الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 4

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 4


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 ه‍ الجزء الرابع تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دور شهر - خيابان شهيد فاطمي - كوچه 9 - پلاك 5 ص. ب 996 / 37185 - هاتف 23435 و 37371

[ 5 ]

المقصد الثالث: في باقي الصلوات. وفيه فصول: الأول: في الجمعة وفيه مطالب:

[ 7 ]

الأول: الشرائط مسألة 372: الجمعة واجبة بالنص والاجماع. قال الله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } (1) والأمر للوجوب، والنهي للتحريم، وإنما يجب السعي ويحرم البيع لأجل الواجب، وتوبيخهم بتركه قائما إنما يكون لو وجب، وليس المراد من السعي الاسراع بل الذهاب إليها. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته: (إعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، فمن تركها في حياتي، أو بعد موتي وله إمام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بر له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه) (2).

(1) الجمعة: 9.
(2) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081، سنن البيهقي 3: 171، الترغيب والترهيب 1: 510 - 511 / 9، مجمع الزوائد 2: 169، مسند أبي يعلى 3: 381 - 382 / 1856، وانظر رسالة صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 61.

[ 8 ]

ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة " (1) الحديث. وأجمع المسلمون كافة على وجوب الجمعة. مسألة 373: ووجوبها على الأعيان بالاجماع، إلا ما حكي عن الشافعي أنها فرض كفاية (2) ونسبت الحكاية إلى الغلط، لأن الأمر عام، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) (3). إذا عرفت هذا فيشترط للجمعة أمور ستة زائدة على الشرائط اليومية: أ: الوقت. ب: السلطان. ج: العدد. د: الخطبتان. ه‍: الجماعة. و: الوحدة. فهنا مباحث: الأول: الوقت مسألة 374: أول وقت الجمعة زوال الشمس يوم الجمعة عند علمائنا - إلا المرتضى فإنه قال: يجوز أن يصلي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة (4) - وبما اخترناه قال الشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي (5)، لأن أنس

(1) الكافي 3: 419 / 6، التهذيب 3: 21 / 77، الفقيه 1: 266 / 1217، أمالي الصدوق: 319 / 17، الخصال: 533 / 11.
(2) المجموع 4: 483، فتح العزيز 4: 484، الميزان 1: 185.
(3) سنن أبي داود 1: 280 / 1067، سنن البيهقي 3: 172، الجامع الصغير للسيوطي 1: 561 / 3630.
(4) حكاه الشيخ في الخلاف 1: 620، المسألة 390، وقال ابن إدريس في السرائر: 64: لم أجد للسيد المرتضى تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه، بل بخلافه... ولعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهة دون المسطور.
(5) المجموع 4: 511، بداية المجتهد 1: 157.

[ 9 ]

ابن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الأول " (2) الحديث. ولأنها بدل عن عبادة، فلا تجب قبل وقتها كالتيمم. ولأن آخر وقتهما واحد فكذا الأول. وقال أحمد بن حنبل: يجوز فعل الجمعة قبل زوال الشمس (3). فمن أصحابه من قال: أول وقتها وقت صلاة العيد. ومنهم من قال: تجوز في: الساعة السادسة (4). لأن [ وكيعا روى عن عبد الله السلمي ] (5) قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار (6). ولا حجة فيه، مع مخالفته لفعل الرسول صلى الله عليه وآله. مسألة 375: آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر عند الأكثر، إلا أن عندنا آخر وقت الظهر للاجزاء الغروب، وآخر وقت الفضيلة إذا صار ظل

(1) صحيح البخاري 2: 8، سنن الترمذي 2: 377 / 503، سنن أبي داود 1: 284 / 1084، مسند أحمد 3: 150، سنن البيهقي 3: 190.
(2) التهذيب 3: 12 / 42.
(3) المغني 2: 209، الشرح الكبير 2: 163، المجموع 4: 511، فتح العزيز 4: 486، بداية المجتهد 1: 157.
(4) المغني 2: 209، الشرح الكبير 2: 163، المجموع 4: 511.
(5) ورد في نسختي " م " و " ش ": وكيع الاسلمي. وصحح إلى ما تراه، وما بين المعقوفتين أثبتناه من مصادر الحديث والتراجم في الهامش التالي.
(6) سنن الدارقطني 2: 17 / 1، وانظر أيضا: تهذيب التهذيب 11: 109 رقم 211، وأسد الغابة 3: 182، والأصابة 2: 323 رقم 4739.

[ 10 ]

كل شئ مثله، والمراد هنا هذا الأخير فلا تجوز الجمعة بعده. وكذا يقول الشافعي (1). وأبو حنيفة جعل آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثليه (2)، فتجوز الجمعة عنده إلى ذلك. والوجه الأول، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يصلي دائما بعد الزوال بلا فصل، فلو جاز التأخير عما حددناه، لأخرها في بعض الأوقات. إذا عرفت هذا، فاعلم أن أبا الصلاح منا قال: إذا مضى مقدار الأذان والخطبة وركعتي الجمعة فقد فاتت ولزم أداؤها ظهرا (3). ويدفعه قول الباقر عليه السلام: " وقت الجمعة إذا زالت الشمس وبعده بساعة " (4). واحتجاجه: بقول الباقر عليه السلام " إن من الأمور أمورا مضيقة، وأمورا موسعة، وإن صلاة الجمعة من الأمر المضيق، إنما لها وقت واحد حين تزول الشمس، ووقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام " (5) متأول بالمبالغة في استحباب التقديم. مسألة 376: بقاء الوقت ليس شرطا، فلو انعقدت الجمعة وتلبس بالصلاة - ولو بالتكبير - فخرج الوقت قبل إكمالها أتمها جمعة، إماما كان أو مأموما - وبه قال أحمد ومالك (6) - لأنه دخل فيها في وقتها فوجب إتمامها كسائر الصلوات. ولأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فلا يسقط مع التلبس

(1) المجموع 3: 21، فتح العزيز 3: 7 - 8.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 142، المجموع 3: 21.
(3) الكافي في الفقه: 153.
(4) الفقيه 1: 267 / 1223 نقلا بالمعنى.
(5) التهذيب 3: 13 / 46.
(6) المغني 2: 163، المجموع 4: 513، فتح العزيز 4: 488.

[ 11 ]

بفوات البعض كالجماعة. وقال الشافعي: تفوت الجمعة، حتى لو وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة، لكنه يتمها ظهرا، لأن ما كان شرطا في ابتداء الجمعة كان شرطا في جميعها كسائر الشرائط (1). وينتقض بالجماعة. وقال أبو حنيفة: لا يبني عليها، ويستأنف الظهر، لأنهما صلاتان مختلفتان فلا تبنى إحداهما على الأخرى (2). ويرد على الشافعي لا علينا. وقال بعض الجمهور: إن أدرك ركعة في الوقت أدرك الجمعة، وإلا فلا (3). ولا بأس به. فروع: أ: لو شك في خروج الوقت أتمها جمعة إجماعا، لأن الأصل بقاء الوقت. ب: لو أدرك المسبوق ركعة مع الإمام صحت له الجمعة إن كانت المدركة في الوقت ثم يقوم لتدارك الثانية، فلو خرج الوقت قبل إكمالها صحت عندنا، لما تقدم (4). وللشافعية وجهان: الفوات كغيره، والادراك، لأن جمعتهم صحيحة فيتبعهم فيها كما يتبعهم في الوقت والقدوة (5). ج: لو تشاغلوا عن الصلاة حتى ضاق الوقت فإن علم الإمام أن الوقت يتسع لخطبتين خفيفتين وركعتين كذلك وجبت الجمعة، وإلا جاز أن يصلوها

(1) المجموع 4: 510 و 513، الوجيز 1: 61، المغني 2: 164.
(2) المجموع 4: 513 المغني 2: 164.
(3) المغني 2: 163.
(4) تقدم في أول المسألة.
(5) المجموع 4: 510، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 490.

[ 12 ]

ظهرا قبل خروج وقت الجمعة، وبه قال الشافعي (1). ولا تكفي الركعة الواحدة هنا، خلافا لأحمد (2). د: يستحب تعجيل الجمعة كغيرها من الصلوات. مسألة 377: الفرض في الوقت هو الجمعة، وهي صلاة قائمة بنفسها ليست ظهرا مقصورة - وهو أحد قولي الشافعي (3) - فليس له إسقاط الجمعة بالظهر، لأنه مأمور بالجمعة، فيكون منهيا عن الظهر، فلا يكون المنهي عنه، فرضا. وقال عليه السلام: (كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة) (4) وهو يدل على الوجوب على التعيين. وقال أبو حنيفة: فرض الوقت الظهر، ويسقط بالجمعة، وهي ظهر مقصورة (5): لقوله عليه السلام: (أول وقت الظهر حين تزول الشمس) (6) وهو عام فيتناول يوم الجمعة كغيره. ونحن نقول بموجبه، ولا دلالة فيه على أن الفرض الظهر. وقال محمد بن الحسن الشيباني: الفرض الجمعة، وله إسقاطه بالظهر. وهو قول للشافعي (7). إذا عرفت هذا فإذا فاتت الجمعة صلى أربعا ظهرا بنية الأداء إن كان وقت الظهر باقيا وإن خرج الوقت صلى أربعا بنية قضاء الظهر لا الجمعة: لأن مع

(1) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 509 - 510، فتح العزيز 4: 487 - 488.
(2) المغني 2: 164، الشرح الكبير 2: 169.
(3) المجموع 4: 531، المهذب للشيرازي 1: 117.
(4) أورده في المعتبر: 201.
(5) بدائع الصنائع 1: 256، الاختيار 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 159، حلية العلماء 2: 227.
(6) سنن الدار قطني 1: 262 / 22.
(7) الاختيار 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 159، المجموع 4: 531.

[ 13 ]

الفوات تسقط الجمعة وتجب الظهر أداء لسعة وقت الظهر، وإمكان فوات الجمعة مع بقائه، فيكون الفائت بعد فوات الجمعة هو الظهر، لانتقال الوجوب إليه. ولو فاتته الجمعة بعد انعقادها بأن زوحم وخرج الوقت قبل إدراك ركعة مع الإمام، استأنف الظهر: لتغاير الفرضين. ومن جعلها ظهرا مقصورة جوز نقل النية إلى الظهر كالمسافر إذا نوى الإقامة في الأثناء فإنه يتم أربعا. مسألة 378: لو صلى المكلف بها الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، لم تصح صلاته، ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإن صلاها سقط عنه الفرض، وإن لم يصلها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر، لما تقدم (1) من أنهما فرضان متغايران، فلا يجزي أحدهما عن الآخر عند علمائنا أجمع، وبه قال مالك وأحمد والثوري في الجديد، وإسحاق (2). وقال أبو حنيفة: تصح ظهره قبل فوات الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى بطلت، وإن لم يسع أجزأته (3). وقال أبو يوسف، ومحمد: تصح (4). وقال الشافعي في القديم: تصح الظهر، ويجب عليه السعي، فإن صلى الجمعة احتسب الله تعالى له بأيتهما شاء أو أجز كلتيهما، وإن فاتته

(1) تقدم في المسألة 377.
(2) المغني 2: 197، الشرح الكبير 2: 156، المجموع 4: 496 - 497، فتح العزيز 4: 612 و 613، القوانين الفقهية: 79.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 33، اللباب 1: 112، المجموع 4: 497، المغني 2: 197، الشرح الكبير 2: 156 و 157.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 33، بدائع الصنائع 1: 257، المجموع 4: 497.

[ 14 ]

الجمعة أجزأته الظهر التي صلاها (1). وليس بجيد، لأن الظهر الواقعة إن كانت صحيحة أسقطت الفرض، إذ لا تجبان عليه في وقت واحد إجماعا، وإلا أعادها. ولأنه يأثم بترك الجمعة وإن صلى الظهر، ولا يأثم بفعل الجمعة وترك الظهر إجماعا، والواجب هو الذي يأثم بتركه دون ما لا يأثم به. فروع: أ: فوات الجمعة: برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية. وسيأتي في الجماعة. ب: لو صلى الظهر ثم شك هل صلى قبل صلاة الإمام أو بعدها، لزمه الاعادة، لأن الأصل البقاء. ج: لو صلى الظهر مع صلاة الإمام الجمعة لم تصح - إن كان يمكنه إدراكها - ظهره لأنه يمكنه الجمعة، أما لو صلاها قبل فراغ الإمام من الجمعة - إذا فاته إدراكها - فإنه يجوز - وبه قال بعض الشافعية (2) - لأن الجمعة فاتت فتجب الظهر، إذ لا يمكن سقوط الصلاتين. وظاهر كلام الشافعي أنه لا يجوز أن يصليها إلا بعد فراغ الإمام (3). مسألة 379: من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام ومعه وبعده - وإن جاز أن يصلي جمعة - في قول أكثر العلماء (4) لأنه لم يخاطب بالجمعة، فتصح منه الظهر، كالبعيد من موضع الجمعة.

(1) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 496 و 497، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 612 و 613. (2 و 3) حلية العلماء 2: 228.
(4) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159.

[ 15 ]

وقال بعض الجمهور: لا تصح صلاته قبل الإمام، لأنه لا يتيقن بقاء العذر، فلم تصح صلاته، كغير المعذور (1). والظاهر البقاء والاستمرار كالمريض يصلي جالسا. فروع أ: لا يستحب للمعذور تأخير الظهر حتى يفرغ الإمام، لأن فرضه الظهر فيستحب تقديمها. ب: أصحاب الأعذار المكلفون إذا حضروا الجامع، وجبت عليهم الجمعة، وسقط عنهم فرض الوقت، لأنها سقطت عنهم لعذر تخفيفا عنهم، ووجبت على أهل الكمال، لانتفاء المشقة في حقهم، فإذا حضروا الجامع سقطت المشقة المبيحة للترك. ج: لو صلوا الظهر في منازلهم ثم سعوا إلى الجمعة، لم تبطل ظهرهم سواء زال عذرهم أو لا - وبه قال أحمد والشافعي (2) - لأنها صلاة صحيحة أسقطت الفرض فلا تبطل بعده. وقال أبو حنيفة: تبطل ظهرهم بالسعي إلى الجمعة كغير المعذور (3). والفرق ظاهر. وقال أبو يوسف ومحمد: تبطل إذا أحرموا بالجمعة (4). د: لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهلها أن يصلي الظهر

(1) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159، الانصاف 2: 372.
(2) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159، كشاف القناع 2: 25، المجموع 4: 495، حلية العلماء 2: 227.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 32 و 33، اللباب 1: 112، بدائع الصنائع 1: 257، المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159، حلية العلماء 2: 227.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 33، اللباب 1: 112.

[ 16 ]

جماعة - وبه قال أحمد والأعمش والشافعي وإسحاق (1) - لعموم قوله عليه السلام: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (2). وصلى ابن مسعود بعلقمة والأسود لما فاتته الجمعة (3). وقال أبو حنيفة ومالك: يكره - وهو قول الحسن وأبي قلابة - لأنه لم ينقل في زمن النبي عليه السلام من صلى جماعة من المعذورين (4). وهو ممنوع، لما تقدم. إذا ثبت هذا فالأقرب استحباب إعادتها جماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وغيره من المساجد، لعموم استحباب طلب الجماعة. ولا تكره أيضا في المسجد الذي أقيمت الجمعة فيه. وكره أحمد ذلك كله (5)، وليس بجيد. نعم لو نسب إلى الرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو خيف فتنة، ولحوق ضرر به وبغيره كره ذلك. ه‍: الأقرب لمن صلى الظهر من أصحاب الأعذار السعي إلى الجمعة استحبابا: طلبا لفضيلة الجماعة، لأنها تنوب مناب الظهر فأشبهت المنوب، والأول هو الفرض. وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في القديم: يحتسب الله تعالى له بأيتهما شاء (6)، لأنه كان في الابتداء مخيرا بين الظهر والجمعة، فإذا فعلها

(1) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 160، الانصاف 2: 373، كشاف القناع 2: 25، المجموع 4: 493 - 494.
(2) صحيح البخاري 1: 166، سنن الترمذي 1: 420 - 421 / 215، سنن البيهقي 3: 60.
(3) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 161.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 35 - 36، اللباب 1: 112، بدائع الصنائع 1: 270، بلغة السالك 1: 182، المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 160، المجموع 4: 494.
(5) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 161.
(6) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 495، حلية العلماء 2: 227.

[ 17 ]

لم يتعين واحد منهما. وهو غلط: لسقوط فرضه مما فعله أولا، فإذا فعل الجمعة كان متطوعا بها، وما ذكره إنما يتحقق قبل الفعل. مسألة 380: لا يجوز إنشاء السفر لمن وجبت عليه الجمعة، واستكمال الشرائط (1)، بعد الزوال قبل أن يصليها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد (2) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (من سافر من دار إقامة (3) يوم الجمعة دعت عليه الملائكة، لا يصحب في سفره، ولا يعان على حاجته) (4)، والوعيد لا يلحق المباح. ولأن ذمته مشتغلة فلا يجوز له الاشتغال بما يمنع عنها كاللهو والتجارة. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز (5): لقول عمر: الجمعة لا تحبس عن سفر (6)، ولأن الصلاة تجب بآخر الوقت: ولأن كل صلاة يجوز السفر بعدها يجوز قبلها كسائر الصلوات. والفرق أن السفر يسقط الجمعة دون غيرها: وقول عمر ليس حجة خصوصا مع مخالفته (7) القرآن، وقد بينا وجوب الصلاة بأول الوقت. فروع: أ: لا يجوز السفر بعد الزوال لأجل الجهاد إلا مع الضرورة.

(1) كذا، والمناسب للعبارة: واستكملت الشرائط فيه.
(2) المجموع 4: 499، الوجيز 1: 65، مغني المحتاج 1: 278، الميزان 1: 187، بلغة السالك 1: 183، المنتقى للباجي 1: 199، المغني 2: 217، الشرح الكبير 2: 161.
(3) في " م ": إقامته.
(4) كنز العمال 6: 715 / 17540.
(5) المجموع 4: 499، المغني 2: 217، الشرح الكبير 2: 161.
(6) سنن البيهقي 3: 187، وانظر: الأم 1: 189، والمغني 2: 217، والشرح الكبير 2: 161.
(7) في " م " والطبعة الحجرية: مخالفة.

[ 18 ]

ونقل عن أحمد الجواز (1):، لأنه عليه السلام لما وجه زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله رواحة في جيش مؤتة فتخلف عبد الله، فرآه النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (ما خلفك؟) فقال: الجمعة: فقال النبي صلى الله عليه وآله: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها) فراح منطلقا (2). والذي نقله أصحابه إن ذلك كان قبل الزوال (3). ب: يجوز السفر بعد الزوال لأصحاب الأعذار المتجددة بعد الوجوب، كمريد الصحبة إذا خاف فوتها مع ضرورته إليها، لأنها تسقط الوجوب، وبالجملة كل ما يخاف معه على نفسه أو ماله فهو عذر، وكذا لو ضل له ولد أو رقيق أو حيوان. ج: يجوز السفر قبل الزوال بعد الفجر، لكنه مكروه عند علمائنا - وبه قال مالك وأحمد - والحسن وابن سيرين - في رواية، والشافعي في القديم، وأصحاب الرأي (4) - لحديث عبد الله بن رواحة (5). ولأن ذمته خالية من وجوب فلا يمنعه إمكان وجوبها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجوز - وبه قال ابن عمر وأحمد - إلا في الجهاد: لأنه وقت الرواح إلى الجمعة، وقد يجب فيه السعي على من بعد طريقه، فلا يجوز له ترك الجمعة بالسفر فيه كما بعد الزوال (6).

(1) الشرح الكبير 2: 162.
(2) مسند أحمد 1: 256، سنن البيهقي 3: 187، وانظر: المغني 2: 218.
(3) المغني 2: 218.
(4) المغني 2: 218، الشرح الكبير 2: 162، المجموع 4: 499، حلية العلماء 2: 228، الوجيز 1: 65، المهذب للشيرازي 1: 177، الميزان 1: 187، مغني المحتاج 1: 278، المنتقى للباجي 1: 199.
(5) مسند أحمد 1: 256، سنن البيهقي 3: 187.
(6) المجموع 4: 499، الوجيز 1: 65، المهذب للشيرازي 1: 117، الميزان 1: 187،

[ 19 ]

والفرق شغل الذمة في الأول دون الثاني، والسعي يجب فيه على من تجب عليه وهو بسفره خرج عن ذلك. واستثناء الشافعي الجهاد: لحديث ابن رواحة. د: لا يكره السفر ليلة الجمعة إجماعا. البحث الثاني: السلطان مسألة 381: يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة (1) - للإجماع على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعين لامامة الجماعة - وكذا الخلفاء بعده - كما يعين للقضاء. وكما لا يصح أن ينصب الانسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام كذا إمامة الجمعة. ولرواية محمد بن مسلم قال: " لا تجب الجمعة على أقل من سبعة: الإمام، وقاضيه، ومدع حقا، ومدعى عليه، وشاهدان، ومن يضرب الحدود بين يدي الإمام " (2). ولأنه إجماع أهل الاعصار، فإنه لا يقيم الجمعة في كل عصر إلا الأئمة. وقال الشافعي ومالك وأحمد: ليس السلطان شرطا ولا إذنه (3)، لأن عليا

المغني 2: 218، الشرح الكبير 2: 162، حلية العلماء 2: 228، مغني المحتاج 1: 278. (1) المبسوط للسرخسي 2: 23 و 25، بدائع الصنائع 1: 259، 261، اللباب 1: 110، المجموع 4: 583، المغني 2: 173 - 174، الشرح الكبير 2: 188، بداية المجتهد 1: 159، الميزان 1: 188.
(2) الفقيه 1: 267 / 1222، التهذيب 3: 20 / 75، الاستبصار 1: 418 / 1608.
(3) الأم 1: 192، المجموع 4: 509 و 583، مختصر المزني: 28، الوجيز 1: 62، المهذب للشيرازي 1: 124، بداية المجتهد 1: 160، المغني 2: 173، الشرح الكبير 2: 188.

[ 20 ]

عليه السلام صلى بالناس الجمعة وعثمان محصور (1): ولم ينكر أحد. ولأنها عبادة بدنية فلا تفتقر إقامتها إلى السلطان كالحج. وفعل علي عليه السلام حجة لنا: لأنه عليه السلام الإمام عندنا، ولأن عثمان بمنع المسلمين له عن التصرف خرج عن الامامة: إذ الامامة عندهم تثبت بالاختيار من أهل الحل والعقد فتزول لزوال سببها. والفرق في الحج عدم احتياجه إلى رئيس يتقدم عليهم فيها، بخلاف الجمعة المفتقرة إلى إمام يتقدمهم. مسألة 382: أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان وهو الإمام المعصوم، أو من يأمره بذلك - خلافا للجمهور كافة (2). لأن الاجتماع مظنة التنازع، والحكمة تقتضي انتفاء ذلك، ولا يحصل إلا بالسلطان، ومع فسقه لا يزول: لأنه تابع في أفعاله لقوته الشهوية لا مقتضى الشرع ومواقع المصلحة، وليس محلا للأمانة فلا يكون أهلا للاستنابة. احتجوا بقوله عليه السلام: (فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل، أو جائر فلا جمع الله شمله) (3). ولأن السلطان يسوي بين الناس في إيقاعها فلا يفوت بعضا. ونمنع الحديث أولا، ودلالته على المطلوب: لأنه وعيد على من تركها مستخفا بها، ولا شك في أنه مستحق للوعيد سواء كان الإمام عادلا أو جائرا، بل يستحب الاجتماع فيها وعقدها وإن كان السلطان جائرا.

(1) أنظر سنن البيهقي 3: 124، والمغني 2: 174.
(2) المجموع 4: 253، المغني 2: 149، المبسوط للسرخسي 2: 25، بدائع الصنائع: 261.
(3) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081، سنن البيهقي 3: 171، مجمع الزوائد 2: 169 نقلا عن الطبراني في الأوسط، مسند أبي يعلى 3: 381 - 382 / 1856، الترغيب والترهيب 1: 510 - 511 / 9.

[ 21 ]

ونمنع من تسوية السلطان الفاسق لجواز أن يغلبه هواه على تقديم أو تأخير. مسألة 383: يشترط إما السلطان المعصوم، أو استنابته لمن يرتضيه، ويشترط في النائب أمور: الأول: البلوغ. فلا تصح إمامة الصبي - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد (1) - لعدم التكليف في حقه، فإن لم يكن مميزا لم يعتد بفعله، وإلا عرف ترك المؤاخذة على فعله، فلا يؤمن ترك واجب أو فعل محرم في صلاته. ولأن العدالة شرط وهي منوطة بالتكليف. وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: تصح كغيرها من الفرائض (2). ونمنع الأصل، ونفرق باختصاص الجمعة بشرائط زائدة. الثاني: العقل. فإن المجنون لا اعتبار بفعله، ومن يعتوره لا يكون إماما، ولا في وقت إفاقته، لجواز عروضه له حينئذ. ولأنه لا يؤمن احتلامه في نوبته وهو لا يعلم. ولنقصه عن المراتب الجليلة. الثالث: الذكورة. فإن المرأة لا تؤم الرجال ولا الخناثى، وكذا الخنثى. الرابع: الحرية. وفي اشتراطها للشيخ قولان: أحدهما: ذلك (3) - وبه قال أحمد ومالك (4) - لأن الجمعة لا تجب

(1) بدائع الصنائع 1: 262، بلغة السالك 1: 157، الشرح الصغير 1: 157، المنتقى للباجي 1: 197، بداية المجتهد 1: 144، المغني 2: 55، الانصاف 2: 266، كشاف القناع 1: 479.
(2) الأم: 1: 192، المجموع 4: 249، فتح العزيز 4: 327، المهذب للشيرازي 1: 104، كفاية الأخيار 1: 83.
(3) النهاية: 105.
(4) المغني 2: 196، المحرر في الفقه 1: 142، بلغة السالك 1: 157، الشرح الصغير 1: 157، المنتقى للباجي 1: 197.

[ 22 ]

عليه، فلا يكون إماما فيها، كالصبي والمرأة. والثاني: العدم (1) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (2) - لقوله صلى الله عليه وآله: (إسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة) (3). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام - وقد سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قراءة -: " لا بأس به " (4). ولأنه ذكر يؤدي فرض الجمعة، فجاز أن يكون إماما فيها كالحر. وهو عندي أقوى. مسألة 384: العدالة شرط عند علمائنا كافة، فلو أم الفاسق لم تنعقد وأعيدت ظهرا - خلافا للجمهور (5) كافة - لأن الائتمام ركون إلى الفاسق وهو ظالم، فيكون منهيا عنه، لقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } (6). وقول جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان، أو يخاف سيفه، أو سوطه) (7). ومن طريق الخاصة: ما رواه سعد بن إسماعيل، عن أبيه قال: قلت للرضا عليه السلام: رجل يقارف (8) الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلي

(1) الخلاف 1: 627، المسألة 398. (2) الأم 1: 192، المجموع 4: 250، فتح العزيز 4: 327، المبسوط للسرخسي 2: 36، بدائع الصنائع 1: 261 و 266، شرح فتح القدير 2: 26، اللباب 1: 112.
(3) سنن البيهقي 3: 88، الخراج للقاضي أبي يوسف: 9 بتفاوت واختصار، وأورده نصا في فتح العزيز 4: 328، وتلخيص الحبير 4: 327.
(4) التهذيب 3: 29 / 99، الاستبصار 1: 423 / 1628.
(5) المجموع 4: 253، فتح العزيز 4: 330 و 331، المهذب للشيرازي 1: 104، المغني 2: 149، اللباب 1: 79، بدائع الصنائع 1: 156.
(6) هود: 113.
(7) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081.
(8) قارف الذنب: داناه ولاصقه. لسان العرب 9: 280 " قرف ".

[ 23 ]

خلفه؟ قال: " لا " (1). وقال أبو عبد الله البرقي: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: أتجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك صلوات الله عليهما؟ فأجاب: " لا تصل وراءه " (2). ولانتفاء الزاجر له عن ترك شرط أو فعل مناف فلا تصح، كالصبي والكافر. احتجوا: بعموم قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } (3). وبقوله عليه السلام: (صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله) (4). وبأن الحسن والحسين عليهما السلام صليا مع مروان (5). والآية تدل على السعي لا على حال الإمام. والعام قد يخصص، وأحاديثنا أخص فتقدم. وفعل الامامين عليهما السلام لقهرهما، كما تضمنه حديث جابر (6). ولأنه حكاية حال فيمكن أن صلاتهما بعد فعلها في منازلهما، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر: (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟) قلت: فما تأمرني؟ قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة) (7).

الفقيه 1: 249 / 1116، التهذيب 3: 31 / 110 و 277 / 808.
(2) الفقيه 1: 248 / 1113، التهذيب 3: 28 / 98.
(3) الجمعة: 9.
(4) سنن الدار قطني 2: 56 / 3، بلوغ المرام: 85 / 450.
(5) الجعفريات: 52، نوادر الراوندي: 30 وانظر سنن البيهقي 3: 122.
(6) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081.
(7) صحيح مسلم 1: 448 / 648، سنن أبي داود 1: 117 / 431، سنن الترمذي 1: 332 - 333 / 176، سنن البيهقي 3: 124، مسند أحمد 5: 159، سنن النسائي 2: 75، المعجم الصغير للطبراني 1: 218.

[ 24 ]

فروع: أ: عن أحمد رواية أنه يصلي خلف الفاسق جمعة ثم يعيدها (1). وهو غلط، لأنها إن كانت مأمورا بها خرج عن العهدة بفعلها فلا إعادة، وإلا فلا تصح الصلاة خلفه. ب: لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع وانعقدت جمعة على الأقوى - وسيأتي - ولا تجب: لفوات الشرط وهو الإمام أو من نصبه. وأطبق الجمهور على الوجوب. ج: لو خفي فسقه ثم ظهر بعد الصلاة أجزأ، لأنه مأمور بها فتقع مجزئة. د: لا تصح الصلاة خلف الكافر بالاجماع، فلو ظهر كفره صحت الصلاة، للامتثال، سواء كان الكفر مما لا يخفى كالتهود والتنصر، أو يخفى كالزندقة، وبه قال المزني (2). وعند الشافعي تجب الاعادة في الأول، لتفريطه (3). ه‍: لو شك في إسلامه لم تنعقد الجمعة، لأن ظهور العدالة شرط، وهو منتف مع الشك. وقال بعض الجمهور: تصح، عملا بالظاهر من أنه لا يتقدم للامامة إلا مسلم (4). و: الاختلاف في فروع الفقه - مع اعتقاد الحق - لا يمنع الامامة، للإجماع على تعديل بعضهم بعضا وإن اختلفوا في المسائل الاجتهادية.

(1) المغني 2: 149، الشرح الكبير 2: 206.
(2) المغني 2: 34، المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 327.
(3) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 326.
(4) المغني 2: 28 و 35، الشرح الكبير 2: 34.

[ 25 ]

ز: إذا اعتقد المجتهد شيئا من الفروع وفعل ضده - مع بقاء إعتقاده - قدح في عدالته، وكذا المقلد إذا أفتاه العالم، أما لو عدل من عالم إلى أعلم أو مساو، لم يقدح في العدالة. مسألة 385: الايمان شرط في الإمام في الجمعة وغيرها إجماعا عندنا، لأن غيره فاسق، وقد بينا اشتراط العدالة. وقال أحمد: تجب سواء كان من يقيمها سنيا، أو مبتدعا، أو عدلا، أو فاسقا. وسئل عن الصلاة خلف المعتزلة يوم الجمعة، فقال: أما الجمعة فينبغي شهودها، وإن كان الذي يصلي منهم أعاد وإلا فلا (1). وقال الشافعي: إذا صلى خلف مبتدع - وهو كل من زاد في الدين ما ليس منه، سواء كان قربة أو معصية - فإن كانت بدعته بزيادة طاعة تخالف (2) المشروع - كما لو صلى العيد في غير وقته صحت خلفه، وإن كانت معصية - كالطعن في الصحابة، أو خلل في معتقده - فإن أوجبت تكفيرا، لم تصح خلفه وإلا صحت (3). وعندنا أنه لا تجوز خلف المبتدع سواء أوجبت كفرا، أو لا، لأنها توجب فسقا، لقوله عليه السلام: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) (4). مسألة 386: يشترط في الإمام طهارة المولد عند علمائنا، فلا تصح إمامة ولد الزنا، لأنها من المناصب الجليلة، فلا تليق بحاله، لنقصه. ولعدم انقياد القلوب إلى متابعته. ولأنها رئاسة دينية فلا ينالها مثله، لتكونه من المعصية الكبيرة.

(1) المغني 2: 149، الشرح الكبير 2: 205.
(2) في نسخة " م ": بخلاف.
(3) انظر: المجموع 4: 253، وفتح العزيز 4: 331.
(4) سنن النسائي 3: 189.

[ 26 ]

وبعض علمائنا حكم بكفره (1). وليس بمعتمد. ولأن رجلا لا يعرف أبوه أم قوما بالعقيق فنهاه عمربن عبد العزيز (2)، ولم ينكر عليه أحد. وقال الشافعي: تكره إمامته (3): لحديث عمر بن عبد العزيز. وقال أحمد: لا تكره (4). مسألة 387: اشترط أكثر علمائنا كون الإمام سليما من الجذام والبرص والعمى (5): لقول الصادق عليه السلام: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي " (6). والأعمى لا يتمكن من الاحتراز عن النجاسات غالبا. ولأنه ناقص فلا يصلح لهذا المنصب الجليل. وقال بعض أصحابنا المتأخرين: يجوز (7). واختلفت الشافعية في أن البصير أولى، أو يتساويان على قولين (8). مسألة 388: إذا حضر إمام الأصل لم يؤم غيره إلا مع العذر إجماعا، لأن الامامة متوقفة على إذنه، فليس لغيره التقدم عليه، وكذا نائب الإمام، لأن الرسول صلى الله عليه وآله لم يحضر موضعا إلا أم بالناس، وكذا خلفاؤه،

(1) هو ابن إدريس في السرائر: 183 و 241 و 287.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 216 - 217.
(3) الأم 1: 166، المجموع 4: 288، المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، عمدة القاري 5: 226.
(4) المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، الانصاف 2: 274، كشاف القناع 1: 484.
(5) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 155، وابن البراج في المهذب 1: 80، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 143، وابن حمزة في الوسيلة: 104.
(6) الكافي 3: 375 / 1، التهذيب 3: 26 / 92، الاستبصار 1: 422 / 1626.
(7) كما ذكره المحقق في شرائع الاسلام 1: 97.
(8) المجموع 4: 286 - 287، المهذب للشيرازي 1: 106، فتح العزيز 4: 328 - 329.

[ 27 ]

والسرايا الذين بعثهم كان يصلي بهم الأمير عليهم. ولقول الباقر عليه السلام: " قال علي عليه السلام: إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمع بالناس ليس ذلك لأحد غيره " (1). ومع العذر يجوز أن يصلي غيره، ويشترط إذنه: لما تقدم. مسألة 389: وهل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة والتمكن من الاجتماع والخطبتين صلاة الجمعة؟ أطبق علماؤنا على عدم الوجوب: لانتفاء الشرط: وهو ظهور الإذن من الإمام عليه السلام. واختلفوا في استحباب إقامة الجمعة، فالمشهور ذلك: لقول زرارة: حثنا الصادق عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: " لا، إنما عنيت عندكم " (2). وقال الباقر عليه السلام لعبد الملك: " مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله " قلت: كيف أصنع؟ قال: " صلوا جماعة " يعني صلاة الجمعة (3). وقال الفضل بن عبد الملك: سمعت الصادق عليه السلام يقول: " إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة نفر، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين " (4). وقال سلار وابن إدريس: لا تجوز، لأصالة الأربع، فلا تسقط إلا بدليل (5).

(1) التهذيب 3: 23 / 81.
(2) التهذيب 3: 239 / 635، الاستبصار 1: 420 / 1615.
(3) التهذيب 3: 239 / 638، الاستبصار 1: 420 / 1616.
(4) التهذيب 3: 238 - 239 / 634، الاستبصار 1: 420 / 1614.
(5) المراسم: 261، السرائر: 66.

[ 28 ]

والأخبار السابقة متأولة: لأن قول الصادق عليه السلام لزرارة، وقول الباقر عليه السلام لعبد الملك إذن لهما فيها، فيكون الشرط قد حصل. وقول الصادق عليه السلام: " فإن كان لهم من يخطب " محمول على الإمام أو نائبه. ولأن شرط الوجوب الإمام أو نائبه إجماعا، فكذا هو شرط في الجواز. مسألة 390: يجوز أن يكون الإمام مسافرا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي (1) - لأنه رجل تصح منه الجمعة، فجاز أن يكون إماما كالحاضر. وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز لأنه ليس من أهل فرض الجمعة، فلا يجوز أن يكون إماما كالمرأة (2). والفرق ظاهر: فإن المرأة لا تصح أن تكون إماما للرجل في حال من الأحوال، والمسافر لو نوى الإقامة صح أن يكون إماما إجماعا. مسألة 391: لو أحدث الإمام في صلاة الجمعة أو غيرها، أو خرج بسبب آخر، جاز أن يستخلف غيره ليتم بهم الصلاة، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك والثوري والشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق وأبو ثور (3) - لأن أبا بكر كان يصلي بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وآله، فسأل النبي صلى الله عليه وآله: (من يصلي بالناس؟) فقيل:

(1) المبسوط للسرخسي 2: 25، اللباب 1: 112، الهداية للمرغيناني 1: 84، المدونة الكبرى 1: 158، المنتقى للباجي 1: 196، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155، المحلى 5: 51، المجموع 4: 248 و 250، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 540، السراج الوهاج: 86، مغني المحتاج 1: 284.
(2) المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155، المجموع 4: 250، فتح العزيز 4: 541، الانصاف 2: 368.
(3) بلغة السالك 1: 167، الشرح الصغير 1: 166، الأم 1: 207، المجموع 4: 242 و 245 و 578، فتح العزيز 4: 554 - 555 و 557، حلية العلماء 2: 248، المغني 1: 779.

[ 29 ]

أبو بكر: فخرج يتهادى بين اثنين، فدخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس، فمنعه من إتمام الامامة بهم، وتقدم فصلى بهم وتأخر أبو بكر (1). فصارت الصلاة بإمامين على التعاقب. ومن طريق الخاصة: قول علي عليه السلام: " من وجد أذى فليأخذ بيد رجل فليقدمه " (2) يعني إذا كان إماما. ولأن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإمام، فإذا قدم من يصلح للامامة كان كما لو أتمها، ولا ينفك المأموم من الجماعة والعمل بالفضيلة فيها. وقال الشافعي في القديم: لا يجوز الاستخلاف (3): لما رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى بأصحابه، فلما أحرم بالصلاة ذكر أنه جنب، فقال لأصحابه: (كما أنتم) ومضى ورجع ورأسه يقطر ماء، ولم يستخلف (4). فلو كان سائغا لفعله. وهذا عندنا ممتنع: لما بينا غير مرة من استحالة السهو على النبي صلى الله عليه وآله. وللشافعي قول آخر: جوازه في غير الجمعة لا فيها (5). فروع: أ: لا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإمام بعد الخطبتين قبل التحريم وبعدها، فإذا استخلف صلى بهم من غير خطبة: لخروج العهدة عنها بفعلها أولا.

مسند أحمد 1: 209، سنن أبي داود 1: 247 / 940 بتفاوت.
(2) الكافي 3: 366 / 11، التهذيب 2: 325 / 1331، الاستبصار 1: 404 / 1940.
(3) المهذب للشيرازي 1: 124، المجموع 4: 578، فتح العزيز 4: 554، حلية العلماء 2: 248، السراج الوهاج: 90.
(4) صحيح البخاري 1: 77، سنن أبي داود 1: 60 - 61 / 233 - 235، سنن ابن ماجة 1: 385 / 1220، مسند أحمد 1: 88 و 99، ترتيب مسند الشافعي 1: 114 / 341.
(5) انظر فتح العزيز 4: 555.

[ 30 ]

وقال الشافعي: على تقدير جوازه يجوز، وعلى تقدير عدمه لا يجوز أن يصلي غيره بهم الجمعة: لأن الخطبتين تقوم مقام ركعتين فيخطب بهم غيره ويصلي، فإن لم يتسع الوقت، صلى بهم الظهر أربعا (1). ب: لو أحدث بعد التحريم استخلف عندنا، وأتموها جمعة قطعا، وبه قال الشافعي على تقدير الجواز، وعلى تقدير العدم لا يجوز، فيصلي المأمومون فرادى ركعتين. وعنه آخر: إن كان بعد أن صلى ركعة أتموها جمعة ركعتين، وإن كان أقل من ركعة صلوا ظهرا أربعا (2). ج: يجب أن يستخلف من هو بشرائط الامامة، فلو استخلف امرأة لامامة الرجال فهو لغو، فلا تبطل صلاتهم إذا لم يقتدوا بها: وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: ولا تبطل الصلاة بالاستخلاف صلاتهم وصلاتها (4). د: لا يشترط في المستخلف كونه قد سمع الخطبة، أو أحرم مع الإمام، سواء أحدث الإمام في الركعة الأولى أو الثانية قبل الركوع، للأصل. ولقول معاوية بن عمار: سألت الصادق عليه السلام، عن رجل يأتي المسجد وهم في الصلاة وقد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فينفتل الإمام فيأخذ بيده ويكون أدنى القوم إليه فيقدمه، فقال: " يتم القوم الصلاة، ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أومأ بيده إليهم عن اليمين والشمال، وكان الذي أومأ إليهم بيده التسليم وانقضاء صلاتهم، وأتم هو ما كان فاته إن بقي عليه " (5).

(1) فتح العزيز 4: 561 - 562.
(2) المجموع 4: 578، المهذب للشيرازي 1: 124.
(3) المجموع 4: 243، فتح العزيز 4: 555.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 180، فتح العزيز 4: 555.
(5) الكافي 3: 382 / 7، التهذيب 3: 41 / 144، الاستبصار 1: 433 / 1672، الفقيه 1:

[ 31 ]

وقال الشافعي: إن استخلف بعد الخطبة قبل أن يحرم بالصلاة، جاز أن يستخلف من حضرها وسمعها، لأنه ثبت له حكمها بسماعه إياها، ولهذا لو بدر أربعون ممن سمع الخطبة فعقدوها، صحت، ولو صلى أربعون ممن لم يسمعها، لم تنعقد بهم، ولا يجوز أن يستخلف من لم يسمعها. وإن أحدث بعد التحريم، فإن كان في الركعة الأولى جاز أن يستخلف من أحرم معه قبل حدثه، سواء كان دخل معه قبل الركوع أو بعده - وإن لم يكن سمع الخطبة - لأنه بدخوله معه في الصلاة ثبت له حكمها. ولا يجوز أن يستخلف معه من لم يدخل معه: لأنه يكون مبتدئا للجمعة، ولا يجوز عقد جمعة بعد جمعة، بخلاف المسبوق: لأنه متبع لا مبتدئ. وإن أحدث في الثانية، جاز أن يستخلف من دخل معه قبل الركوع أو فيه، ويتمون معه الجمعة. وهل يتم هو الجمعة أو الظهر؟ قال أكثر أصحابه: بالأول. وهو جيد عندنا، لأنه أدرك الجمعة بإدراكه راكعا. وإن استخلف من دخل معه بعد الركوع، قال أكثر أصحابه: لا يجوز، لأن فرضه الظهر، فلا يجوز أن يكون إماما في الجمعة. وقال بعضهم: يجوز، كالمسبوق والمسافر يأتم بالمقيم (1). وعندي في ذلك تردد، وكذا التردد لو استناب من يبتدئ بالظهر. ه‍: لو أحدث في الأولى فاستخلف من قد أحرم معه صح، ثم صلى المستخلف لهم الثانية، فلما قام أحدث واستخلف من أدرك الركعة الثانية صلى المستخلف الثاني ركعة، وأشار إليهم أن يسلم بهم أحدهم، وقام هو فأتمها جمعة، لأنه أدرك ركعة من جمعة صحيحة.

= 258 / 1171. (1) المهذب للشيرازي 1: 124، المجموع 4: 579 - 582، حلية العلماء 2: 249.

[ 32 ]

وقال الشافعي: يتمها ظهرا، لأن للمأمومين اتباعه، فلا يمكن بناء حكمه على حكمهم، ولا يمكن أن يبني حكمه على حكم الإمام الأول، لأنه ما تمت له الجمعة، فلا وجه لاتيان حكم الجمعة في حقه. وهو ممنوع. ثم قال: لو جاء مسبوق آخر واقتدى بهذا المسبوق، وقلنا إن المحسوب له ركعة من الظهر، فيحسب للمقتدي به ركعة من الجمعة، لأنه في حق المأمومين يتنزل منزلة إمامه (1). و: لو لم يستنب الإمام أو مات أو أغمي عليه، فإن كان بعد ركعة استناب المأمومون وقدموا من يتم بهم الصلاة، وللواحد منهم أن يتقدم، بل هو أولى ; لأن الإمام قد خرج والمأمومون في الصلاة. وبه قال الشافعي (2). وفيه إشكال ينشأ من اشتراط الإمام أو إذنه عندنا، ومن كونها جمعة انعقدت صحيحة، فيجب إكمالها. والإذن شرط في الابتداء لا في الاكمال. فإن قلنا بالأول احتمل أن يتموها جمعة فرادى كما لو ماتوا إلا واحدا، وأن يتموها ظهرا، لعدم الشرط وهو الجماعة مع التعدد. وإن كان في الأولى قبل الركوع، احتمل إتمامها ظهرا، إذ لم يدرك أحد منهم ركعة، فلم يدركوا الصلاة، وجمعة، لانعقادها صحيحة، فتكمل كما لو بقي الإمام. وكلا الوجهين للشافعي (3). ز: لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يحدث الإمام عمدا أو سهوا - وبه قال الشافعي (4) - لما بينا من أن بطلان صلاة الإمام لا يقتضي بطلان صلاة المأموم.

(1) انظر المجموع 4: 581 - 582، وفتح العزيز 4: 559 و 560.
(2) المجموع 4: 583، فتح العزيز 4: 561.
(3) المجموع 4: 578، المهذب للشيرازي 1: 124.
(4) المجموع 4: 578، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 557.

[ 33 ]

وقال أبو حنيفة: إن تعمد بطلت صلاتهم كلهم (1). ح: الأقرب وجوب اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر، كالحدث وشبهه، لأن العادة قاضية بأن المتولي لهما واحد من زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى الآن. ويحتمل عدمه، لجواز تعدد الأئمة في صلب الصلاة في المحدث فجاز في غيره. ط: لو استناب لم يجب على المأمومين استئناف نية القدوة، لأنه خليفة الأول، والغرض من الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الأول وإدامة الجماعة. وهو أحد وجهي الشافعية (2). وفيه إشكال ينشأ من وجوب تعين الإمام فيجب استئناف نية القدوة. وفي الآخر: يشترط، لأنهم انفردوا بخروج الإمام من الصلاة (3). وكذا لو لم يستنب الإمام وقدم المأمومون إماما. ي: لو مات الإمام فاستناب المأمومون، لم تبطل صلاة المتلبس وأتم جمعة، أما غيره فيصلي الظهر، ويحتمل الدخول معهم، لأنها جمعة مشروعة. البحث الثالث: العدد مسألة 392: العدد شرط بإجماع العلماء كافة، لأن تسميتها جمعة من الاجتماع المستلزم للتكثير، ولأن الإمام شرط ولا يتحقق مسماه إلا بالمأموم.

(1) بدائع الصنائع 1: 226، فتح العزيز 4: 557.
(2) المجموع 4: 582، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 560.
(3) المجموع 4: 582، فتح العزيز 4: 560.

[ 34 ]

واختلفوا في أقل عدد تجب معه الجمعة، فقال بعض علمائنا: أقله خمسة نفر الإمام أحدهم، لأن الخطاب متوجه بصيغة الجمع، وأقل عدد يحتمله حقيقة الثلاثة، وإنما أوجب عند النداء الحاصل من الغير فيثبت رابع، وإنما يجب السعي عند النداء مع حصول الشرائط التي من جملتها الإمام فيجب الخامس (1). ولأنها إنما تجب على المقيمين، والاستيطان مع الاجتماع مظنة، التنازع، فلا بد من حاكم يفصل بين المتنازعين فوجب الثالث. ثم لما كانت الحوادث والعوائق تعتور الانسان وجب أن يكون للحاكم نائب يقوم مقامه لو عرض له حادث يمنعه عن فصل المتنازعين فوجب الرابع. ثم لما كان الاجتماع مظنة التنازع المفضي إلى الافتراء احتيج إلى من يستوفي الحدود بإذن الحاكم مباشرة فوجب الخامس. فثبت أن الأمور الضرورية لا بد فيها من حصول خمسة نفر. ولقول الباقر عليه السلام: " لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الإمام وأربعة " (2). وقال الصادق عليه السلام: " يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا، فإن كانوا أقل من خمسة فلا جمعة " (3). وقال الشيخ: سبعة نفر، أحدهم: الإمام (4)، لافتقار الاستيطان إلى متنازعين وشاهدين، وحاكم، ونائبه، ومستوفي الحدود. ولقول الباقر عليه السلام: " تجب الجمعة على سبعة ولا تجب على

(1) هو المحقق في المعتبر: 202.
(2) الكافي 3: 419 / 4، التهذيب 3: 240 / 640، الاستبصار 1: 419 / 1612.
(3) التهذيب 3: 239 / 636، الاستبصار 1: 419 / 1610.
(4) الخلاف 1: 598 المسألة 359، النهاية: 103، المبسوط للطوسي 1: 143.

[ 35 ]

أقل منهم " (1). وحمل ما تقدم من الروايتين على استحبابها للخمسة (2). ولا ضرورة إلى الشاهدين، والرواية ليست ناصة على المطلوب، لأن أقل من السبعة قد يكون أقل من الخمسة، فيحمل عليه جمعا بين الأدلة، ولأن روايتنا أكثر رواة وأقرب إلى مطابقة القرآن، ولأن الخيار مع الخمسة يستلزم الوجوب، لقوله تعالى: { فاسعوا } (3). وقال الشافعي: لا تنعقد بأقل من أربعين رجلا على الشرائط الآتية، وهل الإمام أحدهم؟ وجهان - وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد - لقول جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة (4). وقول الصحابي: مضت السنة، كقوله: قال النبي صلى الله عليه وآله (5). وتعليق الحكم على العدد لا يقتضي نفيه عما هو أقل أو أكثر. ونمنع مساواة (مضت السنة) لقوله: قال النبي صلى الله عليه وآله. وقال أحمد في رواية: لا تنعقد إلا بخمسين، لقوله عليه السلام: (تجب الجمعة على خمسين رجلا) (6). ودلالة المفهوم ضعيفة.

(1) الفقيه 1: 267 / 1222، التهذيب 3: 20 / 75، الاستبصار 1: 418 / 1608.
(2) الاستبصار 1: 419 ذيل الحديث 1609.
(3) الجمعة: 9.
(4) سنن الدار قطني 2: 3 - 4 / 1، سنن البيهقي 3: 177.
(5) المغني 2: 172 و 173، الشرح الكبير 2: 174 و 175، المهذب للشيرازي 1: 177، المجموع 4: 502 و 503، فتح العزيز 4: 510، حلية العلماء 2: 230.
(6) المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 174، وراجع سنن الدار قطني 2: 4 / 2 و 3.

[ 36 ]

وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد: تنعقد بأربعة، أحدهم: الإمام، لأن الأربعة عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، فجاز عقد الجمعة به كالأربعين (1). ونمنع العلية. وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة، لعموم الأمر (2). وقد بينا خصوصه. وقال ربيعة: تنعقد بإثني عشر رجلا، لأن النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى مصعب بن عمير قبل الهجرة، وكان مصعب بالمدينة، فأمره أن يصلي الجمعة بعد الزوال ركعتين وأن يخطب قبلها فجمع مصعب في بيت سعد ابن خيثمة بإثني عشر رجلا (3). وهو حجة على الشافعي لا علينا. وقال الحسن بن صالح بن حي: تنعقد باثنين، لأن كل عدد انعقدت به الجماعة انعقدت به الجمعة كالأربعين (4) وهو غلط، لأن الأمر بصيغة الجمع فلا يتناول الإثنين. مسألة 393: يشترط في العدد أمور: الأول: أن يكونوا ذكورا إجماعا، فلا تنعقد بالنساء ولا بالرجال إذا تكمل العدد بامرأة، ولا خنثى مشكل، وتنعقد بالخنثى الملحق بالرجال. الثاني: يشترط أن يكونوا مكلفين، فلا تنعقد بالصبي وإن كان مميزا،

(1) المبسوط للسرخسي 2: 24، الهداية للمرغيناني 1: 83، المجموع 4: 504، فتح العزيز 4: 510، المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 175، حلية العلماء 2: 230.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 24، الهداية للمرغيناني 1: 83، المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230، المغني 2: 172.
(3) المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230، المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 175.
(4) المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230.

[ 37 ]

ولا بالمجنون وإن كان يعتوره، إلا أن يكون حال الإقامة مفيقا. الثالث: هل يشترط الحرية؟ للشيخ قولان: الاشتراط، فلا تنعقد بالعبد قنا كان أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد - وهو قول الشافعي وأحمد (1) - لأن الجمعة إنما تصح منه تبعا لغيره، فلو انعقدت به، صار التبع متبوعا، ولأنه لو انعقدت به لانعقدت بجماعتهم منفردين كالاحرار (2). والثاني: عدمه - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأنه رجل تصح منه الجمعة فانعقدت به كالحر (4). الرابع: وهل يشترط الحضر؟ قولان للشيخ: الاشتراط (5) - وبه قال الشافعي (6) - فلا تنعقد بالمسافر ; لما تقدم في العبد. وعدمه (7) - وبه قال أبو حنيفة (8) - لما تقدم. الخامس: لا يشترط الصحة، ولا زوال الموانع من المطر والخوف فلو حضر المريض أو المحبوس بعذر المطر أو الخوف وجبت عليهم، وانعقدت

(1) الأم 1: 191، مختصر المزني: 26، المجموع 4: 505، فتح العزيز 4: 512، المهذب للشيرازي 1: 117، مغني المحتاج 1: 282، السراج الوهاج: 86، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.
(2) المبسوط للطوسي 1: 143.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 25، شرح العناية 2: 31، اللباب 1: 112، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.
(4) الخلاف 1: 610 مسألة 375.
(5) المبسوط للطوسي 1: 143.
(6) الأم 1: 191، مختصر المزني: 26، المجموع 4: 502، فتح العزيز 4: 512، مغني المحتاج 1: 282، المهذب للشيرازي 1: 117، السراج الوهاج: 86، المبسوط للسرخسي 2: 25.
(7) الخلاف 1: 610 مسألة 375.
(8) المبسوط للسرخسي 2: 25، اللباب 1: 112، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.

[ 38 ]

به إجماعا - إلا في قول بعيد للشافعي: إنها لا تنعقد بالمريض كالمسافر (1) - لأن سقوطها عنهم لمشقة السعي، فإذا تكلفوه، زالت المشقة، فزال مانع الوجوب والانعقاد به، فيثبتان. السادس: لا يشترط مغايرة الإمام للعدد، وقد تقدم (2). وللشافعي قولان (3). السابع: يشترط الاسلام ; لعدم انعقادها بالكافر إجماعا، ولا تشترط العدالة، فتنعقد بالفاسق إجماعا. الثامن: يشترط عدم العلم بحدث أحدهم، فلو أحدث أحدهم مع العلم به والعدد يتم به، لم تنعقد به ما لم يتطهر، ولو لم يعلم صحت الجمعة للمتطهرين. وكذا لو ظهر حدث أحدهم وكان جاهلا به، كما لو وجد بعد الجمعة جنابة على ثوبه المختص به، فإن الجمعة قد صحت لغيره، ويقضي هو الظهر. مسألة 394: قال الشيخ: أقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه وتنعقد به وهو: الذكر، الحر، البالغ، العاقل، الصحيح، السليم من العمى والعرج والشيخوخة التي لا حراك معها، الحاضر أو من هو بحكمه. ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به وهو: الصبي والمجنون والعبد والمسافر والمرأة. لكن يجوز لهم فعلها، إلا المجنون.

(1) المجموع 4: 503، فتح العزيز 4: 515 - 516، مغني المحتاج 1: 283، السراج الوهاج: 86.
(2) تقدم في أول البحث الثالث.
(3) المجموع 4: 502 - 503، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 516، مغني المحتاج 1: 283، السراج الوهاج: 86.

[ 39 ]

ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو: المريض والأعمى والأعرج ومن كان على رأس أكثر من فرسخين. ومن تجب عليه ولا تنعقد به وهو: الكافر ; لأنه مخاطب بالفروع عندنا. ومختلف فيه وهو: من كان مقيما في بلد من طلاب العلم والتجار ولما يستوطنه، بل متى قضى وطره خرج، فإنها تجب عليه وتنعقد به عندنا، وعندهم خلاف (1). مسألة 395: لا يشترط بقاء العدد مدة الصلاة، فلو انعقدت بهم ثم انفضوا أو ماتوا - إلا الإمام بعد الاحرام - لم تبطل الجمعة، بل يتمها جمعة ركعتين. وحكى المزني عن الشافعي خمسة أقوال: أحدها: هذا - وبه قال أبو يوسف ومحمد (2) - لأنها انعقدت فوجب الاتمام ; لتحقق شرط الوجوب. واشتراط الاستدامة منفي (3) بالأصل، ولا يلزم من اشتراط الابتداء بشئ اشتراط استدامته به، كعدم الماء في حق المتيمم. الثاني - وهو الأصح عندهم -: أن العدد شرط في الاستدامة، كما في الابتداء، فلو نقص واحد قبل التسليم بطلت جمعة ويتمها ظهرا - وبه قال أحمد (4) - لأنه شرط في الجمعة يختص بها يعتبر في ابتدائها فيعتبر في استدامتها كالوقت.

(1) المبسوط للطوسي 1: 143 - 144.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 83، بدائع الصنائع 1: 267، حلية العلماء 2: 231.
(3) في " ش " والطبعة الحجرية: ينتفى.
(4) المغني 2: 179، الشرح الكبير 2: 176، فتح العزيز 4: 528، حلية العلماء 2: 231.

[ 40 ]

والأصل ممنوع على ما تقدم. الثالث: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة، لأنه بقي عدد تنعقد به الجماعة واختلف في انعقاد الجمعة به، فلم يبطلها بعد انعقادها. الرابع: إن بقي معه واحد أتمها جمعة ; لذلك أيضا. الخامس: إن انفضوا بعد ما صلوا ركعة بسجدتيها أتمها جمعة واختاره المزني - وهو قول مالك (1) - لقوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) (2). ولا بأس بهذا القول عندي. وقال أبو حنيفة: إن انفضوا بعدما صلى ركعة بسجدة واحدة أتمها جمعة وإلا فلا، لأنه أدرك معظم الركعة من الجمعة فاحتسبت له الجمعة، كالمسبوق يدرك الركوع (3). وينتقض بمن أدرك القيام والقراءة والركوع، فإنه يدرك معظمها ولا يتم جمعة. فروع: أ: لا اعتبار بانفضاض الزائد على العدد مع بقاء العدد إجماعا. ب: لو انعقدت بالعدد فحضر مساويه وأدركوا ركوع الثانية ثم انفض الأولون صحت الجمعة وإن فاتهم أول الصلاة، لأن العقد والعدد موجود فكان له الاتمام.

(1) حلية العلماء 2: 231، فتح العزيز 4: 532.
(2) سنن الدار قطني 2: 10 / 1، سنن ابن ماجة 1: 356 / 1121، المستدرك للحاكم 1: 291، وراجع: المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 506 - 507، فتح العزيز 4: 528 و 531 - 534، حلية العلماء 2: 231.
(3) بدائع الصنائع 1: 266، الهداية للمرغيناني 1: 83، الجامع الصغير للشيباني: 112، شرح العناية 2: 31، فتح العزيز 4: 532، المغني 2: 179، الشرح الكبير 2: 176.

[ 41 ]

ج: الأقرب أن الإمام كغيره. د: لو انفضوا قبل الاتيان بأركان الخطبة وسكت ثم عادوا، أتم الخبطة سواء طال الفصل أو لا، لحصول مسمى الخطبة، وليس لها حرمة الصلاة. ولأنه لا يؤمن الانفضاض بعد إعادتها وهو قول أبي إسحاق (1). ونمنع اشتراط الموالاة. وقال الشافعي: إن طال استأنف الخطبة وإلا فلا. وعنه: أنه مع طول الفصل يصلي أربعا إن لم يعد الخطبة ; لبطلانها، ولا يأمن الانفضاض في الاعادة والصلاة فيصلي ظهرا (2). ه‍: لو انفضوا بعد الخطبه وهناك غيرهم، فالوجه إعادة الخطبة، ويصلي جمعة - وهو أحد قولي الشافعي (3) - لأنه متمكن من الجمعة بشرائطها. وله قول: إنه يصلي ظهرا (4). و: لو اشترطنا الركعة فانفضوا قبل إكمالها، احتمل العدول إلى الظهر، لأنها صلاة انعقدت صحيحة، فيجوز العدول كذاكر الفائتة، والذي قد زوحم، والاستئناف، لبطلان ما عقدها له. ز: لو انفض العدد قبل التلبس ولو بعد الخطبتين، سقطت إن لم يعودوا في الوقت، ولو انفضوا في أثناء الخطبة، أعادها بعد عودهم إن لم يسمعوا الواجب منها أولا، وإن سمعوا الواجب أجزأ.

(1) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 507.
(2) مختصر المزني: 26، المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 518 و 521 - 522، حلية العلماء 2: 237. (3 و 4) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 521 - 522.

[ 42 ]

البحث الرابع: الجماعة مسألة 396: الجماعة شرط في الجمعة، فلا تصح فرادى، وعليه إجماع العلماء كافة، لأن النبي صلى الله عليه وآله صلاها كذلك، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (1). ولأن تسميتها جمعة من الاجتماع، فلا تتحقق من دونه. ولما رواه زرارة قال: " فرض الله من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، واحدة فرضها الله في جماعة وهي الجمعة " (2). وهي شرط في الابتداء لا في الاستدامة، فلو ابتدأ منفردا ثم ائتم به في الأثناء لم تنعقد. ولو ابتدأ إماما ثم انفض العدد بعد التحريم، لم تبطل على ما تقدم. مسألة 397: إذا انعقدت الجمعة ودخل المسبوق لحق الركعة إن كان الإمام راكعا، ويدرك الجمعة لو أدركه راكعا في الثانية، ثم يتم بعد فراغ الإمام - وبه قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وزفر ومحمد، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر وأنس، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي والزهري (3) - لقوله عليه السلام: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعا) (4).

(1) صحيح البخاري 1: 162، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدار قطني 1: 272 - 273 / 1.
(2) الكافي 3: 419 / 6، الفقيه 1: 266 / 1217، التهذيب 3: 21 / 77، أمالي الصدوق: 319 / 17، الخصال: 422 / 21 و 533 / 11.
(3) الأم 1: 206، المجموع 4: 556 و 558، فتح العزيز 4: 552، المغني 2: 158، الشرح الكبير 2: 177، بدائع الصنائع 1: 267، شرح العناية 2: 35.
(4) سنن الدار قطني 2: 10 - 11 / 1 - 6، سنن ابن ماجة 1: 356 / 1121، المستدرك للحاكم 1: 291، مصنف ابن أبي شيبة 2: 129.

[ 43 ]

ومن طريق الخاصة: رواية المفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة وإن فاتته فليصل أربعا " (1). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والحكم وحماد: أي قدر أدرك من صلاة الإمام أدرك به الجمعة ولو سجو السهو بعد التسليم، لأن سجود السهو يعيده إلى حكم الصلاة (2)، لقوله عليه السلام: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (3). ولأن من لزمه أن يبني على صلاة الإمام إذا أدرك منها ركعة لزمه وإن أدرك دون ذلك، كالمسافر إذا أدرك المقيم. والرواية نقول بموجبها، ونمنع الادراك بعد فوات الركوع، والفرق مع المسافر ظاهر، فإن إدراكه إدراك إيجاب والتزام لتمام العدد وهنا إدراكه يسقط به فرض العدد فاختلفا. فروع: أ: لا يشترط إدراك الخطبة، لأن إدراك الأولى ليس بشرط، فالخطبة أولى. ولقول الصادق عليه السلام فيمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة، فقال: " يصلي ركعتين، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا " (4). وهو قول جمهور العلماء.

(1) الفقيه 1: 270 / 1232، التهذيب 3: 243 / 657، الاستبصار 1: 422 / 1623.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 35، اللباب 1: 113، الهداية للمرغيناني 1: 84، المجموع 4: 558، فتح العزيز 4: 552، حلية العلماء 2: 233.
(3) مسند أحمد 2: 238 و 270 و 318 و 489 و 533، سنن النسائي 2: 114 - 115.
(4) الكافي 3: 427 / 1، التهذيب 3: 160 / 343 و 243 / 656، الاستبصار 1: 421 / 1622.

[ 44 ]

وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: يدرك الجمعة بإدراك الخطبتين، فمن فاتته الخطبتان فاتته الجمعة وإن أدرك الصلاة (1). ب: المشهور أنه يدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا وإن لم يدرك تكبيرة الركوع بل يدرك الركعة لو اجتمع مع الإمام في جزء منه - وبه قال الشافعي (2) - لقول الصادق عليه السلام: " إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك " (3). وقال الشيخ: إن أدرك تكبيرة الركوع أدرك الركعة وإلا فلا (4)، لقول الباقر عليه السلام لمحمد بن مسلم: " إن لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة " (5). وهو محمول على ما إذا خاف فوت الركوع، إذ الغالب أن من لم يدرك تكبيرة الركوع إذا دخل المسجد فاتته الركعة، لافتقاره إلى قطع المسافة بينه وبين القوم، والنية، وتكبيرة الاحرام. وتكبير الركوع ليس واجبا فلا يفوت الاقتداء بفواته. وقول الشيخ: ليس بعيدا من الصواب، لفوات واجب الركوع فيكون الباقي مستحبا، فلا تحصل الركعة بالمتابعة فيه، لفوات الركوع الواجب. ج: لو ذكر ترك سجدة ناسيا ولم يعلم أهي من التي أدركها مع الإمام، أو الثانية؟ فإنه يقضي السجدة، ويسجد سجدتي السهو إن كان بعد التسليم،

(1) المجموع 4: 558، المغني 2: 158، الشرح الكبير 2: 177.
(2) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 556 و 558، فتح العزيز 4: 552.
(3) الكافي 3: 382 / 5، الفقيه 1: 254 / 1149، التهذيب 3: 43 / 153، الاستبصار 1: 435 / 1680.
(4) المبسوط للطوسي 1: 158.
(5) التهذيب 3: 43 / 149، الاستبصار 1: 434 / 1676.

[ 45 ]

وإن كان قبله، فالأقرب فعلها قبل التسليم وإعادة التشهد، لأنه شاك في الأولى بعد فواتها فلا يلتفت. ولأنه مأموم فلا عبرة بشكه فتتعين الأخرى. وتحتمل المساواة للأولى، فيسلم ثم يقضي السجدة، ويسجد سجدتي السهو. وعلى كلا التقديرين يدرك الجمعة. وقال الشافعي: يأخذ بأسوأ الحالين، وهو: نسيانها من الأولى، فيتم الثانية، ويحصل له من الركعتين ركعة، ولا يدرك الجمعة، لاحتمال أن تكون من الأولى فلم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، فيتمها ظهرا (1). وقد سبق البحث فيه. د: لو كبر للاحرام والامام راكع، ثم رفع الإمام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر، فقد فاتته تلك الركعة. ولو شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا؟ رجحنا الاحتياط على الاستصحاب. ه‍: لو أدرك مع الإمام ركعة فلما جلس مع الإمام ذكر أنه ترك فيها سجدة فإنه يسجد وقد أدرك الركعة عندنا - وهو أصح وجهي الشافعي (2) - لأنه أتى بالركعة مع الإمام إلا أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، فلم يمنع ذلك من إدراكها، وكذا لو ذكرها بعد تسليم الإمام عندنا. وقال الشافعي: يتمها ظهرا (3). والأصل في ذلك: أن فوات السجدة مع الإمام هل يقتضي فوات الركعة معه أم لا؟. و: لو قام الإمام إلى الثالثة سهوا فأدركه في الثالثة فصلاها معه، لم يكن

(1) المجموع 4: 556.
(2) في " ش ": الشافعية. وراجع: المجموع 4: 556، وفتح العزيز 4: 553.
(3) الأم 1: 206، وانظر: المجموع 4: 556، فتح العزيز 4: 553.

[ 46 ]

مدركا للجمعة إجماعا، لأنها ليست من صلاة الجمعة بل خطأ. (ولو ذكر الإمام ترك سجدة) (1) لا يعلم موضعها فكذلك عندنا. وقال الشافعي: تمت صلاته، لأنها إن كانت من الأولى فقد تمت بالثانية، وكانت الثالثة ثانيته، وإن تركها من الثانية تمت بالثالثة. ولا تتم جمعة المأموم، لجواز أن تكون من الثانية فتتم بالثالثة فلم تكن الثالثة من أصل الجمعة، لأن المحسوب منها للامام سجدة واحدة (2). ويجئ قول الشافعي على من يختار من علمائنا التلفيق لو كان الترك لسجدتين من ركعة. ولو ذكر الإمام أنها من الاولة، أدرك المأموم الجمعة، لأن الأولى تمت بالثانية فكانت الثالثة ثانيته وقد أدركها المأموم. ز: لو ترك الإمام سجدة من الأولى سهوا وقام إلى الثانية فاقتدى به وصلى معه ركعة، فإن جلس الإمام للتشهد وسلم، صحت صلاته وصلاة المأموم، ويسجد الإمام المنسية، ويسجد لها سجدتي السهو. وقال الشافعي: تبطل صلاة الإمام، لتركه ركعة ; فإنه لا يحتسب له من الركعة إلا سجدة، ويحتسب للمسبوق ركعة من الظهر ولا يجعل بها مدركا للجمعة، لأن المحسوب للامام منها سجدة. فإن قام الإمام إلى الثالثة سهوا قبل جلوسه فهي ثانيته، لأن المحسوب له من الركعتين ركعة فقد أدرك مع الإمام من الجمعة وقد صلى قبل ذلك ركعة صحيحة فيتم له بهما صلاة الجمعة. وهذه المسألة عكس مسائل الجمعة، لأنه رتب الجمعة على ركعة

(1) ورد بدل ما بين القوسين في " ش ": والامام إذا ترك سجدة.
(2) المجموع 4: 557.

[ 47 ]

وقعت محسوبة من الظهر، وجعلها من الجمعة، والظهر أبدا تبنى على الجمعة إذا عرض ما يمنع تمامها (1). وقد بينا مذهبنا فيما تقدم. مسألة 398: لو كان الإمام متنفلا - بأن يكون مسافرا قد صلى الظهر أولا - فالوجه أنه لا جمعة إن تم العدد به، إذ ليس من أهل التكليف بالجمعة، فلا يتعلق وجوب غيره به، وإن تم بغيره ففي جواز الاقتداء به وجهان: لنقص صلاته، وجواز اقتداء المفترض بالمتنفل. وكلاهما للشافعي (2). ولو بان محدثا أو جنبا، صحت جمعة المأمومين، سواء تم العدد به أو لا. وقال الشافعي: إن تم به فلا جمعة، وإن تم دونه فقولان: أصحهما عنده: ما قلناه كسائر الصلوات. والثاني: أنه لا جمعة، لأن الجماعة شرط فيها، والجماعة تقوم بالامام (3). مسألة 399: إذا ركع المأموم مع الإمام في الأولى ثم زوحم عن السجود لم يجز له السجود على ظهر غيره أو رأسه أو رجله عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وعطاء والزهري (4) - بل ينتظر حتى يقدر على السجود على الأرض، لقوله عليه السلام: (ومكن جبهتك من الأرض) (5). وقال مجاهد وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يسجد على ظهر غيره أو رأسه أو رجله، ويجزئه ذلك إن تمكن، وإلا صبر، لأن عمر بن الخطاب قال: إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه.

(1) أنظر: حلية العلماء 2: 232 و 233.
(2) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 273، حلية العلماء 2: 176.
(3) الأم 1: 191، المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 259.
(4) المدونة الكبرى 1: 146 و 147، المجموع 4: 575، فتح العزيز 4: 563، المغني 2: 160، الشرح الكبير 2: 179.
(5) الفردوس 1: 281 / 1103.

[ 48 ]

ولأن أكثر ما فيه أنه يسجد على نشز (1) من الأرض (2). وفعل عمر ليس حجة، والسجود إنما يصح على الأرض أو ما أنبتته، ولما فيه من ترك حرمة المسلم. وقال الحسن البصري: هو مخير بين أن يسجد وبين أن ينتظر زوال الزحمة، فبسجوده يخل بكمال السجود ويتابع الإمام، وبتأخيره يأتي بكمال السجود ويخل بالمتابعة، فاستوت الحالان (3). وينتقض: بصلاة المريض حيث لا يؤمر بالتأخير للتكميل. مسألة 400: إذا رفع الإمام رأسه من السجود وزال الزحام قبل أن يركع الإمام في الثانية فإن المأموم يشتغل بقضاء السجدتين وإن كان الإمام قائما، للحاجة والضرورة. ولأن مثله وقع في صلاة عسفان، حيث صلى النبي عليه السلام، وكان العدو تجاه القبلة، فسجد وبقي صف لم يسجد معه، فلما قام إلى الثانية سجدوا (4). والمشترك الحاجة. وليس له أن يركع مع الإمام قبل قضاء السجدتين، لئلا يزيد ركنا. إذا عرفت هذا، فإنه يستحب للامام تطويل القراءة ليلحق به، فإن فرغ والامام قائم ركع معه، وإن كان الإمام راكعا انتصب ثم لحقه في الركوع، ولا يجوز له المتابعة في الركوع قبل الانتصاب، لما فيه من الاخلال بواجب. ولا يشتغل بالقراءة عندنا، لسقوطها عن المأموم.

(1) النشز: المكان المرتفع. الصحاح 3: 899، القاموس المحيط 2: 194 " نشز ".
(2) الأم 1: 206، المجموع 4: 563 و 575، فتح العزيز 4: 563، المغني 2: 160، الشرح الكبير 2: 179، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة 1: 264، سنن البيهقي 3: 182 - 183، مسند الطيالسي 13 / 70، علل الحديث للرازي 1: 108 / 294.
(3) المجموع 4: 575، حلية العلماء 2: 243 و 244.
(4) سنن الدار قطني 2: 59 - 60 / 8، سنن البيهقي 3: 257.

[ 49 ]

وللشافعي وجهان: هذا أصحهما، لأن القراءة سقطت عنه حيث لم يدركها مع الإمام، لأن فرضه الاشتغال بقضاء السجود ولم يتابعه في محلها فهو كالمسبوق. والآخر: يقضي القراءة، لأنه أدرك محلها مع الإمام، بخلاف المسبوق (1). والأولى ممنوعة. وعلى الأول يلحق الجمعة، وعلى الثاني يقرأ ما لم يخف فوت الركوع، فإن خاف فهل يتم أو يركع؟ قولان. وإن زال الزحام والامام قد رفع رأسه من الركوع الثانية - ولا فرق حينئذ بين أن يكون الإمام قائما أو ساجدا - فإنه يتبعه ويسجد السجدتين، وينوي بهما الأولى، فتحصل له ركعة ملفقة، ولا يشتغل بقضاء ما عليه، ويدرك بها الجمعة - وبه قال الشافعي في أصح الوجهين (2) - لقول الصادق عليه السلام وقد سأله حفص بن غياث عن رجل أدرك الجمعة وقد ازدحم الناس فدخل مع الإمام وركع ولم يقدر على السجود، ثم قام وركع الإمام ولم يقدر على الركوع في الثانية، وقدر على السجود كيف يصنع؟ قال الصادق عليه السلام: " أما الركعة الأولى فهي إلى الركوع تامة، فلما سجد في الثانية فإن نوى الركعة الأولى فقد تمت الأولى، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعة يسجد فيها ثم يتشهد ويسلم، وإن لم ينو تلك السجدة للركعة الأولى لم تجزئ عنه الأولى، وعليه أن يسجد سجدتين، وينوي أنهما للركعة الأولى، وعليه بعد ذلك ركعة تامة " (3).

(1) المجموع 4: 564 و 565، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 564، السراج الوهاج: 91، حلية العلماء 2: 244.
(2) المجموع 4: 565، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 565، السراج الوهاج: 91، حلية العلماء 2: 244 - 245.
(3) التهذيب 3: 21 - 22 / 78، الفقيه 1: 270 / 1235، الكافي 3: 429 - 430 / 9 وفيه إلى قوله: لم تجزئ عنه الأولى.

[ 50 ]

وقال أبو حنيفة: لا يتبعه، ويشتغل بقضاء ما عليه بناء على أن المأموم لا يخالف الإمام في صفة الفعل، فما كان أول صلاة الإمام كان أول صلاة المأموم، وما كان آخر صلاة الإمام كان آخر صلاة المأموم (1). وسيأتي. إذا عرفت هذا، فقد بينا أنه يلحق الجمعة، لأنه أدرك ركعة منها. وللشافعي وجهان: أصحهما: هذا، لقوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) (2). والثاني: لا يلحقها، لأن إدراكها بركعة تامة وهذه ملفقة (3). وليس بجيد ; فإن المسبوق يدرك الثانية للامام وهي أولى له، فاحتساب بعض الثانية عن الأولى أولى. إذا عرفت هذا، فإنه لابد وأن ينوي بهاتين السجدتين أنهما للأولى، ولا يكفيه استصحاب النية - كما هو ظاهر قول ابن إدريس (4) - لأن صلاته تابعة لصلاة الإمام وقد نوى الإمام بهاتين أنهما للثانية، فلا بد وإن ينفرد بنية أخرى أنهما للأولى، لئلا يلحقه حكم الإمام. ولو نوى بهما الثانية، بطلت صلاته، قاله الشيخ في النهاية (5)، لأن الأولى لم تكمل وقد شرع في الثانية بسجدتين قبل قراءة وركوع، والزيادة والنقصان للأركان مبطلان. وقال في المبسوط: يحذفهما ويأتي بسجدتين أخريين ينوي بهما

(1) المبسوط للسرخسي 2: 118، فتح العزيز 4: 567، حلية العلماء 2: 245.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 129، سنن ابن ماجة 1: 356 / 1121، سنن الدار قطني 2: 10 / 1، المستدرك للحاكم 1: 291.
(3) المجموع 4: 566، فتح العزيز 4: 568، حلية العلماء 2: 245.
(4) السرائر: 65.
(5) النهاية: 107.

[ 51 ]

الأولى، ويكمل له ركعة، ويتمها بأخرى (1)، لحديث حفص بن غياث (2). وهو ضعيف. وإن زال الزحام والامام راكع في الثانية، فإن المأموم يشتغل بالقضاء، ثم إن لحقه في الركوع انتصب وركع معه، وإن لم يلحقه إلا بعد رفعه منه، فقد فاتته تلك الركعة، فيأتي بأخرى بعد فراغ الإمام، ولا يتابعه في السجدتين لئلا يزيد ركنا. وللشافعي قولان في الاشتغال بالقضاء لو أدركه راكعا. أحدهما: القضاء ولا يتابعه - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأنه قد شارك الإمام في الركوع الأول فيشتغل بعده بالسجود كما لو زال الزحام والامام قائم. والثاني: المتابعة - وبه قال مالك (4) - لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا) (5) وهذا إمامه راكع (6). وليس بجيد، لما فيه من الزيادة المبطلة، وتمام الحديث: (فإذا سجد فاسجدوا) وكما أمر بالركوع أمر بالسجود والامام قد يسجد قبل الركوع للأولى، فيتابعه المأموم في ذلك. وللشافعي قولان على تقدير وجوب المتابعة في الركوع لو تابعه:

(1) المبسوط للطوسي 1: 145.
(2) الفقيه 1: 270 / 1235، التهذيب 3: 21 - 22 / 78.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 118، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 161، فتح العزيز 4: 567.
(4) المنتقى للباجي 1: 192، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 160 - 161، فتح العزيز 4: 566.
(5) صحيح البخاري 1: 187، صحيح مسلم 1: 308 / 411، سنن النسائي 2: 83، سنن الترمذي 2: 194 / 361، سنن الدارمي 1: 300، مسند أحمد 2: 314.
(6) المهذب للشيرازي 1: 123، المجموع 4: 565 - 566، فتح العزيز 4: 566 - 567، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 161.

[ 52 ]

احتساب الركوع الثاني، لأنه أدرك إمامه فيه، فهو كالمسبوق، فيدرك الجمعة، لادراك ركعة تامة. والأول، لصحته، ولا يبطل بترك ما بعده، كما لو نسي سجدة من الأولى، فإنها تتم بالثانية عنده، ففي إدراك الجمعة من حيث إنها ملفقة وجهان (1). ولو لم يتابعه واشتغل بالسجود - على تقدير وجوب المتابعة - فإن اعتقد أن فرضه السجود، لم تبطل صلاته بالسجود، لأنه بمنزلة الناسي، ولم يعتد به، لأنه أتى به في غير موضعه. ثم إن فرغ والامام راكع، تبعه، كما لو اتبعه في الركوع ابتداء، وإن فرغ والامام رافع أو ساجد، فإنه يتبعه، ويعتد بما فعله من السجود، ويحصل له ركعة ملفقة، وفي إدراك الجمعة حينئذ وجهان. وإن فرغ من سجوده والامام جالس في التشهد، تبعه، فإذا سلم قضى السجود، ولا يكون مدركا لركعة مع الإمام، وإنما أدرك القيام والقراءة والركوع، وهل يبني الظهر على ذلك أو يبتدئها؟ قولان (2). وإن اعتقد أن فرضه الاتباع، فخالف عامدا، فإن لم ينو مفارقة الإمام، بطلت صلاته، لأنه زاد عمدا عملا كثيرا. ثم إن كان الإمام في الركوع، أحرم بالصلاة وتبعه ويدرك الركعة ويدرك بها الجمعة، وإن وجده رافعا من الركوع، أحرم واتبعه، وبنى على ذلك الظهر وجها واحدا، لأنه أحرم بعد فوات الجمعة. وإن نوى مفارقة الإمام، فإن قلنا المفارقة لغير عذر مبطلة، فكما تقدم، وإن لم تبطل فما أدرك ركعة بل بعضها، وهل يستأنف؟ إن قلنا في غير

(1) المجموع 4: 566 - 567، فتح العزيز 4: 567 - 568، المهذب للشيرازي 1: 123، حلية العلماء 2: 245.
(2) الوجيز 1: 63، فتح العزيز 4: 568 - 574، حلية العلماء 2: 246.

[ 53 ]

المعذور ببطلان صلاته لو صلى الظهر قبل فوات الجمعة استأنف، وإلا أتم ظهرا. وعلى تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اشتغل تمت له الأولى مع الإمام. ثم إن كان الإمام راكعا تبعه وحصلت له الجمعة كاملة، وإن أدركه ساجدا أو جالسا فهل يتبعه أو يشتغل بقضاء ما فاته من القراءة والركوع؟ من أصحابه من قال: يشتغل بالقضاء، لأن بهذا القول ألزمناه الاشتغال بالقضاء. ومنهم من قال: يتبع الإمام لأن هذه الركعة لم يدرك منها شيئا بخلاف الأولى فإنه أدرك أكثرها (1). والأخير عندهم أصح فقد أدرك ركعة بعضها فعله مع الإمام وبعضها فعله في حكم إمامته وهو السجود، ففي إدراك الجمعة بذلك وجهان (2). وعلى تقدير عدم الادراك ففي البناء للظهر على ذلك أو الاستئناف قولان. فإن فرغ من السجود بعد تسليم الإمام لم يدرك ركعة مع الإمام، لأن المفعول بعد التسليم لا يكون في حكم صلاته فلا يكون مدركا للجمعة وجها واحدا، وهل يبني عليها الظهر أو يستأنف؟ قولان. وإن خالف واتبع الإمام في الركوع على تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اعتقد أن فرضه المتابعة لم تبطل صلاته، لأنه كالناسي، ولم يعتد بالركوع لأنه أتى به في غير موضعه، فإذا سجد تمت الأولى وكانت ملفقة. وإن اعتقد أن فرضه القضاء، بطلت صلاته، فيبتدئ الاحرام مع الإمام إن كان راكعا، ويدرك ركعة تامة يدرك بها الجمعة، وإن أدركه رافعا من

(1) المجموع 4: 567 - 569، فتح العزيز 4: 571 - 572، المهذب للشيرازي 1: 123، حلية العلماء 2: 246 - 247.
(2) المجموع 4: 568، المهذب للشيرازي 1: 123.

[ 54 ]

الركوع، أحرم معه وكانت ظهرا (1). وقد بينا مذهبنا في ذلك. فروع: أ: لو زوحم عن سجود الأولى فقضاه قبل ركوع الإمام في الثانية ثم ركع مع الإمام فزوحم عن السجود فقضاه بعد جلوس الإمام للتشهد، تبع الإمام في التشهد، وتمت جمعته - خلافا لبعض الشافعية (2) - لأنه أدرك جميع الصلاة، بعضها فعلا وبعضها حكما، فثبت له حكم الجماعة. ب: لو أدرك الإمام راكعا في الثانية فأحرم وركع معه ثم زوحم عن السجدتين ثم قضاه حال تشهد الإمام، فالأقرب إدراك الجمعة - وللشافعية وجهان (3) - فيتابع الإمام في التشهد، ويسلم. ولو لم يزل الزحام حتى سلم الإمام، فاتت الجمعة. ج: لو أحرم مع الإمام فزوحم عن الركوع فزال الزحام والامام راكع في الثانية، فإنه يركع معه، وتحصل له ركعة، ويكون مدركا للجمعة، لأنه لو أدرك الركوع في الثانية، كان مدركا للجمعة، فما زاد على ذلك من الركعة الاولة لا يمنعه من إدراك الجمعة، وهو قول بعض الشافعية. وقال آخرون: يحتمل أن تكون ملفقة، ففي الادراك وجهان (4). د: لو زوحم عن الركوع والسجود في الأولى، صبر حتى يتمكن منهما ثم يلتحق، وهي رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق عليه السلام (5). فإن لحق الإمام راكعا في الثانية، تابعه وأدرك الجمعة. ولو لحقه رافعا من ركوع الثانية، ففي إدراك الجمعة إشكال ينشأ: من أنه لم يلحق ركوعا مع الإمام، ومن إدراك ركعة تامة في صلاة الإمام حكما.

(1) المجموع 4: 567 - 568.
(2) المجموع 4: 572 - 573، حلية العلماء 2: 247. (3 و 4) المجموع 4: 572، فتح العزيز 4: 573، حلية العلماء 2: 247 - 248.
(5) الكافي 3: 381 / 1، التهذيب 3: 46 / 159، الاستبصار 1: 437 / 1684.

[ 55 ]

ولو لم يتمكن من القضاء حتى ركع الإمام في الثانية فزوحم عن المتابعة حتى سجد الإمام، أتمها ظهرا. ه‍: لو قضى سجدتي الأولى ثم نهض فوجد الإمام رافعا من الركوع، فالأقرب جلوسه حتى يسجد الإمام ويسلم، ولا يتابعه فيهما، ثم ينهض إلى الثانية. وله العدول إلى الانفراد، فيستمر على قيامه قاضيا للثانية. البحث الخامس: الوحدة مسألة 401: لا تنعقد جمعتان بينهما أقل من فرسخ، سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين فصل بينهما نهر عظيم كدجلة أو لا، عند علمائنا أجمع، لقول الباقر عليه السلام: " لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال، فإذا كان بين الجماعتين من الجمعة ثلاثة أميال، فلا بأس أن يجمع هؤلاء وهؤلاء " (1). ولأنها لو صحت مع التقارب، لصحت في كل مسجد، مع أن النبي صلى الله عليه وآله لم يجمع إلا في مسجد واحد، وكذا الخلفاء بعده، ولم يعطلوا المساجد، بل كان إقامتها في موضعين أولى من موضع واحد، ومع بعد المسافة يشق الاتيان، فلا بد من تقدير يرفع المشقة، والقدر الذي يمكن تكلفه لأكثر الناس فرسخ فكان الاعتبار به. ولا اعتبار باتحاد البلد، فقد يكثر عن فرسخ، فتحصل المشقة بالحضور. وقال الشافعي: لا تقام الجمعة في المصر الواحد إلا في موضع واحد

(1) الكافي 3: 419 / 7، التهذيب 3: 23 / 79.

[ 56 ]

وإن تباعدت أقطاره - وبه قال مالك (1) - لأن النبي عليه السلام كذا فعل (2). ونحن نقول بموجبه لأن المدينة لم تبلغ أقطارها فرسخا، فلهذا اتحدت الجمعة. وقال أبو يوسف: إذا كان للبلد جانبان ليس بينهما جسر، كانا كالبلدين، فجاز أن يقام في كل جانب جمعة، وإلا فلا. وعنه: جواز ذلك في بغداد خاصة، لأن الحدود تقام فيها في موضعين، والجمعة حيث تقام الحدود (3). فلو وجد بلد تقام فيه الحدود في موضعين جاز إقامة الجمعة فيهما بمقتضى قوله. وهو قول ابن المبارك، وإليه ذهب أبو الطيب بن سلمة (4). وقال محمد: تقام فيه جمعتان سواء كان جانبا واحدا أو أكثر (5)، لأن عليا عليه السلام كان يخرج يصلي العيد في الجبان، ويستخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس (6)، وحكم الجبان حكم البلد، والجمعة عنده كالعيد. ويحمل على بعده عليه السلام فرسخا. وليس عن أبي حنيفة فيه شئ (7).

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 71، التفريع 1: 233، المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190، المجموع 4: 591، حلية العلماء 2: 250.
(2) الأم 1: 192، المجموع: 4: 585 و 591، المهذب للشيرازي 1: 124، فتح العزيز 4: 498، حلية العلماء: 2: 250، المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 120، المجموع 4: 585 و 591، حلية العلماء 2: 251، المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190.
(4) المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190، حلية العلماء 2: 251.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 120، شرح فتح القدير 2: 25، حلية العلماء 2: 251، المجموع 4: 591، المحلى 5: 53.
(6) سنن النسائي 3: 181، مصنف ابن أبي شيبة 2: 184.
(7) كما في حلية العلماء 2: 251.

[ 57 ]

وقال أحمد: إذا كبر وعظم - كبغداد والبصرة - جاز أن تقام فيه جمعتان وأكثر مع الحاجة، ولا يجوز مع عدمها، فإن حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذا ما زاد دفعا للمشقة (1). وهي مشقة يسيرة فلا يكون عذرا. وقال داود وعطاء: يجوز أن يصلوا الجمعة في مساجدهم كما يصلون سائر الصلوات (2)، لأن عمر كتب إلى أبي هريرة بالبحرين أن جمعوا حيث كنتم (3). وليس حجة، ويحتمل: في أي بلد كنتم. واعتذر أصحاب الشافعي له - لما دخل بغداد وفيها جامع المنصور وجامع المهدي -: بكبره فحصلت المشقة - وهو مصير إلى قول أحمد - أو بأنها كانت قرى متفرقة فاتصلت العمارة، أو بأنها ذات جانبين فصارت كالبلدين - وهو قول أبي يوسف (4) - أو لأنها اجتهادية ولا يجوز التقليد (5). مسألة 402: لو صليت جمعتان بينهما أقل من فرسخ، فالأقسام خمسة: أ: أن تسبق إحداهما الأخرى وتعلم السابقة، فهي الصحيحة إن كان الإمام الراتب فيها إجماعا. وإن كان في الثانية، فكذلك عندنا، لأن السابقة انعقدت صحيحة، لحصول الشرائط وانتفاء الموانع، فلم يتقدمها ما يفسدها، ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها، فلا تفسد بعقد الثانية. وهو أشهر قولي الشافعي. والثاني: أن الصحيحة التي فيها الإمام، لأن الحكم ببطلان جمعة

(1) المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190، حلية العلماء 2: 251.
(2) المجموع 4: 591، حلية العلماء 2: 252، المغني 2: 182، الشرح الكبير 2: 190.
(3) انظر: مصنف ابن أبي شيبة 2: 101 - 102.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 120، حلية العلماء 2: 251.
(5) المجموع 4: 585 - 586، فتح العزيز 4: 499 - 501.

[ 58 ]

الإمام تتضمن افتتانا عليه، وتفويتا له الجمعة ولمن يصلي معه، ويفضي إلى أنه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يجتمعوا في موضع ويسبقوا أهل البلد بفعلها (1). ولا يرد علينا، لأن إمام الأصل لا يتقدم عليه أحد غيره، وإن كان نائبه، اشترط فيه العدالة، فلا يتأتى فيه طلب إبطال جمعة غيره. ولو كانت المسبوقة في الجامع، والأخرى في مكان صغير لا يسع المصلين، أو لا تمكنهم الصلاة فيه، لاختصاص السلطان وجنده به، أو غير ذلك، أو كانت إحداهما في قصبة (2) البلد، والأخرى في أقصاه، بطلت المسبوقة خاصة عند علمائنا - وبه قال الشافعي (3) - لما تقدم. وقال مالك وأحمد: المسبوقة صحيحة خاصة، لأنهم أهل القصبة، ولهذه المعاني مزية تقتضي التقدم فقدم بها كجمعة الإمام (4). ونمنع الأصل. ب: أن تقترنا، فإنهما تبطلان معا، سواء كان الإمام الراتب في إحدهما أو لا - وهو أحد قولي الشافعي (5) - لامتناع صحتهما معا، واختصاص إحداهما بالفساد، إذ المقتضي للفساد المقارنة وهي ثابتة فيهما معا. ولعدم الأولوية، كما في الوليين إذا زوجا من كفوين دفعة. ثم إن كان الوقت باقيا، وجب عليهم إقامة الجمعة، لأنهم لم يؤدوا

(1) الأم 1: 192 - 193، المجموع 4: 587 - 588، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 504، المهذب للشيرازي 1: 125، حلية العلماء 2: 252.
(2) قصبة البلد: مدينته. وقصبة القرية: وسطها. لسان العرب 1: 676 - 677.
(3) أنظر: المجموع 4: 587.
(4) المغني 2: 187 - 188، الشرح الكبير 2: 191.
(5) المجموع 4: 588 - 589، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 505 و 509 - 510، المهذب للشيرازي 1: 125، السراج الوهاج: 86.

[ 59 ]

فرضها، وإلا صلوا الظهر. ج: لو لم يعلم السبق وعدمه، حكم ببطلانهما معا، ولهم إقامة جمعة واحدة كالأول، لتردد كل واحدة منهما بين الصحة والبطلان، ولو لم يتسع الزمان أعادوا ظهرا، وبه قال الشافعي (1)، وإليه مال الشيخ (2). ويحتمل إعادة الظهر وإن اتسع الزمان، فإن الظاهر صحة إحداهما، لأن الاقتران نادر جدا، فيجري مجرى المعدوم. ولأننا شككنا في شرط إقامة الجمعة، وهو: عدم سبق أخرى، فلم تجز إقامتها مع الشك في شرطها، وبه قال بعض الجمهور (3). والوجه عندي أنهم يعيدون جمعة وظهرا، لاحتمال الاقتران، فتجب الجمعة، والسبق فتجب الظهر، ويتولى إمامة الجمعة من غير القبيلين، أو يفترقان بفرسخ. د: علم سبق إحداهما ولم يعلم عينها. ه‍: علم السابق عينا ثم أشكل. وحكمها واحد، وهو: وجوب الاعادة عليهما معا، لحصول الشك في كل واحدة، والتردد بين الصحة والبطلان. ولا تصح كل واحدة حتى يعلم أنها السابقة، ويسقط بها الفرض. فإذا عقدوها ولم يعلموا أن غيرها ما سبقها فقد أخلوا بالشرط، وهو علم ذلك، وهو قول الشافعية (4)، إلا المزني فإنه قال: لا تجب عليهم الاعادة وتكونان صحيحتين، لأن كل واحدة منهما عقدت على الصحة، فلا يفسدها

(1) المجموع 4: 588، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 505 - 506، المهذب للشيرازي 1: 125، السراج الوهاج: 86.
(2) المبسوط للطوسي: 149.
(3) المغني 2: 191، الشرح الكبير 2: 192.
(4) المجموع 4: 589، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 506، المهذب للشيرازي 1: 125.

[ 60 ]

الشك (1). وهو غلط، لأن الشك في الشرط شك في المشروط. إذا عرفت هذا، فإنهم في الصورتين يقضون ظهرا، لأنه بلد صلي فيه جمعة صحيحة فلا تتعقبها أخرى، وإنما أوجبنا الاعادة عليهما، للجهل بالتعيين، وبه قال بعض الشافعية (2). وقال الشيخ: يصلون جمعة مع اتساع الوقت (3) - وهو قول بعض الشافعية (4) - لأنا حكمنا بوجوب الاعادة عليهما، فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة. وهو غلط، لأن السابقة صحيحة قطعا ولم تفسد ولم يتبين (5) لها حكم الصحة، للجهل بعينها. مسألة 403: ويحصل السبق بتقدم إحداهما بتكبيرة الاحرام - وبه قال بعض الشافعية (6) - لأنه متى أحرم إحداهما حرم إحرام الأخرى. وقال بعضهم: يعتبر بالفراغ، فأيهما سبقت بالسلام صحت دون الأخرى (7)، لأنا قبل التمام لا نعلم صحتها وإتمامها.

(1) المجموع 4: 589، فتح العزيز 4: 506، مغني المحتاج 1: 282.
(2) المجموع 4: 589، فتح العزيز 4: 507 - 508، المهذب للشيرازي 1: 125، السراج الوهاج: 86، مغني المحتاج 1: 282.
(3) المبسوط للطوسي 1: 149.
(4) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 4: 589، فتح العزيز 4: 508، مغني المحتاج 1: 282.
(5) في نسخة " م ": ولم يثبت.
(6) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 4: 586، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 502، مغني المحتاج 1: 281.
(7) المهذب للشيرازي 1: 124، المجموع 4: 586، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 503، مغني المحتاج 1: 281.

[ 61 ]

وهو خطأ، لأدائه إلى المضي في جمعتين صحيحتين، فإنه قبل الفراغ لا يعلم السبق ويعلم انعقاد جمعة بعد جمعة. وقال آخرون منهم: بالشروع في الخطبة، لقيامها مقام ركعتين (1). وليس بجيد، إذ الحرمة بالتحريمة تحصل. تذنيب: لو صلى فأخبر أنه قد سبق، استأنف الظهر، ولا يعتد بذلك الاحرام، لأنه قد ظهر فساده. وقال بعض الجمهور: يتم ظهرا كالمسبوق إذا أدرك أقل من ركعة (2). والفرق: صحة الاحرام هنا دون الأول. البحث السادس: الخطبتان مسألة 404: الخطبة شرط في الجمعة، وهو قول عامة العلماء، لقوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } (3) والذكر هو الخطبة (4). ولأن النبي صلى الله عليه وآله، خطب دائما، ووقع فعله بيانا للواجب، فكان واجبا، وقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (5). ولم يزل المسلمون يخطبون قبل الصلاة، ولو لم تكن شرطا لجاز تركها في بعض الأوقات.

(1) المجموع 4: 586، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 503، مغني المحتاج 1: 282.
(2) المجموع 4: 588، فتح العزيز 4: 505، مغني المحتاج 1: 282.
(3) الجمعة: 9.
(4) أنظر: التبيان للطوسي 10: 8، مجمع البيان 5: 288، تفسير الطبري 28: 66، أحكام القرآن للجصاص 3: 446، أحكام القرآن لابن العربي 4: 1805، أحكام القرآن للكياهراسي 4: 415.
(5) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدارقطني 1: 273 / 1 و 346 / 10.

[ 62 ]

ولقول الصادق عليه السلام: " لا جمعة إلا بخطبة " (1). وقول الباقر أو الصادق عليهما السلام: " يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب " (2). وقال الحسن البصري: لا تجب، لأنها خطبة مشروعة للصلاة، فلم تكن واجبة كسائر الخطب (3). وهو خطأ، لأن الخطبتين هنا أقيمتا مقام الركعتين، فلم يجز تركهما بخلاف سائر الخطب. قال عمر: قصرت الصلاة لأجل الخطبة (4). وقال سعيد بن جبير: جعلت الخطبة مكان الركعتين (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين " (6). وخلافه منقرض، وقوله متروك بالاجماع وفعل النبي وأهل بيته عليهم السلام. مسألة 405: ويشترط للجمعة خطبتان عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (7) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يخطب

(1) المعتبر: 203.
(2) التهذيب 3: 238 / 633، الاستبصار 1: 419 / 1613.
(3) المجموع 4: 514، الميزان 1: 190، المغني 2: 150، الشرح الكبير 2: 181.
(4) المغني 2: 150، الشرح الكبير 2: 181.
(5) المغني 2: 150، المدونة الكبرى 1: 158.
(6) التهذيب 3: 238 / 634، الاستبصار 1: 420 / 1614. (7) المجموع 4: 513 - 514، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 576، المهذب للشيرازي 1: 118، المغني 2: 151، الشرح الكبير 2: 181، الانصاف 2: 386، عمدة القاري 6: 229، بداية المجتهد 1: 161.

[ 63 ]

خطبتين (1). ولأنهما أقيمتا مقام ركعتين، فالاخلال بإحداهما إخلال بركعة. وقال مالك والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في رواية، وأصحاب الرأي: تجزئه خطبة واحدة (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى مصعب بن عمير: (أن أجمع من قبلك وذكرهم بالله وازدلف إليه بركعتين) (3). وخطب عثمان في أول جمعة، فقال: الحمد لله، ثم أرتج عليه، فقال: إنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وإن أبا بكر وعمر كانا يرتادان لهذا المقام مقالا، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ونزل فصلى (4). وتذكير الله يحتمل بالخطبتين كما يحتمل بالخطبة، فيبقى دليلنا سالما. وفعل عثمان ليس حجة، ولحصول العذر بتعذر الخطبة، فلا يلزم الترخص مع زواله. مسألة 406: ويجب في كل خطبة منهما حمد الله تعالى، ويتعين " الحمد لله " عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأحمد (5) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، داوم على ذلك.

(1) أنظر على سبيل المثال: الجعفريات: 43، صحيح البخاري 2: 12 و 14.
(2) بداية المجتهد 1: 160 - 161، المغني 2: 151، الشرح الكبير 2: 181، الانصاف 2: 386، عمدة القاري 6: 229، المجموع 4: 514.
(3) أورده في المعتبر: 203.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 30 - 31، شرح فتح القدير 2: 30، بدائع الصنائع 1: 262.
(5) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 519، الوجيز 1: 63، فتح العزيز 4: 576، السراج الوهاج: 87، المغني 2: 152، الشرح الكبير 2: 182.

[ 64 ]

ولقول الصادق عليه السلام: " ينبغي للامام الذي يخطب الناس أن يخطب وهو قائم يحمد الله ويثني عليه " (1). ولحصول البراءة قطعا معه، بخلاف غيره. وقال أبو حنيفة: لا تجب الحمد، ولا ذكر معين، ولا وعظ، بل يجزئ أن يخطب بتسبيحة واحدة أو تهليلة أو تحميدة أو تكبيرة، فلو صعد المنبر وقال: سبحان الله، أجزأه ونزل وصلى بالناس (2)، لقوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } (3) ولم يفرق. ولأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له: علمني عملا أدخل به الجنة، فقال: (لئن قصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة) (4) فسمى كلامه خطبة. والذكر مجمل بينه بفعله عليه السلام، فتجب متابعته، والسؤال ليس بخطبة إجماعا، فسماه مجازا. وقال مالك: لا يجزئه إلا ما تسميه العرب خطبة - وبه قال أبو يوسف ومحمد - أي كلام كان. وعنه: إن هلل أو سبح، أعاد ما لم يصل (5). إذا عرفت هذا، فهل يجزئه لو قال: " الحمد للرحمن - أو - لرب العالمين "؟ إشكال ينشأ من التنصيص على لفظة " الله " تعالى، ومن المساواة

(1) الكافي 3: 421 / 1، التهذيب 3: 243 / 655.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 30، اللباب 1: 110، بدائع الصنائع 1: 262، المجموع 4: 522، المغني 2: 152، الشرح الكبير 2: 182.
(3) الجمعة: 9.
(4) منسد أبي داود الطيالسي: 100 / 739، سنن البيهقي 10: 273.
(5) المنتقى للباجي 1: 204 - 205، الشرح الصغير 1: 178، بداية المجتهد 1: 161، المبسوط للسرخسي 2: 30، اللباب 1: 110 - 111، بدائع الصنائع 1: 262، المجموع 4: 522، حلية العلماء 2: 236.

[ 65 ]

في الاختصاص به تعالى. مسألة 407: وتجب فيهما الصلاة على النبي وآله عليهم السلام عند علمائنا، لقول الصادق عليه السلام: " ويصلي على محمد وآله وعلى أئمة المسلمين " (1). وأوجب الشافعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (2)، لقوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك } (3) لا أذكر إلا وتذكر معي (4). ولقوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } (5). وأنكر الباقون ذلك، للأصل. وتجب فيهما الوصية بتقوى الله تعالى، والوعظ - وبه قال الشافعي (6) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك قادر) (7). وقال الصادق عليه السلام: " ثم يوصي بتقوى الله " (8) ولم يوجب ذلك

(1) الكافي 3: 421 / 1، التهذيب 3: 243 / 655.
(2) المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 4: 519، الوجيز 1: 63، فتح العزيز 4: 576، حلية العلماء 2: 235، السراج الوهاج: 87.
(3) الانشراح: 4.
(4) حكى الشافعي في الرسالة: 16 / 37 عن مجاهد في قوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك } قال: لا أذكر إلا ذكرت معي. وانظر أيضا: تفسير التبيان 10: 373، مجمع البيان 5: 508، دلائل النبوة للبيهقي 7: 63، والدر المنثور 6: 363.
(5) الأحزاب: 56.
(6) الأم 1: 200، المجموع 4: 519، مختصر المزني: 27، الوجيز 1: 64، المهذب للشيرازي 1: 119، مغني المحتاج 1: 285، السراج الوهاج: 87.
(7) كنز العمال 15: 934 / 43602، ترتيب مسند الشافعي 1: 148 / 429.
(8) الكافي 3: 421 / 1، التهذيب 3: 243 / 655.

[ 66 ]

أبو حنيفة وأصحابه (1). ويجب أن يقرأ في كل منهما سورة خفيفة من القرآن - قاله الشيخ (2) - لقول الصادق عليه السلام: " ثم يقرأ سورة قصيرة من القرآن " (3). ولأنهما بدل فتجب فيهما القراءة كالمبدل. وللشافعي في إيجاب مطلق القراءة في كل منهما قولان: الوجوب كالمبدل، وفي أيتهما كان، وله ثالث: عدم الوجوب - وبه قال أبو حنيفة (4) - للأصل (5) والمشهور: الأول، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقرأ فيهما القرآن (6). وقال صفوان بن يعلى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقرأ على المنبر { ونادوا يا مالك } (7) (8). وقالت أم هاشم: تلقفت سورة " ق " من في رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا خطب يوم الجمعة على المنبر (9). إذا عرفت هذا، فقال الشيخ: يجب في كل خطبة حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من

(1) المبسوط للسرخسي 2: 30 و 31، بدائع الصنائع 1: 263.
(2) المبسوط للطوسي 1: 147.
(3) الكافي 3: 421 / 1، التهذيب 3: 243 / 655.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 30 و 31، اللباب 1: 110.
(5) الأم 1: 200، المجموع 4: 520، حلية العلماء 2: 235.
(6) صحيح مسلم 2: 589 / 862، سنن أبي داود 1: 286 / 1094، سنن النسائي 3: 110.
(7) الزخرف: 77.
(8) صحيح مسلم 2: 594 - 595 / 871، سنن الترمذي 2: 382 / 508، سنن البيهقي 3: 211.
(9) مصنف ابن أبي شيبة 2: 115 وفيه أم هاشم، وفي صحيح مسلم 2: 595 / 873، سنن أبي داود 1: 288 / 1100، مسند أحمد 6: 435 - 436 و 463، المستدرك للحاكم 1: 284، الدر المنثور 6: 101: أم هشام وهما متحدتان، أنظر: أسد الغابة 5: 623.

[ 67 ]

القرآن (1). وقال المرتضى رضي الله عنه: يحمد الله، ويمجده، ويثني عليه، ويشهد لمحمد بالرسالة، ويوشح الخطبة بالقرآن، ثم يفتتح الثانية بالحمد والاستغفار والصلاة على النبي، والدعاء لائمة المسلمين (2). وفي حديث سماعة عن الصادق عليه السلام: " ينبغي للامام الذي يخطب الناس أن يخطب وهو قائم يحمد الله، ويثني عليه، ثم يوصي بتقوى الله، ثم يقرأ سورة قصيرة من القرآن، ثم يجلس، ثم يقوم فيحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على محمد وآله، وعلى أئمة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغ أقام المؤذن وصلى بالناس ركعتين " (3). أما الشافعي فأوجب في كل منهما الحمد لله والصلاة على رسوله عليه السلام، والوعظ بأي لفظ اتفق، ويكفيه " أطيعوا الله " وفي الثانية الدعاء للمؤمنين، فلو أتى به في الأولى لم يحتسب عن الثانية. وقراءة آية تتم بها الفائدة لا غيرها، كقوله تعالى: { ثم نظر } (4) في إحداهما لا بعينها على أقوى الوجوه عنده (5). فروع: أ: كلام المرتضى يقتضي الاكتفاء بمسمى القرآن في الخطبة الأولى، وهو أحد وجهي الشافعي (6). ب: لا يكفي آية فيها وعظ عنهما

(1) المبسوط للطوسي 1: 147.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 203.
(3) الكافي 3: 421 / 1، التهذيب 3: 423 / 655.
(4) المدثر: 21.
(5) المهذب للشيرازي 1: 118 - 119، المجموع 4: 519 - 521، الوجيز 1: 63 - 64، فتح العزيز 4: 576 - 578، مغني المحتاج 1: 285 - 286.
(6) المجموع 4: 520، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 578، مغني المحتاج 1: 286.

[ 68 ]

ج: كلام الشيخ يقتضي عدم وجوب الدعاء للمؤمنين، وهو أحد وجهي الشافعي (1). وكلام المرتضى يقتضي الاستغفار للمؤمنين. وأوجب الشافعي - في قول - الدعاء لهم في الثانية (2). وقال بعض أصحابه: يجب تخصيصه بالحاضرين فيما تعلق بأمور الآخرة (3). وكلام المرتضى يقتضي وجوب الشهادة بالرسالة في الأولى، والصلاة عليه في الثانية. وفي وجه للشافعي: وجوب الصلاة عليه في إحداهما (4). د: لا يكفيه أن يأتي بآيات تشتمل على الأذكار فإنه لا يسمى خطبة في العادة. ه‍: لا تصح الخطبة إلا بالعربية، لأن النبي صلى الله عليه وآله، داوم على ذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (5). ويحتمل غيرها لمن يفهم لو لم يفهم (6) العربية على الأقوى، إذ القصد الوعظ والتخويف، وإنما يحصل لو فهموا كلامه. مسألة 408: يشترط في الخطبتين أمور: الأول: الوقت. وهو ما بعد الزوال على الأشهر، فلا يجوز تقديمهما

(1) المجموع 4: 521، فتح العزيز 4: 577، مغني المحتاج 1: 286، السراج الوهاج: 87. (2 و 3) المجموع 4: 521، فتح العزيز 4: 577 - 578.
(4) المجموع 4: 520، فتح العزيز 4: 577.
(5) صحيح البخاري 1: 162 - 163، سنن الدارمي 1: 286، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدار قطني 1: 273 / 1 و 346 / 10.
(6) كذا في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية، والأنسب: لمن لم يفهم.

[ 69 ]

ولا شئ منهما عليه عند أكثر علمائنا (1) - وبه قال الشافعي (2) - لأن إيجاب السعي مشروط بالنداء الثابت بعد الزوال، ولأنهما بدل عن الركعتين، فلهما حكم مبدلهما. وللشيخ قول بجواز إيقاعهما قبل الزوال عند وقوف الشمس بمقدار ما إذا فرغ زالت (3) - وبه قال مالك حيث جوز تقديم الخطبة دون الصلاة (4). وأحمد حيث جوز تقديم الصلاة أيضا عليه (5) - لأن أنسا قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، الجمعة إذا مالت الشمس (6). وهو دليل جواز إيقاع الخطبة قبل ميلها. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يخطب في الظل الأول " (7). ويحتمل إرادة الابتداء بالتأهب للخطبة والصعود على المنبر، وغيرها من مقدمات الخطبة. الثاني: تقديمهما على الصلاة، لأنهما شرط فيها، والشرط مقدم. ولأن النبي عليه السلام داوم على ذلك، وقال: (صلوا كما رأيتموني

(1) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 151، وابن زهرة في الغنية (ضمن الجوامع الفقهية): 498، وابن أبي عقيل كما في المعتبر: 204، وابن إدريس في السرائر: 64 وفيه أيضا نسبة هذا القول إلى السيد المرتضى.
(2) الأم 1: 194، المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 514 و 522، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 580، كفاية الأخيار 1: 92.
(3) النهاية: 105.
(4) بداية المجتهد 1: 157، المجموع 4: 514، فتح العزيز 4: 580.
(5) المغني 2: 144، الروضة الندية 1: 138، المجموع 4: 514، فتح العزيز 4: 580.
(6) صحيح البخاري 2: 8، سنن الترمذي 2: 377 / 503، سنن أبي داود 1: 284 / 1084، مسند أحمد: 3: 150، مسند الطيالسي: 285 / 2139، المنتقى لابن الجارود: 123 / 289. (7) التهذيب 3: 12 / 42.

[ 70 ]

أصلي) (1). ولقول الباقر عليه السلام وقد سئل عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله، قبل الصلاة أو بعد؟ قال: " قبل الصلاة ثم يصلي " (2). الثالث: قيام الخطيب حال خطبته عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، خطب قائما (4)، فتجب متابعته. ولقول الصادق عليه السلام: " أول من خطب وهو جالس معاوية، استأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه " ثم قال عليه السلام: " الخطبة وهو قائم خطبتان، يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصلا بين الخطبتين " (5). ولأنه ذكر مفروض في قيام مشروع، فكان واجبا، كالتكبير والقراءة. وقال أبو حنيفة واحمد: يجوز الجلوس مع الاختيار - وهو رواية عن مالك، ووجه للشافعية (6) - لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال، فلا يجب له القيام كالآذان (7). ولا يعتبر القيام بالاستقبال، لسقوطه في صلاة الخوف دون القيام،

(1) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 273 / 1 و 346 / 10.
(2) الكافي 3: 421 / 3، التهذيب 3: 20 / 72.
(3) الأم 1: 199، المجموع 4: 514، المهذب للشيرازي 1: 118، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 581، كفاية الأخيار 1: 92.
(4) صحيح البخاري 2: 12، صحيح مسلم 2: 589 / 861، سنن ابن ماجة 1: 351 / 1106، سنن الدارمي 1: 366، سنن أبي داود 1: 286 / 1093، سنن البيهقي 3: 197، الجعفريات: 43، المناقب لابن شهر آشوب 2: 146.
(5) التهذيب 3: 20 / 74.
(6) فتح العزيز 4: 581، المجموع 4: 514 و 515.
(7) الهداية للمرغيناني 1: 83، المغني 2: 150، الشرح الكبير 2: 186، المجموع 4: 515، فتح العزيز 4: 580، حلية العلماء 2: 234.

[ 71 ]

فافترقا. فروع: أ: لو كان له عذر يمنعه عن القيام، جاز أن يخطب جالسا، وهل تجب الاستنابة؟ إشكال. ب: لو عجز عن القعود، اضطجع، وفي وجوب الاستنابة إشكال. ج: لو خطب جالسا مع القدرة، بطلت صلاته، لفوات شرط الخطبة، وبه قال الشافعي (1)، واختاره الشيخ أيضا (2). أما صلاة المأمومين فإن علموا بقدرته وجلوسه، بطلت صلاتهم أيضا، وإن اعتقدوا عجزه، أو لم يعلموا بقعوده أو بصحته، صحت صلاتهم مطلقا. وقال الشافعي: إن كان الإمام من جملة العدد، لم تصح الجمعة، وإن كان زائدا عن العدد، صحت صلاتهم، كما لو كان جنبا ولا يعلمون (3). والأصل ممنوع. ولو علم البعض خاصة، صحت صلاة الجاهل دونه. د: يجب في القيام الطمأنينة كما تجب في المبدل. ه‍: الجلوس بين الخطبتين مطمئنا ليفصل بينهما به، وهو شرط في الخطبتين، قاله الشيخ (4) رحمه الله، وبه قال الشافعي (5)، لأن النبي صلى الله عليه وآله، فصل بينهما بجلسة (6). وفعله واجب.

(1) المجموع 4: 514.
(2) المبسوط للطوسي 1: 147.
(3) المجموع 4: 514.
(4) المبسوط للطوسي 1: 147.
(5) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 514 و 515، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 581 و 582، حلية العلماء 2: 234، السراج الوهاج: 87، المغني 2: 153.
(6) صحيح البخاري 2: 14، سنن ابن ماجة 1: 351 / 1103، سنن الدارمي 1: 366، سنن الترمذي 2: 380 / 506، سنن أبي داود 1: 286 / 1093 و 1094، مسند أحمد 2:

[ 72 ]

وقول الصادق عليه السلام: " يخطب وهو قائم ثم يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها " (1). وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا تجب الجلسة بل تستحب، عملا بالأصل. وهو مدفوع بالطارئ. ولو عجز عن القعود، فصل بالسكتة. فإن قدر على الاضطجاع، فإشكال، أقربه: الفصل بالسكتة أيضا. ولو خطب جالسا لعجزه، فصل بالسكتة أيضا مع احتمال الفصل بالضجعة. و: الطهارة من الحدث والخبث شرط في الخطبتين، قاله الشيخ (3) رحمه الله، وهو قول الشافعي في الجديد، لأنه عليه السلام كان يخطب متطهرا، وكان يصلي عقيب الخطبة (4)، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (5). ولأنه ذكر هو شرط في الصلاة، فشرطت فيه الطهارة كالتكبير. وقال في القديم: لا يشترط - وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد - لأنه ذكر يتقدم الصلاة، فلا يشترط له الطهارة كالآذان (6).

35، سنن البيهقي 3: 198، المستدرك للحاكم 1: 286. (1) التهذيب 3: 20 / 74.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 26، المغني 2: 153، الشرح الكبير 2: 185، المجموع 4: 515، حلية العلماء 2: 234.
(3) المبسوط للطوسي 1: 147.
(4) المجموع 4: 515 - 516، المهذب للشيرازي 1: 118، حلية العلماء 2: 235، السراج الوهاج: 88.
(5) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 273 / 1 و 346 / 10.
(6) المجموع 4: 515، المهذب للشيرازي 1: 118، المنتقى للباجي 1: 205، المبسوط

[ 73 ]

والفرق: أنه ليس شرطا في الصلاة، بخلاف الخطبة. إذا عرفت هذا، فإن خطب في المسجد، شرطت الطهارة من الخبث والحدث الأكبر إجماعا منا. ز: العدد: قال الشيخ رحمه الله: شرط الخطبتين: العدد المشترط في الجمعة (1). وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في إحدى الروايتين (2)، لأنه ذكر هو شرط في الجمعة، فكان من شرط حضور العدد كالتكبير، ولأن وجوب الخطبة تابع لوجوب الجمعة التابع لحضور العدد. وعن أبي حنيفة: أنه ليس بشرط، فيجوز أن يخطب وحده، لأنه ذكر متقدم، فلا يشترط فيه العدد كالآذان (3). والفرق: اشتراط الخطبة دون الأذان. ولأنه موضوع لاعلام الغياب، فلا يشترط فيه الحضور، والخطبة مشتقة من الخطاب وإنما يكون للحاضرين. إذا ثبت هذا، فإن خطب والعدد حاضر ثم انفضوا في الأثناء، فالمأتي به حال غيبتهم غير محسوب، لأن القصد بها الاسماع، فإن عادوا قبل طول الفصل جاز البناء على ما مضى حال سماعهم، كما لو سلم ثم ذكر قبل طول الفصل. وإن طال، فالأقرب البناء أيضا - وهو أحد قولي الشافعي (4) - لأن غرض الوعظ يحصل مع تفرق الكلمات. وأصحهما عنده: الاستئناف، لأن النبي عليه السلام كان يوالي (5).

للسرخسي 2: 26، بدائع الصنائع 1: 263، اللباب 1: 111، المغني 2: 154، النكت والفوائد السنية 1: 147. (1) المبسوط للطوسي 1: 144.
(2) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 514، بدائع الصنائع 1: 266، المغني 2: 178.
(3) المجموع 4: 514، المغني 2: 178. (4 و 5) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 518 - 519.

[ 74 ]

وقد ظهر مما اخترناه: عدم اشتراط الموالاة في الخطبة، وللشافعي قولان (1). أما لو اجتمع بدل الأولين العدد، فلا بد من استئناف الخطبة مطلقا. وإن انفضوا بعد تمام الخطبة وعادوا قبل طول الفصل، بنيت الصلاة على الخطبة، ولو عادوا بعد الطول فكذلك. وللشافعي قولان (2). فإن أوجبنا الموالاة، لم تجز الصلاة بتلك الخطبة، بل تجب إعادتها والصلاة جمعة مع سعة الوقت. وللشافعي عدمه في وجه ضعيف، بل يصلي الظهر (3). والعدد إنما هو شرط في واجبات الخطبة دون مستحباتها إجماعا. ح: ارتفاع الصوت بهما بحيث يسمعه - العدد وهو أظهر وجهي الشافعي (4) - لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلا بالاسماع، فلا يكفي أن يخطب سرا، لمنافاة الغرض. ولأن النبي عليه السلام كان إذا خطب رفع صوته كأنه منذر جيش (5). وعن أبي حنيفة: عدم الوجوب. وهو وجه للشافعي (6) أيضا. ولو رفع الصوت بقدر ما يبلغ ولكن كانوا أو بعضهم صما، فالأقرب: الإجزاء. ولا يجهد نفسه في رفع الصوت، لما فيه من المشقة، ولا تسقط الجمعة

(1) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 519، مغني المحتاج 1: 288، السراج الوهاج: 88.
(2) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 521.
(3) المجموع 4: 507 - 508، حلية العلماء 2: 237.
(4) الأم 1: 200، المجموع 4: 523، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 585، مغني المحتاج 1: 287، السراج الوهاج: 87.
(5) صحيح مسلم 2: 592 / 867، سنن ابن ماجة 1: 17 / 45، سنن النسائي 3: 188 - 189، سنن البيهقي 3: 206.
(6) فتح العزيز 4: 586، المجموع 4: 523.

[ 75 ]

ولا الخطبة وإن كانوا كلهم صما. ط: الترتيب بين أجزاء الخطبة الواجبة، فلو قدم الصلاة أو غيرها على الحمد، أو قدم الوعظ على الصلاة، استأنف، للتأسي. مسألة 409: وفي تحريم الكلام على العدد ووجوب الانصات للخطيب قولان للشيخ: أحدهما: تحريم الكلام ووجوب الانصات. واختاره المرتضى والبزنطي (1) منا - وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد والشافعي في القديم، وابن المنذر (2) - لأن أبا هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (إذا قلت لصاحبك: أنصت، والامام يخطب فقد لغوت) (3). واللغو: الإثم، لقوله تعالى: { والذين هم عن اللغو معرضون } (4). وقال الصادق عليه السلام: " إذا خطب الإمام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ من خطبته، فإذا فرغ تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة " (5). والآخر: عدم تحريم الكلام، وعدم وجوب الانصات، بل يستحب (6) - وبه قال الشافعي في الجديد، وبه قال عروة بن الزبير والشعبي

(1) النهاية: 105، وحكى قول المرتضى والبزنطي، المحقق في المعتبر: 206.
(2) بدائع الصنائع 1: 263 و 264، عمدة القاري 6: 229، المنتقى للباجي 1: 188، القوانين الفقهية: 80، المغني 2: 165، الشرح الكبير 2: 215، المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 523، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 587، مغني المحتاج 1: 287، بداية المجتهد 1: 161.
(3) صحيح البخاري 2: 16، صحيح مسلم 2: 583 / 851، سنن النسائي 3: 104، سنن أبي داود 1: 290 / 1112، الموطأ 1: 103 / 6، سنن البيهقي 3: 218.
(4) المؤمنون: 3.
(5) الكافي 3: 421 / 2، التهذيب 3: 20 / 71 و 73.
(6) المبسوط للطوسي 1: 146.

[ 76 ]

والنخعي وسعيد بن جبير والثوري (1) - لأن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله، السقيا وهو يخطب، وفي الجمعة الآتية سأله رفعها (2). وقام إليه رجل وهو يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وآله، وأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل وأعاد الكلام، فلما كان الثالثة، قال له النبي صلى الله عليه وآله: (ويحك ماذا أعددت لها؟) فقال: حب الله ورسوله، فقال: (إنك مع من أحببت) (3). ولو كان الكلام محرما، لأنكر عليه. وللأصل. ونمنع كون اللغو الإثم، لقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } (4) بل المراد جعله لاغيا لكلامه في موضع الأدب فيه السكوت. وقول الصادق عليه السلام يعطي الكراهة عرفا، فيحمل عليه. والأقرب: الأول إن لم يسمع العدد، وإلا الثاني. فروع: أ: قال المرتضى رحمه الله: يحرم من الأفعال ما لا يجوز مثله في الصلاة (5). وفيه إشكال ينشأ من قوة حرمة الصلاة، وكونها بدلا من الركعتين لا يقتضي المساواة لو سلم. ب: قال المرتضى رحمه الله: لا بأس أن يتكلم بعد فراغ الإمام من

(1) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 523، فتح العزيز 4: 587، مغني المحتاج 1: 287، المغني 2: 165، الشرح الكبير 2: 215 و 216، عمدة القاري 6: 229.
(2) صحيح البخاري 2: 15، سنن أبي داود 1: 304 - 305 / 1174، سنن البيهقي 3: 221.
(3) مسند أحمد 3: 167، سنن البيهقي 3: 221، وأورده أيضا كما في المتن ابنا قدامة في المغني 2: 166 والشرح الكبير 2: 216.
(4) البقرة: 225.
(5) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 206.

[ 77 ]

الخطبة إلى أن تقام الصلاة (1). ج: لو سلم عليه، وجب عليه الرد، لأنه واجب، والانصات مستحب، فلا يترك لاجله. ولأنه ليس أبلغ من الصلاة وقد أوجبنا الرد فيها. وبه قال الشافعي على تقدير استحباب الانصات، وعلى تقدير الوجوب ليس له الرد، لأنه سلم في غير موضعه، وفرض الانصات سابق (2). وهل له تسميت العاطس؟ الوجه: ذلك إن قلنا باستحباب الانصات، وإلا فالأقرب ذلك كالصلاة - وهو قول الشافعي (3) - بخلاف السلام، لأنه سلم في غير موضعه، والعاطس لم يختر العطسة. وله المنع، لما تقدم في السلام. د: الخلاف إنما هو في القريب السامع للخطبة، أما البعيد أو الاصم: فإن شاء سكت، وإن شاء قرأ أو سبح. وللشافعية وجهان (4). وكذا الخلاف فيما إذا لم يتعلق بحق أحد من المسلمين. أما لو رأى جدارا ينقض فإنه يحذر منه - وكذا العقرب، والأعمى يتردى في بئر - إجماعا. ه‍: هل يحرم الكلام في الجلسة بين الخطبتين؟ الأقرب: المنع، لعدم المقتضي للتحريم، وهو: السماع. وللأصل. وللشافعي قولان (5). و: لا بأس بالكلام بين الخطبة والإقامة ثم يكره بعدها، لقول الصادق

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 206.
(2) مختصر المزني: 28، المجموع 4: 523 - 524، فتح العزيز 4: 590 و 591، مغني المحتاج 1: 287، كفاية الأخيار 1: 93.
(3) مختصر المزني: 28، المجموع 4: 524، فتح العزيز 4: 590، مغني المحتاج 1: 288، المهذب للشيرازي 1: 122، عمدة القاري 6: 230.
(4) المجموع 4: 524، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 590، عمدة القاري 6: 230.
(5) المجموع 4: 523.

[ 78 ]

عليه السلام: " فإذا فرغ يعني من خطبته - تكلم ما بينه وبين أن تقام الصلاة " (1). وقال أبو حنيفة: يكره ما بين الخطبة والصلاة (2). وقال الشافعي: لا يكره بعد الخطبة إلى الصلاة (3). ز: لا بأس بشرب الماء حال الخطبة - وبه قال الشافعي (4) - عملا بالأصل. وكلام المرتضى يعطي التحريم لأنها كالركعتين (5). وقال الأوزاعي: تبطل جمعته (6). ح: هل يحرم الكلام على الخطيب في الأثناء؟ الأقرب: العدم، للأصل. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، كلم قتلة ابن أبي الحقيق في الخطبة (7). ولأن المستمع إنما حرم عليه الكلام لئلا يشغله عن الاستماع. وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر: يحرم - وبه قال أبو حنيفة ومالك - كالركعتين (8). وهو ممنوع.

(1) الفقيه 1: 269 / 1229، الكافي 3: 421 / 2، التهذيب 3: 20 / 71 و 73.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 29.
(3) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 523.
(4) المجموع 4: 529.
(5) تقدم نقل كلامه في الفرع " أ ".
(6) المجموع 4: 529.
(7) سنن البيهقي 3: 221 - 222.
(8) المجموع 4: 523، فتح العزيز 4: 587 و 589، حلية العلماء 2: 241، المبسوط للسرخسي 2: 27.

[ 79 ]

ط: التحريم إن قلنا به على السامعين متعلق بالعدد، أما الزائد فلا. وللشافعي قولان (1). والأقرب: عموم التحريم إن قيل (2) به، إذ لو حضر فوق العدد بصفة الكمال لم يمكن القول بانعقادها بعدد معين منهم حتى يحرم الكلام عليهم خاصة. ي: لا يحرم الكلام قبل الشروع في الخطبة - وبه قال الشافعي وأحمد (3) - للأصل. ولأن عمر كان إذا جلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد (4). وهذا يدل على اشتهاره بينهم. وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإمام حرم الكلام في الوقت الذي نهى عن الصلاة فيه (5)، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (من اغتسل يوم الجمعة واستاك، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه، ثم جاء إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يصلي، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها) (6). وهو يدل على أن خروج الإمام يوجب الانصات. ولأنه إذا نهي عن الركوع كان الكلام أولى.

(1) المجموع 4: 524، الوجيز 1: 64.
(2) في " م ": إن قلنا.
(3) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 523 و 555، المغني 2: 169.
(4) سنن البيهقي 3: 199.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 29، شرح فتح القدير 2: 37، بدائع الصنائع 1: 264، عمدة القاري 6: 230، المغني 2: 169.
(6) مسند أحمد 3: 81، المستدرك للحاكم 1: 283.

[ 80 ]

والخبر قد روي فيه (وأنصت إذا خطب إليه) (1). مسألة 410: لا ينبغي التنفل والامام يخطب، سواء كانت التحية للداخل حال الخطبة أو غيرها، بل ينبغي أن ينصت لها - وبه قال الثوري والليث بن سعد وأبو حنيفة ومالك (2) - لقوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } (3). قال المفسرون: المراد بالقرآن هنا الخطبة (4). ولأن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (اجلس فقد آذيت وآنيت (5)) (6). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام: " إذا صعد الإمام المنبر فخطب فلا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر " (7). ولأنه مناف لمشروعية الخطبة. وقال الشافعي: يستحب أن يصلي تحية المسجد - ركعتين - وبه قال الحسن ومكحول وأحمد وإسحاق وابن المنذر (8) - لأن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي عليه السلام يخطب، فجلس فقال له: (يا سليك قم فاركع

(1) صحيح البخاري 2: 4 نحوه.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 29، اللباب 1: 113، شرح فتح القدير 2: 37، الهداية للمرغيناني 1: 84 - 85، المدونة الكبرى 1: 148، القوانين الفقهية: 80، المجموع 4: 552.
(3) الأعراف: 204.
(4) تفسير القرطبي 7: 353، أحكام القرآن لابن العربي 2: 828، أحكام القرآن للجصاص 3: 39.
(5) آناه يؤنيه ايناء، أي أخره وحبسه وأبطأه. والمعنى: أخرت المجئ وأبطأت. الصحاح 6: 2273 " أنا " وانظر النهاية لابن الأثير 1: 78.
(6) سنن ابن ماجة 1: 354 / 1115، سنن النسائي 3: 103.
(7) الكافي 3: 424 / 7، التهذيب 3: 241 / 648 وفيهما مضمرة.
(8) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 551 و 552، الوجيز 1: 64، فتح العزيز 4: 593، كفاية الأخيار 1: 94، المغني 2: 164، الشرح الكبير 2: 214.

[ 81 ]

ركعتين وتجوز (1) فيهما) ثم قال: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) (2). وتمام الرواية: أنه قال لسليك: (لا تعودن لمثل هذا) (3). إذا عرفت هذا، فالكراهة تتعلق بالشروع في الخطبة لا بالجلوس على المنبر، لقول الصادق عليه السلام: "... فخطب، فلا يصلي الناس " (4). ولأنه المقتضي للمنع. ولا خلاف أنه لو دخل والامام في آخر الخطبة وخاف فوت تكبيرة الاحرام، لم يصل التحية، لأن إدراك الفريضة من أولها أولى. مسألة 411: يستحب حال الخطبة أمور: أ: أن يصعد الإمام حال الخطبة على المنبر، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لما دخل المدينة خطب مستندا إلى جذع، فلما بني له المنبر صعد عليه (5). ولأن فيه إبلاغا للبعيد. ب: ينبغي وضع المنبر على يمين القبلة، وهو: الموضع الذي على يمين الإمام إذا توجه إلى القبلة، اقتداء بالنبي عليه السلام. ج: أن يعتمد على شئ حال الخطبة من سيف أو عكاز أو قضيب أو عنزة (6)، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله، فإنه كان يعتمد على عنزته

(1) تجوز في صلاته، أي: خفف. الصحاح 3: 871، القاموس المحيط 2: 170 " جوز ".
(2) صحيح مسلم 2: 597 / 59، سنن أبي داود 1: 291 / 1116 و 1117، سنن الدار قطني 2: 13 / 1 - 3.
(3) سنن الدار قطني 2: 16 / 11.
(4) الكافي 3: 424 / 7، التهذيب 3: 241 / 648.
(5) سنن النسائي 3: 102، سنن البيهقي 3: 195.
(6) عنزة - بالتحريك -: أطول من العصا وأقصر من الرمح. الصحاح 3: 887، القاموس المحيط 2: 184 " عنز ".

[ 82 ]

اعتمادا (1). وقول الصادق عليه السلام: " ويتوكأ على قوس أو عصا " (2). د: أن يكون متعمما شتاء وصيفا، مرتديا ببرد يمنية، لأن النبي عليه السلام كان يعتم، ويرتدي، ويخرج في الجمعة والعيدين على أحسن هيئة (3)، لأنه أدخل في الوقار. ه‍: أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، لعموم استحباب التسليم (4)، فإذا صعد المنبر، وبلغ دون الدرجة - دون درجة المستراح - واستقبل الناس بوجهه سلم ثم جلس (5) - واختاره السيد المرتضى (6) رضي الله عنه، وبه قال الشافعي (7) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عند منبره من الجلوس، ثم صعد، وإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد (8). ومن طريق الخاصة: رواية عمرو بن جميع رفعه عن علي عليه السلام قال: " من السنة إذا صعد الإمام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس " (9). وقال أبو حنيفة ومالك: يكره السلام، لأنه إذا خرج سلم فلا يعيد

(1) سنن ابن ماجة 1: 352 / 1107، سنن أبي داود 1: 287 / 1096، سنن البيهقي 3: 300.
(2) التهذيب 3: 245 / 664.
(3) سنن ابن ماجة 1: 351 / 1104، سنن البيهقي 3: 246 و 247.
(4) انظر على سبيل المثال: الكافي 2: 471 باب التسليم، صحيح البخاري 8: 65، صحيح مسلم 4: 1705 حديث (5) من كتاب السلام.
(5) في " م، ش " والطبعة الحجرية: ثم سلم وجلس. وما أثبتناه يقتضيه السياق.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 204.
(7) المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 4: 527، المغني 2: 144.
(8) سنن البيهقي 3: 205.
(9) التهذيب 3: 244 / 662.

[ 83 ]

كالمؤذن إذا قام إلى الأذان، لأن الإمام استدبرهم لما صعد ثم أقبل عليهم (1). وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يحول بين بعضهم وبعض شجرة فيسلم بعضهم على بعض (2). وبالأذان لا يغيب عنهم. نعم لو صعد المنارة ثم نزل سلم. إذا عرفت هذا، فإذا سلم وجب على السامعين الرد على الكفاية. و: أن يجلس بعد السلام على المستراح حتى يفرغ المؤذن فيستريح بقعوده عن تعب صعوده. ولأنه لا فائدة بقيامه حالة الأذان، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله يخطب خطبتين، ويجلس جلستين (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون " (4). مسألة 412: يستحب أن يكون الخطيب بليغا ليأتي بالالفاظ الناصة على التخويف والانذار، مواظبا على الصلوات ليكون وعظه أبلغ في القلب، حافظا لمواقيت الفرائض، واستقبال الناس بوجهه، فلا يلتفت يمينا ولا شمالا - وبه قال الشافعي (5) - لأن النبي عليه السلام كان يفعل ذلك (6)، ولئلا يخص قوما دون آخرين، بل يخطب تلقاء وجهه.

(1) عمدة القاري 6: 221، المنتقى للباجي 1: 189، المجموع 4: 527، الميزان للشعراني 1: 191، المغني 2: 144.
(2) الترغيب والترهيب 3: 428 / 16.
(3) سنن أبي داود 1: 286 / 1092. (4) التهذيب 3: 244 / 663.
(5) المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 4: 528.
(6) أورد أبو إسحاق الشيرازي في المهذب 1: 119 رواية عن سمرة بن جندب، أن النبي صلى الله عليه وآله، كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه.

[ 84 ]

وقال أبو حنيفة: يلتفت يمينا وشمالا كالمؤذن (1). والأصل ممنوع. ولأنه خطاب مع الغياب والخطبة مع الحاضرين، فلا يخصص بها البعض دون غيرهم. قال الشيخ رحمه الله: ولا يضع يمينه على شماله (2). وهو جيد كالصلاة، بل يشتغل بما يعتمد عليه يسراه، ويقبض باليمين حرف المنبر. وينبغي أن يكون صادق اللهجة لا يلحن في الخطبة، ولا يأتي بألفاظ غريبة أو وحشية، لبعدها عن الافهام، ولا يقول في خطبته ما تستنكره عقول الحاضرين، لقول علي عليه السلام: " كلموا الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يكذبوا الله ورسوله؟! " (3). وأن يأتي بالكلمات على تأن وترسل وسكون، ولا يمدها مدا يشبه الغناء، ولا يدرجها بحيث لا يفهم، ولا يطول الخطبة بل يقصرها، لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بذلك، بل يطول الصلاة، وقال عليه السلام: (إنه من فقه الرجل) (4). مسألة 413: يستحب أن تكون السورة التي يقرأها في الخطبة خفيفة. واجتزأ بعض علمائنا بالآية (5). ونقل الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقرأ كثيرا سورة " ق " في الخطبة (6).

(1) عمدة القاري 6: 221، المجموع 4: 528.
(2) المبسوط للطوسي 1: 148.
(3) صحيح البخاري 1: 44 بتفاوت.
(4) صحيح مسلم 2: 594 / 869.
(5) حكى المصنف في المختلف: 105 عن ابن الجنيد، الاجتزاء بالآية الواحدة في الخطبة الثانية.
(6) صحيح مسلم 2: 595 / 873، سنن أبي داود 1: 288 / 1100، سنن النسائي 3: 107.

[ 85 ]

ولو قرأ إحدى العزائم، جاز، إذ السجود ليس بمبطل لها. قال الشيخ: ثم ينزل، ويسجد ويسجد المأمومون معه (1). والوجه: أنه إن كان في المنبر سعة يمكنه السجود عليها، سجد قبل نزوله، وإلا نزل وسجد. ولو كانت السجدة من غير العزائم، جاز تركها، وله أن يسجد، والاشتغال بالخطبة أولى. فإن نزل وسجد، عاد إلى الخطبة إن لم يطل الفصل، وكذا إن طال على الأقوى. وللشافعي في الطول وجهان (2). المطلب الثاني: فيمن تجب عليه مسألة 414:: شرائط الوجوب عشرة: البلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية، والسلامة من المرض والعمى والعرج والشيخوخة المانعة من الحركة، والسفر، والزيادة على فرسخين. وليس الاسلام شرطا للوجوب، لأن الكفار عندنا مخاطبون بالفروع، وبه قال الشافعي (3)، خلافا لأبي حنيفة (4). والعقل شرط في الوجوب والجواز معا، وباقي الشروط شرط في الوجوب لا الجواز.

(1) المبسوط للطوسي 1: 148.
(2) المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 4: 521.
(3) المجموع 3: 4 و 4: 484، حاشية إعانة الطالبين 1: 21 - 22، شرح البدخشي 1: 207، شرح الاسنوي بهامش شرح البدخشي 1: 203 - 204.
(4) أصول السرخسي 1: 74 - 75، شرح الاسنوي بهامش شرح البدخشي 1: 204.

[ 86 ]

والصبي وإن لم تجب عليه، ولا المجنون، لانتفاء التكليف عنهما، إلا أنه يستحب إحضار الصبي الجمعة للتمرين، كما يمرن بالعبادات، خصوصا المراهق. مسألة 415: الذكورة شرط في الوجوب، فلا تجب على المرأة إجماعا، لقوله عليه السلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة، أو مسافر، أو عبد، أو صبي، أو مريض) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن الله فرض في كل سبعة أيام خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي " (2). ولأن شرطها الاجتماع، وفي وجوبه على النساء مشقة وافتتان. أما العجائز فإنهن كالشواب، لعموم الأمر بالستر لهن (3). وقال الشافعي: يستحب لهن الحضور مع إذن أزواجهن، لانتفاء الفتنة فيهن (4). مسألة 416: الحرية شرط في الوجوب، فلا تجب على العبد عند علمائنا أجمع - وبه قال عامة العلماء (5) - لما تقدم في الحديثين. ولأنه محبوس على السيد، فأشبه المحبوس في الدين.

(1) سنن الدار قطني 2: 3 / 1، مصنف ابن أبي شيبة 2: 109، سنن البيهقي 3: 184.
(2) الكافي 3: 418 / 1، التهذيب 3: 19 / 69.
(3) إشارة إلى الآية 31 من سورة النور.
(4) الأم 1: 189، المجموع 4: 484، مغني المحتاج 1: 277.
(5) الأم 1: 189، المجموع 4: 485، فتح العزيز 4: 603، المغني 2: 194، الشرح الكبير 2: 152، بداية المجتهد 1: 157، الميزان 1: 185.

[ 87 ]

وقال داود: تجب (1). وعن أحمد روايتان (2). وقال الحسن البصري وقتادة: تجب على العبد المخارج (3) - وهو الذي يؤدي الضريبة - لعموم الآية (4). والخاص مقدم. ولو أذن له السيد، استحب له الحضور ولا يجب عليه، لأن الحقوق الشرعية تتعلق بخطاب الشرع لا بإذن السيد. ولا فرق بين القن، والمدبر، والمكاتب المطلق والمشروط، وأم الولد، لبقاء الرق فيهم. وقال الحسن البصري وقتادة: يجب على المكاتب، لأن منفعته له فأشبه الحر (5)، وهو ممنوع. فروع: أ: من بعضه حر وبعضه رق لا تجب عليه الجمعة، سواء تساويا، أو كانت الحرية أكثر، لأن رق البعض يمنع من الكمال والاستقلال، كرق الجميع. ب: لو هاياه (6) مولاه واتفقت الجمعة لنصيب الحرية لم تجب عليه أيضا، لقيام المانع، وهو الظاهر من قول الشافعية.

(1) المحلى 5: 49، المجموع 4: 485، الميزان 1: 185، رحمة الأمة 1: 79، بداية المجتهد 1: 157، حلية العلماء 2: 223.
(2) المغني 2: 194، الشرح الكبير 2: 152، الانصاف 2: 369، المحرر في الفقه 1: 142، المجموع 4: 485، فتح العزيز 4: 603 - 604، الميزان 1: 185، رحمة الأمة 1: 79.
(3) المجموع 4: 485، المغني 2: 194، الشرح الكبير 2: 153، حلية العلماء 2: 223.
(4) الآية 9 من سورة الجمعة.
(5) المغني 2: 194، الشرح الكبير 2: 153.
(6) المهاياة في كسب العبد: أنهما (المولى والعبد) يقسمان الزمان بحسب ما يتفقان عليه ويكون كسبه في كل وقت لمن ظهر له بالقسمة. مجمع البحرين 1: 485 " هيا ".

[ 88 ]

ولهم وجه: أنها تجب، لانقطاع سلطنة السيد عن استخدامه (1). واختاره الشيخ في المبسوط (2). ج: لو ألزمه مولاه بالحضور، احتمل وجوبه، لوجوب طاعته فيما ليس بعبادة ففيها أولى، والعدم، لما تقدم. مسألة 417: لا تجب على المريض الجمعة، لما تقدم من الأحاديث، وللمشقة، سواء خاف زيادة المرض أو المشقة غير المحتملة، أو لا. وقال الشافعي: المرض المسقط هو ما يخاف فيه أحدهما، وليس شرطا (3)، للعموم. ولو كان المريض قريبه أو ضيفه أو زوجته أو مملوكه، جاز له ترك الجمعة لأجل تمريضه، وكذا تترك لصلاة الميت وتجهيزه، لأن ابن عمر كان يستجمر للجمعة فاستصرخ (4) على سعيد بن زيد فترك الجمعة ومضى إليه بالعقيق (5). ولو كان المريض لا قرابة له به ولا صحبة، فإن كان له من يمرضه، لم يترك الجمعة له، وإن لم يكن من يقوم، جاز له تركها للقيام بأمره. وكذا لو اشتغل فيه بأخذ الكفن وحفر القبر أو غيرهما، سواء كان مشرفا أو لا - خلافا للشافعي (6) - وسواء اندفع بحضوره ضرر عن غير المشرف أو لا، خلافا له (7).

(1) المجموع 4: 485، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 607.
(2) المبسوط للطوسي 1: 145.
(3) الأم 1: 189، المجموع 4: 486.
(4) استصرخ مبنيا للمجهول: استغيث. والمستصرخ: المستغيث. الصحاح 2: 426 " صرخ ".
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 153، سنن البيهقي 3: 185.
(6) المهذب للشيرازي 1: 116، المجموع 4: 490، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 606.
(7) الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 606.

[ 89 ]

وكذا لو كان عليه حق قصاص يرجو بالاستتار الصلح فيه، جاز، ولو كان عليه حد قذف لم يجز له الاستتار عن الإمام لاجله وترك الجمعة، لأنه حق واجب ولا بدل له، ولا يجوز له القصد إلى إسقاطه، وكذا غيره من الحدود لله تعالى بعد ثبوتها بالبينة. والمديون المعسر يجوز له الاختفاء، وكذا الخائف من ظالم على مال أو نفس أو ضرب أو شتم. مسألة 418: الأعمى لا تجب عليه الجمعة عند علمائنا، سواء كان قريبا من الجامع يتمكن من الحضور إليه من غير قائد، أو بعيدا يحتاج إلى القائد أو لا - وبه قال أبو حنيفة (1) - للمشقة بالحضور. ولقول الباقر عليه السلام: " فرض الله الجمعة ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس أزيد من فرسخين " (2). وقال الشافعي وأحمد: تجب عليه مع المكنة (3)، لأن عتبان بن مالك قال: يا رسول الله إني رجل محجوب البصر وإن السيول تحول بيني وبين المسجد، فهل لي من عذر؟ فقال صلى الله عليه وآله: (أتسمع النداء؟) قال: نعم. قال: (ما أجد لك عذرا إذا سمعت النداء) (4). والمراد نفي العذر في الحضور مطلقا الشامل للاستحباب والوجوب، لا

(1) المبسوط للسرخسي 2: 22، الهداية في شرح البداية: 152، المجموع 4: 486، فتح العزيز 4: 607، المغني 2: 195، الشرح الكبير 2: 150.
(2) الكافي 3: 419 / 6، الفقيه 1: 226 / 1217، التهذيب 3: 21 / 77، أمالي الصدوق: 319 / 17، الخصال: 422 / 21 وفيها: ومن كان على رأس فرسخين.
(3) المجموع 4: 486، فتح العزيز 4: 607، مغني المحتاج 1: 277، السراج الوهاج: 84، المغني 2: 195، الشرح الكبير 2: 150.
(4) مسند أحمد 4: 43.

[ 90 ]

الحضور الواجب. فلو لم يجد قائدا سقطت عنه إجماعا، فإن وجد لكن بأجرة يتمكن منها لم يجب بذلها عندنا، خلافا للشافعي (1). مسألة 419: الاعرج والشيخ الذي لا حراك به لا جمعة عليهما عند علمائنا أجمع إن بلغ العرج الإقعاد، للمشقة. ولقول الباقر عليه السلام: " والكبير " (2). ولأن المشقة هنا أعظم من المشقة في المريض، فثبتت الرخصة هنا كما ثبتت هناك. أما لو لم يكن العرج بالغا حد الإقعاد، فالوجه: السقوط مع مشقة الحضور، وعدمه مع عدمها. والشيخ أطلق الاسقاط (3). ولم يذكره المفيد في المسقطات، ولا الجمهور. أما الحر الشديد فإن خاف معه الضرر، سقط عنه. وكذا البرد الشديد والمطر المانع من السعي، لقول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن تدع الجمعة في المطر " (4). ولا خلاف فيه. والوحل كذلك، للمشاركة في المعنى. مسألة 420: الإقامة أو حكمها شرط في الجمعة، فلا تجب على المسافر عند عامة العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (الجمعة واجبة

(1) المجموع 4: 486، فتح العزيز 4: 607، مغني المحتاج 1: 277.
(2) الكافي 3: 419 / 6، الفقيه 1: 226 / 1217، التهذيب 3: 21 / 77، أمالي الصدوق: 319 / 17، الخصال 422 / 21.
(3) المبسوط للطوسي 1: 143.
(4) الفقيه 1: 267 / 1221، التهذيب 3: 241 / 645.

[ 91 ]

إلا على خمسة: امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر أو عبد) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ووضعها عن تسعة " وعد منهم " المسافر " (2). ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله ولا أحد من الأئمة عليهم السلام أنهم صلوها في أسفارهم. ولأن الجمعة ظهر مقصورة بشرائط، والمسافر يباح له القصر دون تلك الشرائط، فلم يكن لاعتبار تلك الشرائط في حقه وإيجاب الجمعة عليه معنى. ولأنه خفف عنه العبادات الراتبة فغيرها أولى. وقال الزهري والنخعي: تجب عليه الجمعة إن سمع النداء (3)، للآية (4). ولقوله صلى الله عليه وآله: (الجمعة تجب على من سمع النداء) (5). والخاص مقدم. فروع: أ: إنما تسقط الجمعة في السفر المباح، أما المحرم فلا، لمنافاته الترخص. ب: إنما تسقط في السفر المبيح للقصر فلو لم يوجبه كمن كان سفره أكثر من حضره، فإن الجمعة لا تسقط عنه، وكذا لو لم يكن القصر واجبا بل

(1) كنز العمال 7: 722 / 21095 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير 2: 51 - 52 / 1257.
(2) الكافي 3: 419 / 6، الفقيه 1: 266 / 1217، التهذيب 3: 21 / 77، أمالي الصدوق: 319 / 17، الخصال: 422 / 21.
(4) الجمعة: 9.
(5) سنن أبي داود 1: 278 / 1056، سنن الدار قطني 2: 6 / 3، سنن البيهقي 3: 173.

[ 92 ]

جائزا، كالمواضع التي يستحب الاتمام فيها. ج: لو نوى المسافر إقامة عشرة أيام، صار بحكم المقيم، ووجب عليه الجمعة، وعند الشافعي أربعة (1). وهل تنعقد به؟ عندنا أنها تنعقد وإن لم ينو المقام على أحد القولين، أما لو نواه فإنها تنعقد به عندنا قولا واحدا - وهو أحد وجهي الشافعية (2) - لأنه من أهل وجوب الجمعة فانعقدت به كالمستوطن، والآخر: لا تنعقد به، لأن الاستيطان شرط (3). فمن أقام في بلد للتفقه أو التجارة مدة طويلة لا تنعقد به الجمعة عنده (4) وإن وجبت عليه، لأن له عزم الرجوع. مسألة 421: وتسقط عمن كان بينه وبين الجمعة أزيد من فرسخين، إلا إذا جمع الشرائط عنده. وتجب على من بينه وبين الجامع فرسخان فما دون عند أكثر علمائنا (5) - وبه قال الزهري (6) - لقول الصادق عليه السلام: " الجمعة تجب على من كان منها على فرسخين، فإن زاد فليس عليه شئ " (7). وقول الباقر عليه السلام: " تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين " (8).

(1) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 485، الميزان 1: 182، المغني 2: 133، عمدة القاري 7: 117. (2 و 3) المجموع 4: 503، فتح العزيز 4: 607.
(4) أنظر: المجموع 4: 503.
(5) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 143: وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 151. والمحقق في المعتبر: 205 كما أن فيه أيضا قول السيد المرتضى عن المصباح.
(6) المجموع 4: 488، عمدة القاري 6: 198.
(7) الكافي 3: 419 / 3، التهذيب 3: 240 / 641، الاستبصار 1: 421 / 1619.
(8) الكافي 3: 419 / 2، التهذيب 3: 240 / 643، الاستبصار 1: 421 / 1620.

[ 93 ]

وقال ابن أبي عقيل منا: تجب على من إذا صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة (1) - ونحوه قال عبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وأبو هريرة، والأوزاعي، وأبو ثور فإنهم قالوا: تجب على من كان يؤوي الليل (2) (3). وهو قريب مما قال - لعموم الأمر. ولقول الباقر عليه السلام: " الجمعة واجبة على من إذا صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة " (4). والمشهور عندنا: الأول، للمشقة، ولأن شغل النهار بالسعي إليها والرجوع إلى أهله يوجب القصر، ويلحقه بالمسافرين، فيكون مسقطا للجمعة. وقال الشافعي: كل من كان من أهل المصر وجبت عليه الجمعة فيه، سواء سمع النداء أو لا، وسواء اتسعت أقطاره وتعددت محاله أو لا. وأما الخارج عن المصر من أهل القرى، فإن لم يسمعوا النداء، وكانوا أقل من أربعين، لم تجب عليهم الجمعة، وإن بلغوا أربعين وكانوا مستوطنين في القرية، وجبت عليهم الجمعة سواء سمعوا النداء أو لا، وهم بالخيار بين الصلاة في قريتهم، والحضور إلى المصر لاقامة الجمعة معهم. وإن كانوا أقل من أربعين وسمعوا النداء، وجب عليهم الحضور - وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وإسحاق (5) - لقوله عليه

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 205.
(2) كذا، وفي المصادر: تجب على من آواه الليل إلى أهله.
(3) المجموع 4: 488، المغني 2: 214 - 215، الشرح الكبير 2: 146، عمدة القاري 6: 198.
(4) التهذيب 3: 238 / 631، الاستبصار 1: 421 / 1621.
(5) المجموع 4: 488، المحلى 5: 55 - 56.

[ 94 ]

السلام: (الجمعة على من سمع النداء) (1). وهو يدل من حيث المفهوم فالمنطوق أولى مع انتشار النداء وعدم ضبطه، فلا يجوز أن يجعله الشارع مناطا للأحكام. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجب الجمعة على من هو خارج المصر وإن سمع النداء - وقال محمد: قلت لأبي حنيفة: تجب الجمعة على أهل زبارا (2) بأهل الكوفة؟ فقال: لا (3) - وبين زبارا والكوفة الخندق، وهي قرية بقرب الكوفة - لأن عثمان لما وافق الجمعة العيد، قال لأهل العوالي: من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم. ولأنهم خارجون عن المصر، فلا جمعة عليهم، كأصحاب الحلل (4) (5). والحديث نقول بموجبه، للتخيير عندنا، أما من يوجب الحضور كالشافعي، فإنه أنكر الحديث وقال: ولم يذكره أحد من أصحاب الحديث. وأهل الحلل إن كانوا مستوطنين، وجبت الجمعة، وإلا فلا. وقال مالك واحمد والليث بن سعد: تجب على أهل المصر مطلقا، وأما الخارج فإن كان بينه وبين الجامع فرسخ، وجب عليه الحضور وإلا فلا، لغلبة السماع منه (6). وقد بينا بطلان هذا المناط.

(1) المجموع 4: 487، فتح العزيز 4: 608 - 609، المحلى 5: 56.
(2) في المصدر: " زرارة " وهي محلة في الكوفة. و " زبارا " من نواحي الكوفة، والظاهر صحة " زبارا " لكون أهلها من خارج المصر. أنظر: معجم البلدان 3: 129 و 135.
(3) الأصل للشيباني 1: 366.
(4) الحلل جمع حلة: القوم النزول. لسان العرب 11: 164 " حلل ".
(4) المغني 2: 215، الشرح الكبير 2: 146، وراجع: المبسوط للسرخسي 2: 23، وبدائع الصنائع 1: 259، وفتح العزيز 4: 609، والمحلى 5: 56. (6) المدونة الكبرى 1: 153، بداية المجتهد 1: 165، المغني 2: 214 و 216، المجموع 4: 488.

[ 95 ]

وقال عطاء: إن كانوا على عشرة أميال، وجب عليهم الحضور، وإلا فلا (1). وقال ربيعة: إن كانوا على أربعة أميال حضروا، وإلا فلا (2). فروع: أ: من كان بينه وبين الجمعة أزيد من فرسخ يتخير بين الحضور وبين إقامة الجمعة عنده إن حصلت الشرائط، وإن فقد أحدها وجب عليه الحضور، ولا يسوغ له ترك الجمعة. ومن كان بينه وبينها أزيد من فرسخين، فإن حصلت الشرائط فيه، تخير بين إقامتها عنده وبين الحضور، ولا يسوغ له تركها، وإن فقدت الشرائط، سقطت عنه، ولم يجب عليه الحضور. ب: تشترط الزيادة على الفرسخين بين منزله والجامع الذي تقام فيه الجمعة، لا بين البلدين، فلو كان بين البلدين أقل من فرسخين، وبين منزله والجامع أزيد من فرسخين، فالأقرب: السقوط، لأنه المفهوم من كلام الباقر والصادق عليهما السلام. ج: قد بينا عدم اعتبار النداء. وقال الشافعي: النداء الذي تجب به الجمعة أن يكون المنادي صيتا، وتكون الرياح ساكنة، والأصوات هادئة، وكان من ليس بأصم مصغيا مستمعا، غير لاه ولا ساه، وأن لا تكون البلدة بين آجام وأشجار تمنع من بلوغ الصوت، فإن كان، اعتبر أن يصعد على شئ يعلو به على الأشجار كسور البلد والمنارة، ولا يعتبر في غيره، وأن تكون الأرض مستوية، فلو كانت قرية في واد لا يسمع أهلها لهبوطها ولو كانت في استواء الأرض سمعت، وجبت،

(1 و 2) المجموع 4: 488، عمدة القاري 6: 198، نيل الأوطار 3: 278.

[ 96 ]

ولو كانت على قلة جبل يسمع لعلوها، لم يجب عند بعضهم، ولا اعتبار بأذان الجمعة (1). واختلفت الشافعية في الموضع الذي يعتبر فيه سماع النداء، فقال بعضهم: من الموضع الذي يصلى فيه الجمعة، إذ الغرض الحضور في ذلك الموضع. وقال بعضهم: من وسط البلد، لاستواء الجوانب وعدم أولوية بقعة على أخرى. وقال آخرون: يعتبر من آخر موضع تجوز إقامة الجمعة فيه من الجانب الذي يلي تلك القرية، فإنه ربما يكون البلد كبيرا، وإذا نودي من الجانب الآخر ربما لا يسمع أهل هذا الجانب من البلد (2). ولو كان طرف القرية يسمعون النداء، وباقي القرية لا يسمعون، قال: يجب على الجميع الحضور، لأن حكم القرية لا يختلف في الجمعة. ولو سمعوا النداء من قريتين فأيتهما حضروا جاز. والأولى أن يحضروا الموضع الذي تكثر فيه الجماعة (3). ولو كانت قريتان على جبلين يصلي في إحداهما الجمعة، والأخرى يسمعون النداء وبينهما قرية لا يسمعون، وجب على المستمعين الحضور للسماع. وفي الأخرى وجهان: العدم، لانتفاء موجبه، والوجوب، لأن إيجاب الحضور على الأبعد يستلزم أولوية إيجابه على الأقرب (4). وهذا كله عندنا ساقط، فإن من الناس الاصم وثقيل السمع، وقد يكون

(1) المجموع 4: 487، المهذب للشيرازي 1: 116، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 608 - 609، حلية العلماء 2: 224.
(2) المجموع 4: 487، فتح العزيز 4: 608، حلية العلماء 2: 224 - 225.
(3) المجموع 4: 487 و 488.
(4) حلية العلماء 2: 225.

[ 97 ]

النداء بين يدي المنبر فلا يسمعه إلا من في الجامع، وقد يكون المؤذن خفي الصوت أو في يوم ذي ريح، وقد يكون المستمع نائما أو مشغولا بما يمنع السماع ويسمع من هو أبعد، فيفضي ذلك إلى إيجابها على البعيد دون القريب، وهو باطل بالاجماع. مسألة 422: قد بينا وجوب الجمعة على من سقطت عنه للعذر لو حضر، لانتفاء المشقة. ولقول حفص بن غياث عن بعض مواليه: " إن الله فرض الجمعة على المؤمنين والمؤمنات، ورخص للمرأة والمسافر والعبد أن لا يأتوها فإذا حضروها سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الأول " فقلت عمن هذا؟ فقال: عن مولانا الصادق عليه السلام (1). وفي المرأة نظر، وإطلاق الشيخ (2) يقتضيه. تذنيب: إذا صلى من سقطت عنه، الظهر، ثم زال المانع قبل أداء الجمعة، لم تجب عليه، كالعبد يصلي ثم يعتق والوقت باق، وكذا المسافر إذا صلى ثم نوى الإقامة. أما الصبي إذا صلى ثم بلغ، فالوجه عندي: وجوب الحضور عليه، لأن مبدأ التكليف الآن، وما فعله أولا لم يكن واجبا، فلم يسقط به فرضا عنه. وقال الشافعي: لا يجب عليه، لأن الصبي إذا صلى في الوقت ثم بلغ، لم تجب عليه الاعادة كذا هنا (3). والأصل ممنوع.

(1) التهذيب 3: 21 - 22 / 78.
(2) المبسوط للطوسي 1: 143.
(3) المهذب للشيرازي 1: 116 و 117، المجموع 4: 495، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4: 612، حلية العلماء 2: 226.

[ 98 ]

{ المطلب الثالث: في ماهيتها وآدابها ولواحقها } مسألة 423: الجمعة ركعتان كسائر الصلوات، وتتميز بما تقدم من الشرائط، والآداب الآتية، وتسقط معها الظهر بالاجماع. ويستحب أن يقرأ في الأولى بعد الحمد سورة الجمعة، وفي الثانية بعد الحمد سورة المنافقين عند علمائنا - وبه قال الشافعي (1) - لأن عبد الله بن أبي رافع - وكان كاتبا لعلي عليه السلام قال: كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة، فاستخلفه مرة فصلى الجمعة، فقرأ في الاولة الجمعة، وفي الثانية المنافقين، فلما انصرف مضيت إلى جنبه، فقلت: يا أبا هريرة لقد قرأت بسورتين قرأهما علي عليه السلام، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان يقرأ بهما (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " وإذا كان صلاة الجمعة فاقرأ بسورة الجمعة والمنافقين " (3). وقال الشافعي في القديم: يقرأ في الأولى " سبح اسم " وفي الثانية " الغاشية " (4). وينسب إلى رواية النعمان بن بشير (5). وقال أبو حنيفة: يكره تعيين سورة في الصلاة (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 120، المجموع 4: 530، الوجيز 1: 66، حلية العلماء 2: 238، المغني 2: 157.
(2) صحيح مسلم 2: 597 - 598 / 877، سنن أبي داود 1: 293 / 1124، سنن ابن ماجة 1: 355 / 1118، سنن الترمذي 2: 396 - 397 / 519، سنن البيهقي 3: 200.
(3) التهذيب 3: 5 - 6 / 13.
(4) المجموع 4: 530 - 531، فتح العزيز 4: 622.
(5) الناسب هو الصيدلاني كما في فتح العزيز 4: 622، وراجع: صحيح مسلم 2: 598 / 878.
(6) اللباب 1: 111، المجموع 4: 531، فتح العزيز 4: 622، الميزان 1: 191.

[ 99 ]

وقال مالك: يقرأ في الأولى الجمعة، وفي الثانية الغاشية (1). فروع: أ: لو قرأ غير هاتين السورتين عمدا، لم تبطل جمعته: عملا بالأصل. ولقول الكاظم عليه السلام وقد سأله على بن يقطين عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا، قال: " لا بأس بذلك " (2). ب: لو نسي فقرأ في الأولى غير الجمعة، احتمل قراءتها في الثانية، لتدارك فضلها، وقراءة المنافقين، لأنه محلها. وقال الشافعي: يقرأهما معا في الثانية (3)، وقد بينا (4) بطلان القران. ولو قرأ المنافقين في الأولى قرأ في الثانية الجمعة، تحصيلا لفضيلة السورتين. ج: يستحب الجهر بالجمعة إجماعا، وفي الظهر يوم الجمعة قولان: فالشيخ على استحبابه جماعة وفرادى (5)، لقول الصادق عليه السلام: " نعم " وقد سأله الحلبي عن القراءة يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ (6). والمرتضى على استحبابه جماعة لا فرادى (7)، لقول الصادق عليه السلام: " صلوا في السفر صلاة جمعة بغير خطبة، واجهروا

(1) المدونة الكبرى 1: 158، بداية المجتهد 1: 164، المجموع 4: 531، فتح العزيز 4: 622 - 623.
(2) التهذيب 3: 7 / 19، الاستبصار 1: 414 / 1586.
(3) المجموع 4: 531، الوجيز 1: 66، فتح العزيز 4: 622.
(4) تقدم في المسألة 232.
(5) المبسوط للطوسي 1: 151.
(6) الكافي 3: 425 / 5، التهذيب 3: 14 / 49، الاستبصار 1: 416 / 1593.
(7) حكاه عنه المحقق في المعتبر 208.

[ 100 ]

بالقراءة " (1) وقال بعض علمائنا: لا يجهر في الظهر جماعة أيضا (2)، لأن جميلا سأل الصادق عليه السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر، قال: " تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر، ولا يجهر الإمام، إنما يجهر إذا كانت خطبة " (3) والعمل بهذه أحوط. مسألة 424: تستحب الزينة يوم الجمعة بحلق الرأس إن كان من عادته، وإلا غسله بالخطمي، وقص الاظفار، وأخذ الشارب، والتطيب، ولبس أفضل الثياب، والسعي على سكينة ووقار، والغسل مقدما على الصلاة. قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: { خذوا زينتكم عند كل مسجد } (4) قال: " في العيدين والجمعة " (5). وقال عليه السلام: " ليتزين أحدكم يوم الجمعة، ويتطيب، ويسرح لحيته، ويلبس أنظف ثيابه، وليتهيأ للجمعة، ويكون عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار " (6). ويستحب له ترك الركوب مع القدرة، لأن النبي عليه السلام ما ركب في عيد ولا جنازة قط (7). والجمعة أولى، إلا أنه لم ينقل فيها قول عنه عليه السلام، لأن باب حجرته في المسجد. ويستحب السواك، وقطع الروائح الكريهة، لئلا يؤذي من يقاربه.

(1) التهذيب 3: 15 / 51، الاستبصار 1: 416 / 1595.
(2) هو ابن إدريس في السرائر: 65.
(3) التهذيب 3: 15 / 53، الاستبصار 1: 416 / 1597.
(4) الأعراف: 31.
(5) الكافي 3: 424 / 8، التهذيب 3: 241 / 647.
(6) الكافي 3: 417 / 1، التهذيب 3: 10 / 32، الفقيه 1: 64 / 244.
(7) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 148، والشرح الكبير 2: 205.

[ 101 ]

وأفضل الثياب البيض، لقوله عليه السلام: " أحب الثياب إلى الله تعالى البيض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم " (1). وينبغي للامام الزيادة في التجمل، لأنه المنظور إليه، وكان النبي صلى الله عليه وآله، يعتم ويرتدي، ويخرج في الجمعة والعيدين على أحسن هيئة (2). مسألة 425: تستحب المباكرة إلى الجامع - خلافا لمالك، فإنه أنكر استحباب السعي قبل النداء (3) - لقوله عليه السلام: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن أتاها، وإنكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة، وإن أبو أب الجنة لتفتح لصعود أعمال العباد " (5). ولما فيه من المسارعة إلى الطاعات، والتفرغ للعبادة في المسجد الأعظم.

(1) مصنف عبد الرزاق 3: 429 / 1698 (نحوه).
(2) أنظر: سنن البيهقي 3: 246 و 247.
(3) التفريع 1: 231، المغني 2: 147، الشرح الكبير 2: 203.
(4) صحيح البخاري 2: 3، صحيح مسلم 2: 582 / 850، سنن الترمذي 2: 372 / 499، سنن أبي داود 1: 96 / 351، سنن النسائي 3: 99، الموطأ 1: 101 / 1.
(5) الكافي 3: 415 / 9، التهذيب 3: 3 - 4 / 6.

[ 102 ]

فروع: أ: المراد بالساعة الأولى هنا بعد الفجر، لما فيه من المبادرة إلى الجامع المرغب فيه وإيقاع صلاة الصبح فيه، ولأنه أول النهار، وهو قول بعض الشافعية (1). وقال بعضهم: بعد طلوع الشمس، لأن أهل الحساب يعدون أول النهار طلوع الشمس (2). ب: يستحب الدعاء أمام التوجه، لقول الباقر عليه السلام لأبي حمزة الثمالي: " ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء: اللهم من تهيأ وتعبأ " (3) إلى آخره. ج: قال الشيخ في الخلاف: الوقت الذي يرجى استجابة الدعاء فيه: ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف، لقول الصادق عليه السلام: " الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي في الصفوف " (4). وقال الشافعي: هو آخر النهار عند غروب الشمس (5). وفي رواية لنا: استجابة الدعاء في الساعتين معا عن الصادق عليه السلام - في الصحيح - قال: " الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف، وساعة أخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس " (6).

(1 و 2) المجموع 4: 540، المهذب للشيرازي 1: 121.
(3) التهذيب 3: 142 / 316.
(4) الكافي 3: 414 / 4، التهذيب 3: 235 / 619.
(5) الخلاف 1: 617، المسألة 385، وراجع: المجموع 4: 541 و 549.
(6) الكافي 3: 414 / 4، التهذيب 3: 235 / 619.

[ 103 ]

د: يستحب الاكثار من الصلاة على النبي وآله عليهم السلام، لقوله صلى الله عليه وآله: (أقربكم مني في الجنة أكثركم على صلاة علي، فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الازهر) (1). قال الصادق عليه السلام: عن يوم الجمعة وليلتها: " ليلتها ليلة غراء، ويومها يوم أزهر " (2). وقال عليه السلام: " إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في أيديهم أقلام الذهب، وقراطيس الفضة، لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد وعلى آل محمد، فأكثروا منها " ثم قال " إن من السنة أن تصلي على محمد وعلى أهل بيته في كل جمعة ألف مرة وفي سائر الأيام مائة مرة " (3). ه‍: يكره لغير الإمام أن يتخطى رقاب الناس قبل ظهور الإمام وبعده، سواء كانت له عادة بالصلاة في موضع أو لم تكن - وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد (4) - لأن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وآله يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (اجلس فقد آذيت) (5). ولما فيه من أذى الغير. وقال مالك: إن لم يكن الإمام ظهر لم يكره، وكذا إن ظهر وكان له عادة بالصلاة في موضع معين، وإلا كره (6).

(1) أورد نحوه البيهقي في سننه 3: 249.
(2) الكافي 3: 428 / 2.
(3) الكافي 3: 416 / 13، التهذيب 3: 4 / 9.
(4) المجموع 4: 546، المهذب للشيرازي 1: 121، كفاية الأخيار 1: 93، المغني 3: 203.
(5) سنن ابن ماجة 1: 354 / 1115، سنن أبي داود 1: 292 / 1118، سنن النسائي 3: 103.
(6) المدونة الكبرى 1: 159، المنتقى للباجي 1: 203، المجموع 4: 546 - 547.

[ 104 ]

و: لا يجوز له أن يقيم أحدا من مجلسه الذي سبق إليه، لقوله عليه السلام: (لا يقيم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن يقول: تفسحوا وتوسعوا) (1). ولا تكره إقامته في مواضع: إما بأن يجلس في مصلى الإمام، أو في طريق الناس، أو يستقبل المصلين والموضع ضيق عليهم، ولو كان متسعا تنحوا عنه يمينا وشمالا، لئلا يستقبلوه بالصلاة. نعم إذا اعتاد إنسان القعود في موضع، كره لغيره مزاحمته له، كما في السوق، ولو قام لحاجة عرضت له بنية العود، فجاء غيره وقعد، استحب للقاعد أن يقوم من موضعه حتى يعود إليه، من غير وجوب. ولو فرش له منديل أو مصلى، لم يكن موجبا للاختصاص لو رفعه غيره وإن كان مخطئا. ولو ازدحم الناس في آخر المسجد وبين أيديهم فرجة، لم يكره التخطي. ز - قصد الجامع لمن اختلت شرائط الجمعة في حقه مستحب، لأن الباقر عليه السلام كان يبكر إلى المسجد الجامع يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح، فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك (2). ح: لو لم يكن الإمام مرضيا، قدم المصلى ظهره على صلاة الإمام، ويجوز أن يصلي معه ركعتين ثم يتم الظهر بعد فراغ الإمام، لقول الصادق عليه السلام: " في كتاب علي عليه السلام إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين " (3). ولو صلى في منزله أولا جاز، لأن أبا بكر الحضرمي قال للباقر عليه

(1) مسند أحمد 2: 102.
(2) الكافي 3: 429 / 8، التهذيب 3: 244 / 660.
(3) التهذيب 3: 28 / 96.

[ 105 ]

السلام: إني أصلي في منزلي ثم أخرج فأصلي معهم، قال: " كذا أصنع " (1). مسألة 426: يستحب التنفل يوم الجمعة زيادة على نوافل الظهرين بأربع ركعات. قال الشيخ: ويستحب تقديم نوافل الظهر قبل الزوال، ولم أجد لأحد من الفقهاء وفاقا في ذلك، ويستحب بالاجماع منا، لأن منا من يستحب تقديمها، ومنا من يستحب تقديم أكثرها. ولما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن النافلة التي تصلى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال: " قبل الصلاة " (2) (3). وعليها عمل الشيخ في أكثر كتبه (4). إذا عرفت هذا، فقد روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " أما أنا إذا كان يوم الجمعة وكانت الشمس من المشرق مقدارها من المغرب في وقت العصر صليت ست ركعات، فإذا انتفخ النهار صليت ست ركعات، فإذا زاغت الشمس صليت ركعتين، ثم صليت الظهر، ثم صليت بعدها ستا " (5). ومثله عن الرضا عليه السلام (6). ولو أخرها جاز إجماعا منا. واستحب أحمد ركعتين بعد الجمعة، وإن شاء أربعا، وإن شاء ستا (7).

(1) التهذيب 3: 246 / 671.
(2) التهذيب 3: 12 / 38 و 246 / 672، الاستبصار 1: 411 / 1570.
(3) الخلاف 1: 632 المسألة 406.
(4) راجع: المبسوط للطوسي 1: 150، والنهاية: 104، والخلاف 1: 632، المسألة 406.
(5) الكافي 3: 428 / 2، التهذيب 3: 11 / 35، الاستبصار 1: 410 / 1566.
(6) الكافي 3: 427 / 1، التهذيب 3: 10 / 34، الاستبصار 1: 409 / 1565.
(7) المغني 2: 219، الشرح الكبير 2: 196، مسائل أحمد: 59.

[ 106 ]

واستحب أبو حنيفة أربعا (1). مسألة 427: الأذان الثاني بدعة عن علمائنا، لقول الباقر عليه السلام: " الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة " (2). وسماه بالثالث - كما هو في عبارة بعض علمائنا (3) - بالنسبة إلى الإقامة. ولأن النبي عليه السلام لم يفعله اتفاقا، وشرع للصلاة أذانا واحدا وإقامة، فالزيادة الثالثة بدعة. وكان الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى عهد أبي بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان كثر الناس، فأمر بالأذان الثالث بالزوراء (4) (5). ولا اعتبار بما فعله عثمان مخالفة للنبي صلى الله عليه وآله. وقال عطاء: أول من فعله معاوية (6). قال الشافعي: ما فعله النبي صلى الله عليه وآله، وأبو بكر وعمر أحب إلى (7). إذا عرفت هذا، فإنه يستحب أن يؤذن بعد جلوس الإمام على المنبر، قاله الشافعي، قال: وأن يكون المؤذن واحدا، لأن النبي صلى الله عليه وآله

(1) شرح فتح القدير 2: 310، الهداية للمرغيناني 1: 133، كتاب الحجة على أهل المدينة 1: 294.
(2) الكافي 3: 421 / 5، التهذيب 3: 19 / 67.
(3) كما في السرائر: 64، والمعتبر: 206.
(4) الزوراء: موضع بالمدينة يقف المؤذنون على سطحه للنداء. مجمع البحرين 3: 320، معجم البلدان 3: 156 " زور ".
(5) صحيح البخاري 2: 10، سنن أبي داود 1: 285 / 1087، سنن الترمذي 2: 392 / 516، سنن النسائي 3: 100 - 101، سنن البيهقي 3: 205، مسند أحمد 3: 450. (6 و 7) الأم 1: 195.

[ 107 ]

كان له مؤذن واحد (1). وعندي فيهما إشكال. إذا ثبت هذا، فإن الأذان لصلاة العصر يوم الجمعة مكروه، بل إذا فرغ من الظهر صلى العصر بغير أذان، للمشقة بالحضور إلى الجامع، والأعلام قد حصل. إذا ثبت هذا، فالأقرب أنه لا يستحب حكاية هذا الأذان لو وقع، إذ الأمر بالحكاية ينصرف إلى المشروع. وكذا أذان المرأة، والأذان المكروه كأذان العصر يوم الجمعة ويوم عرفة ومزدلفة. والوجه: استحباب حكاية أذان الفجر لو وقع قبله وإن استحب إعادته بعده، وأذان من أخذ عليه أجرة وإن حرمت، دون أذان المجنون والكافر. مسألة 428: البيع بعد النداء يوم الجمعة حرام بالنص والاجماع. قال الله تعالى { وذروا البيع } (2) والأمر للوجوب، والنهي للتحريم. ولا خلاف بين العلماء في تحريمه. والنداء الذي يتعلق به التحريم هو النداء الذي يقع بعد الزوال والخطيب جالس على المنبر، قاله الشيخ رحمه الله - وبه قال الشافعي وعمر بن عبد العزيز وعطاء والزهري (3) - لأنه تعالى علق التحريم بالنداء، وإنما ينصرف إلى الأذان الذي فعله النبي صلى الله عليه وآله، دون الوقت، فينتفي التحريم قبل النداء (4).

(1) الأم 1: 195، المجموع 3: 124.
(2) الجمعة: 9.
(3) كما في الخلاف للشيخ الطوسي 1: 630، المسألة 402، وراجع: المجموع 4: 500، وفتح العزيز 4: 624، وعمدة القاري 6: 204.
(4) الخلاف 1: 629 - 630، المسألة 402، والمبسوط للطوسي 1: 150.

[ 108 ]

وقال مالك وأحمد: إذا زالت الشمس حرم البيع جلس الإمام أو لم يجلس (1). وليس بجيد، لما تقدم. فروع: أ: لو جوزنا الخطبة قبل الزوال - كما ذهب إليه بعض علمائنا (2) - لم يسغ الأذان قبله مع احتماله. ومتى يحرم البيع حينئذ؟ إن قلنا بتقديم الأذان، حرم البيع معه وبه - قال أحمد (3) - لأن المقتضي - وهو سماع الذكر - موجود. وإلا فإشكال ينشأ: من تعليق التحريم بالنداء، ومن حصول الغاية. ب: البيع بعد الزوال قبل النداء مكروه عندنا، لما فيه من التشاغل عن التأهب للجمعة، وبه قال الشافعي (4). وعند أحمد ومالك أنه محرم (5). وقد تقدم. ج - لو كان بعيدا من الجمعة يفتقر إلى قطع المسافة قبل الزوال، وجب السعي وحرم البيع إن منع، وإلا فلا د: لو تبايعا بعد السعي حال الأذان فإشكال، وبالجملة لو لم يمنع البيع من سماع الخطبة، أو منع وقلنا بعدم الوجوب ومنع تحريم الكلام فالوجه: التحريم، للعموم (6).

(1) حكاه عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 630، المسألة 402، وراجع: المغني 2: 145، وتفسير القرطبي 18: 108.
(2) ذهب إليه الشيخ الطوسي في النهاية: 105، والمبسوط 1: 151، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 95، والمعتبر: 204.
(3) أنظر: المغني 2: 144 و 145.
(4) المجموع 4: 500، فتح العزيز 4: 426، رحمة الأمة 1: 80.
(5) المغني 2: 145، وانظر لقولهما أيضا: الخلاف 1: 630 المسألة 402.
(6) المستفاد من الآية 9 من سورة الجمعة.

[ 109 ]

ه‍: التحريم مختص بمن يجب عليه السعي دون غيرهم، كالنساء والصبيان والمسافرين وغيرهم عند علمائنا، وبه قال الشافعي (1). وعن أحمد رواية بالتحريم (2). وقال مالك: يمنع العبيد كالاحرار أيضا (3). وليس بمعتمد، لأن النهي عن البيع متوجه إلى من أمر بالسعي. ولو كانوا في قرية لا جمعة على أهلها، لم يحرم البيع ولا كره أيضا إجماعا. و - لو كان أحد المتبايعين مخاطبا دون الآخر، حرم بالنسبة إلى المخاطب إجماعا، وهل يحرم على الآخر؟ قال الشيخ: إنه يكره لأن فيه إعانة على فعل محرم، وهو يقتضي التحريم، لقوله تعالى: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } (4) (5). والوجه عندي: التحريم في حقه أيضا، للآية (6)، وبه قال الشافعي (7). ز: لو تبايعا، فعلا حراما، وهل ينعقد البيع؟ لعلمائنا قولان: المنع (8) - وبه قال أحمد ومالك وداود (9) - لأن النهي يقتضي الفساد.

(1) حكاه عنه الشيخ في الخلاف 1: 630، المسألة 403، وراجع: الأم 195.
(2) المغني 2: 146.
(3) حكاه عنه الشيخ في الخلاف 1: 630، المسألة 403، وراجع، المدونة الكبرى 1: 154.
(4) المائدة: 2.
(5) المبسوط للطوسي 1: 150.
(6) الجمعة: 9.
(7) المجموع 4: 500، المهذب للشيرازي 1: 117. ممن قال بعدم الانعقاد: الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 631 المسألة 404، والمبسوط 1: 150، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 177.
(9) المجموع 4: 501، بلغة السالك 1: 183، تفسير القرطبي 18 / 108، أحكام القرآن =

[ 110 ]

والصحة (1) - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (2) - لأن النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد، بل في العبادات. ولأن البيع غير مقصود بالنهي، فإنه لو ترك الصلاة والمبايعة، كان عاصيا، وإذا لم يكن مقصودا، فالتحريم لا يمنع انعقاده، كما لو ترك الصلاة المفروضة بعد ضيق الوقت واشتغل بالبيع، فإنه يصح إجماعا. ح: هل يحرم غير البيع من الاجارة والنكاح والصلح وغيرها؟ إشكال ينشأ: من اختصاص النهي بالبيع فلا يتعداه. ومن المشاركة في العلة. مسألة 429: المصر ليس شرطا في الجمعة، فتجب على أهل القرى مع الاستيطان عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي (3) - لعموم الأمر (4). ولأن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجواثا (5) من البحرين من قرى عبد القيس (6). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب جمعوا إذا كانوا خمسة

للجصاص 3: 448، فتح العزيز 4: 624. (1) ممن قال بصحة البيع: المحقق في المعتبر: 207، وشرائع الاسلام 1: 98، ومختصر النافع: 36، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: 96.
(2) الأم 1: 195، المجموع 4: 500 و 501، المهذب للشيرازي 1: 117، أحكام القرآن للجصاص 3: 448.
(3) المجموع 4: 505، كفاية الأخيار 1: 90، المنتقى للباجي 1: 196، المغني 2: 175، الشرح الكبير 2: 173، المبسوط للسرخسي 2: 23.
(4) الجمعة: 9.
(5) جواثا بالضم: حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء الحضرمي في أيام أبي بكر سنة 12 ه‍. معجم البلدان 2: 174 مادة (جواثا).
(6) صحيح البخاري 2: 6، سنن أبي داود 1: 280 / 1068، سنن البيهقي 3: 176.

[ 111 ]

نفر، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين " (1). ولأنه بناء استوطنه العدد، فيجب عليهم الجمعة، كأهل المصر. وقال أبو حنيفة والثوري: لا تصح إقامة الجمعة إلا في مصر جامع، فلا تجب على أهل القرى والسواد، لقول علي عليه السلام: " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع " (2) (3). ونحن نقول بموجبه، فإن الاعتبار بكونه جامعا للعدد والشرائط الباقية، لا بكونه مصرا. قال أبو يوسف: المصر ما كان فيه سوق، وقاض يستوفي الحقوق، ووال يستوفي الحدود (4). فإن سافر الإمام فدخل قرية، فإن كان أهلها يقيمون الجمعة، صلى الجمعة، وإلا لم يصلها. مسألة 430: وليس البنيان شرطا عندنا، بل الاستيطان، فتجب على أهل الخيم والبادية إذا كانوا مستوطنين - وهو أحد قولي الشافعي، وقول أبي ثور (5) - للعموم (6). ولقوله عليه السلام: (جمعوا حيث كنتم) (7). والآخر: لا يجب إلا على أهل مصر أو قرية مبنية بالحجارة، أو الآجر،

(1) التهذيب 3: 238 / 634، الاستبصار 1: 420 / 1614.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 101، سنن البيهقي 3: 179.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 23، الهداية للمرغيناني 1: 82، بدائع الصنائع 1: 259، المجموع 4: 505، حلية العلماء 2: 229، المغني 2: 175، الشرح الكبير 2: 173.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 23، بدائع الصنائع 1: 259.
(5) المجموع 4: 501، فتح العزيز 4: 495، حلية العلماء 2: 229.
(6) المستفاد من الآية 9 من سورة الجمعة.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 2: 101، وفيه هذا القول منسوب إلى عمر، كما أن المصنف نسبه إليه في المنتهى 1: 320.

[ 112 ]

أو اللبن، أو السعف والجريد والشجر متصلة البناء، فلو كانت متفرقة، فإن تقاربت، فكالواحدة، وإن تباعدت، لم تجب الجمعة (1). واختلف أصحابه في القرب، فقيل: إذا كان بين منزلين دون ثلاثمائة ذراع، فقريب كما هو قريب في الائتمام. وقيل: بتجويز القصر عند إرادة السفر، فإن كان البعد بين المنزلين قدرا إذا خرج من منزله بقصد السفر يشترط أن يتجاوزه في استباحة القصر فقريب، وإلا فلا (2). فإن انهدمت أو احترقت، فإن بقي العدد ملازمين ليصلحوها، جمعوا وإن لم يكونوا تحت ظلال، لأنهم لم يخرجوا بذلك عن الاستيطان في ذلك المكان. مسألة 431: ولا يشترط استيطانهم شتاء وصيفا في منزل واحد لا يظعنون عنه إن قحطوا، ولا يرغبون عنه بخصب غيره - وبه قال أبو ثور (3) - للعموم (4). ولأن عبد الله بن عمر كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب (5) عليهم (6). وقال الشافعي: يجب ذلك إن أوجبنا الجمعة عليهم، لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم ينقل أنه عليه السلام أمرهم بإقامة الجمعة ولا أقاموها، ولو كان ذلك، لنقل، فدل على أنها لا تقام في بادية، بل إن سمعوا النداء

(1) الأم 1: 190، المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 501، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 495، حلية العلماء 2: 229، كفاية الأخيار 1: 90.
(2) أنظر: فتح العزيز 4: 496.
(3) حلية العلماء 2: 229.
(4) المستفاد من الآية 9 من سورة الجمعة.
(5) في نسخة " ش ": فلا يعيب.
(6) مصنف عبد الرزاق 3: 174 / 5185.

[ 113 ]

من بلد أو قرية، لزمهم قصدها وإلا فلا (1)، وهو ممنوع. إذا عرفت هذا، فإن استوطنوا منزلا ثم سافروا عنه إلى مسافة بعد عشرة أيام فصاعدا لم تجب عليهم الجمعة في مسيرهم بل في مقصدهم إن عزموا إقامة المدة فيه، وكذا لو سافروا إلى ما دون المسافة، فإنه تجب عليهم الجمعة في المسافة والمقصد معا. ولو أقاموا دون عشرة ثم سافروا إلى المسافة، فالوجه: وجوبها عليهم في المسافة والمقصد، لوجوب الاتمام عليهم. وإن كان فيه إشكال ينشأ: من مفهوم الاستيطان هل المراد منه المقام، أو ما يجب فيه التمام؟ مسألة 432: تجوز إقامة الجمعة خارج المصر - وبه قال أبو حنيفة وأحمد (2) - للامتثال بالاتيان بالجمعة، ولأنها صلاة شرط لها الاجتماع والخطبة، فجاز فعلها خارج المصر كالعيد. وقال الشافعي: لا يجوز أن يصلي الإمام الجمعة بأهل المصر خارج المصر، لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه، فلم يجز لهم إقامة الجمعة فيه كالبعيد، بخلاف العيد، لأنها ليست مردودة من فرض إلى فرض، وهذه مرودة، فجاز أن يختص فعلها بمكان (3) وتجويز الاختصاص لا يستلزمه. ونمنع في البعيد أيضا إذا لم يبلغ المسافة، خلافا لأبي حنيفة (4).

(1) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 501 و 505، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 495، مغني المحتاج 1: 281، كفاية الأخيار 1: 91.
(2) بدائع الصنائع 1: 260، المغني 2: 176، الشرح الكبير 2: 172، المجموع 4: 505، فتح العزيز 4: 493، الميزان 1: 188.
(3) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 501، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 493، الميزان 1: 188، مغني المحتاج 1: 280، السراج الوهاج: 85، المغني 2: 176، الشرح الكبير 2: 172.
(4) بدائع الصنائع 1: 260، فتح العزيز 4: 493، الميزان 1: 188، المغني 2: 176، الشرح الكبير 2: 172، المجموع 4: 505.

[ 114 ]

والقصر باعتبار السفر لا باعتبار خروجه عن المصر، لأن الأصل عدم الاشتراط، ولا نص في اشتراطه ولا معنى نص. مسألة 433: يسقط وجوب الجمعة عمن صلى العيد لو اتفقا في يوم واحد عدا الإمام، فإنه يجب عليه الحضور، وغيره يتخير، ويستحب له إعلامهم ذلك، ذهب إليه علماؤنا، عدا أبا الصلاح (1) - وبه قال علي عليه السلام، وعمر وعثمان وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير والشعبي والنخعي والأوزاعي وعطاء وأحمد (2) - لأنه اجتمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، عيدان فصلى العيد وخطب فقال: (أيها الناس قد اجتمع عيدان في يوم، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " اجتمع على عهد أمير المؤمنين عليه السلام عيدان، فقال: هذا يوم قد اجتمع فيه عيدان، فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، ومن لم يفعل فإن له رخصة " (4). ولأن الجمعة إنما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأ عن سماعها ثانيا. ولأن وقتهما متقارب، فتسقط إحدهما بالأخرى، كالجمعة مع الظهر. ولأنه يوم عيد جعل للراحة واللذة، فإن أقام المصلي إلى الزوال، لحقته المشقة، وإن عاد، لحقته المشقة أيضا.

(1) الكافي في الفقه: 155.
(2) المغني 2: 212، الشرح الكبير 2: 193، المحرر في الفقه 1: 159، الانصاف 2: 403، المجموع 4: 492، بداية المجتهد 1: 219. (3) مصنف عبد الرزاق 3: 304 - 305 / 5729 نحوه.
(4) الكافي 3: 461 / 8، التهذيب 3: 137 / 306.

[ 115 ]

وقال أبو الصلاح منا (1) وباقي الفقهاء من الجمهور: لا تسقط (2)، للعموم (3). ولأنها ليست من فرائض الأعيان فلا يسقط بها ما هو من فرائض الأعيان. والعموم مخصوص بالأدلة. وكونها ليست من فرائض الأعيان ممنوع على ما يأتي. أما الإمام فلا يجوز له التخلف إجماعا طلبا لاقامتها مع من يحضر وجوبا، أو استحبابا. خاتمة: قال الرضا عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الجمعة سيد الأيام تضاعف فيه الحسنات، وتمحى فيه السيئات، وترفع فيه الدرجات، وتستجاب فيه الدعوات، وتكشف فيه الكربات، وتقضى فيه الحاجات العظام، وهو يوم المزيد، لله فيه عتقاء وطلقاء من النار، ما دعا الله فيه أحد من الناس وعرف حقه وحرمته إلا كان حقا على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، فإن مات في يومه وليلته مات شهيدا، وبعث آمنا، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقي على الله عز وجل أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب " (4). وقال الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستحب إذا دخل وإذا خرج في الشتاء أن يكون في ليلة الجمعة " (5). وقال الباقر عليه السلام: " إن الله تعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق

(1) الكافي في الفقه 155.
(2) الأم 1: 239، المجموع 4: 492، فتح العزيز 5: 67، المهذب للشيرازي 1: 161، المغني 2: 212، الشرح الكبير 2: 193، بداية المجتهد 1: 219.
(3) المستفاد من الآية 9 من سورة الجمعة.
(4) الكافي 3: 414 / 5، التهذيب 3: 2 / 2، المقنعة: 25، مصباح المتهجد: 230.
(5) الكافي 3: 413 / 3، التهذيب 3: 4 / 10.

[ 116 ]

عرشه من أول الليل إلى آخره: ألا عبد مؤمن يدعوني لآخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فأجيبه، ألا عبد مؤمن يتوب إلي من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه، ألا عبد مؤمن قد قترت عليه رزقه فيسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده وأوسع عليه، ألا عبد مؤمن سقيم يسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فأعافيه، ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألني أن أطلقه من حبسه وأخلي سربه، ألا عبد مؤمن مظلوم يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له، وآخذ له بظلامته " قال: " فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر (1). وقال الباقر عليه السلام: " إذا صليت العصر يوم الجمعة فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد الاوصياء المرضيين بأفضل صلواتك، وبارك عليهم بأفضل بركاتك، وعليهم السلام وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته " قال: " من قالها في دبر العصر كتب الله له مائة ألف حسنة، ومحا عنه مائة ألف سيئة، وقضى له مائة ألف حاجة، ورفع له بها مائه ألف درجة " (2). وقال زين العابدين عليه السلام: " جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله يقال له قليب، فقال له: يا رسول الله إني تهيأت إلى الحج كذا وكذا مرة فما قدر لي، فقال له: يا قليب عليك بالجمعة فإنها حج المساكين " (3). ويستحب الصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام، بأن يقول اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم، وأهلك عدوهم من الجن والانس من الأولين والآخرين، مائة مرة أو ما قدر عليه.

(1) الفقيه 1: 271 / 1237، التهذيب 3: 5 / 11، المقنعة: 25.
(2) التهذيب 3: 19 / 68.
(3) التهذيب 3: 236 - 237 / 625.

[ 117 ]

ويستحب أن يقرأ ليلة الجمعة: بني إسرائيل والكهف والطواسين الثلاث (1) وسجدة لقمان (2)، و " حم " السجدة (3)، و " حم " الدخان، والواقعة. * * *

(1) الطواسين الثلاث هي الشعراء والنمل والقصص.
(2) المراد: سورة السجدة التي تلي سورة لقمان.
(3) " حم " السجدة هي سورة فصلت.

[ 119 ]

الفصل الثاني: في صلاة العيدين وفيه مطلبان: الأول: الماهية مسألة 434: صلاة العيدين واجبة على الأعيان عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة (1)، إلا أنه لم يسمها فرضا، وهي منازعة لفظية - لقوله تعالى: { فصل لربك وانحر } (2). والمشهور في التفسير: أن المراد صلاة العيد (3). ولأن النبي صلى الله عليه وآله، داوم عليها ولم يخل بها في وقت من الأوقات، ولو كانت تطوعا، لأهملها (4) في بعض الأوقات، ليدل بذلك على نفي وجوبها. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " صلاة العيد

(1) المبسوط للسرخسي 2: 37، شرح فتح القدير 2: 39، الهداية للمرغيناني 1: 85، اللباب 1: 115، الميزان 1: 194، رحمة الأمة 1: 86، عمدة القاري 6: 273، المغني 2: 223، الشرح الكبير 2: 223، بدائع الصنائع 1: 274 - 275، فتح العزيز 5: 4 و 5.
(2) الكوثر: 2.
(3) أنظر: أحكام القرآن لابن العربي 4: 1986، تفسير الطبري 30: 211، تفسير غرائب القرآن 30: 179، الكشاف للزمخشري 4: 291.
(4) في هامش الطبعة الحجرية نسخة بدل: " لأخل بها ".

[ 120 ]

فريضة " (1). ولأنها لو لم تجب لم يجز قتال تاركيها كسائر السنن، لأن القتال عقوبة فلا يتوجه إلى تارك المندوب. ولأنها من شعائر الدين الظاهرة وأعلامه، فتكون واجبة على الأعيان كالجمعة وقال أحمد بن حنبل: إنها واجبة على الكفاية لا على الأعيان - وهو قول للشافعية (2) - لأنها صلاة سن فيها تكبير متكرر متوال، فكانت واجبة على الكفاية، كصلاة الجنازة (3). والملازمة ممنوعة. ولأن الأصل في الوجوب عدم السقوط بفعل البعض. وقال مالك وأكثر الشافعية: إنها مندوبة لا واجبة، لأن النبي صلى الله عليه وآله ذكر للاعرابي خمس صلوات، فقال هل علي غيرها؟ فقال: (لا إلا أن تطوع) (4). ولأنها صلاة ذات ركوع لم يسن لها الإقامة، فلم تكن واجبة بالشرع ابتداء، كصلاة الاستسقاء (5). والسقوط عن الأعرابي لا يستلزمه في حق غيره، لعدم الاستيطان فيه.

(1) الفقيه 1: 320 / 1457، التهذيب 3: 127 / 269 و 270، الاستبصار 1: 443 / 1710 و 1711.
(2) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 5: 2، فتح العزيز 5: 4، حلية العلماء 2: 253.
(3) المغني 2: 223 - 224، الشرح الكبير 2: 223، فتح العزيز 5: 4.
(4) صحيح مسلم 1: 40 - 41 / 11، سنن أبي داود 1: 106 / 391، سنن البيهقي 1: 361، الموطأ 1: 175 / 94.
(5) الكافي في فقه أهل المدينة: 77، المغني 2: 224، الشرح الكبير 2: 223، المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 5: 2 و 3، فتح العزيز 5: 3 - 4.

[ 121 ]

ولأنه سأل عن نفسه. ويمكن اختصاصه بحال تسقط عنه صلاة العيد، تسقط في حق غيره. والجامع الذي ذكروه مع الاستسقاء ينتقض بالجنازة والمنذورة، مع أنه وصف سلبي والاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الأحكام. مسألة 435: شرائط الجمعة هي شرائط العيدين إلا الخطبتين. وتجبان على كل من تجب عليه الجمعة عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية، والشافعي في القديم (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلاها مع شرائط الجمعة، وقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (2). ولأن كل من أوجبها على الأعيان اشترط ذلك، وقد ثبت الوجوب، فيجب الاشتراط لعدم الفارق. ولقول الباقر عليه السلام: " لا صلاة يوم الفطر ولا الأضحى إلا مع إمام " (3). ولأنها صلاة عيد، فأشبهت الجمعة، لأنها أحد العيدين. وقال الحسن والشافعي في الجديد: وأحمد في رواية: ليس لها

(1) المبسوط للسرخسي 2: 37، الهداية للمرغيناني 1: 85، المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 237 - 238، الأم 1: 240، مختصر المزني: 30، المجموع 5: 3 و 26، فتح العزيز 5: 5 و 9.
(2) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 346 / 10، سنن البيهقي 2: 345.
(3) الكافي 3: 459 / 2، التهذيب 3: 128 / 272، الاستبصار 1: 444 / 1713، ثواب الأعمال: 103 / 3.

[ 122 ]

شرط، فيصليها المنفرد والعبد والمسافر والنساء، لأن الاستيطان ليس شرطا فيها، فلم تكن من شرطها الجماعة (1). والصغرى ممنوعة، فإن النبي صلى الله عليه وآله، لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه. إذا عرفت هذا، فإن الشيخ قال في المبسوط: صلاة العيدين فريضة عند حصول شرائطها، وشرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد والخطبة وغير ذلك (2). وفي هذه العبارة نظر. إذا ثبت هذا، فلو امتنع من إقامتها مع الشرائط، قهر عليه، ولو امتنع قوم من أدائها، قوتلوا لاقامتها، لأنها واجبة. مسألة 436: لو فقدت الشرائط أو بعضها، سقط وجوبها دون استحبابها، بل يستحب الاتيان بها جماعة وفرادى، سفرا وحضرا - وبه قال الشافعي (3) - لأنها عبادة فات شرط وجوبها، فاستحب الاتيان بها كالحج. ولقول الصادق عليه السلام: " من لم يشهد الجماعة في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد، وليصل وحده كما يصلي في الجماعة " (4). ومنع أبو حنيفة من فعلها إلا مع الجماعة (5).

(1) الأم 1: 240، مختصر المزني: 31، المجموع 5: 26، فتح العزيز 5: 9، الميزان للشعراني 1: 194، مغني المحتاج 1: 310، المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 238، الانصاف 2: 424 و 426.
(2) المبسوط للطوسي 1: 169.
(3) فتح العزيز 5: 9، الميزان للشعراني 1: 194، مغني المحتاج 1: 310، المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 238.
(4) الفقيه 1: 320 / 1463، التهذيب 3: 297، الاستبصار 1: 444 / 1716.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 37، اللباب 1: 115، فتح العزيز 5: 9، رحمة الأمة 1: 86 - 87، المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 238.

[ 123 ]

وعن أحمد روايتان كالجمعة (1). والفرق: أنها بدل عن الظهر، فمع فوات الشرط ينتقل إلى المبدل، بخلاف العيد. إذا عرفت هذا، فإنه يصليها لو كانت واجبة. ولو صلاها في جماعة، استحبت الخطبة كما تجب في الواجبة. ولو صلاها منفردا، فالأقرب: أنه لا يخطب. قال الشيخ في المبسوط: وقد روي أنه إن أراد أن يصليها أربع ركعات، جاز (2). مسألة 437: هل يشترط بين فرضي العيدين بعد فرسخ كما قلنا في الجمعة؟ إشكال ينشأ: من اتحادهما في الشرائط. ومن كونه شرطا، فإن علماءنا عدوا الشروط ولم يذكروه شرطا بالنصوصية وإن حكموا بالبطلان مع الاقتران وصحة السابق منهما. مسألة 438: وقت صلاة العيدين من طلوع الشمس إلى الزوال عند علمائنا - وبه قال الشافعي (3) - لأن عبد الله بن بسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، خرج في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين صلاة التسبيح (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " ليس في الفطر ولا الأضحى أذان ولا إقامة أذانهما طلوع الشمس فإذا طلعت خرجوا " (5).

(1) المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 237 - 238، الانصاف 2: 424.
(2) المبسوط للطوسي 1: 169، وانظر التهذيب 3: 135 / 295، الاستبصار 1: 446 / 1725.
(3) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 5: 4، الوجيز 1: 69، فتح العزيز 5: 7، مغني المحتاج 1: 310، كفاية الأخيار 1: 95، السراج الوهاج: 95.
(4) سنن ابن ماجة 1: 418 / 1317، سنن أبي داود 1: 295 - 296 / 1135.
(5) الكافي 3: 459 / 1، التهذيب 3: 129 / 276، ثواب الأعمال: 103 - 104 / 7 وفيها عن

[ 124 ]

وقال أحمد: حين ترتفع قدر رمح، لأن النافلة تكره قبل ذلك (1). وقد بينا وجوبها. إذا عرفت هذا، فإنه يستحب تأخيرها إلى أن تنبسط الشمس ليتوفر الناس على الحضور. وسأل سماعة الصادق عليه السلام، عن الغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى، فقال: " بعد طلوع الشمس " (2). قال الشيخ في المبسوط: وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس وارتفعت وانبسطت، فإن كان يوم الفطر أصبح بها أكثر، لأن من المسنون يوم الفطر أن يفطر أولا على شئ من الحلاوة، ثم يصلي، وفي يوم الأضحى لا يذوق شيئا حتى يصلي ويضحي، ويكون إفطاره على شئ مما يضحي به (3). ولأن الأفضل إخراج الفطرة قبل الصلاة، فيؤخرها ليتسع الوقت لذلك، والأضحى يقدمها ليضحي بعدها، فإن وقتها بعد الصلاة. مسألة 439: وهي ركعتان كالصبح، إلا أنه يزيد فيها خمس تكبيرات في الأولى، وأربعا في الثانية غير تكبيرة الاحرام وتكبيرتي الركوعين، فيكون الزائد تسعا عند أكثر علمائنا (4)، لأن البراء بن عازب قال: كبر رسول الله صلى الله عليه وآله، في العيد تسعا: خمسا في الأولى، وأربعا في الثانية (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " التكبير في الفطر والأضحى اثنتا عشرة تكبيرة: يكبر في الأولى، ثم يقرأ، ثم يكبر بعد القراءة

الإمام الباقر عليه السلام. (1) المغني 2: 232 - 233، الشرح الكبير 2: 224.
(2) التهذيب 3: 287 / 859.
(3) المبسوط للطوسي 1: 169.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 170، وابن إدريس في السرائر: 70، والمحقق في المعتبر: 210.
(5) أورده المحقق في المعتبر: 211.

[ 125 ]

خمس تكبيرات، والسابعة يركع بها، ثم يقرأ في الثانية ويكبر أربعا، والخامسة يركع بها " (1). ومثله عن الكاظم عليه السلام (2). وقال المفيد والمرتضى: يكبر في الأولى خمسا زائدة على تكبيرة الاحرام وتكبيرة الركوع، ويقوم إلى الثانية مكبرا، ثم يقرأ ويكبر ثلاث مرات ويركع بالرابعة (3). وقال الشافعي والأوزاعي وإسحاق: الزائد على تكبيرة الاحرام وتكبيرتي الركوعين اثنتا عشرة تكبيرة: سبع في الأولى، وخمس في الثانية، لقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يكبر في العيدين اثنتي عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح (4) (5). ولعله وهم من عائشة في العدد بواحد (6). وقال أحمد: يكبر في الأولى ستا غير تكبيرة الاحرام والركوع، وفي الثانية خمسا غير تكبيرة النهوض والركوع. وهو مروي عن فقهاء المدينة

(1) التهذيب 3: 131 / 286، الاستبصار 1: 449 / 1736.
(2) التهذيب 3: 132 / 287، الاستبصار 1: 449 / 1737.
(3) المقنعة: 32، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 239، المسألة 111.
(4) سنن الدار قطني 2: 46 / 12، المستدرك للحاكم 1: 298.
(5) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 17 و 19، فتح العزيز 5: 46، المغني 2: 236، الشرح الكبير 2: 246 - 247، بداية المجتهد 1: 217، حلية العلماء 2: 255 - 256.
(6) إشارة إلى الحديث المشهور عن عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه وآله، كبر في الفطر والأضحى سبعا وخمسا سوى تكبيرتي الركوع، حيث يصبح المجموع اثنتي عشرة تكبيرة مع تكبيرة الافتتاح، أنظر: سنن أبي داود 1: 299 / 1149 و 1150، والمغني 2: 236، والشرح الكبير 2: 246. وفي هذا الحديث استثنت عائشة - في قولها - تكبيرة الافتتاح من العدد، فيصبح معها ثلاث عشرة تكبيرة فلا حظ.

[ 126 ]

السبعة (1)، وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والمزني (2). وقال أبو حنيفة والثوري: في كل من الأولى والثانية ثلاث ثلاث، لأن أبا موسى روى عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه كان يكبر في الأضحى والفطر أربعا تكبيره على الجنازة (3) (4). وضعفها الخطابي (5)، فلا يعتد بها. وقال ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي: يكبر سبعا سبعا (6). مسألة 440: موضع التكبيرات الزائدة بعد القراءة قبل الركوع في الركعتين معا عند أكثر علمائنا (7)، لأنه قنوت في صلاة فرض، فيكون بعد القراءة كالفرائض اليومية. ولقول الصادق عليه السلام، وقد سأله معاويه بن عمار عن صلاة العيدين، فقال: " ركعتان يفتتح ثم يقرأ ثم يكبر خمس تكبيرات، ثم يكبر ويركع بالسابعة، ثم يقوم فيقرأ، ثم يكبر أربع تكبيرات " قال: " وكذا صنع

(1) وهم: عروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وسعيد بن المسيب وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسليمان بن يسار: أنظر: تهذيب التهذيب 12: 34 - 35، الأعلام للزركلي 2: 65، الموسوعة الفقهية 1: 364.
(2) المغني 2: 236، الشرح الكبير 2: 246، بداية المجتهد 1: 217، بلغة السالك 1: 187، الشرح الصغير 1: 187، المجموع 5: 20، فتح العزيز 5: 46، المحلى 5: 83.
(3) سنن أبي داود 1: 299 / 1153، سنن البيهقي 3: 289 - 290.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 86، اللباب 1: 116، المغني 2: 236، الشرح الكبير 2: 247، فتح العزيز 5: 46، بداية المجتهد 1: 217، المحلى 5: 83.
(5) معالم السنن 2: 31، والمغني 2: 236، والشرح الكبير 2: 254.
(6) المجموع 5: 20، المغني 2: 236، الشرح الكبير 2: 247.
(7) منهم: السيد المرتضى في الانتصار: 56 - 57، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 170، والمحقق في المعتبر: 211.

[ 127 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله " (1). وقال بعض علمائنا: إنه في الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعدها (2) - وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، وعن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى والحسن وابن سيرين والثوري (3) - لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يوالي بين القرائتين (4). ومن طريق الخاصة: رواية هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام في صلاة العيدين، قال: " تصل القراءة بالقراءة " (5). وقال الشافعي ومالك: يكبر قبل القراءة في الركعتين معا - وعن أحمد روايتان (6) - لرواية عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه كبر قبل القراءة فيهما (7) (8). وما ذكرناه أولى، لموافقتها لباقي الصلوات. إذا عرفت هذا، فإن القائلين بالتقديم اختلفوا، فقال الشافعي: يكبر للاحرام ثم يدعو بعدها بدعاء الاستفتاح، ثم تكبيرات العيد، ثم يتعوذ، ثم

(1) الكافي 3: 460 / 3، التهذيب: 3: 129 / 278، الاستبصار 1: 448 / 1733.
(2) هو ابن الجنيد كما في المعتبر: 211.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 38، اللباب 1: 116 - 117، المغني 2: 235، الميزان للشعراني 1: 195، رحمة الأمة 1: 87.
(4) أوردها ابنا قدامة في المغني 2: 235، والشرح الكبير 2: 247 عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله، وقالا: رواه أبو داود. وليس في سنن أبي داود [ 1: 299 / 1153 ] أن النبي صلى الله عليه وآله، وإلى بين القراءتين.
(5) التهذيب 3: 284 / 847، الاستبصار 1: 450 / 1744.
(6) المغني 2: 235، الشرح الكبير 2: 253.
(7) سنن أبي داود 1: 299 / 1152، سنن البيهقي 3: 286.
(8) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 17 و 18، فتح العزيز 5: 46 و 50، حلية العلماء 2: 256، بداية المجتهد 1: 217، الكافي في فقه أهل المدينة: 78، المغني 2: 235 - 236، الشرح الكبير 2: 253 - 254.

[ 128 ]

يقرأ - وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن (1)، ولا نعرف لأبي حنيفة في ذلك شيئا - لأن أبا سعيد الخدري قال: إن النبي صلى الله عليه وآله، كان يتعوذ قبل القراءة (2). ولأن التعوذ تابع للقراءة، فلا يفصل بينهما (3). وعن أحمد رواية: أن الاستفتاح بعد التكبيرات. وهو قول الأوزاعي (4). وقال أبو يوسف: يتعوذ قبل التكبير، لأنه عقيب دعاء الاستفتاح في جميع الصلوات (5). مسألة 441: ويقنت عقيب كل تكبيرة، ويدعو بما شاء - والأفضل ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام. وباستحباب الدعاء قال الشافعي وأحمد (6) - لأن ابن مسعود قال للوليد بن عقبة وقد سأله عن كيفية الصلاة: يكبر، ويحمد الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله (7). ومن طريق الخاصة: قول محمد بن مسلم: سألت أحدهما عليهما السلام، عن الكلام الذي يتكلم به بين التكبيرتين في العيدين، فقال: " ما

(1) المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 244، حلية العلماء 2: 256، المجموع 5: 21، المبسوط للسرخسي 2: 42، بدائع الصنائع 1: 227.
(2) سنن البيهقي 2: 35.
(3) المجموع 5: 17 و 18 و 21، فتح العزيز 5: 46، حلية العلماء 2: 256، المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 244 - 245.
(4) المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 244 - 245، المجموع 5: 21.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 42، بدائع الصنائع 1: 277، المجموع 5: 20، حلية العلماء 2: 256، المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 245.
(6) المجموع 5: 17 و 21، فتح العزيز 5: 48 و 49، المغني 2: 238، الشرح الكبير 2: 251.
(7) سنن البيهقي 3: 291 - 292.

[ 129 ]

شئت من الكلام الحسن " (1). ولأنها تكبيرات متكررة في حال القيام، فاستحب أن يتخللها الذكر، كتكبيرات الجنازة. ونقل عن مالك أنه قال: يقف بين كل تكبيرتين ولا يذكر شيئا (2). وقال أبو حنيفة: يوالي بين التكبيرات، لأن الدعاء لو كان مسنونا، لنقل عن النبي صلى الله عليه وآله، كما نقل عنه التكبير. ولأنه ذكر مسنون في محل واحد متكرر، فكان متواليا، كالتسبيح في الركوع والسجود (3). والنقل موجود، والتسبيح ذكر يخفى ولا يظهر، بخلاف التكبيرات. مسألة 442: وأفضل ما يقال ما نقل عن أهل البيت عليهم السلام، لأنهم أعرف بكيفيات العبادات وما يناجى به الرب، لاستفادة علومهم من الوحي. قال الباقر عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله، اللهم أهل الكبرياء والعظمة، وأهل الجود والجبروت، وأهل العفو والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا، ولمحمد صلى الله عليه وآله، ذخرا ومزيدا، أن تصلي على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت على عبد من عبادك، وصل على ملائكتك ورسلك، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، اللهم إنى أسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون، وأعوذ بك

(1) التهذيب 3: 288 / 863.
(2) كما في فتح العزيز 5: 49، وحكاه عنه القفال الشاشي في حلية العلماء 2: 258، وراجع: الكافي في فقه أهل المدينة: 78.
(3) المغني 2: 238، فتح العزيز 5: 49، حلية العلماء 2: 258.

[ 130 ]

مما استعاذ منه عبادك المرسلون " (1). ومثله عن الصادق عليه السلام (2)، لكن لم يذكر الشهادتين. وقال الشافعي: يقول الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما (3). مسألة 443: اختلف علماؤنا في التكبيرات الزائدة، والقنوت بينها هل هو واجب، أو مستحب؟ قال الشيخ في التهذيب: من أخل بالتكبيرات، لم يكن مأثوما، لكن يكون تاركا فضلا (4). وقال في الخلاف: يستحب أن يدعو بين التكبيرات بما يسنح له (5). ويدل عليه قول أحدهما عليهما السلام، وقد سئل عن الكلام الذي يتكلم به بين التكبيرتين في العيدين، فقال: " ما شئت من الكلام الحسن " (6) وبه قال الشافعي (7). وقال بعض علمائنا: بالوجوب (8)، اتباعا لما فعله النبي عليه السلام، وتنزيلا لفعله عليه السلام على الواجب، وللفرق بين هذه الصلاة وبين الفرائض اليومية. إذا عرفت هذا، فإنه لا يأتي بالدعاء بين تكبيرة الافتتاح والتكبير للعيد إن

(1) التهذيب 3: 140 / 315.
(2) التهذيب 3: 139 / 314.
(3) الأم 1: 241، المجموع 5: 17، فتح العزيز 5: 49، مغني المحتاج 1: 311.
(4) التهذيب 3: 134 ذيل الحديث 290.
(5) الخلاف 1: 661 المسألة 433.
(6) التهذيب 3: 288 / 863.
(7) المجموع 5: 17، فتح العزيز 5: 48، مغني المحتاج 1: 310، المغني 2: 238.
(8) ذهب إليه السيد المرتضى في الانتصار: 57، وهو الظاهر من قول أبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 154 حيث قال: ويلزمه أن يقنت بين كل تكبيرتين.

[ 131 ]

قلنا بالتقديم - وبه قال الشافعي (1) - لأن الذكر من سنة تكبير العيد، وتكبيرة الافتتاح لا يختص بالعيد. تذنيب: لو نسي التكبير وقلنا بالتقديم حتى شرع في القراءة، فإن قلنا بوجوبه، قطع القراءة وكبر ثم استأنف القراءة، وإن ذكر بعد الفراغ من القراءة فبل الركوع كبر. وهل يعيد القراءة؟ إشكال ينشأ: من أنها وقعت موقعها، ومن تقديم التكبير. وللشافعي قولان: ففي القديم: لا يسقط التكبير لو نسيه، ويقطع القراءة ويكبر، ثم يستأنف القراءة، ولا يبني، لأنه قطع القراءة بغيرها متعمدا، وإن ذكر بعد الفراغ كبر، ولا تجب إعادة القراءة لكن تستحب، لتكون القراءة بعد التكبيرات. وفي الجديد: يسقط التكبير (2). إذا عرفت هذا، فعلى ما اخترناه من تأخير التكبير لو نسيه أو بعضه ثم ذكر قبل الركوع أتى به، لأنه محله. وإن ذكر بعد الركوع، لم يلتفت، لفوات محله، ولا يقضيه، سواء قلنا بوجوبه أو استحبابه، عملا بالأصل، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يأتي بها راكعا (4). وقال الشيخ: يقضيها (5). والوجه: ما تقدم.

(1) المجموع 5: 7، فتح العزيز 5: 49.
(2) المجموع 5: 18، فتح العزيز 5: 61، حلية العلماء 2: 257.
(3) المجموع 5: 18، فتح العزيز 5: 61، السراج الوهاج: 95 - 96، مغني المحتاج 1: 311.
(4) بدائع الصنائع 1: 278، فتح العزيز 5: 61، المغني 2: 239، الشرح الكبير 2: 256.
(5) المبسوط للطوسي 1: 171.

[ 132 ]

مسألة 444: ويستحب رفع اليدين مع كل تكبيرة عند علمائنا، وبه قال عطاء وأبو حنيفة الشافعي وأحمد (1) - لأن النبي عليه السلام قال: (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن) وذكر من جملتها تكبيرات العيد (2). ومن طريق الخاصة: قول يونس: سألته عليه السلام عن تكبير العيدين، فقال: " يرفع يديه مع كل تكبيرة " (3). ولأنه تكبير في الصلاة، فاستحب رفع اليدين به (4) كاليومية. وقال مالك والثوري: لا يرفعهما في غير تكبيرة الاحرام، لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة، فأشبهت تكبيرات السجود (5). والحكم في الأصل ممنوع، كما تقدم. فروع: أ: لو شك في عدد التكبير وهو قائم بنى على اليقين. ب: لو قدمها على القراءة ناسيا، أعاد على الرواية الأخرى (6)، لأن موضعها باق. ج: لو أدرك المأموم بعض التكبيرات مع الإمام أتم مع نفسه قبل أن يركع ثم يدرك الإمام، فإن خاف فوت ركوع الإمام كبر بغير قنوت، فإن خاف الفوت تركها وقضى بعد التسليم عند الشيخ (7). وعلى ما اخترناه فلا قضاء.

(1) المبسوط للسرخسي 2: 39، الأم 1: 237، المجموع 5: 21، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 51، السراج الوهاج: 95، المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 249.
(2) لم نعثر عليه في المصادر الحديثية المتوفرة لدينا، وجاء في الهداية للمرغيناني 1: 86، والمبسوط للسرخسي 2: 39.
(3) التهذيب 3: 288 / 866.
(4) في " ش " والطبعة الحجرية زيادة: مع كل تكبيرة. (5) المدونة الكبرى 1: 169، الشرح الصغير 1: 188، المجموع 5: 21، فتح العزيز 5: 51. المغني 2: 237، الشرح الكبير 2: 249.
(6) وهي رواية معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام، وتقدمت في المسألة 440.
(7) المبسوط للطوسي 1: 171.

[ 133 ]

وقال الشافعي: إذا أدرك مع الإمام البعض كبر ما فاته على القديم من أنه لا يسقط التكبير لو نسيه حتى قرأ - وبه قال أبو حنيفة (1) - وكذا لو أدركه وهو يقرأ فإنه يكبر، وعلى الجديد: لا يكبر ما فاته (2). د: لو أدرك الإمام وهو راكع، كبر وركع معه، ولا يقضي التكبير - وبه قال الشافعي وأحمد وأبو يوسف (3) - لأنه ذكر فات محله، فيفوت بفواته، كذكر الركوع. وعلى قول الشيخ: يقضي. وبه قال أبو حنيفة ومحمد. لكن الشيخ يقول: يقضي بعد الصلاة التكبير (4). وأبو حنيفة ومحمد يقولان: يقضيه في الركوع، لأن الركوع بمنزلة القيام، لأنه يدرك به الركعة (5). وهو ممنوع، لتغاير الفعلين. ه‍: لو كبر تكبيرات العيد قبل القراءة عند من قال بالتقديم، ثم شك هل نوى مع التكبيرة الأولى نية الافتتاح أم لا، فالوجه: أنه لا يلتفت، لأنه شك في شئ بعد انتقاله عنه. وقال الشافعي: لم يكن داخلا في الصلاة، فيكبر وينوي الافتتاح (6). فإن شك هل نوى مع الأولى أو مع الأخيرة، بنى على أنه نوى مع الأولى، لما تقدم.

(1) بدائع الصنائع 1: 278، فتح العزيز 5: 61.
(2) المجموع 5: 19، فتح العزيز 5: 61، حلية العلماء 2: 257.
(3) المجموع 5: 19، فتح العزيز 5: 61، المغني 2: 239، الشرح الكبير 2: 256، بدائع الصنائع 1: 278.
(4) المبسوط للطوسي 1: 171.
(5) بدائع الصنائع 1: 278، فتح العزيز 5: 61.
(6) الأم 1: 237، المجموع 5: 18، فتح العزيز 5: 51.

[ 134 ]

وعند الشافعي يبني على أنه نوى مع الأخيرة (1). مسألة 445: وتتعين الفاتحة في كل ركعة إجماعا ممن يوجبها في الصلوات. وتجب سورة أخرى في كل ركعة ولا يجب تعيينها إجماعا كغيرها من الصلوات، لكن اختلفوا في الأفضل، فلعلمائنا قولان: أحدهما: أن يقرأ في الأولى بعد الحمد " الأعلى " وفي الثانية بعدها " الشمس "، لقول الباقر عليه السلام: " يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: والشمس وضحاها " (3). والثاني: في الأولى ب‍ " الشمس " وفي الثانية ب‍ " الغاشية " (4)، لرواية معاوية بن عمار قال: سألته، إلى أن قال: " ثم يقرأ فاتحة الكتاب، ثم يقرأ: والشمس وضحاها " ثم قال: " ثم يقوم فيقرأ: فاتحة الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية " (5). وللشيخ كالقولين (6). وقال الشافعي: في الأولى ب‍ " ق " وفي الثانية ب‍ " القمر " لقول أبي وقد لما سأله عمر عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله، في العيدين: كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يقرأ ب‍ " ق والقرآن المجيد " و " اقتربت

(1) المجموع 5: 18، فتح العزيز 5: 51.
(2) قال به الصدوق في الفقيه 1: 324، وابن حمزة في الوسيلة: 111، وابن إدريس في السرائر: 70.
(3) التهذيب 3: 132 / 288، الاستبصار 1: 449 / 1738.
(4) قال به المفيد في المقنعة: 32، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل ضمن رسائله 3: 44، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 153 - 154، وابن البراج في المهذب 1: 122، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 499 - 500.
(5) الكافي 3: 460 / 3، التهذيب 3: 129 / 278، الاستبصار 1: 448 / 1733.
(6) ذهب إلى القول الأول في المبسوط 1: 170، والنهاية: 135. وإلى القول الثاني في الخلاف 1: 662 المسألة 434.

[ 135 ]

الساعة " (1) (2). وقال مالك وأحمد: يقرأ في الأولى ب‍ " سبح اسم " وفي الثانية ب‍ " الغاشية " لرواية نعمان بن بشير: أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقرأ بذلك في العيدين والجمعة (3) (4). وقال أبو حنيفة: ليس بعض السور أولى من بعض، لقوله تعالى: { فاقرؤا ما تيسر } (5) (6). وفعل النبي صلى الله عليه وآله، غير ما ذكرناه لا ينافي ما قلناه من الاستحباب. والمراد من الآية: صلوا ما تيسر من الصلاة. مسألة 446: ويستحب الجهر بالقراءة في العيد إجماعا، لأن النبي عليه السلام فعل ذلك. ونقل الجمهور عن علي عليه السلام: أنه كان إذا قرأ في العيد أسمع من يليه، ولم يجهر ذلك الجهر (7). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " يجهر الإمام

(1) صحيح مسلم 2: 607 / 891، سنن أبي داود 1: 300 / 1154، سنن ابن ماجة 1: 408 / 1282، سنن الترمذي 2: 415 / 534، سنن النسائي 3: 184، موطأ مالك 1: 180 / 8، سنن الدار قطني 2: 45 / 11، سنن البيهقي 3: 294.
(2) الأم 1: 237، المجموع 5: 18، مختصر المزني: 31، فتح العزيز 5: 50، كفاية الأخيار 1: 95، السراج الوهاج: 96، المغني 2: 235، الشرح الكبير 2: 252.
(3) سنن ابن ماجة 1: 408 / 1281، سنن الدارمي 1: 377، سنن الترمذي 2: 413 / 533، سنن النسائي 3: 184 و 194، سنن البيهقي 3: 294.
(4) بداية المجتهد 1: 217، المغني 2: 235، الشرح الكبير 2: 252، فتح العزيز 5: 50.
(5) المزمل: 20.
(6) بدائع الصنائع 1: 277، المغني 2: 235، الشرح الكبير 2: 253، فتح العزيز 5: 50.
(7) المغني 2: 234، الشرح الكبير 2: 252، مصنف ابن أبي شيبة 2: 180، سنن البيهقي 3: 295.

[ 136 ]

بالقراءة " (1). ولأنها صلاة عيد، فأشبهت الجمعة. ويستحب أن يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب تكبيرة الاحرام، وهو: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " إلى آخره، كغيرها من الفرائض، فإذا فرغ تعوذ ثم قرأ. مسألة 447: تجب الخطبتان بعد الصلاة، وقد أجمع المسلمون كافة على أنهما بعد الصلاة إلا بني أمية، فإن عثمان ومروان وابن الزبير خطبوا قبل الصلاة (2). وهو خلاف الاجماع، ومخالفة لسنة النبي عليه السلام، وسنة خلفائه. وروى طارق بن شهاب قال: قدم مروان الخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: خالفت السنة، كانت الخطبة بعد الصلاة. فقال: ترك ذاك يا أبا فلان، فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (من رأى منكم منكرا فلينكره بيده، فمن لم يستطع فلينكره بلسانه، فمن لم يستطع فلينكره بقلبه، وذلك أضعف الايمان) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " الخطبة بعد الصلاة وإنما أحدثها قبل الصلاة عثمان " (4).

(1) التهذيب 3: 130 / 282.
(2) صحيح البخاري 2: 22، سنن البيهقي 3: 296 - 297، المستدرك للحاكم 1: 296 وانظر المغني 2: 239، الشرح الكبير 2: 242، المنتقى للباجي 1: 316.
(3) مسند أبي داود الطيالسي: 292 / 2196.
(4) الكافي 3: 460 / 3، التهذيب 3: 129 / 278.

[ 137 ]

فروع: أ: الخطبتان هنا كما هي في الجمعة بإجماع العلماء، إلا أنه ينبغي أن يذكر في خطبته ما يتعلق بالفطرة ووجوبها، وشرائطه، وقدر المخرج، وجنسه، ومستحقه، ووقته. وفي الأضحى: حال الأضحية وما يتعلق بها، واستحبابها، وما يجزئ فيها، ووقت ذبحها، وكيفية تفريقها، وغير ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله، قال في خطبته: (من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو شاة لحم عجله لاهله، ليس من النسك في شئ، ومن ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلوة فقد تم نسكه، وقد أصاب سنة المسلمين) (1). ب: ينبغي أن يخطب قائما، لأن جابرا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله، يوم فطر أو أضحى، فخطب قائما ثم قعد ثم قام (2). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام: " الصلاة قبل الخطبتين، يخطب قائما، ويجلس بينهما " (3). ولأنها صلاة عيد، فأشبهت خطبة الجمعة. ج: يجلس بينهما، لما تقدم من الحديثين (4). وهل القيام والجلوس واجبان؟ إشكال ينشأ: من أصالة البراءة، ومن الأمر بالقيام، وهو ظاهرا للوجوب. وقد روى الجمهور عن علي عليه السلام، أنه صلى يوم عيد فبدأ

(1) صحيح البخاري 2: 21 و 7: 128 و 132، صحيح مسلم 3: 1551 / 1960 و 1552 / 1961 و 1553 / 7، سنن النسائي 7: 224، مسند أحمد 4: 282 و 313، وانظر المغني 2: 241.
(2) سنن النسائي 3: 186، سنن ابن ماجة 1: 409 / 1289.
(3) المعتبر: 214.
(4) تقدما في الفرع " ب ".

[ 138 ]

بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب على دابته (1). د: ينبغي للامام إذا صعد المنبر أن يبدأ بالسلام كما قلنا في الجمعة، فإذا سلم فهل يجلس جلسة خفيفة قبل الخطبة؟ احتمال ينشأ: من المساواة لخطبة الجمعة فيجلس للاستراحة عن تعب الصعود، وللتأهب للخطبة وتأهب الناس لاستماعها. ومن أن الجلوس في الجمعة لانتظار الأذان، وهو منفي هنا. ه‍: قال أصحابنا: الخطبة هنا كالخطبة في الجمعة. وظاهره: عدم استحباب التكبير وإن كان التكبير في نفسه حسنا، إلا أن المنع من اعتقاد مشروعيته هنا بالخصوصية. وقال الشافعي: أول ما يبدأ في الخطبة الأولى بالتكبير تسع مرات، وفي الثانية سبع مرات نسقا (2). قال أصحابه: وليس التكبير من الخطبة. و: الخطبتان واجبتان كما قلنا، للأمر، وهو للوجوب. وقال الجمهور: بالاستحباب (4) ز: لا يجب حضورهما ولا استماعهما إجماعا - ولهذا أخرتا عن الصلاة ليتمكن المصلي من تركهما - بل يستحب. روى عبد الله بن السائب أن النبي صلى الله عليه وآله، قال بعد صلاته: (إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب

(1) المغني 2: 241، الشرح الكبير 2: 258، مصنف ابن أبي شيبة 2: 189، سنن البيهقي 3: 298.
(2) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 23، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 53، حلية العلماء 2: 258.
(3) المجموع 5: 23، وراجع: حلية العلماء 2: 259.
(4) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 22، المغني 2: 241، الشرح الكبير 2: 257.

[ 139 ]

فليذهب) (1). ح: يستحب للنساء استماع الخطبتين كالرجال، لأن النبي عليه السلام، لما صلى العيد قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس فذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن (2). ومن طريق الخاصة: ما روت أم عطية، قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر والحيض يرجون بركة ذلك اليوم (3). إذا عرفت هذا، فالأولى بالشواب أن لا يخرجن من بيوتهن، لقول الصادق عليه السلام: " لا يخرجن، وليس على النساء خروج، أقلوا لهن من الهيئة حتى لا يسألن الخروج " (4). وقد وردت رخصة بذلك للتعرض للرزق. روى عبد الله بن سنان قال: إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وآله، للعواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق (5).

(1) سنن النسائي 3: 185، سنن أبي داود 1: 300 / 1155، سنن ابن ماجة 1: 410 / 1290، المستدرك للحاكم 1: 295، سنن الدار قطني 2: 50 / 30، سنن البيهقي 3: 301.
(2) صحيح البخاري 2: 33 و 26 و 27، صحيح مسلم 2: 603 / 885، سنن النسائي 3: 186، سنن الدارمي 1: 377، سنن أبي داود 1: 297 / 1141.
(3) أوردها المحقق في المعتبر: 212 بعد نقل حديث من طريق الخاصة بعنوان ما روي.
(4) التهذيب 3: 289 - 290 / 872.
(5) التهذيب 3: 287 / 858.

[ 140 ]

المطلب الثاني: في سننها ولواحقها مسألة 448 يستحب الغسل يوم الفطر والأضحى - وقد تقدم (1) - بلا خلاف، لأن عليا عليه السلام كان يغتسل في الفطر والأضحى (2). ووقته بعد طلوع (3) الفجر، لأنه مضاف إلى اليوم، وهو أحد قولي الشافعي واحمد. والثاني لهما: يجوز قبل الفجر، لأن الصلاة تفعل بعد طلوع الشمس، فيضيق وقته، بخلاف الجمعة (4) ونمنع التضييق. وللشافعي قولان على التقديم: هل يجوز من أول الليل أو بعد نصفه؟ (5). ونحن عندنا يستحب غسلان: أحدهما ليلا، والثاني نهارا. ويستحب لمن يريد حضور العيد ومن لا يريده إجماعا، لأنه يوم زينة، بخلاف الجمعة عند من خصصه بالحضور، لأنه للاجتماع خاصة. مسألة 449: ويستحب أن يتطيب ويلبس أحسن ثيابه، ويتعمم شتاء وصيفا بالاجماع. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده) (6).

(1) تقدم في المسألة 274 من كتاب الطهارة.
(2) ترتيب مسند الشافعي 1: 152 / 440، وانظر الأم 1: 231.
(3) كلمة " طلوع " لم ترد في " ش ".
(4) المهذب للشيرازي 1: 126، المجموع 5: 7، فتح العزيز 5: 21، المغني 2: 229، الشرح الكبير 2: 227.
(5) المجموع 5: 7، حلية العلماء 2: 254.
(6) أورده نصا ابنا قدامة في المغني 2: 228، والشرح الكبير 2: 230، وفي سنن ابن ماجة 1:

[ 141 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في قوله تعالى: { خذوا زينتكم عند كل مسجد } (1) قال " العيدان والجمعة " (2). وقال عليه السلام: " يجهر الإمام بالقراءة، ويعتم شاتيا وقائظا " وقال: " إن النبي صلى الله عليه وآله، كان يفعل ذلك (3). مسألة 450: يستحب الاصحار بالصلاة، إلا بمكة عند علمائنا - وبه قال علي عليه السلام، والأوزاعي وأحمد وابن المنذور وأصحاب الرأي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يخرج إلى المصلى، ويدع مسجده (5). ولا يترك النبي عليه السلام، الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده. ولم ينقل أنه عليه السلام، صلى العيد بمسجده إلا لعذر (6). ولأنه إجماع المسلمين، فإن الناس في كل عصر ومصر يخرجون إلى المصلى فيصلون العيد مع سعة المساجد وضيقها، وكان النبي صلى الله عليه وآله، يصلي في المصلى (7)، مع شرف مسجده. وقيل لعلي عليه السلام: قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس فلو

348 / 1096 و 1095، وسنن أبي داود 1: 282 / 1078، والموطأ 1: 110 / 17 بدون (وعيده). (1) الأعراف: 30.
(2) الكافي 3: 424 / 8، التهذيب 3: 241 / 647.
(3) التهذيب 3: 130 / 282.
(4) المغني 2: 229، الشرح الكبير 2: 239، زاد المستقنع: 20، المحرر في الفقه 1: 161، شرح فتح القدير 2: 41.
(5) صحيح البخاري 2: 22، سنن النسائي 3: 187، سنن أبي داود 1: 301 / 1158، سنن الدار قطني 2: 44 / 6، سنن البيهقي 3: 280.
(6) سنن ابن ماجة 1: 416 / 1313، سنن أبي داود 1: 301 / 1160، المستدرك للحاكم 1: 295.
(7) صحيح البخاري 2: 22، سنن النسائي 3: 187، سنن أبي داود 1: 301 / 1158، سنن الدار قطني 2: 44 / 6، سنن البيهقي 3: 280.

[ 142 ]

صليت بهم في المسجد، فقال: " أخالف السنة إذا، ولكن نخرج إلى المصلى " واستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " يخرج الإمام البر حيث ينظر إلى آفاق السماء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يخرج إلى البقيع فيصلى بالناس " (2). وأما استثناء مكة: فلقول الصادق عليه السلام: " السنة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين، إلا أهل مكة فإنهم يصلون في المسجد (3) " (4). ولتميزه عن غيره من المساجد بوجوب التوجه إليه من جميع الآفاق، فلا يناسب الخروج عنه. وقال الشافعي: إن كان مسجد البلد واسعا، كانت الصلاة فيه أولى، لأن أهل مكة يصلون في المسجد الحرام، ولأن المسجد خير البقاع وأطهرها، وإن كان ضيقا لا يسع الناس، خرج إلى المصلى (5). ونحن قد بينا استحباب الصلاة بمكة في مسجدها دون غيرها. ولو كان هناك مطرا، استحب أن يصلي في المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى في مسجده يوم مطر (6).

(1) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 230، والشرح الكبير 2: 240 وانظر أيضا: مصنف ابن أبي شيبة 2: 148، وسنن البيهقي 3: 310.
(2) الكافي 3: 460، التهذيب 3: 129 / 278.
(3) في المصدر: المسجد الحرام.
(4) الكافي 3: 461 / 10، التهذيب 3: 138 / 307.
(5) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 5: 5، مغني المحتاج 1: 312، فتح الوهاب 1: 83، كفاية الأخيار 1: 96.
(6) سنن ابن ماجة 1: 416 / 1313، سنن أبي داود 1: 301 / 1160، المستدرك للحاكم 1: 295.

[ 143 ]

إذا ثبت هذا، فإنه لا ينبغي للامام أن يخلف أحدا يصلي العيدين في المساجد بضعفة الناس، لأن العاجز تسقط عنه، فيصليها مستحبا. ولقول الباقر عليه السلام: " قال الناس لأمير المؤمنين عليه السلام: ألا تخلف رجلا يصلي العيدين بالناس؟ فقال: " لا أخالف السنة " (1). وقال الشافعي: يستحب ذلك، لأن عليا عليه السلام، استخلف أبا مسعود يصلي بهم في المسجد (2). وهو ممنوع، لأن عليا عليه السلام، قيل له: لو أمرت من يصلي بضعفة الناس هونا (3) في المسجد الأكبر، قال: " إني إن أمرت رجلا يصلي أمرته أن يصلي بهم أربعا " رواه الجمهور (4). مسألة 451: ويستحب الخروج ماشيا على سكينة ووقار، ذاكرا، بإجماع العلماء، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يركب في عيد ولا جنازة (5). وقال علي عليه السلام: " من السنة أن تأتي العيد ماشيا، وترجع ماشيا " (6). وأن يكون حافيا، لأنه أبلغ في الخضوع، لأن بعض الصحابة كان يمشي إلى الجمعة حافيا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله،

(1) التهذيب 3: 137 / 302.
(2) المهذب للشيرازي 1: 125، المجموع 5: 5، فتح العزيز 5: 41، مغني المحتاج 1: 313.
(3) هونا: أي تخفيفا أو تسهيلا.
(4) أورده ابن قدامة في المغني 2: 230 نقلا عن سنن سعيد بن منصور.
(5) أورده الشافعي في الأم 1: 233، والنووي في المجموع 5: 10، وابن قدامة في المغني 2: 231، وقال ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير 5: 41: هذا الحديث لا أصل له.
(6) أورده المحقق الحلي في المعتبر: 212 وفي مصنف ابن أبي شيبة 2: 163 وسنن الترمذي 2: 410 / 530 وسنن ابن ماجة 1: 411 / 1296 وسنن البيهقي 3: 281 إلى قوله: " العيد ماشيا ".

[ 144 ]

يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) (1). ومشى الرضا عليه السلام، إلى المصلى حافيا (2). ولو كان هناك عذر يمنع المشي، جاز الركوب إجماعا. وفي العود يستحب المشي أيضا إلا من عذر، لأن النبي عليه السلام كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا (3). ولما تقدم (4) في حديث علي عليه السلام. مسألة 452: وقت الخروج إلى العيد بعد طلوع الشمس، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يخرج في يوم الفطر والأضحى، فأول شئ يبدأ به الصلاة (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " فإذا طلعت خرجوا " (6). وقال سماعة: سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى، فقال: " بعد طلوع الشمس " (7). وقال الشافعي: يستحب لغير الإمام التبكير ليأخذ الموضع (8). ويستحب أن يسجد على الأرض، لأن الصادق عليه السلام، أتي بخمرة يوم الفطر فأمر بردها، وقال: " هذا يوم كان رسول الله صلى الله عليه

(1) صحيح البخاري 2: 9، سنن الترمذي 4: 170 / 1632، سنن النسائي 6: 14، سنن الدارمي 2: 202، مسند أحمد 3: 479.
(2) الكافي 1: 408 / 7، الارشاد للمفيد: 312 - 313، عيون أخبار الرضا 2: 149 / 21.
(3) سنن ابن ماجة 1: 411 / 1294 و 1295، سنن البيهقي 3: 281.
(4) تقدم في المسألة نفسها.
(5) صحيح البخاري 2: 22، صحيح مسلم 2: 605 / 889، سنن النسائي 3: 187.
(6) المعتبر: 210، وفي الكافي 3: 459 / 1، والتهذيب 3: 129 / 276 عن الإمام الباقر عليه السلام.
(7) التهذيب 3: 287 / 859.
(8) المجموع 5: 10.

[ 145 ]

وآله يحب أن ينظر إلى آفاق السماء، ويضع جبهته على الأرض " (1). مسألة 453: يستحب أن يطعم في الفطر قبل خروجه، فيأكل شيئا من الحلوة، وبعد عوده في الأضحى مما يضحي به - وهو قول أكثر العلماء (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع (3). وقال ابن المسيب: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " أطعم يوم الفطر قبل أن تصلي ولا تطعم يوم الأضحى حتى ينصرف الإمام " (5). ولأن الصدقة قبل الصلاة فاستحب الأكل ليشارك المساكين فيه، بخلاف الأضحى، لأن الصدقة فيه بالاضحية بعدها. ولأن الفطر واجب، فاستحب تعجيله، لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وليتميز عما قبله من وجوب الصوم وتحريم الأكل، بخلاف يوم النحر حيث لم يتقدمه صوم واجب وتحريم الأكل، فاستحب تأخير الأكل منه ليتميز عن الفطر. وقال أحمد: إن كان له ذبح، أخر، وإلا فلا يبالي أن يطعم قبل خروجه (6).

(1) الكافي 3: 461 / 7، التهذيب 3: 284 / 846.
(2) المهذب للشيرازي 1: 126، المجموع 5: 6، المغني 2: 229، الشرح الكبير 2: 226، بداية المجتهد 1: 222.
(3) سنن الترمذي 2: 426 / 542، سنن الدار قطني 2: 45 / 7، المستدرك للحاكم 1: 294، سنن البيهقي 3: 283.
(4) مختصر المزني: 31.
(5) الكافي 4: 168 / 2، التهذيب 3: 138 / 310.
(6) المغني 2: 229، الشرح الكبير 2: 227.

[ 146 ]

وليس بشئ. نعم لو لم يقدر على الصبر، جاز أن يطعم قبل الخروج، للعذر. قال الباقر عليه السلام: " لا تأكل يوم الأضحى إلا من أضحيتك إن قويت، وإن لم تقو فمعذور " (1). إذا ثبت هذا، فإنه يستحب أن يأكل في الفطر شيئا من الحلوة، لأن النبي عليه السلام قلما كان يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا، وأقل من ذلك أو أكثر (2). مسألة 454: الأذان والإقامة في صلاة العيدين بدعة عند علمائنا أجمع، وهو قول علماء الأمصار (3)، لأن جابر بن سمرة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله، غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (4). ومن طريق الخاصة: قول إسماعيل بن جابر: سألت الصادق عليه السلام صلاة العيدين هل فيهما أذان وإقامة؟ قال: " لا، ولكن ينادى الصلاة، ثلاث مرات " (5). وروي أن ابن الزبير أذن وأقام لصلاة العيدين (6). قال ابن المسيب: أول من أذن لصلاة العيد معاوية (7)، لأنها صلاة يسن لها الاجتماع، فسن لها الأذان، كالجمعة.

(1) الفقيه 1: 321 / 1469.
(2) المستدرك للحاكم 1: 294، سنن البيهقي 3: 283.
(3) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 14، المغني 2: 234، الشرح الكبير 2: 241، المنتقى للباجي 1: 315، القوانين الفقهية: 84، بدائع الصنائع 1: 276.
(4) صحيح مسلم 2: 604 / 887، سنن الترمذي 2: 412 / 532، سنن أبي داود 1: 298 / 1148.
(5) الفقيه 1: 322 / 1473، التهذيب 3: 290 / 873.
(6) المجموع 5: 14، المغني 2: 234، الشرح الكبير 2: 241.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 2: 169، عمدة القاري 6: 282.

[ 147 ]

وهو غلط، لأنه قياس مناف للإجماع. فرعان: الأول: ينبغي أن يقول المؤذن عوض الأذان: الصلاة، ثلاثا، لما تقدم (1) في حديث الصادق عليه السلام، وبه قال الشافعي وأكثر الفقهاء (2). وقال أحمد: لا يستحب شئ من الألفاظ، لقول جابر: لا أذان ولا إقامة يوم الفطر، ولا نداء، ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة (3) (4). وهو مصروف إلى النداء المعهود للصلاة، وهو الأذان. وقول جابر ليس حجة، بل ضده أولى، لأن التنبيه على الصلاة مطلوب للشارع، إذ قد يخفى اشتغال الإمام بالصلاة. الثاني: لو قال: الصلاة جامعة، أو هلموا إلى الصلاة، جاز، لكن الأفضل أن يتوقى ألفاظ الأذان، مثل: حي على الصلاة. مسألة 455: لا ينقل المنبر من موضعه، بل يعمل منبر من طين، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم ينقله. وقال الصادق عليه السلام: " لا يحرك المنبر من موضعه، ولكن يصنع شبه المنبر من طين يقوم عليه فيخطب الناس " (5). وعليه إجماع العلماء. مسألة 456: يستحب التكبير في عيد الفطر عند أكثر علمائنا (6) - وبه

(1) تقدم في المسألة 454.
(2) المجموع 5: 14، حلية العلماء 2: 254، فتح الباري 2: 362، إرشاد الساري 2: 211.
(3) صحيح مسلم 2: 604 / 886، سنن البيهقي 3: 284.
(4) المغني 2: 234، الشرح الكبير 2: 241.
(5) الفقيه 1: 322 / 1473، التهذيب 3: 290 / 873.
(6) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 169، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 123، وسلار في المراسم: 78، والمحقق في المعتبر: 212.

[ 148 ]

قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة في رواية (1) - لقوله تعالى: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } (2). قال المفسرون: لتكملوا عدة صوم رمضان، ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم (3). ولأن عبد الله بن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " أما إن في الفطر تكبيرا ولكنه مسنون (5) " (6). وكان علي عليه السلام يكبر، وكذا باقي الصحابة (7). وقال بعض علمائنا: بوجوبه - وبه قال داود الظاهري (8) - للآية (9) (10). وليست أمرا، بل هي إخبار عن إرادته تعالى في قوله: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } (11).

(1) المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5: 32، المنتقى للباجي 1: 321، التفريع 1: 234، الكافي في فقه أهل المدينة: 77، المغني 2: 225، الشرح الكبير 2: 262، حلية العلماء 2: 261.
(3) البقرة: 185.
(4) حكاه عن بعض أهل العلم، ابنا قدامة في المغني 2: 226، والشرح الكبير 2: 262.
(4) سنن الدارقطني 2: 44 / 6، سنن البيهقي 3: 279.
(5) في " ش " والطبعة الحجرية: مستحب.
(6) الكافي 4: 166 / 1، الفقيه 2: 108 / 464، التهذيب 3: 138 / 311. (7) سنن الدار قطني 2: 44 / 4 - 5 و 8، سنن البيهقي 3: 279.
(8) المغني 2: 226، الشرح الكبير 2: 262، المجموع 5: 41، حلية العلماء 2: 261.
(9) البقرة: 185.
(10) حكاه عن ابن الجنيد في ظاهر كلامه، المحقق في المعتبر: 212.
(11) البقرة: 185.

[ 149 ]

ولأنه تكبير شرع يوم عيد، فلا يكون واجبا، كالتكبير في الأضحى. وقال أبو حنيفة: لا يكبر في الفطر - وقال النخعي: إنما يفعل ذلك الحواكون (1) - لأن ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر، فقال: ما شأن الناس؟ فقلت: يكبرون. فقال: أمجانين الناس؟! (2). ولا حجة فيه، لمعارضته فعل النبي صلى الله عليه وآله، وفعل علي عليه السلام، وباقي الصحابة. على أن ابن عباس كان يقول: يكبرون مع الإمام ولا يكبرون منفردين (3). وهو خلاف ما قالوه. مسألة 457: وهو عقيب أربع صلوات: أولاهن مغرب ليلة الفطر وآخرهن صلاة العيد. وقال الشافعي: أوله إذا غربت الشمس من آخر يوم من شهر رمضان (4). وبه قال سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، هؤلاء من الفقهاء السبعة، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وزيد بن أسلم (5). فيندرج فيه ما تقدم من الصلوات الأربع. لأن التكبير في الأضحى عقيب الصلوات، فيكون الفطر كذلك. ولأن التكبير عقيب الفرائض يحصل معه الامتثال، فيكون الزائد منفيا بالأصل. ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن التكبير أين هو؟: " في ليلة

(1) حلية العلماء 2: 261، المغني 2: 231.
(2) بدائع الصنائع 1: 279، المجموع 5: 41، فتح العزيز 5: 13، حلية العلماء 2: 261، المغني والشرح الكبير 2: 231.
(3) المغني 2: 231، الشرح الكبير 2: 232، المجموع 5: 41، بداية المجتهد 1: 221.
(4) المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5: 32 و 41، فتح العزيز 5: 14، حلية العلماء 2: 262.
(5) المجموع 5: 41، ونسبه إليهم، الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 652، المسألة 425.

[ 150 ]

الفطر في المغرب والعشاء والفجر وصلاة العيد " (1). ولأن الغروب سبب لصلاة المغرب، فينبغي تقديمها، فيبقي التكبير عقيبها. ولأن الغروب زمان بين إكمال العدة وبين صلاة العيد بالنهار. وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد: التكبير يوم الفطر دون ليلته، لما رووه عن علي عليه السلام (2). وهو ممنوع. وقال أبو ثور وأبو إسحاق من الشافعية: يكبر إذا غدا إلى المصلى (3). وأما آخره فصلاة العيد كما تقدم، فإنه يكبر عقيبها كما قلناه على الأشهر. وزاد ابن بابويه: عقيب ظهر العيد وعصره أيضا (4). وللشافعي أربعة أقوال: أحدها: آخره خروج الإمام إلى الصلاة. نقله المزني. وثانيها رواية البويطي: آخره افتتاح الإمام الصلاة. وثالثها قال في القديم: حتى ينصرف الإمام من الصلاة. الرابع رواية أبي حامد: حتى ينصرف الإمام من الصلاة والخطبتين (5). ثم قسم الشافعي التكبير إلى مطلق في جميع الأحوال وهو مستحب،

(1) الكافي 4: 166 - 167 / 1، الفقيه 2: 108 / 464، التهذيب 3: 138 / 311.
(2) نسبه إليهم، الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 652 - 653، المسألة 425، وراجع: المدونة الكبرى 1: 167، وبداية المجتهد 1: 221، والمجموع 5: 41، وفتح العزيز 5: 14، وحلية العلماء 2: 262.
(3) المجموع 5: 41، حلية العلماء 2: 262، بداية المجتهد 1: 221، وفيها: أبو ثور وإسحاق.
(4) أمالي الصدوق: 517، وانظر الفقيه 2: 108 - 109 / 464.
(5) المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5: 32، فتح العزيز 5: 14 - 15، حلية العلماء 2: 262 - 263.

[ 151 ]

وإلى مقيد يختص بأدبار الصلوات. وفي استحبابه وجهان: الاستحباب، لأن كل زمان استحب فيه التكبير المرسل استحب فيه التكبير المختص بأدبار الصلوات كالأضحى. وعدمه، لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه فعله. وقد بينا أنه مستحب. وعلى تقدير الاستحباب قال: إنه يستحب في ثلاث صلوات خاصة: المغرب والعشاء ليلة الفطر، وصبح الفطر (1). إذا عرفت هذا، فإنه يستحب رفع الصوت به، لأن فيه إظهارا لشعائر الاسلام، وتذكيرا للغير. مسألة 458: يكبر في الأضحى بمنى عقيب خمس عشرة صلاة، أولها: ظهر النحر، وآخرها: صبح الثالث من أيام التشريق عند علمائنا أجمع - وهو أحد أقوال الشافعي، وبه قال عثمان وزيد بن ثابت وابن عمر، وأبو سعيد الخدري وابن عباس ومالك (2) - لقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودات } (3) وهي أيام التشريق، وليس فيها ذكر مأمور به سوى التكبير، وعرفة ليس منها. ولأن عليا عليه السلام بدأ بالتكبير (4) كما قلناه. ولأن الناس تبع للحاج، والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة، ويكبرون مع الرمي، وإنما يرمون يوم النحر، فأول صلاة بعد ذلك الظهر، وآخر صلاة يصلون بمنى فجر الثالث من أيام التشريق. وقول الصادق عليه السلام: " التكبير في أيام التشريق عقيب صلاة

المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5: 32، فتح العزيز 5: 17.
(2) المجموع 5: 33 و 34، المهذب للشيرازي 1: 128، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 57 - 58، فتح الوهاب 1: 84، حلية العلماء 2: 263، المغني 2: 246، الشرح الكبير 2: 265، المدونة الكبرى 1: 172، بداية المجتهد 1: 221، الكافي في فقه أهل المدينة: 78.
(3) البقرة: 203.
(4) نقله المحقق في المعتبر 213، والصدوق في الفقيه 1: 328.

[ 152 ]

الظهر يوم النحر، ثم يكبر عقيب كل فريضة إلى صبح الثالث من أيام التشريق " (1). والقول الثاني للشافعي: عقيب المغرب ليلة النحر إلى صبح الثالث (2). من أيام التشريق، وذلك ثماني عشرة صلاة، لأن التكبير في الفطر عقيب المغرب، فكذا الأضحى (3). والثالث: بعد الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ثلاث وعشرون صلاة (4). ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وعن عمر، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمد وابن المنذر (5)، لأن جابر بن عبد الله قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله، الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا، فقال: (الله أكبر الله أكبر) ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق (6). وقال الأوزاعي: يكبر من يوم النحر إلى الظهر من اليوم الثالث. وبه قال المزني ويحيى بن سعيد الأنصاري (7). وقال داود: يكبر من الظهر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق (8).

(1) أورده نصا، المحقق في المعتبر: 213 وفي الكافي 4: 516 / 1، والتهذيب 5: 269 / 920 نحوه.
(2) ورد في " ش، م " والطبعة الحجرية: الثاني. وما أثبتناه هو الصحيح للسياق وكما في المصادر. (3 و 4) المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5: 34، فتح العزيز 5: 58، حلية العلماء 2: 264، المغني 2: 246، الشرح الكبير 2: 264 - 265.
(5) المغني 2: 246، الشرح الكبير 2: 264 - 265، المجموع 5: 40، فتح العزيز 5: 58، حلية العلماء 2: 264.
(6) سنن الدار قطني 2: 50 / 29، سنن البيهقي 3: 315، المغني 2: 246، الشرح الكبير 2: 265.
(7) حلية العلماء 2: 264، فتح العزيز 5: 58، المجموع 5: 40.
(8) حلية العلماء 2: 264، نيل الأوطار 3: 388.

[ 153 ]

وقال أبو حنيفة: يكبر عقيب الصبح من يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر ثمان صلوات. وهو مروي عن ابن مسعود، لقوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } (1). قالوا: والمعلومات هي العشر. وأجمعنا على أن فيما قبل عرفة لا يكبر، فيجب أن يكبر يوم عرفة ويوم النحر (2). وهو ممنوع، فإن المراد بذلك التكبير على الهدي في أيام العشر، أو الذكر على الأضحية. مسألة 459: ويكبر في الأضحى من كان بغير منى عقيب عشر صلوات، أولها: ظهر النحر، وآخرها: صبح الثاني من أيام التشريق - ولم يفرق أحد من الجمهور بين من كان بمنى وغيرها - لقول الصادق عليه السلام: " التكبير في الأمصار عقيب عشر صلوات، فإذا نفر الحاج النفر الأول، أمسك أهل الأمصار، ومن أقام بمنى فصلى الظهر والعصر فليكبر " (3). ولأن الناس في التكبير تبع الحاج، ومع النفر الأول يسقط التكبير، فيسقط عمن ليس بمنى. وفي وجوب هذا التكبير لعلمائنا قولان (4)، أقواهما: الاستحباب، لأصالة البراءة. مسألة 460: اختلف علماؤنا في كيفيته، فقال الشيخ في المبسوط: يكبر مرتين، ثم يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، ولله الحمد، والحمد لله على ما هدانا، وله الشكر على ما أولانا.

(1) الحج: 28.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 87، شرح فتح القدير 2: 48 - 49، شرح العناية 2: 48، عمدة القاري 6: 293، حلية العلماء 2: 264، المغني 2: 246، الشرح الكبير 2: 265.
(3) الكافي 4: 516، التهذيب 5: 269 / 920.
(4) من القائلين بوجوبه: السيد المرتضى كما في الانتصار: 57 وحكاه أيضا عن ابن الجنيد الشهيد في الذكرى: 241.

[ 154 ]

ويزيد في الأضحى: " ورزقنا من بهيمة الأنعام " (1). وفي الخلاف: يكبر مرتين ثم يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد - وهو إحدى الروايتين عن علي عليه السلام، وبه قال ابن مسعود والثوري وأبو حنيفة وأحمد (2) - لأن التكبير إذا توالى، كان شفعا، كالآذان وتكبير الجنازة. ولأن جابرا قال: لما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله، صبح عرفة أقبل على أصحابه، فقال: (على مكانكم) ثم قال: (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد) (3) (4). وقال ابن بابويه: كان علي عليه السلام يبدأ بالتكبير في الأضحى إذا صلى الظهر يوم النحر، ويقطع عند الغداة من أيام التشريق، يقول في دبر كل صلاة: " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد " (5). وقال البزنطي: يكبر في الأضحى ثلاثا (6). وبه قال الشافعي ومالك، لأن جابرا صلى في أيام التشريق فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثلاثا. ولا يقوله إلا توقيفا. ولأن التكبير إذا كان بشعار العيد كان وترا كتكبير الصلاة (7). والقول عن الرسول صلى الله عليه وآله، أولى من الفعل.

(1) المبسوط للطوسي 1: 177.
(2) المغني 2: 247، الشرح الكبير 2: 270، المجموع 5: 40.
(3) سنن الدار قطني 2: 50 / 29.
(4) الخلاف 1: 669 - 670، المسألة 443.
(5) الفقيه 1: 328 ذيل رقم 1487، وحكاه عنه أيضا المحقق في المعتبر: 213.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 213.
(7) الأم 1: 241، المجموع 5: 39 و 40، فتح العزيز 5: 11، المدونة الكبرى 1: 172، بداية المجتهد 1: 221، المغني 2: 247، الشرح الكبير 2: 270، وراجع صحيح مسلم 2: 888 / 1218، سنن ابن ماجة 2: 1023 / 3074، سنن أبي داود 2: 184 / 1905.

[ 155 ]

قال الشافعي: وما زاد فحسن، فإن زاد زيادة فليقل بعد التكبيرات الثلاث: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر، لأن النبي صلى الله عليه وآله، قاله على الصفا في حجة الوداع (1). وما قلناه أولى، للنقل عن أهل البيت عليهم السلام وهم أعرف. قال الباقر عليه السلام: " يقول في أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام " (2). تذنيب: لو أدرك الإمام في بعض الصلاة، أتم بعد تسليم الإمام ولا يتابعه في التكبير، لأن الإمام يكبر بعد خروجه، فإذا أتم المأموم صلاته كبر عقيبها. مسألة 461: يكبر خلف الفرائض المذكورة كلها عند علمائنا، دون النوافل، إلا على رواية (3) - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد الشافعي في أحد القولين (4) - لأن الباقر والصادق عليهما السلام قالا: " التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة، وفي سائر الأمصار عقيب عشر صلوات " (5) وجعلا آخرها

(1) الأم 1: 241، المجموع 5: 39، فتح العزيز 5: 11 - 12، وراجع: صحيح مسلم 2: 888 / 1218، وسنن ابن ماجة 2: 1023 / 3074، وسنن أبي داود 2: 184 / 1905. (2) الكافي 4: 516 / 2.
(3) أنظر: التهذيب 3: 289 / 869.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 44، الحجة على أهل المدينة 1: 310، المدونة الكبرى 1: 172 القوانين الفقهية: 84، المغني 2: 247، الشرح الكبير 2: 266 - 267، المهذب للشيرازي 1: 129، حلية العلماء 2: 264.
(5) الكافي 4: 516 / 2، التهذيب 5: 269 / 921، الاستبصار 2: 299 / 1069، علل الشرائع: 447 باب 199، الخصال 2: 5 / 4، وأورد عن الإمام الصادق عليه السلام، الكليني في الكافي 1: 516 / 1.

[ 156 ]

صبح الثالث أو الثاني. ولأنها نوافل فلا يكبر (1) عقيبها كنوافل يوم عرفة. وقال الشافعي: يكبر عقيب النوافل أيضا، لأنها صلاة مفعولة يوم النحر، فكان التكبير مستحبا عقيبها كالفرائض (2). وبه رواية عندنا عن علي عليه السلام أنه قال: " على الرجال والنساء أن يكبروا أيام التشريق في دبر الصلوات وعلى من صلى وحده ومن صلى تطوعا " (3). مسألة 462: والتكبير مستحب للمنفرد كالجامع، ولمن صلى في سفر أو حضر، في بلد كان أو في قرية، صغيرا كان المصلي أو كبيرا، رجلا كان أو امرأة عند علمائنا - وبه قال مالك والأوزاعي وقتادة والشعبي والشافعي (4) - لعموم الأخبار. وقول علي عليه السلام: " وعلى من صلى وحده " (5). ولأن كل ذكر يستحب للمسبوق يستحب للمنفرد كالتسليمة الثانية. ولأن المنفرد يؤذن ويقيم كالجماعة. وقال أبو حنيفة: المنفرد لا يكبر (6)، لأن عمر لم يكبر لما صلى وحده أيام التشريق (7). ولقول ابن مسعود: ليس على الواحد والاثنين أيام التشريق

(1) في " ش ": فلا تكبير.
(2) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 36 و 39، رحمة الأمة 1: 90، كفاية الأخيار 1: 96، السراج الوهاج: 97، ومختصر المزني: 32.
(3) التهذيب 3: 289 / 869.
(4) المدونة الكبرى 1: 171، المجموع 5: 40، رحمة الأمة 1: 90.
(5) التهذيب 3: 289 / 869.
(6) المبسوط للسرخسي 2: 44، الهداية للمرغيناني 1: 87، بدائع الصنائع 1: 197، عمدة القاري 6: 293، المجموع 5: 40، المغني 2: 247، الشرح الكبير 2: 266.
(7) نسبه إلى ابن عمر، ابن قدامة في المغني 2: 247.

[ 157 ]

تكبير (1). وقولهما ليس حجة. فروع: أ: إذا فاتته صلاة من هذه الصلوات فقضاها، كبر لها وإن فاتت أيام التشريق، لقولهم عليهم السلام: " من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته " (2) وقد فاتته صلاة يكبر عقيبها فقضاؤها كذلك. وقال الشافعي: لا يكبر، لأن التكبير من سنة الوقت وقد فات (3). ب: لو صلى خلف إمام، تابعه في التكبير، فإن ترك الإمام التكبير، كبر هو. ج: لو نسي التكبير، كبر حيث ذكر - وبه قال الشافعي (4) - لأنه من هيئات أيام التشريق، ولهذا لا يأتي به عقيب غيرها. وقال أبو حنيفة: إذا سلم ونسي التكبير، فإن تحدث قبل التكبير، أو خرج من المسجد، أو أحدث عامدا، لم يكبر، وإن ذكر قبل أن يحدث، كبر. ولو ذكر قبل أن يخرج من المسجد، عاد إلى مكانه وجلس فيه كما يجلس للتشهد، وكبر فيه، وإن لم يكبر حتى سبقه الحدث، كبر، لأنه تابع للصلاة فسقط بتركه كسجود السهو (5). د: لا يستحب التكبير في غير أدبار الصلوات المعينة، للتنصيص عليها. وقال الشافعي: يستحب أن يفعل في المنازل والمساجد والطرق من غير

(1) حكاه ابنا قدامة في المغني 2: 247، والشرح الكبير 2: 266، والنووي في المجموع 5: 40.
(2) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 672 ذيل المسألة 446.
(3) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 31 و 36.
(4) المجموع 4: 38، حلية العلماء 2: 265، مغني المحتاج 1: 315.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 45، بدائع الصنائع 1: 196، شرح فتح القدير 2: 50، البحر الرائق 2: 165.

[ 158 ]

قيد بوقت أو حال (1). ه‍: يستحب إحياء ليلتي العيدين بفعل الطاعات، لقوله عليه السلام: (من أحيى ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) (2). وما يصاف إلى القلب فإنه أعظم وقعا، لقوله: { فإنه آثم قلبه } (3) وموت القلب: الكفر في الدنيا، والفزع في الآخرة. مسألة 463: يكره التنفل في العيدين قبل صلاة العيد، وبعدها إلى الزوال للامام والمأموم - وبه قال علي عليه السلام، والثوري والأوزاعي، وأبو حنيفة (4) - لأن ابن عباس روى أن النبي عليه السلام خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يتنفل قبلهما ولا بعدهما (5). ورأى علي عليه السلام قوما يصلون قبل العيد، فقال: " ما كان يفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله " (6). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام في صلاة العيدين: " ليس قبلهما ولا بعدهما صلاة " (7).

(1) فتح العزيز 5: 13، المجموع 5: 32.
(2) كنز العمال 8: 548 / 24107، مجمع الزوائد 2: 198 نقلا عن الطبراني في الكبير والأوسط، ثواب الأعمال للصدوق: 101 - 102 / 1 و 2 بتفاوت يسير.
(3) البقرة: 283.
(4) شرح فتح القدير 2: 42، الهداية للمرغيناني 1: 85، شرح العناية 2: 42، المجموع 5: 13، المغني 2: 242، الشرح الكبير 2: 258.
(5) صحيح البخاري 2: 30، صحيح مسلم 2: 606 / 884، سنن النسائي 3: 193، سنن ابن ماجة 1: 410 / 1291، سنن الترمذي 2: 417 / 537، سنن أبي داود 1: 301 / 1159، سنن البيهقي 3: 295 و 302.
(6) نقله ابنا قدامة في المغني 2: 242، والشرح الكبير 2: 258، وانظر، كنز العمال 8: 642 / 24529.
(7) الكافي 3: 459 / 1، التهذيب 3: 129 / 276، الاستبصار 1: 443 - 444 / 1712، وثواب الأعمال: 103 - 104 / 7.

[ 159 ]

وقال الصادق عليه السلام: " ليس قبلهما ولا بعدهما شئ " (1). وقال الشافعي: يكره للامام قبل الصلوة وبعدها، لئلا يتشاغل بغير الخطبة والصلاة، وأما المأموم فيجوز أن يصلي قبلها وبعدها، لعدم المعنى فيه (2). وبه قال الحسن البصري، وهو مروي عن أنس وأبي هريرة وسهل بن سعد الساعدي ورافع بن خديج (3). وعن مالك إذا صلى العيد في المسجد روايتان: إحدهما: يجوز التنفل - ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وابن عمر (4) - وإن صلى في غير المسجد، لم يتنفل قبلها ولا بعدها (5). وقال أحمد: إنما يكره التنفل في موضع الصلاة، فأما في غيره فلا بأس به. وكذا لو خرج منه ثم عاد إليه بعد الصلاة فلا بأس بالتطوع فيه (6). والعموم ينافيه. إذا عرفت هذا، فاعلم أن أصحابنا استحبوا صلاة ركعتين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، لمن كان بالمدينة قبل خروجه إلى العيد، لقول الصادق عليه السلام: " ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا بالمدينة تصلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، في العيد قبل أن يخرج إلى المصلى، ليس ذلك إلا بالمدينة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) ثواب الأعمال: 103 / 4 و 6، الكافي 3: 460 / 3، التهذيب 3: 128 / 271، الاستبصار 1: 446 / 1722 و 1723، وفي الكافي والمورد الثاني من الاستبصار: مضمرا.
(2) المجموع 5: 12 و 13، فتح العزيز 5: 44، حلية العلماء 2: 255، مختصر المزني: 31، المغني 2: 242، الشرح الكبير 2: 259.
(3) المجموع 5: 13.
(4) المغني 2: 242، الشرح الكبير 2: 258، المجموع 5: 13.
(5) فتح العزيز 5: 44، المغني 2: 242، الشرح الكبير 2: 258، المدونة الكبرى 1: 170، المنتقى للباجي 1: 320.
(6) المغني 2: 243، الشرح الكبير 2: 260.

[ 160 ]

فعله " (1). ولو أقيمت صلاة العيد في المسجد لعذر، استحبت صلاة التحية فيه أيضا وإن كان الإمام يخطب، ولا يصلي العيد، لأنه إنما يسن له الاشتغال مع الإمام بما أدرك لا قضاء ما فاته، وإنما يصلي تحية المسجد، لأنه موضع ذلك وليس بموضع صلاة العيد، وبه قال بعض الشافعية. وقال بعضهم: يصلي العيد، لأنها أولى من تحية المسجد ويغني عنها، كما لو دخل المسجد وصلى الفريضة أغنى ذلك عن تحية المسجد (2). ولو أقيمت في المصلى، اشتغل بسماع الخطبة لا بالصلاة، لأن المصلى لا تحية له حيث لم يكن مسجدا، ولا يشتغل بقضاء العيد، لقول الصادق عليه السلام: " تجلس حتى يفرغ من خطبته، ثم تقوم فتصلي " (3). ولأن الخطبة من تمامها، فينبغي أن يشتغل بما أدرك. مسألة 464: لو فاتت لم تقض، سواء كانت فرضا أو نفلا، عمدا كان الفوات أو نسيانا، عند أكثر علمائنا (4) - وبه قال مالك وأبو ثور وداود والمزني (5) - لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة. ولقول الباقر عليه السلام: " من لم يصل مع الإمام في جماعة فلا صلاة

(1) الكافي 3: 461 / 11، الفقيه 1: 322 / 1475، التهذيب 3: 138 / 308.
(2) المهذب للشيرازي 1: 127، المجموع 5: 24، فتح العزيز 5: 54، حلية العلماء 2: 259.
(3) التهذيب 3: 136 / 301.
(4) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 169، وابن حمزة في الوسيلة: 111، والمحقق في المعتبر: 210. (5) بداية المجتهد 1: 219، الكافي في فقه أهل المدينة: 78، التفريع 1: 235، المجموع 5: 29، الميزان للشعراني 1: 195، رحمة الأمة: 87، عمدة القاري 6: 307، والذي عثرنا عليه من مذهب أبي ثور أنه إذا فاتت يصلي ركعتين. أنظر: عمدة القاري 6: 308، بداية المجتهد 1: 219، المغني 2: 244، المجموع 5: 29.

[ 161 ]

له ولا قضاء عليه ". ولأن القضاء منفي بالأصل ولم يوجد المعارض. وقال أحمد: إنها تقضى ركعتان - وللشافعي كالقولين، وكذا عن أبي حنيفة روايتان (2) - لأن ركبا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله، أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم (3). ولأنها صلاة أصل مؤقتة، فلا تسقط بفوات الوقت كالفرائض (4). ولا حجة في الحديث، لاحتمال عدم الوثوق بهم، فلزمهم الافطار تديينا لهم بما عرفوه، ولم يثبت بشهادتهم الهلال، والمضي إلى العيد تبعا لعمل الناس، والقضاء في الفرائض بالنص. واختلفت الشافعية، فقال بعضهم: لا تقضى أبدا. وقال بعضهم: تقضى أبدا. وقال بعضهم: لا تقضى إلا في الحادي والثلاثين. وقال بعضهم: تقضى في شهر العيد كله (5). فروع: أ: قال الشيخ: إن شاء صلى أربعا، وإن شاء اثنتين من غير أن يقصد القضاء (6)، لقول الصادق عليه السلام: " من فاتته صلاة العيد فليصل أربعا " (7).

(1) التهذيب 3: 128 / 273، الاستبصار 1: 444 / 1714.
(2) المهذب للشيرازي 1: 128، المجموع 5 27 و 29، الوجيز 1: 70، حلية العلماء 2: 260.
(3) سنن أبي داود 1: 300 / 1157، سنن النسائي 3: 180، سنن البيهقي 3: 316.
(4) المغني 2: 244 - 245، الشرح الكبير 2: 225.
(5) المجموع 5: 28 - 29، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 62.
(6) التهذيب 3: 134، ذيل الحديث 292.
(7) التهذيب 3: 135 / 295، الاستبصار 1: 446 / 1725.

[ 162 ]

والسند ضعيف. وبقول الشيخ قال أحمد والثوري (1). ب: لو أدرك الإمام في التشهد، جلس معه، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين - إن قلنا بالقضاء - يأتي فيهما بالتكبير. ج: لو أدركه في ركوع الثانية، وجبت المتابعة، لأنه مدرك للفرض حينئذ، فيركع، فإذا سلم الإمام، قام فأتم الصلاة وقد فاته تكبير الأولى، وفي قضائه ما تقدم. ولو أدركه رافعا من ركوعها، فاتته الصلاة. ولو أدركه في أثناء التكبير، تابعه في الباقي، فإن تمكن بعد ذلك من التكبير ولا قضاء عما فات، فعل، وإلا سقط. د: يحرم السفر بعد طلوع الشمس على المكلف بها حتى يصلي العيد، لتوجه الأمر حينئذ، فيحرم عليه الاخلال به، ويكره بعد الفجر قبل طلوع الشمس، لقرب وقت العبادة، فلا ينبغي الاخلال بها. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت في البلد، فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد " (2). ولا بأس به قبل الفجر إجماعا. مسألة 465: إذا أصبح صائما يوم الثلاثين فشهد شاهدان أن الهلال كان بالأمس وأن اليوم يوم عيد فعدلا قبل الزوال، أو شهدا ليلة الثلاثين وعدلا يوم الثلاثين قبل الزوال، خرج الإمام وصلى بالناس العيد، صغيرا كان البلد أو كبيرا، إجماعا، لأن الوقت باق إلى زوال الشمس. ولو شهدا يوم الحادي والثلاثين أن الهلال كان ليلة الثلاثين، أو شهدا بعد غروب الشمس ليلة الحادي والثلاثين أن الهلال كان ليلة الثلاثين وعدلا،

(1) المغني 2: 244، الشرح الكبير 2: 261، العدة شرح العمدة 113، رحمة الأمة 1: 87 - 88.
(2) الفقيه 1: 323 / 1480، التهذيب 3: 286 / 853.

[ 163 ]

فقد فات العيد، وفات وقت صلاته، ولا قضاء عندنا، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: يصلي بالناس يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، وتكون الصلاة أداء لا قضاء. وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق. لقوله عليه السلام: (فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون) (1). وهو محمول على ما إذا لم يثبت. وإن شهدا قبل الزوال يوم الثلاثين أن الهلال كان البارحة وعدلا بعد الزوال، أو شهدا بعد الزوال وعدلا بعده، فلا قضاء في ذلك، لفوات وقت الصلاة - وهو أحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وبه قال مالك والمزني وأبو ثور وداود - لأنها لو قضيت في غد يومها لقضيت في يومها بل كان أولى. والقول الثاني للشافعي: إنها تقضى، وبه قال أحمد، لما تقدم في حديث الركب (2). ثم قال - على تقدير القضاء -: إن كان البلد صغيرا يمكن اجتماع الناس في بقية اليوم، جمع الناس، وإن لم يمكن ذلك لكبر البلد قضى من الغد. وعند أصحاب أبي حنيفة وأحمد أنها تقضى من الغد مطلقا. وقد تقدم. فإن شهد يوم الثلاثين قبل الزوال وعدلا يوم الحادي والثلاثين أو ليلته، أو شهدا بعد الزوال وعدلا يوم الحادي والثلاثين أو ليلته، فلا قضاء عندنا - وهو أحد قولي الشافعي - لما تقدم.

(1) سنن البيهقي 5: 176، والأم 1: 230، وكنز العمال 8: 488 / 23761، والجامع الصغير للسيوطي 2: 218 / 5891.
(2) تقدم في المسألة 464.

[ 164 ]

وفي الثاني: تقضى، لأن الاعتبار بالشهادة إذا عدلا بحال إقامتها لا بحال التعديل، فإذا عدلا يوم الحادي والثلاثين وكانت الشهادة يوم الثلاثين حكمنا بأن الفطر كان حين الشهادة فيكون فطرهم بالأمس، ويكون فعلها قضاء (1). مسألة 466: ويستحب إذا مشى في طريق أن يرجع في غيرها - وبه قال مالك والشافعي وأحمد (2) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله فعله (3)، إما قصدا لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه بكثرة خطواته إلى الصلاة، ويعود في الأقرب، لأنه أسهل وهو راجع إلى منزله، أو ليشهد له الطريقان، أو ليساوي بين أهل الطريقين من الضعفاء في التبرك بمروره وسر رهم برؤيته، وينتفعون بمسألته، أو ليتصدق على أهل الطريقين من الضعفاء، أو ليتبرك الطريقان بوطئه عليهما، فينبغي الاقتداء به، لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله من أجله. ولأنه قد يفعل الشئ لمعنى ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل (4) والاضطباع (5) في طواف القدوم، فعله هو وأصحابه (6) لاظهار الجلد

(1) راجع بشأن الفروع المذكورة من قوله: ولو شهدا يوم الحادي والثلاثين، إلى آخره: الخلاف 1: 672 - 673، المسألة 447.
(2) المدونة الكبرى 1: 168، بداية المجتهد 1: 222، المهذب للشيرازي 1: 126، المجموع 5: 12، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 56، المغني 2: 243، الشرح الكبير 2: 235.
(3) صحيح البخاري 2: 29، سنن الترمذي 2: 424 / 541، سنن أبي داود 1: 300 / 1156، سنن ابن ماجة 1: 412 / 1298 - 1301، المستدرك للحاكم 1: 296.
(4) الرمل، بالتحريك: إسراع المشي مع تقارب الخطا. أنظر: النهاية لابن الأثير 2: 265، مجمع البحرين 5: 385 " رمل ".
(5) الاضطباع: هو أن يأخذ الازار فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر؟ من جهتي صدره وظهره. النهاية لابن الأثير 3: 73 " ضبع ".
(6) راجع: سنن أبي داود 2: 177 / 1883 و 1884، وسنن ابن ماجة 2: 983 - 984 / 2950 و 2951 و 2954، وسنن البيهقي 5: 79.

[ 165 ]

للكفار وبقي سنة بعد زوالهم، ولهذا قال عمر: فيم الرمل الآن؟ ولم نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ (1). مسألة 467: يكره الخروج بالسلاح إلى صلاة العيدين، لمنافاته الخضوع والاستكانة إلا أن يخاف العدو فيجوز. ولقول الباقر عليه السلام: " نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يخرج السلاح في العيدين إلا أن يكون عدو ظاهر " (2). مسألة 468: يستحب التعريف عشية عرفة بالامصار في المساجد، لما فيه من الاجتماع لذكر الله تعالى. وفعله ابن عباس بالبصرة (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل وليتطيب، وليصل وحده كما يصلي في الجماعة، وفي يوم عرفة يجتمعون بغير إمام في الأمصار يدعون الله عزوجل " (4). مسألة 469: يحرم على الرجال التزين يوم العيد وغيره بلبس الحرير المحض - وقد تقدم (5) - والقز من الحرير. وفيه وجه للشافعية، لأنه ليس من ثياب الزينة (6). والمركب من الابريسم وغيره سائغ إن تساويا، أو كان الابريسم أكثر ما لم يخرج بالاسم إليه. وللشافعي قولان: أحدهما: إن كان الابريسم أكثر كالخز سداه إبريسم

(1) المغني 2: 243، الشرح الكبير 2: 236، وفي سنن أبي داود 2: 178 / 1887، وسنن ابن ماجة 2: 984 / 2952، وسنن البيهقي 5: 79 نحوه.
(2) الكافي 3: 460 / 6، التهذيب 3: 137 / 305.
(3) حكاه ابنا قدامة في المغني 2: 250، والشرح الكبير 2: 271.
(4) التهذيب 3: 136 / 297 و 298.
(5) تقدم في ج 2 ص 470، المسألة 124.
(6) فتح العزيز 5: 29.

[ 166 ]

ولحمته صوف لم يحرم، وإن انعكس حرم، وإن تساويا فوجهان: أصحهما: أنه لا يحرم. والثاني: أنه لا ينظر إلى القلة والكثرة، بل إلى الظهور، فإن ظهر حرم وإن كان أقل، وإلا حل وإن كان أكثر (1). ولا بأس بافتراشه - خلافا للشافعي (2) - للرجال والنساء، وعنده في النساء وجهان (3). ويجوز للمسافر لخوف القمل والحكة، وكذا للحكة في الحضر. وللشافعية فيه وجهان (4). * * *

(1) الوجيز 1: 69، فتح العزيز 5: 29، كفاية الأخيار 1: 100.
(2) فتح العزيز 5: 34، كفاية الأخيار 1: 99.
(3) المجموع 3: 180، الوجيز 1: 69، فتح العزيز 5: 34 - 35، كفاية الأخيار 1: 100.
(4) الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 37.

[ 167 ]

الفصل الثالث: صلاة الكسوف وفيه مطلبان: الأول: الماهية مسألة 470: هذه الصلاة فرض على الأعيان عند علمائنا أجمع، لقوله تعالى: { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } الآية (1)، ذكر الله تعالى جميع الآيات، وخص هاتين بالسجود عند ذكرهما، فاختصا بتلك العبادة. وقال ابن عباس: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، يصلي والناس معه، ثم قال: (أيها الناس: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله سبحانه، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله تعالى) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " هي فريضة " (3). وقول الكاظم عليه السلام: " إنه لما قبض إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، جرت ثلاث سنن: أما واحدة، فإنه لما مات انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان

(1) فصلت: 37.
(2) صحيح البخاري 2: 48، اختلاف الحديث 135 و 140، سنن البيهقي 3: 321.
(3) الكافي 3: 464 / 4، التهذيب 3: 293 / 886.

[ 168 ]

من آيات الله، يجريان بأمره، مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا، ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف " (1). والأمر للوجوب، وقد حصل من النبي صلى الله عليه وآله قولا وفعلا. وقال الجمهور كافة: بالاستحباب (2)، للأصل. وما ذكرناه يقتضي العدول عنه. مسألة 471: وهي ركعتان تشتمل كل ركعة على خمس ركوعات، وسجدتين عند علمائنا أجمع، لقول أبي بن كعب: إن النبي صلى الله عليه وآله ركع خمس ركوعات، ثم سجد سجدتين، وفعل في الثانية مثل ذلك (3). ومثله روى جابر عن النبي صلى الله عليه وآله (4). وصلى علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك (5). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " هي عشر ركعات بأربع سجدات " (6). وقال أبو حنيفة وإبراهيم النخعي والثوري: إنها ركعتان كالفجر، فإن زاد ركوعا بطلت صلاته، لأن قبيصة روى: أن النبي صلى الله عليه وآله،

(1) الكافي 3: 208 / 7 و 463 / 1، التهذيب 3: 154 / 329.
(2) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 44، فتح العزيز 5: 69، الوجيز 1: 71، بدائع الصنائع 1: 280، الشرح الصغير 1: 189، المدونة الكبرى 1: 164، المغني 2: 273، الشرح الكبير 2: 273.
(3) سنن البيهقي 3: 329.
(4) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 468، مجمع الزوائد 2: 207، سنن البيهقي 3: 329.
(6) الكافي 3: 463 - 464 / 2، التهذيب 3: 156 / 335.

[ 169 ]

قال: (إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة) (1) (2). ولا حجة فيه، لأنه مرسل. ولاحتمال أنه صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات. ولأن أخبارنا أولى، لاشتمالها على الزيادة مع عدم لفظ يدل على المنافاة. وقال الشافعي: يصلي ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجدتان وقيامان وقراءتان - وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عباس وعثمان - لأن ابن عباس وعائشة وصفا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله: في كل ركعة ركوعان وسجدتان وقيامان (3) (4). وأحاديثنا أولى، لاشتمالها على الزيادة. ولأن أبيا أسن من ابن عباس وعائشة، وأعرف بأفعال النبي صلى الله عليه وآله، لعدم مخالطة عائشة الرجال، وصغر ابن عباس، خصوصا مع فعل علي عليه السلام، وأهل بيته، كما قلناه. وقال إسحاق وابن المنذر: إنه يصلي ست ركعات وأربع سجدات. وهو مروي عن ابن عباس وعائشة. ورواه الجمهور عن علي عليه السلام. وجوزه أحمد (5). مسألة 472: وكيفيتها عند علمائنا أن يكبر للافتتاح أولا ثم يقرأ الحمد

(1) سنن أبي داود 1: 308 - 309 / 1185، سنن النسائي 3: 144، سنن البيهقي 3: 334.
(2) المغني والشرح الكبير 2: 276، المبسوط للسرخسي 2: 74، بدائع الصنائع 1: 280، المجموع 5: 62، بداية المجتهد 1: 210.
(3) سنن أبي داود 1: 307 / 1180 و 1181، سنن ابن ماجة 1: 401 / 1263، سنن البيهقي 3: 327.
(4) الأم 1: 245، المجموع 5: 47. 62، حلية العلماء 2: 267 - 268، بداية المجتهد 1: 210، الكافي في فقه أهل المدينة: 79، التفريع 1: 235، المغني والشرح الكبير 2: 275.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 470، سنن البيهقي 3: 327 - 328، المغني 2: 279، الشرح الكبير 2: 281 و 282.

[ 170 ]

وسورة أيها شاء أو بعضها، ثم يركع فيذكر الله تعالى، ثم ينتصب، فإن كان قد قرأ أولا السورة كملا، قرأ الحمد ثانيا، وسورة أو بعضها، ثم يركع فيذكر الله تعالى، ثم ينتصب، فإن كان قد أتم السورة، قرأ الحمد وسورة أو بعضها، وهكذا خمس مرات، ثم يسجد سجدتين إذا انتصب من الركوع الخامس بغير قراءة، ثم يقوم فيعتمد ما فعله أولا خمس مرات، ثم يسجد مرتين، ثم يتشهد ويسلم. وكل قيام لم يكمل فيه السورة إذا انتصب من الركوع بعده تمم السورة أو بعضها من غير أن يقرأ الحمد. لقول أحدهما عليهما السلام: " تبدأ فتكبر لافتتاح الصلاة، ثم تقرأ أم الكتاب وسورة، ثم تركع، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة، ثم تركع الثالثة، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة، ثم تركع الرابعة، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة، ثم تركع الخامسة، فإذا رفعت رأسك قلت: سمع الله لمن حمده، ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى " قال: قلت: وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرقها بينها؟ قال: " أجزأه أم الكتاب في أول مرة، وإن قرأ خمس سور، فمع كل سورة أم الكتاب " (1). فروع: أ: لو قرأ في القيام الأول الحمد وبعض السورة هل يتعين عليه في الثاني الابتداء من الموضع الذي انتهى إليه، أم يجوز له أن يقرأ من أي موضع اتفق؟ الأحوط: الأول. ب: لو قرأ بعض السورة في الأول هل يجوز له العدول إلى سورة أخرى؟ ظاهر كلامه في المبسوط (2) ذلك، فيتعين أن يقرأ الحمد أولا على

(1) التهذيب 3: 155 / 333.
(2) المبسوط للطوسي 1: 173.

[ 171 ]

إشكال. ج: لو قرأ بعض السورة في الأول وسوغنا العدول، أو الابتداء بأي موضع شاء، جاز له أن يبتدئ من أول السورة التي قطعها. وهل تتعين حينئذ الفاتحة؟ إشكال ينشأ: من إجزاء بعضها بغير الحمد فالكل أولى، ومن وجوب قراءة الحمد مع الابتداء بأول السورة. د: الأقرب: وجوب كمال السورة في الخمس لصيرورتها حينئذ بمنزلة ركعة فيجب فيها الحمد وسورة. وهل يجوز تفريق سورتين أو ثلاث؟ إشكال ينشأ: من تجويز قراءة خمس وسورة فجاز الوسط، ومن كونها بمنزلة ركعة فلا تجوز الزيادة أو خمس فيجب الخمس. والأقرب: الجواز. ه‍: الأقرب: جواز أن يقرأ في الخمس سورة وبعض أخرى، فإذا قام إلى الثانية، ابتدأ بالحمد وجوبا، لأنه قيام عن سجود، فوجب فيه الفاتحة، ثم يبتدئ بسورة من أولها، ثم إما أن يكملها أو يقرأ بعضها. ويحتمل أن يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه أولا من غير أن يقرأ الحمد، لكن يجب أن يقرأ الحمد في الركعة الثانية بحيث لا يجوز له الاكتفاء بالحمد مرة في الركعتين معا. و: الأقرب: أنه ليس له إذا قرأ في قيام بعض السورة أن يقرأ في القيام الذي بعده بعضا من سورة أخرى، بل إما أن يكملها، أو يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه بعضها. ز: يستحب له بعد تكبيرة الافتتاح أن يدعو بالتوجه كغيرها من الفرائض. مسألة 473: يستحب أن يقرأ السور الطوال مع السعة، مثل: الكهف والأنبياء، لقول زرارة ومحمد بن مسلم: كان الباقر عليه السلام

[ 172 ]

يستحب أن يقرأ فيها بالكهف والحجر، إلا أن يكون إماما يشق على من خلفه (1). وفي رواية أبي بصير: " مثل يس والنور " (2). وقال الشافعي: يقرأ في الأولى سورة البقرة أو بقدر آيها، وكذا في القيام الثاني، ثم يسجد، ثم يقوم فيقرأ بعد الحمد مائة وخمسين آية من البقرة، وفي القيام الثاني بقدر مائة آية من البقرة، ولو ضاق الوقت لم تجز الاطالة (3). مسألة 474: يستحب الاطالة بقدر الكسوف، وبه قال الفقهاء - خلافا لأبي حنيفة (4) - لأن عائشة قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله، في المسجد بالناس، وقرأ قراءة طويلة، وركع ركوعا طويلا (5). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " كسفت الشمس في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى بالناس ركعتين، وطول حتى غشي على بعض القوم ممن كان وراءه من طول القيام " (6). ولأن الغاية استدفاع المخوف وطلب رد النور، فينبغي الاستمرار باستمراره. مسألة 475: ويستحب إطالة الركوع والسجود.

(1) الكافي 3: 464 / 2، التهذيب 3: 156 / 335.
(2) التهذيب 3: 294 / 890.
(3) الأم 1: 245، المجموع 5: 48 مختصر المزني: 32، الوجيز 1: 70، فتح العزيز 5: 73، حلية العلماء 2: 267، بداية المجتهد 1: 212.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 74 و 75، اللباب 1: 119 - 120.
(5) صحيح مسلم 2: 618 - 619 / 901، سنن أبي داود 1: 307 / 1180، سنن الترمذي 2: 449 / 561، سنن النسائي 3: 130، سنن ابن ماجة 1: 401 / 1263، سنن الدار قطني 2: 63 / 3، سنن البيهقي 3: 321.
(6) التهذيب 3: 293 / 885.

[ 173 ]

أما إطالة الركوع: فقال علماؤنا: يستحب أن يكون بقدر قراءته، لأن عبد الله بن عمر قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله: قام قياما طويلا، وركع ركوعا طويلا (1). وظاهره المساواة في نظيره. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " وتطيل القنوت على قدر القراءة والركوع والسجود، فإن تجلى قبل أن تفرغ أتم ما بقى " (2). وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور (3). وفي الآخر: يركع فيسبح في الأول بقدر مائة آية من سورة البقرة، وفي الركوع الثاني بقدر ثلثي الركوع الأول، وفي الركوع الثالث - الذي هو أول ركوع الثانية - بقدر سبعين من سورة البقرة، وفي الرابع - وهو ثاني الثانية بقدر خمسين آية من سورة البقرة، لرواية ابن عباس (4) (5). وقال أبو حنيفة: يركع مثل ركوع الفجر (6). وأما إطالة السجود: فاستحبه علماؤنا - وبه قال أحمد والشافعي في أحد القولين (7) - لقول ابن عمر في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله، في الكسوف: ثم سجد فلم يكد يرفع (8). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " تطيل الركوع

(1) سنن أبي داود 1: 310 / 1194، سنن البيهقي 3: 324.
(2) الكافي 3: 463 - 464 / 2، التهذيب 3: 156 / 335.
(3) المجموع 5: 49، الكافي في فقه أهل المدينة: 79، التفريع 1: 236، الشرح الصغير 1: 190، المغني والشرح الكبير 2: 275.
(4) صحيح البخاري 2: 46، صحيح مسلم 2: 626 / 907، سنن البيهقي 3: 321.
(5) الأم 1: 245، مختصر المزني: 32، المهذب للشيرازي 1: 129، فتح العزيز 5: 73، مغني المحتاج 1: 318 - 319.
(6) المبسوط للسرخسي 2: 74، الهداية للمرغيناني 1: 88، المجموع 5: 62، حلية العلماء 2: 268، المغني والشرح الكبير 2: 276. (7) المجموع 5: 49، المغني والشرح الكبير 2: 275، كشاف القناع 2: 63.
(8) سنن أبي داود 1: 310 / 1194، سنن البيهقي 3: 324.

[ 174 ]

والسجود " (1). وقال الشافعي في الآخر: لا يستحب إطالة السجود، لأنه لم ينقل (2). وهو ممنوع. مسألة 476: يستحب له أن يكبر كلما انتصب من الركوع، إلا في الخامس والعاشر، فإنه يقول فيهما: سمع الله لمن حمده، عند علمائنا، لأن التكبير أعظم وأتم في الاجلال فكان أولى. ولأن الركوعات وإن تكررت فهي تجري مجرى ركعة واحدة، فيكون " سمع الله " في آخرها كغيرها من الفرائض. وقول الصادق عليه السلام: " تركع وتكبر وترفع رأسك بالتكبير، إلا في الخامسة والعاشرة، تقول: سمع الله لمن حمده " (3). وقال الجمهور: تقول في كل رفع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، لأنه قيام عن الركوع، فاستحب هذا القول كغيرها من الفرائض (4). والفرق ما تقدم. مسألة 477: يستحب أن يقنت خمس مرات: في القيام الثاني من الركوعات، والرابع والسادس والثامن والعاشر - خلافا للجمهور، فإنهم أنكروا القنوت (5) - لقول الباقر والصادق عليهما السلام: " والقنوت في الركعة الثانية قبل الركوع، ثم في الرابعة والسادسة والثامنة والعاشرة " (6). ولأن القنوت مظنة إجابة الدعاء، فشرع للحاجة، كما قنت النبي صلى

(1) الكافي 3: 464 / 2، التهذيب 3: 156 / 335.
(2) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 49، الوجيز 1: 71، فتح العزيز 5: 73.
(3) الكافي 3: 464 / 2، التهذيب 3: 156 / 335 وفيهما عن الإمام الباقر عليه السلام.
(4) المجموع 5: 52، المغني والشرح الكبير 2: 275.
(5) كما في المعتبر للمحقق الحلي: 218.
(6) التهذيب 3: 155 - 156 / 333.

[ 175 ]

الله عليه وآله، على المشركين (1). مسألة 478: يستحب إيقاعها تحت السماء، لأنه في موضع سؤال وطلب حاجة رد النور، فاستحبت تحت السماء، كغيرها من صلوات الحوائج. ولأنه مقام خضوع واستكانة واستعطاف، فشرع فيها البروز تحت السماء، كالاستسقاء. وقول الباقر عليه السلام: " وإن استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يجنك (2) بيت فافعل " (3). وقال الشافعي: يكون في المساجد، وأطلق، وكذا أحمد (4)، لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلاها في المسجد (5). ولأن وقته ضيق، فلو خرج إلى المصلى احتمل الانجلاء قبل فعلها. ولا يلزم من صلاته عليه السلام في المسجد منافاة ما قلناه، لأن مسجده عليه السلام كان بارزا. ولا نقول بالخروج إلى المصلى مع ضيق الوقت، بل أين صليت تصلى تحت السماء. مسألة 479: يستحب الجهر بالقراءة في الكسوفين عند علمائنا وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وإسحاق (6) - لأن عائشة قالت: خسفت الشمس

(1) صحيح البخاري 2: 32، صحيح مسلم 1: 468 / 677، سنن أبي داود 2: 68 / 1442 و 1443، سنن النسائي 2: 200، مسند أحمد 3: 196.
(2) جن: ستر. القاموس المحيط 4: 210 " جنن ".
(3) الكافي 3: 463 - 464 / 2، التهذيب 3: 156 - 157 / 335.
(4) المجموع 5: 44، فتح العزيز 5: 75، المغني والشرح الكبير 2: 274.
(5) صحيح البخاري 2: 43، صحيح مسلم 2: 619 / 3، سنن أبي داود 1: 307 / 1180، سنن البيهقي 3: 341، سنن الدار قطني 2: 63 / 3.
(6) المغني والشرح الكبير 2: 275، المجموع 5: 52، بداية المجتهد 1: 212، المبسوط

[ 176 ]

على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى، وجهر في صلاته بالقراءة (1). ومن طريق الخاصة: قول الشيخ في الخلاف: روي عن علي عليه السلام أنه صلى لكسوف الشمس، فجهر فيها بالقراءة (2). قال الشيخ: وعليه إجماع الفرقة (3). وقال الشافعي: يسر في خسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر وبه قال أبو حنيفة ومالك (4) - لأن سمرة بن جندب قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أطول قيامه في صلاة قط، ولم أسمع له حسا (5). ولأنها صلاة نهار فلم يجهر فيها كالظهر (6). وهذا القول عندي لا باس به، لقول الباقر عليه السلام، في حديث صحيح: " ولا تجهر بالقراءة " (7). وهو أصح حديث بلغنا في هذا الباب.

(1) للسرخسي 2: 76، اللباب 1: 119، سبل السلام 2: 507، حلية العلماء 2: 268. (1) صحيح البخاري 2: 49، صحيح مسلم 2: 620 / 5، سنن الترمذي 2: 452 / 563، سنن النسائي 3: 148، سنن الدار قطني 2: 63 / 5.
(2) الخلاف 1: 681 المسألة 455 وانظر: سنن البيهقي 3: 336.
(3) الخلاف 1: 681 المسألة 455.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 76، الهداية للمرغيناني 1: 88، الاختيار 1: 91، الكافي في فقه أهل المدينة: 79، التفريع 1: 235، بداية المجتهد 1: 212، فتح العزيز 5: 76، المغني والشرح الكبير 2: 275، حلية العلماء 2: 268.
(5) سنن أبي داود 1: 308 / 1184، سنن ابن ماجة 1: 402 / 1264، سنن البيهقي 3: 335.
(6) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 52، فتح العزيز 5: 76، حلية العلماء 2: 268، المغني والشرح الكبير 2: 275 - 276.
(7) لم نعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ بل الموجود في الكافي 3: 463 - 464 / 2، والتهذيب 3: 156 / 335: رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: "... وتجهر

[ 177 ]

وعلى كل تقدير، فإن الخلاف في الاستحباب لا الوجوب، فلو جهر في الكسوف وخافت في خسوف القمر، جاز إجماعا. المطلب الثاني: في الموجب واللواحق مسألة 480: كسوف الشمس سبب لهذه الصلاة إجماعا، وجوبا عندنا، واستحبابا عند الجمهور. وكذا خسوف القمر عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والحسن والنخعي والشافعي وأحمد وإسحاق (1) - لقوله عليه السلام: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا) (2) فأمر بالصلاة لهما أمرا واحدا. ومن طريق الخاصة: قول الكاظم عليه السلام: " فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره، مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو واحدة منهما فصلوا، ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف " (3)

بالقراءة ". وقد اختلف كلام المصنف - رحمه الله - في هذه المسألة وكيفية استدلاله بهذه الرواية: ففي هذا الكتاب خالف ما ذهب إليه علماؤنا، ورجح قول الشافعي بالسر في كسوف الشمس... مستدلا برواية الإمام الباقر عليه السلام وبلفظ " ولا تجهر بالقراءة ". وفي المنتهى 1: 351 أيد ما ذهب إليه علماؤنا واستدل أيضا بقول الباقر عليه السلام، لكنه أورده بلفظ " ولا تجهر بالقراءة ". (1) المجموع 5: 44، فتح العزيز 5: 69، مغني المحتاج 1: 316، المغني والشرح الكبير 2: 273.
(2) صحيح البخاري 2: 43، صحيح مسلم 2: 630 / 914 و 915، سنن الدار قطني 2: 65 / 11، سنن البيهقي 3: 320.
(3) الكافي 3: 208 / 7 و 463 / 1، التهذيب 3: 154 / 329.

[ 178 ]

ولأنه أحد الكسوفين، وهو من الأمور المخوفة، ويطلب فيه رد النور، فشرعت الصلاة له كالشمس. وقال مالك: ليس لكسوف القمر سنة (1). مسألة 481: وتجب هذه الصلاة عند الزلزلة عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو ثور وإسحاق وأبو حنيفة لا وجوبا بل استحبابا كالكسوفين (2) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا) (3). ولأنه عليه السلام علل الكسوف: بأنه آية من آيات الله يخوف بها عباده (4). وصلى ابن عباس للزلزلة بالبصرة (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام: " إن صلاة كسوف الشمس والقمر، والرجفة والزلزلة عشر ركعات، وأربع سجدات " (6). ولأن المقتضي - وهو الخوف - موجود هنا، فثبت معلوله. وقال مالك والشافعي: لا يصلى لغير الكسوفين، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يفعله (7).

(1) المدونة الكبرى 1: 164.
(2) بدائع الصنائع 1: 282، الحجة على أهل المدينة 1: 324، المغني والشرح الكبير 2: 282. (3 و 4) صحيح البخاري 2: 48، صحيح مسلم 2: 628 - 629 / 912، سنن النسائي 3: 154.
(5) مصنف عبد الرزاق 3: 101 / 4929، مصنف ابن أبي شيبة 2: 472، سنن البيهقي 3: 343.
(6) التهذيب 3: 155 / 333.
(7) بلغة السالك 1: 190، القوانين الفقهية: 85، الوجيز 1: 72، فتح العزيز 5: 84 - 85، حلية العلماء 2: 270، المغني 2: 282 - 283، الشرح الكبير 2: 283.

[ 179 ]

وهو ممنوع بما تقدم. مسألة 482: وتجب هذه الصلوة لأخاويف السماء، كالظلمة العارضة والحمرة الشديدة والرياح العظيمة والصيحة - وبه قال أبو حنيفة استحبابا (1) - لعموم قوله عليه السلام: (إن هذه الآيات) (2). ولأنه علل الكسوف: بأنه آية (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن " (4). ولأنه أمر مخوف، فشرع فيه الصلاة، كالكسوف. وقال باقي الجمهور: لا يصلي لها شئ، لعدم النقل (5). وقد بيناه. مسألة 483: وقت صلاة الكسوفين من حين الابتداء في الكسف إلى ابتداء الانجلاء عند علمائنا، لزوال الحذر. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا انجلى منه شئ فقد انجلى " (6). وقال أبو حنيفة والشافعي واحمد: إلى أن ينجلي بكماله (7) لقوله عليه السلام: (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، والصلاة حتى

(1) المبسوط للسرخسي 2: 75، بدائع الصنائع 1: 282، المغني والشرح الكبير 2: 282. (2 و 3) صحيح البخاري 2: 48، صحيح مسلم 2: 628 - 629 / 912، سنن النسائي 3: 154.
(4) الكافي 3: 464 / 3، الفقيه 1: 346 / 1529، التهذيب 3: 155 / 330.
(5) المغني والشرح الكبير 2: 283، بلغة السالك 1: 190، الميزان للشعراني 1: 200، حلية العلماء 2: 270، الوجيز 1: 72، فتح العزيز 5: 84 - 85.
(6) الفقيه 1: 347 / 1535، التهذيب 3: 291 / 877.
(7) المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 79، مغني المحتاج 1: 319، المغني 2: 280، الشرح الكبير 2: 279، وانظر: المبسوط للسرخسي 2: 76، بدائع الصنائع 1: 282، وعمدة القاري 7: 79.

[ 180 ]

ينجلي) (1). ولأن المطلوب رد النور بكماله. ولأنه لو انكسف بعضها في الابتداء صلى لها وكذلك إذا بقي بعضها. ونحن نقول بموجب الحديث، لأنه إذا انجلى البعض فقد انجلى. والحذر قد زال بسبب الشروع في رد النور. والفرق بين ابتداء الكسوف وابتداء الانجلاء ظاهر. مسألة 484: وقت الرياح المظلمة والظلمة الشديدة والحمرة الشديدة: مدتها، أما الزلزلة، فإن وقتها مدة العمر، فتصلى أداء وإن سكنت، لأنها سبب في الوجوب، وكذا الصيحة. وبالجملة كل آية يضيق وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما، أما ما نقص عن فعلها وقتا دون آخر، فإن وقتها مدة الفعل، فإن قصر، لم تصل. مسألة 485: إذا علم بالكسوف أو الخسوف، وأهمل الصلاة عمدا أو نسيانا، أعاد سواء احترق القرص كله أو بعضه، لقوله عليه السلام: (من فاتته صلاة فريضة فليقضها إذا ذكرها) (2). وقوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها) (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها " (4).

(1) مصنف ابن أبي شيبة 2: 468، سنن البيهقي 3: 324 و 325.
(2) أورده المحقق في المعتبر: 235.
(3) صحيح البخاري 1: 155، صحيح مسلم 1: 477 / 684، مصنف ابن أبي شيبة 2: 64، سنن الدارمي 1: 280، سنن أبي داود 1: 119 / 435، سنن النسائي 1: 293 و 294، سنن ابن ماجة 1: 228 / 698، سنن الترمذي 1: 334 / 177، سنن الدار قطني 1: 386 / 14، مسند أحمد 3: 100.
(4) الكافي 3: 292 / 3، التهذيب 2: 266 / 1059 و 3: 159 / 341، الاستبصار 1:

[ 181 ]

وقول الصادق عليه السلام، في صلاة الكسوف: " إن أعلمك أحد وأنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها " (1). وقال الشيخ: إن احترق البعض وتركها نسيانا، لم يقض (2). وليس بجيد. وقال الجمهور كافة: لا قضاء مطلقا، لقوله عليه السلام: (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى ينجلي) (3). فجعل الانجلاء غاية للصلوة، فلم يصل بعده. ولأنها شرعت لرد النور وقد حصل (4). والحديث المراد به الأداء. ونمنع العلية، بل يجوز أن يكون علامة لوجوب الصلاة. سلمنا، لكن لا نسلم أن الرغبة إلى رده تستلزم عدم الشكر على الابتداء برده. سلمنا، لكن ينتقض عندهم بالاستسقاء، فإنهم يصلون بعد السقي (5) وإن كانت صلاتهم رغبة في ذلك. مسألة 486: لو لم يعلم بالكسوف حتى انجلى، فإن كان قد احترق القرص كله، وجب القضاء، وإلا فلا، عند علمائنا - إلا في قول للمفيد: إنه يقضي لو احترق البعض فرادى لا جماعة (6) - لقول الصادق عليه السلام: " إذا انكسف القمر ولم تعلم حتى أصبحت، ثم بلغك، فإن احترق كله،

286 / 1046. (1) التهذيب 3: 291 / 876، الاستبصار 1: 454 / 1760.
(2) المبسوط للطوسي 1: 172.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 2: 468، سنن البيهقي 3: 324 و 325.
(4) الأم 1: 244، المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 79، المهذب للشيرازي 1: 129، المغني 2: 280، الشرح الكبير 2: 279، الشرح الصغير 1: 187.
(5) راجع: المغني 2: 294، والمجموع 5: 89 - 90.
(6) المقنعة: 35.

[ 182 ]

فعليك القضاء، وإن لم يحترق كله، فلا قضاء عليك " (1). وقوله عليه السلام: " إذا انكسفت الشمس كلها ولم تعلم وعلمت، فعليك القضاء، وإن لم تحترق كلها فلا قضاء عليك " (2). وقال الجمهور: لا قضاء (3)، لما تقدم في المسألة السابقة. والجواب قد تقدم. أما جاهل غير الكسوف، مثل الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة، فالوجه سقوطها عن الجاهل عملا بالأصل السالم عن المعارض. مسألة 487: لا تسقط هذه الصلاة بغيبوبة الشمس منخسفة، لقوله عليه السلام: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا) (4). والأصل البقاء. وقال الجمهور: لا يصلي لأنها إذا غابت فقد ذهب سلطانها، وفات وقتها، فلم يصل لردها (5). وهو ممنوع، ونمنع أن مع ذهاب سلطانها يسقط ما ثبت وجوبه، مع أنه اجتهاد، فلا يعارض النص. وينتقض بالقمر عندهم (6). ولا تسقط صلاة الخسوف بغيبوبة القمر منخسفا إجماعا، لأن وقته باق وهو الليل، والحاجة داعية إليه. ولا تسقط صلاة الخسوف والكسوف بستر السحاب إجماعا، لأن الأصل بقاؤهما. ولو طلعت الشمس والقمر منخسف، لم تسقط صلاته، عملا

التهذيب 3: 157 / 336.
(2) التهذيب 3: 157 - 158 / 339.
(3) أو عزنا إلى مصادره في الهامش (4) من الصفحة السابقة.
(4) صحيح البخاري 2: 43، صحيح مسلم 2: 623 / 10، سنن البيهقي 3: 332.
(5) الأم 1: 244، المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 80، المهذب للشيرازي 1: 130، المغني والشرح الكبير 2: 280.
(6) المغني والشرح الكبير 2: 280، المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 80.

[ 183 ]

بالموجب. وقال الجمهور: تسقط، لفوات وقته، وذهاب سلطانه (1). ولو طلع الفجر فكذلك عندنا لا تسقط - وهو الجديد للشافعي (2) - لبقاء سلطانه قبل طلوع الشمس، لقوله تعالى: { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } (3) فما لم تطلع الشمس فالسلطان باق. والقديم: لا يصلي، لذهاب سلطانه بطلوع الفجر، لأنه من النهار، والفجر حاجب الشمس (4). ولو ابتدأ الخسوف بعد طلوع الفجر صلاها عندنا، خلافا للشافعي في القديم (5). ولو كان قد شرع في الصلاة فطلعت الشمس، لم تبطلها إجماعا، لأنها صلاة مؤقتة، فلا تبطل بخروج وقتها، وعندنا أن وقتها باق. مسألة 488: وهذه الصلاة مشروعة مع الإمام وعدمه، عند علمائنا أجمع - وهو قول أكثر العلماء (6) - لعموم الأخبار. ولأن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: رأيت ابن عباس على ظهر زمزم يصلي الخسوف للشمس والقمر (7). والظاهر أنه صلى منفردا. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في صلاة الكسوف:

(1) المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 80، المغني والشرح الكبير 2: 280، بلغة السالك 1: 191.
(2) المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 80.
(3) الاسراء: 12. (4 و 5) المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 80.
(6) المغني والشرح الكبير 2: 273.
(7) مصنف عبد الرزاق 3: 102 - 103 / 4934، سنن البيهقي 3: 328.

[ 184 ]

" تصلى جماعة وفرادى " (1). ولأنها صلاة ليس من شرطها البنيان والاستيطان، فلم يكن من شرطها الجماعة، كغيرها من النوافل. وقال الثوري ومحمد: إن صلى الإمام صلوها معه، ولا يصلون منفردين، لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا يصليها المنفرد كالجمعة (2). ونمنع العلية، فإن الخطبة عندنا ليست مشروعة. مسألة 489: وتستحب الجماعة في هذه الصلاة إجماعا منا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلاها في الجماعة (4). وصلى ابن عباس خسوف القمر في جماعة في عهد علي عليه السلام (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا انكسفت الشمس والقمر فإنه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى الإمام يصلي بهم، وأيهما كسفت بعضه فإنه يجزئ الرجل أن يصلي وحده " (6). ولأن خسوف القمر أحد الكسوفين، فاستحبت فيه الجماعة كالآخر.

التهذيب 3: 292 / 882.
(2) المجموع 5: 45، المغني والشرح الكبير 2: 274، حلية العلماء 2: 270.
(3) الأم 1: 242، المجموع 5: 44 و 45، الوجيز 1: 71، فتح العزيز 5: 74، مغني المحتاج 1: 318، بداية المجتهد 1: 210، المغني والشرح الكبير 2: 274.
(4) صحيح البخاري 2: 43، صحيح مسلم 2: 619 / 3، سنن ابن ماجة 1: 401 / 1263، سنن النسائي 3: 127، سنن الدارمي 1: 359، سنن أبي داود 1: 306 / 1177 و 1178، سنن الدار قطني 2: 63 / 3، سنن البيهقي 3: 320.
(5) سنن البيهقي 3: 338.
(6) التهذيب 3: 292 / 881.

[ 185 ]

وقال أبو حنيفة: يصلون للقمر فرادى في بيوتهم، لأن في خروجهم ليلا مشقة (1). وينتقض: بالتراويح. تذنيب: لو أدرك المأموم الإمام راكعا في الأول، فقد أدرك الركعة. ولو أدركه في الركوع الثاني، أو الثالث، فالوجه: أنه فاتته تلك الركعة - وبه قال الشافعي (2) - لأن الركوع ركن فيها، ولا يتحمل الإمام شيئا سوى القراءة، لا فعل الركوع، فحينئذ ينبغي المتابعة حتى يقوم في الثانية، فيستأنف الصلاة معه، فإذا قضى صلاته أتم هو الثانية، ويجوز الصبر حتى يبتدئ بالثانية. وتحتمل المتابعة بنية صحيحة، فإذا سجد الإمام لم يسجد هو، بل ينتظر الإمام إلى أن يقوم، فإذا ركع الإمام الثانية ركع معه عن ركعات الأولى، فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد، ثم لحق الإمام، ويتم الركعات قبل سجود الثانية. والوجه: الأول. مسألة 490: لا خطبة لهذه الصلاة عند علمائنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة، ومالك (3)، عملا بالأصل السالم عن المعارض. ولأنه لو كان النبي صلى الله عليه وآله، قد خطب، لنقل كما نقلت خطبته في العيد والجمعة وغيرهما. وقال الشافعي: تستحب الخطبة بعد الصلاة على المنبر - ولم يذكر

(1) المغني والشرح الكبير 2: 273، المبسوط للسرخسي 2: 75 - 76، اللباب 1: 120، الهداية للمرغيناني 1: 88.
(2) المجموع 5: 61، الوجيز 1: 71، فتح العزيز 5: 78، مغني المحتاج 1: 319.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 88، شرح فتح القدير 2: 57، اللباب 1: 120، بلغة السالك 1: 191، الكافي في فقه أهل المدينة: 80، المنتقى للباجي 1: 327، بداية المجتهد 1: 213، المجموع 5: 53، فتح العزيز 5: 75 - 76، المغني والشرح الكبير 2: 278.

[ 186 ]

أحمد الخطبة (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله لما خسفت الشمس صلى، فوصفت عائشة صلاته إلى أن قالت: فلما فرغ وقد تجلت انصرف وذكر الله تعالى فأثنى عليه وقال: (يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فادعوا الله تعالى، وكبروا وانصرفوا) ثم قال: (يا أمة محمد ما أحد أغير من الله تعالى أن يزني عبده أو أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) (2) (3). ولا حجة فيه، لتضمنه الدعاء والتكبير والأعلام بحكم الكسوف، وليس ذلك من الخطبة في شئ. مسألة 491: وتجب هذه الصلاة على النساء والرجال والخناثى، إجماعا منا وللعموم. وعند الجمهور بالاستحباب (4)، لأن أسماء بنت أبي بكر قالت: فزع رسول الله صلى الله عليه وآله، يوم كسفت الشمس، فقام قياما، فرأيت المرأة، التي أكبر مني، والمراة التي أصغر مني قائمة، فقلت: أنا أحرى بالصبر على طول القيام (5). إذا ثبت هذا، فإنه يستحب للعجائز، ومن لا هيئة لها الصلاة جماعة مع الرجال، ويكره ذلك للشواب، ويستحب لهن الجماعة تصلي بهن

(1) أنظر المغني والشرح الكبير 2: 278.
(2) صحيح البخاري 2: 42 - 43، صحيح مسلم 2: 618 / 901، سنن النسائي 3: 130 133: مسند أحمد 6: 164، سنن البيهقي 3: 322.
(3) الأم 1: 244، المجموع 5: 52، فتح العزيز 5: 75 - 76، المغني والشرح الكبير 2: 278.
(4) المجموع 5: 44 - 45، المغني 2: 280، الشرح الكبير 2: 273، بدائع الصنائع 1: 280، المنتقى للباجي 1: 326.
(5) صحيح مسلم 2: 625 - 626 / 906، سنن البيهقي 3: 342.

[ 187 ]

إحداهن. واستحبه الشافعي مطلقا، لكنه لم يستحب الخطبة لو صلين جماعة، لأن الخطبة ليست من سنن النساء، فإن قامت إحداهن وذكرتهن ووعظتهن، كان حسنا عنده (1). ولو حصل رجل في قرية مع النساء ولا رجل سواه، تقدم وصلى بهن وإن كن أجانب - خلافا للشافعي (2) - إلا أن يخاف الافتتان، فيصلين فرادى. إذا ثبت هذا، فإن هذه الصلاة تجب على المسافر كما تجب على الحاضر، وليس الاستيطان، ولا البنيان شرطا فيهما إجماعا، ولا المصر ولا الإمام، للعموم. مسألة 492: اختلف علماؤنا في الاعادة بعد الفراغ من الصلاة قبل الانجلاء، فالأشهر: استحباب إعادة الصلاة، لأن المقتضي للمشروعية باق. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد " (3). وقال آخرون منا: بالوجوب، لثبوت المقتضي له، وهو: بقاء الكسوف. ولهذا الحديث (4). والحق خلافه، لأصالة البراءة. ولقول الباقر عليه السلام: " فإذا فرغت قبل أن ينجلي فاقعد، وادع الله حتى ينجلي " (5). ونمنع كون الكسوف سببا، بل علامة ووقتا.

(1 و 2) الأم 1: 246، المجموع 5: 59.
(3) التهذيب 3: 156 / 334.
(4) الذي مر آنفا.
(5) الكافي 3: 463 / 2، التهذيب 3: 156 / 335.

[ 188 ]

والخبر محمول على الاستحباب، جمعا بين الأدلة. وقال آخرون منا: لا تعاد الصلاة وجوبا ولا استحبابا - وهو قول الجمهور كافة (1) - لأنه لم ينقل عنه عليه السلام التكرر. ولا حجة فيه، لأنه عليه السلام كان يطيل الصلاة بقدر زمانه (2). إذا عرفت هذا، فإن الشافعي استحب الخطبة بعدها (3). وقد أبطلناه. ويستحب الدعاء والذكر والاستغفار والتكبير والتضرع إلى الله تعالى، لقوله عليه السلام: (فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، ودعائه واستغفاره) (4). وقالت أسماء: كنا نؤمر بالعتق في الكسوف (5). ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله ليكشفه عن عباده. مسألة 493: تصلى هذه الصلاة في أي وقت حصل السبب وإن كان أحد الأوقات (6) الخمسة المكروهة لابتداء النوافل عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (7) - لأنها صلاة فرض مؤقتة، فلا يتناولها النهي.

(1) الأم 1: 244، المجموع 5: 54، فتح العزيز 5: 71، المنتقى للباجي 1: 327، المغني والشرح الكبير 2: 280.
(2) صحيح البخاري 2: 43 و 44 و 46، صحيح مسلم 2: 618 / 901 و 624 / 905، سنن ابن ماجة 1: 401 / 1263، سنن الدار قطني 2: 63 / 3، سنن البيهقي 3: 321 و 323، المستدرك للحاكم 1: 329.
(3) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 52، فتح العزيز 5: 75، حلية العلماء 2: 269.
(4) سنن النسائي 3: 153 - 154.
(5) صحيح البخاري 2: 47، سنن أبي داود 1: 310 / 1192، مسند أحمد 6: 354.
(6) وهي، طلوع الشمس وغروبها، وقيامها إلى أن تزول، وبعد صلاتي الصبح والعصر.
(7) الأم 1: 149 و 243، المجموع 4: 170، فتح العزيز 5: 69، بداية المجتهد 1: 213، عمدة القاري 7: 62 و 79.

[ 189 ]

ولقوله صلى الله عليه وآله: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " وقت صلاة الكسوف الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها " (2). ولأنها ذات سبب، فجاز فعلها في الأوقات الخمسة. وقال مالك وأبو حنيفة: بالمنع، وعن أحمد روايتان: المنع أشهرهما، لأن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات (3) كان النبي عليه السلام ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا (4) (5). وهو مختص بالنوافل، وقد بينا وجوب هذه الصلاة. مسألة 494: لو اتفق في وقت فريضة حاضرة، فإن اتسع الوقتان، قدم الحاضرة استحبابا، لشدة اعتناء الشارع بها، ولهذا سوغ قطع الكسوف والاشتغال بالحاضرة، فتقديمها أولى. ولو تضيق الوقتان، قدمت الحاضرة وجوبا، لما تقدم، ثم إن فرط في صلاة الكسوف بالتأخير مع الامكان قضى وإلا فلا. ولو تضيقت إحداهما، تعينت للفعل، ثم يصلي الأخرى بعد إكمالها. ولا يجب مع اتساع الوقتين الاشتغال بالحاضرة لقول الصادق عليه السلام: " خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، وإذا أردت

(1) صحيح البخاري 2: 43، صحيح مسلم 2: 623 / 10.
(2) الكافي 3: 464 / 4، التهذيب 3: 293 / 886.
(3) الساعات الثلاث هي: طلوع الشمس وغروبها وزوالها وانظر: المصادر في الهامش التالي. (4) صحيح مسلم 1: 568 / 831، سنن ابن ماجة 1: 486 / 1519، سنن الترمذي 3: 348 / 1030، سنن النسائي 1: 275 و 277، مسند أحمد 4: 152.
(5) بداية المجتهد 1: 213، بدائع الصنائع 1: 282، فتح العزيز 5: 69، المغني 1: 794 و 2: 281 - 282، الشرح الكبير 1: 840.

[ 190 ]

أن تحرم، وإذا نسيت فصل إذا ذكرت، وصلاة الكسوف والجنازة " (1) ولا خلاف فيه. فروع: أ: لو تلبس بصلاة الكسوف وتضيق وقت الحاضرة وخاف فوتها لو أتم الكسوف، قطع إجماعا، وصلى بالحاضرة، تحصيلا للفرض. ولقول الصادق عليه السلام في صلاة الكسوف يخشى فوت الفريضة قال: " إقطعوها وصلوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم " (2). وسأله محمد بن مسلم: ربما ابتلينا بعد المغرب قبل العشاء، فإن صلينا الكسوف خشينا أن تفوت الفريضة، قال: " إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك واقض فريضتك ثم عد فيها " (3). إذا ثبت هذا، فإذا قطع الكسوف وصلى الفريضة هل يعود إلى الكسوف من حيث قطع، أو يستأنف الصلاة؟. قال الشيخان والمرتضى: بالأول (4)، للروايتين. وفيه إشكال ينشأ: من أن صلاة الفرض يبطلها العمل الكثير، ودلالة الحديثين ليست قطعية، لاحتمال العود إلى ابتداء الصلاة. ب: لو اشتغل بالكسوف وخشي فوت الحاضرة لو أتمها وفوت الكسوف لو اشتغل بالحاضرة، احتمل تقديم الحاضرة، لأولويتها، فيقطع الكسوف ويستأنف. وإتمام الكسوف، لأولويته بالشروع فيه، والنهي عن إبطال العمل،

(1) الكافي 3: 287 / 2، التهذيب 2: 172 / 683.
(2) التهذيب 3: 293 / 888.
(3) التهذيب 3: 155 / 332.
(4) النهاية: 137، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 45، وحكاه عن الثلاثة، المحقق في المعتبر: 218.

[ 191 ]

ومساواته بالحاضرة في الوجوب. ويحتمل إتمامها إن أدرك من الحاضرة بعدها ركعة وإلا استأنف. ج: لو اتسع وقت الحاضرة، وشرع القرص في الكسوف، أو حدثت الرياح المظلمة، فالوجه: تقديم الكسوف والرياح - وبه قال الشافعي (1) - لجواز عدم طول اللبث، فيفوت بالاشتغال بالحاضرة. د: الزلزلة متأخرة عن الحاضرة مطلقا إن قلنا: وقتها العمر. وإن قلنا: وقتها حدوثها، فتجب وإن سكنت، كما قاله بعض علمائنا (2)، وكالكسوف. ه‍: لو اتفقت مع صلاة منذورة مؤقتة، بدأ بما يخشى فواته، ولو أمن فواتهما، تخير فيهما. و: الكسوف أولى من النافلة المؤقتة كصلاة الليل وغيرها وإن خرج وقتها، ثم يقضي ندبا. ز: لو اجتمع الكسوف والعيد وصلاة الجنازة والاستسقاء، قدم من الفرائض ما يخشى فواته أو التغير، وإن تساويا، تخير، أما الاستسقاء فتؤخر، لأن المندوب لا يزاحم الواجب. وقال الشافعي: تقدم الجنازة، لأنها فرض، وللخوف من التغير، ثم الخسوف، لتعلقها بسبب يخاف فواته، إلا أن تتضيق العيد فتقدم، لأن فواته متحقق وفوات الخسوف غير متحقق، ثم الاستسقاء، لأنها تصلى في أي وقت كان (3). لا يقال: لا يمكن اجتماع العيد والكسوف، لأن الشمس لا تنكسف في العادة إلا في التاسع والعشرين من الشهر، فلا يتصور كونه في الفطر ولا الأضحى.

(1) المهذب للشيرازي 1: 130، المجموع 5: 55 و 56، فتح العزيز 5: 81، الأم 1: 243.
(2) قاله المحقق في شرائع الاسلام 1: 103.
(3) الأم 1: 243، مختصر المزني: 32، المجموع 5: 57.

[ 192 ]

لأنا نقول: نمنع عدم الامكان، والعادة لا تخرج نقيضها عن حد الامكان، والله على كل شئ قدير، والفقهاء يفرضون الممكن وإن لم يقع عادة ليبينوا الأحكام المنوطة به، كما يفرضون مائة جدة وما أشبه ذلك. ثم هذا لا يرد علينا، لأن هذه الصلاة لا تختص بكسوف الشمس، بل هي واجبة لباقي الآيات الخارجة عن الضابط الزمانى. ح: لو خاف خروج وقت العيد، قدمت صلاته ولم يخطب لها حتى يصلي الخسوف، فإذا صلى الخسوف، خطب للعيد خاصة عندنا - وعند الشافعي يخطب لهما (1) - وذكر ما يحتاج إلى ذكره لهما. ط: لو اجتمع الخسوف والجمعة، فإن اتسع وقت الجمعة، بدأ بالخسوف، ويقصر في قراءته، فيقرأ السور القصار، فإذا فرغ، اشتغل بخطبة الجمعة خاصة. وقال الشافعي: يخطب للخسوف والجمعة، ثم يصلي الجمعة (2). ولو تضيق الوقت، بدأ بالخطبة للجمعة مخففة، ثم بالجمعة ثم بالخسوف. ي: لو كان في الموقف حالة الكسوف، قدمت صلاته على الدعاء ولا خطبة. وقال الشافعي: يخطب راكبا ويدعو (3). وإن كسفت وهو في الموضع الذي يصلى فيه الظهر، قدمت صلاته على الدفع إلى عرفة لئلا تفوته. يا: لو خسف القمر بعد الفجر من ليلة المزدلفة وهو بها، صلى صلاة الخسوف وإن كان يؤدي إلى أن يفوته الدفع منها إلى منى قبل طلوع الشمس.

(1) المجموع 5، 57، فتح العزيز 5: 82.
(2) الأم 1: 243، المجموع 5: 57، حلية العلماء 2: 269، فتح العزيز 5: 82.
(3) الأم 1: 244، المجموع 5: 57 - 58.

[ 193 ]

ويستحب التخفيف ليدفع قبله. يب: لو خسفت الشمس يوم الثامن بمكة، وخاف إن اشتغل بصلاة الخسوف أن يفوته فعل الظهر بمنى، قدم صلاة الخسوف، لأنها واجبة، بخلاف فعل الظهر بمنى. يج: لو اتفق الكسوف مع نافلة، قدم الكسوف ولو فاتت النافلة، راتبة كانت أو لم تكن عند علمائنا: لأنها واجبة. ولقول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن صلاة الكسوف وصلاة الليل بأيتهما نبدأ؟: " صل صلاة الكسوف، واقض صلاة الليل حين تصبح " (1). وقال أحمد: يقدم آكدهما (2)، وهو بناء على أن صلاة الكسوف مندوبة، وقد بينا بطلانه. مسألة 495: قال الشيخ: صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر سواء (3). وهو صحيح إن قصد المساواة في الهيئة، أما في الاطالة ففيه نظر، لقول الباقر عليه السلام: " صلاة كسوف الشمس أطول من صلاة كسوف القمر، وهما سواء في القراءة والركوع والسجود " (4). مسألة 496: لو ضاق وقت الكسوف عن إدراك ركعة، لم تجب، بخلاف الزلزلة، فإنها سبب في الوجوب لا وقت له. (ولو اتسع لركعة وقصر عن أخف صلاة، ففي الوجوب إشكال ينشأ: من قوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (5) ومن

(1) التهذيب 3: 155 / 332.
(2) المغني والشرح الكبير 2: 280.
(3) الخلاف 1: 682 مسألة 457.
(4) الكافي 3: 463 - 464 / 2، التهذيب 3: 156 - 157 / 335.
(5) صحيح البخاري 1: 151، صحيح مسلم 1: 423 / 607، سنن ابن ماجة 1:

[ 194 ]

استحالة فرض وقت لعبادة يقصر عنها عقلا، إلا أن يكون القصد القضاء، ولم يثبت القصد هنا. فلو اشتغل أحد المكلفين بها في الابتداء وخرج الوقت وقد أكمل ركعة، فعلى الأول يجب عليه الاكمال، وعلى الثاني لا يجب، أما الآخر فلا يجب عليه القضاء على التقديرين) (1). إذا ثبت هذا، فلو ضاق الوقت عن العدد، لم يجز الاقتصار على الأقل. ولو اتسع للأكثر، لم تجز الزيادة، لأنها فريضة معينة. وللشافعي في كل من التقديرين وجهان (2). مسألة 497: لا يجوز أن تصلى هذه الصلاة على الراحلة اختيارا ولا مشيا إلا مع الضرورة عند علمائنا - خلافا للجمهور - لأنها فريضة فلا تجوز على الراحلة ومشيا اختيارا، كغيرها من الفرائض. ولأن عبد الله بن سنان سأل الصادق عليه السلام: أيصلي الرجل شيئا من الفروض على الراحلة؟ فقال: " لا " (3). أما مع الضرورة فتجوز، دفعا للمشقة، كغيرها من الفرائض. وكتب علي بن فضل الواسطي إلى الرضا عليه السلام: إذا كسفت

356 / 1123، سنن الدارمي 1: 277، سنن النسائي 1: 274، الموطأ 1: 10 / 15، سنن الترمذي 2: 403 / 524. (1) ورد بدل ما بين القوسين في نسخة " ش " هكذا: ولو اتسع لركعة وقصر عن أخف صلاة لم يجب لاستحالة فرض وقت لعبادة يقصر عنها عقلا إلا أن يكون القصد القضاء ولم يثبت هنا، فلو اشتغل أحد المكلفين بها في الابتداء وخرج الوقت وقد أكمل ركعة يحتمل أن يجب عليه الاكمال لأنه مكلف بالظن فصح ما فعل فيدخل تحت { ولا تبطلوا أعمالكم } والأقوى أنه لا يجب أما الآخر فلا يجب عليه القضاء على التقديرين.
(2) المجموع 5: 47 - 48، فتح العزيز 5: 71.
(3) التهذيب 308 / 954.

[ 195 ]

الشمس والقمر وأنا راكب لا أقدر على النزول، فكتب عليه السلام: " صل على مركبك الذي أنت عليه " (1). مسألة 498: هل تجب هذه الصلاة في كسف بعض الكواكب بعضا، أو في كسف أحد النيرين بأحد الكواكب كما قال بعضهم: إنه شاهد الزهرة في جرم الشمس كاسفة لها؟ إشكال ينشأ: من عدم التنصيص، وخفائه، إذ الحس لا يدل عليه، وإنما يستفاد من المنجمين الذين لا يوثق بهم، ومن كونه آية مخوفة، فتشارك النيرين في الحكم. والأول أقوى. * * *

(1) الكافي 3: 465 / 7، الفقيه 1: 346 / 531، التهذيب 3: 291 / 878، قرب الاسناد: 174.

[ 197 ]

الفصل الرابع: في صلاة النذر مسألة 499: صلاة النذر واجبة بحسب ما نذره إجماعا. ولقوله تعالى: { يوفون بالنذر } (1) وقوله تعالى: { أوفوا بالعقود } (2) { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } (3) ولقوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } (4). ويشترط فيه ما يشترط في الفرائض اليومية من الطهارة والاستقبال وغيرهما إجماعا إلا الوقت، وتزيد الصفات التي عينها في نذره، ولا يجب لو وقع في معصية، لقبحه إلا على وجه الزجر، وسيأتي. ولو عين الزمان، تعين سواء كان فيه مزيد كيوم الجمعة وغيره من الأوقات الشريفة، أو لا، لأن البقاء غير معلوم، والتقدم فعل للواجب قبل وجوبه، فلا يقع مجزئا، كما لو صلى الفرض قبل وقته، فتعين. ولو قيده بوقت مكروه للنوافل، فالأقرب الانعقاد، لاختصاص الكراهة

(1) الانسان: 7.
(2) المائدة: 1.
(3) الاسراء: 34.
(4) النحل: 91.

[ 198 ]

بالنوافل، وهذه بالنذر خرجت من كونها نافلة، وصارت واجبة ذات سبب. مسألة 500: لو قيد نذر الصلاة بزمان فأوقعها في غيره، فقد بينا عدم الإجزاء. ثم إن كان الفعل متقدما على الزمان، وجب عليه الاعادة عند حضور الزمان، فإن أهمل وجب القضاء وكفارة خلف النذر. وإن تأخر الفعل، فإن كان لعذر أجزأ ولا كفارة، وإن كان لغير عذر، فإن أوقعه بنية القضاء، أجزأ وكفر، وإلا وجب عليه الفعل ثانيا والكفارة. ولو نذر إيقاعه في زمان يتكرر مثله كيوم الجمعة، لم يجب في الجمعة الأولى إلا مع النذر، بل يجزئه فعلها في أي جمعة شاء، فإن أوقعها في خميس مثلا يجزئه، ووجب إيقاعها في الجمعة الأخرى أداء لا قضاء. مسألة 501: لو قيد نذر الصلاة بمكان، فإن كان له مزية، تعين كالمسجد. وإن لم يكن له مزية، ففي وجوب القيد نظر ينشأ: من أنه نذر طاعة في موضع مباح فيجب، ومن أن القيد لا مزية فيه فلا تجب، كما لو نذر المشي ولم يعين مقصدا، وهو الأقرب، فيجوز إيقاعها حينئذ في أي موضع شاء. أما لو كان له مزية، فصلاها في مكان مزيته أعلى، فالأقرب: الجواز، إذ زيادة المزية بالنسبة إلى الآخر كذي المزية بالنسبة إلى غير ذي المزية. ويحتمل العدم، لأنه نذر انعقد، فلا يجوز غيره، فإن قلنا بالجواز فلا بحث، وإلا وجب القضاء. ولو قيده بزمان ومكان، فأوقعها في ذلك الزمان في غير ذلك المكان مما يساويه أو يزيد عليه في المزية، أجزأ على إشكال، وإلا وجب القضاء في ذلك المكان بعينه، والكفارة، لفوات الوقت. مسألة 502: لو أطلق العدد، أجزأه ركعتان إجماعا. وهل تجزئه الواحدة؟ لعلمائنا قولان: أحدهما: ذلك، للتعبد بمثلها

[ 199 ]

في الوتر. والآخر: المنع، صرفا للاطلاق إلى المتعارف وهو الركعتان. ولو صلاها ثلاثا أو أربعا، أجزأ إجماعا، وفي وجوب التشهدين إشكال. ولو صلاها خمسا فإشكال. ولو قيد نذره بعدد، تعين إن تعبد بمثله. ثم إن أطلق، احتمل وجوب التسليم عقيب كل ركعتين، ووجوبه عقيب أربع أو ما زاد على إشكال. وإن لم يتعبد بمثله، كالخمس والست، قال ابن إدريس: لا ينعقد (1). ويحتمل انعقاده، لأنها عبادة، وعدم التعبد بمثلها لا يخرجها عن كونها عبادة. مسألة 503: لو قيد النذر بقراءة سورة معينة، أو آيات مخصوصة، أو تسبيح معلوم، تعين، فيعيد مع المخالفة، فإن كان مقيدا بوقت وخرج، أعاد وكفر. ولو نذر أن يقرأ آيات معينة عوض السورة ففي الإجزاء نظر ينشأ: من أنها واجبة، فتجب السورة مع الحمد كغيرها من الفرائض، ومن أن وجوبها على هذا الحد فلا يجب غيره، فعلى الأول يحتمل عدم انعقاد النذر مطلقا، كما لو نذر صلاة بغير طهارة، وانعقاده فتجب سورة كاملة. ولو نذر آيات من سورة معينة عوض السورة، وقلنا بوجوب السورة في الأول، وجب هنا عين تلك السورة ليدخل ما نذره ضمنا، ويحتمل إجزاء غيرها، لعدم انعقاد النذر في التبعيض. مسألة 504: لو نذر النافلة في وقتها، صارت واجبة، فلو نذر صلاة العيد المندوبة أو الاستسقاء في وقتهما، لزم، ولو نذرهما في غير وقتهما،

(1) السرائر 357.

[ 200 ]

فالأقرب: عدم الانعقاد، لعدم التعبد بمثله في هذا الوقت. ويحتمل الانعقاد، لأنها طاعة تعبد بمثلها في وقت ما، فكذا في غيرها. ولو نذر إحدى المرغبات، وجبت، فإن كانت مقيدة بوقت، تقيد النذر به وإن أطلقه، كما لو نذر نافلة الظهر، وإلا فلا، ولو كان الوقت مستحبا لها، كصلاة التسبيح المستحب إيقاعها يوم الجمعة، لم ينعقد إلا مع تقيد النذر به. ولو نذر صلاة الليل، وجب ثمان ركعات، ولا يجب الدعاء. وكذا لو نذر نافلة رمضان، لم يجب الدعاء المتخلل بينها إلا مع التقيد. ولو نذر الفريضة اليومية، فالوجه الانعقاد، لأنها طاعة، بل أقوى الطاعات لوجوبها، والفائدة: وجوب الكفارة مع المخالفة. مسألة 505: لو نذر النافلة على الراحلة، انعقد المطلق لا المقيد، لأولوية غيره. وكذا لو نذر الصلاة النافلة في إحدى الأماكن المكروهة. ولو فعل ما قيد النذر به، أجزأه، إذ غيره لم يجب، لعدم نذره. ولو نذر التنفل جالسا أو مستدبرا، فإن أوجبنا القيام أو الاستقبال، احتمل بطلان النذر، كما لو نذر الصلاة بغير طهارة، والانعقاد للمطلق، فيجب الضد. وإن جوزنا إيقاعها جالسا أو مستدبرا، أجزأ لو فعلها عليهما أو قائما أو مستقبلا. واليمين والعهد في ذلك كله كالنذر. * * *

[ 201 ]

الفصل الخامس: في صلاة الاستسقاء قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا غضب الله تعالى على أمة ثم لم ينزل بها العذاب، غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارها، ولم تزك ثمارها، ولم تعذب أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط عليها أشرارها) (1). وقال الصادق عليه السلام: " إذا فشت أربعة، ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا، ظهرت الزلازل، وإذا أمسكت الزكاة، هلكت الماشية، وإذا جار الحكام في القضاء، أمسك القطر من السماء، وإذا خفرت الذمة، نصر المشركون على المسلمين " (2). مسألة 506: الاستسقاء مشروع بالكتاب والسنة والاجماع. قال الله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } (3). وقال تعالى: { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا } (4)

(1) الفقيه 1: 332 / 1492، التهذيب 3: 148 / 319.
(2) الفقيه 1: 332 / 1491، التهذيب 3: 147 - 148 / 318.
(3) البقرة: 60.
(4) نوح: 10 و 11.

[ 202 ]

وقال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله، في الاستسقاء متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى (1). وروى أنس قال: أصاب أهل المدينة قحط، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله، يخطب إذ قام رجل، فقال: هلك الكراع والشاء، فادع الله أن يسقينا، فمد رسول الله صلى الله عليه وآله، يديه ودعا، قال أنس: والسماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها (2)، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا قبل منازلنا، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبس الركبان، فادع الله أن يحبسه، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا) فنظرت إلى السماء تنصدع حول المدينة كأنه إكليل (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلى الاستسقاء ركعتين " (4) الحديث. وصلى أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الاستسقاء، وخطب طويلا، ثم بكى وقال: " سيدي انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وقنط ناس منا، وتاهت البهائم وتحيرت في مراتعها، وعجت عجيج الثكلى على أولادها، وملت الدوران في مراتعها [ حين ] (5) حبست عنها قطر السماء، فرق لذلك عظمها، ودق لحمها، وذاب شحمها، وانقطع درها، اللهم ارحم أنين

سنن أبي داود 1: 302 / 1165، سنن ابن ماجة 1: 403 / 1266، سنن الترمذي 2: 445 / 558، سنن النسائي 3: 163، مسند أحمد 1: 355، سنن الدار قطني 2: 68 / 11، المستدرك للحاكم 1: 326، سنن البيهقي 3: 344.
(2) قال ابن الأثير في النهاية 3: 231 نقلا عن الهروي: العزالي: جمع العزلاء، وهو فم المزادة الأسفل فشبه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة. (3) سنن أبي داود 1: 304 / 1174، سنن البيهقي 3: 356.
(4) الفقيه 1: 338 / 1505، التهذيب 3: 150 / 326، الاستبصار 1: 451 / 1748.
(5) زيادة من المصدر ووردت في الطبعة الحجرية بعنوان نسخة بدل.

[ 203 ]

الآنة وحنين الحانة، وارحم تحيرها في مراتعها، وأنينها في مرابضها " (1). وقال الصادق عليه السلام: " إن سليمان بن داود عليه السلام، خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقي فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، لا غنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، فقال سليمان عليه السلام، لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم " (1). وأجمع المسلمون كافة على مشروعية الاستسقاء وإن اختلفوا في كيفيته على ما يأتي. مسألة 507: ويستحب فيه الصلاة عند قلة الامطار وغور الأنهار والآبار والجدب، عند علمائنا كافة - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب ومكحول والشافعي وأحمد ومحمد وأبو يوسف (3) - لما تقدم من الأحاديث. ولما رواه الجمهور عن الصادق عن الباقر عليهما السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله، وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء " (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام في الاستسقاء: " يصلي ركعتين " (5). وقال أبو حنيفة: لا صلوة للاستسقاء، وإنما هو دعاء واستغفار، والصلاة بدعة، لأن النبي صلى الله عليه وآله استسقى على المنبر، ولم يصل

(1) التهذيب 3: 154 / 328، مصباح المتهجد: 477، الفقيه 1: 338 / 1504.
(2) الفقيه 1: 333 / 1493.
(3) الأم 1: 246، المهذب للشيرازي 1: 130، المجموع 5: 64، الوجيز 1: 72، فتح العزيز 5: 87، الميزان للشعراني 1: 20، المغني والشرح الكبير 2: 283، بداية المجتهد 1: 214 - 215.
(4) مصنف عبد الرزاق 3: 85 / 4895، ونقله ابنا قدامة في المغني 2: 284 والشرح الكبير 2: 284 - 285.
(5) التهذيب 3: 148 / 321.

[ 204 ]

لها (1). وكذلك عمر استسقى بالعباس عام الرمادة (2)، فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما، وأومأ به نحو السماء، فقال: اللهم إنا جئناك نستسقيك، ونستشفع إليك بعم نبيك، فما انقضى قوله والناس ينظرون إليهما وإلى السماء حتى نشأت سحابة فلم يلبث أن طبقت الافق ثم أرسلت عزاليها، فما رجعوا إلى رحالهم حتى بلهم الغيث (3) (4). ولا حجة فيه، لأنها ليست واجبة، والغرض بها إرسال الغيث، فإذا حصل، سقط سبب الاستحباب، مع أنه عليه السلام، لم يصل يوم الجمعة لاشتغاله بالجمعة، وهذه الصلاة ليست واجبة بالاجماع. مسألة 508: وهي ركعتان يقرأ في كل واحدة: الحمد وسورة، ويكبر فيهما مثل تكبير العيد، عند علمائنا أجمع - وبه قال عمر بن عبد العزيز وسعيد ابن المسيب ومكحول والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد في أشهر الروايتين (5) - لأن الصادق عليه السلام روى عن الباقر عليه السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء، يكبرون فيها سبعا وخمسا " (6).

(1) صحيح البخاري 2: 34 و 35، صحيح مسلم 2: 612 / 897، سنن أبي داود 1: 304 / 1174، مصنف عبد الرزاق 3: 91 / 4909 و 92 / 4911، سنن البيهقي 3: 353 و 354 و 356.
(2) الرمادة: الهلاك. وعام الرمادة كانت سنة جدب وقحط في عهد عمر. النهاية لابن الأثير 2: 262.
(3) صحيح البخاري 2: 34، سنن البيهقي 3: 352 باختصار فيهما.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 76، بدائع الصنائع 1: 282، اللباب 1: 120، الهداية للمرغيناني 1: 88، عمدة القاري 7: 25، المجموع 5: 100، المغني 2: 285، الشرح الكبير 2: 283.
(5) الأم 1: 250، المجموع 5: 74، اللباب 1: 121، المغني والشرح الكبير 2: 284، حلية العلماء 2: 273.
(6) مصنف عبد الرزاق 3: 85 / 4895، ونقله ابنا قدامة في المغني 2: 284، والشرح الكبير

[ 205 ]

وقال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله متبذلا، متواضعا حتى أتى المصلى، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد (1). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلى للاستسقاء ركعتين، وبدأ بهما قبل الخطبة، وكبر سبعا وخمسا، وجهر بالقراءة " (2). وقال مالك: يصلي ركعتين بلا تكبير زائد - وهي الرواية الأخرى عن أحمد، وقول الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق - لأن أبا هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وآله، خرج للاستسقاء، فصلى ركعتين (3) (4). وليس حجة، إذ لم يبين الكيفية، والاطلاق لا ينافي التفصيل. مسألة 509: قال الشيخ: ويقرأ فيهما أي سورة شاء (5)، لعدم التنصيص. ويحتمل أن يقرأ، كما يقرأ في العيد، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن كيفية صلاة الاستسقاء: " مثل صلاة العيدين " (6). وقال الشافعي: يقرأ في الأولى بسورة (ق)، وفي الثانية (اقتربت)

2: 284 - 285. (1) سنن أبي داود 1: 302 / 1165، سنن ابن ماجة 1: 403 / 1266، سنن الترمذي 2: 445 / 558، سنن النسائي 3: 156 - 157 و 163، مسند أحمد 1: 355، سنن البيهقي 3: 344، سنن الدار قطني 2: 68 / 11، المستدرك للحاكم 1: 326 - 327، مصنف عبد الرزاق 3: 84 / 4893.
(2) التهذيب 3: 150 / 326، الاستبصار 1: 451 / 1748.
(3) سنن الترمذي 2: 244 / 556، سنن ابن ماجة 1: 403 / 1268، سنن البيهقي 3: 347.
(4) المغني 2: 284 - 285، الشرح الكبير 2: 285، المدونة الكبرى 1: 166، بداية المجتهد 1: 215، الكافي في فقه أهل المدينة: 81، المجموع 5: 103، حلية العلماء 2: 274.
(5) النهاية: 138، المبسوط للطوسي 1: 134.
(6) الكافي 3: 462 / 2، التهذيب 3: 149 / 323، الاستبصار 1: 452 / 1750.

[ 206 ]

لأن النبي صلى الله عليه وآله، صنع في الاستسقاء ما صنع في الفطر والأضحى (1). وقال بعض أصحابه: يقرأ في الثانية بسورة نوح، لأن فيها ذكر الاستسقاء (2). وروى الجمهور عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقرأ - في العيدين والاستسقاء - في الأولى بفاتحة الكتاب، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية (3). مسألة 510: ويقنت عقيب كل تكبيرة زائدة كما في العيد، إلا أنه يدعو هنا بالاستعطاف وسؤال الرحمة وإنزال الغيث وتوفير المياه. وأفضل ما يقال: الادعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، لأنهم أعرف بكيفيات العبادات. مسألة 511: ويستحب الصوم لهذه الصلاة ثلاثة أيام، فيخطب الإمام يوم الجمعة ويشعر الناس بفعلها، ويأمرهم بصوم ثلاثة أيام: السبت والأحد ويخرج بهم يوم الإثنين وهم صيام، وإن شاء خرج بهم يوم الجمعة، فيصوموا الأربعاء والخميس والجمعة، عند علمائنا، لأن دعاء الصائم في مظنة الاجابة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (دعوة الصائم لا ترد) (4). وقال حماد السراج: أرسلني محمد بن خالد إلى الصادق عليه السلام يقول له: إن الناس قد كثروا علي في الاستسقاء، فما رأيك في الخروج غدا؟

(1) الأم 1: 237، المجموع 5: 74، فتح العزيز 5: 97، حلية العلماء 2: 274.
(2) الأم 1: 237، المجموع 5: 74، فتح العزيز 5: 97، المهذب للشيرازي 1: 131، حلية العلماء 2: 274.
(3) نقله ابن قدامة في المغني 2: 285 عن غريب الحديث لابن قتيبة.
(4) سنن ابن ماجة 1: 557 / 1752 و 1753، مسند أحمد 2: 305 و 445، سنن البيهقي 3: 345.

[ 207 ]

فقلت ذلك للصادق عليه السلام، فقال لي: " قل له: ليس الاستسقاء هكذا، قل له: يخرج فيخطب الناس، ويأمرهم بالصيام اليوم وغدا، ويخرج بهم يوم الثالث وهم صيام " قال: فأتيت محمدا فأخبرته بمقالة الصادق عليه السلام، فجاء فخطب بالناس، وأمرهم بالصيام كما قال الصادق عليه السلام، فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج؟ وفي رواية أخرى: أنه أمره أن يخرج يوم الإثنين فيستسقي (1). وقال الشافعي: يصوم ثلاثة أيام ثم يخرج يوم الرابع صائما (2)، لقوله عليه السلام: (دعوة الصائم لا ترد) (3). ولا حجة فيه، والأصل سقوط التكليف، وأهل البيت عليهم السلام أعرف بالأحكام. مسألة 512: ويستحب الاصحار بها إجماعا، إلا من أبي حنيفة، فإنه قال: لا يسن الخروج، لأن النبي عليه السلام استسقى على المنبر يوم الجمعة (4) (5). ولا يعتد بخلافه إلا بمكة، فإنه يصلي في المسجد الحرام، لأن عبد الله ابن زيد قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، خرج بالناس إلى المصلى يستسقى (6). ومن طريق الخاصة: قول علي عليه السلام: " مضت السنة أنه

(1) التهذيب 3: 148 / 320.
(2) الأم 1: 248، المهذب للشيرازي 1: 130، المجموع 5: 70، فتح العزيز 5: 91 - 92، مغني المحتاج 2: 321 - 322.
(3) سنن ابن ماجة 1: 577 / 1752 و 1753، مسند أحمد 2: 305 و 445، سنن البيهقي 3: 345.
(4) صحيح مسلم 2: 614 / 9، سنن البيهقي 3: 353.
(5) المغني 2: 285، الشرح الكبير 2: 283.
(6) صحيح مسلم 2: 611 / 3، سنن النسائي 3: 155، سنن البيهقي 3: 344.

[ 208 ]

لا يستسقى إلا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء، ولا يستسقي في المساجد إلا بمكة " (1). ولأنه يستحب إخراج النساء والأطفال والبهائم ولا يحمل ذلك إلا المصلى. ولأنهم في المصلى في الصحراء يعلمون ما ينشأ من السحاب، أو يجئ من المطر. وهل يخرج المنبر معه؟ قال المرتضى: نعم (2)، وبه قال الشافعي (3)، لرواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله، أخرج المنبر (4)، ولم يخرجه في العيد، بل خطب على بعيره (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام لمحمد بن خالد: " يخرج المنبر ثم يخرج كما يخرج يوم العيدين، وبين يديه المؤذنون في أيديهم عنزهم حتى إذا انتهى إلى المصلى صلى بالناس ركعتين بغير أذان ولا إقامة " (6). وقال بعض علمائنا: لا يخرج بل يعمل شبه المنبر من طين (7). مسألة 513: يستحب أن يخرج الناس حفاة على سكينة ووقار، لأنه أبلغ في التذلل والخضوع. ولقول الصادق عليه السلام: " يخرج كما يخرج في العيدين " (8).

(1) التهذيب 3: 150 / 325، قرب الاسناد: 64.
(2) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 72.
(3) الأم 1: 249.
(4) سنن أبي داود 1: 304 / 1173.
(5) سنن البيهقي 3: 298.
(6) الكافي 3: 462 / 1، التهذيب 3: 148 - 149 / 322.
(7) ذهب إليه ابن إدريس في السرائر: 72، ونسبه أيضا إلى بعض أصحابنا.
(8) الكافي 3: 462 / 1، التهذيب 3: 148 / 149 / 322.

[ 209 ]

ويستحب أن يتنظف الخارج بالماء وما يقطع الرائحة من سواك وغيره، لئلا يتأذى غيره برائحته، ولا يتطيب، لأن التطيب للزينة وليس يوم زينة. ويخرج في ثياب بذلته وتواضعه ولا يجدد. ولأن النبي عليه السلام، خرج متبذلا متواضعا متضرعا (1). ويكون مشيه وجلوسه وكلامه في تواضع واستكانة. مسألة 514: يستحب الخروج لكافة الناس، لأن اجتماع القلوب على الدعاء مظنة الاجابة. ويخرج الإمام من كان ذا دين وصلاح وشرف (2) وعفاف وعلم وزهد، لأن دعاءهم أقرب إلى الاجابة. ويخرج الشيوخ والعجائز والأطفال، لأنهم أقرب إلى الرحمة وأسرع للاجابة، لقوله عليه السلام: (لولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع (3)، لصب عليكم العذاب صبا) (4). وقال عليه السلام: (إذا بلغ الرجل ثمانين سنة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) (5). ولا تخرج الشواب من النساء ليؤمن الافتتان بهن. ويمنع الكفار من الخروج معهم وإن كانوا أهل ذمة، لأنهم مغضوب

(1) سنن أبي داود 1: 302 / 1165، سنن ابن ماجة 1: 403 / 1266، سنن الترمذي 2: 445 / 558، سنن النسائي 3: 156، سنن البيهقي 3: 344، مسند أحمد 1: 355، المحرر في الحديث 1: 296 / 493، موارد الضمآن: 159 / 603.
(2) في " م " وستر. (3) رتعت الماشية: أكلت ما شاءت. الصحاح 3: 1216 " رتع ".
(4) سنن البيهقي 3: 345، الجامع الصغير للسيوطي 2: 443 / 7523، نثر الدر 1: 153، مجمع الزوائد 10 / 227 نقلا عن البزار والطبراني في الأوسط.
(5) مسند أحمد 2: 89 وفيه: التسعين، بدل ثمانين، وفي الخصال للصدوق: 545 / 21 بلفظ: (من عمر ثمانين...).

[ 210 ]

عليهم وليسوا أهلا للاجابة. ولقوله تعالى: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } (1). ولأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم من حضرهم، فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله تعالى عليهم ريحا صرصرا فأهلكتهم. وقال إسحاق: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين - وبه قال مكحول والأوزاعي والشافعي في قول - لأن الله تعالى ضمن أرزاقهم، كما ضمن أرزاق المؤمنين، فجاز أن يخرجوا ليطلبوا رزقهم (2). وقال الشافعي وأحمد: يكره للامام إخراجهم، فإن خرجوا، لم يمنعوا لكن لا يختلطون بنا (3). قال الشافعي: ولا أكراه من اختلاط صبيانهم بنا ما أكره من اختلاط رجالهم، لأن كفرهم تبع لآبائهم لا عن عناد واعتقاد (4). والحق ما قلناه أولا. وكذا يكره إخراج المتظاهر بالفسق والخلاعة، والمنكر من أهل الاسلام. ويخرج معهم البهائم، لأنهم في مظنة الرحمة وطلب الرزق مع انتفاء الذنب. ولقوله عليه السلام: (وبهائم رتع) (5) فجعلها سببا في دفع العذاب. وقال الشافعي: لا آمر بإخراجها، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم

(1) الرعد: 14.
(2) الوجيز 1: 72، المجموع 5: 72، حلية العلماء 2: 273، مغني المحتاج 1: 323.
(3) المهذب للشيرازي 1: 131، المجموع 5: 71 و 72، فتح العزيز 5: 95، الأم 1: 248، حلية العلماء 2: 273.
(4) الأم 1: 248، المجموع 5: 71 و 72.
(5) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الهامش (4) من ص 209.

[ 211 ]

يخرجها، فإن أخرجت فلا بأس (1). ولا حجة في الترك، للاكتفاء به صلى الله عليه وآله، عن كل أحد. وقال بعض الشافعية: يخرجهم لعل الله أن يرحمها (2). ولأن سليمان عليه السلام خرج ليستسقي فرأى نملة قد استلقت على ظهرها وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك (لا غنى بنا) (3) عن رزقك، فقال سليمان عليه السلام: إرجعوا فقد سقيتم بغيركم (4). ويأمر السادة بإخراج عبيدهم وعجائزهم وإمائهم ليكثر الناس، والتضرع والاستغفار، ويأمرهم الإمام بالخروج من المظالم، والاستغفار من المعاصي، والصدقة، وترك التشاجر ليكون أقرب لاجابتهم، فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة سبب البركة. قال الله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } (5). ويفرق بين الأطفال وأمهاتهم ليكثروا البكاء والخشوع بين يدي الله تعالى، فيكون أقرب للاجابة، ويخرج هو والقوم يقدمونه ذاكرين إلى أن ينتهوا إلى المصلى. مسألة 515: ولا أذان لها ولا إقامة، بإجماع العلماء، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلاها ركعتين بغير أذان ولا إقامة (6). بل يقول المؤذن: الصلاة ثلاثا.

(1) الأم 1: 248، المجموع 5: 71، فتح العزيز 5: 93.
(2) قاله أبو إسحاق المروزي كما في المهذب للشيرازي 1: 131، وحلية العلماء 2: 272.
(3) بدل ما بين القوسين في " م " والطبعة الحجرية: وليس بنا غنى.
(4) الفقيه 1: 333 / 1493.
(5) الأعراف: 96.
(6) سنن ابن ماجة 1: 403 / 1268، سنن البيهقي 3: 347.

[ 212 ]

وقال الشافعي وأحمد: يقول الصلاة جامعة (1). ولا بأس بهما. وفي أي وقت خرج جاز، وصلاها في أي زمان، إذ لا وقت لها بلا خلاف. والأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال، لأن ما بعد العصر أشرف. قال ابن عبد البر: الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء (2). وهذا على سبيل الاختيار لا أنه لا يتعين فعلها فيه. ويجوز فعلها في الأوقات المكروهة - خلافا للجمهور (3) - لأنها ذات سبب، وقد تقدم. مسألة 516: وتصلى جماعة وفرادى إجماعا، لقوله صلى الله عليه وآله: (من صلى جماعة ثم سأل الله حاجته قضيت له) (4). وصلاها عليه السلام جماعة (5). وأنكر أبو حنيفة الجماعة لو صليت، لأنها نافلة (6). وينتقض بالعيد. وتصح من المسافر والحاضر وأهل البوادي وغيرهم، لأن الاستسقاء إنما شرع للحاجة إلى المطر، والكل متشاركون فيه. وإذا صليت جماعة، لم يشترط إذن الإمام، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (7) - لأن علة تسويغها حاصلة، فلا يشترط فيها الأذان كغيرها من النوافل.

(1) المهذب للشيرازي 1: 131، المجموع 5: 72، فتح العزيز 5: 97، المغني 2: 286، الشرح الكبير 2: 285، الانصاف 2: 459.
(2) حكاه عنه ابنا قدامة في المغني 2: 286، والشرح الكبير 2: 285.
(3) المجموع 5: 76، المغني 2: 286، الشرح الكبير 2: 285، الانصاف 2: 452.
(4) أورده المحقق في المعتبر: 224.
(5) أنظر: سنن ابن ماجة 1: 403 / 1268، وسنن البيهقي 3: 344 و 347.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 88، شرح العناية 2: 58، اللباب 1: 120، بدائع الصنائع 1: 282.
(7) الأم 1: 247، مغني المحتاج 1: 325، المغني 2: 293، الشرح الكبير 2: 297.

[ 213 ]

وفي رواية: يشترط، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يأمر بها، وإنما فعلها على صفة، فلا تتعدى (1). ونمنع انتفاء الأمر. مسألة 517: إذا فرغ من الصلاة، خطب عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي ومالك ومحمد بن الحسن وأحمد في أشهر الروايتين (2). قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء (3) - لقول أبي هريرة: صلى ركعتين ثم خطبنا (4). وقول ابن عباس: صنع في الاستسقاء كما صنع في العيدين (5). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلى الاستسقاء ركعتين، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة " (6). وسأل هشام بن الحكم، الصادق عليه السلام عن صلاة الاستسقاء، قال: " مثل صلاة العيدين يقرأ فيهما ويكبر فيهما، يخرج الإمام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسألة، ويبرز معه الناس، فيحمد الله ويمجده ويثني عليه، ويجتهد في الدعاء، ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير، ويصلي صلاة العيدين ركعتين في دعاء ومسألة واجتهاد، فإذا سلم الإمام، قلب ثوبه، وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، والذي على الأيسر على الأيمن، فإن النبي صلى الله عليه وآله،

(1) المغني 2: 293، الشرح الكبير 2: 297.
(2) المجموع 5: 83، حلية العلماء 2: 274، الميزان للشعراني 1: 200، بلغة السالك 1: 192، بداية المجتهد 1: 215، الكافي في فقه أهل المدينة: 82، اللباب 1: 121، بدائع الصنائع 1: 283، المغني 2: 286 و 287، الشرح الكبير 2: 287 و 288.
(3) حكاه عن ابنا قدامة في المغني 2: 287، والشرح الكبير 2: 288.
(4) سنن ابن ماجة 1: 403 - 404 / 1268، سنن البيهقي 3: 347، وانظر: المغني 2: 287، والشرح الكبير 2: 288.
(5) سنن الدار قطني 2: 68 / 10، سنن البيهقي 3: 348 وانظر أيضا: المغني 2: 287.
(6) التهذيب 3: 150 / 326، الاستبصار 1: 451 / 1748.

[ 214 ]

كذلك صنع " (1) والتشبيه بالعيد يستلزم التساوي في تأخير الخطبة. ولأنها صلاة ذات تكبير، فأشبهت صلاة العيد في تأخير الخطبة عنها. وقال الليث بن سعد وابن المنذر: إنها قبل الصلاة - وهو مروي عن عمر وابن الزبير وأبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز لأن أنسا وعائشة قالا: إن النبي صلى الله عليه وآله، خطب وصلى (2) (3). وفي رواية إسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام: " الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة " (4). وفي إسحاق قول (5)، وفي طريقها أبان (6) أيضا، فالمعتمد الأول. وعن أحمد رواية ثالثة: التخيير بين إيقاعها قبل الصلاة وبعدها، لورود الأخبار بهما (7). ولا بأس به. وعنه رابعة: أنه لا يخطب أصلا، إنما يدعو ويتضرع، لقول ابن عباس: لم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع (8) (9). ونحن نقول بموجبه، فالخطبة هنا بسؤال إنزال الغيث، وليس فيه نفي الخطبة، بل نفي الصفة. مسألة 518: إذا صعد المنبر، جلس بعد التسليم، كما في باقي

(1) الكافي 3: 462 / 2، التهذيب 3: 149 / 323.
(2) سنن أبي داود 1: 304 / 1173، سنن البيهقي 3: 349 وفيهما رواية عائشة، ونقله عن أنس وعائشة ابنا قدامة في المغني 2: 287، والشرح الكبير 2: 288.
(3) المجموع 5: 93، المغني 2: 287، الشرح الكبير 2: 288، بداية المجتهد 1: 215.
(4) التهذيب 3: 150 / 327، الاستبصار 1: 451 / 1749.
(5) قال المصنف في الخلاصة: 200 / 1: والأولى عندي التوقف فيما ينفرد به.
(6) وهو ناووسي، راجع: الخلاصة: 21 / 3.
(7) المغني والشرح الكبير 2: 288.
(8) مصنف عبد الرزاق 3: 84 / 4893، سنن أبي داود 1: 302 / 1165، سنن البيهقي 3: 347.
(9) المغني 2: 288، الشرح الكبير 2: 287.

[ 215 ]

الخطب، ويخطب بالخطبة المروية عن علي عليه السلام (1). وهل يخطب خطبتين؟ الأقرب ذلك، للنص على مساواة صلاة العيد (2)، وبه قال الشافعي ومالك (3). وعن أحمد رواية: أنه يخطب واحدة، إذ الغرض الدعاء بإرسال الغيث، ولا أثر لكونها خطبتين (4). وهو ممنوع، لزيادة المشقة. إذا عرفت هذا، فإن الخطب عندنا ثمانية: يوم الفطر والأضحى والاستسقاء والجمعة، وأربع في الحج: يوم السابع من ذي الحجة بمكة، ويوم عرفة، ويوم النحر بمنى، ويوم النفر الأول، وهو ثاني أيام التشريق. وزاد بعض علمائنا: خطبة الغدير (5). وقال الشافعي: عشرة. وأسقط الغدير، وزاد الكسوف والخسوف (6). مسألة 519: ويستحب للامام أن يستقبل القبلة بعد فراغه من الصلاة، ويكبر الله تعالى مائة مرة، ثم يلتفت عن يمينه، ويسبح الله تعالى مائة مرة، ثم يلتفت عن يساره ويهلل الله تعالى مائة مرة، ثم يستدبر القبلة ويستقبل الناس ويحمد الله تعالى مائة مرة يرفع بذلك صوته والناس يتابعونه في ذلك، كله، لقول الصادق عليه السلام: " ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره، والذي على يساره على يمينه، ثم يستقبل القبلة، فيكبر الله مائة تكبيرة رافعا بها صوته، ثم يلتفت إلى الناس عن يمينه، فيسبح الله مائة تسبيحة رافعا بها صوته، ثم يلتفت إلى الناس عن يساره،

(1) الفقيه 1: 335 / 1504، التهذيب 3: 151 / 328، مصباح المتهجد: 474 - 477.
(2) الكافي 3: 462 / 2، التهذيب 3: 149 / 323: الاستبصار 1: 452 / 1750.
(3) المهذب للشيرازي 1: 131، المجموع 5: 83، فتح العزيز 5: 100، الكافي في فقه أهل المدينة: 81، المدونة الكبرى 1: 166، الشرح الكبير 2: 289.
(4) المغني 2: 288، الشرح الكبير 2: 289.
(5) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 160.
(6) المجموع 5: 52، الوجيز 1: 71، فتح العزيز 5: 75، كفاية الأخيار 1: 97.

[ 216 ]

فيهلل الله مائة تهليلة رافعا بها صوته، ثم يستقبل الناس، فيحمد الله مائة تحميدة " (1). ولأن فيه إيفاء الجهات حق الاستغفار، لأنه لا يعلم إدراك الرحمة من أي جهة هو. مسألة 520: واختلف علماؤنا في استحباب تقديم الخطبة على هذه الأذكار وتأخيرها، فقال المرتضى: بالأول، وتبعه ابن إدريس (2). وقال الشيخ: بالثاني (3). وكلاهما عندي جائز. أما تحويل الرداء: فإنه قبل هذه الأذكار، لقول الصادق عليه السلام: " ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه، فيجعل الذي على يمينه على يساره، والذي على يساره على يمينه، ثم يستقبل القبلة فيكبر الله مائة تكبيرة " (4). وفي حديث آخر عنه عليه السلام: " فإذا سلم الإمام قلب ثوبه " (5). مسألة 521: ويستحب للامام والمأموم بعد الفراغ من الخطبة تحويل الرداء، قاله الشيخ في المبسوط (6). وفي الخلاف: يستحب للامام خاصة (7). وبالأول قال الشافعي وأكثر أهل العلم (8)، للأمر بالامتثال. والتأسي بفعله عليه السلام. وللمشاركة في المعنى، وهو التفاؤل بقلب الرداء ليقلب

(1) الكافي 3: 462 / 1، الفقيه 1: 334 / 1502، التهذيب 3: 148 - 149 / 322.
(2) السرائر: 72 وحكاه ابن إدريس أيضا عن السيد المرتضى. (3) النهاية: 139، المبسوط للطوسي 1: 134 - 135.
(4) الكافي 3: 462 / 1: التهذيب 3: 148 / 322.
(5) الكافي 3: 462 / 2، التهذيب 3: 149 / 323.
(6) المبسوط للطوسي 1: 135.
(7) الخلاف 1: 688، المسألة 463.
(8) المجموع 5: 85 - 86 و 103، فتح العزيز 5: 103، حلية العلماء 2: 274، الميزان للشعراني 1: 200، بداية المجتهد 1: 216، المغني 2: 289، الشرح الكبير 2: 293.

[ 217 ]

الله تعالى ما بهم من الجدب إلى الخصب. سئل الصادق عليه السلام، عن تحويل النبي صلى الله عليه وآله رداءه إذا استسقى، قال: " علامة بينه وبين أصحابه تحول الجدب خصبا " (1). وبالثاني قال الليث بن سعد وأبو يوسف ومحمد، وهو مروي عن سعيد ابن المسيب وعروة والثوري (2)، لأنه نقل أن النبي صلى الله عليه وآله، حول رداءه دون أصحابه (3). وقال أبو حنيفة: لا يسن التحويل لا للامام ولا للمأموم، لأنه دعاء، فلم يستحب فيه تغيير الثياب كسائر الادعية (4). والقياس لا يعارض النص، خصوصا مع منع العلية. مسألة 522: وصفة التقليب أن يجعل ما على اليمين على اليسار وبالعكس، سواء كان مربعا أو مقورا (5) عند علمائنا أجمع - وبه قال أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وأحمد ومالك والشافعي (6) - أولا، لأن عبد الله بن زيد قال: إن النبي صلى الله عليه وآله، حول رداءه، وجعل عطافه

(1) الكافي 3: 463 / 3، الفقيه 338 / 506، علل الشرائع: 346، الباب 55 الحديث 2، التهذيب 3: 150 / 324.
(2) المجموع 5: 103، الميزان للشعراني 1: 200، المغني 2: 289، الشرح الكبير 2: 293، بداية المجتهد 1: 216، اللباب 1: 121، الهداية للمرغيناني 1: 89، شرح العناية 2: 61، بدائع الصنائع 1: 284.
(3) صحيح البخاري 2: 34، صحيح مسلم 2: 611 / 894، سنن الدارمي 1: 360، سنن النسائي 3: 157، سنن أبي داود 1: 303 / 1166 و 1167، سنن الدار قطني 2: 66 / 2 - 4 و 67 / 5 و 6 و 8.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 89، شرح العناية 2: 61، بدائع الصنائع 1: 284، المجموع 5: 103: الميزان للشعراني 1: 200، المغني 2: 289، الشرح الكبير 2: 293.
(5) التقوير: التدوير، وقوره: قطعه مدورا. الصحاح 2: 799 " قور ".
(6) المغني 2: 289، الشرح الكبير 2: 294، المجموع 5: 85 - 86، فتح العزيز 5: 103، المدونة الكبرى 1: 166، بلغة السالك 1: 192.

[ 218 ]

الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " فإذا سلم الإمام قلب ثوبه وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، والذي على الأيسر على الأيمن، فإن النبي صلى الله عليه وآله، كذلك صنع " (2). وقال الشافعي: إن كان مقورا فكذلك، وإن كان مربعا فقولان: أحدهما: ذلك، والثاني: أنه يجعل طرفه الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وطرفه الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر (3)، لأن النبي عليه السلام، كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما ثقلت عليه جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن والذي على الأيمن على عاتقه الأيسر (4). والزيادة ظن الراوي، وقد نقل تحويل الرداء جماعة لم ينقل أحد منهم النكس، ويبعد أن يترك النبي صلى الله عليه وآله، ذلك في جميع الأوقات، لنقل الرداء. وقال إمام الحرمين: يقلب أسفل الرداء إلى الأعلى، وما على اليمين على اليسار، وما كان باطنا يلي الثياب ظاهرا (5). وجمع الثلاثة غير ممكن بل الممكن اثنان لا غير. مسألة 523: ويكثر من الاستغفار والتضرع إلى الله تعالى، والاعتراف بالذنب، وطلب المغفرة والرحمة، والصدقة.

(1) سنن أبي داود 1: 302 / 1163، سنن البيهقي 3: 350 وفيهما عن عباد بن تميم عن عمه. وعمه عبد الله بن زيد. أنظر: أسد الغابة 3: 168 والأصابة 2: 264 و 312.
(2) الكافي 3: 462 / 2، التهذيب 3: 149 / 323.
(3) المجموع 5: 85 - 86، فتح العزيز 5: 103، مغني المحتاج 1: 325.
(4) سنن أبي داود 1: 302 / 1164، مسند أحمد 4: 42، سنن البيهقي 3: 351، المستدرك للحاكم 1: 327.
(5) فتح العزيز 5: 104.

[ 219 ]

قال الله تعالى: { قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } (1). وقال حكاية عن آدم عليه السلام: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } (2). وعن نوح عليه السلام: { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } (3). وعن يونس عليه السلام: { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } (4). وعن موسى عليه السلام: { إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } (5). ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث، والاستغفار يمحو المعاصي المانعة من الغيث، فيأتي الله تعالى به. ويصلي على النبي وعلى آله صلى الله عليه وآله، لقول علي عليه السلام: " إذا سألتم الله تعالى فصلوا على النبي وآله، فإن الله سبحانه وتعالى إذا سئل حاجتين يستحي أن يقضي إحداهما دون الأخرى " (6). مسألة 524: إذا تأخرت الاجابة، استحب الخروج ثانيا وثالثا وهكذا، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأحمد والشافعي (7) - لقوله عليه

(1) الأعلى: 14 و 15.
(2) الأعراف: 23.
(3) هود: 47.
(4) الأنبياء: 87.
(5) القصص: 16.
(6) نهج البلاغة 3: 238 رقم 361.
(7) الكافي في فقه أهل المدينة: 81، الشرح الصغير 1: 191، المغني 2: 294، الشرح الكبير 2: 296، المجموع 5: 88، الوجيز 1: 72، فتح العزيز 5: 89.

[ 220 ]

السلام: (إن الله يحب الملحين في الدعاء) (1). ولأن سبب ابتداء الصلاة باق، فيبقى الاستحباب. ولأنه أبلغ في الدعاء والتضرع. وأنكر إسحق الخروج ثانيا، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج إلا مرة، ولكن يجتمعون في مساجدهم، فإذا فرغوا من الصلاة، ذكروا الله تعالى، ودعوا، ويدعوا الإمام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس (2). وليس حجة، لاستغناء النبي صلى الله عليه وآله، عن المعاودة بإجابته أول مرة. إذا ثبت هذا، فإن الخروج ثانيا كالخروج أولا، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني: يعودون من الغد للصلاة، وتوالي الصلاة يوما بعد يوم (3). ولو فعل ذلك جاز. مسألة 525: لو تأهبوا للخروج فسقوا قبل خروجهم، لم يخرجوا. وكذا لو سقوا قبل الصلاة لم يصلوا، لحصول الغرض بالصلاة. نعم تستحب صلاة الشكر، ويسألون زيادته، وعموم خلقه بالغيث. وكذا لو سقوا عقيب الصلاة، وهو أصح وجهي الشافعي (4). ويستحب الدعاء عند نزول الغيث، لقوله عليه السلام: (اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث (5). وإذا كثر الغيث وخافوا ضرره، دعوا الله تعالى أن يخففه، ويصرف

(1) الكامل لابن عدي 7: 2621، الجامع الصغير للسيوطي 1: 286 / 1876.
(2) المغني 2: 294، الشرح الكبير 2: 296.
(3) المجموع 5: 88، فتح العزيز 5: 90.
(4) المهذب للشيرازي 1: 132، المجموع 5: 89، فتح العزيز 5: 90، مغني المحتاج 1: 321.
(5) كنز العمال 2: 102 / 3339.

[ 221 ]

مضرته عنهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله دعا كذلك (1). ولأنه أحد الضررين، فاستحب الدعاء لازالته كانقطاعه. ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء، لأن النبي صلى الله عليه وآله، رفعهما فيه حتى رؤي بياض إبطيه (2). ويجوز أن يستسقي الإمام بغير صلاة، بأن يستسقى في خطبة الجمعة والعيدين، وهو دون الأول في الفضل. وكذا يجوز أن يخرج فيدعوا دعاء مجددا، وهو دون الثاني. ويستحب لأهل الخصب أن يستسقوا لأهل الجدب، لأن الله تعالى أثنى على قوم دعوا لاخوانهم بقوله: { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان } (3). ويدعون لانفسهم بزيادة الخصب. مسألة 526: لو نذر الإمام أن يستسقي، انعقد نذره، لأنه طاعة فإن سقي الناس، وجب عليه أن يخرج فيوفي نذره، وليس له إخراج غيره، ولا إلزامه بالخروج، لأنه لا يملكهم، وليس له أن يكرههم عليه في غير جدب، ولو لم يسقوا، وجب عليه الخروج بنفسه، وليس له إلزام غيره بذلك، بل يأمرهم أمر ترغيب لا أمر إلزام. ولو نذر أن يخرج بالناس، انعقد نذره في نفسه خاصة، ووجب عليه إشعار غيره، وترغيبه في الخروج، فإن فعل، وإلا لم يجز جبره عليه، ولو نذر غير الإمام ذلك فكذلك.

(1) صحيح البخاري 2: 40، صحيح مسلم 2: 612 - 614 / 897، سنن أبي داود 1: 304 / 1174، سنن النسائي 3: 159 - 160.
(2) صحيح البخاري 2: 39 - 40، صحيح مسلم 2: 612 / 895، سنن أبي داود 1: 303 / 1170. 1171 و 304 / 1173، سنن ابن ماجة 1: 373 / 1180، سنن النسائي 3: 158، سنن البيهقي 3: 357، سنن الدار قطني 2: 68 - 69 / 12.
(3) الحشر: 10.

[ 222 ]

ويستحب له أن يخرج في من يطيعه من أهله وأقاربه وأصحابه. فإن أطلق النذر، لم تجب الخطبة، وإن نذرها، خطب، ولا يجب القيام لها. وإن نذر أن يخطب على المنبر، قال الشيخ: انعقد نذره، ولم يجز أن يخطب على حائط وشبهه (1). وقال الشافعي: لا يجب، لأنه لا طاعة فيه إلا ليستمع الناس، فإن كان إماما، لزمه ذلك، ويجزئه أن يخطب على جدار، أو قائما (2). وليس بجيد. وإذا نذر أن يستسقي، جاز أن يصلي أين شاء، ويجزئه في منزله. وقال الشيخ: يصلي في الصحراء (3). وإن قيد صلاته بالمسجد، وجب، فإن صلاها في الصحراء حينئذ، قال الشيخ: لا يجزئه (4). وعندي فيه إشكال ينشأ: من أولوية إيقاعها في الصحراء. ولو نذر أن يصلي في المسجد لم يجز أن يصلي في بيته، خلافا للشافعي (5). وكما تجوز صلاة الاستسقاء عند قلة الامطار، كذا تجوز عند نضب ماء العيون أو مياه الآبار، للحاجة. قال الشيخ: ولا يجوز أن يقول: مطرنا بنوء كذا، لأن النبي صلى الله عليه وآله، نهى عن ذلك (6).

(1) المبسوط للطوسي 1: 135.
(2) الأم 1: 249، المجموع 5: 95. (3 و 4) المبسوط للطوسي 1: 135.
(5) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 689 المسألة 464.
(6) المبسوط للطوسي 1: 135، وانظر: صحيح مسلم 4: 1744 / 106، مسند أحمد 2: 397، سنن أبي داود 4: 17 / 3912، ولفظ الحديث: (لا عدوى ولا هامة ولا نوء..).

[ 223 ]

روى زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله، صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب، وكافر بي ومؤمن بالكوكب، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) (1). والظاهر أن قصده عليه السلام أن من قصد أن النوء هو الممطر والمنزل للغيث كما يقول المشركون فهو كافر، وأما من قصد الوقت الذي أجرى الله تعالى عادته بمجئ المطر فيه فليس بكافر، كما أجرى العادة بمجئ الحر والبرد، والكسوف والخسوف في أوقات معينة. والنوء: سقوط كوكب وطلوع رقيبه. وينبغي أن يجلس بحيث يصيبه أول المطر، لأن ابن عباس كان إذا مطرت السماء قال لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال له أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ قال: لقول الله سبحانه وتعالى: { ونزلنا من السماء ماء مباركا } (2) فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي (3). وروي أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يتمطر في أول المطر (4). وكان عليه السلام إذا برقت السماء أو رعدت، عرف ذلك في وجهه،

(1) صحيح البخاري 2: 41، الموطأ 1: 192 / 4، سنن النسائي 3: 164 - 165، سنن البيهقي 3: 357 - 358.
(2) ق: 9.
(3) الدر المنثور 6: 102 بتفاوت.
(4) سنن البيهقي 3: 359.

[ 224 ]

فإذا مطرت سري (1) عنه (2). ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها واسألوا الله خيرها، وتعوذوا من شرها) (3).

(1) أي: كشف عنه الخوف. النهاية لابن الأثير 2: 364.
(2) صحيح مسلم 2: 616 / 899، سنن البيهقي 3: 361.
(3) سنن أبي داود 4: 326 / 5097، سنن ابن ماجة 2: 1228 / 3727، مسند أحمد 2: 250، سنن البيهقي 3: 361.

[ 225 ]

المقصد الرابع: في التوابع وفيه فصول:

[ 227 ]

الأول: في الجماعة وفيه مطالب: الأول: في فضل الجماعة الجماعة مشروعة في الصلوات المفروضة اليومية بغير خلاف بين العلماء كافة، وهي من جملة شعائر الاسلام وعلاماته. والأصل فيه قوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك } (1). وداوم النبي صلى الله عليه وآله، على إقامتها حضرا وسفرا، وكذا أئمته وخلفاؤه. ولم يزل المسلمون يواظبون عليها بلا خلاف. مسألة 527: وفي الجماعة فضل كثير. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (2) وفي رواية: (بخمس وعشرين) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " الصلاة في جماعة

(1) النساء: 102.
(2) صحيح البخاري 1: 166، مسند أحمد 2: 65 و 112، سنن النسائي 2: 103، سنن البيهقي 3: 59.
(3) مسند أحمد 3: 55، سنن النسائي 2: 103، سنن البيهقي 3: 60.

[ 228 ]

تفضل على صلاة الفذ بأربع وعشرين درجة تكون خمسا وعشرين صلاة " (1). وقال عليه السلام: " إن أناسا كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، أبطأوا عن الصلاة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نؤمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم) (2). مسألة 528: الجماعة ليست فرض عين في شئ من الصلوات الخمس، بل في الجمعة والعيدين خاصة مع حصول الشرائط، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري (3) - لقوله عليه السلام: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (4) وهو يدل على جواز صلاة الفذ. ومن طريق الخاصة: قول زرارة والفضيل: قلنا له: الصلوات في جماعة فريضة هي؟ فقال: " الصلوات فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها، ولكنها سنة، من تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له " (5). ولأن الجماعة لو وجبت، لكانت شرطا في الصلاة كالجمعة. وقال الأوزاعي وأحمد وأبو ثور وداود وابن المنذر: الجماعة فرض على الأعيان، وليست شرطا فيها (6)، لأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه

(1) التهذيب 3: 25 / 85.
(2) التهذيب 3: 25 / 87.
(3) المجموع 4: 184، فتح العزيز 4: 283، الوجيز 1: 55، مغني المحتاج 1: 229، اللباب 1: 78، الهداية للمرغيناني 1: 55، بلغة السالك 1: 152، بداية المجتهد 1: 41 المنتقى للباجي 1: 228، المغني والشرح الكبير 2: 3.
(4) مسند أحمد 3: 55، سنن النسائي 2: 103، سنن البيهقي 3: 60.
(5) الكافي 3: 372 / 6.
(6) المغني 2: 3 - 4، الشرح الكبير 2: 3، حلية العلماء 2: 155، المجموع 4: 189، فتح العزيز

[ 229 ]

وآله قال: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر) (1). وهو محمول على الجمعة، أو على نفي الكمال، لا الإجزاء. مسألة 529: وليست الجماعة فرض كفاية في شئ من الصلوات، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأكثر الشافعية (2) - لما تقدم. وللأصل. ولأنها فضيلة في الصلاة ولا تفسد بعدمها، فلا تكون واجبة كالتكبيرات. وقال الشافعي: إنها فرض كفاية، لقوله عليه السلام: (ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأخذ القاصية) (3) (4). وهو يدل على شدة الاستحباب لا الوجوب، ولأن الاستحواذ على عدم إقامة الصلاة لا على الجماعة، ولأن المفهوم ترك ذلك دائما. إذا ثبت هذا، فإن أهل البلد لو تركوها لم يأثموا ولم يقاتلوا - وهو أحد قولي الشافعية (5) - لأنها مستحبة. مسألة 530: وفي أي موضع جمع جاز، لكن تستحب المساجد، لأنها مواطن العبادات، وليس واجبا، فيجوز أن يصلي في بيته، لقوله عليه السلام: (الاثنان فما فوقهما جماعة) (6) ولم يفصل في موضع دون آخر،

4: 283، عمدة القاري 5: 161. (1) سنن ابن ماجة 1: 260 / 793، سنن البيهقي 3: 57، المستدرك للحاكم 1: 245.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 55، شرح فتح القدير 1: 299، المجموع 4: 184 و 189، الوجيز 1: 55، فتح العزيز 4: 285.
(3) سنن أبي داود 1: 150 / 547، سنن النسائي 2: 106، مسند أحمد 6: 446، المستدرك للحاكم 1: 211.
(4) المهذب للشيرازي 1: 100، المجموع 4: 184 و 189، فتح العزيز 4: 285، حلية العلماء 2: 155.
(5) المجموع 4: 186، فتح العزيز 4: 286.
(6) سنن ابن ماجة 1: 312 / 972، سنن الدار قطني 1: 280 / 1، المستدرك للحاكم 4.

[ 230 ]

وهو أحد قولي الشافعي. وعلى الآخر: لا يكفيه أن يصلي في بيته جماعة إلا إذا ظهرت الجماعة في الاسواق، لأن فرضها يسقط بذلك (1). ويستحب أن توقع في المسجد الذي تكثر فيه الجماعة، وهو الجامع قريبا كان منه أو بعيدا، إلا أن يكون في جواره مسجد تكثر فيه الجماعات فالأقرب أولى. وكذا لو كانت جماعة المسجد القريب تختل ببعده عنه، أو كان إمام المسجد الأعظم مبدعا أو فاسقا، أو يعتقد ترك شئ من واجبات الصلاة. ولا ينبغي لأحد ترك الجماعة وإن صلاها بنسائه أو عبيده أو إمائه أو أولاده إذا لم يحضر المسجد. مسألة 531: لو رأى رجلا يصلي وحده، استحب أن يصلي معه، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، رأى رجلا يصلي وحده، فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟) (2) فجعل الصلاة معه بمنزلة الصدقة عليه. مسألة 532: يستحب أن يمشي على عادته إلى الجماعة ولا يسرع. وإن خاف فوتها، فالأقرب عندي: الاسراع - وبه قال إسحاق (3) - لما فيه من المحافظة على الجماعة. وعن ابن مسعود: أنه اشتد إلى الصلاة، وقال: بادروا حد الصلاة، يعني التكبيرة الأولى.

334، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 61 / 248. (1) المجموع 4: 185، كفاية الأخيار 1: 82.
(2) سنن أبي داود 1: 157 / 574، سنن الدارمي 1: 318، سنن البيهقي 3: 68 - 69، سنن الدار قطني 1: 277 - 278 / 3، المستدرك للحاكم 1: 209.
(3) المجموع 4: 207، وفي حلية العلماء 2: 157، وفتح العزيز 4: 289، والمهذب للشيرازي 1: 101 أبو إسحاق بدل: إسحاق.

[ 231 ]

وكان الأسود بن يزيد يهرول إذا ذهب إلى الصلاة (1). وقال الشافعي: لا يسرع وإن خاف الفوت، لقوله عليه السلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (2) (3). ونمنع الحديث، أو نحمله على الامن من الفوات، فتستحب السكينة، فإن أدرك صلى، وإلا قضى ما فاته، لا على حال الخوف. مسألة 533: يجوز ترك الجماعة للعذر وإن لم تكن واجبة، ويكره لغير عذر. والعذر: عام، كالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة، وشدة الحر، لأنه عليه السلام كان يأمر مناديه في الليلة المظلمة والليلة ذات الريح: (ألا صلوا في رحالكم) (4). وقال عليه السلام: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال) (5). وقال عليه السلام: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر) (6). وخاص: كالاكل، لشدة شهوته إلى الطعام، لقوله عليه السلام: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء) (7). ولأنه يمنعه من السكون في الصلاة، والخشوع.

(1) لم نجد ما نقل عنهما في المصادر المتوفرة بين أيدينا. وقال النووي في المجموع 4: 207: وعن ابن مسعود وابن عمر والأسود بن يزيد... قالوا: إذا خاف فوت تكبيرة الاحرام أسرع.
(2) صحيح مسلم 1: 420 / 602، سنن أبي داود 1: 156 / 572، سنن النسائي 2: 114 - 115، مسند أحمد 2: 452 و 489.
(3) المهذب للشيرازي 1: 101، المجموع 4: 206 و 207.
(4) صحيح البخاري 1: 163، سنن أبي داود 1: 279 / 1062، سنن النسائي 2: 111، سنن البيهقي 3: 70 - 71.
(5) سنن أبي داود 1: 278 / 1059.
(6) سنن ابن ماجة 1: 222 / 678، الضعفاء الكبير للعقيلي 2: 281 / 845.
(7) سنن الترمذي 2: 184 / 353، سنن النسائي 2: 111، سنن البيهقي 3: 73.

[ 232 ]

وكونه حاقنا، لقوله عليه السلام: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة) (1). أو مريضا أو خائفا من ظالم، أو فوت رفقة، أو ضياع مال، أو غلبة نوم إذا انتظر الجماعة، أو احتاج إلى تمريض غيره، أو أكل شئ من المؤذيات: كالبصل والكراث، لقوله عليه السلام: (من أكل من هذه الشجرة فلا يؤذينا في مسجدنا) (2). فإن تمكن من إزالته لم يكن عذرا. مسألة 534: وتصح الجماعة في كل مكان على ما تقدم (3)، سواء كان قريبا من المسجد، أو لا، لكن الأفضل قصد المسجد مع انتفاء المشقة، وليس واجبا، وهو قول العلماء، لقوله عليه السلام: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض طيبة طهورا، ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان) (4). ومن طريق الخاصة: قوله عليه السلام: " صلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة " (5). وفي رواية عن أحمد: أن حضور المسجد القريب منه واجب (6)، لقول علي عليه السلام: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (7).

(1) سنن النسائي 2: 110 - 111، سنن البيهقي 3: 72.
(2) سنن ابن ماجة 1: 324 / 1015، مسند أحمد 2: 264 و 266، سنن البيهقي 3: 76.
(3) تقدم في المسألة: 530.
(4) سنن النسائي 1: 210 - 211، مسند أحمد 3: 304، مسند أبي عوانة 1: 396.
(5) الفقيه 1: 152 / 703، التهذيب 3: 253 / 698.
(6) المغني 2: 6، الشرح الكبير 2: 5.
(7) اختلفت المصادر في نسبة هذه الرواية كما اختلفت النسختان الخطيتان، ففي نسخة " م ": لقوله عليه السلام. وظاهره قول النبي صلى الله عليه وآله كما في المغني 2: 6، والشرح الكبير 2: 5، وسنن الدار قطني 1: 420 / 1 و 2، وسنن البيهقي 3: 57، والمستدرك للحاكم 1: 246، وفي نسخة " ش " لقول علي عليه السلام كما في سنن البيهقي 3: 57.

[ 233 ]

وهو محمول على نفي الكمال. مسألة 535: الجماعة في المسجد الحرام أفضل من غيره، ثم بعده مسجد النبي صلى الله عليه وآله، ثم المسجد الأقصى ثم المسجد الأعظم من كل بلد، ثم كل مسجد تكثر فيه الجماعة، والتفضيل في الأول بسبب تفاوت الامكنة في الشرف، وفي الأخير بسبب الفعل، وقد تقدم (1). ولو كان في جواره أو في غير جواره مسجد لا تنعقد الجماعة فيه إلا بحضوره، ففعلها فيه أولى، لأنه يعمره بإقامة الجماعة فيه، ويحصلها لمن يصلي فيه. وإن كانت تقام فيه، وفي قصده غيره كسر قلب إمامه، أو جماعته، فجبر قلوبهم أولى. وهذا لا يتأتى عندنا، لأن شرط الإمام العدالة، والعدل لا ينكسر قلبه بمثل هذا. وإن لم يكن كذلك، ففي أولوية قصد الأبعد أو الأقرب احتمال ينشأ: من كثرة الخطأ في طلب الثواب، ومن الجواز. وفيه عن أحمد روايتان (2). مسألة 536: يكره تكرر الجماعة في المسجد الواحد، فإذا صلى إمام الحي في مسجده وحضر قوم آخرون، صلوا فرادى، قاله الشيخ (3)، وبه قال الليث والبتي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي (4)، إلا أن الشيخ أطلق، وهؤلاء قالوا: يكره فيما له إمام راتب في غير ممر الناس لا في

(1) تقدم في المسألة: 530.
(2) المغني 2: 8 - 9، الشرح الكبير 2: 6.
(3) الخلاف 1: 542، المسألة 280.
(4) المدونة الكبرى 1: 89، التفريع 1: 262، الشرح الصغير 1: 159، المهذب للشيرازي 1: 102، المجموع 4: 222، المغني 2: 11، الشرح الكبير 2: 8.

[ 234 ]

غيره، وكذا لا يكره لو كان على قارعة الطريق أو في محلة لا يمكن أن يجتمع أهله دفعة واحدة (1). واحتج الشيخ - رحمه الله - بالأخبار، ولأن فيه اختلاف القلوب، والعداوة والتهاون بالصلاة مع إمامه. والذي روى أبو علي الحراني (2) عن الصادق عليه السلام كراهة أن يؤذن الجماعة الثانية إذا تخلف أحد من الأولى (3). وروى زيد عن أبيه عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: " دخل رجلان المسجد وقد صلى علي عليه السلام بالناس، فقال لهما: إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم " (4). وقال ابن مسعود والحسن والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق: لا تكره الجماعة الثانية، لعموم قوله عليه السلام: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) (5). وجاء رجل وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (أيكم يتجر على هذا؟) فقام رجل فصلى معه (6).

(1) المجموع 4: 222، المغني 2: 11، الشرح الكبير 2: 8 وراجع أيضا: الخلاف 1: 542، المسألة 280.
(2) في " ش، م " الجبائي. والصحيح ما أثبتناه، وهو من جملة الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام، وله كتاب، وروى عنه محمد بن أبي عمير وهارون بن مسلم. أنظر رجال النجاشي: 456 / 1239، والفهرست للطوسي: 187 وتنقيح المقال 3: 27 من فصل الكنى، ومعجم رجال الحديث 21 / 251 / 14569.
(3) التهذيب 3: 55 / 190، الفقيه 1: 266 / 1215.
(4) التهذيب 3: 56 / 191.
(5) سنن النسائي 2: 103، مسند أحمد 3: 55، سنن البيهقي 3: 60.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 2: 322، سنن الترمذي 1: 427 - 429 / 220، سنن البيهقي 3: 69.

[ 235 ]

وفي حديث آخر: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟) (1). وفي رواية زيادة: فلما صليا، قال: (وهذان جماعة) (2) (3). ولا بأس بهذا القول عندي. وكره أحمد إعادة الجماعة في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، لئلا يتوانى الناس في حضور جماعة الإمام الراتب (4). والوجه: التسوية. مسألة 537: ومحل الجماعة الفرض دون النفل، إلا في الاستسقاء والعيدين مع اختلال بعض الشرائط، عند علمائنا - خلافا للجمهور (5) - لأن زيد بن ثابت قال: جاء رجال يصلون صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج مغضبا، وأمرهم أن يصلوا النوافل في بيوتهم (6). وقال صلى الله عليه وآله: (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (7). ومن طريق الخاصة: قول الصادق والرضا عليهما السلام: " لما دخل رمضان اصطف الناس خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أيها الناس هذه نافلة فليصل كل منكم وحده، وليعمل ما علمه الله في كتابه، واعلموا أنه لا جماعة في نافلة، فتفرق الناس " (8).

(1) مصنف ابن أبي شيبة 2: 322، مسند أحمد 5: 254 و 269، سنن أبي داود 1: 157 / 574، سنن الدارمي 1: 318، سنن الدار قطني 1: 278 / 3، المستدرك للحاكم 1: 209.
(2) مسند أحمد 5: 254 و 269، وانظر: المغني 2: 13 والشرح الكبير 2: 9.
(3) المغني 2: 10 - 13، الشرح الكبير 2: 8 - 9، المجموع 4: 222.
(4) المغني 2: 14، الشرح الكبير 2: 9، الانصاف 2: 219 و 220.
(5) المجموع 4: 5، المغني 1: 811، الشرح الكبير 1: 808.
(6) نقله المحقق في المعتبر 238.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 2: 245 و 256.
(8) المعتبر: 238.

[ 236 ]

احتجوا: بالجواز الاصلي. وقد يخرج بالنص عن العمل به. المطلب الثاني: في الشرائط وهي سبعة: الأول: العدد، وأقله اثنان، أحدهما: الإمام في كل ما يجمع فيه إلا الجمعة والعيدين مع الشرائط بالاجماع. ولقوله عليه السلام: (الاثنان فما فوقهما جماعة) (1). ولأنها مأخوذة من الاجتماع وهو موجود هنا. لا يقال: أقل الجمع ثلاثة عندكم، فكيف تذهبون إلى ذلك!؟ لأنا نقول: ليس بينهما تناف، لتغايرهما، لأن المراد هنا أن فضيلة الجماعة تحصل من الإثنين، والمراد هنا صيغة الجمع ك " رجال " لا يطلق حقيقة على أقل من الثلاثة. ولا فرق في الجواز بين أن يكونوا ذكورا أو إناثا أو بالتفريق أو ذكورا وخناثى أو إناثا وخنثى (2). ولا يجوز أن يكونوا إناثا وخناثى مشكل أمرهم، ولا خناثى منفردات، لامتناع أن تكون الامامة خنثى لمثلها، لاحتمال أن تكون الإمام أنثى والمأموم رجلا. مسألة 538: يستحب للنساء أن يصلين جماعة وإن لم يكن معهن رجل، في الفرض والنفل، كالرجال، عند علمائنا أجمع - وبه قال عطاء والأوزاعي والثوري وأبو ثور والشافعي وأحمد وإسحاق (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، أمر أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل - وكان يزورها ويسميها

(1) سنن ابن ماجة 1: 312 / 972، سنن الدار قطني 1: 280 / 1، المستدرك للحاكم 4: 334، عيون أخبار الرضا 2: 61 / 248.
(2) المناسب للعبارة: وخناثى.
(3) المجموع 4: 199، المغني 2: 36، الميزان للشعراني 1: 173، والأم 1: 164.

[ 237 ]

الشهيدة - بأن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا بأس " وقد سئل هل تؤم المرأة النساء؟ (2). ولأن النساء من أهل الفرض فسنت لهن الجماعات، كالرجال. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه مكروه - وحكي عن نافع وعمر بن عبد العزيز - لأن الأذان يكره لهن، وهو دعاء إلى الجماعة، فكرهت لهن (3). وعلة كراهة الأذان رفع الصوت المنهي عنه، بخلاف الجماعة. ولأن من الصلوات ما لا يؤذن لها ومن سننها الجماعة. ولأنه يستحب لها الإقامة، فدل ذلك على ثبوت الجماعة في حقها. مسألة 539: إذا أمت المرأة النساء، استحب أن تقف وسطهن في صفهن، ولا نعلم فيه خلافا، لأن صفوان بن سليم قال: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقف وسطهن (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه بعض أصحابنا عن المرأة تؤم النساء؟ قال: " نعم تقف وسطهن " (5). ولأن ذلك أستر لها كالعراة. فإن تقدمت وصلت، كره، وصحت صلاتهن، كالرجل لو صلى وسط الرجال. مسألة 540: الحرة أولى من الأمة بالامامة، لأنها موضع فضيلة والحرة

(1) سنن أبي داود 1: 161 / 592، سنن البيهقي 3: 130.
(2) التهذيب 3: 31 / 111، الاستبصار 1: 426 / 1644.
(3) المجموع 4: 199، المغني 2: 36، اللباب 1: 80، المنتقى للباجي 1: 236، الميزان للشعراني 1: 173، وأما ما حكي عن نافع وعمر بن عبد العزيز فلم نجده فيما بين أيدينا من المصادر.
(4) مختصر المزني: 24.
(5) التهذيب 3: 31 / 112، الاستبصار 1: 426 / 1645.

[ 238 ]

أكمل. ولأن الحرة تستتر في الصلاة، والأمة يجوز أن تكشف رأسها، فالمسترة أولى. فإن تقدمت الأمة، جاز وإن كانت مكشوفة الرأس، لعدم وجوب ستره في حقها. فإن كانت قد عتقت ولم تعلم، فصلت بغير خمار، جاز للعالمة به الائتمام بها، لأنها صلاة شرعية. والأقرب: انسحاب ذلك على العالم بنجاسة ثوب الإمام إذا لم توجب الاعادة مع تجدد العلم في الوقت. إذا ثبت هذا، فإن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، لقوله صلى الله عليه وآله: (المرأة عورة، وأنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان) (1) فأقرب ما تكون من وجه الله تعالى وهي في قعر بيتها. وقال عليه السلام: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها) يعني: صحن دارها (وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) (2) والمخدع هو: البيت جوف البيت. ومن طريق الخاصة: قولهم عليهم السلام: " خير مساجد نسائكم البيوت " (3). مسألة 541: يصح أن يؤم الرجل النساء الاجنبيات لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، صلى بأنس وبأمه أو خالته (4). وللأصل.

(1) سنن الترمذي 3: 476 / 1173. (2) سنن أبي داود 1: 156 / 570، سنن البيهقي 3: 131، المستدرك للحاكم 1: 209.
(3) الفقيه 1: 154 / 719، التهذيب 3: 252 / 694.
(4) صحيح البخاري 1: 185 و 220، صحيح مسلم 1: 457 - 458 / 660، سنن أبي داود 1: 165 / 608 و 166 / 609.

[ 239 ]

وكذا يصلى بالصبي في الفرض والنفل، عند علمائنا، لأن النبي صلى الله عليه وآله، أم ابن عباس وهو صبي (1). وقال أحمد: لا تنعقد الجماعة بالصبي وإن كان مأموما، لنقص حاله، فأشبه من لا تصح صلاته (2). وهو ممنوع، لأنه متنفل، فصح أن يكون مأموما لمفترض كالبالغ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟) (3). الشرط الثاني: عدم تقدم المأموم في الموقف على الإمام، فإن صلى قدامه، بطلت صلاته، سواء كان متقدما عند التحريم، أو تقدم في خلالها، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في الجديد (4) - لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به) (5). ولأن النبي صلى الله عليه وآله، فعل ما قلناه، وكذا الصحابة والتابعون. ولأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال، فلم تصح صلاته، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد. ولأنه يحتاج في الاقتداء والمتابعة إلى الالتفات إلى ورائه. وقال مالك وإسحاق وأبو ثور والشافعي في القديم: تصح، لأن مخالفة

(1) صحيح البخاري 1: 217، سنن أبي داود 1: 166 / 610 و 611، سنن البيهقي 3: 95.
(2) المغني 2: 55، الشرح الكبير 2: 54، الانصاف 2: 266، المجموع 4: 249.
(3) مسند أحمد 3: 5.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 43، المغني 2: 44، الشرح الكبير 2: 63، المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 299 و 300، فتح العزيز 4: 238، الميزان للشعراني 1: 179، مغني المحتاج 1: 245.
(5) صحيح البخاري 1: 177 و 187، صحيح مسلم 1: 308 / 411، سنن النسائي 2: 83 و 98، سنن ابن ماجة 1: 392 / 1237.

[ 240 ]

الموقف لا تبطل الصلاة، كما لو وقف على يسار الإمام (1). والفرق: أنه موقف لبعض المأمومين كالعراة والنساء. فروع: أ: الأفضل تأخر المأموم عن الإمام في الموقف وليس شرطا، لتحصل صورة التقدم، فإن ساواه، صح إجماعا. ب: الاعتبار في التقدم والمساواة بالعقب، فلو تقدم عقب المأموم، بطل عندنا، خلافا لمالك والشافعي في أحد القولين (2) على ما تقدم، وإن ساواه صح. ج: لو كانت رجل الإمام أكبر، فوقف المأموم بحيث حاذت أطراف أصابعه أصابع الإمام ولكن تقدم عقبه على عقب الإمام، فالوجه: البطلان. وتحتمل: الصحة، لأنه حاذى الإمام ببعض بدنه، واعتبارا بالاصابع. وكلاهما للشافعي (3). ولو كانت رجل المأموم أطول، فوقف بحيث يكون عقبه محاذيا لعقب إمامه، وتقدمت أطراف أصابعه، فالوجه: الصحة - وبه قال الشافعي (4) على تقدير المنع - لأن ابن مسعود صلى بالاسود وعلقمة، فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وكانا أطول قامة (5). فالظاهر أنهما أكبر رجلا، ولم يأمرهم بالتأخر.

(1) بلغة السالك 1: 158، المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 299 و 300، فتح العزيز 4: 339، الميزان للشعراني 1: 179، مغني المحتاج 1: 245، المغني 2: 44، الشرح الكبير 2: 63.
(2) بلغة السالك 1: 158، المجموع 4: 299، فتح العزيز 4: 339، مغني المحتاج 1: 245.
(3) المجموع 4: 299، فتح العزيز 4: 339.
(4) المجموع 4: 299، مغني المحتاج 1: 245.
(5) صحيح مسلم 1: 378 / 534، سنن أبي داود 1: 166 / 613.

[ 241 ]

ويحتمل: المنع، للتقدم ببعض البدن، فصار كما لو خرج بعضه عن سمت الكعبة، فحينئذ يكون الشرط في المساواة والتأخر بالعقب والأصابع معا. مسألة 542: يستحب للمصلين في المسجد الحرام بالجماعة أن يقف الإمام خلف المقام ويقف الناس خلفه. وقال الشافعي: يستحب أن يقفوا مستديرين بالبيت (1). وقد بينا التردد في جواز ذلك، فإن قلنا به وصلوا كذلك، فإن كان بعضهم أقرب إلى البيت، فإن كان متوجها إلى الجهة التي توجه إليها الإمام، بطلت صلاته، لأنه قد تقدم إمامه. وفيه للشافعي القولان (2). وإن كان متوجها إلى غيرها، احتمل ذلك، لئلا يكون متقدما حكما، والجواز - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (3) - لأنه لا يظهر به مخالفة منكرة ولأن قربه من الجهة لا يكاد يضيط، ويشق مراعاة ذلك وفي جهته لا يتعذر أن يكونوا خلفه. ولأن المأموم إذا كان في غير جهة الإمام، لم يكن بين يديه وإن كان أقرب إلى الكعبة منه. وكلا الوجهين للشافعي (4). أما لو صلوا وسط الكعبه، فالأقرب: وجوب اتحاد الجهة. ويحتمل جواز المخالفة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة (5).

(1 و 2) المجموع 4: 300، فتح العزيز 4: 339.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 78 و 79، فتح العزيز 4: 339.
(4) المجموع 4: 300، فتح العزيز 4: 339.
(5) فتح العزيز 4: 339، المبسوط للسرخسي 2: 79.

[ 242 ]

فإن كان المأموم أقرب واتحدت الجهة، لم تصح صلاته. وللشافعي قولان (1). وإن اختلف: فوجهان. وكلاهما للشافعي (2). مسألة 543: المأموم إن كان واحدا ذكرا، استحب أن يقف عن يمين الإمام، عند علمائنا - وبه قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد (3) - لأن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وآله، يصلي فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه فحولني عن يمينه (4). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام: " الرجلان يؤم أحدهما الآخر يقوم عن يمينه، فإن كانوا أكثر، قاموا خلفه " (5). وحكى ابن المنذر عن سعيد بن المسيب أنه قال: يقيمه عن يساره (6). وقال النخغي: يقيمه وراءه ما بين أن يركع، فإن جاء آخر، وإلا قام عن يمينه (7). وفي حديث ابن عباس عدة فوائد: أ: وقوف الواحد عن يمين الإمام. ب: صحة صلاته لو وقف على يساره.

(1) فتح العزيز 4: 339.
(2) المجموع 4: 300، فتح العزيز 4: 339.
(3) فتح العزيز 4: 339، المهذب للشيرازي 1: 106، بداية المجتهد 1: 148، بدائع الصنائع 1: 158، المغني 2: 43، حلية العلماء 2: 180.
(4) صحيح البخاري 1: 179، سنن أبي داود 1: 166 / 610، سنن النسائي 2: 87.
(5) التهذيب 3: 26 / 89.
(6) المجموع 4: 294، المغني 2: 43، رحمة الأمة 1: 72، الميزان للشعراني 1: 178، حلية العلماء 2: 180.
(7) المجموع 4: 294، رحمة الأمة 1: 72، الميزان للشعراني 1: 178، عمدة القاري 5: 235، حلية العلماء 2: 180.

[ 243 ]

ج: لا يلزمه سجود السهو. د: استحباب التحول إلى اليمين لو وقف على اليسار. ه‍: إذا لم يتحول لم يقره الإمام، وحوله. و: أن يؤخره بيمينه دون يساره. ز: أن يديره من خلفه. ح: صلاة النفل يحرم فيها الكلام، لأنه لم يكلمه. ونحن نمنع من الجماعة في النفل، فإن صحت رواية ابن عباس فيها، حملناها على التمرين، لأنه صبي، لا أنها صلاة شرعية، وتكون الفائدة تعليمه موقف المأموم في الفرض. ط: عدم البطلان بالفعل اليسير. ي: أن الصبي له موقف في الصف كالبالغ، لأن ابن عباس كان صبيا. إذا ثبت هذا، فإن وقف على يساره ولم يكن على يمينه أحد، لم يفعل السنة، وصحت صلاته إجماعا - إلا أحمد فإنه أبطل صلاته إن صلى ركعة كاملة (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يأمر ابن عباس باستئناف الصلاة. ولأنه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخر آخر، فكان موقفا وإن لم يكن آخر كاليمين. ولأنه أحد جانبي الإمام، فأشبه اليمين. احتج أحمد: بأن النبي عليه السلام أدار ابن عباس (2). ولا يدل على الزجر. وكذا إن وقف متأخرا. مسألة 544: لو كان المأموم رجلين، وقفا خلفه، عندنا وعند أكثر

(1) المغني 2: 42، الميزان للشعراني 1: 178، رحمة الأمة 1: 71 - 72.
(2) المغني 2: 43.

[ 244 ]

العلماء (1)، لأن جابرا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فوقفت عن يمينه، فدخل جبار بن صخر، فوقف عن يساره، فدفعنا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى جعلنا خلفه، ولم ينكر عليه السلام إحرامه عن يساره (2). وقال أنس: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، أنا ويتيم لنا، فصففت أنا واليتيم صفا وأم سليم خلفنا (3). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام: " فإن كانوا أكثر - يعني من واحد - قاموا خلفه " (4). وحكى عن ابن مسعود: أنهما يقفان عن جانبيه، فإن كانوا ثلاثة، تقدم عليهم، لأنه صلى بين علقمة والأسود، فلما فرغ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله فعل (5). فإن صح، كان منسوخا، لتأخر من ذكرنا، وابن مسعود من المتقدمين. مسألة 545: إذا كان المأموم جماعة، وقفوا خلف الإمام صفا أو صفوفا استحبابا بلا خلاف، وإن وقف بعضهم في صفه عن يمينه ويساره أو عن أحدهما والباقون خلفه، جاز. وينبغي تخصيص الصف الأول بأهل الفضل ثم الثاني بالأدون منهم ثم الثالث بالأدون منهما وهكذا، لقوله عليه السلام: (ليليني منكم أولو الاحلام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الصبيان ثم النساء) (6).

(1) أنظر: المغني 2: 44، بدائع الصنائع 1: 158.
(2) سنن أبي داود 1: 171 / 634، سنن البيهقي 3: 95.
(3) سنن البيهقي 3: 96.
(4) التهذيب 3: 26 / 89.
(5) سنن أبي داود 1: 166 / 613، سنن البيهقي 1: 406، والمغني 2: 3.
(6) صحيح مسلم 1: 323 / 432، سنن أبي داود 1: 180 / 674، سنن النسائي 2: 87 و 90.

[ 245 ]

وقال عليه السلام: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها) (1). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " ليكن الذين يلون الإمام أولوا الاحلام، وأفضل الصفوف أولها ما دنا من الإمام " (2). ولأنه أفضل، لقربه من الإمام الأفضل، فخصص به أفضل المأمومين. وللحاجة إليهم في التنبيه لو سها الإمام أو غلط أو ارتج عليه أو احتاج إلى الاستخلاف. إذا ثبت هذا، فإن تم الصف الأول بالرجال، وقف الصبيان صفا آخر خلفه، ووقف النساء صفا آخر خلف الصبيان. وقال بعض الشافعية: يقف بين كل رجلين صبي ليتعلم منهما (3) الصلاة (4). وهو غلط، لقوله عليه السلام: (ليليني منكم أولو الاحلام والنهى) (5) والتعلم ثابت إذا صلوا خلفهم. مسألة 546: الجماعة مشروعة للعراة عند علمائنا - وبه قال قتادة وأحمد (6) - لعموم الأمر بالجماعة. وقال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلون فرادى (7).

(1) صحيح مسلم 1: 326 / 440، سنن أبي داود 1: 181 / 678، سنن النسائي 2: 93.
(2) الكافي 3: 372 / 7، التهذيب 3: 265 / 751.
(3) في " ش، م " منه. وما أثبتناه أنسب بسياق العبارة.
(4) المجموع 4: 293، حلية العلماء 2: 182، الميزان للشعراني 1: 179، رحمة الأمة 1: 72.
(5) صحيح مسلم 1: 323 / 432، سنن أبي داود 1: 180 / 674، سنن النسائي 2: 87 و 90.
(6) المغني 1: 668، المحرر في الفقه 1: 118.
(7) المدونة الكبرى 1: 95، الكافي في فقه أهل المدينة: 64، المبسوط للسرخسي 1: 186، المغني 1: 668، المحلى 3: 226.

[ 246 ]

قال مالك: يتباعد بعضهم من بعض، وإن كانوا في ظلمة، صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم (1). والشافعي - في القديم - وافقهم (2). وقال في موضع آخر: الجماعة والانفراد سواء، لأن في الجماعة الاخلال بسنة الموقف، وفي الانفراد الاخلال بفضيلة الجماعة (3). إذا ثبت هذا، فإن إمامهم يجلس وسطهم، ويتقدمهم بركبتيه، وهو قول من سوغ الجماعة من الجمهور، إلا أنهم قالوا: يصلون قياما (4)، إلا أحمد، فإنه وافقنا في الجلوس، وبه قال الأوزاعي (5). وقول المخالف ليس بجيد، لمنافاته الستر المطلوب شرعا. وسأل عبد الله بن سنان، الصادق عليه السلام: عن قوم صلوا جماعة وهم عراة، قال: " يتقدمهم إمامهم بركبتيه، ويصلي بهم جلوسا وهو جالس " (6). وكذا لو كان العراة نساء صلين جماعة جلوسا، وتجلس إمامتهن وسطهن. وقال الشافعي: يصلين قياما (7). ولو اجتمع الجنسان، صلوا صفوفا جلوسا يتقدمهم الإمام بركبتيه، وتتأخر النساء. وقال الشافعي: ينفرد النساء بجماعة، ويقفن كالرجال، وتقف إمامتهن

(1) المدونة الكبرى 1: 95، الكافي في فقه أهل المدينة: 64، المغني 1: 688.
(2) المهذب للشيرازي 1: 73، حلية العلماء 2: 58، المغني 1: 668.
(3) الأم 1: 91، المهذب للشيرازي 1: 73، المجموع 3: 186، المغني 1: 668.
(4) المجموع 3: 185، المدونة الكبرى 1: 95.
(5) المغني 1: 664.
(6) التهذيب 2: 365 / 1513.
(7) المجموع 3: 186.

[ 247 ]

وسطهن، فإن ضاق الموضع ولى النساء وجوههن عن الرجال حتى إذا صلوا قياما ولى الرجال وجوههم عنهن حتى يصلين (1). إذا عرفت هذا، فإنهم يؤمون للركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع. وعن أحمد روايتان، هذه إحدهما. والأخرى: يسجدون على الأرض. وبه قال الشافعي ومالك (2)، وقد سبق. مسألة 547: إذا كان المأموم امرأة أو نساء أو خناثى مشكل أمرهم، والامام رجل، وقفت أو وقفن خلفه وجوبا على القول بتحريم المحاذاة، وإلا ندبا، لقوله عليه السلام: (أخروهن من حيث أخرهن الله) (3). فإن كان المأموم خنثى واحدة وقفت خلفه. وقال أحمد: لا يجوز، لجواز أن يكون رجلا، بل يقف عن يمينه، ولا تبطل صلاة الإمام بوقوف المرأة على جانبه (4). والوجه: منع ائتمام أكثر من خنثى واحدة على القول بتحريم المحاذاة. فإن اجتمعت امرأة وخنثى، وقفت الخنثى خلف الإمام والمرأة خلفها، لجواز أن تكون رجلا. ولو كان الإمام خنثى والمأموم امرأة، وقفت خلفه وجوبا على القول بتحريم محاذاتها للرجل، وإلا ندبا، لجواز أن يكون رجلا. ولو كان المأموم رجلا وامرأة والامام رجلا، وقف الرجل على يمينه والمرأة

(1) الأم 1: 91، المجموع 3: 186، مغني المحتاج 1: 247، المغني 1: 669.
(2) المغني 1: 668 - 669، الشرح الكبير 1: 500 و 501، الانصاف 1: 464 و 465، الأم 1: 91، المدونة الكبرى 1: 95.
(3) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 425 ذيل المسألة 171.
(4) المغني 2: 47، الشرح الكبير 2: 69، الانصاف 2: 283.

[ 248 ]

خلفه. وإن حضر رجلان وامرأة، قام الرجلان خلفه والمرأة خلفهما. وإن حضر رجل وامرأة وخنثى، وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما والمرأة خلف الخنثى. قال الشيخ رحمه الله: فإن اجتمع رجال ونساء وخناثى وصبيان، وقف الرجال وراء الإمام ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء. وأما جنائزهم فإنه تترك جنائز الرجال بين يدي الإمام ثم جنائز الصبيان ثم جنائز الخناثى النساء. وأما دفنهم فالأولى أن يفرد لكل واحد منهم قبر، لما روي عنهم عليهم السلام أنه: " لا يدفن في قبر واحد اثنان ". فإن دعت ضرورة إلى ذلك، جاز أن يجمع اثنان وثلاثة في قبر واحد، كما فعل النبي عليه السلام يوم أحد. فإذا اجتمع هولاء، جعل الرجال مما يلي القبلة، والصبيان بعدهم، ثم الخناثى ثم النساء (1). مسألة 548: إذا قام المأموم عن يمين الإمام فدخل مأموم آخر، فإن لم يكن الأول قد أحرم، تأخر ووقفا خلف الإمام. وإن كان قد أحرم فكذلك. وقال الشافعي: يقف الآخر على يسار الإمام ويحرم، ثم يتقدم الإمام، أو يتأخر المأمومان ويصطفان خلفه. وأيهما أولى؟ الأصح عندنا وعنده: الثاني، لأنهما تابعان (2). ولأنه عليه السلام، دفع جابرا وجبار بن صخر إلى خلفه (3).

(1) المبسوط للطوسي 1: 155.
(2) المجموع 4: 292، فتح العزيز 4: 340، مغني المحتاج 1: 246، السراج الوهاج: 71.
(3) سنن أبي داود 1: 171 / 634، سنن البيهقي 3: 95 وانظر: المجموع 4: 292.

[ 249 ]

ولو كان الموضع يحتمل التقدم دون التأخر، تقدم الإمام حتى يحصلا خلفه، ولا يقف المأموم الواحد خلفه ابتداء. واحتج: بأنه إن تأخر المأموم قبل أن يحرم الثاني، فقد صار منفردا خلفه، وإن أحرم الداخل خلفه أولا، فهو أيضا منفرد خلفه. وما قلناه أولى، محافظة للصلاة من الفعل الزائد. ولو دخل والامام والمأموم جالسان للتشهد، كبر وجلس عن يساره، ولا يؤمر الإمام بالتقدم، ولا المأموم بالتأخر، لأنه يشق حالة الجلوس. مسألة 549: يكره لغير المرأة وخائف الزحام الانفراد بصف، بل إذا دخل ووجد في صف المأمومين فرجة، دخل فيه وأحرم، وإن انفرد، صحت صلاته عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري والشافعي وأبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي وابن المبارك، وهو مروي عن زيد بن ثابت (1) - لأن أبا بكرة جاء والنبي صلى الله عليه وآله راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى رسول الله عليه السلام قال: (أيكم ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟) فقال أبو بكرة: أنا، فقال: (زادك الله حرصا ولا تعد) (2) ولم يأمره بالاعادة، والنهي عن العود محمول على الكراهة، أو: لا تعد إلى التأخر. ولأنه أخطأ موقفا سن له إلى موقف لمأموم بحال فأشبه ما إذا وقف على يسار الإمام. وقال أحمد وإسحاق: تبطل صلاته - واختاره ابن المنذر - لأن وابصة بن معبد قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبصر رجلا خلف الصفوف

(1) المجموع 4: 298، الميزان للشعراني 1: 179، بداية المجتهد 1: 149، المغني 2: 42، الشرح الكبير 2: 64.
(2) صحيح البخاري 1: 199، سنن أبي داود 1: 182 / 684، سنن النسائي 2: 118، سنن البيهقي 2: 90 و 3: 106.

[ 250 ]

وحده، فأمره أن يعيد الصلاة (1) (2). وهو محمول على الاستحباب. فروع: أ: لو لم يجد في الصف الأخير فرجة، ووجدها في الصفوف المتقدمة، فله أن يخرق الصفوف حتى يصل إلى موضع الفرجة، لأن التقصير منهم حيث تركوا الفرجة. ب: لو لم يجد في الصفوف فرجة، فوقف عن يسار الإمام، صحت صلاته. وعن أحمد روايتان (3). ج: لو لم يجد في الصف مدخلا، صلى خلف الصف. وهل يجذب من الصف واحدا يصلي معه؟ الأقرب: الكراهة - وهو أحد قولي الشافعي (4) - لما فيه من إحداث خلل في الصف، وحرمان المجذوب فضيلة الصف الأول. وفي الآخر: يجذب، ويستحب للرجل إجابته (5). د: لو تقدمت سفينة المأموم، فإن استصحب نية الائتمام، بطلت صلاته، لفوات الشرط، وهو: عدم التقدم. وقال في الخلاف: لا تبطل، لعدم الدليل (6).

(1) سنن الترمذي 1: 445 / 30 2، سنن أبي داود 1: 182 / 682، مسند أحمد 4: 228، سنن البيهقي 3: 104 و 105.
(2) المغني 2: 42، الشرح الكبير 2: 64، المجموع 4: 298، الميزان للشعراني 1: 179، بداية المجتهد 1: 149، حلية العلماء 2: 181.
(3) المغني 2: 44، الشرح الكبير 2: 66. (4 و 5) المجموع 4: 297 - 298، حلية العلماء 2: 182، مغني المحتاج 1: 248.
(6) الخلاف 1: 559، المسألة 307.

[ 251 ]

وإن عدل إلى نية الانفراد، صحت. الشرط الثالث: الاجتماع في الموقف، فلا يجوز تباعد المأموم عن الإمام بما لم تجر العادة به، ويسمى كثيرا، إلا مع اتصال الصفوف به، عند علمائنا - وهو قول أكثر العلماء (1) - سواء علم بصلاة الإمام أو لا، لقوله عليه السلام: (لو صليتم في بيوتكم لضللتم) (2) وهو يدل على أن من علم بصلاة الإمام وهو في داره فلا يجوز أن يصلي بصلاته. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إذا صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى، فليس ذلك لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك بصلاة " (3). وقال عليه السلام: " يكون قدر ذلك مسقط الجسد " (4). لكن اشتراط ذلك مستبعد، فيحمل على الاستحباب. وقال عطاء: إذا كان عالما بصلاته، صح وإن كان على بعد من المسجد ولم يراع قربا، لأنه عالم بصلاة الإمام، فصحت صلاته، كما لو كان في المسجد (5). وهو غلط، لاستلزامه ترك السعي الواجب في قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله } (6) في حق العالم، وكان يقتصر الناس على الصلاة في بيوتهم.

(1) المجموع 4: 309.
(2) سنن أبي داود 1: 150 - 151 / 550، مسند أحمد 1: 382 و 415.
(3) الكافي 3: 385 / 4، الفقيه 1: 253 / 1144، التهذيب 3: 52 / 182.
(4) الكافي 3: 385 ذيل الحديث 4، التهذيب 3: 52 ذيل الحديث 182، والفقيه 1: 253 / 1143.
(5) المجموع 4: 309، حلية العلماء 2: 187، رحمة الأمة 1: 73.
(6) الجمعة: 9.

[ 252 ]

مسألة 550: ولا فرق في المنع من التباعد بين أن يجمعهما مسجد أو لا، للعموم. وفرق الشافعي بينهما، فسوغ التباعد في المسجد وإن كان متسعا بأزيد من ثلاثمائة ذراع - وظاهر قول الشيخ في المبسوط (1) يعطيه - لأنه بني للجماعة الواحدة، فكان موجبا للاتصال بينهما (2). قال الشافعي: وكذا المساجد الصغار المتصلة بالمسجد الكبير حكمها حكمه، لأنها بنيت للاتصال به (3). ونمنع إيجاب البناء الاتحاد مطلقا. ولا فرق عند الشافعية بين أن يكون الفضاء كله ملكا أو كله مواتا أو وقفا أو بالتفريق، ولا بين أن يكون محوطا أو غير محوط، ولا بين أن يكون الملك لواحد أو لجماعة. وفي وجه: يشترط في الساحة المملوكة اتصال الصف كالأبنية، بخلاف الموات فإنه يشبه المسجد. وفي وجه لهم: إذا وقف أحدهما في ملك والآخر في ملك آخر، يشترط اتصال الصف (4). وقد بينا مذهبنا في ذلك. مسألة 551: القرب والبعد المرجع بهما إلى العادة عندنا - وبه قال أحمد (5) - لعدم التنصيص شرعا، فيصرف إلى العرف كالأحراز وغيره. وقدر الشافعي البعد بما يزيد على ثلاثمائة ذراع، والقرب بها وبما

(1) أنظر: المبسوط للطوسي 1: 156.
(2) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 302، رحمة الأمة 1: 73.
(3) المجموع 4: 303.
(4) المجموع 4: 305، فتح العزيز 4: 347 - 348، مغني المحتاج 1: 249.
(5) المغني 2: 40، الشرح الكبير 2: 75.

[ 253 ]

دونها، اعتبارا بصلاة النبي صلى الله عليه وآله في الخوف، فإنه صلى بطائفة ومضت إلى وجه العدو وهو في الصلوة يحرسهم (1)، وإنما يحرس من وقع السهام، لأنها أبعد وقعا من جميع السلاح، وأكثر ما يبلغ السهم ثلاثمائة ذراع (2). وهذا ليس بشئ. ثم اختلف أصحابه هل هو تقريب أو تحديد؟ على قولين (3). ولا خلاف في أنه لو اتصلت الصفوف إلى أي بعد كان، صحت الصلوة، فعندنا الاتصال بمجرى العادة، وعند الشافعي أن يكون بين كل صفين ثلاثمائة ذراع فما دون (4). ولو كانت الصفوف في المسجد، جاز أن يصلي المأموم خارجه مع المشاهدة وعدم البعد الكثير. وحده الشافعي - على تقريره - بما يزيد على ثلاثمائة ذراع بينه وبين آخر المسجد وإن لم تكن الصفوف في المسجد متصلة بآخره، لأن المسجد لا يحسب فصلا (5). والوجه عندنا: اعتبار الاسم بينه وبين آخر صف فيه. وقال المرتضى: ينبغي أن يكون بين الصفين قدر مسقط الجسد، فإن

(1) أنظر: سنن البيهقي 3: 257 - 259.
(2) مختصر المزني: 23، المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 303 - 304، فتح العزيز 4: 345 - 346، مغني المحتاج 1: 249، كفاية الأخيار 1: 85.
(3) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 303، حلية العلماء 2: 183، فتح العزيز 4: 346 - 347، مغني المحتاج 1: 249، كفاية الأخيار 1: 85.
(4) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 304، مغني المحتاج 1: 249، رحمة الأمة 1: 73.
(5) المجموع 4: 307، فتح العزيز 4: 355.

[ 254 ]

تجاوز ذلك إلى القدر الذي لا يتخطى لم يجز (1)، للرواية (2). والظاهر: الكراهة. ولو وقف صف خلف الإمام على حد ثلاثمائة ذراع عند الشافعي، وعلى أبعد مراتب القرب عندنا، وصف آخر خلفهم على النسبة، وهكذا، صحت صلاتهم إجماعا، ويجعل كل صف مع الذي خلفه كالامام مع المأموم. ولو وقف على يمين الصف قوم بينهما حد القرب، أو على يسارهم، واقتدوا بالامام، جاز، ويكون ذلك حد القرب بين المأمومين، كما هو حد القرب بين الصفين. مسألة 552: يستحب قرب الصف من الإمام - وقد قدره الباقر عليه السلام: بمسقط الجسد استحبابا (3). وروي: " مربض عنز " (4) - ليندرجوا تحت قوله تعالى: { كأنهم بنيان مرصوص } (5) وكذا بين كل صفين. ويستحب تسوية الصف، لما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) (6). والوقوف عن يمين الإمام أفضل، لقول البراء بن عازب: كان يعجبنا الوقوف عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله (7). ولأن الإمام يبدأ بالسلام عليهم.

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 238.
(2) الكافي 3: 385 / 4، التهذيب 3: 52 / 182، والفقيه 1: 253 / 1143 و 1144، وتقدمت الرواية في الصفحة 251.
(3) الكافي 3: 385 ذيل الحديث 4، الفقيه 1: 253 / 1143، التهذيب 3: 52 ذيل الحديث 182.
(4) الفقيه 1: 253 / 1145.
(5) الصف: 4.
(6) سنن أبي داود 1: 178 / 662 و 663.
(7) صحيح مسلم 1: 492 / 709، سنن النسائي 2: 94 نحوه.

[ 255 ]

وينبغي أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف، لما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وآله: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل) (1). مسألة 553: حيلولة النهر والطريق بين الإمام والمأموم لا تمنع الجماعة مع انتفاء البعد، عند أكثر علمائنا (2)، سواء كان النهر مما يتخطى، أو لا - وبه قال الشافعي ومالك (3) - لأن أنسا كان يصلي في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام، وبينه وبين المسجد طريق (4)، ولم ينكر ذلك منكر. ولأن ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها. وقال أبو حنيفة: لا تجوز (5) لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (من كان بينه وبين الإمام طريق فليس مع الإمام) (6). وهو محمول على البعد أو الكراهة. إذا عرفت هذا، فإن الجماعة في السفن المتعددة جائزة، سواء اتصلت أو انفصلت ما لم يخرج إلى حد البعد - وبه قال الشافعي (7) - لأن المقتضي

(1) سنن أبي داود 1: 182 / 681.
(2) منهم الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 557 و 558، المسألتان 303 و 306، والمحقق في المعتبر: 238.
(3) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 309، حلية العلماء 2: 186، فتح العزيز 4: 347، مغني المحتاج 1: 249، الميزان للشعراني 1: 175، المدونة الكبرى 1: 82، الشرح الصغير 1: 160، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 77.
(4) سنن البيهقي 3: 111.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 193، المجموع 4: 309، حلية العلماء 2: 187، الميزان للشعراني 1: 175، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 77.
(6) قال النووي في المجموع 4: 309: هذا حديث باطل لا أصل له وإنما يروى عن عمر من رواية ليث بن أبي سليم عن تميم. ونقله عن عمر أيضا السرخسي في المبسوط 1: 193.
(7) المجموع 4: 307، فتح العزيز 4: 353، حلية العلماء 2: 187، مغني المحتاج 1: 251، كفاية الأخيار 1: 86، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 77.

[ 256 ]

- وهو العموم - موجود، والمانع - وهو عدم المشاهدة - منفي، لوجودها. ولأن الاستطراق ممكن والماء مانع من ذلك، كما لو كان بينهما نار. وقال أبو سعيد من الشافعية: بالمنع مع الانفصال مطلقا، لأن بينهما ماء يمنع الاستطراق (1). وهو ممنوع، فإن الماء لو نضب (2) أمكن الاستطراق، فالحاصل: أن الماء ليس بمانع عندنا، خلافا لأبي حنيفة (3). الشرط الرابع: عدم الحيلولة بين الإمام والمأموم الذكر بما يمنع المشاهدة للامام أو المأموم سواء كان من جدران المسجد أولا، وسواء كانا في المسجد أو لا، عند علمائنا، لتعذر الاقتداء. ولأن المانع من المشاهدة مانع من اتصال الصفوف، بل هو في ذلك أبلغ من البعد. ولقول الباقر عليه السلام: " وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان من حيال الباب " (4). وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقا، لأنه يمكنه الاقتداء بالامام فصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى (5). ونمنع الامكان، للخفاء، بخلاف الأعمى القريب، لعلمه بحال

(1) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 307، فتح العزيز 4: 353، حلية العلماء 2: 187.
(2) نضب الماء: غار في الأرض وسفل. الصحاح 1: 226 " نضب ".
(3) المبسوط للسرخسي 1: 193، حلية العلماء 2: 187، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 77.
(4) الكافي 3: 385 / 4، الفقيه 1: 253 / 1144، التهذيب 3: 52 / 182.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 193، المجموع 4: 309.

[ 257 ]

الإمام. وقال الشافعي: إن صليا في المسجد، صحت صلاة المأموم إذا علم بصلاة الإمام، سواء كان بينهما جدار حائل من مشاهدة الإمام ومشاهدة من يشاهده، أو لا، لأن المسجد كله متصل حكما وإن الفصل إلى بيوت ومساكن (1). ونمنع الاتحاد للحائل فلم يجز، كالخارج. وإن صلى المأموم خارج المسجد، وحال بينهما حائطه، فقولان: أصحهما عنده: المنع من الائتمام، لأنه بنى للفصل بينه وبين غيره. وإن كان الحائل حائط بيته، منع من الائتمام (2). وأي فرق بين كون الحائط للمسجد أو لغيره؟ فروع: أ: الصلاة في المقاصير التي في الجوامع غير المخرمة باطلة، لقول الباقر عليه السلام: " هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس، وإنما أحدثها الجبارون، ليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة " (3). وسوغه الشافعي وأبو حنيفة (4). ب: لو كان الحائل يمنع من الاستطراق دون المشاهدة، كالشبابيك والحيطان المحرمة التي لا تمنع من مشاهدة الصفوف، للشيخ قولان: أحدهما: المنع (5)، لقول الباقر عليه السلام: " إن صلى قوم وبينهم

(1) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 302، فتح العزيز 4: 343، كفاية الأخيار 1: 85، مغني المحتاج 1: 248، رحمة الأمة 1: 73.
(2) المجموع 4: 308، فتح العزيز 4: 357، حلية العلماء 2: 184، مغني المحتاج 1: 251.
(3) الكافي 3: 385 / 4، التهذيب 3: 52 / 182، والفقيه 1: 253 / 1144.
(4) لم نجد قولهما فيما بين أيدينا من المصادر نعم نقله عن أبي حنيفة المحقق في المعتبر: 238 - 239، وراجع: المبسوط للسرخسي 1: 193.
(5) الخلاف 1: 558، المسألة 305.

[ 258 ]

وبين الإمام ما لا يتخطى، فليس ذلك الإمام لهم بإمام " (1). والثاني: الجواز، لأن القصد من التخطي - وهو العلم بحال الإمام - حاصل كالنهر (2). وهو حسن. وللشافعي قولان (3). ج: لو كان الحائل قصيرا يمنع حال الجلوس خاصة من المشاهدة فالأقرب: الجواز. د: لو وقف الإمام في بيت وبابه مفتوح، فوقف مأموم خارجا بحذاء الباب بحيث يرى الإمام أو بعض المأمومين، صحت صلاته. وكذا إن صلى قوم عن يمينه أو شماله أو من ورائه، صحت صلاتهم وإن لم يشاهدوا من في البيت، لأنهم يرون هذا وهو يرى الإمام أو المأمومين في البيت. فإن وقف بين يدي هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو شمالها لا يشاهدون من في المسجد، لم تصح صلاتهم إذا لم يكونوا على سمت المحاذي للباب. ه‍: لو صلى في داره وبابها مفتوح يرى منه الإمام أو بعض المأمومين، صحت صلاته، ولا يشترط اتصال الصفوف به. وللشافعي قولان (4). و: لو صلى بين الاساطين، فإن اتصلت الصفوف به أو شاهد الإمام أو

(1) الكافي 3: 385 / 4، التهذيب 3: 52 / 182، والفقيه 1: 253 / 1144.
(2) المبسوط للطوسي 1: 156.
(3) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 308، فتح العزيز 4: 360، مغني المحتاج 1: 251.
(4) المجموع 4: 308، فتح العزيز 4: 361 - 362، كفاية الأخيار 1: 85، حلية العلماء 2: 184.

[ 259 ]

بعض المأمومين، صحت صلاته، لقول الصادق عليه السلام: " لا أرى بالصفوف بين الاساطين بأسا " (1). ز: لو وقف الإمام في المحراب الداخل في الحائط، فإن صلاة من خلفه صحيحة، لأنهم يشاهدونه، وكذا باقي الصفوف التي من وراء الصف الأول. أما من على يمين الإمام ويساره، فإن حال بينهم وبين الإمام حائل، لم تصح صلاتهم، وإلا صحت، لقول الصادق عليه السلام: " لا بأس بوقوف الإمام في المحراب " (2). ح: يجوز أن تصلي المرأة من وراء الجدار مقتدية بالامام وإن لم تشاهده ولا من يشاهده، عند علمائنا، لأن عمارا سأل الصادق عليه السلام، عن الرجل يصلي بالقوم وخلفه دار فيها نساء هل يصلين خلفه؟ قال: " نعم " قلت: إن بينه وبينهن حائطا أو طريقا، قال لا بأس " (3). ولأن المرأة عورة، والجماعة مطلوبة للشارع، فتجمع بين الصيانة وطلب الفضيلة. ولا فرق بين الحسناء الشابة والشوهاء العجوز. ولم يفرق الجمهور بين الرجال والنساء في المنع والجواز. ط: الماء ليس حائلا - على ما بيناه - مع المشاهدة وعدم البعد، خلافا لأبي الصلاح (4) منا، ولأبي حنيفة (5).

(1) الكافي 3: 386 / 6، الفقيه 253 / 1141، التهذيب 3: 52 / 180.
(2) أورده المحقق في المعتبر: 239 والذي يظهر من التهذيب 3: 52 ذيل الحديث 180: أن قوله: لا باس: إلى آخره من كلام الشيخ الطوسي رحمه الله، فراجع.
(3) التهذيب 3: 53 / 183.
(4) الكافي في الفقه: 144 - 145.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 193، المجموع 4: 309، الميزان للشعراني 1: 175، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 77.

[ 260 ]

ي: لو وقف المأموم في بيت دار والامام في آخر، فإن كان عن يمينه أو يساره، واتصلت الصفوف به بتواصل المناكب، أو بقيت فرجة لا تتسع للواقف، صحت إذا كان الباب على سمت الإمام أو صفه. وإن كان خلفه والباب مفتوح يشاهد منه الإمام أو بعض المأمومين، صح أيضا، وإلا فلا. الشرط الخامس: عدم علو الإمام على موضع المأموم بالمعتمد به، فلو صلى الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم بما يعتد به، بطلت صلاة المأموم، عند علمائنا، سواء أراد تعليمهم أو لا، لما رواه الجمهور أن عمار ابن ياسر كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار، فقام على دكان والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ بيده حتى أنزله، فلما فرغ من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: (إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم)؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي (1). وأم حذيفة بالمدائن على دكان، فأخذ عبد الله بن مسعود (2) بقميصه فجبذه (3)، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى ذكرت حين جبذتني (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن كان الإمام على شبه دكان أو على موضع أرفع من موضعهم، لم تجز صلاتهم، ولو كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع بقدر شبر، وكان (5) أرضا

(1) سنن أبي داود 1: 163 / 598، سنن البيهقي 3: 109.
(2) كذا في " ش، م " وفي المصادر: أبو مسعود.
(3) الجبذ لغة من الجذب. النهاية لابن الأثير 1: 235 " جبذ ".
(4) سنن أبي داود 1: 163 / 597، سنن البيهقي 3: 108، وانظر المغني 2: 41 - 42.
(5) في الكافي: فإن كان. وفي التهذيب: فإن كانت. وفي الفقيه: وإن كانت.

[ 261 ]

مبسوطة، وكان في موضع منها ارتفاع، فقام الإمام في الموضع المرتفع، وقام من خلفه أسفل منه، والأرض مبسوطة إلا أنهم في موضع منحدر، قال: " لا بأس " (1). ولأنه يحتاج إلى معرفة حال إمامه في ركوعه وسجوده، فيحتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده، وهو منهي عنه في الصلاة. وقال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي: إنه مكروه (2) - وهو قول الشيخ في الخلاف (3) - لحديث عمار وحذيفة (4). وهو يدل على المنع والنهي، وظاهرهما: التحريم. وقال الشافعي: أختار للامام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشئ المرتفع فيراه من خلفه فيقتدون بركوعه، لأن سهل بن سعد الساعدي قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو على المنبر لما صنع له، فصعد عليه فاستقبل القبلة فكبر ثم قرأ ثم ركع ثم نزل القهقري فسجد ثم صعد فقرأ ثم ركع ثم نزل القهقري فسجد، فلما فرغ من صلاته قال: (إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي) (5) (6). ونمنع الحديث. سلمنا، لكن الظاهر أنه كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعا يسيرا. ولأنه من خصائصه، لأنه فعل شيئا ونهى عنه، فيكون فعله له ونهيه لغيره، ولهذا لا يستحب مثله لغير النبي عليه السلام.

(1) الكافي 3: 386 / 9، التهذيب 3: 53 / 185، والفقيه 1: 253 - 254 / 1146.
(2) المدونة الكبرى 1: 81، القوانين الفقهية: 70، المبسوط للسرخسي 1: 39، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 78.
(3) الخلاف 1: 556 المسألة 301.
(4) تقدما قريبا.
(5) الأم 1: 172، المجموع 4: 295، المغني 2: 41، الشرح الكبير 2: 78.
(6) صحيح مسلم 1: 386 / 544، مسند أحمد 5: 339، سنن البيهقي 3: 108.

[ 262 ]

ولأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يتم الصلاة على المنبر، فإن سجوده وجلوسه إنما كان على الأرض، بخلاف ما وقع فيه الخلاف، أو أنه عليه السلام علم الصلاة، ولم يقتدوا به. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة كراهيته إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة (1). فروع: أ: لو صلى الإمام على سطح والمأموم على آخر وبينهما طريق، صح مع عدم التباعد وعلو سطح الإمام. ب: لو صلى المأموم على الموضع المنخفض بالمعتد به، بطلت صلاته - وبه قال الأوزاعي (2) - لأن النهي يقتضي الفساد. ولقول الصادق عليه السلام: " لم تجز صلاتهم " (3). وقال أصحاب الرأي: لا تبطل، لأن عمار أتم صلاته (4)، ولو كانت فاسدة، استأنفها (5). ويحمل على الجذب قبل التحريم. ج: لو كان مع الإمام من هو مساو وأعلى وأسفل، اختص التحريم بالأسفل، لوجود المعنى فيه دون غيره. د: لا تبطل صلاة الإمام لو صلى على المرتفع، بل يختص البطلان بالأسفل، لاختصاص النهي بالأسفل. وقال بعض الجمهور: تبطل صلاة الإمام، لأنه منهي عن القيام في

(1) حلية العلماء 2: 183.
(2) المغني 2: 42، الشرح الكبير 2: 79، المجموع 4: 295.
(3) الكافي 3: 386 / 9، الفقيه 1: 253 - 254 / 1146، التهذيب 3: 53 / 185.
(4) سنن أبي داود 1: 163 / 598.
(5) المغني 2: 42، الشرح الكبير 2: 79.

[ 263 ]

مكان أعلى من مقامهم (1). ونمنع توجه النهي إلى الإمام، بل إلى المأموم خاصة. ه‍: لو كان العلو يسيرا، جاز إجماعا، وهل يتقدر بشبر أو بما لا يتخطى؟ الأقرب: الثاني. و: لو كان المأموم أعلى من الإمام، صحت صلاته وإن كان على شاهق وإن كان خارج المسجد أو كانت الصلاة جمعة، عند علمائنا أجمع - وبه قال أحمد وأصحاب الرأي (2) - لقول الصادق عليه السلام: " إن كان الإمام أسفل من موضع المأموم فلا بأس ". وقال عليه السلام: " لو كان رجل فوق بيت أو غير ذلك والامام على الأرض جاز أن يصلي خلفه ويقتدي به " (3). وللأصل مع عدم النهي وما في معناه. وقال الشافعي: إذا صلى في سطح داره بصلاة الإمام في المسجد، لم تصح، لأنها بائنة من المسجد، وليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف فيه، وإن كان السطح في المسجد وصلى بإمام في صحنه، صحت صلاته (4). وقال مالك: إذا صلى الجمعة فوق سطح المسجد، أعاد. وليس بجيد، لعدم دليل التخصيص. الشرط السادس: نية الاقتداء، بإجماع العلماء، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نواه.

(1) المغني 2: 42، والشرح الكبير 2: 79.
(2) المغني 2: 39، الشرح الكبير 2: 79، الانصاف 2: 298. (3) الكافي 3: 386 / 9، الفقيه 1: 253 / 1146، التهذيب 3: 53 / 185.
(4) المهذب للشيرازي 1: 107، المجموع 4: 302 و 308، فتح العزيز 4: 343 - 344 و 361، الميزان للشعراني 1: 175، المغني 2: 39 والشرح الكبير 2: 79.
(5) المدونة الكبرى 1: 151، الشرح الصغير 1: 61 و 179، القوانين الفقهية: 79، المغني 2: 39، الشرح الكبير 2: 79.

[ 264 ]

ولا تكفي نية الجماعة، لاشتراكها بين الإمام والمأموم، فليس في نية الجماعة المطلقة نية الاقتداء وربط الفعل بفعل الغير. ولأن المأموم تسقط عنه القراءة الواجبة على المنفرد، فلا بد من نية الائتمام، ليسقط عنه وجوب القراءة. فإن لم ينو الاقتداء، انعقدت صلاته منفردا، فإن ترك القراءة، بطلت صلاته، وإن قرأ معتقدا عدم الوجوب فكذلك، وإلا صحت، سواء تابعه في أفعاله أو لا، لأنه ليس فيه إلا أنه قرن فعله بفعل غيره، وهو أحد وجهي الشافعية. وأصحهما: البطلان، لأنه وقف صلاته على صلاة الغير لا لاكتساب فضيلة الجماعة، وفيه ما يبطل الخشوع ويشغل القلب (1). ونمنع اقتضاء ذلك البطلان. نعم لو طال الانتظار من غير عذر، فالوجه: البطلان. ولو اتفق انقضاء أفعاله مع أفعال الغير، فليس متابعة، ولا تبطل به الصلاة إجماعا. ولو شك في نية الاقتداء خلال الصلاة، فهو كما لو شك في أصل النية، وقد بينا البطلان إن كان المحل باقيا، وعدم الالتفات إن كان قد انتقل. مسألة 554: يجب تعيين الإمام في نيته إما باسمه أو بوصفه ولو بكونه الإمام الحاضر، ليمكن متابعته. ولو عين بغير وصف كونه الإمام الحاضر فأخطأ، بطلت صلاته، لأنه لم ينو الاقتداء بهذا المصلي، وما نواه لم يقع له، لعدم إمكانه، فبطلت صلاته.

(1) المجموع 4: 200 - 201، فتح العزيز 4: 363.

[ 265 ]

وكذا البحث لو عين الميت في صلاة الجنازة وأخطأ، فإنه يجب عليه إعادة الصلاة عليه. ولو كان بين يديه اثنان يصليان، فنوى الائتمام بأحدهما لا بعينه، لم تصح، لعدم إمكان متابعتهما على تقدير الاختلاف، وعدم أولوية أحدهما. ولو نوى الائتمام بهما معا، لم تصح، للاختلاف، فلا يمكن متابعتهما. ولو نوى الاقتداء بالمأموم لم تصح صلاته إجماعا، لأنه لا يجوز أن يكون إماما وهو مأموم. ولا فرق بين أن يكون عالما أو جاهلا للحكم أو للوصف. فلو خالف المأموم سنة الموقف، فوقف على يسار الإمام، فنوى الداخل الاقتداء بالمأموم ظنا أنه الإمام، لم تصح صلاته - وبه قال الشافعي (1) - لأنه لا يجوز أن يكون إماما وهو مأموم بحال، فلم يعف عن الخطأ في ذلك. مسألة 555: لا تشترط نية الامامة، فلو صلى منفردا فدخل قوم وصلوا بنية الاقتداء به، صحت صلاتهم وإن لم يجدد نية الامامة. وكذا لو صلى بنية الانفراد مع علمه بأن من خلفه يأتم به، عند علمائنا، وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي، واختاره ابن المنذر، وبه قال أبو حنيفة أيضا، إلا إذا أم النساء فإنه شرط نية الامامة لهن (2). لرواية أنس أن النبي صلى الله عليه وآله، كان يصلي في رمضان قال:

(1) المجموع 4: 202.
(2) المجموع 4: 202 و 203، فتح العزيز 4: 366، حلية العلماء 2: 157، الميزان للشعراني 1: 173، مغني المحتاج: 1: 253، كفاية الأخيار 1: 81، المدونة الكبرى 1: 86، بلغة السالك 1: 161، المبسوط للسرخسي 1: 185، بدائع الصنائع 1: 128، ولم نعثر على قول الأوزاعي وابن المنذر بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

[ 266 ]

فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كنا رهطا، فلما أحس رسول صلى الله عليه وآله، أنا خلفه جعل يتجوز (1) في الصلاة، فقلنا له حين فرغ: أفطنت بنا الليلة؟ فقال: (نعم ذاك الذي حملني على الذي صنعت) (2). ولأن أفعال الإمام مساوية لأفعال المنفرد، فلا تعتبر نية الامامة، لعدم الاختلاف في الهيئات والأحكام. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: تشترط نية الامامة، فإن لم ينو الإمام الامامة، بطلت صلاة المأمومين (3)، لقوله صلى الله عليه وآله: (الأئمة ضمناء) (4) ولا يضمن إلا بعد العلم. ونمنع اشتراط العلم في الضمان، ولم لا تكفي في ثبوت هذا الضمان نية المأموم؟ إذ الإمام إنما يتحمل القراءة والسهو، فهو ضامن لذلك. فروع: أ: لو صلى اثنان ونوى كل منهما أنه إمام لصاحبه، صحت صلاتهما - وبه قال الشافعي (5) - لأن كلا منهما احتاط لصلاته بما يجب على المنفرد، فلم تلزمه الاعادة، ونية الامامة ليست منافية لصلاة المنفرد، فلم تقدح في الصلاة. ولقول علي عليه السلام: " صلاتهما تامة " (6).

(1) تجوز: خفف. الصحاح 3: 871، النهاية لابن الأثير 1: 315 " جوز ".
(2) صحيح مسلم 2: 775 / 1104.
(3) المغني 2: 60، الانصاف 2: 27، المجموع 4: 203، فتح العزيز 4: 366، حلية العلماء 2: 157، الميزان للشعراني 1: 173.
(4) سنن البيهقي 1: 430، كنز العمال 7: 686 / 20919.
(5) الأم 1: 177، المهذب للشيرازي 1: 101، المجموع 4: 201، فتح العزيز 4: 317، مغني المحتاج 1: 238.
(6) الكافي 3: 375 / 3، الفقيه 1: 250 / 1123، التهذيب 3: 54 / 186.

[ 267 ]

قال أحمد: لا تصح، لأنه نوى الامامة ولا مأموم (1). ونمنع اقتضاءه البطلان. ب: لو نوى كل منهما أنه مأموم لصاحبه، بطلت صلاتهما إجماعا. ولأنهما قد أخلا بشرط الصلاة، وهو: وجوب القراءة. ولقول علي عليه السلام، وقد سئل في رجلين اختلفا - إلى أن قال - فإن قال كل واحد منهما: كنت أئتم بك؟ قال: " صلاتهما فاسدة ليستأنفا " (2). ج: لو قال كل منهما: لم أدر نويت الامامة أو الائتمام بعد الفراغ من الصلاة، احتمل أن يعيدا، لأنه لم يحصل الاحتياط في أفعال الصلاة بيقين. والصحة، لأنه شك في شئ بعد الفراغ منه. أما لو شكا في أثناء الصلاة أيهما الإمام، بطلت صلاتهما، لأنهما لا يمكنهما المضي في الصلاة، وأن يقتدي أحدهما بالآخر. د: لو صلى بصلاة من سبقه منفردا بركعة فما زاد صح ائتمامه في الفرض والنفل - وبه قال الشافعي (3) - لأن نية الإمام ليست شرطا. ولأن جابرا وجبارا دخلا المسجد وقد أحرم عليه السلام وحده، فأحرما معه في الفرض (4)، ولم ينكر عليهما. وقال أحمد: تصح في النفل، وفي الفرض روايتان (5). ه‍: لو عين الإمام إمامة معين فأخطأ، لم يضر، لأن أصل النية غير واجب عليه، والخطأ لا يزيد على الترك من الأصل. و: لو لم ينو الإمام الامامة، صحت صلاته كما قلنا، وبه قال

(1) المغني 2: 60، الانصاف 2: 28.
(2) الكافي 3: 375 / 3، الفقيه 1: 250 / 1123، التهذيب 3: 54 / 186.
(3) المهذب للشيرازي 1: 101، المجموع 4: 209.
(4) سنن أبي داود 1: 171 / 634، سنن البيهقي 3: 95.
(5) المغني 2: 61 - 62، الانصاف 2: 29 - 30.

[ 268 ]

الشافعي (1). وهل ينال فضيلة الجماعة؟ الأقرب ذلك: لحصولها من دون نيته. وأصح وجهي الشافعية: العدم (2). ز: لو لم ينو الامامة في الجمعة، احتمل بطلان صلاته، لأنها لا تقع إلا جماعة، ولا تكفى نية الجمعة المستلزمة لنية مطلق الجماعة، لاشتراكها بين الإمام والمأموم. والصحة، إذ لا يجب التعرض للشرائط في النية. مسألة 556: لو أحرم منفردا ثم نوى الائتمام، قال الشيخ: يجوز ذلك (3). وهو أحد قولي الشافعي والمزني وأحمد في رواية (4). واستدل الشيخ عليه: بإجماع الفرقة، والأخبار المروية عن الأئمة عليهم السلام. وبانتفاء المانع من الصحة فيبقى الأصل سالما. ولأنه يصح النقل من الانفراد إلى الامامة للحاجة، فجاز إلى الائتمام طلبا للثواب. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز. وهو قول للشافعي (5)، لقوله عليه السلام: (إذا كبر الإمام فكبروا) (6). ولأن هذا كان جائزا في ابتداء الاسلام أن يصلي المسبوق ما فاته يدخل مع الإمام، فنسخ، فلا يجوز فعله. والحديث متوجه إلى المأموم، ونحن نقول بموجبه بعد الائتمام،

(1) المجموع 4: 202 و 203، فتح العزيز 4: 366، مغني المحتاج 1: 253.
(2) المجموع 4: 203، فتح العزيز 4: 367، مغني المحتاج 1: 253.
(3) الخلاف 1: 552، المسألة 293.
(4) المهذب للشيرازي 1: 101، المجموع 4: 209، فتح العزيز 4: 408، حلية العلماء 2: 157. مختصر المزني: 23، مغني المحتاج 1: 260، المغني 2: 62.
(5) المدونة الكبرى 1: 87، الشرح الصغير 1: 161، القوانين الفقهية 69 - 70، المهذب للشيرازي 1: 101، المجموع 4: 209، فتح العزيز 4: 407، حلية العلماء 2: 158.
(6) صحيح مسلم 1: 308 / 411 و 310 / 414 و 415 و 311 / 417، سنن النسائي 2: 97، سنن الترمذي 2: 194 / 361، سنن البيهقي 2: 18.

[ 269 ]

والفرق بين قضاء المسبوق ودخول المنفرد ظاهر. وليس هذا القول عندي بعيدا من الصواب، لورود نقل النية إلى النفل وإبطال الفرض مع إمام الأصل، والنفل (1) أولى منهما. وللشافعي قول ثالث: المنع إن خالف الترتيب بأن يدخل معه بعد صلاة ركعة، والجواز إن دخل مع الإمام قبل أن يركع في الأولى (2). ولا دليل على التفصيل مع أصالة الجواز، ووروده في المسبوق. إذا عرفت هذا، فإن كان قد سبقه بركعة، فإذا قام الإمام إلى الرابعة لم يتابعه، ولكن يجلس ويتشهد، ثم إن شاء سلم بنية المفارقة، وإن شاء طول في الدعاء حتى يجلس الإمام ويسلم معه. إذا ثبت هذا، فإنه يجوز أن يحرم مأموما ثم يصير إماما في موضع الاستخلاف، أو إذا نوى مفارقة الإمام ثم ائتم به غيره، وكذا لو نقل نيته (3) إلى الائتمام بإمام آخر. ولو أدرك نفسان بعض الصلاة، أو ائتم بالمسافر مقيمان، فسلم الإمام، جاز أن يأتم أحدهما بصاحبه، ولأحمد وجهان (4). ولو نوى الإمام الائتمام بغيره لم تصح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وفي الثانية: الجواز (5)، لقصة أبي بكر (6). وهي عندنا باطلة. مسألة 557: يجوز للمأموم أن ينقل نيته من الائتمام إلى الانفراد لعذر

(1) أي: نقل النية إلى الائتمام.
(2) المجموع 4: 209، فتح العزيز 4: 409.
(3) في نسخة " ش ": نفسه.
(4) المغني 2: 64، الانصاف 2: 36.
(5) المغني 2: 64، الانصاف 2: 37.
(6) صحيح مسلم 1: 311 / 418، سنن الترمذي 2: 197 / 362، سنن البيهقي 3: 80.

[ 270 ]

كان أو لغيره، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة، ثم خرجت من صلاته وأتمت منفردة (2). وروى جابر قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله، العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي صلى الله عليه وآله، صلاة العشاء، فصلى معه، ثم رجع إلى قومه، فقرأ سورة البقرة، فتأخر رجل، فصلى معه وحده، فقيل له: نافقت يا فلان، فقال: ما نافقت ولكن لآتين رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبره، فأتى النبي صلى الله عليه وآله، فذكر ذلك له، فقال له: (أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟) مرتين، (إقرأ سورة كذا وسورة كذا) قال: وسورة ذات البروج، والليل إذا يغشى، والسماء والطارق، وهل أتاك حديث الغاشية (3). ولم ينكره النبي صلى الله عليه وآله. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في الرجل صلى خلف إمام فسلم قبل الإمام، قال: " ليس بذلك بأس " (4). وعن الرضا عليه السلام في الرجل يكون خلف الإمام فيطيل التشهد فيأخذه البول (5)، أو يخاف على شئ أو مرض كيف يصنع؟ قال: " يسلم وينصرف ويدع الإمام " (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 246، فتح العزيز 4: 402 - 403، مغني المحتاج 1: 259.
(2) صحيح البخاري 5: 145، صحيح مسلم 1: 575 / 842، سنن أبي داود 2: 13 / 1238، الموطأ 1: 183 / 1، سنن النسائي 3: 171.
(3) صحيح مسلم 1: 339 / 465، سنن أبي داود 1: 210 / 790، سنن الدارمي 1: 297، سنن النسائي 2: 172 - 173، سنن البيهقي 2: 392 - 393.
(4) التهذيب 3: 55 / 189.
(5) في " ش " والطبعة الحجرية بدل " البول ": " المرة ".
(6) المعتبر: 246، وفي الفقيه 1: 261 / 1191، وقرب الاسناد: 95، والتهذيب 3: 283 / 842 عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام.

[ 271 ]

ولأن الجماعة ليست واجبة ابتداء فكذا استدامة. ولأنه استفاد بصلاة الإمام فضيلة صلاته، فيترك بالخروج الفضيلة دون الصحة. وقال الشافعي في الآخر: إن ترك لعذر، جاز، وإن كان لغيره، لم يجز. وبه قال أحمد في رواية (1). والعذر: المشقة بتطويل الإمام، أو المرض، أو خوف غلبة النعاس، أو شئ يفسد صلاته، أو خوف فوت مال أو تلفه أو فوت رفيقه. وقال أبو حنيفة ومالك: تبطل صلاته، سواء كان لعذر أو لا (2)، لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) (3). ونحن نقول بموجبه ما دام في المتابعة. فروع: أ: لو نوى الانفراد قبل شروع الإمام في القراءة، قرأ هو. ولو كان الإمام قد قرأ وفرغ، ركع ولم يقرأ. ولو كان قد فرغ من قراءة الفاتحة، فالوجه: الاجتزاء بها عنها، فيقرأ السورة. ولو كان في أثناء الحمد، فالوجه: الابتداء بها، مع احتمال القراءة من موضع المفارقة، والبطلان. وكذا لو كان في أثناء السورة. ب: لو كان يصلي مع جماعة فحضرت طائفة أخرى يصلون جماعة، فأخرج نفسه عن متابعة إمامه ووصل صلاته بصلاة الإمام الآخر، فالوجه: الجواز، لما تقدم. والخلاف فيه كما سبق. ج: لو أراد أن يصل صلاته بصلاة الجماعة، وجب نية الاقتداء. ولو

(1) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 246، الوجيز 1: 58، فتح العزيز 4: 404، مغني المحتاج 1: 259، المغني 2: 63، الانصاف 2: 31.
(2) الشرح الصغير 1: 161، المجموع 4: 247، حلية العلماء 2: 167.
(3) صحيح مسلم 1: 309 - 310 / 414، سنن البيهقي 3: 79، مسند أحمد 2: 314.

[ 272 ]

أحدث الإمام فاستخلف غيره، لم يحتج المأموم إلى نية الاقتداء بالخليفة، لوجود نية الاقتداء في الابتداء، والخليفة نائبه، فيمضي على نظم صلاته، ويكتفي بالنية السابقة على إشكال. الشرط السابع: توافق نظم الصلاتين في الأركان والأفعال، فلا تصح مع الاختلاف، كاليومية مع صلاة الجنازة أو الخسوف أو العيد - وبه قال أحمد والشافعي في أحد القولين (1) - للنهي عن المخالفة، ولا تجوز المتابعة، لخروج صلاة المأموم عن هيئتها. والثاني للشافعي: الجواز، لأن القصد اكتساب فضيلة الجماعة (2). ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله، ذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلى) (3). وعلى قوله: يراعي كل واحد واجبات صلاته، فإذا اقتدى في الفريضة بصلاة الجنازة، لا يتابعه في الأذكار بين التكبيرات ولا فيها، بل إذا كبر الإمام الثانية، أخرج نفسه عن المتابعة، أو انتظر سلامه. وإذا اقتدى بمن يصلي الخسوف، تابعة في الركوع الأول، ثم إن شاء رفع رأسه وفارقه وإن شاء انتظره في الركوع إلى أن يعود الإمام إليه (4). والوجه: المنع من ذلك كله. مسألة 558: لا يشترط اتحاد الصلاتين نوعا ولا صنفا، فللمفترض أن يصلي خلف المتنفل وبالعكس، ومن يصلي الظهر خلف من يصلي البواقي وبالعكس، سواء اختلف العدد أو اتفق، عند علمائنا - وبه قال عطاء وطاوس

(1) المغني 2: 54، الشرح الكبير 2: 61، المجموع 4: 270، فتح العزيز 4: 370، حلية العلماء 2: 176.
(2) المجموع 4: 270 - 271، فتح العزيز 4: 370، حلية العلماء 2، 177.
(3) صحيح البخاري 1: 162 - 163، سنن الدارمي 1: 286، مسند أحمد 5: 53، سنن الدار قطني 1: 346 / 10، سنن البيهقي 2: 345.
(4) المجموع 4: 270، فتح العزيز 4: 370 - 371.

[ 273 ]

والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين، واختاره ابن المنذر والحميدي (1) - لأن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وآله، العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، هي له تطوع ولهم مكتوبة (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " أجزأت عنه وأجزأت عنهم " في رجل أم قوما فصلى العصر وهي لهم ظهر (3). وكتب محمد بن إسماعيل بن بزيع إلى الرضا عليه السلام: إني أحضر المساجد مع جيرتي فيأمروني بهم وقد صليت قبل أن آتيهم، وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل، وأكره أن أتقدم وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت لك، فأمرني في ذلك بأمرك إنتهى إليه، وأعمل به إن شاء الله، فكتب: " صل بهم " (4). ولأنهما صلاتان متفقتان في الأفعال الظاهرة تصحان جماعة وفرادى، فجاز أن يكون الإمام في إحداهما، والمأموم في الأخرى، كالمتنفل خلف المفترض. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى: لا يصلي مفترض خلف متنفل، ولا مفترض في غير فرض الإمام، ويصلي المتنفل خلف المفترض - وبه قال الزهري وربيعة - لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) (5). وأن صلاة المأمومين لا تتأدى بنية الإمام، فأشبه الجمعة خلف من يصلي

(1) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 269 - 271، الوجيز 1: 57، فتح العزيز 4: 372، المغني 2: 53، الشرح الكبير 2: 59 - 60، حلية العلماء 2: 176.
(2) صحيح مسلم 1: 339 / 178 و 340 / 180 / 181، سنن أبي داود 1: 163 / 599 و 600 و 210. 790.
(3) التهذيب 3: 49 / 172، الاستبصار 1: 439 / 1691.
(4) الكافي 3: 380 / 5، التهذيب 3: 50 / 174.
(5) صحيح مسلم 1: 309 - 310 / 414، سنن البيهقي 3: 79، مسند أحمد 2: 414.

[ 274 ]

الظهر (1). والمراد بالخبر: الأفعال الظاهرة، ويدل عليه قوله: (فإذا كبر فكبروا) (2) إلى آخره. والقياس منقوض بمن يصلي ركعتي الفجر خلف المفترض. والجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر، لأن الإمام شرط في صحتها، بخلاف سائر الجماعات إن منعنا في الجمعة. على أن الفرق أن الجمعة من حضرها وجبت عليه، فلا تجزئه الظهر مع وجوب الجمعة. وينتقض بمن صلى خلف الإمام وقد رفع رأسه من الركعة الأخيرة، فإنه ينوي الظهر ويأتم به، لا الجمعة. فروع: أ: هل يصح أن يصلي خلف المتنفل بها، كالمعذور إذا قدم ظهره، أو خلف مفترض بغيرها، مثل أن يصلي صبحا قضاء، أو ركعتين منذورة؟ الأقرب: المنع. ب: الأقرب عندي: منع اقتداء المفترض بالمتنفل، إلا في صورة النص، وهو: ما إذا قدم فرضه. ج: هل يصح أن يصلي المتنفل خلف مثله؟ الوجه: المنع، إلا في مواضع الاستثناء، كالعيدين المندوبين والاستسقاء. د: لو كانت صلاة المأموم ناقصة العدد، تخير مع فراغها بين التسليم

(1) اللباب 1: 82، الهداية للمرغيناني 1: 58، شرح العناية 1: 323، الشرح الصغير 1: 154 و 162، الكافي في فقه أهل المدينة: 47، القوانين الفقهية: 70، المغني 2: 52 - 53، الشرح الكبير 2: 59 - 60، المحرر في الفقه 1: 101، الانصاف 2: 276، المجموع 4: 271، فتح العزيز 4: 365، حلية العلماء 2: 176.
(2) راجع: المصادر في الهامش (5) من ص 273.

[ 275 ]

وينوي مفارقة الإمام، وبين الصبر إلى أن يفرغ الإمام فيسلم معه، ولا يجوز له المتابعة في أفعاله، لئلا يزيد في عدد صلاته. ولو انعكس الحال، صلى مع الإمام، وتخير عند قعود الإمام للتشهد بين المفارقة، فيتم قبل سلامه، وبين الصبر إلى أن يسلم الإمام، فيقوم ويأتي بما بقي عليه. ه‍: لو قام الإمام إلى الخامسة سهوا، لم يكن للمسبوق الائتمام فيها. و: يستحب للمنفرد إعادة صلاته مع الجماعة إماما، أو مأموما. وهل يجوز فيهما معا؟ الأقرب: ذلك في صورة واحدة، وهي: ما إذا صلى إمام متنفل بصلاته بقوم مفترضين، وجاء من صلى فرضه، فدخل معهم متنفلا، أما لو خلت الصلاة عن مفترض، فإشكال. مسألة 559: استحباب إعادة الصلاة للمنفرد عام في جميع الصلوات اليومية في أي وقت اتفق، عند علمائنا، لقوله عليه السلام لبعض أصحابه: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، في الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة، أيجوز أن يعيد الصلوة معهم؟ قال: " نعم وهو أفضل " قلت: فإن لم يفعل؟ " قال " ليس به باس " (2). وقال الشافعي: يشترط أن تقام وهو في المسجد، ويدخل وهم يصلون. وقال: يعيد إن صلى وحده إلا المغرب (3). وهو تقييد لا وجه له. وقال أبو حنيفة: لا تعاد الفجر ولا العصر، لأنها نافلة، فلا تفعل في

(1) سنن النسائي 2: 112، سنن الدار قطني 1: 415 / 1.
(2) التهذيب 3650 / 175.
(3) المجموع 4: 223، فتح العزيز 4: 300، حلية العلماء 2: 160، الميزان للشعراني 1: 174.

[ 276 ]

وقت النهي، ولا تعاد المغرب، لأن التطوع لا يكون بوتر (1). والنهي عام، وما ذكرناه خاص، فتقدم، ولأنها ذات سبب هو الاجتماع، والتنفل بالوتر ثبت في الوتر. تتمة: الأذان والإقامة ليسا شرطا في الجماعة، خلافا للشيخين (2)، وقد سلف (3). المطلب الثالث: في صفات الإمام مسألة 560: العقل شرط في الإمام بإجماع العلماء، فلا تصح الصلاة خلف المجنون المطبق، ولا من يعتوره حال جنونه، لأن صلاته لنفسه باطلة. ولو كان الجنون يعتوره أدوارا، صحت الصلاة خلفه حال إفاقته، لحصول الشرائط فيه، لكن يكره، لامكان أن يكون قد احتلم حال جنونه ولا يعلم، ولئلا يعرض الجنون في الأثناء. وكذا لا تصح إمامة الصبي غير المميز إجماعا، لعدم تفطنه بما ينبغي فعله. مسألة 561: وهل يشترط البلوغ؟ لعلمائنا قولان، أحدهما: أنه شرط (4)، فلا تصح إمامة الصبي وإن كان مميزا مراهقا في الفريضة - وبه قال ابن مسعود وابن عباس وعطا ومجاهد والشعبي ومالك والثوري والأوزاعي

(1) الهداية للمرغيناني 1: 58، الكفاية 1: 414، الجامع الصغير للشيباني: 90، الهداية في شرح البداية للانصاري: 135، المجموع 4: 225، فتح العزيز 4: 298.
(2) المقنعة: 15، المبسوط للطوسي 1: 95 و 152.
(3) تقدم في ج 3 ص 75، المسألة 181.
(4) هذا قول الشيخ الطوسي في النهاية: 113، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 80.

[ 277 ]

وأبو حنيفة وأحمد (1) - لقول علي عليه السلام: " لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم، ولا يؤم حتى يحتلم، فإن أم، جازت صلاته، وفسدت صلاة من خلفه " (2). ولأن الامامة من المناصب الجليلة وهي حالة كمال، والصبي ليس من أهل الكمال، فلا يؤم الرجال كالمرأة. ولأنها فريضة، فلا يكون الصبي إماما فيها، كالجمعة. ولأنه عارف بعدم المؤاخذة له، فلا يؤمن أن يترك شرطا. والثاني لعلمائنا: عدم الاشتراط (3)، فتصح إمامة المميز المراهق - وبه قال الشافعي وإسحاق والحسن البصري وابن المنذر (4) - لأن عمرو بن أبي سلمة قال: كنت غلاما حافظا قد حفظت قرآنا كثيرا، فانطلق أبي وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، في نفر من قومه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله) فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان (5). ومن طريق الخاصة: قول علي عليه السلام: " لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم " (6).

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 46 و 47، الشرح الصغير 1: 157، القوانين الفقهية: 68 اللباب 1: 80، المغني 2: 55، الشرح الكبير 2: 54، زاد المستقنع: 17، المجموع 4: 249 - 250، فتح العزيز 4: 327.
(2) الفقيه 1: 258 / 1169، التهذيب 3: 29 / 103.
(3) هذا قول السيد المرتضى في المصباح كما في المعتبر: 243، والقول الثاني للشيخ الطوسي في المبسوط 1: 154، والخلاف 1: 553، المسألة 295.
(4) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 248 و 249، الوجيز 1: 55 - 56، فتح العزيز 4: 327، حلية العلماء 2: 168، مغني المحتاج 1: 240، المغني 2: 55، الشرح الكبير 2: 54.
(5) سنن أبي داود 1: 159 / 585، سنن النسائي 2: 80، سنن البيهقي 3: 91.
(6) التهذيب 3: 29 / 104، الاستبصار 1: 424 / 1633.

[ 278 ]

ولأن من جاز أن يكون إماما في النقل جاز أن يكون إماما في الفرض. والنبي صلى الله عليه وآله لم يوجه الخطاب إلى عمرو، بل إلى المكلفين. وتقديمهم ليس بحجة. وفي طريق الرواية الثانية ضعف. والفرق بين الفرض والنفل ظاهر، فإن النفل مبني على التخفيف. على أنا نمنع الحكم في الأصل. وهل يصح أن يكون إماما في النفل؟ إن قلنا: إن فعله شرعي، صح، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري (1)، وإلا فلا، وبه قال ابن عباس (2) وعن أحمد روايتان (3). وأما الجمعة، فالوجه: أنه لا يصح أن يكون إماما فيها، وللشافعي قولان (4). مسألة 562: الاسلام شرط في الإمام بإجماع العلماء، فلا تصح الصلاة خلف الكافر وإن كان عدلا في دينه بالاجماع. ولقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } (5). ولأن الأئمة ضمناء والكافر ليس أهلا لضمان الصلاة. ولا تصح خلف من يشك في إسلامه، لأن الشك في الشرط شك في المشروط. وقال أحمد: تصح صلاته، لأن الظاهر أنه لا يتقدم للامامة إلا

(1) بدائع الصنائع 1: 157، اللباب 1: 80، الشرح الصغير 1: 157، الكافي في فقه أهل المدينة: 47، المجموع 4: 249 و 250، حلية العلماء 2: 168.
(2) المجموع 4: 250، حلية العلماء 2: 168.
(3) المغني 2: 57، الشرح الكبير 2: 55، الانصاف 2: 266 - 267، المجموع 4: 249 - 250.
(4) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 248، فتح العزيز 4: 542، حلية العلماء 2: 168، مغني المحتاج 1: 284.
(5) هود: 113.

[ 279 ]

مسلم (1). وليس بمعتمد. مسألة 563: الايمان شرط في الإمام، فلا تصح الصلاة خلف أهل البدع والأهواء ومن خالف الحق، سواء أظهر البدعة أو لا - وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال مالك (2) - لقول جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، على منبر يقول: (لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان، أو يخاف سوطه أو سيفه) (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر والصادق عليهما السلام: " عدو الله فاسق لا ينبغي لنا أن نقتدي به " (4). وكتب البرقي إلى أبي جعفر عليه السلام: أ تجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك وجدك صلوات الله عليهما؟ فأجاب: " لا تصل وراءه " (5). وسأل إسماعيل الجعفي، الباقر عليه السلام: رجل يحب أمير المؤمنين عليه السلام، لا يبرأ من عدوه، فقال، " هذا مخلط فهو عدو، ولا تصل خلفه إلا أن تتقيه " (6). ولأنه ظالم، فيدخل تحت قوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } (7). وقال الشافعي وأبو حنيفة والحسن: إنه مكروه ليس بمحرم، لقوله عليه

(1) المغني 2: 35، الشرح الكبير 2: 34.
(2) المغني 2: 22 و 23، الشرح الكبير 2: 25، المدونة الكبرى 1: 84، الشرح الصغير 1: 157. (3) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081، سنن البيهقي 3: 171.
(4) المعتبر: 242.
(5) الفقيه 1: 248 / 1113، التهذيب 3: 28 / 98.
(6) الفقيه 1: 249 / 1118، التهذيب 3: 28 / 97.
(7) هود: 113.

[ 280 ]

السلام: (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله) (1). ولأن صلاته صحيحة، فصحت إمامته، كالعدل (2). والخاص مقدم، والقياس باطل، لقيام الفرق بين العدل المقبول إخباره والفاسق المردود قوله. قالت الشافعية: المختلفون في المذاهب ثلاثة أقسام: قسم لا نكفرهم ولا نفسقهم، وهم، المختلفون في الفروع كالحنفية والمالكية، ولا يكره الائتمام بهم. وقسم نكفرهم، وهم: المعتزلة، فلا يجوز الائتمام بهم. وقسم نفسقهم ولا نكفرهم، وهم: الذين يسبون السلف، والخطابية، وحكم هولاء حكم من يفسق بالزنا وشرب الخمر وغيرهما، ويكره الائتمام بهم (3). إذا عرفت هذا، فلا فرق بين أن يكون إماما لمحق أو لمخالف مثله، ولا بين أن يستند في مذهبه إلى شبهة أو تقليد. مسألة 564: العدالة شرط في الإمام، فلا تصح خلف الفاسق وإن كان معتقدا اللحق، عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك - (4) لقوله عليه السلام: (لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا) (5). وقوله عليه السلام، لأبي ذر: (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟) قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها،

(1) الأم 1: 166، المجموع 4: 253، فتح العزيز 4: 331، مغني المحتاج 1: 242، بدائع الصنائع 1: 157، عمدة القاري 5: 232، وانظر: المغني 2: 23، والشرح الكبير 2: 25.
(2) سنن الدار قطني 2: 56 / 3.
(3) حكاه عنهم الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 549، المسألة 290.
(4) المجموع 4: 253، حلية العلماء 2: 170، الميزان للشعراني 1: 177، بدائع الصنائع 1: 156.
(5) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081، سنن البيهقي 3: 171.

[ 281 ]

فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا تصل خلف الغالي وإن كان يقول بقولك، والمجهول والمجاهر بالفسق وإن كان مقتصدا " (2). وعن الباقر عليه السلام " لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته " (3). وسأل إسماعيل، الرضا عليه السلام: رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال: لا " (4). وحكى المرتضى عن أبي عبد الله البصري أنه موافق لنا، ويحتج على ذلك: بإجماع أهل البيت عليهم السلام، وكان يقول إن إجماعهم حجة (5). وقال الشافعي وأبو حنيفة: تجوز على كراهة (6) - وعن أحمد روايتان (7) - لقوله عليه السلام: (لا تكفروا أحدا من أهل ملتكم بالكبائر، الصلاة خلف كل إمام، والجهاد مع كل أمير، والصلاة على كل ميت) (8). ولأن الحسن والحسين عليهما السلام، صليا خلف مروان (9). وصلى ابن

(1) صحيح مسلم 1: 448 / 648، سنن البيهقي 3: 128.
(2) الفقيه 1: 248 / 1111، الخصال: 154 / 193، والتهذيب 3: 31 / 109 و 282 / 837.
(3) الكافي 3: 374 / 5، التهذيب 3: 266 / 755.
(4) الفقيه 1: 249 / 1116، التهذيب 3: 31 / 110 و 277 / 808.
(5) نقله الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 560 المسألة 310.
(6) الأم 1: 166، المجموع 4: 253، فتح العزيز 4: 331، حلية العلماء 2: 170، الميزان للشعراني 1: 176 - 177، مغني المحتاج 1: 242، المبسوط للسرخسي 1: 40، بدائع الصنائع 1: 156.
(7) المغني 2: 24 - 25، الشرح الكبير 2: 26، المحرر في الفقه 1: 104، الميزان للشعراني 1: 176 - 177، حلية العلماء 2: 170.
(8) سنن الدار قطني 2، 57 / 8.
(9) سنن البيهقي 3: 122.

[ 282 ]

عمر مع الحجاج (1). وأخبارنا أخص فتقدم، مع أن حديثهم متروك الظاهر، فإن أمير البغاة أمير ولا يجاهد معه، والميت منهم لا يصلي عليه، والصلاة خلف المعتزلة ينكرها أصحاب الشافعي (2)، وتجوز للتقية، كما فعل الامامان عليهما السلام، مع مروان. فروع: أ: لو كان فسقه خفيا وهو عدل في الظاهر، فالوجه أنه لا يجوز لمن علم فسقه الائتمام به، لأنه ظالم عنده، مندرج تحت قوله: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } (3). ب: لا فرق بين الفرائض اليومية وغيرها من الجمع والأعياد عند علمائنا في اشتراط العدالة. وقال أحمد: لا تشترط العدالة، بل يصلي خلفهم، لأن الله تعالى أوجب الجمعة وهو يعلم أن بني العباس سيلونها (4). والوجوب منوط بالامام العادل. وهل تعاد عنده لو صلاها خلف الفاسق؟ روايتان (5). ولو كان المباشر لها عدلا والمولي له غير مرضي الحال لبدعته أو فسقه، صحت الجمعة، ولا تعاد قولا واحدا. ج: المخالف في الفروع الاجتهادية باجتهاد يصح أن يكون إماما.

(1) سنن البيهقي 3: 121.
(2) المجموع 4: 254.
(3) هود: 113. (4 و 5) المغني والشرح الكبير 2: 27.

[ 283 ]

ولو علم أنه يترك واجبا أو شرطا يعتقده المأموم دون الإمام، فالأقوى عندي: عدم جواز الاقتداء به، لأنه يرتكب ما يعتقده المأموم مفسدا للصلوة، فلم يصح ائتمامه، كما لو خالفه في القبلة حالة الاجتهاد فيها. فلا يصح لمن يعتقد وجوب السورة بعد الحمد الصلاة خلف من لا يعتقد وجوبها وإن قرأها، لأنه يوقعها على وجه الندب، فلا تجزئ عن الواجب. وكذا لا يصح أن يصلي من يعتقد تحريم لبس السنجاب مثلا خلف من يعتقد تسويغه مع لبسه لا مطلقا. د: لو فعل الإمام شيئا يعتقد تحريمه من المختلف فيه، فإن كان ترك ما يعتقده شرطا للصلاة أو واجبا فيها، فصلاته فاسدة، لأنه مأمور بالعمل باجتهاده. وصلاة من يأتم به كذلك وإن اعتقد تسويغ الترك، لأنه صلى خلف من يعتقد بطلان صلاته، ومن شرط الاقتداء إسقاط صلاة الإمام القضاء. وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة، كنكاح بنته المخلوقة من الزنا، فإن داوم عليه فهو فاسق لا تجوز الصلاة خلفه، وإلا فلا. وإن كان الفاعل عاميا وقلد من يعتقد جوازه، فلم يكن عليه شئ، لأن فرضه التقليد. وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في الصلاة كالقران بين السورتين، بطلت صلاته وصلاة المأموم أيضا وإن اعتقد تسويغه، لما تقدم. مسألة 565: طهارة المولد شرط في الإمام، فلا تصح إمامة ولد الزنا عند علمائنا، لقوله عليه السلام: (ولد الزنا شر الثلاثة) (1) وإذا كان شره أعظم من شر أبويه، ولا تصح إمامتهما، فكذا هو. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " لا تقبل شهادة ولد الزنا

(1) سنن أبي داود 4: 29 / 3963، مسند أحمد 2: 311، المستدرك للحاكم 4: 100.

[ 284 ]

ولا يؤم الناس " (1). ولأنه غير مقبول الشهادة، فلا يصلح للامامة، لأنها تتضمن معنى الشهادة بأداء ما وجب عليه من الأفعال. وكرهه الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك (2). وسوغه الثوري وأحمد وإسحاق من غير كراهة (3)، لقول عائشة: ما عليه من وزر أبويه شئ (4). ولا دلالة فيه. أما من لا يعرف أبوه، ولا علم كونه ولد زنا، فالوجه، صحة إمامته، لظهور العدالة وعدم علم المنافي. نعم إنه مكروه - وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك (5) - لأن رجلا كان يؤم الناس بالعقيق لا يعرف أبوه، فنهاه عمر بن عبد العزيز (6)، ولم ينكر عليه أحد. ولأن الامامة موضع فضيلة، فلا ينبغي أن يتقدم من لا يعرف أبوه لنقصانه. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: لا يكره، واختاره ابن المنذر، ورواه عن

(1) الكافي 3: 396 / 8، التهذيب 6: 244 / 614.
(2) المجموع 4: 288، بدائع الصنائع 1: 157، الشرح الصغير 1: 158، المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59.
(3) المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، زاد المستقنع: 17، كشاف القناع 1: 484، المجموع 4: 290.
(4) مصنف ابن أبي شيبة 2: 216، والمستدرك للحاكم 4: 100 وفيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله. وانظر: المغني 2: 60، والشرح الكبير 2: 59.
(5) الأم 1: 166، المجموع 4: 288، حلية العلماء 2: 179، الشرح الصغير 1: 158، الميزان للشعراني 1: 176.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 2: 216 - 217.

[ 285 ]

مالك (1)، لأن عائشة قالت: ما عليه من وزر أبو يه شئ (2). ونحن نقول بموجبه، إذ ليس عليه إثم الزنا، لكن الأبوان شران باعتبار فعل الزنا وهو عارض لهما، وهو شر باعتبار تولده عنه. وكذا تصح إمامة ولد الشبهة. مسألة 566: يشترط في إمام الرجال والخناثى: الذكورة، فلات صح إمامة المرأة ولا الخنثى المشكل للرجل ولا للخنثى عند علمائنا أجمع - وبه قال عامة الفقهاء (3) - لقوله عليه السلام في خطبته: (ألا لا تؤمن امرأة رجلا) (4). وقال عليه السلام: (أخروهن من حيث أخرهن الله) (5). ولأن المرأة لا تؤذن للرجال، فلا تكون إمامة لهم كالكافر. ولأنهن مأمورات بالستر، والامام بالاشتهار، وهم ضدان. وقال أبو ثور والمزني ومحمد بن جرير الطبري: تجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها، وتقف خلف الرجال (6)، لأن النبي عليه السلام، كان يزور أم ورقة بنت نوفل في بيتها، فجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها (7). وهذا عام في الرجال والنساء. والدارقطني روى أنه أمرها أن تؤم بنساء أهل دارها (8). ولأنه محمول عليه، إذ لا يمكن جريانه على عمومه في الفرائض، فكذا في النوافل،

(1) الميزان للشعراني 1: 176، حلية العلماء 2: 179.
(2) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الهامش (4) من الصفحة 284.
(3) المغني 2: 34، الشرح الكبير 2: 52.
(4) سنن ابن ماجة 1: 343 / 1081، سنن البيهقي 3: 171.
(5) مصنف عبد الرزاق 2: 149 / 5115، كشف الخفاء 1: 69 / 156، تمييز الطيب من الخبيث: 16 / 46، التذكرة في الأحاديث المشتهرة: 62 وفيها عن ابن مسعود.
(6) حلية العلماء 2: 170، المجموع 4: 255، وانظر: المغني 2: 34، والشرح الكبير 2: 52.
(7) سنن أبي داود 1: 161 - 162 / 592، سنن البيهقي 3: 130.
(8) سنن الدار قطني 1: 279 / 2.

[ 286 ]

فتختص بالنساء. فروع: أ: يصلي الرجال بالنساء ذوات محارمه، وإن كن أجنبيات ولا رجل معهن، فكذلك. وكرهه الشافعي (1)، لأنه عليه السلام، نهى عن أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية (2). ب: لا يجوز أن يكون الخنثى المشكل إماما للرجل، لجواز أن تكون امرأة، ولا يؤم خنثى مثله، ولا أن يأتم بامرأة. ج: لو صلى رجل أو خنثى خلف خنثى، فبان الإمام رجلا، لم تجزئه صلاته، لأنه دخل دخولا منهيا عنه، والنهي يقتضي الفساد، وكان حالة الدخول شاكا في صلاته. وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر: لا تجب، لأنه ظهر أنه ممن تجوز الصلاة خلفه (3). د: إذا وقف للصلاة، جاز للرجال والنساء الاقتداء به، سواء نوى استتباع الرجال والنساء، أو استتباع الرجال خاصة، أو استتباع النساء خاصة، أو لم ينو استتباع أحد - وبه قال الشافعي (4) - لأن كل طائفة تصح صلاتها خلف الإمام إذا نوى استتباعها جاز وإن لم ينوها، قياسا على الرجال. وقال أبو حنيفة: إن نوى استتباع الفرقتين، جازت صلاتهما معا خلفه. وكذا إن نوى استتباع النساء خاصة. وإن نوى استتباع الرجال خاصة، لم يجز للنساء الصلاة خلفه (5).

(1) المهذب للشيرازي 1: 105.
(2) المستدرك للحاكم 1: 114، ومجمع الزوائد 5: 225 نقلا عن الطبراني في الأوسط.
(3) المجموع 4: 255، فتح العزيز 4: 324، وقوله: لا تجب. أي: لا تجب إعادة الصلاة.
(4) المجموع 4: 202 - 203، الوجيز 1: 57، فتح العزيز 4: 366، كفاية الأخيار 1: 81. (5) المبسوط للسرخسي 1: 185، بدائع الصنائع 1: 128، فتح العزيز 4: 366، حلية العلماء 2: 181.

[ 287 ]

مسألة 567: لا يؤم القاعد القيام عند علمائنا أجمع، فلو أم قاعد قائما، بطلت صلاة المأموم - وهو قول محمد بن الحسن ومالك في إحدى الروايتين (1) - لقوله عليه السلام: (لا يؤمن أحد بعدي جالسا) (2). ومن طريق الخاصة: قول أمير المؤمنين عليه السلام: " لا يؤم المقيد المطلقين ولا صاحب الفالج الاصحاء " (3). ولأن القيام ركن، فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه، كسائر الأركان. وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور ومالك في الرواية الأخرى: يصلون خلفه قياما وهو قاعد، لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى في مرض موته جالسا وأصحابه قياما (4) (5). ولا يجوز حمل غير النبي صلى الله عليه وآله، عليه، لشرفه وعظم منزلته. ولأنه أراد منع إمامة غيره في تلك الصلاة. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر: يصلون خلفه جلوسا، لأن أبا هريرة روى عنه عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 48، المدونة الكبرى 1: 81، المنتقي للباجي 1: 238، الشرح الصغير 1: 156، المبسوط للسرخسي 1: 213 - 214، الهداية للمرغيناني 1: 58، اللباب 1: 82، المغني 2: 48، الشرح الكبير 2: 45، حلية العلماء 2: 173، عمدة القاري 5: 191.
(2) سنن الدار قطني 1: 398 / 6، سنن البيهقي 3: 80، والفقيه 1: 249 / 1119.
(3) الكافي 3: 375 / 2، التهذيب 3: 27 / 94.
(4) صحيح البخاري 2: 59، صحيح مسلم 1: 314 / 95، سنن البيهقي 2: 304.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 213، اللباب 1: 83، الهداية للمرغيناني 1: 58، شرح فتح القدير 1: 320، عمدة القاري 5: 190 - 191، المجموع 4: 265، فتح العزيز 4: 320، حلية العلماء 2: 173، الكافي في فقه أهل المدينة: 48، بداية المجتهد 1: 152، المنتقى للباجي 1: 238، المغني 2: 49، الشرح الكبير 2: 46.

[ 288 ]

عليه... وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون) (1) (2). ولو سلم، حمل على عموم العذر. فروع: أ: إذا كان للامام الراتب مريضا لا يقدر على القيام، لم يجز أن يؤم بالقيام، لكن يستحب أن يستخلف غيره إجماعا، ليخرج عن الخلاف. ب: لو صلوا خلف القاعد قياما، بطلت صلاتهم عندنا، وكذا إن صلوا جلوسا، لاخلالهم بالركن. وأبطل أحمد صلاتهم قياما خلفه في رواية (3). وهي من أغرب الأشياء. ج: شرط أحمد في إمامة القاعد للقادر على القيام أمرين: أن يكون القاعد إمام الحي، وأن يكون مرضه يرجى زواله (4). ولا وجه للشرطين، بل الحق البطلان في الجميع على ما تقدم. د: لو صلى قائما فاعتل فجلس، أتموا الصلاة قياما منفردين عنه، فإن استخلف أو استخلفوا صلوا جماعة، وإلا انفردوا، ولا يجوز لهم الائتمام به، خلافا للجمهور. وسوغ أحمد هنا قيامهم، لأن القيام هو الأصل، فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالشارع في صلاة المقيم يلزمه إتمامها (5). ه‍: لو استخلف بعض الأئمة في وقتنا ثم زال عذره فحضر، فهل يجوز

(1) صحيح البخاري 1: 184، صحيح مسلم 1: 309 / 414، مسند أحمد 2: 314، سنن أبي داود: 164 / 603، سنن ابن ماجة: 276 / 846، سنن البيهقي 2: 97 و 156.
(2) المغني 2: 48، الشرح الكبير 2: 45، زاد المستقنع: 17، الانصاف 2: 261، المجموع 4: 265، فتح العزيز 4: 320، حلية العلماء 2: 173، بداية المجتهد 1: 152.
(3) المغني والشرح الكبير 2: 50، الانصاف 2: 261.
(4) المغني 2: 50، الشرح الكبير 2: 44، زاد المستقنع: 17، الانصاف 2: 260.
(5) المغني والشرح الكبير 2: 51، زاد المستقنع: 17، الانصاف 2: 262.

[ 289 ]

أن يفعل كفعل النبي عليه السلام مع أبي بكر (1) إن صلى قاعدا؟ لم يجز عندنا وقد سبق. وعن أحمد روايتان، المنع، لاختصاصه عليه السلام به، لأنه مخالف للقياس، فإن انتقال الإمام مأموما وانتقال المأمومين من إمام إلى آخر إنما يجوز مع العذر. والجواز (2) و: يجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله إجماعا، ولا يشترط كونه إماما راتبا، ولا ممن يرجى زوال عذره (3) إجماعا. ز: لا يجوز أن يكون المومئ إماما للقائم والقاعد - وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي (4) - لأنه أخل بركن لا يسقط في النافلة، فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارئ بالأمي. ولأنه يصلي بغير ركوع وسجود، فلا يجوز أن يكون إماما لمن يصلي بركوع وسجود، كما لو صلى صلاة الجنازة. وقال الشافعي: يجوز، لأنه فعل أباحه المرض، فلم يغير حكم الائتمام، كالقاعد إذا أم القائم (5). ح: لا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة القادر عليه كالمضطجع، ومن

(1) أنظر: صحيح البخاري 1: 176، صحيح مسلم 1: 312 / 418، سنن البيهقي 2: 304.
(2) المغني والشرح الكبير 2: 51.
(3) هذا هو الصحيح. وفي نسختي " ش وم ": ولا ممن يرجى زوال برئه.
(4) الشرح الصغير 1: 156، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 42، المبسوط للسرخسي 1: 215، اللباب 1: 82، حلية العلماء 2: 174.
(5) المجموع 4: 264، حلية العلماء 2: 173، مغني المحتاج 1: 240، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 42.

[ 290 ]

لا يتمكن من ركوع أو سجود، وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي (1)، خلافا للشافعي (2)، والتقريب ما تقدم (3). ط: لا يجوز أن يؤم المقيد المطلقين، لعجزه عن القيام، ولا صاحب الفالج الاصحاء كذلك، للحديث (4)، ويجوز أن يؤم الاعرج. ى: تجوز إمامة أقطع اليدين أو الرجل أو الثلاثة - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - للعموم. وفي الأخرى: لا تصح، لأنه يخل بالسجود على بعض أعضاء السجود، فأشبه العاجز عن السجود (5). والفرق ظاهر. ولا تجوز إمامة أقطع الرجلين، وتجوز إمامة الخصي والجندي. مسألة 568: لا يجوز أن يأتم القارئ بالأمي في الجهرية والاخفاتية عند علمائنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله (6). ونعني بالأمي من لا يحسن قراءة الفاتحة أو أن لا يحسن القراءة. وقال الشافعي: الأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها ولو كلمة واحدة (7). وقالت الحنفية: الأمي من لا يحسن من القرآن ما يصلي به (8)، لأن

(1) بلغة السالك 1: 156، الشرح الصغير 1: 156، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 42، المبسوط للسرخسي 1: 215.
(2) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 264، مغني المحتاج 1: 240، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 42.
(3) تقدم في الفرع السابق.
(4) الكافي 3: 375 / 2، التهذيب 3: 27 / 94، وتقدم الحديث في صدر المسألة.
(5) المغني والشرح الكبير 2: 31 - 32.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 58، القوانين الفقهية: 69، الأم 1: 167، المجموع 4: 267، فتح العزيز 4: 318، حلية العلماء 2: 174، المغني 2: 32: الشرح الكبير 2: 57.
(7) المجموع 4: 267، فتح العزيز 4: 318.
(8) اللباب 1: 82.

[ 291 ]

القراءة واجبة مع القدرة، ومع الائتمام بالأمي تخلو الصلاة عن القراءة، وقال عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (1). ولأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم ومع عجزه لا يتحقق التحمل. وقال أبو ثور والمزني وابن المنذر والشافعي في القديم: يجوز مطلقا - وهو مروي عن عطاء وقتادة - لأن القراءة ركن في الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إماما للقادر كالقاعد يوم القائم (2). والأصل ممنوع، والفرق: أن القيام لا مدخل له في التحمل، بخلاف القراءة. وللشافعي قول ثالث: الجواز في صلاة الاخفات دون الجهر (3). والفرق: أن المأموم عنده لا تجب عليه القراءة في الجهرية وتجب في الاخفاتية (4). فروع: أ: لو صلى القارئ خلف الأمي، بطلت صلاة المأموم خاصة - وبه قال الشافعي في الجديد، وأبو يوسف ومحمد وأحمد (5) - لأنه أم من لا يجوز له أن يأتم به، فتبطل صلاة المؤتم خاصه، كالمرأة تؤم الرجل.

(1) سنن أبي داود 1: 216 / 820، سنن ابن ماجة 1: 273 / 837، سنن الدار قطني 1: 321 / 16، سنن البيهقي 2: 37 بتفاوت يسير في الجميع.
(2) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 267، مغني المحتاج 1: 239، حلية العلماء 2: 174، المغني 2: 32، الشرح الكبير 2: 57.
(3) المجموع 4: 267، حلية العلماء 2: 174، مغني المحتاج 1: 239، المغني 2: 32، الشرح الكبير 2: 57.
(4) المهذب للشيرازي 1: 79، المجموع 3: 364، فتح العزيز 3: 309.
(5) المجموع 4: 268، حلية العلماء 2: 174، الهداية للمرغيناني 1: 58، المبسوط للسرخسي 1: 181، المغني 2: 32، الشرح الكبير 2: 57.

[ 292 ]

وقال أبو حنيفة: تبطل صلاتهما معا (1). وعلل أبو حازم: بأنه أفسد صلوة الأمي، لأنه يمكنه أن يقتدي بالقارئ فيؤدي صلاته بقراءة (2). وهذا يدل على أنه لا يصلي وحده. ونحن نقول بموجبه إن كان القارئ مرضيا عنده. وعلل الكرخي: بأن الأمي لما أحرم معه، صح إحرامه معه، فلما دخل معه لزم القراءة عنه، فإذا عجز عنها، بطلت صلاته (3). وليس بجيد، لأن هذا الأمي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه، فكيف يجب أن يتحمل عن غيره؟! ب: يجوز أن يؤم الأمي مثله بشرط عجز الإمام عن التعلم أو ضيق الوقت، لاستوائهما في الأفعال. ج: الأمي يجب عليه الائتمام بالقارئ المرضي مع القدرة وعدم التعلم، وليس له أن يصلي منفردا، هذا هو الأقوى عندي، لأنه يتمكن من الصلاة بقراءة صحيحة، فيجب عليه. وقال الشافعي: لا يجب (4) لأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن، فقال: (قل: سبحان الله والحمد لله) (5) ولم يأمره بالائتمام بالقارئ. ونحن نقول بموجبه، إذ الواجب عليه حالة الانفراد ذلك، ودليل

(1) المبسوط للسرخسي 1: 181، الهداية للمرغيناني 1: 58، المجموع 4: 268، حلية العلماء 2: 175، المغني 2: 32، الشرح الكبير 2: 57. (2 و 3) حلية العلماء 2: 175.
(4) المهذب للشيرازي 1: 80، المجموع 3: 374 و 379، فتح العزيز 3: 335، مغني المحتاج 1: 159 - 160.
(5) سنن أبي داود 1: 220 / 832، سنن النسائي 2: 143.

[ 293 ]

الجماعة مستفاد مما قلناه. د: لو أم الأمي قارئا وأميا، أعاد القارئ خاصة. والأمي إن وجد قارئا مرضيا وإلا فلا. ولو أم قارئا واحدا، بطلت صلاة المؤتم على ما قلناه. وقال أحمد: تبطل صلاة الإمام أيضا، لأنه نوى الامامة وقد صار فذا (1). وليس بجيد، لأن نية الامامة لا تخرجه عن الاتيان بصلاة المنفرد. ولأنه ينتقض بما لو مات المأموم أو أبطل صلاته. ه‍: لو كان أحدهما يحسن الفاتحة، والآخر السورة، فالأقرب: ائتمام الآخر بمن يحسن الفاتحة، للإجماع على وجوبها وأولويتها لو عجز عنهما. ولو جوزنا انقلاب المأموم إماما لامامه، ائتم الثاني بالأول، فإذا قرأ الفاتحة، نوى الأول الائتمام بالثاني. ولو كان معهما ثالث لا يحسن شيئا، اقتدى بمن يعرف الفاتحة، فإن لم يكن مرضيا، اقتدى بمن يعرف السورة وجوبا على إشكال. ولو كان أحدهما يعرف بعض الفاتحة والآخر سورة كملا، احتمل تخير ائتمام أحدهما بالآخر، وأولوية إمامة من يحسن بعض الفاتحة. و: لو ائتم القارئ بالأمي ولم يعلم حاله في الاخفاتية، صحت صلاته، لأن الظاهر إنه لا يتقدم إلا وهو بشرائط الامامة. وكذا في الجهرية لو خفيت عليه القراءة. وهو يشكل باشتراط العدالة، وعلم المأموم بها. ز: لو أم الأخرس مثله، جاز، لتساويهما في الأفعال، فصار كالأمي بمثله.

(1) المغني 2: 33.

[ 294 ]

وقال أحمد: لا تجوز، لأنه ترك ركنا - وهي القراءة - لعذر مأيوس من زواله، فلا تصح، كالعاجز عن الركوع والسجود (1). ونمنع الحكم في الأصل إن تساويا، نعم لا يجوز أن يؤم بالصحيح. ح: تصح إمامة الاصم، لأنه لا يخل بشئ من واجبات الصلاة ولا شروطها. وقال بعض الجمهور: لا تجوز، لأنه لا يمكن تنبيهه إذا سها بتسبيح ولا إشارة (2). واحتمال العارض لا يمنع صحة الصلاة، كالمجنون حال إفاقته. ط: هل يجوز أن يؤم الأخرس الأمي؟ يحتمل الجواز، لأن التكبير لا يتحمله الإمام، وهما سواء في القراءة، والمنع، لأن الأمي قادر على النطق بالتكبير، بخلاف الأخرس. ي: لو كان كل منهما يحسن بعض الفاتحة، فإن اتحد، صح ائتمام أحدهما بالآخر، وإلا فلا، لأن كل واحد منهما أمي في حق صاحبه. مسألة 569: اللحن إن فعله القارئ عمدا، بطلت صلاته، سواء أحال المعنى، كمن يكسر كاف " إياك " أولا، كمن يفتح همزة " إياك " لأنه ليس بقرآن، فإن القرآن هو العربي، واللحن ليس بعربي، فحينئذ لا يصح أن يكون إماما للمتقن. وإن فعل ذلك سهوا، لم تبطل صلاته ولا صلاة من خلفه. وإن كان جاهلا، فإن أمكنه التعلم واتسع الزمان، لم تصح صلاته ولا صلاة من خلفه، وإن لم يتمكن أو ضاق الزمان، صح أن يكون إماما لمثله. وهل يصح أن يكون إماما للمتقن؟ الأقرب: المنع، لأنه يتمكن من الصلاة بقراءة صحيحة، فلا يجوز العدول إلى الفاسد. والجواز، لأنها صلاة

(1 و 2) المغني 2: 31، الشرح الكبير 2: 39.

[ 295 ]

صحيحة، فصح الائتمام فيها. والشيخ - رحمه الله - قال: تكره إمامة من يلحن في قراءته، سواء كان في الحمد أو غيرها، أحال المعنى أو لم يحل إذا لم يحسن إصلاح لسانه، فإن كان يحسن ويتعمد اللحن، فإنه تبطل صلاته وصلاة من خلفه إن علموا بذلك (1). وقال الشافعي: إن أمكنه الصواب، لم تصح صلاته ولا صلاة من خلفه، وإن لم يمكنه، صحت صلاته (2). وقال أحمد: تكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى، وتصح صلاته بمن لا يلحن، لأنه أتى بفرض القراءة (3). مسألة 570: لا يصح أن يؤم مؤوف (4) اللسان صحيحه، لأن الصحيح تلزمه القراءة، لتمكنه، ومع عجز الإمام لا يصح التحمل. ويصح أن يؤم مثله إذا تساويا في النطق، لأنهما تساويا في الأفعال، فصحت الامامة كالقارئين. والتحقيق: أنه إن تمكن من إصلاح لسانه، وجب، فإن أهمل، لم تصح صلاته مع سعة الوقت ولا صلاة من خلفه، وإلا فلا. فروع: أ: لو أبدل الاعجمي حرفا مع تمكنه من التعلم، لم يصح، كمن يبدل الحاء في " الحمد " بالخاء أو بالهاء، أو يبدل الميم في " المستقيم " بالنون، ولا تصح إمامته، وكذا العربي.

(1) المبسوط للطوسي 1: 153.
(2) المجموع 4: 268 - 269، فتح العزيز 4: 319.
(3) المغني 2: 33، الشرح الكبير 2: 58، زاد المستقنع: 17، الانصاف 2: 272. (4) المؤوف: الذي فيه آفة وهي: عاهة أو نقص. لسان العرب 9: 16، الصحاح 4: 1333 " أوف ".

[ 296 ]

ب: من لا يفصح ببعض الحروف، كالصاد والقاف، لا تصح إمامته، لأنه أمي بالنسبة إلى المفصح، ويجوز أن يؤم مثله. ج: لو أبدل الضاد من " المغضوب " و " الضالين " وغيرهما بالظاء، لم تصح صلاته مع إمكان التعلم. وقال بعض الشافعية: تجوز، لتقارب المخرج (1)، وليس بمعتمد. د: تكره إمامة التمتام، وهو: الذي يردد التاء ثم يأتي بها، والفأفاء، وهو: الذي يردد الفاء ثم يأتي بها، لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال، والزيادة لا تضرهما، لأنهما مغلوبان عليها، ولكن يكره تقديمهما، لمكان هذه الزيادة. د: لا يجوز أن يوم الأرت ولا الألثغ ولا الأليغ. ونعني بالأرت: الذي يبدل حرفا بحرف. والألثغ: الذي يعدل بحرف إلى حرف. وقال الفراء: اللثغة بطرف اللسان هو: الذي يجعل الراء على طرف لسانه لاما، ويجعل الصاد ثاء. والأرت: وهو الذي يجعل اللام تاء. وقال الأزهري: الأليغ: بالياء المنقطة تحتها نقطتين، هو: الذي لا يبين الكلام (2). وإنما لم تصح إمامة هؤلاء، لأن من لا يحسن حرفا أمي بالنسبة إلى عارفه. ولو كانت له لثغة خفيفة تمنع من تخليص الحرف ولكن لا يبدله بغيره، جاز أن يكون إماما للقارئ. مسألة 571: وفي إمامة الأجذم والأبرص الصحيح قولان لعلمائنا:

(1) فتح العزيز 3: 326.
(2) تهذيب اللغة 8: 199 " لغا ".

[ 297 ]

المنع، اختاره الشيخ والمرتضى، لعدم انقياد النفس إلى طاعتهما (1). وقول الصادق عليه السلام: " خمسة لا يؤمون الناس على كل حال المجذوم والأبرص والمجنون وولد الزنا والأعرابي " (2). وقال بعض علمائنا: بالجواز (3)، لأن عبد الله بن يزيد سأل الصادق عليه السلام، عن المجذوم والأبرص يؤمان المسلمين؟ قال: " نعم " قلت: هل يبتلي الله بهما المؤمن؟ قال: " نعم " وهل كتب الله البلاء إلا على المؤمن؟ " (4). وحمله الشيخ في التهذيب على الضرورة بأن لا يوجد غيرهما، أو أن يكونا إمامين لأمثالهم (5). مسألة 572: لا يؤم الأعرابي بالمهاجرين - وبه قال مالك وأبو مجلز (6) - لأنه لا يعرف محاسن الاسلام وتفاصيل أحكامه. ولقوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } (7). وكذا غيره من العوام إذا لم يعرف شرائط الصلاة على التفصيل. ولم يكرهه عطاء والثوري وإسحاق والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي،

(1) النهاية 112، المبسوط 1: 155، الخلاف 1: 561، المسألة 312، الجمل والعقود (الرسائل العشر): 191، جمل العلم والعمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 39، وحكاه عن مصباح السيد المرتضى، المحقق في المعتبر: 245. (2) الكافي 3: 375 / 1، التهذيب 3: 26 / 92، الاستبصار 1: 422 / 1626.
(3) قاله المحقق في المعتبر: 245.
(4) التهذيب 3: 27 / 93 الاستبصار 1: 422 / 1627.
(5) التهذيب 3: 27 ذيل الحديث 93.
(6) المدونة الكبرى 1: 84، المنتقى للباجي 1: 236، المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، والمجموع 4: 279.
(7) التوبة: 97.

[ 298 ]

لقوله عليه السلام: (يؤم القوم أقرؤهم) (1) (2). ولا نزاع فيه، لكن وجود هذا الوصف فيه بعيد. أما الأعرابي إذا كان قد وصل إليه ما يكفيه اعتماده في التكليف، وتدين به، ولم يكن ممن تلزمه المهاجرة وجوبا، جاز أن يكون إماما، لوجود الشرائط في حقه. مسألة 573: يجوز أن يكون الأعمى إماما لمثله وللبصراء بلا خلاف بين العلماء، لأن النبي صلى الله عليه وآله، استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وكان كان أعمى (3). قال الشعبي: غزا النبي صلى الله عليه وآله، ثلاث عشرة غزوة كل ذلك يقدم ابن أم مكتوم يصلي بالناس (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا بأس بأن يصلي الأعمى بالقوم وإن كانوا هم الذين يوجهونه " (5). وعن علي عليه السلام: " لا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة " (6). ولأن العمى فقد حاسة لا يختل به شئ من شرائط الصلاة فأشبه الأطروش.

(1) صحيح البخاري 1: 178، صحيح مسلم 1: 465 / 290 و 291، سنن أبي داود 1: 159 / 582، سنن النسائي 2: 76، سنن ابن ماجة 1: 314 / 980، سنن الترمذي 1: 459 / 235: سنن البيهقي 3: 125.
(2) المجموع 4: 279، المغني 2: 59 - 60، الشرح الكبير 2: 59، المبسوط للسرخسي 1: 40 بدائع الصنائع 1: 156.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 2: 213، سنن أبي داود 1: 162 / 595، سنن البيهقي 3: 88.
(4) المغني 2: 31.
(5) التهذيب 3: 30 / 105.
(6) الكافي 3: 375 / 2، التهذيب 3: 27 / 94، والمقنع: 35.

[ 299 ]

وهل البصير أولى؟ يحتمل ذلك، لأنه يتوقى النجاسات، والأعمى لا يتمكن من ذلك ويحتمل العكس، لأنه أخشع في صلاته من البصير، لأنه لا يشغله بصره عن الصلاة. وكلاهما للشافعية، ونص الشافعي على التساوي (1). وهو أولى، لأن النبي صلى الله عليه وآله، قدم الأعمى كما قدم البصير. مسألة 574: قال أصحابنا: الأغلف لا يصح أن يكون إماما. وأطلقوا القول في ذلك، لما رواه زيد عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام، قال: " الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم لأنه صنيع من السنة أعظمها، ولا تقبل له شهادة، ولا يصلى عليه إلا أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه " (2). والوجه: التفصيل، وهو: أنه إن كان متمكنا من الاختتان وأهمل، فهو فاسق لا يصلح للامامة، وإلا فليس بفاسق، وصح أن يكون إماما. والرواية تدل على هذا التفصيل. والظاهر أن مراد الأصحاب التفصيل أيضا. مسألة 575: تكره إمامة المحدود بعد توبته، لأن فسقه وإن زال بالتوبة إلا أن نقص منزلته وسقوط محله من القلوب لم يزل، فكره لذلك وإن لم يكن محرما. أما السفيه فإن كان فاسقا، لم تصح إمامته، لما روي عن أبي ذر قال: إن إمامك شفيعك إلى الله فلا تجعل شفيعك سفيها ولا فاسقا (3).

(1) الأم 1: 165، المهذب للشيرازي 1: 106، المجموع 4: 286، فتح العزيز 4: 328 - 329، حلية العلماء 2: 179.
(2) التهذيب 3: 30 / 108، الفقيه 1: 248 / 1107، علل الشرائع: 327، الباب 22، المقنع: 35.
(3) التهذيب 3: 30 / 107، الفقيه 1: 247 / 1103، علل الشرائع: 362، الباب 20، الحديث 1.

[ 300 ]

أما لو لم يكن فاسقا، ففي إمامته إشكال ينشأ: من نقصه، وعلو منصب الامامة. وعاق أبويه لا يصح أن يكون إماما، لأنه مرتكب الكبيرة، ولو صدر منه كلام سائغ يؤثر الغضب اليسير لم يؤثر في الفسوق، لأن عمر بن يزيد سأل الصادق عليه السلام، عن إمام لا بأس به في جميع أمره عارف، غير أنه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما أقرأ خلفه؟ قال: " لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا " (1). مسألة 576: تجوز إمامة العبد مع الشرائط لمواليه وغيرهم عند أكثر العلماء (2)، لقوله عليه السلام: (إسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع (3) ما أقام فيكم الصلاة) (4). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام: " لا بأس " وقد سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرآنا (5). ولأنه يؤذن للرجال فكان من أهل الامامة كالحر. ولأن الرق حق يثبت عليه، فلم يمنع صحة إمامته، كالدين. وكره أبو مجاز إمامة العبد (6). ونقله الشيخ عن أبي حنيفة (7).

(1) التهذيب 3: 30 / 106، الفقيه 1: 248 / 1114.
(2) المغني 2: 30، الشرح الكبير 2: 23، حلية العلماء 2: 178، المجموع 4: 290، فتح العزيز 4: 327.
(3) الجدع: القطع في الأنف والأذن والشفة واليد ونحوها. الصحاح 3: 1193، القاموس المحيط 3: 11، لسان العرب 8: 41 " جدع ".
(4) صحيح البخاري 1: 178، صحيح مسلم 1: 448 / 240، مسند أحمد 6: 403، سنن البيهقي 3: 88 بتفاوت.
(5) التهذيب 3: 29 / 99، الاستبصار 1: 423 / 1628.
(6) المجموع 4: 290، المغني 2: 30، الشرح الكبير 2: 23، حلية العلماء 2: 178، مصنف ابن أبي شيبة 2: 218، وعمدة القاري 5: 225.
(7) الخلاف 1: 547، المسألة 286.

[ 301 ]

وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد (1). وحكي عن الأوزاعي: أربعة لا يؤمون الناس، فذكر العبد إلا أن يؤم أهله (2). وللشيخ قول في التهذيب: إن الأحوط أن لا يؤم العبد إلا أهله، لقول علي عليه السلام: " لا يؤم العبد إلا أهله " (3). وفي السند ضعف، فالمعتمد الأول. نعم الحر أولى منه، لأنه أكمل. وحكم المعتق بعضه، والمكاتب والمدبر وأم الولد الحكم الرق. مسألة 577: يكره أن يأتم الحاضر بالمسافر وبالعكس، ولا تفسد به الصلاة - وبه قال أبو حنيفة (4) - لأن الأصل يقتضي الجواز. واشتمال الائتمام لكل منهما بصاحبه على المفارقة يقتضي الكراهة. ولقول الصادق عليه السلام: " لا يؤم الحضري المسافر، ولا المسافر الحضري، فإن ابتلى بشئ من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم، ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم، وإذا صلى المسافر خلف المقيم (5) فليتم صلاته ركعتين ويسلم، وإن صلى معهم الظهر، فليجعل الأولتين الظهر، والأخيرتين العصر " (6). وقال الشافعي: يجوز للمسافر أن يقتدي بالمقيم، لأنه يلزمه التمام إذا

(1) المدونة الكبرى 1: 84، الكافي في فقه أهل المدينة: 46، التفريع 1: 223، حلية العلماء 2: 178.
(2) حلية العلماء 2: 179، عمدة القاري 5: 225.
(3) التهذيب 3: 29 والحديث 102، ورواه أيضا في الاستبصار 1: 423 / 1631.
(4) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 56 المسألة 311.
(5) في المصدر: خلف قوم حضور.
(6) التهذيب 3: 164 / 355، الاستبصار 1: 426 / 1643.

[ 302 ]

صلى خلفه، ويكره أن يصلي المقيم خلف المسافر (1). ويمنع جواز التمام، لأن القصر عندنا عزيمة على ما يأتي (2). ولو أتم المسافر الإمام الصلوة، لم يجز عندنا، خلافا للجمهور (3). وقال أحمد في رواية: لو أتم الإمام، لم تجز صلاة المأموم، لأن الزيادة نفل أم بها مفترضين (4). والأصل عندنا باطل. نعم لو كان المسافر في أحد الأماكن التي يستحب فيها التمام فأتم، صحت صلاته وصلاة المأمومين خلفه، لأن المأتي بها فرض بكمالها على ما يأتي. إذا عرفت هذا، فإنما يكره ائتمام أحدهما بصاحبه، لمكان المفارقة، فلو لم تحصل، زالت الكراهة، كما في المغرب والغداة. مسألة 578: يكره أن يأتم المتوضئ بالمتيمم، فإن فعل صح بلا خلاف نعلمه، إلا من محمد بن الحسن، فإنه منعه استحبابا (5)، لأن عمرو ابن العاص صلى بأصحابه متيمما، وبلغ النبي صلى الله عليه وآله، فلم ينكره (6). وأم ابن عباس أصحابه متيمما وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم ينكروه (7). ولأنه متطهر طهارة صحيحة، فأشبه المتوضئ.

(1) حكاه عنه أيضا الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 561، المسألة 311، وانظر الأم 1: 163.
(2) يأتي في المسألة 612.
(3) المغني 2: 39، الشرح الكبير 2: 23، المجموع 4: 356، حلية العلماء 2: 169.
(4) المغني 2: 39، الشرح الكبير 2: 24.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 111، بدائع الصنائع 1: 56، الهداية للمرغيناني 1: 57، عمدة القاري 4: 24.
(6) سنن أبي داود 1: 92 / 334، ونقله أيضا ابن قدامة في المغني 2: 52. (7) نقله ابن قدامة في المغني 2: 52، وانظر صحيح البخاري 1: 93.

[ 303 ]

وأما الكراهة: فلنقص طهارته. ولقول علي عليه السلام: " لا يؤم المقيد المطلقين، ولا يؤم صاحب الفالج الاصحاء، ولا صاحب التيمم المتوضئين " (1). وإنما قلنا بالكراهة، لضعف السند. فروع: أ: يجوز للطاهر أن تأتم بالمستحاضة، لأنها متطهرة، فأشبهت المتيمم. وللشافعي وجهان (2). ومنع أبو حنيفة وأحمد، لأنها تصلي مع خروج الحدث من غير طهارة (3). وهو ممنوع، وأجمعوا على أنه يجوز للغاسل رجليه أن يأتم بمن مسح على خفيه (4). ب: يصح ائتمام الصحيح بصاحب السلس، لأنه متطهر، والحدث الموجود غير مانع كالمتيمم، خلافا لأحمد (5). ج: يجوز ائتمام الطاهر بمن على بدنه أو ثوبه نجاسة، لأنه كالمتيمم، خلافا لبعض الجمهور (6).

(1) الكافي 3: 375 / 2: التهذيب 3: 27 / 94.
(2) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 263، فتح العزيز 4: 320، حلية العلماء 2: 172، مغني المحتاج 1: 241.
(3) اللباب 1: 82، الهداية للمرغيناني 1: 57، المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 40.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 214، ونقله أيضا الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 545 المسألة 283.
(5) المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 40.
(6) المغني 2: 52، الشرح الكبير 2: 40 - 41.

[ 304 ]

وللشافعي في ائتمام الطاهر بالمجروح وجهان (1). د: لا يجوز للمتوضئ ولا للمتيمم الائتمام بعادم الماء والتراب، سواء أوجبنا عليه الصلاة أو لا، لأنه غير متطهر مطلقا. ه‍: قال الشيخ: يجوز للمكتسي أن يأتم بالعريان، وبه قال الشافعي، خلافا لأبي حنيفة (2). وعندي فيه إشكال: لأن العاري إما أن يصلي قاعدا، فلا يجوز الائتمام به، أو قائما مومئا، فلا يصح الائتمام به، لاخلاله بالركوع والسجود. نعم لو كان المكتسي يصلي بالايماء لمرض، جاز أن يأتم بالعريان حينئذ. وكذا لا يجوز للقادر على الاستقبال الائتمام بالعاجز عنه. ويصح لكل من هولاء الائتمام بمثله. و: لو صلت الحرة خلف أمة مكشوفة الرأس، صحت صلاتها، لعدم وجوب سترة عليها، فإذا أعتقت في الأثناء، فإن كانت السترة قريبا منها، أخذتها، وأتمت الصلوة إن لم يحصل عمل كثير، وإن حصل أو احتاجت إلى الاستدبار، استأنفت، وتنوي المأمومة المفارقة. وكذا العريان يجد السترة في الأثناء، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: العريان إذا وجد السترة، بطلت صلاته واستأنفها (4). مسألة 579: يكره أن يؤم قوما وهم له كارهون، لقوله عليه السلام: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة

(1) المجموع 4: 263، مغني المحتاج 1: 241.
(2) الخلاف 1: 545، المسألة 283، وانظر المجموع 3: 186، فتح العزيز 4: 98، الهداية للمرغيناني 1: 57، اللباب 1: 82.
(3) المجموع 3: 183، فتح العزيز 4: 102 و 103.
(4) اللباب 1: 86 - 87، الهداية للمرغيناني 1: 60.

[ 305 ]

باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام أم قوما وهم له كارهون) (1). وقال علي عليه السلام، لرجل أم قوما وهم له كارهون: " إنك لخروط (2) " (3). والأقرب: أنه إن كان ذا دين فكرهه القوم لذلك، فلا تكره إمامته، والإثم على من كرهه، وإلا كرهت. المطلب الرابع: في ترجيح الأئمة مسألة 580: إذا حضر إمام الأصل، لم يجز لأحد التقدم عليه، وتعين هو للامامة، لأن له الرئاسة العامة: وقال تعالى: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } (4). وقال تعالى: { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } (5) وهو خليفته، فتكون له هذه المرتبة (6). أما مع العذر فإنه يجوز أن يستنيب من شاء، أو يختار المأمومون من هو بالشرائط. إذا ثبت هذا، فغير إمام الأصل تحصل فيه الأولوية بأمور: أ: القراءة. ب: الفقه. ج: السن. د: الأقدم هجرة.

(1) مصنف ابن أبي شيبة 1: 407 و 408، سنن الترمذي 2: 193 / 360.
(2) الخروط: الذي يتهور في الأمور ويركب رأسه في كل ما يريد جهلا وقلة معرفة. النهاية لابن الأثير 2: 32 " خرط ".
(3) مصنف ابن أبي شيبة 1: 407، كنز العمال 8: 273 / 22889.
(4) النساء: 59.
(5) الحجرات: 1.
(6) في نسخة " ش " المنزلة.

[ 306 ]

ه‍: الأصبح وجها، وعند الشافعي عوضه: الاشرف نسبا (1). و: صاحب المنزل والمسجد. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة 581: إذا تعددت الأئمة قدم من يختاره المأمومون لما تقدم - إذا كان بصفات الإمام. ولو اختلف المأمومون، قدم اختيار الأكثر. فإن تساووا، فلعلمائنا قولان. أحدهما: أنه يقدم الأقرأ (2) - وبه قال ابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر (3) - لقوله عليه السلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا) (4). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن " (5). ولأن القراءة ركن في الصلاة، فكان القادر عليها أولى، كالقادر على القيام مع العاجز عنه. وقال بعض علمائنا: يقدم الأفقه على الأقرأ (6) - وبه قال عطاء ومالك

(1) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 280، فتح العزيز 4: 329.
(2) وهو اختيار المحقق في المعتبر: 244 ونقله أيضا عن أكثر الأصحاب.
(3) المغني 2: 16، الشرح الكبير 2: 18، الهداية للمرغيناني 1: 56، حلية العلماء 2: 177.
(4) صحيح مسلم 1: 465 / 673، سنن ابن ماجة 1: 313 / 980، سنن الترمذي 1: 459 / 235، سنن أبي داود 1: 159 / 584، سنن النسائي 2: 76، سنن البيهقي 3: 125.
(5) الكافي 3: 376 / 5، التهذيب 3: 31 / 113، علل الشرائع: 326 الباب 20 الحديث 2.
(6) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 3: 478 ما نصه: والمخالف إنما هو من لا نعرفه من علمائنا... ويكفيك أن الشهيد لم يعرفه حيث قال: ونقل عن بعض الأصحاب... وإنما عرف الخلاف من بعض متأخري المتأخرين.

[ 307 ]

والأوزاعي والشافعي وأبو ثور (1) - إذا كان يقرأ ما يحتاج إليه في الصلاة صحيحا، لأن القراءة التي يحتاج إليها في الصلاة محصورة وهو يحفظها، وما يحتاج إليه من الفقه غير محصور، فإنه قد ينوبه في الصلاة أمر يحتاج إلى الفقه في معرفة فكان أولى كالامامة الكبرى والحكم. ثم تأولوا الخبر: بأن الصحابة كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه. قال ابن مسعود: كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها، فكان أقرؤهم لكتاب الله أفقههم (2). والاعتراض: اللفظ عام، فالعبرة به لا بخصوص السبب، وتتمة الحديث تنافيه، وهو: قوله عليه السلام: (فإن استووا فأعلمهم بالسنة). إذا ثبت هذا فإن أحد القارئين يترجح على الآخر بكثرة القرآن، فإن تساويا في قدر ما يحفظ كل منهما وكان أحدهما أجود قراءة وإعرابا، فهو أولى، لأنه أقرأ، وإن كان أحدهما أكثر حفظا، والآخر أجود قراءة، فهو أولى، والوجه أن المراد من قوله عليه السلام: (أقرؤهم): أجودهم قراءة. مسألة 582: إذا تساووا في القراءة، قدم الأفقه عند أكثر علمائنا (2) - وهو قول الجمهور (4) - لقوله عليه السلام: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) (5).

(1) المدونة الكبرى 1: 83، الشرح الصغير 1: 163، المجموع 4: 282، فتح العزيز 4: 332 حلية العلماء 2: 177، المغني 2: 16 - 17، الشرح الكبير 2: 18.
(2) المغني والشرح الكبير 2: 18.
(3) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 157، والمحقق في المعتبر: 244 ونقله أيضا عن الشيخ المفيد.
(4) المغني 2: 19، حلية العلماء 2: 177.
(5) أو عزنا إلى مصادره في المسألة السابقة (581).

[ 308 ]

ولأن الفقه يحتاج إليه في الصلاة في جميع أفعالها للاتيان بواجباتها وسننها، وجبرها إن عرض ما يحوج إليه، والعلم بالسنة أهم من السن، للاحتياج إليه في تدبير الصلاة، بخلاف السن. وقال المرتضى: يقدم الأسن ثم الأعلم بالسنة (1)، لما رواه مالك بن الحويرث وصاحبه قال: (يؤمكما أكبر كما) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: يؤم القوم أقرؤهم للقرآن، فإن تساووا، فأقدمهم هجرة، فإن تساووا، فأسنهم، فإن كانوا سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة " (3). ولا حجة في الأول، لامكان علمه عليه السلام بتساويهما لا في السن. والثاني يدل على الجواز، ونحن نقول به، والخلاف في الأولوية. إذا ثبت هذا، فإن اجتمع فقيهان قارئان، وأحدهما أقرأ والآخر أفقه، قدم الأقرأ على الأول، للحديث، والأفقه على الثاني، لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة. فإن اجتمع فقيهان أحدهما أعلم بأحكام الصلاة والآخر أعرف بما سواها، فالأعلم بأحكام الصلاة أولى، لأن علمه يؤثر في تكميل الصلاة، بخلاف الآخر. مسألة 583: إذا تساووا في الفقه، قدم أقدمهم هجرة، والمراد به: سبق الاسلام، أو من كان أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الاسلام، أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته، فيقدم بذلك، سواء كانت الهجرة قبل الفتح أو بعده.

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 244.
(2) صحيح مسلم 1: 466 / 293، سنن النسائي 2: 77، سنن أبي داود 1: 161 / 589.
(3) الكافي 3: 376 / 5، التهذيب 3: 31 / 113، علل الشرائع: 326، الباب 20 الحديث 2.

[ 309 ]

وقوله عليه السلام: (لا هجرة بعد الفتح) (1) أراد أنه لا تجب، لقوة الاسلام، والتمكن من إظهار شعائره في بلد الشرك، لأن الهجرة قربة وطاعة، فقدم السابق إليها، لسبقه إلى الطاعة. ولقول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: يؤم القوم أقرؤهم، فإن كانوا في القراءة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا " (2). وللشيخ قول: إنه يقدم بعد التساوي في الفقه: الاشرف، فإن تساويا في الشرف، قدم الأقدم هجرة (3) - وبه قال الشافعي في القديم (4) - لقوله عليه السلام: (الأئمة من قريش) (5). والمراد: الامامة الكبرى، فلا تعتبر في الصغرى كالشجاعة. مسألة 584: فإن تساووا في الهجرة إما لهجرتهما معا أو لعدمهما فيهما، قدم الأسن، لحديث الصادق عليه السلام (6). ولأن الأسن أحق بالتوقير والاعظام والتقدم، فكان له مزية في استحقاق التقدم في الامامة.

(1) صحيح البخاري 4: 18، سنن الترمذي 4: 148 / 1590، مسند أحمد 1: 226 و 2: 215 و 3: 22 و 468 و 5: 187، سنن الترمذي 2: 239، متن عمدة الأحكام: 101 - 102 / 273.
(2) الكافي 3: 376 / 5، التهذيب 3: 31 / 113، علل الشرائع: 326، الباب 20 الحديث 2.
(3) المبسوط للطوسي 1: 157.
(4) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 283، فتح العزيز 4: 334.
(5) مسند أحمد 3: 129 و 183 و 4: 421، سنن البيهقي 3: 121.
(6) الكافي 3: 376 / 5، التهذيب 3: 31 / 113، علل الشرائع: 326، الباب 20 الحديث 2.

[ 310 ]

وهذا قول أكثر العلماء، وهو قول الشافعي في القديم (1)، لقوله عليه السلام: (فإن استووا في الهجرة فأقدمهم سنا) (2). وقال في الجديد: إذا تساووا في الفقه والشرف، قدم الأسن، فإن تساووا، قدم الأقدم هجرة (3)، لقوله عليه السلام، لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (4). وقد بينا أنه حكاية حال. مسألة 585: إذا تساووا في ذلك، قال الشيخان: يقدم الأصبح وجها (5). ورواه المرتضى رواية (6). ونقله بعض الشافعية عن بعض المتقدمين، ثم اختلف الشافعية في تفسيره، فقال بعضهم: أراد أحسنهم صورة، لأن ذلك فضيلة كالنسب. وقال آخرون: إنما أراد بذلك أحسنهم ذكرا بين الناس (7). والأخير أحسن. إذا ثبت هذا، فإن تساووا في ذلك كله، قدم أشرفهم، أي: أعلاهم نسبا، وأفضلهم في نفسه، وأعلاهم قدرا، فإن استووا في هذه الخصال، قدم أتقاهم وأورعهم، لأنه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الاجابة، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (من أم قوما وفيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم

(1) المغني والشرح الكبير 2: 20، معالم السنن للخطابي 1: 304، المجموع 4: 283، فتح العزيز 4: 334.
(2) سنن الترمذي 1: 459 / 235، سنن أبي داود 1: 159 / 582.
(3) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 283، فتح العزيز 4: 334.
(4) صحيح البخاري 1: 175، صحيح مسلم 1: 465 / 674.
(5) المبسوط للطوسي 1: 157، وحكاه عنهما أيضا المحقق في المعتبر: 244.
(6) جمل العلم والعمل ضمن رسائل الشريف المرتضى 3: 40 ونقله عن مصباحه المحقق في المعتبر: 244.
(7) المهذب للشيرازي 1: 106، المجموع 4: 283، فتح العزيز 4: 335، حلية العلماء 2: 178.

[ 311 ]

إلى السفال إلى يوم القيامة) (1). والأقوى عندي تقديم هذا على الاشرف، لأن شرف الدين خيرمن شرف الدنيا. فإن استووا في ذلك كله، فالأقرب القرعة - وبه قال أحمد (2) - لأن سعد ابن أبي وقاص أقرع بينهم في الأذان (3)، فالامامة أولى. ولأنهم تساووا في الاستحقاق، وتعذر الجمع، فأقرع بينهم، كسائر الحقوق. وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا إيجاب، فلو قدم المفضول جاز، ولا نعلم فيه خلافا. مسألة 586: صاحب المنزل أولى بالامامة فيه من غيره وإن كان فيهم من هو أقرأ منه وأفقه، إذا كان ممن يمكنه إمامتهم وتصح صلاتهم وراءه، ولا نعلم فيه خلافا بين العلماء، لقوله عليه السلام: (لا يؤمن الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) (4). والمراد بالتكرمة: الفراش. وقيل: المائدة. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " لا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله ولا في سلطانه " (5).

(1) الفقيه 1: 247 / 1102، علل الشرائع: 326، الباب 20، الحديث 4، عقاب الأعمال: 246، التهذيب 3: 56 / 194.
(2) المغني 2: 21، الشرح الكبير 2: 20، الانصاف 2: 247.
(3) صحيح البخاري 1: 159، سنن البيهقي 1: 428 و 429، إرشاد الساري 2: 9، عمدة القاري 5: 124، المغني 1: 478.
(4) صحيح مسلم 1: 465 / 673، سنن الترمذي 1: 459 / 235 و 5: 99 / 2772، سنن أبي داود 1: 159 / 582، سنن النسائي 2: 77، سنن البيهقي 3: 119 و 125.
(5) الكافي 376 / 5، التهذيب 3: 31 - 32 / 113، علل الشرائع: 326، الباب 20، الحديث 2.

[ 312 ]

ولو كان في البيت سلطان الحق أو نائبه، فهو أولى، لأنه حاكم على صاحب البيت وغيره، وأم النبي صلى الله عليه وآله عتبان (1) بن مالك وأنسا في بيوتهما (2). مسألة 587: إمام المسجد الراتب أولى من غيره، لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان. ولقوله عليه السلام: (من زار قوما فلا يؤمهم) (3) وهو عام في المسجد كالمنزل. ولأن تقديم غيره يورث وحشة. والوالي من قبل العادل أحق، لأنه أولى من صاحب البيت مع أنه مالك له، فمن إمام المسجد أولى. والولي وإن كان أحق من الوالي في الصلاة على الميت فليس أولى هنا، لأن الصلاة على الميت تستحق بالقرابة، والسلطان لا يشارك في ذلك، وهنا يستحق بضرب من الولاية على الدار والمسجد، والسلطان أقوى ولاية وأعم. ولأن الصلاة على الميت يقصد بها الدعاء والشفقة والحنو، وهو مختص بالقرابة. فروع: أ: لو أذن السلطان لغيره، جاز وكان أولى من غيره، وكذا صاحب المنزل لو أذن لبعض الحاضرين.

(1) في النسخة الحجرية والنسختين الخطيتين " ش، م " المعتمدتين في التحقيق: غسان. وما أثبتناه هو الصحيح. أنظر أسد الغابة 3: 359، وتهذيب التهذيب 7: 86 وانظر أيضا المصادر الحديثية التالية.
(2) صحيح مسلم 1: 455 (باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر) و 457 / 658، صحيح البخاري 1: 170 و 175، سنن النسائي 2: 80 و 86 موطأ مالك 1: 172 / 86، سنن أبي داود 1: 166 / 612، سنن البيهقي 3: 96.
(3) سنن أبي داود 1: 163 / 596، سنن الترمذي 2: 187 / 356، سنن البيهقي 3: 126.

[ 313 ]

ب: لو دخل السلطان بلدا فيه خليفة فهو أولى من خليفته، لعموم ولايته. ج: لو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد، فالسيد أولى، لأنه صاحب البيت. ولو اجتمع العبد وغير سيده، فالعبد أولى. د: لو اجتمع المالك والمستأجر في الدار المؤجرة، فالمستأجر أولى، لأنه أحق بالمنفعة والاستيلاء. ه‍: لو كان المستحق ممن لا تصح الصلاة خلفه فقدم غيره ممن تصح الصلاة خلفه، فالأقرب: أنه أولى. و: كل موضع حضره الإمام الأعظم أو النائب من جهته، فهو أولى بالصلوة من غيره، لأن النبي صلى الله عليه وآله، والأئمة ما حضروا موضعا إلا وأموا بالناس. ز: لو اجتمع المكاتب والسيد في دار المكاتب، فالمكاتب أولى، لأن يد السيد قاصرة عن أملاك المكاتب. ح: لو اجتمع المستعير والمالك، فالأقرب: تقديم المالك، لأن تسلط المستعير ليس بتام من حيث إن للمالك أن يعزله متى شاء. ط: لو حضر جماعة المسجد، استحب أن يراسل إمامه الراتب حتى يحضر أو يستنيب. ولو كان الموضع بعيدا وخافوا فوات أول الوقت (وأمنوا الفتنة) (1) صلوا جماعة. ي: الخصال المكتسبة، كالعلم والقراءة والورع أولى من غير المكتسبة كالسن وحسن الوجه. والأورع أولى من الأعلم، لأن الامامة سفارة بين الله تعالى وبين خلقه، وإنما يقدم للسفارة من له منزلة عند من ترفع الحاجة إليه، والمنزلة عند الله

(1) بدل ما بين القوسين في " ش ": واتفق الفقيه.

[ 314 ]

تعالى للأتقياء، قال الله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (1). المطلب الخامس: في الأحكام مسألة 588: لو كان الإمام ممن لا يقتدى به، لم يجز الائتمام به، فإن احتاج إلى الصلوة خلفه، جاز أن يتابعه في الأفعال، لكن لا ينوي الاقتداء به، ويقرأ مع نفسه وإن كانت الصلاة جهرية، للضرورة، وتجزئه صلاته، وهو قول أحمد في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: يعيد (2). وهو غلط، لأنه أتى بأفعال الصلاة وشروطها على الكمال، فلا تفسد بموافقة غيره في الأفعال، كما لو يقصد الموافقة. مسألة 589: لو كان الإمام كافرا، فإن علم المأموم بكفره قبل الصلاة، أعاد إجماعا، لأنه ائتم بمن لا يصح الائتمام به. وإن علمه في الأثناء، عدل إلى الانفراد واجبا، فإن لم يفعل واستمر، وجبت الاعادة. وإن علم بعد الفراغ، صحت صلاته عند أكثر علمائنا (3) - وبه قال أبو ثور والمزني (4) - لأنه فعل المأمور به، فيخرج عن العهدة. والثانية ظاهرة، وأما الأولى: فلأنه مأمور بالصلاة خلف من يظن إسلامه، لا من يعلمه كذلك، لامتناع الاطلاع على الباطن، فيكتفي بإصلاح الظاهر.

(1) الحجرات: 13.
(2) المغني والشرح الكبير 2: 30.
(3) منهم: الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 550، المسألة 292، وابن إدريس في السرائر: 61، والمحقق في المعتبر: 242.
(4) المغني 2: 34، فتح العزيز 4: 327.

[ 315 ]

ولأن الصادق عليه السلام، سئل عن قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال وكان يؤمهم رجل، فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي، قال: " لا يعيدون " (1). وقال المرتضى: تجب الاعادة (2) - وبه قال الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي (3) - لأنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة، فلا تصح صلاته، كما لو ائتم بمجنون. وينتقض: بالمحدث، فإنه لو ائتم به، صحت صلاته إجماعا. إذا ثبت هذا، فلا فرق بين أن يكون الكفر مما يستر به عادة، كالزندقة أو لا، وهو أحد وجهى الشافعي، وفي الآخر: الفرق، فأوجب الاعادة فيما لا يخفى، كالتهود والتنصر، دون ما يخفى، لمشقة الوقوف عليه (4). مسألة 590: صلاة الكافر لا تكون إسلاما منه ما لم تسمع منه الشهادتان، سواء كان في دار الحرب أو دار الاسلام، وسواء صلى جماعة أو فرادى، وسواء صلى في المسجد أو لا - وبه قال الشافعي (5) - لأن الصلاة من فروع الاسلام، فلا يصير مسلما بفعلها، كالحج والصوم والاعتكاف. ولقوله عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (6).

(1) الكافي 3: 378 / 4، التهذيب 3: 40 / 141.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 242.
(3) الأم 1: 168، المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 251، الوجيز 1: 55، فتح العزيز 4: 326، مختصر المزني: 23، المغني 2: 34، الشرح الكبير 2: 33، الانصاف 2: 259.
(4) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 326، حلية العلماء 2: 169، مغني المحتاج 1: 241.
(5) المهذب للشيرازي 1: 104، فتح العزيز 4: 312.
(6) صحيح البخاري 2: 131، صحيح مسلم 1: 53 / 35، سنن النسائي 7: 79، سنن أبي

[ 316 ]

وقال بعض الشافعية: إن صلى في دار الاسلام، فليس بمسلم، لأنه قد يقصد الاستتار بالصلاة وإخفاء دينه، وإن صلى في دار الحرب، فهو مسلم، لأنه لا تهمة في حقه. وهو قول الشافعي (1) أيضا. أما إذا أظهر التشهد، فالوجه: أنه إسلام، لأن الشهادة صريح في الاسلام، وبه قال الشافعي، وله وجه آخر: أنه لا يحكم بإسلامه، لاحتمال أن يكون ذلك على سبيل الحكاية (2). وليس بصحيح. وقال أبو حنيفة: إن صلى إماما أو مأموما في أي موضع كان، فهو إسلام بحيث لو رجع بعد الصلاة وقال: لم أسلم، كان مرتدا، سواء سمع منه التشهد أولا، وكذا إن صلى منفردا في المسجد، وإن أذن حيث يؤذن المسلمون، كان إسلاما منه، وإن حج وطاف، كان إسلاما منه، وإن صلى منفردا في غير المسجد، لم يكن إسلاما (3). وقال مالك وأحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل حال، فإن أقام بعد ذلك على الاسلام، وإلا فهو مرتد، وإن مات قبل ظهور ما ينافي الاسلام، فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكفار، لأنها عبادة يختص بها المسلمون، فإذا فعلها الكافر، كان إسلاما منه، كالشهادتين (4). والفرق: أن الشهادتين صريح في الاسلام. وقال محمد بن الحسن: إذا صلى في المسجد منفردا أو في جماعة،

داود 3: 44 / 2640، سنن الترمذي 5: 3 / 2606، سنن الدار قطني 1: 232 / 7، المستدرك للحاكم 2: 522. (1) المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 313، المغني 2: 35، الشرح الكبير 2: 37.
(2) المجموع 4: 252، فتح العزيز 4: 313.
(3) المغني 2: 35، الشرح الكبير 2: 37، المجموع 4: 252، فتح العزيز 4: 312 و 313، حلية العلماء 2: 169.
(4) المغني 2: 35، الشرح الكبير 2: 36 - 37، فتح العزيز 4: 313، حلية العلماء 2: 169.

[ 317 ]

حكم بإسلامه، وإذا صلى منفردا في بيته، لم يحكم بإسلامه (1). والبحث في ظهور فسق الإمام كالبحث في ظهور كفره، فقال المرتضى: يعيد (2)، وبه قال أحمد (3). وقال الشيخ: لا يعيد إذا كان ظاهر العدالة، لأنها صلاة مشروعة في ظاهر الحكم، فتكون مجزئة (4). ولو علم بعض المأمومين فسقه دون بعض، صحت صلاة الجاهل خاصة وإن كان مستور الحال، مقبول الشهادة عند الحاكم. فروع: أ: الكافر إذا أم المسلمين، عزر، لأنه غشهم. ب: لو صلى خلف من أسلم من الكفار، فلما فرغ من صلاته قال: لم أكن أسلمت، وإنما تظاهرت بالاسلام، لم يلزمه قبول قوله، لكفره، ولا إعادة عليه. ج: إذا كان يعرف لرجل إسلام وارتداد، فصلى رجل خلفه ولم يعلم في أي الحالين صلى خلفه، لم يعد، لأن الشك بعد عمل الصلاة لا يؤثر فيها. مسألة 591: لو كان الإمام جنبا أو محدثا، لم تصح صلاته، سواء علم بحدثه، أو لا، وتصح صلاة من خلفه إذا لم يعلم بحدثه - وبه قال علي عليه السلام، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ومن التابعين: الحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي

(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 551 المسألة 292.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 243.
(3) المغني 2: 22، الشرح الكبير 2: 24 - 25، الانصاف 2: 253.
(4) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 243.

[ 318 ]

والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور (1) - لأن أبا بكرة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله، في صلاة الفجر، فأومأ إليهم إن مكانكم، ثم ذهب وجاء ورأسه يقطر، فصلى بهم (2). وهو يدل على أنهم أحرموا معه، لأنه أومأ إليهم ولم يكلمهم، لأن كلام المصلي مكروه، وهذا وإن كان باطلا عندنا، لكنه ذكر للالزام. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام، وقد سأله محمد بن مسلم عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر، فلا يعلم حتى تنقضي صلاته؟ قال: " يعيد ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنه على غير طهر " (3). ولأن المأموم لم يفرط بالائتمام به، فلم تبطل صلاته، كما لو سبق الإمام الحدث. وقال الشعبي وابن سيرين وحماد وأصحاب الرأي: تبطل صلاة المأمومين أيضا (4). وقال مالك: إن كان الإمام غير عالم بحدث نفسه، صحت صلاة المأمومين، وإن كان عالما، لم تصح (5). وقال عطاء: إن كان حدثه جنابة، بطلت، وإن كان غير ذلك، أعادوا

(1) الأم 1: 167 - 168، المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 260، فتح العزيز 4: 324، حلية العلماء 2: 171، المغني 1: 777، الشرح الكبير 2: 55 و 56، بداية المجتهد 1: 156.
(2) سنن أبي داود 1: 60 / 233، سنن البيهقي 2: 397.
(3) التهذيب 3: 39 / 137، الاستبصار 1: 432 / 1668.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 180، بدائع الصنائع 1: 227، المجموع 4: 260، الشرح الكبير 2: 55، المغني 1: 777، بداية المجتهد 1: 156، حلية العلماء 2: 172.
(5) المدونة الكبرى 1: 33، الشرح الصغير 1: 156، المجموع 4: 260، فتح العزيز 4: 324، بداية المجتهد 1: 156، حلية العلماء 2: 172.

[ 319 ]

في الوقت (1). واحتجوا: بأن المأموم اقتدى بمن لا صلاة له، فتبطل صلاته، كما لو كان الإمام كافرا أو امرأة. وقال مالك: إذا علم الإمام بحدثه فصلى فسق، ولا تصح الصلاة خلف الفاسق (2). والأصل ممنوع، فإنا نحكم بصحة الصلاة مع الجهل. والفرق مع تسليم الأصل، لأنه منسوب إلى التفريط بالائتمام بالمرأة والكافر، إذ لا يجوز أن يكونا إمامين له بحال، والجنب والمحدث يجوز أن يكونا إمامين بالتيمم. مسألة 592: لو أحدث الإمام، فعلم المأمومون بحدثه، وجب عليهم مفارقته، فينوون الانفراد، فإن تابعوه، بطلت صلاتهم. فإن كان حدثه قبل إكمال ركعة قبل القراءة أو بعدها، فإن كان موضع طهارته قريبا، أومأ إليهم ومضى وتوضأ وعاد إلى الصلاة. وهل ينوون الاقتداء؟ إشكال ينشأ: من جواز نقل نية الانفراد إلى الائتمام. وقال الشافعي: ينوون الاقتداء (3)، فانعقدت الصلاة في الابتداء جماعة بغير إمام ثم صارت جماعة بإمام. وإن كان بعيدا، قال الشافعي في القديم: يصلون لانفسهم. فمن أصحابه من علل: بأنه قاله قبل أن يجوز الاستخلاف، لأنه في القديم لم يجوز الاستخلاف. ومنهم من علل: بأنهم يصلون فرادى ليخرجوا من

(1) المجموع 4: 260، حلية العلماء 2: 172.
(2) المجموع 4: 260.
(3) انظر: المجموع 4: 262.

[ 320 ]

الخلاف، فإن الناس اختلفوا في الصلاة بإمامين (1). وإن كان قد صلى ركعة أو أكثر، فإنهم لا ينتظرونه عنده (2)، لأنه إذا عاد وصلى، فإنهم يفارقونه إذا أتموا صلاتهم، وإذا لم يكن قد قرأ، لم ينتظروه، وكانوا على فراقه. تذنيب: لو أدرك الإمام راكعا، فدخل معه في الصلاة، فلما فرغ أخبره أنه كان على غير وضوء، فالوجه: عدم القبول في بطلان صلاة المأموم. وقال الشافعي: لا يعتد بتلك الركعة، لأنها لم تصح من الإمام، فلا ينوب عنه في القراءة فيها، فيأتي بركعة أخرى (3). وليس بجيد. مسألة 593: لو أحدث الإمام أو أغمي عليه أو مات أو مرض، قدم هو أو المأمومون من يتم بهم الصلاة، استحبابا لا وجوبا، عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يمكن أبا بكر من إتمام الامامة في الصلاة، وخرج وهو مريض، فأتم هو الصلاة بالناس (5). وقال الشافعي في القديم: لا يجوز (6). وقد تقدم البحث في ذلك في باب الجمعة (7).

(1) حلية العلماء 2: 172، المجموع 4: 262.
(2) المجموع 4: 262.
(3) المجموع 4: 258.
(4) الشرح الصغير 1: 166، الكافي في فقه أهل المدينة: 52، المدونة الكبرى 1: 145، المبسوط للسرخسي 1: 169، بدائع الصنائع 1: 224، الهداية للمرغيناني 1: 59، اللباب 1: 84، المغني 1: 779.
(5) صحيح البخاري 1: 169، صحيح مسلم 1: 312 / 418، سنن الترمذي 2: 197 ذيل الحديث 362. (6) المهذب للشيرازي 1: 103، المجموع 4: 242، حلية العلماء 2: 166، بدائع الصنائع 1: 224.
(7) تقدم في المسألة 391.

[ 321 ]

فروع: أ: يكره أن يستنيب المسبوق، لقول الصادق عليه السلام: " إذا أحدث الإمام وهو في الصلاة فلا ينبغي له أن يقدم إلا من شهد الإقامة " (1). ويجوز أن يستنيب المنفرد والسابق، فإن استنابه، جاز أن يستنيب ثانيا. ب: لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يكون الإمام قد سبقه الحدث أو أحدث عمدا. وقال أبو حنيفة: إن سبقه، جاز أن يستخلف، وإن تعمد، لم يجز وأتموا منفردين (2). بناء على أصله من أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، فإذا بقي حكمها، بقي حكمها على الجماعة في جواز الاستخلاف. ج: استخلاف الإمام ليس بشرط، فلو تقدم بعض المأمومين بنفسه وأتم الصلاة، جاز، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: لابد من الاستخلاف، فإن تقدم بنفسه، لم يجز أن يصلوا معه (4). د: لو استخلف اثنين حتى يصلي مع كل واحد منهما بعض الناس، جاز في غير الجمعة. مسألة 594: ما يدركه المسبوق مع الإمام يكون أول صلاته وإن كان آخر صلاة الإمام، عند علمائنا أجمع - وبه قال علي عليه السلام،

(1) التهذيب 3: 42 / 146، الاستبصار 1: 434 / 1674.
(2) بدائع الصنائع 1: 226.
(3) الأم 1: 175، المجموع 4: 244.
(4) بدائع الصنائع 1: 226، الهداية للمرغيناني 1: 59.

[ 322 ]

وعمر وأبو الدرداء والشافعي والأوزاعي وإسحاق، واختاره ابن المنذر (1) - لقول علي عليه السلام: " يجعل ما أدرك مع الإمام من الصلاة أولها " (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إذا أدرك الرجل بعض الصلاة جعل أول ما أدرك أول صلاته، إذا أدرك من الظهر أو العصر ركعتين، قرأ فيما أدرك مع الإمام مع نفسه أم الكتاب وسورة، فإن لم يدرك السورة تامة، أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الإمام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما، لأن الصلاة إنما يقرأ فيها في الأولتين " (3). ولأنها ركعة مفتتحة بالاحرام فكانت أول صلاته كالمنفرد. وللاجماع على أنه إذا أدرك ركعة في المغرب صلى أخرى، وجلس للتشهد، فدل على أنها أول صلاته. وقال الثوري: يكون آخر صلاته - وبه قال أحمد وأصحاب الرأي، وهو المشهور عن مالك - لقوله عليه السلام: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (4) (5).

(1) المهذب للشيرازي 1: 102، المجموع 4: 220، الأم 1: 178، فتح العزيز 4: 427، حلية العلماء 2: 159، المغني 2: 260، الشرح الكبير 2: 11، وسنن البيهقي 2: 299.
(2) سنن البيهقي 2: 298 و 299، ونحوه في التهذيب 3: 46 / 161، والاستبصار 1: 437 / 1685.
(3) المعتبر: 246، وبتفاوت في الفقيه 1: 256 / 1162، والتهذيب 3: 45 / 158، والاستبصار 1: 436 / 1683.
(4) مسند أحمد 2: 238 و 270 و 318، سنن النسائي 2: 114 - 115، سنن البيهقي 3: 93.
(5) المغني 2: 260، الشرح الكبير 2: 11، المبسوط للسرخسي 1: 190، الكافي في فقه أهل المدينة: 48، المجموع 4: 220، فتح العزيز 4: 427، حلية العلماء 2: 159، الميزان للشعراني 1: 173 - 174.

[ 323 ]

والمروي: (فأتموا) (1) على أن معناه: وما أدركتموه فتابعوه فيه، وما فاتكم فافعلوه، وحقيقة القضاء ما فعل بعد خروج وقته، وإنما عبر به عن الفعل. فروع: أ: إذا أدرك الأخيرتين من الرباعية، استحب له أن يقرأ - لما يأتي - لا واجبا، لأن القراءة تسقط عن المأموم ويقرأ الفاتحة في أخرييه لا غير، لأنهما أخريان. والشافعي وإن وافقنا على أنهما أخريان، إلا أنه قال: يقرأ فيهما بالفاتحة وسورة (2). واختلف أصحابه في علة ذلك، فقال بعضهم: إن السورة لم يقرأها في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام بها، فاستحب له أن يأتي بها، لتحصل له فضيلتها. وقال بعضهم: إنما قال ذلك بناء على القول باستحباب السورة في جميع الركعات (3). ب: يجب الاسرار في المأتي بها بعد مفارقة الإمام، لأنهما أخريان، وهو أحد قولي الشافعي لكن لا وجوبا، وفي الآخر: يجهر ليدرك ما فاته من الجهر (4). ج: الاجود: أنه يتخير في الأخيرتين بين القراءة والتسبيح وإن كان

(1) صحيح مسلم 1: 420 / 602، صحيح البخاري 1: 163 - 164، سنن أبي داود 1: 156 / 572، سنن الدارمي 1: 294، سنن ابن ماجة 1: 255 / 775، سنن الترمذي 2: 149 / 327، مسند أحمد 2: 239 و 270 و 452.
(2) الأم 1: 178، المجموع 3: 387 و 4: 220، فتح العزيز 4: 427، حلية العلماء 2: 159.
(3) المجموع 3: 387 و 388 و 4: 220، فتح العزيز 4: 427، حلية العلماء 2: 160.
(4) المجموع 3: 388 و 4: 220، حلية العلماء 2: 160.

[ 324 ]

الإمام قد سبح في أخرييه، لأنهما أخريان، فلا يسقط حكمهما من التخيير. ويحتمل: وجوب القراءة إن سبح الإمام، لئلا تفوت الصلاة من قراءة. د: إذا أحدث الإمام في الأولى، فسواء استخلف من شرع معه في الصلاة أم لا، فإنه جائز، لأنه لا يختلف نظم الصلاة وإن كان في الثانية أو الثالثة، فإن استخلف مأموما موافقا، جاز إجماعا، وإن استخلف مسبوقا، جاز أيضا، ويتم صلاته على نظم صلاة نفسه. وقال الشافعي: على نظم صلاة الإمام (1). مثاله: إذا استخلفه في الثانية، فإذا صلى ركعة، قام إلى ثانيته، وتشهد المأمومون تشهدا خفيفا ولحقوا به. وقال الشافعي: يقعد للتشهد وإن لم يكن موضع قعوده (2). فإذا صلى ثانية، قعد عندنا، وتشهد، وتبعه المأمومون في القعود لا التشهد. وقال الشافعي: لا يقعد، لأنها الثالثة من صلاة الإمام وإن كان الموضع موضع قعوده (3). وإذا صلى ثالثة، فقد تمت صلاة القوم، فينهض إلى الرابعة، ثم إن شاء المأمومون المفارقة، نووا الانفراد وتشهدوا وسلموا، وإن شاؤا انتظروا الإمام حتى يتشهد ويسلم بهم. وقال الشافعي: يتشهد في ثالثته، وإذا علم أن القوم قد فرغوا من التشهد، أشار إليهم بالسلام ويتم لنفسه (4). ولو استخلف من لم يشرع معه في الصلاة، جاز عندنا، خلافا

(1) الأم 1: 175 - 176، المجموع 4: 243.
(2) الأم 1: 176، المجموع 4: 243. (3 و 4) المجموع 4: 243.

[ 325 ]

للشافعي (1). مسألة 595: يدرك المأموم الركعة بإدراكها من أولها إجماعا، وبإدراك تكبيرة الركوع أيضا، لأنه أدرك معظم الركعة، والقراءة ليس ركنا. وهل يدركها بإدراك الإمام راكعا؟ الوجه: ذلك، خلافا للشيخ (2)، وقد مضى البحث في ذلك في باب الجمعة (3). إذا ثبت هذا، فإنه إذا أدركه راكعا، كبر للافتتاح واجبا، وكبر ثانيا للركوع مستحبا، لأنه ركوع معتد به، ومن انتقل إلى ركوع معتد به فمن سننه التكبير كالامام والمنفرد. ولو خاف رفع الإمام، كبر للافتتاح خاصة، ونوى الوجوب، وليس له أن ينوي الافتتاح والركوع، لتضاد الوجهين. ولو كبر ولم ينو التحريم ولا الركوع، احتمل قويا البطلان، لعدم نية الافتتاح. والصحة، لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه. ويعارض بأن قرينة الهوي تصرفها إليه. فروع: أ: إذا اجتمع مع الإمام في الركوع، أدرك الركعة، فإن رفع الإمام رأسه مع ركوع المأموم، فإن اجتمعا في قدر الإجزاء من الركوع، وهو: أن يكون رفع ولم يجاوز حد الركوع الجائز - وهو بلوغ إلى ركبتيه - فأدركه المأموم في ذلك وذكر بقدر الواجب، أجزأءه، وإن أدرك دون ذلك لم يجزئه. ب: لو رفع الإمام رأسه من الركوع ثم ذكر أنه نسي التسبيح، لم يكن له الرجوع إلى الركوع، فإن رجع جاهلا بالحكم فدخل مأموم معه، لم يكن مدركا للركعة، لأنه ركوع باطل.

(1) المجموع 4: 243.
(2) النهاية: 114، المبسوط للطوسي 1: 158.
(3) تقدم في الفرع " ب " من المسألة 397.

[ 326 ]

وقال بعض الشافعية: يجوز (1). وليس بمعتمد. ج: لو أدركه بعد رفعه من الركوع، استحب له أن يكبر للهوي إلى السجود، ويسجد معه السجدتين، ولا يعتد بهما، بل إذا قام الإمام إلى اللاحقة، قام ونوى وكبر للافتتاح، وإن شاء أن يتربص حتى يقوم الإمام ويستفتح معه، جاز. وإنما لم يعتد بالسجدتين، لأن زيادتهما زيادة ركن، فتبطل الصلاة بها. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بها " (2). ولو كان السجود للركعة الأخيرة، فعل ما قلناه، فإذا سلم الإمام، قام فاستقبل صلاته بنية وتكبير متجدد. ولو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، جاز أن يكبر ويجلس معه في تشهده يتشهد، وإن شاء سكت، فإذا سلم الإمام، قام وبنى على تلك التكبيرة إن كان قد نوى في للافتتاح، وليس ذلك فعلا كثيرا مبطلا، لأنه من أفعال الصلوة لتحصيل فضيلة الجماعة. د: إذا لحقه بعد الركوع قبل السجود فقد قلنا: إنه يكبر للافتتاح ثم يكبر للهوي إلى السجود - وهو أحد وجهي الشافعي (3) - لأنه مأمور بالسجود متابعة للامام، فسن له التكبير، كما لو كان السجود من صلب الصلاة. والثاني: لا يكبر للسجود، لعدم الاعتداد به، وليس متابعا للامام، والتكبير كلا تكبير، بخلاف الركوع المعتد به، والأول أصح عندهم (4).

(1) المجموع 4: 217.
(2) التهذيب 3: 48 / 166. (3 و 4) المهذب للشيرازي 1: 102، حلية العلماء 2: 159.

[ 327 ]

أما لو أدركه في التشهد، فإنه يكبر للافتتاح خاصة، لأن الجلوس عن القيام لم يشرع في الصلاة، فلا تكبير له، فإذا قام الإمام إلى الثالثة، لم يتابعه المأموم في التكبير - خلافا للشافعي - لأنه قيام أول بالنسبة إليه. وقال الشافعي: يكبر متابعة لامامه (1). فإذا صلى ركعتين مع الإمام ثم سلم الإمام، قام إلى ثالثته مكبرا إن قلنا باستحبابه في قيام الثالثة، لأنه يقوم إلى ابتداء ركعة، وبه قال الشافعي (2). ولو أدرك الإمام في التشهد الأخير، كبر وجلس بغير تكبير، فإذا سلم الإمام، قام بغير تكبير، لأنه قد كبر في ابتداء هذه الركعة. وهل يتشهد مع الإمام؟ يحتمل ذلك: لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده متابعة للامام، جاز أن يتبعه في التشهد، وليس واجبا عليه، لأن المتابعة تجب في الأفعال لا في الأذكار. ويحتمل العدم، لأنه ليس بموضع للتشهد. وكلاهما للشافعي (3). ه‍: لو أدركه في التشهد الأول وقعد معه ثم قام الإمام، تابعه المأموم ولا يقرأ دعاء الاستفتاح. ولو كبر المأموم وقصد أن يقعد فقام الإمام قبل أن يقعد المأموم، دعا للاستفتاح. والفرق: أنه وجد منه في الأول الاشتغال بعد الافتتاح بفعل وجب عليه الاتيان به، فلم يبق حكم الاستفتاح، وهنا لم يشتغل بفعل، فيؤمر بدعائه. و: الأقرب: أنه لا تحصل فضيلة الجماعة فيما إذا أدركه بعد رفعه من الركوع الأخير. ويحتمل الادراك، لقول محمد بن مسلم: قلت له: متى يكون يدرك

(1) المجموع 4: 218.
(2) المجموع 4: 218، مغني المحتاج 1: 262.
(3) المجموع 4: 219، مغني المحتاج 1: 261.

[ 328 ]

الصلاة مع الإمام؟ قال: " إذا أدرك الإمام وهو في سجدة الأخيرة من صلاته فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام " (1). وهي مرسلة. مسألة 596: إذا افتتح الصلاة ثم أحس بداخل في المسجد، لم يستحب له الزيادة في التلاوة ليلتحق به الداخل، لأن غرضه يحصل من إدراك الركوع معه، فلو زاد في القراءة، لم يكره، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، روي عنه أنه قال: (إني أحيانا أكون في الصلاة فأفتتح السورة أريد أن أتمها فأسمع بكاء صبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه) (2) فإذا جاز الاختصار رعاية لحق الطفل، جازت الزيادة لحق اللاحق. ولو ظن أنه يفوته الركوع، فالوجه: استحباب زيادة القراءة. ولو أحس بداخل وقد فرغ من القراءة وهو يريد الركوع، فلا يطول قيامه، لحصول غرضه بإدراك الركوع. ولو أحس به وقد رفع من الركوع، أو كان في السجود أو التشهد الأول، لم ينتظر إجماعا، إذ لا غرض فيه، لأن الذي أدرك من الأفعال لا اعتداد به. وإن أحس بداخل وهو في الركوع، استحب له أن يطيل ركوعه ليلتحق به - وبه قال الشعبي والنخعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والشافعي في أحد القولين (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة، وانتظرها حتى أتمت ومضت، وجاءت الأخرى. ومن طريق الخاصة: رواية جابر عن الباقر عليه السلام، وقد سأله إني

(1) التهذيب 3: 57 / 197.
(2) صحيح البخاري 1: 181، صحيح مسلم 1: 343 / 470، وسنن البيهقي 2: 393 بتفاوت.
(3) المغني 2: 66، الشرح الكبير 2: 17، المهذب للشيرازي 1: 103، المجموع 4: 230، فتح العزيز 4: 294، حلية العلماء 2: 162.
(4) صحيح البخاري 2: 17 - 18، صحيح مسلم 1: 574 - 575 / 840.

[ 329 ]

أؤم قوما فأركع ويدخل الناس وأنا راكع فكم أنتظر؟ فقال الباقر عليه السلام: " ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر! انتظر مثلي ركوعك، فإن انقطعوا وإلا فارفع رأسك " (1). ولأنه فعل يقصد به التقرب إلى الله تعالى بتحصيل قربة لمسلم. وقال الشافعي في الآخر: يكره الانتظار - وبه قال مالك وداود وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر والمزني - لأنه يفعل جزءا من الصلاة لأجل آدمي وقد أمر الله تعالى بأن يصلي خالصا له تعالى (2). ونمنع عدم الاخلاص، لأنه تقرب إليه تعالى بتحصيل القربة للداخل وإن قصد به لحوق آدمي الصلاة، فإن الله تعالى أمر بمنافع الآدميين. وقال بعض الشافعية: إن كان يعرف الداخل، لا ينتظره، لأنه لا يخلو من نوع مراءاة، وإن كان لا يعرفه، لم يكره (3). فروع: أ: إنما ينتظر إذا كان قريبا وكان لا يطول الأمر على المأمومين، فأما إذا كان بعيدا وكان في الانتظار تطويل، لم ينتظر. ب: لو أحس بداخل وهو في التشهد الأخير، فالوجه: الانتظار، لأن في إدراك التشهد غرضا صحيحا. ج: لو انتظر، لم تبطل صلاته عندنا، لأنه مستحب، وكذا عند الشافعي على أحد القولين، وعلى الآخر: وجهان (4). مسألة 597: لو دخل المسجد فركع الإمام فخلف؟ فوت الركوع، جاز

(1) التهذيب 3: 48 / 167.
(2) المهذب للشيرازي 1: 103، المجموع 4: 230 و 233، فتح العزيز 4: 293، حلية العلماء 2: 162.
(3) المجموع 4: 230، الوجيز 1: 55، فتح العزيز 4: 292. (4) المجموع 4: 230، فتح العزيز 4: 293، مغني المحتاج 1: 232.

[ 330 ]

أن يكبر ويركع، ويمشي راكعا حتى يلتحق بالصف قبل رفع رأس الإمام أو يأتي آخر فيقف معه، تحصيلا لفضيلة الجماعة. والمشي في الركوع لادراك الصف غير مبطل، وفعل ذلك ابن مسعود وزيد بن وهب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير، وجوزه الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد (1). ومن طريق الخاصة: قول أحدهما عليهما السلام، في الرجل يدخل المسجد فيخاف أن يفوته الركوع، قال: " يركع قبل أن يبلغ القوم، ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم " (2). فروع: أ: لو كان بعيدا من الصف، فإن كان يصح أن ياتم وهو في مكانه، وقف وحده لئلا يفعل فعلا كثيرا، فإن مشى، احتمل الجواز، لأنه من أفعال الصلاة. والمنع، لكثرته ولا تبطل صلاته لو وقف وحده، لما بينا من جوازه. وإن كان لا يصح أن يأتم فيه لبعده، فالوجه: أنه لا يعتد بذلك الركوع، ويصبر حتى يلتحق بالامام في الثانية. وإن كان لا يصح للحائل، لم يجز له أن يشرع حتى يخرج عن الحائل. ب: لو ركع دون الصف ومشى فسجد الإمام قبل التحاقه، سجد على حاله وقام والتحق بالصف، فإن ركع الإمام ثانيا، ركع ومشى في ركوعه، وصحت صلاته. وكرهه الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لما فيه من الانفراد بصف في ركعة تامة (3).

(1) المغني 2: 64، الشرح الكبير 2: 72.
(2) الفقيه 1: 257 / 1166، التهذيب 3: 44 / 154، الاستبصار 1: 436 / 1681.
(3) المجموع 4: 298، وحكاه عنهم المحقق في المعتبر: 245.

[ 331 ]

وقال أحمد: تبطل صلاته (1). وليس بشئ، لقول الصادق عليه السلام: " إذا خفت أن يركع قبل أن تصل إليه، فكبر واركع، فإن رفع رأسه فاسجد مكانك، فإذا قام، فالحق بالصف وإن جلس فاجلس مكانك، فإذا قام، فالحق بالصف " (2). ج: لو رفع رأسه من الركوع ثم دخل الصف، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة، صحت صلاته عندنا، وكرهه مالك والشافعي وأصحاب الرأي (3)، ولا تبطل صلاته، لأن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وآله راكع، فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وآله الصلاة، قال: (أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟) فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (زادك الله حرصا ولا تعد) (4) ولم يأمره بالاعادة. وقال أحمد: إن كان جاهلا بتحريم ذلك، صحت صلاته، وإن علم، لم تصح، لأن قوله عليه السلام لأبي بكرة: (لا تعد) يدل على الفساد (5). وهو بناء على تحريم الانفراد بصف، وقد بينا جوازه، وقوله عليه السلام: (لا تعد) المراد به إلى التأخر. مسألة 598: قد بينا أنه يستحب لمن صلى منفردا إعادة تلك الصلاة

(1) المغني 2: 64، وحكاه عنه أيضا المحقق في المعتبر: 245.
(2) جاء صدر الحديث هنا متفقا مع ما في المعتبر: 245، ومختلفا مع ما في المصادر وصدره فيها هكذا: " إذا دخلت المسجد والامام راكع فظننت أنك أن مشيت إليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر.. ". أنظر الكافي 3: 385 / 5، الفقيه 1: 254 / 1148، التهذيب 3: 44 / 155، الاستبصار 1: 436 / 1682.
(3) أنظر: المغني 2: 64.
(4) سنن أبي داود 1: 182 / 684.
(5) المغني 2: 64 - 65، الشرح الكبير 2: 72.

[ 332 ]

مع الجماعة، تحصيلا لفضيلة الجماعة أية صلاة كانت - وبه قال علي عليه السلام، وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والزهري والشافعي (1) - لأن يزيد بن الأسود العامري قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، حجته فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: (علي بهما) فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟) فقالا يا رسول الله كنا قد صلينا في رحالنا، فقال: (لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنهما لكما نافلة) (2). وأطلق ولم يفرق. وقال أحمد كذلك، ألا أنه قال: لا يصلي العصر والصبح إلا مع إمام الحي دون غيره (3). وقال مالك: إن كان قد صلى وحده، أعادهما جماعة إلا المغرب، وإن صلاها جماعة، لم يعدها (4). وقال الأوزاعي: يصلي ما عدا المغرب والصبح (5). وقال أبو حنيفة: لا يعيد إلا صلاتين: الظهر والعشاء (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 102، فتح العزيز 4: 296، المجموع 4: 223 و 225، حلية العلماء 2: 160.
(2) سنن أبي داود 1: 157 / 575، سنن الترمذي 1: 424 - 425 / 219، سنن النسائي 2: 112 - 113، سنن البيهقي 2: 301.
(3) حلية العلماء 2: 161، المغني 1: 786، الشرح الكبير 2: 6 و 7.
(4) حلية العلماء 2: 161، الكافي في فقه أهل المدينة: 50.
(5) حلية العلماء 2: 161.
(6) حلية العلماء 2: 161، المجموع 4: 225، فتح العزيز 4: 298، المغني 1: 786، الشرح الكبير 2: 7.

[ 333 ]

واحتجوا: بقوله عليه السلام: (لا تصلى صلاة في اليوم مرتين) (1). وقال: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس) (2) والمغرب وتر لا يتنفل بها (3). والخبر لا حجة فيه، لأنه لا يصليهما على أنهما واجبتان. والنهي بعد العصر محمول على ما لا سبب له. ونمنع انتفاء التنفل بالوتر. وقال بعض الشافعية: يضيف إليها رابعة، ورووه عن حذيفة بن اليمان (4). وليس بشئ. فروع: أ: هل يستحب لمن صلى جماعة إعادة صلاته في جماعة أخرى؟ قال الشافعي: نعم (5) وعموم قول الصادق عليه السلام، في الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة، أيجوز أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: " نعم وهو أفضل " (6). ويحتمل العدم، لأن المطلوب حصل أولا، وهو: إدراك فضيلة الجماعة، وإنما سوغنا الاعادة، استدراكا لمصلحة الجماعة، وهو إنما يتحقق في المنفرد. ب: لو صلى في جماعة ثم حضر واحد وأراد الصلاة، استحب له أن يصلي معه جماعة إماما أو مأموما، تحصيلا لفضيلة الجماعة للحاضر. ج: هل يستحب التكرار ثلاثا فما زاد؟ إشكال، أقربه: المنع. د: الوجه: أن الفرض هو الأولى، والثانية سنة - وبه قال أبو حنيفة وأحمد

(1) سنن أبي داود 1: 158 / 579 وفيه: (لا تصلوا..).
(2) سنن أبي داود 2: 24 / 1276، صحيح مسلم 1: 567 / 827.
(3) أنظر: المغني 1: 786، والشرح الكبير 2: 7.
(4) المجموع 4: 225، حلية العلماء 2: 160 - 161.
(5) المهذب للشيرازي 1، 102، المجموع 4: 223 و 225، حلية العلماء 2: 161.
(6) التهذيب 3: 50 / 175.

[ 334 ]

والشافعي في الجديد (1) - لقوله عليه السلام: (فتكون لكم نافلة) (2). وقول الصادق عليه السلام، لما حكم باستحباب الاعادة، قلت: فإن لم يفعل؟ قال: " ليس به بأس " (3). ولأن الأولى قد سقط بها الفرض، ولهذا لم يجب أن يصلي ثانيا. ولأنه صلى المأمور به على وجهه، فيخرج عن العهدة. وقال في القديم: يحتسب الله له بأيهما شاء، لأنه استحب إعادة الفريضة ليكملها بالجماعة، فلو كانت الثانية نافلة، لم تستحب لها الجماعة (4). وليس بجيد، فإن الجماعة (5) استحبت، لأن الجماعة سببها. وفي رواية عن الصادق عليه السلام، في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة، قال: " يصلي معهم ويجعلها الفريضة " (6). وهي محموله على ما إذا دخل في الصلاة ثم حضرت الجماعة، فإنه يعدل بنيته إلى النفل، ثم يجعل الثانية هي الفريضة. ه‍: إذا جعلنا الثانية نفلا، فالأقرب: أنه ينوي النفل لأن الفعل يقع نفلا فكيف نأمره بنية الفرض!؟ وهو أحد قولي الشافعية، وأصحهما عندهم: أنه ينوي الفرض، لأن القصد إدراك فضيلة الجماعة، ولا تشرع الجماعة في

(1) المهذب للشيرازي 1: 102، المجموع 4: 224، فتح العزيز 4: 301، حلية العلماء 2: 161، الشرح الكبير 2: 8، المغني 1: 788.
(2) سنن النسائي 2: 113، سنن الترمذي 1: 425 / 219، مسند أحمد 4: 161 بتفاوت فيها.
(3) التهذيب 3: 50 / 175.
(4) المهذب للشيرازي 1: 102، المجموع 4: 223 - 224، فتح العزيز 4: 301، حلية العلماء 2: 162.
(5) أي: صلاة الجماعة.
(6) الكافي 379 / 1، الفقيه 1: 251 / 1132، التهذيب 3: 50 / 176.

[ 335 ]

النوافل (1). وليس بجيد، لأنهم سلموا أنها نفل. مسألة 599: إذا بلغ الطفل سبع سنين، كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة، ويعلمه الجماعة وحضورها، ليعتادها، لأن هذا السن يحصل فيه التمييز من الصبي في العبادة، وإذا بلغ عشر سنين، ضرب عليها - وإن كانت غير واجبة - لاشتماله على اللطف، وهو: الاعتياد والتمرن. قال صلى الله عليه وآله: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (2). وكذا يفعل ولي الصبي ووصيه. وقال الصادق عليه السلام: " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، فإنا نأمر أولادنا بالصلاة وهم أبناء خمس، ونضربهم عليها وهم أبناء سبع " (3). وعن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا بلغ الصبي سبع سنين أمر بالصلاة، فإذا بلغ عشرا، ضرب عليها، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة، فرقوا بينهم في المضاجع، فإذا بلغ ثمانية عشر، علم القرآن، فإذا بلغ إحدى وعشرين، انتهى طوله، فإذا بلغ ثمانية وعشرين، كمل عقله، فإذا بلغ ثلاثين، بلغ أشده، فإذا بلغ أربعين، عوفي من البلوى الثلاث: الجذام والجنون والبرص، فإذا بلغ الخمسين، حببت إليه الانابة، فإذا بلغ الستين، غفرت ذنوبه، فإذا بلغ السبعين، عرفه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين، كتبت الحسنات ولم تكتب السيئات، فإذا بلغ التسعين، كتب: أسير الله في

(1) فتح العزيز 4: 303.
(2) مسند أحمد 2: 180 و 187، سنن الدار قطني 1: 230 / 2 و 3، سنن البيهقي 2: 229.
(3) الكافي 3: 409 / 1، الفقيه 1: 182 / 861، التهذيب 2: 380 / 1584، الاستبصار 1: 409 / 1564 بتفاوت واختصار فيها.

[ 336 ]

أرضه، فإذا بلغ المائة، شفع في سبعين من أهل بيته وجيرانه ومعارفه) (1). إذا ثبت هذا، فإن الصلاة لا تجب إلا مع البلوغ، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية (2)، لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثه... عن الصبي حتى يبلغ الحلم) (3). وفي رواية عن أحمد: إذا بلغ عشر سنين، وجبت عليه الصلاة، لأنه أمر بضربهم عليها، والأمر بالضرب لمصلحة الاعتياد، كما يضرب للتأديب (4). مسألة 600: إذا شرع في نافلة فأحرم الإمام، قطعها إن خشي الفوات، تحصيلا لفضيلة الجماعة، سواء خاف فوت النافلة، أو لا، ولو لم يخف الفوات، أتم النافلة ثم دخل في الفريضة. ولو كان في فريضة، استحب له أن ينقل النية إلى النفل، ويتمها اثنتين استحبابا، ثم يدخل معه في الصلاة، عند علمائنا - وهو أحد قولي الشافعي (5) - للحاجة إلى فضل الجماعة. ولما رواه سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الإمام وقد صلى ركعة من فريضة، قال: " إن كان إماما عدلا فليصل أخرى ولينصرف وليجعلهما تطوعا، ويدخل مع الإمام في صلاته " (6).

(1) أورد نحوه بتفاوت واختصار: الصدوق في الخصال: 546 - 547 / 28، والهيثمي في مجمع الزوائد 10: 204 - 206.
(2) المغني 1: 445، الشرح الكبير 1: 414.
(3) سنن أبي داود 4: 140 - 141 / 4402، سنن الترمذي 4: 32 / 1423، سنن ابن ماجة 1: 658 / 2041، سنن الدارمي 2: 171، مسند أحمد 6: 100 - 101 باختلاف في لفظ الحديث.
(4) المغني 1: 445، الشرح الكبير 1: 414.
(5) المجموع 4: 208.
(6) الكافي 3: 380 / 7، التهذيب 3: 51 / 177.

[ 337 ]

وفي الآخر للشافعي: إذا نقل نيته من الفرض إلى النفل، بطل الفرض، ولم يحصل له النفل، لأنه لم ينوه في جميع الصلاة (1). وليس بجيد، لأن نية النفل دخلت في نية الفرض فقد وجدت في جميع الصلاة. فروع: أ: لو كان الإمام ممن لا يقتدى به، استمر على حاله، لأنه ليس بمؤتم في الحقيقة. ولقول الصادق عليه السلام: " وإن لم يكن إمام عدل، فليبن على صلاته كما هو، ويصلى ركعة أخرى معه يجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة، وليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله تعالى " (2). ب: لو كان في فريضة وأحرم إمام الأصل، قطعها واستأنف الصلاة معه، لما فيه من المزية المقتضية للاهتمام بمتابعته. ج: لو تجاوز في الفريضة الاثنتين ثم أحرم الإمام، فإن كان إمام الأصل، قطعها، لما تقدم، وإلا فالأقرب: الاتمام ثم الدخول معه معيدا لها نافلة، إذ مفهوم الأحاديث يدل على أن العدول إلى النفل في الركعتين. د: لو ابتدأ بالنافلة فأحرم الإمام بالفرض، قال الشيخ رحمه الله: إن علم أنه لا يفوته الفرض معه، تمم نافلته، وإن علم فوات الجماعة، قطعها

(1) المجموع 4: 212.
(2) الكافي 3: 380 / 7، التهذيب 3: 51 / 177.

[ 338 ]

ودخل في الفريضة (1). وهذا يحتمل وجهين: أحدهما، وهو الأظهر في اللفظ: أنه لو علم فوات الجماعة حتى في الركعة الأخيرة، قطعها، وإن علم عدم الفوات بأن يلحق ركوع الأخيرة مثلا، أتم النافلة. والثاني: أنه إذا خاف فوات ركعة ما، قطع النافلة، محافظة للجماعة. فيها ولئلا يصير مسبوقا، فيخالف الإمام في بعض أفعاله. قال الشيخ: وإن أحرم الإمام بالفريضة قبل أن يحرم المأموم بالنافلة فإنه يتبعه بكل حال ويصلي النافلة بعد الفريضة سواء كان مع الإمام في المسجد أو خارجا منه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة وإن كان في المسجد فكقولنا، وإن كان خارجا منه: فإن خاف فوت الثانية دخل معه كما قلناه وإن لم يخف فواتها تمم ركعتين نافلة، ثم دخل المسجد فصلى معه (2). ه‍: لو ابتدأ بقضاء الظهر وشرع الإمام في صلاة الصبح، وخاف إن تمم ركعتين نافلة، فاتته الصلاة مع الإمام، فإن كان إمام الأصل، أبطل صلاته، وإلا فالوجه: إتمام القضاء وتفويت الجماعة، لأن استدراكها بنقل النية من الفرض إلى النفل، ولا يحصل الاستدراك بذلك هنا، فيبقى وجوب الاتمام سالما عن المعارض. مسألة 601: يستحب للامام أن يخفف صلاته بتخفيف الأذكار، ويكمل أفعالها مثل ركوعها وسجودها وقيامها، لأن أنسا قال: ما صليت خلف أحد قط أخف ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وآله (3).

(1) الخلاف 1: 565، المسألة 318، المبسوط للطوسي 1: 157.
(2) الخلاف 1: 565، المسألة 318، وانظر المجموع 4: 56 - 57 و 212 وحلية العلماء 2: 121.
(3) صحيح البخاري 1: 181، سنن البيهقي 3: 114.

[ 339 ]

وقال عليه السلام: (من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء) (1). ولو أحب المأمومون خلفه التطويل، جاز وكان أولى، لقوله عليه السلام: (أفضل الصلاة ما طال قنوتها) (2). مسألة 602: لا تجب على المأموم القراءة، سواء كانت الصلاة جهرية أو إخفاتية، وسواء سمع قراءة الإمام أو لا، ولا تستحب في الجهرية مع السماع، عند علمائنا أجمع وبه قال علي عليه السلام، وسعيد بن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب الزهري والنخعي والثوري وابن عيينة ومالك وابن المبارك وإسحاق وأحمد وأصحاب الرأي، وكثير من السلف (3) - لقوله تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } (4) نزلت في شأن الصلاة (5). قال زيد بن أسلم وأبو العالية: كانوا يقرؤن خلف الإمام فنزلت { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } (6). وقال عليه السلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ

(1) صحيح البخاري 1: 180، سنن أبي داود 1: 211 / 794، سنن النسائي 2: 94.
(2) صحيح مسلم 1: 520 / 756 بتفاوت.
(3) المغني 1: 636 و 640 - 641، الشرح الكبير 2: 12 و 13، المجموع 3: 365، حلية العلماء 2: 88.
(4) الأعراف: 204.
(5) أنظر: مجمع البيان 2: 514 - 515، والتبيان 5: 67 - 68، وتفسير أبي السعود 3: 310، وتفسير القرطبي 7: 354.
(6) أحكام القران للجصاص 3: 39، أسباب النزول للواحدي -: 131، والمغني 1: 637.

[ 340 ]

فأنصتوا) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا كنت خلف إمام تتولاه وتثق به فإنه تجزئك قراءته، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه، فإذا جهر فأنصت قال الله تعالى: { وأنصتوا لعلكم ترحمون } (2). قال أحمد: ما سمعنا أحدا من أهل الاسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، هذا النبي صلى الله عليه وآله، والصحابة والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر ما قالوا لرجل صلى خلف إمام قرأ إمامه ولم يقرأ هو: إن صلاته باطلة (3). ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق فلا تجب على غيره. وللشافعي قولان: أحدهما: أن المأموم كالمنفرد فيما يسر به، ولا يقرأ فيما يجهر به. وأصحهما عنده: أن المأموم يقرأ فيما أسر وجهر - وبه قال الليث والأوزاعي وأبو ثور، واختاره ابن المنذر - لأن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله، الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: (إني لأراكم تقرؤن وراء إمامكم) قلنا: أجل، قال: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) (4). ولأنه يلزمه قيام القراءة، فلزمته القراءة كالمنفرد (5).

(1) نقله ابن قدامة في الشرح الكبير 2: 14 نقلا عن سعيد بن منصور.
(2) التهذيب 3: 33 / 120.
(3) المغني 1: 638، الشرح الكبير 2: 14. (4) سنن الترمذي 2: 116 - 117 / 311، سنن البيهقي 2: 164، مسند أحمد 5: 316 و 322.
(5) المجموع 3: 365، الوجيز 1: 42، فتح العزيز 3: 309 - 311، حلية العلماء 2: 88، المغني 1: 636 - 637، الشرح الكبير 2: 14.

[ 341 ]

والحديث محمول على غير المأموم، فإن المأموم في حكم القارئ. ويبطل القياس بالمسبوق. فروع: أ: قال الشيخان: لا يجوز أن يقرأ المأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الإمام ولو همهمة (1)، لقول الصادق عليه السلام: " من رضيت به فلا تقرأ خلفه " (2). وقال عليه السلام: " وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ " (3). والنهي للتحريم ويحتمل الكراهة. ب: لو لم يسمع القراءة في الجهرية ولا همهمة، فالافضل القراءة، لا واجبا لقول الصادق عليه السلام: " إذا كنت خلف من ترتضي به في صلاة يجهر بها فلم تسمع قراءته فاقرأ، فإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ " (4). وعن الكاظم عليه السلام، في الرجل يصلي خلف من يقتدى به يجهر بالقراءة، فلا يسمع القراءة، قال: " لا بأس إن صمت وإن قرأ " (5). وهو يدل على نفى وجوب القراءة. وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عينية: لا يقرأ المأموم بحال (6). وقال مالك وأحمد وإسحاق وداود: لا يقرأ فيما جهر فيه، ويقرأ فيما أسر

(1) المبسوط للطوسي 1: 158، وحكى قول الشيخ المفيد، المحقق في المعتبر: 239.
(2) التهذيب 3: 33 / 118، الاستبصار 1: 428 / 1653. (3 و 4) الكافي 3: 377 / 4، التهذيب 3: 33 / 117، الاستبصار 1: 428 / 1652.
(5) التهذيب 3: 34 / 122، الاستبصار 1: 429 / 1657.
(6) اللباب 1: 78، حلية العلماء 2: 88، المغني 1: 640، الشرح الكبير 2: 12 و 13.

[ 342 ]

فيه استحبابا (1)، لقوله عليه السلام: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) (2). ونحن نقول بموجبه. ج: الاصم إن كان بعيدا قرأ استحبابا في الجهرية، لعدم السماع في حقه، وإن كان قريبا قرأ مع نفسه، لئلا يشتغل غيره عن السماع. د: كما أن المأموم لا يقرأ كذا لا يستفتح ولا يستعيذ، لأن الاستعاذة شرعت لأجل القراءة، فإذا سقط الأصل سقط التبع، وإذا سقطت القراءة المؤكدة لئلا يشتغل عن الاستماع، فالاستفتاح أولى. ولو سكت الإمام قدرا يتسع للاستفتاح أو استفتح، فالوجه: أنه يستفتح ولا يستعيذ، لامكان الاستفتاح مع زوال المانع. ه‍: لو كانت الصلاة سرا، قال الشيخ رحمه الله: تستحب قراءة الحمد خاصة (3). وبه قال عبد الله بن عمر، ومجاهد والحسن والشعبي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والحكم وأحمد (4). وقال علي عليه السلام، وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة - هولاء التسعة من الصحابة -: لا يقرأ في الجهرية ولا في الاسرار، وبه قال ابن سيرين والثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي (5)، لعموم قوله عليه السلام: (من كان له إمام فقراءة الإمام له

(1) المغني 1: 636 و 639، الشرح الكبير 2: 13، حلية العلماء 2: 88. (2) سنن ابن ماجة 1: 277 / 850، سنن الدار قطني 1: 323 / 1، سنن البيهقي 2: 160.
(3) النهاية: 113.
(4) المغني 1: 639 - 640، الشرح الكبير 2: 13.
(5) المغني 1: 636 و 640، الشرح الكبير 2: 12 و 13.

[ 343 ]

قراءة) (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا كان مأمونا على القراءة فلا تقرأ خلفه في الأولتين " (2). احتج الشيخ: بقول الصادق عليه السلام: " أما الذي يجهر فيها فإنما أمرنا بالجهر لينصت من خلفه، فإن سمعت فأنصت، وإن لم تسمع فاقرأ " (3). وهو يعطي استحباب القراءة في الاخفاتية. و: لا تستحب القراءة في سكتات الإمام، لقول الصادق عليه السلام: " لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الإمام " وقد سئل: أيقرأ الرجل في الأولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ (4). وقال أكثر الجمهور إلا الثوري وأصحاب الرأي: للامام سكتتان يستحب أن يقرأ فيهما (5). والنهي عام. إذا ثبت هذا فلو قرأ بعض الفاتحة فقرأ الإمام، سكت هو، ثم قرأ بقية الفاتحة في السكتة الأخرى، وهو لا يجئ على قولنا. ز: لو لم يقرأ مطلقا صحت صلاته عند علمائنا - وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الزهري والنخعي والثوري ومالك وأحمد وأصحاب الرأي (6) - لقوله عليه السلام: (من كان له إمام فقراءته له قراءة) (7).

(1) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الفرع " ب ".
(2) التهذيب 3: 35 / 124.
(3) الكافي 3: 377 / 1، التهذيب 3: 32 / 114، الاستبصار 1: 427 / 1649.
(4) التهذيب 3: 33 / 119، الاستبصار 1: 428 / 1654.
(5) المغني 1: 639، الشرح الكبير 2: 13، المحلى 3: 238.
(6) المغني 1: 636، الشرح الكبير 2: 12، حلية العلماء 2: 88.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 1: 376، مسند أحمد 3: 339.

[ 344 ]

وقال الشافعي وداود: تجب القراءة (1) لعموم الأخبار. وأخبارنا أخص. ح: لا يشرع للمأموم الاجهار في شئ من الصلوات إجماعا، فإن قضى الصلاة في جماعة، فإن كانت صلاة الظهرين، أسر، سواء قضاها ليلا أو نهارا إجماعا. وإن كانت صلاة ليل فقضاها ليلا جهر، وإن قضاها نهارا فكذلك - وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر (2) - لأن القضاء كالاداء. وهي رواية عن أحمد. وعنه أخرى: جواز الاسرار - وهو مذهب الأوزاعي والشافعي - لأنها صلاة نهار (3). وهو ممنوع. ط: لو كان الإمام ممن لا يقتدى به، وجب أن يقرأ المأموم ولو سرا مع نفسه في الجهرية، للضرورة. وقال الصادق عليه السلام: " تجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس " (4). فإن لم يتمكن من قراءة السورة، فالأقوى الاجتزاء بالفاتحة. ولو عجز عن إكمال الفاتحة فالوجه إعادة الصلاة. مسألة 603: يجب أن يتابع إمامه في أفعال الصلاة، لقوله عليه السلام: (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به) (5). وروي عنه عليه السلام: (أما يخشى الله الذي يرفع رأسه والامام ساجد

(1) المجموع 3: 365، حلية العلماء 2: 88، المغني 1: 641، الشرح الكبير 2: 12. (2 و 3) المغني 1: 643، الشرح الكبير 1: 570.
(4) الكافي 3: 315 / 16، الفقيه 1: 260 / 1185، التهذيب 2: 97 / 366 و 3: 36 / 128، الاستبصار 1: 321 / 1197 و 430 / 1662.
(5) صحيح البخاري 1: 177 و 187، صحيح مسلم 1: 309 - 310 / 414، سنن الترمذي 2: 194 / 361، سنن النسائي 2: 98 بتفاوت يسير.

[ 345 ]

أن يحول الله رأسه رأس حمار) (1). ولأنه تابع له، فلا يسبقه. وبه قال الشافعي (2). إذا عرفت هذا، فلو رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإمام ناسيا، عاد معه، وإن كان عامدا أو خلف من لا يقتدى به، استمر، لأن النسيان يسقط معه اعتبار الزيادة. ولأن أبا الحسن عليه السلام، سئل عمن ركع إمام يقتدى به، ثم رفع رأسه قبل الإمام، قال: " يعيد ركوعه " (3). وعن الصادق عليه السلام، في الرجل يرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود، قال: " فليسجد " (4). ولا تعد هذه زيادة في الحقيقة، لأن فعل المأموم تابع لفعل الإمام وهو واحد، فكذا فعل المأموم. وهل العود واجب؟ الأقرب: المنع. أما مع العمد: فإنه يجب عليه الصبر، ولا يجوز له الرجوع، وإلا زاد ركنا، ولا عذر هنا. ولقول الصادق عليه السلام، في الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أيعود يركع إذا أبطأ الإمام؟ قال: " لا " (5). وكذا لو كان الإمام ممن لا يقتدى به، لأنه كالمنفرد، فيقع ركوعه وسجوده في محله، فلا يسوغ له العود في العمد والنسيان. وقال الشافعي: إن ركع قبل إمامه رجع إلى القيام حتى يركع مع

(1) صحيح البخاري 1: 177، صحيح مسلم 1: 320 / 427، سنن البيهقي 2: 93.
(2) المجموع 4: 234.
(3) التهذيب 3: 47 / 163، الاستبصار 1: 438 / 1688، والفقيه 1: 258 / 1172.
(4) التهذيب 3: 48 / 165، والفقيه 1: 258 / 1173.
(5) التهذيب 3: 47 / 164، الاستبصار 1: 438 / 1689، والكافي 3: 384 / 14.

[ 346 ]

إمامه، فإن ثبت حتى يركع الإمام، أجزأه، فإن رفع قبل إمامه، عاد إلى الركوع معه، فإن ثبت قائما حتى رفع إمامه واعتدل، جاز، لأنه خالفه في ركن واحد، وإن سجد قبل أن يرفع إمامه، فقد خالفه بركنين، فإن كان عالما، بطلت صلاته، وإن كان جاهلا بأن هذا لا يجوز، لم تبطل، ولم يعتد بهذه الركعة (1). تذنيب: أطلق الأصحاب الاستمرار مع العمد. والوجه التفصيل، وهو: أن المأموم إن سبق إلى ركوع بعد فراغ الإمام من القراءة استمر وإن كان قبل فراغه ولم يقرأ المأموم، أو قرأ ومنعناه منها، أو قلنا: إن المندوب لا يجزئ عن الواجب، بطلت صلاته، وإلا فلا. وإن كان إلى رفع أو سجود أو قيام عن تشهد، فإن كان بعد فعل ما يجب عليه من الذكر، استمر وإن لم يفرغ إمامه منه، وإن كان قبله، بطلت وإن كان قد فرغ إمامه. مسألة 604: لو فرغ المأموم من القراءة قبل الإمام استحب له أن يسبح، تحصيلا لفضيلة الذكر، ولئلا يقف صامتا. ولقول الصادق عليه السلام، لما سأله زرارة: أكون مع الإمام فأفرغ من القراءة قبله، قال: " أمسك آية ومجد الله تعالى وأثن عليه فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع " (2). إذا عرفت هذا، فإنه يستحب أن يمسك عن قراءة الآية الأخيرة من السورة إلى أن يفرغ الإمام ثم يتم القراءة ليركع عن قراءة. ولدلالة الحديث عليه. والظاهر أن هذا فيما يخافت الإمام فيه لا فيما يجهر فيه بالقراءة، لأن

(1) الأم 1: 112، فتح العزيز 4: 393 - 394، المجموع 4: 237.
(2) الكافي 3، 373 / 1، التهذيب 3: 38 / 135، المحاسن: 326 / 73.

[ 347 ]

الانصات هناك أفضل من القراءة، أو أن يكون الإمام ممن لا يقتدى به. مسألة 605: يستحب للامام أن يسمع من خلفه، القراءة والتشهد وذكر الركوع والسجود، لقول الصادق عليه السلام: " ينبغي للامام أن يسمع من خلفه كل ما يقول، ولا ينبغي لمن خلفه أن يسمعه شيئا مما يقول " (1). ويستحب للامام أن لا يبرح من مكانه حتى يتم المسبوق ما فاته، لأن إسماعيل بن عبد الخالق سمعه يقول: " لا ينبغي للامام أن يقوم إذا صلى حتى يقضي كل من خلفه ما فاته من الصلاة " (2). ويكره التنفل بعد الإقامة، لأنه وقت القيام إلى الفريضة، فلا يشغله بغيرها. مسألة 606: يصح أن يكبر المأموم بعد تكبير الإمام، وهل يصح معه؟ إشكال ينشأ من تحقق المتابعة معه أو لا. أما لو كبر قبله فإنه لا يصح قطعا، ولا بأس بالمساوقة في غير التكبير من الأفعال. ولو ركع الإمام ولم يركع المأموم حتى رفع الإمام رأسه، لم تبطل صلاته وإن تأخر عنه بركن كامل بخلاف التقدم للنهي عن التقدم ولو تأخر عنه بركنين، ففي الابطال نظر. إذا عرفت هذا، فإن المأموم يكون مدركا لتكبيرة الاحرام بشهود تكبيرة الإمام والاشتغال عقيبها بعقد الصلاة، وهو أحد وجوه الشافعية، ولهم ثان: بإدراك الركوع الأول، وثالث: بإدراك شئ من القيام الأول، ورابع: إن اشتغل بأمر دنياوي، لم يكن بإدراك الركوع مدركا لها، وإن اشتغل بطهارة وشبهها، أدركها بإدراك الركوع (3).

(1) التهذيب 3: 49 / 170.
(2) التهذيب 3: 49 / 169.
(3) المجموع 4: 206 - 207، فتح العزيز 4: 290.

[ 349 ]

الفصل الثاني: في صلاة السفر وفيه مطالب: الأول: في القصر ومحله مسألة 607: أجمع المسلمون كافة على جواز القصر في السفر في الرباعية لقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } (1) وقصر النبي صلى الله عليه وآله، في أسفاره حاجا وغازيا (2). ولا خلاف بين المسلمين فيه، حتى لو جحد جاحد جواز القصر في السفر كفر. مسألة 608: محل القصر الصلاة والصوم. أما الصلاة ففي الفرائض: الصلوات الرباعية التي هي الظهر والعصر والعشاء خاصة. وفي النوافل نوافل الظهرين والوتيرة مع الأداء في السفر، ولا قصر في غير ذلك إجماعا. والقصر في الرباعية بحذف الشطر الأخير فيقتصر على الأولتين منها،

(1) النساء: 101.
(2) أنظر على سبيل المثال: سنن أبي داود 2: 9 / 1229 و 10 / 1230 - 1233 و 11 / 1235، وسنن الترمذي 2: 430 / 545، وسنن البيهقي 3: 135 و 136.

[ 350 ]

ولا يجوز النقصان عن ذلك إجماعا. وحكى عن عبد الله بن عباس أنه قال: في سفر إلا من يقصر إلى ركعتين وفي سفر الخوف يقصر إلى ركعة (1). وليس بجيد، لأن غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وآله كان مع الخوف ولم ينقص عن الركعتين. ولا مدخل للمغرب والصبح في القصر إجماعا. ولأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله، القصر فيهما. ولأن الصبح شفع في الأصل، فلو قصر، صار وترا. والمغرب وتر في الأصل، ولا يمكن تنصيفه ولا رده إلى ركعتين، لئلا يخرج عن أصالته وهي كونه وترا، ولا إلى ركعة، لأدائه إلى ترك الأكثر. مسألة 609: محل التقصير الأداء، أما القضاء فعلى حسب ما فات. وتحقيقه: أنه إذا ترك رباعية في الحضر ثم ذكرها في الحضر، قضاها تماما إجماعا، سواء تخلل السفر بين الوقتين أو لا، لانتفاء العذر وقت استقرارها. وإن ذكرها في السفر فكذلك بغير خلاف نعلمه إلا شيئا اختلف فيه عن الحسن البصري، فروى الأشعث عنه: اعتبار حال الفعل. وروى يونس عنه: اعتبار حال الترك (2). وعن المزني: أنه يقصر، لأنه لو ترك صلاة وهو صحيح ثم قضاها مريضا، فإنه يأتي على حسب حاله (3).

(1) صحيح مسلم 1: 479 / 687، سنن النسائي 3: 119، سنن البيهقي 3: 135.
(2) المجموع 4: 370، حلية العلماء 2: 201 - 202، الميزان للشعراني 1: 183، رحمة الأمة 1: 76.
(3) المجموع 4: 367 و 369 و 370، فتح العزيز 4: 458، المهذب للشيرازي 1: 111، حلية العلماء 2: 202، الميزان للشعراني 1: 183، رحمة الأمة 1: 76.

[ 351 ]

وهو خطأ فإن الأفعال تترك بالعجز، والعدد يترك للترخص. ولأنه لو أخر، أدى إلى التعزير بالفريضة والاتمام ممكن في الحال، وهذه قد تعين فعلها عليه أربعا فلا يجوز النقصان كما لو لم يسافر أو كانت نذرا. ولأن التقصير منه فلا يناسب الرخصة. وإن تركها في السفر ثم ذكرها في السفر، فإنه يصليها قصرا إجماعا منا - وهو أحد قولي الشافعي (1) - لوجود العذر حال الوجوب والفعل، فأشبه ما لو فعلها في الوقت، وسواء تخلل بين هذين السفرين حضر، أو لا. وفي الآخر للشافعي: التمام، لأن صلاة السفر مقصورة من أربع إلى ركعتين، فكان من شرطها الوقت، كالجمعة (2). والفرق: أن الجمعة لا تقضى، ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان، فجاز اشتراط الوقت، بخلاف صورة النزاع. وإن ذكرها في الحضر وجب أن يقضيها قصرا فيه عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والحسن البصري وحماد (3) - لأن القضاء معتبر بالأداء، وإنما يقضى ما فاته ولم يفته إلا الركعتان، وقال عليه السلام: (من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته) (4). وقال الشافعي في القديم: يجوز القصر. وفي الجديد: يجب التمام

(1) المهذب للشيرازي 1: 111، المجموع 4: 367، فتح العزيز 4: 458، حلية العلماء 2: 202.
(2) المهذب للشيرازي 1: 111، المجموع 4: 367، فتح العزيز 4: 458.
(3) المدونة الكبرى 1: 119، الشرح الصغير 1: 170، اللباب 1: 109، المجموع 4: 370، حلية العلماء 2: 202، الميزان للشعراني 1: 183، المغني 2: 127، الشرح الكبير 2: 102.
(4) أورده المحقق في المعتبر: 254.

[ 352 ]

- وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود - لأن القصر رخصة من رخص السفر، فيسقط بزواله، كما لو قدم قبل أن يفطر (1). وسيأتي أن القصر عزيمة (2). مسألة 610: لو خرج إلى السفر بعد دخول الوقت، ومضى قدر الطهارة والصلاة أربعا قبل أن يصلي، فالأقرب عندي: وجوب الاتمام - وهو القديم للشافعي، ورواية عن أحمد (3). قال المزني: وهو أولى بأصل الشافعي (4) - لقول الصادق عليه السلام، لبشير النبال وقد خرج معه حتى أتيا الشجرة: " يا نبال " قلت: لبيك، قال: " إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك، وذلك أنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج " (5). ولأن الأربع وجبت عليه، واستقرت في ذمته، لما بينا من أن الفعل واجب في جميع أجزاء الوقت ولهذا لو أدركت هذا الوقت ثم حاضت لم يسقط عنها الفرض، وكذا المغمى عليه. وقال الشيخ رحمه الله: يجوز له القصر، ويستحب له الاتمام لقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض } (6) (7). وبه قال مالك والأوزاعي

(1) المهذب للشيرازي 1: 110 - 111، فتح العزيز 4: 459، مختصر المزني: 25، حلية العلماء 2: 202، رحمة الأمة 1: 76، المغني 2: 127، الشرح الكبير 2: 102.
(2) يأتي في المسألة 612.
(3) المجموع 4: 369، المغني 2: 128، الشرح الكبير 2: 102.
(4) مختصر المزني: 24.
(5) الكافي 3: 434 / 3، التهذيب 3: 161 / 349 و 224 / 563، الاستبصار 1: 240 / 855.
(6) النساء: 101.
(7) الخلاف 1: 577 - 578، المسألة 332.

[ 353 ]

والشافعي وأصحاب الرأي (1). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، لأنه سافر قبل خروج وقتها، أشبه ما لو سافر قبل وجوبها (2). ولأنه مؤد للصلاة، فوجب أن يؤديها بحكم وقت فعلها، كما لو كان في أول الوقت. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله إسماعيل بن جابر، قلت: يدخل وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلى حتى أخرج، قال: " صل وقصر فإن لم تفعل فقد والله خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله " (3). قال الشيخ: وإذا اختلفت الأخبار حملنا هذه (4) على الاستحباب، والأولى (5) على الإجزاء (6). والجواب: الفرق ظاهر، فإن المسافر قبل الوقت لم يجب عليه شئ، والأداء لما ثبت في الذمة وقد ثبت الأربع بمضي وقتها، فلا اعتبار بالمتجدد من العذر المسقط للبعض، كالمسقط للجميع. والرواية محمولة على ما لو خرج قبل مضي الوقت. وجمع الشيخ ليس بجيد، لدلالة الأولى على وجوب الاتمام وهذه على وجوب القصر، فليس وجه الجمع إلا ما قلناه. وللشافعية وجه آخر: الفرق بين أن يسافر وقد بقي في الوقت سعة،

(1) المدونة الكبرى 1: 119، المهذب للشيرازي 1: 111، المجموع 4: 368، فتح العزيز 4: 459، حلية العلماء 2: 203، المغني 2: 128، الشرح الكبير 2: 102.
(2) المغني 2: 128، الشرح الكبير 2: 102.
(3) الفقيه 1: 283 / 1288، التهذيب 2: 13 / 29 و 3: 163 / 353 و 222 / 558، الاستبصار 1: 24 / 856.
(4) وهي رواية بشير النبال، المتقدمة.
(5) وهي رواية إسماعيل بن جابر.
(6) الخلاف 1: 578، المسألة 332.

[ 354 ]

وبين أن يبقى قدر أربع، لأنه إذا تضيق الوقت، تعين عليه صلاة الحضر (1). فروع: أ: لو دخل الوقت وهو مسافر ثم حضر قبل أن يصلي والوقت باق، وجب عليه الاتمام - وهو قول واحد للشافعي (2) - لانتفاء سبب الرخصة. ولقول الصادق عليه السلام، لاسماعيل بن جابر وقد سأله يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلى حتى أدخل أهلي: صل وأتم " (3). وقال الشيخ: إن بقي مقدار ما يصلي على التمام، أتم وإلا قصر. وكذا قال في الأولى أيضا في المبسوط والنهاية (4). ب: لو سافر وقد بقي من الوقت مقدار ركعة أو ركعتين، قال الشيخ: فيه خلاف بين أصحابنا، فمن قال: إن الصلاة تكون أداء بإدراك ركعة، وهو - الأظهر - أوجب القصر، لادراك الوقت مسافرا. ومنهم من يقول: إن بعضها أداء والباقي قضاء، فلا يجوز له القصر، لأنه غير مؤد لجميع الصلاة في الوقت (5). وللشافعية كالقولين (6). وعلى ما اخترناه نحن يجب الاتمام. ج: لو سافر وقد بقي من الوقت أقل من ركعة، وجب عليه القضاء تماما إجماعا لفواتها حاضرا. مسألة 611: لو سافر أو حضر قبل الصلاة بعد دخول وقتها ثم فاتته،

(1) المهذب للشيرازي 1: 111، المجموع 4: 369، فتح العزيز 4: 460، حلية العلماء 2: 203.
(2) المجموع 4: 369، فتح العزيز 4: 460. (3) تقدمت الاشارة إلى مصادره في الصفحة 353 الهامش (3).
(4) المبسوط 1: 141، النهاية 123.
(5) الخلاف 1: 579، المسألة 334.
(6) المجموع 4: 369، فتح العزيز 4: 460، حلية العلماء 2: 202.

[ 355 ]

قضاها تماما على ما اخترناه من وجوب الاتمام في الموضعين، لأن القضاء تابع للأداء. ومن قال: الاعتبار بحال الوجوب فكذلك في الأولى، ويوجب القصر في الثانية. وهو قول المرتضى وابن الجنيد (1) وقال بعض علمائنا: الاعتبار في القضاء بحال الفوات لا الوجوب (2). احتج المرتضى بقول الباقر عليه السلام وقد سأله زرارة في رجل دخل عليه وقت الصلاة في السفر فأخر الصلاة حتى قدم فنسي حين قدم أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها: " يصليها ركعتين صلاة المسافر لأن الوقت دخل وهو مسافر كان ينبغي أن يصليها عند ذلك " (3). احتج الآخرون بقوله عليه السلام: (من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته) (4). وقول الباقر عليه السلام: " يقضي ما فاته كما فاته إن كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر " (5). ولا حجة فيه لأن الفوات تمام، فيجب عليه الأربع. مسألة 612: القصر عزيمة في السفر واجب لا رخصة ولا يجوز تركها عند علمائنا أجمع، فلو أتم عامدا بطلت صلاته، وبه قال علي عليه السلام، وعمر، وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي، إلا أن حمادا أوجب

(1) حكاه عنهما المحقق في المعتبر: 254.
(2) وهو المحقق في المعتبر: 254.
(3) التهذيب 2: 13 / 30 و 3: 162 / 351 و 225 / 567.
(4) أورده المحقق في المعتبر: 254.
(5) المعتبر: 254. وفيه وفي " ش ":... وإن كانت صلاة الحضر فليقضها في الحضر صلاة الحضر. وفي الكافي 3: 435 / 7، والتهذيب 3: 162 / 350 مضمرا.

[ 356 ]

الاعادة (1). وأبو حنيفة قال: إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد، صحت صلاته، وإلا بطلت (2). وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما (3). وعن ابن عباس قال: من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ركعتين (4). لقوله تعالى: { فعدة من أيام أخر } (5) أوجب القصر (6) بنفس السفر وكل من أوجب الفطر أوجب قصر الصلاة. ولأن عمران بن الحصين قال حججت مع النبي صلى الله عليه وآله، فكان يصلي ركعتين حتى ذهب، وكذا مع أبي بكر وعمر حتى ذهبا (7). ولو كان القصر رخصة، لم يعدل النبي عليه السلام عن الأصل إليه. وعن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (8).

(1) بدائع الصنائع 1: 91، اللباب 1: 106، المجموع 4: 337، المغني 2: 108، الشرح الكبير 2: 100، بداية المجتهد 1: 166، المحلى 4: 246، نيل الأوطار 3: 245. (2) المبسوط للسرخسي 1: 239، اللباب 1: 106، بدائع الصنائع 1: 93، المجموع 4: 337، فتح العزيز 4: 430، المغني 2: 108، الشرح الكبير 2: 100 - 101، المحلى 4: 264.
(3) المغني 2: 108 - 109، الشرح الكبير 2: 101.
(4) المغني 2: 109.
(5) البقرة: 184.
(6) أي: القصر في الصوم.
(7) سنن الترمذي 2: 430 / 545، سنن البيهقي 3: 135 - 136.
(8) صحيح البخاري 2: 55، صحيح مسلم 1: 478 / 685، سنن البيهقي 3: 135 و 136.

[ 357 ]

ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا المغرب ثلاث " (1). وقول الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام: " الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شئ " (2). وسأل الحلبي، الصادق عليه السلام: صليت الظهر أربع ركعات وانا في السفر قال: " أعد " (3). ولأن الآخريين يجوز تركهما إلى غير بدل، فلم تجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين، كما لو زادهما على صلاة الفجر. وقال الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأحمد، والمشهور عن مالك: إن القصر رخصة وليس عزيمة، وهو مخير إن شاء قصر، وإن شاء أتم - وهو مروي عن عثمان وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعائشة - لأن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتمت، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أحسنت) (4). ولأنه لو صلى خلف مقيم صلى أربعا، فالركعتان لا تزيد بالاتمام (5). ولا حجة في فعل عائشة، لجواز جهلها بالقصر، ولأنها لو أحسنت بالتمام، لم يكن النبي صلى الله عليه وآله محسنا بالقصر؟! وهو باطل

(1) التهذيب 2: 13 / 31، الاستبصار 1: 220 / 778.
(2) التهذيب 2: 14 / 34، والمحاسن 371 / 128 وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام.
(3) التهذيب 2: 14 / 33.
(4) سنن النسائي 3: 122، سنن الدار قطني 2: 188 / 39، سنن البيهقي 3: 142.
(5) المجموع 4: 335 و 337، فتح العزيز 4: 429، المغني 2: 108 - 109، الشرح الكبير 2: 100 - 101، المبسوط للسرخسي 1: 239، بدائع الصنائع 1: 91.

[ 358 ]

بالاجماع. والنقض لا يرد علينا. إذا عرفت هذا، فاختلف القائلون بالتخيير أيهما أفضل؟ فللشافعي قولان: أحدهما: أن القصر أفضل - وبه قال مالك وأحمد - لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا). ولأن النبي صلى الله عليه وآله كان يداوم على القصر، ولا يداوم إلا على الأفضل. ولأنه إذا قصر، أدى الصلاة بالاجماع، وفي إجزاء التمام خلاف (1). والثاني: الاتمام أفضل - وهو اختيار المزني - لأنه الأصل، والقصر رخصة، والأصل أولى. ولأنه أكثر عملا (2). مسألة 613: لا يتغير فرض المسافر بالائتمام بالمقيم عند علمائنا أجمع، فلو ائتم بمقيم، صلى فرضه ركعتين وسلم، وحرم عليه الاتمام، سواء كان قد أدرك أول الصلوة أو آخرها. وقال طاوس والشعبي وإسحاق بن راهويه: يجوز له أن يقصر، ولا يجب عليه الاتمام (3). لأن فرضه القصر فلا تجوز الزيادة كما لو صلى الصبح خلف من يصلي الظهر. ولأنه مأموم، فلا يتغير عدد فرضه بمجرد الامامة، كما لو ائتم المقيم بالمسافر.

(1) المجموع 4: 336 و 337، بداية المجتهد 1: 166، المغني 2: 111 - 112، الشرح الكبير 2: 100.
(2) المجموع 4: 336، المغني 2: 112، الشرح الكبير 2: 100.
(3) المجموع 4: 357 - 358، المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103.

[ 359 ]

ولقول الصادق عليه السلام، في المسافر: " يصلي خلف المقيم ركعتين ويمضي حيث شاء " (1). وسئل عليه السلام، عن المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين قال: " فليصل صلاته ثم يسلم وليجعل الأخيرتين تسبيحة " (2). وقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: يجب على المأموم الائتمام متابعة لامامه، وهو مروي عن عمر، وابن عباس، لأن ابن عباس سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا أئتم بمقيم؟ فقال تلك السنة. ولأنها صلوة مردودة من الأربع فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة (3). وقول ابن عباس وعمر ليس حجة. ونمنع المشترك بأن صلاة السفر فرض بانفرادها، وبالفرق، فإن الإمام شرط في الجمعة فيجب أن يكون من أهلها. وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك: إن أدرك ركعة أتم، وإن أدرك دونها قصر، لقوله عليه السلام: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة) (4). ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة، ومن أدرك أقل من ذلك،

(1) الكافي 3: 439 / 1، التهذيب 3: 165 / 357، الاستبصار 1: 425 / 1641.
(2) التهذيب 3: 165 / 356 و 227 / 575، الاستبصار 1: 425 / 1640.
(3) المجموع 4: 356 و 357، فتح العزيز 4: 461، المبسوط للسرخسي 1: 247 - 248، بدائع الصنائع 1: 102، المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103.
(4) صحيح البخاري 1: 151، صحيح مسلم 1: 423 / 607، سنن الترمذي 2: 402 / 524، سنن ابن ماجة 1: 356 / 1122.

[ 360 ]

لم يلزمه فرضها (1). وليس حجة علينا. فروع: أ: لو أحدث المسافر واستخلف مسافرا آخر، فللمأموم المسافر القصر، لأنهم لم يأتموا بمقيم. وإن استخلف مقيما فكذلك عندنا، وعند المخالف يجب الإمام، لأنهم ائتموا بمقيم، وللإمام الذي أحدث أن يصلي صلاة المسافر، لأنه لم يأتم بمقيم (2). ولو صلى المسافر خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافرا أو مقيما، لزمه القصر عندنا. وقال المخالف يجب الاتمام لأنه ائتم بمقيم (3). فإن استخلف مسافرا لم يكن معهم في الصلاة، فله أن يصلي صلاة السفر عند المخالف أيضا، لأنه لم يأتم بمقيم (4). ب: لو أحرم المسافر خلف مقيم أو من يغلب على ظنه أنه مقيم، أو من يشك هل هو مقيم أو مسافر لزمه القصر عندنا وعند الجمهور يلزمه الاتمام وإن قصر إمامه، لأن الأصل وجوب الصلاة تامة، فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب إتمامها، ويلزمه إتمامها، اعتبارا بالنية، وبه قال الشافعي (5).

(1) المدونة الكبرى 1: 120، المجموع 4: 357، المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103.
(2) المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103.
(3) المغني 2: 130، الشرح الكبير 2: 103 - 104.
(4) المغني 2: 130، الشرح الكبير 2: 104.
(5) المجموع 4: 356، مغني المحتاج 1: 269، المغني 2: 130، الشرح الكبير 2: 104.

[ 361 ]

وهو باطل عندنا على ما يأتي. وإن غلب على ظنه أن الإمام مسافر لرؤية حلية المسافرين عليه، فله أن ينوي القصر عند المخالف (1) أيضا. وإن قصر إمامه قصر هو معه، وإن أتم قصر هو. وقال الجمهور: تلزمه متابعته (2). وإذا نوى الاتمام، لزمه الاتمام عند الجمهور - وسيأتي البحث فيه - سواء قصر إمامه أو أتم اعتبارا بالنية (3). وإن نوى القصر فأحدث إمامه قبل علمه بحاله فله القصر، لأن الظاهر أن إمامه مسافر. ج: لو صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرقهم فأحدث قبل مفارقة الطائفة الأولى واستخلف مقيما لزم الطائفتين القصر عندنا، وعند الجمهور الاتمام، لوجود الائتمام بمقيم (4). وإن كان بعد مفارقة الأولى، أتمت الثانية عندهم، لاختصاصها بالاتمام بالمقيم (5). وإن كان الإمام مقيما فاستخلف مسافرا ممن كان معه في الصلاة، فعلى الجميع القصر عندنا، وعند الجمهور يتم الجميع، لأن المستخلف قد لزمه الاتمام باقتدائه بالمقيم (6). وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الأولى، فعليها الاتمام عندهم، لائتماهما بمقيم، ويقصر الإمام والطائفة الثانية (7). وإن استخلف بعد دخول الثانية معه فعلى الجميع التقصير عندنا، وعند

(1) المجموع 4: 356، المغني 2: 130، الشرح الكبير 2: 104. (2 - 6) 2: 130 - 131، الشرح الكبير 2: 104.
(7) المغني 2: 131، الشرح الكبير 2: 104.

[ 362 ]

الجمهور التمام، وللمستخلف القصر وحده، لأنه لم يأتم بمقيم (1). د: لو ائتم المقيم بالمسافر وسلم المسافر في ركعتين، أتم المقيم صلاته إجماعا. ويستحب للامام أن يقول بعد تسليمه: أتموا فأنا مسافر، كما قال عليه السلام بمكة عام الفتح (2) لئلا يشتبه على الجاهل عدد الركعات. ه‍: لو أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة عمدا، بطلت صلاته، للزيادة، وصلاة المأمومين، للمتابعة في صلاة باطلة. وقال الشافعي وإسحاق وأحمد تصح صلاة الجميع، لأن المسافر يلزمه الاتمام بنيته (3). وهو ممنوع. وقال أبو حنيفة والثوري: تفسد صلاة المقيمين، وتصح صلاة الإمام والمسافرين معه، لأن الركعتين الأخيرتين نفل من الإمام، فلا يؤم بها مفترضين (4). والمقدمتان ممنوعتان. و: ولو أم المسافر مسافرين فنسى فصلاها تامة، فإن كان الوقت باقيا، أعاد عندنا، وإلا صحت صلاتهم. وقال الجمهور: تصح مطلقا، ولا يجب لها سجود سهو، لأنها زيادة لا يبطل الصلاة عمدها، فلا يجب السجود لسهوها، كزيادات القراءة في الركوع والسجود (5). ولو ذكر الإمام بعد قيامه إلى الثالثة جلس واجبا، وحرم عليه الاتمام.

(1) المغني 2: 131، الشرح الكبير 2: 104.
(2) سنن أبي داود 2: 9 / 1229، سنن البيهقي 3: 157. (3 و 4) المغني 2: 131، الشرح الكبير 2: 105.
(5) المغني 2: 132، الشرح الكبير 2: 105.

[ 363 ]

وعند الجمهور لا يلزمه الاتمام، لأن الموجب له نيته، أو الائتمام بمقيم ولم يوجد واحد منهما (1). ولو علم المأموم أن قيامه لسهو، لم تلزمه متابعته، وسبح به، وله مفارقته إن لم يرجع، فإن تابعه، بطلت صلاته عندنا، وعندهم لا تبطل، لأنها زيادة لا تبطل صلاة الإمام فلا تبطل صلاة المأموم. ولأنه لو فارق وأتم، صحت صلاته، فمع موافقته أولى (2). وهو ممنوع. ولو لم يعلم هل قام سهوا أو عمدا، لم يجز له متابعته، لأنها باطلة عندنا. وقال الجمهور: تجب، لأن حكم وجوب المتابعة ثابت، فلا يزول بالشك (3). ز: لو دخل مسافر بلدا وأدرك الجمعة فأحرم خلف الإمام فنوى قصر الظهر لم تجز عندنا، لوجوب الجمعة عليه بالحضور. وقال الشافعي: يجب عليه الاتمام لأنه مؤتم بمقيم (4). ح: لو صلى المسافر بأهل البلد الجمعة فدخل مسافر معه فنوى القصر، لم يجز، ووجبت عليه الجمعة عندنا، لما تقدم. وقال الشافعي يجب عليه الاتمام لأن الإمام وإن كان مسافرا إلا أنه يصلي صلاة المقيم. وعنه وجه آخر: أنه يقصر (5). ط: لو اقتدى بمقيم ثم أفسد صلاته، لم يجز له التمام، لأنها زيادة في الفريضة.

(1) المغني 2: 132، الشرح الكبير 2: 105 - 106. (2 و 3) المغني 2: 132، الشرح الكبير 2: 106.
(4) المجموع 4: 356، فتح العزيز 4: 461، مغني المحتاج 1: 269.
(5) المجموع 4: 356.

[ 364 ]

وعند أبي حنيفة لا يلزمه الاتمام، لأن وجوبه بسبب الاقتداء (1). وقال الشافعي: لا يجوز القصر لأنه التزم الأربع باقتدائه، فلا يسقط الفرض بدونها وكذا ولو أفسد الإمام صلاته (2). ولو اقتدى بمقيم ثم تبين أن الإمام كان محدثا أو جنبا، لم يلزمه الاتمام. وعند الشافعية إن كانت الصلاة خلف الجنب صلاة انفراد، لم يلزمه الاتمام وإن كانت صلاة جماعة لزمه هذا إذا نوى القصر، فإن لم ينو لزمه الاتمام عندهم (3). ي: لو اقتدى المسافر بمثله فإن نوى الاتمام لم يجز ووجب عليه القصر عندنا، وعند الشافعية يجب الاتمام بنيته، قصر الإمام أو لا. وإن نوى القصر، فإن قصر الإمام قصر، وإن أتم أتم للمتابعة عندهم (4). يا: لو قال نويت ما نوى إمامي من القصر والاتمام لم يكن له حكم ووجب عليه القصر عندنا. وللشافعية وجهان: وجوب الاتمام، لأن النية لا تقع موقوفة في الصلاة كما لو كان عليه ظهر أو عصر، فنوى ما عليه لم تصح، إلا أن هناك لم تتعقد لمخالفة إحدى الفريضتين للأخرى، وها هنا كلتاهما فرض الوقت، والقصر رخصة. والأجزاء، لأن صلاته لا تقع على حسب نيته إذا نوى القصر، وإنما تقع على حسب صلاة الإمام، ولا طريق إلى معرفتها، فجاز التعليق (5).

(1) فتح العزيز 4: 463.
(2) الأم 1: 181، المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 463: مغني المحتاج 1: 269.
(3) المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 463.
(4) أنظر: المجموع 4: 356 وفتح العزيز 4: 461.
(5) المجموع 4: 356، فتح العزيز 4: 462، مغني المحتاج 1: 270.

[ 365 ]

يب: لو أحدث الإمام المسافر فأخبر بما نواه، قبلوا خبره في القصر والاتمام، وإن لم يخبرهم، قال الشافعي: يجب الاتمام، لجواز نيته فلا يسقط الفرض إلا بيقين (1). وقال ابن سريح: لا يجب، لأن الظاهر أنه قصد القصر لوجوبه عند قوم، وأفضليته عند آخرين، ولا تترك الفضيلة (2). وهذا عندنا ساقط، لما تقدم من عدم تغيير الفرض. يج: لو اقتدى بإمام لا يدري أمقيم أو مسافر، لم يتغير فرضه عندنا. وقال الشافعي يجب الاتمام، لأن الأصل في الناس الإقامة، والسفر عارض، فيحمل على الأصل (3). يد: لو اقتدى بمقيم يقضي صلاة الصبح ونوى القصر، لزمه، ولم يجز له الاتمام وإن نواه عندنا. وقال الشافعي: يجب الاتمام وإن نوى القصر، لأنه وصل صلاته بصلاة المقيمين، فلزمه حكمهم، فإن كان قاضي الصبح مسافرا، لم يلزمه الاتمام (4). مسألة 614: القصر إنما هو في عدد الركعات لا في غيره، وهو واجب على ما بيناه، إلا في أربعة مواطن: مسجد مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، بالمدينة، وجامع الكوفه، والحائر على ساكنه السلام، عند أكثر علمائنا (5)، فإنهم قالوا الاتمام في هذه المواضع أفضل وإن جاز القصر، لقول الصادق عليه السلام: " تتم الصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول

(1) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 356 - 357، فتح العزيز 4: 462.
(2) المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 462. (3) الأم 1: 181، المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 462.
(4) أنظر: المجموع 4: 356 وفتح العزيز 4: 461.
(5) كما في المعتبر 253. وممن قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 141، والمحقق في المختصر النافع: 51 وشرائع الاسلام 1: 135.

[ 366 ]

ومسجد الكوفة وحرم الحسين عليه السلام " (1). وقال الصدوق: يجب القصر ما لم ينو المقام عشرة أيام (2)، عملا بالأصل، وحمل الروايات على أفضلية نية المقام عشرة أيام، والمقام للتمام، لأن معاوية بن وهب سأل الصادق عليه السلام، عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: " لا تتم تجمع على مقام عشرة أيام " (3). وقد روي عن الصادق عليه السلام: " الاتمام في أربعة مواطن حرم الله تعالى وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين عليهم السلام " (4). قال الشيخ فعلى هذه الرواية يجوز الاتمام بالكوفة خارج المسجد بالنجف (5). وقال بعض علمائنا: يحمل حرم أمير المؤمنين عليه السلام على مسجد الكوفة أخذا بالمتيقن (6). فروع: أ: قال ابن إدريس: إنما يجوز الاتمام في نفس المسجد الحرام، وفي نفس مسجد المدينة، عملا بالمتيقن (7). وقال الشيخ: يستحب الاتمام في مكة والمدينة جميعها، لدلالة الرواية

(1) الكافي 4: 586 / 3، التهذيب 5: 432 / 1500، الاستبصار 2: 335 / 1194، ومصباح المتهجد: 674.
(2) الفقيه 1: 283 ذيل الحديث 1284، والخصال: 252 ذيل الحديث 123، وحكاه عنه أيضا المحقق في المعتبر: 253.
(3) التهذيب 5: 428 / 1485، الاستبصار 2: 332 / 1181.
(4) التهذيب 5: 430 / 1494، الاستبصار 2: 334 / 1191، وكامل الزيارات: 250، الخصال: 252 / 123.
(5) المبسوط للطوسي 1: 141.
(6) قال به المحقق في المعتبر: 254.
(7) السرائر: 76.

[ 367 ]

عليه (1). ب: قال المرتضى يستحب الاتمام في السفر عند قبر كل إمام من أئمة الهدى عليهم السلام (2). ومنعه ابن إدريس للأصل (3)، وهو الأقرب. ج: قال ابن إدريس رحمه الله: المراد بالحائر ما دار سور المشهد عليه دون سور البلد، لأن الحائر هو الموضع المطمئن الذي يحار الماء فيه. وقد ذكر المفيد في الارشاد في مقتل الحسين عليه السلام، لما ذكر من قتل معه من أهله، فقال: والحائر محيط بهم إلا العباس رحمه الله، فإنه قتل على المسناة (4). د: لو فاتت هذه الصلاة احتمل وجوب القصر مطلقا سواء صلاها فيها أو في غيرها، لفوات محل الفضيلة وهو الأداء، ووجوب القصر إن قضاها في غيرها، لفوات المكان الذي هو محل المزية، والتخيير إن قضاها فيها، لأن القضاء تابع للأداء، والتخيير مطلقا بين الاتمام والقصر، لأن الأداء كذلك. مسألة 615: يستحب أن يقول المسافر عقيب كل صلاة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثلاثين مرة، فإن ذلك جبران لصلاته على ما روي (5). ولأن هذه تقع بدلا عن الركعات في شدة الخوف. ويحتمل: تقييد ذلك عقيب الصلاة المقصورة، لأنها محل النقص،

(1) المبسوط للطوسي 1: 141.
(2) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 77.
(3) السرائر: 77.
(4) السرائر 76 - 77، وراجع الارشاد - للمفيد - 249.
(5) التهذيب 3: 230 / 594.

[ 368 ]

كما قيدناه نحن في القواعد (1): لقول العسكري عليه السلام: " يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثلاثين مرة لتمام الصلاة " (2). ويحمل الوجوب على شدة الاستحباب. مسألة 616: لو سافر بعد الزوال قبل التنفل، استحب له قضاء النافلة ولو في السفر، لحصول السبب وهو، الوقت: وعموم الأمر بقضاء الفائت وإن كان ندبا. المطلب الثاني: في الشرائط وهي خمسة: قصد المسافة، والضرب في الأرض، واستمرار القصد، وعدم زيادة السفر على الحضر، وإباحته. فهنا مسائل تنظمها خمسة مباحث. الأول: قصد المسافة مسألة 617: المسافة شرط، فلا يجوز القصر في قليل السفر عند عامة العلماء، لاجماع الصحابة على التقدير وإن اختلفوا في القدر. ولما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان) (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا " (4).

(1) قواعد الأحكام 1: 49.
(2) التهذيب 3: 230 / 594.
(3) سنن الدار قطني 1: 1387 / 1 سنن البيهقي 3: 137.
(4) الفقيه 1: 279 / 1269، التهذيب 3: 207 / 493 و 4: 223 / 652، الاستبصار

[ 369 ]

ولأنه رخصة للمشقة، ولا مشقة مع القلة. وقال داود: يقصر في قليل السفر وكثيره، لقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض } (1) (2) ولم يفصل. والاجماع والأحاديث أخص. مسألة 618: وإنما يجب التقصير في ثمانية فراسخ، فلو قصد أقل، لم يجز التقصير إجماعا، إلا في رواية لنا أنه يثبت في أربعة فراسخ (3). والمعتمد: الأول. ولا خلاف عندنا في وجوب التقصير في الثمانية، لأن سماعة سأله عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: " في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ " (4). وسأل أبو أيوب، الصادق عليه السلام عن التقصير، قال: " في بريدين أو بياض يوم " (5). وسأل علي بن يقطين، الكاظم عليه السلام، عن الرجل يخرج في سفر وهو مسيرة يوم، قال: " يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم وإن كان يدور في عمله " (6).

1: 223 / 787. (1) النساء: 101.
(2) المجموع 4: 325 - 326، رحمة الأمة 1: 74، حلية العلماء 2: 193.
(3) التهذيب 3: 208 / 500، الاستبصار 1: 224 / 796.
(4) التهذيب 3: 207 / 492، الاستبصار 1: 222 / 786.
(5) التهذيب 3: 210 / 506، الاستبصار 1: 225 / 802.
(6) التهذيب 3: 209 / 503، الاستبصار 1: 225 / 799.

[ 370 ]

وفي رواية عن الباقر عليه السلام، قال: " التقصير في بريد، والبريد أربعة فراسخ " (1). وهي محمولة على إرادة الرجوع ليومه، لأنه حينئذ قد شغل يومه بالسفر، فحصلت المشقة المبيحة للقصر، وكذا غيرها من الروايات. وللشافعي أقوال: أحدها: إباحة التقصير في ستة وأربعين ميلا بالهاشمي، وهو: مسير ليلتين قاصدا بين سير النقل (2) ودبيب الأقدام (3). الثاني: ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي - وبه قال عبد الله بن عباس وابن عمر، ومالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور - لقوله عليه السلام: (يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان) (4) (5). وهو معارض بما روي عنه عليه السلام من التقصير في مسير يوم (6). ولأن القصر لو لم يثبت لمسير يوم، لما ثبت مع ما زاد لزوال مشقة براحة الليل. وقد روي عن الرضا عليه السلام: " إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة (7) والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسير يوم " قال: " ولو لم يجب في مسير يوم لما

(1) الكافي 3: 432 / 1، التهذيب 4: 223 / 653، الاستبصار 1: 223 / 790.
(2) ضرب من السير وهو المداومة عليه. الصحاح 5: 1834 " نقل ".
(3) المجموع 4: 323، فتح العزيز 4: 453.
(4) سنن الدار قطني 1: 387 / 1، سنن البيهقي 3: 137.
(5) المدونة الكبرى 1: 120، المنتقى للباجي 1: 262، المغني 2: 91 و 92 و 95، الشرح الكبير 2: 94 و 95، المجموع 4: 323 و 325، فتح العزيز 4: 453 و 454، كفاية الأخيار 1: 87.
(6) نقل ذلك عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أنظر: سنن البيهقي 3: 137 والمغني 2: 93.
(7) في " ش " والطبعة الحجرية: " للقاصد " بدل " للعامة ".

[ 371 ]

وجب في مسير ألف سنة، لأن كل يوم بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم " (1). الثالث: مسير يوم وليلة (2). الرابع: في القديم يقصر فيما جاوز أربعين ميلا (3). وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح بن حي: لا يقصر إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرين فرسخا - وبه قال النخعي وسعيد بن جبير وعبد الله بن مسعود وسويد بن غفلة - لأن النبي عليه السلام، قال: (يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن) (4) وهو يقتضي أن يكون كل مسافر له ذلك (5). ولا حجة فيه عندنا، للمنع من المسح على الخفين مطلقا. ولأنه يمكنه قطع سفره في ثلاثة أيام إذا كان مرحلتين ويمسح فيها، فالخبر لبيان مدة المسح لا حد السفر. وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم. وهو مروي عن أنس (6). وحكي عن الزهري أنه قال: مسيرة يوم تام ثلاثين ميلا (7). مسألة 619: الفرسخ ثلاثة أميال اتفاقا. والميل: أربعة آلاف ذراع، لأن المسافة تعتبر بمسير اليوم للابل السير العام، وهو يناسب ما قلناه. وكذا الوضع اللغوي، وهو: قدر مد البصر من

(1) الفقيه 290 / 1320، علل الشرائع: 266 الباب 182، الحديث 9، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 113، الباب 34 الحديث 1.
(2) المجموع 4: 323، رحمة الأمة 1: 74، المبسوط للسرخسي 1: 235.
(3) المجموع 4: 323، فتح العزيز 4: 453.
(4) سنن البيهقي 1: 278.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 235، المغني 2: 93، الشرح الكبير 2: 94، بداية المجتهد 1: 167 - 168، المجموع 4: 325، حلية العلماء 2: 193.
(6) المجموع 4: 325، المغني 2: 93، الشرح الكبير 2: 94، حلية العلماء 2: 193.
(7) حلية العلماء 2: 193.

[ 372 ]

الأرض. وفي بعض الروايات: " ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة " (1). وقال بعض الشافعية: إثنا عشر ألف قدم، أو أربعة آلاف خطوة (2). وأما الذراع فأربعة وعشرون إصبعا. فروع: أ: لو لم يعلم المسافة وشهد اثنان عدلان، وجب القصر، ولو شك ولا بينة، وجب الاتمام، لأنه الأصل، فلا يعدل عنه إلا مع اليقين. وكذا لو اختلف المخبرون بحيث لا ترجيح. ولو تعارضت البينتان، وجب القصر، عملا ببينة الاثبات. ب: التقدير تحديد لا تقريب - وبه قال الشافعي (3) - حتى لو نقصت شيئا قليلا، لم يجز القصر، لأنه ثبت بالنص لا بالاجتهاد. ج: الزمان ليس بتقدير، فلو قطع الثمانية في أيام، فله القصر فيها. وكذا لو قطعها في يوم، فله القصر. د: البحر كالبر، فلو سافر فيه وبلغت المسافة، فله القصر وإن كان ربما قطع المسافة في ساعة، لأن الاعتبار بالمسافة لا بالمدة. ه‍: اعتبار المسافة من حد الجدران دون البساتين والمزارع، وغيبوبة الجدران وخفاء الأذان وإن شرطا في جواز القصر. مسألة 620: لو قصد نصف المسافة والرجوع ليومه، وجب القصر، لوجود المشقة وشغل اليوم. ولقول الباقر عليه السلام، وقد سأله محمد بن مسلم عن التقصير، قال: " في بريد " قلت: بريد؟ قال: " إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل

(1) الكافي 3: 432 / 3.
(2) فتح العزيز 4: 453.
(3) المجموع 4: 323، فتح العزيز 4: 454، كفاية الأخيار 1: 87.

[ 373 ]

يومه " (1). وقال الشافعي: لا يجوز له القصر، لأن الذهاب سفر والرجوع سفر آخر، وكل منهما أقل من المسافة (2). ونمنع التعدد. ولو لم يرد الرجوع من يومه، وجب التمام - وهو قول المرتضى (3) - لعدم الشرط وهو قول قصد المسافة. وقال الشيخ: يتخير في قصر الصلاة دون الصوم (4). وقال الصدوق رحمه الله: يتخير مطلقا (5). والوجه ما تقدم. تذنيب: لو كانت المسافة ثلاثه فراسخ فقصد التردد ثلاثا، لم يقصر، لأنه بالرجوع انقطع سفره وإن كان في رجوعه لم ينته إلى سماع الأذان ومشاهدة الجدران، وإلا لزم القصر لو تردد في فرسخ واحد ثمانى مرات وأزيد. ولو كانت المسافة خمسا وقصد الرجوع ليومه، وجب القصر وإلا فلا. مسألة 621: لو كان لبلد طريقان، أحدهما مسافة دون الآخر، فسلك الأقصر، لم يجز القصر، سواء علم أنه القصير أو لا، لانتفاء المسافة فيه. وإن سلك الأبعد، فإن كان لغرض كخوف في القريب، أو حزونة، أو قضاء حاجة في البعيد، أو زيارة صديق، أو لقاء غريم ليطالبه، فله القصر

(1) التهذيب 4: 224 / 658.
(2) المجموع 4: 324، فتح العزيز 4: 455، كفاية الأخيار 1: 87.
(3) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: 73، والمحقق في المعتبر: 251.
(4) النهاية: 122 و 161.
(5) الفقيه 1: 280.

[ 374 ]

إجماعا، لوجود المقتضي، وهو: سلوك المسافة. وإن لم يكن له غرض سوى الترخص، أيضا عندنا - وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين، والمزني (1) - لأنه سفر مباح، فيترخص فيه، كما لو كان له فيه غرض. والآخر للشافعي: المنع واختاره أبو إسحاق - لأنه طول الطريق على نفسه لا لغرض سوى الترخص، فأشبه ما إذا مشي في المسافة القصيرة يمينا وشمالا حتى طال سفره (2). ومنعوا الاباحة، لقوله عليه السلام: (إن الله تعالى يبغض المشائين من غير إرب) (3). والفرق ظاهر، فإن قاصد الأبعد قصد مسافة، بخلاف الماشي يمينا وشمالا، والارب موجود، وهو: الترخص المباح. تذنيب: إذا سلك الأبعد، قصر فيه وفي البلد وفي الرجوع وإن كان بالاقرب، لأنه مسافر، وإنما يخرج عن السفر بالعود إلى وطنه أو حكمه. ولو سلك الأقصر، أتم في طريقه والبلد وإن قصد الرجوع بالأبعد، لأنه لم يقصد أولا مسافة، والقصد الثاني لا حكم له قبل الشروع فيه. نعم يقصر في الرجوع بالأبعد، لوجود المقتضي، وهو: المسافة. مسألة 622: لا قصر مع انتفاء القصد، فالهائم لا يترخص، وكذا طالب الآبق وشبهه، لأن الشرط عزم قطع المسافة في الابتداء، وطالب الآبق والغريم لم يقصد المسافة، بل متى ظفر رجع وهو لا يعرف موضعهما.

(1) المهذب للشيرازي 1: 109، المجموع 4: 331، فتح العزيز 4: 455، حلية العلماء 2: 193، بدائع الصنائع 1: 94.
(2) الأم 1: 184، المهذب للشيرازي 1: 109، المجموع 4: 331، فتح العزيز 4: 455، حلية العلماء 2: 193. (3) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

[ 375 ]

وإن تمادى سفره وزاد عن المسافة، فإذا وجده وعزم على الرجوع وقد قطع المسافة، فهو منشئ للسفر من حينه. وإنما اشترط قصد قطع المسافة، لأن للسفر تأثيرا في العبادة، فاعتبرت النية فيه، كما تعتبر في العبادات. فروع: أ: لو بلغه خبر عبده في بلد فقصده بنية إن وجده في الطريق رجع، فليس له الترخص، لعدم يقين القصد. ب: لو قصد البلدة ثم عزم في الطريق على الرجوع إن وجده، قصر إلى وقت تغير نيته، وبعده إن كان قد قطع مسافة بقي على التقصير، وإلا أتم. وللشافعي في الآخر وجهان، كما لو أنشأ سفرا مباحا ثم أحدث نية المعصية (1). ج: الاسير في أيدي المشركين إن عرف مقصدهم وقصده، ترخص، وإن عزم على الهرب متى قدر على التخلص، لم يترخص، ولو لم يعرف المقصد لم يترخص في الحال، لعدم علمه بالمسافة. إن ساروا به المسافة، لم يقصر إلا في الرجوع. وحكي عن الشافعي: القصر لأنه يتيقن طول سفره (2). د: لو سافر بعبده أو ولده أو زوجته، فإن علموا المقصد وقصدوا السفر، ترخصوا. وإن عزم العبد على الرجوع متى أعتقه مولاه، والزوجة عليه متى تخلصت، وكذا الولد، فلا رخصة لهم.

(1) فتح العزيز 4: 455، المجموع 4: 332.
(2) المجموع 4: 333.

[ 376 ]

وإن لم يعلموا المقصد، لم يترخصوا، لانتفاء اختيارهم، وإنما سفرهم بسفر غيرهم. ه‍: منتظر الرفقة إذا غاب عنه الجدار والأذان، قصر إن جزم على السفر - سواء حصلت الرفقة أو لا - إلى شهر. وإن تردد في السفر لو لم يحصلوا، لم يقصر، إلا أن يكون قد قطع المسافة، فيقصر إلى شهر. واشتراط الشيخ أربعة فراسخ (1) ممنوع. و: لو قصد ما دون المسافة فقطعه، ثم قصد ما دون المسافة فقطعه، وهكذا دائما، فلا قصر وإن تجاوز مسافة التقصير، وكذا لو خرج غير ناو مسافة، لم يقصر وإن قطع مسافات كثيرة. نعم يجب عليه التقصير في العود مع بلوغ المسافة، لأنه ينوي المسافة، وعليه فتوى العلماء. ولقول الرضا عليه السلام، وقد سأله صفوان: في الرجل يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان، قال: " لا يقصر ولا يفطر، لأنه لم يرد السفر ثمانية فراسخ، وإنما خرج ليلتحق بأخيه فتمادى به السير " (2). ولو قصد ما دون المسافة أولا ثم قصد ثانيا المسافة، قصر حينئذ لا قبله.

(1) النهاية: 124 - 125.
(2) التهذيب 4: 225 / 662، الاستبصار 1: 227 / 806.

[ 377 ]

البحث الثاني: الضرب في الأرض مسألة 623: الضرب في الأرض شرط في القصر، ولا يكفي قصد المسافة من دونه إجماعا، لأن شرط القصر الضرب في الأرض، لقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } (1). ولأن اسم السفر إنما يتحقق به لا بالقصد. ويخالف ما لو دخل إلى بعض البلاد ونوى الإقامة ففي الوقت يصير مقيما، لموافقة النية الحالة، لأنه نوى الإقامة وهو مقيم، وهنا النية لا توافق الحالة، لأن السفر هو الضرب والسير عليها وهو مقيم، فلم يكن للنية حكم. مسألة 624، ولا يشترط انتهاء المسافة إجماعا، لتعلق القصر بالضرب وهو يصدق في أوله. ولا يشترط أيضا اختلاف الوقت بإجماع العلماء، إلا من مجاهد، فإنه قال: إذا خرج نهارا، فلا يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلا، فلا يقصر إلى النهار (2). ولا وجه له، لوجود الشرط بدونه. مسألة 625: إنما يباح القصر في الصلاة والصوم إذا توارى عنه جدران البلد أو خفي عنه أذانه، لأن السفر شرط القصر، ولا يتحقق في بلده ومع مشاهدة الجدران، فلا بد من تباعد يطلق على من بلغه أنه مسافر، ولا حد بعد مفارقة منازله إلا ذلك. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقصر على فرسخ من المدينة

(1) النساء: 101.
(2) المجموع 4: 349، رحمة الأمة 1: 74، المغني والشرح الكبير 2: 98، حلية العلماء 2: 195.

[ 378 ]

وفرسخين (1)، فيكون بيانا. ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان، فقصر " (2). وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا، فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد (3). وهو غلط، لعدم الشرط. ولأن هذا الخلاف انقرض، فيبقى إجماعا. وقال عطاء: إذا خرج من بيته، قصر وإن لم يخرج من بيوت القرية (4). وهو قول بعض أصحاب الحديث (5) منا، لقول الصادق عليه السلام: " إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه " (6). ويحمل على بلوغ الموضع الذي لا يشاهد فيه جدران البلد ولا يسمع أذانه، جمعا بين الأدلة. وقال الشافعي: لا يجوز القصر حتى يفارق البلد الذي هو فيه ومنازله. ولم يشترط خفاء الجدارن والأذان - وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق - لأن بنيان بلده يقطع استدامة سفره فكذا يمنع الابتداء. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يبتدئ القصر إذا خرج من

(1) صحيح مسلم 1: 480 / 690، صحيح البخاري 2: 54، سنن أبي داود 2: 4 / 1202، سنن الترمذي 2: 431 / 546، سنن النسائي 1: 237.
(2) التهذيب 4: 230 / 675، الاستبصار 1: 242 / 862.
(3) المجموع 4: 349، رحمة الأمة 1: 74، المغني والشرح الكبير 2: 98، حلية العلماء 2: 194.
(4) المجموع 4: 349، المغني 2: 97 - 98، الشرح الكبير 2: 98، حلية العلماء 2: 195.
(5) حكاه عن بعض الأصحاب أيضا المحقق في المعتبر: 253، ولعله يقصد الشيخ الصدوق وانظر المصدر في الهامش التالي. (6) الفقيه 1: 279 / 1268.

[ 379 ]

المدينة (1) (2). وهو محمول على الخروج إلى حيث يخفى الأذان والجدران. وحكى ابن المنذر عن قتادة، أنه قال إذا جاوز الجسر أو الخندق، قصر (3). وقد تقدم بطلانه. مسألة 626: وكما أن خفاء الأذان والجدران مبدأ السفر كذا هو منتهاه، فلا يزال مقصرا حتى يظهر الجدار أو يسمع الأذان، عند أكثر علمائنا (4)، لقول الصادق عليه السلام: " إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك " (5). وقال المرتضى: لا يزال مقصرا حتى يدخل منزله (6)، لقول الصادق عليه السلام: " لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل أهله أو منزله " (7). والمشهور: الأول. وتحمل الثانية على وصول سماع الأذان أو مشاهدة الجدران، جمعا بين الأدلة. مسألة 627: لا اعتبار بأعلام البلدان، كالمنائر والقباب المرتفعة عن اعتدال البنيان، لأن الحوالة في الألفاظ المطلقة إلى المتعارف المعهود.

(1) مصنف عبد الرزاق 2: 528 - 529 / 4315 - 4318.
(2) المهذب للشيرازي 1: 109، المجموع 4: 347 و 349، فتح العزيز 4: 434، 435، المبسوط للسرخسي 1: 236، المدونة الكبرى 1: 118، المغني والشرح الكبير 2: 97 و 98.
(3) حلية العلماء 2: 194، مصنف عبد الرزاق 2: 531 / 4327.
(4) منهم: المحقق في المعتبر: 253.
(5) التهذيب 4: 230 / 675، الاستبصار 1: 242 / 862.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 253.
(7) المعتبر: 253، التهذيب 3: 232 / 556، الاستبصار 1: 242 / 864 وفيهما "... حتى يدخل بيته ".

[ 380 ]

ولأن المشقة ربما حصلت عند مشاهدة الجدار من فراسخ بعيدة. والاعتبار بمشاهدة صحيح الحاسة وسماع صحيح السمع، دون بالغ النهاية فيهما وفاقد كمال إحداهما. ولا عبرة بالبساتين والمزارع، فيجوز القصر قبل مفارقتهما مع خفاء الجدار والأذان، لأنها ليست مبنية للسكنى، سواء كانت محوطة أو لا، إلا إذا كان فيها دور وقصور للسكنى. وللشافعية وجه آخر، وهو: مجاوزة البساتين والمزارع مطلقا والمشهور عندهم: الأول (1). فروع: أ: لا فرق بين البلد والقرية في ذلك. وشرط بعض الشافعية مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة على ساكن القرية دون البلد (2). وليس بمعتمد. وبعضهم شرط مجاوزة البساتين في القرى دون المزارع (3). ب: لو جمع سور قرى متفاصلة، لم يشترط في المسافر من أحدها مجاوزة ذلك السور، بل خفاء جدران قريته وأذانها. ج: لو كان خارج البلد على طرفه خراب لا عمارة وراءه، لا تشترط مجاوزته، لأنه ليس موضع إقامة، وبه قال الشافعي. وله آخر: اشتراط المجاوزة إذا كان بقايا الحيطان قائمة ولم يتخذ مزارع (4). د: لو سكن واديا وسار في عرضه أو طوله، اشترط خفاء الأذان. وكذا لو سكن في الصحراء.

(1) المجموع 4: 348، فتح العزيز 4: 436، حلية العلماء 2: 195.
(2) المجموع 4: 347 - 348، فتح العزيز 4: 436.
(3) فتح العزيز 4: 436، حلية العلماء 2: 195.
(4) المجموع 4: 347، فتح العزيز 4: 435 - 436، مغني المحتاج 1: 263.

[ 381 ]

وقال الشافعي: لابد من مجاوزة عرض الوادي. وقيد بعض أصحابه بما إذا لم تفرط السعة، فلو أفرطت، شرط مجاوزة الموضع الذي ينسب إليه، ويعد حلة (1) قومه (2). ه‍: لو كان نازلا على ربوة، فالشرط ما ذكرناه من خفاء الجدران أو الأذان. ويحتمل خفاء الأذان خاصة وإن ظهرت الجدران. وقال الشافعي: لابد من أن يهبط عنها (3). ولو كان في وهدة فكذلك يعتبر بنسبته الظاهرة. وعنده لابد أن يصعد عنها (4). و: لو كان من أهل الخيام، اشترط خفاء الأذان. ويحتمل خفاء الجدران المقدرة. والحلتان كالقريتين، وبه قال الشافعي (5). ولأصحابه وجه آخر: أن يفارق خيمته. ولا يعتبر مفارقة الخيام وإن كانت الحلة واحدة (6). ز: لو كان في وسط البلدة نهر كبير فأراد من على أحد الجانبين السفر من الآخر، فعبر النهر، لم يجز القصر حتى يفارق عمارة الجانب الآخر ويخفى عليه أذانه وجدرانه، لأن الجميع بلد واحد. ح: لو كانت قريتان متقاربتان فأراد أن يسافر من أحدهما على طريقة الأخرى، فإن اتصل البناء، اشترط مفارقة الأخرى، لأنهما صارتا كالقرية

(1) الحلة: منزل القوم. تاج العروس 7: 283 " حلل ".
(2) المجموع 4: 348، فتح العزيز 4: 438. (3 و 4) المجموع 4: 438، فتح العزيز 4: 438 و 439.
(5) المهذب للشيرازي 1: 109، المجموع 4: 348 - 349، فتح العزيز 4: 439، حلية العلماء 2: 195، مغني المحتاج 1: 264.
(6) المجموع 4: 349، فتح العزيز 4: 440، حلية العلماء 2: 195.

[ 382 ]

الواحدة. وإن كان بينهما فصل، قصر قبل مفارقة الأخرى إن خفيت جدران قريته وأذانها، وهو ظاهر مذهب الشافعي (1). وقال ابن سريج: لا يباح له القصر حتى يفارق أبنية الأخرى، لأن أهل أحدهما يترددون إلى الأخرى من غير تغيير هيئة وزي، فلا يحصل متشبها بالمسافرين ما دام فيها (2). مسألة 628: لو قصد المسافة وخرج فمنع عن السفر بعد خفاء الأذان والجدران، فإن كان على نية السفر، قصر إلى شهر، وإن غير النية أو تردد، أتم، لبقاء القصد في الأول الذي هو الشرط، وانتفائه في الثاني. ولو سافر في المركب فردته الريح بعد خفائهما إلى أن ظهر أحدهما، أتم، لدخوله في حد الحضر. ولو أحرم في السفينة قبل أن تسير وهو في الحضر ثم سارت حتى خفي الأذان والجدران، لم يجز له القصر، لأنه دخل في الصلاة على التمام. ولو خرج من البلد إلى حيث يجوز له الترخص فرجع إليه لحاجة عرضت له، لم يترخص حال رجوعه وخروجه ثانيا من البلد، لخروجه عن اسم المسافر بعوده إلى بلده. ولو كان غريبا، فله استدامة الترخص. أما لو كان رجوعه بعد قطع المسافة، فإنه يقصر في رجوعه وخروجه ثانيا.

(1 و 2) المهذب للشيرازي 1: 109، المجموع 4: 348، فتح العزيز 4: 437.

[ 383 ]

البحث الثالث: استمرار القصد مسألة 629: استمرار قصد السفر شرط في القصر، فلو قطع نية السفر في أثناء المسافة، أتم. ولو قطع المسافة ثم غير نية السفر وعزم على الرجوع، قصر. وإن عزم على المقام عشرة أيام، أتم. وإن تردد قصر ما بينه وبين ثلاثين يوما ثم يتم بعد ذلك. إذا ثبت هذا فإن نهاية السفر تحصل بأحد أمور ثلاثة: الأول العود إلى الوطن بأن يرجع إلى الموضع الذي يشترط مجاوزته في ابتداء السفر، لأن الموضع الذي يبتدأ الترخص فيه إذا كان مسافرا يقطع الترخص إذا كان راجعا. وفي معناه الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإقامة فيه إقامة تقطع الرخصة، أو إلى موضع له فيه ملك استوطنه ستة أشهر. الثاني: نية الإقامة عشرة أيام - على ما يأتي - في أي موضع نواه وإن كان في مفازه ونحوها، وهو أصح قولي الشافعي، وفي الآخر: تشترط الإقامة في موضع يصلح لها (1). الثالث: إقامة شهر مع التردد، على ما يأتي. مسألة 630: يجب القصر ما دام مسافرا وإن أقام في أثناء المسافة عشرة أيام أو وصل إلى مقصده إذا لم يكن يعزم الإقامة فيه إلى شهر، فإن نوى الإقامة فيه أو في أثناء المسافة عشرة أيام، وجب الاتمام عند علمائنا أجمع. وإن نوى إقامة أقل من عشرة، قصر وبه قال علي عليه السلام، والباقر

(1) المجموع 4: 361.

[ 384 ]

والصادق عليهما السلام، والحسن بن صالح بن حي (1) لقول علي عليه السلام: " يتم الصلاة الذي يقيم عشرا، ويقصر الصلاة الذي يقول أخرج اليوم أخرج غدا شهرا " (2) وعلي عليه السلام، كان لا يرى الاجتهاد، فيكون قوله توقيفا. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام في المسافر إذا قدم بلده، قال: " إن دخلت أرضا وأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة، وإن لم تدر مقامك بها تقول: غدا أخرج بها أو بعد غد، فقصر ما بينك وبين شهر " (3). وقال الشافعي: إذا نوى مقام أربعة أيام غير يوم دخوله ويوم خروجه وجب عليه الاتمام، لأن يوم الدخول في الحط، ويوم الخروج في الترحال، وهما من أشغال السفر - وعنه وجه: أنهما يحسبان - وبه قال عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب ومالك وأبو ثور، لأن الثلاث آخر حد القلة، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا) (4). وكذلك عمر لما أجلى أهل الذمة من الحجاز ضرب لمن قدم منهم تاجرا إلى الحجاز أن يقيم ثلاثة أيام (5). فدل على أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة (6).

(1) مصنف ابن أبي شيبة 2: 455: المجموع 4: 365، المغني 2: 133، المحلى 5: 22 - 23، نيل الأوطار 3: 255.
(2) المغني 2: 133، الشرح الكبير 2: 109، والمعتبر للمحقق الحلي: 255.
(3) الكافي 3: 435 / 1، التهذيب 3: 219 / 546، الاستبصار 1: 237 / 847.
(4) صحيح مسلم 2: 985 / 442، سنن النسائي 3: 122، سنن البيهقي 3: 147.
(5) سنن البيهقي 3: 148.
(6) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 361 و 364، فتح العزيز 4: 446 - 448، حلية العلماء 2: 199، الميزان للشعراني 1: 182، مغني المحتاج 1: 264 - 265، المغني 2: 133، الشرح الكبير 2: 109، الكافي في فقه أهل المدينة: 68.

[ 385 ]

ولا حجة فيه، لأن المقام يصدق في اليوم واليومين، لكن لا تكون تلك إقامة تنافي السفر. وقال أبو حنيفة: إن نوى مقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يدخل فيه واليوم الذي يخرج فيه، بطل حكم سفره - وبه قال الثوري والمزني وابن عمر في إحدى الروايات - لأن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة، فأكمل الصلاة، ولم يعرف لهما مخالف (1). ونمنع عدم المخالف وقد روى البخاري عن ابن عباس أنه أقام بموضع تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة، وقال: نحن إذا أقمنا تسع عشرة ليلة، قصرنا الصلاة، وإن زدنا على ذلك أتممنا (2). وعن عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد، فأتم (3). ولا إجماع مع هذا الخلاف. وقولها ليس بحجة. وعن ابن عباس: إن نوى مقام تسعة عشر يوما، وجب الاتمام وإن كان أقل، لم يجب وبه قال إسحاق بن راهويه (4)، لأن ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وآله، أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين. قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا (5).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 236، المجموع 4: 364، فتح العزيز 4: 448، المغني 2: 133، الشرح الكبير 2: 109، الميزان للشعراني 1: 182، المحلى 5: 22.
(2) صحيح البخاري 2: 53 و 5: 191.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 2: 455، المغني 2: 134، الشرح الكبير 2: 109.
(4) المجموع 4: 364، حلية العلماء 2: 199، الميزان للشعراني 1: 182.
(5) صحيح البخاري 5: 191، سنن الترمذي 2: 432 / 548، سنن ابن ماجة 1: 341 / 1075.

[ 386 ]

وليس حجة، لأن فعل النبي صلى الله عليه وآله، لا يقتضي العموم فلعله لم ينو المقام عشرة أيام. وقال الليث بن سعد: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يوما، أتم. وهو محكي عن سعيد بن جبير (1). وقال الأوزاعي: إن نوى إثني عشر يوما، أتم. وهو مروي عن ابن عمر (2) أيضا. وقال أحمد: إن نوى مقام مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة، أتم - وهو قريب من مذهب الشافعي، واختاره ابن المنذر، وهو مروي عن عائشة - لأن النبي صلى الله عليه وآله، دخل مكة صبيحة يوم الأحد. الرابع من ذي الحجة، وكان قد صلى الصبح قبل دخوله، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بها في اليوم الثامن، ثم دخل إلى منى، وكان النبي صلى الله عليه وآله، يقصر في هذه الأيام، وكانت صلاته في هذه المدة عشرين صلاة (3). ولا حجة فيه، لأنه يقصر إلى تمام العشرة عندنا. وحكي عن أنس بن مالك: أنه أقام بنيسابور سنتين، فكان يقصر فيهما (4). وروى النخعي: أن علقمة أقام بخوارزم سنتين، وكان يقصر فيهما (5).

(1) مصنف ابن أبي شيبة 2: 455، المجموع 4: 365، المغني 2: 133، الشرح الكبير 2: 109، حلية العلماء 2: 199، المحلى 5: 23.
(2) المجموع 4: 364، حلية العلماء 2: 200، نيل الأوطار 3: 256.
(3) المجموع 4: 365، الميزان للشعراني 1: 182، حلية العلماء 2: 200، المغني 2: 133 و 134، الشرح الكبير 2: 108 - 110، الانصاف 2: 329 وفي الثلاثة الأخيرة: إذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم. فلاحظ.
(4) مصنف ابن أبي شيبة 2: 454، سبل السلام 1: 448.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 454، المبسوط للسرخسي 1: 237، الكفاية 2: 11.

[ 387 ]

وفعلهما ليس حجة. مسألة 631: ولو ردد نيته، فيقول: اليوم أخرج، غدا أخرج، قصر إلى ثلاثين يوما ثم يتم بعد ذلك ولو صلاة واحدة، سواء أقام عشرة أيام أولا - وبه قال بعض الحنابلة (1) - لقول علي عليه السلام: " ويقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا شهرا " (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " وإن لم تدر مقامك بها، تقول: غدا أخرج أو بعد غد، فقصر ما بينك وبين شهر " (3). وقال الشافعي: إن لم يتم مقامه أربعا، فله القصر قولا واحدا، وإن أقام أربعة فصاعدا فأقوال: أحدها: الاتمام لأن الإقامة أكثر من قصدها، ولو نوى الإقامة أربعا، أتم فالاقامة أولى. الثاني: أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوما تخريجا من مسألة الحرب، وهي: أن المحارب إذا لم ينو المقام، قصر إلى ثمانية عشر يوما، لأن النبي صلى الله عليه وآله، أقام عام الفتح لحرب هوازن سبعة عشر يوما أو ثمانية عشر يوما وهو يقصر (4). فإن زاد أتم: لقول ابن عباس: فمن أقام أكثر من ذلك فليتم (5). ولأن الأصل الاتمام.

(1) المغني 2: 133 و 139، الشرح الكبير 2: 109.
(2) المغني 2: 133، الشرح الكبير 2: 109، والمعتبر للمحقق الحلي: 255.
(3) الكافي 3: 435 / 1: التهذيب 3: 219 / 546، الاستبصار 1: 237 / 847.
(4) الأم 1: 186.
(5) سنن أبي داود 2: 10 / 1230.

[ 388 ]

الثالث: أنه يقصر أبدا ما لم ينو مقام أربعة، وبه قال أبو حنيفة (1)، لأن المسور بن مخزمة قال: كنا مع سعد بن أبي وقاص في قرية من قرى الشام أربعين ليلة وكنا نصلي أربعا وكان يصلي ركعتين (2). وفعله ليس حجة. فروع: أ: لا فرق بين المحارب وغيره عندنا في وجوب الاتمام بعد شهر، لعموم الحديث (3)، وفي وجوب الاتمام لو نوى العشرة. وللشافعي في المحارب قولان: أحدهما: أنه يقصر الصلاة وإن قصد الأربع - وبه قال أبو حنيفة - لعدم تحقق عزمه، لأنه ربما هزم أو هزم (4). والثاني وهو الجديد: أنه يترك القصر لأنه مسافر عزم على مقام أربع (5). ب: لو لم يقصد المحارب المقام، قصر إلى شهر كما قلنا. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يقصر مطلقا دائما إلى أن ينقضي القتال، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد (6)، لرواية جابر: أن النبي صلى الله عليه وآله، أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (7).

(1) الأم 1: 187، المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 362، فتح العزيز 4: 449 - 451، حلية العلماء 2: 201، المبسوط للسرخسي 1: 237، بدائع الصنائع 1: 97.
(2) المغني 2: 139، الشرح الكبير 2: 113.
(3) مرت الاشارة إلى مصادره في الهامش (3) من صفحة 387.
(4) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 362، فتح العزيز 4: 449، حلية العلماء 2: 200، الهداية للمرغيناني 1: 81، المبسوط للسرخسي 1: 248.
(5) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 362، حلية العلماء 2: 200.
(6) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 362، المبسوط للسرخسي 1: 348، بدائع الصنائع 1: 98، الهداية للمرغيناني 1: 81، اللباب 1: 107، المدونة الكبرى 1: 122، بلغة السالك 1: 172، المغني 2: 138، الشرح الكبير 2: 112.
(7) سنن أبي داود 2: 11 / 1235، سنن البيهقي 3: 152.

[ 389 ]

ولا حجة فيه علينا. والثاني: يقصر إلى ثمانية عشر يوما كغيره (1)، لقول ابن عباس: أقام النبي صلى الله عليه وآله، لحرب هوازن ثمانية عشر يوما يقصر الصلاة، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم (2). وهو معارض برواية جابر. ج: في بعض الروايات: يقصر - يعني المتردد - ما بينه وبين مضي شهر (3). وفي بعضها: ثلاثون يوما: قال الباقر عليه السلام: " فإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم " (4). فلو كان الشهر هلاليا تسعة وعشرين يوما، وأقام من أوله إلى آخره، أتم على الأول دون الثاني. والوجه: التقصير، أما أولا: فللاستصحاب. وأما ثانيا: فلأن الشهر كالمجمل، والثلاثين كالمبين. د: لو دخل بلدا في طريقه، فقال: إن لقيت فلانا فيه أقمت عشرة أيام، قصر إلى أن يلقاه، أو يمضي ثلاثون يوما، فإن لقيه، حكم بإقامته ما لم يغير النية قبل أن يصلي تماما ولو فريضة واحدة. ه‍: لو دخل بلدا لحاجة وعزم أنه متى قضيت خرج، فإن كانت تلك الحاجة لا تنقضي في عشرة أيام، صار حكمه حكم المقيم، وإن جاز أن تنقضي في أقل، قصر إلى أن يمضي ثلاثون يوما. و: لو نوى مقام عشرة أيام في بعض المسافة، انقطع سفره، فإذا خرج

(1) المجموع 4: 362.
(2) الأم 1: 186.
(3) أنظر: الكافي 4: 133 / 1، والتهذيب 3: 219 / 546 و 221 / 553، والاستبصار 1: 237 / 847 و 238 / 851.
(4) الكافي 3: 436 / 3، التهذيب 3: 219 / 548، الاستبصار 1: 238 / 849، وفي الكافي والاستبصار عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 390 ]

إلى نهاية السفر، فإن كان بين موضع الإقامة والنهاية ثمانية فراسخ، قصر، وإلا فلا. ولو عزم في ابتداء السفر على الإقامة في أثناء المسافة، فإن كان بين الابتداء ومضع الإقامة ثمانية فراسخ، قصر، وإلا فلا. ز: نية الإقامة عشرة أيام تقطع السفر، سواء كان موضع إقامة، كالبلدان والقرى والحلل، أو لا، كالجبال والبراري. وللشافعي في الثاني قولان: أحدهما كما قلناه، لوجود نية الإقامة،. والثاني: القصر، لأن الإقامة في هذا الموضع لا تتحقق، فلا ينقطع الترخص بأمر لا حقيقة له (1). وهو ممنوع. ح: قطع السفر إنما يحصل بنية مقام عشرة أيام كوامل. وفي اعتبار يوم الدخول والخروج إشكال ينشأ: من أنه تتمة السفر. ومن حصول المقام، فلو دخل ظهر الأول وخرج ظهر العاشر، قصر على الأول، وأتم على الثاني. ولو عزم على أنه يخرج ظهر الحادي عشر، أتم، ولو خرج ضحوة الحادي عشر، فكالعاشر. ط: لو نوى الإقامة في أثناء المسافة عشرة أيام، أتم وإن بقى العزم على السفر. مسألة 632: لو كان في أثناء المسافة له ملك قد استوطنه ستة أشهر، انقطع سفره بوصوله إليه، ووجب عليه الاتمام فيه عند علمائنا، سواء عزم على الإقامة فيه أو لا - وهو أحد قولي الشافعي (2) - لأن حاله فيه يشبه حال المقيمين.

(1) المجموع 4: 361، فتح العزيز 4: 445.
(2) فتح العزيز 4: 444.

[ 391 ]

ولقول الرضا عليه السلام، وقد سأله محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرجل يقصر في ضيعته: " لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه " فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: " أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى يدخلها " (1). ولأنه بلد إقامة، فلا يعد فيه مسافرا. والثاني للشافعي: القصر (2)، لأن المهاجرين قدموا مكة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأكثرهم بمكة وطن وما تركوا القصر (3). ولأنه لم يعزم على الإقامة، فكانت تلك البلدة وسائر البلاد سواء. ونمنع أن لهم أملاكا وإن كان لهم قرابات فلا اعتبار بها. فروع: أ: لا يشترط في الأشهر التوالي، بل لو استوطنه ستة أشهر متفرقة، سقط الترخص إذا بلغ التلفيق الحد. ب: لا يشترط استيطان الملك، بل البلد الذي فيه الملك. ولا كون الملك صالحا للسكنى، بل لو كان له مزرعة أو نخل واستوطن ذلك البلد ستة أشهر، أتم فيه، لرواية عمار عن الصادق عليه السلام، في الرجل يخرج في سفر، فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها، قال: " يتم الصلاة ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة ولا يقصر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها " (4). ج: لو خرج الملك عنه ساوى غيره من البلاد بخلاف ما لو آجره أو أعاره. د: يشترط ملك الرقبة، فلو استأجر أو استعار أو ارتهن، لم يلحقه

(1) الفقيه 1: 288 / 1310، التهذيب 3: 213 / 520، الاستبصار 1: 231 / 821.
(2) الأم 1: 187، فتح العزيز 4: 444.
(3) صحيح البخاري 2: 53، صحيح مسلم 1: 481 / 693، سنن البيهقي 3: 153.
(4) التهذيب 3: 211 / 512، الاستبصار 1: 229 / 814.

[ 392 ]

حكم المقيم وإن تجاوزت مدة الاجارة عمره. ه‍: لو غصب ملكه وكان استوطنه ستة أشهر، لم يخرج عن حكم المقيم. و: لو كان بين الابتداء والملك أو ما نوى الإقامة فيه مسافة، قصر في طريقه خاصة دون بلد الملك والإقامة، ولو قصر عن المسافة، لم يقصر، لأن عبد الرحمن بن الحجاج قال للصادق عليه السلام: الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض فيخرج فيطوف فيها أيتم أم يقصر؟ قال: " يتم " (1). ز: كما تعتبر المسافة بين ابتداء السفر وموضع إقامته أو بلد استيطانه، كذا يعتبر بينهما وبين مقصده، فإن كان دون المسافة، أتم في طريقه ومقصده، وإن كان مسافة، قصر فيهما. ولو كان مبدأ السفر إلى موضع الوطن أو ما نوى الإقامة فيه عشرة أيام مسافة، ومنهما إلى مقصده دونها، قصر في المسير إليهما دونهما، ودون المسافة بينهما وبين مقصده أيضا. ولو انعكس الفرض، أتم في مبدأ السفر وفيهما، وقصر في السفر منهما إلى مقصده وفي مقصده. ولو قصرا معا، فلا قصر وإن زاد المجموع على المسافة. ح: لو تعددت المواطن أو ما نوى الإقامة فيه عشرة، قصر بين كل موطنين بينهما مسافة خاصة، دون المواطن ودون ما قصر عن المسافة. ط: لو اتخذ بلدا دار إقامته، كان حكمه حكم الملك وإن لم يكن له فيه ملك، بحيث لو اجتاز عليه، وجب عليه الاتمام فيه ما لم تغير نية الإقامة.

(1) الكافي 3: 438 / 6، الفقيه 1: 282 / 1281، التهذيب 3: 213 / 522، الاستبصار 1: 231 / 822.
(2) في " م " زيادة: المؤيدة فيه.

[ 393 ]

ولو اتخذ بلدين فما زاد موضع إقامته، كانا بحكم ملكه وإن لم يكن له فيهما ملك. ي: لو نوى الإقامة في بلد قبل وصوله إليه عشرة أيام، وبينه وبين المبدأ مسافة، قصر في الطريق إلى أن ينتهى إلى ذلك البلد. ويحتمل إلى أن ينتهى إلى مشاهدة الجدران أو سماع الأذان، لصيرورته بحكم بلده. وكذا يتم إذا خرج منه إلى أن يخفى عليه الجدران والأذان، على إشكال. البحث الرابع: عدم زيادة السفر على الحضر مسألة 633: يشترط في القصر عدم زيادة السفر على الحضر، كالمكاري، والملاح والراعي والبدوي والذي يدور في إمارته والذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق والبريد، على معنى أن أحد هولاء إذا حضر إلى بلده ثم سافر منه قبل أن يقيم عشرة أيام في بلده، خرج متمما، فأن أقام عشرة أيام، قصر في خروجه، لقول الباقر عليه السلام: " سبعة لا يقصرون الصلوة: الجابي الذي يدور في جبايته، والأمير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر، والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل " (1). وعن أحدهما عليهما السلام: " ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكارين ولا على الجمالين " (2).

(1) الفقيه 1: 282 / 1282، التهذيب 3: 214 / 524، الاستبصار 1: 232 / 826، الخصال: 403 / 114.
(2) الكافي 3: 437 / 2، الفقيه 1: 281 / 1277، التهذيب 3: 214 / 525، الاستبصار 1: 232 / 827.

[ 394 ]

وعن الباقر عليه السلام: " أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري (1) والراعي والاشتقان، لأنه عملهم " (2) والاشتقان هو البيدر. وقيل: أمين البيدر (3). وإنما شرطنا العشرة، لأن السفر ينقطع بها. ولقول الصادق عليه السلام: " المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام، قصر في سفره بالنهار، وأتم بالليل، وعليه صوم شهر رمضان، وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر " (4). فروع: أ: لو أقام أحدهم في بلده خمسة أيام، قال الشيخ: قصر صلوة النهار خاصة دون الصوم وصلاة الليل (5)، للرواية السابقة (6). والمشهور: وجوب الاتمام ما لم يقم عشرة أيام. ب: لو أقام أحدهم في غير بلده عشرة أيام، فإن نوى إقامتها، خرج مقصرا، وإلا فلا، ولم تشترط النية في إقامته في بلده بل الإقامة. ج: الذي أهله معه وسفينته منزله لا يقصر - وبه قال أحمد (7) - لأنه مقيم في مسكنه وماله، فأشبه ما إذا كان في بيته.

(1) الكري: المكتري. لسان العرب 15: 219 " كري ".
(2) الكافي 3: 436 / 1، الفقيه 1: 281 / 1276، التهذيب 3: 215 / 256، الاستبصار 1: 232 / 828، الخصال: 252 / 122.
(3) مجمع البحرين 6: 272 " شقن ".
(4) الفقيه 1: 281 / 1278، التهذيب 3: 216 / 531، الاستبصار 1: 234 / 836.
(5) المبسوط للطوسي 1: 141، والنهاية 122 - 123.
(6) تقدمت آنفا عن الإمام الصادق عليه السلام.
(7) المغني 2: 105، الشرح الكبير 2: 115، الانصاف 2: 333.

[ 395 ]

وقال الشافعي يقصر (1) لقوله صلى الله عليه وآله: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلوة) (2). د: المعتبر صدق اسم المكاري ومشاركيه في الحكم، سواء كان بأول مرة أو بأزيد. ه‍: هل يعتبر هذا الحكم في غيرهم حتى لو كان غير هولاء يردد في السفر اعتبر فيه ضابطة الإقامة عشرة، أولا؟ إشكال ينشأ: من الوقوف على مورد النص، ومن المشاركة في المعنى. البحث الخامس: إباحة السفر مسألة 634: يشترط في جواز القصر إباحة السفر، بإجماع علمائنا، فلا يترخص العاصي بسفره، كتابع الجائر، والمتصيد لهوا وبطرا، وقاطع الطريق، وقاصد مال غيره أو نفسه بسفره، والخارج على إمام عادل، والآبق من سيده، والناشزة من زوجها، والغريم إذا هرب من غريمة مع تمكنه، والخارج إلى بلد ليفعل فيه المعاصي - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (3) - لقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } (4). قال ابن عباس: غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، مخيف للسبيل، ولا عاد عليهم بسيفه (5).

(1) الأم 1: 188، المغني 2: 105، الشرح الكبير 2: 115.
(2) سنن ابن ماجة 1: 533 / 1667، سنن الترمذي 3: 94 / 715، سنن أبي داود 2: 317 / 2408، سنن النسائي 4: 180، سنن البيهقي 4: 231، مسند أحمد 4: 347 و 5: 29.
(3) الأم 1: 185، المجموع 4: 334، فتح العزيز 4: 456، حلية العلماء 2: 191، الكافي في فقه أهل المدينة: 67، بلغة السالك 1: 170، المغني 2: 102، الشرح الكبير 2: 92.
(4) البقرة: 173.
(5) المغني 2: 102.

[ 396 ]

ولقول الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } قال: " الباغي باغي الصيد، والعادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلوة " (1). ولأن السفر سبب لتخفيف الصلاة إذا كان مباحا، فلا يكون سببا وهو معصية، كالتحام الحرب. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والمزني: يجوز القصر وجميع الرخص في ذلك، لأنه لو غصب خفا، كان له المسح عليه وإن كان عاصيا بلبسه كذا هنا (2). والمسح على الخف عندنا باطل. ولأن سبب الرخصة السفر ولبس الخف شرط وليس بسبب. ولأن المعصية لا تختص بلبسه، فإنه غاصب وإن نزعه. إذا عرفت هذا، فإن الوجه: إن العاصي لا يترخص بأكل الميتة: وبه قال الشافعي وأحمد (3)، خلافا لأبي حنيفة، احتج: بأن منعه يؤدي إلى تلف نفسه وهو حرام (4). ويبطل بأن يتوب ويرجع عن سفره، فيحل له أكل الميتة، فلا يؤدي إلى تلفه. ولا رخصة عندنا غير القصر في الصلاة والصوم وأكل الميتة.

(1) الكافي 3: 438 / 7، التهذيب 3: 217 / 539.
(2) المجموع 4: 344 و 346، فتح العزيز 4: 456، المغني 2: 102، الشرح الكبير 2: 92، حلية العلماء 2: 192. (3 المجموع 1: 485 - 486 و 4: 345، فتح العزيز 4: 457 - 458، المغني 2: 102 الشرح الكبير 2: 92، الانصاف 2: 316.
(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 128، المجموع 4: 346.

[ 397 ]

أما الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، فإنهم أضافوا المسح ثلاثة أيام (1). ولا يترخص العاصي فيه أيضا عند الشافعي - خلافا لأبي حنيفة (2) - وكذا لا يترخص بالتنفل على الراحلة والجمع بين صلاتين (3). فروع: أ: لا يشترط انتفاء المعصية في سفره، فلو كان يشرب الخمر في طريقة ويزني، يرخص، إذ لا تعلق لمعصيته بما هو سبب الرخصة. ب: لو كانت المعصية جزءا من داعي السفر، لم يترخص، كما لو كانت هي الداعي بأجمعه. ج: لو قصد سفرا مباحا ثم أحدث نية المعصية، انقطع ترخصه لأنها لو قارنت الابتداء، لم تفد الرخصة، فإذا طرأت، قطعت، كنية الإقامة، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: لا ينقطع، لأن السفر انعقد مباحا مرخصا، والشروط تعتبر في الابتداء (4). ولو انعكس الفرض، لم يترخص في الابتداء، بل من حيث العود إلى الطاعة إن كان الباقي مسافة، وإلا فلا، وللشافعية كالوجهين السابقين (5). ولو ابتدأ بسفر الطاعة ثم عدل إلى قصد المعصية، انقطع سفره حينئذ، فإن عاد إلى سفر الطاعة عاد إلى الرخصة إن كان الباقي مسافة. وإن لم يكن لكن بلغ المجموع من السابق والمتأخر مسافة، احتمل القصر، لوجود المقتضي، وهو: قصد المسافة، مع انتفاء المانع، وهو:

(1) المجموع 1: 476 و 483، حلية العلماء 1: 130، كفاية الأخيار 1: 31، المغني 1: 322.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 128.
(3) المجموع 1: 485 - 486 و 4: 345، فتح العزيز 4: 457، كفاية الأخيار 1: 87.
(4) المجموع 4: 345، فتح العزيز 456.
(5) المجموع 4: 345، فتح العزيز 4: 456 - 457.

[ 398 ]

قصد المعصية، والمنع، اعتبارا بالمنافي، كما لو قصد الإقامة في أثناء المسافة. د: قد بينا أن المسح على الخف حرام، أما من جوزه فإنه يجوز في السفر ثلاثه أيام، واشترط الشافعي إباحة السفر، ولو كان معصية، احتمل عنده أن يمسح يوما وليلة، لأن للمقيم ذلك، وغاية الأمر فرض السفر كالمعدوم. وعدمه، لأن المسح رخصة، فلا يثبت للعاصي (1). وكذا لو لبس خفا مغصوبا، ففي المسح عليه عنده وجهان (2). ه‍: لو عدم الماء في سفر المعصية، وجب التيمم ولم يجز له ترك الصلاة. وهل تجب الاعادة؟ الأقرب: المنع، لأقتضاء الأمر الإجزاء. ولأن المعصية تأثيرها في منع الرخصة، والصلاة بالتيمم عند عدم الماء واجبة، فلا تؤثر فيها المعصية، وهو أحد وجهي الشافعية (3). والثاني: الاعادة، لأن الصلاة بالتيمم من رخص السفر، فإن المقيم إذا تيمم لعدم الماء، أعاد، فلا يثبت في حق العاصي بسفره (4). والأولى ممنوعة. و: لو وثب من بناء عال أو جبل متلاعبا، فانكسرت رجله، صلى قاعدا ولا إعادة، لأن ابتداء الفعل باختياره دون دوام العجز، وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني: بعيد، لأنه عاص بما هو سبب العجز عن القيام،

(1) المجموع 1: 485، الوجيز 1: 59، فتح العزيز 4: 457، حلية العلماء 1: 136 و 2: 192.
(2) المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 1: 509 - 510.
(3) المجموع 4: 345، حلية العلماء 2: 192.
(4) المجموع 4: 345.

[ 399 ]

فلا يترخص (1). ز: لو سافر لزيارة القبور والمشاهد، قصر، لأنه مباح، وكان النبي صلى الله عليه وآله، يأتي قبا راكبا وماشيا، وكان يزور القبور (2). وقال: (زوروها تذكركم الآخرة) (3). وعند بعض الجمهور لا يجوز القصر، للنهي عن السفر إلى القبور (4). وهو ممنوع. ح: لو سافر للتنزه والتفرج، فالأقرب: جواز القصر، لأنه مباح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والأخرى: المنع، لانتفاء المصلحة فيه (5). وهو ممنوع. مسألة 635: اللاهي بسفره، كالمتنزه بصيده بطرا ولهوا لا يقصر، عند علمائنا - خلافا لباقي الفقهاء - لقول الباقر عليه السلام، وقد سأله زرارة عمن يخرج من أهله بالصقورة والكلاب يتنزه الليلة والليلتين والثلاث هل يقصر من صلاته أم لا؟ فقال: " لا يقصر، إنما خرج في لهو " (6). ولأن اللهو حرام، فالسفر له معصية. ولأن الرخصة لتسهيل الوصول إلى المصلحة، ولا مصلحة في اللهو. ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله، وجب القصر في الصلاة والصوم إجماعا، لأنه فعل مباح. ولقول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن الرجل يخرج إلى الصيد

(1) حلية العلماء 2: 192.
(2) سنن البيهقي 5: 240 و 249.
(3) سنن الترمذي 3: 370 / 1054، سنن البيهقي 4: 77.
(4) المغني 2: 104 - 105، الشرح الكبير 2: 94.
(5) المغني 2: 104، الشرح الكبير 2: 93 - 94.
(6) التهذيب 3: 218 / 540 و 4: 220 / 641، الاستبصار 1: 236 / 842.

[ 400 ]

مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم؟ فقال: " إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وإن خرج لطلب الفضول، فلا ولا كرامة " (1). ولو كان الصيد للتجارة، قال الشيخ في النهاية والمبسوط: يقصر في صلاته دون صومه (2). والوجه: القصر فيهما، لأنه مباح، وإلا لم يجز القصر في الصلاة. قال الصادق عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت " (3). تذنيب: قال الصدوق رحمه الله: لو قصد مسافة ثم مر في أثنائها إلى الصيد، أتم حال ميله، وقصر عند عوده (4). وهو جيد. آخر: سالك الطريق المخوف مع انتفاء التحرز عاص، فلا يجوز له الترخص. البحث السادس: في أمور ظن أنها شروط وليست كذلك مسألة 636: لا يشترط في القصر وجوب السفر عند علمائنا أجمع

(1) الكافي 3: 438 / 10، الفقيه 1: 288 / 1312، التهذيب 3: 217 / 538، الاستبصار 1: 236 / 845.
(2) اضطربت كتب المصنف في نقل فتوى الشيخ هذه، فهنا وفي نهاية الأحكام 2: 182 نقل عنه القصر في الصلاة دون الصوم، ونقله عنه أيضا المحقق في المعتبر: 252، وفي المختلف: 161 نقل قوله بالاتمام في الصلاة والافطار في الصوم، كما نقله عنه أيضا العاملي في مفتاح الكرامة 3: 579، والصحيح - كما في النهاية: 122، والمبسوط 1: 136 - التمام في الصلاة والافطار في الصوم. (3) الفقيه 1: 280 / 1270، التهذيب 3: 220 / 551.
(4) الفقيه 1: 288 ذيل الحديث 1314.

[ 401 ]

- وبه قال أكثر العلماء (1) - لأنه تعالى، علق على الضرب في الأرض (2). ولقول ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين (3). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم؟: " يتم لأنه ليس بمسير حق " (4). وحكى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يجوز القصر إلا في السفر الواجب، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بواجب (5). ولو سلمنا المقدمتين، قلنا بموجبه، فإن القصر عندنا واجب. وينتقض بمن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه. مسألة 637: ولا يشترط في القصر كون السفر طاعة، بل يثبت في السفر إذا كان مباحا، عند علماء الأمصار، لما تقدم في المسألة الأولى (6). ولأن الرخصة إذا تعلقت بالسفر الطاعة، تعلقت بالسفر المباح، كصلوة النافلة على الراحلة. وقال عطاء: لا يجوز القصر إلا في سفر الطاعة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله، لم يقصر إلا في سبل الخير، فلا يقصر إلا في مثلها (7). وهو خطأ، لأن وقوع ذلك اتفاقي.

(1) المجموع 4: 346، المغني 2: 100، الشرح الكبير 2: 92، المهذب للشيرازي 1: 109، بداية المجتهد 1: 166.
(2) إشارة إلى الآية 101 من سورة النساء.
(3) صحيح مسلم 1: 479 / 687، سنن ابن ماجة 1: 339 / 1068 مسند أحمد 1: 355.
(4) الكافي 3: 438 / 8، التهذيب 3: 217 / 537، الاستبصار 1: 236 / 841.
(5) المجموع 4: 346، المغني 2: 100، الشرح الكبير 2: 92.
(6) برقم 636.
(7) المجموع 4: 346، حلية العلماء 2: 191، المغني 2: 100، الشرح الكبير 2: 92.

[ 402 ]

ولأنه عليه السلام، كان يترخص في عوده (1) وهو مباح. ولأنه لو اختص بفعله صلى الله عليه وآله، لاختص بالسفر إلى الموضع الذي سافر إليه. مسألة 638: لا يشترط في القصر الخوف بل يثبت القصر في سفر الامن والخوف معا، عند عامة العلماء، لأن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (2). وقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، سافر بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله تعالى، فصلى ركعتين (3). وقال داود: لا يجوز القصر إلا في سفر الخوف (4)، لظاهر قوله تعالى: { إن خفتم } (5). والحديث مبين. مسألة 639: نية القصر ليست شرطا فيه، فلو صلى ولم ينو القصر، وجب، وكذا لو نوى الاتمام، وجب القصر، عند علمائنا أجمع - خلافا للجمهور - لأن المقتضي لوجوب الاتمام والقصر ليس هو القصد التابع لحكم الله تعالى، بل حكمه تعالى، فلا يتغير الفرض بتغير النية، بل لو نوى المخالف، لم يجزئ ووجب على ما حكم الله تعالى به، وقد بينا إن الواجب

(1) صحيح البخاري 2: 53، صحيح مسلم 1: 481 / 693، سنن أبي داود 2: 10 / 1233، سنن النسائي 3: 121، سنن البيهقي 3: 136.
(2) صحيح مسلم 1: 478 / 686، سنن أبي داود 2: 3 / 1199، سنن ابن ماجة 1: 339 / 1065، سنن الدارمي 1: 354، مسند أحمد 1: 25، سنن البيهقي 3: 134.
(3) سنن الترمذي 2: 431 / 547، سنن البيهقي 3: 135.
(4) حلية العلماء 2: 191، الميزان للشعراني 1: 180، رحمة الأمة 1: 73.
(5) النساء: 101.

[ 403 ]

القصر. أما الجمهور، فإن القصر عند أكثرهم ليس واجبا، بل المسافر يتخير بين القصر والاتمام (1). وإنما يجوز القصر عند الشافعي وأحمد لو نواه، فإن أحرم بنية القصر جاز، وإن أحرم بنية الاتمام، وجب الاتمام عندهما، لأن المصلي في أول الوقت يلزمه الاتمام وإن جاز التأخير قبل الشروع، فكذا هنا إذا نوى الاتمام، لزمه وإن كان مخيرا في الابتداء (2). ونحن نمنع التخيير، فإن القصر عندنا واجب - وبه قال أبو حنيفة (3) - فإذا نوى الاتمام لم يتغير فرضه. وإن أطلق النية، وجب القصر عندنا، لأنه يجب لو نوى الاتمام، ففي الاطلاق أولى. واختلفت الشافعية، فعند المزني يجوز القصر، لأنه أحرم بصلاة يجوز له قصرها ولم ينو إتمامها، فكان له قصرها، كما لو نوى القصر (4). وقال آخرون: يجب الاتمام، لأنه الأصل، وقد أجمعنا على جواز القصر مع نيته، فإذا لم ينو وجب الاتمام. ولأن إطلاق النية ينصرف إلى الأصل (5). والكل ممنوع بما تقدم.

(1) أنظر: الأم 1: 179، مختصر المزني: 24، المجموع 4: 337، فتح العزيز 4: 429، المغني 2: 108، الشرح الكبير 2: 100، الشرح الصغير 1: 169.
(2) الأم 1: 181، المجموع 4: 353، فتح العزيز 4: 466، المغني والشرح الكبير 2: 106 - 107.
(3) اللباب 1: 106، بدائع الصنائع 1: 91، المجموع 4: 337، فتح العزيز 4: 430، المغني 108.
(4) فتح العزيز 4: 466، حلية العلماء 2: 196.
(5) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 353، الوجيز 1: 60، فتح العزيز 4: 466.

[ 404 ]

فروع: أ: لو نوى القصر ثم أراد الاتمام، لم يجز، وبه قال مالك (1). أما عندنا: فلوجوب القصر، وأما عنده: فلأن الزيادة لم تشتمل عليها نيته. وقال الشافعي: له ذلك (2). ب: المواطن الأربعة التي يجوز فيها الاتمام، لو نواه فيها، لم يجب وكذا لو نوى القصر، لم يجب، عملا بالأصل، وهو الاستصحاب. ج: لو نوى الاتمام ثم أفسد الصلاة، أعادها قصرا عندنا، لأنه الواجب. وعند الشافعي لا يجوز، لأنه التزم العبادة (3) على صفة (4). أما لو نوى الاتمام ثم بان أنه كان محدثا، لم يلزمه الاتمام قولا واحدا، لعدم انعقادها. وكذا لو فقد المطهرين، فشرع مصليا بنية الاتمام ثم قدر على الطهارة، لم يلزمه الاتمام. أما عندنا: فلأن فرضه القصر. وأما عند الشافعي: فلأن ما شرع فيه ليس بحقيقة صلاة (5). د: لو شك هل نوى القصر أم لا، لم يلزمه الاتمام، لما بينا من وجوب القصر.

(1) المجموع 4: 355، المغني والشرح الكبير 2: 107.
(2) المجموع 4: 355، فتح العزيز 4: 466، المغني والشرح الكبير 2: 107.
(3) في نسخة " م ": انعقاده، والمثبت في المتن موافق لما في المصدر.
(4) المجموع 4: 357، المغني 2: 107، الشرح الكبير 2: 106.
(5) المجموع 4: 357.

[ 405 ]

وعند الشافعي: يجب الاتمام، لأنه الأصل، والقصر رخصة، فإذا شك في سببها عاد إلى الأصل (1). ولو شك في نية القصر ثم تذكر في الحال، لزمه القصر. وعند الشافعي: يجب الاتمام، لأن فعله في زمان الشك احتسب به عن الاتمام ومن احتسب جزء من صلاته عن الاتمام وجب عليه (2). ه‍: لو كان في الصلاة فشك هل نوى الإقامة أم لا، لزمه القصر، عملا بالاستصحاب. وعند الشافعي يجب الاتمام، لأن القصر رخصة، فإذا شك في الشرط، عاد إلى الأصل (3). و: لو وصل إلى بلدة في السفينة، فشك هل هي بلدة إقامته؟ لزمه الاتمام، لوقوع الشك في سبب الرخصة. والأقرب وجوب القصر، للاستصحاب. ز: لو نوى القصر فصلى ركعتين وقعد للتشهد ثم قام، فإن قصد الاتمام، لم يجز عندنا. وقال الشافعي: يجوز (4). وإن قام ساهيا، عاد إلى قعوده، وإن تعمده ولم يقصد الاتمام، فسدت صلاته، كما لو قام إلى الخامسة عمدا، وبه قال الشافعي (5).

(1) المهذب للشيرازي 1: 110، المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 466.
(2) المجموع 4: 351 و 357، فتح العزيز 4: 466، فتح الوهاب 1: 71، منهج الطلاب 1: 71، كفاية الأخيار 1: 88.
(3) المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 468، السراج الوهاج: 81.
(4) المجموع 4: 354، فتح العزيز 4: 468.
(5) فتح العزيز 4: 467 - 468، السراج الوهاج: 81، مغني المحتاج 1: 270، فتح الوهاب 1: 71، منهج الطلاب 1: 71.

[ 406 ]

قال: ولو نوى القصر ثم صلى أربعا ساهيا فلما قعد للتشهد نوى الاتمام، لم يحتسب له ما فعله، وعليه أن يقوم فيصلي ركعتين غيرهما، لأنه ساه في فعلها، والسهو لا يحتسب به عن الفرض (1). وعندنا ليس له الاتمام إلا مع تجديد نية الإقامة، فلو صلى أربعا سهوا ثم عزم على المقام عشرة قبل التسليم، احتمل قول الشافعي. هذا إذا لم يقصد التمام، فإن قصده ساهيا، أعاد في الوقت خاصة. مسألة 640: ولا يشترط في القصر عدم الائتمام بالمقيم، عند علمائنا أجمع، فلو ائتم مسافر بمقيم، قصر المسافر ولا يتابع المقيم عندنا، وبه قال إسحاق بن راهويه (2). وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود: يجب عليه الاتمام (3). وكذا قال مالك: إن أدرك ركعة، وإلا قصر (4). وقد تقدم (5) البحث في ذلك في باب الجماعة. المطلب الثالث: في الأحكام مسألة 641، قد بينا أن الواجب على المسافر هو القصر: عند علمائنا، فلو أتم فأقسامه ثلاثة:

(1) المجموع 4: 354، فتح العزيز 4: 468.
(2) المجموع 4: 358، حلية العلماء 2: 196، المغني 2: 129 الشرح الكبير 2: 103، الميزان للشعراني 1: 182.
(3) المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 461، حلية العلماء 2: 196، الميزان للشعراني 1: 181، مغني المحتاج 1: 269، بدائع الصنائع 1: 93، المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103.
(4) المدونة الكبرى 1: 120، المجموع 4: 357، فتح العزيز 4: 461، المغني 2: 129، الشرح الكبير 2: 103، حلية العلماء 2: 196.
(5) تقدم في المسألة 577.

[ 407 ]

الأول: إن يتعمد ذلك: فيجب عليه الاعادة في الوقت وخارجه، سواء قعد قدر التشهد، أو لا، عند علمائنا أجمع، لأنه زاد في الفريضة عمدا، فأبطل صلاته، كما لو زاد في غيرها من الفرائض. ولما رواه ابن عباس: قال من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، صليت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر؟ قال: " أعد " (2). وقال أبو حنيفة: يعيد إلا أن يقعد قدر التشهد (3). وليس بجيد، لأنه جلوس لم ينوبه الصلوة، فكانت الزيادة بعده كما لو كان قبله. ولأنه فعل كثير ليس من الصلوة، فيكون مبطلا بعد الجلوس، كما هو قبله. وباقي الجمهور على صحة الصلاة، لعدم تعين القصر. الثاني: أن يفعل ذلك جاهلا بوجوب القصر، فلا يعيد مطلقا عند أكثر علمائنا (4)، لقوله عليه السلام: (الناس في سعة ما لم يعلموا) (5). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام، وقد سأله زرارة ومحمد ابن مسلم، عن رجل صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟: " إن كان قد قرئت عليه آية القصر وفسرت له أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها، لم يعد " (6).

(1) المغني 2: 109.
(2) التهذيب 2: 14 / 33.
(3) اللباب 1: 106، المجموع 4: 337 - 338، المغني 2: 108.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 123، وابن إدريس في السرائر: 77، والمحقق في المعتبر: 254.
(5) أورده المحقق في المعتبر: 254.
(6) الفقيه 1: 278 - 279 / 1266، التهذيب 3: 226 / 571، تفسير العياشي 1:

[ 408 ]

ولأن الأصل الاتمام، فمع الجهل ورجوعه إلى الأصل يكون معذورا. ولاشتمال القضاء على عقوبة، والجهل شبهة، فلا تترتب عليها العقوبة. وقال أبو الصلاح: يعيد في الوقت (1). الثالث: أن يفعله ساهيا، قال علماؤنا: يعيد في الوقت لا خارجه، لأنه لم يفعل المأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة الأمر، بخلاف الجهل بالقصر، لأن التكليف منوط بالعلم، وبخلاف ما لو خرج الوقت، فإنه لا يعيد، لأنه يكون قضاء، وإنما يجب بأمر جديد، إذ استدراك مصلحة الواجب في وقته غير ممكن. ولقول الصادق عليه السلام - وقد سأله العيص، عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة -: " إن كان في الوقت فليعد وإن كان الوقت مضى فلا " (2). وقال عليه السلام، في رجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات: " إن ذكر في ذلك اليوم فليعد وإن لم يذكر حتى مضى ذلك اليوم فلا إعادة " (3). مسألة 642: لو قصر المسافر اتفاقا من غير أن يعلم وجوبه، أو جهل المسافة، فاتفق أن كان الفرض ذلك، لم تجزئه الصلاة، لأن القصر إنما يجوز مع علم السبب أو ظنه، فدخوله في هذه الصلاة منهي عنه في ظنه، فلا تقع مجزئة عنه. ولو ظن المسافة فأتم علم القصور، احتمل الإجزاء، للموافقة،

271 / 254. (1) الكافي في الفقه: 116.
(2) الكافي 3: 435 / 6، التهذيب 3: 169 / 372 و 225 / 569، الاستبصار 1: 241 / 860.
(3) الفقيه 1: 281 / 1275، التهذيب 3: 169 / 373، الاستبصار 1: 241 / 861.

[ 409 ]

ولرجوعه إلى الأصل، ولأن القصر طار. وعدمه، لإقدامه على عبادة يظن فسادها، فلا تقع مجزئة عنه. مسألة 643 الشرائط في قصر الصلاة وقصر الصوم واحدة إجماعا، وكذا الحكم مطلقا على مذهب أكثر علمائنا (1)، لقول الصادق عليه السلام: " إذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت " (2). وعند الشيخ يجب على من زاد سفره على حضره إذا أقام خمسة أيام قصر صلاة النهار دون الصوم، وكذا قال رحمه الله - في الصائد للتجارة: يقصر في الصلوة خاصة (3). والوجه: ما قلناه، للرواية. ولأنه سبب في الترخص في الصلاة، فكذا في الصوم لأنه أحد الرخصتين. مسألة 644: إذا نوى المسافر الإقامة في بلد عشرة أيام، أتم على ما تقدم، فإن رجع عن نيته، قصر ما لم يصل تماما ولو صلاة واحدة، فلو صلى صلوة واحدة على التمام، أتم، لأن النية بمجردها لا يصير بها مقيما، فإذا فعل صلاة واحدة على التمام، فقد ظهر حكم الإقامة فعلا، فلزم الاتمام، لانقطاع السفر بالنية والفعل. ولو لم يصل صلوة واحدة على التمام، كان حكم سفره باقيا، لأن المسافر لا يصير مقيما بمجرد نية الإقامة، كما لو نوى الإقامة ثم رجع. ولقول الصادق عليه السلام، وقد سأله أبو ولاد: كنت نويت الإقامة بالمدينة عشرة أيام ثم بدا لي بعد فما ترى؟ قال: " إن كنت صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، وإن كنت

(1) منهم: ابن إدريس في السرائر: 89.
(2) الفقيه 1: 280 / 1270، التهذيب 3: 220 / 551.
(3) أنظر: النهاية: 122 و 123، والمبسوط للطوسي 1: 136 و 141، وراجع أيضا الهامش (2) من صفحة 400.

[ 410 ]

دخلتها وعلى نيتك التمام فلم تصل فيها فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك، فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشرا وأتم، وإن لم تنو المقام، فقصر ما بينك وبين شهر، فإذا مضى شهر، فأتم الصلاة " (1). مسألة 645: لو رجع عن نية الإقامة في أثناء الصلوة، قال الشيخ: يتم، لأنه دخل في الصلاة بنية الاتمام (2). والوجه عندي: التفصيل، وهو: أنه إن كان قد تجاوز في صلاته فرض القصر، بأن صلى ثلاث ركعات، تعين الاتمام، وإلا جاز له القصر، لأن المناط في وجوب الاتمام صلاة تامة ولم توجد في الأثناء. فروع: أ: لو رجع عن نية الإقامة بعد خروج وقت الصلاة ولم يصل، فإن كان الترك لعذر مسقط، صح الرجوع، ووجب القصر، وإن لم يكن لعذر مسقط، لم يصح، ووجب الاتمام إلى أن يخرج. ب: لو نوى الإقامة فشرع في الصوم، فالوجه: أنه كصلاة الاتمام، ولأنه إحدى العبادتين المشروطتين بالإقامة وقد وجدت النية وأثرها، فأشبه العبادة الأخرى. ويحتمل صحة الرجوع، لأن المناط الصلاة تماما. ج: إن جعلنا الصوم ملزما للاقامة، فإنما هو الصوم الواجب المشروط بالحضر أو النافلة، إن شرطنا في صحتها الإقامة، أما ما لا يشترط بالحضر كالمنذور سفرا وحضرا، أو النافلة إن سوغناها في السفر، فلا. مسألة 646: لو أحرم بنية القصر ثم نوى في الأثناء المقام عشرة، أتم

(1) الفقيه 1: 280 / 1271، التهذيب 3: 221 / 553، الاستبصار 1: 238 / 851.
(2) المبسوط للطوسي 1: 139.

[ 411 ]

الصلاة تماما، عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (1) - لانتفاء سبب القصر - وهو السفر - لوجود نية الإقامة المضادة للسفر، ولا يجتمع الضدان. وقال مالك: إذا رجع عن نية القصر، لم يبن على صلاته، فإن كان قد صلى ركعة بسجدتيها، أتمها ركعتين نافلة، لأنها صلاة ابتدئت بنية فرض، فلا يجوز نقله إلى غيره، كما لا تنقل صلاة الظهر إلى العصر (2). والجواب: منع حكم الأصل عندنا، سلمنا لكنها صلاة واحدة لا تختلف نيتها إلا من جهة العدد، فإذا نواها ركعتين، جاز أن يجعلها أربعا، كالنافلة بخلاف الظهر والعصر، لأن نية الصلاة مختلفة. فروع: أ: لو دخل بنية القصر ثم نوى الاتمام، لم يجز له الاتمام عندنا، إلا أن ينوي المقام عشرا، لأن فرضه القصر، فلا يتغير بتغير النية على ما سبق. وقال الشافعي: يجب الاتمام، لأن نية الزيادة في العدد لا تتغير به النية، وهو بناء على أن القصر سائغ (3). وقال مالك: لا يجب الاتمام، لأنه نوى عددا، فإذا زاد عليه، حصلت الزيادة بغير نية، فلم تجز (4). ب: لو أحرم ونوى القصر فصلى أربعا ناسيا، فقد بينا الإجزاء مع خروج الوقت، والاعادة مع بقائه.

(1) الأم 1: 181، المجموع 4: 354، فتح العزيز 4: 466، حلية العلماء 2: 197، مغني المحتاج 1: 270. (2) المدونة الكبرى 1: 120، الكافي في فقه أهل المدينة: 67، التفريع 1: 259، المنتقى للباجي 1: 265، المجموع 4: 355، حلية العلماء 2: 197.
(3) الأم 1: 181، مختصر المزني: 25، المجموع 4: 355، فتح العزيز 4: 466، حلية العلماء 2: 197، المغني والشرح الكبير 2: 107.
(4) المغني والشرح الكبير 2: 107، المجموع 4: 355، فتح العزيز 4: 468، حلية العلماء 2: 197.

[ 412 ]

وقال الشافعي: تجزئه مطلقا، ويسجد للسهو (1). ولو تعمد ذلك، لم يجز عندنا على ما بيناه. وقال الشافعي: تجزئه ولا يسجد (2). قالت الشافعية: وهو غريب، لأن الزيادة التي توجب سجود السهو إذا تعمدها، أفسدت (3). وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري كقول الشافعي (4). وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزئه لأن هذا السهو عمل كثير (5). وليس بجيد، لأنه من جنس الصلاة. ج: لو أراد السفر إلى بلد ثم إلى آخر بعده، فإن كان الأدنى مما يقصر في مثله، قصر، وإلا لم يقصر إن نوى الإقامة في الأقرب عشرة، وإلا قصر إن بلغ المجموع المسافة. ولو دخل الأقرب فأراد الخروج إلى الآخر، اعتبرت المسافة إليه. ولو قصد بلدا ثم قصد أن يدخل في طريقه إلى بلد آخر يقيم فيه أقل من عشرة أيام، لم يقطع ذلك سفره، واعتبرت المسافة من البلد الذي أنشأ منه السفر إلى البلد الذي قصده. د: لو خرج إلى الأبعد فخاف في طريقه فأقام لطلب الرفقة أو ليرتاد الخبر ثم طلب غير الأبعد الذي قصده أولا، جعل مبتدئا للسفر من موضع إقامته لإرتياد الخبر، لأنه قطع النية الأولى، وإن لم يبدله لكن أقام أقل من عشرة، قصر.

(1) المجموع 4: 354، حلية العلماء 2: 196، فتح العزيز 4: 468.
(2) حلية العلماء 2: 196.
(3) أنظر: فتح العزيز 4: 467 - 468.
(4) حلية العلماء 2: 196.
(5) مقدمات ابن رشد 1: 159، حلية العلماء 2: 196.

[ 413 ]

ه‍: لو فارق البلد إلى حيث غاب الأذان والجدران، ثم عاد إلى البلد لحاجة عرضت، لم يترخص في رجوعه وخروجه ثانيا إلى أن يغيب عنه الأذان والجدران، إلا أن يكون غريبا عن البلد، أو يبلغ سيره مسافة، فله استدامة الترخص وإن كان قد أقام أكثر من عشرة في بلد الغربة، وهو أظهر وجهي الشافعي (1). و: لو عزم العشرة في غير بلدة ثم خرج إلى ما دون المسافة عازما على العود والإقامة، أتم ذاهبا وعائدا وفي البلد، وإن لم يعزم، قصر. ز: لو قصر في ابتداء السفر ثم رجع عن نية السفر، لم تجب عليه الاعادة، لأنها وقعت مشروعة وإن كان الوقت باقيا. ح: لا يحتاج القصر إلى نيته على ما بيناه، بل تكفي نية فرض الوقت، وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: إنما يجوز القصر بشروط ثلاثة: أن يكون سفرا يقصر فيه الصلوة، وأن ينوي القصر مع الاحرام، وأن تكون الصلوة أداء لا قضاء (3). وقال المزني: أن نوى القصر قبل السلام، جاز له القصر (4). مسألة 647: قال الشيخ رحمه الله: صلاة السفر لا تسمى قصرا، لمغايرة فرض السفر فرض الحضر، وبه قال أبو حنيفة وكل من وافقنا في وجوب القصر. وقال الشافعي: إنه يسمى قصرا (5). وهو نزاع لفظي.

(1) المجموع 4: 349، الوجيز 1: 58، فتح العزيز 4: 441، المغني 2: 137.
(2) المجموع 4: 353.
(3) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 580، المسألة 335، وانظر: المجموع 4: 353.
(4) المجموع 4: 353.
(5) الخلاف 1: 571، المسألة 322، وانظر: المجموع 4: 353.

[ 414 ]

مسألة 648: الصوم في سفر القصر باطل، وعليه الاعادة عند علمائنا أجمع - وبه قال علي عليه السلام، وعمر، وأبو هريرة، وثلاثة أخرى من الصحابة (1) - لقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * (2) أوجب عدة أيام. وقال داود: يصح صومه، وعليه القضاء (3). وقال باقي الفقهاء: إن شاء صام وإن شاء أفطر، فإن صام أجزأ (4). وسيأتي (5). مسألة 649: نوافل النهار تسقط في السفر دون نوافل الليل، عند علمائنا، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يوتر على الراحلة في السفر (6). وكان يتنفل على الراحلة في السفر حيث ما توجهت به راحلته (7). وأقام النبي صلى الله عليه وآله، على حرب هوازن ثمانية عشر يوما وكان يتنفل (8). وأما قصر نوافل النهار: فلأنها تابعة لفرائض مقصورة، فاقتضت

(1) المجموع 6: 264، أحكام القرآن للجصاص 1: 214، تفسير القرطبي 2: 279 - 280، عمدة القاري 11: 43، نيل الأوطار 4: 305.
(2) البقرة: 184.
(3) عمدة القاري 11: 43، نيل الأوطار 4: 305.
(4) أنظر: المغني 3: 34، والمجموع 6: 264، والأم 2: 102، وعمدة القاري 11: 43 ونيل الأوطار 4: 307.
(5) يأتي في ج 6، كتاب الصوم المسألة 62.
(6) صحيح البخاري 2: 55 - 56، صحيح مسلم 1: 487 / 36 و 38 و 39، مصنف ابن أبي شيبة 2: 303، سنن الترمذي 2: 335 - 336 / 472، سنن النسائي 1: 243 - 244 و 3: 232، سنن أبي داود 2: 9 / 1224، سنن الدار قطني 2: 28 - 29 / 2 و 3، سنن البيهقي 2: 491.
(7) صحيح البخاري 2: 55، صحيح مسلم 1: 486 - 487 / 31 و 39، سنن الترمذي 2: 183 / 352، سنن أبي داود 2: 9 / 1224، سنن النسائي 1: 243 - 244، سنن البيهقي 2: 491.
(8) فتح العزيز 4: 449، تلخيص الحبير 4: 449.

[ 415 ]

الحكمة إسقاطها. وقال الشافعي: يجوز أن يتنفل بالنهار والليل (1). ومنع بعض التابعين من التنفل مطلقا، لأنه إذا سقط بعض الفرض فلا يأتي بالنافلة (2).

(1) الأم 1: 186، المجموع 4: 400، المغني 2: 141، الشرح الكبير 2: 114.
(2) المجموع 4: 401، المغني 2: 141، الشرح الكبير 2: 114

[ 417 ]

الفصل الثالث: في صلاة الخوف وفيه مطلبان: الأول: الكيفية مسألة 650: قيل: إن قبل نزول آية صلاة الخوف كان النبي صلى الله عليه وآله، يؤخر الصلاة إلى أن يحصل الامن ثم يقضيها، لأن الشرع كان كذلك، ثم نسخ إلى صلاة الخوف، ولهذا أخر النبي صلى الله عليه وآله (أربع صلوات) (1) يوم الخندق (2). والأصل في صلوة الخوف: الكتاب والسنة والاجماع: قال الله تعالى: { وإذا كنت فيهم } (3) وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله، صلى ذات يوم الرقاع صلاة الخوف (4). وسميت ذات الرقاع، لأن فيه جبلا ألوانه مختلفة بعضه أحمر، وبعضه أسود، وبعضه أصفر. وقال أبو موسى الأشعري: موضع مر به ثمانية نفر حفاة، فتنقبت

(1) بدل ما بين القوسين في " ش ": صلاة.
(2) المغني 2: 251، الشرح الكبير 2: 127، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: 118 - 120.
(3) النساء: 102.
(4) صحيح البخاري 5: 145، صحيح مسلم 1: 575 / 842، سنن النسائي 3: 171، سنن أبي داود 2: 13 / 1238، مسند أحمد 5: 370، موطأ مالك 1: 183 / 1.

[ 418 ]

أرجلهم (1)، وتساقطت أظفارهم، فكانوا يلفون عليها الخرق، فسميت لذلك ذات الرقاع (2). وصلى عليه السلام، يوم عسفان ببطن النخل صلاة الخوف (3). مسألة 651: صلاة الخوف ثابتة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبه قال عامة أهل العلم (4)، لأنه عليه السلام صلاها وورد الكتاب بها، وقال تعالى: { فاتبعوه واتقوا) * (5). وسئل عليه السلام، عن القبلة للصائم، فأجاب بأنني أفعل ذلك، فقال السائل: لست مثلنا، فغضب وقال: (إني لارجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) (6) ولو اختص بفعله، لما كان الإخبار بفعله جوابا، ولا غضب من قول السائل: لست مثلنا. ولأن الصحابة أجمعوا على صلاة الخوف: صلى علي عليه السلام، في حرب معاوية ليلة الهرير صلاة الخوف (7). وصلى أبو موسى الأشعري صلاة الخوف بأصحابه (8). وكان سعيد بن العاص أميرا على الجيش بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا فقدمه فصلى بهم (9).

(1) أي: رقت جلودها: النهاية لابن الأثير 5: 102.
(2) صحيح البخاري 5: 145، معجم البلدان 3: 56.
(3) مسند أحمد 4: 59 و 60، سنن الترمذي 5: 243 / 3035، مسند الطيالسي: 192 / 1347، سنن البيهقي 3: 257 بتفاوت.
(4) المغني 2: 250 - 251، الشرح الكبير 2: 126.
(5) الأنعام: 155.
(6) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 251، والشرح الكبير 2: 126 - 127، ونحوه في صحيح مسلم 2: 779 / 1108، والموطأ لمالك 1: 291 / 13. (7 و 8) سنن البيهقي 3: 252، المغني 2: 251، والشرح الكبير 2: 126.
(9) سنن البيهقي 3: 252، سنن النسائي 3: 168، سنن أبي داود 2: 16 - 17 / 1246، مسند أحمد 5: 395 و 399 و 404 و 406، والمغني 2: 251، والشرح الكبير 2: 126.

[ 419 ]

وقال أبو يوسف: إنها كانت تختص برسول الله صلى الله عليه وآله، لقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } (1) (2) شرط كونه فيهم. وقال المزني: الآية منسوخة، وقد أخر النبي صلى الله عليه وآله، يوم الخندق أربع صلوات، اشتغالا بالقتال، ولم يصل صلاة الخوف (3). وخطابه لا يوجب اختصاصه، لوجوب التأسي علينا، ولهذا أنكرت الصحابة على مانعي الزكوة حيث قالوا: أن الله تعالى قال لنبيه: { خذ } (4) فخصه بذلك. ويوم الخندق كان قبل نزول صلوة الخوف (5). مسألة 652: وصلاة الخوف جائزة في السفر بالاجماع، وكذا في الحضر، عند علمائنا أجمع - وبه قال الأوزاعي والشافعي وأحمد (6) - لقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم } (7) وهو عام في كل حال. ولأنها حالة خوف، فجاز فيها صلاة الخوف كالسفر. وقال مالك: لا تجوز في الحضر، لأن الآية دلت على صلاة ركعتين، وصلاة الحضر أربع. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يفعلها في الحضر (8).

(1) النساء: 102.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 89، المجموع 4: 405، حلية العلماء 2: 208، المغني 2: 251، والشرح الكبير 2: 126.
(3) المجموع 4: 405، حلية العلماء 2: 208.
(4) التوبة: 103.
(5) المغني 2: 251 و 269، الشرح الكبير 2: 127 و 140، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: 118 - 119.
(6) الأم 1: 210، المجموع 4: 419، حلية العلماء 2: 213، الميزان للشعراني 1: 184، المغني 2: 258، الشرح الكبير 2: 134.
(7) النساء: 102.
(8) المغني 2: 258، الشرح الكبير 2: 134، المجموع 4: 419، حلية العلماء 2: 213، الميزان للشعراني 1: 184.

[ 420 ]

ونمنع عدم القصر في الحضر على ما سيأتي (1). سلمنا، لكن قد يكون في الحضر ركعتان كالفجر وصلاة الجمعة، والمغرب ثلاث يجوز فعلها في الخوف في السفر إجماعا. وترك النبي صلى الله عليه وآله، فعلها في الحضر لغناه عن فعلها فيه. مسألة 653: وهي مقصورة في السفر إجماعا في عدد الرباعية إلى ركعتين خاصة، عند علمائنا أجمع - وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وأكثر العلماء (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى يوم ذات الرقاع بكل طائفة ركعتين (3). والمراد أنها صلت ركعتين في حكم صلاته. ولأن الإمام والمأموم على صفة واحدة، فيجب أن يستوي حكمهما. وحكي عن ابن عباس أنه قال: صلاة الخوف لكل طائفة ركعة، وللإمام ركعتان، وبه قال الحسن البصري وطاوس ومجاهد (4)، لقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } (5) يعني تجاه القبلة. أخبر أنهم يصلون قياما وسجودا، فقد ثبت أنهم إنما يصلون ركعة واحدة. ثم قال: { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } (6) يعني

(1) يأتي في المسألة 654. (2) الأم 1: 210، الميزان للشعراني 1: 184، بدائع الصنائع 1: 243، شرح فتح القدير 2: 62، المدونة الكبرى 1: 161، المغني 2: 252.
(3) صحيح البخاري 5: 147، صحيح مسلم 1: 576 / 843، سنن النسائي 3: 171.
(4) المجموع 4: 404، حلية العلماء 2: 208، بدائع الصنائع 1: 243، الكفاية 2: 64 - 65. (5 و 6) النساء: 102.

[ 421 ]

يصلون صلاتهم معك، والذي بقى عليه ركعة. وهي محمولة على أن المراد بقوله: { فإذا سجدوا } وفعلوا الركعة الأخرى، وعبر عنها بالسجود. مسألة 654: المشهور عند علمائنا: أن صلاة الخوف مقصورة في الحضر كالسفر، سواء صليت جماعة أو فرادى - وشرط بعضهم (1) في القصر الجماعة - للآية، فإنها دلت على أنه يصلي بكل طائفة ركعة. ولقوله تعالى { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } (2) وليس المراد بالضرب سفر القصر، وإلا لكان اشتراط الخوف لغوا. ولأن النبي صلى الله عليه وآله، صلى صلوة الخوف في المواضع التي صلاها ركعتين (3)، ولم يرو عنه أنه صلى أربعا في موضع من المواضع. ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام، وقد سأله زرارة عن صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران؟ قال: " نعم وصلاة الخوف أحق أن تقصر من صلوة السفر الذي لا خوف فيه " (4) ولم يشترط الجماعة. ولأن المشقة بالاتمام أكثر من المشقة في، السفر فكان الترخص فيه أولى. وقال بعض علمائنا: إنما يقصر العدد في السفر لا في الحضر، بل يصلي أربعا جماعة وفرادى (5) - وعليه الجمهور كافة - لثبوت الأربع في الذمة،

(1) الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 165.
(2) النساء: 101.
(3) أنظر: سنن الدار قطني 2: 58 / 2 و 5 - 7، سنن الدارمي 1: 357، الموطأ 1: 183 / 1 - 3، سنن البيهقي 3: 253.
(4) الفقيه 1: 294 / 1342، التهذيب 3: 302 / 921.
(5) حكاه عن بعض الأصحاب أيضا الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 163، وابن إدريس في السرائر: 78، والمحقق في المعتبر: 248.

[ 422 ]

ولم يحصل الشرط الذي هو السفر، وغيره لم يثبت له حكم الاسقاط. وقد دللنا على ثبوت المسقط. مسألة 655: ولها أربع صور: الأولى: صلوة ذات الرقاع: وهي أن يلتحم القتال ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلوة، فيفرقهم الإمام فرقتين لينحاز (1) بطائفة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو، فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية، انفردوا واجبا وأتموا، والأخرى تحرسهم، ثم تأخذ الأولى مكان الثانية وتنحاز الثانية إلى الإمام وهو ينتظرهم فيقتدون به في الثانية، فإذا جلس للتشهد في الثانية، قاموا فأتموا ولحقوا به، وسلم بهم، فيحصل للطائفة الأولى تكبيرة الافتتاح والثانية التسليم، وبه قال مالك وداود وأحمد والشافعي (2). لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه صلى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف فصفت طائفة معه، وطائفة تجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وصفوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثبت جالسا، وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام، وقد سأله الحلبي عن صلاة الخوف: " يقوم الإمام وتجئ طائفة من أصحابه فيقومون خلفه، وطائفة

(1) انحاز القوم: تركوا مكانا ومالوا إلى موضع آخر. العين - للخليل - 3: 275 " حيز " ولسان العرب 5: 340 " حوز ".
(2) الوجيز 1: 67، كفاية الأخيار 1: 98 - 99، السراج الوهاج: 92، المدونة الكبرى 1: 163، الكافي في فقه أهل المدينة: 72 - 73، التفريع 1: 237، حلية العلماء 2: 209، الشرح الكبير 2: 129 - 130.
(3) صحيح مسلم 1: 575 / 842، الموطأ 1: 183 / 1، سنن أبي داود 2: 13 / 1238، سنن البيهقي 3: 253.

[ 423 ]

بازاء العدو فيصلي بهم الإمام ركعة، ثم يقوم ويقومون معهم فيمثل قائما ويصلون هم الركعة الثانية، ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم يجئ الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلى بهم الركعة الثانية، ثم يجلس الإمام ويقومون هم يصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمه " (1). وقال ابن أبي ليلى كقولنا، إلا أنه قال: يحرم بالطائفتين معا، ثم يصلي بإحداهما على ما قلناه (2). وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم تنصرف إلى وجه العدو وهي في الصلاة، ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى الإمام فيصلي بها الركعة الأخرى ثم يسلم، ثم ترجع هذه الطائفة إلى وجه العدو وهي في الصلاة، ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الصلاة مع الإمام، فتصلي ركعة منفردة وهي في الصلاة، ولا تقرأ فيها، لأنها في حكم الائتمام، ثم تنصرف إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى موضع الإمام، فتصلي الركعة الثانية منفردة، وتقرأ فيها، لأنها فارقت الإمام بعد فراغه من الصلاة، فحكمها حكم المنفرد، لأن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رويا ذلك (3). قال: وهو أولى مما ذهبتم إليه، لأنكم تجوزون للمأمومين مفارقة الإمام قبل فراغة من الصلاة وهم الطائفة الأولى، وتجوزون للثانية المخالفة في الأفعال، فيكون جالسا وهم قيام يأتون بركعة وهم في إمامته (4).

(1) الكافي 3: 455 / 1، التهذيب 3: 171 - 172 / 379.
(2) بدائع الصنائع 1: 244، المبسوط للسرخسي 2: 46 وحكاه عنه أيضا الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 639، المسألة 410.
(3) سنن أبي داود 2: 15 و 16 / 1243 و 1244.
(4) اللباب 1: 123 - 124، الهداية للمرغيناني 1: 89، المجموع 4: 409، المغني 2: 254 - 255، حلية العلماء 2: 210.

[ 424 ]

وما قلناه أشبه بالكتاب، وأحوط للصلاة، وأولى للحرب، لأن قوله: { فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } (1) يقتضي أن يسجدوا بعد صلاتهم معه، وذلك هو الركعة الأخرى. وقوله: { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } (2) يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعنده تصلي معه ركعة، وعندنا جميع صلاتها معه إحدى الركعتين توافقه في أفعاله وقيامه، والثانية تأتي بها قبل سلامه، ثم تسلم معه. ومن مفهوم قوله: { لم يصلوا } أن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصل إلا بعضها. وأما الاحتياط للصلاة فإن كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية بعضها يوافق الإمام فيها فعلا، وبعضها يفارقه، وتأتي به وحدها كالمسبوق، وعنده تنصرف في الصلاة، فإما أن تمشي وإما أن تركب. وهذا عمل كثير، وتستدبر القبلة. وهو ينافي الصلاة، وتفرق بين الركعتين تفريقا كثيرا بما ينافيها. ثم جعلوا الطائفة الأولى مؤتمة بالامام بعد سلامه. ولا يجوز أن يكون المأموم مأموما في ركعة يأتي بها بعد سلام إمامه. وأما الأولوية للحرب: فإنه يتمكن من الضرب والطعن وإعلام غيره بما يراه مما خفي عليه من أمر العدو، وتحذيره، وإعلام الذين مع الإمام بما يحدث، ولا يمكن على قولهم ذلك. ولأن مبنى صلاة الخوف على التخفيف، لأنهم في موضع الحاجة إليه. وعلى قولهم تطول الصلاة أضعاف حال الامن، لأن كل طائفة تحتاج إلى المضي إلى مكان الصلاة، والرجوع إلى لقاء العدو، وانتظار مضي

(1 و 2) النساء 102.

[ 425 ]

الطائفة الأخرى ورجوعها، فإن كان بين المكانين نصف ميل، احتاجت كل طائفة إلى مشي ميل، وانتظار الأخرى قدر مشى ميل وهي في الصلاة، ثم تحتاج إلى تكليف الرجوع إلى موضع الصلوة لاتمام الصلاة من غير حاجة إليه، ولا مصلحة تتعلق به، فلو احتاج إلا من إلى هذه الكلفة في الجماعة، سقطت، فكيف يكلف الخائف وهو في مظنة التخفيف والحاجة إلى الرفق!؟ ومفارقة الإمام لعذر جائزة، ولا بد منها على القولين، فإنهم جوزوا للطائفة الأولى مفارقة الإمام والذهاب إلى وجه العدو، وهذا أعظم مما ذكرناه، فإنه لا نظير له في الشرع، ولا يوجد مثله في موضع آخر. إذا عرفت هذا، فإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة، لم يجز، لما فيه من الفعل الكثير. وقال أحمد وابن جرير وبعض الشافعية: يجوز، لكن يكون قد ترك الأولى (1). مسألة 656: يشترط في صلاة ذات الرقاع أمور أربعة: الأول: كون الخصم في غير جهة القبلة بحيث لا يتمكن من الصلاة حيى يستدير القبلة، أو تكون عن يمينه أو شماله، أو الحيلولة بينهم وبين المسلمين بما يمنع من رؤيتهم لو هجموا - وبه قال الشافعي (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله، فعلها على هذه الصورة (3)، فتجب متابعته. وقال أحمد: لا يشترط، لأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان، لانتشارهم أو استتارهم أو الخوف من كمين (4).

(1) المجموع 4: 408 - 409، المغني 2: 257، حلية العلماء 2: 211.
(2) المجموع 4: 409، كفاية الأخيار 1: 98، السراج الوهاج: 92، حلية العلماء 2: 209.
(3) سنن النسائي 3: 171، الموطأ 1: 183 / 2، سنن الدار قطني 2: 60 / 11.
(4) المغني 2: 252، الشرح الكبير 2: 129.

[ 426 ]

والجواب: ليست الصلاة منحصرة في هذه وصلاة عسفان، فجاز أن يصلوا منفردين. ولو قيل بالجواز، كان وجها، لعدم المانع منه. وفعل النبي صلى الله عليه وآله، وقع اتفاقا، لا أنه كان شرطا. الثاني: كون الخصم قويا بحيث يخاف هجومه على المسلمين متى اشتغلوا بالصلاة، وإلا لانتفى الخوف الذي هو مناط هذه الصلاة. الثالث: أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم أن يفترقوا فرقتين تقاوم كل فرقة العدو، وإلا لم تتحقق هذه الصلاة. الرابع: عدم الاحتياج إلى زيادة التفريق على فرقتين، وإلا لحصل لكل فرقة أقل من ركعة، فلا يتحقق الائتمام. وهذه الصلاة تخالف غيرها في انفراد المؤتم واجبا وانتظار الإمام إتمام المأموم وائتمام القائم بالقاعد. مسألة 657: يستحب للامام أن يخفف القراءة في الأولى، للحاجة إليه، لما هم به من حمل السلاح. وكذا يخفف في كل فعل لا يفتقر فيه إلى الانتظار. وكذا الطائفة التي تفارقه وتصلي لنفسها تخفف في قراءتها، وإذا قام الإمام إلى الثانية، تابعته الطائفة الأولى، فإذا انتصبوا، نووا مفارقته، لأنهم لا فائدة لهم في مفارقته قبل ذلك، لاشتراكهم في النهوض، ولأن الرفع من السجدة الثانية من الركعة الأولى. ولو فارقوه بعد الرفع من السجود الثاني، جاز. وإذا انفردوا، بقي الإمام قائما ينتظرهم حتى يسلموا وحتى تأتي الطائفة الثانية تدخل معه. وهل يقرأ الإمام في انتظاره؟ الأقرب: ذلك لأنه قيام للقراءة، فيجب أن يأتي بها فيه، فيطول حينئذ القراءة حتى تفرغ الطائفة الأولى، وتلتحق به الثانية، وهو أحد قولي الشافعي، وأحمد. وفي الثاني: لا يقرأ بل يسكت، أو يأتي بأي ذكر شاء، لأنه قد قرأ بالطائفة الأولى، فينبغي أن يؤخر القراءة في

[ 427 ]

الثانية ليقرأ بالطائفة الثانية، لتحصل التسوية بينهما في القراءة (1). وهو ينافي التخفيف. فإذا جاءت الطائفة الثانية، فإن كان قد فرغ من قراءته، ركع بهم، ولا يحتاج إلى أن يقرأوا شيئا، لأن قراءة المأموم عند أكثر علمائنا منهي عنها إما نهي تحريم أو كراهة (2). وقال الشافعي على الأول: يقرأ بقدر الفاتحة ليقرأوا بها خلفه (3). ولو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا، ركعوا معه، وصحت لهم الركعة مع تركه السنة، ولو أدركوه بعد رفعه، فاتتهم الصلاة. مسألة 658: إذا صلى الثانية بالفرقة الثانية، جلس للتشهد، ويقومون هم إلى الثانية لهم، ويطول الإمام في تشهده بالدعاء حتى يدركوه ويتشهدوا معه، ثم يسلم بهم - وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي وأحمد (4) - لأنها تعود إليه لتسلم معه، فلا فائدة في تطويله عليها بالجلوس معه. مع أن هذه الصلاة مبنية على التخفيف. والقول الآخر للشافعي: إنها تتشهد معه، ثم تقوم إلى الثانية، فإذا صلوها، سلم بهم، لأن المسبوق لا يفارق الإمام إلا بعد سلامه (5).

(1) المجموع 4: 411، الوجيز 1: 67، السراج الوهاج: 92، الشرح الكبير 2: 130، الانصاف 2: 350، المغني 2، 253، حلية العلماء 2: 209.
(2) منهم من ذهب إلى حرمة القراءة كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي كما في المعتبر: 239، والمبسوط 1: 158، والنهاية: 113. ومنهم من ذهب إلى كراهة القراءة كسلار في المراسم: 87.
(3) المجموع 4: 411، فتح العزيز 4: 637، وفيهما: لينالوا فضيلة القراءة.
(4) المجموع 4: 412، الوجيز 1: 67، فتح العزيز 4: 637، حلية العلماء 2: 209، المغني 2: 254، الشرح الكبير 2: 131. (5) المجموع 4: 412، حلية العلماء 2: 209.

[ 428 ]

ونقول بموجبه، لكن التشهد وقع في غير موقعه، فلا يجوز. وقال مالك: تتشهد معه، فإذا سلم الإمام، قامت الطائفة الثانية فقضوا ما فاتهم، كالمسبوق (1). وتبطله رواية سهل بن أبي حثمة: أن النبي صلى الله عليه وآله، سلم بالطائفة الثانية (2). على أن لنا رواية عن الصادق عليه السلام - في طريقها ضعف - كقول مالك. قال: " وجاء أصحابهم، فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فصلى بهم ركعة، ثم تشهد وتسلم عليهم، فقاموا فصلوا لانفسهم ركعة، وسلم بعضهم على بعض " (3). ولو فعلوه جاز، لكن لا يتشهدون، بل إذا سلم الإمام، قاموا فأتموا ركعة أخرى وتشهدوا وسلموا. إذا ثبت هذا، فإنها لا تنوي الانفراد حال قيامها إلى الثانية، فإن نوته، ففي جواز نية الاقتداء بعده للتسليم وجهان. مسألة 659: للامام انتظار الطائفة الأولى في الركعة الثانية حتى تفرغ، وانتظار آخر فيها للطائفة الثانية حتى تأتي وتحرم معه، كلاهما في حكم انتظار واحد، لاتصاله. وله انتظار آخر للطائفة الثانية حال تشهده حتى تتم الصلاة. وقد قلنا: إنه يطول تشهده ولا يقعد ساكتا. وللشافعية وجهان، أحدهما: أن في ذلك قولين، كما تقدم في انتظار

(1) المدونة الكبرى 1: 161، المنتقى للباجي 1: 324، الشرح الصغير 1: 185 - 186، المغني 2: 254، الشرح الكبير 2: 131، حلية العلماء 2: 210.
(2) صحيح مسلم 1: 575 / 841، سنن أبي داود 2: 12 / 1237، سنن البيهقي 3: 253.
(3) الكافي 3: 456 / 2، التهذيب 3: 172 / 380، والفقيه 1: 293 / 1337.

[ 429 ]

القراءة. والثاني: أنه يتشهد قولا واحدا، لأن الطائفة الأولى قرأ بها، فينبغي أن ينتظر الثانية ليقرأ بها، بخلاف التشهد، فإنه لم يتشهد بالأولى، فلا ينتظر الثانية بالتشهد (1). إذا ثبت أنه يتشهد، فإنه ينتظر الثانية بتطويل الدعاء حتى تتم الصلاة. ويتشهد خفيفا، ثم يسلم بهم. مسألة 660: لو انتظر الإمام الطائفة الثانية بعد رفعه من السجود الأخير من الركعة الأولى جالسا، فإن كان لعذر كمرض أو ضعف، جاز. وإن كان قادرا على القيام إلى الثانية وتركه عمدا إلى مجئ الثانية، قال الشيخ: بطلت صلاته، ولم تبطل صلاة الأولى، لأنها فارقته حين رفع الرأس. وأما الثانية، فإن علمت أن ذلك يبطل صلاته وتابعته، بطلت صلاتها أيضا. وإن اعتقدت عذرا، أو جوزت ذلك، لم تبطل صلاتها، لأن الظاهر من حالة العذر. وإن فعل ذلك سهوا، لحقه حكم سهوه، دون الطائفة الأولى، لأنها برفع الرأس قد فارقته (2). وعندي في بطلان الصلاة بذلك نظر. مسألة 661: وإن كانت صلاة المغرب، تخير الإمام إن شاء صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، وإن شاء بالعكس لأن عليا عليه السلام

(1) المجموع 4: 412، الوجيز 1: 67، فتح العزيز 4: 637. (2) المبسوط للطوسي 1: 164.

[ 430 ]

صلى ليلة الهرير (1) بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " وفي المغرب مثل ذلك يقوم الإمام وتجئ طائفة فيقومون خلفه، ويصلي بهم ركعة يقوم ويقومون فيمثل الإمام قائما ويصلون الركعتين ويتشهدون ويسلم بعضهم على بعض ثم ينصرفون، فيقومون في موقف أصحابهم، ويجئ الآخرون فيقومون في موقف أصحابهم وخلف الإمام، فيصلي بهم ركعة يقرأ فيها ثم يجلس ويتشهد ويقوم ويقومون معه فيصلي بهم ركعة أخرى ثم يجلس ويقومون هم فيصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم " (3). واختلف في الأولوية، فقال مالك وأحمد والأوزاعي وسفيان والشافعي في أصح القولين: الأولى أن يصلي بالأولى ركعتين، لئلا يكلف الثانية زيادة جلوس (4). وهي مبنية على التخفيف. والثاني للشافعي: الأولى العكس، لأن عليا عليه السلام فعلها. ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الاحرام والتقدم، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات

(1) ليلة الهرير: كانت في وقعة صفين التي دارت رحاها سنة سبع وثلاثين من الهجرة بين أمير المؤمنين علي عليه السلام ومعاوية. وإنما سميت بليلة الهرير لكثرة أصوات الناس فيها للقتال. وقيل: لاضطراب معاوية وفزعه كالكلب عند شدة الحرب واستيلاء أهل العراق. وكان علي عليه السلام كلما قتل فارسا أعلن بالتكبير فأحصيت تكبيراته تلك الليلة فكانت خمسمائة وثلاثا وعشرين تكبيرة. وقعة صفين: 475، كشف الغمة 1: 252 - 253، الكامل لابن الأثير 3: 289، ومرآة العقول 15: 427.
(2) أورده ابنا قدامة في المغني 2: 262، والشرح الكبير 2: 133.
(3) الكافي 3: 455 - 456 / 1، التهذيب 3: 171 / 379، الاستبصار 1: 455 / 1766.
(4) المدونة الكبرى 1: 160 - 161، المنتقى للباجي 1: 324، الكافي في فقه أهل المدينة: 73، المغني 2: 262، الشرح الكبير 2: 133، فتح العزيز 4: 638، المجموع 4: 415.

[ 431 ]

ليجبر نقصهم، وتساوي الأولى (1). مسألة 662: إذا صلى بالأولى ركعتين، جاز أن ينتظر الثانية في التشهد الأول وفي القيام الثالث. فقيل: الأول أولى، ليدركوا معه ركعة من أولها (2). وقيل: الثاني، لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأولى على التخفيف (3). فإن انتظرهم في القيام، فالأولى أن تفارقه الأولى عند الانتصاب. وإذا صلى بالثانية الثالثة وجلس للتشهد، قامت الطائفة ولا تتشهد، لأنه ليس بموضع تشهدها. إذا عرفت هذا، فإن صلى بالأولى ركعتين، تشهد طويلا ثم أتمت الأولى صلاتها وسلمت، وقامت وجاءت الثانية فنهض الإمام وصلى بهم الثالثة له وهي أولاهم، وإن شاء تشهد خفيفا وقام إلى الثالثة، وقامت الأولى وطول في القراءة حتى تتم الأولى وتأتي الثانية. وعلى التقديرين إذا صلى الثالثة وجلس للتشهد، لا تجلس الطائفة، بل تقوم فتصلي ركعة ثم تتشهد خفيفا ثم تقوم إلى الثالثة ثم تتشهد خفيفا ويسلم بهم الإمام. وإن صلى بالأولى ركعة، قام إلى الثانية وطول قراءتها ونوت الأولى مفارقته حال انتصابها وخففت وصلت الثانية وتشهدت خفيفا ودامت إلى الثالثة وتشهدت خفيفا وسلمت. ثم جاءت الطائفة الثانية فدخلت معه في ثانيته، فإذا جلس للتشهد الأول، جلسوا معه يذكرون الله تعالى من غير تشهد، فإذا قام إلى الثالثة،

(1) المجموع 4: 415، فتح العزيز 4: 638، المغني 2: 262، الشرح الكبير 2: 133. (2 و 3) فتح العزيز 4: 638، المجموع 4: 415، حلية العلماء 2: 212.

[ 432 ]

قاموا معه، فإذا جلس للتشهد الثاني، جلسوا وتشهدوا خفيفا (1)، وطول إلى أن يتموا، ثم يتشهدون خفيفا ويسلم بهم. الصورة الثانية (2): صلاة عسفان - وعسفان قرية جامعة على إثني عشر فرسخا من مكة - بأن يقوم الإمام ويصف المسلمين صفين وراءه، ويحرم بهم جميعا، ويركع بهم، ويسجد بالأولى خاصة وتقوم الثانية للحراسة. فإذا قام الإمام بالأولى، سجد الصف الثاني، ثم ينتقل كل من الصفين مكان صاحبه، فيركع الإمام بهما، ثم يسجد بالذي يليه ويقوم الثاني الذي كان أولا لحراستهم، فإذا جلس بهم، سجدوا وسلم بهم جميعا. لأن أبا عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، بعسفان، فصلى بنا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر. فقال بعضهم: إن بين أيديهم صلاة هي أحب إليهم من أولادهم، فنزل جبرئيل عليه السلام، فأخبره بذلك، فلما حضرت العصر قام رسول الله صلى الله عليه وآله، مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله صلى الله عليه وآله، وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الآخر، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وآله، وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وآله، والصف الذي يليه، سجد الآخرون،

(1) في نسخة " ش ": جميعا.
(2) من الصور الأربع لصلاة الخوف.

[ 433 ]

ثم جلسوا جميعا، فسلم عليهم جميعا (1). مسألة 663: ولهذه الصلاة ثلاث شرائط: الأول: أن يكون العدو في جهة القبلة، لأنه لا يمكن حراستهم في الصلاة إلا كذلك ليشاهدونهم فيحرسونهم. الثاني: أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم معها حراسة بعضهم بعضا، وأن يفترقوا فرقتين تصلي معه إحداهما وتحرس الثانية معه. الثالث: أن يكونوا على قلة جبل أو مستو من الأرض لا يحول بينهم وبين أبصار المسلمين حائل من جبل وغيره ليتوقوا كبساتهم والحملات عليهم، ولا يخاف كمين لهم. إذا عرفت هذا، فهذه الصلاة لم يثبت نقلها عندي من طريق صحيح عن أهل البيت عليهم السلام، فعندي في العمل بها نظر. والشافعي عكس ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فاختار الحراسة للصف الأول، لأنهم أقرب إلى العدو، فيكونون جنة لمن خلفهم، ويمنعون المشركين من الاطلاع على عدد المسلمين وعدتهم (2). فروع: أ: المشهور: أن الطائفتين يصلون معه إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا سجد سجد معه أحد الصفين، وكذا في الثانية، فالكل يركعون معه في الركعتين، وإنما الحراسة في السجود. وفي وجه للشافعية: من يحرس في السجود يحرس في الركوع (3). ب: لو رتب الإمام القوم صفوفا وحرس صفان أو صف أو ثلاثة، جاز،

(1) سنن النسائي 3: 176 - 177، سنن أبي داود 2: 11 / 1236، سنن البيهقي 3: 256 - 257، سنن الدار قطني 2: 59 / 8.
(2) المجموع 4: 421، الوجيز 1: 66.
(3) المجموع 4: 422، فتح العزيز 4: 630.

[ 434 ]

ولو حرست فرقتان من صف واحد في الركعتين على التناوب، جاز أيضا، ولو حرس في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت ولحقت، جاز. وللشافعي قولان، أحدهما: المنع، لأن المتخلف يتضاعف ويزيد على ما ورد به الخبر (1). وليس بجيد، لأن القدر المحتمل في ركعة للعذر لا يضر انضمام مثله إليه في ركعة أخرى كالقدر المحتمل من المتخلف بلا عذر. ج: لو لم يتقدم الصف الثاني إلى موقف الأول ولا تأخر الأول عن مكانه إلى الثاني، جاز. وهذه الفروع مبنية على جواز هذه الصلاة، ولا بأس بها إن لزم كل طائفة مكانهم، أو كان التقدم والتأخر من الأفعال القليلة. الصورة الثالثة (3): صلاة النبي صلى الله عليه وآله، ببطن النخل، فإنه صلى الظهر فصف بعض أصحابه خلفه وبعضهم جعلهم بإزاء العدو للحراسة، فصلى ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا، فوقفوا موقف أصحابهم للحراسة، ثم جاء أولئك فصلى بهم الظهر مرة ثانية ركعتين (3). وهذه لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين، وهو اختيار الحسن وأكثر الفقهاء (4). ونختار هذه الصلاة إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وأن يكثر المسلمون ويقل العدو، وأن لا يأمنوا من هجوم العدو عليهم في الصلاة.

(1) فتح العزيز 4: 630، السراج الوهاج: 92.
(2) من الصور الأربع لصلاة الخوف.
(3) سنن الدار قطني 2: 60 / 10.
(4) سنن البيهقي 3: 260، المغني 2: 265، الشرح الكبير 2: 137.

[ 435 ]

الصورة الرابعة (1): صلاة شدة الخوف، وذلك عند التحام القتال وعدم التمكن من تركه لأحد، أو اشتد الخوف وإن لم يلتحم القتال، فلم يأمنوا أن يهجموا عليهم لو ولوا عنهم أو انقسموا، فيصلون رجالا ومشاة على الأقدام وركبانا مستقبلي القبلة واجبا مع التمكن، وغير مستقبليها مع عدمه على حسب الامكان. فإن تمكنوا من استيفاء الركوع والسجود، وجب، وإلا أو مأوا لركوعهم وسجودهم، ويكون السجود أخفض من الركوع. ولو تمكنوا من أحدهما، وجب، ويتقدمون ويتأخرون، لقوله تعالى: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) * (2). وعن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) (3). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة وتلاحم القتال: " يصلي كل إنسان منهم بالايماء حيث كان وجهه " (4). إذا عرفت هذا، فإن هذه الصلاة صحيحة لا يجب قضاؤها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (5) - لاقتضاء الأمر الإجزاء. ولأنه يجوز ذلك في النافلة اختيارا، فجاز في الفريضة اضطرارا. مسألة 664: ولا يجوز تأخير الصلاة إذا لم يتمكن من إيقاعها إلا

(1) من الصور الأربع لصلاة الخوف.
(2) البقرة: 239.
(3) صحيح البخاري 6: 38، الموطأ 1: 184 / 3.
(4) الكافي 3: 457 - 458 / 2، التهذيب 3: 173 / 384.
(5) كفاية الأخيار 1: 99 وانظر المجموع 4: 426 و 433، والأم 1: 222 و 222.

[ 436 ]

ماشيا - وبه قال الشافعي (1) - لعموم قوله: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } (2) بل يصليها ولا يقضي. ولأنه مكلف تصح طهارته، فلا يجوز له إخلاء الوقت من الصلاة من غير خوف القتل، كما إذا لم يكثر العمل. وقال أبو حنيفة: لا تجوز الصلاة على المشي، بل يؤخرها، لأن النبي صلى الله عليه وآله، لم يصل يوم الخندق، وأخرها لهذه العلة. ولأن ما منع صحة الصلاة في غير حال الخوف منع منها في الخوف كالصياح (3). ويوم الخندق منسوخ، نقل أبو سعيد الخدري: أنه كان قبل نزول { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } (4) (5). والصياح لا حاجة به إليه، بخلاف المشي. مسألة 665: ولو انتهت الحال إلى المسايفة وتمكن من الصلاة مع الأعمال الكثيرة - كالضرب المتواتر والطعن المتوالي - وجب على حسب حاله بالايماء في الركوع والسجود، مستقبل القبلة إن تمكن، وإلا فلا، ولا إعادة عليه عند علمائنا، لأنها صلاة مأمور بها، فلا يستعقب القضاء. ولقول الباقر عليه السلام: " فإذا كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال، فإن أمير المؤمنين عليه السلام، صلى ليلة صفين - وهي ليلة الهرير - لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة إلا بالتكبير والتسبيح والتهليل والتحميد والدعاء، فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم

(1) المجموع 4: 426 و 433، كفاية الأخيار 1: 99.
(2) البقرة: 239.
(3) بدائع الصنائع 1: 244، المغني 2: 268، الشرح الكبير 2: 139، حلية العلماء 2: 217، وانظر: مسند أحمد 1: 81 - 82 و 113.
(4) البقرة: 239.
(5) المغني 2: 269، الشرح الكبير 2: 140، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: 118 - 119.

[ 437 ]

بإعادة الصلاة (1). وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأعمال الكثيرة مبطلة وإن دعت الحاجة إليها - وهو محكي عن أبي حنيفة - كغير الحاجة (2). والثاني: ما قلناه نحن، وهو أظهرها عنده، للحاجة، كالمشي وترك الاستقبال (3). والثالث: المنع في شخص واحد، لأنه لا يحتاج إلى تكرار الضرب، والجواز في الأشخاص الكثيرة، للحاجة إلى توالي ضربهم (4). إذا عرفت هذا، فإن الاعادة لا تجب، لما قلناه. وقال أبو حامد: إنها تبطل ويمضون فيها ويعيدون (5). وليس بجيد. وقال أبو حنيفة: لا يصلي حال المسايفة ويؤخر الصلاة (6). والبحث قد تقدم في المسايفة. مسألة 666: ويجب عليه الاستقبال مع المكنة، فإن تعذر، استقبل بتكبيرة الافتتاح إن تمكن، لقول الباقر عليه السلام: " غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه " (7). فإن لم يتمكن، سقط، لقوله عليه السلام، في حال المطاردة:

(1) الكافي 3: 457 / 2، التهذيب 3: 173 / 384، وتفسير العياشي 1: 272 / 257.
(2) المجموع 4: 427، فتح العزيز 4: 647، السراج الوهاج: 93، بدائع الصنائع 1: 244.
(3) المجموع 4: 427، فتح العزيز 4: 647، السراج الوهاج: 93.
(4) المجموع 4: 427، الوجيز 1: 68، فتح العزيز 4: 647.
(5) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 89، شرح فتح القدير 2: 67، حلية العلماء 2: 217.
(7) الكافي 3: 459 / 6، الفقيه 1: 295 / 1348، التهذيب 3: 173 / 383.

[ 438 ]

" يصلي كل إنسان منهم بالايماء حيث كان وجهه " (1). ويسجد الراكب على قربوس (2) سرجه إن لم يمكن النزول، فإن عجز عنه أومأ، لقول الباقر عليه السلام: " ويجعل السجود أخفض من الركوع " (3). فروع: أ: لو تمكن من الاستقبال حالة التكبير، وجب. وهل يجب لو تمكن في الأثناء؟ إشكال ينشأ: من المشقة، وقول الباقر عليه السلام: " ولا يدور إلى القبلة ولكن أينما دارت دابته " (4) ومن تمكنه من الاستقبال في الفرض. ب: لو لم يتمكن من الاستقبال في الابتداء وتمكن في الأثناء، فالوجه: الوجوب. ج: لو تمكن من النزول والسجود على الأرض في الأثناء، وجب، وإن احتاج إلى الركوب ركب، ولا تبطل صلاته وإن كان فعلا كثيرا، للحاجة. ولو علم حالة تمكنه من النزول احتياجه إلى الركوع في الأثناء، احتمل الوجوب وعدمه. مسألة 667: لو اشتد الحال عن ذلك وعجز عن الايماء، سقطت عنه أفعال الصلاة من القراءة والركوع والسجود، واجتزأ عوض كل ركعة بتسبيحة واحدة، صورتها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولابد من النية، لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (5).

(1) الكافي 3: 457 / 2، التهذيب 3: 173 / 384.
(2) القربوس: مقدم السرج. تاج العروس 4: 214 " قربس ". (3 و 4) الكافي 3: 459 / 6، الفقيه 1: 295 / 1348، التهذيب 3: 173 / 383.
(5) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 - 1516 / 1907، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، سنن الترمذي 4: 179 / 1647، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، مسند =

[ 439 ]

ولأنه فعل يجامع القتال، فلا تسقط به. وتجب تكبيرة الاحرام، لقوله عليه السلام: (تحريمها التكبير) (1) ويمكن مجامعتها للقتال، فلا تسقط. وفي وجوب التشهد إشكال ينشأ: من أنه ذكر يمكن أن يجامع القتال، ومن اختصاصه بحالة الجلوس، وأصالة براءة الذمة. فروع: أ: الأقرب: وجوب هذه الصيغة على هذا الترتيب، للإجماع على إجزائه، وفي غيره إشكال ينشأ. من مفهوم قوله عليه السلام: " لم تكن صلاتهم إلا بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء " (2). ب: هذه الأذكار تجزئ عن أذكار الركوع والسجود، لأنها تجزئ عنهما فعن ذكرهما أولى. ولأنه ذكر مختص بهيئة وقد سقطت فيسقط. ج: يجب في الثنائية تسبيحتان، وفي الثلاثية ثلاث، لأنها على عدد الركعات. ولقول الصادق عليه السلام: " أقل ما يجزئ في حد المسايفة من التكبير تكبيرتان لكل صلاة إلا صلاة المغرب فإن لها ثلاثا " (3). د: لو أمن أو تمكن من الصلاة على الأرض أو على الدابة بالايماء بعد التكبيرتين، سقطت عنه، للاجزاء بفعل المأمور به، ولو تمكن بعد تكبيرة واحدة، فالوجه سقوط ركعة عنه، ووجوب الاتيان بأخرى. ولو أمن في أثناء التكبيرة، أستأنف صلاة آمن، وكذا لو صلى ركعة

أحمد 1: 25، سنن البيهقي 7: 341. (1) سنن الترمذي 1: 8 / 3، سنن ابن ماجة 1: 101 / 275، سنن أبي داود 1: 16 / 61، مسند أحمد 1: 123.
(2) الكافي 3: 457 / 2، التهذيب 3: 173 / 384.
(3) الكافي 3: 358 / 3، الفقيه 1: 296 / 1351، التهذيب 3: 174 / 387.

[ 440 ]

فاشتد الخوف، كبر للأخرى تكبيرة. مسألة 668: نقل أحمد وجهين آخرين لصلاة الخوف، وسوغهما، بخلاف باقي المحققين. أحدهما: أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعتين، وتسلم كل طائفة وتنصرف ولا تقضي شيئا، والامام يسلم في أربع، فيكون للامام أربع ركعات تماما، وللمصلين ركعتان قصرا (1). وليس بجيد، لعدم المخالفة بين فعل الإمام والمأموم في عدد الركعات في شئ من الصلوات. الثاني: أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئا، فيكون للامام ركعتان ولكل طائفة ركعة، وهو مذهب ابن عباس وجابر، وبه قال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم (2). قال إسحاق: يجزئك عند الشدة ركعة (3). والحق ما تقدم. المطلب الثاني: في الأحكام مسألة 669: قد بينا وجوب القصر في الحضر. وقال بعض علمائنا: بوجوب الاتمام (4) - وعليه الجمهور - فحينئذ يصلي بالأولى ركعتين ويتشهد بهم، ثم يقوم إلى الثالثة بهم، فيطول القراءة ويخففون ويتمون أربعا، ثم ينصرفون إلى موقف أصحابهم، ويجئ أصحابهم فيركع بهم الثالثة وهي الأولى لهم، ثم يصلي بهم الثانية ويطول في

(1) المغني 2: 265 - 266، الشرح الكبير 2: 137، الانصاف 2: 355 - 356.
(2) المجموع 4: 404، المغني 2، 266 - 267، الانصاف 2: 356 - 357، الشرح الكبير 2: 137 - 138، حلية العلماء 2: 208.
(3) المجموع 4: 404، المغني 2: 267، الشرح الكبير 2: 138.
(4) حكاه المحقق عن بعض الأصحاب في المعتبر: 248.

[ 441 ]

تشهده حتى تتمم صلاتها أربعا، ثم يسلم بهم، فيكون انتظار الثانية في الثالثة والتشهد الثاني، ويجوز انتظارهم في التشهد الأول، وبه قال الشافعي (1). مسألة 670: قسمتهم فرقتين أولى من تفريقهم أربع فرق، لقلة المخالفة وقلة الانتظار. فإن فرقهم أربعا، فالوجه: الجواز، وصحة صلاة الإمام والمأمومين للأصل، وجواز المفارقة مع النية، فيصلي بالأولى ركعة ثم يقوم إلى الثانية فيطول القراءة إلى أن تصلى الطائفة ثلاث ركعات، ثم تذهب فتجئ الثانية، فيصلي بهم الثانية له، ويطول في تشهده أو قيامه حتى تتمم صلاتها أربعا، ثم تأتي الثالثة فيصلي بهم ركعة ويقوم إلى الرابعة فيطول حتى يتم من خلفه أربعا، ثم تأتي الرابعة فيصلي بهم تمام الرابعة ويطول تشهده حتى تتم أربعا ثم يسلم بهم. وهو أحد أقوال الشافعي (2). وقال الشيخ في الخلاف: تبطل صلاة الجميع: الإمام والمأمومين، لأن صلاة الخوف مقصورة، فلا يجزئه التمام. قال: وإذا قلنا بالشاذ من قول أصحابنا، ينبغي أن نقول أيضا ببطلان صلاتهم، لأنه لم يثبت لنا في الشرع هذا الترتيب، وإذا لم يكن مشروعا كان باطلا (3). وهو قول الشافعي (4) أيضا، لأن للامام انتظارين وقد انتظر أربعا فتبطل، كما إذا عمل في الصلاة عملا كثيرا. ونمنع عدم النقل، فإن الانتظار ومفارقة المأموم ثابتان، والزيادة في

(1) المجموع 4: 416، فتح العزيز 4: 639.
(2) المهذب للشيرازي 1: 113، المجموع 4: 416، فتح العزيز 4: 639، حلية العلماء 2: 213.
(3) الخلاف 1: 643، المسألة 413.
(4) الأم 1: 213، المهذب للشيرازي 1: 113، المجموع 4: 416، فتح العزيز 4: 639، حلية العلماء 2: 213.

[ 442 ]

أعمال الصلاة لمصلحة غير مبطلة، كما لو طول القيام قارئا. ولأن الحاجة قد تدعو إليه، بأن يكون العدو من أربع جهات، ويكون المسلمون أربعمائة، فيكون في التفريق صلاح للحرب والصلاة. وللشافعي قول ثالث: صحة صلاة الإمام والطائفة الرابعة خاصة دون الثلاثة الأول، لأنهم فارقوا الإمام بغير عذر، لأن وقت الخروج عن المتابعة نصف الصلاة، والطائفة الرابعة أتمت في حكم إمامته (1). وقد بينا أن المفارقة جائزة، والعذر ظاهر، وهو: طلب كل طائفة فضيلة الجماعة. وله رابع: بطلان صلاته وصلاة الثالثة والرابعة (2). وخامس: بطلان صلاته وصلاة الرابعة خاصة (3). وأصل هذين: الخلف في وقت بطلان صلاة الإمام، فعلى أحد القولين: إنها تبطل بانتظاره للثالثة، فإذا أحرمت معه مع العلم ببطلان صلاته، بطلت صلاتها، واختاره أبو إسحاق (4). وعلى الثاني، وهو اختيار أبي العباس: بطلانها بانتظار فراغ الثالثة، لأنه عليه السلام، انتظر مرتين: الأولى: حتى فرغت وجاءت الثانية. والثانية: حتى فرغت، فتبطل بالانتظار الثالث وهو انتظار فراغ الثالثة ففسدت صلاته بذلك بعد مفارقتها له ولم تبطل صلاتها (5). فروع: أ: لا سجود للسهو على الإمام والمأمومين إن سوغنا التفريق أربعا،

(1) المجموع 4: 418، فتح العزيز 4: 641، حلية العلماء 2: 213. (2 و 3) المجموع 4: 418، فتح العزيز 4: 641.
(4) المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 417، حلية العلماء 2: 213.
(5) المهذب للشيرازي 1: 113 - 114، المجموع 4: 417، فتح العزيز 4: 640، حلية العلماء 2: 213.

[ 443 ]

لانتفاء موجبه، وهو: السهو. وعند الشافعي وجوبه (1) على تقدير الصحة. ب: لو صلى بطائفة ثلاث ركعات وبطائفة ركعة، فالوجه: الجواز ولا تبطل صلاته. وكرهه الشافعي، لزيادة الانتظار، وأوجب على الإمام والأخرى سجدتي السهو، لأنه انتظار في غير موضعه (2). وعدم السبب يقتضي عدم مسببه. ج: الأقرب جواز أن يفرقهم في السفر والحضر في المغرب ثلاث فرق، وكذا في الرباعية، فيصلي بطائفة ركعتين وبكل طائفة ركعة. ولا يجوز على قول الشيخ. مسألة 671: لا تجب التسوية بين الطائفتين، لعدم دليله. نعم يجب كون الطائفة الحارسة ممن تحصل الثقة بحراستها. ولو خاف اختلال حالهم واحتيج إلى إعانتهم بالطائفة الأخرى، فللامام أن يكب بمن معه على العدو، ويبنوا على ما مضى من صلاتهم. ويجوز أن تكون الطائفة واحدا، للأصل. وشرط أحمد ثلاثة فما زاد، لأنه جمع بقوله تعالى: { فإذا سجدوا فليكونوا } (3) وأقله ثلاثة (4). وهو من باب توزيع الجمع على الجمع (5). وكره الشافعي كون الطائفة أقل من ثلاثة، فإن كانوا خمسة، صلى

(1) المجموع 4: 418.
(2) الأم 1: 213، المجموع 4: 418، مغني المحتاج 1: 303، المغني 2: 261.
(3) النساء: 102.
(4) المغني 2: 253، الشرح الكبير 2: 130.
(5) المراد: توزيع جميع المقاتلين على الجمع الموجود في الآية، أي: أن تكون كل طائفة ثلاثة فما زاد.

[ 444 ]

باثنين ركعتين ومضوا إلى وجه العدو، وصلى الآخران أحدهما بالآخر ركعتين (1). والحق ما قلناه. قال ابن داود: قول الشافعي أقل الطائفة ثلاث خطأ لأن الواحد يسمى طائفة (2). مسألة 672: لو عرض الخوف الموجب للايماء أو للركوب في أثناء الصلاة، أتم مومئا أو ركب، وكذا بالعكس لو صلى بالايماء للخوف أو راكبا فأمن، إما لانهزام العدو، أو للحوق النجدة، لم يجز أن يتم الصلاة بالإيماء ولا راكبا، لزوال العذر، فينزل لإتمامها بركوع وسجود عند علمائنا - وبه قال أحمد (3) - لأن ما مضى كان صحيحا قبل الامن، فجاز البناء عليه وإن أخل بشئ من واجباتها كالاستقبال وغيره كما لو لم يخل. وقال الشافعي: لو صلى ركعة آمنا ثم صار إلى شدة الخوف فركب، استأنف الصلاة، ولو صلى راكبا ثم أمن، نزل وأتم، لأن النزول عمل قليل والصعود كثير (4). وليس بجيد، لأن الركوب قد يكون أخف من أن يكون فارسا، فإنه أخف من نزول غيره. سلمنا، لكنه عمل أبيح للحاجة، فلا يمنع صحة الصلاة، كالهرب. وله قول آخر (5) كقولنا.

(1) المجموع 4: 419.
(2) المجموع 4: 419 - 420.
(3) المغني 2: 271، الشرح الكبير 2: 142.
(4) المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 430 و 431، فتح العزيز 4: 652 و 653، حلية العلماء 2: 217 - 218، مغني المحتاج 1: 306، المغني 2: 272.
(5) المجموع 4: 430، فتح العزيز 4: 652، حلية العلماء 2: 218.

[ 445 ]

تذنيب: لو ترك الاستقبال حال نزوله، استأنف الصلاة، لأنه أخل بالشرط حالة الامن. ولو فعله حال ركوبه، فالوجه: الصحة - خلافا للشيخ (1) والشافعي (2) - لأنه لو صلى مستدبرا للحاجة ابتداء صح وكذا في الأثناء، وكذا لو أخل بشئ من الواجبات حال نزوله أو ركوبه. مسألة 673: إذا صلى راكبا في شدة الخوف، جاز أن يصليها فرادى، والجماعة أفضل - وبه قال الشافعي (3) - لعموم الآية (4) والأخبار المرغبة في الجماعة (5). ولأن كل ركوب لا يمنع من فعل الصلاة منفردا لا يمنع في الجماعة، كركوب السفينة. وقال أبو حنيفة: لا تجوز الجماعة، لأنهم إذا كانوا ركبانا، كان بينهم وبين الإمام طريق، وهو مانع من صحة الجماعة (6). ونمنع من المانعية. سلمنا لكن يجوز أن يقوموا صفا مع الإمام. تذنيب: لو صلوا في حال الشدة غير مستقبلي القبلة، جاز إجماعا. وهل يجوز أن يأتم بعضهم ببعض؟ إن جوزنا صلاة المستديرين حول الكعبة جماعة، جاز هنا - وبه قال الشافعي (7) - لأن كل واحد يجوز له أن يصلي

المبسوط للطوسي 1: 166.
(2) المجموع 4: 431، فتح العزيز 4: 652، مغني المحتاج 1: 306.
(3) المجموع 4: 433، حلية العلماء 2: 219، مغني المحتاج 1: 304.
(4) النساء: 102.
(5) أنظر: الكافي 3: 371 باب فضل صلاة الجماعة، والفقيه 1: 245 باب (56) الجماعة وفضلها، والتهذيب 3: 24 باب (2) فضل الجماعة.
(6) المبسوط للسرخسي 2: 48، بدائع الصنائع 1: 245، شرح فتح القدير 2: 67، المجموع 4: 433، حلية العلماء 2: 219، المغني 2: 270.
(7) المجموع 4: 426، فتح العزيز 4: 646، مغني المحتاج 1: 304.

[ 446 ]

إلى جهته مع العلم بها، بخلاف من اختلف اجتهادهم. مسألة 674: يجوز أن يضرب في الصلاة الضربة، ويطعن الطعنة وإن لم يحتج إليها، لأنها فعل قليل، وبه قال الشافعي (1). وكذا تجوز الاثنتان. وله قولان، أحدهما: أنه تبطل، لأنه كثير، لأنه تابع بين العملين. والثاني: أنه قليل، لأن الثلاث أول حد الكثرة (2). وأما الثلاث فإنها في حد الكثرة، فإن فعلها لا لضرورة، بطلت صلاته، وإن كان لضرورة، لم تبطل عندنا - وبه قال أبو العباس (3) - لأنه موضع ضرورة، فأشبه المشي. وقال الشافعي: لا تجزئه، ويمضي فيها ويعيد، لأنه فعل كثير (4). وليس بجيد، إذ الابطال ينافي المضي فيها، والكثير عفو كالمشي. ولقول الباقر عليه السلام في صلاة الخوف: " عند المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال بالتكبير، ولم يأمرهم علي عليه السلام بالاعادة " (5). تذنيب: يجوز أن يصلي ممسكا لعنان فرسه، لأنه عمل يسير، فإن نازعه فجذبه إليه جذبة أو اثنتين أو ثلاثا، جاز وإن استدبر القبلة، للحاجة،

(1) المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 426، فتح العزيز 4: 647، حلية العلماء 2: 219، ومختصر المزني: 29.
(2) حلية العلماء 2: 219.
(3) المجموع 4: 427، حلية العلماء 2: 220.
(4) حلية العلماء 2: 219.
(5) تقدم نص الحديث ومصادره في الصفحة 436 - 437، والهامش (1).

[ 447 ]

أو كثرت مجاذبته. وقال الشافعي: تبطل بكثرة المجاذبة لا بالثلاث، بخلاف الطعنات، لأن الجذبات أخف، فاعتبر كثرة العمل دون العدد (1). والكل غير مبطل عندنا، للحاجة. مسألة 675: لو رأوا سوادا أو إبلا أو أشخاصا، فظنوهم عدوا، فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم ظهر لهم كذب ظنهم، لم تجب عليهم الاعادة، لأنها وقعت مشروعة. وهو أحد قولي الشافعي وأبي إسحاق من أصحابه. والآخر: أن عليهم الاعادة - وبه قال أبو حنيفة والمزني (2) - لأنهم صلوا صلاة شدة الخوف مع عدم العدو فأشبه إذا لم يظنوا، كما لو ظن طهارة الماء ثم بان نجسا (3). والفرق ظاهر بين الظن وعدمه، وبين الطهارة، لأنها شرط. وللشافعي قول ثالث: إن صلوا بخبر ثقة، فلا إعادة، وإلا أعادوا (4). تذنيب: لو رأوا عدوا فصلوا صلاة الشدة ثم بان بينهما حائل أو نهر أو خندق يمنع العدو من الوصول، لم يعيدوا، لأنها مأمور بها، فأجزأت، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر: يعيدون، لأنهم فرطوا بعدم الاطلاع على ما بينهم وبين العدو (5). وليس بجيد. ولو كان بينهم وبين العدو خندق أو حائط فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة أن يطموا الخندق أو ينقضوا الحائط، جاز أن يصلوا صلاة الخوف إيماء إذا ظنوا

(1) المجموع 4: 428.
(2) المجموع 4: 432، فتح العزيز 4: 651، حلية العلماء 2: 218.
(3) المجموع 4: 321، الوجيز 1: 68 فتح العزيز 4: 651، حلية العلماء 2: 218.
(4) المجموع 4: 432، حلية العلماء 2: 218.
(5) المجموع 4: 432، حلية العلماء 2: 219.

[ 448 ]

أنهم يطمون قبل أن يصلوا، وإن ظنوا أنهم لا يطمون إلا بعد فراغهم، لم يصلوا صلاة الشدة. مسألة 676: يجب أخذ السلاح في الصلاة - وبه قال مالك وداود والشافعي في أحد القولين (1) - لقوله تعالى: { وليأخذوا أسلحتهم } (2) والأمر للوجوب. والثاني للشافعي: عدمه - وبه قال أبو حنيفة وأحمد - لأنه لو وجب، لكان شرطا، كالسترة (3). والملازمة ممنوعة. فروع: أ: لا تبطل الصلاة بتركه إجماعا، لأنه جزءا ليس من الصلاة ولا شرطا. ب: لا فرق بين الطاهر والنجس في وجوب أخذه، عند بعض علمائنا (4). أما أولا: فللحاجة. وأما ثانيا: فلأنه مما لا تتم الصلاة فيه منفردا. وشرط الشافعي (5) وبعض علمائنا (6) الطهارة. وهو ممنوع. ج: إنما يجوز أخذ السلاح إذا لم يمنع شيئا من واجبات الصلاة،

(1) أحكام القرآن لابن العربي 1: 494، تفسير القرطبي 5: 371، المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 423، حلية العلماء 2: 217، المغني 2: 263، الشرح الكبير 2: 139.
(2) النساء: 102.
(3) المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 423 و 424، حلية العلماء 2: 217، أحكام القرآن لابن العربي 1: 494، تفسير القرطبي 5: 371، المغني 2: 263، الشرح الكبير 2: 138.
(4) وهو ابن إدريس في السرائر: 78.
(5) المهذب للشيرازي 1: 114، المجموع 4: 423.
(6) كالقاضي ابن البراج في المهذب 1: 114.

[ 449 ]

كالركوع والسجود، فإن منع، لم يجز أخذه إلا مع الضرورة فيومئ بهما. د: لو لم يمنع الفرض، لكن إكماله، كره إلا مع الضرورة. ولو كان مما يتأذى غيره به، كالرمح في وسط الناس، لم يجز، ولو كان في حاشية الصفوف، جاز. مسألة 677: يجوز أن يصلي الجمعة في الخوف على صفة ذات الرقاع، بأن يفرقهم فرقتين إحداهما تقف معه للصلاة فيخطب بهم، ويصلي بهم ركعة، ثم يقف في الثانية فتتم صلاتها، ثم تجئ الثانية فتصلي معه ركعة جمعة، ولا خطبة لهم كالمسبوق، فإذا تشهد، طول، فأتموا وسلم بهم - وهو أحد قولي الشافعي (1) - لعموم الأمر بها (2). والثاني: لا تصح، لأن بقاء العدد شرط عنده من أول الصلاة إلى آخرها والامام يبقى منفردا حتى تتم الأولى (3). وقد بينا بطلانه. ويجوز أن يخطب بالفرقتين معا ثم يفرقهم فرقتين. لا يقال: لا يجوز انعقاد جمعة بعد أخرى، وقد عقدتم للطائفة الثانية جمعة بعد فراق الأولى. لأنا نقول: الإمام لم يتم جمعة، وإنما أدركت الأولى معه ركعة، وأصل الجمعة التي عقدها الإمام لم تتم، فلهذا عقدتها الثانية، وأشبهت المسبوق. إذا ثبت هذا، فإن هذه الصلاة إنما تجب بشروط الحضر دون السفر،

(1) المجموع 4: 419، فتح العزيز 4: 642، حلية العلماء 2: 216، المغني 2: 257.
(2) إشارة إلى الآية 9 من سورة الجمعة.
(3) المجموع 4: 419، فتح العزيز 4: 642، حلية العلماء 2: 216.

[ 450 ]

خلافا للشافعي (1)، وكون الفرقة الأولى كمال العدد، وبه قال الشافعي (2)، فلو تم العدد بالفرقة الثانية، لم تصح هذه الصلاة والخطبة للفرقة الأولى، فلو لم يخطب، لم تصح. ولو خطب لها ثم مضت عنه إلى العدو وجاءت الطائفة الأخرى، وجب إعادة الخطبة، فإن بقي من الفرقة الأولى كمال العدد ومضى الباقون وجاءت الأخرى، جاز أن يعقد الجمعة، لبقاء العدد الذي سمع الخطبة معه. فروع: أ: لو كملت الأولى العدد ونقصت الثانية، صحت الجمعة لهما. وللشافعي في الثانية قولان (3). ولو نقصت الأولى وكملت الثانية، فلا جمعة، لأنه لا يصلي بالأولى إلا الظهر، فلا يصلي بعدها جمعة. نعم يجوز أن يستنيب من الثانية من يصلي بهم الجمعة، فيخرج عن هذه الصلاة. ب: لا يجوز أن تصلى الجمعة على صفة صلاة بطن النخل، لأنه لا جمعتان في بلد واحد، ويجوز أن تصلى على صفة عسفان، بل هو أولى إن سوغناه مطلقا أو لم يتقدم أحد الصفين، ويتأخر الآخر كثيرا. ج: يجوز أن يصلي صلاة الاستسقاء على صفة صلاة الخوف، فيصلي بالأولى ركعة ثم ينتظر حتى تتم، ويصلي بالثانية أخرى وينتظر حتى تتم، ولو كان في الشدة دعا.

(1) قال النووي في المجموع 4: 419: ثم للجواز شرطان: أحدهما: أن يخطب بجميعهم ثم يفرقهم فرقتين... الثاني: أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعدا. انتهى، وكذا قال الرافعي في فتح العزيز 4: 642، ولم يذكرا شرطا آخر سواهما. (2 و 3) المجموع 4: 419، فتح العزيز 4: 642.

[ 451 ]

ويجوز أن يصلي بالايماء. وقال الشافعي: لا يصلي، لعدم خوف فوتها (1). د: يصلي العيدين والخسوف والكسوف في الخوف جماعة على صفة المكتوبة، فيصلي بالأولى ركعة مشتملة على خمس ركوعات وينتظر حتى تتم، وكذا بالثانية. ويجوز أن يصلي الكسوفين فرادى، بخلاف العيد. مسألة 678: قد بينا أن حكم السهو مختص بمن يختص به السهو من الإمام والمأموم. وللشيخ قول بوجوب تعدي حكمه إلى المأموم لو سها الإمام (2)، وبه قال الشافعي (3). فعلى قول الشيخ، لو سها الإمام في الأولى، لزمه حكمه الطائفة الأولى، فيشير إليهم بالسجود بعد فراغهم، وإن سها بعدما فارقوه، لم يلحقهم حكمه، لأنهم صاروا منفردين. فإن سهوا بعد سهوه في ثانيتهم، انفردوا بسجوده. وفي الاكتفاء بالسجدتين لعلمائنا قولان، وكلاهما للشافعي (4). وأما الطائفة الثانية فيلحقها سهو الإمام فيما تابعته فيه عنده (5)، دون الركعة الأولى. قال رحمه الله: وإن تابعته فيه، كان أفضل (6). أما سهوه حال انتظاره، فلم يتعرض له.

(1) المجموع 4: 428.
(2) المبسوط للطوسي 1: 165. (3) المجموع 4: 413، حلية العلماء 2: 211.
(4) المجموع 4: 411. (5 و 6) المبسوط للطوسي 1: 165.

[ 452 ]

وأوجب الشافعي المتابعة، لأنها في حكم ائتمامه، (1). وهو ممنوع. وإن سهت هي في حال الائتمام، لم تلتفت. ولو سهت حالة الانفراد، سجدت. فروع: أ: لا حكم لسهو المأمومين على ما قلناه حال المتابعة، بل حالة الانفراد. ومبدأه رفع الإمام من سجود الأولى. ويحتمل اعتداله في قيام الثانية. والأقرب عندي: إيقاع نية الانفراد. ب: الطائفة الثانية: إن سهت في الركعة الثانية، فإن نوت؟ الانفراد: سجدت، وإلا احتمل ذلك، لأنهم منفردون بها حقيقة، وعدمه، لأنهم مقتدون، وإلا لاحتاجوا إلى إعادة نية الاقتداء. وكلاهما للشافعي (2) ج: لا يرتفع حكم السهو بالقدوة الطارئة إن جوزنا نية الاقتداء في أثناء صلاة المنفرد. وفي المزحوم إذا سها في وقت تخلفه إشكال. مسألة 679: لو كانوا في صلاة الخوف فحملوا على العدو مواجهين القبلة، فإن كان للضرورة، جاز وإن لم يكن فإن كان قليلا، لم تبطل به الصلاة، كغيره من الأعمال القليلة، وإن كان كثيرا بطلت. وكذا لو توجهوا فيه إلى غير القبلة، تبطل مع الكثير والقليل لغير الحاجة، ولا تبطل لها معهما. وقال الشافعي: إذا حملوا مواجهين القبلة، بطلت صلاتهم وإن حملوا قدر خطوة، لأنهم قصدوا عملا كثيرا لغير ضرورة، وعملوا شيئا منه (3). والمبطل إنما هو الفعل الكثير لا نيته ولا بعضه.

(1) المجموع 4: 411.
(2) المجموع 4: 410، فتح العزيز 4: 644 - 645.
(3) الأم 1: 215.

[ 453 ]

قال: ولو نووا القتال في الحال وعملوا شيئا منه وإن قل بطلت صلاتهم (1). وليس بشئ. ولو نووا أن العدو إذا أظلهم، قاتلوه، لم تبطل إجماعا، لأنهم لم يغيروا النية في الحال. مسألة 680: يجوز أن يصلي صلاة الخوف بصفة ذات الرقاع أو بطن النخل في الامن، وتصح صلاة الإمام والمأمومين. قال الشيخ: وصلاة عسفان (2). وعندي فيه إشكال، لما فيه من تقدم الصف وتأخره، فإن قصد مع القلة أو عدم الانتقال، جاز وإلا فلا تجوز صلاة المأمومين وتصح صلاة الإمام. أما صلاة شدة الخوف فلا تجوز حالة الامن بحال. وللشافعي في صحة صلاة الإمام على صفة ذات الرقاع وجهان، هذا أحدهما. والثاني: البطلان لأنه انتظر في غير موضعه (3). وأما الطائفة الأولى فقد خرجت من الصلاة لغير عذر، وفي ذلك عنده قولان، وأبطل صلاة الثانية، لأنها خالفت الإمام في ركعة مع كونها في إمامته (4). وأما صلاة عسفان، فإن صلاة الإمام ومن تبعه صحيحة، وأما من خالفه في السجود فقد سبقه الإمام بسجدتين وجلسة بينهما، فبعض أصحابه أبطل صلاتهم، لأنهم خالفوا الإمام بركنين، وبعضهم منع لأن السجدتين كالركن الواحد، والجلسة للفصل (5).

(1) الأم 1: 215.
(2) المبسوط للطوسي 1: 167، الخلاف 1: 648 مسألة 420. (3 و 4) المجموع 4: 434، حلية العلماء 2: 215.
(5) المجموع 4: 433 - 434، حلية العلماء 2: 215.

[ 454 ]

فروع: أ: قال الشيخ: لا تجوز صلاة الخوف في طلب العدو، لانتفاء الخوف (1). وهو حتى إن قصد صلاة الشدة. ب: قال: كل قتال واجب كالجهاد، أو مباح كالدفع عن النفس والمال جاز أن يصلي فيه صلاة الخوف والشدة. وأما المحرم فلا تجوز صلاة الخوف، فإن صلوا، صحت صلاتهم، لأنهم لم يخلوا بركن، ولو صلوا صلاة الشدة، بطلت (2). والوجه: الجواز في الصورة الأولى، وإلا لوجبت الإعادة. وجعل الدفع عن النفس قسيما للواجب ليس بجيد. ج: لو انهزم العدو فلم يأمن المسلمون كرتهم عليهم ورجوعهم إليهم، جاز أن يصلوا صلاة الخوف، للمقتضي. مسألة 681: كل أسباب الخوف يجوز معها القصر والصلاة بالإيماء مع الحاجة إليه، ولو عجز عنه صلى بالتسبيح إن خشي من الإيماء، سواء كان الخوف من لص أو سبع أو غرق أو حرق، ولا قضاء عليه عند علمائنا، لقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } (3). علق الحكم على الوصف، فكان مشعرا بالعلية، والتعليق ب‍ { الذين كفروا } للأغلبية، فلا يقتضي عدمه عدم الحكم. ولقول الصادق عليه السلام: " يكبر ويومئ برأسه " وقد سئل عن الرجل

(1) المبسوط للطوسي 1: 167.
(2) المبسوط للطوسي 1: 168.
(3) النساء: 101.

[ 455 ]

يخاف من لص أو عدو أو سبع كيف يصنع؟ (1). وقال الباقر عليه السلام: " الذي يخاف اللص والسبع يصلي صلاة المواقفة إيماء على دابته " قلت: أرأيت إن لم يكن المواقف على وضوء ولا يقدر على النزول؟ قال: " يتيمم من لبد سرجه، أو من معرفة دابته، فإن فيها غبارا، ويصلي ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يدور إلى القبلة، ولكن أينما دارت دابته، ويستقبل القبلة بأول تكبيرة وحين يتوجه " (2). وقال الكاظم عليه السلام: " يستقبل الأسد، ويصلي ويومئ برأسه إيماء وهو قائم وإن كان الأسد على غير القبلة " (3). ولأن في التأخير تعزيرا بالصلاة، وتكليفه بالاستيفاء تكليف ما لا يطاق فكلف على حسب حاله، فلا إعادة للامتثال. وقال المزني: الهرب من الحية من الأعذار النادرة، والعذر النادر لا يسقط القضاء عند الشافعي (4). ونمنع الكبرى والصغرى أيضا، لأن الخوف ليس بنادر وإن اختلفت أسبابه في الندور، كما أن خوف المرض عذر غير نادر وإن كان فيها مرض نادر. فروع: أ: لا فرق بين خوف اللص والسبع وغيرهما في السفر والحضر، لأن المناط الخوف. ب: لو كان في واد وغشيه السيل، فخاف الغرق إن ثبت مكانه فعدا في طول الوادي، وصلى في حال عدوه صلاة الشدة، فإن كان فيه موضع

(1) الكافي 3: 457 / 6، التهذيب 3: 173 / 382.
(2) الفقيه 1: 295 / 1348، التهذيب 3: 173 / 383.
(3) الكافي 3: 459 / 7، الفقيه 1: 294 / 1339.
(4) المهذب للشيرازي 1: 115، المجموع 4: 429

[ 456 ]

مرتفع يمكنه أن يصلي فيه من غير أن يلحقه ضرر بصعوده، مثل أن يعجز هو أو ركابه عن الترقي، أو يخاف دوران الماء حوله فلا يمكنه التخلص، لم تصح صلاته، وإن خاف، صحت. ج: لو كان محرما فخاف فوت الوقوف، فقصر أو أومأ، احتمل الإجزاء، لخوف لحوق الضرر بفوات الحج. ويحتمل أن يصلي على سبيل التمكن والاستقرار، فلو فعل خلافه، استأنف لأنه لا يخاف فوات حاصل هنا، فهو كما إذا خاف فوات العدو وقد انهزموا. وللشافعية كالوجهين، وثالث: تأخير الصلاة وقضاؤها، لأن أمر الحج خطر، وقضاؤه عسر (1). والأقوى عندي الأول. د: المديون المعسر إذا عجز عن [ إقامة ] بينة الاعسار وخاف الحبس، جاز أن يصلي صلاة الشدة في الهرب عن مستحق الدين، وهو أحد وجهي الشافعية (2). ه‍: لو كان عليه قصاص وتوقع العفو مع سكون الغليل، فهرب، فالأقوى (3): عدم جواز صلاة الشدة - خلافا لبعض الشافعية (4) - لعصيانه بهربه. و: يجوز أن يصلي صلاة الشدة حالة المدافعة عن ماله وإن لم يكن حيوانا - وهو أصح قولي الشافعي (5) - لأنه مباح.

(1) المجموع 4: 429 - 430، الوجيز 1: 68، فتح العزيز 4: 649 - 650، مغني المحتاج 1: 305.
(2) المجموع 4: 429، الوجيز 1: 68، فتح العزيز 4: 649، مغني المحتاج 1: 305.
(3) في نسخة " م ": فالأقرب.
(4) المجموع 4: 429، فتح العزيز 4: 649، مغني المحتاج 1: 305.
(5) المجموع 4: 403 و 428، فتح العزيز 4: 648، السراج الوهاج: 94.

[ 457 ]

والآخر: لا يجوز، لضعف حرمة المال (1). وهو ممنوع. مسألة 682: الموتحل والغريق يصليان بحسب الامكان، فإن تمكنا من الركوع والسجود، وجب، وإن عجزا عن أحدهما أو عنهما معا، أومأ عما عجزا عنه. ولا يقصر أحدهما عدد صلاته إلا في سفر أو خوف، لوجود المقتضي، وهو: أصالة الاتمام، وعدم مانعية السفر والخوف. مسألة 683: يجوز لبس الحرير للرجال حالة الحرب على ما تقدم (2)، وكذا لبس الديباج الصفيق (3) الذي لا يقوم غيره مقامه في القتال. ولا يجوز لبس الأعيان النجسة، لقوله تعالى: { والرجز فاهجر } (4). ولو اضطر، فالأقرب: الجواز، كالثوب النجس حال الضرورة. وللشافعي قولان (5). ويجوز أن يلبس فرسه أو دابته جلد الميتة والكلب والخنزير مع الحاجة لا بدونها. ولو جلل كلبه بجلد كلب، فالأقرب: المنع، لقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة) * (6) وهو يقتضي تحريم وجوه الانتفاع، لعدم أولوية التخصيص. وأظهر وجهي الشافعي: الجواز لاستوائهما في التغليظ (7). ويجوز تسميد الأرض بالزبل. ويجوز الاستصباح بالدهن النجس تحت

(1) المجموع 4: 403 و 428، فتح العزيز 4: 648، السراج الوهاج: 94.
(2) تقدم في ج 3 ص 471 الفرع " د " ذيل المسألة 124.
(3) الصفيق: الكثيف نسجه. لسان العرب 10: 204 " صفق ".
(4) المدثر: 5.
(5) الوجيز 1: 69، فتح العزيز 4: 654، السراج الوهاج: 95، مغني المحتاج 1: 307.
(6) المائدة: 3.
(7) المجموع 4: 448، فتح العزيز 4: 655.

[ 458 ]

السماء لا تحت الضلال، بخلاف ما نجاسته ذاتية، كشحم الميتة. وللشافعي قولان: إطلاق المنع، وإطلاق الجواز في الظلال وعدمه، وذاتي النجاسة وعرضيها (1) (2).

المجموع 4: 448، الوجيز 1: 69، فتح العزيز 4: 655.
(2) جاء في آخر نسخة " ش ": تم كتاب الصلاة من كتاب تذكرة الفقهاء، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الأئمة الأبرار المعصومين الطيبين الطاهرين، وعلى ذريته الأكرمين، صلاة متعاقبة مترادفة إلى يوم الدين. وكان الفراغ منه على يد كاتبه في نهار السبت تاسع عشر شهر رجب الاصم - عمت بركته - من سنة سبع وستين وثمانمائة هلالية. وتخلف من المجلد الثالث بخط المصنف من كتاب الزكاة إلى آخر زكاة الذهب والفضة، وبه تم الجزء الثالث. وورد في آخر نسخة " م ": تم الجزء الثالث من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنه - ويتلوه في الجزء الرابع - بعون الله تعالى - المطلب الثالث في زكاة الغلات - في سلخ شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وتسعين وثمانمائة هلالية.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية