الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 10

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 10


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 ه‍. الجزء العاشر تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 - 726 ق. 182 تذكرة الفقهاء / تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر، 4 ت / 8 ع / تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. - قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1416 ق = 1374 ش. 20 نموذج، نموذج. المصادر بالهامش. 1 الفقه الجعفري - القرن 8. ألف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث. ب: العنوان. شابك (ردمك) 7 - 33 - 5503 - 964 احتمالا 20 جزءا. 20 ISBN 469 - 3055 - 33 - 7 / VOLS شابك (ردمك) 4 - 197 319 - 964 / ج 10 10. 4 ISBN 469 - 913 - 791 - VOL الكتاب: تذكرة الفقهاء / ج 10 المؤلف: العلامة الحلي تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم التصوير الفني (الزينگغراف): تيز هوش - قم الطبعة: الأولى - صفر - 1420 ه‍. المطبعة: ستارة - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 8000 ريال

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لإحياء التراث قم - دور شهر (خيابان شهيد فاطمي) كوچه 9 - پلاك 5 ص. ب. 996 / 37185 - هاتف 4 - 730001.

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين القاعدة الثانية: في العقود. وفيه كتب: كتاب البيع، وفيه مقاصد: الأول: في أركانه، وفيه فصول: الأول: في ماهيته وهو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي، فلا ينعقد على المنافع، ولا على ما لا يصح تملكه، ولا مع خلوه عن العوض المعلوم، ولا مع الإكراه. وهو جائز بالنص:

[ 6 ]

قال الله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (1). وقال النبي (صلى الله عليه وآله): " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " (2). وسأل الصادق (عليه السلام) عن معاذ بياع الكرابيس، فقيل: ترك التجارة، فقال: " عمل عمل الشيطان (3)، من ترك التجارة ذهب ثلثا عقله، أما علم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قدمت عير من الشام فاشترى منها واتجر فربح فيها ما قضى دينه " (4). ولا خلاف بين الأمة فيه. ولأن الحاجة قد تتعلق بما في يد الغير ولا يبذله بغير عوض، فتسويغ البيع يوصل كلا إلى غرضه ورفع حاجته.

(1) البقرة: 275.
(2) صحيح البخاري 3: 84، سنن أبي داود 3: 274 / 3459، المصنف - لابن أبي شيبة - 7: 124 - 126 / 2607 و 2608 و 2611.
(3) كذا، وفي المصدر: " عمل الشيطان عمل الشيطان " مكررا.
(4) التهذيب 7: 4 / 11.

[ 7 ]

الفصل الثاني في الصيغة مسألة 1: الأشهر عندنا: أنه لابد منها، ولا تكفي المعاطاة في الجليل والحقير، مثل: أعطني بهذا الدينار ثوبا، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه - وبه قال الشافعي مطلقا (1) - لأصالة بقاء الملك، وقصور الأفعال عن الدلالة على المقاصد. وبعض الحنفية وابن سريج في الجليلة (2). وقال أحمد: ينعقد مطلقا - ونحوه قال مالك، فإنه قال: بع بما يعتقده الناس بيعا (3) - لأنه تعالى أحل البيع ولم يبين الكيفية، فتحال على العرف كالقبض، والبيع وقع في زمانه (عليه السلام) كثيرا ولم ينقل اللفظ، وإلا لتواتر (4). والجواب: المعاطاة تثبت في غير البيع، فيجب عود النص إلى غيرها. ونمنع عدم التواتر، والاستغناء بالإباحة عنه.

(1) الوجيز 1: 132، العزيز شرح الوجيز 4: 10، المهذب - للشيرازي - 1: 264، المجموع 9: 162، روضة الطالبين 3: 5، حلية العلماء 4: 13، بدائع الصنائع 5: 134، المغني والشرح الكبير 4: 5.
(2) الاختيار لتعليل المختار 2: 5، بدائع الصنائع 5: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 10، الوسيط 3: 8، المجموع 9: 162، روضة الطالبين 3: 5، المغني والشرح الكبير 4: 5.
(3) حلية العلماء 4: 14، العزيز شرح الوجيز 4: 11، روضة الطالبين 3: 5، المغني والشرح الكبير 4: 5.
(4) المغني 4: 5، الشرح الكبير 4: 5 - 6.

[ 8 ]

والحوالة في الحقيرة على العرف، فتختلف بأجناس الأموال. وفسره بعض الشافعية بما دون نصاب السرقة (1). وهو تحكم. مسألة 2: صيغة الإيجاب: " بعت " أو " شريت " أو " ملكت " من جهة البائع. والقبول من المشتري: " قبلت " أو " ابتعت " أو " اشتريت " أو " تملكت ". ولا يشترط الاتحاد إجماعا، فيقول البائع: شريت، فيقول المشتري: تملكت. ويشترط أمور: الأول: تقديم الإيجاب على الأقوى - خلافا للشافعي وأحمد (2) - عملا بالأصل، والدلالة على الرضا ليست كافية. الثاني: الإتيان بهما بلفظ الماضي، فلو قال: أبيعك، أو قال: أشتري، لم يقع إجماعا، لانصرافه إلى الوعد. ولو تقدم القبول بلفظ الطلب بأن قال: بعني، بدل قوله: اشتريت، فقال البائع: بعتك، لم ينعقد - وبه قال أبو حنيفة والمزني والشافعي في أحد القولين (3) - لأنه ليس صريحا في الإيجاب، فقد يقصد أن يعرف أن البائع هل يرغب في البيع؟

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 10، المجموع 9: 164، روضة الطالبين 3: 5.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 264، المجموع 9: 166، روضة الطالبين 3: 4، منهاج الطالبين: 94، الحاوي الكبير 5: 40، العزيز شرح الوجيز 4: 10، المغني والشرح الكبير 4: 4، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 3.
(3) بدائع الصنائع 5: 133، مختصر اختلاف العلماء 3: 49 / 1126، المغني والشرح الكبير 4: 4، الحاوي الكبير 5: 41 - 42، الوجيز 1: 132، العزيز شرح الوجيز 4: 11، حلية العلماء 4: 14، المجموع 9: 168.

[ 9 ]

وأصح وجهي الشافعي: الجواز - وبه قال مالك - لوجود اللفظ المشعر من الجانبين (1). وعن أحمد روايتان (2) كالقولين. نعم، لو قال المشتري بعد ذلك: اشتريت، أو: قبلت، صح إجماعا. ولو تقدم بلفظ الاستفهام فيقول: أتبيعني؟ فيقول: بعتك، لم يصح إجماعا، لأنه ليس بقبول ولا استدعاء. الثالث: النطق، فلا تكفي الإشارة إلا مع العجز، للأصل. ولا الكتابة، لإمكان العبث. وللشافعية وجهان (3). الرابع: التصريح، فلا يقع بالكناية مع النية، مثل: أدخلته في ملكك، أو: جعلته لك، أو: خذه مني بكذا، أو: سلطتك عليه بكذا، عملا بأصالة بقاء الملك. ولأن المخاطب لا يدري بم خوطب. وأصح وجهي الشافعي: الوقوع، قياسا على الخلع (4). ونمنع الأصل، وينتقض بالنكاح. الخامس: الجزم، فلو علق العقد على شرط، لم يصح وإن كان

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 264، المجموع 9: 168، روضة الطالبين 3: 5، منهاج الطالبين: 94، حلية العلماء 4: 14، العزيز شرح الوجيز 4: 11، الحاوي الكبير 5: 41، بداية المجتهد 2: 270، المغني والشرح الكبير 4: 4.
(2) المغني والشرح الكبير 4: 4، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 3، العزيز شرح الوجيز 4: 11.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 264، المجموع 9: 167، حلية العلماء 4: 15، العزيز شرح الوجيز 4: 12 - 13. (4) المجموع 9: 166، روضة الطالبين 3: 6، منهاج الطالبين: 94، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 12.

[ 10 ]

الشرط المشيئة، للجهل بثبوتها حالة العقد وبقائها مدته. وهو أحد قولي الشافعية. وأظهر الوجهين لهم: الصحة، لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد، لأنه لو لم يشأ لم يشتر (1). فروع: أ - إنما يفتقر إلى الإيجاب والقبول فيما ليس بضمني من البيوع، أما الضمني، ك‍ " أعتق عبدك عني بكذا " فيكفي فيه الالتماس والجواب، ولا تعتبر الصيغ المتقدمة إجماعا. ب - لو اتحد المتعاقدان، كالأب عن ولده، افتقر إلى الإيجاب والقبول، وهو أحد وجهي الشافعية. وفي الآخر: الاكتفاء بأحد اللفظين (2). ج - لابد من التطابق في المعنى بين الصيغتين، فلو قال: بعتك هذين بألف، فقال: قبلت أحدهما بخمسمائة، أو: قبلت نصفهما بنصف الثمن. أو قال: بعتكما هذا بألف، فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن، لم يقع على إشكال في الأخير أقربه: الصحة واختيار البائع.

(1) المجموع 9: 170، روضة الطالبين 3: 8، العزيز شرح الوجيز 4: 14.
(2) المجموع 9: 170، روضة الطالبين 3: 7، العزيز شرح الوجيز 4: 13. (*

[ 11 ]

الفصل الثالث في المتعاقدين مسألة 3: يشترط فيهما البلوغ والعقل، فلا تصح عبارة الصبي، سواء كان مميزا أو لا، أذن له الولي أو لا - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (1) - لأن العقل لا يمكن الوقوف على حده المنوط التصرف به، لخفائه وتزايده تزايدا على التدريج، فجعل الشارع له ضابطا هو البلوغ، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة. ولأن المميز غير مكلف، فأشبه غيره. وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: يصح عقد المميز بإذن الولي، لقوله تعالى: * (وابتلوا اليتامى) * (2) وإنما يتحقق الاختبار بتفويض التصرف (3). والجواب: الابتلاء يثبت بتفويض الاستيام والمماكسة وتدبير البيع ثم يعقد الولي.

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 264، المجموع 9: 155 - 156 و 158، روضة الطالبين 3: 9، منهاج الطالبين: 94، حلية العلماء 4: 10، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 15، الوسيط 3: 12، بدائع الصنائع 5: 135، المغني 4: 321، الشرح الكبير 4: 7.
(2) النساء: 6.
(3) بدائع الصنائع 5: 135، المغني 4: 321، الشرح الكبير 4: 7، الوسيط 3: 12، العزيز شرح الوجيز 4: 15، المجموع 9: 158.

[ 12 ]

وفي وجه لنا وللشافعية: جواز [ بيع ] (1) الاختبار (2). وفي وجه لأبي حنيفة: انعقاد بيع المميز بغير إذن الولي موقوفا على إجازة الولي (3). وفي وجه آخر لنا: جواز بيعه إذا بلغ عشرا. فروع: أ - لو اشترى الصبي وقبض أو استقرض وأتلف، فلا ضمان عليه، لأن التضييع من الدافع، فإن كان المال باقيا، رده، وعلى الولي استرداد الثمن، ولا يبرأ البائع بالرد إلى الصبي، وبه قال الشافعي (4). ب - كما لا تصح تصرفاته اللفظية كذا لا يصح قبضه، ولا يفيد حصول الملك في الهبة وإن اتهب الولي له ولا لغيره وإن أمره الموهوب منه بالقبض. ولو قال مستحق الدين للمديون: سلم حقي إلى هذا الصبي، فسلم قدر حقه، لم يبرأ عن الدين، وبقي المقبوض على ملكه لا يضمنه الصبي، لأن البراءة تستند إلى قبض صحيح ولم يثبت. ولو فتح الصبي الباب وأذن في الدخول عن إذن أهل الدار أو أوصل هدية إلى إنسان عن إذن المهدي، فالأقرب: الاعتماد، لتسامح السلف فيه. ج - المجنون إن كان له حال إفاقة فباع أو اشترى فيها، صح، وإلا فلا.

(1) أضفناها من المصدر.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 15، روضة الطالبين 3: 9.
(3) بدائع الصنائع 5: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 15، المجموع 9: 158، المغني 4: 321، الشرح الكبير 4: 8.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 15، روضة الطالبين 3: 10، المجموع 9: 156.

[ 13 ]

ولو ادعى الجنون حالة العقد، قدم قوله. ولو لم يعرف له حالة جنون، قدم قول مدعي الصحة. ويقدم قول الصبي لو ادعى إيقاعه حالة الصبا. د - لا ينعقد بيع المجنون وإن أذن وليه، ولا المغمى عليه ولا السكران ولا الغافل ولا الناسي ولا النائم والهازل ولا المكره. مسألة 4: الاختيار شرط في المتعاقدين، فلا يصح بيع المكره ولا شراؤه، لقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (1). وفي معنى الإكراه بيع التلجئة، وهو: أن يخاف أن يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلا على إظهار شرائه منه ولا يريد بيعا حقيقيا، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد (2) - لأنهما لم يقصدا البيع، فكانا كالهازلين. وقال أبو حنيفة والشافعي: يصح بيع التلجئة، لأنه تم بأركانه وشروطه خاليا عن مقارنة مفسد، فصح، كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا بغير شرط (3). ونمنع المقدمات. وكذا القصد شرط في البيع إجماعا. فروع: أ - لو رضي من منع عقده بفعله بعد زوال المانع، لم يصح، إلا

(1) النساء: 29.
(2) المغني 4: 302، المجموع 9: 334.
(3) المغني 4: 302، المجموع 9: 334، العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 23.

[ 14 ]

المكره، للوثوق بعبارته. ب - لو أكرهه على بيع عبد فباع اثنين أو نصفه، فإشكال. وكذا بثمن فباع بأزيد أو أنقص، أو بوصف حلول أو غيره فباع بخلافه. ج - لو ادعى الإكراه، قبل مع اليمين مع القرينة لا بدونها. مسألة 5: يشترط أن يكون البائع مالكا أو من له ولاية، كالأب والجد له والحاكم وأمينه والوكيل، فلو باع الفضولي، صح، ووقف على إجازة المالك - وبه قال مالك وإسحاق وأبو حنيفة والشافعي في القديم، وأحمد في إحدى الروايتين (1) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) دفع إلى عروة البارقي دينارا ليشتري له شاة فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار وجاء بدينار وشاة، وحكى له، فقال (صلى الله عليه وآله) له: " بارك الله لك في صفقة يمينك " (2). ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه، فيجب أن يقف على إجازته، كالوصية. وقال أبو ثور وابن المنذر والشافعي في الجديد وأحمد في الرواية الأخرى: يبطل البيع - وهو قول لنا - لقوله (عليه السلام) لحكيم بن حزام: " لا تبع ما ليس عندك " (3).

(1) بداية المجتهد 2: 172، بدائع الصنائع 5: 147، الهداية - للمرغيناني - 3: 68، الاختيار لتعليل المختار 2: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 31 و 32، روضة الطالبين 3: 21، المجموع 9: 259، حلية العلماء 4: 74 - 75، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.
(2) سنن الترمذي 3: 559 / 1258، سنن الدارقطني 3: 10 / 29، المغني 4: 296 - 297، الشرح الكبير 4: 18.
(3) سنن ابن ماجة 2: 737 / 2187، سنن أبي داود 3: 283 / 3503، سنن الترمذي 3: 534 / 1232، سنن النسائي 7: 289، سنن البيهقي 5: 267، 317، 339، مسند أحمد 4: 403 / 14887، و 455 / 15145، المعجم الكبير - للطبراني - 3: 217 - 218 / 3097 - 3099، 3102، 3103.

[ 15 ]

ولأنه باع ما لا يقدر على تسليمه، فأشبه الآبق والطير في الهواء (1). والجواب: النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد، ونصرفه إلى أنه باع عن نفسه ويمضي فيشتريه من مالكه، لأنه ذكره جوابا له حين سأله أنه يبيع الشئ ثم يمضي ويشتريه ويسلمه، والقدرة على التسليم من المالك موجودة إن أجازه. فروع: أ - شرط أبو حنيفة للوقف أن يكون للعقد مجيز في الحال، فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز، لم ينعقد. وكذا لو باع مال غيره ثم ملكه وأجاز (2). وهو قول للشافعية تفريعا على القديم (3). ب - لو اشترى فضوليا، فإن كان بعين مال الغير، فالخلاف في البطلان والوقف على الإجازة، إلا أن أبا حنيفة قال: يقع للمشتري بكل حال (4). وإن كان في الذمة لغيره وأطلق اللفظ، قال علماؤنا: يقف على الإجازة، فإن أجازه، صح، ولزمه أداء الثمن، وإن رد، نفذ عن المباشر

(1) المغني 4: 296 - 297، الشرح الكبير 4: 18، بداية المجتهد 2: 172، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 31 و 32، المجموع 9: 259 و 261، روضة الطالبين 3: 21، الهداية - للمرغيناني - 3: 68.
(2) بدائع الصنائع 5: 149، العزيز شرح الوجيز 4: 32.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 260، روضة الطالبين 3: 22.
(4) الهداية - للمرغيناني - 3: 69، المجموع 9: 261، حلية العلماء 4: 75، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.

[ 16 ]

- وبه قال الشافعي في القديم وأحمد (1) - وإنما يصح الشراء، لأنه تصرف في ذمته لا في مال غيره، وإنما وقف (2) على الإجازة، لأنه عقد الشراء له، فإن أجازه، لزمه، وإن رده، لزم من اشتراه، ولا فرق بين أن ينقد من مال الغير أو لا. وقال أبو حنيفة: يقع عن المباشر. وهو جديد للشافعي (3). ج - لا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ويمضي ليشتريها ويسلمها، وبه قال الشافعي وأحمد (4)، ولا نعلم فيه خلافا، لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع ما ليس عندك (5). ولاشتماله على الغرر، فإن صاحبها قد لا يبيعها وهو غير مالك لها ولا قادر على تسليمها. أما إذا اشترى موصوفا في الذمة سواء كان حالا أو مؤجلا، فإنه جائز. وكذا لو اشترى عينا شخصية غائبة مملوكة للبائع موصوفة بما يرفع الجهالة، فإنه جائز إجماعا. د - لو باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت، فحكمه حكم الغائب، قاله علماؤنا وأكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو يوسف (6)، لاحتمال السكوت غير الرضا. وقال ابن أبي ليلى: سكوته إقرار، كالبكر (7).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 260، روضة الطالبين 3: 21، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.
(2) في الطبعة الحجرية: توقف.
(3) بدائع الصنائع 5: 150، حلية العلماء 4: 77، العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 260، روضة الطالبين 3: 21.
(4) المغني 4: 297، الشرح الكبير 4: 19.
(5) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 14، الهامش (3). (6 و 7) المجموع 9: 264، المغني 4: 297، الشرح الكبير 4: 19.

[ 17 ]

والفرق: الحياء المانع من كلامها. ه‍ - الغاصب وإن كثرت تصرفاته فللمالك أن يجيزها ويأخذ الحاصل في الحال، ويتتبع (1) العقود ويعتمد مصلحته في نسخ أيها شاء، فينفسخ فرعه، وهو أضعف قولي الشافعي، وأصحهما عنده: بطلان الجميع (2). و - لو باع بظن الحياة (3) وأنه فضولي فبان موته وأنه مالك، صح البيع - وهو أصح قولي الشافعي (4) - لأنه بيع صدر من أهله في محله. وأضعفهما: البطلان، لأنه كالغائب عن (5) مباشرة العقد، لاعتقاده أن المبيع لغيره (6). وله آخر: أنه موقوف على تيقن (7) الحياة أو الموت (8). ز - لو باع الهازل، لم ينعقد عندنا، لأنه غير قاصد، فلا يترتب عليه حكم. وللشافعي وجهان (9). ح - لو باع الفضولي أو اشترى مع جهل الآخر، فإشكال ينشأ من أن

(1) في الطبعة الحجرية: ويتبع.
(2) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 33، المجموع 9: 260 - 261، روضة الطالبين 3: 22.
(3) أي: حياة والد البائع.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 33، المجموع 9: 261، روضة الطالبين 3: 22.
(5) كذا، وفي العزيز شرح الوجيز: كالعابث عند.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 33، المجموع 9: 261، وروضة الطالبين 3: 22 - 23. (7) في الطبعة الحجرية: يقين.
(8) العزيز شرح الوجيز 4: 34.
(9) العزيز شرح الوجيز 4: 33، المجموع 9: 173، روضة الطالبين 3: 23.

[ 18 ]

الآخر إنما قصد تمليك العاقد. أما مع العلم: فالأقوى ما تقدم. وفي الغاصب مع علم المشتري أشكل، إذ ليس له الرجوع بما دفعه إلى الغاصب هنا. ط - يرجع المشتري على البائع غير المالك بما دفعه ثمنا وبما اغترمه من نفقة أو عوض عن أجرة أو نماء مع جهله أو ادعاء البائع الإذن. وهل يرجع بما دفعه مما حصل له في مقابلته نفع؟ قولان. ولو كان عالما، لم يرجع بما اغترم ولا بالثمن مع علم الغصب مطلقا عند علمائنا. والأقوى: أن له الرجوع مع بقاء الثمن، لعدم الانتقال، بخلاف التالف، لأنه أباحه فيه من غير عوض. ي - لا يبطل رجوع المشتري الجاهل بادعاء الملكية للبائع، لأنه بنى على الظاهر، على إشكال ينشأ من اعترافه بالظلم، فلا يرجع على غير ظالمه. يأ - لو تلفت العين في يد المشتري، كان للمالك الرجوع على من شاء منهما، لدفع مال الغير بغير إذنه، وقبضه كذلك، فإن رجع على المشتري العالم، لم يرجع على البائع، لاستقرار التلف في يده. وإن رجع على البائع، رجع (1) عليه إن لم يكن قبض، ولو قبض، تقاصا وترادا الفضل. ولو كان المشتري جاهلا، رجع على البائع، لغروره، ولا يرجع البائع عليه، لضعف المباشرة. يب - لو ضم المملوك إلى غيره، صح في ملكه ووقف الآخر على

(1) في الطبعة الحجرية: يرجع.

[ 19 ]

الإجازة عندنا (1)، وسيأتي بحثه في تفريق الصفقة. مسألة 6: لا يشترط إسلام العاقد إلا إسلام المشتري في شراء العبد المسلم، فلا ينعقد شراء الكافر للمسلم، عند أكثر علمائنا (2) - وبه قال أحمد ومالك في إحدى الروايتين وأصح قولي الشافعي (3) - لأن الاسترقاق سبيل فينتفى، لقوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) * (4). ولأنه ذل، فلا يثبت للكافر على المسلم، كالنكاح. ولأنه يمنع من استدامة ملكه فيمنع من ابتدائه، كالنكاح. وقال أبو حنيفة والشافعي في أضعف القولين، ومالك في الرواية الأخرى، وبعض (5) علمائنا: يصح ويجبر على بيعه، لأنه يملكه بالإرث، ويبقى (6) عليه - لو أسلم - في يديه، فصح شراؤه (7).

(1) كلمة " عندنا " لم ترد في " ق ".
(2) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 167، وابن زهرة في الغنية: 210، والمحقق في شرائع الإسلام 2: 16.
(3) المغني 4: 332، الشرح الكبير 4: 47، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 13، أحكام القرآن - لابن العربي - 1: 510، الجامع لأحكام القرآن 5: 421، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 17، الوسيط 3: 13، حلية العلماء 4: 118، المهذب - للشيرازي - 1: 274، المجموع 9: 355 و 359 - 360، روضة الطالبين 3: 11، الحاوي الكبير 5: 381، التفسير الكبير 11: 83. (4) النساء: 141.
(5) انظر: شرائع الإسلام 2: 16.
(6) أي: ويبقى الملك.
(7) المغني 4: 332، الشرح الكبير 4: 47، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 17، الوسيط 3: 13، حلية العلماء 4: 118، الحاوي الكبير 5: 381 - 382، المهذب - للشيرازي - 1: 274، المجموع 9: 355 و 359 - 360، روضة الطالبين 3: 11، الجامع لأحكام القرآن 5: 421.

[ 20 ]

والفرق: أن الإرث والاستدامة أقوى من الابتداء، لثبوته بهما للمحرم في الصيد مع منعه من ابتدائه، ولا يلزم من ثبوت الأقوى ثبوت الأدون مع أننا نقطع الاستدامة عليه بمنعه منها وإجباره على إزالتها. فروع: أ - الخلاف واقع في اتهابه وقبول الوصية به والاستئجار عليه. ب - لو وكل الكافر مسلما في شراء مسلم، لم يصح - وبه قال أحمد (1) - لأن الملك يقع للموكل. ولو انعكس، فالأقرب: الصحة - وهو أحد وجهي أحمد (2) - لأن المانع ثبوت السبيل، والملك هنا للمسلم. والآخر له: لا يصح، لأن ما منع من شرائه منع من التوكيل فيه، كالمحرم في الصيد (3). والفرق: الممنوع هنا الإعانة. ج - لو كان المسلم ممن ينعتق على الكافر، فالأقرب عندي: صحة البيع، لأنه يستعقب العتق وإن كرهه، فلا إذلال، وهو أصح وجهي الشافعية (4)، وإحدى روايتي أحمد (5).

(1 - 3) المغني 4: 332.
(4) في " ق، ك ": الشافعي.
(5) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 17، الوسيط 3: 14، المهذب - للشيرازي - 1: 274، المجموع 9: 355، روضة الطالبين 3: 11، المغني 4: 332، الشرح الكبير 4: 47، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 13.

[ 21 ]

وفي الأخرى: لا يصح، لأن ما منع من شرائه لم يبح له الشراء وإن زال ملكه، كالصيد (1). والفرق: أن المحرم لو ملكه لثبت عليه، بخلاف المتنازع. د - كل شراء يستعقب العتق فكالقريب، كما لو أقر كافر بحرية عبد مسلم ثم اشتراه من مالكه، أو قال لغيره: أعتق عبدك المسلم عني وعلي ثمنه، ففعل. والخلاف كما تقدم. ه‍ - يجوز أن يستأجر الكافر مسلما لعمل في ذمته، لأنه دين عليه، ويتمكن من تحصيله بغيره. وآجر بعض الأنصار نفسه من ذمي يستقي له كل دلو بتمرة، وأتى به النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ينكره (2). وكذا في الإجارة على العين. وللشافعي وجهان: أظهرهما عنده: الصحة، إذ لا يستحق بالإجارة رقبته بل منفعته بعوض، وهو في يد نفسه إن كان حرا، وفي يد سيده إن كان عبدا. والثاني: يبطل، لما فيه من الاستيلاء والإذلال باستحقاق استعماله (3). فإن قلنا بالصحة، فهل يؤمر بأن يؤجر من مسلم؟ للشافعي وجهان (4).

(1) الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 13، المغني 4: 332، الشرح الكبير 4: 47.
(2) سنن ابن ماجة 2: 818 / 2448، المغني 4: 332.
(3) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 18، المهذب - للشيرازي - 1: 402، المجموع 9: 359، روضة الطالبين 3: 12.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 18، المجموع 9: 359، روضة الطالبين 3: 12.

[ 22 ]

و - في صحة ارتهان الكافر المسلم وجهان للشافعي (1)، وسيأتي. ويجوز إعارته وإيداعه منه. ز - لا يمنع الكافر من استرجاعه بالعيب، ويتصور على وجهين: بأن يبيع مسلما (2) - ورثه أو أسلم في يده - بثوب من مسلم ثم يجد في الثوب عيبا - وهو أظهر وجهي الشافعي (3) - لأنه قهري كالإرث. والآخر: المنع، لأنه مختار، فتسترد قيمة العبد ويفرض كالتالف، فالثوب له رده قطعا (4). أو بأن يجد مشتري العبد فيه عيبا. وفيه للشافعي وجهان: المنع، فإنه كما يحرم على الكافر تملك المسلم كذا يحرم على المسلم تمليك الكافر المسلم. والجواز، إذ لا اختيار للكافر هنا (5). ح - إذا حصل المسلم في ملك الكافر بإرث أو شراء وقلنا بصحته، أو أسلم العبد دون مولاه، أمره الحاكم بإزالة الملك عنه إما ببيع أو عتق أو غيرهما، ولا يكفي الرهن والإجارة والتزويج والحيلولة. وفي الكتابة للشافعي وجهان: الأظهر: الاكتفاء، لقطع السلطنة عنه. والمنع، لبقاء ملك الرقبة (6).

(1) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 18، المهذب - للشيرازي - 1: 316، المجموع 9: 359، روضة الطالبين 3: 12.
(2) أي: عبدا مسلما. (3 و 4) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 18، الوسيط 3: 15، المجموع 9: 356 - 357، روضة الطالبين 3: 12.
(5) الوسيط 3: 15، العزيز شرح الوجيز 4: 18، المجموع 9: 357، روضة الطالبين 3: 12.
(6) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 20، الوسيط 3: 16، الحاوي الكبير 5: 382، المهذب - للشيرازي - 1: 274، المجموع 9: 357، روضة الطالبين 3: 13.

[ 23 ]

والأقرب عندي: الأول في المطلقة، والثاني في المشروطة. ط - لو أسلمت مستولدة الكافر، امتنع بيعها على أصح قولي الشافعي. وفي أمره بالإعتاق، له وجهان: الأمر، لاستحقاقها العتق، ولابد من دفع الذل. والأظهر: المنع، للإجحاف والتخسير، فيحال بينهما، وتستكسب في يد غيره له، ويؤخذ منه النفقة (1) (2). وهو عندي حسن. ي - لو امتنع الكافر من إزالة الملك حيث يؤمر، باعه الحاكم بثمن المثل، ويكون الثمن للكافر، فإن لم يجد راغبا، صبر مع الحيلولة. ولو مات الكافر، أمر وارثه بما يؤمر مورثه يأ - لا يجوز للكافر شراء المصحف - وهو أظهر قولي الشافعي (3) - لما فيه من تعظيم الكتاب العزيز. والآخر له: الجواز (4). وفي أخبار (5) الرسول (صلى الله عليه وآله) عندي تردد. وللشافعي وجهان (6). مسألة 7: يشترط في العاقد انتفاء الحجر عنه، فلو كان محجورا عليه برق أو سفه أو فلس أو مرض مع المحاباة وقصور الثلث على رأي، بطل، أو وقف على الإجازة على الخلاف، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في أبوابه.

(1) أي: يؤخذ من الكافر نفقة المستولدة.
(2) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 20، الوسيط 3: 16، المجموع 9: 357 - 358، روضة الطالبين 3: 14. (3 و 4) الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 17، الوسيط 3: 13، حلية العلماء 4: 118، المهذب للشيرازي 1: 274، المجموع 9: 355، روضة الطالبين 3: 11، منهاج الطالبين: 94، بدائع الصنائع 5: 135، المغني 4: 331، الشرح الكبير 4: 15.
(5) أي: كتب الحديث.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 17، المجموع 9: 355، روضة الطالبين 3: 11.

[ 24 ]

وهل يشترط البصر؟ الأظهر: لا، فيصح بيع الأعمى وشراؤه مع الوصف الرافع للجهالة، سواء كان مما يدرك بالذوق أو الشم أو لا. وله خيار الخلف في الصفة، كالمبصر، وبه قال أحمد وأبو حنيفة (1). وللشافعية طريقان: أحدهما: أنه على قولين. والثاني: القطع بالمنع، لأنا نثبت خيار الرؤية في بيع الغائب وهنا لا رؤية، فيكون كبيع الغائب على شرط نفي الخيار (2). قال الشافعي: ولو رآه بصيرا ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير فيه، صح (3). ولو باع سلما أو أسلم، فإن عمي بعد ما بلغ سن التمييز، صح، لأن الاعتماد في السلم على الأوصاف وهو يعرفها، ثم يوكل من يقبض، ولا يصح قبضه بنفسه على أصح قوليه، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره. وإن عمي قبل سن التمييز أو كان أكمه، فوجهان عنده: عدم الصحة، لعدم معرفته بالألوان. وأظهرهما: الجواز، لأنه يتخيل فرقا بين الألوان ويعرف أحوالها بالسماع (4). ومنع المزني من تسلمه (5). وقال عبيد الله بن الحسن: يجوز شراؤه، وإذا أمر إنسانا بالنظر إليه، لزمه (6).

(1) المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32، حلية العلماء 4: 97 - 98، المجموع 9: 302 - 303، العزيز شرح الوجيز 4: 52، الهداية - للمرغيناني - 3: 34، الاختيار لتعليل المختار 2: 15، المبسوط - للسرخسي - 13: 77.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 52، المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 302.
(3) المجموع 9: 303، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32.
(4) المجموع 9: 303، العزيز شرح الوجيز 4: 53، الحاوي الكبير 5: 339.
(5) الحاوي الكبير 5: 339، العزيز شرح الوجيز 4: 53.
(6) المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32.

[ 25 ]

الفصل الرابع: العوضان ويشترط فيهما أمور: الأول: الطهارة. مسألة 8: يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية، فلا تضر النجاسة العارضة مع قبول التطهير. ولو باع نجس العين كالخمر والميتة والخنزير، لم يصح إجماعا، لقوله تعالى: * (فاجتنبوه) * (1) * (حرمت عليكم الميتة) * (2) والأعيان لا يصح تحريمها، وأقرب مجاز إليها جميع وجوه الانتفاع، وأعظمها البيع، فكان حراما. ولقول جابر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وهو بمكة - يقول: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " (3). وما عرضت له النجاسة إن قبل التطهير، صح بيعه، ويجب إعلام المشتري بحاله، وإن لم يقبله، كان كنجس العين.

(1) المائدة: 90.
(2) المائدة: 3.
(3) صحيح البخاري 3: 110، صحيح مسلم 3: 1207 / 1581، سنن الترمذي 3: 591 / 1297، سنن النسائي 7: 309، سنن البيهقي 6: 12، مسند أحمد 4: 270 / 14063.

[ 26 ]

فرع: كما لا يجوز للمسلم مباشرة بيع الخمر فكذا لا يجوز أن يوكل فيه ذميا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم (1). وقال أبو حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها (2). وهو خطأ، لما تقدم. ولأنه نجس العين، فيحرم فيه التوكيل، كالخنزير. مسألة 9: الكلب إن كان عقورا، حرم بيعه، عند علمائنا - وبه قال الحسن وربيعة وحماد والأوزاعي والشافعي وداود وأحمد (3). وعن أبي حنيفة روايتان (4). وبعض أصحاب مالك منعه (5) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الكلب (6). وقال الرضا (عليه السلام): " ثمن الكلب سحت " (7).

(1) المجموع 9: 227، منهاج الطالبين: 94، المغني 4: 307، الشرح الكبير 4: 47.
(2) بدائع الصنائع 5: 141، حلية العلماء 4: 58، المجموع 9: 227، المغني 4: 307، الشرح الكبير 4: 47.
(3) المغني 4: 324، الشرح الكبير 4: 15، حلية العلماء 4: 55، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 23، المهذب - للشيرازي - 1: 268، المجموع 9: 226 - 228، الحاوي الكبير 5: 375، روضة الطالبين 3: 16، بداية المجتهد 2: 126، الهداية - للمرغيناني - 3: 79.
(4) الهداية - للمرغيناني - 3: 79، حلية العلماء 4: 58 - 59، العزيز شرح الوجيز 4: 23، المغني 4: 324، الشرح الكبير 4: 15.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 23، حلية العلماء 4: 59، المغني 4: 324، الشرح الكبير 4: 15.
(6) صحيح البخاري 3: 78، 110، 111، صحيح مسلم 3: 1198 / 1567، المستدرك - للحاكم - 2: 34، سنن الترمذي 3: 575 / 1276، سنن أبي داود 3: 279 / 3481 - 3483، سنن النسائي 7: 189، سنن البيهقي 6: 6، الموطأ 2: 656 / 68، المصنف - لابن أبي شيبة - 6: 243 - 244 / 948 و 950 و 952، مسند أحمد 4: 260 / 14002، و 296 - 297 / 14242، و 320 / 14388.
(7) الكافي 5: 120 / 4، تفسير العياشي 1: 321 / 111.

[ 27 ]

وقال الصادق (عليه السلام): " ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت " (1). أما كلب الصيد: فالأقوى عندنا جواز بيعه - وبه قال أبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وجابر وعطاء والنخعي (2) - لما روي عن جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد (3). وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد، قال: " لا بأس بثمنه، والآخر لا يحل ثمنه " (4). ولأنه يحل الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه والوصية به. وقال الشافعي وأحمد والحسن وربيعة وحماد والأوزاعي وداود بالتحريم - وهو قول لنا - لأنه (عليه السلام) نهى عن ثمن الكلب (5)، وهو عام. ولأنه نجس العين، فأشبه الخنزير (6). ونمنع العموم، إذ ليس من صيغه، والنجاسة غير مانعة، كالدهن النجس، والخنزير لا ينتفع به، بخلافه. فروع: أ - إن سوغنا بيع كلب الصيد، صح بيع كلب الماشية والزرع

(1) التهذيب 6: 356 / 1017، تفسير العياشي 1: 321 / 114.
(2) الهداية - للمرغيناني - 3: 79، بدائع الصنائع 5: 143، الكافي في فقه أهل المدينة: 327، المنتقى - للباجي - 5: 28، حلية العلماء 4: 58، المجموع 9: 228، العزيز شرح الوجيز 4: 23، المغني 4: 324، الشرح الكبير 4: 15.
(3) سنن النسائي 7: 309، سنن البيهقي 6: 6.
(4) التهذيب 6: 356 / 1016.
(5) تقدمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (5) من ص 26.
(6) المجموع 9: 228، روضة الطالبين 3: 16، منهاج الطالبين: 94، العزيز شرح الوجيز 4: 23، الحاوي الكبير 5: 375 - 376، بداية المجتهد 2: 126، المغني 4: 324 - 325، الشرح الكبير 4: 15.

[ 28 ]

والحائط، لأن المقتضي - وهو النفع - حاصل هنا. ب - تصح إجارة كلب الصيد - وبه قال بعض الشافعية (1) - لأنها منفعة مباحة فجازت المعاوضة عنها. ومنع بعضهم والحنابلة، لأنه حيوان يحرم بيعه فحرمت إجارته، كالخنزير، ولا تضمن منفعته في الغصب فلا يجوز أخذ العوض عنها (2). والأصلان ممنوعان، والخنزير لا منفعة فيه. ج - تصح الوصية بالكلب الذي يباح (3) اقتناؤه، وكذا هبته، وبه قال بعض الشافعية وبعض الحنابلة (4). وقال الباقون منهما: لا تصح الهبة، لأنها تمليك في الحياة، فأشبهت البيع (5). والحكم في الأصل ممنوع. د - يحرم قتل ما يباح اقتناؤه من الكلاب إجماعا، وعليه الضمان

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 401، المجموع 9: 231، الوجيز 1: 230، العزيز شرح الوجيز 6: 90، الوسيط 4: 157، حلية العلماء 5: 384 - 385، التنبيه في الفقه الشافعي: 123، روضة الطالبين 4: 253.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 401، المجموع 9: 231، الوجيز 1: 230، العزيز شرح الوجيز 6: 90، الوسيط 4: 157، حلية العلماء 5: 384، التنبيه في الفقه الشافعي: 123، روضة الطالبين 4: 253، منهاج الطالبين: 159، المغني 4: 325.
(3) في الطبعة الحجرية: مباح.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 459، المجموع 9: 231، روضة الطالبين 3: 17، التنبيه في الفقه الشافعي: 141 - 142، حلية العلماء 4: 59، العزيز شرح الوجيز 4: 25، روضة الطالبين 3: 17، المغني 4: 315.
(5) حلية العلماء 4: 60، المجموع 9: 231، روضة الطالبين 3: 17.

[ 29 ]

على ما يأتي، وبه قال مالك وعطاء (1). وقال الشافعي وأحمد: لا غرم، لأنه يحرم أخذ عوضه، فلا يجب غرم بإتلافه (2). والأصل ممنوع. أما الكلب العقور فيباح قتله إجماعا، لقوله (صلى الله عليه وآله): " خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " (3). أما الكلب الأسود: فإن كان مما ينتفع به، لم يبح قتله - خلافا لأحمد (4) - لما تقدم. وقوله (عليه السلام): " الكلب الأسود شيطان " (5) لا يبيح قتله. ه‍ - لا بأس ببيع الهر، عند علمائنا - وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي (6) - لقول الصادق (عليه السلام): " لا بأس بثمن الهر " (7).

(1) المنتقى - للباجي - 5: 28، المجموع 9: 228، المغني 4: 325، الشرح الكبير 4: 15.
(2) المجموع 9: 228، المغني 4: 325، الشرح الكبير 4: 15.
(3) صحيح البخاري 3: 17، صحيح مسلم 2: 857 / 71، الموطأ 1: 357 / 90، سنن البيهقي 5: 209 و 210، المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16.
(4) المغني 4: 325، الشرح الكبير 4: 15.
(5) صحيح مسلم 1: 365 / 510، سنن ابن ماجة 1: 306 / 952، سنن أبي داود 1: 187 / 702، سنن الترمذي 2: 161 - 162 / 338، سنن النسائي 2: 64، سنن البيهقي 2: 274، مسند أحمد 6: 184 / 20816، و 187 - 188 / 20835.
(6) المغني 4: 328، الشرح الكبير 4: 10، الكافي في فقه أهل المدينة: 327، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 26 - 28، الوسيط 3: 19، مختصر المزني: 90، الحاوي الكبير 5: 381 و 382، المجموع 9: 229، روضة الطالبين 3: 18 - 19.
(7) التهذيب 6: 356 / 1017.

[ 30 ]

ولأنه ينتفع به، ويحل اقتناؤه، فجاز بيعه كغيره. وكرهه أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وأحمد، لما روي عن جابر أنه سئل عن ثمن السنور، فقال: زجر النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك (1) (2). وهو محمول على غير المملوك، أو ما لا نفع فيه. و - يجوز اقتناء كلب الصيد والزرع والماشية والحائط، دون غيره، لقوله (عليه السلام): " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط " (3). ولو اقتناه لحفظ البيوت، فالأقرب: الجواز - وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (4) - لأنه في معنى الثلاثة. ومنع منه بعضهم، لعموم النهي (5). ز - يجوز تربية الجرو (6) الصغير لإحدى المنافع المباحة - وهو أقوى وجهي الحنابلة (7) - لأنه قصد لذلك، فله حكمه، كما جاز بيع العبد الصغير الذي لا نفع فيه. والآخر: لا يجوز، لأنه ليس أحد المنتفع بها (8). ح - لو اقتناه للصيد ثم ترك الصيد مدة، لم يحرم اقتناؤه مدة تركه. وكذا لو حصد الزرع أو هلكت الماشية أو خرج من البستان إلى أن يصيد أو

(1) صحيح مسلم 3: 1199 / 1569.
(2) المغني 4: 328، الشرح الكبير 4: 10، المجموع 9: 229. (3) صحيح مسلم 3: 1203 / 58، سنن أبي داود 3: 108 / 2844، سنن الترمذي 4: 80 / 1490، سنن البيهقي 1: 251، المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16. (4 و 5) المهذب - للشيرازي - 1: 268، الحاوي الكبير 5: 379 - 380، المجموع 9: 234، روضة الطالبين 3: 18، المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16.
(6) الجرو: ولد الكلب. القاموس المحيط 4: 312. (7 و 8) المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16.

[ 31 ]

يزرع آخر أو يشتري ثمرة أخرى. ط - لو اقتنى كلب الصيد من لا يصيد، جاز - وهو أحد وجهي الحنابلة (1) - لاستثنائه (عليه السلام) كلب الصيد (2). والآخر: المنع، لأنه اقتناه لغير حاجة، فأشبه غيره، إذ معنى كلب الصيد كلب يصيد (3). والمراد بالقوة. مسألة 10: لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منا - وبه قال مالك والشافعي وأحمد (4) - للإجماع على نجاسته، فيحرم بيعه، كالميتة. وقال أبو حنيفة: يجوز، لأن أهل الأمصار يبايعونه لزروعهم من غير نكير، فكان إجماعا (5). ونمنع إجماع العلماء، ولا عبرة بغيرهم. ولأنه رجيع نجس، فلم يصح بيعه، كرجيع الآدمي. أما غير النجس: فيحتمل عني جواز بيعه. مسألة 11: لا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إجماعا منا، وبه قال أحمد (6).

(1) المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16.
(2) تقدمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (3) من ص 30.
(3) المغني 4: 326، الشرح الكبير 4: 16.
(4) المغني 4: 327، الشرح الكبير 4: 16، المجموع 9: 230، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 23، حلية العلماء 4: 55 - 57، الحاوي الكبير 5: 383، روضة الطالبين 3: 16.
(5) المجموع 9: 230، حلية العلماء 4: 58، العزيز شرح الوجيز 4: 23، الحاوي الكبير 5: 383، المغني 4: 327، الشرح الكبير 4: 16.
(6) المغني 4: 329.

[ 32 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز (1). أما بعد الدباغ: فكذلك عندنا، لأنه لا يطهر به، خلافا للجمهور، وقد تقدم (2) ذلك. أما عظام الميتة: فيجوز بيعها ما لم تكن من نجس العين، كالكلب والخنزير، ولهذا جاز بيع عظام الفيل. ولبن الشاة الميتة حرام لا يصح بيعه. وعلى قول الشيخ (3) يجوز بيعه. فروع: أ - لحم المذكى مما لا يؤكل لحمه لا يصح بيعه، لعدم الانتفاع به في غير الأكل المحرم. ولو فرض له نفع ما، فكذلك، لعدم اعتباره في نظر الشرع. ب - لا يصح بيع الترياق، لأنه يحرم تناوله، لاشتماله على الخمر ولحوم الحيات. ولا يحل التداوي به إلا مع خوف التلف. وكذا سم الأفاعي لا يحل بيعه (4). أما السم من الحشائش: فإن كان لا ينتفع به أو كان يقتل قليله، لم يجز بيعه، لعدم نفعه. وإن أمكن التداوي بيسيره، جاز بيعه. ج - الأليات المقطوعة من الشاة الميتة أو الحية لا يحل بيعها

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 24، المجموع 9: 231، الحاوي الكبير 5: 383.
(2) في ج 2 ص 232، المسألة 328.
(3) النهاية: 585.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: بيعها. والصحيح ما أثبتناه.

[ 33 ]

ولا الاستصباح بدهنها مطلقا. أما الدهن النجس بملاقاة النجاسة له فيجوز بيعه لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة. وللشافعي قولان: أحدهما: لا يجوز تطهيره، فلا يصح بيعه، وبه قال مالك وأحمد (1). والثاني: يجوز تطهيره، ففي بيعه عنده وجهان (2). وفي جواز الاستصباح قولان، والأظهر عنده: جوازه ومنع بيعه (3). والدهن النجس بذاته - كودك (4) الميتة - لا يجوز بيعه عنده (5) قولا واحدا. وفي الاستصباح وجهان (6). ويجوز هبة الدهن النجس والصدقة به والوصية به، وكذا الكلب الجائز بيعه. وبعض الشافعية منع من الهبة والصدقة خاصة (7). مسألة 12: يجوز بيع كل ما فيه منفعة، لأن الملك سبب لإطلاق

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 268، المجموع 9: 236 و 238، العزيز شرح الوجيز 4: 24 - 25، روضة الطالبين 3: 17، الشرح الكبير 4: 17.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 268، المجموع 9: 236 - 237، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 24 - 25، حلية العلماء 4: 62، روضة الطالبين 3: 17، الشرح الكبير 4: 17.
(3) المجموع 9: 237، الوجيز 1: 133، العزيز شرح الوجيز 4: 25، حلية العلماء 4: 62، روضة الطالبين 3: 17، الشرح الكبير 4: 17.
(4) الودك: الدسم. لسان العرب 10: 509 " ودك ".
(5) المجموع 9: 236، العزيز شرح الوجيز 4: 24، روضة الطالبين 3: 17.
(6) المجموع 9: 237 - 238.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 25، وانظر المجموع 9: 239.

[ 34 ]

التصرف، والمنفعة المباحة كما يجوز استيفاؤها يجوز أخذ العوض عنها، فيباح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعا للحاجة بها، كسائر ما أبيح بيعه. وسواء أجمع على طهارته، كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام والخيل والصيود، أو مختلفا في نجاسته، كالبغل والحمار وسباع البهائم وجوارح الطير، الصالحة للصيد، كالفهد والصقر والبازي والشاهين والعقاب، والطير المقصود صوته، كالهزار والبلبل. وهذا هو الأقوى عندي، وبه قال الشافعي وأحمد (1). وقال بعض علمائنا: يحرم بيع السباع كلها إلا الهر، والمسوخ، برية كانت، كالقرد والدب، أو بحرية، كالضفادع والسلاحف والطافي، والجوارح كلها طائرة كانت، كالبازي، أو ماشية، كالفهد (2). وقال أبو بكر بن عبد العزيز وابن أبي موسى: لا يجوز بيع الصقر والفهد ونحو هذا، لأنها نجسة، فأشبهت الكلب (3). والنجاسة ممنوعة. مسألة 13: الفقاع عندنا نجس إجماعا، فلا يجوز بيعه ولا شراؤه، لأنه كالخمر على ما تقدم (4)، خلافا للجمهور (5) كافة. وكذا النبيذ، خلافا لبعض الجمهور (6).

(1) المجموع 9: 240، العزيز شرح الوجيز 4: 26 - 28، روضة الطالبين 18 - 19، المغني 4: 327، الشرح الكبير 4: 10، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 4.
(2) المحقق في شرائع الإسلام 2: 9 - 10.
(3) المغني 4: 327، الشرح الكبير 4: 10.
(4) تقدم في ج 1 ص 65 (الفرع الثالث).
(5) المغني 10: 337، الشرح الكبير 10: 339، الهداية - للمرغيناني - 4: 111، بدائع الصنائع 5: 117.
(6) العزيز شرح الوجيز 1: 28، المجموع 2: 564.

[ 35 ]

والدم كله نجس، فلا يصح بيعه. وكذا ما ليس بنجس منه، كدم غير ذي النفس السائلة، لاستخباثه. وكذا يحرم بيع أبوال وأرواث ما لا يؤكل لحمه. وقيل (1): في الأبوال كلها إلا بول الإبل، لفائدة الاستشفاء به. والمتولد بين نجس العين وطاهرها يتبع الاسم. الشرط الثاني: المنفعة. مسألة 14: لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه، لأنه ليس مالا، فلا يؤخذ في مقابلته المال، كالحبة والحبتين من الحنطة، ولا نظر إلى ظهور الانتفاع إذا انضم إليها أمثالها، ولا إلى أنها قد توضع في الفخ (2) أو تبذر. ولا فرق بين زمان الرخص والغلاء. ومع هذا فلا يجوز أخذ حبة من صبرة الغير، فإن أخذت، وجب الرد، فإن تلفت، فلا ضمان، لأنه لا مالية لها. وهذا كله للشافعي أيضا، وفي وجه آخر له: جواز بيعها وثبوت مثلها في الذمة (3). وليس بجيد. مسألة 15: لا يجوز بيع ما لا ينتفع به من الحيوانات، كالخفاش والعقارب والحيات وبنات وردان والجعلان والقنافذ واليرابيع، لخستها، وعدم التفات نظر الشرع إلى مثلها في التقويم، ولا تثبت الملكية لأحد عليها، ولا اعتبار بما يورد في الخواص من منافعها، فإنها مع ذلك لا تعد مالا. وكذا عند الشافعي (4).

(1) كما في شرائع الإسلام 2: 9.
(2) الفخ: المصيدة. الصحاح 1: 428 " فخخ ".
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 26، المجموع 9: 239 - 240، روضة الطالبين 3: 18.
(4) الوجيز 1: 133 - 134، العزيز شرح الوجيز 4: 28، المجموع 9: 240، روضة الطالبين 3: 19، منهاج الطالبين: 94.

[ 36 ]

وفي السباع التي لا تصلح للصيد عنده وجهان، لمنفعة جلودها (1). أما العلق: ففي بيعه لمنفعة امتصاص الدم إشكال. وأظهر وجهي الشافعي وأحمد: الجواز (2). وكذا ديدان القز تترك في الشص (3) فيصاد بها السمك (4). والأقرب عندي: المنع - وهو أحد الوجهين لهما (5) - لندور الانتفاع، فأشبه ما لا منفعة فيه، إذ كل شئ فله نفع ما. ومنع الشافعي من بيع الحمار الزمن (6). وليس بجيد، للانتفاع بجلده. مسألة 16: ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له، فيحرم بيعه، كآلات الملاهي، مثل العود والزمر، وهياكل العبادة، المبتدعة، كالصليب والصنم، وآلات القمار، كالنرد والشطرنج إن كان رضاضها (7) لا يعد مالا، وبه قال الشافعي (8). وإن عد مالا، فالأقوى عندي: الجواز مع زوال الصفة المحرمة.

(1) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 28 و 29، المجموع 9: 240، روضة الطالبين 3: 19.
(2) الوسيط 3: 20، العزيز شرح الوجيز 4: 29، المجموع 9: 241 و 248، روضة الطالبين 3: 20، المغني 4: 328، الشرح الكبير 4: 10.
(3) الشص: شئ يصاد به السمك. الصحاح 3: 1043 " شصص ".
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 29، حلية العلماء 4: 72، المجموع 9: 248، المغني 4: 328، الشرح الكبير 4: 10.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 29، المجموع 9: 241، المغني 4: 328، الشرح الكبير 4: 10.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 29 - 30، المجموع 9: 241، روضة الطالبين 3: 20.
(7) رضاض الشئ: كساره. لسان العرب 7: 154 " رضض ".
(8) العزيز شرح الوجيز 4: 30، المجموع 9: 256، روضة الطالبين 3: 20.

[ 37 ]

وللشافعي ثلاثة أوجه: الجواز مطلقا، لما يتوقع في المآل. والفرق بين المتخذة من الخشب ونحوه والمتخذة من الجواهر النفيسة. والمنع - وهو أظهرها - لأنها آلات المعصية لا يقصد بها سواها (1). أما الجارية المغنية إذا بيعت بأكثر مما يرغب فيها لولا الغناء: فالوجه: التحريم - وبه قال أحمد والشافعي في أحد الوجوه (2) - لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن ولا كسبهن " (3). وسئل الصادق (عليه السلام) عن بيع جواري (4) المغنيات، فقال: " شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفر، واستماعهن نفاق " (5). ولأنه بذل للمعصية. والثاني: يبطل إن قصد الغناء، وإلا فلا. والثالث - وهو القياس -: يصح (6). ولو بيعت على أنها ساذجة، صح. مسألة 17: يصح بيع الماء المملوك، لأنه طاهر ينتفع به لكن يكره، وسيأتي.

(1) الوسيط 3: 20 - 21، وفيه الأظهر هو التفصيل. العزيز شرح الوجيز 4: 30، المجموع 9: 256، روضة الطالبين 3: 20.
(2) المغني 4: 307، الشرح الكبير 4: 46 - 47، العزيز شرح الوجيز 4: 30، المجموع 9: 254، روضة الطالبين 3: 20.
(3) أورد نصه ابنا قدامة في المغني 4: 307، والشرح الكبير 4: 47، وفي سنن ابن ماجة 2: 733 / 2168 ما بمعناه.
(4) في الكافي والتهذيب: الجواري.
(5) الكافي 5: 120 / 5، التهذيب 6: 356 / 1018، الاستبصار 3: 61 / 201.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 30، روضة الطالبين 3: 20، المجموع 9: 254.

[ 38 ]

وهل يجوز بيعه على طرف النهر أو بيع التراب والحجارة حيث يعم وجودها؟ للشافعي وجهان: الجواز - وبه نقول - لظهور منفعته. والمنع، لأنه سفه (1). وكذا يجوز بيع كل ما يعم وجوده وهو مملوك ينتفع به. مسألة 18: يجوز بيع لبن الآدميات عندنا - وبه قال الشافعي (2) - لأنه طاهر ينتفع به، كلبن الشاة. ولجواز أخذ العوض عليه في إجارة الظئر. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز - وعن أحمد روايتان كالمذهبين - وهو وجه للشافعية، لأنه مائع خارج من آدمي، فأشبه العرق. ولأنه من آدمي، فأشبه سائر أجزائه (3). والفرق: عدم نفع العرق، ولهذا لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها، وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها، كالعبد والأمة، وإنما حرم في الحر، لانتفاء المالك، وحرم بيع المقطوع من العبد، لعدم المنفعة. مسألة 19: يجوز بيع العبد الموصى بخدمته دائما، والبستان الموصى بنفعه مؤبدا، لفائدة الإعتاق والإرهان وجميع فوائدهما لو أسقط الموصى له حقه، ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه، كرطوبات الإنسان وفضلاته،

(1) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 30 - 31، روضة الطالبين 3: 21، منهاج الطالبين: 94، المجموع 9: 255 - 256.
(2) الوسيط 3: 20، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 31، حلية العلماء 4: 67، روضة الطالبين 3: 21، المجموع 9: 254، المغني 4: 330، الشرح الكبير 4: 14، بدائع الصنائع 5: 145.
(3) بدائع الصنائع 5: 145، حلية العلماء 4: 68، العزيز شرح الوجيز 4: 31، المجموع 9: 254، روضة الطالبين 3: 21، المغني 4: 330، الشرح الكبير 4: 14، الوسيط 3: 20.

[ 39 ]

كشعره وظفره، عدا اللبن على ما تقدم (1). الشرط الثالث: الملك. فلا يصح بيع المباحات وما يشترك فيه المسلمون قبل حيازته، مثل: الكلأ، والماء، والحطب قبل حيازتها إجماعا. ولو كانت في ملكه، فالوجه: أنها له، - وسيأتي -، فيصح بيعها. وعن أحمد روايتان (2). فإن قلنا بالصحة فباع الأرض، لم يدخل الكلأ ولا الماء إلا أن ينص عليهما، لأنهما (3) بمنزلة الزرع. وكذا لا يصح بيع السمك قبل اصطياده، ولا الوحش قبل الاستيلاء عليه. مسألة 20: لا يصح بيع الأرض الخراجية، لأنها ملك المسلمين قاطبة لا يتخصص بها أحد. نعم، يصح بيعها تبعا لآثار المتصرف. وفي بيع بيوت مكة إشكال، المروي: المنع - وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو عبيد (4)، وكرهه إسحاق (5) - لقوله (عليه السلام) في مكة: " لاتباع رباعها ولا تكرى بيوتها " (6).

(1) في المسألة السابقة (18).
(2) المغني 4: 335، الشرح الكبير 4: 24.
(3) في " ق، ك ": لأنه.
(4) بدائع الصنائع 5: 146، العزيز شرح الوجيز 11: 455، المجموع 9: 248، حلية العلماء 4: 69 - 70، الحاوي الكبير 5: 385، الوسيط 7: 42، المغني 4: 330، الشرح الكبير 4: 22.
(5) المغني 4: 330، الشرح الكبير 4: 22.
(6) نقله ابنا قدامة في المغني 4: 330، والشرح الكبير 4: 22 عن الأثرم. ونحوه في سنن البيهقي 6: 35.

[ 40 ]

ولأنها فتحت عنوة، لقوله (عليه السلام): " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار " (1). وفي قول لنا: الجواز - وبه قال طاوس وعمرو بن دينار والشافعي وابن المنذر، وعن أحمد روايتان (2) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قيل له: أين تنزل غدا؟ قال: " وهل ترك لنا عقيل من رباع (3)؟ " (4) يعني أن عقيلا باع رباع أبي طالب، لأنه ورثه دون إخوته، ولو كانت غير مملوكة لما أثر بيع عقيل شيئا. وباع جماعة من الصحابة منازلهم ولم ينكر عليهم. ونزل سفيان بعض رباع مكة فهرب ولم يعطهم أجرة، فأدركوه فأخذوها منه (5). فروع: أ - الخلاف في غير مواضع النسك، أما بقاع المناسك - كبقاع السعي

(1) صحيح البخاري 1: 39، و 9: 6، صحيح مسلم 2: 988 و 989 / 447 و 448، سنن أبي داود 2: 212 / 2017، سنن البيهقي 8: 52، مسند أحمد 2: 472 / 7201 بتفاوت، ونصه في المغني 4: 330، والشرح الكبير 4: 23.
(2) المغني 4: 330، الشرح الكبير 4: 22 - 23، المهذب - للشيرازي - 1: 269، المجموع 9: 248، الوسيط 7: 42، الوجيز 2: 194، العزيز شرح الوجيز 11: 455 - 456، روضة الطالبين 7: 469، حلية العلماء 4: 69، الحاوي الكبير 5: 385، بدائع الصنائع 5: 146، التفسير الكبير 23: 24، الجامع لأحكام القرآن 12: 33.
(3) الربع: الدار بعينها حيث كانت. وجمعها: رباع وربوع وأرباع وأربع. الصحاح 3: 1211 " ربع ".
(4) صحيح البخاري 2: 181، صحيح مسلم 2: 984 / 1351، سنن ابن ماجة 2: 912 / 2730، المستدرك - للحاكم - 2: 602.
(5) المغني 4: 331، الشرح الكبير 4: 23.

[ 41 ]

والرمي وغيرهما - فحكمها حكم المساجد. ب - الوجه: أنه يجوز إجارة بيوت مكة. وقال الشيخ: لا يجوز لأحد منع الحاج عن دورها، لقوله تعالى: * (سواء العاكف فيه والباد) * (1) (2). وفيه نظر. ج - إذا بنى بمكة بآلة مجتلبة من غير أرض مكة، جاز بيعها، كما يجوز بيع أبنية الوقوف إجماعا. وإن كانت من تراب الحرم وحجارته، فعلى الخلاف. مسألة 21: ولا يجوز بيع الحر بالإجماع، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره " (3). ولو سرقه فباعه، قطع (لإفساده، لا حدا) (4). مسألة 22: يشترط في الملك التمامية، فلا يصح بيع الوقف، لنقص الملك فيه، إذ القصد منه التأبيد. نعم، لو كان بيعه أعود عليهم، لوقوع خلف بين أربابه، وخشي تلفه أو ظهور فتنة بسببه، جوز أكثر علمائنا بيعه، خلافا للجمهور، وسيأتي. ولا يصح بيع أم الولد بالإجماع وعندنا إلا في ثمن رقبتها إذا كان دينا على مولاها، ولا وجه له سواها. وفي اشتراط موته حينئذ خلاف، لما رواه

(1) الحج: 25.
(2) النهاية: 284، المبسوط - للطوسي - 1: 384. (3) صحيح البخاري 3: 118، سنن ابن ماجة 2: 816 / 2442.
(4) ما بين القوسين لم يرد في " ق، ك ".

[ 42 ]

أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فوطئها (1) فولدت له فمات، قال: " إن شاؤا أن يبيعوها باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، فإن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه، وإن كان ولدها صغيرا انتظر (2) به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فإن مات ولدها بيعت في الميراث إن شاء الورثة " (3). ولو مات ولدها، جاز بيعها مطلقا، لهذه الرواية. وكذا لو كانت مرهونة، وسيأتي. ولا يصح بيع الرهن، لتعلق حق المرتهن به، ونقصان ملك الراهن ما لم يجز المرتهن، لأن الحق لا يعدوهما بلا خلاف. ولو باع ولم يعلم المرتهن ففك، لزم البيع، لانتفاء المعارض، ومن أبطل بيع الفضولي لزمه الإبطال هنا. مسألة 23: الأقوى بين علمائنا صحة بيع الجاني، سواء كانت جنايته عمدا أو خطأ، أوجبت القصاص أولا، على النفس أو ما دونها - وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه (4) - لأنه حق غير مستقر في [ الجاني ] (5) يملك أداءه من غيره، فلم يمنع البيع، كالزكاة، ولو أوجبت

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية بدل " فوطئها ": " يطؤها ". وما أثبتناه من المصدر.
(2) في المصدر: ينتظر.
(3) التهذيب 7: 80 / 344.
(4) بدائع الصنائع 5: 156، المغني 4: 274، الشرح الكبير 4: 12، مختصر المزني: 83، الحاوي الكبير 5: 263 - 264، المهذب - للشيرازي - 1: 294، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 38 - 39، حلية العلماء 4: 278.
(5) ورد في " ق، ك " والطبعة الحجرية بدل " الجاني ": " الحال ". وذاك تصحيف، وما أثبتناه هو الصحيح.

[ 43 ]

قصاصا، فهو يرجى سلامته ويخشى تلفه، فأشبه المريض. وقال بعض علمائنا: لا يصح بيعه (1). وهو القول الآخر للشافعي، لأنه تعلق برقبته حق آدمي فمنع صحة بيعه، كالرهن، بل حق الجناية آكد، لتقدمها عليه (2). والفرق: أن الحق منحصر في الرهن لا يملك سيده إبداله، ثبت فيه برضاه وثيقة الدين، فلو أبطله بالبيع، بطل حق الوثيقة، الذي التزمه برضاه. وللشافعي قول ثالث: وقوعه موقوفا إن فدى لزم، وإلا فلا (3). إذا عرفت هذا، فإن باعه وأوجبت الأرش أو القود فعفي إلى مال، فداه السيد بأقل الأمرين عند أكثر علمائنا، وعند الباقين بالأرش، ويزول الحق عن رقبة العبد ببيعه، لأن الخيار للسيد، فإذا باعه فقد أختار الفداء، فيتعين عليه، ولا خيار للمشتري، لعدم الضرر، فإن الرجوع على غيره. هذا مع يسار المولى، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض الشافعية (4). وقال بعضهم: لا يلزم السيد فداؤه، إذ أكثر ما فيه أنه التزم الفداء، فلا يلزمه، كما لو قال الراهن: أنا أقضي الدين من غير (5) الرهن (6). والفرق: أنه أزال ملكه عن الجاني، فلزمه الفداء، كما لو قتله، بخلاف الرهن.

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 135. (2) العزيز شرح الوجيز 4: 38، المهذب - للشيرازي - 1: 294، حلية العلماء 4: 278، روضة الطالبين 3: 26، المغني 4: 274، الشرح الكبير 4: 12.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 39، روضة الطالبين 3: 26.
(4) المغني 4: 274، الشرح الكبير 4: 109.
(5) كلمة " غير " لم ترد في المصدر.
(6) المغني 4: 274، الشرح الكبير 4: 109.

[ 44 ]

وإن كان معسرا، لم يسقط حق المجني عليه من الرقبة ما لم يجز البيع أولا، فإن البائع إنما يملك نقل حقه عن رقبته بفدائه ولا يحصل من ذمة المعسر، فيبقى الحق مقدما على حق المشتري، ويتخير المشتري الجاهل في الفسخ، فيرجع بالثمن معه أو مع الاستيعاب، لأن أرش مثل هذا جميع ثمنه. وإن لم تستوعب، رجع بقدر أرشه. ولو علم تعلق الحق به، فلا رجوع. ولو أختار المشتري الفداء، فله، والبيع بحاله، لقيامه مقام البائع في التخير، وحكمه في الرجوع فيما فداه به على البائع حكم قضاء الدين عنه. وللشافعي في المعسر قولان: البطلان، صيانة لحق المجني عليه، وإثبات الخيار للمجني عليه، فينفسخ البيع ويباع في الجناية (1). وإن أوجبت قصاصا، تخير المشتري الجاهل بين الرد والأرش، فإن اقتص منه، احتمل تعين الأرش، وهو قسط قيمة ما بينه جانيا وغير جان، ولا يبطل البيع من أصله - وبه قال أحمد وبعض الشافعية (2) - لأنه تلف عند المشتري بالعيب الذي كان فيه، فلم يوجب الرجوع بجميع الثمن، كالمريض والمرتد. وقال أبو حنيفة والشافعي: يرجع بجميع الثمن، لأن تلفه لمعنى استحق عليه عند البائع، فجرى مجرى إتلافه (3). وينتقض بالردة والمرض، والتلف غير الإتلاف. ولو أوجبت قطع عضو فقطع عند المشتري، فقد تعيب في يده، فإن

(1) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(2) المغني 4: 274، الشرح الكبير 4: 109، العزيز شرح الوجيز 4: 218.
(3) المغني 4: 274 - 275، الشرح الكبير 4: 109، العزيز شرح الوجيز 4: 218.

[ 45 ]

استحقاق القطع دون حقيقته. وفي منع رده بعيبه إشكال. وعن أحمد روايتان (1). ولو اشتراه عالما بعيبه، فلا رد ولا أرش، وبه قال الشافعي وأحمد (2). مسألة 24: المرتد إن كان عن فطرة، ففي صحة بيعه نظر ينشأ من تضاد الحكمين، ومن بقاء الملك، فإن كسبه لمولاه. أما عن غير فطرة، فالوجه: صحة بيعه، لعدم تحتم قتله، لاحتمال رجوعه إلى الإسلام. وكذا القاتل في المحاربة إذا تاب قبل القدرة عليه، فإن لم يتب إلا بعدها، فالأقرب: صحة بيعه، لأنه قن يصح إعتاقه ويملك استخدامه، فصح بيعه، كغير القاتل. ولإمكان الانتفاع به إلى حين القتل ويعتق فينجر ولاء أولاده، فصح بيعه، كالمريض المأيوس من برئه. ويحتمل العدم، لتحتم قتله وإتلاف ماليته وتحريم إبقائه، فصار بمنزلة ما لا نفع فيه، والمنفعة [ المفضية ] (3) إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع، كمنفعة الميتة في سد بثق (4) وإطعام كلب. والأقوى الأول، لثبوت أحكام الحياة، ووجوب القتل غير مانع، كمرض المأيوس من برئه، والميتة لم يكن لها نفع سابق ولا لاحق.

(1 و 2) المغني 4: 275، الشرح الكبير 4: 109.
(3) ورد بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: التامة. ولم نتحصل لها معنى هنا. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(4) كذا، والظاهر: " رمق " بدل " بثق ". والبثق: موضع كسر شط النهر لينشق الماء. لسان العرب 10: 13 " بثق ".

[ 46 ]

وللحنابلة قولان (1) كالوجهين. مسألة 25: لا يجوز بيع المكاتب، لانتفاء السلطنة عليه إلا بالاستيفاء، سواء كان مطلقا أو مشروطا ما لم يعجز المشروط، فإن عجز، ففي اشتراط تقديم الفسخ إشكال. ويصح بيع المدبر، لبقاء الملك فيه، ويبطل تدبيره حينئذ، خلافا للشيخ (2)، وسيأتي. وكذا يصح بيع الموصى به. أما الموهوب مع جواز الرجوع وذو الخيار: فإنه يوجب فسخ السابق. وهل يصح؟ قال بعض علمائنا: نعم (3). وهو الأقوى، وإلا لم يكن مبطلا، إذ لا أثر للفاسد، فيتضمن الحكمين. وقال بعضهم بالنفي، لعدم مصادفة الملك (4). مسألة 26: العبد إن لم يكن مأذونا له في التجارة، لم يمض بيعه ولا شراؤه بعين المال، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. وهل يقع باطلا أو موقوفا على رضا السيد؟ الأقرب عندي: الثاني - وهو أحد وجهي الحنابلة (5) - كالفضولي. والآخر: البطلان، لأنه تصرف من المحجور عليه (6). وأما الشراء بثمن في الذمة: فالأقوى المنع، لأنه لو صح، فإما أن

(1) المغني 4: 275، الشرح الكبير 4: 13.
(2) المبسوط - للطوسي - 6: 171.
(3) كما في شرائع الإسلام 2: 231.
(4) انظر: شرائع الإسلام 2: 231. (5 و 6) المغني 4: 322.

[ 47 ]

يثبت الملك له، وهو ليس أهلا له، أو لسيده فإما بعوض على السيد وهو لم يرض به، أو على العبد فكيف يحصل أحد العوضين لغير من يلزمه الثاني!؟ ويحتمل الصحة، لتعلقه بالذمة ولا حجر على ذمته. وللشافعي قولان (1). فإن قلنا بها، احتمل أن يكون للسيد، لأنه أحق بما في يد عبده منه، كالصيد. والبائع إن علم رقه، انتظر العتق، وليس له الرجوع في العين فيكون كهلاكه في يد العبد. وإن جهل فإن شاء صبر، وإن شاء فسخ، ورجع في العين، لإعساره. وأن يكون للعبد، فللسيد إقراره عليه وانتزاعه، وللبائع الرجوع في عين المبيع ما دام في يد العبد. وإن تلف في يد العبد، صبر إلى العتق. وإن انتزعه السيد، ملكه، لما مر. وهل يرجع البائع؟ وجهان للشافعي (2). والأقرب عندي: الرجوع مع الجهل برقه لا مع العلم. وإن تلف، استقر الثمن في ذمته دون السيد مع العلم بالرق. وفي الجهل إشكال. وإن قلنا بالبطلان، فللبائع أخذه من يد السيد أو العبد. وإن كان تالفا، فله القيمة أو المثل، فإن تلف في يد السيد، رجع عليه، لتلف ماله في يده، وإن شاء انتظر العتق، لأنه الآخذ. وإن تلف في يد العبد، فالرجوع عليه يتبع به بعد العتق، وبه قال الشافعي (3)، وهو إحدى روايتي أحمد. وفي الأخرى: يتعلق برقبته (4).

(1 - 3) العزيز شرح الوجيز 4: 373.
(4) المغني 4: 323.

[ 48 ]

واقتراض العبد كشرائه. وأما المأذون له فيصح تصرفه فيما أذن له فيه، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. الشرط الرابع: القدرة على التسليم. وهو إجماع في صحة البيع ليخرج البيع عن أن يكون بيع غرر. والقدرة قد تنتفي حسا كالآبق، وشرعا كالرهن. والمشهور عند علمائنا أنه لا يصح بيع الآبق منفردا وإن عرفا مكانه - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي (1) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الغرر (2)، وهذا غرر. وفي الصحيح عن رفاعة عن الكاظم (عليه السلام)، قلت له: يصلح أن أشتري من القوم الجارية الآبقة فأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ فقال: " لا يصلح شراؤها إلا أن تشتري معها منهم شيئا ثوبا أو متاعا فتقول لهم: أشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فإن ذلك جائز " (3).

(1) المدونة الكبرى 4: 155، المنتقى - للباجي - 5: 41، مختصر المزني: 87، الحاوي الكبير 5: 326، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 34، المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 284، حلية العلماء 4: 82 - 83، التنبيه في الفقه الشافعي: 88، روضة الطالبين 3: 23، منهاج الطالبين: 94، المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 27.
(2) صحيح مسلم 3: 1153 / 1513، سنن ابن ماجة 2: 739 / 2195، سنن الترمذي 3: 532 / 1230، سنن أبي داود 3: 254 / 3376، سنن البيهقي 5: 338، سنن الدارمي 2: 251، الموطأ 2: 664 / 75، المصنف - لابن أبي شيبة - 6: 132 / 550 و 553، مسند أحمد 1: 497 / 2747، و 2: 312 / 6271 و 332 / 6401.
(3) الكافي 5: 194 / 9، التهذيب 7: 124 / 541.

[ 49 ]

ولأنه غير مقدور على تسليمه، فأشبه الطير في الهواء. وقال بعض علمائنا بالجواز (1)، وبه قال شريح وابن سيرين (2) - واشترى ابن عمر من بعض ولده بعيرا شاردا (3) - لأنه مملوك، فصح. فروع: أ - لو باع الآبق على من هو في يده أو على من يتمكن من أخذه، صح، لانتفاء المانع. ب - لو باع الآبق منضما إلى غيره، صح، فإن لم يظفر به، لم يكن له رجوع على البائع بشئ، وكان الثمن في مقابلة الضميمة، لقول الصادق (عليه السلام): " فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه " (4). ج - الضال يمكن حمله على الآبق، لثبوت المقتضي، وهو: تعذر التسليم. والعدم، لوجود المقتضي لصحة البيع، وهو العقد. فعلى الأول يفتقر إلى الضميمة، ولو تعذر تسليمه، كان الثمن في مقابلة الضميمة. وعلى الثاني لا يفتقر، ويكون في ضمان البائع إلى أن يسلمه أو يسقط عنه. ومنع الشافعي من بيع الضال كالآبق، لتعذر التسليم (5) (6).

(1) السيد المرتضى في الانتصار: 209.
(2) المحلى 8: 391، المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 27، حلية العلماء 4: 84، الحاوي الكبير 5: 326.
(3) المحلى 8: 391، المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 27.
(4) الفقيه 3: 142 / 622، التهذيب 7: 124 / 540.
(5) في " ك " زيادة: حسا.
(6) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 34، الحاوي الكبير 5: 326، المجموع 9: 284، منهاج الطالبين: 94، روضة الطالبين 3: 23.

[ 50 ]

مسألة 27: لا يصح بيع السمك في الماء، وهو قول أكثر العلماء، كالإمامية والشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد والحسن والنخعي وأبي يوسف وأبي ثور (1)، ولا نعلم لهم مخالفا. وإنما يصح بشروط ثلاثة: كونه مملوكا، وكون الماء رقيقا لا يمنع المشاهدة، وإمكان صيده. فإن كان في بركة لا يمكنه الخروج منها وهي صغيرة، صح البيع - وبه قال الشافعي (2) - لإمكان التسليم فيه. ولو كانت البركة كبيرة واحتيج في أخذه إلى تعب شديد، فالأقوى صحة البيع، وهو أضعف وجهي الشافعي (3). والأظهر عنده: المنع كالآبق (4). والفرق: علم القدرة مع المشقة هنا. ولو كان في أجمة، لم يجز بيعه، عند أكثر العلماء (5). وقال ابن أبي ليلى وعمر بن عبد العزيز فيمن له أجمة يحبس السمك فيها: يجوز بيعه، لأنه يقدر على تسليمه ظاهرا، فأشبه ما يحتاج إلى مؤونة في كيله ونقله (6).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 284، العزيز شرح الوجيز 4: 36، حلية العلماء 4: 82 - 83، الحاوي الكبير 5: 327، روضة الطالبين 3: 24، الجامع الصغير - للشيباني -: 328، المغني 4: 294، الشرح الكبير 4: 27 - 28، الخراج - لأبي يوسف -: 87.
(2) الحاوي الكبير 5: 327، المجموع 9: 284، روضة الطالبين 3: 24، العزيز شرح الوجيز 4: 36. (3 و 4) المجموع 9: 284، العزيز شرح الوجيز 4: 36، روضة الطالبين 3: 24.
(5) المغني 4: 294، الشرح الكبير 4: 27.
(6) المغني 4: 294، الشرح الكبير 4: 28.

[ 51 ]

وهو خطأ، لأنه مجهول، فأشبه بيع اللبن في الضرع. ولو ضمه مع القصب، فأقوى الوجهين لنا: البطلان، إلا مع العلم بهما وإمكان التسليم. وروي لنا: الجواز (1). مسألة 28: لا يصح بيع الطير في الهواء، سواء كان مملوكا أو غيره إجماعا، لأنه في المملوك وغيره غرر وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن الغرر (2)، وفسر بأنه بيع السمك في الماء والطير في الهواء (3). ولو باع الحمام المملوك وهو طائر، فإن كان يألف الرجوع، فالأقوى: الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعي (4) - للقدرة على التسليم، كالعبد المنفذ في شغل. والأقوى عنده: المنع - وبه قال أحمد - إذ لا قدرة في الحال، وليس له وازع يوثق به (5). وينتقض بالغائب، فإنه غير مقدور عليه في الحال. وإن كان في البرج، قال الشيخ: إن كان مفتوحا، لم يصح بيعه، لأنه إذا قدر على الطيران لم يمكن تسليمه - وبه قال الشافعي وأحمد (6) - وإن كان مغلقا، جاز (7) إجماعا.

(1) كما في المبسوط - للطوسي - 2: 157، والسرائر: 233.
(2) انظر: المصادر في الهامش (2) من ص 48.
(3) كما في المغني 4: 294، والشرح الكبير 4: 27. (4 و 5) الحاوي الكبير 5: 326، المجموع 9: 284، روضة الطالبين 3: 25، العزيز شرح الوجيز 4: 36، المغني 4: 294، الشرح الكبير 4: 27.
(6) المجموع 9: 284، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 8، المغني 4: 294، الشرح الكبير 4: 27.
(7) المبسوط - للطوسي - 2: 157.

[ 52 ]

مسألة 29: لو باع ماله المغصوب، فإن كان يقدر على استرداده وتسليمه، صح البيع - كالوديعة - إجماعا. وإن لم يقدر، لم يصح بيعه ممن لا يقدر على انتزاعه من يد الغاصب - وبه قال الشافعي (1) - لعدم القدرة على التسليم. ولو باعه ممن يقدر على انتزاعه من يده، فالأقوى عندي: الصحة - وهو أصح وجهي الشافعي (2) - لأن القصد الحصول للمشتري. والأضعف: البطلان، لعجز البائع (3). وعلى قولنا إن علم المشتري حال البيع، فلا خيار له. وبه قال الشافعي (4). ولو عرض له عجز، فكذلك - وهو أحد وجهي الشافعي (5) - لسقوطه حال البيع، فلا يتجدد بعده، لعدم موجبه. والآخر: الثبوت (6). وإن جهل، فله الخيار، إذ ليس عليه تحمل كلفة الانتزاع. ولو علم بالغصب وعجز البائع فاشتراه كذلك، فالوجه عندي: الصحة، ولا خيار له، سواء قدر على انتزاعه أو لا. مسألة 30: لو باع عضوا من عبد أو شاة، لم يصح، لتعذر التسليم حسا، إذ لا يمكن إلا بفصله، وهو يفسد ماليته أو ينقصها. وكذا لو باع

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 285، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 35، روضة الطالبين 3: 24، منهاج الطالبين: 94.
(2) الوسيط 3: 24، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 35، المجموع 9: 285، روضة الطالبين 3: 24، منهاج الطالبين: 94 - 95.
(3) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 35، المجموع 9: 285. (4 - 6) المجموع 9: 285، العزيز شرح الوجيز 4: 35، روضة الطالبين 3: 24.

[ 53 ]

نصفا معينا من سيف أو إناء، لأن التسليم لا يمكن إلا بالقطع والكسر، وفيه نقص وتضييع للمال، وهو ممنوع منه. وكذا قال الشافعي (1). والوجه: اعتبار المصلحة، فإن اقتضت فعله بأن يحتاج البائع إلى الثمن، فيجوز أن ينقص مالية نفسه لمصلحته. ولو باع نصفا معينا من ثوب ينقص قيمته بالقطع، فالأقوى عندي: الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعية (2) - كما لو باع ذراعا معينا من أرض. وأظهرهما: المنع، لحصول الضرر في التسليم (3). ولو كان لا ينقص بالقطع، جاز - وهو أصح وجهي الشافعية (4) - لزوال المانع. الشرط الخامس: العلم بالعوضين. مسألة 31: أجمع علماؤنا على أن العلم شرط فيهما ليعرف ما الذي ملك بإزاء ما بذل فينتفي الغرر، فلا يصح بيع الغائب ما لم تتقدم رؤيته مع عدم تغيره أو وصفه وصفا يرفع الجهالة - وبه قال الشعبي والنخعي والأوزاعي والحسن البصري وعبيد الله بن الحسن العنبري ومالك وإسحاق والشافعي في أصح القولين، وأحمد في إحدى الروايتين (5) - لنهيه (عليه السلام) عن

(1) المجموع 9: 317، روضة الطالبين 3: 25، منهاج الطالبين: 95، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 37. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 37، روضة الطالبين 3: 25.
(4) الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 37، روضة الطالبين 3: 25، منهاج الطالبين: 95.
(5) المغني 4: 77، الشرح الكبير 4: 28، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 290 و 301، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 51، التنبيه في الفقه الشافعي: 88، الحاوي الكبير 5: 14، روضة الطالبين 3: 35، منهاج الطالبين: 95.

[ 54 ]

الغرر (1). ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف فلم يصح، كبيع النوى في التمر. ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع، كالسلم. وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الثاني، وأحمد في الرواية الثانية بالصحة، لقوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (2). ولأنه عقد معاوضة، فلا تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه، كالنكاح (3). والآية ليست للعموم، إذ ليست من صيغه. سلمنا، لكنه مخصوص بما تقدم. والنكاح لا يقصد فيه المعاوضة، ولا يفسد بفساد العوض ولا بترك ذكره، ولا يدخله شئ من الخيارات، وفي اشتراط لزومه مشقة على المخدرات وإضرار بهن. فروع: أ - القائلون بالجواز اختلفوا، فأثبت أبو حنيفة للمشتري خيار

(1) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 48 الهامش (2).
(2) البقرة: 275.
(3) المحلى 8: 342، المغني 4: 77 - 78، الشرح الكبير 4: 28، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 51، التنبيه في الفقه الشافعي: 88، المجموع 9: 301، منهاج الطالبين: 95، الحاوي الكبير 5: 14، بداية المجتهد 2: 155.

[ 55 ]

الرؤية، وهو رواية عن أحمد (1). وفي الأخرى: لا يثبت (2)، أما البائع فلا يثبت له عند أبي حنيفة خيار (3). ب - من الشافعية من طرد القولين فيما إذا لم يره البائع وفيما لم يره المشتري. ومنهم من قطع بالبطلان فيما لم يره البائع، لأنه المالك للتصرف، واجتناب هذا الغرر يسهل عليه (4). والقولان في البيع والشراء يجريان في إجارة الغائب، والصلح عليه، وجعله رأس مال السلم، وفي صحة إصداقه والخلع عليه، وفي هبة الغائب ورهنه، وهما أولى عندهم بالصحة -، إذ ليسا من عقود المغابنات (5). وفي بيع الأعمى وشرائه طريقان، أحدهما: أنه على قولين. والثاني: القطع بالمنع (6). وقد تقدم (7). ج - يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل الثوب، فلو باع ثوبا مطويا أو عينا حاضرة لا يشاهد منها ما يختلف الثمن لأجله، كان كبيع الغائب يبطل إن لم يوصف وصفا يرفع الجهالة، وهو قول المشترطين (8).

(1) الهداية - للمرغيناني - 3: 32، المغني 4: 77، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، بداية المجتهد 2: 155، حلية العلماء 4: 88، المجموع 9: 301.
(2) المغني 4: 77، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 33، المغني 4: 82 - 83، الشرح الكبير 4: 29.
(4) المجموع 9: 290، روضة الطالبين 3: 35، العزيز شرح الوجيز 4: 51.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 52، المجموع 9: 290، روضة الطالبين 3: 35.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 52، المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 302 - 303، روضة الطالبين 3: 35، حلية العلماء 4: 97.
(7) تقدم في المسألة 7.
(8) المغني 4: 80، الشرح الكبير 4: 29.

[ 56 ]

ولو كان مما يستدل برؤية بعضه على الباقي، كظاهر صبرة الحنطة والشعير، صح البيع، لأن الغالب عدم تفاوت أجزائها. ثم إن خالف الظاهر الباطن، فله الخيار، وهو قول الشافعي (1) تفريعا على اشتراط الرؤية. وعنه قول آخر: إنه لا تكفي رؤية ظاهر الصبرة، بل يجب تقليبها ليعلم حال باطنها (2). وكذا صبرة الجوز واللوز والدقيق والمائعات في الظروف. ولا تكفي رؤية ظاهر صبرة البطيخ والرمان وأعلى سلة العنب والخوخ، للتفاوت غالبا. د (3) - لو أراه أنموذجا وقال: بعتك من هذا النوع كذا، فهو باطل، إذ لم يعين مالا ولا وصف، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السلم، وهو أصح وجهي الشافعي (4). ه‍ - لو أراه أنموذجا وبنى أمر البيع عليه، نظر إن قال: بعتك من هذا النوع كذا، فهو باطل، لأنه لم يعين مالا و [ لا ] (5) راعى شروط السلم، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السلم - وهو أصح وجهي الشافعي (6) - لأن

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 56، المجموع 9: 297، روضة الطالبين 3: 37 - 38.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 56، حلية العلماء 4: 99، المجموع 9: 297، روضة الطالبين 3: 38.
(3) لاحظ فرعي " د " و " ه‍ " فإن الظاهر أنهما متحدان.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 57، المجموع 9: 298، روضة الطالبين 3: 38.
(5) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " لو ". وما أثبتناه يقتضيه السياق. (6) انظر المصادر في الهامش (4).

[ 57 ]

اللفظ والوصف يمكن الرجوع إليه عند الإشكال. ولو قال: بعتك الحنطة التي في هذا البيت وهذا الأنموذج منها، فإن لم يدخل الأنموذج في البيع، لم يصح - وهو أصح وجهي الشافعي (1) - لأن المبيع غير مرئي، ولا يمكن الرجوع إليه عند الإشكال، بخلاف استقصاء الأوصاف. والثاني: الصحة، تنزيلا له منزلة استقصاء الوصف (2). وإن أدخله، صح على أصح وجهي الشافعي، كما لو رأى بعض الصبرة (3). وعندي في الفرق إشكال. و - لو كان البعض المرئي لا يدل على الباقي لكن كان صوانا (4) له خلقة، كقشر الرمان والعفص، كفت رؤيته وإن كان المقصود مستورا، لأن صلاحه في بقائه فيه. وكذا الجوز واللوز في قشرهما الأعلى - وهو قول الشافعي (5) - ويباع بشرط الصحة، فإن ظهر معيبا بعد كسره، فإن كان له حينئذ قيمة، فللمشتري الأرش خاصة، وإلا فله الثمن أجمع. وهل يصح بيع اللب وحده؟ الأقرب عندي: جوازه، للأصل السالم عن معارضة الغرر، لأنا إنما نجوزه على تقدير ظهور الصحة.

(1 - 3) العزيز شرح الوجيز 4: 57، المجموع 9: 298، روضة الطالبين 3: 38.
(4) الصوان - بالضم والكسر -: الوعاء الذي يصان فيه الشئ. لسان العرب 13: 250 " صون ".
(5) الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 57، المجموع 9: 291، روضة الطالبين 3: 38 - 39، منهاج الطالبين: 95.

[ 58 ]

وقال الشافعي: لا يجوز، إذ لم يمكن تسليمه إلا بكسر القشر، وفيه تغيير عين المبيع (1). وليس بجيد. ز - لا تكفي رؤية المبيع من وراء زجاجة مع قصور الرؤية، إذ لا يتعلق صلاحه بكونه فيها. ويجوز بيع الأرض المغشية بالماء إذا لم يمنع مشاهدتها. مسألة 32: يشترط رؤية البائع والمشتري جميعا أو وصفه لهما أو لأحدهما ورؤية الآخر، فلو لم يرياه أو أحدهما ولا وصف له، بطل. والقائلون بصحة البيع مع عدم الرؤية والوصف اختلفوا. فذهب الشافعي إلى ثبوت الخيار للبائع، لأنه جاهل بصفة العقد، فأشبه المشتري، وبه قال أحمد (2). وقال أبو حنيفة: لا خيار له، لأنا لو جعلنا له الخيار لثبت لتوهم الزيادة، والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار (3). فروع: أ - كل موضع يثبت الخيار إما مع الوصف عندنا أو مطلقا عند المجوزين فإنما يثبت عند رؤية المبيع على الفور، لأنه خيار الرؤية، فيثبت عندها، وبه قال أحمد (4).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 57، المجموع 9: 291، روضة الطالبين 3: 39.
(2) حلية العلماء 4: 88، المغني 4: 82 - 83، الشرح الكبير 4: 29.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 33، حلية العلماء 4: 89، المغني 4: 83، الشرح الكبير 4: 29.
(4) المغني 4: 80، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9.

[ 59 ]

وله آخر: أنه يتقيد بالمجلس الذي وجدت الرؤية فيه، لأنه خيار ثبت بمقتضى العقد من غير شرط، فيقيد بالمجلس، كخيار المجلس (1). والوجهان للشافعية، وأصحهما عندهم: الثاني (2). ب - لو أختار الفسخ قبل الرؤية مع الوصف عندنا، لم يكن له ذلك، إذ الفسخ منوط بالمخالفة بين الموجود والموصوف. ومن جوز بيعه من غير وصف قال أحمد منهم: انفسخ، لأن العقد غير لازم في حقه، فملك الفسخ، كحالة الرؤية. وهو أصح وجهي الشافعي. وفي الآخر: لا ينفسخ (3). ج - إذا أختار إمضاء العقد قبل الرؤية، لم يلزم، لتعلق الخيار بالرؤية، وبه قال أحمد والشافعي في أظهر الوجهين (4). د - لو تبايعا بشرط عدم الخيار للمشتري، لم يصح الشرط، وبه قال أحمد والشافعي في أظهر الوجهين (5). وهل يفسد البيع؟ الأقوى عندي: ذلك، وسيأتي. مسألة 33: يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفا يكفي

(1) المغني 4: 81، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 294، الحاوي الكبير 5: 23، العزيز شرح الوجيز 4: 63، روضة الطالبين 3: 42.
(3) المغني 4: 81، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، الحاوي الكبير 5: 22.
(4) المغني 4: 81، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، وانظر: المجموع 9: 293.
(5) المغني 4: 81 - 82، الشرح الكبير 4: 29، ولم نعثر على قول الشافعي فيما بين أيدينا من المصادر.

[ 60 ]

في السلم عندنا، وإذا فعل ذلك، صح البيع في قول أكثر العلماء (1)، لانتفاء الجهالة بذكر الأوصاف، فصح، كالسلم. وعن أحمد والشافعي وجهان، أحدهما: أنه لا يصح حتى يراه، لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم يصح البيع بها (2). ويمنع عدم المعرفة مع ذكر الأوصاف. أما ما لا يصح السلم فيه فلا يصح بيعه بالصفة، لعدم ضبطه. فروع: أ - إذا وصفه ووجده على الصفة، لم يكن له الفسخ، عند علمائنا أجمع - وبه قال محمد بن سيرين وأحمد وأيوب ومالك والعنبري وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر (3) - لأنه سلم له المعقود بصفاته، فلم يكن له خيار، كالمسلم فيه. ولأنه مبيع موصوف، فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال، كالسلم. وقال الثوري وأصحاب الرأي: له الخيار بكل حال، لأنه يسمى خيار الرؤية (4). وللشافعية وجهان (5)، كالمذهبين.

(1) المغني 4: 84، الشرح الكبير 4: 29.
(2) المغني 4: 84، الشرح الكبير 4: 29، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، المجموع 9: 291. (3) المغني 4: 85، الشرح الكبير 4: 30، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9، المدونة الكبرى 4: 208، العزيز شرح الوجيز 4: 62.
(4) المغني 4: 85، الشرح الكبير 4: 30.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 293، العزيز شرح الوجيز 4: 62، روضة الطالبين 3: 42، المغني 4: 85 - 86، الشرح الكبير 4: 30.

[ 61 ]

و [ له ] (1) خيار الرؤية إذا لم يجده على الوصف. ب - لو وجده بخلاف الوصف، فله الخيار قولا واحدا، ويسمى خيار الخلف في الصفة، لأنه وجد الموصوف بخلاف الصفة، فلم يلزمه، كالسلم. ج - لو اختلفا فقال البائع: لم تختلف صفته. وقال المشتري: قد اختلفت، قدم قول المشتري، لأصالة براءة ذمته من الثمن، فلا يلزمه ما لم يقربه أو يثبت بالبينة. مسألة 34: يصح بيع الغائب إذا كانا قد شاهداه ولا يتطرق إليه التغيير غالبا، كالأرض وأواني الحديد، أو كان مما لا يتغير في المدة المتخللة بين الرؤية والعقد، ذهب إليه علماؤنا - وهو قول عامة العلماء (2) - لوجود المقتضي - وهو العقد - خاليا عن مفسدة الجهالة، فيثبت الحكم، كما لو شاهداه حالة العقد، إذ الشرط العلم، ولا يحصل بالمشاهدة زيادة فيه. وللشافعي قول آخر: إنه لا يصح، واشترط مقارنة الرؤية للعقد - وهو رواية أخرى عن أحمد، وهو محكي عن الحكم وحماد - لأن ما كان شرطا في صحة العقد يجب أن يكون موجودا حال العقد، كالقدرة على التسليم (3). والجواب: القول بالموجب، فإن الشرط العلم، وهو ثابت حال العقد. وينتقض بما لو شاهدا دارا ووقفا في بيت منها وتبايعا، أو أرضا

(1) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: كونه. والصحيح ما أثبتناه.
(2) المغني 4: 89، الشرح الكبير 4: 30.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 296، العزيز شرح الوجيز 4: 55، المغني 4: 89 - 90، الشرح الكبير 4: 30.

[ 62 ]

ووقفا في طرفها، صح إجماعا مع عدم المشاهدة للكل في الحال. فروع: أ - لو رآه وقد تغير عما كان، لم يتبين بطلان البيع - وهو أصح وجهي الشافعي (1) - لكن للمشتري الخيار. وإن لم يتغير، لزم البيع قولا واحدا. ب - لو كان المبيع مما يتغير في مثل تلك المدة غالبا، لم يصح البيع، لأنه مجهول، وبه قال الشافعي وأحمد (2). وإن احتمل التغير وعدمه أو كان حيوانا، فالأقرب عندي: جواز بيعه - وهو أصح وجهي الشافعي (3) - لأن الظاهر بقاؤه بحاله، ولم يعارضه ظاهر غيره. فإن وجده متغيرا، فله الخيار. ويقدم قول المشتري لو ادعى التغير، لأن البائع يدعي عليه الاطلاع على المبيع على هذه الصفة والرضا به، والمشتري ينكره، وهو أحد قولي الشافعي (4). وأضعفهما: تقديم قول البائع، لأصالة عدم التغير واستمرار العقد (5). وفي أضعف وجهي الشافعي: بطلان البيع، لما فيه من الغرر (6).

(1) المجموع 9: 296، التنبيه في الفقه الشافعي: 88 - 89، روضة الطالبين 3: 37، العزيز شرح الوجيز 4: 55.
(2) الحاوي الكبير 5: 26، المجموع 9: 296، روضة الطالبين 3: 37، العزيز شرح الوجيز 4: 55، المغني 4: 90، الشرح الكبير 4: 31، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 9.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 297، العزيز شرح الوجيز 4: 55، روضة الطالبين 3: 37، وانظر: الحاوي الكبير 5: 26. (4 و 5) الحاوي الكبير 5: 27، المجموع 9: 297، روضة الطالبين 3: 37، العزيز شرح الوجيز 4: 55.
(6) انظر: المصادر في الهامش (3).

[ 63 ]

ج - لو شاهده أحدهما دون الآخر، ثبت الخيار للآخر مع الوصف عندنا، ومطلقا عند من جوز بيع الغائب (1). مسألة 35: البيع بالصفة نوعان: بيع عين معينة، كقوله: بعتك عبدي التركي، ويذكر صفاته، فيصح العقد عليه، وينفسخ برده على البائع، وتلفه قبل قبضه، لكون المعقود عليه معينا، فيزول العقد بزوال محله. ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه وقبضه، كبيع الحاضر. وبيع موصوف غير معين، مثل: بعتك عبدا تركيا، ويستقصي في الوصف كالسلم، فإن سلم إليه غير ما وصف فرده أو على ما وصف فأبدله، لم يفسد العقد، إذ لم يقع على عين هذا فلا ينفسخ برده، كالسلم. وهل يجب قبض الثمن أو المبيع قبل التفرق؟ الوجه: المنع. وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز التفرق قبل قبض أحد العوضين، كالسلم (2). ونمنع المساواة، لأنه بيع الحال، فأشبه بيع العين. مسألة 36: لا يصح بيع اللبن في الضرع، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وإسحاق وأحمد، ونهى عنه ابن عباس وأبو هريرة، وكرهه طاوس ومجاهد (3) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن

(1) انظر: المغني 4: 82، والشرح الكبير 4: 29.
(2) المغني 4: 88، الشرح الكبير 4: 30.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 273، المجموع 9: 326، روضة الطالبين 3: 40، التنبيه في الفقه الشافعي: 88، حلية العلماء 4: 113، الحاوي الكبير 5: 332، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 59، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 31، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 8.

[ 64 ]

في ضرع (1). وسأله سماعة عن اللبن يشترى وهو في الضرع، قال: " لا " (2) والظاهر أن المسؤول الصادق (عليه السلام). ولجهالة قدره ووصفه. ولأنه يحدث شيئا فشيئا. وقال مالك: إذا عرفا قدر الحلاب في كل دفعة، صح وإن باعه أياما معلومة (3). وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة (4)، كلبن الظئر (5). والحاجة فارقة. تذنيب: سوغ الشيخ بيع اللبن في الضرع إذا ضم إليه ما يحتلب منه مع مشاهدة المحلوب (6)، لقول سماعة: " إلا أن يحلب في سكرجة (7) فيقول: أشتري منك هذا اللبن في السكرجة وما في ضرعها (8) بثمن مسمى، فإن لم يكن في الضرع (9) شئ، كان ما في السكرجة " (10).

(1) سنن الدار قطني 3: 14 / 40 - 42، سنن البيهقي 5: 340، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 31.
(2) الكافي 5: 194 / 6، الفقيه 3: 141 / 620، التهذيب 7: 123 / 538، الاستبصار 3: 104 / 364.
(3) المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 31، حلية العلماء 4: 114، العزيز شرح الوجيز 4: 59.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: محمد بن مسلم. والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(5) المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 31.
(6) النهاية: 400.
(7) سكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الادم. لسان العرب 2: 299 " سكرج ". (8 و 9) فيما عدا الاستبصار: " ضروعها... الضروع ".
(10) انظر: المصادر في الهامش (2).

[ 65 ]

والأشهر عندنا: البطلان، إذ ضم المعلوم إلى المجهول لا يصيره معلوما. مسألة 37: اختلف علماؤنا في بيع الصوف على ظهور الغنم، والأشهر: المنع - وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (1) - لأنه (صلى الله عليه وآله) نهى أن يباع صوف على ظهر (2). ولأنه متصل بالحيوان، فلم يجز إفراده بالعقد، كأعضائه. وقال بعض (3) علمائنا بالجواز - وبه قال مالك والليث بن سعد، وهو رواية أخرى عن أحمد (4) - وهو الأقوى عندي، لما رواه إبراهيم الكرخي، قال: قلت للصادق (عليه السلام): ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما؟ قال: " لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف " (5) وهو يدل على المطلوب، لأن ضم المجهول إلى مثله لا يؤثر في العلم، فبقي أن يكون الصوف مقصودا بالذات والحمل بالعرض. ولأنه مبيع مملوك مشاهد يجوز بيعه بعد تناوله، فجاز بيعه قبل

(1) بدائع الصنائع 5: 168، مختصر المزني: 87، الحاوي الكبير 5: 332، المهذب - للشيرازي - 1: 273، المجموع 9: 327 و 328، روضة الطالبين 3: 40، التنبيه في الفقه الشافعي: 88، حلية العلماء 4: 114، العزيز شرح الوجيز 4: 60، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 8.
(2) سنن الدار قطني 3: 14 / 40 - 42، سنن البيهقي 5: 340.
(3) انظر: المقنعة: 609، والسرائر: 232 - 233.
(4) المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 8، الكافي في فقه أهل المدينة: 331، العزيز شرح الوجيز 4: 60، المجموع 9: 328.
(5) الكافي 5: 194 / 8، الفقيه 3: 146 / 642، التهذيب 7: 123 - 124 / 539.

[ 66 ]

تناوله، كالثمار. ولوجود المقتضي وعدم المانع - وهو الجهالة - كالرطبة، بخلاف الأعضاء، لتعذر تسليمها مع سلامة الحيوان. ولا فرق بين بيعه قبل التذكية وبعدها، خلافا للشافعي، لعدم الإيلام حينئذ (1). مسألة 38: لا يجوز بيع الملاقيح - وهي ما في بطون الأمهات - ولا المضامين - وهي ما في أصلاب الفحول - جمع ملقوح، يقال: لقحت الناقة والولد ملقوح به، إلا أنهم استعملوه بحذف الجار. وقيل: جمع ملقوحة من قولهم: لقحت، كالمجنون من جن. وجمع مضمون، يقال: ضمن الشئ، أي: تضمنه واستسره. ومنهم من عكس التفسيرين. ولا نعرف خلافا بين العلماء في فساد هذين البيعين، للجهالة، وعدم القدرة على التسليم، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين (2)، ولا خلاف فيه. تذنيب: لو باع الحمل مع أمه، جاز إجماعا، سواء كان في الآدمي أو غيره. ولو ضم الحمل إلى الصوف، قال الشيخ: يجوز (3)، كما لو ضم إلى الأم. ولقول الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن ذلك: " لا بأس بذلك إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف " (4).

(1) المجموع 9: 327، روضة الطالبين 3: 41، العزيز شرح الوجيز 4: 60.
(2) المعجم الكبير - للطبراني - 11: 230 / 11581.
(3) النهاية: 400.
(4) الكافي 5: 194 / 8، الفقيه 3: 146 / 642، التهذيب 7: 123 - 124 / 539.

[ 67 ]

وفيه إشكال أقربه: الجواز إن كان الحمل تابعا للمقصود، وإلا فلا. مسألة 39: يحرم بيع عسيب الفحل - وهو نطفته - لأنه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور عليه. ولا نعلم فيه خلافا، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عنه (1). أما إجارة الفحل للضراب فعندنا مكروهة وليست محرمة - وهو أضعف وجهي الشافعي، وبه قال مالك (2) - لأنها منفعة مقصودة يحتاج إليها في كل وقت، فلو لم يجز الإجارة فيها، تعذر تحصيلها، لعدم وجوب البذل على المالك. وقال أبو حنيفة والشافعي في أصح وجهيه، وأحمد: إنها محرمة، لأنه (عليه السلام) نهى عن عسيب الفحل (3). ولأنه لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق. ولأنه متعلق باختيار الفحل وشهوته. ولأن القصد هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالبيع (4). ونحن نقول بموجب النهي، لتناوله البيع، أو التنزيه. ونمنع انتفاء القدرة، والعقد وقع على الإنزاء، والماء تابع، كالظئر.

(1) سنن أبي داود 3: 267 / 3429، سنن الترمذي 3: 572 / 1273، سنن النسائي 7: 310، سنن البيهقي 5: 339، سنن الدار قطني 3: 47 / 195، المستدرك - للحاكم - 2: 42، المصنف - لابن أبي شيبة - 7: 145 / 2682.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 401، التنبيه في الفقه الشافعي: 123، روضة الطالبين 3: 62، منهاج الطالبين: 97، حلية العلماء 4: 122، و 5: 385، العزيز شرح الوجيز 4: 101، بداية المجتهد 2: 224، المغني 4: 300.
(3) تقدمت الإشارة إلى مصادره في الهامش (1).
(4) المغني 4: 300، و 6: 148، الشرح الكبير 6: 44، الكافي في فقه الامام أحمد 2: 170، بداية المجتهد 2: 224، المهذب - للشيرازي - 1: 401، التنبيه في الفقه الشافعي: 123، حلية العلماء 4: 120، و 5: 385، العزيز شرح الوجيز 4: 101، روضة الطالبين 3: 62.

[ 68 ]

فروع: أ - الإنزاء غير مكروه، والنهي غير متوجه إلى الضراب، بل إلى العوض عليه، وقد سئل الرضا (عليه السلام) عن الحمر (1) ننزيها على الرمك (2) لتنتج البغال أيحل ذلك؟ قال: " نعم انزها " (3). ب - إذا استأجر للضراب، فالوجه: عدم الاستحقاق إلا مع إنزال الماء في فرج الدابة، لأنه وإن كان تابعا لكنه المقصود، كالاستئجار على الإرضاع. ج - حرم أحمد أخذ الأجرة على الضراب دون إعطائها، لأنه بذل ماله لتحصيل مباح يحتاج إليه (4). وليس بجيد، إذ تسويغ الإعطاء يستلزم تسويغ الأخذ. د - لو اعطي صاحب الفحل هدية أو كرامة من غير إجارة، جاز، وبه قال الشافعي وأحمد (5)، وهو ظاهر على مذهبنا، لأنه سبب مباح، فجاز أخذ الهدية عليه. وعن أحمد رواية بالمنع (6). ه‍ - نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن حبل الحبلة (7).

(1) في المصدر: الحمير.
(2) الرمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، والجمع: رمك. لسان العرب 10: 434 " رمك ".
(3) التهذيب 6: 384 / 1137، الاستبصار 3: 57 / 185.
(4) المغني 4: 300.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 102، المغني 4: 300، و 6: 149، الشرح الكبير 6: 45.
(6) المغني 4: 300، العزيز شرح الوجيز 4: 102.
(7) صحيح مسلم 3: 1153 / 1514، سنن النسائي 7: 293، سنن البيهقي 5: 340، مسند أحمد 1: 479 / 2640.

[ 69 ]

وفسر بأمرين: نتاج النتاج، وهو بيع حمل ما تحمله الناقة، وجعله أجلا كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وهو بمعنييه باطل، لجهالته، وجهالة الأجل. مسألة 40: بيع الملامسة والمنابذة والحصاة باطل بالإجماع، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك كله (1). والملامسة: أن يبيعه شيئا ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع. وهو ظاهر كلام أحمد ومالك والأوزاعي (2). وله تفاسير ثلاثة: أن يجعل اللمس بيعا بأن يقول صاحب الثوب للراغب: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا. وهو باطل، لما فيه من التعليق. وقال بعض الشافعية: إنه من صور المعاطاة (3). وأن يأتي بثوب مطوي له في ظلمة فيلمسه الراغب، ويقول صاحب الثوب: بعتك بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام النظر، ولا خيار لك إذا رأيته. فسره الشافعي (4). قال بعض الشافعية: إن أبطلنا بيع الغائب، بطل، وإلا صح تخريجا من تصحيح شرط نفي الخيار (5).

(1) صحيح مسلم 3: 1151 / 1511، و 1153 / 1513، سنن ابن ماجة 2: 733 / 2170، و 739 / 2194، سنن النسائي 7: 259، سنن الدارمي 2: 253 و 254، سنن البيهقي 5: 341 و 342، الموطأ 2: 666 / 76.
(2) المغني 4: 297، الشرح الكبير 4: 32 - 33، بداية المجتهد 2: 148. (3) العزيز شرح الوجيز 4: 103.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 103، الحاوي الكبير 5: 337، روضة الطالبين 3: 63.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 103، روضة الطالبين 3: 63.

[ 70 ]

وأن يبيعه على أنه إذا لمسه وجب البيع وسقط خيار المجلس وغيره. ويبطل عنده (1)، لفساد الشرط (2). والوجه عندي: صحته إن كان قد نظره. والمنابذة قيل: أن يجعل النبذ بيعا بأن يقول: أنبذ إليك ثوبي بعشرة ثم ينبذه، ويكتفيان به بيعا. وقيل: أن يقول: بعتك كذا بكذا على أني إذا نبذته إليك فقد وجب البيع، قالهما الشافعية (3). وظاهر كلام أحمد ومالك والأوزاعي أن يقول: إذا (4) نبذته إلي فقد اشتريته بكذا (5). وقيل: طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه (6). والحصاة أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا. وقيل أن يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا (7). وقيل: أن يقول: بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع (8). ولا نعلم خلافا في بطلان الجميع.

(1) أي: عند الشافعي.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 103، روضة الطالبين 3: 63.
(3) الحاوي الكبير 5: 337، العزيز شرح الوجيز 4: 103، روضة الطالبين 3: 63 و 64، منهاج الطالبين: 97.
(4) في " ق، ك ": " إن " بدل " إذا ". وفي المغني والشرح الكبير هكذا: أي ثوب نبذته...
(5) المغني 4: 297، الشرح الكبير 4: 32 - 33، بداية المجتهد 2: 148.
(6) المغني 4: 297، الشرح الكبير 4: 33. (7 و 8) المغني 4: 298، الشرح الكبير 4: 33.

[ 71 ]

مسألة 41: يجب ذكر جنس المبيع أو مشاهدته، عند علمائنا أجمع بأن يقول: بعتك عبدي أو فرسي، ولا يكفي أن يقول: بعتك ما في كمي أو خزانتي أو ما ورثته من أبي، مع جهالة المشتري - وهو أحد قولي الشافعي (1) - للجهالة. وله آخر: الجواز، لأن المعتبر في بيع الغائب كون المبيع متعينا، والجهالة لا تزول بذكر الجنس، فلا معنى لاشتراطه (2). ولا يكفي ذكر الجنس، بل لابد من ذكر النوع بأن يقول: عبدي التركي. وهو ظاهر قول الشافعي (3). ولا يكفي ذكرهما عندنا إلا مع ذكر الصفات الرافعة للجهالة - وبه قال مالك (4) - للجهالة معه. وهو أضعف وجهي الشافعي (5). وأصحهما - وبه قال أبو حنيفة - الاكتفاء. نعم، لو كان له عبدان من ذلك النوع، فلابد وأن يزيد ما يقع به التمييز (6). ويشترط ذكر صفات السلم لترتفع الجهالة، وهو أحد وجهي الشافعي، وبه قال أحمد (7). وأظهرهما: الاكتفاء بمعظم الصفات (8). مسألة 42: يجب العلم بالقدر، فالجهل به فيما في الذمة ثمنا كان أو

(1 و 2) المجموع 9: 292، روضة الطالبين 3: 42، العزيز شرح الوجيز 4: 61.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 62، روضة الطالبين 3: 42.
(4) بداية المجتهد 2: 148، الحاوي الكبير 5: 14، حلية العلماء 4: 87، العزيز شرح الوجيز 4: 62.
(5) المجموع 9: 293، العزيز شرح الوجيز 4: 62، روضة الطالبين 3: 42.
(6) الحاوي الكبير 5: 14، المجموع 9: 292 - 293، العزيز شرح الوجيز 4: 62. (7 و 8) العزيز شرح الوجيز 4: 62، حلية العلماء 4: 85 - 86، المجموع 9: 293، روضة الطالبين 3: 42.

[ 72 ]

مثمنا مبطل. فلو قال: بعتك مل ء هذا البيت حنطة أو بزنة هذه الصنجة ذهبا، لم يصح السلم - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (1) - للغرر. ولو قال: بعتك ثوبي هذا بما باع به فلان فرسه، وهما لا يعلمانه أو أحدهما، لم يصح - وهو أظهر وجهي الشافعي (2) - للجهالة. وله آخر: الجواز، لإمكان الاستكشاف (3). وثالث: إن حصل العلم قبل التفرق، صح العقد (4). ولو قال: بعتك بألف من الدراهم والدنانير، بطل، للجهل بقدر كل منهما، إذ لا فرق بينه وبين: بعتك بألف بعضها ذهب وبعضها فضة. وبه قال الشافعي وأحمد (5). وعن أبي حنيفة أنه يصح ويتساويان فيه، كالإقرار (6). ويبطل بأنه لو فسره بغير التسوية، صح، ولو اقتضى التسوية، لم يصح. ولو باع الثوب برقمه، وهو الثمن المكتوب عليه، فإن علماه (7)، صح إجماعا، لأنه بيع بثمن معلوم قدره. وكرهه طاوس (8). ولو لم يعلماه، بطل.

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 311، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 46، روضة الطالبين 3: 31، منهاج الطالبين: 95، حلية العلماء 4: 104، بدائع الصنائع 5: 207. (2 - 4) المجموع 9: 333، روضة الطالبين 3: 31، منهاج الطالبين: 95، العزيز شرح الوجيز 4: 46.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 46، روضة الطالبين 3: 31، المجموع 9: 339، منهاج الطالبين: 95، الشرح الكبير 4: 38، مختصر اختلاف العلماء 3: 102 / 1178.
(6) مختصر اختلاف العلماء 3: 102 / 1178، المجموع 9: 339، العزيز شرح الوجيز 4: 46، الشرح الكبير 4: 38.
(7) في الطبعة الحجرية: علما به.
(8) لم نعثر على قوله في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.

[ 73 ]

ولو قال: بعتك بمائة دينار إلا عشرة دراهم، لم يصح، إلا أن يعلما قيمة الدينار بالدراهم. وكذا لو قال: بعتك بدينار غير درهم، أو: إلا درهما. مسألة 43: يجب العلم بنوع الثمن من ذهب أو فضة بالدراهم، ولا يصح لو كان مجهولا. ولو أطلق وفي البلد نقد واحد يعلمانه، انصرف الإطلاق إليه، عملا بالظاهر. وكذا لو تعددت وغلب أحدها وإن كان فلوسا، إلا أن يعين غيرها. ولو تعددت وتساوت، وجب التعيين. فإن أبهم، بطل - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (1) - للجهالة. وكما ينصرف المطلق إلى الجنس الغالب أو المتحد كذا ينصرف في الوصف إلى الغالب بأن تختلف النقود، كالراضية والرضوية وإن اتحد النوع. وكذا الصحيح والمكسر. ولو لم يكن هناك غالب، وجب التعيين، وإلا بطل البيع - وبه قال الشافعي (2) - لما تقدم. مسألة 44: لو كان لكل منهما عبد فباعاهما صفقة واحدة بثمن واحد، صح البيع، سواء كانا متساويين في القيمة أو لا، ويتقسط الثمن على القيمتين - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه (3) - لأن جملة المبيع معلومة، والعقد وقع عليها، فصح، كما لو كانا لواحد، أو كما لو باعا عبدا واحدا لهما أو قفيزين من صبرة واحدة.

(1) روضة الطالبين 3: 32، المجموع 9: 329، منهاج الطالبين: 95، العزيز شرح الوجيز 4: 46 - 47، الكتاب - بشرح اللباب - 1: 230.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 47، روضة الطالبين 3: 32.
(3) المغني 4: 316، العزيز شرح الوجيز 4: 145.

[ 74 ]

والثاني له: لا يصح - وهو قول للشيخ (1) أيضا - لأن كل واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن، وهو مجهول، بخلاف ما لو كانا لواحد، فإن جملة المبيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط، والثمن يتقسط على العبد المشترك والقفيزين بالأجزاء، فلا جهالة فيه (2). ونحن نمنع الجهالة في المبيع، إذ مقتضاه مقابلة الجملة بالجملة لا الأجزاء بالأجزاء، ووجوب التقويم والبسط ليعرف كل واحد حقه بعد البيع، فلا يقتضي بطلانه. مسألة 45: ذهب علماؤنا إلى أنه لا يصح بيع المكيل والموزون جزافا، لأنه غرر. ولقول الصادق (عليه السلام): " ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح مجازفة " (3). ولإفضائه إلى التنازع لو وجب ضمانه. ولأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله (4). وكذا إذا لم يعلم كيله بل هو أبلغ في المنع، إذ الجهالة لما أبطلت من أحد الطرفين كان إبطالها من الطرفين أولى. وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد - ولا نعرف لهم مخالفا من الجمهور -: إنه يصح، لقول ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نبيعه حتى ننقله من مكانه. ولأنه معلوم بالرؤية، فصح بيعه، كالثياب (5).

(1) الخلاف 3: 335، المسألة 13.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 145، المغني 4: 316.
(3) التهذيب 7: 122 / 530، الاستبصار 3: 102 / 355.
(4) أورده ابنا قدامة في المغني 4: 247، والشرح الكبير 4: 40.
(5) المغني 4: 245، الشرح الكبير 4: 40، بداية المجتهد 2: 146.

[ 75 ]

ونمنع الرواية ونقول بموجبها، فإنه (عليه السلام) نهاهم عن بيعها إلا بعد نقلها، وهو يستلزم معرفتها غالبا. والثوب غير مكيل ولا موزون. فروع: أ - حكم المعدود حكم الموزون والمكيل، فلا يصح بيعه جزافا، لأنه مقدار يعرف به كمية المبيع، فلا يصح بدونها، كالوزن والكيل. ب - لو تعذر الوزن أو العدد، كيل [ بعضه ] (1) بمكيال ووزن أو عد، ونسب إليه الباقي، لقول الصادق (عليه السلام) - وقد سئل عن الجوز لا يستطيع أن يعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك من المعدود (2) -: " لا بأس به " (3). وسئل (عليه السلام): أشتري مائة راوية زيتا فأعترض راوية أو اثنتين فأزنهما ثم آخذ سائره على قدر ذلك، فقال: " لا بأس " (4). ولأنه يحصل المطلوب، وهو العلم. ومنع أحمد من ذلك (5). وقال الثوري: كان أصحابنا يكرهون هذا، لاختلاف المكاييل، فيكون في بعضها أكثر من بعض، والجوز يختلف عدده، فيكون في أحد المكيلين أكثر من الآخر (6). وهو غلط، فإنه إذا جاز بيعه جزافا، كان هذا أولى.

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.
(2) كذا، وفي المصادر: العدد.
(3) الكافي 5: 193 / 3، الفقيه 3: 140 - 141 / 617، التهذيب 7: 122 / 533.
(4) الكافي 5: 194 / 7، الفقيه 3: 142 / 625، التهذيب 7: 122 - 123 / 534، الاستبصار 3: 102 / 357، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ. (5 و 6) المغني 4: 248، الشرح الكبير 4: 42.

[ 76 ]

ج - لو باعه جزافا، بطل. وكان القول قول المشتري في المقدار، سواء كان باقيا أو تالفا. د - لا فرق بين الثمن والمثمن في الجزاف في الفساد عندنا والصحة عندهم، إلا مالكا، فإنه قال: لا يجوز الجزاف في الأثمان، لأن لها خطرا، ولا يشق وزنها ولا عددها، فأشبه الرقيق والثياب (1). ومع هذا فإنه جوز بيع النقرة والتبر والحلي جزافا (2). مسألة 46: وكما لا يصح بيع الصبرة جزافا فكذا أجزاؤها المشاعة، كالنصف والثلث والربع، لوجود المانع من الانعقاد، وهو الجهالة. وجوزه الجمهور كافة، لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه، كالحيوان. ولأن جملتها معلومة (3) بالمشاهدة فكذا أجزاؤها (4). ونحن نمنع الأصلين. أما لو باع جزءا معلوم القدر، كالقفيز، فإنه يصح عندنا وعند الجمهور (5) - إلا داود (6) - إذا علما اشتمالها على ذلك، لأنه معلوم مشاهد، فصح بيعه كغيره. احتج بأنه غير مشاهد ولا موصوف (7). ويبطل بأنه قياس، وهو لا يقول به. ونمنع عدم المشاهدة، فإن مشاهدة الجملة تستلزم مشاهدة البعض.

(1 و 2) المغني 4: 246، الشرح الكبير 4: 40.
(3) في النسخ الخطية والحجرية: معلوم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 312، المغني 4: 245، الشرح الكبير 4: 40. (5 و 6) المغني 4: 249، حلية العلماء 4: 105.
(7) المغني 4: 249.

[ 77 ]

فروع: أ - لو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، فإن علما قدر القفزان، صح البيع، وإلا بطل، للجهالة. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: يصح، لأنه معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم، لإشارته إلى ما يعرف [ مبلغه ] (1) بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو أن تكال الصبرة ويقسط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه (2). ونحن نمنع العلم، وقد سبق. وقال أبو حنيفة: يصح البيع في قفيز واحد، ويبطل فيما سواه، لجهالة الثمن، كما لو باع المتاع برقمه (3). ولو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم، أو: هذه الأغنام كل رأس بدرهم، لم يصح عندنا، وبه قال أبو حنيفة أيضا وإن سوغ البيع في قفيز واحد من الصبرة (4). وقال الشافعي: يصح، سواء كانت الجملة معلومة أو مجهولة (5).

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية: ثمنه. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(2) المغني 4: 248، الشرح الكبير 4: 39، حلية العلماء 4: 105، المجموع 9: 313، العزيز شرح الوجيز 4: 48.
(3) بدائع الصنائع 5: 158 - 159، حلية العلماء 4: 105، العزيز شرح الوجيز 4: 48، المغني 4: 248، الشرح الكبير 4: 39.
(4) حلية العلماء 4: 107، العزيز شرح الوجيز 4: 48.
(5) حلية العلماء 4: 48، المجموع 9: 313، روضة الطالبين 3: 33 - 34، العزيز شرح الوجيز 4: 48.

[ 78 ]

ولو قال: بعتك عشرة من هذه الأغنام بكذا، لم يصح إجماعا وإن علم الجملة، بخلاف الصبرة والأرض والثوب، لاختلاف قيمة الشاة، فلا يدري كم العشرة من الجملة. ب - لو قال: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، ولم يعلما أو أحدهما القدر، بطل البيع عندنا، لما مر. وكذا عند أحمد، لأن " من " للتبعيض و " كل " للعدد، وهو مجهول. وله آخر: الصحة (1). وللشافعية وجهان: البطلان، لأنه لم يبع جميع الصبرة ولا بين المبيع منها. والصحة في صاع واحد، كما لو قال: بعتك قفيزا من الصبرة بدرهم (2). ج - لو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا، أو أنقصك على أن لي الخيار فيهما، لم يصح عندنا - وبه قال الشافعي وأحمد (3) - لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه. ولو قال: على أن أزيدك قفيزا، لم يجز، لأن القفيز مجهول. فإن قال: على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه وصفا يرفع الجهالة، صح عندهم، إذ معناه: بعتك هذه الصبرة وقفيزا من الأخرى بعشرة (4). وإن قال: على أن أنقصك قفيزا، لم يصح، لأن معناه: بعتك هذه

(1) المغني 4: 249، الشرح الكبير 4: 39، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 11.
(2) حلية العلماء 4: 106، المجموع 9: 313، العزيز شرح الوجيز 4: 49.
(3) المغني 4: 249، الشرح الكبير 4: 39، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 11، وانظر: المجموع 9: 315. (4) المغني 4: 249، الشرح الكبير 4: 39.

[ 79 ]

الصبرة إلا قفيزا كل قفيز بدرهم وشئ مجهول. ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من الأخرى، لم يصح، لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل، لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم. ولو قصد أني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به، لم يصح، للجهالة. ولو قال: هذه الصبرة عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من الأخرى، صح، إذ معناه: بعتك كل قفيز وعشر قفيز بدرهم. ولو جعله هبة، صح عندنا، خلافا لأحمد (1). وإن أراد أني لا أحتسب عليك بثمن قفيز منها، صح، لعلمهما بجملة القفزان، فعلما قدر النقصان من الثمن. ولو قال: على أن أنقصك قفيزا، صح، لأن معناه: بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم، كل قفيز بدرهم وتسع. د - لو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم، فإن علما القدر، صح. وقال الشافعي: يصح البيع إن خرج كما ذكر، لأنه لم يشترط علم القدر. وإن خرج زائدا أو ناقصا، فأصح قوليه: البطلان، لامتناع الجمع بين بيع الكل بعشرة ومقابلة كل واحد بدرهم، لأنه باع جملة الصبرة بالعشرة

(1) المغني 4: 249، الشرح الكبير 4: 39.

[ 80 ]

بشرط مقابلة كل صاع منها بدرهم، والجمع بين هذين الأمرين عند الزيادة والنقصان محال. والثاني: يصح، لإشارته إلى الصبرة، ويلغى الوصف، فإن خرج ناقصا، فللمشتري الخيار. فإن أجاز فبجميع الثمن، لمقابلة الصبرة به، أو [ بالقسط ] (1)، لمقابلة كل صاع بدرهم؟ وجهان. وإن خرج زائدا، ففي مستحق الزيادة وجهان: أظهرهما: أنها للمشتري، لأن جملة الصبرة مبيعة منه، فلا خيار له. وفي خيار البائع وجهان، أصحهما: العدم، لأنه رضي ببيع جميعها. والثاني: أن الزيادة للبائع، فلا خيار له. وفي المشتري وجهان، أصحهما: ثبوت الخيار، إذ لم يسلم له جميع الصبرة (2). ه‍ - لو قال: بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة سواء بسواء، فإن علما القدر منهما، صح، وإلا بطل، خلافا للجمهور. و - إنما يصح بيع الصبرة إذا تساوت أجزاؤها، فإن اختلفت - كصبرة ممتزجة من جيد وردئ - لم يصح إلا بعد المشاهدة للجميع. ولو باعه نصفها أو ثلثها، فكذلك. وبه قال بعض الحنابلة (3). وبعضهم سوغه، لأنه اشترى جزءا مشاعا، فاستحق من جيدها ورديئها (4). ز - لو اشترى الصبرة جزافا، قال مالك: يجوز له بيعها قبل نقلها،

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية: بالبسط. وما أثبتناه من المصادر.
(2) المجموع 9: 313 - 314، روضة الطالبين 3: 34، العزيز شرح الوجيز 4: 49.
(3) المغني 4: 245 - 246، الشرح الكبير 4: 40. (4) المغني 4: 246، الشرح الكبير 4: 40.

[ 81 ]

لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق يوفيه، فأشبه الثوب الحاضر. وهو رواية عن أحمد (1). وله أخرى: المنع، لقول ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ننقله من مكانه (2) (3). ح - منع المجوزون الغش بأن يجعلها على دكة أو حجر ينقصها أو يجعل الردئ أو المبلول في باطنها، لأنه (عليه السلام) مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا، فقال: " يا صاحب الطعام ما هذا؟ " فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ " ثم قال: " من غشنا فليس منا " (4). فإن وجده كذلك، فللشافعية (5) طريقان: أحدهما: أن فيها قولي بيع الغائب، لأن ارتفاع الأرض وانخفاضها يمنع تخمين القدر، وإذا لم يفد العيان إحاطة، فكان كعدم العيان في احتمال الغرر. والثاني: القطع بالبطلان، لأنا إذا صححنا بيع الغائب أثبتنا خيار الرؤية، والرؤية حاصلة هنا، فيبعد إثبات الخيار معها، ولا سبيل إلى نفيه، للجهالة. واعترض بأن الصفة والقدر مجهولان في بيع الغائب، ومع ذلك ففيه

(1) بداية المجتهد 2: 146 - 147، المغني 4: 246.
(2) سنن البيهقي 5: 314.
(3) المغني 4: 247.
(4) المغني 4: 246، وانظر: صحيح مسلم 1: 99 / 102، وسنن الترمذي 3: 606 / 1315.
(5) في " ق، ك ": للشافعية.

[ 82 ]

قولان، فكيف يقطع بالبطلان هنا مع علم بعض الصفات بالرؤية!؟ وإذا ثبت الخيار - وهو قول أحمد (1) - فوقت الخيار معرفة مقدار الصبرة أو تخمينه برؤية ما تحتها. وفيه طريق ثالث للشافعي: القطع بالصحة، اعتمادا على المعاينة، وجهالة القدر معها غير ضائرة (2). وأثبت أحمد الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما، لأنه عيب (3). ولو كان تحتها حفرة أو كان باطنها أجود، فلا خيار للمشتري، بل للبائع إن لم يعلم، وإلا فلا. ولو ظهر تحتها دكة، ففي بطلان البيع للشافعي وجهان: البطلان، لأنه ظهر أن العيان لم يفد علما. والأظهر: الصحة، وللمشتري الخيار، تنزيلا لما ظهر منزلة العيب والتدليس (4). ط - لو علم قدر الشئ، لم يجز بيعه صبرة، عندنا، وهو ظاهر - وبه قال أحمد (5) - لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " من عرف مبلغ شئ فلا يبعه جزافا حتى يبينه " (6).

(1) المغني 4: 246.
(2) الوسيط 3: 35، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 50، المجموع 9: 314، روضة الطالبين 3: 34 - 35. (3) المغني 4: 246.
(4) المجموع 9: 314، روضة الطالبين 3: 35، العزيز شرح الوجيز 4: 50.
(5) المغني 4: 246، الشرح الكبير 4: 40.
(6) أورده ابنا قدامة في المغني 4: 246، والشرح الكبير 4: 40.

[ 83 ]

وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة ومالك وإسحاق وطاوس (1). وعن أحمد أنه مكروه غير محرم (2). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا بأس بذلك، لأنه إذا جاز مع جهلهما، فمع علم أحدهما أولى (3). ي - لو باع ما علم كيله صبرة، قال أبو حنيفة والشافعي: يصح - وهو ظاهر قول أحمد - لأنه لا تغرير فيه، فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه (4). وقال مالك: إنه تدليس إن علم به المشتري، فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة، وإن جهل مع علم البائع، تخير في الفسخ، لأنه غش (5). وهو قول بعض الحنابلة (6). وعند بعضهم أنه فاسد (7)، وهو مذهبنا، لما تقدم. يأ - لو أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل، صح عندنا، فإن قبضه واكتاله، تم البيع، وإن قبضه بغير كيل، فإن زاد، رد الزيادة، وإن نقص، رجع بالناقص. وإن تلف، فالقول قول المشتري في قدره مع يمينه، سواء قل النقص أو كثر. والأقوى: أن للمشتري التصرف فيه قبل كيله - خلافا لأحمد (8) - لأنه سلطه عليه. احتج بأن للبائع فيه علقة، فإنه لو زاد، كانت له. قال: فلو تصرف فيما يتحقق أنه حقه أو أقل بالكيل، فوجهان، أحدهما: الصحة، لأنه تصرف في حقه بعد قبضه. والمنع، لأنه لا يجوز التصرف في الجميع فلم يجز في البعض (9).

(1 و 2) المغني 4: 246، الشرح الكبير 4: 40.
(3) المغني 4: 247، الشرح الكبير 4: 40. (4 - 9) المغني 4: 247، الشرح الكبير 4: 41.

[ 84 ]

يب - لو كال طعاما وآخر ينظر إليه، فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل؟ أما عندنا فنعم - وهو إحدى روايتي أحمد (1) - لانتفاء الجهالة. وكذا لو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه أو اشتريا طعاما فاكتالاه ثم باع أحدهما حصته قبل التفرق. وأخرى عنه بالمنع (2). مسألة 47: لو باع مختلف الأجزاء مع المشاهدة، صح - كالثوب والدار والغنم - بالإجماع. وكذا لو باع جزءا منه مشاعا، كنصفه أو ثلثه، أو جزءا معينا، كهذا البيت، وهذا الرأس من القطيع. أما لو باع ذراعا منها أو عشرة من غير تعيين، فإن لم يقصد الإشاعة، بطل إجماعا. وإن قصد الإشاعة، فإن لم يعلما عدد الذرعان، بطل البيع إجماعا، لأن الجملة غير معلومة، وأجزاء الأرض مختلفة، فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة. وإن علم الذرعان، للشيخ قولان: البطلان (3) - وبه قال أبو حنيفة (4) - لأن الذراع عبارة عن بقعة بعينها، وموضعها مجهول. والصحة (5) - وبه قال الشافعي وأحمد (6) - إذ لا فرق بين عشر الأرض وبين ذراع من عشرة على قصد الإشاعة. وهو عندي أقرب. وليس الذراع بقعة معينة، بل هو مكيال.

(1 و 2) المغني 4: 248، الشرح الكبير 4: 41.
(3) لم نعثر عليه في مظانه.
(4) المغني 4: 250، الشرح الكبير 4: 35، العزيز شرح الوجيز 4: 43.
(5) المبسوط - للطوسي - 2: 153، الخلاف 3: 164، المسألة 264.
(6) راجع المصادر في الهامش (4).

[ 85 ]

فروع: أ - لو اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع، لم يصح البيع، لاتفاقهما على بطلانه. ولو اختلفا فقال المشتري: أردت الإشاعة فالبيع صحيح، وقال البائع: بل أردت معينا، فالأقرب تقديم قول المشتري، عملا بأصالة الصحة وأصالة عدم التعيين. ب - لو قال: بعتك من هذه الدار من هاهنا إلى هاهنا، جاز، لأنه معلوم. ج - لو قال: بعتك من هاهنا عشرة أذرع في جميع العرض إلى حيث ينتهي الذرع طولا، فالأقرب عندي: البطلان، لاختلاف الذرع (1)، والجهل بالموضع الذي ينتهي إليه. وللشيخ قول بالجواز (2)، وهو أصح وجهي الشافعية (3). د - لو قال: بعتك نصيبي من هذه الدار، ولا يعلم قدره، أو: نصيبا أو سهما أو جزءا أو حظا أو قليلا أو كثيرا، لم يصح، وإن علما نصيبه، صح. ه‍ - لو قال: بعتك نصف داري مما يلي دارك، قال الشافعي وأحمد: لا يصح، لجهله بالمنتهى (4). وفيه قوة.

(1) في الطبعة الحجرية: الذراع.
(2) المبسوط - للطوسي - 2: 154، الخلاف 3: 164، المسألة 265.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 316 - 317، العزيز شرح الوجيز 4: 43.
(4) المغني 4: 250، الشرح الكبير 4: 36، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 11، وفيها قول أحمد فقط.

[ 86 ]

و - لو قال: بعتك عبدا من عبدين أو أكثر، أو: شاة من شاتين أو أكثر، لم يصح على الأشهر - وبه قال الشافعي وأحمد (1) - للجهالة، وبالقياس على الزائد على الثلاثة، أو في غير العبيد، كالثياب والدواب، أو لم يجعل له الاختيار أو زاده على الثلاث، أو على النكاح، فإنه لو قال: أنكحتك إحدى ابنتي، بطل إجماعا. وفي رواية لنا: يجوز (2)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في القديم في عبد من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار. ولأن الشرع أثبت التخيير مدة ثلاثة أيام بين العوضين ليختار هذا بالفسخ أو هذا بالإمضاء فجاز أن يثبت له الخيار بين عبدين، وكما تتقدر نهاية الاختيار بثلاثة تتقدر نهاية ما يتخير فيه من الأعيان بثلاثة لا أزيد، لدعاء الحاجة إليه، وفي الأكثر يكثر الغرر، والحاجة لا تنفي الغرر (3). ويندفع بالتعيين. وما ذكروه من التخيير ضعيف. ولو قال: بعتك شاة من هذا القطيع، بطل. والأقرب: أنه لو قصد الإشاعة في عبد من عبدين أو في عشرة، وفي شاة من شاتين أو عشرة، بطل، بخلاف قصد الإشاعة في الذراع من الأرض. ز - حكم الثوب حكم الأرض. ولو قال: بعتك من هاهنا إلى هاهنا، صح إن كان مما لا ينقصه القطع، وإن كان مما ينقصه القطع وشرطه، جاز،

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 286 - 287 و 288، حلية العلماء 4: 84، المغني 4: 250، الشرح الكبير 4: 33، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 10.
(2) انظر: الكافي 5: 217 / 1، والفقيه 3: 88 / 330، والتهذيب 7: 72 / 308.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 23، المجموع 9: 287 و 288، حلية العلماء 4: 85، العزيز شرح الوجيز 4: 41 - 42، المغني 4: 250، الشرح الكبير 4: 33.

[ 87 ]

وإلا فالأقوى عندي: الجواز أيضا، لأنه سلطه على قطعه ببيعه إياه. وقال بعض الشافعية: لا يجوز، كما لو اشترى نصفا معينا من الحيوان (1). وليس بجيد، لامتناع التسليم هنا، بخلاف التسليم في الثوب، فإن النقص لا يمنع التسليم إذا رضيه. وكذا البحث لو باعه ذراعا من اسطوانة من خشب، والخلاف بين الشافعية فيه كما تقدم. قالوا: ولو كانت الاسطوانة من آجر، جاز. قالوا: بشرط أن يكون انتهاء الذراع إلى انتهاء الآجرة، فلا يلحق الضرر بذلك (2). ح - الاستثناء كالمبيع يجب أن يكون معلوما، فلو استثنى جزءا مجهولا، بطل، كقوله: بعتك هؤلاء العبيد إلا واحدا، ولم يعينه، سواء اتفقت القيم أو لا. ولا فرق بين أن يقول: على أن تختار من شئت منهم أو لا، ولا إذا قال ذلك بين أن يقدر زمان الاختيار أو لا يقدره. ولو باع جملة الشئ واستثنى جزءا شائعا، كنصف أو ثلث، جاز. ولو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعا، فإن كانت معلومة الصيعان، صح، وإلا فلا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (3) - لأنه (عليه السلام) نهى عن الثنيا (4) في البيع (5).

(1) حلية العلماء 4: 108، المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 317.
(2) المجموع 9: 317 - 318، روضة الطالبين 3: 25، العزيز شرح الوجيز 4: 37.
(3) الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 50، المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 312، روضة الطالبين 3: 35.
(4) هي أن يستثنى في عقد البيع شئ مجهول. النهاية - لابن الأثير - 1: 224 " ثنا ".
(5) صحيح مسلم 3: 1175 / 85، سنن الترمذي 3: 585 / 1290، سنن النسائي 7: 296، مسند أحمد 4: 326 / 14427.

[ 88 ]

وقال مالك: يصح وإن كانت مجهولة الصيعان (1). وهو القياس الذي يقتضيه جواز بيع الصبرة مع الجهالة، إذ لا فرق بين بيعها بأسرها وبين استثناء صاع معلوم منها. أما نحن فلما أبطلنا بيعها مع الجهل، بطل مع الاستثناء المعلوم. ط - لو باعه صاعا من هذه الصبرة وهما يعلمان العدد، صح. وهل ينزل على الإشاعة بحيث لو تلف بعض الصبرة تلف بقسطه من المبيع، أو لا، بل المبيع صاع من الجملة غير مشاع، لعدم اختلاف المقصود باختلاف أعيان الصيعان، فيبقى المبيع ما بقي صاع؟ فيه احتمال. وأظهرهما عند الشافعية: الأول (2). ولو لم يعلما العدد، فإن نزلناه على الإشاعة، فالأقرب: البطلان، وهو قول بعض الشافعية (3). وإن قلنا: المبيع صاع غير مشاع، جاز - وهو أظهر وجهي الشافعي (4) - فالمبيع أي صاع كان حتى لو تلفت الصبرة سوى صاع، تعين، وللبائع أن يسلم صاعا من أسفلها وإن لم يكن مرئيا، لعدم التفاوت. وقال القفال من الشافعية: يبطل، لأنه غير معين ولا موصوف، فصار كما لو فرقها وباعه واحدا منها (5). ي - لو كان له عبد واحد فحضر في جماعة عبيد، فقال سيده: بعتك

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 50، وانظر بداية المجتهد 2: 164، والكافي في فقه أهل المدينة: 332. (2 و 3) المجموع 9: 311، روضة الطالبين 3: 29، العزيز شرح الوجيز 4: 43.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 43 و 44، المجموع 9: 311، روضة الطالبين 3: 29.
(5) حلية العلماء 4: 104، العزيز شرح الوجيز 4: 43، المجموع 9: 311، روضة الطالبين 3: 29.

[ 89 ]

عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم، بطل، للجهالة، وهو أحد قولي الشافعية. والآخر: يكون كبيع الغائب (1). يأ - يجب في المستثنى إمكان انفراده للبائع، فلو باع أمة واستثنى وطئها مدة، لم يصح. ولو استثنى الكافر خدمة العبد - الذي بيع عليه لإسلامه - مدة، فالأقرب: الجواز ما لم تثبت الخدمة عليه سلطنة، كالمتعلقة بالعين. مسألة 48: إبهام السلوك كإبهام المبيع، فلو باعه أرضا محفوفة بملكه من جميع الجهات وشرط السلوك من جانب ولم يعين، بطل البيع، لتفاوت الغرض باختلاف الجهات، وبه قال الشافعي (2). ولو عين السلوك من جانب، صح إجماعا، وكذا لو قال: بعتكها بحقوقها، ويثبت للمشتري حق السلوك من جميع الجوانب. ولو أطلق ولم يعين جانبا، فوجهان، أظهرهما: ثبوت السلوك من الجميع، لتوقف الانتفاع عليه. وعدمه، لسكوته عنه. وحينئذ هل هو بمنزلة نفي السلوك؟ احتمال. وللشافعية كالوجهين (3). ولو شرط نفي الممر، فالوجه: الصحة، لإمكان الانتفاع بالإيجار وتوقع تحصيل المسلك. ويحتمل - وهو أظهر وجهي الشافعية (4) - البطلان، لتعذر الانتفاع في الحال.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 42، المجموع 9: 287، روضة الطالبين 3: 28.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 44، المجموع 9: 241، روضة الطالبين 3: 30.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 45، المجموع 9: 241، روضة الطالبين 3: 30.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 45، المجموع 9: 241 - 242، روضة الطالبين 3: 30.

[ 90 ]

ولو كانت الأرض المبيعة الملاصقة للشارع، فليس للمشتري السلوك في ملك البائع، فإن العادة في مثلها الدخول من الشارع. وإن كانت ملاصقة للمشتري (1)، فليس له السلوك في ملك البائع، بل يدخل في ملكه السابق إن جرى البيع مطلقا. ولو قال: بحقوقها، فله السلوك في ملك البائع. وهذا كله كقول الشافعية (2). ولو باع دارا واستثنى لنفسه بيتا، فله الممر. وإن نفى الممر، فإن أمكن اتخاذ ممر آخر، صح، وإن لم يمكن، فالأقرب الصحة. وللشافعية وجهان (3). مسألة 49: لو باع الدهن بظرفه وقد شاهده أو وصف له وصفا يرفع الجهالة، صح إذا عرف المقدار، عندنا، ومطلقا عند مجوزي بيع الجزاف (4). وكذا كل ما تتساوى أجزاؤه، كالعسل والدبس والخل. ولو باعه كل رطل بدرهم، فإن عرف الأرطال، صح، وإلا فلا، وحكمه حكم الصبرة. ولو باعه مع الظرف بعشرة، صح، لأنه باع عينين يجوز العقد على كل واحد منهما منفردا فجاز مجتمعا. فأما إن باع السمن مع الظرف كل رطل بدرهم وعرفا قدر المجموع، صح وإن جهلا تفصيله. ومنع منه بعض الشافعية وبعض الحنابلة، لأن وزن الظرف يزيد وينقص ولا يعلم كم بدرهم منهما، فيدخل على غرر (5).

(1) أي: لملك المشتري. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 45، المجموع 9: 242، روضة الطالبين 3: 30.
(4) المغني 4: 251، الشرح الكبير 4: 42.
(5) حلية العلماء 4: 110، المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 319، المغني 4: 252، الشرح الكبير 4: 42.

[ 91 ]

والباقون جوزوه - كما اخترناه - لصحة بيع كل منهما منفردا، فصح مجتمعا. ولأنه رضي أن يشتري الظرف كل رطل منه بدرهم ويشتري السمن كذلك (1). ولا يضر اختلاف القيمة فيهما، كما لو اشترى ثوبا مختلفا أو أرضا كل ذراع بدرهم، فإن القيمة مختلفة، ويكون ثمن كل ذراع درهما، ولايحتاج أن يجعل بعض الذراع الجيد وبعض الردئ بدرهم. وإن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف معه فيحسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعا وهما يعلمان زنة كل واحد منهما، صح، لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطلان، كان معناه بعتك عشرة أرطال بإثني عشر درهما. ولو لم يعلما زنتهما ولا زنة أحدهما، بطل، لأدائه إلى جهالة الثمن في الحال في الجملة والتفصيل، وبه قال الشافعي وأحمد (2). مسألة 50: يجوز بيع النحل إذا شاهدها وكانت محبوسة بحيث لا يمكنها الامتناع - وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد (3) - لأنها معلومة يقدر على تسليمها، فصح بيعها كغيرها. وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعها منفردة، لأنه لا ينتفع بعينه، فأشبه الحشرات (4). والجواب: المنع من عدم الانتفاع، لأنها يخرج من بطونها شراب فيه

(1) حلية العلماء 4: 110، المغني 4: 251 و 252، الشرح الكبير 4: 42.
(2) المجموع 9: 320، المغني 4: 252، الشرح الكبير 4: 42.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 321 و 322، حلية العلماء 4: 111، بدائع الصنائع 5: 144، المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9.
(4) بدائع الصنائع 5: 144، المجموع 9: 322، حلية العلماء 4: 112، المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9.

[ 92 ]

منافع للناس، فصارت كبهيمة الأنعام. إذا عرفت هذا، فإنه لا يجوز بيعها في كواراتها (1) - وبه قال بعض الحنابلة (2) - لجهالتها. وقال بعضهم: يجوز (3). والضابط: العلم، فإن تمكن منه بأن يفتح رأس البيت ويشاهدها ويعرف كثرتها من قلتها، جاز، وإلا فلا. مسألة 51: ويجوز بيع دود القز - وبه قال الشافعي وأحمد (4) - لأنه حيوان طاهر معلوم يجوز اقتناؤه لتملك ما يخرج منه، فأشبه البهائم. وقال أبو حنيفة في رواية عنه: إنه لا يجوز بيعه. وفي رواية أخرى: إن كان معه قز، جاز بيعه، وإلا فلا، لأنه لا ينتفع بعينه، فأشبه الحشرات (5). وليس بجيد، لأن النفع بها ظاهر، وهو ما يخرج منها، كالبهائم التي لا ينتفع بها بشئ غير النتاج، بخلاف الحشرات التي لا نفع فيها البتة، فإن هذه يخرج منها الحرير، وهو أفخر الملابس. وكذا يجوز بيع بزره. ومنعه بعض الحنابلة (6). وهو خطأ، لما مر.

(1) الكوارة: شئ يتخذ للنحل من القضبان، وهو ضيق الرأس. لسان العرب 5: 156 " كور ". (2 و 3) المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 28، حلية العلماء 4: 72، المجموع 9: 227 و 253، روضة الطالبين 3: 19، المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 4.
(5) بدائع الصنائع 5: 144، الهداية - للمرغيناني - 3: 45، حلية العلماء 4: 72، المجموع 9: 227 و 253، المحلى 9: 31، المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9.
(6) المغني 4: 329، الشرح الكبير 4: 9.

[ 93 ]

مسألة 52: المسك طاهر يجوز بيعه في الجملة، وبه قال عامة الفقهاء (1). وحكي عن بعض الناس: المنع من بيعه، لأنه نجس، لقوله (عليه السلام): " ما أبين من حي فهو ميت " (2) والميتة نجسة (3). وقد قيل: إنه دم (4). وهو خطأ، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال للأنصارية التي سألته عن غسل الحيض: " خذي فرصة (5) من مسك فتطهري بها " (6). ولا دلالة في الخبر، لأن الغزال يلقيه كما يلقي الولد، ويلقي الطير البيض. والدم المحرم هو المسفوح، فإن الكبد حلال وهو دم، وقد روي جواز بيعه عن الصادق (عليه السلام) (7). إذا ثبت هذا، فقد جوز الشيخ بيع المسك في فأرة وإن لم يفتق، وفتقه أحوط (8)، وبه قال بعض الشافعية، لأن بقاءه في فأرة مصلحة له، فإنه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته، فأشبه ما مأكوله في جوفه (9).

(1) المجموع 9: 306 وكما في الخلاف 3: 170، المسألة 277.
(2) سنن أبي داود 3: 111 / 2858، المستدرك - للحاكم - 4: 234 نحوه. (3 و 4) حلية العلماء 4: 102، المجموع 9: 306، الحاوي الكبير 5: 334، وكما في الخلاف 3: 170، المسألة 277.
(5) الفرصة: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة. النهاية - لابن الأثير - 3: 431 " فرص ".
(6) صحيح البخاري 1: 85 - 86، سنن النسائي 1: 135 - 136، سنن البيهقي 1: 183، معرفة السنن والآثار 1: 488 - 489 / 1461، مسند أبي عوانة 1: 317.
(7) انظر: الفقيه 3: 143 / 628، والتهذيب 7: 139 / 615.
(8) المبسوط - للطوسي - 2: 158، الخلاف 3: 170، المسألة 278.
(9) المجموع 9: 306، العزيز شرح الوجيز 4: 24، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32.

[ 94 ]

ومنع أكثر أصحاب الشافعي وأصحاب أحمد، لبقائه خارج وعائه من غير ضرورة، وتبقى رائحته [ فلم يجز ] (1) بيعه مستورا، لجهالة صفته، كالدر في الصدف (2). والوجه: الصحة، لأن صفة المسك معلومة، فيشتريه بشرط الصحة، كالمذوق قبل ذوقه. مسألة 53: لا يجوز بيع البيض في بطن الدجاجة ولا النوى في التمر - وهو وفاق - للجهالة. ولو باع لؤلؤة في صدف، لم يجز أيضا، للجهالة، وبه قال محمد (3). وقال أبو يوسف: يجوز، وله الخيار إذا رآه، لأنه كالحقة (4). ونحن نمنع من حكم الأصل، لعدم ضبط اللؤلؤ. مسألة 54: قد بينا أن جهالة الاستثناء تبطل البيع، وكذا المنفصل المعلوم إذا جهلت نسبته إلى المستثنى منه، فلو باعه بعشرة إلا ثوبا وعينه، لم يصح. وكذا لو باعه بثوب إلا درهما مع جهل النسبة. ولو استثنى جزءا معلوما مشاعا، كثلث أو ربع من الصبرة أو الحائط، أو جزءين وأزيد، كتسعين أو ثلاثة أثمان، صح البيع، عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد (5) - لانتفاء الجهالة.

(1) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: فلم يقع. وما أثبتناه - كما هو الصحيح - من المغني والشرح الكبير.
(2) الحاوي الكبير 5: 334 - 335، المجموع 9: 306، العزيز شرح الوجيز 4: 24، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32. (3 و 4) لم نعثر عليه في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 312، روضة الطالبين 3: 28، العزيز شرح الوجيز 4: 42، المغني 4: 231، الشرح الكبير 4: 35.

[ 95 ]

وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا يجوز (1). وليس بمعتمد. وكذا يجوز أن يستثني المشاع من الحيوان، كثلثه أو ربعه، لوجود المقتضي وانتفاء المانع. وقال بعض الحنابلة: لا يجوز، قياسا على استثناء الشحم (2). وهو خطأ، لجهالة الشحم. ولو قال: بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا (3)، صح. فروع: أ - لو باع قطيعا واستثنى شاة معينة، صح البيع، وإن لم تكن معينة، بطل - وهو قول أكثر العلماء (4) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن الثنيا إلا أن تعلم (5). ونهى عن الغرر (6). ولأنه مبيع مجهول فلم يصح، كما لو قال: إلا شاة مطلقة. وقال مالك: يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، أو يبيع ثمرة حائطه ويستثني ثمرة نخلات يعدها (7). ب - لو قال: بعتك هذا بأربعة دراهم إلا بقدر درهم، أو: إلا ما يخص درهما، صح، لأن قدره معلوم من المبيع وهو الربع، فكأنه قال: بعتك ثلاثة أرباعه بأربعة. ولو قال: إلا ما يساوي درهما، صح مع العلم

(1 و 2) المغني 4: 231، الشرح الكبير 4: 35. (3) المكوك: مكيال معروف لأهل العراق. لسان العرب 10: 491 " مكك ".
(4) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 33.
(5) سنن أبي داود 3: 262 / 3405، سنن الترمذي 3: 585 / 1290، سنن النسائي 7: 296.
(6) تقدم تخريجه في 48، الهامش (2).
(7) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 33.

[ 96 ]

لامع الجهالة، إذ ما يساوي الدرهم قد يكون الربع وقد يكون أكثر وأقل. ج - لو باعه سمسما واستثنى الكسب (1)، لم يجز، لأنه قد باعه الشيرج بالحقيقة، وهو غير معلوم. وكذا لو استثنى الشيرج. وكذا لو باعه قطنا واستثنى الحب أو بالعكس، وبه قال الشافعي (2). مسألة 55: لو باعه حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده، فالأقوى بطلان البيع - وبه قال أبو حنيفة والشافعي (3) - لأنه لم يجز إفراده بالعقد فلم يجز استثناؤه، كالحمل، ولأنه مجهول. وفي قول لنا: الشركة بقيمة ثنياه (4)، لقول الصادق (عليه السلام): " اختصم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيرا واستثنى البيع الرأس والجلد ثم بدا للمشتري أن يبيعه، فقال للمشتري: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد " (5). وقال مالك: يكون له ما استثناه، ويصح البيع في السفر دون الحضر، لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط. فجوز له شراء اللحم دونها (6). وليس بجيد، لتساوي السفر والحضر في الحكم. وقال أحمد: يصح الاستثناء مطلقا، لأن المستثنى والمستثنى منه معلومان، فصح، كما لو استثنى نخلة معينة (7).

(1) الكسب: عصارة الدهن. لسان العرب 1: 717 " كسب ".
(2) المجموع 9: 325، روضة الطالبين 3: 73، العزيز شرح الوجيز 4: 118.
(3) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36.
(4) من القائلين بذلك: المحقق في شرائع الإسلام 2: 57.
(5) الكافي 5: 304 / 1، التهذيب 7: 81 / 350.
(6) المدونة الكبرى 4: 293، المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36.
(7) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36.

[ 97 ]

وليس بجيد، للعلم هنا. فروع: أ - لو باع الرأس والجلد أو شارك فيهما، فالوجه عندي: البطلان، للجهالة وتعذر التسليم. وفي قول لنا: إنه يكون للشريك بقدر نصيبه (1)، لقول الصادق (عليه السلام) في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم وأشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس والجلد، فقضي أن البعير برئ فبلغ ثمانية دنانير، قال: فقال: " لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أريد الرأس والجلد فليس له ذلك هذا الضرار وقد اعطي حقه إذا اعطي الخمس " (2). ب - لو امتنع المشتري من ذبحها، قال أحمد: لم يجبر عليه، ويلزمه قيمة ذلك، لما روي عن علي (عليه السلام) أنه قضى في رجل اشترى ناقة وشرط ثنياها، فقال: " اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها " (3). وقد بينا أن الأقوى بطلان البيع. ج - لو استثنى شحم الحيوان، لم يصح البيع - وبه قال أحمد (4) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن الثنيا إلا أن تعلم (5). ولأنه لا يصح إفراده بالبيع،

(1) قال به المحقق في شرائع الإسلام 2: 57.
(2) التهذيب 7: 79 / 341، وبتفاوت في الكافي 5: 293 / 4.
(3) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 21 - 22.
(4) المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 21.
(5) تقدم تخريجه في ص 95، الهامش (6).

[ 98 ]

لجهالته. مسألة 56: لو استثنى الحمل، صح عندنا - وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد في رواية (1) - لأن نافعا (2) روى عن ابن عمر أنه باع جارية واستثنى ما في بطنها (3). ولأنه يصح استثناؤه في العتق فصح في البيع. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في أخرى، والثوري: لا يصح، لأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع، فلا يصح استثناؤه. ولأنه (عليه السلام) نهى عن الثنيا إلا أن تعلم (4) (5). ونحن نقول بالموجب، فإن الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، والبيع إنما تناول الأم دون الحمل، وإطلاق الاستثناء عليه مجاز، بل نقول نحن: إنه لو باع الأم ولم يستثن الحمل، لم يدخل في البيع، وكان للبائع، والاستثناء هنا مؤكد لا مخرج. تذنيب: لو باع أمة حاملا بحر، جاز البيع عندنا، للأصل، خلافا للشافعي، لأن الحمل لا يدخل في البيع، فصار كأنه مستثنى، فلا يصح بيعها (6).

(1) المغني 4: 233، الشرح الكبير 4: 36 - 37، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 21.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " نافع " غير منصوب.
(3) المغني 4: 233، الشرح الكبير 4: 37.
(4) تقدم تخريجه في ص 95، الهامش (6).
(5) المبسوط - للسرخسي - 13: 19، العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72، الحاوي الكبير 5: 225 - 226، المغني 4: 233، الشرح الكبير 4: 36 - 37، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 21.
(6) المجموع 9: 324 - 325، روضة الطالبين 3: 72، العزيز شرح الوجيز 4: 116، المغني 4: 233، الشرح الكبير 4: 37.

[ 99 ]

ونمنع بطلان الاستثناء. مسألة 57: لا يكفي في العلم مشاهدة وجه الدابة، بل لابد من النظر إلى مؤخرها - وبه قال أبو يوسف (1) - لأن المؤخر موضع مقصود منها، فيشترط رؤيته. وقال محمد بن الحسن: لا يشترط، لأن الأصل في الحيوان الوجه، فتكفي رؤيته، كالعبد والأمة (2). ونحن نمنع المقيس عليه، ونوجب المشاهدة لجميع الأجزاء الظاهرة في المبيع كله، سواء كان حيوانا أو غيره، أو نثبت خيار الرؤية لو ظهر البعض على الخلاف. ولو اشترى دارا فرأى خارجها، لم يصح، إلا إذا وصف الباقي وصفا يرفع الجهالة، ويثبت خيار الرؤية، وبه قال زفر (3). وقال أبو حنيفة وصاحبهاه: إذا رأى خارجها، كان رؤية لها (4). وليس بجيد. مسألة 58: وكما أن الجهالة في الموضعين مبطلة فكذا في صفاتهما ولواحق المبيع، فلو شرطا شرطا مجهولا، بطل البيع. ولو شرطا تأجيل الثمن، وجب أن يكون معلوما، فلو أجله إلى الحصاد ونحوه، بطل البيع، للجهالة. فإن أسقط الأجل، لم ينقلب جائزا عندنا - وبه قال الشافعي (5) - لأنه

(1) الهداية - للمرغيناني - 3: 34، بدائع الصنائع 5: 293.
(2) بدائع الصنائع 5: 293.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 34.
(4) الهداية - للمرغيناني - 3: 34، بدائع الصنائع 5: 294.
(5) المبسوط - للسرخسي - 13: 27.

[ 100 ]

انعقد باطلا. وقال أبو حنيفة: ينقلب جائزا، لأنه أسقط المفسد قبل تقرره، فجعل كأن لم يكن، ولهذا لو أسقط في الأجل الصحيح قبل مضي المدة، جعل كأن لم يكن إلا إلى هذا الوقت ويتم البيع (1). وليس بشئ، لأنه مع الصحيح إسقاط لحق ثبت في عقد صحيح، وهنا لم يثبت، لفساد العقد، فلا يتحقق الإسقاط. تذنيب: لو باعه بحكم المشتري ولم يعين، بطل البيع إجماعا، فإن هلك في يد المشتري، فعليه قيمته. قال الشيخ: يوم ابتاعه إلا أن يحكم على نفسه بأكثر من ذلك، فيلزمه ما حكم به دون القيمة. ولو كان بحكم البائع فحكم بأقل من قيمته، لم يكن له أكثر (2). والمعتمد: بطلان البيع، للجهالة، ووجوب القيمة يوم التلف إن كان من ذوات القيم، وإلا المثل. ويحتمل في ذي القيمة اعتبارها يوم القبض والأعلى. وكذا لو باعه بحكم ثالث من غير تعيين الثمن أو وصفه أو شرط فيه. وكما يجب القيمة على المشتري أو المثل كذا يجب عليه أرش النقص لو حصل والأجرة إن كان ذا أجرة إن استوفى المنافع، وإلا فإشكال. ولا يضمن تفاوت السعر، وله الزيادة التي فعلها في العين، عينا كانت أو صفة، وإلا فللبائع وإن كانت منفصلة.

(1) الهداية - للمرغيناني - 3: 50، المبسوط - للسرخسي - 13: 27.
(2) النهاية ونكتها 2: 146.

[ 101 ]

الشرط السادس: عدم النهي. أعلم أن النهي قد يقتضي الفساد وقد لا يقتضيه، والثاني قد يكون للتحريم وقد يكون للكراهة، وقد مضى بعض ذلك، وقد وقع الخلاف في كثير من الباقي، ونحن نبين بعون الله تعالى جميع ذلك على التفصيل. ويحصره أقسام: الأول: بيع ما لم يقبض. والنظر فيه يتعلق بأمور ثلاثة: الأول: ماهية القبض. قال الشيخ: القبض فيما لا ينقل ويحول هو التخلية، وإن كان مما ينقل ويحول، فإن كان مثل الدراهم والدنانير والجواهر وما يتناول باليد، فالقبض هو التناول، وإن كان مثل الحيوان، فالقبض نقل البهيمة وغيرها إلى مكان آخر. وإن كان مما يكال أو يوزن، فالقبض فيه الكيل أو الوزن (1). وبه قال الشافعي في أظهر القولين، وأحمد في أظهر الروايتين (2)، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله " (3). وسئل الصادق (عليه السلام) - في الصحيح - عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه، فقال: " ما لم يكن كيل أو وزن فلا يبعه حتى يكيله أو يزنه إلا أن

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 120.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 270، المجموع 9: 275 - 276 و 283، الوسيط 3: 152، الوجيز 1: 146، العزيز شرح الوجيز 4: 305 - 306، روضة الطالبين 3: 177، الحاوي الكبير 5: 226 - 227، المغني 4: 238، الشرح الكبير 4: 131، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 18 - 19.
(3) صحيح مسلم 3: 1162 / 1528.

[ 102 ]

يوليه الذي قام عليه " (1) فجعل (عليه السلام) الكيل والوزن هو القبض، لأنا أجمعنا على بيع الطعام بعد قبضه. وسئل (عليه السلام) عن رجل اشترى متاعا من آخر وأوجبه غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه وقال: آتيك غدا إن شاء الله، فسرق المتاع، من مال من يكون؟ فقال (عليه السلام): " من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته، فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " (2) فجعل القبض هو النقل. ولقضاء العرف بذلك، وعادة الشرع رد الناس إلى العرف فيما لم يضع له الشارع لفظا. وقال أبو حنيفة: القبض التخلية مطلقا في المنقول وغيره - وهو قول (3) لنا وللشافعي، وقول مالك، ورواية عن أحمد - مع التمييز، لأنه خلى بينه وبين المبيع، فكان قبضا له، كالعقار (4). ونمنع المساواة، للعرف. وفي رواية عن الشافعي: تكفي التخلية لنقل الضمان إلى المشتري، لأن البائع أتى بما عليه، فيخرج عن ضمانه، والتقصير من المشتري، حيث لم ينقل، فيثبت ما هو حق البائع. ولا تكفي لجواز التصرف (5).

(1) التهذيب 7: 35 / 146.
(2) الكافي 5: 171 - 172 / 12، التهذيب 7: 21 / 89، و 230 / 1003.
(3) من القائلين به: المحقق في شرائع الإسلام 2: 29.
(4) بدائع الصنائع 5: 244، المجموع 9: 283، الحاوي الكبير 5: 227، روضة الطالبين 3: 175 و 176، الوسيط 3: 152، العزيز شرح الوجيز 4: 306، المغني 4: 238، الشرح الكبير 4: 131.
(5) المجموع 9: 277، روضة الطالبين 3: 176، العزيز شرح الوجيز 4: 306،، الوسيط 3: 152.

[ 103 ]

مسألة 59: هل يشترط في القبض كونه فارغا عن أمتعة البائع؟ قال الشافعي: نعم (1). والأقرب عندي: المنع مع التخلية وتمكينه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه، فلو باع دارا أو سفينة مشحونة بأقمشة ومكنه منها بحيث جعل له تحويله من مكان إلى غيره، كان قبضا. ولا يشترط في التخلية حضور المتبايعين عند المبيع، وهو أظهر وجوه الشافعي (2). وآخر: اشتراطه، فإذا حضرا وقال البائع للمشتري: دونك هذا، ولا مانع، حصل القبض (3). وآخر: اشتراط حضور المشتري دون البائع ليتمكن من إثبات اليد عليه، وإذا حصلت التخلية، فإثبات اليد والتصرف إليه (4). وهل يشترط زمان إمكان المضي إليه؟ أصح الوجهين للشافعية: نعم (5). مسألة 60: إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع، كفى في المنقول النقل من حيز إلى آخر. وإن كان في موضع يختص به، فالنقل من زاوية إلى أخرى بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف، ويكفي لدخوله في ضمانه. وإن نقل بإذنه، حصل القبض، وكأنه استعار البقعة المنقول إليها. ولو اشترى الدار مع الأمتعة فيها صفقة وخلى بينهما، حصل القبض في الدار. وفي الأمتعة إشكال، أصح وجهي الشافعي: عدم القبض بدون

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 305، المجموع 9: 276، منهاج الطالبين: 103، روضة الطالبين 3: 175. (2 - 5) المجموع 9: 276، روضة الطالبين 3: 175، العزيز شرح الوجيز 4: 305.

[ 104 ]

نقلها، كما لو بيعت وحدها. والثاني: أن القبض يحصل فيها تبعا (1). ولو أحضر البائع السلعة فقال المشتري: ضعه، ففعل، تم القبض - وبه قال الشافعي (2) - لأنه كالوكيل في الوضع. ولو لم يقل المشتري شيئا، أو قال: لا أريد، حصل القبض، لوجود التسليم، كما إذا وضع الغاصب المغصوب بين يدي المالك، يبرأ عن الضمان، وهو أصح وجهي الشافعي. والضعيف: لا يحصل، كما في الإيداع (3). وللمشتري الاستقلال بنقل المبيع إن كان الثمن مؤجلا أو [ وفاه ] (4) - كما أن للمرأة قبض الصداق من دون إذن الزوج إذا سلمت نفسها - وإلا فلا، وعليه الرد، لأن البائع يستحق الحبس لاستيفاء الثمن، ولا ينفذ تصرفه فيه لكن يدخل في ضمانه. وإذا كان المبيع معتبرا تقديره، كما لو اشترى ثوبا مذارعة، أو أرضا كذلك، أو متاعا موازنة، أو حنطة مكايلة، أو معدودا بالعدد، لم يكف النقل والتحويل، بل لابد من التقدير على إشكال. وهذا كله كقول الشافعي (5). فروع: أ - لو قبض جزافا ما اشتراه مكايلة، دخل المقبوض في ضمانه. فإن باعه كله، لم يصح، لأنه ربما يزيد على قدر ما يستحقه. ولو باع ما يستحقه، فالوجه عندي: الجواز - وهو أضعف وجهي

(1) المجموع 9: 277، روضة الطالبين 3: 176، العزيز شرح الوجيز 4: 305.
(2) المجموع 9: 277، روضة الطالبين 3: 177، العزيز شرح الوجيز 4: 306.
(3) المجموع 9: 277، روضة الطالبين 3: 177، العزيز شرح الوجيز 4: 307.
(4) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " وظاهر الطبعة الحجرية: وزنه. وما أثبتناه يقتضيه السياق وكما هو مفاد المصادر للفقه الشافعي.
(5) المجموع 9: 278، روضة الطالبين 3: 177، العزيز شرح الوجيز 4: 307.

[ 105 ]

الشافعي (1) - لحصول القبض. وأصحهما عنده: المنع، لأنه لم يجر قبض مستحق بالعقد (2). وهو ممنوع. ب - لا اعتبار بالقبض الفاسد، بل الصحيح، لسقوط الأول عن نظر الشرع، فلا يكون شرطا في صحة شرعي (3). والصحيح: أن يسلم المبيع باختياره أو يوفي المشتري الثمن، فله القبض بغير اختيار البائع. والفاسد: أن يكون الثمن حالا وقبض المبيع بغير اختيار البائع من غير دفع الثمن، فللبائع المطالبة بالرد إلى يده، لأن له حق الحبس إلى أن يستوفي. ج - لو كان لزيد طعام على عمرو سلما، ولخالد مثله على زيد، فقال زيد: اذهب إلى عمرو واقبض لنفسك ما لي عليه، فقبضه، لم يصح لخالد، عند أكثر علمائنا (4) - وبه قال الشافعي وأحمد (5) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الطعام بالطعام حتى يجري فيه الصاعان، يعني صاع البائع وصاع المشتري (6)، وسيأتي، بل ينبغي أن يكتال لنفسه ويقبضه ثم يكيله على مشتريه. وهل يصح لزيد؟ الوجه: المنع - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (7) - لأنه لم يجعله نائبا في القبض، فلم يقع له، بخلاف الوكيل.

(1 و 2) المجموع 9: 278، روضة الطالبين 3: 177، العزيز شرح الوجيز 4: 307.
(3) كذا في " ق، ك " والطبعة الحجرية.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 122، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 387 - 388.
(5) المجموع 9: 279، روضة الطالبين 3: 178، العزيز شرح الوجيز 4: 308.
(6) سنن ابن ماجة 2: 750 / 2228، سنن الدار قطني 3: 8 / 24، سنن البيهقي 5: 316، ولم ترد فيها كلمة " بالطعام ".
(7) المغني 4: 240، وانظر: المجموع 9: 279، وروضة الطالبين 3: 178، والعزيز شرح الوجيز 4: 308.

[ 106 ]

وفي رواية: يصح، لأنه أذن له في القبض، فأشبه الوكيل (1). وليس بجيد، لأنه قبضه لنفسه باطلا، فحينئذ يكون باقيا على ملك عمرو. وكذا لو دفع إليه مالا وقال: اشتر لي به طعاما، فإن قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك، صح الشراء والقبض للموكل. وهل يصح لنفسه؟ منعه الشيخ، لاتحاد المقبوض والقابض (2). وهو وجه للشافعي (3). وفي آخر: الجواز، لأن الباطل أن يقبض من نفسه لغيره (4). ولو قال: اقبضه لنفسك، منع الشافعية منه، لأنه لا يتمكن من قبض مال الغير لنفسه، فإن فعله فهو مضمون عليه (5). وإن قال: اشتر لنفسك، لم يصح الشراء، لأنه لا يصح أن يملك الإنسان بثمن لغيره. ولا يتعين له بالقبض، وبه قال الشافعي (6). وقال أحمد: يصح الشراء، كالفضولي (7). وتكون الدراهم أمانة في يده، لأنه لم يقبضها ليتملكها. فإن اشترى، نظر إن اشترى في الذمة، وقع عنه، وأدى الثمن من ماله. وإن اشترى بعينها، للشافعية وجهان: الصحة والبطلان (8). ولو كان المالان أو المحال به قرضا أو إتلافا، جاز عندنا، خلافا

(1) المغني 4: 240.
(2) المبسوط - للطوسي - 2: 121. (3 و 4) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 179 - 180، العزيز شرح الوجيز 4: 310. (5 و 6) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 180، العزيز شرح الوجيز 4: 310.
(7) المغني 4: 241.
(8) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 180، العزيز شرح الوجيز 4: 310.

[ 107 ]

للشافعي (1). د - لو أبقى زيد الطعام في المكيال لما اكتاله لنفسه وسلمه إلى مشتريه، جاز، وينزل استدامته في المكيال منزلة ابتداء الكيل، وهو أظهر وجهي الشافعي، وبه قال أحمد (2). ولو اكتاله زيد ثم كاله على مشتريه فوقع في المكيال زيادة أو نقصان بما يعتاد في المكيال، فالزيادة لزيد والنقصان عليه، وإن كان كثيرا، ردت الزيادة إلى الأول ورجع عليه بالنقصان. ه‍ - يجوز التوكيل في القبض من المشتري وفي الإقباض من البائع. وهل يجوز أن يتولاهما الواحد؟ منعه الشيخ (3) - وبه قال الشافعي في وجه (4) - لأنه لا يجوز أن يكون قابضا مقبضا. والوجه: الجواز - وبه قال أحمد والشافعي في وجه (5) - كما لو باع الأب من ولده الصغير. وكذا يجوز أن يوكل المشتري من يده يد البائع، كعبده. و - لو أذن لمستحق الطعام أن يكتال من الصبرة حقه، فالوجه عندي: الجواز - وهو أضعف وجهي الشافعية (6) - لأن القصد معرفة القدر. وأصحهما: المنع، لأن الكيل أحد ركني القبض، فلا يجوز أن يكون

(1) المجموع 9: 273 - 274، روضة الطالبين 3: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 301 - 302.
(2) المجموع 9: 279 - 280، روضة الطالبين 3: 179، العزيز شرح الوجيز 4: 309، المغني 4: 241.
(3) انظر: المبسوط - للطوسي - 2: 381.
(4) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 179، العزيز شرح الوجيز 4: 310.
(5) المغني 5: 239، الشرح الكبير 5: 223، العزيز شرح الوجيز 4: 311.
(6) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 180، العزيز شرح الوجيز 4: 310.

[ 108 ]

نائبا فيه عن البائع متأصلا لنفسه (1). ز - لو قال من عليه طعام من سلم وله مثله لمستحقه: احضر اكتيالي وأقبضه لك، ففعل، فالوجه: الجواز. ومنع منه الشافعي وأحمد، للنهي (2) (3). وهل يكون قابضا لنفسه؟ لأحمد وجهان: أقواهما: نعم، لأن قبض المسلم فيه قد وجد في مستحقه، فصح القبض له، كما لو نوى القبض لنفسه، فإذا قبضه غريمه، صح. وإن قال: خذه بهذا الكيل فأخذه، صح، لأنه قد شاهد كيله وعلمه، فلا معنى لاعتبار كيله مرة ثانية. والمنع - وبه قال الشافعي - للنهي (4) (5). النظر الثاني: في وجوبه (6) يجب على كل واحد من المتبايعين تسليم ما استحقه الآخر بالبيع، فإن قال كل منهما: لا أدفع حتى أقبض، قال الشيخ: يجبر البائع أولا (7). وأطلق، وهو أحد أقوال الشافعي، الأربعة، وأحمد في رواية، لأن تسليم

(1) المجموع 9: 280، روضة الطالبين 3: 180، العزيز شرح الوجيز 4: 310.
(2) سنن ابن ماجة 2: 750 / 2228، سنن الدار قطني 3: 8 / 24، سنن البيهقي 5: 316.
(3) المجموع 9: 279، روضة الطالبين 3: 178، العزيز شرح الوجيز 4: 308، المغني 4: 240.
(4) راجع المصادر في الهامش (4). (5) المغني 4: 240 - 241.
(6) أي: وجوب القبض.
(7) المبسوط - للطوسي - 2: 147 - 148.

[ 109 ]

المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه، فإن ملك المشتري في المبيع إنما يستقر بتسليمه إلى البائع، لأنه لو تلف قبل القبض، بطل. وثانيها - وبه قال أبو حنيفة ومالك -: أنه يجبر المشتري على تسليم الثمن أولا، لأن حقه متعين في المبيع، فيؤمر بدفع الثمن ليتعين حق البائع أيضا. وثالثها: لا يجبران لكن يمنعان من التخاصم، فإن سلم أحدهما ما عليه، أجبر الآخر. ورابعها: أن الحاكم يجبرهما معا على التسليم (1). هذا إذا كان الثمن في الذمة، وإن كان معينا أو تبايعا عرضا بعرض، فقولان للشافعية خاصة: عدم الإجبار لهما (2) (3)، والإجبار لهما معا، وبه قال الثوري وأحمد (4). والأخير عندي على التقديرين أجود، لأن كل واحد منهما قد وجب له حق على صاحبه. مسألة 61: إذا ابتدأ البائع بالتسليم إما تبرعا أو بالإجبار على القول به، أجبر المشتري على التسليم في الحال إن كان الثمن حاضرا في

(1) الوسيط 3: 156، الوجيز 1: 146، العزيز شرح الوجيز 4: 12 و 314، المهذب - للشيرازي - 1: 302، روضة الطالبين 3: 181، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 122.
(2) كلمة " لهما " لم ترد في " ق، ك ".
(3) في " ق، ك " والطبعة الحجرية زيادة: وبه قال أحمد. وحذفناها لأجل السياق، مضافا إلى عدم وجود قول له بعدم الإجبار في المغني والشرح الكبير.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 302، روضة الطالبين 3: 181 - 182، العزيز شرح الوجيز 4: 312 - 313، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 122.

[ 110 ]

المجلس، وإن كان في البلد، فكذلك. وأظهر وجهي الشافعي: الحجر عليه في المبيع (1) عند بعض الشافعية (2)، ومطلقا عند آخرين، لئلا يتصرف في أملاكه بما يفوت حق البائع (3). والأقرب: عدم الحجر، وهو أضعفهما (4). وإن كان غائبا قدر مسافة القصر، قال الشافعي: لا يكلف البائع الصبر إلى إحضاره، بل في وجه يباع المبيع ويوفى حقه من ثمنه. والأظهر عنده: أن له الفسخ، كما لو أفلس المشتري (5). وعند علمائنا: له الفسخ بعد ثلاثة أيام مع انتفاء الإقباض ثمنا ومثمنا، وسيأتي. وإن قصر عنها، فهل هو كالبلد أو مسافة القصر؟ للشافعي وجهان (6). وإن كان معسرا، فهو مفلس، فإن حجر عليه الحاكم، فالبائع أحق بمتاعه إن شاء فسخ وإن شاء ضرب مع الغرماء. وقال الشافعي: إن كان معسرا، فالبائع أحق بمتاعه في أحد الوجهين.

(1) في " ق، ك ": " البيع " بدل ما أثبتناه، والمثبت - كما في المصدر أيضا - هو الصحيح.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 313، روضة الطالبين 3: 182. (3) المهذب - للشيرازي - 1: 302، التنبيه في الفقه الشافعي: 97، روضة الطالبين 3: 182، منهاج الطالبين: 104، العزيز شرح الوجيز 4: 313، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 123.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 313، روضة الطالبين 3: 182.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 302، روضة الطالبين 3: 182، منهاج الطالبين: 104، العزيز شرح الوجيز 4: 314، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 123.
(6) المهذب - للشيرازي - 1: 302، روضة الطالبين 3: 182، العزيز شرح الوجيز 4: 314، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 123.

[ 111 ]

وفي الآخر: يباع ويوفى حق البائع من ثمنه (1)، فإن فضل، فللمشتري (2). فروع: أ - كل موضع قلنا: له الفسخ، فله ذلك بغير حكم حاكم - وبه قال أحمد (3) - لأنه فسخ المبيع (4) للإعسار بثمنه، فملكه البائع، كالفسخ في عين ماله إذا أفلس. وكل موضع قلنا: يحجر عليه، فذلك إلى الحاكم، لأن ولاية الحجر إليه. ب - إنما يثبت للبائع حق الحبس إذا كان الثمن حالا، وليس له الحبس إلى أن يستوفي الثمن المؤجل. وكذلك ليس له الحبس إذا لم يتفق التسليم إلى أن حل الأجل، وبه قال الشافعي (5). ج - لو ابتدأ المشتري بالتسليم إما تبرعا أو إجبارا على تقدير وجوبه، فالحكم في البائع كالحكم في المشتري في المسألة. د - لو هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر مع عدم الإقباض، احتمل أن يملك البائع الفسخ في الحال، لتعذر استيفاء الثمن. والصبر ثلاثة أيام، للرواية (6). والأول أقوى، لورودها في الباذل.

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: ثمنها. وتأنيث الضمير باعتبار السلعة. وما أثبتناه لأجل السياق.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 302، روضة الطالبين 3: 183، العزيز شرح الوجيز 4: 314، المغني 4: 292، الشرح الكبير 4: 123.
(3) المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 123.
(4) كذا، والظاهر: البيع.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 315، روضة الطالبين 3: 183.
(6) الكافي 5: 171 / 11، الفقيه 3: 127 / 554، التهذيب 7: 21 / 88.

[ 112 ]

وإن كان موسرا، أثبت البائع ذلك عند الحاكم، ثم إن وجد الحاكم له مالا، قضاه، وإلا باع المبيع وقضى منه، والفاضل للمشتري، والمعوز عليه. مسألة 62: ليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد (1). وحكي عن مالك ذلك في القبيحة، أما الجميلة فتوضع على يدي عدل حتى تستبرأ، لأن التهمة تلحقه فيها فمنع منها (2). وليس بجيد، فإنه مبيع لا خيار فيه، قبض ثمنه فوجب دفعه إليه كغيره. والتهمة لا تمنعه من التسلط، كالقبيحة. ولو طالب المشتري البائع بكفيل لئلا تظهر حاملا، لم يكن له ذلك، لأنه ترك التحفظ لنفسه حال العقد. النظر الثالث: في حكمه. وله حكمان: انتقال الضمان إلى المشتري، وتسويغ التصرفات. فهنا مطلبان: الأول: الضمان. ولا خلاف عندنا في أن الضمان على البائع قبل القبض مطلقا، فلو تلف حينئذ، انفسخ العقد، وسقط الثمن - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (3)، وهو محكي عن الشعبي وربيعة (4) - لأنه

(1) المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 123 - 124.
(2) المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 124.
(3) الوسيط 3: 143، الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 286 - 287، روضة الطالبين 3: 159، منهاج الطالبين: 102، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 19، المغني 4: 237، الشرح الكبير 4: 128.
(4) لم نعثر على قولهما فيما بين أيدينا من المصادر.

[ 113 ]

قبض مستحق بالعقد، فإذا تعذر، انفسخ البيع، كما لو تفرقا قبل القبض في الصرف. وقال أبو حنيفة: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع إلا العقار (1). وقال مالك: إذا هلك المبيع قبل القبض، لا يبطل البيع، ويكون من ضمان المشتري، إلا أن يطالبه به فلا يسلمه، فيجب عليه قيمته للمشتري - وبه قال أحمد وإسحاق - لقوله (عليه السلام): " الخراج بالضمان " (2) ونماؤه للمشتري، فضمانه عليه. ولأنه من ضمانه بعد القبض فكذا قبله، كالميراث (3). ولا حجة في الخبر، لأنه لم يقل: " الضمان بالخراج " والخراج: الغلة، والميراث لا يراعى فيه القبض وهنا يراعى، فإنه يراعى في الدراهم والدنانير، بخلاف الميراث فيهما، وهذا مذهب مالك، وهو اختيار أحمد (4). ونقل عنهما معا أن المبيع إذا لم يكن مكيلا ولا موزونا ولا معدودا، فهو من ضمان المشتري، ومنهم من أطلق (5)، كما تقدم. تذنيب: لو أبرأ المشتري البائع عن ضمان المبيع، لم يبرأ، وحكم العقد لا يتغير - وبه قال الشافعي (6) - فلو تلف المبيع قبل القبض، انفسخ

(1) المغني 4: 237، الشرح الكبير 4: 128.
(2) سنن ابن ماجة 2: 754 / 2243، سنن أبي داود 3: 284 / 3508 - 3510، سنن البيهقي 5: 321 و 322، مسند أحمد 7: 74 / 23704.
(3) الوسيط 3: 143، المحلى 8: 379، المغني 4: 237 و 238، الشرح الكبير 4: 127 و 129.
(4) انظر: المغني 4: 192، والشرح الكبير 4: 179، والعزيز شرح الوجيز 4: 76.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 287.
(6) منهاج الطالبين: 102، روضة الطالبين 3: 160، العزيز شرح الوجيز 4: 287.

[ 114 ]

العقد، وسقط الثمن عن المشتري إن لم يكن دفعه، وإن كان قد دفعه، استعاده. وللشافعي قول آخر: إنه لا ينفسخ العقد، ولا يسقط الثمن عن المشتري (1). مسألة 63: إذا انفسخ العقد، كان المبيع تالفا على ملك البائع، فلو كان عبدا، كان مؤونة تجهيزه عليه، وبه قال الشافعي (2). وهل يقدر أنه ينتقل الملك إليه قبيل التلف، أو يبطل العقد من أصله؟ فيه احتمال. وأصح وجهي الشافعية: الأول (3)، فالزوائد الحادثة في يد البائع - كالولد والثمرة والكسب (4) - للمشتري، وللبائع على الثاني. مسألة 64: إذا تلف المبيع قبل القبض، فإن تلف بآفة سماوية، فهو من مال البائع على ما تقدم. فإن أتلفه المشتري، فهو قبض منه، لأنه أتلف ملكه، فكان كالمغصوب إذا أتلفه المالك في يد الغاصب، يبرأ من الضمان، وبه قال الشافعي (5). وله وجه: أنه ليس بقبض ولكن عليه القيمة للبائع، ويسترد الثمن، ويكون التلف من ضمان البائع (6). وإن أتلفه البائع، قال الشيخ: ينفسخ البيع، وحكمه حكم ما لو تلف

(1 و 2) روضة الطالبين 3: 160، العزيز شرح الوجيز 4: 287.
(3) روضة الطالبين 3: 160، العزيز شرح الوجيز 4: 288.
(4) أي: كسب العبد المبيع مثلا.
(5) الوسيط 3: 143، العزيز شرح الوجيز 4: 288، روضة الطالبين 3: 161.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 288، روضة الطالبين 3: 161.

[ 115 ]

بأمر سماوي، لامتناع التسليم (1). وهو أصح وجهي الشافعي - وبه قال أبو حنيفة - لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه، سقط الثمن (2). والآخر له - وبه قال أحمد -: لا ينفسخ البيع، ويكون كالأجنبي يضمنه بالمثل في المثلي، وبالقيمة في غيره، لانتقال الملك عنه إلى المشتري وقد جنى على ملك غيره، فأشبه إتلاف الأجنبي (3). وإن أتلفه أجنبي، قال الشيخ: لا يبطل البيع، بل يتخير المشتري بين الفسخ فيسترجع الثمن من البائع، لأن التلف حصل في يد البائع، وبين الإمضاء فيرجع على الأجنبي بالقيمة إن لم يكن مثليا، ويكون القبض في القيمة قائم مقام القبض في المبيع، لأنها بدله (4). وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد القولين (5). وهل للبائع حبس القيمة لأخذ الثمن؟ يحتمل ذلك، كما يحبس المرتهن قيمة الرهن. والعدم، لأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل، بخلاف الرهن. وللشافعي (6) كالوجهين.

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 117.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 303، روضة الطالبين 3: 162، العزيز شرح الوجيز 4: 289.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 303، روضة الطالبين 3: 162، العزيز شرح الوجيز 4: 289، المغني 4: 237، الشرح الكبير 4: 126.
(4) المبسوط - للطوسي - 2: 117.
(5) المغني 4: 236 - 237، الشرح الكبير 4: 125 - 126، المهذب - للشيرازي - 1: 303، روضة الطالبين 3: 161 - 162، العزيز شرح الوجيز 4: 288 - 289، حلية العلماء 4: 343.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 289، روضة الطالبين 3: 162.

[ 116 ]

فروع: أ - لو استغل البائع المبيع قبل القبض ثم تلف، فلا أجرة عليه إن جعلنا إتلافه كالسماوية، وإلا فعليه الأجرة. وللشافعي (1) كالوجهين. ب - لو أكلت الشاة ثمنها المعين قبل القبض، فإن كانت في يد المشتري، فهو كما لو أتلفه. وإن كانت في يد البائع، فهو كإتلافه. وكذا إن كانت في يد أجنبي، فكإتلافه. وإن لم تكن في يد أحد، انفسخ البيع، لأنه (2) هلك قبل القبض بأمر لا ينسب إلى آدمي، فصار كالسماوية. ج - إتلاف الثمن المعين كالمثمن في الأحكام المذكورة هناك، أما غير المعين فلا يبطل البيع بإتلافه. وكذا الثمن المضمون. د - لو باع عينا بأخرى وقبض إحداهما فباعها أو أعتقها أو استحقت بالشفعة ثم تلفت الأخرى قبله، بطل العقد الأول دون الثاني، ويرجع مشتري التالفة بقيمة عينه، لتعذر رده، وعلى الشفيع مثل الثمن، لأنه عوض الشقص. ولو تلفت العين الأخرى قبل قبض المشتري الثاني، بطل البيعان. مسألة 65: لو تلف بعض المبيع قبل القبض بآفة سماوية، فإن كان للتالف قسط من الثمن، كعبد من عبدين مات (3)، بطل العقد فيه عند كل من يبطل البيع بالإتلاف. وفي الآخر خلاف.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 290، روضة الطالبين 3: 162.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: لأن المبيع هلك... والصحيح ما أثبتناه، لأن الفرض أن الهالك هو الثمن لا المبيع.
(3) في " ك " زيادة: أحدهما.

[ 117 ]

أما عندنا فلا يبطل، بل يتخير المشتري في الفسخ، لتبعض الصفقة عليه، والإمضاء. وللشافعية قولان: أحدهما: الفسخ بناء على الإبطال بتفريق الصفقة. والآخر: الصحة على ذلك التقدير فرقا بين الفساد المقترن بالعقد، والطارئ (1). وإن لم يكن للتالف قسط من الثمن، كما لو سقطت يد العبد، لعلمائنا قولان: أحدهما: تخيير المشتري بين الفسخ والإمضاء مجانا مع القدرة على الفسخ، لأنه ارتضاه معيبا، فكأنه اشتراه معيبا عالما بعيبه، وبه قال الشافعي وأحمد (2). والثاني: أن للمشتري مع اختيار الإمضاء الأرش، لأنه عوض الجزء الفائت قبل قبضه، وكما لو تلف الجميع كان مضمونا على البائع فكذا البعض إما الجزء أو الوصف. وهو أقواهما عندي. ولو تعيب بفعل المشتري، كما لو قطع يد العبد قبل قبضه، فلا خيار له، لأنه أتلف ملكه، فلا يرجع به على غيره، ويجعل قابضا لبعض المبيع حتى يستقر عليه ضمانه. وإن مات العبد في يد البائع بعد الاندمال، فلا يضمن اليد المقطوعة بأرشها المقدر ولا بما نقص القطع من القيمة، وإنما يضمنها بجزء من

(1) الوسيط 3: 92، الوجيز 1: 140 و 145، العزيز شرح الوجيز 4: 141 و 293، الحاوي الكبير 5: 295، روضة الطالبين 3: 166.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 303، روضة الطالبين 3: 164، العزيز شرح الوجيز 4: 292، المغني 4: 237، الشرح الكبير 4: 126.

[ 118 ]

الثمن كما يضمن الكل بكل الثمن، وهو أحد وجهي الشافعية. وأصح وجهي الشافعية في كيفية - وبه قال ابن سريج -: أنه يقوم صحيحا ومقطوعا ويؤخذ من الثمن بمثل نسبة التفاوت (1)، فلو كان صحيحا بعشرين ومقطوعا بخمسة عشر، فعليه ربع الثمن. وأضعفهما: أنه يستقر من الثمن بنسبة أرش اليد من القيمة، وهو النصف، فلو قطع يديه واندملتا ثم مات العبد في يد البائع، وجب على المشتري تمام الثمن (2). والثاني: أن إتلافه ليس بقبض، فلا يكون قابضا بشئ من العبد، ويضمن بأرشها المقدر، وهو نصف القيمة، كالأجنبي (3). ولو تعيب بفعل أجنبي، تخير المشتري بين الفسخ، ويتبع البائع الجاني، والإمضاء بجميع الثمن، ويغرم الجاني. قال بعض الشافعية: إنما يغرم إذا قبض العبد لا قبله، لجواز انفساخ البيع بموت العبد في يد البائع (4). ثم الغرامة الواجبة على الأجنبي نصف القيمة أو ما نقص من القيمة بالقطع؟ قولان للشافعية، أصحهما: الأول (5). ولو تعيب بفعل البائع، احتمل جعل جنايته كالأجنبي، فيتخير المشتري بين الفسخ والرجوع عليه بالأرش. وكالسماوية - وهو الأشهر من وجهي الشافعية (6) - فيتخير بين الفسخ والإمضاء مجانا.

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: بمثل تلك نسبة التفاوت. والصحيح ما أثبتناه. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 292، روضة الطالبين 3: 164 - 165.
(4) القائل هو الماوردي في الحاوي الكبير 5: 225، وكما في العزيز شرح الوجيز 4: 292، وروضة الطالبين 3: 165. (5 و 6) العزيز شرح الوجيز 4: 292 - 293، روضة الطالبين 3: 165.

[ 119 ]

فروع: أ - احتراق سقف الدار أو تلف بعض الأبنية كتلف عبد من عبدين، لأنه يمكن إفراده بالبيع بتقدير الاتصال والانفصال، بخلاف يد العبد، وهو أصح وجهي الشافعية. والآخر: أنه كسقوط يد العبد (1). ب - النقص ينقسم إلى فوات صفة، وهو العيب، وإلى فوات جزء، وينقسم إلى ما لا ينفرد بالقيمة والمالية، كيد العبد، وهو في معنى الوصف، وإلى ما ينفرد، كأحد العبدين. ج - المبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع - وبه قال أصحاب أحمد (2) - وإن لم يكن مكيلا أو موزونا، لتعلق حق التوفية به، فجرى مجرى الكيل. وقال أحمد: لو اشترى من رجل عبدا بعينه فمات في يد البائع، فهو من مال المشتري، إلا أن يطلبه فيمنعه البائع. ولو حبسه عليه ببقية الثمن، فهو غاصب، ولا يكون رهنا إلا أن يكون قد اشترط في نفس البيع الرهن (3). المطلب الثاني: في التصرفات. مسألة 66: لعلمائنا في بيع ما لم يقبض أقوال أربعة: الجواز على كراهية مطلقا - وبه قال البتي (4) خاصة - للأصل الدال

(1) الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 293، روضة الطالبين 3: 166.
(2) المغني 4: 238، الشرح الكبير 4: 125.
(3) المغني 4: 238.
(4) المغني 4: 239، الشرح الكبير 4: 125، وانظر: بداية المجتهد 2: 144.

[ 120 ]

على إباحة أنواع التصرف في الملك، وقد صار ملكا له بالعقد. وقول الباقر أو الصادق (عليهما السلام) في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها، قال: " لا بأس " (1). وقول الصادق (عليه السلام) في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه، قال: " لا بأس، ويوكل الرجل المشترى منه بكيله وقبضه " (2). والمنع مطلقا - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وهو مروي عن ابن عباس، وبه قال محمد بن الحسن (3) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها (4) التجار إلى رحالهم (5). ولأن الملك قبل القبض ضعيف، لأنه ينفسخ البيع لو تلف، فلا يفيد ولاية التصرف. ولأن المبيع قبل القبض مضمون على البائع للمشتري، فلو نفذنا بيعه للمشتري، لصار مضمونا للمشتري، ولا يتوالى ضمانا عقدين من شئ واحد. والمنع في المكيل والموزون مطلقا، والجواز في غيرهما - وبه قال أحمد في رواية، وإسحاق، وهو مروي عن عثمان وسعيد بن المسيب

(1) التهذيب 7: 89 / 377.
(2) الكافي 5: 179 / 3، التهذيب 7: 36 / 151.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 269، المجموع 9: 264 و 270، روضة الطالبين 3: 166، منهاج الطالبين: 103، الوجيز 1: 146، العزيز شرح الوجيز 4: 293، الحاوي الكبير 5: 220، حلية العلماء 4: 77، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 18، المغني 4: 239، الشرح الكبير 4: 127، بداية المجتهد 2: 144.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: يحرزها. وما أثبتناه من المصادر.
(5) سنن أبي داود 3: 282 / 3499، سنن الدار قطني 3: 13 / 36، سنن البيهقي 5: 314.

[ 121 ]

والحسن والحكم وحماد بن أبي سليمان (1) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الطعام قبل قبضه (2). وقول الصادق (عليه السلام): " ما لم يكن فيه (3) كيل أو وزن فلا يبعه حتى يكيله أو يزنه إلا أن يوليه الذي قام عليه " (4). والمنع في الطعام خاصة - وبه قال مالك وأحمد في رواية (5) - لما تقدم في الحديثين. قال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي منع من بيعه قبل قبضه هو الطعام (6). وقال [ ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاما فليس له أن يبيعه حتى ينقله من مكانه (7). وقال ] (8) أصحاب الرأي: بيع المنقول قبل القبض لا يجوز. وأما العقار فقال محمد بن الحسن: لا يجوز قبل قبضه (9). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز، لأن عدم القبض في المنقول

(1) المغني 4: 235، الشرح الكبير 4: 124، الحاوي الكبير 5: 220، المجموع 9: 270، حلية العلماء 4: 78، العزيز شرح الوجيز 4: 292.
(2) المعجم الكبير - للطبراني - 11: 12 / 10875.
(3) كلمة " فيه " لم ترد في المصدر، كما سبق الحديث بدونها في ص 120.
(4) التهذيب 7: 35 / 146.
(5) بداية المجتهد 2: 144، المحلى 8: 521، الحاوي الكبير 5: 220، العزيز شرح الوجيز 4: 293، حلية العلماء 4: 79، المجموع 9: 270، المغني 4: 236، الشرح الكبير 4: 124.
(6) المغني 4: 236، الشرح الكبير 4: 125.
(7) المجموع 9: 270، المغني 4: 236، الشرح الكبير 4: 125.
(8) ما بين المعقوفين لم يرد في " ق ". (9) المبسوط - للسرخسي - 13: 9، بدائع الصنائع 5: 181، حلية العلماء 4: 77.

[ 122 ]

مانع من الجواز، لخطر انفساخ البيع بهلاك المعقود عليه، وهذا لا يتحقق في العقار (1). ولنا قول خامس: المنع من المكيل والموزون خاصة إلا تولية، لقول الصادق (عليه السلام): " إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه إلا أن توليه، فإن لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه " (2). والأقرب عندي: الكراهية إلا في الطعام فالمنع أظهر وإن كان فيه إشكال. فروع: أ - المبيع إن كان دينا، لم يجز بيعه قبل قبضه عند المانعين، لأن المبيع مع تعيينه لا يجوز بيعه قبل قبضه فمع عدمه أولى، فلا يجوز بيع [ المسلم فيه ] (3) قبل قبضه ولا الاستبدال به، وبه قال الشافعي (4). ب - تجوز الحوالة بالمسلم فيه بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين من قرض أو إتلاف. وعليه بأن يحيل المسلم من له عليه دين من قرض أو إتلاف على المسلم [ إليه ] (5) لأن الحوالة إيفاء

(1) المبسوط - للسرخسي - 13: 9، بدائع الصنائع 5: 181، بداية المجتهد 2: 144، المجموع 9: 270، الحاوي الكبير 5: 220 و 221، حلية العلماء 4: 78، العزيز شرح الوجيز 4: 293، المغني 4: 239، الشرح الكبير 4: 127 - 128.
(2) الفقيه 3: 129 / 560، التهذيب 7: 35 - 36 / 147.
(3) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: السلم. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 308، المجموع 9: 273، روضة الطالبين 3: 172، منهاج الطالبين: 103، الوجيز 1: 146، العزيز شرح الوجيز 4: 301.
(5) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: فيه. والصحيح ما أثبتناه.

[ 123 ]

واستيفاء، وهو أحد وجوه الشافعية. وآخر: تجوز الحوالة به، لأن الواجب على المسلم إليه توفير الحق على المسلم وقد فعل، ولا تجوز الحوالة عليه، لأنها بيع سلم بدين. وأصحها (1): المنع، لما فيه من تبديل المسلم فيه بغيره (2). ج - لو كان الدين ثمنا - كما لو باع بدراهم أو دنانير في الذمة - ففي الاستبدال عنها لنا روايتان بالجواز - وهو جديد الشافعي (3) - لأن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير فآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق فآخذ مكانها الدنانير، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: " لا بأس به بالقيمة " (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن رجل باع طعاما بدراهم إلى أجل، فلما بلغ الأجل تقاضاه، فقال: ليس عندي دراهم خذ مني طعاما، قال: " لا بأس به إنما له دراهم يأخذ بها ما شاء " (5). والقديم: المنع، للنهي عن بيع ما لم يقبض. ولأنه عوض في معاوضة، فأشبه المسلم فيه (6). د - لو باع بغير الدراهم والدنانير في الذمة، فجواز الاستبدال عنه مبني على أن الثمن ماذا؟ والمثمن ماذا؟ والوجه: أن الثمن هو ما الصق به " الباء " والمثمن ما يقابله، وهو

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: أصحهما. والصحيح ما أثبتناه.
(2) المجموع 9: 273 - 274، روضة الطالبين 3: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 301 - 302. (3) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 172 - 173، العزيز شرح الوجيز 4: 302.
(4) سنن الترمذي 3: 544 / 1242، مسند أحمد 2: 206 / 5534.
(5) الكافي 5: 186 / 8، الفقيه 3: 166 / 734، التهذيب 7: 33 / 136، الاستبصار 3: 77 / 256.
(6) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 173، العزيز شرح الوجيز 4: 302.

[ 124 ]

أحد وجهي (1) الشافعية (2). والثاني: أن الثمن هو النقد، والمثمن ما يقابله، فلو باع نقدا بنقد، فلا مثمن فيه. ولو باع عرضا بعرض، فلا ثمن فيه (3). وأصحهما (4): أن الثمن هو النقد، فإن لم يكن أو كانا نقدين، فالثمن ما الصق به " الباء " (5). وعلى الأول - وهو أن الثمن ما الصق به " الباء " - يجوز الاستبدال عن غير الدراهم والدنانير كما (6) يجوز الاستبدال عنهما. وعلى الآخر لا يجوز عنده (7). ه‍ - لو استبدل عن أحد النقدين الآخر، لم يشترط قبض البدل في المجلس - قاله الشيخ (8)، للرواية (9) - لأن النقدين من واحد. ومنعه ابن إدريس (10)، وهو قول الشافعي (11)، وكذا قال الشافعي لو استبدل عن الحنطة شعيرا على تقدير تسويغه (12). و - لا يشترط تعيين البدل في العقد - وهو أصح وجهي الشافعي (13) - ويكفي الإحضار في المجلس، كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا في المجلس.

(1) كذا، والظاهر: وجوه. كما يستفاد من المصادر. (2 و 3) المجموع 9: 273، روضة الطالبين 3: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 301.
(4) كذا، والظاهر: أصحها.
(5) المجموع 9: 273، روضة الطالبين 3: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 301.
(6) في " ك ": كما أنه.
(7) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 173، العزيز شرح الوجيز 4: 302.
(8) النهاية: 380.
(9) الكافي 5: 245 / 2، الفقيه 3: 186 / 837، التهذيب 7: 102 - 103 / 441.
(10) السرائر: 218. (11 - 13) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 173، العزيز شرح الوجيز 4: 303.

[ 125 ]

وأضعفهما: الاشتراط، لئلا يكون بيع دين بدين (1). ز - لو استبدل عنها ما لا يوافقها في علة الربا، كما لو استبدل عن الدراهم طعاما أو ثيابا، فإن عين، جاز. وفي اشتراط قبضه في المجلس للشافعي وجهان: الاشتراط، لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الثاني، كرأس مال المسلم في السلم. وأصحهما - وبه نقول -: المنع، كما لو باع ثوبا بدرهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس (2). وإن لم يعين البدل بل وصف والتزم في الذمة، فعلى الوجهين عنده (3). والوجه عندنا: الجواز. ح - ما ليس بثمن ولا مثمن من الديون - كدين القرض والإتلاف - يجوز الاستبدال عنه إجماعا، لاستقراره في الذمة. وفي تعيين البدل والقبض في المجلس على ما تقدم للشافعي (4). ط - يجوز بيع الدين من غير من عليه الدين، كما لو كان له على زيد مائة فاعتاض عن عمرو عبدا ليكون المائة له، عندنا - وهو أضعف قولي الشافعي (5) - كما يجوز بيعه ممن عليه، وهو الاستبدال. وأصحهما: المنع، لعدم القدرة على التسليم (6). وهو ممنوع. وعلى الأول يشترط أن يقبض مشتري الدين [ الدين ] (7) ممن عليه

(1 - 3) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 173، العزيز شرح الوجيز 4: 303.
(4) المجموع 9: 274، روضة الطالبين 3: 174، منهاج الطالبين: 103، العزيز شرح الوجيز 4: 303 - 304. (5 و 6) المجموع 9: 275، روضة الطالبين 3: 174، العزيز شرح الوجيز 4: 304.
(7) أضفناها لأجل السياق.

[ 126 ]

في المجلس عند الشافعي (1)، وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس حتى لو توفي قبل قبض أحدهما، بطل العقد. ي - لو كان له دين على إنسان ولآخر دين على ذلك الإنسان فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه عليه وقبل الآخر، لم يصح، اتفق الجنس أو اختلف، لنهيه (عليه السلام) عن بيع الكالئ بالكالئ (2). يأ - لو باع شيئا بدراهم أو دنانير معينة فوجدها معيبة، لم يكن للمشتري إبدالها. ولو تلفت قبل القبض، انفسخ البيع، كما في طرف المبيع، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لا تتعين (4). وسيأتي. مسألة 67: وهل يصح بيعه من بائعه؟ أما المجوزون فإنهم جزموا بالجواز هنا. واختلف المانعون، فبعضهم منع - وهو أصح وجهي الشافعي (5) - كبيعه من غيره. وبعضهم جوز - وهو الثاني (6) - كبيع المغصوب من الغاصب. قال بعض الشافعية: الوجهان فيما إذا باع بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقيصة، وإلا فهو إقالة بصيغة البيع (7). ولو ابتاع شيئا يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر، فالأقرب: أن له أخذ بدله. ومنع منه الحنابلة وإن تراضيا، لأنه مبيع لم يقبض (8).

(1) المجموع 9: 275، روضة الطالبين 3: 174، العزيز شرح الوجيز 4: 304.
(2) سنن الدار قطني 3: 71 / 269، سنن البيهقي 5: 290، المستدرك - للحاكم - 2: 57.
(3) المجموع 9: 269، روضة الطالبين 3: 171، العزيز شرح الوجيز 4: 300.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 300. (5 و 7) العزيز شرح الوجيز 4: 296.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 296 - 297.
(8) المغني 4: 239 - 240، الشرح الكبير 4: 129.

[ 127 ]

وإن كان مما لا يحتاج إلى قبض، جاز. مسألة 68: والأقرب عندي: أن النهي يتعلق بالبيع لا بغيره من المعاوضات. ومنع الشيخ من إجارته قبل القبض فيما لا يجوز بيعه قبل قبضه، لأن الإجارة ضرب من البيوع (1). وللشافعية وجهان: المنع، لأن التسليم مستحق فيها، كما في البيع. والجواز، لأن موردها غير مورد البيع، فلا يتوالى ضمانا عقدين من جنس واحد (2). ومنع الشيخ من الكتابة، لأنها نوع بيع (3). وهو ممنوع. وأما الرهن فجوزه الشيخ (4)، وهو حق، لأنه ملكه، فصح منه التصرف فيه. وللشافعي قولان: الصحة، لأن التسليم غير لازم فيه. والمنع، لضعف الملك، فإنه كما يمنع البيع يمنع الرهن، كالمكاتب لا يرهن كما لا يباع (5). ويجري القولان وعلتهما في الهبة (6). وعلى تقدير الصحة فنفس العقد ليس قبضا، بل يقبضه المشتري من البائع ثم يسلمه إلى المرتهن والمتهب. وفي العتق للشافعي وجهان: أصحهما: النفوذ، ويصير قابضا، لقوة العتق وغلبته، ولهذا جاز عتق

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 120.
(2) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 168، الوسيط 3: 147، الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 296. (3 و 4) المبسوط - للطوسي - 2: 120. (5 و 6) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 167، الحاوي الكبير 5: 223، العزيز شرح الوجيز 4: 295.

[ 128 ]

الآبق دون بيعه. وأضعفهما: المنع، لأنه إزالة ملك، فأشبه البيع (1). وأما تزويج الأمة فجوزه الشيخ (2)، وهو أصح وجهي الشافعية (3). قال الشيخ: ويكون وطؤ المشتري أو الزوج قبضا (4). وبه قال أبو حنيفة (5). وقال الشافعي: وطؤ الزوج لا يكون قبضا (6). وأما السلم فحكمه حكم البيع، وكذا التولية، إلا على ما تقدم من رواية منع البيع وجواز التولية. وعن مالك جواز التولية (7)، وهو جه للشافعية (8). وأما الاشتراك فإنه عندنا إنما يكون بالمزج أو بأحد العقود الناقلة للنصف، والأول يستدعي القبض، والثاني تابع. وجوز مالك الشركة قبل القبض (9).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 269، المجموع 9: 264، روضة الطالبين 3: 167، الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 294 - 295، حلية العلماء 4: 79.
(2) المبسوط - للطوسي - 2: 120.
(3) الوسيط 3: 147، الوجيز 1: 145، العزيز شرح الوجيز 4: 296، المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 168.
(4) المبسوط - للطوسي - 2: 120.
(5) الهداية - للمرغيناني - 3: 80، بدائع الصنائع 5: 246، العزيز شرح الوجيز 4: 296.
(6) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 168، العزيز شرح الوجيز 4: 296.
(7) بداية المجتهد 2: 146، الكافي في فقه أهل المدينة: 320، العزيز شرح الوجيز 4: 296.
(8) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 168، العزيز شرح الوجيز 4: 296.
(9) بداية المجتهد 2: 146، الكافي في فقه أهل المدينة: 320، العزيز شرح الوجيز 4: 296.

[ 129 ]

وخالف فيه الشافعي - إلا في وجه - وأبو حنيفة وأحمد، لأنها بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن (1). وأما الإقالة فإنها جائزة قبل القبض - وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (2) - لأنها ليست بيعا على ما يأتي. وقال مالك: إنها بيع مطلقا (3). وقال أبو حنيفة: إنها بيع في حق غير المتعاقدين، وفسخ في حقهما (4). وسيأتي. والقائلون بأنها بيع أوجبوا القبض (5). مسألة 69: والمنتقل بغير البيع يجوز بيعه قبل قبضه، فلو ورث مالا، جاز له بيعه قبل قبضه - وبه قال الشافعي (6) - عملا بالأصل، إلا أن يكون المورث قد اشتراه ومات قبل قبضه، فليس للوارث بيعه عند المانعين (7)، كما لم يكن للمورث. ولو أوصى له بمال فقبل الوصية بعد الموت، فله بيعه قبل أخذه،

(1) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 168، العزيز شرح الوجيز 4: 296، الحجة على أهل المدينة 2: 706، المغني 4: 241 - 242، الشرح الكبير 4: 130.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 282، روضة الطالبين 3: 154، المغني 4: 245، الشرح الكبير 4: 132.
(3) المدونة الكبرى 4: 76، العزيز شرح الوجيز 4: 281، المغني 4: 244، الشرح الكبير 4: 132.
(4) تحفة الفقهاء 2: 110 - 111، بدائع الصنائع 5: 306، الهداية - للمرغيناني - 3: 54 - 55، العزيز شرح الوجيز 4: 282، المغني 4: 244، الشرح الكبير 4: 132.
(5) المغني 4: 245، الشرح الكبير 4: 132. (6 و 7) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 169، العزيز شرح الوجيز 4: 297.

[ 130 ]

وبه قال الشافعي (1). وإن باع بعد الموت وقبل القبول، فكذلك إن قلنا: الوصية تملك بالموت. وإن قلنا: تملك بالقبول أو هو موقوف، قال الشافعي: لا يصح (2). ويحتمل الصحة، لأن القبول قد يكون بالفعل. والمال المضمون في يد الغير بالقيمة كالعارية المضمونة أو مع التفريط - ويسمى ضمان اليد - يجوز بيعه قبل قبضه، لتمام الملك فيه. ولو باع عبدا وسلمه ثم فسخ المشتري، لعيب، فللبائع بيعه قبل قبضه، لأنه الآن صار مضمونا بالقيمة. ولو فسخ السلم، لانقطاع المسلم فيه، فللمسلم بيع رأس المال قبل استرداده. وكذا للبائع بيع المبيع إذا فسخ بإفلاس المشتري قبل قبضه. وبهذا كله قال الشافعي (3). أما ما هو مضمون في يد الغير بعوض في عقد معاوضة فالوجه: جواز بيعه قبل قبضه، كمال الصلح والأجرة المعينة، لما تقدم. وقال الشافعي: لا يصح، لتوهم الانفساخ بتلفه، كالمبيع (4) (5). وأما الصداق فيجوز للمرأة بيعه قبل قبضه، نص عليه الشيخ (6).

(1) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 169، العزيز شرح الوجيز 4: 298.
(2) المجموع 9: 266، روضة الطالبين 3: 169، العزيز شرح الوجيز 4: 298.
(3) المجموع 9: 266، روضة الطالبين 3: 169 - 170، العزيز شرح الوجيز 4: 298.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: كالبيع. وما أثبتناه من المصادر.
(5) المجموع 9: 266، روضة الطالبين 3: 170، العزيز شرح الوجيز 4: 298. (6) المبسوط - للطوسي - 2: 120، الخلاف 3: 98، المسألة 160.

[ 131 ]

وللشافعي قولان مبنيان على أنه مضمون في يد الزوج ضمان العقد أو ضمان اليد؟ فعلى الأول - وهو أصحهما عنده - لا يصح. ويجريان في بيع الزوج بدل الخلع قبل القبض، وبيع العافي عن القود المال المعفو عليه عنده (1). وعندنا يجوز ذلك كله. وأما الأمانات فيصح بيعها قبل قبضها - وبه قال الشافعي (2) - فلمالك الوديعة بيعها قبل قبضها، وكذا بيع مال الشركة والقراض في يد الشريك والعامل، وبيع المال في يد الوكيل والمرتهن بعد الفك، والمال في يد الولي بعد بلوغ الصبي ورشده، وما احتطبه العبد واكتسبه وقبله بالوصية قبل أن يأخذه السيد، لتمام الملك عليها، وحصول القدرة على التسليم. ومنع الشيخ من بيع الصرف قبل قبضه (3). ومال الغنيمة إذا تعين عليه ملكه. صح بيعه قبل قبضه، قاله الشيخ (4). وهو جيد. مسألة 70: قد بينا أن السلم نوع من البيع، فمن منع من بيع غير المقبوض منعه هنا. ومن جوزه هناك جوزه هنا. فلو أسلم في طعام ثم باعه من آخر، قال الشيخ: لا يصح إلا أن يجعله وكيله في القبض، فإذا قبض عنه، صار حينئذ قبضا عنه (5).

(1) المجموع 9: 267، روضة الطالبين 3: 170، العزيز شرح الوجيز 4: 298.
(2) المجموع 9: 265، روضة الطالبين 3: 169، العزيز شرح الوجيز 4: 297.
(3) المبسوط - للطوسي - 2: 120.
(4) المبسوط - للطوسي - 2: 120 - 121.
(5) المبسوط - للطوسي - 2: 121.

[ 132 ]

وإذا حل عليه الطعام بعقد السلم فدفع إلى المسلم دراهم وقال: خذها بدل الطعام، قال الشيخ: لم يجز، لأن بيع المسلم فيه لا يجوز قبل القبض، سواء باعه من المسلم إليه أو من أجنبي (1). وإن قال: اشتر بها الطعام لنفسك، قال: لم يصح، لأن الدراهم باقية على ملك المسلم إليه، فلا يصح أن يشتري بها طعاما لنفسه، فإن اشترى بالعين، لم يصح، وإن اشترى في الذمة، ملك الطعام وضمن الدراهم (2). ولو كان عليه طعام قرضا فأعطاه من جنسه، فهو نفس حقه. وإن غايره فإن كان في الذمة وعينه قبل التفرق وقبضه، جاز، وإن فارقه قبل قبضه، قال الشيخ: لا يجوز، لأنه يصير بيع دين بدين (3). وإن كان معينا وفارقه قبل القبض، جاز. مسألة 71: لو كان له في ذمة غيره طعام فباع منه طعاما بعينه ليقبضه الطعام الذي في ذمته منه، لم يصح، لأنه شرط قضاء الدين الذي في ذمته من هذا الطعام بعينه، وهذا لا يلزم، ولا يجوز أن يجبر على الوفاء به، فيفسد الشرط فيفسد البيع، لاقترانه به، لأن الشرط يحتاج أن يزيد بقسط من الثمن وهو مجهول ففسد البيع. ولو قلنا: يفسد الشرط ويصح البيع، كان قويا. هذا كله كلام الشيخ (4). والوجه عندي: صحتهما معا، لأنه شرط لا ينافي الكتاب والسنة. قال الشيخ: ولو باع منه طعاما بعشرة دراهم على أن يقبضه الطعام

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 121. (2) المبسوط - للطوسي - 2: 121.
(3) المبسوط - للطوسي - 2: 122 - 123.
(4) المبسوط - للطوسي - 2: 123.

[ 133 ]

الذي له عليه أجود منه، لم يصح، لأن الجودة لا يجوز أن تكون ثمنا بانفرادها، وإن قضاه أجود ليبيعه طعاما بعينه بعشرة، لم يجز (1). والوجه عندي: الجواز في الصورتين، لأنه شرط في البيع ما هو مطلوب للعقلاء سائغ فكان مشروعا، وليست الجودة هنا ثمنا بل هي شرط. مسألة 72: إذا باع طعاما بعشرة مؤجلة فلما حل الأجل أخذ بها طعاما، جاز إن أخذ مثل ما أعطاه. وإن أخذ أكثر، لم يجز. وقد روي أنه يجوز على كل حال. هذا قول الشيخ (2). والوجه عندي ما تضمنته الرواية، لأنه صار مالا له، فجاز له بيعه بمهما أراد، كغيره. القسم الثاني: الربا. وتحريمه معلوم بالضرورة من دين النبي (صلى الله عليه وآله)، فالمبيح له مرتد. قال الله تعالى: * (وحرم الربا) * (3) وقال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) * (4). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل: يا رسول الله وما هي؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا

(1 و 2) المبسوط - للطوسي - 2: 123.
(3) البقرة: 275.
(4) البقرة: 278 و 279.

[ 134 ]

بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (1). ولعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه (2). وقال الصادق (عليه السلام): " درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم " (3). وأجمعت الأمة على تحريمه. وهو لغة: الزيادة (4). واصطلاحا: بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة، وانضمام شرائط تأتي إن شاء الله تعالى. وهو قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، وقد أجمع العلماء على تحريمهما. وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أن الربا في النسيئة خاصة، لقوله (عليه السلام): " لا ربا إلا في النسيئة " (5) (6) ثم رجع ابن عباس إلى قول

(1) صحيح مسلم 1: 92 / 145، سنن أبي داود 3: 115 / 2874، سنن البيهقي 6: 284، و 8: 20 و 249، المغني 4: 134، الشرح الكبير 4: 133.
(2) سنن أبي داود 3: 244 / 3333، المصنف - لابن أبي شيبة - 6: 559 / 2042، المصنف - لعبد الرزاق - 8: 315 - 316 / 15351، المغني والشرح الكبير 4: 134.
(3) الكافي 5: 144 / 1، الفقيه 3: 174 / 782، التهذيب 7: 14 / 61 بتفاوت يسير.
(4) الصحاح 6: 2349، تهذيب اللغة 15: 272. (5) صحيح البخاري 3: 98، سنن النسائي 7: 281، مسند أحمد 6: 262 / 21255، المعجم الصغير - للطبراني - 2: 18، المعجم الكبير - للطبراني - 1: 172 / 429 و 431 - 433.
(6) الحاوي الكبير 5: 76، المغني والشرح الكبير 4: 134.

[ 135 ]

الجماعة (1)، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل " (2). والنظر فيه يتعلق [ بأمرين ] (3): الأول: الشرائط، وهي اثنان: الاتفاق في الجنس، ودخول التقدير، فهنا مطلبان: الأول: في الجنس. والمراد به الماهية، كالحنطة والأرز وإن اختلفت صفاتها. وهو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، والنوع الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد ينقلب كل منهما إلى صاحبه، فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهما جنس، كالتمر كله جنس وإن كثرت أنواعه كالبرني والمعقلي. مسألة 73: وقد أجمع المسلمون على ثبوت الربا في الأشياء الستة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): " الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، والشعير بالشعير مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد " (4). واختلف فيما سواها، فحكي عن طاوس وقتادة وداود وبعض نفاة القياس الاقتصار عليها، ولا يجري في غيرها، وهي على أصل الإباحة، لقوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (5).

(1) المغني والشرح الكبير 4: 134.
(2) صحيح البخاري 3: 97، سنن الترمذي 3: 543 / 1241، سنن البيهقي 5: 276، مسند أبي داود الطيالسي: 290 / 2181.
(3) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: بأمور ثلاثة وما أثبتناه مطابق لما قسمه المؤلف (قدس سره).
(4) سنن الترمذي 3: 541 / 1240.
(5) المغني والشرح الكبير 4: 135، والآية 275 من سورة البقرة.

[ 136 ]

وعند الإمامية أن الضابط الكيل أو الوزن أو العدد على خلاف في الأخير، فأين وجد أحدها ثبت الربا، لأنه الزيادة، وهي إنما تثبت في المقدر بأحد المقادير. ولقول الصادق (عليه السلام): " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " (1). وقوله تعالى: * (وحرم الربا) * (2) يقتضي تحريم كل زيادة إلا ما أجمعنا على تخصيصه. مسألة 74: واتفق العلماء على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذرة بالدخن، لتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد (3). أما الأولان: فسيأتي البحث فيهما. وأما الثالث وشبهه: فهو باطل، لقوله (عليه السلام): " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم " (4) مع أن الذهب والفضة متقاربان. مسألة 75: والربا عندنا ثابت في الصور بالنص، فإنا إنما نثبته في المقدر بأحد المقادير المذكورة، وهي: الكيل، والوزن، والعدد على خلاف فيه، إذ القياس عندنا باطل. أما القائلون بالقياس فقد اتفقوا على أنه لعلة، ثم اختلفوا.

(1) الكافي 5: 146 / 10، الفقيه 3: 175 / 786، التهذيب 7: 17 / 74، و 19 / 81، و 94 / 397، و 118 / 515، الاستبصار 3: 101 / 350.
(2) البقرة: 275.
(3) المغني 4: 136، الشرح الكبير 4: 135 - 136.
(4) سنن الترمذي 3: 541 / 1240.

[ 137 ]

فقال النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وأحمد في رواية: إن علة الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة الباقية مكيل جنس، فيجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه، مطعوما كان أو غيره (1). وهو الذي ذهبنا إليه، فيجري في الحبوب والثوم والقطن والصوف والكتان والحناء والحديد والنورة والجص وغير ذلك مما يدخله الكيل والوزن دون ما عداه وإن كان مطعوما، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن الرجل يبيع الفرس بالأفراس، فقال: " لا بأس إذا كان يدا بيد " (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر (عليه السلام): " البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس " (3). ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن الكيل والوزن سوى بينهما صورة، والجنس سوى بينهما معنى. وقال الشافعي في الجديد: العلة في الأربعة أنها مطعومة في جنس واحد، فالعلة ذات وصفين، وفي النقدين: جوهر الثمنية غالبا. وهو رواية عن أحمد - وعن بعض الشافعية أنه لا علة في النقدين (4) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله)

(1) المغني والشرح الكبير 4: 136، تحفة الفقهاء 2: 25، بدائع الصنائع 5: 183، الهداية - للمرغيناني - 3: 61، حلية العلماء 4: 148 و 151، العزيز شرح الوجيز 4: 72.
(2) مسند أحمد 2: 252 / 5851.
(3) الكافي 5: 190 / 1، الفقيه 3: 177 / 797، التهذيب 7: 118 / 511، الاستبصار 3: 100 / 347.
(4) المجموع 9: 395، روضة الطالبين 3: 46، العزيز شرح الوجيز 4: 74.

[ 138 ]

نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل (1)، وهو عام في المكيل وغيره. ولأن الطعم وصف شرف، فإن به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف، فإن بها قوام الأموال، فيجري الربا في كل مطعوم دخله الكيل والوزن أولا، كالبطيخ والأترج والسفرجل والخيار والبيض، وسواء أكل نادرا، كالبلوط، أو غالبا، وسواء أكل وحده أو مع غيره، وسواء أكل تقوتا أو تأدما أو تفكها أو غيرها مما يقصد للطعم غالبا دون ما ليس بمطعوم وإن كان موزونا، كالحديد والرصاص والأشنان - ويبطل بقول الصادق (عليه السلام): " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " (2) - لأن قوله (عليه السلام): " الطعام بالطعام مثل بمثل " (3) علق الحكم باسم الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق، كالقطع المعلق باسم السارق، والحد المعلق باسم الزاني (4). وقال الشافعي في القديم: العلة في الأربع كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، ولا فيما ليس بمطعوم. وبه قال سعيد بن المسيب وأحمد في رواية، لأن سعيد بن المسيب روى عن النبي (صلى الله عليه وآله): " لا ربا إلا فيما كيل أو وزون مما يؤكل أو

(1) أورد نصه ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 4: 137، وانظر: صحيح مسلم 2: 1214 / 1592، وسنن الدار قطني 3: 24 / 84.
(2) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 136، الهامش (4).
(3) صحيح مسلم 2: 1214 / 1592، سنن الدار قطني 3: 24 / 84.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 277، التهذيب - للبغوي - 3: 334 - 337، المجموع 9: 393 و 395 و 397، روضة الطالبين 3: 44 - 45 و 46، حلية العلماء 4: 149، العزيز شرح الوجيز 4: 72 و 74 و 77، المغني والشرح الكبير 4: 137، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 32.

[ 139 ]

يشرب " (1) (2). ويضعف بقول الدار قطني: الصحيح أنه من قول سعيد بن المسيب، ومن رفعه فقد وهم (3). وقال مالك: العلة القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات (4)، فإن علة الطعم لا تستقيم، لثبوت الطعم لكل شئ، فينبغي أن يعلل بالقوت الذي يعلل به الزكاة، كما أن الجواهر لم يجر الربا إلا فيما تجب الزكاة، وهو الذهب والفضة. ويبطل بالملح، فإنه لا يقتات، والإدام يصلح به القوت، والنار والحطب. وقال ربيعة بن عبد الرحمن: الاعتبار بما تجب فيه الزكاة (5)، فكل ما وجبت فيه الزكاة جرى فيه الربا، فلا يجوز بيع بعير ببعيرين ولا بقرة ببقرتين. ويبطل بما تقدم، وبالملح، فإنه لا تجب فيه الزكاة، ويجري فيه الربا.

(1) سنن الدار قطني 3: 14 / 39.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 337، المجموع 9: 397، روضة الطالبين 3: 45، حلية العلماء 4: 150، الحاوي الكبير 5: 83، العزيز شرح الوجيز 4: 72، المغني 4: 138، الشرح الكبير 4: 137.
(3) سنن الدار قطني 3: 14 ذيل الحديث 39، وحكاه عنه ابنا قدامة في المغني 4: 138، والشرح الكبير 4: 137.
(4) الحاوي الكبير 5: 83، التهذيب - للبغوي - 3: 337، المجموع 9: 401، العزيز شرح الوجيز 4: 72، المغني والشرح الكبير 4: 138.
(5) المجموع 9: 401، حلية العلماء 4: 151، الحاوي الكبير 5: 83، المغني والشرح الكبير 4: 138.

[ 140 ]

وقال ابن سيرين: الجنس الواحد هو العلة (1). وليس بصحيح، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أن يؤخذ البعير بالبعيرين لما أنفذ بعض الجيوش وقد نفدت الإبل (2). وهذا البحث ساقط عنا، لأنا نعتبر النص لا القياس، فمهما دل على شئ عملنا به، وقد سئل الصادق (عليه السلام) عن البيضة بالبيضتين، قال: " لا بأس به " والثوب بالثوبين، قال: " لا بأس به " والفرس بالفرسين، فقال: " لا بأس به " ثم قال: " كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس اثنين بواحد " (3). مسألة 76: قد بينا أن كل مكيل أو موزون يجري فيه الربا مع الشرائط سواء أكل أو لا. أما الشافعي حيث علل بالطعم اعتبره، فكل موضع لا يثبت فيه الطعم لا يثبت فيه الربا إلا النقدين. ولا فرق عنده بين أن يؤكل للتداوي، كالهليلج والسقمونيا وغيرهما، وبين ما يؤكل لسائر الأغراض. وقسم المطعومات إلى أربعة: ضرب يؤكل قوتا، وآخر يؤكل تأدما، وثالث يؤكل تفكها، ورابع يؤكل تداويا. ويجري الربا في ذلك كله لا في مأكول الدواب، كالقضب والحشيش والنوى (4). وحكي وجه للشافعية: أن ما يهلك كثيره ويستعمل قليله في الأدوية

(1) المجموع 9: 400، حلية العلماء 4: 152، الحاوي الكبير 5: 83، العزيز شرح الوجيز 4: 72. المغني والشرح الكبير 4: 138.
(2) علل الحديث 1: 390 / 1167، سنن البيهقي 5: 287.
(3) التهذيب 7: 119 / 517، الاستبصار 3: 101 / 351.
(4) المجموع 9: 397 و 399، روضة الطالبين 3: 45، العزيز شرح الوجيز 4: 72 و 73.

[ 141 ]

- كالسقمونيا - لا يجري فيه الربا (1). وفي الزعفران عندهم وجهان: أصحهما: جريان الربا فيه، لأن المقصود الأظهر منه الأكل تنعما أو تداويا إلا أنه يمزج بغيره. والثاني: لا يجري، لأنه يقصد منه الصبغ واللون (2)، وهو قول القاضي أبي حامد (3). والطين الخراساني لا يعد مأكولا، ويسفه آكله - وإنما يأكله قوم لعارض بهم - ولو كان مستطابا، لاشتراك الكل في استطابته، وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعائشة: " لا تأكلي الطين فإنه يصفر اللون " (4) ويجري آكل ذلك مجرى من يأكل التراب والخزف، فإن من الممكن من يأكل ذلك، فلا ربا فيه. وعند بعضهم أنه ربوي (5). والأرمني دواء، كالهليلج. وفيه وجه آخر لهم: أنه لا ربا فيه، كسائر أنواع الطين (6)، وهو قول القاضي ابن كج (7). وأما دهن البنفسج والورد واللبان ففيه لهم وجهان، أحدهما: ثبوت الربا، لأنها متخذة من السمسم اكتسبت رائحة من غيره، وإنما لا يؤكل في

(1) المجموع 9: 398، روضة الطالبين 3: 45، العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(2) المجموع 9: 397، روضة الطالبين 3: 45، حلية العلماء 4: 150، الحاوي الكبير 5: 105، العزيز شرح الوجيز 4: 72 - 73.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(4) كما في المغني 4: 139.
(5) المجموع 9: 398، العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 73.

[ 142 ]

العادة ضنا بها (1). وفي دهن الكتان وجهان عندهم، أصحهما: أنه ليس بربوي، لأنه لا يعد للأكل (2). وكذا دهن السمك، لأنه يعد للاستصباح وتدهين السفن لا للأكل (3). وفي وجه: أنه مال ربا، لأنه جزء من السمك (4). وفي حب الكتان وجهان (5)، وكذا في ماء الورد (6). ولا ربا عندهم في العود والمصطكي (7). وأما الماء ففي صحة بيعه وثبوت الملك فيه وجهان، فعلى الجديد فيه وجهان أيضا: أصحهما: أنه ربوي، لأنه مطعوم، لقوله تعالى: * (ومن لم يطعمه فإنه مني) * (8). والثاني: لا ربا فيه، لأنه ليس مأكولا (9).

(1) المجموع 9: 398 - 399، روضة الطالبين 3: 45، الوسيط 3: 49 و 50، العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(2) المجموع 9: 398، روضة الطالبين 3: 45، الوسيط 3: 49، العزيز شرح الوجيز 3: 73. (3 و 4) المهذب - للشيرازي - 1: 278، المجموع 9: 398، روضة الطالبين 3: 45، حلية العلماء 4: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 73، الوسيط 3: 49.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 278، المجموع 9: 398، روضة الطالبين 3: 45، حلية العلماء 4: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 73، روضة الطالبين 3: 45.
(7) كما في العزيز شرح الوجيز 4: 73.
(8) البقرة: 249.
(9) المهذب - للشيرازي - 1: 278، المجموع 9: 398، روضة الطالبين 3: 46، حلية العلماء 4: 149، العزيز شرح الوجيز 4: 73 - 74.

[ 143 ]

ولا ربا في الحيوان، لأنه لا يؤكل على هيئته، وما يباح أكله على هيئته كالسمك الصغير على وجه يجري فيه الربا (1). والحق عندنا في ذلك كله ثبوت الربا في كل مكيل أو موزون، سواء كان مأكولا أو لا. والسمك يوزن، فيجري فيه الربا مطلقا. مسألة 77: إذا بيع مال بمال فأقسامه ثلاثة: الأول: أن لا يكون شئ منهما ربويا. الثاني: أن يكون أحدهما ربويا دون الآخر. الثالث: أن يكونا ربويين. فالأول لا يجب فيه رعاية التماثل قدرا ولا الحلول ولا التقابض في المجلس، اتحدا جنسا أو لا، فيجوز بيع ثوب بثوبين، وعبد بعبدين، ودابة بدابتين، وبيع ثوب بعبد وعبدين نقدا ونسيئة، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (2) - لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يشتري بعيرا ببعيرين إلى أجل (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام) وقد سأله منصور بن حازم عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين، قال: " لا بأس به ما لم يكن فيه كيل ولا وزن " (4). وسأل منصور بن حازم الصادق (عليه السلام) عن البيضة بالبيضتين، قال: " لا بأس به " والثوب بالثوبين، قال: " لا بأس به " والفرس بالفرسين، فقال:

(1) المجموع 9: 399، روضة الطالبين 3: 46، العزيز شرح الوجيز 4: 74.
(2) المجموع 9: 400، روضة الطالبين 3: 46 - 47، العزيز شرح الوجيز 4: 75.
(3) سنن أبي داود 3: 250 / 3357، سنن الدار قطني 3: 69 / 261، سنن البيهقي 5: 287، المستدرك - للحاكم - 2: 56 - 57. (4) التهذيب 7: 118 / 513، الاستبصار 3: 100 - 101 / 349.

[ 144 ]

" لا بأس به " ثم قال: " كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به بأس اثنين بواحد " (1). وعن الباقر (عليه السلام): " لا بأس بالثوب بالثوبين " (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز إسلاف الشئ في جنسه (3). فلا يجوز بيع فرس بفرسين سلفا ولا نسيئة، بل يجب التقابض في المجلس عنده، وهو إحدى الروايات عن أحمد، لأن النبي (عليه السلام) نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (4). ولأن الجنس أحد وصفي علة تحريم التفاضل، فيحرم فيه النسأ، كالوصف الآخر (5). وتحمل الرواية على النسأ في الطرفين، أو على أن النهي للتنزيه نهي كراهة لا نهي تحريم. والربا عندنا يثبت لا لعلة، بل للنص على ثبوته في كل مكيل أو موزون، وإباحة التفاضل فيما عداهما، على أنه منقوض بإسلاف الدراهم في الحديد. وقال مالك: يجوز إسلاف أحد الشيئين في مثله متساويا لا متفاضلا. ولا يجوز بيع حيوان بحيوانين من جنسه بصفة يقصد بهما أمرا واحدا إما الذبح أو غيره، لأن الغرض إذا كان بهما سواء، كان بيع الواحد باثنين نسيئة ذريعة إلى الربا (6).

(1) التهذيب 7: 119 / 517، الاستبصار 3: 101 / 351.
(2) التهذيب 7: 119 / 518.
(3) التهذيب - للبغوي - 3: 342، العزيز شرح الوجيز 4: 76.
(4) سنن أبي داود 3: 250 / 3356، سنن ابن ماجة 2: 763 / 2270، سنن الترمذي 3: 538 / 1237، سنن البيهقي 5: 288 - 289، سنن الدارمي 2: 254، المعجم الكبير - للطبراني - 7: 247 / 6847، و 248 / 6851، و 273 / 6940.
(5) المغني 4: 143، الشرح الكبير 4: 179، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 39.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 76، حلية العلماء 4: 155.

[ 145 ]

ويبطل بقوله (عليه السلام): " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (1). الثاني: أن يكون أحدهما ربويا دون الآخر، كبيع ثوب بدراهم أو دنانير، أو بيع حيوان بحنطة أو شعير. وحكمه كالأول، فيجوز بيع أحدهما بالآخر - وإن كان أزيد قيمة منه - نقدا ونسيئة، للإجماع على السلف والنسيئة مع تغاير الثمن - الذي هو أحد النقدين - والمثمن، إلا الصرف خاصة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. الثالث كالأول عندنا، للإجماع على إسلاف أحد النقدين في البر أو الشعير أو غيرهما من الربويات والمكيلات، والنسيئة أيضا، وهو قول أبي حنيفة (2). وقال الشافعي: إن اختلفت العلة فيهما، كالذهب بالقوت، فلا تجب رعاية التماثل ولا الحلول ولا التقابض، فيجوز إسلاف أحد النقدين في البر، أو بيع الشعير بالذهب نقدا أو نسيئة. وإن اتفقت العلة، فإن اتحد الجنس، وجب فيه رعاية التماثل والحلول والتقابض في المجلس، كما لو باع الذهب بالذهب والبر بالبر، وثبت فيه أنواع الربا الثلاثة - وعندنا لا يجب الثالث إلا في الصرف - وإن اختلف الجنس، لم يجب التماثل، بل الحلول والتقابض في المجلس، لقوله (عليه السلام): " ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد " (3) (4).

(1) الجامع لأحكام القرآن 10: 86، المغني 4: 146، الشرح الكبير 4: 147.
(2) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 76.
(3) سنن البيهقي 5: 276، شرح معاني الآثار 4: 4.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 76، روضة الطالبين 3: 47 - 48.

[ 146 ]

والجواب: يحتمل أن يكون التقييد باليد على سبيل الأولوية، أو في الصرف. فروع: أ - يكره بيع الجنسين المختلفين متفاضلا نسيئة، لقول الصادق (عليه السلام): " ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح " (1). وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) " ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فإنه لا يصلح " (2). ب - المصوغ من أحد النقدين لا يجوز بيعه بجنسه من التبر أو المضروب متفاضلا بل بوزنه وإن كان المصوغ أكثر قيمة. وكذا الصحيح والمكسر لا يجوز التفاضل فيهما مع اتحاد الجنس - وبه قال الشافعي (3) - لما رواه عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بهذا بأسا، قال أبو الدرداء: من يعذرني من هذا، أخبره عن النبي (صلى الله عليه وآله) ويخبرني عن رأيه، والله لا ساكنتك بأرض أنت فيها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا وزنا بوزن مثلا بمثل (4).

(1) الكافي 5: 191 / 6، التهذيب 7: 93 / 395.
(2) التهذيب 7: 93 - 94 / 396.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 74، حلية العلماء 4: 153، المغني والشرح الكبير 4: 141.
(4) سنن البيهقي 5: 280، المغني 4: 141، الشرح الكبير 4: 143.

[ 147 ]

وقال مالك: يجوز أن يبيعه بقيمته من جنسه (1). وأنكر أصحابه ذلك، ونفوه عنه (2). واحتج من أجازه: بأن الصنعة لها قيمة، ولهذا لو أتلفه وجبت قيمته وإن زادت. والجواب: لا نسلم أن الصنعة تدخل في البيع وإن قومت على الغاصب. سلمنا لكن لا نسلم أنه يقوم بجنسه بل بغير جنسه. ج - الفلوس يثبت الربا فيها عندنا، لأنها موزونة، وبه قال أبو حنيفة (3)، وهو وجه ضعيف للشافعية، لحصول معنى الثمنية (4). وفي الأظهر عندهم: انتفاء الربا، لانتفاء الثمنية والطعم، والوزن والكيل ليسا علة عندهم (5). وقد تقدم بطلان التعليل. د - يكره بيع أفراد الجنس الواحد إذا لم يدخله الكيل والوزن متفاضلا نسيئة، لقول الباقر (عليه السلام): " البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به بأس " (6) وهو يدل بمفهومه على كراهية النسيئة فيه. ه‍ - لا يشترط التقابض في المجلس مع اتحاد الجنس واختلافه إلا في الصرف - وبه قال بعض الشافعية (7) - لأنهما عينان من غير جنس الأثمان، فجاز التفرق فيهما قبل القبض، كالحديد. نعم، يشترط الحلول

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 74، حلية العلماء 4: 153، المغني والشرح الكبير 4: 141.
(2) المصادر في الهامش (3) ما عدا العزيز شرح الوجيز.
(3) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 74. (4 و 5) المجموع 9: 395، روضة الطالبين 3: 46، العزيز شرح الوجيز 4: 74.
(6) الكافي 5: 190 / 1، الفقيه 3: 177 / 797، التهذيب 7: 118 / 511، الاستبصار 3: 100 / 347.
(7) روضة الطالبين 3: 47، العزيز شرح الوجيز 4: 75.

[ 148 ]

مع الاتفاق جنسا. وقال بعض الشافعية: إذا كانا ربويين، وجب فيهما القبض قبل التفرق، كالذهب والفضة (1)، لقوله (عليه السلام): " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد " (2). والجواب: أنه لا يدل على المنع مع عدم التقابض إلا من حيث المفهوم، وهو ضعيف. مسألة 78: لعلمائنا قولان في أن الحنطة والشعير هل هما جنس واحد أو جنسان؟ والأقوى عندي: الأول - وبه قال مالك والليث والحكم وحماد (3) - لأن معمر بن عبد الله بعث غلاما له ومعه صاع من قمح، فقال: اشتر شعيرا، فجاءه بصاع وبعض صاع، فقال له: رده، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، وطعامنا يومئذ الشعير (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: " لا يصلح الشعير بالحنطة إلا واحدا بواحد " (5).

(1) روضة الطالبين 3: 48، العزيز شرح الوجيز 4: 76.
(2) صحيح مسلم 3: 1210 / 1587، سنن البيهقي 5: 276، معرفة السنن والآثار 8: 33 - 34 / 11021.
(3) بداية المجتهد 2: 135، الحاوي الكبير 5: 111، المغني 4: 151 - 152، الشرح الكبير 4: 149 - 150.
(4) صحيح مسلم 3: 1214 / 1592، سنن الدار قطني 3: 24 / 83 و 84، سنن البيهقي 5: 283، المغني 4: 152، الشرح الكبير 4: 150.
(5) الكافي 5: 189 / 12، التهذيب 7: 94 / 398.

[ 149 ]

وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: " لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة إلا مثلا بمثل " وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد إلا شعيرا أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: " لا، إنما أصلهما واحد " (1). وعن الباقر (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد، ولا تبع قفيزا من حنطة بقفيزين من شعير " (2). ولأن أحدهما يغش بالآخر، فهما كنوعي جنس واحد. وقال بعض (3) علمائنا: إنهما جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلا يدا بيد ونسيئة - وبه قال الشافعي (4) - لقوله (عليه السلام): " بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد " (5). ولأنهما لا يشتركان في الاسم الخاص، فكانا جنسين، كالشعير والذرة. وأجابوا عن حديث معمر بأنه أعم من هذا الحديث. والغش ينتقض بالفضة، فإنه يغش بها الذهب. والجواب: أن الراوي فهم تناول الطعام لصورة النزاع. وبالجملة فالتعويل على أحاديث الأئمة (عليهم السلام). والاختصاص بالاسم لا يخرج الماهيات عن التماثل، كالحنطة والدقيق.

(1) الكافي 5: 187 / 3، التهذيب 7: 94 / 399.
(2) التهذيب 7: 95 / 408.
(3) هو ابن إدريس في السرائر: 215.
(4) الأم 3: 31، المهذب - للشيرازي - 1: 279، الحاوي الكبير 5: 110، بداية المجتهد 2: 135، المحلى 8: 492، المغني 4: 151، الشرح الكبير 4: 149.
(5) سنن البيهقي 5: 276، معرفة السنن والآثار 8: 33 - 34 / 11021.

[ 150 ]

مسألة 79: ثمرة النخل كلها جنس واحد، كالبرني والمعقلي والآزاد والدقل وإن كان رديئا في الغاية لا يجوز التفاضل فيه نقدا ولا نسيئة، فلا يباع مد من البرني بمدين من الدقل وكذا البواقي لا نقدا ولا نسيئة، وكذا ثمرة الكرم كلها جنس واحد، كالأسود والأبيض والطيان والرازقي، لقول الصادق (عليه السلام): " لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة إلا مثلا بمثل، والتمر مثل ذلك " (1). وكان علي (عليه السلام) يكره أن يستبدل وسقين من تمر المدينة بوسق من تمر خيبر (2). وفي حديث آخر ذلك وزيادة: " ولم يكن (عليه السلام) يكره الحلال " (3). وسئل عن الطعام والتمر والزبيب، فقال: " لا يصلح شئ منه اثنان بواحد إلا أن تصرفه نوعا إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنان بواحد وأكثر " (4) وإطلاق التمر يدل على اتحاده حقيقة. وقال الباقر (عليه السلام): " يكره وسق من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لأن تمر المدينة أجودهما " (5). تذنيب: الطلع كالثمرة في الاتفاق وإن اختلفت أصولهما، وطلع الفحل كطلع الإناث.

(1) الكافي 5: 187 / 3، التهذيب 7: 94 / 399.
(2) الكافي 5: 188 / 8، التهذيب 7: 94 / 400، و 97 / 413.
(3) الكافي 5: 188 / 7، التهذيب 7: 96 - 97 / 412، وصدر الحديث فيهما هكذا: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر.
(4) الفقيه 3: 178 / 804، التهذيب 7: 95 / 406.
(5) الفقيه 3: 178 / 805، التهذيب 7: 95 - 96 / 408.

[ 151 ]

مسألة 80: اللحوم أجناس مختلفة باختلاف أصولها، فلحم الغنم ضأنه وما عزه جنس واحد، ولحم البقر جاموسها وعرابها جنس واحد مغاير للأول، ولحم الإبل عرابها وبخاتيها جنس آخر مغاير للأولين، وكذا باقي اللحوم، عند علمائنا أجمع - وهو أصح قولي الشافعي، وبه قال المزني وأبو حنيفة وأحمد في رواية (1) - لأنها فروع أصول مختلفة هي أجناس متعددة، وكانت أجناسا كأصولها، كما في الأدقة والخلول. ولأنها متفاوتة في المنافع ومتخالفة في الأغراض والغايات، فأشبهت المختلفات جنسا. وللشافعي قول آخر: إنها جنس واحد، فلحم البقر والغنم والإبل والسموك والطيور والوحوش كلها جنس واحد - وهو رواية عن أحمد أيضا - لأنها اشتركت في الاسم في حال حدوث الربا فيها الذي لا يقع بعده التمييز إلا بالإضافة، فكانت جنسا واحدا، كأنواع الرطب والعنب، وتخالف الثمار المختلفة بالحقيقة، فإنها وإن اشتركت في اسم الثمرة لكنها امتازت بأساميها الخاصة (2). والجواب: المنع من الاشتراك في الاسم الخاص، وليس إطلاق لفظ اللحم عليها إلا كإطلاق الحيوان والجسم عليها. وقال مالك: اللحمان (3) ثلاثة أصناف: الإنسي والوحشي صنف

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 279، حلية العلماء 4: 161، الحاوي الكبير 5: 154، التنبيه في الفقه الشافعي: 91، روضة الطالبين 3: 59، الوسيط 3: 55، العزيز شرح الوجيز 4: 95، المغني والشرح الكبير 4: 155.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 279، حلية العلماء 4: 161 - 162، الحاوي الكبير 5: 154، التنبيه في الفقه الشافعي: 91، روضة الطالبين 3: 59، الوسيط 3: 56، العزيز شرح الوجيز 4: 95، المغني 4: 155، الشرح الكبير 4: 154.
(3) اللحمان: جمع لحم. لسان العرب 12: 535 " لحم ".

[ 152 ]

واحد، والطير صنف، ولحوم ذوات الماء صنف واحد - وهو رواية أخرى عن أحمد إلا أنه جعل الوحشي صنفا آخر - لأن لحم الطير لا تختلف المنفعة به، ولا تختلف القصد في أكله (1). والجواب: يبطل بلحم الإبل ولحم الغنم، فإنها تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها. فروع: أ - الوحشي من كل جنس مخالف لأهليه، فالبقر الأهلي مع البقر الوحشي جنسان مختلفان، والغنم الأهلية والغنم الوحشية - وهي الظباء - جنسان، والحمر الوحشية والأهلية جنسان أيضا عندنا، وبه قال الشافعي في أصح القولين وأحمد (2)، خلافا لمالك (3)، وقد سبق. ب - لحم السمك مخالف لباقي اللحوم، عند علمائنا أجمع، وهو أصح قولي الشافعي وأحمد في رواية (4). وللشافعي قول: إن اللحمان كلها صنف واحد (5)، فعلى هذا القول في السمك عنده قولان: أحدهما: أن لحومها ولحوم باقي الحيوانات البرية جنس واحد،

(1) بداية المجتهد 2: 136، العزيز شرح الوجيز 4: 95، حلية العلماء 4: 163، المغني 4: 155، الشرح الكبير 4: 154 - 155.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 96، روضة الطالبين 3: 59، حلية العلماء 3: 163، المغني 4: 155، الشرح الكبير 4: 154.
(3) انظر: المصادر في الهامش (1).
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 96، روضة الطالبين 3: 59، وانظر: المغني 4: 155، والشرح الكبير 4: 154.
(5) انظر: المصادر في الهامش (4) من ص 151.

[ 153 ]

لشمول الاسم لها، قال الله تعالى: * (ومن كل تأكلون لحما طريا) * (1) (2). والجواب: أنه كشمول الثمار للتمر والتفاح. والثاني: أن الحيتان مخالفة لباقي اللحوم، لأن لها اسما خاصا، ولهذا لو حلف لا يأكل اللحم، لم يحنث بلحوم الحيتان. ولأنه لا يسمى لحما عند الإطلاق، ولهذا لا يضاف اللحم إلى اسمه فيقال: لحم السمك، كما يقال: لحم الإبل (3). ج - لحم السمك هل هو جنس واحد أو أجناس؟ الأقوى: الأول، لشمول اسم السمك للكل، والاختلاف بالعوارض لا يوجب الاختلاف في الحقيقة. ويحتمل أن يكون أجناسا متعددة، فكل ما اختص باسم وصفة كان جنسا مخالفا لما غايره مما اختص باسم آخر وصفة أخرى، فالشبوط والقطان والبني أجناس مختلفة، وكذا ما عداها. د - الأقوى في الحمام - وهو ما عب وهدر، أو كان مطوقا على اختلاف التفسير - أنه جنس واحد، فلحم القماري والدباسي والفواخت جنس واحد، لشمول اسم الحمام لها، وتقاربها في المنافع. ويحتمل تعددها بتعدد ما يضاف إليه. أما الحمام مع غيره من الطيور كالعصافير والدجج فأولى بالتغاير. ه‍ - الجراد جنس بانفراده مغاير لسائر اللحوم البرية والبحرية، وهو ظاهر عند علمائنا حيث أوجبوا اختلاف اللحوم باختلاف أصولها، وهو

(1) فاطر: 12. (2 و 3) المهذب - للشيرازي - 1: 279، الحاوي الكبير 5: 154، العزيز شرح الوجيز 4: 95.

[ 154 ]

أصح قولي الشافعي (1). وفي قول آخر للشافعي: إنه من جنس اللحوم، فحينئذ هل هو من البرية أو البحرية؟ وجهان (2). و - أعضاء الحيوان الواحد كلها جنس واحد مع لحمه، كالكرش والكبد والطحال والقلب والرئة، والأحمر والأبيض واحد، وكذا الشحوم كلها بعضها مع بعض ومع اللحم جنس واحد، لأن أصلها واحد، وتدخل تحت اسمه. وللشافعية في ذلك طريقان: الأشهر عندهم أن يقال: إن جعلنا اللحوم أجناسا، فهذه أولى، لاختلاف أسمائها وصفاتها، وإن قلنا: إنها جنس واحد، ففيها وجهان، لأن من حلف أن لا يأكل اللحم لا يحنث بأكل هذه الأشياء على الصحيح. والثاني عن القفال أن يقال: إن جعلنا اللحوم جنسا واحدا، فهذه مجانسة لها، وإن جعلناها أجناسا، فوجهان، لاتحاد الحيوان، فأشبه لحم الظهر مع شحمه (3). وكذا المخ جنس آخر عندهم. والجلد جنس آخر. وشحم الظهر مع شحم البطن جنسان. وسنام البعير معهما جنس آخر، أما الرأس والأكارع فمن جنس اللحم (4). والكل عندنا باطل، فإن الحق تساوي هذه الأشياء. والتعلق بالحنث أو بعدمه غير مفيد، فإن اليمين يتبع الاسم وإن كانت الحقيقة واحدة، كما لو حلف أن لا يأكل خبزا، فأكل دقيقا، لم يحنث وإن كان واحدا.

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 96، روضة الطالبين 3: 59.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 96.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 96، روضة الطالبين 3: 60.

[ 155 ]

تنبيه: كل ما حكمنا فيه باختلاف الجنس وتغايره، فإنه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدا ونسيئة إلا الصرف، فلا يجوز النسيئة فيه، وكل ما حكمنا فيه بالتماثل فإنه لا يجوز التفاضل فيه. مسألة 81: المشهور المنع من بيع اللحم بحيوان من جنسه - وبه قال الفقهاء السبعة (1) ومالك والشافعي وأحمد (2) - لما رواه الجمهور عن سعيد بن المسيب أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع اللحم بالحيوان (3). ومراسيل ابن المسيب حجة عندهم (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): " إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كره اللحم بالحيوان " (5). ولأنه نوع في الربا بيع بأصله الذي هو منه فلم يجز، كما لو باع

(1) وهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال، فقيل: سالم بن عبد الله بن عمر. وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1: 172 / 140، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال 20: 18.
(2) المغني 4: 159 - 160، الشرح الكبير 4: 159، التفريع 2: 129، مختصر المزني: 78، الحاوي الكبير 5: 157، حلية العلماء 4: 193، المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 364، روضة الطالبين 3: 60، الوسيط 3: 57، العزيز شرح الوجيز 4: 98.
(3) الموطأ 2: 655 / 64، المراسيل - لأبي داود -: 133 / 15، المستدرك - للحاكم - 2: 35، سنن الدار قطني 3: 71 / 266.
(4) انظر: مختصر المزني: 78، والجرح والتعديل 4: 61، والكفاية - للخطيب البغدادي -: 404، واللمع: 159، والحاوي الكبير 5: 158، والمجموع (المقدمة) 1: 60 و 61، وتهذيب الأسماء واللغات 1: 221.
(5) الكافي 5: 191 / 7، التهذيب 7: 45 / 194، و 120 / 525.

[ 156 ]

الشيرج (1) بالسمسم من غير اعتبار. والأقرب عندي: الجواز على كراهية، للأصل السالم عن معارضة ثبوت الربا، لفقد شرطه، وهو التقدير بالكيل أو الوزن، المنفي في الحيوان الحي. وأما الكراهية: فللاختلاف. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والمزني بالجواز، لأنه باع ما فيه الربا بما لا ربا فيه فجاز، كما لو باع الحيوان بالدراهم (2). وقال محمد بن الحسن: يجوز على اعتبار اللحم في الحيوان، فإن كان دون اللحم الذي في مقابلته، جاز (3). فروع: أ - الممنوع إنما هو بيع لحم الحيوان بجنسه، أما بغير جنسه - كلحم الشاة بالإبل - فإنه يجوز، لجواز بيع لحم أحدهما بلحم الآخر فبالآخر حيا أولى. أما الشافعية: ففي كون اللحوم كلها جنسا واحدا أو أجناسا (4) متعددة عندهم قولان، فإن قالوا بالوحدة، لم يجز بيع لحم الشاة بالإبل الحية، ولا لحم البقر بالشاة الحية وكذا البواقي. وإن قالوا بالاختلاف، فقولان:

(1) الشيرج: دهن السمسم. تاج العروس 2: 64 " شرج ".
(2) بدائع الصنائع 5: 189، الهداية - للمرغيناني - 3: 64، مختصر اختلاف العلماء 3: 41 / 1118، المغني 4: 160، الشرح الكبير 4: 159، مختصر المزني: 79، الحاوي الكبير 5: 157، حلية العلماء 4: 194، العزيز شرح الوجيز 4: 98.
(3) بدائع الصنائع 5: 189، الهداية - للمرغيناني - 3: 64، مختصر اختلاف العلماء 3: 41 / 1118، حلية العلماء 4: 194، الحاوي الكبير 5: 157.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " جنس واحد أو أجناس " بالرفع.

[ 157 ]

أحدهما: المنع، لأن أبا بكر منع من بيع العناق بلحم الجزور (1). والجواب: أن فعل أبي بكر وقوله ليس حجة. والثاني (2): الجواز - وبه قال مالك وأحمد - لأنه يجوز بيعه بلحمه فجواز بيعه به أولى (3). ب - يجوز بيع اللحم بالحيوان غير المأكول كالآدمي والسبع وغيرهما، عندنا، لجواز بيعه بجنسه فبغيره حيا أولى. ولأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، وهو منفي هنا، وبه قال مالك وأحمد، لأن الحيوان لا ربا فيه جملة فجاز بيعه بما فيه الربا (4). وللشافعي قولان، هذا أحدهما، والثاني: المنع - وهو اختيار القفال - لعموم السنة (5). وهو ممنوع. ج - يجوز بيع اللحم بالسمكة الحية، ولحم السمك بالحيوان الحي عندنا، لما تقدم. وعند الشافعي قولان، أحدهما: أن لحم السمك إن كان من جملة اللحم، كان كما لو باع لحم غنم ببقر. وإن كان ليس من جملة اللحمان،

(1) رواه الشافعي في مختصر المزني: 78، وأورده أبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 284، والماوردي في الحاوي الكبير 5: 158، والرافعي في العزيز شرح الوجيز 4: 98، وكذلك ابنا قدامة في المغني 4: 162، والشرح الكبير 4: 159.
(2) في الطبعة الحجرية و " ق، ك " هكذا: وإن قالوا بالتعدد والثاني. وجملة " وإن قالوا بالتعدد " زائدة، حيث ذكرها المصنف (قدس سره) آنفا بقوله: وإن قالوا بالاختلاف.
(3) الوسيط 3: 57، حلية العلماء 4: 194 - 195، العزيز شرح الوجيز 4: 98، روضة الطالبين 3: 60، التفريع 2: 129، المغني 4: 163 - 164، الشرح الكبير 4: 159.
(4) التفريع 2: 129، المغني 4: 164، الشرح الكبير 4: 159، حلية العلماء 4: 195.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 365، الحاوي الكبير 5: 159، حلية العلماء 4: 195، العزيز شرح الوجيز 4: 98، روضة الطالبين 3: 60.

[ 158 ]

فقولان، لوقوع اسم اللحم والحيوان عليه. والثاني: الجواز (1). د - يجوز بيع الشحم والألية والطحال والقلب والكلية والرئة بالحيوان عندنا - وللشافعية وجهان (2) - وكذا السنام بالإبل، للنهي عن بيع اللحم بالحيوان، ولم يرد في غيره. وأصحهما عندهم: المنع، لأنه في معنى اللحم. وكذا الوجهان في بيع الجلد بالحيوان إن لم يكن مدبوغا [ وإن كان مدبوغا ] (3) فلا منع. وعلى الوجهين أيضا بيع لحم السمك بالشاة (4). ه‍ - يجوز بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة خالية من البيض، أو بدجاجة فيها بيضة، أو ببيضة لا غير، لوجود المقتضي، وهو عموم * (وأحل الله البيع) * (5) السالم عن معارضة الربا، لانتفاء شرطه، وهو الكيل أو الوزن هنا. ومنع الشافعية من بيع دجاجة فيها بيضة بدجاجة قولا واحدا، لأن ذلك بمنزلة بيع اللبن بالحيوان اللبون (6). وسيأتي. مسألة 82: الألبان تابعة لأصولها تختلف باختلافها وتتفق باتفاقها، فلبن الغنم ضأنه ومعزه (7) جنس، ولبن الإبل عرابها وبخاتيها جنس آخر مغاير للأول، ولبن البقر عرابها وجاموسها جنس واحد مخالف للأولين.

(1) الحاوي الكبير 5: 159، العزيز شرح الوجيز 4: 98، روضة الطالبين 3: 60.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 98، روضة الطالبين 3: 60.
(3) أضفناها من المصدر. (4) نفس المصدر في الهامش (1).
(5) البقرة: 275.
(6) الذي عثرنا عليه في المهذب - للشيرازي - 1: 285، والتهذيب - للبغوي - 3: 365 هو منع بيع بيضة بدجاجة في جوفها بيض.
(7) في " ق، ك ": ماعزه.

[ 159 ]

ولبن الوحشي مخالف للإنسي، فلبن البقر الوحشي (1) مخالف للبن البقر الإنسي. وكذا لبن الظبي ولبن الشاة جنسان، عند علمائنا أجمع. وقد نص الشافعي على أن الألبان أجناس (2)، ولم يذكر غير ذلك، إلا أن له في اللحمان قولين: أحدهما: أنها جنس واحد - قاله أصحابه - لا فرق بينها (3) (4)، فجعلوا في الألبان قولين: أحدهما: أنها جنس واحد، وهو المشهور عن أحمد. والثاني - وهو الأصح عندهم -: أنها أجناس، وبه قال أبو حنيفة (5). لنا: أنها فروع تابعة لأصول مختلفة بالحد والحقيقة، فكانت فروعها تابعة لها، كالأدهان والخلول - وهذا بخلاف اللحمان، فإن للشافعي قولا بالتماثل فيها (6) - لأن الأصول التي حصل اللبن منها باقية بحالها وهي مختلفة، فيدام حكمها على الفروع، بخلاف أصول اللحم. احتج الآخرون بأن الألبان اشتركت في الاسم الخاص في أول حال

(1) في " ق، ك ": بقر الوحش.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 280، حلية العلماء 4: 162، الحاوي الكبير 5: 120، التنبيه في الفقه الشافعي: 91، التهذيب - للبغوي - 3: 353، العزيز شرح الوجيز 4: 97، المغني والشرح الكبير 4: 157.
(3) في الطبعة الحجرية و " ق، ك ": بينهما. والصحيح ما أثبتناه.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 279، التنبيه في الفقه الشافعي: 91، حلية العلماء 4: 161 - 162، الحاوي الكبير 5: 154، الوسيط 3: 155 - 156، التهذيب - للبغوي - 3: 362، العزيز شرح الوجيز 4: 95، روضة الطالبين 3: 59، المغني 4: 155، الشرح الكبير 4: 154 و 155.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 280، الحاوي الكبير 5: 120، حلية العلماء 4: 162، التهذيب - للبغوي - 3: 353، العزيز شرح الوجيز 4: 97، الوسيط 3: 57، المغني والشرح الكبير 4: 157، الهداية - للمرغيناني - 3: 65.
(6) راجع المصادر في الهامش (4).

[ 160 ]

حدوث الربا فيها، فكانت جنسا واحدا، كثمار النخل، المختلفة الأنواع، بخلاف الخلول والأدهان، لأن دخول الربا حصل في أصولها قبل اشتراكها في الاسم. والجواب: الطلع جنس واحد. فروع: أ - يجوز بيع لبن البقر بلبن الغنم متماثلا ومتفاضلا نقدا، ويكره نسيئة، لاختلاف الجنس، وهو أحد قولي الشافعي (1). ولبن الوحشي والإنسي جنسان، ولهذا لا يضم إليها في الزكاة ولا ينصرف إطلاق الاسم إليها. وفي قول آخر له: إنها جنس (2)، فلا يباع بعضه ببعض متفاضلا لا نقدا ولا نسيئة. ب - يجوز بيع الرطب بالرطب متماثلا لا متفاضلا على ما يأتي. ومنع الشافعي من ذلك (3)، وجوز في اللبن بيع بعضه ببعض متساويا (4). وفرق أصحابه (5) بوجهين:

(1) الأم 3: 27، التهذيب - للبغوي - 3: 353، العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(2) راجع المصادر في الهامش (4) من ص 159.
(3) الأم 3: 20، مختصر المزني: 77، الحاوي الكبير 5: 134، الوجيز 1: 137، العزيز شرح الوجيز 4: 82 و 89، حلية العلماء 4: 172، التهذيب - للبغوي - 3: 343، روضة الطالبين 3: 55.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 352، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.
(5) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 92.

[ 161 ]

الأول: اللبن معظم منفعته في حال رطوبته، وبقاء رطوبته من مصلحته، بخلاف الرطب، فإن رطوبته تفسده، ومعظم منفعته إذا جف. الثاني: الرطب ينتهي إلى حال الجفاف بنفسه، فاعتبرت تلك الحال، واللبن لا ينتهي إلى حال الجفاف بنفسه، بل ربما يطرح معه غيره ليتجفف، فلم ينتظر به هذه الحال. ج - يجوز بيع الجنس بعضه ببعض إذا لم يخالطه غيره، فإن خالطه ماء أو ملح أو إنفحة وإن كان كثيرا، لم يؤثر في الجواز، خلافا للشافعي (1). لنا: أنه مع الممازجة إن كان التساوي في الجنس باقيا، جاز البيع مع التساوي قدرا، وإن زال وحصل الاختلاف، جاز مع التساوي قدرا، وعدمه. ولو باع حليبا بلبن قد حمض وتغير ولم يخالطه غيره، جاز عندنا وعنده (2)، لأن تغير الصفة لا يمنع من جواز البيع، كالجودة والرداءة. مسألة 83: الأدهان تتبع أصولها، وكذا الخلول والأدقة والسمون والعصير والدبوس والبيوض إن اعتبرنا العدد، فدهن الشيرج والبزر ودهن اللوز والجوز أجناس مختلفة يباع بعضها ببعض متماثلا ومتفاضلا نقدا، وفي النسيئة الأقوى: الكراهة، لأنها فروع أجناس مختلفة، فتختلف باختلافها. وخل العنب وخل التمر جنسان، وكذا عصير العنب مع عصير الرطب جنسان، ودبسهما جنسان أيضا.

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 349 - 350، العزيز شرح الوجيز 4: 88، روضة الطالبين 3: 54.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 352، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.

[ 162 ]

ودقيق الحنطة ودقيق الشعير جنس واحد، أما دقيق أحدهما مع دقيق الدخن أو الذرة أو الباقلاء فجنسان. وسمن الغنم وسمن البقر وسمن الإبل أجناس متعددة باختلاف أصولها. وكذا السمن والزيت، لقول الصادق (عليه السلام) - في الصحيح - وقد سئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد، قال: " يدا بيد لا بأس " (1). وبيض الدجاج والنعام والطيور أجناس مختلفة باختلاف الأصول، وهو المشهور من مذهب الشافعي (2). وفي الأدقة حكاية قول عن أمالي حرملة أنها جنس واحد (3). وأبعد منه وجه ذكره الشافعية في الخلول والأدهان، ويجري مثله في عصير العنب وعصير الرطب (4). وبيوض الطيور أجناس عندهم إن قالوا بتعدد اللحمان، وإلا فوجهان، أصحهما: التعدد في البيوض عندهم (5). والزيت المعروف مع زيت الفجل - وهو دهن يتخذ من بزر الفجل يسمى زيتا - جنسان، لأنه يصلح لبعض ما لا يصلح له الزيت. ومن الشافعية من الحقهما (6) باللحمان (7). والتمر من النخل مع التمر الهندي جنسان، لاختلافهما في الحقيقة

(1) التهذيب 7: 94 / 399، و 97 / 416، و 121 / 529. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 97.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(5) الحاوي الكبير 5: 155، العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(6) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: ألحقها. والصحيح ما أثبتناه.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 97.

[ 163 ]

والأصول. وعن [ ابن القطان ] (1) من الشافعية وجه: أنهما واحد (2). والبطيخ المعروف مع الهندي مختلفان. وللشافعية فيه قولان (3). وكذا القثاء مع الخيار. والبقول - كالهندباء والنعنع وغيرهما - أجناس، لاختلافهما حقيقة وجنسا. مسألة 84: الأصل مع كل فرع له واحد، وكذا فروع كل أصل واحد - وذلك كاللبن الحليب مع الزبد والسمن والمخيض واللبأ والشيراز (4) والأقط والمصل (5) والجبن والترجين (6) والكشك والكامخ، والسمسم مع الشيرج والكسب والراشي، وبزر الكتان مع حبه، والحنطة مع الدقيق والخبز على اختلاف أصنافه من الرقاق والفرن وغيرهما ومع الهريسة، والشعير مع السويق، والتمر مع السيلان والدبس والخل منه والعصير منه، والعنب مع دبسه وخله، والعسل مع خله، والزيت مع الزيتون وغير ذلك - عند علمائنا

(1) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: أبي العطاف. وذلك تصحيف. وما أثبتناه كما في المصدر، وهو الموافق لما في تاريخ بغداد 4: 365 / 2229، وطبقات الفقهاء - للشيرازي -: 121، وتهذيب الأسماء واللغات 2: 214 / 327، وطبقات الشافعية - للاسنوي - 2: 146 / 917، وطبقات الشافعية - لابن قاضي شهبة - 1: 124 / 74.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 97.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(4) الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه. تاج العروس 4: 43 " شرز ".
(5) المصل: ما سال من الأقط إذا طبخ ثم عصر. لسان العرب 11: 426 " مصل ".
(6) ارتجن الزبد: طبخ فلم يصف وفسد. لسان العرب 13: 176 " رجن ". (*

[ 164 ]

أجمع، فلا يجوز التفاضل بين اللبن والزبد والسمن والمخيض واللبأ والأقط وغير ذلك مما تقدم، بل يجب التماثل نقدا، ولا يجوز نسيئة لا متماثلا ولا متفاضلا. ولا فرق في ذلك بين أن يباع الأصل مع فرعه، أو بعض فروعه مع البعض. ومنع الشافعي من بيع الزبد والسمن باللبن متساويا نقدا، لأنهما مستخرجان من اللبن، ولا يجوز عنده بيع ما استخرج من شئ بأصله (1)، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم، والزيت بالزيتون (2). وهو غلط، لأنهما إن تساويا في الحقيقة، جاز البيع فيهما مع التساوي قدرا ونقدا. وإن اختلفا، جاز مطلقا. قال أبو إسحاق - مما حكي عنه في التعليل -: إن الزبد لا يخلو من لبن فيكون بيع لبن مع غيره بلبن (3). ولا يرد بيع اللبن بمثله، لأن الزبد لا حكم له ما دام في أصله ولم ينفرد، فإن بيع السمسم بالسمسم يجوز مع تفاضل الدهن ولا يجوز بيع الشيرج بالسمسم. وهذا الأصل عندنا باطل، لأنه عندنا يجوز بيع السمسم بالشيرج متساويا نقدا لا نسيئة. ومنع الشافعي أيضا من بيع المخيض باللبن، لأن اللبن فيه زبد

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 1: 352، الحاوي الكبير 5: 121، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 58.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 1: 351، حلية العلماء 4: 184، الحاوي الكبير 5: 123، العزيز شرح الوجيز 4: 98.
(3) الحاوي الكبير 5: 121.

[ 165 ]

والمخيض لا زبد فيه فيؤدي إلى تفاضل اللبنين (1). وما ذكرناه أحق، لعدم الانفكاك من التماثل والاختلاف، وعلى كلا التقديرين يجوز. وقد علل (2) أيضا بأن في المخيض أجزاء مائية، ولا يجوز بيع المشوب بالماء بالخالص. وهو ممنوع أيضا. ومنع أيضا من بيع اللبأ والشيراز بالحليب، لانعقاد أجزائها، فلا يمكن كيلها، ولا يجوز بيع اللبن وزنا (3). وهو ممنوع. ومنع أيضا من بيع اللبن بالمصل والجبن والكشك، لانعقاد أجزائها، ومخالطة الملح والإنفحة (4). وهو ممنوع، لأن الأجزاء اليسيرة لا اعتبار لها في حصول الاختلاف، ولو حصل، جاز أيضا. وأما المطبوخ فإن لم تنعقد أجزاؤه وإنما يسخن، فإنه يجوز عنده بيع بعضه ببعض، كالعسل المصفى بالشمس والنار (5). وإن طبخ حتى انعقدت أجزاؤه، فوجهان عنده: الجواز، كما يجوز بيع الدهن بالدهن، والمنع، لما فيه من لبن وغيره، فكان كبيع لبن وغيره بلبن (6). والأصل ممنوع. والسمن يجوز بيع بعضه ببعض، لأنه لا يخالطه غيره. قال: وبيعه

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 1: 352، الحاوي الكبير 5: 122، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 58.
(2) انظر: الحاوي الكبير 5: 122.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 284.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 284، الحاوي الكبير 5: 121.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 353 و 354، العزيز شرح الوجيز 4: 94، روضة الطالبين 3: 58.
(6) التهذيب - للبغوي - 3: 354، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 58.

[ 166 ]

وزنا أحوط (1). وأما المخيض فإن خالطه ماء، لم يجز بيع بعضه ببعض عنده، لجواز تفاضل اللبنين أو الماءين، وإن لم يخالطه ماء، جاز (2). وعندنا يجوز مطلقا. وأما الأقط والمصل والجبن والكامخ فلا يجوز بيع الواحد منها بواحد من نوعه عنده، لانعقاد أجزائها، والكيل مختلف فيها والكيل أصلها، وفيها ما خالطه غيره (3). ولا اعتبار عندنا بذلك بل يجوز. وأما بيع نوع منها بنوع آخر - كالسمن بالزبد والمخيض، والزبد بالمخيض - فإنه جائز عندنا. ومنع الشافعي من السمن بالزبد، لأن السمن مستخرج منه، وجوز الباقي، وإنما أجاز المخيض بالسمن، لأن المخيض ليس فيه سمن، فكانا بمنزلة الجنسين (4). ثم اعترض على نفسه في المنع من بيع الشيرج بالكسب، والمخيض والسمن بمنزلته. وأجاب: بأن الكسب لا ينفرد عن الشيرج، ولابد أن يبقى فيه شئ،

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 352، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 352، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 57.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 353، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 57 - 58.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 284، الحاوي الكبير 5: 121 و 122.

[ 167 ]

بخلاف اللبن، فإن المخيض لا يبقى فيه سمن (1). وعندنا أن المخيض والسمن جنس يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا لا متفاضلا. وأما الزبد بمثله يجوز بيعه به. وحكي عن أبي إسحاق أنه لا يجوز، لأنه إذا كان في الزبد لبن، لم يجز بيعه باللبن عنده (2). والصحيح عندهم: الجواز - كمذهبنا - لأن ذلك القدر يسير لا يتبين إلا بالنار والتصفية، فلم يكن له حكم (3). فروع: أ - دهن السمسم وكسبه جنس واحد عندنا، لما بينا من أن الفروع المستندة إلى أصل واحد جنس واحد، فلا يجوز بيع الشيرج بالكسب متفاضلا. وقال الشافعي: إنهما جنسان، كالمخيض والسمن (4). والأصل عندنا ممنوع. ب - عصير العنب مع خله وعصير التمر مع خله بل والعنب مع خله والتمر مع خله جنس واحد في كل واحد منها، فلا يجوز بيع عصير العنب بخل العنب متفاضلا، ولا عصير التمر بخل التمر متفاضلا.

(1) لم نعثر على الاعتراض والجواب فيما بين أيدينا من المصادر. (2 و 3) المهذب - للشيرازي - 1: 284، حلية العلماء 4: 188، الحاوي الكبير 5: 122، العزيز شرح الوجيز 4: 93 وفيه الصحيح عدم الجواز من دون نسبته إلى أبي إسحاق، وكذا في بقية المصادر.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 351، العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.

[ 168 ]

وللشافعية وجهان، أحدهما: أنهما جنسان، لاختلافهما في الوصف والاسم والمقصود (1). وهو ممنوع. ج - الشيرج مع دهن ما يضاف إليه جنس واحد يحرم التفاضل فيه ويجب التساوي نقدا، كالشيرج ودهن البنفسج ودهن النيلوفر. مسألة 85: يجوز بيع عسل النحل بعضه ببعض متساويا نقدا، ولايجوز نسيئة ولا متفاضلا مطلقا قبل التصفية من الشمع وبعدها، لأصالة الإباحة، وورود النص (2) بها مع سلامته عن معارضة الربا، لما يأتي من جواز بيع الشيئين المختلفين بجنسيهما، وبعد التصفية يكونان مثلين. ومنع الشافعي من بيع بعضه ببعض قبل التصفية متساويا ومتفاضلا، لأدائه إلى تفاضل العسلين، لأن الشمع قد يكون في أحدهما أكثر (3). ثم اعترض أصحابه بجواز بيع التمر بعضه ببعض وإن جاز أن يكون النوى في أحدهما أكثر، وكذا بيع قديد اللحم بقديد وإن كان فيه عظام. ثم أجابوا بأن النوى والعظام من مصلحة التمر واللحم فلم يكلف نزعه، للضرورة، فجاز بيعه معه، بخلاف الشمع. ولأن العظام والنوى غير مقصودين، بخلاف الشمع، ولا يجوز ما فيه الربا بجنسه ومعه ما يقصد بالبيع (4). وهو ممنوع. وأما إن صفي فإن صفي بالشمس، جاز بيع بعضه ببعض، لأن الشمس لا يختلف تأثيرها فيه. وإن صفي بالنار، فوجهان، أصحهما:

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(2) البقرة: 275.
(3) الأم 3: 24، مختصر المزني: 77، الحاوي الكبير 5: 118.
(4) انظر: الحاوي الكبير 5: 118.

[ 169 ]

الجواز، لقلة الاختلاف. والبطلان، لاختلاف أثر النار، فربما عقدت أجزاء بعضه دون بعض (1). والحق ما قلناه نحن. فروع: أ - عسل الطبرزد وعسل القصب جنس واحد، وهما جميعا من قصب السكر. ويجوز بيع أحدهما بالآخر وبعض منه ببعض عند علمائنا. وللشافعية وجهان، هذا أحدهما، لخفة أثر النار فيهما. والثاني: المنع، لأجل الطبخ (2). وعندنا لا أثر للنار في المنع. ب - يجوز بيعهما بعسل النحل، لأنهما جنسان مختلفان باختلاف أصولهما، فجاز التساوي فيهما والتفاضل نقدا، وفي النسيئة خلاف. ج - يجوز بيع السكر بالسكر متساويا نقدا لا نسيئة. وللشافعية وجهان، أحدهما: المنع، لأن النار تدخله (3). وقد بينا أن ذلك غير مانع. د - يجوز بيع السكر بعسل النحل متفاضلا، لاختلافهما في الجنس. ويجوز بيع السكر بعسله عندنا، خلافا للشافعي (4).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 354، حلية العلماء 4: 181، العزيز شرح الوجيز 4: 94.
(2) حكى الوجهين السبكي في تكملة المجموع 11: 97 عن القاضي أبي الطيب وغيره.
(3) التهذيب - للبغوي - 3: 354، حلية العلماء 4: 181، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 58.
(4) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

[ 170 ]

ه‍ - يباع العسل بالعسل وزنا وكيلا، لعدم التفاوت بينهما، وثبوت التقارب فيهما. وقال الشافعي: يباع وزنا (1). وقال أبو إسحاق: يباع كيلا، لأن أصله الكيل (2). و - السكر والنبات والطبرزد جنس واحد، وبه قال الشافعي (3). والسكر الأحمر - وهو القواليب (4) - عكر (5) الأبيض ومن قصبه جنس من السكر والنبات أيضا. قال الجويني: الأظهر أنه من جنس السكر (6). وللشافعية وجهان (7). مسألة 86: قد بينا أن أصل كل شئ وفرعه واحد يباع أحدهما بالآخر متساويا لا متفاضلا، نقدا، ولا يجوز نسيئة مطلقا إذا كان مما يكال أو يوزن، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها ودقيق الشعير وسويقها والسويق بالدقيق متساويا، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وربيعة والليث والنخعي وقتادة وإسحاق والشافعي في أحد القولين، لكن بعض أصحابه أنكر هذا القول عنه، وعن أحمد روايتان (8) - عملا بالأصل السالم عن

(1 و 2) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - 3: 58، المسألة 87.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 97.
(4) القلبة - بالضم -: الحمرة. وقلبت البسرة: إذا احمرت. تاج العروس 1: 437 " قلب ".
(5) ورد في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " عكس " بدل " عكر " وذلك تصحيف. وما أثبتناه هو الصحيح. والعكر: دردي كل شئ وآخره وخاثره. لسان العرب 4: 600 " عكر ".
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 97.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 97، روضة الطالبين 3: 60.
(8) المغني 4: 153، الشرح الكبير 4: 159، المهذب - للشيرازي - 1: 283، الكافي في فقه الإمام أحمد 2: 36، التهذيب - للبغوي - 3: 350، حلية العلماء 4: 182، الحاوي الكبير 5: 108 و 109، العزيز شرح الوجيز 4: 90 و 91، روضة الطالبين 3: 56.

[ 171 ]

معارضة الربا، لوجوب التساوي الرافع للربا. وقول الباقر (عليه السلام) - في الصحيح -: " الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به " (1) ومثله عن الصادق (2) (عليه السلام). ولأن الدقيق نفس الحنطة، وإنما تفرقت أجزاؤه، فصار بمنزلة الحنطة الدقيقة مع السمينة. والمشهور عن الشافعي: المنع - وهو محكي عن الحسن البصري ومكحول والحكم وحماد وأحمد في الرواية الأخرى - لأن التماثل معتبر في ذلك بحالة الكمال والادخار، لأن النبي (عليه السلام) سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال: " فلا إذن " (3) فإذا باع الدقيق بالحنطة، لم يعلم تساويهما حنطتين، فلم يجز (4). والجواب: المنع من التفاوت، لأصالة بقاء التساوي. وقال أبو ثور (5): يجوز بيع الدقيق بالحنطة متفاضلا، لأنهما بمنزلة الجنسين، لاختلافهما في الاسم، فإنه لو حلف لا يأكل أحدهما، لم يحنث

(1) الفقيه 3: 178 / 802، التهذيب 7: 94 / 401.
(2) دعائم الإسلام 2: 42 / 98.
(3) سنن الدار قطني 3: 50 / 206، المستدرك - للحاكم - 2: 38، المغني 4: 144، الشرح الكبير 4: 162، العزيز شرح الوجيز 4: 89.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، حلية العلماء 4: 182، الحاوي الكبير 5: 108، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 56، المغني 4: 153، الشرح الكبير 4: 159.
(5) الحاوي الكبير 5: 108، حلية العلماء 4: 182.

[ 172 ]

بأكل الآخر. والجواب: الاختلاف بالاسم لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، لأن (1) أفراد النوع تختلف في الاسم وإن استوى حكمه. وينتقض ببيع اللحم بالحيوان، مع أن النص عن أهل البيت (عليهم السلام) المنع، ولم يقولوا ذلك إلا عن وحي. فروع: أ - قد بينا أنه يجوز بيع الحنطة بالسويق متساويا نقدا، لأنهما جنس واحد. ومنع الشافعي (2) منه، بل جعلوه أبعد من الحنطة بالدقيق في الجواز، لأن النار تدخله، ومنه ما ينقع بالماء ثم يجفف ثم يقلى. والكل عندنا جائز متساويا نقدا، لقول الباقر (عليه السلام) وقد سئل عن البر بالسويق، فقال: " مثلا بمثل لا بأس به " (3). ب - يجوز بيع الحنطة بالخبز متساويا نقدا، ولا يجوز نسيئة ولا متفاضلا. لنا: أن الخبز فرع الحنطة، فكان حكمها حكم الجنس الواحد. وقال الشافعي (4): لا يجوز بيع الحنطة بالخبز - وبه قال أحمد (5) - لأنه

(1) في " ق، ك ": فإن، بدل لأن.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 283، الحاوي الكبير 5: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 56، المغني 4: 152، الشرح الكبير 4: 160.
(3) الكافي 5: 189 / 9، التهذيب 7: 95 / 404.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، الحاوي الكبير 5: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 56.
(5) الشرح الكبير 4: 160.

[ 173 ]

متنوع أصل يحرم فيه الربا، فلم يجز بيعه بالدقيق مع الحنطة. والجواب: المنع من حكم الأصل. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الخبز بالحنطة متفاضلا (1) - وهو قياس قول أبي ثور (2) لأن بالصنعة صار في حكم الجنسين. والجواب: زيادة الصفة غير مؤثرة في الاتحاد بالحقيقة. ج - يجوز بيع الخبز بالخبز، سواء كانا رطبين أو يابسين أو بالتفريق، مثلا بمثل، نقدا لا نسيئة - وبه قال أحمد (3) - للأصل، ولأن معظم منفعتهما في حال رطوبتهما، فجاز بيع أحدهما بالآخر، كاللبن باللبن. وقال الشافعي: لا يجوز بيع أحدهما بالآخر إذا كانا رطبين أو أحدهما، لأنهما جنس يجري فيه الربا، بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادخار. وإن كانا يابسين مدقوقين بحيث يمكن كيلهما، فقولان: قال في كتاب الصرف: لا يجوز، لأنه قد خالطه الملح، فقد يكثر في أحدهما دون الآخر. وروى عنه حرملة أنه يجوز، لأن ذلك حالة كمال وادخار، وليس للملح موضع للمكيال، فإن الملح يطرح مع الماء فيصير صفة فيه (4). والحق ما قدمناه من الجواز مطلقا.

(1) الاختيار لتعليل المختار 2: 48، الهداية - للمرغيناني - 3: 65، حلية العلماء 4: 184.
(2) حلية العلماء 4: 184.
(3) المغني 4: 154، الشرح الكبير 4: 163، حلية العلماء 4: 184.
(4) الأم 3: 80، المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، حلية العلماء 4: 184، الحاوي الكبير 5: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 90 و 91.

[ 174 ]

د - بيع الحنطة بالفالوذج جائز عندنا. ومنع الشافعي (1) من بيعه بالحنطة كالدقيق، لأنه نشأ، وهو من الحنطة، وكذا كل ما يعمل من الحنطة لا يجوز بيعه بالحنطة، وكذا ما يعمل من التمر لا يباع بالتمر، وكل ما يجري فيه الربا كذلك. وعندنا يجوز متساويا مع الاتفاق، ومتفاضلا لا معه. ه‍ - بيع الدقيق بالدقيق جائز إذا اتحد أصلهما، كدقيق الحنطة بمثله أو بدقيق الشعير، لأنهما جنس على ما تقدم (2). ولا فرق بين الناعم بالناعم أو الخشن بالناعم، ومع الاختلاف في الأصل يجوز متفاضلا نقدا، ويكره نسيئة، كدقيق الحنطة بدقيق الذرة، وبه قال أحمد (3). واختلف قول الشافعي في الدقيق بالدقيق مع اتحاد الجنس، فقال في القديم والجديد معا: لا يجوز، لإمكان تفاضلهما حال الكمال والادخار، لإمكان كون أحدهما من حنطة ثقيلة الوزن، والآخر من خفيفة، فيستويان دقيقا ناعما ولا يستويان حنطة (4). والمعتبر إنما هو حالة البيع، على أن التجويز لا ينافي المعلوم. ونقل البويطي والمزني معا عنه الجواز (5).

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 350، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 350.
(2) في المسألة 83.
(3) المغني 4: 153، الشرح الكبير 4: 162.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، الحاوي الكبير 5: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 56، المغني 4: 153، الشرح الكبير 4: 162.
(5) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، الحاوي الكبير 5: 110، حلية العلماء 4: 183، العزيز شرح الوجيز 4: 90، روضة الطالبين 3: 56.

[ 175 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الناعم بالناعم والخشن بالخشن، ولايجوز بيع الناعم بالخشن (1). وقد سبق (2) أن الاختلاف في الأوصاف لا يؤثر في الاتحاد في الحقيقة. و - يجوز بيع الدقيق بالسويق متساويا نقدا، ولا يجوز متفاضلا ولا نسيئة، لاتحادهما في الحقيقة. ولقول الباقر (عليه السلام) - في الصحيح -: " الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا بأس به " (3). وقال الشافعي: لا يجوز، لدخول النار في السويق (4). ونمنع المانعية. وقال مالك وأبو يوسف ومحمد: يجوز بيع الدقيق بالسويق متفاضلا (5). ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة (6). وروايته الأصل أنه لا يجوز، لأن السويق صار بالصنعة جنسا آخر،

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 91، حلية العلماء 4: 183، المغني 4: 153، الشرح الكبير 4: 162.
(2) في 173.
(3) الفقيه 3: 178 / 802، التهذيب 7: 94 / 401.
(4) الحاوي الكبير 5: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 90، المغني 4: 153 - 154، الشرح الكبير 4: 162.
(5) المدونة الكبرى 4: 108، الهداية - للمرغيناني - 3: 64، الاختيار لتعليل المختار 2: 48، المغني 4: 154، الشرح الكبير 4: 162.
(6) نقله الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 54، المسألة 76.

[ 176 ]

فصار كالجنسين (1). وهو ممنوع، ومنتقض بالدقيق مع الحنطة، فإنه قد زال عنه اسمها بالصنعة ولم يصر جنسا آخر. مسألة 87: الخلول إن اتحدت أصولها، جاز بيع بعضها ببعض متساويا نقدا، ولا يجوز نسيئة. وإن اختلفت، جاز التفاضل نقدا، ويكره نسيئة، فيجوز بيع خل العنب بخل العنب متساويا - وبه قال الشافعي (2) - لأن تلك حال ادخاره، فصار كبيع الزبيب بالزبيب. وكذا يجوز بيع خل العنب بعصيره متساويا عندنا وعنده (3)، لأنه لا ينقص إذا صار خلا، فهما متساويان في حال الادخار. ويجوز بيع خل العنب بخل التمر عندنا وعنده (4)، لأنهما جنسان. ويجوز بيع خل العنب بخل الزبيب عندنا - خلافا له (5) - لاتحاد أصلهما. احتج بأن في خل الزبيب ماء. وهو غير مانع، لأنه إن أفاد اختلاف الحقيقة، جاز متفاضلا، وإلا متساويا. ويجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب عندنا، لاتحاد جنسهما.

(1) فتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية 2: 278، الهداية - للمرغيناني - 3: 64، الاختيار لتعليل المختار 2: 47.
(2) الأم 3: 81، التهذيب - للبغوي - 3: 350، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.
(3) المجموع 11: 150. (4 و 5) الحاوي الكبير 5: 112، التهذيب - للبغوي - 3: 351، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.

[ 177 ]

وقال الشافعي: لا يجوز، لأن في كل واحد منهما ماء، فإن قلنا: في الماء ربا، لم يجز، لمعنيين: جواز تفاضل الزبيب والعنب، وجواز تفاضل الماء (1). وليس بشئ. وكذا يجوز بيع خل التمر بخل التمر عندنا، خلافا له، لاشتمالهما على الماء عنده (2). فأما خل التمر بخل الزبيب (3) فإنه يجوز عندنا متساويا ومتفاضلا. وعنه وجهان: إن قلنا: في الماء ربا، لم يجز. وإن قلنا: لا ربا فيه، جاز، لاختلاف جنسي الزبيب والتمر (4). وأما بيع الدبس بالدبس فيجوز عندنا متساويا مع اتفاق أصله، كدبس التمر بدبس التمر، ومع الاختلاف يجوز التفاضل، كدبس التمر بدبس العنب. ومنع الشافعي من جوازه وإن تساويا قدرا وجنسا، لاشتماله على الماء وقد دخلته النار (5). ويجوز عندنا بيع الدبس بالتمر مع اتحاد الأصل متساويا نقدا، ولايجوز نسيئة. وقال الشافعي: لا يجوز مطلقا، لما تقدم (6).

(1 و 2) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 351، الحاوي الكبير 5: 112، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.
(3) في " ق، ك ": خل الزبيب بخل التمر.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 351، الحاوي الكبير 5: 112، العزيز شرح الوجيز 4: 92، روضة الطالبين 3: 57.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 351، العزيز شرح الوجيز 4: 93، روضة الطالبين 3: 58.
(6) انظر: التهذيب - للبغوي - 3: 350.

[ 178 ]

مسألة 88: يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز وإن كان عليهما قشر، لأن صلاحه فيه. والجوز موزون، لأنه أكبر من التمر وربما تجافى في المكيال. وأما اللوز فإنه مكيل، وهذا مذهب الشافعي (1). وحكى القاضي ابن كج عن نص الشافعي أنه لا يجوز بيع الجوز بالجوز واللوز باللوز في القشر (2). ويجوز عندنا بيع لب الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز - وبه قال الشافعي (3) - عملا بالأصل. وعند الشافعية وجه آخر: أنه لا يجوز بيع اللب باللب، لخروجه عن حال الادخار (4). ويجوز بيع البيض بالبيض وإن كان أحدهما أكبر أو أزيد من الآخر. وللشافعي قولان: أحدهما: المنع، كما في الجوز بالجوز. والثاني - وهو المشهور -: الجواز مع التساوي (5). والمعيار فيه الوزن عنده (6). وليس بشئ. مسألة 89: الأدهان أربعة: أ - ما يعد للأكل، كالزيت والشيرج ودهن الجوز واللوز (7) ودهن الصنوبر وما أشبه ذلك، فهذا يجري فيه الربا بشرط التساوي جنسا، وإنما يتساوى الجنس باعتبار اتحاد الأصول على ما تقدم، فيجوز بيع الشيرج

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 344، العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 99، وانظر روضة الطالبين 3: 61. (3 و 5) التهذيب - للبغوي - 3: 344، العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(7) في " ق، ك ": اللوز والجوز.

[ 179 ]

بالشيرج متساويا نقدا، ولا يجوز نسيئة، وهو ظاهر مذهب الشافعية (1). وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: الشيرج لا يباع بعضه ببعض، لأنه يطرح في طبخه الماء والملح (2). وليس بصحيح، لأن الماء لا يختلط به ويتميز مع كسبه، وكذا الملح وإن أثر طعمه فيه دون جسمه، على أن هذا المزج لا يغير الحقيقة عن التساوي. ويجوز بيع جنس بجنس آخر متساويا ومتفاضلا نقدا، ويكره نسيئة، كدهن الشيرج بدهن اللوز، وبه قال الشافعي (3). ب - ما يعد للتطيب، كدهن الورد والبنفسج والبان. وعندنا يجري فيه الربا، لأنه موزون سواء اختلف ما يضاف إليه أو لا. وللشافعي قولان، أحدهما: أنه لا ربا فيه، لأنه لا يعد للأكل. والثاني: فيه الربا، لأن أصله السمسم، وإنما يعد لأعظم منفعته، لأنه ليس بمأكول، وحينئذ فكله واحد، لأن أصله واحد وإنما اختلفت الرائحة (4). وقال أبو حنيفة: يجوز بيع المتطيب متفاضلا وإن كان أصله واحدا إذا اختلف طيبه، لاختلاف المقصد بهما، فصارا كالجنسين (5). وقالوا أيضا: يجوز بيع المتطيب بغير المتطيب متفاضلا (6). والكل باطل، لأنها فروع أصل واحد فيه الربا، فلا يجوز التفاضل

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 351، الحاوي الكبير 5: 117، حلية العلماء 4: 184، العزيز شرح الوجيز 4: 91، روضة الطالبين 3: 56.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 283، المجموع 11: 139.
(3) انظر: الأم 3: 19.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 278، المجموع 9: 398، العزيز شرح الوجيز 4: 73، روضة الطالبين 3: 56، المغني 4: 150، الشرح الكبير 4: 152.
(5) المغني 4: 150، الشرح الكبير 4: 152، حلية العلماء 4: 185.
(6) حلية العلماء 4: 185.

[ 180 ]

فيها. ج - ما يعد للتداوي، كدهن الخوخ واللوز المر وحبة الخضراء وما أشبه ذلك، فإنه يجري فيه الربا، لأنه مكيل أو موزون. وعلل الشافعي بأنه يؤكل للتداوي (1). د - ما يعد للاستصباح، كالبزر ودهن السمك. ويجري فيهما الربا، لأنه مكيل أو موزون، فيباع كل واحد منهما بجنسه متساويا نقدا لا نسيئة، وبصاحبه متفاضلا نقدا ونسيئة. وللشافعية وجهان (2)، أحدهما: جريان الربا فيه، لأنه يؤكل، وأصله حب الكتان، وهو مأكول يطرح في الملح. والثاني: لا يجري، لأنه لا يؤكل في عادة الناس، ولهذا لا يستطاب، وأكله سفه. مسألة 90: يجوز بيع المطبوخ بالنئ من جنسه ومن غير جنسه، وكذا المطبوخ بالمطبوخ، لكن يعتبر في المتحد جنسه تساوي القدر والحلول دون غيره، عند علمائنا، عملا بالأصل. وقال الشافعي: لا يجوز بيع المطبوخ بالنئ (3) مع اتحاد الجنس مطلقا، لأن النار تعقد أجزاءه فتختلف فيؤدي ذلك إلى التفاضل بينهما لو كانا على حالة الادخار (4).

(1) انظر: المجموع 9: 398، و 10: 185.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 278، المجموع 9: 398، التهذيب - للبغوي - 3: 352، العزيز شرح الوجيز 4: 73، روضة الطالبين 3: 45.
(3) في نسختين من التذكرة، المرموز لهما ب‍ " خ، ه‍ " المعتمدتين في تحقيق قسم البيع (الجزء السابع) منها المطبوع بمطبعة النجف عام 1374 ه‍ زيادة: ولا بيع المطبوخ بالمطبوخ.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 353، العزيز شرح الوجيز 4: 94، روضة الطالبين 3: 58.

[ 181 ]

وينتقض بالتمر، فإن الشمس تجففه، ويختلف جفافها فيه. ولأن ذلك غير معتد به، لعدم العلم بجفافه أزيد. إذا ثبت هذا، فإن عصير العنب جنس يباع بعضه ببعض متساويا - وبه قال الشافعي (1) - لأن حالته حالة كمال، ولا ينقص إذا بلغ إلى حالة كماله بالحموضة. وكذا عصير الرمان والسفرجل والتفاح وقصب السكر. ويجوز بيع بعض هذه الأجناس بجنس آخر منها متفاضلا، لتعددها جنسا. وكذا إن طبخت بالنار أو بعضها، عندنا مطلقا وعند الشافعي مع اختلاف الجنس لا اتفاقه، فلا يجوز عنده بيع المطبوخ بالمطبوخ ولا بغيره إذا اتفق الجنس (2). مسألة 91: جيد كل شئ ورديئه جنس لا يباع أحدهما بالآخر متفاضلا لا نقدا ولا نسيئة، ويجوز متساويا نقدا لا نسيئة، عند علمائنا، فلا يجوز بيع درهم صحيح بدرهم مكسر مع زيادة تقابل الصحة، وبه قال الشافعي، خلافا لمالك، وقد تقدم (3). مسألة 92: يجوز بيع الجنسين المختلفين بأحدهما إذا زاد على ما في المجموع من جنسه بحيث تكون الزيادة في مقابلة المخالف، وذلك كمد عجوة ودرهم بمدي عجوة أو بدرهمين أو بمدي عجوة ودرهمين، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة (4) - حتى لو باع دينارا في خريطة

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 283، التهذيب - للبغوي - 3: 350، حلية العلماء 4: 185، العزيز شرح الوجيز 4: 91، روضة الطالبين 3: 56، المغني 4: 165 - 166.
(2) انظر: المغني 4: 165 - 166، والشرح الكبير 4: 163.
(3) تقدم في ص 147، الفرع (ب).
(4) حلية العلماء 4: 170 - 171، الحاوي الكبير 5: 113، التهذيب - للبغوي - 3: 347 - 348.

[ 182 ]

بمائة دينار، جاز. لنا: الأصل السالم عن معارضة الربا، لأن الربا هو بيع أحد المثلين بأزيد منه من الآخر، والمبيع هنا المجموع، وهو مخالف لأفراده. وما رواه أبو بصير قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم؟ قال: " إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كانت أكثر فلا يصلح " (1). وسأله عبد الرحمن بن الحجاج عن شراء ألف درهم ودينار بألفي درهم، قال: " لا بأس بذلك " (2). ولأن أصل العقود الصحة، ومهما أمكن حمله عليها لم يحمل على الفساد، كشراء اللحم من القصاب، فإنه سائغ، حملا على التذكية، ولا يحمل على الميتة وإن كان الأصل، لأن أصالة الصحة أغلب. وكذا لو اشترى إنسان شيئا بمال معه، حمل على أنه له ليصح البيع. وهنا يمكن حمل العقد على الصحة بأن يجعل الخريطة في مقابلة ما زاد على الدينار، فيصح العقد، وفي مسألة مد عجوة بصرف المد الآخر من التمر في مقابلة الدرهم، أو صرف الدرهم إلى الدرهم والدرهم الآخر في مقابلة المد، أو صرف مد عجوة إلى الدرهمين والدرهم إلى المدين. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك كله - وبه قال أحمد - لأن فضالة بن عبيد قال: شريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخزر، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: " لا يباع مثل هذا حتى يفصل " (3).

(1) التهذيب 7: 113 / 489، الاستبصار 3: 98 / 339.
(2) الكافي 5: 246 / 9، الفقيه 3: 185 / 834، التهذيب 7: 104 / 445.
(3) صحيح مسلم 3: 0 " 1213 /، سنن أبي داود 3: 249 / 3352، سنن الترمذي 3: 556 / 1225، والعزيز شرح الوجيز 4: 84 - 85.

[ 183 ]

ولأن العقد إذا جمع عوضين، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإن كان مختلف القيمة، اختلف ما يأخذه (1) من العوض، كما لو باع ثوبين بدراهم، فإذا احتيج إلى معرفة ثمن كل منهما، قوم الثوبين وقسم على قدر القيمتين، فلو كانت قيمة أحدهما ستة والآخر ثلاثة وبيعا بعشرة، بسطت عليهما أثلاثا. وبهذا الطريق يعرف قيمة شقص الشفعة، المنضم إلى غيره. وكذا لو تلف أحد العبدين المبيعين صفقة في يد البائع قبل القبض، فكذا هنا إذا باع مدا ودرهما بمدين، فينظر إلى ما يساوي الدرهم، فيكون مدا ونصفا، فيخص الدرهم ثلاثة أخماس المدين (2). والجواب: جاز أن يكون في القلادة من الذهب ما يزيد، فتجب معرفة القدر، فلهذا أوجب الفصل. وقسط الثمن لا يقتضي شراء كل جزء بما قسط عليه من الثمن. فروع: أ - لو باع نوعين من جنس واحد مختلفي القيمة بنوع واحد، كدينار معزي ودينار أبريزي بدينارين أبريزية، جاز مع التساوي قدرا، ولا اعتبار بالقيمة عندنا. وكذا لو باع درهما صحيحا بدرهم مكسور أو درهما صحيحا ودرهما مكسورا بصحيحين أو مكسورين، سواء قلت قيمة المكسور عن

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: ما يأخذ. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 280، التهذيب - للبغوي - 3: 347، حلية العلماء 4: 170، الحاوي الكبير 5: 113، العزيز شرح الوجيز 4: 84 - 85، روضة الطالبين 3: 53، المغني 4: 169 - 170، الشرح الكبير 4: 170 - 171.

[ 184 ]

قيمة الصحيح أو لا. وكذا درهم وثوب بدرهمين، وبه قال أحمد في الجنس الواحد (1)، كبيع دينارين مختلفين بدينارين متفقين، وكبيع مكسور وصحيح بمكسورين أو صحيحين. وجوزه أبو حنيفة مطلقا، ومنعه الشافعي مطلقا، وقد تقدم (2). والأصل أن الصنعة لا قيمة لها في الجنس، ولهذا لا يجوز بيع المصوغ بأكثر متفاضلا. ب - لو تلف الدرهم المعين المنضم إلى المد قبل قبضه أو ظهر استحقاقه وكان المثمن مدين ودرهمين، احتمل بطلان البيع في الجميع حذرا من الربا، لاستلزام بسط الثمن على أجزاء المبيع إياه، فتلف نصفه - على تقدير مساواة المد درهما - يقتضي سقوط النصف من الثمن، فيصير ثمن المد الثاني مدا ودرهما. ويحتمل البطلان في التخالف، فإن المقتضي لصحة هذا البيع صرف كل جنس إلى ما يخالفه لتحصل السلامة من الربا، فالدرهم في مقابلة المدين خاصة، ويبقى المد في مقابلة الدرهمين. ويحتمل التقسيط، لأنه مقتضى مطلق العقد، والربا المبطل إنما يعتبر حين العقد، وهو في تلك الحال كان منفيا. ج - لو باعه مدا ودرهما بمدين ثم تلف الدرهم المعين وكان المد المضاف إليه يساوي درهما، وكل من المدين يساوي درهما أيضا، بقي مد في مقابلة المد الآخر، وبطل البيع في المد الثاني. ولو كان يساوي درهمين، فقد تلف ثلث العوض، فيبطل من الآخر ثلثه، فيبقى مد في مقابلة مد وثلث مد، ولا يثبت الربا هنا، لأن الزيادة

(1) المغني 4: 171، الشرح الكبير 4: 171 - 172.
(2) في 146 - 147، الفرع (ب) من المسألة 77.

[ 185 ]

حصلت بالتقسيط الثابت بعد صحة البيع. د - لو كان كل من المدين لواحد فباعهما أحدهما ولم يجز الآخر، بطل البيع في مده، وسقط من الثمن نصف المد ونصف درهم، وثبتا للبائع في مقابلة مده إن تساويا قيمة، ولو اختلفا فكانت قيمة مد الفاسخ نصف قيمة مد البائع، كان للبائع ثلثا مد وثلثا درهم عوض مده. ه‍ - لو باعه مدا ودرهما بمدين فتلف الدرهم قبل القبض وهو يساوي مدا ونصفا، فالذي يخص الدرهم ثلاثة أخماس المدين، فيبقى مد في مقابلة أربعة أخماس مد، ويجئ الاحتمالات. و - لو باعه درهما صحيحا ومكسورا بدرهمين صحيحين ثم تلف الصحيح المعين، بسطت قيمة الصحيحين على الصحيح والمكسور، وسقط ما قابل الصحيح منها، ويجئ الاحتمالات. مسألة 93: يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بمثلها، وبشاة خالية من اللبن، وبلبن من جنسها، عند علمائنا، خلافا للشافعي (1). لنا: الأصل السالم عن معارضة الربا، لأن الشاة ليست مقدرة بالكيل والوزن، ولا اللبن الذي في ضرعها، وإنما يكون مكيلا أو موزونا بعد حلبه، فأشبه الثمرة على رؤوس النخل. ولأنه ما دام في الضرع يكون تابعا للمبيع ليس مقصودا بالذات. احتج بأن اللبن يأخذ قسطا من الثمن، لحديث المصراة، فإن النبي (عليه السلام) أوجب مع ردها بعينها صاعا من تمر (2)، ولولا دخوله في العقد وتقسيط

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 284، التهذيب - للبغوي - 3: 353، الحاوي الكبير 5: 125، حلية العلماء 4: 186، العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(2) صحيح البخاري 3: 93، صحيح مسلم 3: 1155 / 11، سنن أبي داود 3: 270 / 3443، سنن الترمذي 3: 553 / 1251، سنن النسائي 7: 253 و 254، سنن البيهقي 5: 318 و 319.

[ 186 ]

الثمن عليه، لم يضمنه، كما أن المشتري إذا رد المبيع بعيب بعد أن حدث عنده نماء أو ولد في يده، لم يرد عوض ذلك. ولأن اللبن في الضرع كالشئ في الوعاء والدراهم في الخزانة، وإذا كان له قسط من الثمن، كان بيع لبن مع غيره بلبن. والجواب: المنع من أخذه قسطا من الثمن، وإلزامه بالصاع، لأنه فصل اللبن عن الشاة وانتفع به، والبحث في المتصل في أساسات الحيطان، فإنها تتبع الدار، ولو قلعت، قومت بانفرادها. سلمنا، لكن البيع وقع للجملة لا للأجزاء، ألا ترى أنه لا يجوز بيعه منفردا؟ فروع: أ - لو باع الشاة اللبون بلبن البقر، جاز عندنا، لأنه يجوز بيعه بلبن الشاة، فلبن غيره أولى. وللشافعي قولان (1) مبنيان على أن الألبان هل هي جنس واحد أو أجناس متعددة؟ فعلى الأول لا يجوز، ويجوز على الثاني. ويجب التقابض عنده في الحال قبل التفرق، لأنه بيع لبن بلبن من جنس آخر. ب - لو كانت الشاة لا لبن فيها، جاز بيعها بلبن جنسها أو (من غير) (2) جنسها. وكذا لو كان في ضرعها لبن فحلبه ثم باعها بلبن، جاز

(1) انظر: التهذيب - للبغوي - 3: 353، والحاوي الكبير 5: 123 - 125، والعزيز شرح الوجيز 4: 99، وروضة الطالبين 3: 61.
(2) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجرية: بغير.

[ 187 ]

- وبه قال الشافعي (1) - لأن المتخلف في الضرع يسير لا يحلب في العادة، فلا عبرة له. ج - لو كانت مذبوحة وفي ضرعها لبن، جاز بيعها بلبن، وبشاة مذبوحة في ضرعها لبن، وبخالية من لبن. وبحية ذات لبن وخالية عنه، وبلبن من جنسها. وقال الشافعي: لا يجوز إذا كان في الشاة المذبوحة لبن، وإن لم يكن في ضرعها لبن، جاز إذا سلمت لتزول جهالتها (2). د - قد بينا أنه يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن. ومنعه أكثر الشافعية (3). وليس بشئ، لأن اللبن المتصل بأصله لا اعتبار به في العوضين، كما يجوز بيع السمسم بمثله من غير اعتبار الدهن فيهما، وكذا لو باع دارا مموهة بالذهب بمثلها أو دارا فيها بئر ماء بمثلها. احتجوا بأن اللبن في الضرع بمنزلة كونه في الآنية، فكأنه باع شاة ولبنا بشاة ولبن، ولو كان اللبنان منفصلين، لم يجز، وكذا إذا كانا في الضرع. ثم فرقوا بين السمسم بمثله وبين المتنازع بأن الدهن غير موجود فيه بصفته وإنما يحصل بالتخليص والطحن. والماء غير مملوك عند بعضهم، ولا يدخل في البيع، بل كل من

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 62، المسألة 100.
(3) انظر المصادر في الهامش (1) من ص 185.

[ 188 ]

أخذه استحقه. وعند آخرين أنه مملوك وأصل في البيع إلا أن في ثبوت الربا في الماء قولين، فإن نفيناه عنه، فلا بحث، وإلا منعنا من بيع الدار بالدار وفيهما ماء. والجواب: المنع من مساواة كون اللبن في الضرع لكونه في الإناء، لأنه بعد الحلب مقدر بكيل أو وزن، بخلاف كونه في الضرع. ولأنه كالجزء من الشاة تابع للمبيع لا أصلا، بخلاف المحلوب. وما ذكروه في دهن السمسم ينقض عليهم المنع من بيع السمسم بالشيرج، فإنه إذا لم يكن في السمسم بصفته، لم يمنع مانع من بيعه بالدهن. وكون الماء غير مملوك باطل. ه‍ - يجوز بيع نخلة فيها ثمر بنخلة مثمرة أو بثمرة أو بنخلة خالية، لما مر في الشاة، خلافا للشافعي (1). مسألة 94: كل ما له حالتا رطوبة وجفاف من الربويات يجوز بيع بعضه ببعض مع تساوي الحالين إذا اتفق الجنس. وإن اختلف، جاز مطلقا، فيجوز بيع الرطب بمثله، والعنب بمثله، والفواكه الرطبة بمثلها، والحنطة المبلولة بمثلها، واللحم الطري بمثله، والتمر والزبيب والفواكه الجافة، والمقدد والحنطة اليابسة كل واحد بمثله - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد والمزني (2) - لوجود المقتضي، وهو عموم الحل، السالم عن معارضة الربا، لتساويهما في الحال وفيما بعد. فإن اختلفا في حالة اليبس، فبشئ يسير لا اعتبار به كالتمر الحديث

(1) الحاوي الكبير 5: 125.
(2) المدونة الكبرى 4: 102، المنتقى - للباجي - 4: 243، بدائع الصنائع 5: 188، المغني 4: 145، الشرح الكبير 4: 164، الحاوي الكبير 5: 134، التهذيب - للبغوي - 3: 343، العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 55.

[ 189 ]

بالعتيق. ولأن معظم منفعته في حال رطوبته، فجاز بيع بعضه ببعض، كاللبن. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الرطب بالرطب متساويا، لأنهما على غير حالة الادخار، ولا نعلم تساويهما في حالة الادخار، فلم يجز بيع أحدهما بالآخر، كالرطب بالتمر (1). وهو ضعيف، لما بينا من التفاوت اليسير. وينتقض بالرطب الذي لا يصير تمرا في العادة، كالبربن وشبهه، فإن فيه قولين (2)، وكذا الفواكه التي لا تجفف والبقول. وأما إن باع بعض الجنس الواحد ببعض مع اختلاف الحالين، كبيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، واللحم الطري بالمقدد، والحنطة المبلولة باليابسة، والفاكهة الجافة بالرطبة، فالمشهور عند علمائنا: المنع وإن تساويا قدرا - وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد (3) - لما رواه الجمهور: أن النبي (صلى الله عليه وآله) سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا يبس؟ " فقالوا: نعم، فقال: " فلا إذن " (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)

(1) مختصر المزني: 77، المهذب - للشيرازي - 1: 281، التهذيب - للبغوي - 3: 343، شرح السنة - للبغوي - 5: 60، الحاوي الكبير 5: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 55.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 281، التهذيب - للبغوي - 3: 343، العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 51، المغني 4: 145، الشرح الكبير 4: 164.
(3) المغني 4: 144، الشرح الكبير 4: 161، بداية المجتهد 2: 139، المهذب - للشيرازي - 1: 281، التهذيب - للبغوي - 3: 343، شرح السنة - للبغوي - 5: 59 - 60، الحاوي الكبير 5: 131، العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 55.
(4) سنن الدار قطني 3: 50 / 206، المستدرك - للحاكم - 2: 38، المغني 4: 144، الشرح الكبير 4: 162، العزيز شرح الوجيز 4: 89.

[ 190 ]

قال: " لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن اليابس يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص " (1). ولأنه جنس يجري فيه الربا بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادخار، فوجب أن لا يجوز، كالحنطة بالدقيق. وقال بعض (2) علمائنا بالجواز مع التساوي - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأن الصادق (عليه السلام) سئل عن العنب بالزبيب، قال: " لا يصلح إلا مثلا بمثل " قال: " والتمر والرطب مثلا بمثل " (4). ولأنه وجد التساوي فيه كيلا حال العقد، فالنقصان بعد ذلك لا يؤثر فيه، كالحديث والعتيق. والرواية ضعيفة، لأن سماعة في طريقها. والقياس لا يسمع في مقابلة النص، مع قيام الفرق، فإن الحديث والعتيق على صفة الادخار ولقلة النقصان فيه لا يمكن الاحتراز عنه. فروع: أ - نبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله: " أينقص إذا جف؟ " (5) على علة الفساد، وأن المماثلة عند الجفاف تعتبر - وإلا فهو (عليه السلام) يعلم النقصان عند الجفاف - [ و ] (6) جعل الوصف المنصوص عليه علة بالنص يقتضي

(1) التهذيب 7: 94 / 398، الاستبصار 3: 93 / 314.
(2) هو ابن إدريس في السرائر 2: 258 - 259.
(3) بدائع الصنائع 5: 188، الحاوي الكبير 5: 131، شرح السنة - للبغوي - 5: 59 - 60، العزيز شرح الوجيز 4: 89، المغني 4: 144، الشرح الكبير 4: 161.
(4) التهذيب 7: 97 / 417، الاستبصار 3: 92 / 313.
(5) انظر: المصادر في الهامش (4) من ص 189.
(6) أضفناها لأجل السياق.

[ 191 ]

العمومية في جميع صور موارده. ب - لا خلاف في جواز بيع الرطب بالتمر في صورة العرايا، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ج - قد بينا عمومية الحكم في جميع صور الوصف الذي هو النقص عند الجفاف، وأنه لا يجوز بيع رطبه بيابسه، سواء اتفقت العادة بضبط الناقص أو لا. ويجوز عندنا بيع رطبه برطبه متساويا، خلافا للشافعي (1) في الأخير. وحكى إمام الحرمين وجها للشافعي في المشمش والخوخ وما لا يعم تجفيف رطبه أنه يجوز بيع بعضه ببعض في حال الرطوبة، لأن رطوبتها أكمل أحوالها، والتجفيف في حكم النادر (2). د - يجوز بيع الحنطة المقلية بمثلها متساويا وبغير المقلية، لقلة الرطوبة فيها. وخالف الشافعي (3) فيهما معا. ه‍ - لا يجوز بيع الحنطة وفروعها بالنخالة متفاضلا، لأنهما جنس واحد، حيث إن أصلهما الحنطة. وقال الشافعي: يجوز، لأن النخالة ليست مطعومة (4). ونحن نمنع التعليل بالطعم. و - لا يجوز بيع الحنطة المسوسة بالحنطة المسوسة إذا لم يبق فيها

(1) انظر المصادر في الهامش (1) من ص 189.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 55.
(3) الحاوي الكبير 5: 135، التهذيب - للبغوي - 3: 344، العزيز شرح الوجيز 4: 91، روضة الطالبين 3: 56.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 91، روضة الطالبين 3: 56.

[ 192 ]

لب إلا متساويا، خلافا للشافعي، فإنه سوغ البيع مع التفاضل، حيث علل بالطعم (1). وهو ممنوع. ز - المأكولات التي لا تكال ولا توزن كالمعدودات لا ربا فيها عندنا، إلا على رأي من يثبت الربا في المعدودات. وللشافعي قولان، ففي القديم: لا ربا فيها. وفي الجديد: يثبت (2). فعلى قولنا وقوله القديم يجوز التفاضل فيها، كرمانة برمانتين وسفرجلة بسفرجلتين. وعلى الجديد لا يجوز بيع المتفاضل. وأما مع التساوي: فإن كان مما ييبس وتبقى منفعته يابسا كالخوخ المشمس، فإذا جف، جاز بيع بعضه ببعض متساويا، ولا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا عنده (3)، كما لا يجوز بيع الرطب بالرطب عنده (4). وإن كان مما لا ييبس ولا ينتفع بيابسه كالقثاء والخيار وشبههما، ففي جواز بيع بعضه ببعض رطبا متساويا قولان: المنع، نص عليه في الأم، لأن بعضه يحمل من الماء أكثر من البعض. والجواز، لأن معظم منفعته في حال رطوبته، فجاز، كاللبن باللبن. وكذا حكم الرطب الذي لا يصلح للتجفيف والعنب الذي لا يصلح لذلك (5). ثم إن هذا المبيع إن كان مما لا يمكن كيله وزنه، كالقثاء والبطيخ

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 91، روضة الطالبين 3: 56.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 277 و 278، التهذيب - للبغوي - 3: 334 - 337، شرح السنة - للبغوي - 5: 44، المجموع 9: 397، حلية العلماء 4: 148 - 150، العزيز شرح الوجيز 4: 72، روضة الطالبين 3: 44 - 45. (3 و 4) التهذيب - للبغوي - 3: 343، العزيز شرح الوجيز 4: 89، روضة الطالبين 3: 51 و 55.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 343، العزيز شرح الوجيز 4: 82 و 89، روضة الطالبين 3: 51 و 55.

[ 193 ]

والخيار وما أشبهه، فإنه يباع بعضه ببعض وزنا متساويين عنده، وإن كان مما يمكن كيله ووزنه، كالتفاح والخوخ الصغار، فوجهان: جواز بيع بعضه ببعض وزنا، لأنه أحصر له. والكيل، لأن الأصول الأربعة كلها مكيلة، فردت إليها (1). مسألة 95: يجوز بيع مد حنطة فيها قصل - وهو عقد التبن - أو زؤان - وهو حب أسود غليظ الوسط - أو تراب بمجرى العادة بمد حنطة مثله أو بخالص من ذلك، عند علمائنا، وكذا إذا كان في أحدهما شعير، سواء كثر عن الآخر أو ساواه، وسواء زاد في الكيل أو لا، عملا بالأصل السالم عن الربا، لأن التقدير تساويهما وزنا أو كيلا. والقصل والزؤان والتراب بمجرى العادة والشعير لا يؤثر، لقلته، فأشبه الملح في الطعام والماء اليسير في الخل. وقال الشافعي: لا يجوز بيعه بمثله ولا بالخالص. أما بمثله: فللاختلاف، إذ قد يكون القصل وشبهه في أحدهما أكثر. وأما بالخالص: فلتفاضل الحنطتين. أما إذا كان التراب يسيرا جدا بحيث لا يزيد في الكيل، فإنه يجوز بيعه بمثله لا بالخالص. وكذا التبن الناعم جدا، لأنه لا يأخذ قسطا من المكيال، لأنه يكون في خلل الحنطة، فلا يؤدي إلى تفاضل الكيل وتفاوت الحنطتين. ولا يجوز فيما يوزن وإن قل التراب، عنده، لأن قليله يؤثر في الميزان (2). تذنيب: حكم الدردي في الخل والثفل في البزر حكم التراب في

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 82، روضة الطالبين 3: 51.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 281، التهذيب - للبغوي - 3: 349 - 350، العزيز شرح الوجيز 4: 88، روضة الطالبين 3: 54.

[ 194 ]

الحنطة. تنبيه: لو كان أحد العوضين مشتملا على الآخر غير مقصود، صح مطلقا، كبيع دار مموهة بالذهب بالذهب. المطلب الثاني: في شرط التقدير. قد عرفت أنه يشترط في الربا أمران: الاتحاد في الجنس، وقد مضى. وكونهما مقدرين بالكيل أو الوزن إجماعا. وهل يثبت الربا مع التقدير بالعدد؟ الأصح: المنع، عملا بالأصل. ولقول الصادق (عليه السلام): " لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن " (1). وسئل (عليه السلام) عن البيضة بالبيضتين، قال: " لا بأس ما لم يكن فيه كيل ولا وزن " (2). إذا تقرر هذا، فلا ربا إلا فيما يكال أو يوزن مع التفاوت. ولو تساويا قدرا، صح البيع نقدا. ولو انتفى الكيل والوزن معا، جاز التفاضل نقدا ونسيئة، كثوب بثوبين وبيضة ببيضتين، سواء اختلفت القيمة أو اتفقت. مسألة 96: الأجناس الأربعة - أعني الحنطة والشعير والتمر والملح - مكيلة في عهده (صلى الله عليه وآله)، فلا يباع بعضها ببعض إلا مكيلة. ولا يجوز بيع شئ منها بشئ آخر من جنسها وزنا بوزن وإن تساويا، ولا يضر مع الاستواء في الكيل التفاوت في الوزن. وأما الموزون: فلا يجوز بيع بعضه

(1) الكافي 5: 146 / 10، الفقيه 3: 175 / 786، التهذيب 7: 17 / 74، و 19 / 81، و 94 / 397، و 118 / 515، الاستبصار 3: 101 / 350.
(2) التهذيب 7: 118 / 513، الاستبصار 3: 100 - 101 / 349.

[ 195 ]

ببعض كيلا، ولا يضر مع الاستواء في الوزن التفاوت في الكيل - وبه قال الشافعي (1) - لأدائه إلى التفاضل في المكيال، لاحتمال أن يتفاوتا بأن يكون أحدهما أوزن وأثقل من البعض، فيأخذ الأخف في المكيال أكثر فيتفاضلا في الكيل، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عنه (2). أما لو تساويا في الثقل والخفة وعلم التفاوت (3) بينهما، فالأقرب: الجواز - خلافا للشافعي (4) - لأن التفاوت اليسير لا اعتبار به، كما في قليل التراب. أما الملح إذا كان قطعا كبارا، فإنه يباع وزنا، لتجافيه في المكيال، فيعتبر حاله الآن - وهو أظهر وجهي الشافعية (5) - نظرا إلى ماله من الهيئة في الحال. والآخر: أنه يسحق ويباع كيلا (6). وليس بمعتمد. وكذا كل ما يتجافى في المكيال يباع بعضه ببعض وزنا. وأما ما عدا الأجناس الأربعة: فإن كان موزونا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو موزون. وكذا إن كان مكيلا في عهده (عليه السلام)، حكم فيه بالكيل، فلو أحدث الناس خلاف ذلك، لم يعتد بما أحدثوه، وكان المعتبر تقرير الرسول (عليه السلام) أو العادة في عهده (عليه السلام)، وبه قال الشافعي (7).

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 344 - 345، العزيز شرح الوجيز 4: 80، روضة الطالبين 3: 49.
(2) صحيح مسلم 3: 1210 / 1587.
(3) في " ق ": " التقارب " بدل " التفاوت ".
(4) انظر: المصادر في الهامش (1). (5 و 6) العزيز شرح الوجيز 4: 80، روضة الطالبين 3: 50.
(7) التهذيب - للبغوي - 3: 345، العزيز شرح الوجيز 4: 80، روضة الطالبين 3: 50.

[ 196 ]

وحكي عن أبي حنيفة أنه يعتبر فيه عادات البلدان (1). وقد روى ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة " (2). ولأن المعتاد في زمانه (عليه السلام) يضاف التحريم إليه كيلا أو وزنا، فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك، لعدم النسخ بعده (عليه السلام). وأما ما لم يكن على عهده (عليه السلام) ولا عرف أصله بالحجاز أو لم يكن أصلا في الحجاز فإنه يرجع فيه إلى عادة البلد، وبه قال أبو حنيفة، فإنه قال: المكيلات المنصوص عليها مكيلات أبدا، والموزونات موزونات أبدا، وما لم ينص عليه فالمرجع فيه إلى عادة الناس (3)، لأن أنسا قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل منه مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا " (4). ولأن غير المنصوص قد عهد من الشارع رد الناس فيه إلى عوائدهم، كما في القبض والحرز والإحياء، فإنها ترد إلى العرف، وكذا هنا. وللشافعي وجهان: أحدهما: أنه يرد إلى عادة الحجاز في أقرب الأشياء شبها به، كالصيد يتبع فيه ما حكمت الصحابة به في قتل المحرم. وما لم يحكم فيه بشئ يرد إلى أقرب الأشياء شبها به.

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 345، حلية العلماء 4: 167، العزيز شرح الوجيز 4: 80.
(2) مصابيح السنة 2: 338 / 2121، المعجم الكبير - للطبراني - 12: 392 - 393 / 13449، حلية الأولياء 4: 20، وفيها: "... مكيال أهل المدينة... ميزان أهل مكة ".
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 62، الكتاب - بشرح اللباب - 1: 266 - 267.
(4) سنن الدار قطني 3: 18 / 58، المغني 4: 136 - 137.

[ 197 ]

والثاني: يعتبر عادة البلاد ويحكم فيه بالغالب، كما في الحرز والإحياء والقبض حين رد الناس فيه إلى العرف. وينبغي أن يكون مع استواء البلاد فيه - فكأنه لا يعلم الكيل أغلب عليه أو الوزن - أن يرد إلى أقرب الأشياء شبها، لتعذر العرف فيه (1). فروع: أ - ما أصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا وتعجيلا، ولا يجوز بيعه بمثله وزنا، لأن الغرض في السلف والمعجل بغير جنسه معرفة المقدار، وهو يحصل بهما، والغرض هنا المساواة، فاختص البيع في بعضه ببعض به. ب - إذا كان الشئ يكال مرة ويوزن أخرى ولم يكن أحدهما أغلب، فالوجه: أنه إن كان التفاوت بين المكاييل يسيرا، جاز بيع بعضه ببعض متماثلا وزنا وكيلا. وإن كان التفاوت كثيرا، لم يجز بيعه وزنا، بل كيلا. وقال بعض الشافعية: إن كان أكبر جرما (2)، اعتبر الوزن، لأنه لم يعهد في الحجاز الكيل فيما هو أكبر جرما من التمر. وإن كان مثله أو أصغر، فوجهان: الوزن، لقلة تفاوته. والكيل، لعمومه، فإن أكثر الشبه مكيل (3). وقال بعضهم: ينظر إلى عادة الوقت (4).

(1) انظر العزيز شرح الوجيز 4: 81.
(2) أي: أكبر جرما من التمر.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 80، روضة الطالبين 3: 50.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 81، روضة الطالبين 3: 50.

[ 198 ]

ج - لو كان الشئ يباع في بعض البلاد جزافا وفي بعضها كيلا أو وزنا ولم يكن له أصل أو لم يعرف، قال الشيخ: يحكم بالربا بالاحتياط (1). وقيل: يحكم بعادة البلد الذي يقع فيه (2). د - لو اختلفت البلدان فكان في بعضها يباع كيلا وفي بعضها يباع وزنا وفي بعضها جزافا، فالوجه: ما تقدم أيضا من أن لكل بلد حكم نفسه، فيحرم التفاضل فيه إذا كان في بلد يكال أو يوزن. ويجوز في غيره. وقال بعض الشافعية: الاعتبار بعادة أكثر البلدان، فإن اختلفت العادة ولا غالب، اعتبر بأشبه الأشياء به (3). وقال بعضهم: الاعتبار بعادة بلد البيع (4). ه‍ - لا فرق بين المكيال المعتاد في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) وسائر المكاييل المحدثة بعده، كما أنا إذا عرفنا التساوي بالتعديل في كفتي الميزان، نكتفي به وإن لم نعرف قدر ما في كل كفة. و - لابد في المكيال من معرفة مقداره، فلا يجوز التعويل على قصعة ونحوها مما لا يعتاد الكيل بها، إلا إذا عرف نسبتها إلى الصاع. وكذا الوزن لابد من اعتباره بالأرطال المعهودة المقدرة في نظر الشرع، فلو عولا على صنجة مجهولة، لم يصح. وقد يمكن الوزن بالماء بأن يوضع الشئ في ظرف ويلقى على الماء وينظر إلى مقدار غوصه. لكنه ليس وزنا شرعيا ولا عرفيا، فيحتمل التعويل

(1) النهاية: 378.
(2) القائل هو المحقق الحلي في شرائع الإسلام 2: 45، والمختصر النافع: 127. (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 81، روضة الطالبين 3: 50.

[ 199 ]

في الربويات عليه. مسألة 97: ما يباع كيلا أو وزنا لا يجوز بيعه مجازفة - وبه قال الشافعي (1) - لما فيه من الغرر المنهي عنه. ولقول الصادق (عليه السلام) - في الصحيح -: " ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح مجازفة " (2). وقال مالك: يجوز في البادية بيع المكيل دون الموزون جزافا (3)، لأن المكيال يتعذر في البادية، وفي التكليف به (4) مشقة، فجاز بالحزر والتخمين، كبيع التمر بالرطب في العرايا. والجواب: نمنع تعذر المكيال، لأنه يمكن بالقصعة وشبهها مما لا يخلو أحد عنه غالبا، ويعلم تقديره إما تحقيقا أو تقريبا. نعم، الميزان يتعذر غالبا. ويعارض بأن الكيل معنى يعتبر المماثلة والمساواة به فيما يجري فيه الربا، فاستوى فيه الحضر والبادية كالوزن. وبيع العرايا مستثنى، لحاجة الفقراء إلى الرطب. فروع: أ - المراد جنس المكيل والموزون وإن لم يدخلاه إما لقلته كالحبة والحبتين أو لكثرته كالزبرة (5) العظيمة. ب - إذا خرج بالصنعة عن الوزن، جاز التفاضل فيه، كالثوب

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 344.
(2) الفقيه 3: 143 / 627، التهذيب 7: 122 / 530، الاستبصار 3: 102 / 355.
(3) حلية العلماء 4: 169، العزيز شرح الوجيز 4: 82.
(4) في " ق، ك ": وفي تكليفهم إياه.
(5) أي: القطعة الضخمة من الحديد. لسان العرب 4: 316 " زبر ".

[ 200 ]

بالثوبين، لقول الصادق (عليه السلام): " لا بأس به " وقد سئل عن الثوب بالثوبين (1). وكذا يجوز بيع الغزل بالثياب المبسوطة وإن كان أحدهما أكثر وزنا، لخروج الثوب بالصنعة عن الوزن. ولأن الصادق (عليه السلام) سئل عن بيع الغزل بالثياب المبسوطة والغزل أكثر وزنا من الثياب، قال: " لا بأس " (2). ج - لو كان الشئ في أصله غير موزون ولا مكيل ثم صار باعتبار صفة إلى الكيل أو الوزن، جرى فيه الربا حالة اتصافه بتلك الصفة لا قبلها، وذلك كالبطيخ، والرمان إذا كان رطبا ولم يدخله الكيل والوزن حينئذ، فإنه لا يجري فيه الربا، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا. أما إذا جفف وصار موزونا حالة جفافه، فإنه يثبت فيه الربا في هذه الحال، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا، بل متساويا. وللشافعي حال رطوبته قولان: الجديد: ثبوت الربا فيه، فلا يجوز بيع بعضه ببعض رطبين إذا كان له حالة جفاف متساويا ومتفاضلا، كما لا يجوز بيع الرطب بالرطب وإن تساويا. ويجوز في حالة الجفاف بشرط التساوي. والقديم: عدم الربا، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا وإن جف، لأنه ليس مال ربا. وإن كان مما لا يجف، كالقثاء، ففي جواز بيع بعضه ببعض في حال الرطوبة قولان: المنع مطلقا، كبيع الرطب بالرطب. والجواز مع التساوي

(1) التهذيب 7: 119 / 517، الاستبصار 3: 101 / 351.
(2) الكافي 5: 190 / 2، الفقيه 3: 137 / 596، التهذيب 7: 120 / 524، وفي الأخيرين: " المنسوجة " بدل " المبسوطة ".

[ 201 ]

وزنا، لأن معظم منافع هذه الأشياء في حالة الرطوبة، فأشبهت بيع اللبن باللبن. فعلى هذا إن لم يمكن كيله كالبطيخ والقثاء، بيع وزنا. وإن أمكن، كالتفاح والتين، ففي بيعه وزنا وجهان للشافعية، أصحهما: الوزن، لأنه أحصر. وعلى الوجهين لا بأس بتفاوت العدد فيه (1). د - كما لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا كذا لا يجوز بيعه مكيلا، إلا إذا علم عدم التفاوت فيه. وكذا المكيل لا يجوز بيعه جزافا ولا موزونا، إلا مع علم عدم التفاوت. ه‍ - لو كانا في حكم الجنس الواحد واختلفا في التقدير، كالحنطة المقدرة بالكيل، والدقيق المقدر بالوزن، احتمل تحريم البيع بالكيل أو الوزن (2)، للاختلاف قدرا. وتسويغه بالوزن. و - يجوز بيع الخبز بمثله وإن احتمل اختلافهما في الأجزاء المائية. وكذا الخل بمثله، لعدم الأصالة. [ الأمر الثاني ] (3): في الأحكام. مسألة 98: لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات متفاضلا مع اتحاد الجنس، وجب توسط عقد بينهما، فيباع الناقص بجنس مخالف ثم يشترى الزائد بذلك الجنس، فلو أرادا بيع دراهم أو دنانير صحاح بمكسرة أكثر وزنا، بيع الدراهم الصحاح بدنانير أو بجنس آخر كالثياب ثم اشتري بتلك الدنانير أو الثياب الدراهم المكسرة أو بالعكس، لانتفاء الربا هنا، لعدم

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 81 - 82، روضة الطالبين 3: 51.
(2) في " ق، ك ": بالوزن.
(3) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: المطلب الثالث، وما أثبتناه مطابق لما قسمه المؤلف (قدس سره).

[ 202 ]

شرطه، وهو اتحاد الجنس. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر أخا عدي على خيبر، فأتى بتمر جيد، فقال: " أو تمر خيبر كله هكذا؟ " فقال: لا، ولكنا نبيع الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: " لا تفعلوا ولكن بيعوا تمركم بعوض ثم اشتروا بثمنه من هذا التمر " (1). ومن طريق الخاصة: رواية سماعة، قال: سألته عن الطعام والتمر والزبيب، فقال: " لا يصلح شئ منه اثنان بواحد إلا إن كان صرفته نوعا إلى نوع آخر، فإذا صرفته فلا بأس به اثنين بواحد وأكثر " (2). فروع: أ - لا فرق بين أن يتخذ ذلك عادة أو لا - وبه قال الشافعي (3) - للأصل. وقال مالك: يجوز مرة واحدة، ولا يجوز أن يجعله عادة (4). وهو غلط، لأن المقتضي إن كان كونه ربا، لم يجز ولا مرة. وإن كان غيره، فلابد من بيانه. ب - يجوز توسط غير البيع، وذلك بأن يقترض الزائد ثم يستقرض الآخر منه الناقص ثم يتباريان، أو يهب كل واحد منهما ماله من صاحبه، أو

(1) صحيح البخاري 3: 102 و 229، و 5: 178، و 9: 132، صحيح مسلم 3: 1215 / 1593، سنن النسائي 7: 171، سنن الدار قطني 3: 17 / 54، سنن البيهقي 5: 285 و 291، الموطأ 2: 623 / 20 و 21.
(2) الفقيه 3: 178 / 804، التهذيب 7: 95 / 406 بتفاوت في بعض الألفاظ.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 78، روضة الطالبين 3: 48.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 78، المغني 4: 193.

[ 203 ]

يبيع الصحاح بمثل وزنها من المكسرة ويهب صاحب المكسرة الزيادة منه، فيجوز جميع ذلك سواء شرط في إقراضه وهبته وبيعه ما يفعله الآخر أو لا، خلافا للشافعي، فإنه سوغ مع عدم الشرط لا معه (1). لنا: عموم قوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (2). ج - لو باع النصف الشائع من دينار قيمته عشرة دراهم بخمسة، جاز، ويسلم إليه الكل ليحصل تسليم النصف، ويكون النصف الآخر أمانة في يده. أما لو كان له عشرة على غيره فأعطاه عشرة عددا فوزنت فكانت أحد عشر، كان الدرهم الزائد للمقبوض منه على الإشاعة، ويكون مضمونا عليه، لأنه قبضه لنفسه. ثم إذا سلم الدراهم الخمسة، فله أن يستقرضها ويشتري بها النصف الآخر، فيكون جميع الدينار له، وعليه خمسة. ولو باعه بعشرة وليس مع المشتري إلا خمسة فدفعها إليه ثم استقرض منه خمسة أخرى وردها إليه عن باقي الثمن، جاز، وبه قال الشافعي (3). أما لو استقرض الخمسة المدفوعة إليه، جاز عندنا، وهو أصح وجهي الشافعية (4). مسألة 99: القسمة تمييز أحد النصيبين من الآخر وإفراز الحقوق بعضها من بعض، وليست بيعا - وهو أحد قولي الشافعي (5) - لأن لها اسما

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 361، العزيز شرح الوجيز 4: 79، روضة الطالبين 3: 49.
(2) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33. (3 و 4) التهذيب - للبغوي - 3: 362، العزيز شرح الوجيز 4: 79، روضة الطالبين 3: 79.
(5) الحاوي الكبير 5: 126 و 127، وانظر: التهذيب - للبغوي - 3: 345، والعزيز شرح الوجيز 4: 82، وروضة الطالبين 3: 51.

[ 204 ]

يخصها، وتدخل فيها القرعة، ولا تفتقر إلى لفظ بيع أو تمليك، ولا يجوز إلا بقدر الحقين، ولا يثبت بها الشفعة. والقول الأصح: أنها بيع، لأن كل جزء من ذلك مشترك بينهما، فإذا تعين لأحدهما شئ بالقسمة، فقد اشترى نصيب شريكه فيما تعين له بنصيبه مما تعين لشريكه، فكان ذلك بيعا (1). وهو ممنوع. إذا ثبت هذا، فنقول: إذا كان المقسوم مما يدخل فيه الربا، جازت القسمة كيلا ووزنا، وقسمة المكيل بالوزن وبالعكس، وما لا يباع بعضه ببعض عنده (2)، كالرطب بمثله والعنب بمثله، متساويا ومتفاضلا، نقدا ونسيئة وإن كان يمنع ذلك في البيع. وكذا يجوز أن يأخذ أحدهما الرطب أو العنب والآخر التمر أو الزبيب. ويجوز قسمة الثمرة على رؤوس النخل. وللشافعي قولان مبنيان على أن القسمة بيع أم لا، فإن كانت بيعا، لم تجز، كما لا يجوز بيع الثمرة على أصلها بمثلها. ونحن نمنع ذلك، لجواز بيع الثمرة على رؤوس النخل بمثلها. نعم، الممنوع بيعها بخرصها تمرا. وإن لم تكن عنده بيعا وإنما هي إفراز حق، فقولان، أحدهما: المنع مطلقا. والثاني: الجواز في الرطب والعنب خاصة دون باقي الثمار، لأن للخرص مدخلا فيهما، ولهذا جاز خرصهما على الفقراء، فجازت

(1) الحاوي الكبير 5: 126 و 127، وانظر: التهذيب - للبغوي - 3: 345، والعزيز شرح الوجيز 4: 82، وروضة الطالبين 3: 51.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 281، التهذيب - للبغوي - 3: 343 و 345، حلية العلماء 4: 172، الحاوي الكبير 5: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 82 و 89، روضة الطالبين 3: 51 و 55.

[ 205 ]

قسمتهما بين الشركاء، بخلاف باقي الثمار (1). والحق عندنا الجواز مطلقا. مسألة 100: قد بينا أن الجيد والردئ في الجنس الواحد واحد لا يباع أحدهما بالآخر متفاضلا، لأن الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل استبدل قوصرتين (2) فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها مشقق، فقال: " هذا مكروه، لأن عليا (عليه السلام) كان يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، ولم يكن [ علي ] (3) (عليه السلام) يكره الحلال " (4). مسألة 101: يجوز بيع العصير بالبختج (5) مثلا بمثل نقدا، لأن خالد بن أبي الربيع (6) سأل الصادق (عليه السلام): ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلا بمثل؟ قال: " لا بأس " قلت: فالبختج والعصير (7) مثلا بمثل؟ قال: " لا بأس " (8). واعلم أن هذا الحديث يدل على جواز بيع التمر بالبسر الأحمر. والمراد به البسر المطبوخ بالنار، لذهاب رطوبته، ومساواته للتمر في عدم

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 345، العزيز شرح الوجيز 4: 82، وانظر روضة الطالبين 3: 51.
(2) القوصرة - بالتشديد -: هذا الذي يكنز فيه التمر من البواري. وقد يخفف. الصحاح 2: 793 " قصر ".
(3) أضفناها من المصدر.
(4) الكافي 5: 188 / 7، التهذيب 7: 96 - 97 / 412.
(5) البختج: العصير المطبوخ. وأصله بالفارسية: ميبخته، أي: عصير مطبوخ. النهاية - لابن الأثير - 1: 101 " بختج ". (6) كذا، وفي المصدر: عن خالد عن أبي الربيع.
(7) في التهذيب: " العنب " بدل " العصير ".
(8) الكافي 5: 190 / 18، التهذيب 7: 97 - 98 / 418.

[ 206 ]

النقصان عند الجفاف، بخلاف الرطب بالتمر. مسألة 102: قد بينا جواز بيع البر بالسويق متساويا نقدا، ولا يجوز متفاضلا ولا نسيئة، لاتحاد الأصل فيهما، ولا اعتبار بزيادة الريع (1) في أحدهما، لما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقر (عليه السلام)، قال: ما تقول في البر بالسويق؟ فقال: " مثلا بمثل لا بأس به " قال: قلت له: إنه يكون له ريع أو يكون له فضل، فقال: " ليس له مؤونة؟ " قلت: بلى، قال: " فهذا بذا " وقال: " إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يدا بيد " (2). مسألة 103: لو دفع إلى الطحان طعاما وقاطعه على أن يعطيه به طحينا أنقص، أو دفع إلى العصار سمسما وقاطعه على شيرج أنقص، لم يجز. وكذا مع التساوي فيهما. أما الأول: فلربا الفضل، وأما الثاني: فلربا النسيئة. وسأله محمد بن مسلم عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام فيقاطعه على أن يعطي صاحبه لكل عشرة اثنتي عشرة دقيقا، فقال: " لا " قال: فقلت: فالرجل يدفع السمسم إلى العصار ويضمن له لكل صاع أرطالا مسماة، قال: " لا " (3). مسألة 104: يكره أن يدفع الإنسان إلى غيره البقر والغنم على أن يدفع إليه كل سنة من ألبانها وأولادها شيئا معلوما. وإن فعل ذلك، كان ضريبة غير لازمة. وكذا يكره أن يدفع الغنم والإبل إلى غيره على أن يبدل له - إذا

(1) الريع: النماء والزيادة. لسان العرب 8: 137 " ريع ".
(2) الكافي 5: 189 / 9، التهذيب 7: 95 / 404.
(3) الكافي 5: 189 / 11، التهذيب 7: 96 / 411.

[ 207 ]

ولدت - الذكور بالإناث وبالعكس. لأن الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل قال لرجل: ادفع إلي غنمك وإبلك تكون معي فإذا ولدت أبدلت لك إن شئت إناثها بذكورها أو ذكورها بإناثها، فقال: " إن ذلك فعل مكروه، إلا أن يبدلها بعد ما تولد ويعزلها ". قال: وسألته عن الرجل يدفع إلى الرجل بقرا وغنما على أن يدفع إليه كل سنة من ألبانها وأولادها كذا وكذا، قال: " ذلك مكروه " (1). مسألة 105: لا ربا بين الولد ووالده، فلكل واحد منهما أن يأخذ الفضل من صاحبه، لأن مال الولد في حكم مال الوالد. وكذا بين السيد وعبده المختص به، لأن مال العبد لمولاه. ولا بين الرجل وزوجته، ولكل منهما أن يأخذ الفضل من صاحبه. ولا بين المسلم والحربي، فيأخذ منهم الفضل ولا يعطيهم إياه، لأنهم في الحقيقة فئ للمسلمين. ولقول الباقر (عليه السلام): " ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا، إنما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك " قلت: والمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال: " نعم " قلت: فإنهم مماليك، فقال: " إنك لست تملكهم، إنما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء، والذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لأن عبدك ليس مثل عبد غيرك " (2). وعن الصادق (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا " (3).

(1) التهذيب 7: 120 - 121 / 526، وفي الكافي 5: 191 / 9 بدون الذيل.
(2) الاستبصار 3: 71 / 236، وفي الكافي 5: 147 / 3، والتهذيب 7: 17 / 75 بزيادة يسيرة.
(3) الكافي 5: 147 / 1، التهذيب 7: 18 / 76.

[ 208 ]

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، فإنا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نعطيهم " (1). فروع: أ - لا فرق في تحريم الربا بين المسلمين بين دار الحرب ودار الإسلام، فلا يجوز للمسلم أن يربي على المسلم في الدارين - وبه قال مالك وأحمد والشافعي وأبو يوسف (2) - للعموم (3). وقال أبو حنيفة: لا ربا بين مسلمين (4) إذا أسلما في دار الحرب (5). ب - لا ربا عندنا بين المسلم والحربي سواء كان ذا أمان أو لا، وسواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب - وبه قال أبو حنيفة (6) - للأحاديث السابقة. وروى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب " (7) ونحن لم نشرط الدار.

(1) الكافي 5: 147 / 2، التهذيب 7: 18 / 77، الاستبصار 3: 70 - 71 / 235.
(2) المغني 4: 176، الشرح الكبير 4: 199، الحاوي الكبير 5: 75، حلية العلماء 4: 192، الوسيط 3: 48، العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61.
(3) البقرة: 275.
(4) في " ق، ك ": المسلمين.
(5) المغني 4: 176، الشرح الكبير 4: 199 - 200، العزيز شرح الوجيز 4: 99 - 100.
(6) الهداية - للمرغيناني - 3: 66، الاختيار لتعليل المختار 2: 49، بدائع الصنائع 5: 192، حلية العلماء 4: 192، الحاوي الكبير 5: 75، المغني 4: 176، الشرح الكبير 4: 199.
(7) أورده ابنا قدامة في المغني 4: 176، والشرح الكبير 4: 200 نقلا عن مكحول.

[ 209 ]

ولأنه في الحقيقة فئ للمسلمين وقد بذل ماله بإذنه للمسلم فجاز (1) له أخذه منه حيث أزال أمانه عنه ببذله له. وقال الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف: يثبت الربا بين المسلم والحربي مطلقا كثبوته بين المسلمين، للعموم (2) (3). ج - هل يثبت الربا بين الجد وولد الولد؟ إشكال، أقربه: الثبوت، عملا بالعموم الدال على التحريم، وأصالة إرادة الحقيقة، وولد الولد يسمى ولدا مجازا. وكذا يثبت بينه وبين زوجته بالعقد المنقطع، لأن التفويض في مال الرجل إنما يثبت (4) في حق العقد الدائم، فإن للزوجة أن تأخذ من مال الرجل المأدوم. ولا فرق بين الولد الذكر والأنثى، لشمول اسم الولد لهما. د - يثبت الربا بين السيد وعبده المشترك بينه وبين غيره، لخروج حصة الغير عن ملكه في نفس العبد وفيما في يده، وعليه دل حديث الباقر (5) (عليه السلام). ه‍ - في ثبوت الربا بين المسلم والذمي خلاف أقربه: الثبوت، لعصمة أموالهم، وعموم الأحاديث والنصوص الدالة على تحريم مطلق الربا. مسألة 106: يجب على آخذ الربا المحرم رده على مالكه إن عرفه، لأنه مال له لم ينتقل عنه إلى الآخذ، ويده يد عادية، فيجب دفعه إلى المالك

(1) في " ق، ك ": فجائز.
(2) البقرة: 275.
(3) الحاوي الكبير 5: 75، العزيز شرح الوجيز 4: 99، روضة الطالبين 3: 61، المغني 4: 176، الشرح الكبير 4: 198 - 199، بدائع الصنائع 5: 192.
(4) في " ق، ك ": ثبت.
(5) الكافي 5: 147 / 3، التهذيب 7: 17 / 75، الاستبصار 3: 71 / 236. (*

[ 210 ]

كالغصب. ولو لم يعرف المالك، تصدق به عنه، لأنه مجهول المالك. ولو وجد المالك قد مات، سلم إلى الوارث، فإن جهلهم، تصدق به إذا لم يتمكن من استعلامهم. ولو لم يعرف المقدار وعرف المالك، صالحه. ولو لم يعرف المالك ولا المقدار، أخرج خمسه، وحل له الباقي. هذا إذا فعل الربا متعمدا، وأما إذا فعله جاهلا بتحريمه، فالأقوى أنه كذلك. وقيل: لا يجب عليه رده (1)، لقوله تعالى: * (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) * (2) وهو يتناول المال الذي أخذه على وجه الربا. وسئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه له حلال (3)، قال: " لا يضره حتى يصيبه متعمدا [ فإذا أصابه متعمدا ] (4) فهو بمنزلة الذي قال الله عز وجل " (5). وفي الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: " أتى رجل إلى أبي (عليه السلام) (6)، فقال: إني قد (7) ورثت مالا وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي وقد عرفت أن فيه ربا واستيقن ذلك وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز، فقالوا: لا يحل لك أكله

(1) قال به الشيخ الطوسي في النهاية: 376.
(2) البقرة: 275.
(3) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: أن له حلالا. وما أثبتناه من المصدر.
(4) ما بين المعقوفين من المصدر.
(5) الكافي 5: 144 - 145 / 3، التهذيب 7: 15 / 66.
(6) في " ق، ك ": أتى رجل أبي (عليه السلام). وفي الطبعة الحجرية والتهذيب: أتى رجل إلى أبي عبد الله (عليه السلام). وهو كما ترى.
(7) كلمة " قد " لم ترد في " ق، ك ".

[ 211 ]

من أجل ما فيه، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): إن كنت تعرف أن فيه مالا معروفا ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك، وإن كان مختلطا فكله هنيئا، فإن المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وضع ما مضى من الربا وحرم عليهم ما بقي، فمن جهله وسع له جهله حتى يعرفه، فإذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجب عليه فيه العقوبة إذا ركبه، كما يجب على من يأكل الربا " (1). إذا تقرر هذا، فإنما أباح (عليه السلام) له الربا مع امتزاجه بناء على أن الميت ارتكبه بجهالة، وتمام الحديث يدل عليه. القسم الثالث: الغرر. وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر (2)، كبيع عسيب الفحل، وبيع ما ليس عنده، وبيع الحمل في بطن أمه، لنهيه (عليه السلام) عنه (3). ولأنه غرر، لعدم العلم بسلامته وصفته وقد يخرج حيا أو ميتا، ولا يقدر على تسليمه عقيب العقد ولا الشروع فيه، بخلاف الغائب. ومن الغرر بيع الملاقيح والمضامين. والملاقيح ما في بطون الأمهات، والمضامين ما في أصلاب الفحول. وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام (4).

(1) التهذيب 7: 16 / 70، وبتفاوت في بعض الألفاظ في الكافي 5: 146 ضمن الحديث 9، والفقيه 3: 175 / 789.
(2) صحيح مسلم 3: 1153 / 1513، سنن ابن ماجة 2: 739 / 2194 و 2195، سنن أبي داود 3: 254 / 3376، سنن الترمذي 3: 532 / 1230، سنن الدار قطني 3: 15 / 46، سنن البيهقي 5: 338، سنن الدارمي 2: 251، الموطأ 2: 664 / 75، مسند أحمد 1: 497 / 2747.
(3) سنن البيهقي 5: 338 و 341، غريب الحديث - للهروي - 1: 206، الاستذكار - لابن عبد البر - 20: 98 / 29400.
(4) كما في المغني 4: 298، الشرح الكبير 4: 31.

[ 212 ]

ومنه بيع المجر، لنهيه (عليه السلام) عنه (1). ولأنه غرر. قال أبو عبيدة: هو بيع ما في الأرحام (2). وقيل: القمار (3)، وقيل: المحاقلة والمزابنة (4). ويجوز أن يبيع الدابة ويشترط حملها، لقوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (5) والجهالة هنا لا تضر، لأنه تابع، فأشبه أساسات الحيطان، وهو أحد قولي الشافعية بناء منه على أن الحمل له حكمه (6)، فيجوز اشتراطه. وفي الثاني: لا يجوز بناء على أنه لا حكم للحمل (7). ولو باعها على أنها تضع بعد شهر أو مدة بعينها، بطل العقد - وبه قال الشافعي (8) - لأنه شرط غير مقدور. مسألة 107: لو باع شاة على أنها لبون، صح - وبه قال الشافعي في أحد

(1) غريب الحديث - للهروي - 1: 206، سنن البيهقي 5: 341، الاستذكار - لابن عبد البر - 20: 98 / 29400.
(2) حكاه عنه الرافعي في العزيز شرح الوجيز 4: 134.
(3) المغني 4: 298، الشرح الكبير 4: 31. واختلف في معنى المحاقلة، فقيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة. وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما. وقيل: هي بيع الطعام في سنبلة بالبر. وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. النهاية - لابن الأثير - 1: 416 " حقل ". وأما المزابنة فهي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر. وأصله من الزبن، وهو الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه. النهاية - لابن الأثير - 2: 294 " زبن ".
(5) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.
(6) في الطبعة الحجرية: حكم.
(7) الوسيط 3: 85، الوجيز 1: 139، العزيز شرح الوجيز 4: 117، المهذب - للشيرازي - 1: 272، المجموع 9: 323، روضة الطالبين 3: 73.
(8) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73.

[ 213 ]

القولين (1) - لأنه يتحقق وجوده في الحيوان، ويأخذ قسطا من الثمن، فجاز شرطه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأنه لا يصح بيعه في الضرع فلا يصح اشتراطه، كالحمل (2). وبطلان التالي ممنوع. والفرق: عدم العلم بوجود الحمل، بخلاف اللبن، فإنه معلوم الوجود. أما لو شرط أنها تحلب قدرا معلوما في كل يوم، فإنه لا يصح، لتعذر الوفاء به، ولعدم ضبط اللبن. مسألة 108: يجوز بيع البيض المنفصل إذا كان مما يؤكل لحمه - وبه قال الشافعي (3) - لأن المقصود وإن كان مستورا إلا أنه لمصلحته، كالجوز. وإن كان غير ما يؤكل لحمه، جاز عندنا أيضا إذا كان مما ينتفع به بأن يصير فرخا، لأنه لا ينتفع به في الأكل، وهو أحد قولي الشافعي بناء على أن منيه نجس أم لا، فإن كان نجسا، لم يجز بيعه، وإلا جاز (4). وأما إذا كان متصلا بالحيوان، فلا يجوز بيعه منفردا، كالحمل، ويجوز اشتراطه. وإن انفصل من الحيوان بعد موته، فإن كان قد اكتسى الجلد الفوقاني الصلب، كان مباحا. وإن لم يكتس الجلد الصلب، كان حراما، لأنه مائع

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 526، الوسيط 3: 84، المجموع 9: 324، العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 73، الشرح الكبير 4: 55.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 118، الشرح الكبير 4: 55.
(3) انظر: المهذب - للشيرازي - 1: 269.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 269، المجموع 9: 253، حلية العلماء 4: 72.

[ 214 ]

فينجس بها، وهو قول بعض الشافعية (1). وقال بعضهم: إنه لا يحل (2)، لأنه بمنزلة لحمها. وهو ممنوع. ويجوز بيع بزر القز عندنا، لأنه طاهر ينتفع به، وهو أحد وجهي الشافعية. وفي الثاني: لا يجوز بناء على بيض ما لا يؤكل لحمه (3). مسألة 109: ومن الغرر بيع الطير في الهواء والسمك في الماء وقد سلف (4). ولا يجوز استئجار برك الحيتان لأخذ السمك منها - وبه قال الشافعي (5) - لأن العين لا تملك بالإجارة. وبيع السمك فيها لا يجوز، لأنه غرر. فإن استأجرها ليحبس السمك فيها ويأخذه، جاز، كما يجوز إجارة الشبكة للصيد. ولأنه عقد على منفعة مقصودة، فجاز العقد عليها، وبه قال أكثر الشافعية (6). وقال أبو حامد (7) في التعليق: لا يجوز. وفرق بين البركة والشبكة، فإن الشبكة تحبس الصيد، والاصطياد يكون بها، وأما البركة فإن الصيد

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 18، المجموع 1: 244، حلية العلماء 1: 119، التهذيب - للبغوي - 1: 186، روضة الطالبين 1: 128.
(2) التهذيب - للبغوي - 1: 186، المجموع 1: 244، روضة الطالبين 1: 128، حلية العلماء 1: 119 - 120.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 269، المجموع 9: 253، العزيز شرح الوجيز 4: 24.
(4) في ص 50 و 51، المسألتان 27 و 28. (5 و 6) المجموع 9: 285، روضة الطالبين 4: 325.
(7) هو أحمد بن محمد الإسفرائيني، المتوفى سنة 406 ه‍، له مصنفات منها: التعليقة الكبرى في الفروع. كشف الظنون 1: 423 - 424. وانظر ترجمته في طبقات الفقهاء - للشيرازي -: 223، وتاريخ بغداد 4: 368 - 370 / 2239، وتهذيب الأسماء واللغات 2: 208 - 210. وكتابه هذا لم يتوفر لدينا.

[ 215 ]

ينحصر فيها بغيرها. وهذا لا معنى له، لأن البركة بها يمكن الاصطياد ويحبس كالشرك (1)، والانتفاع المقصود حاصل بها. فروع: أ - لو استأجر أرضا للزراعة فدخل إليها السمك ثم نضب الماء منها وبقي السمك، لم يملكه المستأجر بذلك، بل كان أحق به، لأن غيره ليس له التخطي في الأرض ولا الانتفاع بها، فلو تخطى أجنبي فأخذ السمك، ملكه بالأخذ. ب - لو طفرت سمكة إلى سفينة فيها ركاب، لم يملكها صاحب السفينة، وهي لآخذها، وليس صاحب السفينة أحق بها من الركاب، لأن لهم التخطي فيها. ج - لو عشش الطائر في دار أو أرض وفرخ فيها، أو توحل الظبي في أرضه، لم يملكه بذلك ما لم يثبت يده عليه، ويكون صاحب الأرض أحق بذلك. وكذا إذا سقط ثلج في أرض إنسان، لم يملكه بذلك، وكان أحق به. ولو دخل الماء في أرضه، لم يملكه. فإن نصب شبكة فوقع فيها صيد، ملكه وإن كانت في غير أرضه، لأنها بمنزلة يده. وكذا لو غرف الماء بدلوه ولو من أرض غيره، ملكه. وهذه الفروع كلها موافقة للشافعية (2). مسألة 110: بيع الفضولي جائز عندنا لكن يكون موقوفا على إجازة المالك، فإن أجاز البيع، لزم، وإلا بطل. ولا يقع فاسدا في أصله ولا لازما.

(1) الشرك: حبائل الصائد. لسان العرب 10: 450 " شرك ".
(2) لم نعثر على تلك الفروع في مظانها من المصادر المتوفرة لدينا.

[ 216 ]

ولا فرق بين البيع والشراء - وبه قال مالك والشافعي في القديم (1) - لأنه عقد صدر من أهله في محله، وله مجيز في حال وقوعه، فجاز أن يقف على إجازته، كالوصية. ولأنه (عليه السلام) دفع إلى عروة البارقي دينارا يشتري به شاة، فاشترى به شاتين وباع إحداهما بدينار وجاء بشاة ودينار، فقال النبي (عليه السلام): " بارك الله في صفقة يمينك " (2) فأجاز (عليه السلام) بيع الشاة وشراء الشاتين، ولو كان بيع الفضولي وشراؤه باطلين، لما أقره (عليه السلام) على ذلك. وقال أبو حنيفة: يقف البيع على إجازة المالك، ولا يقف الشراء على إجازة المشتري له، بل يقع للوكيل (3). وعن أحمد روايتان في البيع والشراء جميعا (4). وقال الشافعي في الجديد: يبطل البيع من أصله (5)، لقوله (عليه السلام) لحكيم ابن حزام: " لا تبع ما ليس عندك " (6).

(1) بداية المجتهد 2: 172، منهاج الطالبين: 95، روضة الطالبين 3: 21، المجموع 9: 259 و 261، حلية العلماء 4: 76 و 77، الوسيط 3: 22، العزيز شرح الوجيز 4: 31، التهذيب - للبغوي - 3: 530، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.
(2) سنن الترمذي 3: 559 / 1258، سنن الدار قطني 3: 10 / 29.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 68 و 69، بدائع الصنائع 5: 148 و 150، الاختيار لتعليل المختار 2: 26، حلية العلماء 4: 75، الوسيط 3: 22، العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 261، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.
(4) المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18، حلية العلماء 4: 76، العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 261، بداية المجتهد 2: 172.
(5) الوسيط 3: 22، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 31، حلية العلماء 4: 74، التهذيب - للبغوي - 3: 530، منهاج الطالبين: 95، روضة الطالبين 3: 21، المجموع 9: 259، المغني 4: 296، الشرح الكبير 4: 18.
(6) سنن ابن ماجة 2: 737 / 2187، سنن أبي داود 3: 283 / 3503، سنن النسائي 7: 289، سنن البيهقي 5: 267، مسند أحمد 4: 403 / 14887، المعجم الكبير - للطبراني - 3: 217 / 3097.

[ 217 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن " (1). ولأن بيع الآبق غير صحيح مع كونه مملوكا، لعدم القدرة على التسليم، فبيع ما لا ملك فيه ولا قدرة على تسليمه أولى. والجواب: النهي لا يدل على الفساد في المعاملات. ونمنع التعليل في الآبق بما ذكر، سلمنا لكن الفرق ظاهر، فإن القدرة في المتنازع موجودة إذا أجاز المالك. فروع: أ - هذا الخلاف الواقع في بيع الفضولي أو شرائه ثابت في النكاح على الأقوى وإن كان للشيخ قول بأن النكاح لا يقع موقوفا بل إما لازم أو باطل (2). أما الطلاق فللشافعي القولان فيه وكذا في العتق (3). وأما الإجارة والهبة فعندنا يقعان موقوفين على الإجازة. وللشافعي القولان (4). ب - لو اشترى الفضولي لغيره شيئا بعين مال الغير، وقف على الإجازة

(1) التهذيب 7: 230 / 1005.
(2) المبسوط - للطوسي - 4: 163، الخلاف 4: 257 - 258، المسألة 11. (3 و 4) المجموع 9: 259، روضة الطالبين 3: 21، العزيز شرح الوجيز 4: 32.

[ 218 ]

عندنا، وهو القديم للشافعي، وعلى الجديد لا يصح (1). وإن اشترى في الذمة، فإن أطلق ونوى كونه للغير، وقف على الإجازة، فإن رد، نفذ في حقه، وهو القديم للشافعي، وعلى الجديد يقع للمباشر (2). ولو أضاف فقال: اشتريت لفلان بألف في ذمته، فهو كما لو اشترى بعين ماله. ولو قال: اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمة الغير، وقف على إجازة الغير، فإن رد، احتمل نفوذه في حقه. والبطلان. وعلى قول الشافعي في القديم: يقف على الإجازة، فإن رد، فالاحتمالان (3). وعلى الجديد وجهان: إلغاء التسمية فيقع العقد عن المباشر. والبطلان (4). ج - لو اشترى الفضولي لغيره شيئا بمال نفسه، فإن لم يسمه، وقع العقد عن المباشر سواء أذن ذلك الغير أو لا. وإن سماه، فإن لم يأذن له، لغت التسمية، وبه قال الشافعي (5). وهل يقع عنه أو يبطل من أصله؟ احتمال. وللشافعي وجهان (6). وإن أذن له، فهل تلغو التسمية؟ للشافعي وجهان، فإن قلنا به، ففي

(1 و 2) التهذيب - للبغوي - 3: 530، العزيز شرح الوجيز 4: 32، روضة الطالبين 3: 21، المجموع 9: 260.
(3) في " ق، ك "، والطبعة الحجرية: فالاحتمالات. وما أثبتناه موافق لما في المصادر.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 530 - 531، العزيز شرح الوجيز 4: 32، روضة الطالبين 3: 21 - 22، المجموع 9: 260. (5 و 6) التهذيب - للبغوي - 3: 531، العزيز شرح الوجيز 4: 32، روضة الطالبين 3: 22، المجموع 9: 260.

[ 219 ]

بطلان العقد أو وقوعه عن العاقد وجهان. وإن قلنا: لا، وقع عن الآذن (1). والثمن المدفوع هل يكون قرضا أو هبة؟ فيه للشافعي وجهان (2). والأقرب: البطلان فيما لو أذن، إذ ليس للإنسان أن يملك شيئا والثمن على غيره. وقال أبو حنيفة في البيع والنكاح: إنه يقف عقد الفضولي فيه على الإجازة. وأما الشراء فقد قال في صورة الشراء المطلق: يقع عن العاقد، ولا يقع موقوفا (3). وعن أصحابه اختلاف فيما إذا سمى الغير (4). د - شرط الوقف (5) عند أبي حنيفة أن يكون للعقد مجيز في الحال سواء كان مالكا أو لا حتى لو أعتق عن الطفل أو طلق امرأته، لا يتوقف على إجازته بعد البلوغ. والمعتبر إجازة من يملك التصرف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز، لم ينعقد. وكذا لو باع مال الغير ثم ملكه وأجاز (6). والمعتمد: أن الطلاق لا يقع موقوفا. ه‍ - لو غصب مالا وباعه وتصرف في ثمنه مرة بعد أخرى، كان ذلك موقوفا على اختيار المالك في إجازة الجميع أو أيها شاء، وفسخ الجميع أو أيها شاء، وله تتبع العقود الكثيرة، فيراعي مصلحته، وهذا أضعف

(1 و 2) التهذيب - للبغوي - 3: 531، العزيز شرح الوجيز 4: 32، روضة الطالبين 3: 22، المجموع 9: 260.
(3) بدائع الصنائع 5: 148 - 150، العزيز شرح الوجيز 4: 32، المجموع 9: 261.
(4) كما في العزيز شرح الوجيز 4: 32.
(5) أي: توقف صحة تصرف الفضولي على الإجازة.
(6) بدائع الصنائع 5: 149، الاختيار لتعليل المختار 2: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 32.

[ 220 ]

قولي الشافعي، والأصح عنده: البطلان (1). وكذا الخلاف لو ربح الغاصب في المغصوب، يكون الربح له أو للمالك؟ (2). والحق عندنا أنه إن اشترى بعين المال، كان للمالك الربح مع الإجازة. وإن لم يجز، بطل البيع من أصله. وإن اشترى في الذمة، فللغاصب الربح، لأنه نقد المال دينا عليه. و - لو باع مال أبيه على ظن أنه حي وأنه فضولي فظهر بعد العقد أنه كان ميتا وأن الملك كان للبائع، فإنه يصح البيع، لصدوره من المالك في محله، وهو أصح قولي الشافعي (3). وهذا بخلاف ما لو أخرج مالا وقال: إن مات مورثي فهذا زكاة ما ورثته منه، وكان قد ورث، فإنه لا يجزئه، لأن النية شرط في الزكاة، ولم يبن نيته على أصل، أما البيع فلا حاجة له إلى النية. والثاني للشافعي: البطلان، فإنه وإن كان منجزا في الصورة إلا أنه معلق في المعنى. والتقدير: إن مات مورثي فقد بعتك. ولأنه كالعابث حيث باشر العقد مع إعتقاده (4) أنه لغيره، والعبث لا عبرة به في نظر الشرع (5).

(1) الوسيط 3: 22، العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 22، المجموع 9: 260.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 33.
(3) الوسيط 3: 23، الوجيز 1: 134، العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 22، المجموع 9: 261. (4) في " ق، ك ": اعتقاد.
(5) الوسيط 3: 23، العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 22 - 23، المجموع 9: 261.

[ 221 ]

وأما الهازل فلا ينعقد بيعه عندنا. وفي انعقاده عنده وجهان (1). وكذا بيع التلجئة باطل عندنا. وصورته أن يخاف غصب ماله والإكراه (2) على بيعه فيبيعه من إنسان بيعا مطلقا ولكن توافقا قبله على أنه لدفع الظلم. وظاهر مذهب الشافعي انعقاده (3). وهو خطأ، لقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (4). وكذا الخلاف عنده لو باع العبد على [ ظن ] (5) أنه آبق أو مكاتب فظهر أنه قد رجع أو فسخ الكتابة، وفيما إذا زوج أمة أبيه على ظن أنه حي ثم بان موته هل يصح النكاح؟ (6) والوجه عندنا: صحة ذلك. أما لو قال: إن مات أبي فقد زوجتك هذه الجارية، فإن العقد هنا باطل، لتعلقه على شرط. وله قولان (7). وهذه المسألة مع أكثر فروعها قد سبقت (8). مسألة 111: يجوز بيع الأعمى وشراؤه، سواء كان أكمه وهو الذي

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 23، المجموع 9: 261.
(2) كذا، والظاهر: أو الإكراه.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 33، روضة الطالبين 3: 23، المجموع 9: 261، المغني 4: 302، الشرح الكبير 4: 49.
(4) النساء: 29.
(5) أضفناها من المصدر.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 33 - 34، روضة الطالبين 3: 23، المجموع 9: 261.
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 34، روضة الطالبين 3: 23، المجموع 9: 261.
(8) في ص 14 وما بعدها، المسألة 5 وفروعها.

[ 222 ]

خلق أعمى، أو يكون قد عمي بعد أن أبصر لكن بشرط علمه بالمبيع أو المشترى إما باللمس إن عرفه به أو بالذوق إن علمه به أو يوصف له وصفا يرفع الجهالة - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد (1) - لعموم الجواز. ولأنه بيع صدر من أهله في محله، فكان سائغا. ولأن المقتضي موجود، والأصل، والمعارض لا يصلح للمانعية، لأنا فرضنا معرفته، فكان كما لو باع شيئا غائبا عنه يعلم بالمشاهدة. ولأن في الصحابة من كان أعمى ولم ينقل أنهم منعوا من البيع مع كثرتهم، ولو كانوا منعوا، لنقل. ولأن الأخرس تقوم إشارته مقام عبارته فالأعمى ينبغي أن يقوم مسه وذوقه وشمه مقام رؤيته. وقال الشافعي: إن كان أكمه، لم يجز بيعه. وإن كان عمي بعد أن كان بصيرا، فإن اشترى ما لم يره، لم يجز البيع. وإن اشترى ما قد كان رآه، فإن كان الزمان يسيرا لا يتغير في مثله أو كان المبيع مما لا يتغير وإن مر عليه الزمان الطويل، فإن هذا يجوز له بيعه. فإن وجده متغيرا، ثبت له الخيار. وإن كان قد مضى زمان يتغير فيه كأن رآه صغيرا (2) وقد صار رجلا، فإنه لا يصح بيعه. هذا على القول بعدم جواز بيع خيار الرؤية، وأما على الجواز فهل يصح بيعه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز أيضا، لأن بيع خيار الرؤية يثبت فيه الخيار متعلقا

(1) التلقين - في الفقه المالكي - 1 - 2: 384، التهذيب - للبغوي - 3: 535، الهداية - للمرغيناني - 3: 34، مختصر اختلاف العلماء 3: 79 / 1157، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32، المجموع 9: 302 - 303، روضة الطالبين 3: 35، العزيز شرح الوجيز 4: 52.
(2) أي: كأن رأى العبد المبيع صغيرا.

[ 223 ]

بالرؤية، وهذا منفي في حق الأعمى. والثاني: يجوز، لأن رؤيته إذا لم تكن شرطا في صحة البيع فلم يفقد في حق الأعمى إلا الرؤية. ويمكن أن يقوم صفة غيره له مقام رؤيته في إثبات الخيار. ووجه المنع: أنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد، فلا يصح بيعه، كما لو قال: بعتك عبدا (1). والجواب: المنع من جهل الصفة، إذ التقدير العلم بها. إذا ثبت هذا، فقد أثبت علماؤنا وأبو حنيفة (2) له الخيار إلى معرفته بالمبيع إما بمسه أو بذوقه أو أن يوصف له إذا لم يدركه بذلك. واعلم أن السلم كالحال يجوز بيع الأعمى فيه وشراؤه كالبصير، وبه قال الشافعي (3). قال المزني: أراد بذلك الأعمى الذي عرف الألوان قبل أن يعمى، فأما من خلق أعمى فلا معرفة له بالأعيان. وصوب المزني أبو العباس وأبو علي ابن أبي هريرة. وخطأه أبو إسحاق المروزي، فإن الأعمى يجوز أن يتعرف الصفات في نفسه

(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 170 - 171، المسألة 279. وانظر: المهذب - للشيرازي - 1: 271، والمجموع 9: 302 - 303، وروضة الطالبين 3: 35، والتهذيب - للبغوي - 3: 535، والعزيز شرح الوجيز 4: 52، ومختصر اختلاف العلماء 3: 79 / 1157، والمغني 4: 299، والشرح الكبير 4: 32.
(2) الهداية - للمرغيناني - 3: 34، المغني 4: 299، الشرح الكبير 4: 32.
(3) الوسيط 3: 38، الوجيز 1: 135، العزيز شرح الوجيز 4: 53 و 54، المهذب - للشيرازي - 1: 303، المجموع 9: 303، روضة الطالبين 3: 36، حلية العلماء 4: 355، التهذيب - للبغوي - 3: 535.

[ 224 ]

بالسماع، فإذا أسلم في ثوب موصوف، جاز، ويكون بمنزلة بصير يسلم في شئ لم يره ويذكر أوصافه، فإنه يجوز، كذا هنا (1). وهذه المسألة أيضا قد سلفت (2). مسألة 112: من الغرر جهالة الثمن على ما تقدم، ومن صور الجهالة أن يبيع الشئ بثمنين مختلفين أحدهما حال والآخر مؤجل، أو أحدهما إلى أجل والآخر إلى أزيد، فيقول مثلا: بعتك هذا الثوب إما بعشرة دراهم نقدا أو بإثني عشر نسيئة، وإما بعشرة مؤجلة إلى شهر أو بإثني عشر إلى شهرين - وبه قال الشافعي (3) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيعتين (4) في بيعة (5). وفسره الشافعي بأمرين، أحدهما هذا، قال: ويحتمل أن يكون المراد أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف (6). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): " نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن

(1) مختصر المزني: 88، حلية العلماء 4: 358، الحاوي الكبير 5: 339، المهذب - للشيرازي - 1: 303 - 304، العزيز شرح الوجيز 4: 53 و 54.
(2) في ص 23، المسألة 7.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 273، المجموع 9: 338، روضة الطالبين 3: 64، الوجيز 1: 138، العزيز شرح الوجيز 4: 104، الوسيط 3: 71، التهذيب - للبغوي - 3: 536.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: بيعين. وما أثبتناه من المصادر.
(5) سنن الترمذي 3: 533 / 1231، سنن النسائي 7: 296، سنن البيهقي 5: 343، مسند أحمد 2: 366 / 6591، و 3: 246 / 9795، و 297 / 10157، الموطأ 2: 663 / 72.
(6) مختصر المزني: 88، الوسيط 3: 72، الحاوي الكبير 5: 341، المهذب - للشيرازي - 1: 274، المجموع 9: 338، روضة الطالبين 3: 64، التهذيب - للبغوي - 3: 536 - 537، العزيز شرح الوجيز 4: 104.

[ 225 ]

بيع ما ليس عندك، وعن بيعين في بيع " (1). ولأن الثمن هنا مجهول، فكان بمنزلة ما لو قال: بعتك هذا العبد أو هذه الجارية بألف. أما لو قال: بعتك بعشرة نقدا وباثني عشر إلى شهر، فإنه كذلك عندنا، لعدم التعيين. وقال بعض (2) علمائنا: يكون للبائع أقل الثمنين في أبعد الأجلين، لأنه رضي بنقل العين في مقابلة الثمن القليل بالأجل الكثير، فلا تجوز الزيادة عليه لأجل الزيادة في الأجل. ولما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن آبائه (عليهم السلام) " أن عليا (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين: بالنقد كذا، وبالنسيئة كذا، فأخذ المبتاع على ذلك الشرط فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين، يقول: ليس له إلا أقل النقدين إلى الأجل الذي أجله نسيئة " (3). والجواب: يمنع رضاه بالأقل ثمنا والأزيد أجلا، بل رضي بالأقل ثمنا مع قلة الأجل، وبالأكثر مع زيادته. والرواية ضعيفة جدا، لأن السكوني ضعيف، والراوي عنه النوفلي ضعيف أيضا. وجوز بعض الشافعية هذا البيع (4)، ويكون له بعشرة معجلا، وباثني عشر مؤجلا.

(1) التهذيب 7: 230 / 1005.
(2) الشيخ الطوسي في النهاية: 387 - 388.
(3) التهذيب 7: 53 / 230.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 536، روضة الطالبين 3: 64.

[ 226 ]

إذا ثبت هذا، فالتفسير الذي ذكره الشافعي ثانيا ليس بشئ عندنا، لأنه يجوز البيع بشرط على ما يأتي إن شاء الله. تذنيب: لو قال: بعتك نصف هذا العبد بألف ونصفه بألفين، صح. ولو قال: بعتك هذا العبد بألف نصفه بستمائة، لم يصح، لأن ابتداء كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسوية، وآخره يناقضه، هكذا قال بعض الشافعية (1). والأقوى عندي: الجواز، لأن الأول كالمطلق أو العام، والثاني كالمبين له. مسألة 113: من صور جهالة الثمن ما لو استثنى بعضا منه غير معلوم كأن يقول: بعتك بعشرة إلا شيئا، أو جزءا، أو نصيبا، ولم يعين. ولا يحمل على الوصية اقتصارا بما يخالف العرف على مورد النص خصوصا مع عدم التنصيص في غيره. ولو قال: بعتك هذا القفيز من الطعام بأربعة دراهم إلا ما يخص واحدا منه، فإن أراد ما يساوي واحدا في الحال، فإن عرفا المقدار، صح، وإلا فلا. وإن أراد ما يساوي واحدا عند التقويم، بطل، لأنه مجهول. وإن أراد ما يخصه إذا وزع القفيز على المبلغ المذكور قبل الاستثناء، صح، وكان الاستثناء (2) للربع، فيصح البيع في ثلاثة أرباع القفيز بأربعة. وإن أراد ما يخصه إذا وزع الباقي بعد الاستثناء على المبلغ المذكور على معنى أن يكون قد استثنى من القفيز ما يخص واحدا مما يستقر عليه

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 537، العزيز شرح الوجيز 4: 104، روضة الطالبين 3: 64.
(2) في " ق، ك ": استثناء.

[ 227 ]

البيع بعد الاستثناء، دخلها الدور، لأنا لا نعلم قدر المبيع إلا بعد معرفة المستثنى وبالعكس، فنقول: إنه يبطل البيع، للجهالة حالة العقد، إلا أن يعرفا ذلك وقت العقد بطريق الجبر والمقابلة أو غيره. وطريقه أن نقول: المستثنى شئ (1)، فالمبيع قفيز [ إلا شيئا، فربع قفيز ] (2) إلا ربع شئ هو الذي يخص الدرهم، وقد تقدم أن الذي يخص الدرهم شئ، فربع قفيز كامل يعدل شيئا وربع شئ، فالقفيز الكامل يعدل خمسة أشياء، فالمستثنى خمسه، لأن المستثنى شئ وقد ظهر أنه خمسه. أو نقول: صح البيع في الجميع إلا في شئ - وذلك الشي هو ما يقابل الواحد - بجميع الثمن، فإذا جبرنا القفيز بشئ وزدنا على الأربعة ما يقابله - وهو واحد - صار القفيز بأجمعه يعدل خمسة، فالمقابل للواحد الخمس. فروع: أ - لو قال: بعتك بعشرة إلا ثلث الثمن، فالثمن سبعة ونصف، لأنا نفرض الثمن شيئا فنقول: إنه قد باعه بعشرة إلا ثلث شئ يعدل شيئا كاملا، وهو جملة الثمن، فإذا جبرنا وقابلنا، كانت العشرة الكاملة تعدل شيئا وثلثا، فالشئ الذي هو الثمن ثلاثة أرباع العشرة. ولو قال: إلا ربع الثمن، فالثمن ثمانية. ولو قال: إلا خمس الثمن، فهو ثمانية وثلث، وعلى هذا. ب - لو قال: بعتك بعشرة وثلث الثمن، فهو خمسة عشر، لأنا

(1) " الشئ " عند المحاسبين هو العدد المجهول المضروب في نفسه، في باب الجبر والمقابلة. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1048.
(2) ما بين المعقوفين من تصحيحنا.

[ 228 ]

نفرض الثمن شيئا مجهولا، والثمن يعدل عشرة وثلث شئ، فعشرة وثلث شئ تعدل شيئا هو جملة الثمن، يسقط ثلث شئ بثلث شئ، تبقى عشرة تعدل ثلثي شئ، فالشئ الكامل يعدل خمسة عشر. ولو باعه بعشرة وربع الثمن، فهو ثلاثة عشر وثلث، لأنا نفرض الثمن شيئا، فعشرة وربع شئ تعدل الثمن وهو شئ، فإذا أسقطنا ربع شئ بربع شئ، بقي عشرة تعدل ثلاثة أرباع شئ، فكل ربع ثلاثة وثلث، فالثمن ثلاثة عشر وثلث، وعلى هذا. ج - لو قال: بعتك نصيبي - وهو السدس مثلا - من الدار من حساب مائتين، صح البيع وإن جهل في الحال قدر الثمن، ويكون له سدس المائتين، لأن المراد جعل المائتين في مقابلة الجميع، ويكون له ما يقتضيه الحساب. ولو قال: بعتك نصيبي من ميراث أبي من الدار، فإن عرف القدر حالة العقد، صح. وإن جهل، بطل. ولو عرف عدد الورثة وقدر الاستحقاق إجمالا، فالأقوى الصحة، ويكون له ما يقتضيه الحساب. وكذا لو قال: بعتك جزءا من مائة وأحد عشر جزءا، فإنه يصح وإن جهل النسبة. وكذا يصح لو عكس، فقال: بعتك نصف تسع عشر هذا الموضع وجهل القدر من السهام. وكذا لو باع من اثنين صفقة قطعة أرض على الاختلاف بأن ورث من أبيه حصة ومن أمه أقل أو أكثر، وجعل لواحد منهما أحد النصيبين وللآخر الباقي، فإنه يصح وإن جهلا قدر نسبة النصيب إلى الجميع في الحال ونسبة النصيب في الثمن، ويرجعان إلى ما يقتضيه الحساب، إذ الثمن في مقابلة الجملة، فلا تضر جهالة الأجزاء.

[ 229 ]

د - لو باعه خمسة أرطال على سعر المائة بإثني عشر درهما، صح وإن جهل في الحال قدر الثمن، لأنه مما يعلم بالحساب، ولا يمكن تطرق الزيادة إليه ولا النقصان، فينتفي الغرر، ويثبت الثمن ثلاثة أخماس درهم، لأن نسبة المائة إلى ثمنها - وهو إثنا عشر - كنسبة خمسة إلى ثمنها، فالمجهول الرابع، فيضرب الثاني - وهو إثنا عشر - في الثالث - وهو خمسة - يبلغ ستين يقسمها على الأول - وهو مائة - يخرج ثلاثة أخماس درهم، وهو ثمن المبيع. أو نقول: الاثنا عشر عشر وخمس عشر المائة، فنأخذه بهذه النسبة من الخمسة، وهو ثلاثة أخماس واحد. ولو قال: بعتك بخمسة دراهم على سعر المائة بإثني عشر، أخذت ربع وسدس المائة، لأن الخمسة ربع وسدس من الاثني عشر (1). ه‍ - لو كان له ثلاث قطائع من الغنم ثانيها ثلاثة أمثال أولها، وثالثها ثلاثة أمثال ثانيها، فاشترى آخر منه ثلثي الأول وثلاثة أرباع الثاني وخمسة أسداس الثالث، اجتمع له مائة وخمسة وعشرون رأسا، فطريق معرفة قدر كل قطيع أن نقول: نفرض القطيع الأول شيئا فالثاني ثلاثة أشياء والثالث تسعة أشياء، فنأخذ ثلثي شئ وثلاثة أرباع ثلاثة أشياء وخمسة أسداس تسعة أشياء ونجمعها، فتكون عشرة أشياء وربع وسدس شئ، وهو يعدل مائة وخمسة وعشرين، فالشئ يعدل إثني عشر. و - لو تطرقت الجهالة بعد البيع، لم تثمر فساده، بل وقع صحيحا. ثم إن لم يمكن تدارك العلم، اصطلحا، ويجبرهما الحاكم عليه قطعا للتنازع. وإن أمكن، وجب المصير إليه، فلو كان له قطعة أرض بين

(1) في " ق، ك ": وسدس الاثني عشر.

[ 230 ]

شجرتين وقدرها أربعة عشر ذراعا وطول إحدى الشجرتين ستة وطول الأخرى ثمانية، فاجتاز ظبي بينهما فطار إليه طائران من الرأسين بالسوية حتى تلاقيا على رأس الظبي، فباع القطعة من اثنين بثمن واحد صفقة واحدة لأحدهما من أصل شجرته إلى موضع الظبي وللآخر من موضع الظبي إلى أصل الأخرى، ثم خفي موضع الالتقاء، فطريق معرفة حق كل منهما أن يجعل ما بين أصل الشجرة القصيرة إلى موضع الظبي شيئا ونضربه في نفسه، فيكون الحاصل مالا (1)، ونضرب طولها - وهو ستة - في نفسه، فيكون المجموع مالا وستة وثلاثين، وجذره مقدار ما طار الطائر، لأنه وتر القائمة، فيكون مربعه مساويا لمجموع مربعي صاحبتها بشكل العروس (2)، ويبقى من موضع الظبي إلى أصل الأخرى أربعة عشر إلا شيئا مربعه مائة وستة وتسعون ومال إلا ثمانية وعشرين شيئا، ومربع الطويلة أربعة وستون مجموعهما مائتان وستون ومال إلا ثمانية وعشرين شيئا، وهو يعدل مالا وستة وثلاثين، لتساوي الوترين حيث طارا بالسوية، فإذا جبرت وقابلت، بقي مائتان وأربعة وعشرون تعدل ثمانية وعشرين شيئا، فالشئ يعدل ثمانية، وهو ما بين أصل القصيرة والظبي، فيبقى ما بينه وبين أصل الأخرى يعدل ستة، فكل وتر عشرة. ز - لو باع اثنين صفقة قطعة على شكل مثلث قاعدته أربعة عشر

(1) المال عند المحاسبين هو الحاصل من ضرب الشئ في نفسه، في الجبر والمقابلة. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1422.
(2) شكل العروس عند المهندسين هو: أن كل مثلث قائم الزاوية فإن مربع وتر زاويته القائمة يساوي مربعي ضلعيها. وإنما سمي به، لحسنه وجماله. كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1041.

[ 231 ]

ذراعا وأحد ضلعيه الباقيين ثلاثة عشر والآخر خمسة عشر على أن يكون لأحدهما من مسقط العمود في القاعدة إلى أحد الضلعين، وللآخر منه إلى الضلع الآخر وبسط الثمن على الأذرع، فطريق معرفة نصيب كل منهما أن نقول: نفرض ما بين الضلع الأقصر ومسقط العمود شيئا، فيكون مربعه مالا ومربع الضلع مائة وتسعة وستون، وإذا نقص المال منه، بقي مربع العمود مائة وتسعة وستون إلا مالا، ويبقى من مسقط العمود إلى الطرف الآخر أربعة عشر إلا شيئا، ومربعها مائة وستة وتسعون ومال إلا ثمانية وعشرين شيئا، ويسقط (1) من مربع الأول، وهو مائتان وخمسة وعشرون، تبقى تسعة وعشرون وثمانية وعشرون شيئا إلا مالا، وهو مربع العمود، ويكون معادلا لمائة وتسعة وستين إلا مالا، فإذا قابلت، بقي مائة وأربعون تعدل ثمانية وعشرين شيئا، فالشئ خمسة، وهو ما بين طرف القاعدة التي تلي الأقصر ومسقط العمود، ومربعه خمسة وعشرون، وإذا (2) أسقطناه من مائة وتسعة وستين، بقي مائة وأربعة وأربعون، وهو مربع العمود. ومن الجانب الآخر يكون ما بين مسقط العمود وطرف القاعدة تسعة مربعه أحد وثمانون، وإذا أسقطناه من مائتين وخمسة وعشرين، تبقى مائة وأربعة وأربعون، وهو مربع العمود، والعمود يكون إثني عشر. ح - لو قال زيد لعمرو: بعتك داري بثمن [ ما معي و ] (3) ثلث ما معك تمام ثمن المبيع، فقال عمرو: قبلت (4) بثمن [ ما معي و ] (5) وربع ما معك

(1) في " ق، ك ": " وينقص " بدل " ويسقط ".
(2) في " ك ": فإذا. (3 و 5) ما بين المعقوفين من تصحيحنا.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية زيادة: وبعتك داري. وهي غلط.

[ 232 ]

تمامه، فطريق معرفة قدر الثمن وقدر ما مع كل منهما أن نفرض ما مع زيد شيئا وما مع عمرو ثلثه تصحيحا للثلث، فإذا أخذ زيد واحدا، صار معه شئ وواحد، وهو ثمن المبيع، وإذا أخذ عمرو ربع ما مع زيد، صار معه ثلثه وربع شئ، وهو ثمن المبيع، فشئ واحد يعدل ثلثه وربع شئ، فإذا قابلت، صار ثلاثة أرباع شئ يعدل اثنين، والشئ يعدل اثنين، وثلثي واحد، فالثمن ثلاثة وثلثا واحد، فإذا صححت الكسر، كان مع زيد ثمانية ومع عمرو تسعة وثمن المبيع أحد عشر. ط - لو باعه حوض ماء ركز فيه رمح ظهر حال انتصابه ستة أذرع ثم مال حتى غاب رأسه في الماء، وكان بين موضعه وقت الانتصاب وموضع رأسه عند المغيب عشرة أذرع من الجانبين، فطريق معرفة قدر عمقه أن نفرض القدر (1) الغائب من الرمح وقت الانتصاب شيئا، فيكون مربعه مع مربع العشرة مساويا لمربع الرمح بشكل العروس، ومربع الشئ مال، ومربع العشرة مائة، فمربع طول الرمح مال ومائة، فكان طول الرمح وقت الانتصاب شيئا وستة، ومربعه مال واثنا عشر شيئا وستة وثلاثون، لأن الخط إذا انقسم بقسمين، فإن مربعه مساو لمربع كل قسم ولضرب أحد القسمين في الآخر مرتين، فالمال ضرب الشئ في نفسه، وستة وثلاثون ضرب ستة في نفسها، واثنا عشر شيئا ضرب ستة في الشئ مرتين، وهو معادل المال ومائة، وبعد المقابلة تبقى أربعة وستون تعدل إثني عشر شيئا، ويكون الشئ خمسة وثلثا، وطول الرمح أحد عشر وثلث ذراع، فالفاضل عن ستة عمق الماء.

(1) في الطبعة الحجرية: قدر.

[ 233 ]

مسألة 114: يجوز ابتياع الجزء المشاع المعلوم النسبة من كل جملة يصح بيعها، سواء كان عقارا أو حيوانا أو نباتا أو ثمرة معلومة القدر أو طعاما معلوم القدر، للأصل، وانتفاء المانع وهو الجهالة. ولو باع جزءا شائعا من شئ بمثله من ذلك الشئ - كما لو كانت العين بينهما نصفين فباع أحدهما الآخر نصفه بنصف صاحبه - جاز عندنا، للأصل. ولأنه بيع صدر من أهله في محله فكان صحيحا. وللشافعية وجهان، هذا أحدهما. والثاني: لا يصح، لانتفاء فائدته (1). ونمنع انتفاء الفائدة، بل له فوائد: منها: ما لو ملكا أو أحدهما نصيبه بالهبة، انقطعت ولاية الرجوع بالتصرف. ومنها: لو ملكه بالشراء ثم اطلع بعد هذا التصرف على عيب، لم يملك الرد على بائعه. ومنها: لو ملكته صداقا وطلقها الزوج قبل الدخول، لم يكن له الرجوع فيه. وكذا يجوز ابتياع الجملة واستثناء الجزء الشائع، كربع الثمرة وقدر الزكاة. مسألة 115: قد بينا أن بيع الغائب لا يصح إلا مع تقدم الرؤية أو الوصف الرافع للجهالة، لما فيه من الغرر. وللشافعي في بيع الأعيان الغائبة والحاضرة التي لم تر مع عدم

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 42، المجموع 9: 256 - 257 و 287، روضة الطالبين 3: 28.

[ 234 ]

الوصف قولان: قال في القديم والإملاء والصرف [ من ] (1) الجديد: إنه صحيح - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لقوله (عليه السلام): " من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه " (2) ومعلوم أن الخيار إنما يثبت في العقود الصحيحة. ولأنه عقد معاوضة، فلم يكن [ من ] (3) شرطه رؤية المعقود عليه، كالنكاح. وقال في الأم والبويطي: لا يصح - وهو ما اخترناه، وبه قال المزني - لأنه غرر وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغرر (4). ولأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلم يصح بيعه، كما لو أسلم في شئ ولم يصفه (5). والجواب عن الحديث: أنا نقول بموجبه، فإن الخيار إنما يثبت فيما إذا لم يخرج على الوصف، إذ لا وجه له على تقدير الصحة مطلقا سواء وصف أو لا، لوجود الرضا من المتبايعين على التبادل في الثمن والمثمن

(1) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " في ". والمثبت أنسب بالعبارة.
(2) أورد نصه الرافعي في العزيز شرح الوجيز 4: 51، وبتفاوت يسير في سنن الدار قطني 3: 4 / 10 وسنن البيهقي 5: 268.
(3) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " في ". والمثبت أنسب بالعبارة.
(4) صحيح مسلم 3: 1153 / 1513، سنن أبي داود 3: 254 / 3376، سنن الترمذي 3: 532 / 1230، سنن الدار قطني 3: 15 / 46، سنن البيهقي 5: 266 وفيها: نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن بيع الغرر.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 282 - 284، العزيز شرح الوجيز 4: 51، المجموع 9: 290، روضة الطالبين 3: 35، بداية المجتهد 2: 155، المغني 4: 77، الشرح الكبير 4: 28.

[ 235 ]

مهما كانا، فيكون بمنزلة المرئي، ومعلوم أن المرئي لا خيار فيه، فلما أثبت الخيار علمنا اقترانه باشتراط وصف رافع للجهالة. والقياس عندنا باطل مع قيام الفرق والقلب بأن يقال: فلا يثبت فيه خيار الرؤية، كالنكاح. إذا تقرر هذا، فنقول: اختلف أصحابه في محل القولين على طريقين، أصحهما عند أكثرهم: أن القولين مطردان في المبيع الذي لم يره واحد منهما أو رآه أحدهما خاصة. والثاني: أن القولين فيما إذا شاهده البائع دون المشتري، وأما إذا لم يشاهده البائع، فإنه يبطل البيع قولا واحدا، لسهولة الاجتناب عن هذا الغرر على البائع، لأنه المالك والمتصرف في المبيع. ومنهم من عكس، لأن البائع معرض عن الملك والمشتري محصل له، فهو [ أجدر ] (1) بالاحتياط. وحينئذ يخرج لهم طريقة ثالثة، وهي القطع بالصحة إذا رآه المشتري (2). فروع: أ - لو آجر غير المرئي له (3)، فإن كان المباشر للعقد قد رآه، صحت الإجارة عندنا، وإن لم يكن قد رآه، لم تصح. وعند الشافعية القولان السابقان في بيع الغائب مع عدم الرؤية (4).

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: آخذ. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز وكما هو مستفاد من عبارة النووي في المجموع فإنه عبر ب‍ " أولى " بدل " أجدر ".
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 51، المجموع 9: 290، روضة الطالبين 3: 35.
(3) ورد في " ق، ك " والطبعة الحجرية: لو أجاز بيع غير المرئي له. وصححناها بما في المتن لأجل السياق وطبقا لما في المصادر الآتية في الهامش التالي.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 284، العزيز شرح الوجيز 4: 52، روضة الطالبين 3: 35، المجموع 9: 290.

[ 236 ]

ب - لو آجر شيئا بعين غائبة أو صالح عليها أو جعلها رأس مال السلم ثم سلم في مجلس عقد السلم، بطل عندنا ذلك كله، خلافا للشافعي، فإن فيه قولي (1) بيع الغائب عنده (2). ج - لو أصدقها عينا غائبة أو خالعها عليها أو عفا عن القصاص عليها، صح النكاح عنده وحصلت البينونة وسقط القصاص. وفي صحة المسمى القولان، فإن لم يصح، وجب مهر المثل على الرجل في النكاح وعلى المرأة في الخلع ووجبت الدية على المعفو عنه (3). وعندي في ذلك إشكال. د - الأقرب جواز هبة الغائب غير المرئي ولا الموصوف ورهنه، لأنهما ليسا من عقود المغابنات، بل الراهن والواهب مغبونان، والمتهب والمرتهن مرتفقان، ولا خيار لهما عند الرؤية، لانتفاء الحاجة إليه. ه‍ - لو رآه قبل الشراء ثم وجده كما رآه بعد الشراء، فلا خيار له، وهو قول الشافعي تفريعا على صحة البيع عنده (4). وإن وجده متغيرا، لم يبطل البيع من أصله - وهو أصح وجهي الشافعية (5) - لبقاء (6) العقد في الأصل على ظن غالب، لكن له الخيار.

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: قول. والصحيح ما أثبتناه.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 284، العزيز شرح الوجيز 4: 52، روضة الطالبين 3: 35، المجموع 9: 290.
(3) التهذيب - للبغوي - 3: 284 - 285، العزيز شرح الوجيز 4: 52، روضة الطالبين 3: 35، المجموع 9: 290 - 291.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 288 و 289، العزيز شرح الوجيز 4: 55، روضة الطالبين 3: 37، المجموع 9: 296.
(5) الوسيط 3: 40، العزيز شرح الوجيز 4: 55، التهذيب - للبغوي - 3: 288، روضة الطالبين 3: 37، المجموع 9: 296.
(6) كذا في " ق، ك " والطبعة الحجرية. والظاهر: لبناء.

[ 237 ]

وأضعف الوجهين: البطلان، لتبين انتفاء المعرفة (1). ولا نعني بالتغير هنا التعيب خاصة. و - استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم لا يقوم مقام الرؤية وكذا سماع وصفه بالتواتر، لأن الرؤية تطلع على أمور لا يمكن التعبير عنها، وهو أصح وجهي الشافعي (2). وفي الآخر: أنه يقوم الاستقصاء والسماع بالتواتر مقام الرؤية، لأن ثمرة الرؤية المعرفة وهما يفيدانها، فيصح البيع، ولا خيار (3). وهو ممنوع، لأن بعض الأوصاف لا يحصل علمه إلا بالرؤية. مسألة 116: الرؤية المشترطة في كل شئ على حسب ما يليق به، ففي شراء الدار لا بد من رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلا وخارجا ورؤية المستحم والبالوعة. وفي شراء البستان لابد من رؤية الأشجار واحدة واحدة والجدران ومسيل الماء، ولا يحتاج إلى رؤية أساس البنيان ولا عروق الأشجار. وفي اشتراط رؤية طريق الدار إشكال. ولا يجوز رؤية العورة في الأمة والعبد، ولابد من رؤية باقي بدن العبد، وهو أظهر وجهي الشافعي (4). وكذا في بدن الجارية، لاختلاف الصفات. وللشافعي وجوه: اعتبار رؤية ما يرى في العبد، ورؤية ما يبدو عند

(1) نفس المصادر في الهامش (1). (2 و 3) الوسيط 3: 38، العزيز شرح الوجيز 4: 55 - 56، روضة الطالبين 3: 37، المجموع 9: 291.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 285، العزيز شرح الوجيز 4: 58، روضة الطالبين 3: 39، المجموع 9: 291.

[ 238 ]

المهنة، والاكتفاء برؤية الوجه والكفين (1). ويشترط رؤية الشعر، وهو أصح وجهي الشافعي (2). والأقرب اشتراط رؤية الأسنان واللسان، وهو أحد وجهي الشافعي (3). ولابد في الدواب من رؤية مقدمها ومؤخرها وقوائمها وظهرها. ولا يشترط جري الفرس بين يديه - خلافا لبعض الشافعية (4) - للأصل. ولو كان الثوب رقيقا لا يختلف وجهاه، كفى رؤية أحدهما، وهو أصح وجهي الشافعية (5). ولابد من تقليب الأوراق في شراء الكتب ورؤية جميعها. ولا يصح بيع اللبن في الضرع على ما تقدم (6). ولو قال: بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه البقرة كذا رطلا، لم يجز، لعدم العلم بوجود القدر في الضرع، وهو أصح وجهي الشافعية. وفي الآخر: يجوز، كما لو باع قدرا من اللبن في الظرف، فيجئ

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 58، الوسيط 3: 40، روضة الطالبين 3: 39، المجموع 9: 291.
(2) الوسيط 3: 40، العزيز شرح الوجيز 4: 58، التهذيب - للبغوي - 3: 285، روضة الطالبين 3: 39، المجموع 9: 291.
(3) التهذيب - للبغوي - 3: 285، العزيز شرح الوجيز 4: 58، روضة الطالبين 3: 39، المجموع 9: 291.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 58، روضة الطالبين 3: 39، المجموع 9: 292.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 285، العزيز شرح الوجيز 4: 58، روضة الطالبين 3: 40، المجموع 9: 292.
(6) في ص 63، المسألة 36.

[ 239 ]

فيه حينئذ قولا بيع الغائب (1). ولو سكب شيئا من اللبن فأراه إياه ثم باعه مدا مما في الضرع، لم يجز. وفي رواية لنا: الجواز، وقد سلفت (2). وللشافعي القولان (3). ويحتمل عندي الجواز لو كان المبيع قدرا يسيرا يتيقن وجوده حالة الحلب. ولو قبض على قدر من الضرع وأحكم شده ثم باعه ما فيه، لم يصح عندنا. وللشافعي وجهان (4). فروع: أ - يجوز بيع الشاة المذبوحة قبل السلخ وبعده، سواء بيع اللحم وحده أو الجلد وحده أو بيعا معا، لكن بعد السلخ لا يجوز إلا بالوزن، أما قبله فالأقرب جوازه من دونه. ومنع الشافعي من بيعها قبل السلخ وبعده، سواء بيع اللحم وحده أو الجلد وحده أو بيعا معا، لأن المقصود اللحم، وهو مجهول (5).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 59، روضة الطالبين 3: 40، المجموع 9: 326.
(2) في ص 64.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 59، روضة الطالبين 3: 40، المجموع 9: 326. (4) الوسيط 3: 41، العزيز شرح الوجيز 4: 59، روضة الطالبين 3: 40، المجموع 9: 326.
(5) الوسيط 3: 42، العزيز شرح الوجيز 4: 60، المجموع 9: 298، روضة الطالبين 3: 41، وفيها عدم صحة بيعها قبل السلخ فقط.

[ 240 ]

ونحن نمنع ذلك كما قبل الذبح و (1) لو قصده حالة الشراء أو شرطه فيه. ب - يجوز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة وقبلها من المذبوح نيئة ومشوية، ولا اعتبار بما عليها من الجلد، فإنه مأكول، وبه قال بعض الشافعية (2). ج - لو رأى بعض الثوب وبعضه الآخر في صندوق أو جراب لم يره ولا وصف، لم يصح، وهو أحد قولي الشافعي، للجهالة، سواء قال ببطلان بيع الغائب أو لا. أما على البطلان: فظاهر. وأما على الصحة: فلأنه ناظر إلى بعضه فيسهل النظر إلى باقيه، بخلاف الغائب فقد (3) يعسر إحضاره وتدعو الحاجة إلى بيعه، فجاز هناك ولم يجز هنا. ولأن الرؤية فيما رآه سبب اللزوم، وعدمها فيما لم ير سبب الجواز، والعقد الواحد لا يتصور إثبات الجواز واللزوم فيه معا، ولا يمكن تبعيض المعقود عليه في الحكمين (4). وهذان [ الفرقان ] (5) باطلان، لأنهم جوزوا بيع ما في الكم مع سهولة

(1) كلمة " و " لم ترد في " ق ".
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 60، المجموع 9: 298 - 299، روضة الطالبين 3: 41، وفيها جواز بيع الأكارع والرؤوس بعد الإبانة فقط، مع وجه شاذ لصحة بيع الأكارع قبلها.
(3) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: قد. وما أثبتناه - كما هو الأنسب بالعبارة - من العزيز شرح الوجيز.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 61، المجموع 9: 296، روضة الطالبين 3: 42.
(5) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: القدران. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.

[ 241 ]

إخراجه (1). وسبب الرد في البعض يكفي في رد الكل، كما لو وجد البعض معيبا. د - لو كان شيئين (2) فرأى أحدهما دون الآخر، فإن وصف له وصفا يرفع الجهالة، صح البيع، وإلا بطل، عند علمائنا، للجهالة. أما الشافعي فإنه جوز بيع الغائب من غير وصف في قول، وأبطله في آخر، فعلى البطلان لا يصح البيع فيما لم يره، وفيما يراه قولا تفريق الصفقة. وعلى الصحة ففي صحة العقد فيهما قولان، أحدهما: البطلان، لأنه جمع في صفقة واحدة بين مختلفي الحكم، لأن ما رآه لا خيار فيه، وما لم يره يثبت فيه الخيار، فإن صححناه، فله رد ما لم يره وإمساك ما رآه (3). وعلى مذهبنا إذا خرج ما لم يره على غير الوصف، كان بالخيار في الفسخ والإمضاء. ه‍ - لو خرج الموصوف على خلاف الوصف، فللمشتري الخيار في طرف الرداءة، وللبائع في طرف الزيادة على ما تقدم. ومن جوز بيع الغائب من غير وصف - كالشافعي - أثبت له الخيار هنا عند الرؤية، سواء شرطه أولا، لأنه شرط شيئا ولم يحصل، فثبت الخيار (4). وقال بعض الشافعية: لو خرج على غير الوصف، لم يثبت الخيار إلا أن يشترطه (5). وهل له الخيار قبل الرؤية؟ مقتضى مذهبنا أنه ليس له ذلك، إذ ثبوت

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 61.
(2) أي: لو كان المبيع شيئين.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 61، روضة الطالبين 3: 42، المجموع 9: 296. (4 و 5) العزيز شرح الوجيز 4: 62، روضة الطالبين 3: 42، المجموع 9: 293.

[ 242 ]

الخيار منوط بخروجه على خلاف (1) الوصف. أما الشافعي فظاهر مذهبه - على قوله بمنع بيع الغائب - أن الإجازة لا تنفذ، لأن الإجازة رضا بالعقد والتزام له، وذلك يستدعي العلم بالمعقود عليه وهو جاهل بحاله. ولو كفى قوله: أجزت، مع الجهل، لأغنى قوله في الابتداء: اشتريت (2). وله وجه آخر بالنفوذ تخريجا من تصحيح الشرط إذا اشترى بشرط أنه لا خيار (3). وأما الفسخ فوجهان عنده بناء على نفوذ الإجازة، فإن قال بنفوذها، فالفسخ أولى، وإن منع من نفوذها، ففي الفسخ وجهان: عدم النفوذ، لأن الخيار في الخبر (4) منوط بالرؤية. وأصحهما عنده: النفوذ، لأن حق الفسخ ثابت له عند الرؤية مغبوطا كان أو مغبونا، فلا معنى لاشتراط الرؤية في نفوذه (5). و - لو كان البائع قد رآه، فإن زادت صفته وقت العقد، تخير في الفسخ والإمضاء. ولو لم تزد، فلا خيار. والشافعي أطلق وذكر وجهين: ثبوت الخيار كما للمشتري، لأنه كخيار المجلس يشتركان فيه. وأصحهما: لا، لأنه أحد المتبايعين، فلا يثبت له الخيار مع تقدم الرؤية كالمشتري (6). ولو كان البائع لم يره، فإن كان قد وصف له وصفا يرفع الجهالة

(1) في الطبعة الحجرية: " غير " بدل " خلاف ". (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 62، روضة الطالبين 3: 42، المجموع 9: 293.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: في الجزء. وذلك تصحيف.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 62 - 63.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 63، روضة الطالبين 3: 42، المجموع 9: 293.

[ 243 ]

ولم يزد، فلا خيار، وإن زاد فله الخيار. ولو لم يوصف له، بطل البيع. وقال الشافعي على تقدير جواز بيع الغائب: في ثبوت الخيار للبائع وجهان: المنع - وبه قال أبو حنيفة - لأن جانب البائع بعيد عن الخيار، بخلاف جانب المشتري. والثبوت، لأنه جاهل بالمعقود عليه فأشبه المشتري (1). ز - الأقرب ثبوت خيار المجلس مع خيار الرؤية، لتعدد السبب، فيتعدد المسبب، وكما في شراء الأعيان الحاضرة. وللشافعي قولان، هذا أحدهما. والثاني: لا يثبت، للاستغناء بخيار الرؤية عنه، فعلى الأول يكون خيار الرؤية على الفور، وإلا لثبت خيار مجلسين، وعلى الثاني يمتد بامتداد مجلس الرؤية (2). ح - لو اشترى موصوفا ثم تلف في يده قبل الرؤية، لم يبطل البيع إلا أن يثبت المشتري الخلاف ويختار الفسخ. وللشافعي قولان (3). ولو باعه قبل الرؤية بوصف البائع، صح عندنا - خلافا للشافعي (4) - كما لو باعه في زمن خيار الشرط، فإنه يجوز على أصح القولين عنده، لأنه يصير مجيزا للعقد (5). ط - لا يشترط الرؤية مع الوصف الرافع للجهالة - وهو أحد قولي

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 63، الهداية - للمرغيناني - 3: 33، الاختيار لتعليل المختار 2: 23.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 63، روضة الطالبين 3: 42 - 43، المجموع 9: 294.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 63 - 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 295.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 295.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 295 - 296.

[ 244 ]

الشافعي (1) - لانتفاء الغرر، فلا يشترط ذوق الطعم في المطعوم، ولا الشم في المشموم، ولا اللمس في الملموس. وعلى قول الشافعي باشتراط الرؤية يشترط في هذه الإدراك بهذه المشاعر، لأن كيفياتها المقصودة إنما تعرف بهذه الطرق (2). وله قول آخر على اشتراط الرؤية أيضا: عدم الاشتراط (3). ى - لو كان غائبا في غير بلد التبايع، سلمه في ذلك البلد. ولو شرط تسليمه في بلد التبايع، جاز عندنا، كالسلم. ومنع بعض الشافعية وإن جوزه في السلم، لأن السلم مضمون في الذمة، والعين الغائبة غير مضمونة في الذمة، فاشتراط نقلها يكون بيعا وشرطا (4). ونمنع بطلان اللازم على ما يأتي. يأ - لو رأى ثوبين ثم سرق أحدهما وجهل بعينه ثم اشترى الباقي، فإن تساويا صفة وقدرا وقيمة، احتمل صحة البيع، لكونه معينا مرئيا معلوما. والعدم، كبيع أحدهما. والأول أقرب. ولو اختلفا في شئ من ذلك، لم يصح عندنا قطعا، لأن الرؤية لم تفد شيئا، فإن المشتري لا يدري الباقي هل هو الطويل أو القصير؟ فلم يستفد من الرؤية حال المبيع عند العقد، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني: يجوز، لأنه لا يقصر عن بيع الغائب في العلم (5).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 55 - 56، روضة الطالبين 3: 37، المجموع 9: 291. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 295.
(4) الحاوي الكبير 5: 21 - 22، العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 293.
(5) الوسيط 3: 43، العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43، المجموع 9: 294.

[ 245 ]

يب - لو اختلفا فقال المشتري: ما رأيت المبيع. وقال البائع: بل رأيته، قدم قول البائع، عملا بصحة البيع. ولأن للمشتري أهلية الشراء وقد أقدم عليه، فكان ذلك اعترافا منه بصحة العقد. وهو أحد قولي الشافعي (1) بناء على القول باشتراط الرؤية. أما على القول بعدمه (2) فوجهان، هذا أحدهما، لأنه اختلاف في سبب الخيار، فأشبه ما لو اختلفا في قدم العيب. وأظهرهما عندهم: تقديم قول المشتري، كما لو اختلفا في اطلاعه على العيب (3). القسم الرابع: النهي عن بيع وشرط. أعلم أن عقد البيع قابل للشروط التي لا تنافيه، أما ما ينافيه فلا يقبلها. روى الجمهور أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع وشرط (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: " بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلا من أصحابه واليا، فقال له: إني بعثتك إلى أهل الله - يعني أهل مكة - فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن " (5).

(1) في " ق، ك ": الشافعية.
(2) أي: عدم اشتراط الرؤية. وفي " ق، ك " والطبعة الحجرية: بعدمها. والصحيح ما أثبتناه.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 64، روضة الطالبين 3: 43 - 44، المجموع 9: 294.
(4) معرفة علوم الحديث: 128، المهذب - للشيرازي - 1: 275، العزيز شرح الوجيز 4: 105، المغني 4: 308، الشرح الكبير 4: 56.
(5) التهذيب 7: 231 / 1006.

[ 246 ]

وهذان النصان ليسا على الإطلاق إجماعا، لما يأتي من جواز الشرط في العقد، وقبول عقد البيع للشرط. إذا تقرر هذا، فكل شرط يخالف الكتاب والسنة فإنه باطل إجماعا. وفي بطلان البيع ببطلانه بحث سيأتي، ومالا يخالف الكتاب والسنة فإنه جائز ما لم يتضمن ما ينافي العقد، فأقسام الشرط أربعة: أ - ما يوافق مقتضى العقد ويؤكده، مثل أن يشترط التسليم أو خيار المجلس أو التقابض أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يؤثر في العقد نفعا ولا ضرا. ب - شرط لا يقتضيه العقد لكن يتعلق به مصلحة المتعاقدين للعقد. وهو قد يتعلق بالثمن، كالأجل والرهن والضمان، أو بالمثمن، كاشتراط صفة مقصودة في السلعة، كالصناعة والكتابة، أو بهما معا، كالخيار. وهو جائز. فهذه الشروط لا تفسد العقد، وتصح في أنفسها عندنا وعند الشافعي (1). ج - ما لا يتعلق به مصلحة المتعاقدين لكنه مما بني على التغليب والسراية، كشرط العتق. وهو جائز أيضا. د - ما لم يبن على التغليب والسراية ولا يتعلق به مصلحة المتعاقدين ولا يقتضيه العقد، فهذا عندنا جائز إن لم يخالف المشروع ولم يناف مقتضى العقد، وذلك مثل أن يبيعه دارا ويشترط سكناها سنة، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق (2). وإن خالف المشروع، مثل أن يبيع جارية بشرط أن لا ينتفع بها

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 515، العزيز شرح الوجيز 4: 115، المهذب - للشيرازي - 1: 275، روضة الطالبين 3: 71، المجموع 9: 364.
(2) المغني 4: 308، الشرح الكبير 4: 56، المجموع 9: 378.

[ 247 ]

المشتري، فهذا باطل. والشافعي أبطل هذين القسمين معا (1)، وسيأتي. مسألة 117: قد بينا أن كل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه يكون باطلا، مثل أن يشتري جارية بشرط أن لا خسارة عليه، ومعناه أنه متى خسر فيها فضمانه على البائع. وكذا لو شرط عليه أن لا يبيعها على إشكال، أو لا يعتقها على إشكال، أو لا يطأها، فإن هذه الشروط باطلة، لمنافاتها مقتضى العقد، فإن مقتضاه ملك المشتري والنبي (صلى الله عليه وآله) قال: " الناس مسلطون على أموالهم " (2). وسأل عبد الملك بن عتبة [ الكاظم ] (3) (عليه السلام) عن الرجل ابتاع منه طعاما أو ابتاع متاعا على أن ليس علي منه وضيعة هل يستقيم هذا؟ وكيف يستقيم وحد ذلك (4)؟ قال: " لا ينبغي " (5). وإذا بطلت الشروط، بطل البيع - خلافا لبعض (6) علمائنا - لأن التراضي إنما وقع على هذا الشرط، فبدونه لا تراضي، فتدخل تحت قوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (7) وبه قال الشافعي والنخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأحمد

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 275، المجموع 9: 368 و 369 و 376 و 378.
(2) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 176 - 177، المسألة 290.
(3) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: الرضا. وما أثبتناه موافق لما في المصدر.
(4) في التهذيب: وكيف يستقيم وجه ذلك؟ (5) التهذيب 7: 59 / 253، الاستبصار 3: 84 / 284.
(6) الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 149.
(7) النساء: 29.

[ 248 ]

ابن حنبل (1). وقال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط جائز أيضا (2)، لأن جابرا قال: ابتاع مني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعيرا بمكة، فلما نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة (3). وقال ابن أبي ليلى: البيع صحيح والشرط باطل - وهو رواية أبي ثور عن قول للشافعي (4) - لأن عائشة اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمواليها، فأجاز النبي (صلى الله عليه وآله) البيع وأبطل الشرط (5) (6). والجواب عن الأول: أنا نقول بموجبه، وإنما يرد على الشافعي حيث أبطل مثل هذا الشرط على ما تقدم في التقسيم. وعن الثاني: جاز أن يكون شرط الولاء في العتق، فلا يبطل ببطلانه، بخلاف البيع.

(1) مختصر المزني: 87، الحاوي الكبير 5: 312، المهذب - للشيرازي - 1: 275، المجموع 9: 368 و 376، روضة الطالبين 3: 72، حلية العلماء 4: 129، الوسيط 3: 77، العزيز شرح الوجيز 4: 115 - 116 و 120، المحلى 8: 415، المغني 4: 309، الشرح الكبير 4: 61.
(2) معرفة علوم الحديث: 128، المحلى 8: 415، حلية العلماء 4: 131، المجموع 9: 376.
(3) صحيح البخاري 3: 248، صحيح مسلم 3: 1223 / 113، سنن البيهقي 5: 337 بتفاوت.
(4) حلية العلماء 4: 126، العزيز شرح الوجيز 4: 121، روضة الطالبين 3: 75، المجموع 9: 369.
(5) صحيح البخاري 3: 251، صحيح مسلم 2: 1141 / 1504، وراجع أيضا المصادر في الهامش (2) من ص 250.
(6) معرفة علوم الحديث: 128، المحلى 8: 415، الحاوي الكبير 5: 312، حلية العلماء 4: 131، المجموع 9: 376، المغني 4: 309، الشرح الكبير 4: 61.

[ 249 ]

وقسم بعض الشافعية الشرط إلى صحيح وفاسد، ففي الأول العقد صحيح قطعا، وفي الثاني إن لم يكن شيئا يفرد بعقد ولا يتعلق به غرض يورث تنازعا، لم يؤثر في البيع، كما لو عين الشهود وقلنا: لا يتعينون، لم يفسد به العقد، لأنا (1) إذا ألغينا تعيين (2) الشهود، أخرجناه عن أن يكون من مقاصد العقد. وإن تعلق به غرض، فسد العقد بفساده، للنهي عن بيع وشرط (3). ولأنه يوجب الجهل بالعوض. وإن كان مما يفرد بعقد، كالرهن والكفيل، ففي فساد البيع بشرطهما على نعت الفساد قولان: الفساد - وبه قال أبو حنيفة - كسائر الشروط (4) الفاسدة. والصحة - وبه قال المزني - لأنه يجوز إفراده عن البيع، فلا يوجب فساده فساد البيع، كالصداق لا يوجب فساده فساد النكاح (5). قال عبد الوارث بن سعيد: دخلت مكة فوجدت بها ثلاثة فقهاء كوفيين: أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فصرت إلى أبي حنيفة فسألته عمن باع بيعا وشرط شرطا، فقال: البيع والشرط فاسدان، فأتيت ابن أبي ليلى فسألته، فقال: البيع جائز والشرط باطل، فأتيت ابن شبرمة فسألته، فقال: البيع والشرط جائزان، فرجعت إلى أبي حنيفة فقلت: إن صاحبيك خالفاك، فقال: لست أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع وشرط. ثم أتيت ابن أبي ليلى، فقلت: إن صاحبيك خالفاك، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: ولأنا. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: تعين. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(3) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 245، الهامش (4).
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " العقود " بدل " الشروط ". وما أثبتناه من المصدر.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 120 - 121، روضة الطالبين 3: 75 - 76.

[ 250 ]

عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما اشتريت بريرة جاريتي شرطت علي مواليها أن أجعل ولاءها لهم إذا أعتقتها، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " الولاء لمن أعتق " فأجاز البيع وأفسد الشرط، فأتيت ابن شبرمة فقلت: إن صاحبيك خالفاك، فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر عن محارب عن جابر قال: ابتاع النبي (صلى الله عليه وآله) [ مني ] (1) بعيرا بمكة، فلما نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة، فأجاز النبي (صلى الله عليه وآله) الشرط والبيع (2). مسألة 118: ومن الشروط الجائزة عندنا أن يبيعه شيئا ويشترط في متن العقد أن يشتري منه شيئا أو يبيعه شيئا آخر أو يقرضه شيئا أو يستقرض منه، لقوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): " المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز " (4). وقال (عليه السلام): " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل فلا يجوز له ولا يجوز على الذي اشترطه عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عز وجل " (5). وهذه الشروط كلها سائغة لا تخالف كتاب الله تعالى، فوجب جوازها ولزومها وصحة العقد معها. وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، لأنه جعل الثمن والرفق بالعقد الثاني

(1) أضفناها من كتاب الخلاف للشيخ الطوسي، وكما ورد سابقا في ص 248.
(2) الخلاف 3: 29 - 30، المسألة 40، معرفة علوم الحديث: 128، المبسوط - للسرخسي - 13 - 13 - 14، المحلى 8: 415 - 416.
(3) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.
(4) الفقيه 3: 127 / 553، التهذيب 7: 22 / 93.
(5) الكافي 5: 169 / 1، التهذيب 7: 22 / 94، وفيهما: "... فيما وافق... ".

[ 251 ]

ثمنا، واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل (1) بعض الثمن، وليس له قيمة يتعلق به حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي (2). والجواب: المنع من جعل الرفق بالعقد الثاني جزءا من الثمن. ولا نسلم بطلان اشتراط العقد الثاني، فإنه المتنازع. ثم ينتقض بشرط العتق وما حكم بجوازه من الشروط. فروع: أ - لو تبايعا بشرط أن يبيعه شيئا آخر، فقد قلنا: إنه يصح عندنا، خلافا للشافعي (3). وينصرف الثاني إلى البيع الصحيح، فإذا باعه الثاني صحيحا، صح، ووفى بالشرط. وإن باعه باطلا، لم يعتد به، ووجب عليه استئناف عقد صحيح، عملا بمقتضى الشرط وتحصيلا له. ب - لو باعه شيئا بشرط أن يبيعه إياه، لم يصح، سواء (4) اتحد الثمن قدرا ووصفا وعينا أو لا، وإلا جاء الدور، لأن بيعه له يتوقف على ملكيته له، المتوقفة على بيعه، فيدور. أما لو شرط أن يبيعه على غيره، فإنه يصح عندنا حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنة. لا يقال: ما ألزمتموه من الدور آت هنا. لأنا نقول: الفرق ظاهر، لجواز أن يكون جاريا على حد التوكيل أو

(1) في الطبعة الحجرية: فيبطل. (2 و 3) الوجيز 1: 138، العزيز شرح الوجيز 4: 105، روضة الطالبين 3: 66 و 72، المجموع 9: 368 و 373، المغني 4: 314.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: وسواء. والصحيح ما أثبتناه.

[ 252 ]

عقد الفضولي، بخلاف ما لو شرط البيع على البائع. ج - لو باعه شيئا بشرط أن يبيعه آخر (1) أو يقرضه بعد شهر أو في الحال، لزمه الوفاء بالشرط، فإن أخل به، لم يبطل البيع، لكن يتخير [ البائع ] (2) بين فسخه للبيع وبين إلزامه بما شرطه، فإن فسخ البيع، فالنماء المتجدد بين العقد والفسخ للمشتري، أما المتصل فللبائع، لأنه تابع للعين. د - لو باعه شيئا بشرط أن يقرضه أو يبيعه أو يؤجره، صح عندنا على ما قلناه، خلافا للشافعي، فعلى قوله لو تبايعا البيع الثاني، فإن كانا يعلمان بطلان الأول، صح، وإلا فلا، لإتيانهما به على حكم الشرط الفاسد (3). وقال بعض أصحابه: يصح أيضا (4). وهذا التفريع لا يتأتى على قولنا إلا فيما لو كان البيع الأول فاسدا، كما لو قال: بعتك هذا بما شئت بشرط أن تبيعني كذا بكذا، فحينئذ نقول: إن كانا يعلمان بطلان الأول وتبايعا الثاني صحيحا، كان لازما، لأنه كابتداء العقد، إذ لا عبرة بالشرط الفاسد مع علم فساده. وإن لم يعلما بطلانه، صح أيضا إن أثبت لهما الخيار إن قصدا معا بالذات البيع الأول، وإلا اختص بالخيار من قصده بالذات دون من قصده بالعرض. ه‍ - لو باعه شيئا بشرط أن يبيعه على زيد بكذا، فباعه بأزيد، فإن قصد إرفاق زيد أو غرضا معتبرا عند العقلاء، تخير بين الفسخ والإمضاء،

(1) أي: شيئا آخر.
(2) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: المشتري. وما أثبتناه يقتضيه السياق. (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 105، روضة الطالبين 3: 66، المجموع 9: 373.

[ 253 ]

لمخالفة الشرط، فإن فسخ، رجع بالعين، وليس لزيد خيار. وإن لم يقصد، فلا خيار. ولو باعه بأقل، تخير، إلا مع تعلق الغرض. ولو أطلق الثمن، باع بما شاء ولا خيار. ولو باعه على عمرو، تخير، سواء باعه بثمن عينه أو بأزيد أو بأنقص أو بأقل من ثمن المثل أو أطلق. ولو عين الثمن وأطلق المشتري فباع بأقل أو أزيد، تخير مع تعلق الغرض، وإلا فلا. و - لو شرط أن يبيعه على زيد فامتنع زيد من شرائه، احتمل ثبوت الخيار بين الفسخ والإمضاء. والعدم، إذ تقديره: بعه على زيد إن اشتراه. مسألة 119: من الشروط الفاسدة شرط مالا يدخل تحت قدرة البائع عليه، فلو اشترى الزرع بشرط أن يجعله سنبلا، أو البسر بشرط أن يجعله تمرا، بطل ويبطل البيع على ما اخترناه، خلافا لبعض (1) علمائنا. نعم، يجوز اشتراط تبقيته في الأرض أو على رؤوس النخل إلى أوان ذلك. وكذا يصح اشتراط ما يدخل تحت قدرة البائع من منافعه، مثل أن يشتري ثوبا ويشترط خياطته عليه، أو غزلا ويشترط نساجته، أو فضة ويشترط عليه صياغتها، أو طعاما ويشترط عليه طحنه (2) أو خبزه، أو قزا ويشترط سله (3)، وكذا كل منفعة مقصودة، عملا بالعمومات السالمة عن

(1) لم نتحققه.
(2) في الطبعة الحجرية: طبخه.
(3) السل: انتزاع الشئ وإخراجه في رفق. لسان العرب 11: 338 " سلل ".

[ 254 ]

معارضة مخالفة فعل هذه الشروط للكتاب والسنة. وكذا لو اشترى زرعا وشرط على بائعه أن يحصده، أو اشترى ثوبا وشرط صبغه، أو لبنا وشرط عليه طبخه، أو نعلا على أن ينعل به دابته، أو عبدا رضيعا على أن يتم إرضاعه، أو متاعا على أن يحمله إلى بيته والبائع يعرف البيت، فهذا كله سائغ لازم عندنا، لما تقدم. وللشافعية أقوال: أحدها: أنه يفسد قطعا، لأنه شراء للعين واستئجار للبائع على العمل، فقد شرط العمل في العين كالزرع قبل أن يملكه، فأشبه ما لو استأجره لخياطة ثوب لم يملكه. ولأن الحصاد - مثلا - يجب على المشتري، فإذا شرطه على البائع، فقد شرط مالا يقتضيه العقد. ولأنه شرط تأخير التسليم، لأن معنى ذلك أن يسلمه إليه مقطوعا. والثاني: أن الاستئجار يبطل، وفي البيع قولا تفريق الصفقة. والثالث: أنهما باطلان، أما شرط العمل: فلما تقدم. وأما البيع: فلأن الشرط إذا فسد فسد البيع (1). والجواب: لا نسلم أنه استئجار وإن أفاد فائدته، بل هو شرط لزم البائع بعقد البيع، ثم إنه يبطل بشرط الرهن مع الثمن في المبيع. والثاني باطل، لأن هذا يصح إفراده بالعقد، فخالف سائر الشروط. وكذا الثالث إنه ليس بتأخير، لأنه يمكن تسليمه خاليا عن العمل ويسلم الزرع قائما. ولأن الشرط من التسليم، فلم يكن ذلك تأخيرا للتسليم.

(1) الحاوي الكبير 5: 32، التهذيب - للبغوي - 3: 520، العزيز شرح الوجيز 4: 105 - 106، روضة الطالبين 3: 66، المجموع 9: 373 - 374.

[ 255 ]

فروع: أ - يشترط في العمل المشروط في العقد على البائع أن يكون محللا، فلو اشترى العنب على شرط أن يعصره البائع خمرا، لم يصح الشرط والبيع على إشكال ينشأ من جواز إسقاط المشتري الشرط عن البائع والرضا به خاليا عنه، وهو المانع من صحة البيع، ومن اقتران البيع بالمبطل. وبالجملة، فهل يثمر اقتران مثل هذا الشرط بطلان البيع من أصله بحيث لو رضي صاحبه بإسقاطه لا يرجع البيع صحيحا، أو إيقاف البيع إن لم يرض بدونه بطل، وإلا صح؟ نظر. ب - لو اشترط شرطا مجهولا، كما لو باعه بشرط أن يعمل فيه ما يأمره به بعد العقد، أو يصبغ له ثوبا ويطلقهما أو أحدهما، فالوجهان. ج - لا فرق في الحكم بين اقتران البيع والعمل في الثمن وتعدده بأن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة و [ استأجرني ] (1) على خياطته بدرهم، أو يقول: بعتك هذا الثوب وآجرتك نفسي على خياطته بعشرة، فيقول: قبلت. وللشافعية الأقوال (2) السابقة. د - لو اشترى حطبا على ظهر بهيمة مطلقا، صح، ويسلمه إليه في موضعه.

(1) بدل ما بين المعقوفين في " ق، ك " والطبعة الحجرية: استأجرتك. والصحيح ما أثبتناه.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 106، روضة الطالبين 3: 66، المجموع 9: 373 و 374.

[ 256 ]

وللشافعية قولان، هذا أحدهما. والثاني: لا يصح البيع حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه، لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره (1). والمعتمد: الأول، فعلى هذا لو شرط حمله إلى داره، صح عندنا وعندهم بمقتضى الثاني. ه‍ - لو شرط على البائع عملا سائغا، تخير المشتري بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته وكان مما يتقوم، كما لو شرط تسليم الثوب مصبوغا فأتاه به غير مصبوغ وتلف في يد المشتري. ولو لم يكن مما يتقوم، تخير بين الفسخ والإمضاء مجانا. و - لو كان الشرط على المشتري، مثل أن باعه داره بشرط أن يصبغ المشتري له ثوبه، فتلف الثوب، تخير البائع بين الفسخ والإمضاء بقيمة الفائت إن كان مما له قيمة، وإلا مجانا. مسألة 120: لو اشترى بشرط تأجيل الثمن عليه إلى مدة معينة، صح، وهو بيع النسيئة، عند علمائنا - وهو قول الشافعي (2) أيضا وإن منع من شرط غير الأجل (3) - لورود النص فيه. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من ساوم بثمنين أحدهما عاجلا والآخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة " (4). إذا ثبت هذا، فشرط الأجل المشروط في البيع أن يكون مضبوطا محروسا من الزيادة والنقصان، فلو شرط قدوم الحاج أو نزول المطر أو

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 106، روضة الطالبين 3: 67، المجموع 9: 374.
(2) الوجيز 1: 138، العزيز شرح الوجيز 4: 106، روضة الطالبين 3: 67، المجموع 9: 339.
(3) الوجيز 1: 138، العزيز شرح الوجيز 4: 105، روضة الطالبين 3: 66.
(4) الكافي 5: 206 (باب الشرطين في البيع) الحديث 1، التهذيب 7: 47 / 201.

[ 257 ]

إقباض المبيع، بطل العقد والشرط، لاشتماله على الغرر وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عنه (1). ولو شرط تأجيل الثمن إلى ألف سنة مثلا، فالأقوى الجواز، عملا بالعموم الدال على تسويغ مثله. والقطع بالموت قبله باطل، لمنعه أولا، ولمنع صلاحيته للتأثير - كشك حياته - في المدة القليلة، فكما لا يمنع الشك كذا اليقين. وقال بعض الشافعية: لو أجل الثمن إلى ألف سنة، بطل العقد، للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة (2). ولو سلم، لم يقتض المنع، لجواز انتقاله عنه إلى وارثه. فروع: أ - إذا أجل الثمن إلى مدة معلومة، سقط الأجل بموت من عليه على ما يأتي. وهل يثبت للورثة الخيار؟ إشكال ينشأ من زيادة الثمن في مقابلة الأجل ولم يسلم لهم الارتفاق به، ومن لزوم البيع وانعقاده وانتقال السلعة إلى المشتري، فلا يبطل بالتعجيل المستند إلى حكم الشرع مطلقا. ب - لو آجر ثوبا ألف سنة، لم يصح، لا باعتبار زيادة الأجل، بل للعلم بفساد العين وعدم الانتفاع به طول المدة. ج - لا فرق بين أن يشترط الأجل في الثمن المعين المشخص أو

(1) صحيح مسلم 3: 1153 / 1513، سنن ابن ماجة 2: 739 / 2194 و 2195، سنن أبي داود 3: 254 / 3376، سنن الترمذي 3: 532 / 1230، سنن البيهقي 5: 266، مسند أحمد 2: 312 / 6271، و 3: 71 / 8667، و 284 / 10062.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 107، روضة الطالبين 3: 67، المجموع 9: 339.

[ 258 ]

الثابت في الذمة، فلو شرط ثمنا معينا، كهذه الدنانير، وتأديتها في أجل معلوم، صح. وكذا لو شرط تسليم المبيع المعين في مدة معينة كأن يشتري منه هذا الثوب بعشرة بشرط أن يسلم الثوب بعد شهر، صح عند علمائنا أجمع، خلافا للشافعي فيهما، فإنه قال: يفسد لو كان الأجل في المبيع أو الثمن المعين، لأن الأجل رفق أثبت ليحصل الحق في الذمة والمعين حاصل (1). وليس بجيد. د - لو حل الأجل فأجل البائع المشتري مدة أو زاد في الأجل قبل حلول الأجل المضروب أولا، فهو وعد غير لازم، لعدم وجود المقتضي له، إذ الوعد غير موجب، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يلزم (3). ويبطل على قوله ببدل الإتلاف، فإنه لا يتأجل وإن أجله (4). وقال مالك: يتأجل (5). ه‍ - لو أوصى من له دين حال على إنسان بإمهاله مدة، فعلى ورثته إمهاله تلك المدة، للزوم التبرعات بعد الموت، والوصية هنا لم تتناول العين، فلا تخرج من الثلث على إشكال. و - لو كان عليه دين مؤجل فأسقط المديون الأجل، لم يسقط، وليس للمستحق مطالبته في الحال، لأن الأجل صفة تابعة والصفة لا تفرد بالإسقاط، ولهذا لو أسقط مستحق الحنطة الجيدة أو الدنانير الصحاح الجودة أو الصحة، لم تسقط.

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 107، روضة الطالبين 3: 67، المجموع 9: 339. (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 107، المجموع 9: 339.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 107.

[ 259 ]

وللشافعي وجهان (1). مسألة 121: يصح اشتراط الخيار على ما يأتي، وشرط وثيقة بالرهن والكفيل والشهادة، وبه قال الشافعي (2) أيضا، فيصح البيع بشرط أن يرهن المشتري بالثمن أو يتكفل به كفيل أو يشهد عليه، سواء كان الثمن حالا أو مؤجلا. وكذا يجوز أن يشترط المشتري على البائع كفيلا بالعهدة، عملا بعموم قوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (3) السالم عن معارضة مخالفته للكتاب والسنة، بل هي موافقة لهما، لقوله تعالى: * (فرهان مقبوضة) * (4) * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * (5). وهل يجوز أن يشترط المشتري على البائع رهنا على عهدة الثمن المقبوض لو خرج المبيع مستحقا؟ الأقرب ذلك. ولا بد من تعيين الرهن بالمشاهدة أو الوصف، كما يوصف المسلم فيه - وبه قال الشافعي (6) - دفعا للغرر، وحسما لمادة التنازع. وقال مالك: لا يشترط التعيين، بل ينزل المطلق على ما يصلح أن يكون رهنا لمثل ذلك في العادة (7). وقال أبو حنيفة: لو قال: رهنتك أحد هذين العبدين، جاز، كالبيع (8). وقد تقدم بطلانه.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 107، روضة الطالبين 3: 67، المجموع 9: 339 - 340.
(2) الوسيط 3: 74، الوجيز 1: 138، العزيز شرح الوجيز 4: 107، روضة الطالبين 3: 68.
(3) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.
(4) البقرة: 283.
(5) البقرة: 282.
(6) العزيز شرح الوجيز 4: 108، روضة الطالبين 3: 68، المجموع 9: 375. (7 و 8) العزيز شرح الوجيز 4: 110.

[ 260 ]

ولا يشترط أن يكون مشخصا، فلو شرط ارتهان عبد حبشي موصوف بصفات السلم، جاز وإن لم يكن له عبد في الحال. ويشترط في الكفيل التعيين إما بالمشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب. وهل يكفي الوصف مثل أن يقول: رجل موسر ثقة؟ الأقرب ذلك، فإن الاكتفاء بالصفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله، خلافا للشافعي حيث شرط تعيين شخصه (1)، وبعض الشافعية حيث لم يشترط التعيين مطلقا، بل إذا أطلق أقام من شاء (2). فروع: أ - الأقرب أنه لا يشترط تعيين الشهود لو شرط الإشهاد، لأن المطلوب في الشهود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة، بخلاف الرهن والكفيل، لتفاوت الأغراض فيهما. وقال بعض الشافعية: يشترط أيضا كالرهن والكفيل، وتفاوت الأغراض هنا متحقق، فإن بعض العدول أوجه، وقوله أسرع قبولا، وعدالته أشهر وأوضح، فتتفاوت الأغراض في أعيانهم (3). وليس بجيد، إذ لا اعتبار بهذه الجزئيات، لعدم انضباطها. ب - لو عين الشهود في الشرط، تعينوا، عملا بالشرط، إذ لا منافاة فيه للكتاب والسنة. وللشافعي قولان (4).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 108، روضة الطالبين 3: 68، المجموع 9: 375. (2) العزيز شرح الوجيز 4: 110، روضة الطالبين 3: 68، المجموع 9: 375.
(3) الوسيط 3: 75، العزيز شرح الوجيز 4: 108، روضة الطالبين 3: 68، المجموع 9: 375.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 108، روضة الطالبين 3: 68.

[ 261 ]

ج - لا يشترط في الرهن التعرض لكون المرهون عند المرتهن أو غيره، عملا بأصالة عدم الاشتراط. وللشافعية وجهان (1). فإن اتفقا مع الإطلاق على وضعه عند المرتهن أو غيره، فذاك. وإن تنازعا، احتمل انتزاع الحاكم له ووضعه عند ثقة تحقيقا للاستيثاق. وجعله في يد الراهن، إذ لو لم يرض به المرتهن، لشرط نزعه عنه مع أصالة استمرار الحال. ولو شرطا في عقد الرهن وضعه عند المرتهن أو غيره، لزم، فإن امتنع الغير، وضعه الحاكم مع التنازع عند الثقة. مسألة 122: الأقرب جواز اشتراط رهن المبيع نفسه على ثمنه. ومنع أكثر الشافعية منه، لأن الثمن إن كان مؤجلا، لم يجز حبس المبيع لاستيفائه، أو حالا، فله حبسه لاستيفائه، فلا معنى للحبس بحكم الرهن. ولأن قضية الرهن كون المال أمانة وأن يسلم الدين أولا، وقضية البيع بخلافه، فيلزم تناقض الأحكام. ولأن فيه استثناء منفعة، فلا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه. ولأن المشتري لا يملك رهن المبيع إلا بعد صحة البيع، فلا تتوقف عليه صحة البيع، وإلا دار (2). والجواب: أن المؤجل لا يجوز حبس المبيع عليه إذا لم يجر رهن أو إذا جرى؟ [ الأول مسلم، والثاني ممنوع ] (3) لكن التقدير جريان الرهن فيه،

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 108، روضة الطالبين 3: 68، المجموع 9: 376.
(2) الوسيط 3: 75 - 76، العزيز شرح الوجيز 4: 108 - 109، روضة الطالبين 3: 68.
(3) ما أثبتناه بين المعقوفين اشير إليه في " ق، ك " برمز " م ع " وفي الطبعة الحجرية برمز " مم ". والمثبت توضيح لما في " ق، ك ".

[ 262 ]

فهو موضع النزاع. والحال قد يتقوى أحد الجنسين بالآخر فيه. ولا امتناع في بقاء المال مضمونا بحكم البيع استيفاء لما كان. ويسلم الدين أولا، لإقدامه على الرهن. واستناء بعض المنافع جائز، لما تقدم. والدور ممنوع، لأنا نسلم أنه لا تتوقف صحة البيع على الرهن، لكن لا كلام فيه، بل في أنه هل يمنع صحة البيع؟ وقال بعض الشافعية: إن قلنا بوجوب بداءة البائع بالتسليم أو أنهما يجبران معا، أو لا إجبار ما لم يبتدئ أحدهما، بطل البيع، لأنه شرط يبطل مقتضى البيع، لتضمنه حبس المبيع إلى استيفاء الثمن، فإن قلنا: البداءة بالمشتري، فوجهان: صحة الشرط، لموافقته مقتضى العقد. والعدم، فيفسد البيع، لتناقض الأحكام (1). والجواب: أن مقتضى البيع عند الإطلاق وجوب بداءة تسليم البائع، أما عند الشرط فلا. والحاصل: أن الشرط يقتضي شيئا لا يقتضيه العقد، فإن اقتضى ما ينافيه، بطل، وإلا فلا. ونحن نمنع اقتضاء إطلاق العقد ما ينافي هذا الشرط، بل إطلاقه صالح لاقتران قيد الشرط به وعدمه. فروع: أ - لو شرط أن يرهنه المبيع بالثمن بعد القبض ويرده إليه، صح البيع والشرط عندنا، خلافا للشافعي (2). لنا: أنه شرط سائغ لا ينافي مقتضى العقد ولا يخالف الكتاب

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 109، روضة الطالبين 3: 68.

[ 263 ]

والسنة، فيكون لازما. ب - لو رهنه بالثمن من غير شرط، صح عندنا مطلقا وعند الشافعي إن كان بعد القبض. وإن كان قبله، فلا إن كان الثمن حالا، لأن الحبس ثابت له. وإن كان مؤجلا، فهو كما لو رهن المبيع قبل القبض بدين آخر (1). ج - لو شرط رهن غير المبيع على الثمن أو شرط رهن المبيع على غيره، صح عندنا، وقد تقدم. مسألة 123: لو لم يرهن المشتري ما شرطه أو لم يتكفل الذي عينه، فلا خيار له، بل للبائع الخيار. ولا يقوم رهن ولا كفيل آخر مقام المعين، لتفاوت الأغراض في خصوصيات الأعيان هنا، فإن فسخ البائع، فلا بحث، وإن أجاز، فلا خيار للمشتري، لأنه إسقاط حق عنه، فإذا لم يثبت له الخيار مع ثبوته فمع إسقاطه أولى. ولو عين شاهدين فامتنعا من تحمل الشهادة، فإن قلنا: لا بد من تعيين الشاهدين، فللبائع الخيار، وإن أسقطنا التعيين، فلا. ولو شرط المشتري على البائع إقامة كفيل على العهدة فلم يوجد أو امتنع المعين، ثبت للمشتري الخيار. ولو أسقطه المشتري، فلا خيار له. فروع: أ - لو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض أو تعيب أو وجد به عيبا قديما، فله الخيار في البيع، وإن تعيب بعد القبض، فلا خيار. ب - لو اختلفا في تعيب الرهن، فادعى الراهن حدوثه بعد القبض

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 109، روضة الطالبين 3: 69.

[ 264 ]

والمشتري سبقه، قدم قول الراهن استدامة للبيع. ج - لو هلك الرهن بعد القبض أو تعيب ثم اطلع على عيب قديم به، فلا أرش له، لأصالة البراءة. وهل له فسخ البيع؟ الأقرب: العدم، لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رد الرهن كما أخذه. ويحتمل الثبوت، لأنه لم يسلم إليه ما شرطه عليه ووجب له، والرد إنما يجب مع بقاء العين، إذ مع تلفها لا يمكن. ثم إن كان التلف بغير تفريط، لم يثبت وجوب الرد، وإن كان بتفريط، قام رد العوض مقام رده. مسألة 124: من الشروط الجائزة شرط العتق، فلو اشترى عبدا أو أمة بشرط أن يعتقها المشتري، صح البيع ولزم الشرط، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو أصح قولي الشافعي (1) أيضا - لعموم قوله تعالى: * (وأحل الله البيع) * (2). وما روي من أن عائشة اشترت بريرة وشرط عليها مواليها أن تعتقها ويكون ولاؤها لهم، فأنكر النبي (صلى الله عليه وآله) شرط الولاء دون العتق، وقال: " شرط الله أوثق، وقضاء الله أحق، والولاء لمن أعتق " (3).

(1) بداية المجتهد 2: 161، المغني 4: 309، الشرح الكبير 4: 62، المهذب - للشيرازي - 1: 275، المجموع 9: 364 و 366، روضة الطالبين 3: 69، حلية العلماء 4: 162، التهذيب - للبغوي - 3: 516، الوسيط 3: 78 - 79، العزيز شرح الوجيز 4: 110، مختصر اختلاف العلماء 3: 131 / 1209.
(2) البقرة: 275.
(3) صحيح البخاري 3: 93 و 198 - 199، صحيح مسلم 2: 1141 - 1142 / 6، و 1143 / 8، سنن البيهقي 1: 338، شرح معاني الآثار 4: 44 وفيها نحوه. وفي العزيز شرح الوجيز 4: 110 مثله.

[ 265 ]

وروى أبو ثور عن الشافعي أنه لو باع عبدا بشرط العتق، صح البيع، وبطل الشرط (1). والمشهور عن أبي حنيفة وأصحابه: أن البيع فاسد، لأنه شرط على المشتري إزالة ملكه عنه، فكان فاسدا، كما لو شرط عليه أن يبيعه (2). والحكم في الأصل ممنوع عندنا، وإنما هو لازم للشافعي. ثم قال أبو حنيفة: إنه مضمون بالثمن المسمى في العقد (3). وقال أبو يوسف ومحمد: يضمنه بالقيمة (4). وأجاب (5) الشافعي عن قياسه: بأن العتق يخالف البيع، فإنه يقصد بالعوض في الكتابة، وإذا قال: أعتق عبدك وعلي كذا، صح. ولأنه يضمن فيما ذكروه بالقيمة وهنا بالثمن عند أبي حنيفة، فافترقا. وروي عن أبي حنيفة أن البيع جائز (6)، كما قلناه نحن.

(1) حلية العلماء 4: 126، العزيز شرح الوجيز 4: 110، مختصر اختلاف العلماء 3: 132 / 1029.
(2) الهداية - للمرغيناني - 3: 48، مختصر اختلاف العلماء 3: 130 / 1029، حلية العلماء 4: 127، التهذيب - للبغوي - 3: 516، الوسيط 3: 79، العزيز شرح الوجيز 4: 110، المجموع 9: 366، المغني 4: 309، الشرح الكبير 4: 62.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 48، مختصر اختلاف العلماء 3: 130 / 1209، حلية العلماء 4: 127، المجموع 9: 366 - 367.
(4) الهداية - للمرغيناني - 3: 48، مختصر اختلاف العلماء 3: 130 / 1209، حلية العلماء 4: 127، المجموع 9: 367.
(5) لم نعثر على الجواب فيما بين أيدينا من المصادر.
(6) حلية العلماء 4: 127.

[ 266 ]

فروع: أ - يجوز اشتراط العتق مطلقا وبشرط أن يعتقه عن المشتري نفسه، وبه قال الشافعي على أصح القولين من جواز شرط العتق (1). أما لو شرط العتق عن البائع، فإنه يجوز عندنا - خلافا له (2) - لأنه شرط لا ينافي الكتاب والسنة. ب - الأقوى عندي: أن العتق المشروط اجتمع فيه حقوق: حق لله تعالى، وحق للبائع، وحق آخر للعبد أيضا. وللشافعي وجهان: أنه حق الله تعالى، كالملتزم بالنذر. وأنه حق البائع، لأن اشتراطه يدل على تعلق غرضه به (3). والظاهر أنه بواسطة هذا الشرط تسامح في الثمن. فإن قلنا: إنه حق البائع، فله المطالبة به قطعا. وإن قلنا: إنه حق الله تعالى، فكذلك عندنا - وهو أصح وجهي الشافعية (4) - لأنه ثبت بشرطه، وله غرض في تحصيله. وله آخر: أنه ليس للبائع المطالبة به، إذ لا ولاية له في حقوق الله تعالى (5). وعلى ما اخترناه نحن للعبد المطالبة بالعتق على إشكال ينشأ من ثبوت حق له للانتفاع به، فكان له المطالبة به. ومن أنه منوط باختيار

(1 و 2) التهذيب - للبغوي - 3: 516، العزيز شرح الوجيز 4: 111، روضة الطالبين 3: 69، المجموع 9: 364.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 111، روضة الطالبين 3: 69 - 70، المجموع 9: 364. (4 و 5) العزيز شرح الوجيز 4: 111، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 365.

[ 267 ]

المشتري، إذ له الامتناع، فيتخير البائع حينئذ بين الفسخ والإمضاء، لكن الأول أقرب. ج - الولاء عند علمائنا إنما يثبت مع العتق المتبرع به لا مع العتق الواجب بنذر وكفارة وشبهه على ما يأتي. أما العتق المشترط في البيع فيحتمل إلحاقه بالواجب، لوجوبه عليه بعقد البيع، وإجباره على فعله. وبالمتبرع به، إذ له الإخلال بالشروط المشترطة في البيع من عتق وغيره، ويثبت الخيار للبائع، فكأن العتق في الحقيقة هنا مستند إلى اختياره، فيكون متبرعا به. فعلى الأول لا ولاء هنا، أما للبائع: فلانتقال الملك عنه، وصدور العتق من غيره، ولا يصح شرط الولاء. وأما للمشتري: فلوجوب العتق عليه. وأما على الثاني فيثبت الولاء للمشتري. د - إذا أعتقه المشتري، فقد وفى بما وجب عليه والتزم به، والولاء له إن أثبتناه وإن قلنا: إن العتق حق البائع، لأنه صدر عن ملك المشتري. وإن امتنع، أجبر عليه إن قلنا: إنه حق لله تعالى. وإن قلنا: إنه حق للبائع، لم يجبر، كما في شرط الرهن والكفيل، لكن يتخير البائع في الفسخ، لعدم سلامة ما شرطه له. وللشافعي قولان: الإجبار وعدمه (1). فإن قلنا بالإجبار، حبس عليه حتى يعتق، وهو أحد قولي الشافعية. والثاني: أن القاضي يعتق عليه (2).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 111، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 365.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 112، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 365.

[ 268 ]

والأولى عندي الإجبار في شرط الرهن والكفيل لو امتنع، كما لو شرط تسليم الثمن معجلا فأهمل. ه‍ - إن قلنا: إن العتق حق للبائع، فلو أسقطه، سقط، كما لو شرط رهنا أو كفيلا ثم عفا عنه. وقال بعض الشافعية: إن شرط الرهن والكفيل أيضا لا يفرد بالإسقاط، كالأجل (1). و - هل يجوز إعتاق هذا العبد عن الكفارة؟ الوجه أن نقول: إن شرط البائع عتقه عن كفارة المشتري، أجزأه، وتكون فائدة الشرط التخصيص لهذا العبد بالإعتاق. وإن لم يشرط، فإن قلنا: إن العتق هنا حق لله تعالى، لم يجزئ، كإعتاق المنذور عتقه عن الكفارة. وإن قلنا: إنه حق للبائع، فكذلك إن لم يسقط حقه، وإن أسقطه، جاز، لسقوط وجوب العتق حينئذ. وللشافعية على هذا التقدير وجهان، هذا أحدهما. والثاني: المنع، لأن البيع بشرط العتق لا يخلو عن محاباة، فكأنه أخذ عن العتق عوضا (2). ز - يجوز للمشتري الاستخدام، لعدم خروجه عن ملكه إلا بالعتق ولم يحصل بعد. ويجوز أيضا الوطؤ، فإن حملت، صارت أم ولد، فإن أعتقها، صح عندنا، لعدم خروجها بالاستيلاد عن ملكه، وهو أصح قولي الشافعية (3).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 112، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 365.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 112.
(3) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 112، وروضة الطالبين 3: 70، والمجموع 9: 365.

[ 269 ]

وقال بعضهم: ليس له عتقها، لأن عتقها قد استحق بالإحبال فقد تعذر عليه عتقها (1). ح - لو استخدم أو أحبل ولم يعتق، فإن أجبرناه على العتق، لم يضمن شيئا. وإن خيرنا البائع بين الفسخ والإمضاء، فكذلك، لأن النماء المتجدد في زمان خيار البائع للمشتري، سواء فسخ البائع بعد ذلك أو لا. والأقرب: أن الإحبال كالإتلاف. ولو اكتسب العبد قبل عتقه، فهو للمشتري أيضا. ط - لو قتل هذا العبد قبل عتقه، كانت القيمة للمشتري، ويقوم عبدا مشروط العتق، ولا يكلف صرف القيمة إلى عبد آخر ليعتقه، لتعلق الشرط بالعين وقد تلفت. ي - لو قتله المشتري أو مات أو تلف سواء كان بتفريطه أو لا، لم يجب شراء غيره، لكن يرجع البائع بما يقتضيه شرط العتق، فيقال: كم قيمته لو بيع مطلقا وبشرط العتق؟ فيرجع البائع بالنسبة من الثمن، فإذا قيل: إنه يساوي مائة بغير شرط وتسعين بشرط العتق، زيد على الثمن تسعه. وله الفسخ، لعدم الوفاء بالشرط، فيدفع ما أخذه من الثمن ويرجع بقيمة العبد. وفي اعتبارها إشكال. وللشافعية أقوال: أحدها: أنه لا يلزم المشتري إلا الثمن المسمى، لأنه لم يلتزم غيره. الثاني: أن عليه مع ذلك قدر التفاوت، كما قلناه. الثالث: أن البائع بالخيار إن شاء أجاز العقد ولا شئ له، وإن شاء

(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 112، وروضة الطالبين 3: 70، والمجموع 9: 365.

[ 270 ]

فسخ ورد ما أخذه من الثمن ورجع بقيمة العبد. الرابع: أن العقد ينفسخ، لتعذر إمضائه، إذ لا سبيل إلى إيجاب شئ على المشتري من غير تفويت ولا التزام، ولا إلى الاكتفاء بالمسمى، فإن البائع لم يرض به إلا بشرط العتق. وهل هذه الوجوه متفرعة على أن العتق للبائع أو مطردة سواء قلنا: إنه للبائع أو لله تعالى؟ فيه رأيان، أظهرهما: الثاني (1). ونحن قد قلنا: إنه بالخيار بين الفسخ والإمضاء مع المطالبة بالنقص، وهو جار فيما إذا قلنا: إنه حق لله تعالى أو للبائع. يأ - شرط العتق إنما يتناول السبب المباح، فلو نكل به فانعتق، لم يأت بالشرط، وكان للبائع الخيار بين الفسخ والإمضاء، ويكون بمنزلة التالف، وقد تقدم. يب - شرط العتق إنما يتناول العتق مجانا، فلو أعتقه المشتري وشرط عليه الخدمة أو شيئا، تخير البائع بين فسخ البيع والإمضاء، فإن فسخ، فالأقرب نفوذ العتق، ويرجع البائع بالقيمة، كالتالف. ويحتمل فساده، لوقوعه على خلاف ما وجب عليه، وسقوط الشرط خاصة، فينفذ العتق، ولا خيار للبائع ولا شئ له. يج - لو باعه المشتري أو وقفه أو كاتبه، تخير البائع بين فسخ البيع والإمضاء، فإن فسخ البيع، بطلت هذه العقود، لوقوعها في غير ملك تام. ويخالف هنا العتق بشرط، لأن العتق مبني على التغليب والسراية، فلا سبيل إلى فسخه مع القول بصحته. وهل له إمضاء البيع مع طلب فسخ ما فعله المشتري؟ فيه احتمال.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 112 - 113، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 365 - 366.

[ 271 ]

يد - لو باعه من غيره وشرط عليه العتق، احتمل الصحة، لوقوع غرض البائع به، وكما لو أعتقه بوكيله. والبطلان، لأن شرط العتق مستحق عليه، فليس له نقله إلى غيره. وللشافعية (1) كالوجهين. يه - لو قلنا بثبوت الولاء للمشتري، لم يصح اشتراطه للبائع، لمنافاته النص. وفي صحة البيع مع بطلانه خلاف كما تقدم من صحة البيع مع بطلان الشرط. وللشافعي قولان فيما لو شرط مع العتق كون الولاء للبائع: بطلان العقد، لأن شرط الولاء مغير لمقتضى العقد، لتضمنه نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد. والصحة، لحديث بريرة، فإن عائشة أخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن مواليها لا يبيعونها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم، فقال (عليه السلام): " اشتري واشترطي لهم الولاء " (2) أذن في الشراء بهذا الشرط، وهو لا يأذن في باطل (3). ونحن نمنع الرواية، ولهذا لم يثبت القائلون بالفساد الإذن في شرط الولاء، لأن هشاما تفرد به، ولم يتابعه سائر الرواة عليه (4). وعلى تقدير صحة البيع ففي صحة الشرط للشافعية وجهان: العدم، لأنه (عليه السلام) خطب بعد ذلك وقال: " ما بال أقوام يشترطون

(1) حلية العلماء 4: 128 - 129، روضة الطالبين 3: 71، المجموع 9: 365.
(2) صحيح البخاري 3: 199، صحيح مسلم 2: 1142 - 1143 / 8 نحوه.
(3) حلية العلماء 4: 128، التهذيب - للبغوي - 3: 516 - 517، العزيز شرح الوجيز 4: 113، روضة الطالبين 3: 71، المجموع 9: 366.
(4) كما في التهذيب - للبغوي - 3: 517، والعزيز شرح الوجيز 4: 114.

[ 272 ]

شروطا ليست في كتاب الله تعالى، كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، شرط الله أوثق، وقضاء الله أحق، والولاء لمن أعتق " (1). والصحة، لأنه أذن في اشتراط الولاء ولا يأذن في باطل. لكن المشهور بينهم فساد العقد (2). يو - لو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء لي إن أعتقته يوما من الدهر، بطل العقد - وبه قال الشافعي (3) - لأنه لم يشترط العتق حتى يحصل الولاء تبعا له. يز - لو اشترى من يعتق عليه بشرط الإعتاق، لم يصح العقد، لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه. يح - لو باعه عبدا بشرط أن يعتقه بعد شهر أو سنة، صح عند علمائنا، ولزمه الشرط. وللشافعية وجهان، هذا أحدهما. والثاني: أن العقد باطل، وهو أصحهما عندهم (4). وعلى قولنا لو مضى الشهر ولم يعتقه، تخير البائع بين الفسخ والإمضاء، فيلزمه بالإعتاق كل وقت، وله الترك مطلقا، فيرجع بالنقصان الحاصل بسبب عدم المشروط. يط - لو لم يختر البائع شيئا فبادر المشتري قبل تخيره إلى العتق،

(1) صحيح مسلم 2: 1142 - 1143 / 8.
(2) حلية العلماء 4: 128، العزيز شرح الوجيز 4: 113 - 114، روضة الطالبين 3: 71، المجموع 9: 366.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 114، روضة الطالبين 3: 71، المجموع 9: 366.
(4) حلية العلماء 4: 128، العزيز شرح الوجيز 4: 113، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 366.

[ 273 ]

فإن قصد في الشرط الإعتاق حين خروج الأجل، احتمل تخيره بين الفسخ فيطالب بالعوض، كالتالف. والإمضاء إما مع الأرش أو بدونه على ما تقدم. وإن قصد تحصيل العتق بعد الأجل مطلقا، فلا خيار له، لحصول مقصوده. ك - لو باعه عبدا بشرط أن يدبره، صح عندنا، لقبول البيع الشرائط السائغة، خلافا للشافعي (1)، وقد سبق. فإن فعل المشتري ما شرط عليه، فقد برئ وإلا تخير البائع بين الفسخ والإمضاء بالتفاوت على ما تقدم في العتق. إذا تقرر هذا، فإذا دبره، لم يكن له الرجوع في تدبيره على إشكال ينشأ من الوفاء بما عليه، وقضية التدبير جواز الرجوع فيه، ومن عدم تحصيل الغرض، إذ الرجوع فيه إبطال له، فينافي صحة الشرط. وله أن يدبره مطلقا ومشروطا بأن يقول: إذا مت في سنتي هذه فأنت حر، فإن لم يقع الشرط، وجب عليه استئناف تدبير آخر إن قلنا بعدم الرجوع. كأ - لو باعه بشرط أن يكاتبه، صح عندنا - خلافا للشافعي (2) على ما تقدم - لأنه شرط مرغب فيه مندوب إليه يؤول إلى العتق، وعقد البيع قابل للشروط، فكان لازما. ثم إن أطلق، تخير المشتري في الكتابة بأي قدر شاء، ويتخير في الكتابة المشروطة والمطلقة، فإن طلب السيد أزيد من قيمته وامتنع العبد، تخير البائع في الفسخ والإمضاء وإلزام المشتري بالكتابة بقيمة العبد، فإن امتنع العبد، تخير البائع، ولا يجب على المشتري الكتابة بدون القيمة.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 113، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 366.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 516، العزيز شرح الوجيز 4: 113، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 366.

[ 274 ]

كب - لو باعه دارا بشرط أن يجعلها وقفا، صح عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: لا يصح (1). وبأي وجه حصل الوقف حصل الشرط مع إطلاق البائع، فلو جعلها مسجدا أو وقفها على من يصح الوقف عليه ولو على ولده ومن يلزمه مؤونته، صح. ولا يكفي الحبس. كج - لو باعه شيئا بشرط أن يتصدق به، صح عند علمائنا، لأنه شرط سائغ بل مستحب، وعقد البيع قابل له، فيكون لازما، لعموم قوله (عليه السلام): " المسلمون عند شروطهم " (2) خلافا للشافعي (3). ومع الإطلاق تجزئ الصدقة على من شاء المشتري. كد - لو باعه شيئا بشرط لا يقتضيه العقد ولا ينافيه ولا يتعلق به غرض يورث تنافسا وتنازعا، مثل: أن يشرط لا يأكل إلا الهريسة، ولا يلبس إلا الخز، وشبه ذلك، فهذا الشرط لا يقتضي فساد العقد عندنا. وهل يلغو أو يفيد تخير البائع لو أخل به بين الفسخ والإمضاء؟ الأقرب ذلك. وللشافعية قولان، أحدهما: صحة البيع وبطلان الشرط. والثاني: الفساد في العقد أيضا حيث إنه أوجب ما ليس بواجب، وكذا لو باع بشرط أن يصلي النوافل أو يصوم غير شهر رمضان أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها (4).

(1) حلية العلماء 4: 129، العزيز شرح الوجيز 4: 113، روضة الطالبين 3: 70، المجموع 9: 366.
(2) صحيح البخاري 3: 120، سنن الدار قطني 3: 27 / 99، المستدرك - للحاكم - 2: 49، المصنف - لابن أبي شيبة - 6: 568 / 2064.
(3) لم نعثر عليه في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 115، روضة الطالبين 3: 72، المجموع 9: 364.

[ 275 ]

مسألة 125: قد تقدم (1) أن بيع الحمل لا يصح، للنهي عن بيع الملاقيح (2). ولأنه غير معلوم ولا مقدور، وكما لا يصح بيعه منفردا لم يصح منضما إلى غيره بأن يقول: بعتك هذه الجارية وحملها، لأن جزء المبيع إذا كان مجهولا كان المبيع مجهولا. نعم، يجوز انضمامه تبعا لا مستقلا، كأساسات الحيطان. فلو باع الأمة الحامل وأطلق، لم يدخل الحمل عندنا، لأنه ليس جزءا من المسمى ولا تابعا له عادة. وقال الشافعي: يدخل الحمل في البيع تبعا لو أطلق (3). وهل يقابله قسط من الثمن؟ فيه له قولان (4). ولو باع الحامل واستثنى حملها، كان تأكيدا للإخراج. وللشافعي قولان في صحة البيع: أحدهما: أنه يصح، كما لو باع الشجرة واستثنى الثمرة قبل بدو الصلاح. وأصحهما عنده: أنه لا يصح، لأن الحمل لا يصح إفراده بالعقد فلا يجوز استثناؤه، كأعضاء الحيوان (5). والملازمة ممنوعة، وليس العلة في امتناع الاستثناء انتفاء صحة إفراده بالبيع.

(1) في ص 66 المسألة 38.
(2) المعجم الكبير - للطبراني - 11: 230 / 11581.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72، المجموع 9: 324.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 116.
(5) الوسيط 3: 85، العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72، المجموع 9: 324.

[ 276 ]

ولو باع الحامل وشرط المشتري الحمل، صح، لأنه تابع كأساسات الحيطان وإن لم يصح ضمه في البيع مع الأم، للفرق بين الجزء والتابع. ولو كانت الجارية حاملا وكانت لواحد والحمل لآخر، لم يكن لمالك الحمل بيعه على مالك الأم، ولمالك الأم بيعها من مالك الحمل وغيره، عندنا، لما بينا من جواز الاستثناء للحمل. وللشافعية وجهان (1). ولو كانت الجارية حاملا بحر فباعها مالكها، صح. وللشافعية وجهان، هذا أحدهما، ويكون الحمل مستثنى شرعا. والثاني: البطلان، لأن الحمل لا يدخل في البيع حيث هو حر، فكأنه استثناه (2). وقد بينا جواز الاستثناء. فروع: أ - لو باع الجارية بشرط أنها حامل، صح عندنا، لأنه شرط يرغب لا يخالف الكتاب والسنة، فكان لازما. وللشافعي قولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا؟ إن قال: لا، لم يصح شرطه. وإن قال: نعم، صح، وهو الأصح عنده (3). وقال بعض الشافعية: الخلاف في غير الآدمي، كالدابة، أما الأمة فيصح قطعا، لأن الحمل فيها عيب، فاشتراط الحمل إعلام بالعيب، فيصير كما لو باعها على أنها آبقة أو سارقة (4). ب - لو قال: بعتك هذه الدابة وحملها، لم يصح عندنا، لما تقدم (5)

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72 - 73، المجموع 9: 324 - 325. (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 323.
(5) في ص 275.

[ 277 ]

من أن الحمل لا يصح جعله مستقلا بالشراء ولا جزءا من المبيع (1). وللشافعية وجهان: الصحة، لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التنصيص عليه، كما لو قال: بعتك هذا الجدار وأساسه (2). ونمنع الصغرى والمقيس عليه أيضا. وأصحهما: العدم، لأنه جعل المجهول مبيعا مع المعلوم، ومالا يجوز بيعه منفردا لا يجوز بيعه مقصودا مع غيره، بخلاف ما لو باع بشرط أنها حامل، فإنه جعل الحاملية وصفا تابعا (3). ج - لو قال: بعتك هذه الشاة وما في ضرعها من اللبن، لم يجز عندنا. وللشافعية وجهان (4) سبقا في الحمل. ولو قال: بعتك هذه الجبة وحشوها، صح، لأنه جزء منها وداخل في مسماها، فذكره ذكر ما دخل في اللفظ، فلا يضر التنصيص عليه، بخلاف الحمل، فإنه ليس داخلا في مسمى الشاة والأمة، وهو أحد وجهي الشافعية. وفي الآخر: أن الخلاف في الشاة مع حملها يجري هنا (5). وعلى قولهم بالبطلان ففي بيع الظهارة والبطانة في الجبة قولا تفريق الصفقة، وفي صورة الدابة يبطل البيع في الجميع.

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: البيع. والصحيح ما أثبتناه. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 323.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 323، ولم نعثر على الوجهين فيما سبق.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 526، الوسيط 3: 84، العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 323.

[ 278 ]

والفرق: إمكان معرفة قيمة الحشو عند العقد، بخلاف الحمل واللبن، لأنه (1) لا يمكن معرفة قيمتهما عند العقد، فيتعذر تقسيط الثمن (2). واعترض بجريان قولي تفريق الصفقة حيث يتعذر التوزيع، كما لو باع شاة وخنزيرا (3). د - لو باع حاملا وشرط وضعها في يوم معين، لم يصح البيع، لأنه غير مقدور عليه، وهو قول الشافعي (4). ه‍ - لو باعه دجاجة ذات بيضة وشرطها، صح. وإن جعلها جزءا من المبيع، لم يصح. وكذا لو جعلها مستقلة بالبيع. وبالجملة، فالبحث والخلاف هنا كما في حمل الجارية والدابة. و - لو باعه شاة بشرط أنها لبون، فقد سبق (5) جوازه. وللشافعية طريقان: أحدهما: أن الخلاف فيه كالخلاف في البيع بشرط الحمل. والثاني: القطع بصحة البيع. والفرق: أن شرط الحمل يقتضي وجوده عند العقد وليس معلوما، وشرط كونها لبونا لا يقتضي وجود اللبن حينئذ، وإنما يجوز اشتراط صفة فيها، فكان بمثابة شرط معرفة صنعة في العبد حتى لو شرط كون اللبن في الضرع، كان بمثابة شرط الحمل (6).

(1) في " ق، ك ": " فإنه " بدل " لأنه ".
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 324 (3) المعترض هو إمام الحرمين الجويني كما في العزيز شرح الوجيز 4: 117.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 117، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 324.
(5) في ص 213، المسألة 107.
(6) الوسيط 3: 84، العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 324.

[ 279 ]

وقال أبو حنيفة: لا يصح هذا الشرط. وكذا قال في شرط الحمل (1)، وقد سبق (2). ز - لو باع شاة لبونا واستثنى لبنها، صح عندنا، لوجود المقتضي، وهو ورود البيع على محل معلوم. وللشافعية وجهان، أصحهما عندهم: عدم الصحة، كما لو استثنى الحمل في بيع الجارية (3). مسألة 126: هنا شروط وافقنا الشافعي (4) على صحتها في البيع، مثل أن يبيع بشرط البراءة من العيوب، وبيع الثمرة بشرط القطع. وسيأتي البحث عنهما. وكذا لو شرط ما يقتضيه العقد، وقد سلف (5). وهنا شروط أخرى له فيها خلاف: أ - لو باع مكيلا أو موزونا أو مذروعا بشرط أن يكال بمكيال معين أو يوزن بميزان معين أو يذرع بذراع معين. فإن كان البيع حالا يؤمن معه بقاء المكيال والميزان والذراع، صح البيع لكن يلغو الشرط، لأنه إن كان معروفا، رجع إلى المتعارف منه، وإلا كان البيع باطلا، للجهالة، وذلك كما لو قال: بعتك عشر طاسات طعام بهذه الطاسة وهي غير معلومة النسبة إلى المكيال المعتاد، أو: بعتك مل ء هذا الجوالق، أو: مل ء هذه الآنية.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 118، وفيه: لا يصح البيع بهذا الشرط.
(2) في ص 213، المسألة 107.
(3) حلية العلماء 4: 125، العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 73، المجموع 9: 325.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 73 - 74.
(5) في ص 246.

[ 280 ]

وإن كان البيع مؤجلا، لم يصح الشرط إن كان معلوم النسبة، وصح البيع، وإلا فلا. ولا فرق في اشتراط ذلك في المبيع أو الثمن. ب - لو عينا في البيع رجلا يتولى الكيل أو الوزن (1)، احتمل اللزوم، إخلادا إلى ثقته ومعرفته ونصحه. والعدم، لقيام غيره مقامه. وللشافعي وجهان (2). والأقوى عندي: اللزوم مع الحلول، أما مع الأجل فيحتمل البطلان قويا، لإمكان عدمه. ج - لو باع دارا وشرط سكناها، أو دابة واستثنى ظهرها، فإن لم يعين مدة، بطل العقد، للجهالة، وثبوت الغرر. وإن عين مدة، صح عندنا، عملا بمقتضى الشرط السالم عن معارضة الكتاب والسنة، وبه قال أحمد (3). وللشافعي قولان (4). د - لو باعه دارا بشرط أن يقفها عليه وعلى عقبه ونسله، فالأولى الصحة، كما لو شرط وقفها على الغير. وكذا لو باعه دارا (5) بشرط أن يقف عليه دكانه أو على غيره.

(1) في " ك ": والوزن.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 74.
(3) المغني 4: 228، الشرح الكبير 4: 56، العزيز شرح الوجيز 4: 118، المجموع 9: 378.
(4) التهذيب - للبغوي - 3: 517، العزيز شرح الوجيز 4: 118، روضة الطالبين 3: 74، المجموع 9: 369 و 378، وفي المغني 4: 228، والشرح الكبير 4: 56 نسب القول بعدم الصحة إلى الشافعي.
(5) في " ق، ك ": داره.

[ 281 ]

وكذا يصح لو شرط إعماره إياها، لأنه شرط مرغب فيه يصح الابتداء به، فصح جعله شرطا في عقد قابل للشروط. فعلى هذا لو أطلق الإعمار، احتمل البطلان، لأنه كما ينصرف إلى عمر البائع ينصرف إلى عمر المشتري ولا أولوية. ولو شرط الإسكان، صح وإن كان مطلقا، وله إخراجه متى شاء، للوفاء بمطلق الشرط. وفرق بين أن يشرط له سكناها من غير تعيين مدة وبين أن يشرط الإسكان، لأن الثاني شرطه التقرب إلى الله تعالى، بخلاف الأول. ه‍ - لو باعه بشرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن، فالأقوى الصحة، لأنه كشرطه الرهن. وقال الشافعي: إن كان الثمن مؤجلا، بطل العقد. وإن كان حالا، يبنى على أن البداءة في التسليم بمن؟ فإن جعل ذلك من قضايا العقد، لم يضر ذكره، وإلا فسد العقد (1). و - لو قال لغيره: بع عبدك من زيد بألف على أن علي خمسمائة، فباعه على هذا الشرط، صح البيع عندنا، لأنه شرط سائغ لا يوجب جهالة في المبيع ولا في الثمن، فكان لازما. ولابن سريج من الشافعية قولان: أظهرهما: أنه لا يصح البيع، لأن الثمن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره. والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف وعلى الآمر خمسمائة، كما لو

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 517، العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 74، المجموع 9: 369.

[ 282 ]

قال: ألق متاعك [ في البحر ] (1) على أن علي كذا (2). والوجه: أن نقول: إن قصد الآمر الضمان من الثمن، كان ضمانا متبرعا به صحيحا. وإن قصد الجعالة، لزمه مع الفعل، وعلى المشتري ألف كاملة. وكذا لو قال: بعه منه بألف على أن الألف علي، صح، وكان الثمن لازما له بمجرد الضمان المتبرع به، ولا يرجع على المشتري، ولا يجب على المشتري للبائع شئ. ز - لو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا، وقصد هبة صاع أو بيعه من موضع آخر، بطل عندنا، للجهل بالصبرة، فلو علما بها (3)، صح البيع عندنا. والشافعي لما جوز بيع الصبرة منع البيع هنا على تقدير إرادة الهبة أو بيعه القفيز من موضع آخر، لأنه شرط عقد (4) في عقد. وإن أراد أنها إن خرجت عشرة آصع، أخذت تسعة دراهم، فإن كانت الصيعان مجهولة، لم يصح عنده أيضا، لأنه لا يدري حصة كل صاع. وإن كانت معلومة، صح. وإن كانت عشرة، فقد باع كل صاع وتسعا بدرهم (5). ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعا،

(1) ما بين المعقوفين من العزيز شرح الوجيز وروضة الطالبين.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 120، حلية العلماء 4: 136 - 137، وفي روضة الطالبين 3: 75 من دون نسبة إلى ابن سريج.
(3) في " ق، ك ": علماها.
(4) في " ق، ك ": عقدا.
(5) الحاوي الكبير 5: 222، العزيز شرح الوجيز، 4: 119، روضة الطالبين 3: 74، المجموع 9: 314.

[ 283 ]

فإن أراد رد صاع إليه، فهو فاسد عند الشافعي، لأنه شرط عقدا في عقد. وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت عشرة دراهم، فإن كانت الصيعان مجهولة، لم يصح عندنا وعنده. وإن كانت معلومة، صح عنده، فإذا كانت تسعة آصع، فيكون كل صاع بدرهم وتسع (1). وبعض الشافعية منع من الصحة مع العلم أيضا، لأن العبارة لا تبنى على الحمل (2) المذكور (3). ح - لو قال: بعتك هذه الدار أو هذه الأرض بكذا، صح البيع مع المشاهدة وإن جهل قدرهما. وكذا لو قال: بعتك نصفها أو ربعها أو غيرهما (4) من الأجزاء المشاعة. ولو قال: بعتك هذه الأرض كل ذراع بدرهم، فإن علما قدر الذرعان، صح البيع، وإلا بطل. وقال أبو حنيفة: يبطل مطلقا ولا في ذراع واحد، بخلاف الصبرة، فإنه (5) يجوز فيها إطلاق القفيز، والأرض لا يجوز فيها إطلاق الذراع (6). وقال الشافعي: يصح مع المشاهدة (7). ولو قال: بعتك من هذه الأرض عشرة أذرع، لم يصح، لاختلاف

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 74، المجموع 9: 315.
(2) كذا في " ق، ك " والطبعة الحجرية، وفي العزيز شرح الوجيز: لأن العبارة لا تنبئ عن المجمل. وفي المجموع وروضة الطالبين: لقصور العبارة عن الحمل - المحمل -.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 74، المجموع 9: 315.
(4) في " ق، ك ": غيره.
(5) في " ق، ك ": " لأنه " بدل " فإنه ". (6) حلية العلماء 4: 107، العزيز شرح الوجيز 4: 48.
(7) حلية العلماء 4: 107، العزيز شرح الوجيز 4: 48، روضة الطالبين 3: 33 - 34.

[ 284 ]

أجزائها، والجملة غير معلومة، فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة. ط - لو باعه شيئا وشرط فيه قدرا معينا، فأقسامه أربعة، لأنه إما أن يكون مختلف الأجزاء أو متفقها، وعلى التقديرين فإما أن ينقص المقدار عن الشرط أو يزيد: الأول: أن يبيع مختلف الأجزاء - كالأرض والثوب - وينقص، كأن يبيع أرضا معينة على أنها عشرة أذرع أو ثوبا كذلك فنقص ذراعا. قال علماؤنا: يتخير المشتري بين الفسخ والإمضاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (1). أما الصحة: فلصدور العقد من أهله في محله جامعا للشروط فكان صحيحا. وللعموم السالم عن معارضة ما يقتضي البطلان، ونقص الجزء كنقص الصفة. وأما الخيار: فللنقص، وهو عيب. والقول الآخر للشافعي: البطلان، لأن قضية قوله: " بعتك هذه الأرض " اختصاص البيع بهذه الأرض وعدم تناوله لغيرها، وقضية الشرط أن تدخل الزيادة (2) في البيع، فوقع التضاد. لكن الأظهر عندهم: الأول (3)، كما اخترناه. إذا تقرر هذا، فنقول: إذا أختار المشتري البيع، فهل يجيز بجميع الثمن أو بالقسط؟ لعلمائنا قولان.

(1) الهداية - للمرغيناني - 3: 23، العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 74 - 75.
(2) أي: الذراع الواحد الناقص. وفي العزيز شرح الوجيز: أن لا تدخل الزيادة. فلاحظ.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 74.

[ 285 ]

أحدهما: بجميع الثمن - وهو أظهر قولي الشافعي (1) - لأن المتناول بالإشارة تلك القطعة لا غير وإن كان الأظهر عنده (2) في الصبرة الإجازة بالقسط، لأن صبرة الطعام إذا كانت ناقصة عن الشرط وأجزاؤها متساوية، يكون ما فقده مثل ما وجده، وفي الثوب أو القطعة من الأرض لم يكن ما فقده مثل ما وجده. ولأنه في الصبرة لا يؤدي تقسيط ذلك إلى جهالة الثمن في التفصيل وإن كان في الجملة مجهولا، وأما الثوب أو القطعة فإنه إذا قسم الثمن على قيمة ذرعانه وجعل الفائت مثل واحد منها، أدى إلى أن يكون الثمن حالة العقد مجهولا في الجملة والتفصيل. لا يقال: أليس إذا وجد عيبا وقد حدث عنده عيب، أخذ أرشه، فصار الثمن مجهولا في الجملة والتفصيل؟ لأنا نقول: ذلك لا يؤثر في العقد، لأنه وقع في الابتداء على الجملة، وصح بها، ولهذا لا يسقط منه شئ مع إمكان الرد، وهنا يكون واقعا في الابتداء على ما ذكرنا. لا يقال: لم لا قسمتموه على عدد الذرعان؟ لأنا نقول: ذرعان الثوب تختلف، ولهذا لو باع ذراعا منه ولم يعين موضعه، لم يجز. والثاني: أنه يتخير بين الفسخ والإمضاء بحصته من الثمن، ولا يقسط بالنسبة إلى الأجزاء، لاختلافها، بل بالنسبة من القيمة حال كمالها ونقصها.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 75.
(2) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 49، وروضة الطالبين 3: 34، وحلية العلماء 4: 109.

[ 286 ]

وللشيخ قول: إنه إذا كان للبائع أرض بجنب تلك الأرض، وجب عليه أن يوفيه منها (1). وليس بعيدا من الصواب، لأنه أقرب إلى المثل من الأرش. إذا تقرر هذا، فنقول: لا يسقط خيار المشتري بأن يحط البائع من الثمن قدر النقصان. الثاني: أن يبيعه مختلف الأجزاء - كالأرض والثوب - فيزيد على المشترط، مثل: أن يبيعه على أنها عشرة أذرع فتخرج أحد عشر، فالخيار هنا للبائع بين الفسخ والإمضاء للجميع بكل الثمن، ولا يمكن أن يجعل ذراع منه للبائع، لأن ذلك مختلف. ولأنه يؤدي إلى الاشتراك ولم يرضيا بذلك. ويحتمل ثبوت الزيادة للبائع، فيتخير المشتري حينئذ، للتعيب بالشركة. فإن دفع البائع الجميع، سقط خياره. ويحتمل عدم سقوطه. والأول أقوى، لأن زيادة العين هنا كزيادة الصفة، إذ العقد تناول القطعة المعينة، فزيادة الذراع زيادة وصف، فيجب على المشتري قبوله، كما لو دفع إليه أجود. وللشافعي قولان في صحة البيع وبطلانه (2)، إذ لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة ولا المشتري على أخذ ما سماه. فإن صححه، فالمشهور عنده: أن للبائع الخيار. فإن أجاز، فالجميع

(1) النهاية: 420.
(2) حلية العلماء 4: 108، العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 75.

[ 287 ]

للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشئ (1). واختار بعض الشافعية أنه لا خيار للبائع، ويصح البيع في الكل بالثمن المسمى، وينزل شرطه منزلة ما لو شرط كون المبيع معيبا فخرج سليما، لا خيار له (2). فعلى المشهور لو قال المشتري: لا تفسخ فإني أقنع بالقدر المشروط والزيادة لك، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان: السقوط، لزوال الغبن عن البائع. وعدمه، لأن ثبوت حق المشتري على الشياع يجر ضررا (3). ولو قال: لا تفسخ حتى أزيدك في الثمن لما زاد، لم يكن له ذلك، ولم يسقط به خيار البائع عندنا وعند الشافعي (4) قولا واحدا. وكذا حكم الثوب والشياه لو باعها على أنها عشرون رأسا فنقصت أو زادت. الثالث: أن يكون متساوي الأجزاء وينقص، فالخلاف هنا كما تقدم في المختلف، لكن بعض من خير المشتري بين الأخذ بالجميع أو الفسخ هناك جعل له الخيار هنا بين أخذ الحصة من الثمن والفسخ، لما مر من الفرق. الرابع: أن يبيع متساوي الأجزاء ويزيد، فالخلاف الخلاف في المختلف مع الزيادة، لكن بعض من أبطل البيع أولا أو قال بأنه يأخذ الجميع بالمسمى خير هنا المشتري بين الفسخ والأخذ للمشترط بالمسمى، فيرد الزيادة إلى البائع.

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 119، روضة الطالبين 3: 75.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 119 - 120، روضة الطالبين 3: 75.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 120، روضة الطالبين 3: 75.

[ 288 ]

ي - لو باع شيئا بشرط نفي خيار المجلس وقبله المشتري، جاز عندنا، ولزم البيع والشرط، لصحته، لتضمنه إسقاط حق المشتري من الرجوع فيما وقع صحيحا أو حق البائع. وللشافعية طريقان، أظهرهما: أن المسألة على قولين: الصحة، لقوله (عليه السلام): " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار " (1) وأراد البيع الذي نفى عنه الخيار واستثناه من قوله: " بالخيار ". وأصحهما عندهم: البطلان (2). فإن صح الشرط، صح البيع ولزم. وإن أبطلنا الشرط، ففي فساد البيع عندهم وجهان، أصحهما عندهم: نعم، لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما إذا قال: بعتك بشرط أن لا أسلمه (3). يأ - لو باع الغائب بشرط نفي خيار الرؤية، فالأقوى عندي: الجواز، كما لو أسقط خياره لو وجده ناقصا عن شرطه. وللشافعية فيه الخلاف الذي سبق في شرط نفي خيار المجلس. وأكثرهم قطعوا هنا بفساد الشرط والبيع معا، لأن المشتري لم ير المبيع ولا عرف حاله، فنفي الخيار فيه يؤكد الغرر، بخلاف نفي خيار المجلس، لأنه غير مخل بمقصود العقد (4)، ولا يثبت فيه غرر، وإنما أثبته

(1) صحيح البخاري 3: 84، صحيح مسلم 3: 1163 / 1531، سنن أبي داود 3: 272 - 273 / 3454، سنن النسائي 7: 248، سنن البيهقي 5: 268.
(2) الوسيط 3: 100، العزيز شرح الوجيز 4: 121، روضة الطالبين 3: 103 - 104، المجموع 9: 178 - 179.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 121 - 122.
(4) في العزيز شرح الوجيز هكذا: ونفي خيار المجلس لا يمكن غررا بل هو مخل لمقصود العقد. فلاحظ.

[ 289 ]

الشرع على سبيل الإرفاق بالمتعاقدين، فجاز أن يكون نفيه غير قادح (1). يب - لو قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر، لم يصح، لبطلان العتق المعلق عندنا. ويجوز عند الجمهور. نعم، يجوز عندنا تعليق نذر العتق كأن يقول: لله علي أن أعتقك إذا بعتك. فعلى ما اختاره الجمهور في الصورة الأولى لو باعه بشرط نفي الخيار، قالت الشافعية: إن قلنا: البيع باطل، أو قلنا: الشرط صحيح، لم يعتق. أما على التقدير الأول: فلأن اسم البيع يقع على الصحيح ولم يوجد. وأما على الثاني: فلأن ملكه قد زال والعقد قد لزم، ولا سبيل له إلى إعتاق ملك الغير. وإن قلنا: العقد صحيح والشرط باطل، عتق، لبقاء الخيار، ونفوذ العتق من البائع في زمان الخيار (2). وقال أبو حنيفة ومالك: لا يعتق إلا أن يبيع بشرط الخيار، لأن خيار المجلس غير ثابت عندهما (3). وعلى الصورة التي تجوز عندنا - وهو النذر - لو باعه بشرط نفي الخيار، لم يصح البيع، لصحة النذر، فيجب الوفاء به، ولا يتم برفع الخيار.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 122، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 179.
(2) حلية العلماء 4: 19، العزيز شرح الوجيز 4: 122، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 179.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 122.

[ 290 ]

وعلى قول بعض علمائنا - من صحة البيع مع بطلان الشروط - يلغو الشرط، ويصح البيع ويعتق. يج - يجوز أن يجمع بين شيئين مختلفين فما زاد في عقد واحد، كبيع وسلف وإجارة أو بيع ونكاح وإجارة، أو إجارة وبيع وكتابة ونكاح، ويقسط العوض على قيمة المبيع وإجارة المثل ومهر المثل من غير حصر لمهر المثل على إشكال. ولو كان أحد الأعواض مؤجلا، قسط المسمى عليه كذلك، فلو باعه عبدا يساوي عشرة حالا وعشرين مؤجلا إلى سنة مثلا، وآجره داره مدة سنة بعشرين وثمن المبيع مؤجل سنة والعوض عشرون، قسط بينهما بالسوية. خاتمة تتعلق بحكم البيع الفاسد: البيع الفاسد لا يفيد ملكية المشتري للمعقود عليه، سواء فسد من أصله أو باقتران شرط فاسد أو بسبب آخر. ولو قبضه، لم يملكه بالقبض. ولو تصرف فيه، لم ينفذ تصرفه فيه، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والشافعي وأحمد (1) - لقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2). وقول الصادق (عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية، فقال: " يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع

(1) المغني 4: 310، الشرح الكبير 4: 63، الوجيز 1: 139، العزيز شرح الوجيز 4: 122، التهذيب - للبغوي - 3: 518، روضة الطالبين 3: 76، المجموع 9: 377.
(2) البقرة: 188.

[ 291 ]

قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد، التي (1) أخذت منه " (2). وقال أبو حنيفة: إن اشترى بما لا قيمة له - كالدم والميتة - فالحكم كما قلناه. وإن اشتراه بشرط فاسد أو بما له قيمة في الجملة - كالخمر والخنزير - ثم قبض المبيع بإذن البائع، ملكه، ونفذ تصرفه فيه، لكن للبائع أن يسترده بجميع زوائده المتصلة والمنفصلة. ولو تلف في يده أو زال ملكه عنه ببيع أو هبة أو إعتاق، وبالجملة كل تصرف يمنع من الرجوع، فعليه قيمته إلا أن يشتري عبدا بشرط العتق، فإنه قال: يفسد العقد، وإذا تلف في يده، فعليه الثمن. ويكره للمشتري التصرف فيها، فإن وطئها، ردها ومهرها. فإن قال: بعتكها ولم يذكر العوض، ملكها بالقبض. ولو قال: بعتكها بغير عوض، لم يملك بالقبض. واستدل بحديث بريرة، فإن عائشة اشترتها واشترطت لمواليها الولاء فقبضتها وأعتقتها، فأجاز النبي (صلى الله عليه وآله) العتق (3)، وهذا العقد (4) فاسد. ولأن المشتري على صفة يملك المبيع ابتداء العقد وقد حصل عليه ضمان بدله من عقد فيه تسليط، فوجب أن يملكه، كما لو كان العقد

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية والاستبصار: " الذي " بدل " التي " وما أثبتناه من التهذيب.
(2) التهذيب 7: 82 / 353، الاستبصار 3: 84 / 285.
(3) صحيح البخاري 3: 200، صحيح مسلم 2: 1142 - 1143 / 8، سنن البيهقي 10: 336 - 337، شرح معاني الآثار 4: 45.
(4) في " ق، ك ": وهذا عقد.

[ 292 ]

صحيحا (1). وحديث بريرة ممنوع، سلمناه، لكن يحتمل أن الشرط وقع قبل العقد أو بعد تمامه، والبيع الصحيح لا يملك فيه بالقبض، ويملك عليه فيه المسمى، بخلاف المتنازع، ومع الفرق يبطل القياس. ثم نعارضه بأنه مبيع مسترد بزوائده المتصلة والمنفصلة، فلا يثبت الملك فيه للمشتري، كما لو اشترى بدم أو ميتة عنده. مسألة 127: إذا اشترى شراء فاسدا، وجب عليه رده على مالكه، لعدم خروجه عنه بالبيع، وعليه مؤونة الرد، كالمغصوب، لوجوب مالا يتم الواجب إلا به. وليس للمشتري حبسه لاسترداد الثمن، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر: له ذلك، وبه قال أبو حنيفة (2). ولا يتقدم به على الغرماء، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر: يتقدم، وبه قال أبو حنيفة (3). ويجب عليه أيضا أجرة المثل للمدة التي كانت في يده، سواء استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده، لأن يده ثبتت عليه بغير حق، فهو كالمغصوب. ولو زادت العين في يد المشتري زيادة منفصلة كالولد والثمرة، أو متصلة كالسمن وتعلم الصنعة، وجب عليه رد الزيادة أيضا، لأنها نماء ملك البائع، فيتبع الملك، فإن تلفت الزيادة، ضمنها المشتري، وهو أحد وجهي

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 518، الحاوي الكبير 5: 316، العزيز شرح الوجيز 4: 122، المجموع 9: 377، المغني 4: 310، الشرح الكبير 4: 63، وليس فيها بعض الفروع المذكورة في المتن. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 123، روضة الطالبين 3: 76، المجموع 9: 369.

[ 293 ]

الشافعية. وفي الآخر: لا يضمنها المشتري عند التلف (1). وإن نقصت، وجب عليه رد أرش النقصان، لأن الجملة مضمونة عليه حيث قبضها بغير حق. ولأنه قبضها على سبيل المعاوضة، فأشبهت المقبوض على وجه السوم. وإن تلف جميعها، وجب عليه قيمتها يوم التلف، كالعارية. ويحتمل يوم القبض. ويحتمل أكثر القيم من حين القبض إلى حين التلف، كالمغصوب، فإنه في كل آن مخاطب من جهة الشرع بالرد. هذا إذا (2) لم يكن مثليا، وإن كان مثليا، وجب رد مثله، لأنه أقرب إلى العين من القيمة، ولا يضمن تفاوت السعر، كما لو كانت العين باقية ودفعها، لم يضمن تفاوت السوق. وللشافعي (3) هذه الأقوال الثلاثة. ولو أنفق على العبد أو الدابة مدة مقامه في يده، لم يرجع على البائع إن كان عالما بفساد البيع، لأنه يكون كالمتبرع بالإنفاق على مال الغير. وإن كان جاهلا، رجع، لأن الغار هو البائع. وللشافعي (4) في الجاهل وجهان هذا أحدهما. مسألة 128: لو كان المبيع بالبيع الفاسد جارية، لم يجز للمشتري وطؤها، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وإن ذهب أبو حنيفة إلى الملك (5) بما

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 518، العزيز شرح الوجيز 4: 123، روضة الطالبين 3: 76، المجموع 9: 370.
(2) في " ق، ك ": " إن " بدل " إذا ". (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 123، روضة الطالبين 3: 76، المجموع 9: 370.
(5) الحاوي الكبير 5: 317، العزيز شرح الوجيز 4: 123، روضة الطالبين 3: 77، المجموع 9: 370 و 371.

[ 294 ]

تقدم من الشروط. فإن وطئها عالما بالتحريم، وجب عليه الحد مطلقا عندنا، لأنه وطئ ملك الغير بغير إذنه مع علمه بالتحريم وانتفاء الشبهة عنه، إذ التقدير العلم بالتحريم، فكان زانيا يجب عليه الحد. وللشافعي أقوال: أحدها: ثبوت الحد إن اشتراها بميتة أو دم، وسقوطه إن اشتراها بما له قيمة، كالخمر والخنزير أو بشرط فاسد، لاختلاف العلماء، كالوطئ في النكاح بلا ولي. والثاني: وجوب الحد مطلقا، لأن أبا حنيفة لم يبح الوطء وإن كان يثبت الملك، بخلاف الوطئ في النكاح بلا ولي. والثالث: سقوط الحد مطلقا، لأنه يعتقد أنها ملكه. ولأن في الملك اختلافا (1). وليس بمعتمد. ويجب المهر، سواء سقط الحد أو لا، ولا يسقط بالإذن الذي يتضمنه التمليك الفاسد. وقال الشافعي: إذا لم يجب الحد يجب المهر (2)، لأن الحد إذا سقط للشبهة لم يسقط المهر. وهل يشترط في وجوبه عدم علمها (3) بالتحريم؟ الأقرب عندي:

(1) انظر: التهذيب - للبغوي - 3: 518، والعزيز شرح الوجيز 4: 123، وروضة الطالبين 3: 76 و 77، والمجموع 9: 370 و 371.
(2) الحاوي الكبير 5: 317 - 318، التهذيب - للبغوي - 3: 518، العزيز شرح الوجيز 4: 123، روضة الطالبين 3: 77، المجموع 9: 371.
(3) في " ق، ك " بدل " عدم علمها ": " جهلها ".

[ 295 ]

العدم، لأنها ملك الغير، فلا عبرة بالعلم في طرفها، بخلاف الحرة حيث سقط مهرها مع علمها بالتحريم، لأن الجارية هنا مال، فالتصرف فيها بالوطئ تصرف في مال الغير بغير إذنه، فكان عليه عوضه. ويحتمل السقوط، لنهيه (عليه السلام) عن مهر البغي (1). ثم إذا وجب المهر، لا يخلو إما أن تكون ثيبا أو بكرا، فإن كانت ثيبا، وجب مهر مثلها. وإن كانت بكرا، وجب مع المهر أرش البكارة. أما مهر البكر: فللاستمتاع بها. وأما أرش البكارة: فلإتلاف ذلك الجزء. لا يقال: كيف يجب المهر مع أن السيد أذن في الوطئ، ومعلوم أن السيد لو أذن في وطئ أمته، لم يجب المهر، فكيف يجب مع مهر البكر أرش البكارة!؟ مع أن الرجل إذا نكح نكاحا فاسدا حرة وأزال بكارتها أنه لا يضمن البكارة. لأنا نقول: أما الإذن فيمنع حصوله من السيد، وإنما ملكه الجارية، والتمليك إذا كان صحيحا، تضمن إباحة الوطئ. وإذا كان فاسدا، لم يبحه، فلم يسقط بذلك ضمانه. والنكاح تضمن في الحرة الإذن في الوطئ، لأنه معقود على الوطئ، والوطؤ يتضمن إتلاف البكارة. وليس كذلك البيع، فإنه ليس بمعقود على الوطئ، ولهذا يجوز شراء من لا يحل وطؤها ولا يصح نكاحها. ولأنها سلمت نفسها في النكاح لا على وجه الضمان لبدنها، وهنا البيع يقتضي ضمان البدن، فافترقا. لا يقال: إذا أوجبتم مهر البكر، فكيف توجبون ضمان البكارة وقد

(1) سنن أبي داود 3: 267 / 3428، سنن الترمذي 3: 439 / 1133، و 575 / 1276، و 4: 402 / 2071، سنن النسائي 7: 189 و 309، المستدرك - للحاكم - 2: 33.

[ 296 ]

دخل ضمانها في المهر!؟ لأنا نقول: إتلاف البكارة إتلاف جزء من البدن، والمهر ضمان المنفعة، فلا يدخل أحدهما في الآخر. لا يقال: إذا ضمن البكارة، ينبغي أن يجب مهر ثيب، لأنه قد ضمن البكارة، ويجري مجرى من أزال بكارتها بإصبعه ثم وطئها. لأنا نقول: إذا وطئها بكرا، فقد استوفى منفعة هذا الجزء، فوجب عليه قيمة ما استوفى من المنفعة، فإذا أتلفه، وجب ضمان عيبه. ويحتمل أن عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا، ونصف العشر إن كانت ثيبا، لما روي عن الصادق (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة، إلى أن قال: " وإن كان زوجها ولي لها، رجع على وليها بما أخذته، ولمواليها عليه إن كانت بكرا عشر قيمتها [ وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها ] (1) بما استحل من فرجها " (2). فروع: أ - لو حملت هذه الجارية من المشتري، لحق به الولد، لأنه وطئها بشبهة، فيكون حرا، لأن الشبهة من جهة الملك، ولا يمسه الرق، ولا يثبت عليه ولاء، بل هو حر الأصل. ويجب على الواطئ قيمته للبائع، لأنه نماء ملكه وقد حال بينه وبينه بالحرية، فكان عليه قيمته. ولقول الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت

(1) ما بين المعقوفين من المصادر.
(2) الكافي 5: 404 - 405 / 1، التهذيب 7: 349 / 1426، الاستبصار 3: 216 - 217 / 787 بتفاوت في بعض الألفاظ.

[ 297 ]

الجارية مسروقة، قال: " يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بقيمته " (1). ب - لو نقصت بالولادة، وجب عليه مع قيمة الولد أرش نقصان الولادة، ولا يجبر الولد النقصان، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: يجبر الولد النقصان (3). وسيأتي بطلانه في باب الغصب إن شاء الله تعالى. ج - تعتبر قيمة الولد يوم سقوطه حيا، لأنه وقت الحيلولة بينه وبين صاحبه. ولو سقط ميتا، فلا شئ، لأنه لا قيمة له حينئذ، ولا يقوم قبل سقوطه، لأنه لا قيمة له حينئذ، فإذا لم يكن له قيمة حين سقط، لم يضمن وهو قبل ذلك لا قيمة له. لا يقال: لو ضربه أجنبي فسقط ميتا، وجب عليه الضمان، وكان للسيد من ديته أقل الأمرين من دية الجنين ومن قيمته حين (4) سقط. لأنا نقول: الواطئ يضمنه بالحيلولة بينه وبين سيده، ووقت الحيلولة حين السقوط وكان ميتا، فلم يجب ضمانه. وضمان الضارب قائم مقام خروجه حيا، فلهذا ضمنه للبائع، وإنما ضمن الأقل، لأن دية الجنين إن كانت أقل، لم يضمن أكثر من ذلك، لأنه بسبب ذلك ضمن. وإن كانت القيمة أقل، كان الباقي لورثته، ويطالب به المالك من شاء من الجاني والمشتري.

(1) الكافي 5: 215 / 10، التهذيب 7: 65 / 280، الاستبصار 3: 84 / 286.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 519، العزيز شرح الوجيز 4: 124، روضة الطالبين 3: 77، المجموع 9: 372.
(3) بدائع الصنائع 5: 302، المبسوط - للسرخسي - 13: 22.
(4) في الطبعة الحجرية: " يوم " بدل " حين ".

[ 298 ]

وقال أبو حنيفة: يعتبر قيمة الولد يوم المحاكمة (1). د - قيمة الولد تستقر هنا على المشتري، أما لو اشترى جارية واستولدها فخرجت مستحقة، يغرم قيمة الولد، ويرجع على البائع، لأنه غره إن كان جاهلا بالحال. وإن علم عدم استحقاق البائع لها، لم يرجع، لعدم المقتضي للرجوع. ه‍ - لو سلم الجارية المبيعة إلى البائع حاملا فولدت في يد البائع، ضمن المشتري ما نقص بالولادة. ولو ماتت من ذلك، ضمن القيمة، لثبوت السبب في يده، فكان كوجود المسبب عنده. وكذا لو أحبل أمة غيره بشبهة فماتت في الطلق. أما لو أكره امرأة حرة على الزنا فحملت ثم ماتت في الطلق، احتمل الضمان أيضا، لأنه سبب في الإتلاف. وعدمه. وللشافعي قولان (2). فعلى الثاني الفرق: أن الولد لم يلحق بالزاني فلم يثبت تكونه منه، وهنا قد ثبت كونه منه. ولأن ضمان المملوك أوسع من ضمان الحر، لأنه يضمن باليد وبالجناية، فجاز أن يضمن المملوكة بذلك دون الحرة. و - هذه الأمة لو حبلت لم تكن (3) في الحال أم ولد، إذ هي ملك الغير في نفس الأمر.

(1) الحاوي الكبير 5: 318، حلية العلماء 4: 135.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 519، العزيز شرح الوجيز 4: 491، المجموع 9: 372.
(3) في " ق، ك ": لم تك.

[ 299 ]

فإن ملكها المشتري بعد ذلك في وقت ما من الدهر، قال الشيخ: تصير أم ولد (1)، بناء منه على أن من أولد من جارية غيره ولدا حرا ثم ملكها فإنها تصير أم ولد، لأنها علقت منه بحر، فأشبه مملوكته. والمعتمد خلافه، لرواية ابن مارد (2). ولأنها حملت منه في ملك غيره، فأشبهت الأمة المزوجة. وللشافعي قولان (3). ولو علقت بمملوك، لم تصر أم ولد إلا في مسألة واحدة، وهي المكاتب إذا وطئ أمته، فإذا ملكها بعد ذلك، فالاحتمالان. وللشافعي القولان (4) أيضا. مسألة 129: لو باع المشتري فاسدا (5) ما اشتراه، لم يصح، لأنه لم يملكها (6) بالشراء الأول، ويجب على المشتري الثاني ردها على البائع الأول، فإن تلفت في يد المشتري الثاني، كان للمالك أن يطالب بقيمتها من شاء منهما، لأن الأول ضامن، والثاني قبضها من يد ضامنة بغير إذن صاحبها، فكان ضامنا. ولأنه دخل فيها على وجه الضمان كالمشتري الأول. ومتى تعتبر القيمة؟ لعلمائنا قولان:

(1) المبسوط - للطوسي - 2: 150، و 6: 186.
(2) التهذيب 7: 482 - 483 / 1940.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 124، روضة الطالبين 3: 77، المجموع 9: 371.
(4) المهذب - للشيرازي - 2: 20، التهذيب - للبغوي - 3: 519، حلية العلماء 6: 244، روضة الطالبين 8: 553.
(5) أي المشتري شراء فاسدا.
(6) تأنيث الضمير هنا وما بعدها باعتبار العين المبيعة.

[ 300 ]

أحدهما: حين التلف، وهو الأقوى، لأنه قبضها بإذن مالكها فلم يضمن إلا يوم التلف، كالعارية. ولأنه في كل حال مخاطب برد العين لاغير، والقيمة إنما تعلقت بذمته يوم التلف. ولو كانت العين موجودة، لم يضمن تفاوت القيمة السوقية. والثاني: أنه يضمنها بالأكثر من قيمتها من حين القبض إلى حين التلف، لأنه في كل حال مأمور بردها، فإذا لم يفعل، وجب عليه قيمتها في تلك الحال، كالمغصوب. ونمنع وجوب القيمة إذا لم يفعل بل إذا تلفت، والتقدير بقاؤها. إذا ثبت هذا، فالحال لا يخلو إما أن تكون قيمته في يد الأول والثاني على السواء أو لا. فإن كان الأول، رجع بالقيمة على من شاء كما قلناه، لكن يستقر الضمان على الثاني. فإذا رجع المالك عليه، لم يرجع الثاني على الأول بشئ، لاستقرار التلف في يده. وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن تكون الزيادة في يد الأول بأن كانت تساوي في يده مائتين ثم صارت تساوي مائة ثم باعها، فإن رجع على الأول، رجع بمائتين، ورجع الأول على الثاني بمائة. وإن رجع على الثاني، رجع بمائة ويرجع على الأول بالمائة الأخرى، ولا يرجع الأول على الثاني بشئ. وإما أن تكون الزيادة في يد الثاني، فإن رجع على الأول، رجع عليه بالمائة لا غير، ويرجع علي الثاني بالمائة الزائدة، لحصولها في يده وتلفها في يده، ويرجع الأول على الثاني بالمائة الأصلية التي أخذها المالك منه. وإن رجع على الثاني، رجع عليه بالمائتين، ولا يرجع على الأول بشئ.

[ 301 ]

هذا إذا قلنا بأنه يرجع بأكثر القيم، وإن قلنا: يرجع بالقيمة يوم التلف لا غير، فإن كانت قيمته حينئذ أقل من قيمتها مع الأول، رجع بها خاصة، وإن كانت أكثر، رجع بها على الثاني، ولا يرجع الثاني على الأول بشئ. هذا كله فيما إذا كانت العين من ذوات القيم، وإن كانت من ذوات الأمثال، رجع بالمثل على من شاء، ويكون الحكم ما تقدم. فإن تعذر المثل، رجع بالقيمة حين الإعواز. ولو كان المشتري الثاني قد دفع إلى الأول الثمن، رجع به عليه. تنبيه: إذا كان البيع فاسدا وتقابضا الثمن والمثمن وأتلف البائع الثمن، لم يكن للمشتري إمساك العبد عليه، بل يجب رده على البائع، ويكون المشتري من جملة الغرماء، لأنه لم يقبضه وثيقة، وإنما قبضه على أنه يملكه، فإذا بان بخلاف ذلك (1)، وجب رده، وبه قال بعض الشافعية (2). وقال أبو حنيفة: للمشتري إمساك العبد ويكون أحق به من بين سائر الغرماء، فيستوفي منه الثمن (3). مسألة 130: لو فسد العقد بشرط فاسد ثم حذفا الشرط، لم ينقلب العقد صحيحا، سواء كان الحذف في المجلس أو بعده - وبه قال الشافعي في أحد القولين (4) - لأنه وقع باطلا، ولا موجب لتصحيحه، والأصل بقاء ما كان على ما كان. ولأن العقد الفاسد لا عبرة به، فلا يكون لمجلسه

(1) في " ق، ك ": " بخلافه " بدل " بخلاف ذلك ".
(2) حلية العلماء 4: 136، المغني 4: 312، الشرح الكبير 4: 65، وفيها نسبة القول إلى الشافعي.
(3) حلية العلماء 4: 136، المغني 4: 312، الشرح الكبير 4: 65.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 124، روضة الطالبين 3: 77، المجموع 9: 375.

[ 302 ]

حكم، بخلاف الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن كان الحذف في المجلس، انقلب صحيحا. وهو القول الآخر للشافعي (1). مسألة 131: لو زاد في الثمن أو المثمن أو زاد شرط الخيار أو الأجل أو قدرهما، فإن كان بعد لزوم العقد، لم يلحق بالعقد، لأن زيادة الثمن لو التحقت بالعقد، لوجب على الشفيع كل ذلك، والتالي باطل إجماعا. وكذا الحكم في رأس مال السلم والمسلم فيه والصداق وغيرها. وكذا لو نقص في مدة الخيار من الثمن وغيره، لا يلتحق بالعقد حتى يأخذ الشفيع بما سمي في العقد لا بما بقي بعد الحط، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: الزيادة في المثمن والصداق ورأس المال في السلم تلزم، وكذا في الثمن إن كان باقيا. وإن كان تالفا، فله مع أصحابه اختلاف فيه، ولا يثبت في المسلم فيه على المشهور. وشرط الأجل يلتحق بالعقد في الثمن والأجرة والصداق وسائر الأعواض. قال: فأما الحط: فإن حط البعض، يلتحق بالعقد دون حط الكل (3). وإن كانت هذه الإلحاقات قبل لزوم العقد بأن كانت في مجلس العقد أو في زمن الخيار المشروط، فعندنا لا تلتحق كما لا تلتحق بعد لزوم العقد، لتمام العقد، كما بعد اللزوم. وللشافعي ثلاثة أقوال، هذا أحدها.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 124، روضة الطالبين 3: 77 - 78، المجموع 9: 375.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 124 - 125، روضة الطالبين 3: 78، المجموع 9: 375. (3) العزيز شرح الوجيز 4: 125.

[ 303 ]

والثاني: أنها تلحق في خيار المجلس دون خيار الشرط، لأن مجلس العقد كنفس العقد، ألا ترى أنه يصلح لتعيين رأس مال السلم والعوض في عقد الصرف، بخلاف زمان الخيار المشروط؟ والثالث: أنها تلحق. أما في مجلس العقد: فلما ذكرناه. وأما في زمن الخيار المشروط: فلأنه في معناه من حيث إن العقد غير مستقر بعد، والزيادة قد يحتاج إليها لتقرير (1) العقد، فإن زيادة العوض من أحدهما تدعو الآخر إلى إمضاء العقد. ثم اختلف أصحابه. فقال بعضهم: هذا الجواز مطلق. وقال بعضهم: بل هو مفرع على قولنا: إن الملك في زمن الخيار للبائع، فأما إذا قلنا: إنه للمشتري، أو قلنا: إنه موقوف وأمضينا (2) العقد، لم يلتحق، كما بعد اللزوم. وإن قلنا: إنه موقوف واتفق الفسخ، فيلحق، ويرتفع بارتفاع العقد، لأنا إذا قلنا: إن الملك للمشتري، فالزيادة في الثمن لا يقابلها شئ من المثمن. وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شئ من العوض، وحينئذ يمتنع الحكم بلزومهما. وإذا قالوا: إنها تلتحق، فالزيادة تجب على الشفيع كما تجب على المشتري. وفي الحط قبل اللزوم مثل هذا الخلاف. فإن الحق بالعقد، انحط عن الشفيع أيضا. وعلى هذا الوجه ما يلتحق بالعقد من الشروط الفاسدة

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: لتقدير. والصحيح ما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: وإمضاء. والصحيح ما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.

[ 304 ]

قبل انقضاء الخيار بمثابة ما لو اقترنت بالعقد في إفساده. وإن حط جميع الثمن، كان كما لو باع بغير ثمن (1). وقد قلنا ما عندنا في ذلك. وقد بقي من المناهي ما يذكر في مظانه، كالمحاقلة والمزابنة، ويذكران في بيع الثمار، لتعلقهما بها، وغير ذلك من المناهي المحرمة والمكروهة يذكر إن شاء الله تعالى في لواحق البيع.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 125 - 126، روضة الطالبين 3: 78، المجموع 9: 374 - 375.

[ 305 ]

المقصد الثاني: في أنوع البيع وفيه فصول: الأول: في الحيوان. وفيه مطلبان: الأول: الاناسي من أنواع الحيوان إنما يملكون بسبب الكفر الأصلي إذا سبوا ثم يسري الرق إلى ذرية المملوك وأعقابه وإن أسلموا ما لم يتحرروا بسبب من أسباب التحرير. سئل الصادق (عليه السلام) عن قوم مجوس خرجوا على ناس من المسلمين في أرض الإسلام هل يحل قتالهم؟ قال: " نعم وسبيهم " (1). وسئل الكاظم (عليه السلام) عن القوم يغيرون على الصقالبة (2) والنوبة (3) فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم مسروقون، إنما أغاروا (4) عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال: " لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم (5) من الشرك إلى دار الإسلام " (6).

(1) التهذيب 6: 161 / 294.
(2) الصقالبة: جيل تتاخم بلادهم بلاد الخزر بين بلغر وقسطنطينية. القاموس المحيط 1: 93 " صقلب ".
(3) النوبة: جيل من السودان. لسان العرب 1: 776 " نوب ". (4 و 5) في النسخ الخطية والحجرية: أغار... أخرجهم. وما أثبتناه من المصدر.
(6) التهذيب 6: 162 / 297.

[ 306 ]

ولو التقط الطفل من دار الحرب ولا مسلم فيها، ملك، ولا يملك لو التقط من دار الإسلام ولا من دار الحرب إذا كان فيها مسلم، لجواز أن يكون منه، لقول الصادق (عليه السلام): " المنبوذ حر " (1). وسئل الباقر (عليه السلام) عن اللقيطة، فقال: " حرة لا تباع ولا توهب " (2). فإذا انتفى هذا التجويز، ملك. ولو أقر اللقيط من دار الإسلام - بعد بلوغه - بالرقية، قبل، لقوله (عليه السلام): " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " (3). وقيل: لا يقبل، للحكم بحريته أولا شرعا، فلا يتعقبه الرق (4). أما لو كان معروف النسب، فإنه لا يقبل إقراره بالرقية قطعا. وبالجملة، كل من أقر على نفسه بالعبودية وكان بالغا رشيدا مجهول النسب، حكم عليه بها، سواء كان المقر له مسلما أو كافرا، وسواء كان المقر مسلما أو كافرا. ولو رجع بعد إقراره عنه، لم يلتفت إلى رجوعه، لاشتماله على تكذيب إقراره، ودفع ما يثبت عليه عنه بغير موجب. ولو أقام بينة، لم تسمع، لأنه بإقراره أولا قد كذبها. أما لو اشترى عبدا فادعى الحرية، قبلت دعواه مع البينة، وإلا فلا. سئل الصادق (عليه السلام) عن شراء مماليك (5) أهل الذمة إذا أقروا لهم بذلك، فقال: " إذا أقروا لهم بذلك فاشتر وانكح " (6).

(1) الكافي 5: 224 / 2، التهذيب 7: 78 / 336.
(2) التهذيب 7: 78 / 334.
(3) لم نعثر عليه في المصادر الحديثية المتوفرة لدينا.
(4) ممن قال به ابن إدريس في السرائر 2: 354.
(5) في الكافي: مملوكي. وفي التهذيب: مملوك.
(6) الكافي 5: 210 / 7، التهذيب 7: 70 / 299.

[ 307 ]

مسألة 132: العبد الذي يوجد في الأسواق يباع ويشترى يجوز شراؤه. وإن ادعى الحرية، لم يقبل منه ذلك إلا بالبينة. وكذا الجارية، لأن ظاهر التصرف يقضي بالرقية. ولما رواه حمزة بن حمران - في الصحيح - أنه سأل الصادق (عليه السلام)، قال: أدخل السوق وأريد أشتري جارية، فتقول: إني حرة، فقال: " اشترها إلا أن تكون لها بينة " (1). وفي الصحيح عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك، أشتريه؟ قال: " نعم " (2). أما لو وجد في يده (3) وادعى رقيته ولم يشاهد شراؤه له ولا بيعه إياه، فإن كان كبيرا، فإن صدقه، حكم عليه بمقتضى إقراره. وإن كذبه، لم تقبل دعواه الرقية إلا بالبينة، عملا بأصالة الحرية. وإن سكت من غير تصديق ولا تكذيب، فالوجه: أن حكمه حكم التكذيب، إذ قد يكون السكوت لأمر غير الرضا. وإن كان صغيرا، فإشكال أقربه أصالة الحرية فيه. مسألة 133: يملك الرجل كل بعيد وقريب، سوى أحد عشر: الأب والأم، والجد والجدة لهما أو لأحدهما وإن علوا، والولد ذكرا كان أو أنثى، وولد الولد كذلك وإن نزل، والأخت، والعمة والخالة وإن علتا، كعمة الأب وخالته وعمة الجد وخالته وهكذا في التصاعد، سواء كانتا لأب أو لأم أو لهما، وبنت الأخ وبنت الأخت وإن نزلتا، سواء كانت الأخوة من الأبوين أو

(1) الكافي 5: 211 / 13، الفقيه 3: 140 / 613، التهذيب 7: 74 / 318.
(2) الفقيه 3: 140 / 614، التهذيب 7: 74 / 317.
(3) أي: في يد المتصرف.

[ 308 ]

من أحدهما، فمن ملك أحد هؤلاء عتق عليه. أما المرأة فتملك كل أحد، سوى الأب والأم والجد والجدة وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا. مسألة 134: الرضاع يساوي النسب في تحريم النكاح إجماعا. وهل يساويه في تحريم التملك؟ لعلمائنا قولان أحدهما: نعم - وهو الأقوى - لما رواه ابن سنان - في الصحيح - قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) - وأنا حاضر - عن امرأة أرضعت غلاما مملوكا لها من لبنها حتى فطمته هل يحل لها بيعه؟ قال: فقال: " لا، هو ابنها من الرضاعة حرم عليها بيعه وأكل ثمنه " قال: ثم قال: " أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ " (1). وعن السكوني عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) " أن عليا (عليه السلام) أتاه رجل، فقال: إن أمتي أرضعت ولدي وقد أردت بيعها، فقال: خذ بيدها وقل: من يشتري مني أم ولدي؟ " (2). فيحرم على الرجل أن يملك من الرضاع ما يحرم أن يملكه من النسب، كالأب وإن علا، والأم والبنت وإن نزلت وغيرهم مما تقدم. وكذا المرأة يحرم عليها أن تملك من الرضاع ما يحرم عليها من النسب. مسألة 135: يكره للإنسان أن يملك القريب غير من ذكرناه، كالأخ والعم والخال وأولادهم. وتتأكد في الوارث. ويصح أن يملك كل من الزوجين صاحبه، لعدم المقتضي للمنع،

(1) التهذيب 7: 326 / 1342.
(2) الفقيه 3: 309 / 1488، التهذيب 7: 325 / 1340.

[ 309 ]

لكن الزوجية تبطل. ولو ملك كل منهما بعض صاحبه، بطل النكاح أيضا. وما يؤخذ من دار الحرب بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصة، للرواية (1)، لكن رخصوا (عليهم السلام) لشيعتهم خاصة في حال غيبة الإمام (عليه السلام) التملك والوطء وإن كانت للإمام أو بعضها، ولا يجب إخراج حصة غير الإمام منها، لتطيب مواليد الشيعة. ولا فرق بين أن يسبيهم المسلم أو الكافر، لأن الكافر من أهل التملك، والمحل قابل للملكية. وكل حربي قهر حربيا فباعه صح بيعه وإن كان أخاه أو زوجته أو ابنه أو أباه، وبالجملة كل من ينعتق عليه وغيرهم، لأن الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها، قال: " لا بأس " (2). ولأن الصادق (عليه السلام) سئل عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها، قال: " لا بأس " (3). أما غير من ينعتق عليه: فلأن القاهر مالك للمقهور بقهره إياه. وأما من ينعتق عليه: ففيه إشكال ينشأ من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض. ودوام القرابة الرافعة للملك بالقهر. والتحقيق: صرف الشراء إلى الاستنقاذ وثبوت الملك للمشتري بالتسلط، ففي لحوق أحكام البيع حينئذ نظر.

(1) التهذيب 4: 135 / 378.
(2) التهذيب 7: 77 / 330، الاستبصار 3: 83 / 281.
(3) التهذيب 7: 77 / 329، الاستبصار 3: 83 / 280.

[ 310 ]

المطلب الثاني: في الأحكام. مسألة 136: كما يصح ابتياع جملة الحيوان كذا يصح ابتياع أبعاضه بشرطين: الإشاعة، وعلم النسبة، كالنصف والثلث، إجماعا، لوجود المقتضي خاليا عن المعارض. ولا يصح بيع الجزء المعين، فلو باعه يده أو رجله أو نصفه الذي فيه رأسه أو الآخر، بطل، لعدم القدرة على التسليم. وكذا لا يصح أن يبيع جزءا مشاعا غير معلوم القدر، مثل أن يبيعه جزءا منه أو نصيبا أو شيئا أو حظا أو قسطا أو سهما، بطل، للجهالة. ويصح لو باعه نصفه أو ثلثه أو غير ذلك من الأجزاء المشاعة المعلومة. ويحمل مطلقه على الصحيح، كما لو باعه النصف، فإنه يحمل على الجزء المشاع، لأصالة صحة العقد. أما المذبوح: فالأقوى عندي جوازه فيه، لزوال المانع هناك، فإن القدرة على التسليم ثابتة هنا، فيبقى المقتضي للصحة خاليا عن المانع. مسألة 137: لو استثنى البائع الرأس والجلد في الحي، فالأقرب: بطلان البيع في السفر والحضر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (1). وقال أحمد: يجوز ذلك. وتوقف في استثناء الشحم (2). وقال مالك: يجوز ذلك في السفر، ولا يجوز في الحضر، لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط. فجوز له أن يشتري اللحم

(1) حلية العلماء 4: 223، المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36، بدائع الصنائع 5: 175.
(2) حلية العلماء 4: 223، المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36.

[ 311 ]

دونها (1). وهو خطأ، لجواز انتفاعه ببيعها وغيره من الطبخ وشبهه. وقال بعض (2) علمائنا: يكون للبائع بنسبة ثمن الرأس والجلد إلى الباقي. وكذا لو اشترك اثنان في شراء شاة وشرط أحدهما الرأس والجلد، لم يصح، وكان له بقدر ما له، لرواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال: " اختصم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيرا واستثنى البيع الرأس والجلد ثم بدا للمشتري أن يبيعه، فقال للمشتري: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد " (3). وعن هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام) في رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم فجاء واشترك فيه رجل آخر بدرهمين بالرأس والجلد فقضي أن البعير برئ فبلغ ثمانية دنانير، فقال: " لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أريد الراس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد اعطي حقه إذا اعطي الخمس " (4). فروع: أ - قد نقلنا الخلاف في الصحة والبطلان. والأقرب عندي: التفصيل، وهو صحة أن يستثني البائع الرأس والجلد في المذبوح، والبطلان في الحي.

(1) المدونة الكبرى 4: 293، حلية العلماء 4: 223، المغني 4: 232، الشرح الكبير 4: 36.
(2) الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 92، المسألة 149.
(3) الكافي 5: 304 / 1، التهذيب 7: 81 / 350.
(4) الكافي 5: 293 / 4، التهذيب 7: 79 / 341 بتفاوت.

[ 312 ]

ب - لا فرق بين الرأس والجلد وغيرهما من الأعضاء. ولو استثنى الشحم، بطل البيع في الحي والمذبوح. وكذا لو استثنى عشرة أرطال من اللحم فيهما معا. ج - لو اشترك اثنان في شراء حيوان أو غيره وشرط أحدهما لنفسه الشركة في الربح دون الخسران، فالأقرب: بطلان الشرط. ولو شرطا أن يكون لأحدهما رأس المال، والربح والخسران للآخر، احتمل الجواز. د - لو قال إنسان لغيره: اشتر حيوانا أو غيره بشركتي أو بيننا، فاشتراه كذلك، صح البيع لهما، وعلى كل منهما نصف الثمن، لأنه عقد يصح التوكيل فيه، فيلزم الموكل حكم ما فعله الوكيل، فإن أدى أحدهما الجميع بإذن الآخر في الإنقاد عنه، لزمه قضاؤه، لأنه أمره بالأداء عنه. ولو لم يأذن له في الأداء عنه بل تبرع بذلك، لم يجب عليه القضاء، وكان شريكا في العين. ولو تلفت العين، كانت بينهما، ثم رجع الآخر على الآمر بما نقده عنه بإذنه. مسألة 138: لو اشترى اثنان جارية، حرم على كل واحد منهما وطؤها. فإن وطئها أحدهما لشبهة، فلا حد، لقوله (عليه السلام): " ادرؤا الحدود بالشبهات " (1). ولو كان عالما بالتحريم، سقط من الحد بقدر نصيبه، وحد بقدر نصيب شريكه.

(1) تاريخ بغداد 9: 303، إحكام الفصول في أحكام الأصول: 686، كنز العمال 5: 305 / 12957 نقلا عن أبي مسلم الكجي عن عمر بن عبد العزيز مرسلا.

[ 313 ]

فإن حملت، قوم عليه حصة الشريك وانعقد الولد حرا وإن كان عالما بالتحريم، لتمكن الشبهة فيه بسبب الملكية التي له فيها، وعلى أبيه قيمة حصة الشريك منه يوم الولادة، لأنه وقت الحيلولة وأول أوقات التقويم. إذا تقرر هذا، فإنه لا تقوم هذه الأمة على الواطئ الشريك بدون الحمل، خلافا لبعض (1) علمائنا، لعدم المقتضي له. ويحتمل التقويم بمجرد الوطئ، لإمكان العلوق منه، وتحفظا من اختلاط الأنساب. وفي رواية ابن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجال اشتركوا في أمة، فائتمنوا بعضهم على أن تكون الأمة عنده، فوطئها، قال: " يدرأ عنه من الحد بقدر ما له فيها من النقد، ويضرب بقدر ما ليس له فيها، وتقوم الأمة عليه بقيمة ويلزمها، فإن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتريت به الجارية الزم ثمنها الأول، وإن كان قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه (2) أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر، لأنه استفرشها " قلت: فإن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل، قال: " ذلك له، وليس له أن يشتريها حتى تستبرأ، وليس على غيره أن يشتريها إلا بالقيمة " (3). وهذه الرواية غير دالة على المطلوب من وجوب التقويم بنفس الوطئ، لأنه سوغ لغيره من الشركاء شراءها، فلو وجب التقويم، لم يجز ذلك. إذا ثبت هذا، فنقول: لو أراد الواطئ شراءها بمجرد الوطئ، لم تجب

(1) الشيخ الطوسي في النهاية: 411 - 412.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " بها " بدل " فيه ". وما أثبتناه من المصدر.
(3) الكافي 5: 217 / 2، التهذيب 7: 72 / 309.

[ 314 ]

إجابته لكن تستحب، ومع الحمل يجب التقويم، فإذا قومت عليه بمجرد الوطئ، فلا يخلو إما أن تكون قيمة الجارية حينئذ أقل من الثمن الذي اشتريت به أو أكثر أو مساويا. ولا إشكال في المساوي والأكثر بل في الأقل، فنقول: لا يجب عليه زيادة عن القيمة، وتحمل الرواية على ما إذا نقصت القيمة بالوطئ، وأنه يجب عليه تمام الثمن إذا كانت الجارية تساويه لولاه. ويؤيده تعليله (عليه السلام) بقوله: " لأنه استفرشها " ولو أراد أحد الشركاء شراءها وأجيب إليه، لم يجب عليه أكثر من القيمة، لعدم وقوع نقصان منه للعين وأوصافها. مسألة 139: لو اشترى حيوانا، ثبت له الخيار مدة ثلاثة أيام على ما يأتي. فلو باعه حيوانا ثم تجدد فيه بعد الشراء عيب قبل القبض، كان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء، وكذا غير الحيوان، فإن أختار الفسخ، فلا بحث. وإن أختار الإمضاء، أمسك بجميع الثمن على رأي، ومع الأرش على الأقوى، لأن الجميع مضمون على البائع وكذا أبعاضه. ولو تلف الحيوان بعد القبض في يد المشتري، فضمانه على البائع أيضا إذا لم يحدث فيه المشتري حدثا ولا تصرف فيه إذا كان التلف في الثلاثة، لأن الخيار فيها للمشتري، فالضمان على البائع. ولقول الصادق (عليه السلام): " إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة، فهو من مال البائع " (1). أما لو أحدث فيه وتصرف ثم تلف، لم يكن له الرجوع على البائع بشئ. وكذا لو تلف بعد الثلاثة وإن لم يتصرف، لسقوط الخيار حينئذ.

(1) الفقيه 3: 127 / 555، التهذيب 7: 67 / 288.

[ 315 ]

وكذا لو تلف غير الحيوان بعد القبض ولا خيار هناك، فمن ضمان المشتري. ولو تجدد في الحيوان عيب في الثلاثة من غير جهة المشتري، تخير - كالأول - في الرد والإمساك مجانا أو مع الأرش على الأقوى، لما تقدم من أن جميعه مضمون على البائع فكذا أبعاضه. ولو كان العيب سابقا، كان له الرد مع عدم التصرف مطلقا، سواء كان حيوانا أو غيره، ذا خيار أو غيره، وله الأرش مخيرا فيهما. ولو تصرف، لم يكن له الرد مطلقا إلا مع وطئ الأمة الحامل وحلب الشاة المصراة خاصة، لكن يثبت له الأرش. وإذا رد، لم يلزمه - سوى العين - شئ، لأن العيب مضمون على البائع، ولا يمنع العيب المتجدد من الرد بالعيب السابق. أما لو تجدد بعد الثلاثة أو كان المشتري قد تصرف في العين، لم يكن له الرد لا مع الأرش ولا بدونه. ووافقنا مالك على أن عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا في الجنون والجذام والبرص، فأيها إذا ظهر في السنة يثبت (1) الخيار (2)، كما قلناه نحن. ومنع الشافعي (3) من ذلك. مسألة 140: لو باع أمة أو دابة وكانت حبلى، فإن شرط دخول الحمل في البيع بأن قال: بعتك هذه الأمة وحملها، لم يصح، لأنه مجهول على ما

(1) في " ق، ك ": ثبت.
(2) الاستذكار 19: 37، المعونة 2: 1064، التلقين 1 - 2: 392، مختصر اختلاف العلماء 3: 98 / 1176، معالم السنن - للخطابي - 5: 156، حلية العلماء 4: 242.
(3) حلية العلماء 4: 241، الاستذكار 19: 40 - 41 / 28051، معالم السنن - للخطابي - 5: 157، المعونة 2: 1064.

[ 316 ]

تقدم (1). وإن شرطه فقال: بعتك هذه الأمة بكذا والحمل لك، دخل الحمل في البيع، وكان مستحقا للمشتري، كما لو اشترط دخول الثمرة. وإن استثناه البائع، لم يدخل في البيع، وكان باقيا على ملكه. وإن أطلق، فكذلك يكون للبائع، لأنه ليس جزءا من الأم، فلا يدخل في مسماها. وقال الشافعي: لو أطلق، دخل الحمل في البيع تبعا، لأنه كالجزء منه (2). وهل يقابله قسط من الثمن؟ له خلاف [ و ] (3) أقوال تأتي. ولو استثنى البائع الحمل، ففي صحة البيع عنده وجهان (4). إذا تقرر هذا، فلو علم وجود الحمل عند البائع، كان الولد له ما لم يشترطه المشتري. ولو أشكل ولم يعلم أنه هل تجدد عند المشتري أو كان عند البائع، حكم به للمشتري، لأصالة العدم السابق. فلو وضعت الجارية الولد لأقل من ستة أشهر، فهو للبائع، ولو كان لأزيد من مدة الحمل، فهو للمشتري. ولو كان بينهما، فكذلك. فإن اختلفا في وقت إيقاع البيع فادعى المشتري تقدمه على ستة أشهر والبائع تأخره عن ستة أشهر، قدم قول البائع مع عدم البينة واليمين. ولو سقط الولد قبل قبضه أو في الثلاثة من غير فعل المشتري وكان

(1) في ص 275، المسألة 125.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 526، العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72، المجموع 9: 324، الاستذكار 19: 14 / 27911.
(3) أضفناها لأجل السياق.
(4) الوسيط 3: 85، العزيز شرح الوجيز 4: 116، روضة الطالبين 3: 72، المجموع 9: 324.

[ 317 ]

الولد مشترطا في البيع، قومت حاملا وحائلا، وأخذ من الثمن بنسبة التفاوت. ولو اشترى الدابة أو الأمة على أنها حامل فلم تكن كذلك، فله الرد مع عدم التصرف، والأرش مع التصرف. مسألة 141: العبد والأمة لا يملكان شيئا عند أكثر (1) علمائنا - سواء ملكهما مولاهما شيئا أو لا - لا أرش جناية ولا فاضل ضريبة ولا غيرهما. ووافقنا الشافعي في ذلك إذا لم يملكه مولاه، فإن ملكه مولاه، فقولان: أحدهما - القديم -: أنه يملك، وبه قال مالك إلا أنه قال: يملك وإن لم يملكه مواليه و [ إليه ] (2) ذهب داود وأهل الظاهر وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني للشافعي - الجديد -: أنه لا يملك - كما قلناه نحن - وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق (3)، وهو مذهب الشيخ أبي جعفر من علمائنا. وقال أيضا: إنه يملك فاضل الضريبة وأرش الجناية (4).

(1) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 121، المسألة 207، وابن إدريس في السرائر 2: 353، والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2: 58.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) الوسيط 3: 204، الوجيز 1: 152، العزيز شرح الوجيز 4: 374، الحاوي الكبير 5: 265 و 266، حلية العلماء 5: 360، التهذيب - للبغوي - 3: 467، روضة الطالبين 3: 230، المحلى 8: 320، أحكام القرآن - لابن العربي - 3: 1165، الجامع لأحكام القرآن 10: 147، المعونة 2: 1069، المغني 4: 277.
(4) النهاية: 543.

[ 318 ]

لنا: قوله تعالى: * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) * (1) وقوله تعالى: * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) * (2) نفى عن المماليك ملكية شئ ألبتة. ولأنه مملوك فلا يكون مالكا، لتوقف ملكيته لغيره على ملكيته لنفسه. ولأنه مال فلا يصلح أن يملك شيئا، كالدابة. احتجوا بما رواه العامة عنه (عليه السلام) " من باع عبدا وله مال فماله للعبد إلا أن يستثنيه السيد " (3). ومن طريق الخاصة بما رواه زرارة قال: سألت الصادق (عليه السلام): الرجل يشتري المملوك وماله، قال: " لا بأس به " قلت: فيكون مال المملوك أكثر مما اشتراه به، قال: " لا بأس " (4). ولأنه آدمي حي فأشبه الحر. والجواب عن الأول: أنه غير ثابت عندهم، ومعارض بما رواه العامة، وهو قوله (عليه السلام): " من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع " (5) ولو ملكه العبد، لم يكن للبائع، فلما جعله للبائع دل على انتفاء ملكية العبد. ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن

(1) النحل: 75.
(2) الروم: 28.
(3) سنن الدار قطني 4: 133 - 134 / 31، وفيه: " من أعتق عبدا... " (4) الكافي 5: 213 / 3، الفقيه 3: 139 / 606، التهذيب 7: 71 / 305.
(5) سنن أبي داود 3: 268 / 3433 و 3435، سنن البيهقي 5: 324، مسند أحمد 2: 73 / 4538، و 4: 231 / 13802.

[ 319 ]

أحدهما (عليهما السلام)، قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا، فقال: " المال للبائع، إنما باع نفسه، إلا أن يكون شرط عليه أن ما كان له من مال أو متاع فهو له " (1) والتقريب ما تقدم. لا يقال: لو لم يملك العبد شيئا، لم تصح الإضافة إليه. ولأنه يملك النكاح. لأنا نقول: الإضافة إلى الشئ قد تصح بأدنى ملابسة، كقولك لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك. وقال الشاعر: إذا كوكب الخرقاء... *.........
(2) أضاف الكوكب إليها، لشدة سيرها فيه. وملك النكاح، للحاجة إليه والضرورة، لأنه لا يستباح في غير ملك. ولأنه لما ملكه لم يملك السيد إزالة يده عنه، بخلاف المال، فافترقا. فروع: أ - قال الشيخ (رحمه الله): إذا باع العبد وله مال، فإن كان البائع يعلم أن له مالا، دخل المال في البيع. وإن لم يعلم، لم يدخل وكان للبائع (3)، لما رواه زرارة - في الحسن - عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله؟ فقال: " إن كان علم البائع أن له مالا، فهو

(1) الكافي 5: 213 / 2، التهذيب 7: 71 / 306.
(2) المحتسب 2: 228، المخصص 6: 4، شرح المفصل، المجلد 1، الجزء 3، الصفحة 8، المقرب: 235، لسان العرب 1: 639 " غرب ". وتمام البيت هكذا: إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل أذاعت غزلها في الغرائب (3) النهاية: 543.

[ 320 ]

للمشتري، وإن لم يكن علم، فهو للبائع " (1). والجواب: أنه محمول على ما إذا شرطه المشتري، عملا بالأصل، وبما تقدم (2) في رواية محمد بن مسلم. والحق أن المال للبائع، سواء علم به أو لا ما لم يشترطه المشتري. ب - لو اشتراه وماله جميعا، صح البيع بشرطين: العلم بمقداره، وأن لا يتضمن الربا. فلو كانت معه مائة درهم واشتراه مع ماله بمائة درهم، لم يصح البيع، لأنه ربا. ولو اشتراه بمائة ودرهم، صح البيع، وكان المائة مقابلة المائة، والدرهم في مقابلة العبد. وكذا لو اشتراه بغير الجنس أو لم يكن الثمن ربويا أو لم يكن المال الذي معه ربويا. ولو اشتراه وماله مع جهله بالمال، لم يصح، لأنه جزء من المبيع مقصود فوجب العلم به. ج - لو اشتراه وشرط ماله، فكذلك. فإن كانا ربويين، شرطت زيادة الثمن، وإلا فلا، إلا في شئ واحد، وهو العلم بقدر المال، فإنه ليس شرطا هنا، لأنه تابع للمبيع ليس مقصودا بالذات، فكان كماء الآبار وخشب السقوف. وقال (3) بعض الشافعية: إنما تجوز الجهالة فيما كان تبعا (4) إذا لم يمكن إفراده بالبيع، وإنما تجوز الجهالة في مال العبد، لأنه ليس بمبيع، وإنما يبقى على ملك العبد، والشرط يفيد عدم زوال ملكه إلى

(1) الكافي 5: 213 / 1، الفقيه 3: 138 / 605، التهذيب 7: 71 / 307.
(2) في ص 319.
(3) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: وبه قال. والصحيح ما أثبتناه.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: بيعا. والصحيح ما أثبتناه.

[ 321 ]

البائع، بل يكون للعبد، فيكون المشتري يملك عليه (1). د - إن قلنا: إن العبد يملك، فإنه يملك ملكا ناقصا لا تتعلق به الزكاة، وحينئذ تسقط، أما عن العبد: فلعدم تمامية الملك، كالمكاتب. وأما عن السيد: فلأنه ملك الغير. وإن نفينا الملك، فالزكاة على السيد، لتمامية الملك في حقه. ولو ملكه جارية، جاز له وطؤها على التقديرين، لجواز الإباحة، فالتمليك لا يقصر عنها وإن نفيناه لتضمنه إياها. وإذا وجب عليه كفارة، فإن قلنا: يملك، كفر بالمال، وإلا بالصيام، ولا يدخل في البيع وإن قلنا: إن العبد يملك، لما تقدم من الأحاديث. ه‍ - لو اشترى عبدا له مال وقلنا بملكية العبد فاشترطه المبتاع فانتزعه المبتاع من العبد فأتلفه (2) ثم وجد بالعبد عيبا، لم يكن له الرد - وبه قال الشافعي (3) - لأن العبد يكثر قيمته إذا كان له مال، وبتلف المال نقصت قيمته، فلم يجز رده ناقصا. وقال داود: يرد العبد وحده، لأن ما انتزعه لم يدخل في البيع (4). وهو غلط، لنقص القيمة كما قلناه. و - لو اشترى عبدا مأذونا له في التجارة وقد ركبته الديون ولم يعلم المشتري، لم يثبت له الخيار، لأن الديون تتعلق بالمولى. وإن قلنا: تتعلق

(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 337، وروضة الطالبين 3: 203.
(2) في " ق، ك ": وأتلفه.
(3) حلية العلماء 4: 277، وحكاه عنه أيضا الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 125، المسألة 210.
(4) المحلى 8: 422، المغني 4: 276، الشرح الكبير 4: 323 - 324، وحكاه عنه أيضا الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 125، المسألة 210.

[ 322 ]

بالعبد، فلا تتعلق برقبته بل بذمته، وذلك غير ضائر للمشتري، فلا يكون عيبا في حقه، وبه قال الشافعي (1). وقال مالك: يثبت له الخيار (2). وقال أبو حنيفة: البيع باطل. وبناه على أصله من تعلق الديون برقبته (3). ز - لو قال العبد لغيره: اشترني ولك علي كذا، لم يلزمه شئ، سواء كان للمملوك مال حين قوله أولا، وسواء شرط المبتاع المال أو لا، وسواء قلنا: العبد يملك أو لا، وسواء قلنا: المال يدخل في الشراء مع علم البائع أو لا، لأن المولى لا يثبت له على عبده شيئا. وللشيخ قول آخر: إنه يجب عليه الدفع إن كان له شئ في تلك الحال، وإلا فلا (4). وقد روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال له غلام: إني كنت قلت لمولاي: بعني بسبعمائة درهم ولك علي ثلاثمائة درهم، فقال الصادق (عليه السلام): " إن كان لك يوم شرطت أن تعطيه [ شئ ] (5) فعليك أن تعطيه، وإن لم يكن لك يومئذ شئ فليس عليك شئ " (6). مسألة 142: لو دفع إنسان إلى عبد غيره مأذونا له في التجارة مالا ليشتري نسمة ويعتقها ويحج عنه بالباقي، فاشترى المأذون أباه ودفع إليه بقية المال للحج فحج به، ثم اختلف مولى المأذون وورثة الدافع ومولى

(1 - 3) حلية العلماء 4: 273.
(4) النهاية: 412. (5) ما بين المعقوفين من المصدر.
(6) الكافي 5: 219 / 1، التهذيب 7: 74 / 316.

[ 323 ]

الأب، فكل منهم يقول: اشتري بمالي، قال الشيخ: يرد الأب إلى مواليه يكون رقا كما كان، ثم أي الفريقين الباقيين أقام البينة بما ادعاه، حكم له به (1)، لما رواه ابن أشيم عن الباقر (عليه السلام) في عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم، فقال: اشتر بها نسمة وأعتقها عني وحج بالباقي، ثم مات صاحب الألف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي يحج عن الميت، فحج عنه، فبلغ ذلك موالي أبيه وورثة الميت جميعا فاختصموا جميعا في الألف، فقال موالي معتق العبد: إنما اشتريت أباك بمالنا. وقال الورثة: إنما اشتريت أباك بمالنا. وقال موالي العبد: إنما اشتريت أباك بمالنا، فقال أبو جعفر (عليه السلام): " أما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه، وأي الفريقين أقاموا البينة أنه اشترى أباه من أموالهم كان لهم رقا " (2). وابن أشيم ضعيف، فلا يعول على روايته، على أنا نحمل الرواية على إنكار موالي الأب البيع، وحينئذ يقدم قوله، ثم أي الفريقين أقام البينة على دعواه حكم له بها. وعلى ظاهر الرواية ينبغي أن يدفع الأب إلى مولى الابن المأذون، لأن ما في يد المملوك لمولاه. ولو أقام كل من الثلاثة بينة على دعواه، فإن رجحنا بينة ذي اليد، فالحكم كما تقدم من دفع الأب إلى مولى المأذون. وإن رجحنا بينة الخارج، فالأقرب: ترجيح بينة الدافع، عملا بمقتضى صحة البيع، فهو معتضد بالأصل.

(1) النهاية: 414.
(2) الكافي 7: 62 / 20، التهذيب 7: 234 - 235 / 1023، و 9: 243 - 244 / 945 بتفاوت في بعض الألفاظ.

[ 324 ]

ويحتمل تقديم بينة مولى الأب، لادعائه ما ينافي الأصل، وهو الفساد. مسألة 143: إذا كان مملوكان لشخصين مأذونان لهما في التجارة اشترى كل منهما الآخر من مالكه لمولاه، فإن سبق عقد أحدهما، صح عقده، وبطل عقد الآخر، لأن للمأذون الشراء لمولاه والعبد قابل للنقل بالابتياع، فلا مانع للمقتضي عن مقتضاه، ولما انتقل العبد إلى مولى الأول بطل الإذن من مولاه له، فلم يصادف العقد أهلا يصدر عنه على الوجه المعتبر شرعا، فكان عقده لاغيا. وإن اقترن العقدان في وقت واحد، بطلا، لأن حالة شراء كل واحد منهما لصاحبه هي حالة بطلان الإذن من صاحبه له. وقال الشيخ في النهاية: يقرع بينهما، فمن خرج اسمه كان البيع له، ويكون الآخر مملوكه. ثم قال: وقد روي أنه إذا اتفق أن يكون العقدان في حالة واحدة، كانا باطلين. والأحوط ما قدمناه (1). ويؤيد ما اخترناه نحن من البطلان مع الاتفاق زمانا: رواية أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام) في رجلين مملوكين مفوض إليهما يشتريان ويبيعان بأموالهما وكان بينهما كلام فخرج هذا ويعدو إلى مولى هذا، وهذا إلى مولى هذا، وهما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد، وذهب هذا فاشترى هذا من مولى العبد الآخر فانصرفا إلى مكانهما فتشبث كل واحد منهما بصاحبه وقال له: أنت عبدي قد اشتريتك من سيدك. قال:

(1) النهاية: 412.

[ 325 ]

" يحكم بينهما من حيث افترقا، يذرع الطريق فأيهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد، وإن كانا سواء فهما رد على مواليهما، جاءا سواء وافترقا سواء إلا أن يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له إن شاء باع وإن شاء أمسك، وليس له أن يضر به " (1). ثم قال الشيخ في التهذيب عقيب هذه الرواية: وفي رواية أخرى: " إذا كانت المسافة سواء يقرع بينهما فأيهما وقعت القرعة به كان عبدا للآخر " (2). فروع: أ - حكم الإمام (عليه السلام) بذرع الطريق بناء على الغالب والعادة، فإن كل واحد منهما يجد فيما يرومه، لدلالة قول الراوي: ذهب كل منهما يعدو إلى مولى الآخر. والتقدير أنهما متساويان في القوة، والأصل عدم المانع، فبالضرورة يكون من كانت مسافته أقل أسبق في العقد من الآخر، ومع التساوي في المسافة يحكم بالاقتران، للظن الغالب به، فإن فرض تقدم أحدهما، صح عقده، وإلا بطلا، لما تقدم. ب - الرواية بالقرعة لم نقف عليها، لكن الشيخ (رحمه الله) ذكر هذا الإطلاق في النهاية والتهذيب (3). والظاهر أن القرعة لاستخراج الواقع أولا مع علم المتقدم واشتباه تعيينه، أو مع الشك في التقدم وعدمه، أما مع الاقتران فلا وجه للقرعة.

(1) التهذيب 7: 72 - 73 / 310.
(2) التهذيب 7: 73 / 311.
(3) النهاية: 412، التهذيب 7: 73 / 311.

[ 326 ]

ج - لو قلنا بصحة وكالة السيد لعبده في الشراء فاتفق أن وكل كل واحد منهما مملوكه في شراء الآخر له، صح العقدان معا إن لم تبطل الوكالة مع الانتقال. د - لا نريد بالبطلان في الموضع الذي حكمنا به هنا وقوع العقدين فاسدين، بل أن يكون العقدان هنا بمنزلة عقد الفضولي إن أجازه الموليان، صحا معا، وإلا فلا. ولو أجازه أحدهما خاصة، صح عقده خاصة. ه‍ - لو اشترى كل منهما الآخر لنفسه بإذن مولاه وقلنا: إن العبد يملك ما يملكه مولاه، فإن اقترنا، بطلا. وإن سبق أحدهما، فهو المالك للآخر (1). مسألة 144: لو اشترى من غيره جارية ثم ظهر أنها سرقت من أرض الصلح، قال الشيخ (رحمه الله): يردها المشتري على البائع أو ورثته ويسترجع الثمن. ولو لم يخلف وارثا، استسعيت الجارية في ثمنها (2)، لما رواه مسكين السمان، قال: سألت الصادق (عليه السلام): عن رجل اشترى جارية سرقت من أرض الصلح، قال: " فليردها على الذي اشتراها منه، ولا يقربها إن قدر عليه لو كان موسرا " قلت: جعلت فداك فإنه قد مات ومات عقبه، قال: " فليستسعها " (3). ولأنه بيع باطل، لظهور الملكية لغير البائع. والرد على البائع، لاحتمال أن يكون السارق غيره وقد حصلت في يده، فتدفع إليه على سبيل الأمانة إلى أن يحضر مالكها ويسترجع الثمن منه.

(1) الفرعان " د، ه‍ " لم يردا في " ك ".
(2) النهاية: 414.
(3) التهذيب 7: 83 / 355، وفيه: "... أو كان موسرا... ".

[ 327 ]

وبالجملة، فهذه الرواية مشكلة. والمعتمد هنا: أن المشتري يدفع الجارية إلى الحاكم ليجتهد في ردها على مالكها الذي سرقت منه، ولا شئ للمشتري مع تلف البائع من غير تركة. ولا تستسعى الجارية، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه. وقيل: تكون بمنزلة اللقطة (1). مسألة 145: لو اشترى عبدا موصوفا في الذمة فدفع البائع إليه عبدين ليختار واحدا منهما فأبق أحدهما من يد المشتري، قال الشيخ (رحمه الله): يرد المشتري إلى البائع العبد الباقي، ويسترجع نصف الثمن، ويطلب الآبق، فإن وجده، أختار حينئذ، ورد النصف الذي قبضه من البائع إليه. وإن لم يجده، كان العبد الباقي بينهما (2)، لما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عبدا وكان عنده عبدان وقال للمشتري: اذهب بهما فاختر أحدهما ورد الآخر وقد قبض المال، فذهب بهما المشتري فأبق أحدهما من عنده، قال " ليرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى من البيع، ويذهب في طلب الغلام، فإن وجده أختار أيهما شاء ورد النصف الذي أخذ، وإن لم يجده كان العبد بينهما، نصف للبائع ونصف للمبتاع " (3). والرواية ضعيفة السند. ومثل هذه الرواية رواها محمد بن مسلم عن الباقر (4) (عليه السلام).

(1) القائل به هو ابن إدريس في السرائر 2: 356.
(2) النهاية: 411.
(3) التهذيب 7: 82 - 83 / 354.
(4) الكافي 5: 217 / 1، الفقيه 3: 88 / 330.

[ 328 ]

والمعتمد: أن التالف مضمون على المشتري بقيمته، لأنه كالمقبوض بالسوم، وله المطالبة بالعبد الثابت في ذمة البائع بالبيع. فرع: لو اشترى عبدا من عبدين، لم يصح، للجهالة. مسألة 146: يجب على البائع للجارية استبراؤها قبل بيعها - إذا كان يطؤها - بخمسة وأربعين يوما إن كانت من ذوات الحيض ولم تر الدم. ولو رأت الدم، استبرأها بحيضة. ولو كانت صغيرة أو يائسة أو حاملا أو حائضا، فلا استبراء. وكذا يجب على المشتري استبراؤها بعد شرائها قبل وطئها لو جهل حالها، لئلا تختلط الأنساب. وهذا الاستبراء بمنزلة العدة في الحرة. ولو أخبره البائع الثقة باستبرائها، صدقه، ولم يجب عليه الاستبراء، تنزيلا لإخبار المسلم على الصدق. ولو كانت الجارية لامرأة فاشتراها منها، لم يجب عليه الاستبراء، إذ لا يتحقق اختلاط النسب هنا. ولو اشترى أمة حاملا، لم يجز له وطؤها قبلا قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أن تضع، فإن وطئها، عزل عنها استحبابا. وإن (1) لم يعزل، كره له بيع ولدها. ويستحب له أن يعزل له من ميراثه قسطا. تنبيه: أطلق علماؤنا كراهة وطئ الأمة الحامل بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام. وعندي في ذلك إشكال.

(1) في " ق، ك ": فإن.

[ 329 ]

والتحقيق فيه أن نقول: هذا الحمل إن كان من زنا، لم تكن له حرمة، وجاز وطؤها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام وبعدها. وإن كان عن وطئ مباح أو جهل الحال فيه، فالأقوى: المنع من الوطئ حتى تضع. مسألة 147: يكره وطؤ المولودة من الزنا بالملك والعقد معا، لأنه قد ورد كراهة الحج والتزويج من ثمنها فالنكاح لها أبلغ في الكراهة. روى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: تكون المملوكة من الزنا أحج من ثمنها وأتزوج؟ فقال: " لا تحج ولا تتزوج منه " (1). وعن أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: " لا يطيب ولد الزنا أبدا، ولا يطيب ثمنه، والممزيز (2) لا يطيب إلى سبعة آباء " فقيل: وأي شئ الممزيز (3)؟ قال: " الرجل يكسب مالا من غير حله فيتزوج أو يتسرى فيولد له فذلك الولد هو الممزيز (4) " (5). إذا ثبت هذا، فإن خالف ووطئ، فلا يطلب الولد منها. مسألة 148: يكره للرجل إذا اشترى مملوكا أن يريه ثمنه في الميزان. ويستحب له تغيير اسمه، وأن يطعمه شيئا من الحلاوة، وأن يتصدق عنه بأربعة دراهم، لما رواه زرارة قال: كنت عند الصادق (عليه السلام)، فدخل عليه رجل ومعه ابن له، فقال له الصادق (عليه السلام): " ما تجارة ابنك؟ " فقال: التنخس، فقال له الصادق (عليه السلام): " لا تشتر سبيا ولا غبيا (6)، فإذا اشتريت رأسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان

(1) الكافي 5: 226 / 8، التهذيب 7: 78 / 332، الاستبصار 3: 105 / 368. (2 - 4) في الطبعة الحجرية: الممزير. وفي الكافي: الممراز.
(5) الكافي 5: 225 / 6، التهذيب 7: 78 / 333.
(6) في الكافي: " ولا عيبا ".

[ 330 ]

فأفلح، وإذا اشتريت رأسا فغير اسمه وأطعمه شيئا حلوا إذا ملكته، وتصدق عنه بأربعة دراهم " (1). وقال الصادق (عليه السلام): " من نظر إلى ثمنه وهو يوزن لم يفلح " (2). مسألة 149: قد بينا أنه يجب الاستبراء في شراء الإماء، وستأتي تتمته في باب العدد إن شاء الله تعالى. إذا ثبت هذا، فإذا باع الجارية وسلم المشتري إليه الثمن، وجب عليه تسليم الجارية في مدة الاستبراء إلى المشتري، سواء كانت جميلة أو قبيحة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (3). وقال مالك: إن كانت جميلة، لا يسلمها، وإنما يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ. وإن كانت قبيحة أجبر على تسليمها، لأن الجميلة يلحقه فيها التهمة فمنع منها (4). وليس بجيد، لأن الظاهر العدالة والسلامة، فلا يسقط حقه من القبض بالتهمة. ويبطل أيضا بأنه مبيع لا خيار فيه، فإذا نقد الثمن، وجب تسليمه، كسائر المبتاعات (5). إذا تقرر هذا، فإن اتفقا على وضعها على يد عدل، فإن قبضها

(1) الكافي 5: 212 / 14، التهذيب 7: 70 - 71 / 302. (2) الكافي 5: 212 / 15، التهذيب 7: 71 / 303.
(3) الأم 3: 87، الحاوي الكبير 5: 276، التهذيب - للبغوي - 3: 479، المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 123 - 124.
(4) الحاوي الكبير 5: 276، التهذيب - للبغوي - 3: 479، حلية العلماء 7: 364، المغني 4: 293، الشرح الكبير 4: 124.
(5) في " ق، ك ": البياعات.

[ 331 ]

المشتري وسلمها إلى العدل، فهي من ضمانه. وإن سلمها البائع، كانت من ضمانه، لأن التسليم لم يحصل للمشتري ولا لوكيله، وليس العدل نائبا عنه في القبض. فإن اشتراها بشرط أن يضعها البائع على يد عدل، كان الشرط والبيع صحيحين، عملا بقوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (1). ولأنه شرط سائغ مرغوب فيه، فوجب أن يكون مباحا. وقال الشافعي: يفسد الشرط والعقد معا، لأن العقد على المعين لا يجوز فيه شرط التأخير (2). وهو ممنوع. تذنيب: ليس للمشتري بعد شرائه الجارية شراء مطلقا أن يطلب من البائع كفيلا بالثمن أو ببدن البائع لو خرجت حاملا، لأنه لم يشترط الكفيل في العقد، فلا تلزمه إقامته بعده، كما لو باع بثمن مؤجل ثم طلب منه كفيلا أو رهنا فامتنع البائع، إذ لو سلم إليه الثمن ثم طلب منه كفيلا على عهدة الثمن، لم يكن له ذلك. مسألة 150: لا يجوز التفرقة بين الأم وولدها في البيع - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (3) - لما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " لا توله والدة بولدها " (4).

(1) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.
(2) انظر: الأم 3: 87.
(3) الوجيز 1: 139، العزيز شرح الوجيز 4: 132 - 133، الوسيط 3: 69، حلية العلماء 4: 122، المهذب - للشيرازي - 1: 275، المجموع 9: 360، روضة الطالبين 3: 82، تحفة الفقهاء 2: 115، بدائع الصنائع 5: 228، المغني 10: 459، الشرح الكبير 10: 408.
(4) أورد نصه الرافعي في العزيز شرح الوجيز 4: 132، وفي سنن البيهقي 8: 5، وغريب الحديث - للهروي - 3: 65 والكامل - لابن عدي - 6: 2412: " لا توله والدة عن ولدها ".

[ 332 ]

وعن أبي أيوب عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه سماعة قال: سألته عن أخوين مملوكين هل يفرق بينهما، وعن المرأة وولدها؟ فقال: " لا، هو حرام إلا أن يريدوا ذلك " (2). وفي الحسن عن هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام)، قال: اشتريت له جارية من الكوفة، قال: فذهبت لتقوم في بعض الحاجة فقالت: يا أماه، فقال لها أبو عبد الله (عليه السلام): " ألك أم؟ " قالت: نعم، فأمر بها فردت، فقال: " ما آمنت لو حبستها أن أرى في ولدي ما أكره " (3). وفي الحسن عن معاوية بن عمار قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: " أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبي من اليمن، فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم، فلما قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله) سمع بكاءها، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فأتي بها وقال: بيعوهما جميعا أو أمسكوهما جميعا " (4). وفي الصحيح عن ابن سنان، قال الصادق (عليه السلام) في الرجل يشتري

(1) سنن الترمذي 3: 580 / 1283، و 4: 134 / 1566، سنن الدار قطني 3: 67 / 256، سنن البيهقي 9: 126، سنن الدارمي 2: 227 - 228، المستدرك - للحاكم - 2: 55، المعجم الكبير - للطبراني - 4: 182 / 4080، مسند أحمد 6: 575 / 23002.
(2) الكافي 5: 218 - 219 / 2، الفقيه 3: 137 / 600، التهذيب 7: 73 / 312.
(3) الكافي 5: 219 / 3، التهذيب 7: 73 / 313.
(4) الكافي 5: 218 / 1، الفقيه 3: 137 / 599، التهذيب 7: 73 / 314.

[ 333 ]

الغلام أو (1) الجارية وله الأخ أو الأخت أو أم بمصر من الأمصار، قال: " لا يخرجه من مصر إلى مصر آخر إن كان صغيرا ولا تشتره، وإن كانت له أم فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت " (2). ولاشتماله على ضرر كل من الأم والولد، فيكون منفيا بقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (3) وبقوله (عليه السلام): " لا ضرر ولا إضرار " (4). فروع: أ - إنما يتحقق المنع مع حاجة الولد إلى الأم، فلو استغنى عنها، زال المنع، لأصالة الإباحة السالم عن معارضة الضرر الحاصل بالتفريق. ب - لو فرق بينهما بالبيع، لم يصح عندنا - وبه قال الشافعي (5) - لما تقدم من الأحاديث الدالة على الرد. وقال أبو حنيفة: يصح، لأن المنع لا يعود إلى المبيع وإنما يعود إلى الضرر اللاحق بهما، فلا يمنع صحة البيع، كالبيع وقت النداء (6).

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " و " بدل " أو ". وما أثبتناه من المصادر.
(2) الكافي 5: 219 / 5، الفقيه 3: 140 / 616، التهذيب 7: 67 - 68 / 290.
(3) الحج: 78.
(4) سنن الدار قطني 4: 228 / 85، مسند أحمد 1: 515 / 2862.
(5) الوجيز 1: 139، العزيز شرح الوجيز 4: 133، الوسيط 3: 69، المهذب - للشيرازي - 1: 275، المجموع 9: 360، حلية العلماء 4: 123، الحاوي الكبير 14: 244، روضة الطالبين 3: 83، تحفة الفقهاء 2: 115، بدائع الصنائع 5: 232، المغني 10: 461، الشرح الكبير 10: 410.
(6) مختصر اختلاف العلماء 3: 162 / 1242، تحفة الفقهاء 2: 115، بدائع الصنائع 5: 232، الاختيار لتعليل المختار 2: 41 - 42، الهداية - للمرغيناني - 3: 54، المغني 4: 333، و 10: 461، الشرح الكبير 10: 410، العزيز شرح الوجيز 4: 133، الحاوي الكبير 14: 245، حلية العلماء 4: 123، المعونة 2: 1071.

[ 334 ]

وهو خطأ، لأن النهي عنه لمعنى في البيع، وهو حصول الضرر بالتفرقة. ولأن التسليم تفريق محرم، فيكون كالمتعذر، إذ لا فرق بين العجز الحسي والشرعي. ج - لو رضي كل من الولد والأم بالتفريق، صح التفريق، لعدم المقتضي للمنع. ولحديث ابن سنان عن الصادق (عليه السلام)، وقد سبق (1). د - الضابط في غاية التحريم الاستغناء، فمتى حصل استغناء الطفل عن الأم، جاز التفريق، وإلا فلا. ويحصل الاستغناء ببلوغ سبع سنين. وقيل: بالاستغناء عن الرضاع (عليه السلام) (2). والمشهور: الأول، لأنه سن التمييز، فيستغنى عن التعهد والحضانة، وهو أحد قولي الشافعي (3). ويقرب منه قول مالك حيث جعل التحريم ممتدا إلى وقت سقوط الأسنان (4).

(1) في ص 333.
(2) كما في شرائع الإسلام 2: 59.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 133، روضة الطالبين 3: 83، المجموع 9: 361، المغني 10: 460، الشرح الكبير 10: 409، مختصر اختلاف العلماء 3: 163، بداية المجتهد 2: 168، تحفة الفقهاء 2: 115.
(4) بداية المجتهد 2: 168، المعونة 2: 1071، العزيز شرح الوجيز 4: 133، المغني 10: 460، الشرح الكبير 10: 409.

[ 335 ]

وقال في الآخر: حده البلوغ (1). وبه قال أبو حنيفة (2)، لما رواه عبادة بن الصامت أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا يفرق بين الأم وولدها " قيل: إلى متى؟ قال: " حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية " (3). ه‍ - قال بعض (4) علمائنا بكراهة التفريق لا بتحريمه، والمشهور: التحريم. وهذا الخلاف إنما هو إذا كان التفريق بعد سقي الأم ولدها اللبأ، فأما قبله فلا يجوز قطعا، لأنه يسبب إلى إهلاك الولد. و - يكره التفريق بعد البلوغ - وبه قال الشافعي (5) - لما فيه من التوحش بانفراد كل منهما عن صاحبه. والتقييد بالصغر في حديث (6) ابن سنان، للتحريم لا الكراهة. ولو فرق مع البلوغ بالبيع أو الهبة، صحا - وبه قال الشافعي (7) - لوجود المقتضي السالم عن معارضة النهي، لاختصاصه بالصغر. وقال أحمد: يبطل البيع والهبة (8). وليس بمعتمد.

(1) الوسيط 3: 69، العزيز شرح الوجيز 4: 133، المجموع 9: 361، روضة الطالبين 3: 83، المغني 10: 460، الشرح الكبير 10: 409.
(2) مختصر اختلاف العلماء 3: 162، تحفة الفقهاء 2: 115، العزيز شرح الوجيز 4: 133، المغني 10: 460، الشرح الكبير 10: 409.
(3) سنن الدار قطني 3: 68 / 258، سنن البيهقي 9: 128، المستدرك - للحاكم - 2: 55، العزيز شرح الوجيز 4: 132.
(4) كالشيخ الطوسي في النهاية: 546، والمحقق الحلي في المختصر النافع: 132، وشرائع الإسلام 2: 59.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 133، روضة الطالبين 3: 83، المجموع 9: 361.
(6) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 333، الهامش (2).
(7) العزيز شرح الوجيز 4: 133، روضة الطالبين 3: 83.
(8) العزيز شرح الوجيز 4: 133.

[ 336 ]

ز - الأقوى كراهة التفريق بين الأخوين وبين الولد والأب أو الجد في البيع، وليس محرما - وبه قال الشافعي (1) - عملا بالأصل. ولأن القرابة بينهما لا تمنع القصاص فلا تمنع التفرقة في البيع، كابن (2) العم عندهم (3). وفي قول آخر له: إن التفريق بين الولد والجدة والأب وسائر المحارم كالأم في تحريم التفريق (4). وقال أبو حنيفة: يحرم التفريق بين الأخوين، لأنه رحم ذو محرم من النسب، فأشبه الولد (5). والجواب: الفرق بجواز القصاص هنا دون الأول عندهم. ح - يجوز التفريق بين البهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن وقبله إن كان مما يقع عليه الذكاة (6) أو كان له ما يمونه من غير لبن أمه. ومنع بعض الشافعية من التفريق قبل الاستغناء (7)، قياسا على الآدمي (8). والحرمة فارقة بينهما. ط - كما لا يجوز التفريق بالبيع كذا لا يجوز بالقسمة والهبة وغيرها

(1) حلية العلماء 4: 124، العزيز شرح الوجيز 11: 421، روضة الطالبين 7: 456، المجموع 9: 361.
(2) في بدائع الصنائع والمغني: كابني.
(3) المغني 4: 333، الاختيار لتعليل المختار 2: 41، بدائع الصنائع 5: 229.
(4) العزيز شرح الوجيز 11: 421، روضة الطالبين 7: 456، المجموع 9: 361 و 362.
(5) تحفة الفقهاء 2: 115، الاختيار لتعليل المختار 2: 41، الهداية - للمرغيناني - 3: 54، حلية العلماء 4: 124.
(6) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: الزكاة. والصحيح ما أثبتناه.
(7) تحفة الفقهاء 2: 115، الاختيار لتعليل المختار 2: 41، الهداية - للمرغيناني - 3: 54، حلية العلماء 4: 124.
(8) العزيز شرح الوجيز 4: 133، المجموع 9: 362، روضة الطالبين 3: 84.

[ 337 ]

من العقود الناقلة للعين، بخلاف نقل المنافع، فله أن يؤجر الأم من شخص وولدها من آخر، إلا أن يستوعب المدة الممنوع من التفرقة فيها، فإن الأقوى المنع من التفريق حسا بحيث لا يجتمعان إلا نادرا. ي - لا يحرم التفريق بالعتق، فلو أعتق الأم دون ولدها أو بالعكس، فلا بأس. ولا في الوصية، فلعل الموت يكون بعد انقضاء زمان التحريم. فإن اتفق قبله، فإشكال. يأ - لو لم تحصل التفرقة الحسية، فالأقوى جواز البيع، كمن يبيع الولد ويشترط استخدامه مدة المنع. وكذا لو باعه على من لا يفارق البائع والأم بل يلازمهما. يب - في الرد بالعيب إشكال، أقربه: المنع، لحصول التفريق فيه، فلو اشترى الجارية والولد ثم تفاسخا البيع في أحدهما أو رده بعيب فيه، منع، لما فيه من التفريق. وقال بعض الشافعية: يجوز (1). أما الرهن: ففي التفريق بينهما به إشكال، أقربه: الجواز، لكن ليس للمرتهن البيع ولا للراهن إلا مع الآخر. يج - لا بأس بالتفريق بالسفر، لعدم المقتضي للمنع، وأصالة الإباحة. يد - لو كانت الأم رقيقة والولد حرا وبالعكس، لم يمنع من بيع الرقيق، لثبوت التفريق قبل البيع، فلا يحدث البيع تفريقا، لاستحالة تحصيل الحاصل.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 133، المجموع 9: 360.

[ 338 ]

مسألة 151: يجوز لمن يشتري الأمة أن ينظر إلى وجهها ومحاسنها وأن يمسها بيده ويقلبها - إلا العورة، فلا يجوز له النظر إليها - للحاجة الداعية إلى ذلك، فوجب أن يكون مشروعا لينتفي الغرر. ولما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يعترض الأمة ليشتريها، قال: " لا بأس بأن ينظر إلى محاسنها ويمسها ما لم ينظر إلى ما لا ينبغي له النظر إليه " (1). ولا يجوز ذلك لمن لا يريد الشراء إلا في الوجه، لقول الصادق (عليه السلام): " لا أحب للرجل أن يقلب جارية إلا جارية يريد شراءها " (2). وسأله حبيب بن معلى الخثعمي: إني اعترضت جواري بالمدينة فأمذيت، قال: " أما لمن يريد أن يشتري فليس به بأس، وأما لمن لا يريد أن يشتري فإني أكرهه " (3). مسألة 152: لو اشترى جارية فوطئها ثم ظهر استحقاقها لغير البائع مع جهل المشتري، فإن كانت بكرا، غرم عشر قيمتها لصاحبها، ودفعها إليه. وإن كانت ثيبا، كان عليه نصف العشر، لقول الصادق (عليه السلام) في رجل تزوج امرأة حرة فوجدها أمة دلست نفسها، إلى أن قال: " ولمواليها عليه عشر قيمة ثمنها إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها " (4). ولأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، وانتفع بما له عوض، فوجب

(1) التهذيب 7: 75 / 321.
(2) التهذيب 7: 236 / 1030.
(3) التهذيب 7: 236 / 1029.
(4) الكافي 5: 404 / 1، التهذيب 7: 349 / 1426، الاستبصار 3: 216 - 217 / 787.

[ 339 ]

الرجوع عليه به. وقال الشافعي: يجب مهر المثل (1). وهو ممنوع، إذ لا عقد نكاح هنا. فإن أولدها المشتري الجاهل بالغصبية، فالولد لاحق به، لموضع الشبهة، وهو حر، لأنه اعتقد أنه ملكها بالشراء، وعليه قيمته لمولاه يوم سقط حيا - وبه قال الشافعي (2) - لأنه أتلف على مولاها رقه باعتقاده أنها ملكه. ولا يقوم حملا لعدم إمكان تقويم الحمل، فيقوم في أول حالة انفصاله، لأنها أول حالة إمكان تقويمه. ولأن ذلك هو وقت الحيلولة بينه وبين سيده. ولقول الصادق (عليه السلام): " وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه " قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به؟ قال: " يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده " قلت: فإن أبى الأب السعي في ثمن ابنه؟ قال: " فعلى الإمام أن يفديه، ولا يملك ولد حر " (3). وقال أبو حنيفة: يقوم يوم المطالبة، لأن ولد المغصوبة لا يضمنه إلا بالبيع (4). وقد بينا أنه يحدث مضمونا، فيقوم حال إتلافه.

(1) الوجيز 1: 213، العزيز شرح الوجيز 5: 470 - 472، التهذيب - للبغوي - 4: 315، روضة الطالبين 4: 146.
(2) مختصر المزني: 117، الحاوي الكبير 5: 153، الوجيز 1: 214، العزيز شرح الوجيز 5: 473، روضة الطالبين 4: 149.
(3) التهذيب 7: 350 / 1429، الاستبصار 3: 217 - 218 / 790.
(4) الحاوي الكبير 7: 153.

[ 340 ]

ولو انفصل الولد ميتا، لم تجب قيمته، لأنا لا نعلم حياته قبل ذلك. ولأنه لم يحل بينه وبينه، وإنما يجب التقويم لأجل الحيلولة. إذا ثبت هذا، فإن المشتري إن كان عالما بالغصبية، فالولد رق لمولاه، ولا يرجع بالثمن على البائع ولا بما غرمه. ويحتمل عندي رجوعه بالثمن إن (1) كان باقيا، أما إذا تلف فلا. وإن كان جاهلا، فإنه يرجع بالثمن الذي دفعه وبما غرمه مما لا نفع في مقابلته، كقيمة الولد. وهل يرجع بما حصل له في مقابلته نفع، كاجرة الخدمة والسكنى والعقر؟ إشكال ينشأ من إباحة البائع له بغير عوض، ومن استيفاء عوضه. وتفصيل هذا أن يقال: إن علم المشتري بالغصب، لم يرجع، لأنه قد أباح البائع إتلاف ماله بغير عوض، وبه قال الشافعي (2). والتحقيق ما قلناه من الرجوع مع قيام العين لا مع التلف. وأما إذا لم يعلم المشتري بالغصب، فعلى ثلاثة أضرب. ضرب: لا يرجع به عليه قولا واحدا، وهو قيمتها إن تلفت في يده، أو أرش البكارة إن تلفت في يده، أو بدل جزء منها إن تلف في يده، لأن المشتري دخل مع الغاصب على أن يكون ضامنا لذلك بالثمن، فإذا ضمنه، لم يرجع به، وبه قال الشافعي (3). وضرب: يرجع به قولا واحدا، وهو ما إذا ولدت في يده منه ورجع

(1) في الطبعة الحجرية: " إذا " بدل " إن ".
(2) الوسيط 3: 419، المهذب - للشيرازي - 1: 380.
(3) الوسيط 3: 419، المهذب - للشيرازي - 1: 380، التهذيب - للبغوي - 4: 316 - 317.

[ 341 ]

عليه بقيمة الولد، فإنه يرجع به على الغاصب، لأنه دخل معه على أن لا يكون الولد مضمونا عليه، ولم يحصل من جهته إتلاف، بل المتلف الشرع بحكم بيع الغاصب منه، وبه قال الشافعي (1). الثالث: ما اختلف فيه، وهو مهرها وأجرة منفعتها، فهنا إشكال تقدم. وللشافعي قولان: ففي القديم: يرجع، لأنه دخل في العقد على أن يتلفه بغير عوض فقد غره. وقال في الجديد: لا يرجع - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه - لأنه غرم ما استوفى به له، فلم يرجع به (2). ولو أمسكها ولم يستخدمها وتلفت المنفعة تحت يده، ففي الرجوع للشافعي وجهان: أحدهما: أنه يرجع بأجرتها، لأنه لم يستوف بدل ما غرم، ودخل في العقد على أن لا يضمنها. والثاني: لا يرجع، لأن تلفها تحت يده بمنزلة إتلافها (3). مسألة 153: يصح بيع الحامل بحر، لأنها مملوكة، وحرية الحمل لا تخرج الرقية عن الملكية، فيصح بيعها، لوجود المقتضي السالم عن المعارض.

(1) الوسيط 3: 420، المهذب - للشيرازي - 1: 380.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 380، حلية العلماء 5: 243 - 244، الحاوي الكبير 7: 155، العزيز شرح الوجيز 5: 477، روضة الطالبين 4: 151.
(3) الوسيط 3: 420، العزيز شرح الوجيز 5: 478، التهذيب - للبغوي - 4: 316، روضة الطالبين 4: 151.

[ 342 ]

مسألة 154: العبد المرتد إما أن يرتد عن فطرة أو لا، فإن لم يكن عن فطرة، صح بيعه، لأنه مملوك لا يجب قتله في الحال، ويمكن بقاؤه برده إلى الإسلام، فصح (1) بيعه، كالقاتل. وأما إن كانت عن فطرة، ففي جواز بيعه إشكال ينشأ من تضاد الأحكام، إذ وجوب القتل ينافي جواز البيع، ومن بقاء الملكية. أما المرتدة فإنه يجوز بيعها مطلقا، سواء كانت عن غير فطرة أو عنها، لعدم وجوب قتلها بالارتداد. ووجوب الحبس - إن أثبتناه في حقها - لا ينافي الملكية والانتفاع. وكذا يجوز بيع المريض المأيوس من برئه لفائدة الإعتاق، أما ما لا يستقر فيه الحياة فالأقوى بطلان بيعه وعتقه. مسألة 155: من اشترى جارية من ولي اليتيم، صح الشراء، وجاز له نكاحها واستيلادها عملا بالمقتضي السالم عن المعارض، وقول الكاظم (عليه السلام) وقد سئل في رجل ترك أولادا صغارا ومماليك غلمانا وجواري ولم يوص فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ فقال: " إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم وينظر لهم كان مأجورا فيهم " قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ قال: " لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر لهم فيما يصلحهم فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم " (2). مسألة 156: إذا اشترى الإنسان ثلاث جوار ثم دفعهن إلى البيع وقوم

(1) في الطبعة الحجرية: فيصح.
(2) الكافي 5: 208 / 1، الفقيه 4: 161 - 162 / 564، التهذيب 7: 68 - 69 / 294 بتفاوت وزيادة فيها.

[ 343 ]

عليه كل جارية بقيمة معينة، وقال له: بع هؤلاء الجواري ولك نصف الربح، فباع البيع جاريتين وأحبل المالك الثالثة، لم يكن عليه شئ فيما أحبل، وكان عليه للبيع أجرة مثل عمله فيما باع. وقال الشيخ في النهاية: يكون عليه فيما باع نصف الربح (1)، تعويلا على رواية أبي علي بن راشد، قال: قلت له: إن رجلا اشترى ثلاث جوار قوم كل واحدة بقيمة فلما صاروا إلى البيع جعلهن بثمن، فقال للبيع: لك علي نصف الربح، فباع جاريتين بفضل على القيمة وأحبل الثالثة، قال: " يجب عليه أن يعطيه نصف الربح فيما باع، وليس عليه فيما أحبل شئ " (2). وهذه الرواية غير مسندة إلى إمام. وتحمل هذه الرواية على ما إذا عين قدر الربح، وكان القول على سبيل الجعالة.

(1) النهاية: 414.
(2) التهذيب 7: 82 / 352.

[ 345 ]

الفصل الثاني في الثمار وفيه مطلبان: الأول: في أنواعها. وهي ثلاثة: الأول: في ثمرة النخل. إذا باع ثمرة النخل، فلا يخلو إما أن يكون قبل ظهورها أو بعده. فإن كان قبل ظهورها فلا يخلو إما أن يبيعها منفردة أو منضمة إلى الغير إما الأصول أو ثمرة سنة أخرى، أو غيرهما. فإن باعها منفردة، لم يصح إجماعا، لأنه غير موجود ولا معلوم الوجود، ولا يمكن تسليمه، ولا يعلم حقيقته ولا وصفه، فكان كبيع الملاقيح والمضامين، بل هو هو في الحقيقة. وروت العامة أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: يارسول الله وما تزهي؟ قال: " حتى تحمر " (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر أخضر، فقال: " لا، حتى يزهو " قلت: وما الزهو؟ قال: " حتى يتلون " (2). وإن باعها منضمة إلى الأصول، فالوجه عندي: البطلان، إلا أن يجعل

(1) صحيح البخاري 3: 101، سنن النسائي 7: 264، سنن البيهقي 5: 300، الموطأ 2: 618 / 11.
(2) الكافي 5: 176 / 8، التهذيب 7: 84 / 359، الاستبصار 3: 86 / 294.

[ 346 ]

انضمامها على سبيل التبعية فلا يضر فيها الجهالة، كأساسات الحيطان وأصول الأشجار، أما إذا جعلت جزءا مقصودا من المبيع، ففيه الإشكال، يقتضي النص الجواز. وإن باعها منضمة إلى شئ غير الثمرة، فإنه يجوز. وينبغي أن يكون ذلك على سبيل التبعية لا الأصالة، لما تقدم، لكن إطلاق النص يقتضي إطلاق الجواز. روى سماعة قال: سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ فقال: " لا، إلا أن يشتري معها شيئا غيرها رطبة أو بقلا، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل " (1). والوجه عندي: المنع. وهذه الرواية مع ضعف سندها لم تسند إلى إمام، فلا تعويل عليها. وإن باعها منضمة إلى ثمرة سنة أخرى، فلا يخلو إما أن تكون السنة الأخرى سابقة ثمرتها موجودة أو لاحقة، فإن كانت سابقة، صح إجماعا. وإن كانت لاحقة أو كانت سابقة لم تخرج، جاز أيضا، لما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين، قال: " لا بأس به يقول: إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل " (2). وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن شراء

(1) الكافي 5: 176 / 7، الفقيه 3: 133 / 578، التهذيب 7: 84 / 360، الاستبصار 3: 86 - 87 / 295.
(2) الكافي 5: 175 / 2، الفقيه 3: 132 / 576، التهذيب 7: 85 / 364، الاستبصار 3: 87 / 299.

[ 347 ]

النخل، فقال: " كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث، كان يقول: إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الأخرى " (1). ويحتمل قويا: المنع، لأنه مبيع غير مشاهد ولا معلوم الوصف والقدر، فيكون باطلا، للغرر. ولأنه كبيع الملاقيح والمضامين. ويحمل قوله (عليه السلام): " إن لم يخرج في هذه السنة " أي إن لم تدرك، أو أراد إن لم تخرج في بعض السنة المتأخرة عن سنة البيع. ويؤيد هذا: ما رواه أبو الربيع الشامي عن الصادق (عليه السلام) قال: " كان الباقر (عليه السلام) يقول: إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته، وإذا بيع سنتين أو ثلاثا فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شئ من الخضرة " (2) وتعليق الحكم على وصف يقتضي نفيه عند عدمه. مسألة 157: ولو باع الثمرة بعد ظهورها قبل بدو صلاحها، فإما أن يبيعها منفردة أو منضمة، فإن باعها منفردة، فإما أن يبيعها بشرط القطع أو بشرط التبقية أو مطلقا. فإن باعها بشرط القطع، صح البيع إجماعا، لأن مع شرط القطع يظهر أن غرض المشتري هو الحصرم والبلح وأنه حاصل. وإن باعها بشرط التبقية، فالأقوى عندي: الجواز، لعموم * (وأحل الله البيع) * (3) السالم عن صلاحية المعارض للمعارضة، لأن المعارض ليس إلا تجويز العاهة والتلف عليها، لكن ذلك التجويز متطرق إلى غير الثمار،

(1) التهذيب 7: 87 / 373، الاستبصار 3: 86 / 292.
(2) الفقيه 3: 157 - 158 / 690، التهذيب 7: 87 / 372، الاستبصار 3: 86 / 293.
(3) البقرة: 275.

[ 348 ]

كالحيوان وشبهه، فلو كان مانعا من بيع الثمرة، لكان مانعا من بيع الحيوان، والتالي باطل بالإجماع، فالمقدم مثله. ولأنه مال مملوك طاهر منتفع به فجاز بيعه. ولأنه يجوز بيعه بشرط القطع إجماعا، فجاز بشرط التبقية، كما لو باعه بعد بدو الصلاح بشرط التبقية. ولما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك تلك (1) الأرض كلها، فقال: " اختصموا في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا يذكرون ذلك فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم " (2). وعن الباقر (عليه السلام) قال: " خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسمع ضوضاء (3)، فقال: ما هذا؟ فقيل: تبايع الناس بالنخل فقعد (4) النخل العام، فقال (صلى الله عليه وآله): أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى يطلع فيه شئ. ولم يحرمه " (5). ومنع جماعة (6) من علمائنا هذا البيع - وهو مذهب الفقهاء الأربعة (7) -

(1) في الكافي والفقيه: ثمرة تلك.
(2) الكافي 5: 175 / 2، الفقيه 3: 132 / 576، التهذيب 7: 85 / 364 الاستبصار 3: 87 / 299.
(3) الضوضاة: أصوات الناس وجلبتهم. الصحاح 6: 2410 " ضوا ".
(4) في " ق، ك ": ففقد. وقعدت النخلة: حملت سنة ولم تحمل أخرى. القاموس المحيط 1: 328 " قعد ".
(5) الكافي 5: 174 - 175 / 1، التهذيب 7: 86 / 366، الاستبصار 3: 88 / 301.
(6) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 414 - 415، والمبسوط 2: 113، والخلاف 3: 85، المسألة 140، والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 2: 52، وابن حمزة في الوسيلة: 250.
(7) بداية المجتهد 2: 149، المعونة 2: 1005، التلقين 2: 373، الحاوي الكبير 5: 190، الاختيار لتعليل المختار 2: 9، الهداية - للمرغيناني - 3: 25، العزيز شرح الوجيز 4: 346 و 347، الوسيط 3: 181، التهذيب - للبغوي - 3: 382، روضة الطالبين 3: 210، المغني 4: 218، الشرح الكبير 4: 231.

[ 349 ]

للحديث (1) الذي رواه العامة أولا، وما رواه الخاصة أيضا، وقد سبق (2). وأيضا ما رواه سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) قال: " لا يشترى (3) النخل حولا واحدا حتى يطعم إن كان يطعم، وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل " (4). وسأل الحسن بن علي الوشاء الرضا (عليه السلام): هل يجوز بيع النخل إذا حمل؟ فقال: " لا يجوز بيعه حتى يزهو " قلت: وما الزهو جعلت فداك؟ قال: " يحمر ويصفر وشبه ذلك " (5). والجواب: حمل النهي على الكراهة، جمعا بين الأدلة خصوصا وقد نص الإمام (عليه السلام) على ذلك. وإن باعها مطلقا ولم يشترط القطع ولا التبقية، فالأقوى عندي: الجواز - وبه قال أبو حنيفة (6) - لأنه لو شرط القطع، جاز إجماعا، ولو شرط التبقية، جاز على الأقوى، والإطلاق لا يخلو عنهما، فكان الجواز أقوى. ولما تقدم من الأدلة. ولأن القطع تفريغ ملك البائع ونقل المبيع

(1) تقدمت الإشارة إلى مصادره في ص 344، الهامش (1).
(2) في ص 344.
(3) في المصدر: " لا تشتر ".
(4) التهذيب 7: 88 / 374، الاستبصار 3: 85 / 290.
(5) الكافي 5: 175 / 3، التهذيب 7: 85 / 363، الاستبصار 3: 87 / 298.
(6) الهداية - للمرغيناني - 3: 25، الحاوي الكبير 5: 191، التهذيب - للبغوي - 3: 382، حلية العلماء 4: 214، العزيز شرح الوجيز 4: 347، بداية المجتهد 2: 149، المعونة 2: 1006، المغني 4: 219، الشرح الكبير 4: 231.

[ 350 ]

عنه، وليس ذلك شرطا في البيع. ومنع جماعة (1) من أصحابنا إطلاق البيع هنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (2) - لأن الإطلاق يقتضي التبقية، وهو منهي عنها. ولأن النبي (صلى الله عليه وآله) أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (3)، وهذا يقتضي النهي عن بيع مطلق. ولأن النقل في الثمار إنما يكون عند بلوغ الثمرة في العرف والعادة، فينصرف إليه مطلق البيع كإطلاق الثمن مع العرف في نقد (4) البلد، فإنه ينصرف إليه. والجواب: لا نسلم النهي عن التبقية. وما ورد (5) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك فقد بينا أنه للكراهة. ونحن نسلم عود الإطلاق إلى التبقية، ونمنع التحريم فيها، لما بينا من جواز اشتراطها. تذنيب: إذا باعها مطلقا، وجب على البائع الإبقاء مجانا إلى حين أخذها عرفا، كما فيما بعد بدو الصلاح. وقال أبو حنيفة: المطلق يقتضي القطع في الحال، فهو بمنزلة ما لو شرط القطع عنده، ولهذا جوز المطلق، لأن بيعه قبل بدو الصلاح بشرط

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 113، والخلاف 3: 85، المسألة 140، وابن حمزة في الوسيلة: 250.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 288، روضة الطالبين 3: 210، الوسيط 3: 181، الحاوي الكبير 5: 191، التهذيب - للبغوي - 3: 382، حلية العلماء 4: 212 - 213، العزيز شرح الوجيز 4: 346 و 347، بداية المجتهد 2: 149، المعونة 2: 1006، التلقين 2: 373، المغني 4: 219، الشرح الكبير 4: 231.
(3) صحيح البخاري 3: 101، صحيح مسلم 3: 1167 / 54، سنن النسائي 7: 262 - 263، الموطأ 2: 618 / 10، مسند أحمد 2: 70 / 4511، و 170 / 5270.
(4) في الطبعة الحجرية: " إطلاق " بدل " نقد ". (5) في الطبعة الحجرية: وما روي.

[ 351 ]

التبقية عنده باطل (1). وإن باعها قبل بدو الصلاح منضمة إلى شئ أو إلى ثمرة سنة أخرى، فإنه يجوز إجماعا منا، لرواية يعقوب بن شعيب - الصحيحة - عن الصادق (عليه السلام) قال: " إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعا " (2). مسألة 158: لو باع بستانا بدا صلاح بعضه ولم يبد صلاح الباقي، فعلى ما اخترناه نحن يجوز، لأنا جوزنا بيع ما لم يبد صلاحه منفردا فمنضما إلى ما بدا صلاحه أولى. أما القائلون بالمنع من علمائنا فإنه يجوز عندهم أيضا، لأن العاهة قد أمنت فيما بدا صلاحه، فجاز بيعه، وما لم يبد صلاحه يجوز بيعه منضما إليه تبعا، كما لو باعه مع الزرع. ولما رواه يعقوب بن شعيب - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام) " إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعه جميعا " (3). وهل يشترط اتحاد البستان؟ قال الشيخ: نعم، بمعنى أنه لو كان بستان قد بدا صلاحه والبستان الآخر لم يبد صلاح شئ منه، لم يجز بيعهما صفقة واحدة. ولو كان بعض نخل البستان الواحد قد بدا صلاحه والبعض الآخر لم يبد صلاحه، جاز بيعه أجمع في عقد واحد (4). وهذا القول لا اعتبار به عندنا. والشافعي فصل هنا، فقال: إن كانت النخلة واحدة بأن بدا صلاح

(1) الهداية - للمرغيناني - 3: 25، الاختيار لتعليل المختار 2: 9، الحاوي الكبير 5: 191، حلية العلماء 4: 214، التهذيب - للبغوي - 3: 382، العزيز شرح الوجيز 4: 347، المغني 4: 219، الشرح الكبير 4: 231 - 232. (2 و 3) الكافي 5: 175 / 5، التهذيب 3: 85 / 362، الاستبصار 3: 87 / 297.
(4) المبسوط - للطوسي - 2: 114.

[ 352 ]

بعض طلعها وبعضه لم يبد صلاحه، جاز بيع ثمرتها أجمع صفقة واحدة، لعسر التمييز والفرق بينهما. وإن تعدد النخل وكان بعضه قد بدا صلاحه دون البعض، فإن كان البستان واحدا وضم أحدهما إلى الآخر في الصفقة، جاز، كما في النخلة الواحدة وإن كان ما بدا صلاحه نخلة واحدة. وإن أفرد ما بدا صلاحه بالبيع، صح إجماعا. وإن أفرد ما لم يبد صلاحه بالبيع، ففي اشتراط شرط القطع وجهان، سواء اتحد نوع النخل أو اختلف: أحدهما: أنه يشترط، إذ ليس في المبيع شئ قد بدا صلاحه، فيتبعه في عدم شرط القطع. والثاني: أنه لا يشترط، ويكون ما لم يبد صلاحه تابعا لما بدا، لدخول وقت بدو الصلاح، فكأنه موجود بالفعل. ولو اختلف نوع الثمرة - كالبرني والمعقلي - في البستان الواحد فأدرك نوع دون آخر وباعهما صفقة واحدة، ففي الجواز وجهان أحدهما: أنه يجوز، لأنه إذا كان يضم بعض النوع إلى بعض آخر ضم نوع إلى نوع آخر من جنسه كالزكاة. والثاني: لا يضم، لأنه قد يتباعد إدراكهما، فصارا كالجنسين. ولو اختلف جنس الثمرة فكان أحدهما رطبا والآخر عنبا وبدا صلاح أحد الجنسين وضمهما في البيع، وجب شرط القطع فيما لم يبد صلاحه منهما، ولا يتبع أحد الجنسين الآخر. وإن تعدد البستان فبدا صلاح أحدهما دون الآخر، فإنه لا يتبع أحدهما الآخر (1)، بل يجب شرط القطع فيما لم يبد صلاحه - وبه قال أحمد - لأنه إنما جعل ما لم يبد صلاحه تابعا في

(1) في الطبعة الحجرية: فإنه لا يتبعه أحدهما.

[ 353 ]

البستان الواحد، لما فيه من اشتراك الأيدي والتضرر به، أما ما كان في قراح آخر فوجب أن يعتبر بنفسه (1). وقال مالك: يجوز ضم أحد البستانين إلى الآخر وإن أدرك أحدهما خاصة دون البستان الآخر من غير شرط القطع إذا كان مجاورا له وكان الصلاح معهودا لا منكرا (2). وربما نقل (3) عنه الضبط في المجاور ببساتين البلدة الواحدة، لأن الغرض الأمن من العاهة، وما جاوره بمنزلة ما في هذا القراح. مسألة 159: لو كان الذي بدا صلاحه من النخل لواحد وما لم يبد صلاحه لآخر، فباع مالك ما لم يبد صلاحه ثمرة ملكه، جاز عندنا مطلقا وعند جماعة من علمائنا والجمهور بشرط القطع. وللشافعي قول آخر، وهو: أنه فصل فقال: لا يخلو إما أن يكونا معا في بستان واحد أو نخل كل واحد منهما في بستان منفرد. فإن كانا في بستان واحد، فوجهان مع اتحاد المالك على ما تقدم. وأما مع تعدده فقولان: أحدهما: طرد الوجهين هنا. والثاني: القطع بالمنع، إذ لا يتعدى حكم أحد المالكين إلى الآخر، فيجب شرط القطع. وإن كانا في بستانين، فقولان:

(1) انظر العزيز شرح الوجيز 4: 349، وروضة الطالبين 3: 211 - 212.
(2) بداية المجتهد 2: 152، العزيز شرح الوجيز 4: 349، حلية العلماء 4: 215، المغني 4: 223.
(3) كما في العزيز شرح الوجيز 4: 349.

[ 354 ]

أحدهما: القطع بأنه لا عبرة به، ولا نظر إلى بدو الصلاح في بستان غير البائع. والثاني: أنه إذا لم يفرق فيما إذا بدا فيه الصلاح من ذلك البستان ولم يدخل في البيع بين أن يكون ملك البائع أو ملك غيره، فقياسه أن لا يفرق فيما بدا فيه الصلاح في بستان آخر أيضا إذا لم يشترط اتحاد البستان (1). مسألة 160: إذا باعه الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع، جاز إجماعا على ما تقدم، ويجب الوفاء به على المشتري (إذا لم يشترطه) (2) على البائع. ولو تراضيا على الترك جاز إجماعا منا، وبه قال الشافعي (3)، وكان بدو الصلاح بمنزلة كبر العبد الصغير. وقال أحمد: يبطل البيع وتعود الثمرة إلى البائع (4). وليس (5)... ولو أبقاه المشتري ولم ينكر البائع وأنكر، فعلى المشتري أجرة المثل عن مدة الإبقاء. تذنيب: لا فرق بين ما إذا اشترط القطع في مقطوع ينتفع به أو لا ينتفع به، عملا بالأصل، فلو شرط القطع فيما لا منفعة فيه - كالجوز والكمثري - جاز. وقال بعض الشافعية: لا يجوز البيع بشرط القطع إلا إذا كان المقطوع

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 350، روضة الطالبين 3: 212.
(2) بدل ما بين القوسين في " ق، ك ": إلا أن يشترطه.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 347، روضة الطالبين 3: 210.
(4) المغني 4: 221، الشرح الكبير 4: 223 - 224، العزيز شرح الوجيز 4: 347.
(5) كذا في " ق، ك " والطبعة الحجرية. والظاهر: " ليس بجيد ".

[ 355 ]

مما ينتفع به، كالحصرم واللوز (1). مسألة 161: لو كانت الأشجار للمشتري فباع الثمرة عليه بأن يبيع الشجرة من إنسان بعد ظهور الثمرة ويبقي الثمرة له ثم يبيع الثمرة من مشتري الشجرة، أو يوصي بالثمرة لإنسان ثم يبيع الموصى له الثمرة من الوارث، لم يشترط اشتراط القطع عندنا، لما مر. وأما المشترطون فقد اختلفوا هنا. فقال أكثر الشافعية: إنه يشترط شرط القطع في صحة البيع، لشمول الخبر، وللمعنى أيضا، فإن المبيع هو الثمرة، ولو تلفت لم يبق في مقابلة الثمن شئ لكن يجوز له الإبقاء، ولا يلزمه الوفاء بالشرط هنا، إذ لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره (2). وقال بعضهم: لا حاجة إلى شرط القطع، لأنه يجمعهما ملك مالك واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معا (3). ولو باع الشجرة وعليها ثمرة مؤبرة، بقيت للبائع، فلا حاجة إلى شرط القطع، لأن المبيع هو الشجرة وليست متعرضة للعاهات، والثمرة مملوكة بحكم الدوام. ولو كانت الثمرة غير مؤبرة فاستثناها البائع لنفسه، صح عندنا، ولم يجب شرط القطع. وللشافعية وجهان: أحدهما: نعم، لأن الثمار والحال هذه مندرجة لولا الاستثناء، فكان كملك مبتدأ.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 347، روضة الطالبين 3: 210. (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 348، روضة الطالبين 3: 210.

[ 356 ]

وأصحهما عندهم: أنه لا يجب، لأنه في الحقيقة استدامة ملك، فعلى هذا له الإبقاء إلى وقت الجذاذ. ولو صرح بشرط الإبقاء، جاز، وعلى الأول لا يجوز (1). مسألة 162: لو باع الثمار مع الأصول قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع، جاز إجماعا، لقوله (عليه السلام): " من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " (2) دل على أنه لو اشترطها، كانت للمشتري، وذلك هو بيع الثمرة مع الأصول. ولأن الثمرة هنا تتبع الأصل، والأصل غير معرض للعاهة. ويحتمل في التابع (3) ما لا يحتمل في غيره إذا أفرد بالتصرف، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع، والسقف مع الدار وأساسات الحيطان. ولو شرط بائع الأصل والثمرة قطع الثمرة قبل بدو الصلاح، لم يجز، لتضمنه الحجر عليه في ملكه. مسألة 163: لو باع الثمرة بعد بدو صلاحها، جاز مطلقا وبشرط القطع إجماعا، للأصل السالم عن معارضة تطرق الآفة. ولو باعها حينئذ بشرط التبقية، جاز عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد (4) - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الثمرة حتى

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 348، روضة الطالبين 3: 211.
(2) سنن أبي داود 3: 268 / 3433، سنن الترمذي 3: 546 / 1244، سنن النسائي 7: 297، مسند الحميدي 2: 277 / 613.
(3) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: البائع. والصحيح ما أثبتناه.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 288، حلية العلماء 4: 214، الحاوي الكبير 5: 193، العزيز شرح الوجيز 4: 346، التلقين 2: 372، المعونة 2: 1006، المغني 4: 222، الشرح الكبير 4: 263.

[ 357 ]

تزهي (1)، وقد ثبت أنه إنما نهى عنه قبل أن تزهي عن بيع يتضمن التبقية، لأنه يجوز شرط القطع عند أبي حنيفة مطلقا (2)، فثبت أن الذي أجازه هو الذي نهى عنه (3). ولأن النقل والتحويل يجوز في البيع بحكم العرف، فإذا شرط جاز، كما لو شرط أن ينقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان، فإنه يجوز. ولأن النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، والحكم بعد الغاية يخالف الحكم قبلها. ثم عند الإطلاق يجوز الإبقاء [ إلى ] (4) أوان الجذاذ، للعرف. وشرط التبقية تصريح بما هو من مقتضيات العقد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بشرط التبقية، ويجب القطع في الحال في صورة الإطلاق، إلا أن محمدا يقول: إذا تناهى عظم الثمرة، جاز فيها شرط التبقية، لأن هذا شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد، كما لو شرط تبقية الطعام في منزله (5). والجواب: نسلم الملازمة، ونمنع بطلان التالي، وما لا يقتضيه العقد يجوز اشتراطه إذا لم يناف العقد ولا الشرع. وشرط تبقية الطعام في منزله جائز عندنا.

(1) صحيح البخاري 3: 101، سنن النسائي 7: 264، سنن البيهقي 5: 300، الموطأ 2: 618 / 11.
(2) الهداية - للمرغيناني - 3: 25، المغني 4: 222، الشرح الكبير 4: 263 - 264.
(3) كذا ورد قوله: " وقد ثبت... نهى عنه " في " ق، ك " والطبعة الحجرية، فلاحظ.
(4) أضفناها لأجل السياق.
(5) المغني 4: 222، الشرح الكبير 4: 263 - 264، الحاوي الكبير 5: 193، حلية العلماء 4: 215، العزيز شرح الوجيز 4: 346.

[ 358 ]

مسألة 164: يجوز عندنا بيع الثمار بعد بدو صلاحها مع ما يحدث بعدها في تلك السنة أو سنة أخرى - وبه قال مالك (1) - لما تقدم (2) من قول الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين: " لا بأس به " وإذا جاز (3) ذلك قبل بدو الصلاح فبعده أولى. ومنع الشافعي منه (4) وليس بجيد. مسألة 165: حد بدو الصلاح في ثمرة النخل تغير اللون من الخضرة - التي هي لون البلح - إلى الحمرة أو الصفرة - وهو قول أكثر الجمهور (5) - لما رواه العامة من قول النبي (صلى الله عليه وآله): " حتى تزهي " قيل: يا رسول الله وما تزهي؟ قال: " حتى تحمر أو تصفر " (6). وفي حديث آخر: " حتى تحمار أو تصفار " (7). ومن طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): " حتى يزهو " قلت: وما الزهو؟ قال: " حتى يتلون " (8). وعن الرضا (عليه السلام): " حتى يزهو " قال الراوي: قلت: وما الزهو جعلت فداك؟ قال: " يحمر ويصفر وشبه ذلك " (9).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 346.
(2) في ص: 345.
(3) في " ق، ك ": أجاز.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 346، روضة الطالبين 3: 209.
(5) المغني 4: 224، الشرح الكبير 4: 301 - 307.
(6) أورده الماوردي في الحاوي الكبير 5: 194، والرافعي في العزيز شرح الوجيز 4: 350.
(7) صحيح البخاري 3: 101، المغني 4: 224، الشرح الكبير 4: 310.
(8) الكافي 5: 176 / 8، التهذيب 7: 84 / 359، الاستبصار 3: 86 / 294.
(9) الكافي 5: 175 / 3، الفقيه 3: 133 / 580، التهذيب 7: 85 / 363، الاستبصار 3: 87 / 298.

[ 359 ]

وحكي عن بعض الفقهاء أنه قال: بدو الصلاح في الثمار بطلوع الثريا (1)، لأن ابن عمر روى أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، فقال له عثمان بن عبد الله بن سراقة: متى ذلك؟ قال: إذا طلع الثريا (2). والجواب: هذه التتمة من قول ابن عمر لا من قول النبي (صلى الله عليه وآله)، فلا عبرة به، وإنما قال ذلك بناء على عادة أهل تلك البلاد أن طلوع الثريا إنما يكون عند بلوغ الثمرة، وإلا فهو مختلف في البلاد. والغرض ببلوغ الثمرة زوال الغرر الحاصل من تطرق العاهة، وذلك يحصل ببلوغها لا بطلوع الثريا. الثاني: في ثمرة الأشجار. مسألة 166: لا يجوز بيع ثمرة الشجرة (3) قبل ظهورها عاما واحدا إجماعا، لأنها معدومة، فكانت كبيع الملاقيح والمضامين، إذ لا فرق بينهما، فإن كل واحد منهما نماء وثمرة مستكن في أصله لم يبرز إلى الخارج. وهل يجوز بيعها قبل ظهورها عامين؟ الأقوى عندي: المنع، وقد تقدم البحث فيه في ثمرة النخل، والخلاف هنا كما هو ثم. وكذا لو باع الثمرة قبل ظهورها منضمة إلى شئ آخر. مسألة 167: ويجوز بيع ثمرة الشجرة (4) بعد ظهورها وإن لم يبد صلاحها سنة، وبعده بشرط القطع ومطلقا وبشرط التبقية، لما مر.

(1) بداية المجتهد 2: 151.
(2) مسند أحمد 2: 146 / 5086، سنن البيهقي 5: 300. (3 و 4) في " ق، ك ": الشجر.

[ 360 ]

والخلاف هنا كالخلاف هناك. وكذا يجوز بيعها قبل بدو الصلاح سنتين فصاعدا. ويجوز بيعها منضمة إلى الأصول قبل بدو الصلاح وبعده وبشرط القطع وعدمه. وكذا يجوز منضمة إلى غيرها مطلقا قبل انعقادها وبعده، سواء كان بارزا كالتفاح والمشمش والعنب، أو في قشر يحتاج إليه لادخاره، كالجوز في القشر الأسفل، واللوز، أو في قشر لا يحتاج إليه، كالقشر الأعلى للجوز والباقلاء (1) الأخضر والهرطمان (2) والعدس. وكذا السنبل يجوز بيعه، سواء كان بارزا كالشعير، أو مستترا كالحنطة، وسواء بيع منفردا أو مع أصله، وسواء كان قائما أو حصيدا من غير اعتبار كيل أو وزن، إلا إذا كان البيع بعد التصفية. مسألة 168: بدو الصلاح في ثمرة الأشجار الانعقاد، وفي الزرع عند اشتداد الحب، لأن عمار بن موسى سأل الصادق (عليه السلام) عن الكرم متى يحل بيعه؟ فقال: " إذا عقد وصار عنقودا (3) - والعنقود اسم الحصرم بالنبطية - " (4). وعن محمد بن شريح عن الصادق (عليه السلام) في ثمر الشجر " لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته " فقيل له: وما صلاح ثمرته؟ فقال: " إذا عقد بعد سقوط ورده " (5).

(1) في الطبعة الحجرية: والباقلى.
(2) الهرطمان: حب متوسط بين الشعير والحنطة نافع للإسهال والسعال. القاموس المحيط 4: 189.
(3) في المصدر: عقودا.
(4) التهذيب 7: 84 / 358.
(5) التهذيب 7: 91 / 388، الاستبصار 3: 89 / 203.

[ 361 ]

وقال الشافعي: إن كانت الثمرة مما تحمر أو تصفر أو تسود، فبدو الصلاح أن تحصل فيها هذه الألوان. وإن كانت مما تبيض فأن تتموه، وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويصفر لونه. وإن كان مما لا يتلون - كالتفاح - فبأن يحلو ويطيب أكله. وإن كان بطيخا فأن يقع فيه النضج. وإن كان مثل القثاء والخيار الذي لا يتغير لونه ولا طعمه فبأن يتناهى عظم بعضه وهو وقت أخذه (1). والنقل على ما ذكرناه، فهو أولى من الأخذ بالتخمين والاستحسان. الثالث: الخضر - كالقثاء والباذنجان والبطيخ والخيار - يجوز بيعه بعد انعقاده وظهوره. ولا يشترط أزيد من ذلك من تغير لون أو طعم أو غيرهما، لأنه مملوك طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كغيره من المبيعات. ويجوز بيعها منفردة ومنضمة إلى أصولها وغير أصولها بشرط القطع والتبقية ومطلقا. وقال الشافعي: إن كان البيع للثمرة خاصة قبل بدو الصلاح، وجب شرط القطع، كما في ثمرة النخل. وإن باع الأصل خاصة، صح البيع. وكذا لو باعها منضمة إلى الثمرة التي لم يبد صلاحها (2). وإذا باع البطيخ وغيره من الخضر بعد بدو الصلاح في الجميع أو في بعضه [ جاز ] (3) مطلقا عندنا. وقال الشافعي: يجب شرط القطع إن خيف خروج غيره، لأنه إذا وجب

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 288، الحاوي الكبير 5: 195 - 196، العزيز شرح الوجيز 4: 350، روضة الطالبين 3: 212، المغني 4: 224، الشرح الكبير 4: 301 - 307.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 351، روضة الطالبين 3: 213.
(3) إضافة يقتضيها السياق.

[ 362 ]

شرط القطع خوفا من الجائحة التي الغالب فيها العدم، فلأن يجب خوفا من الاختلاط الذي الغالب فيه الوجود كان أولى (1). والجواب: المنع من كون الاختلاط مانعا من البيع، لإمكان المخلص عنه. وإن لم يخف اختلاطه بغيره، صح بيعه بشرط القطع وبغير شرطه (2). مسألة 169: لو أفردت أصول البطيخ وغيره من الخضر بالبيع بعد ظهور الثمرة عليها، صح البيع، وكانت الثمرة للبائع، عملا باستصحاب الملك السالم عن شرط إدخاله في البيع، سواء كان قد بدا صلاحها أو لا. ولا يجب اشتراط القطع إذا لم يخف الاختلاط. ثم الحمل الموجود يكون للبائع، وما يحدث بعده للمشتري، وبه قال الشافعي (3). وإن خيف اختلاط الحملين، لم يجب شرط (4) القطع عندنا، وللأصل. وقال الشافعي: يجب (5). ولو باع الأصول قبل خروج الحمل، فلا يجب اشتراط القطع، للأصل. وقال الشافعي: لابد من شرط القطع أو القلع كالزرع (6). ولو باع البطيخ مع أصوله، لم يجب شرط القطع عندنا، كالثمرة مع الشجرة. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا بد من شرط القطع، بخلاف الثمرة مع

(1 - 3) العزيز شرح الوجيز 4: 351، روضة الطالبين 3: 213.
(4) في الطبعة الحجرية: " اشتراط " بدل " شرط ". (5 و 6) العزيز شرح الوجيز 4: 351، روضة الطالبين 3: 213.

[ 363 ]

الشجرة، لأن الشجرة غير معرضة للجائحة، بخلاف البطيخ مع أصله، فإنه متعرض لها. أما لو باع البطيخ وأصله والأرض أيضا، استغنى عن شرط القطع، وكان الأرض هنا كالأشجار ثم (1). مسألة 170: لو باع الثمرة الظاهرة وما يظهر بعد ذلك، صح البيع عندنا - وبه قال مالك (2) - لأصالة الصحة. ولأن المتجدد هنا كالمتجدد في الثمرة في السنة الثانية، فكما يصح (3) بيع الثمرة سنتين صح هنا. ولأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعا لما يظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا صلاحه. ولقول الصادق (عليه السلام) وقد سئل عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين: " لا بأس به " (4) والخضراوات من جملة الثمار. وقال الشافعي: لا يصح البيع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنها ثمرة لم تخلق، فلا يجوز بيعها، كما لا يجوز بيعها قبل ظهور شئ منها (5). والجواب: الفرق، فإن مع الظهور يبقى المعدوم تابعا، فجاز بيعه،

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 351، روضة الطالبين 3: 213.
(2) الموطأ 2: 619 ذيل الحديث 13، الاستذكار 19: 108 / 28387، و 109 / 28389، بداية المجتهد 2: 157، الكافي في فقه أهل المدينة: 333، الحاوي الكبير 5: 196، حلية العلماء 4: 216 - 218، بدائع الصنائع 5: 139، المغني 4: 225، الشرح الكبير 4: 219.
(3) في " ق، ك ": صح.
(4) الكافي 5: 175 / 2، الفقيه 3: 132 / 576، التهذيب 7: 85 / 364، الاستبصار 3: 87 / 299.
(5) حلية العلماء 4: 216 - 217، الحاوي الكبير 5: 196 و 197، الاستذكار 19: 109 / 28390، بدائع الصنائع 5: 139، المغني 4: 224 - 225، الشرح الكبير 4: 219.

[ 364 ]

بخلاف عدم الظهور، فإن العدم يبقى أصلا. مسألة 171: ويجوز بيع ما يجز جزة وجزات، وكذا ما يخرط خرطة وخرطات، كل ذلك مع ظهور الجزة الأولى والخرطة الأولى، سواء بدا صلاحها أو لا، كالكراث والهندباء والنعناع والتوت والحناء، عملا بالأصل السالم عن معارضة المبطل. ولما رواه ثعلبة بن زيد (1)، قال: سألت الباقر (عليه السلام): عن الرطبة تباع قطعتين أو الثلاث قطعات، فقال: " لا بأس به " قال: فأكثرت السؤال عن أشباه هذا، فجعل يقول: " لا بأس " (2). وعن سماعة قال: سألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربع خرطات؟ فقال: " إذا رأيت الورق في شجرة فاشتر ما شئت من خرطة " (3). وعن معاوية بن ميسرة قال: سألت الصادق (عليه السلام): عن بيع النخل سنتين، قال: " لا بأس به " قلت: فالرطبة نبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها؟ قال: " لا بأس به " ثم قال: " كان أبي يبيع الحناء كذا وكذا خرطة " (4). تذنيب: من جوز بيع الثمرة قبل ظهورها عامين يحتمل تجويز بيع الورق من التوت والحناء وشبههما خرطتين قبل ظهورها. أما ما يجز كالكراث قبل ظهوره فالأولى - تفريعا على الجواز في

(1) في الكافي: عن ثعلبة عن بريد. وفي التهذيب: ثعلبة بن زيد عن بريد.
(2) الكافي 5: 174 (باب بيع الثمار وشرائها) الحديث 1، التهذيب 7: 86 / 366.
(3) الكافي 5: 176 / 7، التهذيب 7: 86 / 367.
(4) الكافي 5: 177 / 11، التهذيب 7: 86 / 368.

[ 365 ]

الثمرة - المنع فيه، لأنه لا أصل له ظاهرا يرجع إلى معرفة المجزوز تقريبا، ولا فرع ظاهر له، بخلاف ورق التوت والحناء. ولو بيع ما يخرط أو يجز مع أصله، صح، سواء بدا صلاحه أو لا. المطلب الثاني: في الأحكام. مسألة 172: يجوز بيع الزرع قصيلا (1) بشرط القطع وبشرط التبقية ومطلقا، عملا بالأصل السالم عن المبطل. فإن شرط القصل أو أطلق واقتضت العادة فيه القصل، وجب على المشتري قصله، فإن لم يفعل، فللبائع قطعه وتركه بالاجرة. وإن شرط التبقية، جاز، ووجب على البائع إبقاؤه إلى كمال حده، للأصل. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع (2). ولو باعه الزرع مع الأرض، جاز إجماعا. وكذا عندنا يجوز بيع البقول دون الأرض بعد ظهورها قبل بدو صلاحها وبعده مطلقا وبشرط القطع والتبقية منضمة إلى الأرض ومنفردة، عملا بالأصل والعمومات. وقال الشافعي: لا يجوز بيع البقول في الأرض دون الأرض إلا بشرط القطع أو القلع، سواء كان مما يجز مرارا أو مرة واحدة (3).

(1) القصل: القطع. والقصيل: ما اقتصل من الزرع أخضر. لسان العرب 11: 557 و 558 " قصل ".
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 288، العزيز شرح الوجيز 4: 352، روضة الطالبين 3: 214.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 352، روضة الطالبين 3: 214.

[ 366 ]

ولو باع الزرع بعد اشتداد الحب، فهو كما لو باع الثمرة بعد بدو الصلاح. مسألة 173: الثمرة إما بارزة، كالتفاح والكمثرى والخوخ والمشمش وأشباهه، فهذا يجوز بيعه بعد ظهوره في شجره وعلى الأرض إجماعا، لظهوره ومشاهدته. وإما غير بارزة بل مستورة بالكمام، وهو قسمان: الأول: ما يكون كمامه من مصلحته يحفظ رطوبته ويبقى معه، كالرمان والجوز واللوز في القشر الثاني، فهذا يجوز بيعه إجماعا، لأنه إذا أخرج من قشره، سارع إليه الفساد، فلم يقف بيعه على ذلك. ولا فرق بين أن يباع على شجره أو مقطوعا على الأرض. الثاني: ما لا يكون بقاء قشره من مصلحته، كالجوز واللوز في قشريه، فإنه يجوز بيعه عندنا، سواء قشر من قشره الأعلى أو لا، وسواء كان مقطوعا على الأرض أو باقيا على الشجرة - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد (1) - لأنه حائل من أصل الخلقة، فلا يمنع من جواز البيع، كقشر الرمان والبيض. وكذا الباقلاء الأخضر يجوز بيعه وإن لم ينزع عنه القشر الأعلى، سواء كان رطبا أو يابسا، وسواء بيع منفردا أو منضما ومقطوعا وغير مقطوع، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد (2) - لما تقدم. وقال الشافعي: لا يجوز بيع ذلك كله إلا بعد أن يقشر الجوز واللوز

(1) المغني 4: 225، العزيز شرح الوجيز 4: 354، المعونة 2: 1011، التلقين 2: 374.
(2) المغني 4: 225، حلية العلماء 4: 99 - 100، الهداية - للمرغيناني - 3: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 354.

[ 367 ]

وشبههما من القشر الأعلى، لا على رأس الشجرة ولا على وجه الأرض، ولا بيع الباقلاء الأخضر حتى ينزع عنه القشر الأعلى (1). وجوز أبو العباس بن القاص وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية بيع الباقلاء الأخضر في القشر الأعلى، وهو قول الشافعي أيضا، لأنه يؤكل رطبا، وبقاؤه في قشره الأخضر يحفظ رطوبته. وكذا قالا في الجوز واللوز إذا كانا رطبين، فأما إذا يبسا، فلا يجوز بيعهما في القشر الأعلى (2). واحتج الشافعي: بأن المقصود مستور فيما لا يدخر عليه وفيما لا مصلحة له فيه، فلم يجز بيعه، كالمعادن والحيوان المذبوح قبل سلخه (3). والجواب: المنع من اللازم، فإنه يجوز عندنا بيع المعادن بشرط المشاهدة، وبيع الحيوان قبل سلخه إن لم نشترط فيه الوزن. مسألة 174: السنبل يجوز بيعه، سواء كان حبه ظاهرا، كالشعير والسلت، أو مستورا، كالحنطة والعدس والسمسم، قبل بدو الصلاح وبعده بشرط القطع والتبقية ومطلقا - وبه قال أبو حنيفة ومالك (4) - للأصل والعمومات.

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 386، العزيز شرح الوجيز 4: 353، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 215، منهاج الطالبين: 107، المعونة 2: 1011، المغني 4: 225.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 353، حلية العلماء 4: 99 - 100، التهذيب - للبغوي - 3: 386، المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 306، منهاج الطالبين: 107. (3) العزيز شرح الوجيز 4: 353، المغني 4: 225.
(4) الهداية - للمرغيناني - 3: 26، بداية المجتهد 2: 152، التلقين 2: 374، المعونة 2: 1011.

[ 368 ]

وقال الشافعي: إن كان الحب ظاهرا، جاز بيعه مع السنبل بعد الحصاد وقبله، لظهور المقصود. وإن كان مستورا كالحنطة، لم يجز بيعه في السنبلة دون السنبلة، ومع السنبلة قولان: القديم: الجواز، لنهيه (عليه السلام) عن بيع الحب حتى يشتد (1)، وقد اشتد، فيزول النهي، وإلا انتفت فائدة الغاية. والجديد: المنع، لأن المقصود مستور بما لا يتعلق به الصلاح (2). أما الارز فإنه كالشعير عنده يجوز بيعه في سنبله، لأنه يدخر في قشره (3). وقال بعض الشافعية: إنه كالحنطة (4). مسألة 175: إذا كان المقصود مستورا في الأرض، لم يجز بيعه إلا بعد قلعه، كالجزر والثوم والبصل - وبه قال الشافعي (5) - للجهالة، لانتفاء المشاهدة والوصف. ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القطع والإبقاء، خلافا للشافعي في الإبقاء (6).

(1) سنن أبي داود 3: 253 / 3371، سنن البيهقي 5: 303، المستدرك - للحاكم - 2: 19.
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 271، المجموع 9: 307 - 308، التهذيب - للبغوي - 3: 387، الحاوي الكبير 5: 199، العزيز شرح الوجيز 4: 353، روضة الطالبين 3: 216. (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 4: 353، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 216.
(5) التهذيب - للبغوي - 3: 387 - 388، العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 216.
(6) التهذيب - للبغوي - 3: 387 و 388، العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 216.

[ 369 ]

والشلجم نوعان: منه ما هو مستور لا يجوز بيعه قبل قلعه. ومنه ما يكون ظاهرا، فيجوز (1) بيعه بشرط القطع والتبقية. ويجوز أيضا بيع اللوز في قشره الأعلى قبل انعقاد الأسفل، لأنه مأكول كله كالتفاح، عند الشافعي (2). وعندنا يجوز مطلقا، سواء يبس قشره أو لا، وسواء انعقد الأسفل أو لا. فروع: أ - اختلف الشافعية في المنع من (3) جميع ما تقدم قول الشافعي بالمنع فيه هل هو مقطوع به أو مفرع على قول منع بيع الغائب؟ قال الجويني: إنه مفرع عليه، فلو جوز بيع الغائب، صح البيع فيها جميعا (4). وقيل: إن المنع في بيع الجزر في الأرض وما في معناه ليس مبنيا على بيع الغائب، لأن في بيع الغائب يمكن رد المبيع بعد الرؤية بصفته وهنا لا يمكن (5). ب - على قول الشافعي بالمنع لو باع الجوز - مثلا - في القشرة العليا مع الشجرة أو باع الحنطة في سنبلها مع الأرض، فطريقان: أحدهما: أن البيع باطل في الجوز والحب، وفي الشجر والأرض قولا تفريق الصفقة.

(1) في الطبعة الحجرية: يجوز.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 216.
(3) في " ق، ك ": " في " بدل " من ". (4 و 5) العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 308، روضة الطالبين 3: 216.

[ 370 ]

وأصحهما عندهم: القطع بالمنع في الكل، للجهل بأحد المقصودين وتعذر التوزيع (1). والأقوى عندنا: الجواز، والجهالة في بعض أجزاء المبيع غير مضرة. ج - لو باع أرضا فيها بذر لم يظهر مع البذر، صح عندنا إن كان البذر تابعا. وللشافعي قولان، هذا أحدهما. والثاني: بطلان البيع في البذر خاصة. وفي الأرض طريقان سبقا. ومن قال بالصحة في الأرض لا يذهب إلى التوزيع، بل يوجب جميع الثمن بناء على أحد القولين فيما لو باع ماله ومال غيره وصححنا البيع في ماله وخيرناه، أنه إذا أجاز يجيز بجميع الثمن (2). وأما على مذهبنا فإذا كان البذر مقصودا، بطل البيع في الجميع، للجهالة. ولو باع البذر وحده، بطل عندنا وعند كل من يوجب العلم في المبيع، سواء عرف قدر البذر وشاهده قبل رميه أو لا، لخفاء حاله عند العقد، وإمكان تجدد الفساد بعد العقد، فخالف بيع الغائب بعد المشاهدة، فإن فساده معلوم الوقت. ولو باع الأرض وحدها، صح البيع، ووجب عليه الصبر إلى وقت أخذ الزرع. وله الخيار في الفسخ والإمضاء مجانا إن لم يكن عالما بالحال. مسألة 176: كما يصح بيع الثمرة يصح بيع أبعاضها على رؤوس الأشجار ومقطوعة قبل بدو الصلاح وبعده مع شرط القطع والتبقية والإطلاق

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 309، روضة الطالبين 3: 216.
(2) حلية العلماء 4: 208، العزيز شرح الوجيز 4: 354، المجموع 9: 309، روضة الطالبين 3: 216.

[ 371 ]

بشرطين: الإشاعة والعلم بالجزئية - كالنصف والثلث مثلا - في كل صورة يصح بيع الجميع فيها، عند علمائنا أجمع. وقال بعض الشافعية: لا يصح البيع قبل بدو الصلاح، لأن البيع يفتقر إلى شرط القطع، ولا يمكن قطع النصف إلا بقطع الجميع، فيتضرر البائع بنقصان غير المبيع (1). والجواب: المنع من اشتراط القطع، وقد تقدم. سلمنا، لكن لا يلزم ثبوته، لإمكان قسمة الثمار على رؤوس الأشجار. سلمنا، لكن هذا الضرر أدخله البائع على نفسه، كما لو باع ثمرة تفتقر إلى سقي يضر بالأصل. فروع: أ - لو باع نصف الثمرة مع نصف النخل، صح إجماعا، وكانت الثمرة تابعة عند المانعين (2) من البيع قبل بدو الصلاح. ب - لو كانت الثمرة لإنسان والشجرة لآخر، فباع صاحب الثمرة نصف ثمرته من صاحب الشجرة، صح عندنا مطلقا على ما تقدم. وللشافعي وجهان بناء على الخلاف في اشتراط القطع هنا (3). ج - لو كانت الأشجار والثمار مشتركة بين رجلين، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه من الثمرة، جاز عندنا. ومنع الشافعي من الجواز (4). ولو اشترى نصيب صاحبه من الثمرة بنصيبه من الشجرة، جاز عندنا.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 351، روضة الطالبين 3: 213. (2 - 4) العزيز شرح الوجيز 4: 352، روضة الطالبين 3: 214.

[ 372 ]

ومنع الشافعي من جوازه مطلقا، وجوزه بشرط القطع، لأن جملة الثمار تصير لمشتري الثمرة، وجملة الأشجار للآخر، وعلى مشتري الثمرة قطع الكل، لأنه بهذه المقابلة (1) الزم قطع النصف المشترى بالشرط، والزم تفريغ الأشجار لصاحبها، وبيع الشجرة على أن يفرغها المشتري جائز (2). وكذا لو كانت الأشجار لأحدهما والثمرة بينهما، فاشترى صاحب الشجرة نصيب صاحبه من الثمرة بنصف الشجرة، جاز مطلقا عندنا، وبشرط القطع عند الشافعي (3). مسألة 177: يجوز للبائع أن يستثني جزءا مشاعا - كالثلث وشبهه - إجماعا، لأنه لا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه. وكذا يجوز أن يستثني نخلات بعينها إجماعا، وأن يستثني عذقا معينا مشخصا من أعذاق النخلة الواحدة، ولا يجوز أن يستثني نخلة غير معينة ولا عذقا غير مشخص إجماعا، ولا الأجود ولا الأردأ، لأن الاستثناء غير معلوم، فصار المبيع مجهولا. وهل يجوز استثناء أرطال معلومة وأمداد معلومة؟ ذهب علماؤنا إلى جوازه - وبه قال مالك (4) - لأنه استثنى معلوما، فأشبه ما لو استثنى جزءا مشاعا. ولقول الصادق (عليه السلام) وقد سأله ربعي: إن لي نخلا بالبصرة فأبيعه واسمي الثمن وأستثني الكر من التمر أو أكثر، قال: " لا بأس " (5).

(1) في المصدر: " المعاملة " بدل " المقابلة ". (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 4: 352، روضة الطالبين 3: 214.
(4) بداية المجتهد 2: 164، المنتقى - للباجي - 4: 236 - 237، حلية العلماء 4: 222، الهداية - للمرغيناني - 3: 26، المغني 4: 231، الشرح الكبير 4: 34.
(5) الكافي 5: 175 / 4، التهذيب 7: 85 / 365، الاستبصار 3: 87 - 88 / 300. (*

[ 373 ]

وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يجوز، لأن النبي (عليه السلام) نهى عن بيع السنين وعن الثنيا (1). ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، فالاستثناء منه يغير حكم المشاهدة، لأنه (2) لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة منه فلم يجز (3). والجواب: المراد بالنهي: الثنيا المجهولة، لجواز استثناء الجزء المشاع والنخلة المعلومة إجماعا. والعلم بالمشاهدة حاصل مع الاستثناء وعدمه، وجهالة القدر حاصلة فيهما معا، فلا وجه للتخصيص. فروع: أ - إذا استثنى جزءا مشاعا أو أرطالا معينة فتلف من الثمرة شئ، سقط من الثنيا بحسابه. أما في الجزء المشاع: فظاهر. وأما في الأرطال المعلومة: فيؤخذ منه بالحزر والتخمين، فيقال: هل ذهب ثلث الثمرة أو نصفها؟ فيذهب من الثنيا بقدر تلك النسبة. أما لو استثنى مائة رطل - مثلا - من الثمرة ومما (4) يتخلف منها، احتمل بطلان البيع. ب - لو استثنى نخلات بعينها أو عذقا معينا من نخلة فذهب بعض

(1) سنن البيهقي 5: 304، مسند أحمد 4: 338 / 14504.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: فالاستثناء منه بغير حكم المشاهدة ولأنه. والصحيح ما أثبتناه من المغني والشرح الكبير.
(3) الهداية - للمرغيناني - 3: 26، الاختيار لتعليل المختار 2: 10، الأم 3: 84، حلية العلماء 4: 222، المغني 4: 231، الشرح الكبير 4: 34.
(4) في " ق ": وما.

[ 374 ]

الثمرة، فإن كان من الثنيا، سقط التالف. وإن كان التالف غير المستثنى، كان المستثنى للبائع. ج - لو قال: بعتك من هذه الصبرة قفيزا إلا مكوكا، صح البيع، لأن القفيز معلوم القدر، والمكوك أيضا معلوم، فكان الباقي معلوما. هذا إذا علم وجود القفيز في الصبرة. مسألة 178: لو باع الثمرة قبل بدو الصلاح على شرط القطع ومطلقا عندنا، أو باع لقطة واحدة من القثاء والبطيخ وشبههما ثم تجدد في النخل ثمرة أخرى أو في أصول الخضر، كان المتجدد للبائع تبعا للأصل إذا لم يشترطه المشتري. فإن تميزت، فلا بحث. وإن اختلطت بغيرها بحيث لا تتميز، فإما أن يكون بعد القبض أو قبله. فإن كان بعد القبض، كان المشتري شريكا للبائع، فإن علم القدر دون العين، أخذ كل منهما من الثمرة بقدر الذي له من الجملة. فإن لم يعلم القدر ولا العين، اصطلحا، كما لو وقع طعام شخص على طعام غيره ولم يعلما قدرهما. وإن كان قبل القبض، تخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، للتعيب في يد البائع، فإن فسخ، أخذ الثمن الذي دفعه. وإن أمضى البيع، كان شريكا: إن علما مقدار ما لكل منهما، أخذ القدر الذي له. وإن جهلاه، اصطلحا. وحكم ما إذا لم يتميز البعض حكم ما إذا لم يتميز الجميع. وأما عند الشافعي: إذا امتزجت الأولى بالثانية ولم تتميزا، فقولان: أحدهما: فسخ البيع - قاله في الإملاء - لتعذر التسليم جملة، فانفسخ البيع، كما لو تلف المبيع قبل القبض.

[ 375 ]

والثاني: أنه لا ينفسخ البيع، فإن سلم البائع الجميع إلى المشتري، أجبر المشتري على قبوله، ومضى البيع. وإن امتنع، فسخ البيع - وبه قال المزني - لأن المبيع زاد، وذلك لا يوجب بطلان العقد، كما لو طالت الشجرة أو بلغت الثمرة (1). والفرق ظاهر، لأن الزيادة في الطول والبلوغ زيادة في عين المبيع فيرجع في الحقيقة إلى زيادة صفة، فوجب عليه قبولها، بخلاف الامتزاج، فإنه يتضمن زيادة العين، فلا يجب قبولها، كما لو باع ثوبا فاختلط الثوب بآخر فدفعهما البائع، لم يجب على المشتري قبولهما، ولا يجبر البائع على تسليمهما، بخلاف طول الغصن وبلوغ الثمرة، فإنه يجب على البائع تسليم الأصل والزيادة. فروع: أ - لو باع ما يعلم امتزاجه قبل إدراك الأول وعدم امتيازه، فإن شرط القطع، صح البيع قطعا، سواء أهمل حتى امتزج أو لا. وإن لم يشترطه، فإن قلنا ببطلان البيع على تقدير الامتزاج، احتمل البطلان هنا حذرا من الاختلاط. والصحة، لأن الثمرة الآن لا موجب لفسخ البيع فيها، والمزج مترقب الحصول، فلا يؤثر في البيع السابق. وللشافعي وجهان، أحدهما: الأول. والثاني: أن البيع يقع موقوفا، فإن سمح البائع بدفع المتجدد إلى المشتري تبينا صحة البيع. وإن لم يدفع،

(1) مختصر المزني: 78، الحاوي الكبير 5: 173، المهذب - للشيرازي - 1: 288 - 289، حلية العلماء 4: 219 - 220، العزيز شرح الوجيز 4: 351، و 362، روضة الطالبين 3: 221.

[ 376 ]

يظهر عدم انعقاده من أصله (1). ب - لو باع بشرط القطع أو التبقية مع ندور الاختلاط فحصل الاختلاط، فقد قلنا: إن كان قبل القبض، كان للمشتري الفسخ، ولا يبطل البيع. وإن كان بعده، لم ينفسخ. وللشافعية قولان قبل القبض: أحدهما: الفسخ، لتعذر تسليم المبيع قبل القبض (2). وهو ممنوع. والثاني: عدم الفسخ، لبقاء عين المبيع، وإمكان إمضاء البيع، فيثبت للمشتري الخيار (3). وقال بعضهم: لا خيار له، وإنه لا فرق بين المزج قبل القبض وبعده (4). ثم إن قال البائع: أسمح بترك المتجددة، ففي سقوط خيار المشتري وجهان: أصحهما عندهم: السقوط، كما في الإعراض عن نعل الدابة المردودة بالعيب. والثاني: عدمه، لما في قبوله من المنة (5). وهو الوجه عندي. ولو باع الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع ثم لم يتفق القطع حتى امتزجا، جرى القولان في الفسخ. وكذا لو باع حنطة فانثال عليها مثلها قبل القبض، أو المائعات (6). ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المبيعة بأمثالها، قال بعضهم: ينفسخ البيع قطعا، لأنه يورث الاشتباه، وأنه مانع من صحة البيع لو فرض

(1 - 6) العزيز شرح الوجيز 4: 362، روضة الطالبين 3: 221.

[ 377 ]

في الابتداء، وفي الحنطة غايته ما يلزم الإشاعة، وهي غير مانعة (1). وفيه وجه: أنه لا ينفسخ، لإمكان تسليمه بتسليم الجميع (2). ولو باع جزة من القت والكراث وشبههما من المجزوزات بشرط القطع ولم يقطعها حتى طالت وتعذر التميز، جرى القولان (3). ومنهم من قطع بعدم الفسخ هنا، تشبيها لطولها بكبر الثمرة وسمن الحيوان (4). وفرق الأولون: بأن الزيادة في الطلع وسمن الحيوان من نماء الطلع والحيوان، الذي هو ملك المشتري، فلهذا كانت له، بخلاف طول القت والكراث، لأنها حدثت من الأصول التي هي ملك البائع، فكانت له، فيجئ القولان، لحصول المزج وعدم التميز (5). ج - لو حصل الامتزاج بعد القبض، لم يبطل البيع عندنا، وقد سبق (6). وللشافعية طريقان: القطع بعدم الفسخ - وهو اختيار المزني - كالحنطة إذا امتزجت بأخرى. والثاني: أنه على القولين في الممتزج قبل القبض، بخلاف مسألة الحنطة، لأن هناك قد تم التسليم وانقطعت العلائق بينهما، وفي الثمار لا تنقطع، لأن البائع يدخل الحائط للسقي وغيره (7).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 362، روضة الطالبين 3: 221 - 222. (2 - 4) العزيز شرح الوجيز 4: 363، روضة الطالبين 3: 222.
(5) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 363، وروضة الطالبين 3: 222.
(6) في ص 372.
(7) التهذيب - للبغوي - 3: 363، العزيز شرح الوجيز 4: 373، روضة الطالبين 3: 222.

[ 378 ]

د - كل موضع قلنا بعدم الفسخ إن تصالحا واتفقا على شئ، فلا بحث. وإن تحاكما، قدم قول صاحب اليد في قدر حق الآخر. وهذا ظاهر في الحنطة وشبهها. أما في الثمار فمن هو صاحب اليد؟ للشافعية وجهان بناء على الجائحة من ضمان البائع أو المشتري؟ (1). ولهم وجه ثالث: أنها في يدهما جميعا (2). والوجه أن نقول: إن كان البائع سلم الثمرة بتسليم الأصل، فهي في يد المشتري. وإن كانت الأصول في يد البائع والثمرة في يد المشتري، فهما صاحبا يد. أما في صورة الحنطة فصاحب اليد هو المشتري، فالقول قوله في قدر حق البائع. فإن كان المشتري قد أودع البائع الحنطة بعد القبض ثم حصل الاختلاط، فالقول قول البائع في قدر حق المشتري. مسألة 179: لو باع شجرة عليها ثمرة، فالثمرة للبائع إلا في طلع النخل غير المؤبر على ما يأتي، فإنه للمشتري. أما ثمرة النخل المؤبرة أو ثمرة غير النخل مطلقا فهي للبائع. فإن كانت الشجرة تثمر في السنة مرتين ويغلب عليها التلاحق، صح البيع عندنا على ما تقدم، ولا يخفى الحكم السابق عندنا. وقال الشافعي: لا يصح البيع إلا بشرط أن يقطع البائع ثمرته عند خوف الاختلاط (3). ويجئ خلافهم السابق فيما إذا كان المبيع الثمرة (4). ثم إذا تبايعا بهذا الشرط ولم يتفق القطع حتى حصل الاختلاط أو كانت الشجرة مما يندر فيها التلاحق فاتفق ذلك، فعندنا يبقى شريكا

(1 - 4) العزيز شرح الوجيز 4: 363، روضة الطالبين 3: 222.

[ 379 ]

ويصطلحان. ونقل المزني عن الشافعي قولين في الانفساخ (1). ولأصحاب الشافعي طريقان: فعن بعضهم: القطع بعدم الانفساخ، وتخطئة المزني في نقله، لأن الاختلاط وتعذر التسليم لم يوجد في المبيع، بخلاف ما إذا كان المبيع الثمار (2). وأثبت الأكثرون القولين وقالوا: الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع لكنه وجد في المقصود بالعقد، وهو الثمرة الحادثة، فإنها مقصود المشتري من الشراء للأصول، فجاز أن يجعل كالمبيع. فإن قلنا بعدم الانفساخ، فإن سمح البائع بترك الثمرة القديمة، أجبر المشتري على القبول. وإن رضي المشتري بترك الثمرة الحادثة، أجبر البائع على القبول، وأقر العقد (3). ويحتمل أن يجئ في الإجبار على القبول للشافعية خلاف. وإن استمرا على النزاع، قال المثبتون للقولين: يفسخ العقد بينهما، كما لو كان المبيع الثمرة. وقال القاطعون: لا فسخ، بل إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع، فالقول قوله في قدر ما يستحقه المشتري مع يمينه. وإن كانتا في يد المشتري، فالقول قوله في قدر ما يستحقه البائع، وهو الذي يقتضيه القياس، لأن الفسخ لا يفيد رفع النزاع، لبقاء الثمرة الحادثة للمشتري. قالوا: ولو قلنا بالفسخ، استرد المشتري الثمن ورد الشجرة مع جميع الثمار (4).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 363، وانظر: روضة الطالبين 3: 222.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 363، روضة الطالبين 3: 222.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 363 - 364، روضة الطالبين 3: 222.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 364، روضة الطالبين 3: 222 - 223.

[ 380 ]

مسألة 180: إذا ضم ما يملكه من الثمرة إلى غيره مملوكة لغيره وباعهما في عقد واحد، فإن كان المشتري عالما، لزم البيع في نصيب البائع بحصته من الثمن، وكان نصيب غيره موقوفا إن أجاز، لزم البيع، وإن لم يجز، بطل في نصيبه خاصة، ولا خيار للمشتري هنا. وإن كان جاهلا، تخير مطلقا، سواء أجاز المالك أو لا، لتفاوت الأغراض في الغرماء. ويحتمل عدم الخيار فيما لو أجاز المالك، وثبوته لو لم يجز، لتبعض الصفقة عليه. ولو باع الثمرة بأجمعها وفيها الزكاة، فإن كان المشتري عالما وشرط البائع عليه نصيب الفقراء، صح البيع. وكذا لو لم يشترط وضمن البائع حصة الفقراء. ولو لم يضمن البائع ولا شرط الزكاة، بطل البيع في نصيب الفقراء، ولزمه في نصيب المالك. وإن كان جاهلا، تخير بين أخذ حصة المالك بحصته من الثمن أو يرد. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يتخير المشتري بين أخذ حصة المالك بحصته من الثمن وبين الرد. والثاني: أنه يتخير المشتري بين أخذ حصة المالك بجميع الثمن أو يرد (1). مسألة 181: إذا باع الثمرة واحتاجت إلى السقي ليزيد نماؤها، وجب على البائع تمكينه من ذلك، لنهيه (عليه السلام) عن الضرر (2). فإن كان سقيها يضر

(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 3: 44 و 45، و 4: 146، والحاوي الكبير 5: 205.
(2) الكافي 5: 280 / 4، و 292 - 293 / 2، و 294 / 8، الفقيه 3: 45 / 154، و 147 / 648، التهذيب 7: 146 - 147 / 651، و 164 / 727، سنن ابن ماجة 2: 784 / 2340 و 2341، سنن الدار قطني 3: 77 / 288، سنن البيهقي 6: 69 و 70، المستدرك - للحاكم - 2: 57 - 58، المعجم الكبير - للطبراني - 2: 86 / 1387، مسند أحمد 1: 515 / 2862، و 6: 446 - 447 / 22272.

[ 381 ]

النخل، قدم مصلحة المشتري. ولا يجب على البائع صاحب الأصول في كل حال سقي ثمرة المشتري، لأصالة براءة ذمته، بل التمكين منه. وقال الشافعي: يجب على البائع سقي الثمرة قبل التخلية وبعدها قدرا تنمو به الثمار وتسلم عن التلف والفساد، لأن التسليم واجب عليه، والسقي من تتمة التسليم، كالكيل في المكيلات والوزن في الموزونات، فيكون على البائع (1). ونحن نمنع كون السقي من تتمة التسليم، لأن التسليم هو التخلية وقد حصل، فلا يجب عليه إنماء المبيع كغذاء الحيوان. فروع: أ - قد بينا أن السقي ليس واجبا على البائع بل التمكين (2)، فإن منعه منه حتى تلفت أو عابت، ضمن الأرش، لأنه سبب في الإتلاف، والأرش في العيب هو قدر قيمة التفاوت بين كونها حالة الأخذ وكونها بالغة حد الكمال إلى وقت أخذها بمجرى العادة. مثلا: إذا باعها وهي بسر واحتاجت إلى سقي حتى تصير رطبا فمنعه البائع منه فلم تبلغ كمالية الترطيب، كان

(1) الحاوي الكبير 5: 170، التهذيب - للبغوي - 3: 386، المهذب - للشيرازي - 1: 288، العزيز شرح الوجيز 4: 359، روضة الطالبين 3: 219.
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: التمكن. والصحيح ما أثبتناه.

[ 382 ]

عليه أرش التفاوت بين كونها رطبا كاملا وناقصا. وفي التلف يجب عليه قيمة البسر. ب - لو احتاج المشتري في السقي إلى آلة، لم يجب على البائع إقامتها. ولو كان للبائع آلة، كدولاب ودالية، لم يجب عليه تمكين المشتري من السقي بها. ويجئ على قول الشافعي الوجوب. ج - قال الشافعي: السقي يجب على البائع، فلو شرط على المشتري، بطل العقد، لأنه خلاف مقتضاه (1). وهو ممنوع. مسألة 182: لو باع الأصول والثمرة للبائع ثم أراد سقيها بالماء وكان ذلك لا يضر النخل، وجب على المشتري تمكينه منه، لأنه مما ينفع ثمرته ويبقيها، وكان عليه تمكينه منه كتركها على الأصول، وبه قال الشافعي (2). ثم اعترض أصحابه على أنفسهم بأن البائع لو باع الثمرة بعد بدو صلاحها وعطشت، وجب على البائع سقيها عندهم، لأنه صاحب الأصول، فألا قلتم هنا: يجب السقي على المشتري، لأنه صاحب الأصول؟ والجواب: أنهم لم يقولوا: إنه يجب عليه السقي، لأنه صاحب الأصول، بل وجب عليه السقي، لأنه يجب عليه تسليم الثمرة كاملة، وذلك إنما يكون بالسقي، وهنا لم يلزمه تسليم الثمرة ولم يملكها من جهته (3). وإن كان السقي ينفعهما معا، لم يكن لأحدهما منع الآخر منه. وإن كان يضرهما معا، لم يكن لأحدهما السقي إلا برضا الآخر.

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 385 - 386، العزيز شرح الوجيز 4: 359، روضة الطالبين 3: 219.
(2) التهذيب - للبغوي - 3: 371، العزيز شرح الوجيز 4: 344، روضة الطالبين 3: 208.
(3) لم نعثر عليه في مظانه.

[ 383 ]

وأما إن كان السقي يضر بالاصول، فإن استغنت الثمرة عنه، منع صاحب الثمرة منه. وإن استضرت الثمرة بتركه، أو كان المشتري يريد سقي الأصول، لحاجتها إليه وكان ذلك يضر بالثمرة، قال بعض الشافعية: إن رضي أحدهما بإدخال الضرر عليه، أقر العقد بينهما. وإن لم يرض واحد منهما، فسخ العقد، لتعذر إمضائه إلا بضرر أحدهما (1). وقال بعضهم: أيهما احتاج إلى السقي، أجبر الآخر عليه وإن أضر به، لأنه دخل معه في العقد على ذلك، لأن مشتري الأصول اقتضى عقده تبقية الثمرة، والسقي من تبقيتها، والبائع اقتضى العقد في حقه تمكين المشتري من حفظها وتسلمها، ويلزم كل واحد منهما ما أوجبه العقد للآخر وإن أضر به (2). إذا تقرر هذا، فإنما له أن يسقي القدر الذي له فيه صلاحه، فإن اختلفا في ذلك، رجع إلى أهل الخبرة، فما احتاج إليه أجبر عليه، وأيهما طلب السقي، فالمؤونة عليه، لأنه لحاجته. تذنيب: لو كانت الثمرة مؤبرة، فهي للبائع. فإن عطشت وتعذر سقيها فطالبه المشتري بقطعها، لتضرر الأصول ببقائها عليها، فإن كان الضرر يسيرا، لم يلزمه القطع. وإن كان كثيرا يخاف من جفاف النخل أو نقصان حملها، أجبر المشتري على تركه - وهو أحد قولي الشافعي (3) - لأنه

(1 و 2) التهذيب - للبغوي - 3: 371، المهذب - للشيرازي - 1: 287 - 288، العزيز شرح الوجيز 4: 345.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 287، حلية العلماء 4: 210، التهذيب - للبغوي - 3: 371، الحاوي الكبير 5: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 344.

[ 384 ]

دخل في العقد على ذلك. والثاني له: يجبر البائع على قطعها، لأن الضرر يلحقها وإن بقيت، والأصول تسلم بقطعها. ولأن ضرر الأصول أكثر لتعذر أمثال الثمرة في المستقبل بذلك (1). وهذا القول لا بأس به عندي. مسألة 183: إذا (2) باع الأصل خاصة وعليه ثمرة ظاهرة، فالثمرة للبائع، والأصل للمشتري في غير النخل، وفيه مع التأبير أو اشتراطه، وللمشتري مع عدمه، ولا يجب على البائع قلع الثمرة مع الإطلاق، بل يجب على المشتري تبقيتها إلى أوان الجذاذ - وبه قال مالك وأحمد والشافعي (3) - لأن النقل والتفريغ إنما يجب بحسب العادة والعرف، فإن بائع الدار يجب عليه نقل الأقمشة والأطعمة على حسب العرف نهارا لا ليلا شيئا بعد شئ، كذا هنا تفريغ النخل من الثمرة إنما يكون في أوان تفريغها في العادة، وهو وقت الجذاذ. وقال أبو حنيفة: يلزمه قطعها في الحال وتفريغ النخل، لأن المبيع مشغول بملك البائع، فلزمه (4) نقله وتفريغه، كما لو باع دارا فيها قماش (5).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 287، حلية العلماء 4: 210، التهذيب - للبغوي - 3: 371، الحاوي الكبير 5: 172، العزيز شرح الوجيز 4: 344.
(2) في الطبعة الحجرية: " لو " بدل " إذا ".
(3) المغني 4: 207، الشرح الكبير 4: 206، المهذب - للشيرازي - 1: 287، حلية العلماء 4: 209، التهذيب - للبغوي - 3: 370، العزيز شرح الوجيز 4: 344.
(4) في الطبعة الحجرية: فيلزمه.
(5) المغني 4: 207، الشرح الكبير 4: 206 - 207، الهداية - للمرغيناني - 3: 25، حلية العلماء 4: 209، التهذيب - للبغوي - 3: 370، العزيز شرح الوجيز 4: 344.

[ 385 ]

والجواب ما تقدم. فروع: أ - لو شرط قطع الثمرة في الحال، وجب على البائع قطعها في الحال، عملا ب‍ " الشروط " وقد قال (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (1). ب - لو شرط الإبقاء، صح عندنا، لأنه مقتضى البيع على الإطلاق، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد (2). وقال أبو حنيفة: يفسد البيع (3). وليس بجيد. ج - المرجع في وقت القطع إلى العادة، فما كانت العادة فيه أن يقطع قبل نضجه كالمكتوم يؤخذ بسرا، كلف البائع القطع بمجرى العادة، ولا يكلفه قطع الجميع إذا لم يتفق بيعه دفعة. وإذا جاء وقت الجذاذ، لم يمكن من أخذها على التدريج، ولا أن يؤخر إلى نهاية النضج، بل يؤخذ بالعادة في ذلك كله. هذا مع الإطلاق، وأما مع الشرط فبحسبه. د - لو تعذر السقي، لانقطاع الماء، أو تعذر الآلة وعظم ضرر النخل ولم يكن في الإبقاء منفعة لصاحب الثمرة، فالأقوى عندي: إلزام صاحب الثمرة بقطعها على ما تقدم. وللشافعي قولان تقدما (4). ه‍ - لو أصاب الثمار آفة ولم يكن في إبقائها فائدة، فإن لم يتضرر

(1) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.
(2) التهذيب - للبغوي 3: 370، العزيز شرح الوجيز 4: 346، المغني 4: 207، الشرح الكبير 4: 206.
(3) التهذيب - للبغوي - 3: 370، العزيز شرح الوجيز 4: 344.
(4) في ص 382، تذنيب المسألة 182.

[ 386 ]

صاحب النخل، كان لصاحب الثمرة الإبقاء، عملا بالإطلاق، وانتفاء الضرر. وإن كان يتضرر، فالأقوى: إلزامه بالقطع، دفعا للضرر مع انتفاء الفائدة. وللشافعي قولان (1). و - لو احتاج صاحب الثمرة إلى السقي، وجب على صاحب الأصل تمكينه منه مع انتفاء ضرره على ما تقدم، ومن الدخول إلى البستان لذلك، فإن لم يأمنه، نصب الحاكم أمينا للسقي، ومؤونته على البائع. ويحتمل تمكين البائع من السقي، وعلى المشتري مراقبته. وهو الوجه عندي. ز - لو لم يسق البائع وتضرر المشتري ببقاء الثمار، لامتصاصها رطوبة الأشجار، أجبر البائع على السقي أو القطع، فإن تعذر السقي، لانقطاع الماء، فالاحتمالان السابقان. ح - لو قضت العادة بأخذ بعض الثمرة بسرا والباقي رطبا، وجب اتباعها. ولو قضت بأخذها كلها بسرا، فعليه نقلها. ولو أراد إبقاءها ليأخذها شيئا فشيئا ليكون أنفع له، لم يكن له ذلك، بل يأخذها وينقلها عند إمكان نقلها. وإذا استحكمت حلاوته، فعليه نقله. ولو قضت العادة بأخذها تمرا أو قسبا (2)، اتبعت العادة. ط - لو كان النخل مما يعتاد التخفيف منه بقطع بعض ثمرته وباع الأصل واستثنى الثمرة أو باع الثمرة خاصة، لم يجب التخفيف هنا، عملا بأصالة سلامة الملك على مالكه، فليس لغيره التصرف فيه بشئ.

(1) الوسيط 3: 180، العزيز شرح الوجيز 4: 344.
(2) القسب: التمر اليابس يتفتت في الفم. لسان العرب 1: 672 " قسب ".

[ 387 ]

ولو باع الثمرة واشترط تخفيفها، احتمل بطلان البيع، لجهالة الباقي من المبيع. والوجه: الصحة، لأن المبيع غير مجهول، أقصى ما في الباب أنه شرط قطع البعض، فيبنى في ذلك على العادة. أما لو باع الثمرة، فالوجه: أنه لا يجب على المشتري تخفيفها، سواء تضرر النخل أو الثمرة أو لا. ي - لو باع الأصل دون الثمرة وكانت عادة أولئك القوم قطع الثمار قبل إدراكها، كما لو كان الكرم في البلاد الشديدة البرد لا تنتهي ثمارها إلى الحلاوة واعتاد أهلها قطع الحصرم، ففي إلحاق العرف الخاص بالعام نظر: من حيث إن إطلاق العقد يحمل على المعتاد، فيكون المعهود كالمشروط، ومن حيث إن تواطؤ قوم معينين ليس حجة، بخلاف العادة العامة الثابتة في زمان النبي (عليه السلام). يأ - لو تبايعا بشرط القطع، وجب الوفاء به، فإن تراضيا على الترك، جاز، فكان بدو الصلاح بمنزلة كبر العبد الصغير. وقال أحمد: يبطل البيع، وتعود الثمرة إلى البائع (1). ولا وجه له. مسألة 184: ولا فرق بين الثمرة وغيرها من المبيعات، فلو اشترى ثمرة بعد بدو صلاحها أو قبله بشرط القطع أو مطلقا على ما اخترناه، وبالجملة، على وجه يصح البيع فتلفت، فإن كان التلف قبل القبض، فهو من ضمان البائع، وانفسخ العقد. ولو تلف البعض، انفسخ فيه خاصة، وتخير المشتري في أخذ الباقي بحصته، وفي الفسخ فيه أيضا.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 347.

[ 388 ]

وإن كان ذلك بعد القبض - وهو التخلية بين المشتري وبينها - فهي من ضمان المشتري - ولا فرق بين أن يكون التلف بأمر سماوي، كالريح والثلج والبرد، أو بغير سماوي، كالسرقة والحريق، ولا بين أن يكون التالف أقل من الثلث أو أكثر - وبه قال أبو حنيفة، وهو الجديد من قولي الشافعي (1)، لأن امرأة أتت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى (2) أن لا يفعل، فقال (عليه السلام): " تألى فلان أن لا يفعل خيرا " (3) ولو كان ذلك واجبا عليه، لأجبره عليه. ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف فيغلب الضمان، كالنقل والتحويل. وقال في القديم: إذا تلفت بعد القبض، فهي من ضمان البائع أيضا - فإن تلفت كلها، انفسخ العقد. وإن تلف بعضها، انفسخ فيه. وهل ينفسخ في الباقي؟ مبني على قولي تفريق الصفقة - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بوضع الجوائح، ونهى عن بيع السنين (4). ولأن التخلية ليست بقبض صحيح، ولهذا لو عطشت الثمرة، كان من ضمان البائع إذا تلفت (5).

(1) المغني 4: 233 - 234، الشرح الكبير 4: 271 - 272، الوجيز 1: 151، العزيز شرح الوجيز 4: 359، التهذيب - للبغوي - 3: 392، روضة الطالبين 3: 219.
(2) أي: حلف، مشتق من الألية، وهي اليمين.
(3) الموطأ 2: 621 / 15، سنن البيهقي 5: 305، مسند أحمد 7: 252 / 24221، المغني 4: 234، الشرح الكبير 4: 272 - 273.
(4) سنن الدار قطني 3: 31 / 118، سنن البيهقي 5: 306.
(5) الوجيز 1: 151، العزيز شرح الوجيز 4: 359، التهذيب - للبغوي - 3: 393، روضة الطالبين 3: 219، المغني 4: 233 - 234، الشرح الكبير 4: 271 و 273 و 276 - 277.

[ 389 ]

وقال مالك: إن كان التالف أقل من الثلث، كان من ضمان المشتري. وإن كان قدر الثلث فما زاد، كان من ضمان البائع، لأن الثمرة لا بد وأن يأكل منها الطائر ويسقط منها الريح، فلم يكن بد من حد فاصل بين ذلك وبين الجائحة، فقدر بما دون الثلث (1). وقال أحمد: إن تلفت بأمر سماوي، كان من ضمان البائع. وإن تلفت بنهب أو سرقة، كان من ضمان المشتري، لأن ما يتلفه الآدمي يرجع إلى بدله منه، فلهذا كان من ضمانه، بخلاف الجائحة (2). والجواب: أن الحديث استضعفه الشافعي (3)، فلا يجوز أن يحتج به. ويحتمل أن يكون أراد بذلك في بيع السنين، أو قال ذلك ندبا لا واجبا. والتخلية قبض صحيح، لأنه يتعلق بها جواز التصرف، ولا يمكن نقلها، فأشبهت العقار. وأما عطش الثمرة فيمنع أنه من ضمان البائع. ولو قلنا به، فهو مبني على قوله: إن العقد يقتضي أن يكون سقيها على البائع، كما اقتضى تركها على الأصول إلى أوان الجذاذ، فإن عجز عن تسليم الماء، ثبت للمشتري

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 334، المغني 4: 234 - 235، الشرح الكبير 4: 281 - 283، حلية العلماء 4: 345، الحاوي الكبير 5: 205 - 206، العزيز شرح الوجيز 4: 360.
(2) حلية العلماء 4: 345، وانظر: المغني 4: 233 - 234، والشرح الكبير 4: 271 و 278 - 280.
(3) المغني 4: 234، الشرح الكبير 4: 274 - 275.

[ 390 ]

الخيار. وقول مالك ليس بصحيح، لأن ما يأكله الطير لا يؤثر في العادة ولا يبلغ ما حده به إلا أن يقع عليه الجذاذ، فيكون ذلك من جملة الجوائح. وينتقض ما قاله أحمد بالعبد إذا مات في يد البائع أو قتل، فإنهما سواء وإن كان يرجع في أحدهما إلى الضمان. فروع: أ - لو تلفت الثمرة بعد التخلية وبلوغ أوان الجذاذ وإمكانه من المشتري، فعلى ما قلناه الضمان على المشتري، لأنا نوجبه عليه وإن لم يبلغ أوان الجذاذ فمع بلوغه وإمكان الجذاذ منه يكون أولى. وكذا على جديد الشافعي (1). وعلى قديمه قولان: أحدهما: أنه يكون من ضمان البائع أيضا، لأن الآفة أصابته قبل نقله فكان كما لو أصابته قبل أوان الجذاذ. ولأن التسليم لا يتم ما دامت الثمار متصلة بملك البائع. والثاني: أنها من ضمان المشتري، لأنه بتركه (2) النقل مع قدرته عليه يكون مفرطا، فانتقل الضمان إليه. ولانقطاع العلقة بينهما، إذ لا يجب السقي على البائع حينئذ (3).

(1) الحاوي الكبير 5: 209، العزيز شرح الوجيز 4: 359، روضة الطالبين 3: 219، حلية العلماء 4: 344 و 346.
(2) في الطبعة الحجرية: بترك.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 360، حلية العلماء 4: 346، روضة الطالبين 3: 219.

[ 391 ]

ب - لو تلف بعض الثمار، فكالكل، إلا أن يتلف قبل التخلية، فإنه يثبت للمشتري الخيار في التسليم. ولو عابت الثمار بالجائحة ولم تتلف، فإن كان بعد التخلية، فلا خيار للمشتري، وهو جديد الشافعي (1). وعلى قديمه يكون له الخيار (2). وإن كان قبلها، فمن ضمان البائع. ج - لو ضاعت الثمار بغصب أو سرقة، فإن كان قبل التخلية، فمن ضمان البائع. وإن كان بعدها، فمن المشتري. وللشافعي قولان: أحدهما: أنها من ضمان البائع، لأن التسليم لا يتم بالتخلية، على القديم. والثاني: أنها من ضمان المشتري، على القديم أيضا، لتمكنه من الاحتراز عنه بنصب الحفاظ. ولأن الرجوع على الجاني بالضمان يتيسر (3). د - لو اختلفا في الجائحة أو في قدرها، فالقول قول البائع - وبه قال الشافعي (4) - لأن الثمن قد لزم بالبيع، والأصل أن لا جائحة. ه‍ - إذا لم يمكن البائع المشتري من السقي أو لم يسقه عند من أوجب السقي عليه، أو شرطه عند من لا يوجبه وأخل به وعرض في الثمار آفة بسبب العطش، فإن تلفت، وجب على البائع الضمان، لأنه سبب في الإتلاف.

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 360، روضة الطالبين 3: 220.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 360، روضة الطالبين 3: 219، المغني 4: 237.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 360، حلية العلماء 4: 347، روضة الطالبين 3: 220.
(4) روضة الطالبين 3: 220.

[ 392 ]

وللشافعية طريقان: أحدهما: أن في انفساخ البيع قولين. وأصحهما: القطع بالفسخ، لأن استحقاق السقي بالعقد قبل التخلية، وما يستند إلى سبب سابق على القبض فهو بمنزلة ما لو سبق بنفسه. وعلى تقدير عدم الفسخ فعلى البائع الضمان للقيمة أو المثل، وإنما يجب ضمان ما تلف، ولا ينظر إلى ما كان ينتهي إليه لولا العارض (1). ولو تعيبت ولم تفسد، تخير المشتري وإن جعلنا الجائحة من ضمانه، لأن الشرع ألزم البائع تنمية الثمار بالسقي إما بالشرط عندنا أو مطلقا عند الشافعي (2)، فالعيب الحادث بترك السقي كالعيب المتقدم على القبض. ولو أفضى التعيب إلى تلفه، نظر إن لم يشعر به المشتري حتى تلف، عاد البحث في الانفساخ، ولزم الضمان على البائع إن قلنا بعدم الفسخ، ولا خيار بعد التلف. وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلف، فوجهان: أحدهما: يغرم البائع، لعدوانه. وعدمه، لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة عليه (3). و - لو باع الأصل والثمرة معا فتلفت الثمرة بجائحة قبل التخلية، بطل العقد فيها، ويتخير المشتري في الأشجار مع إمضاء البيع بقدر حصتها من الثمن، وفسخ البيع فيها أيضا. وللشافعي في بطلان بيع الأصول قولان (4).

(1 - 4) العزيز شرح الوجيز 4: 361، روضة الطالبين 3: 220.

[ 393 ]

وإن تلفت بعد التخلية، فهي من ضمان المشتري عندنا وعند الشافعي (1) أيضا قولا واحدا، لانقطاع العلائق هنا، والثمرة متصلة بملك المشتري. ز - لو اشترى طعاما مكايلة وقبضه جزافا فهلك في يده، فهو من ضمان المشتري، لحصول القبض. وإن جعلنا الكيل شرطا فيه، فالأقرب أنه من ضمان البائع. وللشافعي وجهان، لبقاء الكيل بينهما (2). ح - ليس للبائع تكليف مشتري الثمرة قطعها قبل بدو صلاحها إلا أن يشرطه، بل يجب عليه تبقيتها إلى أوان أخذها عرفا بالنسبة إلى جنس الثمرة، فما قضت العادة بأخذه بسرا اقتصر عليه، وما قضت بأخذه رطبا أو قسبا أخر إلى وقته. وكذا لو باع الأصل واستثنى الثمرة وأطلق، وجب على المشتري إبقاؤها. ط - لو أتلف الثمرة أجنبي قبل التخلية، تخير المشتري بين فسخ البيع وإلزام المتلف. والأقرب: إلحاق البائع به، فيتخير المشتري بين فسخ البيع وإلزام البائع بالمثل، أو القيمة، سواء زادت عن الثمن المسمى المدفوع إلى البائع أو نقصت عنه. ولو تلفت بفعل المشتري، فكالقبض يكون من ضمانه. مسألة 185: يجوز بيع الثمرة بجميع العروض والأثمان إلا بالثمرة، وهي المزابنة، وبيع الزرع كذلك إلا بالحب، وهي المحاقلة، هذا هو المشهور من تفسير المحاقلة والمزابنة.

(1 و 2) العزيز شرح الوجيز 4: 361، روضة الطالبين 3: 220.

[ 394 ]

والمحاقلة مأخوذة من الحقل، وهي الساحة التي تزرع، سميت محاقلة، لتعلقها بزرع في حقل. والمزابنة مأخوذة من الزبن، وهو الدفع، سميت بذلك، لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيها مما يكثر فيريد المغبون دفعه والغابن إمضاءه فيتدافعان. والأصل في تحريم المحاقلة والمزابنة النص. روى جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن المحاقلة والمزابنة. فالمحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق (1) من حنطة. والمزابنة: أن يبيع الثمرة بمائة فرق من تمر (2). وهذا التفسير إن كان من النبي (صلى الله عليه وآله)، فذاك. وإن كان من الراوي، فهو أعرف بتفسير ما رواه. ولأنه مجهول المقدار بيع بجنسه وهما ربويان فلم يصح، لجواز زيادة أحدهما على صاحبه، بل هو الغالب، لندور التساوي. مسألة 186: قد عرفت أن المحاقلة هي بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة الصافية على وجه الأرض، والمزابنة: بيع الرطب على رأس النخل بالتمر على وجه الأرض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (3). وقال مالك: المحاقلة إكراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الثلث أو

(1) الفرق: مكيال ضخم لأهل المدينة، معروف. لسان العرب 10: 305 " فرق ".
(2) مختصر المزني: 81، العزيز شرح الوجيز 4: 354 - 355، وفي سنن ابن ماجة 2: 762 / 2286، وسنن النسائي 7: 37، وسنن البيهقي 5: 307 بدون التفسير.
(3) الوجيز 1: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 354، حلية العلماء 4: 348 و 352، التهذيب - للبغوي - 3: 398، الحاوي الكبير 5: 212، المجموع 9: 309، بدائع الصنائع 5: 194، الهداية - للمرغيناني - 3: 44، المغني 4: 201، الشرح الكبير 4: 165.

[ 395 ]

الربع أو غيرهما (1). ونقل عنه أيضا ما يقاربه، وهو أن المحاقلة إكراء الأرض للزرع بالحب (2)، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن المحاقلة والمزابنة، والمحاقلة: كراء الأرض (3). وذكر ابن المنذر في بعض ألفاظه: والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة (4). وليس بجيد، لأن إكراء الأرض بالحنطة إنما هو بذل الحنطة في مقابلة المنفعة، والمنفعة ليست بحنطة. وإذا باع السنبل بالحنطة، فقد باع حنطة بحنطة مع الجهالة بالتساوي، وهو غير جائز. والمزابنة هي ضمان الصبرة بقدر معلوم بأن يقول الشخص لغيره في صبرة مشاهدة: ضمنت لك صبرتك هذه بمائة قفيز، فيقول المالك: هي أقل من ذلك، فيقول لمالكها: يكال الآن إن زاد فلي، وإن نقص فعلي. وهذا ليس عقدا وإنما هو قمار. والقصد النهي عن عقده، فالمشهور ما تقدم. مسألة 187: هل يشترط في المحاقلة والمزابنة اتحاد الثمن والمثمن أم لا؟ قيل: نعم (5). فيكون النهي متناولا لبيع الحنطة الثابتة في السنابل

(1) بداية المجتهد 2: 222، الكافي في فقه أهل المدينة: 316، التهذيب - للبغوي - 3: 398، العزيز شرح الوجيز 4: 355.
(2) كما في الخلاف - للشيخ الطوسي - 3: 94، المسألة 152.
(3) صحيح مسلم 3: 1179 / 1546، سنن الدار قطني 3: 75 - 76 / 285، مسند أحمد 3: 365 / 11183.
(4) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر، وفي المغني - لابن قدامة - 4: 298 نقله عن أبي سعيد.
(5) قال به الشيخ الطوسي في النهاية: 416.

[ 396 ]

بحب منها معين المقدار. ولبيع ثمرة النخل، الثابتة عليها بثمرة منها، فيجوز بيع كل منهما بتمر موضوع على الأرض من غير تلك الثمرة، وبحب موضوع على الأرض من غير تلك السنابل، للأصل. ولما رواه يعقوب بن شعيب عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول أحدهما لصاحبه: [ اختر ] إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك وأرد عليك، قال: " لا بأس " (1). وفي الحسن عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) في رجل قال لآخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمي ما شاء فباعه، فقال: " لا بأس به " (2). وقال بعض (3) علمائنا: لا يشترط ذلك، بل يحرم بيع الزرع بالحنطة الموضوعة على الأرض وبيع الثمرة في النخلة بالتمر الموضوع على الأرض - وبه قال الشافعي (4) - حذرا من الربا، لأن كل واحد منهما بيع مال الربا بجنسه (5) من غير تحقق المساواة في المعيار (6) الشرعي، لأن المعتاد فيهما الكيل، ولا يمكن كيل الحنطة في السنابل ولا الثمرة على رأس النخل. والتخمين بالخرص لا يغني، كما لو كان كل واحد منهما على وجه الأرض.

(1) التهذيب 7: 91 / 389، وما بين المعقوفين من المصدر.
(2) الكافي 5: 176 - 177 / 10، التهذيب 7: 89 / 379، الاستبصار 3: 91 / 310.
(3) ابن إدريس في السرائر 2: 367.
(4) الأم 3: 62 - 63، الوجيز 1: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 355، حلية العلماء 4: 348 و 352.
(5) في الطبعة الحجرية: من جنسه.
(6) في " ق، ك ": العيار.

[ 397 ]

ونمنع الربا، لأنه لا يثبت إلا في المكيل أو الموزون، ولا شئ من الثمرة على رأس (1) النخل ولا من الزرع في السنابل بمكيل أو موزون. وقد روى ابن رباط عن أبي الصباح الكناني قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: " إن رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر وكان له نخل فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك، فأبى أن يقبل، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يارسول الله إن لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر، فكلمه يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال: يا رسول الله لا يفي وأبى أن يفعل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصاحب النخل: اجذذ نخلك، فجذه فكال له خمسة عشر وسقا " فأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط ولا أعلم إلا أني قد سمعته منه أن أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: " إن ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: هذا ربا، قلت: أشهد بالله إنه من الكاذبين، قال: صدقت " (2). فروع: أ - لو اختلف الجنس، جاز البيع إجماعا، كأن يبيع الشعير في سنبله بالدخن الموضوع على الأرض، أو ثمرة النخل فيها بعنب أو زبيب موضوع على الأرض. واشترط الشافعي التقابض هنا بالنقل لما على وجه الأرض، وبالتخلية فيما على الشجر (3). وهو بناء على مذهبه من وجوب التقابض في

(1) في " ق، ك ": رؤوس.
(2) التهذيب 7: 91 - 92 / 390، الاستبصار 3: 92 / 312.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 355.

[ 398 ]

الربويات مع اختلاف الجنس، وقد سلف بحثه (1). ب - إن جعلنا العلة في المحاقلة والمزابنة الربا، لم يجز بيع غير النخل والزرع بجنسه الموضوع على الأرض، فلا يجوز بيع العنب في أصله بزبيب أو عنب موضوع على الأرض، وكذا غيره من الفواكه، ولا بيع الدخن في سنبله بحب دخن موضوع على الأرض، عملا بتعميم الحكم عند تعميم علته. وإن لم نجعل العلة ذلك، جاز جميع ذلك. ج - الحنطة والشعير عندنا أنهما جنس واحد في الربا على ما تقدم (2)، خلافا للشافعي (3). فعلى أصلنا هذا إذا جعلنا العلة الربا، لم يجز بيع الحنطة في السنبل بالشعير الموضوع على الأرض وبالعكس، وإلا جاز. د - في أكثر تفاسير المحاقلة أنها بيع الحنطة في السنبل بحنطة إما منها أو من غيرها على ما تقدم، فهل يدخل فيه الشعير الثابت في سنبله بالشعير المصفى؟ إن جعلناه من جنس الحنطة أو قلنا: العلة الربا، شمل التحريم، وإلا فلا، لكن لا يكون محاقلة إن لم يكن من الجنس وإن قلنا بالتحريم لعلة الربا فيه. أما غير الشعير والحنطة كالدخن يباع في سنبله بحب مصفى إما منه أو من غيره، والذرة والأرز وغير ذلك من أنواع الزرع فهل يكون محاقلة؟ في بعض ألفاظ علمائنا أن المحاقلة هي بيع الزرع بالحب من جنسه (4)،، فيكون ذلك كله محاقلة. وإن لم نجعل ذلك محاقلة بل خصصنا اسم

(1) في ص 148، الفرع (ه‍) من المسألة 77.
(2) في ص 148، المسألة 78.
(3) الأم 3: 31، المهذب - للشيرازي - 1: 279، الحاوي الكبير 5: 110، بداية المجتهد 2: 135، المحلى 8: 492، المغني 4: 151، الشرح الكبير 4: 149. (4) كشف الرموز 1: 506 - 507، وكما في شرائع الإسلام 2: 54.

[ 399 ]

المحاقلة بالحنطة، هل يثبت التحريم؟ إن جعلنا العلة في الحنطة الربا، ثبت هنا، وإلا فلا. أما الثمرة فالمشهور اختصاص المزابنة بثمرة النخل منها دون غيرها، لكن في التحريم إن جعلناه معللا بالربا، ثبت في غير النخل، وإلا فلا. ه‍ - لو باع الزرع قبل ظهور الحب بالحب، فلا بأس - وبه قال الشافعي (1) - لأنه حشيش، وهو غير مطعوم ولا مكيل، سواء تساويا جنسا أو اختلفا. ولا يشترط التقابض في الحال. و - قد بينا أن بيع الصبرة باطل إلا مع العلم بقدرها، فلو باع صبرة بأخرى مجهولتين من جنس واحد، لم يجز مطلقا عندنا على ما تقدم (2). وقال الشافعي: إن أطلقا البيع، لم يجز، لأن التساوي شرط، والجهل به كالعلم بالتفاضل، فيكون البيع باطلا. وإن قال: بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة كيلا بكيل أو مثلا بمثل، فإن كيلتا وتساويتا، صح البيع. وإن تفاوتتا، فقولان، أحدهما: الفساد، لتفاضلهما. والثاني: الصحة، ويأخذ بقدر صبرته. وإن اختلف الجنس وأطلقا، صح البيع. وإن شرطا التساوي، فإن خرجتا متساويتين، صح البيع. وإن تفاضلتا، قيل للذي له الفضل: أترضى بتسليمه؟ فإن أجاب، لزم البيع. وإن أبى، قيل للآخر: أتأخذ بقدر صبرتك؟ فإن رضي، لزم البيع. وإن أبى، فسخ العقد بينهما (3).

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 355، المجموع 9: 309، روضة الطالبين 3: 217.
(2) في ص 74، المسألة 45، وص 80، الفرع (ه‍) من المسألة 46.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 83، الحاوي الكبير 5: 108، روضة الطالبين 3: 52، المغني 4: 147، الشرح الكبير 4: 148.

[ 400 ]

وهذا عندنا كله باطل، لما تقدم. مسألة 188: واستثني من المزابنة العرايا، وهي جمع عرية، والعرية: النخلة تكون في دار الإنسان أو في بستانه، فيباع ثمرتها رطبا بخرصها تمرا كيلا، فلا تجوز العرايا في أكثر من نخلة واحدة في عقد واحد. والشافعي أطلق الجواز في بيع العرايا، وهو أن يبيع الرطب على رؤوس النخل بخرصه تمرا فيما دون خمسة أوسق، سواء تعددت النخلة أو اتحدت. ولا يجوز عنده فيما زاد على خمسة أوسق قولا واحدا. وفي خمسة أوسق قولان - وبه قال أحمد - لأن النبي (صلى الله عليه وآله) رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق (1). الشك من الراوي (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع العرايا مطلقا بحال ألبتة، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عن المزابنة (3). وهي بيع التمر بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا. ولأنه لا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق كذلك في خمسة أوسق، كما لو كان على وجه الأرض (4).

(1) صحيح البخاري 3: 99، صحيح مسلم 3: 1171 / 1541، سنن أبي داود 3: 252 / 3364، سنن الترمذي 3: 595 / 1301، سنن البيهقي 5: 311، الموطأ 2: 620 / 14.
(2) الوجيز 1: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 357، التهذيب - للبغوي - 3: 401، حلية العلماء 4: 174 - 175، المهذب - للشيرازي - 1: 282، روضة الطالبين 3: 218، الحاوي الكبير 5: 216، المغني 4: 196 - 197، الشرح الكبير 4: 165 - 166. (3) صحيح مسلم 3: 1171 / 1542، الموطأ 2: 624 - 625 / 23 - 25، سنن ابن ماجة 2: 762 / 2266 و 2267، سنن الترمذي 3: 594 / 1300، سنن النسائي 7: 37، سنن البيهقي 5: 307.
(4) حلية العلماء 4: 174 - 176، المغني 4: 197، الشرح الكبير 4: 165.

[ 401 ]

والجواب: الخاص مقدم على العام. وقال مالك: يجوز في موضع مخصوص، وهو أن يكون قد وهب لرجل ثمرة نخلة ثم شق عليه دخوله إلى قراحه، فيشتريها منه بخرصها من التمر يعجله له، لأن العرية في اللغة هي: الهبة والعطية (1). وقال أحمد في إحدى الروايتين: يخرص الرطب في رؤوس النخل ويبيعه بمثله تمرا (2). إذا تقرر هذا، فإن العرية عندنا إنما تكون في النخلة الواحدة تكون في دار الإنسان، فلا تجوز فيما زاد على النخلة الواحدة، عملا بالعموم، واقتصارا في الرخص على مواردها. مسألة 189: وهذه الرخصة عامة للغني والفقير - وبه قال الشافعي في الأم (3) - لعموم اللفظ. ولأن كل بيع جاز للفقير جاز للغني، كسائر البياعات. وقال في الإملاء واختلاف الحديث: لا يجوز بيع العرايا إلا للفقير خاصة - وبه قال أحمد - لأن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص أن يبتاعوا العرايا بخرصها من

(1) بداية المجتهد 2: 216 - 217، الكافي في فقه أهل المدينة: 315، حلية العلماء 4: 177، العزيز شرح الوجيز 4: 356، المغني 4: 198، الشرح الكبير 4: 168.
(2) المغني 4: 196، الشرح الكبير 4: 165، العزيز شرح الوجيز 4: 356.
(3) الأم 3: 56، وكما في الحاوي الكبير 5: 218.

[ 402 ]

التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبا (1) (2). والجواب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحديث دل على أن سبب الرخصة الحاجة، وهي غير مختصة بالفقراء. مسألة 190: قد بينا أن الضابط في التسويغ إنما هو بالنخلة الواحدة في الدار الواحدة أو البستان الواحد. ولو كان له عدة دور في كل واحدة نخلة، جاز بيعها عرايا. وأجاز الشافعي العرية في أقل من خمسة (3) بمهما كان قولا واحدا، وبه قال المزني وأحمد. ومنع من الزيادة. وفي الخمسة قولان، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) رخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة (4). ولأن الخمسة جعلت في حد الكثرة، ووجبت الزكاة. واستدل على الجواز في الخمسة بإطلاق التسويغ في العرية ثم ورد النهي فيما (5) زاد على خمسة أوسق (6). مسألة 191: إذا تبايعا العرية، وجب أن ينظر إلى الثمرة على النخلة ويحزر ذلك رطبا فيتبايعاه بمثله تمرا، ولا يشترط التماثل في الخرص بين

(1) أورده الشافعي في اختلاف الحديث: 197، والمزني في مختصره: 81، وابن قدامة في المغني 4: 198.
(2) الحاوي الكبير 5: 218، حلية العلماء 4: 177 - 178، العزيز شرح الوجيز 4: 358، المغني 4: 200، الشرح الكبير 4: 167، وانظر: اختلاف الحديث: 197.
(3) أي: خمسة أوسق.
(4) سنن البيهقي 5: 311، المغني 4: 197، الشرح الكبير 4: 166.
(5) في " ق ": " عما " بدل " فيما ".
(6) الأم 3: 54 - 55، مختصر المزني: 81، الوجيز 1: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 375، التهذيب - للبغوي - 3: 401، حلية العلماء 4: 175 و 179، المهذب - للشيرازي - 1: 282، المغني 4: 197، الشرح الكبير 4: 165.

[ 403 ]

ثمرتها عند الجفاف وثمنها، ولا يجوز التفاضل عند العقد، ولا تكفي مشاهدة التمر على الأرض ولا الخرص (1) فيه، بل لا بد من معرفة مقداره بالكيل أو الوزن. وقال الشافعي: يجب التماثل بين ثمرتها عند الجفاف وبين التمر المجعول ثمنا (2). والأصل العدم. والربا لا يثبت على تقدير إتلاف الرطب. ولا يجب الترقب بحيث يثبت فيه. نعم، يحرم التفاضل بين الرطب والتمر، وتجب المساواة وإن كنا قد منعنا من بيع الرطب بالتمر، لأن هذا مستثنى، للرخصة. مسألة 192: لا يجب التقابض في الحال عندنا قبل التفرق، بل الحلول، فلا يجوز إسلاف أحدهما في الآخر، للأصل والإطلاق. وقال الشافعي: يجب التقابض في الحال قبل التفرق (3). فيخلي صاحب الثمرة بينها وبين مشتريها ويسلم صاحب التمر التمر إلى مشتريه لينقله ويحوله. وليس من شرط ذلك عنده (4) حضور التمر عند العقد، بل إذا شاهد الثمرة على رؤوس النخل ثم شاهد التمر على الأرض ثم تبايعا ومضيا جميعا إلى النخلة فسلمها إلى مشتريها ثم مضيا إلى التمر فسلمه إلى مشتريه، جاز عنده (5)، لأن التفرق لم يحصل بينهما قبل التقابض، والاعتبار بتفرقهما دون مكان البيع.

(1) في " ق ": " الحزر " بدل " الخرص ".
(2) المهذب - للشيرازي - 1: 281، المغني 4: 199، الشرح الكبير 4: 167.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 281، العزيز شرح الوجيز 4: 356، التهذيب - للبغوي - 3: 402، المغني 4: 199، الشرح الكبير 4: 168. (4 و 5) انظر: المغني 4: 200، والشرح الكبير 4: 168.

[ 404 ]

مسألة 193: لا يجوز بيع أكثر من النخلة الواحدة عرية، لعموم المنع من المزابنة (1)، خرج عنه العرية في النخلة الواحدة - وبه قال أحمد (2) - للحاجة، فيبقى الباقي على المنع، سواء اتحد العقد أو تعدد. أما لو تعدد المشتري فالوجه: الجواز. وقال الشافعي: يجوز أن يبيع العرية من رجل ثم يبيع منه أو من غيره عرية أخرى في عقد آخر حتى يأتي على جميع حائطه، للعموم (3). وهو ممنوع. ولأن فيه توصلا إلى المحرم وهو المزابنة، لأنه يبيع جميع النخل في عقود متعددة. فروع: أ - لو باع في صفقة واحدة من رجلين كل واحد منهما نخلة معينة، جاز. وكذا لو باعهما نخلتين مشاعا بينهما، وبه قال الشافعي (4)، خلافا لأحمد، لأن البائع - عنده - لا يجوز أن يبيع أكثر من عرية واحدة (5). ب - لو باع رجلان من واحد صفقة واحدة نخلتين عرية، جاز - وهو

(1) صحيح مسلم 3: 1168 / 1539، و 1171 / 1542، سنن الترمذي 3: 594 / 1300، سنن البيهقي 5: 307، الموطأ 2: 624 - 625 / 23 - 25.
(2) المغني 4: 197، الشرح الكبير 4: 166، العزيز شرح الوجيز 4: 357، حلية العلماء 4: 180.
(3) الوجيز 1: 150، العزيز شرح الوجيز 4: 357، حلية العلماء 4: 179، المهذب - للشيرازي - 1: 282، التهذيب - للبغوي - 3: 402، روضة الطالبين 3: 218، المغني 4: 197 - 198، الشرح الكبير 4: 166.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 357، روضة الطالبين 3: 218.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 357، المغني 4: 197، الشرح الكبير 4: 166.

[ 405 ]

أحد وجهي الشافعية (1) - لأن تعدد الصفقتين بتعدد البائع أظهر من تعددها بتعدد المشتري. والثاني لهم: لا تجوز الزيادة على خمسة أوسق نظرا إلى مشتري الرطب، لأنه محل الخرص الذي هو خلاف قياس الربويات، فلا ينبغي أن يدخل في ملكه أكثر من القدر المحتمل دفعة واحدة (2). والجواب: أن ذلك يأتي في بائع واحد، أما في اثنين فلا. ج - لو باع رجلان من رجلين صفقة واحدة، احتمل جواز أربع نخلات. وقال الشافعي: لا يجوز في أكثر من عشرة أوسق، ويجوز فيما دونها، وفي العشرة قولان (3). مسألة 194: وهل تثبت العرية في العنب؟ إن قلنا بتناول تحريم المحاقلة العنب، احتمل الثبوت، وإلا فلا بأس في بيعه بالزبيب أو العنب، اقتصارا بالمنع على مورده، وانتفاء أصالة العلية بالربا، لانتفاء شرطه، وهو الكيل أو الوزن في الثمرة على رؤوس الأشجار. أما الشافعي فإنه عمم التحريم في العنب كالثمرة، وجوز بيع العرية منه، لأن في حديث ابن عمر أنه قال: والعرايا بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب (4). ولأن العنب يخرص كما يخرص النخل ويوسق، وهو ظاهر يمكن معرفة مقداره بالتخمين (5).

(1 - 3) العزيز شرح الوجيز 4: 357، روضة الطالبين 3: 218.
(4) صحيح مسلم 3: 1171 / 1542.
(5) الأم 3: 55، المهذب - للشيرازي - 1: 282، الحاوي الكبير 5: 219، التهذيب - للبغوي - 3: 403، العزيز شرح الوجيز 4: 356، روضة الطالبين 3: 218، المغني 4: 201، الشرح الكبير 4: 169.

[ 406 ]

أما ما عدا ذلك من الثمار التي تجفف - كالمشمش والخوخ والإجاص - ففي جواز بيعه على شجره بخرصه للشافعي قولان: الجواز، كالرطب والعنب، لأن الحاجة تدعو إليه. والمنع، لأن العشر لم يجب، ولم يسن الخرص منها. ولأنها تستتر في ورقها فيخفى خرصها (1). مسألة 195: إنما يجوز بيع الرطب بخرصه تمرا إذا كان على رؤوس النخل في العرية خاصة، فأما إذا كان الرطب على وجه الأرض، فإنه لا يجوز، لأن ذلك إنما جاز للحاجة ولا حاجة إلى شراء ذلك على وجه الأرض، وإنما الغرض في جوازه على النخل ليؤخذ شيئا فشيئا. ولو باع الرطب على رؤوس النخل بالرطب على رؤوس النخل خرصا أو باع الرطب على رؤوس النخل خرصا بالرطب على وجه الأرض كيلا، فالأقوى: الجواز، للأصل السالم عن معارضة الربا، (لانتفائه بانتفاء شرطه) (2) - وبه قال أبو علي ابن خيران من الشافعية (3) - لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه رخص في بيع العرايا بالتمر والرطب (4).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 282، الحاوي الكبير 5: 219، حلية العلماء 4: 180، التهذيب - للبغوي - 3: 403، العزيز شرح الوجيز 4: 356، روضة الطالبين 3: 218.
(2) بدل ما بين القوسين في " ك ": لانتفاء شرطه.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 282، الحاوي الكبير 5: 216، التهذيب - للبغوي - 3: 403، حلية العلماء 4: 178، العزيز شرح الوجيز 4: 358، روضة الطالبين 3: 218.
(4) صحيح البخاري 3: 98، صحيح مسلم 3: 1168 / 1539، سنن أبي داود 3: 251 / 3362، سنن النسائي 7: 267 و 268، سنن البيهقي 5: 311.

[ 407 ]

وقال أبو إسحاق منهم: إنه إن كان نوعا واحدا، لم يجز. وإن كان نوعين، جاز، لأن في النوع الواحد لا حاجة إليه، وقد ثبت غرض صحيح في النوعين (1). وقال الاصطخري منهم: إنه لا يجوز، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما رخص في بيعه بالتمر (2)، فلم يجز غير ذلك (3). وهو ممنوع، لأن المساواة بين الرطب والرطب أقرب منها بين الرطب والتمر. ولو باع الرطب على وجه الأرض بالرطب على وجه الأرض متساويا، جاز عندنا على ما تقدم في باب الربا، خلافا للشافعي (4). مسألة 196: ظاهر كلام الأصحاب يقتضي المنع من بيع العرية على غير مالك الدار أو البستان أو مستأجرهما أو مشتري ثمرة البستان على إشكال، لأن النخلة إذا كانت للغير في ملك إنسان ربما لحقه التضرر بدخول مشتري الثمرة إليها، وكذا في بستان، وكذا في ثمرة بستانه، فاقتضت الحكمة جواز بيعها على مالك الدار والبستان ومستأجرهما ومشتري الثمرة دفعا للحاحة، بخلاف غيرهما. وظاهر كلام المجوزين من الجمهور: العموم، فيجوز لصاحب

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 282، حلية العلماء 4: 179، الحاوي الكبير 5: 216، العزيز شرح الوجيز 4: 358، روضة الطالبين 3: 218.
(2) صحيح البخاري 3: 99، سنن البيهقي 5: 310.
(3) المهذب - للشيرازي - 1: 282، حلية العلماء 4: 178، العزيز شرح الوجيز 4: 357، روضة الطالبين 3: 218.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 358، روضة الطالبين 3: 218.

[ 408 ]

البستان أن يبيع خمسة أوسق من الرطب بخرصها تمرا لأي شخص كان. مسألة 197: يجوز أن يتقبل أحد الشريكين بحصة صاحبه من الثمرة بشئ معلوم منها لا على سبيل البيع، عملا بالأصل. ولأن الحاجة قد تدعو إليه. ولما رواه يعقوب بن شعيب عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول أحدهما لصاحبه: اختر إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك وأرد عليك، قال: " لا بأس بذلك " (1). وهل يجوز البيع؟ يحتمل ذلك، عملا بالأصل السالم عن معارضة الربا، إذ لا وزن في الثمرة على رأس الشجرة، فعلى تقدير جواز البيع يثبت فيه أحكامه من الضمان على البائع قبل الإقباض، وعلى المشتري بعده. وإن منعنا البيع وجوزنا التقبل، كان معناه أن المتقبل يأخذ جميع الثمرة ويدفع إلى شريكه عن قدر حصته ما تقبل به، فإن كان ما حصل مساويا لما تقبل به، فلا بحث. وإن زاد فله. وإن نقص فعليه. وهل يكون ذلك لازما؟ إشكال. وعلى تقدير لزومه هل يكون الناقص عليه؟ وهل يكون مضمونا في يده؟ الأقرب: ذلك، لأنه إما بيع فاسد أو تقبل. ولو تلفت الثمرة بآفة سماوية بعد القبض، هل يسقط من المال الذي تقبل به شئ أم لا؟ مسألة 198: يجوز لمشتري الثمرة أن يبيعها بزيادة عما ابتاعه أو

(1) الكافي 5: 193 / 2، الفقيه 3: 142 / 623، التهذيب 7: 91 / 389.

[ 409 ]

نقصان قبل قبضه وبعده، عملا بالأصل، وبما رواه محمد الحلبي - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها، قال: " لا بأس به إن وجد ربحا فليبع " (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل أن يقبضها، قال: " لا بأس " (2). مسألة 199: لو اشترى الزرع قصيلا مع أصوله، صح. فإن قطعه فنبت، فهو له. فإن شرط صاحب الأرض قطعه فلم يقطعه، كان عليه أجرة الأرض. ولو لم يشرط المشتري الأصل، فهو لصاحبه. فإذا قصله المشتري ونبت، كان للبائع. ولو لم يقصله، كان شريكا للبائع ويحكم بالصلح. تذنيب: لو سقط من الحب المحصود شئ فنبت في القابل، فهو لصاحب البذر لا الأرض - خلافا لأحمد (3) - سواء سقاه صاحب الأرض ورباه أو لا، ولصاحب الأرض الأجرة، لأنه شغلها بماله. آخر: لو اشترى نخلا ليقطعه أجذاعا فتركه حتى حمل، فالحمل له، وعليه الأجرة، سواء سقاه صاحب الأرض أو لا. وفي رواية هارون بن حمزة الغنوي عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يشتري النخل ليقطعه للجذوع فيحمل النخل، قال: " هو له إلا أن يكون صاحب الأرض سقاه وقام عليه " (4). وهذه الرواية محمولة على جريان عقد المساقاة بينهما. مسألة 200: يجوز للإنسان إذا مر بشئ من ثمرة النخل والشجر

(1) التهذيب 7: 88 - 89 / 376.
(2) التهذيب 7: 89 / 377.
(3) المغني 4: 226، الشرح الكبير 4: 241.
(4) التهذيب 7: 90 / 382.

[ 410 ]

والزرع أن يأكل منها (1) من غير إفساد. ولا يحل له أن يأخذ منها شيئا يحمله ويخرج به، لما رواه ابن أبي عمير - في الصحيح - عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: " لا بأس " (2). وقد روى علي بن يقطين - في الصحيح - عن الرضا (عليه السلام)، قال سألته عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر أيحل له أن يتناول منه شيئا ويأكل بغير إذن من صاحبه؟ وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره المقيم فليس له؟ وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال: " لا يحل له أن يأخذ منه شيئا " (3). قال الشيخ رحمه الله: قوله: " لا يحل له أن يأخذ منه شيئا " محمول على ما يحمله معه، فأما ما يأكله في الحال من الثمرة فمباح (4)، للرواية السابقة. ولما رواه الحسين بن سعيد عن أبي داود عن بعض أصحابنا عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: أمر بالثمرة فآكل منها؟ قال: " كل ولا تحمل " قلت: جعلت فداك، التجار قد اشتروها ونقدوا أموالهم، قال: " اشتروا ما ليس لهم " (5). مسألة 201: لو كان في قرية نخل وزرع وبساتين وأرحاء وأرطاب، جاز للإنسان أن يشتري غلتها، للأصل.

(1) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: منه، وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(2) التهذيب 7: 93 / 393، الاستبصار 3: 90 / 306.
(3) التهذيب 7: 92 / 392، الاستبصار 3: 90 / 307.
(4) التهذيب 7: 92 - 93، الاستبصار 3: 90 ذيل الحديث 307.
(5) التهذيب 7: 93 / 394، الاستبصار 3: 90 / 305.

[ 411 ]

ولما رواه عبد الله بن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن قرية فيها أرحاء ونخل وزرع وبساتين وأرطاب أشتري غلتها؟ قال: " لا بأس " (1). إذا ثبت هذا، فإنه يجوز أن يشتري ما فيها من الثمار والزروع، ويشترط منفعة الرحا مدة معلومة بشئ معلوم، وأن يتقبل بمنافع هذه القرية على اختلاف أصنافها بشئ معين، للأصل.

(1) التهذيب 7: 90 / 383.

[ 413 ]

الفصل الثالث في الصرف وهو بيع الأثمان من الذهب أو الفضة بالأثمان. وإنما سمي صرفا، لأن الصرف في اللغة هو: الصوت، ولما كان الصوت يحصل بتقليب الثمن والمثمن هنا سمي صرفا. وهو جائز إجماعا، وله شرائط تأتي إن شاء الله تعالى. مسألة 202: من شرط الصرف التقابض في المجلس قبل التفرق، سواء تماثلا جنسا أو اختلفا، وسواء كانا معينين أو غير معينين بل موصوفين، لما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا هاء وهاء " (1) وهي تقتضي وجوب التقابض في المجلس. ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يدا بيد، ولا يبتاع ذهبا بفضة إلا يدا بيد " (2). إذا ثبت هذا، فلا يجوز إسلاف أحدهما في الآخر، سواء اتفقا في الجنس أو اختلفا، وسواء اتحدا وزنا أو اختلفا، وسواء تساويا وصفا أو

(1) لم نعثر عليه في الكتب الحديثية المتوفرة لدينا، وفي صحيح البخاري 3: 97، وسنن ابن ماجة 2: 757 / 2253، وسنن البيهقي 5: 276: " الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ". و " هاء " اسم فعل، بمعنى " خذ ".
(2) الكافي 5: 251 / 31، التهذيب 7: 99 / 426، الاستبصار 3: 93 / 318.

[ 414 ]

تضادا، لأن التقابض في المجلس شرط فيه، ولا يتحقق ذلك مع إسلاف أحدهما في الآخر. ولقول الباقر (عليه السلام) أنه قال: " في الورق بالورق وزنا بوزن، والذهب بالذهب وزنا بوزن " (1). فروع: أ - لو افترقا قبل التقابض، بطل البيع، لعدم الشرط. ولو تفرقا وقد تقابضا البعض خاصة ولما يتقابضا في الباقي، بطل البيع فيما لم يتقابضا فيه، ويكونان بالخيار في الباقي، لتبعض الصفقة في حقهما، ولا يبطل في الباقي المقبوض. وللشافعي قولان مبنيان على تفريق الصفقة (2). ب - لو قاما عن ذلك المجلس قبل التقابض مصطحبين، لم يحصل الافتراق، وكان البيع صحيحا، فإن تقابضا في غير ذلك المجلس ولم يفترقا، صح البيع ولزم، لحصول التقابض قبل التفرق، لقول الصادق (عليه السلام): " إذا اشتريت ذهبا بفضة، أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وإن نزا حائطا فانز معه " (3). ولأن خيار المجلس يبطل مع الافتراق ولا يبطل مع مفارقتهما لذلك المجلس مصطحبين، فلا يكون ذلك افتراقا. ج - قد بينا أنه يشترط الحلول، لاشتراط التقابض في المجلس، فلو

(1) التهذيب 7: 98 / 423.
(2) العزيز شرح الوجيز 4: 78، روضة الطالبين 3: 48.
(3) التهذيب 7: 99 / 427، الاستبصار 3: 93 / 319.

[ 415 ]

أسلف أحدهما في الآخر بأجل قصير جدا ولو ساعة مع الضبط ولم يتفارقا حتى تقابضا، لم يصح البيع أيضا، لما تقدم (1) في الحديثين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن الباقر (عليه السلام). د - لو تصارفا ذهبا بذهب أو فضة، أو فضة بفضة أو ذهب، لم يضر طول لبثهما في المجلس ولا طول مصاحبتهما، سواء كان الثمن والمثمن معينين أو مطلقين في الذمة أو معينا ومطلقا ولو امتد إلى سنة وأزيد. ه‍ - لو وكل أحدهما وكيلا في القبض أو وكلا وكيلين فيه وتقابض الوكيلان، صح البيع إن تقابض الوكيلان أو قبض وكيل أحدهما من العاقد قبل مفارقة المتبايعين، وإلا بطل، لأن المجلس متعلق ببدن المتعاقدين. ولأن الصادق (عليه السلام) سئل عن بيع الذهب بالدراهم فيقول: أرسل رسولا فيستوفي لك ثمنه، قال: " يقول: هات وهلم ويكون رسولك معه " (2). و - لو لم تتفق المصاحبة ولا ملازمة المجلس فأرسل أحدهما وكيله ليقبض من صاحبه، بطل ذلك العقد، واحتاج إلى أن يجدده الوكيل، لفوات الشرط. ولأن ابن الحجاج سأله عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدنانير فيزنها وينتقدها ويحسب ثمنها كم هو دينار ثم يقول: أرسل غلامك معي حتى أعطيه الدنانير، فقال: " ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير " فقلت: إنما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض وهذا يشق عليهم، فقال: " إذا فرغ من وزنها وانتقادها فليأمر الغلام الذي

(1) في ص 411.
(2) الكافي 5: 252 / 33، التهذيب 7: 99 / 428.

[ 416 ]

يرسله أن يكون هو الذي يبايعه ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق " (1). ز - لا تقوم مصاحبة الوكيل مقام مصاحبة الموكل، بل متى تعاقدا وتفرقا واصطحب الوكيل والآخر، بطل البيع، لانتفاء الشرط. ح - لو تصارف الوكيلان أو أحد صاحبي المال مع وكيل الآخر، كان الاعتبار بالمتعاقدين لا بالمالكين، فلو تفرق الوكيلان المتعاقدان دون صاحبي المال، بطل البيع، وبالعكس لا يبطل. ط - لو تعذر عليهما التقابض في المجلس وأرادا الافتراق، لزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما، فإن تفرقا قبله، كان ذلك ربا، وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئة، ولا يغني تفرقهما، لأن فساد العقد إنما يكون به شرعا، كما أن العقد مع التفاضل فاسد ويأثمان به. مسألة 203: لو اشترى بنصف دينار شيئا وبنصفه ورقا، جاز بشرط أن يقبض ما قابل الورق، لما رواه الحلبي - في الصحيح (2) - قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): عن رجل ابتاع من رجل بدينار وأخذ بنصفه بيعا وبنصفه ورقا، قال: " لا بأس به " وسألته هل يصلح له أن يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقا أو بيعا؟ فقال: " ما أحب أن أترك منه شيئا حتى آخذه جميعا فلا يفعله " (3). واعلم أن الدينار المقبوض إذا كان قد انتقل بالبيع، لم يجز التفرق قبل قبض الورق، سواء قبض العوض الآخر أو لا. ولو قبض العوض

(1) الكافي 5: 252 / 32، التهذيب 7: 99 / 429، الاستبصار 3: 94 / 320.
(2) " في الصحيح " لم ترد في " ق، ك ".
(3) التهذيب 7: 99 - 100 / 430.

[ 417 ]

الآخر، لم يكف في قبض الورق، وصح البيع فيه خاصة وإن لم يقبضه. ولو انعكس الفرض فدفع نصف الدينار خاصة بعد إقباض الورق والمبيع الآخر، فإن نوى بالدفع عن الورق، صح البيع فيهما. وإن نوى بالدفع عن الآخر، بطل في الورق، وتخير في الآخر. وإن أطلق، احتمل ضعيفا صرفه إلى الورق تصحيحا للعقد، والبطلان في نصف الورق. مسألة 204: لو اشترى الإنسان من غيره دراهم بدنانير ثم اشترى بها دنانير قبل قبض الدراهم، بطل الثاني، لأنه بيع الموزون قبل قبضه، وهو منهي عنه (1) على ما تقدم (2)، فإن (3) افترقا، بطل العقدان معا، للتفرق قبل التقابض في الصرف. ولو كان ثمن الدراهم غير الدنانير، لم يبطل الأول، إذ القبض في المجلس ليس شرطا فيه. مسألة 205: لو كان للإنسان على غيره دراهم وأمره بأن يحولها إلى الدنانير أو بالعكس بعد المساعرة على جهة التوكيل في البيع، صح وإن تفرقا قبل القبض، لأن النقدين من واحد، وهو بعينه موجب للبيع بالأصالة وقابل بالوكالة، فكان بمنزلة المقبوض. ولما رواه إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يكون للرجل عندي الدراهم فيلقاني فيقول: كيف سعر الوضح اليوم؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: أليس لي عندك كذا وكذا ألف درهم وضحا؟ فأقول: نعم، فيقول: حولها إلى دنانير بهذا السعر وأثبتها لي عندك، فما ترى في هذا؟ فقال لي: " إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك " فقلت:

(1) المعجم الكبير - للطبراني - 11: 12 / 10875.
(2) في ص 121.
(3) في الطبعة الحجرية: " وإن " بدل " فإن ".

[ 418 ]

إني لم أوازنه ولم أناقده وإنما كان كلام مني ومنه، فقال: " أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك؟ " قلت: بلى، قال: " فلا بأس " (1). أما لو لم يكن على جهة التوكيل في البيع بل اشترى منه بالدراهم - التي في ذمته - دنانير، وجب القبض قبل التفرق، لأنه صرف فات شرطه فكان باطلا. مسألة 206: لا يشترط الوزن والنقد حالة العقد ولا حالة القبض، فلو صارفه مائة دينار بألف درهم ثم دفع إليه دراهم غير معلومة القدر والنقد وتفرقا، صح البيع إن كان المدفوع قد اشتمل على الحق أو زاد، أما لو نقص، فإنه يبطل في القدر الناقص خاصة، لوجود المقتضي للصحة، وعدم المانع، وهو انتفاء القبض، إذ لم يشرط في القبض التعيين. ولما رواه إسحاق بن عمار، قال: سألت الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يأتيني بالورق فأشتريها منه بالدنانير فأشتغل عن تحرير وزنها وانتقادها وفضل ما بيني وبينه، فاعطيه الدنانير وأقول له: إنه ليس بيني وبينك بيع، وإني قد نقضت الذي بيني وبينك من البيع، وورقك عندي قرض، ودنانيري عندك قرض، حتى يأتيني من الغد فأبايعه، فقال: " ليس به بأس " (2). ولو كان المدفوع أقل من المستحق، بطل الصرف في الناقص خاصة، وتخير في الفسخ في الباقي، لتبعض الصفقة. وكذا لو دفع إليه الدراهم بقدر حقه إلا أن فيها زيوفا، فإنه يصح البيع إن كان الغش من الجنس بسبب اختلاف الجوهر في النعومة والخشونة

(1) التهذيب 7: 102 - 103 / 441.
(2) التهذيب 7: 103 / 444.

[ 419 ]

وشبهه، لأنه من جنس الحق، ولو رضي قابضه به، لزم البيع، بخلاف ما إذا لم يكن من الجنس. ولأن إسحاق بن عمار سأل الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يبيعني الورق بالدنانير وأتزن منه وأزن له حتى أفرغ فلا يكون بيني وبينه عمل إلا أن في ورقه نفاية (1) وزيوفا وما لا يجوز، فيقول: انتقدها ورد نفايتها، فقال: " ليس به بأس ولكن لا تؤخر ذلك أكثر من يوم أو يومين فإنما هو الصرف " قلت: فإن وجدت (2) في ورقه فضلا مقدار ما فيها من النفاية؟ فقال: " هذا احتياط، هذا أحب إلي " (3). مسألة 207: الجيد من الجوهرين مع الردئ منه واحد مع اتحاد الجنس، وكذا المصوغ والمكسر، فلو باع آنية من ذهب أو فضة بأحد النقدين، وجب التقابض قبل التفرق، لأن أصالة الجوهرية مانعة من التكثر، والكسر وضده غير موجبين له. وكذا جيد الجوهر - كالفضة الناعمة - مع رديئه كالخشنة - وبه قال أبو حنيفة وأحمد (4) - لأن الصفة لا قيمة لها في الجنس، فإنه لا يجوز بيع المصوغ بالتبر متفاضلا. وخالف فيه الشافعي، لأن قيمة الصحيح أكثر من قيمة المكسور، فيؤدي إلى التفاضل فيلزم الربا (5).

(1) النفاية: ما نفيته من الشئ لرداءته. الصحاح 6: 2514 " نفا ".
(2) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: " أخذت " بدل " وجدت ". وما أثبتناه من المصدر.
(3) الكافي 5: 246 / 7، التهذيب 7: 103 / 444.
(4) العزيز شرح الوجيز 4: 87، الحاوي الكبير 5: 143، المغني والشرح الكبير 4: 141 و 196.
(5) مختصر المزني: 78، الحاوي الكبير 5: 143، الوجيز 1: 136، العزيز شرح الوجيز 4: 84، روضة الطالبين 3: 53.

[ 420 ]

وهو ممنوع، لأن الربا إنما يثبت مع زيادة العين لا زيادة الصفة. ولما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يستبدل الشامية بالكوفية وزنا بوزن، فقال: " لا بأس " (1). وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يستبدل الشامية بالكوفية وزنا بوزن، فيقول الصيرفي: لا أبدلك حتى تبدلني يوسفية بغلة وزنا بوزن، فقال: " لا بأس به " فقلنا: إن الصيرفي إنما طلب فضل اليوسفية على الغلة، فقال: " لا بأس به " (2) ولولا اتحادهما في الجنس، لما جاز ذلك. إذا ثبت هذا، فإذا اختلف الجنس، جاز التفاضل، لعموم قوله (عليه السلام): " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (3). ولأن محمد بن مسلم سأله عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلين بمثل، قال: " لا بأس به يدا بيد " (4). أما إذا اتحد الجنس، فلا يجوز التفاضل في القدر، بل يجوز في الوصف كما قلنا: إنه يجوز بيع جيد الجوهر برديئه متساويا لا متفاضلا، فلو باعه مائة دينار جيدة ومائة دينار رديئة بمائتين جيدة أو رديئة أو وسط، جاز عندنا، خلافا للشافعي (5). مسألة 208: الدراهم والدنانير المغشوشة إن علم مقدار الغش فيها،

(1) التهذيب 7: 104 / 447.
(2) الكافي 5: 247 / 11، التهذيب 7: 104 - 105 / 448 بتفاوت يسير.
(3) الجامع لأحكام القرآن 10: 86.
(4) التهذيب 7: 98 / 424، الاستبصار 3: 93 / 317.
(5) مختصر المزني: 78، الحاوي الكبير 5: 143، الوجيز 1: 136، العزيز شرح الوجيز 4: 84، روضة الطالبين 3: 53.

[ 421 ]

جاز بيعها بجنسها بشرط زيادة في السليم يقابل الغش ليخلص من الربا لو بيع بقدر الصافي منها، ويجوز بيعها بغير الجنس مطلقا. وإن لم يعلم مقدار الغش، وجب أن تباع بغير جنسها حذرا من الربا، لإمكان أن يتساوى الصافي والثمن في القدر، فيبقى الغش زيادة في أحد المتساويين. ولما رواه ابن سنان - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن شراء الفضة فيها الرصاص بالورق، وإذا خلصت نقصت من كل عشرة درهمين أو ثلاثة، قال: " لا يصلح إلا بالذهب " وسألته عن شراء الذهب فيه الفضة والزئبق والتراب بالدنانير والورق، فقال: " لا تصارفه إلا بالورق " (1). ولو بيع بوزن المغشوش، فإنه يجوز، إذ الفاضل عن الصافي مقابل الغش. إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز إنفاقه إلا بعد إبانته وإيضاح حاله، إلا أن يكون معلوم الصرف بين الناس، لاشتماله على الغش المحرم. ولما رواه المفضل بن عمر الجعفي، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام)، فألقي بين يديه دراهم فألقى إلي درهما منها، فقال: " ما هذا؟ " فقلت: ستوق، فقال: " وما الستوق؟ " فقلت: طبقتان فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال " اكسرها فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه " (2). أما مع الإيضاح والبيان فلا بأس، لانتفاء الغش. ولما رواه علي بن رئاب - في الصحيح - قال: لا أعلمه إلا عن محمد ابن مسلم، قال: قلت للصادق (عليه السلام): الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها

(1) التهذيب 7: 109 / 468. (2) التهذيب 7: 109 / 466، الاستبصار 3: 97 / 333 بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

[ 422 ]

النحاس أو غيره ثم يبيعها، قال: " إذا بين ذلك فلا بأس " (1). وكذا إذا كان يجوز بين الناس، لانتفاء الغش أيضا فيه. ولما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقر (عليه السلام)، قال: جاءه رجل من سجستان، فقال له: إن عندنا دراهم يقال لها: الشاهية، يحمل على الدرهم دانقين، فقال: " لا بأس به إذا كان يجوز " (2). مسألة 209: تراب معدن أحد النقدين يباع بالآخر - به قال أبو حنيفة (3) - احتياطا وتحرزا من الربا. ولو جمعا، بيعا بهما صرفا لكل منهما إلى غير جنسه، والأصل حمل العقد على الصحة مهما أمكن. ولما رواه أبو عبد الله مولى عبد ربه عن الصادق (عليه السلام) أنه سأله عن الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا كيف نشتريه؟ قال: " اشتر بالذهب والفضة جميعا " (4). وقال الشافعي: لا يجوز، لجهالة المقصود (5). وهو ممنوع. مسألة 210: تراب الصياغة يباع بالجوهرين معا أو بجنس غيرهما لا بأحدهما، تحرزا من الربا، كما قلنا في تراب معدن أحد الجوهرين، خلافا للشافعي (6)، كما تقدم في تراب المعدن. وإذا بيع، تصدق بثمنه، لأن أربابه لا يتميزون. ولو عرفوا، صرف إليهم، لما رواه علي بن ميمون الصائغ، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ فقال: " تصدق به فإما لك وإما

(1) التهذيب 7: 109 / 467، الاستبصار 3: 97 / 334.
(2) التهذيب 7: 108 / 465.
(3) بدائع الصنائع 5: 195.
(4) الكافي 5: 249 / 22، التهذيب 7: 111 / 478. (5 و 6) المجموع 9: 307.

[ 423 ]

لأهله " قلت: فإن فيه ذهبا وفضة وحديدا فبأي شئ أبيعه؟ قال: " بعه بطعام " قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: " نعم " (1). مسألة 211: يجوز بيع الرصاص وإن كان فيه فضة يسيرة بالفضة، وبيع النحاس بالذهب وإن اشتمل على ذهب يسير، ولا اعتبار بهما، لأنه تابع غير مقصود ألبتة بالبيع، فأشبه الحلية على سقوف الجدران. ولما رواه عبد الرحمن بن الحجاج - في الحسن - عن الصادق (عليه السلام) في الأسرب (2) يشترى بالفضة، فقال: " إذا كان الغالب عليه الأسرب فلا بأس " (3). مسألة 212: المصاغ من النقدين معا إن جهل قدر كل واحد منهما، بيع بهما معا أو بجنس غيرهما أو بالأقل إن تفاوتا مع الزيادة عليه حذرا من الربا. وإن علم قدر كل واحد منهما، بيع بأيهما شاء مع زيادة الثمن على جنسه. ولو بيع بهما أو بغيرهما، جاز مطلقا، لأصالة الجواز، وزوال مانعية الربا هنا. ولما رواه إبراهيم بن هلال، قال: سألت الصادق (عليه السلام): جام فيه ذهب وفضة أشتريه بذهب أو فضة؟ فقال: " إن كان تقدر على تخليصه فلا، وإن لم تقدر على تخليصه فلا بأس " (4). مسألة 213: الدراهم والدنانير إذا كانا خالصين، جاز مصارفة كل واحد منهما بجنسه متساويا وبغير جنسه مطلقا، سواء اتفقت صفتهما أو لا.

(1) الكافي 5: 250 / 24، التهذيب 7: 111 / 479.
(2) الأسرب: الرصاص، أعجمي. لسان العرب 1: 466 " سرب ".
(3) الكافي 5: 248 / 15، التهذيب 7: 111 - 112 / 481.
(4) الكافي 5: 25 / 26، التهذيب 7: 112 / 484.

[ 424 ]

وإن كان فيهما غش، فإن كان له قيمة - كالرصاص والنحاس - جاز بيع بعضها ببعض صرفا للخالص إلى الغش، والغش إلى الخالص، وحملا على صحة البيع مهما أمكن. ولما رواه عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام): قلت له: الدراهم بالدراهم مع أحدهما الرصاص وزنا بوزن، فقال: " لا بأس " (1) وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: لا يجوز، لجهل التساوي بين الفضتين، لإمكان اختلاف الغش، والجهل بالتساوي فيما فيه الربا كالعلم بالتفاضل، وهو مبني على مقابلة الجنس بمثله (3). وهو ممنوع، بل إما أن يقابل بمخالفه، أو تقابل الجملة بالجملة، والمركب من المساوي والمختلف مخالف للمركب من المساوي والمختلف، كالأنواع المندرجة تحت جنس واحد. وإن كان الغش مما يستهلك، كالزرنيخية والاندرانية في الفضة التي تطلى على النورة، والزرنيخ المستهلك بدخوله النار، جاز البيع، عندنا أيضا على ما تقدم، خلافا للشافعي، للجهل بتساوي الفضتين (4). وقد بينا عدم اشتراط العلم بهما. تذنيب: يجوز أن يشتري بكل واحد من هذين القسمين متاعا غير أحد النقدين، لأنه لما جاز شراء النقدين بهما فبغيرهما أولى - وهو أحد وجهي الشافعية (5) - لأن عمر قال: من زافت دراهمه فليدخل السوق

(1) الفقيه 3: 184 - 185 / 833، التهذيب 7: 114 / 493 بتفاوت يسير.
(2) بدائع الصنائع 5: 196.
(3) حلية العلماء 4: 158.
(4) المهذب - للشيرازي - 1: 281، حلية العلماء 4: 158.
(5) حلية العلماء 4: 158.

[ 425 ]

فليشتر بها سحق الثياب (1). ومن طريق الخاصة: قول عمر بن يزيد: سألت الصادق (عليه السلام) عن إنفاق الدراهم المحمول عليها، فقال: " إذا جازت الفضة المثلين (2) فلا بأس " (3) وهو محمول على العلم بحالها والتعامل بمثلها. ولأن المنع من ذلك يؤدي إلى الإضرار، لأنه لا يمكنه الانتفاع بها جملة. وأما إذا اشترى بها ذهبا، كان بيعا وصرفا، فيكون هذا العقد قد اشتمل على أمرين مختلفي الأحكام. وفيه قولان للشافعي: المنع، والجواز (4). والثاني (5): المنع، لجهالة المقصود (6). وهو ممنوع. مسألة 214: السيوف المحلاة أو المراكب المحلاة وغيرها بأحد النقدين إن علم مقدار الحلية، جاز البيع بجنسها مع زيادة الثمن في مقابلة السيف أو المركب ليخلص من الربا، أو مع اتهاب المحلى من غير شرط. ويجوز بيعها بالجنس الآخر أو بغير النقدين مطلقا، سواء ساواه أو زاد أو نقص، لقوله (عليه السلام): " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (7). وإن جهل مقدار الحلية، بيع بالجنس الآخر من النقدين أو بغيرهما أو

(1) أورده السبكي في تكملة شرح المهذب (المجموع) 10: 409 بتفاوت يسير.
(2) في الاستبصار: " الثلثين ".
(3) التهذيب 7: 108 / 463، الاستبصار 3: 96 / 330.
(4) حلية العلماء 4: 159.
(5) أي: الوجه الثاني للشافعية، المتقدم أولهما في صدر التذنيب.
(6) حلية العلماء 4: 158.
(7) الجامع لأحكام القرآن 10: 86.

[ 426 ]

بالجنس مع الضميمة، تحرزا من الربا. ولما رواه منصور الصيقل عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم؟ فقال: " إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كانت أكثر فلا يصلح " (1) والأكثرية هنا تتناول المساوي جنسا وقدرا، لحصولها بانضمام المحلى إليها. وقال الشافعي: لا يجوز بيع المحلى بالفضة بالدراهم (2)، لما تقدم. وقد أبطلناه. فإن باعه بذهب، فقولان، لأن العقد جمع بين عوضين مختلفي الأحكام، أحدهما: لا يجوز، لأنه صرف وبيع، وهما مختلفا الأحكام. والثاني: الجواز (3). وهو الحق عندنا، لأن كل واحد منهما يصح العقد عليه، فجاز جمعهما فيه. وإن اختلف الحكمان، كما لو باع شقصا وثوبا صفقة واحدة، فإن حكمهما مختلف، لثبوت الشفعة في الشقص دون الثوب. ولو باعه بغير الذهب والفضة، جاز إجماعا، لانتفاء مانعية الربا واختلاف الأحكام. ولو اشترى خاتما من فضة له فص بفضة، جاز عندنا مع زيادة الثمن على الفضة أو اتهاب الفص. ومنعه الشافعي، لأدائه إلى الربا إذا قسمت الفضة على الفضة والفص (4).

(1) التهذيب 7: 113 / 488، الاستبصار 3: 98 / 338.
(2) الأم 3: 33، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 71، المسألة 117.
(3) الأم 3: 33، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 71، المسألة 118.
(4) الأم 3: 33، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 72، المسألة 119.

[ 427 ]

وهو ممنوع، لأنا شرطنا زيادة الثمن. ولو باعه بذهب، جاز مطلقا عندنا. وللشافعي قولان، لأنه بيع وصرف (1). تذنيب: لو باع السيف المحلى بالنسبة بمساوي الحلية في النقد أو بالنقد الآخر، فإن نقد مقابل الحلية، جاز، وإلا فلا، لأن القبض في المجلس شرط في الصرف لا في السيف. ولما رواه أبو بصير - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن بيع السيف المحلى بالنقد، فقال: " لا بأس " قال: وسألته عن بيع النسيئة، فقال: " إذا نقد مثل ما في فضته فلا بأس " (2). ولو كان الثمن غير النقدين، جاز نسيئة من غير شرط قبض شئ ألبتة، لانتفاء شرطية القبض هنا، لقول الصادق (عليه السلام): " لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة نسأ إذا نقد عن فضته، وإلا فاجعل ثمنه طعاما، ولينسه إن شاء " (3). مسألة 215: الدراهم والدنانير تعينان بالتعيين، فلو باعه بهذه الدراهم أو بهذه الدنانير، لم يجز للمشتري الإبدال بمثلها، بل يجب عليه دفع تلك العين، كالمبيع. ولو تلفت قبل القبض، انفسخ البيع، ولم يكن له دفع عوضها وإن ساواه مطلقا، ولا للبائع طلبه. وإن وجد البائع بها عيبا، لم يستبدلها، بل إما أن يرضى بها، أو يفسخ العقد - وبه قال الشافعي وأحمد (4) - لاختلاف الأغراض باختلاف

(1) الأم 3: 33، وحكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 72، المسألة 120.
(2) الكافي 5: 249 - 250 / 23، التهذيب 7: 112 / 485، الاستبصار 3: 97 / 335.
(3) التهذيب 7: 112 / 486، الاستبصار 3: 97 / 336.
(4) الحاوي الكبير 5: 139 - 140، حلية العلماء 4: 155 - 156، المغني 4: 181 - 182 و 184، الشرح الكبير 4: 182 و 190.

[ 428 ]

الأشخاص، كالمبيع. ولأنها عوض يشار إليه بالعقد (1)، فوجب أن يتعين كسائر الأعواض. ولأن الدراهم والدنانير تتعين في الغصب والوديعة فكذا هنا. ولو أبدلها بمثلها أو بغير جنسها برضا البائع، فهو كبيع المبيع من البائع. وقال أبو حنيفة: لا تتعين بالعقد، بل تتعين بالقبض، ويجوز إبدالها بمثلها. وإذا تلفت قبل القبض، لا ينفسخ العقد. وإذا وجد بها عيبا، كان له الاستبدال، لأنه يجوز إطلاقه في العقد، وما يجوز إطلاقه لا يتعين بالتعيين، كالمكيال والصنجة. ولأنه عوض في أعيانها (2). والجواب: أن جواز الإطلاق ثبت لأن له عرفا ينصرف إليه يقوم في بيانه مقام الصفة. والمكيال المراد (3) به تقدير المعقود عليه، وكل مكيال قدر به فهو مقدر بمثله، ولا يختلف ذلك، وهنا تختلف أعيانها فافترقا. والعوض ينتقض بما بعد القبض وبالوديعة وبالغصب وبالإرهان وكل متساوي الأجزاء. مسألة 216: إذا تقابضا الصرف ثم وجد أحدهما بما صار إليه عيبا، فهو (4) قسمان. الأول: أن يكونا معينين. فإما أن يكون العيب من غير الجنس - كأن يشتري فضة فيخرج رصاصا، أو ذهبا فيخرج نحاسا - أو من الجنس، كأن

(1) في " ق، ك ": في العقد.
(2) بدائع الصنائع 5: 218، الحاوي الكبير 5: 138، حلية العلماء 4: 156، المغني 4: 184، الشرح الكبير 4: 190.
(3) في الطبعة الحجرية: والمراد، بزيادة الواو.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: وهو. وما أثبتناه من تصحيحنا.

[ 429 ]

تكون الفضة سوداء أو خشنة أو مضطربة السكة مخالفة لسكة السلطان. فإن كان الأول، بطل البيع - وبه قال الشافعي (1) - لأنه غير ما اشتراه. وكذا في غير الصرف لو باعه ثوبا على أنه كتان فخرج صوفا، أو بغلة فخرجت حمارة، لوقوع العقد على غير هذا الجنس. ويجب رد الثمن، وليس له الإبدال، لوقوع العقد على عين شخصية لا يتناول غيرها. ولا الأرش، لعدم وقوع الصحيح على هذه العين. وقال بعض الشافعية: البيع صحيح، ويتخير المشتري، لأن البيع وقع على عينه (2). وليس بجيد. ولو كان البعض من غير الجنس، بطل فيه، وكان المشتري أو البائع بالخيار في الباقي بين الفسخ وأخذه بحصته من الثمن بعد بسطه على الجنس وعلى الآخر لو كان منه، لتبعض الصفقة عليه. وللشافعي فيه قولان: الصحة والبطلان (3). وإن كان الثاني، تخير من انتقل إليه بين الرد والإمساك، وليس له المطالبة بالبدل، لوقوع العقد على عين شخصية. ثم إن كان العيب في الكل، كان له رد الكل أو الإمساك، وليس له رد البعض، لتفرق الصفقة على صاحبه. وإن كان العيب في البعض، كان له رد الجميع أو إمساكه. وهل له رد البعض؟ الوجه: ذلك، لانتقال الصحيح بالبيع، وثبوت

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 283، حلية العلماء 4: 156، الحاوي الكبير 5: 139 - 140، روضة الطالبين 3: 155، المغني 4: 178 - 179، الشرح الكبير 4: 182.
(2) حلية العلماء 4: 157، العزيز شرح الوجيز 4: 283، روضة الطالبين 3: 155.
(3) الحاوي الكبير 5: 140، العزيز شرح الوجيز 4: 283، روضة الطالبين 3: 155.

[ 430 ]

الخيار في الباقي لا يوجب فسخ البيع فيه. ويحتمل المنع، لتبعض الصفقة في حق صاحبه. وللشافعي قولان مبنيان على تفريق الصفقة، فإن قلنا: لا تفرق، رد الكل أو أمسكه. وإن قلنا: تفرق، رد المعيب وأمسك الباقي بحصته من الثمن (1). ويجئ على مذهب الشافعية البطلان لو اشترى دراهم بدراهم فوجد في بعضها عيبا، لأدائه إلى التفاضل، لأن المعيب يأخذ من الثمن أقل ما يأخذ السليم، فيكون الباقي متفاضلا (2). ثم إن اتفق الثمن والمثمن في الجنس، كالدراهم بمثلها، والدنانير بمثلها، لم يكن له الأرش، لما بينا من أن جيد الجوهر ورديئه جنس واحد، فلو أخذ الأرش، بقي ما بعده مقابلا لما هو أزيد منه مع اتحاد الجنس، فيكون ربا. وإن كان مخالفا، كالدراهم بالدنانير (كان له) (3) المطالبة بالأرش مع الإمساك ما داما في المجلس، فإن فارقاه فإن أخذ الأرش من جنس السليم، بطل فيه، لأنه قد فات شرط الصرف، وهو التقابض في المجلس. وإن كان مخالفا، صح، لأنه لا يكون صرفا. القسم الثاني: أن يكونا غير معينين بأن يتبايعا الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير أو الدراهم بالدنانير في الذمة ولا يعينان واحدا من العوضين وإنما يعينانه في المجلس قبل التفرق، سواء وصفا العوضين أو

(1) الحاوي الكبير 5: 140، حلية العلماء 4: 156، العزيز شرح الوجيز 4: 284، روضة الطالبين 3: 155 - 156، المغني 4: 181 - 182.
(2) انظر: المغني 4: 182.
(3) بدل ما بين القوسين في " ق، ك ": فله.

[ 431 ]

أطلقا إذا كان للبلد نقد غالب، مثل أن يقول: بعتك عشرة دراهم مستعصمية بدينار مصري، أو يقول: بعتك عشرة دراهم بدينار، وكان لكل من الدراهم والدنانير نقد غالب، فإنه يصح إجماعا. ولو لم يكن في البلد نقد غالب، لم يصح الإطلاق، ووجب بيان النوع، فإذا تصارفا، وجب تعيين ذلك في المجلس بتقابضهما. فإن تقابضا ثم وجد أحدهما أوهما عيبا فيما صار إليه، فإن كان قبل التفرق، كان له مطالبته بالبدل، سواء كان المعيب من جنسه أو من غير جنسه، لوقوع العقد على مطلق سليم. وإن كان بعد التفرق، فإن كان العيب من غير الجنس في الجميع، بطل العقد، للتفرق قبل التقابض. وإن كان في البعض، بطل فيه، وكان في الباقي بالخيار. وللشافعي قولا تفريق الصفقة (1). وإن كان العيب من جنسه، كان له الإبدال - وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وأبو يوسف ومحمد وأحمد (2) - لأنه لما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده، كالمسلم فيه. وفي الثاني: ليس له الإبدال - وهو قول المزني - وإلا لجاز التفرق في الصرف قبل القبض، وهو باطل (3). والملازمة ممنوعة، لحصول القبض، ولهذا لو رضي بالعيب، لزم

(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 284، وروضة الطالبين 3: 156.
(2) حلية العلماء 4: 155، العزيز شرح الوجيز 4: 283 - 284، روضة الطالبين 3: 156.
(3) مختصر المزني: 78، حلية العلماء 4: 155 - 156، العزيز شرح الوجيز 4: 284، روضة الطالبين 3: 156.

[ 432 ]

البيع. فلو لم يكن اسم المبيع صادقا عليه، لما كان كذلك. وهل له فسخ البيع؟ الوجه: أنه ليس له ذلك إلا مع تعذر تسليم الصحيح، لأن العقد تناول (1) أمرا كليا. ويحتمل ثبوته، لأن المطلق يتعين بالتقابض وقد حصل. وله الإمساك مجانا وبالأرش مع اختلاف الجنس لا مع اتفاقه، وإلا لزم الربا. ومع الرد هل يشترط أخذ البدل في مجلس الرد؟ إشكال. ولو كان العيب في بعضه، كان له رد الكل أو المعيب خاصة - خلافا للشافعي في أحد قوليه (2) - أو إمساكه مجانا وبالأرش مع اختلاف الجنس. وإذا رده، كان له المطالبة بالبدل، والخلاف كما تقدم في ظهور عيب الجميع. وهل له فسخ العقد؟ على ما تقدم من الاحتمال. وقال الشافعي: إذا جوزنا الإبدال، لم يكن له الفسخ، كالعيب في المسلم فيه. وإن لم نجوزه، كان له الخيار في الرد والفسخ في الجميع. وهل له رد البعض؟ مبني على تفريق الصفقة (3). وهل يشترط أخذ البدل في مجلس الرد؟ إشكال ينشأ من أنه صرف في البدل والمردود، ومن عدمه. ولو ظهر العيب بعد التقابض وتلف المعيب من غير الجنس، بطل

(1) في الطبعة الحجرية: يتناول.
(2) الحاوي الكبير 5: 140 - 141، العزيز شرح الوجيز 4: 284، روضة الطالبين 3: 156.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 284، روضة الطالبين 3: 156.

[ 433 ]

الصرف، ويرد الباقي، ويضمن التالف بالمثل أو القيمة. ولو كان من الجنس، كان له أخذ الأرش إن اختلف الجنس، وإلا فلا، لأنه يكون ربا، بل ينفسخ العقد بينهما، ويرد مثل التالف أو قيمته إن لم يكن له مثل، ويسترجع الثمن الذي من جهته. تذنيب: نقص السعر أو زيادته لا يمنع الرد بالعيب، فلو صارفه دراهم - وهي تساوي عشرة - بدينار، فردها وقد صارت تسعة بدينار أو أحد عشر، صح الرد ولا ربا، وليس للغريم الامتناع من الأخذ، إذ العبرة في الرد بالعين لا بالقيمة. مسألة 217: يجوز إخلاد أحد المتعاقدين إلى الآخر في قدر عوضه، فيصح البيع فيما يشترط فيه القبض في المجلس قبل اعتباره، لأصالة صدق العاقل، واقتضاء عقله الامتناع من الإقدام على الكذب. إذا تقرر هذا، فلو أخبره بالوزن فاشتراه، صح العقد، لأنه كبيع المطلق، لكن يخالفه في التعيين. فإن قبضه ثم وجده ناقصا بعد العقد، بطل الصرف مع اتحاد الثمن والمثمن في الجنس، سواء تفرقا أو لا، لاشتماله على الربا حيث باع العين الشخصية الناقصة بالزائدة. أما لو اختلف الجنس فإن البيع لا يبطل من أصله، لقبول هذا العقد التفاوت بين الثمن والمثمن، فكان بمنزلة العيب، بل يتخير من نقص عليه بين الرد والأخذ بحصته من الثمن أو بالجميع على ما تقدم. ولو وجد زائدا واتحد الجنس، فإن عين بأن قال: بعتك هذا الدينار بهذا الدينار، بطل البيع، لاشتماله على الربا. ولو لم يعين بأن قال: بعتك دينارا بدينار، ثم دفع إليه الزائد، صح البيع، لعدم تعيين هذا الزائد هنا، لوقوع العقد على مطلق، وتكون الزيادة في يد قابضها أمانة، لوقوعها في

[ 434 ]

يده من غير تعد منه بل بإذن مالكها. ويحتمل أن تكون مضمونة، لأنه قبض الدينار الزائد على أنه عوض ديناره، والمقبوض بالبيع الصحيح أو الفاسد مضمون على قابضه. نعم، لو دفع إليه أزيد من الثمن ليكون وكيله في تحقيق الزيادة أو ليزن حقه منه في وقت آخر ثم يرد الزائد، فإن الزيادة هنا أمانة قطعا. ولو كان الثمن والمثمن متغايرين في الجنس، صح البيع على ما تقدم، والزيادة لصاحبها. ولو كانت الزيادة لاختلاف الموازين، فإنها لقابضها، لعدم الاعتداد بمثلها، ولإمكان القبض في البعض. تذنيب: لقابض الزيادة فسخ البيع للتعيب بالشركة إن منعنا الإبدال مع التفرق. ولو أسقطها الدافع، لم يسقط الخيار، إذ لا يجب عليه قبول الهبة. وكذا لدافعها الخيار، إذ لا يجب عليه أخذ العوض. ولو تفرقا (1)، رد الزائد وطالب بالبدل. مسألة 218: قد بينا أن جيد الجوهر ورديئه جنس واحد، وكذا صحيحه ومكسوره، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متساويا، خلافا للشافعي على ما تقدم (2). ولا يجوز التفاضل، فلو أراداه، وجب إدخال مخالف في الجنس بينهما. فلو أراد أن يشتري بدراهم صحاح دراهم مكسورة أكثر وزنا منها، لم يجز إجماعا، لاشتمالها على الربا. فإن باعها بذهب وقبضه ثم اشترى به مكسورة أو صحيحة أكثر، جاز ذلك، سواء كان ذلك عادة أو لا، عند علمائنا - وبه قال الشافعي

(1) كذا في " ق، ك " والطبعة الحجرية، والظاهر: ولو لم يتفرقا.
(2) في ص 416، المسألة 207.

[ 435 ]

وأبو حنيفة (1) - لما رواه الجمهور أن النبي (صلى الله عليه وآله) استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " أكل تمر خيبر هكذا؟ " فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال: " لا تفعل، بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيبا " (2). والجنيب: أجود التمر. والجمع: كل لون من التمر لا يعرف له اسم. ومن طريق الخاصة: ما رواه إسماعيل بن جابر عن الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل يجئ إلى صيرفي ومعه دراهم يطلب أجود منها، فيقاوله على دراهم تزيد كذا وكذا بشئ قد تراضيا عليه، ثم يعطيه بعد بدراهمه دنانير، ثم يبيعه الدنانير بتلك الدراهم على ما تقاولا عليه أول مرة، قال: " أليس ذلك برضا منهما معا؟ " قلت: بلى، قال: " لا بأس " (3). وقال مالك: إن فعل ذلك مرة واحدة، جاز. وإن تكرر، لم يجز، لأن ذلك يضارع الربا ويؤدي إليه (4). وهو ممنوع، لأنه باع الجنس بغيره نقدا فجاز، كما لو كان مرة. ولو كان ذلك ربا، كان حراما مرة وأكثر. مسألة 219: إذا باع الصحاح أو الأكثر وزنا بالذهب وتقابضا ثم اشترى بالذهب المكسرة أو الأقل وزنا، صح البيع عندنا، لعموم قوله (عليه السلام): " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (5) سواء تفرقا بعد التقابض قبل العقد

(1) التهذيب - للبغوي - 3: 361، حلية العلماء 4: 189، العزيز شرح الوجيز 4: 78.
(2) صحيح البخاري 3: 102 و 129، و 5: 178 - 179، صحيح مسلم 3: 1215 / 95، سنن النسائي 7: 271 - 272، سنن البيهقي 5: 291.
(3) التهذيب 7: 106 / 455.
(4) حلية العلماء 4: 189، العزيز شرح الوجيز 4: 78، المغني 4: 193.
(5) الجامع لأحكام القرآن 10: 86.

[ 436 ]

الثاني أولا، وسواء تخايرا بينهما أو لا - وبه قال ابن سريج من الشافعية (1) - لأن دخولهما في العقد رضا به، فجرى مجرى التخاير، فيلزم الأول وينعقد الثاني. وقال القفال منهم: إنه لا ينعقد البيع الثاني إلا بعد التفرق بعد التقابض قبل العقد الثاني أو التخاير بينهما، إلا على القول الذي يقول: إن الخيار لايمنع انتقال الملك، فأما إذا قلنا: يمنع انتقال الملك، فلا يصح، لأنه باعه غير ملكه إلا أن ذلك يكون قطعا للخيار، ويستأنفان العقد. والأول أصح، لأن قصدهما للتبايع رضا به، وجار مجرى التخاير، لما فيه من الرضا باللزوم (2). وكذا لو اشترى جارية من رجل ثم زوجها به في مدة الخيار، صح النكاح عندنا وعند أبي العباس بن سريج (3)، ويجري عند القفال على الأقوال في الملك (4). فروع: أ - لو باعه من غير بائعه قبل التفرق والتخاير، صح عندنا، لأن الملك قد حصل بالعقد، ولهذا يكون النماء للمشتري، وتزلزله لا يمنع من تصرف المشتري. وقال الشافعي: لا يصح، لأنه يسقط خيار البائع، وليس له ذلك (5). وهو ممنوع، لأن صحة البيع لا تنافي ثبوت الخيار لغير المتعاقدين.

(1) حلية العلماء 4: 189 - 190، العزيز شرح الوجيز 4: 78. (2 - 4) لم نعثر عليه في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.
(5) العزيز شرح الوجيز 4: 78، روضة الطالبين 3: 48.

[ 437 ]

ب - لو باعه (1) الصحاح بعوض غير النقدين ثم اشترى به المكسرة، صح مطلقا، سواء تقابضا في المجلس أو لا، تخايرا أو لا. ج - تجوز الحيلة في انتقال الناقص بالزائد بغير البيع أيضا بأن يقرضه الصحاح ويقترض منه المكسرة بقدر قيمتها ثم يبرئ كل واحد منهما صاحبه، لانتفاء البيع هنا، فلا صرف ولا ربا. وكذا لو وهب كل منهما لصاحبه العين التي معه. وكذا لو باعه الصحاح بوزنها ثم وهب له الباقي من غير شرط. ولو جمع بينهما في عقد، فالأقرب الجواز، خلافا للشافعي (2). د - لو اشترى نصف دينار قيمته عشرون درهما ومعه عشرة دفعها وقبض الدينار بأجمعه ليحصل قبض النصف، ويكون نصفه له بالبيع والآخر أمانة في يده ويسلم الدراهم، صح، وبه قال الشافعي (3). فإن اشتراه بأجمعه بعشرين، دفع العشرة ثم استقرضها منه، فيثبت في ذمته مثلها. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: هذا، وهو الأصح، لأن هذه الدراهم دفعها لما عليه من الدين، وذلك تصرف، كما لو اشترى بها النصف الآخر من الدينار، فإنه يجوز، ويكون ذلك تصرفا. والثاني: المنع، لأن القرض يملك بالتصرف، وهذه الدراهم لم يتصرف فيها وإنما ردها (4) إليه على حالها، فكان ذلك فسخا

(1) في الطبعة الحجرية: باع.
(2) لم نعثر على قوله في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.
(3) العزيز شرح الوجيز 4: 79، روضة الطالبين 3: 49.
(4) في " ق، ك " والطبعة الحجرية: رده. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

[ 438 ]

للقرض (1). وهو ممنوع. أما لو استقرض عشرة غيرها ودفعها عوضا عن باقي الثمن، جاز إجماعا. ه‍ - لو كان معه تسعة عشر درهما وأراد شراءه بعشرين، فعلى ما تقدم، فإن لم يقرضه البائع وتقابضا وتفرقا قبل تسليم الدرهم، فسد الصرف فيه خاصة، وكان للبائع نصف عشر الدينار. وللشافعي (2) قولان في الفساد في الباقي، فإن سوغ تفريق الصفقة، صح، وإلا فلا. نعم، يثبت الخيار. فإن أراد الخلاص من الخيار عندنا والفسخ عنده، تفاسخا العقد قبل التفرق ثم تبايعا تسعة عشر جزءا من عشرين جزءا من الدينار بتسعة عشر درهما، وسلم (3) الدينار ليكون الباقي أمانة. و - لو كان عليه دين عشرة دنانير فدفع عشرة عددا فوزنها فكانت أحد عشر دينارا، كان الزائد مضمونا على القابض مشاعا، لأنه قبض ذلك على أن يكون بدلا من دينه، وما يقبض على سبيل المعاوضة يكون مضمونا، بخلاف الباقي لبائع الدينار في البيع في الفرع السابق، لأنه قبضه لصاحبه، فكان أمانة في يده. ثم إن شاء طالبه بالدينار، وإن شاء أخذ عوضه دراهم وقبضها في الحال، وإن شاء أخذ عينا غير النقدين، وإن شاء أسلمه إليه في موصوف. وهل له الاستعادة ودفع القدر لا غير؟ الأقرب: ذلك.

(1) حلية العلماء 4: 190، العزيز شرح الوجيز 4: 79.
(2) لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.
(3) في الطبعة الحجرية: يسلم.

[ 439 ]

مسألة 220: تجوز المصارفة بما في الذمم، فلو كان له على غيره ألف درهم وللغير عليه مائة دينار فتصارفا بهما، صح الصرف. وكذا لو اتفق الجنس وتساوى القدر وإن اختلفت الصفات، عملا بالأصل والنصوص. وبما رواه عبيد بن زرارة - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون له عند الصيرفي مائة دينار ويكون للصيرفي عنده ألف درهم، فيقاطعه عليها، قال: " لا بأس " (1). ولا يشترط هنا التقابض، لحصوله قبل البيع، لكن لا يخلو من إشكال منشؤه اشتماله على بيع دين بدين. ولو تباريا أو تصالحا، جاز قطعا. إذا ثبت هذا، فإنه يجوز أيضا اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون مصارفة عين بدين بأن يكون له على غيره ألف درهم فيشتريها الغير منه بمائة دينار يدفعها إليه في المجلس، لما تقدم. ولما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون عليه دنانير، فقال: " لا بأس أن يأخذ بثمنها دراهم " (2). وسأله في الرجل يكون له الدين دراهم معلومة إلى أجل فجاء الأجل وليس عند الذي حل عليه دراهم، قال له: خذ مني دنانير بصرف اليوم، قال: " لا بأس " (3). ولو لم يحصل قبض العين في المجلس حتى تفارقا قبله، بطل الصرف، لانتفاء شرطه.

(1) التهذيب 7: 103 / 443.
(2) التهذيب 7: 102 / 437، الاستبصار 3: 96 / 327.
(3) التهذيب 7: 102 / 438، الاستبصار 3: 96 / 328.

[ 440 ]

مسألة 221: لو دفع قضاء الدين على التعاقب من غير مساعرة ولا محاسبة، كان له الإندار بسعر وقت القبض وإن كان مثليا، لأنه بإقباضه له عين حقه فيه، فيندر ما يساوي من مخالفه في تلك الحال من الدين الذي عليه. ولما رواه إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يكون له على الرجل الدنانير فيأخذ منه دراهم ثم يتغير السعر، قال: " فهي له على السعر الذي أخذها يومئذ " (1). وعن يوسف بن أيوب عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون له على رجل دراهم فيعطيه دنانير ولا يصارفه فتصير الدنانير بزيادة أو نقصان، قال: " له سعر يوم أعطاه " (2). إذا ثبت هذا، فإنه يحسب كل مقبوض في يوم بسعر ذلك اليوم، سواء كان مثليا، كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير، أو غير مثلي، وهو فيه أظهر. أما لو لم يكن الدفع على وجه القضاء بأن يكون له عند صيرفي دينار فيأخذ منه دراهم لا على وجه الاقتضاء ولم يجر بينهما معاملة ولا بيع، كان الدينار له والدراهم عليه، فإن تباريا ذلك بعد أن يصير في ذمة كل واحد منهما ما أخذه، جاز، وبه قال الشافعي (3). مسألة 222: لو كان عنده دينار وديعة فاشتراه من صاحبه بدراهم، صح إذا دفع الدراهم في المجلس، ولا يشترط رد الدينار وقبضه ثانيا، لأنه

(1) الفقيه 3: 184 / 829، التهذيب 7: 107 / 459.
(2) التهذيب 7: 108 / 461.
(3) الحاوي الكبير 5: 152.

[ 441 ]

مقبوض عنده، فإن تفرقا قبل قبض الدراهم، بطل الصرف، وكان الدينار مضمونا على مستودعه، سواء علما وجود الدينار حال عقد البيع أو ظناه أو شكا فيه، لأن الأصل البقاء. أما لو علما عدمه حينئذ، كان الصرف باطلا. وكذا حكم غير الصرف من البيوع والمعاوضات. وقال الشافعي: إذا لم يقر الذي عنده الدينار أنه استهلكه حتى يكون ضامنا ولا أنه في يده، لم يصح الصرف، لأنه غير مضمون ولا حاضر، ويجوز أن يكون هلك في ذلك الوقت، فيبطل الصرف، أما إذا علما البقاء، صح الصرف (1). وهو ممنوع، لأن الأصل البقاء، وظنه كاف. فروع: أ - إذا اشترى دينارا بدينار وتقابضا ومضى كل منهما يزن الدينار الذي قبضه، صح إذا اشتمل المقبوض على الحق، سواء زاد عليه أو ساواه، وقد تقدم (2). وقال الشافعي: لا يصح مع الجهل إلا إذا عرف أحدهما وزن الدينار وصدقه الآخر، فلو وزن أحدهما فوجد المقبوض ناقصا، بطل الصرف، لاشتماله على عوضين متفاضلين (3). ب - لو اشترى دراهم بدنانير فقال له آخر: ولني نصفها بنصف الثمن، صح، لأن التولية بيع.

(1) الأم 3: 31 - 32.
(2) في ص 415، المسألة 206.
(3) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

[ 442 ]

ولو قال: اشتر عشرين درهما بدينار لنفسك وولني نصفها بنصف الدينار، لم يصح، لأن التولية بيع، ولا يصح البيع قبل التملك، وبه قال الشافعي، لعله المنع من بيع الغائب (1). ج - لو باعه بنصف دينار، دفع المشتري شق دينار، لأنه حقيقة فيه، ولا يلزمه نصف دينار صحيح، إلا أن يريده عرفا أو يغلب العرف فيه، فينصرف الإطلاق إليه، كما انصرف في نصف درهم وربع درهم. ولو لم يغلب العرف في أحدهما، وجب التعيين، فإن أخلا به، بطل، للجهالة. فإن باعه شيئا آخر بنصف دينار مطلق، جاز، ووجب شق دينار مثل الأول. فإن أعطاه شقي دينار، برئ منه. وإن أعطاه دينارا صحيحا، فقد زاده خيرا. ولو باعه الثاني بنصف دينار على أن يعطيه الأول والثاني صحيحا، جاز، ولزمه دفع صحيح، عملا بالشرط السائغ شرعا، سواء كان البيع الثاني بعد لزوم الأول أو قبله في المجلس. وقال الشافعي: إن كان البيع الثاني بعد لزوم الأول، فسد الثاني، لأن الزيادة لا تلزم في الأول وقد شرطها في الثاني. وإن كان ذلك قبل التفرق، فسد الأول والثاني (2). وهو مخالف لقوله (عليه السلام): " المؤمنون عند شروطهم " (3). د - لو باعه ثوبا بمائة درهم من صرف عشرين درهما بدينار، بطل، لأن المسمى هو الدراهم وهي مجهولة، لأن وصف قيمتها لا تصير به معلومة، ولو كان نقد البلد صرف عشرين بدينار، لم يصح أيضا، لأن

(1 و 2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(3) التهذيب 7: 371 / 1503، الاستبصار 3: 232 / 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

[ 443 ]

السعر يختلف، ولا يختص ذلك بنقد البلد. وكذا ما يفعلونه الآن يسمون الدراهم وإنما يبيعون الدنانير ويكون كل قدر معلوم من الدراهم عندهم دينارا. وهو باطل، لأن الدراهم لا يعبر بها عن الدنانير لا حقيقة ولا مجازا، مع أن البيع بالكناية باطل، بل يجب التصريح. والأقوى عندي: أن صرف العشرين بالدينار إذا كان واحدا معينا معلوما للمتعاقدين، صح البيع، وانصرف الثمن إليه، كما لو كانت الإمامية عشرين بدينار، وغيرها أزيد أو أنقص، فباعه بدراهم صرفها عشرون بدينار، انصرف إلى الإمامية عرفا، لما رواه الحلبي - في الحسن - عن الصادق (عليه السلام) قال: " اشترى أبي أرضا واشترط على صاحبها أن يعطيه ورقا كل دينار بعشرة دراهم " (1). مسألة 223: لو باعه بدينار غير درهم نسيئة مما يتعامل الناس به وقت الأجل، بطل البيع، للجهالة. ولما رواه السكوني عن الصادق عن الباقر عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): في الرجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: " فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم " (2). أما لو استثنى الدرهم الآن وكان معلوم النسبة إلى الدينار، صح البيع. ولو كان البيع نقدا وجهل النسبة، بطل أيضا البيع، لجهالة الثمن. وكذا لو باعه بما يتجدد من النقد، ولو قدر الدرهم من الدينار، صح. والأولى في ذلك كله استثناء جزء من الدينار، لما رواه وهب عن

(1) الكافي 5: 249 / 18، التهذيب 7: 112 / 482.
(2) التهذيب 7: 116 / 502.

[ 444 ]

الصادق عن الباقر (عليهما السلام) أنه كره أن يشتري الرجل بدينار إلا درهما وإلا درهمين نسيئة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثا وإلا ربعا وإلا سدسا أو شيئا يكون جزءا من الدينار (1). والأصل جهالة النسبة، فإنها المانعة من الصحة. وكذا لو كان الثمن حالا وجهل النسبة، لانتفاء شرط البيع، وهو العلم بقدر الثمن. روى حماد بن ميسر عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه الباقر (عليه السلام) أنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم (2). وكذا لو باعه ثوبا بمائة درهم إلا دينارا، لم يصح، لجهالة الثمن، لأنه لا يعلم كم حصة الدينار من المائة، ولا يعلم كم يبقى منها ثمنا. أما لو أقر بذلك، صح، لأن الإقرار بالمجهول صحيح. ولو قيل بالجواز مع إرادة العرف من إطلاق الدينار على عدد معلوم من الدراهم، كان أقرب. تذنيب: لو قال لصائغ: صغ لي خاتما من فضة فيه درهم لأعطيك درهما وأجرتك، فصاغه، لم يكن بيعا، والخاتم للصائغ، لأنه اشترى فضة مجهولة بفضة مجهولة وتفرقا قبل القبض، وله بعد فراغه ابتياعه بمهما شاء. مسألة 224: روي جواز ابتياع درهم بدرهم، ويشترط عليه صياغة خاتم (3).

(1) التهذيب 7: 116 / 503.
(2) التهذيب 7: 116 / 504.
(3) انظر: الكافي 5: 249 / 20، والتهذيب 7: 110 / 471.

[ 445 ]

ولست أرى به بأسا، لانتفاء الربا هنا، إذ الشرط ليس جزءا من أحد العوضين، ولو كان كذلك، لبطل كل عقد تضمن شرطا، لاستلزامه الجهالة في العوض. ومنعه بعض (1) علمائنا، قال: فإن صحت هذه الرواية، وجب الاقتصار على هذه الصورة، ولا يجوز التعدية. تذنيب: لو اشترى ثوبا بعشرين درهما غير معينة ودفعها، ووزنها أكثر من عشرين وأخذ بدل الباقي منه فضة، جاز. ولو شرط في بيع الثوب أن يعطيه صحاحا ويأخذ بدل ما يفضل من وزنها فضة، جاز عندنا، خلافا للشافعي، لأنه شرط بيعا في بيع، وذلك غير جائز. وهو ممنوع.

(1) لم نتحققه، وانظر: شرائع الإسلام 2: 50.
(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية