الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 5

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 5


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف المطهر المتوفى سنة 726 ه‍ الجزء الخامس تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP العلامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر 4 ت 8 ع / 1372 تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث 1414 ق = 1372 20 ج، نموذخ. المصادر بالهوامش. 1 - الفقه الجعفري - القرن 8. ألف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث ب: العنوان. شابك 7 - 33 - 503 5 - 964 احتمالا 20 جزءا. 20 7 ISBN 469 - 3055 - 33 - VOLS شابك. - 45 - 5503 - 964 ج 5 5. 0 ISBN 469 - 3055 - 54 - VOL الكتاب: تذكرة الفقهاء / ج 5 المؤلف: العلامة الحلي تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث - قم التصوير الفني (الزيگنغرات): ليتوگرافى حميد - قم الطبعة: الأولى - شعبان 1414 ه‍ المطبعة: ستاره - قم الكمية: 3000 نسخه السعر: 3500 ريال

[ 3 ]

جميع الحقوق محفوظه لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دور شهر - خيابان شهيد فاطمي - كوجه 9 بلاك 5 ص. ب 996 / 37185 / هاتف 23435 و 37371

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

كتاب الزكاة وفية أبواب الباب الأول: في زكاة المال وفيه مقاصد: المقصد الأول: في الشرائط.

[ 7 ]

مقدمة الزكاة لغة: النمو والطهارة، وشرعا: الحق الواجب في المال الذي يعتبر فيه النصاب، وسمي زكاة لازدياد الثواب وإثمار المال وطهارته من حق المساكين. ووجوبها معلوم من الكتاب والسنة والاجماع. قال الله تعالى:! وآتوا الزكوة " (1). ولما بعث النبي صلى الله عليه وآله معاذا إلى اليمن، فقال: (أعلمهم من الله إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (2). وأجمع المسلمون كافة على وجوبها في جميع الأعصار، وهي أحد أركان الاسلام الخمسة. إذا عرفت هذا، فمن أنكر وجوبها ممن ولد على الفطرة، ونشا بين المسلمين فهو مرتد يقتل من غير أن يستتاب. وإن لم يكن عن فطرة، بل أسلم عقيب كفر استتيب - مع علم وجوبها -

(1) البقرة: 43 (2) صحيح البخاري 2: 130، صحيح مسلم 1: 50 / 19، سنن أبي داود 2: 104 - 105 / 1584، سنن الترمذي 3: 21 / 625، سنن النسائي 5: 3 - 4، وسنن البيهقي 4: 96

[ 8 ]

ثلاثا، فإن تاب وإلا فهو مرتد وجب قتله. وإن كان ممن يخفى وجوبها عليه، لأنه نشأ بالبادية، أو كان قريب العهد بالاسلام عرف وجوبها ولم يحكم بكفره. مسألة 1: ولو اعتقد وجوبها، ومنعها فهو فاسق يضيق الإمام عليه ويقاتله حتى يدفعها، لأنه حق واجب عليه، فإن أخفى ماله حبسه حتى يظهره، فإذا ظهر عليه أخذ منه قدر الزكاة لا أزيد عند علمائنا أجمع، بل يعزره - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد (1) - لقوله عليه السلام: (ليس في المال حق سوى الزكاة) (2). ولأن منع العبادة لا يوجب عليه مالا كسائر العبادات والكفارات. وقال الشافعي - في القديم - وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذ مع الزكاة شطر ماله (3)، لقوله عليه السلام: (ومن منعها فأنا آخذها وشطر ما له عزمة من عزمات ربنا ليس لال محمد فيها شئ) (4). ولو سلم، فإنه منسوخ فإن العقوبات في ابتداء الاسلام كانت في المال ثم نسخ. مسألة 2: ولا يحكم بكفر المانع مع اعتقاد وجوبها عند علمائنا، وبه قال عامة أهل العلم (5).

(1) المجموع 5: 336 - 337، المغني 2: 434، الشرح الكبير 2: 668، حلية العلماء 3: 11، الشرح الصغير 1: 236، فتح العزيز 5: 314، المنتقى - للباجي - 2: 94.
(2) سنن ابن ماجة 1: 570 / 1789، سنن البيهقي 4: 84.
(3) المهذب للشيرازي: 148، المجموع 5: 334 و 337، حلية العلماء 3: 12، المغني 2: 434، الشرح الكبير 2: 668.
(4) سنن أبي داود 2: 101 / 1575، سنن النسائي 5: 16 - 17 و 25، سنن البيهقي 4: 105، مسند أحمد 5: 2 و 4، المستدرك للحاكم 1: 398.
(5) المغني 2: 434 و 435، الشرح الكبير 2: 668 و 669، المجموع 5: 334.

[ 9 ]

وقال أحمد في رواية: إنه يكفر لقتاله عليها (1). وهو لا يدل على الكفر بل على ارتكاب المحرم، ولأن الزكاة من فروع الدين فلا يكفر تاركها كالحج. وقال عبد الله بن مسعود: ما تارك الزكاة مسلم (2). وهو محمول على الترك مستحلا. وعليه يحمل قول الصادق عليه السلام: " من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله عزوجل: { قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت } (3) " (4) وفي رواية أخرى: " لا تقبل له صلاة " (5). مسألة 3: ومنعها مع المكنة واعتقاد التحريم يشتمل على إثم كبير، ولا تقبل صلاته في أول الوقت. قال الباقر عليه السلام: " بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون " (6). وقال الصادق عليه السلام: " ما من رجل منع درهما في حقه إلا أنفق اثنين في غير حقه، وما من رجل يمنع حقا في ماله إلا طوقه الله عزوجل حية من نار يوم القيامة " (، 1).

(1 و 2) المغني 2: 435، الشرح الكبير 2: 669.
(3) المؤمنون: 99 و 100.
(4) التهذيب 4: 111 / 325، الكافي 3: 503 / 3، الفقيه 2: 7 / 18، المقنعة: 43.
(5) التهذيب 4: 111 / 326، الكافي 3: 503 ذيل الحديث 3، الفقيه 2: 7 / 19، المقنعة: 43.
(6) التهذيب 4: 111 / 327، الكافي 3: 553 / 2، والفقيه 2: 7 / 5 2.
(7) التهذيب 4: 112 / 328، الكافي 3: 504 / 7، الفقيه 2: 6 / 15، المقنعة: 43.

[ 10 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما حبس عبد زكاة فزادت في ماله) (1). وقال الصادق عليه السلام: " صلاة مكتوبة خير من عشرين حجة، وحجة خير من بيت مملوء ذهبا ينفقه في بر حتى ينفد - ثم قال - ولا أفلح من ضيع عشرين بيتا من ذهب بخمسة وعشرين درهما " فقيل له: وما معنى خمسة وعشرين؟ قال: " من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي " (2). وقال عليه السلام: " ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بتضييع الزكاة، ولا يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه " (3). وقال الباقر عليه السلام: " ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب، وهو قول الله عزوجل: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة) يعني ما بخلوا به من الزكاة " (5). وقال الصادق عليه السلام: " ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، وسلط عليه شجاعا أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقا في عنقه، وذلك قول الله عزوجل: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة) وما من ذي مال إبل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر يطأه كل ذات ظلف بظلفها، وينهشه كل ذات ناب بنابها، وما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاة ماله إلا طوقه الله عزوجل ريعة أرضه

(1) التهذيب 4: 112 / 329، الكافي 3: 506 / 25.
(2) الكافي 3: 554 / 12، الفقيه 2: 7 / 22، التهذيب 4: 112 / 330.
(3) الكافي 3: 505 / 15، الفقيه 2: 7 / 23.
(4) آل عمران: 180.
(5) الكافي 3: 502 / 1، الفقيه 2: 6 / 14، ثواب الأعمال: 278 / 1.

[ 11 ]

إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة " (1). مسألة 4: ليس في المال حق واجب سوى الزكاة والخمس، وهو قول أكثر العلماء (2) لقوله عليه السلام: (ليس في المال، حق سوى الزكاة) (3). وقال الشعبي ومجاهد: يجب عليه يوم يحصد السنبل أن يلقي لهم شيئا منه وكذا إذا صرم النخل طرح لهم شيئا من الشماريخ (4). ويخرج الزكاة عند الكمال، لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) (5) والزكاة لا تخرج يوم الحصاد، وهي متأولة بالزكاة. والمراد إيجاب الحق يوم الحصاد، أو أنه محمول على الاستحباب، فقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام استحباب إعطاء الحفنة - والحفنتين، والعذق والعذقين يوم الحصاد والجذاذ (6)، لهذه الآية. والشيخ - رحمه الله - أوجب ذلك أيضا في الخلاف، واستدل بالاجماع من الفرقة والآية - ونمنع الاجماع - ونقله الشيخ عن الشافعي (7) أيضا. وإذ قد تمهدت هذه المقدمة، فنقول: الشروط إما عامة أو خاصة، أما العامة فأربعة: البلوغ والعقل والحرية والملك التام. مسألة 5: البلوغ شرط في وجوب الزكاة، فلا تجب في مال الطفل مطلقا، وبه قال ابن شبرمة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد

(1) الكافي 3: 505 - 506 / 19، الفقيه 2: 5 / 10، معاني الأخبار: 335 / 1، ثواب الأعمال: 279 / 3، المحاسن: 87 / 6 2.
(2) المجموع 5: 593، المغني 2: 552.
(3) سن ابن ماجة 1: 570 / 1789، سنن البيهقي 4: 84.
(4) المجموع 5: 593 - 594، حلية العلماء 3: 12، المغني 2: 552.
(5) الأنعام: 141.
(6) الكافي 3: 565 / 2 و 3، التهذيب 106. 4 / 303 و 304.
(7) الخلاف 2: 5، المسألة 1.

[ 12 ]

ابن جبير، وأبو وائل، والنخعي، وأصحاب الرأي (1). لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق...) (2). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام وقد ساله محمد بن مسلم عن مال اليتيم: " ليس فيه زكاة " (3). وعن الباقر عليه السلام: " ليس في مال اليتيم زكاة " (4). وعن الصادق عليه السلام: " كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم ليس عليه زكاة " (5) ولأن شرط التكليف البلوغ وهو منفي فينتفي المشروط، ولأنها عبادة محضة فلا تجب عليه كالصوم والحج. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: تجب في مال الطفل. وأطلقوا. ورووه عن علي عليه السلام، وعن الحسن بن علي عليهما السلام، وعن عمر، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، والحسن بن صالح بن حي، وابن أبي ليلى، وابن عيينة، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور (6).

(1) المغني 2: 488، الشرح الكبير 2: 670، المجموع 5: 331، الميزان - للشعراني - 2: 3، فتح العزيز 5: 517، حلية العلماء 3: 10، المبسوط للسرخسي 2: 162، اللباب 1: 137.
(2) مسند أحمد 6: 100 - 101، الخصال 1: 94 / 40، عوالي اللئالي 1: 209 / 48. (3) التهذب 4: 26 / 61. (،) التهذيب 4: 26 / 62.
(5) التهذيب 4: 27 / 63.
(6) الأم 2: 28، المجموع 5: 329 و 331، حلية العلماء 3: 9، الميزان للشعراني 2: 3، المدونة الكبرى 1: 249، الكافي في فقه أهل المدينة: 88، بداية المجتهد 1: 245، بلغة السالك 1: 206، المبسوط للسرخسي 2: 162، عمدة القاري 8: 237، المغني 2: 488، الشرح الكبير 2: 670.

[ 13 ]

وحكي عن ابن مسعود، والثوري، والأوزاعي أنها تجب ولا تخرج حتى يبلغ (1). وقال ابن مسعود: أحص ما يجب في مال اليتيم من الزكاة، فإذا بلغ أعلمه، فإذا شاء زكى وإن شاء لم يزك (2). احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وآله: " من ولى يتيما له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " (3). وإنما تأكله الصدقة بإخراجها، وإنما يجوز إخراجها لو كانت واجبة. ولأن عليا عليه السلام كان عنده مال لأيتام بني أبي رافع، فلما بلغوا سلمه إليهم، وكان قدره عشرة آلاف دينار، فوزنوه فنقص فعادوا إلى علي عليه السلام، وقالوا: إنه ناقص ء. قال: " أفحسبتم الزكاة؟ " قالوا: لا. قال: " فاحسبوها " فحسبوها فخرج المال مستويا، فقال عليه السلام: " أيكون عندي مال لا أؤدي زكاته! " (4). ولأن من يجب العشر في زرعه يجب ربع العشر في ورقه كالبالغ. والحديثان محمولان على الاستحباب، ونمنع وجوب العشر. تذنيب: لا زكاة في المال المنسوب إلى الجنين؟ لعدم التكليف، وعدم الوثوق بحياته ووجوده، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: يجب كمال الصبي (5). والأصل ممنوع. مسألة 6: لو اتجر في مال الطفل من له ولاية في ماله نظرا للطفل وشفقة

(1) المجموع 5: 331، حلية العلماء 3: 9، الميزان للشعراني 2: 3، المغني 2: 488، الشرح الكبير 2: 670.
(2) المجموع 5: 329، المغني 2: 488، المبسوط للسرخسي 2: 162، والأم 2: 29.
(3) سنن الترمذي 3: 32 / 641، سنن الدار قطني 2: 109 - 110 / 1.
(4) سنن الدار قطني 2 - 110 - 111 / 5 و 6، سنن البيهقي 4: 107 - 108 بتفاوت.
(5) المجموع 5: 330، فتح العزيز 5: 518.

[ 14 ]

عليه استحب له إخراج الزكاة. لقول الصادق عليه السلام: " ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر. " (1) ولو ضمن الولي المال واتجر به لنفسه، وكان مليا بالمال كان الربح له والزكاة عليه استحبابا؟ لأن الولاية تسيغ التصرفات، وتضمين الملي سائغ. ولأن منصور الصيقل سأل الصادق عليه السلام عن مال اليتيم يعمل به؟ قال، فقال: " إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح وأنت ضامن للمال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال " (2). إذا ثبت هذا، فإذا لم يكن مليا وإن كان وليا، وضمن المال، واتجر به. لنفسه كان الربح لليتيم، وعليه ضمان المال ولا زكاة؟ لأنه تصرف غير سائغ فلا يملك ربحه بل صاحب المال. ولقوله عليه السلام: "... وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام وأنت ضامن للمال " (3). وكذا إذا كان مليا ولم يكن وليا؟ لانتفاء ولايته عن المال. ولأن سماعة سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتجر به أيضمنه؟ قال: " نعم " قلت: فعليه زكاة؟ قال: " لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين: الضمان والزكاة " (4). مسألة 7: وتستحب في غلات الطفل ومواشيه من غير وجوب؟ لعدم التكليف في حقه، ولأنها عبادة يفتقر أداؤها إلى النية، فلا تجب على من يتعذر عليه. ولأن أبا بصير سمع الصادق عليه السلام يقول: " ليس في مال اليتيم

(1) الكافي 3: 541 / 6، التهذيب 4: 27 / 65، الاستبصار 2: 29 / 83. (2 و 3) التهذيب 4: 29 / 71، الاستبصار 2: 30 / 89. (،) التهذيب 4: 28 / 69، الاستبصار 2: 30 / 87.

[ 15 ]

زكاة، وليس عليه صلاة، وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، وإن بلغ فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك كانت عليه زكاة واحدة، وكان عليه مثل ما على غيره من الناس " (1). وأما الاستحباب: فلقول الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام: " مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شئ، فاما الغلات فإن عليها الصدقة واجبة " (2) والمراد تأكيد الاستحباب جمعا بين الأدلة. وقال الشيخ: تجب في غلاته ومواشيه (3)؟ لهذا الحديث. وقد بينا جوابه. وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في غلات الأطفال (4). مسألة 8: العقل شرط في وجوب الزكاة، فلا زكاة على المجنون المطبق، والخلاف فيه كالخلاف في الطفل سواء. وكذا حكمه حكم الطفل في استحباب الزكاة لو اتجر له الولي بماله لاجله. ولو اتجر لنفسه، وضمن المال، وكان مليا ضمن، والربح له، وزكاة التجارة عليه. ولو انتفى أحدهما ضمن، والربح للمجنون، ولا زكاة، كما تقدم في الطفل وسأل موسى بن بكر أبا الحسن عليه السلام عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها هل عليه زكاة؟ فقال: " إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة " (5).

(1) التهذيب 4: 29 - 30 / 73، الاستبصار 2: 31 / 91، الكافي 3: 541 / 4.
(2) الكافي 3: 541 / 5، التهذيب 4: 29 / 72، الاستبصار 2: 31 / 90.
(3) المبسوط للطوسي 1: 234.
(4) بدائع الصنائع 2: 56، المبسوط للسرخسي 3: 4، المجموع 5: 329، حلية العلماء 3: 10، بداية المجتهد 1: 245.
(5) الكافي 3: 542 / 3، التهذيب 4: 30 / 76.

[ 16 ]

وسأل عبد الرحمن بن الحجاج، الصادق عليه السلام عن امرأة مختلطة عليها زكاة؟ فقال: " إن كان عمل به فعليها زكاة، وإن لم يعمل به فلا زكاة " (1) تذنيب: لو كان الجنون يعتوره اشترط الكمال طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط، واستأنف من حين عوده. وتجب الزكاة على النائم والساهي والمغفل دون المغمى عليه، لأنه تكليف وليس من أهله. وهل تجب على السفيه؟ الوجه. ذلك، لوجود الشرط، وحجر الحاكم لمصلحته لا ينافي تمكنه؟ لأنه كالنائب عنه. مسألة 9: الحرية شرط في الزكاة فلا تجب على العبد بإجماع العلماء، ولا نعلم فيه خلافا إلا عن عطاء وأبي ثور فإنهما قالا: على العبد زكاة ماله (2). وهو خطا؟ لأنه غير مالك ولا متمكن. ولو ملكه مولاه، ففي تملكه قولان: المنع، وهو الأقوى: لقوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (3). وقوله تعالى. (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم) (4). ولأنه مال فلا يملك المال كالبهائم، فعلى هذا الزكاة على السيد، لعدم خروجه عن ملكه، فأشبه المال في يد المضارب والوكيل، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال سفيان، وإسحاق، وأحمد - في رواية - وأصحاب

(1) الكافي 3: 542 / 2، التهذيب 4: 30 / 75.
(2) المجموع 5: 331، المغني 2: 489، الشرح الكبير 2: 437 بداية المجتهد 1: 245، حلية العلماء 3: 8.
(3) النحل: 75.
(4) الروم: 28.

[ 17 ]

الرأي (1). والثبوت - وهو القول الثاني للشافعي (2) - فلا تجب الزكاة على السيد، لأنه لا يملك، ولا على العبد لنقص ملكه وضعفه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال ابن عمر، وجابر، والزهري، وقتادة، ومالك، وأبو عبيد (3). تذنيب: المدبر وأم الولد كالقن، لأنه لا حرية فيهما، وأما من انعتق بعضه فإن بلغ نصيب الحرية نصابا وجب عليه فيه الزكاة وإلا فلا - وبه قال أحمد (4) - لتمامية الملك فيه. وقال الشافعي: لا زكاة فيه، لأن الرق الذي فيه يمنع من تمام ملكه (5). وهو ممنوع، ولهذا أوجبنا عليه الفطرة في نصفه الحر. مسألة 10: المكاتب لا زكاة عليه إذا لم ينعتق بعضه، سواء كان مشروطا أو مطلقا لم يؤد، لا في المال الذي كسبه ولا عشر أرضه عند علمائنا، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد (6). لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا زكاة في مال المكاتب) (7).

(1) المهذب للشيرازي 1: 147، المجموع 5: 327، المغني 2: 489، الشرح الكبير 2: 439، بدائع الصنائع 2: 6، المبسوط للسرخسي 2: 4 6 1، بداية المجتهد 1: 245، المحلى 5: 202.
(2) المجموع 5: 327، المغني 2: 490، الشرح الكبير 2: 439.
(3) المغني 2: 489، الشرح الكبير 2: 439، بداية المجتهد 1: 45 2، بلغة السالك 1: 206، المحلى 5: 202.
(4) المغني 2: 0 9 4، الشرح الكبير 2: 439.
(5) المهذب للشيرازي 1: 147، المجموع 5: 326.
(6) الكافي في فقه أهل المدينة: 88، المجموع 5، 326 و 330، الوجيز 1: 87، المغني 2: 490.
(7) أورده ابن قدامة في المغني 2: 491، وكذا أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 42، المسألة 43 عن ابن عمر وجابر قالا: لا زكاة... ورواه الدار قطني في سننه 2: 108 / 1 وكذا البيهقي في سننه 4: 109 بلفظ: (ليس في مال المكاتب زكاة) إلا أنه في الأول عن جابر عن النبي (ص) وفي الثاني موقوف على جابر.

[ 18 ]

ولأن الزكاة تجب على طريق المواساة فلا تجب في مال المكاتب كنفقة الأقارب. وقال أبو ثور: يجب ذلك كله، لأن الحجر من السيد لا يمنع وجوب الزكاة كالحجر على الصبي والمجنون (1). ونحن نمنع الأصل. وحكي عن أبي حنيفة أنه يجب العشر في الخارج من أرضه بناء على أصله من أن العشر مؤونة الأرض وليس بزكاة (2). إذا عرفت هذا، فلا زكاة على السيد أيضا؟ لانقطاع تصرفاته عن ماله، فإن عجز واسترقه مولاه، صار ما في يده لمولاه، يستأنف له الحول، وإن عتق ملك المكاتب ما في يده، واستأنف الحول من حين العتق. مسألة 11: يشترط في وجوب الزكاة تمامية الملك، وأسباب النقص ثلاثة: منع التصرف، وتسلط الغير، وعدم قرار الملك، فلا تجب الزكاة في المغصوب، ولا الضال، ولا المجحود بغير بينة، ولا المسروق، ولا المدفون مع جهل موضعه عند علمائنا أجمع، فإذا عاد صار كالمستفاد يستقبل به حولا من حين عوده، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي - في القديم - وأحمد في إحدى الروايتين (3)، لأنه خرج عن يده وتصرفه، فصار ممنوعا منه، فلا زكاة عليه فيه، كمال المكاتب.

(1) المجموع 5: 330، المغني 2: 290، الشرح الكبير 2: 438.
(2) المغني 2: 490، الشرح الكير 2: 438، المجموع 5: 335، بدائع الصنائع 2: 6 (3) بدائع الصنائع 2: 9، المهذب للشيرازي 1: 149، المجموع 5: 341، فتح العزيز 5: 499، حلية العلماء 3: 15، الميزان للشعراني 2: 3، المغني 2: 639، الشرح الكبير 2: 445.

[ 19 ]

ولقول الصادق عليه السلام: " لا صدقة على الدين، ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك " (1). وقال الشافعي في الجديد: تجب فيها الزكاة، فإذا وجدها زكاها لما مض (2)، وهو رواية عن أحمد؟ لأن الحيلولة بينه وبين المال لا تسقط الزكاة، كما لو أسر أو حبس وحيل بينه وبين ماله (3). ونمنع حكم الأصل إذا لم يكن في يد وكيله وإن كان ظهر الفرق، وعلى كلا القولين لا زكاة قبل قبضه. وللشافعي قول ثالث: إن عاد المغصوب بجميع نمائه زكاه لما مضى (4). وقال مالك: إذا قبضه زكاه لحول واحد (5). وهو على الاستحباب عندنا. لقول الصادق عليه السلام وقد ساله رفاعة عن الرجل يغيب عنه ماله خمس سنين ثم يأتيه ولا يدر على كم يزكيه؟ قال: " سنة واحدة " (6). فروع: أ - لو ضلت واحدة من النصاب أو أكثر، أو سرقت، أو غصبت فنقص النصاب فالحكم كما لو ضل جميعه، ومن أوجب الاخراج هناك أوجب الاخراج عن الموجود، وإذا رجع الضال أخرج عنه.

(1) التهذيب 4: 31 / 78.
(2) أي: لما مضى من الزمان الذي كان المال بيد الغاصب مثلا.
(3) المهذب للشيرازي 1: 149، المجموع 5: 341، حلية العلماء 3: 15، الميزان للشعراني 2: 3، فتح العزيز 5: 499، وانظر: المغني 2: 641.
(4) المجموع 5: 341، الوجيز 1: 85، فتح العزيز 5: 499.
(5) بداية المجتهد 1: 247، الشرح الصغير 1: 218، حلية العلماء 3: 15، فتح العزيز 5: 499، المغني 2: 639، الشرح الكبير 2: 445.
(6) الكافي 3: 519 / 2، التهذيب 4: 31 / 79، الاستبصار 2: 28 / 82.

[ 20 ]

ب - لو أسر المالك لم تسقط الزكاة عنه إذا لم يمنع من التصرف في ماله، وإن منع سقطت، والغائب لا زكاة فيه إذا لم يكن في يد وكيله ولم يتمكن منه. ج - لو مضى على المفقود سنون ثم عاد زكاه لسنة استحبابا. د - لو غصبت الماشية فلا زكاة على ما قلناه، والموجبون قالوا: إن كانت سائمة في يد المالك والغاصب وجبت الزكاة، وإن كانت معلوفة عندهما فلا زكاة قولا واحدا. وإن كانت معلوفة عند المالك سائمة عند الغاصب فوجهان: الوجوب لأن السوم من المالك يوجب الزكاة فكذا من الغاصب، كما لو غصب بذرا فزرعه وجب العشر في الخارج. والعدم لعدم رضا المالك بإسامتها فلا تجب عليه الزكاة بفعل الغاصب. ولو سامها المالك وعلفها الغاصب فوجهان: الزكاة، لأن علف الغاصب محرم فلا يمنع من إيجاب الزكاة، والسقوط، لأن الشرط - وهو السوم - لم يوجد (1). والحق ما قلناه. مسألة 12: المرتد إن كان عن فطرة خرجت أمواله عنه في الحال إلى ورثته، ولا تقبل توبته، بل يقتل في الحال فيستأنف ورثته الحول من حين انتقال الملك إليهم وتمكنهم منه. ثم إن كان من غير فطرة انتظر به العود، فإن عاد إلى الاسلام بعد حلول الحول وجب عليه الزكاة بحلول الحول، وإن لم يعد فقتل بعد حلول الحول، أو لحق بدار الحرب وجب أن تخرج عنه الزكاة لبقاء ملكه إلى حين القتل، ومنعه عن التصرف فيه مستند إلى اختياره لتمكنه من الرجوع إلى الاسلام.

(1) راجع: المغني 2: 639 - 640.

[ 21 ]

وللشافعي في مال المرتد مطلقا ثلاثة أقوال: بقاء الملك، وزواله، وكونه موقوفا، فإن أسلم ظهر البقاء، وإن قتل على الردة ظهر الزوال، فحكم الزكاة مبني عليه إن زال سقطت وإلا وجبت (1). وقال أحمد: إذا ارتد قبل الحول وحال الحول مرتدا فلا زكاة عليه، لأن الاسلام شرط في الوجوب (2). وهو غلط، لما بينا من أن الكفار مخاطبون بالفروع. قال: ولو رجع استأنف حولا (3). ولو ارتد بعد الحول لم تسقط الزكاة سواء كان عن فطرة أو لا - وبه قال الشافعي وأحمد (4) - لأنه حق وجب فلا يسقط كالدين. وقال أبو حنيفة: تسقط، لأن من شرطها النية فسقطت بالردة كا لصلاة (5). والأصل ممنوع، نعم لا يطالب بفعلها، ولا تدخلها النيابة فإذا عاد وجبت عليه، والزكاة تدخلها النيابة ويأخذها الإمام من الممتنع، فإن أسلم بعد أخذها لم تلزمه إعادتها؟ لأنها سقطت عنه بإخذها، ولو أخذها غير الإمام ونائبه لم تسقط فإنه لا ولاية للأخذ عليه فلا يقوم مقامه، بخلاف نائب الإمام. ولو أداها في حال ردته لم تجزئه، لأنه كافر فلا تصح منه كالصلاة. مسألة 13: الدين إن كان على ملي باذل فلعلمائنا قولان: وجوب الزكاة فيه على صاحبه. ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وبه قال الثوري، وأبو ثور،

(1) المجموع 5: 328، الوجيز 1: 87، فتح العزيز 5: 518، حلية العلماء 3: 8 - 9. (2 و 3) المغني 2: 641، الشرح الكبير 2: 449.
(4) المجموع 5: 328، حلية العلماء 3: 8، الميزان - للشعراني - 2: 3، المغني 2: 641، الشرح الكبير 2: 449.
(5) بدائع الصنائع 2: 4 المجموع 5: 328، المغني 2: 641، الشرح الكبير 2: 449، حلية العلماء 3: 8

[ 22 ]

وأصحاب الرأي، وأحمد، إلا أنهم قالوا: لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى (1). وقال عثمان، وابن عمر، وجابر، وطاوس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو عبيد، والشافعي: عليه إخراج الزكاة في الحال وإن لم يقبضه، لأنه مالك قادر على أخذه والتصرف فيه فلزمه إخراج الزكاة عنه كالوديعة (2). لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل يكون له الدين أيزكيه؟ قال: " كل دين يدعه هو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، وما كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة " (3). وعدم الوجوب - وبه قال عكرمة، وعائشة، وابن عمر (4) - لأنه غير تام فلا تجب زكاته كعرض القنية. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله الحلبي ليس في الدين زكاة؟ قال: " لا " (5). وسأل إسحاق أبا إبراهيم عليه السلام، الدين عليه زكاة؟ فقال: " لا، حتى يقبضه " قلت: فإذا قبضه يزكيه؟ قال: " لا، حتى يحول عليه الحول في يديه " (6). وقال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني:

(1) المغني 2: 637، الشرح الكبير 2: 444، حلية العلماء 3: 92، كفاية الأخيار 1: 107، وفتح العزيز 5: 252.
(2) المهذب للشيرازي 1: 165، حلية العلماء 3: 92، المغني 2: 637، الشرح الكبير 2: 444، فتح العزيز 5: 502، الأموال - لأبي عبيد -: 439.
(3) التهذيب 4: 32 / 82.
(4) المغني 2: 637، الشرح الكبير 2: 444، رحمة الأمة 1: 117.
(5) التهذيب 4: 32 / 80.
(6) التهذيب 4: 34 / 87، الاستبصار 2: 28 / 79.

[ 23 ]

يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة (1). فاما إن كان على معسر، أو جاحد، أو مماطل فلا زكاة عليه عندنا، لعدم تمكنه منه، فأشبه المغصوب، وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل العراق، وأحمد في رواية (2). وفي الثانية: يزكيه إذا قبضه، وبه قال الثوري، وأبو عبيد (3). لقول علي عليه السلام في الدين المظنون: " إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى " (4). ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه فوجبت زكاته لما مضى كالدين على الملي. والرواية للاستحباب، والأصل ممنوع، والفرق: التمكن. فروع: أ - لا فرق بين الحال والمؤجل في عدم الوجوب فيه عند قائله؟ لأن البراءة تصح من المؤجل فيكون ملكا. نعم هو في حكم الدين على المعسر؟ لعدم تمكن قبضه في الحال. ب - لو منع البائع المشتري من المبيع فحال الحول لم تجب الزكاة، لعدم التمكن. ولو مكنه منه فلم يقبضه وحال الحول فإن كان معينا فالزكاة على المشتري، وإن كان مطلقا فكالدين، وكذا المال المسلم فيه. وللشافعي ثلاثة أقوال: القطع بمنع الوجوب؟ لضعف الملك؟ إذ لا ينفذ بيعه قبل القبض، والقطع بالوجوب لتمكنه من القبض، والوجهان (5).

(1) المغني 2: 637، الشرح الكبير 2: 444. (2 و 3) المغني 2: 638، الشرح الكبير 2: 445.
(4) سنن البيهقي 4: 150.
(5) فتح العزيز 5: 500 - 501.

[ 24 ]

ج - إذا قبض المشتري الثمن عن السلم، أو عن غير المقبوض، وحال عليه الحول فالزكاة على البائع لثبوت ملكه فيه، فإن انفسخ العقد لتلف المبيع أو تعذر المسلم فيه وجب رد الثمن، والزكاة على البائع. د - الدين المؤجل لا زكاة فيه عندنا، وللشافعي قولان، أحدهما: أنه كالمغصوب إن تعذر استيفاؤه لإعسار أو جحود فيجري فيه القولان. والثاني: أنه كالغائب الذي يسهل إحضاره فتجب فيه الزكاة لحصول النماء في المدة، فإن الشئ إذا بيع مؤجلا زيد في ثمنه. وله ثالث: القطع بالمنع، لأنه لا ملك قبل الحلول. وعلى تقدير الوجوب ففي وجوب الاخراج في الحال قولان: الثبوت كالغائب الذي يسهل إحضاره، والمنع إلى أن يقبض لأن خمسة نقدا تساوي ستة فيؤدي إلى الاجحاف (1). ه‍ - الذين إن لم يكن لازما - كمال الكتابة عند الشيخ (2) - لا زكاة فيه. و - لو كان الدين نعما فلا زكاة فيه، ومن أوجبها في الدين توقف هنا، لأن السوم شرط وما في الذمة لا يوصف بكونه سائما (3). ويشكل بأنهم ذكروا في السلم في الحيوان التعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة، فإذا جاز أن يثبت في الذمة لحم راعية جاز أن تثبت راعية (4). مسألة 14: أوجب الشيخ في المبسوط الزكاة في الرهن سواء تمكن الراهن من فكه أو لا - وبه قال الشافعي، وأحمد (5) - لوجود المقتضي وهو الملك. قال: فإن كان للراهن مال سواه كلف إخراج الزكاة منه؟ لأن الزكاة من

(1) فتح العزيز 5: 502، مغني المحتاج 1: 410 - 411.
(2) الخلاف، كتاب المكاتب، المسألة 17، المبسوط 6: 91. (3 و 4) راجع فتح العزيز 5: 501 و 9: 299.
(5) المجموع 5: 343، فتح العزيز 5: 501، حلية العلماء 3: 21، المغني 2: 543.

[ 25 ]

مؤونة الرهن فتلزم الراهن كنفقة المضارب، ولا تخرج من النصاب لتعلق حق المرتهن، والزكاة لا يتعين إخراجها منه. وإن كان معسرا أخذت الزكاة من الرهن لتعلق حق المساكين بالعين، وحق المرتهن في الذمة فإنه لو هلك رجع على الراهن بماله (3). وقال في الخلاف: لو كان له ألف واستقرض ألفا، ورهن هذه لزمه زكاة القرض دون الرهن (2). وهو يعطي عدم وجوب الزكاة في الرهن، وهو الوجه عندي، لعدم تمكنه منه سواء كان في يده أو في يد المرتهن أو غيرهما. مسألة 15: لا زكاة في المال الموقوف، لعدم تمكنه من التصرف بأنواعه، ولعدم اختصاص أحد به. وكذا مال الحبس والمعمر، لأن الملك وإن كان باقيا إلا أنه ممنوع من التصرف فيه بأنواعه. مسألة 16: تسلط الغير مانع من وجوب الزكاة، فلو نذر الصدقة بالنصاب، فمضى الحول قبل الصدقة لم تجب الزكاة، لتعلق النذر بعين المال، وكونه واجب الصرف إلى النذر قبل أن تجب فيه الزكاة، وهو أصح وجهي الشافعي. وله آخر: وجوب الزكاة، لأن المال لا يتعين بتعيين الناذر، والدين لا يمنع الزكاة، ولأنه لم يخرج عن ملكه قبل الصدقة (3). ونمنع القاعدتين (4)، والملك وإن كان باقيا إلا أنه ناقص لوجوب الصدقة

(1) المبسوط للطوسي 1: 208 - 209.
(2) الخلاف 2: 110، المسألة 129.
(3) المجموع 5: 345، فتح العزيز 5: 509، حلية العلماء 3: 20.
(4) من القاعدتين: عدم منع الدين للزكاة. ويأتي من المصنف - رحمه الله - في الفرع " ب " وفي المسألة اللاحقة ما ينافي هذا المنع، فلاحظ.

[ 26 ]

به فروع: أ - لو جعل هذه الأغنام ضحايا، أو هذا المال صدقة بنذر وشبهه كان سقوط الزكاة فيه أقوى، لانتقال المال عنه إلى ما نذره، ولم يبق فيه حقيقة ملك. ب - لو نذر الصدقة بعشرين دينارا ولم يعين لم تسقط الزكاة عندنا، سواء كان له أزيد أو لا، لأن الدين لا يمنع الزكاة على ما يأتي (1)، وهو أحد وجهي الشافعي بناء على عدم منع الدين لضعف حق الله تعالى، إذ لا مطالب له فهو أضعف من دين الادمي (2). ج - لو كان النذر مشروطا فإشكال ينشأ من استصحاب الملك السالم عن معارضة تعلق النذر لعدم الشرط الآن، ومن تعلق النذر به. د - لو استطاع بالنصاب ووجب الحج، ثم مضى الحول على النصاب فالأقرب عدم منع الحج من الزكاة لتعلق الزكاة بالعين بخلاف الحج. مسألة 17: الدين لا يمنع الزكاة عند علمائنا أجمع، فلو كان عليه دين بقدر النصاب أو أزيد، وحال الحول وجبت الزكاة سواء كان النصاب من الأموال الظاهرة - وهي الأنعام والغلات - أو الباطنة - وهي النقدان - وبه قال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي - في الجديد - وابن أبي ليلى (3)، لأنه حر مسلم ملك نصابا حولا فوجبت الزكاة عليه كمن لا دين عليه، وللعمومات. ولأنه لو لم تجب لم تجب في القرض لشغل الذمة بمثله والثاني باطل. لقول الباقر عليه السلام، وقد سئل عن زكاة القرض، فقال: " على

(1) يأتي في المسألة اللاحقة.
(2) المجموع 5: 345، فتح العزيز 5: 510، حلية العلماء 3: 20.
(3) المغني 2: 633، الشرح الكبير 2: 455، المجموع 5: 344، حلية العلماء 3: 16، فتح العزيز 5: 505، مغني المحتاج 1: 411.

[ 27 ]

المقترض لأنه في يده " (1). وقال مالك، والثوري، والأوزاعي، وعطاء، وسليمان بن يسار، وميمون ابن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وأحمد: إن الدين يمنع من الزكاة في الباطنة (2). وأما الظاهرة، فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي: إنه لا يمنع (3)، وعن أحمد فيها روايتان (4). واحتجوا برواية ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه " (5). ويحمل - مع صحته - على اختلال شرط الوجوب. فروع: أ - قال أبو حنيفة: الدين يمنع في الأموال كلها مع توجه المطالبة إلا في الغلات، لأن الواجب فيها عنده ليس صدقة (6). ب - القائلون بأن الدين مانع شرطوا استغراق النصاب أو نقصه، ولا وجه لقضائه سوى النصاب أو ما لا يستغنى عنه، فلو كان له عشرون دينارا وعليه

(1) الكافي 3: 520 / 6، التهذيب 4: 33 / 85 نقلا بالمعنى.
(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 95، مقدمات ابن رشيد: 252 بدائع الصنائع 2: 6، المغني 2: 633، الشرح الكبير 2: 454، المجموع 5: 344، حلية العلماء 3: 17، فتح العزيز 5: 506.
(3) الكافي في فقه أهل المدينة: 95، مقدمات ابن رشيد 1: 252، المجموع 5: 344، حلية العلماء 3: 17 " فتح العزيز 5: 506 " مغني المحتاج 1: 341 المغني 2. 634، الشرح الكبير 2: 455.
(4) المغني 2: 634، الشرح الكبير 2: 454 - 455، حلية العلماء 3: 17، فتح العزيز (5) أوردها ابنا قدامة في المغني 2: 633، والشرح الكبير 2: 454.
(6) اللباب 1: 137، شرح العناية 2: 117، المغني 2: 634، الشرح الكبير 2: 455، حلية العلماء 3: 16، فتح العزيز 5: 506، بداية المجتهد 1: 246.

[ 28 ]

دينار ولا وجه سوى العشرين فلا زكاة عندهم، ولو كان له أحد وعشرون فعليه زكاة عشرين. ولو كان له مائة من الغنم، وعليه ما يقابل ستين فعليه زكاة أربعين. ولو كان عليه ما يقابل أحدا وستين فلا زكاة (1)، وعندنا تجب الزكاة. ج - لو كان عليه دين وله مالان من جنسين، فعندنا تجب الزكاة، فلا بحث. والمانعون اختلفوا، فقال بعضهم: يجعل الدين في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته، فلو كان عليه خمس من الإبل وله خمس من الإبل ومائتا درهم فإن كانت عليه سلما أو دية ونحوها مما يقضى بالابل جعل الدين في مقابلتها ووجبت زكاة الدراهم. وإن كان قد أتلفها أو غصبها جعلت قيمتها في مقابلة الدراهم. وإن كانت قرضا فإن كانت إذا جعلت في أحدهما فضلت فضلة تنقص النصاب الآخر دون العكس جعلت على العكس، لأن له ما يقضي به الدين، فلو كان له خمس من الإبل ومائتا درهم، وعليه ست من الإبل قيمتها مائتان جعل الدين في مقابلة الدراهم. ولو كان عليه مائتان وخمسون درهما، وله خمس من الإبل تساوي الدين جعل الدين في مقابلة الإبل. ولو كان عليه مائة درهم، وله مائتان، وتسع من الإبل تساوي الأربعة الزائدة المائة وجبت الزكاة فيهما (2). د - لو كان أحد المالين لا زكاة فيه كمن عليه مائتان وله مائتان وعروض للقنية يساوي الدين جعل الدين في مقابلة العروض، وبه قال مالك وأبو

(1) راجع المغني 2: 635، الشرح الكبير 2: 456.
(2) المغني 2: 635، الشرح الكبير 2: 456.

[ 29 ]

عبيد (1). وقال أصحاب الشافعي: إنه مقتضى قوله، لأنه مالك للنصاب زيادة عن دينه فوجبت عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا (2). وقال أبو حنيفة: يجعل الدين في مقابلة ما يقض منه فلا زكاة هنا، لأن الدين يقضى من جنسه، وهو قول الليث بن سعد وأحمد (3). ه‍ - لو كان الدين لله تعالى كالكفارة والنذر لم يمنع الزكاة عندنا. وأما المانعون في الادمي، ففيه (4) وجهان: المنع كدين الادمي، لأنه دين يجب قضاؤه. وقال عليه السلام: " دين الله أحق أن يقضى " (5). وعدمه؟ لأن الزكاة آكد، لتعلقها بالعين (6). ولو نذر أن يتصدق بخمسة دراهم فحال الحول على مائتي درهم لم يتداخلا؟ لاختلاف سببهما. وعند بعض الجمهور يتداخلان إن نوى الزكاة؟ لأنها صدقة (7). و - لو حجر الحاكم عليه قبل الحول، ثم حال الحول على الحجر فلا زكاة، لعدم تمكنه من التصرف. ولو حجر بعد الحول ووجوب الزكاة لم يمنع من إخراجها؟ لأنه واجب عليه متعلق بالعين. وقال بعض الجمهور: يمنع، لانقطاع تصرفه في ماله. وقيل بالسقوط

(1) المغني 2: 635، الشرح الكبير 2: 457، المدونة الكبرى 1: 272.
(2) المجموع 5: 350، المغني 2: 636، الشرح الكبير 2: 457.
(3) المغني 2: 636، الشرح الكبير 2: 457.
(4) أي فلهم في دين الله تعالى وجهان.
(5) صحيح البخاري 3: 46، صحيح مسلم 2: 804 / 154. (6 و 7) المغني 2: 636، الشرح الكبير 2: 458.

[ 30 ]

إذا حجر قبل إمكان الأداء كالتلف (1). وليس بجيد. ولو أقر بها بعد الحجر لم يقبل في حق الغرماء فتصير في ذمته لا في المال، ويحتمل القبول. ولو صدقه الغرماء أو ثبت بالبينة أو بالاقرار قبل الحجر وجب إخراجها من المال. ولو أقر الغرماء بها أخرجوها، ولم يقبل في حق المديون إلا مع تصديقه. ز - لو جنى عبد التجارة تعلق أرشها برقبته، ومنع وجوب الزكاة فيه إن نقص عن النصاب عند المانعين، لأنه دين. ح - لو مات بعد الحول وتعلق الزكاة، وعليه دين مستوعب قدمت الزكاة، لتعلقها بالعين قبل تعلق الدين بها فإنه إنما يتعلق بعد الموت، وهو أحد أقوال الشافعي. والثاني: تقديم حق الادمي؟ لاحتياجه، كما يقدم قطع القصاص على السرقة. والثالث: التوزيع، لتساويهما (2). والحق ما تقدم. نعم لو كان عوضها كفارة أو غيرها من الحقوق التي لا تتعلق بالعين فإن الحق التقسيط. مسألة 18: لو استقرض الفقير النصاب وتركه حولا وجبت الزكاة عليه، لأنه مالك للنصاب متمكن منه فوجبت عليه زكاته، ومن خالف في المديون خالف هنا. ولو شرط الزكاة على المقرض، قال الشيخ: كانت زكاته على مالكه عملا بالشرط (3).

(1) المغني 2: 637، الشرح الكبير 2: 458 - 459.
(2) فتح العزيز 5: 511، مغني المحتاج 1: 11،.
(3) المبسوط للطوسي 1: 213.

[ 31 ]

ولقول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن رجل استقرض مالا، وحال عليه الحول وهو عنده: " إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض " (1). وفيه إشكال، لأنه حق عليه يفتقر إلى النية، فلا يتعلق بغيره بالشرط، والحديث لا يدل على مطلوبه. إذا ثبت هذا فإن قلنا: الدين لا زكاة فيه فلا بحث، وإن أوجبنا فيه الزكاة فلا زكاة هنا على المالك، لأن زكاته على المقترض فلا تجب فيه أخرى على غيره. ولقول الباقر عليه السلام: " زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض " قلت: فليس على المقرض زكاتها؟ قال: " لا، لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، وليس على الدافع شئ لأنه ليس في يده [ شئ ] (2) لأن المال في يد الآخر، فمن كان المال في يده زكاه " قال، قلت: أفيزكي مال غيره من ماله؟ فقال: " إنه ماله ما دام في يده، وليس [ ذلك المال ] (3) لأحد غيره - ثم قال - يا زرارة أرأيت وضيعة ذلك المال وربحه لمن هو؟ وعلى من؟ " قلت: للمقترض؟ قال: " فله الفضل وعليه النقصان، وله أن يلبس وينكح ويأكل منه ولا ينبغي له أن يزكيه؟! (4) بل يزكيه فإنه عليه " (5). إذا عرفت هذا فإن القرض يجري في الحول بالقبض، إذ قبضه شرط في الملك. مسألة 19: من ترك لاهله نفقة بلغت النصاب فصاعدا، وحال عليه

(1) الكافي 3: 520 / 5، التهذيب 4 (2 و 3) زيادة من المصدر.
(4) في التهذيب. " أن لا يزكيه " (5) التهذيب 4: 33 / 85، والكافي 3: 520 / 6 وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام

[ 32 ]

الحول، فإن كان حاضرا وجبت عليه الزكاة، لأنه مالك متمكن لم يخرج عنه ملكه. وإن كان غائبا فلا زكاة فيه، أما على أهله، فلعدم الملك في حقهم، وأما عليه، فلأنها في معرض الاتلاف. مسألة 20: عدم قرار الملك مقتض لنقصه، فلو وهب نصابا لم يجر في الحول إلا بعد القبول والقبض، لأن الملك إنما يتم بهما، فإن حال الحول على ملكه وجبت الزكاة. وإن رجع الواهب قبل إمكان الأداء فلا زكاة على المتهب ولا على الواهب وإن كان الرجوع بعد الحول. ولو رجع الواهب قبل الأداء مع التمكن منه قدم حق الفقراء، لتعلقه بالعين حين الحول، ولا يضمنه المتهب كما لو تلف قبل رجوعه. مسألة 21: الموصى له إنما يملك بأمرين: موت الموصي والقبول، فلو أوصى له بنصاب لم ينتقل إليه إلا بهما، فإذا مات الموصي وقبل ابتدأ الحول حينئذ، لأنه حين الملك، وينبغي اشتراط القبض أو التمكن منه. وإن قلنا: القبول كاشف والملك يحصل بالوصية والموت فكذلك لقصور الملك قبله. وأما الوارث فإنما يملك بموت المورث لا بصيرورة حياته غير مستقرة، وإنما يجري الحول من حين القبض أو تمكنه منه، فلو مات المورث ولم تصل التركة إليه لم يعتد من الحول. مسألة 22: لا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة، ولا يكفي عزل الإمام بغير قبض الغانم، فلو تأخرت قسمة الغنيمة حولا فلا زكاة؟ لعدم استقرار الملك فإن للامام أن يقسم بينهم قسمة بحكم فيعطي كل واحد من أي الاصناف شاء، فلم يتم ملكه على شئ معين، بخلاف ما لو ورثوا ما تجب فيه الزكاة.

[ 33 ]

هذا إذا كانت من أجناس مختلفة، ولو كانت الغنيمة من جنس واحد فالوجه ذلك أيضا، لأن ملكهم في غاية الضعف، ولهذا يسقط بالاعراض، وهو أحد وجهي الشافعي (1)، وعن أحمد: الوجوب، للملك (2). أما لو اختاروا التملك ومضى حول من وقت التملك، فإن كانت من جنس واحد وجبت الزكاة إن بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب. أن كانت من أجناس مختلفة فلا زكاة سواء كانت جميعها مما تجب فيه الزكاة أو لا. مسألة 23: لو آجر داره أربع سنين بمائة معجلة فقبضها وجب عند كل حول زكاة الجميع وإن كان في معرض التشطير، وبه قال مالك والشافعي - في أحد القولين - وأحمد (3)، لأنه ملكه ملكا تاما بالعقد، ويجوز التصرف فيه بجميع أنواعه، ولو كان جارية جاز له وطؤها. وقال أبو حنيفة والشافعي في الثاني: لا يلزمه أن يخرج عند تمام كل سنة إلا زكاة القدر الذي استقر ملكه عليه، لأنه قبل الاستقرار في معرض السقوط بالانهدام وهو يورث ضعف الملك (4). وينتقض بالصداق. قالوا: فيخرج في السنة الأولى زكاة ربع المال وهي: خمسة أثمان دينار، لاستقرار الملك على الربع، وعند تمام الثانية يستقر ملكه في خمسين وقد ملكها منذ سنتين، فعليه زكاة خمسين لسنتين: ديناران ونصف، لكنه يحط عنه ما أدى في الأولى يبقى دينار وسبعة أثمان دينار، وعند تمام الثالثة

(1) المجموع 5: 353 - 354، الوجيز 1: 68، فتح العزيز 5: 512.
(2) المغني 2: 639، الشرح الكبير 2: 447.
(3) المجموع 6: 23، الوجيز 1: 86، فتح العزيز 5: 514، المغني 2: 638، الشرح الكبير 2: 446.
(4) المجموع 6: 24، الوجيز 1: 86، فتح العزيز 5: 514، المغني 2: 638، الشرح الكبير 2: 446.

[ 34 ]

يستقر ملكه على خمسة وسبعين وقد ملكها منذ ثلاث سنين، فعليه زكاتها لثلاث سنين: خمسة دنانير وخمسة أثمان دينار يحط ما أدى في السنتين يبقى ثلاثة دنانير وثمن، وعند تمام الرابعة يستقر على الجميع وقد ملكه من أربع سنين فعليه زكاته لأربع [ سنين ] (1) عشرة دنانير يحط عنه ما أدى ويخرج الباقي أربعة دنانير وثلاثة أثمان دينار (2). تذنيب: لو كانت الأجرة دينا فهي كالدين إن أوجبنا الزكاة فيه وجبت هنا، وألا فلا، وبه قال أحمد (3). وقال مالك وأبو حنيفة: لا يزكيها حتى يقبضها ويحول عليها الحول، لأن الأجرة إنما تستحق بانقضاء مدة الاجارة لا بالعقد (4). مسألة 24: لو اشترى نصابا جرى في الحول حين العقد؟ لأنه حين الملك، ولهذا يملك المشتري النماء المنفصل، وبه قال أحمد (5)، وعند الشيخ بانقضاء الخيار (6) - وبه قال مالك وأحمد في رواية (7) - وألا لم يعد بالفسخ، والملازمة ممنوعة. وكذا لو شرطا خيارا زائدا جرى في الحول من حين العقد أيضا، وعند الشيخ من حين انقضاء الخيار (8). وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع لم ينتقل، وإن كان للمشتري خرج عن البائع (9) ولم يدخل في ملك المشتري (10). وليس بجيد، لاستحالة

(1) زيادة أثبتناها من المصدر.
(2) فتح العزيز 5: 514.
(3) المغني 2: 638، الشرح الكبير 2: 446.
(4) المغني 2: 638، الشرح الكبير 2: 446، والمنتقى للباجي 2: 114.
(5) المغني 2: 644، الشرح الكبير 2: 467.
(6) المبسوط للطوسي 1: 227، الخلاف 2: 114، المسألة 135.
(7) المغني 2: 644، الشرح الكبير 2: 467.
(8) المبسوط للطوسي 1: 227، الخلاف 2: 114، المسألة 135.
(9) أي: خرج عن ملك البائع.
(10) المغني 2: 644، الشرح الكبير 2: 467.

[ 35 ]

ملك بغير مالك. وللشافعي ثلاثة أقوال: قولان كقولنا وقول الشيخ، والثالث: أنه مراعى، فإن فسخاه ظهر عدم الانتقال، وإن أمضياه ظهر الانتقال (1). فروع: أ - لو كان الخيار أزيد من حول ففسخ البائع العقد بعد الحول فالزكاة على المشتري لتعلقها بالعين ويسقط من الثمن ما قابل الفريضة سواء فسخ قبل تمكنه من الأداء أو بعده. ب - الحول ينقطع عن البائع بمجرد العقد وإن كان الخيار له، ولا فرق بين أن يقبض المشتري أو لا، فلو تم الحول في مدة الخيار المشروط، أو تم وهما في المجلس فلا زكاة على البائع؟ لانتقال ملكه عنه، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الثاني: الزكاة على البائع بناء على عدم الانتقال (2). ج - لو رجع المبيع إلى المالك أو رد عليه استأنف حولا؟ لأنه ملك متجدد حدث بعد زواله، وكذا لو فسخ البيع في مدة المجلس بخياره، لأنه لا يمنع نقل الملك. د - لو حال الحول في مدة الخيار فالزكاة على المشتري، لأنه مالكه، وعلى قول الشيخ الزكاة على البائع. فإن أخرجها من غيره فالبيع بحاله، وإن أخرجها منه بطل البيع في المخرج دون الباقي، لأن تفريق الصفقة لا يقتضي الفسخ. وهل يثبت الخيار للمشتري؟ إشكال ينشأ من التفريق، ومن تقدير وجوده عند العقد لعلم المشتري به. وإن لم يخرجها حتى سلمه إلى المشتري، وانقضت مدة الخيار لزم

(1) المغني 2: 644، الشرح الكبير 2: 467، المجموع 5: 351.
(2) المجموع 5: 351، فخ العزيز 5: 504، و 517

[ 36 ]

البيع فيه، وكان عليه الاخراج من غيره، كما لو باع ما وجبت الزكاة فيه. مسألة 25: لو أصدقها نصابا، فإن كان في الذمة كان دينا حكمه حكم الديون، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، لأنه دين في الذمة، ولا بين أن يكون حيوانا أو غيره. وقال الشافعي: لا زكاة في الحيوان، لأن من شرط وجوب الزكاة السوم للنماء وهو غير حاصل في الدين (1). فإن طلقها قبل الدخول وأخذت نصفه، فإن أوحينا الزكاة في الدين وجب فيما قبضته دون ما لم تقبضه، لأنه دين لم يتعوض عنه، ولم تقبضه فأشبه ما تعذر قبضه لفلس أو جحود. وكذا لو فسخت النكاح قبل الدخول فسقط المهر كله فلا زكاة. وكذا كل دين سقط قبل قبضه من غير إسقاط صاحبه، أو يأس صاحبه من استيفائه، لأن الزكاة مواساة فلا تلزم فيما لم يحصل. فروع: أ - لو كان الصداق عينا ملكته بالعقد فتجب عليها الزكاة إذا حال عليه الحول سواء كان في يد الزوج الباذل أو في يدها وإن كان كله في معرض السقوط بالردة، والفسخ، أو بعضه بالطلاق. ب - لو كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثم سقط نصفه وقبضت النصف فعليها زكاة المقبوض، لأن الزكاة وجبت فيه ثم سقطت من نصفه لمعنى اختص به، فاختص السقوط به. ولو مضى عليه حول ثم قبضته كله زكته لذلك الحول، ولو مضت عليه حوال قبل قبضه ثم قبضته زكته لما مضى كله ما لم ينقص عن النصاب، لأنه مال تستحق قبضه، ويجبر المديون على أدائه فوجبت فيه الزكاة كثمن المبيع،

(1) فتح العزيز 5: 501 و 513.

[ 37 ]

وبه قال أحمد والشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا تجب عليها الزكاة ما لم تقبضه، لأنه بدل عما ليس بمال فلا تجب الزكاة فيه قبل قبضه كمال الكتابة (2). ونمنع الأصل، ويفرق بعدم استحقاق قبضه فإن للمكاتب أن يمتنع من أدائه. ج - لو قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول، فزكته من العين، ثم طلقها الزوج رجع عليها بنصفه وكانت الزكاة من النصف الباقي فيرجع في عشرين جزا من الغنم من تسعة وثلاثين جزءا، وهو قول للشافعي وأحمد (3)، لقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) (4) ولأنه يمكنه الرجوع في العين فلم يكن له العدول إلى القيمة. وقال الشافعي في بعض أقواله: يرجع الزوج بنصف الموجود ونصف قيمة المخرج، لأنه لو تلف الكل رجع عليها بنصف قيمته فكذلك إذا تلف البعض (5). والجواب: الفرق بأنه مع تلف الكل لا يمكنه الرجوع في العين. وله قول ثالث: التخيير بين نصف الموجود ونصف قيمة المفقود، وبين نصف قيمة الكل (6)، لأنه قد تبعض عليه حقه فلم يمكنه الرجوع إلى نصف العين فكان له العدول إلى القيمة. والوجه عندي الرجوع في نصف الموجود، والمطالبة بعوض الزكاة إما

(1) المغني 2: 643، الشرح الكبير 2: 451، المجموع 6: 23، فتح العزيز 5: 513.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 184، المغني 2: 643، الشرح الكبير 2: 451، فتح العزيز 5: 513.
(3) المجموع 6: 30، فتح العزيز 5: 513، المغني 2: 643، الشرح الكبير 2: 451.
(4) البقرة 237 (5) المجموع 6: 30، فتح العزيز 5: 513، المغني 2: 643، الشرح الكبير 2: 451. (6) المجموع 6: 30، فتح العزيز 5: 513

[ 38 ]

مثلا أو قيمة على التفصيل. ولو زكته من غير العين كان له الرجوع في نصف العين. د - لو طلقها بعد الحول وقبل الاخراج، قال الشيخ: فإن أخرجتها من عين المال أخذ الزوج نصف الباقي، وإن أخرجتها من غيره فكذلك. وإن لم تكن أخرجت لكن اقتسمت هي والزوج الصداق كان ما أخذه الزوج صحيحا، وعليها فيما أخذته حق الصدقة، فإن هلك نصيبها وبقي نصيب الزوج كان للساعي أن يأخذ حقه من نصيب الزوج، ويرجع الزوج عليها بقيمته، لأن الزكاة تجب في العين دوت الذمة (1). وهذا القول من الشيخ يشعر بأن لها أن تخرج من العين، وبه قال الشافعي (2). ومنع أحمد من ذلك، لأن حق الزوج تعلق به على وجه الشركة، والزكاة لم تتعلق به على وجه الشركة (3). ه‍ - للشافعي في جواز القسمة قبل أداء الزكاة على تقدير تعلقها بالعين، وجهان: المنع، لأن المساكين شركاء معهما فلا تجوز القسمة دونهم، والجواز، لأن للمالك الدفع من أي الأموال شاء، فحينئذ للساعي الأخذ من نصيب الزوجة كل الزكاة، لأنها وجبت عليها قبل ثبوت حق الزوج، فإذا لم يجد لها مالا أخذ من نصيب الزوج؟ لأن الزكاة وجبت بسببه. فإذا أخذ الزكاة ففي بطلان القسمة وجهان: البطلان، لتعين حق الفقراء في المال المقسوم، وعدمه، لأن تعيينه حصل بعد صحة القسمة، ويرجع الزوج عليها بقيمة الزكاة (4).

(1) المبسوط للطوسي 1: 208.
(2) الأم 2: 25، المجموع 6: 31.
(3) المغني 2: 643، الشرح الكبير 2: 452.
(4) المجموع 6: 30 و 31.

[ 39 ]

و - لو كان الصداق دينا فأبرأته منه بعد الحول فالزكاة عليها على تقدير وجوب الزكاة في الدين - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - لأنها تصرفت فيه فأشبه ما لو قبضته. والثانية: الزكاة على الزوج؟ لأنه ملك ما ملك عليه فكأنه لم يزل ملكه عنه (1). وهو غلط؟ فإن الزوج لم يملك شيئا، بل سقط الدين عنه. ويحتمل عدم الوجوب، فإن المرأة لم تقبض، فلم تلزمها زكاته، كما لو سقط بغير إسقاطها. وكذا البحث في كل دين أبرأه صاحبه منه بعد الحول. ز - لو طلقها بعد الحول قبل الدخول والتمكن من الأداء وجبت الزكاة وإن استحق الزوج النصف قبل التمكن من الأداء، بخلاف التالف، لأن العين هنا باقية وقد أخذت عوضها وهو البضع، بخلاف التالف، إذ لا عوض له. ح - لو تلف النصف بتفريطها تعلق حق الساعي بالعين، وضمنت للزوج. مسألة 26: اللقطة إنما تملك بالتعريف حولا، ونية التملك على الأقوى، فلا تجري في حول الزكاة حتى يمضي حول التعريف، ثم ينوي التملك فحينئذ يستقبل الحول، وبه قال الشافعي (2). وعند الشيخ تملك بمضي التعريف حولا وإن لم ينو التملك (3)، وهو ظاهر مذهب أحمد (4). وإذا ملكها وجب عليه مثلها أو قيمتها إن لم تكن مثلية، وبه قال

(1) المغني 2: 644، الشرح الكبير 2: 452.
(2) المغني 2: 641، الشرح الكبير 2: 453، وانظر: المجموع 15: 267.
(3) النهاية: 320.
(4) المغني 2: 641، الشرح الكبير 2: 453.

[ 40 ]

الشافعي (1) - وسيأتي (2) - فحينئذ تجب الزكاة عند الحلول. ومقتضى قول المانعين من الوجوب على المديون المنع هنا، لأنه دين (3). وقيل: لا تجب بمعنى آخر وهو عدم استقرار الملك، إذ لصاحبها أخذها متى وجدها (4). مسألة 27: إمكان الأداء شرط في الضمان لا في الوجوب، فلو لم يتمكن المسلم من إخراجها بعد الحول حتى تلفت لم يضمن، ولو تلف بعض النصاب سقط من الفريضة بقدره، وسيأتي (5) البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. أما الكافر فإن الزكاة وإن وجبت عليه عندنا، لأنه مخاطب بالفروع، وبه قال الشافعي (6) - خلافا لأحمد وأبي حنيفة (7) - إلا أنه لا يصح منه أداؤها حال كفره فإذا أسلم سقطت عنه وإن كان النصاب موجودا، لأنها عبادة فسقطت بإسلامه، لقوله عليه السلام: (الاسلام يجب ما قبله) (8) ويستأنف الحول حين الاسلام. ولو هلكت بتفريطه حال كفره فلا ضمان وإن أسلم وأما المرتد فلا يسقط عنه ما وجب عليه حال الاسلام

(1) ابنا قدامه في المغني 2: 642، والشرح الكبير 2: 453.
(2) يأتي في اللفظة (المقصد الخامس من كتاب الأمانات).
(3) أنظر: المغني 2: 642، والشرح الكبير 2: 453.
(4) القائل هو ابن عقيل من الجمهور. أنظر: المغني 2: 642، والشرح الكبير 2: 453.
(5) يأتي في المسألة 124.
(6) المجموع 3: 4 و 5: 328، بدائع الصنائع 2: 4 (7) بدائع الصنائع 2: 4، المغني 2: 488، الشرح الكبير 2: 437.
(8) مسند أحمد 4: 199 و 204 و 205.

[ 41 ]

ثم إن كان عن فطرة انتقلت أمواله إلى ورثته في الحال وإلا بقيت عليه، فإذا حال الحول وجبت عليه. وإذا أخرج في حال الردة جاز، وبه قال الشافعي (1)، كما لو أطعم عن الكفارة، وفيه له وجه آخر (2). وأما الشرائط الخاصة فستأتي عند كل صنف إن شاء الله تعالى.

(1) المجموع 5: 328، فتح العزيز 5: 518، مغني المحتاج 1: 408.
(2) وهو عدم إخراج المرتد زكاته حال ردته. أنظر: المجموع 5: 328، وفتح العزيز 5: 519.

[ 43 ]

المقصد الثاني في المحل وقد أجمع المسلمون كافة على إيجاب الزكاة في تسعة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، واختلفوا في ما زاد على ذلك، وسيأتي (1)، فهنا مطالب: الأول: في زكاة الأنعام، وفيه فصول:

(1) يأتي في المسائل 110 - 115.

[ 45 ]

الفصل الأول في زكاة الإبل مسألة 28: يشترط فيها أربعة: الملك، والنصاب، والسوم، والحول، أما الملك، فلما تقدم (1): أن غير المالك لا زكاة عليه، وأما النصاب فبإجماع المسلمين. لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليس فيما دون خمس ذود (2) صدقة) (3). وقال الصادق عليه السلام: " ليس فيما دون الخمس من الإبل شئ " (4). إذا عرفت هذا، فالنصب في الإبل ثلاثة عشر نصابا: خمس، عشر، خمس عشرة، عشرون، خمس وعشرون، ست وعشرون، ست وثلاثون، ست وأربعون، إحدى وستون، ست وسبعون، إحدى وتسعون، مائة

(1) تقدم في المسألة 11.
(2) الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع النهاية - لابن الأثير - 2: 171 " ذود ".
(3) صحيح البخاري 2: 148، صحيح مسلم 2: 673 / 1، سنن أبي داود 2: 94 / 1558، سنن الترمذي 3: 22 / 626، سنن ابن ماجة 1: 572 / 1794، سنن النسائي 5: 40، سنن البيهقي 4: 85 و 120.
(4) التهذيب 4: 20 / 52، الاستبصار 2: 19 / 56.

[ 46 ]

واحدى وعشرون، ثم بعد ذلك أربعون أو خمسون بالغا ما بلغت عند علمائنا أجمع، وسيأتي (1) البحث في ذلك. مسألة 29: يشترط فيها وفي غيرها من الأنعام السوم، وهي الراعية المعدة للدر والنسل. واحترزنا بذلك عن المعلوفة وإن كانت للدر والنسل، والعوامل وإن لم تكن معلوفة، فإنه لا زكاة فيهما عند علمائنا أجمع، وبه قال علي عليه السلام ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي، ومن الفقهاء: الشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد (2). لقوله عليه السلام: (في أربعين من الغنم السائمة شاة) (3) دل بمفهومه على انتفاء الزكاة عن المعلوفة، وإلا كان ذكر الوصف ضائعا، بل موهما للتخصيص، ولو لم يكن مرادا كان قبيحا. وقال عليه السلام: (ليس في البقر العوامل صدقة) (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " وليس على العوامل شئ، إنما ذلك على السائمة الراعية " (5). ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة، والمعلوفة يستغرق علفها نماءها.

(1) يأتي في المسائل 35 - 37.
(2) المجموع 5: 357، حلية العلماء 3: 22، مختصر المزني: 45، المبسوط للسرخسي 2: 165، المغني 2: 438 و 456، الشرح الكبير 2: 475 و 501، عمدة القاري 9: 22، المحلى 6: 5 4.
(3) صحيح البخاري 2: 146، سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن الدار قطني 2: 114 و 115 / 2 و 3، سنن الدارمي 1: 381، سنن البيهقي 4: 155 بتفاوت فيها.
(4) المعجم الكبير للطبراني 11: 40 / 10974، سنن الدار قطني 2: 103 / 2.
(5) الكافي 3: 532 / 1، التهذيب 4: 22 / 55، الاستبصار 2: 21 / 59.

[ 47 ]

وقال مالك: تجب في العوامل والمعلوفة. وبه قال ربيعة ومكحول وقتادة (1). وقال داود: تجب في عوامل البقر والإبل ومعلوفها دون الغنم (2). لقوله عليه السلام: (في أربعين شاة شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع) (3) ولأنه تجوز الأضحية به فأشبه السائمة. والحديث يخصه مفهوم الخطاب، والفرق بين السائمة والمعلوفة لزوم المؤونة في المعلوفة، والعوامل معدة لاستعمال مباح فأشبهت الثياب. مسألة 30: لو سامت بعض الحول، وعلفها البعض الآخر، قال الشيخ رحمه الله تعالى: يحكم للأغلب (4). وبه قال أبو حنيفة وأحمد وبعض الشافعية، لأن اسم السوم لا يزول مع القلة، وخفة المؤونة موجودة فكانت زكاة السوم واجبة كالزرع إذا سقي سيحا وناضحا (5). وقال بعض الشافعية: إن علفها يوما أو يومين لم يبطل حكم السوم، وإن علفها ثلاثة أيام زال حكم السوم، لأن ثلاثة أيام لا تصبر عن العلف، وما دون ذلك تصبر عن العلف، ولا تتلف بتركه (6). وقال بعضهم: إنما يثبت حكم العلف بأن ينوي علفها ويفعله وإن كان مرة، كما لو كان له ذهب فنوى صياغته وصاغه انقطع حوله (7).

(1) المدونة الكبرى 1: 313، القوانين الفقهية: 107، المغني 2: 456، الشرح الكبير 2: 475، عمدة القاري 9: 22، حلية العلماء 3: 22.
(2) حلية العلماء 3: 22.
(3) سنن أبي داود 2: 100 / 1572.
(4) المبسوط للطوسي 1: 198.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 166، المغني 2: 438، الشرح الكبير 2: 476، المجموع 5: 358، حلية العلماء 3: 23.
(6) المجموع 4: 357، فتح العزيز 5: 495، حلية العلماء 3: 22.
(7) حلية العلماء 3: 23، المجموع 5: 358، فتح العزيز 5: 496.

[ 48 ]

ولأن السوم موجب، والعلف مسقط، وإذا اجتمعا غلب الاسقاط، كما لو كان معه أربعون منها واحدة معلوفة لم تجب، تغليبا للمسقط، والزرع اعتبر فيه الأكثر، لأنه غير مسقط، بخلاف مسألتنا. والأقرب عندي اعتبار الاسم، فإن بقي عليها اسم السوم وجبت وإلا سقطت. فروع: أ - إذا خرجت عن اسم السوم بالعلف، ثم عادت إليه استؤنف الحول من حين العود، ولا فرق بين أن يعلفها مالكها أو غيره، بإذنه أو بغير إذنه من مال المالك. ولو علفها من ماله، فالأقرب إلحاقها بالسائمة؟ لعدم المؤونة حينئذ، ولا فرق بين أن يكون العلف لعذر كالثلج أو لا. ب - لو علفها بقصد قطع الحول وخرجت عن اسم السائمة انقطع الحول. وقال الشافعي: لا ينقطع (1). وسيأتي بحثه في قاصد الفرار بالسبك (2). ج - لو تساوى زمان العلف والسوم، فعندنا لا زكاة، وعلى قول الشيخ من اعتبار الأغلب ينبغي السقوط أيضا. د - لو اعتلفت من نفسها حتى خرجت عن اسم السائمة سقطت الزكاة، ومن اعتبر القصد من الشافعية لم يسقطها، وأسقطها بعضهم؟ لخروجها عن اسم السوم (3). ه‍ - لو غصب سائمته غاصب فلا زكاة عندنا.

(1) المجموع 5: 358.
(2) يأتي في الفرع " و " من المسألة 71.
(3) المجموع 5: 358، فتح العزيز 5: 496 - 497.

[ 49 ]

ومن أوجبها في المغصوب فعنده وجهان: الوجوب، لأن فعل الغاصب عديم الأثر، وكذا لو غصب ذهبا واتخذ منه حليا لا تسقط. وهو ممنوع. والعدم، لفوات شرط السوم، كما لو ذبح بعض الماشية (1). ولو غصب معلوفة وأسامها، فوجهان: الوجوب، لحصول الرفق، كما لو غصب حنطة وبذرها يجب العشر في النابت، والمنع (2)، لما تقدم. فإن وجبت قيل: تجب على الغاصب، لأنه من فعله. وقيل: على المالك. ففي رجوعه على الغاصب وجهان: المنع، لأن السبب في الوجوب ملك المالك، والرجوع، لأنه لولا الإسامة لم تجب. وهل يرجع قبل الاخراج أو بعده، وجهان (3)، وهذا كله ساقط عندنا. مسألة 31: المال الذي تجب فيه الزكاة ضربان: ما هو نماء في نفسه، وما يرصد للنماء، فالأول الحبوب والثمار، فإذا تكامل نماؤه وجبت فيه الزكاة ولا يعتبر فيه حول. وما يرصد للنماء كالمواشي يرصد للدر والنسل، والذهب والفضة للتجارة، فإنه لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي حول من حين تم نصابه في ملكه، وبه قال جميع الفقهاء (4). لقوله صلى الله عليه وآله: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (5).

(1) المهذب للشيرازي 1: 149، فتح العزيز 5: 497، المجموع 5: 359، حلية العلماء 3: 23 (2) المهذب للشيرازي 1: 149 - 150، المجموع 5: 359، فتح العزيز 5: 497، حلية العلماء 3: 23.
(3) المجموع 5: 359، فتح العزيز 5: 497 - 498.
(4) المجموع 5: 361.
(5) سنن أبي داود 2: 100 - 101 / 1573، سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792، سنن الدار قطني 2: 90 - 91 / 3، وسنن البيهقي 4: 95

[ 50 ]

ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " ليس على العوامل من الإبل والبقر شئ، إنما الصدقات على السائمة الراعية، وكل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه فيه، فإذا حال الحول وجب عليه " (1). وقول الباقر عليه السلام: " الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول ولم يحركه " (2). وحكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: إذا استفاد المال زكاه في الحال، ثم تتكرر الزكاة بتكرر الحول (3)، لأنه مال تجب فيه الزكاة فوجبت حال استفادته كالحبوب والثمار. والفرق: أن الغلات يتكامل نماؤها دفعة، ولهذا لا تتكرر الزكاة فيها بخلاف هذه. مسألة 32: يشترط بقاء النصاب طول الحول، فلو نقص في وسطه أو أحد طرفيه وكمل اعتبر ابتداء الحول، من حين الكمال، وسقط حكم الأول عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأحمد (4). لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (5) وهو يقتضي مرور الحول على جميعه. ولأن ما اعتبر في طرفي الحول اعتبر في وسطه كالملك والاسلام. وحكي عن أبي حنيفة: أن النصاب إذا كمل طرفي الحول لم يضر نقصه

(1) الكافي 3: 534 / 1، التهذيب 4: 41 / 103، الاستبصار 2: 23 / 65.
(2) التهذيب 4: 35 / 90.
(3) المغني 2: 492، الشرح الكير 2: 461، المجموع 5، 361، حلية العلماء 3: 25، الميزان للشعراني 2: 2.
(4) المجموع 5: 360، المغني 2: 494، الشرح الكبير 2: 464.
(5) تقدمت مصادره في المسألة 31.

[ 51 ]

في وسطه (1). وليس بجيد. مسألة 33: وحولان الحول هو مضي أحد عشر شهرا كاملة على المال، فإذا دخل الثاني عشر وجبت الزكاة لأن لم تكمل أيامه، بل تجب بدخول الثاني عشر عند علمائنا أجمع. لقول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن رجل كانت له مائتا درهم فوهبها بعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا من الزكاة: " إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت عليه الزكاة " (2). فروع: أ - في احتساب الثاني عشر من الحول الأول أو الثاني إشكال ينشأ من أنه من تمام الأول حقيقة، ومن صدق الحولان باستهلال الثاني عشر. ب - لو تلف بعض النصاب قبل الحول فلا زكاة، وبعده يجب الجميع إن فرط وإلا فبالنسبة. ج - لو ارتد في أثناء الحول عن فطرة استأنف ورثته الحول، ولو كان عن غيرها أتم. مسألة 34: لا تجب الزكاة في السخال وهي أولاد الغنم أول ما تلدها حتى يحول عليها الحول من حين سومها، ولا يبنى على حول الأمهات، فلو كان عنده أربع، ثم نتجت وجبت الشاة إذا استغنت بالرعي حولا. ولو كان عنده خمس ستة أشهر، ثم نتجت خمسا، وتم الحول وجبت الزكاة في الخمس لا غير عند علمائنا، وبه قال الحسن البصري والنخعي (3). لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (4)

(1) بدائع الصنائع 2: 51، المغني 2: 495 (2) الكافي 3: 526 / 4، ا لتهذيب 4: 36 / 92.
(3) المغني 2: 470، الشرح الكير 2: 460، المجموع 5: 374، حلية العلماء 3: 29.
(4) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 31

[ 52 ]

ولأصالة البراءة. وقال الشافعي: السخال تضم إلى الأمهات في حولها بثلاث شرائط: أن تكون متولدة منها، وأن تكون الأمهات نصابا، وأن توجد معها في بعض الحول، فلو لم تكن متولدة منها، بل كان الأصل نصابا، فاستفاد مالا من غيرها، وكانت الفائدة من غير عينها لم تضم إليها، وكان حول الفائدة معتبرا بنفسها سواء كانت الفائدة من جنسها بأن يحول على خمسة من الإبل ستة أشهر، ثم تملك خمسا منها أو من غير جنسها مثل أن حال على خمسة من الإبل ستة أشهر، ثم ملك ثلاثين بقرة. ولو ملك عشرين شاة ستة أشهر فزادت حتى بلغت أربعين كان ابتداء الحول من حين كملت نصابا سواء كانت الفائدة من عينها أو من غيرها، لقصور الأمهات عن النصاب. ولو وجدت بعد انقضاء الحول لم تضم إليها. واحتج على التبعية: بقول علي عليه السلام: " اعتد عليهم بالكبار والصغار " (1). وقال عمر لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة (2). ولا مخالف لهما فكان إجماعا، ولأن النماء إذا تبع الأصل في الملك تبعه في الزكاة كأموال التجارة (3). والجواب: نقول بموجب الحديث، فإن السخال والصغار تجب فيهما الزكاة مع حصول السوم، ونمنع حكم الأصل. ونازع أبو حنيفة الشافعي في الشرط الأولى، فقال: إذا استفاد سخالا

(1 و 2) أورد قولهما أبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 150 - 151، والرافعي في فتح العزيز 5: 483، وانظر أيضا لقول عمر: الموطأ 1: 265 ذيل الحديث 26، وسنن البيهقي 4: 101.
(3) المهذب للشيرازي 1: 150 - 151، المجموع 5: 373 - 374، فتح العزيز 5: 483.

[ 53 ]

من غير غنمه في أثناء الحول ضم إلى ماله إذا كان من جنسه، وكان حول الأمهات حول السخال، وإن لم تكن من جنسه كسخال الإبل مع الغنم لم تضم، فلو كان عنده خمس من الإبل حولا إلا يوما فملك خمسا من الإبل، ثم مضى اليوم زكى المالين معا، وبه قال مالك (1). لكن انفرد أبو حنيفة بأنه إن زكى بدلها لم تضم مثل أن كان عنده خمس من الإبل ومائتا درهم أخرج زكاة المائتين، ثم اشترى بها خمسا من الإبل لم تضم إلى التي كانت عنده في الحول، وإن لم يزك المبدل ضمهما معا، ولو كان عنده عبد وأخرج زكاة الفطرة عنه، ثم اشترى به خمسا من الإبل ضمها إلى ما عنده (2). واحتج أبو حنيفة على الضم وإن لم يكن من أصله: بأن الحول أحد شرطي الزكاة فوجب أن يضم المستفاد إلى النصاب فيه كالنصاب - وينتقض بالمزكى بدله - ولأن الضم في النصاب إنما هو في المستقبل فكذا في الحول. وينتقض بقوله عليه السلام: (ليس في مال المستفيد زكاة حتى يحول عليه الحول) (3). ولأنها فائدة لم تتولد مما عنده فلم تضم إليه في حوله كالتي زكي بدلها أو كانت من غير جنسه. ونازع مالك الشافعي في الشرط الثاني، فقال: لو كانت الغنم أقل من أربعين، ومض عليها بعض الحول، ثم توالدت وتمت الأربعين اعتبر الحول من حين ملك الأصول، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؟ لأن السخال إنما تضم في الزكاة فتجب أن تضم إلى ما دون النصاب كأرباح التجارات (4).

(1) المجموع 5: 374، فتح العزيز 5: 483 - 484، القوانين الفقهية: 107 - 108.
(2) فتح العزيز 5: 484.
(3) سنن الدار قطني 2: 90 / 2، سنن البيهقي 4: 104.
(4) المدونة الكبرى 1، 313، الكافي في فقه أهل المدينة: 92، التفريع 1: 283، المغني 2: 470 - 471، حلية العلماء 3: 29.

[ 54 ]

ونمنع الحكم في الأصل، وللفرق بأن مراعاة القيمة في كل حال يشق فاعتبر آخر الحول بخلاف السخال، لأن الزكاة تجب في عينها فلا يشق ذلك فيه فاعتبر في جميع الحول، كما لو تمت بغير سخالها. فروع: أ - لو نتجت بعد الحول وقبل إمكان الأداء لم تضم عندنا، وهو ظاهر. وللشافعي قولان مبنيان على وجوب الزكاة هل يتعلق بإمكان الأداء أم لا؟ فإن قيل: بإنه شرط الوجوب ضمت، وإن قيل: إنه شرط الضمان لم تضم (1). ب - لا تؤخذ السخلة في الزكاة إجماعا، أما عندنا، فلعدم الوجوب، وأما المخالف؟ فلقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم (2). ولو كان النصاب كله صغارا جاز أخذ الصغيرة، وإنما يتصور عندهم لو بدل كبارا بصغار في أثناء الحول، أو كان عنده نصاب من الكبار فتوالدت نصابا من الصغار ثم ماتت الأمهات، وحال الحول على الصغار، وهو ظاهر قول أحمد (3). وقال مالك: لا يؤخذ إلا كبيرة تجزي في الأضحية (4)، لقوله عليه السلام: (إنما حقنا في الجذعة أو الثنية) (5). وهو محمول على ما فيه كبار. ج - لو ملك نصابا من الصغار انعقد عليه حول الزكاة من حين ملكه إذا

(1) المجموع 5: 373، فتح العزيز 5: 473، حلية العلماء 3: 32.
(2) نقله ابنا قدامة في المغني 2: 470، والشرح الكبير 2: 509. (3 و 4) المغني 2: 471، الشرح الكبير 2: 506.
(5) أورده ابنا قدامة في المغني 9: 471، والشرح الكبير 2: 506.

[ 55 ]

صدق عليه اسم السوم وإلا فلا. وقال أبو حنيفة وأحمد - في رواية -: لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنا يجز مثله في الزكاة، وهو محكي عن الشعبي (1). لقوله عليه السلام: (ليس في السخال زكاة) (2). ولأن السن معنى يتغير به الفرض فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد. وفي رواية عن أحمد: أنها ينعقد عليها الحول من حين الملك وإن لم تكن سائمة؟ لأنها تعد مع غيرها فتعد منفردة كالأمهات (3)، والعلة ممنوعة. د - قد بينا أنه لا زكاة في السخال، ولا تضم مع الأمهات، وعند الشافعي تضم بالشروط الثلاثة (14). فلو اختلف الساعي ورب المال في شرط منها، فقال المالك: هذه السخال من غيرها، أو كانت أقل من نصاب، أو نتجتها بعد تمام الحول. وخالف الساعي، قدم قول المالك؟ لأنه أمين فيما في يده، لأنها تجب على طريق المواساة والرفق، فقبل قوله فيه من غير يمين. ه‍ - إذا ضمت السخال إلى الأمهات - على رأي الشافعي - ثم تلف بعض الأمهات أو جميعها وبقي نصاب لم ينقطع الحول، وبه قال مالك (5)، لأن السخال قد ثبت لها حكم الحول تبعا للأمهات، فصارت كما لو كانت موجودة في جميع الحول، فموت الأمهات أو نقصانها لا يبطل ما ثبت لها، كما أن ولد أم الولد ثبت له حكم الاستيلاد على وجه التبع لامه، فإذا ماتت

(1) المغني 2: 473، الشرح الكبير 2: 464، حلية العلماء 3: 29. (2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 473، والشرح الكبير 2: 464.
(3) المغني 2: 473، الشرح الكبير 2: 463.
(4) المهذب للشيرازي 1: 150 - 151، المجموع 5: 373 - 374، فتح العزيز 5: 483 (5) التفريع 1: 281 - 282، بلغة السالك 1: 207، فتح العزيز 5: 379 - 380، حلية العلماء 3: 29.

[ 56 ]

الأم لم يبطل حكم الاستيلاد للولد. وقال بعض الشافعية: إذا نقصت الأمهات عن النصاب بطل حكم الحول فيها وفي السخال، لأن السخال إنما ضمت إليها على وجه التبع، فإذا نقصت الأمهات لم تتبعها السخال، كما لا تتبعها في الابتداء لو كانت ناقصة (1). ولو تلفت جميع الأمهات، قال الشافعي: لا ينقطع الحول إذا كانت نصابا (2)، لأن كل نوع يعد في الزكاة مع غيره يعد وحده كالثنايا والجذاع. وقال أبو حنيفة: ينقطع الحول وإن كانت نصابا، ولو بقي واحدة لم ينقطع (3). ولو ملك أربعين صغيرة انعقد الحول عند الشافعي (4)، خلافا له (5)، لقوله عليه السلام: (ليس في السخال زكاة) (6). و - لو كانت في الإبل فصلان، وفي البقر عجاجيل، فإن سامت حولا اعتبرت، وإلا فلا، والمخالفون في السخال خالفوا هنا. إذا عرفت هذا، فلو كانت الإبل كلها فصلانا والبقر عجاجيل أخذ واحد منها.

(1) المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 373 - 374، فتح العزيز 5: 380، حلية العلماء 3: 29.
(2) الأم 2: 12، مختصر المزني: 42، المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 373، فتح العزيز 5: 380، و 486.
(3) بدائع الصنائع 2: 31 - 32، شرح العناية 2: 139، فتح العزيز 5: 380 و 487، حلية العلماء 3: 29.
(4) فتح العزيز 5: 380، مغني المحتاج 1: 376.
(5) المغني 2: 473 الشرح الكبير 2: 464، فتح العزيز 5: 380، شرح فتح القدير 2: 139 - 140.
(6) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الفرع " ج ".

[ 57 ]

وقال بعض الشافعية: لا يؤخذ إلا السن المنصوص عليه، لأنا لو أخذنا واحدا منها لسوينا بين خمس وعشرين وإحدى وستين، وأخذنا فصيلا من كل واحد من العددين وهو غير جائز، فتؤخذ كبيرة بالقيمة بأن يقول: كم قيمه خمس وعشرين كبارا؟ فإذا قيل: مائة، قيل: كم قيمة بنت مخاض؟ فإذا قيل: عشرة، فيقال: كم قيمتها فصلانا؟ فيقال: خمسون. أخذ بنت مخاض قيمتها خمسة (1). وقال بعض الشافعية: إنما يفعل ذلك ما دام الفرض يتغير بالكبر، فإذا تغير بالعدد كست وسبعين أخذ من الصغار (2). وليس بجيد؟ لأدائه إلى التسوية بين الأربعين والخمسين، وبين الثلاثين والأربعين في البقر، والنبي صلى الله عليه وآله فرق بينهما (3). مسألة 35: أول نصب الإبل خمس، وفيها شاة، فلا يجب فيما دونها شئ، ثم عشر، وفيه شاتان، ثم خمس عشرة، وفيه ثلاث شياه، ثم عشرون، وفيه أربع شياه، وهذا كله بإجماع علماء الاسلام. فإذا بلغت خمسا وعشرين، فأكثر علمائنا على أن فيها خمس شياه إلى ست وعشرين، ففيها حينئذ بنت مخاض (4). لقول علي عليه السلام: " في خمس وعشرين خمس شياه " (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " في خمس

(1) فتح العزيز 5: 380 - 381.
(2) فتح العزيز 5: 381.
(3) سنن أبي داود 2: 100 و 101 / 1572 و 1576، سنن الترمذي 3: 20 / 622، سنن النسائي 5: 25 - 26، سنن الدار قطني 2: 94 / 2، وسنن البيهقي 4: 98 - 99.
(4) منهم: السيد المرتضى في الانتصار: 80 والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 191، وسلار في المراسم 129 - 130، والمحقق في المعتبر: 259.
(5) سنن البيهقي 4: 93.

[ 58 ]

وعشرين خمس من الغنم " (1). ولأن الخمس الزائدة على العشرين كالخمس السابقة، ولأنا لا ننتقل من الشاة إلى الجنس بزيادة خمس في شئ من نصب الزكاة المنصوصة. وقال ابن أبي عقيل منا: في خمس وعشرين بنت مخاض (2)، وهو قول الجمهور (3) كافة، لأن أبا بكر كتب لانس لما وجهه إلى البحرين كتاب الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وآله: فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها بنت مخاض " (5). ونمنع الاحتجاج برواية أبي بكر، لجواز أن يكون رأيا له، أو يضمر فيها زيادة واحدة، وهو جواب الثانية. وقال ابن الجنيد: يجب بنت مخاض أو ابن لبون، فإن تعذر فخمس شياه (6). مسألة 36: إذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة وبلغت إحدى وستين (1) المعتبر: 259، الفقيه 2: 12 / 33 وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام، والتهذيب 4: 20 / 52، والاستبصار 2: 19 / 56 وفيهما عن الإمام الصادق عليه السلام.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 259 (3) المجموع 5: 389، فتح العزيز 5: 318، المنعي 2: 437، الشرح الكبير 2: 482، بدائع الصنائع 2: 26، بداية المجتهد 1: 259، حلية العلماء 3: 34.
(4) صحيح البخاري 2: 146، سنن أبي داود 2: 96 / 1567، سنن النسائي 5: 18 - 19، وسنن البيهقي 4: 85.
(5) الكافي 3: 531 / 1، التهذيب 4: 22 / 55، الاستبصار 2: 20 / 59.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 259.

[ 59 ]

ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا صارت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا صارت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء، لأنه في كتاب أبي بكر لانس (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها خمس من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون أنثى إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى (خمس و) (2) سبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة " (3) مسألة 37: إذا زادت على مائة وعشرين ولو واحدة وجب في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فتجب هنا ثلاث بنات لبون إلى مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون إلى مائة وأربعين ففيها حقتان وبنت لبون إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق، وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ عند علمائنا، وبه قال ابن عمر وأبو ثور والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين، ومالك في إحدى الروايتين (4). لقوله صلى الله عليه وآله: (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون) (5) والواحدة زيادة.

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة السابقة (35).
(2) زيادة أثبتناها من المصدر.
(3) التهذيب 4: 20 / 52، الاستبصار 2: 19 / 56 (4) الأم 2: 4، المهذب للشيرازي 1: 152، المجموع 5: 400، حلية العلماء 3: 36، فتح العزيز 5: 319، المغني 2: 445، - 446، الشرح الكبير 2: 486 - 487، التفريع 1: 282، بداية المجتهد 1: 259.
(5) صحيح البخاري 2: 146، سنن النسائي 5: 20، سنن أبي داود 2: 97 / 1567، وسنن البيهقي 4: 85.

[ 60 ]

وفي لفظ: (إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون " (2). ولأن سائر ما جعله النبي صلى الله عليه وآله غاية للفرض إذا زاد عليه واحدة تغير الفرض. وقال أحمد - في الرواية الأخرى - وأبو عبيد: لا يتغير الفرض حتى تبلغ مائة وثلاثين فيكون فيها حقة وبنتا لبون، لأن الفرض لا يتغير بزيادة الواحدة كسائر الفروض، ولو سلم فكذا هنا، لأن الواحدة إنما (تغير) (3) بها مع ما قبلها فأشبهت الواحدة الزائدة على الستين (والتسعين) (4) (5). وقال مالك في الرواية الأخرى: إذا زادت واحدة تغير الفرض إلى تخيير الساعي بين الحقتين وثلاث بنات لبون (6). وقال ابن مسعود والنخعي والثوري وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة إلى مائة وأربعين ففيها

(1) سنن الدار قطني 2: 115 / 3.
(2) الكافي 3: 531 / 1، التهذيب 4: 22 / 55، الاستبصار 2: 20 / 59.
(3) أي: تغير الفرض. وورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: يعتبر. وفي الطبعة الحجرية: يعتد. وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير. لاحظ: المصادر في الهامش (5) الآتي.
(4) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: السبعين وما أثبتناه من المغني والشرح الكبير. لاحظ: الهامش التالي.
(5) المعني 2: 445 - 446، الشرح الكبير 2: 487، والمجموع 5: 400، وفتح العزير 5: 320.
(6) التفريع 1: 282، بداية المجتهد 1: 259، الشرح الصغير 1: 208، المجموع 5: 400، فتح العزيز 5: 320، حلية العلماء 3: 36.

[ 61 ]

حقتان وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فيكون فيها حقتان وبنت مخاض إلى مائة وخمسين، ففيها ثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة أيضا بالغنم، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة، فيكون في كل خمس شاة إلى مائة وسبعين، فيكون فيها ثلاث حقاق وأربع شياه، فإذا بلغت خمسا وسبعين ففيها ثلاث حقاق وبنت مخاض إلى مائة وخمس وثمانين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائة وخمس وتسعين، فإذا زادت واحدة ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم يعمل في كل خمسين ما عمل في الخمسين التي بعد مائة وخمسين إلى أن ينتهي إلى الحقاق، فإذا انتهى إليها انتقل إلى الغنم، ثم بنت مخاض، ثم بنت لبون، ثم حقة، وعلى هذا أبدا (1). لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كتب لعمرو بن حزم كتابا ذكر فيه الصدقات والديات وغيرها، فذكر فيه: (إن الإبل إذا زادت على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة في كل خمس شاة، وفي عشر شاتان) (2). وقد روي عن عمرو بن حزم (3) مثل قولنا وإذا اختلفت روايته سقطت، أو تزاد إذا زادت في أثناء الحول؟ فإن الزيادة لها حكم نفسها، أو نقول: استؤنفت بمعنى استقرت على هذين الشيئين. وقوله: (في كل خمس شاة) يحتمل أن يكون تفسير الراوي على ظنه. ولأن ما قلناه موافق للقياس، فإن الجنس إذا وجب فيه من جنسه لا يجب فيه من غير جنسه، وإنما جاز ذلك في الابتداء، لأنه لم يحتمل أن يجب فيه

(1) المغني 2: 446، الشرح الكبير 2: 488، بدائع الصنائع 2: 37، المبسوط للسرخسي 2: 151، اللباب 1: 139 - 140، المجموع 5: 400، حلية العلماء 3: 36.
(2) المراسيل - لأبي داود - 111 / 1، سنن البيهقي 4: 94 بتفاوت.
(3) سنن البيهقي 4: 89، المستدرك - للحاكم - 1: 396.

[ 62 ]

من جنسه وقد زال هذا المعنى. وروى الجمهور عن علي عليه السلام وعبد الله مثل قول أبي حنيفة (1) ولم يثبت عنهما. وقال ابن جرير: هو مخير بين مذهب الشافعي وأبي حنيفة (2). مسألة 38: لو كانت الزيادة على عشرين ومائة بجزء من بعير لم يتغير به الفرض إجماعا، لأن الأحاديث تضمنت اعتبار الواحدة، ولأن الاوقاص كلها لا يتغير فرضها بالجزء كذا هنا. وقال أبو سعيد الاصطخري: يتغير الفرض به، لأن الزيادة مطلقة عامة (3). وما ذكرناه أخص. مسألة 39: إذا اجتمع في نصاب الفريضتان كمائتين وكأربعمائة تخير المالك بين إخراج الحقاق؟ بنات اللبون عند علمائنا، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين (4). لقوله صلى الله عليه وآله في كتاب الصدقات: (فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت) (5). ولأنه قد اجتمع عددان كل واحد منهما سبب في إيجاب ما تعلق به الفرض، والجمع باطل، وتخصيص أحدهما ترجيح من غير مرجح فوجب التخيير.

(1) مصنف ابن أبي شيبة 3: 125، سنن البيهقي 4، 92.
(2) المجموع 5: 400 - 401، حلية العلماء 3: 37. (3) المهذب للشيرازي 1: 152، المجموع 5: 390، فتح العزيز 5: 318، حلية العلماء 3: 37.
(4) المغني 2: 448، الشرح الكبير 2: 489.
(5) المستدرك - للحاكم - 1: 393 - 394، سنن أبي داود 2: 98 - 99 / 1570، وسنن البيهقي 4: 91

[ 63 ]

وقال الشافعي في القديم: تجب الحقاق لا غير، وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية (1)، لأن الفرض يتغير بالسن في فرائض الإبل أكثر من تغيره بالعدد، فإن في مائة وستين أربع بنات لبون، ثم كلما زاد عشرا زاد سنا فيكون في مائة وتسعين ثلاث حقاق. وليس بشئ، لأن كل عدد تغير الفرض فيه بالسن فإنما تغير لقصوره عن إيجاب عدد الفرض. فروع: أ - الخيار إلى المالك عندنا، وبه قال أحمد في رواية (2). لقوله صلى الله عليه وآله لمعاذ: " إياك وكرائم أموالهم " (3). ولأنها زكاة ثبت فيها الخيار فكان ذلك لرب المال، كالخيار في الجبران بين شاتين أو عشرين درهما وبين النزول والصعود وتعيين المخرج. وقال الشافعي في الجديد: يتخير الساعي فيأخذ احظهما للفقراء، فإن أخرج المالك لزمه أعلى الفرضين (4)، لقوله تعالى: * ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (5). ولأنه وجد سبب الفرضين فكانت الخيرة إلى مستحقه أو نائبه كقتل العمد الموجب للقصاص أو الدية. ولا دلالة في الآية، لأنه إنما يأخذ الفرض بصفة المال فيأخذ من الكرائم

(1) المهذب للشيرازي 1: 154، المجموع 5: 411، فتح العزيز 5: 356، حلية العلماء 3: 47، المغني 2: 448، الشرح الكبير 2: 489 - 490.
(2) المغني 2: 448، الشرح الكبير 2: 490.
(3) صحيح " مسلم 1: 55 / 29، سنن أبي داود 2: 104 / 1584، سنن الترمذي 3: 21 / 625، مسند أحمد 1: 233، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 126.
(4) المغني 2: 448، الشرح لكبير 2: 490.
(5) البقرة: 267.

[ 64 ]

مثلها، والأدنى ليس بخبيث، ولهذا لو لم يوجد إلا سببه وجب إخراجه، ونمنع الأصل، ويبطل بشاة الجبران، وقياس الزكاة على الزكاة أولى من قياسها على الدية. ب - التخيير إذا وجد الفرضان عنده، فإن وجد أحدهما احتمل تعين الفرض فيه، لعدم الآخر، وهو قول الشافعي (1) بناء على التخيير، وتخيير المالك في إخراجه وشراء الآخر، لأن الزكاة لا تجب في العين، وهو قول بعض الجمهور (2)، وهو أقوى. ولو عدمهما تخير في شراء أيهما كان، لاستقلال كل منهما بالابراء، ولأنه إذا اشترى أحدهما تعين الفرض فيه، لعدم الآخر، وبه قال الشافعي (3). ج - لو أراد إخراج الفرض من النوعين، فإن لم يحتج إلى تشقيص جاز مثل أن يخرج عن أربعمائة أربع حقاق وخمس بنات لبون، وبه قال أكثر الشافعية (1). وقال أبو سعيد الاصطخري: لا يجوز؟ لما فيه من تفريق الفريضة (5). وهو غلط لأن كل واحدة من المائتين منفردة بغرضها. وإن احتاج بأن يخرج عن المائتين حقتين وبنتي لبون ونصف جاز بالقيمة لا بدونها، لعدم ورود الشرع بالتشقيص إلا من حاجة، ولهذا جعل لها أوقاصا دفعا للتشقيص عن الواجب فيها، وعدل فيما نقص عن ست وعشرين من الإبل عن إيجاب الإبل إلى إيجاب الغنم، فلا يصار إليه مع إمكان العدول عنه إلى إيجاب فريضة كاملة، أما بالقيمة فيجوز، لتسويغ إخراجها.

(1) الأم 2: 6، المهذب للشيرازي 1: 154، المجموع 5: 411.
(2) قال به ابنا قدامة في المغني 2: 449، والشرح الكبير 2: 491.
(3) المجموع 5: 411، فتح العزيز 5: 352.
(4) المهذب للشيرازي 1، 155، فتح العزيز 5: 357، حلية العلماء 3: 49.
(5) المهذب للشيرازي 1: 155، فتح العزيز 5: 356، حلية العلماء 3: 49.

[ 65 ]

د - لو أخذ الساعي الأدنى جاز، ولا يخرج رب المال الفضل وجوبا، لما بينا من تخيير المالك. وقال الشافعي: يخرج الفضل وجوبا - في أحد الوجهين - لأنه أخرج دون الواجب فكان عليه الاكمال، وفي الآخر: مستحب (1)، كما بيناه. فعلى الأول لو كان يسيرا لا يمكن شراء جزء حيوان به أخرجه دراهم، وإن أمكن فوجهان (2): الشراء، لعدم جواز إخراج القيمة عنده، وإخراج الدراهم؟ لمشقة شراء الجز وإخراجه وعدم النص فيه، بخلاف الكل. وقال بعض الشافعية: إن كان المأخوذ باقيا رده الساعي وأخذ الأعلى وإلا رد قيمته وأخذ الأعلى (1). وقال بعضهم: يخرج الفضل مع التلف (4). مسألة 40: لو وجد أحد الفرضين ناقصا والآخر كاملا أخذ الكامل، مثل: أن يجد في المائتين خمس بنات لبون وثلاث حقاق تعين أخذ الفريضة الكاملة لأن الجبران بدل يشترط له عدم المبدل، نعم لو ساوت قيمته جاز. ولو كانا ناقصين بأن كان فيه ثلاث حقاق وأربع بنات لبون تخير، إن شاء أخرج بنات اللبون وحقة وأخذ الجبران، وإن شاء أخرج الحقاق وبنت اللبون مع الجبران. ولو قال: خذ مني حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لكل واحدة لم يجز إلا على القيمة. وللشافعي وجهان: المنع، لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى

(1) المهذب للشيرازي 1: 154، المجموع 5: 412 - 413، فتح العزيز 5: 354، حلية العلماء 3: 47 - 48. (2 و 3) فتح العزيز 5: 354.
(4) حلية العلماء 3: 48.

[ 66 ]

الجبران، والجواز، لأنه لا بد من الجبران، فكما جاز مع واحدة جاز مع أكثر (1). ولو لم يجد إلا حقة وأربع بنات لبون أداها وأخذ الجبران، وهل له دفع الحقة وثلاث مع الجبران؟ إشكال. مسألة 41: من وجب عليه سن وليست عنده، وعنده أعلى بمرتبة كان له دفعها واستعادة الجبر بينهما وهو شاتان أو عشرون درهما. وإن كان عنده أدون بمرتبة دفعها ودفع معها شاتين أو عشرين درهما، كمن وجب عليه بنت مخاض وعنده بنت لبون دفعها واستعاد، وبالعكس يدفع بنت المخاض والجبران. وكذا لو وجب عليه بنت لبون وعنده حقة، أو بالعكس، أو وجب عليه حقة وعنده جذعة، أو بالعكس عند علمائنا أجمع، وبه قال النخعي والشافعي وابن المنذر وأحمد (2). لقوله عليه السلام: (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين) (3) وساق الحديث إلى باقي المراتب. ومن طريق الخاصة قول أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه الذي كتبه بخطه لعامله على الصدقة: " من بلغت عنده من إبل الصدقة الجذعة وليست

(1) المهذب للشيرازي 1: 155، المجموع 5: 414، فتح العزيز 5: 355، حلية العلماء 3: 49 الشرح الكبير 2: 492 (2) المجموع 5: 410، حلية العلماء 3: 45 - 46، المغني 2: 451، الشرح الكبير 2: 494 (3) صحيح البخاري 2: 145، سنن الدارقطني 2: 113 / 2، سنن البيهقي 4: 85.

[ 67 ]

عنده وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده جذعة قبلت منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون قبلت منه ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده حقة قبلت منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض قبلت منه، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون قبلت منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما " (1). وحكي عن الثوري وأبي عبيد وإسحاق في إحدى الروايتين، أنهم قالوا: الجبران شاتان أو عشرة دراهم. لأن عليا عليه السلام قال: " إذا أخذ الساعي في الإبل سنا فوق سن أعطى شاتين أو عشرة دراهم " (2). ولأن الشاة مقومة في الشرع بخمسة دراهم؟ لأن نصابها أربعون ونصاب الدراهم مائتان (3). والحديث ضعيف السند عندهم، ولا اعتبار بما ذكروه في النصب، فإن نصاب الإبل خمسة، والذهب عشرون، وليس البعير مقوما بأربعة. وقال أصحاب الرأي: يدفع قيمة ما وجب عليه أو دون السن الواجبة وفضل ما بينهما دراهم احترازا من ضرر المالك أو الفقراء (4). وليس بمعتمد، فإن التخريج لا يصار إليه مع وجود النص. إذا ثبت هذا، فإن ابن اللبون يجزي عن بنت المخاض وإن كان قادرا

(1) الكافي 3: 539 / 7 التهذيب 4: 95 / 273، والمقنعة: 41.
(2) مصنف عبد الرزاق 4: 39 / 6902.
(3) المغني 2: 451، الشرح الكبير 2: 494، المجموع 5: 410 (4) المغني 2: 451، الشرح الكبير 2: 495، الهداية للمرغيناني 1: 101.

[ 68 ]

على شراء بنت المخاض، ولا جبران إجماعا. لقوله عليه السلام: (فإن لم تكن فيها بنت مخاض فابن لبون) (1). ومن طريق الخاصة قول علي عليه السلام: " ومن لم تكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شئ " (2) ولأن علو السن جبر نقص الذكورة. ولو وجدهما لم يجزئ أبن اللبون وإن كانت بنت المخاض أعلى من صفة الواجب، بل يخرجها أو يبتاع بنت مخاض مجزئة. ولو كانت بنت المخاض مريضة أجزأه ابن اللبون، لأن المريضة غير مقبولة عن الصحاح فكانت كالمعدومة. ولو عدمهما جاز أن يشتري مهما شاء، وبه قال الشافعي (3)، لأنه مع ابتياعه يكون له ابن لبون فيجزئه. وقال مالك: يجب شراء بنت مخاض، لأنهما استويا في العدم فلا يجزئ ابن اللبون كما لو استويا في الوجود (4). والفرق: وجود بنت المخاض هنا، بخلاف العدم. فروع: أ - لو عدم السن الواجبة والتي تليها كمن وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة ووجد بنت لبون، أو وجب عليه بنت مخاض فعدمها وعدم بنت اللبون ووجد الحقة فالأقرب جواز الانتقال إلى الثالث مع الجبران فيخرج بنت اللبون عن الجذعة، ويدفع معها أربع شياه أو أربعين درهما، ويخرج الحقة عن بنت

(1) سنن الدارمي 1: 382.
(2) الكافي 3: 539 / 7، التهذيب 4: 95 / 273، والمقنعة: 41.
(3) فتح العزيز 5: 349، حلية العلماء 3: 43.
(4) فتح العزيز 5: 349، حلية العلماء 3: 43، بدابة المجتهد 1: 261، الشرح الصغير 1: 208.

[ 69 ]

المخاض ويسترد أربع شياه أو أربعين درهما - وهو اختيار الشيخ (1) والشافعي (2) - لأنه قد جوز الانتقال إلى السن الذي يليه مع الجبران، وجوز العدول عن ذلك أيضا إذا عدم مع الجبران إذا كان هو الفرض، وهنا لو كان موجودا أجزأ، فإذا عدم جاز العدول إلى ما يليه مع الجبران. ولأن الأوسط يجزئ بدله، لتساويهما في المصالح المطلوبة شرعا، وإلا لقبح قيامه مقامه، ومساوي المساوي مساو. وقال ابن المنذر: لا يجوز الانتقال إلا بالقيمة؟ لأن النص ورد بالعدول إلى سن واحدة فيجب الاقتصار عليه (3). وهو ممنوع. ب - يجوز العدول عن الجذعة إلى بنت المخاض، وبالعكس مع عدم الأسنان المتوسطة بينهما، فيؤدي مع دفع الناقصة ست شياه أو ستين درهما، ويسترد مع دفع الكاملة ست شياه أو ستين درهما. ج - إذا وجد السن الذي يلي الواجب لم يجز العدول إلى سن لا يليه، لأن الانتقال عن السن التي تليه إلى السن الأخرى بدل فلا يجوز مع إمكان الأصل؟ فلو عدم الحقة وبنت اللبون، ووجد الجذعة وبنت المخاض، وكان الواجب الحقة لم يجز العدول إلى بنت المخاض، وإن كان الواجب بنت اللبون لم يجز إخراج الجذعة. د - لو أراد في الجبر من يعطي شاة وعشرة، فالأقرب عندي الجواز، لتساوي كل من الشاتين والعشرين. ومنعه الشافعي، لأنه تبعيض للجبران فلا يجوز، كما لا يجوز تبعيض الكفارة (4).

(1) المبسوط للطوسي 1: 194، النهاية: 180 - 181.
(2) فتح العزيز 5: 366 - 367، المغني 2: 452، الشرح الكبير 2: 496.
(3) المجموع 5: 408، المغني 2: 452، الشرح الكبير 2: 496، حلية العلماء 3: 46.
(4) المجموع 5: 409، فتح العزيز 5: 369.

[ 70 ]

والفرق: جواز إخراج قيمة المنصوص هنا، بخلاف ثم. ويجوز أن يخرج عن أربع شياه جبرانا شاتين وعشرين درهما، لأنهما جبرانان فهما كالكفارتين. ه‍ - لو أراد في فرض المائتين أن يخرج عن خمس بنات لبون خمس بنات مخاض، أو عن أربع حقاق أربع جذعات جاز أن يخرج بعض الجبران دراهم وبعضه شياها. و - لو عدم الفريضة ووجد ما يليها من الطرفين تخير في إخراج أيهما شاء، ويدفع مع الناقص ويستعيد مع الزائد، فلو وجب عليه بنت لبون وعنده بنت مخاض وحقة تخير، والأقرب إخراج ما فيه الغبطة للمساكين. ز - لا اعتبار بالقيمة السوقية هنا، فلو زاد الجبران الشرعي أو نقص عن التفاوت السوقي لم يعتد به، لأنه ساقط في نظر الشرع. والأقرب عندي أن ذلك مع التقارب أو الاشتباه، أما مع علم التفاوت الكثير فإشكال، لأدائه إلى عدم الإخراج بأن تكون بنت اللبون التي يدفعها عوضا عن بنت المخاض تساوي شاتين أو عشرين درهما. ح - الأقرب إجزاء بنت مخاض عن خمس شياه مع قصور القيمة عنها، لأنها تجزئ عن ست وعشرين فعن خمس وعشرين أولى. ويحتمل عدمه، لأن الواجب الفريضة أو قيمتها وليست إحداهما. وكذا الأشكال في إجزائها عن شاة في الخمس مع قصور القيمة، لأنها تجزئ عن ست وعشرين فعن خمس أولى. ط - لا جبران بين ما نقص عن سن بنت المخاص وبينها ولا بين ما زاد عن سن الجذعة وبينها، لأن الأولى أقل أسنان الإبل في الزكاة، والثانية أعلاها، نعم يجبر بالقيمة. ي - الجبران مختص بالزكاة دون غيرها من المقادير، فلا جبران في الديات، ولا في المنذورات.

[ 71 ]

يا - لا مدخل للجبران في غير الإبل اقتصارا على مورد النص، وليس غيرها في معناها، ولا نعلم فيه خلافا، فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد الأدون أو الأعلى أخرجها مع التفاوت أو استرده بالتقويم السوقي. ومن منع من القيمة أوجب في الأدون شراءها، فإن تطوع بالأعلى جاز، وإن وجب الأعلى كلف شراؤه (1). يب - لو كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة جاز له العدول إلى السفلى مع دفع الجبران المنصوص عليه، وليس له الصعود مع أخذ الجبران، لأن الجبران أكثر من الفضل الذي بين الفرضين، وقد يكون الجبران خيرا (2) من الأصل فإن قيمة الصحيحين أكثر من قيمة المريضين فكذلك قيمة ما بينهما. يج - لو كان المخرج ولي اليتيم وقلنا بالوجوب، فالأولى إخراج القيمة إن كان فيه الحظ، وإلا أخرج الناقص مع الجبران، أو دفع الزائد وأخذ الجبران، ولو كان إخراج القيمة أولى لم يجز للولي دفع الناقص مع الجبران، أما لو كان إخراج القيمة أولى من العين فإنه يجوز إخراج العين. يد - لو أخرج بدل الجذعة ثنية فالأقرب عدم إجابة أخذ الجبران لو طلبه، لأن المؤدى ليس من أسنان الزكاة فلا يؤخذ له الجبران، كما لو أخرج فصيلا مع الجبران، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: الجواز، لزيادة السن (3). مسألة 42: شرط سلار منا في زكاة الإبل والبقر والغنم الأنوثة في

(1) انظر المغني 2: 453، والشرح الكبير 2: 498. (2) ورد في النسخ الخطية " ط وف ون ": جزءا وهو تصحيف. وما أثبتناه من نسخة " م " وهو الصحيح كما ورد كذلك في المنتهى 1: 485 ومخطوطة نهاية الأحكام، كلاهما للمصنف رحمه الله، والكلمة ساقطة من مطبوعة النهاية، راجع ج 2 ص 326 (3) المهذب للشيرازي 1: 154، المجموع 5: 407، فتح العزيز 5: 365 - 366.

[ 72 ]

النصاب، فلا زكاة في الذكران وإن بلغت النصاب (1)، لدلالة الأحاديث على أن في خمس من الإبل شاة (2)، وإنما يتناول الاناث إذ مدلول إسقاط التاء من العدد ذلك، ولأن الشرط اتخاذها للدر والنسل وإنما يتحقق في الاناث، وللبراءة الأصلية. وباقي الأصحاب لم يشترطوا ذلك؟ لعموم قول الصادق عليه السلام: " ليس فيما دون الأربعين من الغنم شئ، فإذا كانت أربعين ففيها شاة " (3). ولا دلالة في الحديث، إذ ليس فيه منع من الوجوب في الذكورة فيبقى ما قلناه سالما عن المعارض، ونمنع الشرط، بل السوم وأن لا تكون عوامل، والبراءة معارضة بالاحتياط خصوصا مع ورود العمومات.

(1) المراسم: 129.
(2) انظر على سبيل المثال: الكافي 3: 531 / 1، والتهذيب 4: 22 / 55، والاستبصار 2: 20: 59.
(3) التهذيب 4: 25 / 59، الاستبصار 2: 23 / 62.

[ 73 ]

الفصل الثاني في زكاة البقر مسألة 43: زكاة البقر واجبة بالسنة والاجماع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن تنطحه بقرنها وتطؤه بأخفافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس) (1). وقد أجمع المسلمون كافة على وجوب الزكاة فيها، ولأنها أحد أصناف بهيمة الأنعام فوجبت الزكاة في سائمتها كالابل. مسألة 44: وشروطها أربعة كالابل: الملك، والنصاب، والسوم، والحول، وهما متساويان فيها إلا النصاب فإن في البقر نصابين. الأول: ثلاثون، فلا زكاة فيما نقص عن ثلاثين من البقر بإجماع علمائنا، وهو قول عامة أهل العلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وأله بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة (2).

(1) سنن ابن ماجة 1: 569 / 1785، سنن النسائي 5: 29، مسند أحمد 5: 157 - 158، وسنن البيهقي 4: 97.
(2) سنن الترمذي 3: 20 / 623، سنن ابن ماجة 1: 576 / 1803، سنن النسائي 5: 25 - 26، سنن أبي داود 2: 101 / 1576.

[ 74 ]

ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " في البقر في كل ثلاثين بقره تبيع حولي، وليس في أقل من ذلك شئ، وفي أربعين بقرة بقرة مسنة " (1). وحكي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: في كل خمس من البقر شاة إلى أن تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ففيها تبيع (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله سوى بين البقرة والبدنة في الهدي، وجعل كل واحدة منهما بسبع شياه (3)، فينبغي أن يقاس البقر عليها في إيجاب الشاة. وهو غلط، لأن خمسا من الإبل تقوم مقامها خمس وثلاثون من الغنم، ولا تجب فيها الشاة الواجبة في الإبل. النصاب الثاني: أربعون، وعليه الاجماع فإنا لا نعلم فيه مخالفا. مسألة 45: والسوم شرط هنا كما تقدم في الإبل عند علمائنا أجمع، وهو قول أكثر الجمهور (4). لقول علي عليه السلام: " ليس في العوامل شئ " (5). وقول النبي صلى الله عليه وآله: (ليس في البقر العوامل صدقة) (6). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ، ولا على العوامل شئ، إنما الصدقة على السائمة الراعية " (7).

(1) الكافي 3: 534 باب صدقة البقر الحديث 1، التهذيب 4: 24 / 57.
(2) المغني 2: 456، الشرح الكبير 2: 501، المجموع 5: 416، حلية العلماء 3: 51.
(3) صحيح مسلم 2: 955 / 350 - 352، سنن الترمذي 3: 248 / 904.
(4) المغني 2: 456.
(5) سنن أبي داود 2: 99 - 100 / 1572.
(6) المعجم الكبير للطبراني 11: 40 / 10974، سنن الدار قطني 2: 103 / 2.
(7) راجع: الهامش (1) من هذه الصفحة.

[ 75 ]

ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة ولا توجد إلا في السائمة. وقال مالك: إن في العوامل والمعلوفة صدقة (1). كقوله في الإبل، وقد تقدم (2). مسألة 46: والفريضة في الثلاثين تبيع أو تبيعة يتخير المالك في إخراج أيهما شاء، وفي الأربعين مسنة، ثم ليس في الزائد شئ حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ذلك ففيها تبيعان أو تبيعتان إلى سبعين، ففيها تبيع أو تبيعة ومسنة، فإذا زادت ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة عند علمائنا أجمع، وهو قول الشعبي، والنخعي، والحسن، ومالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور، (3) لأن معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق أهل اليمن، فعرضوا علي أن أخذ مما بين الأربعين والخمسين، وبين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذلك وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقدمت وأخبرته فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن تبلغ مسنة أو جذعا يعني تبيعا (4).

(1) المدونة الكبرى 1: 313، بلغة السالك 1: 207، المغني 2: 456، الشرح الكبير 2: 501، فتح العزيز 5: 494، حلية العلماء 3: 22.
(2) تقدم في المسألة 29.
(3) الكافي في فقه أهل المدينة: 106، الشرح الصغير 1: 209، حلبة العلماء 3: 50، المجموع 5: 416، المغني 2: 457، الشرح الكبير 2: 501 - 502.
(4) مسند أحمد 5: 240.

[ 76 ]

ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " وليس فيما بين الأربعين إلى الستين شئ، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان " (1). وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها هذا، والثانية: أن فيما زاد على الأربعين بحسابه في كل بقرة ربع عشر مسنة، لأنه لا يمكن أن يجعل الوقص تسعة عشر فإن جمع أوقاصها تسعة تسعة، ولا يمكن أن يجعل تسعة؟ لأنه يكون إثباتا للوقص بالقياس، فيجب في الزيادة بحصتها. والثالثة: أنه لا شئ فيها حتى تبلغ خمسين فيكون فيها مسنة وربع، لأن سائر الاوقاص لا يزيد على تسعة كذا هنا (2). وكلاهما في مقابلة النص فلا يسمع، على أن الزيادة لا يتم بها أحد العددين فلا يجب بها شئ، كما لو زاد على الثلاثين ولم يبلغ الأربعين. مسألة 47: لا يخرج الذكر في الزكاة إلا في البقر فإن ابن اللبون ليس بأصل، إنما هو بدل عن بنت مخاض، ولهذا لا يجزئ مع وجودها، وإنما يجزئ الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين والتسعين، وما تركب من الثلاثين وغيرها كالسبعين فيها تبيع أو تبيعة ومسنة، والمائة فيها مسنة وتبيعان أو تبيعتان، ولا يجزئ في الأربعين وما تكرر منها كالثمانين إلا الاناث، وكذا في الإبل غير ابن اللبون، فلو أخرج عن الحقة حقا، أو عن الجذعة جذعا، أو عن بنت المخاض ابن مخاض لم يجزئ. ويجوز أن يخرج عن الذكر أنثى أعلى أو مساويا، فيجوز إخراج المسنة عن التبيع، ويجوز أن يخرج تبيعين ذكرين عن المسنة، لأنهما يجزيان عن الستين فعن الأربعين أولى، ولو أخرج أكبر من المسنة جاز.

(1) الكافي 3: 534 باب صدقة البقر، الحديث 1، التهذيب 4: 24 / 57.
(2) حلية العلماء 3: 51، بدائع الصنائع 2: 28، المبسوط للسرخسي 2: 187، اللباب 1: 141، المغني 2: 457، الشرح الكبير 2: 502.

[ 77 ]

ولا مدخل للجبران هنا فلو وجبت عليه مسنة ولم تكن عنده فأراد النزول إلى التبيع وإعطاء الجبران لم يجز إلا بالقيمة السوقية، لأن الزكاة لا يعدل فيها عن النصوص إلى غيره بقياس ولا نص هنا. ولو أخرج مسنا عن المسنة لم يجز إلا مع ضم قيمة التفاوت؟ لأن الأنثى خير من الذكر؟ لفضيلتها بالدر والنسل. مسألة 48: لو اجتمع الفرضان تخير المالك كمائة وعشرين إن شاء أخرج ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة، لأن الواجب أحدهما فيتخير، والخيرة إلى رب المال كما قلنا في زكاة الإبل، وهذا إنما يكون لو كانت إناثا، فإن كانت كلها ذكورا أجزأ الذكر بكل حال، لأن الزكاة مواساة فلا يكلف المواساة من غير ماله. وقال بعض الجمهور: لا يجزئه في الأربعينيات إلا الإناث؟ لأنه عليه السلام نص على المسنات (1). وليس بجيد؟ لأنا أجزنا الذكر في الغنم، مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الإناث فالبقر أولى، لأن للذكر فيها مدخلا. مسألة 49: الجواميس كالبقر بإجماع العلماء؟ لأنها من نوعها، كما أن البخاتي من نوع الإبل، فإن اتفق النصاب كله جواميس وجبت فيه الزكاة، وإن اتفق الصنفان أخرج الفرض من أحدهما على قدر المالين، فلو كان عنده عشرون بقرة عرابا، وعشرون جواميس، وقيمة المسنة من أحدهما إثنا عشر، ومن الآخر خمسة عشر أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف. ولو كان ثلث بقره سوسيا، وثلثه نبطيا، وثلثه جواميس، وقيمة التبيع السوسي أربعة وعشرون، والنبطي ثلاثون، والجاموس إثنا عشر، أخرج تبيعا

(1) المغني 2: 458، الشرح الكبير 2: 504.

[ 78 ]

قيمته اثنان وعشرون ثلث قيمة كل، واحد، اختاره الشيخ (1) رحمه الله، وبه قال أحمد (2)، لأنها أنواع جنس من الماشية فجاز الإخراج من أيها شاء. وقال الشافعي: القياس أن يؤخذ من كل نوع ما يخصه، واختاره ابن المنذر، لأنها أنواع تجب فيها الزكاة فتجب زكاة كل نوع منه كأنواع الثمرة والحبوب (3). ويشكل بأدائه إلى تشقيص الفرض، وقد عدل إلى غير الجنس فيما دون ست وعشرين لأجل التشقيص فالعدول إلى النوع أولى. وقال عكرمة ومالك وإسحاق والشافعي في قول: يخرج من أكثر العددين، فإن استويا أخرج من أيهما شاء كالغلات (4). وكذا البحث في الضأن والمعز والإبل البخاتي والعراب، والسمان والمهازيل، والكرام واللئام. وأما الصحاح مع المراض، والذكور مع الإناث، والكبار مع الصغار فيتعين صحيحة كبيرة أنثى على قدر قيمة المالين إلا أن يتطوع بالفضل. ولو أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله منه شئ أجزاء إن ساوى القيمة، لأنه أخرج من جنسه فجاز، كما لو كان المال نوعين فاخرج من أحدهما. وكذا (من منعه) (5) من إخراج القيمة، ويحتمل عنده العدم، لأنه

(1) المبسوط للطوسي 1: 201.
(2) المغني 2: 474 و 475، الشرح الكبير 2: 512 - 513، كشاف القناع 2: 193.
(3) المغني 2: 474 و 475، الشرح الكبير 2: 512، الأم 2: 10، المهذب للشيرازي 1: 156، المجموع 5: 425، فتح العزير 5: 385، وحلية العلماء 3: 56.
(4) المغني 2: 474، الشرح الكبير 2: 512، المنتقى - للباجي - 2: 133، الشرح الصغير 1: 209، المبسوط للسرخسي 2: 183، المهذب للشيرازي 1: 156، المجموع 5: 425، فتح العزيز 5: 385، وحلية العلماء 3: 56.
(5) كذا في النسخ الخطية والطبعة الحجرية وحق العبارة أن تكون هكذا: وكذا عند من منع من إخراج القيمة

[ 79 ]

أخرج من غير نوع ماله، فأشبه ما لو أخرج من غير الجنس (1). مسألة 55: ولا زكاة في بقر الوحش، ولا يجبر بها النصاب، وهو قول أكثر العلماء (2)، لأن اسم البقر يطلق عليه مجازا، ولا يفهم منه عند الاطلاق، ولا يحمل عليه إلا مع القيد، فيقال: بقر الوحش. ولعدم تحقق نصاب منها سائما حولا. ولأنه حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحية والهدي فلا تجب فيه الزكاة كالظباء. ولأنها ليست من بهم الأنعام فلا تجب فيها الزكاة كسائر الوحوش. والأصل أن وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام لكثرة النماء فيها من الدر والنسل وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفة مؤونتها. وعن أحمد رواية بوجوب الزكاة في بقر الوحش؟ لتناول اسم البقر لها فيدخل في مطلق الخبر (3). وقد بينا أنه مجاز، ولا خلاف في أنه لا زكاة في الظباء. مسألة 51: المتولد من الوحشي والانسي تجب الزكاة فيه إن أطلق عليه أسم الانسي من غير حاجة إلى قيد وإلا فلا، كالمتولد من بقر الوحش والانس، وكذا المتولد من الظباء والغنم. وقال أحمد: تجب فيه الزكاة سواء كانت الوحشية الفحول أو الأمهات، لأنها متولدة مما تجب فيه الزكاة وما لا تجب، فوجبت فيها الزكاة كالمتولد من السائمة والمعلوفة، ولأن غنم مكة يقال: إنها متولدة من الظباء والغنم، وفيها الزكاة إجماعا (4).

(1) راجع المغني 2: 475، والشرح الكبير 2: 513 (2 و 3) المغني 2: 459، الشرح الكبير 2: 436.
(4) المغني 2: 460، الشرح الكبير 2: 435.

[ 80 ]

والضابط ما ذكرناه من اعتبار الاسم كالمقيس عليه، وعلف الأمهات لا يسري إلى الأولاد. ويبعد ما قيل في غنم مكة، لأنها لو كانت متولدة من جنسين لم يكن لها نسل كالسمع المتولد من الذئب والضبع (1)، وكالبغال. وقال الشافعي: لا تجب سواء كانت الأمهات من الظباء أو الغنم؟ لأنه متولد من وحشي أشبه المتولد من وحشيين. ولأن الوجوب إنما يثبت بنص أو إجماع أو قياس، والكل منفي هنا؟ لاختصاص النص والإجماع بالإيجاب في بهيمة الأنعام من الازواج الثمانية وليست هذه داخلة في اسمها ولا حكمها ولا حقيقتها ولا معناها، فإن المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه وحكمه عنهما كالبغل فلا يتناوله النص، ولا يمكن القياس، لتباعد ما بينهما واختلاف حكمهما، فإنه لا يجزئ في هدي ولا أضحية ولا دية (2)، ولا نزاع معنا إذا لم يبق الاسم. وقال أبو حنيفة ومالك: إن كانت الأمهات أهلية وجبت الزكاة وإلا فلا، لأن ولد البهيمة يتبع أمه في الاسم والملك فيتبعها في الزكاة، كما لو كانت الفحول معلوفة (3). ونمنع التبعية في الاسم.

(1) أنظر: الصحاح 3: 1232.
(2) المجموع 5: 339، فتح العزيز 5: 315، المغني 2: 460، الشرح الكبير 2: 435.
(3) المبسوط للسرخسي 2، 183، بدائع الصنائع 2: 30، المغني 2: 460، الشرح الكبير 2: 435، المجموع 5: 339، فتح العزيز 5: 315.

[ 81 ]

الفصل الثالث في زكاة الغنم الزكاة واجبة في الغنم بإجماع علماء الاسلام. قال عليه السلام: (كل صاحب غنم لا يؤذي زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تمشي عليه فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما انقضى آخرها عاد أولها حتى يقضي الله بين الخلق في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (1). إذا ثبت هذا فإن شرائط الزكاة هنا كما هي في الإبل والبقر بالاجماع، نعم تختلف في مقادير النصب، والضأن والمعز جنس واحد بإجماع العلماء، والظباء مخالف للغنم إجماعا. مسألة 52: أول نصاب الغنم: أربعون، فلا زكاة فيما دونها، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة. الثاني: مائة وإحدى وعشرون فلا شئ في الزائد على الأربعين حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففيه شاتان. الثالث: مائتان وواحدة، فلا زكاة في الزائد حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيه ثلاث شياه، والكل بالاجماع.

(1) صحيح مسلم 2: 682 / 26، سنن أبي داود 2: 124 / 1658، سنن البيهقي 4: 81.

[ 82 ]

وحكي عن معاذ أن الفرض لا يتغير بعد المائة وإحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين واثنتين وأربعين ليكون مثلي مائة وإحدى وعشرين فيكون فيها ثلاث شياه (1). والإجماع على خلافه، على أن الراوي لها الشعبي وهو لم يلق معاذا (2). الرابع: ثلاثمائة وواحدة وفيه روايتان: إحداهما: أنه كالثالث ثلاث شياه، فلا يتغير الفرض بعد مائتين وواحدة حتى تبلغ أربعمائة فتجب في كل مائة شاة، وبه قال المفيد والسيد المرتضى (3)، وهو قول أكثر الفقهاء، والشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين (4). لقول النبي صلى الله عليه وآله في كتابه للسعاة: (إن في الغنم السائمة إذا بلغت أربعين شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة) (5).

(1) المغني 2: 462، الشرح الكبير 2: 515 (2) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، مات بالشام سنة 18. والشعبي هو: عامر بن شراحيل أبو عمرو، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين. انظر: أسد الغابة 4: 378، الاستيعاب بهامش الإصابة 3: 355 - 360، وتهذيب التهذيب 5: 59 / 110 و 10: 170 / 349.
(3) المقنعة: 39، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 123.
(4) المجموع 5: 417 - 418، فتح العزيز 5: 338، حلية العلماء 3: 52، الكافي في فقه أهل المدينة: 106، بداية المجتهد 1: 262، الشرح الصغير 1: 209، المبسوط للسرخسي 2: 182، بدائع الصنائع 2: 28، اللباب 1: 142، المعني 2: 463، الشرح الكبير 2: 515.
(5) سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن النسائي 5: 29، سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805.

[ 83 ]

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ليس فيما دون الأربعين شئ، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة " (1). الثانية (2): أنها إذا زادت على ثلاثمائة وواحدة ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة، وهو اختيار الشيخ (3) - رحمه الله - وأحمد في الرواية الأخرى، وبه قال النخعي والحسن بن صالح بن حي (4). لقول الباقر عليه السلام في الشاة: " في كل أربعين شاة شاة، وليس فيما دون الأربعين شاة شئ حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة، فإذا زاد على عشرين ومائة ففيها شاتان، وليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم ليس فيها أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة، فإن تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة شاة " (5). ولأن النبي صلى الله عليه وآله جعل ثلاثمائة حدأ للوقص وغاية له (6)،

(1) التهذيب 4: 25 / 59، الاستبصار 2: 23 / 62.
(2) أي: الرواية الثانية.
(3) المبسوط للطوسي 1: 199، الخلاف 2: 21، المسألة 17.
(4) المغني 2: 463، الشرح الكبير 2: 515 - 516. (5) الكافي 3: 534 / 1، التهذيب 4: 25 / 58، الاستبصار 2: 22 / 61، وفيها عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
(6) انظر سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن النسائي 5: 29، سنن الترمذي 3: 17 / 621، سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805، وسنن البيهقي 4: 86.

[ 84 ]

فتجب أن يتعقبه النصاب كالمائتين. أذا ثبت هذا، فلا خلاف في أن في أربعمائة أربع شياه، وفي خمسمائة خمس، وهكذا بالغا ما بلغت.

[ 85 ]

الفصل الرابع في الاشناق الشنق بفتح النون: ما بين الفرضين (1)، والوقص قال الفقهاء: بسكون القاف (2). وقال بعض أهل اللغة: بفتحه (3)، لأنه يجمع على (أوقاص) و (أفعال) جمع (فعل) لا جمع (فعل) فإن (فعلا) يجمع على (أفعل). وقد جاء - كما قال الفقهاء - هول وأهوال، وحول وأحوال، وكبر وأكبار، وبالجملة فهو ما بين النصابين (4) أيضا. قال الاصمعي: الشنق يختص بأوقاص الإبل، والوقص بالبقر والغنم (5). وبعض الفقهاء يخص الوقص بالبقر أيضا، ويجعل ناقص الغنم والنقدين والغلات عفوا؟ وكل ذلك لفظي. وقيل: الوقص ما بين الفرضين كما بين الثلاثين إلى الأربعين في البقر،

(1) الصحاح 4: 1503.
(2) المجموع 5: 392، وتهذيب الأسماء واللغات 4: 193، (3 و 4) الصحاح 3: 1061.
(5) المجموع 5: 392، وتهذيب الأسماء واللغات 4: 193.

[ 86 ]

والشنق ما دون الفريضة كالأربع من الإبل (1). مسألة 53: ما نقص عن النصاب الأول لا شئ فيه إجماعا، وكذا ما بين النصابين عند علمائنا، وإنما تتعلق الزكاة بالنصاب خاصة - وبه قال الشافعي في كتبه القديمة والجديدة، وأبو حنيفة، والمزني (2) - لأنه عدد ناقص عن نصاب إذا بلغه وجبت فيه الزكاة، فلا تتعلق به كالأربع. ولقول الباقر والصادق عليهما السلام: " وليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شئ حتى يبلغ أربعين - إلى أن قالا عليهما السلام - وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ " (3). وقال الشافعي في الاملاء: تتعلق الزكاة بالنصاب وبما زاد عليه من الوقص، وبه قال محمد بن الحسن. لقوله عليه السلام: (فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض) (4). ولأنه حق يتعلق بنصاب فوجب أن يتعلق به وبما زاد عليه إذا وجد معه ولم ينفرد بحكم كالقطع في السرقة (5). والنص أقوى من المفهوم والقياس. فعلى قولنا، لو ملك خمسين من الغنم وتلفت العشرة الزائدة قبل

(1) 1 لمغني 2: 454.
(2) المهذب للشيرازي 1: 152، المجموع 5: 391 و 393، حلية العلماء 3: 37 - 38، المبسوط للسرخسي 2: 187، الهداية للمرغيناني 1: 99، اللباب 1: 141.
(3) الكافي 3: 534 / 1، التهذيب 4: 24 / 57.
(4) صحيح البخاري 2: 146، سنن أبي داود 2: 96 / 1567، سنن الترمذي 3: 17 / 621، سنن ابن ماجة 1: 574 / 1799، سنن النسائي 5: 19 و 28، مسند أحمد 1: 11 و 2: 15، وسنن البيهقي 4: 85.
(5) فتح العزيز 5: 548 و 550، المهذب للشيرازي 1: 152، حلية العلماء 3: 38.

[ 87 ]

لتمكن من الأداء بعد الحول لم يسقط هنا شئ: لأن التالف لم تتعلق الزكاة به، ولو تلف عشرون سقط ربع الشاة، لأن الاعتبار بتلف جزء من النصاب، وإنما تلف من النصاب ربعه. فروع: أ - لو تلف بعض النصاب قبل الحول فلا زكاة، وبعده وبعد إمكان الأداء يجب جميع الفرض، لأنه تلف بعد تفريطه في التأخير فضمن، وإن تلف بعد الحول وقبل إمكان الأداء سقط عندنا من الزكاة بقدر التالف. وللشافعي قولان بناء على أن إمكان الأداء شرط في الوجوب أو الضمان، فعلى الأول لا شئ، لنقصه قبل الوجوب (1). ب - لو كان معه تسع من الإبل فتلف أربع قبل الحول أو بعده وبعد الامكان وجبت الشاة (2)، وبه قال الشافعي (3). وإن كان بعد الحول وقبل الامكان فكذلك عندنا. وعند الشافعي كذلك على تقدير أن يكون الإمكان شرطا في الوجوب، لأن التالف قبل الوجوب إذا لم ينقص به النصاب لا حكم له، وعلى تقدير أن يكون من شرائط الضمان فكذلك إن لم تتعلق بمجموع النصاب والوقص، وإن تعلقت بهما سقط قدر الحصة أربعة أتساع الشاة (4). وقال بعضهم - على هذا التقدير -: لا يسقط شئ، لأن الزيادة لما لم تكن شرطا في وجوب الشاة لم يسقط شئ بتلفها وإن تعلقت بها، كما لو شهد ثمانية بالزنا ورجع أربعة بعد قتله لم يجب عليهم شئ، ولو رجع خمسة وجب

(1) المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 375، الوجيز 1: 89، فتح العزيز 5: 547 - 548، حلية العلماء 3: 32.
(2) في نسخة " ط ". الزكاة. (3 و 4) المجموع 5: 375، فتح العزيز 5: 549.

[ 88 ]

عليهم الضمان، لنقص ما بقي من العدد المشترط (1). ج - لو ذهب خمس من التسع قبل الحول فلا زكاة، وإن كان بعده وقبل إمكان الأداء سقط خمس الشاة، وبه قال الشافعي على تقدير أن الإمكان من شرائط الضمان وتعلق الزكاة بالنصاب. وعلى تقدير كونه شرطا في الوجوب فكقبل الحول لنقص النصاب قبل الوجوب. وعلى تقدير كونه شرطا في الضمان وتعلق الزكاة بالمجموع تسقط خمسة أتساع الشاة (2). د - لو كان معه خمس وعشرون وأوجبنا بنت المخاض فيه فتلف منها خمسة قبل إمكان الأداء وجب أربعة أخماس بنت مخاض - وبه قال الشافعي على تقدير كونه شرطا في الضمان (3) وأبو يوسف ومحمد (4) - لأن الواجب بحؤول الحول بنت مخاض، فإذا تلف البعض لم يتغير الفرض، بل كان التالف منه ومن المساكين. وقال أبو حنيفة: تجب أربع شياه (5). فجعل التالف كانه لم يكن. قال الشيخ: لو كان معه ست وعشرون فهلك خمس قبل الإمكان فقد هلك خمس المال إلا خمس الخمس فيكون عليه أربعة أخماس بنت مخاض إلا أربعة أخماس خمسها، وعلى المساكين خمس بنت مخاض إلا أربعة أخماس خمسها (6). ه‍ - حكم غير الإبل حكمها في جميع ذلك، فلو تلف من نصاب الغنم

(1) المجموع 5: 375 و 392، فتح العزيز 5: 549.
(2) المجموع 5: 376، فتح العزيز 5: 549.
(3) المجموع 5: 376، حلية العلماء 3: 38 - 39. (4 و 5) حلية العلماء 3: 39.
(6) المبسوط للطوسي 1: 194

[ 89 ]

شئ سقط من الفريضة بنسبته. وهل الشاتان في مجموع النصاب الثاني أو في كل واحد شاة؟ احتمالان (1)، فعلى الأول لو تلف شئ بعد الحول بغير تفريط نقص من الواجب في النصب بقدر التالف، وعلى الثاني يوزع على ما بقي من النصاب الذي وجب فيه التالف. مسألة 54: لا تأثير للخلطة عندنا في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان أو أوصاف، بل يزكى منهما زكاة الانفراد، فإن كان نصيب كل منهما نصابا وجب عليه زكاة بانفراده. وإن كان المال مشتركا كما لو كانا مشتركين في ثمانين من الغنم بإرث أو شراء أو هبة فإنه يجب على كل واحد منهما شاة بانفراده. ولو كانا مشتركين في أربعين فلا زكاة هنا، وبه قال أبو حنيفة والثوري (2) لقوله عليه السلام: (إذا لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فلا شئ فيها) (3). وقال: (ليس على المرء في ما دون خمس ذود من الإبل صدقة) (4) ولم يفصل. وقال عليه السلام: " في أربعين شاة شاة " (5).

(1) ورد في النسخ الخطية: احتمال. وما أثبتناه من الطبعة الحجرية هو الصحيح (2) المبسوط للسرخسي 2: 184، المجموع 5: 433، فتح العزيز 5: 391، حلية العلماء 3: 62، المغني 2: 476، الشرح الكبير 2: 527، بداية المجتهد 1: 263.
(3) صحيح البخاري 2: 146، مسند أحمد 1: 12، وسنن البيهقي 4: 85، و 100 بتفاوت يسير.
(4) صحيح البخاري 2: 148، صحيح مسلم 2: 675 / 980، سنن الترمذي 3: 22 / 626، وسنن البيهقي 4: 84 و 107 و 120.
(5) سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805 و 578 / 1807، سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن الترمذي 3: 17 / 621، وسنن البيهقي 4: 116.

[ 90 ]

فإذا ملكا ثمانين وجب شاتان. ولأن ملك كل واحد منهما ناقص عن النصاب فلا تجب عليه الزكاة، كما لو كان منفردا. وقال الشافعي: الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان أو أوصاف بأن يكون ملك كل منهما متميزا عن الآخر، وإنما اجتمعت ماشيتهما في المرعى والمسرح - على ما يأتي (1) - سواء تساويا في الشركة أو اختلفا بأن يكون لرجل شاة ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لاربعين رجلا أربعون شاة لكل منهم شاة، وبه قال عطاء والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق (2). لقوله عليه السلام: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع) (3) أراد إذا كان لجماعة لا يجمع بين متفرق فإنه إذا كان للواحد يجمع للزكاة وإن تفرقت أماكنه، وقوله: (ولا يفرق بين مجتمع) يقتضي إذا كان لجماعة لا يفرق، ونحن نحمله على أنه لا يجمع بين متفرق في الملك ليؤخذ منه الزكاة زكاة رجل واحد فلا يفرق بين مجتمع في الملك فإن الزكاة تجب على الواحد وإن تفرقت أمواله. وقال مالك: تصح الخلطة إذا كان مال كل واحد منهما نصابا (4)

*. (1) يأتي في المسألة اللاحقة (55).
(2) المجموع 5: 432 - 433، فتح العزيز 5: 389 - 390، حلية العلماء 3: 60 - 61، الأم 2: 14، مختصر المزني: 43، المغني 2: 476، الشرح الكبير 2: 527.
(3) صحيح البخاري 2: 144 سنن النسائي 5: 29، سنن ابن ماجة 1: 576 / 1801 و 577 / 1805، سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن الدارمي 1: 383، مسند أحمد 1: 12، وسنن البيهقي 4: 155.
(4) المدونة الكبرى 1: 331 و 334، الكافي في فقه أهل المدينة: 107، المنتقى - للباجي - 2: 138، حلية العلماء 3: 62، المجموع 5: 433، فتح العزيز 5: 391، المغني 2: 476، الشرح الكبير 2: 527.

[ 91 ]

وحكى بعض الشافعية عن الشافعي وجها آخر: أن العبرة إنما هي خلطة الأعيان دون خلطة الأوصاف (1). مسألة 55: قد بينا أنه لا اعتبار بالخلطة بنوعيها - خلافا للشافعي ومن تقدم (2) - فلا شرط عندنا وعند أبي حنيفة؟ لعدم الحكم. أما الشافعي فقد شرط فيها أمورا: الأول: أن يكون مجموع المالين نصابا. الثاني: أن يكون الخليطان معا من أهل فرض الزكاة، فلو كان أحدهما ذميا أو مكاتبا لم تؤثر الخلطة، وزكى المسلم والحر كما في حالة الانفراد، وهذان شرطان عامان، وفي اشتراط دوام الخلطة السنة؟ ما يأتي. وتختص خلطة الجوار بأمور: الأول: اتحاد المسرح، والمراد به المرعى. الثاني: اتحاد المراح، وهو مأواها ليلا. الثالث: اتحاد المشرع وهو أن يرد غنمهما ماء واحدا من نهر أو عين أو بئر أو حوض. وإنما شرط (3) اجتماع المالين في هذه الأمور ليكون سبيلها سبيل مال المالك [ الواحد ] (4) وليس المقصود أن لا يكون لها إلا مسرح أو مرعى أو مراح واحد بالذات، بل يجوز تعددها لكن ينبغي أن لا تختص ماشية هذا بمسرح ومراح، وماشية الآخر بمسرح ومراح. الرابع: اشتراك المالين في الراعي أو الرعاة - على أظهر الوجهين عنده - كالمراح.

(1) فتح العزيز 5: 390 - 391، المجموع 5: 433.
(2) تقدم ذكرهم في المسألة السابقة (54).
(3) في نسختي (ن وف): شرطوا.
(4) زيادة يقتضيها السياق.

[ 92 ]

الخامس: اشتراكهما في الفحل، فلو تميزت ماشية أحدهما بفحولة، وماشية الآخر بأخرى فلا خلطة - على أظهر الوجهين - عنده. السادس: اشتراكهما في موضع الحلب، فلو حلب هذا ماشيته في أهله، والآخر في أهله فلا خلطة (1). وهل يشترط الاشتراك في الحالب والمحلب؟ أظهر الوجهين عنده عدمه، كما لا يشترط الاشتراك في الجاز وآلات الجز (2). وإن شرط الاشتراك في المحلب فهل يشترط خلط اللبن؟ وجهان، أصحهما عنده: المنع، لأدائه إلى الربا عند القسمة إذ قد يكثر لبن أحدهما (3). وقيل: أكلهم (4). لا ربا كالمسافرين يستحب خلط أزوادهم وإن اختلف أكلهم (4) وربما يفرق بأن كل واحد يدعو غيره إلى طعامه فكان إباحة، بخلافه هنا وهل يشترط نية الخلطة، وجهان عندهم: الاشتراط، لأنه معنى يتغير به حكم الزكاة تخفيفا كالشاة في الثمانين، ولولا الخلطة لوجب شاتان، وتغليظا كالشاة في الأربعين، ولولاها لم يجب شئ فافتقر إلى النية، ولا ينبغي أن يغلظ عليه من غير رضاه، ولا أن ينقص حق الفقراء إذا لم يقصده. والمنع، لأن تأثير الخلطة لخفة المؤونة باتحاد المرافق وذلك لا يختلف

(1) المجموع 5: 434 - 435، فتح العزيز 5: 392 - 394، الأم 2: 13، مختصر المزني 43، المغني 2: 477، الشرح الكبر 2: 528 - 530.
(2) المجموع 5: 435، فتح العزيز 5: 397 - 398.
(3) المهذب للشيرازي 1: 158، المجموع 5: 435، فتح العزيز 5: 398 - 399.
(4) المهذب للشيرازي 1: 158، المجموع 5: 435 - 436، فتح العزيز 5: 399.

[ 93 ]

بالقصد وعدمه (1). وهل يشترط وجود الاختلاط في أول السنة واتفاق أوائل الأحوال؟ قولان (2). وفي تأثير الخلطة في الثمار والزرع ثلاثة أقوال له: القديم: عدم التأثير، وبه قال مالك وأحمد في رواية. لقوله صلى الله عليه وآله: (والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والرعي) (3) وإنما تتحقق في المواشي. والجديد: عدمه (4)، وتأثير خلطة الشيوع دون الجوار (5)، فعلى الجديد تؤثر، لحصول الاتفاق باتحاد العامل والناطور (6) والنهر الذي تسقى منه. وقال بعض أصحاب مالك: لا يشترط من هذه الشروط شئ سوى الخلطة في المرعى، وأضاف بعض أصحابه إليه الاشتراك في الراعي أيضا (7)، والكل عندنا باطل. فروع على القول بشركة الخلطاء: أ - إذا اختلطا خلطة جوار ولم يمكن أخذ مال كل منهما من ماله كأربعين لكل عشرون، أخذ الساعي شاة من أيهما كان، فإن لم يجد الواجب إلا في

(1) المهذب للشيرازي 1: 158، المجموع 5: 436 فتح العزيز 5: 399 - 400، حلية العلماء 3: 61.
(2) فتح العزيز 5: 402 - 403 (3) سنن الدار قطني 2: 104 / 1، سنن البيهقي 4: 106 وفيهما: (الراعي) بدل (الرعي).
(4) أي عدم عدم التأثير الملازم للثبوت.
(5) المجموع 5: 455، فتح العزير 5: 404، حليه العلماء 3: 71، المدونة الكبرى 1: 343، بلغة السالك 1: 210 - 211، المعني 2: 485، الشرح الكبير 2: 544.
(6) الناطور: حافظ الزرع والثمر والكرم، لسان العرب 5: 215 " نطر ".
(7) المنتقى - للباجي - 2: 137 و 138، المغني 2: 477، الشرح الكبير 2: 531، فتح العزيز 5: 404، حلية العلماء 3: 62.

[ 94 ]

مال أحدهما أخذ منه. وأن أمكن أخذ ما يخص كل { واحد } (1) منهما لو انفرد فوجهان: أن يأخذ من كل منهما حصة ماله ليغنيهما عن التراجع، وأن يأخذ من عرض المال ما يتفق، لأنهما مع الخلطة كمال واحد، والمأخوذ زكاة جميع المال (2). فعلى هذا لو أخذ من كل منهما حصة ماله بقي التراجع بينهما، فإذا أخذ من هذا شاة، ومن هذا أخرى رجع كل منهما على صاحبه بنصف قيمة ما أخذ منه. ولو كان بينهما سبعون من البقر أربعون لأحدهما، وثلاثون للاخر، فالتبيع والمسنة واجبان على الشيوع، على صاحب الأربعين أربعة أسباعهما،، وعلى صاحب الثلاثين ثلاثة أسباعهما. فإن أخذهما من صاحب الأربعين رجع على صاحب الثلاثين بثلاثة أسباعهما وبالعكس. ولو أخذ التبيع من صاحب الأربعين والمسنة من الآخر رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع التبيع على الآخر، والآخر بقيمة أربعة أسباع المسنة على الأول. وإن أخذ المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من الآخر رجع صاحب الأربعين بقيمة ثلاثة أسباع المسنة على الآخر، والآخر عليه بقيمة أربعة أسباع التبيع، هذا كله في خلطة الجوار. أما خلطة الأعيان فالأخذ منه يقع على حسب ملكهما، فلو كان لهما ثلاثمائة من الإبل فعليهما ست حقاق ولا تراجع. ولو كان لأحدهما ثلاثمائة وللآخر مائتان فله عشر حقاق بالنسبة، وهذا

(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) الوجهان للشافعية، راجع فتح العزيز 5: 408.

[ 95 ]

يأتي على مذهبنا. ب - لو ورثا أو ابتاعا شائعا وأداما الخلطة زكيا - عندهم - زكاة الخلطة، وكذا لو ملك كل منهما دون النصاب ثم خلطا وبلغ النصاب (1). ولو أنعقد الحول على مال كل منهما منفردا ثم طرأت الخلطة، فإن اتفق الحولان بأن ملكا غرة المحرم وخلطا غرة صفر، ففي الجديد: لا يثبت حكم الخلطة في السنة الأولى - وبه قال أحمد - لأن الأصل الانفراد، والخلط عارض فيغلب حكم الحول المنعقد على الانفراد، وتجب على كل منهما شاة إذا جاء المحرم (2). وفي القديم - وبه قال مالك - ثبوت حكم الخلطة نظرا إلى آخر الحول، فإن الاعتبار في قدر الزكاة بآخر الحول، فيجب على كل منهما نصف شاة إذا جاء المحرم (3). ولو اختلف الحولان، فملك أحدهما غرة المحرم والآخر غرة صفر وخلطا غرة ربيع، فعلى الجديد، إذا جاء المحرم فعلى الأول شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني شاة. وعلى القديم، إذا جاء المحرم فعلى الأول نصف شاة، وإذا جاء صفر فعلى الثاني نصف شاة. ثم في سائر الأحوال يثبت حكم الخلطة على القولين، فعلى الأول عند غرة كل محرم نصف شاة، وعلى الثاني عند غرة كل صفر كذلك، وبه قال مالك وأحمد (4). وقال ابن سريج: إن حكم الخلطة لا يثبت في سائر الأحوال، بل

(1) فتح العزيز 5: 441. (2 و 3) المجموع 5: 440، الوجيز 1: 83، فتح العزيز 5: 443 - 446، المغني 2: 478، الشرح الكبير 2: 529 (4) فتح العزيز 5: 447 - 449، المجموع 5: 440 - 441.

[ 96 ]

يزكيان زكاة الانفراد أبدا (1). ولو انعقد الحول على الانفراد في حق أحد الخليطين دون الآخر كما لو ملك أحدهما غرة المحرم والآخر غرة صفر، وكما ملك خلطا، فإذا جاء المحرم فعلى الأول شاة في الجديد، ونصف شاة في القديم (2). وأما الثاني فإذا جاء صفر فعليه نصف شاة - في القديم - وفي الجديد، وجهان: شاة، لأن الأول لم يرتفق بخلطته فلا يرتفق هو بخلطة الأول، وأظهرهما: نصف شاة، لأنه كان خليطا في جميع الحول، وفي سائر الأحوال يثبت حكم الخلطة على القولين إلا عند ابن سريج (3). ولو طرأت خلطة الشيوع على الانفراد كما لو ملك أربعين شاة، ثم باع بعد ستة أشهر نصفها مشاعا، فالظاهر أن الحول لا ينقطع؟ لاستمرار النصاب بصفة الاشتراك، فإذا مضت ستة أشهر من وقت البيع فعلى البائع نصف شاة ولا شئ على المشتري إن أخرج البائع واجبه من المشترك، لنقصان النصاب. وإن أخرجها من غيره، وقلنا: الزكاة في الذمة، فعليه أيضا نصف شاة عند تمام حوله، وإن قلنا: تتعلق بالعين ففي انقطاع حول المشتري قولان: أرجحهما: الانقطاع، لأن إخراج الواجب من غير النصاب يفيد عود الملك بعد الزوال لا أنه يمنع الزوال (4). ج - إذا اجتمع في ملك الواحد ماشية مختلطة، وأخرى من جنسها منفردة كما لو خلط عشرين شاة بمثلها لغيره وله أربعون ينفرد { بها } (5) ففيما يخرجان الزكاة؟ قولان مبنيان على أن الخلطة خلطة ملك أي يثبت حكم الخلطة في

(1) الوجيز 1: 83، المجموع 5: 441، فتح العزيز 5: 449.
(2) المهذب للشيرازي 1: 158 - 159، المجموع 5: 441، فتح العزيز 5: 453.
(3) المهذب للشيرازي 1: 158 - 159، المجموع 5: 441، فتح العزيز 5: 454.
(4) المهذب للشيرازي 1: 159، المجموع 5: 442، فتح العزيز 5: 459 - 462.
(5) زيادة يقتضيها السياق.

[ 97 ]

كل ما في ملكه، لأن الخلطة تجعل مال الإثنين كمال الواحد، ومال الواحد يضم بعضه إلى بعض وإن تفرقت أماكنه، فعلى هذا كان صاحب الستين خلط جميع ماله بعشرين، فعليه ثلاثة أرباع شاة، وعلى الآخر ربعها. أو أنها خلطة عين أي يقتصر حكمها على عين المخلوط؟ لأن خفة المؤونة إنما تحصل في القدر المخلوط وهو السبب في تأثير الخلطة، فعلى صاحب العشرين نصف شاة؟ لأن جميع ماله خليط عشرين، وفي أربعين شاة، فحصة العشرين نصفها (1). وفي صاحب الستين وجوه: أصحها عنده: أنه يلزمه شاة، لأنه اجتمع في ماله الاختلاط والانفراد فغلب حكم الانفراد، كما لو انفرد بالمال في بعض الحول فكأنه منفرد بجميع الستين، وفيها شاة. والثاني: يلزمه ثلاثة أرباع شاة، لأن جميع ماله ستون، وبعضه مختلط حقيقة، وملك الواحد لا يتبعض حكمه فيلزم إثبات حكم الخلطة للباقي، فكأنه خلط جميع الستين بالعشرين، وواجبها شاة حصة الستين ثلاثة أرباعها. الثالث: يلزمه خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعا بين اعتبار الخلطة والانفراد، ففي الأربعين حصتها من الواجب لو انفرد بالكل وهو شاة حصة الأربعين ثلثا شاة، وفي العشرين حصتها من الواجب لو خلط الكل وهي ربع شاة لأن الكل ثمانون، وواجبها شاة. الرابع: أن عليه شاة وسدس شاة من ذلك نصف شاة في العشرين المختلطة، كما أنه واجب خليطه في ماله، وثلثا شاة في الأربعين المنفردة وذلك حصة الأربعين لو انفرد بجميع ماله. الخامس: أن عليه شاة في الأربعين ونصف شاة في العشرين، كما لو

(1) المهذب للشيرازي 1: 159، المجموع 5: 444، فتح العزيز 5: 469 - 470.

[ 98 ]

كانا لمالكين (1). ولو خلط عشرين بعشرين لغيره ولكل منهما أربعون منفردة، إن قلنا بخلطة الملك فعليهما شاة، لأن الكل مائة وعشرون. وإن قلنا بخلطة العين فوجوه: أصحها: أن على كل منهما شاة. الثاني: ثلاثة أرباع، لأن كلا منهما يملك ستين بعضها خليط عشرين فيغلب حكم الخلطة في الكل، والكل ثمانون، حصة ستين ما قلنا. الثالث: على كل منهما خمسة أسداس شاة ونصف سدس جمعا بين الاعتبارين، فيقدر كل واحد منهما كأنه منفرد بالستين، وفيها شاة، فحصة الأربعين منها ثلثا شاة، ثم يقدر أنه خلط جميع الستين بالعشرين والمبلغ ثمانون، وفيها شاة، فحصة العشرين منها ربع شاة. وقيل: على كل واحد خمسة أسداس شاة بلا زيادة تجب في العشرين بحساب ما لو كان جميع المالين مختلطا وهو مائة وعشرون وواجبها شاة، فحصة العشرين سدس شاة وفي الأربعين ثلثا شاة (2). الرابع: على كل منهما شاة وسدس شاة، نصف شاة في العشرين المختلطة قصرا لحكم الخلطة على الأربعين، وثلثا شاة في الأربعين المنفردة. الخامس: على كل واحد شاة ونصف شاة، شاة للأربعين المنفردة، ونصف للعشرين المختلطة (3). د - لو خالط الشخص ببعض ماله واحدا وببعضه آخر ولم يتشارك الاخران بأن يكون له أربعون فخلط منها عشرين بعشرين لرجل لا يملك غيرها،

(1) المجموع 5: 444، الوجيز 1: 84، فتح العرير 5: 471 - 473.
(2) فتح العزير 5: 474 (3) المجموع 5: 444، فتح العزيز 5: 473 - 475.

[ 99 ]

وعشرين بعشرين لاخر كذلك، فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الأربعين نصف شاة، لأنه خليطهما ومبلغ الأموال ثمانون، وحصة الأربعين منها النصف، وكل واحد من خليطيه يضم ماله إلى جميع مال صاحب الأربعين. وهل يضمه إلى مال الآخر وجهان: الضم، لينضم الكل في حقهما كما انضم في حق صاحب الأربعين، فعلى كل واحد منهما ربع شاة. والعدم، لأن كلا منهما لم يخالط الآخر بماله بخلاف صاحب الأربعين فإنه خالط لكل واحد منهما، فعلى كل واحد ثلث شاة. وإن قلنا بخلطة العين فعلى كل من الآخرين نصف شاة، لأن مبلغ ماله وما خالط ماله أربعون (1). وفي صاحب الأربعين وجوه: أحدها: تلزمه شاة تغليبا للانفراد وإن لم يكن منفردا حقيقة لكن ما لم يخالط به أحدهما فهو منفرد عنه فيعطى حكم الانفراد، ويغلب حتى يصير كالمنفرد بالباقي أيضا، وكذا بالاضافة إلى الخليط الثاني فكأنه لم يخالط أحدا. الثاني: يلزمه نصف شاة، تغليبا للخلطة، فإنه لا بد من إثبات حكم الخلطة حيث وجدت حقيقة، واتحاد المال يقتضي ضم أحد ماليه إلى الآخر، فكل المال ثمانون، فكأنه خلط أربعين بأربعين. الثالث: يلزمه ثلثا شاة جمعا بين اعتبار الخلطة والانفراد، بأن يقال: لو كان جميع ماله مع { مال } (2) زيد لكان المبلغ ستين وواجبها شاة، حصة العشرين الثلث، وكذا يفرض في حق الثاني فيجتمع عليه ثلثان (3). مسألة 56: قد بينا أنه إذا ملك أربعين وجب عليه الشاة وإن تعددت

(1) المجموع 5: 544 فتح العزيز 5: 476 - 477 (2) زيادة يقتضيها السياق (3) المجموع 5: 445، فتح العزيز 5: 477 - 478

[ 100 ]

أماكنها، وسواء كان بينهما مسافة القصر أو لا عند علمائنا أجمع، وبه قال عامة العلماء (1). لقوله صلى الله عليه وآله: (في أربعين شاة شاة) (2). ولأنه ملك واحد فأشبه ما لو تقاربت البلدان. وعن أحمد رواية: أنه إن كان بينهما مسافة القصر فلكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته، إن كان نصابا ففيه الزكاة وإلا فلا، ولا يضم إلى المال الذي في البلد الآخر. قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. لقوله عليه السلام: (لا يجمع بين مفترق) (3) وهذا مفترق فلا يجمع. ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين في كونهما كالمال الواحد يجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يجعله كالمالين (4). وقد بينا أن المراد لا يجمع بين متفرق في الملك، والمقيس عليه ممنوع. فروع: أ - إذا كان له ثمانون شاة مضى عليها ستة أشهر فباع منها النصف مشاعا أو أربعين معينة انقطع الحول في المبيع دون الباقي إجماعا، لأنه نصاب فإذا تم الحول فزكاته على البائع، وإذا حال حول المبيع كانت زكاته على المشتري.

(1) المغني 2: 485، الشرح الكبير 2: 543.
(2) سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن الترمذي 3: 17 / 621، سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805 و 578 / 1807، وسنن البيهقي 4: 116.
(3) صحيح البخاري 2: 145، سنن ابن ماجة 1: 576 / 1801 و 577 / 1805، سنن الترمذي 3: 19 / 621، مسند أحمد 1: 12 و 2: 15، وسنن البيهقي 4: 105.
(4) المغني 2: 485، الشرح الكبير 2: 543

[ 101 ]

وقال الشافعي: تكون زكاة المشتري زكاة الخلطة (1). ب - إذا ملك أربعين في المحرم، وأربعين في صفر، وأربعين في شهر ربيع، وحال الحول على الجميع، فعليه في الأول شاة عندنا، ولا شئ عليه في الزائد، لقصوره عن النصاب، والجميع لمالك واحد، وبه قال أحمد في رواية (2). وقال الشافعي - في القديم -: عليه في كل أربعين ثلث شاة، و - على الجديد - في الأولى شاة، وفي الثانية نصف شاة، لأنها مختلطة بالأربعين الأولى في جميع الحول، وفي الثالثة ثلث شاة؟ لاختلاطها بالثمانين في جميع الحول (3). وله وجه آخر: وجوب شاة في كل واحدة (4). ج - لو ملك ثلاثين من البقر واشترى بعد ستة أشهر عشرا، فعليه عند تمام حول الثلاثين تبيع، وعند تمام حول العشر ربع مسنة، فإذا تم حول آخر على الثلاثين فعليه ثلاثة أرباع مسنة، وإذا حال حول آخر على العشر فعليه ربع مسنة، وهكذا، وبه قال بعض الشافعية (5). وقال ابن سريج: لا ينعقد حول العشر حتى يتم حول الثلاثين ثم يستأنف حول الكل (6). ولا بأس به. ويحتمل وجوب التبيع عند تمام كل حول الثلاثين، وربع المسنة عند تمام كل حول العشرة. وكذا لو ملك أربعين من الغنم ستة أشهر، ثم ملك إحدى وثمانين

(1) المجموع 5: 443، فتح العزيز 5: 463.
(2) المغني 2: 483، الشرح الكبير 2: 539.
(3) المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 366، فتح العزيز 5: 455 - 457.
(4) فتح العزيز 5: 457. (5 و 6) المجموع 5: 365، فتح العزيز 5: 484.

[ 102 ]

فالأقرب أن عليه عند كمال حول الأولى شاة، وعند كمال حول الثانية شاة أخرى، وهكذا. ولو ملك أربعين شاة في المحرم، ومائة في صفر، ومائة في ربيع فعليه عند تمام حول الأولى شاة، وكذا عند تمام حول الثانية والثالثة؟ لأنا نجعل ملكه في الايجاب كملكه لذلك في حال واحدة فصار كأنه ملك مائتين وأربعين فتجب ثلاث شياه عند تمام حول كل مال شاة. وقال بعض الجمهور: يجب عليه في الشهر الثاني حصة من فرض الثالث معا وهي شاة وثلاثة أسباع شاة، لأنه لو ملك المالين دفعة كان عليه فيهما شاتان حصة المائة منهما خمسة أسباعهما وهو شاة وثلاثة أسباع شاة، وعليه في الثالث شاة وربع، لأنه لو ملك الجميع دفعة - وهو مائتان وأربعون - كان عليه ثلاث شياه حصة الثالث ربعهن وسدسهن وهو شاة وربع (1). د - لو ملك عشرين من الإبل في المحرم وستا في صفر فعليه في العشرين عند تمام حولها أربع شياه، وفي الست عند تمام حولها ستة أجزاء من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض. ولو ملك في المحرم ستا وعشرين، وفي صفر خمسا فعليه في الأول عند تمام حوله بنت مخاض، ولا شئ عليه في الخمس الزائدة. وقال بعض الجمهور، عليه فيها شاة، لأنه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه بنفسه (2). وهو ممنوع. وقال آخرون: عليه سدس بنت مخاض (3). بناء على أن بنت المخاض تجب في خمس وعشرين. وعلى الخلطة، فإن ملك مع ذلك في ربيع ستا أخرى فعليه في الأول

(1) المغني 2: 484، الشرح الكبير 2: 540. (2 و 3) المغني 2: 484، الشرح الكبير 2: 541.

[ 103 ]

عند تمام حوله بنت مخاض، ولا شئ في الخمس حتى يتم حول الست فيجب فيها ربع بنت لبون وربع تسعها. وقال بعض الجمهور: عليه في الخمس سدس (بنت مخاض) (1) إذا تم حولها، وفي الست سدس بنت لبون عند تمام حولها (2). وقيل: عليه في الخمس الثانية شاة عند تمام حولها، وفي الست شاة عند تمام حولها (3).

(1) ورد في النسخ الخطية والطبعة الحجرية بدل ما بين القوسين: (شاة) وما أثبتناه موافق للمصادر. (2 و 3) المغني 2: 484، الشرح الكبير 2: 541.

[ 105 ]

الفصل الخامس في صفة الفريضة مسألة 57: أسنان الإبل المأخوذة في الزكاة أربع: بنت مخاض وهي التي كملت سنة.، ودخلت في الثانية، وسميت بذلك، لأن أمها ماخض أي حامل، والمخاض اسم جنس لا واحد له من لفظه، والواحدة: خلفة. وبنت لبون: وهي التي كمل لها سنتان، ودخلت في الثالثة، سميت بذلك، لأن أمها قد ولدت وصار بها لبن. وحقة وهي التي لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، سميت بذلك، لاستحقاقها أن يطرقها الفحل، أو لأن يحمل عليها. وجذعة - بفتح الذال - وهي التي لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة، وهي أكبر سن تؤخذ في الزكاة. ولا توجب حقيقة بنت المخاض أو بنت اللبون، بل ما كمل لها ما قدر لها وإن لم تكن لها أم، ولا يجب ما زاد على الجذعة في الزكاة. ويسمى ما دخل في السادسة ثني، وما دخل في السابعة رباع ورباعية، وما دخل في الثامنة سديس وسدس، وما دخل في التاسعة بازل، لأنه طلع

[ 106 ]

نابه، ثم يقال: بازل عام، وبازل عامين، وهكذا، والبازل والمخلف واحد، وما دون بنت المخاض يقال له: فصيل، وحوار: أول ما ينفصل الولد، ثم بنت مخاض. وأسنان البقر: أولها: الجذع والجذعة وهي التي لها حول، ويسمى شرعا: تبيعا وتبيعة، لقوله صلى الله عليه وآله: (تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة) (1). وكذا قال الباقر والصادق عليهما السلام حيث فسراهما بالحولي (2). فإذا كمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية وهي المسنة شرعا، فإذا دخل في الرابعة فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الخامسة فهو سديس وسدس، فإذا دخل في السادسة فهو صالغ - بالصاد غير المعجمة والغين المعجمة - ثم لا اسم له، بل يقال: صالغ عام وعامين وثلاثة. وهكذا. وأما الغنم، فأول ما تلد الشاة يقال لولدها: سخلة، ذكرا كان أو أنثى في الضأن والمعز، ثم يقال بعد ذلك: بهمة، ذكرا كان أو أنثى فيهما، فإذا بلغت أربعة أشهر، ففي الغنم: جفر، للذكر، وجفرة، للأنثى، وجمعهما: جفار، فإذا جازت أربعة أشهر فهي العتود، وجمعها: عتدان، وعريض، وجمعها: عراض، ويقال لها من حين الولادة إلى هذه الغاية: عناق، للأنثى، وللذكر: جدي، فإذا كملت سنة فالأنثى: عنز، والذكر: تيس، فإذا دخلت في الثانية فهي جذعة، والذكر: جذع، فإذا دخلت في الثالثة فهي الثنية، والذكر: ثني، فإذا دخلت في الرابعة فرباع ورباعية، فإذا دخلت في الخامسة فهي سديس وسدس، فإذا دخلت في السادسة فهي صالغ، ثم صالغ عام وعامين دائما (3).

(1) سنن البيهقي 4: 99.
(2) راجع: الكافي 3: 534 / 1، والتهذيب 4: 24 / 57.
(3) فقه اللغة - للثعالبي -: 88 - 89، حياة الحيوان - للدميري - 2: 123.

[ 107 ]

وأما الضان فالسخلة والبهمة مثل ما في المعز سواء، ثم هو حمل للذكر ورخل للأنثى إلى سبعة أشهر، فإذا بلغتها، قال ابن الأعرابي: إن كان من شابين فهو جذع، وإن كان من هرمين فلا يقال: جذع حتى يستكمل ثمانية أشهر وهو جذع أبدا حتى يستكمل سنة، فإذا دخل في الثانية فهو ثني وثنية (1) على ما ذكرناه في المعز سواء إلى آخرها. وإنما قيل في الضان: جذع إذا بلغ سبعة أشهر، وأجزأ في الأضحية، لأنه ينزو حينئذ ويضرب، والمعز لا ينزو حتى يدخل في الثانية. مسألة 58: الشاة المأخوذة في نصب الإبل والجبران والغنم: الجذعة من الضأن، والثنية من المعز؟ لقول سويد بن غفلة: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نأخذ من المراضع (2)، وأمرنا بالجذعة والثنية (3)، وبه قال الشافعي وأحمد (4). وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ إلا الثنية منهما (5). وقال مالك: الجذعة فيهما (6).

(1) راجع: لسان العرب 8: 44.
(2) سنن النسائي 5: 30، سنن أبي داود 2: 102 / 1579 نقلا بالمعنى.
(3) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 474، والشرح الكبير 2: 517.
(4) الأم 2: 8، مختصر المزني: 41، الوجيز 1: 0 8، فتح العزيز 5: 345، حلية العلماء 3: 53، معني المحتاج 1: 370، المغني 2: 473، الشرح الكبير 2: 516.
(5) المغني 2: 473: 474، الشرح الكبير 2: 516 - 517، فتح العزيز 5: 345، حلية العلماء 3: 53.
(6) المنتقى - للباجي - 2: 143، المدونة الكبرى 1: 312، فتح العزيز 5: 345، حلية العلماء 3: 53، المغني 2: 474، الشرح الكبير 2: 517.

[ 108 ]

فروع: أ - يجزئ الذكر والانثى، لأنه صلى الله عليه وآله أطلق لفظ الشاة (1)، وهو يتناول الذكر والانثى، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الثاني: تجب الأنثى؟ لأن الغنم الواجبة في نصبها إناث (2). ب - يجوز أن يخرج من غنم البلد وغيره، ومن غنمه وغيرها، عملا بالاطلاق. وقال الشافعي: يؤخذ من غالب غنم البلد سواء كانت شامية، أو مكية، أو عربية، أو نبطية (3)، واختاره الشيخ (4)، فإن قصد بذلك الوجوب، منعناه عملا بالاطلاق. ولا فرق بين أن يكون ما يخرجه من الغنم من جنس غالب غنم البلد أو لا، خلافا للشافعي (5). ولو عدل من جنس بلده إلى جنس بلد آخر أجزأ وإن كان أدون من غنم بلده، خلافا للشافعي (6). ج - يجوز أن يخرج من الضأن أو المعز سواء كان الغالب أحدهما أو لا، وسواء كان عنده أحدهما أو لا، لقول سويد بن غفلة: أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن والثني من

(1) أنظر على سبيل المثال: سنن الدارقطني 2: 113 / 1، سنن أبي داود 2: 98 / 1568، وسنن البيهقي 4: 116.
(2) المهذب للشيرازي 1: 156، المجموع 5: 422، الوجيز 1: 82، فتح العزيز 5: 374 - 376، حلية العلماء 3: 55.
(3) المجموع 5: 398، الوجيز 1: 80، فتح العزير 5: 346.
(4) المبسوط للطوسي 1: 196. (5 و 6) المجموع 5: 398، الوجيز 1: 80، فتح العزيز 5: 346.

[ 109 ]

المعز (1)، ولأن اسم الشاة يتناولهما، وبه قال الشافعي (2). وقال مالك: ينظر إلى الغالب فيؤخذ منه، فإن تساويا أخرج من أيهما شاء، وبه قال عكرمة وإسحاق (3). وما قلناه أولى، فيخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعين، فإذا تساويا عددا وكانت قيمة المخرج من أحدهما إثني عشر ومن الآخر خمسة عشر أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف، ولو كان الثلث ضأنا وثلثان ماعزا (4) أخرج ما قيمته ثلاثة عشر، ولو انعكس أخرج ما قيمته أربعة عشر. د - يجزئ إخراج البعير عن الشاة وإن كانت قيمته أقل من قيمة الشاة، على إشكال - وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي (5) - لأنه يجزئ عن ست وعشرين فعن الأقل أولى. وقال مالك وداود وأحمد: لا يجزئه، لأنه أخرج غير الواجب فلا يجزئه إلا بالقيمة (6)، ولا بأس به. وكذا يجزئ إخراج المسنة عن التبيع. ه‍ - لو كانت الإبل كراما سمانا ففي وجوب كون الشاة كذلك إشكال ينشأ من الاطلاق، ومن وجوب ذلك في المأخوذ من الإبل، وأوجب الشافعي

(1) أورده أبنا قدامة في المغني 2: 474، والشرح الكبير 2: 517.
(2) ألام 2: 11، مختصر المزني: 41، المهذب للشيرازي 1: 155، المجموع 5: 397، الوجيز 1: 80، فتح العزيز 5: 345.
(3) المدونة الكبرى 1: 316 و 317، المنتقى - للباجي - 2: 127 و 132، الشرح الصغير 1: 209، المغني 2: 474، فتح العزيز 5: 346.
(4) الماعز اسم جنس وهي العنز، والجمع: معز. لسان العرب 415: 5.
(5) المهذب للشيرازي 1: 153، المجموع 5: 359 و 396، فتح العزيز 5: 347، حلية العلماء 3: 40، المغني 2: 440، الشرح الكبير 2: 481.
(6) المجموع 5: 395، فتح العزيز 5: 347، حلية العلماء 3: 41، المغني 2: 440، الشرح الكبير 2: 481.

[ 110 ]

المساواة (1). أما لو كانت الإبل مراضا، فللشافعية في الشاة قولان (2): صحيحة تجزئ في الأضحية، وشاة بقيمة المراض، فيقال: كم قيمة الإبل صحاحا؟ فإذا قيل: مائة، قيل: وكم قيمتها مراضا؟ فإذا قيل: خمسون، قيل: كم قيمة الشاة الصحيحة المجزئة، فإذا قيل: عشرة، أخذ شاة صحيحة قيمتها خمسة، فإن أمكن أن تشترى بحيث تجزئ في الأضحية بهذه الصفة وإلا فرق الدراهم. و - يخرج عن الماشية من جنسها على صفتها، فيخرج عن البخاتي بختية، وعن العراب عربية، وعن الكرام كريمة، وعن السمان سمينة، فإن أخرج عن البخاتي عربية بقيمة البختية، أو عن السمان هزيلة بقيمة السمينة جاز، لأن القصد التساوي في القيمة مع اتحاد الجنس. ومنع بعض الجمهور منه، لما فيه من تفويت صفة مقصودة فلم يجز، كما لو أخرج من غير الجنس (3). والحكم في الأصل ممنوع، ولو قصرت القيمة فالوجه: عدم الإجزاء. ولو أخرج عن اللئيمة كريمة، وعن الهزيلة سمينة أجزأ بلا خلاف. قال أبي بن كعب: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله مصدقا، فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا بنت مخاض، فقلت له: أد بنت مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت: ما أنا بآخذ ما لم اؤمر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت

(1) حلية العلماء 3: 42.
(2) المهذب للشيرازي 1: 155، المجموع 5: 395 و 399، فتح العزيز 5: 348، حلية العلماء 3: 41 - 42.
(3) حكاه ابنا قدامة في المغني 2: 445، والشرح الكبير 2: 513.

[ 111 ]

علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة عظيمة ليأخذها فأبى، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة (1). ويحتمل إجزاء أي الصنفين شاء في جميع ذلك إذا كان بالصفة الواجبة. مسألة 59: ولا تؤخذ مريضة من الصحاح، ولا هرمة، ولا ذات عوار أي: ذات عيب، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (2). وقال النبي صلى الله عليه وآله: (لا تخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق) (3) أي: العامل. فقيل: التيس لا يؤخذ، لنقصه، وفساد لحمه، وكونه ذكرا (4). وقيل: لفضيلته، لأنه فحلها (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ولا تؤخذ هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق، يعد صغيرها وكبيرها " (6).

(1) سنن أبي داود 2: 104 / 1583، مسند أحمد 5: 142، سنن البيهقي 4: 96 - 97.
(2) البقرة: 267.
(3) صحيح البخاري 2: 147، الموطأ 1: 259 / 23، وسنن الدارقطني 2: 114 / 2. (4 و 5) المغني 2: 464، الشرح الكبير 2: 518.
(6) التهذيب 4: 20 / 52، الاستبصار 2: 19 / 56 و 23 / 62.

[ 112 ]

فروع: أ - لو كانت الإبل كلها مراضا جاز أن يأخذ مريضة، ولا تجب صحيحة، وبه قال الشافعي وأحمد (1)، لأن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب الخيار من الردئ كالحبوب. وقال مالك: تجب عليه صحيحة من غير المال (2)، لقوله عليه السلام: (ولا ذات عوار) (3). وهو محمول على ما إذا كان النصاب صحاحا. ولو كانت كلها مراضا إلا مقدار الفرض تخير بين إخراجه وشراء مريضة. ولو كان النصف صحيحا، والنصف مريضا أخرج صحيحة بقيمة المريضة. ب - لو كانت كلها مراضا، والفرض صحيح لم يجز أن يعطي مريضا؟ لأن في الفرض صحيحا، بل يكلف شراء صحيح بقيمة الصحيح والمريض، فإذا كانت بنت لبون صحيحة في ست وثلاثين مراض كلف بنت لبون صحيحة بقيمة جزء من ستة وثلاثين جزءا من صحيحة، وخمسة وثلاثين جزءا من مريضة. ج - لو كان المال كله صحاحا، والفرض مريض لم يجز أخذه، وكان له الصعود والنزول مع الجبران، أو يشتري فرضا بقيمة الصحيح والمريض. د - لو كانت كلها مراضا وليس فيها الفرض فأراد أن يصعد ويطلب

(1) المهذب للشيرازي 1: 155، المجموع 5: 399، فتح العزيز 5: 369، الوجيز 1: 82، المغني 2: 467، الشرح الكبير 2: 508.
(2) المنتقى - للباجي - 2: 131، المغني 2: 467، الشرح الكبير 2: 508، فتح العزيز 5: 369.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الهامش (3) من الصفحة 111.

[ 113 ]

الجبران لم يكن له ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله جعل الجبران بين الفرضين الصحيحين (1)، فلا يدفعه بين المريضين، لأن قيمتهما أقل من قيمة الصحيحين، وكذلك قيمة ما بينهما. ولو أراد النزول ودفع الجبران جاز، والمعيب كالمريض في ذلك كله. ه‍ - لو كان عليه حقتان، ونصف ماله مريض، ونصفه صحيح كان له إخراج حقة صحيحة وحقة مريضة، لأن النصف الذي يجب فيه إحدى الحقتين مريض كله. وقال أحمد: لا تجزئ، لأن في ماله صحيحا ومريضا فلا يملك إخراج مريضة، كما لو كان نصابا واحدا (2). و - لو كانت كلها صغارا أخرج منها، وبه قال الشافعي (3). وقال مالك: تجب كبيرة (4). ز - لو كان الصحيح دون قدر الواجب كمائتي شاة ليس فيها إلا صحيحة أجزأ إخراج صحيحة ومريضة، وهو أصح وجهي الشافعية. والثاني لهم: إلزامه بصحيحتين، لأن المخرجتين كما تزكيان الباقي تزكي كل واحدة منهما الأخرى فيلزم أن تزكي المريضة الصحيحة وهو ممتنع (5). ونمنع كون كل منهما تزكي الأخرى.

(1) 4 أنظر: صحيح البخاري 2: 145، سنن الدارقطني 2: 113 - 114 / 2، وسنن البيهقي 4: 85 (2) المغني 2: 466 - 467، الشرح الكبير 2: 511.
(3) المهذب للشيرازي 1: 155، المجموع 5: 423، فتح العزيز 5: 380، حلية العلماء 3: 54.
(4) حلية العلماء 3: 54، فتح العزيز 5: 383.
(5) المجموع 5: 419 - 420، فتح العزيز 5: 371.

[ 114 ]

ح - لو كان له أربعون بعضها صحيح، وبعضها مريض أخرج صحيحة قيمتها ربع عشر الأربعين التي يملكها؟ لأن الواحد ربع عشر الأربعين. ولو كان عنده مائة وإحدى وعشرون منقسمة أخرج صحيحتين قيمتهما قدر جزءين من مائة وإحدى وعشرين جزءا من قيمة الجملة وهو يغني عن النظر في قيمة آحاد الماشية. ويحتمل التقسيط بالنسبة، فلو كان نصف الأربعين صحاحا، ونصفها مراضا، وقيمة كل مريضة دينار، وقيمة كل صحيحة ديناران أخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهي دينار ونصف. ط - لو كان المال كله معيبا أخذت معيبة، ولو كان فيها سليم طولب بسليمة تقرب قيمتها من ربع عشر ماله، وإن كان الكل معيبا، وبعضها أردأ أخرج الوسط مما عنده. ولو ملك ستا وعشرين معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما أجود ما عنده لم يلزمه إخراجها، وفي وجه للشافعي: وجوبه (1). والعيب المعتبر في هذا الباب ما يثبت الرد في البيع أو ما يمنع التضحية، والوجهان للشافعية (2)، والأقرب: الأول. ي - لو كانت ماشيته ذكرانا كلها أجزأ أن يخرج منها ذكرا - وهو أحد وجهي الشافعي - كالمريضة، وفي الآخر: لا يجوز - وبه قال مالك - لورود النص بالاناث (3). وقال بعضهم: إن أدى أخذ الذكر في الإبل إلى التسوية بين نصابين لم يؤخذ وإلا أخذ، فلا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين، لأنه مأخوذ من ست

(1) فتح العزير 5: 372 - 373، المجموع 5: 421 (2) المجموع 5: 420، فتح العزيز 5: 373.
(3) المجموع 5: 421، الوجيز 1: 82، فتح العزيز 5: 374 - 376، المنتقى - للباجي - 2: 130.

[ 115 ]

وعشرين فيؤدي إلى التسوية، ويؤخذ حق من ست وأربعين، وجذع من إحدى وستين، وابن مخاض من ست وعشرين (1). والوجه عندي في ذلك إتباع النص، فلا يجزئ في ست وعشرين ابن مخاض، ولا في ست وأربعين حق، ولا جذع في إحدى وستين، لورود النص بالأنثى، ويجزئ في غير ذلك كالغنم. يا - لا يجزئ الصغار عن الكبار، لورود النص بالسن، نعم لو كانت كلها صغارا أجزأ الواحد منها - وهو متعذر في أكثر المواشي عند أكثر الجمهور، لاشتراط حولان الحول فيخرج إلى حد الإجزاء (2)، ويتأتى (3) على مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة (4)، لأن الحول إنما يبتدأ من وقت زوال الصغر - وهو أحد وجهي الشافعي (5). ويتصور على مذهبه (6) بأن يحدث من الماشية نتاج في الحول، ثم تموت الأمهات، ويبقى من النتاج النصاب فتجب الزكاة في النتاج إذا تم حول الأصل - وبه قال مالك - أو يمضي على صغار المعز حول فتجب فيها الزكاة وإن لم تبلغ سن الإجزاء عنده على الأظهر، لأن سن إجزاء المعز سنتان (7). وفي الثاني: لا يجوز أخذ الصغيرة عن الصغار (8). ومنهم من سوغ في الغنم، وفي الإبل والبقر ثلاثة أوجه: المنع، لما فيه من التسوية بين ست وعشرين من الإبل وإحدى وستين

(1) فتح العزيز 5: 376.
(2) راجع: فتح العزيز 5: 379، والمجموع 5: 423.
(3) بهامش نسخة " ن ": أي: ويتأتى التعثر على مذهبنا.
(4) وهو: عدم انعقاد الحول على الصغار. راجع: بدائع الصنائع 2: 31 - 32، وفتح العزيز 5: 379.
(5) فتح العزيز 5: 380، المجموع 5: 423.
(6) أي: مذهب الشافعي. (7 و 8) فتح العزيز 5: 379 - 380، المجموع 5: 423

[ 116 ]

وما بينهما من النصابين في أخذ فصيل، وبين ثلاثين من البقر وأربعين في أخذ عجل. الثاني: المنع من أخذ صغيرة من إحدى وستين فما دونها، لأن الواجب واحد، وفيما جاوز ذلك يعتبر العدد كالغنم. والزم على هذا أن الواجب في إحدى وتسعين حقتان، وفي ست وسبعين بنتا لبون، فالأولى على هذا أن يقال: إن أدى أخذ الصغيرة إلى التسوية لم تؤخذ وإلا أخذت. الثالث - وهو الأظهر -: جواز (1) أخذها كما يؤخذ من الغنم (2). يب - الأقرب جواز إخراج ثنية من المعز عن أربعين من الضأن، وجذعة من الضأن عن أربعين من المعز - وهو أحد وجهي الشافعي - لاتحاد الجنس. والثاني: المنع، فيؤخذ الضأن من المعز دون العكس، لأن الضأن فوق المعز (3). ولو اختلف النوع جاز إخراج مهما شاء المالك، وهو أحد وجهي الشافعي، وأظهرهما: التقسيط، وله آخر: التخيير إذا لم يمكن إخراج الصنفين، فإن أمكن كمائتين من الإبل نصفها مهرية (4)، ونصفها عربية، تؤخذ حقتان من هذه، وحقتان من هذه، وله رابع: الأخذ من الاجود، وخامس: أن يؤخذ ا [ ل ] وسط (5). مسألة 60: - لا تؤخذ الربى - وهي الوالد - إلى خمسة عشر يوما، وقيل:

(1) ورد في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: عدم جواز... وما أثبتناه من المصادر.
(2) المجموع 5: 423 - 424، فتح العزيز 5: 380 - 381.
(3) المجموع 5: 424، فتح العزيز 5: 384، مغني المحتاج 1: 374.
(4) إبل مهرية: نسبة إلى قبيلة مهرة بن خيدان. لسان العرب 5: 186.
(5) المجموع 5: 424 - 425، الوجيز 1: 82، فتح العزيز 5: 385 - 387، مضي المحتاج 1: 375.

[ 117 ]

إلى خمسين، لاشتغالها بتربية ولدها. ولا الماخض - وهي الحامل - ولا الأكولة - وهي السمينة المعدة للأكل - ولا فحل الضراب، لقوله عليه السلام: (إياك وكرائم أموالهم) (1). ونهى عليه السلام أن يأخذ شافعا (2) أي: حاملا، سميت به، لأن ولدها قد شفعها. فإن تطوع المالك بذلك أجزأ، ولو اتصفت الكل بالماخض وجب إخراج ماخض، وكذا الاكولة مع السوم. وأما الربى ففي أخذها إشكال، للخوف على الولد، فالأقرب إلزامه بالقيمة. فروع: أ - إذا وجب عليه جذعة وكانت حاملا لم يكن للساعي أخذها إلا أن يتطوع المالك وكذا إذا وجب عليه سن فأعطى المالك أعلى جاز وكان متطوعا بالفضل، ولا نعلم فيه خلافا إلا من داود، فإنه قال: لا يجوز أخذ الحامل والأعلى من السن الواجب (3)، لأنه عدل المنصوص فلم يجزئه. ولقوله عليه السلام لمعاذ: (إياك وكرائم أموالهم) (4). والتنصيص على الأخف إرفاقا بالمالك فلا يمنع من الأعلى. ب - لو تعدد الفرض في ماشيته كان الخيار إلى المالك أي واحدة مجزئة

(1) صحيح البخاري 2: 147، صحيح مسلم 1: 50 / 19، سنن أبي داود 2: 105 / 1584، سنن الترمذي 3: 21 / 625، سنن النسائي 5: 55، سنن الدارمي 1: 384، سنن ابن ماجه 1: 568 / 1783، سنن البيهقي 4: 102، ومسند أحمد 1: 233.
(2) سنن أبي داود 2: 103 / 1581، سنن النسائي 5: 32، سنن البيهقي 4: 100.
(3) المجموع 5: 427 - 428، وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 15، المسألة 10.
(4) تقدمت الاشارة إلى مصادره قي صدر المسألة.

[ 118 ]

أخرجها جاز. وقال بعض علمائنا: يقرع حتى تبقى الواجبة (1)، وهو عندي على الاستحباب. ج - إذا لم يظهر بالبهيمة الحمل ولكن طرقها الفحل لم يكن للساعي أخذها إلا برضا المالك، وكانت كالحامل ينتقل إلى ما فوقها أو دونها. المطلب الثاني في زكاة الذهب والفضة مسألة 61: الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة بالنص والإجماع. قال الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (2) ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك الواجب. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد) (3). وأجمع المسلمون كافة على الوجوب مع الشرائط. مسألة 62: يشترط في وجوب الزكاة في هذين أمور أربعة: الملك إجماعا، والحول كذلك، والنصاب أيضا، وكونهما مضروبين منقوشين

(1) حكاه أيضا المحقق في شرائع الاسلام 1: 147، وانظر، الخلاف للشيخ الطوسي 2: 25، المسألة 21 (2) التوبة: 34.
(3) صحيح مسلم 2: 680 / 987، سنن أبي داود 2: 124 / 1658، سنن البيهقي 4: 137.

[ 119 ]

دراهم ودنانير عند علمائنا خاصة، فلا زكاة في السبائك والنقار والتبر والحلي، لقوله عليه السلام: (ليس في الحلي زكاة) (1). ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام: " ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة زكاة " (2). وقول الصادق والكاظم عليهما السلام: " ليس على التبر زكاة " (3). وقال الكاظم عليه السلام: " كل مال لم يكن ركازا فلا زكاة فيه " قلت: وما الركاز؟ قال: " الصامت المنقوش " (4) ولأنه يجري مجرى الامتعة. وأوجب الجمهور كافة الزكاة في غير المنقوش كالتبر والنقار (5) - وإن اختلفوا في الحلي على ما يأتي (6) - للعموم، والخاص مقدم. مسألة 63: ولكل منهما نصابان وعفوان عندنا على ما يأتي (7)، فأول نصاب الذهب عشرون مثقالا، وعليه إجماع العلماء - إلا ما حكي عن الحسن البصري (8) وشيخنا علي بن بابويه (9) فإنهما قالا: لا شئ في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (ليس في أقل من عشرين

(1) سنن الدارقطني 2: 107 ذيل الحديث 4، وفيه عن جابر مقطوعا.
(2) الكافي 3: 518 / 8، التهذيب 4: 8 / 19، الاستبصار 2: 6 / 13.
(3) التهذيب 4: 7 / 18، الاستبصار 2: 7 / 16.
(4) المصادر في الهامش (2) من هذه الصفحة.
(5) الشرح الصغير 1: 218، المدونة الكبرى 1: 243، المجموع 6: 6، فتح العزيز 6: 5، المبسوط للسرخسي 2: 191، بدائع الصنائع 2: 16 - 17، الهداية للمرغيناني 1: 104، اللباب 1: 148، المغني 2: 597، الشرح الكبير 2: 600.
(6) يأتي في المسألة 70.
(7) يأتي في نفس المسألة والمسألتين 66 و 68.
(8) المجموع 6: 17، حلية العلماء 3: 90، المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 597.
(9) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 103.

[ 120 ]

مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة) (1) وهو يدل بمفهومه على وجوبه في العشرين، خصوصا مع اقترانه بالمائتين. وقول علي عليه السلام: " على كل أربعين دينارا دينار، وفي كل عشرين نصف دينار " (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شئ، فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين، فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلما زاد أربعة " (3). احتج ابن بابويه بقول الباقر والصادق عليهما السلام: " في الذهب في كل أربعين مثقالا مثقال، وفي الورق في كل مائتين خمسة دراهم، وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ، ولا في أقل من مائتي درهم شئ " (4). والجواب: يحتمل أن يكون أراد بالشئ المنفي فيما دون الأربعين هو الدينار الواجب في الأربعين لأنه مجمل فيجوز بيانه بما قلناه جمعا بين الأدلة. مسألة 64: أول نصاب الفضة مائتا درهم بإجماع العلماء. لقوله عليه السلام: (ولا في أقل من مائتي درهم صدقة) (5). وقال عليه السلام: (في الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة (1)

الأموال - لأبي عبيد -: 449 / 1291، ونقله عنه ابنا قدامة في المغني 2: 599، والشرح الكبير 2: 598.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 599، والشرح الكبير 2: 598 نقلا عن سعيد والأثرم، وفي مصنف ابن أبي شيبة 3: 119 نحوه.
(3) الكافي 3: 515 - 516 / 3، التهذيب 4: 6 / 13، الاستبصار 2: 12 / 35.
(4) التهذيب 4: 11 / 29، الاستبصار 2: 13 / 39 (5) المصادر في الهامش (1) من هذه الصفحة.

[ 121 ]

فليس فيها شئ إلا أن يشاء ربها) (1) والرقة: الدراهم المضروبة. ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " ليس في الفضة زكاة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم " (2). واعلم أن المثاقيل لم تختلف في جاهلية ولا إسلام، وأما الدراهم فإنها مختلفة الاوزان، فكانت في صدر الاسلام صنفين: سودا وطبرية، وكانت السود كل درهم ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة دوانيق، فجمعا في الاسلام وجعلا درهمين متساويين، كل درهم ستة دوانيق، فالدراهم التي يعتبر فيها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، فكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهي الدراهم الاسلامية التي يقدر بها نصب الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك، والدانق: ثمان حبات من أوسط حبات الشعير. مسألة 65: نصاب الذهب عشرون مثقالا، ولا تعتبر قيمته بالفضة عند علمائنا أجمع، وهو قول أكثر العلماء (3). لقول علي عليه السلام: " في كل عشرين دينارا نصف دينار " (4). ولأنه نصاب تجب الزكاة في عينه فلا يعتبر بغيره كسائر الأموال الزكوية. وقال طاوس والزهري وسليمان بن حرب وأيوب السجستاني: إنه معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة وإلا فلا، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله تقدير في نصابه فيحمل على الفضة (5)، وقد بينا النقل

(1) صحيح البخاري 2: 146 - 147، سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن النسائي 5: 23.
(2) التهذيب 4: 12 / 30.
(3) المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 597.
(4) أوعزنا إلى مصادره في المسألة 63.
(5) المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 597، و 598، حلية العلماء 3: 90.

[ 122 ]

عنه وعن أهل بيته عليهم السلام. مسألة 66: لو نقص نصاب الذهب أو الفضة شيئا يسيرا كالحبة سقطت الزكاة عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وابن المنذر (1). لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (2) والأوقية: أربعون درهما إجماعا. ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " ليس في الفضة زكاة حتى تبلغ مائتي درهم، وليس في الذهب زكاة حتى يبالغ عشرين مثقالا " (3). وقول الصادق عليه السلام: " في كل مائتين خمسة دراهم من الفضة، وإن نقص فليس عليك زكاة، ومن الذهب في كل عشرين دينارا نصف دينار، وإن نقص فليس عليك شئ " (4). وهو رواية عن أحمد، وفي أخرى: إن كان النقص يسيرا كالحبة والحبتين من الفضة وجبت الزكاة، لأنه لا يضبط غالبا فهو كنقص الحول ساعة وساعتين، وإن كان نقصا بينا كالدانق والدانقين فلا زكاة. وعن أحمد: إن الذهب إن نقص ثلث مثقال زكاه - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسفيان - وإن نقص نصفا فلا زكاة، وعن أحمد أيضا: إن نقص ثمنا فلا زكاة (5). وعن مالك روايتان: إحداهما: إن نقص النصاب نقصا يسيرا يجوز جواز الوازنة وجبت الزكاة، لأنها تجوز جواز الوازنة أشبهت الوازنة.

(1) المجموع 6: 7 و 18، فتح العزيز 6: 7، حلية العلماء 3: 89، المغني 2: 597.
(2) صحيح مسلم 2: 673 / 979، سنن الدارقطني 2: 93 / 5 و 6، سنن ابن ماجة 1: 572 / 1794، سنن النسائي 5: 36، الموطأ 1: 244 / 1.
(3) 1 التهذيب 4: 12 / 30. (4) الكافي 3: 515 (باب زكاة الذهب والفضة)، حديث 1، التهذيب 4: 12 / 31.
(5) المغني 2: 597، حلية العلماء 3: 90.

[ 123 ]

الثانية: إن نقص الحبة والحبتين في جميع الموازين وجبت الزكاة (1)، وهي المعروفة من مذهبه. وقال الأبهري: ليس هذا مذهب مالك، وإنما مذهبه أنها إن نقصت في بعض الموازين وهي كاملة في بعضها ففيها الزكاة (2). والأحاديث تدل على اعتبار النصاب تحقيقا. تذنيب: المعتبر في نصاب الفضة الوزن وهو أن يكون كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل درهم ستة دوانيق، ولا اعتبار بالعدد، ولا بالسود البغلية (3) التي في كل درهم درهم ودانقان، ولا بالطبرية الخفيفة التي في كل درهم أربعة دوانيق، وبه قال عامة فقهاء الاسلام (4). وقال (المغربي من أهل الظاهر) (5): الاعتبار بالعدد دون الوزن، فإذا بلغت المائتين عددا ففيها الزكاة، سواء كانت وافية (6) أو من الخفيفة، وإن كانت أقل من المائتين عددا فلا زكاة فيها سواء كانت خفيفة أو وافية (7). وهو مدفوع بالاجماع، وخلاف المغربي قد انقرض، وانعقد الاجماع على خلافه، فعلى هذا لو زاد العدد عن مائتين ولم تبلغ مائة وأربعين مثقالا فلا زكاة، ولو نقص عن مائتين وبلغ مائة وأربعين مثقالا وجبت. مسألة 67: إذا بلغ أحدهما النصاب وجب فيه ربع العشر، فيجب في العشرين مثقالا نصف دينار، وفي المائتين من الفضة خمسة دراهم بإجماع

(1) المغني 2: 597، الموطأ 1: 247، المنتقى للباجي 2: 95، المجموع 6: 7.
(2) المنتقى للباجي 2: 96.
(3) ورد في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: التغلبية. والصحيح ما أثبتناه.
(4) المجموع 6: 19.
(5) ورد في النسخ الخطية بدل ما بين القوسين هكذا: المغربي وأهل الظاهر. والصحيح ما أثبتناه من المصادر.
(6) درهم واف: وفي بزنته لا زيادة فيه ولا نقص. لسان العرب 15: 399 " وفي ".
(7) المجموع 6: 19، حلية العلماء 3: 89.

[ 124 ]

علماء الاسلام. قال عليه السلام: (هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهما، وليس في تسعين ومائة شئ) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا فعليه (2) نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شئ، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم، وليس فيما دون المائتين شئ " (3). مسألة 68: النصاب الثاني للذهب: أربعة دنانير وفيها قيراطان، وللفضة: أربعون درهما وفيها درهم واحد، ولا شئ في الزائد على النصاب الأول منهما ما لم يبلغ ما قلناه عند علمائنا كافة، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن والشعبي ومكحول والزهري وعمرو بن دينار وأبو حنيفة (4). لقوله عليه السلام: (من كل أربعين درهما درهما) (5). وقال عليه السلام: (إذا بلغ الورق مائتين ففيه خمسة دراهم، ثم لا شئ فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهما) (6) وهذا نص. ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " فإذا كملت

(1) أورده ابن قدامة في المغني 2: 600 ونحوه في سنن الترمذي 3: 16 / 620.
(2) في المصدر: ففيه.
(3) التهذيب 4: 7 / 15.
(4) المجموع 6: 16 - 17، المغني 2: 600، بدائع الصنائع 2: 17 - 18، اللباب 1: 146 و 148.
(5) أوعزنا إلى مصادره في الهامش (1) من هذه الصفحة.
(6) أورده كما في المتن، ابن قدامة في المغني 2: 601، ونحوه في سنن الدارقطني 2: 93 / 1، وسنن البيهقي 4: 135.

[ 125 ]

عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين، فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلما زاد أربعة " (1). وعن الباقر عليه السلام: " ليس فيما دون المائتين شئ، فإذا زادت تسعة وثلاثون على المائتين فليس فيها شئ حتى تبلغ الأربعين، وكذلك الدنانير على هذا الحساب " (2). ولأن له عفوا في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب كالماشية. وقال مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وأحمد: لا يعتبر نصاب أحدهما بل تجب الزكاة في زيادتهما وإن قلت. ورواه الجمهور عن علي عليه السلام وابن عمر وعمر بن عبد العزيز والنخعي. لما روي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه " قال: (هاتوا ربع العشر عن كل أربعين درهما درهما، وليس عليكم شئ حتى تتم مائتين، وإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك) (3). ولأنه مال متجر (4) فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب (5).

(1) الكافي 3: 15، / 3، التهذيب 4: 6 / 13، الاستبصار 2: 12 / 35.
(2) ا لتهذيب 4: 7 / 15.
(3) سنن أبي داود 2: 99 - 100 / 1572، سنن الدارقطني 2: 92 / 3، وسنن البيهقي 4: 135.
(4) ورد في النسخ الخطية: يتجر. والصحيح ما أثبتناه.
(5) المهذب للشيرازي 1: 165، المجموع 6: 16، فتح العزيز 6: 3، حلية العلماء 3: 91، بداية المجتهد 1: 256، الكافي في فقه أهل المدينة: 90، بدائع الصنائع 2: 17 - 18.

[ 126 ]

ولا دلالة في الحديث؟ لأن ما زاد على المائتين بحساب المائتين في كل أربعين درهم وليس في الناقص عنها شئ، إذ لا يسمى أربعين فهو حجة لنا، والقياس مدفوع بما تقدم. إذا ثبت هذا، فكلما زاد الذهب أربعة أربعة كان فيها قيراطان في كل أربعة، وإذا زادت الفضة أربعين أربعين ففيها درهم في كل أربعين بلا خلاف عندنا، ولا زكاة فيما نقص عن ذلك وإن خرج بالتام. تذنيب: لا فرق في النصاب الأول والثاني في أنه لو نقص منه شئ يسير كالحبة تسقط الزكاة سواء اتفقت الموازين في النقص أو اختلفت فيه كما قلناه في الأول، ولو اختلفت بما جرت العادة به فالأقرب عدم الوجوب. مسألة 69: لا تجب الزكاة في المغشوشة حتى يبلغ الصافي نصابا، وكذا المختلط بغيره عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأحمد (1). لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) (2). ولأن المناط كونه ذهبا وفضة، والغش ليس أحدهما. وقال أبو حنيفة: إن كان الغش النصف أو أكثر كانت كالعروض تعتبر بالقيمة، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش وكانت كالفضة الخالصة التي لا غش فيها، لأن الفضة لا تنطبع إلا بالغش (3)، وليس حجة.

(1) المجموع 6: 9 و 19، فتح العزيز 6: 11 - 12، حلية العلماء 3: 92، مغني المحتاج 1: 390، المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 600.
(2) صحيح البخاري 2: 148، صحيح مسلم 2: 675 / 980، سنن النسائي 5: 36، الموطأ 1: 244 - 245 / 2، وسنن البيهقي 4: 134 (3) المبسوط للسرخسي 2: 194، بدائع الصنائع 2: 17، الهداية للمرغيناني 1: 104، اللباب 1: 147، شرح فتح القدير 2: 162، المجموع 6: 19، فتح العزيز 6: 12، وحكاه عنه أيضا المحقق في المعتبر: 266.

[ 127 ]

فروع: أ - لا يجوز أن يخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة مغشوشة - وبه قال الشافعي (1) - لأنه من ردئ المال فلا يجزئ عن الجيد. وقال أبو حنيفة: يجوز (2). ب - لو ملك النصاب ولم يعلم هل فيه غش أم لا وجبت الزكاة، لأصالة الصحة والسلامة. ولو علم أن فيه غشا وشك هل بلغ الصافي نصابا أو لا لم يؤمر بالسبك ولا الإخراج منها ولا من غيرها، لأن بلوغ النصاب شرط ولم يعلم حصوله فأصالة البراءة لم يعارضها شئ. وقال أحمد: يلزمه أحدهما (3). ج - لو عرف أن فيه نصابا خالصا وجهل الزيادة عليه، قال الشيخ: يؤمر بسبكها إن لم يتبرع بالاحتياط في الإخراج (4) - وبه قال الشافعي وأحمد (5) - لأن الذمة مشغولة، ولا يحصل يقين البراءة إلا بالسبك أو الاحتياط في الإخراج. والوجه: أخذ ما تيقن وجوبه، ويطرح المشكوك فيه عملا بأصالة البراءة، ولأن الزيادة كالأصل، فكما لو شك هل بلغ الصافي نصابا تسقط كذا لو شك هل بلغت الزيادة نصابا آخر. د - لو أخرج عن المغشوشة منها فإن اتفق مثل أن يكون في كل دينار سدسه وعلم ذلك أجزأ، لأنه يكون مخرجا لربع العشر، وإن اختلف أو لم

(1) المجموع 6: 8، فتح العزيز 6: 12، حلية العلماء 3: 91، مغني المحتاج 1: 395.
(2) المجموع 6: 19، فتح العزيز 6: 12، حلية العلماء 3: 91.
(3) المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 600.
(4) المبسوط للطوسي 1: 210، وعنه في المعتبر: 266.
(5) المجموع 6: 10، المغني 2: 599، الشرح الكبير 2: 600.

[ 128 ]

يعلم لم يجزئه إلا الاستظهار بأن يتيقن أن ما أخرجه من الذهب محيط بقدر الزكاة، ولو أخرج ذهبا لا غش فيه فهو أفضل. ه‍ - لو أراد إسقاط الغش وإخراج الزكاة عن قدر ما فيه من الذهب كمن معه أربعة وعشرون دينارا سدسها غش فأسقطه وأخرج نصف دينار عن عشرين جاز، لأنه لو سبكها لم يلزمه إلا ذلك، ولأن غشها لا زكاة فيه. و - لو كان الغش مما تجب فيه الزكاة وجبت الزكاة فيه أيضا إن بلغ نصابا أو كمل ما معه من جنسه نصابا. ز - كره الشافعي ضرب الدراهم المغشوشة (1). والوجه: التحريم إلا مع الاعتياد بإخراجها. ثم إن كانت مضبوطة صحت المعاملة بها، وإن كانت مجهولة النقرة احتمل جواز المعاملة كما يجوز بيع المعجونات وإن جهلت مقادير بسائطها، والمنع، لأنها تطلب لما فيها من النقرة وهي مجهولة القدر. ح - لو علم النصاب وقدر الغش أخرج عن الخالصة مثلها وعن المغشوشة ط - لو كان الغش مما تجب فيه الزكاة وجبت عنهما على ما تقدم، فإن أشكل الأكثر منهما ولم يمكن التمييز أخرج ما يجب في الأكثر من جنس الأكثر قيمة، فلو كان أحد النقدين ستمائة والآخر أربعمائة أخرج زكاة ستمائة ذهبا وأربعمائة فضة إن كان الذهب أكثر قيمة، وإلا فالعكس. ي - لو تساوى العيار واختلفت القيمة كالرضوية والراضية استحب الأفضل، والوجه: عدم إجزاء الأنقص قيمة وإن تساوى قدرا، بل يجب التقسيط، ولو أخرج من أوسطها ما يفي بقدر الواجب وقيمته أجزأ، ولو نقص قدرا مثل أن يخرج عن نصف دينار ثلث دينار جيد احتمل الإجزاء اعتبارا بالقيمة

(1) المجموع 6: 10، فتح العزيز 6: 13.

[ 129 ]

وعدمه، لأن النبي صلى الله عليه وآله نص على نصف دينار (1) فلم يجز النقص منه، ولو أخرج من الأردأ وزاد في القدر بقدر ما يفي بقيمة الواجب جاز. يا - يكمل جيد النقرة برديئها كالناعم والخشن، وكذا الذهب العالي والدون، ثم يخرج من كل جنس بقدره، وكذا الدراهم والدنانير الصحاح والمكسرة يضم بعضها إلى بعض ما لم يخرج بالكسر عن اسم المضروبة كما لو سحقت أجزاء صغارا لا يظهر الضرب والنقش فيها، ثم يخرج عن كل جنس بقدره، ولو أخرج من المكسرة بقدر الواجب قيمة أجزأ، وكذا من الصحيحة وإن قصر الوزن على إشكال. يب - لو أخرج بهرجا عن الجيد وزاد بقدر ما يساوي قيمة الجيد جاز، لأنه أخرج القيمة. وقال الشافعي: لا يجوز (2)، وهل يرجع فيما أخرجه من المعيب؟ وجهان عند أصحابه (3). وقال أبو حنيفة: يجوز إخراج الرديئة عن الجيدة من غير جبران، لأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا قيمة لها (4). مسألة 75: لا زكاة في الحلي المباح استعماله كالسوار للمرأة، والمنطقة للرجل عند علمائنا أجمع، وبه قال في الصحابة: ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء، وفي التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري والشعبي والقاسم وقتادة ومحمد بن علي الباقر عليه السلام وأبو عبيد وقالوا:

(1) سنن أبي داود 2: 100 - 101 / 1573، وسنن البيهقي 4: 138.
(2) المجموع 6: 8، فتح العزيز 6: 11، حلية العلماء 3: 91، المغني 2: 601 - 602، الشرح الكبير 2: 604.
(3) المجموع 6: 8، حلية العلماء 3: 91، المغني 2: 602، الشرح الكبير 2: 604.
(4) بدائع الصنائع 2: 42، المغني 2: 602، الشرح الكير 2: 653، حلية العلماء 3: 91.

[ 130 ]

زكاته إعارته كما يقوله علماؤنا. وفي الفقهاء: مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي - في القديم - والبويطي، وأحد قوليه في الأم، وعليه أصحابه، وبه يفتون (1). لقوله صلى الله عليه وآله: (لا زكاة في الحلي) (2). قالت فريعة بنت أبي أمامة: حلاني رسول الله صلى الله عليه وآله رعاثا، وحلى أختي، وكنا في حجره فما أخذ منا زكاة حلي قط (3)، والرعاث: الحلق (4). لا يقال: ترك الزكاة لأنه لم يبالغ نصابا. لأنا نقول: إنما يقال: ما أخذ زكاة؟ إلا والمال مما تجب فيه الزكاة. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الحلي فيه الزكاة؟ فقال: " لا وإن بلغ مائة ألف " (5). وقال عليه السلام: " زكاة الحلي أن يعار " (6) ولأنه مرصد لاستعمال مباح فلم تجب فيه الزكاة كالعوامل وثياب القنية. وقال الشافعي في الجديد: تجب فيه الزكاة، وبه قال عمر وأبن مسعود

(1) الأم 2: 41، المغني 2: 603، الشرح الكبير 2: 611، الكافي في فقه أهل المدينة: 89، المدونة الكبرى 1: 245، الشرح الصغير 1: 217 - 218، المجموع 6: 35 و 46، فتح العزيز 6: 20 و 21، حلية العلماء 3: 96، سنن الترمذي 3: 29 ذيل الحديث 636، المحلى 6: 75 و 76.
(2) لم نجده في المصادر الحديثة المتوفرة لدينا، نعم أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 88، المسألة 102.
(3) سنن البيهقي 4: 141، وأورده الشيخ الطوسي أيضا في الخلاف 2: 89، المسألة 102.
(4) الرعاث: القرطة وهي من حلي الأذن، واحدتها رعثة وهو القرط. لسان العرب 2: 152 " رعث " (5) التهذيب 4: 8 / 20، الاستبصار 2: 7 / 17، والكافي 4: 518 / 4.
(6) التهذيب 4: 8 / 22، والكافي 4: 518 / 6 بتفاوت فيه.

[ 131 ]

وابن عباس وعبد الله بن عمر، وابن العاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وابن سيرين والزهري والثوري وأحمد - في رواية - وأصحاب الرأي (1). لقوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر) (2) و (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (3) دل بمفهومه على وجوب الزكاة إذا بلغت خمسا. ولأن امرأة من اليمن أتت رسول الله صلى الله عليه وآله ومعها ابنة لها في يديها مسكتان (4) من ذهب، فقال: (هل تعطين زكاة هذا؟) فقالت: لا، فقال: (أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟) (5) ولأنه من جنس الأثمان فأشبه التبر. والرقة هي الدراهم المنقوشة، قال أبو عبيد: لا نعلم هذا الاسم في الكلام المنقول عن العرب إلا على الدراهم المنقوشة ذات السكة السائرة في الناس (6). وكذا الأواقي معناها الدراهم، كل أوقية أربعون درهما. والمسكتان طعن في حديثهما، قال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شئ (7).

(1) المجموع 6: 36 و 46، فتح العزيز 6: 19 - 20، حلية العلماء 3: 96، المغني 2: 604، الشرح الكبير 2: 611، أحكام القرآن للجصاص 3: 107، بدائع الصنائع (2) صحيح البخاري 2: 146، سنن النسائي 5: 18 - 23، سنن أبي داود 2: 96 - 97 / 1567، وسنن البيهقي 4: 134.
(3) صحيح البخاري 2: 144، صحيح مسلم 2: 674 / 3 و 5، الموطأ 1: 244 / 1.
(4) تثنية مسكة، بالتحريك، وهي نوع من السوار. النهاية لابن الأثير 4: 331 " مسك ".
(5) سنن أبي داود 2: 95 / 1563، سنن النسائي 5: 38، وسنن البيهقي 4: 140.
(6) حكاه عنه ابنا قدامة في المغني 2: 604، والشرح الكبير 2: 612. (7) سنن الترمذي 3: 30 ذيل الحديث 637، وحكاه عنه أبنا قدامة في المغني 2: 604، والشرح الكبير 2: 612.

[ 132 ]

ويحتمل إرادة العارية والأصل ممنوع. وقال مالك: يزكي عاما واحدا (1). إذا ثبت هذا فقولنا: زكاته إعارته، محمول على الاستحباب لا الوجوب عملا بالأصل. مسألة 71: الحلي المحرم استعماله كالمنطقة وحلية السيف للمرأة إذا قصدت لبسها، والسوار والدملج والخلخال للرجل إذا قصد التحلي به لا زكاة فيه عند علمائنا، لعموم قوله عليه السلام: (لا زكاة في الحلي) (2). وأطبق الجمهور كافة على إيجاب الزكاة فيه، لأن المحظور شرعا كالمعدوم حسا (3). ولا حجة فيه، لأن عدم الصنعة غير مقتض لايجاب الزكاة، فإن المناط كونهما مضروبين بسكة المعاملة. فروع: أ - لا فرق في سقوط الزكاة في المباح بين أن يعد للبس أو للاجارة والقنية. وقال أحمد: لا تجب في الأول على إحدى الروايتين، وتجب في الثاني، لأن الزكاة سقطت عما اعد للاستعمال لصرفه عن جهة النماء فتجب فيما عداه على الأصل (4)، ونمنع الايجاب في الأصل. وكذا لا فرق بين كون الحلي المباح مملوكا لامرأة تلبسه أو تعيره، أو لرجل يحلي به أهله، أو يعيره، أو يعده لذلك.

(1) حكاه عنه ابن قدامة في المغني 2: 604.
(2) راجع: الهامش (2) من الصفحة 130.
(3) المجموع 6: 35 و 37، فتح العزيز 6: 23، المغني 2: 606، الشرح الكبير 2: 614، الشرح الصغير 1: 217 - 218، المبسوط للسرخسي 2: 192، اللباب 1: 148.
(4) المغني 2: 604، الشرح الكبير 2: 613 و 614.

[ 133 ]

ب - قليل الحلي وكثيره سواء في الاباحة والزكاة. وقال بعض الجمهور: يباح ما لم يبلغ مائة ألف، فإن بلغها حرم وفيه الزكاة، لأنه يخرج إلى السرف والخيلاء، ولا يحتاج إليه في الاستعمال (1). وليس بجيد، لأن الشرع أباح التحلي مطلقا من غير تقييد، وقال تعالى: (قل من حرم زينة الله) (2). ج - يباح للمرأة من حلي الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه كالسوار والخلخال والقرط (3) والخاتم، وما تلبسه على وجهها وعنقها ويدها ورجلها وأذنها وغيرها، فاما ما لم تجر عادتها بلبسه كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم. وأما الرجل فيحرم عليه التحلي بالذهب إجماعا، ويحرم التمويه به وإن لم يحصل منه ذهب، وللشافعي وجهان (4). أما اتخاذ أنف لمن جدع (5) أنفه، فالأقرب الجواز، ويجوز أن يتحلى بمثل المنطقة والسيف والسكين وغيرها من آلات الحرب بالفضة خاصة. قال الشيخ: ولا يجوز ذلك في حلي الدواة والقوس (6)، لأنه من الآلات، وآلات الفضة يحرم استعمالها - ثم قال: وإن قلنا بالاباحة كان قويا، قال: ولا يجوز أن يحلى المصحف بالفضة، والمرآة والمشط والميل والمكحلة وغيرها، لأنه من

(1) هو ابن حامد كما في المغني 2: 605، والشرح الكبير 2: 621 و 622 وفيهما: (ألف مثقال) بدل (مائة ألف).
(2) الأعراف: 32.
(3) القرط: نوع من حلي الإذن. لسان العرب 7: 347 " قرط ".
(4) المجموع 6: 38، فتح العزيز 6: 27.
(5) الجدع: قطع الأنف. الصحاح 3: 1193، القاموس المحيط 3: 11 " جدع ".
(6) ورد في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: (الفرس) بدل (القوس) وما أثبتناه من المبسوط هو الصحيح بقرينة الآلات.

[ 134 ]

الأواني والآلات، وأما تضبيب الأواني فإنه مكروه للحاجة وغيرها، فيجتنب موضع الفضة في الاستعمال (1). وقال الشافعي: لا يحل للرجل التحلي بالفضة إلا التختم به، وتحلية آلات الحرب، وفي السرج واللجام وجهان، ويحرم على المرأة آلات الحرب، لما فيه من التشبه بالرجال، وأما في غير التحلي فقد حرم الشرع اتخاذ الأواني من الذهب والفضة على الرجال والنساء (2). وللشافعية في تحلية المصحف بالفضة وجهان، وفي تحليته بالذهب ثلاثة أوجه، يفرق في الثالث بين الرجال والنساء، وأما تحلية غير المصحف من الكتب فإنه حرام (3). وفي تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل من الذهب والفضة إشكال ينشأ من كون تجويزه إكراما. وما يجرى على السقوف والحيطان من الذهب، قال الشيخ: لا نص في تحريمها، ولا في تحلية المصاحف وربط الأسنان بالذهب، والأصل الاباحة، ولا زكاة في الجميع (4). وقال الشافعي وباقي الفقهاء: إن كان لو جمع وسبك بلغ نصابا وجبت الزكاة (5). د - لا زكاة في نفائس الأموال إلا في النقدين. ه‍ - لو كان معه خلخال وزنه مائتا درهم، وقيمته لأجل الصنعة ثلاثمائة لم تجب الزكاة عندنا.

(1) المبسوط للطوسي 1: 212 - 213.
(2) المجموع 6: 38 و 39، الوجيز 1: 94، فتح العزيز 6: 28 - 29 و 32 - 33.
(3) المجموع 6: 42، الوجيز 1: 94، فتح العزيز 6: 34 - 35 (4) الخلاف 2: 89 - 90، المسألة 103.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 267.

[ 135 ]

وقال أبو حنيفة: تجزئه خمسة دراهم، ولا عبرة بالصنعة (1). وقال الشافعي: لا تجزئه، لأن القيمة تضم إلى وزنه (2). و - لو فر بالسبك من الزكاة، فإن كان بعد الحول لم تسقط لسبق الوجوب، وإن كان قبله فروايتان: أقربهما: السقوط، لفوات الشرط. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله هارون بن خارجة إن أخي يوسف ولي لهؤلاء أعمالا، وأصاب فيها أموالا كثيرة، وإنه جعل ذلك المال حليا أراد أن يفر به من الزكاة، أعليه الزكاة؟ قال: " ليس على الحلي زكاة، وما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه ومنعه نفسه فضله أكثر مما يخاف من الزكاة " (3). والأخرى: وجوب الزكاة عن الصادق عليه السلام وقد سئل عن الحلي فيه الزكاة؟ قال: " لا إلا ما فر به من الزكاة " (4). وتحمل على الاستحباب، أو على ما إذا جعله بعد الحول. ز - لا تضم النقار إلى الدراهم، ولا السبائك إلى الذهب، لفوات الشرط. وأطبق الجمهور على الضم، لأنه جنس واحد (5)، وهو ممنوع، لأن أحدهما لا تجب فيه. مسألة 72: يشترط ملك النصاب في النقدين بتمامه في جميع الحول كما قلنا في المواشي عند علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي (6).

(1) انظر: حلية العلماء 3: 92.
(2) المجموع 6: 45، فتح العزيز 6: 36، حلية العلماء 3: 91.
(3) الكافي 3: 518 / 7، التهذيب 4: 9 / 26، الاستبصار 2: 8 / 23.
(4) التهذيب 4: 9 / 24، الاستبصار 2: 8 / 21.
(5) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 77، المسألة 90، والمحقق في المعتبر: 267.
(6) المجموع 6: 8 و 19 - 25، فتح العزيز 6: 8.

[ 136 ]

لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " فإن كانت مائة وخمسين فأصاب خمسين بعد أن يمضي شهر فلا زكاة عليه حتى يحول على المائتين الحول " (2). وقال أبو حنيفة: يشترط النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصانه في خلال الحول (3)، وقد سلف في المواشي (4). مسألة 73: لو كان في يده أقل من النصاب وكان له دين يتم به، فإن أوجبنا الزكاة في الدين ضممناه هنا إن كان على ملي باذل، لأنه قادر على أخذه فوجب إخراج زكاته كالوديعة، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب الإخراج حتى يقبضه، لأنه دين فلا يجب الإخراج عنه حتى يقبضه كما لو كان على جاحد (6). والفرق ظاهر، فإنه لا يقدر على أخذه من الجاحد. ولو كان جاحدا في الظاهر دون الباطن لم يلزمه إخراجها حتى يقبضه. وهل تجب فيه؟ قال الشافعي: نعم، لأنه ملي مقر به فأشبه ما إذا أقر عند الحاكم (7).

(1) سنن أبي داود 2: 101 / 1573، سنن الدارقطني 2: 91 / 3 و 5، سنن أبن ماجة 1: 571 / 1792، وسنن البيهقي 4: 95.
(2) الكافي 3: 525 / 4، التهذيب 4: 35 / 92 قطعة من الحديث.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 105، شرح فتح القدير 2: 168، اللباب 1: 149، المجموع 6: 20، فتح العزيز 6: 8.
(4) سلف في المسألة 32 (5) المهذب للشيرازي 1: 165، المجموع 6: 21، فتح العزيز 5: 502، حلية العلماء 3: 92، الميزان للشعراني 2: 8، رحمة الأمة 1: 117.
(6) المبسوط للسرخسي 2: 194 - 195، المغني 2: 637، فتح العزيز 5: 502، حلية العلماء 3: 92، الميزان للشعراني 2: 8، رحمة الأمة 1: 117.
(7) حلية العلماء 3: 92.

[ 137 ]

وقال أبو يوسف: لا زكاة فيه، لأنه لا يقدر على قبضه فهو كالمجحود (1)، وهو أوجه عندي. وإن كان جاحدا في الظاهر والباطن، أو كان معسرا فلا زكاة، وللشافعي قولان (2). ولو كان له بينة بالمال، أو علمه الحاكم فالأقرب الوجوب - وبه قال الشافعي (3) - لتمكنه. وقال محمد بن الحسن: إن علمه الحاكم وجبت، وإن كان له بينة لم تجب، لأن الحاكم قد لا يقبلها (4). ويشكل بأنه إذا ترك إقامة البينة حولا فقد ترك الأخذ مع إمكانه. وأما المؤجل فلا زكاة فيه، لعدم تمكنه منه، وللشافعي قولان (5). وإن قلنا بعدم الوجوب في الدين - وهو القديم للشافعي (6) - فلا زكاة هنا. مسألة 74: لو نقص أحدهما عن النصاب لم يكمل بعروض (7) التجارة عند علمائنا، لنقص النصاب، ومال التجارة لا تجب فيه الزكاة، وإن وجبت إلا أنه لا يضم جنس إلى غيره على ما يأتي (8). وأطبق الجمهور على الضم هنا، لأن الزكاة إنما تجب في القيمة ويقوم

(1) المبسوط للسرخسي 2: 195، حلية العلماء 3: 92.
(2) المهذب للشيرازي 1: 165، المجموع 6: 21، فتح العزيز 5: 502، حلية العلماء 3: 93، المغني 2: 638.
(3) المجموع 6: 21، فتح العزيز 5: 503، حلية العلماء 3: 93.
(4) حلية العلماء 3: 93.
(5) المجموع 6: 21، فتح العزيز 5: 502، حلية العلماء 3: 93.
(6) المجموع 6: 21، فتح العزيز 5: 502.
(7) العرض: المتاع. الصحاح 3: 1083.
(8) يأتي في المسألة التالية (75).

[ 138 ]

بكل واحد منهما فيضم. ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع عندهم في تكميل النصاب، لأن العرض مضموم إلى كل واحد منهما فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة (1). مسألة 75: ولا يضم أحد النقدين إلى الآخر لو كمل النصاب بهما عند علمائنا أجمع، فلو كان له من كل من الذهب والفضة مالا يبلغ نصابا بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر كما لو كان له مائتا درهم وأربعة دنانير أو عشرون دينارا وأربعون درهما لم يضم أحدهما إلى الآخر، وبه قال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وشريك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد في رواية (2). لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وليس في الكسور شئ " (4). ولأنهما مالان يختلف نصابهما فلا يضم أحدهما إلى الآخر كأجناس الماشية. وقال مالك والأوزاعي والثوري وأحمد - في رواية - والحسن وقتادة وأصحاب الرأي: يضم أحدهما إلى الآخر، لأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر وهو مال التجارة فيضم إلى الآخر كأنواع الجنس، ولأن نفعهما

(1) المغني 2: 597، الشرح الكبير 2: 610.
(2) المجموع 6: 18، فتح العزيز 6: 9، حلية العلماء 3: 90، الأموال لأبي عبيد: 424 - 425، بداية المجتهد 1: 257، المغني 2: 597، الشرح الكبير 2: 605.
(3) سنن أبي داود 2: 94 / 1558، سنن الترمذي 3: 22 / 626، سنن الدارمي 1: 384، الموطأ 1: 244 / 1، وسنن البيهقي 4: 120 و 121. (4) التهذيب 4: 7 / 15، وعن أحدهما عليهما السلام في صفحة 12 / 30.

[ 139 ]

واحد، والمقصود منهما متحد فإنهما قيم المتلفات وأروش الجنايات وأثمان البياعات (1) (2). إذا عرفت هذا فالقائلون بالضم اختلفوا، فقال مالك وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي وأحمد في رواية: يضم إلى الآخر بالأجزاء يعني أنه يحسب كل واحد منهما من نصابه، فإذا كملت أجزاؤهما نصابا وجبت الزكاة مثل أن يكون عنده نصف نصاب من أحدهما، ونصف نصاب أو أكثر من الآخر، أو ثلث من أحدهما وثلثان أو أكثر من الآخر، فلو ملك مائة درهم وعشرة دنانير، أو مائة وخمسين درهما وخمسة دنانير، أو مائة وعشرين درهما وثمانية دنانير وجبت الزكاة فيهما. وإن نقصت أجزاؤهما عن نصاب فلا زكاة فيهما بأن يكون عنده ثمانية دنانير ومائة درهم، لأن كل واحد منهما لا تعتبر قيمته في إيجاب الزكاة إذا كان منفردا فلا تعتبر إذا كان مضموما كالحبوب (3). وقال أبو حنيفة: يضم بالأحوط من الأجزاء والقيمة معا، ومعناه أنه يقوم الغالي منهما بقيمة الرخيص، فإذا بلغت قيمتهما بالرخيص منهما نصابا وجبت الزكاة فيهما، فلو ملك مائة درهم وتسعة (4) دنانير قيمتها مائة درهم، أو عشرة

(1) البياعات: الأشياء التي يتبايع بها في التجارة. لسان العرب 8: 25.
(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 90، بداية المجتهد 1، 257، حلية العلماء 3: 90، المغني 2: 598، الشرح الكبير 2: 605، الهداية للمرغيناني 1: 105، المبسوط للسرخسي 2: 192 و 3: 20، اللباب 1: 149، المجموع 6: 18، فتح العزيز (3) المغني 2: 598، الشرح الكبير 2: 609، الكافي في فقه أهل المدينة: 90، بداية المجتهد 1: 257، المبسوط للسرخسي 2: 193، و 3: 20، الهداية للمرغيناني 1: 105، المجموع 6: 18، حلية العلماء 3: 90.
(4) في المغني والشرح الكبير: سبعة.

[ 140 ]

دنانير وتسعين (1) درهما قيمتها عشرة دنانير وجبت الزكاة فيهما - وهو رواية عن أحمد - لأن كل نصاب وجب فيه ضم الذهب إلى الفضة ضم بالقيمة كنصاب القطع في السرقة (2). والكل باطل عندنا، لما تقدم. مسألة 76: يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر بالقيمة - وهو أصح الروايتين عن أحمد (3) - لأن المقصود من أحدهما حاصل بإخراج الآخر فأجزأ، فإن المقصود منهما جميعا الثمنية، والتوصل بهما إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء فأشبه إخراج الجنس، وإذا كان المقصود حاصلا وجب الإجزاء، إذ لا فائدة في اختصاص الإجزاء بعين مع مساواة غيرها لها في الحكمة. ولأنه قد يكون أرفق بالمعطي والفقير، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما، فإن إخراج العين قد يشق على من يملك عشرين مثقالا بإخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص، ومشاركة الفقير له في دينار من ماله، أو بيع أحدهما نصيبه فيتضرر المالك والفقير، فإذا خرج الدراهم عنها اندفعت حاجة الفقير، وسهل ذلك عليه، وانتفع من غير كلفة ولا ضرر. ولأنه لو دفع إليه قطعة من ذهب في موضع لا يتعامل بها فيه لم يقدر على قضاء حاجته، ولو أراد بيعها بجنس ما يتعامل بها احتاج إلى كلفة البيع وربما لا يقدر عليه فلا يفيده شيئا، وربما نقص عوضها عن قيمتها. والرواية الثانية لأحمد: المنع من الجواز، لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار فمع اختلاف الجنس

(1) في المغني والشرح الكبير سبعين (2) المغني 2: 598، الشرح الكبير 2: 609.
(3) المضي 2: 602، الشرح الكبير 2: 606.

[ 141 ]

أولى (1). والأولى ممنوعة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وعلى ما قلناه، لا يجوز الابدال في موضع يلحق الفقير ضرر، مثل أن يدفع إليه ما لا ينفق عوضا عما ينفق، لأنه كالمعيب. ولو أختار المالك الدفع من الجنس واختار الفقير الأخذ من غيره لضرر يلحقه في (أخذ الجنس) (2) لم يلزم المالك إجابته، لأنه أدى فرض الله عليه فلا يكلف غيره. المطلب الثالث في زكاة الغلات والثمار وفيه بحثان: الأول: فيما تجب الزكاة فيه منها. مسألة 77: الزكاة في الغلات والثمار واجبة بالنص والإجماع: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) (3) والزكاة تسمى نفقة، لقوله تعالى: (ولا ينفقونها في سبيل الله) (4). وقال تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) (5) قال ابن عباس: حقه:

(1) المغني 2: 602، الشرح الكبير 2: 605.
(2) ورد في النسخ الخطية: أحد الجنسين وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه.
(3) البقرة: 267.
(4) التوبة: 34.
(5) الأنعام: 141.

[ 142 ]

الزكاة المفروضة (1). وأجمع علماء الاسلام على وجوب الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. مسألة 78: ويشترط في الزكاة في هذه الانواع أمور ثلاثة: النصاب، وبدو الصلاح، وتملك الغلة بالزراعة لا بغيرها كالابتياع والاتهاب. والنصاب في الأربعة واحد وهو خمسة أوسق، فلا يجب فيما دونها شئ بإجماع علمائنا، وهو قول أكثر أهل العلم منهم: ابن عمر وجابر وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد والحسن البصري وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأهل المدينة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد (2). لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (3). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة " (4). وقال الصادق عليه السلام: " ليس في النخل صدقة حتى تبلغ خمسة

(1) مجمع البيان 2: 375، تفسير الطبري 8: 43، تفسير البيان 4: 295، التفسير الكبير للرازي 13: 213، والمغنى 2: 547.
(2) المغني 2: 552 - 553، الشرح الكبير 2: 554، الكافي في فقه أهل المدينة: 100 - 101 و 103، المنتقى - للباجي - 2: 91، بداية المجتهد 1: 265، الشرح الصغير 1: 213، اللباب 1: 150، المجموع 5: 458 و 502، حلية العلماء 3: 74.
(3) صحيح البخاري 2: 156، صحيح مسلم 2: 673 / 979، سنن الترمذي 3: 22 / 626، سنن أبي داود 2: 94 / 1558 و 1559، سنن النسائي 5: 40 - 41، سنن الدارمي 1: 384، وسنن البيهقي 4: 121.
(4) التهذيب 4: 14 / 35، الاستبصار 2: 14 / 41.

[ 143 ]

أوساق، والعنب مثل ذلك " (1). ولأنه مال تجب فيه الصدقة فلا تجب في يسيره كسائر الأموال الزكوية. وقال أبو حنيفة ومجاهد: تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره (2)، لعموم فوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (3). ولأنه لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب والخاص مقدم، ولم يعتبر الحول، لأن نماءه يكمل باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره، لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة. مسألة 79: الوسق ستون صاعا (4) بالاجماع والنص، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الوسق ستون صاعا) (5). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " الوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله " (6). وأما الصاع فإنه أربعة أمداد عند علمائنا، والمد رطلان وربع بالعراقي يكون قدر النصاب ألفين وسبعمائة رطل.

(1) التهذيب 4: 18 / 46، الاستبصار 2: 18 / 52.
(2) الاختيار لتعليل المختار 1: 147، بدائع الصنائع 2: 59، اللباب 1: 150، الهداية للمرغيناني 1: 109، المغني 2: 553، الشرح الكبير 2: 554، المجموع 5: 458، حلية العلماء 3: 74.
(3) صحيح البخاري 2: 155، سنن أبي داود 2: 108 / 1596، سنن ابن ماجة 1: 580 / 1816 و 581 / 1817، سنن النسائي 5: 41، سنن الدارقطني 2: 97 / 9، وسنن البيهقي 4: 130.
(4) انظر: النهاية - لابن الأثير - 5: 185.
(5) سنن ابن ماجة 1: 586 / 1832 و 587 / 1833، مسند أحمد 3: 83، وسنن البيهقي 4: 121.
(6) التهذيب 4: 14 / 35، الاستبصار 2: 14 / 41.

[ 144 ]

ولتعارض رواياتهم فسقط الاحتجاج بها، لعدم الأولوية، ويصار إلى الأصل وهو البراءة، وصيانة مال المسلم عن التسلط. ولأن النصاب شرط لما بينا، ولا نعلم حصوله إلا مع التقدير الأعلى فيقف الوجوب عليه. ولقول الصادق عليه السلام: " الصاع أربعة أمداد " (1). وقول أبي الحسن عليه السلام: " الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي " (2). وقول الباقر عليه السلام: " والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال " (3) بأرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي (4). وقال الشافعي وأحمد: وزن المد رطل وثلث، والصاع: خمسة أرطال وثلث (5)، لأن مالكا أحضر لأبي يوسف أولاد المهاجرين والأنصار، فشهدوا أن آباءهم أخبروهم أنهم كانوا يؤدون الصدقة إلى النبي عليه السلام بهذا الصاع (6). وهو ممنوع، فإنه لو كان مشتهرا في المدينة لم يخف عن أهلها، مع

(1) التهذيب 4: 81 / 233، الاستبصار 2: 47 / 154 (2) الكافي 4: 172 / 9، التهذيب 4: 83 / 243، الفقيه 2: 115 / 493، معاني الأخبار 249 / 2.
(3) التهذيب 1: 136 - 137 / 379.
(4) قوله: بأرطال - إلى - العراقي، من كلام الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 137 ذيل الحديث 379، فلاحظ.
(5) المجموع 6: 128، فتح العزيز 5: 565 و 6: 194، حلية العلماء 3: 74 و 129، مغني المحتاج 1: 382 و 405، المغني 1: 255 و 2: 558 و 657، الشرح الكبير 1: 254، و 2: 660.
(6) أورده كما في المتن، المحقق في المعتبر 268، وانظر أيضا: المغني والشرح الكبير 1: 255، وسنن البيهقي 4: 170 - 171.

[ 145 ]

أن الباقر عليه السلام سيدهم وقد أخبر بخلاف ذلك وهو أعرف من عوامهم، ولما أخبر مالك أن عبد الملك تحرى صاع عمر (1)، فإن صاع النبي صلى الله عليه وآله أولى بالتحري. وقال أبو حنيفة: المد رطلان، فالصاع ثمانية أرطال (2) لأن أنسا روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتوضأ بمد ويغتسل بصاع ثمانية أرطال (3). وهي معارضة برواية الشافعي فتساقطا. مسألة 80: هذا التحديد تحقيق لا تقريب، وهو أحد قولي الشافعية (4) لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) (5). ولأنه نصاب يتعلق به وجوب الفرض فكان محددا كسائر الاوقاص، ولأن نقصان القليل مجهول لا يمكن تعليق الحكم به فلم يكن بد من حد فاصل. وقال بعضهم: إنه تقريب، فإن نقص قليلا وجبت الزكاة، لأن الوسق في اللغة: الحمل (6). وهو يزيد وينقص (7)، ونحن إنما اعتبرنا التقدير الشرعي لا اللغوي.

(1) نقله المحقق في المعتبر: 268.
(2) بدائع الصنائع 2: 73، الهداية - للمرغيناني - 1: 117، اللباب 1: 160، المغني والشرح الكبير 1: 255، حلية العلماء 3: 129.
(3) سنن الدارقطني 2: 153 / 72 و 154 / 73، وانظر: المغني والشرح الكبير 1: 255، وبدائي الصنائع 2: 73.
(4) المجموع 5: 458، فتح العزيز 5: 565 - 566، حلية العلماء 3: 74.
(5) صحيح البخاري 2: 147 - 148، صحيح مسلم 2: 675 / 980، سنن النسائي 5: 36، سنن الدارقطني 2: 93 / 5 وسنن البيهقي 4: 120.
(6) انظر: الصحاح 4: 1566، القاموس المحيط 3: 289.
(7) المجموع 5: 458، فتح العزيز 5: 565.

[ 146 ]

فروع: أ - لو تساوت الموازين في النقص اليسير فلا زكاة، لقوله عليه السلام: (في فيما دون خمسة أوسق صدقة) (1) وهو قول بعض الشافعية. وقال آخرون: لا اعتبار باليسير منه (2). ب - لو اختلفت الموازين الصحيحة لم يعمل على النقصان اليسير الذي اختلفت به كالأوقية: لأن العادة أسقطت اعتباره. ج - النصاب يعتبر بالكيل، لأن الاوساق مكيلة، وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ. د - لا وقص في نصاب الحبوب والثمار بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب لانتفاء الضرر في تبعيضه بخلاف الماشية. ولعموم قوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (3). مسألة 81: إذا وجب العشر مرة لم يجب عليه عشر - آخر وإن بقيت عنده أحوالا إجماعا - إلا من الحسن البصري (4) - لأن هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل، بل هي إلى النقص أقرب. ولقول الصادق عليه السلام: " أيما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدقها فليس عليه شئ ولو بقيت ألف عام إذا كان بعينه وإنما عليه صدقة العشر، فإذا أداها مرة فلا شئ عليه " (5). ولأنها غير معدة للنماء فأشبهت أمتعة القنية، فإن اشترى من ذلك شيئا

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 78 (2) راجع: المجموع 5: 458، فتح العزير 5: 565 - 566، وتعرض لخلاف الشافعية أيضا، المحقق في المعتبر 268 (3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 78 (4) المجموع 685، حليه العلماء 3: 86 (5) الكافي 3: 515 / 1 (باب أن الصدقة في التمر مرة واحدة) التهذيب 4: 40 / 102 بتفاوت.

[ 147 ]

للتجارة صار عرضا تتعلق به زكاة التجارة استحبابا أو وجوبا على الخلاف، وكذا لو باعها بنصاب زكوي غير الغلة والثمار وحال عليه الحول وجبت وإلا فلا. مسألة 82: وقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد، وفي الثمرة إذا بدا صلاحها على الأقوى، لعموم قوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (1). ولأن أهل اللغة نصوا على أن البسر (نوع) (2) من التمر، ومن أوجب في الثمرة أوجبها في الحب. وقال بعض علمائنا: إنما تتعلق الزكاة به إذا صار تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا، لتعلق الحكم على الاسم (3). وقد بينا أن الاسم يتعلق بما قلناه. وعلى كلا القولين، إنما يجب الإخراج ويستقر الوجوب حين يصير التمر في الجرين (4)، والزرع في البيدر (5) بعد التصفية من التبن والقش، فلو تلف قبل ذلك بغير تفريط فلا زكاة عليه. وإنما فائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمرة بعد بدو الصلاح إما بأكل أو بيع لم تسقط عنه الزكاة، لأنه تصرف بعد تعلق الوجوب فلا تسقط. وعلى القول الآخر لا شئ عليه، لأنه تصرف فيها قبل الوجوب فأشبه

(1) راجع المصادر في المسألة 78.
(2) كذا، ولعل المصنف - رحمه الله - يقصد مرحلة من مراحل نضوج التمر. وانظر: الصحاح 2: 589 (3) هو المحقق في المعتبر: 268.
(4) الجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه، الصحاح 5: 2091 " جرن ".
(5) البيدر: الموضع الذي يداس فيه الطعام الصحاح 2: 587، القاموس المحيط 1: 369 " بدر ".

[ 148 ]

ما لو أكل السائمة أو باعها قبل الحول. ولو تلف البعض بغير تفريط بعد البدو وقبل الكمال سقط من الزكاة بقدر التالف، ووجب في الباقي بقدره وإن نقص عن النصاب إذا كان الجميع نصابا. مسألة 83: والنصاب المعتبر - وهو خمسة أوسق - إنما يعتبر وقت جفاف التمر، ويبس العنب والغلة، فلو كان الرطب خمسة أوسق، أو العنب، أو الغلة ولو جفت تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا نقص، فلا زكاة إجماعا وإن كان وقت تعلق الوجوب نصابا. أما ما لا يجف مثله وإنما يؤكل رطبا كالهلباث (1) والبرني وشبههما من الدقل (2) الرقيق الثمرة فإنه تجب فيه الزكاة أيضا، لقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (3) وإنما تجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق تمرا. وهل يعتبر بنفسه أو بغيره من جنسه؟ الأقرب: الأول وإن كان التمر يقل كغيره. وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، والثاني: يعتبر بغيره، فإذا كان مما يجف يبلغ خمسة أوسق تمرا، وكان هذا مثله رطبا، وجب فيه الزكاة، فيعتبر بأقرب الأرطاب إليه مما يجف (4). مسألة 84: لو اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها وجبت الزكاة على المشتري لحصول السبب في ملكه، ولو كان بعد بدو الصلاح فالزكاة على البائع.

(1) الهلباث: ضرب من التمر لسان العرب 2: 198 " هلبث ".
(2) الدقل. أردأ التمر. الصحاح 4: 1698، القاموس المحيط 3: 376.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادر في المسألة 78.
(4) المجموع 5: 458 - 459، فتح العزيز 5: 568.

[ 149 ]

ومن أبطل بيع الثمرة قبل البدو لو فعله منفردا لا بشرط القطع كان الملك باقيا على البائع فالزكاة عليه عند بدو الصلاح. مسألة 85: لو مات وعليه دين مستوعب، فإن كان بعد بدو الصلاح وجبت الزكاة، لتعلقها بالعين ومحل الدين الذمة وكان حق الزكاة مقدما وإن ضاع على صاحب الدين دينه. ولو مات قبل بدو الصلاح، فلا زكاة على الوارث ولا على الميت، أما على الميت: فلانتقاله عنه قبل بدو الصلاح، وأما على الوارث: فلعدم الانتقال إليه إلا بعد قضاء الدين عند قوم، ولاشتغاله بتعلق الدين به كالرهن إن قلنا بالانتقال إليه، وقد بينا أن التمكن من التصرف شرط في الوجوب. أما لو لم يكن الدين مستوعبا، فإن فضل قدر النصاب وجبت الزكاة فيه خاصة وإلا فلا. مسألة 86: قد بينا أنه لا تجب الزكاة في الغلات والثمار إلا إذا نمت في الملك، لا ما يبتاع (1) ثمرا، ولا ما يستوهب إجماعا. وأما عامل المساقاة والمزارعة فإنه تجب عليه في نصيبه الزكاة إن بلغ النصاب وإلا فلا عند أكثر علمائنا (2)، لأنه ملك الحصة قبل النماء. وقال بعض علمائنا: لا زكاة عليه، لأنه ملكه أجرة (3)؟ وليس بمعتمد. وأما حصة المالك فإنها تجب الزكاة فيها أيضا إن بلغت النصاب إجماعا. مسألة 87: الواجب في هذه الغلات والثمار العشر إن لم يفتقر سقيه

(1) ورد في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: لا ما يباع. والصحيح ما أثبتناه.
(2) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف، كتاب المساقاة، المسألة 13، والمبسوط 3: 220، وابن إدريس في السرائر: 265 و 268، والمحقق الحلي في شرائع الاسلام 2: 160.
(3) هو السيد ابن زهرة العلوي في الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 540 (فصل: في المزارعة والمساقاة).

[ 150 ]

إلى مؤونة كالذي يشرب من السماء بمطر أو ثلج، أو تسقيه الأنهار بغير آلة وإنما تفيض إليها في زيادتها، أو بحبس الماء عليه، أو يشرب بعلا وهو ما يشرب بعروقه في الأرض التي يقرب ماؤها من وجهها فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن سقي، أو كانت عروقه تصل إلى نهر أو ساقية. وأما ما يفتقر إلى مؤونة كالذي يشرب بالدوالي والدواليب وما أشبه ذلك فإنه يجب فيه نصف العشر، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. لقوله عليه السلام: (في سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا (1) العشر، وفيما سقي بالسواني والنضح نصف العشر) (2) والسواني: النواضح وهي الإبل يستقى بها الماء لشرب الأرض (3). وقال عليه السلام: (فيما سقت العيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر (4) والعثري: ما تسقيه السماء وهو العذي (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وما كان منه يسقى بالرشا (6) والدوالي (7) والنواضح ففيه نصف العشر، وما سقت السماء والسيح أو كان بعلا ففيه العشر تاما " (8). ولأن للكلفة تأثيرا في إسقاط الزكاة جملة كالمعلوفة فبأن تؤثر في التخفيف أولى.

(1) البعل: ما شرب بعروقه من الأرض بغير سقي لسان العرب 11: 57.
(2) سنن أبي داود 2: 108 / 1596، سنن النسائي 5: 41، سنن ابن ماجة 1: 581 / 1817، وسنن البيهقي 4: 130.
(3) انظر: الصحاح 6: 2384 " سنا ".
(4) صحيح البخاري 2: 155، وسنن البيهقي 4: 130.
(5) قاله أبو عبيد. راجع: الأموال 480، وانظر: لسان العرب 4: 541.
(6) الرشا: الحبل. والجمع: أرشية. لسان العرب 14: 322.
(7) الدوالي، جمع دالية وهي: الناعورة يديرها الماء. لسان العرب 14: 266.
(8) التهذيب 4: 13 - 14 / 34، الاستبصار 2: 14 / 45.

[ 151 ]

فروع: أ - لا يؤثر حفر الأنهار والسواقي في نقصان الزكاة، لأن المؤونة تقل، ولأنه من جملة إحياء الأرض، ولا يتكرر، ولأنه يجري مجرى الكراب (1). ب - لو كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض ويستقر في مكان قريب من وجهها لا يصعد إلا بدولاب وشبهه فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة لأن مقدار الكلفة وقرب الماء وبعده لا يعتبر. والضابط لذلك هو احتياج ترقية الماء إلى الأرض إلى آلة من دولاب، أو دالية، أو ناضح أو نحو ذلك. ج - الزكاة في القسمين إنما تجب بعد إخراج المؤن، والفرق بينهما باق، إذ تقديم المؤونة من الكلفة فلهذا وجب نصف العشر. مسألة 88: لو سقي بعض المدة بالسيح، وبعضها بالالة، فإن تساويا أخذت الزكاة بحساب ذلك فأخذ للسيح نصف العشر، وللدوالي ربع العشر، فتجب ثلاثة أرباع العشر - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي (2)، ولا نعلم فيه خلافا - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل الأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء وتسقى سيحا: " النصف والنصف نصف بنصف العشر ونصف بالعشر " (3). ولأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه فإذا وجد في نصفها أوجب نصفه. وإن تفاوتا كان الحكم للا غلب عند علمائنا، وبه قال عطاء والثوري وأبو

(1) كرب الأرض يكربها كربا وكرابا: قلبها للحرث. لسان العرب 1: 714 - 715 " كرب ".
(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 103 " الشرح الصغير 1: 214، المنتقى - للباجي - 2: 158، المجموع 5: 463، فتح العزيز 5: 579، حلية العلماء 3: 76، المغني 2: 557، الشرح الكبير 2: 563.
(3) الكافي 3: 514 / 6، التهذيب 4: 16 / 41، الاستبصار 2: 15 / 44.

[ 152 ]

حنيفة والشافعي - في أحد القولين - وأحمد في إحدى الروايتين (1). لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الأرض تسقى بالدوالي فتسقى السقية والسقيتان سيحا، فقال: " وكم تسقى السقية والسقيتان سيحا؟ " قلت: في ثلاثين ليلة أربعين ليلة، وقد مكث [ قبل ] (2) ذلك في الأرض ستة أشهر سبعة أشهر، قال: " نصف العشر " (3). ولأن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية مما يشق ويتعذر، فجعل الحكم للغالب كالطاعة إذا كانت أغلب على الانسان كان عدلا وإن ندرت منه المعصية. وقال الشافعي - في الثاني -: يعتبر قدرهما وتقسم الزكاة عليهما بالحصة، فإن كان السيح الثلثان أخذ ثلثا العشر، وكذا إن زاد، لأنهما لو كانا نصفين وجب الحصة فيهما فكذا إذا زاد أحدهما كزكاة الفطرة في العبد المشترك (4). والفرق: عدم مشقة اعتبار الملك هنا. فروع: أ - إذا سقي بهما ولم يعلم الغالب رجح أصالة التساوي، واخرج من كل واحد بالحصة. ب - لو شرب أحد القراحين (5) سيحا، والآخر ناضحا ضم أحدهما إلى الآخر في النصاب واخرج من السيحي العشر ومن النضحي نصف العشر.

(1) بدائع الصنائع 2: 62، الهداية للمرغيناني 1: 110، اللباب 1: 151، المجموع 5: 463، فتح العزيز 5: 579، حلية العلماء 3: 76، المغني 2: 557، الشرح الكبير 2: 563.
(2) ما بين المعقوفين مثبت من المصدر.
(3) الكافي 3: 514 / 6، التهذيب 4: 16 - 17 / 41، الاستبصار 2: 15 - 16 / 44.
(4) المجموع 5: 463، فتح العزيز 5: 579، حلية العلماء 3: 76.
(5) القراح: المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر. الصحاح 1: 396 " قرح ".

[ 153 ]

ج - هل الاعتبار في الأغلبية بالأكثر عددا أو نفعا ونموا؟ الأقرب: الثاني، لاقتضاء ظاهر النص (1) أن النظر إلى مدة عيش الزرع ونمائه أهو بأحدهما أكثر أو لا. ويحتمل الأول، لأن المؤونة تقل وتكثر بهما، فلو كانت المدة من يوم الزرع إلى الادراك ثمانية أشهر واحتاج في ستة أشهر زمان الشتاء والربيع إلى سقيتين، وفي شهرين في الصيف إلى ثلاث سقيات فسقي السقيتين بماء السماء والثلاث بالنضح، فإن اعتبر العدد وجب نصف. العشر. وعلى أحد قولي الشافعي بالتقسيط يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر (2). وإن اعتبر مدة العيش وجب العشر، لأن مدة السقي بماء السماء أطول، وعلى التقسيط يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر. ولو اعتبر الأنفع لا المدة فإن علم الأغلب فيه حكم له وإلا فبالتساوي. د - لو أنشا الزرع على إحدى السقيتين، ثم اتفق خلافه تغير الحكم فيه، وهو أحد وجهي الشافعي، والثاني: الاستصحاب (3)، وعلى التقديرين يضم ما سقي بهذا إلى ما سقي بذاك في حق النصاب وإن اختلف قدر الواجب. مسألة 89: الزكاة في الغلات والثمار إنما تجب بعد المؤونة كاجرة السقي والعمارة والحافظ والحاصد ومصفي الغلة وقاطع الثمرة وغير ذلك من المؤن.

(1) قوله: لاقتضاء ظاهر النص. إلى آخره. هذا دليل بعض الشافعية أيضا على الرأي الثاني لهم المذكور في نفس الفرع، والمراد من النص، نص الشافعي، لاحظ فتح العزيز 5: 579، والمجموع 5: 463.
(2) راجع: المجموع 5: 463 - 464، وفتح العزيز 5: 579.
(3) المجموع 5: 464، فتح العزيز 5: 580.

[ 154 ]

وقال عطاء (1): إن المؤونة سبب زيادة المال فيكون على الجميع كالخرج على غيره من الأموال المشتركة، ولأن إلزام المالك خاصة حيف عليه وإضرار به فيكون منفيا. وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط: إنها على المالك خاصة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد (2)، لقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (3) فلو لزم الفقراء فيها نصيب قصر نصيبهم عن الفرض (4). ولا يتناول محل النزاع، لأن العشر فيما يكون نماء وفائدة. فروع: أ - الأقرب أن المؤونة لا تؤثر في نقصان النصاب وإن أثرت في نقصان الفرض، فلو بلغ الزرع خمسة أوسق مع المؤونة، وإذا أسقطت المؤونة منه قصر عن النصاب وجبت الزكاة لكن لا في المؤونة بل في الباقي. ب - الأقوى أن البذر من المؤونة فلا تجب فيه زكاة، ولأنه لو وجبت لأدى إلى تثنية الزكاة وتكررها في الغلات. ج - ثمن الثمرة من المؤونة، أما ثمن أصل النخل أو الدولاب أو الدوات فلا. د - إنما تجب الزكاة بعد إخراج حصة السلطان. مسألة 95: تجب الزكاة في زرع أرض الصلح ومن أسلم أهلها عليها بإجماع العلماء.

(1) المجموع 5: 467.
(2) المجموع 5: 467 و 532 و 578، مغني المحتاج 1: 386، الهداية - للمرغيناني - 1: 110، شرح فتح القدير 2: 194، الكافي في فقه أهل المدية: 101، المغني 2: 570، الشرح الكبير 2: 566.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 78.
(4) الخلاف 2: 67، المسألة 78، المبسوط للطوسي 1: 217.

[ 155 ]

أما ما فتح عنوة فإنها للمسلمين ويقبلها الإمام ممن شاء، فإذا زرعها وأدى مال القبالة وجب في الباقي الزكاة إن بلغ النصاب. ولا تسقط الزكاة بالخراج عند علمائنا أجمع، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي ومالك والثوري والمغيرة والليث والحسن بن صالح بن حي، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأحمد (1). لقوله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (2). وقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " كل أرض دفعها إليك السلطان فعليك فيما أخرج الله منها ما قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، وإنما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك " (4). ولأنهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل منهما على المسلم ولا تنافي بينهما، فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في صيد الحرم المملوك. وقال أصحاب الرأي. لا عشر في الأرض الخراجية، لقوله عليه السلام: (لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم) (5).

(1) المدونة الكبرى 1: 345، المجموع 5: 535، فتح العزيز 5: 566 و 543 - 545، حلية العلماء 3: 86، الأموال - لأبي عبيد -: 5 9، المغني 2: 587، الشرح الكبير 2: 576.
(2) البقرة: 267.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره قي المسألة 78.
(4) الكافي 3: 513 / 4، التهذيب 4: 36 / 93، الاستبصار 2: 25 / 70.
(5) انظر: سنن البيهقي 4: 134، والكامل في ضعفاء الرجال 7: 2710.

[ 156 ]

ولأنهما حقان سبباهما متنافيان ولا يجتمعان كزكاة السائمة والتجارة (1). والحديث يرويه يحيى بن عنبسة - وهو ضعيف - عن أبي حنيفة، وأيضا الخراج إذا كان جزية لا يجامع العشر، والقياس ضعيف، لأن التجارة وزكاة السوم زكاتان فلا تجتمعان في المال الواحد بخلاف الخراج والزكاة، لأن الخراج يجب في الأرض، والزكاة في الزرع، والمستحقان متغايران. قال ابن المبارك: يقول الله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (2) فلا نتركه لقول أبي حنيفة (3). تذنيب: لو ضرب الإمام على الأرض الخراج من غير حصة فالأقرب وجوب الزكاة في الجميع، لأنه كالدين. ولو جعله مما يخرج من الأرض فزرع ما لا عشر فيه وما فيه العشر قسط الخراج عليهما بالنسبة. وقال بعض الجمهور: يجعل الخراج فيما لا زكاة فيه إن كان وافيا بالخراج، وبه قال عمر بن عبد العزيز (4). مسألة 91: لو استأجر أرضا فزرعها، فالعشر على الاجير دون مالك الأرض عند علمائنا، وبه قال مالك والثوري وشريك وابن المبارك والشافعي وأحمد وابن المنذر (5)، لأنه واجب في المزروع فكان على مالكه. وقال أبو حنيفة: إنه على مالك الأرض، لأنه من مؤونتها فأشبه

(1) المبسوط للسرخسي 3: 8، بدائع الصنائع 2: 57، المغني 2: 587، الشرح الكبير 2: 576 - 577، فتح العزيز 5: 566، حلية العلماء 3: 86 (2) البقرة: 267.
(3) حكاه ابنا قدامة في المغني 2: 587، والشرح الكبير 2: 577.
(4) المغني 2: 588، الشرح الكبير 2: 577.
(5) المدونة الكبرى 1: 345، بداية المجتهد 1: 247، المجموع 5: 562، فتح العزيز 5: 566، حلية العلماء 3: 86، لميزان - للشعراني - 2: 7، المغني 2: 589، الشرح الكسير 2: 575.

[ 157 ]

الخراج (1). وليس بجيد، لأنه لو كان من مؤونة الأرض لوجب فيها لأن لم تزرع كالخراج، ولتقدر بقدر الأرض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفئ دون مصرف الزكاة، إذا ثبت هذا فإن مال الاجارة من المؤونة يندر (2) كثمن الثمرة. فروع: أ - لو استعار أرضا فزرعها فالزكاة على صاحب الزرع، لأنه مالكه. ب - لو غصبها فزرعها وأخذ الزرع فالعشر عليه أيضا، لأنه المالك، وعليه أجرة الأرض وتحسب من المؤونة. ج - لو زارع مزارعة فاسدة فالعشر على من يجب الزرع له، فإن وجب لصاحب الأرض أندر أجرة العامل من المؤونة، وإن وجب للعامل أندر أجرة مثل الأرض. مسألة 92: يكره للمسلم بيع أرضه من ذمي وإجارتها منه لأدائه إلى إسقاط عشر الخارج منها، فإن باعها من ذمي أو أجره وكانت من أرض الصلح أو من أرض أسلم أهلها طوعا صح البيع والاجارة، وبه قال الثوري والشافعي، أحمد (3). وقال مالك: يمنعون من شرائها، فإن اشتروها ضوعف عليهم العشر فأخذ منهم الخمس - وهو رواية عن أحمد (4) - لأن في إسقاط العشر من غلة

(1) المبسوط للسرخسي 3: 5، اللباب 1: 152، بداية المجتهد 1: 247، المجموع 5: 562، حلية العلماء 3: 86، المغني 2: 589، الشرح الكبير 2: 575.
(2) الإندار: الاسقاط. لسان العرب 5: 199.
(3) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 578.
(4) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579، المجموع 5: 560، حلية العلماء 3: 87، المبسوط للسرخسي 3: 6.

[ 158 ]

هذه الأرض إضرارا بالفقراء وتقليلا لحقهم، فإذا تعرضوا لذلك ضوعف عليهم العشر. وهذا قول أهل البصرة وأبي يوسف والحسن وعبيد الله بن الحسن العنبري (1). وعند علمائنا قريب منه، فإنهم أوجبوا على الذمي الخمس إذا اشترى أرضا من مسلم سواء وجب فيها الخمس كالمفتوحة عنوة أولا كأرض من أسلم أهلها طوعا وأرض الصلح. وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله (2). وقال أبو حنيفة: تصير أرض خراج (3). وإنما أوجب أصحابنا الخمس لإجماعهم، ولقول الباقر عليه السلام: " أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس " (4). إذا ثبت هذا، فإن مستحق هذا الخمس على مقتضى قول علمائنا مستحق خمس الغنائم. ويحتمل أن يكون لمستحقي الزكاة، وعليه قول من أوجبه من الجمهور، لأنها زكاة تضاعفت عليه فلا تخرج بالزيادة عن مستحقها، ونمنع العلة. وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج (5).

(1) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579 المجموع 5: 560 حلية العلماء 3: 87، المبسوط للسرخسي 3: 6.
(2) حلية العلماء 3: 87، المجموع 5: 560 - 561، المبسوط للسرخسي 3: 6، المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579.
(3) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579، المبسوط للسرخسي 3: 6، المجموع 5: 560، حلية العلماء 3: 87. (4) الفقيه 2: 22 / 81، التهذيب 4: 123 - 124 / 355 و 139 / 393.
(5) المجموع 5: 560، حلية العلماء 3: 86، المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 578.

[ 159 ]

فروع: أ - إذا كان لمسلم زرع فقبل أن يبدو صلاحه باعه من ذمي بشرط القطع فتركه حتى اشتد فإنه لا عشر عليه، لكفره لا بمعنى سقوطها عنه بل بمعنى تعذيبه عليها، ولا على البائع، لانتقالها عنه، فإن رده الكافر عليه بعيب بعد بدو الصلاح لم تجب الزكاة عليه. ب - لا يجب العشر في زرع المكاتب - خلافا لأبي حنيفة (1) - وبه قال الشافعي (2)، هذا إن كان مشروطا أو مطلقا لم يؤد، ولو أدى تحرر بقدره، فإن بلغ نصيبه نصابا وجبت، ولم يعتبر الجمهور هذا التقييد. ج - إذا باع تغلبي - وهم نصارى العرب - أرضا من مسلم وجب على المسلم فيها العشر أو نصف العشر ولا خراج عليه، لأنه ملك قد حصل لمسلم فلا يجب عليه أكثر من العشر. وقال الشافعي: عليه العشر (3). وقال أبو حنيفة: يؤخذ منه عشران (4). فإن اشترى تغلبي من ذمي أرضا لزمته الجزية كما تلزم الذمي، لأنه ملك قد حصل لذمي فوجبت فيه الجزية كاملة كما في سائر أهل الذمة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه عشران وهما خراج يؤخذ باسم الصدقة (5). وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج (6).

(1) المبسوط للسرخسي 3: 4، المغني 2: 490، الشرح الكبير 2: 438، المجموع 5: 330، فتح العزيز 5: 519، حلية العلماء 3: 8.
(2) الأم 2: 27، المجموع 5: 330 و 564، الوجيز 1: 90، فتح العزيز 5: 519، حلية العلماء 3: 8. (3 و 4) حكى قولهما الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 74، المسألة 86. (5 و 6) حكى قولهما الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 74، المسألة 87.

[ 160 ]

مسألة 93: لو مات وله نخل وعليه دين مستوعب تعلق الذين بالنخل، فإذا أثمر بعد وفاته فالوجه أن الثمرة للورثة، لأن الدين - على ما اخترناه نحن - لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة، والثمرة حدثت في ملكهم فلا يتعلق الدين بها، فإذا بدا صلاحها وجب العشر أو نصفه، وبه قال الشافعي (1)، ومن منع الانتقال جعل الدين متعلقا بالثمرة والأصل معا. فإن مات بعد أن أطلع النخل تعلق الدين بالأصل والثمرة معا، وانتقل الملك في الأصول والثمرة إلى الورثة، فإذا بدا صلاحها وجبت الزكاة على الورثة. فإن كان لهم مال أخرجوه من مالهم، لأن الوجوب حصل في ملكهم، وتعلق حق الغرماء بذلك لا يمنع من وجوب الزكاة كالمرهون وما حدث من الزيادة في ملك الورثة، فإنها زيادة غير متميزة فتبعت أصلها كزيادة الرهن. فإن لم يكن للورثة ما يؤدون الزكاة احتمل سقوطها، لتعلق الدين بالعين هنا فمنع من تعلق الزكاة، ووجوبها، لأن الزكاة تتعلق بالعين وفي استحقاق جزء من المال فتقدم على حقوق الغرماء. مسألة 94: تضم الزروع المتباعدة والثمار المتفرقة في الحكم سواء اتفقت في الايناع أو اختلفت، وسواء اتفقت في الاطلاع أو اختلفت إذا كانت لعام واحد، فلو كان له نخل بتهامة يسرع إدراكه لحرارتها، وآخر بنجد يبطئ لبرودتها، وبلغا معا خمسة أوسق وجبت الزكاة وإن كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر. ولو كان له نخل في بعضها رطب، وفي بعضها بسر، وفي بعضها طلع، فجذ الرطب، ثم بلغ البسر فجذ، ثم بلغ الطلع فجذ، فإنه يضم بعضها إلى بعض لتعذر إدراك الثمرة في وقت واحد، وإن كانت في نخلة واحدة.

(1) المجموع 5: 588 - 589.

[ 161 ]

فلو اعتبر اتحاد وقت الادراك لم تجب الزكاة غالبا، وقد أجمع المسلمون على ضم ما يدرك إلى ما تأخر. ولو كان له نخل بتهامة وآخر بنجد فاثمرت التهامية وجذت، ثم بلغت النجدية فإنها تضم إلى التهامية. ولو كان له نخل يطلع في السنة مرتين، قال الشيخ: لا يضم الثاني إلى الأول، لأنه في حكم ثمرة سنتين (1)، وبه قال الشافعي (2). وقيل: تضم، لأنها ثمرة عام واحد (3)، وهو الأقوى. ولو كان بعضه يحمل مرة والباقي مرتين ضممنا الجميع. وعلى قول الشيخ،. يضم الأول منهما إلى الحمل الواحد، ويكون للثاني حكم نفسه. مسألة 95: الثمرة إن كانت كلها جنسا واحدا أخذ منه سواء كان جيدا، كالبردي، وهو أجود نخل بالحجاز، أو رديئا كالجعرور ومصران الفارة، وعذق ابن حبيق، ولا يطالب بغيره. ولو تعددت الانواع أخذ من كل نوع بحصته لينتفي الضرر عن المالك بأخذ الجيد، وعن الفقراء بأخذ الردئ، وهو قول عامة أهل العلم (4). وقال مالك والشافعي: إذا تعددت الانواع أخذ من الوسط (4). والأولى أخذ عشر كل واحد، لأن الفقراء بمنزلة الشركاء.

(1) المبسوط للطوسي 1: 215.
(2) المجموع 5: 460، فتح العزيز 5: 573، المغني 2: 594، الشرح الكبير 2: 558.
(3) القائل هو المحقق في المعتبر: 268.
(4) المغني 2: 571، الشرح الكبير 2: 573 - 574، والمجموع 5: 488.
(5) المغني 2: 571، الشرح الكبير 2: 574، حلية العلماء 3: 81، بداية المجتهد 1: 266، المنتقى - للباجي - 2: 158، وانظر: المجموع 5: 488 - 489، وفتح العزيز 5: 581

[ 162 ]

ولا يجوز إخراج الردئ، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (1). ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يؤخذ الجعرور وعذق ابن حبيق (2)، لهذه الآية، وهما ضربان من التمر، أحدهما يصير قشرا على نوى، والآخر إذا أثمر صار حشفا (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يترك معافارة (4) وأم جعرور لا يزكيان " (5). ولا يجوز أخذ الجيد عن الردئ، لقوله عليه السلام، (إياك وكرائم أموالهم) (6) فإن تطوع المالك جأز وله ثواب عليه. والعذق بفتح العين، وقيل: بكسرها (7). تذنيب: لا يجزي أخذ الرطب عن التمر، ولا العنب عن الزبيب، فإن أخذه الساعي رجع بما نقص عن الجفاف. وهل يجوز على سبيل القيمة؟ الأقرب ذلك، ويجوز أن يأخذ كلا من الرطب والعنب عن مثله. مسألة 96: يجوز الخرص على أرباب الغلات والثمار بأن يبعث الإمام ساعيا إذا بدا صلاح الثمرة أو اشتد الحب ليخرصها ويعرف قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك، وبه قال الحسن وعطاء والزهري ومالك والشافعي وأحمد وأبو

(1) البقرة: 267.
(2) سنن أبي داود 2: 110 - 111 / 1607، وسنن الدارقطني 2: 131 ذيل الحديث 11.
(3) الحشف من التمر: ما لم ينو، فإذا يبس صلب وفسد. لسان العرب 9: 47 " حشف ".
(4) معافارة، ضرب ردئ من التمر مجمع البحرين 3: 409 " عفر ".
(5) الكافي 3: 514 / 7، والتهذيب 4: 18 / 47.
(6) سنن أبي داود 2: 104 / 1584، سنن النسائي 5: 55، ومسند أحمد 1: 233.
(7) العذق، بالفتح. النخلة. وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ. النهاية - لابن الأثير - 3: 199.

[ 163 ]

عبيد وأبو ثور وأكثر العلماء (1) لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يبعث إلى الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم (2). وقال الشعبي: الخرص بدعة (3). وقال أصحاب الرأي: إنه ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفا للأكرة (4) لئلا يخونوا، فاما أن يلزم به حكم فلا (5). ونمنع عدم تعلق الحكم به فإنه اجتهاد في معرفة قدر الثمرة وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير فهو كتقويم المتلفات. فروع: أ - وقت الخرص حين بدو الصلاح، لأنه عليه السلام كان يبعث حين يطيب قبل أن يؤكل منه (6). ولأن فائدته معرفة الزكاة وإطلاق أرباب الثمار في التصرف فيها، والحاجة إنما تدعو إلى ذلك حين بدو الصلاح، وتجب الزكاة فيه. ب - محل الخرص: النخل والكرم، أما الغلات فقول الشيخ يعطي جوازه، فإنه قال: يجوز الخرص في الغلات (7)، لوجود المقتضي وهو

(1) المنتقى - للباجي - 2: 159، الشرح الصغير 1: 216، المجموع 5: 478، حلية العلماء 3: 78، المغني 2: 564 - 565، الشرح الكبير 2: 568.
(2) انظر على سبيل المثال: سنن الترمذي 3: 36 / 644، وسنن ابن ماجة 1: 582 / 1819.
(3) حكاه ابنا قدامة في المغني 2: 565، والشرح الكبير 2: 568.
(4) أكرة: جمع أكار: الفلاح. الصحاح 2: 580، القاموس المحيط 1: 365 " أكر ".
(5) المغني 2: 565، الشرح الكبير 2: 568، بداية المجتهد 1: 266، حلية العلماء 3: 79.
(6) راجع: سنن أبي داود 2: 110 / 1606.
(7) الخلاف 2: 60، المسألة 73.

[ 164 ]

الاحتياج إلى الأكل منه كالفريك (1) وغيره. ومنع عطاء والزهري ومالك وأحمد، لأن الشرع لم يرد بالخرص فيه (2). ج - صفة الخرص - إن كان نوعا واحدا - أن يدور بكل نخلة أو شجرة وينظر كم في الجميع رطبا أو عنبا، ثم يقدر ما يجئ منه تمرا، وإن كان أنواعا خرص كل نوع على حدته، لأن الانواع تختلف، فمنها ما يكثر رطبه ويقل تمره، ومنها بالعكس، وكذا العنب يختلف، ولأنه يحتاج إلى معرفة كل نوع حتى يخرج عشره. مسألة 97: إذا خرص الخارص خير المالك بين أن يضمن الحصة للفقراء، ويسلم إليه الثمرة لينصرف فيها بأكل وبيع وغير ذلك، وبين إبقائه أمانة إلا أنه لا يجوز له التصرف في شئ منه بأكل أو بيع، وبين أن يضمن الخارص حصة المالك، لأن عبد الله بن رواحة خرص على أهل خيبر، وقال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه (3). فإن أختار الحفظ ثم أتلفها أو فرط فتلفت ضمن نصيب الفقراء بالخرص، وإن أتلفها أجنبي ضمن قيمة ما أتلف، والفرق: أن رب المال وجب عليه تجفيف هذا الرطب بخلاف الأجنبي، ولهذا لو أتلف أضحيته المعينة ضمن أضحية مكانها، وإن أتلفها أجنبي ضمن القيمة. ولو تلفت بجائحة (4) من السماء أو أتلفها ظالم سقط الخرص والضمان عن المتعهد إجماعا، لأنها تلفت قبل استقرار الزكاة، ويقبل قول المالك لو

(1) أفرك السنبل. أي: صار فريكا، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل. لسان العرب 10: 473 " فرك ".
(2) المغني 2: 569، الشرح الكبير 2: 572، المنتقى - للباجي - 2: 159، الشرح الصغير 1: 216.
(3) سنن الدارقطني 2: 133 / 23، وسنن البيهقي 4: 123.
(4) الجائحة: كل ما أذهب الثمر أو بعضها من أمر سماوي. لسان العرب 2: 431 " جوح ".

[ 165 ]

ادعى التلف بغير تفريط. مسألة 98: لو لم يضمن المالك ولا الخارص بل أختار المالك إبقاءها أمانة جاز، فإذا حفظها إلى وقت الإخراج كان عليه زكاة الموجود خاصة سواء أختار الضمان أو حفظها على سبيل الأمانة، وسواء كانت أكثر مما خرصه الخارص أو أقل - وبه قال الشافعي وأحمد (1) - لأن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة بالشرط كالوديعة. وقال مالك: يلزمه ما قال الخارص زاد أو نقص إذا كانت الزكاة متقاربة، لأن الحكم انتقل إلى ما قال الساعي لوجوب ما قال عند تلف المال (2). ويمنع الانتقال، وإنما يعمل بقوله إذا تصرف في الثمرة ولم يعلم قدرها، لأن الظاهر إصابته. مسألة 99: يجزئ الخارص الواحد - وبه قال مالك وأحمد (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص وحده (4)، ولأن الخارص يفعل ما يؤدي اجتهاده إليه فهو كالحاكم، وهو أحد قولي الشافعي (5). وفي الثاني: لا بد من اثنين، لأن النبي صلى الله عليه وآله بعث مع عبد الله بن رواحة غيره (6) ولأن الخارص يقدر الواجب فهو بمنزلة المقومين (7).

(1) فتح العزيز 5: 588، المغني 2: 567، الشرح الكبير 2: 569.
(2) المنتقى - للباجي - 2: 162، المغني 2: 567، الشرح الكبير 2: 569.
(3) المنتقى - للباجي - 2: 165، الشرح الصغير 1: 217، المغني 2: 566، الشرح الكبير 2: 569، حلية العلماء 3: 79.
(4) سنن أبي داود 2: 110 / 1606، سنن ابن ماجة 1: 582 / 1825.
(5) المجموع 5: 479، فتح العزيز 5: 586، حلية العلماء 3: 79.
(6) نقله في الأم 2: 34.
(7) الأم 2: 34، المجموع 5: 480، فتح العزيز 5: 586، حلية العلماء 3: 79.

[ 166 ]

وإنفاذ غيره معه لا يدل على أنه خارص، ويحتمل أن يكون معينا وكاتبا، ولأنه جائز عندنا، والكلام في الوجوب، ويخالف الخارص المقومين، لأنهم ينقلون ذلك إلى الحاكم فافتقر إلى العدد كالشهادة بخلاف الخرص فإنه حكم يجزئ فيه الواحد. وله قول ثالث: إن كان الخرص على صبي أو مجنون أو غائب فلابد من كل اثنين (1). إذا ثبت هذا، فيشترط في الخارص الأمانة والمعرفة إجماعا، لأن الخرص إنما يتم بهما. مسألة 100: وعلى الخارص أن يترك في خرصه ما يحتاج المالك إليه من أكل أضيافه وإطعام جيرانه وأصدقائه وسؤاله - المستحقين للزكاة - ويحسبه منها، وما يتناثر من الثمرة ويتساقط وينتابه الطير، ويأكل منها المارة، فلو استوفى الكل أضر بالمالك. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (خففوا على الناس فإن في المال العرية والواطئة والآكلة) (2). والعرية: النخلة والنخلات تهب إنسانا ثمرتها (3). وقد قال عليه السلام: (ليس في العرايا صدقة) (4). والواطئة: السابلة. سموا به، لوطئهم بلاد الثمار مجتازين (5). والآكلة: أرباب الثمار وأهلهم (6)، وقال عليه السلام: (إذا خرصتم

(1) المجموع 5: 480، فتح العزيز 5: 587.
(2) سنن البيهقي 4: 124.
(3) راجع: الأموال - لأبي عبيد -: 488، والصحاح 6: 2423 " عرا " (4) الأموال - لأبي عبيد -: 487 / 1451، سنن البيهقي 4: 124.
(5) راجع: الأموال - لأبي عبيد -: 487، والنهاية - لابن الأثير - 5: 200.
(6) راجع أيضا: الأموال - لأبي عبيد -: 488.

[ 167 ]

فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) (1). وتأول الشافعي ذلك بأمرين: أحدهما: إذا خرصتم فدعوا لهم الثلث أو الربع ليفرقوه بأنفسهم على جيرانهم ومن يسألهم ويتبعهم. والثاني: إذا لم يرض بما خرصه الساعي منعه من التصرف فيه، فأمرهم أن يدعوا لهم الثلث أو الربع ليتصرفوا فيه، ويضمنوا حقه بقدر ما يجئ من الباقي (2). مسألة 101: يخرص الخارص الجميع، لا طلاق النصوص المقتضية لوجوب العشر، وهو الجديد للشافعي، وفي القديم: يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكل منها هو وأهله، ويختلف ذلك بقلة العيال وكثرتهم (3). والوجه: المنع، لتعلق حق الفقراء. وقال أحمد: لا يحتسب على المالك ما يأكله بالمعروف (4). وليس بجيد، لأن الفقراء شركاء، نعم لو قل جدا لم يحتسب، لعسر الاحتراز منه. مسألة 102: لو ادعى المالك غلط الخارص بالمحتمل قبل من غير يمين، وبه قال أحمد (5). وقال الشافعي: لا بد من اليمين (6)، وسيأتي.

(1) مصنف ابن أبي شيبة 3: 194، سنن الترمذي 3: 35 / 643، سنن أبي داود 2: 110 / 1605، سنن النسائي 5: 42، سنن البيهقي 4: 123.
(2) لم نجده في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا. (3) المجموع 5: 479، فتح العزيز 5: 585، معني المحتاج 1: 387.
(4) المغني 2: 569، الشرح الكبير 2: 572.
(5) المغني 2: 567، الشرح الكبير 2: 570.
(6) المجموع 5: 486، فتح العزيز 5: 591.

[ 168 ]

وإن ادعى غير المحتمل لم تسمع دعواه في حط ذلك القدر. وهل يحط القدر المحتمل؟ إشكال ينشأ من ظهور كذبه ومن ادعاء القليل ضمنا، وللشافعية وجهان (1). ولو ادعى تعمد الاجحاف لم يلتفت إلى قوله كما لو ادعى الكذب على الشاهد، والجور على الحاكم. ولو قال: أخذت كذا وبقي كذا ولا أعلم غير ذلك، قبل قوله وإن كان مما لا يقبر غلطا في الخرص، لأنه لم يضف ذلك إلى خطأ الخارص. مسألة 103: لو لم يخرج الإمام خارصا فاحتاج رب المال إلى التصرف في الثمرة فاخرج خارصا جاز أن يأخذ بقدر ذلك، ولو خرص هو وأخذ بقدر ذلك جاز أيضا، ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما [ له ] (2) أخذه، ولو لم يخرص لم يجز أن يتناول من الثمرة شيئا وإن قل - خلافا لأحمد (3) - إن كان بعد بدو الصلاح، ويجوز قبله. مسألة 104: لو ادعى المالك التلف أو تلف البعض قبل قوله بغير يمين، لأنه حق لله تعالى فلا يمين فيه كالصلاة والحد - خلافا للشافعي (4) - سواء كان بسبب ظاهر كوقوع الجراد أو نزول الاكراد، أو خفي كالسرقة، إلا أن يعلم كذبه، لأن الشارع جعل الأمر إليه، لقوله عليه السلام للساعي: (قل لهم: هل لله في مالكم حق؟). وقال الشافعي: إن ادعى سببا ظاهرا افتقر إلى البينة؟ لأنه مدع (5).

(1) المجموع 5: 486، فتح العزيز 5: 591 - 592.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) المغني 2: 569، الشرح الكبير 2: 572. (4 و 5) المهذب للشيرازي 1: 162، المجموع 485: 5، فتح العزيز 5: 591 حلية العلماء 3: 79 - 80.

[ 169 ]

وتجب الزكاة في الباقي إن كان التلف بعد بدو الصلاح أو قبله وكان الباقي نصابا، ولو كان بعد بدو الصلاح وقصر الباقي عن النصاب وجبت أيضا لو بلغ مع التالف، خلافا لبعض الجمهور حيث قال: إن الزكاة إنما تجب يوم الحصاد (1). ولو ادعى أنها سرقت بعد نقلها إلى البيدر ضمن إن كان بعد إمكان الأداء وإلا فلا. مسألة 105: لو - تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح، أو الزرع قبل اشتداد الحب لم تجب الزكاة إجماعا، وكذا إن أتلفه المالك سواء قصد الفرار من الزكاة أو لا عندنا، لعدم المقتضي وأصالة البراءة، وبه قال الشافعي (2). وقال أحمد ومالك: إن فعله فرارا وجبت الزكاة (3)، وليس بجيد. وكذا الخلاف لو أتلف النصاب أو بعضه قبل الحول فرارا، أو سبك الذهب أو الفضة أو صاغهما حليا وغيره. مسألة 106: لو احتاج إلى قطع الثمرة أجمع بعد بدو الصلاح لئلا تتضرر النخلة بمص الثمرة جاز القطع إجماعا، لأن الزكاة تجب على طريق المواساة فلا يكلف ما يتضرر به ويهلك أصل ماله، ولأن في حفظ الأصول حظا للفقراء لتكرر حقهم. ولا يضمن المالك خرصها، بل يقاسم الساعي بالكيل أو الوزن بسرا أو رطبا، وله بيع الجميع، ويأخذ الساعي حصة الفقراء من الثمن، ولو كفى تجفيف الثمرة جففها وأخرج الزكاة مما قطعه بعد بدو الصلاح. وهل للمالك قطعها لمصلحة من غير ضرورة؟ الوجه ذلك، لأن الزكاة

(1) المغني 2: 561، الشرح الكبير 2: 564.
(2) المجموع 5: 484، فتح الغزيز 5: 589 (3) المغني 2: 564، الشرح الكبير 2: 564.

[ 170 ]

وجبت مواساة فلا يجوز تفويت مصلحته (1) بسببها فيقاسم. وفي قطعها لغير مصلحة إشكال ينشأ من تضرر الفقراء بقطعها لغير فائدة، ومن عدم منع المالك من التصرف في ماله كيف شاء. ومنع الشافعي من قطعها مطلقا بدون إذن الساعي (2). ولو أراد قطع الثمرة لتحسين الباقي منها جاز. وقال بعض الجمهور: إذا قطع البعض لمصلحة كان عليه فيه الزكاة يابسا (3)، وهو رواية عن أحمد (4)، وليس بمعتد. مسألة 107: يجوز للساعي أن يقاسم التمرة مع المالك قبل الجذاذ وبعده، وهو أحد قولي الشافعي، لأنهما شريكان فيما تصح قسمته فجازت. وفي الثاني: لا تجوز على رؤوس النخل بناء على أن القسمة بيع (5)، وهو ممنوع. فإذا أختار المالك أن يسلم عشرها مشاعا إلى الساعي تعين حق الفقراء فيه فإن الفقراء وإن ملكوا جزءا من المال فإن ملكهم لا يستقر لجواز أن يدفع إليهم من غيره فإذا تسلم ذلك تعين حقهم فيه. ويجوز للساعي أن يبيع نصيب الفقراء من صاحب الثمرة أو غيره، أو يبيعا (6) جميعا ويقتسما الثمن، وإذا قسمها قبل الجذاذ قسمها بالخرص ويأخذ نصيبهم نخلات منفردة ويأخذ ثمرها.

(1) في نسخة " ط " مصلحة.
(2) المجموع 5: 472، فتح العزيز 5: 592 (3) وهو قول، أبي بكر... من فقهاء الحنابلة. راجع: المغني 2: 571، والشرح الكبير 2: 567 (4) المغني 2: 571، الشرح الكبير 2: 567.
(5) المجموع 5: 473، فتح العزيز 5: 592 (6) أي: يبيع الساعي وصاحب الثمرة.

[ 171 ]

ولو قطعها المالك جاز قسمتها كيلا أو وزنا، وللشافعي قولان: أحدهما: المنع، لاشتماله على الربا، بل يأخذ الساعي العشر مشاعا وبيعه (1). وهو ممنوع، للتعديل، ولأن للمالك أن يدفع إلى الفقراء أكثر مما يستحقون. مسألة 108: إذا خرص الخارص وضمن المالك الحصة تصرف في الثمرة كيف شاء من أكل وبيع وغير ذلك، لأنه فائدة التضمين. فإذا قطعها بعد الخرص قبل التضمين للحاجة أخذ الساعي عشرها بسرا، وإن كان لا لحاجة فكذلك. وقال الشافعي: يأخذ عشرها تمرا، لأن الثمرة تجب تبقيتها إلى إدراكها، فإذا قطعها ضمن خرصها بخلاف القطع للعطش (2). واختاره الشيخ في المبسوط (3). وأما طلع الفحال فلا شئ فيه إجماعا، لأنه لا يجئ منه شئ تجب فيه الزكاة فهو بمنزلة ثمرة لا زكاة فيها. وإذا ضمن المالك الحصة فأكلها رطبا ضمن الزكاة بحكم الخرص تمرا، وإن كان قبل التضمين بعد الخرص أو قبله كان القول قوله فيما وصل إليه، ولا يمين عندنا - خلافا للشافعي (4) - ويضمن الحصة رطبا، لأنه الواجب عليه والمالك يضمن الزكاة بالمثل، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: يضمن قيمة الرطب، لأن الرطب لا مثل له (5)، وهو ممنوع.

(1) المجموع 5: 473 - 474، فتح العزيز 5: 593 حلية العلماء 3: 82.
(2) المجموع 5: 475 - 476 (3) المبسوط - للطوسي - 1: 217.
(4) الأم 2: 32.
(5) المجموع 5: 471 - 472 و 484، فتح العزيز 5: 589

[ 172 ]

وحكم العنب حكم الرطب في ذلك كله. مسألة 109: يصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما إذا ضمن حصة الفقراء، فإذا باع كانت الصدقة عليه، وكذا لو وهبها - وبه قال الحسن ومالك والثوري والأوزاعي (1) - لأنها كانت واجبة عليه، ولأن الزكاة في العين. ولو شرطها على المشتري جاز - وبه قال الليث (2) - لأنه شرط سائغ،، لأن الزكاة تجب في العين التي انتقلت إلى المشتري فتجب على المشتري عملا بالشرط. ولو لم يضمن البائع الزكاة ولا شرطها على المشتري احتمل صحة البيع في الجميع فيضمن البائع الزكاة، لأنه تصرف في مال الغير، وبطلان البيع في قدر نصيب الفقراء، لتعلق حقهم بالعين فهم شركاء فيتخير المشتري لو لم يعلم، لتبعض الصفقة عليه. البحث الثاني فيما ظن وجوب الزكاة فيه من الغلات وليس كذلك مسألة 110: لا زكاة في شئ من الثمار والغلات إلا في التمر والزبيب والحنطة والشعير عند علمائنا) جمع، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن البصري وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح بن حي وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبو عبيد (3).

(1) المغني 2: 563، الشرح الكير 2: 565، المنتقى - للباجي - 2: 159.
(2) المغني 2: 563، الشرح الكبير 2: 565.
(3) المجموع 5: 456، المغني 2: 548، الشرح الكبير 2: 549، بداية المجتهد 1: 253، الأموال - لأبي عبيد - 472 - 473 - 478.

[ 173 ]

لقول عبد الله بن عمر: إنما سن رسول الله صلى الله عليه وآله في الحنطة والشعير والتمر والزبيب (1). وبعث لهم أبا موسى ومعاذا إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهما أن لا يأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب 31). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وأما ما أنبتت الأرض من شئ من الأشياء فليس فيه زكاة إلا أربعة أشياء: البر والشعير والتمر والزبيب " (4). وقول الصادق عليه السلام: " وضع رسول الله صلى الله عليه وآله الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والإبل والبقر والغنم وعفا عما سوى ذلك " (5). ولأن ما عدا هذه الغلات لا نص فيها ولا إجماع، ولا هي في معناها في غلبة " الاقتيات " (6) بها وكثرة نفعها ووجودها، فلا يصح قياسه عليها، ولا إلحاقه بها فبقي الأصل، وخالف جماعة من الجمهور في ذلك (7)، ونحن نذكره في مسائل: مسألة 111: لا زكاة في الحبوب غير ما قلناه عند علمائنا، وذهب

(1) سنن الدارقطني 2: 94 / 1.
(2) أي: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله.
(3) سنن الدارقطني 2: 98 / 15، سنن البيهقي 4: 125، المستدرك - للحاكم - 1: 401.
(4) التهذيب 4: 19 / 50.
(5) الكافي 3: 510 / 3، التهذيب 4: 5 / 11، الاستبصار 2: 5 / 11.
(6) ورد في الطبعة الحجرية والنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: الاصناف. وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه.
(7) راجع: المجموع 5: 456، والمغني والشرح الكبير 2: 548، وبداية المجتهد 1: 253

[ 174 ]

الشافعي ومالك إلى أنه ليس فيما عدأ النخل والكرم من الشجر زكاة، وأما الحبوب فلا تجب إلا فيما يصان ويدخر) (1). وقال أبو حنيفة: تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض فتجب في جميع ما تنبته الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش (2). وقال أبو يوسف ومحمد: تجب في الحبوب والثمار الباقية (3). وقال أحمد: تجب في جميع الثمار والحبوب التي تكال وتدخر سواء أنبته الادميون أو نبت لنفسه - وأوجب الزكاة من اللوز دون الجوز، لأن اللوز يكال (4) - لقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء... العشر) (5). وهو معارض بقوله عليه السلام: (ليس في الخضراوات صدقة) (6) ولأنه أعم، ولأنه ورد في معرض بيان قدر الواجب في هذا النوع من الاصناف التي تجب فيها الزكاة. مسألة 112: لا زكاة في الزيتون عند علمائنا أجمع - وهو الجديد

(1) المجموع 5: 456، المغني 2: 548، حلية العلماء 3: 72، بداية المجتهد 1: 253، المدونة الكبرى 1: 294، المنتقى - للباجي - 2: 164.
(2) بدائع الصنائع 2: 58، اللباب 1: 150، المجموع 5: 456، حلية العلماء 3: 73، بداية المجتهد 1: 253، المغني والشرح الكبير 2: 549، الميزان - للشعراني - 2: 6.
(3) بدائع الصنائع 2: 59، اللباب 1: 150، المغني والشرح الكبير 2: 548، المجموع 5: 456، حلية العلماء 3: 73 (4) المغني والشرح الكبير 2: 548، المجموع 5: 456، حلية العلماء 3: 73، الميزان - للشعراني - 2: 6.
(5) صحيح البخاري 2: 156، سنن أبي داود 2: 108 / 1596، سنن الترمذي 3: 31 / 639، سنن ابن ماجة 1: 580 / 1816، سنن الدارقطني 2: 97 / 9، سنن البيهقي 4: 129، المستدرك - للحاكم - 1: 401.
(6) سنن الدار قطني 2: 95 - 96 / 3 - 6 و 97 / 10، مصنف عبد الرزاق 4: 119 / 7185.

[ 175 ]

للشافعي، وقول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي عبيد وأحمد في رواية (1) - لأنه لا يدخر يابسا فأشبه الخضراوات، ولأنه ليس بمصان حالة الاختيار فلا تجب فيه الزكاة كغيره من الثمار، ولأنه إذا لم تجب في التين مع ما يمكن فيه من القوت فالزيتون أولى. وقال في القديم: تجب فيه الزكاة، وبه قال الزهري والأوزاعي ومالك والليث والثوري وأبو ثور وأحمد - في رواية - وأصحاب الرأي (2)، لقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده } (3) في سياق { والزيتون والرمان } (4). ولا حجة فيه، لأنها لم يرد بها الزكاة، لنزولها (5) بمكة، والزكاة فرضت بالمدينة، ولهذا ذكر الرمان ولا زكاة فيه. والموجبون شرطوا بلوغ خمسة أوسق (6). والذي يطلب زيته كالشامي والمدقوقي يخرج عشره زيتونا أو زيتا، وما لا يطلب زيته، بل يؤكل أدما كالبغدادي يخرج عشره إذا بدا صلاحه؟ لأنها حالة الادخار. مسألة 113: لا زكاة في الورس عند علمائنا أجمع - وهو قول الشافعي في الجديد وأحمد - لأنه ليس بمقتات. وفي القديم: تجب فيه - وهو رواية عن أحمد - ولا يوسق بل يجب من

(1) المهذب للشيرازي 1: 160، المجموع 5: 456، فتح العزيز 5: 561، حلية العلماء 3: 73، بداية المجتهد 1: 245، المغني والشرح الكبير 2: 552.
(2) المهذب للشيرازي 1: 160، فتح العزيز 5: 561 - 562، حلية العلماء 3: 73، الميزان - للشعراني - 2: 6، المدونة الكبرى 1: 294، بداية المجتهد 1: 254، المغني والشرح الكبير 2: 552. (3 و 4) الأنعام: 141.
(5) يقصد بالضمير في (لأنها) و (بها) و (نزولها) الآية.
(6) المغني 2: 552 و 555، الشرح الكبير 2: 553، المجموع 5: 456، حلية العلماء 3: 73.

[ 176 ]

قليله وكثيره، لأن أبا بكر بعث إلى بني خفاش أن أدوا زكاة الذرة والورس (1)، وجاز أن يكون عن اجتهاد. وكذا لا زكاة في غيره من الورق مثل السدر والخطمي والأشنان والسعتر وألاس، لأنه ليس بمنصوص ولا في معناه. مسألة 114: لا زكاة في الازهار كالزعفران والعصفر والقطن عند علمائنا أجمع - وهو قول أحمد في رواية (2) - للأصل، ولأنه ليس بحب ولا تمر فأشبه الخضراوات. ولقول علي عليه السلام: " ليس في الفاكهة والبقل والتوابل (3) والزعفران زكاة " (4). وللشافعي قولان في الزعفران: الوجوب وعدمه (5). وأما القرطم - وهو حب العصفر - فلا زكاة فيه عندنا - وهو الجديد للشافعي (6) - لأنه ليس بمقتات، ولأن السمسم لا تجب فيه الزكاة ودهنه أنفع فهذا أولى. وفي القديم: تجب وتعتبر الاوساق الخمسة بخلاف الزعفران، لحديث أبي بكر (7). ولا حجة فيه، وحكي عن أحمد أن في القطن زكاة (8).

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 160، المجموع 5: 455، فتح العزيز 5: 562، حلية العلماء 3: 73، المغني 2: 551، الشرح الكبير 2: 550 - 551، وانظر: سنن البيهقي 4: 126 (2) المغني والشرح الكبير 2: 551.
(3) التوابل: جمع، واحدها: تابل. وتبل القدر: جعل فيه التابل. والتابل: أبزار الطعام. القاموس المحيط 3: 340 " تبل ".
(4) أورده ابن قدامة في الشرح الكبير 2: 551. (5) المجموع 5: 455، فتح العزير 5: 562، حلية العلماء 3: 73. (6 و 7) المجموع 5: 456، فتح العزيز 5: 563، حلية العلماء 3: 74.
(8) المغني والشرح الكبير 2: 551.

[ 177 ]

مسألة 115: العسل لا زكاة فيه عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وابن المنذر (1) - للأصل، والأحاديث الدالة على نفي الزكاة عن غير التسعة، ولأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن. وقال عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي وأحمد وإسحاق: تجب فيه بكل حال (2)، لأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها (3). وقال أبو سيارة: يارسول الله إن لي نحلا، قال صلى الله عليه وآله: (أد العشر) قال: فاحم إذن جبلها. فحماه له (4). ولا حجة فيه، لجواز أن لا يكون زكاة بل كان يأخذ خمسا ونصفه لنفسه عليه السلام. وقال أبو حنيفة: إن كان في غير أرض الخراج وجب فيه العشر، لأن العشر والخراج لا يجتمعان (5). ولا حجة فيه علينا بل على أحمد.

(1) المنتقي - للباجي - 2: 172، المهذب - للشيرازي - 1: 160، المجموع 5: 456، فتح العزيز 5: 563، حلية العلماء 3: 73 - 74، المغني 2: 572، الشرح الكبير 2: 579.
(2) المغني 2: 572، الشرح الكبير 2: 579، فتح العزيز 5: 563، حلية العلماء 3: 74.
(3) الأموال - لأبي عبيد -: 496 / 1489.
(4) الأموال - لأبي عبيد -: 496 / 1488، سنن ابن ماجة 1: 584 / 1823، سنن البيهقي 4: 126، وانظر: المغني 2: 573، والشرح الكبير 2: 580.
(5) بدائع الصنائع 2: 62، اللباب 1: 152، المغني 2: 573، الشرح الكبير 2: 579 و 580، الميزان - للشعراني - 2: 6، حلية العلماء 3: 74.

[ 178 ]

واختلف الموجبون، فقال أبو يوسف ومحمد: نصابه خمسة أو ساق (1)، لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (2). وقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره، بناء على أصله في الحبوب والثمار (3). وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، والفرق ستة عشر رطلا بالعراقي، وهو قول الزهري، لقول عمر: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم (4)، ولا حجة فيه. مسألة 116: قال الشيخ: العلس نوع من الحنطة، لأنه حنطة حبتان منه في كمام فتجب فيه الزكاة حينئذ، ويضم إلى نصاب الحنطة لو قصر إلا به (5). وأما السلت، فقال: إنه شعير، لمشابهته إياه في الصورة فيضم إليه حينئذ (6). وقال بعض الشافعية: بل يضم إلى الحنطة، لأنه على طبعها (7). وقال آخرون: إنه أصل بنفسه (8).

(1) المغني 2: 573، الشرح الكبير 2: 580 (2) صحيح مسلم 2: 673 / 979، صحيح البخاري 2: 147، سنن ابن ماجة 1: 572 / 1794، سنن الترمذي 3: 22 / 626، سنن أبي داود 2: 94 / 1558، سنن النسائي 5: 17.
(3) بدائع الصنائع 2: 62، اللباب 1: 152، الميزان - للشعراني - 2: 6، المغني 2: 573، الشرح الكبير 2: 580.
(4) المغني 2: 573، الشرح الكبير 2: 580.
(5) المبسوط - للطوسي - 1: 217.
(6) الخلاف 2: 65، المسألة 77.
(7) المجموع 5: 510.
(8) المجموع 5: 509.

[ 179 ]

وللشافعي قولان: الضم إلى الشعير، وعدم ضمه مطلقا (1)، وهو الأقرب عندي. وجعل الشافعي نصاب العلس عشرة أوسق لأجل قشره (2). مسألة 117: لا شئ في الارز عندنا، ولا في غيره من الحبوب سوى الحنطة والشعير، سواء كان من القطنيات التي تقطن في البيت وهي اللوبيا والعدس والماش والحمص والباقلاء والهرطمان، أو من الأبازير (3) كالكسفرة والكمون، أو البزور كبزر الكتان والقثاء والخيار، أو حب البقول كالرشاد، وحب الفجل والقرطم والسمسم وسائر الحبوب - خلافا لأحمد (4) - للأصل. وقال الشافعي: لا تجب الزكاة في الزرع إلا أن يكون مما ييبس ويدخر ويقتات وينبته الآدميون وهي القطنية إذا بلغ كل منها نصابا، ولا يضم بعضها إلى بعض (5). واختلفت الرواية عن أحمد في الضم (6). وجعل الشافعي نصاب الارز عشرة أوسق لأجل قشره (7). وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش (8).

(1) المجموع 5: 559 - 510، فتح العزيز 5: 570.
(2) المجموع 5: 553، فتح العزيز 5: 569.
(3) الأبازير جمع الجمع ل‍ (أبزار) واحدها: بزر. بمعنى: التابل. وهو ما يتطيب به الطعام. لسان العرب 4: 56 " بزر ".
(4) المغني والشرح الكبير 2: 548.
(5) المهذب للشيرازي 1: 163، المجموع 5: 496 حلية العلماء 3: 83.
(6) المغني 2: 591، الشرح الكير 2: 559 (7) المجموع 5: 504، مغني المحتاج 1: 383.
(8) بدائع الصنائع 2: 58، اللباب 1: 150، المغني والشرح الكبير 2: 549، المجموع 5: 456، حلية العلماء 3: 84، بداية المجتهد 1: 253.

[ 180 ]

وأما الخضراوات فلا صدقة فيها إجماعا، لقوله عليه السلام: (ليس في الخضراوات صدقة) (1). مسألة 118: ولا زكاة فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه كالبطم والعفص والزعبل وهو شعير الجبل، وبزر قطونا، وبزر البقلة، وبزر الاشنان إجماعا إلا عند بعض الحنابلة فإن فيه الزكاة إذا نبت في أرضه (2). المطلب الرابع في اللواحق مسألة 119: يشترط بقاء عين النصاب طول الحول، فلو بادل به في أثنائه من جنسه أو من غير جنسه، وسواء كان من الماشية أو الأثمان اعتبر ابتداء الحول من حين المعاوضة، وبه قال الشافعي (3). لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (4). ولأنه أصل بنفسه تجب الزكاة في عينه فلم يبن حوله على غيره كالجنسين. وقال الشيخ: إن بادل بجنسه بنى على حوله، وإن كان من غير جنسه استأنف مطلقا (5)، وله قول آخر: إن بادل بالجنس أو بغيره فرارا وجبت وإلا

(1) سنن الدارقطني 2: 95 / 1 و 96 / 4 - 6.
(2) المغني 2: 551، الشرح الكبير 2: 561.
(3) الأم 2: 24 - 25، المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 361، فتح العزيز 5: 489، حلية العلماء 3: 26.
(4) سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792، سنن الترمذي 3: 25 / 631، سنن الدارقطني 2: 90 - 91 / 5، وسنن البيهقي 4: 95.
(5) المبسوط للطوسي 1: 206.

[ 181 ]

فلا (1). وبأولهما قال مالك، إلا أنه فصل، فقال في غير الحيوان بذلك، وفي الحيوان روايتان، وإن أبدل الحيوان بالاثمان لم يبن على حوله (2). وقال أبو حنيفة في الماشية كقولنا، وفي الذهب والفضة يبني حول أحدهما على الآخر (3). وقال أحمد: يبني حول الجنس على جنسه من الحيوان، ولا يبني على غير جنسه منه، ويبني حول الفضة على الذهب إذا بادل به، لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول فيبني حول بدله من جنسه على حوله كالعروض، ولأنهما مالان زكاتهما واحدة فيبني حول أحدهما على الآخر كعروض التجارة، ولأن التهمة تلحقه في الفرار من الزكاة، لأن الفرض بالجنس الواحد لا يختلف (4). ونمنع ضم النماء، والزكاة في التجارة تتعلق بالقيمة وهو جنس واحد، والفرار لا اعتبار به لما يأتي، والجنسان لا يضم أحدهما إلى الآخر مع وجودهما فأولى أن لا يبنى حول أحدهما على الآخر. مسألة 120: إذا نقص النصاب قبل الحول بطل الحول سواء نقص لحاجته إلى نقصه أو قصد بإتلافه الفرار من الزكاة، وسواء تلف البعض أو أبدله بغير جنسه أو بجنسه، وسواء كان الابدال أو الاتلاف عند قرب الوجوب أو في

(1) نسبه إلى جمل الشيخ الطوسي أيضا، السيد العاملي في مدارك الأحكام 5: 74 ولم نجده.
(2) المدونة الكبرى 1: 321 - 322، بداية المجتهد 1: 272، الشرح الصغير 1: 257، فتح العزيز 5: 490، حلية العلماء 3: 26، الميزان - للشعراني - 2: 3.
(3) بدائع الصنائع 2: 15، المبسوط - للسرخسي - 2: 166، فتح العزيز 5: 490، المغني 2: 533، الشرح الكبير 2: 469، حلية العلماء 3: 26، الميزان - للشعراني - 2: 3.
(4) المغني 2: 533، الشرح الكبير 2: 468، فتح العزيز 5: 490، حلية العلماء 3: 26.

[ 182 ]

أول الحول، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (1)، لأنه مال تجب الزكاة في عينه نقص نصابه قبل تمام حوله فوجب أن ينقطع حوله، ولا تجب الزكاة كما لو أتلفه لحاجته. وقال مالك وأحمد: إن أتلف جزءا أو أبدل عند قرب الوجوب فرارا لتسقط الزكاة لم تسقط ووجبت عليه الزكاة التي كانت تجب قبل الفرار، لقوله تعالى: { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم } (2) عاقبهم الله تعالى بذلك لفرارهم من الصدقة. ولأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد " سبب استحقاقه فلم يسقط كما لو طلق امرأته في مرض موته (3). والآية قيل: إنما كان لأنهم أيستثنوا بقولهم: إن شاء الله (4)، والفرق، في المطلقة ظاهر، لتعلق حقها بماله في حالة المرض، والفقراء لم يتعلق حقهم به إلا بحؤول الحول. فروع: أ - إذا حال الحول أخرج الزكاة في المعاوضة - على رأي الشيخ - من جنس المبيع دون الموجود، لأنه الذي وجبت الزكاة بسببه. ب - قال في الخلاف: إذا كان معه نصاب من جنس ففرقه في أجناس

(1) الأم 2: 24، المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 361، فتح العزيز 5: 492، حلية العلماء 3: 26، بدائع الصنائع 2: 51 - 52، المغني 2: 534، الشرح الكبير 2: 465.
(2) القلم: 17 - 20.
(3) الشرح الصغير 1: 213، المغني 2: 534، الشرح الكبير 2: 465، فتح العزيز 5: 492، حلية العلماء 3: 26.
(4) انظر: مجمع البيان 5: 336.

[ 183 ]

مختلفة فرارا من الزكاة لزمته إذا حال الحول على أشهر الروايات، لأن إسحاق ابن عمار سأل الكاظم عليه السلام عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة؟ فقال: " إن كان فر بها من الزكاة فعليه الزكاة " قلت: لم يفر بها، ورث مائة درهم وعشرة دنانير، قال: " ليس عليه زكاة " قلت: لا يكسر الدراهم على الدنانير ولا الدنانير على الدراهم؟ قال: " لا " (1). ج - لو سبك الذهب والفضة أو اتخذهما حليا فرارا من الزكاة قبل الحول سقطت، وبعده لا تسقط. وقال الشيخ: تجب في الأول (2)، وقد تقدم (3). د - لو كان البيع فاسدا لم ينقطع حول الزكاة في النصاب، وبنى على حول الأول، لأن الملك لم ينتقل فيه، ثم إن تمكن من استرداده وجبت الزكاة وإلا فكالمغصوب. ه‍ - لو باع غنمه بضعفها كان عليه زكاة الأصل إن أوجبناها. وقال أحمد: يزكى الجميع، لأن نماءها معها (4). ولو باع النصاب بنصفه كمائتين يبيعها بمائة فعليه زكاة مائة وحدها. و - لو لم يقصد الفرار بالمبادلة انقطع حول الأول عند أكثر القائلين بالوجوب، واستأنف بما استبدل به حولا إن كان محلا للزكاة. ويكره الفرار قبل الحول إجماعا، لما فيه من التوصل إلى ترك المواساة وإعانة الفقراء المطلوبة شرعا. مسألة 121: لو بادل نصابا بمثله في الأثناء، فإن كانت صحيحة زال

(1) التهذيب 4: 94 / 270، الاستبصار 2: 45 / 122، والخلاف 2: 57، المسألة 66.
(2) المبسوط 1: 210.
(3) تقدم في الفرع (و) من المسألة 71 (4) المغني 2: 533، الشرح الكبير 2: 469

[ 184 ]

ملكه عن النصاب وانقطع الحول، فإذا وجد بما وصل إليه عيبا (1) فإن كان قبل الحول رده واسترجع ماله، واستأنف به الحول، لتجدد ملكه، ولهذا لا يستحق نماءه الحاصل في يد مشتريه. وإن وجده بعد الحول قبل الأداء لم يكن له الرد لتعلق الزكاة بالعين والشركة عيب، وبه قال الشافعي على تقديري وجوبها في العين أو الذمة (2)، لأن قدر الزكاة مرهون فلا يملك الرد كما لو اشترى شيئا ثم رهنه ثم وجد به عيبا لم يكن له الرد، أو اشترى عبدا فجنى لم يكن له الرد، وليس له الرجوع بأرش العيب، لأنه لم ييأس من الرد. وإن كان بعد الأداء من الغير فله لرد، لبقاء المبيع بحاله، وهو أحد قولي الشافعية، والثاني: منع الرد، لأن الزكاة استحقاق جزء من العين، لزوال ملكه عنه ورجوعه إليه (3). وإن أخرج من العين لم يكن له الرد، لتفريق الصفقة على البائع، وللشافعي قولان (4). فعلى التفريق يرد ما بقي، ويبسط من الثمن بقدر الشاة المأخوذة فيقوم ويقوم ما بقي ويبسط الثمن عليهما. قال الشيخ: ولا أرش له، لأنه قد تصرف فيه (5)، وليس بجيد، لأن التصرف يسقط الرد لا الأرش. فإن اختلفا في الشاة المفقودة، فقولان: تقديم المشتري، لأن الشاة تلفت في ملكه فكان منكرا، وتقديم البائع، لأنه يجري مجرى الغارم لأنه إذا

(1) في نسختي " ف ط ": عيب.
(2) ألام 2: 24، المجموع 5: 362، فتح العزيز 5: 490، مغني المحتاج 1: 379.
(3) المجموع 5: 362، فتح العزيز 5: 491.
(4) المجموع 5: 363، فتح العزيز 5: 491.
(5) المبسوط - للطوسي - 1: 207.

[ 185 ]

كثرت قيمتها قل ما يغرمه، فإذا قلت كثر. وعلى عدم التفريق كان له الرجوع بالأرش، وهو مذهبنا إلا أنه جعل له ذلك إن أيس من الرد، وإن لم ييأس لم يكن له الأرش. مسألة 122: الأقرب عندي جواز تصرف المالك في النصاب الذي وجبت فيه الزكاة بالبيع والهبة وأنواع التصرفات، وليس للساعي فسخ البيع ولا شئ من ذلك، لأنه مالك فيجوز له التصرف فيه بجميع أنواعه، وتعلق الزكاة به ليس بمانع سواء قلنا الزكاة تجب في العين أو لا، لأن تعلقها بالعين تعلق لا يمنع التصرف في جزء من النصاب فلم يمنع في جميعه كأرش الجناية. ولأن ملك المساكين غير مستقر فيه فإن له إسقاط حقهم منه بدفع القيمة فصار التصرف فيه اختيارا بدفع غيره. إذا ثبت هذا، فإن أخرج الزكاة من غيره وإلا كلف إخراجها، وإن لم يكن متمكنا فالأقرب فسخ البيع في قدر الزكاة وتؤخذ منه ويرجع المشتري عليه بقدرها، لأن على الفقراء إضرارا في إتمام البيع وتفويتا لحقهم فوجب فسخه، ثم يتخير المشتري لتبعض الصفقة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد (1)، إلا أن أحمد قال: إذا عجز عن أداء الزكاة بقيت في ذمته كسائر الديون، ولا تؤخذ من النصاب. وأبو حنيفة يقول: إن كان تصرفه يقطع الحول بأن يبيعه أو يجعله عوضا في نكاح أو خلع ضمن الزكاة، وإن كان تصرفا لا يقطع الحول لم يضمن. وقال الشافعي في صحة بيع قدر الزكاة قولان: الصحة إن تعلقت الزكاة بالعين، لعدم استقرار ملك المساكين، ولهذا له أن يسقط حقهم منه بدفع غيره، والبطلان إن تعلقت بالذمة، لأن قدر الزكاة إما مستحق أو مرتهن، وأما بيع باقي النصاب فإنه يصح على تقدير صحة البيع في قدر الزكاة، وعلى تقدير

(1) المغني 2: 535 و 536، الشرح الكبير 2: 468.

[ 186 ]

الفساد فقولان مبنيان على تفريق الصفقة، فإن قيل بعدمه بطل في الباقي، وألاصح فيتخير المشتري (1). ولو عزل قدر الزكاة من النصاب، ثم باع الباقي صح، لأنه باع حقه من المال. وللشافعي وجهان، أحدهما: المنع، لعدم تعين الزكاة إلا بالدفع (2). مسألة 123: الزكاة تجب في ألعين لا في الذمة عند علمائنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي - في الجديد - وأحمد في أظهر الروايتين. لقوله عليه السلام: (في أربعين شاة شاة) (3) و (فيما سقت السماء... العشر) (4) إلى غير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف " في " (5) وهي للظرفية، ولأنها تجب بصفة المال وتسقط بتلفه (6). وقال الشافعي في القديم: إنها تتعلق بالذمة والعين مرتهنة بذلك، لأنها زكاة فكان محلها الذمة كزكاة الفطرة، ولأنه يجوز الإخراج من غيرها فلا تتعلق بالعين، ولأنه لا يتبعها النماء فلا تتعلق بالعين، وزكاة الفطرة لا تتعلق بالمال

(1) المهذب للشيرازي 1: 162، المجموع 5: 362 و 468 - 469، فتح العزيز 5: 553، المغني 2: 535، الشرح الكبير 2: 468.
(2) المجموع 5: 475، فتح العزيز 5: 555 (3) سنن ابن ماجة 1: 578 / 1807، سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن البيهقي 4: 88.
(4) صحيح البخاري 2: 155، سنن أبي داود 2: 108 / 1596، سنن النسائي 5: 41 و 42، سنن الترمذي 3: 31 / 639، سنن ابن ماجة 1: 580، و 581 / 1816 و 1817، مسند أحمد 3: 341، وسنن البيهقي 4: 129 و 130.
(5) كقوله عليه السلام: (في خمس من الإبل شاة) و (في عشرين مثقالا نصف مثقال) و (في الرقة ربع العشر).
(6) المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 377، فتح العزيز 5: 551، اللباب 1: 146، المغني 2: 536 - 537، الشرح الكبير 2: 469، حلية العلماء 3: 33.

[ 187 ]

فلهذا تعتقت بالذمة (1). وجواز الإخراج من الغير للارفاق بالمالك، وملك المساكين غير مستقر حيث كان للمالك العدول فلم يتبعه النماء، على أن لمانع أن يمنع ذلك. فروع: أ - الزكاة تتعلق بالعين عندنا وعند أبي حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال: لا يستحق بها جزء منها وإنما تتعلق بها كتعلق الجناية (2) بالعبد الجاني - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - لأن تعلق الزكاة بالمال لا يزيل ملك المالك عن شئ من ماله كالشاة المتعلقة بالخمس (3) من الإبل (4). وعندي فيه إشكال تقدم. ب - لو ملك أربعين شاة فحال عليها حولان ولم يؤد الزكاة وجب عليه شاة واحدة، لتعلق الزكاة بالعين عندنا فنقصت في الحول الثاني، ومن أوجب الزكاة في الذمة أوجب شاتين (5). ج - لو كان له أربعون فحال عليها الحول وقد نتجت شاة، ثم حال. آخر وقد نتجت فيه أخرى، ثم ثالث ونتجت فيه ثالثة فإنه يجب عليه ثلاث شياه، لأن الحول الأول حال وهي إحدى وأربعون فوجبت شاة وبقي أربعون فحال الثاني وهي إحدى وأربعون، وهكذا في الثالث، إلا أن هذا على قول من يجعل حول السخال تابعا للأمهات، أما عندنا فإن حصل السوم حولا فكذلك، وكذا إذا ملك في أول كل حول شاة.

(1) المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 377، فتح العزيز 5: 551، حلية العلماء 3: 33، المغني 2: 536، الشرح الكبير 2: 469.
(2) يعني أرش الجناية.
(3) ورد في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: بالخمسة. والصحيح ما أثبتاه.
(4) حلية العلماء 3: 33، المغني 2: 536، الشرح الكبير 2: 469، فتح العزيز 5: 552.
(5) أنظر: المغني 2: 537، الشرح الكبير 2: 472، والمجموع 5: 380.

[ 188 ]

د - لو كان عنده أكثر من النصاب وحال عليه أحوال تعددت الزكاة وجبر الناقص من النصاب بالزائد عليه إلى أن يقصر عن النصاب فتسقط حينئذ. ه‍ - لو ملك خمسا من الإبل فلم يؤد زكاتها أحوالا فعليه شاة واحدة لا غير - وهو أحد قولي الشافعي (1) - لأنها نقصت بوجوب الزكاة فيها في الحول الأول عن خمس كاملة فلم يجب عليه فيها شئ كما لو ملك أربعا وجزءا من بعير. وقال أحمد: عليه في كل سنة شاة على تقدير الوجوب في العين أيضا، لأن الواجب هنا من غير النصاب فلا ينقص به النصاب كما لو أداه (2)، بخلاف سائر الأموال فإن الزكاة يتعلق وجوبها بعينه (فتنقصه) (3) كما لو أداه من النصاب (4). ونمنع الوجوب من غير النصاب، بل الواجب هنا في العين قيمة شاة. و - لو ملك ستا وعشرين وحال عليها أحوال فعليه للأول بنت مخاض، وللثاني خمس شياه، وللثالث أربع، وهكذا إلى أن يقصر عن عشرين فتجب ثلاث شياه، وهكذا إلى أن يقصر (عن عشر فتجب شاتان، وهكذا إلى أن يقصر عن خمس) (5). وقال أحمد: عليه. للحول الأول بنت مخاض، ولكل حول بعده أربع

(1) المهذب - للشيرازي - 1: 151، المجموع 5: 380 - 381، فتح العزيز 5: 556 " المغني 2: 538، الشرح الكبير 2: 473.
(2) أي أداه من غير النصاب.
(3) في النسخ الخطية: " فسقط " وفي الحجرية " فقط " " فسقط خ ل " وما أثبتناه من المصدر، وهو أقرب لسياق العبارة.
(4) المغني 2: 538، الشرح الكبير 2: 473.
(5) كذا في النسخ الخطية والطبعة الحجرية، والظاهر أن الصواب - كما في هامش " ط، ن " - هكذا: عن خمسة عشر فتجب شاتان وهكذا إلى أن يقصر عن عشر فتجب شاة.

[ 189 ]

شياه، ولو بلغت (قيمة الشاة) (1) الواجبة أكثر من خمس من الإبل وجب عليه للأول بنت مخاض، وللثاني خمس من الغنم، وللثالث ثلاث (2). ز - الزكاة وإن وجبت في العين إلا أن لرب المال أن يعين ذلك من أي جز شاء منه، وله أن يعطي من غيره إجماعا إلا من شذ. مسألة 124: إمكان الأداء شرط في الضمان لا الوجوب، فإذا حال الحول على النصاب وجبت سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد (3). لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (4) مفهومه الوجوب عند الحول. ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " فإذا حال الحول وجبت عليه " (5). وقال مالك والشافعي في القديم: إمكان الأداء شرط في الوجوب، فشرط في الوجوب ثلاث شرائط: الحول، والنصاب، وإمكان الأداء، حتى أن مالكا قال: لو أتلف الماشية بعد الحول قبل إمكان الأداء لم تكن عليه زكاة إذا لم يقصد الفرار من الزكاة، لأن إمكان الأداء شرط في وجوب سائر العبادات من الصلاة والصوم والحج فكذا الزكاة.

(1) الظاهر أن الصحيح: قيم الشياه. كما في الشرح الكبير.
(2) المغني 2: 38 5، الشرح الكبير 2: 473، وفيهما إلى قوله: أكثر من خمس من الإبل. وعلى هذا يكون الواو في " ولو بلغت " وصلية لا استئنافية.
(3) بدائع الصنائع 2: 22، المغني 2: 538، الشرح الكبير 2: 470، المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 375 و 377، فتح العزيز 5: 547، حلية العلماء 3: 31.
(4) سنن أبي داود 2: 100 - 101 / 1573 سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792، سنن الدارقطني 2: 90 - 91 / 3، سنن البيهقي 4: 95.
(5) التهذيب 4: 41 / 103، الاستبصار 2: 23 / 61.

[ 190 ]

ولأن المال لو تلف قبل إمكان الأداء سقطت فدل على أنها لم تجب، وإمكان الأداء شرط في استقرارها، وتلك عبادات أيضا كلف فعلها ببدنه، فإذا تعذر لم تجب، وهنا عبادة مالية يمكن مشاركة المساكين في ماله وحصوله قبل أدائه فوجبت. وأما سقوطها بتلفها: فلأنه أمين لم يوجد من جهته تفريط فلا يضمن كالمودع (1). ويعارض: بأنه لو أتلف المال بعد الحول لم تسقط عنه عند الشافعي (2)، ولو لم تجب أولا لسقطت كما لو أتلفه قبل الحول، ولأنه لو لم يمكنه الأداء حتى مضى حول آخر لوجبت زكاة حولين ولا يجب فرضان في نصاب واحد في حالة واحدة. وقول مالك ضعيف، لأنه إسقاط حق وجب في المال وتمكن من أدائه. مسألة 125: إذا حال الحول ولم يتمكن من الأداء فتلف النصاب سقطت الزكاة - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والحسن بن صالح بن حي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وحكاه أيضا عن أحمد (3) - لأنها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه، ولأنها عبادة يتعلق وجوبها بالمال فإذا تلف قبل إمكان أدائها سقط فرضها كالحج. ولقول الباقر عليه السلام: " إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثم سماها

(1) حلية العلماء 3: 31، المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 375 و 377، الوجيز 1: 89، فتح العزيز 5: 547، المعني 2: 539 - 540، الشرح الكبير 2: 470 - 471، المفتي للباجي 2: 145.
(2) الأم 2: 52، فتح العزيز 5: 547، بدائع الصنائع 2: 22.
(3) المجموع 5: 376 و 377، فتح العزيز 5: 547 - 548، المغني 2: 539، الشرح الكبير 2: 471، المبسوط للسرخسي 2: 174، بدائع الصنائع 2: 3 و 22.

[ 191 ]

لقوم فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شئ عليه " (1). وقال أحمد: لا تسقط الزكاة بتلف المال فرط أو لم يفرط، لأنه مال وجب في الذمة فلا تسقط بتلف النصاب كالدين (2). ونمنع الأولى. إذا ثبت هذا، فلو تلف بعض النصاب قبل إمكان الأداء سقط عنه بقدر ما تلف. وقال الشافعي في القديم: يسقط الجميع (3) بناء على أن إمكان الأداء شرط في الوجوب. مسألة 126: لو تلف المال بعد الحول وإمكان الأداء وجبت الزكاة عند علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي وأحمد والحسن بن صالح بن حي وإسحاق وأبو ثور وأبن المنذر (4). ولا فرق بين أن يكون من الأموال الظاهرة أو الباطنة، ولا بين أن يطالبه الإمام أو لا، لأنها زكاة واجبة مقدور على أدائها فإذا تلفت ضمنها كما لو طالبه الإمام وكغير المواشي. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها " (5).

(1) الكافي 3: 553 / 2، الفقيه 2: 16 / 47، التهذيب 4: 47 / 123.
(2) المعني 2: 539، الشرح الكبير 2: 470، الانصاف 3: 40 - 41.
(3) الأم 2: 12، المهذب للشيرازي 1: 151، المجموع 5: 375، الوجيز 1: 89، فتح العزيز 5: 548 - 549، حلية العلماء 3: 32.
(4) مختصر المزني: 42، الأم 2: 12، المجموع 5: 333، فتح العزيز 5: 546، حلية العلماء 3: 10، المغني 2: 539، الشرح الكبير 2: 471، بدائع الصنائع 2: 22، المبسوط للسرخسي 2: 174 (5) الكافي 3: 553 / 1، الفقيه 2: 15 / 46، التهذيب 4: 47 / 125.

[ 192 ]

وقال أبو حنيفة: تسقط الزكاة بتلف النصاب بعد الحول وإمكان الأداء على كل حال إلا أن يكون الإمام أو الساعي طالبه بها فمنعها (1). ولا مطالبة عنده في الأموال الباطنة وإنما تتوجه المطالبة إلى الظاهرة فإذا أمكنه الأداء لم يلزمه الأداء إلا بالمطالبة فإذا لم يؤد حتى هلكت فلا ضمان. وقال أبو سهل الزجاجي من أصحابه: لا يضمن أيضا وإن طالبه الإمام بالاموال الظاهرة (2). وقال مالك كقولنا في غير المواشي، وفي المواشي كقول أبي حنيفة (3). واحتجوا بأنه أمين فإذا تلفت قبل مطالبة من له المطالبة لم يضمن كالوديعة. والفرق: عدم وجوب الدفع قبل المطالبة في الوديعة وهنا تجب. إذا ثبت هذا، فعادم المستحق والبعيد عن المال، وعدم الفرض في المال، وفقدان ما يشتريه، أو الساعي في طلب الشراء، أو نحو ذلك غير مفرطين. مسألة 127: لا تسقط الزكاة بموت المالك بعد الحول وإن لم يتمكن من إخراجها، وتخرج من ماله وإن لم يوص عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والحسن البصري والزهري وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأحمد وابن المنذر (4) - لأنها حق واجب تصح الوصية به فلا تسقط بالموت كالدين،

(1) بدائع الصنائع 2: 22 و 52 - 53، المبسوط للسرخسي 2: 174، المغني 2: 539، الشرح الكبير 2: 471، المجموع 5: 377، فتح العزيز 5: 546، حلية العلماء 3: 10.
(2) حلية العلماء 3: 10.
(3) بداية المجتهد 1: 249، المغني 2: 539، الشرح الكبير 2: 471.
(4) المغني 2: 540 - 541، الشرح الكبير 2: 474، الشرح الصغير 1: 213، بداية المجتهد 1: 249، الأم 2: 15، المجموع 5: 335 - 336.

[ 193 ]

ولأنها حق مالي واجب فلا يسقط بموت من هو عليه كدين الادمي. وقال الأوزاعي والليث: يؤخذ من الثلث مقدما على الوصايا، ولا يجاوز الثلث (1). وقال ابن سيرين والشعبي والنخعي وحماد بن أبي سليمان وداود بن أبي هند والبتي والثوري وأصحاب الرأي: لا تخرج بل تسقط إلا أن يوصي بها فتخرج من الثلث، ويزاحم بها أصحاب الوصايا، لأنها عبادة من شرطها النية فسقطت بموت من هي عليه كالصوم والصلاة (2). ويمنع الأصل عندنا. ومن وافقهم يفرق بأنهما عبادتان بدنيتان لا تصلح الوصية بهما، ولا النيابة فيهما. إذا ثبت هذا فإن الزكاة تسقط باسلام المالك إذا كان كافرا أصليا، لأن الزكاة تجب عليه عندنا، فإذا أسلم سقطت سواء تمكن من الأداء أو لا، وسواء تلفت بتفريطه أو أتلفها هو أولا، وسواء كانت العين باقية أو لا. مسألة 128: لو استفاد مالا مما يعتبر فيه الحول ولا مال سواه، أو كان أقل من النصاب، فبلغ بالمستفاد نصابا، انعقد حول الزكاة من حينئذ، فإذا تم وجبت الزكاة إجماعا، وإن كان عنده نصاب، فالمستفاد إن كان من نمائه (كربح مال) (3) التجارة ونتاج السائمة، استقبل الحول بالفائدة من حال حصولها، عند علمائنا أجمع - خلافا للجمهور (4) كافة - لأنه مال منفرد بنفسه

(1) المغني 2: 541، الشرح الكبير 2: 474، المجموع 5: 336.
(2) المغني 2: 541، الشرح الكبير 2: 474، المجموع 5: 336، بدائع الصنائع 2: 53، المبسوط للسرخسي 2: 185.
(3) ورد في النسخ الخطية والحجرية: كمال. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(4) المغني 2: 492، الشرح الكبير 2: 460، المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 373، فتح العزيز 6: 65 - 66، المنتقي للباجي 2: 144 - 145.

[ 194 ]

فكان له حكم نفسه، ولا يجوز حمله على النماء المتصل باعتبار كونه تابعا له من جنسه، للمنع من علية المشترك وثبوت الفرق. وإن كان من غير جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه، لا يضم إلى ما عنده في حول ولا نصاب، بل إن كان نصابا، استقبل به حولا، وزكاه، وإلا فلا شئ فيه، وهو قول عامة أهل العلم (1). وحكي عن ابن مسعود وابن عباس: أن الزكاة تجب فيه حين استفاده (2). وعن الأوزاعي فيمن باع داره أو عبده أنه يزكي الثمن حين يقع في يده إلا أن يكون له شهر يعلم، فيؤخره حتى يزكيه مع ماله (3). وجمهور العلماء على خلافه (4)، ولم يقل به أحد من أئمة الفتوى. ولو كان المستفاد من جنس نصاب عنده قد انعقد عليه حول بسبب مستقل بأن يكون له أربعون من الغنم مض عليها بعض حول، ثم ملك مائة فلا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حول أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد (5). لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (6). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " وكل ما لم يحل عليه حول عند ربه فلا شئ عليه فيه " (7). ولأنه مملوك أصلا فيعتبر فيه الحول شرطا كالمستفاد من غير الجنس.

(1) المغني 2: 492، الشرح الكبير 2: 461 المجموع 5: 356.
(2) المغني 2: 492، الشرح الكبير 2: 461، المجموع 5: 361، حلية العلماء 3: 25 (3 و 4) المغني 2: 492، الشرح الكبير 2: 461 (5) المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 365، حلية العلماء 3: 27، المغني 2: 493، الشرح الكبير 2: 462 (6) سنن أبن ماجة 1: 571 / 1792 سنن الدارقطني 2: 91 / 3، سنن البيهقي 4: 95 (7) التهذيب 4: 41 / 103، الاستبصار 2: 23 / 65، والكافي 3: 534 (باب صدقة البقر) الحديث 1، و 535 (باب صدقة الغنم) الحديث 1.

[ 195 ]

وقال أبو حنيفة: يضمه إلى ما عنده في الحول فيزكيهما عند تمام حول المال الذي كان عنده إلا أن يكون عوضا عن مال مزكى لأنه يضم إلى جنسه في النصاب فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج، لأن النصاب سبب والحول شرط فإذا ضم في السبب فأولى أن يضم في الشرط (1). ونمنع الأصل. مسألة 129: إذا كانت إبله كلها فوق الثنية تخير صاحبها بين أن يشتري الفرض، وبين أن يعطي واحدة منها، وبين أن يدفع القيمة. وإن كانت واحدة منها معينة بقدر قيمة الفرض أجزأ بأن تكون عوراء إلا أنها سمينة، لأنه يجوز إخراج القيمة عندنا، ولأن زيادة الثمن جبرت العيب بالصفة كابن اللبون المجزئ عن بنت المخاض. وقال الشافعي: لا يجوز بناء على عدم إجزاء القيمة (2). مسألة 130: لو كان له أربعون من الغنم في بلدين في كل واحد عشرون وجبت فيها شاة وإن تباعدا، وإن كان له في كل بلد أربعون وجبت شاة واحدة وإن تباعدا أيضا، وبه قال الشافعي (3). لقوله عليه السلام: (في أربعين من الغنم شاة) (4) ولم يفصل، ولأنه ملك لواحد فأشبه ما إذا كانا في بلدين متقاربين. وقال أحمد: لا يجب عليه شئ مع التباعد، وفي الثاني (5) تجب عليه

(1) المغني 2: 493، الشرح الكبير 2: 462، حلية العلماء 3: 27، بداية المجتهد 1: 271، المبسوط للسرخسي 2: 164.
(2) المهذب للشيرازي 1: 157، المجموع 5: 429، المغني 2: 671، الشرح الكبير 2: 521 (3) الأم 2: 19، حلية العلماء 3: 57.
(4) سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن الترمذي 3: 17 / 621، سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805، سنن النسائي 5: 29.
(5) أي الفرع الثاني المذكور في صدر المسألة.

[ 196 ]

شاتان معه (1)، لقوله عليه السلام: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع) (2) (3) والمراد في الملك. إذا ثبت هذا فإنه يجزئ أن يخرج الشاة في أي البلدين شاء أو في غيرهما عندنا، للامتثال فيخرج عن العهدة، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الثاني: لا يجوز، لما فيه من نقل الزكاة (4). وهو ممنوع، بل هو إخراج عما في البلد الآخر إرفاقا بالمالك، لما في تبعيض الحيوان من المشقة. مسألة 131: يجوز إخراج القيمة في الزكاة عن النقدين والغلات عند علمائنا أجمع، واختلفوا في المواشي، فجوزه الأكثر) أيضا، ومنع منه المفيد إلا مع عدم الفريضة (6). والوجه: الجواز مطلقا على أن القيمة بدل لا على أنها أصل في نفسها - وبه قال أبو حنيفة (7) - لأن معاذا كان يأخذ من أهل اليمن الثياب عوضا عن الزكاة (8).

(1) أي: مع التباعد.
(2) صحيح البخاري 2: 145، سنن الترمذي 3: 19 / 621، سنن الدارقطني 2: 104 / 1 و 5 و 105 / 7، سنن أبي داود 2: 98 / 1568 و 100 / 1572، سنن النسائي 5: 29، سنن الدارمي 1: 383، وسنن البيهقي 4: 105. (3) المغني 2: 485، الشرح الكبير 2: 543، حلية العلماء 3: 57.
(4) راجع: حلية العلماء 3: 165.
(5) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم والعمل (ضمن رسائله) 3: 75، والشيخ الطوسي في الخلاف 2: 50، المسألة 59، والمحقق في المعتبر: 264.
(6) المقنعة: 41.
(7) الاختيار لتعليل المختار 1: 134، المبسوط للسرخسي 2: 156، اللباب 1: 144، المجموع 5: 429، المغني 2: 671 - 672، الشرح الكبير 2: 521، حلية العلماء 3: 167.
(8) صحيح البخاري 2: 144، سنن البيهقي 4: 113.

[ 197 ]

ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام وقد ساله أخوه عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم أيحل ذلك له؟: " لا باس " (1). وكتب البرقي إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام هل يجوز - جعلت فداك - أن يخرج ما يجب في الحرث الحنطة والشعير، وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوي أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه؟ فأجاب عليه السلام: " أيما تيسر يخرج " (2). ولأن القصد بالزكاة سد الخلة ورفع الحاجة وذلك حاصل بالقيمة فساوت العين، ولأنها وجبت جبرا لهم ومعونة، وربما كانت الأعواض في وقت أنفع فاقتضت الحكمة التسويغ. وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة بل يجب المنصوص - وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكا جوز إخراج كل من النقدين عن صاحبه على وجه البدل لا قيمة (3)، وعن أحمد في إخراج الذهب عن الورق قيمة روايتان (4) - لأنه عدل عن المنصوص عليه إلى غيره بقيمته فلم يجزئه، كما لو أخرج سكنى دار، أو أخرج نصف صاع جيد عن صاع ردئ (5). وإنما خصص مالك بالذهب والفضة، لأنهما يجريان مجرى واحدا وهما أثمان فجاز ذلك فيهما.

(1) الكافي 3: 559 / 2، الفقيه 2: 16 / 51، التهذيب 4: 95 / 272.
(2) الكافي 3: 559 (باب الرجل يعطي عن زكاته العوض) الحديث 1، الفقيه 2: 16 - 17 / 52، 1 لتهذيب 4: 95 / 271.
(3) حلية العلماء 3: 167، المدونة الكبرى 1: 350، المنتقى للباجي 2: 93، الشرح الكبير (4) المغني 2: 102، الشرح الكبير 2: 605 - 606، حلية العلماء 3: 167.
(5) المهذب للشيرازي 1: 157، المجموع 5: 428 - 429، حلية العلماء 3: 167، الشرح الكبير 2: 521.

[ 198 ]

ونمنع الأصل، ولأن فيه تأخيرا للحق عن وقته، وكذا نمنع عدم إجزاء نصف صاع جيد بقيمة المجزئ، وبالفرق بما فيه من شائبة الربا. أذا عرفت هذا، فإن القيمة المخرجة تخرج على أنها قيمة لا أصل كما تقدم، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال بعض أصحابه: الواجب أحد الشيئين فأيما أخرج كان أصلا (2). يدفعه: التنصيص على المعين وإنما عدل إلى القيمة، للارفاق. تذنيب: إنما تعتبر القيمة وقت الإخراج إن لم يقوم الزكاة على نفسه، ولو قومها وضمن القيمة ثم زاد السوق أو انخفض قبل الإخراج فالوجه: وجوب ما ضمنه خاصة دون الزائد والناقص وإن كان قد فرط بالتأخير حتى انخفض السوق أو ارتفع، أما لو لم يقوم ثم ارتفع السوق أو انخفض أخرج القيمة؟ وقت الإخراج. مسألة 132: قد بينا أن الزكاة تتعلق بالعين، لسقوطها بتلف المال، بعد الحول قبل إمكان الأداء. ولقوله عليه السلام: (في أربعين شاة شاة) (3). وهل يصير أهل السهمان (4) بقدر الزكاة شركاء لرب المال؟ الأقرب: المنع - وهو أحد قولي الشافعي (5) - وإلا لما جاز للمالك الإخراج من غيره. ويحتمل - ضعيفا - الشركة، وبه قال مالك والشافعي (6) - في الآخر - لأن للامام أخذها من عين النصاب قهرا إذا امتنع المالك من لأداء.

(1 و 2) حكى القولين الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 50، المسألة 59 (3) سنن أبي داود 2: 98 / 1568، سنن الترمذي 3: 17 / 621، سنن ابن ماجة 1: 577 / 1805.
(4) السهمان، جمع، واحدها: السهم بمعنى. النصيب. الصحاح 5: 1956 " سهم " (5) المجموع 5: 377، فتح العزير 5: 551 (6) المجموع 5: 377، فتح العزير 5: 551 و 552، حلية العلماء 3: 33.

[ 199 ]

ولا حجة فيه، لجواز أخذ المماثل للحق من الممتنع. فعلى عدم الشركة لا خلاف في أن الزكاة تتعلق بالمال، فيحتمل تعلق الدين بالرهن، إذ لو امتنع المالك من الأداء ولم يشتمل المال على الواجب باع الإمام بعض النصاب فيه كما يباع المرهون في الدين، وتعلق الأرش برقبة الجاني، لأنها تسقط بهلاك النصاب كما يسقط الأرش بهلاك الجاني، والأخير مروي عن أبي حنيفة وأحمد (1). ولا فرق في جريان هذه الاحتمالات بين أن يكون الواجب من جنس المال أو من غير جنسه. فإذا باع النصاب بعد الحول وقبل الإخراج فالبيع في قدر الزكاة يبنى على الأقوال، فمن أوجبها في الذمة جوز البيع، ومن جعل المال مرهونا فالأقوى الصحة - وهو أصح قولي الشافعي (2) - لأنه تعلق ثبت بغير اختيار المالك، ولا يثبت لمعين فيسامح فيه بما لا يسامح في سائر الرهون. وإن قيل بالشركة فالأقوى الصحة أيضا، وهو أضعف قولي الشافعي، على تقديره، لعدم استقرار حق المساكين فإن له إسقاطه بالاخراج من غيره، وأصحهما عنده: المنع، لأنهم شركاء، وإن قيل: تعلق أرش الجاني، ابتنى على بيع الجاني (3). والوجه ما قلناه من صحة البيع مطلقا، ويبيع الساعي المال إن لم يؤد المالك فينفسخ البيع فيه على ما تقدم. ولو لم يؤد المالك من غيره ولم يأخذ الساعي من العين كان للمشتري الخيار، لتزلزل ملكه، ويعرض الساعي به متى شاء، وهو أحد وجهي (1) فتح العزيز 5: 552، حلية العلماء 3: 33، الانصاف 3: 38.
(2) المهذب للشيرازي 1: 162، المجموع 5: 469، فتح العزيز 5: 553.
(3) المجموع 5: 469، فتح العزير 5: 553.

[ 200 ]

الشافعية، والثاني: لا خيار، لحصول الملك في الحال وقد يؤدي المالك الزكاة من غيره (1). ولو دفع المالك الزكاة من موضع آخر سقط خيار المشتري، لزوال العيب، ويحتمل ثبوته، لامكان أن يخرج المدفوع مستحقا فيبيع الساعي المال، ولو أخرج الزكاة ثم باع فلا خيار. ولو قلنا ببطلان البيع في قدر الزكاة - كما اختاره الشيخ (2) والشافعي (3) - صح البيع في الباقي، فللمشتري الخيار، ولا يسقط خياره بأداء الزكاة من موضع آخر، لأن العقد في قدر الزكاة لا ينقلب صحيحا بذلك. مسألة 133: لو ادعى المالك تلف النصاب أو إبداله في الحول أو عدم انتهاء الحول قبل قوله من غير يمين سواء في ذلك السبب الظاهر والخفي، وسواء ادعى ما هو الظاهر أو خلافه - وهو أحد قولي الشافعي (4) - لأنه أمين فيما في يده، لأن الزكاة تجب على طريق المواساة والرفق فقبل قوله فيه. والقول الثاني للشافعي: إن ادعى الظاهر مثل عدم حولان الحول كان القول قوله ولا تجب اليمين بل يستحب أن يعرضها الساعي عليه للاستظهار وزوال التهمة. فإن حلف فلا كلام، وإن امتنع لم يطالبه بشئ، لأن اليمين ليست واجبة، بخلاف المستودع إذا ادعى التلف أو الرد فإن اليمين تجب وإن كان أمينا، لأن الوديعة حق للآدمي المتعين فكانت مبنية على التضيق، والزكاة حق الله تعالى وجبت على طريق المواساة، ولا يتعين فيها حق الادمي وإنما هو جهة لصرفها فافترقا.

(1) المجموع 5: 469، فتح العزيز 5: 554.
(2) المبسوط للطوسي 1: 208.
(3) المجموع 5: 469، فتح العزيز 5: 553.
(4) المجموع 6: 173 - 174.

[ 201 ]

وإن كان الظاهر مع الساعي مثل أن يدعي إبدال النصاب أو أنه باعه ثم اشتراه، أو ادعى أنه كان وديعة ستة أشهر ثم ملكه، أو ادعى دفع الزكاة إلى غير هذا الساعي فإن الأصل عدم ما ذكره إلا أن القول قوله، لأنه أمين. وفي وجوب اليمين وجهان: الوجوب، لأنه خلاف الظاهر، وليس بجيد، لما تقدم، وعدمه بل هي استظهار مستحب. فعلى الأول لو امتنع طولب بالزكاة ولا يحلف الساعي، لأنه نائب عن الفقراء، والنائب كالوكيل لا يحلف، ولا يمكن إحلاف الفقراء، لعدم تعينهم قبل الدفع. ثم اعترض على نفسه: بأن الحكم لا يثبت بالنكول وقد ثبت هنا. وأجاب: بأن الحكم ليس بالنكول بل بوجود النصاب في يده حولا، وإنما يقبل قوله مع يمينه في إسقاطها، فإذا لم يحلف أخذ منه بالسبب المتقدم، كما لو امتنعت من اللعان (1) حدت بلعان الزوج لا بنكولها. وعلى الثاني: إذا امتنع لم يطالب بالزكاة (2). تذنيب: لو شهد عليه عدلان ببقاء عين النصاب أو بإقراره بما ينافي دعواه المسقطة للزكاة سمعت والزم بالزكاة. مسألة 134: لو عزل الزكاة فتلفت قبل أن يسلمها إلى أهلها إما المستحق أو الإمام أو الساعي، فإن كان بعد إمكان الأداء ضمن ولم تسقط عنه، ووجبت عليه شاة أخرى لا قيمة التالفة وإن كانت أزيد. وإن كان قبل إمكان الأداء فالوجه عندي السقوط، وبه قال مالك (3)،

(1) يعني: كما في اللعان إذا لاعن الزوج، لزم المرأة حد الزنا، فإن لاعنت سقط، وإن امتنعت لزمها الحد لا بامتناعها بل بلعان الزوج. انظر: الهامش التالي.
(2) المجموع 6: 174.
(3) بداية المجتهد 1: 248، مقدمات ابن رشد 1: 235 - 236، المدونة الكبرى 1: 344 - 345، حلية العلماء 3: 146.

[ 202 ]

لأنها أمانة في يده فإذا تلفت لم يضمن كالساعي، ولأنه حق يتعين بتعيينه، فإذا تلف لم ينتقل إلى غيره، لأصالة البراءة. وقال الشافعي: لا تسقط (1)، لأن المال في يده مشترك فلا يتميز حق غيره بفعله كالمشترك. والأولى ممنوعة، نعم على تقدير قوله بأن إمكان الأداء شرط في الوجوب يسقط الفرض، وعلى تقدير أنه شرط الضمان يسقط بقدر ما تلف، ووجب الباقي. مسألة 135: لو كان عنده أجناس مختلفة يقصر كل منها عن النصاب لم تجب الزكاة وإن كانت لو جمعت زادت - عند علمائنا أجمع - سواء في ذلك المواشي والغلات والنقدان. وقد وقع الاتفاق على عدم ضم جنس إلى جنس آخر في غير الحبوب والأثمان. فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل والبقر والغنم لا يضم جنس منها إلى الآخر، والأثمار لا يضم جنس إلى غيره فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا تضم الأثمان إلى شئ من السائمة ولا من الحبوب والأثمار. ولا خلاف في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، ولا خلاف في أن العروض للتجارة والأثمان لها يضم بعضها إلى بعض إلا أن الشافعي لا يضمها { إلا } (2) إلى جنس ما اشتريت به، لأن نصابها معتبر به (3). واختلف الجمهور في ضم الحبوب بعضها إلى بعض، وفي ضم أحد النقدين إلى الآخر.

(1) حلية العلماء 3: 146 (2) زيادة أثبتناها من المصدر (3) المغني 2: 591، الشرح الكير 2: 559.

[ 203 ]

فعن أحمد ثلاث روايات: إحداها كقولنا بعدم الضم مطلقا، ويعتبر النصاب في كل جنس منها - وبه قال عطاء، مكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي، والثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك والشافعي وأبو عبيد، أبو ثور، وأصحاب الرأي. لأنها أجناس فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردا كالثمار والمواشي (1). وقال عكرمة وأحمد - في رواية - وحكاه ابن المنذر عن طاوس: إن الحبوب كلها يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب (2) - قال أبو عبيد: لا نعلم أحدا من الماضين جمع بينهما إلا عكرمة (3) - لقوله عليه السلام: (لا زكاة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق) (4). قال مالك والليث وأحمد في رواية: يضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات (5) بعضها إلى بعض (6). وفي ضم الذهب إلى الفضة عن أحمد روايتان، فعلى الضم يؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه، ولا يؤخذ من جنس عن غيره إلا الذهب والفضة فإن في إخراج أحدهما عن الآخر روايتين (7).

(1) المغني 2: 591 - 592، الشرح الكبير 2: 559، المجموع 5: 512، حلية العلماء 3: 84، بداية المجتهد 1: 266، الأموال لأبي عبيد: 475.
(2) المغني 2: 592 الشرح الكبير 2: 559، المجموع 5: 513.
(3) الأموال لأبي عبيد: 475، المغني 2: 592.
(4) أورده كما في المتن ابنا قدامة في المغني 2: 592، والشرح الكبير 2: 559، وانظر أيضا: سنن البيهقي 4: 128. (5) القطنيات، جمع، واحدتها: قطنية لكسر القاف، وهي: الحبوب التي تدخر كالحمص والعدس ونحوهما. لسان العرب 13: 344 " قطن ".
(6) الكافي في فقه أهل المدينة: 153، بداية المجتهد 1: 266، المدونة الكبرى 1: 348، المنتقى للباجي 2: 167 - 168، المغني 2: 592 " الشرح الكبير 2: 560، المجموع 5: 513، فتح العزيز 5: 569، حلية العلماء 3: 84، الأموال لأبي عبيد: 474.
(7) المغني 2: 594، الشرح الكبير 2: 561.

[ 205 ]

المقصد الثالث فيما تستحب فيه الزكاة وفيه فصلان: الأول: في مال التجارة. وفيه بحثان: الأول: في تحقيق ماهية مال التجارة. مسألة 136: مال التجارة هو المملوك بعقد معاوضة للاكتساب عند التملك، فقصد التجارة لا بد منه فلو لم يقصده أو قصد القنية ابتداء أو انتهاء لم يصر مال تجارة، ولا يكفي مجرد النية دون الشراء. واقتران القصد بالملك (1)، فلو كان يملك عرضا لقنيته فقصد التجارة بعد ذلك لم يصر للتجارة، ولم ينعقد الحول عليه - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (2) - لأن الأصل القنية، والتجارة عارض فلم ينصرف إليها بمجرد النية كما لو نوى الحاضر السفر لم يثبت له حكم بدون الفعل.

(1) يعني: لا بد من (إقتران القصد بالملك أيضا.
(2) الأم 2: 48، المهذب للشيرازي 1: 166، المجموع 6: 48 - 49، فتح العزيز 6: 41، حلية العلماء 3: 99، المغني 2: 624، الشرح الكبير 2: 631.

[ 206 ]

وعن أحمد رواية: أن العرض يصير للتجارة بمجرد النية، لقول سمرة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نخرج الصدقة مما يعد للبيع (1) وبالنية يصير معدا للبيع (2). وليس بجيد، فإن النزاع، وقع في أن المنوي هل هو معد للبيع أم لا، وفي وجه للشافعي: أنه يصير بالقصد مال التجارة كما لو كان عنده عرض للتجارة فنوى جعله للقنية فإنه يصير للقنية (3). والفرق ما تقدم من أن الأصل الاقتناء، والتجارة عارضة، وبمجرد النية يعود حكم الأصل، ولا يزول حكم الأصل بمجردها. مسألة 137: ويشترط أن يملكه بفعله إجماعا، فلو انتقل إليه بميراث لم يكن مال تجارة. ويشترط أن يملكه بعوض عندنا - وبه قال الشافعي (4) - فلو قصد التجارة عند الاتهاب أو الاصطياد أو الاحتشاش أو الاغتنام أو قبول الوصية، لم يصر مال التجارة. وكذا لو قصد التجارة عدنا - الرد بالعيب أو الاسترداد حتى لو اشترى عرضا للقنية بمثله ثم رد ما اشتراه بعيب أو رد عليه ما باعه فأخذه (5) على قصد التجارة لم يصر مال تجارة. لقول الصادق عليه السلام: " إن أمسك التماس الفضل على رأس ماله

(1) سنن أبي داود 2: 95 / 1562، سنن البيهقي 4: 146 - 147، سنن الدارقطني 2: 127 - 128 / 9 (2) المغني 2: 624 " الشرح الكبير 2: 631 (3) المهذب للشيرازي 1: 166، المجموع 6: 49 فتح العزيز 6: 41 - 42، حلية العلماء 3: 100، وهو قول الكرابيسي من الشافعية (4) المهذب للشيرازي 1: 166، المجموع 6: 48 و 49، فتح العزيز 6: 42 و 43، حلية العلماء 3: 99.
(5) في " ط، ف " والطبعة الحجرية فأخذ. وما أثبتناه من " ن ".

[ 207 ]

فعليه الزكاة " (1) وهو يدل على اعتبار رأس المال فيه. ولأن القصد بالتجارة الاكتساب، ولا يتحقق المعنى إلا إذا كان للسلعة رأس مال، ولأنه لم يملكه بعوض فأشبه الموروث. وقال بعض الجمهور: لا فرق بين أن يملكه بعوض أو بغيره، لأنه ملكه بفعله فأشبه ما لو ملكه بعوض (2). والفرق ظاهر. إذا ثبت هذا، فإن كان عنده ثوب قنية فاشترى به عبدا للتجارة، ثم رد الثوب بعيب انقطع حول التجارة، ولا يكون الثوب مال تجارة، لأنه لم يكن مال تجارة حتى يعود عند انقطاع البيع على ما كان عليه. ولو كان عنده ثوب للتجارة فباعه بعبد للقنية، ثم رد عليه الثوب بالعيب لم يكن مال تجارة، لأن قصد القنية قطع حول التجارة. مسألة 138: يشترط كونها معاوضة محضة، فلو اشترى بنية التجارة كان المتاع مال تجارة سواء اشتراه بعرض أو نقد، وسواء اشتراه بعين أو دين، وسواء كان الثمن مال قنية أو مال تجارة. ولو صالح على عرض للتجارة بدين أو عين للقنية أو التجارة صار العوض مال تجارة. ولو خالع امرأته وقصد التجارة في عرض الخلع، أو نكحت امرأة ونوت التجارة في الصداق لم يصر مال تجارة، لأن النكاح والخلع ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: إنه مال تجارة، لأنه ملك بالمعاوضة فيكتفى به في تعلق الزكاة كما يكتفى به لثبوت

(1) الكافي 3: 527 (باب الرجل يشتري المتاع فيكسد عليه والمضاربة) الحديث 1، التهذيب 4: 68 / 185، الاستبصار 2: 10 / 28، بتفاوت يسير.
(2) المغني 2: 624، الشرح الكبير 2: 629.

[ 208 ]

الشفعة (1). والأصل ممنوع. مسألة 139: يشترط الحول في تعلق زكاة التجارة إجماعا، فلو ملك مالا للتجارة انعقد عليه الحول من حينئذ، فإذا تم الحول تعلقت الزكاة به، لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (2) وهو عام. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا حال الحول فليزكها " وقد سأله محمد بن مسلم عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها (3). مسألة 140: ويشترط النصاب - في الثمن في زكاة التجارة - في الحول من أوله إلى آخره، فلو نقص في الابتداء بأن يشتريه بأقل من نصاب، ثم زاد السعر في أثناء الحول حتى بلغ نصابا أو نقص في الانتهاء بأن كان قد اشترى بنصاب، ثم نقص السعر عند انتهاء الحول أو في الوسط بأن يشتري بنصاب، ثم ينقص السعر في أثناء الحول، ثم يرتفع السعر في آخره فلا زكاة عند علمائنا، وبه قال الثوري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد وابن المنذر والشافعي - في قول - لأنه قال: يعتبر الحول فيه والنصاب فيجب اعتبار كمال النصاب في جميع الحول كسائر الأموال التي يعتبر لها ذلك (4). وقال أبو حنيفة: يعتبر في أوله لينعقد عليه الحول، وفي آخره، لأنه وقت الوجوب، ولا يعتبر فيما بينهما - وهو قول للشافعي أيضا - لأن الاسعار

(1) المجموع 6: 49، فتح العزيز 6: 43 (2) سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792، سنن الدارقطي 2: 90 و 91 / 1 و 3.
(3) الكافي 3: 528 / 2، التهذيب 4: 68 / 186، الاستبصار 2: 10 / 29.
(4) المغني والشرح الكبير 2: 625، المجموع 6: 55، فتح العزيز 6: 45، حلية العلماء 3: 101

[ 209 ]

تنخفض وترتفع ويعسر ضبطها ومراقبتها (1). ونمنع المشقة، فإن المتاع إن لم يقارب النصاب لم يحتج إلى تقويم لظهور معرفته، وإن قارب سهل عليه التقويم، وإلا بني على أصالة البقاء لو كان نصابا، وعدم الزيادة، لو قصر. وقال مالك: إنه يعتبر في آخر الحول - وهو أصح وجوه الشافعي - لكثرة اضطراب القيم (2)، وقد تقدم. مسألة 141: يشترط وجود رأس المال من أول الحول إلى آخره، فلو نقص رأس المال ولو حبة (في الحول) (3) أو بعضه لم تتعلق الزكاة به، وإن عادت القيمة (4) استقبل الحول من حين العود عند علمائنا أجمع - خلافا للجمهور (5) كافة - لأن الزكاة شرعت إرفاقا بالمساكين فلا يكون سببا لاضرار المالك فلا يشرع مع الخسران، ولأنها تابعة للنماء عندهم وهو منفي مع الخسران. ولقول الصادق عليه السلام: " إن أمسك متاعه ويبتغي رأس ماله فليس عليه زكاة، وإن حبسه بعد ما وجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس ماله " (6). احتجوا بالعموم. والخاص مقدم.

(1) المبسوط للسرخسي 2: 172، اللباب 1: 149، المغني 2: 625، الشرح الكبير 2: 626، المجموع 6: 55، فتح العزيز 6: 44، حلية العلماء 3: 101.
(2) المغني 2: 625، الشرح الكبير 2: 626، المجموع 6: 55، فتح العزيز 6: 45، حلية العلماء 3: 101.
(3) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق أو الطبعة الحجرية: (في أثناء الحول) وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(4) أي: إذا بلغ رأس المال.
(5) كما في المعتبر للمحقق الحلي: 273.
(6) الكافي 3: 528 / 2، التهذب 4: 68 / 186، الاستبصار 2: 10 / 29.

[ 210 ]

البحث الثاني في الأحكام مسألة 142: زكاة التجارة مستحبة غير واجبة عند أكثر علمائنا (1)، وبه قال ابن عباس وأهل الظاهر كداود وأصحابه ومالك (2)، وقال الشافعي: هو القياس (3)، لقوله عليه السلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) (4) ولم يفصل بين ما يكون للتجارة والخدمة. وقوله عليه السلام: (ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) (5) فلولا أن التجارة تحفظ من الزكاة وتمنع من وجوبها ما دلهم عليها. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " ليس في المال المضطرب به زكاة " (6). وقال الباقر عليه السلام: " يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد

(1) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 40، والشيخ الطوسي في النهاية: 176، والمبسوط 1: 220، والجمل والعقود (الرسائل العشر): 204، والخلاف 2: 91، المسألة 106، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل ضمن رسائله 3: 75، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 142.
(2) المجموع 6: 47، فتح العزير 6: 39، المغني والشرح الكبير 2: 623، حلية العلماء 3: 99.
(3) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 92، المسألة 106 (4) شرح معاني الآثار 2: 28، مسند أحمد 1: 121، سنن البيهقي 4: 118 (5) أورده كما في المتن الشيح الطوسي في الخلاف 2: 92، وبتفاوت يسير في الأموال لأبي عبيد: 454 / 1300.
(6) التهذيب 4: 70 / 190، الاستبصار 2: 9 / 25.

[ 211 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عثمان: كل مال { من } (1) ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر { به } (2) ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر: أما ما اتجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة، إنما الزكاة فيه إذا كان ركازا كنزا موضوعا فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، فاختصما في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فقال: القول ما قال أبو ذر " (3). ولأصالة البراءة، ولدلالة مفهوم وجوب الزكاة في تسعة على نفيه عما سواها، وغير ذلك. وقال بعض علمائنا بالوجوب (4)، وهو قول الجمهور كالفقهاء السبعة وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي - في الجديد - وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي (5)، لقول سمرة: كان النبي صلى الله عليه وآله يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (6). والأمر للندب تارة، وللوجوب أخرى، فيحمل على الأول جمعا بين الأدلة، ولو حمل على الوجوب حمل المعد للبيع على أحد النصب التسعة، والفائدة: إيجاب الزكاة وإن لم يتخذ للقنية. مسألة 143: قد بينا أن شرط التعلق عدم الخسران، وأن لا يطلب بنقص من رأس المال، فإن بقي ناقصا أحوالا استحب أن يزكيه عن سنة واحدة لقول الصادق عليه السلام وقد سأله العلاء عن المتاع لا أصيب به رأس المال

(1 و 2) زيادة من المصدر.
(3) التهذيب 4: 70 / 192، الاستبصار 2: 9 / 27.
(4) يظهر القول بالوجوب من الصدوق في الفقيه 2: 11.
(5) المغني والشرح الكبير 2: 623، المجموع 6: 47، فتح العزيز 6: 38، حلية العلماء 3: 99، بدائع الصنائع 2: 20، اللباب 1: 148.
(6) سنن أبي داود 2: 95 / 1562، سنن الدارقطني 2: 127 - 128 / 9، سنن البيهقي 4: 146 - 147.

[ 212 ]

علي فيه زكاة؟ قال: " لا " قلت: أمسكه سنين ثم أبيعه ماذا علي؟ قال: " سنة واحدة " (1). مسألة 144: لو طلب في أثناء الحول بزيادة أو نمى المتاع بأن كانت مواشي فتوالدت، أو نخلا وغيره فأثمر لم يبن حول النماء على حول الأصل، بل كان حول الأصل من حين الانتقال إذا كان نصابا، والزيادة من حين ظهورها، لأنها مال لم يحل عليه الحول فلا تتعلق به الزكاة، لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (2). وقال مالك وإسحاق وأبو يوسف وأحمد: حول النماء مبني على حول الأصل، لأنه تابع له في الملك فيتبعه في الحول كالسخال والنتاج (3). ونمنع الحكم في الأصل وعلية المشترك. وقال أبو حنيفة: يبنى حول كل مستفاد على حول جنسه نماء كان أو غيره (4). وقال الشافعي: إن نضت (5) الفائدة قبل الحول لم يبن حولها على حول النصاب واستأنف لها حولا، لأنها فائدة تامة لم تتولد مما عنده فلم تبن على حوله كما لو استفاد من غير الربح. ولو اشترى سلعة بنصاب فزادت قيمتها عند رأس الحول فإنه يضم الفائدة، ويزكي عن الجميع، بخلاف ما إذا باع السلعة قبل الحول بأكثر من

(1) التهذيب 4: 69 / 189، الاستبصار 2: 11 / 32 (2) سنن ابن ماجة 1: 571 / 1792، سنن أبي داود 2: 101 / 1573، سنن الترمذي 3: 26 / 632، سنن الدارقطني 2: 90 / 1، سنن البيهقي 4: 95.
(3) المغني 2: 630، الشرح الكبير 2: 642، بداية المجتهد 1: 271، المنتفى للباجي 2: 144 (4) المغني 2: 630، الشرح الكبير 2: 642.
(5) المال الناض، هي: الدراهم والدنانير. الصحاح 3: 1107 " نضض "

[ 213 ]

نصاب فإنه يزكي عند رأس الحول عن النصاب، ويستأنف للزيادة حولا (1). ولا فرق عندنا بين ذلك كله في عدم الضم. تذنيب: لو اشترى للتجارة بما ليس بنصاب فنمى حتى صار نصابا انعقد الحول عليه من حين صار نصابا في قول أكثر العلماء، لأنه لم يحل الحول على نصاب فلم تجب فيه الزكاة كما لو نقص في آخره (2). وقال مالك: لو كان له خمسة دنانير فتاجر فيها فحال الحول وقد بلغت نصابا تعلقت بها الزكاة (3)، وقد سلف بطلانه. مسألة 145: لو اشترى شقصا للتجارة بألف ثم صار يساوي ألفين فعليه زكاة ألفين، فإن جاء الشفيع أخذه بألف، لأن الشفيع إنما يأخذ بالثمن لا بالقيمة، والزكاة على المشتري، لأنها ثبتت وهو في ملكه، ولو لم يأخذه الشفيع لكن وجد (4) به عيبا فرده فإنه يأخذ من البائع (ألفا) (5). ولو انعكس الفرض فاشتراه بألفين وحال الحول وقيمته ألف فلا زكاة عندنا، للنقصان عن رأس المال. وعند الجمهور عليه زكاة ألف، ويأخذه الشفيع إن أخذه ويرده بالعيب بالالفين، لأنهما الثمن الذي وقع البيع به (6).

(1) المغني 2: 630، الشرح الكبير 2: 642، المهذب للشيرازي 1: 167، المجموع وفتح العزيز 6: 58.
(2) المغني 2: 630، الشرح الكبير 2: 625.
(3) المغني 2: 630، الشرح الكبير 2: 626، المدونة الكبرى 1: 261، بداية المجتهد 1: 271.
(4) أي: وجد المشتري.
(5) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية والطبعة الحجرية: (أيضا) وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(6) المغني 2: 631، الشرح الكبير 2: 643، المجموع 6: 74.

[ 214 ]

مسألة 146: لعلمائنا قولان في أن العامل يملك الحصة أو الأجرة، فالأشهر الأول. ومن قال: إنه يملك الحصة، اختلفوا على قولين: أحدهما: أنه يملك بالظهور، والآخر: يملك بالانضاض، وسيأتي (1) البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. فإن قلنا لا يملك حصة، فالزكاة بأجمعها على المالك، لأنه يملك الربح والأصل معا، وإن قلنا: يملك بالظهور - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (2) - فعلى المالك زكاة الأصل ونصيبه من الربح. وفي حصة العامل قولان: عدم الزكاة، لأن ملكه غير مستقر عليه، لأنه وقاية لرأس المال عن الخسران. والثاني: الثبوت، للملك، والتمكن من التصرف فيه كيف شاء، والقسمة، وتعلق حق الفقراء بذلك الجزء الذي هو لهم أخرجه عن كونه وقاية لخسران يعرض، وقواه الشيخ (3)، وللشافعي كالقولين (4). وله آخر: أنه كالمغصوب، لأنه غير متمكن من التصرف فيه على حسب مشيئته (5). وإن قلنا: إنه يملك بالقسمة والانضاض - وهو أصح قولي الشافعي، وبه قال مالك والمزني (6) - فزكاة رأس المال على المالك.

(1) يأتي في المبحثين. الأول والرابع من الفصل الثالث من المقصد الرابع في القراض.
(2) المهذب للشيرازي 1: 394، المجموع 6: 71 و 14: 377 - 378، حلية العلماء 5: 41، المغني 5: 169.
(3) المبسوط للطوسي 1: 224 وفيه. ولو قلنا: إن ذلك له كان أحوط.
(4) المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 71 - 72، فتح العزيز 6: 85 - 86 (5) المجموع 6: 72، فتح العزيز 6: 86.
(6) المهذب للشيرازي 1: 168 و 394، المجموع 6: 71 و 14: 377، فتح العزيز 6: 85، حلية العلماء 5: 341.

[ 215 ]

وقيل: كذا الربح بأجمعه، لأن الجميع له (1). ويحتمل في نصيب العامل العدم، أما على المالك: فلأنه يجري مجرى المغصوب أو الملك الضعيف لتأكد حق العامل فيه، وأما العامل: فلعدم ملكه به. وإيجاب الزكاة في الربح كله على المالك ضعيف، لأن حصة العامل مترددة بين أن تسلم فتكون له، أو تتلف فلا يكون له ولا للمالك شئ فكيف يجب عليه زكاة ما ليس له بوجه!؟ وكونه نماء ماله لا يقتضي إثبات الزكاة عليه، لأنه لغيره. إذا عرفت هذا، فإن قلنا بثبوت الزكاة في حصة العامل فإنما تثبت لو بقيت حولا نصابا، أو يضمها إلى ما عنده من أموال التجارة غيرها وتبلغ نصابا. ولا يبنى حول نصيب العامل على حول رأس المال عند علمائنا - وهو أحد وجهي الشافعية - لأنه في حقه أصل مقابل بالعمل. والثاني للشافعية: البناء، لأنه ربح كنصيب المالك (2). وليس بجيد. وعلى ما اخترناه، فابتداء الحول من حين الظهور، لحصول الملك حينئذ، أو الانضاض والقسمة، لأن استقرار الملك يحصل حينئذ. ويحتمل من يوم تقويم المال على المالك لاخذ الزكاة، ولا يلزمه إخراج الزكاة قبل القسمة، فإذا اقتسماه زكاه لما مضى من الأحوال - كالدين يستوفيه - عند الشافعية (3). والأقوى عندي: أنه يخرج في الحال، لتمكنه من القسمة. تذنيب: لو أراد العامل إخراج الزكاة من عين مال القراض احتمل أن

(1) القول للشافعية، انظر: المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 71، فتح العزيز 6: 85. (2) فتح العزيز 6: 86.
(3) فتح العزيز 6، 86، المجموع 6: 72.

[ 216 ]

يستبد به، لأن الزكاة من المؤن اللازمة للمال كاجرة الدلال والكيال. ويحتمل أن للمالك منعه، لأن الربح وقاية لرأس المال، فله أن يمنع من التصرف في الربح حتى يسلم إليه رأس المال، ويبنى على الاحتمال ما يخرج المالك من زكاة مال القراض إن جعلنا الزكاة كالمؤن احتسب من الربح كما يحتسب أرش جناية عبد التجارة من الربح. ويحتمل احتسابه من رأس المال، لأنه مصروف إلى حق لزم المالك، فكان كما لو ارتجع شيئا من المال. ويحتمل أن ما يخرجه المالك خاصة من رأس المال، لأنه يختص بلزومه. مسألة 147: إذا حال الحول على العروض قومت بالثمن الذي اشتريت به سواء كان نصابا أو أقل، وسواء كان من الأثمان أولا، ولا يعتبر نقد البلد، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: إذا كان من جنس الأثمان وكان الثمن أقل من نصاب فيه وجهان: أحدهما: أن يقوم بما اشتراه. والثاني: يقوم بغالب نقد البلد (1). هذا إن لم يملك من النقد الذي ملك به ما تم النصاب، أما إذا اشترى للتجارة بمائة درهم وهو يملك مائة أخرى فإنه يقوم بما ملك به أيضا، لأنه ملك ببعض ما انعقد عليه الحول. ووافقنا أبو يوسف (2) في التقويم بما اشتراه مطلقا، لأن نصاب العرض مبني على ما اشتراه به فتثبت الزكاة فيه، ويعتبر به كما لو لم يشتر به شيئا. ولقول الصادق عليه السلام: " إن طلب برأس المال فصاعدا ففيه (1) المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 64، فتح العزيز 6: 70، حلية العلماء 3: 103 (2) بدائع الصنائع 2: 21، الهداية للمرغيناني 1: 105، حلية العلماء 3: 104

[ 217 ]

الزكاة، وإن طلب بالخسران فليس فيه زكاة " (1) ولا يمكن أن يعرف رأس المال إلا أن يقوم بما اشتراه به بعينه. وقال أبو حنيفة وأحمد: تقوم بما هو أحظ للمساكين سواء اشتراها بذهب أو فضة أو عروض، فلو كانت قيمتها بالفضة دون النصاب وبالذهب نصابا قومت به وإن كان الثمن فضة، وبالعكس، لأن قيمته بلغت نصابا فتثبت الزكاة فيه، كما لو اشتراه بعرض وفي البلد نقدان مستعملان تبلغ قيمة العرض بأحدهما نصابا، ولأن تقويمه لحظ المساكين فيعتبر ما لهم فيه الحظ كالأصل (2). والفرق في الأول ظاهر، فإن الثمن بلغ نصابا، بخلاف المتنازع، ومراعاة الفقراء ليست أولى من مراعاة المالك. فروع: أ - إذا كان الثمن من العروض قوم بذهب أو فضة حال الشراء، ثم يقوم في أثناء الحول إلى آخره بثمنه الذي اشتري به، وقوم الثمن بالنقدين، فإن قصر أحدهما في الأثناء سقط اعتبار الحول إلى أن يعود إلى السعر، وإلا ثبتت. ولو قصر أحدهما وزاد الآخر مثل أن يشتريه بمتاع قيمته نصاب، ثم يرخص سعر الثمن أو يغلو فالأقرب حينئذ ثبوت الزكاة مع الرخص لا مع الغلاء إلا أن يكون العرض للتجارة. ب - لو بلغت قيمته نصابا بكل واحد من النقدين قومه بما اشتراه أيضا.

(لو أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 100 ذيل المسألة 114، والمحقق في المعتبر: 272.
(2) بدائع الصنائع 2: 21، الهداية للمرغيناني 1: 105، اللباب 1: 148 - 149، المغني 2: 625 - 626، الشرح الكبير 2: 634، فتح العزيز 6: 70، حلية العلماء 3: 104.

[ 218 ]

وقال أحمد: يقوم بما شاء إلا أن الأولى إخراج النقد المستعمل في البلد، لأنه أحظ للمساكين، ولو كانا مستعملين أخرج من الغالب في الاستعمال، ولو تساويا تخير (1). ج - لو بلغت السلعة نصابا بأحد النقدين وقصرت بالآخر ثبتت الزكاة، لأنه بلغ نصابا بأحد النقدين فثبتت فيها الزكاة كما لو كان عينا. مسألة 148: تثبت زكاة التجارة في كل حول، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي (2)، لأنه مال ثبتت فيه الزكاة في الحول الأول لم ينقص عن النصاب ولم تتبدل صفته فتثبت زكاته في الحول الثاني كما لو نض في أوله، ولأن السبب المقتضي لثبوتها في الأول ثابت في الثاني. وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد، لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه فلا تثبت فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عينا (3). ونمنع ثبوت حكم الأصل. مسألة 149: تخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها، قاله الشيخ (4) - رحمه الله - على القول بالوجوب - وبه قال الشافعي في أحد القولين، وأحمد (5) - لأن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة منها كالعين في سائر الأموال.

(1) المغني 2: 626، الشرح الكبير 2: 635 (2) المغني 2: 623 - 624، الشرح الكبير 2: 627.
(3) المغني 2: 624، الشرح الكبير 2: 627، فتح العزيز 6: 39.
(4) الخلاف 2: 95، المسألة 109.
(5) الأم 2: 47، المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 68، فتح العزيز 6: 67، المغني 2: 624، الشرح الكبير 2: 628.

[ 219 ]

ولقول الصادق عليه السلام: " كل عرض فهو مردود إلى الدراهم والدنانير " (1) وهو يدل على تعلق الزكاة بالقيمة. وقال أبو حنيفة: يتخير بين الإخراج من العين أو من القيمة، لكن الأصل العين، فالزكاة تتعلق بالسلعة وتجب فيها لا بالقيمة، فإن أخرج العرض أخرج أصل الواجب، وإن عدل عنه إلى القيمة فقد عدل إلى بدل الزكاة - وهو الثاني للشافعي - لأنها مال تجب فيه الزكاة فتعلقت بعينه كسائر الأموال (3). ولا بأس بهذا القول. ويمكن الجواب عما قاله الشيخ بأن اعتبار النصاب لاستعلام القدر لا لوجوب الإخراج منه، وكذا الرواية. مسألة 150: القدر المخرج هو ربع العشر إما من العين أو القيمة - على الخلاف - إجماعا، وقد تقدم أن التقويم بما اشتريت به وإن كان غالب نقد البلد غيره، لكن الأولى إخراج نقد البلد. ولو ملكه بعرض للقنية قوم في آخر الحول به عندنا. وقال الشافعي: يقوم بغالب نقد البلد من الدراهم أو الدنانير، فإن بلغ به نصابا أخرج زكاته، وإلا فلا، وإن كان يبلغ بالآخر نصابا أو كان النقدان جاريين في البلد قوم بالأغلب، فإن استويا وبلغ بهما نصابا فوجوه: التخيير بأن يقوم بما شاء ويخرجه، ومراعاة الأغبط للفقراء، والتقويم بالدراهم! لأنها أرفق وأصلح، واعتبار الغالب في أقرب البلاد (3). تذنيب: لو اشترى بنصاب من النقد وبعرض قنية قوم ما يقابل الدراهم

(1) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 96 ذيل المسألة 109، والمحقق في المعتبر: 273.
(2) بدائع الصنائع 2: 21، المغني 2: 624، الشرح الكبير 2: 628، المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 69، فتح العزيز 6: 68.
(3) المهذب للشيرازي 1: 168، المجموع 6: 66، فتح العزير 6: 73 - 74، الوجيز 1: 95، حلية العلماء 3: 103.

[ 220 ]

بمثلها وما يقابل العرض بمثله عندنا، وعند المخالف بنقد البلد (1). مسألة 151: النصاب المعتبر في قيمة مال التجارة هنا هو أحد النقدين: الذهب أو الفضة دون غيرهما، فلو اشترط بأحد النصب في المواشي مال التجارة وقصرت قيمة الثمن عن نصاب أحد النقدين، ثم حال الحول كذلك فلا زكاة. ولو قصر الثمن عن نصاب المواشي بأن اشترى بأربع، من الإبل متاع التجارة وكانت قيمة الثمن أو السلعة تبلغ نصابا من أحد النقدين تعلقت الزكاة به إذا عرفت هذا، فالنصاب الأول قد عرفت أنه عشرون دينارا أو مائتا درهم، فإذا بلغت القيمة أحدهما ثبتت الزكاة، ثم الزائد إن بلغ النصاب الثاني وهو أربعة دنانير أو أربعون درهما ثبتت فيه الزكاة وهو ربع عشره أيضا، وإلا فلا، ولم يعتبر الجمهور النصاب الثاني كالنقدين، وقد سلف. مسألة 152: إذا اشترى سلعا للتجارة في أشهر متعاقبة، وقيمة كل واحد نصاب يزكي كل سلعة عند تمام حولها، ولم يضم بعضها إلى بعض. وإن كانت الأولى نصابا فحال حولها وهي نصاب وحال حول الثانية والثالثة وقيمة كل منهما أقل من نصاب أخذ من الأول الزكاة خمسة دراهم، ومن الثاني والثالث من كل أربعين درهما درهم. ولو كان العرض الأول ليس بنصاب وكمل بالثاني نصابا فحولهما من حين ملك الثاني، ولا يضم الثالث إليهما، بل ابتداء الحول من حين ملكه، وتثبت فيه الزكاة - وإن كان أقل من النصاب الأول - إذا بلغ النصاب الثاني، لأن قبله نصابا. مسألة 153: إذا اشترى عرضا للتجارة بأحد النقدين، وكان الثمن

(1) المجموع 6: 66 - 67، فتح العزيز 6: 76.

[ 221 ]

نصابا، قال الشيخ رحمه الله: كان حول السلعة حول الأصل (1)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأصحاب الرأي، لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة وقيمته هي الأثمان نفسها لكنها كانت ظاهرة فخفيت. ولأن النماء في الغالب إنما يحصل في التجارة بالتقليب، فلو كان ذلك يقطع الحول لكان السبب الذي تثبت فيه الزكاة { لاجله } (2) مانعا منها (3). ولو قيل: إن كان الثمن من مال تجارة بنى على حوله وإلا استأنف، كان وجها. ولو كان أقل من النصاب فلا زكاة، فإن ظهر ربح حتى بلغ به نصابا جرى في الحول من حين بلوغ النصاب عند علمائنا أجمع، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر: أنه يبنى على الحول من حين الشراء، لأنه يعتبر النصاب في آخر الحول على الأقوى من وجهيه (4). فروع: أ - لو اشتراه بنصاب من السائمة فإن كانت للقنية فالأقرب انقطاع حول السائمة، ويبتدئ حول التجارة من يوم الشراء، لاختلاف الزكاتين في القدر والتعلق، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: يبني عليه كالنقدين (5). وإن كانت للتجارة فالوجه البناء على، حولها. ب - البناء على حول الأصل إنما يكون لو اشتراه بعين النصاب، ولو

(1) الخلاف 2: 94، المسألة 108، والمبسوط للطوسي 1: 220 - 221.
(2) زيادة أثبتناها من المغني والشر الكبير.
(3) المغني 2: 626، الشرح الكبير 2: 635 - 636، المهذب للشيرازي 1: 167 المجموع 6: 58، فتح العزيز 6: 53 - 54.
(4) المهذب للشيرازي 1: 167، المجموع 6: 65 فتح العزيز 6: 54.
(5) المهذب للشيرازي 1: 167، المجموع 6: 56، فتح العزيز 6: 54، حلية العلماء 3: 101.

[ 222 ]

اشتراه في الذمة ونقد النصاب في الثمن انقطع حول الثمن نقدا كان أو ماشية، وابتدأ حول التجارة من يوم الشراء؟ لأن النصاب لم يتعين للصرف إلى هذه الجهة. ج - لو اشترى عرضا للتجارة بعرض للقنية كأثاث البيت كان حول السلعة من حين ملكها للتجارة، وبه قال الشافعي وأحمد (1). وقال مالك: لا يدور في حول التجارة إلا أن يشتريها بمال تجب فيه الزكاة كالذهب والفضة (2). د - لو باع مال التجارة بالنقد من الذهب أو الفضة وقصد بالاثمان غير التجارة انقطع الحول، وبه قال الشافعي (3)، لأنه مال تجب الزكاة في عينه دون قيمته فانقطع الحول بالبيع به كالسائمة. وقال أحمد: لا ينقطع، لأنه من جنس القيمة التي تتعلق الزكاة بها فلم ينقطع الحول معها به (4). والفارق: أن قصد التجارة انقطع، وتعلقت به حول زكاة أخرى. ولو قصد بالثمن التجارة، فالأقرب عدم الانقطاع، وبنى على حول الأول، لأنا لا نشترط في زكاة التجارة بقاء الأعيان بل القيم. ه‍ - لو أبدل عرض التجارة بما تجب الزكاة في عينه كالسائمة ولم ينو به التجارة لم يبن حول أحدهما على الآخر إجماعا، لأنهما مختلفان، وإن أبدله بعرض للقنية بطل الحول. و - لو اشتراه بنصاب من السائمة لم يبن على حوله إجماعا، لأنهما مختلفان.

(1) المجموع 6: 56، فتح العزيز 6: 54، حلية العلماء 3: 102، المغني 2: 627، الشرح الكبير 2: 637.
(2) حلية العلماء 3: 103. (3 و 4) المغني 2: 626، الشرح الكبير 2: 636.

[ 223 ]

ز - لا يشترط بقاء عين السلعة طول الحول إجماعا، بل قيمتها وبلوغ القيمة النصاب. مسألة 154: لا تجتمع زكاة التجارة والمالية في مال واحد اتفاقا، لقوله عليه السلام: (لا ثني (1) في الصدقة) (2). فلو ملك نصابا من السائمة فحال الحول، والسوم ونية التجارة موجودان قدمت زكاة المال عندنا، لأنها واجبة دون زكاة التجارة، لاستحبابها. ومن قال بالوجوب اختلفوا، فالذي قاله الشيخ - تفريعا على الوجوب -: تقديم المالية أيضا (3)، وبه قال الشافعي - في الجديد - لأنها أقوى، لانعقاد الاجماع عليها واختصاصها بالعين فكانت أولى (4). وقال أبو حنيفة والثوري ومالك وأحمد والشافعي في القديم: يزكيه زكاة التجارة، لأنها أحظ للمساكين، لتعلقها بالقيمة فتجب فيما زاد بالحساب، لأن الزائد عن النصاب قد وجد سبب وجوب زكاته فتجب كما لو لم يبلغ بالسوم نصابا (5). ونمنع اعتبار ترجيح المساكين، بل مراعاة المالك أولى، لأن الصدقة مواساة فلا تكون سببا لاضرار المالك ولا موجبة للتحكم في ماله.

(1) أي: لا تؤخذ الزكاة مرتين في ألسنة. النهاية لابن الأثير 1: 224.
(2) كنز العمال 6: 332 / 15902.
(3) الخلاف 2: 104، المسألة 120، والمبسوط للطوسي 1: 222.
(4) ألام 2: 48، المجموع 6: 50، فتح العزيز 6: 81، حلية العلماء 3: 100، المغني 2: 627، الشرح الكبير 2: 638.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 170، المغني 2: 627، الشرح الكبير 2: 638، المجموع 6: 50 فتح العزيز 6: 81، حلية العلماء 3: 100، المنتقى للباجي 2: 121، وفيها ما عدا المجموع قال مالك بوجوب زكاة العين، على خلاف ما نسب إليه المصنف رحمه الله، وأما في المجموع فلم يتعرض النووي لقوله

[ 224 ]

فروع: أ - لو انتفى السوم ثبتت زكاة التجارة وإن كان النصاب ثابتا، وكذا لو انتفى النصاب وحصل السوم، لعدم التصادم. ب - لو فقد شرط زكاة التجارة بأن قصر الثمن عن النصاب أو طلبت بخسارة وجبت زكاة المال إجماعا، لعدم التضاد. ج - لو سبق تعلق وجوب المالية بأن يملك أربعين من الغنم قيمتها دون مائتي درهم ثم صارت في نصف الحول تعدل مائتين قدمت زكاة المال، لثبوت المقتضي في آخر الحول، السالم عن معارضة المانع. وقال بعض الجمهور بتأخر وجوب الزكاة حتى يتم حول التجارة، لأنه أنفع للفقراء (1). وهو ممنوع. وعلى ما اخترناه إذا تم حول التجارة لم يزك الزائد عن النصاب، لأنه قد زكى العين فلا يتعلق بالقيمة. وقال بعض الجمهور: تجب زكاة التجارة في الزائد عن النصاب، لوجود المقتضي فإنه مال للتجارة حال عليه الحول وهو نصاب (2). وهو ممنوع، لوجود المانع وهو تعلق الزكاة بالعين. د - لو اشترى أرضا أو نخلا للتجارة فزرعت الأرض وأثمر النخل فاتفق حولهما بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام الحول، وكانت قيمة الأرض والنخل بمفردها نصابا للتجارة فإنه يزكي الثمرة والحب زكاة العشر، ويزكي الأصل زكاة القيمة، ولا تثبت في الثمرة الزكاتان، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور (3)، لأن زكاة العشر أحظ للفقراء فإن العشر أكثر من ربع العشر، ولأن زكاة المال متفق عليها.

(1 و 2) المغني 2: 627، الشرح الكبير 2: 639 (3) المغني 2: 628، الشرح الكبير 2: 641

[ 225 ]

وقال أحمد: يزكي الجميع زكاة التجارة، لأنه مال تجارة فتجب فيه زكاتها كالسائمة (1). والفرق: زكاة السوم أولى، على أنا نقول بموجبه هناك. ه‍ - لو اشترى أربعين سائمة للتجارة فعارض بها (2) في أثناء الحول باربعين سائمة للتجارة أيضا، فإن شرطنا في المالية بقاء عين النصاب سقطت وثبتت زكاة التجارة، لعدم المانع، وإلا أوجبنا زكاة المال. ولو عارضها باربعين للقنية سقطت زكاة التجارة وانعقد حول المالية من المعارضة. ولو اشترى أربعين للقنية وأسامها، ثم عارضها في أثناء الحول باربعين سائمة للتجارة انعقد حول المالية أو التجارة - على الخلاف - من حين المعارضة. و - عبد التجارة يخرج عنه الفطرة وزكاة التجارة على ما يأتي. ز - لو اشترى معلوفة للتجارة ثم أسامها، فإن كان بعد تمام الحول ثبتت زكاة التجارة في الحول الأول، وانعقد حول المالية من حين الإسامة، وإن كان في الأثناء احتمل زكاة التجارة عند تمام الحول، لعدم المانع، وانعقاد حول المالية من حين الإسامة. مسألة 155: إذا نوى بعرض التجارة القنية صار للقنية وسقطت الزكاة عند علمائنا - وبه قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي (3) - لأن القنية الأصل، ويكفي في الرد إلى الأصل مجرد النية، ولأن نية التجارة شرط لثبوت الزكاة في

(1) المغني 2: 628، الشرح الكبير 2: 641.
(2) المعارضة: بيع المتاع بالمتاع لا نقد فيه. النهاية - لابن الأثير - 3: 214 " عرض ".
(3) المجموع 6: 49 - 50، حلية العلماء 3: 100، المغني 2: 628، الشرح الكبير 2: 630 - 631.

[ 226 ]

العروض، فإذا نوى القنية زال الشرط. وقال مالك في رواية: لا يسقط حكم التجارة بمجرد النية كما لو نوى بالسائمة العلف (1). والفرق أن الإسامة شرط دون نيتها فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم. وإذا صار العرض للقنية بنيتها فنوى به التجارة لم يصر للتجارة بمجرد النية على ما قدمناه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي (2). تذنيب: لو كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول فنوى بها الإسامة وقطع نية التجارة انقطع حول التجارة واستأنف حولا للمالية - وبه قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي (3) - لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء، وحول السوم لا يبنى على حول التجارة. والوجه: أنها إن كانت سائمة ابتداء الحول وجبت المالية عند تمامه - وبه قال إسحاق (4) - لأن السوم سبب لوجوب الزكاة وجد في جميع الحول خاليا عن المعارض فتجب به الزكاة، كما لو لم ينو التجارة. مسألة 156: المشهور عندنا وعند الجمهور أن نماء مال التجارة بالنتاج مال تجارة أيضا - وهو أحد قولي الشافعي (5) - لأن الولد بعض الأم فحكمه حكمها، فلو اشترى جواري للتجارة فأولدت كانت الأولاد تابعة لها، هذا إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن (6) نقصت جعل الولد جابرا بقدر قيمته، لأن

(1) المغني 2: 628، الشرح الكبير 2: 631، حلية العلماء 3: 100 (2) المغني 2: 629، الشرح الكبير 2: 631، حلية العلماء 3: 99، المجموع 6: 48 فتح العزيز 6: 41.
(3) المغني 2: 629، الشرح الكبير 2: 632 - 633.
(4) المغني 2: 629، الشرح الكبير 2: 633 (5) فتح العزيز 6: 65.
(6) في " ف " والطبعة الحجرية: فلو.

[ 227 ]

سبب النقصان انفصاله. وللشافعي قول آخر: إنه ليس مال التجارة، لأن الفائدة التي تحصل من عين المال لا تناسب الاستنماء بطريق التجارة (1). وهو ممنوع. إذا ثبت هذا، فإنه يبتدئ بالحول في النتاج من حين انفصاله، ولا يبني على حول الأصل، خلافا للشافعي (2)، وقد سبق (3). فروع: أ - لو اشترى من الماشية السائمة نصابا للتجارة فنتجت، فعندنا تقدم زكاة المال، ولا يتبع النتاج الأمهات في الحول، فلم ينعقد سبب المالية في النتاج، فيبقى سبب التجارة سالما عن المعارض، فينعقد حولها من حين الانفصال، فتثبت الزكاة فيها بعد الحول، ثم يعتبر حول المالية إن حصل السوم. ب - لا يبنى النصاب هنا على نصاب الأمهات بمعنى أنه يقوم النتاج بأحد النقدين فإن بلغت قيمته مائتي درهم أو عشرين دينارا تعلقت الزكاة به، ولا يضم إلى الأمهات في النصاب، لأن الأمهات لها زكاة بانفرادها، ولا يكفي في اعتبار نصابها أربعون درهما أو أربعة دنانير، وإن كانت قيمة الأمهات نصابا فإشكال. ج - لو اشترى حديقة للتجارة فأثمرت عنده، وقلنا: إن ثمار التجارة مال تجارة، أو اشتراها وهي مثمرة مع الثمار فبدا الصلاح عنده حكمنا بوجوب زكاة المال في الثمرة على ما قدمناه. ولا تسقط به زكاة التجارة عن قيمة الأشجار - وهو أحد وجهي

(1) فتح العزيز 6: 65.
(2) فتح العزيز 6: 66.
(3) سبق في المسألة 34.

[ 228 ]

الشافعية (1) - لأنه ليس فيها زكاة مال حتى تسقط بها زكاة التجارة. وفي الآخر: تسقط، لأن المقصود منها ثمارها وقد أخذنا زكاتها (2). وهو ممنوع. وكذا لا تسقط عن أرض الحديقة. وللشافعية طريقان: أحدهما: طرد الوجهين (3). والثاني: القطع بعدم السقوط، لبعد الأرض عن التبعية، لأن الثمار خارجة عن الشجرة، والشجرة حاصلة مما أودع في الأرض لا من نفسها (4). وأما الثمار التي أخرج الزكاة المالية منها فإن حول التجارة ينعقد عليها أيضا، وتثب الزكاة فيها في الأحوال المستقبلة للتجارة وإن كانت المالية لا تتكرر، ويحسب ابتداء الحول للتجارة من وقت إخراج العشر بعد القطاف لا من وقت بدو الصلاح، لأن عليه { بعد } (5) بدو الصلاح تربية { الثمار } (6) للمساكين، فلا يجوز أن يحسب عليه وقت التربية. د - لو اشترى أرضا مزروعة للتجارة فأدرك الزرع، والحاصل نصاب تعلقت زكاة المال بالزرع ثم يبتدئ حول زكاة التجارة بعد التصفية، وللشافعية الوجوه السابقة (7) في الثمرة. ولو اشترى أرضا للتجارة وزرعها ببذر القنية فعليه العشر في الزرع، وزكاة التجارة في الأرض، ولا تسقط زكاة التجارة عن الأرض بأداء العشر إجماعا. ه‍ - الدين لا يمنع من زكاة التجارة كما لا يمنع من زكاة العين.

(1 و 2) المجموع 6: 52، فخ العزيز 6: 83.
(3) أي: الوجهان اللذان تقدما آنفا - (4) المجموع 6: 52، فتح العزيز 6: 83 - 84. (5 و 6) زيادة يقتضيها السياق.
(7) سبق في. المسألة 154 الوجهان للشافعي، وأنظر: فتح العزيز 6: 83، والمجموع 6: 52

[ 229 ]

الفصل الثاني في باقي الانواع التي تستحب فيها الزكاة مسألة 157: كل ما يخرج من الأرض من الغلات غير الأربع تستحب فيها الزكاة إن كان مما يكال أو يوزن كالعدس والماش والأرز والذرة وغيرها بشرط بلوغ النصاب في الغلات الأربع - وهو خمسة أوسق - لعموم قوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (1). والقدر المخرج هو العشر إن سقي سيحا أو بعلا أو عذيا، ونصفه إن سقي بالقرب والدوالي كما في الغلات. ولو اجتمعا حكم للأغلب، فإن تساويا قسط ويؤخذ من نصفه العشر ومن نصفه نصف العشر، وتثبت بعد إخراج المؤن كالواجب. ولا زكاة في الخضراوات. وفي ضم ما يزرع مرتين في السنة كالذرة بعضه مع بعض نظر، وكذا الدخن، والأقرب: الضم، لأنها في حكم زرع عام واحد.

(1) صحيح البخاري 2: 133، صحيح مسلم 2: 673 / 979، سنن أبي داود 2: 94 / 1558، سنن الترمذي 3: 22 / 626، سنن ابن ماجة 1: 572 / 1794، سنن الدارقطني 2: 99 / 20، مسند أحمد 2: 403، و 3: 97، وسنن البيهقي 4: 121.

[ 230 ]

ويدل على استحباب الزكاة بعد ما تقدم: قول الصادق عليه السلام: " كل ما كيل بالصاع فبلغ الاوساق فعليه الزكاة " وقال: " جعل رسول الله صلى الله عليه وآله الصدقة في كل شئ أنبتته الأرض إلا الخضر والبقول وكل شئ يفسد من يومه " (1). وقال عليه السلام وقد سأله زرارة في الذرة شئ؟ فقال: " الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير، وكل ما كيل بالصاع فبلغ الاوساق التي تجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة " (2). أما الخضر فلا زكاة فيها إلا أن تباع، ويحول على ثمنها الحول، وتكون الشرائط موجودة فيه، لقول الصادق عليه السلام: " ليس على الخضر ولا على البطيخ ولا على البقول وأشباهه زكاة إلا ما اجتمع عندك من غلة فبقي عندك سنة " (3). وسأل زرارة الصادق عليه السلام هل في القضب (4) شئ؟ قال: " لا " (5). وسأل الحلبي، الصادق عليه السلام ما في الخضرة؟ قال: " وما هي؟ " قلت: القضب والبطيخ ومثله من الخضر. فقال: " لا شئ عليه إلا أن يباع مثله بمال فيحول عليه الحول ففيه الصدقة " وعن شجر العضاه (6) من الفرسك (7) وأشباهه فيه زكاة؟ قال: " لا " قلت: فثمنه (8)؟ قال: " ما حال

(1) التهذيب 4: 65 / 176، والكافي 3: 510 / 2.
(2) التهذيب 4: 65 / 177.
(3) الكافي 3: 511 / 1، التهذيب 4: 66 / 179. (4) القضب: كل نبت اقتضب واكل طريا. مجمع البحرين 2: 144 " قضب ".
(5) التهذيب 4: 66 / 180.
(6) العضاه: كل شجر يعظم وله شوك. الصحاح 6: 2240 " عضه ".
(7) الفرسك: ضرب من الخوخ ليس يتفلق على نواه. الصحاح 4: 1603 " فرسك ".
(8) في " ف " والتهذيب قيمته.

[ 231 ]

عليه الحول من ثمنه فزكه " (1). مسألة 158: لا تجب الزكاة في الخيل بإجماع أكثر العلماء، وبه قال - في الصحابة - علي عليه السلام وعمر وابنه، وفي التابعين: عمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والشعبي والحسن البصري، وفي الفقهاء: مالك والشافعي والأوزاعي والليث بن سعد واحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد (2). لما رواه علي عليه السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " (3). وقال عليه السلام: (ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة) (4) والجبهة: الخيل، والنخة: الرقيق، والكسعة: الحمير) (5). وقال ابن قتيبة: هي العوامل من الإبل والبقر والحمير. ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وليس في الحيوان غير هذه الثلاثة الاصناف شئ " (6) وعنى الإبل والبقر والغنم. وللأصل، ولأن كل جنس لا تجب الزكاة في ذكوره إذا انفردت لا تجب في إناثه، ولكونه كالحمر. وقال أبو حنيفة: إن كانت ذكورا وإناثا وجب فيها، وإن كانت إناثا منفردة فروايتان، وكذا إن كانت ذكورا منفردة، لما رواه الصادق عليه السلام عن الباقر

(1) الكافي 3: 512 / 3، التهذيب 4: 67 / 182.
(2) المغني 2: 486 - 487، المجموع 5: 339، بداية المجتهد 1: 252، بدائع الصنائع 2: 34، حلية العلماء 3: 13.
(3) سنن البيهقي 4: 118، وشرح معاني الآثار 2: 28، ومسند أحمد 1: 121 و 145.
(4) سنن البيهقي 4: 118، وغريب الحديث - للهروي - 1: 7.
(5) قاله أبو عبيدة كما في غريب الحديث - للهروي - 1: 7 (6) التهذيب 4: 2 / 2، الاستبصار 2: 2 / 2.

[ 232 ]

عليه السلام عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار) (1). ولأنه يطلب نماؤه من جهة السوم فأشبه النعم (2). والحديث محمول على الاستحباب، والنعم يضحى بجنسها، وتجب (3) فيها من عينها، بخلاف الخيل. مسألة 159: أجمع علماؤنا على استحباب الزكاة في الخيل بشروط ثلاثة: السوم والانوثة والحول، لأن زرارة قال للصادق عليه السلام: هل في البغال شئ؟ قال: " لا " فقلت: فكيف صار على الخيل ولم يصر على البغال؟ فقال: " لأن البغال لا تلقح، والخيل الإناث ينتجن، وليس على الخيل الذكور شئ " قال، قلت: هل على الفرس والبعير يكون للرجل يركبها شئ؟ فقال: " لا، ليس على ما يعلف شئ، إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها (4) عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك فليس فيه شئ " (5). مسألة 160: قدر المخرج عن الخيل عن كل فرس عتيق ديناران في كل حول، وعن البرذون دينار واحد عند علمائنا، لقول الباقر والصادق عليهما السلام: " وضع أمير المؤمنين عليه السلام على الخيل العتاق الراعية في كل

(1) سنن البيهقي 4: 119.
(2) المغني 2: 486 - 487، بدائع الصنائع 2: 34، حلية العلماء 3: 13 - 14، فتح الباري 3: 255.
(3) أي: تجب الزكاة. - (4) ورد في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، والطبعة الحجرية: مراحها. وما أثبتاه من المصادر، والمرج المرضع الذي ترعى فيه الدواب. الصحاح 1: 340، القاموس المحيط 1: 207 " مرج ".
(5) الكافي 3: 530 / 2، التهذيب 4: 67 - 68 / 184.

[ 233 ]

فرس في كل عام دينارين، وجعل على البراذين دينارا " (1). وقال أبو حنيفة: يتخير صاحبها إن شاء أعطى من كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى ربع عشر قيمتها، لما رواه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه الباقر عليه السلام عن جابر: (أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار) (2). وهو دليل لنا لا له. مسألة 161: العقار المتخذ للنماء تستحب الزكاة في حاصله، ولا يشترط فيه الحول ولا النصاب، للعموم، بل يخرج مما يحصل منه ربع العشر، فإن بلغ نصابا وحال عليه الحول وجبت الزكاة، لوجود المقتضي، ولا تستحب الزكاة في شئ غير ذلك من الأثاث والأمتعة والأقمشة المتخذة للقنية بإجماع العلماء.

(1) الكافي 3: 530 / 1، التهذيب 4: 67 / 183، الاستبصار 2: 12 / 34.
(2) بدائع الصنائع 2: 34، المغني 2: 486 - 487، فتح الباري 3: 255، حلية العلماء 3: 14، وانظر أيضا: سنن البيهقي 4: 119.

[ 235 ]

المقصد الرابع في الإخراج وفيه فصول: الأول: في من تخرج الزكاة إليه. وفيه مباحث:

[ 237 ]

الأول: في الاصناف مسألة 162: أصناف المستحقين للزكاة ثمانية بإجماع العلماء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: { إنما الصدقات للفقراء والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } (1). وقد اختلف الفقهاء في الفقراء والمساكين أيهما أسوأ حالا، فقال الشيخ: الفقير: الذي لا شئ له، والمسكين هو: الذي له بلغة من العيش لا تكفيه (2). فجعل الفقير أسوأ حالا، وبه قال الشافعي والأصمعي (3)، لأنه تعالى بدأ به، والابتداء يدل على شدة العناية والاهتمام في لغة العرب. ولأن النبي صلى الله عليه وآله استعاذ من الفقر (4)، وقال: (اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين) (5).

(1) التوبة: 60، (2) المبسوط للطوسي 1: 246، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 206. (3) المجموع 6: 196 - 197، حلية العلماء 3: 151 - 152، المغني 7: 313.
(4) سنن النسائي 8: 261. سنن البيهقي 7: 12، المستدرك - للحاكم - 1: 540 - 541، مسند أحمد 2: 305، 325، 354.
(5) سنن الترمذي 4: 577 / 2352، سنن أبن ماجة 2: 1381 / 4126، سنن البيهقي 7: 12، المستدرك - للحاكم - 4: 322.

[ 238 ]

ولقوله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } (1) وهي تساوي جملة من المال. ولأن الفقر مشتق من كسر الفقار وذلك مهلك. وقال آخرون: المسكين أسوأ حالا من الفقير (2). وبه قال أبو حنيفة والفراء وثعلب وابن قتيبة، واختاره أبو إسحاق (3)، لقوله تعالى: { أو مسكينا ذا متربة } (4) وهو المطروح على التراب، لشدة حاجته، ولأنه يؤكد به، ولقول الشاعر: أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد (5) والمروي عن أهل البيت عليهم السلام هذا، قال الصادق عليه السلام: " الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم " (6). ولا فائدة للفرق بينهما في هذا الباب، لأن الزكاة تدفع إلى كل منهما، والعرب تستعمل كل واحد منهما في معنى الآخر. نعم يحتاج إلى الفرق بينهما في باب الوصايا والنذور وغيرهما، والضابط في الاستحقاق: عدم الغنى الشامل لهما. مسألة 163: قد وقع الاجماع على أن الغني لا يأخذ شيئا من الزكاة من

(1) الكهف: 179، (2) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 39، وسلار في المراسم: 132.
(3) المبسوط - للسرخسي - 3: 8، اللباب 1: 153 - 154، المجموع 6: 196، حلية العلماء 3: 152، المغني 7: 313، تفسير غريب القرآن - لابن قتيبة -: 188، أحكام القرآن - للجصاص - 3: 122.
(4) البلد: 16.
(5) البيت للراعي، كما في تهذيب اللغة - للازهري - 9: 114.
(6) الكافي 3: 501 / 16، التهذيب 4: 104 / 297.

[ 239 ]

نصيب الفقراء، للآية (1)، ولقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني) (2). ولكن اختلفوا في الغنى المانع من الأخذ، فللشيخ قولان، أحدهما: حصول الكفاية حولا له ولعياله (3)، وبه قال الشافعي ومالك (4)، وهو الوجه عندي، لأن الفقر هو الحاجة. قال الله تعالى: { يا أيها الناسي أنتم الفقراء إلى الله } (5) أي المحاويج إليه، ومن لا كفاية له محتاج. وقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة إلا لثلاثة:... رجل أصابته فاقة حتى يجد سدادا من عيش، أو قواما من عيش) (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا تحل (7) لغني " يعني الصدقة، قال هارون بن حمزة فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعته وله عيال، فإن أقبل عليها أكلها عياله ولم يكتفوا بربحها؟ قال: " فلينظر ما يستفضل منها فيأكله هو ومن يسعه ذلك، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله " (8).

(1) التوبة: 60. (2) سنن أبي داود 2: 118 / 1634، سنن ابن ماجة 1: 589 / 1839، سنن الترمذي 3: 42 / 652، سنن النسائي 5: 99، المستدرك - للحاكم - 1: 407، مسند أحمد 2: 164، 192، 389 و 5: 375 (3) الخلاف، كتاب قسم الصدقات، المسألة 24، المبسوط للطوسي 1: 256.
(4) المجموع 6: 193، حلية العلماء 3: 153، المغني 2: 522 و 7: 315، الشرح الكبير 2: 689.
(5) فاطر: 15.
(6) صحيح مسلم 2: 722 / 1044، سنن أبي داود 2: 120 / 1640، سنن الدارقطني 2: 120 / 2، سنن الدارمي 1: 396، وفيها بدل (لا تحل الصدقة): (لا تحل المسألة).
(7) في المصدر: " لا تصلح " (8) التهذيب 4: 51 / 130.

[ 240 ]

وفي رواية سماعة: " وقد تحل لصاحب سبعمائة، وتحرم على صاحب خمسين درهما " (قلت) (1) له: كيف هذا؟ فقال: " إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير، فلو قسمها بينهم لم تكفه، فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله، وأما صاحب الخمسين فإنه تحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب فيها ما يكفيه إن شاء الله " (2). والقول الثاني للشيخ: أن الضابط: من يملك نصابا من الأثمان أو قيمته فاضلا عن مسكنه وخادمه (3)، وبه قال أبو حنيفة (4)، لقوله عليه السلام لمعاذ: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) (5). وللمنافاة بين جواز أخذها ووجوب دفعها. والجواب: أنه عليه السلام لم يقصد بيان مصرف الزكاة، وما قلنا بيان له فكان أولى، ونمنع التنافي. وقال أحمد: إذا ملك خمسين درهما لم يجزله أن يأخذ (6)، لقوله عليه السلام: (من سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خدوش) قيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: (خمسون درهما) (7).

(1) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق. قيل.
(2) الكافي 3: 561 - 562 / 9، التهذب 4: 48 / 127.
(3) الخلاف 2: 146، المسألة 183.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 14، اللباب 1: 155، الهداية للمرغيناني 1: 115، المغني 2: 523 و 7: 315، حلية العلماء 3: 153.
(5) صحيح البخاري 2: 130، صحيح مسلم 1: 50 / 19، سنن أبي داود 2: 104 - 105 / 1584، سنن الترمذي 3: 21 / 625، سنن النسائي 5: 3 - 4، وسنن البيهقي 4: 96، بتفاوت يسير في الجميع.
(6) المغني 2: 522، الشرح الكبير 2: 688، حلية العلماء 3: 153.
(7) سنن ابن ماجة 1: 589 / 1840، سنن أبي داود 2: 116 / 1626، سنن النسائي 5: 97، ومسند أحمد 1: 441 بتفاوت في الجميع، وانظر أيضا: المغني 2: 522، والشرح الكبير 2: 688.

[ 241 ]

وهو محمول على أنه إذا كان تحصل به الكفاية على ما فسره أهل البيت عليهم السلام. وقال الحسن البصري وأبو عبيد: الغني: من يملك أربعين درهما (1)، لما روى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: { من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف (2) } (3) والأوقية: أربعون درهما (4). ولا دلالة فيه. وفي رواية عن الصادق عليه السلام، قال: " لا تحل لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها الحول أن يأخذها، وإن أخذها أخذها حراما " (5). ولا حجة فيه أيضا، لأن حولان الحول عليها يدل على استغنائه عنها فيحرم عليه أخذها. مسألة 164: لو كان له بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها، فإن كفاه الغلة له ولعياله، أو الربح لم يجز له أن يأخذ الزكاة، وإن لم يكفه جاز أن يأخذ من الزكاة ما يتم به كفايته، ولم يكلف الانفاق من البضاعة ولا من ثمن الضيعة، لما فيه من التضرر. ولأن سماعة ساله عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: " نعم إلا أن تكون داره دار غلة فيخرج له من غلتها دراهم تكفيه وعياله، فإن

(1) المغني 2: 523، الشرح الكبير 2: 689، الأموال - لأبي عبيد -: 550 - 551.
(2) ألحف في المسألة: إذا ألح فيها ولزمها. النهاية لابن الأثير 4: 237.
(3) سنن أبي داود 2: 116 - 117 / 1628، سنن النسائي 5: 98، سنن الدارقطني 2: 118 / 1، مسند أحمد 3: 7 و 9، شرح معاني الآثار 2: 20، وانظر أيضا: المغني 2: 523، والشرح الكبير 2: 689.
(4) أنظر: الصحاح 6: 2527.
(5) التهذيب 4: 51 / 131.

[ 242 ]

لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلت له الزكاة، وإن كانت غلتها تكفيهم فلا " (1) فقد نص على جواز الأخذ مع عدم الاكتفاء بالغلة مع قطع النظر عن الثمن. ولا فرق بين الدار والبضاعة والضيعة، إذ المشترك - وهو المالية - هو الضابط دون خصوصيات الأموال. فروع. أ - لو لم يكن محتاجا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئا، وإن كان محتاجا حلت له الصدقة وإن سلك نصبا سواء في ذلك الأثمان وغيرها، وبه قال مالك والشافعي (2)، لأن الحاجة هي: الفقر، وضدها: الغنى، فمن كان محتاجا فهو فقير، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة. ب - لو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك نصبا، وبه قال الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق وغيرهم (3). ج - لو كانت له كفاية باكتساب أو صناعة أو مال غير زكوي لم تحل له الصدقة، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر (4)، لقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب) (5).

(1) التهذيب 4: 48 - 49 / 127 و 107 - 108 / 308، الكافي 3: 561 / 4، الفقيه 2: 17 - 18 / 57.
(2) المغني 2: 522، الشرح الكبير 2: 689، الكافي في فقه أهل المدينة: 115، المجموع 6: 197.
(3) المغني 2: 522، الشرح الكبير 2: 688.
(4) المغني 2: 523، الشرح الكبير 2: 688، المجموع 6: 190، المنتقى للباجي 2: 152.
(5) سنن أبي داود 2: 118 / 1633، سنن الدار قطني 2: 119 / 7، سنن النسائي 5: 99 - 100، سنن البيهقي 7: 14، ومسند أحمد 4: 224 و 5: 362، وفي الجميع: (لاحظ فيها لغني..)

[ 243 ]

ولأنه يملك ما يغنيه عن الصدقة فخرج عن الحاجة فلا يتناوله اسم الفقراء. وقال أبو يوسف: إن دفع الزكاة إليه فهو قبيح، وأرجو أن يجزئه (1). وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: يجوز دفع الزكاة إليه، لأنه ليس بغني (2)، لما مر من قوله عليه السلام: (أعلمهم أن عليهم الصدقة) (3). د - لو ملك نصابا زكويا أو نصبا تقصر عن مؤونته ومؤونة عياله حلت له، وبه قال الشافعي وأحمد (4)، لأنه لم يملك ما يغنيه، ولا يقدر على كسب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة، كما لو كان ما يملكه من غير الزكوي، ولأن الفقر: الحاجة. وهي متحققة فيه. وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ، لأنه تجب عليه الزكاة فلا تجب له، للخبر (5). والغنى المانع من الأخذ ليس هو الغنى الموجب للدفع. ه‍ - لو كان له مال معد للانفاق ولم يكن مكتسبا ولا ذا صناعة اعتبرت الكفاية به حولا كاملا له ولعياله ومن يمونه، لأن كل واحد منهم مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد، لأنه لا يسمى فقيرا بالعادة. ويحتمل أن يمنع من الزكاة حتى يخرج ما معه بالانفاق. والحق: الأول، لما روي من جواز تناولها لمن ملك ثلاثمائة درهم أو

(1 و 2) المغني 2: 523، الشرح الكبير 2: 688.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في المسألة 163.
(4) المجموع 6: 197، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 689.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 114، المبسوط للسرخسي 3: 14، بداية المجتهد 1: 276، المجموع 6: 197، المغني 2: 524، الشرح الكبير 2: 689.

[ 244 ]

سبعمائة مع التكسب القاصر (1)، فمع عدمه أولى. و - لو جعلنا مناط المنع ملك النصاب وإن قصر عن الكفاية، فلو كان له عائلة جاز أن يأخذ لعياله حتى يصير لكل واحد منهم ما يحرم معه الأخذ، لأن الدفع إنما هو إلى العيال وهذا نائب عنهم في الأخذ. ز - لو كان للولد المعسر، أو الزوجة الفقيرة، أو الأب الفقير والد أو زوج أو ولد موسرون، وكل منهم ينفق على من تجب عليه لم يجز دفع الزكاة إليهم، لأن الكفاية حصلت لهم بما يصلهم من النفقة الواجبة، فأشبهوا من له عقار يستغني بأجرته. وإن لم ينفق أحد منهم وتعذر ذلك جاز الدفع إليهم، كما لو تعطلت منفعة العقار. مسألة 165: ويعطى من ادعى الفقر إذا لم يعلم كذبه سواء كان قولا قادرا على التكسب أو لا، ويقبل قوله من غير يمين سواء كان شيخا ضيفا أو شابا ضعيف البنية أو زمنا أو كان سليما قوي البنية جلدا، وهو أحد وجهي الشافعية (2)، لأن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقسم الصدقة، فسألاه شيئا منها، فصعد بصره فيهما وصوبه (3)، وقال لهما: (إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا ذي قوة مكتسب) (4) ودفع إليهما ولم يحلفهما. والثاني للشافعي: أنه يحلف إن كان قولا في بنيته ظاهرة الاكتساب، لأن

(1) انظر: المعتبر: 278، والكافي 3: 560 / 1.
(2) الأم 2: 73، المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 195، الوجيز 1: 294، حلية العلماء 3: 151 - 152.
(3) صوبه: خفضه النهاية لابن الأثير 3: 57. (4) سنن أبي داود 2: 118 / 1633، سنن الدارقطني 2: 119 / 7، سنن النسائي 5: 99 - 100، سنن البيهقي 7: 14، مسند أحمد 4: 224 و 5: 362 بتفاوت يسير.

[ 245 ]

ظاهره يخالف ما قاله (1). وليس بجيد، لأنه مسلم ادعى ممكنا ولم يظهر ما ينافي دعواه. ولو عرف له مال وادعى ذهابه، قال الشيخ: يكلف البينة، لأنه ادعى خلاف الظاهر، والأصل البقاء (2)، وبه قال الشافعي (3). والأقرب: أنه لا يكلف بينة تعويلا على صحة إخبار المسلم. وكذا البحث في العبد لو ادعى العتق أو الكتابة. ولو ادعى حاجة عياله، فالوجه القبول من غير يمين، لأنه مسلم ادعى أمرا ممكنا ولم يظهر ما ينافي دعواه. ويحتمل الاحلاف، لامكان إقامة البينة على دعواه. وللشافعي كالوجهين (4). مسألة 166: العاملون عليها لهم نصيب من الزكاة وهم السعاة في جباية الصدقات عند علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي (5)، لقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها } (6). ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها } أكل هؤلاء يعطى؟: " إن الإمام يعطي هؤلاء جميعا " (7).

(1) المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 195، الوجيز 1: 294، حلية العلماء 3: 151 - 152.
(2) المبسوط للطوسي 1: 247.
(3) المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 195، حلية العلماء 3: 152.
(4) المجموع 6: 197، حلية العلماء 3: 152.
(5) الأم 2: 71 - 72، المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 188، الوجيز 1: 292، حلية العلماء 3: 149، تفسير الرازي 16: 110.
(6) التوبة: 60.
(7) الكافي 3: 496 / 1، التهذيب 4: 49 / 128، الفقيه 2 - 3 / 4.

[ 246 ]

وقال أبو حنيفة: يعطى عوضا وأجرة لا زكاة، لأنه لا يعطى إلا مع العمل، ولو فرقها الإمام أو المالك لم يكن له شئ، والزكاة تدفع استحقاقا لا عوضا، ولأنه يأخذها مع الغنى والصدقة لا تحل لغني، (1). ولا يلزم من توقف الاعطاء على العمل سقوط الاستحقاق، والمدفوع ليس عوضا، بل استحقاقا مشروطا بالعمل. ونمنع عدم الدفع إلى الغني مطلقا، لأن العامل لا يأخذ باعتبار الفقر، وابن السبيل يأخذ وإن كان غنيا في بلده فكذا هنا. مسألة 167: يجب على الإمام أن يبعث ساعيا في كل عام لتحصيل الصدقات من أربابها، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يبعثهم في كل عام، فيجب اتباعه، ولأن تحصيل، الزكاة غالبا إنما يتم به، وتحصيل الزكاة واجب فيجب ما لا يتم إلا به. إذا ثبت هذا فينبغي للامام أن يوصيه كما وصي أمير المؤمنين عليه السلام عامله. قال الصادق عليه السلام: " بعث أمير المؤمنين عليه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها، فقال له: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظا لما ائتمنتك عليه راعيا لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان، فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة، ووقار حتى تقوم بينهم فسلم عليهم، وقل: يا عباد الله أرسلني إليكم ولي الله لاخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه إلى وليه لا؟ فإن قال لك قائل: لا، فلا تراجعه، فإن أنعم لك منعم منهم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيرا. فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه، فإن أكثره له، فقل له: يا عبد الله

(1) بدائع الصنائع 2: 44، تحفة الفقهاء 1: 299.

[ 247 ]

أتاذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك فلا تدخل دخول متسلط عليه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثم خيره أي الصدعين شاء، فأيهما أختار فلا تعرض له، ثم اصدع الباقي صدعين، ثم خيره فأيهما أختار فلا تعرض له فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله عزوجل في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه، فإن استقالك فأقله، ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشئ منها، ثم احدر ما اجتمع عندك من كل ناد إلينا نصيره حيث أمر الله عزوجل. فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يفرق بينهما، ولا يصرن (1) لبنها فيضر ذلك بفصيلها، ولا يجهد بها ركوبا، وليعدل بينهن في ذلك، وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعة التي فيها تريح (2) وتغبق (3) وليرفق بهن جهده حتى تأتينا بإذن الله سحاحا (4) سمانا غير متعبات ولا مجهدات، فنقسمهن بإذن الله على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله على أولياء الله فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك، ينظر الله إلية وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما ينظر الله عزوجل إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة لامامه إلا كان معنا في الرفيق الأعلى ".

(1) الصرار - وزان كتاب - خرقة تشد على أطباء الناقة لئلا يرتضعها فصيلها. وأطباء جمع طبى. وهي لذات الخف والظلف كالثدي للمرأة المصباح المنير: 338 و 369.
(2) الإراحة: رد الإبل والغنم من العشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا. لسان العرب 2: 464 " روح " (3) الغبوق: الشرب بالعشي - الصحاح 4: 1535 " غبق ".
(4) سحت الشاة: اسمنت. وغنم سحاح: أي سمان. الصحاح 1: 373 " سحح ".

[ 248 ]

ثم بكى الصادق عليه السلام، وقال لبريد بن معاوية: " يا بريد والله ما بقيت لله حرمة إلا انتهكت، ولا عمل بكتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله في هذا العالم، ولا أقيم في هذا الخلق حد منذ قبض الله أمير المؤمنين عليه السلام، ولا عمل بشئ من الحق إلى يوم الناس هذا ". ثم قال: " أما والله لا تذهب الأيام والليالي حتى يحمي الله الموتى، ويميت الأحياء، ويرد الحق إلى أهله، ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيه صلى الله عليه وآله، فابشروا ثم أبشروا، والله ما الحق إلا في أيديكم " (1). مسألة 168: إذا تولى الرجل إخراج الزكاة بنفسه سقط حق العامل منها، لأنه إنما يأخذ بالعمل. وكذا لو تولى الإمام أو الوالي من قبله قسمتها لم يستحق شيئا، لأنه يأخذ رزقه من بيت المال، لأنه يتولى أمور المسلمين، وهذا من جملة المصالح. أما الساعي فإن رأى الإمام أن يجعل له أجرة من بيت المال لم يستحق شيئا من الصدقة، وإن لم يجعل له شيئا كان له نصيب من الزكاة. ويتخير الإمام بين أن يستأجره لمدة معلومة بأجرة معلومة، أو يعقد له جعالة، فإذا عمل ما شرط عليه، فإن كان أجر مثله أقل كان الفاضل من الثمن من الصدقة مردودا على أهل السهمان، وإن كان السهم أقل من أجرته جاز للامام أن يعطيه الباقي من بيت المال، لأنه من المصالح، وهو أحد قولي الشافعي (2). ويجوز أن يعطيه من باقي الصدقة ويقسم الفاضل عن أجرته بين باقي المستحقين، لأن الفاضل لما رد عليهم كان الناقص عليهم، وهو القول الثاني للشافعي (3).

(1) الكافي 3: 536 - 538 / 1، التهذيب 4: 96 - 97 / 274. (2 و 3) المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 188، حلية العلماء 3: 149.

[ 249 ]

وله ثالث: تخيير الإمام بينهما (1) كما قلناه. وله رابع: أنه يأخذ من سهم المصالح إذا لم يفضل عن أهل السهمان فضل، وإن فضل أخذ من الصدقة (2). والوجه: أنه لا يشترط تقدير الأجرة أو السهم؟ لأن له نصيبا بفرضه تعالى، فلا يشترط في استعماله غيره. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله الحلبي ما يعطى المصدق؟ قال: " ما يرى الإمام، ولا يقدر له شئ " (3). مسألة 169: والمؤلفة قلوبهم لهم نصيب من الزكاة بالنص والإجماع، وهم الذين يستمالون إلى الجهاد بالاسهام وإن كانوا كفارا، وحكمهم باق عند علمائنا - وبه قال الحسن البصري والزهري وأحمد، ونقله الجمهور عن الباقر عليه السلام (4) - للآية (5)، فإنه تعالى سمى المؤلفة في الاصناف الذين سمى الصدقة لهم. وروى زياد بن الحارث الصدائي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته، قال: فاتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك) (6). ومن طريق الخاصة: رواية سماعة، قال: سألته عن الزكاة لمن يصلح

(1 و 2) المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 188، حلية العلماء 3: 149.
(3) الكافي 3: 563 / 13، التهذيب 4: 108 / 311.
(4) المغني 2: 526، الشرح الكبير 2: 693 (5) التوبة: 60.
(6) سنن أبي داود 2: 117 / 1630، سنن البيهقي 4: 174 و 7: 6.

[ 250 ]

أن يأخذها؟ قال: هي محللة للذين وصف الله في كتابه: { للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم } (1) الحديث (2). وقال الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن الله تعالى أعز الاسلام، وأغناه عن أن يتألف عليه رجال فلا يعطى مشرك تألفا بحال. وروي هذا عن عمر (3). وهو مدفوع بالآية (4)، وبعمل النبي صلى الله عليه وآله إلى أن مات، ولا يجوز ترك الكتاب والسنة إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بعد موته عليه السلام، فلا يجوز ترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، ولا بقول صحابي. على أنهم لا يعملون بقول الصحابي إذا عارض المقياس فكيف إذا عارض الكتاب والسنة! قال الزهري: لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة (5). على أن ما ذكروه لا يعارض حكم الكتاب والسنة، فإن الاستغناء عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فإذا دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، كما أن باقي الاصناف إذا عدم منهم صنف في زمان سقط حكمه في ذلك الزمان، فإذا وجد عاد حكمه. قال الشيخ: يجوز للامام القائم مقام النبي عليه السلام أن يتألف

(1) التوبة: 60.
(2) الكافي 3: 560 / 9، التهذيب 4: 48 / 127 (3) الكافي في فقه أهل المدينة: 114، التفريع 1: 298، المنتقى للباجي 2: 153، المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 198، حلية العلماء 3: 155، المغني 2: 526، الشرح الكبير 2: 693، المبسوط للسرخسي 3: 9، بدائع الصنائع 2: 45.
(4) التوبة: 60.
(5) المغني 2: 526.

[ 251 ]

الكفار، ويعطيهم سهمهم الذي سقاه الله تعالى، ولا يجوز لغير الإمام القائم مقامه عليه السلام ذلك، وسهم المؤلفة مع سهم العامل ساقط اليوم (1). مسألة 170: قال الشيخ: المؤلفة عندنا هم: الكفار الذين يستمالون بشئ من الصدقات إلى الاسلام يتألفون ليستعان بهم على قتال المشركين، ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الاسلام (2). وقال المفيد رحمه الله: المؤلفة ضربان: مسلمون ومشركون (3)، وبه قال الشافعي (4). وهو الأقوى عندي، لوجود المقتضي وهو المصلحة الناشئة من الاجتماع والكثرة على القتال. وقسم الشافعي المؤلفة قسمين: مشركون ومسلمون (5)، فالمشركون ضربان: أحدهما: من له نية حسنة في الاسلام والمسلمين فيعطى من غير الصدقة، بل من سهم المصالح لتقوى نيتهم في الاسلام فيميلون إليه فيسلمون. لما روي أن صفوان بن أمية لما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة خرج معه إلى هوازن، واستعار النبي صلى الله عليه وآله منه ثلاثين درعا، وكانت أول الحرب على المسلمين، فقال قائل: غلبت هوازن وقتل محمد صلى الله عليه وآله، فقال صفوان: بفيك الحجر، لرب من قريش أحب إلينا

(1 و 2) المبسوط للطوسي 1: 249.
(3) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 279.
(4) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 198، الوجيز 1: 293، حلية العلماء 3: 154.
(5) رفعهما بناء على تقدير مبتدأ محذوف.

[ 252 ]

من رب من هوازن (1). ولما أعطى النبي صلى الله عليه وآله العطايا، قال صفوان: ما لي: فأومأ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى واد فيه إبل محملة، فقال: (هذا لك) فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر (2). الثاني: مشركون لم يظهر منهم ميل إلى الاسلام، ولا نية حسنة في المسلمين لكن يخاف منهم، فإن أعطاهم كفوا شرهم وكف غيرهم معهم. روى ابن عباس أن قوما كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله، فإن أعطاهم مدحوا الاسلام وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا (3). فهذان الضربان هل يعطون بعد موت النبي عليه السلام؟ قولان: أحدهما: يعطون، لأنه عليه السلام أعطاهم، ومعنى العطاء موجود. والثاني: لا يعطون، لأن مشركا جاء إلى عمر يلتمس المال فلم يعطه، وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (4)، ولأنه تعالى أظهر الاسلام وقمع المشركين، فلا حاجة بنا إلى ذلك. فإن قلنا: يعطون، فإنهم يعطون من سهم المصالح لا من الزكاة؟ لأنها لا تصرف إلى المشركين. وهو ممنوع، للآية (5). وأما المؤلفة من المسلمين فعلى أربعة أضرب: ضرب أشراف مطاعون، علم صدقهم في الاسلام، وحسن نيتهم فيه، إلا أن لهم نظراء من المشركين إذا أعطوا رغب نظراؤهم في الاسلام

(1) سنن البيهقي 7: 18 - 19 نحوه.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 7: 320، والشرح الكبير 2: 693.
(3) عنه في الدر المنثور - للسيوطي - 3: 251، والمغني 7: 320، والشرح الكبير 2: 693.
(4) ذكره ابنا قدامة في المغني 7: 319، والشرح الكبير 2 - 693.
(5) التوبة: 60. وقوله: (وهو ممنوع...) جواب من المصنف عن الشافعي.

[ 253 ]

فهؤلاء يعطون، لأن النبي عليه السلام أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر (1) مع ثباتهم وحسن نيتهم. وضرب أشراف مطاعون في قومهم نياتهم ضعيفة في الاسلام إذا أعطوا رجي حسن نياتهم وثباتهم فإنهم يعطون، لأنه عليه السلام أعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى الاقرع بن حابس مائة، وأعطى عيينة مائة، وأعطى العباس بن مرداس أقل من مائة، فاستعتب فتمم المائة (2). وهل يعطون بعد النبي عليه السلام؟ قولان: أحدهما: المنع - وبه قال أبو حنيفة (3) - لظهور الاسلام، ولأن أحدا من الخلفاء لم يعط شيئا من ذلك. والثاني: يعطون لأن النبي عليه السلام أعطى، وأعطى أبو بكر عدي ابن حاتم - وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة - ثلاثين بعيرا (4). وحينئذ هل يعطون من الصدقات من سهم المؤلفة، للآية، أو من سهم المصالح، لأنه منها؟ قولان. الضرب الثالث: قوم من المسلمين أعراب أو عجم في طرف من أطراف المسلمين لهم قوة وطاقة بمن يليهم من المشركين، فإذا جهز الإمام إليهم جيشا لزمه مؤونة ثقيلة،، إذا أعطى من يقربهم من أصحاب القوة والطاقة أعانوهم ودفعوا المشركين.

(1) نقله أبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 179.
(2) صحيح مسلم 2: 737 / 1060، سنن البيهقي 7: 17، أسد الغابة 3: 112 - 113.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 9، اللباب 1: 153، الميزان للشعراني 2: 14، حلية العلماء 3: 155.
(4) سنن البيهقي 7: 19 - 20، وذكره أيضا ابنا قدامة في المغني 7: 320، والشرح الكبير 2: 693.

[ 254 ]

والضرب الرابع: مسلمون من الأعراب أو غيرهم في طرف من أطراف الاسلام بإزائهم قوم من أهل الصدقات لا يؤدون الزكاة إلا خوفا من هؤلاء الأعراب، فإن أعطاهم الإمام جبوها وحملوها إليه، وإن لم يعطهم لم يفعلوا ذلك، واحتاج الإمام إلى مؤونة ثقيلة في إنفاذ من يحصلها، فإنه يعطيهم. ومن أين يعطيهم؟ أربعة أقوال: الأول. من سهم المؤلفة من الصدقة، لأنهم يتألفون على ذلك. الثاني: من سهم الغزاة، لأنهم غزاة أو في معناهم. الثالث: من سهم المصالح، لأن هذا في مصالح المسلمين. الرابع: من سهم المؤلفة، وسهم الغزاة من الصدقة. واختلف أصحابه في هذا القول، فقال بعضهم: إنما أعطاهم من السهمين بناء على جواز أخذ من اجتمع فيه سببان بهما، وعلى المنع لا يعطون منهما. وقال آخرون: يعطون من السهمين، لأن معناهما واحد وهو أنه يعطى منهما، لحاجتنا إليهم وهم المؤلفة والغزاة، بخلاف أن يكون فقيرا وغازيا، لاختلاف السببين. وقال آخرون: إنه أراد أن بعضهم يعطى من سهم الغزاة وهم الذين يغزون منهم، وبعضهم من سهم المؤلفة وهم الذين الفوا على استيفاء الزكاة (1). قال الشيخ: وهذا التفصيل لم يذكره أصحابنا، غير - أنه لا يمتنع أن نقول: إن للامام أن يتألف هؤلاء القوم ويعطيهم إن شاء من سهم المؤلفة، وإن شاء مات سهم المصالح، لأن هذا من فرائض الإمام، وفعله حجة، وليس يتعلق علينا في ذلك حكم اليوم، وفرضنا تجويز ذلك والشك فيه وعدم القيع

(1) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 198 - 199، حلية العلماء 3: 154 - 156

[ 255 ]

بأحد الأمرين (1). مسألة 171: والرقاب من جملة الاصناف المعدودة في القرآن، وأجمع المسلمون عليه، واختلفوا في المراد. فالمشهور عند علمائنا: أن المراد به صنفان: المكاتبون يعطون من الصدقة، ليدفعوه في كتابتهم. والعبيد تحت الشدة يشترون ويعتقون، لقوله تعالى: { وفي الرقاب } (2) وهو شامل لهما، فإن المراد إزالة رقيته. وشرطنا في الثاني الضر والشدة، لما روي عن الصادق عليه السلام في الرجل يجتمع عنده الزكاة يشتري بها نسمة ويعتقها، فقال: " إذن يظلم قوما آخرين حقوقهم - ثم قال - إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه " (3). والجمهور رووا المكاتبين عن علي عليه السلام (4)، والعبد يشترى ابتداء عن ابن عباس (5). وروي علماؤنا ثالثا وهو: أن من وجب عليه كفارة في عتق في. ظهار وشبهه ولم يجد ما يعتق جاز أن يعطي من الزكاة ما يشتري به رقبة ويعتقها في كفارته. لرواية علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن العالم عليه السلام: " { وفي الرقاب } قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ أو الظهار أو الايمان وليس عندهم ما يكفرون جعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم " (6).

(1) المبسوط للطوسي 1: 250 (2) التوبة 60:.
(3) الكافي 3: 557 / 2، التهذيب 4: 100 / 282.
(4) المجموع 6: 200، حلية العلماء 3: 158، أحكام القرآن لابن العربي 2: 967.
(5) المغني 7: 322، الشرح الكبير 2: 695، المجموع 6: 200، حلية العلماء 3: 158، والدر المنثور للسيوطي 3: 252.
(6) التهذيب 4: 49 - 50 / 129، وتفسير القمي 1: 299.

[ 256 ]

قال الشيخ: والأحوط عندي أن يعطى ثمن الرقبة لكونه فقيرا فيشتري هو ويعتق عن نفسه (1). وهو جيد. ولو لم يوجد مستحق جاز شراء العبد من الزكاة وعتقه وإن لم يكن في ضر وشدة، وعليه فقهاؤنا. لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل أخرج زكاة ماله فلم يجد لها موضعا يدفعها إليه فنظر مملوكا يباع فاشتراه بها فأعتقه فهل يجوز ذلك؟ قال: " نعم " (2). وقال الشافعي: المراد بقوله تعالى: { وفي الرقاب } المكاتبون خاصة يعطيهم من الصدقة ليدفعوه في كتابتهم (3) - ورووه عن علي عليه السلام، وهو مذهب سعيد بن جبير والنخعي والليث بن سعد والثوري وأصحاب الرأي - لأن مقتضى الآية الدفع إليهم بدليل قوله: { وفي سبيل الله } يريد الدفع إلى المجاهدين، فكذا هنا (4). وهو لا يمنع ما قلناه. وقال مالك: المراد به أن يشتري العبيد من الصدقة ويبتدئ عتقهم - ورووه عن ابن عباس والحسن البصري، وبه قال أحمد وإسحاق، ولم يشرطوا الشدة - لقوله تعالى: { وفي الرقاب } والرقبة إذا أطلقت انصرفت إلى القن كقوله تعالى: { فتحرير رقبة } (5) (6). ونمنع الحصر.

(1) المبسوط للطوسي 1: 250.
(2) الكافي 3: 557 / 3، التهذيب 4: 100 / 281 (3) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: (كتابته) وما أثبتناه من الطبعة الحجرية (4) الأم 2: 72، المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 200 - 201، حلية العلماء 3: 158، المغني 7: 322، الشرح الكبير 2: 695، المبسوط للسرخسي 3: 9.
(5) النساء: 92.
(6) الكافي في فقه أهل المدية: 114، أحكام القرآن لابن العربي 2: 967، تفسير القرطبي 8: 183 حلية العلماء 3: 158، المغني 7: 321 و 322، الشرح الكبير 2: 694 و 695.

[ 257 ]

وأجاب الشافعية: بأن الزكاة يعود نفعها حينئذ إلى المعطي ويثبت له الولاء. ونمنع اختصاص النفع بالمعطي وثبوت الولاء للمعتق على ما يأتي. مسألة 172: والغارمون لهم سهم من الصدقات بالنص والإجماع، وهم: المدينون في غير معصية، ولا خلاف في صرف الصدقة إلى من هذا سبيله. ولو استدان للمعصية لم يقض عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو علي بن أبي هريرة من الشافعية (1) - لأنه دين استدانه للمعصية فلا يدفع إليه، كما لو لم يثبت، ولما فيه من الاغراء بالمعصية، إذ الفاسق إذا عرف أنه يقضى عنه ما استدانه في معصية أصر على ذلك، فيمنع حسما لمادة الفساد. ولقول الرضا عليه السلام: " يقضى ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله عز وجل، وإن كان أنفقه في معصية الله فلا شئ له على الإمام " (2). وقال أبو إسحاق من الشافعية: يدفع إليه (3)، لأنه لو كان قد أتلف ماله في المعاصي وافتقر دفع إليه من سهم الفقراء، وكذلك إذا خرج في سفر معصية، ثم أراد أن يرجع دفع إليه من سهم ابن السبيل. والفرق: أن متلف ماله يعطى للحاجة في الحال، وهنا يراعى الاستدانة في الدين وكان للمعصية، فافترقا.

(1) قال النووي في المجموع 6: 208: فإن تاب فهل يعطى؟... أصحهما: لا يعطى، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة.
(2) تفسير العياشي 1: 155 / 520.
(3) المجموع 6: 208، وفيه بعد عوان التوبة.

[ 258 ]

فروع: أ - لو لم يعلم فيما ذا أنفقه، قال الشيخ: يمنع (1)، لأن رجلا من أهل الجزيرة يكنى أبا محمد سأل الرضا عليه السلام، قلت: فهو لا يعلم فيما ذا أنفقه في طاعة أو معصية؟ قال: " يسعى في ماله فيرده عليه وهو صاغر " (2). ولأن الشرط - وهو الانفاق في الطاعة - غير معلوم. وقال أكثر علمائنا: يعطى، بناء على أن ظاهر تصرفات المسلم إنما هو على الوجه المشروع دون المحرم. ولأن تتبع مصارف الأموال عسر فلا يقف دفع الزكاة على اعتباره. وفي سند الرواية ضعف (3). ب - لو أنفقه في معصية وتاب احتمل جواز الدفع وعدمه. وقال الشيخ: يدفع إليه من سهم الفقراء إن كان منهم لا من سهم الغارمين (4). وهو حسن. ج - لو كان المدفوع كل الدين جاز للامام أن يدفعه إلى الغرماء، لأنه قد استحق عليه الدفع فناب عنه، ولو كان لا يفي وأراد أن يتجر به دفع إليه، لما فيه من المصلحة. مسألة 173: الغارمون صنفان: أحدهما: من استدان في مصلحته ونفقته في غير معصية، عجز عن أدائه، وكان فقيرا، فأنه يأخذ من سهم الغارمين إجماعا ليؤدي ذلك. وإن كان غنيا لم يجز أن يعطى عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، و (5) لأنه.

(1) النهاية: 306، وفيه: لم يجب عليه القضاء عنه. وحكى المحقق في المعتبر 280 عنه هكذا: لا يقضي عنه.
(2) تفسير العياشي 1: 155 / 520 (3) منهم: ابن إدريس في السرائر 162، والمحقق في المعتبر: 280، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 254 كشف الرموز 1: 254 (4) المبسوط للطوسي 1: 251.
(5) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعة الحجرية، والظاهر زيادة حرف الواو.

[ 259 ]

يأخذ لا لحاجتنا إليه، فاعتبر فقره كالمكاتب وابن السبيل. والثاني: يأخذ لعموم الآية (1) (2). الثاني: من تحمل حمالة لاطفاء الفتنة، وسكون (نائرة) (3) الحرب بين المتقاتلين وإصلاح ذات البين، وهو قسمان: أحدهما: أن يكون قد وقع بين طائفتين فتنة لقتل وجد بينهما فيتحمل رجل ديته لاصلاح ذات البين، فهذا يدفع إليه من الصدقة ليؤدي ذلك، لقوله تعالى: { والغارمين } (4). ولا فرق بين أن يكون غنيا أو فقيرا، لقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمس: غاز في سبيل الله، أو عامل عليها، أو غارم...) (5). ولأنه إنما يقبل ضمانه وتحمله إذا كان غنيا فيه حاجة إلى ذلك مع الغنى، فإن أدى ذلك من ماله لم يكن له أن يأخذ، لأنه قد سقط عنه الغرم. وإن كان قد استدان وأداها جاز أن يعطى من الصدقة، ويؤدي الدين لبقاء الغرم والمطالبة. الثاني: أن يكون سبب الفتنة إتلاف مال ولا يعلم من أتلفه، وخشي من الفتنة، فتحمل ذلك المال حتى سكنت النائرة، فإنه يدفع إليه من سهم الغارمين، لصدق اسم الغرم عليه، وللحاجة إلى إصلاح ذات البين، وهو أصح وجهي الشافعية.

(1) التوبة: 60.
(2) الأم 2: 72، المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 207، حلية العلماء 3: 159، الحاوي الكبير 8: 508.
(3) في " ن ": ثائرة بدل نائرة.
(4) التوبة: 60.
(5) مصحف عبد الرزاق 4: 109 / 1751، سنن أبن ماجة 1: 595 / 1841، سنن أبي داود 2: 119 / 1635، موطأ مالك 1: 268 / 29، ومسند أحمد 3: 56.

[ 260 ]

والثاني: لا يدفع، لأن النائرة إنما تدفع بسبب الدم في العادة، وما يتعلق بالدم لا يتعلق بإتلاف المال كالكفارة (1). وهو ممنوع. مسألة 174: لسبيل الله سهم في الصدقة بالنص والإجماع، واختلف قول الشيخ في معناه. ففي بعض أقواله: أنه الجهاد (2) يصرف إلى الغزاة الذين يغزون إذا نشطوا، وهم غير الجند المقررين الذين هم أهل الفئ - وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة (3) - لأن العرف في ذلك الغزاة، لقوله تعالى في عدة مواضع: { يقاتلون في سبيل الله } (4) يريد الجهاد فوجب حمله عليه. وفي البعض الآخر: أنه أعم من ذلك، وهو كل مصلحة وقربة إلى الله تعالى، فتدخل فيه الغزاة ومعونة الحاج وقضاء الديون عن الحي والميت وبناء القناطر وعمارة المساجد وجميع المصالح (5). وهو أولى، لأن السبيل هو الطريق، فإذا أضيف إلى الله تعالى كان عبارة عن كل ما يتوسل به إلى ثوابه. ولقول العالم عليه السلام: " وفي سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، وقوم مؤمنون ليس لهم ما يحجون به، وفي جميع سبل الخير " (6). وقال أحمد: يجوز أن يصرف ذلك في الحج فيدفع إلى من يريد الحج.

(1) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 207.
(2) النهاية: 184، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 206.
(3) الأم 2: 72، المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 212، حلية العلماء 3: 161، الكافي في فقه أهل المدينة: 114، تفسير القرطبي 8: 185، أحكام القرآن لابن العربي 2: 969، المبسوط للسرخسي 3: 10.
(4) التوبة 111، والمزمل: 20 (5) المبسوط للطوسي 1: 252، الخلاف، كتاب قسم الصدقات، المسألة 21 (6) التهذيب 4: 49 - 50 / 129، تفسير القمي 1: 299.

[ 261 ]

- وهو محكي عن ابن عمر - لأن رجلا جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت أمر الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: (إركبيها فإن الحج من سبيل الله) (1). ونمنع اختصاص السبيل بالجهاد، أو به وبالحج، ولا يلزم من إرادة أحدهما في بعض الصور انصرافه عند الاطلاق إلى أحدهما. مسألة 175: وابن السبيل له سهم في الصدقة بالنص والإجماع، وهو المنقطع به والضيف إذا كان سفرهما مباحا، ولا خلاف في أن المجتاز ابن سبيل. وهل منشى السفر داخل فيه؟ منعه الشيخ (2) - وبه قال مالك وأبو حنيفة (3) - لأنه إنما سمي ابن سبيل بملازمته الطريق وكونه فيه، ومن يريد إنشاء السفر فليس بابن الطريق. ولقول العالم عليه السلام: " { ابن السبيل } هو ابن الطريق يكون في السفر في طاعة الله فينقطع بهم، ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات " (4). وقال الشافعي: إنه داخل (5)، لأنه يريد إنشاء سفر لغير معصية فجاز أن يدفع إليه من سهم أبناء السبيل، كمن دخل إلى بلد ونوى إقامة خمسة عشر

(1) المغني 7: 327، الشرح الكبير 2: 698، المجموع 6: 212، أحكام القرآن للجصاص 3: 127، سنن الدارمي 2: 428، وأورد أبو داود في سننه 2: 204 / 1989 ما بمعنى الحديث.
(2) المبسوط للطوسي 1: 252، الخلاف، كتاب قسمة الصدقات، المسألة 22.
(3) المغني 7: 328، الشرح الكبير 2: 699، المجموع 6: 216، حلية العلماء 3: 162.
(4) التهذيب 4: 49 - 50 / 129، تفسير القمي 1: 299.
(5) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 214 و 216، حلية العلماء 3: 161، المغني 7: 328، الشرح الكبير 2: 699.

[ 262 ]

يوما، ثم أراد الخروج، فإنه يدفع إليه من الصدقة وهو منشى للسفر. ونمنع كونه منشئا للسفر، ولا يلزم من كونه منشئا بالنسبة إلى القصر كونه كذلك في نفس الأمر، فإنا نحكم عليه بالغربة، و (بكونه) (1) مسافرا عرفا وإن أقام أكثر من خمسة عشر يوما. البحث الثاني في الأوصاف مسألة 176: الاسلام شرط في الاصناف المذكورة إلا المؤلفة بإجماع العلماء، فلا يجوز إعطاء كافر غير مؤلف من الزكاة، ولا نعلم فيه خلافا إلا ما حكي عن الزهري وابن شبرمة أنهما قالا: يجوز صرفها إلى المشركين (2). وقال أبو حنيفة: يجوز صرف صدقة الفطرة إلى أهل الذمة خاصة (3). وهو مدفوع بالاجماع. ولقوله عليه السلام لمعاذ: (أعلمهم أن في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (4). احتج الزهري بقوله عليه السلام: (أعطوا أهل الأديان من صدقاتكم) (5).

(1) في نسختي " ط، ف ": يكون.
(2) حلية العلماء 3: 170، المجموع 6: 228.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 111، بدائع الصنائع 2: 49، المجموع 6: 228، حلية العلماء 3: 170 المغني 2: 710، الشرح الكبير 2: 665، بداية المجتهد 1: 282.
(4) صحيح البخاري 2: 147، صحيح مسلم 1: 50 / 29، سنن الترمذي 3: 21 / 625، سنن ابن ماجه 1: 568 / 1783، سنن الدار قطني 2: 136 / 4.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 3: 177 بتفاوت.

[ 263 ]

واحتج أبو حنيفة بأن صدقة الفطرة ليس للامام فيها حق القبض، فجاز دفعها إلى أهل الذمة كالتطوع. والأول محمول على التطوع. ونمنع العلة في القياس، وينتقض بالاموال الباطنة. ثم التطوع يجوز صرفها إلى الحربي (1) وهذا لا يجوز!؟ وشرط علماؤنا أيضا الايمان، فلا يعطى غير المؤمن عندنا - خلافا للجمهور؟ فإنهم اقتصروا على الاسلام خاصة (2) - لأن مخالف الحق محاد لله ورسوله فلا تجوز مودته، والزكاة معونة ومودة فلا تصرف إليه. ولقول الباقر والصادق عليهما السلام في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء كالحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية، ثم يتوب ويعرف هذا الأمر، وبحسن رأيه، يعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك؟ قال: " ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة. فإنه لا بد أن يؤديها، لأنه وضع الزكاة في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية " (3) وهذا الحديث حسن الطريق. وهل هو مطلق؟ نص علماؤنا على أنه في الحج إذا لم يخل بشئ من أركانه لا تجب عليه إعادته، أما الصلاة والصوم ففيهما إشكال من حيث إن الطهارة لم تقع على الوجه المشروع، والافطار قد يقع (منهم) (4) في غير

(1) أشار المصنف - رحمه الله - بهذه الجملة إلى مذهب الحنفية حيث ذهبوا إلى جواز صرف صدقة التطوع إلى الحربي انظر: الفتاوى الهندية 1: 188.
(2) انظر: المغني 2،: 515، والمجموع 6: 228، وبداية المجتهد 1: 282.
(3) الكافي 3: 545 / 1، علل الشرائع: 373، الباب 102، الحديث 1.
(4) في " ط ": منه.

[ 264 ]

ويمكن الجواب بأن الجهل عذر كالتقية، فصحت الطهارة، والافطار قبل الغروب إذا كان لشبهة قد لا يستعقب القضاء، كالظلمة الموهمة، فكذا هنا، وبالجملة فالمسألة مشكلة. مسألة 177: اختلف علماؤنا في اشتراط العدالة، فذهب الشيخ والمرتضى إليه إلا في المؤلفة، للاحتياط، وحصول يقين البراءة، ولأن الدفع إلى الفاسق إعانة على المعصية (1). والاحتياط لا يستلزم الوجوب ولا تقييد الألفاظ العامة في القرآن، ومعارض بالأصل، ونمنع كونه إعانة على المعصية. وقال بعض أصحابنا: يشترط مجانبة الكبائر (2)، لأن داود الصرمي قال: سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال: " لا " (3) ولا قائل بالفرق بين الخمر وغيره، فثبوت الحكم فيه يستلزم ثبوته في غيره. وقال بعض علمائنا: لا تشترط العدالة، ولا مجانبة الكبائر (4) - وهو قول الجمهور - عملا بإطلاق الآية، والأصل عدم اشتراط ما لم ينطق به. ولقوله عليه السلام: (أعط من وقعت في قلبك له الرحمة) (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سئل اعطي سائلا لا أعرفه مسلما: " أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق، ولا تطعم من نصب

(1) المبسوط للطوسي 1: 251، الانتصار: 82، وحكى قولهما أيضا المحقق في المعتبر: 281.
(2) حكاه أيضا المحقق في المعتبر: 281.
(3) الكافي 3: 563 / 15، التهذيب 4: 52 / 138.
(4) وهو المحقق قي المعتبر: 281.
(5) أورده عن النبي صلى الله عليه وآله في المعتبر: 281، وورد نصه عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي 4: 14 (باب الصدقة على من لا تعرفه) الحديث 2، والتهذيب 4: 107 / 307، والفقيه 2: 39 / 169.

[ 265 ]

لشئ من الحق، أودعا إلى شئ من الباطل " (1). وهو الأقوى، وخبر داود ليس حجة، لعدم تعيين المسؤول، فلعله غير الإمام. مسألة 178: يشترط أن لا يكون الأخذ ممن تجب نفقته عليه، فلا يجوز له أن يعطي أحدا من والديه وإن بعد كآباء الأبوين وأمهاتهما، وأبوي أب الأب وأمه، وأبوي أب الأم وأمها، وهكذا ما علوا، من يرث ومن لا يرث، ولا واحدا من أولاده وإن نزلوا من أولاد البنين والبنات وأولاد أولادهم الوارث وغيره، لأنه من عمود النسب، فأشبه الوارث، ولا زوجته، ولا مملوكه بالاجماع، لأنه غني به، فلا يجوز دفعها إليه، ولأن دفعها إليه يستلزم عود نفعها عليه، لسقوط النفقة عنه حينئذ. ولقول الصادق عليه السلام: " خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب، والأم، والولد، والمملوك، والمرأة " (2). أما من لا تجب نفقته من الأقارب فإنه يجوز دفع الزكاة إليه، بل هو أولى وأفضل من الاجانب، إذ " لا صدقة وذو رحم محتاج " (3) ولعدم المانع، وكون ذلك صلة للرحم. ولقول الكاظم عليه السلام وقد سأله إسحاق بن عمار عن إعطاء القرابة من الزكاة: " هم أفضل من غيرهم، أعطهم " (4). فروع: أ - إنما منعنا من الأخذ للقريب بسبب الفقر أو المسكنة، أما لو كان من

(1) الكافي 4: 13 (باب الصدقة على من لا تعرفه) الحديث 1، التهذيب 4: 107 / 306.
(2) الكافي 3: 552 / 5، التهذيب 4: 56 / 150، الاستبصار 2: 34 / 101.
(3) الفقيه 4: 273 / 828.
(4) الكافي 3: 551 / 1، التهذيب 4: 56 / 149، الاستبصار 2: 33 / 100.

[ 266 ]

غير هذين فإنه يجوز له أخذها، كما لو كان الأب أو الولد غازيا، أو مؤلفا، أو غارما في إصلاح ذات البين، أو عاملا، لعدم المانع، ولأن هؤلاء يأخذون مع الغنى والفقر فكان للأب (1) ذلك. ب - لو كان القريب ممن لا تجب نفقته جاز الدفع إليه بأي سبب كان، سواء كان وارثا أو غير وارث، وهو قول أكثر العلماء وأحمد في رواية (2). لقوله عليه السلام. (الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة) (3) فلم يشترط نافلة ولا فريضة، ولم يفرق بين الوارث وغيره. ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام وقد سئل: رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك، وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته؟ قال: " نعم " (4). وعن الكاظم عليه السلام وقد سأله بعض أصحابنا، قلت له: لي قرابة انفق على بعضهم، وأفضل بعضهم على بعض، فيأتيني إبان (5) الزكاة أفأعطيهم منها؟ قال: " أمستحقون لها؟ " قلت: نعم، قال: " هم أفضل من غيرهم أعطهم " قال، قلت: فمن الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا أحسب الزكاة عليه؟ قال. " أبوك وأمك " قلت: أبي وأمي؟ قال: " الوالدان والولد " (6).

(1) في " ف " زيادة: أو غيره.
(2) المغني 2: 510، الشرح الكبير 2: 712، المجموع 6: 229 (3) سنن ابن ماجة 1: 591 / 1844، سنن الترمذي 3: 47 ذيل الحديث 658، سنن النسائي 5: 92، وسنن البيهقي 4: 174.
(4) الكافي 3: 552 / 7، التهذيب 4: 54 / 144، الاستبصار 2: 35 / 104.
(5) إبان، بالكسر والتشديد. الوقت الصحاح 5: 2066 " ابن " (6) الكافي 3: 551 / 1، التهذيب 4: 56 / 149، الاستبصار 2: 33 / 100.

[ 267 ]

وعن أحمد رواية أخرى: منع الموروث، لأن على الوارث مؤونة الموروث، فيغنيه بزكاته عن مؤونته، ويعود نفع زكاته إليه، فلم يجز له دفعها إليه كدفعها إلى والده أو قضاء دينه (1). ونمنع وجوب المؤونة على ما يأتي. ج - لو كان أحدهما يرث الآخر دون العكس كالعتيق مع معتقه، والعمة مع ابن أخيها - عندهم (2) - جاز لكل منهما دفع زكاته إلى الآخر عندنا على ما تقدم. وقال أحمد: على الوارث منهما نفقة موروثه فليس له دفع زكاته إليه، وليس على الموروث منهما نفقة وارثه، فلا يمنع من دفع زكاته إليه (3). ولو كان أخوان لأحدهما ابن، والآخر لا ولد له، فعلى أبي الابن نفقة أخيه - عنده (4) - فليس له دفع زكاته إليه، وللذي لا ولد له دفع زكاته إلى أخيه، ولا يلزمه نفقته، لأنه محجوب عن ميراثه، ونحو هذا قول الثوري (5). والحق ما ذهبنا نحن إليه. د - ذوو الأرحام يجوز دفع الصدقة إليهم، وبه قال أحمد - على رواية منع الوارث في الحال التي يرثون فيها - لأن قرابتهم ضعيفة لا يرث بها مع عصبة ولا ذي فرض غير أحد الزوجين - عنده - فلم تمنع دفع الزكاة كقرابة سائر المسلمين، فإن ماله يصير إليهم إذا لم يكن له وأرث (6). ه‍ - يعطى من تجب نفقته من غير نصيب الفقراء والمساكين مطلقا، سواء كان عاملا، أو غازيا، أو ابن سبيل، أو غير ذلك إلا ابن السبيل، فإنه

(1) المغني 2: 510 الشرح الكبير 2: 712.
(2) أي عند الجمهور.
(3) المغني 2: 510، الشرح الكبير 2: 712.
(4) أي عند أحمد، وأنظر: الهامش التالي. (5 و 6) المغني 2: 510، الشرح الكبير 2: 712.

[ 268 ]

يعطى الزائد عن النفقة مع الحاجة إليه كالحمولة. مسألة 179: العيلولة من دون القرابة غير مانعة من الاعطاء عند علمائنا أجمع، وهو قول أكثر العلماء (1)، فلو كان في عائلته من لا يجب الانفاق عليه كيتيم أجنبي جاز أن يدفع زكاته إليه، لأنه داخل في الأصناف المستحقين للزكاة، ولم يرد في منعه نص ولا إجماع ولا قياس، فلا يجوز تخصيصه من العمومات بغير دليل. وعن أحمد رواية بالمنع، لأنه ينتفع بدفعها إليه لإغنائه بها عن مؤونته (2). ولو سلم لم يضر، فإنه نفع لا يسقط واجبا عنه، إذ العيلولة ليست واجبة. مسألة 180: يشترط أن لا يكون هاشميا، وقد أجمع المسلمون كافة على تحريم الصدقة المفروضة على بني هاشم. لقوله عليه السلام: (إن الصدقة لا تنبغي لال محمد، إنما هي أوساخ الناس) (3). وأخذ الحسن عليه السلام - وهو صغير - تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وآله. (كخ كخ) ليطرحها، وقال: (أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة) (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدقة أوساخ الناس فلا تحل لبني عبد

(1 و 2) المغني 2: 512، الشرح الكبير 2: 712.
(3) صحيح مسلم 2: 753 / 1072، سنن البيهقي 7: 31، موطأ مالك 2: 1000 (باب ما يكره من الصدقة) الحديث 13، شرح معاني الآثار في 2: 7 (4) صحيح البخاري 2: 157، سنن الدارمي 1: 387، سنن البيهقي 7: 29، ومسند أحمد 2: 409.

[ 269 ]

المطلب " (1). مسألة 181: تحل صدقة بعضهم على بعض عند علمائنا - وهو محكي عن أبي يوسف (2) - الآن مفهوم قوله عليه السلام: (الصدقة أوساخ الناس) ترفعهم عن غيرهم، وامتياز الجنس عن الجنس بعدم قبول صدقته تنزيها له، فلا ينقدح فيه امتياز أشخاص الجنس بعضها عن بعض لتساويهم في المنزلة، فلا يليق ترفع بعضهم على بعض. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي؟ قال: " الزكاة " قلت: فتحل صدقة بعضهم على بعض؟ قال: " نعم " (3). وأطبق باقي الجمهور على المنع، للعموم. وقد بينا أن مفهومه خروج بني هاشم منه. مسألة 182: الصدقة المفروضة محرمة على النبي صلى الله عليه وآله إجماعا. وأما المندوبة، فالأقوى عندي: التحريم أيضا، لعلو منصبه، وزيادة شرفه وترفعه، فلا يليق بمنصبه قبول الصدقة، لأنها تسقط المحل من القلب. ولأن سلمان الفارسي أتى النبي صلى الله عليه وآله فحمل إليه شيئا، فقال: (ما هذا؟) فقال: صدقة، فرده، ثم أتاه به من الغد، فقال: هدية، فقبله (4).

(1) الكافي 4: 58 / 2، التهذيب 4: 58 / 155، الاستبصار 2: 35 / 106.
(2) أحكام القرآن - للجصاص - 3: 131 - 132.
(3) الكافي 4: 59 / 5، التهذيب 4: 58 / 156، الاستبصار 2: 35 / 157.
(4) مسند أحمد 5: 354، المعجم الكبير 6: 232 - 233 / 6076 و 244 - 245 / 6117 و 249 / 6121 و 259، / 6155، المستدرك - للحاكم - 2: 16، وشرح معاني الآثار 2: 10

[ 270 ]

ولعموم قوله عليه لسلام: (إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة) (1). وهو أحد قولي الشافعي. والثاني: أنها تحل، كما تحل لآله (2). والفرق: فضيلته عليهم، وتميزه عنهم. والوجه عندي: أن حكم الأئمة عليهم السلام حكمه في ذلك. وأما باقي آله فتحرم عليهم الصدقة المفروضة، على ما تقدم (3). وهل تحل المندوبة؟ المشهور ذلك، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (4)، لأن عليا وفاطمة عليهما السلام وقفا على بني هاشم (5)، والوقف صدقة. وروى الجمهور عن الصادق عليه السلام عن أبيه الباقر عليه السلام أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقلت له: تشرب من الصدقة؟ فقال: " إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة " (6). ويجوز أن يأخذوا من الوصايا للفقراء، ومن النذور. وعن أحمد رواية بالمنع، لعموم قوله عليه السلام: (إنا لا تحل لنا الصدقة) (7).

(1) شرح معاني الآثار 2: 15، وصحيح، مسلم 2: 751 ذيل الحديث 1069، وكنز العمال 6: 457 / 16527 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير (2) المجموع 6: 239 - 240، حلية العلماء 3: 169، أحكام القرآن - للجصاص - 3: 132.
(3) تقدم في المسألة 180.
(4) المجموع 6: 239، - حلية العلماء 3: 169، المغني 2: 520، الشرح الكبير 2: 710 (5) الكافي 7: 48 / 2 و 4 (6) المعني 2: 52، الشرح الكبير 2: 1 7، المهذب للشيرازي 1: 183، مختصر المزني: 159 (7) المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 710. وانظر: صحيح مسلم 2: 751 ذيل الحديث 1069، وسنن أبي داود 2: 123 / 1650، ومسند أحمد 2: 444

[ 271 ]

والجواب: الحمل على المفروضة، جمعا بين الأدلة. أما الكفارة فيحتمل التحريم، لأنها واجبة، فأشبهت الزكاة. والأقوى: الجواز، للأصل وانتفاء المانع، فإنها ليست زكاة، ولا هي أوساخ الناس. مسألة 183: وتحل الصدقة الواجبة والمندوبة لموالي بني هاشم - وهم من أعتقهم هاشمي - عند علمائنا أجمع - وهو قول أكثر العلماء، والشافعي في أحد القولين (1) - لوجود المقتضي وهو: العموم، وأصالة الاباحة، وثبوت الفقر، وانتفاء المانع وهي القرابة، فلم يمنعوا كسائر الناس، ولأنهم لم يعوضوا عنها بالخمس، فإنهم لا يعطون منه، فلا يجوز أن يحرموها كسائر الناس. ولقول الصادق عليه السلام: " تحل لمواليهم " (2). وقال أحمد بالتحريم، وهو الثاني للشافعي، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث رجلا، من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله فأسأله، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وآله، فسأله، فقال: (إنا لا تحل لنا الصدقة، وأن موالي القوم منهم) (3). ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصب فلم يجز دفع الصدقة إليهم كبني هاشم (4).

(1) المغني 2: 517 الشرح الكبير 2: 709، المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 227، حلية العلماء، 3: 169 (2) التهذيب 4: 60 / 160، الاستبصار 2: 37 / 114.
(3) سنن الترمذي 3: 46 / 657، سنن النسائي 5: 157، سنن أبي داود 2: 123 / 1650، وسنن البيهقي 7: 32 (4) المغني 2: 517 - 518، الشرح الكبير 2: 709 - 710، المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 227، حليه العلماء 3: 169.

[ 272 ]

وجاز اختصاص أبي رافع بالمنع، لكونه مولى لرسول الله صلى الله عليه وآله، فيتميز عن غيره. ونمنع العلة في الثاني. مسألة 184: وقد أجمع العلماء على تحريم الصدقة على بني عبد المطلب وهم الآن أولاد أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب، لقوله عليه السلام: (يا بني عبد المطلب [ إن الصدقة ] (1) لا تحل لي ولا لكم) (2). وقال عليه السلام: (إن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن الصدقة لا تحل لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم " (4). وهل تحرم على أولاد المطلب؟ أكثر علمائنا على المنع من التحريم (5)، وبه قال أبو حنيفة (6)؟ للعموم والأصل. ولأن بني المطلب وبني نوفل و [ بني ] (7) عبد شمس قرابتهم واحدة، وإذا لم يمنع بنو نوفل وبنو عبد شمس فكذا بنو المطلب. وقال الشافعي بالتحريم عليهم (8). وهو قول شاذ للمفيد (9) منا، لقوله عليه السلام: (نحن وبنو المطلب هكذا - وشبك بين أصابعه - لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) (10).

(1) زيادة من المصدر.
(2) المعتبر: 282، والتهذيب 4: 58 / 154 (3) المعتبر: 282، والتهذيب 4: 58 / 155.
(4) التهذيب 4: 59 / 158، الاستبصار 2: 35 - 36 / 109.
(5) كما في المعتبر: 282.
(6) المغني 2: 518، الشرح الكبير 2: 714، حلية العلماء 3: 169 (7) زيادة تقتضيها العبارة (8) المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 227، حلية العلماء 3: 168 - (9) حكى قوله عن الرسالة العزية، المحقق في المعتبر: 282.
(10) سنن أبي داود 3: 146 / 2980.

[ 273 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لو كان عدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ولا تحل لأحد منهم إلا أن لا يجد شيئا، ويكون ممن تحل له الميتة " (1). ويحمل الأول على الاتحاد في الشرف أو المودة أو الصحبة أو النصرة لا على صورة النزاع. والثاني خبر واحد ترك العمل به أكثر الأصحاب، فلا يخص به العموم المقطوع. مسألة 185: ولا تحرم على زوجات النبي صلى الله عليه وآله عند علمائنا وهو قول أكثر العلماء، للعموم والأصل. وعن أحمد رواية بالتحريم، لأن عائشة ردت سفرة من الصدقة وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (2). وهو نادر لم يعمل به أكثر العلماء، فلا يخص به عموم القرآن. مسألة 186: ولو لم يحصل للهاشمي من الخمس بقدر كفايته جاز أن يأخذ الزكاة المفروضة عند علمائنا، وبه قال أبو سعيد الاصطخري (3)، لأن المنع إنما كان لاستغنائهم بالخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل لهم الخمس حلت لهم الصدقة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله للفضل بن العباس: (أليس في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس؟) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " أعطوا من الزكاة بني هاشم من أرادها فإنها تحل لهم، وإنما تحرم على النبي وعلى الإمام الذي

(1) التهذيب 4: 59 / 159، الاستبصار 2: 36 / 111. (2) المغني 2: 519، الشرح الكبير 2: 710، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة 3: 214.
(3) المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 227، حلية العلماء 3: 169.
(4) أورده ابن قدامة في المغني 2: 518.

[ 274 ]

يكون بعده وعلى الأئمة " (1). وليس المراد بذلك حالة الاستغناء بالخمس، لتحريمها عليهم إجماعا، فتعين أن يكون حال الضرورة. وفارقوا النبي والأئمة عليهم السلام، لعلو منصبهم وزيادة شرفهم، فلا تحل لهم حال الضرورة. وقال الباقون بالتحريم (2)، لأن الصدقة حرمت في مقابلة استحقاق خمس الخمس، والاستحقاق باق وإن لم يكن ما يستحق أو لم يصل إليهم. وهو ممنوع، بل التحريم في مقابلة الاستغناء، لمفهوم الحديث (3). البحث الثالث في الأحكام مسألة 187: لو اجتمع لواحد سببان يستحق بكل منهما سهما من الصدقات أو أكثر من سببين جاز أن يأخذ بهما وبالزائد عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي (4) - لأن سبب الاستحقاق موجود في، كل واحد من النصيبين، فاستحق الأخذ، كما أن الغانمين إذا كان فيهم مسكين من ذوي القربى أستحق سهم الحضور وذي القربى. وقال في الآخر: لا يجوز الأخذ بهما، بل تخير في الأخذ بأيهما شاء (5)، لأن قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } (6) يقتضي

(1) الكافي 4: 59 / 6، الفقيه 2: 19 / 65، التهذيب 4: 60 / 161 (2) كالفيروز آبادي في المهذب 1: 181، والقفال الشاشي في حلية العلماء 3: 168 - 169 وأكثر الشافعية كما في المجموع 6: 227 (3) وهو قوله عليه السلام (أليس في خمس الخمس ما يكفيكم؟) إلى آخره. ومر الحديث آنفا. (4 و 5) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 219، حلية العلماء 3: 163 (6) التولة: 60

[ 275 ]

تغايرهما، وأن كل صنف غير الصنف الآخر. ولا حجة فيه، لعدم دلالة الآية على تضادهما، ولأن التقدير اجتماعهما وكل منهما علة، فيقتضي معلوله، وهو الاستحقاق. تذنيب: للامام أن يعطيه بأحد الوجهين وبهما معا، فإن أعطاه بواحد، فإن كان بالفقر كان أخذا مستقرا، وإن كان بالغرم كان مراعى بقضاء الدين، ولو كان بالدفع بأحد السببين يخرج من الاندراج تحت السبب الآخر، منع مع الدفع، كالعامل الفقير إذا دفع إليه سهم العمالة فاستغنى به. مسألة 188: يجوز دفع الزكاة إلى صاحب دار السكنى وعبد الخدمة وفرس الركوب وثياب التجمل، ولا نعلم فيه خلافا، لامساس الحاجة إلى هذه الأشياء، وعدم الخروج بها عن حد الفقر إلى الغنى. ولأن سماعة سأل الصادق عليه السلام عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال: " نعم إلا أن تكون داره دار غلة فيخرج من غلتها دراهم تكفيه وعياله، فإن لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم في غير إسراف فقد حلت له الزكاة، وإن كانت غلتها تكفيهم فلا " (1). فروع: أ - لو كانت دار السكنى تزيد عنه في بعضها كفاية له ففي منعه بسبب الزيادة إذا كانت قيمتها تكفيه حولا إشكال. ب - لو كانت حاجته تندفع بأقل منها قيمة لم يكلف بيعها وشراء الأدون، وكذا في العبد والفرس. ج - الوجه اختصاص ذلك بمن يعتاد استخدام العبد وركوب الفرس

(1) الكافي 3: 560 - 561 / 4، التهذيب 4: 48 - 49 / 127 و 107 / 308، والفقيه 2: 17 - 18 / 57.

[ 276 ]

وثياب التجمل دون غيره. د - لو احتاج إلى أكثر من واحد فكالواحد. مسألة 189: لو قصر التكسب عن (مؤونته) (1) ومؤونة عياله جاز أن يأخذ الزكاة إجماعا، واختلف علماؤنا، فقال بعضهم: يأخذ قدر التتمة لا أزيد (2)، لأنه حينئذ يصير غنيا فتحرم عليه الزيادة. وقال آخرون يجوز أن يأخذ أزيد (3). وهو الأقوى، كما يجوز دفع ما يزيد على الغنى إلى الفقر دفعة، والغنى إنما يحصل بالدفع. ونحن نمنع من الدفع ثانيا بعد دفع ما يعوزه من المؤونة. مسألة 190: لو كان القريب الذي تحرم الصدقة عليه يحتاج إلى ما يزيد عن نفقته جاز دفع ذلك إليه كنفقة زوجته وخادمه والتوسعة عليه وقضاء دينه، لثبوت المقتضي وهو الاحتياج. ولأن عبد الرحمن بن الحجاج سأل الكاظم عليه السلام عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه تكفيه مؤونته أيأخذ من الزكاة فيتوسع به إن كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاج إليه؟ فقال. " لا بأس " (4). مسألة 191. يشترط في العامل: البلوغ والعقل إجماعا، لأن ذلك نوع ولاية، والصغير والمجنون ليسا أهلا لها. وشرط الشيخ الحرية (5). وبه قال الشافعي (6)، لأن الرق ينافي الولاية.

(1) بدل ما بين القوسين في " ط " و " ن ": كفايته (2) حكاه المحقق في شرائع الاسلام 1: 159 - 160.
(3) ممن قال بذلك: المحقق في شرائع الاسلام 1: 159 و 160 (4) الكافي 3: 561 / 5، التهذيب 4: 108 / 310 (5) المبسوط للطوسي 1: 248.
(6) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 168، حلية العلماء 3: 141 - 142، المغني 7: 318، الشرح الكبير 2: 691.

[ 277 ]

ولو قيل بالجواز كان وجها، لأنه نوع استئجار، مع أن قول الشيخ لا يخلو من قوة، لأنه تعالى أضاف إليه بلام التمليك. ويشترط فيه الاسلام إجماعا - إلا رواية عن أحمد أنه يجوز أن يكون كافرا (1) - لقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } (2) يعني من دون المسلمين. ودفع أبو موسى الأشعري إلى عمر حسابا فاستحسنه فقال: من كتب هذا؟ فقال: كاتبي. فقال: وأين هو؟ قال: على باب المسجد. قال أجنب هو؟ قال: لا ولكن هو نصراني. فقال: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله ولا تقربوهم وقد (أبعدهم) (3) الله (4). ولأن في ذلك ولاية على المسلمين وقد قال الله تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } (5) والعموم مخصوص بهذه الأدلة. ويشترط فيه: الايمان والعدالة، لأن غير المؤمن فاسق والفاسق ليس أهلا للأمانة، فلا بد وأن يكون أمينا، لأنه يلي مال غيره. ويجب أن يكون فقيها في الزكاة ليكون عارفا بقدر الواجب وصفته ومصرفه، وبه قال الشافعي (6). ويجب أن لا يكون من ذوي القربى - وهو أحد وجهي الشافعية، وبه قال الشافعي (7) - لأن الفضل بن العباس والمطلب بن ربيعة سألا النبي عليه

(1) المغني 7: 317، الشرح الكبير 2: 690.
(2) آل عمران: 118.
(3) في النسخ الخطية المعتمدة قي التحقيق: (بعدهم) وما أثبتناه من الطبعة الحجرية.
(4) راجع: المغني 7: 318، الشرح الكبير 2: 690 - 691 (5) النساء: 141.
(6) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 168، حلية العلماء 3: 142.
(7) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 168، حلية العلماء 3: 142، المغني 7: 318، الشرح الكبير 2: 691.

[ 278 ]

السلام أن يوليهما العمالة، فقال لهما: (إنما الصدقات أوساخ أيدي الناس وأنها لا تحل لمحمد وآل محمد، أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس؟) (1). وقال بعض الشافعية. يجوز، لأن ما يأخذه آجرة، فلا يمنع القرابة منه، كاجرة النقال والحافظ (2). ويفارق النقال والحافظ، لأنه يأخذ سهما من الصدقة. فروع: أ - يجوز أن يكون مولى ذوي القربى عاملا، لأنه يستحق الزكاة بالفقر عندنا، فكذا بغيره من الأسباب. وللشافعي وجهان (3). ب - يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى، ولا يأخذ أجره من الصدقة، بل يتبرع بالعمل، أو يدفع إليه الإمام شيئا من بيت المال - وبه قال الشافعي (4) - لأن المقتضي للمنع الأخذ من الزكاة وهو منتف هنا. ج - لو كان فقيرا لا يصل إليه من الخمس شئ جاز أن يكون عاملا عندنا، ويأخذ النصيب. مسألة 192: الساعي أمين إذا تلفت الزكاة في يده بغير (تفريط) (5) لم يضمن إجماعا، لأن قبضه قبض أمانة، وكان له الأجرة من سهم المصالح إن كان الإمام قد جعل أجرته من بيت المال، وإن لم يجعل له ذلك ففي سقوط

(1) راجع صحيح مسلم 2: 752 - 754 / 167 و 168، والمهذب للشيرازي 1: 175، والمغني 2: 518 (2) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 168، حلية العلماء 3: 142، المغني 7: 318، الشرح الكبير 2: 691.
(3) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 168، حلية العلماء 3: 142.
(4) المجموع 6: 168.
(5) في " د " و " ف " تفريطه.

[ 279 ]

الأجرة هنا إشكال ينشأ من أنه عامل لما يستحق به عوضا فلا تسقط أجرته بتلف ما تعلقت الأجرة عليه، ومن كون الأجرة قد فات محلها فلا ينتقل إلى محل آخر. والأقرب: الأول. مسألة 193: تعطى الزكاة أطفال المؤمنين عند حاجتهم، ولا يشترط عدالة الأب، لعموم الآية (1). ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله أبو بصير: الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟: " نعم فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم " (2). إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكون قد أكل الطعام أو لا عند علمائنا - وهو إحدى الروايتين عن أحمد (3) - لأنه فقير فجاز الدفع إليه كالذي طعم. ولأنه يحتاج إلى الزكاة الاجر رضاعه وكسوته وسائر مؤونته، فيدخل في عموم النص. وعنه رواية أخرى: أنه لا يجوز دفعها إلا إلى من أكل الطعام (4) وهذا ليس بشئ. فروع: أ - لا يجوز الدفع إلى الصغير وإن كان مميزا، لأنه ليس محل الاستيفاء لما له من الغرماء فكذا هنا. وعن أحمد رواية: جواز دفعها إلى اليتيم المميز، لأن أبا حنيفة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله ساعيا، فأخذ الصدقة من اغنيائنا فردها في

(1) التوبة: 60.
(2) الكافي 3: 548 - 549 / 1، التهذيب 4: 102 / 287. (3 و 4) المغني 508: 2.

[ 280 ]

فقرائنا وكنت غلاما يتيما لا مال لي فأعطاني قلوصا (1) (2). ولا دلالة فيه، لاحتمال الدفع إلى وليه أو من يقوم بأمره، ولأنه لا حجة في فعل الساعي. ب - لا فرق بين أن يكون يتيما أو غيره، فإن الدفع إلى الولي، فإن لم يكن له ولي جاز أن يدفع إلى من يقوم بأمره ويعتني بحاله. ج - حكم المجنون حكم الصبي غير المميز، أما السفيه فإنه يجوز الدفع إليه لكن يحجر عليه الحاكم. د - إنما يعطى أطفال المؤمنين، لأنهم بحكم آبائهم، ولا يجوز إعطاء أولاد المشركين إلحاقا بآبائهم، وكذا أولاد غير المؤمنين. ولو أسلم أحد أبوي الطفل لحق به سواء الأب والأم، ويأخذ الزكاة حينئذ. ه‍ - لا يجوز إعطاء المملوك، لأنه لا يملك، فيكون العطاء لمولاه. ولأنه غني بمولاه فلا يستحق الزكاة. مسألة 194: لا يشترط في الغازي الفقر - وبه قال الشافعي (3) - للعموم، ولأنه كالأجرة، وكذا الغارم لاصلاح ذات البين. وقال أبو حنيفة: يشترط، لقوله عليه السلام: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم) (4). وهو لا يقتضي اختصاصها بالفقراء. وينتقض بابن السبيل، فإنه يعطى وإن كان غنيا في بلده قادرا على الاستدانة في سفره.

(1) القلوص: الناقة الشابة النهاية لابن الأثير 4: 100 (2) المغني 2: 509، وانظر. سنن الدارقطي 2: 36 / 7.
(3) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 213، حلية العلماء 3: 161، المبسوط للسرخسي 3: 10، بدائع الصنائع 2: 46 (4) المبسوط للسرخسي 3: 10، بدائع الصنائع 2: 46، حلية العلماء 3: 161، وانظر: تفسير القرطبي 3: 337 و 8: 168 و 172.

[ 281 ]

ومعارض بعموم { وفي سبيل الله } (1) وبما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله: (لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة) وذكر من جملتهم الغازي (2). مسألة 195: يشترط في المكاتب الاسلام، فلو كان كافرا لم يجز دفع الزكاة إليه، وبه قال الشافعي (3). ويشترط فيه الحاجة إلى ما يدفعه في الكتابة، فلو كان معه وفاء بما عليه لم يدفع إليه، وبه قال الشافعي (4)، لأنها جعلت إرفاقا بالمساكين وإعانة للفقراء، فإن كان قد حل عليه النجم وليس معه وفاء دفع إليه. وإن لم يكن قد حل اعطي أيضا، لوجود الحاجة، فإنه قد يحل عليه وليس معه فيفسخ الكتابة، وللعموم، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: لا يجوز، لانتفاء الحاجة في الحال (5). وهو ممنوع. أذا ثبت هذا، فإذا ادعى المكاتب الكتابة، فإن صدقه مولاه قبل، لأن الحق في العبد له، فإذا أقر بالكتابة قبل، وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني: لا يقبل، لا مكان التواطؤ (6). وليس بجيد، لأصالة العدالة. وإن كذبه السيد لم يقبل قوله إلا بالبينة. وإن تجرد عنهما إما لبعده أو لغير ذلك احتمل قبول قوله، لأنه مسلم أخبر عن أمر ممكن فقبل قوله كالفقير، والعدم، لامكان إقامة البينة عليه، وبه قال الشافعي (7).

(1) التوبة: 60.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 3: 210، مسند أحمد 3: 31 و 97.
(3) المجموع 6: 205.
(4) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 201.
(5) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 200، حلية العلماء 3: 157.
(6) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 203، حلية العلماء 3: 158.
(7) أنظر. المجموع 6: 203.

[ 282 ]

مسألة 196: لو ادعى الغارم الغرم، فإن كان لاصلاح ذات البين فالامر فيه ظاهر، فإذا علمه الإمام دفع إليه، وإن كان لخاص نفسه قبل قوله إن صدقه المالك، وهو أحد وجهي الشافعي، لأنه مسلم أخبر عن أمر ممكن. وفي الآخر: لا يقبل، لجواز التواطؤ (1). ولو كذبه لم يقبل قوله، لظن كذبه. وإن تجرد عن الأمرين قبل، لما تقدم. وقال الشافعي: لا يقبل إلا بالبينة، لأنه مدع، فلا يقبل إلا بالبينة (2). مسألة 197: إذا قال الغازي: أريد الغزو، قبل قوله ودفع إليه دفعا مراعى، وإنما يدفع إليه قدر كفايته لذهابه وعوده، وهو يختلف بكونه فارسا أو راجلا، وقرب المسافة وبعدها، وأحواله من كونه له صاحب أو لا، وغير ذلك. وإذا جعلنا سبيل الله أعم من الغزو في الجهاد - كما اخترنا أولا - دخل فيه معونة الزوار والحجيج. وهل يشترط حاجتهم؟ إشكال ينشأ من اعتبار الحاجة كغيره من أهل السهمان، ومن اندراج إعانة الغني تحت سبيل الخير. ولا فرق بين قضاء الدين عن الحي والميت، وسواء كان الميت الذي يقضى عنه - إذا لم يخلف شيئا - ممن تجب عليه نفقته في حال حياته أو لا، ولو خلف ما يقضى به الدين لم يجز القضاء عنه كالحي. مسألة 198: ابن السبيل إذا كان مجتازا وكان محتاجا دفعنا إليه الزكاة وإن كان غنيا في بلده، لوجود الحاجة حال الدفع، وبه قال الشافعي (3).

(1 و 2) المهذب للشيرازي 1: 179 - 180، المجموع 6: 209، حلية العلماء 3: 160.
(3) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 214 - 215، حلية العلماء 3: 161، الشرح الكبير 2: 699.

[ 283 ]

وإن كان منشئا للسفر من بلده، فإن كان غنيا لم يدفع إليه، وإن كان فقيرا دفعنا إليه لسفره وعوده. وإن أراد لعوده، فإن ادعى ابن السبيل الحاجة ولم يعلم له أصل مال قبل قوله. وإن علم له أصل مال في مكانه فادعى ذهابه قبل قوله، سوء ادعى سببا ظاهرا أو خفيا، من غير يمين - خلافا للشافعي (1) - لما تقدم في الفقير. ولو علم أن له ببلده مالا ولا يعلم له في موضعه قبل قوله إجماعا. والحاصل: أن الذي يأخذ مع الغنى خمسة: العامل والمؤلفة قلوبهم والغارم لاصلاح ذات البين والغازي وابن السبيل إذا كان محتاجا في مكانه. مسألة 199: يأخذ ابن السبيل إذا كان سفره واجبا كالحج والعمرة، أو ندبا كزيارة النبي والأئمة عليهم السلام، ولا يعطى إذا كان معصية كقطع الطريق وما أشبه ذلك إجماعا. وإن كان مباحا كسفر التنزه جاز له الأخذ أيضا، لأنه فعل سائغ غير معصية، فأشبه سفر الطاعة، ولهذا يترخص في القصر كسفر الطاعة، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: لا يعطى، لأنه لا حاجة به إليه، فأشبه الغني (2). والعلة ممنوعة. مسألة 200: مستحقوا الزكاة ينقسمون، فمنهم من يأخذ أخذا مستقرا وهم أربعة: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم بمعنى، أن لهم صرف ما يأخذونه في أي شئ أرادوا، سواء صرفوه في السبب الذي أخذوا لأجله أولا. ومنهم من يأخذ أخذا مراعى بمعنى أنه إن صرفه في السبب الذي أخذ لأجله استقر ملكه وإلا استعيد منه على خلاف، وهم أربعة: الغارم والمكاتب

(1) لم نعثر عليه في مظانه.
(2) المهذب للشيرازي 1: 185، المجموع 6: 215، حلية العلماء 3: 161.

[ 284 ]

وابن السبيل والغازي، لأن الله تعالى أضاف إلى الأربعة الأولى بلام التمليك، وعطف الأربعة الباقية بحرف (في) المقتضي للظرفية. والفرق: أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم للزكاة، والأولون حصل المقصود بأخذهم وهو (غنى) (1) الفقير والمسكين وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين. إذا عرفت هذا فنقول: إذا دفع المكاتب المال في الكتابة وعتق فلا بحث، فإن عجز نفسه بأن يقصر ما معه عن مال الكتابة، فإن كان ما أخذه من الزكاة باقيا استرد منه، لأنه دفع إليه ليؤديه في العتق، فإذا لم يحصل المقصود استرجع، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (2). وقال الشيخ: لا يسترجع منه، لأنه أخذه باستحقاقه، فارتجاعه يفتقر إلى دليل، وليس هنا ما يدل عليه (3). وهو ممنوع، لأنه دفع إليه ليصرفه في الكتابة فيرتجع بالمخالفة، لأن الخيار إلى المالك في صرف الزكاة في الأصناف. وإن كان قد دفعه إلى السيد لم يسترد، وهو اختيار الشيخ (4)، وأحد وجهي الشافعية، لأنه دفع إليه ليدفعه إلى سيده وقد فعل. والثاني: يسترده (5)، لأن القصد به تحصيل العتق، فإذا لم يحصل به وجب استرجاعه، كما لو كان في يد المكاتب.

(1) ورد بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجرية والنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: (عين) وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه. (2) المهذب للشيرازي 1: 179، المجموع 6: 201، حلية العلماء 3: 157، المغني 2: 530، الشرح الكبير 2: 702 - 703 (3) المبسوط للطوسي 1: 250 (4) المبسوط للطوسي 1: 254.
(5) المجموع 6: 201، حلية العلماء 3: 157

[ 285 ]

والفرق ظاهر، لأن السيد ملك المدفوع بالدفع من المكاتب. ولو تطوع إنسان بالقضاء عنه أو أبرأه المالك من مال الكتابة فكالأول. مسألة 201: لو صرف الغارم السهم المدفوع إليه في غير قضاء الدين، قال الشيخ. لا يرتجع سواء أبرئ من الدين أو تطوع غيره بالقضاء عنه (1)، خلافا للشافعي (2)، وقد سلف مثله في المكاتب. أما لو قضاه من ماله أو قضاه من غيره فلا يجوز له أن يأخذ عوضه من مال الصدقة. مسألة 202: لو دفع الإمام إلى الغازي السهم ولم يغز استرد منه، وهو اختيار الشيخ (3) أيضا، وبه قال الشافعي (4)، لأنه أخذه لذلك فكان كالأجرة. وكذا لو غزا ورجع من الطريق قبل الغزو. أما لو غزا وعاد وقد فضل معه شئ من الصدقة فإنه لا يسترد منه قولا واحدا، وبه قال الشافعي (5)، لأنا دفعنا كفايته، وإنما فضل بما ضيق على نفسه فلا يسترد منه. أما ابن السبيل فإذا دفع إليه مؤونة السفر فلم يسافر، ردها، وإن سافر وعاد وفضل معه شئ لم يسترد، لأنه ملكه بسبب السفر وقد وجد، فلا يحكم عليه فيما يدفع إليه. وقال الشافعي: يسترد، بخلاف الغازي، لأنا دفعنا إليه الكفاية لأجل الغزو، لحاجتنا إليه، فصار كالمعاوضة، وقد أتى به فلم يرد، وهنا دفعنا إليه، لحاجته إلى سفره وقد حصل، فما فضل يرده، لزوال حاجته إليه، ولأنه

(1) المبسوط للطوسي 1: 251.
(2) المجموع 6: 209، حلية العلماء 3: 160.
(3) المبسوط للطوسي 1: 252.
(4) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 214.
(5) المجموع 6: 214.

[ 286 ]

غني في بلده، ولا فرق بين أن يضيق على نفسه أو يستعين بغيره (1). أما لو صرف ما دفع إليه في غير مؤونة السفر ففيه إشكال ينشأ من أنه دفع إليه في هذا الوجه ولم يصرفه فيه فيسترد منه كالغارم، ومات منع الحكم في الأصل. والوجه: الأول، لأنه دفع إليه لقصد الاعانة فيسترد اقتصارا على قصد الدافع. هذا في حق المجتاز عند الشيخ (2)، وهو الأظهر من مذهبنا، وعلى قول ابن الجنيد والشافعي (3) فإن الحكم ينسحب عليه وعلى منشئ السفر من بلده. قال الشيخ: لو كان المنشئ للسفر من بلده فقيرا اعطي من سهم الفقراء لا من سهم أبناء السبيل (4). لو قال: لا مال لي، اعطي ولم يكلف بينة، كما تقدم. ولو قال: كان لي مال وتلف، قال الشيخ: لا يقبل إلا بالبينة (5). والوجه: القبول، لأنه قد يتعذر عليه البينة فيؤدي المنع إلى إضراره، ولأنه مسلم أخبر بأمر ممكن، والأصل فيه الصدق، فيبنى عليه إلى أن يظهر المنافي. إذا ثبت هذا، فلو تلف المال المدفوع إلى من أخذه مراعى بغير تفريط قبل صرفه في وجهه لم يرجع عليهم بشئ.

(1) المجموع 6: 216 (2) انظر المبسوط للطوسي 1: 252 (3) حيث قالا بإطلاق ابن السبيل على المجتاز والمنشئ للسفر. انظر: المهذب للشيرازي 1: 180، والمجموع 6: 214، وحلية العلماء 3: 161، والمعتبر للمحقق الحلي: 281 حيث فيه حكاية قول ابن الجنيد (4) المبسوط للطوسي 1: 252 (5) المبسوط للطوسي 1: 254

[ 287 ]

مسألة 203: لا يجب إعلام المدفوع إليه أنها زكاة، فلو استحيى الفقير من أخذها علانية استحب إيصالها إليه على وجه الهدية، ولا يعلم أنها زكاة، لما في الاعلام من إذلال المؤمن والاحتقار به. ولأن أبا بصير سأل الباقر عليه السلام: الرجل من أصحابنا يستحي أن يأخذ من الزكاة فاعطيه من الزكاة ولا اسمي له أنها من الزكاة؟ قال: " أعطه ولا تسم له ولا تذل المؤمن " (1) ولا نعلم في ذلك خلافا.

(1) الكافي 3: 563 - 564 / 3، الفقيه 2: 8 / 25، التهذب 4: 103 / 294.

[ 289 ]

الفصل الثاني في وقت الإخراج وفيه بحثان الأول في التأخير مسألة 204: الأموال قسمان: ما يراعى فيه الحول وهو الحيوان والأثمان، ولا تجب الزكاة فيها حتى يحول عليها الحول، وهو: أن يمضي لها في ملكه أحد عشر شهرا ثم يهل الثاني عشر في ملكه، وتكون الشرائط موجودة طول الحول كله، وهي: النصاب وإمكان التصرف وزيادة السوم في الماشية والنقش في النقدين، وقد تقدم بيان ذلك كله. وما لا يعتبر فيه الحول وهو: الثمار والغلات، ولا تجب الزكاة فيها حتى يبدو صلاحها، وأما الإخراج منها فلا يجب حتى تجذ الثمرة، وتشمس وتجفف، وتحصد الغلة، وتصفى من التبن والقشر بلا خلاف. إذا عرفت هذا، فإذا حال الحول أو صفت الغلة وجذت الثمار وجب الإخراج على الفور، ولا يجوز تأخيرها، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو الحسن

[ 290 ]

الكرخي من الحنفية (1)، لقوله تعالى: { وآتوا الزكاة } (2) والأمر على الفور عند بعض علمائنا (3)، وعند الحنفي على الفور (4). ولقول الصادق عليه السلام: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها " (5). ولأن المستحق مطالب بشاهد الحال فيجب التعجيل كالدين الحال والوديعة. ولأن العبادة التي لا تتكرر لا يجوز تأخيرها إلى وجوب مثلها كالصلاة والصوم. وقال أبو بكر الرازي من الحنفية: إنها على التراخي، وبه قال أبو حنيفة ما لم يطالب بها، لأن الأمر ورد بها مطلقا، فلا يختص زمانا كما لا يختص مكانا. ولأنها لو هلكت لم تضمن (6). ونمنع الاطلاق، بل الأمر بها معجل، والزمان يخالف المكان في الانتفاع بالتعجيل دون التخصيص بالمكان. ونمنع عدم الضمان مع التفريط بالتأخير. مسألة 205: لو أخر الإخراج مع إمكان الأداء وحضور الوقت أثم وضمن، لأنه أخر الواجب المضيق عن وقته، فرط بالتأخير فكان آثما ضامنا،

(1) المجموع 5: 335، فتح العزير 5: 520، حلية العلماء 3: 1 1، المغني 2: 541، الشرح الكبير 2: 666، بدائع الصنائع 2: 3.
(2) الحج: 41، المزمل: 20.
(3) وهو: الشيخ الطوسي في العدة: 85 - 86.
(4) الظاهر أن المراد ب‍ (الحنفي) هو. أبو الحسن الكرخي. وأنظر: أصول السرخسي 1: 26 (5) الكافي 3: 553 / 1، الفقيه 2: 15 - 16 / 46، التهذيب 4: 47 / 125 (6) بدائع الصنائع 2: 3، المجموع 5: 335، فتح العزيز 5: 525، حلية العلماء 113، المغني 2: 541، الشرح الكبير 2: 666.

[ 291 ]

وبه قال الزهري والحكم وحماد والثوري وأبو عبيد وأحمد والشافعي (1)، لما تقدم. ولأنه حق على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلا يبرأ منه، كدين الادمي. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها " (2). وقال أصحاب الرأي: يزكي الباقي إلا أن يقصر عن النصاب فتسقط الزكاة فرط أو لم يفرط (3) أما لو كان عليه ضرر في تعجيل الإخراج مثل أن يحول عليه الحول قبل مجئ الساعي، ويخاف إن أخرجها بنفسه أخذها الساعي منه مرة أخرى، أو خشي في إخراجها ضررا في نفسه أو مال له سواها، فله تأخيرها، لقوله عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) (4). فروع: أ - لو أخر مع إمكان الأداء كان عاصيا على ما قلناه، ولا تقبل منه صلاته في أول الوقت، وكذا جميع العبادات الموسعة، لأن المضيق أولى بالتقديم، وكذا من عليه دين حال طولب به مع تمكنه من دفعه، أو خمس أو صدقة مفروضة. ب - يجوز التأخير لعذر كعدم المستحق أو منع الظالم، لأن الزكاة معونة

(1) المغني 2: 542 - 543، الشرح الكبير 2: 667، المجموع 6: 175.
(2) الكافي 3: 553 / 1، الفقيه 2: 15 - 16 / 46، التهذيب 4: 47 / 125.
(3) المغني 2: 543، الشرح الكبير 2: 667.
(4) سنن ابن ماجة 2: 784 / 2340 و 2341، سنن الدارقطني 3: 77 / 288 و 4: 227 / 83، سنن البيهقي 6: 70، 157 و 10: 133، المستدرك - للحاكم - 2: 57 - 58.

[ 292 ]

وإرفاق فلا تكون سببا لضرر المالك، ولا يضمن لو تلفت. وهل يجوز لغير عذر مع العزل؟ سوغه الشيخان شهرا وشهرين (1)، لأن معاوية بن عمار قال للصادق عليه السلام: الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها إلى المحرم، قال: " لا بأس " (2). وقال الصادق عليه السلام: " لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين وتأخيارها شهرين " (3). والوجه: أن التأخير إنما يجوز للعذر، تحمل الرواية عليه فلا يتقدر بوقت، بل بزوال العذر، فإنه مع زوال العذر يكون مأمورا بالتسليم، والمستحق مطالب، فلا يجوز له التأخير. ويدل عليه قول الصادق عليه السلام وقد سأله عبد الله بن سنان في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها الموضع فيكون بين أوله وآخره ثلاثة أشهر، قال: " لا بأس " (4). ولو أخر مع إمكان التسليم ضمن على ما قلناه أولا. ج - لو أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو حاجة شديدة، فالأقرب: المنع وإن كان يسيرا. وقال أحمد: يجوز اليسير دون العكس (5). د - الأقرب: أن التأخير لطلب بسطها على الأصناف الثمانية أو الموجودين منهم عذر مع دفع نصيب الموجودين. مسألة 206: يستحب له حال حؤول الحول عزل الزكاة عن ماله، لأنه

(1) النهاية: 183، وأنظر: المقنعة: 39.
(2) التهذيب 4: 44 / 112، الاستبصار 2: 32 / 94 (3) التهذيب 4: 44 / 114، الاستبصار 2: 32 / 96 (4) الكافي 3: 523 / 7، التهذيب 4: 45 / 118.
(5) المغني 2: 542، الشرح الكبير 2: 666.

[ 293 ]

نوع إخراج وشروع في الدفع. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا حال الحول فأخرجها عن (ملكك) (1) ولا تخلطها بشئ، واعطها كيف شئت " (2). إذا ثبت هذا، فإن للمالك الاستقلال بالعزل من دون إذن الساعي، لأن له ولاية الإخراج، فله ولاية التعيين. ولأن الزكاة تجب في العين وهو أمين على حفظها فيكون أمينا على إفرادها. ولأن له دفع القيمة. ولقول الصادق عليه السلام (3). أذا عرفت هذا، فلو تلفت بعد العزل من غير تفريط احتمل سقوط الزكاة - وبه قال مالك (4) - لتعينها بتعيينه؟ إذ التعيين منوط به فيصير أمينا، كما لو دفعها إلى الساعي. وعدمه، وبه قال الشافعي وأحمد، إلا أن الشافعي قال: إن لم يكن فرط في إخراج الزكاة وفي حفظ ذلك يرجع إلى ماله، فإن كان فيما بقي زكاة أخرج وإلا فلا (5). وقال أبو حنيفة: يزكي ما بقي إلا أن ينقص عن النصاب فتسقط الزكاة فرط أو لم يفرط، لأنه كالدين، فلا يسقط بالتعيين قبل دفعه (6). ولو دفع إلى فقير زكاته فقبل أن يقبضها قال: اشتر لي بها ثوبا أو غيره، فذهبت الزكاة، أو اشترى ما قال (7) ثم ضاع فعليه الزكاة على الثاني، لأن

(1) في المصدر: مالك.
(2) الكافي 3: 522 / 3، التهذيب 4: 45 - 46 / 119.
(3) نفس المصدر.
(4) الكافي في فقه أهل المدينة: 99، بداية المجتهد 1: 248، المغني 2: 543، الشرح الكبير 2: 667.
(5) الأم 2: 52، المغني 2: 542 - 543، الشرح الكبير 2: 667. (6) المغني 2: 543، الشرح الكبير 2: 667.
(7) في " ف ": قاله.

[ 294 ]

الفقير لا يملك إلا بالقبض، فإذا وكله في الشراء قبله كان التوكيل باطلا، لأنه وكله في الشراء بثمن لا يملكه، وبقيت على ملك المالك، فإذا تلفت كانت من ضمانه. ولا فرق بين أن يعزل الزكاة وينوي أنها زكاة أو لا. مسألة 207: لو أخر الإخراج مع التمكن منه ثم أخرجها أجزأت عنه إجماعا وإن كان قد أثم بالتأخير، لأنه دفع الحق إلى مستحقه. ولأنه في كل آن مخاطب بالاخراج، فيحصل بالامتثال الخروج عن العهدة. البحث الثاني في التعجيل مسألة 208: المشهور عند علمائنا عدم جواز تقديم الزكاة سواء وجد سبب الوجوب - وهو النصاب - أو لا - وبه قال ربيعة ومالك وداود والحسن البصري في رواية (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تؤدى زكاة قبل حلول الحول) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سأله عمر بن يزيد: الرجل يكون عنده المال أيزكيه إذا مضى نصف السنة؟ قال: " لا، ولكن حتى يحول عليه الحول وتحل عليه، إنه ليس لأحد أن يصلي صلاة إلا لوقتها فكذلك الزكاة، ولا يصوم أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء، وكل فريضة إنما تؤدى إذا حلت " (3). وسأل زرارة الباقر عليه السلام: أيزكي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة؟

(1) المغني 2: 495، الشرح الكبير 2: 678، حلية العلماء 3: 133.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 495، والشرح الكبير 2: 678.
(3) الكافي 3: 523 / 8، التهذيب 4: 43 / 110، الاستبصار 2: 31 / 92.

[ 295 ]

قال: " لا، أيصلى الأولى قبل الزوال؟ " (1). ولأن الحول أحد شرطي الزكاة فلا يجوز تقديم الزكاة عليه كالنصاب. ولأن الزكاة عبادة مؤقتة فلا يجوز تقديمها عليه كالصلاة. وقال الحسن البصري وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: يجوز إذا وجد سبب الوجوب وهو النصاب (2)، لأن عليا عليه السلام قال: " سأل العباس رسول الله صلى الله عليه وآله عن تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك " (3). وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعمر: (إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام) (4). ولأنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه قبل وجوبه فجاز، كتعجيل قضاء الدين قبل الأجل، وأداء كفارة اليمين قبل الحنث وكفارة القتل بعد الجرح قبل الموت. وتحمل الرواية على القرض على الصدقة، لا أنها زكاة معجلة، أو على تخصيص العباس جمعا بين الأخبار، وصونا للروايات عن التناقض. ونمنع الحكم في الأصل في الكفارات، وإنما هو لازم لمالك حيث جوز تقديمها (5)، والدين حق ثابت مستقر في الذمة فجاز تعجيله قبل وقته، بخلاف الزكاة، فإنها لا تجب ولا تثبت في الذمة ولا في العين إلا بعد الحول.

(1) الكافي 3: 524 / 9، التهذيب 4: 43 - 44 / 111، الاستبصار 2: 32 / 93.
(2) المغني 2: 496، الشرح الكبير 2: 678، بدائع الصنائع 2: 52، المبسوط للسرخسي 2: 177، المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 145 و 146، حلية العلماء 3: 133، فتح العزيز 5: 531.
(3) سنن أبي داود 2: 115 / 1624، سنن ابن ماجة 1: 572 / 1795، سنن الدارمي 1: 385، سنن البيهقي 4: 111.
(4) سنن الترمذي 3: 63 / 679.
(5) المغني 2: 496، الشرح الكبير 2: 679، فتح العزيز 5: 531.

[ 296 ]

وعن بعض علمائنا جواز التقديم (1)، لقول الصادق عليه السلام: " لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين " (2). قال الشيخ: وجه الجمع حمل رخصة التقديم على جواز القرض، فيكون صاحبه ضامنا له، متى جاء وقت الزكاة والأخذ على صفة الاستحقاق أجزأ عنه، وإن لم يبق على صفته ضمن، لا أنه زكاة معجلة (3)، ومثله قال ابن الجنيد (4)، لرواية الاحول عن الصادق عليه السلام في رجل عجل زكاة ماله ثم أيسر المعطى قبل رأس السنة، قال: " يعيد المعطي الزكاة " (5). فروع: أ - لما منعنا من تعجيل الزكاة كان ما يدفعه المالك قرضا على الفقير، فإن دفعه على أنه زكاة معجلة كان الدفع باطلا، وله استعادتها عندنا، خلافا للباقين (6). ب - إذا دفع المالك قدر الزكاة فقد قلنا: إنه قرض لا زكاة معجلة، فللمالك المطالبة بالمدفوع، وللفقير دفع العوض والامتناع من دفع العين وإن كانت باقية وكره المالك، لأنه ملكها بالقبض. ج - لو كان المدفوع مما يتم به النصاب سقطت الزكاة على ما اخترناه، لأنه قرض خرج عن ملك المالك، وليس زكاة. وعلى قول الآخرين هو زكاة

(1) حكاه المصنف في المختلف: 188، عن ابن أبي عقيل.
(2) التهذيب 4: 44 / 114، الاستبصار 2: 32 / 96.
(3) التهذيب 4: 45 ذيل الحديث 115.
(4) كما في المعتبر: 274.
(5) الكافي 3: 545 / 2، الفقيه 2: 15 / 44، التهذيب 4: 45 / 116، الاستبصار 2: 33 / 98.
(6) منهم: ابنا قدامة في المغني 2: 499، الشرح الكبير 2: 682.

[ 297 ]

ليس له استعادتها (1). مسألة 209: لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب إجماعا، ولو ملك بعض نصاب فعجل زكاته أو زكاة نصاب لم تجزئ إجماعا، لأنه تعجيل للحكم قبل سببه. ولو ملك نصابا فعجل زكاته وزكاة ما يستفيده وما ينتج منه أو يربح فيه لم تجزئه عندنا. وأما المجوزون للتقديم فقالوا: تجزئه عن النصاب دون الزيادة عند الشافعي وأحمد وزفر، لأنه عجل زكاة ما ليس في ملكه فلم تجزئ كالنصاب الأول. ولأن الزائد من الزكاة على زكاة النصاب سببها الزائد في الملك وقد عجل الزكاة قبل وجود سببها، فأشبه ما لو عجل الزكاة قبل ملك النصاب (2). وقال أبو حنيفة: تجزئه عن النصاب والزيادة، لأنه تابع لما هو مالكه (3). وهو ممنوع، سلمنا، لكنه يتبع في الحول، أما الايجاب فلا، فإن الوجوب ثبت بالزيادة لا بالأصل. ولأنه إنما يصير له حكم بعد الوجود لا قبله. مسألة 210: لو عجل زكاة ماشيته فتوالدت نصابا ثم ماتت الأمهات وحال الحول على النتاج لم تجزئ عندنا. وللشافعية وجهان في إجزاء الشاة عن السخال: الإجزاء - وبه قال أحمد (4) - لأن السخال دخلت في حول الأمهات وقامت مقامها. وعدمه، لأنه (1)

كابني قدامة في المغني 2: 498، والشرح الكبير 2: 682.
(2) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 146، حلية العلماء 3: 134، فتح العزيز 5: 532، المغني 2: 496، الشرح الكبير 2: 680، المبسوط للسرخسي 2: 177، بدائع الصنائع 2: 51.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 177، بدائع الصنائع 2: 51، المغني 2: 496، الشرح الكبير 2: 680، حلية العلماء 3: 134.
(4) المغني 2: 497، الشرح الكبير 2: 685.

[ 298 ]

عجلها قبل ملكها مع تعلق الزكاة بعينها (1). فلو أخرج شاة عن أربعين معجلة، ثم توالدت أربعين سخلة، وماتت الأمهات، وحال الحول على السخال أجزأت على أحد وجهي الشافعية (2)، لأنها كانت مجزئة عنها وعن أمهاتها لو بقيت، فلأن تجزئ عن إحداهما أولى. ولا تجزئ عندنا، وهو الآخر للشافعية (3). ولو كان عنده ثلاثون من البقر فعجل عنها تبيعا، ثم توالدت ثلاثين عجلة وماتت الأمهات، وحال الحول على العجول لم تجزئ عندنا. وأما المجوزون للتعجيل فقال بعضهم: بالاجزاء، لأنها تابعة لها في الحول، وبعضهم بعدمه، لأنه لو عجل تبيعا عنها مع بقاء الأمهات لم تجزئ عنها فلأن لا تجزئ عنها إذا كان التعجيل عن غيرها أولى (4). وكذا الحكم في مائة شاة إذا عجل عنها شاة فتوالدت مائة ثم ماتت الأمهات وحال الحول على السخال (5). وإن توالد بعضها ومات نصف الأمهات وحال الحول على الصغار ونصف الكبار، فعلى الأول - وهو الإجزاء عندهم - أجزأ المعجل عنهما معا، وعلى عدمه عليه في الخمسين سخلة شاة، لأنها نصاب لم يؤد زكاته، وليس عليه في العجول إذا كانت خمس عشرة شئ، لأنها لم تبلغ نصابا، وإنما وجبت الزكاة فيها بناء على أمهاتها التي عجلت زكاتها (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 147 - 148، فتح العزيز 5: 533، حلية العلماء 3: 134. (2 و 3) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 148، فتح العزيز 5: 533، حلية العلماء 3: 134. (4 و 5) المغني 2: 497، الشرح الكبير 2: 680.
(6) المغني 2: 497، الشرح الكبر 2: 681.

[ 299 ]

ولو ملك ثلاثين من البقر فعجل مسنة زكاة لها ولنتاجها، فنتجت عشرا أجزأته عن الثلاثين دون العشر، وهو مذهبنا، ويجب عليه في العشر ربع مسنه. وقيل: بالاجزاء، لأن العشر تابعة للثلاثين في الوجوب والحول، فإنه لولا ملكه للثلاثين لما وجب عليه في العشر شئ (1)، فصارت الزيادة على النصاب على أربعة أقسام: أ - ما لا يتبع في وجوب ولا حول، وهو المستفاد من غير الجنس، فهذا لا يجزئ تعجيل زكاته قبل وجوده وكمال نصابه إجماعا. ب - ما يتبع في الوجوب دون الحول، وهو المستفاد من الجنس بسبب مستقل، فلا يجزئ تعجيل زكاته أيضا قبل وجوده على الخلاف. ج - ما يتبع في الحول دون الوجوب كالنتاج والربح إذا بلغ نصابا، فإنه يتبع أصله في الحول، فلا يجزئ التعجيل عنه قبل وجوده. د - ما يتبع في الوجوب والحول وهو الربح والنتاج إذا لم يبلغ نصابا، فإنه لا يجزئ التعجيل قبل وجوده على الخلاف. مسألة 211: إذا عجل الزكاة من ماله للفقراء كان ما عجله في حكم الموجود في ماله إن كانت عينه قائمة، وبه قال الشافعي وأحمد (2). وقال أبو حنيفة: إنه في حكم التالف الذي زال ملكه عنه (3). ويترتب على ذلك ثلاث مسائل: الأولى: لو كان معه أربعون فعجل منها شاة، ثم حال الحول فإنها

(1) راجع المغني 2: 497، والشرح الكبير 2: 681.
(2) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 147 و 148، المغني 2: 498 - 499، الشرح الكبير 2: 682 (3) المبسوط للسرخسي 2: 176 - 177، المغني 2: 499، الشرح الكبير 2: 682، المجموع 6: 148

[ 300 ]

تجزئ عنه عند الشافعي وأحمد (1). أما عندنا فإن كان المدفوع قرضا سقطت الزكاة، لأنها تتمة النصاب، وإن كان زكاة معجلة لم تقع، وكانت باقية على ملك صاحبها إن كان المال بحاله جاز أن يحتسبه من الزكاة وأن يعدل بها إلى غيره. وأما عندهما: فلأنه نصاب تجب فيه الزكاة بحلول الحول، فجاز تعجيلها منه، كما لو كان أكثر من أربعين. ولأن المعجل في حكم الموجود (2). وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة، ولا يكون ما عجله زكاة، لأن المعجل زال ملكه عنه فلم يحتسب من ماله، كما لو باعه أو أتلفه (3). الثانية: لو كان معه مائة وعشرون فعجل منها شاة ثم نتجت شاة ثم حال الحول لم يكن عليه شاة أخرى عندنا، لعدم ضم السخال إلى الأمهات عند علمائنا، فالنصاب لا يجب فيه أكثر من شاة، فله الاحتساب والدفع إلى غير الأخذ. وقال الشافعي وأحمد: تجب عليه شاة أخرى (4). وقال أبو حنيفة: لا تجب أخرى (5)، كما قلناه. الثالثة: لو كان معه مائتا شاة فعجل منها شاتين ثم نتجت شاة، وحال عليها الحول لم تجب عليه شاة أخرى عندنا، وبه قال أبو حنيفة (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 173، فتح العزيز 5: 531، المغني 2: 498، الشرح الكبير 2: 682.
(2) انظر: المغني 2: 499، والشرح الكبير 2: 682.
(3) بدائع الصنائع 2: 51، الشرح الكبير 2: 682، المعني 2: 499، المجموع 6: 148 (4) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 147 - 148، فتح العزيز 5: 532، حلية العلماء 3: 134 - 135، المغني 2: 499.
(5) بدائع الصنائع 2: 51، حلية العلماء 3: 135، المغني 2: 499.
(6) شرح فتح القدير 2: 156، الشرح الكبير 2: 682، المجموع 6: 148.

[ 301 ]

وقال الشافعي وأحمد: تجب عليه شاة أخرى، لأنه لو لم يعجل الشاتين وجب عليه ثلاث شياه، والتعجيل رفق بالمساكين، فلا يكون سببا في إسقاط حقوقهم (1). وينتقض بالبيع والإتلاف. مسألة 212: لو كان معه خمس من الإبل فعجل زكاتها وله أربعون من الغنم فهلكت الإبل فأراد أن يجعل الشاة معجلة عن الغنم ابتني على ما إذا عين الزكاة من مال هل له أن يصرفه إلى غيره؟ الأقرب ذلك، لأنها لم تصر زكاة بعد، وسيأتي. مسألة 213: وكما لا يجوز تقديم الزكاة في النقدين والمواشي فكذا في الزروع والثمار - وهو قول بعض الشافعية (2) - لأن زكاتها متعلقة بسبب واحد وهو الادراك، فإذا قدم الزكاة فقد قدمها قبل وجود سببها. وقال ابن أبي هريرة منهم: يجوز (3)، لأن وجود الزرع سبب فيها، وإدراكه بمنزلة حؤول الحول فجاز تقديمها. مسألة 214: وكما لا يجوز تقديم الزكاة عندنا لحول واحد فالحولان فصاعدا أولى بالمنع. واختلف المجوزون في الأول هل يجوز تعجيل أكثر من زكاة حول واحد فقال الحسن البصري: يجوز لسنتين وثلاث - وهو المشهور عند الشافعية، وهو قول أبي إسحاق منهم - لأن النصاب سبب في إيجاب الزكاة في هذين العامين فجاز تقديم الزكاة كالعام الأول (ولأن العباس استسلف صدقة عامين

(1) المهدب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 148، الشرح الكبير 2: 682. (2 و 3) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 160، فتح العزيز 5: 534، حلية العلماء 3: 139

[ 302 ]

من الناس) (1) (2). وقال بعض الشافعية: لا يجوز - كما قلناه - لأنه قدم الزكاة على الحول الثاني (فلم يجز) (3) كما لو قدمه على الحول الأول (4). وفرق الأولون: بأن التقديم على الحول الأول تقديم على النصاب، بخلاف صورة النزاع. إذا ثبت هذا فإن كان معه نصاب لا غير لم يجز له أن يعجل أكثر من صدقة سنة واحدة إجماعا منهم، لأنه إذا عجل أكثر من ذلك نقص النصاب في الحول الثاني بوقوع زكاة الحول الأول موقعها، وانقطاع حكمها عن ماله. وعلى قولنا إن احتسب عند الحول الأول المدفوع من الزكاة سقطت في الثاني، وإن لم يحتسب سقطت أيضا، لتعلق الزكاة بالعين فينقص عن النصاب حكما في الثاني. مسألة 215: إذا مات المالك قبل الحول انتقل المال إلى الوارث، واستأنف الحول، وبطل حكم الأول، وانقطع الحول بموت المالك عند علمائنا - وهو الجديد للشافعي (5) - لأنه بموته خرج عن أهلية التملك، وبقاء مال بغير مالك محال، فينتقل إلى الوارث، فيستأنف الحول كما لو باعه.

(1) كذا في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، والطبعة الحجرية، خلافا لما في المهذب للشيرازي 1: 173، وفتح العزير 5: 531، وسنن البيهقي 4: 111، حيث ورد فيها: أن النبي صلى الله عليه وآله تسلف من العباس صدقة عامين. فلاحظ.
(2) المهدب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 146، حلية العلماء 3: 133، فتح العزيز 5: 531 - 532، والمغني 2: 498.
(3) في " ط ". فلم يجزئه.
(4) راجع المصادر في الهامش (2). (5) المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 363، فتح العزيز 5: 492، حلية العلماء 3: 26 - 27

[ 303 ]

ولقوله تعالى: { للذكر مثل حظ الأنثيين } (1) أضاف بلام التملك. وقال في القديم: لا ينقطع بموته، ويبنى حول الوارث على حول الموروث (2). إذا عرفت هذا، فلو عجل زكاة ماله قبل الحول ثم مات، وانتقل المال إلى ورثته، لم يجزئه التعجيل عندنا، لما مر، وهو قول بعض الشافعية، لأنه يؤدي إلى أن تكون الزكاة معجلة قبل ملك النصاب. وعلى القديم يجزئه ما عجله، لأنه لما قام الوارث مقام الميت في ملكه قام مقامه في حقه، ولهذا يرث منه الشفعة (فيأخذها) (3) بسبب ملك متجدد (4). وهو ممنوع، لأنه يأخذها إرثا لا بسبب ملكه. إذا ثبت هذا، فإن كان المالك حين الدفع شرط التعجيل رجع بها الوارث، وإلا فلا. وفرع الشافعي على الإجزاء إن كان نصيب كل واحد يبلغ نصابا أجزأت عنهم إذا حال الحول، وإن قصر فإن اقتسموا بطل الحول، وكان لهم ارتجاع الزكاة إن شرط فيها التعجيل، وإن لم يقتسموا وبقي مختلطا إلى آخر الحول، فإن كانت ماشية أجزأت عنهم الزكاة، وإن كان غيرها (بني) (5) على القولين في الخلطة فيه، إن جوزناها كان كالماشية، وإلا كان كما لو اقتسموا (6).

(1) النساء: 11 (2) الأم 2: 21، المهذب للشيرازي 1: 150، المجموع 5: 363، فتح العزيز 5: 492، حلية العلماء 3: 27 (3) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، والطبعة الحجرية: فيأخذ. وما أثبتناه يقتضيه السياق (4) المجموع 6: 155، فتح العزير 5: 535 و 536، حلية العلماء 3: 139.
(5) في " ط ". يبنى (6) أنظر. المجموع 6: 155، فتح العزيز 5: 536.

[ 304 ]

مسألة 216: إذا تسلف الساعي أو الإمام الزكاة، فإن كان بغير مسألة أهل السهمان ولا أرباب الأموال فتلفت في يده ضمن - وبه قال الشافعي (1) - لأنهم أهل رشد لا يولى عليهم، فإذا قبض لهم بغير إذنهم كان ضامنا، كالأب يقبض لابنه الكبير بغير إذنه. لا يقال: الأب ليس له القبض، وهنا يجوز لحاجتهم. لأنا نقول: جواز القبض لا يدفع الضمان. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يضمن، لأن للامام ولاية على أهل السهمان، فإذا استقرض لهم وتلف في يده من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم (2). ونمنع ولاية الإمام إذا لم يكن المالك مانعا، ويخالف ولي اليتيم؟ لأنه لا إذن للمولى عليه، بخلاف أهل السهمان. وإن قبضها بسؤال أهل السهمان فتلفت (في يده) (3) من غير تفريط لم يضمن، وأجزأت عن رب المال، لأن يده كيدهم إذا نوى في القبض، والمالك مأمور بالدفع إليه، فحصل الإجزاء، للامتثال. وإن قبضها بسؤال أرباب الأموال فلا ضمان عليه، لأنه أمين قبض المال بإذن ربه على سبيل الأمانة ولا تجزئ عن أربابها، بل تكون من أموالهم، لأنه وكيل لهم فيها. وإن كان بسؤالهما معا قال الشيخ: الأولى أن يكون منهما لأن كل واحد منهما له إذن في ذلك، ولا ترجيح لأحدهما على صاحبه في ذلك (4).

(1) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 158، فتح العزيز 5: 537، المغني 2: 502 (2) بدائع الصنائع 2: 52، المغني 2: 502، الشرح الكبير 2: 684، فتح العزيز 5: 537 (3) ما بين القوسين لم يرد في " ن " (4) المبسوط للطوسي 1: 228.

[ 305 ]

وللشافعي وجهان: أحدهما: يكون من ضمان أرباب الأموال، لأنهم أقوى جنبة فإنهم المالكون للمال. والثاني: يكون من ضمان الفقراء، لأنه قبضه لمنفعتهم بإذن، فكان من ضمانهم. وهو أصحهما عند الشافعية (1). مسألة 217: ما يتعجله الوالي من الصدقة يقع مترددا بين أن يقع زكاة أو يسترد - وبه قال الشافعي (2) - لأنا قد بينا أنه لا يجوز تقديم الزكاة إلا على جهة القرض، فإذا حال الحول فإن تمت الشرائط والدافع والمدفوع إليه على الصفات، كان للمالك احتسابه من الزكاة والاسترداد على ما اخترناه نحن. وعند الشافعي يقع زكاة معجلة، فإن تغيرت الأحوال لم يسقط عنه الدين، بل يتأكد قضاؤه عليه (3). وقال أبو حنيفة: إنه متردد بين أن يقع زكاة أو تطوعا (4). وليس بجيد، لأن المالك لم يقصد التطوع، فلا ينصرف إلى غير ما قصده. مسألة 218: إذا تسلف الساعي الزكاة، فبعد الحول إن لم يتغير الحال في المال والدافع والمدفوع إليه، فعلى ما اخترناه نحن من أنها قرض لا زكاة معجلة، للمالك استرجاعها منه، ودفعها إلى غيره، أو دفع عوضها، أو احتسابها من الزكاة، وللمدفوع إليه دفع المثل أو القيمة وإن كره المالك، لأنه قرض. وعند القائلين بأنها زكاة معجلة يقع الدفع موقعه ويجزئ، وليس للمالك انتزاعها منه (5).

(1) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 159، و 5: 537 و 538، حلية العلماء 3: 138، المغني 2: 502، الشرح الكبير 2: 684.
(2) حلية العلماء 3: 137.
(3) حلية العلماء 3: 136.
(4) حلية العلماء 3: 137، بدائع الصنائع 2: 52.
(5) المغني 2: 500، الشرح الكبير 2: 683.

[ 306 ]

وإن تغيرت حال المالك فمات قبل الأجل أو نقص النصاب أو ارتد لم يقع ما دفعه زكاة، وله استرجاعه - وبه قال الشافعي وأحمد (1) - لأنه مال دفعه عما يستحقه القابض في الثاني (2)، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب الرد، كما لو دفع أجرة في سكنى دار فانهدمت. ولأنه دفع على أنها زكاة واجبة وقد ظهر البطلان. وقال أبو حنيفة: ليس له استرجاعه إلا أن يكون في يد الإمام أو الساعي، لأنها وصلت إلى يد الفقير، فلم يكن له استرجاعها، كما لو لم يشترط، لأنه زكاة معجلة (3). والفرق أنه إذا لم يشترط التعجيل احتمل أن يكون تطوعا، فلم يقبل قوله في الرجوع. وإن تغيرت حال الفقير بأن يستغني بغير الزكاة، أو يرتد، فإنها لا تجزئ، ويجب استرجاعها ليدفعها إلى مستحقها - وبه قال الشافعي (4) وأحمد (5) - لأن ما كان شرطا في إجزاء الزكاة إذا (عدم) (6) قبل حلول الحول لم يجزئ كما لو مات رب المال. وقال أبو حنيفة: وقعت موقعها، لأن تغير حال الفقير بعد وصول الزكاة

(1) المجموع 6: 155، فتح العزيز 5: 539، حلية العلماء 3: 135، المغني 2: 501، الشرح الكبير 2: 684.
(2) أي. في العام القابل (3) بدائع الصنائع 2: 52، فتح العزيز 5: 539، حلية العلماء 3: 135.
(4) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 154، فتح العزيز 5: 535، المغني 2: 500، الشرح الكسير 2: 683.
(5) يظهر من المغني 2: 500، والشرح الكبير 2: 683، أن قول أحمد موافق لقول أبي حنيفة ومخالف لرأي المصنف، والشافعي. فلاحظ (6) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق، والطبعة الحجرية: (تقدم) والصحيح - كما يقتضيه السياق - ما أثبتناه

[ 307 ]

إلى يده لا يمنع من إجزائها، كما لو استغنى بها (1). والفرق: أنه إذا استغنى بها حصل المقصود بالدفع، فلم يمنع ذلك من إجزائها. فروع: أ - لو مات المدفوع إليه جاز الاحتساب من الزكاة بعد الحول، لأن قضاء الدين عن الميت من الزكاة سائغ على ما أوضحناه. ولأنه من سبيل الله. ومنع الشافعي من ذلك (2). وليس بمعتمد. ب - " قال الشيخ: إذا عجل الزكاة لمسكين ثم حال الحول وقد أيسر، فإن كان من هذا المال مثل أن كانت ماشية فتوالدت، أو مالا فاتجر به وربح، وقعت موقعها، ولا يجب استرجاعها، لأنه يجوز أن يعطيه ما يغنيه، لقول الصادق عليه السلام: " أعطه وأغنه " (3). ولأنا لو استرجعناها منه افتقر وصار مستحقا للاعطاء، ويجوز أن ترد عليه، وإذا جاز ذلك جاز أن يحتسب به. وإن كان قد أيسر بغير هذا المال بأن ورث أو غنم أو وجد كنزا، لم تقع موقعها، ووجب استرجاعها، أو إخراج عوضها؟ لأن ما أعطاه كان دينا عليه، وإنما تحتسب عليه بعد حؤول الحول، وفي هذه الحال لا يستحق الزكاة، لغنائه، فلا تحتسب له (4). وفي قول الشيخ إشكال، أما أولا: فلأن نماء المدفوع يقع ملكا

(1) بدائع الصنائع 2: 52، المغني 2: 500، الشرح الكبير 2: 683، حلية العلماء 3: 137.
(2) المهذب للشيرازي: 174، المجموع 6: 154، فتح العزيز 5: 535، حلية العلماء 3: 136.
(3) نقله الشيخ الطوسي بالمعنى، وانظر: الكافي 3: 548 / 3 و 4 والتهذيب 4: 63 / 170 و 64 / 174.
(4) المبسوط للطوسي 1: 235.

[ 308 ]

للقابض، لأنه قرض على ما تقدم، ونماء القرض لمالكه، فإذا كان النماء موجبا للغناء لم يجز صرف الزكاة إليه كما لو كان غنيا بغيره. وأما ثانيا: فلأن ما يأخذه على سبيل القرض يملكه المقترض، ويخرج عن ملك الدافع، فلا يكون محسوبا من النصاب، فيجب على المالك زكاة ما في يده إن كان نصابا، ولا يضم إليه ما أخذه القابض. ج - إنما يكون له الرجوع في موضعه إذا شرط حالة الدفع ثم ظهر الخلاف على ما يأتي. مسألة 219: إذا تسلف الساعي الزكاة، وتغيرت الحال، وحكمنا باسترداد المدفوع، فإن كان باقيا بحاله استرجعه إن شرط حالة الدفع أنها زكاة معجلة، لفساد الدفع عندنا، ولفوات شرط الاستحقاق عند من سوغه. وإن كان قد زاد زيادة متصلة كالسمن رد العين مع الزيادة؟ لأنها تابعة لها، وإن كانت منفصلة كالولد رده أيضا مع ألعين، لفساد الدفع. وقال الشافعي: لا يسترد النماء، لأنها حدثت في ملك الفقير (1). وهو ممنوع. نعم لو دفعها قرضا ملكها الفقير، ولم يكن له الرجوع في العين، بل يطالب بالمثل أو القيمة سواء زادت أو لا، والنماء المنفصل للفقير حينئذ، لأنه نماء ملكه. ولو كانت ألعين ناقصة لم يضمن النقصان لفساد الدفع، فكانت العين أمانة في يده، أما لو قبضها قرضا فإنه يضمن النقصان. وقال الشافعي في الأم: لا يضمنها، لأن النقص حدت في ملكه فلا يضمنه (2).

(1) ألام 2: 21، المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 152، فتح العزيز 5: 543 (2) الأم 2: 21 وعنه في فتح العزيز 5: 543..

[ 309 ]

وله آخر: الضمان، لأن من ضمن القيمة عند التلف ضمن النقص (1). ولو كانت العين تالفة، فإن كان لها مثل وجب المثل وإلا القيمة. ومتى يعتبر؟ قال الشيخ: يوم القبض، لأنه قبض العين على جهة القرض، فيلزمه قيمة يوم القبض (2). وهو حق إن دفعها على جهة القرض، أما لو دفعها على أنها زكاة معجلة فإن الدفع يقع فاسدا، والملك باق على مالكه. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه تعتبر القيمة يوم القبض - وبه قال أحمد - لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص فإنما كانت في ملكه فلم يضمنه، كما لو تلف الصداق في يد المرأة ثم طلقها فإنها تضمن نصيبه يوم القبض. والثاني: يضمنه يوم التلف (3)، لأن حقه انتقل من العين إلى القيمة بالتلف، فاعتبر يوم التلف كالعارية، بخلاف الصداق، فإن حقه في المسمى خاصة، ولهذا لو زاد الصداق لم يرجع في العين مع الزيادة المتصلة والمنفصلة، فافترقا. إذا عرفت هذا، فإن استرجع المدفوع بعينه ضم إلى ماله، وأخرج زكاته إن كان قد دفع على أنها زكاة معجلة، لبقاء الملك على ربه، وتمكنه من أخذه، وبه قال الشافعي (4). وبعض أصحابه قال: إن كان غير الحيوان ضمه كما يضم الدين إلى ماله، وإن كان حيوانا لم يضمه؟ لأنه لما استغنى الفقير زال حكم الزكاة فيها،

(1) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 153، فتح العزيز 5: 543، حلية العلماء 3: 136.
(2) المبسوط للطوسي 1: 229.
(3) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 151، فتح العزيز 5: 542، حلية العلماء 3: 136، المغني 2: 501، الشرح الكبير 2: 684.
(4) المهذب للشيرازي 1: 174، حلية العلماء 3: 136.

[ 310 ]

وتعلق حقه بعينها، ولم يملكها إلا بالرجوع فيها، فانقطع حكم الحول فيها (1). وإن استرجع القيمة لم يضمها إلى ماله، لأنه تجدد ملكه عليها، ولم يكن حكمها حكم ماله. مسألة 220: إذا عجل الزكاة إلى فقير حال الدفع ثم استغنى بغير الزكاة ثم افتقر فحال الحول وهو فقير، جاز له أن يحتسب من الزكاة، لأن الاعتبار بحال الدفع وحال الحول، وإذا كان حال الدفع فقيرا حصل المقصود بالدفع، وإذا كان فقيرا حال الحول فهو ممن يجوز دفع الصدقة إليه فيجزئه، ولا اعتبار بما بينهما، وهو أحد وجهي الشافعي (2). وفي الثاني: لا يجزئ (3)، لأنه بالاستغناء بطل قبضه، فصار كما لو دفعها إلى غني ثم صار فقيرا عند الحول. ونمنع الحكم في الأصل. ولو دفعها إلى غني إلا أنه افتقر حال الحول، فالوجه الإجزاء، لأن الاعتبار إنما هو بالحول، وهو حينئذ ممن يستحق الزكاة. وقال الشافعي: لا يجوز (4)، لأن التعجيل جاز للارفاق، فإذا لم يكن من أهله لم يصح التعجيل. وينتقض عليهم: بما لو أوصى لوارث ثم تغيرت حاله (5) فمات وهو غير وارث، فإنها تصح الوصية عندهم (6) اعتبارا بحال نفاذها. ولأنه لا فائدة في

(1) المهذب للشيرازي 1: 174، حلية العلماء 3: 136. (2 و 3) المهذب للشيرازي 1: 174، المجموع 6: 154، فتح العزيز 5: 535، حلية العلماء 3: 137.
(4) المجموع 6: 156.
(5) بارتداد مثلا.
(6) لم نعثر عليه في مظانه.

[ 311 ]

استعادتها منه ثم دفعها إليه. مسألة 221: إذا عجل الزكاة ثم تلف ماله قبل الحول بطل الحول، وسقطت الزكاة عنه، وله الرجوع فيما دفعه إن كان حين الدفع قال: هذه صدقة مالي عجلتها أو زكاة مالي عجلتها، لأنه دفع دفعا مشروطا لا مطلقا، وقد ظهر بطلانه، فله الاستعادة. وإن قال: هذه زكاة مالي، أو صدقة مالي، وأطلق، لم يكن له أن يرجع فيها، قاله الشيخ (1) - وهو مذهب الشافعي (2) - لأنه إذا قال: هذه زكاة مالي، كان الظاهر أنها واجبة عليه، واحتمل أن يكون عن هذا المال وعن غيره. وإذا قال: هذه صدقة، كان الظاهر أنها صدقة في الحال إما واجبة أو تطوع. فإن ادعى علم المدفوع إليه أنها معجلة، كان له إحلافه، لأن المدفوع إليه منكر لو اعترف بما قاله الدافع وجب عليه رد ذلك، فإذا. أنكره وادعى علمه أحلف، كمن يدعي على ورثة الميت دينا عليه، وهو أحد وجهي الشافعي. وفي الثاني: لا يحلف، لأن دعوى الدافع يخالف ظاهر قوله فلم يسمع (3). لا يقال: ألا جعلتم القول قول الدافع، لأنه أعلم بنيته، كما لو دفع مالا وقال: إنه قرض، وقال المدفوع إليه: إنه هبة، فالقول قول الدافع، وكما لو قضى أحد الدينين وادعى القابض قضاء الآخر، قدم قول الدافع. لأنا نقول: إنما كان القول في هاتين قول الدافع، لأنه لا يخالف الظاهر، فكان أولى، وفي مسألة الزكاة قول الدافع يخالف الظاهر، لأن الزكاة

(1) المبسوط للطوسي 1: 231.
(2) المهذب للشيرازي 1: 173 - 174، المجموع 6: 150، مغني المحتاج 1: 417.
(3) المجموع 6: 150، فتح العزيز 5: 540.

[ 312 ]

ظاهرة في الوجوب، والمعجلة ليست زكاة في الحال، فلم يقبل قوله. أما الوالي إذا أطلق وكانت معجلة، فإن له الرجوع، لأنه نائب عن الفقراء، فيقبل قوله عليهم، ورب المال يدعيها لنفسه، فلم يقبل قوله. إذا ثبت هذا، فالدافع أعرف بنيته إن كان صادقا وتمكن من الاستيفاء، كان له ذلك، وإلا فلا. ولو علم الفقير ذلك وجب عليه الرد مع الطلب وإن كان مستحقا ولم يتغير الحال. مسألة 222: قد بينا أنه لا يجوز أن يعجل الزكاة قبل إكمال النصاب عند المجوزين، فلو كان معه مائتا شاة فعجل زكاة أربعمائة عن المائتين الموجودة وعما تتوالد، فتوالدت وبلغت أربعمائة لم تجزئ إلا عن المائتين عند القائلين منا بالتعجيل - وهو أحد وجهي الشافعي (1) - لأنها لم توجد في ملكه، فأشبه ما إذا زكى مائتي درهم قبل حصولها. والثاني: الاجراء، لأن السخال تابعة للأمهات، فإذا سلف عنها مع وجود الأمهات صار ذلك كوجودها (2). ولو كان عنده عشرون من الغنم حوامل، فعجل شاة عنها وعن أولادها، فتوالدت وبلغت أربعين، لم تجزئ، لأنها لا تتبع ما دون النصاب، وبه قال الشافعي (3). ولو كان معه سلعة للتجارة قيمتها مائتان، فأخرج زكاة أربعمائة، ثم زادت قيمتها، وصارت أربعمائة عند الحول، لم يجزئه عندنا، لما تقدم. وقال الشافعي: يجزئه، لأن الواجب في قيمة العرض، والاعتبار بالقيمة في آخر الحول دون غيره، ولهذا لو نقصت القيمة ثم زادت لم ينقطع الحول (4).

(1 و 2) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 148، حلية العلماء 3: 134.
(3) انظر: فتح العزيز 5: 531، والمجموع 6: 146 (4) فتح العزيز 5: 532، المهذب - للشيرازي 1: 173

[ 313 ]

وكذا لو كان معه أقل من نصاب للتجارة، فأخرج خمسة دراهم، وزادت القيمة، وبلغت نصابا، أجزأه (1). وعندنا أن النصاب معتبر في أول الحول إلى آخره في القيمة، فلهذا قلنا بعدم الإجزاء. ولو كان معه مائتا درهم فعجل منها خمسة، فلما دنا الحول أتلف منها درهما انقطع الحول، وسقطت الزكاة عنه، لقصور المال عن النصاب، وله أن يرجع فيما عجله إذا شرط أنه زكاة معجلة، لأن الزكاة لم تجب عليه. ولا فرق في النقصان قبل الحول بين التفريط وعدمه، ولهذا نمنع وجوب الزكاة، وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني: ليس له، لأنه مفرط في ذلك، قاصد لاسترجاع ما عجله، فلم يكن له الرجوع (2). وقد تقدم أن التفريط لا يمنع الرجوع.

(1) المهذب للشيرازي 1: 173، المجموع 6: 146 و 148.
(2) فتح العزيز 5: 542، حلية العلماء 3: 136.

[ 315 ]

الفصل الثالث في المخرج مسألة 223: يجوز أن يتولى المالك الإخراج بنفسه في الأموال كلها، سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وإن كان الأفضل في الظاهرة صرفها إلى الإمام أو الساعي، ليتوليا تفريقها، عند علمائنا - وبه قال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير وميمون بن مهران والثوري وطاوس وعطاء والشعبي والنخعي وأحمد والشافعي في أحد القولين (1) - لأنها حق لأهل السهمان، فجاز دفعه إليهم، لأنهم المستحقون كسائر الحقوق، وكالدين إذا دفعه إلى مالكه، وكالزكاة الباطنة. ولأنه أحد نوعي الزكاة، فأشبه الآخر. ولقول الصادق عليه السلام: " لو أن رجلا حمل زكاته على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا " (2). وقال مالك: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام - وبه قال أبو حنيفة

(1) المغني 2: 505 و 506، الشرح الكبير 2: 671، المهذب للشيرازي 1: 175. المجموع 6: 164، حلية العلماء 3: 141.
(2) الكافي 3: 501 / 16، التهذيب 4: 104 / 297.

[ 316 ]

والشافعي في أحد القولين (1) - لقوله تعالى: { خذ من أموالهم } (2). ولأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لقاتلتهم عليها. ووافقه الصحابة على هذا (3). ولأن ما للامام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه كولي اليتيم (4). والجواب: نقول بموجب الآية، فإنها تدل على أن للامام أخذها، ولا خلاف فيه. ومطالبة أبي بكر، لمنعهم، ولو أدوها إلى مستحقها لم يقاتلهم. وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقها، وإذا دفعها إليهم جاز، لأنهم أهل رشد، فجاز الدفع إليهم، بخلاف اليتيم. إذا ثبت هذا، فإن المالك يتخير في الصرف إلى الإمام أو إلى العامل أو المساكين أو الوكيل، لأنه فعل تدخله النيابة فجاز التوكيل فيه. مسألة 224: الأفضل أن تدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام العادل، وبه قال الباقر عليه السلام والشعبي، والأوزاعي وأحمد (5) - لأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهرا وباطنا، لاحتمال أن يكون الفقير غير مستحق، ويزيل التهمة عنه في منع الحق، ولأنه يخرج من الخلاف.

(1) بدائع الصانع 2: 35، المغني 2: 506، الشرح الكبير 2: 672، المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 164، حلية العلماء 3: 141.
(2) التوبة: 103.
(3) صحيح البخاري 2: 131، سنن البيهقي 4: 114.
(4) المنتقى - للباجي - 2: 94، المغني 2: 506، الشرح الكبير 2: 672، حلية العلماء 3: 141.
(5) المغني 2: 506، الشرح الكبير 2: 671 - 672.

[ 317 ]

وقال بعض الجمهور: الأفضل أن يفرقها بنفسه، لما فيه من توفير أجر العمالة وصيانة الحق عن خطر الخيانة ومباشرة تفريج كربة مستحقها وإغنائه بها، مع إعطائها الأولى بها من محاويج أقاربه وذوي رحمه وصلة الرحم بها فكان أفضل (1). ولو تعذر الصرف إلى الإمام حال الغيبة استحب دفعها إلى الفقيه المأمون من الامامية، لأنه أبصر بمواقعها. ولأنه إذا دفعها إلى الإمام أو الفقيه برئ لو تلفت قبل التسليم، لأن الإمام أو نائبه كالوكيل لأهل السهمان، فجرى مجرى قبض المستحق. مسألة 225: لو طلب الإمام الزكاة منه وجب دفعها إليه إجماعا منا، لأنه معصوم تجب طاعته وتحرم مخالفته، فلو دفعها المالك إلى المستحقين بعد طلبه وإمكان دفعها إليه فقولان لعلمائنا: الإجزاء - وهو الوجه عندي - لأنه دفع المال إلى مستحقه، فخرج عن العهدة، كالدين إذا دفعه إلى مستحقه. وعدمه، لأن الإخراج عبادة لم يوقعها على وجهها، لوجوب الصرف إلى الإمام بالطلب، فيبقى شي عهدة التكليف. ولا خلاف في أنه يأثم بذلك. مسألة 226: الطفل والمجنون إن أوجبنا الزكاة في مالهما أو قلنا باستحبابها فالولي هو المتولي للاخراج، وحكم الولي هنا حكم المالك، إن شاء فرقها بنفسه، وإن شاء دفعها إلى الساعي أو إلى الإمام، وكذا الوكيل في الدفع له أن يدفع إلى الفقراء وإلى الإمام وإلى الساعي. ولو أمره المالك بالمباشرة، فإن دفع إلى الإمام العادل برئ، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإن دفعها إلى الساعي فالوجه الضمان، للمخالفة. مسألة 227: يجب أن ينصب الإمام عاملا لقبض الصدقات، لأنه من الأمر بالمعروف، ومن المصالح ألتي تشتد الحاجة إليها من الفقراء

(1) قاله ابنا قدامة في المغني 2: 506 - 507، والشرح الكبير 2: 672.

[ 318 ]

للانتفاع، ومن المالك لتخليص ذمته من الحق. ويجب الدفع إليه مع طلبها، لأنه كالنائب للامام، وأمره مستند إلى أمره ولما كان امتثال أمر الإمام واجبا فكذا أمر نائبه. ولقوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } (1) والأمر بالاخذ يستلزم الأمر بالاعطاء. مسألة 228: وليس للعامل أن يتولى تفريق الصدقة إلا بإذن الإمام، لأنه لا ولاية له إلا من قبله عليه السلام، فتختص ولايته بما قصرها عليه، فإن فوض إليه ذلك جاز -. ثم إن عين له الإمام الصرف إلى أقوام معينين على التفضيل أو التسوية، لم يجز التخطي (2)، فإن تخطى إلى غيرهم أو فضل وقد أمر بالتسوية أو بالعكس، ضمن القدر الذي فرط فيه خاصة، وإن أطلق تصرف هو كيف شاء مما يبرئ المالك. ولو عين له المالك وعين له الإمام أيضا، واختلف المحل أو التقسيط اتبع تعيين الإمام خاصة. ومع إطلاق الإمام وتعيين المالك هل يجوز له التخطي (3) إلى غير من عينه المالك؟ إشكال ينشأ من أن للمالك التخيير لا لغيره، ومن زوال ولايته بالدفع إلى الساعي. إذا عرفت هذا، فإذا أذن الإمام في التفريق وأطلق، جاز أن يأخذ نصيبه من تحت يده، لأنه أحد المستحقين وقد أذن له في الدفع إليهم، فيندرج تحت الإذن كغيره. مسألة 229: وإذا بعث الإمام الساعي لم يتسلط على أرباب المال، بل يطلب منهم ألحق إن كان عليهم، فإن قال المالك: أخرجت الزكاة، أو،

(1) التوبة: 103. (2 و 3) في النسخ الخطية والحجرية: التخطية. والصحيح ما أثبتناه.

[ 319 ]

لم يحل على مالي الحول، أو أبدلته، صدقه من غير يمين، خلافا للشافعي (1)، على ما تقدم. ولا يلزم المالك أن يدفع من خيار ماله، ولا يقبل منه الأدون، بل يؤخذ الأوسط، ويقسم الشياه قسمين عندنا، ويخير المالك حتى تبقى الفريضة. وقال بعض الجمهور: يقسم ثلاثة أقسام: أجود وأدون وأوسط، وتؤخذ الفريضة من الأوسط (2). وقولنا أعدل، لأن فيه توصلا إلى الحق من غير تسلط على أرباب الأموال. مسألة 230: وينبغي أن يخرج العامل في أخذ صدقة الثمار والغلات عند كمالها وقطفها وجذاذها وتصفيتها، والناحية الواحدة لا تختلف زروعها اختلافا كثيرا، وأما ما يعتبر فيه الحول فيخرج في رأس الحول استحبابا، لتنضبط الأحوال. فإذا قدم العامل فإن كان حول الأموال قد تم، قبض الزكاة، وإن كان فيهم من لم يتم حوله وصى عدلا ثقة يقبض الصدقة منه عند حلولها، ويفرقها في أهلها إن أذن له الإمام دفعا لحرج العود. وإن رأى أن يكتبها دينا عليه ليأخذ من قابل، فالوجه المنع، خلافا للشافعي (3). وإن أراد أن يرجع في وقت حلولها لقبضها كان أولى. ولا يكلف أرباب الأموال أن يجلبوا المواشي إليه ليعدها، ولا يكلف الساعي أن يتبعها في مراتعها، لما فيه من المشقة، بل يقصد الساعي موارد

(1) المهذب للشيرازي 1: 176، المجموع 6: 174، حلية العلماء 3: 142.
(2) حكاه المحقق في المعتر: 276 (3) المهذب للشيرازي 1: 176، المجموع 6: 173.

[ 320 ]

المياه أو مراحها، فإن تعددت الموارد كلف أربابها الاجتماع في موضع واحد إذا كان يكفيها ليخف على الساعي من غير ضرر على أربابها، فإذا أراد عدها ضم الغنم إلى حيطان أو جدار أو جبل، ثم يحصرها حتى لا يكون لها طريق إلا ما تمر فيه شاة شاة أو شاتين شاتين. فإذا عدها وادعى المالك الخطأ، وأنها أقل، عدت مرة ثانية وثالثة، وكذا لو ظن العاد أنه أخطأ. ولو أخبره المالك بالعدد وكان ثقة، قبل منه. وهو قول الشافعي (1). مسألة 231: إذا فرق المالك الزكاة بنفسه، لم يخرج نصيب العامل، لأنه لم يعمل فلم يستحق شيئا. وكذا لو فرق الإمام بنفسه أو نائبه، ولا نعلم فيه خلافا. ولو فرقها الساعي (أو الإمام) (2) فلا بحث. وإن احتاج الساعي إلى بيعها لمصلحة من إزالة كلفة في نقلها أو مرضها أو نحوه، كان له ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله رأى في إبل الصدقة كوماء (3)، فسأل عنها، فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل، فسكت (4). والرجعة: أن يبيعها ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها. فإن لم تكن حاجة إلى بيعها، احتمل جوازه، لسكوته صلى الله عليه وآله حين أخبره المصدق بارتجاعها، ولم يستفصل. وعدمه، لأنه مال الغير، فيبطل البيع، وعليه الضمان. مسألة 232: ويستحب للعامل أن يسم نعم الصدقة - وبه قال الشافعي (5) - لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسم الإبل في

(1) المجموع 6: 170.
(2) كذا في النسخ الخطية والطبعة الحجرية. والصحيح: بإذن الإمام.
(3) كوماء: الناقة العظيمة السنام. غريب الحديث - للهروي - 3: 84. (4) أورد ما بمعناه، إن أبي شيبة في مصنفه 3: 125 و 126.
(5) المهذب للشيرازي 1: 176، المجموع 6: 176، حلية العلماء 3: 143.

[ 321 ]

أفخاذها، ووسم الغنم في آذانها (1). وعليه إجماع الصحابة. ولأن الحاجة تدعو إليه في تمييز إبل الصدقة من إبل الجزية وغيرها، وربما شردت فعرفها من وجدها فردها، وربما رآها المالك فيكره شراءها. وقال أبو حنيفة: يكره، لأنه مثلة (2). وفعل النبي عليه السلام أولى. ويستحب أن توسم في المواضع الصلبة المنكشفة كأفخاذ الإبل وآذان الغنم، وأن يكتب على الميسم ما تؤخذ له، فعلى إبل الزكاة زكاة أو صدقة. وعلى إبل الجزية جزية أو صغار. ولو كتب عليها لله، كان أبرك وأولى. مسألة 233: لا يجوز دفع الزكاة إلى ولاة الجور عند علمائنا أجمع، لانتفاء ولايتهم واستحقاقهم لها، فلا سبب يقتضي تسويغ الدفع إليهم. ولقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } (3) والجائر ظالم، ودفع الزكاة إليه ركون إليه، فيبقى في عهدة التكليف. وقال الشافعي: يجوز الدفع إلى ولاة الجور سواء عدل فيها أو جار، وسواء أخذها قهرا أو دفعها إليه اختيارا. وبه قال أحمد وأبو ثور (4). واختلفوا، فقال أبو علي الطبري: دفعها إلى الجائر أولى (5)، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (ستكون بعدي أمور تنكرونها) فقالوا: ما نصنع؟ فقال: (أدوا حقهم واسألوا الله حقكم) (6).

(1) صحيح البخاري 7: 126، صحيح مسلم 3: 1674 / 110 - 112، سنن ابن ماجه 2: 1180 / 3565، مسند أحمد 3: 171 و 254 و 259.
(2) المجموع 6: 176، حلية العلماء 3: 143، عمدة القاري 9: 107، فتح الباري 3: 286.
(3) هود: 113.
(4) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 164، المغني 2: 507، الشرح الكبير 2: 673.
(5) لم نجده في مظانه من المصادر المتوفرة لدينا.
(6) صحيح مسلم 3: 1472 / 1843، المعجم الصغير للطبراني 2: 80، مسند أحمد 1: 428 نحوه

[ 322 ]

ولأن أبا صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال وأريد أن أخرج زكاته وهؤلاء القوم على ما ترى فما تأمرني؟ فقال: أدفعها إليهم، فأتيت ابن عمر فقلت فقال { مثل } (1) ذلك، فأتيت أبا هريرة فقال مثل ذلك، فأتيت أبا سعيد الخدري فقال l ثل ذلك (2). ولا حجة فيه، لأنه ليس إجماعا، ولجواز علم الاكراه. وكذا في حديث النبي صلى الله عليه وآله إن حمل على الزكاة. مسألة 234: إذا أخذ الجائر الزكاة، قال الشيخ: لم يجزئ عنه (3)، لأن أبا أسامة قال للصادق عليه السلام: جعلت فداك هؤلاء المصدقون يأتوننا فيأخذون منا الصدقة نعطيهم إياها؟ فقال: " لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم، أو قال: ظلموكم وإنما الصدقة لاهلها " (4). وقال في التهذيب: الأفضل إعادتها (5). وهو يعطي الجواز، وبه قال الشافعي وأحمد (6)، لقول الصادق عليه السلام في الزكاة: " ما أخذ منكم بنو أمية فاحتسبوا، ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فإن المال لا يبقى [ على هذا ] (7) أن يزكى مرتين " (8). وقال أبو حنيفة: تجزئ فيما غلبوا عليه. وقال: إذا مر على الخوارج

(1) زيادة يقتضيها السياق. (2) سنن البيهقي 4: 115، والمغنى 2: 506، الشرح الكبير 2: 672.
(3) الخلاف 2: 32، المسألة 22.
(4) التهذيب 4: 40 / 101، الاستبصار 2: 27 / 78 (5) التهذيب 4: 39 (6) المهذب للشيرازي 1: 175، المجموع 6: 164 و 165، المغني 2: 507، الشرح الكبير 2: 673.
(7) زيادة من المصدر (8) الكافي 3: 543 / 4 التهذيب 4: 39 - 40 / 99، الاستبصار 2: 27 / 76..

[ 323 ]

فعشروه لا تجزئ عن زكاته (1). وقال أبو عبيد: في الخوارج يأخذون الزكاة على من أخذوا منه الاعادة، لأنهم ليسوا بأئمة، فأشبهوا قطاع الطريق (2). والشافعي قال: إن أخذها إمام غير عادل أجزأت عنه، لأن إمامته لم تزل بفسقه (3). وقال أكثر الفقهاء من المحققين وأكثر أصحاب الشافعي: إن إمامته تزول بفسقه (4). وقال أحمد وعامة أصحاب الحديث منهم: لا تزول الامامة بفسقه (5). وهذا كله عندنا باطل، لأن الإمام عندنا يجب أن يكون معصوما، فالدافع إلى غيره مفرط فيضمن. أما لو أخذها الظالم منه قهرا فالوجه عندي التفصيل، وهو: أنه إن كان بعد عزل المالك لها وتعيينها، لم يضمن، وأجزأت، لأن له ولاية العزل، فتصير أمانة في يده بعد العزل، فإذا غصبت منه لم يضمن كسائر الأمانات، وإن كان قبله لم تجزئ، ولا تجب عليه فيما أخذ الظالم منه قهرا زكاة إجماعا. مسألة 235: إذا قبض الإمام أو الساعي الصدقة دعا لصاحبها. وهل هو واجب أو ندب؟ للشيخ قولان: أحدهما: الوجوب - وبه قال داود (6) - لقوله تعالى: { وصل عليهم } (7) والأمر للوجوب (8).

(1 و 2) المغني 2: 557، الشرح الكبير 2: 673. (3 و 4 و 5) حكاها الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 32 - 33، المسألة 32.
(6) المجموع 6: 171، عمدة القاري 9: 94، حلية العلماء 3: 147.
(7) التوبة 103.
(8) الخلاف 2: 125، المسألة 155.

[ 324 ]

والثاني: الندب (1) - وبه قال باقي الفقهاء (2) - عملا بإصالة البراءة، ولأنه عليه السلام لما بعث معاذا إلى اليمن قال. (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (3)، ولم يأمره بالدعاء. ولأن ذلك لا يجب على الفقير المدفوع إليه فالنائب أولى. وأما الاستحباب: فللآية. ولأن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل على آل فلان) فأتاه أبي بصدقته، فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى) (4) والصلاة هنا الدعاء والتبرك. مسألة 236: يكره أن يملك الانسان ما تصدق به اختيارا كالشراء وشبهه من عقود المعاوضات عليه، ويجوز من غير كراهة تملكه بميراث وشبهه، كقبضه في دين إذا دفعه الفقير، لوجوبه حينئذ. وليس الأول بحرام عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي (5) - لقوله عليه السلام: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل

(1) المبسوط للطوسي 1: 244.
(2) المغني 2: 558، الشرح الكبير 2: 675، المهذب للشيرازي 1: 176، المجموع 6: 171، حلية العلماء 3: 147.
(3) صحيح البخاري 2: 147، سنن أبي داود 2: 104 - 105 / 1584، سنن الدارقطني 2: 136 / 4 (صحيح البخاري 2: 159 و 8: 90 و 96، صحيح مسلم 2: 756 - 757 / 1078، سنن أبن ماجة 1: 572 / 1796، سنن أبي داود 2: 106 / 1590، سنن النسائي 5: 931 مسند أحمد 4: 353، 355، 381، 383، سنن البيهقي 2: 152، و 4: 157 و 7: 5 (5) المجموع 6: 241، المغني 2: 513.

[ 325 ]

ابتاعها بماله) (1). وتصدق رجل على أمه بصدقة ثم ماتت، فسأل النبي صلى الله عليه وآله فقال: (قد قبل الله صدقتك وردها إليك الميراث) (2) وهو في معنى الشراء. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " فإن تتبعت نفس صاحب الغنم [ من النصف الآخر منها شاة أو شاتين أو ثلاثا فليدفعها إليهم ثم ليأخذ صدقته ] (3) فإذا أخرجها (فليقومها) (4) فيمن يريد، فإذا قامت على ثمن فإن أرادها صاحبها فهو أحق بها " (5). ولأن ما صح أن يملك إرثا صح أن يملك ابتياعا كسائر الأموال. وقال أحمد ومالك وقتادة: يحرم عليه الشراء ولا ينعقد (6). وقال أصحاب مالك: إن اشتراها لم ينقض البيع (7)، لأن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، وظننت أنه بائعه برخص، فأردت أن اشتريه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) (8). ولا حجة فيه، لاحتمال كونه حبسا في سبيل الله فمنعه لذلك، أو أنه محمول على الكراهة، لما في الشراء من التوصل إلى استرجاع شئ منها،

(1) سنن ابن ماجة 1: 590 / 1841، سنن أبي داود 2: 119 / 1635، سنن الدارقطني 2: 121 / 3، مسند أحمد 3: 56، سنن البيهقي 7: 15 و 22.
(2) المغني 2: 513 نقلا عن سعيد بن منصور في سننه.
(3) زيادة من المصدر.
(4) في الكافي: فليقسمها.
(5) الكافي 3: 538 - 539 / 5، التهذيب 4: 98 / 276 (6 و 7) المغني 2: 513، المنتقى - للباجي - 2: 180 و 181.
(8) صحيح البخاري 4: 71، صحيح مسلم 3: 1239 / 1620، سنن البيهقي 4: 151.

[ 326 ]

فإن الفقير يستحي منه فلا يماكسه في الثمن، وربما أرخصها له طمعا في أخذ صدقة أخرى منه، وربما علم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه، أو توهم ذلك، ومثل هذا ينبغي اجتنابه. وقال ابن عبد البر: كل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه بالميراث طابت له، إلا ابن عمر والحسن بن حي (1). تذنيب: لو دعت الحاجة إلى الشراء، بأن يكون الفرض جزءا من حيوان لا يمكن الفقير الانتفاع بعينه، ولا يجد من يشتريه سوى المالك، ولو اشتراه غيره تضرر المالك بالمشاركة، والفقير بقلة الثمن، زالت الكراهة والتحريم إجماعا، وكذا كل موضع دعت الحاجة إلى البيع. مسألة 237: قد بينا أنه يجوز الاحتساب من الزكاة في دين على الفقير. ومنع منه أحمد، قال: ولو دفع إلى المديون الفقير زكاته فردها إليه قضاء عما عليه، جاز له أخذه إلا أن يكون حيلة. قال: فإن استقرض المديون مالا فقضاه ثم رده عليه وحسبه من الزكاة، فإن أراد بهذا إحياء ماله، لم يجز (2). فحصل من كلامه: أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله أو استيفاء دينه لم يجز، لأن الزكاة لحق الله، فلا يجوز صرفها إلى نفعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبضه، لأنه مأمور بأدائها، وهذا إسقاط. والحق ما قلناه من جواز ذلك كله.

(1) المغني 2: 514.
(2) المعني 2: 515.

[ 327 ]

الفصل الرابع في كيفية الإخراج ومباحثه ثلاثة: الأول النية مسألة 238: النية شرط في أداء الزكاة، فلا تصح من دونها عند علمائنا أجمع، وهو قول عامة أهل العلم (1). ولأنه عبادة، فتفتقر إلى النية لقوله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين } (2). ولقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) (3) وأداؤها عمل. ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل، فافتقرت إلى النية، كالصلاة والصوم. ولأن الدفع يحتمل الوجوب والندب، والزكاة وغيرها، فلا تتعين لأحد الوجوه إلا بالنية. وحكي عن الأوزاعي: أن النية لا تجب في الزكاة، لأنها دين، فلا

(1) المغني 2: 502، الشرح الكبير 2: 673.
(2) البينة: 5.
(3) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبن ماجة 2: 1413 / 4227، سنن الترمذي 4: 179 / 1647، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، مسند أحمد 1: 25، سنن البيهقي 7: 341.

[ 328 ]

تجب فيها النية، كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم، ويأخذها السلطان من الممتنع (1). والفرق ظاهر لانحصار مستحقه، وقضاؤه ليس بعبادة ولهذا يسقط بإسقاط مستحقه. وولي الطفل والسلطان ينويان عند الحاجة. مسألة 239: والنية: إرادة تفعل بالقلب مقارنة للدفع، لأنها مع (التقدم) (2) تكون عزما. ويشترط فيها القصد إلى الدفع، لأنه الفعل، وإلى مخصصاته من كون المدفوع زكاة مال أو فطرة، وإلا لم ينصرف إلى أحدهما، لعدم الأولوية. والوجه وهو: الوجوب أو الندب. والتقرب إلى الله تعالى. وأنها زكاته. والوكيل والولي والحاكم والساعي ينوون زكاة من يخرجون عنه. ولا يجب أن يذكر عن مال بعينه، ولا تعيين الجنس المخرج عنه، والتلفظ بالنية. وقال الشافعي: كيفية النية أن ينوي أنها زكاة ماله، وإن نوى أنها واجبة أجزأه (3). فإن قصد الاقتصار على هذا لا غير، فليس بجيد، وإن قصد مع انضمام ما شرطناه فهو مسلم. ولو نوى الزكاة ولم يتعرض بفرض لم تجزئ عندنا، وهو أحد وجهي الشافعية (4).

(1) المغني 2: 502، الشرح الكبير 2: 673، المجموع 6: 180، حلية العلماء 3: 145.
(2) في " ط ": التقديم.
(3) المجموع 6: 981، فتح العزيز 5: 523.
(4) المهذب للشيرازي 1: 177، المجموع 6: 181، فتح العزيز 5: 523، حلية العلماء 3: 146.

[ 329 ]

واختلف أصحابه في تقديم النية، فجوز بعضهم، لأنها عبادة تجوز فيه النيابة بغير عذر، ويجوز تقديمها على وجوبها، فجاز تقديم النية عليها - وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة (1) - لأن ذلك يؤدي إلى إيقاف إجزائه على نية وكيله، وفي ذلك تغرير بماله مع إجازة النيابة والحاجة إليها. وقال آخرون: لا يجوز (2)، كما قلناه، لأنها عبادة تدخل فيها بفعله، فلا يجوز تقديم النية عليها كالصلاة، ودخول النيابة لا يقتضي جواز تقديم النية عليها كالحج. ونمنع جواز تقديمها، وقد مضى، سلمنا، لكن لا يصلح للعلية، ونوجب نية الوكيل أو نيته عند دفعه. مسألة 240: الزكاة إن فرقها المالك تولى النية حالة الدفع. وإن دفعها إلى وكيله ليفرقها، فإن نوى الموكل حالة الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل حالة دفعه إلى الفقراء، أجزأ إجماعا. وإن لم ينويا معا، بأن ينويا الصدقة دون الزكاة لم يجزئه. وإن نوى المزكي حال دفعه إلى الوكيل ولم ينو الوكيل حالة الدفع إلى الفقراء، لم يجزئه عندنا، وهو أحد قولي الشافعية بناء على الوجهين في جواز تقديم النية (3). ومنهم من قال: يجزئه هنا وجها واحدا، لأنه لما أجيزت له النيابة جازت النية عند الاستنابة (4). وينتقض بالحج، ولأن نية الموكل لم تقارن الدفع، فوقع الفعل بغير

(1) المهدب للشيرازي 1: 177، المجموع 6: 182، فتح العزيز 5: 527، حلية العلماء 3: 145، بدائع الصنائع 2: 41.
(2) المهذب للشيرازي 1: 177، المجموع 6: 181، فتح العزيز 5: 527، حلية العلماء 3: 145. (3 و 4) المجموع 6: 183، فتح العزيز 5: 527، حلية العلماء 3: 146.

[ 330 ]

نية، فلا يعد عملا. ولو نوى الوكيل حال الدفع إلى الفقراء ولم ينو الموكل حال الدفع إلى الوكيل لم يجزئه - وبه قال الشافعي وأحمد (1) - لأن الفرض يتعلق بالمالك، والأجزاء يقع عنه. ويحتمل الإجزاء لو نوى الوكيل، لأنه نائب عن المالك، والفعل مما تدخله النيابة، فصحت نية الوكيل كالحج. أما لو لم ينو المالك حالة الدفع إلى الوكيل، ونوى حالة دفع الوكيل إلى الفقراء ولم ينو الوكيل، أجزأ، لأن النائب لا اعتبار به مع فعل المنوب ما وقعت فيه النيابة. مسألة 241: لو دفع المالك الزكاة إلى الإمام أو إلى الساعي ونوى حالة الدفع إليهما أجزأ وإن لم ينو أحدهما حالة الدفع إلى الفقراء - وبه قال أحمد (2) - لأن الإمام وكيل للفقراء. ولا فرق بين أن يطول زمان دفع الإمام إلى الفقراء وبين أن يقصر. والساعي كالامام، لأنه نائب عنه، وهو نائب عن الفقراء. ولو لم ينو المالك حالة الدفع إلى الإمام أو إلى الساعي ونوى أحدهما حالة الدفع إلى الفقراء، قال الشيخ: إن أخذها الإمام أو الساعي منه طوعا لم يجزئه، وإن أخذها أحدهما منه كرها أجزأ (3). وهو قول بعض الشافعية (4)، لأن تعذر النية في حقه أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون، ومع الاختيار يكون الدفع إلى نائب الفقراء بغير نية فلا يجزئ، كما لو دفع إلى الفقراء.

(1) المجموع 6: 183، فتح العزيز 5: 527، حلية العلماء 3: 146، المغني 2: 503، الشرح الكبير 2: 675.
(2) المغني 2: 503، الشرح الكبير 2: 675.
(3) المبسوط للطوسي 1: 233.
(4) المجموع 6: 184، فتح العزيز 5: 525.

[ 331 ]

قال الشيخ: إنه حالة التطوع وإن لم تجزئه لكن ليس للامام مطالبته بها ثانية (1) وقال الشافعي: تجزئه سواء أخذها الإمام طوعا أو كرها. وفرق بين دفعها إلى الفقراء وبين دفعها إلى الإمام، لأن أخذ الإمام بمنزلة القسم من الشركاء، فلا يحتاج إلى نية. ولأن الإمام إنما يأخذ الزكوات الواجبة، لأنه لا نظر له إلا في ذلك، ولا يحتاج إلى نية. ولأن للامام ولاية الأخذ، ولهذا يأخذها من الممتنع اتفاقا، ولو لم تجزئه لما أخذها، أو لاخذها ثانيا وثالثا، لأن أخذها إن كان لإجزائها فلا يحصل الإجزاء بدون النية، وإن كان لوجوبها فالوجوب باق بعد أخذها (2). وقال بعض الشافعية: لا تجزئ فيما بينه وبين الله تعالى (3)، سواء أخذها طوعا أو كرها، لأن الإمام إما نائب للفقراء فلا يجزئ الدفع إليه بغير نية، كما لو دفع إلى الفقراء (4)، وإما نائب عن المالك، فيكون كالوكيل لا يجزئ عنه إلا مع نيته. ولأنها عبادة فلا تجزئ مع عدم نية من وجبت عليه إذا كان من أهل النية كالصلاة. وإنما أخذت منه مع عدم الإجزاء حراسة للعلم الظاهر، كالصلاة يجبر عليها ليأتي بصورتها، ولو صلى بغير نية لم تجزئه عند الله تعالى. وهو وجه عندي، ومعنى الإجزاء: عدم المطالبة بها ثانيا. ويمكن الفرق: بأن الصلاة لا تدخلها النيابة، فلا بد من نية فاعلها.

(1) المبسوط للطوسي 1: 233 (2) الأم 2: 23، المجموع 6: 184، فتح العزيز 5: 525 (3) المجموع 6: 184 - 185، فتح العزيز 5: 525 و 526.
(4) أي: بغير نية.

[ 332 ]

وقوله: الإمام إما وكيل للمالك أو للفقراء. قلنا: بل هو وال على المالك، ولا يصح إلحاق الزكاة بالقسمة، لأنها ليست عبادة، ولا تعتبر لها نية، بخلاف الزكاة. إذا عرفت هذا، ففي كل موضع قلنا بالاجزاء مع عدم نية المالك لو لم ينو الساعي أو الإمام أيضا حالة الدفع إلى الفقراء، توجه الإجزاء، لأن المأخوذ زكاة وقد تعينت بالاخذ. ويحتمل عدمه، لخلو الفعل حينئذ عن نية. مسألة 242: قد بينا أنه لا يشترط تعيين الجنس المخرج عنه في النية، فلو كان له مالان ونوى عن أحدهما ولم يعينه، أجزأ، سواء كان المدفوع من جنس أحدهما أو من غير جنس شئ منهما، وله صرفه إلى أي الصنفين شاء سواء خالف أولا. ومع اختلاف القيمة وقت الإخراج والاحتساب واتحاد المخرج مع أحد الجنسين إشكال: ينشأ من حصول الضرر للفقراء مع العدول عنه، ومن تسويغه لو لم تختلف، فكذا معه. وعلى قول المانعين من إخراج القيمة - كالشافعي ومن وافقه (1) - يتخرج الانصراف إلى الجنس خاصة. مسألة 243: يشترط في النية الجزم، وعدم التشريك بين وجهي الفعل، فينوي الفرض إن كان واجبا، والنفل إن كان تطوعا، فلو نوى النفل عن الفرض لم يجزئ، لأنه لم يوقع العبادة على وجهها. أما لو نوى الفرض عن النفل، فالوجه: الإجزاء، لأن نية الأقوى تستلزم نية الاضعف.

(1) المهذب للشيرازي 1: 157، المجموع 5: 428 و 431، حلية العلماء 3: 167، الشرح الكبير 2: 521.

[ 333 ]

ولو نوى بجميع ما أخرجه الفرض والنفل معا لم يجزئه عن الزكاة وكانت تطوعا - وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن (1) - لأنه شرك بين الفرض والنفل في نيته فلم يجزئ عن الفرض كالصلاة، ولأن الفعل الواحد لا يقع على جهتين، ولم ينو الفرض، فلم يقع عنه. وقال أبو يوسف: يجزئه عن الزكاة (2)، لأن النفل لا يفتقر إلى تعيين النية، فصار كأنه نوى الزكاة والصدقة. وليس بصحيح، لما تقدم. مسألة 244: لو كان له مال غائب، فأخرج الزكاة، وقال: إن كان مالي سالما فهذه عنه، أو تطوع، لم يجزئ عنه إن كان سالما - وبه قال الشافعي (3) - لأنه شرك بين الفرض والنفل، فلم تتخلص نية الفرض. وقال الشيخ في المبسوط: يجزئه (4) وليس بمعتمد. ولو قال: إن كان سالما فهذه عنه، وإن كان تالفا فهي تطوع، فكان سالما، أجزأ عنه، لعدم التشريك في النية بين الفرض والنفل، وإنما رتب فيها النفل عن الفرض، ونوى كل واحد منهما على تقدير لو لم يفعله لوقع لذلك، فإنه لو نوى أنها عن ماله، كان ذلك حكمها إن كان تالفا فهي تطوع، فإذا خرج بذلك أجزأه. ولو أخرج وقال: هذه عن مالي الغائب إن كان سالما، وإن لم يكن سالما فعن مالي الحاضر، أجزأه. وكذا لو قال: عن مالي الغائب أو الحاضر، فإنه يجزئه عن السالم منهما، لأنه لا يجب عليه تعيين الزكاة بمال بعينه، ولهذا لو كان له أربعمائة، فأخرج

(1 و 2) حلية العلماء 3: 146 - 147، بدائع الصنائع 2: 40.
(3) الأم 2: 22، مختصر المزني: 45، المهذب للشيرازي 1: 177، المجموع 6: 182، فتح العزيز 5: 524.
(4) المبسوط للطوسي 1: 232.

[ 334 ]

خمسة دراهم ينوي بها الزكاة أجزأه وإن لم يعينها عن إحدى المائتين. ولو أخرج خمسة دراهم وقال: إن كان قد مات مورثي فهذه زكاة عما ورثته منه، فكان قد ورث عنه، لم يجزئه، لأنه أخرجها عن غير أصل يبنى عليه النية، بخلاف ما إذا باع مال مورثه ثم بان أنه قد ورثه، فإنه يصح البيع، لأنه لا يفتقر إلى النية، والزكاة تفتقر إليها. وقال الشيخ: يجزئه إن قلنا بوجوب الزكاة في الغائب، ولو لم يكن قد مات ثم مات بعد ذلك، لم يجزئ، لفوات وقت النية (1). مسألة 245: لو أخرج وقال: هذه عن، مالي الغائب إن كان سالما، ولم يقل غير ذلك، فبان سالما، أجزأه. وإن بان تالفا، قال الشيخ: لم يكن له النقل إلى غيره (2) - وبه قال الشافعي (3) - لأنه عينها لذلك المال، فأشبه ما لو كان عليه كفارة، فأعتق عبدا عن أخرى عينها فلم يقع عنها، لم يجزئه عما عليه، كما لو كان عليه كفارة ظهار ويجرح رجلا ويقدم العتق عن كفارة القتل، فيبرأ المجروح، فإنه لا يجزئه صرفها إلى الظهار وإن كان في الابتداء لا يلزمه تعيين الكفارة بسببها، كذا الزكاة. والوجه عندي: الإجزاء، لأنه نوى ما ليس ثابتا في ذمته، ولم ينو مطلق التطوع، فلم يزل ملكه عنه، فيجوز نه العدول إلى غيره. مسألة 246: يجوز الإخراج عن المال الغائب مع الشك في سلامته، والتمكن منه، لأن الأصل بقاؤه، وتكون نية الإخراج صحيحة إجماعا، فلو دفعها إلى الساعي أو إلى الإمام باختياره، وقال: هذه عن مالي الغائب، فبان تالفا قبل الوجوب، فإن كان المدفوع إليه قد فرقها، لم يرجع عليه، وله أن يرجع على الفقراء مع بقاء العين، لفساد الدفع، وإن كانت في يده رجع بها،

(1 و 2) المبسوط للطوسي 1: 232.
(3) فتح العزير 5: 523، حلية العلماء 3: 190 *

[ 335 ]

وكان له أن يجعلها عن غيره - وبه قال الشافعي (1) - لأنه دفعها إلى الوالي ابتداء من غير سؤال ليفرقها، فيكون نائبا عنه، ولا يضمن بالدفع إلى الفقير، لأنه دفعها. إليه بسؤاله. مسألة 247: لو تصدق بجميع ماله ولم ينو بشئ منه الزكاة لم يجزئه - وبه قال الشافعي (2) - لأنه لم ينو الفرض، فأشبه ما لو صلى ألف ركعة بنية التطوع، فإنه لا يجزئه عن الفرض. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزئه استحسانا، لأنه تصرف فيه تصرفا لم يتعد به، فلم يضمن الزكاة (3). وهو ممنوع، لأنه متعد بتصرفه بقدر الزكاة بنية التطوع. ولو تصدق ببعضه، قال محمد: أجزأه عن زكاة ذلك البعض (4)، لأنه لو تصدق بجميعه أجزأه عن جميعه، فأجزأه إذا تصدق بالبعض عن البعض. وقال أبو يوسف: لا يجزئه (5)، لأنا أسقطنا عنه الزكاة لو تصدق بجميعه، لزوال ملكه عن المال على وجه القربة، وهنا لم يزل عن جميعه.

(1) الأم 2: 23، مختصر المزني: 45، فتح العزيز 5: 524.
(2) المهذب للشيرازي 1: 177، فتح العزيز 5: 27، حلية العلماء 3: 145.
(3) بدائع الصنائع 2: 40، المبسوط للسرخسي 3: 34، فتح العزيز 5: 527، حلية العلماء 3: 145.
(4) بدائع الصنائع 2: 40، المبسوط للسرخسي 3: 34 - 35، حلية العلماء 3: 145 - 146.
(5) بدائع الصنائع 2: 45، المبسوط للسرخسي 3: 34 - 35، حلية العلماء 3: 146.

[ 336 ]

البحث الثاني في كيفية التقسيط مسألة 248: يجوز تخصيص بعض الأصناف بجميع الزكاة، بل يجوز دفعها إلى واحد وإن كثرت، ولا يجب بسطها على الجميع عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري والثوري وأبو حنيفة وأحمد، وهو أيضا قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير والنخعي وعطاء والثوري وأبو عبيد (1) - لقوله عليه السلام: (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (2) أخبر بأنه مأمور برد جملتها في الفقراء وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم. ثم أتاه بعد ذلك مال، فجعله في صنف ثان سوى الفقراء، وهم المؤلفة قلوبهم: الاقرع بن حابس وعيينة بن حصين وعلقمة بن علاثة وزيد الخيل، قسم فيهم ما بعثه علي عليه السلام من اليمن (3). ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر، لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة، وأتاه فسأله، فقال له عليه السلام: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) (4).

(1) المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 705، المجموع 6: 186، المبسوط للسرخسي 3: 10، الهداية للمرغياني 1: 113، شرح فتح القدير 2: 205.
(2) صحيح البخاري 2: 158 - 159، سنن أبي داود 2: 104 - 105 / 1584، سنن الدارقطني 2: 136 / 4 و 5، سنن الدارمي 1: 379 - (3) صحيح البخاري 9: 155 صحيح مسلم 2: 741 / 143 و 144، سنن أبي داود 4: 243 / 4764، سنن النسائي 5: 87، مسند أحمد 3: 4، 31، 68، 72، 73.
(4) صحيح مسلم 2: 722 / 109، سنن النسائي 5: 89، سنن أبي داود 2: 120 / 1640.

[ 337 ]

وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: أنه أمر له بصدقة قومه (1). ولو وجب صرفها إلى الثمانية لم يجز دفعها إلى واحد. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادي فيهم، وصدقة أهل الحضر في الحضر، ولا يقسمها بينهم بالسوية، إنما يقسمها على قدر من يحضره منهم " قال: " وليس في ذلك شئ موقت " (2). ولأنها لا يجب صرفها إلى جميع الأصناف إذا أخذها الساعي، فلم يجب دفعها إليهم إذا فرقها المالك، كما لو لم يجد إلا صنفا واحدا. ولأن القصد سد الخلة ودفع الحاجة، وذلك يحصل بالدفع إلى بعضهم، فأجزأ، كالكفارات. وقال عكرمة والشافعي: إن دفعها إلى الإمام فقد برئت ذمته، والامام يفرقها على الأصناف السبعة سوى العاملين، لسقوط حقه (3) بانتفاء عمله (4)، فإن كان السبعة موجودين، وإلا دفعها إلى الموجودين من الأصناف يقسمها بينهم، لكل صنف نصيبه، سواء قلوا أو كثروا على السواء. وإن دفعها إلى الساعي عزل الساعي حقه، لأنه عامل، وفرق الباقي على الأصناف السبعة، وإن فرقها بنفسه سقط نصيب العامل أيضا، وفرقها على باقي الأصناف، ولا يجزئه أن يقتصر على البعض، ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجد منهم ثلاثة - وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري وعثمان البتي وعبد الله بن الحسن العنبري - لقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء } (5) الآية، فجعلها لهم بلام التمليك، وعطف

(1) سنن البيهقي 7: 390 - 391، مسند أحمد 4: 37.
(2) الكافي 3: 554 / 8، الفقيه 2: 16 / 48، التهذيب 4: 103 / 292. (3 و 4) إفراد الضمير في (حقه) و (عمله) باعتبار الصنف.
(5) التوبة: 60.

[ 338 ]

بعضهم على بعض بواو التشريك، وذلك يوجب الاشتراك، ونمنع الاختصاص كأهل الخمس، الآية وردت لبيان المصرف (1). وحكي عن النخعي: أن المال إن كثر بحيث يحتمل الأصناف بسط عليهم، وإن كان قليلا جاز وضعه في واحد (2). وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى (3). مسألة 249: ويستحب بسطها على جميع الأصناف - وهو قول كل من جوز التخصيص - أو إلى من يمكن منهم، للخلاص من الخلاف وتحصيل الإجزاء يقينا. ولتعميم الاعطاء، فيحصل شمول النفع. ولقول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادي فيهم، وصدقة أهل الحضر في الحضر " (4). إذا عرفت هذا، فإنه يستحب ترجيح الاشد حاجة في العطية، لقول الصادق عليه السلام: " ولا يقسمها بينهم بالسوية، إنما يقسمها على قدر من يحضره منهم " قال: " وليس في ذلك شئ موقت " (5). ولأن المقتضي إذا كان في بعض الموارد أشد كان المعلول كذلك، والمقتضي هو: الحاجة. وكذا يستحب تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب، لأفضليته، ولقول الباقر عليه السلام: " أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل " (6). وكذا يستحب تخصيص غير السائل على السائل بالزيادة، لحرمانه في

(1) المهذب للشيرازي 1: 178 و 180، المجموع 6: 186 و 188، المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 705، بداية المجتهد 1: 275 (2) المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 705، حلية العلماء 3: 148.
(3) المدونة الكبرى 1: 295، بداية المجتهد 1: 275، المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 0 7، المجموع 6: 186، حلية العلماء 3: 149 (4 و 5) الكافي 3: 554 / 8، الفقيه 2: 16 / 48، التهذيب 4: 103 / 292 - (6) الكافي 3: 549 / 1، الفقيه 2: 18 / 59، التهذيب 4: 101 / 285.

[ 339 ]

أكثر الأوقات، فكانت حاجته أمس غالبا. ولقول الكاظم عليه السلام: " يفضل الذي لا يسأل على الذي يسأل " (1). مسألة 250: ويستحب صرف صدقة المواشي إلى المتجملين ومن لا عادة له بالسؤال، وصرف صدقة غيرها إلى الفقراء المدقعين (2) المعتادين بالسؤال، لأن عادة العرب صرف المواشي على سبيل المنحة الأشهر والشهرين، فربما لا يحصل للمدفوع إليه ذلة في نفسه، جريا على عادة العرب. ولقول الصادق عليه السلام: " إن صدقة الخف والظلف تدفع إلى المتجملين من المسلمين، فأما صدقة الذهب والفضة وما كيل بالقفيز وما أخرجت الأرض فللفقراء المدقعين " قال ابن سنان: قلت: وكيف صار هذا هكذا؟ فقال: " لأن هؤلاء متجملون يستحيون من الناس، فيدفع إليهم أجمل الأمرين عند الناس، وكل صدقة " (3). مسألة 251: ولا حد للاعطاء، إلا أنه يستحب أن لا يعطى الفقير. أقل ما يجب في النصاب الأول، وهو: خمسة دراهم، أو عشرة قراريط، قاله الشيخان (4) وابنا بابويه (5) وأكثر علمائنا (6)، لقول الصادق عليه السلام: " لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم " (7).

(1) الكافي 3: 550 / 2، التهذيب 4: 101 / 284.
(2) الدقعاء: التراب. يقال: دقع الرجل. أي: لصق بالتراب ذلا. الصحاح 3: 1208.
(3) الكافي 3: 550 / 3، علل الشرائع: 371، الباب 96، الحديث 1، التهذيب 4: 101 / 286.
(4) المقنعة: 40، النهاية: 189، الاقتصاد: 283، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 207 (5) المقنع: 50، وحكاه عنهما المحقق في المعتبر: 284.
(6) منهم: السيد المرتضى في الانتصار: 82.
(7) الكافي 3: 548 / 1، التهذيب 4: 62 / 167، الاستبصار 2: 38 / 116.

[ 340 ]

وقال سلار: أقله ما يجب في النصاب الثاني، وهو: درهم أو قيراطان (1). وبه قال ابن الجنيد (2). ولم يقدره علم الهدى ولا الجمهور بقدر، وما قلناه على الاستحباب لا الوجوب إجماعا. ولقول الصادق عليه السلام وقد كتب إليه محمد بن أبي الصهبان هل يجوز أن اعطي الرجل من إخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة؟ فقد يشتبه ذلك علي، فكتب: " ذلك جائز " (3). وأما الأكثر فلا حد له، فيجوز إعطاء الفقير غناه دفعة ودفعات بلا خلاف، لأن المقتضي الحاجة، وما دون الغنى حاجة، فجاز الصرف فيها. ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (خير الصدقة ما أبقت غنى) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " أعطه من الزكاة حتى تغنيه " (5). وقوله عليه السلام: " إذا أعطيت فأغنه " (6). وهل يجوز أن يعطى أكثر من غناه دفعة؟ نص علماؤنا على جوازه مع الحاجة - وبه قال أصحاب الرأي (7) - لأنه مستحق، فجاز صرف الزائد على الغنى إليه كالغني. وقال الشافعي: لا يجوز - به قال الثوري ومالك أحمد وأبو ثور - لأن

(1) المراسم 133 - 134 (2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 284.
(3) التهذيب 4: 63 / 169 الاستبصار 2: 38 / 118 (4) مسند أحمد 3: 434، المعجم الكبير - للطبراني - 2: 149 / 12726، مصنف ابن أبي شيبة 3: 212.
(5) التهذيب 4: 64 / 174.
(6) الكافي 3: 548 / 3 التهذيب 4: 64 / 174.
(7) بدائع الصنائع 2: 48، المغني 2: 529، تفسير الطبري 8: 190.

[ 341 ]

الغنى لو كان سابقا منع، فيمنع إذا كان مقارنا كالجمع بين الأختين (1) والفرق ظاهر، فإن السابق مانع، بخلاف المقارن. البحث الثالث في المكان مسألة 252: لا يجوز نقل الزكاة عن بلدها مع وجود المستحق فيه عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وطاوس والنخعي ومالك والثوري وأحمد (2) - لقوله عليه السلام لمعاذ: (فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا تحل صدقة المهاجرين للاعراب، ولا صدقة الأعراب في المهاجرين " (4). ولأن الأداء واجب على الفور، وهو ينافي النقل، لاستلزامه التأخير. وقال أبو حنيفة: يجوز (5) - وللشافعي قولان (6) - لأن التعيين إلى المالك، فكما جاز في البلد جاز في غيره. وهو ممنوع، لما في الثاني من التأخير. مسألة 253: لو خالف ونقلها أجزأته في قول علمائنا كافة - وهو قول

(1) المغني 2: 529 الشرح الكبير 2: 700.
(2) المغني 2: 530، الشرح الكبير 2: 676، تفسير القرطبي 8: 175.
(3) صحيح البخاري 2: 158 - 159، سنن أبي داود 2: 104 - 105 / 1584، سنن الدارقطني 2: 136 / 4 و 5.
(4) الكافي 3: 554 - 555 / 15، التهذيب 4: 108 / 309.
(5) عمدة القاري 9: 92، المجموع 6: 221.
(6) المجموع 6: 221، حليه العلماء 3: 163، عمدة القاري 9: 92.

[ 342 ]

أكثر العلماء (1) - لأنه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ منه كالدين، وكما لو فرقها. وعن أحمد روايتان (2). وللشافعي قولان، هذا أحدهما. والثاني: عدم الإجزاء (3)، لأنه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف. وهو ممنوع؟ لأن المدفوع إليه لو حضر البلد أجزأ الدفع إليه إجماعا، بخلاف غير الأصناف. فروع: أ - إذا كان الرجل في بلد والمال في بلد آخر، فالاعتبار بالمال، فإذا حال الحول أخرجها في بلد المال. وأما زكاة الفطرة، فالاعتبار فيها ببلد المخرج، لأن الفطرة تجب عنه وهو بمنزلة المال. وللشافعي في الفطرة وجهان، أحدهما هذا، والثاني: الاعتبار ببلد المال أيضا، لأن الإخراج منه كزكاة المال (4). ب - لو نقل زكاة المال مع وجود المستحق والتمكن من التفريق بوجود المستحق فيه، ضمن الزكاة، لأنه مفرط بنقل المال الممنوع منه وتأخيره مع شهادة الحال بالمطالبة، فيضمن، لأنه عدوان. ولقول الصادق عليه السلام في رجل بعث زكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: " إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنها قد خرجت من يده " (5).

(1) المغني 2: 531، الشرح الكبير 2: 676، المجموع 6: 221.
(2) المغني 2: 531، الشرح الكبير 2: 676.
(3) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 221، حلية العلماء 3: 163. (4) المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 225، حلية العلماء 3: 164.
(5) الكافي 3: 553 / 1، الفقيه 2: 15 - 16 / 46، التهذيب 4: 47 / 125.

[ 343 ]

ج - الوكيل والوصي والمأمور بالتفريق إذا أخروا ضمنوا، لأنهم فرطوا بالتأخير. ولأن زرارة سأل الصادق عليه السلام عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت، فقال: " ليس على الرسول ولا المؤدي ضمان " قلت: فإنه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها؟ قال: " لا، ولكن إن عرف لها أهلا فعطبت (1) أو فسدت فهو لها ضامن (من حين أخرها) (2) " (3). د - لو لم يجد المستحق في بلده جاز النقل إجماعا، ولا ضمان، لعدم التفريط. ولقول الصادق عليه السلام في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده، فقال: " لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع " (4) الشك من الراوي (5). وعن العبد الصالح عليه السلام: " يضعها في إخوانه وأهل ولايته " قلت، فإن لم يحضره منهم أحد؟ قال: " يبعث بها إليهم " (6) وفعل المأمور به لا يستعقب الضمان. ه‍ - هل يجب عليه - مع عدم المستحق واختيار النقل - القصد إلى أقرب الأماكن إلى بلده مما يوجد فيه المستحق؟ إشكال: ينشأ من جواز النقل مطلقا، لفقد المستحق. ومن كون طلب البعيد نقلا عن القريب مع وجود المستحق فيه. و - لا فرق بين النقل إلى بلد بعيد يقصر في مثله الصلاة والنقل إلى

(1) أي: هلكت.
(2) في الكافي: " حتى يخرجها ".
(3) التهذيب 4: 48 / 126، والكافي 3: 553 - 554 / 4.
(4) التهذيب 4: 46 / 120، والكافي 3: 554 / 6، والفقيه 2: 16 / 49.
(5) وهو: ابن أبي عمير - (6) التهذيب 4: 46 / 121.

[ 344 ]

قريب في المنع - وهو أصح وجهي الشافعية (1) - لأنه نقل من بلد المال، فكان بمنزلة البعيد. ولهم آخر: الجواز، لأن المسافة القريبة بمنزلة الحضور، ولهذا لا يستبيح بها رخص السفر (2). والفرق: أن الرخص تتعلق بالسفر المشق. ز - لو كان بعض المال حيث المالك والبعض في مصره، فالافضل أن يؤدي زكاة كل مال حيث هو، فإن كان غائبا عن مصره وأهله والمال معه، أخرج في بلد المال. وبعض (3) المانعين من الإجزاء بالنقل جوز أن يعطي بعضه في هذا البلد وبعضه في الآخر. أما لو كان المال في البلد الذي هو فيه حتى يمكث فيه حولا تاما، فلا يبعث بزكاته إلى الآخر. ولو كان المال تجارة فسافر به، فرق زكاته حيث حال حوله في أي موضع كان. وسوغ أحمد أن يفرقه في كل بلد أقام به في ذلك الحول (4). ح - لا يجوز نقل الصدقة مع الخوف عليها، سواء عدم المستحق في بلده أو لا، لما فيه من التغرير بها والتفريط بالامانة. ط - تحريم النقل عام وإن كان إلى بلد المالك، فيضمن ويأثم. ي - لو عين الفطرة من غائب، ضمن بنقله مع وجود المستحق فيه.

(1 و 2) المهذب للشيرازي 1: 180 - 181، المجموع 6: 221، حلية العلماء 3: 164.
(3) كابني قدامة في المغني 2: 532، والشرح الكبير 2: 677.
(4) المغني 2: 532، الشرح الكبير 2: 677.

[ 345 ]

الفصل الخامس في اللواحق مسألة 254: إذا دفع الإمام الزكاة إلى من ظاهره الفقر، فبان غنيا، لم يكن عليه ضمان - وبه قال الشافعي (1) - لأن النبي عليه السلام أعطى الرجلين الجلدين، وقال: (إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) (2). وقال للرجل الذي سأله الصدقة: (إن كنت من تلك الإجزاء أعطيتك حقك) (3) ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم. ولأن الاطلاع على الباطن عسر. ولأنه نائب عن الفقراء، أمين لهم، لم يوجد من جهته تفريط، فلم يجب عليه الضمان. ويكون له أن يستردها من المدفوع إليه، سواء أعلمه الإمام أنها زكاة أو لا، لأن الظاهر فيما يفرقه الإمام ويقسمه أنه زكاة. فإن وجد المدفوع استرده، سواء زادت عينه أو لا، وسواء كانت الزيادة

(1) المهذب للشيرازي 1: 182، المجموع 6: 230، حلية العلماء 3: 170.
(2) سنن أبي داود 2: 118 / 1633، سنن النسائي 5: 99 - 100، سنن الدارقطني 2: 119 / 7، سنن البيهقي 7: 14، ومسند أحمد 4: 224 و 5: 362.
(3) سنن أبي داود 2: 117 / 1635.

[ 346 ]

متصلة أو منفصلة؟ فإنه يرجع بالجميع، لظهور فساد الدفع. وإن لم يجده استرد بدله، فإن تعذر ذلك عليه، فقد تلفت من مال الفقراء. فروع: أ - لو كانت تالفة، رجع الإمام بالقيمة إن كانت من ذوات القيم، وحكم اعتبار القيمة هنا حكم اعتبار القيمة في الغاصب، لأنه بغشه أشبه الغاصب، فإن قلنا هناك: يرجع بأعلى القيم من حين القبض إلى حين التلف، فكذا هنا، وإن قلنا هناك: تعتبر القيمة حين التلف، أو حين القبض، فكذا هنا. ب - لو تلفت وكانت من ذوات الامثال، استرد المثل، لأنه الواجب على من عليه حق من غصب وغيره، ولا فرق بين نقص القيمة وزيادتها. ولو تعذر المثل، استرد قيمته وقت الاسترجاع، ولا اعتبار بمساواته لقيمة التالف ونقصها. ج - لو ظهر المالك على غناه دون الإمام الدافع، جاز للمالك الاسترجاع للعين أو القيمة أو المثل إن تمكن، باختيار المدفوع إليه أو بغير اختياره. وهل للفقراء ذلك لو ظهروا عليه من دون إذن الإمام أو المالك، الوجه ذلك، لأن القابض غاصب. ويحتمل المنع، لعدم تعينهم للاستحقاق، إذ للمالك صرفه إلى غيرهم. والبحث في نائب الإمام كالبحث في الإمام إذا لم يفرط في البحث عنه. د - لا يجوز للمدفوع إليه الامتناع من رد العين بدفع القيمة أو المثل وإن سوغناه في التعجيل، لأن الدفع هناك سائغ، والأخذ صحيح، لأنه على وجه القرض يملك به، أما الأخذ هنا فإنه باطل لا يملك به، فوجب رد العين. ه‍ - لو وجدها معيبة، كان له أخذ العين والمطالبة بأرش العيب، سواء

[ 347 ]

كان العيب من فعله، أو من فعل غيره، أو من الله تعالى، لأنه قبض مضمون أشبه الغاصب. أما لو دفعها إليه بنية الزكاة ولم يعلم المدفوع، بل ظن الهبة والايداع، فلا ضمان في العيب من الله تعالى والأجنبي، ولا في التلف منهما. و - لو كان حال الدفع غنيا، ثم تجدد الفقر قبل الاسترداد، كان للامام الاسترداد أيضا، لأن الدفع وقع فاسدا، ويجوز أن يتركها بحالها، ويحتسبها من الزكاة. وهل يجب الأخذ - لو أراد الترك - ثم الدفع؟ إشكال ينشأ من وجوب النية حال الدفع ولم توجد، لأن الدفع الأول باطل، ومن كون الترك الآن كابتداء الدفع. مسألة 255: لو دفع رب المال الزكاة إلى الفقير، فبان غنيا وقت الدفع، قال الشيخ: لا ضمان عليه (1) - وبه قال الحسن البصري، وأبو عبيد، وأبو حنيفة، والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين (2) - لما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (قال رجل: لاتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني! فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت، لعل الغني أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله) (3). ولأنه دفعها إلى من ظاهره الاستحقاق، فلم يلزمه الضمان كالامام. والقول الثاني للشافعي والرواية الأخرى عن أحمد: وجوب الضمان

(1) المبسوط للطوسي 1: 261 (2) المغني 2: 527، الشرح الكبير 2: 714، اللباب 1: 156 - 157، الهداية للمرغيناني 1: 114، المهذب للشيرازي 1: 182، المجموع 6: 231، حلية العلماء 3: 170 (3) صحيح البخاري 2: 137 - 138، صحيح مسلم 2: 709 / 1022، سنن النسائي 55: 5 - 56، سنن البيهقي 4: 192 و 7: 34، مسند أحمد 2: 322.

[ 348 ]

- وبه قال الثوري والحسن بن صالح بن حي وأبو يوسف وأبن المنذر - لأنه دفع حقا إلى غير مستحقه فلزمه الضمان، كالدين يدفعه إلى غير مستحقه - وبه رواية لنا عن الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل يعطي زكاة ماله رجلا، وهو يرى أنه معسر، فوجده موسرا، قال: (لا تجزئ عنه (1) - ويخالف الإمام، لأنه أمين لهم، وهنا يدفع حقا عليه (2). والوجه عندي أن نقول: إن فرط المالك في البحت عنه والاجتهاد ضمن، لتقصيره، وإلا فلا، لقول الصادق عليه السلام وقد سأله زرارة: رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم، قال: " نعم " قلت: فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدها، أو لم يعلم أنها عليه فيعلم بعد ذلك، قال: " يؤديها إلى أهلها لما مضى " قلت: فإنه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد سوء ما صنع، قال: " ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى " (3). وقال عليه السلام: " إن اجتهد فقد برئ، وإن قصر في الاجتهاد في الطلب فلا " (4). فروع: أ - إن كان المالك شرط حال الدفع أنها صدقة واجبة، استرجعها سواء كانت باقية أو تالفة، فإن لم يقدر على استرجاعها فقد تلفت من مال المساكين، قاله الشيخ (5).

(1) الكافي 3: 545 (باب الرجل يعطي من زكاة...) الحديث 1، الفقه 2: 15 / 45، التهذيب 4: 102 / 289.
(2) المهذب للشيرازي 1: 182، المجموع 6: 231، حلية العلماء 3: 170، المغني 2: 527، الشرح الكبير 2: 715.
(3) الكافي 3: 546 / 2، التهذيب 4: 102 - 103 / 290.
(4) الكافي 3: 546 ذيل الحديث 2، التهذيب 4: 103 / 291 (5) المبسوط للطوسي 1: 261.

[ 349 ]

وقال الشافعي: إن قلنا: إنها تجزئه كان حكمه حكم الإمام - وقد تقدم في المسألة السابقة - وإن قلنا: يضمنها وجب عليه إعادتها. وله أن يرجع بها على المدفوع إليه إن كان شرط أنها زكاة، وإن لم يكن شرط لم يكن له الاسترجاع، بخلاف الإمام، لأن الظاهر من قسمة الإمام أنه زكاة، بخلاف رب المال، لأنه قد يتطوع (1). والأقرب: جواز الاسترجاع وإن لم يكن شرط، لفساد الدفع، وهو أبصر بنيته، والظاهر أن الانسان إنما يدفع ما وجب عليه. ب - لو شهد عند الحاكم عدلان بالفقر ثم ظهر الغنى بعد الدفع، فإن كان الدافع المالك لا بأمر الحاكم، لم يضمن الشاهدان. وكذا لو رجعا عن شهادتهما. وكذا لو شهدا عند المالك، إذ الحكم إنما هو إلى الحاكم، ولأنهما لم يأمراه بالدفع ولا وجب بشهادتهما، فلم يتلفا عليه شيئا، ومع فقد غيره إشكال. وإن كان الدافع الحاكم أو المالك بإذنه، وهناك مستحق سواه، ثم رجعا فلا ضمان عليهما. وفي وجوبه مع عدم مستحق غيره إشكال. ج - لو بان عبدا لمالك لم تجزئه - وبه قال أبو حنيفة (2) - سواء كان الدافع الإمام أو المالك، لعدم خروج المال عن ملكه، فجرى مجرى عزلها من غير تسليم. مسألة 256: لو كان الخطأ في دفعها إلى غير مسلم أو عبد أو من ذوي القربى أو ممن تجب نفقته، قال الشيخ: حكمه حكم الغني (3) - وقد تقدم - لأن الدفع واجب، فيكتفى في شرطه بالظاهر، تعليقا للوجوب على الشرط

(1) المهذب للشيرازي 1: 182، المجموع 6: 231 (2) بدائع الصنائع 2: 50، اللباب 1: 157.
(3) المبسوط للطوسي 1: 261.

[ 350 ]

الممكن، فلا يضمن، لعدم العدوان في التسليم المشروع. وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني: يضمن، وبه قال أحمد، لعدم الطريق إلى معرفة الفقر، وتعذر الوقوف على حقيقته، وإنما يعلم ظنا، فكان الخطأ فيه عذرا، أما هنا فإن حاله لا يخفى مع البحث عنه والفحص عن حاله (1). ويبطل بتطرق الخفاء هنا، كما تطرق في الغني، نعم لو بان عبده لم تجزئه، لما تقدم. مسألة 257: الاعتبار بحال المستحق يوم القسمة، فلا اعتبار بما سبق، ولا بما لحق من أحواله، وإنما يملك أهل السهمان حقهم يوم القسمة بعد التسليم إليهم. وهو الظاهر من مذهب الشافعي. وله قول آخر: إن الاعتبار بحال الوجوب (2). فعلى هذا، لو مات بعض أهل السهمان في قرية وجبت فيها الزكاة، لم ينتقل إلى وارثه شئ عندنا، لعدم تعين الاستحقاق. وقال الشافعي في أحد قوليه: إذا كانوا ثلاثة نفر في قرية تعينت الصدقة لهم، فيملك ورث أحدهم لو مات قبل القسمة نصيبة (3). وهو بناء على وجوب التقسيط وتحريم النقل. مسألة 258: العبد المشترى من الزكاة إذا مات ولا وارث له، قال أكثر علمائنا: يرثه أرباب الزكاة (4)، لقول الصادق عليه السلام وقد سأله عبيد بن

(1) المهذب للشيرازي 1: 182، المجموع 6: 231، المغني 2: 527 - 528، الشرح الكبير 2: 714 و 715 (2) المجموع 6: 226 - (3) المهذب الشيرازي 1: 181، المجموع 6: 226 (4) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 188، ابن إدريس في السرائر 107، والمحقق في المعتبر: 284

[ 351 ]

زرارة عن رجل أخرج زكاته فلم يجد لها موضعا، فاشترى بها مملوكا، فأعتقه هل يجوز ذلك؟ قال: (نعم لا بأس بذلك " قلت: فإنه اتجر واحترف فأصاب مالا ثم مات وليس له وأرث فمن يرثه؟ قال: " يرثه الفقراء الذين يستحقون الزكاة، لأنه إنما أشتري بمالهم " (1). ولو قيل: يرثه الإمام، لأنه وارث من لا وارث له، كان وجها، لأن الفقراء لا يملكون العبد المبتاع بمال الزكاة، لأنه أحد مصارفها، فيكون سايبة. والرواية ضعيفة السند، لأن في طريقها: ابن فضال وابن بكير، وهما فطحيان. مسألة 259: إذا تلفت الزكاة بعد قبض الساعي أو الإمام أو الفقيه، لم يضمن المالك، وبرئت ذمته حين القبض، وقد تقدم بيانه. ولو عدم هؤلاء والمستحق، وأدركته الوفاة، وجب أن يوصي بها، لأنها حق واجب عليه كالدين، وهو ظاهر. مسألة 265: يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان فقيرا - وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (2) - لأنه مستحق للزكاة لا تجب نفقته عليها فجاز، كما لو دفع إليه غيرها، وكما لو دفعت إلى غيره. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأنه يعود نفعه إليها، فإنه يلزمه أن ينفق عليها (3). وليس بجيد لأن وجوب حقها عليه لا يمنع دفع زكاتها إليه، كمن لها عليه دين. مسألة 261: قد بينا أنه لا يجوز أن يدفع الزكاة إلى زوجته من سهم -

(1) الكافي 3: 557 / 3، التهذيب 4: 100 / 281، المحاسن: 305 / 15. (2 و 3) المجموع 6: 192، حلية العلماء 3: 170، بدائع الصنائع 2: 49 - 50، اللباب 1: 155، الهداية للمرغيناني 1: 113، المغني 2: 511، الشرح الكبير 2: 713.

[ 352 ]

الفقراء والمساكين، لأنها غنية به. وهل تكون عاملة أو مؤلفة؟ الأقرب: المنع. نعم يصح أن تكون مكاتبة، فيدفع إليها من سهم المكاتبين. وكذا يصح أن تكون غارمة، فيدفع إليها من سهم الغارمين، لأن الزوج لا يجب عليه قضاء دينها. نعم لو استدانته في النفقة الواجبة عليه، لم يجز قضاؤه من الزكاة. ولا تعطى من سهم الغزاة، لأنها لا تندب إلى الغزو.. ولو نشزت سقطت نفقتها، ولم يجز أن يدفع إليها من الصدقة، لأنها يمكنها أن تدفع النشوز، فتجب عليه نفقتها، فجرت مجرى القادر على الاكتساب. أما لو منعها الزوج النفقة، فإنه يجوز أن تعطى زكاة غيره للحاجة. وهل يجوز أن تعطى من سهم ابن السبيل؟ ينظر فإن سافرت مع زوجها بإذنه، لم تعط النفقة، لوجوبها عليه، ويجوز أن تعطى الحمولة، ولو كانت بغير إذنه، لم تعط الحمولة أيضا، لأنها عاصية بالسفر. وإن خرجت وحدها، فإن كان بإذنه لحاجة نفسها، فإن النفقة لا تسقط عن الزوج - وهو أحد قولي الشافعي (1) - فالا تعطى النفقة، وتعطى الحمولة، لأنها غير عاصية بالسفر، ولا يجب على الزوج. وللشافعي قول آخر: عدم وجوب النفقة على الزوج (2)، فيدفع إليها من سهم ابن السبيل النفقة والحمولة معا، لحاجتها إلى ذلك. وإن خرجت بغير إذنه، سقطت نفقتها، ولا يدفع إليها من سهم ابن السبيل، لأن سفرها معصية، وتدفع إليها النفقة من سهم الفقراء، بخلاف الناشز في الحضر، لأنه يمكنها الرجوع إلى يد الزوج، بخلاف المسافرة.

- (1 و 2) المجموع 6: 192، و 18: 243، حلية العلماء 7: 395.

[ 353 ]

ولا تدفع إليها الحمولة، لأنها عاصية بالسفر، إلا أن تريد الرجوع إلى يد الزوج، فيكون سفرها - إذن - طاعة، فيجوز أن يدفع إليها إلى أن تصل إلى يده من سهم ابن السبيل. مسألة 262: قد بينا استحباب التعميم لا وجوبه، خلافا للشافعي (1)، فلو وجد صنف من أهل السهمان في بلد، فإن كان الباقون مفقودين من جميع الأرض، فرقمها على الموجودين من الأصناف إجماعا، لأن الصدقة وجبت عليه طهرة، فلا يجوز تركها عليه. ولا يدفع إلى غير الأصناف، لأنه ليس فيهم معنى الاستحقاق، وهؤلاء الأصناف هم أهل الاستحقاق، فكانوا أولى، بخلاف الموصي لاثنين إذا رد أحدهما، فإن حقه يرجع إلى الورثة، لأن الوصية لم تكن مستحقة عليه، وإنما تبرع بها، فإذا لم يقبلها رجعت إليه، وقام ورثته مقامه، والزكاة مستحقة عليه فلم يرجع إليه. وإن كان باقي الأصناف موجودين في بلد آخر، لم يجز النقل إليه عندنا، بل وجب التفريق على الصنف الموجود في بلد المال، لأن التعميم مستحب والنقل حرام، فلا يرتكب الحرام لفعل المستحب. وللشافعية قولان: أحدهما: وجوب النقل، لأنه إنما لم يجز إذا وجد أهلها، وحق الأصناف آكد من حق المكان؟ لأنه لو عدل عن الأصناف مع وجودهم لم يجز قولا واحدا، ولو عدل عن المكان فقولان، ومنهم من قال: إنه على قولين: إن جوزنا النقل وجب نقلها إلى بقية الأصناف، وإن حرمناه لم يجز هنا، اعتبارا بالمكان الذي هو فيه (2).

(1) المهذب للشيرازي 1: 177 و 178، المجموع 6: 216، المغني 2: 508، الشرح الكبير 2: 705، بداية المجتهد 1: 275 (2) المهذب للشيرازي 1: 180 و 181، المجموع 6: 225.

[ 354 ]

فإذا قلنا بالنقل، فإنه ينقل إلى أقرب المواضع الذي فيه بقيه الأصناف، وإن قلنا: لا ينقل، فنقله، أجزاه عندنا، وللشافعية قولان (1). ولو عدم جميع الأصناف في بلد المال، فإنه ينقل إلى أقرب المواضع إليه، لأن ذلك لابد منه. مسألة 263: إذا احتيج في قبض الصدقة إلى مؤونة الاقباض، كما لو احتاجت إلى كيل أو وزن، قال الشيخ: الأشبه: وجوب الأجرة على المالك، لأن عليه إيفاء الزكاة، كما أن على البائع أجرة الكيال والوزان (2). وهو أحد قولي الشافعية، والآخر: أنها على أهل السهمان، لأن الواجب في الزكاة مقدر، فلا يزاد عليه (3). وأصحهما: الأول، لأن ذلك للايفاء، لا أنه زيادة في الزكاة. أما مؤونة القبض كاجرة الكاتب والحاسب، فإنها على العامل. وأما أجرة النقال والحمال فمن الوسط. ويحتمل أن يكون على العامل إن قبضها منه. وإن نقلها المالك إلى بلد الإمام فعلى المالك. إذا ثبت هذا، فإذا قبض الساعي الصدقة، كان قبضه قبض أمانة، إذا تلفت من غير تفريط لم يضمن، وكان له الأجرة من سهم المصالح. مسألة 264: إذا فوض الإمام إلى الساعي تفرقة الصدقة، ينبغي له أن يتعرف المستحقين للصدقة في كل بلد فوض إليه تحصيل صدقته، ليفرقها فيه، فيعرف أسماءهم وحاجاتهم وقدر كفايتهم، فإذا أحصى ذلك جبى الصدقة. وإنما استحببنا تقديم ذلك، لتقع التفرقة عقيب جمع الصدقة. ولأنه

(1) المهذب للشيرازي 1: 180 المجموع 6: 221 (2) المبسوط للطوسي 1: 256.
(3) المجموع 6: 222، حلية العلماء 3: 150

[ 355 ]

إذا اشتغل بالجمع أولا، ثم شرع في التعريف لم يأمن من تلفها، فيضيع على أربابها. ثم يعزل سهم العامل قبل التفريق، لأنه يأخذ على طريق المعاوضة، فكان استحقاقه أقوى، ولهذا لو قصر النصيب عن أجرته تمم له. ولأنه ربما كان أكثر من أجرته فيرد الباقي عليهم قبل القسمة، أو كان دون أجرته فيتمم الباقي له من الصدقة على أحد قولي الشافعي (1). تذنيب: يعطى العريف - الذي يعرف أهل الصدقات - والذي يحسب ويكيل ويزن للقسمة بينهم من نصيب العامل، لأن ذلك كله من جملة العمل. مسألة 265: إذا كان بيد المكاتب ما يفي بمال الكتابة لم يعط شيئا، وإن قصر جاز أن يأخذ، ويتخير الساعي في الدفع إليه، لأنه المصرف، وإلى السيد، لأنه المستحق، وإنما يدفعه إلى السيد بإذنه. والأولى الصرف إلى السيد بإذنه، لئلا يدفع إليه فينفقه. ولو قبضه المكاتب جاز، فإن أراد أن ينفقه، منعه من ذلك، لأنه إخراج في غير المصرف. فإن قال المكاتب: هذا الذي بيدي لا يفي بمال كتابتي، فأريد أن اتجر فيه ليحصل منه ربح، مكن من التصرف فيه والتجارة، تحصيلا للمصلحة. مسألة 266: يعطى ابن السبيل ما يبلغه البلد الذي يريده لمضيه وعوده على ما بيناه، فإن أراد أن يقيم في البلد الذي قصده دون عشرة أيام، أخذ نفقة ذلك؟ لأنه في حكم المسافر، وإن نوى إقامة عشرة لم يأخذ فيها من سهم ابن السبيل؟ لأنه مقيم.

(1) المهذب للشيرازي 1: 178، المجموع 6: 188.

[ 356 ]

والشافعي شرط إقامة ثلاثة لا أزيد (1). ولو طلب الحمولة، فإن كان بينه وبين مقصده سفر طويل، أو كان ضيفا عن القصير، دفع إليه، وإلا فلا. ولو احتاج إلى كسوة لسفره، كساه للصيف أو للشتاء. إذا ثبت هذا، فإن السهم يجوز أن يدفعه إلى واحد عندنا وإن وجد أكثر. وقال الشافعي: لا يجوز أن يدفعه إلى أقل من ثلاثة مع وجودهم، فإن لم يجد إلا واحدا، فإن كانت كفايته ثلث نصيبهم دفع ذلك إليه. وهل يرد الباقي إلى بقية الأصناف، أو ينقله إلى أقرب البلدان، قولان (2). فإن كانت كفايته تستغرق النصيب كله، قال الشافعي: دفع إليه. ولأصحابه قولان (3). مسألة 267: صاحب المال إن كان من أهل الأمصار، وأراد تفرقة الزكاة بنفسه، ينبغي أن يفرقها في بلد المال على ما تقدم، وأن يخص بها قوما دون غيرهم، والتفضيل والتسوية على ما قلناه. والأقارب أولى من الاجانب، فإن عدل إلى الاجانب أجزأه إجماعا، وليس له نقلها إلى الأقارب إذا بعد مكانهم عن المال، إلا بشرط الضمان على ما تقدم. وإن كان من أهل البادية، فهم بمنزلة أهل المصر، ليس لهم نقل الصدقة من مكان إلى غيره، للعموم. ولقول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم

(1) المجموع 6: 215 (2) المجموع 6: 218، حلية العلماء 3: 162، كفاية الأخيار 1: 124.
(3) المجموع 6: 218، كفاية الأخيار 1: 124

[ 357 ]

صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر " (1). إذا ثبت هذا، فإن كانوا أهل نجعة (2) يتبعون العشب ومواقع القطر، دفعوا صدقتهم إلى من فيهم من الفقراء الذين ينتجعون بانتجاعهم (ويرتحلون) (3) بارتحالهم، فإن وسعت الصدقة المناسبين منهم والأباعد، دفع إلى جميعهم، وإن ضاقت قدموا المناسبين، كل ذلك على جهة الأفضل. وإن كانوا أهل حلة وموضع ينزلون فيه لا ينتقلون عنه إلا إذا أجدب، فإذا أخصب عادوا إليه، فحكمهم حكم أهل المصر. ومن كان (منهم) (4) على أقل من مسافة القصر فكالحاضر معهم، وإن كانت المسافة يقصر فيها الصلاة فكالحاضر في البلد، هكذا قاله الشيخ (5)، وبه قال الشافعي (6). والوجه عندي: عدم اعتبار المسافة هنا، فلو كان البلد بينه وبين الفقير دون مسافة القصر، لم يجز النقل إلا مع الحاجة. ولو كان بين البلدين مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لم تنقل الصدقة من أحدهما إلى الآخر - وبه قال الشافعي (7) - لأن أحدهما لا يضاف إلى الآخر ولا

(9) الكافي 3: 554 / 8، التهذيب 4: 103 / 292، والفقيه 2: 16 / 48.
(2) النجعة والانتجاع: طلب الكلاء، ومساقط الغيث، لسان العرب 8: 347 " نجع ".
(3) في نسختي " ن " و " ف " أ ويرحلون.
(4) ورد ي النسح الخطية المعتمدة في التحقيق والطبعة الحجرية: معهم، والمناسب للعبارة ما أثبتناه.
(5) المبسوط للطوسي 1: 258 (6) المهذب للشيرازي 1: 181، المجموع 6: 224 الوجيز في 1: 296، حلية العلماء 3: 166 (7) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 222، الوجيز 1: 296.

[ 358 ]

ينسب إليه. مسألة 268: قد بينا جواز التفضيل والتخصيص ولو لواحد، خلافا للشافعي (1). ولا فرق بين الإمام والمالك، وقد تقدم. وقال الشافعي: إن كان المفرق الإمام، وجب أن يعم الجميع بالعطاء، ولا يقتصر على بعضهم، ولا أن يخل بواحد منهم، لأن ذلك غير متعذر على الإمام (2). وقد بينا بطلانه. أما آحاد الرعية، فإن كان في بلد تتسع صدقته لكفاية أهل السهمان، عمهم استحبابا، وإن ضاق ماله عنهم، جاز له الاقتصار على بعض. ولا يجب الثلاثة من كل صنف، خلافا للشافعي، حيث اعتبر الثلاثة التي هي أقل الجمع في قوله تعالى: { للفقراء } (3) (4). ونحن نمنع التملك، لأنها لبيان المصرف، نعم هو أفضل. فإن تساوت حاجة الثلاثة سوى بينهم ندبا إجماعا، وله التفضيل عندنا، وبه قال الشافعي (5)، خلافا للامام عنده (6)، لأن على الإمام أن يعم، فكان عليه أن يدفع على قدر الكفاية. وليس على الواحد من الرعية ذلك، فلم يتعين عليه قدر الكفاية. فإن دفع إلى اثنين وأخل بالثالث مع وجوده، صح الدفع، ولا غرم عندنا. وأوجب الشافعي الغرم، لأنه أسقط حقه. وكم يغرم؟ قولان: الثلث،

(1) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 216، المغني 2: 528، الشرح الكبير 2: 705 (2) المجموع 6: 217 (3) التوبة: 60.
(4) المجموع 6: 216 المغني 2: 528 الشرح الكبير 2: 705 (5 و 6) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 216 و 217.

[ 359 ]

نص عليه، لأنه قد كان له الاجتهاد والاختيار في التفضيل مع إعطائهم، فإذا أخل بواحد سقط اجتهاده فيهم، فقد تعين سهمه. والثاني: يدفع إليه القدر الذي لو دفعه إليه أجزأه. وهو أقيس عندهم (1). مسألة 269: قد بينا أنه يجوز أن يعطى من يجب نفقته من غير سهم الفقراء والمساكين، وهل يعطى لو كان مؤلفا؟ قال الشيخ: نعم (2). وشرط الشافعي الغنى فيه، فإن كان فقيرا لم يعطه من المؤلفة، لأنه يعود نفع الدفع إليه، وإن كان مسافرا، أعطاه ما يزيد على نفقة الحضر من سهم ابن السبيل لأجل السفر؟ لأنه إنما يجب عليه نفقته حاضرا (3). مسألة 270: لو كانت الصدقة لا يمكن قسمتها بين المتعددين، كالشاة والبعير، جاز للمالك دفع القيمة عندنا، خلافا للشافعي (4)، وقد تقدم (5). وجاز له التخصيص لواحد به خلافا له (6) أيضا. وعلى قوله، ليس للامام بيعها، بل يجمعهم ويسلمه إليهم، لأن الإمام وإن كان يلي عليهم فهو كالوكيل لهم ليس له بيع ما لهم في غير موضع الحاجة، فإن تعذر عليه نقلها إليهم لسبب بها أو لخوف طريق، جاز له بيعها، وتفرقة ثمنها، لموضع الحاجة. مسألة 271: لو أسلم في دار الحرب، وأقام بها سنين لا يؤدي زكاة، أو غلب الكفار أو الخوارج على بلده، وأقام أهله سنين لا يؤدون الزكاة، ثم

(1) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 218 حلية العلماء 3: 162 (2) المبسوط للطوسي 1: 258 (3) المجموع 6: 229.
(4) المجموع 5: 428 و 429 و 431 و 6: 233، حلية العلماء 3: 167، الشرح الكبير 2: 521.
(5) تقدم في المسألة 131.
(6) المهذب للشيرازي 1: 180، المجموع 6: 216.

[ 360 ]

غلب عليهم الإمام، أدوا لما مضى - وبه قال مالك وأحمد والشافعي (1) - لأن الزكاة من أركان الاسلام، فلم تسقط عمن هو في غير قبضة الإمام، كالصلاة والصوم. وقال أصحاب الرأي: لا زكاة عليهم لما مضى في المسألتين معا (2). ولو (أسر) (3) المالك لم تسقط الزكاة عنه إذا لم يحل بينه وبين ماله، فإن حيل بينهما قبل التمكن من الأداء، سقطت. وقال أحمد: لا تسقط وإن حيل بينهما، لأن تصرفه في ماله نافذ يصح بيعه وهبته وتوكيله فيه (4). وقد سلف (5) بيان اشتراط تمامية التصرف. مسألة 272: لو دفع المالك إلى غيره الصدقة ليفرقها، وكان مستحقا لها، فإن عين المالك له، لم يجز التعدي إجماعا، فإن للمالك الخيرة في التعيين دون غيره. وإن لم يعين، بل أطلق، فلعلمائنا قولان: الجواز، عملا بالأصل. ولأنه مستحق لنصيب منها وقد أمر بصرفها إلى المستحقين، وإبراء الذمة بالدفع إلى أربابها، فجاز أن يأخذ، لحصول الغاية به، لقول الرضا عليه السلام وقد سأله عبد الرحمن بن الحجاج عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها، وهو ممن تحل له الصدقة، قال: " لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي لغيره " قال: " ولا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن

(1) المدونة الكبرى 1: 284، المغني 2: 545، المجموع 5: 337 (2) المبسوط للسرخسي 2: 181، المغني 2: 545، المجموع 5: 337 (3) ورد بدل ما بين القوسين في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق والطبعة الحجرية: (أيسر). والمثبت يقتضيه السياق (4) المغني 2: 641.
(5) سلف في المسألة 11.

[ 361 ]

يضعها في مواضع مسماة إلا بإذنه " (1). والثاني: المنع، لأن الأمر بالدفع والتفريق يستلزم المغايرة بين الفاعل والقابل. والأول أقرب. إذا ثبت هذا، فإنه يأخذ مثل ما يعطي غيره، ولا يجوز أن يفضل نفسه، لقوله عليه السلام: " لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي لغيره " (2). ولقول الكاظم عليه السلام في رجل اعطي مالا يفرقه فيمن يحل له، أله أن يأخذ منه شيئا لنفسه ولم يسم له؟ قال: " يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره " (3). ويجوز أن يدفع إلى من تجب نفقته عليه كولده وزوجته وأبويه مع الاستحقاق إجماعا وإن عاد النفر إليه. مسألة 273: قد بينا أنه ينبغي لقابض الصدقة الدعاء لصاحبها، فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت. وفي وجوبه للشيخ (4) والشافعي (5) قولان تقدما (6). وهل يقول: صلى الله عليك؟ منع منه الشافعية، لأن الصلاة صارت مخصوصة بالانبياء والملائكة عليهم السلام، فلا تستعمل في حق غيرهم، فهو كما أن قولنا: عزوجل، مختص بالله تعالى، فكما لا يقال: محمد عزوجل، وإن كان عزيزا جليلا، كذا لا يقال: صلى الله عليك، لغير الأنبياء (7).

(1 و 2) الكافي 3: 555 / 3، التهذيب 4: 104 / 296.
(3) الكافي 3: 555 / 2. التهذيب 4: 104 / 295 (4) الخلاف 2: 125، المسألة 155، والمبسوط للطوسي 1: 244 (5) المجموع 6: 171 فتح العزيز 5: 529، مختصر المزني 53.
(6) تقدما في المسألة 235 (7) المجموع 6: 171، فتح العزيز 5: 529.

[ 362 ]

وقيل بالجواز، لأن النبي عليه السلام قال لال أبي أوفى: (اللهم صل على آل أبي أوفى) (1) (2). واتفقوا على تجويز جعل غير الأنبياء تبعا، كما يقال: اللهم صل على محمد وآل محمد. والمراد به عند أكثر الشافعية: بنو هاشم وبنو المطلب (3).

(1) صحيح البخاري 2: 159 و 8: 90، 96 " صحيح مسلم 2: 756 - 757 / 1078، سنن أبي داود 2: 106 / 1590 سنن النسائي 5: 31، سنن أبن ماجة 1: 572 / 1796، مسند أحمد 4: 353، 355، 381، 383 سنن البيهقي 2: 152 و 4: 157 و 57: 5 (2) ممن قال بذلك: أبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 176، وأبن قدامة في المغني 2: 508 (3) المجموع 6: 172، فتح العزيز 5: 530.

[ 363 ]

الباب الثاني في زكاة الفطرة وفيه فصول

[ 365 ]

الأول من تجب عليه مقدمة: زكاة الفطر واجبة بإجماع العلماء. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن. صدقة الفطر فرض (1). وقال إسحاق: هو كالاجماع من أهل العلم (2). وزعم ابن عبد البر أن بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود يقولون: هي سنة مؤكدة، وسائر العلماء على وجوبها (3)، لقوله تعالى: { قد أفلح من تزكى) (4). روي عن أهل البيت عليهم السلام، أنها نزلت في زكاة الفطرة (5). ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين) (6).

(1 و 2 و 3) المغني والشرح الكبير 2: 646 (2) الأعلى: 14.
(5) تفسير القمي 2: 417، الفقيه 1: 323 / 1478، و 2: 119 / 515، التهذيب 4: 108 - 109 / 314 الاستبصار 1: 343 / 1292. (6) صحيح مسلم 2: 677 / 984، سنن الدارقطني 2: 139 / 5، سنن البيهقي 4: 162، وفيها عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله فرض زكاة... إلى آخره.

[ 366 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك، فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " (1). إذا عرفت هذا، فقال أبو حنيفة: إنها واجبة، وليست فرضا (2). وقال الباقون: هي فرض (3). والأصل في ذلك: أن أبا حنيفة كان يخص الفرض بما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب: ما ثبت بدليل مظنون (4). وقد بينا الاجماع على الوجوب، وهو قطعي. وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر، لأنها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة: وقيل لها: فطرة، لأن الفطرة: الخلقة. قال تعالى: { فطرت الله } (5) أي: جبلته، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال (6). مسألة 274: البلوغ شرط في الوجوب، فلا تجب على الصبي قبل بلوغه، موسرا كان أو معسرا، سواء كان له أب أو لا وإن وجبت على الأب عنه، عند علمائنا أجمع، وبه قال محمد بن الحسن (7). وقال الحسن والشعبي: صدقة الفطر على من صام من الأحرار والرقيق (8).

(1) الكافي 4: 170 / 1، التهذيب 4: 71 / 193.
(2) بدائع الصنائع 2: 69، المبسوط للسرخسي 3: 151.
(3) انظر: حلية العلماء 3: 119، المجموع 6: 104، المبسوط للسرخسي 3: 101، بداية المجتهد 1: 278، المغني 2: 467، الشرح الكبير 2: 646.
(4) أصول السرخسي 1: 110 - 111 (5) الروم 30 (6) المغني 2: 647، الشرح الكبير 2: 646 (7) المغني 2: 648، الشرح الكبير 2: 646.
(8) المغني 2: 648، الشرح الكبير 2: 646 - 647.

[ 367 ]

لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ) (1) وظاهره سقوط الفرض والحكم. ولأنه غير مكلف، وليس محلا للخطاب، فلا يتوجه إطلاق الأمر إليه. ومن طريق الخاصة: قول الرضا عليه السلام وقد سئل عن الوصي يزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا لم يكن لهم مال؟ فقال: " لا زكاة على مال اليتيم " (2). وقول الصادق عليه لسلام: " ليس في مال اليتيم زكاة، وليس عليه صلاة... حتى يدرك، فإذا أدرك كان عليه مثل ما على غيره من الناس " (3). وأطبق باقي الجمهور على وجوب الزكاة في ماله، ويخرج عنه الولي، لعموم قوله (4): إن رسول الله صلى الله عليه وآله، فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد، ذكر وأنثى (5). ولا دلالة فيه، لانصراف الوجوب إلى أهله، لقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت } (6). مسألة 275: وليس الحضر (فيها) (7) شرطا، بل تجب على أهل

(1) سنن أبي داود 4: 141 / 4402. (2) الكافي 3: 541 / 8، الفقيه 2: 115 / 495، التهذيب 4: 35 / 74.
(3) الكافي 3: 541 / 4، التهذيب 4: 29 - 30 / 73، الاستبصار 2: 31 / 91.
(4) الضمير راجع إلى راوي الخبر، وهو: ابن عمر. لاحظ: المصادر في الهامش (6) من صفحة 365.
(5) المغني 2: 648، الشرح الكبير 2: 646، وانظر أيضا: المصادر في الهامش (6) من صفحة 365.
(6) آل عمران: 97 (7) كلمة (فيها) لم ترد في " ن " و " ط "

[ 368 ]

البادية عند أكثر العلماء (1) - وبه قال ابن الزبير وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي (2) - للعموم. ولأنها زكاة، فوجبت عليهم، كزكاة المال. وقال عطاء والزهري وربيعة: لا صدقة عليهم (3). وهو غلط. مسألة 276: والعقل شرط في الوجوب عند علمائنا أجمع والبحث فيه كما تقدم (4) في الصبي. وكذا لا تجب على من أهل شوال وهو مغمى عليه. مسألة 277: يشترط فيه: الحرية، فلا تجب الزكاة على لعبد عند علمائنا أجمع، بل يجب على مولاه إخراجها عنه، وبه قال جميع الفقهاء (5)، لأنه لا مال له. ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا صدقة الفطرة في الرقيق) (6). وقال داود: تجب على العبد، ويلزم المولى إطلاقه ليكتسب، ويخرجها عن نفسه (7)، لعموم قوله عليه السلام: (على كل حر وعبد) (8).

(1 و 2) المغني 2: 660، الشرح الكبير 2: 647، المنتقى - للباجي - 2: 185.
(3) المعني 2: 660، الشرح الكبير 2: 647 (4) تقدم في المسألة 274.
(5) الأم 2: 63، المهذب للشيرازي 1: 171، المجموع 6: 120 و 140، حلية العلماء 3: 120 المغني 2: 649، الشرح الكبير 2: 650 بدائع الصنائع 2: 70. وحكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 130، المسألة 158.
(6) أورده كما في المتن - الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 131 ذيل المسألة 158، وفي صحيح البخاري 2: 149 وصحيح مسلم 2: 675 - 676 / 982، سنن أبي داود 2: 108 / 1595، - وسنن الترمذي 3: 23 - 24 / 628 وسنن ابن ماجه 1: 579 / 1812، وسنن النسائي 5: 35 و 36، وسنن البيهقي 4: 117، بتفاوت ونقيضه (7) المجموع 6: 20 1، 140، حلية العلماء 3: 121 (8) راجع: الهامش (6) من صفحة 365.

[ 369 ]

ونحن نقول بموجبه، إذ الزكاة تجب على المالك. فروع: أ - العبد لا يجب عليه أن يؤدي عن نفسه ولا عن زوجته، سواء قلنا: إنه يملك أو أحلناه. ب - المدبر وأم الولد كالقن. ج - لا فرق بين أن يكون العبد في نفقة مولاه أولا، في عدم الوجوب عليه. مسألة 278: يشترط فيه الغنى، فلا يجب على الفقير، ولا يكفي في وجوبها القدرة عليها عند أكثر علمائنا (1)، وبه قال أصحاب الرأي (2)، لقوله عليه السلام: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) (3) والفقير لا غنى له، فلا تجب عليه. ومن طريق الخاصة: قول الكاظم عليه السلام وقد سئل: على الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟: " ليس عليه فطرة " (4). وسئل الصادق عليه السلام: رجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة؟ قال: " لا " (5). وقال عليه السلام: " لا فطرة على من أخذ الزكاة " (6). ولأنه تحل له الصدقة، فلا تجب عليه، كمن لا يقدر عليها. ولأنها تجب جبرا للفقير ومواساة له، فلو وجبت عليه، كان إضرارا به

(1) منهم. الشيخ المفيد في المقنعة: 40، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 240، وأبن حمزه في الوسيلة: 130، والمحقق في المعتبر: 285 (2) المبسوط للسرخسي 3: 102، بدائع الصنائع 2: 69، الهداية للمرغيناني 1: 115 (3) مسند أحمد 2: 230.
(4) التهذيب 4: 73 / 205. الاستبصار 2: 41 / 129 (5) التهذيب 4: 73 / 201، الاستبصار 2: 40 / 125.
(6) التهذيب 4: 73 / 202، الاستبصار 2: 40 - 41 ذيل الحديث 126

[ 370 ]

تضييقا. وقال بعض علمائنا (1) - ونقله الشيخ - رحمه الله - في الخلاف عن كثير من أصحابنا (2) -: وجوبها على من قدر عليها، فاضلا عن قوته وقوت عياله ليوم وليلة - وبه قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وأبو ثور (3) - لقوله عليه السلام: (أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح (4) عن كل إنسان، صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني أو فقير، ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقير كم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى) (5). ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجود النصاب فيه كالكفارة. والحديث نقول بموجبه، فإنها تجب على الغني عن الفقير الذي يعوله. والفرق: أنها زكاة تطهر، فاعتبر فيها المال كزكاة المال، أما الكفارة فإنها وجبت لاسقاط الذنب. مسألة 279: وحد الغني هنا: ما تقدم في صدقة المال، وهو: أن يملك قوته وقوت عياله على الاقتصاد حولا، فمن ملك ذلك، أو كان له كسب أو صنعة تقوم بأوده وأود عياله مستمرا وزيادة صاع، وجب عليه دفعها، لأن وجوب الكفاية يمنع من أخذ الزكاة، فتجب عليه، لقول الصادق عليه السلام: " من حلت له لا تحل عليه، ون حلت عليه لا تحل له " (6).

(1) كما في المعتبر: 288.
(2) الخلاف 2: 147، المسألة 183 (3) المغني 2: 695، الشرح الكبير 2: 648، حلية العلماء 3: 125، المجموع 6: 113، بداية المجتهد 1: 279.
(4) القمح: البر. لسان العرب 2: 565.
(5) سنن أبي داود 2: 114 / 1619، سنن الدارقطني 2: 148 / 41، سنن البيهقي 4: 164 (6) التهذيب 4: 73 / 203، الاستبصار 2: 41 / 127.

[ 371 ]

وقال الشيخ في المبسوط: أن يملك نصابا زكويا (1). وفي الخلاف: أن يملك نصابا أو ما قيمته نصاب (2). وبه قال أبو حنيفة (3)، لوجوب زكاة المال عليه، وإنما تجب على الغني فتلزمه الفطرة. والثانية (4) ممنوعة. تذنيب: يستحب للفقير إخراجها عن نفسه وعياله ولو استحق أخذها أخذها ودفعها مستحبا، ولو ضاق عليه أدار صاعا على عياله، ثم تصدق به على الغير، للرواية (5). مسألة 285: الاسلام ليس شرطا في الوجوب، بل تجب على الكافر الفطرة وإن كان أصليا، عند علمائنا أجمع، لكن لا يصح منه أداؤها، لأنه مكلف بفروع العبادات، فصح تناول الخطاب له، فتجب عليه كما تجب على المسلم، عملا بعموم اللفظ السالم عن معارضة مانعية الكفر، كغيرها من العبادات، وإنما قلنا بعدم الصحة لو أداها، لأنها عبادة تفتقر إلى النية. وقال الجمهور: لا تجب عليه، لأن الزكاة طهرة والكافر ليس من أهلها (6). وهو ممنوع، لامكان الطهرة بتقدم إسلامه، ومن شرطها: النية، وقد كان يمكنه تقديمها. فروع: أ - لو أسلم بعد فوات الوقت، سقطت عنه إجماعا، لقوله عليه السلام: (1) المبسوط للطوسي 1: 240 (2) الخلاف 2: 146، المسألة 183.
(3) بدائع الصنائع 2: 48، بداية المجتهد 1: 276، حلية العلماء، 3: 125 (4) أي: ما قيمته نصاب.
(5) التهذيب 4: 74 / 209 الاستبصار 2: 42 / 133، والكافي 4: 172 / 10 (6) المغني 2: 649، الشرح الكبير 2: 647، المجموع 6: 106، بدائع الصنائع 2: 69، مقدمات ابن رشد 1: 254.

[ 372 ]

(الاسلام يحب ما قبله) (1). ب - لو كان الكافر عبدا لم تجب عليه الفطرة، وتجب عنه لو كان المالك مسلما على ما يأتي (2). ج - المرتد إن كان عن فطرة، لم تجب عليه، لانتقال أمواله إلى ورثته فهو فقير. ولأنه مستحق للقتل في كل آن، فيضاد الوجوب عليه. وإن كان عن غير فطرة، وجبت عليه وإن حجر الحاكم على أمواله، لامكان رجوعه وتوبته، فيزول حجره، ولا تسقط عنه بالاسلام، بخلاف الكافر الاصلي. د - لو كان للكافر عبد مسلم، وجبت عليه الفطرة عنه، لكنه لا يكلف إخراجها عنه، وهو قول أكثر العلماء (3). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه { من أهل } (4) العلم: أن لا صدقة على الذمي في عبده المسلم، لأنها عبادة تفتقر إلى النية ولا تصح من الكافر. ولأنه لا يكلف الفطرة عن نفسه، فلا يكلف عن غيره (5). وقال أحمد: يلزم بالاخراج عنه، لأنه من أهل الطهرة، فوجب أن يؤدي عنه الزكاة (6). وهو ممنوع، لأنه فقير، فلا تجب عليه الفطرة، وهذا إنما يتم عندنا لو تعذر بيعه عليه، أو كان قد أسلم آخر جزء من الشهر، ثم يهل قبل البيع. مسألة 281: والفطرة واجبة على المسلمين من أهل الحضر والبادية

(1) مسند أحمد 4: 199 و 204 - 205 (2) يأتي في المسألة 282 (3) المغني 2: 651 الشرح الكبير 2: 447 (4) زيادة من المصدر. (5 و 6) المغني 2: 651، الشرح الكبير 2: 647

[ 373 ]

عند علمائنا أجمع - وبه قال أكثر العلماء وجميع الفقهاء (1) - للعموم. وقال عطاء وعمر بن عبد العزيز وربيعة بن أبي عبد الرحمن والزهري: لا فطرة على أهل البادية (2). وهو مدفوع بالاجماع.

(1 و 2) المغني 2: 660، الشرح الكبير 2: 647، والمجموع 6: 142، والخلاف - للشيخ الطوسي - 2: 152، المسألة 192.

[ 375 ]

الفصل الثاني فيمن تخرج عنه مسألة 282: يجب على المكلف بها أن يخرجها عن، نفسه، بلا خلاف، بين العلماء في ذلك، وعن جميع من يعوله من صغير وكبير، حرا، أو عبد، ذكر أو أنثى، مسلم أو كافر، عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والثوري وإسحاق، وأصحاب الرأي (1) - لقوله عليه السلام: (أدوا عن كل حر وعبد، صغير أو كبير، يهودي أو نصراني أو مجوسي، نصف صاع من بر) (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر والصادق عليهما السلام: " على، الرجل أن يعطي عن كل من يعول من حر وعبد وصغير وكبير " (3) وهو على إطلاقه يتناول، الكافر والمسلم. وقول الصادق عليه السلام: " يؤدي الرجل زكاته عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي وما أغلق عليه بابه " (4) وهو وإن كان مرسلا، إلا أن علماءنا أفتوا بموجبه.

(1) المغني 2: 649، الشرح الكبير 2: 647، بدائع الصنائع 2: 70 (2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 650، والشرح الكبير 2: 647.
(3) التهذيب 4: 76 / 215، الاستبصار 2: 45 / 147.
(4) الكافي 4: 174 / 20، التهذب 4: 72 / 195.

[ 376 ]

ولأن كل زكاة وجبت بسبب عبده المسلم وجبت بسبب عبده الكافر، كزكاة التجارة. وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا يخرج عن العبد الكافر ولا عن الصغير المرتد، لقول ابن عباس: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله، زكاة الفطرة طهرة للصائم من الرفث واللغو (1). والكافر ليس من أهل الطهرة (2). ولا دلالة في قول الصحابي، إذ لا حجة فيه. ولأن الأصل ذلك، وغيره يجب بالتبع. ولأنها تجب عن الطفل وليس أهلا للصوم. مسألة 283: ولا فرق بين أن تكون العيلولة واجبة أو تبرعا، مثل أن يضم أجنبيا أو يتيما أو ضيفا ويهل الهلال وهو في عياله، عند علمائنا أجمع - وهو رواية عن أحمد (3) - لقوله عليه السلام: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون) (4) والمتبرع بنفقته ممن يمون. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " من ضممت إلى عيالك من حر (وعبد) (5) فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " (6). وسأل عمر بن يزيد، الصادق عليه السلام، عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه، فيحضر يوم الفطر، يؤدي عنه الفطرة؟ قال: " نعم " (7).

(1) سنن أبي داود 2: 111 / 1609، سنن أبن ماجه 1: 585 / لم 1827 (2) بداية المجتهد 1: 280، المنتقى - للباجي - 2: 185، المهذب للشيرازي 1: 171، المجموع 6: 118، فتح العزيز 6: 143، حلية العلماء 3: 121، المغني 2: 649، الشرح الكبير 2: 647 (3) المغني 2: 692، الشرح الكبير 2: 652 (4) أورده أبنا قدامة في المغني 2: 692 - 693، والشرح الكبير 2: 652.
(5) في الكافي " والتهذيب " أو مملوك (6) المعتبر: 287، الكافي 4: 170 / 1، والتهذيب 4: 71 / 193.
(7) الكافي 4: 173 / 16، الفقيه 2: 116 / 497، التهذيب 4: 72 / 196

[ 377 ]

ولأنه شخص ينفق عليه، فتلزمه فطرته كعبده. وقال باقي الجمهور: لا تجب، بل تستحب، لأن مؤونته ليست واجبة، فلا تلزمه الفطرة عنه، كما لو لم يعله (1). والفرق: وجود المناط، وهو العيلولة في المعال دون غيره " مسألة 284: سبب وجوب العيلولة ثلاثة: الزوجية والقرابة والملك، بلا خلاف على ما يأتي، وهي سبب في وجوب الفطرة، فيجب على الرجل الموسر، الفطرة عن زوجته الحرة، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق (2) - لقول ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله، صدقة الفطر عن كل صغير وكبير، حر وعبد ممن تمونون (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إن النبي صلى الله عليه وآله فرض صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والانثى ممن تمونون " (4). ولأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة. وقال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر من الشافعية: لا تجب عليه فطرة زوجته، وعليها فطرة نفسها، لقوله عليه السلام: (صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى) (5). (1) المغني 2: 693، الشرح الكبير 2: 652.
(2) المنتقى - للباجي - 2: 184، المهذب للشيرازي 1: 171، المجموع 6: 114 و 116 فتح العزيز 6: 118 - 119، حلية العلماء 3: 121، المغني 2: 684، الشرح الكبير 2: 649 (3) سنن الدارقطني 2: 141 / 12، سنن البيهقي 4: 161، والمغني 2: 683 - 684، والشرح الكبير 2: 649 (4) المعتبر: 287.
(5) سنن الدارقطني 2: 140 / 10، سنن الترمذي 3: 61 / 675، سنن البيهقي 4: 160

[ 378 ]

ولأنها زكاة فوجبت عليها، كزكاة مالها (1). ونحن نقول بموجب الحديث، لكن الزوج يتحمل عنها الوجوب، جمعا بين الأدلة، وزكاة المال لا تتحمل بالملك والقرابة، فافترقا. مسألة 285: الولد الموسر تجب عليه فطرة أبيه المعسر - وبه قال الشافعي (2) - لأنه تجب عليه نفقته، فتجب عليه فطرته، للحديث (3). وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه فطرة الأب وإن وجبت نفقته (4). وكذا يجب على الجد فطرة ولد الولد مع العيلولة، وبه قال الشافعي (5). قال أبو حنيفة: لا تجب (6). مسألة 286: الولد إن كان صغيرا معسرا، وجبت نفقته على والده، وعليه فطرته عنه، وبه قال، الشافعي وأبو حنيفة (لكن) (7) أبو حنيفة أوجبها عليه باعتبار الولاية، وعندنا باعتبار العيلولة، وعند الشافعي باعتبار وجوب النفقة عليه (8). وإن كان مؤسرا، قال الشيخ: لزم أباه نفقته وفطرته - وبه قال محمد بن الحسن (9) - لأن كل خبر روي في أنه تجب الفطرة على الرجل يخرجها عن

(1) المغني 2: 684، الشرح الكبير 2: 649، المجموع 6: 118، فتح العزيز 6: 119، حلية العلماء 3: 121، الهداية للمرغيناني 1: 115 بداية المجتهد 1: 279 (2) الأم 2: 63، المجموع 6: 120 وبدائع الصنائع 2: 72 (3) المروي عن طريق الخاصة والعامة، الذي سبق في المسألة السابقة (284) (4) المبسوط للسرخسي 3: 105 - 106، بدائع الصنائع 2: 72، فتح العزيز 6: 119 (5) المهذب للشيرازي 1: 170، المجموع 6: 141 (6) المبسوط للسرخسي 3: 105، فتح العزيز 6: 119 - 120، المجموع 6: 141.
(7) والأحسن: ولكن.
(8) المهذب للشيرازي 1: 170 و 171، المجموع 6: 120، حلية العلماء 3: 121، المبسوط للسرخسي 3: 102، الهداية للمرغيناني 1: 116، والخلاف - للشيخ الطوسي - 2: 133 - 134، المسألة 163.
(9) المبسوط للسرخسي 3: 104، الهداية للمرغيناني 1: 115، المجموع 6: 141، حلية العلماء 3: 122، والخلاف - للشيخ الطوسي - 2: 134، المسألة 164.

[ 379 ]

نفسه وعن ولده، يتناول هذا الموضع، فعلى مدعي التخصيص الدلالة (1). وقال مالك وأبو يوسف والشافعي: نفقته وفطرته من مال نفسه (2). والوجه عندي: أن نفقته في ماله، ولا فطرة على أبيه، إلا أن يعوله متبرعا، لأنه لم يعله، ولا على الصغير، لصغره، فقد عدم شرط البلوغ في حقه. أما الولد الكبير، فإن كان موسرا، فله حكم نفسه بالاجماع، وإن كان فقيرا، كانت نفقته وفطرته على أبيه. وكذا البحث في الوالد والجد والجدة والأم. وولد الولد حكمه حكم الولد للصلب. فروع: أ - لا تجب الزكاة عن الجنين بإجماع العلماء. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار، لا يوجب على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه (3). وعن أحمد رواية: أنها تجب، لأنه آدمي تصح الوصية له وبه، ويرث، فيدخل في عموم الأخبار، ويقاس على المولود (4). وليس بجيد، لمخالفة الاجماع. ولأنه جنين، فأشبه أجنة البهائم. ولأن أحكام الدنيا لم تثبت له، إلا الوصية والارث بشرط خروجه حيا. ب - المولود تجب الزكاة عنه وإن ولد ليلة الهلال قبله بلا فصل. ج - الكبير المعسر لو وجد ليلة الهلال قدر قوته ليلة العيد ويومه، سقطت

(1) الخلاف 2: 134، المسألة 164 (2) المبسوط للسرخسي 3: 104، الهداية للمرغيناني 1: 115، المجموع 6: 120 والخلاف - للشيخ الطوسي - 2: 134، المسألة 164 (3) المغني 2: 713، الشرح الكبير 2: 652، المجموع 6: 139.
(4) المغني 2: 713 الشرح الكبير 2: 652.

[ 380 ]

الزكاة عن أبيه إذا لم يعله، لسقوط النفقة عنه، وعن الولد، لفقره، وبه قال الشافعي (1). ولو كان المعسر صغيرا ووجد قدر هذا القوت، فكذلك وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني. أن فطرته لا تسقط، لأن نففته آكد، فإنها قد ثبتت في الذمة، لأن للأم أن تستقرض على الأب الغائب نفقة الكبير لا تثبت في الذمة بحال (2). والفرق ممنوع، لأن نفقة الكبير قد تثبت لو استدان له الحاكم عن الأب. مسألة 287: يجب الإخراج عن الضيف وإن تبرع بإطعامه، مسلما كان أو كافرا، حرا أو عبدا، عند علمائنا أجمع وقد تقدم الخلاف في التبرعات. لكن اختلف علماؤنا، فقال بعضهم: يشترط الضيافة جميع شهر رمضان (3). وشرط آخرون: ضيافة العشر الأواخر (4). واقتصر آخرون على آخر ليلة في الشهر، بحيث يهل هلال شوال وهو في ضيافته (5). وهو الأقوى، لقوله عليه السلام: (عمن تمونون) (6) وهو صالح للحال والاستقبال. وحمله على الحال أولى، لأنه وقت الوجوب، وإذا علق الحكم على وصف، ثبت مع ثبوته، لا قبله ولا بعده. ولا طلاق اسم الضيف عليه عند الهلال.

(1) الوجيز 1: 98، فتح العزيز 6: 125 - 126 (2) الوجيز 1: 98، فتح العزيز 6: 126 (3 - 5) حكى الأقوال كلها، المحقق في المعتبر: 288. وبعد أن ذكر القول الأخير، قال: وهو الأولى. وممن أختار القول الأول: السيد المرتضى في الانتصار: 88، والشيخ الطوسي في الخلاف 2: 133، والمسألة 162 (6) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 376، الهامش (4).

[ 381 ]

الفصل الثالث في قدرها وجنسها مسألة 288: الجنس في الفطرة ما كان قوتا غالبا، كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والأقط واللبن، لرواية أبي سعيد، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله، صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط (1). ومن طريق الخاصة: قول العسكري عليه السلام: " ومن سكن البوادي من الأعراب فعليهم الاقط " (2). ولأنه مقتات، فجاز إخراجه كالبر، وهذا عام فيمن قوته الاقط ومن لم يكن، وفيمن وجد الأصناف المنصوص عليها ومن لم يجد. وقال أبو حنيفة: لا يخرج من الاقط إلا على وجه القيمة (3). وعن أحمد روايتان في الواجد: إحداهما: الإجزاء كقولنا، والأخرى: المنع، لأن الاقط جنس لا تجب الزكاة فيه، فلا يجزئ إخراجه للواجد غيره من باقي الأصناف (4).

(1) سنن النسائي 5: 51 (2) التهذيب 4: 79 / 226، الاستبصار 2: 44 / 140.
(3) بدائع الصنائع 2: 72 - 73، حلية العلماء 3: 132، الميزان - للشعراني - 2: 12 (4) المغني 2: 660 - 661، الشرح الكبير 2: 662.

[ 382 ]

وقول أبي سعيد: كنا نخرج صاعا كل من أقط (1)، وهم من أهل الأمصار، يبطله وأما اللبن فإنه يجوز إخراجه - عند علمائنا أجمع - لكل أحد سواء قدر على غيره من الأجناس أو لا - وهو قول أحمد في رواية، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (2) - لأنه يقتات به. ولأنه أكمل من الاقط، لامكان حصول الاقط ولقول الصادق عليه السلام: " الفطرة على كل قوم ما. يغذون عيالاتهم: لبن أو زبيب أو غيره " (3). وعن أحمد رواية: أنه لا يجزئ اللبن بحال، لعدم ذكره في خبر أبي سعيد (4). وعدم ذكره فيه لا يدل على العدم. وعنه أخرى: أنه يجزئ عند عدم الأصناف (5). وأما الارز، فإنه أصل عند علمائنا، لأنه يقتات به. ولقول أبي الحسن العسكري عليه السلام: " وعلى أهل طبرستان الارز " (6). ومنع منه أحمد، لعدم الذكر في خبر أبي سعيد (7). وقد سبق.

(1) صحيح البخاري 2: 161، سنن النسائي 5: 51 و 53، سنن الدارقطني 2. 146 / 31، سنن البيهقي 4: 173، الموطأ 1: 284 / 53 (2) المغني والشرح الكبير 2: 662 (3) التهذيب 4: 78 / 221، الاستبصار 2: 43 / 137 (4) المغني والشرح الكبير 2: 662 (5) المغني 2: 663، الشرح الكبير 2: 662.
(6) التهذيب 4: 79 / 226، الاستبصار 2: 44 / 140.
(7) انظر. المغني 2: 665 و 666، والشرح الكبير 2: 661.

[ 383 ]

مسألة 289: يجوز إخراج ما كان قوتا وإن غاير الحنطة والشعير والتمر والزبيب واللبن والأقط، مع وجودها وعدمها بالقيمة، عند علمائنا - وهو رواية عن أحمد (1) - لقوله عليه السلام: (أغنوهم عن الطلب) (2) وهو يحصل بالقوت. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " الفطرة على كل من أصاب قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت " (3). وعن أحمد رواية: أنه لا يجزئ إلا الخمسة المنصوصة، إلا مع عدمها (4). وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد (5). وقال الشافعي: أي قوت كان الأغلب على الرجل، أدى زكاة الفطرة منه (6). واختلف أصحابه، فقال بعضهم بقول مالك. وقال بعضهم: الاعتبار بغالب قوت المخرج، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإلى أدون قولان (7). فروع: أ - السلت نوع من الشعير، أو شبهه، مقتات، فيجزئ بالأصالة إن

(1) المغني 2: 665، الشرح الكبير 2: 661.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 666، والشرح الكبير 2: 661.
(3) الكافي 4: 173 / 14، التهذيب 4: 78 / 220، الاستبصار 2: 42 / 136.
(4) المغني 2: 665، الشرح الكبير 2: 661.
(5) المغني 2: 665 و 670، الشرح الكبير 2: 661، المدونة الكبرى 1: 357، بداية المجتهد 1: 281.
(6) الأم 2: 68، المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 132، المغني 2: 665، الشرح الكبير 2: 661.
(7) المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 133، حلية العلماء 3: 130، المغني 2: 665 - 666، الشرح الكبير 2: 661.

[ 384 ]

كان شعيرا، وإن شابهه فبالقيمة. وكذا العلس بالنسبة إلى الحنطة. ب - يجوز إخراج الدقيق من الحنطة والشعير، والسويق، على أنهما أصلان - وبه قال أحمد وأبو حنيفة (1) - لقوله عليه السلام: (أو صاعا من دقيق) (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر والصادق عليهما السلام: " صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو سلت " (3). ولأنهما أجزاء الحب تفرقت، ويمكن كيلها وادخارها، فجاز إخراجها كما قبل الطحن. ج - يجوز إخراج الخبز أصلا، لأنه يقتات به. ولأنه أنفع. ولأن الانتفاع الذاتي - وهو - وهو الاغتذاء - إنما يتم بصيرورتها خبزا، فكفاية الفقير مؤونة ذلك أولى. ومنع أحمد من ذلك، لخروجه عن الكيل والادخار (4). وهو غلط، لأن الغاية الذاتية حاصلة، فلا اعتبار بالأمر العرضي. د - لا يجزئ إخراج الهريسة والكبولا وشبههما، ولا الخل والدبس إلا بالقيمة، لانتفاء الاقتيات. ه‍ - لا يجوز إخراج المعيب كالمسوس والمبلول ومتغير الطعم، لقوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } (5). و - تستحب تنقية الطعام لسلامته عن مخالطة غيره، ولو كان المخالط

(1) المغني 2: 667، الشرح الكبير 2: 662، حلية العلماء 3: 132، بدائع الصنائع 2: 72، الهداية - للميرغيناني - 1: 116 (2) سنن الدارقطني 2: 146 / 34.
(3) التهذيب 4: 82 / 236، الاستبصار 2: 43 / 139.
(4) المغني 2: 669، الشرح الكبير 2: 663.
(5) البقرة: 267.

[ 385 ]

كثيرا بحيث يعد عيبا، وجبت تنقيته، ولو لم يكثر جاز. ولا تجب الزيادة على الصاع إذا كان يخرج بالصاع عادة. ز - من أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز وإن لم يكن قوتا له ولا لبلده - وبه قال أحمد (1) - للامتثال، لورود الأمر بحرف التخيير. وقال مالك: يخرج من غالب قوت البلد (2). مسألة 290: قد بينا أنه يجوز إخراج أحد هذه الأجناس المنصوص عليها وإن كان غالب قوت البلد غيرها، عند علمائنا. وللشافعي قولان: هذا أحدهما، للتخيير في الخبر. وفي الآخر: لا يجوز، لقوله عليه السلام: (أغنوهم عن الطلب في هذا أليوم) وإنما يحصل بقوت أهل البلد (3). وهو ممنوع. مسألة 291: أفضل هذه الأجناس: إخراج التمر، ثم الزبيب، ثم غالب قوته. وبأولوية التمر على الباقي قال مالك وأحمد، اقتداء بأفعال الصحابة (4). ولقول الصادق عليه السلام: " التمر في الفطرة أفضل من غيره لأنه

(1) المغني 2: 670، الشرح الكبير 2: 661.
(2) المغني 2: 670، الشرح الكبير 2: 661 بداية المجتهد 1: 281، المدونة الكبرى 1: 357، المنتقى - للباجي - 2: 188 (3) المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 132 - 133، الوجيز 1: 100، فتح العزيز 6: 210 - 213، أورد لفظ الحديث، الرافعي في فتح العزيز 6: 117 و 213 وأبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 172. وفي سنن البيهقي 4: 175، (أغنوهم عن طواف هذا اليوم). (4) المغني والشرح الكبير 2: 663، المدونة الكبرى 1: 357، المنتقى - للباجي - 2: 189، حلية العلماء 3: 131.

[ 386 ]

أسرع منفعة " (1) وأقل كلفة. ولاشتماله على القوت والحلاوة، فكان أولى. وقال الشافعي وأبو عبيد. البر أولى، لأنه أغلى ثمنا وأنفسها، وقد سئل عليه السلام عن أفضل الرقاب، فقال: (أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) (2). والأولى ممنوعة. وأما أولوية الزبيب بعده: فلما تقدم في التمر من اشتماله على الحلاوة والقوت، وقلة كلفة التناول وسرعته، وبه قال بعض الحنابلة (3). وقال الباقون: الأفضل بعد التمر البر (4). مسألة 292: ويجوز إخراج القيمة عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري والثوري وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة (5) - لأن معاذا طلب من أهل اليمن، العرض (6). وكان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة (7). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا بأس بالقيمة في الفطرة " (8). ولأن القيمة أعم نفعا، وأكثر فائدة. ولأن الغاية دفع الحاجة، وهو

(1) الكافي 4: 171 / 3، الفقيه 2: 117 / 505، علل الشرائع: 390، الباب 128، الحديث 1، التهذيب 4: 85 / 248 (2) المغني والشرح الكبير 2: 663، فتح العزيز 6: 217، المجموع 6: 133 - 134، وانظر أيضا: صحيح البخاري 3: 188، سنن ابن ماجة 2: 843 / 2523، الموطأ 2: 779 / 15 " مسند أحمد 2: 388 و 5: 150 سنن البيهقي 10: 273، مصنف أبن أبي شيبة 9: 107 - 108 (3 و 4) المغني والشرح الكبير 2: 664 (5) المغني 2: 671 - 672، بدائع الصنائع 2: 73، حلية العلماء 3: 167.
(6) سنن البيهقي 4: 113، والمغني لابن قدامة 2: 672، نفلا عن سعيد بن منصور.
(7) المغني 2: 672 - 673، نقلا عن سعيد بن منصور (8) التهذيب 4: 86 / 252 الاستبصار 2: 50 / 167

[ 387 ]

يحصل مع اختلاف صور الأموال. ومنع الشافعي ومالك وأحمد من ذلك، لما فيه من العدول عن النص (1). وهو ممنوع، فإن إيجاب نوع لا يمنع من غيره. وعن أحمد رواية أخرى: أنه لا تجزئ القيمة في الفطرة خاصة (2). تذنيب: لا قدر معين للقيمة، بل المرجع فيه إلى القيمة السوقية، لأن الواجب: العين، والقيمة السوقية بدل، فتعتبر وقت الإخراج. وما ورد من التقدير بدرهم (3) أو أربعة دوانيق (4)، محمول على أن القيمة وقت السؤال كانت ذلك. مسألة 293: وقدر الفطرة عن كل رأس صاع من أحد الأجناس - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو سعيد الخدري والحسن وأبو العالية (5) - لقول أبي سعيد الخدري: كنا نخرج صاعا من طعام (6). ومن طريق الخاصة: قول الرضا عليه السلام: " صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله " (7). وقال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعروة بن الزبير وأصحاب

(1) حلية العلماء 3: 167، المغني 2: 671.
(2) المغني 2: 671. (3) التهذيب 4: 79 / 225، الاستبصار 2: 50 / 168.
(4) الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام: 210، المقنعة: 41 - (5) المغني 2: 652، الشرح الكبير 2: 659، المجموع 6: 142، فتح العزيز 6: 194، حلية العلماء 3: 129، بداية المجتهد 1: 281، المنتقى - للباجي - 2: 185.
(6) صحيح البخاري 2: 161، سنن الترمذي 3: 59 / 673، سنن النسائي 5: 51، - سنن الدارقطني 2: 146 / 32، سنن البيهقي 4: 165.
(7) الكافي 4: 171 / 5، الفقيه 2: 115 / 492، التهذيب 4: 80 / 227، الاستبصار 2: 46 / 148.

[ 388 ]

الرأي: يجزئ نصف صاع من البر (1) - وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان، إحداهما: صاع، والأخرى: نصف صاع (2) - لما روي عن النبي عليه لسلام، قال: (صاع من قمح بين كل اثنين) (3). وأنكر ابن المنذر هذا الحديث (4). مسألة 294: والصاع أربعة أمداد. والمد رطلان وربع بالعراقي، قدره: مائتان واثنان وتسعون درهما ونصف. والدرهم: ستة دوانيق. والدانق: ثمان حبات من أوسط حبات الشعير، يكون قدر الصاع تسعة أرطال بالعراقي، وستة بالمدني عند علمائنا، لأن النبي عليه السلام كان يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع (5). مع كثافة شعره، وتمام خلقه، واستظهاره في أفعال الغسل، وفعله للمندوب منه من المضمضة والاستنشاق وتكرار الغسلات، ويتعذر ذلك فيما هو أقل. ومن طريق الخاصة: قول أبي الحسن العسكري عليه السلام: " يدفع الصاع وزنا ستة أرطال برطل المدينة، والرطل مائة وخمسة وتسعون

(1) المغني 2: 652، الشرح الكبير 2: 659، المجموع 6: 143. فتح العزيز 6: 194، حلية. العلماء 3: 129، بدائع الصنائع 2: 72، الهداية للمرغيناني 1: 116، اللباب 1: 60 (2) المغني 2: 653، الشرح الكبير 2: 659، المجموع 6: 143، فتح العزيز 6: 194، حلية العلماء 3، 129، بدائع الصنائع 2: 72 الهداية للمرغيناني 1: 116، اللباب 1: 160، شرح فتح القدير 2: 225.
(3) سنن أبي داود 2: 114 / 1620، سنن الدارقطني 2: 150 / 52، سنن البيهقي 4: 167، وانظر أيضا: المغني 2: 653، والشرح الكبير 2: 659.
(4) المغني 2: 655، الشرح الكير 2: 660 (5) صحيح مسلم 1: 258 / 51،، سنن الترمذي 1: 83 - 84 / 56، سنن البيهقي 4: 172، سنن الدارقطني 2: 154 / 73.

[ 389 ]

درهما " (1). وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: " الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي " (2). وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال (3)، لقول أنس: إنه عليه السلام كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. والمد رطلان (4). وليس حجة، لأنه (5) من كلام الراوي، مع أن أهل الحديث طعنوا فيه " (6). وقال الشافعي: الصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي - وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف (7) - لأن الرشيد غير الصاع بالمدينة فكان ذلك. وهو مسلم، فإن أرطال المدينة تقارب ذلك. مسألة 295: ويجزئ من اللبن أربعة أرطال بالمدني، هي ستة بالعراقي، لخلوصه من الغش، وعدم احتياجه إلى مؤونة. فروع: أ - الأصل في الإخراج الكيل، وقدره العلماء بالوزن (8)، لأنه أضبط،

(1) التهذيب 4: 79 / 226، الاستبصار 2: 44 / 140.
(2) الكافي 4: 172 / 9، الفقيه 2: 115، / 493، التهذيب 4: 83 - 84 / 243، الاستبصار 2: 49 / 163.
(3) بدائع الصنائع 2: 73، الهداية للمرغيناني 1: 117، شرح معاني الآثار 2: 48، المجموع 6: 143، فتح العزيز 6: 195، حلية العلماء 3: 129.
(4) شرح معاني الآثار 2: 50، سنن الدارقطني 2: 154 / 73، سنن البيهقي 4: 171.
(5) أي: قوله: والمد رطلان.
(6) كما في المعتبر - للمحقق الحلي -: 289، وسنن البيهقي 4: 171.
(7) المجموع 6: 143، فتح العزيز 6: 194، حلية العلماء 3، 129، المنتقى - للباجي - 2: 186، المغني 2: 657، الشرح الكبير 2: 660، الهداية - للمرغيناني - 1: 117، بدائع الصنائع 2: 73، شرح معاني الآثار 2: 48 (8) كما في المغني 2: 657، والشرح الكبير 2: 660، وفتح العزيز 6: 195.

[ 390 ]

فيجزئه الصاع من جميع الأجناس، سواء كان أثقل أو أخف. ولو أخرج بالوزن، فالوجه: الإجزاء وإن نقص عن الكيل. ومنع محمد بن الحسن الشيباني، لما فيه من الاختلاف، فإن في البر أثقل وأخف (1). ب - لو أخرج صاعا من جنسين أجزأ - وبه قال أبو حنيفة وأحمد (2) - لأنه أخرج من المنصوص عليه. ولأن أحد النصفين إن ساوى الآخر قيمة أو كان أنقص أو أكثر، أجزأ. ومنع الشيخ منه - وبه قال الشافعي (3) - لأنه مخالف للخبر (4). وهو ممنوع. ج - الأقرب: إجزاء أقل من صاع من جنس أعلى إذا ساوى صاعا من أدون، كنصف صاع من حنطة يساوي صاع شعير، لأن القيمة لا تخص عينا. ولأن في بعض الروايات: " صاع أو نصف صاع حنطة " (5) وإنما يحمل على ما اخترناه.

(1) بدائع الصنائع 2: 73، المبسوط للسرخسي 3: 113، المغني 2: 658، الشرح الكبير 2: 660 (2) بدائع الصنائع 2: 73، الشرح لكبير 2: 663.
(3) المجموع 6: 135، فتح العزيز 6: 220.
(4) المبسوط للطوسي 1: 241.
(5) التهذيب 4: 85 / 246.

[ 391 ]

الفصل الرابع في الوقت مسألة 296: تجب الفطرة بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان - وبه قال الشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق والثوري ومالك في إحدى الروايتين (1) - لقوله عليه السلام: (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم) (2) ولا يصدق عليه يوم العيد اسم الصوم. ومن طريق الخاصة عن الصادق عليه السلام: أنه سئل عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: " لا، قد خرج الشهر " وسئل عن يهودي أسلم ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: " لا " (3). ولأنها تضاف إلى الفطر، فتجب به، كزكاة المال، لاقتضاء الاضافة

(1) المهذب للشيرازي 1: 172 المجموع 6: 126 و 128 " الوجيز 1: 98 فتح العزيز 6: 112، حلية العلماء 3: 126 - 127، المغني 2: 678، الشرح الكبير 2: 657، بداية المجتهد 1: 282، الكافي في فقه أهل المدية 111.
(2) سنن الدارقطني 2: 138 / 1، سنن أبي داود 2: 111 / 1609، سنن ابن ماجة 1: 585 / 1827، سنن البيهقي 4: 163، المستدرك - للحاكم - 1: 409، وفي غير الأول: ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله، زكاة الفطر طهرة للصائم. وفي الأول: ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله. زكاة الفطر. إلى آخره.
(3) الكافي 4: 172 / 12، التهذيب 4: 72 / 197

[ 392 ]

الاختصاص، والسبب أخص بحكمه من غيره. وقال بعض علمائنا: إنها تجب بطلوع الفجر الثاني يوم الفطر (1) - وبه قال الشافعي في القديم، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك في الرواية الأخرى، وأبو ثور (2) - لقوله عليه السلام: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) (3). ولا دلالة فيه، لحصول الاغناء بالدفع ليلة الفطر.، لأنها واجب موسع، فالوجوب بالغروب والإخراج قبل الصلاة. قال بعض أصحاب مالك: تجب بطلوع الشمس يوم الفطر، للأمر بالاخراج قبل الخروج إلى المصلى (4). ولا حجة فيه. وللشافعي ثالث: إنما تجب بمجموع الغروب وطلوع الفجر، لتعلقها بالفطر والعيد (5). وهو يصدق فيما قلناه أيضا. مسألة 297: لو ولد له مولود، أو ملك عبدا، أو تزوج، أو بلغ قبل الغروب بلحظة، وجبت عليه الفطرة عنهم، ولو كان بعد الغروب سقطت وجوبا - لا استحبابا - إلى الزوال، ولو تجدد ذلك بعد الزوال يوم الفطر، سقط الاستحباب أيضا.

(1) كالشيخ المفيد في المقنعة: 41، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل، (ضمن رسائله) 3: 80، وسلار في المراسم: 134، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 169، وابن الجنيد كما في المعتبر: 289.
(2) المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 126 - 127 و 128، الوجيز 1: 98، فتح العزيز 6: 112، حلية العلماء 3: 126، الهداية للمرغيناني 1: 117، بداية المجتهد 1: 282، الكافي في فقه أهل المدينة 111، المغني 2: 678 - 179، الشرح الكبير 2: 657.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 385، الهامش (3).
(4) حلية العلماء 3: 126، المجموع 6: 128 (5) فتح العزيز 6: 2 1 1، الوجيز 1: 98، المجموع 6: 127

[ 393 ]

وكذا لو بلغ أو أسلم أو زال جنونه أو استغنى قبل الهلال، وجبت عليه، واستحب لو كان بعده قبل الزوال، وبعده يسقط الاستحباب أيضا؟ لأن معاوية بن عمار سأل الصادق عليه السلام عن مولود ولد ليلة الفطر، عليه فطرة؟ قال: " لا، قد خرج الشهر " وسأله عن يهودي أسلم ليلة (الفطر) (1) عليه فطرة؟ قال: " لا " (2). فروع: أ - لو اتهب عبدا فأهل شوال قبل القبض، فالزكاة على الواهب - وبه قال الشافعي (3) - لأن القبض شرط ملك المتهب. وقال مالك: الزكاة على المتهب (4) لأن القبض ليس شرطا. وسيأتي بطلانه. ولو مات فقبض الوارث قبل شوال فالا انتقال أيضا. ب - لو مات ولده أو عبده، أو أعتقه، أو باعه، أو ماتت زوجته، أو طلقها قبل الغروب، فلا زكاة عليه إجماعا، وتجب بعده. وعلى اعتبار الوقتين: الغروب والطلوع - كما هو مذهب الشافعي (5) - لو طلق زوجته أو زال ملكه وبسط الليل ثم عاد في الليل، ففي الزكاة عند الشافعية وجهان (6). ج - لو مات العبد بعد الهلال قبل إمكان أداء الزكاة عنه، وجب الإخراج

(1) في النسخ الخطية: (العيد) بدل (الفطر).
(2) الكافي 4: 172 / 12، التهذيب 4: 72 / 197.
(3) الأم 2: 63 المجموع 6: 138، حلية العلماء 3: 127.
(4) انظر: حلية العلماء 3: 127 (5) المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 126 - 128، الوجيز 1: 98، فتح لعزيز 6: 112، حلية العلماء 3: 126.
(6) المجموع 6: 127، الوجيز 1: 98، فتح العزيز 6: 113.

[ 394 ]

عنه لوجود السبب. وقال بعض الشافعية: تسقط، لتلف المال الذي هو سبب الوجوب، كالنصاب (1). والفرق: أن الزكاة تجب في عين النصاب فسقطت، وهنا الزكاة في الذمة، فلا تسقط بتلف السبب. د - لو أوصى (له) (2) بعبد ثم مات بعد الهلال فالزكاة عليه، لعدم الانتقال. وقبله (3) إن قبل الموصى له قبله (4) فعليه، لتحقق الملك قبل الهلال. وبعده (5) قال الشيخ: لا زكاة، لانتفاء المالك (6). والوجه: وجوب الزكاة على الموصي إن جعلنا القبول سببا أو شرطا في الملك، وإن جعلناه كاشفا فعلى الموصى له. وللشافعي كالقولين، وله ثالث: إنه يدخل في ملك الموصى له بغير اختياره بموت الموصي، فالزكاة عليه (7). ه‍ - لو مات الموصى له قام وارثه مقامه في القبول، فإن قبل قبل الهلال فعليه في ماله، وعلى القول بالكشف تجب في مال الموصى له. و - لو مات - وعليه دين - بعد الهلال، ففطرة عبده عليه، لوجود المقتضي، ولو قصرت التركة، تحاص الديان وأرباب الزكاة. وإن مات قبله، قال الشيخ: لا يلزم أحدا فطرته، لعدم الانتقال إلى

(1) المهذب للشيرازي 1: 172، المجموع 6: 127، فتح العزيز 6: 112.
(2) ما بين القوسين لم يرد في " ط " (3) أي: مات قبل الهلال.
(4) أي قبل الهلال.
(5) أي. كان القبول بعد الهلال (6) الخلاف 2: 145، المسألة 180.
(7) المجموع 6: 138، فتح العزيز 6: 245 - 241، حلية العلماء 3: 128.

[ 395 ]

الوارث، فإنه لا إرث قبل الدين. ولا إلى الديان، للآية (1) (2). والوجه: ثبوتها على الوارث، لامتناع ثبوت ملك لا مالك له. وعدم صلاحية الميت للملك. والديان لا يملكون، وإلا لم يزل عنهم بالابراء. ولأن الحالف مع الشاهد هو الوارث لا الديان. ولأنه لو مات بعض الورثة ثم أبرئ الميت، كانت التركة بين الحي وورثة الميت. والآية محمولة على القسمة. ز - لو ملك الولد قبل الهلال قوت يوم العيد، سقط عن والده نفقة ذلك اليوم، فإن لم يعله فلا زكاة عليه، ولا على الولد، لفقره. ح - لو وقع بين المعتق نصفه وبين المولى مهاياة، فوقعت نوبة الهلال على أحدهما، احتمل اختصاصه بالفطرة، لاختصاصه بالعيلولة. والشركة، لأنه كالنائب عن صاحبه. مسألة 298: يستحب إخراجها يوم العيد قبل الخروج إلى المصلى، ويتضيق عند الصلاة، لأن ابن عباس روى: أن النبي صلى الله عليه وآله فرض زكاة الفطرة طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (3). ومن طريق الخاصة: عن الصادق عليه السلام نحوه (4). ولأن الغرض إغناء الفقير عن السعي فيه، وإنما يتحقق قبل الصلاة. فروع: أ - لو أخرها عن صلاة العيد اختيارا أثم عند علمائنا أجمع - وبه قال

(1) وهي: قوله تعالى: { من بعد وصية توصى بها أو دين }، النساء: 12.
(2) الخلاف 2: 144، المسألة 179 (3) سنن أبي داود 2: 111 / 1609، سنن أبن ماجه 1: 585 / 1827، المستدرك - للحاكم - 1: 409، سنن البيهقي 4: 163 (4) التهذيب 4: 76 / 214، الاستبصار 2: 44 - 45 / 143.

[ 396 ]

الشافعي (1) - لأن الاغناء في اليوم إنما يتحقق بالاخراج قبل الصلاة. ولأن العيص سأل الصادق عليه السلام عن الفطرة متى هي؟ قال: " قبل الصلاة يوم الفطر " (2). ولأنه تأخير للواجب عن وقته، فكان حراما. وقال عطاء ومالك وأحمد وأصحاب الرأي: يكره وليس بمحرم (3). وعن أحمد رواية بالجواز من غير كراهية (4). ولو أخرها عن يوم العيد، قال أحمد: يأثم وعليه القضاء (5). وحكي عن ابن سيرين والنخعي: أنهما رخصا في تأخيرها عن يوم العيد (6). ب - لو تمكن من إخراجها يوم العيد ولم يخرج أثم على ما تقدم، ولا تسقط عنه، بل يجب عليه قضاؤها، إذ البراءة من الأمر بالاخراج إنما يحصل به، ولو لم يتمكن فلا إثم. ثم إن كان قد عزلها أخرجها مع الإمكان، لتعينها للصدقة، فلا تسقط بفوات الوقت، كما لو عدم مستحق زكاة المال. وإن لم يكن عزلها، فعليه القضاء أيضا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (7).

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 290، وفي المجموع 6: 142 هكذا. لو أخرها عن صلاة الإمام، وفعلها في يومه، لم يأثم، وكات أداء، وإن أخرها عن يوم الفطر أثم، وكذا في فتح العزيز 6: 117 (2) التهذيب 4: 75 / 212، الاستبصار 2: 44 / 141 (3) المغني 2: 676، الشرح الكبير 2: 658 (4) المغني 2: 677، الشرح الكبير 2: 658 (5) المغني 2: 677، الشرح الكبير 2: 659 (6) المجموع 6: 142، حلية العلماء 3: 129، المغني 2: 677، الشرح الكبير 2: 659 (7) حكاه المحقق في المعتبر: 290

[ 397 ]

وقيل: تسقط (1). وليس بمعتمد. وقيل: تكون أداء (2). وليس بجيد، لأنها عبادة فات وقتها قبل فعلها، فكانت قضاء. ج - يجوز العزل كزكاة المال، فإذا عزلها ولم يخرجها مع القدرة ضمن، بإن لم يتمكن فلا ضمان. وقال أحمد: يضمنها مطلقا (3). ويجوز نقلها إلى غير البلد مع عدم المستحق فيه لا مع وجوده فيه. ويجوز إخراجها من المال الغائب عنه. والأفضل: إخراجها في بلد المالك وتفريقها فيه. د - يجوز تقديم الفطرة من أول رمضان لا عليه، عند أكثر علمائنا (4) - وبه قال الشافعي (5) - لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحدهما، جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب. ولقول الباقر والصادق عليهما السلام: " وهو في سعة أن يعطيها في أول يوم يدخل في شهر رمضان " (6). وقال أبو حنيفة: يجوز تقديمها من أول الحول، لأنها زكاة مخرجة عن

(1) القائل هو. الحسن بن زياد وداود، كما في المجموع 6: 142، وبدائع الصنائع 2:: 74. كما حكاه عن الحسن بن زياد وعن بعض فقهائنا، المحقق في المعتبر: 290 واستحسنه.
(2) القائل هو أبن إدريس في السرائر 109.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 290.
(4) منهم الصدوقان كما في الفقيه 2: 118 ذيل الحديث 511، والمقنع: 67، والشيخ الطوسي في النهاية: 191، والمبسوط 1: 242، والخلاف 2: 155، المسألة 198، والمحقق في المعتبر: 290 (5) المهذب للشيرازي 1: 172 المجموع 6: 142، حلية العلماء 3: 128، فتح العزيز 5: 533، المغني 2: 681، الشرح الكبير 2: 658.
(6) التهذيب 4: 76 / 215، الاستبصار 2: 45 - 46 / 147.

[ 398 ]

بدنه، فإذا كان المخرج عنه موجودا جاز إخراجها قبل الوقت، كزكاة المال بعد وجود النصاب (1). والفرق: وجود السبب في زكاة المال وهو النصاب، وزكاة الفطر سببها: الفطر، لاضافتها إليه. على أنا نمنع حكم الأصل. وقال أحمد: يجوز تقديمها قبل الهلال بيوم أو يومين خاصة (2). وقال بعض الجمهور: يجوز تقديمها من بعد نصف الشهر (3). البحث الخامس في المستحق مسألة 299: مصرف زكاة الفطر مصرف زكاة المال، لعموم قوله تعالى: { إنما الصدقات } الآية (4). ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، فلا تدفع إلى الذمي عند علمائنا - وبه قال مالك والليث والشافعي وأبو ثور وأحمد (5) - لأنها زكاة، فلا تدفع إلى غير المسلم، كزكاة المال، وقد أجمع العلماء على منع الذمي من زكاة المال إلا لمصلحة التأليف. وقال أبو حنيفة: يجوز (6)، لقوله عليه السلام: (تصدقوا على أهل

(1) المغني 2: 681، الشرح الكبير 2: 658، المجموع 6: 142، حلية العلماء 3: 128 بدائع الصنائع 2: 74 (2) المغني 2: 681، الشرح الكبير 2: 658، المجموع 6: 142.
(3) المغني 2: 681، الشرح الكبير 2: 658 (4) التوبة 600.
(5) المغني 2: 71، الشرح الكير 2: 665، بداية المجتهد 1: 282، المجموع 6: 142.
(6) المغني 2: 710، الشرح الكبير 2: 665، بدائع الصنائع 2: 74، الهداية للمرغيناني 1: 113، المجموع 6: 242.

[ 399 ]

الأديان) (1). ونمنع صحة السند، ويحمل على المندوبة. مسألة 300: ويشترط في المدفوع إليه: الايمان، سواء وجد المستحق أو لا، وينتظر بها، ويحمل من بلده مع عدمه إلى بلد آخر. ولا يعطى المستضعف - خلافا للشيخ (2) - لقول الباقر والصادق عليهما السلام: " الزكاة لأهل الولاية " (3). وسئل الرضا عليه السلام عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال: " لا، ولا زكاة الفطرة " (4). ولو دفع إلى غير المؤمن أعاد، لأنه دفع الحق إلى غير مستحقه، فيبقى في العهدة. ولو كان الدافع غير مؤمن ثم استبصر، أعاد أيضا، للرواية (5). وكذا يشترط فيه كل ما يشترط في مستحق زكاة المال من الفقر، وعدم وجوب الانفاق عليه. ويجوز صرفها في الأصناف الثمانية، لأنها صدقة، فأشبهت صدقة المال. مسألة 301: ويجوز دفعها إلى الواحد عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأبو ثور وأحمد وابن المنذر (6) لورود الآية (7) ببيان المصرف.

(1) مصنف ابن أبي شيبة 3: 177 (2) المبسوط للطوسي 1: 242 " النهاية: 192، والتهذيب 4: 88 ذيل الحديث 259.
(3) التهذيب 4: 52 / 135.
(4) التهذيب 4: 52 / 137، والكافي 3: 547 / 6.
(5) تقدمت آنفا.
(6) المغني 2: 712 - 713، الشرح الكبير 2: 664 - 665 (7) التوبة: 60.

[ 400 ]

وقال الشافعي: يجب تفرقة الصدقة على ستة أصناف ودفع حصة كل إلى ثلاث منهم (1) وقد سبق (2) البحث فيه. ويجوز للجماعة دفع صدقتهم الواجبة إلى الواحد دفعة واحدة وعلى التعاقب ما لم يبالغ حد الغناء. وكذا يجوز للواحد دفع صدقته الواجبة إلى الجماعة إجماعا. مسألة 302: ويكره أن يملك ما أخرجه صدقة اختيارا، بشراء أو غيره، لأنها طهرة له فكره له أخذها. وقال الجمهور: لا يجوز شراؤها (3)، لقوله عليه السلام: (العائد في صدقته كالعائد في قيئه) (4). وجوز الشافعي وأحمد - في رواية - تملكها بغير شراء اختيارا، كما لو دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها، أو جمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على [ أهل ] (5) السهمان فعادت صدقته إليه (6). وفي الرواية الأخرى عن أحمد: تحريم ذلك، قياسا على الشراء (7). والأصل ممنوع. أما لو عادت إليه بغير اختياره، كميراث (أو) (8) قضاء دين، فإنه جائز غير مكروه إجماعا. مسألة 303: ويستحب اختصاص القرابة بها، ثم الجيران مع وجود

(1) المغني 2: 712 - 713، الشرح الكبير 2: 664 (2) سبق في المسألة 248. (3) المغني 2: 712 الشرح الكبير 2: 665 (4) صحيح البخاري 2: 157 (5) زيادة أضفناها من المغني والشرح الكبير، لاقتضاء السياق (6) حلية العلماء 3: 132، المغني 2: 711، الشرح الكبير 2: 665 (7) المغني 2: 711 الشرح الكبير 2: 665 (8) في " ط، ن ": و.

[ 401 ]

الصفات المقتضية للاستحقاق، لقوله عليه السلام: (لا صدقة وذو رحم محتاج) (1). وقوله عليه السلام: (جيران الصدقة أحق بها) (2). ولأن الاعتناء بهؤلاء في نظر الشرع أتم من غيرهم، فكان الدفع إليهم أولى. وسئل الكاظم عليه السلام عن إعطاء القرابة من الزكاة، فقال: " أمستحقون هم؟ " قيل: نعم. فقال: " هم أفضل من غيرهم، أعطهم " (3). وقال لما سئل عن صدقة الفطرة: " الجيران أحق بها " (4) ولا نعلم في ذلك خلافا. ويستحب تخصيص أهل الفضل بالعلم والزهد وترجيحهم، لأن السكوني قال للباقر عليه السلام: إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم؟ فقال: " أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والفضل (5) " (6). مسألة 304: يجوز أن يتولى المالك تفريق الفطرة بنفسه إجماعا، أما عندنا فظاهر، وأما عند المخالف: فلأنها من الأموال الباطنة. لكن يستحب صرفها إلى الإمام أو نائبه، لأنه أعرف بمواقعها، فإن تعذر صرف إلى الفقيه المأمون من فقهاء الامامية، لأنهم أبصر بمواقعها. ولأنهم

(1) الفقيه 2: 38 / 166 (2) أورده المحقق في المعتبر: 291.
(3) الكافي 3: 551 / 1، التهذيب 4: 56 / 149 الاستبصار 2: 33 / 100 (4) الفقيه 2: 117 / 506، التهذيب 4: 78 / 224.
(5) في المصادر بدل " والفضل ": " والعقل ".
(6) الكافي 3: 549 / 1، الفقيه 2: 18 / 59، التهذيب 4: 101 / 285.

[ 402 ]

نواب الإمام عليه السلام. مسألة 305: يجوز أن يعطى صاحب الخادم والدار والفرس من الفطرة وزكاة المال، لأن الباقر والصادق عليهما السلام سئلا عن الرجل له دار وخادم وعبد يقبل الزكاة؟ فقال: " نعم " (1). ولا يعطى الفقير أقل من صاع استحبابا، لقول الصادق عليه السلام: " لا تعط أحدا أقل من رأس " (2) وهو نهي تنزيه، للأصل والمواساة. ويجوز أن يعطى الواحد أصواعا كثيرة دفعة مطلقا وعلى التعاقب إذا لم يبلغ حد الغنى. مسألة 306: لا تسقط صدقة الفطر بعد وجوبها بالموت، بل تخرج من أصل التركة - وبه قال الشافعي وأحمد (3) - لتعلق الذمة به، فصارت دينا. وقال أبو حنيفة: تسقط بالموت، إلا أن يوصي بها، فتخرج من الثلث حينئذ (4). وليس بمعتمد، لبقاء متعلق الأمر شاغلا للذمة قبل فعله. فإن لم يفضل من التركة شئ أخرجت بأجمعها في الزكاة كالدين المستوعب، فإن كان عليه دين، وضاف التركة عنهما، بسطت بالنسبة. مسألة 307: لا يملك المستحق الزكاة إلا مع القبض من المالك أو نائبه، لأن للمالك التخيير في الدفع إلى من شاء، فلو مات الفقير لم يكن لوارثه المطالبة بها وإن عينت له قبل القبض، وكذا زكاة المال. ومال الغنيمة يملكه الغانمون بالحيازة، ويستقر بالقسمة، فلو بلغ نصيبه نصابا لم يجر في الحول إلا بعد القبض، لعدم تمكنه منه، ولا يصير باعتباره

(1) الكافي 3: 561 / 7، الفقيه 2: 17 / 56، التهذيب 4: 51 / 133 (2) التهذيب 4: 89 / 261، الاستبصار 2: 2 5 / 174.
(3) المغني 2: 715، الشرح الكبير 2: 656 بدائع الصنائع 2: 53 (4) بدائع الصنائع 2: 53

[ 403 ]

غنيا. مسألة 308: صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات، للآيات الدالة على الحث على الصدقة (1). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يصعد إلى الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (2) حتى تكون مثل الجبل) (3). وقال عليه السلام: (أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن، فإن صدقته تظله) (4). وقال الباقر عليه السلام: " البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر ويدفعان (عن) (5) سبعين ميتة سوء " (6). وصدقة السر أفضل؟ للآية (7)، إلا أن يتهم بترك المواساة. ويستحب الاكثار منها وقت الحاجة، لقوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } (8) وفي شهر رمضان، لتضاعف الحسنات فيه. وعلى القرابة، لقوله تعالى: { يتيما ذا مقربة } (9).

(1) أنظر على سبيل المثال. البقرة: 245، 254، 261، آل عمران: 134، الحديد: 18، التغابن 170.
(2) الفلو: المهر الصغير وهو: ولد الفرس لسان العرب 5: 185 و 15: 162 " مهر " " فلا ".
(3) صحيح البخاري 2: 134. مسند أحمد 2: 331، سنن البيهقي 4: 176 - 177، وأورده أيضا أبن قدامة في المغني 2: 716.
(4) الفقيه 2: 37 / 155 ثواب الأعمال: 169 / 9 (5) في المصدر بدل ما بين القوسين. (عن صاحبهما) وفي الطبعة الحجرية و " ف ": عنه. وما أثبتناه من " ط " و " ن " (6) الفقيه 2: 37 ذيل الحديث 155، ثواب الأعمال: 169 / 11 (7) البقرة: 271 (8) البلد: 14.
(9) البلد: 15

[ 404 ]

وقال عليه السلام: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على، ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة) (1). والأولى: الصدقة من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام. قال عليه السلام: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول) (2). ويستحب الصدقة أول النهار، وأول الليل، قال الصادق عليه السلام: " باكروا بالصدقة فإن البلايا لا تتخطاها، ومن تصدق بصدقة أول النهار دفع الله عنه ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدق أول الليل دفع الله عنه شر ما ينزل من السماء في تلك الليلة " (3). ويكره السؤال، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " اتبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله: من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر " (4). ويكره رد السائل، قال الباقر عليه السلام: " كان فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام، أن قال: يا موسى أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل، إنك يأتيك من ليس بإنس ولا جان، ملائكة من ملائكة الرحمن، يبلونك فيه، خولتك (5)، ويسألونك عما نولتك (6)، فانظر كيف أنت صانع يابن عمران " (7) "

(1) سنن الترمذي 3: 47، سنن النسائي 5: 92، سنن الدارمي 1: 397، سنن البيهقي 4: 174، ومسند أحمد 4: 17 و 214، وأورده أيضا ابن قدامه في المغني 2: 717 (2) صحيح البخاري 2: 139 و 7: 81، سنن البيهقي 4: 180، أورده أيضا ابن قدامة في المغني 2: 717 (3) الفقيه 2: 37 - 38 / 159.
(4) الكافي 4: 19 / 2، الفقيه 2: 40 / 179 (5) خوله المال: أعطاه إياه. لسان العرب 11: 225 (6) النوال: العطاء: الصحاح 5: 1836.
(7) الكافي 4: 15 / 3، الفقيه 2: 39 / 170.

[ 405 ]

والصدقة المندوبة على بني هاشم أفضل، خصوصا العلويون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إني شافع يوم القيامة لاربعة أصناف ولو جاؤا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند الضيق، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا) (1). وقال عليه السلام: (من صنع إلى أحد من أهل بيتي يدا كافيته يوم القيامة) (2).

(1) الكافي 4: 60 / 9، الفقيه 2 (2) الفقيه 2: 36 / 152.

[ 407 ]

المقصد السادس في الخمس وفصوله أربعة:

[ 409 ]

الأول فيما يجب فيه وهو أصناف: الأول: الغنائم المأخوذة من دار الحرب، ما حواه العسكر وما لم يحوه، أمكن نقله كالثياب والدواب وغيرها، أو لا كالأراضي والعقارات مما يصح تملكه للمسلمين مما كان مباحا في أيديهم، لا غصبا من مسلم أو معاهد، قل أو كثر، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. الثاني: المعادن، وهي: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء كان منطبعا بانفراده كالرصاص والصفر والنحاس والحديد، أو مع غيره كالزيبق، أو لم يكن منطبعا كالياقوت والفيروزج والبلخش (1) والعقيق والبلور والسبج (2) والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة (3) والملح، أو كان مائعا كالقير والنفط والكبريت، عند علمائنا أجمع - وبه قال أحمد، إلا أنه جعله زكاة (4) - لعموم قوله تعالى: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } (5).

(1) بلخش: لعل، ضرب من الياقوت. ملحقات لسان العرب: 68.
(2) السبج. الخرز الأسود. الصحاح 1: 321.
(3) المغرة: الطين الأحمر. المصباح المنير: 576.
(4) المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 582 - 583. فتح العزيز 6: 88 (5) البقرة: 267.

[ 410 ]

ولقوله عليه السلام: (ما لم يكن في طريق مأتي أو قرية عامرة ففيه وفي الركاز (1) الخمس) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام لما سئل عن الصفر والرصاص والحديد: " يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب والفضة " (3). وقال أبو حنيفة: لا يجب الخمس في المعادن إلا في المنطبعة خاصة (4). ويبطل بما تقدم. وقال الشافعي: لا يجب إلا في معدن الذهب والفضة خاصة على أنه زكاة، لأنه مال مقوم مستفاد من الأرض، فأشبه الطين (5). وليس بجيد، لأن الطين ليس بمعدن، لأنه تراب. مسألة 309: الواجب في المعادن الخمس لا الزكاة، عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة (6) - لما تقدم من الأحاديث. ولقوله عليه السلام: (وفي السيوب الخمس) (7) والسيوب: عروق

(1) الركاز، عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض. وعند أهل العراق: المعادن. النهاية - لابن الأثير - 2: 258.
(2) سنن النسائي 5: 44، وأورده ابنا قدامة في المغني 2: 616 - 617، والشرح الكبير 2: 583، وقالا. رواه النسائي والجوزجاني.
(3) الكافي 1: 459 / 19، الفقيه 2: 21 / 73، التهذيب 4: 121 / 346 (4) بدائع الصنائع 2: 67، فتح العزيز 6: 88، المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 582 و 583، حلية العلماء 3: 112.
(5) الأم 2: 42، المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 77، فتح العزيز 6: 88، حلية العلماء 3: 111 - 112، المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 582، و 583 (6) بدائع الصنائع 2: 67، المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 583.
(7) أورده ابن الأثير في النهاية 2: 432، وابنا قدامة في المعني 2: 617 والشرح الكبير 2: 583.

[ 411 ]

الذهب والفضة التي تحت الأرض (1). وقال الشافعي ومالك وأحمد: إنه زكاة (2)، لقوله عليه السلام: (في الرقة ربع العشر) (3) والمراد به الزكاة. مسألة 310: قدر الواجب في المعادن الخمس، عند علمائنا، وبه قال أبو حنيفة والمزني والشافعي في أحد أقواله (4)، لما تقدم. وفي آخر له: يجب ربع العشر، وبه قال أحمد ومالك في إحدى الروايتين وإسحاق (5). وللشافعي ثالث: إن احتاج إلى مؤونة فربع العشر، وإلا فالخمس - وهو رواية عن مالك، مع قطع الشافعي ومالك بأن الواجب زكاة - للفرق بين المحتاج إلى المؤونة والمستغني، كالزكاة في الغلات (6). مسألة 311: يجب الخمس في المعدن بعد تناوله وتكامل نصابه إن اعتبرناه، ولا يعتبر الحول عند عامة أهل العلم (7)، لعموم { فأن لله

(1) النهاية لابن الأثير 2: 432 (2) ألام 2: 43، المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 77، فتح العزيز 6: 88، المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 583 (3) صحيح البخاري 2: 146، سنن أبي داود 2: 97 / 1567، سنن النسائي 5: 23، مسند أحمد 1: 12 و 121 - 122 (4) الهداية للمرغيناني 1: 108، الوجيز 1: 96 فتح العزيز 6: 89، المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 83 " حلية العلماء 3: 113، المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 583 (5) المغني 2: 616، الشرح الكبير 2: 583، المدونة الكبرى 1: 287، بداية المجتهد 1: 258، المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 83، الوجيز 1: 96، فتح العزيز 6: 89، حلية العلماء 3: 113.
(6) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 83، الوجيز 1: 96، فتح العزيز 6: 89، حلية العلماء 3: 113، المدونة الكبرى 1: 287 و 288.
(7) المغني 2: 619 الشرح الكبير 2: 586 " حليه العلماء 3: 112 فتح العزيز 6: 91.

[ 412 ]

خمسة } (1) وسئل الصادق عليه السلام عن المعادن كم فيها؟ قال:: " الخمس " وتخصيص العموم وتقييد المطلق بالحول لا دليل عليه، فيكون منفيا. وقال إسحاق وابن المنذر: لا شئ في المعادن حتى يحول عليه الحول (3)، لقوله عليه السلام: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (4). ونفي الزكاة لا يستلزم نفي الخمس. فروع: أ - الخمس يجب في المخرج من المعدن، والباقي يملكه المخرج، لقوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) (5) ويستوي في ذلك (6) الصغير والكبير. وقال الشافعي: يملك الجميع، وتجب عليه الزكاة (7). ب - المعدن إن كان في ملكه، فهو له يصرف منه الخمس لمستحقيه، وإن كان في موضع مباح، فالخمس لا ربابه، والباقي لواجده.

(1) الانفال: 41 (2) الكافي 1: 459 / 19، الفقيه 2: 21 / 73، التهذيب 4: 121 / 346.
(3) المغني 2: 619، الشرح الكبير 2: 586.
(4) سنن ابن ماجه 1: 571 / 1792.
(5) صحيح البخاري 2: 160 و 3: 145 و 9: 15، صحيح مسلم 3: 1334 / 45 و 46، سنن أبي داود 3: 181 / 3085، سنن ابن ماجه 2: 839 / 2509 و 2510، سنن الترمذي 3: 661 / 1377، سنن الدارمي 2: 196، سنن البيهقي 4: 152، مصنف ابن أبي شيبة 3: 225 و 12: 255، المعجم الكبير للطبراني 17: 14 / 6، مسند أحمد 2: 186 و 3: 335، الموطأ 1: 249 / 9 (6) أي: المستخرج.
(7) حكاه عنه، المحقق في المعتبر: 292.

[ 413 ]

ج - إذا كان المعدن لمكاتب، وجب فيه الخمس - وبه قال أبو حنيفة (1)، لعموم (وفي الركاز الخمس) (2). ولأنه غنيمة وهو من أهل الاغتنام. د - العبد إن استخرج معدنا، ملكه سيده، لأن منافعه له، ويجب على السيد الخمس في المعدن. ه‍ - الذمي يجب عليه الخمس فيه - وبه قال أبو حنيفة (3) - للعموم. وقال الشافعي: لا يجب، لأنه لا يساوي المسلمين في الغنيمة، ولا يسهم له. ولأن المأخوذ زكاة ولا زكاة على الذمي (1). والمقدمتان ممنوعتان. وقال الشيخ: يمنع الذمي من العمل في المعدن، فإن أخرج منه شيئا ملكه، وأخرج منه الخمس (5). و - المعادن تبع الأرض تملك بملكها، لأنها من أجزائها. ويجوز بيع تراب المعدن بغير جنسه في الربويات، وفي غيرها يجوز مطلقا، والخمس لأربابه، فإن باع الجميع فالخمس عليه، ويجب خمس المعدن، لا خمس الثمن، لأن الخمس تعلق بعين المعدن لا بقيمته. الصنف الثالث: الركاز. وهو المال المذخور تحت الأرض، ويجب فيه الخمس إجماعا، لعموم

(1) المجموع 6: 76 و 91، حلية العلماء 3: 111.
(2) تقدم الحديث في الفرع (أ) وكذا الاشارة إلى مصادره (3) بدائع الصنائع 2: 65، المجموع 6: 91.
(4) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 76 و 91 و 102، الوجيز 1: 97، فتح العزيز 6: 101، المغني 2: 615، الشرح الكبير 2: 590، وحكاه أيضا المحقق في المعتبر: 292.
(5) الخلاف 2: 120، المسألة 144.

[ 414 ]

قوله تعالى: { ومما أخرجنا لكم من الأرض } (1) { واعلموا أنما غنمتم من شئ } (2). وما رووه عنه عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام " كل ما كان ركازا ففيه الخمس " (4). ولا فرق بين أرض الحرب وأرض العرب. وفرق الحسن بينهما، فأوجبه فيما يوجد في أرض الحرب، والزكاة فيما يوجد في أرض العرب (5). وهو خلاف الاجماع. مسألة 312: الركاز إما أن يوجد في أرض موات أو غير معهودة بالتملك، كآثار الأبنية المتقادمة على الاسلام، وجدران الجاهلية وقبورهم، أو في أرض مملوكة للواجد، أو في أرض مسلم أو معاهد، أو في أرض دار الحرب. وكل من هذه إما أن يكون عليه أثر الاسلام أو لا. والأول: إن كان عليه أثر الاسلام فلقطة يعرف سنة، وإن لم يكن عليه أثره، أخرج خمسه وملك الباقي. والثاني: إن انتقل الملك إليه بالبيع، فهو للمالك الأول إن اعترف به، وإن لم يعرفه فللمالك قبله، وهكذا إلى أول مالك، فإن لم يعرفه فلقطة،

(1) البقرة 267 (2) الانفال: 41 (3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 412، الهامش (5).
(4) التهذيب 4: 122 / 347 (5) المغني 2: 610، الشرح الكبير 2: 588.

[ 415 ]

- وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (1) - لأن يد المالك الأول على الدار، فتثبت على ما فيها، واليد تقضي بالملك. وفي الأخرى عن أحمد: لواجده (2). وإن انتقل بالميراث، فإن عرفه الورثة فلهم، وإن اتفقوا على نفي الملك عنهم فهو لأول مالك على ما تقدم. وإن اختلفوا فحكم المعترف حكم المالك، وحكم المنكر لأول مالك (3). هذا إذا كان عليه أثر الاسلام، وإن لم يكن فللشيخ قولان: أحدهما: أنه لقطة. والثاني: أنه لواجده (1). والثالث: يكون لرب الأرض إن اعترف به، وإلا فلأول مالك - وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأحمد في رواية (5) - قضاء لليد. وفي الأخرى لأحمد: أنه للواجد، وبه قال أبو ثور والحسن بن صالح بن حي (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 97، الوجيز 1: 97، فتح العزيز 6: 107 المغني 2: 611، الشرح الكبير 2: 592 (2) المغني 2: 611، الشرح الكبير 2: 692 (3) أي: فحكم المعترف حكم المالك يكون نصيبه له، وحكم المنكر أن يكون نصيبه لأول مالك.
(4) المبسوط للطوسي 1: 236، وفيه القول الثاني. ولم نعثر على القول الأول له في مظانه وقال المحقق الحلي في المعتبر: 292 بعد بيات تفسير الركاز وحكمه: ويشترط لتملكه أن يكون في أرض الحرب، سواء كان عليه الجاهلية أو أثر الاسلام، أو في أرض الاسلام وليس عليه أثر الاسلام، كالسكة الاسلامية، أو ذكر النبي صلى الله عليه وآله، أو أحد ولاة الاسلام وإن كان عليه أثر الاسلام، فللشيخ قولان، أحدهما: كاللقطة والثاني: يخمس إذا لم يكن عليه أثر ملك. انتهى.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 214، المغني 2: 612، الشرح الكبير 2: 593، المجموع 6: 102 (6) المغني 2: 612، الشرح الكبير 2: 593، المجموع 6: 102.

[ 416 ]

والرابع: يكون لواجده، سواء كان عليه أثر الاسلام أو لا، ويخرج منه الخمس، لأنه أخذ من دار الحرب، فكان غنيمة، كالظاهر. وقال أبو حنيفة: إن كان في موات دار الحرب، فغنيمة لواجده، ولا يخمس (1). وقال الشافعي: إن لم يكن عليه أثر الاسلام، فهو ركاز، وإن كان عليه أثره، نهاية من القرآن أو اسم الله تعالى أو رسوله عليه السلام، كان لقطة تعرف. وإن كان عليه اسم أحد ملوك الشرك أو صورة أو صليب، فهو ركاز، وإن لم يكن مطبوعا ولا أثر عليه فهو ركاز في أظهر القولين، وفي الآخر: أنه لقطة (2). فروع: أ - لو وجد الكنز في أرض مملوكة لحربي معين، فهو ركاز فيه الخمس - وبه قال أبو يوسف وأبو ثور (3) - لأنه من دفن الكفار، فأشبه ما لا يعرف صاحبه. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يكون غنيمة، ولا يجب الخمس (4). ب - لو استأجر أجيرا ليحفر له في الأرض المباحة لطلب الكنز فوجده، فهو للمستأجر لا للأجير، فإن استأجره لغير ذلك، فالكنز للواجد. ج - لو استأجر دارا فوجد فيها كنزا، فللمالك - وبه قال أبو حنيفة

(1) بدائع الصنائع 2: 66، المبسوط للسرخسي 2: 215، المجموع 6: 94 فتح العزيز 6: 108، حلية العلماء 3: 115 (2) حلية العلماء 3: 115 - 117، المهذب للشيرازي 1: 169 - 170، المجموع 6: 97 و 98، فتح العزيز 6: 105.
(3) حلية العلماء 3: 115 (4) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 94، فتح العزيز 6: 108، حلية العلماء 3: 115 " بدائع الصنائع 2: 68 المغني 2: 613، الشرح الكبير 2: 594

[ 417 ]

ومحمد (1) - لأن يده على الدار. وقال بعض الجمهور: للمستأجر (2)، لأن الكنز لا يملك بملكية الدار. د - لو اختلف المالك والمستأجر في ملكية الكنز، فللشيخ قولان، أحدهما: القول قول المالك (3) - وبه قال المزني (4) - لأن داره كيده. والثاني: قول المستأجر (5)، وبه قال الشافعي (6) - وعن أحمد روايتان (7) كالقولين - لأنه مال مودع في الأرض، وليس منها، فالقول قول من يده على الأرض كالأقمشة، ولندور إيجاد دار فيها دفين. ولو اختلفا في مقداره، فالقول قول المستأجر قطعا، لأنه منكر. مسألة 313: ويجب الخمس في كل ما كان ركازا، وهو كل مال مذخور تحت الأرض، على اختلاف أنواعه - وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم (8) - لعموم قوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس) (9). وقول الباقر عليه السلام: " كل ما كان ركازا ففيه الخمس " (10). ولأنه مال يجب تخميسه، فيستوي فيه جميع أصنافه كالغنيمة. وقال الشافعي في الجديد: لا يؤخذ الخمس إلا من الذهب والفضة،

(1) المبسوط للسرخسي 2: 214.
(2) المغني 2: 612، الشرح الكبير 2: 593 (3) المبسوط للطوسي 1: 237.
(4) المجموع 6: 96، حلية العلماء 3: 116 (5) الخلاف 2: 123، المسألة 151.
(6) المجموع 6: 96، فتح العزير 6: 110، حلية العلماء 3: 116.
(7) المغني 2: 613، الشرح الكبير 2: 593.
(8) المدونة الكبرى 1: 290، المنتقى - للباجي - 2: 104، المغني 2: 610، الشرح الكير 2: 588، المهذب للشيرازي، 169، المجموع 6: 91 فتح العزيز 6: 103، حلية العلماء 3: 115 (9) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 412، الهامش (5).
(10) التهذيب 4: 122 / 347.

[ 418 ]

لأنه زكاة، فيجب الخمس في بعض أجناسه كالحبوب (1). والأولى ممنوعة. مسألة 314: لا يعتبر فيه الحول إجماعا وإن اختلفوا في المعدن، لعموم (وفي الركاز الخمس). ويجب على كل من وجده من مسلم وكافر وحر وعبد وصغير وكبير وذكر وأنثى وعاقل ومجنون، إلا أن العبد إذا وجده، كان لسيده، وهو قول عامة العلماء (2)، إلا الشافعي، فإنه قال: لا يجب إلا على من تجب عليه الزكاة، لأنه زكاة (3). وهو ممنوع، والعموم حجة عليه. فروع: أ - ما يجده العبد لمولاه، يخرج خمسه والباقي يملكه، لأنه اكتساب. ب - المكاتب يملك الكنز، لأنه اكتساب، فكان كغيره. ج - الصبي والمجنون يملكان الكنز، ويخرج الولي الخمس عنهما، وكذا المرأة، للعموم. وحكي عن الشافعي: أن الصبي والمرأة لا يملكان الكنز (4). وهو غلط، لأنه اكتساب، وهما من أهله. د - يجب إظهار الكنز على واجده - وبه قال الشافعي (5) لقوله عليه السلام: (وفي الركاز الخمس).

(1) فتح العزيز 6: 153، المجموع 6: 99.
(2) المغني 2: 614، الشرح الكبير 2: 590 (3) المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 91، المغني 2: 615، الشرح الكبير 2: 590 - 591 (4) كما في المغني 2: 615، والشرح الكير 2: 591.
(5) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 124، المسألة 154.

[ 419 ]

وإذا استحق الغير فيه حقا، وجب دفعه إليه. وقال أبو حنيفة: هو مخير بين إظهاره وإخراج خمسه، وبين كتمانه (1). الصنف الرابع: الغوص، وهو: كل ما يستخرج من البحر، كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وغيرها. ويجب فيه الخمس عند علمائنا - وبه قال الزهري والحسن وعمر بن عبد العزيز 2) - لأن المخرج من البحر مخرج من معدن، فيثبت فيه حكمه. وسئل الصادق عليه السلام عن العنبر وغوص اللؤلؤ، فقال: " عليه الخمس " (3). وسئل الكاظم عليه السلام عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة، فقال: " إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس " (4). وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي ومحمد بن الحسن وأبو ثور: لا شئ في الغوص (5) - وعن أحمد روايتان: هذه إحداهما، والأخرى: فيه الزكاة (6) - لقول ابن عباس: ليس في العنبر شئ، إنما هو شئ ألقاه البحر (7). وليس بحجة.

(9) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 124، المسألة 154.
(2) المغني 2: 620، الشرح الكبير 2: 587 (3) الكافي 1: 461 / 28، التهذيب 4: 121 / 346 (4) الكافي 1: 459 / 21، الفقيه 2: 21 / 72، التهذيب 4: 124 / 356 و 139 / 392.
(5) الأم 2: 42، المبسوط للسرخسي 2: 212، المدونة الكبرى 1: 292، المغني 2: 619 - 620 الشرح الكبير 2: 587.
(6) المغني 2: 619 و 620، الشرح الكبير 2: 587.
(7) الأموال - لأبي عبيد - 355، وسنن البيهقي 4:، والمغني 2: 620، والشرح الكبير 2: 587.

[ 420 ]

فروع: أ - العنبر إن أخذ بالغوص، كان له حكمه في اعتبار النصاب، وإن (جبي) (1) من وجه الماء، كان له حكم المعادن. ب - قال الشيخ: العنبر نبات من البحر (2). وقيل: هو من عين في البحر (3). وقيل: العنبر يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكله شئ إلا مات، ولا ينقله طائر بمنقاره إلا نصل (4) منقاره، وإذا وضع رجله عليه، نصلت أظفاره ويموت (5). ج - قال الشيخ: الحيوان المصاد من البحر لا خمس فيه، فإن أخرج بالغوص أو أخذ قفيا (6) ففيه الخمس (7). وفيه بعد، والوجه: إلحاقه بالارباح التي تعتبر فيها مؤونة السنة. د - السمك لا شئ فيه - وهو قول العلماء (8). إلا في رواية عن أحمد وعمر بن عبد العزيز (9) - لأنه من صيد فلا شئ فيه. الصنف الخامس: أرباح التجارات والزراعات والصنائع وسائر الاكتسابات بعد إخراج مؤونة السنة له ولعياله على الاقتصاد من غير إسراف ولا

(1) في " - ط وفي ": جني.
(2) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 113 (3) حكاه عن كتاب منهاج البيان لابن جزلة، أبن إدريس في السرائر: 113.
(4) أي: خرج الصحاح 5: 1830 (5) حكاه عن كتاب الحيوان للجاحظ [ 5: 362 ] ابن إدريس في السرائر: 113 (6) أي: يصطاد بالقفة، وهي زبيل يعمل من الخوص، أنظر لسان العرب 9: 287.
(7) المبسوط للطوسي 1: 237 - 238 (8) المعني 2: 620، الشرح الكبير 2: 587.
(9) المغني 2: 620 الشرح الكبير 2: 587 - 588

[ 421 ]

تقتير، عند علمائنا كافة - خلافا للجمهور كافة (1) - لعموم { واعلموا أنما غنمتم } (2) وقوله: { وأنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } (3). وللتواتر المستفاد من الأئمة عليهم السلام. قال الصادق عليه السلام: " على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة عليها السلام ولمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤوا، وحرم عليهم الصدقة، حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق، فلنا منه دانق، إلا من أحللناه من شيعتنا، لتطيب لهم الولادة، إنه ليس عند الله شئ يوم القيامة أعظم من الزنا، إنه يقوم صاحب الخمس يقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا (4) " (5). وكتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام أخبرني عن الخمس، هل على جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطه: " الخمس بعد المؤونة " (6). إذا عرفت هذا، فالميراث لا خمس فيه، سواء كان محتسبا كالأب والابن، أو غير محتسب كالنسب المجهول، لبعده. وعن بعض علمائنا: يجب فيه الخمس مطلقا وفي الهبة والهدية (7). والمشهور خلاف ذلك في الجميع.

(1) كما في المعتبر: 293 (2) الانفال 41 (3) البقرة: 267.
(4) في الاستبصار: بما نكحوا (5) التهذيب 4: 122 / 348، الاستبصار 2: 55 / 180 (6) التهذيب 4: 123 / 352 " الاستبصار 2: 55 / 181 (7) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 170.

[ 422 ]

الصنف السادس: الحلال إذا اختلط بالحرام ولم يتميز ولا عرف مقدار الحرام ولا مستحقه، أخرج خمسه، وحل له الباقي، لأن منعه من التصرف في الجميع ينافي المالية، ويستعقب ضررا عظيما بترك الانتفاع بالمال وقت الحاجة، والتسويغ للجميع إباحة للحرام، وكلاهما منفيان، ولا مخلص إلا إخراج الخمس إلى الذرية. قال الصادق عليه السلام: " إن أمير المؤمنين عليه السلام أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه فقال: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله تعالى قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعمل (1) " (2). ولو عرف مقدار الحرام، وجب إخراجه، سواء قل عن الخمس أو كثر، وكذا لو عرفه بعينه. ولو عرف أنه أكثر من الخمس، وجب إخراج الخمس وما يغلب على الظن في الزائد. ولو عرف صاحبه وقدره، وجب إيصاله إليه، فإن جهل القدر، صالحه، أو أخرج ما يغلب على ظنه، فإن لم يصالحه مالكه، أخرج خمسه إليه، لأن هذا القدر جعله الله تعالى مطهرا للمال. الصنف السابع: الذمي إذا اشترى أرضا من مسلم، وجب عليه الخمس عند علمائنا، لقول الباقر عليه السلام: " أيما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس " (3). وقال مالك: إن كانت الأرض عشرية، منع من شرائها - وبه قال أهل.

(1) في الموضع الثاني من المصدر: " يعلم " بدل " يعمل " وهو الأنسب (2) التهذيب 4: 124 / 358 و 138 / 390.
(3) التهذيب 4: 123 - 124 / 355، والفقيه 2: 22 / 81.

[ 423 ]

المدينة وأحمد في رواية (1) - فإن اشتراها، ضوعف العشر عليه، فوجب عليه الخمس (2). وقال أبو حنيفة: تصير أرض خراج (3). وقال الثوري والشافعي وأحمد في رواية أخرى: يصح البيع ولا شئ عليه ولا عشر أيضا (4). وقال محمد بن الحسن. عليه العشر (5).

(1 و 2) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 6، المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 579 (4) المغني 2: 590، الشرح الكبير 2: 578.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 6، المغني 2: 590 " الشرح الكبير 2: 579

[ 425 ]

الفصل الثاني في النصب مسألة 315: النصاب في الكنز عشرون مثقالا، فلا يجب فيما دونه خمس عند علمائنا - وبه قال الشافعي في الجديد (1) - لقوله عليه السلام: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (2). ومن طريق الخاصة: ما روي عن الرضا عليه السلام: أنه سئل عما يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: " ما تجب الزكاة في مثله ففيه الخمس " (3). ولأنه حق مالي يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب كالمعدن والزرع. وقال الشافعي في القديم: لا يعتبر فيه النصاب، بل يجب في قليله

(1) المهذب للشيرازي 1: 170، المجموع 6: 99، فتح العزيز 6: 103، حلية العلماء 3: 118، المغني 2: 613 الشرح الكبير 2: 588 (2) صحيح البخاري 2: 144، سنن أبي داود 2: 94 / 1558، سنن النسائي 5: 18، مسند أحمد 3: 6 (3) الفقيه 2: 21 / 75.

[ 426 ]

وكثيره (1) - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة (2) - لعموم (وفي الركاز الخمس) (3). ولأنه مال يخمس، فلا يعتبر فيه النصاب كالغنيمة. والخبر ليس من صيغ العموم. سلمنا، لكنه مخصص بما تقدم. وينتقض قياسهم بالمعدن. فروع: أ - ليس للركاز نصاب آخر، بل يجب في الزائد مطلقا. ب - هذه العشرون معتبرة في الذهب، وفي الفضة مائتا درهم، وما عداهما يعتبر فيه قيمته بأحدهما. ج - لو وجد ركازا أقل من النصاب، لم يجب عليه شئ وإن كان معه مال زكوي، وسواء كان قد استفاد الكنز آخر حول المال أو قبله أو بعده، وسواء كان الزكوي نصابا، أو تم بالركاز، خلافا للشافعي (4)، فإنه ضمه إليه، إذ جعل الواجب زكاة وإن أوجب الخمس. د - لو وجد ركازا أقل، ثم وجد آخر كمل به النصاب، لم يجب شئ، كاللقطة المتعددة. مسألة 316: اختلف علماؤنا قي اعتبار النصاب في المعادن، فقال الشيخ في بعض كتبه: يعتبر) - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (6) -

(1) المهذب للشيرازي 1: 170، المجموع 6: 99، فتح العزيز 6: 103، حلية العلماء 3: 118، المغني 2: 613، الشرح الكبير 2: 588.
(2) الشرح الصغير 1: 230، المغني 2: 613، الشرح الكبير 2: 588، حلية العلماء 3: 118.
(3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في صفحة 412، الهامش (5).
(4) الأم 2: 45، حلية العلماء 3: 118.
(5) النهاية: 197، المبسوط للطوسي 1: 237.
(6) الأم 2: 43، المهذب للشيرازي 1: 169، المجموع 6: 90، فتح العزيز 6: 92، حلية العلماء 3: 112، المدونة الكبرى 1: 287، بداية المجتهد 1: 258، المغني 2: 618، الشرح الكبير 2: 584.

[ 427 ]

لقوله عليه السلام: (ليس عليكم في الذهب شئ حتى يبلغ عشرين مثقالا) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه البزنطي، أنه سأل الرضا عليه السلام، عما أخرج المعدن من قليل وكثير هل فيه شئ؟ قال: " ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا " (2). وقال الشيخ في بعض كتبه: لا يعتبر (3) - وبه قال أبو حنيفة (4) - لأنه مال يجب تخميسه، فلا يعتبر فيه النصاب كالفئ والغنيمة. والفرق: أنهما لا يستحقان على المسلم، وإنما يملكه أهل الخمس من الكفار بالاغتنام. أذا ثبت هذا، ففي قدر النصاب عند من اعتبره من علمائنا قولان: أحدهما: عشرون، لما تقدم. والثاني: دينار واحد، لأن الرضا عليه السلام سئل، عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضة هل فيه زكاة؟ فقال: " إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس " (5). مسألة 317: يعتبر النصاب بعد المؤونة، لأنها وصلة إلى تحصيله، وطريق إلى تناوله فكانت منهما كالشريكين.

(1) أورده ابن قدامة في المغني 2: 618 (2) التهذيب 4: 138 / 391.
(3) الخلاف 2: 119، المسألة 142 (4) المبسوط للسرخسي 2: 211، المجموع 6: 90، فتح العزيز 6: 92، بداية المجتهد 1: 258، حلية العلماء 3: 112، المغني 2: 618، الشرح الكبير 2: 584 (5) الكافي 1: 459 / 21، التهذيب 4: 124 / 356.

[ 428 ]

وقال الشافعي وأحمد: المؤونة على المخرج لأنه زكاة (1). وهو ممنوع. ويعتبر النصاب فيما أخرجه دفعة واحدة أو دفعات لا يترك العمل بينها على سبيل الاهمال، فلو عمل ثم أهمل ثم عمل، لم يضم أحدهما إلى الآخر. ولو ترك للاستراحة أو لاصلاح آلة أو لقضاء حاجة، ضم الثاني إلى الأول. ويعتبر النصاب في الذهب، وما عداه قيمته. ولو اشتمل على جنسين، كذهب وفضة أو غيرهما، ضم أحدهما إلى الآخر، خلافا لبعض الجمهور، حيث قال: لا يضم مطلقا (2). وقال بعضهم: لا يضم في الذهب والفضة، وبضم في غيرهما (3). مسألة 318: النصاب في الغوص دينار واحد، فما نقص عنه، لم يجب فيه شئ، عند علمائنا - خلافا للجمهور كافة - لأن الرضا عليه السلام سئل عن معادن الذهب والفضة هل فيه زكاة؟ فقال: " إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس " (4). ولا يعتبر في الزائد نصاب، ولو أخرج النصاب في دفعتين، فإن أعرض للاهمال فلا شئ، وإلا ضم أحدهما إلى الآخر. مسألة 319: لا يجب في فوائد الاكتسابات والأرباح في التجارات والزراعات شئ إلا فيما يفضل عن مؤونته ومؤونة عياله سنة كاملة، عند علمائنا؟ لقوله عليه السلام: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) (5). ولقول أبي جعفر الثاني عليه السلام: " الخمس بعد المؤونة " (6).

(1) المجموع 6: 91، حلية العلماء 3: 113، المغني 2: 619، الشرح الكبير 2: 586، وحكى قولهما أيضا المحقق في المعتبر 293. (2 و 3) المغني 2: 618، والشرح الكبير 2: 585 (4) التهذيب 4: 124 / 356، والكافي 1: 459 / 21.
(5) مسند أحمد 2: 230.
(6) التهذيب 4: 123 / 352، الاستبصار 2: 55 / 181.

[ 429 ]

وقوله عليه السلام: " عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان " (1). مسألة 320: ولا يجب في الفوائد من الارباح والمكاسب على الفور، بل، يتربص إلى تمام السنة، ويخرج خمس الفاضل، لعدم دليل الفورية، مع أصالة براءة الذمة. ولأن تحقيق قدر المؤونة إنما يثبت بعد المدة، لجواز تجديد ما لم يكن كتزويج بنت وعمارة منزل وغيرهما من المتجددات. ولا يراعى الحول في غيره، ولا فيه إلا على سبيل الرفق بالمكتسب. ولا يجب النصاب في الغنائم في دار الحرب، ولا في الممتزج بالحرام، ولا أرض الذمي، للعموم السالم عن المخصص.

(1) التهذيب 4: 123 / 354، الاستبصار 2: 55 - 56 / 183.

[ 431 ]

الفصل الثالث في قسمته وبيان مصرفه مسألة 321: يقسم الخمس ستة أقسام: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، عند جمهور علمائنا - وبه قال أبو العالية الرياحي (1) - للآية (2) المقتضية للتشريك. وقول الكاظم عليه السلام: " يقسم الخمس على ستة أسهم " (3). وقال بعض علمائنا: يقسم خمسة أقسام: سهم لرسول الله صلى الله عليه وآله، وسهم لذي القربى، إلى آخره (4)، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، لأنه عليه السلام، قسم الخمس خمسة أقسام (5).

(1) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف " كتاب الفئ وقسمة الغنائم، المسألة 37، والمحقق في المعتبر: 294، وانظر. المغني 7: 300 - 301، والشرح الكبير 10: 486.
(2) الانفال: 41.
(3) التهذيب 4: 128 / 366، الاستبصار 2: 56 / 185.
(4) حكاه أيضا المحقق في شرائع الاسلام 1: 182.
(5) المهذب للشيرازي 2: 247، حلية العلماء 7: 687، المغني 7: 300 و 301، الشرح الكبير 10: 486 و 487، الهداية للمرغيناني 2: 148، بدائع الصنائع 7: 124، المبسوط للسرخسي 3: 17.

[ 432 ]

وليس بذاك، لجواز ترك بعض حقه. مسألة 322: سهم الله وسهم رسوله للرسول صلى الله عليه وآله، يصنع به في حياته ما شاء، وبعده للامام القائم مقامه، لأنه حق له باعتبار ولايته العامة، ليصرف بعضه في المحاويج، فينتقل إلى من ينوله في ذلك. وللروايات عن أهل البيت عليهم السلام (1). وقال الشافعي: ينتقل سهم رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى المصالح، كبناء القناطر وعمارة المساجد وأرزاق القضاة وشبهه (2). وقال أبو حنيفة: يسقط بموته عليه السلام (3). وليس بمعتمد. مسألة 323: المراد بذي القربى الإمام عليه السلام خاصة عند علمائنا؟ لوحدته لفظا، فلا يتناول أكثر من الواحد حقيقة، والأصل عدم المجاز. وللرواية (4). وقال الشافعي: المراد به قرابة النبي عليه لسلام من ولد هاشم والمطلب أخيه، الصغير والكبير والقريب والبعيد سواء، للذكر ضعف الأنثى؟ لأنه، ميراث.
(5) وقال المزني وأبو ثور: يستوي الذكر والانثى، لأنه مستحق بالقرابة (6).

(1) انظر على سبيل المثال: التهذيب 4: 128 / 366 (2) المهذب للشيرازي 2: 247، الوجيز 1: 288، حلية العلماء 7: 688، المغني 7: 302، الشرح الكبير 10: 489.
(3) الهداية للمرغيناني 2: 148، المبسوط للسرخسي 3: 17، بدائع الصنائع 7: 125، المغني 7: 301، الشرح الكبير 10: 486، حلية العلماء 7: 687 (4) التهذيب 4: 125 / 361 و 126 - 127 / 364 (5) المهذب للشيرازي 2: 248، الوجيز 1: 288، حلية العلماء 7: 688، المغني 7: 305، الشرح الكبير 0 1: 492 (6) المهذب للشيرازي 2: 248، حلية العلماء 7: 688، المغني 7: 305، الشرح الكبير 10: 492.

[ 433 ]

إذا عرفت هذا فسهم ذي القربى للامام بعد الرسول عليه السلام، فلا يسقط بموته، وبعدم السقوط قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: يسقط بموته (2). وهو خطأ، لأنه تعالى أضاف السهم إلى ذي القربى بلام التمليك. مسألة 324: المراد باليتامى والمساكين وأبناء السبيل في آية الخمس (3): من اتصف بهذه الصفات من آل رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم ولد عبد المطلب بن هاشم - وهم الآن أولاد أبي طالب - والعباس والحارث وأبي لهب خاصة دون غيرهم، عند عامة علمائنا، لأنه عوض عن الزكاة، فيصرف إلى من منع منها. ولقول أمير المؤمنين عليه السلام: { ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } (4) منا خاصة (5). وقال الشافعي: سهم ذي القربى لقرابة النبي عليه السلام، وهم أولاد هاشم وآل المطلب (6). وقال أبو حنيفة: إنه لال هاشم خاصة (7)، مع اتفاقهما على أن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل غير مختص بالقرابة، بل هو عام في المسلمين (8). وأطبق الجمهور كافة على تشريك الأصناف الثلاثة من المسلمين في الاسهم الثلاثة (9).

(1) المهذب للشيرازي 2: 248، بدائع الصنائع 7: 125.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 18، الاختيار لتعليل المختار 4: 207، حلية العلماء 7: 688 (3) الأنفال: 41.
(4) الحشر: 7 (5) الكافي 1: 453 / 1.
(6) المهذب للشيرازي 2: 248.
(7) أحكام القرآن - للجصاص - 3: 64، التفسير الكبير - للرازي - 15: 166. (8 و 9) الأم 4: 147، المهذب للشيرازي 2: 248، المغني 7: 306 و 307، الشرح الكبير 10: 493 و 494، الاختيار لتعليل المختار 4: 207.

[ 434 ]

مسألة 325: ولا يستحق بنو المطلب شيئا من الخمس، وتحل لهم الزكاة - وبه قال أبو حنيفة (1) - لتساوي بني المطلب وبني نوفل وعبد شمس في القرابة، فإذا لم يستحق بنو نوفل وعبد شمس فكذا مساويهم. ولقول الكاظم عليه السلام: " الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله، وهم بنو عبد المطلب الذكر والانثى منهم، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش، ولا من العرب أحد " (2). وقال الشافعي: إن بني المطلب يستحقون (3)، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) (4). والمراد به النصرة لا استحقاق الخمس. مسألة 326: وإنما يستحق من بني عبد المطلب من انتسب إليه بالأب لا من انتسب إليه بالأم عند أكثر علمائنا - وهو قول الجمهور (5) - لقول الكاظم عليه السلام: " ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقة تحل له، وليس له من الخمس شئ، لأن الله تعالى يقول: { ادعوهم لآبائهم } (6) " (7). وقال السيد المرتضى: إن من انتسب إليهم بالأم يستحق الخمس (8)،

(1) المغني 2: 518، الشرح الكبير 2: 714.
(2) التهذيب 4: 129 / 366 (3) المهذب للشيرازي 2: 248، الوجيز 1: 288، الهداية للمرغيناني 2: 148.
(4) سنن أبي داود 3: 146 / 2980.
(5) الوجيز 1: 288، المغني 7: 305، الشرح الكبير 10: 491. (6) الأحزاب: 5 (7) التهذيب 4: 129 / 366 (8) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 295.

[ 435 ]

لقوله عليه السلام: (هذان ولداي إمامان قاما أو قعدا) (1) يشير بذلك إلى الحسن والحسين عليهما السلام، وانتسابهما بالولادة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إنما هو بالأم. ونمنع كونه حقيقة. مسألة 327: يعتبر في أخذ الخمس: الايمان، للنهي عن مودة غير المؤمن، وعمن حاد الله ورسوله (2). ولا تعتبر العدالة. ولا يستحق الغني، لأنه وضع للارفاق، كما وضعت الزكاة لمحاويج العوام. نعم يستحق الإمام سهم ذي القربى عندنا وإن كان غنيأ. واليتيم من لا أب له ممن لم يبلغ الحلم، وهو في اية الخمس (3) مختص بالذرية من هاشم، خلافا للجمهور (4). وهل يشترط فقره؟ قال الشيخ في المبسوط: لا يشترط، عملا بالعموم (5). وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: يشترط (6). ولا يعتبر الفقر في ابن السبيل، بل الحاجة في بلد السفر. مسألة 328: لا يحمل الخمس من بلد المال مع وجود المستحق فيه، لأن المستحق مطالب من حيث الحاجة والفقر، فنقله يستلزم تأخير إيصال الحق إلى مستحقه مع القدرة والطلب، فإن نقله حينئذ ضمن، ويبرأ مع التسليم.

(1) أعلام الورى: 209، المناقب - لابن شهر آشوب - 3: 367، كثف الغمة 1: 533، وعوالي اللألي 3: 129 - 130 / 14.
(2) المجادلة: 22.
(3) الأنفال: 41.
(4) أنظر: المصادر في الهامش (8 و 9) من صفحة 433.
(5) المبسوط للطوسي 1: 262.
(6) المهذب للشيرازي 2: 248، حلية العلماء 7: 689، الوجيز 1: 288، المغني 7: 306 - 307، الشرح الكبير 10: 493.

[ 436 ]

ولو فقد المستحق جاز النقل، للضرورة، ولا ضمان. ويعطى من حضر البلد، ولا يتبع من غاب عند علمائنا، وبه قال بعض الشافعية (1). وقال الشافعي: ينقل من البلد إلى غيره، ويقسم في البلدان، لأنه مستحق بالقرابة، فاشترك الحاضر والغائب كالميراث (2). وليس بجيد، وإلا لاختص به الأقرب كالميراث. مسألة 329: ظاهر كلام الشيخ رحمه الله: وجوب قسمته في الأصناف، عملا بظاهر الآية (3) (4). ويحتمل المنع، لأن المراد بيان المصرف كالزكاة. ويؤيده: أن الرضا عليه السلام سئل عن قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم } (5)، قال: " فما كان لله فللرسول، وما كان للرسول فهو للامام " قيل: أرأيت إن كان صنف أكثر من صنف أو أقل من صنف كيف يصنع؟ قال: " ذلك إلى الإمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف صنع؟ إنما كان يعطي على ما يرى، كذلك الإمام " (6). نعم الأحوط ما قاله الشيخ. مسألة 335: مستحق الخمس من الركاز والمعادن هو المستحق له من الغنائم عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة (7) - لأنه غنيمة، وكذا البحث في جميع

(1) المهذب للشيرازي 2: 248، حلية العلماء 7: 689.
(2) المهذب للشيرازي 2: 248، حلية العلماء 7: 688 (3) الأنفال: 41.
(4) المبسوط للطوسي 1: 262 (5) الأنفال: 41.
(6) الكافي 1: 457 / 7، التهذيب 4: 126 / 363 (7) المغني 2: 614، الشرح الكبير 2: 589، المجموع 6: 102، فتح العزيز 6: 104، حلية العلماء 3: 117

[ 437 ]

ما يجب فيه الخمس. وقال الشافعي: مصرفه مصرف الزكوات (1) - وعن أحمد روايتان (2) - لأن أمير المؤمنين عليه السلام أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين (3). ويحتمل القسمة في المساكين من الذرية. ولا يجوز صرف حق المعدن إلى من وجب عليه - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد (4) - لأنه مأمور بإخراجه، ولا يتحقق مع الدفع إلى نفسه. ولأنه حق وجب عليه، فلا يصرف إليه، كعشر الزرع. وقال أبو حنيفة: يجوز (5). وليس بمعتمد. مسألة 331: الاسهم الثلاثة التي للامام يملكها ويصنع ما شاء، والثلاثة الباقية للأصناف الآخر، لا يختص بها القريب دون البعيد، ولا الذكر دون الأنثى، ولا الكبير على الصغير، بل يفرقها الإمام على ما يراه من تفضيل وتسوية، ويفرق بين الحاضرين، ولا يتبع الأباعد. ولو فضل عن كفاية الحاضرين جاز حمله إلى بلد آخر، لاستغنائهم بحصول قدر الكفاية، ولا ضمان. وإذا حضر الأصناف الثلاثة، استحب التعميم. ولو لم يحضر في البلد إلا فرقة منهم، جاز أن يفرق فيهم، ولا ينتظر غيرهم، ولا يحمل إلى بلد آخر.

(1) المجموع 6: 102، فتح العزيز 6: 153، حلية العلماء 3: 117، المغني 2: 614، الشرح الكبير 2: 589.
(2) المغني 2: 614، الشرح الكبير 2: 589، المجموع 6: 102، فتح العزيز 6: 104، حلية العلماء 3: 117.
(3) سنن البيهقي 4: 156 - 157. (4 و 5) المجموع 6: 90، حلية العلماء 3: 113.

[ 439 ]

الفصل الرابع في الأنفال المراد بالأنفال كل ما يخص الإمام، فمنه: كل أرض انجلى أهلها عنها، أو سلموها طوعا بغير قتال، وكل أرض خربة باد أهلها إذا كانت قد جرى عليها ملك أحد، وكل خربة لم يجر عليها ملك أحد، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، للرواية (1). ومنه: رؤوس الجبال والآجام والأرض الموات التي لا أرباب لها، لقول الكاظم عليه السلام: " والأنفال كل أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ولكن صولحوا عليها، وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والآجام، وكل أرض ميتة لا (وارث) (2) لها " (3). وأما المعادن، فقال الشيخان: إنها من الأنفال (4). ومنعه ابن إدريس (5)، وهو الأقوى.

(1) انظر: الهامش (3) من هذه الصفحة.
(2) في المصدر بدل (وارث): (رب).
(3) الكافي 3: 455 / 4، التهذيب 4: 130 / 366.
(4) المقنعة: 45، النهاية للطوسي 1: 419.
(5) أنظر: السرائر: 116.

[ 440 ]

ومنه: صفايا الملوك وقطائعهم التي كانت في أيديهم على غير وجه الغصب، على معنى أن كل أرض فتحت من أهل الحرب، وكان لملكها مواضع مختصة به غير مغصوبة من مسلم أو معاهد، فإن تلك المواضع للامام، لقول الصادق عليه السلام: " قطائع الملوك كلها للامام، ليس للناس فيها شئ " (1). وقال الكاظم عليه السلام: " وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير جهة الغصب لأن المغصوب كله مردود " (2). ومنه: ما يصطفيه من الغنيمة في الحرب، كالفرس والثوب والجارية والسيف و (شبه) (3) ذلك من غير إجحاف بالغانمين، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصطفي من الغنائم: الجارية والفرس وما أشبههما في غزاة خيبر وغيرها (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صوافي المال (5)، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله تعالى فيهم: { أم يحسدون الناس على ماءاتهم الله من فضله } (6) " (7). وسأله أبو بصير عن صفو المال، فقال عليه السلام: " الإمام يأخذ الجارية الروقة (8) والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع قبل أن تقسم

(1) التهذيب 4: 134 / 377.
(2) الكافي 1: 455 / 4، التهذيب 4: 130 / 366.
(3) في " ف " والطبعة الحجرية: غير.
(4) انظر: سنن أبي داود 3: 2991 و 2993 و 2995.
(5) في المصدر: صفو الأموال.
(6) النساء: 54.
(7) التهذيب 4: 132 / 367.
(8) يقال: غلمان روقة وجوار روقة، أي: حسان، أنظر: الصحاح 4: 1468.

[ 441 ]

الغنيمة، هذا صفو المال " (1). إذا ثبت هذا، فإنه حق له لا يبطل بموت النبي صلى الله عليه وآله - خلافا للجمهور (2) - لوجود المعنى في حقه، وهو: تحمل أثقال غيره، واستناد الناس إليه في رفع ضروراتهم، وبعث الجيوش، وإقامة العساكر. ومنه: ميراث من لا وارث له عند علمائنا كافة، خلافا للجمهور كافة، فإن الشافعي قال: إنه للمسلمين بالتعصيب (3). وقال أبو حنيفة: إنه لهم بالموالاة (4)، وسيأتي بيانه. قال الصادق عليه السلام في الرجل يموت ولا وارث له ولا مولى: " هو من أهل هذه الآية: { يسألونك عن الأنفال } (5) " (6). وقال الكاظم عليه السلام: " وهو وارث من لا وارث له " (7). ومنه: كل غنيمة غنمت بغير إذن الإمام، فإنها له خاصة، لقول الصادق عليه السلام: " إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للامام، وإذا غزوا بإذن الإمام فغنموا، كان للامام الخمس " (8). وقال الشافعي: حكمها حكم الغنيمة مع إذن الإمام، لكنه مكروه (9)، لعموم الآية (10).

(1) التهذيب 4: 134 / 375.
(2) كما في المعتبر - للمحقق الحلي -: 296 (3) المهذب للشيرازي 2: 32، المجموع 16: 54، الهداية للمرغيناني 3: 274.
(4) النتف 2: 841 - 842، الاختيار لتعليل المختار 4: 69، الهداية للمرغيناني 3، 274.
(5) الأنفال: 1.
(6) الكافي 1: 459 / 18، التهذيب 4: 134 / 374، الفقيه 2: 23 / 89.
(7) الكافي 1: 455 / 4، التهذيب 4: 130 / 366.
(8) التهذيب 4: 135 / 378.
(9) المغني 10: 522، الشرح الكبير 10: 457، بدائع الصنائع 7: 118 (10) الأنفال: 41.

[ 442 ]

ولا دلالة فيها، لأنها تدل على إخراج الخمس في الغنيمة، لا على المالك. وقال أبو حنيفة: إنها للغانمين ولا خمس، لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، فأشبه الاحتطاب (1). ونمنع المساواة، لأنه منهي عنه إلا بإذنه عليه السلام. وعن أحمد روايتان كالقولين، وثالثة كقولنا (2). مسألة 332: ما يختص بالامام عليه السلام يحرم التصرف فيه حال ظهوره إلا بإذنه، لقوله تعالى: { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } (3). وقوله عليه السلام: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " (بل يصرف الخمس بأجمعه إليه، فيأخذ عليه السلام نصفه يفعل به ما يشاء، ويصرف النصف الآخر في الأصناف الثلاثة على قدر حاجتهم وضرورتهم. فإن فضل شئ، كان الفاضل له، وإن أعوز كان عليه عليه السلام لأن النظر إليه في قسمة الخمس في الأصناف، وتفضيل بعضهم على بعض بحسب ما يراه من المصلحة وزيادة الحاجة وقلتها. ولقول الكاظم عليه السلام: " فإن فضل عنهم شئ فهو للوالي " (5). وإن عجز أو نقص عن استغنائهم، كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم، لأن له ما فضل عنهم.

(1) بدائع الصنائع 7: 118، المغني 10: 522، الشرح الكبير 10: 458.
(2) المغني 10: 522 و 523، الشرح الكبير 10: 457 و 458.
(3) البقرة: 188.
(4) سنن الدارقطني 3: 26 / 91 و 92، سنن البيهقي 6: 100 بتفاوت يسير.
(5) الكافي 1: 453 / 4، التهذيب 4: 129 / 366.

[ 443 ]

ومنع ابن إدريس من ذلك، لأن الاسهم الثلاثة للأصناف الثلاثة بنص القرآن (1). وهو ممنوع، لجواز أن يكون المراد بيان المصرف، ولهذا جاز أن يفضل بعضهم وأن يحرمه. إذا ثبت هذا، فإنه يجوز لمن وجب عليه الخمس أن يفرق ما يستحقه الأصناف الثلاثة إليهم فيما يكتسبه بنفسه دون الغنائم - وهو قول أصحاب الرأي وابن المنذر (2) - لأن أمير المؤمنين عليه السلام أمر واجد الكنز بصرفه إلى المساكين (3). ولأنه أدى الحق إلى مالكه، فيخرج عن العهدة. وقال أبو ثور: لا يجوز كالغنيمة (4). والفرق: أن التسلط في الغنيمة كلها للامام، والنظر فيها إليه. مسألة 333: وقد أباح الأئمة عليهم السلام لشيعتهم المناكح والمساكن والمتاجر حال ظهور الإمام وغيبته، لعدم إمكان التخلص من المآثم بدون الاباحة، وذلك من أعظم أنواع الحاجة. ولقول الصادق عليه السلام: " من وجد برد حبنا على كبده فليحمد الله على أول النعم " قال: قلت: جعلت فداك ما أول النعم؟ قال: " طيب الولادة " ثم قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام، أحلي نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا ليطيبوا " ثم قال الصادق عليه السلام: " إنا أحللنا أمهات شيعتنا لابائهم ليطيبوا " (5). وأما المتاجر، فقال ابن إدريس: المراد بالمتاجر أن يشتري الانسان ما

(1) السرائر: 114.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 17، المغني 2: 615، الشرح الكبير 2: 590.
(3) سنن البيهقي 4: 156 - 157.
(4) المغني 2: 615، الشرح الكبير 2: 590 (5) التهذيب 4: 143 / 401.

[ 444 ]

فيه حقوقهم عليهم السلام، ويتجر في ذلك، ولا يتوهم متوهم أنه إذا ربح في ذلك المتجر شيئا لا يخرج منه الخمس (1). سئل الصادق عليه السلام أن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك، وقد علمت أن لك حقا فيها، قال: " فلم أحللنا شيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من وإلى آبائي فهم في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب " (2). مسألة 334: اختلف علماؤنا في الخمس حال غيبة الإمام عليه السلام، فأسقطه قوم منهم (3)، لقول الباقر عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل " (4) وغير ذلك من الأحاديث " (5). وليس بمعتمد، للأصل الدال على تحريم مال الغير، والأحاديث الدالة على المنع (6)، وأحاديث الاباحة محمولة على المناكح والمساكن والمتاجر. وقال بعضهم: يجب دفنه (7)، لما روي أن الأرض تخرج كنوزها عند ظهور الإمام عليه السلام (8). وقال آخرون: يصرف في الذرية وفقراء الشيعة على وجه الاستحباب (9).

(1) السرائر: 116.
(2) التهذيب 4: 143 / 399.
(3) كما في المقنعة: 46.
(4) علل الشرائع: 377، الباب 106، الحديث 2، المقنعة: 46، التهذيب 4: 137 - 138 / 386، الاستبصار 2: 58 - 59 / 191.
(5) انظر على سبيل المثال: الكافي 1: 459 / 16، التهذيب 4: 136 / 383، الاستبصار 2: 57 - 58 / 188.
(6) انظر على سبيل المثال: الكافي 1: 460 / 25، التهذيب 4: 139 / 395، الاستبصار 2: 59 / 195. (7 - 8) كما في المقنعة: 46.

[ 445 ]

وقال آخرون: يعزل، فإذا خاف الموت وصى به إلى من يثق بدينه وعقله ليسلمه إلى الإمام أو إلى ثقة إذا خاف الموت، وهكذا إلى أن يظهر عليه السلام (1). واختاره المفيد رحمه الله، لأنه حق وجب لمالك لم يرسم فيه ما يجب الانتهاء إليه، فوجب حفظه، وجرى مجرى الزكاة عند عدم المستحق. قال: وإن صرف النصف في اليتامى من آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وفعل بالنصف الذي يخصه عليه السلام ما تقدم من الحفظ، كان صوابا (2). واختار هذا شيخنا أبو جعفر (3) رحمه الله - ومتابعوه (4). وللمفيد - رحمه الله - قول آخر: إنه يصرف ما يخص الإمام عليه السلام أيضا في الأصناف الثلاثة أيضا (5)، لأن الاتمام واجب عليه على ما تقدم في حال حضوره، فيجب حال غيبته، لأنها لا تسقط الحق عمن وجب عليه. تذنيب: إذا جوزنا صرف نصيبه إلى باقي الأصناف، فإنما يتولاه الفقيه المأمون من فقهاء الامامية الجامع لشرائط الافتاء على وجه التتمة لمن يقصر عنه ما يصل إليه، لأنه حكم على الغائب، فيتولاه الحاكم ونائبه.

(1) كما في المقنعة: 46.
(2) المقنعة: 46.
(3) المبسوط للطوسي 1: 264.
(4) كأبي الصلاح الحلمي في الكافي في الفقه: 173، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 180 - 181.
(5) حكاه عنه، المحقق في المعتبر 298.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية