الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 6

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 6


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 ه‍ الجزء السادس تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم والسلام لاحياء التراث

[ 2 ]

العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، 648 - 726 ه‍. تذكرة الفقهاء / تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. - قم - مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث، 1414 = 1372 20 ج، نموذج. المصادر بالهوامش. 1 - الفقه الجعفري - القرن 8. ألف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. ب: العنوان. شابك 7 - 33 - 5503 - 964 احتمالا 20 جزءا. شابك 9 - 46 - 5503 - 964 ج 6 الكتاب: تذكرة الفقهاء / ج 6. تحقيق ونشر: مؤسسة آل اليت (عليهم السلام) لاحياء التراث - قم الطبعة: الأولى - محرم 1415 ه‍ المطبعة: ستاره - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 3000 ريال

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دورشهر (خيابان شهيد فاطمي) - كوچه 9 - پلاك 5 ص. پ. 996 / 37185 - هاتف 37371 و 23435

[ 5 ]

كتاب الصوم وفيه مقدمة وفصول: الصوم لغة: الامساك (1)، وشرعا: الامساك عن أشياء مخصوصة من أول طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. وينقسم إلى واجب ومندوب ومكروه ومحظور. أما الواجب فستة: صوم شهر رمضان، والكفارات، ودم المتعة، والنذر وما في معناه، والاعتكاف على وجه، وقضاء الواجب. وأما المندوب (2): فجميع أيام السنة إلا العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى. ويتأكد أربعة عشر: صوم ثلاثة أيام من كل شهر: أول خميس من كل شهر، وآخر خميس منه، وأول أربعاء في العشر الثاني، وثلاثة أيام البيض، والغدير، ومولد النبي عليه السلام، ومبعثه، ودحو الأرض، وعرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، وعاشوراء على جهة الحزن، ويوم المباهلة، وكل خميس، وكل جمعة، وأول ذي الحجة، وشهر رجب وشعبان. وأما المكروه: فصوم عرفة لمن يضعف عن الدعاء، أو يشك في الهلال،

(1) انظر: الصحاح 5: 1970.
(2) في النسخ الخطية: الندب. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.

[ 6 ]

والنافلة سفرا عدا ثلاثة أيام بالمدينة للحاجة، والضيف ندبا بدون إذن مضيفه، أو الولد بدون إذن الوالد، والصوم ندبا " للمدعو إلى طعام. وأما المحظور فتسعة: صوم العيدين، وأيام التشريق لمن كان بمنى، ويوم الشك بنية الفرض، وصوم نذر المعصية، وصوم الصمت، وصوم الوصال، وصوم المرأة والعبد ندبا بدون إذن الزوج والمالك، وصوم الواجب سفرا عدا ما استثني. قيل: أول ما فرض صوم عاشوراء. وقيل: كان تطوعا لا فرضا. وقيل: لما قدم النبي عليه السلام [ المدينة ] (1) أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) (2) ثم نسخ بقوله تعالى: (شهر رمضان) (3) (4). وقيل: المراد بالأيام المعدودات شهر رمضان، فلا نسخ. وقيل: أول ما فرض صوم رمضان لا عينا، بل مخيرا بينه وبين الفدية، وكان الصوم أفضل، لقوله: (وعلى الذين يطيقونه) (5) الآية، ثم نسخ بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (6). قيل: وكان الصوم في بدء الإسلام أن يمسك بعد صلاة العشاء الآخرة، أو ينام إلى أن تغيب الشمس، فإذا غربت حل الأكل والشرب إلى أن يصلي العشاء أو ينام. وصوم شهر رمضان واجب بالنص والإجماع.

(1) الزيادة أثبتناها من المصدر.
(2) البقرة: 183 (3) البقرة: 185 (4) انظر: سنن البيهقي 4: 200 و 201 (5) البقرة: 184 (6) البقرة: 185.

[ 7 ]

الفصل الأول في النية مسألة 1: شرط صحة الصوم: النية، واجبا كان أو ندبا، رمضان كان أو غيره، بإجماع علمائنا - وبه قال أكثر الفقهاء (1) - لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين) (2). قوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) (3). وقوله عليه السلام: (من لم يبيت الصيام قبل، الفجر فلا صيام له) (4) ومن طريق الخاصة: قول الرضا عليه السلام: " لا عمل إلا بنية ". ولافتقار قضائه إلى النية، فكذا أداؤه كالصلاة. وحكي عن زفر بن الهذيل ومجاهد وعطاء: أن صوم رمضان إذا تعين، بأن كان مقيما صحيحا، لا يفتقر إلى النية، لأنه فرض مستحق لعينه، فأشبه

(1) انظر: المجموع 6: 300، والمغني 3: 18.
(2) البينة: 5. (3) صحيح البخاري 1: 2، سنن ابن ماجة 1412 / 4227 " سنن أبي داود 2: 262 / 2201، سنن البيهقي 7: 341 (4) سنن الدارقطني 2: 171 / 1 سنن البيهقي 4: 202 و 213 (5) أمالي الطوسي 2: 202 - 203، والمعتبر: 36.

[ 8 ]

رد الوديعة (1). والفرق: أن الوديعة حق الآدمي. مسألة 2: الصوم إن كان معينا بأصل الشرع كرمضان، كفى فيه نية القربة، وهو: أن ينوي الصوم لوجوبه متقربا إلى الله تعالى، لا غير، ولا يفتقر إلى التعيين، وهو: أن ينوي رمضان عند علمائنا - وبه قال الشافعي في أحد قوليه (2) - لأن القصد من نية التعيين تمييز أحد الفعلين أو أحد وجهي الفعل الواحد عن الآخر، ولا يتحقق التعدد هنا، فإنه لا يقع في رمضان غيره، فأشبه رد الوديعة. وفي الثاني للشافعي أنه يفتقر - وبه قال مالك - لأنه صوم واجب فيشترط فيه التعيين كالقضاء (3). وليس بجيد، لعدم تعين زمان القضاء. وقال أبو حنيفة بالاكتفاء إن كان مقيما (4). وإن كان معينا لا بأصل الشرع، بل بالنذر وشبهه، قال السيد المرتضى رحمه الله: تكفي فيه نية القربة كرمضان (5) - وبه قال أبو حنيفة (6) - لأنه زمان

(1) المجموع 6: 300، حلية العلماء 3: 185، بدائع الصنائع 2: 83، الهداية للمرغيناني 1: 129، المبسوط للسرخسي 3: 59.
(2) المجموع 6: 294، فتح العزيز 6: 299.
(3) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 294 و 302، فتح العزيز 6: 292 و 293، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 292، المغني 3: 26 - 27، الشرح الكبير 3: 29.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 60، بدائع الصنائع 2: 84، بداية المجتهد 1: 292، حلية العلماء 3: 187، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 292، المغني 3: 27 - 28، الشرح الكبير 3: 30.
(5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 53.
(6) بدائع الصنائع 2: 84، حلية العلماء 3: 187، فتح العزيز 6: 292، المجموع 6: 302.

[ 9 ]

تعين للصوم بالنذر، فأشبه رمضان. وقال الشيخ: لا تكفي، بل لابد فيه من نية التعيين (1) - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد (2) - لأنه لم يتعين بأصل الشرع، فأشبه النذر المطلق. وهو ممنوع. وإن لم يكن معينا كالنذور المطلقة وقضاء رمضان وصوم الكفارات وصوم النافلة، فلابد فيه من نية التعيين عند العلماء كافة، لأنه زمان لا يتعين الصوم فيه، ولا يتحقق وجهه، فاحتاج إلى المخصص. فروع: أ - لا بد من نية الفرض وإن كان الصوم معينا كرمضان، وللشافعي قولان (3). ب - ليس للمسافر أن يصوم رمضان بنية أنه منه أو من غيره، لأن الصوم في سفر القصر حرام، ولا يقع في رمضان غيره، للنهي عن الصوم، المقتضي للفساد، وبه قال الشافعي وأكثر الفقهاء (4). وقال أبو حنيفة: يقع عما نواه إذا كان واجبا (5). وقال أبو يوسف ومحمد: يقع عن رمضان (6).

*. (1) المبسوط للطوسي 1: 278، الخلاف 2: 164، المسألة 4 (2) المجموع 6: 302، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 292، المغني 3: 26 - 27، الشرح الكبير 3: 29.
(3) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 294 - 295 و 302، فتح العزيز 6: 293 حلية العلماء 3: 187 (4) الوجيز 1: 104، فتح العزير 6: 441، المهذب للشيرازي 1: 196 المجموع 6: 263 (5) بدائع الصنائع 2: 84، المبسوط للسرخسي 3: 61، الهداية للمرغيناني 1: 119، المجموع 6: 263 فتح العزيز 6: 441، حلية العلماء 3: 187 (6) بدائع الصنائع 2: 84، المبسوط للسرخسي 3: 61، الهداية للمرغيناني 1: 119.

[ 10 ]

ج - لو نوى الحاضر في رمضان صوما مطلقا، وقع عن رمضان إجماعا. ولو نوى غيره مع الجهل فكذلك، للاكتفاء بنية القربة في رمضان وقد حصلت، فلا تضر الضميمة، ومع العلم كذلك، لهذا الدليل، ويحتمل البطلان، لعدم قصد رمضان والمطلق فلا يقعان، لقوله عليه السلام وإنما لكل امرئ ما نوى) (1) والمقصود منهي في رمضان. د - شرط النية الجزم، فلو قال: أنا صائم غدا إن شاء الله، فإن قصد التبرك أجزأ، وإلا فلا. ولو نوى قضاء رمضان أو تطوعا، لم يصح، لعدم التعيين، فلا جزم في كل منهما. وقال أبو يوسف: يقع عن القضاء، لعدم افتقار التطوع إلى التعيين، فكأنه نوى القضاء وصوما مطلقا (2). وقال محمد: يقع تطوعا - وبه قال الشافعي (3) - لأن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالتشريك، بقيت نية الصوم، فوقع تطوعا (4) وكلاهما ضعيف. مسألة 3: وقت النية في المعين كرمضان والنذر المعين: من أول الليل إلى أن يطلع الفجر، ولا يجوز تأخيرها عن الطلوع مع العلم، فيفسد صومه إذا أخر عامدا، لمضي جزء من النهار بغير نية، والصوم لا يتبعض، ويجب عليه الامساك. ولو تركها ناسيا أو لعذر، جاز تجديدها إلى الزوال لأن أعرابيا جاء إلى

(1) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبي داود 2: 262 / 2201 وسنن البيهقي 7: 341 (2) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 188 (3) المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 188 (4) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 297 حلية العلماء 3: 188

[ 11 ]

النبي عليه، وقد أصبح اليوم الناس يوم الشك، فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي عليه السلام مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك (1) وإذا جاز مع العذر - وهو الجهل - جاز مع النسيان. وقال الشافعي: لا يجزئ الصيام إلا بنية من الليل في الواجب كله، المعين وغيره، وبه قال مالك وأحمد (2) - وفي جواز مقارنة النية لطلوع الفجر عنده وجهان (3) - لقوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام قبل الفجر) (4). ونقول بموجبه في العمد. وقال أبو حنيفة: يصح صوم رمضان بغية قبل الزوال، وكذا كل صوم معين بالقياس على التطوع (5). والفرق: المسامحة في التطوع تكثيرا له حيث قد يبدو له الصوم. في النهار، ولو شرطت النية ليلا لمنع منه. فروع: أ - لو نوى أي وقت كان من الليل أجزأ، لقوله عليه السلام: (لا صيام)

(1) أورده المحقق في المعتبر: 299، والسرخسي في المبسوط 3: 62.
(2) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 289 - 290 و 301، حلية العلماء 3: 186، فتح العزيز 6: 302، الكافي في فقه أهل المدينة: 120، بداية المجتهد 1: 293، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.
(3) المهذب للشيرازي 1: 187 " المجموع 6: 290، فتح العزيز 6: 304 حلية العلماء 3: 186.
(4) سنن الدار قطني 2: 172 / 1، سنن الدارمي 2: 7، سنن النسائي 4: 196 سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.
(5) بدائع الصنائع 2: 85، المبسوط للسرخسي 3: 62، المجموع 6: 301، فتح العزيز 6: 302 - 303، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 293، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.

[ 12 ]

لمن لم يبيت الصيام من الليل) (1) وهو عام. وقال بعض الشافعية: إنما تصح النية في النصف الثاني منه دون الأول، لاختصاصه بأذان الصبح والدفع من مزدلفة (2). والفرق: جوازهما بعد الصبح، فلا يفضي منعهما في الأول إلى فواتهما، بخلاف النية، فإن أكثر الناس قد لا ينتبه في النصف الثاني، ولا يذكر الصوم. ب - تجوز مقارنة النية لطلوع الفجر، لأن محل الصوم النهار، والنية مقارنة. وقال بعض الشافعية: يجب تقديمها على الفجر (3)، لقوله عليه السلام: (من لم يجمع قبل الفجر فلا صيام له) (4). ولا حجة فيه، لأن المقارنة متعذرة غالبا، والتأخير ممنوع منه، فتعين السبق، لازالة مشقة ضبط المقارنة، ومع فرض وقوعها يجب الإجزاء. ج - يجوز أن يفعل بعد النية ما ينافي الصوم إلى قبل الفجر، وأن ينام بعد النية، لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين) (5) خلافا لأبي إسحاق من الشافعية (6). د - لو نوى الصوم في رمضان، ثم نوى الخروج منه بعد انعقاده، لم

(1) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.
(2) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 290 و 291، فتح العزيز 6: 305.
(3) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 290، فتح العزيز 6: 304 - 305.
(4) سنن أبي داود 2: 329 / 2454، سنن البيهقي 4: 202، سنن الترمذي 3: 108 / 730، سنن الدار قطني 2: 172 / 3.
(5) البقرة: 187.
(6) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 291، فتح العزيز 6: 307 - 308، حلية العلماء 3: 186.

[ 13 ]

يبطل عند الشيخ (1) والشافعي في أحد قوليه، لانعقاده أولا، فلا يبطل بغير المفطر. وفي الآخر: يبطل، لمضي جزء من النهار بغير نية فعلا وقوة، ولا عمل إلا بنية (2). ه‍ - لو شك هل يخرج أم لا، لم يخرج، لأنه لا يخرج مع الجزم، فمع الشك أولى، وللشافعية وجهان (3). و - لو نوى أنه يصوم غدا من رمضان لسنة تسعين، وكانت إحدى وتسعين، صح - خلافا لبعض الشافعية (4) - لوجود الشرط، فلا يؤثر الغلط، كما لو نوى الثلاثاء فبان الأربعاء. ولو كان عليه قضاء اليوم الأول، فنوى قضاء الثاني، أو كان عليه يوم من سنة خمس، فنواه من سنة ست، لم يصح، لأنه صوم لا يتعين بزمان، فلابد فيه من النية، والذي عليه لم ينوه. مسألة 4: الواجب غير المعين كالقضاء والنذر المطلق، يستمر وقت النية فيه إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا، لعدم تعين زمانه، فجاز تجديد النية إلى الزوال، كالنافلة. ولأن هشام بن سالم قال للصادق عليه السلام: الرجل يصبح لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار، حدث له رأي في الصوم، فقال: " إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يوم، وإن نواه بعد الزوال، حسب له من الوقت الذي نوى " (5).

(1) المبسوط للطوسي 1: 278.
(2) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.
(3) المجموع 6: 297.
(4) هو القاضي أبو الطيب كما في حلية العلماء 3: 189 (5) التهذيب 4: 188 / 528.

[ 14 ]

وسأل صالح بن عبد الله، الكاظم عليه السلام، عن رجل جعل لله عليه صيام شهر فيصبح وهو ينو الصوم، ثم يبدو له فيفطر، ويصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم، فقال: " هذا كله جائز " (1). وسأل عبد الرحمن بن الحجاج، الكاظم عليه السلام، عن الرجل يصبح لم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما، وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار، فقال: " نعم، له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان " (2). وقال أبو حنيفة: لا يجزئ إلا من الليل، وبه قال الفقهاء (3)، لقوله عليه السلام: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) (4). والمقصود منه المعين، لأنه مخصوص بالنافلة، فكذا غير المعين. مسألة 5: وقت النية لصوم النافلة من الليل، ويمتد إلى الزوال. (وبجواز التجديد بالنهار قال) (5) ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي (6). ووافقنا على امتداده إلى الزوال خاصة، أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين (7)، لأن النبي عليه السلام، دخل على

(1) التهذيب 4: 187 / 523 (2) التهذيب 4: 187 / 526.
(3) بدائع الصنائع 2: 85 و 86 الكتاب - للقدوري - بشرح الميداني 1: 163، المجموع 6: 301، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.
(4) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202.
(5) بدل ما بين القوسين " ط " والطبعة الحجرية هكذا: ويجوز التجديد بالنهار، قاله.
(6) المغني 3: 29، الشرح الكبير 3: 33 المجموع 6: 302، حلية العلماء 3: 190، بدائع الصنائع 2: 85 (7) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 310 - 312، حلية العلماء 3: 190، المغني 3: 31، الشرح الكبير 3: 35.

[ 15 ]

عائشة يوما، فقال: (هل عندكم شئ؟) قلنا: لا، قال: (فإني إذن صائم) (1). ونحوه من طريق الخاصة، عن أمير المؤمنين عليه السلام (2). وقال مالك: تجب النية من الليل، بمعنى أنه لا يصح الصوم إلا بنية من الليل - وبه قال داود والمزني، وهو مروي عن عبد الله بن عمر (3) - لقوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (4). ولتساوي نية فرض الصلاة ونفلها في الوقت، فكذا الصوم. والحديث مخصوص بالناسي والمعذور، وحديثنا أخص. والفرق: أن النية مع أول الصلاة في النفل لا يؤدي إلى تقليلها، بخلاف الصوم. وقال السيد المرتضى (5) وأكثر علمائنا (6) والشافعي في قول (7): إن النية في النفل تمتد بامتداد النهار، لتناول الأحاديث السابقة له. وسأل هشام بن سالم، الصادق عليه السلام: الرجل يصبح لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار، حدث له رأي في الصوم، فقال: " إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال، حسب

(1) صحيح مسلم 2: 809 / 170، سنن أبي داود 2: 329 / 2455، سنن الترمذي 3: 111 / 733، سنن النسائي 4: 193: سنن البيهقي 4: 203.
(2) التهذيب 4: 188 / 531.
(3) بداية المجتهد 1: 293، الكافي في فقه أهل المدينة: 120 و 121، المغني 3: 29، الشرح الكبير 3: 33، فتح العزيز 6: 310 - 311، المجموع 6: 302 حلية العلماء 3: 191، معالم السنن - للخطابي - بهامش مختصر سنن أبي داود 3: 334 (4) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت (5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 53 - 54.
(6) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 278.
(7) الوجيز 1: 101، فتح العزيز 6: 311 حليه العلماء 3: 191.

[ 16 ]

له من الوقت الذي نوى " (1) ولو صح الصوم من أول النهار لحسب له. مسألة 6: جوز الشيخ تقديم نية رمضان خاصة بيوم أو أيام، إن عرض له ليلة الصيام سهو أو نوم أو إغماء، أجزأته النية السابقة، وإلا فلا بد له من تجديدها (2) لأن اقتران النية بالفعل غير شرط إجماعا، ولهذا جاز تجديد الناقض بعدها قبل الفجر، فجاز تقدمها قبل الهلال بيوم أو أيام، لتقارب الزمان. والوجه: عدم الجواز، لقوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (3) وأجزأ من أوله، لعسر ضبط آخره. مسألة 7: جوز أصحابنا في رمضان صومه بنية واحدة في أوله لصومه أجمع، ولا يحتاج إلى تجديد النية كل ليلة، بخلاف غيره - وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق وزفر (4) - لأنه نوى في زمان يصلح جنسه لنية الصوم، لا يتخلل بينه وبين فعله زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فاجزأه، كما لو نوى اليوم الأول من ليلته. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية: إنه لابد من تجديد النية كل يوم كغير رمضان (5). وهو الوجه، لأنها عبادات متعددة لا يبطل بعضها بفساد البعض، بخلاف الصلاة الواحدة واليوم الواحد.

(1) التهذيب 4: 188 / 528 (2) المبسوط للطوسي 1: 276 (3) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت (4) الكافي في فقه أهل المدينة: 120، المغني 3: 23، الشرح الكبير 3: 28، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 291. حلية العلماء 3: 185 و 186 (5) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 291، حلية العلماء 3: 185، المغني 3: 23، الشرح الكبير 3: 28.

[ 17 ]

وادعى الشيخ والسيد المرتضى الإجماع (1) (2). مسألة 8: يستحب صوم (3) يوم الشك من شعبان إذا لم ير الهلال، ولا يكره صومه، سواء كان هناك مانع من الرؤية كالغيم وشبهه، أو لم يكن - وبه قال أبو حنيفة ومالك (4) - لأن عليا عليه السلام قال: " لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان " (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا، وإن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له " (6) ولأن الاحتياط يقتضي صومه، فلا وجه للكراهية. وقال شيخنا المفيد رحمه الله: إنما يستحب مع الشك في الهلال لا مع الصحو وارتفاع الموانع، ويكره مع الصحو وارتفاع الموانع، إلا لمن كان صائما قبله (7) - وبه قال الشافعي والأوزاعي (8) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، نهى عن صيام ستة أيام: اليوم الذي يشك فيه من رمضان (9). ويحمل على النهي عن صومه من رمضان. وقال أحمد: إن كانت السماء مصحية، كره صومه، وإن كانت مغيمة، وجب صومه، ويحكم بأنه من رمضان - وهو مروي عن ابن عمر - لأن النبي

(1) أي: الإجماع على إجزاء نية واحدة لصوم جميع شهر رمضان.
(2) الخلاف 2: 163 - 164، المسألة 3، الانتصار: 61 - 62.
(3) في " ط، ن ": صيام.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 119 المجموع 6: 404 و 421، حلية العلماء 3: 213.
(5) الفقيه 2: 79 / 348، سنن البيهقي 4: 211.
(6) الكافي 4: 82 / 5، الفقيه 2: 79 / 350، التهذيب 4: 181 / 504، الاستبصار 2: 78 / 236.
(7) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 300.
(8) المجموع 6: 400 و 404 حلية العلماء 3: 213.
(9) سنن الدارقطني 2: 157 / 6.

[ 18 ]

عليه السلام قال: (إنما الشهر تسعة وعشرون يوما، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) (1). ومعنى الاقدار: التضييق، بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين (2). وقد سبق أن النهي عن الصوم من رمضان، ومعارض بقوله عليه السلام: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (3). وقال الحسن وابن سيرين: وإن صام الإمام صاموا، وإن أفطر أفطروا وهو مروي عن أحمد (4)، لقوله عليه السلام: (الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) (5). ولو سلم نقله، كان واردا على الظاهر، فإن الغالب عدم خفاء الهلال عن جماعة كثيرة، وخفاؤه عن واحد واثنين. فروع: أ - لو نوى أنه يصومه من رمضان، كان حراما، ولم يجزئه لو خرج منه لدلالة النهي على الفساد. قال مولانا زين العابدين عليه السلام عن يوم الشك: " أمرنا بصيامه، ونهينا عنه، أمرنا أن يصومه الانسان على أنه من شعبان، ونهينا عن أن يصومه على أنه من شهر رمضان " (6).

(1) صحيح مسلم 2: 759 / 6، سنن الدارمي 2: 4، سنن البيهقي 4: 204، مسند أحمد 2: 5 (2) المغني 3: 13 - 16، الشرح الكبير 3: 5 - 6 فتح العزيز 6: 412، المجموع 6: 403.
(3) صحيح البخاري 3: 35.
(4) المغني 3: 13، الشرح الكبير 3: 6، المجموع 6: 403، حلية العلماء 3: 179.
(5) سنن الترمذي 3: 80 / 697 (6) المعتبر: 300، وبتفاوت يسير في الكافي 4: 85 / 1، والفقيه 2: 47 / 208،

[ 19 ]

ولو نواه ندبا على أنه من شعبان، أجزأ عنه وإن خرج من رمضان، لأنه أتى بالمأمور به على وجهه، فكان مجزئا عن الواجب، لأن رمضان لا يقع فيه غيره، ونية الوجوب ساقطة، للعذر. ولو نوى أنه واجب أو ندب ولم يعين، لم يصح صومه، ولم يجزئه لو خرج من رمضان، إلا أن يجدد النية قبل الزوال. ولو نوى أنه من رمضان، فثبت الهلال قبل الزوال جدد النية، وأجزأه البقاء محل النية. لو نوى أنه إن كان من رمضان فهو واجب، وإن كان من شعبان فندب، لم يصح - وهو أحد قولي الشيخ (1) رحمه الله، وبه قال الشافعي (2) - لأن شرط النية الجزم ولم يحصل. وللشيخ قول آخر: الإجزاء لو بان من رمضان، لأنه نوى الواقع على التقديرين على وجههما، ولأنه نوى القربة وهي كافية (3). ب - لو نوى الإفطار لاعتقاد أنه من شعبان، فبان من رمضان قبل الزوال ولم يتناول، نوى الصوم الواجب، وأجزأه، لبقاء محل النية، والجهل عذر، فأشبه النسيان. ولو بان بعد الزوال، أمسك بقية نهاره، ووجب عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة (4). والشافعي أوجب القضاء في الموضعين (5).

والتهذيب 4: 296 / 895 (1) أنظر: النهاية: 151.
(2) المجموع 6: 295 - 296، فتح العزيز 6: 323 - 324.
(3) الخلاف 2: 179، المسألة 22، المبسوط للطوسي 1: 277.
(4) حكاه عنه الشيخ في الخلاف 2: 179، المسألة 20.
(5) المجموع 6: 271، فتح العزيز 6: 436، حلية العلماء 3: 179.

[ 20 ]

وقال عطاء: يأكل بقية يومه، وهو رواية عن أحمد (1)، ولم يقل به غيرهما. ولو أصبح بنية صوم شعبان، فبان أنه من رمضان، نقل النية إليه ولو قبل الغروب، وأجزأه. ج - لو أخبره عدل واحد برؤية الهلال، وأوجبنا الشاهدين، فنوى أنه من رمضان، لم يجزئه لو بان منه. ولو كان عارفا بحساب التسيير، أو أخبره العارف بالهلال، لم يصح بنية رمضان، لأن ذلك ليس طريقا إلى ثبوت الاهلة في نظر الشرع وإن أفاد الظن. د - لو نوى ليلة. الثلاثين من رمضان. أنه إن كان غدا من رمضان فإنه صائم، وإن كان من شوال فهو مفطر، قال بعض الشافعية: يصح، لأصالة بقاء الشهر (2). ويبطل، لعدم الجزم. ولو نوى أنه يصومه عن رمضان أو نافلة، لم يصح إجماعا. ه‍ - لو نوى يوم الشك عن فرض عليه، أجزأه من غير كراهة، خلافا لبعض الشافعية (3). و - صوم الصبي شرعي، وينعقد بنيته (4)، فإن بلغ قبل الزوال بغير المبطل، وجب عليه تجديد نية الفرض، وإلا فلا.

(1) المغني 3: 74، الشرح الكبير 3: 15.
(2) المجموع 6: 296، فتح العزيز 6: 326 - 327.
(3) المهذب للشيرازي 1: 195، المجموع 6: 399، فتح العزيز 6: 414، حلية العلماء 3: 213.
(4) في النسخ الخطية: وتنعقد نيته. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.

[ 21 ]

الفصل الثاني فيما يمسك عنه الصائم وهو أمور: الأول: يجب الامساك عن الأكل والشرب نهارا من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس بالنص والإجماع. قال الله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " (1). ولا فرق بين المعتاد وغيره عند علمائنا، سواء يغذى به أو لا - وهو قول عامة أهل العلم (2) - للعموم، ولأن حقيقة الصوم الامساك، وهو غير متحقق مع تناول غير المعتاد. وقال الحسن بن صالح بن حي: لا يفطر بما ليس بطعام ولا بشراب (3). وكان أبو طلحة الأنصاري يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب (4).

(1) البقرة: 187.
(2) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38.
(3) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38، حلية العلماء 3: 195، المجموع 6: 317.
(4) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38، المجموع 6: 317، ومسند أحمد 3: 279.

[ 22 ]

وقال أبو حنيفة: لو ابتلع حصاة أو فستقة بقشرها، لم تجب الكفارة (9)، فاعتبر في إيجاب الكفارة ما يتغذى به أو يتداوى به، وهو مذهب السيد المرتضى (2). والكل باطل بما تقدم. فروع: أ - بقايا الغذاء المتخلفة بين أسنانه إن ابتلعها عامدا نهارا، فسد صومه، سواء أخرجها من فمه أو لا، لأنه ابتلع طعاما عامدا فأفطر، كما لو أكل. وقال أحمد: إن كان يسيرا لا يمكنه التحرز منه فابتلعه، لم يفطر، وإن كان كثيرا أفطر (3). وقال الشافعي: إن كان مما يجري به الريق، ولا يتميز عنه، فبلعه مع ريقه، لم يفطره، وإن كان بين أسنانه شئ من لحم أو خبز حصل في فيه، متميزا عن الريق، فابتلعه مع ذكره للصوم، فسد صومه (4). وقال أبو حنيفة: لا يفطر به، لأنه لا يمكنه التحرز منه، فأشبه ما يجري بالريق (5). وهو خلاف الفرض، فإنه مع عدم إمكان التحرز عنه عفو. ب - الريق إذا جرى على حلقه على ما جرت العادة به، لا يفطر، لعدم إمكان التحرز منه. وكذا لو جمعه في فيه ثم ابتلعه، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر:

(1) المبسوط للسرخسي 3: 100 و 138، المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 198.
(2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.
(3) المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49 - 50.
(4) المجموع 6: 317، فتح العزيز 6: 394 - 395، حلية العلماء 3: 194.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 93، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 50، المجموع 6: 317.

[ 23 ]

يفطر (1). أما لو خرج من فيه بين أصابعه أو ثوبه، ثم ابتلعه، فإنه يفطر. ولو أخرج حصاة وشبهها من فيه وعليها بلة من الريق، ثم أعاده وعليه الريق، وابتلع الريق، أفطر، خلافا لبعض الجمهور (2). - ولو ابتلع ريق غيره، أفطر. ولو أبرز لسانه وعليه ريق، ثم ابتلعه، لم يفطر، لعدم انفصاله عن محله. ج - لو ابتلع النخامة المجتلبة من صدره أو رأسه، لم يفطر، لأنه معتاد في الفم، غير واصل من خارج، فأشبه الريق، ولعموم البلوى به. وقول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته " (3). وقال الشافعي: يفطر - وعن أحمد روايتان (4) - لأنه يمكن الاحتراز منه، فأشبه القئ (5). ونمنع الصغرى. د - حكم الازدراد حكم الأكل، فلو ابتلع المعتاد وغيره، أبطل صومه. الثاني: الجماع، وقد أجمع العلماء كافة على إفساد الصوم بالجماع الموجب للغسل في قبل المرأة، للآية (6)، سواء أنزل أو لم ينزل. ولو وطأ في الدبر فأنزل، فسد صومه إجماعا، ولو لم ينزل، فالمعتمد

(1) المجموع 6: 318، فتح العزيز 6: 391، حلية العلماء 3: 194 (2) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74.
(3) الكافي 4: 115 (باب في الصائم يزدرد نخامته...) الحديث 1، التهذيب 4: 323 / 995.
(4) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74 - 75 (5) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 315، حلية العلماء 3: 194، المغني 1: 41 الشرح الكبير 1: 74 - 75 (6) البقرة. 187

[ 24 ]

عليه الإفساد، لأنه جماع في محل الشهوة، فأشبه القبل. ولو جامعها في غير الفرجين، أفسد مع الإنزال، وإلا فلا. ولا فرق بين وطئ الحية والميتة، ولا بين الغلام والمرأة، والموطؤ كالواطئ. ولو وطأ الدابة فانزل، أفسد، وإلا فلا. الثالث: الإنزال نهارا عمدا مفسد، سواء كان باستمناء أو ملامسة أو ملاعبة أو قبلة إجماعا، لأن الصادق عليه السلام، سئل عن الرجل يضع يده على شئ من جسد امرأة فأدفق، فقال: لا كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة (1). ولو نظر إلى ما لا يحل النظر إليه عامدا بشهوة فأمنى، قال الشيخ: عليه القضاء (2). ولو كان نظره إلى ما يحل له النظر إليه فأمنى، لم يكن عليه شئ. ولو أصغى أو تسمع إلى حديث فأمنى، لم يكن عليه شئ، عملا بأصالة البراءة. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا يفسد الصوم بالانزال عقيب النظر مطلقا لأنه إنزال من غير مباشرة، فأشبه الإنزال بالفكر (3). وقال أحمد ومالك والحسن البصري وعطاء: يفسد به الصوم مطلقا، لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز عنه، فأشبه الإنزال باللمس (4). ولو أنزل من غير شهوة - كالمريض - عمدا، أفسد صومه.

(1) التهذيب 4: 320 / 981.
(2) المبسوط للطوسي 1: 272.
(3) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 322، حلية العلماء 3: 196، المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 43، المبسوط للسرخسي 3: 70 (4) المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 43، حلية العلماء 3: 196، المدونة الكبرى 1: 199.

[ 25 ]

ولو قلنا بالافساد بالنظر، فلا فرق بين التكرار وعدمه، وبه قال مالك (1). وقال أحمد: لا يفسد إلا بالتكرار (2). ولو فكر فأمنى لم يفطر، وبه قال الشافعي (3). وقال أصحاب مالك: يفطر (4). وتكره القبلة للشاب الذي تحرك القبلة شهوته، ولا تكره لمن يملك إربه (5)، لأن النبي عليه السلام، كان يقبل، وهو صائم، وكان أملك الناس لإربه (6). ولو أمذى بالتقبيل، لم يفطر عند علمائنا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو مروي عن الحسن والشعبي والأوزاعي (7). وقال مالك وأحمد: يفطر (8). الرابع: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق اختيارا، كغبار الدقيق والنفض، مفسد للصوم - خلافا للجمهور (9) - لأنه أوصل إلى الجوف ما ينافي الصوم.

(1) المدونة الكبرى 1: 199، المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 44، المجموع 6: 322، فتح العزيز 6: 396، حلية العلماء 3: 204.
(2) المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 43 و 44.
(3) المجموع 6: 322، فتح العزيز 6: 396.
(4) التفريع 1: 305، فتح العزيز 6: 396، وفيه: وعن أصحابه (مالك) في الفكر اختلاف.
(5) الإرب والإربة: الحاجة. لسان العرب 1: 208، الصحاح 1: 87.
(6) صحيح البخاري 3: 39، صحيح مسلم 2: 777 / 66، سنن أبي داود 2 311 / 2382، سنن البيهقي 4: 233.
(7) المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 43 (8) المدونة الكبرى 1: 196، المجموع 6: 323، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 34. حلية العلماء 3: 196.
(9) المغني 3: 40، الشرح الكبير 3: 48 - 49، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 327، المبسوط للسرخسي 3: 98

[ 26 ]

ولأن سليمان بن جعفر (1) سمعه يقول: " إذا شم رائحة غليظة، أو كنس بيتا، فدخل في أنفه وحلقه غبار، فإن ذلك له فطر، مثل الأكل والشرب والنكاح " (2). ولو كان مضطرا أو لم يشعر به، لم يفطر إجماعا. الخامس: من أجنب ليلا وتعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر من غير ضرورة ولا عذر، فسد صومه عند علمائنا، وبه قال أبو هريرة وسالم ابن عبد الله والحسن البصري وطاوس وعروة، وبه قال الحسن بن صالح بن حي والنخعي في الفرض خاصة (3)، لقوله عليه السلام: (من أصبح جنبا فلا صوم له) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: " يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا " (5). وقال الجمهور: لا يفسد الصوم (6)، للآية (7). ولقول عائشة: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله، أن كان

(1) في المصدر: سليمان بن حفص المروزي.
(2) التهذيب 4: 214 / 621، الاستبصار 2: 94 / 305 بتفاوت يسير في الأخير.
(3) المغني 3: 78 - 79، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307 - 308 حلية العلماء 3: 192 - 193 (4) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 174، المسألة 13، والرافعي في فتح العزيز 6: 424، وفي مسند أحمد 2: 248 بتفاوت يسير (5) التهذيب 4: 212 / 616، الاستبصار 2: 87 / 272.
(6) المغني 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 307، حلية العلماء 3: 192، المدونة الكبرى 1: 206، بدائع الصنائع 2: 92.
(7) وهي قوله تعالى " فالآن باشروهن وابتغوا ماكتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " البقرة 187.

[ 27 ]

ليصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصومه (1). ولا دلالة في الآية، لعود الغاية إلى الجملة القريبة. والحديث ممنوع، ومحمول على القرب من الصباح، لمواظبته عليه السلام، على أداء الفرائض في أول وقتها. فروع: أ - لو طلع عليه الفجر وهو مجامع، نزع من غير تلوم، ووجب القضاء إن لم يراع الفجر، ولو نزعه بنية الجماع فكالمجامع. ولو راعى الفجر، ولم يظن قربه، ثم نزع مع أول طلوعه، لم يفسد صومه، لأن النزع ترك للجماع، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (2). وقال مالك وأحمد والمزني وزفر: يبطل صومه (3). وأوجب أحمد الكفارة (4). ب - لو طلع الفجر وفي فمه طعام، لفظه، فإن ابتلعه، فسد صومه. ج - قال ابن أبي عقيل: إن الحائض والنفساء لو طهرتا ليلا، وتركتا الغسل حتى يطلع الفجر عمدا، وجب القضاء خاصة. السادس: لو أجنب ليلا، ثم نام ناويا للغسل حتى أصبح، صح صومه. ولو لم ينو، فسد صومه، وعليه القضاء - خلافا للجمهور (5) - لما تقدم من اشتراط الطهارة في ابتدائه، وبنومه قد فرط في تحصيل الشرط. ولو أجنب فنام على عزم ترك الغسل حتى طلع الفجر، فهو كالتارك

(1) صحيح البخاري 3: 40، وسنن البيهقي 4: 214. (2) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 309 و 311، فتح العزيز 6: 403، حلية العلماء 3: 193، المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67.
(3) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 309 و 311، فتح العزيز 6: 403 - 404، حلية العلماء 3: 193.
(4) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المجموع 6: 311.
(5) المغني 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307.

[ 28 ]

للغسل عمدا. ولو أجنب ثم نام ناويا للغسل حتى طلع الفجر، فلا شئ عليه، فإن استيقظ ثم نام حتى يطلع الفجر، وجب القضاء خاصة، لأن معاوية بن عمار سأل الصادق عليه السلام: الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: " ليس عليه شئ " قلت: فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح، قال: " فليقض ذلك اليوم عقوبة " (1). ولو احتلم نهارا في رمضان من غير قصد، لم يفطر، وجاز له تأخير الغسل إجماعا. السابع: القئ عمدا مبطل للصوم عند أكثر علمائنا (2)، وهو قول عامة العلماء (3)، لقوله عليه السلام: (من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا تقيأ الصائم فقد أفطر، وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه " (5). وقال السيد المرتضى وابن إدريس: لا يفسد صومه (6) - وبه قال عبد الله ابن عباس وابن مسعود (7) - لقوله عليه السلام: (لا يفطر من قاء) (8).

التهذيب 4: 212 / 615، الاستبصار 2: 87 / 271. (1) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 154 - 155، والمبسوط 1: 271 - 272، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 192، والمحقق في المعتبر: 303، وشرائع الإسلام 1: 192.
(3) المغني 3: 54، الشرح الكبير 3: 41، المجموع 6: 319 - 320.
(4) سنن أبي داود 2: 310 / 2380، سنن البيهقي 4: 219.
(5) الكافي 4: 108 / 2، التهذيب 4: 264 / 791.
(6) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، السرائر: 88.
(7) المغني 3: 54، الشرح الكبير 3: 41، المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195.
(8) سنن أبي داود 2: 310 / 2376، سنن البيهقي 4: 220.

[ 29 ]

ونقول بموجبه فيما إذا ذرعه. أما لو ذرعه القئ فإنه لا يفطر بإجماع العلماء. وحكي عن الحسن البصري في إحدى الروايتين عنه: أنه يفطر (1) وهو غلط. الثامن: اختلف علماؤنا في الاحتقان بالمائعات هل هو مفسد أم لا؟ للشيخ قولان: أحدهما: الإفساد (2) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (3) - لقول الرضا عليه السلام: " الصائم لا يجوز له أن يحتقن " (4). ولأنه أوصل إلى جوفه ما يصلح بدنه وهو ذاكر للصوم، فأشبه الأكل. الثاني: لا يفسد (5) - وبه قال الحسن بن صالح بن حي وداود (6) - لأن الحقنة لا تصل إلى المعدة، ولا إلى موضع الاغتذاء، فلا يؤثر فسادا، كالاكتحال، ولا يجري في مجرى الاغتذاء، فلا يفسد الصوم، كالاكتحال. وقال مالك: يفطر بالكثير منها دون القليل (7).

(1) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 196.
(2) الخلاف 2: 213، المسألة 73، الجمل والعقود (ضمن الرسائل العشر): 213، المبسوط للطوسي 1: 271 - 272.
(3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 313 و 320، فتح العزيز 6: 363، حلية العلماء 3: 194، بدائع الصنائع 2: 93، المبسوط للسرخسي 3: 67، المغني والشرح الكبير 3: 39.
(4) الفقيه 2: 69 / 292، التهذيب 4: 204 / 589، الاستبصار 2: 83 / 256، والكافي 4: 110 / 3 وفيه مضمرا.
(5) انظر: النهاية: 156، والاستبصار 2: 83 - 84.
(6) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 194.
(7) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 213، المسألة 73، والمحقق في المعتبر: 302 - 303، وانظر: الكافي في فقه أهل المدينة: 126، وفتح العزيز 6: 363، وحلية العلماء 3: 195

[ 30 ]

أما الاحتقان بالجامد: فإنه مكروه لا يفسد به الصوم، خلافا للجمهور، فأنهم لم يفرقوا بين المائع والجامد (1)، وبه قال أبو الصلاح وابن البراج (2). فروع: أ - لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه، أفسد صومه عند الشيخ (3)، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (4). وقال مالك: لا يفطر (5)، وبه قال أبو يوسف ومحمد (6)، وهو الوجه. ب - لو جرح نفسه برمح فوصل إلى جوفه، أو أمر غيره بذلك، قال الشيخ: يفسد صومه (7)، وبه قال الشافعي (8). والوجه: أنه لا يفسد، وبه قال أبو يوسف ومحمد (9). ج - لو قطر في أذنه دهنا أو غيره، لم يفطر، للأصل. ولأن ابن أبي يعفور سأل الصادق عليه السلام، عن الصائم يصب الدواء

(1) أنظر المصادر في الهامش (3) من الصفحة 29.
(2) الكافي في الفقه: 183، المهذب - للقاضي ابن البراج - 1: 192.
(3) حكاه عن مبسوط الشيخ، المحقق في المعتبر: 303 ولم نجده فيه.
(4) المهذب للشيرازي: 189، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 362، حلية العلماء 3: 195، المبسوط للسرخسي 3: 68، بدائع الصنائع 2: 93، المغني والشرح الكبير 3: 39.
(5) حكاه عنه النووي في المجموع 6: 320، والقفال الشاشي في حلية العلماء 3: 195، وانظر: المدونة الكبرى 1: 198.
(6) المبسوط للسرخسي 3: 68، بدائع الصنائع 2: 93، المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195 (7) المبسوط للطوسي 1: 273.
(8) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 380، حلية العلماء 3: 195.
(9) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195.

[ 31 ]

في أذنه، قال: " نعم " (1). وقال بعض علمائنا: يفطر (2)، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد إذا وصل إلى الدماغ، لأنه جوف فالواصل إليه يغذيه، فيفطر به، كجوف البدن (3). وهو منقوض: بالاكتحال. د - لو قطر في إحليله دواء أو غيره، لم يفطر، سواء وصل إلى المثانة أو لا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد (4) - لأن المثانة ليست محلا للاغتذاء، فلا يفطر بما يصل إليها، ولأنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ، وإنما يخرج البول رشحا. وقال الشافعي: يفطر وبه قال أبو يوسف - واضطرب قول محمد فيه - لأن المثانة كالدماغ في أنها من باطن البدن (6). ونمنع المساواة. التاسع: قال الشيخان: الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله والأئمة

(1) التهذيب 4: 311 / 941، الاستبصار 2: 95 / 307.
(2) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183.
(3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 314 و 320، حلية العلماء 3: 194، فتح العزيز 6: 367، المبسوط للسرخسي 3: 67، بدائع الصنائع 2: 93، الهداية للمرغيناني 1: 125، المغني والشرح الكبير 3: 39، المدونة الكبرى 1: 198.
(4) بدائع الصنائع 2: 93، المبسوط للسرخسي 3: 67، الاختيار لتعليل المختار 1: 175، الهداية للمرغيناني: 125، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 370 - 371 حلية العلماء 3: 194، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 125، المبسوط للسرخسي 3: 67 - 60.
(6) المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 370، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49، الهداية للمرغيناني 1: 125، المبسوط للسرخسي 3: 67، بدائع الصنائع 2: 93 الاختيار لتعليل المختار 1: 175.

[ 32 ]

عليهم السلام، مفسد للصوم (1) - وبه قال الأوزاعي (2) - لقول الصادق عليه السلام: " الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم " قال أبو بصير: هلكنا، فقال عليه السلام: " ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، وعلى الأئمة عليهم السلام " (3). وهو محمول على المبالغة. وقال السيد المرتضى: لا يفسده (4)، وهو قول الجمهور (5)، وهو المعتمد، لأصالة البراءة، ولا خلاف في أن الكذب على غير الله تعالى وغير رسوله والأئمة عليهم السلام، غير مفسد. وأما المشاتمة والتلفظ بالقبيح فكذلك، إلا الأوزاعي، فإنه أوجب بهما الإفطار (6)، لقوله عليه السلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) (7). ولا دلالة فيه، والإجماع على خلاف قوله. العاشر: الارتماس في الماء، قال الشيخان: إنه يفسد الصوم (8)، لقول الباقر عليه السلام: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال:

(1) المبسوط للطوسي 1: 270، المقنعة: 54.
(2) حكاه عنه السيد المرتضى في الانتصار: 63، والمحقق في المعتبر: 302 (3) الكافي 4: 89 / 10، التهذيب 4: 203 / 585.
(4) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، وحكاه عنه المحقق في المعتبر: 302.
(5) كما في المعتبر: 302.
(6) أنظر: حلية العلماء 3: 207 (7) صحيح البخاري 3: 33، سنن أبي داود 2: 307 / 2362، سنن الترمذي 3: 87 / 707، سنن ابن ماجة 1: 539 / 1689، سنن البيهقي 4: 270، مسند أحمد 2: 452 - 453. (8) النهاية: 148، المبسوط للطوسي 1: 270، المقنعة: 54.

[ 33 ]

الأكل والشرب والنساء والارتماس في الماء " (1). ولا حجة فيه، لجواز التضرر بالتحريم دون الإفساد، كما هو القول الآخر للشيخ (2) لأن إسحاق بن عمار قال للصادق عليه السلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا أعليه قضاء ذلك اليوم؟ " قال ليس عليه قضاء ولا يعودن " (3) قال الشيخ: لست أعرف حديثا في إيجاب القضاء والكفارة، أو إيجاب أحدهما على من ارتمس في الماء (4).. وقال السيد المرتضى: لا يفسد الصوم وهو مكروه (5)، وبه قال مالك وأحمد (6) والحسن والشعبي (7). وقال باقي الجمهور: إنه غير مكروه أيضا (8). ولا بأس بصب الماء على الرأس للتبرد والاغتسال من غير كراهة. ولو. ارتمس (9) فدخل الماء إلى حلقه، أفسد صومه، سواء كان دخول الماء اختيارا أو اضطرارا، إذا كان الارتماس اختيارا.

(1) التهذيب 4: 189 / 535، و 202 / 584 و 318 - 319 / 971، والاستبصار 2: 80 / 244 وفيه وفي الموضعين الأولين من التهذيب: ثلاث خصال.
(2) الاستبصار 2: 85 ذيل الحديث 263.
(3) التهذيب 4: 209 - 210 / 607 و 324 / 1000، الاستبصار 2: 84 - 85 / 263.
(4) الاستبصار 2: 85 ذيل الحديث 263.
(5) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 302، وانظر: جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.
(6) حكاه عنهما، المحقق في المعتبر: 302، وانظر: المغني 3: 44، والشرح الكبير 3: 52 (7) المغني 3: 44، الشرح الكبير 3: 52.
(8) حكاه المحقق في المعتبر: 302، وانظر: المهذب للشيرازي 1: 193، والمجموع 6: 348.
(9) في " ف " زيادة: في الماء.

[ 34 ]

ولو صب الماء على رأسه، فدخل حلقه متعمدا، أفسد صومه. وكذا لو كان الصب يؤدي إليه قطعا مع الاختيار لا الاضطرار، ولو لم يؤد، لم يفسد. الحادي عشر: قال المفيد وأبو الصلاح: السعوط (1) الذي يصل إلى الدماغ من الأنف مفسد للصوم مطلقا (2) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (3) - لأن النبي عليه السلام، قال للقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) (4). ولأن الدماغ جوف، فالواصل إليه يغذيه، فيفطر به، كجوف البدن. والمنع إنما كان للخوف من النزول إلى الحلق، لعروضه في الاستنشاق غالبا، والتغذية لا تحصل من ذلك. واشتراك الدماغ والمعدة في اسم الجوف لا يقتضي اشتراكهما في الحكم. وقال الشيخ: إنه مكروه لا يفسد الصوم، سواء بلغ إلى الدماغ أو لا، إلا ما نزل إلى الحلق، فإنه يفطر، ويوجب القضاء (5)، وبه قال مالك والأوزاعي وداود (6)، وهو المعتمد، عملا بالأصل. مسألة 9: يكره مضغ العلك، وليس محرما - وبه قال الشعبي والنخعي

(1) السعوط: الدواء يصب في الأنف. الصحاح 3: 1131.
(2) المقنعة: 54 الكافي في الفقه 183 (3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 313، فتح العزيز 6: 364، المبسوط للسرخسي 3: 67، الهداية للمرغيناني 1: 125، المغني والشرح الكبير 3: 39. (4) سنن أبي داود 1: 35 - 36 / 142 و 2: 308 / 2366، سنن الترمذي 3: 155 / 788، سنن النسائي 1: 66، سنن ابن ماجة 1: 142 / 407، المستدرك - للحاكم - 1: 148.
(5) المبسوط للطوسي 1: 272.
(6) المغني والشرح الكبير 3: 39، حلية العلماء 3: 195، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 364 المدونة الكبرى 1: 197

[ 35 ]

وقتادة والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي (1) - للأصل. ولأن أبا بصير سأل الصادق عليه السلام، عن الصائم يمضغ العلك، فقال: " نعم " (2). ولا فرق بين ذي الطعم وغيره، ولا بين القوي الذي لا يتحلل أجزاؤه والضعيف الذي يتحلل إذا تحفظ من ابتلاع المتحلل من أجزائه وإن وجد طعمه في حلقه. مسألة 10: لا بأس بما يدخله الصائم في فمه إذا لم يتعد الحلق، كمص الخاتم ومضغ الطعام وزق (3) الطائر وذوق المرق، لقوله عليه السلام: " أرأيت لو تمضضت بماء ثم مججته (4) " (5). وسئل الصادق عليه السلام،. عن صب الدواء في أذن الصائم، فقال: " نعم ويذوق المرق ويزق الفرخ " (6). فإن أدخل شيئا في فمه وابتلعه سهوا، فإن كان لغرض صحيح، فلا قضاء عليه، وإلا لزمه. ولو تمضمض فابتلع الماء سهوا، فإن كان للتبرد، فعليه القضاء، وإن كان للصلاة، فلا شئ عليه. وكذا لو ابتلع ما لا يقصده كالذباب وقطر المطر، فإن فعله عمدا أفطر.

(1) المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 353، المغني 3: 44، الشرح 3: 76 - 77، الهداية للمرغيناني 1: 125 - 126، الجامع الصغير للشيباني: 141.
(2) التهذيب 4: 324 / 1002.
(3) زق الطائر فرخه: أطعمه بفيه. الصحاح 4: 1491.
(4) مج الرجل الشراب من فيه: إذا رمى به. الصحاح 1: 40.
(5) سنن أبي داود 2: 311 / 2385، سنن الدارمي 2: 13، سنن البيهقي 4: 261، المصنف - لابن أبي شيبة - 3: 61، المستدرك - للحاكم - 1: 431، وليس فيها (ثم مججته).
(6) التهذيب 4: 311 / 941، الاستبصار 2: 95 / 307.

[ 36 ]

مسألة 11: ولا بأس بالسواك للصائم، سواء الرطب واليابس، في أول النهار أو أخره عند علمائنا - وبه قال مالك وأبو حنيفة (1) - لأن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله، ما لا أحصي يتسوك وهو صائم (2). ومن طريق الخاصة: قول الحلبي: سألت الصادق عليه السلام أيستاك الصائم بالماء والعود الرطب يجد طعمه؟ فقال: " لا بأس به " (3). وقال أحمد: يكره بالرطب مطلقا، ويكره باليابس بعد الزوال - وبه قال ابن عمر وعطاء ومجاهد والأوزاعي لإسحاق وقتادة والشعبي والحكم (4) - لقوله عليه السلام: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة) (5). ويحمل على التسوك لاستجلاب الريق، لدلالة، آخر الحديث عليه. تذنيب: يجوز أن يتسوك بالماء وبالمبلول به، ويتحفظ من ابتلاع الرطوبة. مسألة 12: إنما يبطل الصوم بالمفطرات لو وقع عمدا، أما لو وقع نسيانا فلا، على ما يأتي الخلاف فيه. وكذا ما يحصل من غير قصد، كالغبار الداخل من غير قصد، وماء المضمضة، وكما لو صب في حلقه شئ كرها، فإنه لا يفسد صومه إجماعا. أما لو أكره على الإفطار بأن توعده وخوفه حتى أكل، قال الشيخ: إنه

(1) المدونة الكبرى 1: 200 - 201، التفريع 1: 308، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 76، المبسوط للسرخسي 3: 99.
(2) سنن أبي داود 2: 307 / 2364، سنن الترمذي 3: 104 / 725، سنن الدارقطني 2: 202 / 3.
(3) التهذيب 4: 262 / 782، الاستبصار 2: 91 / 291.
(4) المغني 3: 45 - 46، الشرح الكبير 3: 76، معالم السنن - للخطابي - 3: 240 - 241.
(5) المعجم الكبير - للطبراني - 4: 78 / 2696، سنن الدارقطني 2: 204 / 7 و 8.

[ 37 ]

يفطر (1)، وبه قال أبو حنيفة ومالك (2) - وللشافعي قولان (3) - لأن الصوم الامساك، ولم يتحقق. ولأنه فعل ضد الصوم ذاكرا له، غايته أنه فعله لدفع الضرر عن نفسه، لكنه لا أثر له في دفع الفطر، كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش. ويحتمل: عدم الإفطار - وبه قال أحمد والشافعي في الثاني من قوليه (4) - لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (5). ولأنه غير متمكن، فلا يصح تكليفه. ولو فعل المفطر جاهلا بالتحريم، أفسد صومه، لأن له طريقا إلى العلم، فالتفريط من جهته، فلا يسقط الحكم عنه. ويحتمل: العدم كالناسي. ولأن زرارة وأبا بصير سألا الباقر عليه السلام، عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، وأتى أهله وهو محرم، وهو لا يرى إلا أن ذلك حلال له، قال: " ليس عليه شئ " (6). ويمكن حمله على الكفارة والإثم. ولو أكل ناسيا، فظن إفساد صومه، فتعمد الأكل، قال الشيخ: يفطر،

(1) المبسوط للطوسي 1: 273.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 98، بدائع الصنائع 2: 91، حلية العلماء 3: 197، المجموع 6: 326، فتح العزيز 6: 398.
(3) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 325، حلية العلماء 3: 197، فتح العزيز 6: 398.
(4) المغني 3: 51، الشرح الكبير 3: 48، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 325 و 326، حلية العلماء 3: 197، فتح العزيز 6: 398.
(5) كنز العمال 4: 233 / 10307 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير. التهذيب 4: 208 / 603

[ 38 ]

وعليه القضاء والكفارة. قال: وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يقضي ولا يكفر (1). والمعتمد: ما اختاره الشيخ. مسألة 13: قد سبق (2) أنه لو نوى الإفطار بعد انعقاد الصوم، لم يفطر، لانعقاده شرعا، فلا يبطل إلا بوجه شرعي. هذا إذا عاد إلى نية الصوم، ولو لم يعد، فالوجه القضاء - وبه قال أصحاب الرأي والشافعية في أحد الوجهين (3) - لأنه لم يصم لفوات شرطه، وهو: النية المستمرة فعلا أو حكما، فلا يعتد بإمساكه. وقال أحمد وأبو ثور والشافعية قي الوجه الثاني: يفطر مطلقا (4). وعلى كل تقدير، فلا كفارة، لأصالة البراءة، السالم عن الهتك. ولو نوى القطع في النفل، لم يصح صومه. وإن عاد فنواه، صح، كما لو أصبح غير ناو للصوم. ولو نوى أنه سيفطر بعد ساعة أخرى، لم يفطر، لأنه لو نوى الإفطار في الحال، لم يفطره، فالأولى في المستقبل عدمه. ولو نوى أنه إن وجد طعاما أفطر، وإن لم يجد لم يفطر، لم يبطل صومه لأن نية الجزم بالافطار غير مؤثرة فيه، فمع التردد أولى. وقد نازع بعض المشترطين لاستمرار حكم النية في الموضعين. وقال الشيخ: لو نوى الإفطار في يوم يعلمه من رمضان، ثم جدد نية الصوم قبل الزوال، لم ينعقد (5). وهو جيد وإن كان فيه كلام.

(1) المبسوط للطوسي 1: 273.
(2) سبق في الفرع " د " من المسألة 3. (3 و 4) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.
(5) المبسوط للطوسي 1: 277.

[ 39 ]

الفصل الثالث فيما يوجب القضاء والكفارة أو القضاء خاصة مسألة 14: الجماع عمدا في فرج المرأة يوجب القضاء والكفارة عند علمائنا أجمع - وهو قول عامة العلماء (1) - لأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: هلكت، فقال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع إطعام ستين مسكينا؟) قال: لا أجد، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (اجلس) فجلس، فبينا هو جالس كذلك، أتي بعرق (2) فيه تمر، فقال له النبي عليه السلام: (اذهب فتصدق به) فقال: يارسول الله، والذي بعثك بالحق، ما بين لابتيها (3) أهل بيت أحوج منا، فضحك

(1) المغني 3: 58، الشرح الكبير 3: 57.
(2) العرق: السفيفة المنسوجة من الخوص أو غيره قبل أن يجعل منه للزبيل. ومنه قيل للزبيل: عرق. الصحاح،: 1522. وجاء في هامش " ن ": وبخط المصنف: العرق: المكتل.
(3) أي: لابتا المدينة المنورة. واللابة: الحرة. وهي: الأرض ذات الحجارة السود التي قد البستها لكثرتها. والمدينة تقع ما بين حرتين عظيمتين. النهاية لابن الأثير 4: 274 " لوب ".

[ 40 ]

النبي عليه السلام، حتى بدت أنيابه، ثم قال: (اذهب وأطعم عيالك) (1). ونحوه من طريق الخاصة (2). وقال النخعي والشعبي وسعيد بن جبير وقتادة: لا كفارة عليه (3). وهو خرق الإجماع، فلا يلتفت إليه. إذا عرفت هذا، فقد أجمع العلماء على وجوب القضاء مع الكفارة، إلا الأوزاعي، فإنه حكي عنه أنه إن كفر بالعتق أو الاطعام، قضى، وإن كفر بالصيام، لم يقض، لأنه صام شهرين (4). والإجماع يبطله، ولا منافاة. وللشافعي قول: إنه إذا وجبت الكفارة، سقط القضاء، لأن النبي عليه السلام، لم يأمر الأعرابي بالقضاء (5). وهو خطأ، لأنه عليه السلام، قال: (وصم يوما مكانه) (6). ولا فرق بين وطئ الميتة والحية والنائمة والمكرهة والمجنونة والصغيرة والمزني بها. مسألة 15: ويفسد صوم المرأة إجماعا، وعليها الكفارة مع المطاوعة عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر والشافعي في

(1) صحيح البخاري 3: 41 - 42، صحيح مسلم 2: 781 / 1111، سنن ابن ماجة 1: 534 / 1671، سنن الترمذي 3: 102 / 724، سنن الدارقطني 2: 190 / 49، سنن أبي داود 2: 313 / 2390، سنن البيهقي 4: 221 بتفاوت يسير.
(2) الكافي 4: 102 / 2، الفقيه 2: 72 / 309، التهذيب 4: 206 / 595، الاستبصار 2: 80 - 81 / 245.
(3) المغني 3: 58، الشرح الكبير 3: 57، حلية العلماء 3: 200.
(4) حلية العلماء 3: 200، المغني 3: 58، بدائع الصنائع 2: 98.
(5) المجموع 6: 331، فتح العزيز 6: 452 - 453، حلية العلماء 3: 200، المغني 3: 58، الشرح الكبير 3: 56.
(6) سنن ابن ماجة 1: 534 ذيل الحديث 1671، سنن أبي داود 2: 314 / 2393، سنن الدارقطني 2: 190 / 51، سنن البيهقي 4: 226 و 227.

[ 41 ]

أحد القولين (1) - لأنها شاركت الرجل في السبب وحكم الإفطار، فتشاركه في الحكم الآخر، وهو وجوب الكفارة. ولعموم الروايات، لقول الرضا عليه السلام: " من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم " (2). وفي الآخر للشافعي: لا كفارة عليها - وعن أحمد روايتان (3) - لأن النبي عليه السلام أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشئ (4). ولا دلالة فيه، فإن التخصيص بالذكر لا يوجبه في الحكم، ولجواز أن تكون مكرهة. فروع: أ - لو أكره زوجته على الجماع، وجب عليه كفارتان، ولا شئ عليها، لأنه هتك يصدر من اثنين، وقد استقل بإيجاده، فعليه ما يوجبه من العقوبة، وهي الكفارتان. وخالف الجمهور، فقالوا: تسقط عنها وعنه، لصحة صومها (5). وهو لا ينافي وجوب الكفارة، وللرواية (6).

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 125، بداية المجتهد 1: 304، بدائع الصنائع 2: 98، الهداية للمرغيناني 1: 124، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 331 و 334، فتح العزيز 6: 443، حلية العلماء 3: 200 (2) التهذيب 4: 207 / 600، الاستبصار 2: 96 / 311.
(3) المغني 3: 61 - 62، الشرح الكبير 3: 59، فتح العزيز 6: 443، حلية العلماء 3: 200 (4) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 331 و 334، فتح العزيز 6: 443 - 444 حلية العلماء 3: 200، المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 59.
(5) انظر: المغني 3: 62، والشرح الكبير 3: 60.
(6) الكافي 4: 103 - 104 / 9، الفقيه 2: 73 / 313، التهذيب 4: 215 / 625.

[ 42 ]

ولا قضاء عليها عندنا. وقال أصحاب الرأي: يجب عليها القضاء. وهو قول الثوري والأوزاعي (1). وقال مالك: يجب على المكرهة القضاء والكفارة (2). وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: إن كان الاكراه بوعيد حتى فعلت، وجب القضاء، الكفارة، وإن كان إلجاء، لم تفطر، والنائمة كالملجأة (3) ب - لو وطأ المجنون، فإن طاوعته، فعليها كفارتان واحدة عنها، وإن أكرهها، فلا كفارة على أحدهما. ج - لو زنى بامرأة، فإن طاوعته، فكفارتان عليهما معا، لأن أكرهها، فعليه كفارة. قال الشيخ: ولا يجب عنها شئ، لأن حمله على الزوجة قياس (4). وهو مشكل، لأن الفاحشة هنا أشد. د - لو أكرهته على الجماع، فعليها كفارة عن نفسها، ولا شي عليه ولا عليها عنه، لأن القابل أقل في التأثير من الفاعل. مسألة 16: لو وطأ امرأته أو أجنبية في دبرها فانزل، وجب عليه القضاء والكفارة إجماعا، وإن لم ينزل فكذلك - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة في رواية (5) - لأنه أفسد صوم رمضان بجماع في فرج، فوجب عليه الكفارة، كالقبل.

(1 و 2) المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 60.
(3) المجموع 6: 336 المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 60.
(4) المبسوط للطوسي 1: 275.
(5) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 341 و 342، فتح العزيز 6: 447، حلية العلماء 3: 203، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59، المبسوط للسرخسي 3: 79، بدائع الصنائع 2: 98

[ 43 ]

ولأنه عليه السلام أمر من قال: واقعت أهلي، بالقضاء والكفارة (1)، ولم يستفصله مع الاحتمال، فيكون عاما. وفي رواية عن أبي حنيفة: لا كفارة، لعدم تعلق الحد به (2). وهو ممنوع، وأيضا لا ملازمة، كالاكل. فروع: أ - لو وطا غلاما فانزل، لزمته الكفارة، وكذا إذا لم ينزل - وبه قال الشافعي - لأنه وطأ عمدا وطئ يصير به جنبا، فوجبت الكفارة. وقال أبو حنيفة: لا كفارة (4). ب - لو وطأ في فرج بهيمة فانزل، وجب القضاء والكفارة، وإن لم ينزل قال الشيخ: لا نص فيه، ويجب القول بالقضاء، لأنه مجمع عليه دون الكفارة (5). ومنع ابن إدريس القضاء (6) أيضا. وقال بعض العامة: تجب به الكفارة، لأنه وطئ في فرج موجب للغسل، مفسد للصوم، فأشبه وطئ الآدمية (7). ج - إن أوجبنا الكفارة على الواطئ دبرا، وجب على المفعول؟ لاشتراكهما في السبب، وهو: الهتك.

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 40 الهامش (6).
(2) المبسوط للسرخسي 3: 79، بدائع الصنائع 2: 98، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 203، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59.
(3) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 341، فتح العزيز 6: 447، حلية العلماء 3: 203 (5) الخلاف 2: 191، المسألة 42.
(6) السرائر: 86.
(7) المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 63.

[ 44 ]

مسألة 17: لو أنزل عند الملاعبة أو الملامسة أو التقبيل، أو استمنى بيده، لزمه القضاء والكفارة، وكذا لو وطأ فيما دون الفرجين فأنزل - وبه قال مالك وأبو ثور (1) - لأنه أجنب مختارا متعمدا، فكان كالمجامع. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، أمر المفطر بالكفارة (2). ولأن الصادق عليه السلام، سئل عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال: " عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع " (3). وعن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق، قال: " كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة " (4). وعن الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في (5) رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال: " عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (6) " (7). وقال الشافعي وأبو حنيفة: عليه القضاء دون الكفارة (8). وقال أحمد: تجب الكفارة في الوطئ فيما دون الفرج مع الإنزال (9). وعنه في القبلة واللمس روايتان (10).

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 124، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204.
(2) انظر: المصادر في الهامش (1) من الصفحة 40.
(3) الكافي 4: 102 - 103 / 4، التهذيب 4: 206 / 597، الاستبصار 2: 81 / 247.
(4) التهذيب 4: 0 32 / 981.
(5) في المصدر زيادة: قضاء شهر.
(6) في المصدر زيادة: في رمضان.
(7) الكافي 4: 103 / 7، التهذيب 4: 321 / 983.
(8) المجموع 6: 341 و 342، فتح العزيز 6: 446، حلية العلماء 3: 204، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، بدائع الصنائع 2: 100، المبسوط للسرخسي 3: 65.
(9) المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204.
(10) الشرح الكبير 3: 63، حلية العلماء 3: 204، المجموع 6: 342.

[ 45 ]

فروع: أ - لو نظر أو تسمع لكلام أو حادث فأمنى، لم يفسد صومه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (1) - لعدم تمكنه من الاحتراز عن النظرة الأولى. أما لو كرر النظر حتى أنزل، فالوجه: الإفساد. وقال الشيخ: إن نظر إلى محللة، لم يلزمه شئ بالإمناء، وإن نظر إلى محرمة، لزمه القضاء (2). قال مالك: إن أنزل من النظرة الأولى، أفطر ولا كفارة، وإن استدام النظر حتى أنزل وجبت عليه الكفارة (3). وهو جيد. ب - قال أبو الصلاح: لو أصغى فأمنى، قضاه (4). ج - لو قبل أو لمس فأمذى، لم يفطر - وبه قال الشافعي (5) - لأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول. وقال أحمد: يفطر، لأنه خارج تخلله الشهوة، فإذا انضم إلى المباشرة أفطر به، كالمني (6). والفرق: أن المني يلتذ بخروجه ويوجب الغسل، بخلافه. د - لو تساحقت امرأتان، فإن لم تنزلا، فلا شئ سوى الإثم، وإن أنزلتا، فسد صومهما. والوجه القضاء والكفارة، لأنه إنزال عن فعل يوجب الحد، فأشبه الزنا.

(1) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 322، حلية العلماء 3: 196، الوجيز 1: 102، فتح العزيز 6: 396.
(2) المبسوط للطوسي 1: 272 - 273. (3) حلية العلماء 3: 204، المجموع 6: 322 (4) الكافي في الفقه: 183.
(5) المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 43.
(6) المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 43، المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196.

[ 46 ]

وعن أحمد روايتان (1). ولو ساحق المجبوب فانزل، فكالمجامع في غير الفرج. ه‍ - لو طلع الفجر وهو مجامع فاستدامه، وجب القضاء والكفارة - وبه قال مالك والشافعي وأحمد (2) - لصدق المجامع عليه. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء خاصة، لأن وطأه لم يصادف صوما صحيحا، فلم يوجب الكفارة، كما لو ترك النية وجامع (3). ونمنع حكم الأصل. و - لو نزع في الحال مع أول طلوع الفجر من غير تلوم، لم يتعلق به حكم، إلا أن يفرط بترك المراعاة - وبه قال أبو حنيفة والشافعي (4) - لأنه ترك للجماع، فلا يتعلق به حكم الجماع. وقال بعض الجمهور: تجب الكفارة، لأن النزع جماع يلتذ به، فيتعلق به ما يتعلق بالاستدامة (5). وليس بحثنا فيه، بل مع عدم التلذذ. وقال مالك: يبطل صومه ولا كفارة، لأنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع، فأشبه المكره (6). ونمنع وجوب القضاء. مسألة 18: ويجب بالاكل والشرب عامدا مختارا في نهار رمضان على

(1) المغني 3: 62 - 63، الشرح الكبير 3: 62 (2) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 338، حلية العلماء 3: 202.
(3) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، حلية العلماء 3: 202.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 66، المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 309 و 311، فتح العزيز 6: 403، حلية العلماء 3: 193.
(5) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67.
(6) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المجموع 6: 311، حلية العلماء 3: 193.

[ 47 ]

من يجب عليه الصوم: القضاء والكفارة عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والحسن البصري والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو حنيفة ومالك (1) - لأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه، فوجب عليه الكفارة، كالجماع، لما رواه الجمهور: أن رجلا أفطر، فأمره النبي صلى الله عليه وآله، أن يعتق أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق " (3). وقال الشافعي: لا تجب الكفارة، بل القضاء خاصة - وبه قال سعيد ابن جبير والنخعي ومحمد بن سيرين وحماد بن أبي سليمان وأحمد وداود - لأصالة البراءة (4). والأصل قد يخالف، للدليل، وقد بيناه. ولا فرق بين الرجل والمرأة والعبد والخنثى في ذلك، ولا بين أكل المحلل والمحرم، ولا المعتاد وغيره، خلافا للسيد المرتضى في الأخير (5)،

(1) الهداية للمرغيناني 1: 124، المبسوط للسرخسي 3: 73، الجامع الصغير للشيباني: 140، المجموع 6: 330، المغني 3: 52، الشرح الكبير 3: 69، حلية العلماء 3: 199، اختلاف العلماء: 73، فتح العزيز 6: 447.
(2) صحيح مسلم 2: 783 - 784 / 84، سنن أبي داود 2: 313 / 2392، سنن البيهقي 4: 225، سنن الدارقطني 2: 191 / 53.
(3) الكافي 4: 101 - 102 / 1، الفقيه 2: 72 / 308، التهذيب 4: 321 / 984، الاستبصار 2: 95 - 96 / 310.
(4) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 328 و 329 - 330، فتح العزيز 6: 446، حلية العلماء 3: 198، اختلاف العلماء: 72 - 73، المغني 3: 51، الشرح الكبير 3: 69، بداية المجتهد 1: 302، المبسوط للسرخسي 3: 73.
(5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

[ 48 ]

ولأبي حنيفة والشافعي (1). مسألة 19: ويجب بإيصال الغبار الغليظ والرقيق إلى الحلق عمدا: القضاء والكفارة عند علمائنا، لأنه مفسد واصل إلى الجوف، فأشبه الأكل. وما رواه سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: " إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أوشم رائحة غليظة أو كنس بيتا، فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن ذلك له فطر، مثل الأكل والشرب " (2). مسألة 20: لو أجنب ليلا، وتعمد البقاء على الجنابة حتى طلع الفجر، وجب عليه القضاء والكفارة، لقوله عليه السلام: (من أصبح جنبا في شهر رمضان فلا يصومن يومه) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: " يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا " (4). وقال ابن أبي عقيل منا: عليه القضاء خاصة. وهو ظاهر كلام السيد المرتضى (5) رحمه الله، وبه قال أبو هريرة والحسن البصري وسالم بن عبد الله والنخعي وعروة وطاوس (6).

(1) الهداية للمرغيناني 1: 124، بدائع الصنائع 2: 99، المجموع 6: 328 و 329 - 330، حلية العلماء 3: 198، المغني 3: 52، الشرح الكبير 3: 69.
(2) التهذيب 4: 214 / 621، الاستبصار 2: 94 / 305، وفيهما: سليمان بن حفص المروزي.
(3) أورده السيد المرتضى في الانتصار: 63، والمحقق في المعتبر: 306.
(4) التهذيب 4: 212 / 616، الاستبصار 2: 87 / 272.
(5) انظر: جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 55.
(6) المغني 3: 78 - 79، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307 - 308، حلية العلماء 3: 192.

[ 49 ]

وقال الجمهور: لا قضاء ولا كفارة، وصومه صحيح (1)، لقوله تعالى: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض " (2). وما رووه عن النبي عليه السلام، أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصومه (3). والجواب: لا يجب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الغاية. والرواية ممنوعة، على أنها محمولة على أنه كان يقارب بالاغتسال طلوع الفجر، لا أنه يفعله بعده، وإلا لكان مداوما لترك الأفضل وهو الصلاة في أول وقتها، فإن قولنا: كان يفعل، يدل على المداومة. تذنيب: لو أجنب ثم نام غير ناو للغسل حتى طلع الفجر، وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه مع ترك العزم على الغسل يسقط اعتبار النوم، ويصير كالمتعمد للبقاء على الجنابة. ولو نام على عزم الاغتسال ثم نام ثم انتبه ثانيا ثم نام ثالثا على عزم الاغتسال، واستمر نومه في الثالث حتى أصبح، وجب عليه القضاء والكفارة أيضا، لرواية سليمان بن جعفر الفروزي عن الكاظم عليه السلام، قال: " إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، ولا يدرك فضل يومه " (4) وهو يتناول صورة النزاع. مسألة 21: أوجب الشيخان بالارتماس القضاء والكفارة (5).

(1) المهذب للشيرازي: 188، المجموع 6: 307، المغني 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، حلية العلماء 3: 192، المدونة الكبرى 1: 206، المبسوط للسرخسي 3: 56، بدائع الصنائع 2: 92.
(2) البقرة: 187.
(3) صحيح البخاري 3: 40، سنن البيهقي 4: 214.
(4) التهذيب 4: 212 / 617، الاستبصار 2: 87 / 273، وفي الأول: سليمان بن حفص المروزي.
(5) المقنعة: 54، المبسوط للطوسي 1: 270.

[ 50 ]

واختار السيد المرتضى - رحمه الله - الكراهية، ولا قضاء ولا كفارة فيه (1)، وبه قال مالك وأحمد (2). وللشيخ قول في الاستبصار: إنه محرم لا يوجب قضاء ولا كفارة (3). وهو الأقوى لدلالة الأحاديث (4) على المنع، وأصالة البراءة (5) على سقوط القضاء والكفارة. وقال ابن أبي عقيل: إنه سائغ مطلقا. وبه قال الجمهور (6)، إلا من تقدم. مسألة 22: أوجب الشيخان القضاء والكفارة بتعمد الكذب على الله تعالى، أو على رسوله، أو على الأئمة عليهم السلام (7). وخالف فيه السيد المرتضى (8) رحمه الله، وابن أبي عقيل، والجمهور (9) كافة، وهو المعتمد، لأصالة البراءة. احتج الشيخان: برواية أبي بصير، قال: سمعت الصادق عليه السلام، يقول: " الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم " قال: قلت: هلكنا، قال:

(1) حكاه عنه، المحقق في المعتبر: 302، وانظر، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.
(2) حكاه عنهما، المحقق في المعتبر: 302.
(3) الاستبصار 2: 85.
(4) انظر: الكافي 4: 106 / 1 - 3، والتهذيب 4: 203 / 587 و 588، والاستبصار 2: 84 / 258 - 260.
(5) أي: ولدلالة أصالة البراءة...
(6) المغني 3: 44، الشرح الكبير 3: 52، المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 348.
(7) المقنعة: 54، المبسوط للطوسي 1: 270 (8) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، وحكاه عنه المحقق في المعتبر: 302.
(9) كما في المعتبر: 302.

[ 51 ]

" ليس حيث تذهب، إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله، وعلى الأئمة عليهم السلام " (1). والإفطار يستلزم الكفارة، لقول الصادق عليه السلام، في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر، قال: " يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر، تصدق بما يطيق " (2). وهي محمولة على المفطرات الخاصة، والحديث الأول اشتمل على ما هو ممنوع عندهم، وهو: نقض الوضوء، فيحمل على المبالغة. مسألة 23: والقضاء الواجب هو يوم مكان يوم خاصة عند عامة العلماء (3). وحكي عن ربيعة أنه قال: يجب مكان كل يوم إثنا عشر يوما (4). وقال سعيد بن المسيب: إنه يصوم عن كل يوم شهرا (5). وقال إبراهيم النخعي ووكيع: يصوم عن كل يوم ثلاثة آلاف يوم (6). والكل باطل، لقوله عليه السلام للمجامع: (وصم يوما مكانه) (7). ومن طريق الخاصة: قول الكاظم عليه السلام: " ويصوم يوما بدل يوم " (8).

(1) الكافي 4: 254 / 9، معاني الأخبار: 165، باب معنى قول الصادق عليه السلام: الكذبة تفطر الصائم، الحديث 1، التهذيب 4: 203 / 585.
(2) الكافي 4: 101 - 102 باب من أفطر متعمدا من غير عذر... الحديث 1، الفقيه 2: 72 / 308، التهذيب 4: 321 / 984، الاستبصار 2: 95 - 96 / 310.
(3) المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 199.
(4) كما في المغني 3: 52، وحلية العلماء 3: 199، والمبسوط للسرخسي 3: 73. (5 و 6) المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 199.
(7) سنن ابن ماجة 1: 534 ذيل الحديث 1671، سنن أبي داود 2: 314 / 2393، سنن الدارقطني 2: 190 / 51، سنن البيهقي 4: 226 و 227.
(8) التهذيب 4: 207 / 600، الاستبصار 2: 96 / 311.

[ 52 ]

مسألة 24: والكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على التخيير عند أكثر علمائنا (1)، وبه قال مالك (2)، لما رواه أبو هريرة: أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله، أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا " (4) و " أو " للتخيير. وقال ابن أبي عقيل: إنها على الترتيب - وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي والأوزاعي (5) - لقوله عليه السلام للواقع على أهله: (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟) (6). ومن طريق الخاصة: قول الكاظم عليه السلام: " من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوما بدل يوم " (7).

(1) كالشيخ الطوسي في النهاية: 154، والمبسوط 1: 271، والجمل والعقود (ضمن الرسائل العشر): 212، وسلار في المراسم: 187، وابن إدريس في السرائر: 86.
(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 124، بداية المجتهد 1: 305، المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 201، المبسوط للسرخسي 3: 71، فتح العزيز 6: 452.
(3) صحيح مسلم 2: 782 و 783 / 83 و 84، سنن البيهقي 4: 225.
(4) الفقيه 2: 72 / 308، التهذيب 4: 321 / 984، الاستبصار 2: 95 - 96 / 310.
(5) بدائع الصنائع 5: 96، المبسوط للسرخسي 3: 71، المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 333 و 345، حلية العلماء 3: 201، فتح العزيز 6: 452، بداية المجتهد 1: 305.
(6) صحيح البخاري 3: 41، صحيح مسلم 2: 781 / 1111، سنن ابن ماجة 1: 534 / 1671، سنن الترمذي 3: 102 / 724، سنن الدارقطني 2: 190 / 49، سنن أبي داود 2: 313 / 2390، سنن البيهقي 4: 221.
(7) التهذيب 4: 207 / 600، الاستبصار 2: 96 / 311

[ 53 ]

ولا دلالة، لأن إيجاب الرقبة لا ينافي التخيير بينها وبين غيرها، وإيجاب العتق لا ينافي إيجاب غيره. وقال الحسن البصري: إنه مخير بين عتق رقبة ونحر بدنة (1)، لما رواه العامة عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام، أنه قال: " من أفطر يوما في شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعا " (2). وراويه ضعيف فلا يعول عليه. وللسيد المرتضى - رحمه الله - قولان: أحدهما: أنها على الترتيب، والثاني: أنها على التخيير (3). وعن أحمد روايتان (4). والتخيير عندنا أولى، لموافقة براءة الذمة. تذنيب: الأولى الترتيب، لما فيه من الخلاص عن الخلاف، ولاشتماله على العتق الذي هو أفضل الخصال. مسألة 25: صوم الشهرين متتابع عند علمائنا أجمع - وهو قول عامة أهل العلم (5) - لما رواه العامة عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام، قال لمن واقع أهله: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) (6).

(1) المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 201 (2) سنن الدارقطني 2: 191 / 54.
(3) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 306، وفي الانتصار: 69 القول بالتخيير (4) المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 345، فتح العزيز 6: 452، حلية العلماء 3: 201.
(5) المجموع 6: 345، المغني 3: 68، الشرح الكبير 3: 70، المبسوط للسرخسي 3: 72 (6) أوعزنا إلى مصادرها في الهامش (1) من صفحة 40.

[ 54 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: (أو يصوم شهرين متتابعين " (1). ولأنها كفارة فيها صوم شهرين، فكان متتابعا، كالظهار والقتل (2). وقال ابن أبي ليلى: لا يجب التتابع (3) لما روى أبو هريرة أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله، أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا (3). ولم يذكر التتابع، والأصل عدمه. وحديثنا أولى، لأنه لفظ النبي صلى الله عليه وآله، وحديثكم لفظ الراوي، ولأن الأخذ بالزيادة أولى. مسألة 26: الواجب في الاطعام مد لكل مسكين، قدره رطلان وربع بالعراقي، والواجب خمسة عشر صاعا - وبه قال الشافعي وعطاء والأوزاعي (5) - لما رواه العامة في حديث المجامع، أنه أتي النبي صلى الله عليه وآله، بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال: (خذها وأطعم عيالك) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه عبد الرحمن عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، قال: " عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وآله " (7).

(1) التهذيب 4: 205 - 206 / 594، الاستبصار 2: 95 - 96 / 310، والفقيه 2: 72 / 308.
(2) أي: كفارة الظهار والقتل.
(3) المجموع 6: 345، المبسوط للسرخسي 3: 72.
(4) صحيح مسلم 2: 783 - 784 / 84، سنن أبي داود 2: 313 / 2392، سنن الدارقطني 2: 191 / 53، وسنن البيهقي 4: 225.
(5) المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71، المجموع 6: 345، بداية المجتهد 1: 305، المبسوط للسرخسي 3: 89.
(6) سنن أبي داود 2: 313 / 2390، سنن الدارقطني 2: 190 / 49، سنن البيهقي 4: 222 بتفاوت يسير.
(7) التهذيب 4: 207 / 599، والاستبصار 2: 96 / 312 بتفاوت يسير في الأخير.

[ 55 ]

وقال الشيخ رحمه الله: لكل مسكين مدان من طعام (1). والأصل براءة الذمة. وقال أبو حنيفة: من البر، لكل مسكين نصف صاع، ومن غيره صاع (2)، ما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، في حديث سلمة بن صخر: (وأطعم وسقا من تمر) (3). وهو ضعيف، لأنه مختلف فيه. وقال أحمد: مد من بر (4) ونصف صاع من غيره (5)، لما رواه أبو زيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي صلى الله عليه وآله، للمظاهر: (أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر (6). وليس محل النزاع. مسألة 27: قد بينا أن الكفارة مخيرة، وعلى القول بالترتيب لو فقدت الرقبة فصام ثم وجد الرقبة في أثنائه، جاز له المضي فيه، والانتقال إلى الرقبة أفضل، لأن فرضه انتقل بعجزه إلى الصيام وقد تلبس به، فكان الواجب إتمامه، وسقط وجوب العتق، كالمتيمم يسقط عنه الوضوء بشروعه في الصلاة.

(1) المبسوط للطوسي 1: 271.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 89، المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71، بداية المجتهد 1: 305 (3) سنن أبي داود 2: 265 / 2213، مسند أحمد 4: 37.
(4) في المصدر: أو. وهو الصحيح.
(5) المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71، فتح العزيز 6: 456.
(6) أورده ابن قدامة في المغني 3: 70، والشرح الكبير 3: 72.

[ 56 ]

ولأنه بعد الرقبة (1) تعين عليه الصوم، فلا يزول هذا الحكم بوجود الرقبة، كما لو وجدها بعد إكمال الصوم. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يجزئه الصوم، ويكفر بالعتق - وللشافعي قولان (2) - لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، فيبطل حكم البدل، كالمتيمم يرى الماء (3). وليس حجة فإن المتيمم بعد الدخول في الصلاة يمضي فيها، ولا يبطل تيممه، أما قبلها (4) فلا، والفرق: أنه لم يتلبس بما فعل التيمم له، فلم يظهر له حكم. ولأن التيمم لا يرفع الحدث بل يستره، فإذا وجد الماء، ظهر حكمه، بخلاف الصوم، فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية. مسألة 28: لو عجز عن الأصناف الثلاثة، صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر، تصدق بما وجد، أو صام ما استطاع، فإن لم يتمكن، استغفر الله تعالى ولا شئ عليه، قاله علماؤنا، لما رواه العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله، قال للمجامع: (اذهب فكله أنت وعيالك) (5) ولم يأمره بالكفارة في ثاني الحال، ولو كان الوجوب ثابتا في ذمته، لامره بالخروج عنه عند قدرته. ومن طريق الخاصة: قول النبي صلى الله عليه وآله: (فخذه فأطعمه عيالك واستغفر الله عزوجل) (6).

(1) أي: بعد فقدان الرقبة.
(2) المغني 3: 68، الشرح الكبير 3: 71، الأم 5: 283، مختصر المزني: 206، المهذب للشيرازي 2: 118، حلية العلماء 7: 195، الحاوي الكبير 10: 508.
(3) بدائع الصنائع 5: 98، المغني 3: 68، الشرح الكبير 3: 71، حلية العلماء 7: 195، المهذب للشيرازي 2: 118، مختصر المزني: 206.
(4) في " ف ": قبله.
(5) صحيح مسلم 2: 781 - 782 / 1111، سنن البيهقي 4: 221 بتفاوت.
(6) التهذيب 4: 206 / 595، الاستبصار 2: 80 - 81 / 245، والكافي 4: 102 / 2.

[ 57 ]

ولأن الكفارة حق من حقوق الله تعالى على وجه البدل، فلا يجب مع العجز، كصدقة الفطر. وقال الزهري والثوري وأبو ثور: إذا لم يتمكن من الأصناف الثلاثة، كانت الكفارة ثابتة في ذمته - وهو قياس قول أبي حنيفة (1) - لأن النبي عليه السلام، أمر الأعرابي أن يأخذ التمر ويكفر عن نفسه، بعد أن أعلمه بعجزه عن الأنواع الثلاثة، وهو يقتضي وجوب الكفارة مع العجز. ولأنه حق لله تعالى في المال، فلا يسقط بالعجز، كسائر الكفارات (2). وليس حجة، لأنه عليه السلام، دفع (التمر) (3) تبرعا منه، لا أنه واجب على العاجز. وحكم الأصل ممنوع. وقال الأوزاعي: تسقط الكفارة عنه (4). وللشافعي قولان (5). وعن أحمد روايتان (6). فروع: أ - حد العجز عن التكفير: أن لا يجد ما يصرفه في الكفارة فاضلا عن قوته وقوت عياله ذلك اليوم. ب - لا يسقط القضاء بسقوط الكفارة مع العجز، بل يجب القضاء مع القدرة عليه، فإن عجز أيضا عنه، سقط، لعدم الشرط، وهو: القدرة. ج -. اختلفت عبارة الشيخين هنا، فقال المفيد رحمه الله: لو عجز عن الأصناف الثلاثة، صام ثمانية عشر يوما متتابعات، فإن لم يقدر، تصدق بما

(1 و 2) المغني 3: 72 - 73، الشرح الكبير 3: 72.
(3) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وفي الطبعة الحجرية: البر. والصحيح - كما يقتضيه السياق - ما أثبتناه.
(4) المغني والشرح الكبير 3: 72.
(5) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 343، فتح العزيز 6: 454، حلية العلماء 3: 204.
(6) المغني 3: 72 - 73، الشرح الكبير 3: 72.

[ 58 ]

أطاق، أو فليصم ما استطاع (1). فجعل الصدقة مرتبة على العجز عن صوم ثمانية عشر. والشيخ - رحمه الله - عكس، فقال: إن لم يتمكن من الأصناف الثلاثة فليتصدق بما تمكن منه، فإن لم يتمكن من الصدقة، صام ثمانية عشر يوما، فإن لم يقدر، صام ما تمكن منه (2). د - أطلق الشيخ - رحمه الله - صوم ثمانية عشر يوما (3). والمفيد والمرتضى - رحمهما الله - قيداها بالتتابع (4). ورواية سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن عليه السلام، من قوله: " إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار وكفارة الدم وكفارة اليمين " (5) يدل على قول الشيخ رحمه الله تعالى. س - لو عجز عن صيام شهرين، وقدر على صوم شهر مثلا، ففي وجوبه أو الاكتفاء بالثمانية عشر يوما إشكال. أما في الصدقة، فلو عجز عن إطعام ستين، وتمكن من إطعام ثلاثين، وجب قطعا، لقوله عليه السلام: (فإن لم يتمكن تصدق بما استطاع) (6). وكذا الأشكال لو تمكن من صيام شهر وإطعام ثلاثين هل يجبان أم لا؟ مسألة 29: وإنما تجب الكفارة في صوم تعين وقته إما بأصل الشرع، كرمضان، أو بغيره، كالنذر المعين، وتجب أيضا في قضاء رمضان بعد الزوال

(1) المقنعة: 55 (2 و 3) النها ية: 154.
(4) المقنعة: 55، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 55.
(5) الكافي 4: 120 / 1، الفقيه 2: 95 / 428، التهذيب 4: 274 / 830، الاستبصار 2: 117 / 382.
(6) لم نعثر عليه في مظانه من المصادر الحديثة لأبناء العامة، ونحوه من طريق الخاصة عن الإمام الصادق عليه السلام، في الكافي 4: 101 و 102 / 1 و 3 والفقيه 2: 72 / 1، والتهذيب 4: 205 و 206 / 594 و 596، والاستبصار 2: 95 و 96 / 310 و 313.

[ 59 ]

لا قبله، وفي الاعتكاف عند علمائنا. وأطبقت العلماء على سقوط الكفارة فيما عدا رمضان (1)، إلا قتادة، فإنه أوجب الكفارة في قضاء رمضان (2). أما قضاء رمضان: فلأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فتجب في قضائها كالحج. ولما رواه بريد بن معاوية العجلي - في الصحيح - عن الباقر عليه السلام، في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى أهله قبل الزوال، فلا شئ عليه إلا يوما مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد الزوال فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين " (3). وأما النذر المعين: فلتعين زمانه كرمضان. ولأن القاسم الصيقل كتب إليه عليه السلام: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما لله تعالى، فوقع في ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفارة؟ فأجابه: " يصوم يوما بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة " (4). وأما الاعتكاف الواجب: فلأنه كرمضان في التعيين. ولأن زرارة سأل الباقر عليه السلام عن المعتكف يجامع، فقال: " إذا فعل فعليه ما على المظاهر " (5). مسألة 30: قد بينا أنه فرق بين أن يفطر في قضاء رمضان قبل الزوال وبعده، فتجب الكفارة لو أفطر بعده، ولا تجب لو أفطر قبله.

(1 و 2) المغني 3: 64، الشرح الكبير 3: 68.
(3) الكافي 4: 122 / 5، الفقيه 2: 96 / 430، التهذيب 4: 278 - 279 / 844 " الاستبصار 2: 120 / 391.
(4) التهذيب 4: 286 / 865، الاستبصار 2: 125 / 406. (5) الكافي 4: 179 (باب المعتكف يجامع أهله) الحديث 1، الفقيه 2: 122 / 532، التهذيب 4: 291 / 887، الاستبصار 2: 130 / 424.

[ 60 ]

والجمهور كافة - إلا قتادة - على سقوط الكفارة فيهما (1). وقتادة أوجبها قبل الزوال وبعده (2). وابن أبي عقيل من علمائنا أسقطها بعد الزوال أيضا. والمشهور ما بيناه، لأنه قبل الزوال مخير بين الاتمام والإفطار، وبعده يتعين الصوم، فلهذا افترق الزمانان في إيجاب الكفارة وسقوطها، لقول الصادق عليه السلام: " صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى ما شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر " (3). تذنيب: لو أفطر في قضاء النذر المعين بعد الزوال، لم يجب عليه شئ سوى الاعادة، لأصالة البراءة، وإن كان في قول الصادق عليه السلام، دلالة ما على الوجوب. مسألة 31: المشهور في كفارة قضاء رمضان: إطعام عشرة مساكين، فإن لم يتمكن، صام ثلاثة أيام. وقد روي: أنه لا شئ عليه (4). وروي: أن عليه كفارة رمضان (5). وتأولهما الشيخ - رحمه الله - بحمل الأولى على العاجز (6)، والثانية على المستخف بالعبادة، المتهاون بها (7).

(1 و 2) المغني 3: 64، الشرح الكبير 3: 68، بداية المجتهد 1: 307، حلية العلماء 3: 204 (3) التهذيب 4: 278 / 841 الاستبصار 2: 120 / 389.
(4) التهذيب 4: 280 / 847 الاستبصار 2: 121 - 122 / 394.
(5) التهذيب 4: 279 / 846 الاستبصار 2: 121 / 393.
(6) المبسوط للطوسي 1: 287 (7) التهذيب 4: 279 ذيل الحديث 846، الاستبصار 2: 121 ذيل الحديث 393.

[ 61 ]

وأما النذر المعين: فالمشهور أن في إفطاره كفارة رمضان، لمساواته إياه في تعيين الصوم. وابن أبي عقيل لم يوجب في إفطاره الكفارة، وهو قول العامة (1). تذنيب: لو صام يوم الشك بنية قضاء رمضان، ثم أفطر بعد الزوال، ثم ظهر أنه من رمضان، احتمل سقوط الكفارة. أما عن رمضان: فلأنه لم يقصد إفطاره، بل قصد إفطار يوم الشك، وهو جائز له. وأما عن قضاء رمضان: فلظهور أنه زمان لا يصح (2) للقضاء. ويحتمل. وجوب كفارة رمضان، ويحتمل وجوب كفارة قضائه. مسألة 32: يشترط في إفساد الصوم بالافطار أمور ثلاثة: وقوعه عنه متعمدا، مختارا، مع وجوب الصوم عليه. أما شرط العمد: فإنه عندنا ثابت إجماعا منا، فإن المفطر ناسيا لا يفسد صومه مع تعين الزمان، ولا يجب به قضاء ولا كفارة عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي (3) - لما رواه العامة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (4).

(1) المغني 3: 64، الشرح الكبير 3: 68. (2) في " ن ": لا يصلح.
(3) المغني 3: 53، الشرح الكبير 3: 46، المجموع 6: 324، حلية العلماء 3: 196. اختلاف العلماء: 69، الهداية للمرغيناني 1: 122.
(4) أورده ابن قدامة في المغني 3: 53 والشرح الكبير 3: 46، ونحوه في صحيح البخاري 3: 40، وسنن الدارقطني 2: 178 - 179 / 29، وسنن البيهقي 4: 229.

[ 62 ]

وعن علي عليه السلام، قال: " لا شئ على من أكل ناسيا " (1). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام، يقول: من صام فنسي فأكل وشرب فلا يفطر من أجل أنه نسي، فإنما هو رزق رزقه الله فليتم صيامه " (2). ولأن التكليف بالامساك يستدعي الشعور، وهو منفي في حق الناسي، فكان غير مكلف به، لاستحالة تكليف ما لا يطاق. وقال ربيعه ومالك: يفطر الناس كالعامد، لأن الأكل ضد الصوم لأن، الصوم كف، فلا يجامعه، وتبطل العبادة به كالناسي في الكلام في الصلاة (3). ونمنع كون الأكل مطلقا ضدا، بل الضد هو: الأكل العمد. ونمنع بطلان الصلاة مع نسيان الكلام. ولو فعل ذلك حالة النوم، لم يفسد صومه، لانتفاء القصد فيه والعلم، فهو أعذر من الناسي.. أما الجاهل بالتحريم فإنه غير معذور، بل يفسد الصوم مع فعل المفطر ويكفر. وأما المكروه والمتوعد بالمؤاخذة، فالأقرب: فساد صومهما، لكن لا تجب الكفارة. مسألة 33: قد بينا أن القصد لوصول شئ إلى الجوف شرط في الإفساد، فلو طارت ذبابة أو بعوضة إلى حلقه، لم يفطر بذلك إجماعا.

(1) أورده ابن قدامة في المغني 3: 53، " الشرح الكبير 3: 46، وانظر: سنن البيهقي 4: 229.
(2) التهذيب 4: 268 / 809.
(3) المغني 3: 53، الشرح الكبير 3: 46، المدونة الكبرى 1: 208، الكافي في فقه أهل المدينة: 125، حلية العلماء 3: 197، اختلاف العلماء: 69، الهداية للمرغيناني 1: 122

[ 63 ]

أما لو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه، فإن كانا غليظين، وأمكنه التحرز منه، فإنه يفسد صومه، ولو كانا خفيفين، لم يفطر. والعامة لم تفصل، بل قالوا: لا يفطر (1). ولو أمكنه إطباق فيه أو اجتناب الطريق، لم يفطر عندهم أيضا، لأن تكليف الصائم الاحتراز عن الأفعال المعتادة التي يحتاج إليها عسر، فيكون منفيا (2)، بل لو فتح فاه عمدا حتى وصل الغبار إلى جوفه، فأصح وجهي الشافعية: أنه يقع عفوا (3). ولو وطئت المرأة قهرا، فلا تأثير له في إفساد صومها، وكذا لو وجر في حلق الصائم ماء وشبهه بغير اختياره. وللشافعي قولان فيما لو أغمي عليه فوجر في حلقه معالجة وإصلاحا، أحدهما: أنه يفطر، لأن هذا الايجاز لمصلحته، فكأنه بإذنه واختياره. وأصحهما: أنه لا يفطر، كإيجار غيره بغير اختياره (4). وهذا الخلاف بينهم مفرغ على أن الصوم لا يبطل بمطلق الإغماء (وإلا فالإيجار) (5) مسبوق بالبطلان (6). وهذا الخلاف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عولج بدواء فيه طيب هل تلزمه الفدية؟ (7). مسألة 34: ابتلاع الريق غير مفطر عند علمائنا، سواء جمعه في فمه

(1) انظر: فتح العزيز 6: 386، والمجموع 6: 327، والمغني 3: 50 - 1 5، والشرح الكبير 3: 48 - 49. (2 و 3) فتح العزيز 6: 386، المجموع 6: 327 - 328.
(4) فتح العزيز 6: 386 - 387، المجموع 6: 325.
(5) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية: ولا بالإيجار. وما أثبتناه - وهو الصحيح - من المصدر.
(6) فتح العزيز 6: 387.
(7) فتح العزيز 6: 387، المجموع 6: 325.

[ 64 ]

ثم ابتلعه، أو لم يجمعه، وبه قال الشافعي (1)، وهو أصح وجهي الحنابلة (2). أما إذا لم يجمعه: فلأن العادة تقتضي بلعه، والتحرز منه غير ممكن، وبه يحيى الانسان، وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى: " وجعلنا من الماء كل شئ حي " (3). وأما إذا جمعه: فلأنه يصل إلى جوفه من معدنه، فأشبه إذا لم يجمعه. وقال بعض الحنابلة: إنه يفطر، لأنه يمكنه التحرز عنه، فأشبه ما لو قصد ابتلاع غيره (4). وهو ممنوع. وشرط الشافعية في عدم إفطاره شروطا: الأول: أن يكون الريق صرفا، فلو كان ممزوجا بغيره متغيرا به، فإنه يفطر بابتلاعه، سواء كان ذلك الغير طاهرا، كما لو كان يفتل خيطا مصبوغا فغير ريقه، أو نجسا، كما لو دميت لثته وتغير ريقه. فلو أبيض الريق وزال تغيره، ففي الإفطار بابتلاعه للشافعية وجهان: أظهرهما عندهم: الإفطار، لأنه لا يجوز له ابتلاعه لنجاسته، والريق إنما يجوز ابتلاع الطاهر منه. والثاني: عدم الإفطار، لأن ابتلاع الريق مباح، وليس فيه عين (5) آخر وإن كان نجسا حكما. وعلى هذا لو تناول بالليل شيئا نجسا ولم يغسل فمه حتى أصبح فابتلع الريق، بطل صومه على الأول. الثاني: أن يبتلعه من معدنه، فلو خرج إلى الظاهر من فمه ثم رده بلسانه

(1) فتح العزيز 6: 389، المجموع 6: 317.
(2) المغني 3: 40، الشرح الكبير 3: 73.
(3) الأنبياء: 30، وانظر: فتح العزيز 6: 389.
(4) المغني 3: 40، الشرح الكبير 3: 73.
(5) في الطبعة الحجرية بدل عين: شئ.

[ 65 ]

أو غير لسانه وابتلعه، بطل صرمه. وهذا عندنا كما ذكروا. أما لو أخرج لسانه وعليه الريق ثم رده وابتلع ما عليه، لم يبطل صومه عندنا - وهو أظهر وجهي الشافعية - لأن اللسان كيفما يقلب معدود من داخل الفم، فلم يفارق ما عليه معدنه. فلو بل الخياط الخيط بالريق، أو الغزال الغزل بريقه، ثم رده إلى الفم على ما يعتاد عند الفتل، فإن لم يكن عليه رطوبة تنفصل، فلا بأس، وإن كانت وابتلعها، أفطر عندنا - وهو قول أكثر الشافعية - لأنه لا ضرورة إليه وقد ابتلعه بعد مفارقة المعدن. والثاني للشافعية: أنه لا يفطر، لأن ذلك القدر أقل مما يبقى من الماء في الفم بعد المضمضة. وخصص بعض الشافعية، الوجهين بالجاهل بعدم الجواز، وإذا كان عالما يبطل صومه إجماعا. الثالث: أن يبتلعه وهو على هيئته المعتادة، أما لو جمعه ثم ابتلعه فعندنا لا يفطر، كما لو لم يجمعه. وللشافعية وجهان: أحدهما: أنه يبطل صومه، لامكان الاحتراز منه. وأصحهما: أنه لا يبطل - وبه قال أبو حنيفة - لأنه مما يجوز ابتلاعه ولم يخرج من معدنه، فأشبه ما لو ابتلعه متفرقا (1). فروع: أ - قد بينا أنه لا يجوز له ابتلاع ريق غيره ولا ريق نفسه إذا انفصل عن وما روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمص لسانها وهو

(1) فتح العزيز 6: 389 - 391، المجموع 6: 317 - 318، وبدائع الصنائع 2: 90.

[ 66 ]

صائم (1)، ضعيف، لأن أبا داود قال: إن إسناده ليس بصحيح سلمنا، لكن يجوز أن يمصه بعد إزالة الرطوبة عنه، فأشبه ما لو تمضمض بماء ثم مجه. ب - لو ترك في فمه حصاة وشبهها وأخرجها وعليه بلة من الريق كغيره ثم أعادها وابتلع الريق، أفطر. وإن كان قليلا فإشكال ينشأ: من أنه لا يزيد على رطوبة المضمضة، ومن أنه ابتلع ريقا منفصلا عن فمه فأفطر به كالكثير. ج - قد بينا كراهة العلك، لما فيه من جمع الريق في الفم وابتلاعه، فتقل مشقة الصوم، فيقصر الثواب. ولا فرق بين أن يكون له طعم أم لا. ولو كان مفتتا فوصل منه شئ إلى الجوف، بطل صومه، كما لو وضع سكرة في فمه وابتلع الريق بعدما ذابت فيه. د - لو ابتلع دما خرج من سنه أو لثته، أفطر، بخلاف الريق. د - النخامة إذا لم تحصل في حد الظاهر من الفم، جاز ابتلاعها. وإن حصلت فيه بعد انصبابها من الدماغ في الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن لم يقدر على صرفه ومجه حتى نزل إلى الجوف، لم يفطر، وإن رده إلى فضاء الفم أو ارتد إليه ثم ابتلعه، أفطر عند الشافعية (3). وإن قدر على قطعه من مجراه ومجه، فتركه حتى جرى بنفسه، لم يفطر. وللشافعية وجهان (4). و - لو تنخع (5) من جوفه ثم ازدرده، فالأقرب: عدم الإفطار، لأنه معتاد في الفم غير واصل من خارج، فأشبه (6) الريق.

(1) سنن أبي داود 2: 311 - 312 / 2386، سنن البيهقي 4: 234 (2) حكاه ابنا قدامة في المغني 3: 41، والشرح الكبير 3: 74. (3 و 4) فتح العزيز 6: 393، المجموع 6: 319 (5) النخاعة: النخامة. الصحاح 3: 1288 (6) في هامش " ن ": بخطه [ أي المصنف ]: أشبه.

[ 67 ]

وقال الشافعي: إنه يفطر، لأنه يمكنه (1) التحرز منه، فأشبه الدم، ولأنها من غير الفم فأشبه (2) القئ (3). وعن أحمد روايتان (4). مسألة 35: لا يفطر بالمضمضة والاستنشاق مع التحفظ إجماعا، سواء كان في الطهارة أو غيرها. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، قال للسائل عن القبلة: (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت مفطرا؟) (5). ولأن الفم في حكم الظاهر، فلا يبطل الصوم بالواصل إليه كالانف والعين. أما لو تمضمض للصلاة، فسبق الماء إلى جوفه، أو استنشق، فسبق إلى دماغه من غير قصد، لم يفطر عند علمائنا (6) - وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في أحد القولين، وهو مروي عن ابن عباس (7) - لأنه وصل الماء إلى جوفه من غير قصد ولا إسراف، فأشبه ما لو طارت الذبابة فدخلت حلقه. ولأنه وصل. بغير اختياره، فلا يفطر به كالغبار. وللشافعية طريقان: أصحهما عندهم: أن المسألة على قولين، أحدهما: أنه يفطر - وبه قال مالك وأبو حنيفة (8) - لأنه وصل الماء إلى جوفه

(1) في " ن، ف " أمكنه (2) في " ن، ط ": أشبه.
(3) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74.
(4) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74 - 75.
(5) سنن أبي داود 2: 311 / 2385، سنن الدارمي 2: 13، سنن البيهقي 4: 261، المصنف - لابن أبي شيبة - 3: 61، المستدرك - للحاكم - 1: 431 بتفاوت.
(6) في " ف ": عندنا.
(7) المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 50 - 51، المجموع 6: 326 و 327، فتح العزيز 6: 393.
(8) المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 51، المجموع 6: 327، فتح العزيز 6: 393،

[ 68 ]

بفعله، فإنه الذي أدخل الماء في فمه وأنفه. والثاني - وبه قال أحمد (1) - أنه لا يفطر. والثاني: القطع بأنه لا يفطر. وعلى القول بطريقة القولين، فما محلهما، فيه ثلاث طرق، أصحها عندهم: أن القولين فيما إذا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق، فاما إذا بالغ أفطر بلا خلاف. وثانيها: أن القولين فيما إذا بالغ، أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف. والفرق على الطريقين: أن المبالغة منهي عنها، وأصل المضمضة والاستنشاق مرغب فيه، فلا يحسن مؤاخذته بما يتولد منه بغير اختياره. والثالث: طرد القولين في الحالتين، فإذا تميزت حالة المبالغة عن حالة الاقتصار على أصل المضمضة والاستنشاق، حصل عند المبالغة للشافعي قولان مرتبان، لكن ظاهر مذهبهم عند المبالغة الإفطار، وعند عدمها الصحة (2). هذا إذا كان ذاكرا للصوم، أما إذا كان ناسيا فإنه لا يفطر بحال. وسبق الماء عند غسل الفم من النجاسة كسبقه في المضمضة، وكذا عند غسله من أكل الطعام. ولو تمضمض للتبرد، فدخل الماء حلقه من غير قصد، أفطر، لأنه غير مأمور به. مسألة 36: قد بينا أن الأكل والشرب ناسيا غير مفطر عند علمائنا (3) سواء قل أكله أو كثر.

المدونة الكبرى 1: 200 تحفة الفقهاء 1: 354، بدائع الصنائع 2: 91 (1) المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 50، فتح العزيز 6: 393، المجموع 6: 327. (2) فتح العزيز 6: 393 - 394 (3) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: عندنا. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.

[ 69 ]

وقال مالك: إنه يفطر (1). وللشافعي فيما إذا كثر أكله ناسيا قولان (2). ولو أكل جاهلا، أفسد صومه. وقال الشافعي: إن كان قريب العهد بالاسلام، أو كان قد نشأ في بادية، وكان يجهل مثل ذلك، لم يبطل صومه، وإلا بطل (3). ولو جامع ناسيا للصوم، لم يفطر عندنا. وللشافعية طريقان، أصحهما: القطع بأنه لا يبطل. والثاني: أنه يخرج على قولين (4). مسألة 37: إذا أجنب الصائم ليلا في رمضان أو المعين ثم نام، فإن كان على عزم ترك الاغتسال واستمر به النوم إلى أن أصبح، وجب عليه القضاء والكفارة. لأن نام على عزم الاغتسال ثم استيقظ ثانيا ثم نام ثالثا بعد انتباهتين، وجب القضاء والكفارة أيضا. وإن نام من أول مرة عازما على الاغتسال فطلع الفجر، لم يكن عليه شئ. وإن نام ثانيا، واستمر به النوم على عزم الاغتسال حتى طلع الفجر، وجب عليه القضاء خاصة، لأن ابن أبي يعفور سأل الصادق عليه السلام: الرجل يجنب في رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح، قال: " يتم يومه (5) ويقضي يوما آخر، فإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه وجاز له " (6). ولأنه فرط في الاغتسال، فوجب عليه القضاء، ولا تجب الكفارة، لأن المنع من النومة الأولى تضييق على المكلف. مسألة 38: لو ظن بقاء الليل، فأكل أو شرب أو جامع، وبالجملة

(1) المغني 3: 53، الشرح الكبير 3: 46، حلية العلماء 3: 197، المجموع 6: 324، فتح العزيز 6: 401. (2 - 4) فتح العزيز 6: 401، المجموع 6: 324.
(5) في التهذيب والفقيه والطبعة الحجرية: صومه.
(6) الاستبصار 2: 86 / 269، التهذيب 4: 211 / 612، والفقيه 2: 75 / 323

[ 70 ]

فعل المفطر، ثم ظهر له أن فعله صادف النهار، وأن الفجر قد كان طالعا، فإن كان قد رصد الفجر وراعاه فلم يتبينه، أتم صومه، ولا شئ عليه. وإن لم يرصد الفجر مع القدرة على المراعاة ثم تبين أنه كان طالعا، وجب عليه إتمام الصوم والقضاء خاصة، ولا كفارة عليه، لأنه مفرط بترك المراعاة، فوجب القضاء، لافساده الصوم بفعل المفطر، ولا كفارة، لعدم الإثم، وأصالة البقاء. وأما مع المراعاة: فلأن الأصل بقاء الليل، وقد اعتضد بالمراعاة، فكان التناول جائزا له مطلقا، فلا فساد حينئذ، وجرى مجرى الساهي. وسئل الصادق عليه السلام، عن رجل تسحر ثم خرج من بيته وقد طلع الفجر وتبين، فقال: " يتم صومه ذلك ثم ليقضه " (1). وإن تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر.. والعامة لم يفصلوا، بل قال الشافعي: لا كفارة عليه مطلقا، سواء رصد أو لم يرصد مع ظن الليل، وعليه القضاء، وهو قول عامة الفقهاء (2)، إلا إسحاق به راهويه وداود، فإنهما قالا: لا يجب عليه القضاء (3). وهو مذهب الحسن ومجاهد وعطاء وعروة (4). وقال أحمد: إذا جامع بظن أن الفجر لم يطلع وتبين أنه كان طالعا، وجب عليه القضاء والكفارة مطلقا (5). ولم يعتبر المراعاة. واحتج موجبو القضاء مطلقا: بأنه أكل مختارا، ذاكرا للصوم فأفطر، كما لو أكل يوم الشك، ولأنه جهل وقت الصيام، فلم يعذر به، كالجهل بأول رمضان.

(1) الكافي 4: 96 / 1، التهذيب 4: 269 / 812، الاستبصار 2: 116 / 379. (2 - 4) المجموع 6: 306 و 309، المغني 3: 76، الشرح الكبير 3: 53، حلية العلماء 3: 193.
(5) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67.

[ 71 ]

واحتج الآخرون: بما رواه زيد بن وهب، قال: كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، في رمضان في زمن عمر، فأتينا بعساس (1) فيها شراب من بيت حفصة، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب، فإذا الشمس طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يوما مكانه، فقال عمر: والله لا نقضيه، ما تجانفنا (2) لاثم (3). والجواب: المنع من الأكل في رمضان عالما مع المراعاة. وقول عمر ليس حجة. واحتج أحمد: بأن النبي صلى الله عليه وآله، أمر المجامع بالتكفير من غير تفصيل (4). والأمر إنما كان للهتك، لأن الأعرابي شكى كثرة الذنب وشدة المؤاخذة، وذلك إنما يكون مع قصد الإفطار. مسألة 39: لو أخبره غيره بأن الفجر لم يطلع، فقلده وترك المراعاة مع قدرته عليها، ثم فعل المفطر وكان الفجر طالعا، وجب عليه القضاء خاصة، لأنه مفرط بترك المراعاة، فأفسد صومه، ووجب القضاء، والكفارة ساقطة عنه، لأنه بناء علن أصالة بقاء الليل وعلى صدق المخبر الذي هو الأصل في المسلم. وسأل معاوية بن عمار، الصادق عليه السلام: آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا، فتقول: لم يطلع، فآكل ثم أنظر) فأجده قد طلع حين نظرت، قال: " تتم يومك (6) وتقضيه، أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك

(1) العس: القدح الكبير. وجمعه عساس وأعساس. النهاية - لابن الأثير - 3: 236.
(2) الجنف: الميل. لسان العرب 9: 32.
(3) سنن البيهقي 4: 217 وأورده ابنا قدامة في المغني 3: 76 - 77، والشرح الكبير 3: 53.
(4) المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 67.
(5) في الكافي و " ف ": أنظره.
(6) في النسخ المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية: يومه. وما أثبتناه من الكافي

[ 72 ]

قضاؤه " (1). ولو أخبره غيره بطلوع الفجر فظن كذبه، فتناول المفطر وكان الفجر طالعا، وجب القضاء، للتفريط بترك المراعاة مع القدرة، ولا كفارة عليه، لعدم الإثم، لأصالة بقاء الليل. وسأل عيص بن القاسم، الصادق عليه السلام، عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت، فنظر إلى الفجر فناداهم، فكف بعضهم، وظن بعضهم أنه يسخر فأكل، قال: " يتم صومه ويقضي " (2). ولا فرق بين أن يكون المخبر عدلا أو فاسقا، للاطلاق. ولو أخبره عدلان بطلوع الفجر فلم يكف، ثم ظهر أنه كان طالعا، فالأقرب: وجوب القضاء والكفارة، لأن قولهما معتبر في نظر الشرع، يجب العمل به، فتترتب عليه توابعه. مسألة 40: لو أفطر لظلمة عرضت توهم منها دخول الليل ثم ظهر مصادفته للنهار، وجب القضاء خاصة، لتفريطه حين بنى على وهمه. ولو ظن دخول الليل لظلمة عرضت إما لغيم أو غيره، فأفطر ثم تبين فساد ظنه، أتم صومه، ووجب عليه القضاء عند أكثر علمائنا (3) - وهو قول العامة (4) - لأنه تناول ما يفسد الصوم عامدا، فوجب عليه القضاء، ولا كفارة، لحصول الشبهة. ولما رواه العامة عن حنظلة، قال: كنا في شهر رمضان وفي السماء سحاب، فظننا أن الشمس غابت، فأفطر بعضنا، فأمر عمر من كان أفطر أن

والتهذيب. (1) الكافي 4: 97 / 3، التهذيب 4: 269 / 813، ونحوه في الفقيه 2: 83 / 368 (2) الكافي 4: 97 / 4، التهذيب 4: 270 / 814، والفقيه 2: 83 / 367.
(3) كالشيخ المفيد في المقنعة: 57، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183.
(4) كما في المعتبر: 307.

[ 73 ]

يصوم مكانه (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه أبو بصير عن الصادق عليه السلام، في قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس، فرأوا أنه الليل، فقال: " على الذي أفطر صيام ذلك اليوم، إن الله عزوجل يقول: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " (2) فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لأنه أكل متعمدا " (3). وللشيخ - رحمه الله - قول آخر: إنه يمسك ولا قضاء عليه (4)، لأن أبا الصباح الكناني سأل الصادق عليه السلام، عن رجل صام ثم ظن أن الشمس قد غابت وفي السماء علة فأفطر، ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب، فقال: " قد تم صومه ولا يقضيه " (5). والحديث ضعيف السند، لأن فيه محمد بن الفضيل وهو ضعيف. واعلم: أنه فرق بين بقاء الليل ودخوله، فإن الأول اعتضد بأصالة البقاء، والثاني اعتضد بضده، وهو: أصالة عدم الدخول، مع أنه متمكن من الصبر إلى أن يحصل اليقين. واعلم: أن المزني نقل عن الشافعي: أنه لو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطا فيه، لا يجزئه صومه، ووافقه أصحابه على روايته في الصورة الثانية. وأنكر بعضهم الأولى، وقال: لا يوجد ذلك في كتب الشافعي، ومذهبه أنه لا يبطل الصوم إذا ظن أن الصبح لم يطلع بعد، لأصالة بقاء الليل،

(1) أورده المحقق في المعتبر: 307 ونحوه في سنن البيهقي 4: 217.
(2) البقرة: 187.
(3) الكافي 4: 100 (باب من ظن أنه ليل فأفطر قبل الليل) الحديث 2، التهذيب 4: 270 / 815، الاستبصار 2: 115 / 377.
(4) التهذيب 4: 270 ذيل الحديث 815، والاستبصار 2: 116.
(5) الاستبصار 2: 115 / 374، التهذيب 4: 270 - 271 / 816، والفقيه 2: 75 / 326.

[ 74 ]

بخلاف آخر النهار، فإن الأصل بقاء النهار، فالغلط في الأولى معذور، دون الثانية. ومنهم من صحح الروايتين، وقال: لعله نقله سماعا، لأنه تحقق خلاف ظنه، واليقين مقدم على الظن، ولا يبعد استواء حكم الغلط في دخول الوقت وخروجه، كما في الجمعة (1). إذا عرفت هذا، فالأحوط للصائم الامساك عن الإفطار حتى يتيقن الغروب، لأصالة بقاء النهار، فيستصحب إلى أن يتيقن خلافه. ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل، فالأقرب: جواز الأكل. وللشافعية وجهان: هذا أحدهما، والثاني: لا يجوز، لقدرته على تحصيل اليقين (2). وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد، لأصالة بقاء الليل. ولو أكل من غير يقين ولا اجتهاد، فإن تبين له الخطأ، فالحكم ما تقدم، وإن تبين الصواب، فقد استمر الصوم على الصحة. لا يقال: مقتضى الدليل عدم صحة الصوم، كما لو صلى في الوقت مع الشك في دخوله، وكما لو شك في القبلة من غير اجتهاد، وتبين له الصواب، لا تصح صلاته. لأنا نقول: الفرق: أن ابتداء العبادة وقع في حال الشك فمنع الانعقاد، وهنا انعقدت العبادة على الصحة وشك في أنه هل أتى بما يفسدها ثم تبين عدمه. ولو استمر الأشكال، ولم يتبين الخطأ من الصواب، فالأقرب: وجوب القضاء لو أفطر آخر النهار، لأصالة البقاء، ولم يبن الأكل على أمر يعارضه.

(1) فتح العزيز 6: 401.
(2) فتح العزيز 6: 402، المجموع 6: 306.

[ 75 ]

وإن اتفق في أوله، فلا قضاء، لأصالة بقاء الليل. ونقل عن مالك: وجوب القضاء في هذه الصورة أيضا، لأصالة بقاء الصوم في ذمته، فلا يسقط بالشك (1). والأقوى ما قلناه من جواز الأكل حتى يتبين الطلوع أو يظنه - وبه قال ابن عباس وعطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي (2) - لقوله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض " (3). وكان رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (4) وكان أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت. والسقوط إنما هو بعد الثبوت، والصوم مختص بالنهار. مسألة 41: القئ عامدا يوجب القضاء خاصة عند أكثر علمائنا (5) وأكثر العامة (6)، لما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله: (من ذرعه القئ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض) (7). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا تقيأ الصائم فقد

(1) فتح العزيز 6: 402 - 403، المجموع 6: 306، والكافي في فقه أهل المدينة: 130، المغني 3: 77، الشرح الكبير 3: 52 (2) المغني 3: 77، الشرح الكبير 3: 52، المجموع 6: 306، فتح العزيز 6: 401، الهداية للمرغيناني 1: 129 - 130، تحفة الفقهاء 1: 365 - 366، بدائع الصنائع 2: 105 (3) البقرة: 187 (4) صحيح البخاري 3: 37، صحيح مسلم 2: 768 / 38.
(5) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 155، والمبسوط 1: 271 - 272، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183، والقاضي أبن البراج في المهذب 1: 192، والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 1: 192 والمعتبر: 308.
(6) المغني 3: 54، المجموع 6: 319 - 320.
(7) سنن أبي داود 2: 310 / 2380، سنن البيهقي 4: 219.

[ 76 ]

أفطر، وإن ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه " (1). وقال أبو ثور: لو تعمد القئ وجب القضاء والكفارة (2)، لأنه سلوك في مجري الطعام، فكان موجبا للقضاء والكفارة كالاكل. وهو معارض بالروايات وأصالة البراءة. ولو ذرعه القئ، فلا قضاء عليه ولا كفارة بإجماع علمائنا - وهو قول كل من يحفظ عنه العلم (3) - لأنه فعل حصل بغير اختياره. وللروايات (4). وروي عن الحسن البصري: وجوب القضاء خاصة (5). وهو خارق للإجماع. مسألة 42: إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، وجب عليه القضاء والكفارة عند علمائنا - وبه قال مالك والشافعي وأحمد (6) - لأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به، لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة، كما لو وطأ بعد طلوع الفجر. وقال أبو حنيفة: يجب عليه القضاء دون الكفارة، لأن وطأه لم يصادف صوما صحيحا، فلم يوجب الكفارة، كما لو ترك النية وجامع (7). والأصل ممنوع، مع أن تركه للصوم لترك النية، لا للجماع. فاما لو نزع في الحال فأقسامه ثلاثة:

(1) الكافي 4: 108 / 2، التهذيب 4: 264 / 791.
(2) المجموع 6: 320، معالم السنن - للخطابي - 3: 261.
(3) المجموع 6: 320، المغني 3: 54.
(4) الكافي 4: 108 / 1 - 3، التهذيب 4: 264 / 790 و 791.
(5) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 196.
(6) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، المهذب للشيرازي 1: 191 - 192، المجموع 6: 309 و 338، فتح العزيز 6: 404، حلية العلماء 3: 202.
(7) بدائع الصنائع 2: 91، المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، فتح العزيز 6: 404، حلية العلماء 3: 202.

[ 77 ]

الأول: أن يحس وهو مجامع بعلامات الصبح، فينزع بحيث يوافق آخر النزع ابتداء الطلوع. الثاني: أن يطلع الصبح وهو مجامع ويعلم بالطلوع كما طلع، وينزع كما علم. الثالث: أن يمضي زمان بعد الطلوع ثم يعلم به، ففي الثالثة الصوم باطل - وبه قال الشافعي (1) - وإن نزع كما علم، لأن بعض النهار قد مضى وهو مشغول بالجماع. والوجه: أنه إن تمكن من المراعاة ولم يراع وصادف الجماع النهار، وجب عليه القضاء. وعلى القول الصحيح للشافعية: أنه لو مكث في هذه الصورة، فلا كفارة عليه، لأن مكثه مسبوق ببطلان الصوم (2). وأما الصورتان الاوليان، فعندنا أنه إن كان قد راعى ولم يفرط بترك المراعاة، لا قضاء عليه، وإلا وجب القضاء. وعند الشافعي يصح صومه مطلقا (3)، ولم يعتبر المراعاة. وله قول آخر: إن الصورة الأولى يصح صومه فيها (4)، لأن آخر النزع وافق ابتداء الطلوع، فلم يحصل النزع في النهار. وهذا عندنا باطل، لأنا توجب الطهارة في ابتداء الصوم. وأما إذا طلع ثم نزع، فسد صومه عندنا وعند الشافعي (5)، لأن الإخراج يستلزم التلذذ، فيكون مجامعا. وقال مالك وأحمد: لا يفسد صومه، لأن النزع ترك الجماع، فلا يتعلق به. ما يتعلق بالجماع، كما لو حلف أن لا يلبس ثوبا هو لابسه فنزعه في الحال، لا يحنث (6).

(1 - 5) المجموع 6: 309، فتح العزيز 6: 403.
(6) فتح العزير 6: 403 - 404.

[ 78 ]

وهو فاسد عندنا، لما قدمناه من وجوب الطهارة. ولو طلع الفجر وعلم به كما طلع، ومكث فلم ينزع، فسد صومه، وبه قال الشافعي (1). وتجب عليه الكفارة عندنا، خلافا للشافعي قي أحد القولين (2). (وذكر فيما) (3) إذا قال لامرأته: إن وطأتك فأنت طالق ثلاثا، فغيب الحشفة، وطلقت، ومكث: أنه لا يجب المهر (4). واختلف أصحابه على طريقين: أحدهما: أن فيهما قولين نقلا وتخريجا، أحدهما: وجوب الكفارة هنا والمهر ثم، كما لو نزع وأولج ثانيا. والثاني: لا يجب واحد منهما، لأن ابتداء الفعل كان مباحا. وأصحهما: القطع بوجوب الكفارة ونفي المهر. والفرق: أن ابتداء الفعل لم يتعلق به الكفارة، فتتعلق بانتهائه حتى لا يخلو الجماع في نهار رمضان عمدا عن الكفارة، والوطئ ثم غير خال عن المقابلة بالمهر، لأن المهر في النكاح يقابل جميع الوطآت (5). وقال أبو حنيفة: لا تجب الكفارة بالمكث (6). واختاره المزني من الشافعية (7). ووافقنا مالك وأحمد على الوجوب (8). والخلاف جار فيما إذا جامع ناسيا ثم تذكر الصوم واستدام.

(1 و 2) المجموع 6: 309 و 338، فتح العزيز 6: 404.
(3) في النسخ الخطية الثلاث " ط، ف، ن " والطبعة الحجرية. وذكرهما والصحيح ما أثبتناه. (4 و 5) فتح العزيز 6: 404، المجموع 6: 339. (6 - 8) فتح العزيز 6: 404.

[ 79 ]

تنبيه: قيل: كيف يعرف طلوع الفجر المجامع (1) وشبهه؟ فإنه متى عرف الطلوع كان الطلوع الحقيقي متقدما عليه. أجيب بأمرين: أحدهما: أن المسألة موضوعة على التقدير، كما هو عادة الفقهاء في أمثالها. والثاني: إنا تعبدنا بما نطلع عليه، ولا معنى للصبح إلا ظهور الضوء للناظر، وما قبله لا حكم له. فإذا كان الشخص عارفا بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر ورصد، فمتى أدرك فهو أول الصبح الذي اعتبره الشارع (2)، وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " (3). مسألة 43: قد بينا أن ماء مضمضة الصلاة والاستنشاق لها لو سبق إلى الحلق من غير قصد، لم يفسد صومه، ولا كفارة فيه - ولو كان للتبرد أو العبث، وجب عليه القضاء خاصة عند علمائنا - لأنه في الصلاة فعل مشروعا، فلا تترتب عليه عقوبة، لعدم التفريط شرعا، وفي التبرد والعبث فرط بتعريض الصوم للافساد بإيجاد ضده، وهو: عدم الامساك، فلزمه العقوبة، للتفريط. ولا كفارة عليه، لأن سماعة سأله عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش، فدخل حلقه، قال: " عليه قضاؤه، وإن كان في وضوئه فلا

(1) في النسخ الخطية الثلاث " ط، ف، ن ": للمجامع. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.
(2) تعرض للسؤال والجواب، الرافعي في فتح العزيز 6: 404 - 405، والنووي في المجموع 6: 309.
(3) البقرة: 187.

[ 80 ]

بأس " (1). ولم يفصل العامة، بل قال الشافعي: إن لم يكن بالغ وإنما رفق فسبق الماء، فقولان: أحدهما: يفطر - وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني (2) - لأنه أوصل الماء إلى جوفه، ذاكرا لصومه، فأفطر، كما لو تعمد شربه. والفرق ظاهر، للمشروعية في المتنازع، وعدمها في الأصل. والثاني: لا يفطر، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره الربيع والحسن البصري (3). وإن بالغ بأن زاد على ثلاث مرات، فوصل الماء إلى جوفه، أفطر قولا واحدا (4). وبه قال أحمد (5). وروي عن عبد الله بن عباس: أنه إن توضأ لمكتوبة، لم يفطر، وإن كان لنافلة، أفطر، وبه قال النخعي (6). وفي الصحيح عن الحلبي عن الصادق عليه السلام، في الصائم يتوضأ للصلاة، فيدخل الماء حلقه، قال: " إن كان وضوؤه لصلاة فريضة، فليس عليه قضاء، وإن كان وضوؤه لصلاة نافلة، فعليه القضاء " (7). ونحن نتوقف في هذه الرواية.

(1) التهذيب 4: 322 - 323 / 991، والفقيه 2: 69 / 290 (2) بدائع الصنائع 2: 91، المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 51، حلية العلماء 3: 197، فتح العزيز 6: 393، المجموع 6: 327، المدونة الكبرى 1: 200.
(3) المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 0 5 - 51، فتح العزيز 6: 393، حلية العلماء 3: 197.
(4) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 326 و 327، فتح العزيز 6: 393، حلية العلماء 3: 197، المغني 3: 42، الشرح الكبير 3: 50 - 51.
(5) المغني 3: 43، الشرح الكبير 3: 51.
(6) المجموع 6: 327، حلية العلماء 3: 197.
(7) التهذيب 4: 324 / 999.

[ 81 ]

مسألة 44: لو ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم، فسد صومه إجماعا، وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به، أو بشكه فيما يكفر بالشك فيه، أو بالنطق بكلمة الكفر، مستهزئا أو غير مستهزئ. قال الله تعالى " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم " (1). لأن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، كالصلاة والحج، ولأنه عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة. مسألة 45: لو نوى الإفطار بعد عقد نية الصوم، وقد مضى جزء من النهار، فالأقوى أنه يفطر - وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وأحمد في أظهر الروايتين (2) - لأن الصوم عبادة من شرطها النية، ففسدت بنية الخروج منها كالصلاة. ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة، لكن لما شق اعتبار حقيقة النية، اعتبر بقاء حكمها، وهو: أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه، زالت حقيقة وحكما، ففسد الصوم، لزوال شرطه، لأنه نوى الإفطار في جزء من النهار وقد قال عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فيتحقق الإفطار في ذلك الجز، والصوم لا يقبل التبعيض، فكان مفطرا. والرواية الثانية عن أحمد: أنه لا يفسد صومه، لأنه عبادة يلزم المضي

(1) التوبة: 65 و 66.
(2) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.
(3) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، سنن الترمذي 4: 179 - 180 / 1647، وسنن البيهقي 7: 341.

[ 82 ]

في فاسدها، فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج (1). وهو غير مطرد في غير رمضان. والقياس باطل، لأن الحج يصح بالنية المطلقة والمبهمة وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه، فافترقا. ولو عاد بعد أن نوى الإفطار ولم يفطر فنوى الصوم، فإن كان ذلك بعد الزوال، لم يصح عوده إجماعا، لفوات محل النية. وإن كان قبله، أجزأه على قول بعض علمائنا (2) - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأن الصوم يصح بنية من النهار. وأما صوم النافلة، فإن نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك، لم يصح صومه، لأن النية انقطعت ولم توجد نية غيرها، فأشبه من لم ينو أصلا. لأن عاد فنوى الصوم، صح صومه، كما لو أصبح غير ناو للصوم، لأن نية الفطر إنما أبطلت الفرض، لما فيه من قطع النية المشترطة في جميع النهار حكما، وخلو بعض أجزاء الزمان عنها، والنفل بخلاف الفرض في ذلك، فلم تمنع صحته نية الفطر في زمن لا يشترط وجود نية الصوم فيه. ولأن نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك الوقت، وعدمها لا يمنع صحة الصوم بعده، بخلاف الواجب، فإنه لا تصح نيته من النهار. والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يسأل أهله هل من غذاء؟ فإن قالوا: لا، قال: (إني إذن لصائم) (4). تذنيب: لو نوى أنه سيفطر ساعة أخرى، فالأقرب: أنه بخلاف نية

(1) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31.
(2) المحقق في شرائع الإسلام 1: 188.
(3) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31.
(4) صحيح مسلم 2: 809 / 170، سنن الترمذي 3: 111 / 733 و 734، مسند أحمد 6: 207، وأورده أبنا قدامة في المغني 3: 57، والشرح الكبير 3: 32.

[ 83 ]

الفطر في وقته، خلافا لبعض العامة (1). ولو تردد في الفطر، فإشكال ينشأ من عدم الجزم بالصوم في زمان التردد. ومن انعقاد الصوم قبله، والتردد ليس من المفطرات. ولو نوى أني إن وجدت طعاما أفطرت، وإن لم أجد أتممت صومي، فوجهان: الفطر، لانتفاء الجزم، ولهذا لا يصح ابتداء النية بمثل هذا. والثاني: لا يفطر، لأنه لم ينو الفطر بنية صحيحة، فإن النية لا يصح تعليقها على شرط، ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية. مسألة 46: لو جامع أو أكل أو شرب في أول النهار بعد عقد صومه، ثم تجدد عذر مسقط للصوم - كجنون أو مرض أو حيض أو نفاس - في أثناه النهار، فالوجه عندي: سقوط الكفارة - وهو قول بعض علمائنا (2)، وقول أصحاب الرأي والثوري والشافعي في أحد القولين (3) - لأنه زمان لا يصح الصوم فيه، فيستحيل من الله تعالى، العالم به الحكيم، الأمر بصومه، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، فيكون فعل المفطر قد صادف ما لا يصح صومه، فأشبه ما لو صادف الليل، وكما لو قامت البينة أنه من شوال. والقول الثاني لعلمائنا وللشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: أنه تجب عليه الكفارة - وبه قال مالك وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وداود - لأن هذه. الأعذار معان طرأت بعد وجوب الكفارة، فلم تسقطها، كالسفر. ولأنه أفسد صوما واجبا في رمضان بجماع وشبهه، فاستقرت الكفارة عليه، كما لو لم يطرأ عذر (4). ونمنع وجوب الكفارة، ونمنع وجوب الصوم في نفس الأمر، ووجوبه في

(1) هو ابن عقيل كما في المغني 3: 57، والشرح الكبير 3: 32.
(2) حكاه المحقق في شرائع الإسلام 1: 194.. (3 و 4) المغني 3: 64، الشرح الكبير 3: 66، المجموع 6: 340، فتح العزيز 6: 450 - 451، حلية العلماء 3: 203، المبسوط للسرخسي 3: 75.

[ 84 ]

اعتقادنا غير مفيد إذا ظهر بطلان الاعتقاد. وقال زفر: تسقط بالحيض والجنون، دون المرض والسفر (1). وقال بعض أصحاب مالك: تسقط بالسفر، دون المرض والجنون (2). إذا عرفت هذا، فلو أفطر ثم سافر سفرا ضروريا، فهو كالعذر المتجدد من جنون أو حيض. ولو سافر سفرا اختياريا، فإن لم يقصد به زوال الكفارة عنه، فالأقرب: أنه كالعذر، وإن قصد به إسقاط الكفارة، لم تسقط، وإلا لزم إسقاط الكفارة عن كل مفطر باختياره، والاقدام على المحرمات. مسألة 47: لو أفطر بالمحرم، كما لو زنى في نهار رمضان، أو شرب خمرا، أو أكل (لحم خنزير) (3) فالأقوى: أن الواجب كفارة واحدة يتخير فيها، كما لو أفطر بالمحلل. وقال بعض علمائنا: تجب به كفارة الجمع (4) وهي: الخصال الثلاث: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين طعام ستين مسكينا، وبه رواية عن أهل البيت عليهم السلام (5). والمعتمد: الأول، لأصالة براءة الذمة. مسألة 48 لو كرر السبب الموجب للكفارة، بأن وطأ مرتين مثلا، فإن

(1) المبسوط للسرخسي 3: 75، المجموع 6: 340، حلية العلماء 3: 203.
(2) المجموع 6: 340، حلية العلماء 3: 203.
(3) بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية الثلاث " ط، ف، ن ": خنزيرا. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.
(4) كالصدوق في الفقيه 2: 73 - 74، والشيخ الطوسي في التهذيب 4: 209، والاستبصار 2: 97 ذيل الحديث 315. (د) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 314 / 88، التهذيب 4: 209 / 605، الاستبصار 2: 97 / 316.

[ 85 ]

كان في رمضانين، تكررت الكفارة إجماعا - إلا رواية عن أبي حنيفة (1) - سواء كفر عن الأول أو لا. ولو كرر في يومين من رمضان واحد، وجبت عليه كفارتان، سواء كفر عن الأول أو لم يكفر عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك والليث وابن المنذر، وهو قول عطاء ومكحول (2) - لأن كل فعل من هذين الفعلين لو انفرد، لاستقل بإيجاب الكفارة، فكذا حالة الاجتماع، لأصالة بقاء الحقيقة على ما كانت عليه. ولأن كل واحد من الذنبين سبب في إيجاب عقوبة الكفارة، فعند الاجتماع يبقى الحكم بطريق الأولى، لزيادة الذنب. ولأن كل يوم عبادة قد هتكت، وهي منفردة عن العبادة الأخرى لا تتحد صحتها مع صحة ما قبلها ولا ما بعدها، ولا بطلانها مع بطلانها، فلا يتحد أثر السببين فيهما. ولأن أحد الأمرين لا يتحد مع الآخر، وهو القضاء، فكذا الأمر الآخر. وقال أبو حنيفة: إن لم يكفر عن الأول فكفارة واحدة، وإن كفر فروايتان، إحداهما: أنها كفارة واحدة أيضا - وبه قال أحمد والزهري والأوزاعي - لأن الكفارة تجب على وجه العقوبة، ولهذا تسقط بالشبهة، وهو: إذا ظن أن الفجر لم يطلع، وما هذا سبيله تتداخل العقوبة فيه كالحدود (3). والفرق: أن الحدود عقوبة على البدن، وهذه كفارة، فاعتبارها بالكفارات أولى.

(1) فتح العزيز 6: 450، المجموع 6: 337، والمبسوط للسرخسي 1: 75.
(2) المجموع 6: 336 و 337، فتح العزيز 6: 450، حلية العلماء 3: 201، المغني 3: 73، الشرح الكبير 3: 64.
(3) حلية العلماء 3: 201، المجموع 6: 337، المغني 3: 73، الشرح الكبير 3: 64 بداية المجتهد 1: 306.

[ 86 ]

ولأن الحدود تتداخل في سببين، وهي مبنية على التخفيف، فتنافي التكرار. ولو كرر في يوم واحد، قال الشيخ (1) وبعض علمائنا (2): لا تتكرر الكفارة - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي (3) - لأن الوطئ الثاني لم يقع في صوم صحيح، فلا يتحقق الهتك به، فلا تثبت العقوبة. ولأن أحد الأمرين - وهو القضاء " لا يتكرر، فلا يتكرر الآخر. وقال السيد المرتضى رحمه الله: تتكرر الكفارة (4)، لأن الجماع سبب تام في وجوب الكفارة، فتتكرر بتكرره، عملا بالمقتضي. ولدلالة الرواية عن الرضا (5) عليه السلام عليه. ولأن الامساك واجب كرمضان، والوطئ فيه محرم كحرمة رمضان، فأوجب الكفارة كالأول. ونمنع السببية بدون الهتك، وإلا لوجب على المسافر. والفرق بين تحريم الأول والثاني ظاهر وإن اشتركا في مطلق التحريم، لصدق الهتك في الأول دون الثاني. وقال ابن الجنيد من علمائنا: إن كفر عن الأول كفر ثانيا، وإلا كفر واحدة عنهما (6) وبه قال أحمد بن حنبل (7)، ولا بأس به.

(1) المبسوط للطوسي 1: 274، الخلاف 2: 189، المسألة 38.
(2) المحقق في المعتبر: 308.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 74، بداية المجتهد 1: 306، المدونة الكبرى 1: 218، المجموع 6: 337، حلية العلماء 3: 201، المغني 3: 73، الشرح الكبير 3: 65.
(4) حكاه. عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 189 - 190، المسألة 38، والمحقق في المعتبر: 308.
(5) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 254 / 3، الخصال: 450 / 54.
(6) حكاه. عنه المحقق في المعتبر: 308 - 309.
(7) المغني 3: 73، الشرح الكبير 3: 64، المجموع 6: 337، حلية العلماء 3: 202.

[ 87 ]

واعلم: أن القضاء لا يتكرر مع اتحاد اليوم إجماعا. ولو اختلف السبب في يوم واحد، كما لو جامع وأكل، فيه إشكال ينشأ من تعليق الكفارة بالجماع والأكل مطلقا وقد وجدا، فتتكرر الكفارة، بخلاف السبب المتحد، لأن التعليق على الماهية المتناولة للواحد والكثير، ومن كون السبب الهتك وإفساد الصوم الصحيح، وهو منتف في الثاني. مسألة 49: لو أفطر نهار رمضان من وجب عليه الصوم مستحلا، فهو مرتد، فإن كان عن فطرة، قتل من غير أن يستتاب. ولو نشأ في برية ولم يعرف قواعد الإسلام ولا ما يوجب الإفطار، عرف وعومل بعد ذلك بما يعامل به المولود على الفطرة. ولو لم يولد على الفطرة، استتيب، فإن تاب وإلا قتل. ولو اعتقد التحريم، عزر (فإن عاد، عزر) (1) فإن عاد، قتل في الثالثة، لأن سماعة قال: سأله عن رجل أخذ في شهر رمضان ثلاث مرات وقد رفع إلى الإمام ثلاث مرات، قال: " فليقتل في الثالثة " (2). وروي: أن الباقر عليه السلام، سئل عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: " يسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، كان على الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم، كان على الإمام أن يؤلمه ضربا " (3). وقال بعض علمائنا: يقتل في الرابعة (4). وهو أحوط، لأن التهجم على الدم خطر.

(1) ما بين القوسين أثبتناه من " ط ".
(2) الكافي 4: 103 / 6، الفقيه 2: 73 / 315، التهذيب 4: 207 / 598.
(3) الكافي 4: 103 / 5، الفقيه 2: 73 / 314، التهذيب 4: 215 / 624 بتفاوت يسير في اللفظ.
(4) كما في المعتبر: 309.

[ 88 ]

إذا ثبت (1) هذا، فإنما يقتل في الثالثة أو الرابعة على الخلاف لو رفع في كل مرة إلى الإمام وعزر، أما لو لم يرفع فإنه (2) يجب عليه التعزير خاصة ولو زاد على الأربع. مسألة 50: لو أكره الصائم زوجته الصائمة على الجماع، عزر بخمسين سوطا عند علمائنا، ووجب عليه كفارتان، إحداهما عنه، والثانية عنها، ولا كفارة عليها ولا قضاء، لأنه سبب تام في صدور الفعل. ولو طاوعته، عزر كل واحد منهما بخمسة وعشرين سوطا، ووجب على كل واحد القضاء والكفارة، لأن المفضل بن عمر، سأل الصادق عليه السلام، في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: " إن كان استكرهها، فعليه كفارتان، وإن كانت طاوعته، فعليه كفارة وعليها كفارة، لأن كان أكرهها، فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، وإن كانت طاوعته، ضرب خمسة وعشرين سوطا، وضربت خمسة وعشرين سوطا " (3). فروع: أ - قال الشيخ رحمه الله: لو وطأها نائمة أو مكرهة، لم تفطر، وعليه كفارتان (4). وفي النائمة إشكال. ب - قال رحمه الله: لو أكرهها لا جبرا، بل ضربها حتى مكنته من نفسها، أفطرت، ولزمها القضاء، لأنها دفعت عن نفسها الضرر بالتمكين كالمريض، ولا كفارة (5). ج - لو زنى بها مكرها لها، تحمل عنها الكفارة، لأنه أغلظ من الوطئ

(1) في الطبعة الحجرية: إذا عرفت.
(2) في الطبعة الحجرية بدل (فإنه): (فإنما). (3) الكافي 4: 103 - 104 / 9، الفقيه 2: 73 / 313، التهذيب 4: 215 / 625. (4 و 5) الخلاف 2: 183، المسألة 27، وحكاه عنه المحقق في المعتبر: 309.

[ 89 ]

المباح. ويشكل: بأنه لا يلزم من كون الكفارة مسقطة لاقل الذنبين كونها مسقطة لأعلاهما. د - لو أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان، فشهدت البينة بالرؤية، لزمه الامساك والقضاء في قول عامة الفقهاء (1)، إلا عطاء، فإنه قال: يأكل بقية يومه (2). وأحمد في رواية (3). وهو خلاف الإجماع، مع أن أحمد قد نص على ايجاب الكفارة على من وطأ ثم كفر ثم عاد فوطأ في يومه، لأن حرمة اليوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة اليوم كيف يبح الأكل!؟ (4). لا يقال: إن المسافر إذا قدم وقد أفطر، جاز له الأكل، فليكن هنا مثله. لأنا نقول: المسافر كان له الفطر ظاهرا وباطنا، وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحا، فأشبه من أكل بظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طالعا. إذا عرفت هذا، فكل من أفطر والصوم لازم له، كالمفطر بغير عذر، والمفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طالعا، أو يظن الغروب فظهر خلافه، أو الناسي لنية الصوم، يلزمهم الامساك إجماعا. ه‍ - من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا، كالحائض والنفساء والصبي والمجنون والكافر، إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار، يستحب لهم الامساك باقي النهار من غير وجوب - وبه قال جابر بن زيد وابن مسعود ومالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (5) - للاستصحاب. (1 - 4) المغني 3: 74، الشرح الكبير 3: 15.
(5) المغني 3: 75، الشرح الكبير 3: 16، المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 262، الوجيز 1: 104، فتح العزيز 6: 435، حلية العلماء 3: 175، والكافي في فقه أهل المدينة: 123.

[ 90 ]

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح بن حي والعنبري: يجب الامساك، لأنه معنى لو وجد قبل الفجر، لوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر، وجب الامساك، كقيام البينة بالرؤية (1). والفرق ظاهر. أما المسافر إذا قدم والمريض إذا برأ، فإن كان قبل الزوال ولم يتناولا شيئا، وجب الامساك، ولا قضاء، وإن كان بعد الزوال، وجب القضاء. و - المسافر والحائض والمريض يجب عليهم القضاء إذا أفطروا إجماعا، لقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر " (2) والتقدير: فأفطر. وقالت عائشة: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فنؤمر بقضاء الصوم (3). وإن أفاق المجنون أو بلغ الصبي أو أسلم الكافر في أثناء النهار، فلا قضاء. وعن أحمد روايتان (4).

(1) المغني 3: 75، الشرح الكبير 3: 16، المجموع 6: 262، فتح العزيز 6: 435.
(2) البقرة: 184.
(3) صحيح مسلم 1: 265 / 69 سنن الترمذي 3: 154 / 787، سنن النسائي 4: 191، وأورد. ابنا قدامة في المغني 3: 76، والشرح الكبير 3: 17.
(4) المغني 3: 76، الشرح الكبير 3: 17.

[ 91 ]

الفصل الرابع فيما يستحب للصائم اجتنابه مسألة 51: تكره مباشرة النساء للصائم تقبيلا ولمسا وملاعبة حذرا من الوقوع في الوطئ، وأجمع العلماء على كراهة التقبيل لذي الشهوة، لما رواه العامة عن عمر بن الخطاب، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله، في المنام، فأعرض عني، فقلت له: ما لي؟ فقال: (إنك تقبل وأنت صائم) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الاصبغ بن نباتة، قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين أقبل وأنا صائم؟ فقال له: " عف صومك، فإن بدء القتال اللطام " (2). إذا ثبت هذا، فإنها تكره لذي الشهوة إذا لم يغلب على ظنه الإنزال، فإن غلب، فالأقرب أنها كذلك. وقال بعض الشافعية: إنها محرمة حينئذ (3)، لأنه لا يجوز أن يعرض

(1) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 48، والشرح الكبير 3: 78، ونحوه في سنن البيهقي) 4: 332.
(2) التهذيب 4: 272 / 822، الاستبصار 2: 82 / 252.
(3) المجموع 6: 355، فتح العزيز 6: 397، حلية العلماء 3: 196.

[ 92 ]

الصوم للافساد. والجواب: التعريض للافساد مشكوك فيه، ولا يثبت التحريم بالشك. أما من يملك إربه كالشيخ الكبير، فالأقرب انتفاء الكراهة في حقه - وبه قال أبو حنيفة والشافعي (1) - لما رواه العامة أن رجلا قبل امرأته، فأرسلت فسألت النبي صلى الله عليه وآله، فأخبرها النبي عليه السلام، أنه يقبل وهو صائم، فقال الرجل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس مثلنا وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فغضب النبي صلى الله عليه وآله وقال: (إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) (2). ومن طريق الخاصة: أن الباقر. عليه السلام سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: " إني أخاف عليه، فليتنزه عن ذلك، إلا أن يثق أن لا يسبقه منيه " (3). وظاهر كلام الشيخ في التهذيب الكراهة مطلقا (4)، وبه قال مالك (5) - وعن أحمد روايتان (6) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، أعرض عن عمر بمجرد القبلة مطلقا (7). وهو استناد إلى منام أو لوجود الشهوة عند عمر. إذا عرفت هذا، فلو قبل، لم يفطر إجماعا، فإن أنزل، وجب عليه

(1) المغني 3: 48، الشرح الكبير 3: 79، المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 355، فتح العزيز 6: 396.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 48، والشرح الكبير 3: 78، ورواه مسلم بمعناه في صحيحه 2: 779 / 1108.
(4) التهذيب 4: 271 - 272 / 821، الاستبصار 2: 82 / 251.
(4) التهذيب 4: 271 ذيل الحديث 820.
(5) الكافي في فقه أهل المدينة: 127، عارضة الاحوذي 3: 262، المجموع 6: 355.
(6) المغني 3: 48، الشرح الكبير 3: 79.
(7) تقدمت الاشارة إلى مصادره في ص 91، الهامش (1).

[ 93 ]

القضاء والكفارة عند علمائنا، وبه قال أحمد ومالك (1)، خلافا للشافعي (2)، وقد سلف (3) مسألة 52: يكره الاكتحال بما فيه مسك أو صبر (4) أو طعم يصل إلى الحلق، وليس بمفطر ولا محظور عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (5) - لما رواه العامة عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال نزل رسول الله صلى الله عليه وآله، خيبر ونزلت معه، فدعا بكحل إثمد (6)، فاكتحل به في رمضان وهو صائم (7). ومن طريق الخاصة: ما رواه أحمد بن مسلم عن الباقر. عليه السلام، في الصائم يكتحل، قال: " لا بأس به، ليس بطعام ولا شراب " (8). وقال أحمد: إن وجد طعمه في حلقه، أفطر، وإلا فلا (9). ومثله قال أصحاب مالك (10). وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: أن الكحل يفطر الصائم، لأنه أوصل

(1) المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 63، الكافي في فقه أهل المدينة: 124، فتح العزيز 6: 447.
(2) المجموع 6: 341، فتح العزيز 6: 446، الشرح الكبير 3: 63.
(3) سلف في المسألة 17.
(4) الصبر: عصارة شجر مر. لسان العرب 4: 442.
(5) المجموع 6: 348، فتح العزيز 6: 365، حلية العلماء 3: 206، الهداية للمرغيناني 1: 123، المبسوط للسرخسي 3: 67، تحفة الفقهاء 1: 366، المغني والشرح الكبير 3: 40.
(6) الإثمد: حجر يتخد منه الكحل. لسان العرب 3: 105.
(7) سنن البيهقي 4: 262 بتفاوت.
(8) الكافي 4: 111 (باب الكحل والذرور للصائم) الحديث 1، التهذيب 4: 258 / 765، الاستبصار 2: 89 / 278. (9 و 10) المغني والشرح الكبير 3: 40، المجموع 6: 348، فتح العزيز 6: 367، حلية العلماء 3: 206.

[ 94 ]

إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله، فأفطر به، كما لو أوصله من أنفه (1). وهو غير مفيد، لأن الايصال إلى الحلق غير مفطر (2) ما لم يبتلعه، ولأن الوصول من المسام غير مفطر، كما لو دلك رجله بالحنظل، فإنه يجد طعمه مع عدم الإفطار. وإنما كره ما فيه صبر أو مسك أو شبهه، لأن سماعة سأله عن الكحل للصائم، فقال: " إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق، فليس به بأس " (3). مسألة 53: يكره إخراج الدم المضعف بفصد أو حجامة، لئلا يتضرر بالضعف، أو ربما أفطر. وكذا يكره دخول الحمام إن خاف الضعف أو العطش، وإلا فلا، لما لا يؤمن معه من الضرر أو الإفطار. وروى أبو بصير أنه سأل الصادق عليه السلام، عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم، فقال: " ليس به بأس " (4). وسئل الباقر عليه السلام، عن الرجل يدخل الحمام وهو صائم، فقال: " لا بأس ما لم يخش ضعفا ". ويكره شم الرياحين، ويتأكد في النرجس، لأن للأنف اتصالا بجرف الدماغ، ويكره الايصال إليه. وسئل الصادق عليه السلام: الصائم يشم الريحان، قال: لا، لأنه

(1) المغني والشرح الكبير 3: 40، المجموع 6: 348، حلية العلماء، 3: 206. (2) في الطبعة الحجرية. غير مبطل.
(3) الكافي 4: 111 (باب الكحل والذرور للصائم) الحديث 3، التهذيب 4: 209 / 770، الاستبصار 2: 90 / 283.
(4) الكافي 4: 109 / 4، التهذيب 4: 261 / 778.
(5) الكافي 4: 109 / 3، الفقيه 2: 70 / 296، التهذيب 4: 261 / 779.

[ 95 ]

لذة، ويكره أن يتلذذ " (1). وقال محمد بن العيص (2): سمعت الصادق عليه السلام ينهى عن النرجس، فقلت: جعلت فداك لم ذاك قال: " لأنه ريحان الاعاجم " (3). وكره علي عليه السلام أن يتطيب الصائم بالمسك (4). مسألة 54: الحجامة مكروهة، لخوف الضعف، فإن أمن، فلا. بأس. وعلى التقديرين فلا يفطر بها الصائم عند علمائنا أجمع - وبه قال في الصحابة: الحسين بن علي عليهما السلام، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو سعيد الخدري وزيد بن أرقم وأم سلمة، وفي التابعين: سعيد بن المسيب والباقر والصادق عليهما السلام، وسعيد بن جبير وطاوس والقاسم بن محمد وسالم وعروة والشعبي والنخعي وأبو العالية، وبه قال الشافعي ومالك والثوري وأبو ثور وداود وأصحاب الرأي (5) - لما رواه العامة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله، احتجم وهو صائم محرم (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحسين بن أبي العلاء - في الصحيح - قال: سألت الصادق عليه السلام، عن الحجامة للصائم، قال: " نعم إذا لم

(1) الكافي 4: 113 / 5، التهذيب 4: 267 / 807، الاستبصار 2: 93 / 301.
(2) في الكافي والفقيه والتهذيب: محمد بن الفيض.
(3) الاستبصار 2: 94 / 302، والتهذيب 4: 266 / 804، والكافي 4: 112 (باب الطيب والريحان للصائم) الحديث 2، والفقيه 2: 71 / 301.
(4) الكافي،: 112 / 1، التهذيب 4: 226 / 801.
(5) المجموع 6: 349، المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 44، فتح العزيز 6: 372، حلية العلماء 3: 207، اختلاف العلماء: 70، المدونة الكبرى 1: 198، المبسوط للسرخسي 3: 57.
(6) صحيح البخاري 3: 43، سنن أبي داود 2: 309 / 2373، سنن ابن ماجة 1: 537 / 1682، سنن البيهقي 4: 263.

[ 96 ]

يخف ضعفا " (1). وفي الصحيح عن عبد الله بن ميمون عن الصادق عليه السلام، قال: " ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ والاحتلام والحجامة، وقد احتجم النبي صلى الله عليه وآله، وهو صائم، وكان لا يرى بأسا بالكحل للصائم " (2). ولأنه خارج من ظاهر البدن، فلم يكن مفطرا، كالفصد. وقال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم (3) - وفي الكفارة عن أحمد روايتان (4) - واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق وابن خزيمة، وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم (5) - لما رواه أحد عشر نفسا عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) (6). وهو محمول على مقاربتهما من الإفطار للضعف. ولأنه منسوخ بما قدمناه عنه صلى الله عليه وآله (7). مسألة 55: يكره الاحتقان بالجامد على أشهر القولين - خلافا للعامة، فإنهم قالوا: إنه مفطر (8) - لأن ابن يقطين سأل الكاظم عليه السلام، ما تقول

(1) الكافي 4: 109 / 2، التهذيب 4: 260 / 773، الاستبصار 2: 90 / 286.
(2) التهذيب 4: 260 / 775، الاستبصار 2: 90 - 91 / 288.
(3) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 44، حلية العلماء 3: 207.
(4) حلية العلماء 3: 207، المغني 3: 51 - 52، الشرح الكبير 3: 69.
(5) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 44.
(6) كما في المغني 3: 38، والشرح الكبير 3: 45، ورجع: صحيح البخاري 3: 42، وسنن أبي داود 2: 308 / 2367، وسنن ابن ماجة 1: 537 / 1679، وسنن الترمذي 3: 144 / 774، وسنن الدارقطني 2: 182 - 183 / 12 و 14، وسنن البيهقي 4: 265.
(7) راجع ص 95 والهامش (6).
(8) المغني والشرح الكبير 3: 39، المجموع 6: 313 و 320، فتح العزيز 6: 363، حلية العلماء 3: 194.

[ 97 ]

في التلطف (1) يستدخله الانسان وهو صائم؟ فكتب: " لا بأس بالجامد " (2). وفي المائع قولان تقدما (3). ويكره بل الثوب على الجسد، لاقتضائه اكتناز (4) مسام البدن، فيمنع خروج الأبخرة، ويوجب احتقان الحرارة باطن البدن، فيحتاج معه إلى التبريد. وسأل الحسن الصيقل، الصادق عليه السلام، عن الصائم يلبس الثوب المبلول، فقال: " لا " (5). ولا بأس أن يستنقع الرجل بالماء، للأصل، لأن (6) الحسن بن راشد سأل الصادق عليه السلام عن الحائض تقضي الصلاة؟ قال: " لا " قلت: تقضي الصوم؟ قال: " نعم " قلت: من أين جاء هذا؟ قال: " إن أول من قاس إبليس " قلت: فالصائم يستنقع في الماء؟ قال " نعم " قلت: فيبل ثوبا على جسده؟ قال: " لا " قلت: من أين جاء هذا؟ قال: " من ذاك " (7). وأما المرأة فيكره لها الجلوس في الماء، ولا يبطل صومها للأصل. وقال أبو الصلاح من علمائنا: يلزمها القضاء (8)، لأن حنان بن سدير سأل الصادق عليه السلام، عن الصائم يستنقع في الماء، قال: (لا بأس

(1) التلطف: إدخال الشئ في الفرج. مجمع البحرين 5: 121.
(2) التهذيب 4: 204 / 590، الاستبصار 2: 83 / 257.
(3) في ص 29.
(4) الاكتناز: الامتلاء. لسان العرب 5: 402.
(5) التهذيب 4: 267 / 806، الاستبصار 2: 93 / 300.
(6) كذا في جميع النسخ. ولعل الصحيح: ولأن.
(7) الكافي 4: 113 / 5، التهذيب 4: 267 / 807، الاستبصار 2: 93 / 301 (8) الكافي في الفقه: 183.

[ 98 ]

ولكن لا يغمس رأسه، والمرأة لا تستنقع في الماء لأنها تحمله بقبلها " (1). والرواية ضعيفة السند.

(1) الفقيه 2: 71 / 307، والكافي 4: 106 / 5، والتهذيب 4: 263 - 264 / 789

[ 99 ]

الفصل الخامس فيمن يصح منه الصوم مسألة 56: العقل شرط في صحة الصوم ووجوبه إجماعا، لأن التكليف يستدعي العقل، لقبح تكليف غير العاقل. ولقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة - وعد - المجنون حتى يفيق) (1). ولا يؤمر بالصوم للتمرين - بخلاف الصبي - إجماعا، لانتفاء التمييز في حقه. هذا إذا كان جنونه مطبقا، أما لو كان يفيق وقتا يصح صومه، ووافق جميع نهار رمضان، وجب عليه صوم ذلك اليوم، لوجود الشرط فيه، ولأن صوم كل يوم عبادة بنفسها، فلا يؤثر فيه زوال الحكم عن غيره. ولو جن في أثناء النهار ولو لحظة، بطل صوم ذلك اليوم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، والثاني وهو القديم للشافعي: عدم البطلان (2). وأما المغمى عليه، فإنه كالمجنون إن استوعب الاغماء النهار،

(1) المعجم الكبير - للطبراني - 11: 89 / 11141 بتفاوت في اللفظ.
(2) فتح العزيز 6: 405، حلية العلماء 3: 206، المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 347.

[ 100 ]

وسيأتي (1). والنائم لا يسقط عنه الصوم، فلو نوى من الليل ونام جميع النهار، صح صومه. وقال بعض الشافعية: لا يصح، كما لو أغمي عليه جميع النهار (2). والفرق: أن الاغماء مخرج عن التكليف. مسألة 57: البلوغ شرط في وجوب الصوم باجماع العلماء، فلا يجب على الصبي، سواء كان مميزا أم لا، إلا في رواية عن أحمد: أنه يجب عليه الصوم إذا أطاقه (3). ويبطل بالاجماع والنص: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) رواه العامة (4). ومن طريق الخاصة: رواية معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام، في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ فقال: " ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة وإن هو صام قبل ذلك فدعه " (5). وقال الصادق عليه السلام: " على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار " (6).

(1) سيأتي في المسألة 60.
(2) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 346، فتح العزيز 6: 405 - 406، حلية العلماء 3: 205.
(3) المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 14.
(4) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 94، والشرح الكبير 3: 14.
(5) الكافي 4: 125 (باب صوم الصبيان ومتى يؤخذون به) الحديث 2، الفقيه 2: 76 / 332، التهذيب 4: 326 / 1012.
(6) التهذيب 4: 281 / 851، الاستبصار 2: 123 / 398.

[ 101 ]

احتج أحمد: بقوله عليه السلام: (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام، وجب عليه صيام شهر رمضان) (1). والحديث مرسل، وحمل الوجوب على تأكد الاستحباب، جمعا بين الأدلة. تنبيه: يستحب تمرين الصبي بالصوم إذا أطاقه، وحده الشيخ - رحمه الله - ببلوغ تسع سنين (2). وتختلف حاله بحسب المكنة والطاقة. ولا خلاف بين العلماء في مشروعية ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله، أمر ولي الصبي بذلك، رواه العامة (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم العطش أ فطروا " (4). ولاشتماله على التمرين على الطاعات والمنع من الفساد. تذنيب: الأقرب: أن صومه صحيح شرعي، ونيته صحيحة، وينوي الندب لأنه الوجه الذي يقع عليه فعله، فلا ينوي غيره. وقال أبو حنيفة: إنه ليس بشرعي، وإنما هو إمساك عن المفطرات تأديبا (5). ولا بأس به. وقد ظهر بما قلناه أن البلوغ شرط في الوجوب لا في الصحة، وأن العقل

(1) المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 14 وراجع كنز العمال 8: 521 / 23951.
(2) المبسوط للطوسي 1: 266.
(3) أنظر: المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 15.
(4) الكافي 4: 124 - 125 / 1، التهذيب 4: 282 / 853، الاستبصار 2: 123 / 400.
(5) قال الشاشي القفال في حلية العلماء 3: 173 نقلا عن أبي حنيفة: لا يصح صومه. وانظر: بدائع الصنائع 2: 87.

[ 102 ]

شرط فيهما معا. مسألة 58: الإسلام شرط في صحة الصوم لا في وجوبه عند علمائنا، لما عرف في أصول الفقه: أن الكافر مخاطب بفروع العبادات، والكافر لا يصح منه الصوم، سواء كان كافرا أصليا، أو مرتدا عن الإسلام، كما لا يصح منه سائر العبادات. وهو شرط معتبر في جميع النهار حتى لو طرأت ردة في أثناء النهار، بطل الصوم، لأنه لا يعرف الله تعالى، فلا يصح أن يتقرب إليه. ولأن شرط صحة الصوم النية، ولا يصح وقوعها منه، وفوات الشرط يستلزم فوات المشروط. مسألة 59: الطهارة من الحيض والنفاس جميع النهار شرط في صحة صوم المرأة باجماع العلماء. روى العامة عن عائشة قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (1). ومن طريق الخاصة: رواية أبي بصير، قال: سألت الصادق، عليه السلام، عن امرأة أصبحت صائمة في شهر رمضان، فلما ارتفع النهار، حاضت، قال: " تفطر " (2). ولو وجد الحيض في آخر جزء من النهار، فسد صوم ذلك اليوم إجماعا. ولو أمسكت الحائض ونوت الصوم مع علمها بالتحريم، لم ينعقد صومها، وكانت مأثومة عليه، ويجب عليها القضاء إجماعا. مسألة 60: لعلمائنا في المغمى عليه قولان: أحدهما: أنه يفسد

(1) سنن الترمذي 3: 154 / 787، سنن النسائي 4: 191، وأوردها ابن قدامة في المغني 3: 83.
(2) التهذيب 4: 253 / 750.

[ 103 ]

صومه بزوال عقله، وهو قول الشيخ أبي جعفر (1) رحمه الله، وأكثر علمائنا (2)، وأحد أقوال الشافعي (3)، وهو المعتمد، لأنه بزوال عقله سقط التكليف عنه وجوبا وندبا، فلا يصح منه الصوم مع سقوطه. ولأن كل ما يفسد الصوم إذا وجد في جميعه، أفسده إذا وجد في بعضه، كالجنون والحيض. ولقول الصادق عليه السلام: كلما غلب الله عليه فليس على صاحبه شئ " (4). والقول الثاني لعلمائنا: إنه إن سبقت منه النية، صح صومه، وكان باقيا عليه، اختاره المفيد (5) رحمه الله، وهو ثاني أقوال الشافعي (6). وثالث الأقوال: إنه إن أفاق في أوله أو وسطه أو آخره، صح صومه، وإلا فلا. وقال مالك: إن أفاق قبل الفجر واستدام حتى يطلع الفجر، صح صومه، وإلا فلا (8). وقال أحمد: إذا أفاق في جزء من النهار، صح صومه (9). وقال أبو حنيفة والمزني: يصح صومه لأن لم يفق في شئ منه، لأن

(1) المبسوط للطوسي 1: 266.
(2) منهم: المحقق الحلي في المعتبر: 309، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 291 و 292.
(3) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 346، فتح العزيز 6: 406 - 407 حلية العلماء 3: 205 - 206.
(4) التهذيب 4: 245 / 726.
(5) المقنعة: 726 (6 و 7) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 346، فتح العزيز 6: 406 - 407، حلية العلماء 3: 205 - 206.
(8) الكافي في فقه أهل المدينة: 123 - 124، حلية العلماء 3: 205، فتح العزيز 6: 407.
(9) المغني 3: 33، الشرح الكبير 3: 25، حلية العلماء 3: 206، فتح العزيز 6: 406

[ 104 ]

النية قد صحت، وزوال الشعور بعد ذلك لا يمنع من صحة الصوم كالنوم (1). والفرق: أن النوم جبلة وعادة، ولا يزيل العقل، والاغماء عارض يزيل العقل، فأشبه الجنون، فكان حكمه حكمه. وأما السكران وشارب المرقد فلا يسقط عنه الفرض، لأن الجناية من نفسه، فلا يسقط الفرض بفعله، وكذا النائم. مسألة 61: الاستحاضة ليست مانعة من فعل الصوم وغيره من العبادات، كالصلاة وشبهها، إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. ويجب عليها الصوم، ويصح منها مع فعل الأغسال إن وجبت عليها، لقول الصادق عليه السلام في المستحاضة: (تصوم شهر رمضان إلا الأيام التي كانت تحيض فيهن ثم تقضيها بعد " (2). ولو أخلت المستحاضة بالاغسال مع وجوبها عليها، لم ينعقد صومها، وتقضيه، لفوات شرطه، ولا تجب عليها الكفارة، لأصالة البراءة. لأنما يعتبر الغسل في صحة الصوم في حق من يجب عليها الغسل، كالمستحاضة الكثيرة الدم، أما التي لا يظهر دمها على الكرسف، فإنه لا يعتبر في صومها غسل ولا وضؤ. وأما كثيرة الدم التي يجب عليها غسل واحد، فإذا أخلت به، بطل صومها. والتي يجب عليها الأغسال الثلاثة لو أخلت بغسلي النهار أو بأحدهما، بطل صومها. ولو أخلت بالغسل الذي للعشاءين، فالأقرب صحة صومها، لأن هذا

(1) مختصر المزني: 57، المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 346، حلية العلماء 3: 205، فتح العزيز 6: 406 و 407، الهداية للمرغيناني 1: 128.
(2) الكافي 4: 135 - 136 / 5، الفقيه 2: 94 / 420، التهذيب 4: 282 / 854 و 310 / 936.

[ 105 ]

الغسل إنما يقع بعد انقضاء صوم ذلك اليوم. مسألة 62: شرط صحة الصوم الواجب: الحضر أو حكمه، فلا يصح الصوم الواجب في السفر إلا ما نستثنيه، عند علمائنا - وبه قال أهل الظاهر وأبو هريرة (1) - لقوله تعالى " فعدة من أيام آخر " (2) أوجب عوض رمضان عدة أيام غيره للمسافر،. وايجابها يستلزم تحريم صوم رمضان، لأنه لا يصح صومه، ويجب قضاؤه إجماعا. وما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (ليس من البر الصيام في السفر) (3). وقال عليه السلام. (الصائم في السفر كالمفطر في الحضر) (4). ومن طريق الخاصة: قول معاوية بن عمار: سمعته يقول: " إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزئه، وعليه الاعادة " (5). وقال الصادق عليه السلام: " لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله، يصوم في السفر في شهر رمضان ولا غيره " (6). أما الندب ففي صحته في السفر قولان: أشهرهما: الكراهة، لأن أحمد بن محمد سأل أبا الحسن عليه السلام عن الصيام بمكة والمدينة ونحن سفر، قال: " فريضة؟ " فقلت: لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة،

(1) المجموع 6: 264.
(2) البقرة: 184 و 185.
(3) سنن ابن ماجة 1: 532 / 1664 و 1665، سنن الترمذي 3: 90 ذيل الحديث 710، سنن النسائي 4: 175 - 177، مسند أحمد 5: 434، سنن البيهقي 4: 242، والمعجم الكبير للطبراني 11: 187 / 11447 و 12: 374 / 1387، و 446 / 13618، و 19: 171 - 175 / 385 - 399، وشرح معاني الآثار 2: 63.
(4) تاريخ بغداد 11: 383، بتفاوت يسير في سنن ابن ماجة 1: 532 / 1666 (5) التهذيب 5: 221 / 645.
(6) التهذيب 4: 235 - 236 / 691، الاستبصار 2: 102 / 333

[ 106 ]

فقال: " تقول اليوم وغدا؟ " قلت: نعم، فقال: " لا تصم " (1) وأقل مراتب النهي الكراهة. مسألة 63: يصح الصوم الواجب في السفر في مواضع: أ - من نذر صوم زمان معين، وشرط في نذره صومه سفرا وحضرا، فإنه يجب صومه وإن كان مسافرا، لقوله تعالى: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " (2) وللرواية (3). ب - صوم ثلاثة أيام لبدل دم المتعة، لقوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) (3). ج - صوم ثمانية عشر يوما لمن أفاض من عرفات عامدا عالما قبل الغروب وعجز عن البدنة. د - من كان سفره أكثر من حضره، كالمكاري والملاح والبدوي وباقي الأصناف السابقة، ومن عزم على مقام عشرة أيام، أو كان سفره معصية. وقد تقدم ذلك كله في كتاب الصلاة. وأما ما عدا ذلك فيحرم صومه في السفر، لأن عمار الساباطي سأل الصادق عليه السلام، عن الرجل يقول: لله علي أن أصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل، فعرض له أمر لابد له أن يسافر، أيصوم وهو مسافر؟ قال: " إذا سافر فليفطر، لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، والصوم في السفر معصية " (5). وهو نص في الباب، وعمار وإن كان فطحيا إلا أنه ثقة اعتمد الشيخ - رحمه الله - على روايته في مواضع.

(1) التهذيب 4: 235 / 690، الاستبصار 2: 102 / 332.
(2) البقرة: 177.
(3) الكافي 4: 143 / 9، التهذيب 4: 235 / 688، الاستبصار 2: 101 / 330.
(4) البقرة: 196.
(5) التهذيب 4: 328 / 1022.

[ 107 ]

مسألة 64: يستحب صوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة ندبا وإن كان مسافرا، وهو مستثنى من كراهة صوم النافلة سفرا، لضرورة السفر والمحافظة على الصوم في ذلك الموضع. روى معاوية بن عمار - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال: إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام، صمت أول [ يوم ] (1) يوم الأربعاء وتصلي ليلة الأربعاء عند اسطوانة أبي لبابة - وهي الاسطوانة التي كان يربط إليها نفسه حتى ينزل عذره من السماء - وتقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تاتي ليلة الخميس [ الاسطوانة ] (2) التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله، ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس، ثم تاتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصلاه ليلة الجمعة، فتصلي عندها ليلتك ويومك، وتصوم يوم الجمعة، وإن استطعت أن لا تتكلم بشئ في هذه الأيام إلا ما لابد لك منه ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة ولا تنام في ليل ولا نهار، فافعل فإن ذلك مما يعد فيه الفضل، (3) الحديث. مسألة 65: المريض الذي يضره الصوم إما بزيادة أو استمرار أو منع برئه لا يجوز له الصوم، فإن تكلفه وصام، لم يصح، لأنه منهي عنه بقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (4) والنهي في العبادات (5) يدل على الفساد. ولو قدر على الصوم ولا ضرر عليه بسببه البتة، وجب عليه الصوم. مسألة 66: قد بينا أن المغمى عل يسقط عنه الصوم، وقد اضطرب

(1 و 2) زيادة من المصدر.
(3) التهذيب 6: 16 / 35.
(4) البقرة: 184.
(5) في " ط ": العبادة.

[ 108 ]

قول الشافعي فيه، وأثبت الأصحاب (1) في المسألة له طريقين: إثبات الخلاف ونفيه. أما المثبتون للخلاف فلهم طرق، أظهرها: أن المسألة على ثلاثة أقوال، أصحها: أنه إذا كان مفيقا في أول النهار (2)، صح صومه - وبه قال أحمد - لاقتضاء الدليل اشتراط النية مقرونة بجميع أجزاء العبادة، إلا أن الشرع لم يشترط ذلك، واكتفى بتقديم العزم، دفعا للعسر، فلابد وأن يقع المعزوم عليه بحيث يتصور القصد، وإمساك المغمى عليه لم يقع مقصودا، فإذا استغرق الاغماء، امتنع التصحيح، وإذا وجدت الافاقة في لحظة، أتبعنا زمان الاغماء زمان الافاقة. والثاني: اشتراط الافاقة في أول النهار - وبه قال مالك - لأنها حالة الشروع في الصوم، فينبغي أن تجتمع فيه صفات الكمال، ولهذا خص أول الصلاة باشتراط النية فيه (3). والطريق الثاني: أنه ليس في المسألة إلا قولان: الأول والثاني. والثالث (4): أن المسألة على خمسة أقوال: هذه الثلاثة وقولان آخران: أحدهما ما ذكره المزني، وهو: أنه إذا نوى من الليل، صح صومه لأن استغرق الاغماء جميع النهار كالنوم. وخرجه من النوم. وبه قال أبو حنيفة. والثاني: أنه تشترط الافاقة في طرفي النهار وقت طلوع الشمس وغروب الشمس، لأن الصلاة لما اعتبرت النية فيها ولم تعتبر في جميعها اعتبرت في

(1) أي: الأصحاب من الشافعية.
(2) كذا في النسخ الخطية والطبعة الحجرية، وهو متحد مع القول الثاني الآتي بعد عدة أسطر. ومن سياق العبارة ومراجعتنا للمصادر نستظهر أن تكون العبارة هكذا: في أول النهار أو وسطه أو آخره. أو: في جزء من النهار.
(3) لم يذكر المصنف - قدس سره - القول الثالث لهم وهو: اشتراط الافاقة في جميع النهار. راجع: فتح العزيز 6: 407.
(4) أي: الطريق الثالث.

[ 109 ]

طرفيها، كذلك حكم الافاقة في الصوم. وأما النافون للخلاف، فلهم طريقان: أحدهما: أن المسألة على قول واحد، وهو: اشتراط الافاقة في أول النهار. وأظهرهما: أن المسألة على قول واحد، وهو: اشتراط الافاقة في جزء من النهار (1). ولو نوى من الليل ثم شرب مرقدا فزال عقله نهارا، فالأقرب: وجوب القضاء. ورتب الشافعية ذلك على الإغماء، فإن قالوا: لا يصح الصوم في الإغماء، فهنا أولى، وإن قالوا: يصح، فوجهان، والأصح عندهم: وجوب القضاء، لأنه بفعله (2). ولو شرب المسكر ليلا وبقي سكره في جميع النهار، فعليه القضاء، وإن بقي بعض النهار ثم صحا، فهو كالاغماء في بعض النهار عند الشافعية (3). وقد رتب الجويني للاختلال مراتب: أ - الجنون، وهو يسلب خواص الانسان ويكاد يلحقه بالبهائم. ب - الإغماء، وهو يغشى العقل ويغلب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار. ج - النوم، وهو مزيل للتميز لكنه سهل الازالة، والعقل معه كالشئ المستور الذي يسهل الكشف عنه. د - الغفلة، ولا أثر لها في الصوم إجماعا (4).

(1) فتح العزيز 6: 406 - 407. (2 و 3) فتح العزيز 6: 408.
(4) فتح العزيز 6: 408 - 409.

[ 111 ]

الفصل السادس أفي الزمان الذي يصح صومه مسألة 67: محل الصوم إنما هو النهار دون الليل، للنص والإجماع. قال الله تعالى: " فالآن باشروهن وابتغوا ماكتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل (1). وأجمع المسلمون كافة على ذلك. ولو نذر صوم الليل، لم ينعقد نذره، لأنه نذر الصوم في الليل وليس محلا له، فلم يكن الامساك فيه عبادة شرعية، فلا ينعقد. ولا فرق بين أن يفرده عن النهار في الصوم أو يضمه إليه، لأنه لا يصمح صومه بانفراده، فلا يصح منضما إلى غيره، ولا ينعقد صوم النهار حينئذ، لأن المجموع لا يصح صومه، ولا ينعقد نذره، لأنه نذر معصية، فلا ينعقد نذر صوم النهار. مسألة 68: ويحرم صوم يومي العيدين في فرض أو نفل، فإن صام واحدا منهما أو صامهما، فعل محرما، ولم يجزئه عن الفرض بإجماع علماء

(1) البقرة: 187.

[ 112 ]

الأمصار، لما رواه العامة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله، نهى عن صيام يومين: يوم فطر ويوم أضحى (1)، والنهي يدل على التحريم. ومن طريق الخاصة: ما رواه الزهري عن سيد العابدين عليه السلام، قال في حديث طويل ذكر فيه وجوه الصيام: " وأما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى " (2) الحديث. مسألة 69: لو نذر صوم يومي العيدين، لم ينعقد نذره ولم يصر العيد قابلا لايقاع الصوم فيه باعتبار النذر - وبه قال الشافعي (3) - لأنه محرم شرعا إجماعا، فلا يصح نذره. ولأنه معصية، لأنه منهي عنه، لقوله عليه السلام: (ألا لا تصوموا هذه الأيام) (4) فلا يتقرب بالنذر فيه إلى الله تعالى، لتضاد الوجهين. ولقوله عليه السلام: (لا نذر في معصية) (5). ولأنه نذر صوما محرما فلم ينعقد، كما لو نذرت صوم أيام حيضها. ولأن ما لا يصح صومه عن النذر المطلق والكفارة لا يصح عن النذر المعين فيه كأيام الحيض والنفاس. وقال أبو حنيفة: صومه محرم، ولو نذره انعقد، ولزمه أن يصوم غيره، وإن صام فيه أجزأه - ولو صام فيه عن نذر مطلق، لم يجزئه - لأنه نذر صوم يوم مع أهليته للصوم فيه، فانعقد نذره كسائر الأيام (6).

(1) صحيح مسلم 2: 799 / 1138، سنن البيهقي 4: 297.
(2) الكافي 4: 85 / 1، الفقيه 2: 47 / 208، التهذيب 4: 296 / 895.
(3) المجموع 8: 482، الوجيز 2: 234، حلية العلماء 3: 386.
(4) سنن الدارقطني 2: 187 / 33، و 212 / 33.
(5) سنن أبي داود 3: 232 / 3290 و 233 / 3292، سنن الترمذي 4: 103 - 104 / 1524 و 1525، سنن ابن ماجه 1: 686 / 2124 و 2125، سنن النسائي 7: 26 - 30، المستدرك - للحاكم - 4: 305، سنن البيهقي 10: 69.
(6) المبسوط للسرخسي 3: 95 - 96، بدائع الصنائع 2: 79 - 80، الهداية للمرغيناني 1:

[ 113 ]

ونمنع أهليته للصوم، لورود النهي عنه (1). مسألة 70: ويحرم صوم أيام التشريق - وهي الحادي عشر من ذي الحجة والثاني عشر والثالث عشر - لمن كان بمنى خاصة في الفرض والنفل عند علمائنا. وقد قال أكثر أهل العلم بإنه لا يحل صيامها تطوعا (2) لأن العامة روت عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل) (3). وعن عبد الله بن حذافة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله، أيام منى أنادي: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال (4) (5)، يعني أيام التشريق. ومن طريق الخاصة: رواية الزهري عن زين العابدين عليه السلام: " وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى وثلاثة أيام التشريق " (6). وأما صومها في الفرض: فعندنا أنه لا يجوز، لما تقدم من الأخبار من طريق العامة والخاصة، وبه قال أبو حنيفة (7). وقال مالك: يجوز (8).

131، حلية العلماء 3: 386، المجموع 6: 440 و 8: 482،، فتح العزيز 6: 409 - 410 و 416، المغني 11: 360، الشرح الكبير 11: 348. (1) صحيح مسلم 2: 799 / 1138، سنن البيهقي 4: 297.
(2) المغني 3: 104، الشرح الكبير 3: 111 - 112.
(3) صحيح مسلم 2: 800 / 1141، مسند أحمد 5: 75، وأوردها ابنا قدامة في المغني 3: 104، والشرح الكبير 3: 111.
(4) البعال: النكاح وملاعبة الرجل أهله. النهاية لابن الأثير 1: 141.
(5) سنن الدارقطني 2: 212 / 32، واورده ابن قدامة في المغني 3: 104.
(6) الكافي 4: 85 / 1، الفقيه 2: 47 / 208، التهذيب 4: 296 / 895.
(7) المبسوط للسرخسي 3: 81، بدائع الصنائع 2: 79، المجموع 6: 445.
(8) بداية المجتهد 1: 309، فتح العزيز 6: 410 و 416، حلية العلماء 3: 214، المجموع 6: 445.

[ 114 ]

وللشافعي قولان: القديم: الجواز، لأن النبي صلى الله عليه وآله، رخص للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة أن يصوم أيام التشريق. والجديد: التحريم (1) واعلم: أن بعض الشافعية خص جواز صومها بالمتمتع في بدل الهدى، ومنع غيره، لأن النهي عام، والرخصة ودت في حق المتمتع خاصة، وهو قول أكثرهم (2). وقال بعضهم: إنه يجوز صومها لغيره، لأن تجويز صومها للمتمتع إنما كان لأنه صوم له سبب، فيجوز مثل هذا الصوم لكل أحد، دون التطوعات المحضة (3). فروع: أ - قيد أصحابنا التحريم لمن كان بمنى، فلو كان في غيرها من الأمصار، لم يحرم صوم أيام التشريق عليه، لأن معاوية بن عمار سأل الصادق عليه السلام، عن الصائم (4) أيام التشريق، فقال: " أما بالامصار فلا بأس به، وأما بمنى فلا " (5). ب - هل التحريم مطلق على من كان بمنى، أو بشرط أن يكون ناسكا؟ فيه إشكال. ج - لو نذر صوم أيام التشريق، فإن كان بمنى، لم ينعقد نذره، لأنه صوم محرم، وإن كان بغيرها، صح. د - قال الشيخ في النهاية: صوم ثلاثة أيام: يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، فإن فاته صوم هذه، فليصم يوم الحصبة - وهو يوم النفر - ويومان

(1) المهذب للشيرازي 1: 196، المجموع 6: 445، فتح العزيز 6: 410 - 411، حلية العلماء 3: 214، وراجع: سنن الدارقطني 2: 186 / 29. (2 و 3) فتح العزيز 6: 411 - 412.
(4) في التهذيب: صيام. وفي الاستبصار: الصيام. (5) التهذيب 4: 297 / 897، الاستبصار 2: 132 / 429.

[ 115 ]

بعده متواليات (1). ويشكل: بأن يوم الحصبة من جملة أيام التشريق. مسألة 71: لو نذر صوم يوم معين كالسبت مثلا، فاتفق أنه أحد العيدين، أو أيام التشريق، لم يجز صومه. والأقوى: بطلان النذر، لأنه لم يصادف محلا. ويحرم صوم يوم الشك بنية إنه من رمضان إنه كان من رمضان، كان واجبا، وإن كان من غير رمضان (2)، كان ندبا، وقد سبق (3) ذلك كله.

(1) النهاية: 254 - 255.
(2) في الطبعة الحجرية: من شعبان، بدل من غير رمضان.
(3) سبق في الفرع (أ) من المسألة 8.

[ 117 ]

الفصل السابع في أقسام الصوم أقسام الصوم أربعة: واجب ومندوب ومكروه ومحظور فالواجب من الصوم ستة: شهر رمضان والكفارات ودم المتعة والنذر وشبهه، والاعتكاف على وجه، وقضاء، الواجب، فهنا مطالب: الأول: في شهر رمضان، وفيه مباحث: البحث الأول: في علامته. يعلم دخول شهر رمضان وغيره من الشهور بأحد أمور ثلاثة: إما رؤية الهلال أو الاخبار أو الحساب. النظر الأول: في رؤية الهلال مسألة 72: أجمع العلماء كافة على أن رؤية الهلال للزائد على الواحد سبب في وجوب الصوم في شهر رمضان، وعلامة على دخوله. قال الله تعالى: " يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج " (1) دل على أنه تعالى اعتبر الاهلة في تعرف أوقات الحج وغيره مما

(1) البقرة: 189.

[ 118 ]

يعتبر فيه الوقت. وأجمع المسلمون من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى زماننا هذا على اعتبار الهلال والترائي له، والتصدي لإبصاره، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتصدى لرؤيته ويتولاها (1). وشرع عليه السلام قبول الشهادة (2) عليه، والحكم في من شهد بذلك في مصر من الأمصار، ومن جاء بالخبر من خارج المصر، وحكم المخبر به في الصحو، وخبر من شهد برؤيته مع العوارض، وذلك يدل على أن رؤية الهلال أصل من أصول الدين معلوم ضرورة من شرع الرسول عليه السلام والأخبار متواترة بذلك، ولا نعلم فيه إختلافا. وقد سئل الصادق عليه السلام عن الاهلة، فقال: " هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر " (3). مسألة 73: ويلزم صوم رمضان من رأى الهلال وإن كان واحدا انفرد برؤيته، سواء كان عدلا أو غير عدل، شهد عند الحاكم أولم قبلت شهادته أو ردت، ذهب إليه علمائنا إجمع - وبه قال مالك والحارث والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي (4) - لما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه أنه قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (5) - وتكليف الرسول صلى الله عليه

(1) راجع: سنن الدارمي 2: 3 - 4.
(2) راجع: سنن الترمذي 3: 74 / 961، وسنن الدارقطني 2: 156 / 1 و 3 و 158 - 159 / 7 - 14، وسنن البيهقي 4: 249، وسنن الدارمي 2: 4 - 5.
(3) الكافي 4: 76 / 1، التهذيب 4: 156 - 157 / 434، الاستبصار 2: 63 / 204.
(4) المدونة الكبرى 1: 193، بداية المجتهد 1: 285، الكافي في فقه أهل المدينة: 120، المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 280، فتح العزيز 6: 449، حلية العلماء 3: 183، المبسوط للسرخسي 3: 64، بدائع الصنائع 2: 80، الهداية للمرغيناني 1: 120، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 11.
(5) صحيح مسلم 2: 762 / 18 و 19، صحيح البخاري 3: 35، سنن الترمذي 3:

[ 119 ]

وآله كما يتناول الواحد يتناول الجميع وبالعكس ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الاهلة: " هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر " (1). ولأنه يتيقن أنه من رمضان، فلزمه صومه، كما لو حكم به الحاكم. ولأن الرؤية أبلغ في باب العلم من، الشاهدين، بل الشاهدان يفيدان الظن، والرؤية تفيد القطع، فإذا تعلق حكم الوجوب بأضعف الطريقين فبالأقوى أولى وقال عطاء والحسن وابن سيرين وإسحاق،: إذا انفرد الواحد برؤية الهلال، لا يصوم - وعن أحمد روايتان (2) - لأنه يوم محكوم من شعبان، فأشبه التاسع والعشرين (3). ونمنع الحكم بكونه من شعبان في حق الرائي، لأنه يتيقن إنه من شهر رمضان، فلزمه صيامه كالعدل. إذا ثبت هذا، فإن أفطر هذا المنفرد، وجب عليه الكفارة عند علمائنا أجمع، لأنه أفطر يوما من رمضان، فوجب عليه الكفارة، كما لو قبلت شهادته. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه الكفارة، لأنها عقوبة، فلا تجب بفعل مختلف فيه كالحد (4)

72 / 688، سنن النسائي 4: 133 و 136 و 154، سنن الدارمي 2: 2 و 3، سنن الدارقطني 2: 158 / 7 و 160 - 161 / 15 و 20 و 162 - 163 / 27 و 28، سنن البيهقي 4: 247. (1) التهذيب 4: 155 / 430، الاستبصار 2: 62 - 63 / 200 (2) المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 11.
(3) 3: 96، الشرح الكبير 3: 11، المجموع 6: 280، بداية المجتهد 1: 285.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 64، بدائع الصنائع 2: 80 الهداية للمرغياني 1: 120، المجموع 6: 280، المغني 3: 96، بداية المجتهد 1: 286 فتح العزيز 6: 449 - 450

[ 120 ]

ونمنع كون الكفارة عقوبة، وينتقض قياسه بوجوب الكفارة في السفر القصير مع وقوع الخلاف فيه. مسألة 74: يستحب الترائي للهلال ليلة الثلاثين من شعبان ورمضان، وتطلبه، ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف. وقد روى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) (1). ومن طرين الخاصة: ما روي عن الباقر عليه السلام، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من الحق في شهر رمضان يوما من غيره متعمدا، فليس يؤمن بالله ولأبي) (2).. ولأن الصوم واجب في أول رمضان، وكذا الإفطار في العيد، فيجب التوصل إلى معرفة وقتهما، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. مسألة 75: يستحب لرائي الهلال الدعاء، لأنه انتقال من زمان إلى آخر، فاستحب الدعاء بطلب الخير فيه. - روى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقول إذا رأى الهلال: (الله أكبر، اللهم أهله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله) (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان إذا أهل شهر رمضان، استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: اللهم أهله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والعافية المجللة (4)،

(1) سنن الدارقطني 2: 162 - 163 / 28، سنن الترمذي 3: 71 / 687.
(2) التهذيب 4: 161 / 454.
(3) سنن الدارمي 2: 3 - 4، كنز العمال 8: 595 / 24309 نقلا عن تاريخ ابن عساكر، المعجم الكبير للطبراني 12: 356 / 13330، وأوردها ابنا قدامة في المغني 3: 10، والشرح الكبير 3: 5، وقالا: رواه الأثرم.
(4) جلل الشئ، أي: عم. لسان العرب 11: 118 " جلل ".

[ 121 ]

والرزق الواسع، ودفع الاسقام، التهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، اللهم سلمه لنا، وتسلمه منا، وسلمنا فيه " (1). وكان أمير المؤمنين عليه السلام، إذا أهل هلال رمضان أقبل إلى القبلة، وقال: " اللهم أهله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والعافية المجللة، اللهم ارزقنا صيامه وقيامه وتلاوة القرآن فيه، اللهم تقبله لنا، وتسلمه منا، وسلمنا فيه) (2). وكان عليه السلام أيضا يقول: " إذا رأيت الهلال، فلا تبرح وقل: اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وفتحه ونوره ونصره وبركته وطهوره ورزقه، أسألك خير ما فيه وخير ما بعده، وأعوذ بك من شرما فيه وشر ما بعده، اللهم أدخله علينا بالامن والايمان، والسلامة والاسلام، والبركة والتقوى، والتوفيق لما تحب وترضى " (3). وكان من قول أمير المؤمنين عليه السلام أيضا عند رؤية الهلال: " أيها الخلق المطيع، الدائب (4) السريع، المتردد في فلك التدوير (5)، المتصرف في منازل التقدير، آمنت بمن نور بك الظلم، وأضاء بك البهم، وجعلك آية من آيات سلطانه، وامتهنك (6) بالزيادة والنقصان والطلوع والأفول، والانارة والكسوف، في كل ذلك أنت له مطيع، وإلى إرادته سريع، سبحانه ما أحسن

(1) الكافي 4: 70 - 71 / 1، التهذيب 4: 196 - 197 / 562.
(2) الكافي 4: 73 - 74 / 4، التهذيب 4: 197 / 563.
(3) الكافي 4: 76 / 9، الفقيه 2: 62 / 268، التهذيب: 197 / 564.
(4) الدأب: الجد في العمل. مجمع البحرين 2: 54.
(5) في المصدر: التدبير.
(6) في النسخ الخطية: وامتحنك، بدل وامتهنك. وامتهنه، أي: استعمله للمهنة. والمهنة: الخدمة. لسان العرب 13: 424 و 425.

[ 122 ]

ما دبر، وأتقن ما صنع في ملكه، وجعلك الله [ هلال ] (1) شهر حادث لامر حادث، جعلك الله هلال أمن وأمان، وسلامة وإسلام، هلال أمن (2) من العاهات، وسلامة من السيئات، اللهم اجعلنا أهدى من طلع عليه، وأزكى من نظر إليه، وصل على محمد وآله، وافعل بي كذا وكذا يا أرحم الراحمين " (3) مسألة 76: إذا رأى الهلال أهل بلد، ولم يره أهل بلد آخر، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة، كان حكمها واحدا: يجب الصوم عليهما معا، وكذا الإفطار وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق، فلكل بلد حكم نفسه، قاله الشيخ (4) رحمه الله، وهو المعتمد، وبه قال أبو حنيفة، وهو قول بعض الشافعية، ومذهب القاسم وسالم وإسحاق (5)، لما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام، قال قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهل علي رمضان، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس فذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله (6)

(1) مابين المعقوفين أثبتناه في الصدر (2) في النسخ الخطية، أمنة.
(3) الفقيه 2: 63 / 270 (4) المبسوط للطوسي 1: 268 (5) فتح العزيز 6: 271 - 272، المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 273 و 274 حلية العلماء 3: 180، المغني 3: 10 الشرح الكبير 3: 7 (6) صحيح مسلم 2: 765 / 1087 سنن الترمذي 3: 76 - 77 / 693، سنن أبي داود 2: 299 - 300 / 2332، سنن النسائي 4: 131، سنن الدارقطني 2: 171 / 21،

[ 123 ]

ولأن البلدان المتباعدة تختلف في الرؤية باختلاف المطالع والأرض كرة، فجاز أن يرى الهلال في بلد ولا يظهر في آخر، لأن حدبة (1) الأرض مانعة من رؤيته، وقد رصد أهل المعرفة، وشوهد بالعيان خفاء بعض الكواكب القريبة لمن جد في السير نحو المشرق وبالعكس. وقال بعض الشافعية: حكم البلاد كلها واحد، متى رؤي الهلال في بلد وحكم بأنه أول الشهر، كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت، اختلف مطالعها أو لا - وبه قال أحمد بن حنبل والليث بن سعد (2)، وبعض علمائنا - لأنه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية، وفي الباقي بالشهادة، فيجب صومه، لقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (3). وقوله عليه السلام: " فرض الله صوم شهر رمضان " (4) وقد ثبت إن هذا اليوم منه. ولأن الدين يحل به، ويقع به النذر المعلق عليه. ولقول الصادق عليه السلام: " فإن شهد أهل بلد آخر ناقضه " (5). وقال عليه السلام، في من صام تسعة وعشرين، قال: " إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية، قضى يوما " (6). ولأن الأرض مسطحة، فإذا رؤي في بعض البلاد عرفنا أن المانع في

(1) سنن البيهقي 4: 251 (2) الحدبة: ما أشرف من الأرض وغلظ وارتفع. لسان العرب 1: 301.
(3) البقرة: 185 (4) صحيح البخاري 3: 31، سنن النسائي 4: 121، سنن البيهقي 4: 201 نقلا بالمعنى.
(5) التهذيب 4: 157 - 158 / 439، الاستبصار 2: 64 / 206.
(6) التهذيب 4: 158 / 443.

[ 124 ]

غيره شئ عارض، لأن الهلال ليس بمحل الرؤية. ونمنع كونه يوما من رمضان في حق الجميع، فإنه المتنازع، ولا نسلم التعبد بمثل هذه الشهادة، فإنه أول المسألة. وقول الصادق عليه السلام محمول على البلد المقارب، لبلد الرؤية، جمعا بين الأدلة. ونمنع تسطيح الأرض، بل المشهور: كرويتها. فروع: أ - اختلفت الشافعية في الضابط لتباعد البلدين، فبعضهم اعتبر مسافة القصر (1). وقال بعضهم: الاعتبار بمسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر، فقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر، للأرتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاورتها لها، وهذا لا قائل به (2). وبعضهم اعتبر ما قلناه وضبطوا التباعد: بأن يكون بحيث تختلف المطالع، كالحجاز والعراق، والتقارب: بأن لا تختلف، كبغداد والكوفة (3). ومنهم من اعتبر اتحاد الاقليم واختلافه (4). ب - لو شرع في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم ير الهلال فيه في يومه الأول، فإن قلنا: لكل بلدة حكمها، فهل يلزمه أن يصوم معهم أم (5) يفطر؟ وجهان: أحدهما: إنه يصوم معهم - وهو قول بعض الشافعية (6) - لأنه بالانتقال إلى بلدهم أخذ حكمهم، وصار من جملتهم. والثاني: أنه يفطر، لأنه التزم حكم البلدة الأولى، فيستمر عليه، وشبه

(1 - 4) فتح العزيز 6: 273 - 275، والمجموع 6: 273.
(5) في " ط " والطبعة الحجرية: " أو " بدل " أم ".
(6) فتح العزيز 6: 277.

[ 125 ]

ذلك بمن اكترى دابة لزمه الكراه بنقد البلد المنتقل عنه. وإن عممنا الحكم سائر (1) البلاد، فعلى أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البلدة المنتقل عنها إما بقوله، لعدالته، أو بطريق آخر، وعليهم قضاء اليوم الأول. ج - لو سافر من البلدة التي يرى (2) فيها الهلال ليلة الجمعة إلى التي يرى فيها الهلال ليلة السبت، ورؤي هلال شوال ليلة السبت، فعليهم التعييد معه وإن لم يصوموا إلا ثمانية وعشرين يوما، ويقضون يوما. وعلى قياس الوجه الأول لا يلتفتون إلى قوله: رأيت الهلال، وإن قبل في الهلال قول عدل. وعلى عكسه لو سافر من حيث لم ير فيه الهلال إلى حيث رؤي، فيعيدوا التاسع والعشرين من صومه، فإن (4) عممنا الحكم، وقلنا: حكمه حكم البلد المنتقل إليه، عيد معهم، وقضى يوما، وإن لم نعمم الحكم وقلنا: إنه بحكم البلد المنتقل عنه، فليس له أن يفطر. د - لو رؤي الهلال في بلد، فأصبح الشخص معيدا، وسارت به السفينة، وانتهى إلى بلدة على حد البعد، فصادف أهلها صائمين، احتمل أن يلزمه إمساك بقية اليوم حيث قلنا: إن كل بلدة لها حكمها، وعدمه، لأنه لم يرد فيه أثر، ويجزئه اليوم الواحد، وإيجاب إمساك بعضه بعيد. ولو انعكس الحال، فأصبح الرجل صائما، وسارت به السفينة إلى حيث عيدوا، فإن عممنا الحكم أو قلنا: إن حكمه حكم البلدة المنتقل إليها، أفطر، وإلا فلا. وإذا أفطر، قضى يوما، لأنه لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوما.

(1) " سائر " منصوب بنزع الخافض. (2 و 3) الأنسب في الموضعين: رؤي.
(4) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: " وإن " بدل " فإن " وما أثبتناه يقتضيه السياق.

[ 126 ]

مسألة 77: إذا رؤي الهلال يوم الثلاثين، فهو للمستقبلة (1)، سواء رؤي قبل الزوال أو بعده، فإن كان هلال رمضان، لم يلزمهم صيام ذلك اليوم، وإن كان هلال شوال، لم يجز لهم الإفطار إلا بعد غروب الشمس، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة (2) - لما رواه العامة عن أبي وائل منصور بن سلمة (3)، قال: جائنا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الاهلة بعضها أكبر من بعض، فأذا رأيتم الهلال في أول النهار، فلا تفطروا (4) حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية. ومن طريق الخاصة: ما روى محمد بن عيسى، قال: كتبت إليه عليه السلام: جعلت فداك ربما (5) غم علينا هلال شهر رمضان، فيرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال فترى انفطر قبل الزوال إذا رأيناه، أم لا؟ وكيف تأمر في ذلك؟ فكتب عليه السلام: " تتمم إلى الليل، فإنه إن كان تاما رؤى قبل الزوال " (6).

(1) أي: لليلة المستقبلة (2) الكافي في فقه أهل المدينة: 120، المنتقى للباجي 2: 39، المجموع 6: 272، فتح العزيز 6: 286، حلية العلماء 3: 180، بدائع الصنائع 2: 82، المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7.
(3) هكذا في النسخ الخطية والطبعة الحجرية، وفي المصادر الحديثة: سفيان عن منصور عن أبي وائل. واسم أبي وائل: شقيق بن سلمه، لا منصور بن سلمة. ونقل الرافعي في فتح العزيز 6: 287 هذه الرواية عن سفيان بن سلمة، ونقلها ابنا قدامة في المغني 3: 108، والشرح الكبير 3: 7، عن أبي وائل فقط. انظر: سنن الدارقطني 2: 169 / 10، وسنن البيهقي 4: 213، وأسد الغابة 3: 3، وتهذيب التهذيب 4: 317 (4) في النسخ الخطية " فلا تفطرن " بدل " فلا تفطروا ".
(5) غم الهلال على الناس: إذا ستره عنهم غيم أو غيره فلم ير. الصحاح 5: 1998.
(6) التهذيب 4: 177 / 490، الاستبصار 2: 73 / 221.

[ 127 ]

وقال الباقر عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو يشهد عليه عدل من المسلمين، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين ثم أفطروا " (1). وقال الثوري: إن رؤي قبل الزوال، فهو لليلة الماضية، وإن رؤي بعده، فهو للمستقبلة (2). وبه قال يوسف (3). وقال أحمد: إن كان في أول شهر رمضان، وكان قبل الزوال، فهو للماضية، وإن كان في هلال شوال، فروايتان: إحداهما: أنها كذلك، والثانية: للمستقبلة، لقوله عليه السلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وقد رأوه، فيجب الصوم والفطر. ولأن ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية (4). والمراد في الخبر: إذا رأوه عشية، بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، يلزمه قضاء ذلك اليوم، لأن ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله، كما لو رؤي بعد العصر.

(1) الفقيه 2: 77 / 337، التهذيب 4: 158 / 440 و 177 / 491 الاستبصار 2: 64 / 207 و 73 / 222. (2 و 3) المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7، المجموع 6: 272 - 273، حلية العلماء 3: 180، فتح العزيز 6: 286 - 287، بداية المجتهد 1: 285، شرح فتح القدير 2: 243.
(4) المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7، فتح العزيز 6: 287، حلية العلماء 3: 180، وتقدمت الاشارة إلى مصادر الحديث في الهامش (5) من ص 118 (5) المغني 3: 108، الشرح الكبير 3: 7

[ 128 ]

النظر الثاني: في الأخبار مسألة 78: لو لم ير الهلال إما لعدم تطلبه أو لعدم الحاسة أو لغم، وشبهه أو لغير ذلك من الأسباب، اعتبر بالشهادة بإجماع علماء الأمصار. على أن للشهادة اعتبارا في رؤية الهلال، وأنها علامة على الشهر، وإنما الخلاف وقع في عدد الشهود. والمشهور عند علمائنا: أنه لا يقبل في رؤية الهلال في رمضان وغيره إلا شهادة رجلين عدلين سواء الصحو والغيم، وسواء كانا من نفس البلد أو خارجة - وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين (1) - لما رواه العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذوا عدل، فصوموا وأفطروا وانسكوا) (2). وقال عليه السلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما إلا أن يشهد شاهدان) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن عليا عليه السلام قال: لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين " (2).

(1) بداية المجتهد 1: 286، الكافي في فقه أهل المدينة: 119، المهذب للشيرازي 1: 186، فتح العزيز 6: 250، المجموع 6: 277 و 282، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 8.
(2) أورده بتفاوت يسير ابنا قدامة في المغني 3: 97، والشرح الكبير 3: 8، وراجع: سنن الدارقطني 2: 167 / 3، وسنن النسائي 4: 133.
(3) أورده الرافعي في فتح العزيز 6: 250، وبتفاوت في سنن النسائي 4: 133.
(4) التهذيب 4: 180 / 498.

[ 129 ]

ولأنها عبادة فاعتبر عددها بأعم الشهادات وقوعا، اعتبارا بالأعم الأغلب. وقال سلار من علمائنا: يقبل في أول رمضان شهادة الواحد العدل، ولا يقبل في غيره إلا شهادة عدلين (1) - وهو أحد قولي الشافعي، والرواية الثانية عن أحمد، وقول ابن المبارك (2) - لما رواه العامة عن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: رأيت الهلال، قال: (أتشهد أن لا إله ألا الله، وأن محمدا عبده ورسوله؟) قال: نعم، قال: (يا بلال أذن في الناس فليصوموا) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام، قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين " (4). ولأن الاحتياط للعبادة يقتضي قبول الواحد. ولأنه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة، فقبل من واحد كالخبر بدخول. وقت الصلاة. ولأنه خبر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر، فقبل من واحد عدل كالرواية. ورواية ابن عباس حكاية حال لا عموم لها، فيحتمل أنه شهد عند النبي صلى الله عليه وآله شاهد آخر.

(1) المراسم: 233.
(2) المهذب للشيرازي 1: 186، المجموع 6: 282، فتح العزيز 6: 250، حلية العلماء 3: 180، بداية المجتهد 1: 286، المغني 3: 96 الشرح الكبير 3: 8.
(3) سنن أبي داود 2: 302 / 2340، سنن الترمذي 3: 74 / 691، سنن النسائي 4: 132، سنن الدارمي 2: 5، المستدرك - للحاكم - 1: 424، سنن البيهقي 4: 211 (4) الفقيه 2: 77 / 337، التهذيب 4: 158 / 440 و 177 / 491، الاستبصار 2: 64 / 207 / 222.

[ 130 ]

ويحتمل أن يكون قد حصل بشهادة الأعرابي ظن، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بالصوم غدا، ليتحفظوا من الفطر، فربما شهد بعد ذلك في النهار (1) شاهد آخر، فيثبت أنه من رمضان، فلا ينبغي المبادرة فيه بالافطار. وقول أمير المؤمنين عليه السلام، نقول بموجبه، ولا يدل على مطلوبهم، لأن لفظة " العدل " يصح إطلاقها على الواحد فما زاد، لأنه مصدر يصدق على القليل والكثير، تقول: رجل عدل. ورجلان عدل. ورجال عدل. ونمنع قبول خبر الواحد في دخول وقت الصلاة. والرواية قبل فيها الواحد، للإجماع، فإنه يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية، لعظم خطرها. وللشيخ - رحمه الله تعالى - قولان: قال في المبسوط: إن كان في السماء علة وشهد عدلان من البلد أو خارجه برؤيته، وجب الصوم، وإن لم يكن هناك علة لم يقبل إلا شهادة القسامة خمسين رجلا من البلد أو خارجه (2). وقال في النهاية: إن كان في السماء علة ولم يره جميع أهل البلد ورآه خمسون نفسا، وجب الصوم، ولا يجب الصوم إذا رآه واحد أو اثنان، بل يلزم فرضه لمن رآه حسب، وليس على غيره شئ. ومتى كان في السماء علة ولم ير في البلد الهلال وآه خارج البلد شاهدان عدلان، وجب أيضا الصوم، وإن لم يكن في السماء علة وطلب فلم ير، لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون نفسا من خارج البلد أنهم رأوه (3) لقول الصادق عليه السلام: " لا تجوز الشهادة في الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج

(1) في " ط ": في آخر النهار.
(2) راجع: المبسوط للطوسي 1: 267.
(3) النهاية: 150.

[ 131 ]

المصر، وكان بالمصر علة، فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية " (1). وسأل إبراهيم بن عثمان الخزاز، الصادق عليه السلام: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: " إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن تقوم عدة فيقول واحد: رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزئ في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر " (2). ولأنه مع انتفاء العلة يبعد اختصاص الواحد والاثنين بالرؤية مع اشتراكهم في صحة الحاسة، فلم يكن قولهما مؤثرا. ونمنع صحة سند الخبرين. وقول الخمسين قد لا يفيد إلا الظن، وهو ثابت في العدلين. وقال أبو حنيفة: لا يقبل في الصحو إلا لاستفاضة، وفي الغيم في هلال شهر رمضان يقبل واحد، وفي غيره لا يقبل إلا اثنان، لأنه لا يجوز أن ينظر إلى مطلع الهلال مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع جماعة، فيختص واحد برؤيته (3). ونحن نقول بموجبه من أنه لا تقبل شهادة الواحد، ولا تشترط الزيادة على الإثنين، لجواز الاختلاف في الرؤية، لبعد المرئي ولطافته وقوة الحاسة وضعفها، والتفطن للرؤية وعدمه، واختلاف مواضع نظرهم، وكدورة الهواء وصفوه.

(1) التهذيب 4: 159 / 448 و 317 / 963، الاستبصار 2: 74 / 227.
(2) التهذيب 4: 160 / 451.
(3) بدائع الصنائع 2: 80 - 81، المغني 3: 97، الشرح الكبير 3: 8، المجموع 6: 282، فتح العزيز 6: 258، حلية العلماء 3: 182.

[ 132 ]

ولأنه ينتقض: بما لو حكم برؤيته حاكم بشهادة الواحد أو الإثنين، فإنه يجوز، ولو امتنع - كما قالوه - لم ينفذ فيه حكم الحاكم. مسألة 79: لاتقبل شهادة النساء في ذلك، لقول علي عليه السلام: " لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال " (1). وقال الشافعي: إن قلنا: لا بد من اثنين، فلا مدخل لشهادة النساء فيه. ولا عبرة بقول العبد. ولا بد من لفظ الشهادة. وتختص بمجلس القضاء، لأنها شهادة حسية لا ارتباط لها - بالدعاوي. وإن قبلنا قول الواحد، فهل هو على طريق الشهادة أم على طريق الرواية؟ وجهان، أصحهما عنده: الأول، إلا أن العدد سومح به، والبينات مختلفة المراتب. والثاني: أنه رواية، لأن الشهادة ما يكون الشاهد فيها بريئا، وهذا خبر عما يستوي فيه المخبر وغير المخبر، فأشبه رواية الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، فعلى الأول لا يقبل قول المرأة والعبد، وعلى الثاني يقبل. وهل يشترط لفظ الشهادة؟ وجهان عنده (2). وقال أبو حنيفة: يقبل إخبار المرأة الواحدة، لأنه خبر ديني، فأشبه الخبر عن القبلة، والرواية، وهو قياس قول أحمد (3). ولا تقبل شهادة الصبي المميز الموثوق به. وقال الجويني: فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان (4). وقال بعض الشافعية: إذا أخبره موثوق به عن رؤية الهلال، لزم اتباع قوله وإن لم يذكر عند الحاكم (5).

(1) التهذيب 4: 180 / 498.
(2) فتح العزيز 6: 253 - 255، والمجموع 6: 277.
(3) بدائع الصنائع 2: 81، المغني 3: 98، الشرح الكبير 3: 10.
(4) فتح العزيز 6: 255.
(5) فتح العزيز 6: 255 - 256، المجموع 6: 277.

[ 133 ]

وقالت طائفة: يجب الصوم بذلك إذا اعتقد أن المخبر صادق (1) ولا خلاف أنه لا يقبل في هلال شوال إلا عدلان، إلا أبا ثور، فأنه قال: تقبل شهادة الواحد فيه (2). وهو غلط، لما تقدم (3) من الأحاديث. احتج: بأنه خبر يستوي فيه المخبر والمخبر، فأشبه أخبار الديانات، ولأنه إخبار عن خروج وقت العبادة، فيقبل فيه قول الواحد كالأخبار عن دخول وقتها (4). ونمنع كونه خبرا، ولهذا لا يقبل فيه: فلان عن فلان (5). فروع: أ - لا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا " (6). ولا بد من اعتبار العدالة الباطنة التي يرجع فيها إلى الخبرة الباطنة وأقوال المزكين - وهو أحد قولي الشافعية (7) - لأن الشرط انتفاء الفسق، وإنما يعرف بالاتصاف بالضد. ب - لو صاموا بشهادة الواحد عند من اعتبرها فلم ير الهلال بعد الثلاثين، فالوجه: الإفطار - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (8)

(1) فتح العزيز 6: 256، المجموع 6: 277.
(2) المغني 3: 98، الشرح الكبير 3: 10، حلية العلماء 3: 182، المجموع 6: 281، فتح العزيز 6: 268.
(3) تقدم في المسألة 78.
(4) المغني 3: 98، الشرح الكبير 3: 10، فتح العزيز 6: 268 - 269.
(5) أي قول المخبر: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى الهلال.
(6) الحجرات: 6.
(7) فتح العزيز 6: 257، المجموع 6: 277.
(8) المغني 3: 99 الشرح الكبير 3: 10، المهذب للشيرازي: 186 - 187، المجموع 6: 278، فتح العزيز 6: 258 - 259، حلية العلماء 3: 182.

[ 134 ]

لأن الصوم ثبت شرعا بشهادة الواحد، فيثبت الإفطار باستكمال العدة، ولا يكون إفطارا بالشهادة، كما أن النسب لا يثبت بشهادة النساء، وتثبت بهن الولادة، فيثبت النسب بالفراش على وجه التبع للولادة. والثاني للشافعي: لا يفطرون - وبه قال محمد بن الحسن (1) - لأنه يكون فطرا بشهادة واحد (2). وقد تقدم جوابه من جواز إثبات الشئ ضمنا بما لا يثبت به أصلا. وما موضع القولين؟ للشافعية طريقان: أحدهما: مع الصحو، ولو كانت السماء مغيمة، وجب الإفطار. والثاني: أن الصحو والغيم واحد (3). ج - لو صاموا بشهادة عدلين ورؤي الهلال بعد ثلاثين، فلا بحث، وإن لم ير الهلال فإن كانت السماء متغيمة، أفطر، وكذا إن كانت مصحية عند عامة العلماء (4)، لأن العدلين لو شهدا ابتداء على هلال شوال، لقبلنا شهادتهما، وأفطرنا، فلأن نفطر على ما أثبتناه بقولهما أولا أولى. وقال مالك: لا يفطرون، لأنا إنما نتبع قولهما بناء على الظن (5). وقد بينا خلافه. وعلى هذا القول لو شهد اثنان على هلال شوال ثم لم ير الهلال والسماء مصحية بعد ثلاثين، قضينا صوم أول يوم أفطرنا فيه، لظهور أنه من رمضان، لكن لا كفارة للشبهة. د - إذا قلنا بقبول الواحد ففي قبول العبد إشكال يأتي. وقال بعض الشافعية القائلين بقبوله: إنا لا نوقع به العتق والطلاق

(1) حلية العلماء 3: 182.
(2) المهذب للشيرازي 1: 186، المجموع 6: 278، فتح العزيز 6: 259، حلية العلماء 3: 182.
(3) فتح العزيز 6: 261، المجموع 6: 279. (4 و 5) فتح العزيز 6: 262 و 269.

[ 135 ]

المعلقين بهلال رمضان، ولا نحكم بحلول الدين المؤجل به (1). ه‍ - لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند علمائنا، لأصالة البراءة، واختصاص ورود القبول بالاموال وحقوق الآدميين. وللشافعية طريقان: أحدهما: أنه على قولين في أن حدود الله تعالى هل تثبت بالشهادة على الشهادة؟ وأصحهما عندهم: القطع بثبوته كالزكاة وإتلاف بواري المسجد والخلاف في الحدود المبنية على الدفع والدرء. وعلى هذا، فعدد الفروع مبني على القول في الأصول، إن اعتبرنا العدد في الأصول فحكم الفروع هاهنا حكمهم في سائر الشهادات، ولا مدخل فيه لشهادة النساء والعبيد. وإن لم نعتبر العدد، فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية، فوجهان: أحدهما: الاكتفاء بواحد، كرواية الأخبار. والثاني: لابد من اثنين، وهو الأصح عندهم، لأنه ليس بخبر من كل وجه، لأنه لا يكفي أن يقول: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى الهلال. " وعلى هذا، فهل يشترط إخبار حرين ذكرين، أم يكفي امرأتان وعبدان؟ وجهان (2). وإن قلنا: إن طريقه طريق الشهادة، فهل يكفي واحد أم لابد من اثنين؟ وجهان عندهم (3). و - لو رأى اثنان هلال شوال، ولم يشهدا عند الحاكم، جاز لمن سمع شهادتهما الإفطار مع (4) معرفته بعدالتهما، وكذا يصوم لو شهدا برمضان، لقوله

(1) فتح العزيز 6: 269، والمجموع 6: 281.
(2) فتح العزيز 6: 263 - 265، والمجموع 6: 277 - 278 (3) فتح العزيز 6: 265، المجموع 6: 278.
(4) في الطبعة الحجرية بدل مع. بعد.

[ 136 ]

عليه السلام: (إذا شهد اثنان فصوموا وافطروا) (1). ولو شهدا، فرد الحاكم شهادتهما، لعدم معرفته بهما، جاز الإفطار أيضا في شوال والصوم في رمضان. ويجوز لكل منهما أن يفطر عندنا، وبه قال أحمد بشرط أن يعرف عدالة صاحبه (2)، وليس شيئا. ز - إنما يقبل في الهلال عدلان، ولا تقبل شهادة مجهول الحال ولا مستور الظاهر. مسألة 80: لو رؤي الهلال في البلد رؤية شائعة، واشتهر وذاع بين الناس الهلال، وجب الصيام إجماعا، لأنه نوع تواتر يفيد العلم. ولو لم يحصل العلم، بل حصل ظن غالب بالرؤية، فالأقوى: التعويل عليه كالشاهدين، فإن الظن الحاصل بشهادتهما حاصل مع الشياع. النظر الثالث: في الحساب مسألة 81: إذا غم هلال رمضان ولم يره أحد، أكملت عدة شعبان ثلاثين يوما، ثم صاموا وجوبا من رمضان، سواء كانت السماء متغيمة أو صاحية، عند علمائنا، لما رواه العامة عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم رمضان لرؤيته، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام (3).

(1) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 100، والشرح الكبير 3: 12.
(2) المغني 3: 101، الشرح الكبير 3: 12.
(3) سنن الدارقطني 2: 156 - 157 / 4، سنن البيهقي 4: 206، المستدرك - للحاكم - 1: 423، ومسند أحمد 6: 149.

[ 137 ]

ومن طريق الخاصة: قول أمير المؤمنين عليه السلام: " فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا " (1) مسألة 82: ولا يجوز التعويل على الجدول، ولا على كلام المنجمين، لأن أصل الجدول ماخوذ من الحساب النجومي في ضبط سير القمر واجتماعه بالشمس، - ولا يجوز المصير إلى كلام المنجم ولا الاجتهاد فيه - وهو قول أكثر العامة (2) - لما تقدم من الروايات، ولو كان قول المنجم طريقا دليلا على الهلال، لوجب أن يبينه عليه السلام للناس، لأنهم في محل الحاجة إليه، ولم يجز له عليه السلام حصر الدلالة في الرؤية والشهادة. وحكي عن قوم من العامة أنهم قالوا: يجتهد في ذلك، ويرجع إلى المنجمين (3). وهو باطل، لما (4) تقدم. ولقول الصادق عليه السلام: (ليس على أهل القبلة إلا الرؤية، ليس على المسلمين إلا الرؤية) (5). والأحاديث متواترة على أن الطريق إما الرؤية أو مضي ثلاثين، وقد شدد النبي صلى الله عليه وآله، في النهي عن سماع كلام المنجم، فقال عليه السلام: (من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد) (6). احتجوا: بقوله تعالى: " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " (7).

(1) الفقيه 2: 77 / 337 والتهذيب 4: 158 / 440.
(2) راجع: المجموع 6: 280، وفتح العزيز 6: 266.
(3) كما في حلية العلماء 3: 178.
(4) في " ط، ن ": بما.
(5) الكافي: 77 / 5، الفقيه 2: 77 / 335، التهذيب،: 158 / 442، الاستبصار 2: 64 / 209 (6) أورده المحقق في المعتبر: 311، وبتفاوت في المستدرك - للحاكم - 1: 8 ومسند أحمد 2: 429 (7) النحل 16.

[ 138 ]

ولأن النبي عليه السلام قال: (فإن غم عليكم فاقدروا له) (1) والتقدير إنما هو معرفة التسيير والمنازل، ولذلك رجعنا إلى الكواكب والمنازل في القبلة والأوقات وهي أمور شرعية رتب الشارع عليها أحكاما كثيرة. والجواب: الاهتداء بالنجم معرفة الطرق ومسالك البلاد وتعريف الأوقات، ونقول أيضا بموجبه، فإن رؤية الهلال تهدي إلى معرفة أول الشهر، أما قول المنجم فلا. وأما الحديث: (فاقدروا له ثلاثين) (2) والمراد: أن يحسب شعبان ثلاثين عند قوم، وتسعة وعشرين عند آخرين. وأما القبلة والوقت فالطريق هو المشاهدة.. وللشافعية وجهان في من عرف منازل القمر هل يلزمه الصوم به؟ وأصحهما عندهم: المنع. والثاني: أنه يجوز له أن يعمل بحساب نفسه (3). ولو عرفه بالنجوم، لم يجز أن يصوم به عندهم (4) قولا واحدا. مسألة 83: لا اعتبار بالعدد خلافا لقوم من الحشوية ذهبوا إلى أنه معتبر، وأن شهور السنة قسمان: تام وناقص، فرمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا يتم أبدا، لأحاديث منسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام (5)، اصلها حذيفة بن منصور عن الصادق عليه السلام، تارة بواسطة معاذ بن كثير، وأخرى بغير واسطة، وأخرى لم يسندها إلى إمام: أن الصادق عليه السلام سأله معاذ: أن الناس يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، صام تسعة

(1) صحيح البخاري 3: 34، صحيح مسلم 2: 759 - 760 / 6 - 9، سنن النسائي 4: 134، سنن الدارمي 2: 3، سنن البيهقي 4: 204 و 205، سنن الدارقطي 2: 161 / 22 (2) صحيح مسلم 2: 759 / 4، سنن النسائي 4: 133. (3 و 4) المجموع 6: 280 فتح العزيز 6: 266 - 267.
(5) كما في المعتبر: 311

[ 139 ]

وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين، فقال: " كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى أن قبض أقل من ثلاثين يوما، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله السموات والأرض من ثلاثين يوما وليلة " (1). قال الشيخ رحمه الله: هذا الخبر لا يعول عليه. أما أولا: فلأنه لم يوجد في شئ من الأصول المصنفة، وإنما هو موجود في الشواذ من الأخبار. وأيضا، كتاب حذيفة بن منصور عري عن هذا الحديث، والكتاب مشهور، ولو كان الحديث صحيحا عنده، لضمنه كتابه. وأيضا، فإنه مختلف الألفاظ، مضطرب المعاني، لأنه تارة يرويه عن الصادق عليه السلام، وتارة يفتي من قبل نفسه، ولا يسنده إلى أحد، وروايته عن الإمام تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة، وهذا دليل اضطرابه وضعفه، فلا يعارض به المتواتر من الأخبار والقرآن العزيز وعمل جميع المسلمين، مع أنه معارض بأحاديث كثيرة مشهورة (2): قال الصادق عليه السلام: " شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة والنقصان، فإن تغيمت السماء يوما، فأتموا العدة ". وقال عليه السلام في شهر رمضان: " هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان " (3). وقال الباقر عليه السلام: " حدثني أبي عليه السلام أن عليا عليه السلام قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة وعشرين يوما، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لما ثقل في مرضه: أيها الناس إن السنة إثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثم قال بيده فذاك رجب مفرد، وذو القعدة وذو الحجة

(1) التهذيب 4: 167 / 477، الاستبصار 2: 65 / 211.
(2) التهذيب 4: 169.
(3) التهذيب 4: 160 / 452.

[ 140 ]

والمحرم ثلاثة متواليات، ألا وهذا الشهر المفروض، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين، [ و ] (1) صوموا الواحد وثلاثين " (2). مسألة 84: ولا اعتبار بغيبوبة القمر بعد الشفق، لقوله عليه السلام: (الصوم للرؤية والفطر للرؤية) (3). ولأصالة براءة الذمة. وقال بعض من لا يعتد به: إن غاب بعد الشفق فهو لليلة الماضية، وإن غاب قبله فهو لليلته (4)، لقول الصادق عليه السلام: " إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلته، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين " (5). ونمنع صحة سنده. ونعارضه بالأحاديث الدالة على حصر الطريق في الرؤية والشهادة ومضي الثلاثين. قال الشيخ رحمه الله: هذا إنما يكون أمارة على اعتبار دخول الشهر إذا كانت السماء مغيمة، فجاز اعتباره في الليلة المستقبلة بالغيبوبة قبل الشفق ويتطوق الهلال، فاما مع زوال العلة فلا (6). إذا ثبت هذا، فلا يجوز التعويل أيضا على تطوق الهلال. وفي رواية عن الصادق عليه السلام: " إذا تطوق الهلال فهو لليلتين " (7).

(1) زيادة من المصدر.
(2) التهذيب 4: 161 / 454.
(3) سنن النسائي 4: 136 نحوه.
(4) قال به الصدوق في المقنع: 58.
(5) الكافي 4: 77 / 7، الفقيه 2: 78 / 343، التهذيب 4: 178 / 494، الاستبصار 2: 75 / 228.
(6) التهذيب 4: 178 - 179.
(7) الكافي 4 / 78 / 11، الفقيه 2: 78 / 342، التهذيب 4: 178 / 495، الاستبصار 2: 75 / 229.

[ 141 ]

ونمنع صحة سندها. مسألة 85: لا اعتبار بعد خمسة أيام من الماضية (1)، عملا بالأصل، وما تقدم من الأحاديث الدالة على العمل بالرؤية أو مضي ثلاثين، فعلى هذا لو غم هلال الشهور كلها، عد كل شهر ثلاثين يوما. وقد روى عمران الزعفراني عن الصادق عليه السلام: قلت له: إن السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة لا نرى (2) السماء، فأي يوم نصوم؟ قال: " انظر (3) اليوم الذي صمت من السنة الماضية، وصم يوم الخامس " (4). وسأل عمران أيضا، الصادق عليه السلام: قلت: إنما نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى سماء ولا نجما، فأي يوم نصوم؟ قال: " انظر (5) اليوم الذي صمت من السنة الماضية، وعد خمسة أيام، وصم يوم الخامس " (6). والأول مرسل. وفي طريق الثاني: سهل بن زياد، وهو ضعيف مع أن عمران الزعفراني مجهول. ولو قيل بذلك بناء على العادة القاضية بعدم تمامية شهور السنة بأسرها، كان وجها. ولو غم هلال رمضان وشعبان، عددنا رجب ثلاثين، وكذا شعبان، فإن غمت الاهلة بأسرها، فالأقرب: الاعتبار برواية الخمسة بناء على العادة، وهو

(1) أي: السنة الماضية.
(2) في " ن ": لا ترى. (3 و 5) في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وفي الطبعة الحجرية: أفطر. وما أثبتناه - وهو الصحيح - من المصادر.
(4) الكافي 4: 80 / 1، التهذيب 4: 179 / 496، الاستبصار 2: 76 / 230.
(6) الكافي 4: 81 / 4، التهذيب 4: 179 / 497. الاستبصار 2: 76 / 231.

[ 142 ]

اختيار الشيخ في المبسوط (1) وأكثر علمائنا قالوا: تعد (2) الشهور ثلاثين ثلاثين (3). مسألة 86: لو كان بحيث لا يعلم الاهلة، كالمحبوس، أو اشتبهت عليه الشهور، كالأسير مع الكفار إذا لم يعلم الشهر، وجب عليه أن يجتهد ويغلب على ظنه شهرا أنه من رمضان، فإن حصل الظن بنى عليه. ثم إن استمر الاشتباه، أجزأه إجماعا - إلا من الحسن بن صالح بن حي (4) - لأنه أدى فرضه باجتهاده، فأجزأه، كما لو ضاق الوقت واشتبهت القبلة. وإن لم يستمر، فإن اتفق وقوع الصوم في رمضان، أجزأه إجماعا، إلا من الحسن بن صالح بن حي، فإنه قال: لا يجزئه (5). وهو غلط، لأنه أدى العبادة باجتهاده، فإذا وافق الإصابة أجزأه، كالقبلة إذا اشتبهت عليه. ولأنه مكلف بالصوم إجماعا، والعلم غير ممكن، فتعين الظن. احتج: بأنه صامه على الشك، فلا يجزئه، كما إذا صام يوم الشك ثم بان أنه من رمضان (6). والفرق: أن يوم الشك لم يضع الشارع الاجتهاد طريقا إليه. وإن وافق صومه بعد رمضان، أجزأه أيضا عند عامة العلماء (7)، إلا الحسن بن صالح بن حي، فإنه قال: لا يجزئه (8).

(1) المبسوط للطوسي 1: 268.
(2) في " ن ": بدل تعد: بعد.
(3) منهم: المحقق في شرائع الإسلام 1: 200.
(4) المغني 3: 101، الشرح الكبير 3: 12.
(5) المجموع 6: 285، حلية العلماء 3: 184، المغني 3: 101، الشرح الكبير 3: 12.
(6) كما في المغني 3: 101، والشرح الكبير 3: 12، والمجموع 6: 285. (7 و 8) المغني 3: 101، الشرح الكبير 3: 12.

[ 143 ]

وليس بجيد لأنه أدى العبادة في أحد وقتيها - أعني وقت القضاء - فأجزأه، كما لو فعلها في الوقت الآخر، وهو وقت الأداء، وكما لو دخل الوقت وهو متلبس بالصلاة. ولأن عبد الرحمن بن أبي عبد الله سأل الصادق عليه السلام: الرجل أسرته الروم، ولم يصم شهر رمضان، ولم يدر أي شهر هو، قال: " يصوم شهرا يتوخاه، ويحسب، فإن كان الشهر الذي صامه قبل رمضان لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه " (1). وإن وافق صومه قبل رمضان، لم يجزئه عند علمائنا - وبه قال أبو ثور ومالك وأحمد والشافعي في أحد القولين (2) - لأنه فعل العبادة قبل وقتها، فلا يقع أداء ولا قضاء، فلم يجزئه، كالصلاة يوم الغيم. ولرواية عبد الرحمن، وقد تقدمت (3). والثاني للشافعي: الإجزاء، لأنه فعل العبادة قبل وقتها مع الاشتباه فاجزأه، كما لو اشتبه يوم عرفة فوقف قبله (4). ونمنع حكم الأصل. مسألة 87: لو لم يغلب على ظن الاسير شهر رمضان، لزمه أن يتوخى شهرا ويصومه ويتخير فيه - وبه قال بعض الشافعية (5) - لأنه مكتف بالصوم، وقد فقد العلم بتعين الوقت، فسقط عنه التعيين، ووجب عليه الصوم في شهر

(1) الكافي 4: 180 / 1، الفقيه 2: 78 / 346، التهذيب 4: 310 / 935.
(2) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 286 - 287، المغني 3: 102 الكبير 3: 12، حلية العلماء 3: 183، فتح العزيز 6: 338، الكافي في فقه أهل المدينة: 121. (3) تقدمت آنفا.
(4) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 286، حلية العلماء 3: 183، فتح العزيز 6: 338، المغني 3: 102، الشرح الكبير 3: 12 - 13.
(5) المجموع 6: 287، حلية العلماء 3: 184

[ 144 ]

يتوخاه، كما لو فاته الشهر مع علمه ولم يصمه، فإنه يسقط عنه التعيين، ويتوخى شهرا يصومه للقضاء، وكما لو اشتبهت القبلة وضاق الوقت. ولرواية عبد الرحمن (1). وقال بعض الشافعية: لا يلزمه ذلك، لأنه لم يعلم دخول شهر رمضان ولا ظنه، فلا يلزمه الصيام، كما لو شك في دخول وقت الصلاة، فإنه لا يلزمه الصلاة (2). والفرق ظاهر، لتمكنه من العلم بوقت الصلاة بالصبر. ولو وافق بعضه الشهر دون بعض، صح ما وافق الشهر وما بعده دون ما قبله ولو وافق صومه شوال، لم يصح صوم يوم العيد، وقضاه، وكذا ذو الحجة. وإذا توخى شهرا، فالأولى وجوب التتابع فيه وإن كان له أن يصوم قبله وبعده. وإذا وافق صومه بعد الشهر، فالمعتبر صوم أيام بعدة ما فاته، سواء وافق ما بين هلالين أم لا، وسواء كان الشهران تامين أو أحدهما أو ناقصين. نعم لو كان رمضان تاما، فتوخى شهرا ناقصا، وجب عليه إكمال يوم. وقال بعض الشافعية: إذا وافق شهرا بين هلالين، أجزأه مطلقا، وإن لم يوافق، لزمه صوم ثلاثين وإن كان رمضان ناقصا، لأنه لو نذر صيام شهر أجزأه عده بين هلالين وإن كان ناقصا (3). وهو خطأ، لأنه يلزم قضاء ما ترك، والاعتبار بالأيام، لقوله تعالى:

(1) تقدمت في المسألة السابقة.
(2) المجموع 6: 287، حلية العلماء 3: 184 (3) لم نقف عليه في كتب الشافعية، ونسب هذا القول في المغني 3: 102، والشرح الكبير 3: 13، إلى ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة، فلاحظ.

[ 145 ]

" فعدة من أيام أخر " (1). والأجزاء في النذر، لأن اسم الشهر يتناوله، أما هنا فالأوجب عدد ما فات من الأيام. ولو صام شوالا وكان ناقصا ورمضان ناقص أيضا، لزمه يوم عوض العيد. وقال بعض الشافعية: يلزمه يومان (2). وليس بجيد. وإذا صام على سبيل التخمين من غير أمارة، لم يجب القضاء، إلا أن يوافق قبل رمضان. ولو صام تطوعا، فبان أنه رمضان، فالأقرب: الإجزاء - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأن نية التعيين ليست شرطا، وكما لو صام يوم الشك بنية التطوع وثبت أنه من رمضان. وقال الشافعي: لا يجزئه. وبه قال أحمد (4). مسألة 88: وقت وجوب الامساك هو طلوع الفجر الثاني باجماع العلماء. قال الله تعالى: " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " (5). ويجوز له الأكل والشرب إلى أن يطلع الفجر. وأما الجماع فيجوز إلى أن يبقى للطلوع مقدار النسل. ويجب الاستمرار على الامساك إلى غروب الشمس الذي تجب به صلاة المغرب. ولو اشتبه عليه الغيبوبة، وجب عليه الامساك، ويستظهر حتى يتيقن،

(1) البقرة: 184 و 185 (2) لم نعثر عليه في مظانه. (3 و 4) المغني 3: 103، الشرح الكبير 3: 14.
(5) البقرة: 187.

[ 146 ]

لأصالة البقاء. ويستحب له تقديم الصلاة على الإفطار، إلا أن يكون هناك من ينتظره للافطار، فيقدم الإفطار معهم على الصلاة. سئل الصادق عليه السلام عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: " إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير ذلك فليصل وليفطر " (1). البحث الثاني: في شرائطه. وهي قسمان: الأول: شرائط الوجوب مسألة 89: يشترط في وجوب الصوم: البلوغ وكمال العقل، فلا يجب على الصبي ولا المجنون ولا المغمى عليه إجماعا، إلا في رواية عن أحمد: أنه يجب على الصبي الصوم إذا أطاقه (2)، وبه قال عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي (3). وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام متتابعات لا يخور (4) منهن ولا يضعف، حمل (5) صوم رمضان (6).

(1) الكافي 4: 101 / 3، الفقيه 2: 81 / 360، التهذيب 4: 185 - 186 / 517.
(2) المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 15.
(3) المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 15، المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 253، حلية العلماء 3: 172.
(4) خار الحر والرجل: ضعف وانكسر. الصحاح 2: 651.
(5) في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية: حل وهو تصحيف " والصحيح ما أثبتناه من المصدر.
(6) المغني 3: 94، الشرح الكبير 3: 15.

[ 147 ]

وقد تقدم (1) بطلانه. فلو بلغ الصبي قبل الفجر، وجب عليه الصوم إجماعا، ولو كان بعد الفجر، لم يجب، واستحب له الامساك، سواء كان مفطرا أو صائما بلغ بغير المفطر، ولا يجب عليه القضاء، لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفوق، وعن النائم حتى ينتبه) (2). وقال (3): يجب عليه الامساك، ولا يجب عليه القضاء، لأن نية صوم رمضان حصلت ليلا، فيجزئه كالبالغ. ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا، وباقيه فرضا، كما لو شرع في صوم يوم تطوعا ثم نذر إتمامه. وقال بعض الحنابلة: يلزمه القضاء، لأنه عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها، فلزمه إعادتها، كالصلاة والحج إذا بلغ بعد الوقوف. وهذا لأنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه، والماضي قبل بلوغه نفل، فلم يجزئ عن الفرض، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم، لزمه القضاء (4). وأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه، وسواء كان قد صامه أو أفطره في قول عامة أهل العلم (5).

(1) تقدم في المسألة 57.
(2) أورده ابن قدامة في المغني 3: 94 بتفاوت يسير (3) كذا في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وفي الطبعة الحجرية. وفي المعتبر للمحقق الحلي: 312، والمنتهى للمصنف: 596: قال أبو حنيفة. وفي المغني 3: 95، والشرح الكبير 3: 16: قال القاضي: يتم صومه ولا قضاء عليه، مع اتفاق الدليل المذكور لما في المغني والشرح الكبير، فلاحظ. وقد وافق الحكم رأي الأحناف كما في الجامع الصغير للشيباني: 139، والهداية للمرغياني 1: 127، والنتف 1: 149، والاختيار لتعليل المختار 1: 177.
(4) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(5) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 17.

[ 148 ]

وقال الأوزاعي: يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه (1). وهو غلط، لأنه زمن مضى في حال صباه، فلم يلزمه قضاء الصوم فيه، كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان. وإن بلغ الصبي وهو مفطر، لم يلزمه إمساك ذلك اليوم والقضاء. وعن أحمد روايتان في وجوب الامساك والقضاء (2). وقال الشافعي: إن كان أفطر، استحب له الامساك، وفي القضاء قولان. وإن كان صائما فوجهان: أحدهما: يتمه استحبابا، ويقضيه وجوبا، لفوات نية التعيين. والثاني: يتمه وجوبا، ويقضيه استحبابا (3). مسألة 90: العقل شرط في الصوم، فلا يجب على المجنون بالاجماع، وللحديث (4). ولو أفاق في أثناء الشهر، وجب عليه صيام ما بقي إجماعا، ولا يجب عليه قضاء ما فات حال جنونه - وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد، وأحمد (5) - لأنه معنى يزيل التكليف، فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر. وقال مالك والشافعي في القديم، وأحمد في رواية: يجب قضاء ما فات وإن مضى عليه سنون لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالاغماء (6). والأصل ممنوع. وقال أبو حنيفة: إن جن جميع الشهر، فلا قضاء عليه، وإن أفاق في

(1 و 2) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 17.
(3) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 256، فتح العزيز 6: 438، حلية العلماء 3: 173 و 175.
(4) تقدم الحديث مع الاشارة إلى مصادره في المسألة السابقة (89).
(5) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 26، المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 254 (6) المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 26، المجموع 6: 254، حلية العلماء 3: 173.

[ 149 ]

أثنائه، قضى ما مضى (1). ولو تجدد الجنون في أثناء النهار، بطل صوم ذلك اليوم. ولو أفاق قبل طلوع الفجر، وجب عليه صيامه إجماعا، وإن أفاق في أثنائه، أمسك بقية النهار استحبابا لا وجوبا، وحكم المغمى عليه حكم المجنون. مسألة 91: الإسلام شرط في صحة الصوم لا في وجوبه. ولو أسلم في أثناء الشهر، وجب عليه صيام الباقي دون الماضي - وبه قال الشعبي وقتادة ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (2) - لقوله عليه السلام: (الإسلام يجب ما قبله) (3). وقال عطاء: يجب عليه قضاؤه (4). وعن الحسن كالمذهبين (5). وهو غلط، إلا أن يكون مرتدا، فيجب عليه القضاء إجماعا. واليوم الذي يسلم فيه إن كان إسلامه قبل طلوع فجره، وجب. عليه صيامه، وإن كان بعده، أمسك استحبابا، لأن عيص بن القاسم روى - في الصحيح - أنه سأل الصادق عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، هل عليهم أن يقضوا ما مضى أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ قال: " ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا (6) قبل طلوع الفجر " (7).

(1) بدائع الصنائع 2: 88، المجموع 6: 254، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 26، حلية العلماء 3: 173.
(2) المغني 3: 95، الكافي في فقه أهل المدينة: 119.
(3) مسند أحمد 4: 199 و 204 بتفاوت. (4 و 5) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(6) في الطبعة الحجرية والفقيه زيادة: " فيه ".
(7) الكافي 4: 125 (باب من أسلم في شهر رمضان) الحديث 3، الفقيه 2: 80 / 357 التهذيب 4: 245 - 246 / 728، الاستبصار 2: 107 / 349.

[ 150 ]

وقال أحمد: يجب عليه إمساكه - وبه قال إسحاق - لأنه أدرك جزأ من وقت العبادة فلزمته، كما لو أدرك جزا من وقت الصلاة (1). والأصل ممنوع. ووافقنا مالك وأبو ثور وابن المنذر. ولو طرأ الكفر في آخر النهار، بطل الصوم. مسألة 92: السلامة من المرض شرط في الصحة، فلو كان المريض يتضرر بالصوم، لم يصح منه. وحد المرض الذي يجب معه الإفطار: ما يزيد في مرضه لو صام، أو يتباطأ البرء معه لو صام عند أكثر العلماء. وحكي عن قوم لا عبرة بهم: إباحة الفطر بكل مرض، سواء زاد في المرض أولم يزد، لعموم قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا " (2) (3). وهو مخصوص، كتخصيص السفر بالطاعة، وقد سئل الصادق عليه السلام عن حد المرض الذي يفطر صاحبه، والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة (4)، فقال: " بل الانسان على نفسه بصيرة " (5) وقال: " ذلك إليه هو أعلم بنفسه " (6). وكل الأمراض مساوية في هذا الحكم، سواء كان وجع الرأس أو حمى ولو حمى يوم، أو رمد العين وغير ذلك، فإن صامه مع حصول الضرر به، لم يجزئه، ووجب عليه القضاء لأنه منهي عنه، والنهي في العبادة (7) يدل على الفساد، لقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو

(1) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(2) البقرة: 184.
(3) المغني 3: 88، الشرح الكبير 3: 18.
(4) في الكافي والاستبصار زيادة: قائما. وفي التهذيب: من قيام.
(5) القيامة: 14.
(6) الكافي 4: 118 / 2، التهذيب 4: 256 / 758، الاستبصار 2: 114 / 371.
(7) في الطبعة الحجرية: العبادات.

[ 151 ]

على سفر فعدة من أيام أخر " (1) والتفصيل قاطع للشركة. وقال بعض العامة: إذا تكلف، صح صومه وإن زاد في مرضه وتضرر به (2). وليس بجيد. أما الصحيح الذي يخشى المرض بالصوم، فإنه لا يباح له الإفطار. وكذا لو كان عنده شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشق أنثياه. ولو خافت المستحاضة من الصوم التضرر، أفطرت، لأن الاستحاضة مرض. ولو جوزنا لصاحب الشبق المضر به، الإفطار، وأمكنه استدفاع ذلك بما لا يبطل منه الصوم، وجب عليه ذلك. فإن لم يمكنه إلا بإفساد الصوم، فإشكال ينشأ: من تحريم الإفطار لغير سبب، ومن مراعاة مصلحة بقاء النفس على السلامة، كالحامل والمرضع، فأنهما يفطران خوفا على الولد، فمراعاة النفس أولى. ولو كان له امرأتان: حائض وطاهر، واضطر إلى وطئ إحداهما، وجوزنا له ذلك، فالوجه وطئ الطاهر، لأن الله تعالى حرم وطئ الحائض (3). وقال بعض العامة: يتخير. وليس شيئا. وكذا لو أمكنه استدفاع الأذى بفعل محرم كالاستمناء باليد، لم يجز، خلافا لبعضهم (4). مسألة 93: الإقامة أو حكمها شرط في الصوم الواجب عدا ما استثني، فلا يجب الصوم على المسافر سفرا مخصوصا باجماع العلماء.

(1) البقرة: 185.
(2) المغني 3: 88 - 89، الشرح الكبير 3: 18 - 19.
(3) البقرة: 222.
(4) المغني 3: 89، الشرح الكبير 3: 19.

[ 152 ]

قال الله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (1) والتفصيل قاطع للشركة، فكما أن الحاضر يلزمه الصوم فرضا لازما، كذا المسافر يلزمه القضاء فرضا مضيقا، وإذا وجب عليه القضاء مطلقا، سقط عنه فرض الصوم. وروى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (3) قال: " ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه " (4). إذا عرفت هذا، فلو صام المسافر في سفره المبيح للقصر، لم يجزئه إن كان عالما عند علمائنا أجمع، وكان مأثوما - وبه قال أبو هريرة وستة من الصحابة، وأهل الظاهر (5). قال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمران المسافر بإعادة ما صامه في السفر (6). وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر (7) لقوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " (8) أوجب عدة من أيام أخر، فلم يجز صوم

(1) البقرة: 185.
(2) سنن النسائي 4: 181 و 182، سنن الترمذي 3: 94 / 715، سنن البيهقي 3: 154، ومسند أحمد 5: 29.
(3) البقرة: 185.
(4) الكافي 4: 126 (باب كراهية الصوم في السفر) الحديث 1، الفقيه 2: 91 / 404 التهذيب 4: 216 / 627.
(5) المغني 3: 90، الشرح الكبير 3: 19، المحلى 6: 243، المجموع 6: 264 والخلاف للشيخ الطوسي 2: 201، المسألة 53، والمعتبر للمحقق الحلي: 312.
(6) المغني 3: 90، الشرح الكبير 3: 19.
(7) المغني 3: 90، الشرح الكبير 3: 19، وسنن النسائي 4: 183.
(8) البقرة: 184 و 185.

[ 153 ]

رمضان في السفر. وما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ليس من البر الصيام في السفر) (1). وقال عليه السلام: (الصائم في السفر كالمفطر في الحضر) (2). وأفطر صلى الله عليه وآله في السفر، فلما بلغه أن قوما صاموا، قال: (أولئك العصاة) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه " (4). وقال عليه السلام: " الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر " (5). وقال باقي العامة: إن صومه جائز (6). واختلفوا في الأفضل. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأبو ثور: إن الصوم. في السفر أفضل من الإفطار (7).

(1) المستدرك - للحاكم - 1: 433، سنن ابن ماجة 1: 532 / 1664 و 1665، سنن أبي داود 2: 317 / 2407، سنن النسائي 4: 176، سنن الدارمي 2: 9، سنن البيهقي 4: 242 (2) سنن ابن ماجة 1: 532 / 1666 بتفاوت.
(3) صحيح مسلم 2: 785 / 1114، سنن الترمذي 3: 89 - 90 / 710، سنن البيهقي 4: 246.
(4) الكافي 4: 128 / 7، الفقيه 2: 91 / 405، التهذيب 4: 217 / 629.
(5) الكافي 4: 127 / 3، الفقيه 2: 90 / 403، التهذيب 4: 217 / 630.
(6) المغني 3: 90، الشرح الكبير 3: 19، المجموع 6: 264، الهداية للمرغيناني 1: 126، بدائع الصنائع 2: 95، تحفة الفقهاء 1: 355، الاختيار لتعليل المختار 1: 176، الكافي في فقه أهل المدينة: 121.
(7) الهداية للمرغيناني 1: 126، الاختيار لتعليل المختار 1: 176 تحفة الفقهاء 1: 359، بدائع الصنائع 2: 96، المدونة الكبرى 1: 201، الكافي في فقه أهل المدينة: 121، المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 261 و 265، فتح العزيز 6: 429.

[ 154 ]

وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: الإفطار أفضل - وبه قال عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر (1) - لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال لحمزة الاسلمي وقد سأله عن الصوم في السفر: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر) (2). وقال أنس: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فصام بعضنا وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم (3). ولأن الإفطار في السفر رخصة، ومن رخص له الفطر جاز له أن يتحمل المشقة بالصوم كالمريض. والحديثان لو صحا، حملا على صوم النافلة، جمعا بين الأدلة. والتخيير ينافي الافضلية وقد اتفقوا على أفضلية أحدهما وإن اختلفوا في تعيينه. ونمنع الحكم في المريض فيبطل (4) القياس. تذنيب: لو صام مع علمه بوجوب القصر، كان عاصيا، لما تقدم، وتجب عليه الاعادة، لأنه منهي عن الصوم، والنهي في العبادة يدل على الفساد. أما لو صام رمضان في السفر جاهلا بالتحريم، فإنه يجزئه الصوم، لأنه معذور. ولأن الحلبي سأل الصادق عليه السلام: قلت له: رجل صام في السفر،

(1) المغني 3: 90، الشرح الكبير 3: 20، المجموع 6: 265 - 266.
(2) صحيح البخاري 3: 43، صحيح مسلم 2: 789 / 1121، سنن الترمذي 3: 91 / 711، سنن ابن ماجة 1: 531 / 1662، سنن الدارمي 2: 8 - 9، سنن البيهقي 4: 243.
(3) صحيح البخاري 3: 44، صحيح مسلم 2: 787 / 1118، سنن أبي داود 2: 316 / 2405، سنن البيهقي 4: 244.
(4) في " ط، ن ": فبطل.

[ 155 ]

فقال: " إن كان بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك، فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه، فلا شئ عليه " (1) وغير ذلك من الأخبار. مسألة 94: وإنما يترخص المسافر إذا كان سفره سفر طاعة، أو مباحا، فإن كان سفر (2) معصية أو لصيد لهو وبطر، لم يجز له الإفطار عند علمائنا أجمع لأن في رخصة الإفطار إعانة له على المعصية وتقوية له عليها. ولقول الصادق عليه السلام: " من سافر قصر وأفطر، إلا أن يكون رجلا سفره في الصيد أو في معصية الله، أو رسولا لمن يعصي الله، أو في طلب شحناء (3)، أو سعاية ضرر على قوم من المسلمين " (4). وجاء رجلان إلى الرضا عليه السلام بخراسان، فسألاه عن التقصير، فقال لأحدهما: " وجب عليك التقصير لانك قصدتني " وقال للآخر: " وجب عليك التمام لانك قصدت السلطان " (5). إذا ثبت هذا فإنما يجوز التقصير في مسافة القصر، وهي: بريدان: ثمانية فراسخ، لقول الصادق عليه السلام في التقصير: " حده أربعة وعشرون ميلا " (6). وسئل الصادق عليه السلام في كم يقصر الرجل؟ فقال: " في بياض يوم أو بريدين " (7) وقد تقدم ذلك في كتاب الصلاة (8). (1) الكافي 4: 128 (باب من صام في السفر بجهالة) الحديث 1، الفقيه 2: 93 / 417. التهذيب 4: 220 - 221 / 643.
(2) في " ف " والطبعة الحجرية: سفره.
(3) الشحناء: العداوة. لسان العرب 13: 234.
(4) الكافي 4: 129 / 3، التهذيب 4: 220 / 640.
(5) التهذيب 4: 220 / 642، الاستبصار 1: 235 / 838.
(6) التهذيب 4: 221 / 647، الاستبصار 1: 223 / 788.
(7) التهذيب 4: 222 / 651، الاستبصار 1: 223 / 789.
(8) تقدم في ج 4 ص 369 المسألة 618.

[ 156 ]

وإنما يجوز التقصير إذا قصد المسافة، فالهائم لا يترخص وإن سار أكثر من المسافة، وقد تقدم (1). ولو نوى المسافر الإقامة في بلدة عشرة أيام، وجب عليه التمام، وانقطع سفره. ومن كان سفره أكثر من حضره لا يجوز له الإفطار، لأن وقته مشغول بالسفر، فلا مشقة له فيه. ولقول الصادق عليه السلام: " المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان " (2). ولو أقام أحدهم في بلده عشرة أيام، أو أقام العشرة في غير بلده مع العزم على إقامتها، وجب عليهم التقصير إذا خرجوا بعد العشرة، لأن بعض رجال يونس سأل الصادق عليه السلام عن حد المكاري الذي يصوم، يتم، قال: " أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبدا، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والإفطار " (3). ولو تردد في السفر ولم ينو المقام عشرة أيام، وكان مس يجب عليه التقصير في السفر، وجب عليه التقصير إلى شهر ثم يتم بعد ذلك. مسألة 95: شرائط قصر الصلاة هي شرائط قصر الصوم، لقول الصادق عليه السلام: " ليس يفترق التقصير والإفطار، فمن قصر فليفطر " (4).

(1) تقدم في ج 4 ص 374 المسألة 622.
(2) الكافي 4: 128 (باب من لا يجب له الإفطار والتقصير...) الحديث 1، التهذيب 4: 218 / 634.
(3) التهذيب 4: 219 / 639، الاستبصار 1: 234 / 837.
(4) التهذيب 4: 328 / 1021.

[ 157 ]

وهل يشترط تبييت النية من الليل؟ قال الشيخ رحمه الله: نعم، فلو بيت نيته على السفر من الليل ثم خرج أي وقت كان من النهار، وجب عليه التقصير والقضاء. ولو خرج بعد الزوال، أمسك وعليه القضاء. وإن لم يبيت نيته من الليل، لم يجز له التقصير، وكان عليه إتمام ذلك اليوم، وليس عليه قضاؤه أي وقت خرج، إلا أن يكون قد خرج قبل طلوع الفجر، فإنه يجب عليه الإفطار على كل حال. ولو قصر، وجب عليه القضاء والكفارة (1). وقال المفيد رحمه الله: المعتبر خروجه قبل الزوال، فإن خرج قبله، لزمه الإفطار، فإن صامه، لم يجزئه، ووجب عليه القضاء، ولو خرج بعد الزوال، أتم، ولا اعتبار بالنية. وبه قال أبو الصلاح (2). وقال السيد المرتضى رحمه الله: يفطر ولو خرج قبل الغروب (3) - وهو قول علي بن بابويه (4) رحمه الله - ولم يعتبر التبييت. والمعتمد: قول المفيد رحمه الله، لقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (5) وهو يتناول بعمومه من خرج قبل الزوال بغير نية. ومن طريق العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله خرج من المدينة عام

(1) النهاية: 161 - 162، وحكاه أيضا ابن إدريس في السرائر: 89.
(2) حكاه عنهما المحقق في المعتبر: 319، وعن المفيد، ابن إدريس في السرائر: 89، وراجع: المقنعة: 56، والكافي في الفقه: 182.
(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 55 - 56 حيث قال: شروط السفر التي يوجب الإفطار ولا يجوز معه صوم شهر رمضان في المسافة وغير ذلك هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة، الموجبة لقصرها. وهو يشعر بما نسب إليه. وحكاه عنه أيضا الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 310.
(4) حكاه عن ابن إدريس في السرائر: 89، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 310 (5) البقرة: 184.

[ 158 ]

الفتح، فلما بلغ إلى كراع الغميم (1) أفطر (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي عن الصادق عليه السلام، أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم، قال: " إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتتم يومه " (3). ولأنه إذا خرج قبل الزوال، صار مسافرا في معظم ذلك النهار، فالحق بالمسافر في جميعه، ولهذا اعتبرت النية فيه لناسيها، وأما بعد الزوال فإن معظم النهار قد انقضى على الصوم، فلا يؤثر فيه السفر المتعقب، كما لم يعتد بالنية فيه. احتج الشيخ رحمه الله: بقول الكاظم عليه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: " إذا حدث نفسه بالليل في السفر، أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه من الليل ثم بدا له في السفر من يومه، أتم صومه " (4). وفي الطريق ضعف، مع احتمال أن يكون عزم السفر تجدد بعد الزوال. احتج السيد: بقوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر " (5) وهو عام في صورة النزاع.

(1) كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة: وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. معجم البلدان 4: 443.
(2) صحيح مسلم 2: 785 / 1114، سنن الترمذي 3: 89 - 90 / 710، وسنن البيهقي 4: 246 نقلا بالمعنى.
(3) الكافي 4: 131 / 1، الفقيه 2: 92 / 412، التهذيب 4: 228 - 229 / 671، الاستبصار 2: 99 / 321.
(4) الاستبصار 2: 98 / 319، التهذيب 4: 228 / 669.
(5) البقرة: 184.

[ 159 ]

وبما رواه عبد الأعلى في الرجل يريد السفر في شهر رمضان، قال: " يفطر إن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل " (1). والآية مخصوصة بالخبر الذي رويناه. والحديث ضعيف السند مقطوع. وأما العامة فتقول: المسافر عندهم لا يخلو من أقسام ثلاثة: أحدها: أن يدخل عليه شهر رمضان وهو في السفر، فلا خلاف بينهم الثاني: أن يسافر في أثناء الشهر ليلا، فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم (3). وقال عبيدة السلماني وأبو مجلز وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول الشهر، لقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " وهذا قد شهده (4). ولا حجة فيها، لأنها متناولة لمن شهد الشهر كله، وهذا لم يشهده كله. ويعارض بما روى ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد (5) فأفطر وأفطر الناس (6). الثالث: أن يسافر في أثناء اليوم من رمضان، فحكمه في اليوم الثاني حكم من سافر ليلا. وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز له فطر ذلك اليوم - وهو قول مكحول والزهري ويحي الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد في

(1) التهذيب 4: 229 / 674، الاستبصار 2: 99 - 100 / 324. (2 - 4) المغني 3: 34، الشرح الكبير 3: 21، والآية 184 من سورة البقرة.
(5) الكديد: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة. معجم البلدان 4: 442.
(6) صحيح البخاري 3: 43، صحيح مسلم 2: 784 / 1113.

[ 160 ]

إحدى الروايتين (1) - لأن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة. والفرق: أن الصلاة يلزمه إتمامها بنيته، بخلاف الصوم. والثاني: أنه يفطر - وهو قول الشعبي وإسحاق وداود وابن المنذر وأحمد في الرواية الثانية (2) - للرواية (3). ولأن السفر معنى لو وجد ليلا واستمر في النهار، لأباح الفطر، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض. مسألة 96: ولا يجوز له الفطر حتى يتوارى عن جدران بلده ويخفي عنه أذان مصره، لأنه إنما يصير ضاربا في الأرض (4) بذلك، وهو قول أكثر العامة (5). وقال الحسن البصري: يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج (6). وروي نحوه عن عطاء (7). روى محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، وركب (8). مسألة 97: لو نوى المسافر الصوم في سفره، لم يجز عندنا، لأنه محرم، وعند العامة يجوز (9).

(1) المغني 3: 35، الشرح الكبير 3: 22.
(2) المغني 3: 34، الشرح الكبير 3: 22.
(3) وهي - على ما في المغني 3: 34 والشرح الكبير 3: 23 - ما أورده أبو داود في سننه ج 3 ص 318، الحديث 2412.
(4) إشارة إلى الآية 101 من سورة النساء. (5 - 7) المغني 3: 35، الشرح الكبير 3: 23.
(8) سنن الترمذي 3: 163 / 799.
(9) راجع: المغني 3: 35، والشرح الكبير 3: 19، والمجموع 6: 264، وفتح العزيز 6: 428

[ 161 ]

وعندنا إنما يجوز إذا نوى المقام عشرة أيام، فلو نوى المقام، لزمه الصوم. فإن نوى المقام قبل الزوال ولم يكن قد تناول المفطر، وجب عليه تجديد نية الصوم وإتمامه، وأجزأ عنه. ولو نوى بعد الزوال أو كان قد تناول، أمسك مستحبا، وكان عليه القضاء. ومن سوغ الصوم في السفر - وهم العامة - لو نوى الصوم في سفره ثم بدا له أن يفطر، فله ذلك عند أحمد (1) (2). وللشافعي قولان، فقال مرة: لا يجوز له الفطر. وقال أخرى: إن صح حديث الكديد، لم أر به بأسا أن يفطر (3). وعنى بحديث الكديد، الحديث الذي رواه ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر وأفطر الناس (4). وقال مالك: إن أفطر، فعليه القضاء والكفارة، لأنه أفطر في صوم (5) رمضان فلزمه ذلك، كما لو كان حاضرا (6). إذا عرفت هذا، فإن له أن يفطر عندهم بالاكل والشرب وغيرهما، إلا الجماع ففيه قولان: أحدهما: ليس له ذلك. والثاني: الجواز.. وعلى القول الأول هل تجب الكفارة، عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه لا كفارة عليه - وهو مذهب الشافعي - لأنه صوم لا يجب المضي، فلم

(1) ورد في الطبعة الحجرية بدل عند أحمد: عنده. و: عند أحمد خ ل.
(2) المغني 3: 35، الشرح الكبير 3: 22.
(3) المغني 3: 35، الشرح الكبير 3: 23، المجموع 6: 264، فتح العزيز 6: 428.
(4) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 159، الهامش (6).
(5) ورد في الطبعة الحجرية بدل صوم: شهر. و: صوم. خ ل.
(6) المغني 3: 35، والشرح الكبير 3: 22.

[ 162 ]

تجب الكفارة بالجماع فيه، كالتطوع. والثانية: أنه تجب عليه الكفارة، لأنه أفطر بجماع، فلزمته الكفارة، كالحاضر. والفرق: إن الحاضر يجب عليه المضي في الصوم، ولأن حرمة الجماع وغيره بالصوم، فتزول بزواله، كما لو زالت بمجئ الليل (1). مسألة 98: وليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره كالنذر والقضاء، لأن الفطر أبيح رخصة وتخفيفا عنه، فلا يجوز له الاتيان بما خفف عنه، كالتمام والقصر في الصلاة. وكذا ليس للحاضر أن يصوم غير رمضان فيه، لأنه زمان لا يقع فيه غيره. فإذا نوى المسافر الصوم في شهر رمضان للنذر أو القضاء، لم يصح صومه عن رمضان ولا عما نواه، لأنه أبيح له الفطر للعذر، فلم يجز له أن يصومه عن غير رمضان كالمريض، وهذا قول أكثر العلماء (2). وقال أبو حنيفة: يقع ما نواه إذا كان واجبا، لأنه زمن أبيح له الفطر فيه، فكان له صومه عن واجب عليه كغير رمضان (3). وينتقض: بصوم التطوع. مسألة 99: لو قدم المسافر أو برئ المريض وكانا قد أفطرا، استحب لهما الامساك بقية النهار، وليس واجبا عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك وأبو ثور وداود (4) - لأنه أبيح له الإفطار باطنا وظاهرا في أول النهار، فإذا أفطر، كان له أن يستديمه إلى آخر النهار، كما لو بقي العذر.

(1) المغني 3: 36.
(2) المغني 3: 36، الشرح الكبير 3: 21 - 22، المجموع 6: 263.
(3) المغني 3: 36، الشرح الكبير 3: 22، المجموع 6: 263، حلية العلماء 3: 187، وبدائع الصنائع 2: 84.
(4) المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 262، فتح العزيز 6: 435، حلية العلماء 3: 175، المغني 3: 74 - 75، بداية المجتهد 1: 297.

[ 163 ]

ولأن الصوم غير قابل للتبعيض وقد أفطر في أول النهار فلا يصح صوم الباقي وإنما استحب الامساك تشبها بالصائمين، لأن محمد بن مسلم سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يقدم من سفره بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أيواقعها؟ قال: لا بأس به " (1). وأما استحباب الامساك: فلأن سماعة سأله عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل، قال: " لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا، ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل " (2). وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز لهم أن يأكلوا في بقية النهار - وعن أحمد روايتان (3) - لأنه معنى لو طرأ قبل طلوع الفجر لوجب الصوم، فإذا طرأ بعد الفجر وجب الامساك كقيام (4) البينة أنه من رمضان (5). والفرق: جواز الإفطار باطنا وظاهرا هنا، فإذا أفطر كان له استدامته، بخلاف البينة، لأنه لم يكن له الفطر باطنا، فلما انكشف له خطاه حرم عليه الإفطار. وكذا البحث في كل مفطر كالحائض إذا طهرت، والطاهر إذا حاضت، والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم. مسألة 100: لو قدم المسافر قبل الزوال أو برئ المريض كذلك ولم يكونا قد تناولا شيئا، وجب عليهما الامساك بقية اليوم، وأجزأهما عن

(1) الاستبصار 2: 106 / 347 و 113 / 370، التهذيب 4: 242 / 710 و 254 / 753.
(2) الكافي 4: 132 / 8، التهذيب 4: 253 - 254 / 751، الاستبصار 2: 113 / 368.
(3) المغني 3: 75، الشرح الكبير 3: 17، و 65، فتح العزيز 6: 435.
(4) ورد في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، وفي الطبعة الحجرية بدل كقيام: لقيام. والصحيح - كما هو موافق لما في المغني - ما أثبتناه.
(5) المغني 3: 75، بدائع الصنائع 2: 102، بداية المجتهد 1: 297، المجموع 6: 262، فتح العزيز 6: 435. حلية العلماء 3: 176.

[ 164 ]

رمضان، ولو كان بعد الزوال أمسكا استحبابا، وقضيا عند علمائنا، لأنه قبل الزوال يتمكن من أداء الواجب على وجه يؤثر النية في ابتدائه فوجب الصوم، والأجزاء تخرج عن العهدة، وأما بعد الزوال: فلفوات محل النية، فلا يجب بالصوم، لعدم شرطه، واستحباب الامساك لحرمة الزمان. ولأن أحمد بن محمد سأل أبا الحسن عليه السلام عن رجل قدم من سفره في شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال، قال: " يصوم " (1). وسأله أبو بصير عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان، فقال: (إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صوم ذلك اليوم ويعتد به " (2). مسألة 101: لو علم المسافر أنه يصل إلى بلده أو موضع إقامته قبل الزوال، جاز له الإفطار - ولو أمسك حتى يدخل ويتم صومه كان أفضل، وأجزأه - لأن السفر المبيح للافطار موجود، والمانع مفقود بالأصل. ولما رواه رفاعة - في الحسن - أنه سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يصل (3) في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، قال: " إذا طلع الفجر وهو خارج لم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر " (4). وأما أولوية الصوم: فلحرمة الوقت: ولاشتماله على المسارعة إلى فعل الواجب. مسألة 102: الخلو من الحيض والنفاس شرط في الصوم بإجماع العلماء. ولو زال عذرهما في أثناء النهار، لم يصح لهما صوم وإن كان بعد الفجر

(1) الكافي 4: 132 / 7، التهذيب 4: 255 / 755..
(2) التهذيب 4: 255 / 754، (3) في الكافي: يقدم، بدل يصل. وفي الفقيه والتهذيب: يقبل.
(4) الكافي 4: 132 / 5، الفقيه 2: 93 / 414، التهذيب 4: 255 - 256 / 756.

[ 165 ]

بزمان يسير جدا، لكن يستحب لهما الامساك ويجب عليهما القضاء - وهو قول عامة أهل العلم (1) - لأن الوجوب سقط عنهما ظاهرا وباطنا، فلا يجب الامساك. وقال أبو حنيفة: يجب كما لو قامت البينة (2)، وقد سلف (3). ولو تجدد عذرهما بعد طلوع الفجر وإن كان قبل الغروب بزمان يسير جدا وجب عليهما الإفطار والقضاء بالاجماع. تنبيه: قيل: الصوم يجب على الحائض والنفساء، ولهذا وجب القضاء عليهما مع أنه محرم (4). وهو خطاء، للتنافي بين الحكمين، نعم سبب الوجوب قائم في حقهما ولم يثبت الوجوب لمانع، والقضاء بأمر جديد. القسم الثاني: في شرائط وجوب القضاء (5). مسألة 103: يشترط في وجوب القضاء: الفوات حالة البلوغ، فلو فات الصبي الذي لم يبلغ في شهر رمضان، لم يجب عليه القضاء بعد بلوغه، سواء كان مميزا أوغير مميز، باجماع العلماء، لأن الصبي ليس محل الخطاب بالأداء، فلا يجب عليه القضاء، ولا نعلم فيه خلافا، إلا من الأوزاعي، فإنه

(1) راجع: الشرح الكبير 3: 17، والمجموع 6: 257.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 129، بدائع الصنائع 2: 102 المجموع 6: 257، المغني 3: 75، حلية العلماء 3: 176.
(3) سلف في المسألة 99.
(4) راجع: المجموع 2: 355، وفتح العزيز 2: 420.
(5) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: شرائط القضاء.

[ 166 ]

قال: يقضيه إن كان قد أفطر وهو قادر على الصوم (1). وكذا اليوم الذي بلغ فيه لا يجب عليه قضاؤه، لمضي جزء منه لا يصح تكليفه بالصوم فيه، فيكون الباقي كذلك، لعدم قبوله للتجزي، ولا فرق بين أن يصوم اليوم الذي بلغ فيه أو لا، وبه قال أبو حنيفة (2). وللشافعي قولان، أحدهما: أنه يجب قضاؤه وإن كان صائما. والثاني: لا يجب قضاؤه إذا (3) كان مفطرا، لأنه يجب عليه صوم باقيه ببلوغه، وتعذر عليه صومه، للافطار، وقضاؤه منفردا، فوجب أن يكمل صوم يوم ليتوصل إلى صوم ما وجب عليه، كما إذا عدل الصوم بالاطعام، فبقي نصف مد، فإنه يصوم يوما كاملا (4). وهو غلط، لأنا نمنع وجوب صوم باقيه. مسألة 104: كمال العقل شرط في القضاء، فلو فات المجنون شهر رمضان ثم أفاق، لم يجب عليه قضاؤه عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (5) - لأنه ليس محلا للتكليف، فلا يجب عليه الأداء، فلا يلام عليه تابعه، وهو: القضاء. وقال مالك: يجب عليه القضاء. وبه قال بعض الشافعية - وعن أحمد

(1) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 17.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 93، الهداية للمرغيناني 1: 127، حلية العلماء 3: 173، فتح العزيز 6: 438.
(3) في الطبعة الحجرية: وإن، بدل إذا.
(4) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 256، فتح العزيز 6: 438، حلية العلماء 3: 173.
(5) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 254، فتح العزيز 6: 432، حلية العلماء 3: 173، الهداية للمرغيناني 1: 128، المبسوط للسرخسي 3: 88، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 26.

[ 167 ]

روايتان (1) - لأن الجنون معنى يزيل العقل، فلا ينافي وجوب الصوم، كالاغماء (2). ونمنع حكم الأصل، والفرق: أن الإغماء مرض قد يلحق الأنبياء، بخلاف الجنون المزيل للتكليف لنقص فيه. فإن أفاق في أثناء الشهر، لم يقض ما فاته حال جنونه ولا اليوم الذي يفيق فيه، إلا أن يكون أفاق قبل الفجر - وبه قال الشافعي في أحد الوجهين (3) - لأن الجنون مزيل للخطاب والتكليف، فسقط قضاء ما فات من بعض الشهر، كما لو فات جميعه. وقال أبو حنيفة: يجب قضاء ما فات؟ لأن الجنون لا ينافي الصوم (4). وهو ممنوع بخلاف الإغماء. وقال محمد بن الحسن: إذا بلغ مجنونا ثم أفاق في أثناء الشهر، فلا قضاء عليه، أما إذا كان عاقلا بالغا ثم جن، قضى ما فاته حالة الجنون؟ لأن بلوغه في الأول لم يتعلق به التكليف (5). ونمنع الأصل. مسألة 105: اختلف علماؤنا في المغمى عليه هل يجب عليه القضاء؟ فالذي نص عليه الشيخ - رحمه الله - أنه لا قضاء عليه، سواء كان مفيقا في أول الشهر ناويا للصوم ثم أغمي عليه، أو لم يكن مفيقا، بل أغمي

(1) المغني 3: 95 - 96، الشرح الكبير 3: 26، حلية العلماء 3: 173، فتح العزيز: 433.
(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 117، بداية المجتهد 1: 298، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 26، حلية العلماء 3: 173، فتح العزيز 6: 433.
(3) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 254 و 256، الوجيز 1: 103 فتح العزيز 6: 433، حلية العلماء 3: 173، المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 26.
(4) الهداية للمرغياني 1: 128، الكتاب بشرح اللباب 1: 173، بدائع الصنائع 2: 89، حلية العلماء 3: 173، فتح العزيز 6: 433، المغني 3: 96، الشرح الكبير 3: 26.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 128 - 129، بدائع الصنائع 2: 89، حلية العلماء 3: 173.

[ 168 ]

عليه من أول الشهر (1). وهو المعتمد، لأن مناط التكليف العقل، والتقدير زواله، فيسقط التكليف. ولأن أيوب بن نوح كتب إلى الرضا عليه السلام، يسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضي ما فاته أم لا؟ فكتب: " لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة (2). وللشيخ قول آخر: إنه إن سبقت منه النية.، صح صومه، ولا قضاء عليه، وإن لم تسبق، بأن كان مغمى عليه من أول الشهر، وجب القضاء (3) - وبه قال المفيد والسيد المرتضى (4) - لأنه مريض، فوجب عليه القضاء كغيره من المرضى، لأن مدته لا تتطاول غالبا. ولقول الصادق عليه السلام: " يقضي المغمى عليه ما فاته " (5). ونمنع مساواته للمرض الذي يبقى فيه العقل. والرواية محمولة على الاستحباب. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يقضي زمان اغمائه مطلقا. واختلفا في يوم اغمائه، فقال أبو حنيفة: لا يقضيه، لحصول النية فيه. وقال الشافعي: يقضيه (6).

(1) المبسوط للطوسي: 285.
(2) التهذيب 4: 243 / 711، الاستبصار 1: 458 / 1775، والفقيه 1: 237 / 1041، وفيها عن أبي الحسن الثالث عليه السلام.
(3) الخلاف 2: 198، المسألة 51، وحكاه عنه المحقق في المعتبر: 313.
(4) المقنعة: 56، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 57، وحكاه عنهما المحقق في المعتبر: 313.
(5) التهذيب 4: 243 / 716.
(6) حكى هذه الأقوال عنهما، المحقق في المعتبر: 313، وانظر: المهذب للشيرازي 1: 184 و 192، والمجموع 6: 255 و 347، والوجيز 1: 103، وفتح العزيز 6:

[ 169 ]

مسألة 106: الإسلام شرط في وجوب القضاء، فلو فات الكافر الاصلي شهر رمضان ثم أسلم، لم يجب عليه قضاؤه بإجماع العلماء، لقوله عليه السلام: (الإسلام يجب ما قبله) (1). ولو أسلم في أثناء الشهر، فلا قضاء عليه لما فات، عند علمائنا أجمع، وهو قول عامة العلماء (2)، لما تقدم. ولقوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (3). وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في رجل أسلم في نصف شهر رمضان: " ليس عليه قضاء إلاما يستقبل " (4). ولأن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره، فلا يجب قضاؤها، كالرمضان الماضي. وقال عطاء: عليه القضاء (5). وعن الحسن كالمذهبين (6). وأما اليوم الذي أسلم فيه، فإن كان قبل طلوع الفجر، وجب عليه صيامه، ولو أفطر، قضاه وكفر، وإن كان بعد الفجر، أمسك استحبابا، ولا قضاء عليه، ولا يجب عليه صيامه، لما تقدم من أن الصوم لا يتبعض. وكذا كل ذي عذر. وللشافعي وجهان (7). وبقولنا أفتى مالك وأبو ثور وابن المنذر (8).

432، والهداية للمرغيناني 1: 128، والكتاب بشرح اللباب 1: 172. (1) مسند أحمد 4: 199، مشكل الآثار 1: 211 - 212 بتفاوت يسير (2) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(3) الأنفال: 38.
(4) أورده المحقق في المعتبر: 313، وبتفاوت يسير في الكافي 4: 125 / 2، والتهذيب 4: 246 / 729، والاستبصار 2: 107 / 350. (5 و 6) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(7) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 256، حلية العلماء 3: 173.
(8) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.

[ 170 ]

وقال أحمد: يجب عليه الامساك ويقضيه (1). وليس بجيد، لأن عيص بن القاسم روى - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال، سألته عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، قال عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ قال: " ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر " (2). مسألة 107: يجب القضاء على المرتد ما فاته زمان ردته - وبه قال الشافعي (3) - لأنه ترك فعلا وجب عليه مع علمه بذلك، فوجب عليه قضاؤه، كالمسلم. وقال أبو حنيفة: لا يجب قضاؤه (4)، لقوله عليه السلام.: (الإسلام يجب ما قبله) (5). والمراد به الاصلي، لأنه لا يؤخذ بالعبادات حال كفره. ولا فرق بين أن تكون الردة باعتقاد ما يوجب الكفر أو بشكه فيما يكفر بالشك فيه. ولو ارتد بعد عقد الصوم صحيحا ثم عاد، قال الشافعي: يفسد صومه (6). وهو جيد. ولو غلب على عقله بشئ من قبله، كشرب المسكر والمرقد، لزمه

(1) المغني 3: 95، الشرح الكبير 3: 16.
(2) التهذيب 4: 245 - 246 / 728، الاستبصار 2: 107 / 349.
(3) المهذب للشيرازي 1: 184، المجموع 6: 253، الوجيز 1: 103، فتح العزيز 6: 432، حلية العلماء 3: 172، الشرح الكبير 3: 14.
(4) المجموع 6: 253، فتح العزيز 6: 432، حلية العلماء 3: 172.
(5) مسند أحمد 4: 199، مشكل الآثار 1: 211 - 212 بتفاوت يسير.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 313.

[ 171 ]

القضاء ولو كان بشئ من قبله تعالى، لم يلزمه. ولو طرح في حلق المغمى عليه أو من زال عقله دواء، لم يجب عليه القضاء إذا أفاق، خلافا للشيخ (1). ويستحب للمغمى عليه وللكافر القضاء. البحث الثالث: في الأحكام مسألة 108: من وجب عليه قضاء ما فاته من أيام رمضان يجب عليه القضاء في السنة التي فاته الصوم فيها ما بينه وبين الرمضان الثاني، فلا يجوز له تأخيره إلى دخول الرمضان الثاني، فإذا فاته شئ من رمضان أو جميعه بمرض، وجب عليه القضاء عند البرء وجوبا موسعا إلى أن يبقى إلى الرمضان الثاني عدد ما فاته من الأيام. فإن أخر القضاء بعد برئه وتمكنه من القضاء حتى دخل الرمضان الثاني، فاما أن يكون تأخيره على وجه التواني أو لا. فإن كان على وجه التواني، صام الرمضان الحاضر، وقضى الأول بالاجماع، وكفر عن كل يوم من الفائت بمدين، وأقله مد، قاله شيخنا المفيد (2) رحمه الله - وبه قال الشافعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وأبي هريرة، ومجاهد وسعيد بن جبير (3) - لما رواه العامة عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله، أوجب

(1) المبسوط للطوسي 1: 266.
(2) المقنعة: 88.
(3) المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 366، الوجيز 1: 105، فتح العزيز 6: 462، حلية العلماء 3: 207، بداية المجتهد 1: 299، المبسوط للسرخسي 3: 77، المغني 3: 85 - 86، الشرح الكبير 3: 86 - 87

[ 172 ]

عليه إطعام مسكين عن كل يوم (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر، فقال: " إن كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الصوم الآخر، صام الذي أدركه، وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين، وعليه قضاؤه، وإن كان لم يتمكن من قضائه حتى أدركه شهر رمضان، صام الذي أدركه، وتصدق عن الأول لكل يوم مدا لمسكين، وليس عليه قضاؤه " (2). وقال ابن إدريس منا: لا كفارة عليه - وبه قال أبو حنيفة والحسن البصري والنخعي (3) - لأصالة براءة الذمة (4)، ولأنه تأخير صوم واجب، فلا تجب به الكفارة، كما لو أخر القضاء والنذر. وأصالة البراءة حجة إذا لم يقم دليل على شغلها، والأخبار به كثيرة. والقياس باطل عندنا، خصوصا إذا عارض النص. مسألة 109: ولو ترك القضاء بعد برئه غير متهاون به، بل كان عازما كل وقت على القضاء ويؤخره لعذر من سفر وشبهه، وعلى كل حال لم يتهاون به، بل تركه لامور عرضت، ثم عرض مع ضيق الوقت ما يمنعه من القضاء، كان معذورا يلزمه القضاء إجماعا، ولا كفارة عليه، لعدم التفريط منه. ولو استمر به المرض من الرمضان الأول إلى الرمضان الثاني ولم يصح. فيما بينهما، صام الحاضر، وسقط عنه قضاء الأول، وتصدق عن كل يوم

(1) سنن الدارقطني 2: 197 / 89.
(2) الكافي،: 119 / 1، التهذيب 4: 250 / 743، الاستبصار 2: 110 / 361، وفيها: سألتهما... فقالا.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 77، المغني 3: 86، الشرح الكبير 3: 87، المجموع 6: 366، فتح العزيز 6: 462، حلية العلماء 3: 207، بداية المجتهد 1: 299.
(4) السرائر: 90.

[ 173 ]

بمدين أو بمد، عند أكثر علمائنا (1) لقول الصادق عليه السلام: " فإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان، صام الذي أدركه، وتصدق عن الأول لكل يوم مدا لمسكين، وليس عليه قضاؤه " (2). ونحوه روى زرارة - في الصحيح - عن الباقر عليه السلام (3). وقال الصدوق: يقضي الأول ولا كفارة - وهو قول العامة (1) - لعموم قوله تعالى: " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " (5) (6). إذا عرفت هذا، فحكم ما زاد على رمضانين حكم الرمضانين سواء، ولو أخره سنين، تعددت الكفارة بتعدد السنين. وللشافعي وجهان (7). ولو استمر به المرض إلى أن مات، سقط القضاء وجوبا لا استحبابا، ولا كفارة عند جمهور العلماء (8)، لأصالة البراءة. ولأن سماعة سأل الصادق عليه السلام، عن رجل دخل عليه شهر رمضان وهو مريض لا يقدر على الصيام، فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال، قال " لا صيام عليه ولا يقضى، عنه " (9).

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 286، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 195، والمحقق الحلي في شرائع الإسلام 1: 203.
(2) الكافي 1: 119 / 1، التهذيب 4: 250 / 743، الاستبصار 2: 110 / 361.
(3) الكافي 4: 119 / 2، الفقيه 2: 95 / 429، التهذيب 4: 250 / 744، الاستبصار 2: 111 / 362.
(4) المغني 3: 85، الشرح الكبير 3: 86، المجموع 6: 366.
(5) البقرة: 184.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 314.
(7) المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 364، فتح العزيز 6: 462 - 463 حلية العلماء 3: 207.
(8) المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 372، حلية العلماء 3: 208، المغني 3: 84، الشرح الكبير 3: 87.
(9) التهذيب 4: 247 / 733، الاستبصار 2: 108 / 352.

[ 174 ]

وقال قتادة وطاوس: يجب أن يكفر عنه عن كل يوم إطعام مسكين، لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الاطعام عنه، كالشيخ الهم إذا ترك الصيام لعجزه (1). والفرق ظاهر، فإن الشيخ يجوز ابتداء الوجوب عليه، بخلاف الميت، وقولهما مخالف للإجماع، فلا عبرة به. ثم إذا عرفت هذا، فإنه يستحب القضاء عنه. مسألة 110: لو برء من مرضه زمانا يتمكن فيه من القضاء ولم يقض حتى مات، قضى عنه عند علمائنا - وبه قال الشافعي في القديم وأبو ثور (2) - لما رواه العامة عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فاقضيه عنها؟ قال: (لو كان على أمك دين كنت قاضيه؟) قال: نعم؟ قال: (فدين الله أحق أن يقضى) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في الرجل يموت في شهر رمضان، قال: " ليس على وليه أن يقضي عنه ما بقي من الشهر، لأن مرض فلم يصم رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مض رمضان وهو مريض ثم مات في مرضه ذلك، فليس على وليه أن يقضي عنه الصيام، فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات، فعلى وليه أن يقضي عنه لأنه قد صح فلم يقض ووجب (4).

(1) المغني 3: 84، الشرح الكبير 3: 87، المجموع 6: 372، حلية العلماء 3: 208.
(2) المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 368 و 372، فتح العزيز 6: 457، حلية العلماء 3: 208، المبسوط للسرخسي 3: 89، المغني 3: 84، الشرح الكبير 3: 88 - 89.
(3) صحيح مسلم 2: 804 / 155، سنن البيهقي 4: 255.
(4) التهذيب 4: 249 / 739، الاستبصار 2: 110 / 360.

[ 175 ]

ولأن الصوم يدخل في جبرانه المال، فتدخل النيابة فيه، كالحج. وقال الشافعي في الجديد: يطعم عنه كل يوم مدا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري - إلا أن مالكا يقول: لا يلزم الولي أن يطعم عنه حتى يوصي بذلك - وهو مروي عن ابن عباس وعائشة، لما رواه ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا) (1). ولأن الصوم لا تدخله النيابة في حال الحياة، فكذا بعد الموت، كالصلاة (2). وحديثه موقوف، ونقول بموجبه، لأن الصدقة تجب إذا لم يكن ولي، وقياسه ممنوع الأصل. وقال أحمد: إن كان صوم نذر، صام عنه الولي، وإن كان صوم رمضان، أطعم عنه، لأن ابن عباس سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، أو عليه صوم رمضان، قال: أما رمضان فليطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه (3). وقول ابن عباس ليس حجة، أو قاله في شخصين لأحدهما ولي دون الآخر. مسألة 111: الذي يقضي عن الميت هو أكبر أولاده الذكور، ويقضي ما فاته من صيام بمرض وغيره إذا تمكن من قضائه ولم يقضه، لأن لم يكن له

(1) سنن ابن ماجة 1: 558 / 1757، سنن الترمذي 3: 96 / 718.
(2) المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 368 و 372 - 373، فتح العزيز 6: 456، حلية العلماء 3: 208، المبسوط للسرخسي 3: 89، بداية المجتهد 1: 299 - 300، الكافي في فقه أهل المدينة: 122، المغني 3: 84، الشرح الكبير 3: 88.
(3) المغني 3: 84 - 85، الشرح الكبير 3: 88 - 89 و 93، حلية العلماء 3: 209.

[ 176 ]

ولد ذكر وكان له أناث، تصدق عنه من ماله عن كل يوم بمدين، قاله الشيخ (1) رحمه الله. وقال المفيد رحمه الله: إذا لم يكن إلا أنثى، قضت عنه (2). والوجه: قول الشيخ، لأصالة البراءة. ولما رواه حماد بن عثمان عمن ذكره عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين [ من ] (3) شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: (أولى الناس به " قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: " لا إلا الرجال " (4). إذا عرفت هذا، فلو لم يكن له ولي من الذكور، قال الشيخ رحمه الله: يتصدق عنه عن كل يوم بمدين، وأقله مد (5). والسيد المرتضى - رحمه الله - عكس، فأوجب الصدقة أولا، فإن لم يكن له مال، صام عنه وليه (6)، لقول الصادق عليه السلام: " فإن صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال، تصدق عنه، فإن لم يكن له مال، صام عنه وليه " (7). والمعتمد: قول الشيخ، لأن الواجب في الأصل الصوم. فروع: أ - لو لم يكن له إلا ولد واحد ذكر، وجب عليه القضاء، لأنه ولي له.

(1) المبسوط للطوسي 1: 286.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 315.
(3) ما بين المعقوفين من المصدر.
(4) الكافي 4: 124 / 4، التهذيب 4: 246 - 247 / 731، الاستبصار 2: 108 / 354.
(5) المبسوط للطوسي 1: 286.
(6) الانتصار: 70 - 71.
(7) الكافي 4: 123 - 124 / 3، الفقيه 2: 98 / 439، التهذيب 4: 248 / 730 الاستبصار 2: 109 / 356.

[ 177 ]

ب - لو كان له أولاد ذكور في سن واحد، قضوا بالحصص، فإن قام بالجميع بعض، سقط عن الباقين. ج - لو لم يكن له ولد ذكر وكان له إناث، سقط القضاء، ووجب الصدقة، وكذا لو لم يكن له ولي. ولو كان له أولاد ذكور وإناث، وكان الأكبر أنثى، وجب القضاء على أكبر الذكور. د - لو تعدد الولي، قضوا بالحصص، فإن انكسر العدد، فاليوم المنكسر واجب عليهم على الكفاية، كما لو كانوا ثلاثة في سن واحد وعليه أربعة. ه‍ - يجوز اتحادهم في الزمان، فلو فاته يومان مثلا وله ولدان فصاما معا يوما واحدا كفاهما عن اليومين. و - " لو صام أجنبي عن الميت بغير قول الولي، سقط الصوم عن الميت والولي معا، وإن صام بأمر الولي، فالأقرب الإجزاء. وللشافعي فيه وجهان (1). وكذا يجوز للولي أن يستأجر عنه من يصوم. ز - قال الشيخ رحمه الله: كل صوم واجب على المريض بأحد الأسباب الموجبة، كاليمين والنذر والعهد إذا مات من وجب عليه مع إمكان القضاء ولم يقضه وجب على وليه القضاء عنه أو الصدقة (2). وكذا يتصدق يجب عليه قضاء ما فاته من صلاة. ح - قال الشيخ رحمه الله: لو وجب عليه صيام شهرين متتابعين ثم مات، تصدق عنه من مال الميت عن شهر، وقضى وليه شهرا آخر (3)، تخفيفا

(1) المجموع: 368، فتح العزيز 6: 457، حلية العلماء 3: 209، والوجهان في الشرطية الأولى لا الثانية (2) المبسوط للطوسي 1: 286 (3) النهاية: 158.

[ 178 ]

عن الولي. ولو وجب عليه شهران على التعيين فكذلك، خلافا لبعض (1) علمائنا. ولو كان على التخيير، مثل كفارة رمضان، تخير الولي بين الصوم والصدقة من مال الميت من الأصل أو بعض من الأصل، لأن الصوم وجب على التخيير، وخرج الميت عن أهلية التخيير، فيكون للولي. ولا فرق بين أنواع المرض في ذلك. مسألة 112: قال الشيخ رحمه الله: حكم المرأة حكم الرجل في أن ما يفوتها في زمن الحيض أو السفر أو المرض لا يجب على أحد القضاء عنها ولا الصدقة، إلا إذا تمكنت من قضائه وأهملته، فإنه يجب على وليها القضاء أو الصدقة، على ما مر في الرجل سواء (2). وهو قول أكثر العامة (3). وأنكر ابن إدريس ذلك (4). وليس بشئ، لما رواه أبو بصير - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن امرأة [ مرضت في رمضان ] (5) وماتت في شوال، فأوصتني أن أقضي عنها، قال: " هل برئت من مرضها؟ " قلت: لا، ماتت، قال: " لا تقض عنها، فإن الله لم يجعله عليها " قلت: فإني أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك؟ قال: " وكيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها؟ فإن اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم " (6) استفسره عليه السلام عن حصول البرء أولا، ولو لم يجب القضاء مع البرء، لم يكن للسؤال معنى. لا يقال: إنه قد حصلت الوصية، فجاز أن يكون الوجوب بسببها.

(1) وهو ابن إدريس في السرائر: 91.
(2) النهاية: 158، المبسوط للطوسي 1: 286.
(3) المغني 3: 84، الشرح الكبير 3: 91، المجموع 6: 368.
(4) السرائر: 91.
(5) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطية والحجرية: صامت. وما أثبتناه من المصدر.
(6) التهذيب 4: 248 / 737، الاستبصار 2: 109 / 358.

[ 179 ]

لأنا نقول: الوصية لا تقتضي الوجوب، أما مع عدم القبول: فظاهر، وأما معه: فلأنه راجع إلى الوعد. مسألة 113: قد بينا أن المسافر لا يجوز له صوم رمضان في السفر ولا غيره من الواجبات إلا ما استثني، بل يجب عليه الإفطار والقضاء مع حضور البلد، أو نية الإقامة عشرة أيام في غيره، أو إقامة ثلاثين يوما، فإن مات المسافر بعد تمكنه من القضاء، وجب أن يقضى عنه، كما تقدم. ولو مات في سفره ولم يتمكن من القضاء، فللشيخ في وجوب القضاء عنه قولان: أحدهما: عدم الوجوب، لأنه لم يستقر في ذمته الأداء ولا القضاء، لأن معنى الاستقرار فيه أن يمضي زمان يتمكن فيه من القضاء ويهمل (1). والثاني: وجوب القضاء (2)، لقول الصادق عليه السلام، في الرجل يسافر في رمضان فيموت، قال: " يقضى عنه، وإن امرأة حاضت في رمضان فماتت، لم يقض عنها، والمريض في رمضان لم يصح حتى مات لا يقضى عنه " (3). ولا بأس به. والفرق: أن المرض حصل العذر فيه من قبل الله تعالى، وكذا الحيض، أما السفر فمن المكلف. مسألة 114: يجوز الإفطار قبل الزوال في قضاء رمضان، لعدم تعيين زمانه. ولأنه محل تجديد النية، وكل وقت يجوز فيه تجديد نية الصوم يجوز فيه الإفطار. ولا يجوز بعد الزوال، لأنه قد استقر له الوجوب بمضي أكثر الزمان في

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 315، وراجع: الخلاف 2: 207 - 208، المسألة 64.
(2) التهذيب 4: 249 ذيل الحديث 739..
(3) التهذيب 4: 249 / 740.

[ 180 ]

الصوم، وفات تجديد النية. ولقول الصادق عليه السلام: " صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل ومتى ما شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس، فليس لك أن تفطر " (1). إذا ثبت هذا، فإن أفطر بعد الزوال لعذر، لم يكن عليه شئ، وإن كان لغير عذر، وجب عليه القضاء لاطعام عشرة مساكين، فإن عجز، صام ثلاثة أيام - وبه قال قتادة (2)، خلافا لباقي العامة (3) - لأنه بعد الزوال يحرم عليه الإفطار على ما تقدم، والكفارة تتعلق بارتكاب الإثم بالافطار في الزمان المتعين للصوم، وهو متحقق هنا. ولأن بريد العجلي سأل الباقر عليه السلام، في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: " إن كان أتى أهله قبل الزوال، فلا شئ عليه إلا يوما مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد الزوال، كان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين " (4). وقد روي: " أن عليه كفارة رمضان " (5). وحملها الشيخ - رحمه الله - على من أفطر متهاونا بالفرض ومستخفا

(1) التهذيب 4: 278 / 841، الاستبصار 2: 120 / 389. (2 و 3) المغني 3: 64، الشرح الكبير 3: 68، المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 204، المحلى 6: 271.
(4) الكافي 4: 122 / 5، الفقيه 2: 96 / 430، التهذيب 4: 278 - 279 / 844، الاستبصار 2: 120 / 391.
(5) التهذيب 4: 279 / 846، الاستبصار 2: 121 / 393، والنهاية للشيخ الطوسي: (6) التهذيب 4: 279 ذيل الحديث 846، والاستبصار 2: 121 ذيل الحديث 393، والنهاية: 164.

[ 181 ]

وروي أيضا: (أنه لا شئ) (1). وحملها الشيخ - رحمه الله - على العاجز (2). مسألة 115: من أجنب في شهر رمضان، وترك الاغتسال ساهيا من أول الشهر إلى آخره، قال الشيخ رحمه الله: عليه قضاء الصلاة والصوم معا (3). ومنع ابن إدريس قضاء الصوم (4). والوجه: ما قاله الشيخ، لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، أنه سئل عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: " عليه أن يقضي الصلاة والصيام " (5). ولأنه مفرط بتركه الغسل. مسألة 116: يستحب التتابع في قضاء شهر رمضان وليس واجبا عند أكثر علمائنا (6) - وبه قال ابن عباس وأنس بن مالك وأبو هريرة ومجاهد وأبو قلابة وأهل المدينة والحسن البصري وسعيد بن المسيب ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق (7) - لما رواه العامة: إن النبي صلى الله عليه وآله، قال في قضاء رمضان: (إن شاء فرق وإن شاء تابع) (8).

(1) التهذيب 4: 280 / 847، الاستبصار 2: 121 - 122 / 394، والنهاية: 164.
(2) النهاية: 164.
(3) النهاية: 165، المبسوط للطوسي 1: 288.
(4) السرائر: 93.
(5) التهذيب 4: 311 / 938.
(6) منهم الشيخ الطوسي قي النهاية: 163، والمبسوط 1: 287، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 184، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 203، وابن إدريس في السرائر: 93.
(7) المغني 3: 91، الشرح الكبير 3: 85، المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 67، فتح العزيز 6: 433 - 434، بدائع الصنائع 2: 76.
(8) سنن الدارقطني 2: 193 / 74.

[ 182 ]

وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله، عن تقطيع قضاء رمضان، فقال عليه السلام: (لو كان على أحدكم دين فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضيا دينه؟) قالوا: نعم يا رسول الله، قال: (فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الأيام، فإن فرق فحسن، وإن تابع فحسن) (2). وقال عليه السلام: " من أفطر شيئا من رمضان في عذر، فإن قضاه متتابع للفضل، وإن قضاه متفرقا فحسن " (3). ولأن التتابع يشبه الأصل، وينبغي المشابهة بين القضاء والأداء. وقال بعض علمائنا: الأفضل التفريق (4)، للفرق، لأن الصادق عليه السلام، سئل عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: " إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وإن كان عليه خمسة. فليفطر بينها أياما " (5). والطريق ضعيف، ويحمل على التخيير. وقال بعض علمائنا: إن كان الذي فاته عشرة أيام أو ثمانية، فليتابع بين ثمانية أو بين ستة، ويفرق الباقي (6).

(1) المغني 3: 92، الشرح الكبير 3: 85 - 86 نقلا عن الأثرم.
(2) التهذيب 4: 274 / 829، الاستبصار 2: 117 / 380، والكافي 4: 120 - 121 / 4، والفقيه 2: 95 / 427.
(3) الكافي 4: 120 / 3، التهذيب 4: 274 / 829، الاستبصار 2: 117 / 381.
(4) كما في السرائر: 93.
(5) التهذيب 4: 275 / 831، الاستبصار 2: 118 / 383.
(6) الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 280 - 281.

[ 183 ]

وقال داود والنخعي والشعبي: إنه يجب التتابع - ونقله العامة عن علي عليه السلام، وابن عمر - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (من كان عليه صوم شهر رمضان فليسرده ولا يقطعه) (1) (2). ويحمل على الاستحباب، مع ضعفه، فإنه لم يذكره أهل السير، وقد بينا أن الأفضل التتابع. وقال الطحاوي: التفريق والتتابع سواء (3)، لأنه لو أفطر يوما من شهر رمضان لم يستحب له إعادة جميعه، لزوال التفريق، فكذا إذا أفطر جميعه. وهو خطا، لأن فعله في وقته يقع أداء، فإذا صامه، لم يكن صوم الفرض، فلم تستحب إعادته. مسألة 117: لا يجوز لمن عليه صيام من شهر رمضان أو غيره من الواجبات أن يصوم تطوعا حتى يأتي به - وهو إحدى الروايتين عن أحمد (4) - لما رواه العامة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (من صام تطوعا وعليه من رمضان شئ لم يقضه فإنه لا يقبل منه حتى يصومه) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الحسن - أنه سأل الصادق عليه السلام، عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوع؟ فقال " لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " (6). ولأنه عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوع بها قبل أداء

(1) سنن الدارقطني 2: 191 / 58، سنن البيهقي 4: 259.
(2) المغني 3: 91، الشرح الكبير 3: 85، المجموع 6: 367، فتح العزيز 6: 434، حلية العلماء 3: 208.
(3) المجموع 6: 367، حلية العلماء 3: 208.
(4) المغني 3: 86، الشرح الكبير 3: 90.
(5) مسند أحمد 2: 352.
(6) الكافي 4: 123 (باب الرجل يتطوع بالصيام...) الحديث 2، التهذيب 4: 276 / 835.

[ 184 ]

فرضها، كالحج. وقال أحمد في الرواية الأخرى بالجواز، لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتهما قبل فعلها، كالصلاة (1) والأصل ممنوع. مسألة 118: يجوز في جميع أيام السنة، إلا العيدين مطلقا، وأيام التشريق لمن كان بمنى، ناسكا، وأيام الحيض والنفاس والسفر الذي يجب فيه القصر. وقد أجمع العلماء كافة على العيدين، لنهي النبي صلى الله عليه وآله، عن صومهما (2). وأما أيام التشريق: فعلماؤنا عليه وكذا أكثر أهل العلم (3) - وعن أحمد روايتان (4) - لأن (5) صومها منهي عنه فأشبهت العيدين. واحتج أحمد: بجواز صومهما لمن لا يجد الهدي، فيقاس كل فرض عليه، والقضاء مشابه له (6). ونمنع حكم الأصل، والفرق: أنة في محل الضرورة للفاقد (7). وأيام الحيض والنفاس أعم. وأيام السفر لقول الصادق عليه السلام، في رجل مرض في شهر

(1) المغني 3: 87 الشرح الكبير 3: 91 (2) صحيح مسلم 2: 799 / 1137 و 1138 وسنن أبي داود 2: 319 - 320 / 2416 و 2417، سنن الدارقطني 2: 157 / 6، سنن الدارمي 2: 20، سنن البيهقي 4: 260، الموطأ 1: 300 / 36 و 37.
(3) انظر: المجموع 6: 367 (4) المغني 3: 104، الشرح الكبير 3: 111 و 112 (5) في النسخ الخطية والطبعة الحجرية بدل لأن: أن. والصحيح ما أثبتناه (6) المغني 3: 104، الشرح الكبير 3: 112.
(7) أي: فاقد الهدي.

[ 185 ]

رمضان، فلما برق أراد الحج، كيف يصنع القضاء الصوم؟ قال: " إذا رجع فليقضه " (1). مسألة 119: لا يكره القضاء في شهر ذي الحجة عند علمائنا - وبه قال سعيد بن المسيب والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين " (2) - لعموم قوله تعالى: " فعدة من أيام أخر " (3). وما رواه العامة: أن عمر كان يستحب قضاء رمضان في العشر (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الصحيح - أنه سأل الصادق عليه السلام: رأيت إن بقي علي شئ من صوم شهر رمضان أقضيه في ذي الحجة؟ قال: " نعم " (5). وقال أحمد في الرواية الأخرى: إنه مكروه. ورواه العامة عن علي عليه السلام، والزهري والحسن البصري (6) لقول علي عليه السلام: " لا يقضى صوم (7) رمضان في عشر ذي الحجة (8). والطريق ضعيف. مسألة 120: لو أصبح جنبا في يوم يقضيه من شهر رمضان، أفطر ذلك اليوم، ولم يجز له صومه، لما رواه ابن سنان - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، أنه سأله عن الرجل يقضي رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: " لا يصوم ذلك اليوم ويصوم

(1) التهذيب 4: 276 / 834، الاستبصار 2: 120 / 388.
(2) المجموع 6: 367، المغني 3: 87، الشرح الكبير 3: 91.
(3) البقرة: 184 و 185.
(4) المغني 3: 87، الشرح الكبير 3: 91، وسنن البيهقي 4: 285.
(5) التهذيب 4: 274 / 828، الاستبصار 2: 117 / 380.
(6) المغني 3: 87، الشرح الكبير 3: 91 - 92، وسنن البيهقي 4: 285.
(7) في " ن "، بدل صوم: شهر.
(8) سنن البيهقي 4: 285 بتفاوت.

[ 186 ]

غيره " (1). قال الشيخ رحمه الله: وكذا كل ما لا يتعين صومه وكذا صوم النافلة (2). أما لو أكل أو شرب ناسيا في قضاء رمضان، فالوجه: أنه يتم على صومه، لما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، أنه سئل عن رجل نسي فأكل وشرب ثم ذكر، قال: " لا يفطر، إنما هو شئ رزقه الله، فليتم صومه " (3) وهو يتناول صورة النزاع. وسأل أبو بصير، الصادق عليه السلام، عن رجل صام يوما نافلة، فأكل وشرب ناسيا، قال: " يتم يومه ذلك، وليس عليه شئ (4). وللشيخ - رحمه الله - قول آخر. المطلب الثاني: في باقي أقسام الواجب مسألة 121: صوم كفارة قتل الخطأ واجب بالاجماع والنص: قال الله تعالى: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله " (5). وإنما يجب بعد العجز عن العتق. وهو: شهران متتابعان. ويجب صوم كفارة الظهار بالاجماع والنص: قال الله تعالى: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " (6). وهو يجب مرتبا على العتق، مثل كفارة قتل الخطا صفة وقدرا.

(1) التهذيب 4: 277 / 837، والفقيه 2: 75 / 324.
(2) المبسوط للطوسي 1: 287. (3) الكافي 4: 101 (باب من أكل أو شرب ناسيا في شهر رمضان) الحديث 1، الفقيه 2: 74 / 318، التهذيب 4: 277 / 838.
(4) التهذيب 4: 277 / 840.
(5) النساء: 92.
(6) المجادلة: 4

[ 187 ]

وأما كفارة قتل العمد: فهي كفارة الجمع يجب فيه العتق وصيام شهرين متتابعين طعام ستين مسكينا. مسألة 122: وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان واجب على التخيير بينه وبين العتق والصدقة، وقدره شهران متتابعان، ولا خلاف في قدره لأن وقع الخلاف في صفته. وصوم كفارة من أفطر يوما من قضاء شهر رمضان: إطعام عشرة مساكين على ما تقدم (1). وقال بعض أصحابنا: يجب فيه كفارة يمين (2). وليس بجيد. ويجب صوم بدل الهدي للمتمتع إذا لم يجهد الهدي ولا ثمنه بالنص والإجماع. قال الله تعالى: " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة " (3). فإن أقام بمكة، انتظر وصول أهل بلده أو شهرا، لقول الصادق عليه السلام: " إنه إن كان له مقام بمكة فأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر سيره إلى أهله أو شهرا ثم صام " (4). إذا عرفت هذا، فإنه لا يكفي مقام عشرة أيام وإن نواها. وصوم كفارة اليمين وباقي الكفارات كالنذر والعهد. وكفارات الاحرام واجب إجماعا. مسألة 123: وصوم الاعتكاف الواجب واجب عندنا، لما يأتي من

(1) المراد من العبارة أن صوم كفارة من أفطر... هو ثلاثة أيام بشرط عدم التمكن من إطعام عشرة مساكين كما تقدم في المسألتين 31 و 114.
(2) القاضي ابن البراج في المهذب 1: 203.
(3) البقرة: 196.
(4) التهذيب 4: 315 / 955، والفقيه 2: 303 / 1507.

[ 188 ]

اشتراط الصوم في الاعتكاف، فإذا نذر اعتكافا وجب عليه صوم أيامه، لأن شرط الواجب واجب، ولو كان الاعتكاف مندوبا، كان الصوم كذلك. وصوم كفارة من أفاض من عرفات قبل مغيب الشمس عامدا واجب مرتب على مقدار الجزور، وقدره ثمانية عشر يوما. وكذا يجب صوم اليمين والنذر والعهد، وسيأتي بيانه في مواضعه إن شاء الله تعالى. المطلب الثالث: في الصوم المندوب مسألة 124: الصوم المندوب قد لا يختص وقتا بعينه، وهو جميع أيام السنة، إلا الأيام التي نهي عن الصوم فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الصوم جنة من النار) (1). وقال عليه السلام: (الصائم في عبادة وإن كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما) (2). وعنه صلى الله عليه وآله، أنه قال: (قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: حين يفطر وحين يلقى ربه عزوجل، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) (3). وقال الصادق عليه السلام: " نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعاؤه مستجاب " (4). ومنه ما يختص وقتا بعينه نحن نذكره إن شاء الله تعالى، في المسائل

(1) الكافي 4: 62 / 1، الفقيه 2: 44 / 196، التهذيب 4: 151 / 418، سنن النسائي 4: 167، ومسند أحمد 2: 414.
(2) الفقيه 2: 44 / 179، الكافي 4: 64 / 9، التهذيب 4: 190 / 538.
(3) الفقيه 2: 44 / 198.
(4) الفقيه 2: 46 / 207، ثواب الأعمال: 75 / 3.

[ 189 ]

الآتية. مسألة 125: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر - وهي أول خميس في الشهر، وأول أربعاء في العشر الثاني، وآخر خميس من الشهر - لقول الصادق عليه السلام: " صام رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى قيل: ما يفطر، ثم أفطر حتى قيل: ما يصوم، ثم صام صوم داود عليه السلام، يوما ويوما لا، ثم قبض عليه السلام، على صيام ثلاثة أيام في الشهر. وقال: يعدلن صوم الشهر ويذهبن بوحر الصدر - وهو الوسوسة - وإنما خضت هذه الأيام، لأن من قبلنا من الأمم كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب، نزل في هذه الأيام المخوفة " (1) ويجوز تأخيرها من الصيف إلى الشتاء للمشقة، لأن أبا حمزة الثمالي سأل الباقر عليه السلام، عن صوم ثلاثة أيام في كل شهر أؤخرها إلى الشتاء ثم أصومها، فقال: " لا بأس " (2). وإذا أخرها إلى الشتاء، قضاها متوالية ومتفرقة وكيف شاء، لقول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن قضائها متوالية أو متفرقة، قال: " ما أحب، إن شاء متوالية وإن شاء فرق بينها " (3). ولو عجز عن (4) صيامها، تصدق عن كل يوم بمد من طعام، لأنه فداء يوم من رمضان. ولأن عيص بن القاسم سأل الصادق، عليه السلام، عمن لم يصم الثلاثة الأيام وهو يشتد عليه الصيام هل من فداء، قال: " مد من طعام في كل

(1) الكافي 4: 89 / 1، الفقيه 2: 49 / 210، التهذيب 4: 302 / 913.
(2) الكافي 4: 145 / 2، التهذيب 4: 313 - 314 / 950.
(3) الكافي 4: 145 / 3، التهذيب 4: 314 / 951.
(4) في " ط، ف " والطبعة الحجرية: من.

[ 190 ]

يوم " (1). مسألة 126: يستحب صوم أيام البيض - وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر - بإجماع العلماء. روى العامة عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، في حديث طويل: " وصوم أيام البيض " (3). وسميت أيام البيض لبياض ليلها كله بضوء القمر. والتقدير: أيام الليالي البيض. ونقل الجمهور: أن الله تعالى تاب على آدم فيها، وبيض صحيفته (4). مسألة 127: يستحب صوم أربعة أيام في السنة: يوم مبعث النبي صلى الله عليه وآله - وهو السابع والعشرون من رجب - ويوم مولد النبي صلى الله عليه وآله - وهو السابع عشر من ربيع الأول - ويوم دحو الأرض - وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة - ويوم الغدير - وهو الثامن عشر في ذي الحجة، وهو اليوم الذي نصب رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام خليفة وإماما للناس - لأنها أيام شريفة أنعم الله تعالى بأعظم البركات، فاستحب شكره بالصوم فيها.

(1) الفقيه 2: 50 / 217، والكافي 4: 144 / 4، والتهذيب 4: 313 / 947، وفي الاخيرين مضمرا.
(2) سنن الترمذي 3: 134 / 761، سنن النسائي 4: 223، مسند أحمد 5: 162.
(3) الكافي 4: 83 - 86 / 1، الفقيه 2: 46 - 48 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895.
(4) المغني 3: 116، الشرح الكبير 3: 97.

[ 191 ]

روى محمد بن عبد الله الصيقل، قال: خرج علينا أبو الحسن الرضا عليه السلام بمرو في خمسة وعشرين من ذي القعدة، فقال: (صوموا فإني أصبحت صائما " قلنا: جعلنا الله فداك أي يوم هو؟ قال: " يوم نشرت فيه الرحمة ودحيت فيه الأرض ونصبت فيه الكعبة " (1). وسأل الحسن بن راشد، الصادق عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك، للمسلمين عيد غير العيدين؟ قال: " نعم يا حسن أعظمهما وأشرفهما " قلت: فأي يوم هو؟ قال: " يوم نصب أمير المؤمنين عليه السلام فيه علما للناس - إلى أن قال - ولا تدع صوم سبعة وعشرين من رجب، فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد صلى الله عليه وآله " (2). قال إسحاق (3) بن عبد الله العريضي العلوي: وجل في صدري ما الأيام التي تصام، فقصدت مولانا أبا الحسن علي بن محمد الهادي عليهما السلام، وهو ب‍ " صريا " (4) ولم ابد ذلك لأحد من خلق الله، فدخلت عليه، فلما بصر بي قال عليه السلام: " يا إسحاق جئت تسألني عن الأيام التي يصام فيهن وهي أربعة: أولهن يوم السابع والعشرين من رجب يوم بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله إلى خلقه رحمة للعالمين، ويوم مولده صلى الله عليه وآله، وهو السابع عشر من شهر ربيع الأول، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، فيه دحيت الكعبة، ويوم الغدير، فيه أقام رسول الله صلى الله عليه وآله، أخاه عليا عليه السلام، علما للناس وإماما من بعده " قلت: صدقت

(1) التهذيب 4: 304 / 920، والكافي 4: 149 - 150 / 4.
(2) الكافي 4: 148 - 149 / 1، التهذيب 4: 305 / 921 الفقيه 2: 54 - 55 / 240، ثواب الأعمال: 99 / 1. (3) في المصدر: أبو إسحاق. وكذا في قوله الآتي: يا أبا إسحاق.
(4) صريا: قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، على ثلاثة أميال من المدينة. مناقب آل أبي طالب - لابن شهرآشوب - 4: 382.

[ 192 ]

جعلت فداك لذلك قصدت، أشهد أنك حجة الله على خلقه (1). مسألة 128: يستحب صوم يوم عرفة باتفاق العلماء. روى العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (صيام يوم عرفة كفارة سنة والسنة التي تليها) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " صوم يوم التروية كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين " (3). ولا يكره صومه للحاج، إلا أن يضعفهم عن الدعاء، ويقطعهم عنه - وبه قال أبو حنيفة وابن الزبير وإسحاق وعطاء (4) - لأن محمد بن مسلم سأل الباقر عليه السلام، عن صوم يوم عرفة، قال: " من قوي عليه فحسن إن لم يمنعك عن الدعاء فإنه يوم دعاء ومسألة فصمه، وإن خشيت أن تضعف عن ذلك فلا تصمه " (5). وقال باقي العامة: إنه مكروه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، لم يصمه (6) (7). وهو ممنوع، ولو سلم فللضعف، أو لكونه مسافرا، أو أصابه عطش. ولو شك في هلال ذي الحجة، كره صومه، لجواز أن يكون العيد. مسألة 129: يستحب صوم يوم عاشوراء حزنا لا تبركا، لأنه يوم قتل

(1) التهذيب 4: 305 / 922.
(2) سنن البيهقي 4: 283، ومسند أحمد 5: 296، بتفاوت.
(3) الفقيه 2: 52 / 231، ثواب الأعمال: 99 / 3.
(4) المغني 3: 114، الشرح الكبير 3: 101، المجموع 6: 380، حلية العلماء 3: 211، تحفة الفقهاء 1: 343.
(5) التهذيب 4: 299 / 904، الاستبصار 2: 134 / 436.
(6) صحيح البخاري 3: 55، صحيح مسلم 2: 791 / 1123 و 1124، سنن الترمذي 3: 124 / 750 و 125 / 751.
(7) المجموع 6: 380، المغني 3: 114 - 115، الشرح الكبير 3: 101.

[ 193 ]

أحد سيدي شباب أهل الجنة الحسين بن علي صلوات الله عليهما، وهتك حريمه وجرت فيه أعظم المصائب على أهل البيت عليهم السلام، فينبغي الحزن فيه بترك الأكل والملاذ. قال أمير المؤمنين عليه السلام: " صوموا العاشوراء التاسع والعاشر، فإنه يكفر ذنوب سنة " (1). وقول الباقر والصادق عليهما السلام: " لا تصم يوم عاشوراء " (2) محمول على التبرك به. إذا عرفت هذا، فإنه ينبغي أن لا يتم صوم ذلك اليوم، بل يفطر بعد العصر، لما روي عن الصادق عليه السلام: " إن صومه متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة " (3). والمراد بيوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري (4). وروي عن ابن عباس: أنه التاسع من المحرم (5). وليس بمعتمد. وقد اختلف في صوم عاشوراء - ولنا روايتان - هل كان واجبا أم لا؟ قال بعضهم: إنه كان واجبا (6). وبه قال أبو حنيفة (7). وقال آخرون: إنه لم يكن واجبا (8). وللشافعي قولان (9). وعن أحمد

(1) التهذيب 4: 299 / 905، الاستبصار 2: 134 / 437.
(2) الكافي 4: 146 / 3، التهذيب 4: 300 / 909، الاستبصار 2: 134 / 440 (3) الكافي 4: 146 / 4، التهذيب 4: 301 / 910، الاستبصار 2: 134 - 135 / 441 (4) المغني 3: 113، الشرح الكبير 3: 99.
(5) المجموع 6: 383، المغني 3: 113، الشرح الكبير 3: 99.
(6) المجموع 6: 383 (7) المجموع 6: 383، حلية العلماء 3: 211.
(8) المغني 3: 113، الشرح الكبير 3: 100، المجموع 6: 383 (9) المجموع 6: 383.

[ 194 ]

روايتان (1). مسألة 130: يستحب صوم يوم المباهلة، وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة - أمر الله تعالى رسوله بأن يباهل بأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، نصارى نجران. وفيه تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بخاتمه في ركوعه (2)، ونزلت فيه الآية، وهي: قوله تعالى: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " (3) - لأنه يوم شريف أظهر الله تعالى فيه نبينا عليه السلام على خصومه، وحصل فيه التنبيه على قرب أمير المؤمنين عليه السلام من ربه واختصاصه وعظم منزلته وثبوت ولايته واستجابة الدعاء به، وذلك نعمة عظيمة يستحب مقابلتها بالشكر بالصوم. مسألة 131: يستحب صوم أول يوم من ذي الحجة، وهو يوم ولد فيه إبراهيم خليل الله تعالى (4)، لعظم النعمة فيه بولادته عليه السلام. قال الكاظم عليه السلام: " من صام أول يوم من ذي الحجة كتب الله له صوم ثمانين شهرا، فإن صام التسعة كتب الله له صوم الدهر " (5). وقيل: إن فاطمة عليها السلام تزوجت في ذلك اليوم (6). وقيل: في السادس من ذي الحجة (7). ويستحب صوم عشر ذي الحجة إلا يوم العيد بالاجماع، لما روى العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن

(1) المغني 3: 113، الشرح الكبير 3: 100.
(2) مصباح المتهجد: 704.
(3) المائدة: 55.
(4) مصباح المتهجد: 612 - 613.
(5) الفقيه 2: 52 / 230، ثواب الأعمال: 98 - 99 / 2. (6 و 7) مصباح المتهجد: 613.

[ 195 ]

أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) (1). ومن طريق الخاصة: ما تقدم (2) في حديث الكاظم عليه السلام. ويستحب صوم يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة، وهو يوم نزل في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام (هل أتى) (3). وفي السادس والعشرين منه طعن عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين من الهجرة (4). وفي التاسع والعشرين منه قبض عمر بن الخطاب (5). ويوم الثامن عشر منه هو يوم الغدير، هو يوم قتل عثمان بن عفان، وبايع المهاجرون والأنصار عليا عليه السلام، طائعين مختارين عدا أربعة أنفس منهم: عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة (6) وسعد بن أبي وقاص وأسامة ابن زيد (7). مسألة 132: يستحب صوم رجب بأسره عند علمائنا، لأنه شهر شريف معظم في الجاهلية والاسلام، وهو أحد الأشهر الحرم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من صام شهر رجب كله كتب الله تعالى له رضاه، ومن كتب له رضاه لم يعذبه) (8). وكان أمير المؤمنين عليه السلام يصومه ويقول: " رجب شهري، وشعبان شهر رسول الله، ورمضان شهر الله " (9).

(1) سنن الترمذي 3: 130 / 757.
(2) تقدم في صدر المسألة (3 - 5) مسار الشيعة 23 - 24، السرائر لابن إدريس 96. (6) ورد في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية بدل مسلمة: مسلم. والصحيح ما أثبتناه. راجع: تاريخ الخلفاء (الامامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري 53، والارشاد للشيخ المفيد 1: 243.
(7) الامامة والسياسة 1: 53، الارشاد 1: 243، مسار الشيعة: 0 2 - 22، السرائر: 96.
(8) المقنعة: 59، مصباح المتهجد: 734.
(9) مسار الشيعة: 32 - 33، مصباح المتهجد: 734.

[ 196 ]

وقال أحمد: يكره صومه كله، إلا لصائم السنة فيدخل ضمنا، لأن خرشة بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كولوا فإنما هو شهر كان تعظمه الجاهلية (1). وفعله ليس حجة. ويتأكد استحباب أوله وثانيه وثالثه. وفي اليوم الأول منه ولد مولانا الباقر عليه السلام يوم الجمعة سنة سبع وخمسين (2). وفي الثاني منه كان مولد أبي الحسن الثالث عليه السلام (3). وقيل: الخامس منه (4). ويوم العاشر ولد أبو جعفر الثاني عليه السلام (5). ويوم الثالث عشر منه ولد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة قبل النبوة باثنتي عشرة سنة، ذكره الشيخ - رحمه الله - عن ابن عياش من علمائنا (6). وفي اليوم الخامس عشر خرج فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، من الشعب (7). وفي هذا اليوم لخمسة أشهر من الهجرة عقد رسول الله صلى الله عليه وآله، لأمير المؤمنين عليه السلام، على ابنته فاطمة عليها السلام، عقدة النكاح (8). وفيه حولت القبلة من بيت المقدس وكان الناس في صلاة العصر (9). مسألة 133: ويستحب صوم شعبان بأسره.

(1) المغني 3: 106، الشرح الكبير 3: 103.
(2) مصباح المتهجد: 737. (3 - 5) مصباح المتهجد: 741. (6 - 9) مصباح المتهجد: 741 - 742.

[ 197 ]

قال الصادق عليه السلام: " صوم شعبان وشهر رمضان متتابعين توبة من الله (1). وقال سول الله صلى الله عليه وآله: (ألا إن شعبان شهري، فرحم الله من أعانني على شهري) (2). ويتأكد صوم أول يوم منه. قال الصادق عليه السلام: " من صام أول يوم من شعبان وجبت له الجنة البتة، ومن صام يومين نظر الله إليه في كل يوم وليلة في دار الدنيا ودام نظره إليه في الجنة، ومن صام ثلاثة أيام زار الله في عرشه في جنته في كل يوم " (3). وفي الثالث منه ولد الحسين عليه السلام (4). وليلة النصف منه ولد القائم عليه السلام (5). وهي إحدى الليالي الأربعة: ليلة الفطر وليلة الأضحى وليلة النصف من شعبان وأول ليلة من رجب. مسألة 134: يستحب صوم التاسع والعشرين من ذي القعدة. روى ابن بابويه: إن الله أنزل فيه الكعبة فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة (6). وفي أول يوم من المحرم دعا زكريا ربه عزوجل، فمن صام ذلك اليوم استجاب الله له كما استجاب لزكريا عليه السلام (7). ونحوه قال الشيخ (8)

(1) الكافي 4: 91 - 92 / 1، التهذيب 4: 307 / 925، الاستبصار 2: 137 / 449، الفقيه 2: 57 / 247، ثواب الأعمال: 84 / 3.
(2) مصباح المتهجد: 757.
(3) الفقيه 2: 56 / 247، ثواب الأعمال: 84 / 4.
(4) مسار الشيعة: 37، مصباح المتهجد: 758.
(5) مسار الشيعة: 37، الارشاد 2: 339، تاج المواليد: 61.
(6) الفقيه 12: 54 / 239.
(7) الفقيه 2: 55 ذيل الحديث 241.
(8) مصباح المتهجد: 712 - 713.

[ 198 ]

رحمه الله. قال: وفي اليوم الثالث من المحرم كان عبور موسى بن عمران عليه السلام، على جبل طور سيناء. وفي اليوم السابع منه أخرج الله سبحانه، يونس عليه السلام، من بطن الحوت. وفي اليوم العاشر كان مقتل سيدنا الحسين عليه السلام. ويستحب في هذا اليوم زيارته. ويستحب صوم هذا العشر، فإذا كان يوم عاشوراء أمسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر ثم تناول شيئا من التربة (1). قال الشيخ رحمه الله: وفي اليوم السابع عشر من المحرم انصرف أصحاب الفيل عن مكة وقد نزل عليهم العذاب. وفي اليوم الخامس والعشرين منه سنة أربع وتسعين كانت وفاة زين العابدين عليه السلام (2). قال الشيخ رحمه الله: يستحب صوم النصف من جمادى الأولى، ففي ذلك اليوم من سنة ست وثلاثين كان فتح البصرة لأمير المؤمنين عليه السلام. وفي ليلته من هذه السنة بعينها كان مولد مولانا أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام (3). مسألة 135: يستحب صوم ستة أيام من شوال بعد يوم الفطر - وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر العلماء (4) - لما رواه العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) (5).

(1) مصباح المتهجد: 713.
(2) مصباح المتهجد: 729.
(3) مصباح المتهجد: 733.
(4) المغني 3: 112، الشرح الكبير 3: 97، المهذب للشيرازي 1: 194، المجموع 6: 379، الوجيز 1: 105، فتح العزيز 6: 469 - 470، حلية العلماء 3: 210.
(5) سنن ابن ماجة 1: 547 / 1716، سنن الترمذي 3: 132 / 759، سنن أبي داود 2: 324 / 2433، سنن الدارمي 2: 21، سنن البيهقي 4: 292.

[ 199 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الزهري عن زين العابدين عليه السلام " وصوم ستة أيام من شوال " (1). وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صياما خوفا أن يلحق ذلك بالفريضة (2). وحكي مثل ذلك عن محمد بن الحسن (3). وقال مالك: يكره ذلك. قال: وما رأيت أحدا من أهل المدينة (4) يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق الجهال برمضان ما ليس منه (5). مسألة 136: يستحب صوم كل خميس وكل اثنين، لأن أعمال الخلائق ترفع فيهما، فيستحب رفع هذه العبادة الشريفة. روى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فسئل عن ذلك، فقال: (إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الزهري عن زين العابدين عليه السلام: " والخميس " (7).

(1) الكافي 4: 83 - 86 / 1، الفقيه 2: 46 - 48 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895.
(2) بدائع الصنائع 2: 78، حلية العلماء 3: 210.
(3) أنظر: حلية العلماء 3: 210، فإن فيه بعد نقل قول أبي يوسف قال: وحكى مثل ذلك محمد ابن الحسن عن مالك.
(4) في المصادر التالية: أهل العلم والفقه، بدل أهل المدينة.
(5) الموطأ: 311 ذيل الحديث 60، المغني 3: 112، الشرح الكبير 3: 97، فتح العزيز 6: 470، المجموع 6: 379، حلية العلماء 3: 210، بدائع الصنائع 2: 78، تحفة الفقهاء 1: 344.
(6) سنن أبي داود 2: 325 / 2436، سنن الدارمي 2: 20، سنن البيهقي 4: 293.
(7) الكافي 4: 83 - 86 / 1، التهذيب 4: 294 - 296 / 895، الفقيه 2: 46 - 48 / 208.

[ 200 ]

وكذا يستحب صوم كل جمعة - وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد (1) - لأن الصوم في نفسه طاعة، وهذا يوم شريف تضاعف فيه الحسنات. ولما رواه الزهري عن زين العابدين عليه السلام: " فاما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة والخميس " (2). وقال ابن سنان عن الصادق عليه السلام: رأيته صائما يوم جمعة، فقلت له: جعلت فداك إن الناس يزعمون أنه يوم عيد، فقال: " كلا إنه يوم خفض ودعة (3). وقال أحمد وإسحاق وأبو يوسف: يكره إفراده بالصوم، إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه، مثل: من يصوم يوما ويفطر يوما، فيوافق صومه يوم الجمعة. وكذا من عادته صيام أول الشهر أو أخره فيوافقه، لما رواه أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وآله، نهى أن يفرد يوم الجمعة بالصوم (4). وسأل رجل جابر بن عبد الله وهو يطوف، فقال: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، نهى عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت (5) (6). فإن صحت هاتان الروايتان، حملتا على من يضعف عن الفرائض

(1) المغني 3: 105، الشرح الكبير 3: 104، حلية العلماء 3: 214، المجموع 6: 438، بداية المجتهد 1: 310 وفيها جميعا: لا يكره.
(2) تقدمت الاشارة إلى مصادرها في الهامش (7) من صفحة 199.
(3) التهذيب 4: 316 / 959.
(4) صحيح مسلم 2: 801 / 1144، صحيح البخاري 3: 54، سنن الترمذي 3: 119 / 743، سنن ابن ماجة 1: 549 / 1723، سنن البيهقي 4: 302 (5) صحيح مسلم 2: 801 / 1143، صحيح البخاري 3: 54، سنن ابن ماجة 1: 549 / 1724، سنن الدارمي 2: 19، سنن البيهقي 4: 301 - 302.
(6) المغني 3: 105، الشرح الكبير 3: 103 - 104، المجموع 6: 438، حلية العلماء 3: 214.

[ 201 ]

ونوافل الجمعة والأدعية وأداء الجمعة على وجهها والسعي إليها، جمعا بين الأدلة. وقد روى علماؤنا أن صوم داود على نبينا وآله وعليه السلام، فعله رسول الله صلى الله عليه وآله (1). قال رسول الله عليه وآله السلام: (أحب الصيام إلى الله تعالى صيام أخي داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة أخي داود، كان يرقد شطر الليل ويقوم ثلثه ثم يرقد آخره) (2). المطلب الرابع: في صوم الإذن والتأديب مسألة 137: لا ينعقد للعبد الصوم تطوعا إلا بإذن مولاه، لأنه مملوك ليس له التصرف في نفسه، ومنافعه مستحقة لغيره، وربما تضرر السيد بضعفه بالصوم، فإن أذن له مولاه، صح هذا في صيام التطوع. ولقول زين العابدين عليه السلام: " وأما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه، والضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من نزل على قوم فلا يصوم تطوعا إلا بإذنهم " (3). أما الفرض فلا، وكذا ليس له أن ينذر الصوم إلا بإذن مولاه. وهذا كله

(1) الكافي 4: 89 - 90 / 1 و 2، الفقيه 2: 49 / 210، الخصال: 390 / 80، التهذيب 4: 302 / 913.
(2) صحيح البخاري 2: 63 و 4: 196، صحيح مسلم 2: 816 / 189، سنن أبي داود 2: 327 - 328 / 2448، سنن ابن ماجة 1: 546 / 1712، سنن النسائي 3: 214 - 215، سنن البيهقي 3: 3 و 4: 295 - 296.
(3) الكافي 4: 83 - 86 / 1، الفقيه 2: 46 - 48 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895

[ 202 ]

لا خلاف فيه. ولا فرق بين أن يكون المولى حاضرا أو غائبا. مسألة 138: ليس للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، سواء كان الزوج حرا أو عبدا لأنه مالك لبضعها، وله حق الاستمتاع، وربما يمنعه الصوم عنه، فلم يكن سائغا لها إلا برضاه. ولا فرق بين أن يكون زوجها حاضرا أو غائبا. واشترط الشافعي حضوره (1). وليس بجيد، لما اشتمل عليه حديث الزهري عن زين العابدين عليه السلام (2). ولو كان عليها صوم واجب، لم يعتبر إذنه، بل يجب عليها فعله، ولا يحل له منعها عنه. ولو كان الواجب موسعا، ففي جواز منعها من المبادرة لو طلبت التعجيل إشكال. مسألة 139: الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن مضيفه، لما تقدم في حديث الزهري عن زين العابدين عليه السلام (3). ولما فيه من جبر قلب المؤمن ومراعاته، فكان مستحبا. ومن صام ندبا ودعي إلى طعام، استحبت إجابة الداعي إذا كان مؤمنا، والإفطار عنده، لأن مراعاة قلب المؤمن أفضل من ابتداء الصوم. ولما رواه داود الرقي عن الصادق عليه السلام، قال: " لافطارك في منزل أخيك أفضل من صيامك سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا " (4). ولا ينبغي للمضيف أن يصوم إلا بإذن الضيف، لئلا يلحقه الحياء، رواه

(1) المهذب للشيرازي 1: 165، المجموع 6: 392. (2) وتقدم في المسألة 137.
(4) الكافي 4: 151 / 6، الفقيه 2: 51 / 221، علل الشرائع: 387، باب 120 حديث 2، ثواب الأعمال: 107 / 1.

[ 203 ]

الصدوق عن الصادق عليه السلام (1). وكذا لا ينبغي للولد أن يتطوع بالصوم إلا بإذن والده، لأن امتثال أمر الوالد وطاعته أولى، لما رواه الصدوق - رحمه الله - عن الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، ومن طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا بإذنه وأمره، ومن صلاح العبد وطاعته ونصيحته لمولاه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه، ومن بر الولد بابويه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه وأمرهما، وإلا كان الضيف جاهلا، وكانت المرأة عاصية، وكان العبد فاسدا، وكان الولد عاقا) (2). مسألة 140: صوم التأديب عبارة عن إمساك خمسة عن المفطرات: المسافر والحائض والنفساء والمريض والكافر والصبي، وليس ذلك صوما حقيقيا، لأن هؤلاء قد كانوا مفطرين في أول النهار، والصوم غير قابل للتجزي، لكن يستحب الامساك لهم، تشبها بالصائمين. فإذا قدم المسافر إلى أهله وقد أفطر في سفره، أمسك بقية النهار تأديبا، وكذا لو أفطر مسافرا ثم قدم بلدا عزم على الإقامة فيه عشرة أيام فزائدا، سواء كان قدومه قبل الزوال أو بعده، استحبابا وليس بفرض، وبه قال الشافعي ومالك وأبو ثور وداود (3). وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز له الأكل بقية النهار (4).

(1) علل الشرائع: 384 / 1.
(2) الفقيه 2: 99 - 100 / 445.
(3) المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 262، فتح العزيز 6: 435، حلية العلماء 3: 175، الكافي في فقه أهل المدينة: 123، التفريع 1: 305، بداية المجتهد 1: 297، المغني 3: 74 - 75.
(4) النتف 1: 149، بدائع الصنائع 2: 102، المغني 3: 75، بداية المجتهد 1: 297، حلية العلماء 3: 176، المجموع 6: 262، فتح العزيز 6: 435.

[ 204 ]

وعن أحمد روايتان (1)، وقد تقدم (2) ذلك. ويجوز له أن يدخل مفطرا. وينبغي للمسافر الذي يجب عليه التقصير أن لا يتملأ من الطعام ولا يتروى من الماء، بل يتناول منهما قدر الحاجة والضرورة، لحرمة الشهر. ولما رواه ابن سنان - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال: " إني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل كل (3) القوت وما أشرب كل الري " (4). ويشتد استحباب اجتناب النساء، فلا يواقع في نهار رمضان، ويكره له ذلك كراهة شديدة، وبه قال الشافعي (5). وليس محرما، لأن الصوم ساقط عنه، فلا مانع له من الجماع المباح بالأصل. وروى عمر بن يزيد - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، أنه سأله عن الرجل يسافر في شهر رمضان، أله أن يصيب من النساء؟ قال: " نعم " (6). وقال الشيخ رحمه الله: لا يجوز له مواقعة النساء (7) - وبه قال أحمد، حتى أن أحمد قال: تجب به الكفارة كما يجب به القضاء (8) - لقول الصادق

(1) المغني 3: 74 - 75، الشرح الكبير 3: 17 و 65، فتح العزيز 6: 435. (2) تقدم في المسألة 99.
(3) في التهذيب وفي النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق بدل كل: إلا.
(4) التهذيب 4: 240 - 241 / 705، الاستبصار 2: 105 / 342، والفقيه 2: 93 / 416.
(5) راجع الحاوي الكبير 3: 447.
(6) الكافي 4: 133 / 1، التهذيب 4: 241 - 242 / 708.
(7) المبسوط للطوسي 1: 285.
(8) المغني 3: 75، الشرح الكبير 3: 65، حلية العلماء 3: 174.

[ 205 ]

عليه السلام: (إذا سافر الرجل في رمضان فلا يقرب النساء بالنهار فإن ذلك محرم عليه " (1). وهو محمول على شدة الكراهة، جمعا بين الأخبار. ولو قدم من سفره مفطرا، جاز له ترك الامساك، وأن يأكل ويشرب ويجامع. مسألة 141: يستحب للحائض والنفساء الامساك إذا طهرتا بعد الفجر، وليس واجبا عليهما، لأنهما مفطرتان برؤية الدم، وقد قلنا: إن الصوم لا يتجزى، لكن يستحب لهما الامساك، تشبها بالصائمين، لحرمة الزمان، لقول الصادق عليه السلام، وقد سأله أبو الصباح الكناني، في امرأة ترى الطهر في أول النهار في شهر رمضان ولم تغتسل ولم تطعم كيف تصنع بذلك اليوم؟ قال: " إنما فطرها من الدم " (2). وكذا الطاهر إذا تجدد حيضها أو نفاسها في أثناء النهار، فإنها تفطر ذلك اليوم، ويستحب لها الامساك تأديبا، لما روى أبو الصباح عن الصادق عليه السلام، في امرأة أصبحت صائمة، فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أتفطر؟ قال: " نعم، وإن كان قبل الغروب فلتفطر " (3). وأما المستحاضة: فإنها بحكم الطاهر يجب عليها الصيام، ويشترط في صحته أن تفعل ما تفعله المستحاضة من الأغسال إن وجبت عليها، فإن أخلت بالاغسال أو ببعضها الواجب عليها، وجب عليها قضاء الصوم، لانتفاء الغسل الذي هو شرط الصوم. ولما رواه علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه: امرأة طهرت من حيضها أو دم، نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت وصامت شهر

(1) علل الشرائع: 386 - 387، باب 119، حديث 1، التهذيب 4: 240 / 704، الاستبصار 2: 105 / 341. (2 و 3) الكافي 4: 136 / 7، الفقيه 2: 94 / 418.

[ 206 ]

رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب عليه السلام: " تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان يأمر المؤمنات بذلك " (1). قال الشيخ رحمه الله: إنما لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم أن عليها لكل صلاتين غسلا، أو لا تعلم ما يلزم المستحاضة، فاما مع العلم بذلك والترك له على التعمد فإنه يلزمها القضاء (2). إذا عرفت هذا، فلو كان الدم كثيرا وأخلت بغسل الغداة، وجب عليها القضاء. وكذا لو أخلت بغسل الظهرين. أما لو أخلت بغسل العشاءين، فالأقرب عدم وجوب القضاء، إذ غسل الليل لا يؤثر في صوم النهار، ولم يذكره علماؤنا. مسألة 142: المريض إذا برئ وكان قد تناول المفطر، أمسك بقية النهار تأديبا لا واجبا، لقول زين العابدين عليه السلام، في حديث الزهري: " وكذلك من أفطر لعلة في أول النهار ثم قوي بقية يومه أمر بالامساك عن الطعام بقية يومه تأديبا وليس بفرض " (3). هذا إذا كان قد تناول شيئا يفسد الصوم، فإن كان برؤه قبل الزوال، أمسك وجوبا، واحتسب به من رمضان، وإن كان برؤه بعد الزوال، أمسك استحبابا، وقضاه على ما تقدم. مسألة 143: الكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ في أثناء النهار، أمسكا استحبابا لا وجوبا، سواء تناولا شيئا أو لم يتناولا، وسواء زال عذرهما قبل

(1) الكافي 4: 136 / 6، الفقيه 2: 94 / 419، التهذيب 4: 310 / 937.
(2) التهذيب 4: 311 ذيل الحديث 937.
(3) الفقيه 2: 46 - 48 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895.

[ 207 ]

الزوال أو بعده، وهو أحد قولي الشيخ (1) رحمه الله. وفي الآخر: يجددان نية الصوم إذا زال عذرهما قبل الزوال ولم يتناولا، ولا يجب عليهما القضاء (2). والمعتمد: الأول، لأن المتقدم من الزمان على الإسلام والبلوغ لا يصح صومه، والصوم لا يقبل التجزي. واحتجاج الشيخ - رحمه الله - بان الصوم ممكن في حقهما، ووقت النية باق، وقد صار الصبي مخاطبا ببلوغه. وبعض اليوم إنما لا يصح صومه إذا لم تكن النية يسري حكمها إلى أوله، أما إذا كانت بحال يسري حكمها إلى أول الصوم، فإنه يصح، وهو هنا كذلك. وهو ممنوع، لأن النية هنا لا يسري حكمها إلى أول الصوم، لأنه قبل زوال العذر غير مكلف، والنية إنما يصح فعلها قبل الزوال للمخاطب بالعبادات، أما غيره فممنوع. المطلب الخامس: في الصوم المحظور مسألة 144: يحرم صوم العيدين بإجماع علماء الإسلام. روى العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله، نهى عن صوم هذين اليومين، أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم عن صيامكم (3). ومن طريق الخاصة: قول زين العابدين عليه السلام: " وأما صوم

(1) النهاية: 109 - 160، الخلاف 2: 203، المسألة 57.
(2) المبسوط للطوسي 1: 286.
(3) سنن أبي داود 2: 319 / 2416.

[ 208 ]

الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى " (1). قال الشيخ رحمه الله: القاتل في أحد الأشهر الحرم يجب عليه صوم شهرين متتابعين وإن دخل فيهما العيدان وأيام التشريق (2)، لأن زرارة سأل الباقر عليه السلام عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام، قال: " يغلظ عليه الدية، وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم " قلت: فإنه يدخل في هذا شئ؟ قال: " وما هو؟ " قلت: يوم العيد وأيام التشريق؟ قال: " يصوم فإنه حق لزمه " (3). وفي طريقه سهل بن زياد وهو ضعيف، ومع ذلك فهو مخالف للإجماع. مسألة 145: لو نذر صوم العيدين لم ينعقد نذره عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك - (4) - لأن صومه حرام، فلا ينعقد النذر عليه، كالليل.. ولأنه نذر في معصية فلا يصح، لقوله عليه السلام: (لا نذر في معصية الله) (5). وقال عليه السلام: (لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله) (6).

(1) - الكافي 4: 83 - 85 / 1، الفقيه 2: 46 - 47 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895.
(2) النهاية: 166، المبسوط للطوسي 1: 281.
(3) الكافي 4: 139 / 8، التهذيب 4: 297 / 896.
(4) المجموع 6: 440، فتح العزيز 6: 409، الكافي في فقه أهل المدينة: 128.
(5) سنن الترمذي 4: 103 - 104 / 1525، سنن النسائي 7: 19، سنن الدارقطني 4: 16 / 46، سنن البيهقي 10: 69، ومسند أحمد 2: 207 و 4: 432 و 443.
(6) سنن أبي داود 2: 258 / 2192، ومسند أحمد 2: 185.

[ 209 ]

وقال عليه السلام: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (1). وقال أبو حنيفة: ينعقد، وعليه قضاؤه، ولو صامه أجزأ عن النذر، وسقط القضاء (2). أما لو نذر صوم يوم، فظهر أنه العيد، فإنه يفطره إجماعا. والأقرب: أنه لا يجب عليه قضاؤه، لأنه نذر صوم زمان لا يصح الصوم فيه، فلم ينعقد كما لو علم. مسألة 146: صوم أيام التشريق حرام لمن كان بمنى عند علمائنا وأكثر العلماء (3) لما رواه العامة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن صوم ستة أيام " (5) وذكرها. ولأن معاوية بن عمار سأل الصادق عليه السلام، عن صيام أيام التشريق، فقال: " أما بالامصار فلا بأس به، وأما بمنى فلا " (6). وللشافعي قولان، أحدهما: الجواز للمتمتع إذا لم يجد الهدي، لأن [ ابن ] (7) عمر وعائشة قالا: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا لمتمتع إذا

(1) صحيح البخاري 8: 177، سنن أبي داود 3: 232 / 3289، سنن الترمذي 4: 104 / 1526، سنن النسائي 7: 17، سنن ابن ماجة 1: 687 / 2126، سنن الدارمي 2: 184، سنن البيهقي 10: 68، ومسند أحمد 6: 36 و 41 و 208 و 224.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 131، المجموع 6: 440، فتح العزيز 6: 401 - 410.
(3) المغني 3: 104، الشرح الكبير 3: 111 - 112.
(4) صحيح مسلم 2: 800 / 1141، شرح معاني الآثار 2: 245، (5) التهذيب 4: 183 / 509، الاستبصار 2: 79 / 241.
(6) التهذيب 4: 297 / 897، الاستبصار 2: 132 / 429.
(7) ما بين المعقوفين أثبتاه من المصادر.

[ 210 ]

لم يجد الهدي (1) (2). وقولهما ليس حجة. مسألة 147: يحرم صوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان، وصوم نذر المعصية، وهو: أن ينذر إن تمكن من زنا أو قتل مؤمن وشبهه من المحارم صام (أو صلى) (3) وقصد بذلك الشكر لا الزجر، لقوله عليه السلام: (لا نذر إلا ما أريد به وجه الله تعالى) (4). ويحرم أيضا صوم الصمت - قاله علماؤنا - لأنه غير مشروع عندنا، فيكون بدعة. ولحديث الزهري عن زين العابدين عليه السلام (5). ويحرم صوم الوصال عند علمائنا - وللشافعي قولان (6)، هذا أحدهما - لما رواه العامة عن ابن عمر قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وآله، في رمضان فواصل الناس، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله، عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل؟ فقال: (إني لست مثلكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) (7). ومن طريق الخاصة: قول زين العابدين عليه السلام: وصوم الوصال

(1) سنن الدارقطني 2: 185 - 186 / 27 و 29 و 30، سنن البيهقي 4: 298 بتفاوت.
(2) المهذب للشيرازي 1: 196، المجموع 6: 443 و 445، فتح العزيز 6: 410.
(3) ما بين القوسين لم يرد في " ط ".
(4) سنن أبي داود 3: 228 / 3273، ومسند أحمد 2: 185 بتفاوت.
(5) الكافي 4: 83 - 85 / 1، الفقيه 2: 46 - 48 / 208، التهذيب 4: 294 - 296 / 895.
(6) المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 357، فتح العزيز 6: 419، حلية العلماء 3: 211، المغني 3: 111، الشرح الكبير 3: 107.
(7) صحيح البخاري 3: 48، صحيح مسلم 2: 774 / 1102، مصنف ابن أبي شيبة 3: 82، سنن أبي داود 2: 306 / 2360، سنن البيهقي 4: 282 بتفاوت.

[ 211 ]

حرام، وصوم الصمت حرام " (1). والثاني للشافعي: إنه مكروه غير محرم (2) - وهو قول أكثر العامة (3)، وكان عبد الله بن الزبير يواصل (4) - لأنه ترك الأكل والشرب المباح، فلم يكن محرما، كما لو تركه حال الفطر. ويبطل بما لو ترك الأكل والشرب يوم العيد. واختلف قول الشيخ - رحمه الله - في حقيقة الوصال، فقال في النهاية والمبسوط: هو أن يجعل عشاءه سحوره (5)، لقول الصادق عليه السلام: " الوصال في الصوم أن يجعل عشاءه سحوره " (6). وقال في الاقتصاد: هو أن يصوم يومين من غير أن يفطر بينهما ليلا (7) - وهو قول العامة (8) - لما روي عن الصادق عليه السلام، أنه قال: " إنما قال رسول الله سلى الله عليه وآله: لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار " (9). مسألة 148: صوم الدهر حرام، لدخول العيدين وأيام التشريق فيه، ولا خلاف في تحريمه مع دخول هذه الأيام.

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الصفحة السابقة الهامش (5).
(2) المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 357، فتح العزيز 6: 419، حلية العلماء 3: 211.
(3) المغني 3: 110، الشرح الكبير 3: 106.
(4) المغني 3: 110، الشرح الكبير 3: 106، حلية العلماء 3: 211، المجموع 6: 358.
(5) النهاية: 170، المبسوط للطوسي 1: 283.
(6) الكافي 4: 95 - 96 / 2 التهذيب 4: 298 / 898. والفقيه 2: 112 / 477 (7) الاقتصاد: 293 (8) المغني 3: 110، الشرح الكبير 3: 106، المجموع 6: 357، فتح العزيز: 6: 419 بدائع الصنائع 2: 79.
(9) الكافي 4: 92 / 5، التهذيب 4: 307 / 927، الاستبصار 2، 138 - 139 / 452.

[ 212 ]

روى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم) (1). ومن طريق الخاصة: قول زين العابدين عليه السلام: " وصوم الدهر حرام " (2). إذا ثبت هذا، فلو أفطر هذه الأيام التي نهي عن صيامها هل يكره صيام الباقي؟. قال الشافعي وأكثر الفقهاء: ليس بمكروه (3)، لأن النبي صلى الله عليه وآله، عن صيام ستة أيام من السنة (4)، فدل على أن صوم الباقي جائز. وقال أبو يوسف: إنه مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وآله عنه (5)، ولو أراد بالنهي هذه الأيام لأفردها بالذكر دون صوم الدهر (6). ويحرم صوم الواجب سفرا - عدا ما استثني - ولا يجزئ. ويحرم صوم المرأة ندبا مع منع الزوج، والعبد مع منع المولى.

(1) سنن البيهقي 4: 300، مصنف ابن أبي شيبة 3: 78.
(2) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 210، الهامش (5).
(3) المهذب للشيرازي 1: 195، المجموع 6: 389، فتح العزيز 6: 473، حلية العلماء 3: 212، المغني 3: 107، الشرح الكبير 3: 108.
(4) سنن الدارقطني 2: 157 / 8.
(5) راجع: صحيح مسلم 2: 814 - 815 / 186 و 187، وسنن ابن ماجة 1: 544 / 1705 و 1706، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 78.
(6) المجموع 6: 389، وبدائع الصنائع 2: 79.

[ 213 ]

الفصل الثامن في اللواحق مسألة 149: الشيخ والشيخة إذا عجزا عن الصوم وجهدهما الجهد الشديد، جاز لهما الإفطار إجماعا. وهل تجب الفدية، قال الشيخ: نعم فيصدق عن كل يوم بمد من طعام (1). وبوجوب الكفارة قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وسعيد بن جبير وطاوس وأحمد (2)، إلا أن أبا حنيفة قال: يطعم عن كل يوم نصف صاع من حنطة أو صاعا من تمر (3).

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 319، وفي النهاية: 159، والمبسوط للطوسي 1: 285 هكذا: وتصدقا عن كل يوم بمدين من طعام، فإن لم يقدر عليه فبمد منه.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 100، الحجة على أهل المدينة 1: 397، بدائع الصنائع 2: 97، النتف 1: 148، الاختيار 1: 177، المغني 3: 82، الشرح الكبير 3: 17 حلية العلماء 3: 174، فتح العزيز 6: 458، بداية المجتهد 1: 301.
(3) بدائع الصنائع 2: 72 و 97، الحجة على أهل المدينة 1: 397 - 398، المبسوط للسرخسي 3: 100، المجموع 6: 259، حلية العلماء 3: 174، المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71.

[ 214 ]

وقال أحمد: يطعم مدا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير (1) لما رواه العامة عن ابن عباس " قال: الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكينا (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل - كبير يضعف عن صوم شهر رمضان، فقال: " يتصدق بما يجزئ عنه طعام مسكينين لكل يوم " (3). وقال المفيد (4) - رحمه الله - والسيد المرتضى (5) وأكثر علمائنا (6): لا تجب الكفارة مع العجز - وبه قال مالك وأبو ثور وربيعة ومكحول (7)، وللشافعي قولان (8)، كالمذهبين - لأنه ترك الصوم لعجزه، فلا يجب به الاطعام، كما لو ترك لمرضه. والفرق ظاهر. أما لو لم يتمكن من الصوم البتة، فإنه يسقط عنه الكفارة. ولو عجز عن الكفارة، سقطت أيضا. إذا عرفت هذا، فقد اختلف قول الشيخ - رحمه الله - في قدر الكفارة،

(1) المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71، حلية العلماء 3: 174.
(2) صحيح البخاري 6: 30، سنن الدارقطني 2: 205 / 6، سنن البيهقي 4: 230.
(3) التهذيب 1: 237 / 694، الاستبصار 2: 103 / 336.
(4) المقنعة: 55 - 56.
(5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 56.
(6) منهم: سلار في المراسم: 96، والسيد ابن زهرة في الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 509، وابن إدريس في السرائر 91 (7) بداية المجتهد 1: 301، المنتقى - للباجي - 2: 70، المغني 3: 82، الشرح الكبير 3: 17، المجموع 6: 259، فتح العزيز 6: 258، حلية العلماء 3: 174، بدائع الصنائع 2: 97، المحلى 6: 265.
(8) المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 258 و 259، فتح العزيز 6: 458، حلية العلماء 3: 174، المغني 3: 82، الشرح الكبير 3: 17، المحلى 6: 265.

[ 215 ]

فقال تارة: مدان، فإن عجز فمد (1)، لرواية محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام، قال: " ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام " (2). وتارة قال: مد (3). وهو أقوى، عملا بالأصل. وبما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - عن الباقر عليه السلام، قال: سمعته يقول: " الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولا قضاء عليهما " (4). مسألة 150: ذو العطاش الذي لا يرجى برؤه يفطر ويتصدق عن كل يوم بمد من طعام، كما تقدم. وهو أحد قولي الشيخ (5) رحمه الله. والثاني: أنه يتصدق بمدين، فإن عجز فبمد (6)، للضرر المبيح للافطار، كما أبيح للمريض. ولما رواه المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام، قال: قلت له: إن لنا فتيانا (7) وبنات لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش؟ قال: " فليشربوا مقدار ما تروى به نفوسهم وما يحذرون " (8). وأما الصدقة: فلعجزه عن الصيام.

(1) النهاية: 159، المبسوط للطوسي 1: 285، التبيان 2: 119.
(2) التهذيب 4: 238 / 698.
(3) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 319.
(4) الكافي 4: 116 / 4، الفقيه 2: 84 / 375، التهذيب 4: 238 / 697، الاستبصار 2: 104 / 338. (5) راجع: الاستبصار 2: 104، الحديث 338 و 339، وذيله.
(6) النهاية: 159، المبسوط للطوسي 1: 285، التبيان 2: 119.
(7) في " ط، ف " والطبعة الحجرية: شبانا. بدل فتيانا.
(8) الكافي 4: 117 / 7، التهذيب 4: 240 / 703

[ 216 ]

ولقول الصادق عليه السلام فيمن ترك الصيام، قال: " إن كان من مرض فإذا برئ فليصمه، وإن كان من كبر أو لعطش فبدل كل يوم مد " (1). وأما سقوط القضاء فلأنه أفطر لعجزه عن الصيام والتقدير دوامه، فيدوم المسبب. ولتفصيل الصادق عليه السلام، والتفصيل قاطع للشركة. وأما العطاش الذي يرجى برؤه: فإنه يفطر إجماعا، لعجزه عن الصيام، وعليه القضاء مع البرء، لأنه مرض وقد زال، فيقضي، كغيره من الأمراض. وهل تجب الكفارة؟ قال الشيخ رحمه الله: نعم (2)، كما تجب في العطاش الذي لا يرجى زواله. ومنع المفيد والسيد المرتضى (3). إذا ثبت هذا، فلا ينبغي لهؤلاء أن يتملوا من الطعام ولا من الشراب ولا يقربوا النساء في النهار. مسألة 151: الحامل المقرب والمرضعة القليلة اللبن إذا خافتا على أنفسهما، فصامتا، وعليهما القضاء بلا خلاف بين علماء الإسلام، ولا كفارة عليهما، لما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم) (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن مسلم - في الصحيح - قال: سمعت الباقر عليه السلام، يقول: " الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن

(1) التهذيب 4: 239 / 700 وفيه. " فليقضه " بدل " فليصمه ".
(2) المبسوط للطوسي 1: 285 الاقتصاد 294.
(3) المقنعة: 56، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 56.
(4) سنن الترمذي 3: 94 / 715، سنن ابن ماجه 1: 533 / 1667 سنن البيهقي 4: 231، مسند أحمد 4: 347.

[ 217 ]

لا حرج عليهن أن تفطرا في شهر رمضان لأنهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن تتصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطر بمد من طعام، وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد " (1). إذا عرفت هذا، فالصدقة بما تضمنته الرواية واجبة. ولو خافتا على الولد من الصوم، أفطرتا إجماعا، لأنه ضرر على ذي نفس آدمي محترم، فأشبه الصائم نفسه. ويجب عليهما القضاء مع زوال العذر، وعليهما الصدقة عن كل يوم بمد من طعام، ذهب إليه علماؤنا والشافعي وأحمد (2) - إلا أنه يقول: مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير (3) - وبه قال مجاهد (4) لقوله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " (5). قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا س. رواه العامة (6). ومن طريق الخاصة: ما تقدم من حديث محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام (7)، فإنه عليه السلام سوغ لهما الإفطار مطلقا، وأوجب عليهما القضاء والصدقة، وهو يتناول ما إذا خافتا على الولد كما يتناول ما إذا خافتا على

(1) الكافي 4: 117 / 1، الفقيه 2: 84 - 85 / 378، التهذيب 4: 239 - 240 / 701.
(2) الأم 2: 103، المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 267 و 268 و 269، الوجيز 1: 105، فتح العزيز 6: 460، حلية العلماء 3: 176، مختصر المزني: 57، المغني 3: 80، الشرح الكبير 3: 23.
(3) المغني 3: 81، الشرح الكبير 3: 24، حلية العلماء 3: 177.
(4) المجموع 6: 269.
(5) البقرة: 184.
(6) سنن أبي داود 2: 296 / 2318.
(7) تقدم الحديث في صدر المسألة.

[ 218 ]

أنفسهما. وتتصدقان بما تقدم (1) في الشيخ والشيخة، لأنه جبر لاخلالهما بالصوم مع القدرة عليه. والقول الثاني للشافعي: إن الكفارة تجب على المرضع دون الحامل - وهو رواية عن أحمد (2)، وبه قال الليث بن سعد - لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل. ولأن الحمل متصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها (3). والفرق لا يقتضي سقوط القضاء مع ورود النص به، وهو: الآية والأحاديث. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليهما كفارة - وهو مذهب الحسن البصري وعطاء، الزهري وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأبي عبيد بن داود والمزني وابن المنذر - لأن أنس بن مالك روى عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم) (4). ولأنه فطر أبيح لعذر، فلم تجب به كفارة كالمريض (5).

(1) تقدم في المسألة 149.
(2) في بعض المصادر: رواية عن مالك. وفي بعضها الآخر: قول مالك. ولم نعثر على رواية عن أحمد.
(3) المغني 3: 80، الشرح الكبير 3: 24، المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 267 و 269، فتح العزيز 6: 460، حلية العلماء 3: 177.
(4) تقدمت الاشارة إلى مصادرها في صفحة 216، الهامش (4).
(5) المغني 3: 80 - 81، الشرح الكبير 3: 23 - 24، المجموع 6: 269، حلية العلماء 3: 176، بداية المجتهد 1: 300، بدائع الصنائع 2: 97، المبسوط للسرخسي 3: 99، مختصر المزني: 57، فتح العزيز 6: 460.

[ 219 ]

ولا دلالة في الحديث على سقوط الكفارة. والمريض أحسن حالا منهما، لأنه يفطر بسبب نفسه. وللشافعي قول ثالث: إن الكفارة استحباب (1). وقال ابن عباس وابن عمر: إن الكفارة تجب عليهما دون القضاء - وهو قول سلار (2) من علمائنا - لأن الآية (3) تتناولهما، وليس فيها إلا الاطعام. ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم) (4) (5). والجواب: أنهما تطيقان القضاء فلزمهما، كالحائض والنفساء. والآية أوجبت الاطعام ولا إشعار لها بسقوط القضاء. والمراد بوضع الصوم وضعه عنهما في حال عذرهما، كما في قوله عليه السلام: (إن الله وضع عن المسافر الصوم) (6). مسألة 152: لا يجوز لمن عليه صوم واجب أن يصوم تطوعا -. وعن أحمد روايتان (7) - لما رواه العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من صام تطوعا وعليه من رمضان شئ لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه) (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الحلبي - في الحسن - أنه سأل الصادق عليه السلام، عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوع؟ فقال: " لا،

(1) المهذب للشيرازي 1: 186، المجموع 6: 267، فتح العزيز 6: 460.
(2) المراسم: 97.
(3) البقرة: 184. (4 و 6) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 216، الهامش (4).
(5) المغني 3: 81، الشرح الكبير 3: 24، المجموع 6: 269.
(7) المغني 863 - 87، الشرح الكبير 3: 90 - 91 (8) مسند أحمد 2: 352.

[ 220 ]

حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " (1). ولأن الصوم عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع بها قبل أدائها فرضا كالحج. احتج أحمد (2): بأنها عبادة متعلقة بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها كالصلاة (3). وهو قياس في مقابلة النص فلا يسمع. وأيضا فإن أداء الصلاة لا يمنع من فعل النافلة، لأنه لا يفوت وقتها، أما قضاء الصلاة فإنه لا يجوز التطوع لمن عليه القضاء. مسألة 153: صوم النافلة لا يجب بالشروع فيه، ويجوز إبطاله قبل الغروب، ولا يجب قضاؤه، سواء أفطر لعذر أو لغيره - وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق (4) - لما رواه العامة عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (هل عندكم شئ؟) فقلت: لا؟ قال: (فإني صائم) ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد اهدي إلي حيس (5)، فخبأت (6) له منه وكان يحب الحيس، قلت: يا رسول الله اهدي لنا حيس فخبأت لك منه، قال: (أدنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم) فأكل منه، ثم قال: (إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء

(1) الكافي 4: 123 / 2 التهذيب 4: 276 / 835.
(2) على قول الثاني وهو الجواز.
(3) المغني 3: 87، الشرح الكبير 3: 91.
(4) المهذب للشيرازي 1: 195، المجموع 6: 393 و 394، حلية العلماء 3: 212، اختلاف العلماء: 70، المغني 3: 92، الشرح الكبير 3: 113، بداية المجتهد: 311، المنتقى - للباجي - 2: 68.
(5) الحيس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. النهاية لابن الأثير 1: 467 " حيس ".
(6) خبأت الشي: إذا أخفيته. النهاية لابن الأثير 2: 3.

[ 221 ]

أمضاها وإن شاء حبسها) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه جميل بن دراج - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، أنه قال في الذي يقضي شهر رمضان: " إنه بالخيار إلى زوال الشمس، وإن كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار " (2). وقال أبو حنيفة: يجب المضي فيه، ولا يجوز الإفطار إلا لعذر، فإن أفطر قضاه (3). وروي عن محمد أنه إذا دخل على أخ فحلف عليه، أفطر وعليه القضاء (4). وقال مالك: يجب بالدخول فيه، ولا يجوز له الخروج عنه إلا لعذر، وإذا خرج منه لعذر لا يجب القضاء - وبه قال أبو ثور (5) - لأن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا حيس، فأفطرنا، ثم سالنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (اقضيا يوما مكانه) (6). لأنها عبادة تلزم بالنذر، فلزمت بالشروع فيها كالحج والعمرة (7). والخبر ضعيف عند المحدثين (8)، ومحمول على الاستحباب.

(1) سنن النسائي 4: 193 - 194.
(2) التهذيب 4: 280 - 281 / 849، الاستبصار 2: 122 / 396.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 86، بدائع الصنائع 2: 102، المجموع 6: 394، حلية العلماء 3: 212، المغني 3: 92، الشرح الكبير 3: 113، بداية المجتهد 1: 311.
(4) حلية العلماء 3: 212.
(5) المجموع 6: 394، حلية العلماء 3: 212.
(6) أوردها ابنا قدامة في المغني 3: 92، والشرح الكبير 3: 113، وفي سنن أبي دارد 2. 330 / 457، وسنن البيهقي 4: 279 بتفاوت.
(7) بداية المجتهد 1: 311، المنتقى - للباجي - 2: 68، اختلاف العلماء: 70، حلية العلماء 3: 212، المجموع 6: 394، المغني 3: 92، الشرح الكبير 3: 113.
(8) راجع: المغني 3: 93، والشرح الكبير 3: 115.

[ 222 ]

وإحرام الحج آكد من الشروع هنا، ولهذا لا يخرج منه باختياره ولا بإفساده. إذا عرفت هذا، فإن جميع النوافل من سائر العبادات لا تجب بالشروع فيها إلا الحج والعمرة، فإنهما يجبان بالشروع فيهما، لتأكد إحرامهما. ولعموم قوله: " وأتموا الحج والعمرة لله " (1). وعن أحمد رواية: أنه لا يجوز قطع الصلاة المندوبة، فإن قطعها قضاها (2). وليس بجيد، لأن ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة. أما لو دخل في واجب، فإن كان معينا - كنذر معين - لم يجز له الخروج منه، وإن كان مطلقا - كقضاء رمضان أو النذر المطلق - فإنه يجوز الخروج منه، إلا قضاء رمضان بعد الزوال. مسألة 154: كل صوم يلزم فيه التتابع إلا أربعة: صوم النذر المجرد عن التتابع وما في معناه من يمين أو عهد، لأصالة البراءة. وصوم قضاء رمضان، وصوم جزاء الصيد، وصوم السبعة في بدل الهدي. أما ما عدا هذه الأربعة، كصوم كفارة الظهار والقتل والإفطار وكفارة اليمين وأذى حلق الرأس وثلاثة أيام الهدي، فإنه يجب فيها التتابع. قال الصادق عليه السلام: " صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعا لا يفصل بينهن " (3). مسألة 155: من وجب عليه صوم شهرين متتابعين إما في كفارة أو نذر أو شبهه إذا أفطر في الشهر الأول أو بعد انتهائه قبل أن يصوم من الشهر الثاني

(1) البقرة: 196.
(2) المغني 3: 93، الشرح الكبير 3: 115. (3) الكافي 4: 140 / 2، التهذيب 4: 283 / 856، وفيهما: " متتابعات " بدل " متتابعا ".

[ 223 ]

شيئا، استأنف. وإن كان أفطر لعذر من مرض أو حيض وشبهه، لم ينقطع تتابعه، بل ينتظر زوال العذر ثم يتم صومه، عند علمائنا - وبه قال الشافعي في الحيض، أما المرض فله قولان (1) - لمساواة المرض الحيض في كونه عذرا، فتساويا في سقوط التتابع. ولاشتماله على الضرر وربما تجدد عذر آخر فيستمر التكليف، وهو مشقة عظيمة. ولأن رفاعة سأل الصادق عليه السلام - في الصحيح - عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا ومرض، قال: " يبني عليه، الله حبسه " قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت أيام حيضها؟ قال: " تقضيها " قلت: فإنها قضتها ثم يئست من الحيض، قال: " لا تعيدها أجزأها " (2). ولو أفطر في الشهر الأول أو بعد إكماله قبل أن يصوم من الثاني شيئا لغير عذر، استأنف، بإجماع فقهاء الإسلام، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة التكليف. ولو صام من الشهر الثاني شيئا بعد الشهر الأول ولو يوما ثم أفطر، جاز له البناء، سواء كان لعذر أو لغير عذر، عند علمائنا كافة - خلافا للعامة كافة (3) - لأنه يصوم بعض الشهر الثاني عقيب الأول تصدق المتابعة، لأنها أعم من المتابعة بالكل أو بالبعض، والأعم من الشيئين صادق عليهما، فيخرج عن العهدة بكل واحد منهما.

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 320، وراجع: المهذب للشيرازي 2: 118، والإشراف على مذاهب أهل العلم 1: 444، وحلية العلماء 7: 194، وفتح العزيز 6: 534.
(2) التهذيب 4: 284 / 859، الاستبصار 2: 124 / 402.
(3) كما في المعتبر للمحقق الحلي: 320.

[ 224 ]

ولرواية الحلبي - الصحيحة - عن الصادق عليه السلام: " في كفارة الظهار صيام شهرين متتابعين، والتتابع أن يصوم شهرا ويصوم من الآخر أياما أو شيئا منه " (1). فروع: أ - لا يجوز لمن عليه صوم شهرين متتابعين أن يصوم ما لا يسلم له الشهر الأول ومن الثاني شيئا، فليس له أن يصوم شعبان منفردا إلا إذا صام قبله ولو يوما من آخر رجب. ولا تكفي متابعة شهر رمضان، لأنه صوم استحق بأصل التكليف، والتتابع وصف لصوم الكفارة، وأحدهما غير الآخر، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر. ب - لا شك في أنه إذا صام من الثاني شيئا ثم أفطر، يحصل به التتابع، لكن هل يكون الإفطار له سائغا أو حراما؟ قولان لعلمائنا. والمعتمد: الأول، لأن الصادق عليه السلام حد التتابع " بأن يصوم شهرا ويصوم من الآخر أياما أو شيئا منه " (2). نعم الأولى تركه، لاشتماله على الخلاف وترك المسارعة إلى فعل الطاعة. ج - لو سافر قبل أن يصوم من الثاني شيئا، فإن تمكن من ترك السفر، انقطع تتابعه ووجب عليه الاستئناف، وإن كان مضطرا، لم ينقطع ويتم بعد رجوعه. د - المرض والحيض والنفاس أعذار يصح معها التتابع والبناء مطلقا. مسألة 156: العبد إذا وجب عليه صوم شهر متتابع في كفارة وشبهها،

(1 و 2) الكافي 4: 138 / 2 التهذيب 4: 283 / 856.

[ 225 ]

والحر إذا وجب عليه شهر متتابع بنذر وشبهه، فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر لعذر أو غيره، جاز له البناء، وإن أفطر قبل ذلك لغير عذر، استأنف، ولعذر يبني، لما روي عن الصادق عليه السلام، في رجل جعل عليه صيام شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر، قال: " إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزئه حتى يصوم شهرا تاما " (1). مسألة 157: صوم ثلاثة أيام بدل الهدي في الحج متتابعة إجماعا، فلو صام يوما ثم أفطر، استأنف مطلقا. وإن صام يومين ثم أفطر فكذلك، إلا أن يصوم يوم التروية وعرفة، فإنه يفطر العيد، ويأتي بثالث بعد انقضاء أيام التشريق، لأن يحيى الأزرق سأل أبا الحسن عليه السلام، عن رجل قدم يوم التروية متمتعا وليس له هدي، فصام يوم التروية ويوم عرفة، قال: " يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق " (2). أما لو كان الثالث غير العيد، بأن صام يومين غير يوم التروية وعرفة ثم أفطر الثالث، استأنف. واعلم أن كل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لعذر، بنى، وإن كان لغير عذر، استأنف، إلا في المواضع الثلاثة، وهي: تتابع الشهرين، أو الشهر، أو ثلاثة أيام بدل الهدي بالعيد (3). مسألة 158: يكره للمسافر النكاح في نهار رمضان مع وجوب القصر، وليس محرما، فإن كانت مسافرة معه، جاز لهما معا الجماع وكذا لو قدم من سفره ووجدها مفطرة لمرض أو حيض طهرت منه

(1) الكافي 4: 139 / 6، الفقيه 2: 97 / 436، التهذيب 4: 285 / 863.
(2) التهذيب 5: 231 / 781، الاستبصار 2: 279 / 992.
(3) أي. لا يستأنف صومه إذا كاد إفطاره في صومه الثلاثة أيام حاصلا بالعيد.

[ 226 ]

حينئذ، لسقوط فرض الصوم عنهما. لو غرته فقالت: إني مفطرة، فوطأها، ولا كفارة عليه عن نفسه، لاباحة الفطر له، ولا عنها، لغروره، ولا يجب عليه شئ، ويجب عليها كفارة عن نفسها. ولو علم بصومها، فإن طاوعته، وجب عليها الكفارة عن نفسها، ولا يجب عليه شئ. وإن أكرهها، فلا كفارة عليه عن نفسه، وتجب عليه كفارة عنها. ولا فرق في الاكراه بين أن يغلبها على نفسها، أو يتهترها بضرب وشبهه فتطاوعه، ولا تفطر في الحالين. وقال الشافعي: لا تفطر في الأولى، وفي التهدد قولان (1). مسألة 159: يكره السفر في رمضان إلا لضرورة إلا إذا مضت ثلاثة وعشرون يوما من الشهر فتزول الكراهة - لما فيه من التعريض لابطال الصوم، ولمنعه عن ابتداء العبادة لاحراز فضيلته في شهر رمضان، وبعد ثلاثة وعشرين مضى أكثر وقت العبادة مشغولا بها. وكذا تنتفي الكراهة مع الضرورة، كالخوف على فوات مال أو هلاك أخ أو المضي في حج أو زيارة، لأن الصادق عليه السلام قال: (إذا دخل شهر رمضان فليس للرجل أن يخرج إلا في حج أو في عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، وليس له أن يخرج في اتلاف مال أخيه، فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث شاء (2). وروى أبو بصير سأل الصادق عليه السلام: جعلت فداك يدخل علي

(1) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 324 و 325 و 336 فتح العزيز 6: 386 و 399 (2) التهذيب 4: 216 / 626 - 626.

[ 227 ]

شهر رمضان فأصوم بعضه، فتحضرني نية في زيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام، فأزوره وأفطر ذاهبا وجائيا أو أقيم حتى أفطر وأزوره بعدما أفطر بيوم أو يومين، فقال: " أقم حتى تفطر " قلت له: جعلت فداك فهو أفضل؟ قال: " نعم أما تقرأ في كتاب الله " فمن شهد منكم الشهر فليصم (1) " (2) وروى ابن بابويه أن تشييع المؤمن أفضل من المقام عن الصادق عليه السلام، عن الرجل يخرج يشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة، فقال: " إن كان في شهر رمضان فليفطر " فسئل أيهما أفضل يصوم أو يخرج يشيع أخاه؟ فقال: " يشيعه إن الله عزوجل، وضع الصوم عنه إذا شيعه " (3). مسألة 160: لو وجب عليه صوم شهرين متتابعين فعجز عن ذلك، صام ثمانية عشر يوما، لما رواه أبو بصير عن الصادق عليه السلام، قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ولم يقدر على العتق ولم يقدر على الصدقة، قال: " فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام " (4). إذا عرفت هذا، فلو قدر على صيام شهر لا غير، ففي وجوبه إشكال، وكذا لو تمكن من صيام شهرين لكن متفرقة، ففي وجوبه إشكال. والأقرب: أن الثمانية عشر متتابعة، مع احتمال عدمه. مسألة 161: لو نذر صوم يوم بعينه فوافق ذلك أن يكون مسافرا، أفطر وقضاه، إلا أن يقيد نذره بالسفر والحضر فيصومه مسافرا. ويصح نذر صوم يوم من شهر رمضان - خلافا لبعض (5) علمائنا - وإن

(1) البقرة: 185.
(2) التهذيب 4: 316 / 961.
(3) الفقيه 2: 90 / 401.
(4) التهذيب 4: 312 / 944.
(5) هو أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 185

[ 228 ]

كان الصوم واجبا بغير النذر، لما فيه من التشديد في فعل الواجب. ولو أفطره، فإن قلنا بعدم انعقاده، فلا بحث، وإن قلنا بانعقاده، ففي تعدد الكفارة إشكال. أما لو نذر صومه في السفر عن رمضان أو غيره لم يصح. ولو نذر صوم الدهر واستثنى الأيام المحرم صومها، انعقد. فلو كان عليه قضاء من رمضان أو وجب عليه بغير ذلك، لزمه أن يصوم القضاء مقدما على صوم النذر، لأنه واجب ابتداء بأصل الشرع. فإذا صامه فالزمان الذي قضى فيه هل يدخل تحت النذر؟ إشكال ينشأ: من ظهور استحقاقه للقضاء، فلم يدخل في النذر، كشهر رمضان، ومن دخوله في النذر، لأنه لو صامه عن النذر وقع عنه، وبقي القضاء في ذمته. إذا ثبت هذا، فلا كفارة عليه في هذه الأيام التي فاتته من نذره، لأنه لا يمكنه فعلها، كالمريض إذا أفطر ثم اتصل مرضه بموته. وقال بعض الشافعية: تلزمه الكفارة، لأنه عجز عن صوم الواجب عجزا مؤبدا فلزمته الكفارة، كالشيخ الهم (1). وهو معارض ببراءة الذمة. وإذا وجب على صائم الدهر واجبا، كفارة مخيرة ومرتبة، صام عن الكفارة، لأنه كالمستثنى. إذا نذر صوم يوم قدوم زيد، لم ينعقد، لأنه إن قدم ليلا، لم يجب صومه، لعدم الشرط، وإن قدم نهارا، فلعدم التمكن من صيام اليوم المنذور. وقال الشيخ رحمه الله: إن وافق قدومه قبل الزوال ولم يكن تناول شيئا مفطرا، جدد النية، وصام ذلك اليوم، لأن كان بعد الزوال، أفطر، ولا قضاء عليه فيما بعد (2).

(1) المجموع 6: 391، فتح العزيز 6: 473، حلية العلماء 3: 212.
(2) المبسوط للطوسي 1: 281.

[ 229 ]

ولو نذر يوم قدومه دائما، سقط وجوب اليوم الذي قدم فيه، ووجب صومه فيما بعد. ولو اتفق في رمضان، صامه عن رمضان خاصة، وسقط المنذور، لأنه كالمستثنى، ولا قضاء عليه. ولو صامه عن النذر، وقع عن رمضان ولا قضاء عليه. وفيه إشكال. وإذا نذر صوم يوم بعينه، فقدم صومه، لم يجزئه، لأنه قدم الواجب على وقته، فلا يحصل به الامتثال، كما لو قدم رمضان. مسألة 162: لو نذر صوم يوم بعينه دائما، فوجب عليه صوم شهرين متتابعين لاحدى الكفارات، قال الشيخ: يصوم في الشهر الأول عن الكفارة، تحصيلا للتتابع، وإذا صام من الثاني شيئا، صام ما بقي عن النذر، لسقوط التتابع (1). وقال بعض علمائنا: يسقط التكليف بالصوم، لعدم إمكان التتابع، وينتقل الفرض إلى الاطعام (2). وليس بجيد. ويحتمل صوم ذلك اليوم عن النذر، ثم لا يسقط التتابع لا في الأولى ولا في الأخير، لأنه عذر لا يمكنه الاحتراز عنه. ولا فرق بين تقدم وجوب الكفارة عن النذر وتأخره. وقول الشيخ فيه بعض القوة. وإذا نذر أن يصوم في بلد معين، للشيخ قولان، أحدهما: يتعين البلد (3). والثاني: أنه يصوم أين شاء (4).

(1) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 359، والمحقق في شرائع الإسلام 3: 188 (2) ابن إدريس في السرائر: 359.
(3) المبسوط للطوسي 1: 282.
(4) حكاه عنه المحقق في شرائع الإسلام 3: 189.

[ 230 ]

والوجه أن يقال: إن كان الصوم في بعض البلاد يتميز عن الصوم في الآخر، تعين ما نذره، وإلا فلا. والأقرب: عدم تميز البلاد في ذلك. مسألة 163: إذا نذر صوم سنة معينة، وجب عليه صومها، إلا العيدين وأيام التشريق لمن كان بمنى، فإن لم يشترط التتابع حتى أفطر في أثنائها، قضى ما أفطره، وصام الباقي، ووجب عليه الكفارة في كل يوم يفطره، لتعينه للصوم بالنذر على ما تقدم. لأن شرط التتابع، استأنف. وقيل: إن جاز النصف، بنى ولو فرق (1). هذا إذا كان إفطاره لغير عذر، وإن كان لعذر بنى ويقضي ولا كفارة ولو نذر صيام سنة غير معينة، تخير في التتابع والتفريق إن لم يشترط التتابع. ولو نذر صوم شهر، تخير بين ثلاثين يوما وبين صوم شهر هلالي من أول الهلال إلى آخره، ويجزئه ولو كان ناقصا. وإذا صام في أثناء الشهر، أتم عدة ثلاثين، سواء كان تاما أو ناقص ولو نذره متتابعا، وجب عليه أن يتوخى ما يصح فيه ذلك، ويجتزئ بالنصف. ولو شرع في أول ذي الحجة، لم يجزئ، لانقطاع التتابع بالعيد. ولو نذر أن يصوم يوما ويفطر يوما، فوالى الصوم، قال ابن إدريس: وجب عليه كفارة خلف النذر (2). وفيه نظر. ويشترط في نذر الصوم التقرب، فلو نذر صومه لا على وجه التقرب، بل لمنع النفس أو على جهة اليمين، لم ينعقد.

(1) حكاه عن بعض الأصحاب، المحقق في شرائع الإسلام 3: 192.
(2) السرائر: 96.

[ 231 ]

ولو نذر صوما ولم يعين، أجزأه صوم يوم. ولو نذر أن يصوم زمانا، وجب عليه صوم خمسة أيام. ولو نذر أن يصوم حينا، كان عليه أن يصوم ستة أشهر، لقوله تعالى: " تؤتي أكلها كل حين " (1). روى السكوني عن الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: " الزمان خمسة أشهر، والحين ستة أشهر، لأن الله تعالى يقول: (تؤتي أكلها كل حين) (2). ولا ينعقد نذر العبد إلا بإذن مولاه. وكذا الزوجة لا ينعقد إلا بإذن الزوج. مسألة 164: يستحب السحور إجماعا. روى العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (تسحروا فإن في السحور بركة) (3). ومن طريق الخاصة: ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام " أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: إن الله تعالى وملائكته يصلون على المستغفرين والمتسحرين بالأسحار، فليتسحر أحدكم ولو بشربة من ماء " (4). ويستحب تأخيره، لما رواه العامة عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر

(1) إبراهيم: 25.
(2) الكافي 4: 142 / 5، التهذيب 4: 309 / 933، وفيهما: السكوني عن جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام...
(3) صحيح البخاري 3: 38، صحيح مسلم 2: 770 / 1095، سنن ابن ماجة 1: 540 / 1692، سنن الترمذي 3: 88 / 708، سنن النسائي 4: 140، مسند أحمد 2: 477.
(4) الفقيه 2: 87 / 389، المقنع: 64.

[ 232 ]

ذلك، قال: خمسين آية (1). ومن طريق الخاصة: أن رجلا سأل الصادق عليه السلام، فقال: آكل وأنا أشك في الفجر، فقال: (كل حتى لا تشك) (2). ولأن القصد القوة على الطاعة. قال أحمد بن حنبل: إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه. وهو قول ابن عباس والأوزاعي (3)، وهو الذي نقلناه عن الصادق عليه السلام. ويستحب تعجيل الإفطار بعد صلاة المغرب إن لم يكن هناك من ينتظره للافطار، ولو كان، استحب تقديمه على الصلاة. روى العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (يقول الله تعالى: أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها، فقال: " إن كان (5) قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم، فليفطر معهم، لأن كان غير ذلك، فليصل وليفطر " (6). مسألة 165: يستحب الإفطار على التمر أو الزبيب أو الماء أو اللبن؟ لأن الباقر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يفطر على

(1) أوردها ابنا قدامة في المغني 3: 109، والشرح الكبير 3: 82، وفي صحيح مسلم 2: 771 / 1097، وسنن ابن ماجة 1: 540 / 1694، وسنن النسائي 4: 143 بتفاوت.
(2) الفقيه 2: 87 / 390.
(3) المغني 3: 109، الشرح الكبير 3: 83، مسائل أحمد: 93.
(4) أوردها ابنا قدامة في المغني 3: 110، والشرح الكبير 3: 81، وفي سنن الترمذي 3: 83 / 700، ومسند أحمد 2: 237 - 238: (أعجلهم) بدل (أسرعهم).
(5) في المصادر زيادة: " معه ".
(6) الكافي 4: 101 (باب وقت الإفطار) الحديث 3، التهذيب 4: 185 - 186 / 517، والفقيه 2: 81 / 360.

[ 233 ]

الاسودين، قلت: رحمك الله وما الأسودان؟ قال: " التمر والماء أو الزبيب والماء " (1). وعن عليا عليه السلام، كان يستحب أن يفطر على اللبن (2). ويستحب للصائم الدعاء عند إفطاره، فإن له دعوة مستجابة، لما رواه الباقر عليه السلام: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا، فتقبله منا، ذهب الظمأ وابتلت العروق وبقي الاجر " (3). وكان الباقر عليه السلام، يقول في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار إلى آخره: " الحمد لله الذي أعاننا فصمنا ورزقنا فأفطرنا، اللهم تقبل منا وأعنا عليه، وسلمنا فيه، وتسلمه منا في يسر منك وعافية، الحمد لله الذي قضى عنا يوما من شهر رمضان (4). مسألة 166: يستحب تفطير الصائم. قال الصادق عليه السلام: " من فطر صائما فله مثل أجره " (5). ورواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله (6).

(1) التهذيب 4: 198 / 569.
(2) التهذيب 4: 199 / 574، والمحاسن: 491 / 578.
(3) الكافي 4: 95 (باب ما يقول الصائم إذا أفطر) الحديث 1، التهذيب 4: 199 - 200 / 576 وفيه: جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام.
(4) الكافي 4: 95 (باب ما يقول الصائم إذا أفطر) الحديث 2، التهذيب 4: 200 / 577، والفقيه 2: 66 - 67 / 274، وفيها: أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " تقول في كل ليلة " إلى آخره.
(5) الكافي 4: 68 / 1، التهذيب 4: 201 / 579، والفقيه 2: 85 / 380.
(6) سنن الترمذي 3: 171 / 807، سنن ابن ماجة 1: 555 / 1746، سنن البيهقي 4: 240، المعجم الكبير للطبراني 5: 255 / 5267، والمغني 3: 111، والشرح الكبير 3: 84.

[ 234 ]

وعن الباقر عليه السلام قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله، أثنى عليه وتكلم بكلام، ثم قال: قد أظلكم شهر رمضان، من فطر فيه صائما كان له بذلك عند الله عز وجل عتق رقبة ومغفرة ذنوبه فيما مضى، قيل له: يا رسول الله ليس كلنا يقدر أن يفطر صائما، قال: إن الله كريم يعطي هذا الثوب في لمن لا يقدر إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائما أو شربة من ماء عذب أو تمرات لا يقدر على أكثر من ذلك " (2). قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان أجود من الريح المرسلة (3). مسألة 167: ليلة القدر ليلة شريفة نطق بفضلها القرآن العزيز، وهي أفضل ليالي السنة، خص الله تعالى بها هذه الأمة. ومعنى القدر الحكم. قال ابن عباس، سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة ورزق وغير ذلك (4). روى العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (من صام رمضان وقام ليلة القدر، إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) (5).

(1) الممذوق: اللبن الممزوج بالماء. والمذقه: الشربة منه. لسان العرب 10: 339 و 340.
(2) الكافي 4: 66 - 67 / 4، التهذيب 3: 57 / 198 و 4: 202 / 583، وفي الكافي والموضع الأول من التهذيب ضمن حديث.
(3) صحيح مسلم: 1803 / 2308، صحيح البخاري 1: 5 و 3: 33، سنن النسائي، 125، مسند أحمد 1: 288 و 363.
(4) المغني 3: 117، الشرح الكبير 3: 116، تفسير القرطبي 20: 130.
(5) صحيح مسلم 1: 23 - 524 / 760، صحيح البخاري 3: 33، سنن الترمذي 3 67 / 683 بتفاوت.

[ 235 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " ليلة القدر هي أول السنة وآخرها " (1). و " اري رسول الله صلى الله عليه وآله، في منامه بني أمية يصعدون منبره من بعده يضلون الناس عن الصراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا، فهبط عليه جبرئيل فقال: يا رسول الله ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: (يا جبرئيل إني رايت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى) فقال: والذي بعثك بالحق إن هذا لشئ ما اطلعت عليه، ثم عرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها، منها: " أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " (2) وأنزل عليه: " إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر (3) جعل ليلة القدر لنبيه صلى الله عليه وآله، خيرا من ألف شهر من ملك بني أمية " (4). إذا عرفت هذا، فإنها باقية لم ترتفع إجماعا، لما رواه العامة عن أبي ذر، قال، قلت: يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ فقال: (باقية إلى يوم القيامة) قلت: في رمضان أو غيره؟ فقال (في رمضان) فقلت: في العشر الأول أو الثاني أو الأخير؟ فقال: (في العشر الأخير) " (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ليلة القدر تكون في

(1) الكافي 4: 160 / 11، الفقيه 2: 101 / 452.
(2) الشعراء 4: 205 - 207.
(3) القدر: 1 - 3.
(4) الكافي،: 159 / 10، التهذيب 3: 59 / 202، والفقيه 2: 101 / 453.
(5) أوردها ابنا قدامة في المغني 3: 117، والشرح الكبير 3: 116، وفي المستدرك - للحاكم - 1: 437، نحوها.

[ 236 ]

كل عام، لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن " (1). إذا عرفت هذا، فأكثر العلماء على أنها في شهر رمضان (2). وكان ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصبها (3)، يشير بذلك إلى أنها في السنة كلها. ويستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأواخر آكد، وفي ليالي الوتر منه آكد. روى العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا دخل العشر الأواخر شد المئزر واجتنب النساء وأحيى الليل وتفرغ للعبادة " (5). وقد اختلف العلماء، فقال أبي بن كعب وعبد الله بن عباس: هي ليلة سبع وعشرين (6). وقال مالك: هي في العشر الأواخر، وليس فيها تعيين (7).

(1) الكافي 4: 158 / 7، والفقيه 2: 101 / 454، وجملة " ليلة القدر تكون في كل عام " فيهما من كلام السائل.
(2) المغني والشرح الكبير 3: 117، المجموع 6: 450 و 459، وتفسير القرطبي 20: 135.
(3) المغني والشرح الكبير 3: 117، تفسير القرطبي 20: 135 (4) أوردها ابنا قدامة في المغني 3: 118، والشرح، الكبير 3: 117. وبتفاوت في مصنف ابن أبي شيبة 2: 511 و 3: 76، ومسند أحمد 3: 71.
(5) الكافي 4: 155 / 3، الفقيه 2: 100 / 449.
(6) المغني والشرح الكبير 3: 118 حلية العلماء 3: 215، تفسير القرطبي 20: 134 - 135، المنتقى - للباجي - 2: 88.
(7) حلية العلماء 3: 215، تفسير القرطبى 20: 135

[ 237 ]

وقال ابن عمر: إنها ليلة ثلاثا وعشرين (1). وقال أبو حنيفة وأحمد: إنها ليلة السابع والعشرين (2). وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين (3). وأما علماؤنا، فنقل الصدوق عن الصادق عليه السلام قال: " في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير، وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء، وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام ما يكون في السنة إلى مثلها، ولله عز وجل أن يفعل ما يشاء في خلقه " (4). مسألة 168: شهر رمضان شهر شريف تضاعف فيه الحسنات، وتمحى فيه السيئات. " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله، لما حضر شهر رمضان، وذلك في ثلاث بقين من شعبان، قال لبلال: ناد في الناس، فجمع الناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن هذا الشهر قد خصكم الله به، وهو سيد الشهور، فيه ليلة خير من ألف شهر، تغلق فيه أبواب النار وتفتح فيه أبواب الجنان، فمن أدركه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك والديه ولم يغفر له فأبعده الله، ومن ذكرت عنده ولم يصلي علي فأبعده الله " (5). وكان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل (6).

(1) حلية العلماء 3: 214، تفسير القرطبي 20: 136.
(2) الشرح الكبير 3: 118، وأما قول أبي حنيفة فلم نعثر عليه في مظانه.
(3) المهذب للشيرازي 1: 196، المجموع 6: 449، حلية العلماء 3: 214 تفسير القرطبي 20: 135.
(4) الفقيه 2: 100 - 101 / 451.
(5) الكافي 4: 67 / 5، الفقيه 2: 59 / 255، التهذيب 4: 192 - 193 / 549.
(6) الفقيه 2: 61 / 263.

[ 238 ]

وينبغي ترك المماراة في الصوم والتنازع والتحاسد. قال الصادق عليه السلام: " إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده " ثم قال: " قالت مريم: إني نذرت للرحمن صوما " (1) أي: صمتا، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا " قال: " وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله، امرأة تساب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بطعام، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟ إن الصوم ليس من الطعام والشراب " (2). ويكره إنشاد الشعر، لما فيه من المنع للاشتغال عن الذكر. قال الصادق عليه السلام: " لا ينشد الشعر بليل ولا ينشد في شهر رمضان بليل ولا نهار " قال له إسماعيل: يا أبتاه فإنه " (3) فينا؟ قال: وإن كان فينا " (4). وروى حماد بن عثمان - في الصحيح - عن الصادق عليه السلام، قال: سمعته يقول: " تكره رواية الشعر للصائم والمحرم في الحرم وفي يوم الجمعة، وأن يروى بالليل " قلت: وإن كان شعر حق؟ قال: " وإن كان شعر حق " (5).

(1) مريم: 26.
(2) التهذيب 4: 194 / 553، والكافي 4: 87 / 3.
(3) في الطبعة الحجرية والفقيه: فإن كان. بدل فإنه.
(4) الكافي 4: 88 / 6، الفقيه 2: 68 / 282، التهذيب 4: 195 / 556 (5) التهذيب 4: 195 / 558.

[ 239 ]

في الاعتكاف ومطالبه ستة: الأول: الماهية. الاعتكاف لغة: اللبث الطويل. قال الله تعالى: " ما هذه التماثيل، التي أنتم لها عكفون ". وأما في الشرع: فإنه عبارة عن لبث مخصوص للعبادة. وهو مشروع في شريعتنا والشرائع السابقة، مستحب بإجماع العلماء. قال الله تعالى: " وطهر بيتي للطائفين والعاكفين " (2). وقال تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عكفون في المساجد " (3). وروى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف في العشر الأواخر (4).

(1) الأنبياء: 2.
(2) البقرة: 125.
(3) البقرة: 187.
(4) صحيح البخاري 3: 62، صحيح مسلم 2: 830 / 1171، سنن ابن ماجة 1: 564 / 1773، سنن الترمذي 3: 166 / 803، سنن أبي داود 2: 331 / 2262 و 2263.

[ 240 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد، وضربت له قبة من شعر، وشمر المئزر وطوى فراشه " (1). مسألة 169: وقد أجمع أهل العلم كافة على أنه ليس بفرض في ابتداء الشرع، وإنما يجب بالنذر وشبهه. روى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) (2) علقه بالارادة، ولو كان واجبا لما كان كذلك. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا أعتكف يوما ولم يك اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه، وإن أقام يومين ولم يك اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام " (3). وقد أجمع المسلمون على استحبابه، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف في كل سنة ويداوم عليه. وأفضل أوقاته العشر الأواخر من شهر رمضان. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين) (4) وداوم على اعتكافها حتى قبضه الله تعالى. فمن رغب إلى المحافظة على هذه السنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس يوم العشرين حتى لا يفوته شئ من ليلة الحادي والعشرين،

(1) الكافي 4: 175 / 1، الفقيه 2: 120 / 517، التهذيب 4: 287 / 869، الاستبصار 2: 130 - 131 / 426.
(2) أوردها ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 3: 123، وبتفاوت في صحيح مسلم 2: 825 / 215. وسنن البيهقي 4: 315.
(3) الكافي 4: 177 / 3، الفقيه 2: 121 / 526، التهذيب 4: 289 - 290 / 879، الاستبصار 2: 129 / 421، وفي المصادر عن الإمام الباقر عليه السلام.
(4) الفقيه 2: 122 / 531.

[ 241 ]

ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد، وإن بات ليلة العيد فيه إلى أن يصلي فيه العيد أو يخرج منه إلى المصلى كان أولى. المطلب الثاني: في شرائطه مسألة 170: إنما يصح الاعتكاف من مكلف مسلم، لأنه عبادة وشرطه الصوم على، ما يأتي (1)، وإنما يصح الصوم بالشرطين. ويصح اعتكاف الصبي المميز، كما يصح صومه. وهل هو مشروع أو تأديب؟ إشكال. ولا يصح من المجنون المطبق ولا من يعتوره وقت جنونه، لانتفاء التكليف عنه. ولا ينعقد من الكافر الاصلي، لفقدان الشرط، وهو: النية المشروطة بالتقرب. المسألة 171: يشترط في الاعتكاف النية، فلو اعتكف من غير نية، لم يعتد به، لأنه فعل يقع على وجوه مختلفة، فلا يختص بأحدها إلا بواسطة النية التي تخلص بعض الأفعال أو الوجوه والاعتبارات عن بعض. ولأن الاعتكاف عبادة، فلا يصح من دون النية، لقوله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (2) ولا معنى للاخلاص إلا النية. ولأنه عمل وقد قال عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) (3). وتشترط نية الفعل، والوجه من الوجوب أو الندب، والتقرب إلى الله تعالى، لأن الفعل صالح للوجوب والندب والتقرب واليمين أو منع النفس أو

(1) يأتي في المسألة 175.
(2) البينة: 5.
(3) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، سنن البيهقي 1: 215 و 7: 341.

[ 242 ]

الغضب، فلا بد من التقرب والوجه. وإذا نوى الاعتكاف مدة لم تلزمه إجماعا. نعم يشترط استمرار النية حكما، فلو خرج لقضاء حاجة أو لغيره، استأنف النية عند الرجوع إن بطل الاعتكاف بالخروج، وإلا فلا. مسألة 172: يشترط في الاعتكاف اللبث عند علمائنا أجمع، وهو قول أهل العلم، لأن الاعتكاف في اللغة عبارة عن المقام، يقال: عكف واعتكف أي: أقام. وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، والثاني: أنه لا يشترط اللبث، بل يكفي مجرد الحضور، كما يكفي الحضور بعرفة في تحقيق ركن الحج. ثم فرع على الوجهين، فقال: إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعبور حتى لو دخل من باب وخرج من باب ونوى، فقد اعتكف، وإن اعتبرنا اللبث، لم يكف ما يكفي في الطمأنينة في أركان الصلاة، بل لا بد وأن يزيد عليه بما يسمى إقامة وعكوفا، ولا يعتبر السكون، بل يصح اعتكافه قائما وقاعدا ومترددا في أرجاء المسجد (1). وهذا القول لا عبرة به عند المحصلين. مسألة 173: لا يجوز الاعتكاف عند علمائنا أقل من ثلاثة أيام بليلتين متواليات، خلافا للعامة كافة، فإن الشافعي لم يقدره بحد، بل جوز اعتكاف ساعة واحدة فأقل، وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة (2). ورواية أخرى عن أبي حنيفة أنه لا يجوز أقل من يوم واحد، وهو رواية عن مالك (3).

(1) فتح العزيز 6: 480.
(2) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 491، الوجيز 1: 106، فتح العزيز 6: 480، حلية العلماء 3: 220، بدائع الصنائع 2: 110، بداية المجتهد 1: 314.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 117، بدائع الصنائع 2: 110، الهداية للمرغيناني 1: 132،

[ 243 ]

وعن مالك رواية أخرى أنه لا يكون أقل من عشرة أيام (1). لنا: ما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) (2) والصوم لا يقع في أقل من يوم، فبطل قول الشافعي ومن وافقه. وأما التقدير بالثلاثة: فلأن الاعتكاف في اللغة هو اللبث المتطاول وفي الشرع قيد بالعبادة، ولا يصدق ذلك بجواز واحد، لأن التقدير بيوم لا مماثل له في الشرع، والتقدير بعشرة سيأتي إبطاله، فتتعين الثلاثة، كصوم كفارة اليمين وكفارة بدل الهدي وغير ذلك من النظائر. ولقول الصادق عليه السلام: " لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام ومن اعتكف صام " (3). واحتجاج الشافعي: بأن الاعتكاف لبث، وهو يصدق في القليل والكثير 4، وأبو حنيفة: بأن من شرطه الصوم، وأقله يوم (4). ومالك: بأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف العشر الأواخر (6)، باطل: بأن الاعتكاف في اللغة هو اللبث الطويل، والأصل بقاء الوضع، قد بينا إنه لا

الكافي في فقه أهل المدينة 131، حلية العلماء 3: 220، المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 491، فتح العزيز 6: 481 (1) بداية المجتهد 1: 314، التفريع 1: 312 - 313 الكافي في فقه أهل المدينة: 131 (2) أوردها ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 3: 125، وفي سنن الدارقطني 2: 199 - 200 / 4 وسنن البيهقي 4: 317 (بصيام) بدل (بصوم) (3) الكافي 4: 177 / 2، الفقيه 1212 / 525، التهذيب 4: 289 / 876، الاستبصار 2: 128 - 129 / 418.
(4) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 489 فتح العزيز 6: 480.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 117، بدائع الصنائع 2: 110، الهداية للمرغيناني 1: 132 (6) كما - في المعتبر للمحقق الحلي 2: 322، كما أن فيه أيضا التعرض لاحتجاج الشافعي وأبي حنيفة.

[ 244 ]

يكون أقل من ثلاثة أيام عن أهل البيت عليهم السلام. وفعل الرسول صلى الله عليه وآله، لا يدل على تحديد الأقل. مسألة 174: ويشترط في الاعتكاف أن يكون في مكان خاص، وقد أجمع علماء الأمصار على اشتراط المسجد في الجملة، لقوله تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عكفون في المساجد " (1) ولو صح الاعتكاف في غير المسجد، لم يكن للتقييد فائدة، لأن الجماع في الاعتكاف مطلقا حرام. ولأن الاعتكاف لبث هو قربة، فاختص بمكان كالوقوف. ثم اختلف العلماء بعد ذلك في أنه هل يشترط مسجد معين أم لا؟ فالذي عليه أكثر علمائنا (2) أنه يشترط أن يكون في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام ومسجد النبي عليه السلام، جمع فيهما رسول الله صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما علي عليه السلام. وقد روي في بعض الأخبار بدل " مسجد البصرة ": " مسجد المدائن " رواه الصدوق (3). وقال ابن أبي عقيل منا: إنه يصح الاعتكاف في كل مسجد. قال: وأفضل الاعتكاف في المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، وسائر الأمصار مساجد الجماعات ". وبه قال الشافعي ومالك (4).

(1) البقرة: 187.
(2) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 289، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 204، وأبو الصلاح الحلي في الكافي في الفقه: 186، وسلار في المراسم: 99.
(3) الفقيه 2: 120 / 520.
(4) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 323.
(5) المهذب للشيرازي 1: 197، المجموع 6: 480 و 483، فتح العزيز 6: 501، بداية

[ 245 ]

والشافعي قول قديم - كقول الزهري - إنه يصح في كل جامع وغير جامع (1) وقال المفيد رحمه الله: لا يكون الاعتكاف إلا في المسجد الأعظم، وقد روي: أنه لا يكون إلا في مسجد جمع فيه نبي أو وصي، والمساجد التي جمع فيها نبي أو وصي هي أربعة مساجد (2). وعد ما اخترناه. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز إلا في مسجد يجمع فيه (3). وعن حذيفة: أنه لا يصح الاعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد الرسول عليه السلام (4). لنا: أن الاعتكاف عبادة شرعية، فيقف على مورد النص، والذي وقع عليه الاتفاق ما قلناه. ولأن عمر بن يزيد سأل الصادق عليه السلام: ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة

المجتهد 1: 313، مقدمات ابن رشد: 190، المغني 3: 128، الشرح الكبير 3: 130 (1) كذا، ولكن المنسوب إلى الشافعي في القديم، والزهري، هو: اختصاص الاعتكاف بالمسجد الجامع. راجع المهذب للشيرازي 1: 197، والمجموع 6: 480، وفتح العزيز 6: 501 - 502، وحلية العلماء 3: 217، والمغني 3: 128، والشرح الكبير 3 130.
(2) المقنعة: 58.
(3) بدائع الصنائع 2: 113، الحجة على أهل المدينة 1: 415، تحفة الفقهاء 1: 372، المغني 3: 127، الشرح الكبير 3: 129، حلية العلماء 3: 217، المجموع 6: 483.
(4) حلية العلماء 3: 217، المجموع 6: 483، المغني 3: 128، الشرح الكبير 3: 130.

[ 246 ]

ومسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد البصرة " (1). ولأن الاعتكاف يتعلق به أحكام شرعية من أفعال وتروك، والأصل عدم تعلقها بالمكلف إلا مع ثبوت المقتضي ولم يوجد. احتج المفيد: بقول أمير المؤمنين عليه السلام: " لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، أو في مسجد جامع " (2). واحتج ابن أبي عقيل: بقوله تعالى: " وأنتم عاكفون في المساجد " (3). ولقول الصادق عليه السلام: " لا اعتكاف إلا بصوم وفي المصر (4) الذي أنت فيه " (5). واحتج أبو حنيفة: بقوله عليه السلام: (كل مسجد له إمام ومؤذن يعتكف فيه) (6). ولأنه قد يأتي عليه الجمعة، فإن خرج، أبطل اعتكافه، وربما كان واجبا، وإن لم يخرج، أبطل جمعته، فحينئذ يجب المسجد الذي يصلي فيه جمعه. والجواب: أن قول أمير المؤمنين عليه السلام: " أو في مسجد جامع " مطلق، وما قلناه مقيد، فيحمل عليه، جمعا بين الأدلة.

(1) التهذيب 4: 290 / 882 و 883، الاستبصار 2: 126 / 409 و 410، الكافي 4: 176 (باب المساجد التي يصلى الاعتكاف فيها) الحديث 1، والفقيه 2: 120 / 519.
(2) التهذيب 4: 291 / 885، الاستبصار 2: 127 / 412، وراجع المعتبر: 323.
(3) البقرة: 187.
(4) في المصدر: وفي مسجد المصر.
(5) أورده المحقق في المعتبر: 323 نقلا عن جامع البزنطي.
(6) أورده المحقق في المعتبر: 323. وفي سنن الدارقطني 2: 200 / 5 بتفاوت. وراجع: بدائع الصنائع 2: 113.

[ 247 ]

ولا دلالة في الآية، لأن اللام قد تقع للعهد. وقول الصادق عليه السلام، محمول على المسجد الذي هو أحد الأربعة. ولا بد من التأويل، لأنه يقتضي تحريم الاعتكاف إلا في مصره، ولو خلاف الإجماع. وحجة أبي حنيفة لنا. تذنيب: ليس للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها - وهو الذي عزلته وهيأته للصلاة فيه - لأنه ليس له حرمة المساجد، وليس مسجدا حقيقة، ولهذا يجوز تبديله وتوسيعه وتضييقه، فلم يكن مسجدا حقيقة، فأشبه سائر المواضع، وهو الجديد للشافعي، وبه قال مالك وأحمد (1). وقال في القديم: يجوز لها ذلك - وهذا التفريع على رأي من يعمم الأماكن. وأبو حنيفة قال بالجواز (2) أيضا - لأنه مكان صلاتها، كما أن المسجد مكان صلاة الرجل (3). وليس بجيد، لأن نساء النبي صلى الله عليه آله، كن يعتكفن في المسجد (2)، ولو جاز اعتكافهن في البيوت، لأشبه أن يلازمنها.

(1) المجموع 6: 480 و 484، الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 502، حلية العلماء 3 217، مقدمات ابن رشد: 119، المغني 3: 129، الشرح الكبير 3: 132، المبسوط للسرخسي 3: 119.
(2) بدائع الصنائع 2: 113، المبسوط للسرخسي 3: 119، الهداية للمرغيناني 1: 132، المجموع 6: 484، فتح العزيز 6: 503، حلية العلماء 3: 218، المغني 3: 129، الشرح الكبير 3: 132، مقدمات ابن رشد 191 (3) فتح العزيز 6: 503، المجموع 6: 480، حلية العلماء 3: 217.
(4) صحيح البخاري 3: 63، صحيح مسلم 2: 831 / 1173، سنن ابن ماجة 1: 563 / 1771.

[ 248 ]

وعلى الجواز ففي جواز الاعتكاف للرجل وجهان للشافعية، لأن (1) تنفل الرجل في البيت أفضل، والاعتكاف ملحق بالنوافل (2). وكل امرأة يكره لها حضور الجماعات يكره لها الاعتكاف في المساجد. مسألة 175: يشترط في الاعتكاف الصوم عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عمر، وابن عباس وعائشة والزهري وأبو حنيفة ومالك والليث والأوزاعي والحسن بن صالح بن حي وأحمد في إحدى الروايتين (3) - لما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (لا اعتكاف إلا بصوم) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا اعتكاف إلا بصوم لم (5). ولأنه لبث في مكان مخصوص، فلم يكن بمجرده قربة، كالوقوف بعرفة. وقال الشافعي: لا يشترط الصوم، بل يجوز من غير صوم - وبه قال ابن مسعود وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس وإسحاق وأحمد في الرواية الأخرى - لأن عمر سأل النبي صلى الله عليه وآله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي صلى الله

(1) هذا وجه الجواز.
(2) فتح العزيز 6: 503، المجموع 6: 480.
(3) المغني والشرح الكبير 3: 125، المجموع 6: 487، فتح العزيز 6: 484، حلية العلماء 3: 218، الهداية للمرغيناني 1: 132، بدائع الصنائع 2: 109، بداية المجتهد 1: 315، مقدمات ابن رشد: 191، الكافي في فقه أهل المدينة: 131.
(4) أوردها ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 3: 125، وفي سنن الدارقطني 2: 199 - 200 / 4، وسنن البيهقي 4: 317: (بصيام) بدل (بصوم).
(5) الكافي 4: 176 (باب أنه لا يكون الاعتكاف إلا بصوم) الأحاديث 1 - 3، التهذيب 4: 288 / 873.

[ 249 ]

عليه وآله: (أوف بنذرك) (1) ولو كان الصوم شرطا لم يصح اعتكاف الليل ولقول ابن عباس: (ليس على معتكف صوم) (2). ولأنه عبادة تصح في الليل، فلا يشترط لها الصيام، كالصلاة (3). والجواب: الليلة قد تطلق مع إرادة النهار معها، كما يقال: أقمنا ليلتين أو ثلاثا، والمراد: الليل والنهار ونمنع صحة الاعتكاف ليلا خاصة. والفرق بينة وبين الصلاة ظاهر، لأنه بمجرده لا يكون عبادة، فاشترط فيه الصوم. وقول ابن عباس لا يكون حجة. مسألة 176: لا يشترط صوم معين، بل أي صوم اتفق مع الاعتكاف معه، سواء كان الصوم واجبا أو ندبا، وسواء كان الاعتكاف واجبا أو ندبا، فلو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا، وجب الصوم بالنذر، لأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا. فلو اعتكف في شهر رمضان، صح اعتكافه، وكان الصوم واقعا عن رمضان، وأجزأ عن صوم اعتكافه الواجب. وكذا لو نذر صوم شهر ونذر اعتكاف شهر، وأطلق النذرين، أو جعل زمانهما واحدا، صح أن يعتكف في شهر صومه المنذور، وتقع نية الصوم عن النذر المعين أوغير المعين. وكذا لو نذر اعتكافا وأطلق، فاعتكف في أيام أراد صومها مستحبا،

(1) صحيح البخاري 3: 63، سنن الدارقطني 2: 198 - 199 / 1 و 2، سنن البيهقي: 318.
(2) المستدرك للحاكم 1: 439 بتفاوت يسير عن النبي صلى الله عليه وآله.
(3) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 485 و 487 - 488، الوجيز 1: 106، فتح العزيز 6: 484 - 485، حلية العلماء 3: 218، المغني والشرح الكبير 3: 125 - 126، بدائع الصنائع 2: 109، مقدمات ابن رثد: 191 - 192.

[ 250 ]

جاز والقائلون بعدم اشتراط الصوم من العامة حكموا باستحبابه، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف وهو صائم (1) ولا خلاف فيه، وجوزوا اعتكاف بعض يوم أو بعض ليلة (2). ومن اشترطه منهم لم يسوغوا اعتكاف بعض يوم ولا اعتكاف ليلة منفردة ولا بعضها، لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم (3). ويحتمل عندهم صحة اعتكاف بعض يوم إذا صام اليوم بأسره، لأن الصوم المشروط وجد في زمن الاعتكاف، ولا يعتبر وجود المشروط في زمن كل زمان الشرط (4). وعلى مذهبنا من اشتراط الصوم لا يصح اعتكاف زمان لا يصح فيه الصوم، كيومي العيدين وأيام التشريق والمرض المضر والسفر الذي يجب فيه القصر، خلافا للشافعي فإنه جوز الاعتكاف في يومي العيدين وأيام التشريق (5). مسألة 177: يشترط في صحة اعتكاف الزوجة المندوب: إذن زوجها، وكذا السيد في حق عبده، لأن منافع الاستمتاع والخدمة مملوكة للزوج والسيد، فلا يجوز صرفهما إلى غيرهما إلا بإذنهما، وكذا المدبر وأم الولد ومن انعتق بعضه إلا مع المهاياة وإيقاع الاعتكاف في أيام نفسه.

(1) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 485 و 487، المغني والشرح الكبير 3: 126.
(2) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 489 - 491، حلية العلماء 3: 220، فتح العزيز 6: 480.
(3) المغني 3: 127، الشرح الكبير 3: 126، المجموع 6: 491، فتح العزير 6: 484 (4) المغني 3: 127، الشرح الكبير 3: 126.
(5) الأم 2: 107، المجموع 6: 485 و 489، فتح العزيز 6: 484، مختصر المزني: 60.

[ 251 ]

أما المكاتب فإنه كالعبد إذا كان مشروطا، لأنه لم يخرج عن الرق بالكتابة، فتوابع الرق لاحقة به. وقال الشافعي: يجوز، لأن منافعه لاحق للمولى فيها (1). وليس بجيد، لأن الرق لم يزل عنه، وإطلاق الإذن منصرف إلى الاكتساب دون غيره. مسألة 178: لو أذن لعبده في الاعتكاف أو لزوجته، جاز له الرجوع ومنعهما ما لم يجب - وبه قال الشافعي (2) - لأنه فعل مندوب يجوز الرجوع فيه؟ لأن التقدير أنه لم يجب، لأن الشروع غير ملزم عندنا على ما يأتي (3)، كما لو اعتكف بنفسه ثم بدا له في الرجوع. ولأن من منع غيره من الاعتكاف إذا أذن فيه وكان تطوعا، كان له إخراجه منه، كالسيد مع عبده. وقال أبو حنيفة: له منع العبد وليس له منع الزوجة - وقال مالك: ليس له منعهما (4) - لأن المرأة تملك بالتمليك، فإذا أذن لها، أسقط حقه عن منافعها، وأذن لها في استيفائها، فصار كما لو ملكها عينا، بخلاف العبد الذي لا يملك البتة، وإنما يتلف منافعه على سلك السيد، فإذا أذن له في اتلافها، صار كالمعير (5).

(1) المجموع 6: 478، فتح العزيز 6: 493، حلية العلماء 3: 217.
(2) المجموع 6: 477، فتح العزيز 6: 492، حلية العلماء 3: 216، المغني 3: 151، الشرح الكبير 3: 127.
(3) يأتي في المسألة 205.
(4) المدونة الكبرى 1: 230، المغني 3: 151، الشرح الكبير 3: 127 المجموع 6: 477، فتح العزيز 6: 492، حلية العلماء 3: 216.
(5) بدائع الصنائع 2: 109، المبسوط للسرخسي 3: 125، المغني 3: 151 - 152 الشرح الكبير 3: 127، المجموع 6: 477، فتح العزيز 6: 492، حلية العلماء 3: 216.

[ 252 ]

قال مالك: إن السيد قد عقد على نفسه تمليك منافع كان يملكها لحق الله تعالى، فلم يكن له الرجوع فيه، كصلاة الجمعة (1). والجواب: أن منافع المرأة لزوجها، ولهذا يجب عليها بذلها، فإذا أذن لها في إتلافها، جرى مجرى المعير. والجمعة تجب بالدخول فيها، بخلاف الاعتكاف. مسألة 179: لا ينعقد نذر المرأة للاعتكاف إلا بإذن زوجها، وكذا العبد إلا بإذن مولاه، فإذا أذنا فإن كان النذر لأيام معينة، لم يجز للمولى ولا للزوج المنع ولا الرجوع، وإن كان لأيام غير معينة، جاز المنع ما لم يجب بأن يمضي يومان، لأنه ليس على الفور. ولو دخلا في المندوب بإذنه، جاز الرجوع أيضا. وقال الشيخ رحمه الله: يجب عليه الصبر ثلاثة أيام هي أقل الاعتكاف (2). وليس بجيد، لأنا لا نوجب المندوب بالشروع. ولو نذرا نذرا غير معين بإذن الزوج والمولى، لم يجز لهما الدخول فيه إلا بإذنهما، لأن منافعهما حق مضيق يفوت بالتأخير، بخلاف الاعتكاف. وإذا أذن لعبده في الاعتكاف فاعتكف ثم أعتق، وجب عليه إتمام الواجب، واستحب إتمام المندوب. ولو دخل في الاعتكاف بغير نذر (3) فاعتق في الحال، قال الشيخ رحمه

(1) راجع: المغني 3: 152، والشرح الكبير 3: 127.
(2) المبسوط للطوسي 1: 290، وحكاه عنه أيضا المحقق في المعتبر: 322.
(3) كذا في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية، إلا أن سياق العبارة يدل على أن المراد: الإذن لا النذر. ويؤكد ذلك ما أثبتته المصادر المذكورة في الهامش التالي، فراجع.

[ 253 ]

الله: يلزمه (1). وليس بجيد، لأن الدخول منهي عنه، فلا ينعقد به الاعتكاف، فلا يجب إتمامه. تذنيب: لا يجوز للأجير أن يعتكف زمان إجارته إلا بإذن المستأجر، لأن منافعه مملوكة له. وكذا ينبغي في الضيف، لافتقار صومه تطوعا إلى الإذن. المطلب الثالث: في تروك الاعتكاف مسألة 180: يحرم على المعتكف الجماع بالنص والإجماع. قال الله تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها " (2). وأجمع العلماء كافة على تحريم الوطئ للمعتكف، فإن اعتكف وجامع فيه متعمدا، فسد اعتكافه إجماعا، لأن الوطئ إذا حرم في العبادة أفسدها، كالحج والصوم. وإن كان ناسيا، لا يبطل - وبه قال الشافعي (3) - لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (4). ولأنها مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف، كالمباشرة فيما دون

(1) المبسوط للطوسي 1: 290، وراجع: أيضا المعتبر للمحقق الحلي: 322، والمختلف - للمصنف -: 252. (1) البقرة: 187.
(3) المهذب للشيرازي 2: 201، المجموع 6: 524 و 527، فتح العزيز 6: 481، حلية العلماء 3: 225، المغني 3: 139، الشرح الكبير 3: 155.
(4) الفتح الكبير 2: 135، كنز العمال 4: 233 / 10307 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير.

[ 254 ]

الفرج. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يبطل الاعتكاف، لأن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه، كالخروج من المسجد (1). ونمنع الأصل. والفرق: أن الخروج ترك المأمور به، وهو مخالف لفعل المحظور فيه، فإن من ترك النية في الصوم لا يصح صومه وإن كان ناسيا، بخلاف ما لو جامع سهوا. ولا فرق في التحريم بين الوطئ في القبل والدبر، ولا بين الإنزال وعدمه، وكما يحرم الوطئ نهارا يحرم ليلا، لأن المقتضي للتحريم الاعتكاف فيهما، ولا نعلم فيه خلافا. ويجوز أن يلامس بغير شهوة بالاجماع، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يلامس بعض نسائه في الاعتكاف (2) مسألة 181: القبلة حرام يبطل بها الاعتكاف، وكذا اللمس بشهوة والجماع في غير الفرجين، لقوله تعالى: " ولا تباشروهن " (3) وهو عام في كل مباشرة، وبه قال مالك (4). وقال أبو حنيفة: إن أنزل، أفسد اعتكافه، وإن لم ينزل، لم يفسد

(1) المبسوط للسرخسي 3: 123 الهداية للمرغيناني 1: 133، المدونة الكبرى 1: 226، بداية المجتهد 1: 316 المغني 3: 139، الشرح الكبير 3: 155، المجموع 6: 527، فتح العزيز 6: 481، حلية العلماء 3: 225.
(2) كما في المعتبر للمحقق الحلي: 325، وراجع: صحيح البخاري 3: 62، سنن أبي داود 2: 332 - 333 / 2467 - 2469، سنن ابن ماجة 1: 565 / 1778، سنن الترمذي 3: 167 / 804.
(3) البقرة: 187.
(4) بداية المجتهد 1: 316، حلية العلماء 3: 226، المجموع 6: 527، فتح العزيز 6: 482، المغني 3: 142، الشرح الكبير 3: 157

[ 255 ]

- وللشافعي كالقولين (1) - لأنه لا يفسد الصوم فلا يفسد الاعتكاف، كما لو كان بغير شهوة. والفرق: أن هذه المباشرة لم تحرم في الصوم لعينها، بل إذا خاف الإنزال، وأما في الاعتكاف فإنها محرمة لعينها - ما ذهب إليه أبو حنيفة في وطئ الساهي (3) - فلا، يفسد الصوم ويفسد الاعتكاف. فروع: أ - لا فرق في تحريم الجماع بين أن يجامع في المسجد أو خارجه، لعموم الآية (4). التقييد بالفيئية (5) في المساجد راجع إلى الاعتكاف لا المباشرة. ب - لا فرق بين جماع وجماع. وروى المزني عن الشافعي أنه لا يفسد " الاعتكاف من الوطئ إلا ما يوجب الحد (6). قال الجويني: قضية هذا أنه لا يفسد بإتيان البهيمة إذا لم يوجب به الحد (7).

(1) المهذب للشيرازي 1: 201، المجموع 6: 525، فتح العزيز 6: 482، حلية العلماء 3: 226، المغني 3: 142 الشرح الكبير 3: 157 (2 و 3) المبسوط للسرخسي 3: 123، الهداية للمرغيناني 1: 133، المغني 3: 141 - 142، الشرح الكبير 3: 157، المجموع 6: 527، فتح العزيز 6: 482. بداية المجتهد: 316.
(4) البقرة: 187.
(5) ورد في هامش نسخة " ن " هكذا: أي تقييده تعالى في الآية بقوله: " في المساجد " فالياء في " بالفيئية " ياء النسبية كالياء في " زيدي ".
(6) مختصر المزني: 61، المجموع 6: 524، فتح العزيز 6: 482.
(7) فتح العزيز 6: 482، المجموع 6: 524 - 525.

[ 256 ]

ج - قد بينا (1) أن القبلة بشهوة واللمس كذلك متعمدا مفسدان للاعتكاف - خلافا (2) لأحد قولي الشافعي (3) - لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف، فأشبهت الجماع. والثاني (4): لأنها مباشرة لا تبطل الحج فلا تبطل الاعتكاف، كالقبلة بغير شهوة (5). وما موضع القولين؟ للشافعية ثلاث طرق: أحدها: أن القولين فيما إذا أنزل، فأما إذا لم ينزل لم يبطل الاعتكاف بلا خلاف، كالصوم. وثانيها: أن القولين فيما إذا لم ينزل، أما إذا أنزل بطل اعتكافه بلا خلاف، لخروجه عن أهلية الاعتكاف بالجنابة. وثالثها - وهو الأظهر عندهم -: طرد القولين في الحالين. والفرق على أحد القولين فيما إذا لم ينزل بين الاعتكاف والصوم: أن هذه الاستمتاعات في الاعتكاف محرمة لعينها، وفي الصوم ليست محرمة لعينها، بل لخوف الإنزال، ولهذا يترخص فيها إذا أمن أن لا تحرك القبلة شهوته. فحصل من هذا للشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: أنها لا تفسد الاعتكاف، أننزل أولم ينزل.

(1) في " ط، ف ": ثبت، بدل بينا.
(2) كذا في النسخ المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية. والصحيح: وفاقا، لتستقيم العبارة.
(3) فتح العزيز 6: 482، المجموع 6: 525.
(4) أي: القول الثاني للشافعي، وهو: عدم الإفساد (5) فتح العزيز 6: 482، المجموع 6: 525.

[ 257 ]

والثاني: تفسده، أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك (1). والثالث - وبه قال أبو حنيفة (2) - أن ما أنزل منها أفسد الاعتكاف، وما لا فلا (3). د - الاستمناء باليد حرام مبطل للاعتكاف إذا وقع نهارا قطعا، لافساده الصوم. وبالجملة استدعاء المني مطلقا نهارا وليلا حرام. وعند أكثر (4) الشافعية أن الاستمناء باليد مرتب على ما إذا لمس فانزل، إن قلنا: إنه لا يبطل الاعتكاف فهذا أولى، وإن قلنا: إنه يبطله فوجهان. والفرق: كمال الاستمتاع والالتذاذ ثم باصطكاك السوأتين (5). ه‍ - يجوز للمعتكف أن يقبل على سبيل الشفقة والاكرام، ولا بأس أن يلمس بغير شهوة. مسألة 182: يحرم على المعتكف البيع والشراء - وبه قال مالك وأحمد (6) - لما رواه العامة: أن النبي صلى الله عليه وآله، نهى عن البيع والشراء في المسجد (7). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " المعتكف لا يشم

(1) بداية المجتهد 1: 316، المغني 3: 142، الشرح الكبير 3: 157، فتح العزيز 6: 482، حلية العلماء 3: 226.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 133، المبسوط للسرخسي 3: 123، بداية المجتهد 1: 316، المغني 3: 141 - 142، الشرح الكبير 3: 157، فتح العزيز 6: 482، حلية العلماء 3: 226.
(3) فتح العزيز 6: 482، المجموع 6: 525 - 526.
(4) وفي المصادر: عند البغوي والرافعي.
(5) فتح العزيز 6: 482 - 483، المجموع 6: 526. (6) التفريع 1: 314، المغني 3: 145، الشرح الكبير 3: 159.
(7) سنن الترمذي 2: 139 / 323، سنن ابن ماجة 1: 247 / 749، سنن النسائي 2: 47 - 48.

[ 258 ]

الطيب، ولا يتلذذ بالريحان، ولا يشتري، لا يبيع " (1) ولأن الاعتكاف لبث للعبادة، فينافي ما غايرها، وللشافعي قولان: أحدهما: الجواز - وبه قال أبو حنيفة (2) - للأصل، والثاني: الكراهة (3). والأصل يعدل عنه للدليل، وقد يباح. إذا عرفت هذا، فلو باع أو اشترى فعل محرما، ولم يبطل البيع، للأصل. وقال الشيخ: يبطل، للنهي (4). وليس بجيد، لأنه في المعاملات لا يدل على الفساد. وينبغي المنع من كل ما يساوي البيع مما يقتضي الاشتغال، كالاجارة وشبهها. قال السيد المرتضى رحمه الله: تحرم التجارة والبيع والشراء (5). والتجارة أعم. ولا بأس بشراء ما يحتاج إليه، كشراء غذائه ومائه وقميصه الذي يستتر به ويبيع شيئا يشترى به قوته، للضرورة. وكذا الأقرب: تحريم الصنائع المشغلة عن العبادة، كالحياكة والخياطة وأشباهها، إلا مالا بد له منه، لأنه يجرى مجرى الاشتغال بلبس

(1) الكافي 4: 177 - 178 / 4، التهذيب 4: 288 / 872، الاستبصار 2: 129 / 420، والفقيه 2: 121 / 527 (2) الهداية للمرغياني 1: 133، بدائع الصنائع 2: 116، المجموع 6: 535.
(3) المجموع 6: 529 و 530 و 535، فتح العزيز 6: 483، المغني 3: 145، الشرح الكبير 3: 159.
(4) المبسوط للطوسي 1: 295 (5) الانتصار: 74.

[ 259 ]

قميصه وعمامته. نعم يجوز له النظر في أمر معاشه وصنعته، ويتحدث ما شاء من المباح، ويأكل الطيبات. مسألة 183: يحرم على المعتكف المماراة، لقول الباقر عليه السلام: " ولا يماري " (1). وكذا يحرم عليه الكلام الفحش. ولا بأس بالحديث حالة الاعتكاف بإجماع العلماء، لما في منعه من الضرر. ويحرم الصمت، لما تقدم (2) من أن صوم الصمت حرام في شرعنا. وقد روى العامة عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قال: " حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: لا صمات يوم إلى الليل " (3). ونهى النبي صلى الله عليه وآله (4) عن صوم الصمت (5). فإن نذر الصمت في اعتكافه، لم ينعقد بالاجماع. قال ابن عباس: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله، يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (مره فليتكلم وليستظل ويقعد وليتم صومه) (6). ولأنه نذر في معصية فلا ينعقد. وانضمامه إلى الاعتكاف لا يخرج به عن كونه بدعة.

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الهامش (1) من الصفحة السابقة.
(2) تقدم في المسألة 147.
(3) سنن أبي داود 3: 115 / 2873.
(4) زيادة من المصدر.
(5) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 148، الشرح الكبير 3: 160 (6) صحيح البخاري 8: 178.

[ 260 ]

قيل: لا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من كلامه، وقد جاء: (لا يناضر (1) بكلام الله) وهو أن لا يتكلم عند الشئ بالقرآن، كما يقال لمن جاء في وقته: جئت على قدر يا موسى (2) وما شابهه، لأن احترام القرآن ينافي ذلك وقد استعمله في غير ما هو له، فأشبه استعمال المصحف في التوسد (3). ويستحب دراسة القرآن والبحث في العلم والمجادلة فيه ودراسته وتعليمه وتعلمه في الاعتكاف، بل هو أفضل من الصلاة المندوبة - وبه قال الشافعي (4) - لما فيه من القربة والطاعة. وقال أحمد: لا يستحب له إقراء القرآن ولا دراسة العلم، بل التشاغل بذكر الله والتسبيح والصلاة أفضل لأن الاعتكاف عبادة شرع لها المسجد، فلا يستحب فيها إقراء القرآن وتدريس العلم، كالصلاة والطواف (5). والفرق: أن الصلاة شرع لها (6) أذكار مخصوصة، وخشوع، واشتغاله بالعلم يقطعه عنها، والطواف لا يكره فيه إقراء القرآن وتدريس العلم. ولأن العلم أفضل العبادات، ونفعه متعد (7)، فكان أولى من الصلاة مسألة 184: وفي تحريم شم الطيب لعلمائنا قولان: أحدهما: التحريم، وهو الأقوى، لقول الباقر عليه السلام:

(1) في المصدر: لا تناظروا.
(2) طه: 40.
(3) القائل هو ابنا قدامة في المغني 3: 148، والشرح الكبير 3: 161 (4) المجموع 6: 528، فتح العزيز 6: 484، المغني 3: 147، الشرح الكبير 3: 161.
(5) المغني 3: 147 الشرح الكبير 3: 161، المجموع 6: 528 الشرح الكبير 3: 161.
(6) زيادة يقتضيها السياق (7) في " ط ": متعدد.

[ 261 ]

المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان " (1). ولأن الاعتكاف عبادة تختص مكانا، فكان ترك الطيب فيها مشروعا، كالحج. والثاني: الكراهة - وبه قال أحمد (2) - عملا بأصالة الاباحة. والشافعي (3) نفى الكراهة والتحريم معا، للأصل. وليس بجيد، لأن الاعتماد على الرواية. مسألة 185: كل ما يبطل الصوم يبطل الاعتكاف، وهو ظاهر عندنا، لأن الاعتكاف مشروط بالصوم، فإذا بطل الشرط بطل المشروط. وكل ما ذكرنا أنه محرم على المعتكف نهارا، فإنه يحرم ليلا، عدا الأكل والشرب، فإنهما يحرمان نهارا لا ليلا. قال الشيخ رحمه الله: السكر يفسد الاعتكاف، والارتداد لا يفسده، فإذا عاد بنى (4). والوجه: الإفساد بالارتداد. وقال الشيخ أيضا: لا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال ولا خصومة (5). ولا بأس به، لأنها غير مفسدة للصوم، فلا تفسد الاعتكاف. وهل يبطل الاعتكاف بالبيع والشراء؟ قيل: نعم، لأنه منهي عنهما في

(1) الكافي 4: 177 - 178 / 4، الفقيه 2: 121 / 527، التهذيب 4: 288 / 872، الاستبصار 2: 129 / 420.
(2) حلية العلماء 3: 226، وراجع: المغني 3: 149، والشرح الكبير 3: 162، والمجموع 6: 528، وفتح العزيز 6: 483.
(3) المهذب للشيرازي 1: 201، المجموع 6: 528 و 536، فتح العزيز 6: 483، حلية العلماء 3: 226.
(4) المبسوط للطوسي 1: 294.
(5) المبسوط للطوسي 1: 295.

[ 262 ]

هذه العبادة (6). وقيل: يأثم ولا يبطل الاعتكاف بهما (2). مسألة 186: قال بعض علمائنا: يحرم على المعتكف ما يحرم على المحرم (3). وليس المراد بذلك العموم، لأنه لا يحرم عليه لبس المخيط إجماعا، ولا إزالة الشعر، ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح، فله أن يتزوج في المسجد ويشهد على العقد، لأن النكاح طاعة، وحضوره مندوب، ومدته لا تتطاول، فيتشاغل به عن الاعتكاف، فلم يكن مكروها، كتسميت العاطس ورد السلام. ويجوز له قص الشارب وحلق الرأس والأخذ من الاظفار، ولا نعلم فيه خلافا. مسألة 187: يجوز للمعتكف أن يتزين برفيع الثياب - وبه قال الشافعي (4) - عملا بالأصل. ولقوله تعالى: " قل من حرم زينة الله " (5). وقال أحمد: يستحب ترك التزين برفيع الثياب (6). وليس بجيد ويجوز له أن يأمر بإصلاح معاشه وبتعهد متاعه، وأن يخيط ويكتب وما أشبه ذلك إذا اضطر إليه. أما إذا لم يضطر فإنه لا يجوز، خلافا للشافعية (7).

(1 و 2) كما في شرائع الإسلام 1: 220.
(3) كما في المعتبر: 325 نقلا عن الشيخ رحمه الله.
(4) المجموع 6: 528، فتح العزيز 6: 483، حلية العلماء 3: 226.
(5) الأعراف: 32.
(6) المغني 3: 149، الشرح الكبير 3: 162، المجموع 6: 528، فتح العزيز 6: 483 حلية العلماء 3: 226.
(7) فتح العزيز 6: 483، المجموع 6: 529، المغني 3: 145، الشرح الكبير 3: 159.

[ 263 ]

وقال مالك: إذا قعد في المسجد واشتغل بحرفته، بطل اعتكافه (1). وهو كما قلناه. ونقل عن الشافعي في القديم مثله في الاعتكاف المنذور (2). ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف (3). والمشهور عند الشافعية: الجواز مطلقا، لأن ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطل كثيره، كسائر الأفعال (4). وهو ممنوع. مسألة 188: يجوز له الأكل في المسجد، للحاجة إليه، وللأصل، ولأنه مأمور باللبث فيه، والأكل بدون الاعتكاف جائز في المسجد، فمعه أولى، لكن ينبغي أن يبسط سفرة وشبهها، لأنه أبلغ في تنظيف المسجد. وله غسل يده فيه، لكن ينبغي أن يكون ماء الغسالة في طست وشبهه، حذرا من ابتلال المسجد فيمنع غيره من الصلاة فيه والجلوس. ولأنه قد يستقذر، فينبغي صيانة المسجد عنه. وله أن يرش المسجد بالماء المطلق لا المستعمل إذا استقذرته النفس لأن كان طاهرا، لأن النفس قد تعافه (5). وكذا يجوز الفصد والحجامة في المسجد إذا لم يتلوث، والأولى الاحتراز عنه. ولا يجوز أن يبول في المسجد في آنية - خلافا للشافعية في بعض أقوالهم (6) - لما فيه من القبح والاستهانة بالمسجد، واللائق تعظيم المساجد وتنزيهها، بخلاف الفصد والحجامة، ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة واستدبارها حالة الفصد والحجامة، ويمنع منه حالة البول.

(1) فتح العزيز 6: 484، التفريع 1: 314. (2 - 4) فتح العزيز 6: 483 و 484.
(5) عاف الشئ يعافه: كرهه. لسان العرب 9: 260.
(6) حلية العلماء 3: 226، المجموع 6: 533.

[ 264 ]

ولأن المساجد لم تبن لهذا، وهو مما يستخفى (1) به، فوجب صيانة المسجد عنه، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله. وقال بعض الحنابلة: يمنع من الفصد والحجامة فيه، لأنه إراقة نجاسة في المسجد، فلم يجز، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله. ولو دعت الحاجة الشديدة إليه، خرج من المسجد وفعله، وإن استغنى عنه، لم يكن له الخروج الذي يمكن احتماله (2). والوجه: جوازه، لأن المستحاضة يجوز لها الاعتكاف، ويكون تحتها شئ يقع فيه الدم. قالت عائشة: اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (3). مسألة 189: السكر والردة إن قارنا ابتداء الاعتكاف، منعا صحته، إذ لا نية لهما. وكذا الإغماء والجنون. ولو ارتد في أثناء الاعتكاف، فالوجه عندي بطلان الاعتكاف، خلافا للشيخ (4). وقال الشافعي في الأم: إنه لا يبطل اعتكافه، بل يبني إذا عاد إلى الإسلام (5).

(1) في " ط، ف " والطبعة الحجرية: يستخف.
(2) المغني 3: 150، الشرح الكبير 3: 163.
(3) صحيح البخاري 3: 64 - 65، سنن أبي داود 2: 334 / 2476، سنن البيهقي 4: 323.
(4) المبسوط للطوسي 1: 294.
(5) المهذب للشيرازي 1: 200، المجموع 6: 518، فتح العزيز 6: 494، حلية العلماء 3: 224، وفي الجميع نقلا عن الأم.

[ 265 ]

وقال: لو سكر في اعتكافه ثم أفاق، استأنف (1). وهذا حكم ببطلان الاعتكاف. ولأصحابه طريقان: أحدهما: تقرير القولين. والفرق: أن السكران ممنوع من المسجد، لقوله تعالى: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " (2) أي موضع الصلاة، فإذا شرب المسكر وسكر، فقد أخرج نفسه عن أهلية اللبث في المسجد، فينزل ذلك منزلة خروجه منه، والمرتد غير ممنوع من المسجد، بل يجوز استدامته (3) فيه، وتمكينه من الدخول لاستماع القرآن ونحوه، فلم يجعل الارتداد متضمنا بطلان الاعتكاف. والثاني: التسوية بين الردة والسكر، وفي كيفيتها طريقان: أحدهما: أنهما على قولين: أحدهما: أنهما لا يبطلان الاعتكاف. أما الردة: فلما سبق. وأما السكر: فلأنه ليس فيه إلا تناول محرم، وذلك لا ينافي الاعتكاف. والثاني: أنهما يبطلان. أما السكر: فلما سبق. وأما الردة: فلخروج المرتد عن أهلية العبادة. والأصح عندهم: الجزم في الصورتين، وفي كيفيته طرق: أحدها: أنه لا يبطل الاعتكاف بواحد منهما. وكلام الشافعي في

(1) الأم 2: 106، والمجموع 6: 518، وفتح العزيز 6: 494.
(2) النساء: 43.
(3) في المصدر: استتابته.

[ 266 ]

السكر محمول على ما إذا خرج من المسجد أو أخرج لاقامة الحد عليه. وثانيها: أن السكر يبطله، لامتداد زمانه، والردة كذلك إن طال زمانها. وثالثها: أن الردة تبطل، لأنها تفوت شرط العبادة، والسكر لا يبطله، كالنوم والاغماء. ورابعها: أنهما جميعا مبطلان، فإن كل واحد منهما أشد من الخروج من المسجد، فإذا كان ذلك مبطلا للاعتكاف ففيهما أولى. وقوله (1) في الردة مفروض فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعا، فإذا عاد إلى الإسلام بنى على ما مضى، لأن الردة لا تحبط العبادات السابقة. وقوله (2) في السكر مفروض في الاعتكاف المتتابع (3). وهذا كله عندنا باطل، لأن المرتد لا يمكن من المدخول إلى المسجد، وأنه مناف للعبادة، وكذا السكر. إذا عرفت هذا، فالمفهوم من كلام الشافعي أن زمان الردة والسكر لا اعتكاف فيه، فإن الكلام في أنه يبني أو يستأنف إنما ينتظم عند حصول الاختلال في الحال (4). والمشهور عند أصحابنا (5) أن زمان الردة غير محسوب من الاعتكاف، إذ ليس للمرتد أهلية العبادة، وأما زمان السكر ففي احتسابه لهم وجهان (6). مسألة 190: إذا عرض الجنون أو الإغماء في أثناء الاعتكاف، بطل اعتكافه، لفساد الشرط، وخروجه عن أهلية العبادة، سواء أخرجا من

(1 و 2) أي: قول الشافعي.
(3) فتح العزيز 6: 494 - 497، المجموع 6: 518 - 519. (4) فتح العزيز 6: 497 - 498.
(5) كذا، والظاهر أن الصحيح: أصحابه. أي: أصحاب الشافعي.
(6) فتح العزيز 6: 98، المجموع 6: 519.

[ 267 ]

المسجد أولا. وقال الشافعي: إن لم يخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه، لأنه معذور فيما عرض، وإن أخرج نظر، فإن لم يمكن حفظه في المسجد، فكذلك، لأنه لم يحصل الخروج باختياره، فأشبه ما لو حمل العاقل واخرج مكرها، لأن أمكن ذلك، ففيه خلاف مخرج مما لو أغمي على الصائم (1). ولا تحسب أيام الجنون من الاعتكاف، لأن العبادات البدنية لا تصح من المجنون. وفي زمان الإغماء للشافعية خلاف (2). وعندنا أنه لا يحسب. مسألة 191: الجنابة والحيض مانعان من الاعتكاف ابتداء - وبه قال الشافعي (3) - لأنهما ممنوعان من اللبث في المساجد. قال الله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل " (4) وإذا منعا من اللبث منعا من الاعتكاف، لأنه أخص منه. وإذا طرأ الحيض على المعتكفة، وجب عليها الخروج من المسجد، فإن لبثت فيه لم يحسب من الاعتكاف، لأنه منهي عنه، والنهي في العبادات يدل على الفساد. ولأن الصوم شرط في الاعتكاف عندنا والحيض لا يجامعه، ومنافي الشرط مناف للمشروط. ولو طرأت الجنابة، فإن كان مما يبطل الاعتكاف أو الصوم، بطل الاعتكاف قطعا، وإن طرأت بما لا يبطله، كالاحتلام والجماع ناسيا، وجب عليه أن يبادر إلى الغسل، لئلا يبطل اعتكافه، فإن لم يمكنه الغسل، فهو

(1) فتح العزيز 6: 498، المجموع 6: 517.
(2) فتح العزيز 6: 499، المجموع 6: 517.
(3) فتح العزيز 6: 492، الوجيز 1: 106، المجموع 6: 476.
(4) النساء: 43.

[ 268 ]

مضطر إلى الخروج، لأن أمكنه، عذر في الخروج أيضا، ولا يكلف الغسل في المسجد، لأن الخروج أولى، لما فيه من صيانة حرمة المسجد. واعلم أن الجنابة الطارئة إذا لم تقتض بطلان الاعتكاف، وبادر إلى الاغتسال، احتسب زمانها من الاعتكاف، كما في وقت الخروج لقضاء الحاجة، وإن أهمل، بطل الاعتكاف من حين الاهمال، وقبله يحسب من زمان الاعتكاف. وللشافعية في احتساب زمان الجنابة من الاعتكاف مطلقا وجهان (1). المطلب الرابع: في نذر الاعتكاف مسألة 192: قد بينا أن الاعتكاف عبادة مستحبة في أصلها غير واجبة وإنما يجب بالنذر أو شبهه، كاليمين والعهد، فإذا نذر الاعتكاف، وجب عليه. ثم إما أن يطلق أو يعين، والتعيين إما أن يحصل بوصف الفعل أو بخارج عنه، كالمكان أو الزمان. فإن أطلق، وجب عليه اعتكاف ثلاثة أيام، إذ لا يصح الاعتكاف أقل منها عند علمائنا أجمع، ويتخير في أي وقت شاء - مما يصح صومه - أوقعه فيه ويجب أن يكون صائما هذه الأيام الثلاثة، لأن الاعتكاف عندنا لا يصح إلا بالصوم، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا. ويتخير أيضا في أحد المساجد الأربعة أيها شاء اعتكف فيه. مسألة 193: قد بينا أن الصوم شرط في الاعتكاف، فلو نذر اعتكاف أيام لا يجب فيها الصوم، وجب صومها عندنا وإن لم ينذر الصوم.

(1) المجموع 6: 526، فتح العزيز 6: 500.

[ 269 ]

ولو نذر اعتكاف أيام يجب فيها الصوم، كرمضان والنذر المعين، أجزأ. ومن لم يشترط الصوم فيه من العامة إذا نذر الاعتكاف، لم يجب الصوم. ولو نذر أن يعتكف أياما هو فيها صائم، لزم الاعتكاف في أيام الصوم، ووجب عليه الصوم إجماعا، لأن الاعتكاف بالصوم أفضل من لم يكن مشروطا به، فإذا التزمهم بالشرط، لزم، كما لو التزم التتابع فيه، وليس له في هذه الصورة إفراد أحدهما عن الآخر إجماعا. ولو اعتكف في رمضان، أجزأه، لأنه لم يلتزم بهذا النذر صوما، وإنما نذر الاعتكاف على صفة وقد وجدت. ولو نذر أن يعتكف صائما أو يعتكف بصوم، لزمه الاعتكاف والصوم جميعا بهذا النذر، ولزمه الجمع بينهما عندنا. وللشافعية وجهان: أحدهما: أنه لا يجب الجمع، لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه ما إذا نذر أن يصلي صائما. وأصحهما - وهو قول الشافعي في الأم -: أنه يجب، لما تقدم من أن الاعتكاف بالصوم أفضل (1). ولو شرع في الاعتكاف صائما ثم أفطر، لزمه استئناف الصوم والاعتكاف عند الشافعية على الوجه الثاني، ويكفيه استئناف الصوم على الأول (2).

(1) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع وفتح العزيز 6: 485 - 486، حلية العلماء 3: 219 (2) المجموع وفتح العزيز 6: 486.

[ 270 ]

ولو نذر اعتكاف أيام وليال متتابعة صائما وجامع ليلا، ففيه للشافعية هذان الوجهان (1). ولو اعتكف عن نذره في رمضان، أجزأه عن الاعتكاف في الوجه الأول، وعليه الصوم، وعلى الثاني لا يجوز الاعتكاف أيضا (2). ولو نذر أن يصوم معتكفا، انعقد نذره عندنا، لأنها عبادة. منذورة فلزمته. وللشافعية طريقان، أظهرهما: طرد الوجهين. والثاني: القطع بأنه لا يجب الجمع. والفرق: أن الاعتكاف لا يصلح وصفا للصوم والصوم يصلح وصفا للاعتكاف، فإنه من مندوباته (3). ولو نذر أن يعتكف مصليا أو يصلي معتكفا، لزمه الصلاة والاعتكاف، ويلزمه الجمع عندنا. وللشافعية طريقان: أحدهما: طرد الوجهين في لزوم الجمع. وأصحهما عندهم: القطع بأنه لا يجب. والفرق: أن الصوم والاعتكاف متقاربان، فإن كل واحد منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف (4). ويخرج على هذين الطريقين: ما لو نذر أن يعتكف محرما، فإن لم نوجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة، فالقدر الذي يلزمه من الصلاة هو القدر الذي يلزمه لو أفرد الصلاة بالنذر، وإن أوجبنا الجمع، لزمه ذلك القدر في يوم

(1 و 2) المجموع وفتح العزير 6: 486.
(3) فتح العزيز 6: 486 - 487، المجموع 6: 486.
(4) المجموع 6: 486، الوجيز 1: 106، فتح العزيز 6: 487، حلية العلماء 3: 219.

[ 271 ]

اعتكافه، ولا يلزمه استيعاب اليوم بالصلاة (1). لأن كان نذر اعتكاف أيام مصليا، لزمه ذلك القدر كل يوم. وقال بعضهم: ظاهر اللفظ يقتضي الاستيعاب، فإنه جعل كونه مصليا صفة لاعتكافه (2). وهذا هو الوجه عندي، لأنا لو تركنا هذا الظاهر ولم نعتبر تكرير القدر الواجب من الصلاة في كل يوم وليلة، اكتفي به في جميع المدة (3). ولو نذر أن يصلي صلاة يقرأ فيها سورة كذا، لزم الجمع عندنا. وللشافعية قولان، أحدهما، أنه على الخلاف (4). مسألة 194: كما أنه ليس للعبد ولا للزوجة الابتداء بالاعتكاف المندوب إلا بإذن السيد والزوج، كذلك ليس لهما نذر الاعتكاف إلا بإذن المولى والزوج، فإن نذر أحدهما، لم ينعقد نذره. وهل يقع باطلا أو موقوفا على الإذن، إشكال، أقربه: الثاني. فإن أجازا نذرهما وأذنا في الشروع في الاعتكاف وكان الزمان معينا أو غير معين لكن شرطا التتابع، لم يجز لهما الرجوع، وإن لم يشترطا التتابع، فالأقرب أن لهما الرجوع، وهو أظهر وجهي الشافعية (5). ولو نذرا بالاذن، فإن تعلق بزمان معين، فلهما الشروع فيه بغير إذن، وإلا لم يشرعا فيه إلا بالاذن، وإذا شرعا بالاذن، لم يكن لهما المنع من

(1) فتح العزيز 6: 487 - 488.
(2) الرافعي في فتح العزيز 6: 488، وكما في المجموع 6: 487.
(3) ورد في هامش " ط، ن ": أي لو لم نعتبر التكرار في جميع أيام الاعتكاف ولياليه، لاكتفي منه بمرة واحدة في أول يوم منه. قلت: وأيضا كان يكتفى بادخال ماهية الصلاة في العمر مرة لو نذر اعتكاف عمره مصليا.
(4) فتح العزيز 6: 488، المجموع 6: 487.
(5) المهذب للشيرازي 1: 197، المجموع 6: 477، فتح العزيز 6: 493، حلية العلماء 3: 217.

[ 272 ]

الاتمام. وهو مبني على أن النذر المطلق إذا شرع فيه، لزم إتمامه. وفي إشكال. وللشافعية خلاف (1). مسألة 195: لو نذر الاعتكاف في المسجد الحرام، تعين بالنذر، سواء عقد عليهما في نذر واحد أو أطلق نذر الاعتكاف ثم نذر تعيين المطلق ولا خلاف في تعيين المسجد الحرام لو عينه بالنذر، لما فيه من زيادة الفضل على غيره، وتعلق النسك به. وإن عين مسجد النبي صلى الله عليه وآله، بالمدينة، أو المسجد الأقصى، تعين أيضا عندنا - وبه قال أحمد والشافعي في أحد قوليه (2) - لأنه نذر في طاعة، فينعقد ولا يجوز له حله. ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) (3) فأشبها المسجد الحرام. والثاني للشافعي: أنه لا يتعين بالنذر، لأنه لا يتعلق بهما نسك، فأشبها سائر المساجد (4). وليس بجيد، لأنه لا يلزم من انتفاء تعلق النسك بهما مساواتهما لغيرهما من المساجد.

(1) فتح العزيز 6: 493، المجموع 6: 478.
(2) المغني 3: 160 و 161، الشرح الكبير 3: 133 و 134، المهذب للشيرازي 1: 197، المجموع 6: 481 - 482، الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 504، حلية العلماء 3: 218 (3) صحيح البخاري 2: 76، صحيح مسلم 2: 1014 / 1397، سنن أبي داود 2: 216 / 2033، سنن النسائي 2: 38 - 39.
(4) المهذب للشيرازي 1: 197، المجموع 6: 481 - 482، الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 504، حلية العلماء 3: 218 المغني 3: 161، الشرح الكبير 3: 134.

[ 273 ]

ولو عين غير هذه المساجد بالنذر، تعين عندنا، لاشتماله على عبادة، فانعقد نذره، كغيره من العبادات. وقال أحمد: لا يتعين بالنذر غير هذه المساجد الثلاثة، لقوله عليه السلام: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) (1). ولو تعين غيرها بتعيينه، لزمه المضي إليه، واحتاج إلى شد الرحل لقضاء نذره فيه. ولأن الله تعالى، لم يعين لعبادته مكانا فلم يتعين بتعين غيره، وإنما تعينت هذه المساجد الثلاثة، للخبر الوارد فيها. ولأن العبادة فيها أفضل، فإذا عين ما فيه فضيلة، لزمه، كأنواع العبادة (2). وهو أحد قولي الشافعي (3) أيضا. وله قول آخر: إنه لا يتعين المسجد الأقصى ولأن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) (4) (5). وهذا يدل على التسوية فيما عدا هذين المسجدين، لأن المسجد الأقصى لو فضلت الصلاة فيه على غيره، للزم أحد أمرين: إما خروجه من عموم هذا الحديث، لاما كون فضيلته بألف مختصا بالمسجد الأقصى. وليس بلازم، فإنه إذا فضل الفاضل بألف فقد فضل المفضول بها أيضا. وقد بينا أن النذر عندنا يتعين به ما يعينه الناذر من المكان كالزمان، والتعيين وإن كان بالنذر لكن لما أوجب الله تعالى، الوفاء بالنذر، كان التعيين

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الصفحة السابقة الهامش (3). (2 و 3) المغني 3: 160 - 161، الشرح الكبير 3: 133 - 134.
(4) صحيح مسلم 2: 1012 / 1394، سنن ابن ماجه 1: 450 / 1404.
(5) المغني 3: 161، الشرح الكبير 3: 134.

[ 274 ]

مستندا إليه تعالى. مسألة 196: إذا نذر الاعتكاف في مسجد، تعين، وليس له العدول إلى مسجد أدون شرفا. وهل له العدول إلى مسجد أشرف؟ إشكال، أقربه: الجواز. فلو نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، لم يجز له أن يعتكف في غيره، لأنه أشرفها. ولو نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، لأنه أفضل منه، ولم يجز أن يعتكف في المسجد الأقصى، لأن مسجد النبي صلى الله عليه وآله، أفضل منه. وقال قوم: إن مسجد النبي صلى الله عليه وآله، أفضل من المسجد الحرام، لأن النبي صلى الله عليه وآله، إنما دفن في خير البقاع، وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة، فدل على أنها أفضل (1). والمشهور: أن المسجد الحرام أفضل، لقوله عليه السلام: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) (2). وفي خبر آخر أنه قال عليه السلام: (صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه) (3) فيدخل في عمومه مسجد النبي صلى الله عليه وآله، فتكون الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سوى مسجد النبي صلى الله عليه وآله. ولو نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى، جاز له أن يعتكف في المسجدين الآخرين، لأنهما أفضل منه. وقد روى العامة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، يوم الفتح

(1) كما في المغني 3: 161 - 162، والشرح الكبير 3: 134.
(2) صحيح مسلم 2: 1012 / 1394، سنن ابن ماجة 1: 450 / 1404.
(3) سنن ابن ماجة 1: 451 / 1406.

[ 275 ]

والنبي عليه السلام في مجلس قريبا من المقام، فسلم على النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: يا نبي الله إني نذرت لئن فتح الله للنبي والمؤمنين مكة لاصلين في بيت المقدس، وإني وجدت رجلا من أهل الشام هاهنا في قريش مقبلا معي ومدبرا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (هاهنا فصل) فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله: (هاهنا فصل) ثم قال الرابعة مقالته هذه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (اذهب فصل فيه، فو الذي بعث محمدا بالحق لو صليت هاهنا لقضي عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس) (1). مسألة 197: قد بينا أن الأقوى أن الاعتكاف إنما يجوز في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة، فلو نذر أن يعتكف في غير هذه الأربعة لم يجز. وعلى القول الآخر لعلمائنا بجواز الاعتكاف في غيرها لو نذر أن يعتكف في غيرها، انعقد نذره، وتعين ما عينه، وهو أحد قولي الشافعي (2). يكن له الخروج منه، ولا الانتقال إلى مسجد آخر، لكن لو كان ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة أو أقرب، كان له ذلك في أصح وجهي الشافعية (3). ولو أوجب على نفسه اعتكافا في مسجد فانهدم، اعتكف في موضع منه، فإن لم يتمكن، خرج، فإذا بني المسجد، رجع وبنى على اعتكافه. ومن لم يوجب التعيين بالنذر، له أن يخرج إلى أين شاء من المساجد ليعتكف فيه.

(1) مسند أحمد 5: 373.
(2) فتح العزيز 6: 504 - 505، المجموع 6: 481.
(3) فتح العزيز 6: 507، المجموع 6: 482.

[ 276 ]

مسألة 198: لو نذر أن يعتكف في زمان معين، تعين عليه حتى أنه لا يجوز له التقديم عليه ولا التأخير (1) عنه (2)، فإن أخر، كان قضاء، وهو أصح وجهي الشافعية (3) والثاني: لا يتعين الزمان بالتعيين، كما لا يتعين في نذر الصلاة والصدقة (4). والحكم في الأصل ممنوع. والوجهان عندهم جاريان فيما إذا عين الزمان للصوم (5). والحق عندنا أنه يتعين أيضا. مسألة 199: إذا نذر اعتكافا مطلقا، وجب عليه أن يعتكف ثلاثة أيام، لأن الاعتكاف لا يصح في أقل من ثلاثة، خلافا للشافعي، فإنه جوزه لحظة، ويبرأ بها من عهدة النذر عنده، لكن يستحب أن يعتكف يوما (6). وإن نذر الاعتكاف مدة من الزمان، فإما أن يطلق تلك المدة أو يعينها، فإن أطلق تلك المدة، فإما أن يشترط فيها التتابع، كان يقول: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام متتابعات، أو لا يشترطه. فإن شرطه، لزم، لأنه نذر في طاعة هي المسارعة إلى فعل الخير، كما لو شرط التتابع في الصوم. وإن لم يشترط التتابع، لم يلزمه إلا في ثلاثة ثلاثة، فإذا نذر اعتكاف شهر أو عشرة أيام، وجب عليه اعتكاف شهر بأن يعتكفه متتابعا أو متفرقا ثلاثة ثلاثة، ولا يجب عليه تتابع الشهر بأسره، كما في الصوم، لأنه معنى يصح

(1) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية: التأخر. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(2) كلمة " عنه " لم ترد في النسخ الخطية. (3 - 5) المجموع 6: 482، فتح العزيز 6: 507.
(6) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 490، فتح العزيز 6: 480 - 481

[ 277 ]

فيه التفريق، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر، كالصيام، وهو أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد (1). والثاني: أنه يلزمه التتابع - وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى - لأنه معنى يحصل في الليل والنهار، فإذا أطلقه، اقتضى التتابع، كما لو حلف: لا يكلم زيدا شهرا، وكمدة الايلاء والعدة (2). والوجه: الأول، لأصالة براءة الذمة. إذا عرفت هذا، فإن التتابع وإن لم يلزمه إلا في كل ثلاثة عندنا، ولا يلزمه مطلقا عند العامة، فإن الأفضل التتابع، ما فيه من المسابقة إلى فعل ما يوجب المغفرة. ولو لم يتلفظ بالتتابع في نذره، لكن نواه في ضميره، فإن قلنا: النذر ينعقد بالضمير، لزمه، وإلا فلا. ولو شرط في نذره التفريق، لم يلزمه، وخرج عن العهدة بالتتابع، لأن الأولى التتابع، فلا ينعقد نذر خلافه عندنا - وهو أصح وجهي الشافعية (3) - كما لو عين غير المسجد الحرام، يخرج عن العهدة بالاعتكاف في المسجد الحرام. مسألة 200، لو لم يقيد بالتتابع، جاز له التفريق عندنا ثلاثة ثلاثة. وهل يجوز التفريق يوما يوما، بأن يعتكف يوما عن نذره ثم يضم إليه يومين مندوبا، الأقرب: الجواز، كما لو نذر أن يعتكف يوما وسكت عن الزيادة وعدمها، فإنه يجب عليه الاتيان بذلك اليوم، ويضم إليه يومين

(1) فتح العزيز 6: 508، المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 493، حلية العلماء 3: 220 المغني 3: 157 - 158، الشرح الكبير 3: 138.
(2) المجموع 6: 494، فتح العزيز 6: 508، حلية العلماء 3: 320، بدائع الصنائع 2: 111، المبسوط للسرخسي 3: 119، بداية المجتهد 1: 317، المدونة الكبرى 1: 224، المغني 3: 158، الشرح الكبير 3: 138 (3) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 493، فتح العزيز 6: 508.

[ 278 ]

آخرين، فحينئذ إذا نذر أن يعتكف ثلاثة أيام، فاعتكف يوما عن النذر، وضم إليه آخرين لا عنه، بل تبرع بهما، ثم اعتكف يوما آخر عن النذر، وضم إليه آخرين ثم اعتكف ثالثا عن النذر وضم إليه آخرين، جاز، سواء تابع التسعة أو فرقها. ولو نذر اعتكاف يوم، لم يجز تفريق الساعات على الأيام، لأن الاعتكاف يجب فيه الصوم ولا يصح صوم الساعة بمفردها - وهو أصح وجهي الشافعية (1) - لأن المفهوم من لفظ " اليوم " المتصل. قال الخليل بن أحمد: إن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس (2). والثاني للشافعية: أنه يجوز التفريق، تنزيلا للساعات من اليوم منزلة الأيام من الشهر (3). ولو دخل المسجد في أثناء النهار، وخرج بعد الغروب ثم عاد قبل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت، فهو على هذين الوجهين (4). ولو لم يخرج بالليل فعند أكثر الشافعية أنه يجزئه، سواء جوزوا التفريق أو منعوه، لحصول التواصل بالبيتوتة في المسجد. وقال بعضهم: لا يجزئه، تفريعا على الوجه الأول، لأنه لم يأت بيوم متواصل الساعات، والليلة ليست من اليوم، فلا فرق بين أن يخرج فيها من المسجد أو لا يخرج (5).

(1) الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 508، المهذب للشيرازي 1: 198 المجموع 6: 494 (2) حكاه عنه النووي في المجموع 6: 494، وكما في فتح العزيز للرافعي 6: 508، وراجع: العين 8: 433.
(3) فتح العزيز 6: 508، المهذب للشيرازي 1: 198.
(4) فتح العزيز 6: 508، المجموع 1: 494.
(5) فتح العزيز 6: 508 - 509، المجموع 6: 494.

[ 279 ]

ولو قال في أثناء النهار: لله علي أن أعتكف يوما من هذا الوقت، لم يصح عندنا إذا لم يكن صائما من أوله، وإن كان فإشكال. وقالت الشافعية، إنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوقت إلى مثله من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل، ليتحقق التتابع. وقال بعضهم: إن الناذر التزم يوما والبعضان يوم (1)، والليلة المتخللة ليست من اليوم، فلا يمنع التتابع بينهما، كما أنه لا يمنع وصف اليومين الكاملين بالتتابع (2). ومن جوز تفريق الساعات من الشافعية في اليوم اكتفى بساعات أقصر الأيام، لأنه لو اعتكف أقصر الأيام، أجزأه. وكذا لو فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين (3). ولو اعتكف في أيام متباينة الطول والقصر، فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إليه إن كان ثلثا فقد خرج عن ثلث ما عليه، نظرا إلى اليوم الذي يوقع فيه الاعتكاف، ولهذا لو اعتكف بقدر ساعات أقصر الأيام من يوم طويل، لم يكفه. مسألة 201: إذا نذر أن يعتكف مدة معينة مقدرة، كما لو نذر أن يعتكف عشرة أيام من الآن، أو نذر أن يعتكف هذه العشرة أو هذا الشهر، وجب عليه الوفاء به. فإن أفسد آخره إما بأن خرج لغير عذر أو بسبب غير ذلك، فإما أن يقيد بالتتابع أو لا، فإن قيد نذره بالتتابع بأن قال: أعتكف هذه العشرة أو هذا الشهر متتابعا، وجب عليه الاستئناف، لأنه لم يأت بما نذره فيجب القضاء، ويكفر

(1) أي: بعض هذا اليوم وبعض تاليه يقومان مقام يوم واحد.
(2) فتح العزيز 6: 509، المجموع 6: 495.
(3) فتح العزيز 6: 510، المجموع 6: 495.

[ 280 ]

لمخالفته (1) النذر. ولو فاته الجميع لغير عذر، وجب عليه القضاء متتابعا - وهو أصح وجهي الشافعية (2) - لأنه صرح في نذره بالتتابع، فيكون مقصودا له بالذات. والثاني للشافعية: أنه لا يلزمه الاستئناف لو أفسد آخره، ولا تتابع القضاء لو أهمل الجميع، لأن التتابع واقع من ضروراته، فلا أثر للفظه وتصريحه (3). وهو ممنوع. وإن لم يقيد بالتتابع، لم يجب الاستئناف لو أفسد آخره ولا تتابع القضاء لو أهمله، بل يجب القضاء مطلقا، لأن التتابع فيه كان من حق الوقت وضروراته، لا أنه وقع مقصودا، فأشبه التتابع في صوم رمضان. مسألة 202: لو نذر اعتكاف شهر، لزمه شهر بالاهلة أو ثلاثون يوما. وهل يلزمه التتابع؟ الأقرب: العدم، بل له أن يفرقه ثلاثة ثلاثة، أو يوما ويضيف إليه آخرين مندوبين على الأشكال السابق. وقال الشافعي: لا يلزمه التتابع، لأنه معنى يصح فيه التفريق، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: يلزمه التتابع. وبه قال أبو حنيفة ومالك (4). فإن اعتكف شهرا بين هلالين، أجزأه لأن كان ناقصا. وإن اعتكف ثلاثين يوما من شهرين، جاز. ويدخل فيه الليالي، لأن الشهر عبارة عنهما، ولا يجزئه أقل من ذلك - وبه قال الشافعي (5) - إلا أن يقول: أيام شهر أو نهار هذا الشهر، فلا يلزمه

(1) في " ط، ن " لمخالفة. (2 و 3) الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 512، المجموع 6: 493.
(4) حلية العلماء 3: 220، المغني 3: 157 - 158، الشرح الكبير 3: 138، المدونة الكبرى 1: 234، بداية المجتهد 1: 317، بدائع الصنائع 2: 111.
(5) الوجيز 1: 107، فتح العزيز 6: 513، المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: =

[ 281 ]

الليالي. ولو قال: ليالي هذا الشهر، لم ينعقد عندنا، لأن من شرط الاعتكاف الصوم، والليل ليس محلا للصوم. ونقل الشافعي: ينعقد ويلزم الاعتكاف ليلا، ولا يلزمه الأيام (1). ولو نذر اعتكاف يوم، قال الشافعي: لا يلزم ضم الليلة إلا أن ينوي، فحينئذ يلزم، لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته (2). وللشافعي قول آخر: إنه تدخل الليلة إلا أن ينوي يوما بلا ليلة (3). ولو نذر اعتكاف يومين، وجب عليه ضم ثالث إليهما عندنا، وعند العامة لا يلزم. فعلى قولهم هل تلزمه الليلة بينهما؟ للشافعية ثلاثة أوجه: أحدها: لا تلزم إلا إذا نواها، لما سبق من أن اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. والثاني: تلزم إلا أن يريد بياض النهار، لأنها ليلة تتخلل نهار الاعتكاف، فأشبه ما لو نذر اعتكاف العشر. والثالث: إن نوى التتابع أو قيد به لفظا، لزمت ليحصل التواصل، وإلا فلا (4). ولو نذر اعتكاف ليلتين ففي النهار المتخلل بينهما هذا الخلاف. ولو نذر ثلاثة أيام أو عشرة أيام أو ثلاثين يوما، ففي لزوم الليالي المتخللة، الوجوه الثلاثة (5).

493. (1) فتح العزيز 6: 513، المجموع 6: 493، حلية العلماء 3: 218 (2 و 3) فتح العزيز 6: 514، المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 496.
(4) المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 496 - 497، فتح العزيز 6: 514.
(5) فتح العزيز 6: 515، المهذب للشيرازي 1: 198، المجموع 6: 497.

[ 282 ]

وقال بعض الشافعية: إن نذر اليومين لا يستتبع شيئا من الليالي، والخلاف في الثلاثة فصاعدا، لأن العرب إذا أطلقت اليومين عنت مجرد النهار، وإذا أطلقت الأيام عنت بلياليها (1). مسألة 203: لا خلاف بين الشافعية في أن الليالي لا تلزم بعدد الأيام، فإذا نذر يومين لم تلزم (2) ليلتان بحال، وبه قال مالك وأحمد (3) وقال أبو حنيفة: تلزم (1) ليلتان (2). ولو نذر اعتكاف يوم، لم يجز تفريقه، ويلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس. وقال مالك: يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم، كما لو نذر اعتكاف شهر، لأن الليل يتبع النهار بدليل ما لو كان متتابعا (6). والوجه: ما قلناه من أن الليلة ليست من اليوم، وهي من الشهر. ولو نذر اعتكاف ليلة، لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج منه بعد طلوع الفجر عند العامة (7). وليس له تفريق الاعتكاف عند أحمد (8) وقال الشافعي: له التفريق (9). مسألة 204: لو نذر العشر الأخير من بعض الشهور، دخل فيه الأيام ولليالي، وتكون الليالي هنا بعدد الأيام، كما في نذر الشهر، وقد تقدم.

(1) فتح العزيز 6: 515 - 516 (2) في " ط، ف، ن " لم تلزمه.
(3) المجموع 6: 497، فتح العزيز 6: 516، حلية العلماء 3: 221، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 139.
(4) في " ف، ن ": تلزمه.
(5) بدائع الصنائع 2: 110، المبسوط للسرخسي 3: 122 - 123، حلية العلماء 3: 221، المغني 3: 159، الشرح الكبير 3: 139.
(6) المغني 3: 159، الشرح الكبير 3: 140، بداية المجتهد 1: 314 - 315. (7 - 9) المغني 3: 159 - 160، الشرح الكبير 3: 140

[ 283 ]

ويخرج عن العهدة إذا استهل الهلال، كان الشهر كاملا أو ناقصا، لأن الاسم يقع على ما بين العشرين إلى آخر الشهر. ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام من آخر الشهر ودخل المسجد اليوم العشرين، أو قبيل الحادي والعشرين فنقص الشهر، لزمه قضاء يوم، لأنه حدد القصد إلى العشرة. تذنيب: إذا نذر أن يعتكف يوم قدوم زيد فيه، لم ينعقد، لأنه إن قدم ليلا، لم يلزمه شئ، وإن قدم نهارا، لم ينعقد، لمضي بعض اليوم غير صائم للاعتكاف. ومن لا شرط (1) الصوم أوجب عليه اعتكاف بقية النهار (2). وللشافعي في قضاء ما مضى من النهار قولان: أصحهما عندهم: العدم، لأن الوجوب ثبت من حين القدوم. والثاني: الوجوب، لأنا نتبين بقدومه أن ذلك يوم القدوم، فيجب أن يعتكف بقية اليوم، ويقضي بقدر ما مضى من يوم آخر (3). وقال بعضهم: يستأنف اعتكاف يوم ليكون اعتكافه موصولا (4). ولو كان الناذر وقت القدوم ممنوعا من الاعتكاف بمرض أو حبس، قضاه عند زوال العذر. وقال بعضهم: لا شئ عليه، لعجزه وقت الوجوب، كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه فحاضت فيه (5).

(1) أي: لم يشترط، والدليل عليه قوله تعالى: " فلا صدق ولا صلى " [ القيامة: 31 ]. والمعنى: لم يصدق ولم يصل.
(2) فتح العزيز 6: 517، المجموع 6: 540.
(3) فتح العزيز 6: 517 - 518، المجموع 6: 540 - 541.
(4) فتح العزيز 6: 518، المجموع 6: 541، مختصر المزني: 61.
(5) فتح العزيز 6: 518.

[ 284 ]

المطلب الخامس: في الرجوع عن الاعتكاف، وأحكام الخروج من المسجد مسألة 205: قد بينا أن الاعتكاف في أصله مندوب إليه غير واجب بدون النذر وشبهه، فإذا تبرع به كان ندبا إجماعا، فإذا شرع في الاعتكاف، فلعلمائنا في صيرورته واجبا حينئذ أقوال ثلاثة: أحدها: قال الشيخ - رحمه الله - في بعض مصنفاته: إنه يصير واجبا بالنية والدخول فيه (1) - وبه قال أبو الصلاح (2) من علمائنا، وهو قول مالك وأبي حنيفة (3) - لأن الأخبار دلت على وجوب الكفارة بإفساد الاعتكاف بجماع وغيره على الاطلاق، ولو لم ينقلب واجبا لم تجب الكفارة، وبالقياس على الحج والعمرة. والأخبار محمولة على الاعتكاف الواجب. وأيضا لا استبعاد في وجوب الكفارة في هتك الاعتكاف المستحب. والفرق: احتياج الحج والعمرة إلى إنفاق مال كثير ففي إبطالهما تضييع للمال وهو منهي عنه. الثاني: أنه إن اعتكف يومين وجب الثالث، وإن اعتكف أقل لم يجب الاكمال - وهو ظاهر كلام الشيخ في النهاية (4) ومذهب ابن الجنيد (5) وابن البراج (6) - لقول الباقر عليه السلام " إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن

(1) المبسوط للطوسي 1: 289.
(2) الكافي في الفقه: 186.
(3) المدونة الكبرى 1: 232، المنتقى - للباجي - 2: 84، بدائع الصنائع 2: 108، المغني والشرح الكبير 3: 123.
(4) النهاية: 171، وحكاه عنه في ظاهر النهاية أيضا المحقق في المعتبر: 324.
(5) حكاه عنه المحقق قي المعتبر: 324.
(6) المهذب لابن البراج 1: 204

[ 285 ]

يخرج ويفسخ اعتكافه، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام (1). وفي طريقها علي بن فضال، وفيه ضعف. الثالث: أن له إبطال مطلقا، وفسخه متى شاء، سواء في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث، اختاره السيد المرتضى (2) رض الله عنه، وابن إدريس (3)، وبه قال الشافعي وأحمد (4)، وهو الأقوى، لأصالة بقاء ما كان على ما كان، وبراءة الذمة. مسألة 206: لا يجب الاعتكاف بمجرد النية - وهو قول عامة أهل العلم - للأصل. وقال من لا يعتد به: إنه يجب الاعتكاف بمجرد العزم عليه، لأن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها فأمرت ببنائها (5) فضرب، وسألت حفصة أن تستأذن لها رسول الله صلى الله عليه وآله، ففعلت فأمرت ببنائها فضرب، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا صلى الصبح دخل معتكفه، فلما صلى الصبح انصرف فبصر بالأبنية، فقال: (ما هذا؟) فقالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(1) التهذيب 4: 289 - 290 / 879، الاستبصار 2: 129 / 421 (2) رواه عنه المحقق في المعتبر: 324.
(3) السرائر: 97.
(4) المجموع 6: 490، المغني والشرح الكبير 3: 123.
(5) البناء واحد الأبنية، وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها: الطراف والخباء والقبة والمضرب. النهاية - لابن الأثير - 1: 157 - 158.

[ 286 ]

(البر أردتن؟ ما أنا بمعتكف) فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (1). ولأنها عبادة تتعلق بالمسجد فلزمت بالدخول فيها، كالحج (2). والرواية تدل على النقيض، لأن تركه دليل على عدم الوجوب بالعزم. والفرق بينه وبين الحج قد سبق. مسألة 207: لو اعتكف ثلاثة أيام، كان بالخيار إن شاء زاد عليها وإن شاء لم يزد، وإن زاد يوما جاز له عدم الزيادة على الأربعة. فإن زاد على الثلاثة يومين، قال الشيخ رحمه الله: يجب الاكمال ستة (3)، فأوجب السادس - وبه قال ابن الجنيد (4) وأبو الصلاح (5) - لقول الباقر عليه السلام: " من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء ازداد أياما أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يستكمل ثلاثة أخر " (6). وفي طريقها علي بن فضال، والأصل براءة الذمة. مسألة 208: لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد الذي اعتكف فيه حالة اعتكافه إلا لضرورة بإجماع العلماء كافة، لما رواه العامة عن عائشة أنها قالت: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه (7). وعنها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان إذا اعتكف يدني إلي

(1) أوردها ابنا قدامة في المغني والشرح الكبير 3: 123، وفي صحيح مسلم 2: 731 / 1183، وسنن أبن ماجة 1: 563 / 1771، وسنن أبي داود 2. 331 - 332 / 2464 نحوها.
(2) المغني والشرح الكبير 3: 123 - 124 (3) النهاية: 171، المبسوط للطوسي 1: 290 (4) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 324 (5) الكافي في الفقه: 186، (6) التهذيب 4: 288 / 872 الاستبصار 2: 129 / 420.
(7) سنن أبي داود 2: 333 - 334 / 2473، سنن البيهقي 4: 320.

[ 287 ]

رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة " (2). ولأن الاعتكاف هو اللبث، فإذا خرج بطل الاسم. والممنوع إنما هو الخروج بجميع بدنه، فلو أخرج يده أو رأسه، لم يبطل اعتكافه، لما تقدم في رواية عائشة. ولو أخرج إحدى رجليه أو كلتيهما وهو قاعد ماد لهما، فكذلك، وإن اعتمد عليهما فهو خارج. والممنوع منه الخروج عن كل المسجد. فلو صعد على المنارة، فإن كانت في وسط المسجد أو بابها فيه أو في رحبته وهي تعد من المسجد، جاز سواء كان الصعود للاذان أو لغيره، كما يصعد على سطح المسجد ودخول بيت منه. لأن كان الباب خارج المسجد، لم يجز، لأنها لا تعد حينئذ من المسجد، ولا يصح الاعتكاف فيها. وهل للمؤذن صعودها للاذان؟ الأقرب: المنع - وهو أحد وجهي الشافعية (3) - لأنه لا ضرورة إليه، لامكان الأذان على سطح المسجد، فصار كما لو صعدها لغير الأذان، أو خرج لغير ضرورة، أو خرج إلى الأمير ليعلمه الصلاة. والثاني: الجواز، لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه. ولأنه قد اعتاد صعودها للاذان وقد استأنس الناس بصوته، فيعذر فيه.

(1) سنن أبي داود 2: 332 / 2467، سنن الترمذي 3: 167 / 804، سنن البيهقي 4: 315، مسند أحمد 6: 181.
(2) التهذيب 4: 293 / 891، الاستبصار 2: 128 / 416.
(3) فتح العزيز 6: 530.

[ 288 ]

وبجعل زمان الأذان مستثنى عن اعتكافه (1). مسألة 209: يجوز للمعتكف الخروج عن المسجد لقضاء الحاجة باجماع العلماء. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول (2). ولأن هذا مما لابد منه، ولا يمكن فعله في المسجد، فلو بطل الاعتكاف بخروجه إليه، لم يصح لأحد أن يعتكف. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يعتكف، ومن المعلوم أنه كان يخرج لقضاء الحاجة. ولما رواه العامة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله، كان إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه داود بن سرحان، قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت للصادق عليه السلام: إني أريد أن أعتكف فماذا أقول وماذا أفرض على نفسي؟ فقال: " لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك " (4). وفي معناه الخروج للاغتسال من الاحتلام. ولو كان إلى جانب المسجد سقاية خرج إليها ولا يجوز التجاوز، إلا أن يجد غضاضة بأن يكون من أهل الاحتشام (5)، فيحصل له مشقة بدخولها، فيجوز له العدول إلى منزله وإن كان أبعد.

(1) فتح العزيز 6: 530.
(2) المغني 3: 132، الشرح الكبير 3: 142.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادرها في الصفحة السابقة، الهامش (1).
(4) الكافي 4: 178 / 2، الفقيه 2: 122 / 528، التهذيب 4: 287 - 288 / 870.
(5) أي: الاستحياء. الصحاح 5: 1900.

[ 289 ]

ولو بذل له صديق منزله - وهو قريب من المسجد - لقضاء الحاجة، لم تلزمه الاجابة، لما فيه من المشقة بالاحتشام، بل يمضي إلى منزل نفسه، سواء كان منزله قريبا أو بعيدا بعدا متفاحشا أو غير متفاحش، إلا أن يخرج بالبعد عن مسمى الاعتكاف. ولو كان له منزلان أحدهما أقرب، تعين عليه القصد إليه، خلافا لبعض الشافعية حيث سوغ له المضي إلى الأبعد (1). ولو استلم، وجب عليه المبادرة بالخروج عن المسجد للغسل، لأن الاستيطان حرام. مسألة 210: يجوز للمعتكف الخروج لشراء المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به بالاجماع، لأن الحاجة تدعو إليه، والضرورة ثابتة فيه، فجاز كغيره من الضروريات. وهل يجوز الخروج للأكل خارج المسجد؟ إشكال، أقربه ذلك إن كان فيه غضاضة ويكون من أهل الاحتشام، وإلا فلا. وللشافعية وجهان: هذا أحدهما، لأنه قد يستحي منه ويشق عليه. والثاني: أنه لا يجوز - وهو قول الشافعي في الأم (2) - لأن الأكل في المسجد ممكن (3). ولو عطش ولم يجد الماء في المسجد، فهو معذور في الخروج. ولو وجده فالأقرب منعه من الخروج للشرب - وهو أصح وجهي الشافعية - لأن فعله في المسجد ممكن، ولا يستحي منه، ولا يعد تركه من المروة،

(1) المهذب للشيرازي 1: 199، فتح العزيز 6: 533، حلية العلماء 3: 222 (2) قال الشافعي في الأم 2: 105 وإن أكل المعتكف في بيته فلا شئ عليه. وكذلك حكاه عنه النووي في المجموع 6: 505 (3) المهذب للشيرازي 1: 199، المجموع 6: 505، فتح العزيز 6: 532 حلية العلماء 3: 222

[ 290 ]

بخلاف الأكل فيه (1). ولو فجأه القئ خرج من المسجد ليتقيأ خارجه صيانة للمسجد وأهله عن الاستقذار. وكل ما لابد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه، ولا يفسد اعتكافه، وهو على اعتكافه ما لم يطل المكث ويخرج به عن اسم المعتكف. مسألة 211: لو اعتكف في أحد المساجد الأربعة وأقيمت الجمعة في غيره لضرورة، أو اعتكف في غيرها عند من سوغه، خرج لأدائها، اعتكافه عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة وأحمد (2) - لأنه خرج لأداء واجب عليه، فلا يبطل به اعتكافه، كما لو خرج لأداء الشهادة، أو لانقاذ غريق، أو إطفاء حريق. وقال الشافعي: يجب أن يخرج لصلاة الجمعة. وفي بطلان اعتكافه قولان، أحدهما: لا يبطل، كما اخترناه. والثاني: أنه يبطل - وبه قال مالك (3) - لسهولة الاحتراز عن هذا الخروج بأن يعتكف في الجامع. وعلى هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع، ابتدأ من أول الأسبوع أين شاء من المساجد وفي الجامع متى شاء، لأن كان أكثر من أسبوع، فيجب أن يبتدئ به في الجامع حتى لا يحتاج إلى الخروج للجمعة. فإن كان قد عين غير الجامع وقلنا بالتعيين، فلا يخرج عن نذره إلا بأن

(1) فتح العزيز 6: 532، المجموع 6: 505، حلية العلماء 3: 223.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 132، بدائع الصنائع 2: 114، المغني 3: 132، الشرح الكبير 3: 143، حلية العلماء 3: 223.
(3) الكافي في فقه أهل المدينة: 131، حلية العلماء 3: 223، المجموع 6: 514، فتح العزيز 6: 540.

[ 291 ]

يمرض فتسقط عنه الجمعة، أو بأن يتركها عاصيا ويدوم على اعتكافه (1). وهذا يستلزم الجمع بين الضدين في الحكمين. واحتج على بطلان الاعتكاف: بأنه أمكنه أداء فرضه بحيث لا يخرج منه، فبطل بالخروج، كالمكفر إذا ابتدأ صوم شهرين متتابعين في شعبان أو ذي الحجة. وليس بجيد، لأنه إذا نذر أياما معينة فيها جمعة، فكأنه استثنى الجمعة بلفظه. ويبطل ما ذكره بما لو نذرت المرأة اعتكاف أيام متتابعة فيها عادة حيضها، مسألة 212: يجوز للمعتكف أن يخرج لعيادة المرضى وشهادة الجنائز عند علمائنا أجمع، سواء اشترط ذلك في اعتكافه أو لا - وبه قال علي عليه السلام، وسعيد بن جبير والنخعي، الحسن (2) - لما رواه العامة عن علي. عليه السلام، أنه قال: " إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة وليعد المريض وليحضر الجنازة وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم " (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " ولا يخرج في شئ إلا لجنازة أو يعود مريضا ولا يجلس حتى يرجع " (4). ولأنه مؤكد الاستحباب، والاعتكاف للعبادة، فلا يناسب منعها من مؤكداتها. وقال عطاء وعروة ومجاهد والزهري والشافعي ومالك وأصحاب الرأي:

(1) المجموع 6: 513 - 514، فتح العزيز 6: 540 (2) المغني 3: 136، الشرح الكبير 3: 148، المجموع 6: 512.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 87 - 88، وأوردها ابنا قدامة في المغني 3: 136، والشرح الكبير 3: 148.
(4) الكافي 4: 178 - 179 / 3، الفقيه 2: 122 / 529، التهذيب 4: 288 / 871.

[ 292 ]

ليس له الخروج في ذلك - وعن أحمد روايتان (1) - لما روته عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان (2). وعنها: أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه (3). ولأنه ليس بواجب، فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب لأجله (4). والحديث نقول بموجبه، ولا دلالة فيه على موضع النزاع. والحديث الثاني ليس مسندا إلى الرسول صلى الله عليه وآله، فلا يكون حجه. وكونه ليس بواجب لا يمنع الاعتكاف من فعله، كقضاء الحاجة. مسألة 213:. لو تعينت عليه صلاة الجنازة وأمكنه فعلها في المسجد، لم يجز له الخروج إليها، فإن لم يمكنه ذلك، فله الخروج إليها. لأن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله، جاز له الخروج لأجله، لأنه واجب متعين، فيقدم على الاعتكاف، كصلاة الجمعة. والشافعي لما منع من عيادة المريض وصلاة الجنازة قال: لو خرج لقضاء الحاجة فعاد في الطريق مريضا، فإن لم يقف ولا أزور (5) عن الطريق، بل اقتصر على السلام والسؤال، فلا بأس، لأن وقف وأطال، بطل اعتكافه، وإن لم يطل فوجهان، والأصح: أنه لا بأس به.

(1) المغني 3: 136، الشرح الكبير 3: 148.
(2) سنن أبي داود 2: 332 / 2467، سنن الترمذي 3: 167 / 804، سنن البيهقي 4: 315 (3) سنن أبي داود 2: 333 - 334 / 2473، سنن البيهقي 4: 321.
(4) المدونة الكبرى 1: 235، بدائع الصنائع 2: 114، المجموع 6: 512، المغني 3: 136، الشرح الكبير 3: 148 - 149.
(5) أزور: عدل وانحرف. لسان العرب 4: 335.

[ 293 ]

ولو أزور عن الطريق قليلا فعاده، فقد جعلوه على هذين الوجهين. والأصح عندهم: المنع لما فيه من إنشاء سير لغير قضاء حاجة. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله، كان لا يسأل عن المريض إلا مارا في اعتكافه ولا يعرج عليه) (2). ولو كان المريض في بيت الدار التي يدخلها لقضاء الحاجة، فالعدول لعيادته قليل، وإن كان في دار أخرى فكثير. ولو خرج لقضاء حاجة فعثر في الطريق على جنازة، فلا بأس إذا لم ينتظرها ولا يزور عن الطريق. وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز، لأن في صلاة الجنازة يفتقر إلى الوقفة (3). مسألة 214: يجوز الخروج للمعتكف لاقامة الشهادة عند الحاكم، سواء كان الاعتكاف واجبا أو ندبا، وسواء كان متتابعا أو غير متتابع، تعين عليه التحمل والأداء أو لم يتعين عليه أحدهما إذا دعي إليها، لأن إقامة الشهادة أمر واجب لابد منه، فصار ضرورة، كقضاء الحاجة، فلا يكون مبطلا، وإذا دعي إليها مع عدم التعيين، تجب الاجابة، فلا يمنع منه الاعتكاف. وقال الشافعي: إن تعين عليه التحمل والأداء، خرج، ولا يبطل اعتكافه المتتابع بخروجه، ويستأنف إذا عاد، وإن تعين عليه التحمل دون الأداء، فكما لو لم يتعين عليه، وإن كان بالعكس فقولان، لأنه خرج لغير حاجة، فأبطل التتابع (4). والمقدمة الأولى ممنوعة.

(1) لا يعرج عليه، أي: لم يقم ولم يحتبس النهاية - لابن الأثير - 3: 203.
(2) أوردها الرافعي في فتح العزيز 6: 533، سنن أبي داود 2: 333 / 2472، وسنن البيهقي 4: 321 بتفاوت في اللفظ.
(3) فتح العزيز 6: 533، المجموع 6: 511 - 512 (4) المجموع 6: 515، فتح العزيز 6: 538.

[ 294 ]

مسألة 215: يجوز للمعتكف أن يخرج في حاجة أخيه المؤمن، لأنه طاعة فلا يمنع الاعتكاف منه. ولما رواه الصدوق - رحمه الله - عن ميمون بن مهران، قال: كنت جالسا عند الحسن بن علي عليهما السلام، فأتاه رجل فقال له: يابن رسول الله إن فلانا له علي مال ويريد أن يحبسني، فقال: " والله ما عندي مال فاقضي عنك " قال: فكلمه فلبس عليه السلام نعله، فقلت له: يابن رسول الله أنسيت اعتكافك؟ فقال: " لم أنس ولكني سمعت أبي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله عزوجل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله " (1). مسألة 216: قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يخرج ليؤذن في منارة خارجة عن المسجد لأن كان بينه وبين المسجد فضاء (2)، ولا يكون مبطلا لاعتكافه، لأن هذه المنارة بنيت للمسجد وأذانه، فصارت كالمتصلة به. ولأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك بأن يكون مؤذن المسجد وقد عرف الجيران صوته ووثقوا بمعرفته بالأوقات، فجاز ذلك. وقال الشافعي: إن لم يكن بابها في المسجد ولا في رحبته المتصلة به ففي بطلان اعتكاف المؤذن الراتب بصعودها للاذان وجهان. ولو خرج إليها غير المؤذن الراتب للاذان، فإن أبطلنا اعتكاف الراتب فإبطال هذا أولى، وإلا فقولان مبنيان على أنها مبنية للمسجد، فتكون معدودة من توابعه، فلا يبطل اعتكافه، أو أن الراتب قد اعتاد صعودها للاذان، واستأنس الناس بصوته، فيبطل هذا (3)، لفقد هذا المعنى فيه (4).

(1) الفقيه 2: 123 - 124 / 538.
(2) الخلاف 2: 235، المسألة 106، والمبسوط للطوسي 1: 294.
(3) أي: اعتكاف المؤمن غير الراتب.
(4) المجموع 6: 506، فتح العزيز 6: 530 - 531.

[ 295 ]

قال الشيخ رحمه الله: لو خرج المؤذن إلى دار الوالي وقال: حي على الصلاة أيها الأمير، أو قال الصلاة أيها الأمير، بطل اعتكافه (1). وهو حسن، لأنه خرج من معتكفه لغير ضرورة. وللشافعي قول بالجواز، لأن بلالا جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله (2). ونمنع كون بلال قاله حال اعتكافه، أو أنه خرج من المسجد فجاز أن يكون وقف على بابه. سلمنا، لكن فعله ليس حجة. ويجوز للمعتكف الصعود على سطح المسجد، لأنه من جملته، وبه قال الفقهاء الأربعة (3). وكذا يجوز أن يبيت فيه. ولو كان إلى جنب المسجد رحبة وليست منه، لم يجز الخروج إليها إلا لضرورة، لأنها خارجة عن المسجد فكانت كغيرها، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: الجواز، لأنها تابعة له ومعه، فكانت بمنزلته (4) والمقدمتان ممنوعتان. ولا فرق بين أن يكون عليها حائط وباب أو لم مسألة 217: إذا خرج المعتكف لضرورة، حرم عليه المشي تحت الظلال والوقوف فيه - إلا لضرورة - إلى أن يعاد إلى المسجد. وكذا لا يقف تحت غير الظلال، لأنه مناف للاعتكاف الذي هو اللبث في المسجد خاصة، ولأن في المشي تحت الظلال نوع ترفه. قال الصادق عليه السلام: (ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى

(1) المبسوط للطوسي 1: 294.
(2) لم نعثر عليه في مظانه.
(3) المغني 3: 138، الشرح الكبير 3: 150 (4) المغني 3: 138 - 139، الشرح الكبير 3: 150

[ 296 ]

مجلسك) (1). وقال الصادق عليه السلام " لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها ثم لا يجلس حتى يرجع ولا يخرج في شئ إلا لجنازة أو يعود مريضا ولا يجلس حتى يرجع " (2). وبه قال الثوري (3). وحكى عنه الطحاوي في كتاب الاختلاف أن المعتكف لا يدخل تحت سقف إلا أن يكون ممره فيه، فإن دخل فسد اعتكافه (4). وباقي العامة يجيزون له الاستظلال بالسقف (5). و [ السيد المرتضى ] (6) رحمه الله، احتج عليهم: بإجماع الطائفة والاحتياط. مسألة 218: إذا خرج المعتكف لضرورة، لم يجز له أن يصلي إلا في المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة خاصة، فإنه يصلي في أي بيوتها شاء، لأنها حرم، فلها حرمة ليست لغيرها. ولقول الصادق عليه السلام: " المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها " ثم قال عليه السلام بعد كلام. " ولا يصلي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة " (7). وقال الصادق عليه السلام: " المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها

(1) الكافي 4: 178 / 2، الفقيه 2: 122 / 528، التهذيب 4: 287 - 288 / 870.
(2) الكافي 4: 178 - 179 / 3، الفقيه 2: 122 / 529، التهذيب 4: 288 / 871. (3 و 5) كما في الانتصار للسيد المرتضى: 74.
(6) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية: الشيخ، بدل السيد المرتضى. والظاهر كونه من سهو النساخ. وما أثبتناه هو الصحيح الموافق لمنتهى المطلب [ 2: 635) للمصنف، والانتصار [: 74 ] للسيد المرتضى، مضافا إلى عدم ورود أصل المسألة في الخلاف للشيخ الطوسي.
(7) التهذيب 4: 293 / 891، الاستبصار 2: 128 / 416.

[ 297 ]

شاء، والمعتكف في غيرها لا يصلي إلا في المسجد الذي سماه " (1). ولو اعتكف في غير مكة فخرج لضرورة فضاق وقت الصلاة عن عوده، صلى أين شاء، ولا يبطل اعتكافه، لأنه صار ضروريا، فيكون معذورا، كالمضي. إلى الجمعة مسألة 219: أوقات الخروج للضرورة لا يجب تداركها، ولا يخرج المعتكف فيها عن اعتكافه إذا لم يطل الزمان بل يكون الاعتكاف مستمرا في أوقات الخروج لقضاء الحاجة وشبهها، ولذا لو جامع في هذا الوقت، بطل اعتكافه. وهو أحد وجهي الشافعية (2). والثاني: أنه لا يستمر، بل يكون زمان الخروج لقضاء الحاجة كالمستثنى لفظا عن المدة المنذورة، لأنه لابد بد منه، فإن جعلناه كقضاء الحاجة، لم يحتج إلى تجديد النية، وإن جعلناه كالمستثنى، فلأن اشتراط التتابع في الابتداء رابطة لجميع ما سوى تلك الأوقات (3). وقال بعض الشافعية إن طال الزمان، ففي لزوم التجديد وجهان (4). والحق: أن مع طول الزمان بحيث يخرج عن الاسم يبطل الاعتكاف. وإذا خرج لقضاء الحاجة، لم يكلف الاسراع، بل يمشي على سجيته المعهودة، لأن عليه مشقة في إلزامه غير ذلك. وإذا خرج لقضاء الحاجة، لم يجزله أن يجامع في مروره بأن يكون في هودج، أو فرض ذلك في وقفة يسيرة، فإن فعل بطل الاعتكاف. وللشافعية في إبطال الاعتكاف وجهان: أصحهما: البطلان. أما على تقدير القول باستمرار الاعتكاف في أوقات الخروج لقضاء

(1) الفقيه 2: 121 / 523، التهذيب 4: 293 - 294 / 892، الاستبصار 2: 128 / 417. (2 و 3) فتح العزيز 6: 532، المجموع 6: 502 - 503.
(4) فتح العزيز 6: 532، المجموع 6: 503.

[ 298 ]

الحاجة: فظاهر، لأن الجماع يكون قد صادف الاعتكاف. وأما على تقدير القول بعدم استمراره: فلأن الجماع عظيم الوقع، فالاشتغال به أشد إعراضا عن العبادة. والثاني: أنه لا يبطل، لأنه غير معتكف في تلك الحالة ولم يصرف إليه زمانا (1) وإذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى، لم يلزمه نقل الوضوء إلى المسجد، بل يقع ذلك تابعا، بخلاف ما إذا احتاج إلى الوضوء بمعنى غير قضاء الحاجة، كما لو قام من النوم، فإنه لا يجوز له الخروج ليتوضأ في أظهر وجهي الشافعية إذا أمكن الوضوء في المسجد (2). وإذا منعنا من الأكل خارج المسجد أو مشى إلى منزله لقضاء الحاجة، جاز له أن يأكل لقمة أو لقمتين، وليس له أن يأكل جميع أكله، لأن القليل لا اعتداد به. مسألة 220: إذا حاضت المرأة أو نفست وهي معتكفة، لزمها الخروج من المسجد بلا خلاف، لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة وآكد منه وقد قال عليه السلام: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنبا) (3). وإذا خرجت لعذر الحيض، مضت إلى بيتها. وبه قال الشافعي ومالك وربيعة والزهري وعمرو بن دينار (4). أما خروجها من المسجد: فلما تقدم من الإجماع والحديث. وأما رجوعها إلى منزلها: فلأنه وجب عليها الخروج من المسجد وبطل

(1) فتح العزيز 6: 533 - 534، المجموع 6: 504.
(2) فتح العزيز 6: 534، المجموع 6: 503.
(3) سنن أبي داود 1: 60 / 232.
(4) المغني 3: 153، الشرح الكبير 3: 146، المجموع 6: 520، المنتقى - للباجي - 2: 85.

[ 299 ]

اعتكافها. ولقول الصادق عليه السلام: " إنها ترجع إلى بيتها " (1). وقال أحمد: إن لم يكن في المسجد رحبة، رجعت إلى منزلها، وإن كان له رحبة خارجه يمكن أن تضرب فيها خباءها، ضربت خباءها فيها مدة حيضها (2). وقال النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت، قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتا أو سقفا استأنفت (3). لأن عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حضن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بإخراجهن من المسجد وأن يضربن الاخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (4). ولا حجة فيه، لجواز أن يكون عليه السلام أمر بذلك ليعرف الناس أن رحبة المسجد ليست منه، أو لأن الاعتكاف قد كان واجبا عليهن وعلم عليه السلام من حالهن توهم سقوطه بخروجهن من المسجد. إذا عرفت هذا، فإن كان اعتكافها ثلاثة أيام لا غير، فإذا حاضت في أثنائه بطل، ولم يجز لها البناء على ما فعلته، لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام عندنا. ثم إن كان واجبا، وجب عليها بعد الطهر الاستئناف، وإلا فلا. وإن كان أكثر، فإن حاضت بعد الثلاثة، جاز لها البناء على ما فعلته بعد الطهر، لأنه عذرا كقضاء الحاجة. ولا يعد أيام الحيض من الاعتكاف إجماعا. ومن لا يشترط الصوم من

(1) الكافي 4: 179 / 2، الفقيه 2: 123 / 536.
(2) المغني 3: 153 الشرح الكبير 3: 146 (3) المغني 3: 153، الشرح الكبير 3: 146، المجموع 6: 520.
(4) أورده ابنا قدامة في المغني 3: 154، والشرح الكبير 3: 147

[ 300 ]

العامة يجوز البناء على ما تقدم مطلقا (1). إذا ثبت هذا، فالنفساء بحكم الحائض، لأن النفاس في الحقيقة حيض، وأما المستحاضة فإنها بمنزلة الطاهر يجوز لها الاعتكاف مع الأغسال. قالت عائشة: اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وآله، امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة، وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي (2). فإن لم يمكن صيانة المسجد عن التلوث، خرجت، لأنه عذر، فإن كان الزمان يسيرا جدا كقضاء الحاجة، بنت على ما فعلت وحسبت زمان الخروج من الاعتكاف، كزمان قضاء الحاجة. وقال الشافعي: إن كانت المدة المنذورة طويلة لا تخلو عن الحيض غالبا، لم ينقطع التتابع، بل تبني إذا طهرت، كما لو حاضت في صوم الشهرين عن الكفارة. وإن كانت بحيث تخلو عن الحيض، فقولان: أحدهما: أنه لا ينقطع به التتابع، لأن جنس الحيض متكرر بالجملة، فلا يؤثر في التتابع، كقضاء الحاجة. وأظهرهما: ينقطع، لأنها بسبيل أن تشرع كما لو طهرت (3). مسألة 221: إذا طلقت المعتكفة رجعيا، خرجت من اعتكافها إلى منزلها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد (4) - لقوله تعالى: " لا

(1) المغني 3: 125 و 153 و 154، الشرح الكبير 3: 125 و 146.
(2) صحيح البخاري 3: 64 - 65 سنن أبي داود 2: 334 / 2476.
(3) فتح العزيز 6: 534، المجموع 6: 519.
(4) فتح العزيز 6: 538 - 539، وقالا به في المتوفى عنها زوجها في المغني 3: 151، والشرح الكبير 3: 147

[ 301 ]

تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن " (1). ولأن الاعتداد في بيتها واجب فلزمها الخروج إليه، كالجمعة في حق الرجل. وقال ربيعة ومالك وابن المنذر: تمضى في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه، لأن الاعتكاف المنذور واجب، والاعتداد في بيت الزوج، واجب، وقد تعارضا، فيقدم الاسبق (2). وينتقض: بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات. أما استئناف الاعتكاف فإنه يصح على تقدير أن يكون الاعتكاف واجبا ولم يشترط الرجوع. مسألة 222: إذا مرض المعتكف مرضا يخاف منه تلويث المسجد، كإدرار البول وانطلاق البطن والجرح السائل، فإنه يخرج منه إجماعا صيانة المسجد عن النجاسة، وإذا برئ بنى على اعتكافه، ولا يبطل ما تقدم (لا أن يكون أقل من ثلاثة أيام عندنا. وينقطع به التتابع. والمشهور عن الشافعية أنه لا ينقطع التتابع، لاضطراره إليه، كالخروج للحيض (3). وللشافعي قول آخر: إنه ينقطع (4). فإن كان المرض خفيفا يمكنه معه المقام في المسجد، ولا يتضرر بالصوم، وجب عليه إكمال اعتكافه الواجب، ويستحب إتمام المندوب، فإن خرج فيهما، بطل اعتكافه، وذلك كوجع ضرس وصداع يسير وما أشبهه مما لا يوجب الإفطار.

(1) الطلاق: 1 (2) المدونة الكبرى 1: 231، المغني 3: 151، الشرح الكبير 3: 147 - 148، وفيهما قالوا به في المتوفى عنها زوجها. (3 و 4) فتح العزيز 6: 536، المجموع 6: 517.

[ 302 ]

وإن كان المرض ثقيلا يفتقر معه إلى الإفطار، ويحتاج إلى الفراش والطبيب والمعالجة، خرج إجماعا فإذا برئ أتم اعتكافه إن كان قد اعتكف أولا ثلاثة أيام فما زاد، وإلا وجب عليه الاستئناف. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه لا يقطع به التتابع، لدعاء الحاجة إليه، فصار كالخروج لقضاء الحاجة. والثاني: أنه ينقطع، لأن المرض لا يغلب عروضه، بخلاف قضاء الحاجة والحيض، فإنه يتكرر غالبا، فيجعل كالمستثنى لفظا (1). إذا عرفت هذا، فالاعتكاف إن كان مندوبا، خرج المريض إلى بيته، ولا يجب قضاؤه، وإن كان واجبا، فإن كان ثلاثة لا غير، استأنف الاعتكاف، لأن ما بقي أقل من ثلاثة وكذا ما مضى، فالماضي لا يجزئه عنه وكذا الباقي. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة، فإنه يأتي بيته ثم يعيد إذا برئ ويصوم " (2). وإن كان أكثر من ثلاثة، فإن كان قد حصل العارض بعد الثلاثة خرج، فإذا عاد بنى، فإن كان الباقي ثلاثة أيضا فما زاد، أتى به، وإن كان أقل، ضم إليه ما يكمله ثلاثة. وإن حصل العارض قبل انقضاء الثلاثة، فالأقرب الاستئناف. مسألة 223: إذا اعتكف في المسجد الحرام فأحرم بحج أو عمرة حالة اعتكافه، لزمه الاحرام، ويقيم في معتكفه إلى أن يتم ثم يمضي في إحرامه، لأنها عبادة تبطل بالخروج لغير ضرورة ولا ضرورة هنا. ولو خاف فوت الحج، ترك الاعتكاف، ومضى في الحج، فإذا فرغ

(1) فتح العزيز 6: 535 - 536، المهذب للشيرازي 1: 200، المجموع 6: 517.
(2) الكافي 4: 179 / 1، الفقيه 2: 122 / 530، التهذيب 4: 294 / 893.

[ 303 ]

استأنف واجبا إن كان الاعتكاف واجبا ولم تمض ثلاثة، وإلا ندبا، لأن الخروج حصل باختياره، لأنه كان يسعه أن يؤخر الاعتكاف. ولو نذر أن يعتكف في المسجد الحرام، فإن كان فيه، اعتكف، وإن كان بعيدا عنه، دخل إليه ولم يدخله إلا بنسك إما حج أو عمرة. ولو أغمي على المعتكف أياما ثم أفاق، قال المصنف رحمه الله: لم يلزمه قضاؤه، لعدم الدليل عليه (1). ولو وقعت فتنة خاف منها على نفسه أو ماله نهبا أو حريقا إن قعد في المسجد، فله ترك الاعتكاف، لأن الله تعالى أباح ترك الجمعة الواجبة، وطهارة الماء بذلك فأولى أن يباح لأجله ترك ما أوجبه على نفسه. وقد روي عن الصادق عليه السلام: " إن واقعة بدر كانت في شهر رمضان، فلم يعتكف رسول الله صلى الله عليه آله، فلما أن كان من قابل اعتكف عشرين يوما، عشرة لعامه وعشرة قضاء لما فاته " (2) وإذا جاز ترك الاعتكاف من أصله فكذا في أثنائه. مسألة 224: لو خرج المعتكف من المسجد سهوا، لم يبطل اعتكافه ولا تتابعه - وهو أحد قولي الشافعية (3) - لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (4). ولأنه فعل المنهي عنه ناسيا، فلا يقتضي فساد العبادة كالاكل في الصوم وغيره من المفطرات. والثاني للشافعية: أنه يبطل التتابع، لأن اللبث مأمور به، والنسيان

(1) المبسوط للطوسي 1: 295.
(2) الكافي 4: 175 / 2، الفقيه 2: 120 / 518 (3) المهذب للشيرازي 1: 200، المجموع 6: 521، الوجيز 1: 108، فتح العزيز 6: 536.
(4) كنز العمال 4: 233 / 10307 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير.

[ 304 ]

ليس بمعذر في ترك المأمورات (1). وهو ممنوع، وللحنابلة قولان (2) كهذين. مسألة 225: لو أكره على الخروج، فإن طال زمانه، بطل اعتكافه، لانتفاء المسمى، ولو لم يطل لم يبطل بل يبني مع العود، لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (3). وللشافعي قولان، أحدهما: بطلان الاعتكاف وانقطاع التتابع بالاكراه على الخروج. والثاني: عدم البطلان (4). ولو أخرجه السلطان، فإن كان ظلما، مثل أن يطالبه بما ليس عليه أو بما له عليه وهو معسر، لم يبطل اعتكافه إلا مع طول الزمان، لأن أخرجه بحق، مثل إقامة حد أو استيفاء دين يتمكن من أدائه، بطل اعتكافه واستأنف. وبه قال الشافعي في المال خاصة دون الحد، لأن التقصير منه في المال، وأحوج نفسه إلى الإخراج مع تمكنه من تركه، فكان كمن يخرج مختارا. أما في الحد: فلأنه مكره على الخروج إن ثبت بالبينة، وإن ثبت بإقراره انقطع تتابعه، ونص في الثابت بالبينة أنه لا ينقطع تتابعه (5). وفرق بينه وبين إقامة الشهادة: أن الشهادة إنما تتحمل لتؤدي، فاختياره للتحمل اختيار للأداء، والجريمة الموجبة للحد لا يرتكبها المجرم ليقام عليه

(1) المجموع 6: 521، الوجيز 1: 108، فتح العزيز 6: 536.
(2) المغني 3: 138، الشرح الكبير 3: 153.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصدره في الصفحة السابقة، الهامش (4).
(4) المهذب للشيرازي 1: 200، المجموع 6: 521، الوجيز 1: 108، فتح العزيز 6: 537، حلية العلماء 3: 225.
(5) المجموع 6: 522، فتح العزيز 6: 537 و 538.

[ 305 ]

الحد، فلم تحصل باختياره ولا اعتبار باختيار السبب (1). وينتقض: بأداء الشهادة إذا كان مختارا في تحملها، فإنه يبطل اعتكافه عنده لو خرج لأدائها مضطرا. ولو حمل فاخرج فكالمضطر. وقال الشافعي: لا يبطل، كما أنه لو وجد الصائم الطعام لا يبطل صومه (2). مسألة 226: الأعذار المبيحة للخروج إذا لم تقتض بطلان الاعتكاف لا يجب قضاه أوقاتها على الأقوى، لأنه كالمستثنى. وقال الشافعي: يجب قضاؤها إلا وقت قضاء الحاجة. وهل يجب تجديد النية عند العود، أما إذا خرج لقضاء الحاجة فلا، وكذا ما لابد منه، كالخروج للاغتسال والأذان إذا جوزنا الخروج إليه. أما ما منه بد فوجهان، أحدهما: أنه يجب لأنه خرج عن العبادة بما عرض. والأظهر: عدم الوجوب، لشمول النية جميع المدة (3). مسألة 227: يستحب للمعتكف أن يشترط على ربه في الاعتكاف أنه إن عرض له عارض أن يخرج من الاعتكاف، باجماع العلماء - إلا ما حكي عن مالك أنه قال: لا يصح الاشتراط (4) - لأنه عبادة في إنشائها الخيرة، فله اشتراط الرجوع مع العارض كالحج. ولأنه عبادة يجب بعقده، فكان الشرط إليه فيه كالوقف. ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا شرط الخروج، فكأنه نذر القدر الذي أقامه.

(1) فتح العزيز 6: 538.
(2) المهذب للشيرازي 1: 200، المجموع 6: 521، فتح العزيز 6: 537.
(3) المجموع 6: 502، فتح العزيز 6: 532 و 541 - 542.
(4) المدونة الكبرى 1: 228 و 229، المنتقى - للباجي - 2: 80 - 81، تفسير القرطبي 2: 335، المغني 3: 137، الشرح الكبير 3: 149، فتح العزيز 6: 520.

[ 306 ]

وقد قال الصادق عليه السلام: " واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط عند إحرامك (إن ذلك في) (1) اعتكافك عند عارض أن عرض لك من علة تنزل بك من أمر الله " (2). وقال الصادق عليه السلام: " وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يحرم " (3). واحتج مالك: بأنه شرط في العبادة ما ينافيها، فلا يصح، كما لو شرط الجماع أو الأكل في الصلاة (4). ونمنع شرط المنافي، بل هو بمنزلة من شرط الاعتكاف في زمان دون زمان، وهو صحيح، بخلاف أصله، لأنه شرط أن يأتي بمنهي عنه في العبادة فلم يجز. مسألة 228: قال الشيخ رحمه الله: إذا اشترط المعتكف على ربه أنه إن عرض له عارض رجع فيه، فله الرجوع أي وقت شاء ما لم يمض له يومان، فإن مضى له يومان، وجب الثالث، وإن لم يشترط، وجب عليه بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام، لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام (5). وقال في النهاية: متى شرط جاز له الرجوع فيه أي وقت شاء، لأن لم يشترط، لم يكن له الرجوع فيه إلا أن يكون أقل من يومين، فإن مضى عليه يومان، وجب عليه ثلاثة أيام (6)، لقول الباقر عليه السلام: " إذا اعتكف يوما

(1) بدل ما بين القوسين في الاستبصار: " أن يحلك من ".
(2) التهذيب 4: 289 / 878، الاستبصار 2: 129 / 419.
(3) الكافي 4: 177 / 2، الفقيه 2: 121 / 10، التهذيب 4: 289 / 876، الاستبصار 2: 128 - 129 / 418.
(4) انظر. المدونة الكبرى 1: 228، والمنتقى - للباجي - 2: 81.
(5) المبسوط للطوسي 1: 289.
(6) النهاية: 171.

[ 307 ]

ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه، لأن أقام يومين ولم يكن اشترط، فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام " (1). ويجئ على قول الشيخ - رحمه الله - تفصيل، وهو: أن الاعتكاف إن كان متبرعا به، جاز له أن يرجع متى شاء، سواء شرط أولا، لأنه عبادة مندوبة لا تجب بالدخول فيها، وإن كان منذورا فإما أن يعينه بزمان أولا، وعلى التقديرين فإما أن يشترط التتابع أو لا، وعلى التقادير الأربعة فإما أن يشترط على ربه الرجوع إن عرض له عارض أولا، فالأقسام ثمانية: أ - أن يعين زمانا ويشترط التتابع والرجوع مع العارض، فله الرجوع عند العارض، ولا يجب عليه إتمامه، عملا بالشرط، ولا قضاؤه، لأصالة البراءة السليمة عن المعارض. ب - عين النذر ولم يشترط التتابع، لكن شرط الرجوع ثم عرض العارض، فله الخروج، عملا بالشرط، ولا يجب عليه الاتمام ولا القضاء. ج - عين النذر وشرط التتابع ولم يشترط على ربه، فإنه يخرج مع العارض، ويقضي مع الزوال متتابعا. د - عين النذر ولم يشرط التتابع ولا شرط على. ربه ثم حصل العارض، فإنه يخرج ويقضي الفائت. س - لم يعين زمانا لكن شرط التتابع واشترط على ربه، فعند العارض يخرج ثم يأتي بما بقي عليه متتابعا عند زواله إن كان قد اعتكف ثلاثة، وإن كان أقل استأنف. و - لم يعيق واشترط التتابع ولم يشترط على ربه، فإنه يخرج مع العارض ثم يستأنف اعتكافا متتابعا، لأنه وجب عليه متتابعا، ولا يتعين بفعله إذا لم يعينه بنذره، فيجب عليه الاتيان به على وصفه الذي شرط في نذره. وفيه

(1) التهذيب 4: 289 - 290 / 879، الاستبصار 2: 129 / 421.

[ 308 ]

إشكال. ز - لم يعين واشترط على ربه ولم يشترط التتابع، فإنه يخرج مع العارض، ثم يستأنف إن كان قد اعتكف أقل من ثلاثة، وإلا بنى إن كان الواجب أزيد، وأتى بالباقي إن كان ثلاثة فما زاد، وإلا فثلاثة. ح - لم يعين ولم يشترط التتابع ولا شرط على ربه، فإنه يخرج مع العارض ويستأنف إن لم تحصل ثلاثة، وإلا أتم. مسألة 229: الاشتراط إنما يصح في عقد النذر، أما إذا أطلقه من الاشتراط، فلا يصح له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف، فإذا لم يشترط ثم عرض ما يمنع الصوم أو الكون في المسجد، فإنه يخرج ويقضي الاعتكاف إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا. وإنما يصح اشتراط الرجوع مع العارض، فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة والتنزه أو البيع والشراء للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد، لم يجز، لأنه مناف للاعتكاف. مسألة 230: قد بينا أنه يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة ولنفع المؤمن والصلاة على الجنازة وعيادة المريض وشراء مأكوله وملبوسه. وأكثر العامة منع من الخروج إلا لقضاء الحاجة ولما لا بد له منه، فإن خرج لما له منه بد، بطل اعتكافه وإن ما، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (1). وقال أبو يوسف، محمد: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم، لأن اليسير معفو عنه، كما لو تأنى في مشيه. ولأن صفية أتت النبي صلى الله عليه وآله، تزوره في معتكفه، فلما

(1) المغني 3: 135، الشرح الكبير 3: 153، حلية العلماء 3: 221، المبسوط للسرخسي 3: 118، بدائع الصنائع 2: 115.

[ 309 ]

قامت لتنقلب خرج معها ليقلبها (1) (2) (3). ويحتمل أن لا يكون له عليه السلام منه بد، لأنه كان ليلا فلم يأمن عليها. مسألة 231: منع العامة من الخروج لعيادة المريض وشهادة الجنازة إلا أن يشترط فعل ذلك في اعتكافه، فيكون له فعله، سواء كان الاعتكاف واجبا أو ندبا، وكذا ما كان قربة، كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم، أو كان مباحا مما يحتاج إليه، كالاكل في منزله والمبيت فيه، فله فعله (1). وفي المبيت إشكال. وقد أجاز اشتراط الأكل في منزله الحسن والعلاء بن زياد والنخعي وقتادة (2). ومنع منه مالك والأوزاعي (6). قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط (7). وليس بجيد، إذ لا يجب بعقده، فكان الشرط فيه إليه كالوقف. ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا شرط الخروج، فكأنه نذر القدر الذي أقامه. وإن قال: متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت، جاز شرطه. مسألة 232: إذا نذر اعتكافا بصفة التتابع، وشرط الخروج منه إن عرض عارض، صح شرطه على ما تقدم، لأن الاعتكاف إنما يلزم بالتزامه، فيجب بحسب الالتزام، وهر أظهر قولي الشافعي (8).

(1) أي: فلما قامت لترجع خرج معها ليصحبها. النهاية - لابن الأثير - 4: 96.
(2) صحيح البخاري 3: 64، سنن ابن ماجة 1: 566 / 1779، سنن البيهقي 4: 324 (3) المغني 3: 135، الشرح الكبير 3: 153، المبسوط للسرخسي 3: 118، بدائع الصنائع 2: 115، حلية العلماء 3: 222.
(4) المغني 3: 135 - 137، الشرح الكبير 3: 148 - 149. (5 - 7) المغني 3: 137، الشرح الكبير 3: 149.
(8) فتح العزيز 6: 520، المجموع 6: 537.

[ 310 ]

وله قول آخر: إنه لا يصح - كما هو مذهب مالك - لأنه شرط المنافي فيلغو، كما لو شرط أن يخرج للجماع (1). والمشهور عند الشافعية: الصحة (2)، وبه قال أبو حنيفة (3). وبالثاني قال مالك (4). وعن أحمد روايتان (5). فعلى القول بالصحة إن عين نوعا، مثل أن قال: لا أخرج إلا لعيادة المريض، أو عين ما هو أخص، فقال: لا أخرج إلا لعيادة زيد، خرج فيما عينه خاصة دون غيره وإن كان أهم منه عند الشافعي (6). وعندنا يجوز فيما عداه من القرب على ما سبق، إلا أن يطول الزمان. وإن أطلق وقال: لا أخرج إلا لشغل يعتري أو لعارض يعرض، كان له أن يخرج لكل شغل ديني، كحضور الجمعة وعيادة المرضى، أو دنيوي، كلقاء السلطان واقتضاء الغريم، ولا يبطل التتابع بشئ من ذلك عنده (7). وشرط في الشغل الدنيوي الاباحة. وللشافعية وجه آخر: أنه لا يشترط (8). ولا عبرة بالنزهة، لأنه لا يعد من الاشغال، ولا يعتنى به. ولو قال: إن عرض لي عارض قطعت الاعتكاف، فالحكم كما لو شرط، إلا أنه في شرط الخروج يلزمه العود عند قضاء الحاجة، وفيما إذا قصد القطع لا يلزمه ذلك. وكذا لو قال: على أن أعتكف رمضان إلا أن أمرض أو أسافر، فإذا مرض أو سافر فلا شئ عليه. ولو نذر صلاة وشرط الخروج إن عرض عارض، أو صوما وشرط الخروج إن جاع أو أضيف فيه، فلهم وجهان:

(1 - 5) فتح العزيز 6: 520، المجموع 6: 537. (6 - 8) فتح العزيز 6: 520 - 521، المجموع 6: 538.

[ 311 ]

أحدهما - وهو قول أكثر الشافعية - أنه يصح هذا الشرط، كما في الاعتكاف. والثاني: لا يصح ولا ينعقد النذر، بخلاف الاعتكاف، لأن ما يتقدم منه على الخروج عبادة، وبعض الصلاة والصوم ليس بعبادة (1). ولو فرض ذلك في الحج، انعقد النذر عندهم (2)، كما ينعقد الاحرام المشروط، ولكن في جواز الخروج للشافعي قولان (3). والصوم والصلاة أولى لجواز الخروج منهما عند أكثرهم، لأنهما لا يلزمان بالشروع، والالتزام مشروط، فإذا وجد العارض فلا يلزم، والحج يلزم بالشروع (4). ولو نذر التصدق بعشرة دراهم أو بهذه الدراهم إلا أن تعرض حاجة ونحوها، فلهم وجهان، والأظهر عندهم: صحة الشرط، فإذا احتاج فلا شئ عليه (5). ولو قال: في هذه القربات إلا أن يبدو لي، فوجهان: أحدهما: أنه يصح الشرط، فلا شئ عليه إذا بدا له، كشرط سائر العوارض. وأظهرهما عندهم: البطلان، لأنه تعليق للأمر بمجرد الخيرة، وذلك يناقض صيغة الالتزام (6). ثم هل يبطل النذر من أصله أو يصح ويلغو الشرط، للشافعية قولان (7). وإذا شرط الخروج لغرض وقالوا بصحته، فخرج لذلك الغرض، هل يجب تدارك الزمان المصروف إليه؟ ينظر إن نذر مدة غير معينة، كشهر مطلق أو عشرة مطلقة، فيجب التدارك ليتم المدة المنذورة، وتكون فائدة الشرط: تنزيل الغرض منزلة قضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به.

(1 - 4) فتح العزيز 6: 521 - 522، المجموع 6: 538 - 539 (5 - 7) فتح العزيز 6: 522 - 523، المجموع 6: 539 - 540

[ 312 ]

وإن عين المدة فنذر اعتكاف هذه العشرة أو شهر رمضان، لم يجب التدارك، لأنه لم ينذر إلا اعتكاف ما عدا ذلك الزمان من العشرة (1). مسألة 233: إذا نذر أن يعتكف شهرا بعينه، دخل المسجد قبل غروب الشمس، وخرج منه يوم الثلاثين بعد غروب الشمس - وبه قال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (2) - لأنه نذر الشهر، وأوله غروب الشمس، ولهذا تحل الديون المعلقة به، ويقع الطلاق والعتاق المعلقان به، ووجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر، فإنه لا يمكن إلا بذلك فيجب، كما يجب إمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم. وقال أحمد في الرواية الثانية: إنه يدخل قبل طلوع الفجر - وبه قال الليث وزفر - لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه (3). ولأن الله تعالى قال: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (4) ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر. ولأن الصوم شرط في الاعتكاف فلم يجز ابتداؤه قبل شرطه (5). ولا حجة في الخبر، لأنه يدخل في التطوع متى شاء. قال ابن عبد البر: لا أعلم أن أحدا من الفقهاء قال به (6). والصوم محله النهار، فلا يدخل فيه شئ من الليل في أثنائه ولا ابتدائه

(1) فتح العزيز 6: 524 - 525، المجموع 6: 540.
(2) المغني 3: 155، الشرح الكبير 3: 136.
(3) صحيح مسلم 2: 831 / 1173، سنن ابن ماجة 1: 563 / 1771، سنن الترمذي 3: 157 / 5791 سنن البيهقي 4: 315.
(4) البقرة: 185.
(5) المغني 3: 155، الشرح الكبير 3: 136.
(6) المغني 3: 156، الشرح الكبير 3: 137.

[ 313 ]

إلا ما حصل ضرورة، بخلاف الاعتكاف. ولو أحب اعتكاف العشر الأواخر تطوعا، ففيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يدخل فيه قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه، قال: (من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر). ولأن العشر بغير " هاء " عدد الليالي (1). وهو إحدى الروايتين عن أحمد (2). وفي الثانية: يدخل بعد صلاة الصبح - وبه قال الأوزاعي وإسحاق - لما روت عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله، كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه (3). واستحب أحمد لمن اعتكف العشر الأخير من رمضان أن يبيت ليلة العيد في معتكفه (4). ويستحب للمرأة إذا أرادت الاعتكاف أن تستتر بشئ، لأن أزواج النبي صلى الله عليه وآله، لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربن في المسجد (5). وإذا ضربت بناء، جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال، لئلا تقطع صفوفهم وتضيق عليهم. ولا بأس للرجل أن يستتر أيضا، فإن النبي صلى الله عليه وآله، أمر

(1) أي: إسقاط " الهاء في العشر دليل على إرادة الليالي. هامش " ن ".
(2) قوله: وهو إحدى الروايتين... يفيده قوله المتقدم عليه: ففيه روايتين عن أحمد، إحداهما لا (3 و 4) المغني 3: 156 - 157، الشرح الكبير 3: 137.
(5) سنن أبو داود 2: 331 - 332 / 2464.

[ 314 ]

ببنائه فضرب (1) ولأنه أستر له وأخلى (2) المطلب السادس: في الكفارة مسألة 234: إذا جامع المعتكف في حال اعتكافه ليلا أو نهارا، وجبت عليه الكفارة عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري والزهري وبعض الحنابلة وأحمد في إحدى الروايتين (3) - لأنه عبادة يفسدها الوطئ بعينه، فوجبت الكفارة بالوطئ فيها، كالحج وصوم رمضان. ولأنه زمان تعين للصوم، وتعلق الإثم بإفساده، فوجبت الكفارة فيه بالجماع كرمضان. ولأن سماعة سأل الصادق عليه السلام، عن معتكف واقع أهله، فقال: " هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان " (4). وسأله أبو ولاد الحناط عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت - حين بلغها قدومه - من المسجد إلى بيتها وتهيأت لزوجها حتى واقعها، فقال: " إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تمضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها كان عليها ما على المظاهر " (5). وقال أحمد في الرواية الأخرى: لا كفارة عليه - وهو قول عطاء والنخعي

(1) سنن أبي داود 2: 31 / 2464.
(2) أخلى: من الخلوة بالنفس عن الناس لأجل الاشتغال بالعبادة، لأن الاختلاط بهم يضاد التفرغ ويلهي عادة.
(3) المغني 3: 140 الشرح الكبير 3: 155، المجموع 6: 527، حلية العلماء 3: 225.
(4) الكافي 4: 179 / 2، الفقيه 2: 123 / 534، التهذيب 4: 291 / 886، الاستبصار 2: 130 / 423.
(5) الكافي 4: 177 / 1، الفقيه 2: 121 / 524، التهذيب 4: 289 / 877، الاستبصار 2: 130 / 422.

[ 315 ]

وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والأوزاعي - لأنها عبادة لا تجب بأصل الشرع، فلا تجب بإفسادها كفارة، كالنوافل. ولأنها عبادة لا يدخل المال في جبرانها، فلم تجب الكفارة بإفسادها، كالصلاة. ولأن الكفارة إنما تثبت بالشرع ولم يرد الشرع بإيجابها، فتبقى على الأصل (1). والفرق: أن النوافل لا يتعلق بإفسادها إثم فلا كفارة، لأن الكفارة تتبع الإثم. والقياس على الصلاة ممنوع، ومعارض بما قلناه، وبأنه في مقابلة النص. وقد بينا ورود الشرع بالوجوب، وهي الأخبار المروية عن أهل البيت عليهم السلام، وهم أعرف بالأحكام من غيرهم، فإن الوحي في بيتهم نزل. مسألة 235: كفارة الاعتكاف عند علمائنا هي كفارة رمضان: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا - وبه قال الحسن والزهري إلا أنهما قالا بالترتيب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (2) - لأنها كفارة في صوم واجب، فكانت مثل كفارة رمضان. ولما تقدم من الروايتين (3) عن الصادق عليه السلام. ولأن سماعة قال: سألت الصادق عليه السلام، عن معتكف واقع أهله، قال: " عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة

(1) المغني 3: 139 - 140، الشرح الكبير 3: 155 - 156، بداية المجتهد 1: 316 - 317.
(2) المغني 3: 141، الشرح الكبير 3: 156 (3) تقدمتا في المسألة السابقة (234).

[ 316 ]

أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " (1). وقال بعض الحنابلة: تجب كفارة يمين (2). والمشهور عن أحمد أنه قال: من أصاب في اعتكافه فهو كهيئة المظاهر، نقله عن الزهري. ثم قال: إذا كان نهارا، وجبت عليه الكفارة (3). مسألة 236: الذي عليه فتوى علمائنا أنها كفارة مخيرة مثل كفارة رمضان، لما تقدم من الروايات (4). وللأصل. وفي رواية عن الباقر عليه السلام، وأخرى عن الصادق عليه السلام أن " عليه ما على المظاهر " (5). وهي محمولة على المساواة في المقدار دون الترتيب، جمعا بين الروايات. مسألة 237: الجماع إن وقع في نهار رمضان، وجب عليه كفارتان: إحداهما عن الاعتكاف، والأخرى عن رمضان، وإن وقع ليلا، وجبت كفارة واحدة وإن كان في غير رمضان، وكذا إن وقع في نهار غير رمضان، لأن كل واحد من عبادتي الاعتكاف ورمضان يوجب الكفارة، والأصل عدم التداخل عند تغاير السبب. وقد سأل عبد الأعلى بن أعين، الصادق عليه السلام، عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: " عليه الكفارة " قال: قلت: فإن وطأها نهارا؟ قال: " عليه كفارتان " (6).

(1) التهذيب 4: 292 / 888، الاستبصار 2: 130 / 425.
(2) المغني 3: 141، الشرح الكبير 3: 157.
(3) المغني 3: 141، الشرح الكبير 3: 156.
(4) منها: رواية سماعة، وقد تقدمت في المسألة 235 (5) الكافي 4: 179 / 1، الفقيه 2: 122 / 532، التهذيب 4: 291 / 887، الاستبصار 2: 130 / 424، الجعفريات: 59.
(6) الفقيه 2: 122 - 123 / 533، التهذيب 4: 292 / 889.

[ 317 ]

والسيد المرتضى - رحمه الله - أطلق، فقال: المعتكف إذا جامع نهارا، كان عليه كفارتان، وإن جامع ليلا، كان عليه كفارة واحدة (1). والظاهر أن مراده رمضان. مسألة 238: لو كانت المرأة معتكفة ووطأها مختارة، وجب عليها مثل ما يجب على الرجل، فإن أكرهها، تضاعفت الكفارة عليه، فإن كان الاكراه في نهار رمضان، وجب عليه أربع كفارات، ولا يبطل اعتكافها ولا صومها للاكراه، لأن كان في ليل غير رمضان، كان عليه كفارتان لا غير، ولا يفسد اعتكافها أيضا، ومع المطاوعة يفسد اعتكافها كالرجل. وقال بعض (2) علمائنا: لا يجب تضاعف الكفارة بالاكراه، لأن الكفارة تتبع إفساد الاعتكاف وهو غير متحقق في طرف المرأة، لأن اعتكافها صحيح. ولا بأس به، مع أن رواية التضعيف (3) ضعيفة، لأن في طريقها المفضل ابن عمر، وفيه قول. مسألة 239: المباشرة دون الفرج إن كانت بغير شهوة، فلا بأس بها، مثل أن تغسل رأسه أو تفليه (5) أو تناوله شيئا، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله (5). وإن كانت عن شهوة، فهي محرمة، لقوله تعالى: " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " (6). ولأنه لا يامن من إفضائها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفض إلى الحرام

(1) الانتصار: 73.
(2) هو المحقق في المعتبر: 326.
(3) الكافي 4: 103 - 104 / 9، الفقيه 2: 73 / 313، التهذيب 4: 215 / 625.
(4) فلا رأسه، بفلوه ويفليه: بحثه عن القمل. لسان العرب 15: 162.
(5) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 208.
(6) البقرة: 187.

[ 318 ]

يكون حراما. فإن فعل ما ينزل، فسد اعتكافه، وإن لم ينزل، لم يفسد - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه (1) - لأنها مباشرة لا تفسد صوما ولا حجا فلم تفسد الاعتكاف، كالمباشرة بغير شهوة. والقول الثاني للشافعي إنها تفسد في الحالين - وبه قال مالك - لأنها مباشرة محرمة، فأفسدت الاعتكاف، كما لو أنزل (2). والفرق: أنها مع الإنزال تفسد الصوم. قال الشيخ رحمه الله: ويجب القضاء والكفارة بالجماع، وكذا كل مباشرة تؤدي إلى إنزال الماء عمدا (3). مسألة 240: إعلم أن الكفارة تجب بإفساد الاعتكاف الواجب بالاجماع إجماعا، وكذا بالانزال بالمباشرة وشبهها عند علمائنا وأكثر العامة (4). وهل تجب بالاكل والشرب، خلاف عند علمائنا، المشهور: أنها تجب. وقال بعض علمائنا: لا تجب (5)، للأصل، والنص إنما ورد في الجماع، ولا يجب سوى القضاء إن كان الصوم واجبا أو كان في ثالث

(1) المبسوط للسرخسي 3: 123، بدائع الصنائع 2: 116، المغني 3: 141 - 142، الشرح الكبير 3: 157، المهذب للشيرازي 1: 201، المجموع 6: 525 و 527، فتح العزيز 6: 482، حلية العلماء 3: 226.
(2) المهذب للشيرازي 1: 201، المجموع 6: 526 - 527، فتح العزيز 6: 482 حلية العلماء 3: 226، المنتقى - للباجي - 2: 85، مقدمات ابن رشد 1: 191، المغني 3: 139 142، الشرح الكبير 3: 157 (3) المبسوط للطوسي 1: 294.
(4) انظر: المغني 3: 139 والشرح الكبير 3: 155، والمجموع 6: 527، وبداية المجتهد 1: 316.
(5) هو المحقق في المعتبر: 326، وراجع: شرائع الإسلام 1: 220.

[ 319 ]

المندوب، وإلا لم يجب القضاء أيضا. قال المفيد رحمه الله، والسيد المرتضى رضي الله عنه: تجب الكفارة بكل مفطر في شهر رمضان (1). وقال بعض (2) علمائنا: إن كان الاعتكاف في نهار شهر رمضان، وجبت الكفارة بكل مفطر، وكذا إن كان منذورا معينا، لأنه بحكم رمضان، ولو كان الاعتكاف فندبا أو واجبا غير معين بزمان، لم تجب الكفارة إلا بالجماع خاصة. مسألة 241: لو مات المعتكف قبل انقضاء مدة اعتكافه، قال الشيخ رحمه الله: في أصحابنا من قال: يقضي عنه وليه أو يخرج من ماله من ينوب عنه، لعموم ما روي أن من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه القضاء عنه أو الصدقة (3). والأقرب أن يقال: إن كان واجبا فكذلك على إشكال، وإن كان ندبا قال الشيخ رحمه الله: قضاء الاعتكاف الفائت ينبغي أن يكون على الفور (4). فإن قصد الوجوب فهو ممنوع، لأصالة البراءة، وإن أراد الاستحباب فهو جيد، لما فيه من المسارعة إلى فعل الطاعة وإخلاء الذمة عن الواجب. ثم قال رحمه الله: إذا أغمي على المعتكف أياما ثم أفاق، لم يلزمه

(1) حكاه عنهما، المحقق في المعتبر: 325، وراجع: المقنعة: 58، وجمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 61.
(2) هو المحقق في المعتبر: 326.
(3) المبسوط للطوسي 1: 293 - 294. (4) المبسوط للطوسي 1: 294.

[ 320 ]

قضاؤه، لأنه لا دليل عليه (1). والوجه: الوجوب إن كان واجبا غير معين، وإن كان معينا وأغمي عليه في تلك الأيام، فالأولى السقوط، لأصالة البراءة. ثم قال رحمه الله: متى كان خروجه من الاعتكاف بعد الفجر، كان دخوله في قضائه قبل الفجر، ويصوم يومه، ولا يعيد الاعتكاف ليله، وإن كان خروجه ليلا، كان قضاؤه من مثل ذلك الوقت إلى آخر مدة الاعتكاف المضروبة، فإن كان خرج وقته من مدة الاعتكاف بما فسخه به ثم عاد إليه وقد بقيت مدة من التي عقدها، تقم باقي المدة وزاد في آخرها مقدار ما فاته من الوقت (2). مسألة 242: قد بينا أن الاعتكاف في أصله مندوب، ولا يجب بالدخول فيه، ولا بمضي يومين على أقوى القولين، فينوي الندب إن لم ينذره. وعند الشيخ - رحمه الله - ينوي الندب في اليومين الأولين، وفي الثالث ينوي الوجوب (3). وعلى قوله الآخر من أنه يجب بالدخول فيه (4) ينوي الوجوب في اليوم الثاني والثالث. وإذا وجب عليه قضاء يوم من اعتكاف، اعتكف ثلاثة ليصح ذلك اليوم، وينوي الوجوب في الجميع، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكذا لو نذر أن يعتكف أول الشهر، أو قال: قدوم زيد، وجب أن يضم إليه آخرين، وينوي الوجوب في الجميع.

(1 و 2) المبسوط للطوسي 1: 294.
(3) النهاية: 171.
(4) المبسوط للطوسي 1: 289.

[ 321 ]

ولو نذر أن يعتكف يوما لا أزيد، أو نذر أن يعتكف يوم قدوم زيد، لم ينعقد نذره. ولو نذر أن يعتكف ثلاثة أيام دون لياليها، قيل: يصح (1). وقيل: لا، لأنه بخروجه عن الاعتكاف يبطل اعتكافه (2). وهو المعتمد. وإذا اعتكف العبد بإذن مولاه ندبا، لم يجب بالدخول فيه، فإذا أعتق، لم يصر واجبا ولا اليوم الثالث على الأقوى. ويجئ على قول الشيخ: الوجوب وإن لم يعتق. ولو نذر اعتكاف شهر بعينه ولم يعلم به حتى خرج، كالمحبوس والناسي، قضاه. وإذا اعتكف ثلاثة متفرقة، قيل: يصح، لأن التتابع لا يجب إلا بالاشتراط (3). وقيل: لا يصح، لأن شرط الاعتكاف التتابع (4). وهو الحق. تتم الجزء الرابع (5) من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنه، في رابع عشر المحرم سنة ست عشرة وسبعمائة. فرغت من تصنيفه وتصفيفه في هذا التاريخ، ويتلوه في الجزء الخامس (6) كتاب الحج. وكتب حسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي مصنف الكتاب بالحلة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين. (1 و 2) كما في شرائع الإسلام 1: 216 (3 و 4) كما في شرائع الإسلام 1: 220.
(5) حسب تجزئة المصنف.
(6) وحسب تجزئتنا المجلد السابع.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية