيه 4: 53 ح 190، الوسائل 18: 336 ب (24) من أبواب مقدمات الحدود ح 4. (2) اللباب في شرح الكتاب 3: 191، الحاوي الكبير 13: 217 - 218، روضة القضاة 4: 1301 رقم (79211)، حلية العلماء 8: 15، بدائع الصنائع 7: 35، تبيين الحقائق 3: 179 - 180، المبسوط للسرخسي 9: 58 و 85.

[ 330 ]

ولو تشبهت له [ فوطئها ]، فعليها الحد دونه. وفي رواية يقام عليها الحد جهرا، وعليه سرا. وهي متروكة. وكذا يسقط لو أباحته نفسها، فتوهم الحل. ويسقط الحد مع الاكراه. وهو يتحقق في طرف المرأة قطعا. وفي تحققه في طرف الرجل تردد، والاشبه إمكانه، لما يعرض من ميل الطبع المزجور بالشرع. قوله: (ولو تشبهت له فعليها الحد... إلخ). أما وجوب الحد عليها دونه فلاختصاصها بالزنا، فتختص بالحد. والرواية التي أشار إليها رويت بطريق ضعيف يشتمل على مجاهيل: (إن امرأة تشبهت بأمة رجل فواقعها على أنها أمته، فرفع إلى عمر فأرسل إلى علي عليه السلام فقال: حدها جهرا، وحده سرا) (1). وعمل بمضمونها القاضي (2)، واقتصر الشيخان (3) على ذكرها بطريق الرواية. والاصح عدم الحد عليه مطلقا، للشبهة، وأصالة البرأة، وضعف مستند الثبوت. قوله: (ويسقط الحد مع الاكراه... إلخ). الاكراه يسقط [ به ] (4) أثر التحريم عن المكره إجماعا، حذرا من تكليف ما لا يطاق، وعموم قوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي الخطاء، والنسيان، وما

(1) الكافي 7: 262 ح 13، التهذيب 10: 47 ح 169، الوسائل 18: 409 ب (38) من أبواب حد الزنا. (2) المهذب 2: 524. (3) المقنعة: 784، النهاية: 699. (4) من (أ، م).

[ 331 ]

ويثبت للمكرهة على الواطئ مثل مهر نسائها، على الاظهر. استكرهوا عليه) (1). والمراد رفع حكمها أو المؤاخذة عليها. والاكراه على الزنا يتحقق في طرف المرأة إجماعا. وأما في طرف الرجل فقيل: لا يتحقق، لان الاكراه يمنع من انتشار العضو وانبعاث القوى، لتوقفهما على الميل النفساني المنافي لانصراف النفس عن الفعل. والاظهر إمكانه، لان الانتشار يحدث عن الشهوة، وهو أمر طبيعي لا ينافيها تحريم الشرع. وعلى كل حال لا حد، لانه شبهة والحد يدرأ بالشبهة. قوله: (ويثبت للمكرهة... إلخ). هذا هو المشهور بين الاصحاب، بل لم يذكر كثير منهم فيه خلافا، لان مهر المثل عوض البضع إذا كان محترما عاريا عن المهر، كقيمة المتلف (2) من المال، والبضع وإن لم يضمن بالفوات لكنه يضمن بالتفويت والاستيفاء، لانها (3) ليست بغيا، والنهي عن مهر البغي يدل على ثبوته لغيرها. والقول بعدم ثبوت المهر للشيخ في موضع من الخلاف (4)، محتجا عليه بنهي النبي صلى الله عليه وآله عن مهر البغي (5). قال: (والبغي: الزانية). وهو - كما قال ابن إدريس (6) - استدلال عجيب. وأوجبه في موضع آخر من

(1) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى: 74 ح 159، الوسائل 16: 144 ب (16) من أبواب كتاب الايمان ح 5. (2) في (خ، د، ط): المتلف المالي. (3) في (ت، ط، م): ولانها. (4) الخلاف 3: 404 مسألة (16)، وج 5: 393 مسألة (36). (5) الخصال: 417 ح 10، الوسائل 12: 64 ب (5) من أبواب ما يكتسب به ح 13. وانظر مسند أحمد 1: 356، سنن ابن ماجة 2: 730 ح 2159، سنن أبي داود 3: 267 ح 3428، سنن الترمذي 3: 439 ح 1133 سنن النسائي 7: 189، سنن البيهقي 6: 6. (6) السرائر 3: 436.

[ 332 ]

ولا يثبت الاحصان الذي يجب معه الرجم، حتى يكون الواطئ بالغا حرا، ويطاء في فرج مملوك بالعقد الدائم أو الرق، متمكن منه يغدو عليه ويروح. وفي رواية مهجورة: دون مسافة التقصير. وفي اعتبار كمال العقل خلاف، فلو وطئ المجنون عاقلة، وجب عليه الحد رجما أو جلدا. هذا اختيار الشيخين رحمهما الله. وفيه تردد. الخلاف (1)، وكذلك في المبسوط (2)، فلذلك لم يعدها كثير من مسائل الخلاف. قوله: (ولا يثبت الاحصان.. إلخ). الاحصان والتحصين في اللغة المنع، قال تعالى: (لتحصنكم من بأسكم) (3). وقال تعالى: (في قرى محصنة) (4). وورد في الشرع بمعنى الاسلام، وبمعنى البلوغ والعقل. وكل منهما قد قيل في تفسير قوله تعالى: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة) (5). وبمعنى الحرية، ومنه قوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (6) يعني: الحرائر. وبمعنى التزويج، ومنه قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) (7). يعني: المنكوحات. وبمعنى العفة عن الزنا، ومنه قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) (8). وبمعنى الاصابة في النكاح، ومنه قوله تعالى: (محصنين غير مسافحين) (9).

(1) الخلاف 5: 257 مسألة (67). (2) المبسوط 3: 73. (3) الانبياء: 80. (4) الحشر: 14. (5) النساء: 25 و 24. (6) النساء: 25 و 24. (7) النساء: 25 و 24. (8) النور: 4. (9) المائدة: 5.

[ 333 ]

ويقال: أحصنت المرأة عفت، وأحصنها زوجها فهي محصنة، وأحصن الرجل تزوج. ويعتبر في الاحصان المعتبر لوجوب الرجم بالزنا أمور: أحدها: البلوغ. فالصبي ليس بمحصن، ولا حد عليه، لان فعله ليس بجناية حتى يناط به عقوبة. والاظهر أن المجنون كذلك، لاشتراكهما في العلة. فيشترط البلوغ والعقل، ويجمعهما التكليف. فلو وطئ المجنون فلا حد عليه رجما ولا جلدا، لعدم التكليف الذي هو مناط الحدود على المعاصي. وذهب الشيخان (1) وجماعة (2) إلى وجوب الحد على المجنون، وتحقق الاحصان منه، فيثبت عليه الرجم معه والجلد بدونه، استنادا إلى رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام قال: (إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، وإن كان محصنا رجم، قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المرأة إنما تؤتى، والرجل إنما يأتي، وإنما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذة، وإن المرأة إنما تستكره ويفعل بها، وهي لا تعقل ما يفعل بها) (3). وهذه الرواية ظاهرة في كون الفاعل غير مجنون، وإن كان صدرها قد تضمن حكم المجنون، فتحمل على مجنون يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصينه (4)، لتناسب العلة التي ذكرها في الرواية.

(1) المقنعة: 779، النهاية: 696. (2) المقنع: 436. (3) الكافي 7: 192 ح 3، التهذيب 10: 19 ح 56، الوسائل 18: 388 ب (21) من أبواب حد الزنا ح 2. (4) في (ت، د، ط، م): تحصيله.

[ 334 ]

وثانيها: الحرية. فالرقيق ليس بمحصن، ولا يرجم بالزنا وإن أصاب في نكاح صحيح. ويستوي في ذلك القن والمدبر والمكاتب ومن بعضه رقيق. قيل: والوجه في اعتبار الحرية أن العقوبة تتغلظ بتغلظ الجناية، والحرية تغلظ الجناية من وجهين: أحدهما: أنها تمنع من الفواحش، لانها صفة كمال وشرف، والشريف يصون نفسه عما يدنس عرضه، والرقيق مبتذل مهان لا يتحاشى عما يتحاشى منه الحر. والثاني: أنها توسع طريق الحلال، ألا ترى أن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد، ولا ينكح إلا امرأتين، بخلاف الحر، ومن ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال عليه كانت جنايته أغلظ. وثالثها: الاصابة في نكاح صحيح. قيل: والمعنى في اعتبارها أن الشهوة مركبة في النفوس، فإذا أصاب في النكاح فقد نال اللذة وقضى الشهوة، فحقه أن يمتنع عن الحرام. وأيضا فإن الاصابة تكمل طريق الحلال، من حيث إن النكاح قبل الدخول يبين بالطلقة الواحدة وبمجرد اختلاف الدين، وبعد الدخول بخلافه. وأيضا فإنه إذا أصاب امرأته فقد أكد استفراشها، فلو لطخ غيره فراشه عظمت وحشته وأذيته، فحقه أن يمتنع من تلطيخ فراش الغير، فإذا لم يمتنع تغلظت الجناية. ويكفي في الاصابة تغيب الحشفة. ولا يشترط الانزال. ولا يقدح وقوعها في حالة محرمة بالعرض كالحيض والاحرام. ولا فرق في الموطؤة التي يحصل

[ 335 ]

بها الاحصان بين الحرة والامة عندنا، لاشتراكهما في المقتضي (1) المذكور للانسان. واحترز بالعقد الدائم عن المنقطع، فإنه لا يحصن. و [ قد ] (2) يدل على الامرين معا موثقة إسحاق بن عمار قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة يطؤها، تحصنه الامة وتكون عنده؟ فقال: نعم، إنما ذلك لان عنده ما يغنيه عن الزنا، قلت: فإن كانت عنده أمة زعم أنه يطؤها، فقال: لا يصدق، قلت: فإن كانت عنده امرأة متعة أتحصنه؟ قال: لا إنما هو على الشي الدائم عنده) (3). وغيرها من الاخبار (4) الكثيرة. وذهب جماعة من أصحابنا - منهم ابن الجنيد (5) وابن أبي عقيل (6) وسلا ر (7) - إلى أن ملك اليمين لا يحصن، لصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام قال: (وكما لا تحصن الامة والنصرانية واليهودية إذا زنى بحرة، فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إن زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرة) (8).

(1) في (ث): الاقتضاء. (2) من الحجريتين. (3) الكافي 7: 178 ح 1، التهذيب 10: 11 ح 26، الاستبصار 4: 204 ح 763، الوسائل 18: 352 ب (22) من أبواب حد الزنا ح 2. (4) راجع الوسائل 18: 351 ب (2) من أبواب حد الزنا. (5) حكاه عنهما العلامة في المختلف: 757. (6) حكاه عنهما العلامة في المختلف: 757. (7) انظر المراسم: 252، فقد نسب حصول الاحصان به إلى الرواية. (8) الفقيه 4: 25 ح 59، التهذيب 10: 13 ح 31، الاستبصار 4: 205 ح 768، الوسائل 18: 354 الباب المتقدم ح 9.

[ 336 ]

ورواية الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: (لا يحصن الحر المملوكة، ولا المملوك الحرة) (1). ولان ملك اليمين لا يقصد به اكتساب الحل، ولذلك يصح شراء من لا تحل له، فلا تكون الاصابة فيه كالاصابة في النكاح. وأجاب الشيخ (2) عن الرواية الاولى بحملها على ما إذا كانوا عنده على سبيل المتعة، فلهذا حكم بأنهن لا يحصنه. وعن الثانية بأنها لا دلالة فيها، لان مقتضاها أن الحر لا يحصن الامة، حتى إذا زنت وجب عليها الرجم كما لو كانت تحته حرة، لان حد المملوك والمملوكة خمسون جلدة، ولا رجم عليهما. ورابعها: أن يكون متمكنا من الفرج يغدو عليه ويروح، بمعنى القدرة عليه في أي وقت أراده مما يصلح لذلك، والغدو والرواح كناية عنه. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ في النهاية (3)، فقال: (أن يكون له فرج يتمكن من وطئه). ويحتمل اعتبار حقيقته، بمعنى التمكن منه أول النهار وآخره، فلو كان بعيدا عنه لا يتمكن من الغدو عليه والرواح، أو محبوسا لا يتمكن من الوصول إليه، خرج عن الاحصان. ويدل على اعتبار ذلك صحيحة ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قلت له: ما المحصن رحمك الله؟ قال: من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن) (4).

(1) التهذيب 10: 12 ح 30، الاستبصار 4: 205 ح 767، - الوسائل 18: 253 الباب المتقدم ح 7. (2) التهذيب 10: 12 و 13، ذيل ح 30 و 31، الاستبصار 4: 205 ذيل ح 767 و 768. (3) النهاية: 693. (4) الكافي 7: 179 ح 10، التهذيب 10: 12 ح 28، الاستبصار 4: 204 ح 765، الوسائل 18: 351 ب (2) من أبواب حد الزنا ح 1.

[ 337 ]

ويسقط الحد بادعاء الزوجية، ولا يكلف المدعي بينة ولا يمينا. وكذا بدعوى ما يصلح شبهة بالنظر إلى المدعي. وفي حسنة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل محبوس في السجن وله امرأة حرة في بيته في المصر وهو لا يصل إليها، فزنى في السجن، فقال: عليه الجلد، ويدرأ عنه الرجم) (1). والرواية المهجورة التي أشار إليها المصنف - رحمه الله - الدالة على اعتبار قصور المسافة عن مسافة التقصير رواها عمر بن يزيد قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الغائب عن أهله يزني، هل يرجم إذا كان له زوجة وهو غائب عنها؟ قال: لا يرجم الغائب، ولا المملك الذي لم يبن بأهله، ولا صاحب المتعة، قلت: ففي أي حد سفره لا يكون محصنا؟ قال: إذا قصر وأفطر فليس بمحصن) (2). وفي مرفوعة أخرى عن محمد بن الحسين قال: (الحد في السفر الذي إن زنى لم يرجم إذا كان محصنا إذا قصر وأفطر) (3). وفي طريق الرواية الاولى جهالة. والثانية موقوفة (4)، فلذلك كانت مهجورة في العمل بمضمونها. قوله: (ويسقط الحد... إلخ).

(1) الكافي 7: 179 ح 12، التهذيب 10: 15 ح 39، الوسائل 18: 355 ب (3) من أبواب حد الزنا ح 2. (2) الكافي 7: 179 ح 13، التهذيب 10: 13 ح 32، الاستبصار 4: 205 ح 769، الوسائل 18: 356 ب (4) من أبواب حد الزنا ح 1. (3) الكافي 7: 179 ح 11، الفقيه 4: 29 ح 74، الوسائل 18: 356 الباب المتقدم ح 2. (4) في (خ): مرفوعة.

[ 338 ]

والاحصان في المرأة كالاحصان في الرجل، لكن يراعى فيها كمال العقل إجماعا. فلا رجم ولا حد على مجنونة في حال الزنا، ولو كانت محصنة، وإن زنى بها العاقل. ولا تخرج المطلقة رجعية عن الاحصان. ولو تزوجت عالمة، كان عليها الحد تاما. وكذا الزوج إن علم التحريم والعدة. ولو جهل فلا حد. ولو كان أحدهما عالما، حد حدا تاما، دون الجاهل. ولو ادعى أحدهما الجهالة قبل، إذا كان ممكنا في حقه. وتخرج بالطلاق البائن عن الاحصان. إنما يسقط الحد عنه بمجرد الدعوى وإن لم يثبت الزوجية، لان دعواه شبهة في الحل، والحد يدرأ بالشبهة. ومثله ما لو ادعى شراء الامة من مالكها وإن لم يثبت ذلك. ولا يسقط فيه من أحكام الوطي سوى الحد. فلو كانت أمة فعليه لمولاها العقر، أو حرة مكرهة فمهر المثل إن لم يثبت استحقاق الوطي. قوله: (والاحصان في المرأة... إلخ). بمعنى اشتراط كونها مكلفة حرة، موطؤة بالعقد الدائم، متمكنة من الزوج بحيث يغدو عليها ويروح. ويشكل الحكم في القيد الاخير، من حيث إن المرأة لا تتمكن من الوطي متى شأت، لان الامر بيد غيرها، والحق له في ذلك غالبا، بخلاف العكس. قوله: (ولا تخرج المطلقة رجعية... إلخ). لان المطلقة رجعية في حكم الزوجة، والمطلق متمكن منها في كل وقت بالمراجعة. وتزويجها في العدة بالنسبة إلى الحد كتزويج الزوجة، فيحدان مع

[ 339 ]

ولو راجع المخالع، لم يتوجه عليه الرجم، إلا بعد الوطي. وكذا المملوك لو أعتق، والمكاتب إذا تحرر. العلم بالتحريم، ويسقط الحد مع الشبهة. ويقبل قولهما فيها إن كانت ممكنة في حقهما، بأن كانا مقيمين في بادية بعيدة عن معالم الشرع، أو قريبي العهد بالاسلام، ونحو ذلك. وكذا لو تزوجت المطلقة بائنا، وإن فارقتها في الخروج عن الاحصان، فتجلد كغير المعتدة ممن لم تحصن. ولو تزوجت الزوجة بغير الزوج فكتزويج المطلقة رجعيا، وأولى بالحكم. ويدل على حكم المطلقة صحيحة يزيد الكناسي قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة تزوجت في عدتها، قال: إن كانت تزوجت في عدة طلاق لزوجها عليه الرجعة فإن عليها الرجم، وإن كانت تزوجت في عدة ليس لزوجها عليها الرجعة فإن عليها حد الزاني غير المحصن) (1). ويدل على حكم المزوجة صحيحة أبي عبيدة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن امرأة تزوجت رجلا ولها زوج، فقال: إن كان زوجها الاول مقيما معها في المصر الذي هي فيه تصل إليه ويصل إليها، فإن عليها ما على الزاني المحصن الرجم، وإن كان زوجها الاول غائبا عنها أو كان مقيما معها في المصر لا يصل إليها ولا تصل إليه، فإن عليها ما على الزانية غير المحصنة) (2). قوله: (ولو راجع المخالع... إلخ). أما المخالع فلانه بالخلع الموجب للبينونة خرج عن الاحصان حيث لا

(1) الكافي 7: 192 ح 2، التهذيب 10: 20 ح 61، الوسائل 18: 396 ب (27) من أبواب حد الزنا ح 3. (2) الكافي 7: 192 ح 1، التهذيب 10: 20 ح 60، الوسائل 18: 395، الباب المتقدم ح 1.

[ 340 ]

ويجب الحد على الاعمى، فإن ادعى الشبهة، قيل: لا تقبل. والاشبه القبول مع الاحتمال. يملك فرجا آخر غيرها، فيشترط في عوده إلى الزوجة - وإن كان برجوعه في البذل بعد رجوعها - تجدد الوطي ليتحقق إحصان جديد، لبطلان الاول بالفرقة البائنة (1). وأما المملوك والمكاتب فوطيهما في حال الرقية والكتابة لا يحصن، لعدم الوطي حالة الشرط وهو الحرية، كما لا يكتفى في إحصان البالغ العاقل بوطيه صغيرا أو مجنونا. ويدل عليه صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في العبد يتزوج الحرة ثم يعتق فيصيب فاحشة، قال: فقال: لا رجم عليه حتى يواقع الحرة بعد ما يعتق) (2). قوله: (ويجب الحد على الاعمى... إلخ). القول بعدم القبول للشيخين (3)، وتبعهما ابن البراج (4) وسلا ر (5)، ولم يذكروا عليه دليلا مقنعا. والاظهر - وهو مذهب الاكثر (6) - قبول دعواه كالمبصر، لان ذلك شبهة يدرأ بها الحد، ولانه مسلم والاصل في إخباره المطابقة. وقيد ابن إدريس (7) قبول دعواه بشهادة الحال بما ادعاه، بأن يكون قد

(1) كذا في (خ، م)، وفي سائر النسخ: الثانية. (2) الكافي 7: 179 ح 9، الفقيه 4: 27 ح 65، التهذيب 10: 16 ح 40، الوسائل 18: 358 ب (7) من أبواب حد الزنا ح 5. (3) المقنعة: 783 - 784، النهاية: 698 - 699. (4) المهذب 2: 524. (5) المراسم: 254. (6) إرشاد الاذهان 2: 170، المقتصر: 399. (7) السرائر 3: 447 - 448.

[ 341 ]

ويثبت الزنا بالاقرار أو البينة أما الاقرار: فيشترط فيه: بلوغ المقر، وكماله، والاختيار، والحرية، وتكرار الاقرار أربعا في أربعة مجالس. ولو أقر دون الاربع لم يجب الحد، ووجب التعزير. ولو أقر أربعا في مجلس واحد، قال في الخلاف والمبسوط: لا يثبت. وفيه تردد. ويستوي في ذلك الرجل والمرأة. وتقوم الاشارة المفيدة للاقرار في الاخرس مقام النطق. وجدها على فراشه فظنها زوجته أو أمته، ولو شهدت الحال بخلاف ذلك لم يصدق. وربما قيد بعضهم (1) قبول قوله بكونه عدلا. والوجه القبول مطلقا. قوله: (وتكرار الاقرار أربعا... إلخ). اتفق الاصحاب - إلا من شذ - على أن الزنا لا يثبت على المقر به على وجه يثبت به الحد إلا أن يقر به أربع مرات. ويظهر من ابن أبي (2) عقيل الاكتفاء بمرة. وهو قول أكثر العامة (3). ومنهم (4) من اعتبر الاربع كالمشهور عندنا.

(1) التنقيح الرائع 4: 332. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 763. (3) مختصر المزني: 261، الحاوي الكبير 13: 206، الوجيز 2: 169، رحمة الامة: 286، بداية المجتهد 2: 438، الكافي للقرطبي 2: 1070. (4) اللباب في شرح الكتاب 3: 182، المبسوط للسرخسي 9: 91، تبيين الحقائق 3: 166، بدائع الصنائع 7: 50، المغني لابن قدامة 10: 160.

[ 342 ]

لنا: ما روي أن ماعز بن مالك جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: (يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الايمن فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاء فقال: إني قد زنيت، إلى أن قال ذلك أربع مرات، قال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اذهبوا به فارجموه) (1). وروي أنه صلى الله عليه وآله قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا يا رسول الله، قال: أنكتها لا يكني؟ قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: ما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم) (2). فلولا اعتبار الاقرار أربع مرات لاكتفى منه بأول مرة وأمر برجمه. قالوا: ارتاب في أمره، فاستثبت ليعرف أبه جنون أم شرب خمرا أم لا؟ قلنا: الاستثبات لا يتقيد بهذا العدد. وكان يمكن البحث عنه من أول مرة. وفي بعض ألفاظ الحديث: (شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به فارجموه) (3). وفي رواية أخرى أنه لما اعترف ثلاث مرات قال له: (إن اعترفت

(1) الكافي 7: 185 ح 5، عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، الوسائل 18: 376 ب (15) من أبواب حد الزنا ح 1. وانظر مسند أحمد 2: 453 و 3: 323، صحيح البخاري 7: 59 و 8: 205 - 206، صحيح مسلم 3: 1318 - 1323، سنن أبي داود 4: 145 - 148، سنن ابن ماجة 2: 854 ح 2554، سنن الترمذي 4: 27 - 28، المستدرك للحاكم 4: 361 - 363، سنن البيهقي 8: 225 - 227، تلخيص الحبير 4: 56 - 58. (2) الكافي 7: 185 ح 5، عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، الوسائل 18: 376 ب (15) من أبواب حد الزنا ح 1. وانظر مسند أحمد 2: 453 و 3: 323، صحيح البخاري 7: 59 و 8: 205 - 206، صحيح مسلم 3: 1318 - 1323، سنن أبي داود 4: 145 - 148، سنن ابن ماجة 2: 854 ح 2554، سنن الترمذي 4: 27 - 28، المستدرك للحاكم 4: 361 - 363، سنن البيهقي 8: 225 - 227، تلخيص الحبير 4: 56 - 58. (3) سنن أبي داود 4: 147 ح 4426.

[ 343 ]

الرابعة رجمتك، فاعترف الرابعة) (1). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: (لا يرجم الزاني حتى يقر أربع مرات بالزنا إذا لم يكن شهود، فإن رجع ترك ولم يرجم) (2). احتج ابن أبي (3) عقيل بصحيحة الفضيل عن الصادق عليه السلام قال: (من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله تعالى مرة واحدة، حرا كان أو عبدا، أو حرة كانت أو أمة، فعلى الامام أن يقيم الحد عليه للذي أقر به على نفسه، كائنا من كان، إلا الزاني المحصن، فإنه لا يرجم حتى يشهد عليه أربعة شهود) (4). وأجيب بحمله على غير حد الزنا جمعا بين الاخبار. إذا تقرر ذلك، فاختلف القائلون باشتراط تكراره أربعا في اشتراط تعدد مجالسه، بأن يقع كل إقرار في مجلس، أم يكفي وقوع الاربعة في مجلس واحد. فذهب جماعة - منهم الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6) وابن حمزة (7) - إلى الاول، لان ماعز بن مالك أقر في أربعة مواضع، والاصل برأة الذمة من هذه

(1) مسند أحمد 1: 8. (2) الكافي 7: 219 ح 2، التهذيب 10: 122 ح 491، الاستبصار 4: 250 ح 948، الوسائل 18: 320 ب (12) من أبواب مقدمات الحدود ح 5. (3) انظر المختلف: 763. (4) التهذيب 10: 7 ح 20، الاستبصار 4: 203 ح 761، الوسائل 18: 343 ب (32) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (5) الخلاف 5: 377 مسألة (16). (6) المبسوط 8: 4. (7) الوسيلة: 410.

[ 344 ]

ولو قال: زنيت بفلانة، لم يثبت الزنا في طرفه، حتى يكرره أربعا. وهل يثبت القذف للمرأة؟ فيه تردد. العقوبة بدون ما وقع الاتفاق عليه. ولان هذا الاختلاف مع ورود الواقعة كذلك شبهة يدرأ بها الحد. وأطلق الاكثر - ومنهم الشيخ في النهاية (1) والمفيد (2) وأتباعهما (3) وابن إدريس (4) - ثبوته بالاقرار أربعا، لاصالة عدم اشتراط التعدد. وقضية ماعز بن مالك وقعت اتفاقا، مع أنها ليست صريحة في اختلاف المجالس. ورواية الخاصة السابقة (5) مطلقة أيضا. والاقوى عدم الاشتراط، لعدم دليل يقتضيه. قوله: (ولو قال: زنيت بفلانة... إلخ). إذا أقر بالزنا ونسبه إلى امرأة معينة، كقوله: زنيت بفلانة، فلا إشكال في احتياج ثبوت الزنا في حقه إلى إقراره أربع مرات. أما ثبوت قذف المرأة ففيه تردد، منشؤه من أن ظاهره القذف، لانه رمى المحصنة، أي: غير المشهورة بالزنا، فيكون قاذفا بأول مرة كما لو رماها بغيره، ومن أنه إنما نسب الزنا إلى نفسه، وزناه ليس مستلزما لزناها، لجواز الاشتباه عليها أو الاكراه، والعام لا يستلزم الخاص. ولان إقراره على نفسه بالزنا بها ليس إقرارا على المرأة بالزنا، إذ ليس موضوعا له، ولا جزا من مسماه، ولا لازما له،

(1) النهاية: 689. (2) المقنعة: 775. (3) المهذب 2: 524، المراسم: 252، إصباح الشيعة: 517. (4) راجع السرائر 3: 429، ولكنه اشترط وقوعه في أربعة أوقات. نعم، نسب إليه الاطلاق العلامة في المختلف: 761. (5) راجع الصفحة السابقة.

[ 345 ]

ولو أقر بحد ولم يبينه، لم يكلف البيان، وضرب حتى ينهي عن نفسه. وقيل: لا يتجاوز به المائة، ولا ينقص عن ثمانين. وربما كان صوابا في طرف الكثرة، ولكن ليس بصواب في طرف النقصان، لجواز أن يريد بالحد التعزير. فانتفت الدلالات الثلاث عنه، فلا قذف. وعلى هذا فيثبت التعزير للايذاء. والوجه ثبوت القذف بالمرأة مع الاطلاق، لانه ظاهر فيه، والاصل عدم الشبهة والاكراه. ولو فسره بأحدهما قبل، واندفع عنه الحد، ووجب التعزير. قوله: (ولو أقر بحد ولم يبينه... إلخ). الاصل في هذه المسألة رواية محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام أمر في رجل أقر على نفسه بحد ولم يسم أن يضرب حتى ينهي عن نفسه) (1). وبمضمونها عمل الشيخ (2) والقاضي (3). وزاد ابن إدريس (4) أنه لا ينقص عن ثمانين ولا يزاد على مائة، نظرا إلى أن أقل الحدود حد الشرب، وأكثرها حد الزنا. وكلاهما ممنوع. أما في جانب القلة فلان حد القواد خمسة وسبعون، وحد الزنا قد يتجاوز المائة، كما لو زنى في مكان شريف أو وقت شريف، فإنه يزاد على المائة بما يراه الحاكم.

(1) الكافي 7: 219 ح 1، التهذيب 10: 45 ح 160، الوسائل 18: 318 ب (11) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) النهاية: 702 - 703. (3) المهذب 2: 529. (4) السرائر 3: 455 - 456.

[ 346 ]

واعترض المصنف - رحمه الله - أيضا على جانب النقصان، لجواز أن يريد بالحد التعزير، فإنه يطلق عليه لغة، فلا يتحقق ثبوت الحد المعهود عليه، إذ لا يثبت عليه إلا ما علم أنه مراد من اللفظ. وفيه نظر، لان الحد حقيقة شرعية في المقدرات المذكورة، وإطلاقها على التعزير مجاز لا يصار إليه عند الاطلاق بدون القرينة. ثم على تقدير حمله على التعزير فأمره منوط بنظر الحاكم غالبا، ونظر الحاكم يتوقف على معرفة المعصية ليرتب عليها ما يناسبها، لا بمجرد التشهي، ومن التعزير ما هو مقدر، فجاز أن يكون أحدها، فيشكل تجاوزها أو نقصها (1) بدون العلم بالحال. ويشكل الخبر أيضا باستلزامه أنه لو أنهى عن نفسه فيما دون الحدود المعلومة قبل منه، وليس هذا حكم الحد ولا التعزير. وأيضا، فإن من الحدود ما يتوقف على الاقرار أربع مرات، ومنها ما يتوقف على الاقرار مرتين، ومنها ما يثبت بمرة، فلا يتم إطلاق القول بجواز بلوغ المائة مع الاقرار دون الاربع، وبلوغ الثمانين بدون الاقرار مرتين، واشتراط ذلك كله خروج عن مورد الرواية رأسا. والحق أن الرواية مطرحة، لضعف سندها باشتراك محمد بن قيس الذي يروي عن الباقر عليه السلام بين الثقة وغيره، فلا تصلح لاثبات هذا الحكم المخالف للاصل. مع أنه قد روي بطريق يشاركه في الضعف - إن لم يكن أقرب منه - عن أنس بن مالك قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فجأه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، ولم يسمه، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله، فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال:

(1) في (أ، ث، د): بعضها.

[ 347 ]

يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله، فقال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك) (1). ولو كان الحد يثبت بالاقرار مطلقا لما أخره النبي صلى الله عليه وآله، ولا حكم بأن الصلاة تسقط الحد. وإنما أجابه بذلك من حيث عدم ثبوته مع إطلاقه كذلك، وإن تكرر الاقرار. وأيضا، فإن الحد - كما قد علم - يطلق على الرجم، وعلى القتل بالسيف، والاحراق بالنار، ورمي الجدار عليه، وغير ذلك مما ستقف عليه، وعلى الجلد. ثم الجلد يختلف كمية وكيفية، فحمل مطلقه على الجلد غير مناسب للواقع، ولا يتم معه إطلاق أن الاقرار أربع مرات يجوز جلد المائة. فالقول بعدم ثبوت شي بمجرد الاقرار المجمل قوي. وعلى هذا، فيمكن القول بعدم وجوب استفساره، بل ولا استحبابه، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله في هذا الخبر وغيره من ترديد عزم المقر، فكيف بالساكت؟! وقوله صلى الله عليه وآله: (من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإن من أبدى صفحته أقمنا عليه الحد) (2). وأقل مراتب الامر الاستحباب. وفي حديث المزني الذي أقر عند أمير المؤمنين عليه السلام بالزنا أربع مرات، وفي كل مرة يأمره بالانصراف، ثم قال له في الرابعة: (ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملا! أفلا تاب في

(1) صحيح البخاري 8: 207، صحيح مسلم 4: 2117 ح 44. (2) الموطاء 2: 825 ح 12، سنن البيهقي 8: 329 - 330، تلخيص الحبير 4: 57 ذيل ح 1756.

[ 348 ]

وفي التقبيل، والمضاجعة في إزار واحد، والمعانقة، روايتان: إحداهما: مائة جلدة. والاخرى: دون الحد. وهي أشهر. بيته؟! فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد) (1). قوله: (وفي التقبيل... إلخ). اختلف الاصحاب والروايات في حكم المجتمعين في إزار واحد وما أشبهه، والاستمتاع بما دون الفرج. فقال الشيخ في النهاية (2): يجب به التعزير، وأطلق. وقال في الخلاف: (روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امرأة أجنبية يقبلها ويعانقها في فراش واحد أن عليهما مائة جلدة، وروي ذلك عن علي عليه السلام، وقد روي أن عليهما أقل من الحد) (3). وقريب منه قوله في المبسوط (4). وقال المفيد: (فإن شهدوا عليه بما عاينوه من اجتماع في إزار واحد والتصاق جسم بجسم وما أشبه ذلك، ولم يشهدوا عليه بالزنا قبلت شهادتهم، ووجب على المرأة والرجل التعزير حسب ما يراه الامام من عشر جلدات إلى تسع وتسعين، ولا يبلغ التعزير في هذا الباب حد الزنا المختص به في شريعة الاسلام) (5). وهذا القول وإن كان محصله التعزير إلا أنه حده في جانب القلة بعشر، فهو مخالف لقول من أطلق الحكم بالتعزير، فإنه يجوز نقصانه عن العشر إذا رآه

(1) الكافي 7: 188 ح 3، الوسائل 18: 327 ب (16) من أبواب مقدمات الحدود ح 2. (2) راجع النهاية: 705 و 707، ولكن صرح بأن التعزير من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين. (3) الخلاف 5: 373 مسألة (9). (4) المبسوط 8: 7. (5) المقنعة: 774.

[ 349 ]

الحاكم صلاحا. والمعتمد ثبوت التعزير مطلقا. وهو اختيار المصنف والمتأخرين (1)، لانه فعل محرم لم يبلغ حد الزنا، فيكون عقوبته منوطة برأي (2) الحاكم في مقدار التعزير. ويدل على أنه لا يبلغ به حد الزاني - مضافا إلى ذلك - صحيحة حريز عن الصادق عليه السلام: (أن عليا عليه السلام وجد رجلا وامرأة في لحاف، فجلد كل واحد منهما مائة سوط إلا سوطا) (3). وعن زيد الشحام عن الصادق عليه السلام: (في الرجل والمرأة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة غير سوط) (4). واستند القائل بوجوب الحد كملا إلى صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام: (حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد) (5). ورواية عبد الرحمن الحذاء عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: (إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة) (6). وغيرهما من الاخبار.

(1) التنقيح الرائع 4: 332، اللمعة الدمشقية: 166. (2) في (أ، د): بنظر. (3) الفقيه 4: 15 ح 22، التهذيب 10: 41 ح 145، الاستبصار 4: 213 ح 796، الوسائل 18: 367 ب (100) من أبواب حد الزنا ح 20. (4) الكافي 7: 181 ح 2، التهذيب 10: 40 ح 141، الاستبصار 4: 213 ح 792، الوسائل 18: 364 ب (10) من أبواب حد الزنا ح 3. (5) الكافي 7: 181 ح 1، التهذيب 10: 42 ح 148، الاستبصار 4: 214 ح 799، الوسائل 18: 363 الباب المتقدم ح 1. (6) الكافي 7: 181 ح 5، التهذيب 10: 43 ح 153، الاستبصار 4: 215 ح 804، الوسائل 18: 364 ب (10) من أبواب حد الزنا ح 5.

[ 350 ]

ولو أقر بما يوجب الرجم ثم أنكر، سقط الرجم. ولو أقر بحد غير الرجم، لم يسقط بالانكار. ولو أقر بحد ثم تاب، كان الامام مخيرا في إقامته، رجما كان أو جلدا. وحملها الشيخ (1) على وقوع الزنا مع علم الامام بذلك، أو على تكرر الفعل منهما وقد عزرهما مرتين أو ثلاثا، جمعا بين الاخبار. مع أن الرواية الصحيحة ليست صريحة في المطلوب، لان إطلاق الجلد لا يتعين حمله على المائة. ويسهل الخطب في الباقي، لضعف السند. ومع ذلك فليس فيها حكم الاستمتاع بغير الجماع، وغير الاجتماع في الثوب الواحد. قوله: (ولو أقر بما يوجب الرجم... إلخ). مستند سقوط الرجم بالانكار دون غيره روايات، منها حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من أقر على نفسه بحد أقمت عليه الحد، إلا الرجم، فإنه إذا أقر على نفسه ثم جحد لم يرجم) (2). وتخير الامام بعد توبة المقر بين حده والعفو عنه مطلقا هو المشهور بين الاصحاب. وقيده ابن إدريس (3) بكون الحد رجما. والمعتمد المشهور، لاشتراك الجميع في المقتضي. ولان التوبة إذا أسقطت تحتم أشد العقوبتين، فإسقاطها لتحتم الاضعف أولى.

(1) تهذيب الاحكام 10: 44 ذيل ح 156 و 158، الاستبصار 4: 216 و 217 ذيل ح 808 و 810. (2) الكافي 7: 220 ح 5، التهذيب 10: 45 ح 161، الوسائل 18: 319 ب (12) من أبواب مقدمات الحدود ح 3. (3) السرائر 3: 444.

[ 351 ]

ولو حملت ولا بعل، لم تحد، إلا أن تقر بالزنا أربعا. وأما البينة: فلا يكفي أقل من أربعة رجال، أو ثلاثة وامرأتين. ولا تقبل شهادة النساء منفردات، ولا شهادة رجل وست نساء. وتقبل شهادة رجلين وأربع نساء، ويثبت به الجلد لا الرجم. وأما سقوط الرجم بالانكار فيدل عليه قصة ماعز وتعريض النبي صلى الله عليه وآله [ له ] (1) بالانكار بعد الاقرار، ولولا قبوله منه لم يكن لترديده فائدة، ولقوله صلى الله عليه وآله لاصحابه لما فر من الحفيرة فأدركوه وقتلوه: (هلا تركتموه وجئتموني به) (2) ليستتيبه. وفي بعض ألفاظها: (هلا رددتموه إلي لعله يتوب) (3). قوله: (ولو حملت ولا بعل... إلخ). لان الحمل لا يستلزم الزنا، والاصل في تصرف المسلم حمله على الصحة. ولاصالة برأة الذمة من وجوب الحد. ولاحتمال أن يكون من شبهة أو من إكراه، والحد يدرأ بالشبهة، ولا يجب البحث عنه ولا الاستفسار. وقال الشيخ في المبسوط: (إنها تسأل عن ذلك، فإن قالت: من زنا، فعليها الحد، وإن قالت: من غير زنا، فلا حد) (4). ونقل عن بعضهم أن عليها الحد، ثم قوى الاول. قوله: (وأما البينة... إلخ).

(1) من (د، ط). (2) سنن أبي داود 4: 145 ح 4420. (3) تلخيص الحبير 4: 58 ذيل ح 1758. (4) المبسوط 8: 7 - 8.

[ 352 ]

ولو شهد ما دون الاربع، لم يجب. وحد كل منهم للفرية. ولابد في شهادتهم، من ذكر المشاهدة للولوج، كالميل في المكحلة، من غير عقد ولا ملك ولا شبهة. ويكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سبب التحليل. ولو لم يشهدوا بالمعاينة، لم يحد المشهود [ عليه ]، وحد الشهود. قد تقدم البحث في ذلك في كتاب الشهادات (1)، وأنه ليس على ثبوت الجلد بشهادة رجلين وأربع نساء دليل صالح، وأن جماعة (2) من الاصحاب ذهبوا إلى عدم وجوب شي بهذه البينة لذلك. وهو الوجه. قوله: (ولو شهد ما دون... إلخ). أي: لافترائهم عليه. سماه فرية مع إمكان صدقهم لان الله تعالى وصف من لم يأت عليه بأربعة شهداء كاذبا بقوله تعالى: (لولا جأوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) (3). ومتى حكم بكذبه وجب حده للقذف. قوله: (ولا بد في شهادتهم... إلخ). لما كان الزنا قد يطلق على ما دون الجماع، فيقال: زنت العين وزنت الاذن وزنى الفرج، والجماع يطلق على غير الوطي لغة، وكان الامر في الحدود - سيما الرجم - مبنيا على الاحتياط التام ويدرأ بالشبهة، فلا بد في قبول الشهادة به من التصريح بالمشاهدة لوقوع الفعل على وجه لا ريبة فيه، بأن يشهدوا بمعاينة الايلاج.

(1) راجع ص: 247 - 248. (2) المقنع: 402، المهذب 2: 558، المختلف: 715. (3) النور: 13.

[ 353 ]

ولابد من تواردهم على الفعل الواحد، والزمان الواحد، والمكان الواحد. فلو شهد بعض بالمعاينة وبعض لا بها، أو شهد بعض بالزنا في زاوية من بيت، وبعض في زاوية أخرى، أو شهد بعض في يوم الجمعة، وبعض في يوم السبت، فلا حد. ويحد الشهود للقذف. ويدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حد الرجم أن يشهد أربعة أنهم رأوه يدخل ويخرج) (1). وفي رواية أبي بصير عنه عليه السلام قال: (لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والايلاج والادخال، كالميل في المكحلة) (2). وقد تقدم في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وآله ما قبل منه الاقرار حتى صرح بكونه قد أدخل مثل الميل في المكحلة والدلو في البئر (3)، فكذا البينة، بل هنا أولى. وإنما يحد الشهود إذا لم يشهدوا بالايلاج على ذلك الوجه بتقدير أن يكون شهادتهم بالزنا، أما لو شهدوا بالفعل ولم يتعرضوا للزنا سمعت شهادتهم، ووجب على المشهود عليه التعزير. قوله: (ولابد من تواردهم... إلخ). لا ريب في عدم قبول شهادتهم على تقدير الاختلاف في الفعل بالزمان أو المكان أو الصفة، لان كل واحد من الفعل الواقع على أحد الوجوه غير الفعل الاخر، ولم يقم على الفعل الواحد أربعة شهداء.

(1) الكافي 7: 183 ح 1، التهذيب 10: 2 ح 4، الاستبصار 4: 217 ح 815، الوسائل 18: 371 ب (12) من أبواب حد الزنا ح 1. (2) الكافي 7: 184 ح 4، التهذيب 10: 2 ح 1، الاستبصار 4: 217 ح 812، الوسائل 18: 371 الباب المتقدم ح 4. (3) عوالي اللئالي 3: 551 ح 24، سنن أبي داود 4: 148 ح 4428، سنن البيهقي 8: 227.

[ 354 ]

وإنما الكلام في اشتراط تعرضهم لهذه القيود، وظاهر المصنف والعلامة (1) اشتراط ذلك، فلا يكفي إطلاقهم الشهادة على الزنا على الوجه السابق، إلا مع تصريحهم باتحاد الزمان والمكان، حتى لو أطلق بعضهم وقيد آخرون حدوا. والنصوص (2) خالية من اشتراط ذلك، ودالة على الاكتفاء بالاطلاق. وهذا هو الظاهر من كلام المتقدمين. فقال الشيخ في النهاية في البينة بالزنا: (وهو أن يشهد أربعة نفر عدول على رجل بأنه وطئ امرأة، وليس بينه وبينها عقد ولا شبهة عقد، وشاهدوه وطئها في الفرج، فإذا شهدوا كذلك قبلت شهادتهم، وحكم عليه بالزنا، وكان عليه ما على فاعله مما نبينه) (3). وهذا صريح في عدم اعتبار التقييد بالزمان والمكان. وقال ابن الجنيد (4): ليس تصح الشهادة بالزنا حتى يكونوا أربعة عدول، وليس فيهم خصم لاحد المشهود عليهما، ويقولوا: إنا رأيناه يولج ذلك منه في ذلك منها ويخرجه كالمرود في المكحلة، ويكون الشهادة في مجلس واحد، فإذا شهدوا بذلك ولم يدع أحد المشهود عليهما شبهة وجب الحد. وهذا أيضا صريح في ذلك. وكلام غيرهما من المتقدمين (5) قريب من ذلك. وهذا هو المعتمد. ويمكن تنزيل كلام المصنف وما أشبهه على ذلك، بحمل عدم القبول على تقدير التعرض لذلك والاختلاف فيه.

(1) إرشاد الاذهان 2: 172، قواعد الاحكام 2: 251، تحرير الاحكام 2: 220. (2) راجع الوسائل 18: 371 ب (12) من أبواب حد الزنا. (3) النهاية: 689. (4) لم نعثر عليه. (5) الكافي في الفقه: 404، فقه القرآن للراوندي 2: 371، إصباح الشيعة: 517.

[ 355 ]

ولو شهد بعض أنه أكرهها، وبعض بالمطاوعة، ففي ثبوت الحد على الزاني وجهان: أحدهما: يثبت، للاتفاق على الزنا، الموجب للحد على كلا التقديرين. والاخر: لا يثبت، لان الزنا بقيد الاكراه غيره بقيد المطاوعة، فكأنه شهادة على فعلين. قوله: (ولو شهد بعض أنه أكرهها... إلخ). إذا شهد بعض الاربعة على رجل بأنه زنى بفلانة مكرها لها في ذلك الزنا، وشهد الباقون بأنه زنى بها مطاوعة له فيه، فلا حد على المرأة قطعا، لعدم ثبوت المقتضي لحدها، وهو الزنا مطاوعة. واختلف قولا الشيخ في الرجل، فقال في الخلاف (1): لا حد عليه، ويحد الشهود، لانها شهادة على فعلين، فإن الزنا بقيد الاكراه غيره بقيد المطاوعة، فهي كشهادة الزوايا (2). وقال في المبسوط (3): يحد الرجل، لثبوت الزنا على كل واحد من التقديرين المشهود بهما، ولان الاختلاف إنما هو في قول الشهود لا في فعله. وهذا مختار ابن الجنيد (4) وابن إدريس (5).

(1) الخلاف 5: 383 مسألة (24). (2) في (ت): الزاوية، وفي (د): كشهادة الزنا في الزوايا. (3) المبسوط 8: 8. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 755. (5) السرائر 3: 432 - 433.

[ 356 ]

ولو أقام الشهادة بعض في وقت، حدوا للقذف، ولم يرتقب إتمام البينة، لانه لا تأخير في حد. وتردد المصنف مقتصرا على نقل القولين. وكذلك العلامة في الارشاد (1) والتحرير (2). ورجح في القواعد (3) والمختلف (4) الاول. وكذلك الشهيد في شرح الارشاد (5). ولعله أوجه. ويمنع ثبوت الزنا على كل واحد من التقديرين، لانه لم يشهد به على كل تقدير العدد المعتبر، فهو جار مجرى تغاير الوقتين والمكانين المتفق على أنه لا يثبت على تقديره. قوله: (ولو أقام الشهادة... إلخ). مذهب الاصحاب اشتراط إيقاع الشهادة في مجلس واحد. فلو حضر بعض الشهود قبل بعض وشهد حد للقذف، ولم ينتظر حضور الباقين، لان السابق قد صار قاذفا، ولم يثبت الزنا، ولا تأخير في حد. وبالغ في القواعد (6) فاشترط حضورهم أيضا قبل الشهادة للاقامة، فلو تفرقوا في الحضور حدوا وإن اجتمعوا في الاقامة. ولا دليل على اعتبار مثل ذلك. ويظهر من كلام الشيخ في الخلاف عدم اشتراط اتحاد المجلس، لانه قال: (إذا تكاملت شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا في مجلس

(1) إرشاد الاذهان 2: 172. (2) تحرير الاحكام 2: 220 - 221. (3) قواعد الاحكام 2: 251. (4) المختلف: 755. (5) غاية المراد: 338 - 339. (6) قواعد الاحكام 2: 251.

[ 357 ]

ولا يقدح تقادم الزنا في الشهادة. وفي بعض الاخبار: (إن زاد عن ستة أشهر لم تسمع). وهو مطرح. وتقبل شهادة الاربع على الاثنين فما زاد. واحد أو مجالس متعددة، وشهادتهم متفرقين أحوط) (1). وفي المختلف (2) حمل كلامه على تفرقهم بعد اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة، نظرا إلى أن ذلك هو المذهب عندنا. ووافقنا بعض (3) العامة على اشتراط اتحاد مجلس الاقامة. وخالفنا آخرون (4)، فاكتفوا بشهادتهم متفرقين كما في سائر الوقائع، ولانهم إذا جاؤا متفرقين كانوا أبعد عن التهمة. واعتبر بعضهم (5) وقوع الشهادات في مجلس واحد للحاكم، طال أم قصر، تفرقوا في الاداء أم اجتمعوا. والكل رجوع إلى ما لا يصلح دليلا. قوله: (ولا يقدح تقادم الزنا... إلخ). إذا ثبت موجب الحد لم يسقط بتقادم عهده، لاصالة البقاء. والرواية (6) بخلاف ذلك مطرحة. وهي موافقة لقول بعض (7) العامة. ويمكن حملها على ما لو ظهر منه التوبة، كما تدل عليه رواية ابن أبي عمير، عن جميل مرسلا، عن

(1) الخلاف 5: 388 مسألة (31). (2) المختلف: 764، ولكنه حمل كلام ابن حمزة على ذلك لا كلام الشيخ. (3) الحاوي الكبير 13: 228، حلية العلماء 8: 30، المغني لابن قدامة 10: 173، بدائع الصنائع 7: 48، روضة الطالبين 7: 315. (4) الحاوي الكبير 13: 228، حلية العلماء 8: 30، المغني لابن قدامة 10: 173، بدائع الصنائع 7: 48، روضة الطالبين 7: 315. (5) الحاوي الكبير 13: 228، حلية العلماء 8: 30، المغني لابن قدامة 10: 173، بدائع الصنائع 7: 48، روضة الطالبين 7: 315. (6) لم نجدها في الجوامع الحديثية للخاصة والعامة. (7) بدائع الصنائع 7: 46، اللباب في شرح الكتاب 3: 189، حلية العلماء 8: 30، المبسوط للسرخسي 9: 69، الاشراف على مذاهب أهل العلم 2: 18، تبيين الحقائق 3: 187، المغني لابن قدامة 10: 182.

[ 358 ]

ومن الاحتياط تفريق الشهود في الاقامة بعد الاجتماع، وليس بلازم. ولا تسقط الشهادة بتصديق المشهود عليه، ولا بتكذيبه. ومن تاب قبل قيام البينة، سقط عنه الحد. ولو تاب بعد قيامها، لم يسقط، حدا كان أو رجما. أحدهما عليهما السلام، وفيها: (قلت: وإن كان أمرا قريبا لم يقم عليه، قال: لو كان خمسة أشهر أو أقل وقد ظهر منه أمر جميل لم يقم عليه الحد) (1). قوله: (ومن الاحتياط... إلخ). قد تقدم (2) في القضاء استحباب تفريق الشهود عند الريبة، والامر هنا كذلك، إلا أنه يكون هنا بعد اجتماعهم جميعا في المجلس، جمعا بين وظيفتي التفريق واتحاد مجلس الشهود حضورا وإقامة. فإذا حضروا جملة فرقوا، ثم استنطق واحد منهم بعد واحد في مجلس واحد. قوله: (ومن تاب قبل قيام البينة... إلخ). أما سقوطه بتوبته قبل قيام البينة، فلان التوبة تسقط الذنب وعقوبة الاخرة فعقوبة الدنيا أولى. ويدل عليه رواية جميل السابقة عن أحدهما عليهما السلام: (في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى فلم يعلم بذلك منه ولم يؤخذ حتى تاب وصلح، فقال: إذا صلح وعرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحد). وأما عدم سقوطه بتوبته بعد إقامة البينة فلثبوته في ذمته فيستصحب. ويؤيده رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام: (في رجل أقيمت عليه البينة

(1) الكافي 7: 250 ح 1، التهذيب 10: 122 ح 490، الوسائل 18: 327 ب (16) من أبواب مقدمات الحدود ح 3. (2) في ج 13: 411.

[ 359 ]

النظر الثاني في الحد وفيه مقامان: الاول: في أقسامه وهو: قتل، أو رجم، أو جلد وجز وتغريب. بأنه زنى ثم هرب قبل أن يضرب، قال: إن تاب فما عليه شي، وإن وقع في يد الامام أقام عليه الحد، وإن علم مكانه بعث إليه) (1). والحكم بتحتم الحد عليه على هذا التقدير هو المشهور بين الاصحاب. وذهب جماعة منهم المفيد (2) وأبو الصلاح (3) إلى تخير الامام بين إقامته عليه والعفو عنه، كما لو تاب بعد الاقرار. ولم نقف على المستند. قوله: (في أقسامه... إلخ). عطف الثلاثة أولا ب‍ (أو) الدال على وقوعها على وجه البدل، وجمع الثلاثة الاخيرة بالواو الدال على اجتماعها، لا يطابق المقصود من الحصر، فإن من أقسامه الجلد بغير جز ولا تغريب حدا للمرأة غير المحصنة، وجلد خمسين في حد المملوك بدونهما أيضا. ولو قلنا بالجمع على المحصن بين الجلد والرجم لكان قسما آخر.

(1) الكافي 7: 251 ح 2، الفقيه 4: 26 ح 61، التهذيب 10: 46 ح 167، الوسائل 18: 328 ب (16) من أبواب مقدمات الحدود ح 4. (2) المقنعة: 777. (3) الكافي في الفقه: 407.

[ 360 ]

أما القتل: فيجب على: من زنى بذات محرم، كالام والبنت وشبههما، والذمي إذا زنى بمسلمة. وكذا من زنى بامرأة مكرها لها. ولا يعتبر في هذه المواضع الاحصان، بل يقتل على كل حال، شيخا كان أو شابا. ويتساوى فيه الحر والعبد والمسلم والكافر. وكذا قيل: في الزاني بامرأة أبيه [ أو ابنه ] (1). وهل يقتصر على قتله بالسيف؟ قيل: نعم. وقيل: بل يجلد ثم يقتل، إن لم يكن محصنا، ويجلد ثم يرجم إن كان محصنا، عملا بمقتضى الدليلين. والاول أظهر. قوله: (أما القتل... إلخ). لا خلاف في ثبوت القتل بالزنا بمن ذكر من ذوات المحرم النسبيات، وزنا الذمي بمسلمة، والمكره، والنصوص (2) واردة بها. وإنما الخلاف في إلحاق المحرمة بالسبب، كامرأة الاب. والمصنف (3) - رحمه الله - خصها بالذكر، لكثرة القائل بإلحاقها، وإلا فالخلاف أيضا في الزنا بزوجة الابن وأمة أحدهما الموطؤة. والمصنف - رحمه الله - لم يرجح الالحاق، بل اقتصر على نقل القول بالتحريم، لاصالة العدم، مع عدم متمسك صالح. ولكن النص ورد على الزنا

(1) كلام الشارح (قدس سره) مبتن على نسخته من الشرائع، كما أن النسخة الخطية المعتمدة منها كذلك، وإلا فقد ورد في الشرائع الحجرية: أو ابنه، كما تراه بين المعقوفتين في المتن، ولم ترد الزيادة في متن الجواهر 41: 316. (2) الوسائل 18: 385 باب (19) من أبواب حد الزنا. (3) كلام الشارح (قدس سره) مبتن على نسخته من الشرائع، كما أن النسخة الخطية المعتمدة منها كذلك، وإلا فقد ورد في الشرائع الحجرية: أو ابنه، كما تراه بين المعقوفتين في المتن، ولم ترد الزيادة في متن الجواهر 41: 316.

[ 361 ]

بذات محرم، ففي حسنة بكير بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال: (من زنى بذات محرم حتى يواقعها ضرب ضربة بالسيف أخذت منه ما أخذت، وإن كانت تابعته ضربت ضربة بالسيف أخذت منها ما أخذت) (1). ومثلها كثير (2). والمتبادر من ذات المحرم النسبية. ويمكن شمولها للسببية. وقد تقدم أن المحرم من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة. وحينئذ فلا يقتصر على امرأة الاب، بل يتعدى إلى غيرها من المحرمات السببية والرضاعية. وظاهر النصوص الدالة على قتل المذكورين الاقتصار على ضرب أعناقهم، سواء في ذلك المحصن وغيره، والحر والعبد، والمسلم والكافر. وقد سمعت منها ما يدل على حكم المحرم. وفي صحيحة بريد العجلي قال: (سئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل اغتصب امرأة فرجها، قال: يقتل محصنا كان أو غير محصن) (3). وروى زرارة عنه عليه السلام قال: (يضرب ضربة بالسيف بلغت منه ما بلغت) (4). وروى حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن يهودي فجر بمسلمة، قال: يقتل) (5).

(1) الكافي 7: 190 ح 1، الفقيه 4: 30 ح 81 وفيه: ابن بكير، التهذيب 10: 23 ح 68، الاستبصار 4: 208 ح 777، الوسائل 18: 385 ب (19) من أبواب حد الزنا ح 1. (2) راجع الوسائل 18: 385 ب (19) من أبواب حد الزنا. (3) الكافي 7: 189 ح 1، الفقيه 4: 30 ح 80، التهذيب 10: 17 ح 47، الوسائل 18: 381 ب (17) من أبواب حد الزنا ح 1. (4) الكافي 7: 189 ح 2، التهذيب 10: 18 ح 50، الوسائل 18: 382 الباب المتقدم ح 3. (5) الكافي 7: 239 ح 3، التهذيب 10: 38 ح 134، الوسائل 18: 407 ب (36) من أبواب حد الزنا ح 1.

[ 362 ]

وأما الرجم: فيجب على المحصن إذا زنى ببالغة عاقلة. فإن كان شيخا أو شيخة، جلد ثم رجم. وذهب ابن إدريس (1) إلى وجوب الجمع بين قتله وما وجب عليه لو لم يكن موصوفا بذلك، فإن كان غير محصن جلد ثم قتل، وإن كان محصنا جلد ثم رجم، لدلالة الادلة على جلد غير المحصن وقتل من فعل ما ذكرناه، وعلى جلد المحصن ورجمه لو كان قد زنى بغير من ذكر، فمن ذكر أولى، فلا يقتصر له على الاخف وذنبه أعظم. ويؤيده رواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام قال: (إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني، إلا أنه أعظم ذنبا) (2). قال الشيخ - رحمه الله - عقيب هذا الخبر: (وليس هذا منافيا لما تقدم من ضربه بالسيف، لان القصد قتله، وفيما يجب على الزاني الرجم، وهو يأتي على النفس، فالامام مخير بين أن يضربه ضربة بالسيف أو يرجمه) (3). وهذا قول ثالث غير قول ابن إدريس. ونفى عنه في المختلف (4) البأس. وقول ابن إدريس أوجه منه. قوله: (وأما الرجم... إلخ).

(1) السرائر 3: 437 - 438. (2) التهذيب 10: 23 ح 71، الاستبصار 4: 208 ح 780، الوسائل 18: 386 ب (19) من أبواب حد الزنا ح 8. (3) التهذيب 10: 24 ذيل ح 71. (4) المختلف: 756.

[ 363 ]

وإن كان شابا، ففيه روايتان: إحداهما: يرجم لا غير. والاخرى: يجمع له بين الحدين. وهو أشبه. ما اختاره المصنف - رحمه الله - من الجمع للشاب بين الحدين مذهب الشيخين (1) والمرتضى (2) وابن إدريس (3) وجماعة (4). ووجهه: الجمع بين الاية (5) الدالة على الجلد والرواية (6)، مع الاجماع الدالين على رجم المحصن. ومنه صحيحة محمد (7) بن مسلم وزرارة (8) عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (المحصن يجلد مائة ويرجم). والمفرد المحلى باللام يفيد العموم عند بعض (9) الاصوليين. ولما روي أن عليا عليه السلام جلد سراقة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، فقيل له: أتحد حدين؟ فقال: (حددتها بكتاب الله عزوجل، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله) (10). فإن كانت شابة

(1) راجع المقنعة: 775 فقد أطلق القول بوجوبهما على المحصن، التبيان للطوسي 7: 359. (2) راجع الانتصار: 254 حيث أطلق القول بوجوبهما على المحصن. (3) السرائر 3: 438 - 439. (4) المقنع: 428، المراسم: 252، المختلف: 756 - 757، وكذا حكاه الاخير عن ابن الجنيد، فقد أطلق هؤلا القول بوجوبهما على المحصن. (5) النور: 2. (6) انظر الوسائل 18: 346 ب (1) من أبواب حد الزنا. (7) التهذيب 10: 4 ح 13، الاستبصار 4: 201 ح 753، الوسائل 18: 348 ب (1) من أبواب حد الزنا ح 8. (8) التهذيب 10: 5 ح 16، الاستبصار 4: 201 ح 756، الوسائل 18: 349 الباب المتقدم ح 14. (9) الاحكام للامدي 1: 421 - 422، البحر المحيط للزركشي 3: 97 - 98. (10) المستدرك للحاكم 4: 365، سنن البيهقي 8: 220، تلخيص الحبير 4: 52 ح 1747، وفي المصادر: جلد شراحة.

[ 364 ]

ولو زنى البالغ المحصن، بغير البالغة أو بالمجنونة، فعليه الحد لا الرجم. وكذا المرأة لو زنى بها طفل. ولو زنى بها المجنون فعليها الحد تاما. وفي ثبوته في طرف المجنون تردد، المروي أنه يثبت. فالمطلوب، وإن كانت شيخة فالتعليل يقتضي دخول الشاب، لعموم الكتاب. والقول بالتفصيل للشيخ أيضا في النهاية (1) وكتابي الحديث (2) وأتباعه (3) وجماعة (4)، لرواية عبد الله بن طلحة وابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى النصف (5) من الرجال رجم ولم يجلد إذا كان قد أحصن، وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد، ونفي سنة من مصره) (6). والرواية مع ضعف سندها لا تدل على حكم الشاب إذا كان محصنا، فلا تنافي غيرها مما دل على العموم (7). قوله: (ولو زنى البالغ... إلخ). هذا مذهب الشيخ (8) وجماعة (9) من المتأخرين. ومستندهم صحيحة أبي

(1) النهاية: 693. (2) التهذيب 10: 6 ذيل ح 18، الاستبصار 4: 202 ذيل ح 758. (3) الوسيلة: 411، غنية النزوع: 422، إصباح الشيعة: 513. (4) الكافي في الفقه: 405، الجامع للشرائع: 550، تحرير الاحكام 2: 222. (5) النصف: الكهل كأنه بلغ نصف عمره. لسان العرب 9: 331. (6) الفقيه 4: 27 ح 68، التهذيب 10: 4 ح 10 وص: 5 ح 17، الاستبصار 4: 200 ح 750 وص: 201 ح 757، الوسائل 18: 349 ب (1) من أبواب حد الزنا ح 11. (7) الوسائل 18: 348 ب (1) من أبواب حد الزنا ح 8، 13، 14. (8) النهاية: 695 - 696. (9) الجامع للشرائع: 552، إرشاد الاذهان 2: 171، قواعد الاحكام 2: 252، المختلف: 758، اللمعة الدمشقية: 165.

[ 365 ]

بصير عن الصادق عليه السلام: (في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة، قال: يجلد الغلام دون الحد، وتجلد المرأة الحد كاملا، قيل له: فإن كانت محصنة؟ قال: لا ترجم، لان الذي نكحها ليس بمدرك، فلو كان مدركا رجمت) (1). ولنقص اللذة فيه، فلا يجب فيه من العقوبة ما يجب في الكامل. ولاصالة البرأة، ووجود الشبهة الدارئة للحد الزائد عن المتفق عليه. وذهب جماعة - منهم ابن الجنيد (2) وأبو الصلاح (3) وابن إدريس (4)، وهو ظاهر المفيد (5) - إلى وجوب الحد على الكامل منهما كملا، لتحقق الاحصان والزنا المقتضي لكمال الحد بالرجم. ولا عبرة بكمال اللذة ونقصانها، مع أنه لا يتم في المجنونة. ويؤيده وجوب الحد كملا لو زنى بالكاملة مجنون. ومع ذلك لا نص على حكم المجنونة، بخلاف الصبية، فإلحاقها بها قياس مع وجود الفارق. مع أنه وردت روايات بإطلاق حد البالغ منهما، وهو محمول على الحد المعهود عليه بحسب حاله من الاحصان وغيره. فروى ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام في غلام لم يبلغ الحلم وقع على امرأة أو فجر بامرأة، أي شي يصنع بهما؟ قال: يضرب الغلام دون الحد، ويقام على المرأة الحد، قلت: جارية لم تبلغ

(1) الكافي 7: 180 ح 1، الفقيه 4: 18 ح 39، التهذيب 10: 16 ح 44، الوسائل 18: 362 ب (9) من أبواب حد الزنا ح 1. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 758. (3) الكافي في الفقه: 405. (4) السرائر 3: 443 - 444. (5) المقنعة: 779.

[ 366 ]

وجدت مع رجل يفجر بها، قال: تضرب الجارية دون الحد، ويقام على الرجل الحد) (1). وقد عرفت (2) مر ارا حال أبي بصير واشتراكه، وأن صحة روايته إضافية. وأما زنا المجنون بالكاملة فلا إشكال في وجوب الحد كملا على الكاملة. وأما المجنون فاختلف في حكمه، فذهب الشيخان (3) وجماعة (4) إلى ثبوت الحد عليه كملا، حتى لو كان محصنا رجم، استنادا إلى رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام قال: (إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، فإن كان محصنا رجم، قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المرأة إنما تؤتى والرجل يأتي، وإنما يأتي إذا عقل كيف يأتي اللذة، وإن المرأة تستكره ويفعل بها، وهي لا تعقل ما يفعل بها) (5). وذهب الشيخ في كتابي الفروع (6) وابن إدريس (7) وأكثر (8) المتأخرين إلى

(1) الكافي 7: 180 ح 2، الفقيه 4: 18 ح 40، التهذيب 10: 17 ح 45، الوسائل 18: 362 ب (9) من أبواب حد الزنا ح 2. (2) راجع ج 8: 50. (3) المقنعة: 779، النهاية: 696. (4) المقنع: 436، الجامع للشرائع: 552. (5) الكافي 7: 192 ح 3، التهذيب 10: 19 ح 56، الوسائل 18: 388 ب (21) من أبواب حد الزنا ح 2. (6) يظهر ذلك من عده كمال العقل من شرائط الاحصان، راجع المبسوط 8: 3، الخلاف 5: 402 مسألة (46)، ولكن صرح في موضع آخر بوجوب الحد على المجنون الزاني بالعاقلة، انظر المبسوط 8: 4، الخلاف (طبعة جماعة المدرسين) 5: 372 مسألة (6)، ولكن في طبعة كوشانپور (2: 440 مسألة 6): لزمها الحد، بدل: لزمهما، وهو صريح في عدم وجوب الحد على المجنون. (7) السرائر 3: 444. (8) قواعد الاحكام 2: 250، المختلف: 759، إيضاح الفوائد 4: 471، اللمعة الدمشقية: 165.

[ 367 ]

وأما الجلد والتغريب: فيجبان على الذكر الحر غير المحصن، يجلد مائة، ويجز رأسه، ويغرب عن مصره إلى آخر عاما، مملكا كان أو غير مملك. وقيل: يختص التغريب بمن أملك ولم يدخل. وهو مبني على أن البكر ما هو؟ والاشبه أنه عبارة عن غير المحصن، وإن لم يكن مملكا. أما المرأة فعليها الجلد مائة، ولا تغريب عليها ولا جز. عدم وجوب الحد على المجنون، لعدم تكليفه، والحد عقوبة يتوقف على ثبوت التحريم في فاعل موجبها، وهو منتف هنا. وأجابوا عن الرواية - مع ضعف الطريق - بحملها على من يعتوره الجنون أدوارا بعد تحصيله، لان العلة التي ذكرها الامام عليه السلام تدل عليه. وهذا هو الاصح. قوله: (وأما الجلد... إلخ). هذه الثلاثة تجب على البكر اتفاقا. والاصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (1). وقول الصادق عليه السلام في صحيحة الحلبي: (الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم، والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة) (2). وقد اختلف في تفسير البكر، فقيل: من أملك، أي: عقد على امرأة دواما

(1) سنن الدارمي 2: 181، مسند أحمد 5: 327، صحيح مسلم 3: 1316 ح 12، سنن أبي داود 4: 144 ح 4415، سنن ابن ماجة 2: 852 ح 2550، سنن الترمذي 4: 32 ح 1434، سنن البيهقي 8: 210 و 222، تلخيص الحبير 4: 51 ح 1744. (2) الفقيه 4: 17 ح 30، التهذيب 10: 4 ح 14، الاستبصار 4: 201 ح 754، الوسائل 18: 348 ب (11) من أبواب حد الزنا ح 9.

[ 368 ]

ولم يدخل. ذهب إلى ذلك الشيخ في النهاية (1) وأتباعه (2) وجماعة (3). واختاره العلامة في المختلف (4) والتحرير (5). ويدل عليه روايات كثيرة، منها رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الذي لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى، والذي قد أملك ولم يدخل بها يجلد مائة وينفى) (6). وروايته أيضا عنه عليه السلام قال: (المحصن يرجم، والذي قد أملك ولم يدخل بها يجلد مائة ونفي سنة) (7). ورواية محمد بن قيس عنه عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الشيخ والشيخة أن يجلدا مائة، وقضى للمحصن الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة، ونفي سنة في غير مصرهما، وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بها) (8). وفي طريق الرواية الاولى موسى بن بكر، وحاله في الثقة غير معلوم. والثانية مرسلة. ومحمد بن قيس في الثالثة مشترك.

(1) النهاية: 694، ولم يذكر فيه قيد الدوام، وكذا في المصادر التالية. (2) المهذب 2: 519، الغنية: 424، إصباح الشيعة: 514. (3) إيضاح الفوائد 4: 479. (4) المختلف: 757. (5) تحرير الاحكام 2: 222. (6) الكافي 7: 177 ح 6، التهذيب 10: 4 ح 12، الاستبصار 4: 200 ح 752، الوسائل 18: 348 ب (11) من أبواب حد الزنا ح 7. (7) الكافي 7: 177 ح 4، التهذيب 10: 3 ح 8، الوسائل 18: 348 الباب المتقدم ح 6. (8) الكافي 7: 177 ح 7، التهذيب 10: 3 ح 9، الاستبصار 4: 202 ح 759، الوسائل 18: 347 الباب المتقدم ح 2.

[ 369 ]

وذهب الشيخ في كتابي (1) الفروع وابن إدريس (2) والمصنف وأكثر المتأخرين (3) إلى أن المراد بالبكر غير المحصن، لرواية عبد الله بن طلحة عن الصادق عليه السلام قال: (وإذا زنى الشاب الحدث السن جلد، وحلق رأسه، ونفي عن مصره) (4). وهو شامل للمملك وغيره، فلا يتقيد، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب. وأجاب في المختلف (5) بأن المعتمد رواية زرارة السابقة، مع منع امتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب. وعلى الاول فالقسمة ثلاثية، وعلى الثاني فهي ثنائية. وطريق الروايات من الجانبين غير نقي. واعلم أن الروايتين السابقتين تضمنتا تغريب الرجل والمرأة، ولكن المشهور بين الاصحاب - بل ادعى عليه الشيخ في الخلاف (6) الاجماع - اختصاص التغريب بالرجل، فإن تم الاجماع فهو الحجة، وإلا فمقتضى النص (7) ثبوته عليها (8). وهو مختار ابن أبي عقيل (9) - رحمه الله - وابن الجنيد (10).

(1) الخلاف 5: 368 مسألة (3)، المبسوط 8: 2. (2) السرائر 3: 439. (3) كشف الرموز 2: 547. (4) التهذيب 10: 4 ح 10، الاستبصار 4: 200 ح 750، الوسائل 18: 349 ب (1) من أبواب حد الزنا ح 11، ولم ترد في المصادر: وحلق رأسه. (5) المختلف: 757. (6) الخلاف 5: 368 مسألة (3). (7) الوسائل 18: 347 ب (1) من أبواب حد الزنا ح 2، 9، 12. (8) في الحجريتين: عليهما. (9) حكاه عنه العلامة في المختلف: 757. (10) لم نعثر عليه.

[ 370 ]

والمملوك يجلد خمسين، محصنا كان أو غير محصن، ذكرا كان أو أنثى. ولا جز على أحدهما ولا تغريب. وعللوا عدم تغريبها بأنها عورة يقصد بها الصيانة ومنعها عن الاتيان بمثل ما فعلت، ولا يؤمن عليها ذلك في الغربة. وهذا التعليل لا يقابل النص، وإنما يتجه مؤيدا للحكم وحكمة له. ثم عد إلى العبارة. واعلم أنه حكم في صدرها بعقوبتين، وفي عجزها بثلاث، بإضافة الجز. ولعله لضعف عقوبة الجز الذي يكتفى فيه بحلق الناصية، مع أنه مختص برواياتنا (1). والمروي (2) عن النبي صلى الله عليه وآله في البكر هو الجلد والتغريب. قوله: (والمملوك يجلد... إلخ). قد عرفت أن من شروط الاحصان الموجب للرجم الحرية، فالمملوك ليس بمحصن مطلقا، فلا يرجم، ويجلد خمسين جلدة على ما قال تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (3). والقن وغيره في ذلك سواء. ومذهب الاصحاب أنه لا يغرب، لما فيه من الاضرار بالسيد وتفويت المنفعة عليه. ولان التغريب للتشديد، والعبد جليب اعتاد الانتقال من بلد إلى آخر، فليس في تغريبه تشديد. وعند بعض (4) العامة أنه يغرب أيضا، عملا بعموم النص. ولا ينظر إلى ضرر السيد في عقوبات الجرائم، كما أنه يقتل إذا ارتد، ويحد إذا قذف، وإن

(1) راجع الوسائل 18: 359 ب (7) من أبواب حد الزنا ح 7 و 8. (2) راجع ص: 367. (3) النساء: 25. (4) روضة الطالبين 7: 307، الحاوي الكبير 13: 205 - 206، حلية العلماء 8: 12، الوجيز 2: 167 - 168، كفاية الاخيار 2: 111.

[ 371 ]

ولو تكرر من الحر الزنا، فأقيم عليه الحد مرتين، قتل في الثالثة. وقيل: في الرابعة. وهو أولى. أما المملوك، فإذا أقيم عليه الحد سبعا، قتل في الثامنة. وقيل: في التاسعة. وهو أولى. تضرر السيد. مع أنه يمكنه إجارته واشتغاله (1) هناك. والتشديد قد يحصل عليه بذلك، فإن الطبع إذا ألف موضعا شق عليه الانتقال عنه. قوله: (ولو تكرر من الحر... إلخ). المراد بالحر ما يشمل الحرة. والمراد به غير المحصن، سواء كان مملكا أم لا. وشذ قول الشيخ في النهاية (2) بتخصيصه بغير المملك. واحترز بكونه قد أقيم عليه الحد عما لو لم يقم عليه الحد مرتين، فإنه لا يقتل إجماعا. وقد اختلف في حكم الحر على أقوال: أظهرها - وهو الذي اختاره المصنف - قتله في الثالثة. وهو قول الصدوقين (3) وابن إدريس (4)، لصحيحة يونس عن الكاظم عليه السلام أن: (أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة) (5). وأشهرها أنه يقتل في الرابعة. اختاره الشيخ في النهاية (6) والمبسوط (7)،

(1) في (ت، د): واستعماله. (2) النهاية: 694. (3) المقنع: 427 - 428، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 758. (4) السرائر 3: 442. (5) الكافي 7: 191 ح 2، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 37 ح 130، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 388 ب (20) من أبواب حد الزنا ح 3. (6) النهاية: 694. (7) المبسوط 8: 11.

[ 372 ]

والمفيد (1) والمرتضى (2) والاتباع (3) والعلامة (4). وجعله المصنف أولى من حيث الاحتياط في الدماء لا من حيث الفتوى، فإن مختاره في الكتابين (5) الاول. ومستند هذا القول رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الزاني إذا زنى جلد ثلاثا، ويقتل في الرابعة) (6). وفي طريقها محمد بن عيسى، عن يونس، وإسحاق بن عمار، وهو فطحي وإن كان ثقة، وأبو بصير قد عرفت (7) حاله مرارا، فلا تعارض الصحيح. والقائلون بمضمونها جعلوها مخصصة للرواية السابقة، فحملوها على ما عدا الزنا من الكبائر، لان الخاص مقدم، ولما فيه من الاحتياط في الدماء. وأغربها أنه يقتل في الخامسة. ذكره الشيخ في الخلاف (8). هذا حكم الحر. وأما المملوك ففيه قولان: أحدهما - وهو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وقبله المفيد (9)

(1) المقنعة: 776. (2) الانتصار: 256. (3) الكافي في الفقه: 407، المراسم: 251، المهذب 2: 520، الوسيلة: 411، الغنية: 421. (4) المختلف: 758. (5) المختصر النافع: 215. (6) الكافي 7: 191 ح 1، التهذيب 10: 37 ح 129، الاستبصار 4: 212 ح 790، الوسائل 18: 387 ب (20) من أبواب حد الزنا ح 1. (7) راجع ج 8: 50. (8) الخلاف 5: 408 مسألة (55). (9) المقنعة: 779.

[ 373 ]

والمرتضى (1) وابنا بابويه (2) وابن إدريس (3) وجماعة (4) -: أنه يقتل في الثامنة، لحسنة بريد عن الصادق عليه السلام قال: (إذا زنى العبد ضرب خمسين إلى ثماني مرات، فإن زنى ثماني مرات قتل) (5). والثاني: أنه يقتل في التاسعة. ذهب إليه الشيخ في النهاية (6)، والقاضي (7) وجماعة (8). وجعله المصنف أولى. واختاره العلامة (9)، لقول الصادق عليه السلام في رواية عبيد بن زرارة أو بريد العجلي - شك محمد بن مسلم فيه -: (إذا زنت الامة ثماني مرات رجمت في التاسعة) (10). والمراد به مع تخلل الجلد. وهي نص في التاسعة، بخلاف الاولى، فإنها مجملة، فيحتمل أن يكون المراد بها: قتل في التاسعة، بل يتعين جمعا بينهما. ورد بأنه جعله جزاء الشرط وهو زناه ثماني مرات، فلا تعلق (11) بغيره.

(1) الانتصار: 256. (2) المقنع: 439، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 758. (3) السرائر 3: 442. (4) الكافي في الفقه: 407، المراسم: 253، الوسيلة: 411. (5) التهذيب 10: 28 ح 87، الوسائل 18: 403 ب (32) من أبواب حد الزنا ح 2. (6) النهاية: 695. (7) المهذب 2: 520. (8) الجامع للشرائع: 551، إيضاح الفوائد 4: 488، المقتصر: 401. (9) المختلف: 758. (10) الفقيه 4: 31 ح 90، التهذيب 10: 27 ح 86، الوسائل 18: 402 ب (32) من أبواب حد الزنا ح 1. وفي المصادر: أن الشك من محمد بن سليمان المصري، إذ لم يذكر في سند الرواية محمد بن مسلم. (11) في (ت): يعلق.

[ 374 ]

وفي الزنا المتكرر حد واحد وإن كثر. وفي رواية أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام: (إن زنى بامرأة مرارا فعليه حد، وإن زنى بنسوة فعليه في كل امرأة حد). وهي مطرحة. وجمع الراوندي (1) بين الروايتين، بحمل الثامنة على ما إذا قامت البينة فيها (2)، والتاسعة على حالة الاقرار، فجعل القول بذلك ثالثا. وهو تحكم. هذا مع أن في طريق الرواية الثانية ضعفا أو جهالة، بخلاف الاولى، فالعمل بها أرجح. ولمناسبتها لكون المملوك على النصف من أحكام الحر، وغاية احتياطه أن يكون التنصيف هنا باعتبار قتل الحر في الرابعة. واعلم أن هاتين الروايتين تضمنتا أن الامام يدفع ثمن المملوك بعد قتله إلى مواليه من بيت المال. واختاره بعض الاصحاب، ونفى عنه الشهيد في الشرح (3) البعد. قوله: (وفي الزنا المتكرر... إلخ). المشهور بين الاصحاب أن الزنا المتكرر قبل إقامة الحد يوجب حدا واحدا مطلقا، لاصالة البرأة، وصدق الامتثال، وابتناء الحدود على التخفيف، وللشك في وجوب الزائد فيدرأ بالشبهة. وقال ابن الجنيد (4) والصدوق في المقنع (5): إن زنى بامرأة واحدة كفى حد

(1) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 342. (2) في (أ): بها. (3) غاية المراد: 342. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 762. (5) المقنع: 438.

[ 375 ]

ولو زنى الذمي بذمية، دفعه الامام إلى أهل نحلته، ليقيموا [ عليه ] الحد على معتقدهم. وإن شاء أقام الحد بموجب شرع الاسلام. واحد، وإن زنى بجماعة نساء في ساعة واحدة حد لكل امرأة حدا، استنادا إلى رواية أبي بصير عن الباقر عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يزني في اليوم الواحد مرات كثيرة، فقال: إن كان زنى بامرأة واحدة كذا وكذا مرة فإنما عليه حد واحد، وإن هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد في ساعة واحدة فإن عليه في كل امرأة فجر بها حدا) (1). وفي طريق الرواية ضعف، مع أنها غير حاصرة لاقسام المسألة. والمعتمد المشهور. قوله: (ولو زنى الذمي... إلخ). أما إقامته بموجب شرع الاسلام فواضح، لانه الحق، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله) (2). وقد روي (3) أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله برجل وامرأة منهم قد زنيا فرجمهما، في قصة طويلة. وأما تخييره بين ذلك وبين رده إلى أهل ملته فلقوله تعالى: (فإن جاوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) (4). قال ابن عباس - رضي الله عنه -: (خير الله

(1) الكافي 7: 196 ح 1، الفقيه 4: 20 ح 49، التهذيب 10: 37 ح 131، الوسائل 18: 392 ب (23) من أبواب حد الزنا. (2) المائدة: 48. (3) مسند أحمد 2: 5، صحيح البخاري 9: 129، صحيح مسلم 3: 1326 ح 26، سنن أبي داود 4: 153 ح 4446، سنن ابن ماجة 2: 854 ح 2556، مستدرك الحاكم 4: 365، سنن البيهقي 8: 215، تلخيص الحبير 4: 54 ح 1750. (4) المائدة: 42.

[ 376 ]

ولا يقام الحد على الحامل حتى تضع، وتخرج من نفاسها، وترضع الولد إن لم يتفق له مرضع. ولو وجد له كافل، جاز إقامة الحد. تعالى نبيه بقوله: (فإن جاوك...) (1) الاية. وهذا التخيير ثابت للائمة والحكام بدليل التأسي. ودعوى أن آية التخيير منسوخة (2) لم تثبت. قوله: (ولا يقام الحد على الحامل... إلخ). لا فرق في المنع من إقامة الحد على الحامل بين أن يكون جلدا أو رجما، مراعاة لحق الولد، فإنه لا سبيل عليه. وأما اعتبار خروجها من نفاسها فمخصوص بمن تجلد، لانها حينئذ مريضة. أما من ترجم فلا يعتبر خروجها من المرض، كما سيأتي (3)، ومنه النفاس. ثم إن كان للولد من يرضعه ويكفله أقيم عليها الحد ولو رجما بعد شربه اللباء (4)، بناء على المشهور من أنه لا يعيش غالبا بدونه، وإلا انتظر بها استغناء الولد عنها. وهو مروي من فعل النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام مع المرأة التي أقرت عندهما بالزنا، فلم يرجماها حتى ولدت وأرضعته حولين فأقاما عليها الحد (5).

(1) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: 94، التبيان 3: 524، مجمع البيان 3: 339. (2) التبيان 3: 524، مجمع البيان 3: 339، تفسير القرطبي 6: 184 - 185. (3) في الصفحة التالية. (4) اللباء، على فعل، بكسر الفاء وفتح العين: أول اللبن في النتاج أو عند الولادة. لسان العرب 1: 150. (5) الكافي 7: 185 ح 1، الفقيه 4: 22 ح 52، التهذيب 10: 9 ح 23، الوسائل 18: 377 ب (16) من أبواب حد الزنا ح 1. وانظر سنن الدارمي 2: 179 و 180، مسند أحمد 5: 348، صحيح مسلم 3: 1323 ح 23، سنن أبي داود 4: 152 ح 4442.

[ 377 ]

ويرجم المريض والمستحاضة. ولا يجلد أحدهما إذا لم يجب قتله ولا رجمه، توقيا من السراية، ويتوقع بهما البر. وإن اقتضت المصلحة التعجيل، ضرب بالضغث المشتمل على العدد. ولا يشترط وصول كل شمراخ إلى جسده. ولا تؤخر الحائض، لانه ليس بمرض. والمراد بالجواز في قوله: (جاز إقامة الحد) مع وجود الكافل معناه الاعم. والمراد منه الوجوب، إذ لا يجوز تأخير الحد مع عدم العذر، والفرض انتفاؤه هنا. وإطلاق المصنف - رحمه الله - المنع من إقامة الحد عليها بعد الوضع إلى أن ترضع الولد يشمل الرجم والجلد. وهو يتم في الاول دون الثاني، إلا بتقدير الخوف عليها من الجلد من الموت، أو ما يحصل معه الاذى على الولد. وفي التحرير (1) صرح بعدم الفرق بين الجلد والرجم في انتظارها إلى أن ترضع الولد، إذا لم يحصل له من يكفله. ولا فرق في الولد بين كونه من زنا وغيره. قوله: (ويرجم المريض والمستحاضة... إلخ). المشهور أن الرجم لا يؤخر بالمرض مطلقا، لان نفسه مستوفاة، فلا فرق بين المريض والصحيح. ويحتمل جواز تأخيره إن ثبت زناه بالاقرار إلى أن يبرأ، لانه بسبيل من الرجوع، وربما رجع بعدما رمي، فيعين ما وجد من الرمي على قتله. ومثله يأتي في رجمه في شدة الحر والبرد. وإن كان الواجب الجلد، فإن كان المرض مما يرجى زواله أخر إلى أن يبرأ، كيلا يهلك باجتماع الجلد والمرض. ومثله المحدود والمقطوع في حد

(1) تحرير الاحكام 2: 223.

[ 378 ]

ونحوه. ولو رأى الحاكم صلاحا في تعجيله في المرض ضرب بحسب ما يحتمله من الضرب بالضغث وغيره، كما يؤدي المريض الصلاة الواجبة عليه قائما في حالة القعود، ولا ينتظر التمكن من القيام. وإن كان المرض [ الذي ] (1) لا يرجى زواله، كالسل (2) والزمانة وضعف الخلقة بحيث لا يحتمل السياط، لم يؤخر، إذ لا غاية ينتظر. ولا يضرب بالسياط لئلا يهلك، بل يضرب بالضغث، وهو قبضة من قضبان، أو العثكال (3) من النخل المشتمل على الشماريخ، ونحوه. ولو جمع له سياطا وضرب بها جملة فهو أولى مع احتماله. وقد روي أن رجلا مقعدا زنى بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وآله فحد بعثكال النخل. والاثكال والعثكال واحد (4). وروي (5) أنه صلى الله عليه وآله أمر أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. وروى حنان بن سدير عن يحيى بن عباد المكي قال: (قال لي سفيان الثوري: أرى لك من أبي عبد الله عليه السلام منزلة، فاسأله عن رجل زنى وهو مريض إن أقيم عليه الحد مات، ما تقول فيه؟ فسألته فقال عليه السلام: إن رسول

(1) من (خ، د، م). (2) في (ث، خ): كالشل. (3) العثكال: هو في النخل بمنزلة العنقود من الكرم. وشماريخ العثكال: أغصانه، واحدها شمراخ. لسان العرب 11: 425. (4) مسند أحمد 5: 222، سنن ابن ماجة 2: 859 ح 2574، سنن أبي داود 4: 161 ح 4472، سنن الدارقطني 3: 99 ح 64 - 67، سنن البيهقي 8: 230، تلخيص الحبير 4: 58 ح 1762. (5) مسند أحمد 5: 222، سنن ابن ماجة 2: 859 ح 2574، سنن أبي داود 4: 161 ح 4472، سنن الدارقطني 3: 99 ح 64 - 67، سنن البيهقي 8: 230، تلخيص الحبير 4: 58 ح 1762.

[ 379 ]

الله صلى الله عليه وآله أتي برجل مستسقى البطن قد بدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعذق فيه مائة شمراخ فضرب به الرجل ضربة، وضربت به المرأة ضربة، ثم خلى سبيلهما (1)، ثم قراء هذه الاية: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) (2). وروى مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام أتي برجل أصاب حدا وبه قروح ومرض وأشباه ذلك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أخروه حتى يبرأ لا تنكاء (3) قروحه عليه فيموت، ولكن إذا برئ حددناه) (4). إذا تقرر ذلك، فإن جمع الغصن ونحوه مائة ضرب به دفعة واحدة، وإن كان عليه خمسون ضرب به مرتين، وعلى هذا القياس. ويعتبر ما يسمى ضربا، فلا يكفي وضعها عليه. وينبغي أن تمسه الشماريخ، أو ينكبس بعضها على بعض ليثقل الغصن ويناله الالم، فإن انتفى الامران أوشك فيه لم يسقط الحد. ولا يجب تفريق السياط على الايام وإن احتمل التفريق، بل يقام عليه الممكن ويخلى سبيله. ولو برئ قبل أن يضرب بالشماريخ أقيم عليه حد الاصحاء. ولو برئ بعده لم يعد عليه.

(1) الكافي 7: 243 ح 1، الفقيه 4: 19 ح 41، التهذيب 10: 32 ح 108، الوسائل 18: 320 ب (13) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) ص: 44. (3) نكاء القرحة ينكؤها نكاء: قشرها قبل أن تبرأ فنديت. لسان العرب 1: 173. (4) الكافي 7: 244 ح 5، التهذيب 10: 33 ح 111، الاستبصار 4: 212 ح 789، الوسائل 18: 322 الباب المتقدم ح 6.

[ 380 ]

ولا يسقط الحد باعتراض الجنون ولا الارتداد. ولا يقام الحد: في شدة الحر، ولا شدة البرد، ويتوخى به في الشتاء وسط النهار، وفي الصيف طرفاه، ولا في أرض العدو مخافة الالتحاق، ولا في الحرم على من التجاء إليه، بل يضيق عليه في المطعم والمشرب ليخرج. ويقام على من أحدث موجب الحد فيه. والمستحاضة في معنى المريض، لانها علة. ويؤيده رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقام الحد على المستحاضة حتى ينقطع الدم عنها) (1). أما الحائض فهي صحيحة من حيث الحيض، لدلالته على اعتدال المزاج. قوله: (ولا يسقط الحد... إلخ). لا فرق في الحد هنا بين القتل وغيره، وإن اجتمع على المرتد للقتل سببان. ثم إن كان قتلا لم ينتظر بالمجنون الافاقة. وإن كان جلدا ففي انتظار إفاقته إن كان له حالة إفاقة وجهان، من أنه أقوى في الردع، ومن إطلاق الامر بإقامته عليه في صحيحة أبي عبيدة عن الباقر عليه السلام: (في رجل وجب عليه حد فلم يضرب حتى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه الحد وهو صحيح لا علة به من ذهاب عقله، أقيم عليه الحد، كائنا ما كان) (2). وهذا أجود. قوله: (ولا يقام الحد في شدة... إلخ).

(1) الكافي 7: 262 ح 14، التهذيب 10: 47 ح 170، الوسائل 18: 321 ب (13) من أبواب مقدمات الحدود ح 3. (2) الفقيه 4: 30 ح 84، التهذيب 10: 19 ح 58، الوسائل 18: 317 ب (9) من أبواب مقدمات الحدود.

[ 381 ]

هنا مسائل: الاولى: كما لا يقام الحد في المرض خشية الهلاك بتعاون الجلد والمرض، كذا لا يقام في الحر والبرد المفرطين خشية الهلاك بتعاون الجلد والهواء، ولكن يؤخر إلى اعتدال الهواء، وذلك في وسط نهار الشتاء وطرفي نهار الصيف، ونحو ذلك مما يراعى فيه السلامة. والكلام في الحد الموجب للرجم كما مر في إقامته على المريض. وظاهر النص (1) والفتوى (2) أن الحكم على وجه الوجوب لا الاستحباب، فلو أقامه لا كذلك ضمن، لتفريطه. الثانية: يكره إقامة الحد في أرض العدو وهم الكفار، مخافة أن تحمل المحدود الحمية فيلتحق بهم. روى ذلك إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام: (أن عليا عليه السلام كان يقول: لا تقام الحدود بأرض العدو، مخافة أن تحمله الحمية فيلتحق بأرض العدو) (3). والعلة مخصوصة بحد لا يوجب القتل. الثالثة: من أحدث ما يوجب حدا ثم التجاء إلى الحرم لم يقم عليه فيه، مراعاة لحرمة الحرم، ولقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) (4). ولكن يضيق عليه في المطعم والمشرب، بأن يمنع مما زاد عما يمسك رمقه، ويمكن مما لا يصبر عليه مثله عادة، إلى أن يخرج فيقام عليه [ فيه ] (5). ولو فعل ما يوجب الحد فيه أقيم عليه فيه، لانتهاكه لحرمة الحرم فتنتهك حرمته.

(1) راجع الوسائل 18: 315 ب (7) من أبواب مقدمات الحدود. (2) النهاية: 701، المهذب 2: 529، الوسيلة: 412، إصباح الشيعة: 516. (3) التهذيب 10: 147 ح 586، الوسائل 18: 318 ب (10) من أبواب مقدمات الحدود ذيل ح 2. (4) آل عمران: 97. (5) من (ث، ط، م).

[ 382 ]

الثاني: في كيفية إيقاعه إذا اجتمع الجلد والرجم، جلد أولا. وكذا إذا اجتمعت حدود، بدئ بما لا يفوت معه الاخر. وهل يتوقع بر جلده؟ قيل: نعم، تأكيدا في الزجر. وقيل: لا، لان القصد الاتلاف. والمراد منه الحرم المعهود بمكة المشرفة. وألحق به بعضهم حرم النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، وهي مشاهدهم المشرفة. ولم نقف له على مأخذ صالح. قوله: (إ ذا اجتمع الجلد والرجم... إلخ). إذا اجتمع على المكلف حدان فصاعدا، فإن أمكن الجمع بينهما من غير منافاة، كما لو زنى غير محصن وقذف، تخير المستوفي في البدأة. وكذا لو سرق معهما (1). وإن تنافت، بأن كان فيها قتل أو نفي، وجب البدأة بما لا يفوت، جمعا بين الحقوق الواجب تحصيلها، فيبداء بالجلد قبل الرجم والقتل، وبالقطع قبل القتل، وهكذا. وقد دل على وجوب مراعاة ذلك روايات كثيرة، منها رواية (2) محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: (في الرجل يؤخذ وعليه حدود أحدها القتل، فقال: كان علي عليه السلام يقيم الحدود ثم يقتله، ولا تخالف عليا عليه

(1) في (أ، ث، د، م): معها. (2) الكافي 7: 250 ح 1، التهذيب 10: 45 ح 162، الوسائل 18: 326 ب (15) من أبواب مقدمات الحدود ح 4.

[ 383 ]

ويدفن المرجوم إلى حقويه، والمرأة إلى صدرها. السلام). ومثلها حسنة حماد بن عثمان (1) وعبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام. إذا تقرر ذلك، فالواجب من ذلك ما يحصل معه الجمع، ولا يجب التأخير زيادة عليه، للاصل، ولانه لا تأخير في حد. ولما روي (3) أن عليا عليه السلام جلد المرأة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. ولان القصد الاتلاف، فلا وجه للتأخير. وذهب الشيخان (4) والاتباع (5) إلى وجوب تأخيره إلى أن يبرأ جلده، تأكيدا في الزجر. ومنعوا (6) من كون الواجب الاتلاف مطلقا، بل جاز أن يكون بعض الغرض والبعض الاخر قصد التعذيب. ولا يخفى أن إثبات هذا الحكم المخالف للاصل يتوقف على مستند صالح، ومجرد ما ذكر غير كاف فيه. قوله: (ويدفن المرجوم... إلخ). ظاهره أن ذلك على وجه الوجوب. ووجهه: التأسي (7) بالنبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، فقد فعلا ذلك. لكن في كثير من

(1) الكافي 7: 250 ح 2 و 4، التهذيب 10: 45 ح 163 و 164، الوسائل 18: 326 الباب المتقدم ح 5 و 6. (2) الكافي 7: 250 ح 2 و 4، التهذيب 10: 45 ح 163 و 164، الوسائل 18: 326 الباب المتقدم ح 5 و 6. (3) تقدم ذكر مصادره في ص: 363 هامش (10). (4) المقنعة: 775، النهاية: 699. (5) الكافي في الفقه: 405، المهذب 2: 527، غنية النزوع: 424، إصباح الشيعة: 515. (6) راجع المختلف: 760، إيضاح الفوائد 4: 483. (7) الفقيه 4: 22 ح 52، الوسائل 18: 380 ب (16) من أبواب حد الزنا ح 5. وانظر سنن الدارمي 2: 178، صحيح مسلم 3: 1323 ح 23، سنن البيهقي 8: 221، تلخيص الحبير 4: 58 ح 1761.

[ 384 ]

فإن فر، أعيد [ وجوبا ] إن ثبت زناه بالبينة. ولو ثبت بالاقرار لم يعد. وقيل: إن فر قبل إصابته بالحجارة أعيد. الروايات (1) أن المرأة تدفن إلى وسطها من غير تقييد بالصدر. ويحتمل الاستحباب، بل إيكال الامر إلى الامام، لما روي (2) أن النبي صلى الله عليه وآله حفر بئرا للغامدية ولم يحفر للجهنية. وعن أبي سعيد الخدري في قصة ماعز قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله برجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، ورميناه بالعظام والمدر والخزف، ثم اشتد واشتددنا له حتى أتى الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت) (3). وروى الحسين بن خالد عن أبي الحسن عليه السلام أن ماعزا إنما فر من الحفيرة (4). وطرق الروايات الدالة على الحفر والتحديد غير نقية، ولكنها كافية في إقامة السنة. قوله: (فإن فر أعيد إن ثبت زناه بالبينة... إلخ).

(1) الكافي 7: 184 ح 1 و 2 و 4، التهذيب 10: 34 ح 113 و 116، الوسائل 18: 374 ب (14 أبواب حد الزنا ح 1 و 3. (2) سنن الدارمي 2: 179 - 180، مسند أحمد 4: 437، صحيح مسلم 3: 1324 ح 24، سنن أبي داود 4: 151 ح 4440 و 4442، سنن الترمذي 4: 33 ح 1435، سنن البيهقي 8: 217 - 218، تلخيص الحبير 4: 58 ح 1761. (3) سنن الدارمي 2: 178، مسند أحمد 3: 62، صحيح مسلم 3: 1320 ح 20، سنن أبي داود 4: 149 ح 4431، تلخيص الحبير 4: 58 ح 1760. (4) الكافي 7: 185 ح 5، المحاسن: 306 ح 19، الوسائل 18: 376 ب (15) من أبواب حد الزنا ح 1.

[ 385 ]

إذا فر المرجوم وكان الموجب ثابتا بالبينة وجب إعادته، لانه محكوم بوجوب إتلافه بالرجم، ولا يتم إلا بالاعادة، فتجب من باب المقدمة. وإن ثبت بالاقرار وفر، قيل: لم يعد مطلقا، لانه يتضمن الرجوع عن الاقرار أو كالرجوع، والرجوع عن الاقرار مسقط للرجم، لان فائت النفس لا يستدرك، سواء أصابته الحجارة أم لا. هكذا أطلق المفيد (1) وأبو الصلاح (2) وسلا ر (3) وجماعة (4). وقال الشيخ في النهاية (5): إن فر قبل إصابة الحجارة أعيد، وإلا فلا، لرواية الحسين بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا كان هو المقر على نفسه، ثم هرب من الحفيرة بعد ما يصيبه شي من الحجارة، لم يرد) (6). وهي تدل بمفهومها على رده إذا لم يصبه شي. ولانه قد وجب عليه الرجم بإقراره، فلا بد من حصول مسماه. ولا يخفى ضعف الدليلين. أما الرواية فمن حيث السند ودلالة المفهوم. وأما الاعتبار فلمنع اشتراط حصول مسماه، ومن ثم لو رجع أو جحد قبله قبل. والاصح الاول. ويؤيده ما تقدم من قصة ماعز وفراره. وقول النبي صلى

(1) المقنعة: 775. (2) الكافي في الفقه: 407. (3) المراسم: 252. (4) المقنع: 429، غنية النزوع: 424، إصباح الشيعة: 515. (5) النهاية: 700. (6) تقدم ذكر مصادرها في الصفحة السابقة هامش (4).

[ 386 ]

ويبداء الشهود برجمه وجوبا. ولو كان مقرا بداء الامام. وينبغي أن يعلم الناس ليتوفروا على حضوره. الله عليه وآله: (هلا تركتموه) (1) وإن كان مفروضا بعد إصابة الحجارة، إلا أنه لم يقع ذلك شرطا، وجاز خروجه في هذه الرواية مخرج الاغلب، لانه مظنته. قوله: (ويبداء الشهود... إلخ). مستند التفصيل رواية صفوان المرسلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أقر الزاني المحصن كان أول من يرجمه الامام ثم الناس، فإذا قامت عليه البينة كان أول من يرجمه البينة ثم الامام ثم الناس) (2). وفي كثير من الاخبار إطلاق بدأة الامام (3). ويحتمل حمل ذلك على الاستحباب، لضعف المستند عن إثبات الوجوب. وللاخبار (4) المستفيضة بقصة ماعز، وأن النبي صلى الله عليه وآله لم يحضر رجمه فضلا عن بدأته به. ويظهر من كلام الشيخ (5) - رحمه الله - عدم وجوب بدأة الشهود، لانه لم يوجب عليهم حضور موضع الرجم. وسيأتي (6). قوله: (وينبغي أن يعلم الناس... إلخ).

(1) الكافي 7: 185 ح 5، التهذيب 10: 8 ح 22، الوسائل 18: 376 ب (15) من أبواب حد الزنا ح 1، 2. (2) الكافي 7: 184 ح 3، الفقيه 4: 26 ح 62، التهذيب 10: 34 ح 114، الوسائل 18: 374 ب (14) من أبواب حد الزنا ح 2. (3) راجع الوسائل 18: 374 ب (14) من أبواب حد الزنا ح 1، 3. (4) انظر الهامش (1) هنا. (5) الخلاف 5: 376 مسألة (14). (6) في ص: 393.

[ 387 ]

ويستحب أن يحضر إقامة الحد طائفة. وقيل: يجب، تمسكا بالاية. وأقلها واحد، وقيل: عشرة، وخرج متأخر: ثلاثة. والاول حسن. وينبغي أن تكون الحجارة صغارا، لئلا يسرع التلف. لقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (1). ولما روي (2) من فعل أمير المؤمنين عليه السلام لما رجم المرأة المقرة، ومناداته في الناس حتى اجتمعوا وعزم عليهم لما خرجوا معه، إلى آخر القصة. ولما فيه من الاعتبار والانزجار من فعل القبيح، كما تقتضيه حكمة الحدود. قوله: (ويستحب أن يحضر... إلخ). قد ورد الامر بحضور طائفة عند استيفاء الحد بقوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). واختلف في موضعين: أحدهما: هل الامر للوجوب أم الاستحباب؟ فقيل بالاول. واختاره ابن إدريس (3) والمصنف في النافع (4) وجماعة (5)، عملا بظاهر الامر، فإن الاصل فيه الوجوب. وقيل بالثاني. وهو الذي اختاره المصنف - رحمه الله - هنا، وقبله الشيخ في كتب (6) الفروع، لاصالة عدم الوجوب، وحمل الامر على الاستحباب، لانه

(1) النور: 2. (2) الكافي 7: 188 ح 3، تفسير القمي 2: 97، الوسائل 18: 342 ب (31) من أبواب مقدمات الحدود ح 3. (3) السرائر 3: 453. (4) المختصر النافع: 217. (5) المقنعة: 780 - 781، الكافي في الفقه: 406، الوسيلة: 412. (6) النهاية: 701، المبسوط 8: 8، الخلاف 5: 374 مسألة (11).

[ 388 ]

وقيل: لا يرجمه من لله [ تعالى ] قبله حد. وهو على الكراهية. بعض ما ورد بمعناه. ولا يخفى قوة الاول. وثانيهما: في أقل عدد يتحقق به الطائفة. فقيل: أقلها واحد. وهو الذي اختاره المصنف والعلامة (1)، وقبلهما الشيخ في النهاية (2)، لانه المنقول عن بعض (3) أئمة اللغة. ولان الطائفة قطعة من الشي، وهي تصدق بالواحد. ولاصالة برأة الذمة من الزائد. ويؤيده رواية غياث بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام: (في قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) قال: الطائفة واحد) (4). وقال الشيخ في الخلاف (5): أقلها عشرة، محتجا بالاحتياط. وقال ابن إدريس (6): أقلها ثلاثة، محتجا بدلالة العرف، وشاهد الحال، مع أصالة برأة الذمة من الزائد. قوله: (وقيل لا يرجمه من لله... إلخ). وجه الاول: ما روي عن علي عليه السلام لما رجم المرأة أنه نادى بأعلى صوته: (يا أيها الناس إن الله تبارك وتعالى عهد إلى نبيه صلى الله عليه وآله عهدا، وعهده محمد صلى الله عليه وآله إلي، بأنه لا يقيم الحد من لله عليه حد، فمن كان لله عليه حد مثل ماله عليها فلا يقم عليها الحد) (7). والاصل في النهي التحريم.

(1) قواعد الاحكام 2: 254. (2) النهاية: 701. (3) لسان العرب 9: 226، القاموس المحيط 3: 170. (4) التهذيب 10: 150 ح 602، الوسائل 18: 370 ب (11) من أبواب حد الزنا ح 5. (5) الخلاف 5: 374 مسألة (11). (6) السرائر 3: 454. (7) الكافي 7: 187 ذيل ح 1، الفقيه 4: 24 ذيل ح 52، التهذيب 10: 11 ذيل ح 23، الوسائل 18: 341 ب (31) من أبواب مقدمات الحدود ح 1.

[ 389 ]

ويدفن إذا فرغ من رجمه. ولا يجوز إهماله. ويجلد الزاني مجردا، وقيل: على الحال التي وجد عليها، قائما، أشد الضرب. وروي: متوسطا. ويفرق على جسده، ويتقى وجهه ورأسه وفرجه. والمرأة تضرب جالسة، وتربط [ عليها ] ثيابها. والاولى حمله على الكراهة، لقصوره سندا عن إفادة التحريم، مضافا إلى أصالة الاباحة. قوله: (ويدفن إذا فرغ... إلخ). وكذا تجب الصلاة عليه وغسله قبلها إن لم يكن اغتسل قبل أن يرجم، فإن السنة أمره بالاغتسال قبله. وإنما وجب فعل ذلك لانه مسلم، وذنبه السابق غير مانع. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمر برجم الجهنية فرجمت صلى عليها فقال له عمر: (تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ فقال صلى الله عليه وآله: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله؟!) (1). وفي حديث الغامدية لما رجموها فأقبل خالد بحجر فرمى رأسها، فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي صلى الله عليه وآله سبه إياها فقال: (مهلا يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت) (2). قوله: (ويجلد الزاني... إلخ).

(1) صحيح مسلم 3: 1324 ح 24، تلخيص الحبير 4: 59 ح 1766. (2) صحيح مسلم 3: 1323 - 1324 ح 23.

[ 390 ]

النظر الثالث في اللواحق وهي مسائل عشر: الاولى: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا قبلا، فادعت أنها بكر، فشهد لها أربع نساء [ بذلك ]، فلا حد. القول بجلده على الحالة التي وجد عليها - عاريا كان أم كاسيا - هو للشيخ (1) والاكثر (2). هذا إذا كان رجلا. وإن كان امرأة ربطت عليها ثيابها على التقديرين. وقال الصدوق في المقنع (3): يجلدان معا على الحالة التي وجدا عليها، فإن وجدا مجردين ضربا مجردين. والاظهر الاول، لان بدن المرأة عورة، فلا يجوز تجريدها. وكذا يجب ستر عورة الرجل. وضربهما أشد الضرب هو المشهور رواية (4) وفتوى. والرواية بكونه متوسطا رواها حريز مرسلا عن الباقر عليه السلام، قال: (يضرب بين الضربين) (5). وعمل بها بعض (6) الاصحاب. والاشهر (7) الاول. قوله: (إذا شهد أربعة على امرأة... إلخ).

(1) النهاية: 700. (2) الكافي في الفقه: 407، المراسم: 253، المهذب 2: 527، غنية النزوع: 425، الوسيلة: 412، إصباح الشيعة: 516. (3) انظر المقنع: 428، وحكاه عنه العلامة في المختلف: 762. (4) راجع الوسائل 18: 369 ب (11) من أبواب حد الزنا. (5) التهذيب 10: 31 ح 105، الوسائل 18: 370 ب (11) من أبواب حد الزنا ح 6. (6) لم نعثر عليه، ونسبه ابن فهد إلى بعض الاصحاب في المهذب البارع 5: 41. (7) في (أ): والاظهر.

[ 391 ]

وهل يحد الشهود للفرية؟ قال في النهاية: نعم. وقال في المبسوط: لا حد، لاحتمال الشبهة في المشاهدة. والاول أشبه. إذا شهد أربعة رجال على امرأة بالزنا، فشهد أربع نسوة على أنها عذراء، فإن لم يعين شهود الزنا محله فلا منافاة، لامكان كونه دبرا إن لم نوجب التفصيل، فيثبت الزنا، ولا يقدح فيه البكارة. وأولى بالحكم إذا صرحوا بكونه دبرا. ويحتمل مع الاطلاق سقوط الحد عنها، لقيام الشبهة الدارئة للحد، حيث يحتمل كون المشهود به قبلا. وإن صرحوا بكون الزنا قبلا، فهذا موضع الخلاف، فقيل: لا حد على المشهود عليه، ولا على الشهود. ذهب إلى ذلك الشيخ في المبسوط (1) وابن إدريس (2) والعلامة (3) وجماعة (4)، لتعارض البينتين، فلا يكون تصديق النساء أولى من تصديق الرجال، وذلك شبهة دارئة للحد، وقد قال صلى الله عليه وآله: (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا) (5). وفي حديث آخر: (ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الامام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (6). ومن الوجوه الدافعة عن المرأة [ شبهة ] (7) بقاء العذرة، و [ جهته ] (8) احتمال عودها لترك المبالغة في الافتضاض.

(1) المبسوط 8: 10. (2) السرائر 3: 429 - 430. (3) المختلف: 754. (4) الوسيلة: 410، الجامع للشرائع: 549، إيضاح الفوائد 4: 489. (5) سنن ابن ماجة 2: 850 ح 2545. (6) تلخيص الحبير 4: 56 ح 1755، سنن الترمذي 4: 25 ح 1424، سنن البيهقي 8: 238، المستدرك للحاكم 4: 384. (7) من (خ، ص، م). (8) من الحجريتين، وفي (ث، خ، م): وجهة، وفي (أ، ل): وخفة، وسقطت من (ت، د، ص، ط).

[ 392 ]

الثانية: لا يشترط حضور الشهود عند إقامة الحد، بل، يقام وإن ماتوا أو غابوا - لا فرارا - لثبوت السبب الموجب. وهذا ليس ببعيد على وجه لا يقبل. وذهب المصنف - رحمه الله - والشيخ في النهاية (1) وابن الجنيد (2) إلى حد الشهود، للحكم برد شهادتهم مع تحقق القذف بالزنا. أما رد شهادتهم فلرواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام: (في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا فادعت البكارة، فنظر إليها النساء فوجدوها بكرا، فقال: تقبل شهادة النساء) (3). وهو يستلزم رد شهادة الرجال. ومثله رواية السكوني (4) عن الصادق عليه السلام. وأما تحقق القذف فظاهر. وفيه نظر، لمنع كون قبول شهادة النساء يستلزم رد شهادة الرجال، لجواز قبول الجانبين والحكم بالتعارض، خصوصا مع احتمال ما ذكرناه من الزنا دبرا، فيمكن الحكم بقبولهما مع ثبوت الزنا. هذا مع قطع النظر عن سند الروايتين. والوجه الاول، إلا أن يصرح الشهود بكون الزنا دبرا، فتحد المرأة. هذا كله إذا لم يعينوا الزاني، ومع تعيينه فالحكم فيه كالمرأة، لاشتراكهما في المقتضي. قوله: (لا يشترط حضور الشهود... إلخ). المراد بالحد هنا ما عدا الرجم، لما سيأتي من الخلاف فيه. ويمكن أن

(1) النهاية: 332 - 333. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 754. (3) الفقيه 3: 32 ح 97، التهذيب 6: 271 ح 735، الوسائل 18: 267 ب (24) من أبواب كتاب الشهادات ح 44. (4) الكافي 7: 404 ح 10، التهذيب 6: 278 ح 761، الوسائل 18: 261 ب (24) من كتاب الشهادات ح 13.

[ 393 ]

الثالثة: قال الشيخ (1) رحمه الله: لا يجب على الشهود حضور موضع الرجم. ولعل الاشبه الوجوب، لوجوب بدأتهم بالرجم. الرابعة: إذا كان الزوج أحد الاربعة، فيه روايتان. ووجه الجمع: سقوط الحد إن اختل بعض شروط الشهادة، مثل: أن يسبق الزوج بالقذف، فيحد الزوج، أو يدرؤه باللعان، ويحد الباقون. وثبوت الحد، إن لم يسبق بالقذف، ولم يختل بعض الشرائط. يريد ما يعمه حيث يتعذر حضورهم. ووجه عدم الوجوب حينئذ ظاهر، لان إقامة الحد ليس من وظيفة الشاهد، والاصل عدم اشتراط أمر زائد على شهادتهم، فيقام وإن ماتوا أو غابوا، خلافا لابي (2) حنيفة، حيث نفى الحد بذلك. هذا [ كله ] (3) إذا لم تكن الغيبة فرارا، وإلا تربص بالحد إلى حضورهم، لحصول الشبهة حينئذ. ولا حد عليهم، لانه ليس برجوع. قوله: (قال الشيخ رحمه الله: لا يجب... إلخ). وجوب حضور الشهود موضع الرجم مبني على وجوب بدأتهم به، وقد تقدم (4) ضعف مستند الوجوب، وأن الاستحباب أقوى، فيكون الحكم في حضورهم كذلك، لانه مقدمة الفعل الواجب أو المستحب. قوله: (إذا كان الزوج... إلخ).

(1) الخلاف 5: 376 مسألة (14). (2) بدائع الصنائع 7: 58، حلية العلماء 8: 31. (3) من الحجريتين. (4) في ص: 386.

[ 394 ]

قد عرفت فيما سلف (1) أن شهادة الزوج لزوجته وعليها مقبولة، ومقتضى ذلك أنه لو شهد عليها أربعة بالزنا أحدهم الزوج قبل وثبت عليها الحد، لوجود المقتضي له وانتفاء المانع. ويؤيده رواية إبراهيم بن نعيم عن الصادق عليه السلام: (أنه سأله عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: تجوز شهادتهم) (2). والمراد بالجواز هنا الصحة. وهذا مذهب الاكثر (3). ولكن ورد هنا رواية بالمنع من قبول شهادتهم، والحكم بجلد الشهود عدا الزوج، فله درؤه (4) باللعان. وهي رواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام: (في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: يلاعن، ويجلد الاخرون) (5). وعمل بمضمونها جماعة (6) منهم الصدوق (7) والقاضي (8). وقد عرفت أن الرواية مخالفة لاصول المذهب. وهي مع ذلك ضعيفة السند، لان في طريقها محمد بن عيسى اليقطيني، وحاله مشهور، وإسماعيل بن خراش، وهو مجهول. ولو اضطررنا إلى الجمع بينهما فالامر كما ذكره المصنف

(1) في ص: 197. (2) التهذيب 6: 282 ح 776، الاستبصار 3: 35 ح 118، الوسائل 15: 606 ب (12) من أبواب كتاب اللعان ح 1. (3) النهاية: 690، الوسيلة: 410، السرائر 3: 430، قواعد الاحكام 2: 256. (4) في (أ، ت، ث، خ): رده. (5) التهذيب 8: 184 ح 643، الاستبصار 3: 36 ح 119، الوسائل 15: 606 ب (12) من أبواب اللعان ح 2. (6) الكافي في الفقه: 415، إيضاح الفوائد 3: 457 - 458. (7) المقنع: 440. (8) المهذب 2: 525.

[ 395 ]

الخامسة: يجب على الحاكم إقامة حدود الله تعالى بعلمه، كحد الزنا. أما حقوق الناس، فتقف إقامتها على المطالبة، حدا كان أو تعزيرا. رحمه الله، بحمل الثانية على ما لو اختل بعض شروط الشهادة، ومنه سبق الزوج بالقذف، وثبوت الحد عليها مع اجتماع الشروط. وقد تقدم البحث في هذه المسألة مستوفى في كتاب اللعان (1). قوله: (يجب على الحاكم... إلخ). قد تقدم (2) البحث والمختار في أن الحاكم يحكم بعلمه مطلقا، لانه أقوى من البينة، ومن جملته الحدود. ثم إن كانت لله تعالى فهو المطالب بها والمستوفي لها. وإن كانت من حقوق الناس كحد القذف توقف إقامتها على مطالبة المستحق، فإذا طالب بها حكم بعلمه فيها، لان الحكم بحق الادمي مطلقا يتوقف على التماسه، كما تقدم. ويؤيد هذا التفصيل هنا رواية الحسين بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت: كيف ذاك؟ قال: لان الحق إذا كان لله تعالى فالواجب على الامام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس) (3).

(1) في ج 10: 258. (2) في ج 13: 383. (3) الكافي 7: 262 ح 15، التهذيب 10: 44 ح 157، الاستبصار 4: 216 ح 809، الوسائل 18: 344 ب (32) من أبواب مقدمات الحدود ح 3.

[ 396 ]

السادسة: إذا شهد بعض، وردت شهادة الباقين، قال في الخلاف والمبسوط: إن ردت بأمر ظاهر، حد الجميع، وإن ردت بأمر خفي، فعلى المردود الحد دون الباقين. وفيه إشكال، من حيث تحقق القذف العاري عن بينة. ولو رجع واحد بعد شهادة الاربع، حد الراجع دون غيره. قوله: (إذا شهد بعض... إلخ). إذا شهد بعض الاربعة بالزنا فقبلت شهادته، وشهد الباقي فردت شهادته، سواء كان واحدا أم أكثر، ففي حد الشهود قولان: أحدهما - وهو ظاهر المصنف رحمه الله حيث استشكل التفصيل، وصريح العلامة (1) -: أنه يحد الجميع، لتحقق القذف العاري عن البينة التي يثبت بها الزنا. والثاني: التفصيل، فإن ردت الشهادة بأمر ظاهر حد الجميع كما ذكر، للاقدام على القذف مع تحقق عدم السماع. وإن ردت بأمر خفي على باقي الشهود فلا حد على غير المردود، لعدم تفريطه، إذ لا اطلاع له على الباطن، وإنما شهد اعتمادا على ظاهر الحال من عدم المانع من قبول شهادتهم، وثبوت الزنا الموجب لنفي الحد عنهم. ولانه لولا ذلك لم يأمن كل شاهد بالزنا رد شهادته أو شهادة أصحابه أو بعضهم، فيكون خوف الحد ذريعة إلى ترك الشهادة وتعطيل الحدود. وفي هذا التفصيل قوة، وإليه ذهب الشيخ في كتابي الفروع (2) وابن إدريس (3).

(1) إرشاد الاذهان 2: 172. (2) المبسوط 8: 9، الخلاف 5: 391 مسألة (33). (3) السرائر 3: 435.

[ 397 ]

السابعة: إذا وجد مع زوجته رجلا يزني بها، فله قتلهما، ولا إثم عليه. وفي الظاهر عليه القود، إلا أن يأتي على دعواه ببينة، أو يصدقه الولي. وأما المردود، فإن كان رده بظاهر (1) فلا إشكال في حده. وإن كان بخفي ففي حده قولان للشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3)، من أنه لا يعلم رد شهادته، فهو كغيره من الشهود، ومن علمه بكونه على حالة ترد شهادته لو علم به، بخلاف الشهود. وهذا أقوى. ولا إشكال في اختصاص الحد بالراجع عن الشهادة بعد أداء الجميع، سواء استوفي الحد من المشهود عليه أم لا، لكمال البينة. قوله: (إذا وجد مع زوجته... إلخ). إذا اطلع الانسان على الزانيين ولم يكن من أهل الحدود فمقتضى الاصل عدم جواز استيفائه منهما بنفسه، لكن وردت الرخصة في جواز قتل الزوجة والزاني بها إذا علم الزوج بهما، سواء كان الفعل يوجب الرجم أو الجلد، كما لو كان الزاني غير محصن أو كانا غير محصنين، وسواء كان الزوجان حرين أم عبدين أم بالتفريق، وسواء كان الزوج قد دخل أم لا، وسواء كان دائما أم متعة، عملا بالعموم. وهذه الرخصة منوطة بنفس الامر، أما في الظاهر، فإن ادعى ذلك عليهما لم يقبل، وحد للقذف بدون البينة. ولو قتلهما أو أحدهما قيد بالمقتول إن لم يقم بينة على ما يبيح القتل، ولم يصدقه الولي. وإنما وسيلته مع الفعل باطنا الانكار ظاهرا، ويحلف إن ادعي عليه، ويوري بما يخرجه عن الكذب إن أحسن، لانه محق في نفس الامر مؤاخذ في ظاهر الحال.

(1) في (د): بأمر ظاهر. (2) انظر الهامش (2) في الصفحة السابقة. (3) انظر الهامش (2) في الصفحة السابقة.

[ 398 ]

وقد روى داود بن فرقد في الصحيح قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قالوا لسعد بن عبادة: أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال: كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ماذا يا سعد؟ فذكر له ما قالوه وما أجاب به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا سعد وكيف بالاربعة الشهود؟ فقال: يا رسول الله بعد رأي عيني وعلم الله أن قد فعل! قال: إي والله بعد رأي عينك وعلم الله أن قد فعل، لان الله عزوجل قد جعل لكل شي حدا، وجعل لمن تعدى ذلك الحد حدا) (1). واعلم أن مقتضى قوله: (إلا أن يأتي ببينة أو يصدقه الولي) أنه لو أتى ببينة على الزنا فلا قود عليه، وهو يشمل أيضا ما لو كان الزنا يوجب القتل أو الجلد وحده. ويشكل الحكم في الثاني، لعدم ثبوت مقتضى القتل، والرخصة منوطة بحكمه في نفس الامر لا في الظاهر. إلا أن يقال: إنها أباحت له قتلهما مطلقا، وإنما يتوقف جريان هذا الحكم ظاهرا على ثبوت أصل الفعل، ويختص تفصيل الحد بالرجم والجلد وغيرهما بالامام دون الزوج. وهذا أمر يتوقف على تحقيق النص في ذلك. والرخصة مقصورة على وجدان الزوج ذلك بالمشاهدة، أما البينة فسماعها من وظيفة الحاكم. وفي إلحاق الاقرار بالمشاهدة أو بالبينة إشكال. ويظهر من

(1) الكافي 7: 176 ح 12، الفقيه 4: 16 ح 25، التهذيب 10: 3 ح 5، الوسائل 18: 309 ب ( أبواب مقدمات الحدود ح 1.

[ 399 ]

الثامنة: من افتض بكرا بإصبعه، لزمه مهر نسائها. ولو كانت أمة، لزمه عشر قيمتها. وقيل: يلزمه الارش. والاول مروي. التاسعة: من تزوج أمة على حرة مسلمة، فوطئها قبل الاذن، كان الاصحاب جواز إقامة الزوج الحد على الزوجة على القول بجواز توليه (1) الحد، لكن لا يختص بالقتل كما هو مورد هذه الرخصة، بل هو بحسب ما يوجبه من جلد وغيره. قوله: (من افتض بكرا... إلخ). القول بلزوم عشر القيمة للشيخ (2) والاكثر (3)، استنادا إلى الرواية (4) الدالة على ذلك. وقد تقدمت (5) مرارا. والقول بالارش لابن إدريس (6)، اطراحا للرواية، ورجوعا إلى حكم الاصل من الجناية على الامة، فيضمن ما نقصت الجناية من قيمتها. والاشهر الاول، وإن كان المستند لا يخلو من ضعف. ولو قيل بوجوب أكثر الامرين من الارش والعشر كان حسنا، لان الارش على تقدير زيادته بسبب نقص حدث في المال بجنايته، فيكون مضمونا. ولو كانت المفتضة زوجة فعل حراما، وعزر، واستقر المسمى. قوله: (من تزوج أمة... إلخ).

(1) في (د، ص): تولية. (2) النهاية: 699. (3) الوسيلة: 411، إصباح الشيعة: 516، قواعد الاحكام 2: 256، اللمعة الدمشقية: 166. (4) التهذيب 10: 49 ح 183، الوسائل 18: 410 ب (39) من أبواب حد الزنا ح 5. (5) راجع ج 8: 16، 139. (6) السرائر 3: 449.

[ 400 ]

عليه ثمن حد الزاني. العاشرة: من زنى في شهر رمضان، نهارا كان أو ليلا، عوقب زيادة على الحد، لانتهاكه الحرمة. وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف. هو اثنا عشر سوطا ونصف. وكيفية التنصيف أن يقبض على نصف السوط ويضرب به. وقيل: ضربا بين ضربين. قوله: (من زنى في شهر رمضان... إلخ). المرجع في الزيادة إلى نظر الحاكم. وفي حكم رمضان غيره من الازمنة الشريفة، كالاعياد والجمعة ويوم عرفة، كما أن المكان الشريف مطلق (1).

(1) في (ت، ط): مطلقا، ولعل في العبارة سقطا، تقديره:... مطلقا كذلك.

[ 401 ]

الباب الثاني في اللواط، والسحق، والقيادة أما اللواط: فهو وط الذكران، بإيقاب وغيره. وكلاهما لا يثبتان إلا بالاقرار أربع مرات، أو شهادة أربعة رجال بالمعاينة. ويشترط في المقر: البلوغ، وكمال العقل، والحرية، والاختيار، فاعلا كان أو مفعولا. ولو أقر دون أربع، لم يحد وعزر. ولو شهد بذلك دون الاربعة لم يثبت، وكان عليهم الحد للفرية. قوله: (أما اللواط... إلخ). أراد بالايقاب إدخال الذكر ولو ببعض الحشفة، لان الايقاب لغة الادخال، فيتحقق الحكم وإن لم يجب الغسل. واعتبر في القواعد (1) في الايقاب غيبوبة الحشفة. ومطلق الايقاب لا يدل عليه. وبغيره نحو التفخيذ وبين الاليتين. وكلاهما يطلق عليه اسم اللواط، وإن كان حكمه مختلفا. وإطلاق الوطي على هذا القسم في هذا الباب متجوز. ولو أطلق الوطي (2) على الايقاب، وخص غيره باسم آخر وإن أوجب الحد المخصوص، كان أوفق بالاصطلاح. ولكنه تبع في إطلاقه على ذلك الروايات، فإن في بعضها دلالة عليه، ففي رواية حذيفة بن منصور عن الصادق عليه السلام أنه سأله عن اللواط فقال:

(1) قواعد الاحكام 2: 256. (2) في الحجريتين: اللواط.

[ 402 ]

ويحكم الحاكم فيه بعلمه، إماما كان أو غيره، على الاصح. وموجب الايقاب: القتل، على الفاعل والمفعول، إذا كان كل منهما عاقلا. ويستوي في ذلك: الحر، والعبد، والمسلم، والكافر، والمحصن، وغيره. (بين الفخذين، وسأله عن الموقب، فقال: ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله) (1). وعلى التقديرين، فطريق ثبوته طريق الزنا في الاقرار والبينة، وفي ترتب الاحكام السابقة على ما دون ذلك في الاقرار والبينة. قوله: (ويحكم الحاكم فيه بعلمه... إلخ). هذا الحد من حقوق الله تعالى، وقد تقدم الخلاف في باب القضاء (2) في حكم الحاكم بعلمه فيه، وأن الاصح ثبوته [ فيه ] (3) كغيره. قوله: (وموجب الايقاب... إلخ). لا خلاف في وجوب قتل اللائط الموقب إذا كان مكلفا، والاخبار (4) به متظافرة. والعبد هنا كالحر بالاجماع، وإن كان الحد بغير القتل. وليس في الباب مستند ظاهر غيره. وأما استواء الباقين في ذلك فمستنده النصوص (5)، وهي كثيرة.

(1) التهذيب 10: 53 ح 197، الوسائل 14: 257 ب (20) من أبواب النكاح المحرم ح 3. (2) في ج 13: 383. (3) من (أ). (4) الوسائل 18: 416 ب (1 - 3) من أبواب حد اللواط. (5) ليس في النصوص تصريح باستواء المذكورين في القتل. نعم، إطلاق بعض الاخبار يشملهم، راجع الوسائل 18: 416 ب (1) من أبواب حد اللواط ح 2، وب (3) ح 2، 5، 6 وفي ح (8) من ب (11) تصريح باستواء المحصن وغيره فقط.

[ 403 ]

ولو لاط البالغ بالصبي موقبا، قتل البالغ، وأدب الصبي. وكذا لو لاط بمجنون. ولو لاط بعبده، حدا قتلا أو جلدا. ولو ادعى العبد الاكراه سقط عنه دون المولى. قوله: (ولو لاط البالغ... إلخ). أما قتل المكلف فلانه حده. وأما الصبي والمجنون فيؤدبان بما يراه الحاكم صلاحا، لعدم التكليف في حقهما الذي هو مناط الحدود. وقد روى أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وامرأة وقد لاط زوجها بابنها من غيره وثقبه، وشهد عليه بذلك الشهود، فأمر به أمير المؤمنين عليه السلام فضرب بالسيف حتى قتل، وضرب الغلام دون الحد، وقال: لو كنت مدركا لقتلتك، لامكانك إياه من نفسك) (1). قوله: (ولو لاط بعبده... إلخ). أي: قتلا مع الايقاب وجلدا بدونه، لتحقق اللواط المحرم، فيثبت موجبه. ونبه بذلك على خلاف بعض (2) العامة حيث نفى الحد بوطي المملوك، لشبهة عموم تحليل ملك اليمين. قوله: (ولو ادعى العبد الاكراه... إلخ). لقيام القرينة بكون العبد محل الاكراه، فلذلك قبل قوله فيه، بخلاف غيره. وينبغي قبول دعوى الاكراه ممن يمكن في حقه ذلك، لقيام الشبهة الدارئة للحد.

(1) الكافي 7: 199 ح 4، التهذيب 10: 51 ح 192، الاستبصار 4: 219 ح 818، الوسائل 18: 418 ب (2) من أبواب حد اللواط ح 1. (2) تبيين الحقائق 3: 181.

[ 404 ]

ولو لاط مجنون بعاقل، حد العاقل. وفي ثبوته على المجنون قولان، أشبههما السقوط. ولو لاط الذمي بمسلم، قتل وإن لم يوقب. ولو لاط بمثله، كان الامام مخيرا بين إقامة الحد عليه، وبين دفعه إلى أهله، ليقيموا عليه حدهم. قوله: (ولو لاط مجنون بعاقل... إلخ). القول بوجوب الحد على المجنون للشيخين (1) وأتباعهما (2)، استنادا إلى وجوبه عليه مع الزنا. والاصل عندنا ممنوع. والاصح ما اختاره المصنف - رحمه الله - من عدم وجوبه عليه كالزنا، لعدم التكليف الذي هو مناط الحدود على المعاصي. قوله: (ولو لاط الذمي بمسلم... إلخ). إذا لاط الذمي بمسلم، فإن كان بموجب القتل فلا كلام في قتله. وإن كان بما دون ذلك قتل، كما لو زنى على وجه يوجب الجلد على المسلم، لما روي من أن حد اللوطي مثل حد الزاني، ولمناسبة عقوبة الزنا. وإن كان فعله مع مثله تخير الامام بين الحكم عليه بحكم شرع الاسلام، لعموم الاية (3)، وبين رده إلى أهل دينه ليقيموا عليه بمقتضى دينهم. وقد تقدم (4) توجيه ذلك في الزنا. ولا نص [ عليه ] (5) هنا في هذا الباب بخصوصه.

(1) المقنعة: 786، النهاية: 705. (2) الوسيلة: 413، المهذب 2: 531. (3) المائدة: 42. (4) في ص: 375. (5) من الحجريتين.

[ 405 ]

وكيفية إقامة هذا الحد: القتل، إن كان اللواط إيقابا. وفي رواية: إن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد. والاول أشهر. قوله: (وكيفية إقامة هذا الحد... إلخ). مذهب الاصحاب أن حد اللائط الموقب القتل ليس إلا. ويتخير الامام في جهة قتله، فإن شاء قتله بالسيف، وإن شاء ألقاه من شاهق، وإن شاء أحرقه بالنار، وإن شاء رجمه. وهو في عدة روايات، منها رواية مالك بن عطية الحسنة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (بينا أمير المؤمنين عليه السلام في ملا من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني قد أوقبت على غلام فطهرني. فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعل مرارا هاج بك. فلما كان من غد عاد إليه فقال له مثل ذلك، فأجابه كذلك، إلى أن فعل ذلك أربع مرات. فلما كان الرابعة قال له: يا هذا إن رسول الله صلى الله عليه وآله حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهن شئت: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين والرجلين، أو إحراق بالنار. فقال: يا أمير المؤمنين أيهن أشد علي؟ قال: الاحراق بالنار. قال: فإني قد اخترتها يا أمير المؤمنين) (1). الحديث. ولم ينقل الاصحاب خلافا في ذلك، لكن وردت روايات بالتفصيل كما

(1) الكافي 7: 201 ح 1، التهذيب 10: 53 ح 198، الوسائل 18: 422 ب (5) من أبواب حد اللواط ح 1.

[ 406 ]

ذكره المصنف - رحمه الله -، منها رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الملوط حده حد الزاني) (1). والتفصيل واقع في حد الزاني. ورواية العلا بن الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حد اللوطي مثل حد الزاني) (2). وقال: (إن كان قد أحصن رجم وإلا جلد) (3). ورواية حماد بن عثمان قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أتى رجلا، قال: إن كان محصنا فعليه القتل، وإن لم يكن محصنا فعليه الجلد، قال: قلت: فما على المؤتى؟ قال: عليه القتل على كل حال، محصنا كان أو غير محصن) (4). ورواية أبي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في كتاب علي عليه السلام إذا ثقب وكان محصنا الرجم) (5). وهذه الاخبار مع كثرتها مشتركة في ضعف السند. ففي طريق الاولى أبان، وهو مشترك بين الثقة وغيره. وفي طريق الثانية محمد بن سنان، وضعفه مشهور. وفي طريق الثالثة معلى بن محمد وغيره. وفي الرابعة اشتراك أبي بصير. مع أنها لا تنافي المطلوب، لان إثبات الرجم على المحصن لا ينافي الحكم بقتل غيره

(1) الكافي 7: 200 ح 8، التهذيب 10: 55 ح 202، الاستبصار 4: 221 ح 826، الوسائل 18: 416 ب (1) من أبواب حد اللواط ح 1. (2) الكافي 7: 198 ح 1، التهذيب 10: 54 ح 200، الاستبصار 4: 220 ح 824، الوسائل 18: 417 الباب المتقدم ح 3. (3) الكافي 7: 198 ح 1، التهذيب 10: 54 ح 200، الاستبصار 4: 220 ح 824، الوسائل 18: 417 الباب المتقدم ح 3. (4) الكافي 7: 198 ح 2، الفقيه 4: 30 ح 85، التهذيب 10: 55 ح 201، الاستبصار 4: 220 ح 825، الوسائل 18: 417 ب (1) من أبواب حد اللواط ح 4. (5) الكافي 7: 200 ح 12، التهذيب 10: 55 ح 203، الاستبصار 4: 221 ح 827، الوسائل 18: 421 ب (3) من أبواب حد اللواط ح 7.

[ 407 ]

ثم الامام مخير في قتله، بين ضربه بالسيف، أو تحريقه، أو رجمه، أو إلقائه من شاهق، أو إلقاء جدار عليه. ويجوز أن يجمع، بين أحد هذه وبين تحريقه. وإن لم يكن إيقابا، كالتفخيذ أو بين الاليتين، فحده مائة جلدة. وقال في النهاية: يرجم إن كان محصنا، ويجلد إن لم يكن. والاول أشبه. لغير ذلك. وقد تقدم (1) أن الامام عليه السلام يتخير في جهة القتل، فإذا رأى رجم المحصن أو تخصيصه (2) بالرجم فله ذلك. والشيخ (3) - رحمه الله - حمل الروايات غير الرابعة على ما إذا كان الفعل دون الايقاب، لما سيأتي (4) من حكمه فيه. قوله: (ثم الامام مخير... إلخ). قد تقدم (5) في الرواية السابقة ما يدل على التخيير. ويدل على الجمع بين تحريقه وقتله ما روي (6) من أمر علي عليه السلام بذلك في زمن عمر في رجل شهد عليه بذلك. قوله: (وإن لم يكن إيقابا... إلخ). هذا هو القسم الثاني من اللواط الذي سماه المصنف - رحمه الله - وطاء بغير

(1) في ص: 405. (2) في (خ، ص، م): أو المحصنة بالرجم. (3) التهذيب 10: 55 ذيل ح 203، الاستبصار 4: 221 ذيل ح 827. (4) في الصفحة التالية. (5) في الصفحة التالية. (6) الكافي 7: 199 ح 5، التهذيب 10: 52 ح 195، الاستبصار 4: 219 ح 819، الوسائل 18: 420 ب (3) من أبواب حد اللواط ح 3.

[ 408 ]

الايقاب، وهو ما إذا فعل بين الاليتين أو بين الفخذين. وقد اختلف الاصحاب في حكمه، فالمشهور الجلد مائة لكل منهما. ذهب إلى ذلك المفيد (1) والمرتضى (2) وابن أبي عقيل (3) وسلا ر (4) وأبو الصلاح (5) وابن إدريس (6) والمصنف - رحمه الله - وسائر المتأخرين، للاصل، والشك في وجوب الزائد، فيكون شبهة يدرأ بها، ولرواية سليمان بن هلال عن الصادق عليه السلام: (في الرجل يفعل بالرجل، فقال: إن كان دون الثقب فالحد، وإن كان ثقب أقيم قائما ثم ضرب بالسيف) (7). وظاهره أن المراد بالحد الجلد. وقال الشيخ - رحمه الله - في النهاية (8) وكتابي (9) الاخبار، وتبعه القاضي (10) وجماعة (11): يرجم إن كان محصنا، وإلا جلد مائة، جمعا بين الروايات السابقة وبين ما روي (12) من قتل اللائط مطلقا، بحمل الاولى على غير

(1) المقنعة: 785. (2) الانتصار: 251. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 764. (4) المراسم: 253. (5) الكافي في الفقه: 408. (6) السرائر 3: 458. (7) الكافي 7: 200 ح 7، التهذيب 10: 52 ح 194، الاستبصار 4: 219 ح 820، الوسائل 18: 416 ب (1) من أبواب حد اللواط ح 2. (8) النهاية: 704. (9) التهذيب 10: 55 ذيل ح 203، الاستبصار 4: 221 ذيل ح 827. (10) المهذب 2: 530. (11) الوسيلة: 413. (12) انظر الوسائل 18: 419 ب (2) من أبواب حد اللواط ح 2 وب (3) ح 2.

[ 409 ]

ويستوي فيه: الحر، والعبد، والمسلم، والكافر، والمحصن، وغيره. الموقب، والثانية عليه. ونفى في المختلف (1) عنه البأس. ويظهر من الصدوقين (2) وابن الجنيد (3) وجوب القتل مطلقا، لانهم فرضوه في غير الموقب، وجعلوا الايقاب هو الكفر بالله تعالى، أخذا من رواية حذيفة بن منصور عن الصادق عليه السلام: (أنه سأله عن اللواط، فقال: بين الفخذين، وسأله عن الموقب، فقال: ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله) (4). وحمل على المبالغة في الذنب، أو على المستحل. مع أن حذيفة بن منصور ضعيف، وسليمان بن هلال مجهول، فالروايتان تصلحان شاهدا لا دليلا. قوله: (ويستوي فيه الحر والعبد... إلخ). استواء الحر والعبد يظهر في صورة وجوب الجلد، بمعنى أنه لا ينتصف هنا على العبد، بخلاف الزنا. وجعل في شرح الارشاد (5) مستند ذلك إجماع الاصحاب. وأما مع إيجابه القتل فالاستواء واضح. وأما استواء المسلم والكافر فيتم مع عدم كون الفاعل كافرا والمفعول مسلما، وإلا قتل الكافر مطلقا كما مر (6)، فلا يتم التسوية بينهما في القسمين.

(1) المختلف: 764 - 765. (2) المقنع: 430، وحكاه عنهما العلامة في المختلف: 764. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 764. (4) التهذيب 10: 53 ح 197، الوسائل 14: 257 ب (20) من أبواب النكاح المحرم ح 3. (5) غاية المراد: 342. (6) في ص: 404.

[ 410 ]

ولو تكرر منه الفعل، وتخلله الحد مرتين، قتل في الثالثة. وقيل: في الرابعة. وهو أشبه. والمجتمعان تحت إزار واحد مجردين، وليس بينهما رحم، يعزران من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين سوطا. ولو تكرر ذلك منهما وتخلله التعزير، حدا في الثالثة. قوله: (ولو تكرر منه الفعل... إلخ). هذا متفرع على القول بوجوب الجلد على غير الموقب. والقول بقتله في الثالثة لابن إدريس (1). وقد تقدم (2) في حد الزنا أنه أصح رواية، وإن كان القول بقتله في الرابعة أحوط في الدماء، وإليه ذهب الاكثر. والتقريب هنا كما تقدم، لان المستند صحيحة يونس العامة في أصحاب الكبائر. قوله: (والمجتمعان تحت إزار... إلخ). قد اختلفت الاقوال والروايات في حد المجتمعين تحت إزار واحد ونحوه، فذهب الشيخ (3) وابن إدريس (4) والمصنف وأكثر المتأخرين (5) إلى أنهما يعزران من ثلاثين سوطا إلى تسعة وتسعين. أما عدم بلوغ المائة فلعدم بلوغهم الفعل الموجب للحد الكامل. وأما عدم نقصان التعزير عن ثلاثين فلرواية سليمان بن هلال قال: (سأل بعض أصحابنا أبا عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك الرجل ينام مع الرجل

(1) السرائر 3: 461 - 462. (2) في ص: 371. (3) النهاية: 705. (4) السرائر 3: 460. (5) إرشاد الاذهان 2: 175، اللمعة الدمشقية: 167، التنقيح الرائع 4: 352.

[ 411 ]

في لحاف واحد، فقال: أذو رحم؟ فقال: لا، فقال: أمن ضرورة؟ قال: لا، قال: يضربان ثلاثين سوطا) (1) الحديث. وفي رواية ابن سنان عنه عليه السلام: (يجلدان حدا غير سوط) (2). فيكون الحكم في الغايتين وما بينهما منوطا بنظر الامام. والمستند في الطرفين ضعيف. وقال الصدوق (3) وابن الجنيد (4): إنهما يجلدان مائة جلدة تمام الحد. وبه أخبار كثيرة، منها حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد الحد، والمرأتان تجلدان إذا وجدتا في لحاف واحد الحد) (5). وحسنة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان علي عليه السلام إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، وإذا أخذ المرأتين في لحاف واحد ضربهما الحد) (6). ومثلها حسنة أبي عبيدة (7) عن أبي

(1) الفقيه 4: 14 ح 21، التهذيب 10: 41 ح 146، الاستبصار 4: 213 ح 797، الوسائل 18: 367 ب (100) من أبواب حد الزنا ح 21. (2) التهذيب 10: 40 ح 143، الاستبصار 4: 213 ح 794، الوسائل 18: 367 الباب المتقدم ح 18. (3) المقنع: 433. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 765. (5) الكافي 7: 181 ح 1، التهذيب 10: 42 ح 148، الاستبصار 4: 214 ح 799، الوسائل 18: 363 الباب المتقدم ح 1. (6) الكافي 7: 181 ح 7، التهذيب 10: 42 ح 151، الاستبصار 4: 214 ح 802، الوسائل 18: 365 ب (10) من أبواب حد الزنا ح 6. (7) الكافي 7: 182 ح 10، الوسائل 18: 366 ب (10) من أبواب حد الزنا ح 15.

[ 412 ]

وكذا يعزر من قبل غلاما ليس له بمحرم بشهوة. جعفر عليه السلام، وغيرها من الاخبار (1) المعتبرة الاسناد. وأجاب في المختلف (2) بحمل الحد على أقصى نهايات التعزير، وهي مائة سوط غير سوط، جمعا بين الادلة. وفيه نظر، لان هذه أكثر وأجود سندا. وليس فيها التقييد بعدم المحرمية بينهما. وعدم القيد أجود، لان المحرمية لا تجوز الاجتماع المذكور إن لم تؤكد التحريم. والمراد بالرحم حيث يطلق مطلق القرابة، وهو أعم من المحرمية التي هي عبارة عن تحريم النكاح مؤبدا. وهو يؤيد عدم فائدة هذا القيد، لان القرابة لا دخل لها في تحقيق (3) هذا الحكم. قوله: (وكذا يعزر من قبل غلاما...). لانه فعل محرم فيستحق فاعله التعزير مطلقا كغيره من المحرمات، بل الامر فيه آكد، فقد روي أن: (من قبل غلاما بشهوة لعنته ملائكة السماء وملائكة الارضين، وملائكة الرحمة وملائكة الغضب، وأعد له جهنم وسأت مصيرا) (4). وفي حديث آخر: (من قبل غلاما بشهوة ألجمه الله بلجام من نار) (5). ولا وجه للتقييد بعدم المحرمية مع كون التقبيل بشهوة، لتحريمه حينئذ مطلقا، ولذلك أطلق في الاخبار (6). وروى إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي

(1) الوسائل 18: 364 ب (10) من أبواب حد الزنا ح 4، 5، 7، 9، 10، 22، 24. (2) المختلف: 765. (3) في (د): تحقق، وفي (م): تخفيف. (4) فقه الرضا عليه السلام: 278. (5) الكافي 5: 548 ح 10، الوسائل 14: 257 ب (21) من أبواب النكاح المحرم ح 1. (6) الوسائل 14: 257 ب (21) من أبواب النكاح المحرم.

[ 413 ]

وإذا تاب اللائط قبل قيام البينة، سقط [ عنه ] الحد. ولو تاب بعده لم يسقط. ولو كان مقرا، كان الامام مخيرا في العفو أو الاستيفاء. والحد في السحق: مائة جلدة، حرة كانت أو أمة، مسلمة أو كافرة، محصنة [ كانت ] أو غير محصنة، للفاعلة والمفعولة. وقال في النهاية: ترجم مع الاحصان، وتحد مع عدمه. والاول أولى. عبد الله عليه السلام: محرم قبل غلاما من شهوة، قال: يضرب مائة سوط) (1). قوله: (وإذا تاب اللائط... إلخ). الكلام هنا كالكلام في الزاني، وقد تقدم (2). قوله: (والحد في السحق... إلخ). ما اختاره المصنف - رحمه الله - من وجوب الجلد مطلقا هو المشهور بين الاصحاب، ذهب إليه المفيد (3) والمرتضى (4) وأبو الصلاح (5) وابن إدريس (6) والمتأخرون (7)، لرواية زرارة (8) عن الباقر عليه السلام أنه قال: (المساحقة

(1) الكافي 7: 200 ح 9، التهذيب 10: 57 ح 206، الوسائل 18: 422 ب (4) من أبواب حد اللواط. (2) في ص: 358. (3) المقنعة: 787 - 788. (4) الانتصار: 253. (5) الكافي في الفقه: 409. (6) السرائر 3: 463. (7) الجامع للشرائع: 555، قواعد الاحكام 2: 257، اللمعة الدمشقية: 167، المقتصر: 408. (8) في هامش (خ): (في طريقها أبان بن عثمان، وهو فاسد المذهب، لكن قال الكشي: إن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصح عنه. وفي هذا القول نظر. والمصنف - رحمه الله - حكم بضعفه في بعض المواضع. وفيه أيضا علي بن الحكم، وهو مشترك بين الثقة وغيره. منه قدس سره). انظر رجال الكشي: 375 رقم (705)، شرائع الاسلام 4: 240.

[ 414 ]

تجلد) (1). والمراد بالجلد الحد المغاير للرجم، وهو مائة، لان ذلك هو الظاهر منه، ولاصالة البرأة من الزائد عن ذلك. وفيه نظر، لان المفرد المعرف لا يعم، والحكم بالجلد على المساحقة في الجملة لا إشكال فيه، وإنما يتم المطلوب مع عمومه. مع أن في سند الرواية كلاما. وقال الشيخ في النهاية (2)، وتبعه القاضي (3) وابن حمزة (4): ترجم المحصنة وتجلد غيرها، لحسنة ابن أبي حمزة وهشام وحفص عن الصادق عليه السلام أنه: (دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق، فقال: حدها حد الزاني، فقالت المرأة: ما ذكر الله ذلك في القرآن!! قال: بلى، فقالت: وأين؟ قال: هن أصحاب الرس) (5). وحد الزاني مشترك بين الجلد والرجم، فيكون ذلك الحد مشتركا. وأجيب بأن المشترك لا يحمل على معنييه إلا مجازا، والاصل عدمه، بل

(1) الكافي 7: 202 ح 3، التهذيب 10: 58 ح 209، الوسائل 18: 425 ب (1) من أبواب حد السحق ح 2. (2) النهاية: 706. (3) المهذب 2: 531 - 532. (4) الوسيلة: 414. (5) الكافي 7: 202 ح 1، الفقيه 4: 31 ح 86، التهذيب 10: 58 ح 210، الوسائل 18: 424 ب (1) من أبواب حد السحق ح 1.

[ 415 ]

وإذا تكررت المساحقة مع إقامة الحد ثلاثا، قتلت في الرابعة. ويسقط الحد بالتوبة قبل البينة، ولا يسقط بعدها. ومع الاقرار والتوبة، يكون الامام مخيرا. على أحدهما بقرينة، وهو هنا الجلد، جمعا بين الاخبار. وفيه نظر، لجواز إرادة القدر المشترك، وهو العقوبة الشاملة للامرين، فلا يكون على خلاف الاصل. مع أنه سيأتي (1) خبر صحيح يدل على رجم المحصنة، وآخر دال عليه أيضا، فترجيح رواية (2) زرارة - مع ما فيها - على جميع هذه الاخبار مشكل. واعلم أن المراد بقول المرأة في الخبر السابق: (ما ذكر الله ذلك في القرآن) إشارة إلى السحق نفسه، لا إلى حده وإن كان السؤال عقيبه (3)، لانه عليه السلام أجابها بأنهن أصحاب الرس، ورضيت بالجواب، ومعلوم أنه ليس في القرآن بيان حدهن، فدل على أن المقصود مجرد ذكرهن. وقد روي أن ذلك الفعل كان في أصحاب الرس، كما كان اللواط في قوم (4) لوط. قوله: (وإذا تكررت المساحقة... إلخ). بناء على أنها لا توجب القتل ابتداء، فتقتل في الثالثة أو الرابعة مع تخلل الحد، كما تقدم في نظائره من الكبائر. ولم يذكر هنا الخلاف في الثالثة مع أن

(1) في ص: 419. (2) راجع ص: 413. (3) في (ت، ط): عنه. (4) في (ث، ط، م): أصحاب.

[ 416 ]

والاجنبيتان إذا وجدتا في إزار مجردتين، عزرت كل واحدة دون الحد. وإن تكرر الفعل منهما والتعزير مرتين، أقيم عليهما الحد في الثالثة. فإن عادتا، قال في النهاية: قتلتا. والاولى الاقتصار على التعزير، احتياطا في التهجم على الدم. رواية يونس (1) شاملة لها، لان ما أوجب الحد من المعاصي فهو كبيرة، والحديث ورد في فاعل الكبيرة أنه يقتل في الثالثة إذا أقيم عليه الحد مرتين، ولكن المصنف اتكل على ما تكرر منه الكلام فيه، واعتمد هنا على ما يذهب إليه. قوله: (والاجنبيتان إذا وجدتا... إلخ). الكلام في تحريم نوم المرأتين مجردتين تحت إزار واحد كالكلام في الرجلين، وقد تقدم (2) ذكرهما معهما في الاخبار. ثم إن أوجبنا في هذا الفعل الحد كاملا، فلا إشكال في قتلهما مع تخلل الحد مرتين أو ثلاثا في الثالثة أو الرابعة. وإنما الكلام مع (3) الحكم فيه بالتعزير، فإن مقتضاه عدم الحكم بالقتل مطلقا، وإليه ذهب أكثر المتأخرين (4). وذهب الشيخ في النهاية (5) وابن البراج (6) والعلامة في المختلف (7) - وهم من جملة القائلين بالتعزير - إلى قتلهما في الرابعة مع تخلل الحد، لرواية أبي

(1) الكافي 7: 191 ح 2، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 313 ب (5) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) في ص: 411. (3) في (ت، خ، ط): في. (4) تحرير الاحكام 2: 225، قواعد الاحكام 2: 257، اللمعة الدمشقية: 167. (5) النهاية: 707. (6) المهذب 2: 533. (7) المختلف: 766.

[ 417 ]

مسألتان: الاولى: لا كفالة في حد، ولا تأخير فيه مع الامكان، والامن من توجه ضرر، ولا شفاعة في إسقاطه. خديجة عن الصادق عليه السلام: (قال: لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلا وبينهما حاجز، فإن فعلتا نهيتا عن ذلك، فإن وجدهما بعد النهي في لحاف واحد جلدتا، كل واحدة منهما حدا حدا، وإن وجدتا الثالثة حدتا، فإن وجدتا في الرابعة قتلتا) (1). ولانه كبيرة، وكل كبيرة يقتل بها في الرابعة. وفيه: أن الرواية مع ضعف سندها معدولة الظاهر، لانهم لا يقولون بوجوب الحد بهذا الفعل. وقوله ثانيا: إن كل كبيرة يقتل بها في الرابعة، إن أراد به مع إيجابها الحد فمسلم، لكن لا يقولون به هنا، وإن أراد مطلقا فظاهر منعه، ومن ثم اختار المصنف الاقتصار على التعزير مطلقا. وهو الاوجه إن لم نقل بالحد كما اختاره الصدوق (2)، وإلا كان القول بقتلهما في الثالثة أو الرابعة أوجه. قوله: (لا كفالة في حد... إلخ). وجوب الحد حيث يثبت موجبه فوري، ومن ثم لم تجز فيه الكفالة، لادائها إلى تأخيره، وهو غير جائز مع إمكان تعجيله. واحترز بالامكان والامن عن حد المريض والحبلى ونحوهما، فإنه يؤخر إلى أن يبرأ حيث لا تقتضي المصلحة تعجيله محققا كما سبق. واستيفاؤه حق واجب على الامام، ومن ثم لم تجز فيه الشفاعة، لانه لا

(1) التهذيب 10: 44 ح 159، الاستبصار 4: 217 ح 811، الوسائل 18: 368 ب (10) من حد الزنا ح 25. (2) المقنع: 433.

[ 418 ]

الثانية: لو وطئ زوجته، فساحقت بكرا، فحملت، قال في النهاية: على المرأة الرجم، وعلى الصبية جلد مائة بعد الوضع. ويلحق الولد بالرجل. ويلزم المرأة المهر. أما الرجم: فعلى ما مضى من التردد. وأشبهه الاقتصار على الجلد. وأما جلد الصبية فموجبه ثابت، وهي المساحقة. وأما لحوق الولد، فلانه ماء غير زان، وقد انخلق منه الولد فيلحق به. وأما المهر، فلانها سبب في إذهاب العذرة، وديتها مهر نسائها. وليست كالزانية في سقوط دية العذرة، لان الزانية أذنت في الافتضاض، وليست هذه كذا. يشفع إلا فيما هو حقه. وقد ورد بذلك روايات كثيرة، منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا كفالة في حد) (1). وقال لاسامة وقد كان يشفع عنده كثيرا: (يا أسامة لا تشفع في حد) (2). وقال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد لله في أمره) (3). وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (لا يشفعن أحد في حد) (4). وقال: (ليس في الحدود نظرة ساعة) (5). قوله: (لو وطئ زوجته... إلخ).

(1) الكافي 7: 255 ح 1، التهذيب 10: 125 ح 499، الوسائل 18: 333 ب (21) من أبواب مقدمات الحدود. (2) الكافي 7: 254 ح 1، الوسائل 18: 333 ب (20) من أبواب مقدمات الحدود ح 3. (3) عوالي اللئالي 1: 165 ح 172. (4) الفقيه 3: 19 ح 45، الكافي 7: 254 ح 3، التهذيب 10: 124 ح 498، الوسائل 18: 333 ب (200) من أبواب مقدمات الحدود ح 4. (5) الكافي 7: 210 ح 4، الفقيه 4: 24 ح 56، الوسائل 18: 446 ب (12) من أبواب حد القذف ح 3.

[ 419 ]

وأنكر بعض المتأخرين ذلك، وظن أن المساحقة كالزانية، في سقوط دية العذرة وسقوط النسب. الاصل في هذه المسألة ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يقولان: (بينا الحسن بن علي عليهما السلام في مجلس أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل قوم، فقالوا: يا أبا محمد أردنا أمير المؤمنين عليه السلام. قال: وما حاجتكم؟ قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة. قال: وما هي تخبرونا بها؟ فقالوا: امرأة جامعها زوجها، فلما قام عنها قامت بحموتها (1) فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فألقت النطفة فيها فحملت، فما تقول في هذا؟ فقال الحسن عليه السلام: معضلة وأبو الحسن لها. وأقول: فإن أصبت فمن الله ثم من أمير المؤمنين عليه السلام، وإن أخطأت فمن نفسي، فأرجوا أن لا أخطئ إن شاء الله تعالى. يعمد إلى المرأة فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أول وهلة، لان الولد لا يخرج منها حتى تشق وتذهب عذرتها، ثم ترجم المرأة، لانها محصنة، وينتظر بالجارية حتى تضع ما في بطنها، ويرد إلى أبيه صاحب النطفة، ثم تجلد الجارية الحد. قال: فانصرف القوم من عند الحسن عليه السلام، فلقوا أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: ما قلتم لابي محمد، وما قال لكم؟ فأخبروه.

(1) أي: بشهوتها، وحمو كل شي: حرها. لسان العرب 14: 198.

[ 420 ]

فقال: لو أني المسؤول ما كان عندي فيها أكثر مما قال ابني) (1). وروى إسحاق (2) بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قريبا من ذلك. وعمل بمضمونها الشيخ (3) وأتباعه (4). والمصنف - رحمه الله - وافق على الاحكام الثلاثة غير الرجم، بناء على أصله السابق في حد المساحقة. وابن إدريس (5) رد الاحكام كلها عدا إثبات الجلد على البكر، نظرا إلى وجود مقتضاه وهو المساحقة. واعترض على الرجم بما أثبته سابقا من كون الحد الجلد مطلقا. وعلى إلحاق الولد بالرجل بأنه غير مولود على فراشه، وقد قال صلى الله عليه وآله: (الولد للفراش) (6)، والبكر ليست فراشا له، لان الفراش عبارة عن المعقود عليها مع إمكان الوطي، ولا هو من شبهة. وعلى إلزام المرأة بالمهر، فإن البكر مختارة غير مكرهة، والزنا بالمختارة لا يوجب المهر، فهنا أولى. ولانها بغي، وقد نهى (7) رسول الله صلى الله عليه وآله عن مهر البغي.

(1) الكافي 7: 202 ح 1، الوسائل 18: 426 ب (3) من أبواب حد السحق ح 1. (2) الكافي 7: 203 ح 2، الفقيه 4: 31 ح 89، التهذيب 10: 58 ح 212، الوسائل 18: 427 ب (3) من أبواب حد السحق ح 2. (3) النهاية: 707. (4) المهذب 2: 532. (5) السرائر 3: 465. (6) الكافي 7: 163 ح 3، التهذيب 9: 343 ح 1232، الاستبصار 4: 183 ح 687، الوسائل 17: 567 ب (8) من أبواب ميراث ولد الملاعنة ح 4. (7) الخصال: 417 ح 10، الوسائل 12: 64 ب (5) من أبواب ما يكتسب به ح 13، 14.

[ 421 ]

والمصنف - رحمه الله - قد أشار هنا إلى جوابه عن جميع ذلك. أما عن إلحاق الولد فلانه مخلوق من مائه (1)، وهو غير زان، بل عن وطي صحيح، غايته أن التفريط من المرأة، وذلك لا يسقط حق الرجل، وإنما يوجب عدم إلحاقه بها من حيث بغيها، ونحن نقول به. وأما المهر فلان المساحقة سبب في إذهاب عذرتها، فلزمها عوضها وهو مهر نسائها. وفرق بينها وبين الزانية، لان الزانية أذنت في الافتضاض وإذهاب العذرة فلا عوض لها، وهذه لم تأذن في ذلك، وإنما تعدت بالملاصقة المحرمة. وبالجملة، فغير الشيخ وأتباعه من الموجبين للرجم على المساحقة يردون هذا الحديث وإن عملوا ببعض موجبه، وهو ما وافق القواعد الشرعية لذلك، لا لوروده فيه، وإلا لاوجبوا الرجم على المحصنة. ولقد كان القول به أولى، لصحة الرواية واعتبار حكمها، فكانت أرجح مما استدلوا به على عدمه. وبقي من أحكام المسألة لحوق الولد بالمرأة. أما الكبيرة فلا يلحق بها قطعا، لانه لم يتولد منها، وإنما كانت سببا في تولده. وأما الصبية ففي إلحاقه بها وجهان، من حيث إنها ولدته من غير زنا فيلحق بها، ومن انتفاء سبب الالحاق، وهو العقد الصحيح أو الشبهة. ولانه بحكم الزنا، ولهذا يجب عليها الحد. وهذا أقوى.

(1) في (أ، ت، خ): نطفته.

[ 422 ]

وأما القيادة: فهي الجمع بين الرجال والنساء للزنا، أو بين الرجال والرجال للواط. ويثبت بالاقرار مرتين، مع بلوغ المقر وكماله وحريته واختياره، أو شهادة شاهدين. ومع ثبوته، يجب على القواد خمسة وسبعون جلدة. وقيل: يحلق رأسه ويشهر. ويستوي فيه: الحر، والعبد، والمسلم، والكافر. وهل ينفى بأول مرة؟ قال في النهاية: نعم. وقال المفيد - رحمه الله -: ينفى في الثانية. والاول مروي. وأما المرأة فتجلد. وليس عليها: جز، ولا شهرة، ولا نفي. قوله: (وأما القيادة... إلخ). اتفق الجميع على أن حد القيادة (1) مطلقا خمس وسبعون جلدة. واختلفوا في ثبوت شي آخر معها، فأثبت الشيخ في النهاية (2) معها على الرجل حلق رأسه، وشهرته في البلد، والنفي من بلده الذي فعل فيه الفعل إلى غيره. وقال المفيد (3): يجلد في المرة الاولى، ويحلق رأسه ويشهر، فإن عاد ثانية جلد ونفي. وتبعه أبو الصلاح (4) وسلا ر (5).

(1) في (أ): القواد. (2) النهاية: 710. (3) المقنعة: 791. (4) الكافي في الفقه: 410. (5) المراسم: 257.

[ 423 ]

وزاد أبو الصلاح (1): فإن عاد ثالثة جلد، فإن عاد رابعة استتيب، فإن تاب قبلت توبته وجلد، فإن أبى التوبة قتل، فإن تاب ثم أحدث بعد التوبة خامسة قتل على كل حال. وليس في الباب من الاخبار سوى رواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، وقد سأله عن حد القواد، فقال: (يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطا، وينفى من المصر الذي هو فيه) (2). وهي تدل على نفيه بأول مرة كما ذكره الشيخ، لكن ليس فيه الحلق والشهرة. مع أن في طريقه محمد بن سليمان، وهو مشترك بين جماعة منهم الثقة وغيره، ومن ثم جعل المصنف حلق رأسه وشهرته قولا مؤذنا بضعفه، لعدم وقوفه على مستنده. وقد أحسن ابن الجنيد (3) - رحمه الله - حيث اقتصر من حكم القيادة على ذكر الرواية.

(1) الكافي في الفقه: 410. (2) الكافي 7: 261 ح 10، الفقيه 4: 34 ح 100، التهذيب 10: 64 ح 235، الوسائل 18: 429 ب (55) من أبواب حد السحق والقيادة ح 1. (3) لم نعثر عليه.

[ 424 ]

الباب الثالث في حد القذف والنظر في أمور أربعة: الاول في الموجب وهو الرمي بالزنا أو اللواط، كقوله: زنيت أو لطت أو ليط بك، أو أنت زان أو لائط أو منكوح في دبره، وما يؤدي هذا المعنى صريحا، مع معرفة القائل بموضوع اللفظ، بأي لغة اتفق. قوله: (وهو الرمي بالزنا أو اللواط... إلخ). القذف من الذنوب الكبائر، روي أنه صلى الله عليه وآله قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات) (1). ويتعلق بالقذف الحد بالاجماع، قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات) إلى قوله: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) (2). وروى عبد الله بن سنان في الحسن قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: قضى أمير المؤمنين عليه السلام أن الفرية ثلاث - يعني: ثلاث وجوه -: رمي الرجل بالزنا، وإذا قال: إن أمه زانية، وإذا دعي لغير أبيه، فذلك فيه حد ثمانون) (3).

(1) الخصال: 364 ح 57، الوسائل 11: 261 ب (46) من أبواب جهاد النفس ح 34. (2) النور: 4. (3) الكافي 7: 205 ح 1، التهذيب 10: 65 ح 236، الوسائل 18: 432 ب (2) من أبواب حد القذف ح 2.

[ 425 ]

ولو قال لولده الذي أقر به: لست بولدي، وجب عليه الحد. وكذا لو قال لغيره: لست لابيك. ولو قال: زنت بك أمك، أو يا ابن الزانية، فهو قذف للام. وكذا لو قال: زنى بك أبوك، أو يا ابن الزاني، فهو قذف لابيه. ولو قال: يا ابن الزانيين، فهو قذف لهما، ويثبت به الحد، ولو كان المواجه كافرا، لان المقذوف ممن يجب له الحد. وأصل القذف الرمي، يقال: قذف بالحجارة أي: رماها (1)، فكأن الساب يرمي المسبوب بالكلمة المؤذية. قوله: (ولو قال لولده... إلخ). هذه الصيغة عندنا من ألفاظ القذف الصريح لغة وعرفا، فيثبت بها الحد لامه. ونبه بالتسوية بين الصيغتين على خلاف بعض (2) العامة، حيث فرق بينهما وجعل الثانية قذفا دون الاولى، استنادا إلى أن الاب يحتاج في تأديب الولد إلى مثل ذلك، زجرا له عما لا يليق بنسبه وقومه، فيحمل ذلك منه على التأديب، والاجنبي بخلافه. هذا إذا لم يقصد به القذف، وإلا كان قذفا إجماعا. قوله: (ولو قال: زنت بك أمك... إلخ). فائدة تعيين المقذوف من الابوين والمواجه يظهر فيما لو اختلف حكمهم في إيجاب الحد وعدمه، كما لو كان المحكوم بقذفه مسلما والمنفي عنه كافرا، وبالعكس، وفي توقف ثبوته على مرافعة المستحق.

(1) القاموس المحيط 3: 183. (2) روضة الطالبين 6: 292.

[ 426 ]

ولو قال: ولدت من الزنا، ففي وجوب الحد لامه تردد، لاحتمال انفراد الاب بالزنا، ولا يثبت الحد مع الاحتمال. أما لو قال: ولدتك أمك من الزنا، فهو قذف للام. وهنا الاحتمال أضعف. ولعل الاشبه عندي التوقف، لتطرق الاحتمال وإن ضعف. ولو قال: يا زوج الزانية، فالحد للزوجة. وكذا لو قال: يا أبا الزانية، أو يا أخا الزانية، فالحد لمن نسب إليها الزنا دون المواجه. ثم على تقدير كون القذف للابوين أو لاحدهما دون المواجه يعزر للمواجه زيادة على الحد، لايذائه المحرم بمواجهته بالقذف وإن كان متعلقه غيره. قوله: (ولو قال: ولدت من الزنا... إلخ). هنا مسألتان: الاولى: إذا قال لغيره: ولدت من الزنا، ففي وجوب الحد بذلك وجهان: أحدهما - وهو الاشهر -: ثبوته، لتصريحه بتولده من الزنا، فيكون قذفا صريحا يثبت به الحد. لكن يقع الاشتباه في متعلقه وهو مستحق الحد، فذهب الشيخان (1) والقاضي (2) والمصنف في النكت (3) وجماعة (4) إلى أنه الام، لاختصاصها بالولادة ظاهرا، وقد عدى الولادة إلى الزنا بحرف الجر، ومقتضاه نسبة الام إلى الزنا، لانه على هذا التقدير يكون ولادتها له عن زنا. ولانه الظاهر عرفا، والحقيقة العرفية أولى من اللغوية.

(1) راجع المقنعة: 793 - 794 ولكن حكم بالتسوية بين قوله: (يا ولد زنا) وقوله: (زنت بك أمك)، وصرح في الثاني بأن الحق له لا للام، ولم نجد له كلاما غير هذا، النهاية: 723. (2) المهذب 2: 547. (3) النهاية ونكتها 3: 339. (4) المختلف: 780.

[ 427 ]

وقيل: متعلقه الابوان معا، لان نسبته إليهما واحدة، فلا اختصاص لاحدهما دون الاخر. ولان الولادة إنما يتم بهما، فهما والدان لغة وعرفا، وقد نسبت الولادة إلى الزنا، وهي قائمة بهما، فيكون القذف لهما. وهو أحد قولي العلامة (1) والشهيد في الشرح (2). والثاني: أنه لا يثبت لاحدهما ولا للمواجه. أما المواجه فظاهر، لانه لم ينسب الفعل إليه. وأما الابوان فلان هذا اللفظ يحتمل كون الزنا مختصا بالام، لان الولادة مختصة بها كما ذكر، ويكون الاب مشبها (3) عليه أو مكرها، فلا يتحقق نسبته إليه بمجرد ذلك، وكونه من الاب، لان النسب يقوم بكل واحد منهما، ويحتمل كون الام مكرهة أو مشبها (4) عليها، ومع ذلك يصدق كونه مولودا من الزنا حيث يكون الاب زانيا، وكونه منهما، وإذا تعدد الاحتمال في اللفظ بالنسبة إلى كل منهما لم يعلم كونه قذفا لاحدهما بخصوصه ولا المستحق، فتحصل الشبهة الدارئة للحد. وهذا هو الظاهر من كلام المصنف هنا، لان قوله: (لاحتمال انفراد الاب) لا يريد به أن الاب داخل في القذف على التقديرين، بل يريد أنه كما يحتمل كون النسبة إلى الام يحتمل كونها إلى الاب، بأن يكون منفردا بالزنا، ومع الاحتمال يسقط الحد للشبهة. وصراحة اللفظ في القذف مع اشتباه المقذوف لا يوجب الحد، لتوقفه على مطالبة المستحق، وهو غير معلوم، كما لو سمع واحد يقذف أحدا بلفظ صريح

(1) قواعد الاحكام 2: 260. (2) غاية المراد: 343. (3) في (خ، م): مشتبها. (4) في (خ، م): مشتبها.

[ 428 ]

ولم يعلم المقذوف، فإنا لانحده بذلك. ويمكن الفرق بانحصار [ ذلك ] (1) الحق في المتنازع في الابوين، فإذا اجتمعا على المطالبة تحتم الحد، لمطالبة المستحق قطعا وإن لم يعلم عينه. ولعل هذا أجود. نعم، لو انفرد أحدهما بالمطالبة تحقق الاشتباه، واتجه عدم ثبوت الحد حينئذ، لعدم العلم بمطالبة المستحق [ به ] (2). الثانية: لو صرح بذكر الام فقال: ولدتك أمك من الزنا، فإن قلنا بثبوت الحق في السابقة للام خاصة أولهما فلا إشكال في ثبوته هنا لها. وبهذا صرح ابن إدريس (3) مع مخالفته في الاولى. وإن قلنا بعدم ثبوته لها في السابقة احتمل ثبوته هنا، لانه ظاهر في نسبته إليها. ويحتمل العدم، لان ولادتها إياه من الزنا أعم من كونها زانية، لجواز كون الزاني هو الاب، وهي مكرهة أو مشبه (4) عليها. ولان المتعدي ب‍ (من) إنما هو الولادة على التقديرين، وتوسط الام في الولادة لازم عليهما (5)، فلا فرق بين المسألتين، وإن كان الاشكال في هذه أقوى. والمصنف - رحمه الله - رجح هنا التوقف أيضا، لقيام الاحتمال الدافع للحد بالشبهة وإن ضعف. وله وجه، إلا أن يجتمع الابوان على المطالبة بالحد كما سبق، فيتجه القول بثبوته. مع احتمال العدم أيضا، لان مطالبة كل واحد منهما غير معلومة التأثير في جواز الاستيفاء مع الانفراد، فكذا مع الاجتماع.

(1) من (أ). (2) من (أ، ث). (3) السرائر 3: 517. (4) في (خ): مشتبه. (5) في (أ، د، م): عليها.

[ 429 ]

ولو قال: زنيت بفلانة، أو لطت به، فالقذف للمواجه ثابت. وفي ثبوته للمنسوب إليه تردد. قال في النهاية وفي المبسوط: يثبت حدان، لانه فعل واحد، متى كذب في أحدهما كذب في الاخر. ونحن لا نسلم أنه فعل واحد، لان موجب الحد في الفاعل غير الموجب في المفعول. وحينئذ يمكن أن يكون أحدهما مختارا دون صاحبه. قوله: (ولو قال: زنيت بفلانة... إلخ). إذا أضاف زنا المواجه أو لواطه إلى معين، فلا خلاف في كونه قذفا للمواجه، لدلالة لفظه على وقوعه منه اختيارا. وأما المنسوب إليه ففي كونه قذفا له قولان: أحدهما - وهو مذهب المفيد (1)، والشيخ في النهاية (2) والمبسوط (3)، وأتباعه (4) -: الثبوت، لان الزنا فعل واحد يقع بين اثنين، ونسبة أحدهما إليه بالفاعلية والاخر بالمفعولية، فيكون قذفا لهما. ولان كذبه في أحدهما يستلزم كذبه في الاخر، لاتحاد الفعل. واعترض المصنف - رحمه الله - بمنع اتحاده، لان الموجب في الفاعل التأثير وفي المفعول التأثر، وهما متغايران، وجاز أن يكون أحدهما مكرها والاخر مختارا.

(1) المقنعة: 793. (2) النهاية: 725 - 726. (3) المبسوط 8: 16. (4) المهذب 2: 548، فقه القرآن للراوندي 2: 389، غنية النزوع: 428، إصباح الشيعة: 520.

[ 430 ]

ولو قال لابن الملاعنة: يا ابن الزانية، فعليه الحد. ولو قال لابن المحدودة قبل التوبة، لم يجب به الحد، وبعد التوبة يثبت الحد. والحق أنهما فعل واحد. واختلاف النسبة يجوز اختلاف الحكم كما ذكر، لا اختلاف الفعل. والثاني: عدم ثبوته للمنسوب إليه، لان مجرد نسبة الفعل إليه أعم من كونه زانيا، لجواز الاكراه، وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلا أنه ممكن، فيكون شبهة يدرأ بها الحد. وهو اختيار المصنف في النكت (1) صريحا، وهنا ظاهرا. وأجيب بالمعارضة بقوله: إنه منكوح في دبره، فإنه يوجب الحد إجماعا مع احتمال الاكراه، فدل على عدم قدح مجرد الاحتمال. وقوله: زنيت بفلانة، في معنى: فلانة مزني بها، الذي هو في معنى قوله: منكوح في دبره. والاقوى ثبوته لهما، إلا مع تصريحه بالاكراه، فينتفي بالنسبة إلى المكره. وحيث يحكم بثبوته لهما يجب لهما حدان وإن اجتمعا في المطالبة، لان اللفظ هنا متعدد، بدليل أنه لو اقتصر على قوله: زنيت، من دون أن يذكر الاخر، تحقق القذف للمواجه، فيكون قذف الاخر حاصلا بضميمة لفظه. كذا ذكره المصنف في النكت (2). قوله: (ولو قال لابن الملاعنة... إلخ). الفرق بين الملاعنة والمحدودة قبل التوبة - وإن اشتركا في إقامة البينة على الزنا، من حيث إن شهادات الزوج عليها بمنزلة الشهود الاربعة، ومن ثم وجب عليها الحد بذلك -: أن شهادات الزوج [ بذلك ] (3) ليست كالبينة الموجبة لثبوت الزنا

(1) النهاية ونكتها 3: 345 - 346. (2) من الحجريتين. (3) النهاية ونكتها 3: 345 - 346.

[ 431 ]

في حقها مطلقا، ومن ثم كان لها دفعه باللعان، ولو كان ثبوته بالبينة المحضة لم يكن لها دفعه. فثبوته في حقها مطلقا بشهاداته إنما هو بالنسبة إلى الزوج خاصة، فيحد قاذفها، بخلاف من ثبت عليها الزنا بالبينة أو الاقرار قبل التوبة، فإنها خرجت بذلك عن الاحصان الذي هو شرط ثبوت الحد على القاذف. ولو تابت سقط حكم ذلك الفعل، وثبت على قاذفها الحد. ويدل عليه حسنة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبيه قال: (سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عليهما السلام عن امرأة زنت فأتت بولد، وأقرت عند إمام المسلمين بأنها زنت وأن ولدها ذلك من الزنا، فأقيم عليها الحد، وأن ذلك الولد نشاء حتى صار رجلا، فافترى عليه رجل، هل يجلد من افترى عليه؟ قال: يجلد ولا يجلد، قلت: كيف يجلد ولا يجلد؟ فقال: من قال له: يا ولد الزنا، لا يجلد إنما يعزر وهو دون الجلد، وإذا قال: يابن الزانية، جلد الحد [ تاما، فقلت: كيف صار هذا هكذا؟ فقال: إنه إذا قال: يا ولد الزنا، كان قد صدق فيه، وعزر على تعييره أمه ثانية، وقد أقيم عليها الحد، وإذا قال: يابن الزانية، جلد الحد تاما ] (1)، لفريته عليها بعد إظهارها التوبة وإقامة الامام عليها الحد) (2). ويدل على ثبوت الحد بقذف الملاعنة حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: (في رجل قذف ملاعنة، قال: عليه الحد) (3). ولو قال لامرأته: زنيت بك، فلها حد على التردد المذكور. ولا يثبت في طرفه حد الزنا حتى يقر أربعا.

(1) من (د). ووردت في مصادر الحديث. (2) الكافي 7: 206 ح 7، التهذيب 10: 67 ح 250، الوسائل 18: 441 ب (7) من أبواب حد القذف ح 1. وفي المصادر: عن الفضل بن إسماعيل الهاشمي عن أبيه. (3) الكافي 7: 206 ح 8، الوسائل 18: 442 ب (8) من أبواب حد القذف ح 3.

[ 432 ]

ولو قال: يا ديوث أو يا كشخان أو يا قرنان، أو غير ذلك من الالفاظ، فإن أفادت القذف في عرف القائل، لزمه الحد. وإن لم يعرف فائدتها، أو كانت مفيدة لغيره، فلا حد. ويعزر إن أفادت فائدة يكرهها المواجه. قوله: (ولو قال لامرأته... إلخ). هو المذكور في المسألة السابقة في قوله: زنيت بفلانة، من حيث احتمال كونها مكرهة، فلا يكون قذفا لها. والاقوى ثبوته ما لم يدع الاكراه، بتقريب ما سبق. وأما رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: (في رجل قال لامرأته: يا زانية أنا زنيت بك، قال: عليه حد واحد، لقذفه إياها، وأما قوله: أنا زنيت بك، فلا حد فيه، إلا أن يشهد على نفسه أربع شهادات بالزنا عند الامام) (1). فلا يدل على ثبوت الحد بقوله: أنا زنيت بك، ولا نفيه، لان حد القذف ثابت على المذكور في الرواية بالكلمة الاولى، وهي قوله: يا زانية، ويبقى حكم الاخرى على الاشتباه. ولا يلزم من تعليق الحكم على اللفظين ثبوته مع أحدهما، إلا أنه ثابت بالاول من دليل خارج. قوله: (ولو قال: يا ديوث... إلخ). هذه الالفاظ ليست موضوعة لغة لمعنى يوجب القذف، وإنما هي ألفاظ عرفية يرجع فيها إلى عرف القائل، فإن أفادت القذف لزمه الحد، وإلا فلا.

(1) الكافي 7: 211 ح 1، الفقيه 4: 37 ح 116، التهذيب 10: 76 ح 291، الوسائل 18: 446 ب (133) من أبواب حد القذف ح 1.

[ 433 ]

وكل تعريض بما يكرهه المواجه، ولم يوضع للقذف لغة ولا عرفا، يثبت به التعزير لا الحد، كقوله: أنت ولد حرام، أو حملت بك أمك في حيضها، أو يقول لزوجته: لم أجدك عذراء، أو يقول: يا فاسق، أو يا شارب الخمر، وهو متظاهر بالستر، أو يا خنزير أو يا حقير أو يا وضيع. ولو كان المقول له مستحقا للاستخفاف، فلا حد ولا تعزير. وكذا كل ما يوجب أذى، كقوله: يا أجذم، أو يا أبرص. قال ثعلب (1): القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناهما عند العامة مثل معنى الديوث أو قريب منه. وقد قيل: إن الديوث هو الذي يدخل الرجال على امرأته. وقيل: القرنان من يدخلهم على بناته، والكشخان على أخواته. وعلى هذا، فإن كان ذلك متعارفا عند القاذف ثبت عليه الحد، ترجيحا لجانب العرف على اللغة، وإلا فإن أفادت فائدة يكرهها المواجه دون ذلك فعليه التعزير، وإن انتفى الامران فلا شي. قوله: (وكل تعريض بما يكرهه... إلخ). لما كان أذى المسلم غير المستحق للاستخفاف محرما، فكل كلمة يقال له ويحصل له بها الاذى، ولم تكن موضوعة للقذف بالزنا وما في حكمه لغة ولا عرفا، يجب بها التعزير، لفعل المحرم كغيره من المحرمات، ومنه التعيير بالامراض. ففي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سب رجلا بغير قذف يعرض به هل يجلد؟ قال: عليه

(1) انظر المغني لابن قدامة 10: 206.

[ 434 ]

التعزير) (1). والمراد بكون المقول له مستحقا للاستخفاف أن يكون فاسقا متظاهرا بفسقه، فإنه لا حرمة له حينئذ، لما روي عن الصادق عليه السلام: (إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة) (2). وفي بعض الاخبار: (من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب) (3). وروى داود بن سرحان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البرأة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم لئلا يطمعوا في الفساد في الاسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الاخرة) (4). ويظهر من قوله: (فلا حد ولا تعزير) أن بعض المذكورات يوجب الحد وإلا لما كان لنفيه فائدة. وليس كذلك، لان جميعها يوجب التعزير، إلا أن يريد بنفي الحد في حقه على تقدير قذفه بالزنا مع تظاهره به، فإن ذلك مما يوجب الحد في غيره. ولكن سيأتي (5) أنه يوجب التعزير. والاولى ترك لفظ الحد،

(1) الكافي 7: 240 ح 3، التهذيب 10: 81 ح 317، الوسائل 18: 452 ب (19) من أبواب حد القذف ح 1. (2) أمالي الصدوق (طبعة بيروت): 42 ح 7، الوسائل 8: 604 ب (154) من أبواب أحكام العشرة ح 4. (3) لم نجده في الجوامع الحديثية. (4) الكافي 2: 375 ح 4، الوسائل 11: 508 ب (39) من أبواب الامر والنهي ح 1. (5) في ص: 438.

[ 435 ]

الثاني في القاذف ويعتبر فيه: البلوغ، وكمال العقل. فلو قذف الصبي، لم يحد وعزر، وإن قذف مسلما بالغا حرا. وكذا المجنون. وهل يشترط في وجوب الحد الكامل الحرية؟ قيل: نعم، وقيل: لا يشترط. فعلى الاول يثبت نصف الحد، وعلى الثاني يثبت الحد كاملا، وهو ثمانون. والاقتصار على نفي التعزير، كما صنع في القواعد (1). واعلم أن إلحاق قوله: (أنت ولد حرام) بالالفاظ التي لا تدل على القذف هو المشهور بين الاصحاب، صرح به الشيخان (2) والاكثر (3). وخالف في ذلك ابن إدريس فقال: (إذا قال له: أنت ولد حرام، فهو كقوله: أنت ولد زنا) (4)، لعدم الفرق بينهما في العرف وعادة الناس وما يريدونه بذلك. وأجيب: بمنع دلالة العرف على ذلك، بل كثيرا ما يطلق على كونه ردي الفعال خبيث النفس، ونحو ذلك. ولو فرض احتماله الامرين فليس بصريح في القذف، لقيام احتمال الدافع للحد. قوله: (وهل يشترط في وجوب... إلخ).

(1) قواعد الاحكام 2: 260. (2) المقنعة: 795، النهاية: 728. (3) المهذب 2: 550، إرشاد الاذهان 2: 178. (4) السرائر 3: 529.

[ 436 ]

أكثر الاصحاب - ومنهم الشيخ في النهاية (1) والخلاف (2)، والمصنف في النافع (3) وإن توقف هنا - على أنه لا يشترط الحرية في ثبوت الحد الكامل على القاذف، بل ادعى عليه جماعة (4) الاجماع، لعموم قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) (5) الاية. و (الذين) جمع معرف، فيفيد العموم. ولقول الصادق عليه السلام في حسنة الحلبي: (إذا قذف العبد الحر جلد ثمانين، هذا من حقوق الناس) (6). وفيها إشارة إلى التعليل بأن ما كان من حقوق الناس من الحدود لا ينتصف على المملوك. وغيرها من الروايات (7). وقال الشيخ في المبسوط (8) وابن بابويه (9): يجلد العبد أربعين، لقوله تعالى: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (10). ورواية القاسم بن سليمان عن الصادق عليه السلام أنه: (سأله عن العبد يفتري على الحر كم يجلد؟ قال: أربعين، وقال: إذا أتى بفاحشة فعليه نصف العذاب) (11).

(1) النهاية: 722 - 723. (2) الخلاف 5: 403 مسألة (47). (3) المختصر النافع: 220. (4) الخلاف 5: 404 ذيل مسألة (47)، الغنية: 427. (5) النور: 4. (6) الكافي 7: 234 ح 1، التهذيب 10: 72 ح 270، الاستبصار 4: 228 ح 853، الوسائل 18: 435 ب (4) من أبواب حد القذف ح 4. (7) راجع الوسائل 18: 434 ب (4) من أبواب حد القذف. (8) المبسوط 8: 16. (9) الهداية: 76. (10) النساء: 25. (11) التهذيب 10: 73 ح 278، الاستبصار 4: 230 ح 865، الوسائل 18: 437 ب (4) من أبواب حد القذف ح 15.

[ 437 ]

ولو ادعى المقذوف الحرية، وأنكر القاذف، فإن ثبت أحدهما عمل عليه، وإن جهل، ففيه تردد، أظهره أن القول قول القاذف، لتطرق الاحتمال. وأجيب بأن المراد بالفاحشة الزنا، على ما ذكره المفسرون (1). ولانها نكرة مثبتة فلا تعم. والرواية معارضة بالاجماع أو بما هو أجود سندا. وحملت على التقية. وقد تعجب الشهيد - رحمه الله - في الشرح (2) من المصنف حيث نقل في المسألة قولين ولم يرجح أحدهما مع ظهور المرجح، فإن القول بالتنصيف نادر جدا. ثم وقع فيما تعجب منه في اللمعة (3)، فاقتصر فيها على نقل القولين في المسألة. قوله: (ولو ادعى المقذوف الحرية... إلخ). إذا ادعى المقذوف حرية قاذفه ليقيم عليه الحد كملا، وأنكر القاذف وادعى الرقية، بناء على القول بتنصيف الحد على المملوك، فإن ثبت أحد الامرين من الحرية أو الرقية بالبينة أو غيرها فلا كلام. وإن جهل الامران ففي تقديم قول أيهما قولان للشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5). ففي الاول اختار تقديم قول القاذف، عملا بأصالة البرأة من ثبوت الزائد. وفي المبسوط نقل القولين، وعلل تقديم قول القاذف بما ذكر في الخلاف،

(1) النكت والعيون للماوردي 1: 473، مجمع البيان 3: 64، الدر المنثور 2: 489. (2) غاية المراد: 345. (3) اللمعة الدمشقية: 168. (4) الخلاف 5: 407 مسألة (52). (5) المبسوط 8: 17.

[ 438 ]

الثالث في المقذوف ويشترط فيه، الاحصان. وهو هنا عبارة عن: البلوغ، وكمال العقل، والحرية، والاسلام، والعفة. فمن استكملها، وجب بقذفه الحد. ومن فقدها أو بعضها فلا حد، وفيه التعزير، كمن قذف: صبيا، أو مملوكا، أو كافرا، أو متظاهرا بالزنا، سواء كان القاذف مسلما أو كافرا، حرا أو عبدا. وتقديم قول المقذوف بأصالة الحرية. قال: وهما جميعا قويان. والاقوى ما اختاره المصنف من تقديم قول القاذف، لتعارض الاصلين المقتضي لقيام الشبهة في الزائد، فيسقط. قوله: (المقذوف ويشترط فيه... إلخ). إحصان المقذوف شرط في وجوب الحد على قاذفه، قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات) (1) الاية. والمراد به هنا الجمع لامور أربعة: التكليف، وهو يعتمد البلوغ والعقل، والحرية، والاسلام، والعفة عن الزنا. والمراد به الوطي الموجب للحد. وقد تقدم (2) إطلاق الاحصان على معان أخر غير هذا. فمن استكمل هذه الاوصاف وجب بقذفه الحد، وإلا فالتعزير في غير الاخير. فلا يحد قاذف الصبي والمجنون والمملوك والكافر، بل يعزر للايذاء. وأما قذف غير العفيف فمقتضى العبارة إيجابه التعزير أيضا، وبه صرح في

(1) النور: 4. (2) في ص: 332.

[ 439 ]

القواعد (1) والتحرير (2). وتنظر فيه شيخنا الشهيد (3) - رحمه الله - من حيث دلالة الخبرين السابقين (4) على سقوط حرمته. ولعل القذف بالزنا مستثنى، لفحشه وإطلاق النهي عنه. وقد دل على نفي الحد بقذف الصبي والمجنون صحيحة الفضيل بن يسار قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا حد لمن لا حد له، يعني: لو أن مجنونا قذف رجلا لم يكن عليه حد، ولو قذفه رجل لم يكن عليه الحد) (5). ورواية أبي مريم الانصاري عن الباقر عليه السلام وقد سأله: (عن الغلام يقذف هل يجلد؟ قال: لا، وذلك لو أن رجلا قذف الغلام لم يجلد) (6). وعلى نفيه بقذف الكافر رواية إسماعيل بن الفضيل قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الافتراء على أهل الذمة وأهل الكتاب، هل يجلد المسلم الحد في الافتراء عليهم؟ قال: لا ولكن يعزر) (7). وعلى نفيه بقذف المملوك رواية عبيد بن زرارة قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو أتيت برجل قد قذف عبدا مسلما بالزنا، لا نعلم منه إلا

(1) قواعد الاحكام 2: 261. (2) تحرير الاحكام 2: 238. (3) لم نعثر عليه. (4) راجع ص: 434. (5) الكافي 7: 253 ح 2، الفقيه 4: 38 ح 125، التهذيب 10: 83 ح 325، الوسائل 18: 332 ب (199) من أبواب مقدمات الحدود. وفي المصادر: لمن لا حد عليه.... (6) الكافي 7: 205 ح 5، التهذيب 10: 68 ح 251، الاستبصار 4: 233 ح 879، الوسائل 18: 439 ب (5) من أبواب حد القذف ح 1. (7) الكافي 7: 243 ح 18، التهذيب 10: 75 ح 289، الوسائل 18: 450 ب (17) من أبواب حد القذف ح 4.

[ 440 ]

ولو قال لمسلم: يا ابن الزانية، أو أمك زانية، وكانت أمه كافرة أو أمة، قال في النهاية (1): عليه الحد تاما، لحرمة ولدها. والاشبه التعزير. خيرا، لضربته الحد حد الحر إلا سوطا) (2). وهو دال على نفي الحد وإثبات التعزير. وليس على انتفائه بقذف غير العفيف دليل صريح. والروايتان السابقتان (3) غير صريحتين في ذلك، فينبغي حملهما على الاستخفاف به بغير القذف. قوله: (ولو قال لمسلم: يابن الزانية... إلخ). وجه وجوب التعزير خاصة أن المنسوب إليه كافر فلا يجب بقذفه سوى التعزير، كما لو واجهه به. ولاصالة برأة الذمة من الزائد. وحرمة الولد غير كافية في تحصين الام، لما تقدم من أن [ من ] (4) شرطه الاسلام، وهو منتف. والشيخ - رحمه الله - استند في قوله بثبوت الحد إلى رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام أنه: (سئل عن اليهودية والنصرانية تحت المسلم فيقذف ابنها، قال: يضرب القاذف، لان المسلم قد حصنها) (5). وفيها قصور في السند والدلالة. أما الاول فلان في طريقها بنان بن محمد وحاله مجهول، وأبان وهو مشترك بين الثقة وغيره. وأما الثاني فمن وجهين:

(1) النهاية: 725. (2) الكافي 7: 208 ح 17، الفقيه 4: 37 ح 119، التهذيب 10: 71 ح 266، الوسائل 18: 434 ب (44) من أبواب حد القذف ح 2. (3) راجع ص: 434. (4) من (ث، د، م). (5) الكافي 7: 209 ح 21، التهذيب 10: 75 ح 290، الوسائل 18: 450 ب (17) من أبواب حد القذف ح 6.

[ 441 ]

أحدهما: قوله: (فيقذف ابنها) فإنه أعم من كونه بنسبة الزنا إليها، وإن كان ظاهر قوله: (إن المسلم قد حصنها) يشعر به. ولان القذف بذلك ليس قذفا لابنها، بل لها، ومن ثم كان المطالب بالحد هو الام. والثاني: من قوله: (يضرب القاذف) فإنه أعم من كونه حدا أو تعزيرا، لاشتراكهما في مطلق الضرب، ونحن نقول بأنه يثبت بذلك التعزير. هذا على الرواية التي رواها الشيخ في التهذيب. وأما الكليني فإنه رواها بطريق آخر، وليس فيه بنان. وذكر في متنها بدل قوله: ويضرب القاذف: (ويضرب حدا... إلخ). وعليه ينتفي الايراد الاخير. ويؤيده التعليل بالتحصين. ووافق الشيخ على ذلك جماعة (1)، وقبله ابن الجنيد (2). وذكر أنه مروي (3) عن الباقر عليه السلام. قال (4): وروى الطبري أن الامر لم يزل على ذلك إلى أن أشار عبد الله بن عمر على عمر بن عبد العزيز بأن لا يحد مسلم في كافر، فترك ذلك. والاقوى الاول.

(1) المهذب 2: 548. (2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 780. (3) لعل المراد رواية أبي بكر الحضرمي عن الباقر عليه السلام، انظر الفقيه 4: 35 ح 107، التهذيب 10: 87 ح 339، الوسائل 18: 451 ب (17) من أبواب حد القذف ح 7. (4) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 345. ولم نجده في تاريخ الطبري وتفسيره. وهو خطاء واضح، لان عمر بن عبد العزيز مات سنة 101 عن تسع وثلاثين سنة، واستخلف سنة تسع وتسعين، ومات عبد الله بن عمر سنه 73 أو 74، أي: قبل استخلاف عمر بن عبد العزيز بخمس وعشرين سنة، فكيف يصح أن يشير عليه، وعمره حين موت ابن عمر إحدى عشرة سنة؟! راجع أسد الغابة 3: 230، تاريخ الطبري 6: 565.

[ 442 ]

ولو قذف الاب ولده، لم يحد وعزر. وكذا لو قذف زوجته الميتة، ولا وارث إلا ولده. نعم، لو كان لها ولد من غيره، كان لهم الحد تاما. ويحد الولد لو قذف أباه، والام لو قذفت ولدها. وكذا الاقارب. قوله: (ولو قذف الاب ولده... إلخ). إذا قذف الاب ولده قذفا يوجب الحد لو كان من غيره لم يحد لاجله، لانه لا يثبت على الاب عقوبة لاجل ولده من قتل ولا حد. وللامام أن يعزره من حيث فعله المحرم، لا لاجل حق ولده. ويدل على جملة هذه الاحكام حسنة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ قال: لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له. قلت: فإن قذف أبوه أمه؟ قال: إن قذفها وانتفى من ولدها تلاعنا، ولم يلزم ذلك الولد الذي انتفى منه، وفرق بينهما، ولم تحل له أبدا. قال: وإن كان قال لابنه وأمه حية: يابن الزانية، ولم ينتف من ولدها، جلد الحد لها، ولم يفرق بينهما. قال: وإن كان قال لابنه: يابن الزانية وأمه ميتة، ولم يكن لها من يأخذ بحقها منه إلا ولدها منه، فإنه لا يقام عليه الحد، لان حق الحد قد صار لولده منها. وإن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له. وإن لم يكن لها ولد من غيره، وكان لها قرابة يقومون بأخذ الحد، جلد لهم) (1).

(1) الكافي 7: 212 ح 13، التهذيب 10: 77 ح 298، الوسائل 18: 447 ب (14) من أبواب حد القذف.

[ 443 ]

الرابع في الاحكام وفيه مسائل: الاولى: إذا قذف جماعة، واحدا بعد واحد، فلكل واحد حد. ولو قذفهم بلفظ واحد، وجأوا به مجتمعين، فلكل حد واحد. ولو افترقوا في المطالبة، فلكل واحد حد. قوله: (إذا قذف جماعة... إلخ). هذا التفصيل هو المشهور بين الاصحاب. ومستنده صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام: (في رجل افترى على قوم جماعة، فقال: إن أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد حدا) (1). وإنما حملناه على ما لو كان القذف بلفظ واحد مع أنه أعم، جمعا بينه وبين رواية الحسن العطار عنه عليه السلام: (في رجل قذف قوما جميعا، قال: بكلمة واحدة؟ قلت: نعم، قال: يضرب حدا واحدا، وإن فرق بينهم في القذف ضرب لكل واحد منهم حدا) (2). بحمل الاولى على ما لو كان القذف بلفظ واحد، والثانية على ما لو جأوا به مجتمعين. وابن الجنيد (3) عكس الامر، فجعل القذف بلفظ واحد موجبا لاتحاد الحد

(1) الكافي 7: 209 ح 1، التهذيب 10: 68 ح 254، الاستبصار 4: 227 ح 848، الوسائل 18: ب (11) من أبواب حد القذف ح 1. (2) الكافي 7: 209 ح 2، التهذيب 10: 69 ح 256، الاستبصار 4: 227 ح 851، الوسائل 18: 444 الباب المتقدم ح 2. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 781.

[ 444 ]

وهل الحكم في التعزير كذلك؟ قال جماعة: نعم. ولا معنى للاختلاف هنا. وكذا لو قال: يابن الزانيين، فالحد لهما، ويحد حدا واحدا مع الاجتماع على المطالبة، وحدين مع التعاقب. مطلقا، وبلفظ متعدد موجبا للاتحاد إن جأوا به مجتمعين، والتعدد إن جأوا به متفرقين. ونفى عنه في المختلف (1) البأس، محتجا بدلالة الخبر الاول عليه. وهو أوضح طريقا، لان في طريق الثاني أبان مطلقا، وهو مشترك بين الثقة وغيره، والحسن العطار [ وهو ] (2) ممدوح خاصة. وإنما يتم دلالة الخبر الاول عليه إذا جعلنا (جماعة) صفة للقذف المدلول عليه بالفعل وهو (افترى)، وأريد بالجماعة القذف المتعدد. ولو جعلناه صفة مؤكدة للقوم شمل القذف المتحد والمتعدد، فالعمل به يقتضي التفصيل فيهما، ولا يقولون به. وفي الباب أخبار (3) أخر مختلفة غير معتبرة الاسناد. قوله: (وهل الحكم في التعزير كذلك؟... إلخ). المشهور بين الاصحاب أن حكم التعزير حكم الحد في التفصيل السابق، فيتعدد على فاعله إذا تعدد سببه بألفاظ متعددة لجماعة، بأن قال لكل منهم: إنه فاسق مثلا. وكذا مع اتحاد اللفظ ومجيئهم به متفرقين، ويتحد مع مجيئهم به مجتمعين. ولا نص على حكم التعزير بخصوصه، لكن تداخل الحد يقتضي تداخل التعزير الاضعف بطريق أولى. وأما التعدد فهو باق على حكم الاصل. الاولى: الاولى: الاولى: الاولى: الاولى: الاولى: الاولى: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثانية: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الثالثة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الرابعة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: الخامسة: مسائل: مسائل: الاول: في أقسامه في المقذوف الاول: البلوغ الثاني: الثالث: ما به يثبت الرابع:

(1) المختلف: 781. (2) من الحجريتين. (3) راجع الوسائل 18: 444 ب (11) من أبواب حد القذف.

[ 445 ]

الثانية: حد القذف موروث، يرثه من يرث المال من الذكور والاناث، عدا الزوج والزوجة. وأنكر ذلك ابن إدريس (1)، وأوجب التعزير لكل واحد مطلقا، محتجا بتعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب، وإلحاقه بالحد قياس لا نقول به. ونحن نقول بموجبه إلا أنه قياس مقبول. والمصنف - رحمه الله - حقق هنا أنه لا معنى للاختلاف في التعزير، لان المرجع في كميته إلى نظر الحاكم. وحينئذ فلا يفرق فيه بين المتحد والمتعدد، لانه إذا رأى صلاحا في زيادته على المعزر (2) زاده بما يصلح أن يكون صالحا للتعدد على تقدير نقصانه عن ذلك، وبالعكس. ويمكن أن يظهر للاختلاف معنى [ يدل ] (3) على تقدير زيادة عدد المقذوفين عن عدد أسواط الحد، فإنه مع الحكم بتعدد التعزير يجب ضربه أزيد من الحد ليخص كل واحد منهم سوطا فصاعدا، وعلى القول باتحاده لا يجوز له بلوغ الحد بالتعزير مطلقا. وقد تظهر الفائدة في صورة النقصان أيضا. قوله: (حد القذف موروث... إلخ). المراد بكون حد القذف موروثا لمن ذكر أن لاقارب المقذوف الذين يرثون ماله أن يطالبوا به. وكذا لكل واحد منهم مع عفو الباقين. وليس ذلك على حد إرث المال، فيرث كل واحد حصته منه، بل هو مجرد ولاية على استيفائه، فللواحد من الجماعة المطالبة بتمام الحد. وبهذا يجمع بين الحكم بكونه موروثا وما ورد من الاخبار بكونه غير موروث، بمعنى أنه لا يورث على حد ما يورث

(1) السرائر 3: 535. (2) في (د، ط): المقرر. (3) من (خ، ط).

[ 446 ]

الثالثة: لو قال: ابنك زان أو لائط، أو بنتك زانية، فالحد لهما لا للمواجه. فإن سبقا بالاستيفاء أو العفو فلا بحث. وإن سبق الاب، قال في النهاية: له المطالبة والعفو. وفيه إشكال، لان المستحق موجود، وله ولاية المطالبة، فلا يتسلط الاب، كما في غيره من الحقوق. المال، وإلا لورثه الزوجان، ولم يكن للواحد المطالبة بأزيد من حصته منه. وفي رواية عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سمعته يقول: إن الحد لا يورث كما يورث الدية والمال والعقار، ولكن من قام به من الورثة وطلبه فهو وليه، ومن تركه فلم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف رجلا وللمقذوف أخوان، فإن عفا عنه أحدهما كان للاخر أن يطالبه بحقه، لانها أمهما جميعا، والعفو إليهما جميعا) (1). قوله: (لو قال: ابنك زان أو لائط... إلخ). قد تقدم (2) أن قوله: (ابنك كذا) ونحوه قذف للمنسوب إليه لا للمواجه، لانه لم ينسب إليه فعلا قبيحا. ولازم ذلك أن حق المطالبة والعفو فيه للمقذوف لا للمواجه، كما في غيره من الحقوق. وإلى هذا ذهب الاكثر. وقال الشيخ في النهاية (3): إن للاب العفو والاستيفاء. واحتج له في المختلف (4) بأن العار لاحق به، فله المطالبة بالحد والعفو. والكبرى ممنوعة.

(1) الكافي 7: 255 ح 1، التهذيب 10: 83 ح 327، الاستبصار 4: 235 ح 883، الوسائل 18: 334 ب (23) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) تقدم البحث في نظائره في ص: 425 - 426. (3) النهاية: 724. (4) المختلف: 780.

[ 447 ]

الرابعة: إذا ورث الحد جماعة، لم يسقط بعضه بعفو البعض، وللباقين المطالبة بالحد تاما ولو بقي واحد. أما لو عفا الجماعة، أو كان المستحق واحدا فعفا، فقد سقط الحد. ولمستحق الحد أن يعفو قبل ثبوت حقه وبعده. وليس للحاكم الاعتراض عليه. ولا يقام إلا بعد مطالبة المستحق. قوله: (إذا ورث الحد جماعة... إلخ). قد تقدم (1) أن إرث الحد ليس على حد ميراث غيره، وإنما هو مجرد ولاية، فلا يسقط جميعه ولا بعضه بعفو بعض الورثة، وإنما يسقط بعفو الجميع، لانه حق آدمي فيقبل العفو كغيره من حقوقه. ولا فرق في ذلك بين الزوجة وغيرها، ولا بين وقوع العفو بعد المرافعة إلى الحاكم وقبله. وللشيخ (2) - رحمه الله - قول بأن المقذوفة لو رافعته إلى الحاكم لم يكن لها بعد ذلك العفو، لصحيحة محمد بن مسلم قال: (ساء لته عن الرجل يقذف امرأته، قال: يجلد، قلت: أرأيت إن عفت عنه، قال: لا ولا كرامة) (3). وحملها الشيخ (4) على أن عفوها وقع بعد رفعه إلى الحاكم وعلمه، جمعا بينها وبين ما دل على جواز العفو. والصدوق في المقنع (5) استثنى من ذلك الزوجة، فليس لها العفو مطلقا،

(1) في ص: 445. (2) التهذيب 10: 80 ذيل ح 312، الاستبصار 4: 232 ذيل ح 874. (3) الفقيه 4: 34 ح 102، التهذيب 10: 80 ح 312، الاستبصار 4: 232 ح 874، الوسائل 18: 455 ب (20) من أبواب حد القذف ح 4. (4) التهذيب 10: 80 ذيل ح 312، الاستبصار 4: 232 ذيل ح 874. (5) المقنع: 442.

[ 448 ]

الخامسة: إذا تكرر الحد، بتكرر القذف مرتين، قتل في الثالثة. وقيل: في الرابعة. وهو أولى. ولو قذف فحد، فقال: الذي قلت كان صحيحا، وجب بالثاني التعزير، لانه ليس بصريح. والقذف المتكرر يوجب حدا واحدا لا أكثر. السادسة: لا يسقط الحد عن القاذف، إلا بالبينة المصدقة، أو عملا بهذه الرواية، مع أنها موقوفة كما رأيت، فلا تصلح مستندا للقولين، خصوصا لقول الشيخ، فإنه تخصيص بغير دليل. والاصح جواز العفو مطلقا. قوله: (إذا تكرر الحد... إلخ). قد عرفت أن القذف من الكبائر، والرواية (1) الصحيحة أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة. وقيل: في الرابعة. وهو أحوط في مراعاة حق الدماء. وقد تقدم (2) البحث في ذلك مرارا. قوله: (ولو قذف فحد... إلخ). يدل على جميع هذه الاحكام صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام: (في الرجل يقذف الرجل فيرد عليه القذف، قال: إن قال له: إن الذي قلت لك حق لم يجلد، وإن قذفه بالزنا بعدما جلد فعليه الحد، وإن قذفه قبل أن يجلد بعشر قذفات، لم يكن عليه إلا حد واحد) (3). قوله: (لا يسقط الحد عن القاذف... إلخ).

(1) الكافي 7: 191 ح 2، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 313 ب (5) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (2) في ص: 371 و 410 و 415. (3) الكافي 7: 208 ح 15، التهذيب 10: 66 ح 244، الوسائل 18: 443 ب (10) من أبواب حد القذف.

[ 449 ]

تصديق مستحق الحد، أو العفو. ولو قذف زوجته، سقط الحد بذلك وباللعان. السابعة: الحد ثمانون جلدة، حرا كان أو عبدا. ويجلد بثيابه، ولا قد عرفت أن من شرط ثبوت الحد على القاذف إحصان المقذوف الذي من جملته العفة، فمن (1) قذف من ظاهره العفة حكم عليه بالحد، لوجود المقتضي. وإنما يسقط ما حكم به ظاهرا بثبوت كون المقذوف غير عفيف عن زنا يوجب الحد، كما أشرنا إليه سابقا، وذلك لا يحصل إلا بالبينة المصدقة للقاذف في فعل ما قذفه به، أو بتصديق المقذوف على ذلك، فيظهر بأحدهما عدم وجوب الحد عليه في نفس الامر، وأنه إنما ثبت ظاهرا. وعلى تقدير انتفاء الامرين يثبت الحد في ذمته، ويسقط عنه بعفو المقذوف عنه، لما مر. وهذه الامور الثلاثة يشترك فيها جميع أفراد المقذوفين. وتزيد الزوجة أمرا رابعا، وهو أن قذف الزوج لها يسقطه أيضا لعانه لها، كما تقرر (2) في بابه. قوله: (الحد ثمانون جلدة... إلخ). هذا في الحر موضع وفاق. وقد علم ذلك من قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) إلى قوله: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) (3). ولا فرق بين قذف الذكر والانثى. وأما إلحاق العبد به في ذلك فمستنده عموم الاية وصريح الرواية (4). وقد تقدم (5) البحث في ذلك. قوله: (ويجلد بثيابه... إلخ).

(1) في (أ، ت، ط، م): فمتى. (2) راجع ج 10: 241. (3) النور: 4. (4) راجع الوسائل 18: 434 ب (4) من أبواب حد القذف. (5) في ص: 435 - 436.

[ 450 ]

يجرد. ويقتصر على الضرب المتوسط، ولا يبلغ به الضرب في الزنا. ويشهر القاذف لتجتنب شهادته. ويثبت القذف بشهادة عدلين، أو الاقرار مرتين. ويشترط في المقر: التكليف، والحرية، والاختيار. الثامنة: إذا تقاذف اثنان، سقط الحد وعزرا. يدل على ذلك موثقة إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال: (المفتري يضرب بين الضربين، يضرب جسده كله فوق ثيابه) (1). وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا ينزع شي من ثياب القاذف إلا الرداء) (2). وفي رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الزاني أشد ضربا من شارب الخمر، وشارب الخمر أشد ضربا من القاذف، والقاذف أشد ضربا من التعزير) (3). قوله: (إذا تقاذف اثنان... إلخ). يدل على ذلك صحيحة أبي ولا د قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتي أمير المؤمنين عليه السلام برجلين قذف كل واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه، قال: فدرأ عنهما الحد وعزرهما) (4).

(1) الكافي 7: 213 ح 4، التهذيب 10: 70 ح 264، الوسائل 18: 448 ب (15) من أبواب حد القذف ح 3. (2) الكافي 7: 213 ح 2، التهذيب 10: 70 ح 265، الوسائل 18: 448 الباب المتقدم ح 4. (3) الكافي 7: 214 ح 5، الوسائل 18: 449 الباب المتقدم ح 5. (4) الكافي 7: 242 ح 14، الفقيه 4: 39 ح 128، التهذيب 10: 79 ح 307، الوسائل 18: 451 ب (188) من أبواب حد القذف ح 2.

[ 451 ]

التاسعة: قيل: لا يعزر الكفار مع التنابز بالالقاب، والتعيير بالامراض، إلا أن يخشى حدوث فتنة، فيحسمها الامام بما يراه. ومثلها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين افترى كل واحد منهما على صاحبه، فقال: يدرأ عنهما الحد ويعزران) (1). قوله: (قيل: لا يعزر الكفار... إلخ). التنابز بالالقاب التداعي بها إذا كانت مشتملة على ذم. والقول بعدم تعزيرهم على ذلك، مع أن المسلم يستحق التعزير به، هو المشهور بين الاصحاب، بل لم يذكر كثير (2) منهم فيه خلافا. وكأن وجهه: تكافؤ السب والهجاء من الجانبين، كما يسقط الحد عن المسلمين بالتقاذف لذلك. ولجواز الاعراض عنهم في الحدود والاحكام، فهنا أولى. نعم، لو خشي وقوع فتنة بينهم بسبب ذلك فله حسمها بما يراه من ضربهم أو بعضهم، دفعا للفتنة ولفعلهم المحرم. ونسب الحكم هنا إلى القيل مؤذنا بعدم قبوله. ووجهه: أن ذلك فعل محرم يستحق فاعله التعزير، والاصل عدم سقوطه بمقالة الاخر بمثله، بل يجب على كل منهما ما اقتضاه فعله، فسقوطه يحتاج إلى دليل، كما يسقط الحد عن المتقاذفين بالنص.

(1) الكافي 7: 240 ح 2، التهذيب 10: 81 ح 316، الوسائل 18: 451 الباب المتقدم ح 1. (2) المقنعة: 798، السرائر 3: 530 - 531، اللمعة الدمشقية: 169.

[ 452 ]

ويلحق بذلك مسائل أخر الاولى: من سب النبي عليه السلام جاز لسامعه قتله، ما لم يخف الضرر على نفسه أو ماله، أو غيره من أهل الايمان. وكذا من سب أحد الائمة عليهم السلام. قوله: (من سب النبي... إلخ). هذا الحكم موضع وفاق، وبه نصوص، منها رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، عن أبيه في حديث طويل من جملته: (أخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الناس في أسوة سواء، من سمع أحدا يذكرني فالواجب عليه أن يقتل من شتمني، ولا يرفع إلى السلطان، والواجب على السلطان إذا رفع إليه أن يقتل من نال مني) (1). وسئل عليه السلام عمن سمع يشتم عليا ويبرأ منه، فقال: (هو والله حلال الدم، وما ألف رجل منهم برجل منكم، دعه) (2). وهو إشارة إلى خوف الضرر بقتله على بعض المؤمنين. وعن هشام بن سالم قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل سبابة لعلي عليه السلام؟ فقال لي: حلال الدم والله، لولا أن تعم به بريئا) (3).

(1) الكافي 7: 266 ح 32، التهذيب 10: 84 ح 331، الوسائل 18: 459 ب (25) من أبواب حد القذف ح 2. والمسؤول عنه هو الصادق عليه السلام. (2) الكافي 7: 269 ح 43، التهذيب 10: 86 ح 335، الوسائل 18: 462 ب (27) من أبواب حد القذف ح 2. (3) الكافي 7: 269 ح 44، علل الشرائع: 601 ح 59، التهذيب 10: 86 ح 336، الوسائل 18: 461 ب (27) من أبواب حد القذف ح 1.

[ 453 ]

الثانية: من ادعى النبوة، وجب قتله. وكذا من قال: لا أدري محمد بن عبد الله عليه السلام صادق أو لا، وكان على ظاهر الاسلام. وفي إلحاق باقي الانبياء عليهم السلام بذلك قوة، لان كمالهم وتعظيمهم علم من دين الاسلام ضرورة، فسبهم ارتداد [ ظاهر ] (1). وألحق في التحرير (2) بالنبي صلى الله عليه وآله أمه وبنته من غير تخصيص بفاطمة عليها السلام، مراعاة لقدره صلى الله عليه وآله. ولا فرق في الساب بين المسلم والكافر والذمي، لعموم النص. وقد روي عن علي عليه السلام: (أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وآله وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وآله دمها) (3). قوله: (من ادعى النبوة... إلخ). أما وجوب قتل مدعي النبوة فللعلم بانتفاء دعواه من دين الاسلام ضرورة، فيكون ذلك ارتدادا من المسلم، وخروجا من الملل التي يقر [ عليها ] (4) أهلها من الكافر، فيقتل لذلك. وأما الشك في صدق النبي صلى الله عليه وآله، فإن وقع من المسلم فهو ارتداد. واحترز بكونه على ظاهر الاسلام عما لو وقع ذلك من الكافر الذمي، كاليهودي والنصراني، فإنه لا يقتل به، إقرارا لهم على معتقدهم. وكذا يخرج به غير الذمي من الكفار، وإن كان قتله جائزا بأمر آخر.

(1) من الحجريتين. (2) تحرير الاحكام 2: 239. (3) سنن أبي داود 4: 129 ح 4362. (4) من (خ).

[ 454 ]

الثالثة: من عمل بالسحر، يقتل إن كان مسلما، ويؤدب إن كان كافرا. الرابعة: يكره أن يزاد في تأديب الصبي على عشرة أسواط. وكذا المملوك. قوله: (من عمل بالسحر... إلخ). مستند الفرق ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل، قيل: يا رسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار؟ فقال: لان الكفر أعظم من السحر، ولان السحر والكفر مقرونان) (1). وروى إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام: (أن عليا عليه السلام كان يقول: من تعلم من السحر شيئا كان آخر عهده بربه، وحده القتل إلا أن يتوب) (2). وقد تقدم (3) في كتاب البيع تحقيق معنى السحر وما يحرم منه. قوله: (يكره أن يزاد... إلخ). هذا النهي على وجه الكراهة، لان المرجع في تقدير التأديب والتعزير إلى نظر الحاكم. ولا فرق بين كون سببه القذف وغيره من الاسباب المقتضية له. وفي رواية حماد بن عثمان قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام في أدب الصبي والمملوك، قال: خمسة أو ستة فارفق) (4). وبمضمونها عبر (5) الشيخ في

(1) الكافي 7: 260 ح 1، الفقيه 3: 371 ح 1752، التهذيب 10: 147 ح 583، الوسائل 18: 576 ب (11) من أبواب بقية الحدود ح 1. (2) التهذيب 10: 147 ح 586، الوسائل 18: 577 ب (3) من أبواب بقية الحدود ح 2. (3) في ج 3: 128. (4) الكافي 7: 268 ح 35، التهذيب 10: 149 ح 597، الوسائل 18: 581 ب (8) من أبواب بقية الحدود ح 1. (5) في (د): عمل.

[ 455 ]

وقيل: إن ضرب عبده في غير حد حدا، لزمه إعتاقه. وهو على الاستحباب. النهاية (1)، ولم يذكر بلوغ العشرة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (أن صبيان الكتاب ألقوا ألواحهم بين يديه ليخير بينهم، فقال: إنها حكومة، والجور فيها كالجور في الحكم، أبلغوا معلمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضربات في الادب اقتص منه) (2). قوله: (وقيل: إن ضرب عبده... إلخ). القول للشيخ (3) رحمه الله. وظاهره أنه على وجه الوجوب، لانه قال: (ومن ضرب عبده فوق الحد كانت كفارته أن يعتقه). والمستند صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: (من ضرب مملوكا حدا من الحدود، من غير حد أوجبه المملوك على نفسه، لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه) (4). والمصنف - رحمه الله - حمل ذلك على الاستحباب، ومقتضاه حمل القول. وينبغي أن يكون الحمل للرواية. والاقوى الاستحباب. والقول الذي ذكره المصنف موافق للرواية في كون الضرب حدا في غير موجب الحد. وأما الشيخ ففرض المسألة فيما لو ضربه فوق الحد. ومقتضاه الزيادة عليه في الحد الذي استوجبه شرعا، وهذا لا دليل عليه من النص.

(1) النهاية: 732. (2) الكافي 7: 268 ح 38، التهذيب 10: 149 ح 599، الوسائل 18: 582 الباب المتقدم ح 2. (3) النهاية: 573. (4) الكافي 7: 263 ح 17، التهذيب 10: 27 ح 85، الوسائل 18: 337 ب (27) من أبواب مقدمات الحدود ح 1.

[ 456 ]

الخامسة: كل ما فيه التعزير من حقوق الله سبحانه، يثبت بشاهدين أو الاقرار مرتين على قول. ومن قذف أمته أو عبده، عزر كالاجنبي. قوله: (كل ما فيه التعزير... إلخ). أما ثبوته بشاهدين فلا إشكال فيه، لان ذلك حق ليس بمال، فلا يثبت بدونهما، ولا زنا، فلا يتوقف على الزائد، فيدخل في عموم (1) ما دل على اعتبار الشاهدين. وأما توقفه على الاقرار مرتين فهو المهشور، ولم يذكر العلامة (2) فيه خلافا. ونسبة المصنف - رحمه الله - الحكم إلى قول يؤذن برده. ووجهه: عموم: (إقرار العقلا على أنفسهم جائز) (3) الصادق بالمرة، مع عدم وجود المخصص هنا، فيثبت بالاقرار مرة. قوله: (ومن قذف أمته... إلخ). لعموم أدلة القذف الشاملة للمولى وغيره. وقد روي عن الصادق عليه السلام: (أن امرأة جأت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله إني قلت لامتي: يا زانية، فقال: هل رأيت عليها زنا؟ فقالت: لا، فقال: إنها تستقاد منك يوم القيامة، فرجعت إلى أمتها فأعطتها سوطا ثم قالت: اجلديني، فأبت الامة، فأعتقتها، ثم أتت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: عسى أن

(1) انظر الوسائل 18: 173 ب (5) من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. (2) قواعد الاحكام 2: 262، تحرير الاحكام 2: 237. (3) راجع الوسائل 16: 111 ب (2) من كتاب الاقرار ح 2، المستدرك 16: 31 ب (2) من كتاب الاقرار ح 1، عوالي اللئالي 3: 442 ح 5. وراجع أيضا المختلف: 443، التذكرة 2: 79، إيضاح الفوائد 2: 428، جامع المقاصد 5: 233، فهناك بحث في كون هذه الجملة رواية.

[ 457 ]

السادسة: كل من فعل محرما، أو ترك واجبا فللامام عليه السلام تعزيره بما لا يبلغ الحد. وتقديره إلى الامام. ولا يبلغ به حد الحر في الحر، ولا حد العبد في العبد. يكون به) (1). قوله: (كل من فعل محرما... إلخ). هذا هو الضابط الكلي في موجب التعزير. ويدخل فيه كل ما لم يوجب الحد فيما (2) سبق من أنواع القذف والسب وغيرهما، حتى قذف الوالد ولده، والاستمتاع بغير الجماع من الاجنبية، والنظرة المحرمة، وغير ذلك. وكون تقديره إلى الامام مطلقا مبني على الغالب، وإلا فقد عرفت أن منه ما هو مقدر، وكون غايته أن لا يبلغ به الحد. والاجود أن المراد به الحد لصنف (3) تلك المعصية بحسب حال فاعلها، فإن كان الموجب كلاما دون القذف لم يبلغ تعزيره حد القذف، وإن كان فعلا دون الزنا لم يبلغ حد الزنا. وإلى ذلك أشار الشيخ (4) - رحمه الله - والعلامة في المختلف (5).

(1) التهذيب 10: 80 ح 311، الوسائل 18: 431 ب (1) من أبواب حد القذف ح 4. (2) في هامش إحدى الحجريتين: مما. (3) في (ت، خ، م) والحجريتين: لضعف. (4) المبسوط 8: 69 - 70. (5) المختلف: 783.

[ 458 ]

الباب الرابع في حد المسكر والفقاع ومباحثه ثلاثة: الاول في الموجب وهو: تناول المسكر، أو الفقاع، اختيارا، مع العلم بالتحريم، إذا كان المتناول كاملا. فهذه قيود أربعة. شرطنا التناول، ليعم الشرب والاصطباغ، وأخذه ممزوجا بالاغذية والادوية. ونعني بالمسكر: ما [ هو ] من شأنه أن يسكر، فإن الحكم يتعلق بتناول القطرة منه. ويستوي في ذلك الخمر وجميع المسكرات، التمرية والزبيبية والعسلية، والمزر المعمول من الشعير أو الحنطة أو الذرة. وكذا لو عمل من شيئين أو ما زاد. قوله: (في الموجب وهو تناول المسكر... إلخ). أراد بالتناول إدخاله إلى البطن بالاكل أو الشرب خالصا وممتزجا بغيره، سواء بقي مع مزجه متميزا أم لا. ويخرج من ذلك استعماله بالاحتقان والسعوط حيث لا يدخل الحلق، لانه لا يعد تناولا، فلا يحد به وإن حرم. مع احتمال حده على تقدير إفساده الصوم. وعلى هذا فيحد الشارب من كوز ماء وقعت فيه قطرة من خمر، وإن بقي الماء على صفته. وكذا متناول الترياق المشتمل عليه، مع عدم الاضطرار إليه.

[ 459 ]

ويتعلق الحكم بالعصير إذا غلى [ واشتد ]، وإن لم يقذف الزبد، إلا أن يذهب بالغليان ثلثاه، أو ينقلب خلا، وبما عداه إذا حصلت فيه الشدة المسكرة. أما التمر إذا غلى، ولم يبلغ حد الاسكار، ففي تحريمه تردد، والاشبه بقاؤه على التحليل حتى يبلغ. وكذا البحث في الزبيب، إذا نقع بالماء فغلى من نفسه أو بالنار، فالاشبه أنه لا يحرم ما لم يبلغ الشدة المسكرة. ومعه على الخلاف السابق في باب الاطعمة (1). قوله: (ويتعلق الحكم بالعصير... إلخ). مذهب الاصحاب أن العصير العنبي إذا غلى بأن صار أسفله أعلاه يحرم، ويصير بمنزلة الخمر في الاحكام. ويستمر حكمه كذلك إلى أن يذهب ثلثاه، أو ينقلب إلى حقيقة أخرى، بأن يصير خلا أو دبسا على قول وإن بعد الفرض، لان صيرورته دبسا لا يحصل غالبا إلا بعد ذهاب أزيد من ثلثيه. ونبه بقوله: (وإن لم يقذف بالزبد) على خلاف بعض (2) العامة حيث وافقنا على تحريمه، بل صرح بنجاسته، لكن شرط فيه قذفه بالزبد. ولو طبخ العنب نفسه ففي إلحاقه بعصيره وجهان، من عدم صدق اسم العصير عليه، ومن كونه في معناه. قوله: (أما التمر إذا غلى... إلخ).

(1) راجع ج 12: 127 - 130. (2) الحاوي الكبير 13: 376، المغني لابن قدامة 10: 336، حلية العلماء 8: 93، شرح فتح القدير 9: 22، روضة الطالبين 7: 374 - 375، رحمة الامة: 299.

[ 460 ]

والفقاع كالنبيذ المسكر في التحريم، وإن لم يكن مسكرا، وفي وجوب الامتناع من التداوي به والاصطباغ. وجه التردد في عصير التمر أو هو نفسه إذا غلى: من دعوى إطلاق اسم النبيذ عليه حينئذ، ومشابهته لعصير العنب، ومن أصالة الاباحة، ومنع إطلاق اسم النبيذ المحرم عليه [ حينئذ ] (1) حقيقة، ومنع مساواته لعصير العنب (2) في الحكم، لخروج ذلك بنص خاص، فيبقى غيره على أصل الاباحة. وهذا هو الاصح. وأما نقيع الزبيب أو هو إذا غلى ولم يذهب ثلثاه، فقيل بتحريمه كعصير العنب، لاشتراكهما في أصل الحقيقة، ولفحوى رواية علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام. والاصح حله، للاصل، واستصحاب الحل، وخروجه عن اسم العنب الذي عصيره متعلق التحريم، ولذهاب ثلثيه بالشمس. ودلالة الرواية على التحريم ممنوعة. وقد تقدم (4) البحث في ذلك في الاطعمة. قوله: (والفقاع كالنبيذ المسكر... إلخ). هذا مذهب الاصحاب (5)، ورواياتهم به كثيرة، ومنها: (أنه خمر مجهول) (6) و: (خمر استصغره الناس) (7). وفي صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن

(1) من الحجريتين. (2) في الحجريتين: العنب لاشتراكهما في الحكم... (3) الكافي 6: 421 ح 10، التهذيب 9: 121 ح 522، الوسائل 17: 236 ب (8) من أبواب الاشربة المحرمة ح 2. (4) في ج 12: 76. (5) المقنعة: 800، النهاية: 713، الكافي في الفقه: 413، المراسم: 257، الوسيلة: 417، إصباح الشيعة: 522، غنية النزوع: 429، قواعد الاحكام 2: 262، اللمعة الدمشقية: 169. (6) الكافي 6: 422 ح 1، التهذيب 9: 124 ح 539، الاستبصار 4: 95 ح 368، الوسائل 17: 292 ب (288) من أبواب الاشربة المحرمة ح 2. (7) الكافي 6: 423 ح 9، التهذيب 9: 125 ح 540، الاستبصار 4: 95 ح 369، الوسائل 17: 292 =

[ 461 ]

واشترطنا الاختيار تفصيا من المكره، فإنه لا حد عليه. ولا يتعلق الحكم بالشارب [ المتناول ]، ما لم يكن بالغا عاقلا. وكما يسقط الحد عن المكره، يسقط عمن جهل التحريم، أو جهل المشروب. عليه السلام قال: (سألته عن الفقاع، قال: خمر، وفيه حد شارب الخمر) (1). وقد تقدم الكلام فيه وفي حقيقته في باب الاطعمة (2) وما قبلها. قوله: (واشترطنا الاختيار... إلخ). لا فرق في جوازه مع الاكراه بين من وجر في فمه قهرا، ومن ضرب أو خوف بما لا يحتمله عادة حتى شرب. ويفهم من إخراج المكره منه خاصة أن المضطر لا يخرج منه. والاصح خروج ما أوجب حفظ النفس من التلف، كإساغة اللقمة، بل يجب ذلك، لوجوب حفظ النفس، وإن حرم التداوي به لذهاب المرض أو حفظ الصحة. قوله: (وكما يسقط الحد... إلخ). يتصور قبول دعوى جهل التحريم من قريب العهد بالاسلام، وممن نشاء في بلاد بعيدة عن معالمه، بحيث يمكن في حقه ذلك. ولو قال: علمت التحريم ولم أعلم أن فيه حدا، لم يعذر (3)، وأقيم عليه الحد، لانه إذا علم التحريم فحقه أن يمتنع. وكذا يعذر جاهل عينه، بأن ظنه ماء أو شرابا محللا.

(1) التهذيب 10: 98 ح 379، الوسائل 18: 479 ب (13) من أبواب حد المسكر ح 1. (2) راجع ج 12: 72 - 73. (3) في (أ، ث): يعزر.

[ 462 ]

ويثبت بشهادة عدلين مسلمين. ولا تقبل فيه شهادة النساء منفردات، ولا منضمات. وبالاقرار دفعتين. ولا تكفي المرة. ويشترط في المقر: البلوغ، وكمال العقل، والحرية. والاختيار. الثاني في كيفية الحد وهو ثمانون جلدة، رجلا كان الشارب أو امرأة، حرا كان أو عبدا. وفي رواية: يحد العبد أربعين. وهي متروكة. أما الكافر: فإن تظاهر به حد، وإن استتر لم يحد. ولو علم أنه من جنس المسكر، ولكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر، فليس بعذر، لوجوب اجتنابه مطلقا. لكن يمكن هنا الجهل بالحكم، واختصاص التحريم بالقدر الذي يسكر بالفعل، فيدرأ عنه الحد بذلك للشبهة. قوله: (ويثبت بشهادة عدلين... إلخ). أما ثبوته بشهادة العدلين فلا كلام فيه، كما مر في نظائره (1). وأما عدم قبول شهادة النساء به مطلقا فلما تقدم (2) من اختصاص شهادتهن بالمال، أو بما لا يطلع عليه الرجال غالبا. وأما توقفه على الاقرار مرتين فهو المشهور. وقد تقدم (3) البحث في نظيره. قوله: (في كيفية الحد... إلخ).

(1) راجع ص: 449 أو 450. (2) راجع ص: 258. (3) في ص: 456.

[ 463 ]

ويضرب الشارب عريانا على ظهره وكتفيه، ويتقى وجهه وفرجه. ولا يقام عليه الحد حتى يفيق. تحديد حد الشرب بثمانين متفق عليه بين الاصحاب. ومستندهم الاخبار (1). وسيأتي بعضها. وروى العامة والخاصة (2) أن النبي صلى الله عليه وآله كان يضرب الشارب بالايدي والنعال، ولم يقدروه بعدد، فلما كان في زمن عمر استشار أمير المؤمنين عليه السلام في حده، فأشار عليه بأن يضربه ثمانين. وعلله بأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين (3). وعمل به أكثر العامة (4). وذهب بعضهم (5) إلى أربعين مطلقا، لما روي (6) أن الصحابة قدروا ما فعل في زمانه صلى الله عليه وآله بأربعين. إذا تقرر ذلك، فالمشهور بين الاصحاب أن الحر والعبد متساويان في حد الشرب. ذهب إلى ذلك الشيخان (7) وأتباعهما (8) وابن إدريس (9) والمصنف

(1) سنن أبي داود 4: 166 ح 4488 - 4489، مستدرك الحاكم 4: 375، سنن البيهقي 8: 321، تلخيص الحبير 4: 75 ح 1794. (2) الوسائل 18: 466 ب (3) من أبواب حد المسكر ح 1، 3. (3) المصنف لعبد الرزاق 7: 378 ح 13542، تلخيص الحبير 4: 75 ح 1795، الموطاء 2: 842 ح 2، مستدرك الحاكم 4: 375 - 376، سنن البيهقي 8: 320 - 321. (4) اللباب في شرح الكتاب 3: 194، الحاوي الكبير 13: 412، رحمة الامة: 300، الكافي للقرطبي 2: 1079، بدائع الصنائع 5: 113. (5) الحاوي الكبير 13: 412، المغني لابن قدامة 10: 325، كفاية الاخيار 2: 115، روضة الطالبين 7: 379، رحمة الامة: 300. (6) سنن أبي داود 4: 163 ح 4479 - 4480، سنن ابن ماجة 2: 858 ح 2571، صحيح مسلم 3: 1332 ح 38، سنن الدارمي 2: 175، سنن البيهقي 8: 318، تلخيص الحبير 4: 76 ح 1796 - 1797. (7) المقنعة: 800، النهاية: 710. (8) المهذب 2: 534 - 535، غنية النزوع: 429، الوسيلة: 416، إصباح الشيعة: 522. (9) السرائر 3: 475.

[ 464 ]

والعلامة (1) وأكثر المتأخرين (2)، لروايات كثيرة (3) دلت على التسوية بينهما، منها رواية أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال: (كان علي عليه السلام يجلد الحر والعبد واليهودي والنصراني في الخمر والنبيذ ثمانين، فقلت: ما بال اليهودي والنصراني؟ فقال: إذا أظهروا ذلك في مصر من الامصار، لانه ليس لهم أن يتظاهروا بشربها) (4). ورواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال علي عليه السلام: إن الرجل إذا شرب الخمر سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه جلد المفتري) (5). وهو مطلق شامل للحر والعبد. وذهب الصدوق (6) إلى تنصيفه على العبد، لرواية أبي بكر الحضرمي قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عبد مملوك قذف حرا، قال: يجلد ثمانين، هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله فإنه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحدود التي يضرب فيها نصف الحد) (7). وهذا الخبر معلل، وهو مقدم على غيره عند

(1) تحرير الاحكام 2: 226، المختلف: 768. (2) الجامع للشرائع: 557، إيضاح الفوائد 4: 513. (3) راجع الوسائل 18: 471 ب (6) من أبواب حد المسكر. (4) الكافي 7: 215 ح 9، التهذيب 10: 91 ح 354، الاستبصار 4: 237 ح 891، الوسائل 18: 471 ب (6) من أبواب حد المسكر ح 2. وفي المصادر: عن أبي بصير قال: كان علي عليه السلام.. (5) الكافي 7: 215 ح 7، التهذيب 10: 90 ح 346، الوسائل 18: 467 ب (3) من أبواب حد المسكر ح 4. (6) الفقيه 4: 40. (7) التهذيب 10: 92 ح 357، الاستبصار 4: 237 ح 894، الوسائل 18: 472 ب (6) من أبواب حد المسكر ح 7.

[ 465 ]

وإذا حد مرتين، قتل في الثالثة. وهو المروي. وقال في الخلاف: يقتل في الرابعة. ولو شرب مرارا، كفى حد واحد. التعارض، كما حقق في الاصول. ويؤيده رواية حماد بن عثمان قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: التعزير كم هو؟ قال: دون الحد، قلت: دون ثمانين، فقال: لا ولكنها دون الاربعين، فإنها حد المملوك، قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يرى الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه) (1). وهو شامل بإطلاقه أو عمومه لانواع الحدود. والشيخ (2) - رحمه الله - حمله على حد الزنا جمعا. وحمله أيضا على التقية. والحق أن الطريق من الجانبين غير نقي، وأن رواية الحضرمي أوضح طريقا، وتزيد التعليل. وينبغي أن يكون العمل بها أولى، لوقوع الشبهة في الزائد، فيدرأ بها، إلا أن المشهور الاول. قوله: (وإذا حد مرتين... إلخ). قد تقدم (3) الكلام في قتل المحدود في الثالثة أو الرابعة مرارا. ويزيد هنا أن الروايات (4) بقتله في الثالثة كثيرة، فمن ثم اختاره المصنف رحمه الله، ولم يجعل قتله في الرابعة أولى كما صنع في السابق (5). ومن المختص هنا من الروايات صحيحة أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه) (6).

(1) الكافي 7: 241 ح 5، التهذيب 10: 92 ح 356، الاستبصار 4: 237 ح 893، الوسائل 18: 472 ب (6) من أبواب حد المسكر ح 6. (2) التهذيب 10: 92 ذيل ح 357، الاستبصار 4: 237 ذيل ح 894. (3) راجع ص: 371 و 410 و 415. (4) راجع الوسائل 18: 476 ب (11) من أبواب حد المسكر. (5) راجع ص: 371 و 410 و 415. (6) الكافي 7: 218 ح 2، التهذيب 10: 95 ح 367، الوسائل 18: 476 ب (11) من أبواب حد المسكر ح 3.

[ 466 ]

وصحيحة جميل بن دراج عنه عليه السلام أنه قال: (إذا شرب ضرب، فإن عاد ضرب، فإن عاد قتل) (1). وصحيحة سليمان بن خالد قال: (كان أمير المؤمنين عليه السلام يضرب في النبيذ المسكر ثمانين كما يضرب في الخمر، ويقتل في الثالثة كما يقتل في الخمر) (2). وغيرها من الاخبار الكثيرة. والقول بقتله في الرابعة للشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4)، وقبله الصدوق في المقنع (5). ورجحه الشيخ فخر الدين، محتجا: (بأن الزنا أكبر منه ذنبا، ويقتل في الرابعة كما مضى، فهنا أولى) (6). وفي معارضة هذا للاخبار الكثيرة الصحيحة منع ظاهر. والاصل ممنوع، بل هذا يدل على قوة قتل الزاني وغيره من أصحاب الكبائر في الثالثة، لان عقوبة هذا أخف من غيره. والروايات الكثيرة بقتله في الثالثة مؤيدة للرواية (7) الصحيحة السابقة بقتل أصحاب الكبائر في الثالثة.

(1) الكافي 7: 218 ح 4، التهذيب 10: 95 ح 368، الوسائل 18: 477 الباب المتقدم ح 6. (2) التهذيب 10: 97 ح 374، الاستبصار 4: 235 ح 885، الوسائل 18: 478 الباب المتقدم ح 13. (3) المبسوط 8: 59. (4) الخلاف 5: 473 مسألة (1). (5) حكاه عن مقنعه العلامة في المختلف: 767، وفي المقنع (455) حكم بقتل العبد الشارب الخمر في الثامنة، وهو يعطي قتل الحر في الرابعة. (6) إيضاح الفوائد 4: 515. (7) الكافي 7: 219 ح 6، الفقيه 4: 51 ح 182، التهذيب 10: 95 ح 369، الاستبصار 4: 212 ح 791، الوسائل 18: 476 الباب المتقدم ح 2.

[ 467 ]

الثالث في أحكامه وفيه مسائل: الاولى: لو شهد واحد بشربها، وآخر بقيئها، وجب الحد. ويلزم على ذلك وجوب الحد، لو شهدا بقيئها، نظرا إلى التعليل المروي. وفيه تردد، لاحتمال الاكراه على بعد. ولعل هذا الاحتمال يندفع، بأنه لو كان واقعا، لدفع به عن نفسه. أما لو ادعاه، فلا حد. قوله: (لو شهد واحد بشربها... إلخ). الاصل في هذه المسألة رواية الحسين بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام: (أن عليا عليه السلام جلد الوليد بن عقبة لما شهد عليه واحد بشربها وآخر بقيئها، وقال عليه السلام: ما قأها إلا وقد شربها) (1). وعليها فتوى الاصحاب ليس فيهم مخالف صريحا. إلا أن طريق الرواية ضعيف، لان فيه موسى بن جعفر البغدادي، وهو مجهول الحال، وجعفر بن يحيى، وهو مجهول العين، وعبد الله بن عبد الرحمن، وهو مشترك بين الثقة والضعيف. فلذلك قال السيد جمال الدين بن طاووس قدس سره في الملاذ (2): (لا أضمن درك طريقه). وهو مشعر بتردده.

(1) الكافي 7: 401 ح 2، الفقيه 3: 26 ح 72، التهذيب 6: 280 ح 772، الوسائل 18: 480 ب (14) من أبواب حد المسكر ح 1. وفي المصادر: أن المجلود قدامة بن مظعون. (2) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد: 346.

[ 468 ]

الثانية: من شرب الخمر مستحلا استتيب، فإن تاب أقيم عليه الحد، وإن امتنع قتل. وقيل: يكون حكمه حكم المرتد. وهو قوي. أما سائر المسكرات، فلا يقتل مستحلها، لتحقق الخلاف بين المسلمين فيها. ويقام الحد مع شربها، مستحلا ومحرما. والمصنف - رحمه الله - هنا صرح بالتردد، من حيث إن القي وإن استلزم الشرب إلا أن مطلق الشرب لا يكفي في إثبات الحد، بل لابد له من وقوعه على وجه الاختيار، ومطلقه أعم منه ومن الاكراه. ويضعف بأن الاصل عدم الاكراه، ولانه لو وقع لادعاه. فإن اتفق دعواه سمع منه، ودرئ عنه الحد. ويشترط مع ذلك إمكان مجامعة القي للشرب المشهود به، لتكون الشهادة على فعل واحد. فلو شهد أحدهما أنه شربها يوم الجمعة، والاخر أنه قأها قبله بيوم أو بعده كذلك، لم يحد. ويتفرع عليه ما لو شهدا معا بقيئها. فعلى القول بقبول شهادة الواحد به يقبل الاثنان، نظرا إلى التعليل المذكور. وربما قصره بعضهم على موضع النص، نظرا إلى قيام الاحتمال المذكور، وكونها شهادة على فعلين. والاشهر القبول. قوله: (من شرب الخمر مستحلا... إلخ). القول باستتابته للشيخين (1) وأتباعهما (2)، من غير نظر إلى الفطري وغيره، استنادا إلى إمكان عروض شبهة في الشرب فاستحله، والحدود تدرأ بالشبهات.

(1) المقنعة: 799، النهاية: 711 - 712. (2) المهذب 2: 535، فقه القرآن للراوندي 2: 379، الوسيلة: 416.

[ 469 ]

الثالثة: من باع الخمر مستحلا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وإن لم يكن مستحلا عزر. وما سواه لا يقتل وإن لم يتب، بل يؤدب. والاصح ما اختاره المصنف رحمه الله والمتأخرون (1) - ومنهم ابن إدريس (2) - من كونه مرتدا، فينقسم إلى الفطري والملي كغيره من المرتدين، لان تحريم الخمر مما قد علم ضرورة من دين الاسلام، وكل ما كان كذلك فمستحله كافر، وهو يستلزم المدعى. هذا إذا لم يمكن الشبهة في حقه، لقرب عهده بالاسلام ونحوه، وإلا اتجه قول الشيخين. وعليه تحمل استتابة (3) قدامة بن مظعون وغيره ممن استحلها في صدر الاسلام بالتأويل. هذا حكم الخمر. وأما غيره من المسكرات والاشربة - كالفقاع - فلا يقتل مستحلها مطلقا، وإن وجب حده، لوقوع الخلاف فيها بين المسلمين، وتحليل بعضهم إياها، فيكون ذلك كافيا في انتفاء الكفر باستحلالها. ولا فرق بين كون الشارب لها ممن يعتقد إباحتها - كالحنفي - وغيره، فيحد عليها ولا يكفر، لان الكفر مختص بما وقع عليه الاجماع وثبت حكمه ضرورة من دين الاسلام، وهو منتف في غير الخمر. قوله: (من باع الخمر مستحلا... إلخ). بيع الخمر ليس حكمه كشربه، فإن الشرب هو المعلوم تحريمه من دين الاسلام كما ذكر، وأما مجرد البيع فليس تحريمه معلوما ضرورة، وقد تقع فيه

(1) كشف الرموز 2: 570، إرشاد الاذهان 2: 181، اللمعة الدمشقية: 169، التنقيح الرائع 4: 371، المقتصر: 410 - 411. (2) السرائر 3: 476. (3) انظر الارشاد للمفيد: 108 - 109.

[ 470 ]

الرابعة: إذا تاب قبل قيام البينة، سقط الحد. وإن تاب بعدها، لم يسقط. ولو كان ثبوت الحد بإقراره، كان الامام مخيرا. ومنهم من منع [ من ] التخيير، وحتم الاستيفاء هنا. وهو أظهر. الشبهة، من حيث إنه يسوغ تناوله على بعض وجوه الضرورات كما سلف (1). فيعزر فاعله ويستتاب إن فعله مستحلا، فإن تاب قبل منه، وإن أصر على استحلاله قتل حدا. وكأنه موضع وفاق. وما وقفت على نص يقتضيه. وأما بيع غيره من الاشربة فلا إشكال في عدم استحقاقه القتل مطلقا، لقيام الشبهة. نعم، يعزر لفعل المحرم، كغيره من المحرمات. قوله: (إذا تاب قبل قيام البينة... إلخ). التوبة قبل ثبوت موجب العقوبة عند الحاكم مسقطة للحد مطلقا. وأما بعده، فإن كان الثبوت بالبينة لم يسقط إذا كان حدا، خلافا لابي الصلاح (2) حيث جوز للامام العفو. وأما بعد الاقرار، فالمشهور أنه يسقط تحتم الحد، ويتخير الامام بين العفو والاستيفاء، لاسقاط التوبة تحتم أقوى العقوبتين وهو الرجم، فلان يسقط تحتم أضعفهما أولى. ذهب إلى ذلك الشيخ في النهاية (3) وأتباعه (4)، والعلامة في المختلف (5).

(1) راجع ج 12: 127. (2) الكافي في الفقه: 413. (3) النهاية: 714. (4) المهذب 2: 536. (5) المختلف: 768.

[ 471 ]

تتمة تشمل مسائل الاولى: من استحل شيئا من المحرمات المجمع عليها، كالميتة والدم والربا ولحم الخنزير، ممن ولد على الفطرة، يقتل. ولو ارتكب ذلك لا مستحلا، عزر. وقال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2) وا بن إدريس (3) والمصنف: لا يسقط، بل يتحتم الحد، لثبوته بالاقرار فيستصحب، ولان التوبة موضع التهمة. وهذا أقوى. وأجيب عن حجة الاولين بوجود الفارق بين الرجم وغيره، من حيث تضمنه تلف النفس المأمور بحفظها شرعا، بخلاف صورة الفرض. والحق الرجوع في الحكم إلى الاصل، وهو إثبات الحد إلى أن يثبت دليل صالح للاسقاط، ولم يحصل. قوله: (من استحل شيئا من المحرمات... إلخ). مستحل المحرم إن كان ثبوته معلوما من الشرع ضرورة فلا شبهة في كفره، لانه حينئذ راد للشرع الذي لا يتحقق الاسلام بدون قبوله ولو بالاعتقاد. وإن كان مجمعا عليه بين المسلمين، ولكن لم يكن ثبوته ضروريا، فمقتضى عبارة المصنف - رحمه الله - وكثير من الاصحاب (4) الحكم بكفره أيضا، لان إجماع جميع فرق المسلمين عليه يوجب ظهور حكمه، فيكون أمره

(1) المبسوط 8: 4. (2) لم نجده فيه، وحكاه عنه العلامة في المختلف: 768. (3) السرائر 3: 478. (4) قواعد الاحكام 2: 264، اللمعة الدمشقية: 169.

[ 472 ]

الثانية: من قتله الحد أو التعزير فلا دية له. وقيل: تجب على بيت المال. والاول مروي. كالمعلوم. ويشكل بأن حجية الاجماع ظنية لا قطعية، ومن ثم اختلف فيها وفي جهتها. ونحن لا نكفر من رد أصل الاجماع، فكيف نكفر من رد مدلوله؟! فالاصح اعتبار القيد الاخير. وأما مخالف ما أجمع عليه الاصحاب خاصة فلا يكفر قطعا وإن كان ذلك عندهم حجة، فما كل من خالف حجة يكفر، خصوصا الحجة الاجتهادية الخفية جدا كهذه. وقد أغرب الشيخ (1) - رحمه الله - حيث حكم في بعض المسائل بكفر مستحل ما أجمع عليه الاصحاب. وقد تقدم بعضه في باب الاطعمة والاشربة (2). ولا شبهة في فساده. هذا كله إذا لم يدع شبهة محتملة في حقه، وإلا قبل منه. ولو ارتكب ذلك غير مستحل عزر إن لم يكن الفعل موجبا للحد، وإلا دخل التعزير في ضمنه. قوله: (من قتله الحد أو التعزير... إلخ). عدم ثبوت الدية على التقديرين هو الاظهر، لانه فعل سائغ أو واجب فلا يتعقبه الضمان. ولان الامام محسن في امتثال أوامر الله تعالى وإقامة حدوده، و (ما على المحسنين من سبيل) (3). ولحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له) (4). و (أي) من صيغ العموم.

(1) انظر النهاية: 713. (2) في ج 12: 14. (3) التوبة: 91. (4) التهذيب 10: 206 ح 813، الوسائل 19: 47 ب (24) من أبواب قصاص النفس ح 9.

[ 473 ]

وكذا الحد عند من جعل المفرد المعرف للعموم من الاصوليين (1). والقول بضمانه في بيت المال للمفيد (2) - رحمه الله - لكنه شرط كون الحد للناس، فلو كان لله لم يضمن، لما روي أن عليا عليه السلام كان يقول: (من ضربناه حدا من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدا في شي من حقوق الناس فمات فإن ديته علينا) (3). ومقتضى هذا القول تخصيص الحد، وأن المراد ببيت المال بيت مال الامام لا بيت مال المسلمين. وفي الاستبصار (4) أن الدية في بيت المال، جمعا بين الاخبار، مع أن الرواية المروية عن علي عليه السلام ضعيفة السند. ويظهر من المبسوط (5) والخلاف (6) أن الخلاف في التعزير لا في الحد، لانه مقدر، فلا خطاء فيه، بخلاف التعزير، فإن تقديره مبني على الاجتهاد الذي يجوز فيه الخطاء. وهذا يتم مع كون الحاكم الذي يقيم عليه الحد غير معصوم، وإلا لم يفرق الحال بين الحد والتعزير، والمسألة مفروضة فيما هو أعم من ذلك.

(1) انظر المعارج للمحقق الحلي: 86، البحر المحيط 3: 98، العدة للفراء 2: 519 - 520، التمهيد للكلوذاني 2: 53. (2) المقنعة: 743. (3) الفقيه 4: 51 ح 183، الوسائل 18: 312 ب (3) من أبواب مقدمات الحدود ح 4، وفي المصادر: قال الصادق عليه السلام: من ضربناه... (4) الاستبصار 4: 279 ذيل ح 1056. (5) المبسوط 8: 63. (6) الخلاف 5: 493 مسألة (10).

[ 474 ]

الثالثة: لو أقام الحاكم الحد بالقتل، فبان فسوق الشاهدين، كانت الدية في بيت المال، ولا يضمنها الحاكم ولا عاقلته. ولو أنفذ إلى حامل لاقامة حد، فأجهضت خوفا، قال الشيخ: دية الجنين في بيت المال. وهو قوي، لانه خطاء، وخطاء الحاكم في بيت المال. وقيل: يكون على عاقلة الامام. وهي قضية عمر مع علي عليه السلام. وقد ظهر أن الخلاف في حد (1) الادمي والتعزير، والروايات (2) دالة على الحد أو الاعم، من حيث إن التعزير حد. والاقوى عدم الضمان مطلقا. قوله: (لو أقام الحاكم - إلى قوله - ولا عاقلته). لان ذلك من خطاء الحكام، وخطؤهم في بيت المال، لانه معد للمصالح. وكذا القول في الكفارة هنا وفي المسألة السابقة. وقيل: تجب في ماله، لانه قتل خطاء. وتردد الشيخ في المبسوط (3) في الكفارة. وكذلك في المختلف (4). قوله: (ولو أنفذ إلى حامل... إلخ). القول بكون دية الجنين في بيت المال هو الموافق لقواعد الاصحاب، وهو قول الاكثر، لان خطاء الحكام محله بيت المال.

(1) في (م): حق. (2) راجع الوسائل 19: 46 ب (24) من أبواب قصاص النفس. (3) المبسوط 8: 64. (4) المختلف: 727 - 728.

[ 475 ]

والقول بكونه على عاقلة الامام لابن إدريس (1)، محتجا بأنه خطاء محض، لانه غير عامد في فعله، ولا قصده، لانه لم يقصد الجنين مطلقا، وإنما قصد أمه، فتكون الدية على عاقلته، والكفارة في ماله. وهو موافق للرواية المشهورة من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام، حيث أرسل عمر خلف حامل ليقيم عليها الحد فأجهضت، فسأل عمر الصحابة عن ذلك فلم يوجبوا عليه شيئا، فقال: (ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فتنصل من الجواب، فعزم عليه، فقال: إن كان القوم قد قاربوك فقد غشوك، وإن كانوا قد ارتاؤا فقد قصروا، الدية على عاقلتك، لان قتل الصبي خطاء تعلق بك، فقال: أنت والله نصحتني من بينهم، فقال: والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل ذلك عليه السلام) (2). وأجيب عن الرواية بأنه لم يرسل إليها بعد ثبوت ذلك عنها (3). ولانه لم يكن حاكما عند علي عليه السلام. وفيه نظر، لان جواز الارسال خلف الغريم لا يتوقف على ثبوت الحق عليه، فإن مجرد الدعوى عليه حق. إلا أن يقال: إن هنا لم يكن عليها مدع حسبة ولا شاهد. وهو بعيد. وأما الجواب الثاني فلا يليق بذلك المقام، ولا كان أمير المؤمنين عليه

(1) السرائر 3: 480. (2) الارشاد للشيخ المفيد: 109 - 110، الوسائل 19: 200 ب (30) من أبواب موجبات الضمان ح 2. (3) في (أ): عليها.

[ 476 ]

ولو أمر الحاكم بضرب المحدود زيادة عن الحد فمات، فعليه نصف الدية في ماله إن لم يعلم الحداد، لانه شبيه العمد. ولو كان سهوا، فالنصف على بيت المال. ولو أمر بالاقتصار على الحد، فزاد الحداد عمدا، فالنصف على الحداد في ماله. ولو زاد سهوا فالدية على عاقلته. وفيه احتمال آخر. السلام يتجاهر بحكمه، ولا كان يسمع منه. والاولى في ذلك أن الرواية لم ترد (1) بطريق معتمد عليه، فالرجوع إلى الاصول المقررة متعين. قوله: (ولو أمر الحاكم بضرب المحدود... إلخ). إذا أمر الحاكم - والمراد به غير المعصوم - بضرب المحدود زيادة عن القدر الواجب، فمات المحدود بسبب الضرب، فعلى الحاكم نصف الدية، لانه مات بسببين: أحدهما سائغ، والاخر مضمون على الحاكم في ماله، لانه شبيه عمد من حيث قصده للفعل دون القتل. ولو كان أمره بالزيادة سهوا، لغلطه في الحساب، فنصف الدية على بيت المال، لانه من خطاء الحكام. هذا إذا لم يعلم الحداد بالحال، وإلا كان متعمدا، فيكون عليه القصاص، لانه باشر الاتلاف. هكذا أطلق في التحرير (2). وينبغي تقييده بقصده القتل، أو كون ذلك مما يقتل غالبا، وإلا لم يتجه القصاص. ولو كان الحاكم قد أمر بالاقتصار على الحد فزاد الحداد عمدا، فالحكم

(1) في (م): ترو. (2) تحرير الاحكام 2: 227.

[ 477 ]

كما سبق في تعمده مع (1) الامر وأولى. وإن زاد سهوا، قال المصنف - رحمه الله -: إن الدية على عاقلته. وهو يحتمل إرادة مجموع الدية، نظرا إلى أنه قتل عدوان [ وإن ] (2) حصل من فعله [ تعالى ] (3) وعد وان الضارب، فيحال (4) الضمان كله على العادي، كما لو ضرب مريضا مشرفا على التلف، أو ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، واستناد موته إلى الزيادة، ولا يسقط بسبب الضرب السائغ شي. لكن لا يوافق السابق. وأن يريد به الدية اللازمة عن الزيادة، وهي النصف، لموته بالسببين. وهذا هو المطابق لما سلف. وبه صرح في التحرير. والاحتمال الاخر الذي أشار إليه المصنف - رحمه الله - يحتمل أن يريد به توزيع الدية على الاسواط الزائدة والواقعة في الحد، فيسقط منها بحساب الحد، لان السبب مركب من المجموع. وأن يريد به ثبوت نصف الدية في ماله على تقدير السهو، لانه قاصد للفعل، وإنما أخطاء في قصد القتل. وأن يريد ذلك مع ثبوت القصاص عليه مع التعمد مطلقا، مع رد نصف الدية عليه، أو بحساب الاسواط.

(1) في (خ): فمع الامر أولى. (2) من الحجريتين. (3) من (د، م). (4) في (أ، ط): فيجب.

[ 478 ]

الباب الخامس في حد السرقة والكلام في: السارق، والمسروق، والحجة، والحد، واللواحق. الاول: في السارق. ويشترط في وجوب الحد عليه شروط: الاول: البلوغ فلو سرق الطفل، لم يحد، ويؤدب، ولو تكررت سرقته. وفي النهاية: يعفا عنه أولا، فإن عاد أدب، فإن عاد حكت أنامله حتى تدمى، فإن عاد قطعت أنامله، فإن عاد قطع كما يقطع الرجل. وبهذا روايات. قوله: (في السارق... إلخ). ما اختاره المصنف - رحمه الله - من عدم ثبوت القطع على الصبي مطلقا هو المشهور بين المتأخرين. وهو الموافق للاصل من ارتفاع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وأنه غير مؤاخذ شرعا على أقواله ولا [ على ] (1) أفعاله، لانه لا يحرم عليه شي ولا يجب عليه شي. نعم، يؤدب بما يراه الحاكم حسما للمادة. والقول الذي نقله عن الشيخ في النهاية (2) وافقه عليه القاضي (3) والعلامة

(1) من (ط). (2) النهاية: 716. (3) لم نجده في مهذب القاضي وجواهره، ونسبه إليه فخر المحققين في إيضاح الفوائد 4: 519، ولعله في كتابه الكامل، وهو مفقود.

[ 479 ]

الثاني: العقل فلا يقطع المجنون، ويؤدب، وإن تكرر منه. في المختلف (1)، لكثرة الاخبار (2) الواردة به، فمنها صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن الصبي يسرق، قال: يعفا عنه مرة ومرتين، ويعزر في الثالثة، فإن عاد قطعت أطراف أصابعه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك) (3). وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الصبي يسرق، قال: إذا سرق وهو صغير يعفا عنه، فإن عاد قطع بنانه، فإن عاد قطع أسفل من بنانه، فإن عاد قطع أسفل من ذلك) (4). وحسنة الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: (إذا سرق الصبي عفي عنه، فإن عاد عزر، فإن عاد قطع أطراف الاصابع، فإن عاد قطع أسفل من ذلك) (5). وقال: (أتي علي عليه السلام بغلام يشك في احتلامه، فقطع أطراف الاصابع) (6). وهذه الروايات مع وضوح سندها وكثرتها مختلفة الدلالة، وينبغي حملها على كون الواقع تأديبا منوطا بنظر الامام، لا حدا. قوله: (العقل فلا يقطع المجنون... إلخ). هذا إذا سرق في حال جنونه. أما لو سرق عاقلا ولو في حال إفاقته - كذي

(1) المختلف: 770. (2) راجع الوسائل 18: 522 ب (28) من أبواب حد السرقة. (3) الكافي 7: 232 ح 1، التهذيب 10: 119 ح 473، الوسائل 18: 522 الباب المتقدم ح 1. (4) الكافي 7: 232 ح 2، التهذيب 10: 119 ح 474، الوسائل 18: 523 الباب المتقدم ح 4. (5) الكافي 7: 232 ح 4، التهذيب 10: 118 ح 472، الاستبصار 4: 248 ح 943، الوسائل 18: 523 الباب المتقدم ح 2، 3. (6) الكافي 7: 232 ح 4، التهذيب 10: 118 ح 472، الاستبصار 4: 248 ح 943، الوسائل 18: 523 الباب المتقدم ح 2، 3.

[ 480 ]

الثالث: ارتفاع الشبهة فلو توهم الملك، فبان غير مالك، لم يقطع. وكذا لو كان المال مشتركا. فأخذ ما يظن أنه قدر نصيبه. الادوار - قطع، ولا يمنعه اعتراض الجنون، استصحابا لما ثبت قبله. ونبه بقوله: (وإن تكرر منه) على مخالفة حكمه للصبي، حيث قيل فيه مع التكرار بالقطع في الجملة. والفارق النص. ولكن يؤدب بما يراه الحاكم، حسما لجرأته. وفي التحرير (1) نسب تأديبه إلى القيل. ولعله لعدم تمييزه الموجب لارتداعه بالتأديب عن المعاودة. ولكن هذا يختلف باختلاف أحوال المجانين، فإن منهم من يردعه التأديب وهم الاكثر، ومنهم من لا يشعر بذلك، والجنون فنون، وإناطة التأديب برأي الحاكم يحصل المطلوب. قوله: (ارتفاع الشبهة... إلخ). أما انتفاء القطع مع توهم الملك فواضح، لانه شبهة والحد يدرأ بالشبهة، والقطع من أفراد الحدود. وأما انتفاؤه مع أخذه من المال المشترك ما يظنه قدر نصيبه، فلانه مع مطابقة الواقع لظنه أو نقصانه عن النصيب يمكن أن يقع جميع المأخوذ في نصيبه عند القسمة، فلا يكون قد أخذ من مال غيره شيئا، ومع ظهور خطاء ظنه وزيادة المأخوذ عن نصيبه بقدر النصاب يكون ذلك شبهة يدرأ بها الحد. ويشترك الجميع في أن القسمة وإن كانت فاسدة فإنها تصير شبهة دارئة.

(1) تحرير الاحكام 2: 227.

[ 481 ]

كذا أطلقه جماعة (1). وقيده بعضهم (2) بما إذا كان المال المشترك مما يجري فيه الاجبار على القسمة، كالحبوب وسائر الاموال المثلية، ليمكن فرض تعاطيه القسمة بنفسه، وجعلها شبهة دارئة [ للحد ] (3) وإن كانت فاسدة. فلو كان مما لا يجري فيه الاجبار كالثياب، وسرق منه نصف دينار يشتركان فيه على السوية، أو ثلاثة أرباع مما ثلثاه للسارق قطع، لانه لا يجري (4) فيه الاخذ بدون إذن الشريك. وفي كل واحد من القسمين نظر، لان قسمة الاجبار لا يجوز للشريك الاستبداد بها مطلقا، بل مع امتناع الشريك من القسمة، وهي مفروضة فيما هو أعم من ذلك. والحق أن أخذ المال المشترك مطلقا حيث لا يجوز الاستبداد بقسمته للشريك، إن كان يتوهم الاخذ جواز استبداده بالاخذ بنفسه فهو كتوهم الملك في السابق، فيعذر للشبهة، بل هنا أولى، لتحقق ملكه في الجملة. وإن كان يعلم عدم جواز الاستبداد بالقسمة أو بالاخذ بدون إذن الشريك، احتمل أن يقطع مع أخذه من نصيب الشريك قدر النصاب، لوجود المقتضي للقطع، وهو سرقة مال الغير بشرطه، وانتفاء المانع، إذ ليس إلا كونه شريكا، وهو لا يكفي في المانعية. والتفصيل بزيادة المأخوذ عن قدر نصيبه بقدر النصاب، للروايات (5) الاتية

(1) إرشاد الاذهان 2: 181، اللمعة الدمشقية: 170. (2) قواعد الاحكام 2: 266، وانظر روضة الطالبين 7: 333. (3) من (د). (4) في (أ): لا يجزي. (5) راجع الوسائل 18: 518 ب (24) من أبواب حد السرقة.

[ 482 ]

الرابع: ارتفاع الشركة فلو سرق من مال الغنيمة، فيه روايتان: إحداهما: لا يقطع. والاخرى: إن زاد ما سرقه عن نصيبه بقدر النصاب، قطع. والتفصيل حسن. الدالة على عدم قطع الغانم بسرقته من الغنيمة قدر نصيبه فما دون. ولا فرق على التقديرين بين قبوله للقسمة وعدمه. قوله: (ارتفاع الشركة... إلخ). الرواية الاولى رواها محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أخذ بيضة من المغنم، وقالوا: قد سرق اقطعه، فقال: إني لم أقطع أحدا له فيما أخذ شرك) (1). وقريب منها رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: أربعة لا قطع عليهم: المختلس، والغلول، ومن سرق من المغنم، وسرقة الاجير، لانها خيانة) (2). وعمل بمضمونها المفيد (3) وسلا ر (4) من المتقدمين وفخر الدين (5) من المتأخرين.

(1) الكافي 7: 223 ح 7، التهذيب 10: 104 ح 406، الاستبصار 4: 241 ح 910، الوسائل 18: 518 ب (24) من أبواب حد السرقة ح 1. (2) الكافي 7: 226 ح 6، التهذيب 10: 114 ح 449، الاستبصار 4: 241 ح 912، الوسائل 18: 503 ب (12) من أبواب حد السرقة ح 3. (3) المقنعة: 803. (4) المراسم: 258. (5) إيضاح الفوائد 4: 525.

[ 483 ]

وفي طريق الرواية الاولى سهل بن زياد، مع كون محمد بن قيس مشتركا [ بين الثقة وغيره ] (1). وحال الثانية واضح بالسكوني. وأما الرواية الاخرى فرواها عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قلت: رجل سرق من المغنم، أي شي يجب عليه أن يقطع؟ قال: ينظركم الذي يصيبه، فإن كان الذي أخذ أقل من نصيبه عزر، ودفع إليه تمام ماله، وإن كان أخذ مثل الذي له فلا شي عليه، وإن كان أخذ فضلا بقدر ثمن مجن - وهو ربع دينار - قطع) (2). والعمل على هذه الرواية أولى، لصحتها وموافقتها للقواعد الشرعية. وعمل أكثر (3) الاصحاب بمضمونها. وفيها دلالة على أن الغانم يملك نصيبه من الغنيمة بالحيازة، أو على أن القسمة كاشفة عن سبق ملكه بها. وفي المسألة رواية أخرى بقطعه مطلقا، رواها عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق عليه السلام قال: (سألته عن البيضة التي قطع فيها أمير المؤمنين عليه السلام، قال: كانت بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه) (4). وهذه الرواية أجود أسنادا من الاولى، وهي دالة على خلاف ما دلت عليه. وحملت على ما إذا زادت عن نصيب السارق بمقدار النصاب فصاعدا جمعا، أو

(1) من (د). (2) الفقيه 4: 45 ح 151، التهذيب 10: 106 ح 410، الاستبصار 4: 242 ح 914، الوسائل 18: 519 ب (24) من أبواب حد السرقة ح 4. (3) النهاية: 715، المهذب 2: 542، تحرير الاحكام 2: 228. (4) التهذيب 10: 105 ح 408، الاستبصار 4: 241 ح 913، الوسائل 18: 518 ب (24) من أبواب حد السرقة ح 3.

[ 484 ]

ولو سرق من المال المشترك قدر نصيبه، لم يقطع. ولو زاد بقدر النصاب قطع. الخامس: أن يهتك الحرز منفردا كان أو مشاركا. فلو هتك غيره، وأخرج هو، لم يقطع. على كون السارق ليس من الغانمين، إذ لا دلالة فيها على كونه منهم. وكلاهما حسن. قوله: (ولو سرق من المال المشترك... إلخ). قد تقدم (1) الكلام في هذه المسألة، وإنما ذكرها مرتين لمناسبة الاولى لشرط ارتفاع الشبهة بتقدير عروضها للشريك وإن زاد عن نصيبه، ومناسبة هذه لشرط انتفاء الشركة على تقدير انتفاء الشبهة، ومن ثم فرضها على تقدير أخذ الشريك بقدر نصيبه جزما، وأخذه الزائد بقدر النصاب جزما. ووجهه: عدم القطع مع أخذه بقدر حقه، وثبوته مع الزيادة بقدر النصاب يظهر من الروايات (2) المذكورة في السرقة من الغنيمة، لان شركة الغانم أضعف من شركة المالك الحقيقي، للخلاف في ملكه، فإذا قيل بعدم قطع الغانم فالشريك أولى. قوله: (أن يهتك الحرز... إلخ). هذا يتضمن شرطين: أحدهما: كون المال محرزا، فلا قطع في سرقة ما ليس بمحرز، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل،

(1) في ص: 480. (2) راجع الوسائل 18: 518 ب (24) من أبواب حد السرقة.

[ 485 ]

فإذا آواها المراح (1) أو الجرين (2) فالقطع فيما بلغ ثمن المجن (3) (4). وحريسة الجبل ما سرق من الجبل من المواشي. ويقال: إن سارقها يسمى حارسا. واشترط صلى الله عليه وآله للقطع إيواء المراح أو الجرين، فدل على أنه لا قطع فيما لم يحرز. وعن علي عليه السلام قال: (لا يقطع إلا من نقب نقبا أو كسر قفلا) (5). والثاني: أن يكون الاخذ هو مهتك الحرز، إما بالنقب أو فتح الباب أو كسر القفل، ونحو ذلك. فلو هتك الحرز واحد وأخذ آخر فلا قطع على أحدهما. أما الاول فلانه لم يسرق. وأما الثاني فلانه لم يأخذ من حرز. ويجب على الاول ضمان ما أفسد من الجدار وغيره، وعلى الثاني ضمان المال. ولبعض (6) العامة قول بثبوت القطع على الثاني، لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحد. وأثبت آخرون (7) القطع على الاول، بعلة أنه رد وعون للسارق. وظاهر عدم صلاحية الامرين لاثبات الحكم. ولو تعاونا على النقب ونحوه مما يحصل به إزالة الحرز، وانفرد أحدهما بالاخراج، فالقطع على المخرج خاصة.

(1) المراح: مأوى الابل والبقر والغنم. لسان العرب 2: 464 - 465. (2) الجرين: موضع تجفيف التمر، وجمعه: جرن. النهاية لابن الاثير 1: 263. (3) المجن: الترس، وجمعه: مجان. لسان العرب 13: 94. (4) مستدرك الحاكم 4: 381، سنن البيهقي 8: 266. (5) التهذيب 10: 109 ح 423، الاستبصار 4: 243 ح 918، الوسائل 18: 509 ب (18) من أبواب حد السرقة ح 3. (6) انظر روضة الطالبين 7: 346. (7) لم نعثر عليه.

[ 486 ]

السادس: أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركا ويتحقق الاخراج: بالمباشرة، وبالتسبيب، مثل: أن يشده بحبل ثم يجذبه من خارج، أو يضعه على دابة، أو على جناح طائر من شأنه العود إليه. ولو أمر صبيا غير مميز بإخراجه، تعلق بالامر القطع، لان الصبي كالالة. ولو انعكس فانفرد أحدهما بالهتك، وشارك غيره في إخراج النصاب، فلا قطع على أحدهما، لان كلا منهما لم يسرق نصابا. نعم، لو أخرجا نصابين بالاشتراك، أو بانفراد كل منهما بنصاب، قطعا. قوله: (أن يخرج المتاع بنفسه... إلخ). ظاهر اكتفائه بإخراجه بالمشاركة الحكم بالقطع على تقدير إخراج الاثنين فصاعدا نصابا واحدا. ويشكل بعدم صدق سرقة النصاب على كل واحد بخصوصه. وقيل: يشترط بلوغ نصيب من يحكم بقطعه نصابا، فلا يقطع من قصر نصيبه عنه. ولعل هذا أظهر. ويعتبر في الاخراج بالتسبيب أن لا يكون المباشر مما يصلح لاسناد الفعل إليه حقيقة، كما يقتضيه الامثلة. فلو كان المخرج بعد تسبيبه مميزا فلا قطع على المسبب. ويعتبر في المباشر اجتماع الشروط في الحكم بقطعه، بأن يكون مشاركا في هتك الحرز، ومكلفا، ومخرجا للنصاب، إلى غير ذلك.

[ 487 ]

السابع: أن لا يكون والدا من ولده ويقطع الولد لو سرق من الوالد. وكذا يقطع الاقارب. وكذا الام لو سرقت من الولد. قوله: (أن لا يكون والدا من ولده... إلخ). عموم آية (1) السرقة وغيرها من الادلة متناول لسرقة الاقارب والاجانب، لكن خرج من ذلك سرقة الاب وإن علا من الولد بالاجماع، فيبقى الباقي على العموم. وألحق أبو الصلاح (2) ا لام بالاب. ونفى عنه في المختلف (3) البأس، لانها أحد الابوين، ولاشتراكهما في وجوب الاعظام. وألحق بعض (4) العامة بهما كل من تجب نفقته على الاخر، لما بين الفروع والاصول من الاتحاد، وكون مال كل واحد من النوعين مرصدا لحاجة الاخر، ومن حاجاته أن لا يقطع يده بسرقة ذلك المال. وعمم آخرون (5) الحكم في كل قريب. وتخصيص العموم بمثل هذه الادلة لا يخفى ما فيه.

(1) المائدة: 38. (2) الكافي في الفقه: 411. (3) المختلف: 776. (4) روضة الطالبين 7: 335. (5) بدائع الصنائع 7: 70، تبيين الحقائق 3: 220، حلية العلماء 8: 64، بداية المجتهد 2: 451، رحمة الامة: 294 - 295.

[ 488 ]

الثامن: أن يأخذه سرا فلو هتك قهرا ظاهرا وأخذ لم يقطع. وكذا المستأمن لو خان. ويقطع الذمي كالمسلم، والمملوك، مع قيام البينة. وحكم الانثى في ذلك كله حكم الذكر. مسائل: الاولى: لا يقطع الراهن إذا سرق الرهن، وإن استحق المرتهن الامساك، ولا المؤجر العين المستأجرة، وإن كان ممنوعا من الاستعادة، مع القول بملك المنفعة، لانه لم يتحقق إخراج النصاب من مال المسروق منه حالة الاخراج. الثانية: لا يقطع عبد الانسان بسرقة ماله، ولا عبد الغنيمة بالسرقة منها، لان فيه زيادة إضرار. نعم، يؤدب بما يحسم الجرأة. قوله: (أن يأخذه سرا... إلخ). لان الاول لا يسمى سارقا بل غاصبا، والثاني لم يحرز من دونه. قوله: (لا يقطع عبد الانسان بسرقة... إلخ). مستند هذا الحكم المخالف للاصل روايات، منها رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في عبد سرق واختان من مال مولاه، قال: ليس عليه قطع) (1). وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: عبدي إذا سرقني لم

(1) الكافي 7: 234 ح 5، التهذيب 10: 111 ح 436، الوسائل 18: 526 ب (29) من أبواب حد السرقة ح 1.

[ 489 ]

الثالثة: يقطع الاجير إذا أحرز المال من دونه. وفي رواية: لا يقطع. وهي محمولة على حالة الاستئمان. وكذا الزوج إذا سرق من زوجته، أو الزوجة [ من زوجها ]. أقطعه، وعبدي إذا سرق غيري قطعته، وعبد الامارة إذا سرق لم أقطعه، لانه في) (1). وفي طريق الروايات ضعف، ولكن لا راد لها. والمصنف - رحمه الله - علل الحكم بأن في القطع زيادة إضرار، والحد شرع لحسم الجرأة ودفع الضرر، فلا يدفع الضرر بالضرر. وهو تعليل للنص بعد ثبوته، أما كونه علة برأسه فموضع نظر. قوله: (يقطع الاجير إذا أحرز المال... إلخ). كون الاجير كغيره من السارقين في قطعه إذا سرق من مال المستأجر بشرطه هو المشهور بين الاصحاب، لعموم الاية (2) وغيرها من الادلة. وقال الشيخ في النهاية (3): لاقطع عليه، استنادا إلى رواية سليمان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل استأجر أجيرا فسرق من بيته، هل تقطع يده؟ قال: هذا مؤتمن ليس بسارق، وهذا خائن) (4). وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في رجل استأجر أجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن) (5).

(1) الكافي 7: 237 ح 20، التهذيب 10: 111 ح 437، الوسائل 18: 527 الباب المتقدم ح 2. (2) المائدة: 38. (3) النهاية: 717. (4) الكافي 7: 227 ح 3، التهذيب 10: 109 ح 424، الوسائل 18: 506 ب (14) من أبواب حد السرقة ح 3. (5) الكافي 7: 227 ح 1، التهذيب 10: 109 ح 426، الوسائل 18: 505 الباب المتقدم ح 1.

[ 490 ]

وفي الضيف قولان، أحدهما: لا يقطع مطلقا. وهو المروي. والاخر: يقطع إذا أحرز من دونه. وهو أشبه. الرابعة: لو أخرج متاعا، فقال صاحب المنزل: سرقته، وقال المخرج: وهبتنيه أو أذنت في إخراجه، سقط الحد للشبهة، وكان القول قول صاحب المنزل مع يمينه في المال. وكذا لو قال: المال لي، وأنكر صاحب المنزل، فالقول قوله مع يمينه، ويغرم المخرج، ولا قطع لمكان الشبهة. ورواية سماعة قال: (سألته عمن استأجر أجيرا فأخذ الاجير متاعه فسرقه، قال هو مؤتمن، ثم قال: الاجير والضيف أمينان، ليس يقع عليهما حد السرقة) (1). والمصنف - رحمه الله - وغيره من الاصحاب (2) حملوا الروايات على ما لو كان المستأجر قد استأمنه على المال ولم يحرزه عنه. وفي الروايات إيماء إليه، بل في رواية الحلبي تصريح به. هذا مع ضعف الاولى باشتراك سليمان الراوي بين جماعة منهم المقبول وغيره، والاخيرة بالوقف والاسناد. قوله: (وفي الضيف قولان... إلخ). القول بعدم قطع الضيف للشيخ في النهاية (3) وجماعة، منهم ابن الجنيد (4) والصدوق (5) وابن إدريس (6)، محتجا عليه بالاجماع.

(1) الكافي 7: 228 ح 5، التهذيب 10: 109 ح 425، الوسائل 18: 506 الباب المتقدم ح 4. (2) تحرير الاحكام 2: 228. (3) النهاية: 717. (4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 770. (5) المقنع: 447. (6) السرائر 3: 488.

[ 491 ]

الثاني: في المسروق لا قطع فيما نقص عن ربع دينار. ويقطع فيما بلغه: ذهبا، خالصا، مضروبا عليه السكة، أو ما قيمته ربع دينار، ثوبا كان أو طعاما أو فاكهة أو غيره، [ سواء ] كان أصله الاباحة أو لم يكن. وضابطه: ما يملكه المسلم. وفي الطير وحجارة الرخام، رواية بسقوط الحد ضعيفة. ومستند غيره على الحكم الرواية السابقة، ورواية محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام قال: (الضيف إذا سرق لم يقطع، وإذا أضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف) (1). والاصح القطع، للعموم (2)، وعليه المصنف وجميع المتأخرين (3). وتحمل الروايات - مع اشتراكها في ضعف السند - على ما لو لم يحرز المال عنه. وينبه عليه الحكم بقطع ضيف الضيف، لان المالك لم يأتمنه. قوله: (لا قطع فيما نقص... إلخ). يعتبر في ثبوت القطع على السارق بلوغ سرقته قدر النصاب بإجماع علمائنا. ولكن اختلفوا في مقداره، فالمشهور بينهم أنه ربع دينار من الذهب الخالص المضروب بسكة المعاملة، أو ما قيمته ربع دينار، فلا قطع فيما دون

(1) الكافي 7: 228 ح 4، التهذيب 10: 110 ح 428، الوسائل 18: 508 ب (17) من أبواب حد السرقة ح 1. (2) المائدة: 38. (3) المختلف: 771، إيضاح الفوائد 4: 526 - 527، اللمعة الدمشقية: 170، التنقيح الرائع 4: 376، المقتصر: 413.

[ 492 ]

ذلك، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا) (1). وفي رواية أخرى: (لاقطع إلا في ربع دينار) (2). وصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: (قلت له: في كم يقطع السارق؟ فقال: في ربع دينار. قال: قلت له: في درهمين؟ فقال: في ربع دينار، بلغ الدينار ما بلغ. قال: فقلت له: أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق؟ وهل هو عند الله سارق في تلك الحال؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق، وهو عند الله السارق، ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر. ولو قطعت يد السارق فيما هو أقل من ربع دينار لالفيت عامة الناس مقطعين) (3). وغيرها من الاخبار الكثيرة (4). واعتبر ابن أبي عقيل (5) دينارا فصاعدا. وقال ابن (6) بابويه: يقطع في

(1) مسند أحمد 6: 36، سنن الدارمي 2: 172، صحيح البخاري 8: 199، سنن أبي داود 4: 136 ح 4383 - 4384، صحيح مسلم 3: 1312، سنن الترمذي 4: 40 ح 1445، سنن البيهقي 8: 254. (2) صحيح مسلم 3: 1312 ح 3، سنن ابن ماجة 2: 862 ح 2585، سنن البيهقي 8: 254. (3) الكافي 7: 221 ح 6، التهذيب 10: 99 ح 384، الاستبصار 4: 238 ح 896، الوسائل 18: 482 ب (2) من أبواب حد السرقة ح 1. (4) راجع الوسائل 18: 482 ب (2) من أبواب حد السرقة. (5) حكاه عنه العلامة في المختلف: 772. (6) راجع المقنع: 444، ولكن نقل فيه روايات اخر أيضا.

[ 493 ]

خمس دينار، أو في قيمة ذلك. ويظهر من ابن الجنيد (1) الميل إليه. والمذهب هو الاول. ونبه بقوله: (ثوبا كان أو طعاما أو فاكهة، كان أصله الاباحة أو لم يكن) على خلاف أبي حنيفة (2)، حيث ذهب إلى أنه لاقطع فيما كان مباح الاصل إلا في خشب الساج. والحق بعضهم (3) به الابنوس والصندل والعود. وزاد آخرون (4) الخشب المعمول كالسرر والابواب. ولا فيما (5) كان رطبا أو متعرضا للفساد، كالرطب والتين والتفاح، والبقول والرياحين، والشواء والهريسة والفالوذج، والجمد (6) والشمع المشتعل. لنا: عموم الاية (7)، وما رووه عنه صلى الله عليه وآله وقد سئل عن التمر المعلق فقال: (من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع) (8). وكان ثمن المجن عندهم ربع دينار. والرواية التي أشار إليها المصنف - رحمه الله - بسقوط الحد عن سارق الرخام ونحوه رواها السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاقطع على من سرق الحجارة، يعني: الرخام وأشباه

(1) حكاه عنه العلامة في المختلف: 772. (2) اللباب في شرح الكتاب 3: 203 - 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68 - 69، تبيين الحقائق 3: 214 - 215 و 219، وانظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243 - 244، رحمة الامة: 296. (3) اللباب في شرح الكتاب 3: 203 - 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68 - 69، تبيين الحقائق 3: 214 - 215 و 219، وانظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243 - 244، رحمة الامة: 296. (4) اللباب في شرح الكتاب 3: 203 - 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68 - 69، تبيين الحقائق 3: 214 - 215 و 219، وانظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243 - 244، رحمة الامة: 296. (5) اللباب في شرح الكتاب 3: 203 - 204، شرح فتح القدير 5: 128 و 130 و 135، بدائع الصنائع 7: 68 - 69، تبيين الحقائق 3: 214 - 215 و 219، وانظر الحاوي الكبير 13: 274 و 276، بداية المجتهد 2: 450، حلية العلماء 8: 52، المغني لابن قدامة 10: 243 - 244، رحمة الامة: 296. (6) في (أ، ث): والجزر، وفي (ط): والحل. (7) المائدة: 38. (8) سنن أبي داود 4: 137 ح 4390، تلخيص الحبير 4: 64 ح 1772.

[ 494 ]

ومن شرطه أن يكون محرزا بقفل أو غلق أو دفن. وقيل: كل موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا بإذنه. ذلك) (1). ولا يخفى حال (2) السند. قوله: (ومن شرطه أن يكون محرزا... إلخ). لا شبهة في اعتبار كون السرقة من الحرز في ثبوت القطع، وإنما الكلام في حقيقته، فإن الشرع اعتبر الحرز ولم يبين له حدا بطريق يعتمد عليه، وما هذا شأنه يجب الرجوع فيه إلى العرف، كالقبض والتفرق عن مكان البيع وإحياء الموات، ونحو ذلك. وقد دل العرف على أن القفل على الظرف الذي لا ينقل عادة - كالبيت، والصندوق الكبير، والغلق على الدار، والدفن للمال - حرز في الجملة، وإن كان المرجع في تفاصيله إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف المال المحرز. فحرز الثياب الصندوق المقفل. وحرز الدواب الاصطبل والمراح الموثق بالغلق. وحرز الامتعة التي من شأنها أن توضع في الدكاكين هي مع ما يعتبر معها مما يناسبها من وضعها وغلقها وغيرهما. وإلى نحو ذلك ذهب الشيخ في المبسوط (3). وقال في الخلاف (4): كل موضع حرز لشي من الاشياء فهو حرز لجميع الاشياء. ولا يخفى ما فيه. والقول بتحديده بكل موضع ليس لغير مالكه الدخول إليه إلا بإذنه، للشيخ

(1) الكافي 7: 230 ح 2، التهذيب 10: 111 ح 433، الوسائل 18: 516 ب (23) من أبواب حد السرقة ح 1. (2) في (أ): ضعف. (3) راجع المبسوط 8: 22، ولكن قوى بعد ذلك ما اختاره في الخلاف. (4) الخلاف 5: 419 مسألة (6).

[ 495 ]

فما ليس بمحرز لا يقطع سارقه، كالمأخوذ من الارحية، والحمامات، والمواضع المأذون في غشيانها كالمساجد. وقيل: إذا كان المالك مراعيا له، كان محرزا، كما قطع النبي عليه السلام سارق مئزر صفوان في المسجد. وفيه تردد. في النهاية (1) أيضا. ورده ابن إدريس (2) بأن الدار المفتوحة أو التي لا باب لها ليس لغيره الدخول إليها بدون إذنه، ولا يجب القطع بالسرقة منها. وهذا الايراد في محله. واعتذر له في المختلف (3) بجواز أن يكون مراده بقوله: (ليس لغير المتصرف الدخول فيه) سلب القدرة لا الجواز الشرعي. وهو حمل بعيد، ومخالف لمفهوم الروايات (4) التي استند إليها في ذلك. قوله: (فما ليس بمحرز... إلخ). لا شبهة في أن المواضع المطروقة من غير مراعاة المالك - كالمذكورة - ليست حرزا. وأما مع مراعاة المالك فذهب الشيخ في المبسوط (5) ومن تبعه إلى كونه محرزا بذلك، ولهذا قطع النبي صلى الله عليه وآله سارق رداء صفوان بن أمية من المسجد، مع كونه غير محرز إلا بمراعاته. والرواية وردت بطرق كثيرة، منها حسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يأخذ اللص يرفعه أو يتركه؟

(1) النهاية: 714. (2) السرائر 3: 483 - 484. (3) المختلف: 769. (4) الوسائل 18: 508 ب (18) من أبواب حد السرقة. (5) المبسوط 8: 24 و 36.

[ 496 ]

قال: إن صفوان بن أمية كان مضطجعا في المسجد الحرام، فوضع ردأه وخرج يهريق الماء، فوجد ردأه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي، فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله. فقال صلى الله عليه وآله: اقطعوا يده. فقال صفوان: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأنا أهبه له. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي! قلت: فالامام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال: نعم) (1). وفي الاستدلال بهذا الحديث للقول بأن المراعاة حرز نظر بين، لان المفهوم منها - وبه صرح (2) كثير - أن المراد بها النظر إلى المال، فإنه لو نام (3) أو غفل عنه أو غاب زال الحرز، فكيف يجتمع الحكم بالمراعاة مع فرض كون المالك غائبا عنه؟! وفي بعض الروايات (4): أن صفوان نام فأخذ من تحته. والكلام فيها كما سبق، وإن كان النوم عليه أقرب إلى المراعاة مع الغيبة عنه.

(1) الكافي 7: 251 ح 2، التهذيب 10: 123 ح 494، الاستبصار 4: 251 ح 952، الوسائل 18: 329 ب (17) من أبواب مقدمات الحدود ح 2. (2) المبسوط 8: 36. (3) في (ت، خ، ط، م): قام. (4) سنن ابن ماجة 2: 865 ح 2595، الموطاء 2: 834 ح 28، مسند أحمد 6: 465، سنن البيهقي 8: 265، تلخيص الحبير 4: 64 ح 1771.

[ 497 ]

وفي المبسوط (1) فرض المسألة على هذا التقدير، واكتفى في حرز الثوب بالنوم عليه أو الاتكاء عليه أو توسده. واحتج عليه بحديث صفوان، وأنه سرقه من تحت رأسه من المسجد، وأنه كان متوسدا له. وهذا أوجه. مع أن في جعل المراعاة حرزا إشكالا (2) من وجه آخر، لان السارق إن أخذ المال مع نظر المالك إليه لتتحقق المراعاة لم يحصل الشرط، وهو أخذه سرا، وإنما يكون مستلبا غاصبا، وهو لا يقطع، وإن كان مع الغفلة عنه لم يكن محرزا بالمراعاة. فظهر أن السرقة لا تتحقق مع المراعاة وإن جعلناها حرزا. وهذا هو الوجه. نعم، رواية صفوان على الوجه المروي أولا تصلح دليلا على مذهب ابن أبي (3) عقيل من أن السارق يقطع من أي موضع سرق، من بيت أو سوق أو مسجد أو غير ذلك. واحتج عليه بهذه الرواية. وبعض (4) العلماء فسر الحرز بما على سارقه خطر، لكونه ملحوظا غير مضيع، إما بلحاظ دائم أو بلحاظ معتاد. وعلى هذا يتوجه الحكم في الرواية بقطع سارق الرداء، لان سارقه في المسجد على خطر من أن يطلع عليه. وهذا التفسير متوجه ومناسب لما يقتضيه النظر من كون المراعاة بالعين حرزا في مجامعته لامكان سرقته بمغافلة المالك، إذ لم يشترط فيه دوام النظر، بل المعتاد منه المجامع للغفلة على وجه يمكن سرقته منه. وإلى هذا ذهب الشيخ في

(1) المبسوط 8: 24. (2) فيما لدينا من النسخ الخطية: إشكال، والصحيح ما أثبتناه. (3) حكاه عنه العلامة في المختلف: 776. (4) الوجيز 2: 173.

[ 498 ]

وهل يقطع سارق ستارة الكعبة؟ قال في المبسوط (1) والخلاف (2): نعم. وفيه إشكال، لان الناس في غشيانها شرع. موضع (3) من المبسوط، وإن اختار الاول في مواضع (4). قوله: (وهل يقطع سارق ستارة الكعبة... إلخ). وجه ما اختاره الشيخ: ما رواه (5) أصحابنا من أن الامام عليه السلام إذا قام قطع أيدي بني شيبة، وعلقها على البيت، ونادى عليهم: هؤلا سراق بيت الله. مضافا إلى عموم الاية (6) والروايات (7) الدالة على القطع. وذهب ابن إدريس (8) - رحمه الله - إلى عدم قطعه، لما أشار إليه المصنف - رحمه الله - من أن ذلك المحل ليس بحرز عرفا. والرواية مع قطع النظر عن سندها محمولة على قطع أيديهم لفسادهم، أو على سرقة ما أحرز. والاول أقعد، لان إحراز مال البيت من مبداء الاسلام إلى يومنا هذا بأيديهم، وشرط الحرز أن يكون بغير يد السارق. وعدم القطع للسرقة هو (9) الاصح. ولا يقطع من سرق من جيب إنسان أو كمه الظاهرين، ويقطع لو كانا باطنين.

(1) المبسوط 8: 33. (2) الخلاف 5: 429 مسألة (22). (3) المبسوط 8: 23 - 25. (4) المبسوط 8: 23 - 25. (5) الكافي 4: 242 ح 4، علل الشرائع: 229 ح 1، عيون أخبار الرضا 1: 273 ح 5، التهذيب 9: 213 ح 842، الوسائل 9: 356 ب (22) من أبواب مقدمات الطواف ح 13. (6) المائدة: 38. (7) راجع الوسائل 18: 482 ب (2) وص: 500 ب (10) من أبواب حد السرقة. (8) السرائر 3: 499. (9) في (أ): وهو.

[ 499 ]

ولا قطع في ثمرة على شجرها. ويقطع لو سرق بعد إحرازها. قوله: (ولا يقطع من سرق من جيب إنسان... إلخ). هذا التفصيل هو المشهور بين الاصحاب، ذكره الشيخ (1) وغيره (2). ومستنده رواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: (أتي أمير المؤمنين عليه السلام بطرار قد طر دراهم من كم رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وإن كان طر من قميصه الداخل قطعته) (3). ورواية مسمع بن أبي سيار عن الصادق عليه السلام: (أن أمير المؤمنين عليه السلام أتي بطرار قد طر من رجل دراهم، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وإن كان طر من قميصه الاسفل قطعناه) (4). وفي الروايتين ضعف. ومقتضاهما أن المراد بالظاهر ما في الثوب الخارج، سواء كان بابه في ظاهره أم باطنه، وسواء كان الشد على تقديره من داخله أم من خارجه. قوله: (ولا قطع في ثمرة... إلخ). هذا الحكم هو المشهور بين الاصحاب، ووردت به الاخبار الكثيرة (5). وقد

(1) النهاية: 718، المبسوط 8: 45، الخلاف 5: 451 مسألة (51). (2) المقنعة: 803، المهذب 2: 545، السرائر 3: 492. (3) الكافي 7: 226 ح 5، التهذيب 10: 115 ح 455، الاستبصار 4: 244 ح 922، الوسائل 18: 504 ب (13) من أبواب حد السرقة ح 2. (4) الكافي 7: 226 ح 8، التهذيب 10: 115 ح 456، الاستبصار 4: 244 ح 923، الوسائل 18: 504 الباب المتقدم ذيل ح 2. (5) الوسائل 18: 516 ب (23) من أبواب حد السرقة.

[ 500 ]

ولا على من سرق مأكولا في عام مجاعة. تقدم (1) بعضها. وظاهرها عدم الفرق مع كون الثمرة على الشجرة بين المحرزة بغلق ونحوه وغيرها. وهي على إطلاقها مخالفة للاصول المقررة في الباب. ومع كثرة الروايات فهي مشتركة في ضعف السند، ومن ثم ذهب العلامة (2) وولده فخر الدين (3) إلى التفصيل في الشجرة كالثمرة، بالقطع مع إحرازهما (4)، وعدمه مع عدمه. وهو الاجود. قوله: (ولا على من سرق... إلخ). المراد بالمأكول الصالح للاكل فعلا أو قوة، كالخبز واللحم والحبوب. ومقتضى إطلاقه كغيره (5) عدم الفرق بين المضطر وغيره، فلا يقطع السارق في ذلك العام مطلقا، عملا بإطلاق النصوص. وهي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يقطع السارق في عام سنة، يعني: عام مجاعة) (6). وقوله عليه السلام: (كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يقطع السارق في أيام المجاعة) (7). وفي رواية ثالثة عن الصادق عليه السلام قال: (لا يقطع السارق في سنة المحل في شي يؤكل، مثل الخبز واللحم وأشباه ذلك) (8).

(1) في ص: 484 - 485. (2) قواعد الاحكام 2: 268. (3) إيضاح الفوائد 4: 531. (4) في (ت، خ): إحرازها. (5) قواعد الاحكام 2: 268. (6) الكافي 7: 231 ح 2، التهذيب 10: 112 ح 442، الوسائل 18: 520 ب (25) من أبواب حد السرقة ح 2. (7) الكافي 7: 231 ح 3، التهذيب 10: 112 ح 444، الوسائل 18: 520 الباب المتقدم ح 3. (8) الكافي 7: 231 ح 1، الفقيه 4: 52 ح 188، التهذيب 10: 112 ح 443، الوسائل 18: 520، الباب المتقدم ح 1.

[ 501 ]

ومن سرق صغيرا، فإن كان مملوكا قطع. ولو كان حرا فباعه، لم يقطع حدا. وقيل: يقطع، دفعا لفساده. وحملوا ما أطلق في الروايتين السابقتين من المسروق على المقيد في هذه، وهو المأكول. وفي الروايتين الاخيرتين إرسال، مع اشتراك الجميع في الضعف، لكن العمل بمضمونها مشهور بين الاصحاب لا راد له. قوله: (ومن سرق صغيرا... إلخ). ثبوت القطع بسرقة المملوك الصغير واضح، لانه مال فيلحقه حكمه. ويشترط فيه شروطه التي من جملتها كونه محرزا، وكون قيمته بقدر النصاب. وإنما لم يذكر ذلك لان البحث عن سرقته من حيث إنه مملوك، أما من جهة باقي الشرائط فيعلم من بابها. ولو كان المملوك كبيرا مميزا فلا قطع بسرقته، لانه متحفظ بنفسه، إلا أن يكون نائما أو في حكمه، أو لا يعرف سيده من غيره، فإنه حينئذ كالصغير. ولا فرق بين القن والمدبر وأم الولد دون المكاتب، لان ملكه غير تام، إلا أن يكون مشروطا فيلحق بالقن. وأما الحر فاختلف في حكم سرقته، فقيل: لا يقطع، لانه ليس بمال، وهو شرط في هذا الحد، إذ لا يتحقق بلوغ النصاب بدونه. وذهب الشيخ (1) وجماعة (2) إلى أنه يقطع، لامن حيث سرقته للمال، بل من جهة كونه مفسدا في الارض. ويؤيده رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: (أن أمير المؤمنين

(1) النهاية: 722. (2) إصباح الشيعة: 525، فقه القرآن للراوندي 2: 388.

[ 502 ]

عليه السلام أتي برجل قد باع حرا، فقطع يده) (1). ورواية عبد الله بن طلحة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع الرجل وهما حران، يبيع هذا هذا وهذا هذا، ويفران من بلد إلى بلد، فيبيعان أنفسهما ويفران بأموال الناس، قال: تقطع أيديهما، لانهما سارقا أنفسهما وأموال الناس) (2). وظاهر الروايتين بل صريح الثانية عدم اشتراط صغر الحر المبيع. وكذلك أطلقه الشيخ في النهاية (3) وجماعة (4). وقيده في المبسوط (5) بالصغر، وتبعه الاكثر (6)، نظرا إلى أن الكبير متحفظ بنفسه، فلا يتحقق سرقته. وحيث جعلنا القطع للفساد لم يعتبر تحقق السرقة. ويشكل الحكم مطلقا بأن حد المفسد لا يختص بالقطع، بل يتخير الامام عليه السلام فيه - كما سيأتي (7) - بين قطعه وقتله وغيرهما. وفي المختلف (8) علل الحكم بالقطع بأن حراسة النفس أولى من حراسة المال الذي جاء القطع في سرقته لحراسته.

(1) الكافي 7: 229 ح 2، التهذيب 10: 113 ح 445، الوسائل 18: 514 ب (20) من أبواب حد السرقة ح 2. (2) الكافي 7: 229 ح 3، التهذيب 10: 113 ح 446، الوسائل 18: 515 الباب المتقدم ح 3. (3) النهاية: 722. (4) فقه القرآن للراوندي 2: 388، إصباح الشيعة: 525. (5) المبسوط 8: 31. (6) المؤتلف من المختلف 2: 408 مسألة (19)، السرائر 3: 499، قواعد الاحكام 2: 265. (7) في حد المحارب، الباب السادس من كتاب الحدود. (8) المختلف: 777.

[ 503 ]

ولو أعار بيتا، فنقبه المعير وسرق [ منه ] مالا للمستعير، قطع. وكذا لو آجر بيتا، وسرق [ منه ] مالا للمستأجر. ويشكل بأن الحكم معلق على مال مخصوص، ومطلق صيانته غير معلوم الارادة من إطلاق النصوص (1)، ومن ثم كان له شرائط خاصة زيادة على المطلوب من صيانته، فلا يتم حمل النفس مطلقا عليه بطريق الاولوية، خصوصا على الوجه المخصوص من بيعه دون غيره من أسباب تفويته وتفويت أجزائه البالغة ديتها ربع (2) النصاب. ولو كان عليه ثياب أو معه مال يبلغ النصاب، فإن كان كبيرا لم يتحقق سرقتها أيضا، لان يده عليها. ولو كان صغيرا على وجه لا يثبت له يد اتجه القطع بالمال. ومثله سرقة الكبير بماله نائما، وما في حكمه من السكر والاغماء. قوله: (ولو أعار بيتا... إلخ). إذا كان الحرز ملكا للسارق، نظر إن كان في يد المسروق منه بإجارة فسرق منه المؤجر فعليه القطع بغير إشكال، لان المنافع بعقد الاجارة مستحقة للمستأجر، والاحراز من المنافع. وعند أبي حنيفة (3) أنه لا يجب القطع على المؤجر. ووافق (4) على أنه لو آجر عبده لحفظ متاع، ثم سرق المؤجر من المتاع الذي كان يحفظه العبد، يجب القطع.

(1) الوسائل 18: 514 ب (20) من أبواب حد السرقة. (2) سقطت من (د، م). (3) ولكنه ذهب إلى وجوب القطع، وإنما قال بعدمه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، انظر المبسوط للسرخسي 9: 179 - 180، بدائع الصنائع 7: 75، الحاوي الكبير 13: 309، حلية العلماء 8: 66، المغني لابن قدامة 1: 253. (4) لم نعثر عليه.

[ 504 ]

وإن كان الحرز في يده بإعارة فوجهان: أحدهما: أنه لا يجب القطع، لان الاعارة لا تلزم، وله الرجوع متى شاء، فلا يحصل الاحراز عنه. وأصحهما - وهو الذي قطع به المصنف رحمه الله، والعلامة (1) وجماعة (2)، ورجحه الشيخ في المبسوط (3)، بعد أن نقل الاول عن قوم -: أنه يجب القطع، لانه سرق النصاب من الحرز. وإنما يجوز له الدخول إذا رجع، وعليه أن يمهل المعير بقدر ما ينقل فيه الامتعة، لا مطلقا. ولو أعار عبده لحفظ مال أو رعي غنم، ثم سرق مما كان يحفظه، فالحكم كما لو كان الحرز مستعارا. ولكن هنا يضعف احتمال عدم القطع، لان الاحراز هاهنا بملاحظة العبد، لا بنفس العبد المملوك للسارق، فنفس الحرز ليس بمملوك له. ولو أعاره قميصا فلبسه المستعير، فطر المعير جيبه وأخذ منه النصاب، وجب عليه القطع أيضا. ويضعف هنا الاحتمال أيضا. ولو كان الحرز في يده بغصب، وسرق مالك الحرز منه متاعه، فلا قطع، لان له الدخول والهجوم عليه، فلا يكون محرزا عنه. وإن سرق منه أجنبي فوجهان: أحدهما: أنه يلزمه القطع، لانه لا حق له فيه، وليس له الدخول. وأصحهما: المنع، لان الاحراز من المنافع والغاصب لا يستحقها.

(1) قواعد الاحكام 2: 269. (2) المهذب 2: 542، المؤتلف من المختلف 2: 409 مسألة (23)، السرائر 3: 500. (3) المبسوط 8: 33.

[ 505 ]

ويقطع من سرق مالا موقوفا مع مطالبة الموقوف عليه، لانه مملوك له. ولا تصير الجمال محرزة بمراعاة صاحبها، ولا الغنم بإشراف الراعي عليها. وفيه قول آخر للشيخ رحمه الله. قوله: (ويقطع من سرق... إلخ). هذا التعليل يتم على القول بانتقال ملك الموقوف مطلقا إلى الموقوف عليه. أما على القول الاشهر من اختصاصه بما لو كان الموقوف عليه منحصرا، قطع سارقه، دون سارق الوقف على المصالح العامة وعلى غير المنحصر، لان الملك فيه لله تعالى، ولا يتم ما ذكره المصنف من التعليل. ولو طالب به الحاكم احتمل جواز قطعه، وإن كان غير مالك. والاظهر العدم. ولو كانت السرقة من غلة الوقف فلا إشكال في القطع، لانها مملوكة للموقوف عليه مطلقا. ولو كان السارق بعض الموقوف عليهم بني على حكم سارق المال المشترك، وقد تقدم (1). هذا إذا كان منحصرا. أما لو كان السارق فقيرا في الموقوف على الفقراء فلا قطع مطلقا. قوله: (ولا تصير الجمال محرزة... إلخ). قد تقدم (2) الكلام على أن المراعاة بالعين هل هي حرز أم لا؟ وأن الوجه عدم كونها حرزا، وإليه ذهب المصنف - رحمه الله - هنا صريحا، وإن كان قد تردد

(1) في ص: 480. (2) في ص: 495.

[ 506 ]

فيما سبق (1). وهو مختار ابن إدريس - رحمه الله - (2) والعلامة (3). واحتج عليه في المختلف برواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: (إن عليا عليه السلام قال: لا يقطع إلا من نقب نقبا أو كسر قفلا) (4). وهو استدلال عجيب من مثله، مع ضعف السند، والاتفاق على عدم الانحصار فيما ذكر في الرواية. والقول الاخر للشيخ - رحمه الله - الذي أشار إليه المصنف ذكره في المبسوط والخلاف (5). فقال في المبسوط: (الابل إن كانت راعية فحرزها أن ينظر الراعي إليها مراعيا لها. وإن كان ينظر إلى جميعها، مثل أن كان على نشز أو مستو من الارض، فهي في حرز، لان الناس هكذا يحرزون أموالهم عند الراعي. وإن كان لا ينظر إليها، أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز. وإن كان ينظر إلى بعضها دون بعض فالتي ينظر إليها في حرز، والتي لا ينظر إليها في غير حرز. وإن كانت باركة ينظر إليها فهي في حرز. وإن كان لا ينظر إليها فهي في حرز بشرطين: أن تكون معقولة، وأن يكون معها نائما أو غير نائم، لان الابل الباركة هكذا حرزها.

(1) راجع ص: 495. (2) السرائر 3: 483. (3) المختلف: 769. (4) التهذيب 10: 109 ح 423، الاستبصار 4: 243 ح 918، الوسائل 18: 509 ب (18) من أبواب حد السرقة ح 3. (5) الخلاف 5: 420 مسألة (7).

[ 507 ]

وإن كانت مقطرة، فإن كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز. وإن كان قائدا فإنما يكون في حرز بشرطين: أن يكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها، وأن يكثر الالتفات إليها، مراعيا لها. وكذا البغال والخيل والحمير والغنم والبقر. فإذا أوت إلى حظيرة كالمراح والاصطبل، فإن كان في البر دون البلد، فما لم يكن صاحبها معها في المكان فليس بحرز، وإن كان معها فيه فهو حرز. وإن كان الباب مفتوحا فليس بحرز، إلا أن يكون معها مراعيا لها غير نائم. وإن كان الباب مغلقا فهو حرز، نائما كان أو غير نائم. وإن كان في جوف البلد فالحرز أن يغلق الباب، سواء كان صاحبها معها أم لا) (1). وهذا التفصيل قد صرح [ به ] (2) في مواضع منه بأن المراعاة تكفي في الحرز. وهو حسن مع حصولها بالفعل، لكن معه لا تتحقق السرقة كما أشرنا إليه سابقا (3)، وإنما تتحقق مع غفلته ليكون الاخذ سرا. فالحق أن القطع لا يتحقق بذلك على التقديرين. نعم، حرزيتها على هذا الوجه يتم فيما لو كانت أمانة بيد المراعي كالراعي، فإن مراعاتها بالنظر تكفي في الحكم بكونها في حرز، فلا يضمن حينئذ بالفوات، وبدونه يضمن. ويظهر من كلام الشيخ في قسم الراتعة أن عدم النظر إليها يخرجها عن الحرز، وإن كان النظر إليها ممكنا. وفي قسم السائرة جعل دوام النظر غير شرط، واكتفى بإمكان مشاهدتها مع كثرة الالتفات إليها.

(1) المبسوط 8: 23 - 24. (2) من (أ، خ، م). (3) راجع ص: 497.

[ 508 ]

ولو سرق باب الحرز أو من أبنيته، قال في المبسوط: يقطع، لانه محرز بالعادة. وكذا إن كان الانسان في داره، وأبوابها مفتحة. ولو نام زال الحرز. وفيه تردد. ويقطع سارق الكفن، لان القبر حرز له. وهل يشترط بلوغ قيمته نصابا؟ قيل: نعم. وقيل: يشترط في المرة الاولى، دون الثانية والثالثة. وقيل: لا يشترط. والاول أشبه. ولو نبش ولم يأخذ، عزر. ولو تكرر منه الفعل، وفات السلطان، كان له قتله للردع. قوله: (ولو سرق باب الحرز... إلخ). الحكم في باب الحرز ونحوه مبني على تفسير الحرز، فإن فسرناه بما ليس لغير المالك دخوله، أو بما كان سارقه على خطر وخوف من الاطلاع عليه، أو رددناه إلى العادة وجعلناها قاضية بكون ذلك محرزا على هذا الوجه، كما ادعاه الشيخ (1)، قطع هنا، لتحقق الحرز على هذه التقديرات. وإن فسرناه بما كان مغلقا عليه، أو مقفلا، أو مدفونا، فلا قطع هنا، لانتفاء المقتضي. وإن جعلنا منه المراعاة بني على ما إذا كان مراعيا له وعدمه. والمراد بباب الحرز هنا الباب الخارج، كباب الدار. أما باب البيت الداخل في الدار أو باب الخزانة، فإن كان خارجه بابا آخر موثقا بالقفل أو الغلق، فالباب المذكور في حرز، وإلا فلا. قوله: (ويقطع سارق الكفن... إلخ). للاصحاب في حكم سارق الكفن من القبر أقوال:

(1) المبسوط 8: 25.

[ 509 ]

أحدها: أنه يقطع مطلقا، بناء على أن القبر حرز للكفن، والكفن لا يعتبر بلوغه نصابا. أما الاول فهو المشهور بين الاصحاب، بل ادعى عليه الشيخ فخر الدين (1) الاجماع. وليس كذلك، فإن ظاهر الصدوق (2) أنه ليس حرزا. وأما الثاني فلدلالة الاخبار بإطلاقها عليه، كصحيحة حفص بن البختري عن الصادق عليه السلام أنه قال: (حد النباش حد السارق) (3). وهو أعم من أخذ النصاب وعدمه. وإلى هذا القول ذهب الشيخ (4) - رحمه الله -، والقاضي (5)، وابن إدريس (6) في آخر كلامه، وإن كان قد اضطرب في خلاله، والعلامة في الارشاد (7). وثانيها: اشتراط بلوغ قيمته النصاب، كغيره من السرقات. وهو الذي اختاره المصنف - رحمه الله -، وقبله المفيد (8) وسلا ر (9) وأبو الصلاح (10)

(1) إيضاح الفوائد 4: 533. (2) المقنع: 447. (3) الكافي 7: 228 ح 1، التهذيب 10: 115 ح 457، الاستبصار 4: 245 ح 926، الوسائل 18: 510 ب (19) من أبواب حد السرقة ح 1. (4) النهاية: 722. (5) المهذب 2: 542. (6) السرائر 3: 514 - 515. (7) إرشاد الاذهان 2: 183. (8) المقنعة: 804. (9) المراسم: 258. (10) الكافي في الفقه: 412.

[ 510 ]

وجماعة (1)، ومنهم العلامة في المختلف (2) والتحرير (3)، والشهيد في الشرح (4)، لعموم الاخبار (5) الدالة على اشتراط النصاب، مع عدم المخصص. وأجابوا عن الخبر الاول بأن ظاهره دال على القطع بمجرد النبش في المرة الاولى، وهم لا يقولون به، بل يعتبرون الاخذ، وإذا جازت مخالفة ظاهره باشتراط الاخذ، فلم لا يجوز مخالفته باشتراط النصاب، توفيقا بين الادلة؟! وأيضا فإنه جعله حد السارق، فيشترط فيه ما يشترط في السارق. ويؤيده قول علي عليه السلام: (يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الاحياء) (6). ورواية إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام: (أن عليا عليه السلام قطع نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: إنا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا) (7). وظاهر التشبيه يقتضي المساواة في الشرائط. وثالثها: أنه يشترط بلوغ النصاب في المرة الاولى خاصة. أما الاول فلعموم الادلة (8). وأما الثاني فلانه مع اعتياده مفسد فيقطع لافساده، وإن لم يكن مستحقا بسرقته. وهذا القول اختاره ابن إدريس (9) في أول كلامه، ثم رجع (10) عنه

(1) غنية النزوع: 434، الوسيلة: 423، إصباح الشيعة: 524. (2) المختلف: 775. (3) تحرير الاحكام 2: 230. (4) غاية المراد: 349. (5) راجع الوسائل 18: 482 ب (2) من أبواب حد السرقة. (6) الكافي 7: 229 ح 4، التهذيب 10: 115 ح 458، الاستبصار 4: 245 ح 927، الوسائل 18: 511 ب (19) من أبواب حد السرقة ح 4. (7) التهذيب 10: 116 ح 464، الاستبصار 4: 246 ح 933، الوسائل 18: 513 الباب المتقدم ح 12. (8) راجع الوسائل 18: 482 ب (2) من أبواب حد السرقة. (9) السرائر 3: 512 و 514 - 515. (10) السرائر 3: 512 و 514 - 515.

[ 511 ]

إلى الاول. ورابعها: أنه يقطع مع إخراجه الكفن مطلقا، أو اعتياده النبش وإن لم يأخذ الكفن. وهذا قول الشيخ في الاستبصار (1)، جامعا به بين الاخبار التي دل بعضها على الاول، وبعضها على الثاني. قال المصنف - رحمه الله - في النكت (2): وهو جيد، إلا أن الاحوط اعتبار النصاب في كل مرة، لما روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: (لا يقطع السارق حتى تبلغ سرقته ربع دينار) (3). وخامسها: عدم قطعه مطلقا إلا مع النبش مرارا. أما الاول فلان القبر ليس حرزا من حيث هو قبر. وأما الثاني فلافساده. وهو قول الصدوق (4). ومقتضى كلامه عدم الفرق بين بلوغه النصاب وعدمه. وفي كثير من الاخبار دلالة عليه، كرواية علي بن سعيد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النباش، قال: إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع، ويعزر) (5). ورواية الفضيل عنه عليه السلام قال: (النباش إذا كان معروفا بذلك

(1) الاستبصار 4: 247 ذيل ح 936. (2) النهاية ونكتها 3: 336 - 337. (3) الكافي 7: 221 ح 3، التهذيب 10: 99 ح 385، الاستبصار 4: 238 ح 897، الوسائل 18: 484 ب (2) من أبواب حد السرقة ح 5. (4) المقنع: 447. (5) التهذيب 10: 117 ح 465، الاستبصار 4: 246 ح 934، الوسائل 18: 513 ب (19) من أبواب حد السرقة ح 13.

[ 512 ]

قطع) (1). ورواية ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام: (في النباش إذا أخذ أول مرة عزر، فإن عاد قطع) (2). ويمكن حمل هذه الاخبار - مع قطع النظر عن سندها - على ما لو نبش ولم يأخذ، جمعا بين الادلة. والوجه اعتبار بلوغ النصاب والاعتياد، لتناول الاول عموم أدلة (3) السرقة، والثاني الافساد. واعلم: أن موضع النزاع في كون القبر حرزا ما إذا لم يكن في داخل حرز آخر، كدار عليها غلق ونحوها، وإليه أشرنا بالحيثية سابقا. وأنه لا فرق في الكفن على تقدير جعله حرزا له بين الواجب والمندوب، ومنه العمامة، خلافا للعلامة (4)، نظرا منه إلى ورود بعض الاخبار (5) بأنها ليست من الكفن. وظاهره أن المراد منه أنها ليست من الكفن الواجب لا مطلقا، بقرينة أنه ذكر الخرقة الخامسة معها في الخبر (6)، مع الاجماع على أنها منه.

(1) التهذيب 10: 117 ح 466، الاستبصار 4: 246 ح 935، الوسائل 18: 513 الباب المتقدم ح 15. (2) التهذيب 10: 117 ح 468، الاستبصار 4: 246 ح 936، الوسائل 18: 514 الباب المتقدم ح 16. (3) راجع الوسائل 18: 482 ب (2) من أبواب حد السرقة. (4) تحرير الاحكام 2: 230. (5) الكافي 3: 144 ح 5 - 7، التهذيب 1: 292 ح 854 و 856 و 857، الوسائل 2: 726 ب (2) من أبواب التكفين ح 1، 10، 12. (6) الكافي 3: 144 ح 6، التهذيب 1: 293 ح 856، الوسائل 2: 727 الباب المتقدم ح 12.

[ 513 ]

الثالث: ما به يثبت ويثبت: بشهادة عدلين، أو الاقرار مرتين، ولا تكفي المرة. ويشترط في المقر: البلوغ، وكمال العقل، والحرية، والاختيار. وأن حرزيته مختصة بالكفن، فلو كان فيه غيره من الاموال، ولو بقصد مصاحبة الميت، لم يقطع سارقه مطلقا من هذه الحيثية. قوله: (ويثبت بشهادة عدلين... إلخ). هذا هو المشهور بين الاصحاب. ومستندهم عليه رواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام قال: (لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فإن رجع ضمن السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود) (1). ولانه حد فلا يستوفى بالاقرار مرة، كغيره من الحدود. ولبناء الحدود على التخفيف. ولا يخفى ضعف الاخيرين، فإن توقف إثبات الحدود مطلقا على المرتين يحتاج إلى دليل، وإلا فعموم (2) الادلة يقتضي الاكتفاء بالاقرار مرة مطلقا إلا ما أخرجه الدليل. وبناء الحدود على التخفيف لا يدل بمجرده على اشتراط تعدد الاقرار. والرواية ضعيفة السند بعلي بن حديد، وبالارسال، ومن ثم ذهب الصدوق (3) إلى الاكتفاء بالاقرار مرة، لصحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه

(1) الكافي 7: 219 ح 2، التهذيب 10: 129 ح 515، الاستبصار 4: 250 ح 948، الوسائل 18: 487 ب (3) من أبواب حد السرقة ح 1. (2) أي: عموم (إقرار العقلا على أنفسهم جائز) الوسائل 16: 111 ب (3) من أبواب كتاب الاقرار ح 2، وانظر التهذيب 10: 7 ح 20، الاستبصار 4: 203 ح 761، الوسائل 18: 343 ب (32) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (3) حكاه عن مقنعه العلامة في المختلف: 771، وفي المقنع (448): أن الحر إذا أقر على نفسه لم يقطع.

[ 514 ]

فلو أقر العبد لم يقطع، لما يتضمن من إتلاف مال الغير. السلام قال: (إذا أقر الحر على نفسه بالسرقة مرة واحدة عند الامام قطع) (1). وفي صحيحة أخرى للفضيل قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله تعالى مرة واحدة، حرا كان أو عبدا، حرة أو أمة، فعلى الامام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به على نفسه، كائنا من كان، إلا الزاني المحصن) (2) الحديث. وإطلاق (3) كثير من الروايات بقطعه مع إقراره بالسرقة، من غير تفصيل، وهو يتحقق بالمرة. وأجيب بحمل الرواية على التقية، لموافقتها لمذهب (4) العامة. وفيه نظر، لضعف المعارض الحامل على حملها على خلاف الظاهر. قوله: (فلو أقر العبد... إلخ). أشار بالتعليل إلى وجه عدم قبول إقراره، من حيث إنه إقرار في حق الغير وهو المولى، لا من حيث الغرامة للمال على تقدير إتلافه، لانه متعلق بذمته، بل من حيث إنه يتضمن القطع وهو مال للغير، فيكون إقراره به إقرارا بوجه يتضمن إتلاف مال الغير، فلا يسمع. ولو قامت البينة عليه بها قطع، لعدم المانع.

(1) التهذيب 10: 126 ح 504، الاستبصار 4: 250 ح 949، الوسائل 18: 488 ب (3) من أبواب حد السرقة ح 3. (2) التهذيب 10: 7 ح 20، الاستبصار 4: 203 ح 761، الوسائل 18: 343 ب (32) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. (3) لم نجد إطلاقا في الروايات، انظر الوسائل 18: 487 ب (3) من أبواب حد السرقة. (4) ولكنها موافقة لمذهب بعضهم لا جميعهم، انظر اللباب في شرح الكتاب 3: 202، الحاوي الكبير 13: 332، بداية المجتهد 2: 454، المبسوط للسرخسي 9: 182، حلية العلماء 8: 77، المغني لابن قدامة 10: 286، روضة الطالبين 7: 355، رحمة الامة: 294.

[ 515 ]

وكذا لو أقر مكرها. ولا يثبت به حد ولا غرم. فلو رد السرقة بعينها، بعد الاقرار بالضرب، قال في النهاية: يقطع. وقال بعض الاصحاب: لا يقطع، لتطرق الاحتمال إلى الاقرار، إذ من الممكن أن يكون المال في يده، من غير جهة السرقة. وهذا حسن. ويدل على الامرين معا صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أقر العبد على نفسه بالسرقة لم يقطع، وإذا شهد عليه شاهدان قطع) (1). ولكن روى ضريس الكناسي في الحسن عن أبي جعفر عليه السلام قال: (العبد إذا أقر على نفسه عند الامام مرة أنه سرق قطعه، وإذا أقرت الامة على نفسها عند الامام بالسرقة قطعها) (2). والشيخ (3) - رحمه الله - حملها على أنه إذا انضاف إلى الاقرار الشهادة عليه بالسرقة. ويمكن حملها على ما إذا صادقه المولى عليها، فإنه يقطع حينئذ، لانتفاء المانع من نفوذ إقراره حينئذ، كما في كل إقرار على الغير إذا صادقه [ على ] (4) ذلك الغير. قوله: (وكذا لو أقر مكرها... إلخ). ما ذهب إليه الشيخ في النهاية (5) وافقه عليه جماعة، منهم الشيخ نجيب

(1) الفقيه 4: 50 ح 174، التهذيب 10: 112 ح 440، الوسائل 18: 532 ب (35) من أبواب حد السرقة. (2) الكافي 7: 220 ح 7، الفقيه 4: 49 ح 173، التهذيب 10: 112 ح 441، الاستبصار 4: 244 ح 921، الوسائل 18: 487 ب (3) من أبواب حد السرقة ح 2. (3) التهذيب 10: 112 ذيل ح 441، الاستبصار 4: 244 ذيل ح 921. (4) من الحجريتين. (5) النهاية: 718.

[ 516 ]

ولو أقر مرتين ورجع، لم يسقط الحد، وتحتمت الاقامة، ولزمه الغرم. ولو أقر مرة، لم يجب الحد، ووجب الغرم. الرابع: في الحد وهو قطع الاصابع الاربع من اليد اليمنى، ويترك له الراحة والابهام. ولو سرق ثانية، قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، ويترك الدين يحيى بن سعيد (1)، والعلامة في المختلف (2). والمستند حسنة سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام: (في مضروب على السرقة فجاء بها بعينها أيقطع؟ قال: نعم، وإذا اعترف ولم يأت بها فلا قطع بها، لانه اعترف على العذاب) (3). ولانه قد تثبت سرقته بوجود المال عنده، فيجب الحد، كوجوبه على متقايئ الخمر، لوجود سببه وهو الشرب. والذاهب من الاصحاب إلى عدم القطع ابن إدريس (4) والعلامة في أكثر كتبه (5)، واستحسنه المصنف - رحمه الله -، لان الاقرار وقع كرها فلا عبرة به. ووجود المال عنده أعم من كونه سارقا، فلا يدل عليه. ولان وجود المال مسبب عن السرقة، ولا يلزم من وجود المسبب وجود السبب، بل العكس. وبهذا يفرق بينه وبين القي، لاستحالة القي بدون الشرب. وهذا أقوى (6). قوله: (ولو أقر مرتين... إلخ).

(1) الجامع للشرائع: 561. (2) المختلف: 771. (3) الكافي 7: 223 ح 9، التهذيب 10: 106 ح 411، الوسائل 18: 497 ب (7) من أبواب حد السرقة ح 1، مع اختلاف يسير. (4) السرائر 3: 490. (5) قواعد الاحكام 2: 270، تحرير الاحكام 2: 230، إرشاد الاذهان 2: 184. (6) في (ث، ط): قوي.

[ 517 ]

له العقب يعتمد عليها. فإن سرق ثالثة، حبس دائما. ولو سرق بعد ذلك، قتل. ولو تكررت السرقة، فالحد الواحد كاف. أما وجوب الغرم بالاقرار مرة فظاهر، لانه إقرار بمال وشأنه ذلك، لعموم: (إقرار العقلا على أنفسهم جائز) (1). وأما عدم ثبوت القطع بالمرة فمبني على ما تقدم (2) من توقف هذا الحد على الاقرار مرتين. وقد عرفت ما فيه. وأما رجوعه عنه حيث ثبت فلا أثر له، كما في كل إنكار بعد الاقرار، إلا ما أخرجه الدليل من حد الزنا. وقد تقدم (3) في حديث سارق رداء صفوان ما يدل عليه، وأن النبي صلى الله عليه وآله لما عفا عنه صفوان ووهبه الرداء قال له: (هلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي). وروى سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من أخذ سارقا فعفا عنه فذاك له، فإذا رفع إلى الامام قطعه، فإن قال الذي سرق منه: أنا أهبه له، لم يدعه الامام حتى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الامام، وذلك قول الله عزوجل: (والحافظون لحدود الله)، فإذا انتهى إلى الامام فليس لاحد أن يتركه) (4). وأظهر من ذلك كله صحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: (إذا أقر الرجل على نفسه أنه سرق ثم جحد فاقطعه وإن رغم

(1) راجع ج 7: 274 هامش (1). (2) في ص: 513. (3) راجع ص: 495 - 496. (4) الكافي 7: 251 ح 1، التهذيب 10: 123 ح 493، الاستبصار 4: 251 ح 951، الوسائل 18: 330 ب (17) من أبواب مقدمات الحدود ح 3.

[ 518 ]

أنفه) (1). وذهب الشيخ في النهاية (2) وكتابي (3) الحديث إلى سقوط القطع عنه مع الرجوع بعد الاقرار، وإن ثبت الغرم. وفي موضع (4) آخر منها: يتخير الامام بين العفو عنه وإقامة الحد عليه، حسب ما يراه أردع في الحال. ووافقه عليه أبو الصلاح (5) والعلامة في المختلف (6)، محتجا بأن التوبة تسقط تحتم أعظم الذنبين، فتسقط تحتم أضعفهما. وبما رواه طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام قال: (حد ثني بعض أهلي أن شابا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فأقر عنده بالسرقة، فقال له عليه السلام: إني أراك شابا لا بأس بهيئتك، فهل تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، فقال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: وإنما منعه أن يقطعه لانه لم تقم عليه بينة) (7). ورواية أبي عبد الله البرقي، عن بعض أصحابه، عن بعض الصادقين عليهم السلام قال: (جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأقر عنده بالسرقة، فقال: أتقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، فقال الاشعث: أتعطل حدا من حدود الله تعالى؟ قال: وما يدريك ما هذا؟! إذا

(1) الكافي 7: 220 ح 4، التهذيب 10: 126 ح 503، الوسائل 18: 318 ب (12) من أبواب مقدمات الحدود ح 1. وفيما عدا التهذيب: عن الحلبي فقط. (2) النهاية: 718. (3) التهذيب 10: 126 ذيل ح 504، الاستبصار 4: 250 ذيل ح 949. (4) النهاية: 718. (5) الكافي في الفقه: 412. (6) المختلف: 771 - 772. (7) التهذيب 10: 127 ح 506، الاستبصار 4: 252: 954، الوسائل 18: 488 ب (3) من أبواب حد السرقة ح 5.

[ 519 ]

ولا تقطع اليسار مع وجود اليمين، بل تقطع اليمين ولو كانت شلا. وكذا لو كانت اليسار شلا، أو كانتا شلا ين، قطعت اليمين على التقديرين. قامت البينة فليس للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذاك إلى الامام، إن شاء عفا، وإن شاء قطع) (1). ولا يخفى ضعف سند الحديثين، ومن ثم لم يذكر المصنف في المسألة خلافا. وما اختاره هو الاصح. قوله: (ولا تقطع اليسار مع وجود اليمين... إلخ). ما ذكره المصنف - رحمه الله - من قطع اليمين ولو كانت شلا مذهب الشيخ في النهاية (2) وجماعة (3)، أخذا بعموم (4) الادلة، وخصوص صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام: (في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق، قال: تقطع يده اليمنى على كل حا