الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخراجيات - المحقق الكركي

الخراجيات

المحقق الكركي


[ 1 ]

الخراجيات تأليف المحقق الثاني والمحقق الأردبيلي والفاضل القطيفي والفاضل الشيباني تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج تأليف الشيخ علي بن الحسن بن عبد العالي الكركي الحقق الثاني.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه وخاتم رسله محمد وآله الطيبين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين. وبعد فإن الانسان إنسان بفكره وثقافته، والأمم حية بحياة أفكارها وعلومها، والعلماء هم أصحاب الدور الأسمى في قيادة الأمة، والحفاظ على حياتها الفكرية وإحياء تراثها العلمي وإثرائه. والأمة الاسلامية بفضل ثقافة القرآن العظيم وتربية الرسول الأعظم والمعصومين من آله امتازت بعلماء فطاحل، ومفكرين عظام ارتووا من معين الحق الذي لا ينضب، وخلدتهم دروسهم بألسنتهم وأقلامهم بما جسدته كتبهم من ثقافتهم وأفكارهم. ومن أولئك الورع التقي، والمحقق البارع، المولى الشيخ أحمد، المعروف ب‍ " المقدس الأردبيلي " والشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي المعروف ب‍ " المحقق الثاني " والشيخ إبراهيم بن سليمان المعروف ب‍ " الفاضل القطيفي " والشيخ ماجد بن فلاح الفاضل الشيباني فإنهم رضوان الله تعالى عليهم قاموا بحل بعض القضايا المستحدثة على ضوء الكتاب الكريم وسنة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وبذلوا جهودهم فيه وهذه هي سمة بارزة اتسم بها فقهاؤنا على طول التاريخ ومنقبة حازها الفقه الجعفري الحنيف، سجلت ذلك كتب الفقه المقارن وزخرت به كذلك كتب التراجم، وبحث الخراج في زمن الدولة الصفوية يمثل

[ 4 ]

حدثا مستجدا وقع ضمن اهتمام المحقق الثاني العلامة الكركي قدس سره بل ومارس تنفيذه وعمم بنوده في كل البلاد الصفوية. وقد فتحت رسالة الخراج للعلامة الكركي حوارا فقهيا امتد من بعده في رسائل أخرى تناولت نفس الموضوع، ومجموع هذه الرسائل يمثل مصداقا عمليا على الاهتمام الفقهي للعلماء بالاحداث المستجدة، وأيضا هذه الرسائل تمثل حقبة علمية وتاريخية خاصة تستدعي الاهتمام بها، ولذا وانطلاقا من المسؤولية التي قامت بها هذه المؤسسة لاحياء التراث الفقهي والعلمي لها الفخر في هذه المرة أن تقوم بنشر هذه الرسائل التي سميناها ب‍ " الخراجيات " بعد تحقيقها وتقييم متونها من قبل جماعة من الأفاضل خدمة لرواد العلم والفضيلة وأخيرا نقدم جزيل شكرنا لأولئك الأخوة سائلين المولى عز وعلا التوفيق لهم ولها إنه خير ناصر ومعين. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين ب‍ " قم المشرفة "

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نبذة من حياة الفقيه المحقق الكركي (1) (ره) وصفه والثناء عليه: لعل أول من ذكره من أرباب التواريخ والسير معاصره المؤرخ الفارسي الصفوي خواند أمير في أواخر تاريخه " حبيب السير " في أثناء تعداد علماء دولة السلطان الشاه إسماعيل الصفوي ما معناه: إن من جملتهم الشيخ علاء الدين عبد العالي، وعلو مرتبة ذلك المتقي الورع في تحصيل العلم والفضيلة بمنزلة وصل بها إلى درجة الاجتهاد، وقد صار لغاية تبحره في العلوم العقلية والنقلية معتمدا لحكماء الاسلام ومرجعا للعلماء الواجبي الاحترام، وكانت فصاحة بيانه وطلاقة لسانه خارجة عن درجة التوصيف، ونهاية تدينه وتقواه عند الأكابر والأصاغر (معترفا بها).. وفي هذا التاريخ يعني سنة ثلاثين وتسعمائة بلاد بغداد والحلة والنجف معمورة بوجوده الشريف. نقل كلامه هذا المولى عبد الله الاصفهاني في " رياض العلماء " وعلق عليه يقول: أقول: في كلامه تأمل: لأن اسمه الشريف هو الشيخ علي بن عبد العالي لا علاء الدين عبد العالي (2).

(1) نسبة إلى كرك نوح أي قرية نوح بالسريانية والعبرية، وفيها قبر يقال إنه قبر نوح، وهي من قرى بعلبك في البقاع من لبنان. رأيتها بنفسي. وراجع تاريخ كرك نوح للدكتور حسن نصر الله: 84 وأيضا: معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية: 145. (2) رياض العلماء 3: 444.

[ 6 ]

ثم نقل عن " أحسن التواريخ " لحسن بيك روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي أنه قال بشأنه: لم يسع أحد بعد الخواجة نصير الطوسي في الحقيقة أزيد مما سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحق الجعفري الاثني عشري، وكان له في منع الفجرة والفسقة. وزجرهم، وقلع قوانين المبتدعة وقمعها، وفي إزالة الفجور والمنكرات، وإراقة الخمور والمسكرات، واجراء الحدود والتعزيرات، واقامة الفرائض والواجبات، والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات، وبيان أحكام الصيام والصلوات، والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين، ودفع شرور المفسدين والمؤذين، وزجر مرتكبي الفسوق والفجور حسب المقدور، مساعي جميلة، ورغب عامة العوام في تعلم الشرائع وأحكام الاسلام وكلفهم بها (1). وقال: ويلوح من بعض التواريخ الفارسية: أن الشيخ علي الكركي هذا قد دخل بلاد العجم في زمن سلطنة السلطان الشاه إسماعيل.. وفي سنة غلبة السلطان المذكور على شاه بيگ خان ملك الاوزبك، وذلك بعد ظهور دولة الشاه إسماعيل المذكور بعشر سنين، وأنه بعد دخول السلطان الشاه إسماعيل إلى هراة في تلك السنة دخل الشيخ علي المذكور في هراة عليه في تلك السنة (2). وذكره التفرشي في رجاله فقال: علي بن عبد العالي الكركي " قدس الله روحه " شيخ الطائفة وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير العلم، نقي الكلام، جيد التصانيف من أجلاء هذه الطائفة (3). وذكره الحر العاملي في " أمل الآمل " فقال: الشيخ الجليل علي بن عبد العالي العاملي الكركي، أمره في الثقة والعلم والفضل، وجلالة القدر وعظيم الشأن وكثرة التحقيق، أشهر من أن يذكر. ثم نقل عن الشهيد الثاني. أنه أثنى عليه في بعض إجازاته فقال عند ذكره:

(1) رياض العلماء 3: 450، 451. (2) رياض العلماء 3: 445. (3) نقد الرجال: 238 للتفرشي ت 1015 ه‍.

[ 7 ]

الشيخ الإمام المحقق المنقح، نادرة الزمان، ويتيمة الاوان (1). وذكره المجلسي في أول " بحار الأنوار " فقال فيه: أفضل المحققين، مروج مذهب الأئمة الطاهرين، نور الدين علي بن عبد العالي الكركي " أجزل الله تشريفه، وحشره مع الأئمة الطاهرين " حقوقه على الايمان وأهله أكثر من أن يشكر على أقلها، وتصانيفه في نهاية الرزانة والمتانة (2). وذكره المولى عبد الله الاصفهاني في " رياض العلماء " فقال: الشيخ الجليل الشهيد زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي، الفقيه المجتهد الكبير، العالم العلامة، الملقب بالشيخ العلائي والمعروف بالمحقق الثاني، شيخ المذهب، ومخرب (مذهب) أهل النصب والوصب.. سافر من بلاد الشام (لبنان) إلى بلاد مصر وأخذ عن علمائها.. وسافر إلى عراق العرب وأقام بها زمانا طويلا، ثم سافر إلى بلاد العجم واتصل بصحبة السلطان، وقد عين له وظائف وادارات كثيرة، حتى أنه قرر له سبعمائة تومانا في كل سنة بعنوان " السيورغال " في بلاد عراق العرب، وكتب في ذلك حكما، وذكر فيه اسمه في نهاية الاجلال والاحترام (3). وقال: وقد كان هذا الشيخ معظما عند السلطان الشاه طهماسب في الغاية، وأعطاه وظائف و " سيورغالات " وادارات ببلاد عراق العرب، وقد نصبه حاكما في الأمور الشرعية بجميع بلاد ايران، وأعطاه في ذلك الباب حكما وكتابا يقضي منه العجب، لغاية مراعاة ذلك السلطان لأدبه في ذلك الكتاب (4). مشايخه من الخاصة والعامة: قال الحر العاملي في " أمل الآمل " يروي عن:

(1) أمل الآمل 1: 121. (2) بحار الأنوار 1: 21 و 41. (3) رياض العلماء 3: 441. (4) رياض العلماء 3: 450.

[ 8 ]

1 الشيخ شمس الدين محمد بن داود.. ويروي عن: 2 الشيخ علي بن هلال الجزائري (1) ولم يذكر من الخاصة غيرهما. وقال الأفندي في " رياض العلماء ": وقد قرأ " قدس سره " وروى عن جماعة من علماء العامة أيضا، على ما صرح به في إجازاته: منها ما قاله في إجازته للمولى برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي الخونساري الاصفهاني، على ظهر نسخة من " كشف الغمة لعلي بن عيسى الاربلي " قرأها عليه، على ما رأيته بخطه الشريف بهذه العبارة: " وأما كتب أهل السنة في الفقه والحديث: فإني أروي الكثير منها عن مشايخنا وعن مشايخ أهل السنة. فأما روايتي لذلك عن أصحابنا فإنما هي بالاجازة، وأما عن مشايخ أهل السنة فبالقراءة لبعض، المكملة بالمناولة، وبالسماع لبعض، وبالاجازة لبعض الفقرات (من) بعض. فصحيح البخاري على عدة، منهم: 1 الشيخ الأجل العلامة أبو يحيى زكريا الأنصاري، وناولني مجموعة مناولة مقرونة بالاجازة، وأخبرني: أنه يروي عن جمع من العلماء. منهم: قدوة الحفاظ ومحقق الوقت، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر: قال: أنابه العفيف أبو محمد عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابوري، سماعا لمعظمه وإجازة دائرة. قال: أنابه الوفي أبو إبراهيم بن محمد الطبري، أنابه أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرقي، سماعا إلا شيئا يسيرا، قال: أنا به أبو الحسن علي بن حميد ابن عمار الطرابلسي، أنا به أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي، قال: أنا به أبي مآل، أنابه أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعيم نعمة بن حسن بن علي بن بيان الصالحي الحجار، سماعا لجميعه، قال: وأنبأت به أم محمد ست الوزراء وزيرة ابنة عمر بن سعد بن المنجا التنوخية، سماعا لجميعه إلا يسيرا، مجبورا بالاجازة، قالت: أنابه أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن

(1) أمل الآمل 1: 122.

[ 9 ]

محمد بن يحيى الزبيدي، سماعا، قال: أنابه أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الشجري الهروي سماعا عليه لجميعه، قال: أخبرنا به أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد بن المظفر بن داود الداودي، قال: أنا به أبو محمد عبد الله بن حمويه، أنابه أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الغربري، قال: أنا به مؤلفه الحافظ الناقد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. 2 وأما صحيح مسلم: فإني قرأت بعضه على الشيخ العلامة الرحلة عبد الرحمان بن إبانة الأنصاري بمصر في الثاني عشر من شعبان من سنة خمس وتسعمائة، وناولني باقيه مناولة مناولة مقرونة بالاجازة، وله إسناد عال مشهور، بالصحيح المذكور. 3 وسمعته إلا مواضع بدمشق بالجامع الاموي، على العلامة الشيخ علاء الدين البصروي، وأجاز في روايته، ورواية جميع مروياته. وكذا سمعت عليه معظم مسند الفقيه الرئيس الأعظم محمد بن إدريس الشافعي المطلبي. وأما موطأ الإمام العالم مالك بن أنس نزيل دار الهجرة المقدسة: فإني أرويه بعدة طرق عن أشياخ علماء الخاصة والعامة. وكذا مسند الإمام المحدث الجليل أحمد بن حنبل، ومسند أبي يعلي، وسنن البيهقي والدار قطني، وغير ذلك من المصنفات الكثيرة الشهيرة (1). فهؤلاء ثلاثة من العامة، بالاضافة إلى اثنين من الخاصة، فجميع شيوخه خمسة. تلامذته والراوون عنه: قال الأفندي في " رياض العلماء " وله " قدس سره " جماعة كثيرة من التلامذة من العرب والعجم، في جبل عاملة، وفي العراق، وفي بلاد ايران وغيرها. 1 منهم: السيد الأمير محمد بن أبي طالب الاسترابادي الحسيني الموسوي.

(1) رياض العلماء 3: 449، 450.

[ 10 ]

2 - ومنهم: السيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي النجفي. 3 و 4 ومن تلامذته: الشيخ علي بن عبد العالي الميسي، والشيخ إبراهيم ولده. وقد ذكره " قده " بعض مؤلفاته في إجازته للشيخ علي بن عبد العالي الميسي والشيخ إبراهيم ولده حيث قال: و " كذلك أجزت رواية ما صنفته وألفته على نزارته وقلته ". 5 ومن تلامذة الشيخ علي هذا: المولى كمال الدين درويش محمد ابن الشيخ حسن العاملي (النطنزي) جد والد المولى الاستاذ (المجلسي) من قبل أمه، كما صرح بذلك الاستاذ المذكور نفسه في " الأربعين " وغيره أيضا. 6 ومنهم: الشيخ زين الدين الفقعاني. 7 والشيخ أحمد بن محمد بن أبي جامع العاملي، وقد كتب له إجازة تاريخها سنة ثمان وعشرين وتسعمائة بالغري. 8 ومنهم: الشيخ علي؟؟ (زين الدين العاملي صهر شيخنا البهائي شيخ الاسلام باصبهان). 9 ومنهم: الشيخ أحمد بن محمد بن خاتون العاملي. 10 ومنهم: الشيخ نعمة الله بن أحمد بن محمد بن خاتون العاملي (ولده). 11 ومنهم الشيخ إبراهيم بن علي بن يوسف الخونساري الاصفهاني، وقد أجازه بإجازة نقلناها. 12 ويظهر من آخر " وسائل الشيعة " للشيخ المعاصر " قده ": أن الشيخ عبد النبي الجزائري أيضا يروي عن الشيخ علي الكركي هذا، فتأمل (1). ونقل حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية: حكاية مواضعة الشيخ علي الكركي هذا مع الصدر الكبير الأمير جمال الدين محمد الذي كان صدرا (رئيس الوزراء) للسلطان الشاه إسماعيل، والسلطان الشاه طهماسب الصفوي على قراءة الشيخ علي " شرح التجريد الجديد "

(1) رياض العلماء 3: 442، 443.

[ 11 ]

على الصدر المذكور، وقراءة ذلك على هذا الشيخ " قواعد الأحكام " للعلامة. فقرأ الشيخ علي عليه درسين من " شرح التجريد الجديد ". ثم تعارض ذلك الصدر: وأما الصدر فلم يقرأ على الشيخ علي " القواعد " أصلا (1). 13 ومنهم: الشيخ علي بن هلال بن علي بن هلال الجزائري العاملي الكركي، قال الأفندي في " رياض العلماء " رأيت منه إجازة لتلميذه المولى ملك محمد الاصفهاني، ويظهر من تلك الاجازة أنه يروي عن جماعة.. منهم الشيخ علي ابن عبد العالي الكركي العاملي المشهور. له رسالة في المسائل الفقهية العامة البلوى من كتاب الطهارة، كتب بعض الأفاضل على هامشها: أن هذا الشيخ توفي في أصفهان يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وتسعمائة (2). وقال فيه السيد الامين العاملي: سكن أصفهان وتوفي فيها عاملا فاضلا فقيها، يروي عن المحقق الكركي وكان من تلاميذه، وهو أبو زوجة الشيخ البهائي. كان شيخ الاسلام في أصفهان وبعد وفاة أستاذه الكركي أصبح شيخ الاسلام على الإطلاق، وبعده أصبح صهره البهائي على ابنته الوحيدة الفاضلة شيخ الاسلام، وكان للمترجم خمسة آلاف كتاب كان قد جاء بها من الهند، فلما توفي ورثتها ابنته الوحيدة فأوقفها الشيخ البهائي في المكتبة الكبيرة التي ضاعت بعده لعدم اهتمام المتولين لها. ذكر ذلك الاصفهاني في " رياض العلماء " (3). 14 ومنهم: السيد شرف الدين السماك العجمي (4). 15 وقد انهى صاحب " الحدائق " سلسلة إجازته إلى الفاضل القطيفي عن المحقق الكركي (5).

(1) رياض العلماء 3: 450. (2) رياض العلماء 4: 284. (3) أعيان الشيعة 8: 369 وليس في ترجمة الشيخ علي بن هلال، ولم أتتبعه في سائر مظانه. (4) ذكره ابن العودي، كما في الدر المنثور 2: 169. (5) لؤلؤة البحرين: 159.

[ 12 ]

مصنفاته ومؤلفاته: قال الأفندي في " رياض العلماء ": وقد ذكر " قده " بعض مؤلفاته في أجازته للشيخ علي بن عبد العالي الميسي والشيخ إبراهيم ولده، حيث قال: " وكذلك أجزت رواية ما صنفته وألفته على نزارته وقلته، من ذلك ما خرج من: 1 شرح " قواعد الأحكام " في خمسة مجلدات تخمينا. ومن ذلك: 2 كتاب النفحات، أعاد الله من بركاته. ومن ذلك: 3 الرسالة الجعفرية، (في الواجبات والمستحبات من الصلوات اليومية فرغ منها بمشهد سنة 917 ه‍) و: 4 الرسالة الخراجية (وهي: قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج فرغ منه في 11 ربيع الثاني 916 ه‍) و: 5 الرسالة الرضاعية (فرغ منها في 11 ربيع الآخر سنة 916 ه‍ كما في الذريعة 11: 192) و: 6 رسالة الجمعة (فرغ منها: سنة 921 ه‍ وفيها نيابة الفقيه عن الحجة في زمن الغيبة، كما في الذريعة 15: 75). وغير ذلك من الرسائل.. ومن ذلك ما خرج من: 7 - حواشي " مختلف الشيعة ". و: 8 حواشي كتاب " شرايع الاسلام ". و: 9 حواشي كتاب " ارشاد الأذهان " وغيرها (1). وقال بعض أفاضل تلامذة الشيخ علي الكركي هذا، في رسالة ذكر فيها أسامي مشايخنا ما هذا لفظه: ومنهم الشيخ الأجل الرفيع القدر، شيخ الاسلام والمسلمين الشيخ علي بن عبد العالي الكركي، صاحب التعليقات الحسنة والتصانيف المليحة، فمن تصانيفه: " شرح القواعد " وقد خرج منه ست مجلدات، إلى بحث التفويض من النكاح، شرحا لم يعمل قبله أحد مثله، حل مشكله مع

(1) رياض العلماء 3: 441، 442.

[ 13 ]

تدقيقات حسنة وتوفيقات لطيفة، خال من التطويل والاكثار، وشارح لجميع ألفاظه المجمع عليه والمختلف فيه. وله " شرح الارشاد " و " شرح الشرائع " وكتاب " نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت " ورسائل أخرى: كالجمعة، و: 10 - رسالة السبحة (والخراجية)، و: 11 الخيارية، و: 12 المواتية، و " الجعفرية " و " الرضاعية "، و: 13 شرح الالفية (للشهيد الأول في الفقه). وقد لازمته مدة من الزمان وبرهة من الاحيان، واستفدت من لطائف أنفاسه وأخذت من غرائب أغراسه. أسكنه الله بحبوحة جنانه (1). والمجلسي في أول " بحار الأنوار " ذكر اسم " نفحات اللاهوت " هكذا: " أسرار اللاهوت في وجوب لعن الجبت والطاغوت " (2). وأضاف الحر العاملي في " أمل الآمل " من كتبه ورسائله: 14 رسالة أقسام الأرضين، ولعلها هي الخراجية، و: 15 - رسالة صيغ العقود والايقاعات، و: 16 رسالة السجود على التربة (المشوية = المطبوخة ألفها في 11 ربيع الأول سنه 933 ه‍ في النجف ردا على الفاضل القطيفي) و: 17 رسالة الجنائز، و: 18 رسالة أحكام السلام، و: 19 النجمية (في الكلام)، و: 20 المنصورية. (ولعلها باسم الأمير غياث الدين منصور الشيرازي وزير الشاه طهماسب) و: 21 رسالة في تعريف الطهارة (3).

(1) رياض العلماء 3: 443، 444. (2) بحار الأنوار 1: 21. (3) أمل الآمل 1: 121.

[ 14 ]

وقال الأفندي في " رياض العلماء ": ومن مؤلفاته أيضا: كتاب.. 22 المطاعن المحرمية. نسبه إليه ولده الشيخ حسن في كتاب " عمدة المقال في كفر أهل الضلال " ونسبه إليه الشيخ المعاصر (لحر العاملي) في " الرسالة الاثنى عشرية في الرد على الصوفية " مع أنه لم يذكره في " أمل الآمل " وقال في تلك الرسالة: إن الشيخ علي هذا، أورد في ذلك الكتاب أخبارا كثيرة في الرد على الصوفية وذمهم وكفرهم، وذكر فيه أيضا وجوها عقلية متعددة في هذا المعنى. وله أيضا: 23 رسالة في العدالة. و: 24 رسالة في الغيبة. وجواب أسئلة كثيرة، واجازات كثيرة صغيرة وكبيرة، و: 25 الرسالة الحجية، نسبها إليه الصدر الكبير آميرزا رفيع الدين محمد في " رد شرعة التسمية " للسيد الداماد. وينقل عنها فيه. وقد رأيت نسخة منه مع شرح بعض علماء عصره عليها. وله أيضا: 26 حاشية على " تحرير الأحكام " للعلامة في الفقه. وينقل عنها الشيخ حسن في فروع " معالم الدين " وصرح بأنه مأخوذ منها في هوامش الكتاب. وأما رسالة الجمعة فهي داخلة في " شرح القواعد " على ما صرح نفسه به في بحث صلاة الجمعة من " شرح القواعد " وقال: " من أراد أن يفرزها فليفرزها فإنها رسالة برأسها في الحقيقة ". وأودع في تلك الرسالة القول بالوجوب التخييري في صلاة الجمعة في زمن الغيبة، ولكن مع وجود المجتهد الجامع الشرائط. وكان هو مقيمها لأنه نائب على القوم. وقال حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا في تاريخه بالفارسية (أحسن التواريخ): وله أيضا: 27 الرسالة الكرية. و: 28 - حاشية على " المختصر النافع " للمحقق كلتاهما لم تتما. و: 29 الرسالة في التعقيبات.

[ 15 ]

ثم قال الأفندي: والظاهر أن له أيضا: 30 حاشية كالشرح على اللمعة، على طريقة " قوله ". ونقل عن حسن بيگ روم لو: والشرح والحاشية على الارشاد. وعلق عليه يقول: الظاهر أن الحاشية في قوله " والشرح والحاشية على الارشاد " من باب العطف التفسيري، إذا لم أجد من مؤلفاته شرحا آخر على الارشاد سوى الحاشية عليه، ويحتمل أن يكون قد اشتبه عليه " شرح الارشاد " للشهيد الثاني فنسبه أيضا إلى الشيخ علي هذا. ثم كتب في تعليقته بخطه: أقول: الحاشية على الارشاد للشيخ علي، وشرح الارشاد لولده الشيخ عبد العالي (1). قاطعة اللجاج: لا يخفى أن المحقق الكركي (ره) نفسه قد عبر عن رسالته في مقدمتها بما هو نصه: " لما توالى على سمعي تصدي جماعة من المتسمين بسمة الصلاح وثلة من غوغاء الهمج الرعاء أتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر واستولى عليهم الشيطان، فحل منهم في سويداء الخاطر، لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء النهج القويم.. وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، وخفيت مواضع الحلال والحرام هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت الله تعالى وكتبت في تحقيق هذه المسألة " رسالة " ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، وأودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى بأن ذلك حلال لا شك فيه وطلق لا شبهة تعتريه على وجه بديع، تذعن

(1) رياض العلماء 3: 450 452.

[ 16 ]

له قلوب العلماء، ولا تمجه أسماع الفضلاء، واعتمدت في ذلك أن ابين في هذه المسألة التي أفل بدرها وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض جاهل، فإن لنا بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الاقاويل ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة " لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كل غليل " (1). وقد رد هذه الرسالة الفاضل القطيفي - رحمه الله - الذي هو أحد تلامذة المحقق الكركي قدس سره - سماها ب‍ " السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ". والعلامة الطهراني إذ يؤرخ المحقق الكركي من تأليفه رسالته الخراجية بسنة 916 ه‍ (2) يؤرخ فراغ الفاضل القطيفي من تأليفه رسالته الردية " السراج الوهاج " بسنة 924 ه‍ (3) فالفاصل بينهما ثمان سنين، وكجواب عن هذه الفترة الفاصلة قال القطيفي: " ولم أكن ظفرت بها منذ ألفها إلا مرة واحدة في بلد " سمنان " وما تأملتها إلا كجلسة العجلان، وأشار إلى من تجب طاعته (؟) بنقضها ليتخلق من رآها برفضها، فاعتذرت، وما بلغت (حينئذ) منها حقيقة تعريضه بل تصريحه بأنواع الشنع، فلما تأملته الآن.. مع علمي بأن ما فيها أوهى من نسج العناكب، فدمع الشريعة على ما فيها من مضادها ساكب، وهو مع ذلك لا يألو جهدا بأنواع التعريض بل التصريح.. فاستخرت الله على نقضها وإبانة ما فيها من الخلل والزلل، ليعرف أرباب النظر الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه، فخرج الأمر بذلك، فامتثلت.. " (4). أما قبل هذا فقد كان الفاضل القطيفي من تلامذته والمستجيزين منه الحديث

(1) مقدمة الكتاب. (2) الذريعة 17: 7 عن نسخة رآها في مكتبة المجلس بطهران. (3) الذريعة 12: 164 ولا يذكر مصدره. (4) مقدمة السراج الوهاج للقطيفي.

[ 17 ]

كما مر عن صاحب " الحدائق " (1) ولذلك قال فيه: " والعجب أنه مع كونه يروي عن الشيخ علي الكركي كانت له معه معارضات ومناقضات.. وقد وقعت بيدي رسالة من رسائله سماها ب‍ " الرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية " ذكر في صدر الرسالة المذكورة ما اتفق له مع الشيخ علي في سفره معه للمشهد المقدس الرضوي، من المسائل التي نسبه فيها إلى الخطأ.. ". وذكر فيها " أني دخلت يوما إلى ضريح الرضا عليه السلام فوجدته (الكركي) هناك فجلست معه، فاتفق حضور بقية العلماء الوارثين وزبدة العلماء الراسخين جمال الملة والدين (؟) فابتدأ بحضوره معترضا علي: لم لم تقبل جائزة الحكام؟! فقلت: لأن التعرض لها مكروه. فقال: بل واجب أو مستحب. فطالبته بالدليل. فاحتج بفعل الحسن عليه السلام مع معاوية وقال: إن التأسي إما واجب أو مندوب، على اختلاف المذهبين. فأجبته عن ذلك واستشهدت بقول الشهيد " رحمه الله تعالى " في " الدروس ": " ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل، ولا يعارض ذلك أخذ الحسن عليه السلام جوائز معاوية، لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة " (2). فمنع أولا كون ذلك في " الدروس " ثم التزم بالمرجوحية. وعاهد الله تعالى هناك أن يقصر كلامه على قصد الاستفادة بالسؤال والافادة بالجواب. ثم فارقته قاصدا إلى المشهد الغروي على أحسن الحال. فلما وصلت تواترت الأخبار عنه من الثقات وغيرهم بما لا يليق بالذكر، إلى أن انتهى الأمر إلى دعواه العلم ونفيه عن غيره. فبذلت وسعي بجميع أنواع الملاطفة

(1) لؤلؤة البحرين: 159. (2) لم نجده في مظانه في الدروس.

[ 18 ]

في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث والمذاكرة، فأبى.. ". وذكر في آخر الرسالة ما صورته: " وإذا فرغت من هذه فأنا مشتغل بنقض رسالته " الخراجية " وكشف لبس ما رتبه فيها من المباحث الاقناعية، وهو مما يقضى منه العجب العجيب، كما لا يخفى ذلك على الموفق الاريب " (1). التحدي بالمناظرة: أما قوله: " فبذلت وسعي بجميع أنواع الملاطفة في (طلب) رضاه بالاجتماع للبحث والمذاكرة، فأبى ". فقد نقله المولى عبد الله الاصفهاني في " رياض العلماء " عن حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية " أحسن التواريخ " ما معناه: إن الشيخ إبراهيم القطيفي لما خاصم الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة الله الحلي - الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي - رجع عنه واتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر: كما لمولى حسين الأردبيلي، والمولى حسين القاضي مسافر وغيرهم ممن كان بينهم وبين الشيخ علي كدورة. ودافع الأمير نعمة الله الحلي مع الجماعة العلماء دافعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة، ووعده ذلك الجمع من العلماء أن يعاونوه في البحث في المجلس، وكان يعاونهم في ذلك جماعة من الأمراء أيضا، عداوة للشيخ علي (!) ولكن لم يتفق هذا المقصود ولم ينعقد ذلك أصلا (2). السعي عليه عند السلطان: ونقل المولى عبد الله الاصفهاني في " رياض العلماء " عن حسن بيگ روم لو المعاصر للشيخ علي الكركي هذا، في تاريخه بالفارسية: " أحسن التواريخ " ما معناه:

(1) لؤلؤة البحرين: 161 163. (2) رياض العلماء 3: 452.

[ 19 ]

وكان من غرائب الأمور أن كتب بعض الاشرار مكتوبا مشتملا على أنواع الكذب والبهتان بالنسبة إلى الشيخ علي، ورماه إلى دار السلطان الشاه طهماسب في " صاحب آباد " من " تبريز " بجنب الزاوية النصرية، نسب إليه " قدس سره " أنواعا من المناهي والفسوق، بخط مجهول لايعرف كاتبه. فاجتهد السلطان وبالغ في استعلام الكاتب حتى ظهر أن الأمير نعمة الله المشار إليه كان له اطلاع على ذلك المكتوب، فانجر الأمر إلى أن أمر السلطان المشار إليه بنفي الأمير نعمة الله من بلد (الحلة) إلى بغداد (1). وكان من جملة الكرامات التي ظهرت في شأن الشيخ علي: أن محمود بيگ المهردار (صاحب الخاتم) كان من أشد أعداء الشيخ علي وألد خصامه. وفي يوم جمعة في وقت العصر في ميدان " صاحب آباد " في " تبريز " كان يلاعب بالصولجان في حضرة ذلك السلطان. قال الأفندي: ورأيت في بعض التواريخ الفارسية المؤلفة في ذلك العصر أيضا: أن محمود بيگ المخذول المذكور كان قد أضمر في خاطره أنه بعد ما يفرغ السلطان من لعب الصولجان يذهب إلى بيت الشيخ علي ويقتله بسيفه في ذلك الوقت بعينه. وكان قد تآمر في ذلك مع جماعة من الأمراء المعادين للشيخ علي. وكان الشيخ علي في ذلك الوقت مشغولا بقراءة " دعاء السيفي " و " دعاء الانتصاف للمظلوم من الظالم " المنسوب إلى الحسين عليه السلام، وكان على لسانه منه قوله: " قرب أجله وأيتم ولده ".. وفرغ محمود بيگ من تلك اللعبة وتوجه إلى جانب بيت الشيخ علي، فذهبت يد فرسه في بئر كانت في عرض الطريق فطاح هو وفرسه في ذلك البئر واندق عنقه وانكسر رأسه واضمحل ومات من ساعته! (2). قال الأفندي: ورأيت ما معناه: حاول الشيخ علي الكركي هذا أن يعين قبلة بلدان إيران ويقومها، وكان يسكن شيراز السيد الأمير غياث الدين منصور (الحسيني)

(1) و (2) أحسن التواريخ: 12: 253 256.

[ 20 ]

فساءه ذلك واغتاظ أن يرتكب أحد غيره ذلك فيتدخل في الأمور الدينية المتعلقة بالبلد الذي هو فيه، إذ كان تشخيص الشيخ علي قبلة شيراز تجهيلا للامير غياث الدين منصور في الحقيقة، فلذلك امتنع ومنع ولم يمكنه من ذلك وقال: إن تعيين القبلة منوط بالدائرة الهندية، وهي متعلقة بأرباب علم الرياضي لا بالفقهاء. فلما بلغ هذا المنع إلى إلى الشيخ علي كتب هذه الآية وأرسلها إليه: " سيقول السفهاء من الناس: وما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟! قل: لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " (1) فلما وصل هذا إلى الأمير غياث الدين كتب إليه بهذه الآية: " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين " (2). وصار الأمير غياث الدين منصور صدرا (رئيس الوزراء) وكانت تبعة الشيخ علي من الاعراب يقومون بحل الأمور الشرعية وفصلها من غير تقيد بخطابات ديوان الصدارة (ديوان رئاسة الوزراء) وأمثلته، فقويت العداوة والنزاع بينهما شيئا فشيئا حتى آل الأمر إلى المناقشة في مجلس السلطان، ورجح السلطان جانب الشيخ علي (!) وعزل الأمير غياث الدين منصور عن الصدارة (رئاسة الوزراء) ولكن قلده الشرعيات في كل بلاد فارس (شيراز) وجعله مستقلا في عزل القضاة والمتصدين للشرعيات ونصبهم بتلك البلاد وكتب إليه بذلك أحكاما مشتملة على الشفقة والعناية وأرسلها إليه مع خلاع فاخرة (3). وللشيخ حسين بن عبد الصمد الحارث الهمداني العاملي الجبعي (ت 984)

(1) سورة البقرة: 142. (2) سورة البقرة: 145. (3) رياض العلماء 3: 454 وكان لقب الأمير مما اصطلح به الصفويون على السادة الهاشميين، كما اصطلحوا بالأمير زاده ومخففه الميرزا علي الهاشمي من قبل أمه. فالأمير غياث الدين منصور حسيني زيدي: وهو الجد الأعلى للسيد علي خان المدني الشيرازي صاحب شرح الصحيفة والدرجات الرفيعة، كما ذكر ذلك في سلسلة نسبه في كتابه الآخر: سلوة الغريب وأسوة الأديب، وعته في مقدمة بحر العلوم للدرجات الرفيعة: 3 وهو صاحب المدرسة المنصورية في شيراز.

[ 21 ]

والد شيخنا البهائي رسالة سماها " تحفة أهل الايمان في قبلة عراق العجم وخراسان " رد فيها على الشيخ علي بن عبد العالي العاملي الكركي، حيث غير محاريب كثيرة إذ أمرهم أن يجعلوا الجدي بين الكتفين، مع أن طول تلك البلاد يزيد على طول مكة كثيرا وكذا عرضها، فيلزم انحرافهم عن الجنوب إلى المغرب كثيرا، ففي بعضها كالمشهد بقدر نصف المسافة: خمس وأربعين درجة، وفي بعضها أقل (1). نيابة السلطان عنه؟ نقل صاحب " الحدائق " في كتابه " لؤلؤة البحرين " عن السيد نعمة الله الجزائري في صدر كتابه " شرح غوالي اللئالي " قال: لما قدم الشيخ علي بن عبد العالي " عطر الله مرقده " إصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل الشاه طهماسب " أنار الله برهانه " مكنه من الملك والسلطان وقال له: أنت أحق بالملك لانك النائب عن الإمام عليه السلام، وإنما أكون من عمالك، أقوم بأوامرك ونواهيك. قال: ورأيت للشيخ أحكاما ورسائل إلى الممالك الشاهية إلى عمالها وأهل الاختيار فيها تتضمن قوانين العدل وكيفية سلوك العمال مع الرعية في أخذ الخراج وكميته ومقدار مدته. والأمر لهم بإخراج العلماء من المخالفين لئلا يضلوا الموافقين لهم والمخالفين. وأمر بأن يقرر في كل بلد وقرية إماما يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الذين. والشاه يكتب إلى أولئك العمال بامتثال أوامر الشيخ وأنه الأصل في تلك الأوامر والنواهي (2). نادرة طريفة: حكى صاحب " روضات الجنات " عن " حدائق المقربين " بالفارسية

(1) أمل الآمل 1: 75. (2) لؤلؤة البحرين: 153.

[ 22 ]

ما معناه: ورد سفير مقرب من جهة سلطان الروم (الخلافة التركية العثمانية) على السلطان الشاه طهماسب. فاتفق أن اجتمع به يوما جناب شيخنا المعظم في مجلس الملك، فلما عرفه السفير المذكور أراد أن يفتح عليه باب الجدل فقال: يا شيخ، إن مادة تاريخ اختراع طريقتكم هذه " مذهب ناحق " أي: مذهب غير حق، وفيه إشارة إلى بطلان هذه الطريقة كما لا يخفى. فألهم جناب الشيخ في جواب ذلك الرجل بأن قال بديهة وارتجالا: بل نحن قوم من العرب وألسنتنا تجري على لغتهم لاعلى لغة العجم، وعليه فمتى أضفت المذهب إلى ضمير المتكلم يصير الكلام: " مذهبنا حق " فبهت الذي كفر وبقي كأنما القم الحجر (1). وفاته: ذكره السيد مصطفى التفرشي في هامش " نقد الرجال " فقال: مات رحمه الله في شهر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة (2). ونقل الأفندي في " رياض العلماء " عن رسالة لبعض أفاضل تلامذة الشيخ الكركي في ذكر اسامي مشايخه قال: مات رحمه الله تعالى بالغري من نجف الكوفة سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، وله من العمر ما ينيف على السبعين سنة (3). وكأن الشيخ الحر اعتمد عليه فقال في " أمل الآمل ": وكانت وفاته سنة 937 وقد زاد عمره على السبعين (4). ولكن الأفندي نقل عن " تاريخ جهان آرا ": أنه مات في مشهد علي عليه السلام في ثامن عشر ذي الحجة، وهو يوم الغدير، سنة أربعين وتسعمائة، في زمن السلطان

(1) روضات الجنات 4: 362. (2) نقد الرجال: 238. (3) رياض العلماء 3: 444. (4) أمل الآمل 1: 122.

[ 23 ]

الشاه طهماسب المذكور، وقيل في تاريخه: " مقتداى شيعه " (1). ونقل عن حسن بيگ روم لو في تاريخه بالفارسية: " أحسن التواريخ " قال: إن الشيخ علي بن عبد العالي المجتهد قد توفي في يوم السبت الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة أربعين وتسعمائة، بعد مضي عشر سنين من جملة أيام دولة السلطان الشاه طهماسب المذكور، وكانت جملة " مقتداى شيعه " تاريخ وفاته (2). وقد صرح حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي في بعض رسائله: بأن الشيخ علي هذا صار شهيدا (3) بالسم المستند إلى فعل بعض أمناء الدولة (4). وقال ابن العودي: توفي مسموما ثاني عشر ذي الحجة سنة 945 وهو في الغري على مشرفه السلام (5) ولذلك ترجم له العلامة الاميني في " شهداء الفضيلة " (6). وقد كان " قدس سره " من أزهد أهل عصره، حتى أنه أوصى بقضاء جميع صلواته وصيامه، وبقضاء حجة الاسلام مع أنه كان قد حج (7). فالسلام عليه يوم ولد ويوم قتل مسموما ويوم يبعث حيا. محمد هادي اليوسفي الغروي 22 / 11 / 1410 ه‍. ق قم المشرفة

(1) رياض العلماء 3: 448. (2) رياض العلماء 3: 451. (3) رياض العلماء 3: 442. (4) روضات الجنات 4: 374 عن أحسن التواريخ 12: 256. (5) الدر المنثور 2: 160. (6) شهداء الفضيلة: 108. (7) رياض العلماء 3: 445.

[ 24 ]

تقديم بقلم الدكتور محمود البستاني تظل الأرض بصفتها ظاهرة اقتصادية ملحة، كما هو معروف من أهم الظواهر الفقهية التي توفر عليها الباحثون قديما وحديثا ويجئ الخراج وهو نوع من الضريبة أو الأجرة أو المقاسمة، على زراعة الأرض في مقدمة الأبحاث التي حفل بها النشاط الفقهي في الميزان المذكور، بحيث دفعت أكثر من فقيه إلى أن ينهض بدراسة مستقلة للظاهرة المتقدمة. مضافا إلى الحقل الذي ينتظمها في الدراسات التي تتناول - عادة سائر أبواب الفقه. وبالرغم من أن المسائل الخلافية التي تتفاوت وجهات النظر حيالها، تظل سمة واضحة في الحقل الفقهي بعامة، إلا أن ظاهرة الخراج (بما تواكبها من صلات بطبيعة " الأرض " وأقسامها المفتوحة عسكريا بخاصة وما يترتب على ذلك من تصرفات مختلفة حيالها، من حيث المشروعية وعدمها) تبقى أشد إلحاحا من سواها من حيث ضرورة التوفر على دراستها وتحديد مختلف الجوانب المتصلة بها. لقد اكتسبت الأرض زمن التشريع بعدا خاصا يتصل بالفتوحات التي شهدها صدر الاسلام، وانسحاب ذلك على مختلف أنواع الأرض، من حيث التكييف الشرعي لها، وامتداد هذا التكييف إلى نمط تعاملنا مع الأرض وخراجها. إن الأرض تبعا للتقسيم الفقهي الموروث تندرج ضمن الانماط التالية: 1 أرض العنوة (أي: الأرض التي فتحت من خلال الغزو العسكري). 2 أرض الطوع (أي: الأرض التي أسلم عليها أهلها طواعية). 3 أرض الصلح (أي: الأرض التي تخص الكتابيين، ممن احتفظ بموقفه

[ 25 ]

الفكري، وصولح على إبقاء الأرض له قبال " الجزية ". 4 أرض الأنفال (أي الأرض التي تخص الإمام أو الدولة، مما فتحت إما بغير الغزو العسكري، أو مطلق الأرض التي لا صاحب لها بغض النظر عن شكلها الذي ينسب إليه (عنوة أو غيره)، ميتة كانت أو عامرة بالأصالة. والملاحظ: أن اختلاف وجهات النظر بطبع كل الأقسام المتقدمة بحيث لا يكاد الدارس يقف على شاطئ محدد في هذا الصدد، سواء أكان الأمر متصلا بتحديد نمط الأرض وفرز ما هو مفتوح منها عنوة أو صلحا أو طواعية (من حيث البعد التاريخي لها)، أو ما كان متصلا بإمكانية تملكها ببيع أو إرث نحو هما في بعض الانواع منها، أو انحصار ذلك في نطاق " الحق " دون " الملك "، أو ما كان متصلا بأداء الخراج أو سقوطه.. الخ. إن أمثلة هذا التفاوت في وجهات النظر، ليس من السهل تجاوزها، ما دام الأمر متصلا بمشروعية تعاملنا مع الأرض أو عدم مشروعية ذلك، وهو أمر يتطلب مزيدا من التوفر على الدراسات المتصلة بهذا الحقل. أول ما يطالعنا في هذا الصدد كما أشرنا هو: فرز نمط الأرض وتحديد المفتوح منها " عنوة " عن سواه. وأهمية هذا الفرز تتمثل في أن المفتوح عنوة ملك للمسلمين، لا يسمح لأحد أن يتصرف فيها بعمارة أو بيع أو شراء إلا بإذن الإمام أو الدولة حيث يقبلها إلى من يستثمرها حسب ما تتطلبه المصلحة من التقبيل بالنصف أو الثلث أو الثلثين.. الخ. وهذا الحكم كما نعرف جميعا موضع وفاق، نصا وفتوى، بيد أن المشكلة تكمن في تحديد هذا النمط من الأرض، وفي تحديد أجزاء البلد الواحد نفسه، كما لو كان البعض منها عنوة دون البعض الآخر، وكما لو كان البعض منها حيا والآخر مواتا. إن المؤرخين أو الفقهاء الذين أرخوا قديما لهذا الجانب لا تكاد تتفق كلمتهم على تحديد ثابت في هذا الصدد.

[ 26 ]

وحيال هذا لا يمكن حسم المشكلة، كما هو واضح. فالعراق على سبيل المثال بالرغم من كونه موضع وفاق على فتحه عنوة، وإلى أن أربعة مواضع منه قد صولح عليها فحسب، إلا أن تحديد عامره وفرزه عن مواته لا يمكن أن نتثبت منه تاريخيا. مضافا إلى ذلك، فإن فتحه (وفقا للمعيار الذي يميز بين المفتوح بإذن الإمام فيصبح لجميع المسلمين، والمفتوح بغير إذنه فيصبح للامام خاصة) يظل موضع خلاف أيضا. وأيا كان الأمر، فإن الباحث يعنيه خارجا عما لحظناه أن يقف على واحدة من وجهات النظر الفقهية المتصلة بالأرض وخراجها وسائر الظواهر المرتبطة بهما، متمثلة في ما كتبه الفقيه المعروف (الكركي = المحقق الثاني) في رسالته التي أسماها ب‍ (قاطعة اللجاج..) حيث يمكننا أن نلحظ من طبيعة عنوانها قضية التفاوت بين وجهات النظر التي حاول المؤلف أن (يقطع) من خلالها بوجهة نظر تحسم الموقف، عبر تصوراته التي طرحها في الكتاب المذكور. وفي مقدمة ذلك: اصطناع الفارق بين البيع في نطاق رقبة الأرض، والبيع في نطاق الحق أو الآثار للمساحات المفتوحة عنوة، أو ما يطلق عليها أحيانا بالأرض الخراجية مع ملاحظة أن أرض الصلح يطلق عليها نفس التسمية عند بعض الكتاب (أي ملاحظة الخراج بمعنى الجزية)، كما أن بعضهم يطلق نفس التسمية لأراضي الدولة التي تؤجر ويضرب الخراج عليها، بل مطلق ما يفرض من الضرائب حسب الاستخدام اللغوي لها. المهم، أن المؤلف (ومثله صف كبير من الفقهاء) حسم الموقف في اصطناعه الفارق بين بيع (الرقبة) فيما لا يجوز ذلك، وبين بيع (الحق) فيما يسمح به. وفي تصورنا أن وجهة نظر المؤلف صائبة في هذا الصدد ما دام الدليل الفقهي يسعفنا في ذلك، من نحو رواية أبي بردة، " يشتري حقه منها " فيما دلت بوضوح على جواز اشتراء الحق، بملاحظة أن رقبة الأرض للمسلمين جميعا، وإلى أن عمارتها تكسب المشتري حقا، ما دام قائما بمراعاة ذلك، وبضمنه تأدية الخراج. ويبدو أن الأرض الخراجية كانت عصرئذ مقترنة بنمط من الهوان

[ 27 ]

الاجتماعي، بخاصة عند " العامة " حيث نلحظ تصورات معينة لديهم، تقترن حينا بأرض " الجزية " التي تشكل هوانا لمن يشتريها، وحينا ثانيا بكونها ملكا عاما للمسلمين لا يجوز أن يشتريها أحد إلا بمقدار ما يقتات به، وحينا ثالثا بأن التزام المشتري بالخراج إقرار بالهوان وإلى أن إسقاطه أكل لأموال المسلمين.. الخ. ولا يبعد إنسحاب هذه الكراهة على المناخ الاجتماعي عصرئذ، ولذلك نلحظ في رواية أبي شريح: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الأرض من أهل الخراج، فكرههه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين، فقالوا له: إنه يشتريها الرجل وعليه خراجها، فقال عليه السلام: لا بأس إلا أن يستحي من عيب ذلك "، فإشارته عليه السلام إلى " العيب " لا يبعد أن يكون تلويحا إلى المناخ الاجتماعي الذي قرن شراء الأرض الخراجية بالهوان الذي أشرنا إليه. ومن الممكن أن تقترن الكراهة الاجتماعية بالكراهة الفردية أيضا، تنزها عن الشبهات، وهذا ما يمكن أن نلحظه في رواية عبد الله بن سنان عن أبيه: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن لي أرض خراج وقد ضقت بها أفأدعها؟ قال: فسكت عني هنيئة، ثم قال: إن قائمنا عليه السلام لو قام كان يصيد بك من الأرض أكثر منها "، فقد أعلن المشار إليه بأنه قد ضاق بالأرض الخراجية التي بحوزته، تعبيرا عن الشبهة التي ألمت به حيال الأرض المذكورة. على أية حال، فإن شراء الحق دون " الرقبة " يظل أمرا لا غبار عليه في ضوء النص الذي لحظناه، والنصوص الأخرى التي تتحدث عن الشراء مطلقا مثل رواية الحلبي: " إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين "، ورواية ابن شريح المتقدمة: " يشتريها الرجل وعليها خراجها؟ فقال: لا بأس ".. الخ. بيد أن الشراء المذكور قد اقترن كما لحظنا بضرورة تأدية الخراج بصفة حقا للمسلمين. وهذا ما يستجرنا إلى التساؤل عن كيفية أدائه في زمن الغيبة. أما زمن الحضور فلا معنى لإشارته الآن ما دام عمليا لا فاعلية لمثل هذا التساؤل. ويعنينا موقف " المؤلف " في هذا الصدد. يقول الكاتب تحت عنوان (في حل الخراج..):

[ 28 ]

" وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولا إلى نظره عليه السلام، لا يقتضي تحريمه حال الغيبة لبقاء الحق ووجود المستحق مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار، وتطابق كلام أجلة الأصحاب ومتقدمي السلف ومتأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت عليهم السلام في تناول ذلك حال الغيبة. فإذا انضم إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة.. ". نستخلص من هذا الكلام أن الكاتب لا يجد مانعا من تقبيل الأرض ودفع خراجها بالنسبة إلى الجائر، مادامت الأموال الخراجية تصرف في مصالح الشعب، ومنهم: الطائفة المحقة، بصفة أن لكل أحد منها حقا في بيت المال، بالنحو الذي أو ضحته إحدى الروايات التي سردها المؤلف لتعزيز وجهة نظره: " إما علم أن لك في بيت المال نصيبا ". والجدير بالذكر، أن الكاتب قد ارتكن في دعم وجهة نظره المذكورة إلى مجموعة من النصوص التي تتحدث عن الشراء الطعام وغيره من الجائر أو قبول جوائزه فيما تصلح دليلا على جواز " الأخذ " لا " الدفع " الذي حاول التدليل عليه. والحق، أن ظاهرة التقبيل وما تتطلبه من الخراج، قد تكفلت ببيان مشروعيته طائفة من النصوص من نحو: " لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان "، ونحو: " ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان.. قال: لا بأس " الخ. ومن البين أن تقبل الأرض من السلطان يستتلي دفع الخراج إليه أيضا. إلا أن ذلك يكتسب مشروعيته في حالة انحصار الأمر في السلطة الجائرة. أما في حالة إمكان التعامل مع سلطة مشروعة أو فقيه مبسوط اليد، كما أشار المؤلف إلى ذلك حينئذ أو حتى إمكان التخلص من الدفع، وذلك بإيصاله بنفسه إلى المستحقين، أو لصالح العامة، حينئذ ينتفي المسوغ لدفعه إلى الجائر، كما هو واضح. هذا كله فيما يتصل بالأرض الحية. * * *

[ 29 ]

ولكن ماذا عن الأرض الميتة؟ يقرر المؤلف بأن الأرض الميتة من المفتوح عنوة للامام، وإلى أنه مسموح لاي فرد أن يحييها زمن الغيبة. أما أنها للامام فلكونها من " الأنفال " التي يندرج الموات ضمنها، وأما السماح للفرد بإحيائها فلنصوص: " من أحيا.. " وأما سقوط الاذن في زمن الغيبة فلأخبار الإباحة. كما ألمح الكاتب عبر حديثه عن الأنفال إلى ظاهرة الخراج الذي يفرضه الجائر، موضحا إلى أنه لا يبعد إلحاق هذا النمط من الأرض بما يؤخذ من الأرض المفتوحة عنوة، كما ألمح مترددا إلى احتمال الجواز لمن استجمع صفات النيابة في جباية الخراج المذكور. ويلاحظ على المؤلف أنه لم يلق الأضواء الكاملة على ظاهرة الأرض الموات بالنحو الذي تتطلبه المعاجلة لهذا الجانب: من تفصيل لأشكالها ومن تعزيز بأدلة محددة لوجهة نظره، بل اكتفى بفقرات عابرة بالاشارة إلى تملك المحي لموات الأرض المفتوحة عنوة، دون أن يحدد موقع التملك من أنه في صعيد الرقبة أو الحق، ودون أن يحدد موقع ذلك من الاحياء البدائي أو المتجدد. علما بأن النصوص الواردة في هذا الصدد، بين نص يطالب بتأدية الخراج وآخر بتأدية الحق لصاحبها، وثالث ينفي أي حق لمحييها السابق، ورابع مطلق لا تفصيل فيه. * * * وأيا كان الأمر، يتعين على الدارس لرسالة المؤلف الخراجية أن يقف عند لغتها، ومنهجها، ومادتها، بغية التعرف على طابعها العام في هذا الصدد. أما لغتها، فتتميز بالوضوح واليسر اللذين يتطلبهما البحث الفقهي وسائر البحوث الاسلامية ما دام الهدف من الكتابة هو إيصال الافكار إلى الآخرين وليس التصنع اللغوي الجاف. كما تتميز لغته وهذا ما يمنحها مزيدا من القيمة بالابتعاد عن الحشو (الأصولي) الذي لا حاجة إلى إقحامه في بحوث فقهية، الهدف منها تجلية ما غمض من الأدلة، وليس تضبيبه بمزيد من اللغة الأصولية، التي عفا

[ 30 ]

عليها الزمن، وبخاصة: إنها لا تلقي أية إنارة جديدة على البحث بقدر ما تصطنع مجموعة من المصطلحات التي يمكن استبدالها باللغة المألوفة التي يتمثلها القارئ الاعتيادي، وبذلك يتم تحقيق الهدف العبادي من ممارسة البحث الفقهي. المهم، أن الكاتب، أتيح له أن يتجنب مزالق اللغة التي أشرنا إليها، وأن يتوفر على تأدية اللغة بنحوها المطلوب. * * * أما من حيث المنهج فيبدو أن المؤلف قد التزم طابع عصره من تبويب رسالته وفق تمهيد ومقدمات خمس بمثابة فصول ومقالة كان من الممكن أن تشكل مقدمة سادسة -، وخاتمة بمثابة ملاحق، فضلا عن تضمينها مسائل داخل المقدمات - بمثابة حقول تنتظم جوانب الفصل. المقدمة الأولى: تناولت أقسام الأرضين، والثانية: الأرض المفتوحة عنوة، والثالثة: أرض الأنفال، والرابعة: تحديد المفتوحة عنوة (تاريخيا)، والخامسة: تحديد دلالة الخراج. وأما المقالة فقد تناولت الخراج من حيث مشروعيته زمن الغيبة. أما الخاتمة فتناولت مسائل متفرقة عن الخراج. في ضوء الخطوط التي لحظناها في التبويب المذكور يمكننا بوضوح أن نتبين هدف الكاتب من رسالته، متمثلا في تشدده على الأرض المفتوحة عنوة - بما في ذلك مواتها وصلة الخراج بمختلف الجوانب المرتبطة بالأرض المتقدمة وبسواها، وهو ما يستق مع عنوان الرسالة التي كتبها، دون أن يتحدث تفصيلا عن أنماط أخرى من الأرض التي تظل علاقتها بالهدف الذي يشدد عليه، ودون أن يتحدث عن الظواهر الجانبية التي تتصل ببحوث الأرض بشكل عام، من معادن ومياه وسواهما مما اعتيد تناولها في غالبية البحوث. ويبدو أن تشدد المؤلف على الأرض المفتوحة عنوة بما يواكبها من ظاهرة الخراج، وبما تستتبعه من تعامل مع السلطة الزمنية، يظل على صلة بطابع العصر أو الحقبة الزمنية التي شهدت نوعا من الاهتمام الخاص بأمثلة هذا التعامل مع الأرض

[ 31 ]

والسلطة، تقبلا أو إنكارا، وبخاصة أن المؤلف كما يقول مؤرخوه كان يحتل موقعا علميا ضخما إلى الدرجة التي اجتذب بها أنظار السلطة، فمنحته تقديرا يتناسب مع موقعه العلمي، وهو أمر قد يجابه بردود من الفعل قائمة على التساؤل عن مسوغات التعامل مع سلطة أو أرض من الممكن أن يثار التشكيك حيالهما. وقد ألمح المؤلف نفسه (في تمهيده لرسالته الخراجية التي نتحدث عنها) إلى بعض المشكلات التي أثيرت حول الأرض والسلطة في هذا الصدد، كما ألمح في تضاعيف رسالته إلى ذلك. ويمكننا مضافا إلى ما تقدم أن نلحظ أصداء المشكلة ذاتها في بعض الكتابات الفقهية التي ألفت للرد على رسالة المؤلف. وأيا كان الأمر، فإن هدفنا من الاشارة العابرة إلى هذا الجانب، هو أن نصل بين عنوان رسالته وبين المناخ الاجتماعي الذي اكتنف ذلك. وأخيرا، ونحن نتحدث عن منهج الكاتب، ينبغي أن نشير إلى أن معالجته للظواهر الفقهية التي طرحها في رسالته، تظل على صلة بالمناخ العلمي الذي طبع غالبية العصور الموروثة، وهو تصدير الظاهرة الفقهية المبحوث عنها بكتابات الطوسي بخاصة، فيما احتل دون سواه موقعا لافتا للنظر، حتى أن المؤلف يكتفي حينا بتقديم ما كتبه الفقيه المذكور لاحدى المسائل، مقتصرا على ذلك في التدليل على هذه الوجهة من النظر التي يطرحها أو تلك، دون أن يشفعها بأي تدليل آخر. كما أن كلا من العلامة والشهيد الأول يأخذان نصيبا كبيرا من ذلك. أما أدوات الممارسة الفقهية التي يستخدمها في حقلي الأصول والتحقيق، فتتسم أولاهما كما سبقت الاشارة - بالاهمال التام لها لانتفاء فاعليتها في الممارسة، وأما الأخرى فإن للكاتب قناعته بجملة من المبادئ المتمثلة في الرواية المنجبرة بعمل الأصحاب، والتفكيك بين أجزاء الرواية، مما تعفيه من عناء الممارسة التي تستجرها مشكلات الرواية. ولنقرأ بعض تعقيباته على الخبر الضعيف: " الخبر الضعيف الاسناد إذا انجبر بقبول الأصحاب وعملهم، ارتقى إلى مرتبة الصحيح ". ومثله تعقيبه على مرسلة حماد المعروفة، مضافا إلى ظاهرة (التفكيك):

[ 32 ]

" وهذا الحديث وإن كان من المراسيل إلا أن الأصحاب تلقوه بالقبول.. بقي شئ وهو أنه تضمن وجوب الزكاة قبل حق الأرض، وبعد ذلك يؤخذ حق الأرض، والمشهور بين الأصحاب أن الزكاة بعد المؤن ". وعقب على مرسلة الوراق: " مضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب، مع كونها مرسلة، وجهالة بعض رجال أسنادها وعدم إمكان التمسك بظاهرها ". ويوضح في تعقيب آخر مسوغات العمل أساسا: " أخبار الآحاد بين محققي الأصحاب والمحصلين منهم إنما يكون حجة إذا انضم إليها من المتابعات والشواهد وقرائن الأحوال ما يدل على صدقها ". ومن البين أن مجرد العمل بالرواية لا يولد يقينا بوثاقتها وإلا لانتفت عملية البحث عن الاسناد وتعطلت أية فاعلية جديدة في تحقيقها، مع أن عملية تحقيق النص وتصحيح نسبته إلى قائله يظل في مقدمة البحوث العلمية الموروثة بخاصة وهو أمر تتوفر عليه كل الأبحاث الحديثة، أيا كان نمط المعرفة التي يتناولها البحث. وتبعا لذلك، فإن القناعة الشخصية، لا عمل الأصحاب خلافا لرأي المؤلف هو الذي يكسب النص قيمته الحقيقية. وعلى سبيل المثال، فإن مرسلة حماد المذكورة من الممكن أن يمنحها الباحث نمطا من الاعتبار لقناعته بأن الراوي المذكور لا يرسل إلا عن ثقة، لا لأن الفقهاء عملوا بنصوصه المرسلة، أو لأنه من أصحاب الاجماع، على صحة روايته عن المجهولين تبعا لما يقرره الاقدمون، بل لأن الباحث نفسه ينبغي أن تتكون لديه قناعة شخصية بذلك. وأما فيما يتصل بتفكيك أجزاء الرواية والعمل ببعضها دون الآخر، فإن النص لا يخلو إما من توفر نصوص مماثلة للجزء المعمول به في الرواية أو انفرادها بذلك.

[ 33 ]

ففي الحالة الأولى لا تمكن أية قيمة ذات بال في الارتكان لهذا الجزء مادامت النصوص المعتبرة الأخرى تتكفل بتقديم الدليل. وحينئذ تنحصر قيمة هذا الجزء بكونه مجرد تعزيز للدليل لا أكثر. أما في الحالة الثانية فمن الصعب أن تتم القناعة بجزء لا شاهد له من النصوص الأخرى فضلا عن أن الجزء الآخر شاذ أساسا إلا إذا افترضنا إمكانية تساوقه مع الدليل العقلي، وهو أمر بصعب الركون إليه. على اية حال، فإن للمؤلف قناعته الخاصة في المعيارين اللذين تقدم الحديث عنهما، فيما يعيننا من ذلك أن نشير إلى انسحاب وجهة نظره المذكورة على طبيعة ممارسته الفقهية، حيث لحظنا مدى انسحاب ذلك على رسالته التي أعفته من الدخول في مشكلات الرواية وتحقيقها. ومثلما قلنا، فإن هذا الجانب المتصل بتحقيق النص، إذا كان لنا أن نناقش الكاتب فيه، فإننا على عكس ذلك، لا تعقيب لنا على اختزاله للأداة الأصولية - وهي الاداة الأخرى من ممارساته فيما أشرنا إلى عدم ضرورتها، ما دام الهدف هو تحلية ما غمض من الأدلة، وليس تغميض ما هو واضح منها. * * * وبعامة، فإن " الرسالة " التي توفر عليها الكاتب، تظل مستجمعة لهدف البحث وهو " الخراج " وما يتصل به من ظواهر مرتبطة بمشروعيته زمن الغيبة بطبيعة الحال. (وإلا فإن زمن الحضور على تفصيل بين بسط اليد وعدمه لا فائدة من معالجته الآن). وقد نجح المؤلف في عرض وجهة نظره والتدليل عليها بالشكل الذي يتطلبه البحث. ولكن ما يلاحظ عليه بشكل عام هو تأكيده على فتاوى الأصحاب إلى الدرجة التي يبدو وكأن اهتمامه بوجهات نظرهم أشد من النصوص التي قدمها في هذا الصدد، وهو أمر يقلل من أهمية الاستدلال لوجهة نظره، ما دمنا نعرف بوضوح أن فتاواهم تمثل رأي أصحابها، وهي معرضة للخطأ والصواب وليست حجة على

[ 34 ]

غيرهم. مضافا إلى ذلك، يلاحظ: أن المؤلف بدلا من أن يستقطب أكثر عدد ممكن من قائمة الفقهاء إذا به يستقطب أكثر عدد ممكن من فتاوى فقيه واحد أو أكثر. فمثلا نجده للتدليل على وجهة نظره - يتجه إلى العلامة في مختلف كتبه مثل التذكرة، المنتهى، التحرير، القواعد، الارشاد.. الخ، فيسجل نفس الفتوى متكررة في الكتب المذكورة ومن الواضح أن مثل هذا المنهج لا يخدم وجهة نظر المؤلف، لأنه لم يصنع شيئا أكثر من أنه نقل رأي فقيه واحد في مجموعة مؤلفاته، لا أنه نقل رأي مجموعة من الفقهاء حتى تتعزز بها فتواه. أما ما يتصل ب‍ (أفكار) المؤلف، فإن أهم ما يلفت الانتباه فيها بعد أن عرضنا عابرا لحصيلة أفكاره أن نجده (يشكك) في نيابة الفقيه من حيث صلاحيته في التعامل مع مشكلات الخراج: إذنا، وجباية، في حين لا يتردد البتة في صلاحية السلطة الزمنية. وبالرغم من أن وجهة نظره عن (السلطة الزمنية) لها ما يسوغها، مادامت النصوص أقرت مشروعية تقبيل الأرض وغيره من قبل السلطة الزمنية، بيد أن هذا يجعل القناعة ب‍ (نيابة الفقيه) أشد مشروعية، دون أدنى شك، ما دام المؤلف ذاته يحتج في جملة ما يحتج به على مشروعية التعامل مع السلطة الزمنية أن للمسلمين (حقا) في بيت المال. والفقيه دون ريب أولى من غيره بمعرفة (الحق) وإيصاله إلى أصحابه. وأيا كان: فلكل وجهة نظره. أخيرا: نقدم هذه الرسالة القيمة إلى القارئ الكريم، آملين أن يفيد منها، بخاصة أنها تجسد رأي واحد من كبار فقهائنا الذين لا يكاد يتجاهله أي باحث يمارس عملية (البحث المقارن)، فضلا عن أن فقيهنا المذكور كما ينقل مؤرخوه لم يقتصر في نشاطه على البحث العلمي فحسب بل تجاوزه إلى ميدان الاصلاح الاجتماعي متنقلا في جملة من البلدان، مساهما بذلك في نوعية الجمهور إسلاميا، الأمر الذي يضفي على شخصيته تقديرا خاصا، يجعل من التعرف على رسالته التي بين يديك أهمية ذات خطورة دون أدنى شك.

[ 35 ]

وقبل أن نغادر الكاتب في رسالته، نود أن نلفت انتباه القارئ إلى أن الطبعة القديمة التي انتظمت داخل ثلاثين رسالة بعنوان " كلمات المحققين " لم تخل من أغلاط بسبب من الطبع أو النسخ، بخاصة فيما يتصل ب‍ (النصوص) المنقولة عن " التهذيب " حيث يلاحظ أن كثيرا منها لا يطابق نصوص التهذيب، ولكن دون أن يغير ذلك من مضمونها ولذلك تركناها على حالها مادامت الحاجة منتفية إلى ذلك، واكتفينا بتصويب الغلط منها فحسب، دون أن نشير إلى ذلك في الهوامش ما دام الهدف هو التصويب، وليس (شكلية التحقيق) التي لا فائدة جوهرية فيها. محمود البستاني

[ 37 ]

[ تمهيد المؤلف ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد كلمة الحق بالبراهين القاطعة، وأعلى كلمة الصدق بالحجج اللامعة، ودرج أباطيل المفترين بالدلائل الدامغة، وأذل أعناق المغالطين بالبينات القامعة، والصلاة والسلام على المبعوث بخير الأديان محمد المختار من شجرة بني عدنان، وعلى آله الأطهار المهتدين، وعترته الأخيار الحفظة للدين. وبعد: فإني لما توالى على سمعي تصدى جماعة من المتسمين بسمة الصلاح، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر، واستولى عليهم الشيطان فحل منهم في سويداء الخاطر لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء النهج القويم، - حيث إنا لما لزمنا الاقامة ببلاد العراق، وتعذر علينا الانتشار في الآفاق للأسباب ليس هذا محل ذكرها لم نجد بدا من التعلق بالقرية لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء وجم غفير من الكبراء الأتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق من أهل البيت - عليهم السلام من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج والمقاسمة، ويصرف

[ 38 ]

في مصارفه التي بها رواج الدين، بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام، كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليه السلام. وفي حال غيبته عليه السلام قد أذن؟؟ عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصلا. فلذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجن. وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، وأخفيت مواضع الحلال والحرام هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت الله تعالى، وكتبت في تحقيق هذه المسألة " رسالة " ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار - عليهم السلام، وأودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى: " بأن ذلك حلال لاشك فيه، وطلق لا شبهة تعتريه "، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، ولا تمجه أسماع الفضلاء. واعتمدت في ذلك أن أبين في هذه المسألة التي أفل بدرها وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض جاهل، فإن لنا بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الاقاويل، ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة " لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كل غليل " مع أني لم أقتصر فيما أشرت إليه على مجرد ما نبهت عليه. بل أضفت إلى ذلك من الأسباب التي تثمر الملك وتفيد الحل، ما لا يشوبه شك، ولا يلحقه لبس من شراء حصة من الأشجار، والاختصاص بمقدار معين من البذر. فقد ذكر أصحابنا طرقا للتخلص من الربا، واسقاط الشفعة ونحوها مما هو مشهور متداول، بل لا ينفك منها إلا القليل النادر. وقد استقر في النفوس قبوله وعدم النفرة منه، مع أن ما اعتمدته في ذلك: أولى بالبعد عن الشبهة، وأحرى بسلوك جادة الشريعة. ولم أودع في هذه الرسالة من الفتوى إلا ما اعتقدت صحته، وأقدمت على

[ 39 ]

لقاء الله تعالى به، مع علمي بأن من خلا قبله من الهوى، وبصر بصيرته من الغوى، وراقب الله تعالى في سريرته وعلانيته، لا يجد بدا من الاعتراف به، والحكم بصحته. وسميتها: قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج، ورتبتها على مقدمات خمس، ومقالة، وخاتمة. وسألت الله تعالى أن يلهمني إصابة الحق، ويجنبني القول بالهوى، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

[ 40 ]

المقدمة الأولى في أقسام الأرضين وهي في الأصل على قسمين: أحدهما: أرض بلاد الاسلام، وهي على قسمين أيضا: عامر وموات، فالعامر: مسك لاهله لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن ملاكه. والموات: إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لامام المسلمين يفعل به ما يشاء، وليس هذا القسم من محل البحث المقصود. القسم الثاني: ما ليس كذلك، وهو على أربعة أقسام: أحدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهرا بالسيف، وهو المسمى ب‍ (المفتوح عنوة). وهذه الأرض للمسلمين قاطبة لا يختص بها المقاتلة عند أصحابنا كافة، خلافا لبعض العامة (1)، ولا يفضلون فيها على غيرهم، ولا يتخير الإمام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها عليها بالخراج، بل يقبلها الإمام عليه السلام لمن

(1) للعامة جملة أقوال: أحدها: تقسيم الأرض على الغانمين فحسب. والثاني: تصبح فينا للمسلمين دون الغانمين. والثالث: تخيير الإمام بين قسمتها على الغانمين أو المسلمين. كما اختلفوا في تقسيمها بين الغانمين أو وقفها.. الخ. أنظر تفصيلات ذلك في موسوعة الخراج كتاب: الاستخراج لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة بيروت.

[ 41 ]

يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو غير ذلك. وعلى المتقبل إخراج مال القبالة الذي هو حق الرقبة. وفيما يفضل في يده إذا كان نصابا إما العشر أو نصف العشر. ولا يصح التصرف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك. وللإمام عليه السلام أن ينقلها من متقبل إلى آخر، إذا انقضت مدة القبالة أو اقتضت المصلحة ذلك. وله التصرف فيها بحسب ما يراه الإمام عليه السلام من المصلحة للمسلمين. وانتفاع الأرض يصرف إلى المسلمين وإلى مصالحهم، وليس للمقاتلة فيه الامثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع. وثانيها: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من غير قتال. وحكمها أن تترك في أيديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر أنواع التصرف، إذا قاموا بعمارتها. ويؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاة بالشرائط. فإن تركوا عمارتها وتركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة، وجاز للامام عليه السلام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك. وعلى المتقبل بعد إخراج حق القبالة، ومؤونة الأرض، مع وجود النصاب العشر أو نصفه. وللإمام عليه السلام أن يعطي أربابها حق الرقبة من القبالة، على المشهور. أفتى به الشيخ رحمه الله في المبسوط (1) والنهاية (2)، وأبو الصلاح (3) وهو الظاهر

(1) أنظر: حقل الزكاة، ص 234 235 / ج 1 / المكتبة الرضوية. (2) أنظر: حقل الزكاة / ص 201 202 / ج 1 / الطبعة المترجمة. (3) نقلا عن المختلف / حقل الزكاة / ص 232.

[ 42 ]

من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع (1)، واختاره العلامة في المنتهى (2) و التذكرة (3) والتحرير (ط). وابن حمزة (5) وابن البراج ذهبا إلى أنها تصير للمسلمين قاطبة وأمرها إلى الإمام عليه السلام. وكلام شيخنا في الدروس (6) قريب من كلامهما فإنه قال: " يقبلها الإمام عليه السلام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين ". وابن إدريس (7) منع من ذلك كله، وقال: " إنها باقية على ملك الأول، ولا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه ". وهو متروك. احتج الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر (8)، قال: " ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار، ونصف العشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الإمام عليه السلام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر " (9). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: " ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الخراج وما سار به أهل بيته، فقال: العشر ونصف العشر على من أسلم تطوعا تركت أرضه في يده، وأخذ منه العشر أو نصف العشر فيما عمر منها، وما لم يعمر أخذه الوالي فقبله ممن يعمره وكان للمسلمين، وليس

(1) أنظر: حقل الجهاد / ص 322 / ج 1. (2) أنظر: حقل الجهاد / ص 935 / ج 2. (3) أنظر: حقل الجهاد / ص 427 / ج 1. (4) أنظر: حقل الجهاد / ص 142. (5) أنظر: " الوسيلة " / حقل الجهاد / ص 717 / " الجوامع الفقهية ". (6) نقلا عن " المختلف " / ص 332. (7) أنظر: حقل الجهاد / ص 163 / منشورات صادقي. (8) أنظر: " السرائر " حقل: أحكام الأرضين ص 110. (9) التهذيب / حقل الخراج / ص 118 119 / ج 4 / منشورات دار الكتب الاسلامية / ح 341.

[ 43 ]

فيما كان أقل من خمسة أوساق شئ. وما أخذ بالسيف فذلك للامام عليه السلام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر " (1). واعترض في المختلف (2) بأن السؤال وقع عن أرض الخراج ولا نزاع فيه، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها. ثم أجاب ب‍: أن الجواب وقع أولا عن أرض من أسلم أهلها عليها، ثم إنه عليه السلام أجاب عن أرض العنوة. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن العلامة في المختلف احتج بهاتين الروايتين على مختار الشيخ والجماعة، وهما في الدلالة على مختار ابن حمزة وابن البراج أظهر. ثم احتج لهما برواية (3) لا تدل على مطلوبهما (4) بل ولا تلتئم مع مقالتهما، وليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة. نعم، بمقتضى الروايتين: المتجه ما ذهبا إليه. وثالثها: أرض الصلح، وهي: كل أرض صالح أهلها عليها. وهي أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام - عليه السلام عليه من

(1) التهذيب / حقل الخراج / ص 119 / ص 242 ج 4. (2) أنظر: حقل الجهاد / ص 222. (3) وهي رواية معاوية بن عمار: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أيما رجل أتى خربة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها، فإن عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضا لرجل قبله فغاب عنها وتركها وأخر بها ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض لله.. ". (4) يبدو أن كلا من العلامة وناقده " المؤلف " وقع في نفس التشوش الذي طبع منهجهما الاستدلالي. فالمؤلف احتج للطوسي بنفس الروايتين اللتين احتج العلامة؟؟ لوجهة نظره ووجهة نظر الطوسي وأبي الصلاح، فيما ذهبوا جميعا إلى أن الأرض التي أسلم أهلها عليها طوعا: إذا تركوا عمارتها يقبلها الإمام من يعمرها ويعطي صاحبها طسقها في حين أن الروايتين لم تتعرضا للطسق الذي يمنحه الإمام لصاحب الأرض التي تركها. علما بأن ثمة رواية ثالثة استشهد بها العلامة ردا على مختاري ابن حمزة وابن البراج، جاء فيها " قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤد إليه حقه "، فيما يمكن أن تشكل مستندا لوجهة النظر القائلة بالطسق، مع ملاحظة أن الاجابة كانت مطلقة، تتحدث عن الرجل الذي يواجه أرضا خربة ذات مالك، دون أن تتحدث عن القبالة أو نمط المالك، ولكنها قد تصلح قيدا للنصوص المطلقة التي تنفي أحقية المحيي الأول، بغض النظر عن سببية إحيائه: بأن كانت ممن أسلم أهلها عليها طوعا وتركها، أو تملكها بأخذ أسباب الملك من بيع أو إرث أو هبة.

[ 44 ]

نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، وليس عليهم شئ سواه. فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، ويسقط عنهم الصلح لأنه جزية. ويصح لاربابها التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك. وللإمام عليه السلام أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها. ولو باعها المالك من مسلم: صح، وانتقل ما عليها إلى رقبة البائع وهذا إذا صولحوا على أن الأرض لهم. أما لو صولحوا على أن الأرض للمسلمين وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، عامرها للمسلمين ومواتها للامام - عليه السلام. ورابعها: أرض الأنفال، وهي: كل أرض انجلى أهلها عنها وتركوها، أو كانت مواتا لغير مالك فأحييت، أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع، فإنها للامام عليه السلام - خاصة لا نصيب لأحد معه فيها، وله التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة والقبض، حسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع ويجوز له نزعها من يد متقبلها إذا انقضت مدة القبالة، إلا ما أحييت بعد موتها، فإن من أحياها أولى بالتصرف فيها إذا تقبلها بما يتقبلها غيره، فإن أبى كان للامام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه، وعلى المتقبل بعد إخراج مال القبالة فيما يحصل: العشر أو نصفه. مسائل الأولى: تقسيم الأرضين إلى هذه الأقسام الأربعة بعينه موجود في كلام

[ 45 ]

الشيخ في المبسوط والنهاية، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا. والظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك. فقد ذكره كذلك جماعة من المتأخرين كابن إدريس، والمحقق ابن سعيد، والعلامة في مطولاته " كالمنتهى " و " التذكرة "، ومتوسطاته " كالتحرير "، ومختصراته " كالقواعد " و " الارشاد " وكذا شيخنا الشهيد في " الدروس ". الثانية: قال الشيخ (1): " كل موضع أو جبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين إذا أخرج الانسان مؤونته ومؤونة عياله لسنته - وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لاهله " وهو متجه. الثالثة: ما يؤخذ من هذه الأراضي: إما مقاسمة بالحصة، أو ضريبة تسمى (الخراج)، يصرف لمن له رقبة تلك الأرض. فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبة. وكذا ما يؤخذ من أرض الصلح أعني " الجزية ". وما يؤخذ مما أسلم أهلها عليها إذا تركوا عمارتها: على ما سبق (2). وما كان من أرض الأنفال: فهو للامام عليه السلام وسيأتي تفصيل بعض ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

(1) أنظر: المبسوط / حقل الزكاة / ص 226 / ج 1. (2) أي: للامام أن يقبلها شخصا آخر، ولكن على أن يعطي أربابها حق الرقبة.

[ 46 ]

المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة أعني المأخوذ بالسيف قهرا لأن فيه معنى الاذلال، ومنه قوله تعالى: " و عنت الوجوه للحي القيوم " أي: ذلت. وفيه مسائل الأولى: قد قدمنا أن هذه الأرض للمسلمين قاطبة، لا يختص بها المقاتلة، لكن إذا كانت محياة وقت الفتح. ولا يصح بيعها والحالة هذه ولا وقفها ولا هبتها، بل يصرف الإمام عليه السلام حاصلها في مصالح المسلمين مثل: سد الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر، ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديون وغير ذلك من مصالح المسلمين. ذهب إلى ذلك أصحابنا كافة. قال الشيخ في " المبسوط " (1) عند ما ذكر هذا القسم من الأرضين: " ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمنها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم: من سد الثغور ومعونة المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين، وليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شئ، بل هم والمسلمون سواء، ولا يصح بيع شئ من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تمليكه ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه. ولا يصح

(1) أنظر: المبسوط / حقل الجهاد / ص 34 / ج 2.

[ 47 ]

أن يبني دورا ولا منازل ولا مساجد وسقايات، ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك. ومتى فعل شيئا من ذلك كان التصرف باطلا، وهو باق على الأصل ". هذا كلامه رحمه الله بحروفه. وكلامه في النهاية قريب من ذلك، وكذا كلام ابن إدريس في السرائر. والذي وقفنا عليه من كلام المتأخرين عن زمان الشيخ رحمه الله غير مخالف لشئ من ذلك. فهذا العلامة في كتابه منتهى المطلب وتذكرة الفقهاء والتحرير مصرح بذلك. قال في " المنتهى " (1): " قد بينا أن الأرض المأخوذة عنوة لا يختص بها الغانمون بل هي للمسلمين قاطبة إن كانت محياة وقت الفتح، ولا يصح بيعها ولا هبتها ولا وقفها، بل يصرف الإمام حاصلها في المصالح مثل: سد الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر، ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الدين وغير ذلك من مصالح المسلمين ". وقد تكرر في كلامه نحو هذا: قبل وبعد، وكذا قال في التذكرة والتحرير، فلا حاجة إلى التطويل بايراد عبارته فيهما. وقد روى الشيخ في التهذيب عن حماد بن عيسى، قال: " رواه بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبي الحسن الأول عليه السلام في حديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة قال: " وليس لمن قاتل شئ من الأرضين وما غلبوا عليه إلا ما احتوى العسكر ". إلى أن قال: " والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها، ويقوم عليها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من

(1) أنظر: حقل الجهاد / ص 926.

[ 48 ]

الخراج: النصف أو الثلث أو الثلثان، وعلى قدر ما يكون لهم صالحا ولا يضربهم، فإذا خرج منها نماء بداء، فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح، فأخذه الوالي فوجهه في الوجه الذي وجهه الله تعالى له " إلى أن قال: " ويؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الأرض وأكرتها، فيدفع إليهم أنصباءهم على قدر ما صالحهم عليه، ويأخذ الباقي، فيكون ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الاسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك مما فيه مصلحة العامة، ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير. وله بعد الخمس الأنفال. والأنفال: كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولكن صولحوا عليها وأعطوا بأيديهم من غير قتال. وله رؤوس الجبال، وبطون الاودية، والآجام، وكل أرض ميتة لارب لها. وله صوافي الملوك مما كان في أبديهم من غير وجه الغصب، لأن الغصب كله مردود. وهو وارث من لا وارث له " (1) الحديث بتمامه. وهذا الحديث وإن كان من المراسيل إلا أن الأصحاب تلقوه بالقبول، ولم نجد له رادا، وقد علموا بمضمونه. واحتج به عى ما تضمن من مسائل هذا الباب العلامة في المنتهى. وما هذا شأنه فهو حجة بين الأصحاب، فإن ما فيه من الضعف ينجبر بهذا القدر من الشهرة. بقي شئ واحد وهو: أنه تضمن وجوب الزكاة قبل حق الأرض، وبعد ذلك يؤخذ حق الأرض. والمشهور بين الأصحاب أن الزكاة بعد المؤن. نعم، هو قول الشيخ رحمه الله.

(1) أنظر: حقل الخمس من التهذيب، ص 128 130 / ج 4 / ح 366.

[ 49 ]

وروى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: " ما أخذ بالسيف فذلك للامام عليه السلام - يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر، قبل أرضها ونخلها، والناس يقولون لا تصح قبالة الأرض والنخل، إذا كان البياض أكثر من السواد، وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر (1). وفي معناه: ما رواه أيضا مقطوعا عن صفوان بن يحيى وأحمد بن أبي نصر (2). الثانية: موات هذه الأرض أعني المفتوحة عنوة وهو ما كان في وقت الفتح مواتا للامام عليه السلام خاصة (3) لا يجوز لأحد إحياؤه إلا بإذنه إن كان ظاهرا. ولو تصرف فيها متصرف بغير إذنه كان عليه طسقها. وحالة الغيبة: يملكها المحيي من غير إذن. ويرشد إلى بعض هذه الأحكام ما أوردناه في الحديث السابق عن أبي الحسن الأول عليه السلام - (4). وأدل منه ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد: " أنه سمع رجلا يسأل الصادق عليه السلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الإمام من أهل بيتي، فإذا ظهر القائم عليه السلام فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه " (5).

(1) التهذيب: حقل الخراج / ص 119 / ج 4 / ح 342. (2) نفس المصدر / ص 118 / 119 / ح 341. (3) بصفة أنها من " الأنفال " فتخرج عن عموم الأرض المفتوحة عنوة. (4) مثل قوله عليه السلام (وله: بعد الخمس الأنفال. والأنفال: كل أرض خربة باد أهلها) و (كل أرض ميتة لارب لها) وانظر ص 47 من هذا الكتاب. (5) التهذيب / حقل الزيادات من الأنفال / ص 145 / ج 4 / ح 404.

[ 50 ]

وروى الشيخ عن محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: ليس به بأس " إلى أن قال: " وأي قوم أحيوا شيئا من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم " (1). الثالثة: قال الشيخ في النهاية والمبسوط، وكافة الأصحاب: لا يجوز بيع هذه ولا هبتها ولا وقفها - كما حكيناه سابقا عنهم لأنها أرض المسلمين قاطبة، فلا يختص بها أحد على وجه التملك لرقبة الأرض، إنما يجوز له التصرف فيها، ويؤدي حق القبالة إلى الإمام عليه السلام، ويخرج الزكاة مع اجتماع الشرائط. فإذا تصرف فيها أحد بالبناء والغرس صح بيعها، على معنى: أنه يبيع ماله من الآثار وحق الاختصاص بالتصرف لا الرقبة ذاتها لأنها ملك المسلمين قاطبة. روى الشيخ عن صفوان بن يحيى عن أبي بردة بن رجاء، قال: " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك وهي أرض للمسلمين؟! قال: قلت: يبيعها الذي هي في يديه؟ قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال: لا بأس، يشتري حقه منها ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها وأملك بخراجها منه " (2). وهذا صريح في جواز بيع حقه، أعني آثار التصرف، ومنع بيع رقبة الأرض. ولا نعرف أحدا من الأصحاب يخالف مضمون الحديث. وعن محمد بن مسلم قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشراء من أرض اليهود والنصارى، فقال: ليس به بأس، قد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل خيبر، فخارجهم على أن يترك الأرض بأيديهم يعملونها ويعمرونها فلا أرى به بأسا لو أنك اشتريت منها " (3) الحديث. وهذا يراد به ما أريد بالأول من بيع حقه منها، إذ قد صرح أولا بأنها ليست (1) التهذيب / حقل الأنفال / ص 146 / ج 4 / ح 407. (2) نفس المصدر / ح 406. (3) نفس المصدر / ح 407.

[ 51 ]

ملكا لهم، وإنما خارجهم النبي صلى الله عليه وآله فكيف يتصور منهم بيع الرقبة والحالة هذه؟ وقريب من ذلك ما روى حسنا عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام - قال: " سمعته يقول رفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: له مالنا، وعليه ما علينا، مسلما أو كافرا، له ما لأهل الله وعليه ما عليهم " (1). وهذا في الدلالة كالأول. وعن حريز عن محمد بن مسلم وعمر بن حنظلة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن ذلك، فقال: لا بأس بشرائها، فإنها إذا كانت بمنزلة ما في أيديهم يؤدي عنها " (2). وأولى من ذلك ما رواه محمد الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام وقد سأله عن السواد ما منزلته؟ فقال: " هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ولم يخلق بعد. فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإن شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها. قلنا: فإن أخذها منه؟ قال: يرد إليه رأس ماله، وله ما أكل من علتها بما عمل " (3). وفي التذكرة رواه هكذا، قال: (يود) بالواو بدل الراء من الوداء مجزوما

(1) التهذيب: ج 4 / ص 147 ح 411. (2) نفس المصدر / ص 147 / ح 408. (3) نفس المصدر، حقل: في أحكام الأرضين / ص 147 / ج 7 / ح 652.

[ 52 ]

لأنه أمر للغائب محذوف اللام. وما أوردناه أولى. فإن قلت: إذا جوزتم البيع ونحوه تبعا لآثار التصرف، فكيف يجوز لولي الأمر أخذها من المشتري، وكيف يرد رأس ماله، مع أنه قد أخذ عوضه، أعني تلك الآثار؟ قلت: لاريب أن ولي الأمر له أن ينتزع أرض الخراج من يد متقبلها إذا انقضت مدة القبالة وإن كان له بها شئ من الآثار فانتزاعها من يدي المشتري أولى بالجواز، وحينئذ فله الرجوع برأس ماله لئلا يفوت الثمن والمثمن. لكن الذي يرد الثمن يحتمل أن يكون هو الإمام عليه السلام لانتزاعه ذلك، ويحتمل أن يكون البائع، لما في الرد من الاشعار بسبق الآخذ. وقوله " وله ما أكل " أنه يريد به المشتري. وفي معنى هذه الأخبار أخبار أخر كثيرة، أعرضنا عنها إيثارا للاختصار. تنبيهات الأول: قد عرفت أن المفتوحة عنوة لا يصح بيع شئ منها ولا وقفه ولا هبته. قال في المبسوط: " ولا يصح أن يبني دورا ولا منازل ولا مساجد وسقايات ولا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، ومتى فعل شيئا من ذلك كان التصرف باطلا، وهو باق على الأصل ". وقد حكينا عبارته قبل ذلك. وقال ابن إدريس (1): " فإن قيل: لما نراكم تبيعون وتشترون وتقفون أرض العراق وقد أخذت عنوة؟ قلنا: إنما نبيع ونقف تصرفنا فيه وتحجيرنا وبناءنا، فأما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها ".

(1) أنظر: السرائر / ص 111.

[ 53 ]

قال العلامة في المختلف (1) بعد حكاية ذلك عن ابن إدريس هذا، وهو يشعر بجواز البناء والتصرف، قال: " وهو أقرب ". قلت: هذا واضح لا غبار عليه. يدل عليه ما تقدم من قول الصادق عليه السلام " اشتر حقه منها "، وأنه أثر محترم مملوك لم يخرج عن ملك مالكه بشئ من الأسباب الناقلة، فيكون قابلا لتعلق التصرفات به. ونحو ذلك قال في التذكرة (2) في كتاب البيع فإنه قال: " لا يصح بيع الأرض الخراجية لأنها ملك للمسلمين قاطبة لا يختص بها أحد، نعم يصح بيعها تبعا لآثار المتصرف ". وكذا قال في القواعد (3) والتحرير (4). ثم نعود إلى كلامه في المختلف فإنه قال فيه في آخر المسألة من كتاب البيع: " ويحمل قول الشيخ على الأرض المحياة دون الموات ". قلت: هذا مشكل لأن المحياة هي التي تتعلق بها هذه الأحكام المذكورة، وأما الموات: فإنها في حال الغيبة مملوكة للمحيي، ومع وجود الإمام - عليه السلام لا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه، مع أن الحمل لا ينافي ما قربه من مختار ابن إدريس لأن مراده بأرض العراق: المعمورة المحياة التي فيها: لا يجوز بيعها ولا هبتها لأنها أرض الخراج. نعم: يمكن حمل كلام الشيخ رحمة الله على حال وجود الإمام عليه السلام وظهوره، لا مطلقا. الثاني: نفوذ هذه التصرفات التي ذكرناها إنما هو في حال غيبة الإمام عليه

(1) أنظر ص 333. (2) أنظر 465. (3) أنظر حقل الجهاد / ص 106. (4) أنظر حقل الجهاد / 142.

[ 54 ]

السلام أما في حالة ظهوره فلا، لأنه إنما يجوز التصرف فيها بإذنه. وعلا هذا فلا ينفذ شئ من تصرفات المتصرف فيها استقلالا. وقد أرشد إلى هذا الحكم كلام الشيخ في " التهذيب " (1)، فإنه أورد على نفسه سؤالا وجوابا محصله مع رعاية ألفاظه بحسب الامكان أنه: " إذا كان الأمر في أموال الناس ما ذكرتم من لزوم الخمس فيها وكذا الغنائم وكان حكم الأرضين ما بنيتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالأئمة عليهم السلام، إما لاختصاصهم بها كالأنفال أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والتضمين لهم مثل أرض الخراج، فيجب أن لا يحل لكم منكح، ولا يخلص لكم متجر، ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه! فيل له: إن الأمر وإن كان كما ذكرت من اختصاص الأئمة عليهم السلام بالتصرف في هذه الأشياء، فإن هنا طريقا إلى الخلاص. ثم أورد الأحاديث التي وردت بالإذن للشيعة في حقوقهم عليهم السلام حال الغيبة، ثم قال: إن قال قائل: إن ما ذكر تموه إنما يدل على إباحة التصرف في هذه الأرض ولا يدل على صحة تملكها بالشراء والبيع، ومع عدم صحتهما لا يصح ما يتفرع عليهما! قيل له: قد قسمنا الأرضين على ثلاثة أقسام. أرض يسلم أهلها عليها فهي ملك لهم يتصرفون فيها، وأرض تؤخذ عنوة أو يصالح أهلها عليها فقد أبحنا شراءها وبيعها لأن لنا في ذلك قسما لأنها أراضي المسلمين، وهذا القسم أيضا يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه، وأما الأنفال وما يجري مجراها فليس يصح تملكها بالشراء، وإنما أبيح لنا التصرف حسب.

(1) أنظر حقل الأنفال / ص 142 146 / ج 4 / تعقيبا على حديث 405 وما قبله.

[ 55 ]

ثم استدل على حكم أراضي الخراج برواية أبي بردة بن رجاء السالفة، الدالة على جواز بيع آثار التصرف دون رقبة الأرض. وهذا كلام واضح السبيل، ووجهه من حيث المعنى أن التصرف في المفتوحة عنوة إنما يكون بإذن الإمام عليه السلام وقد حصل منهم الاذن لشيعتهم حال الغيبة فتكون آثار تصرفهم محترمة بحيث يمكن ترتب البيع ونحوه عليها. وعبارة شيخنا في " الدروس " (1) أيضا ترشد إلى ذلك حيث قال: " ولا يجوز التصرف في المفتوح عنوة إلا بإذن الإمام عليه السلام، سواء كان بالبيع أو بالوقف أو غيرهما، نعم في حالة الغيبة ينفذ ذلك ". وأطلق في " المبسوط " أن التصرف فيها لا ينفذ، أي: لم يقيد بحال ظهور الإمام عليه السلام أو عدمه. ثم قال: وقال ابن إدريس: " إنما يباع ويوقف تحجيرنا وبناؤنا وتصرفنا لا نفس الأرض ". ومراده بذلك أن ابن إدريس أيضا أطلق جواز التصرف في مقابل إطلاق " الشيخ " رحمه الله عدم جوازه. والصواب: التقييد بحال الغيبة، فينفذ، وعدمه بعدمه، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى. المقدمة الثالثة في بيان أرض الأنفال وحكمها الأنفال جمع نفل بسكون الفاء وفتحها وهو: الزيادة ومنه: النافلة. والمراد به هنا: كل ما يخص الإمام عليه السلام وقد كانت الأنفال لرسول الله صلى

(1) أنظر حقل الجهاد / ص 163

[ 56 ]

الله عليه وآله في حياته، وهي بعده للامام القائم مقامه صلى الله عليه وآله. وضابطها: كل أرض فتحت من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب، والارضون الموات، وتركة من لا وارث له من الاهل والقرابات، والآجام، والمفاوز، وبطون الاودية، ورؤوس الجبال، وقطائع الملوك. وقد تقدم في الحديث السابق الطويل عن أبي الحسن الأول عليه السلام ذكر ذلك كله (1). وقد روى الشيخ عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما تقول في قول الله تعالى: " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله "؟ قال: الأنفال لله تعالى وللرسول وهي: كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب، فهي نفل لله وللرسول (2). وعن سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال، فقال: كل أرض خربة أو شئ كان للملوك فهو خالص للامام عليه السلام ليس للناس فيها سهم. قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (3). وفي مرسلة العباس الوراق عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا غزا قوم بغير إذن الإمام عليه السلام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام عليه السلام وإذا غزوا بإذن الإمام عليه السلام فغنموا كان الخمس للامام " (4) ومضمون هذه الرواية مشهور بين الأصحاب، مع كونها مرسلة، وجهالة بعض رجال سندها، وعدم إمكان التمسك بظاهرها، إذ من غزا بإذن الإمام لا يكون خمس غنيمته كلها للامام عليه السلام.

(1) أنظر ص / 51 52 من هذا الكتاب. (2) التهذيب / حقل الأنفال / ص 132 / ج 4 / ح 268. (3) نفس المصدر / ص 133 / ح 373. (4) نفس المصدر / ص 135، ح 378.

[ 57 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الأرض المعدودة من الأنفال إما أن تكون محياة أو مواتا، وعلى التقديرين، فإما أن يكون الواضع يده عليها من الشيعة أو لا، فهذه أربعة أقسام. وحكمها: أن كل ما كان بيد الشيعة من ذلك، فهو حلال عليهم، مع اختصاص كل من المحياة والموات بحكمه (1)، لأن الأئمة عليهم السلام أحلوا ذلك لشيعتهم حال الغيبة. وأما غيرهم فإنما علهيم حرام. وإن كان لا ينتزع منهم في الحال على الظاهر، حيث إن المستحق لانتزاعه هو الإمام عليه السلام فيتوقف على أمره. وروى الشيخ عن عمر بن يزيد قال: رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة، وقد كان حمل إلى أبي عبد الله - عليه السلام ما لا في تلك السنة فرده عليه، فقلت: لم رد عليك أبو عبد الله عليه السلام المال الذي حملته إليه؟ فقال: إني قلت حين حملت إليه المال: إني كنت وليت الغوص، فأصبت منه أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم.. إلى أن قال: " يا أبا سيار قد طيبناه لك، فضم إليك مالك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، محلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم عنها صغرة " (2).

(1)؟؟ المؤلف القائلة باختصاص كل من المحياة والموات بحكمه يكتنفها الغموض فقد سبق للكتاب أن أوضح بأن " الأنفال " للامام وأنها مباحة؟؟ بحكم أخبار التحليل، وهذا يعني انعدام الفارق بين المحياة والموات من الأنفال من حيث التصرف فيهما. ومن الواضح أن الفارق لا تظهر ثمرته إلا في اصطناع الفارق بين الأرض المفتوحة عنوة وأرض الأنفال، لأن الأرض المحياة طبيعيا عائدة إما إلى الإمام. أو عائدة إلى المسلمين بناء على القول بأنها داخلة في عموم " كل أرض لارب لها " أو عائدة إلى المسلمين بناء على القول بدخولها في عموم ملكية الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين. بل: حتى موات المفتوحة عنوة يسمها طابع التردد المذكور. والمؤلف بصفته قد ردم الفارق بين نمطي الأرض: حينئذ كان الأجدر أن يوضح حكم كل من محياة الأنفال ومواتها. (2) التهذيب، حقل: الأنفال / ص 144 / ج 4 / ح 403.

[ 58 ]

قال في الصحاح: " الطسق ": الوظيفة من خراج الأرض، فارسي معرب. وعن الحرت بن المغيرة النصري قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده، فإذا نجية قد استأذن عليه، فأذن له فدخل فجثا على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك إنى أريد أن أسألك عن مسألة والله ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال: يا نجية سلني فلا تسألني اليوم عن شئ إلا أخبرتك به، قال: جعلت فداك ما تقول في فلان وفلان؟ قال: يا نجية، لنا الخمس في كتاب الله ولنا الأنفال ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة لظلمنا أهل البيت، وإن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت، فقال نجية: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاث مرات هلكنا ورب الكعبة، قال: فرفع فخذه عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا أنا سمعناه في آخر دعائه وهو يقول: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثم أقبل بوجهه إلينا وقال: يا نجية، ما على فطرة إبراهيم عليه السلام غيرنا وغير شيعتنا (1). وهذان الحديثان ونحوهما من الأحاديث الكثيرة مما لا خلاف في مضمونها بين الأصحاب بلا شك ولا مرية، فلا حاجة إلى البحث عن أسنادهما والفحص عن رجالهما، فإن آحاد الأخبار (2) بين محققي الأصحاب والمحصلين منهم إنما

(1) نفس المصدر: ص 145 / ح 405. (2) من الواضح أن " آحاد الأخبار " تشمل كلا من المعتبر والضعيف، فتقييد الكاتب ملاحظة القرائن بآحاد الأخبار يبدو وكأنه لا ضرورة له. إلا إذا ذهبنا إلى أن هدف الكاتب هو أن يلمح إلى أن خبر الواحد سواء أكان مستجمعا لشروط الاعتبار حسب

[ 59 ]

يكفي حجة إذا انضم إليها من المتابعات والشواهد وقرائن الأحوال ما يدل على صدقها، فما ظنك بإجماع الفرقة! فإن قيل: ما معنى جعل هذه الأشياء في حال الغيبة للشيعة؟ أهي على العموم أو على جهة مخصوصة؟ وعلى تقدير الثاني، فما هذه الجهة؟ قلنا: ليس المراد حلها على جهة العموم وإلا لزم سقوط حقهم عليهم السلام من الخمس حال الغيبة، وهو خلاف ما يدل عليه أكثر الأصحاب، بل القول به منسوب إلى الشذوذ، بل يلزم منه جواز تناول حقهم - عليهم السلام والتصرف فيه، إلى غير ذلك مما هو معلوم البطلان، وإنما المراد إحلال ما لا بد من المناكح والمساكن والمتاجر، لتطيب ولادتهم ويخرجوا عن الغصب في المسكن والمطعم ونحو هما: وقد عين الأصحاب لذلك مواضع بخصوصها في باب الخمس، فلا حاجة إلى ذكرها هاهنا. فإذا كان بيد أحدنا من أرض الأنفال شئ إما بالاحياء والشراء من بعض المتقبلين ونحو ذلك كانت عليه حلالا بإحلال الأئمة عليهم السلام. فإن قيل: ليس على الشيعة في هذا النوع من الأرض خراج، فهل على غيرهم فيه شئ من ذلك؟ قلنا: لا نعرف في ذلك تصريحا للأصحاب، ولكن قد وقع في الحديث السابق التصريح به ووجهه من حيث المعنى أنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، فلا يكون مجانا. فإن قيل: هل يجوز لمن استجمع صفات النيابة حال الغيبة جباية شئ من ذلك؟

معايير الحديث أو غير مستجمع لها، إنما يكتسب قيمته بقدر عمل الأصحاب به، سواء أكان ذلك ضعيفا قد عمل به أو معتبرا ولكن هجره الأصحاب.

[ 60 ]

قلنا: إن ثبت أن جهة نيابته عامة، احتمل ذلك وإلى الآن لم نظفر بشئ فيه (1) وكلام الأصحاب قد يشعر بالعدم، لأن هذا خاصة الإمام عليه السلام، وليس هو كخراج الأرض المفتوحة عنوة، فإن هذا القسم لغيره، كما سيأتي إن شاء الله. فإن قيل: فلو استولى سلطان الجور على جباية شئ من خراج هذه الأرضين، اعتقادا منه أنه يستحقه لزعمه أنه الإمام، فهل يحل تناوله؟ قلنا: الأحاديث التي تأتي تحل تناول الخارج الذي يأخذه الجائر. وكلام الأصحاب يتناول هذا القسم، وإن كان السابق إلى الافهام في الخراج ما يؤخذ من المفتوح عنوة، فلا يبعد الحاقه به (2)، ولم أقف على شئ صريح في ذلك سوى إطلاق ما ورد عنهم عليهم السلام. فائدة: لا فرق بين غيبة الإمام عليه السلام وحضوره في زمان التقية، لاستوائهما في كونه عليه السلام موجودا ممنوعا من التصرف. والأخبار وكلام الأصحاب يومئ إلى ذلك، وإباحتهم عليهم السلام لشيعتهم إنما وقع في زمانهم عليهم السلام وكذا الأمر بالجمعة وقد احتج الأصحاب بذلك، بثبوتهما في زمان الغيبة. وفي الواقع لا فرق بينهما.

(1) بالرغم من أن بعض الفقهاء يحاول أن يميز بين ملك الإمام وملك المسلمين. بصفة أن الأول منهما من الممكن أن يستثمره الإمام لأفراد بأعيانهم، والآخر يصرف في مصالح عامة، إلا أن هذا الفارق لا شاهد له من النصوص ما دمنا نعرف أن ملكية الإمام ليست شخصية، بل اعتبار المنصب الرسمي، مما يعني أن الأموال بقسميها موكولة إلى نظره سواء؟؟ في نطاق أفراد بأعيانهم أو صرفت في مصالح عامة. هذا فضلا عن أن إشارة الكاتب إلى أن الأنفال من (خاصة الإمام) لا صلة له ب‍ (النيابة العامة) التي سوء الكاتب مشروعيتها في نطاق الخراج المتصل بالأرض المفتوحة عنوة، وتردد في مشروعيتها بالنسبة إلى أرض الأنفال. ففي الحالين، إما أن تكون ثمة قناعة بنيابة القضية أم لا، ولذلك لا يظهر أي وجه للفارق الذي اصطنعه الكاتب في هذا الميدان. (2) إن عدم استبعاد المؤلف إلحاق الأنفال بالمفتوح عنوة من حيث جباية الخراج، يدلل على ما سبق إن قلناه من عدم الفارق بين نمطي الأرض من حيث صلاحية النيابة لها.

[ 61 ]

المقدمة الرابعة في تعيين ما فتح عنوة من الأرضين إعلم، أن الذي ذكر الأصحاب من ذلك: " مكة " زادها الله شرفا، والعراق والشام وخراسان وبعض الاقطار ببلاد العجم. وقد تقدم في بعض الأخبار السابقة أن البحرين من الأنفال. فأما " مكة " فإن للأصحاب في كونها فتحت عنوة أو صلحا خلافا، أشهره أنها فتحت عنوة. قال الشيخ في " المبسوط " (1): ظاهر المذهب (الأصحاب) أن النبي صلى الله عليه وآله فتح مكة عنوة بالسيف، ثم آمنهم بعد ذلك، وإنما لم يقسم الأرضين والدور لأنها لجميع المسلمين، كما نقول في كل ما يفتح عنوة إذا لم يكن نقله إلى بلد الاسلام، فإنه يكون للمسلمين قاطبة. ومن النبي صلى الله عليه وآله على رجال من المشركين فأطلقهم. وعندنا: أن للامام عليه السلام أن يفعل ذلك. وكذلك أموالهم، من عليهم بها. وقال العلامة في " التذكرة " (2):

(1) حقل: الجهاد / ص 33 / ج 2. (2) حقل: الجهاد / ص 408 / ج 1.

[ 62 ]

وأما أرض مكة فالظاهر من المذهب أن النبي صلى الله عليه وآله فتحها بالسيف، ثم آمنهم بعد ذلك. وكذا قال في " المنتهى " (1) ونحوه قال في " التحرير " (2). وشيخنا في " الدروس " لم يصرح بشئ. واحتج " العلامة " على ذلك بما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله - أنه قال لأهل مكة: " ما تروني صانعا بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول لكم كما قال أخي يوسف لاخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين إذهبوا فأنتم الطلقاء ". ومن طريق الخاصة: بما رواه الشيخ عن صفوان بن يحيى وأحمد بن محمد ابن أبي نصر، قالا: " ذكرنا له الكوفة " إلى أن قال: " إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر، وإن أهل مكة دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله عنوة وكان أسراء في يده فأعتقهم، وقال: اذهبوا أنتم الطلقاء ". وأجاب عن حجة القائلين بأنها فتحت صلحا حيث إن النبي صلى الله عليه وآله دخلها بأمان: لما ورد في قصة العباس وأبي سفيان. وقوله صلى الله عليه وآله " من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن " إلا جماعة معينين، وأنه - صلى الله عليه وآله لم يقسم أموالهم ولا أراضيهم. بأنه على تقدير تسليم ذلك إنما لم يقسم الأرضين والدور لأنها لجميع المسلمين لا يختص بها الغانمون، على ما تقرر من الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين قاطبة،

(1) حقل: الجهاد / ص 937. (2) حقل: الجهاد / ص 142 143.

[ 63 ]

والأموال والأنفس يجوز أن يمن عليهم بها مراعاة للمصلحة، لأن للامام عليه السلام أن يفعل مثل ذلك. وهذا قريب من كلام ظاهر " المبسوط ". وأما أرض العراق التي تسمى ب‍ أرض السواد وهي المفتوحة من أرض الفرس في أيام الثاني فلا خلاف فيه أنها فتحت عنوة وإنما سميت سوادا لأن الجيش لما خرجوا من البادية ورأوا هذه الأرض والتفاف شجرها سموها السواد لذلك. كذا ذكره العلامة رحمه الله في " المنتهى " و " التذكرة ". قال في المبسوط (1) وهذه عبارته: " وأما أرض السواد: فهي المغنومة من الفرس التي فتحها عمر، وهي سواد العراق، فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود قاضيا ووليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف ماسحا، فمسح عثمان الأرض، واختلفوا في مبلغها، فقال الساجي (2): اثنان وثلاثون ألف جريب، وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف جريب، وهي ما بين عبادان وموصل طولا، وبين القادسية و حلوان عرضا. ثم ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم، والرطبة ستة، والشجرة كذلك، والحنطة أربعة، والشعير درهمين. وكتب إلى عمر فأمضاه. وروي أن ارتفاعها كانت في عهد عمر، مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان في زمن الحجاج، رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة، وفي السنة الثانية بلغ ستين ألف ألف، فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر، فمات في تلك السنة. وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام لما أفضى الأمر إليه، امضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف ويحكم بما عنده.

(1) حقل: الجهاد / ص 33 34 / ج 2. (2) الساعي (ب).

[ 64 ]

والذي يقتضيه المذهب: أن هذه الأراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يكون خمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة الغانمين وغير الغانمين في ذلك سواء. ويكون للامام النظر فيها وتقبيلها وتضمينها بما شاء " هذه عبارته بحروفها. وقال في " المنتهى " (1) وهذه عبارته: " أرض السواد هي الأرض المفتوحة عنوة من الفرس التي فتحها عمر بن الخطاب، وهي سواد العراق. وحده في العرض: من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل طولا إلى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة. فأما الغربي الذي تليه البصرة فإنما هو اسلامي، مثل شط عثمان بن أبي العاص ". إلى أن قال: " وهذه الأرض فتحت عنوة، فتحها عمر بن الخطاب، ثم بعث إليها بعد فتحه ثلاثة أنفس: عمار بن ياسر على صلاتهم أميرا، وابن مسعود قاضيا، وواليا على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض. وفرض لهم في كل يوم شاة، شطرها مع السواقط لعمار، وشطرها للآخرين، وقال: ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا سرع في خرابها. ومسح عثمان أرض الخراج، واختلفوا في مبلغها، فقال الساجي (2): اثنان وثلاثون ألف جريب، وقال أبو عبيدة: ستة وثلاثون ألف ألف. ثم ضرب على كل جريب نخل عشرة دراهم، وعلى الكرم ثمانية دراهم وعلى الحنطة أربعة دراهم، وعلى الشعير درهمين. ثم كتب بذلك إلى عمر فأمضاه. وروي أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة وستين ألف ألف درهم، فلما كان في زمان الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ".. ثم ساق باقي كلام الشيخ بحروفه ما زاد ولا نقص، وكذا

(1) حقل: الجهاد / ص 937. (2) الساعي (ب).

[ 65 ]

أو نحوه صنع في " التذكرة " في باب الجهاد بحروفه. وأعاد القول بفتح السواد عنوة في باب " إحياء الموات ". ولم يحضرني وقت كتابة هذه الرسالة هذا الموضع من كتاب " السرائر " لابن إدريس رحمه الله لأحكي ما فيه. لكنه في باب (أحكام الأرضين) (1) من كتاب الزكاة ذكر: أن أرض العراق مفتوحة عنوة، وذكر في أحكامها قريبا من كلام الأصحاب الذي حكيناه. وروى الشيخ بإسناده عن مصعب بن يزيد الأنصاري، وأورده ابن إدريس في " السرائر "، والعلامة في " المنتهى " قال: (2) " استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على أربعة رساتيق: المدائن: البهقباذات، ونهر سير، ونهر جوير، ونهر الملك، وأمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما ونصفا، وعلى كل جريب وسط درهما، وعلى كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم، وعلى كل جريب كرم عشرة دراهم. وأمرني أن ألقي على كل نخل شاذ عن القرى لمارة الطريق وابن السبيل ولا أخذ منه شيئا. وأمرني أن أضع الدهاقين الذين يركبون البراذين ويتختمون بالذهب على كل رجل منهم ثمانية وأربعين درهما، وعلى أوساطهم والتجار منهم على كل رجل أربعة وعشرين درهما، وعلى سفلتهم وفقرائهم على كل إنسان منهم قال: وجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة ". قال الشيخ: توظيف الجزية في هذا الخبر لا ينافي ما ذكرناه من أن ذلك منوط بما يراه الإمام - عليه السلام من المصلحة، فلا يمنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام رأى المصلحة في ذلك الوقت، ووضع هذا المقدار. وإذا تغيرت المصلحة إلى

(1) أنظر / ص 111. (2) التهذيب / حقل: الخراج / ص 119 120 / ج 4 / ح 343.

[ 66 ]

زيادة ونقصان غيره، وإنما يكون منافيا لو وضع ذلك عليهم ونفى الزيادة عليه والنقصان عنه في جميع الأحوال، وليس ذلك في الخبر. قلت: ومثله القول في توظيف الخراج وأنه منوط بالمصلحة وعرف الزمان كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا التقدير ليس على سبيل التوظيف بل بحسب مصلحة الوقت. واعلم، أن الذي أوردته من لفظ الحديث هو ما أورده الشيخ في " التهذيب " ولكن وجدت نسخته مختلفة العبارة في ايراد الرساتيق المذكورة، ففي بعضها " نهر سيريا " و " نهر جوير "، وفي بعضها نهر " بسر " بالباء الموحدة، والسين المهملة المكسورة، ونهر " جوين " بالنون والجيم المفتوحة والياء المثناة من تحت بعد الواو المكسورة، وفي بعضها " جوبر " بالجيم والباء الموحدة بعد الواو. وقال ابن إدريس بعد أن أورد الحديث في " السرائر " بعطف البهقباذات على المدائن بالواو: ونهر (بسر) بالباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة والسين غير المعجمة، هي: " المدائن ". والدليل على ذلك أن الراوي قال: استعملني على أربعة رساتيق، ثم عدد خمسة فذكر المدائن ثم ذكر من جملة الخمسة نهر " سير " فعطف على اللفظ دون المعنى، ثم شرع في بيان جواز مثل هذا العطف إلى أن قال: " فأما البهقباذات فهي ثلاثة: البهقباذ الأعلى وهو ستة طساسيج، ثم ذكر أسماءها، والبهقباذات الأوسط: أربعة طساسيج، ثم ذكر أسماءها، والبهقباذ الأوسط: أربعة طساسيج، وذكر أسماءها، والبهقباذ الأسفل: خمسة طساسيج، وصنع مثل ذلك. والذي وجدته في نسخ " التهذيب ": المدائن البهقباذات بغير واو، كما وجدته في " المنتهى " حيث أورد الحديث بلفظه.

[ 67 ]

وروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن سيرة الإمام عليه السلام في الأرض التي فتحت عنوة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قد سار في أهل العراق بسيرة، فهي إمام لسائر الأرضين " (1). فإن قلت: أليس قد قال الشيخ في " المبسوط " ما صورته: " وعلى الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير إذن الإمام عليه السلام فغنمت، تكون الغنيمة للامام خاصة " (2) تكون هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين عليه السلام إن صح شئ من ذلك يكون للامام خاصة، ويكون من جملة الأنفال التي لا يشركه فيها غيره؟ وهذا الكلام يقتضي أن لا تكون أرض العراق من المفتوح عنوة؟ قلت: الجواب عن ذلك من وجوه: الأول: إن الشيخ رحمه الله قال هذه على صورة الحكاية، وفتواه ما تقدم في أول الكلام، مع أن جميع أصحابنا مصرحون في هذا الباب على ما قاله الشيخ في أول كلامه. و " العلامة " في " المنتهى " و " التذكرة " إنما أورد كلام الشيخ هذا حكاية وإيرادا، بعد أن أفتى بمثل كلامه الأول: حيث قال في أول كلامه: " وهذه الأرض فتحت عنوة "، ولم يتعرض لما ذكره أخيرا بشئ. الثاني: إن الرواية التي أشار إليها الشيخ ضعيفة الاسناد، ومرسلة ومثل هذه كيف يحتج به أو يسكن إليه، مع أن الظاهر من كلامه في " المنتهى " ضعف العمل بها؟

(1) التهذيب / حقل: الجزية / ص 118 / ج 4 / ح 340. (2) أنظر: حقل الجهاد / ص 34 / ج 2.

[ 68 ]

الثالث: إنا لو سلمنا صحة الرواية المذكورة، لم يكن فيها دلالة على أن أرض العراق فتحت عنوة بغير إذن إمام عليه السلام فقد سمعنا: أن عمر استشار أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك. ومما يدل عليه: فعل عمار، فإنه من خلصاء أمير المؤمنين عليه السلام ولولا أمره لما ساغ له الدخول في أمرها. ومما يقطع مادة النزاع، ويدفع السؤال. ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ولمن يخلق بعد، فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين " (1) الحديث. وروى أيضا عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عما اختلف فيه ابن أبي ليلى وابن شبرمة في السواد وأرضه، فقلت إن ابن أبي ليلى قال: إنهم إذا أسلموا أحرار، ما في أيديهم من أرضهم لهم. وأما ابن شبرمة فزعم أنهم عبيد وأن أرضهم التي بأيديهم ليست لهم. فقال: - عليه السلام في الأرض ما قال ابن شبرمة، وقال: في الرجال ما قال ابن أبي ليلى أنهم إذا أسلموا فهم أحرار (2). وهذا قاطع في الدلالة على ما قلناه، لا سيما وفتوى الأصحاب وتصريحهم موافق لذلك، فلا مجال للتردد. وأما أرض الشام، فقد ذكر كونها مفتوحة عنوة بعض الأصحاب. وممن ذكر ذلك " العلامة " في كتاب " إحياء الموات " من " التذكرة "، لكن لم يذكر أحد حدودها.

(1) التهذيب / أحكام الأرضين / ص 146 / ج 7 / ح 652. (2) نفس المصدر / ص 155 / ح 684.

[ 69 ]

وأما البواقي، فذكر حكمها القطب الراوندي في شرح " نهاية " الشيخ وأسند إلى " المبسوط "، وهذه عبارته: " والظاهر على ما في " مبسوطه " أن الأرضين التي هي من أقصى خراسان إلى كرمان وخوزستان وهمدان وقزوين وما حواليها أخذت بالسيف ". هذا ما وجدته فيما حضرني من كتب الأصحاب، والله أعلم بالصواب.

[ 70 ]

المقدمة الخامسة في تحقيق معنى الخراج وأنه هل يتقدر أم لا إعلم، أن الخراج هو: ما يضرب على الأرض كالأجرة لها، وفي معناه المقاسمة غير أن المقاسمة تكون جزء من حاصل الزرع، والخراج مقدار من النقد يضرب عليها. وهذا هو المراد ب‍ القبالة والطسق في كلام الفقهاء. ومرجع ذلك إلى نظر الإمام حسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين عرفا، وليس له في نظر الشرع مقدار معين لا تجوز الزيادة عليه، ولا النقصان منه. ويدل على ذلك وجوه. الأول: أن الخراج والمقاسمة كالأجرة، وهي منوطة بالعرف، متفاوتة بتفاوت الرغبات. أما الأولى فلأنها في مقابل منافع الأرض، ولا نريد بمشابهتها للاجرة إلا ذلك. وأما الثانية فظاهرة. قال العلامة في " المنتهى " (1) في باب قتال البغاة، في توجيه كلام الشيخ - رحمه الله حيث قال فيها: لو ادعى من بيده أرض الخراج عند المطالبة به بعد زوال يد أهل البغي أداءه إلى أهل البغي لم يقبل قولهم. وجهه: أن الخراج معاوضة لأنه ثمن أو أجرة فلم يقبل قولهم في أدائه كغيره

(1) أنظر ص 989.

[ 71 ]

من المعاوضات. الثاني: قد سبق في الحديث المروي عن أبي الحسن الأول (1) عليه السلام (و هو الحديث الطويل الذي أخذنا منه موضع الحاجة) ما يدل على ذلك، حيث قال: " والأرض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في ايدي من يعمرها ويحييها، على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج، النصف أو الثلث أو الثلثان، وعلى قدر ما يكون صالحا ولا يضربهم الحديث ". وهذا صريح فيما قلناه، فإن تنويع الخراج إلى النصف والثلث والثلتين وإناطته بالمصلحة بعد ذلك، صريح في عدم انحصار الأمر في شئ بخصوصه، ولا أعرف لهذا رادا من الأصحاب. الثالث: الاجماع المستفاد من تتبع كلام من وصل إلينا كلامه من الأصحاب، وعدم العثور على مخالف، ولا محكيا في كلام المتصدين لحكاية الخلاف، مشهورا ونادرا، في مطولات كتب المحققين ومختصراتهم. قال الشيخ في " النهاية " (2) في حكم الأرض المفتوحة عنوة: " وكان على الإمام أن يقبلها من يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع ". وقال في " المبسوط " (3) في باب حكم الأرضين من كتاب الزكاة في حكم المفتوحة عنوة: " وعلى الإمام تقبيلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ". وقال في كتاب (الجهاد) منه عند ذكر سواد العراق وغيره مما فتحت عنوة: " يكون للامام النظر فيها وتقبيلها بما شاء ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في

(1) أنظر: ص 47 48 من هذه الرسالة. (2) حقل: الزكاة / ص 312 / ج 1. (3) حقل: الزكاة / ص 235 / ج 1.

[ 72 ]

مصالح المسلمين " (1) وقال ابن إدريس في " السرائر " - في حكم المفتوحة عنوة. " وعلى الإمام أن يقبلها لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو الرابع أو غير ذلك ". وقال العلامة في " المنتهى " (2): " وهذه الأرض المأخوذة بالسيف عنوة يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف والثلث ". وقال في " التذكرة " (3): " الأرض المأخوذة بالسيف يقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث وغيره ". وقال في " التحرير " (4) في المفتوحة عنوة: " ويقبلها الإمام - عليه السلام لمن يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث ". وقال في " القواعد " (5) في هذه الباب أيضا: " ويقبلها الإمام لمن يراه، بما يراه حفظا للمسلمين، ويصرف حاصلها في مصالحهم ". وقال في " الارشاد ": " ويقبلها الإمام ممن يراه بما يراه ". وقال " المقداد " رحمه الله في التنقيح - ولم يحضرني عند كتابة هذه الرسالة لأحكي عبارته لكن حاصل كلامه فيه على ما أظن: أن مرجع تعيين الخراج إلى العرف، فكلما يليق بالأرض عرفا جاز ضربه عليها.

(1) حقل: أحكام الأرضين / ص 110 (2 و 3 و 4 و 5) أنظر: ص 935 و 427 و 142 و 106.

[ 73 ]

فإن قلت: قد صرحتم أن هذا منوط بنظر الإمام - عليه السلام ورأيه، فكيف يحل بدون ذلك؟ قلنا: قد نص أئمتنا عليهم السلام - في غير حديث وصرح أصحابنا كافة - وسنحكي الأحاديث الواردة وعبارات الأصحاب عن قريب إن شاء الله تعالى بحل تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة ووجهه من حيث المعنى واضح لأن الخراج حق شرعي منوط تقديره بالمصلحة عرفا وارتباطه بنظر الإمام - عليه السلام، فإذا تعدى الجائر في ذلك إلى ما لا يجوز له، وعمل ما هو منوط بنظر الإمام عليه السلام استقلالا بنفسه، كان الوزر عليه في ارتكاب ما لا يجوز له، ولم يكن المأخوذ حراما، ولا مظنة حرام، لأنه حق شرعي على الزارع، خارج عن ملكه يستحقه قوم معلومون. وقد رفع أئمتنا عليهم السلام المنع من طرفهم بالنسبة إلينا، فكيف يحرم؟ قال في " التذكرة " في كتاب " البيع " (1): " ما يأخذه الجائر من الغلات باسم " المقاسمة " ومن الأموال باسم " الخراج " عن حق الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة "، يجوز شراؤه واتهابه ولا يحب إعادته على أصحابه وإن عرفوا، لأن هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الأنعام والأرض، فإنه حق الله تعالى: أخذه غير مستحقه، فبرئت ذمته وجاز شراؤه ". والحاصل: إن هذا مما وردت به النصوص، وأجمع عليه الأصحاب بل: المسلمون، فالمنكر له والمنازع فيه مدافع للنص منازع للاجماع، فإذا بلغ معه الكلام إلى هذا المقام، فالأولى الاقتصار معه على قول: " سلام ". فإن قلت: فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك. أعني:

(1) أنظر: ص 465.

[ 74 ]

الفقيه الجامع للشرائط؟ قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحا، ولكن من جوز للفقهاء في حال الغيبة تولي استيفاء الحدود وغير ذلك من توابع منصب الامامة ينبغي تجويزه لهذا بطريق أولى، لأن هذا أقل خطرا، لا سيما والمستحقون لذلك موجودون في كل عصر، إذ ليس هذا الحق مقصورا على الغزاة والمجاهدين كما يأتي (1). ومن تأمل في كثير من أحوال الكبراء من علمائنا السالفين مثل السيد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحققين من المتقدمين والمتأخرين: نصير الحق والدين " الطوسي "، وبحر العلوم مفتي العراق جمال الملة والدين: الحسن بن مطهر، وغيرهم رضوان الله عليهم نظر متأمل منصف لم يعترضه الشك في أنهم كانوا يسلكون هذا المنهج، ويفتحون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلا ما يعتقدون صحته.

(1) من الواضح أن " النيابة " تتحقق فاعليتها في حالة بسط اليد أي: تمكن الفقيه من ممارسة مسؤولية الحكم في تقديره للخراج وصرفه في مصالح المسلمين إلا في حالة افتراض إمكانية التخلص من دفع الخراج إلى الجائر، وحينئذ (مع القول بوجوب الدفع) يصبح موضوع (الخراج) مماثلا للزكوات والأخماس: من حيث دفعها إلى " الفقيه " أو الاذن منه، أو عدمها: أي الدفع مباشرة إلى المستحق: أفرادا كانوا أم جهة عامة.

[ 75 ]

المقالة في حل الخراج في حال حضور الإمام عليه السلام وغيبته أما حال حضوره عليه السلام فلا شك فيه، وليس للنظر فيه مجال. وقد ذكر أصحابنا في مصرف الخراج: أن الأرض جعل الإمام منها أرزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات. قال الشيخ في المبسوط (1) في فصل " أقسام الغزاة ": " ما يحتاج إليه للكراع وآلات الحرب كان ذلك في بيت المال من أموال المصالح، وكذلك رزق الحكام وولاية الأحداث والصلات وغير ذلك من وجوه الولايات، فإنهم يعطون من المصالح، والمصالح تخرج من ارتفاع الأراضي المفتوحة عنوة ". وكذا قال العلامة حاكيا عن الشيخ كلامه، فلا حاجة إلى التطويل. وهذا واضح جلي وليس المقصود بالنظر. وأما في حال الغيبة: فهو موضع الكلام ومطمح النظر، ولو تأمل المنصف لوجد الأمر فيه أيضا بينا جليا، فإن هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر، ليس للامام عليه السلام - قليل ولا كثير. وهذه المصارف التي عددناها لم تتعطل كلها في حال الغيبة وإن تعطل بعضها.

(1) أنظر: ص 74 75 / ج 2.

[ 76 ]

وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولا إلى نظره عليه السلام لا يقتضي تحريمه حال الغيبة لبقاء الحق ووجود المستحق، مع تظافر الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام وتطابق كلام أجلة الأصحاب ومتقدمي السلف ومتأخريهم بالترخيص لشيعة أهل البيت عليهم السلام في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر. فإذا انضم إلى هذا كله أمر من له النيابة حال الغيبة، كان حقيقا باندفاع الأوهام واضمحلال الشكوك. ولنا في الدلالة على ما قلناه مسلكان: الأول: في الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في ذلك، وهي كثيرة: فمنها: ما رواه الشيخ رحمه الله عن أبي بكر الحضرمي قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي سماك أن يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس؟ قال ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟ قال، قلت: مخافة على ديني. قال: ما متع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطائك، أما علم أن لك في بيت المال نصيبا؟ (1). قلت: هذا الخبر نص في الباب، فإنه عليه السلام بين للسائل حيث قال: إنه ترك أخذ العطاء للخوف على دينه أنه لا خوف عليه، فإنه إنما يأخذ حقه، حيث إنه يستحق في بيت المال نصيبا. وقد تقرر في الأصول تعدي الحكم بالعلة المنصوصة. ومنها: ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمان الحجاج قال:

(1) التهذيب / حقل: المكاسب / ص 336 337 / ج 6 / ح 933

[ 77 ]

" قال لي أبو الحسن الأول عليه السلام مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام أني أظنك ضيقا؟ قتال، قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: اشتره " (1). وقد احتج به العلامة في التذكرة على تناول ما يأخذه الجائر باسم الخراج والمقاسمة. ومنها: ما رواه أيضا عن أبي المعزا قال: " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال: أصلحك الله، أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم، آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم " (2). ومثل هذا من عدة طرق أخرى. ومنها: ما رواه أيضا في الصحيح عن جميل بن صالح، قال: " أرادوا بيع تمر عين أبي زياد، فأردت أن اشتريه، فقلت حتى استأذن أبا عبد الله عليه السلام فأمرت مصادفا فسأله. قال: فقال: قل له يشتره، فإن لم يشتره اشتراه غيره " (3). قلت: وقد احتج بهذا الحديث لحل ذلك " العلامة " وصححه. لكن، قد يسأل عن قوله: " فإن لم يشتره اشتراه غيره "، فإن شراء الناس للشئ لامد خلية له في صيرورته حلالا على تقدير أن يكون حراما، فأي مناسبة له ليعلل به؟ ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة منه عليه السلام إلى معنى لطيف وهو: أن كل من له دخل في قيام دولة الجور ونفوذ أوامرها وقوة شوكتها وضعف دولة العدل يحرم عليه هذا النوع ونحوه بشراء وغيره، بخلاف ما لم يكن كذلك،

(1) التهذيب / ص 336 / ح 932. (2) نفس المصدر / ص 338 / ح 942. (3) نفس المصدر / ص 375 / ح 1092.

[ 78 ]

فإن عدم دخوله في شراء هذا كدخوله في أنه: لا يتعطل أمر دولة الجور أو يتناقض، بل رواجها بحاله. فأشار عليه السلام بقوله: " إن لم يشتره اشتراه غيره " إلى أنه لا مانع له من الشراء أو لا دخل له في دولة الجور بتقوية ولا غيره. فإن لم يشتره لم يتفاوت الحال بل يشتريه غيره. ومنها: ما رواه أيضا عن إسحاق بن عمار قال: " سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم؟! قال: يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحد ". وهذا الحديث نقلته عن " المنتهى " هكذا، وظني أنه نقله من " التهذيب " (1). وبمعناه أحاديث كثيرة. ومنها: ما رواه أيضا في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنمها وهو يعلم أنهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال عليه السلام: ما الإبل والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه. قلت له: فما ترى من أغنامنا - في متصدق يجيئنا فيأخذ صدقات أغنامنا نقول بعناها، فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: إن كان أخذها وعزلها فلا بأس. قلت له: فما ترى في الحنطة والشعير، يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا فيأخذ حنطة فيعزل بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام له؟ فقال: إذا كان قد قبضه بكيل وأنتم حضور، فلا بأس بشرائه منه بغير كيل " (2). ومنها: ما رواه الشيخ أيضا بإسناده عن يحيى بن أبي العلا عن أبي عبد الله - عليه السلام عن أبيه:

(1) أنظر: حقل المكاسب / ص 375 / ج 6 / ح 1093. (2) نفس المصدر / ص 375 / ح 1094.

[ 79 ]

" إن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية " (1). قلت: قد علم أن موضع الشبهة حقيق بالاجتناب، والامام عليه السلام لا يواقعها، وما كان قبولهما عليهما السلام لجوائزه إلا ما لهما من الحق في بيت المال مع أن تصرف معاوية عليه غضب الله وسخطه كان بغير رضا منهما عليهما السلام. فتناولهما حقهما عليهما السلام المرتب على تصرفه دليل على جواز ذلك لذوي الحقوق في بيت المال من المؤمنين، نظرا إلى التأسي. وقد نبه " شيخنا " في " الدروس " (2) على هذا المعنى وفرق بين الجائزة من الظالم وبين أخذ الحق الثابت في بيت المال أصالة. فإن ترك قبول الأول أفضل، بخلاف الثاني. ومثل هذه الأخبار كثير لمن تتبع ولسنا بصدد ذلك، فإن في هذا غنية في الدلالة على المطلوب في تتبع ما سواها. وكون بعضها قد يعتري بعض رجال أسناده طعن أو جهالة، غير قادح في شئ منها بوجه من الوجوه، على أن أسانيد كثيرة منها صحيحة، كما قدمناه. ومع ذلك فإن الأصحاب كلهم أو جلهم قد أفتوا بمضمونها في كتبهم وعملوا به، فيما بلغنا عنهم. والخبر الضعيف الاسناد إذا انجبر الخبر بقول الأصحاب وعملهم ارتقى إلى مرتبة الصحاح وانتظم في سلك الحجج، وألحق بالمشهور. فإن قيل: هنا سؤالان. الأول: إن هذه الأخبار تضمنت حل الشراء خاصة، فمن أين ثبت حل التناول مطلقا؟ الثاني: هذه الأخبار إنما دلت على جواز التناول من الجائر بعد استيلائه وأخذه

(1) التهذيب / ج 6 ص 377 / ح 935. (2) أنظر: ص 229 من الكتاب المذكور.

[ 80 ]

فمن أين ثبت حل الاستيلاء والأخذ كما يفعله الجائر؟ قلنا: الجواب عن الأول، أن حل الشراء كاف في ثبوت المطلوب، لأن حل الشراء يستلزم حل جميع أسباب النقل، كالصلح والهبة، لعدم الفرق، بل الحكم بجواز غير الشراء على ذلك التقدير بطريق أولى لأن شروط صحة الشراء أكثر. وقد صرح الأصحاب بذلك، بل يستلزم جواز قبول هبته وهو في يد ولي المال والحوالة به، لما عرفت من أن ذلك غير مملوك له، بل إنما هو حق تسلط على تصرف الغير فيه غير من له أهلية التصرف. وقد سوغ أئمتنا عليهم السلام ابتناء تملكنا له على ذلك التصرف غير السائغ لأن تحريمهم - عليهم السلام إنما كان من جهتهم عليهم السلام فاغتفروا لشيعتهم ذلك طلبا لزوال المشقة عنهم، فعليهم من الله التحية والسلام. وقد صرح بذلك بعض الأصحاب، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما الجواب عن الثاني، فلأن الأخذ من الجائر والأخذ بأمره سواء. على أنه إذا لوحظ أن المأخوذ حق ثبت شرعا ليس فيه وجه تحريم ولا جهة غصب ولا قبح، حيث إن هذا حق مفروض على هذه الأراضي المحدث عنها. وكونه منوطا بنظر الإمام عليه السلام انتفى الحظر اللازم بسببه ترخيص الإمام في تناوله من الجائر سقط السؤال بالكلية أصلا ورأسا. المسلك الثاني: اتفاق الأصحاب على ذلك. وهذه عبارتهم نحكيها شيئا فشيئا من كلامهم بعينه من غير تغيير، على حسب ما وقع إلينا من مصنفاتهم في وقت كتابة هذه الرسالة فمن ذلك: كلام شيخ الطائفة ورئيسها وفقيهها ومعتمدها محمد بن الحسن الطوسي في كتاب " المكاسب " من كتاب " النهاية " وهذا لفظه: " ولا بأس بشراء الأطعمة وسائر الحبوب والغلات على اختلاف أجناسها من

[ 81 ]

سلاطين الجور وإن علم من أحوالهم أنهم يأخذون ما لا يستحقون ويقبضون ما ليس لهم ما لم يعلم شيئا من ذلك بعينه غصبا، فإن علم كذلك فلا يتعرض لذلك، وأماما يأخذونه من الخراج والصدقات وإن كانوا غير مستحقين لها جاز شراؤها منهم " (1). هذا كلامه. وقال المحقق نجم الدين في " الشرائع " ما هذا لفظه: " ما يأخذه السلطان من الغلات: باسم " المقاسمة "، والأموال: باسم " الخراج " عن حق الأرض، ومن الأنعام: باسم " الزكاة " يجوز ابتياعه وقبول هبته، ولا تجب إعادته على أربابه وإن عرف بعينه " (2). وقال العلامة رحمه الله في " المنتهى ": " يجور للانسان أن يبتاع ما يأخذه سلطان الجور بشبهة الزكوات من الإبل والبقر والغنم، وما يأخذه عن حق الأرض من الخراج، وما يأخذه بشبهة " المقاسمة " من الغلات وإن كان غير مستحق لأخذ شئ من ذلك، إلا أن يتعين له شئ منه بانفراده أنه غصب، فلا يجوز له أن يبتاعه " (3). ثم احتج لذلك برواية جميل بن صالح وإسحاق بن عمار وأبي عبيدة السالفات (4) إلى أن قال: " إذا ثبت هذا فإنه يجوز ابتياع ما يأخذه من الغلات باسم " المقاسمة " أو الأموال باسم " الخراج " عن حق الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة "، وقبول هبته، ولا تجب إعادته على أربابه، وإن عرف بعينه دفعا للضرورة ". قلت: هذا بعينه هو ما أسلفناه سابقا.

(1) أنظر: ص 360 / ج 2. (2) حقل التجارة، ص 13 ج 2. (3) أنظر: ص 27. / ج 1. (4) أنظر: ص 78 من هذه الرسالة.

[ 82 ]

وقال في " التذكرة " ما هذا لفظه: " ما يأخذه الجائر من الغلات باسم " المقاسمة "، ومن الأموال باسم الخراج عن حق الأرض، ومن الأنعام باسم الزكاة: يجوز شراؤه واتهابه ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا، لأن هذا مال لا يملكه الزارع وصاحب الأنعام والأرض، فإنه حق لله تعالى، أخذه غير مستحق، فبرئت ذمته وجاز شراؤه " (1). ثم احتج لذلك بخبر أبي عبيدة وعبد الرحمان السالفتين. وقال في " التحرير ": " ما يأخذه الظالم بشبهة " الزكاة " من الإبل والبقر والغنم، وما يأخذه عن حق الأرض بشبهة " الخراج " وما يأخذه من الغلات باسم " المقاسمة " حلال وإن لم يستحق أخذ ذلك ولا تجب إعادته على أربابه وإن عرفهم إلا أن يعلمه في شئ منه بعينه أنه غصب، فلا يجوز له تناوله ولا شراؤه " (2). وقال في " القواعد ": " والذي يأخذه الجائر في الغلات باسم " المقاسمة "، ومن الأموال باسم " الخراج " عن حق الأرض، ومن الأنعام باسم " الزكاة " يجوز شراؤه واتهابه ولا تجب إعادته على أصحابه وإن عرفوا " (3). وفي حواشي شيخنا الشهيد " قدس سره " على القواعد، ما صورته: " وإن لم يقبضها الجائر، وكذا ثمرة الكرم والبستان ". وقال في " الارشاد " عطفا على أشياء مما يحل بيعها وتناولها: " وما يأخذه الجائر باسم المقاسمة من الغلات، والخراج عن الأرض، والزكاة من الأنعام وإن عرف المالك ". وقال شيخنا الشهيد في " الدروس " (4) كلاما في هذا الباب من أجود كلام المحققين، إذا تأمله المنصف الفطن، علم أنه يعتقد في الخراج أنه من جملة الأموال

(1) أنظر: 2 ص 583 / ج 1. (2) حقل التجارات ص 162. (3) أنظر: ص 122. (4) أنظر: ص 329.

[ 83 ]

الخالية من الشبهة، البعيدة عن الأوهام، حيث ذكر الجوائز وجعل ترك قبولها أفضل، وبالغ في أحكام الخراج بما سنحكيه مفصلا، وصورة كلامه: " يجوز شراء ما يأخذه الجائر باسم الخراج والزكاة والمقاسمة، وإن لم يكن مستحقا له ". ثم قال: " ولا يجب رد المقاسمة وشبهها على المالك، ولا يعتبر رضاه، ولا يمنع تظلمه من الشراء. وكذا لو علم أن العامل يظلم، إلا أن يعلم الظلم بعينه. نعم يكره معاملة الظلمة ولا يحرم لقول الصادق عليه السلام: " كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه " (1) ولا فرق بين قبض الجائر إياه أو وكيله وبين عدم القبض، فلو أحاله بها وقبل الثلاثة أو وكله في قبضها أو باعها وفي في يد المالك أو في ذمته جاز التناول، ويحرم على المالك المنع. وكما يجوز الشراء تجوز سائر المعاوضات والهبة والصدقة والوقف، ولا يحل تناولها بغير ذلك ". والمقداد رحمه الله في " التنقيح " شرح النافع (2) أخذ حاصل هذا الكلام، وأورده بصورة الشرح مطولا، ولم يحضرني في وقت نقل كلام الأصحاب سوى هذا المقدار من الكتب فانقل كلام الباقين، لكن فيما أوردناه غنية وبلاغ لا ولي الألباب، فإن كلام الباقين لا يخرج عن كلام من حكينا كلامهم، إذ لو كان فيهم مخالف لحكاه من عثرنا على مصنفاتهم واطلعنا على مذاهبهم، لما علمناه من شدة حرصهم على ايراد خلاف الفقهاء وإن كان ضعيفا، والإشارة إلى القول الشاذ وإن كان واهيا فيكون الحكم في ذلك إجماعيا. على أنه لو كان فيهم مخالف مع وجود فتوى كبراء المتقدمين والمتأخرين

(1) التهذيب / ج 6 / 79 / ح 337. (2) أنظر: ص 19 ج 2 من الكتاب المذكور.

[ 84 ]

واستفاضة الأخبار عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وصحة طرق كثير منها، واشتهار مضمونها، لم يكن خلافه قادحا، فكيف والحال كما قد عرفت. فها نحن قد قرر نالك في هذه المسألة، وأوضحنا لك من مشكلاتها ما يجلي صدأ القلوب، ويزيل أذى الصدور، ويرغم أنوف ذوي الجهل، ويشوه وجوه أولي الحسد الذين يعضون الانامل غيظا وحنقا، ويلتجئون في تنفيس كربهم إلى التفكه في الاعراض، والتنبيه على ما يعدونه بزعمهم من العورات، ويطعنون بما لا يعد طعنا في الدين، يمهدون بذلك لانفسهم في قلوب دهماء العامة وضعفاء العقول وسفهاء الأحلام محلا، ولا يعلمون أنهم قد هدموا من دينهم، وأسخطوا الله مولاهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فإن ما أوردناه من الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام وحكيناه من فقهاء العترة النبوية المبرئين من الزيغ والزلل، إن كان حقا يجب اتباعه والانقياد له، فناهيك به وكانوا أحق بها وبأهلها وأي ملامة على من اتبع الحق، وتمسك بهدي قادة الخلق لولا أنعمه عن صوب الصواب، والغشاء عن نور اليقين. وإن كان باطلا ما أثبتناه من الأخبار الكثيرة والأقوال الشهيرة فلا سبيل لنا إلى مخالفتهم وسلوك غير جادتهم، والحال: أنهم قدوتنا في أصول ديننا وعمدتنا في أركان مذهبنا، وكيف نتبعهم حينا ونفارقهم حينا؟ يحلونه عاما ويحرمونه عاما. شعر: وما أنا إلا من عزية إن غوت * غويت وإن ترشد عزية أرشد على أن الحاسد لا يرضى وإن قرعت سمعه الآيات، والمغمض لا يبصر وإن أتى بالحجج البينات، ولو راجع عقله وتفكر لم يجد فرقا بين حل الغنائم وحل ما نحن فيه بل هذا إنما هو شعبة من ذاك، فإنه إذا كان المبيح له والإذن في تناوله واحدا فأي مجال للشك، وأي موضع للطعن لولا عين البغضاء وطوية الشحناء؟

[ 85 ]

وجدير بمن علم كيف كان طحن الحاسدين وإنكار المغمضين على سيد الكونين وإمام الثقلين ونسبتهم إليه الأباطيل وندائهم عليه في الاندية بالأفاعيل مما يذيب المرائر ويفتت قلوب ذوي البصائر، أن يهون عليه مثل هذه الأقوال السخيفة والانكارات الفاسدة. شعر: فما في حريم بعدها من تحرج * ولا هتك ستر بعدها بمحرم وما لنا نسمع من خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين ما هو من جملة الشواهد على ما ندعيه، والدلائل الدالة على حقيقة ما ننتحيه. فمن ذلك ما تكرر سماعنا من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى، ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائز بعلو المرتبتين في أوانه: علي بن الحسين الموسوي قدس الله سره فإنه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم وأنه في المرتبة التي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، وقد اقتدى به كل من تأخر عنه من علماء أصحابنا بلغنا أنه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة، وأنه قد كان له ثمانون قرية. وقد وجدنا في بعض الآثار ذكر بعضها. وهذا أخوه ذو الفضل الشهير والعلم الغزير والعفة الهاشمية والنخوة القرشية، السيد الشريف المرضي الرضي روح الله روحه كان له ثلاث ولايات، ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الانكار ولا النقص منهما، ولا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، مع أن الذين في هذا العصر ممن يزاحم بدعواه الصلحاء لا يبلغون درجة أتباع أولئك، والمقتدين بهم. ومتى خفي شئ، فلا يخفى حال استاذ العلماء المحققين والسابق في الفضل على المتقدمين والمتأخرين، نصير الملة والحق والدين، محمد ابن الطوسي

[ 86 ]

قدس الله نفسه وطيب رمسه وأنه كان المتولي لأحوال الملك، والقائم بأعمال السلطنة. هذا وأمثاله إنما يصدر عن اوامره ونواهيه. ثم أنظر إلى ما اشتهر من أحوال آية الله في المتأخرين، بحر العلوم، مفتي الفرقة، جمال الملة والدين، أبي منصور الحسن المطهر قدس الله روحه وكيف كان ملازمته السلطان المقدس المبرور (محمد خدا بنده) وأنه كان له عدة قرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك مما لو عدد لطال. ولو شئت أن أحكي عن أحوال عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما لحكيت شيئا عظيما. بل لو تأمل المتأمل، الخالي من المرض قلبه، لوجد المربي للعلماء والمروج لأحوالهم إنما هو الملوك وأركان دولتهم. ولهذا لما قلت العناية بهم، وانقطع توجههم بالتربية إليهم ضعفت أحوالهم، وتضعضعت أركانهم، وخليت أندية العلم ومحافله في جميع الأرض. وليس لأحد من المفتين أن يقول: إن هؤلاء أحيوا هذه البلاد، وكانت - قبل - مواتا، لأن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل. أما أولا: فلأن بلاد العراق على ما حكيناه كانت بتمامها معمورة، لم يكن لأحد مجال أن يعمر في وسط البلاد قرى متعددة، وما كان بين القربتين والبلدين في البعد قدر فرسخ إلا نادرا، كيف ومجموع معمورها من الموصل إلى عبادان ستة وثلاثون ألف ألف جريب (1).

(1) إن تحديد ما هو عامر أوميت فضلا عن بعض المواقع التي صولح عليها من الصعب أن يركن إليه الملاحظ في الذهاب إلى أن العراق كان معمورا بتمامه كما هي وجهة نظر المؤلف، أو إلى أن التصرف الذي مارسه الآخرون (ممن يناقشهم المؤلف إحيائهم لأرض ميتة محدودة بشكل يمكن فرزها عن المعمور، أو الميت الذي كان عامرا زمن الفتح، وخاصة إذا عرفنا أن (المؤرخين) أشاروا إلى مواقع من " الجنوب " وغيرها مما لم تدخل في نطاق " السواد "، فضلا عن التحديد القائم الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه الرسالة.

[ 87 ]

وأما ثانيا: فلأن عمارة القرى أمر عظيم يحتاج إلى زمان طويل وصرف مال جزيل وهم كانوا بعيدين عن هذا الاستعداد، مع هذه التمحلات بعد ما تلوناه من كلامهم في أحكام هذه الأرضين وأحوال خراجها وحل ذلك من التكلفات الباردة والأمور السامجة، نعوذ بالله من القول بالهوى ومجانبة سبيل الهدى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

[ 88 ]

الخاتمة في التوابع واللواحق وفيها مسائل: الأولى: في أن الخراج ليس من جملة مواضع الشبهات، لأنا قد قررنا فيما قبل أنه من جملة الغنائم إذ هو حق الأرض المفتوحة، فحلها تابع لحلها بغير تفاوت. وقد أقمنا الدليل على ذلك، وحكينا ما صدر عن الأصحاب رحمهم الله فيه، وليس لنا ما ينافي ذلك إلا أخذه بأمر سلطان الجور، وهو موقوف على أمر الإمام - عليه السلام ونظره عليه السلام، وهذا لا يصلح للمنافاة، لأن الأئمة عليهم السلام أباحوا لشيعتهم ذلك حال الغيبة، وأزالوا المانع من جهتهم، فلم يكن فيه شئ يقتضي التنفر، ولا يبعد من رضا الله سبحانه ورضاهم، لا سيما إذا انضم إلى ذلك نظر نائب الغيبة. وأي فارق بينه وبين ما أحلوا لشيعتهم حال الغيبة مما فيه حقوقهم؟ وهؤلاء الذين يزرون على هذا النوع لا يتجنبون ما فيه حقهم عليهم السلام، بل ولا يستطيعون، فإن هذه الجواري والعبيد ومتفردات الغنائم وما يحصل من البحر بالغوص وغيره لا يستطيع أحد الانفكاك منه، وهم لا يتحرجون من هذا القسم ولا ينفرون منه، ويبالغون في التشنيع على القسم الأول، لما يلحقه من المحرمات أو مواقع الشبهات، ويجعلون أنفسهم في ذلك مقتدى للعامة، يقتفون آثارهم، ولا يخافون الله سبحانه، حيث إنهم قد حرموا بعض ما أحله الله، وأنكروا بعض

[ 89 ]

ما علم ثبوته من الدين، وينالون من الاعراض المحرمة بما هو حرام عليهم، ولا فرق في استحقاق المقت من الله سبحانه بين استحلال الحرام وبين تحريم الحلال، فإن عمر لما أنكر حل المتعة ما زال الأئمة عليهم السلام ينكرون عليه، ويتوجعون من فعله وافترائه، وحثوا على فعلها، ووعدوا عليها بمضاعفة الثواب: فطما للنفوس عن متابعته على ضلالة. والشبهة إنما سميت شبهة لأنها موضع الاشتباه، وليس هذا النوع موضعا للاشتباه كما نقول في أموال الظلمة والعشارين، فإنها مواقع الشبهة ومظان الحرمات، فإن الحل والحرمة حكمان شرعيان، يثبتان وينتفيان بحكم الشارع، فما كان أمر الشارع فيه الحل فهو الحلال، وما كان أمره فيه الحرمة فهو الحرام. فالشبهة هي: الحلال بحسب الظاهر ولكنه مظنة الحرام في نفس الأمر كما مثلناه في أموال الظلمة. الثانية: قد عرفت أن " الخراج " و " المقاسمة " و " الزكاة " المأخوذة بأمر الجائر أو نائبه حلال تناولها، فهل تكون حلالا للآخذ مطلقا حتى لو لم يكن مستحقا للزكاة ولا ذا نصيب في بيت المال حين وجود الإمام عليه السلام؟ أم إنما يكون حلالا بشرط الاستحقاق، حتى أن غير مستحق يجب عليه صرف ذلك إلى مستحقيه؟ إطلاق الأخبار وكلام الأصحاب يقتضي الأول. وتعليلاتهم بأن للآخذ نصيبا في بيت المال، وأن هذا الحق لله تعالى، يشعر بالثاني. وللتوقف فيه مجال، وإن كان ظاهر كلامهم هو الأول، لأن رفع الضرورة لا يكون إلا بالحل مطلقا. الثالثة: قال في " التحرير ". " روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن النزول على أهل الخراج، فقال: ثلاثة أيام. وعن السخرة في القرى وما يؤخذ من العلوج والأكراد إذا نزلوا في القرى،

[ 90 ]

قال: ويشترط عليهم ذلك فيما شرطت عليهم من الدراهم والسخرة وما سوى ذلك، وليس لك أن تأخذ منهم شيئا حتى تشارطهم، وإن كان كالمستيقن أن من نزل تلك الأرض أو القرية أخد منه ذلك ". قلت: الرواية في " التهذيب " (1) وفيها بدل " الاكراد " " الأكرة " كأنه جمع " أكار ". وفي معناها ما رواه عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أرضا من أرض الخراج.. إلى أن قال: " إن أناسا من أهل الذمة نزلوها، أله أن يأخذ منهم أجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم؟ قال: يشارطهم، فما أخذ بعد الشرط فهو حلال " (2). ولكن روي عن علي الأزرق، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام عند موته، فقال: يا علي لا يظلم الفلاحون بحضرتك ولا يزاد على أرض وضعت عليها ولا سخرة على مسلم " (3). وفي معنى ذلك ما رواه عن " الحلبي " (4) عن أبي عبد الله عليه السلام. الرابعة: روى الشيخ رحمه الله في " التهذيب " عن علي بن يقطين قال: " قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام: ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني علي أن كان يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم في السر " (5). وفي معناه: ما رواه الحسن بن الحسين الانباري عن الرضا عليه السلام قال:

(1) حقل: أحكام الأرضين / ص 153 154 ج 7 ح 678. (2) نفس المصدر ص 154 / ح 679. (3) نفس المصدر / ص 154 / ح 680. (4) نفس المصدر 154 / ح 681. (5) نفس المصدر / ص 335، ج 6 927.

[ 91 ]

" كتبت إليه أربعة عشرة سنة استأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتبت إليه أذكر أنني أخاف على خبط عنقي وأن السلطان يقول: رافضي، أو لسنا نشك في أنك تركت عمل السلطان للرفض " فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام -: " فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنك إذا وليت عملت في عملك بما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تصير أعوانك وكتابك أهل ملتك، وإذا صار إليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين كان ذا بذا، وإلا فلا " (1). قلت: في معنى هذين الحديثين أحاديث أخر، وليس هذا مما نحن فيه بشئ، لأن موضوع هذا تولي أعمال سلطان الجور وأخذ الجائز على ذلك، وهذا خارج من بحثنا بالكلية، وما ورد في الحديث الأول أنه كان يجبي أموال الشيعة علانية ويردها عليهم سرا، يمكن أن يكون المراد به وجوه الخراج والزكوات والمقاسمات لأنها وإن كانت حقا عليهم فليست حقا للجائر، فلا يجوز جمعها لأجله إلا عند الضرورة. لازلنا نسمع من كثير ممن عاصرنا هم لاسيما شيخنا الأعظم الشيخ علي بن هلال قدس الله روحه، وغالب ظني أنه بغير واسطة بل بالمشافهة أنه لا يجوز لمن عليه الخراج والمقاسمة سرقته ولا جحوده ولا منعه، ولا شيئا منه لأن ذلك حق واجب عليه، والله سبحانه أعلم بحقائق الأمور. * * * * * * وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام، فلنحمد الله الذي وفقنا للتمسك بعروة عترة النبيين، النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وخلاصة [ خاصته ] (2) الوصي

(1) التهذيب: ج 6 / ص 335 / 928. (2) الموجود في النسخة (خاصة).

[ 92 ]

المرتضى، أحد السببين، وثاني الثقلين، وضياء الكونين، وعصمة الخلق في الدارين، وسلوك محجتهم والاستضاءة بأنوار حجتهم. ونسأل الله جل اسمه أن يصلي ويسلم عليهم أجمعين، صلاة يظهر بها شرف مقامهم يوم الدين، وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم، ويتوفانا على حبهم، مقتفين هداهم في صدرهم ووردهم، وأن يصفح عن ذنوبنا ويتجاوز عن سيئاتنا، ولله الحمد والمنة أولا وآخرا وظاهرا وباطنا... " فرغ من تأليفها العبد المعترف بذنوبه علي بن عبد العالي وسط نهار الاثنين تقريبا حادي عشر شهر ربيع الثاني سنة عشر وتسعمائة حامدا ومصليا على محمد وآله الطيبين الطاهرين ". * * * وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام، فلنحمد الله الذي وفقنا للتمسك بعروة عترة النبيين، النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وخلاصة [ خاصته ] (2) الوصي

(1) التهذيب: ج 6 / ص 335 / 928. (2) الموجود في النسخة (خاصة).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية