الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 3

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 3


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 ه‍ الجزء الثالث تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP علامه حلى، حسن بن يوسف، 648 - 726 ق. 182 تذكرة الفقهاء / تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر، 4 ت 8 ع / تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. - قم: مؤسسة آل 1372 البيت عليهم السلام لاحياء التراث، 1414 ق = 1372 -. 20 ج، نمونه. كتابنامه بصورت زيرنويس. 1 - فقه جعفرى - قرن 8. ألف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. ب: عنوان. شابك 7 - 33 - 5503 - 964 احتمالا 20 جزءا. 20 7 ISBN 469 - 3055 - 33 - VOLS شابك 1 - 36 - 5503 - ج 3 3. 1 ISBN 469 - 3055 - 63 - VOL الكتاب: تذكرة الفقهاء / ج 3 المؤلف: العلامة الحلي تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث - قم التصوير الفني (الزينگغراف): ليتوگرافي حميد - قم الطبعة: الأولى - ربيع الأول 1414 ه‍ المطبعة: مهر - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 3000 ريال ساعدت وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي على طبعه

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دورشهر - خيابان شهيد فاطمي - كوچه 9 - بلاك 5 ص. ب 996 / 37185 - هاتف 23435 و 37371

[ 5 ]

الفصل الخامس: في القبلة ومباحثه ثلاثة: الأول: الماهية. مسألة 135: القبلة كانت أولا بيت المقدس، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحب التوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبرهيم عليه السلام، وكان بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ويتوجه إليهما، فلما انتقل إلى المدينة، تعذر ذلك، فبقي سبعة عشر شهرا يصلي إلى بيت المقدس خاصة، فدعا الله أن يحول قبلته إلى الكعبة وكان يقلب وجهه إلى السماء، وينتظر الوحي فأنزل الله تعالى: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) * (1) الآية. وكان الناس بقبا في صلاة الصبح، فأتاهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (2).

(1) البقرة 144.
(2) صحيح البخاري 1: 111، صحيح مسلم 1: 375 / 526، سنن النسائي 1: 244 - 245 و 2: 61، سنن الدارمي 1: 281، الموطأ 1: 195 / 6، مسند أحمد 2: 16 و 113.

[ 6 ]

مسألة 136: القبلة هي الكعبة مع المشاهدة إجماعا لقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (1) ولإجماع العلماء عليه. وروى أسامة أن النبي صلى الله عليه وآله صلى قبل الكعبة وقال: (هذه القبلة) (2). ومن كان في حكم المشاهد يجري مجراه كالكائن بمكة وبينه وبين الكعبة حائل لتمكنه من العلم، وكذا الأعمى بمكة، وكذا المصلي بالمدينة يجعل محراب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلته من غير اجتهاد، لعدم الخطأ في حقه عليه السلام. وأما من بعد فالواجب عليه الاستقبال إلى جهتها، قاله المرتضى (3)، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي في أحد القولين (4)، لقوله تعالى: * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (5) للإجماع على الاستقبال إلى الكعبة، ولحديث أسامة (6). ومن طريق الخاصة ما روي عن أحدهم عليهما السلام أن بني

(1) البقرة: 144.
(2) صحيح مسلم 2: 968 / 1330، سنن النسائي 5: 220، سنن البيهقي 2: 9 مسند أحمد 5: 201.
(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29.
(4) فتح العزيز 3: 242، المهذب للشيرازي 1: 74، تفسير الرازي 4: 128، الأم 1: 94، اللباب 1: 63 و 64، بدائع الصنائع 1: 118، المغني 1: 491، الشرح الكبير 1: 519، المحرر في الفقه 1: 51 و 52، بداية المجتهد 1: 111 - 112، نيل الأوطار 2: 179 و 180.
(5) البقرة: 144.
(6) صحيح مسلم 2: 968 / 1330، سنن النسائي 5: 220، سنن البيهقي 2: 9، مسند أحمد 5: 201.

[ 7 ]

عبد الاشهل أتوهم وهم في الصلاة قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس فقيل لهم: إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمي مسجدهم مسجد القبلتين (1). وليقين البراءة بالتوجه نحوه. إذا ثبت هذا فالجهة يريد بها هنا ما يظن أنه الكعبة، حتى لو ظن خروجه عنها لم تصح. وقال أبو حنيفة: المشرق قبلة لأهل المغرب وبالعكس، والجنوب قبلة لأهل الشام وبالعكس (2). وهو غلط. وقال الشافعي في الآخر: الواجب التوجه إلى عين الكعبة للقريب والبعيد - وبه قال الجرجاني من الحنفية (3) - لقوله تعالى * (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (4) يعني نحوه. وهو غلط، لاستلزامه التكليف بالمحال إذ مع البعد يمتنع التوجه إلى عين الكعبة مع صغر حجهما، وظهور التفاوت الكثير مع يسير الانحراف، وقد أجمعنا على صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو مع العلم بأن المتوجه إلى الكعبة من كان بقدرها. وقال الشيخ رحمه الله - وبه قال مالك (5) -: الكعبة قبلة لمن كان في

(1) التهذيب 2: 44 / 138.
(2) فتح العزيز 3: 242.
(3) المجموع 3: 207 و 208، فتح العزيز 3: 242، شرح فتح القدير 1: 235، الكفاية 1: 235، شرح العناية 1: 235، عمدة القارئ 4: 126، المغني 1: 491 - 492 و 519، نيل الأوطار 2: 180.
(4) البقرة: 144.
(5) فتح العزيز 3: 243، تفسير الرازي 4: 127.

[ 8 ]

المسجد الحرام، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم، والحرم قبلة لمن نأى عنه من أهل الدنيا (1)، لما روى مكحول عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا " (3). ولأن البعد يستلزم خروج المصلين عن التوجه، لصغر الكعبة بخلاف الحرم المتطاول، والروايات ممنوعة لعدم الوثوق بالرواة، والخروج آت في الحرم. فإن أجاب بطلب الجهة فهو جوابنا. مسألة 137: ولا فرق بين المصلي فوق الكعبة وغيره في وجوب التوجه إليها - عند أكثر العلماء (4) - لعموم الأمر وللشيخ - رحمه الله - قول بأنه يستلقي على قفاه ويصلي إلى البيت المعمور - وهو في السماء الرابعة بحذاء الكعبة يسمى بالضراح - بالايماء (5)، لما رواه عبد السلام عن الرضا عليه السلام قال في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة فقال: " إن قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء - ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور - ويقرأ، فإذا أراد أن يركع غمض عينيه، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فتح

(1) الخلاف 1: 295 مسألة 41، النهاية: 62 - 63.
(2) سنن البيهقي 2: 10 عن ابن عباس.
(3) الفقيه 1: 177 / 841، التهذيب 2: 44 / 139.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 85، وابن إدريس في السرائر: 58، والمحقق في المعتبر: 144.
(5) الخلاف 1: 441 مسألة 188.

[ 9 ]

عينيه، والسجود على نحو ذلك " (1). ولم يثبت صحة السند فلا يعول عليه مع منافاته للأصل وهو ترك القيام الذي هو ركن والاستقبال. إذا ثبت هذا فإنه يجب عليه أن يبرز بين يديه شيئا منها وإن قل، وبه قال أبو حنيفة (2). مسألة 138: قال الشيخ: يستحب لأهل العراق من والاهم التياسر قليلا إلى يسار المصلي (3) - وهو بناء على مذهبه من أن التوجه إلى الحرم - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟ فقال: " لأن للكعبة ستة حدود: أربعة منها على يسارك واثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار " (4). وسأل المفضل ابن عمر الصادق عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه فقال: " إن الحجر الأسود لما نزل به من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال، كله إثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم، وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة " (5). والروايتان مرسلتان مع ضعف المفضل

(1) الكافي 3: 392 / 21، التهذيب 2: 376 / 1566.
(2) المجموع 3: 198 - 199، فتح العزيز 3: 220 - 221.
(3) النهاية: 63، المبسوط للطوسي 1: 78، الخلاف 1: 297 مسألة 42 ظاهر عبارة الشيخ فيها الوجوب لا الاستحباب فلاحظ.
(4) الكافي 3: 487 / 6، التهذيب 2: 44 / 141.
(5) الفقيه 1: 178 / 842، التهذيب 2: 44 / 142، علل الشرائع: 318 باب 3 الحديث 1.

[ 10 ]

مسألة 139: المصلي جوف الكعبة يستقبل أي جدرانها شاء، وصلاته صحيحة فريضة كانت أو نافلة عند أكثر علمائنا (1) - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (2) - خلافا للشيخ في بعض أقواله (3)، ولمالك، وأحمد (4)، وقد سلف تحقيقه، وكل من قال بصحة الصلاة سوغ استقبال أي الجدران شاء. ولا فرق بين أن يصلي إلى الباب أو غيره (وسواء كان مفتوحا أو لا، وسواء كانت له عتبة مرتفعة أو لا) (5) وسواء نصب بين يديه شيئا أو لا، عند علمائنا، خلافا للشافعي (6) وقد سبق. فروع: أ - المصلي خارج الكعبة وهو مشاهد لها يستقبل أي جدرانها شاء، وكذا لو كان في حكم المشاهد. ولو تعددوا وأرادوا الاجتماع ففي صلاتهم مستديرين حولها إشكال، ولا إشكال لو كانوا منفردين. ب - لو انهدمت الكعبة - والعياذ بالله - صحت صلاته خارج العرصة متوجها إليها للامتثال، ولو وقف فيها وجب أن يبرز بين يديه بعضها، ولا

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 86، وابن إدريس في السرائر: 57، والمحقق في المعتبر: 144.
(2) الأم 1: 98، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 74، اللباب 1: 135، السراج الوهاج: 40، المبسوط للسرخسي 2: 79، بدائع الصنائع 1: 121.
(3) الخلاف 1: 439 مسألة 186.
(4) المدونة الكبرى 1: 91، الشرح الصغير 1: 108 - 109، الانصاف 1: 496، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، المبسوط للسرخسي 2: 79، بدائع الصنائع 1: 121.
(5) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (ش).
(6) الأم 1: 98، المجموع 1: 195، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38.

[ 11 ]

يجب نصب شئ يصلي إليه، خلافا للشافعي (1). ج - المصلي على جبل أبي قبيس يستقبل هواء البيت، وكذا كل موضع أرفع من الكعبة. د - يجب أن يستقبل الكعبة بجميع بدنه فلو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه خارج عن المحاذاة لم تصح صلاته، وهو أظهر وجهي الشافعي لصحة نفي الاستقبال، وإنما استقبل بعض الكعبة، والآخر: يصح لحصول التوجه بالوجه (2). ه‍ - الاجتزاء بالجهة في حق البعيد، أما القريب فلا بد له من التوجه إلى عين الكعبة - وبه قال الشافعي (3) - لقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (4) وقال أبو حنيفة: الجهة كافية في القريب والبعيد (5). فلو استطال صف المأمومين حتى خرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاة الخارج عندنا - خلافا لأبي حنيفة (6) - ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا آخر المسجد صحت صلاة المتوجه دون الخارج، وجوزه هنا الشافعي، لأنهم مع البعد يعدون مستقبلين (7). و - المصلي بمكة خارج المسجد إن كان يعاين الكعبة توجه إليها، فلو سوى محرابه بناء على المعاينة صلى إليه أبدا، وإن كان يصلي حيث لا

(1) المجموع 3: 198 - 199، فتح العزيز 3: 220 - 221، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 74.
(2) المجموع 3: 192، فتح العزيز 3: 222، الوجيز 1: 38.
(3) المجموع 3: 192، فتح العزيز 3: 222، المهذب للشيرازي 1: 74.
(4) البقرة: 144.
(5) شرح فتح القدير 1: 235، اللباب 1: 63، فتح العزيز 3: 222.
(6) فتح العزيز 3: 222.
(7) فتح العزيز 3: 223، الوجيز 1: 38.

[ 12 ]

يمكنه المعاينة وجب أن يصعد على سطح داره إن كان بحيث يشاهد الكعبة، ويستدل على القبلة إن لم يتمكن. مسألة 140: كل إقليم يتوجهون إلى سمت الركن الذي يحاذيهم ويقابلهم، وقد وضع الشارع لهم علامات يستدل بها على القبلة فالعراقي - وهو الذي فيه الحجر - لأهل العراق ومن والاهم. وأهل الشام يتوجهون إلى الركن الشامي. وأهل الغرب إلى الغربي. وأهل اليمن إلى اليماني. وعلامة أهل العراق جعل الجدي خلف منكبه الأيمن، والفجر موازيا لمنكبه الأيسر والشفق لمنكبه الأيمن، وعين الشمس عند الزوال على طرف حاجبه الأيمن مما يلي الأنف. وعلامة الشام جعل بنات نعش حال غيبوبتها خلف الإذن اليمنى، والجدي خلف الكتف اليسرى إذا طلع، ومغيب سهيل على العين اليمنى، وطلوعه بين العينين، والصبا على الخد الأيسر، والشمال على الكتف الأيمن وعلامة المغرب جعل الثريا على اليمين، والعيوق على اليسار، والجدي على صفحة الخد الأيسر. وعلامة اليمن جعل الجدي وقت طلوعه بين العينين، وسهيل وقت غيبوبته بين الكتفين، والجنوب على مرجع الكتف الأيمن. وأوثق أدلتها النجوم قال الله تعالى: * (وبالنجم هم يهتدون) * (1) ولا مكان ضبطه بخلاف غيره. وآكدها القطب الشمالي، وهو نجم خفي حوله أنجم دائرة في أحد

(1) النحل 16.

[ 13 ]

طرفها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، يدور حول القطب في كل يوم وليلة دورة واحدة، فيكون الجدي عند طلوع الشمس مكان الفرقدين عند غروبها. ويمكن الاستدلال بها على ساعات الليل والأزمنة لمن عرفها وعرف كيفية دورانها وحولها مما يلي الفرقدين بنات النعش تدور حولها، والقطب لا يتغير عن مكانه إلا يسيرا لا يبين عند الحسن، وهو نجم خفي يراه حديد النظر، إذا استدبر في الأرض الشامية كان مستقبلا للقبلة، وينحرف في دمشق وما قاربها إلى الشرق قليلا، وكلما قرب إلى المغرب كان انحرافه أكثر. وإن كان بحران وما يقاربها اعتدل، وجعل القطب خلف ظهره معتدلا من غير انحراف، وفي العراق يجعله بحذاء ظهر أذنه اليمنى على علوها فيكون مستقبلا باب الكعبة إلى المقام. والشمس تطلع في المشرق، وتغرب في المغرب، وتختلف مطالعها ومغاربها على حسب اختلاف منازلها، وتكون في الشتاء حال توسطها في قبلة المصلي، وفي الصيف محاذية القبلة. والقمر يبدو أول ليلة من الشهر هلالا في المغرب عن يمين المصلي ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلا حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في قبلة المصلي أو مائلا عنها يسيرا، ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس بدرا تاما، وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي أو قريبا منها وقت الفجر. ومنازل الشمس والقمر ثمانية وعشرون وهي: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوا، والسماك، والغفر، والزبانا

[ 14 ]

والإكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الاخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، وبطن الحوت. منها أربعة عشر دائما فوق الأرض، ومثلها تحتها، فأربعة عشر شامية تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال قليلا، أولها الشرطين وآخرها السماك، وأربعة عشر يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى التيامن، أولها الغفر وأخرها بطن الحوت. ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية وإذا اطلع أحدها غاب رقيبه، فالقمر ينزل كل ليلة بمنزل منها قريبا منه ثم ينتقل في الليلة الثانية إلى المنزل الذي يليه، والشمس تنزل بكل منزل منها ثلاثة عشر يوما فيكون عودها إلى المنزل الذي نزلت به عند تمام حول كامل من أحوال السنة الشمسية. وهذه المنازل يكون منها فيما بين غروب الشمس وطلوعها أربعة عشر منزلا، ومن طلوعها إلى غروبها مثل ذلك، ووقت الفجر منها منزلان، ووقت المغرب منزل، وسواد الليل إثنا عشر منزلا، وكلها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب إلا أن أول الشامية وآخر اليمانية تطلع من وسط المشرق بحيث إذا جعل الطالع منها محاذيا لكتفه الأيسر كان مستقبلا للكعبة. وأما الرياح فكثيرة يستدل منها بأربع تهب من زوايا السماء: فالجنوب: تهب من الزاوية التي بين القبلة والمشرق، مستقبلة بطن كتف المصلي الأيسر مما يلي وجهه إلى يمينه. والشمال: مقابلها تهب من الزاوية التي بين المغرب والشمال، مارة إلى مهب الجنوب. والدبور: تهب من الزاوية التي من المغرب واليمين مستقبلة شطر وجه

[ 15 ]

المصلي الأيمن، مارة إلى الزاوية المقابلة لها. والصبا: مقابلها تصب من ظهر المصلي. وسأل محمد بن مسلم أحدهما عليهما السلام عن القبلة، قال: " ضع الجدي في قفاك وصل " (1). البحث الثاني: فيما يستقبل له مسألة 141: يجب الاستقبال في فرائض الصلوات إجماعا مع التمكن فلو صلى فريضة غير مستقبل مع قدرته بطلت صلاته، أما النافلة في الحضر والقدرة فالأقرب وجوب الاستقبال فيها أيضا - وبه قال الشافعي (2) - لمداومة النبي وأهل بيته عليهم السلام على ذلك. وقال أبو سعيد من الشافعية: يجوز ترك الاستقبال بالنافلة حضرا، لأنه يجوز في السفر لمصلي النافلة، وهذا موجود في الحضر (3). وهو خطأ، لمداومة النبي صلى الله عليه وآله على الاستقبال، والفرق ظاهر بين الحضر والسفر، فإن الحضر الغالب فيه الكف، والغالب في السفر السير. ولا فرق بين جميع الفرائض كقضاء الواجب، وصلاة النذر، والطواف، والكسوف، والجنائز. وأما سجود التلاوة، وسجود الشكر فلا يجب فيه الاستقبال عملا بالأصل، وأوجبه الشافعي (4). ويجب عندنا الاستقبال بالذبيحة عند الذبح، وبالميت عند احتضاره،

(1) التهذيب 2: 45 / 143.
(2) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212.
(3) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212.
(4) الأم 1: 93، المجموع 4: 63 و 68.

[ 16 ]

وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه على ما تقدم البحث فيه، خلافا للشافعي (1). ويستحب للجلوس للقضاء والدعاء. مسألة 142: لا تجوز الصلاة الفريضة على الراحلة اختيارا، لاختلال أمر الاستقبال بلا خلاف. وسأل عبد الله بن سنان الصادق عليه السلام يصلي الرجل شيئا من الفرائض راكبا من غير ضرورة؟ فقال " لا " (2). وإن تمكن من استيفاء الأفعال على إشكال ينشأ من الاتيان بالمأمور به فيخرج عن العهدة. والمنع للاختلال منتف لانتفاء سببه، ومن عموم النهي على الراحلة (3). وكذا لا تجوز صلاة الجنائز على الراحلة، لأن الركن الأعظم فيها القيام، والأقرب صحة الصلاة على بعير معقول، وإرجوحة معلقة بالحبال، وقد سبق. ولا تصلى المنذورة على الراحلة لأنها فرض عندنا، وللشافعي وجهان مبنيان على أن المنذورة يسلك بها مسلك الواجبات أو يحمل على أقل ما يتقرب به (4). وعن أبي حنيفة: أن الصلاة التي نذرها على وجه الأرض لا تؤدى على الراحلة، والتي نذرها وهو راكب تؤدى عليها (5). وليس بشئ.

(1) المجموع 5: 116. 9: 86: الوجيز 2: 212.
(2) التهذيب 3: 308 / 954.
(3) التهذيب 3: 308 / 954. (4) فتح العزيز 3: 208، الوجيز 1: 37.
(5) فتح العزيز 3: 208.

[ 17 ]

ولا بأس بالصلاة في السفينة واقفة كانت أو سائرة. مسألة 143: يسقط فرض الاستقبال حالة الخوف في الفرائض والنوافل إجماعا لعدم التمكن، ولقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (1) وقال عليه السلام: (إن كان الخوف أشد فصلوا مستقبليها ومستدبريها) (2) وسيأتي. ولا يختص الخوف بالقتال بل لو انكسرت السفينة وبقي على لوح منها وخاف بالغرق لو ثبت متوجها إلى القبلة يجوز له ترك الاستقبال. ولا يرخص مطلق القتال بل السائغ. وكذا يسقط في النوافل سفرا - للراكب والماشي - وحضرا. ويجوز التنفل على الراحلة في السفر الطويل إجماعا حيث توجهت به لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي على راحلته في السفر حيث توجهت به (3)، ولتمكن صاحب الأوراد من أوراده مع كفاية مصالح السفر. فروع: أ - لا يجب حالة القتال الاستقبال في الفريضة سفرا، وحضرا، راكبا كان أو راجلا - وبه قال الشافعي (4) - لقوله تعالى: * (فإن خفتم فرجالا أو

(1) البقرة: 115.
(2) صحيح البخاري 6: 38، سنن البيهقي 2: 8 وروي عن ابن عمر.
(3) أمالي الطوسي 2: 13، قرب الاسناد: 10، تفسير العياشي 1: 57 / 82.
(4) الأم 1: 222، المجموع 3: 231 و 4: 425 - 426، مختصر المزني: 13، كفاية الأخيار 1: 91، السراج الوهاج: 93، الوجيز 1: 68.

[ 18 ]

ركبانا) * (1) قال ابن عمر: مستقبل القبلة وغير مستقبلها (2). وقال أبو حنيفة: يجوز للراكب ترك الاستقبال حالة القتال، أما الراجل فلا (3). ب - يجوز للمريض الصلاة على الراحلة للضرورة، الدال عليها فحوى قوله تعالى: * (فإن خفتم) * (4) وقول الصادق عليه السلام: " لا يصلي على الدابة إلا مريض " (5). وقال الصادق عليه السلام: " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر " (6). ولا تجب عليه الاعادة عندنا، لأنه فعل المأمور به، وكذا لو صلى على لوح ولم يتمكن من الاستقبال. وقال الشافعي: يعيد، لأنه ترك القبلة لعذر نادر لا يدوم (7). وليس بجيد، للامتثال فيخرج عن العهدة. وكذا المريض العاجز عن الحركة إذا لم يجد من يصرف وجهه إلى القبلة يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه عندنا، خلافا للشافعي (8). ج - يجوز التنفل ماشيا لاشتماله على المصلحة الناشئة من مداومة

(1) البقرة: 239.
(2) الأم 1: 96 و 222، المجموع 3: 231، مغني المحتاج 1: 142، أحكام القرآن للكيا الهراسي 1: 218.
(3) بدائع الصنائع 1: 245.
(4) البقرة: 239.
(5) التهذيب 3: 308 / 952.
(6) التهذيب 3: 232 / 602.
(7) المجموع 3: 243.
(8) المجموع 3: 243.

[ 19 ]

الطاعة، واستيفاء وجوه الانتفاع - وبه قال الشافعي (1) - لأنه أحد اليسيرين، فأشبه الراكب، ولقوله تعالى: * (فأينما تولوا فثم وجه الله) * (2) قال الصادق عليه السلام: " إنها نزلت في النافلة " (3). وقال أبو حنيفة: لا تجوز ماشيا لأنه عمل كثير (4) والضرورة سوغته. د - الراكب في النافلة يتوجه إلى حيث توجهت دابته، لأن عليا عليه السلام كان يوتر على راحلته، وكذا النبي صلى الله عليه وآله (5)، ولا يجب عليه الاستقبال إلى القبلة دفعا للحرج ولا في أول الصلاة أما الفريضة إذا اضطر إلى الصلاة على الراحلة وجب عليه أن يستقبل ما أمكن، فأن تعذر وقدر على الاستقبال في تكبيرة الاحرام وجب وإلا فلا. ه‍ - يجوز التنفل على الراحلة في السفر - طويله وقصيره - وهو أظهر قولي الشافعي للمقتضي في الطويل، وله قول: إنه لا يتنفل على الراحلة في السفر القصير، وهو الذي لا تقصر في مثله الصلاة - وبه قال مالك (6) - لأنها رخصة تتعلق بالسفر فتعلقت بالطويل كالقصر والمسح. وأما الحضر فالأقرب جواز الصلاة نفلا فيه راكبا، وبه قال أبو سعيد من

(1) الأم 1: 97، المجموع 3: 237، فتح العزيز 3: 211، كفاية الأخيار 1: 62.
(2) البقرة: 115.
(3) تفسير العياشي 1: 56 - 57 / 81 و 82 وانظر النهاية للشيخ الطوسي: 64.
(4) المجموع 3: 237، فتح العزيز 3، 211.
(5) قرب الاسناد: 54، وانظر صحيح البخاري 1: 110، وسنن النسائي 1: 243.
(6) الأم 1: 97، مختصر المزني: 13، المجموع 3: 234، مغني المحتاج 1: 142، المهذب للشيرازي 1: 76، الوجيز 1: 37، كفاية الأخيار 1: 62، القوانين الفقهية: 60، المنتقى للباجي 1: 269، المغني 1: 485.

[ 20 ]

الشافعية، خلافا للباقين (1). و - المتنفل في السفر ماشيا لا يجب عليه الاستقبال كالراكب، وقال الشافعي: يجب في ثلاثة مواضع: حالة تكبيرة الافتتاح، وركوعه، وسجوده (2). وإن كان راكبا في كنيسة (3) واسعة جاز أن يصلي إلى غير القبلة للعذر، خلافا للشافعي (4). وإن كانت ضيقة، أو على قتب، أو سرج، أو ظهر فإن كانت واقفة مقطرة صلى إلى حيث ما توجهت لتعذر إدارتها إلى القبلة، وإن كانت مفردة فكذلك، خلافا للشافعي (5). وإن كانت سائرة مقطرة افتتح إلى جهة سيره، وإن كانت مفردة صعبة لم يلزمه إدارتها للمشقة، وكذا إن كانت سهلة، وللشافعي وجهان (6). وإن دخل بلد إقامته جاز أن يتنفل على الراحلة - خلافا للشافعي (7) - وكذا إن كان مجتازا ز - لو صرف وجه الدابة عن الطريق عامدا فالأقرب عدم البطلان، وقال الشافعي: يبطل (8). وإن أخطأ فصرفه إلى غير الطريق ظنا أنه الطريق أو غلطت الدابة فالصلاة صحيحة وإن لم يكن وجهه إلى القبلة، وقال

(1) المجموع 3: 239، فتح العزيز 3: 212، المهذب للشيرازي 1: 76.
(2) الأم 1: 97، المجموع 3: 237، المغني 1: 488.
(3) الكنيسة: هي شئ يغرز في المحمل أو الرحل ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ويستتر به. مجمع البحرين 4: 100 " كنس ".
(4) المجموع 3: 232، مغني المحتاج 1: 142. (5) المجموع 3: 234، مغني المحتاج 1: 143.
(6) المجموع 3: 234 و 235، مغني المحتاج 1: 143.
(7) المجموع 3: 238، كفاية الأخيار 1: 62 - 63.
(8) المجموع 3: 236، الوجيز 1: 37، كفاية الأخيار 1: 62.

[ 21 ]

الشافعي: إن كثر بطلت (1) ولو كان ظهره في طريقه إلى القبلة فركب مقلوبا وجعل وجهه إلى القبلة صحت صلاته، لأنه إذا صحت إلى غير القبلة فإليها أولى. وقال بعض الشافعية: لا يصح لأن قبلة المتنفل على الدابة طريقه (2). وهو خطأ، لأنه جعل رخصة. وراكب التعاسيف (3) - وهو الهائم الذي لا مقصد له، بل يستقبل تارة ويستدبر أخرى - له أن يتنفل في سيره كغيره خلافا للشافعي (4) ح - لو اضطر إلى الفريضة على الراحلة والدابة إلى القبلة فحرفها عمدا لا لحاجة بطلت صلاته، لأنه ترك الاستقبال اختيارا، وإن كان لجماح الدابة لم تبطل وإن طال الانحراف إذا لم يتمكن من الاستقبال. وقال الشافعي: تبطل مع الطول، ومع القصر وجهان (5). ولو كان مطلبه يقتضي الاستدبار لم تبطل صلاته ط - يجب على المفترض الاستقبال بتكبيرة الافتتاح إن أمكن، وكذا باقي الأفعال ويسقط مع العذر كالمطارد، والدابة الصائلة، والمتردية. ي - المصلي على الراحلة يؤمي للركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض، وكذا الماشي.

(1) المجموع 3: 236، الوجيز 1: 37، كفاية الأخيار 1: 62.
(2) المجموع 3: 241، الوجيز 1: 37، كفاية الأخيار 1: 62.
(3) التعسيف: السير على غير علم ولا أثر. لسان العرب 9: 245 " عسف ".
(4) المجموع 3: 240، فتح العزيز 3: 215، الوجيز 1: 37 كفاية الأخيار 1: 63.
(5) فتح العزيز 3: 215 و 216، الوجيز 1: 37، كفاية الأخيار 1: 61 و 62، مغني المحتاج 1: 143.

[ 22 ]

البحث الثالث: في المستقبل مسألة 144: القادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد عند علمائنا، كما أن القادر على العمل بالنص في الأحكام لا يجوز له الاجتهاد لامكان الخطأ في الثاني دون الأول. ويحصل اليقين لمن كان معاينا للكعبة أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، وكذا إن كان بمسجد النبي صلى الله عليه وآله، لليقين بصحة قبلته. ولو كان الحائل أصليا كالجبل ولا يمكنه أن يعرف القبلة حتى يصعد الجبل وتمكن منه وجب أن يصعد طلبا لليقين. وقال الشافعي: يجوز أن يجتهد ويصلي بغلبة الظن. وفي الحادث عنده قولان (1). وهل له أن يستقبل الحجر مع تمكنه من استقبال الكعبة، الوجه ذلك لأنه عندنا من الكعبة. ومنعه بعض الشافعية، حيث إن كونه من البيت مجتهد فيه غير مقطوع به (2). مسألة 145: فاقد العلم يجتهد بالأدلة التي وضعها الشارع علامة، فإن غلب على ظنه الجهة للامارة بنى عليه بإجماع العلماء، لأنه فعل المأمور به فخرج عن العهدة، ولقول الباقر عليه السلام: " يجزي التحري أبدا إذا لم

(1) المجموع 3: 212 و 213، فتح العزيز 3: 228، المهذب للشيرازي 1: 75، مغني المحتاج 1: 145.
(2) المجموع 3: 193، فتح العزيز 3: 226.

[ 23 ]

يعلم أين وجه القبلة " (1). فلا يجوز للعارف بأدلة القبلة التمكن من الاستدلال عليها بمطالع النجوم، وهبوب الرياح، وغيرها التقليد، وكذا الذي لا يعرف أدلة القبلة لكنه إذا عرف عرف، لتمكنه من العلم، بخلاف العامي حيث لا يلزمه تعلم الفقه، لأن ذلك يطول زمانه ويشق تعلمه بخلاف دلائل القبلة، وبه قال الشافعي (2). أما الذي لا يحسن وإذا عرف لم يعرف فإنه والأعمى على حد واحد، وللشيخ فيه قولان، أحدهما: الرجوع إلى العارف والتقليد للثقة (3) - وبه قال الشافعي (4) - كالعامي في أحكام الشرع، وله قول آخر، وهو أن يصلي إلى أربع جهات كالفاقد للاجتهاد والتقليد معا (5). والأول أقرب لتعذر العلم والأصل براءة الذمة من التكليف الزائد، وقول الثقة يثمر الظن فيصار إليه كالاجتهاد. وقال داود: إنه يسقط عنه فرض القبلة ويصلي إلى حيث شاء (6) لقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (7) وهو غلط، لقوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (8) والآية نزلت في النافلة.

(1) الكافي 3: 285 / 7، الفقيه 1: 179 / 845، التهذيب 2: 45 / 146، الاستبصار 1: 295 / 1087.
(2) المجموع 3: 228، فتح العزيز 3: 225، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 75.
(3) المبسوط للطوسي 1: 79.
(4) المجموع 3: 228، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الأخيار 1: 59.
(5) الخلاف 1: 302 المسألة 49.
(6) حلية العلماء 2: 64.
(7) البقرة: 115.
(8) البقرة: 144.

[ 24 ]

فروع: أ - تعلم دلائل القبلة واجب، وهل هو على الأعيان أو على الكفاية؟ إشكال، ينشأ من أنه من واجبات الصلاة فيعم كالأركان، ومن كونه من دقائق مسائل الفقه، وكلاهما للشافعي (1). ب - إذا اجتهد في صلاة قال الشيخ: يجب التجديد في أخرى، وهكذا ما لم يعلم بقاء الامارات (2). وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: لا يجب، لأن اجتهاده قائم لم يتغير (3). ج - لو اجتهد فأدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها لم تصح صلاته وإن ظهر أنها القبلة - وبه قال أبو حنيفة، الشافعي (4) - لأنه لم يفعل المأمور به وهو التوجه إلى ما أدى إليه اجتهاده فيبقى في عهدة التكليف. وقال الشيخ في المبسوط (5) - وبه قال أبو يوسف -: يجزيه (6)، لأن المأمور به هو التوجه إلى القبلة وقد فعل، كمن شك في إناءين فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد ثم بان له أنه الطاهر أجزأه. وهو غلط، فإنه إن بان له ذلك بعد دخوله في الصلاة لم تصح

(1) المجموع 3: 209، فتح العزيز 3: 230.
(2) المبسوط للطوسي 1: 81.
(3) المجموع 3: 216، فتح العزيز 3: 245، المهذب للشيرازي 1: 75، الوجيز 1: 39، المغني 1: 500، الشرح الكبير 1: 527.
(4) بدائع الصنائع 1: 119، شرح فتح القدير 1: 236.
(5) المبسوط للطوسي 1: 80.
(6) شرح فتح القدير 1: 236، بدائع الصنائع 1: 119.

[ 25 ]

صلاته، وإن كان قبله جاز. والفرق ظاهر بين الطهارة والصلاة، فإن الطهارة تقع قبل وجوبها وإنما الواجب منها ما صحت به الصلاة فإذا علمها في حال وجوبها أجزأه ولم يضره الشك قبل ذلك. د - الأعمى العاجز يقلد شخصا مكلفا، عدلا، عارفا بأدلة القبلة، وفي المبسوط: يقلد الصبي والمرأة لحصول الظن (1)، وظاهر قوله في الخلاف: وجوب أربع صلوات (2). وما قلناه أولى. ه‍ - يجوز التعويل على المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، ولا يجب عليه الاجتهاد في طلب القبلة، وهو إجماع. ولو عرف أنها وضعت على الغلط وجب الاجتهاد. و - لا يجوز التعويل على قول الكافر والفاسق، لقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (3) ولا يقبل قول الكافر في شئ إلا في الإذن في دخول الدار، وفي قبول الهدية، ولو وجد قبلة للنصارى احتمل الاستدلال بها لغلبة الظن بانتفاء الكذب، وعدمه للعموم. ز - لو دخل بلدا خرابا فوجد فيه مساجد، ومحاريب ولم يعلم الواضع لم يكن له الصلاة إليها بل يجتهد، لجواز أن يكون بناه المشركون فإن علم أنه من بناء المسلمين لم يلزمه الاجتهاد. مسألة 146: إذا تعدد المجتهدون فإن اتحدت الجهة جاز أن يصلوا جماعة وفرادى، وإن اختلفوا صلوا منفردين وليس لهم الجماعة عندنا - وبه قال

(1) المبسوط للطوسي 1: 80.
(2) الخلاف 1: 302 مسألة 49.
(3) هود: 113.

[ 26 ]

الشافعي (1) - لأن العالم بالقبلة ليس له أن يجتهد، والمجتهد ليس له أن يقلد. فلو قلد بعضهم بعضا بطلت صلاة المأموم قطعا، لأن إمامه إن كان على الحق فلا صلاة له وإلا فصلاة الامام فاسدة، ولا يجوز الاقتداء بمن صلاته فاسدة. وقال أبو ثور: تصح صلاة المأمومين وشبهه بالواقفين في الكعبة، ويستقبل كل واحد منهم بعض الحيطان فإن صلاتهم صحيحة وإن اختلفت الجهة، ولأنه لا يقطع بخطأ إمامه وصواب نفسه (2). ويفارق الواقفين حول الكعبة لأن كل واحد منهم مستقبل قطعا وهنا المأموم يعتقد خطأ إمامه، والخطأ وإن لم يقطع به لكنه يقطع بحكمه، وقول أبي ثور ليس بعيدا كالمصلين في حال شدة الخوف. فروع: أ - لو كانوا في بيت مظلم فاجتهدوا وجمعوا فلما أصبحوا علموا أن كل واحد صلى إلى جهة أخرى ولم يعلموا إلى أي جهة صلى الامام فالوجه صحة صلاتهم، لأنه لم يعلم الخطأ في فعل إمامه، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (3). ب - لو أدى اجتهاد الجماعة إلى جهة ثم تغير اجتهاد بعض المأمومين انحرف وبنى على صلاته ونوى الانفراد، ولو تغير اجتهاد الامام خاصة انحرف واستمر المأمومون منفردين.

(1) المجموع 3: 214، فتح العزيز 3: 246، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الأخيار 1: 60، المغني 1: 503.
(2) المجموع 3: 214، المغني 1: 504.
(3) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.

[ 27 ]

وللشافعي قول في الأولى بفساد صلاة المأموم بناء على أن المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة إمامه يستأنف أو يتم؟ قولان، أما الثانية فلا لأن المأموم لم يختر مخالفة إمامه بل الامام هو الذي خالفه، ولو قطع الامام صلاته عمدا لم تبطل صلاة المأموم (1). ج - لو اختلف الامام والمأموم في التيامن والتياسر لم يكن له الائتمام، لاختلافهما في جهة القبلة، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الثاني: له ذلك لقلة الانحراف (2)، وهما مبنيان على أن الواجب إصابة العين أو الجهة. د - لو ضاق الوقت إلا عن صلاة وأدى اجتهاد أحدهم إلى جهة جاز للآخر أن يقلده ويأتم به عندنا، لأن فرضه التخيير، وهل يجب عليه التقليد حينئذ؟ إشكال ينشأ من عدم جواز التقليد للمجتهد مع اتساع الوقت، وتخييره مع ضيقه، ومن حصول ظن بالجهة راجح على التخيير فيتعين اتباعه. ه‍ - من فرضه التقليد كالأعمى والجاهل بأدلة القبلة إن لم نوجب عليه الأربع يقلد الأوثق الأعلم بالأدلة لو تعدد المجتهدون، فإن قلد المفضول فالأقرب المنع، لأنه ترك ما يغلب عليه ظنه أن الصواب فيه. وقال الشافعي: تصح، لأنه أخذ بدليل له الأخذ به لو انفرد فكذا لو كان مع غيره (3). وليس بجيد لحصول المعارض الراجح حالة الاجتماع دون الانفراد فصار كما لو تضاد الدليلان، ولو تساويا قلد من شاء. مسألة 147: العارف بأدلة القبلة إذا لم يتمكن من الاجتهاد لضيق

(1) الأم 1: 95، المجموع 3: 226، فتح العزيز 3: 247.
(2) المجموع 3: 226، فتح العزيز 3: 247.
(3) المجموع 3: 228،، كفاية الأخيار 1: 59، المغني 1: 506، الشرح الكبير 1: 524.

[ 28 ]

الوقت يتخير إجماعا إن لم يتمكن من التقليد، ولو تمكن فإشكال تقدم، ولا إعادة عليه إن استمر الجهل، وكذا لو كان ممنوعا برمد، أو مرض، أو غيرهما. ولو كان الوقت متسعا ولم يحصل له الظن بعد الاجتهاد فإن كان يرجو حصوله بإنكشاف الغيم مثلا احتمل وجوب التأخير إلى آخر الوقت ثم يتخير، وجواز التقديم فيصلي إلى أربع جهات كل فريضة، ذهب إليه علماؤنا، لأن الاستقبال واجب وقد أمكن حصوله بتعدد الفرائض فيجب كما لو اشتبه الثوبان. ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل أن هولاء المخالفين يقولون: إذا أطبقت علينا وأظلمت ولم نعرف السماء كنا وأنتم سواء في الاجتهاد. فقال: " ليس كما يقولون، إذا كان كذلك فليصل لأربع وجوه " (1). وقال أبو حنيفة، وأحمد: يصلي ما بين المشرق والمغرب، ويتحرى الوسط، ثم لا يعيد (2)، لقوله صلى الله عليه وآله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (3) ونحن نقول بموجبه على تقدير معرفته المشرق والمغرب. وقد روى معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قلت: الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يمينا وشمالا. قال: " قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب قبلة " (4). ولو ضاق الوقت صلى ثلاثا ويتخير في الساقطة فإن ضاق صلى اثنتين

(1) التهذيب 2: 45 / 144، الاستبصار 1: 295 / 1085.
(2) المغني 1: 491، الشرح الكبير 1: 519.
(3) سنن الترمذي 2: 171 / 342 و 173 / 344، سنن ابن ماجة 1: 323 / 1011، سنن الدار قطني 1: 270 و 271 / 1 و 2.
(4) الفقيه 1: 179 / 846، التهذيب 2: 48 / 157، الاستبصار 1: 297 / 1095.

[ 29 ]

فإن ضاق صلى واحدة، ويتخير في المأتي بها. مسألة 148: لو صلى بالاجتهاد، أو مع ضيق الوقت ثم تبين الخطأ في الصلاة استدرك إن كان الانحراف يسيرا، لأن ذلك لا يقع عن يقين وإنما هو ظن لأن الجهة الواحدة لا تتبين فيها الكعبة يقينا، وهو قول الشافعي، وله قول آخر: أنه يستأنف لأن صلاة واحدة لا تقع إلى جهتين كالحادثة لا يحكم فيها بحكمين (1)، وإن كان كثيرا استأنف. ولو ظهر بعد الفراغ فإن كان قد استدبر أعاد الصلاة سواء كان الوقت باقيا أولا، اختاره الشيخان (2)، لما رواه عمار بن موسى عن الصادق عليه السلام في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: " إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة حتى يعلم، وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة " (3) والراوي ضعيف. وقال المرتضى: يعيد في الوقت لا خارجه (4) لأنه في الوقت لم يأت بالمأمور به فيبقى في العهدة، وبعد الوقت يكون قاضيا، والأصل عدمه إلا بأمر مجدد، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة وأنت في الوقت فأعد، وإن فاتك فلا تعد " (5) والاطلاق يتناول الاستدبار، وهو الأقوى عندي. وقال مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والمزني، والشافعي في أحد

(1) المجموع 3: 225 - 226، مغني المحتاج 1: 147، كفاية الأخيار 1: 59.
(2) المفيد في المقنعة: 14 والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 80.
(3) الكافي 3: 285 / 8، التهذيب 2: 49 / 159، الاستبصار 1: 298 / 1100.
(4) الناصريات: 230 مسألة 80.
(5) الكافي 3: 284 / 3، التهذيب 2: 48 / 154، الاستبصار 1: 296 / 1090

[ 30 ]

القولين: إذا تبين الخطأ بعد الصلاة لم يعد (1) وأطلقوا فلم يفصلوا إلى الاستدبار وغيره، وإلي الوقت وخروجه، لأن عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل واحد منا يصلي وبين يديه أحجار فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله تعالى: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) * (2) (3) ولأنه صلى إليها للعذر فإذا زال العذر لم تجب الاعادة كالخائف. وفي الآخر للشافعي: يعيد (4) وأطلق لأنه تعين له يقين الخطأ فيما يؤمر مثله في القضاء فلزمه الاعادة كالحاكم إذا تيقن الخطأ، والمصلي بمكة. فروع: أ - إذا صلى إلى ما أداه اجتهاده ثم أعاد الاجتهاد فأداه إلى أخرى صلى الثانية إلى الجهة الأخرى ولا يعيد الأولى - وبه قال الشافعي (5) - ولا نعلم فيه خلافا لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد. ب - لو تغير اجتهاده في أثناء الصلاة استدار إن كان الانحراف يسيرا وبنى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الأخرى: لا ينتقل ويمضي

(1) المجموع 3: 243، مختصر المزني: 13، كفاية الأخيار: 1: 59، بداية المجتهد 1: 112، المغني 1: 513 و 514، الشرح الكبير 1: 526، كشاف القناع 1: 312، بدائع الصنائع 1: 119، اللباب 1: 64.
(2) البقرة: 115.
(3) سنن الترمذي 2: 176 / 345، سنن الدار قطني 1: 272 / 5، سنن البيهقي 2: 11.
(4) المجموع 3: 243 كفاية الأخيار 1: 59، المغني 1: 514 و 515، الشرح الكبير 1: 526.
(5) المجموع 3: 219، مغني المحتاج 1: 147، المهذب للشيرازي 1: 75، كفاية الأخيار 1: 59، المغني 1: 500، الشرح الكبير 1: 527.

[ 31 ]

على اجتهاده الأول، لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد (1). وهو غلط، لأنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة فلا يجوز العدول عنها، وليس نقضا للاجتهاد بل يعمل في المستقبل كما يعمل في الصلاة الثانية. ولو كان الانحراف كثيرا استأنف. ج - لو تغير اجتهاده في الأثناء ولم يؤده اجتهاده إلى جهة أخرى بنى على ما مضى من صلاته لأنه لم يظهر له جهة أخرى يتوجه إليها. وإن بان له يقين الخطأ في الصلاة ولم يعلم غيرها فإن كان الوقت متسعا استأنف الاجتهاد وإلا استمر على حاله، وإن شك في اجتهاده لم يزل عن جهته لأن الاجتهاد ظاهر فلا يزول عنه بالشك. د - لو صلى باجتهاده فعمي في الأثناء استمر، لأن اجتهاده أولى من اجتهاد غيره، فإن استدار استدرك إن تمكن وإلا أبطلها وبحث أو قلد. وإن شرع فيها وهو أعمى فأبصر في أثنائها فإن ظهر له الصحة أو خفي الأمران استمر، لأنه دخل دخولا مشروعا. وقال بعض الجمهور: تبطل مع الخفاء لأن فرضه الاجتهاد (2). ولو ظهر البطلان استدار إن كان يسيرا وإلا استأنف. ه‍ - لا فرق بين المسافر والحاضر. وقال أحمد: لو ظهر للحاضر الخطأ في اجتهاده استأنف سواء صلى بدليل أو غيره، لأن الحضر ليس محل الاجتهاد (3).

(1) المغني 1: 501، الشرح الكبير 1: 527، كشاف القناع 1: 310 - 311.
(2) المجموع 3: 229، المغني 1: 511 - 512، الشرح الكبير 1: 525.
(3) المغني 1: 522، الشرح الكبير 1: 525، المحرر في الفقيه 1: 52، كشاف القناع 1: 311.

[ 32 ]

وقال في الأعمى: إذا كان في حضر فكالبصير لأنه يقدر على الاستدلال بالخبر، والمحاريب فإنه إذا لمس المحراب وعلم أنه محراب وأنه متوجه إليه فهو كالبصير (1). و - لو صلى الأعمى بقول البصير، فقال له آخر: قد أخطأ بك فإن كان الثاني أعدل انحرف، وإن انعكس، أو تساويا استمر، ولو أخبره بالخطأ متيقن استدار إن كان بين المشرق والمغرب وإلا استأنف. مسألة 149: الأعمى يجب عليه الاستقبال إجماعا إلا داود فإنه قال: يصلي إلى أي جهة شاء لأنه عاجز (2)، وهو خطأ لعموم الأمر، والعجز ينتفي بالسؤال كالعامي أو بالصلاة إلى أربع جهات، ولا يجوز له تقليد الفاسق، وظاهر مذهب الشافعي: الجواز لانتفاء التهمة في مثل هذا (3). والحق خلافه. وله في تقليد الصبي قولان (4)، والوجه: المنع لأنه ليس من أهل التكليف، ويعلم انتفاء الحرج عنه. مسألة 150: من ترك الاستقبال عمدا بطلت صلاته، وأعاد في الوقت وخارجه، بإجماع العلماء لانتفاء شرط الصلاة. ولو صلى ظانا ثم ظهر الخطأ فإن كان بين المشرق والمغرب وهو في الصلاة استدار، ولو تبين بعد فراغه لم يعد إجماعا، لقوله صلى الله عليه وآله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (5).

(1) المغني 1: 523، الشرح الكبير 1: 525، كشاف القناع 1: 311.
(2) حلية العلماء 2: 64.
(3) المجموع 3: 201.
(4) المجموع 3: 200، حلية العلماء 2: 61، فتح العزيز 3: 226.
(5) سنن الترمذي 2: 171 و 173 / 342 و 344، سنن ابن ماجة 1: 323 / 1011، سنن الدار قطني 1: 270 و 271 / 1 و 2.

[ 33 ]

ولو بان أنه صلى إلى المشرق أو المغرب أعاد في الوقت، لأنه أخل بشرط الصلاة مع بقاء وقته، ولو خرج الوقت احتمل مساواته للاستدبار فيعيد، وعدم القضاء لأنه تكليف ثان والأصل عدمه. ولما رواه سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام في الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي إلى غير القبلة، ويصحي فيعلم أنه صلى إلى غير القبلة كيف يصنع؟ قال: " إن كان في وقت فليعد صلاته، وإن مضى الوقت فحسبه اجتهاده " (1). وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يعيد مطلقا. وللشافعي قولان (2) وقد سبق. قال الشيخ: إذا صلى إلى غير القبلة ناسيا، أو لشبهة أعاد إن كان الوقت باقيا، ولو كان قد خرج لم يعد (3). فألحقه بالظان، وفيه إشكال. مسألة 151: قد بينا أن المجتهد ليس له أن يقلد بل يجتهد فإن ضاق الوقت فالأقرب أن له التقليد، ولو فقد من يقلده صلى إلى أي جهة شاء ولا إعادة عليه لأنه امتثل المأمور به، وهو أحد وجوه الشافعي. وله ثان: أنه يصلي كيف اتفق ثم يجتهد ويقضي. وثالث: أنه لا يصلي إلى أن يتم الاجتهاد وإن خرج الوقت (4).

(1) الكافي 3: 285 / 9، التهذيب 2: 47 / 152، الاستبصار 1: 296 / 1091.
(2) اللباب 1: 64، بداية المجتهد 1: 112، المغني 1: 514، الشرح الكبير 1: 526، فتح العزيز 3: 233، السراج الوهاج: 40، المجموع 3: 225، المهذب للشيرازي 1: 75، الوجيز 1: 39.
(3) النهاية: 64.
(4) المجموع 3: 230، فتح العزيز 3: 227 و 228، السراج الوهاج: 40، كفاية الأخيار 1: 59.

[ 34 ]

ولو كان محبوسا أو في ظلمة صلى إلى أربع جهات مع السعة، ومع الضيق إلى أي جهة شاء. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يقلد، وفي القضاء وجهان، والثاني: أنه لا يقلد ويصلي كيف اتفق ويقضي (1). ولو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات ولم يتبين الخطأ فلا قضاء عليه. ولو قال للأعمى: الشمس وراءك وهو عدل وجب قبول قوله لأنه إخبار عن محسوس لا اجتهاد. مسألة 152: تجوز الصلاة في السفينة فرضا ونفلا، والأفضل الشط مع التمكن، فإن صلى فيها وجب القيام، والاستقبال مع المكنة، فإن تعذر القيام والشط صلى جالسا مستقبلا، فإن دارت السفينة فليدر معها ويستقبل القبلة، فإن تعذر استقبل بتكبيرة الافتتاح ثم يصلي كيفما دارت، ويجوز أن يصلي النوافل إلى رأس السفينة إذا تعذر الاستقبال. سئل الصادق عليه السلام عن الصلاة في السفينة فقال: " إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، وإن لم تقدروا فصلوا قياما، فإن لم تستطيعوا فصلوا قعودا وتحروا القبلة " (2) وقال سليمان بن خالد: سألته عن الصلاة في السفينة، فقال: " يصلي قائما فإن لم يستطع القيام فليجلس ويصلي وهو مستقبل القبلة، فإن دارت السفينة فليدر مع القبلة إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر على ذلك فليثبت على مقامه وليتحر القبلة بجهده "، وقال: " يصلي النافلة مستقبل صدر

(1) المجموع 3: 230، كفاية الأخيار 1: 59، السراج الوهاج: 40، المهذب للشيرازي 1: 75. فتح العزيز 3: 228 - 229.
(2) الكافي 3: 441 / 1، التهذيب 3: 170 / 374، الاستبصار 1: 454 / 1761، قرب الاسناد: 11.

[ 35 ]

السفينة وهو مستقبل القبلة إذا كبر ثم لا يضره حيث دارت " (1). وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي مختارا في السفينة قائما أو قاعدا (2). والحق ما ذكرناه، وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد (3).

(1) التهذيب 3: 171 / 377.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 2، بدائع الصنائع 1: 109.
(3) المجموع 3: 242، مغني المحتاج 1: 153، الميزان 1: 138، المبسوط للسرخسي 2: 2، بدائع الصنائع 1: 109.

[ 37 ]

الفصل السادس: في الأذان والإقامة ومباحثه أربعة: الأول: الماهية مسألة 153: الأذان لغة الاعلام، وشرعا الاعلام بأوقات الصلوات بألفاظ مخصوصة: وهو عند أهل البيت عليهم السلام مستفاد من الوحي على لسان جبرئيل عليه السلام تلقينا، لقول الصادق عليه السلام: " لما هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على رسول الله صلى الله عليه وآله كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذن جبرئيل عليه السلام وأقام، فلما انتبه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا علي سمعت؟ قال: نعم، قال: حفظت؟ قال: نعم، قال: أدع بلالا فعلمه فدعا علي عليه السلام بلالا وعلمه " (1). ولأنه أمر مشروع مأمور به من النبي صلى الله عليه وآله وقد قال الله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (2) ولأن الأمور

(1) الكافي 3: 302 / 2، الفقيه 1: 183 / 865، التهذيب 2: 277 / 1099.
(2) النجم: 3 و 4.

[ 38 ]

الشرعية منوطة بالمصالح والفطنة (1) البشرية تعجز عن إدراكها، ولا يعلمها مفصلة إلا الله تعالى فلا خيرة فيها للنبي صلى الله عليه وآله، ولأن ما هو أقل منها ذكرا مستفاد من الوحي فكيف هذا المهم. وأطبق الجمهور على أن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني أبي عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي - وأنا نائم - رجل يحمل ناقوسا في يده، قلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، فقال: تقول: الله أكبر إلى آخر الأذان، ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر إلى آخر الإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته بما رأيت، فقال: (إنها رؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى منك صوتا) فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به (2). وهذا الحديث مدفوع من وجوه: أ - اختلاف الرواية فيه فإن بعضهم روى أن عبد الله بن زيد لما أمره النبي صلى الله عليه وآله بتعليم بلال قال: إئذن لي حتى أؤذن مرة فأكون أول مؤذن في الاسلام، فأذن له فأذن (3).

(1) في نسخة " ش " والفطرة.
(2) سنن أبي داود: 135 / 499، سنن ابن ماجة 1: 232 / 706، سنن الترمذي 1: 395 / 189، سنن الدارمي 1: 268، سنن الدار قطني 1: 245 / 56، سنن البيهقي 1: 390.
(3) أورد نحوه أبو داود في سننه 1: 141 / 512 وانظر الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: 67 - 68.

[ 39 ]

ب - شهادة المرء لنفسه غير مسموعة، وهذا منصب جليل فلا يسمع قوله عن نفسه فيه. ج - كيف يصح أن يأمر النبي صلى الله عليه وآله بالناقوس مع أنه صلى الله عليه وآله نسخ شريعة عيسى. د - كيف أمر بالناقوس ثم رجع عنه؟! إن كان الأمر به مصلحة استحال نسخه قبل فعله وإلا استحال أمره به. ه‍ - إن كان أمره بالناقوس بالوحي لم يكن له تغييره إلا بوحي مثله فإن كان الأذان بوحي فهو المطلوب وإلا لزم الخطأ، وإن لم يكن الأمر بالناقوس بالوحي كان منافيا لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى) * (1). و - كيف يصح استناد هذه العبادة الشريفة العامة البلوى المؤبدة الموضوعة علامة على أشرف العبادات وأهمها إلى منام من يجوز عليه الغلط؟!! والنبي صلى الله عليه وآله لم يلق عليه، ولا على أجلاء الصحابة. ز - أهل البيت عليهم السلام أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، وقد نصوا على أنه بوحي. وقال الباقر عليه السلام: " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فأذن جبرئيل عليه السلام وأقام فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فصف الملائكة والنبيون خلف رسول الله صلى الله عليه وآله " (2). ومثل هذا الذي تعبد به الملائكة وغيرهم يستحيل استناده إلى الاجتهاد الذي تجوزونه على النبي صلى الله عليه وآله.

(1) النجم: 3. (2) الكافي 3: 302 / 1، التهذيب 2: 60 / 210، الاستبصار 1: 305 / 1134.

[ 40 ]

مسألة 154: والأذان من وكيد السنن إجماعا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة يغبطهم الأولون والآخرون: رجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة، ورجل يؤم قوما وهم به راضون، وعبد أدى حق الله وحق مواليه) (1). وقال عليه السلام: (من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة " (3). وقال الصادق عليه السلام: " ثلاثة في الجنة على المسك الاذفر: مؤذن أذن احتسابا، وإمام أم قوما وهم به راضون، ومملوك يطيع الله ويطيع مواليه " (4). وقال الباقر عليه السلام: " من أذن سبع سنين احتسابا جاء يوم القيامة ولا ذنب له " (5). مسألة 155: الامامة أفضل من الأذان وهو أحد قولي الشافعي (6) لأن النبي صلى الله عليه وآله فعل الامامة ولم يشتغل بالأذان والإقامة بل قام بهما غيره، ولا يجوز أن يترك الأفضل لغيره، ولأن الامام يحتاج إلى معرفة أحوال الصلاة

(1) الكافي 3: 307 / 27، عوالي اللآلي 4: 16 / 41، سنن الترمذي 4: 697 / 2566، مسند أحمد 2: 26.
(2) سنن ابن ماجة 1: 241 / 728، مستدرك الحاكم 1: 205.
(3) الفقيه 1: 185 / 881، التهذيب 2: 283 / 1126، ثواب الأعمال: 52 / 1.
(4) التهذيب 2: 283 / 1127.
(5) الفقيه 1: 186 / 883، التهذيب 2: 283 / 1128، ثواب الأعمال: 52 / 1.
(6) المجموع 3: 78 - 79 فتح العزيز 3: 193، المهذب للشيرازي 1: 61، مغني المحتاج 1: 138، كفاية الأخيار 1: 70، السراج الوهاج: 38.

[ 41 ]

والقيام بما تحتاج إليه الامامة، وتحصيل الفضيلة، ولهذا نقل أنه ضامن والمؤذن أمين (1)، والضامن أكثر عملا من الأمين فثوابه أكثر، وفي الآخر: الأذان أفضل (2) لقوله عليه السلام: (الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين) (3) [ وبه ] (4) قال الشيخ (5). والإقامة أفضل من الأذان. ويؤيده: شدة تأكيد الطهارة والاستقبال والقيام وترك الكلام وغير ذلك في الإقامة على الأذان. مسألة 156: وعدد فصول الأذان ثمانية عشر فصلا عند علمائنا: التكبير أربع مرات، وكل من الشهادتين، والدعاء إلى الصلاة، وإلى الفلاح، وإلى خير العمل، والتكبير، والتهليل مرتان مرتان، لأن الصادق عليه السلام حكى الأذان فقال: " الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، حي على خير العمل حي على خير العمل، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله " (6). وقال الباقر عليه السلام: " الأذان والإقامة خمسة وثلاثون حرفا، الأذان ثمانية عشر حرفا. والإقامة سبعة عشر حرفا " (7) وخالف الجمهور في

(1) انظر: الهامش (3) من هذه الصفحة: والتهذيب 2: 282 / 1121. (2) المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 87 - 79، فتح العزيز 3: 193.
(3) سنن أبي داود 1: 143 / 517، سنن الترمذي 1: 402 / 207، مسند أحمد 2: 382، سنن البيهقي 1: 430.
(4) زيادة يقتضيها السياق، والضمير راجع إلى عنوان المسألة.
(5) المبسوط للطوسي 1: 98.
(6) التهذيب 2: 60 / 211، الاستبصار 1: 306 / 1135.
(7) الكافي 3: 302 / 3، التهذيب 2: 59 / 208، الاستبصار 1: 305 / 1132.

[ 42 ]

مواضع: أ - قال مالك، وأبو يوسف: التكبير في أوله مرتان (1) - ووافقنا الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري (2) - لأن عبد الله بن زيد قال له الرجل في المنام: الله أكبر مرتين (3). وهو غلط، لما بينا من أن الأذان بوحي إلهي، وقد روى محمد بن عبد الملك بن أبي مخدورة عن أبيه عن جده قال، قلت: يارسول الله علمني سنة الأذان. فمسح مقدم رأسه، وقال: (تقول: الله أكبر) فذكر أربع مرات (4). ب - منع الجمهور من قول: حي على خير العمل (5)، وأطبقت الامامية على استحبابه لتواتر النقل به عن الأئمة عليهم السلام (6)، والحجة في قولهم.

(1) المدونة الكبرى 1: 57، بلغة السالك 1: 91، بداية المجتهد 1: 105، القوانين الفقهية: 53، المبسوط للسرخسي 1: 129، بدائع الصنائع 1: 147، المجموع 3: 93، فتح العزيز 3: 160، سبل السلام 1: 200.
(2) الأم 1: 84 - 85، المجموع 3: 93، فتح العزيز 3: 160، مختصر المزني: 12، المهذب للشيرازي 1: 62، مغني المحتاج 1: 135، المبسوط للسرخسي 1: 129، بدائع الصنائع 1: 147، اللباب 1: 59، المغني 1: 450، المحرر في الفقه 1: 36، العدة شرح العمدة: 60، بداية المجتهد 1: 105، القوانين الفقهية: 53 - 54.
(3) سنن الدارقطني 1: 241 / 29، وانظر أيضا سنن الترمذي 1: 360 ذيل الحديث 189.
(4) سنن أبي داود 1: 136 / 500، سنن البيهقي 1: 394.
(5) المجموع 3: 98، المغني 1: 450، المحلى 3: 149 / (6) انظر على سبيل المثال: التهذيب 2: 60 / 210، الاستبصار 1: 305 / 133.

[ 43 ]

ج - أطبقت الامامية على استحباب التهليل مرتين في آخر الأذان، وخالف فيه الجمهور كافة واقتصروا على المرة، (1) وهو مدفوع بأمر النبي صلى الله عليه وآله بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، رواه أنس (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام لما وصف الأذان: " لا إله إلا الله لا إله إلا الله " (3) وكذا في حديث الباقر عليه السلام لما وصف أذان جبرئيل لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله (4). مسألة 157: الإقامة عندنا سبعة عشر فضلا كالآذان إلا أنه ينقص التكبير من أولها مرتين والتهليل من آخرها مرة ويزيد: (قد قامت الصلاة) بعد (حي على خير العمل) مرتين - وبه قال أبو حنيفة (5) - لما رواه أبو محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وآله علمه الإقامة سبع عشر كلمة (6)، ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " والإقامة مثنى مثنى " (7).

(1) مختصر المزني: 12، المغني 1: 450، المهذب للشيرازي 1: 63، مغني المحتاج 1: 135، الشرح الصغير 1: 92، المدونة الكبرى 1: 57، العدة شرح العمدة: 61، القوانين الفقهية: 54، المحلى 3: 150.
(2) صحيح البخاري 1: 157، صحيح مسلم 1: 286 / 378، سنن ابن ماجة 1: 241 / 729، سنن الترمذي 1: 369 - 370 / 193، سنن الدارمي 1: 270، سنن أبي داود 1: 141 / 508، سنن النسائي 2: 3.
(3) التهذيب 2: 59 / 209، الاستبصار 1: 305 / 1133.
(4) التهذيب 2: 60 / 210، الاستبصار 1: 305 / 1134.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 129، بدائع الصنائع 1: 148، اللباب 1: 59، المجموع 3: 94، فتح العزيز 3: 158،، المغني 1: 451، بداية المجتهد 1: 110، القوانين الفقهية: 55.
(6) سنن الترمذي 1: 367 / 192، سنن ابن ماجة 1: 235 / 709، سنن النسائي 2: 4، سنن الدارمي 1: 271.
(7) الكافي 3: 303 / 4، التهذيب 2: 62 / 217، الاستبصار 1: 307 / 1141.

[ 44 ]

قال الشافعي: الإقامة أحد عشر كلمة، التكبير مرتان، والشهادتان مرتان، والدعاء إلى الصلاة مرة، والدعاء إلى الفلاح مرة، والإقامة مرتان، والتكبير مرتان، والتهليل مرة. وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (1). قال ابن المنذر: وهو مذهب عروة بن الزبير، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري (2)، لأن أنسا روى أن النبي صلى الله عليه وآله أمر أن يوتر الإقامة (3)، وهو استناد إلى المنام الذي ضعفناه. وللشافعي في القديم: أنها عشر كلمات: فجعل الإقامة مرة. وبه قال مالك، وداود (4) للحديث (5) وقد بينا ضعفه. مسألة 158: قد ورد عندنا استحباب التكبير في آخر الأذان أربع مرات

(1) المغني 1: 451، الشرح الكبير 1: 431 - 432، مسائل أحمد: 27، العدة شرح العمدة: 60، الأم 1: 85، المجموع 3: 92، فتح العزيز 3: 161، المهذب للشيرازي 1: 64، مغني المحتاج 1: 136، بداية المجتهد 1: 110، القوانين الفقهية: 55.
(2) المجموع 3: 94 وفيه: البيهقي بدل ابن المنذر فلاحظ.
(3) صحيح البخاري 1: 157، صحيح مسلم 1: 286 / 378، سنن ابن ماجة 1: 241 / 729، سنن الترمذي 1: 369 - 370 / 193، سنن الدارمي 1: 270، سنن أبي داود 1: 141 / 508، سنن النسائي 2: 3.
(4) المجموع 3: 92 و 94، المهذب للشيرازي 1: 64، فتح العزيز 3، 161 و 162، المدونة الكبرى 1: 58، بداية المجتهد 1: 110، القوانين الفقهية: 55، المغني 1: 452، الشرح الكبير 1: 432، المبسوط للسرخسي 1: 129، بدائع الصنائع 1: 148، نيل الأوطار 2: 21.
(5) صحيح البخاري 1: 157، صحيح مسلم 1: 286 / 378، سنن ابن ماجة 1: 231 / 729، سنن الدارمي 1: 270. سنن الترمذي 1: 369 - 370 / 193، سنن أبي داود 1: 141 / 508، سنن النسائي 2: 3.

[ 45 ]

كأوله، والباقي كما تقدم (1)، وروي أيضا استحباب التكبير في أول الإقامة أربعا، وفي آخرها أربعا، والتهليل في آخرها مرتين (2)، وقال الشيخ: ولو عمل عامل بذلك لم يكن مأثوما، فأما ما روي في شواذ الأخبار من قول: " أن عليا ولي الله، وآل محمد خير البرية " فمما لا يعمل عليه في الأذان فمن عمل به كان مخطئا (3). ويجوز في حال الاستعجال، والسفر إفراد الفصول، جمعا بين فضيلة الأذان وإزالة المشقة عن المسافر والمستعجل، لما رواه أبو عبيدة الحذاء في الصحيح قال: رأيت الباقر عليه السلام يكبر واحدة واحدة في الأذان، فقلت له: لم تكبر واحدة؟ فقال: " لا بأس به إذا كنت مستعجلا " (4). وقال الباقر عليه السلام: " الأذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة، الأذان واحدا واحدا، والإقامة واحدة " (5). تذنيب: تثنية الإقامة أفضل من إفراد الأذان والإقامة، لقول الصادق عليه السلام: " لأن أقيم مثنى مثنى أحب إلي من أن أؤذن وأقيم واحدا واحدا " (6). مسألة 159: يكره الترجيع عند علمائنا - وهو تكرار الشهادتين مرتين في

(1) مصباح المتهجد: 26.
(2) مصباح المتهجد: 26.
(3) النهاية: 69. وقال في المبسوط 1.
(4) التهذيب 2: 62 / 216، الاستبصار 1: 307 / 1140.
(5) التهذيب 2: 62 / 219: الاستبصار 1: 308 / 1143.
(6) التهذيب 2: 62 / 218، الاستبصار 1: 308 / 1142.

[ 46 ]

الأذان، وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي (1). وربما قال أبو حنيفة: إنه بدعة (2). وهو جيد عندي، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الأذان مثنى) (3) ولم يذكر الترجيع عبد الله بن يزيد الذي أسندوا الأذان إليه (4). ومن طريق الخاصة حكاية الباقر والصادق عليهما السلام صفة الأذان ولم يذكرا الترجيع (5). وقال الشافعي، ومالك: باستحبابه (6)، وروى ابن المنذر عن أحمد أنه قال: إن يرجع فلا بأس وإن ترك فلا بأس (7)، حتى أن للشافعي قولين في الاعتداد بالأذان مع تركه (8) لأن أبا محذورة قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله سنة الأذان ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فذكر مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله فذكر مرتين، تخفض بها صوتك، ثم

(1) المغني 1: 450، الشرح الكبير 1: 430، العدة شرح العمدة: 60، المحرر في الفقه 1: 36، المبسوط للسرخسي 1: 128.
(2) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(3) انظر سنن النسائي 2: 3.
(4) سنن أبي داود: 135 / 499، سنن ابن ماجه 1: 232 / 706، سنن الدارمي 1: 268، سنن الترمذي 1: 359 / 189، سنن البيهقي 1: 390، سنن الدارقطني 1: 241 / 29.
(5) التهذيب 2: 60 / 210 و 211 و 61 / 212، الاستبصار 1: 305 / 1133 و 1134.
(6) مختصر المزني: 12، المجموع 3: 91، فتح العزيز 3: 165، مغني المحتاج 1: 136، السراج الوهاج: 37، الميزان 1: 133، بداية المجتهد 1: 105، بلغة السالك 1: 92، المنتقى 1: 135، القوانين الفقهية: 53، المغني 1: 450، الشرح الكبير 1: 430، المبسوط للسرخسي 1: 128.
(7) مسائل أحمد: 27، العدة شرح العمدة: 61، الانصاف 1: 413.
(8) المجموع 3: 91 - 92، فتح العزيز 3: 168.

[ 47 ]

ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله. فذكر مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله. فذكر مرتين (1). وليس حجة، لأن النبي صلى الله عليه وآله فعل به ذلك ليقر بالشهادتين لأنه كان يحكي أذان مؤذن النبي صلى الله عليه وآله مستهزئا فسمع النبي صلى الله عليه وآله صوته فدعاه فأمره بالأذان قال: ولا شئ عندي ولا أنقص من النبي صلى الله عليه وآله ولا مما يأمرني به (2) فقصد النبي صلى الله عليه وآله نطقه بالشهادتين سرا ليسلم بذلك، ولم يوجد هذا في أمر بلال ولا غيره ممن كان ثابت الاسلام. تذنيب: قال الشيخ: لو أراد المؤذن تنبيه غيره جاز له تكرار الشهادتين مرتين (3) لقول الصادق عليه السلام: " لو أن مؤذنا أعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة، أو حي على الفلاح المرتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إماما يريد القوم ليجمعهم لم يكن به بأس " (4). مسألة 160: التثويب عندنا بدعة، وهو قول الصلاة خير من النوم، في شئ من الصلوات - وبه قال الشافعي في الجديد (5) - لأن عبد الله بن زيد لم

(1) صحيح مسلم 1: 287 / 379، سنن أبي داود 1: 136 / 500، سنن النسائي 2: 6، مسند أحمد 3: 408 - 409، سنن البيهقي 1: 393، سنن الدارقطني 1: 233 / 1.
(2) سنن ابن ماجة 1: 234 / 708، مسند أحمد 3: 409، سنن البيهقي 1: 393، سنن الدار قطني 1: 233 / 1.
(3) المبسوط للطوسي 1: 95.
(4) الكافي 3: 308 / 34، التهذيب 2: 63 / 225، الاستبصار 1: 309 / 1149.
(5) الأم 1: 85، المجموع 3: 92، فتح العزيز 3: 169، مختصر المزني: 12، بداية المجتهد 1: 106، بدائع الصنائع 1: 148.

[ 48 ]

يحكه في أذانه (1)، وأهل البيت عليهم السلام لما حكوا أذان الملك لم يذكروه (2). وقال الشافعي في القديم: باستحباب التثويب بعد الحيعلتين في الصبح خاصة. وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (3) لأن أبا محذورة قال: لما علمني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد قوله حي على الفلاح: فإن كانت صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم (4). وهو معارض بإنكار الشافعي - في كتاب استقبال القبلة - للتثويب وقال: إن أبا محذورة لم يحكه (5). قال أبو بكر بن المنذر: هذا القول سهو من الشافعي ونسيان حين سطر هذه المسألة فإنه حكى ذلك في الكتاب العراقي عن أبي محذورة. وعن أبي حنيفة روايات: إحداها كقول الشافعي في القديم (6)، والثانية: أنه يقول بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة حي على

(1) سنن أبي داود 1: 135 / 499، سنن أبي ماجة 1: 232 / 706، سنن الدارمي 1: 268، مسند أحمد 4: 43.
(2) التهذيب 2: 60 / 210.
(3) مختصر المزني: 12، المجموع 3: 92 و 94، فتح العزيز 3: 169، الوجيز 1: 36، المدونة الكبرى 1: 57، المنتقى 11: 135، الشرح الصغير 1: 91، القوانين الفقهية: 54، المغني 1: 453 - 454، الشرح الكبير 1: 433، مسائل أحمد: 27، العدة شرح العمدة: 62: المحرر في الفقه 1: 36.
(4) مسند أحمد 3: 408، سنن أبي داود 1: 136 / 500، سنن النسائي 2: 7، سنن الدارقطني 1: 234 / 3 و 235 / 4.
(5) فتح العزيز 3: 170.
(6) فتح العزيز 3: 172، المبسوط للسرخسي 1: 130، اللباب 1: 59، شرح فتح القدير 1: 212، الهداية للمرغيناني 1: 41.

[ 49 ]

الفلاح (1)، والثالثة: أن الأولى في نفس الأذان، والثانية بعده (2) والرابعة: أنه يقول: الصلاة خير من النوم بين الأذان والإقامة (3)، لأن بلالا كان إذا أذن أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يرحمك الله (4) وأذن بلال يوما، فتأخر خروج رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء إلى باب الحجرة، فقيل: إنه نائم فنادى بلال الصلاة خير من النوم مرتين فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأقره عليه (5). وهذا كله باطل عندنا، لأنه ليس للنبي صلى الله عليه وآله أن يجتهد في الأحكام، بل يأخذها بالوحي لا بالاستحسان فروع: أ - كما أنه لا تثويب في الصبح عندنا فكذا في غيره، وبنفي غيره ذهب أكثر العلماء (6)، لأن ابن عمر دخل مسجدا يصلي فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر فخرج عنه فقيل له: إلى أين تخرج؟ فقال: أخرجتني البدعة (7).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 130 و 131، بدائع الصنائع 1: 148، فتح العزيز 3: 172، المغني 1: 454، الشرح الكبير 1: 433.
(2) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 130، بدائع الصنائع 1: 148، رحمة الأمة 1: 36.
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 234.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 208، سنن ابن ماجة 1: 237 / 716، سنن الدارمي 1: 270، سنن البيهقي 1: 422، المحرر في الحديث 1: 165 ذيل الحديث 178.
(6) منهم: ابنا قدامة في المغني 1: 454، والشرح الكبير 1: 433.
(7) أورده ابنا قدامة في المغني 1: 454، والشرح الكبير 1: 433.

[ 50 ]

وحكى عن الحسن بن صالح بن حي استحبابه في العشاء، لأنه وقت ينام فيه الناس فصار كالغداة (1). وقال النخعي: إنه مستحب في جميع الصلوات، لأن ما يسن في الأذان لصلاة يسن لجميع الصلوات كسائر الألفاظ (2). والأصل في الأول، والعلة في الثاني ممنوعان. ب - لا يستحب أن يقول بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة حي على الفلاح - وبه قال الشافعي (3) - لأن عمر قدم مكة فأتاه أبو محذورة وقد أذن فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين حي على الصلاة، حي على الفلاح فقال: ويحك أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوت ما نأتيك حتى تأتينا (4). وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي أنه سئل عن التسليم عن الأمراء فقال: أول من أحدثه معاوية وأقره عمر بن عبد العزيز (5)، وقال النخعي: إن الناس أحدثوا حي على الصلاة حي على الفلاح وليس بسنة (6)، وقال عليه السلام: (كل محدث بدعة) (7) ج - التثويب: الرجوع، فالمؤذن يقول: حي على الصلاة، ثم عاد بقوله: الصلاة خير من النوم، إلى الدعاء إلى الصلاة، وحي معناه: هلم، ويقرن

(1) المجموع 3: 98، الميزان 1: 133، رحمة الأمة 1: 36، المحلى 3: 161.
(2) المجموع 3: 98، الميزان 1: 133، رحمة الأمة 1: 36.
(3) حكاه الشيخ الطوسي عنه في الخلاف 1: 289 مسألة 33. (4) كنز العمال 8: 340 / 23168.
(5) انظر كتاب الأوائل لأبي هلال العسكري: 164.
(6) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(7) سنن ابن ماجة 1: 18 / 46، سنن النسائي 3: 188 - 189، سنن البيهقي 3: 214.

[ 51 ]

ب‍ (على) و (إلى) معا، والفلاح: البقاء والدوام وهو ثواب الصلاة. مسألة 161: الترتيب شرط في الأذان والإقامة لأنهما أمران شرعيان فيقفان على مورده، ولقول الصادق عليه السلام: " من سهى في الأذان فقدم أو أخر أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره " (1) ولأن الأذان يتميز بترتيبه عن جميع الأذكار فإذا لم يرتبه لم يعلم أنه أذان ولم تحصل الفائدة، وبه قال الشافعي (2). مسألة 162: يكره الكلام خلال الأذان والإقامة لئلا ينقطع توالي ألفاظه، فإن تكلم في الأذان لم يعده، عامدا كان أو ساهيا - وبه قال الشافعي - لأن الكلام لا يقطع الخطبة وهي آكد من الأذان (3)، وحكي عن سليمان بن صرد أنه كان يأمر بحاجته في أذانه وكان له صحبة (4). وللشافعي قول باستحباب إعادة الأذان (5). فروع: أ - لو طال الكلام حتى خرج عن نظام الموالاة أعاد. ب - لو كان الكلام لمصلحة الصلاة لم يكره إجماعا لأنه سائغ في الإقامة ففي الأذان أولى ج - لو سكت طويلا يخرج به في العادة عن الأذان أعاد وإلا فلا لعدم الانفكاك من القليل كالتنفس والاستراحة، وبه قال الشافعي (6)

(1) الكافي 3: 305 / 15، التهذيب 2: 280 / 1115.
(2) المجموع 3: 113، فتح العزيز 3: 183، الوجيز 1: 36، المهذب للشيرازي 1: 65، السراج الوهاج: 37 - 38.
(3) المجموع 3: 113، فتح العزيز 3: 185 - 186، المهذب للشيرازي 1: 65.
(4) فتح الباري 2: 77، المغني 1: 471، الشرح الكبير 1: 440.
(5) المجموع 3: 114: فتح العزيز 3: 185.
(6) المجموع 3: 114، فتح العزيز 3: 185 - 186، الوجيز 1: 36.

[ 52 ]

د - لو أغمي عليه. أو جن، أو نام في خلاله استحب له الاستئناف لخروجه عن التكليف، ولو تمم غيره ثم أفاق جاز البناء عليه قاله الشيخ (1) ه‍ - لو ارتد في أثنائه ثم رجع إلى الاسلام استأنف، وهل يبنى عليه، للشافعي وجهان: المنع - وهو الأقوى عندي - لبطلانه بالردة، والجواز، لأن الردة لاتحبط العمل إلا إذا اتصل بها الموت فصار كاعتراض الجنون والاغماء لو بنى عليه جاز (2). ولو ارتد بعد فراغه من الأذان، قال الشيخ: جاز أن يعتد به، ويقيم غيره، لأنه أذن أذانا مشروعا محكوما بصحته فلا يؤثر فيه الارتداد المتعقب (3). وقال الشافعي: لا يعتد بأذانه (4). و - لو تكلم خلال الإقامة أعادها - وبه قال الزهري (5) - لوقوع الصلاة عقيبها بلا فصل فكان لها حكمها، ولقول الصادق عليه السلام: " لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة " (6). وقال الشافعي: لا يعيد لأنها دعاء إلى الصلاة فلم يقطعها الكلام كالآذان (7)، والفرق ما تقدم

(1) المبسوط للطوسي 1: 96.
(2) المجموع 3: 115، فتح العزيز 3: 187، المهذب للشيرازي 1: 65، الوجيز 1: 36.
(3) المبسوط للطوسي 1: 96.
(4) المجموع 3: 99 و 115، فتح العزيز 3: 186 - 187.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 213، حلية العلماء 2: 38.
(6) التهذيب 2: 55 / 191، الاستبصار 1: 301 / 1112.
(7) الأم 1: 85.

[ 53 ]

ز - الكلام وإن كره في الأذان فإنه في الإقامة آكد، وقال الشيخان، والمرتضى: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة حرم الكلام على الحاضرين إلا بما يتعلق بالصلاة من تقديم إمام، أو تسوية صف (1)، لقول الصادق عليه السلام: " إذا أقام المؤذن الصلاة فقد حرم الكلام إلا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام " (2) وهو محمول على شدة الكراهة، وفي الطريق ضعف. مسألة 163: يستحب ترك الاعراب في أواخر فصول الأذان والإقامة عند علمائنا أجمع - وبه قال أحمد (3) - وحكاه ابن الانباري عن أهل اللغة (4)، لأن إبراهيم النخعي قال: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما، الأذان والإقامة (5). وهذا إشارة إلى جماعتهم. ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدر " (6) ونحوه عن الصادق عليه السلام (7). وقال الباقون: يستحب الاعراب فيهما. مسألة 164: يستحب أن يترسل في أذانه بأن يتمهل فيه مأخوذ من قولهم جاء فلان على رسله أي على هنيئة من غير عجل ولا متعب نفسه، وأن يحدر الإقامة ويدرجها إدراجا مبنيا لألفاظها مع الادراج - ولا نعلم فيه خلافا - لقول

(1) المقنعة: 15، النهاية: 66 - 67، المبسوط للطوسي 1: 99، ونقل المحقق قول المرتضى في المعتبر: 165.
(2) التهذيب 2: 55 / 190، الاستبصار 1: 302 / 1117.
(3) المغني 1: 453، الشرح الكبير 1: 434، الانصاف 1: 414، كشاف القناع 1: 238.
(4) عمدة القاري 5: 108، المغني 1: 453، الانصاف 1: 414.
(5) المغني 1: 453، الشرح الكبير 1: 434، الانصاف 1: 414.
(6) التهذيب 2: 58 / 203.
(7) الفقيه 1: 184 / 871، التهذيب 2: 58 / 204.

[ 54 ]

النبي صلى الله عليه وآله لبلال: (إذا أذنت فرتل، وإذا أقمت فاحدر) (1) (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدر " (3). ولأن القصد من الأذان إعلام الغائبين، والتثبت فيه أبلغ للاعلام، والإقامة لاعلام الحاضرين، وافتتاح الصلاة فلا فائدة للتطويل فيها، ولو أخل بهذه الهيئة أجزأه لأنها مستحبة فيه ولا يخل تركها به. مسألة 165: يستحب رفع الصوت بالأذان، وعليه إجماع العلماء، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يغفر للمؤذن مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس) (4). وقال أبو سعيد الخدري لرجل: إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوتك جن ولا إنس إلا شهد لك يوم القيامة، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا أذنت فلا تخفين صوتك فإن الله يأجرك مد صوتك فيه " (6)، ولأن القصد به الاعلام وهو يكثر برفع الصوت فيكون النفع به أتم.

(1) فاحدر: أي أسرع. لسان العرب 4: 172 مادة حدر.
(2) سنن الترمذي 1: 373 / 195، سنن البيهقي 1: 428.
(3) التهذيب 2: 58 / 203.
(4) المقنعة: 15، سنن أبي داود 1: 142 / 515، سنن النسائي 2: 13، سنن ابن ماجة 1: 240 / 724.
(5) صحيح البخاري 1: 158، سنن النسائي 2: 12، سنن ابن ماجة 1: 239 / 723، الموطأ 1: 69 / 5، مسند أحمد 3: 43.
(6) التهذيب 2: 58 / 205.

[ 55 ]

وقد روي أن رفع الصوت بالأذان في المنزل يزيل العلل والأسقام ويكثر النسل، فإن هشام بن إبراهيم شكى إلى الرضا عليه السلام سقمه وأنه لا يولد له فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله قال: ففعلت، فأذهب الله عني سقمي، وكثر ولدي. قال محمد بن راشد: وكنت دائم العلة ما انفك منها في نفسي وجماعة خدمي فلما سمعت كلام هشام عملت به فأذهب الله عني وعن عيالي العلل (1). ولا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على طاقته لئلا يضر بنفسه وينقطع صوته، فإن أذن لعامة الناس جهر بجميع الأذان، ولا يجهر ببعض، ويخافت ببعض لئلا يفوت مقصود الأذان وهو الاعلام، وإن أذن لنفسه أو لجماعة حاضرين جاز أن يخافت ويجهر، ويخافت ببعض ويجهر ببعض. مسألة 166: يستحب الفصل بين الأذان والإقامة بجلسة، أو سجدة، أو سكتة، أو خطوة، أو صلاة ركعتين في الظهرين إلا المغرب فإنه لا يفصل بينهما إلا بخطوة، أو سكتة أو تسبيحة عند علمائنا - وبه قال أحمد (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لبلال: (إجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته) (3). ومن طريق الخاصة ما رواه سليمان بن جعفر قال: سمعته يقول: " أفرق بين الأذان والإقامة بجلوس أو ركعتين " (4).

(1) الكافي 3: 308 / 33، الفقيه 1: 189 / 903، التهذيب 2: 59 / 207.
(2) المغني 1: 457، الشرح الكبير 1: 444، الانصاف 1: 421.
(3) سنن الترمذي 1: 373 / 195، المستدرك للحاكم 1: 204.
(4) التهذيب 2: 64 / 227.

[ 56 ]

وقال الصادق عليه السلام: " بين كل أذانين قعدة إلا المغرب فإن بينهما نفسا " (1). وقال الصادق عليه السلام أو الكاظم عليه السلام: " يؤذن للظهر على ست ركعات، ويؤذن للعصر على ست ركعات بعد الظهر (2). وروي عن الصادق عليه السلام " من جلس بين أذان المغرب والإقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله " (3) ولأن الأذان للاعلام فيسن الانتظار ليدرك الناس الصلاة. إذا عرفت هذا فقد قال أحمد باستحباب الفصل في المغرب بجلسة خفيفة (4). وحكي عن أبي حنيفة، والشافعي أنه لا يسن في المغرب (5). وسئل الصادق عليه السلام ما الذي يجزي من التسبيح بين الأذان والإقامة، قال: " يقول: الحمد لله " (6). وقد روي أنه يقول إذا جلس بعد الأذان: " اللهم اجعل قلبي بارا، ورزقي دارا، واجعل لي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله قرارا ومستقرا " (7).

(1) التهذيب 2: 64 / 229، الاستبصار: 309 / 1150.
(2) التهذيب 2: 286 / 1144.
(3) التهذيب 2: 65 / 231، الاستبصار 1: 309 / 1151، المحاسن: 50 / 70.
(4) المغني 1: 457، الشرح الكبير 1: 444، المجموع 3: 121.
(5) المجموع 3: 121، المبسوط للسرخسي 1: 139، الهداية للمرغيناني 1: 42، بدائع الصنائع 1: 150، عمدة القارئ 5: 138، المغني 1: 457، الشرح الكبير 1: 444.
(6) التهذيب 2: 280 / 1114.
(7) الكافي 3: 308 / 32، التهذيب 2: 64 / 230.

[ 57 ]

البحث الثاني: المحل مسألة 167: لا يسن الأذان لشئ من النوافل، ولا لشئ من الفرائض - عدا الخمس اليومية - كالعيدين، والكسوف، والأموات، بل يقول المؤذن في الكسوف والعيدين: الصلاة ثلاثا، وكذا في الاستسقاء، وفي الجنازة إشكال ينشأ من العموم، ومن انتفاء الحاجة لحضور المشيعين - وللشافعي وجهان (1) - وعليه إجماع علماء الأمصار، وفعل النبي صلى الله عليه وآله هذه الصلوات من غير أذان (2). ويستحب في الفرائض الخمس اليومية، ويتأكد الاستحباب فيما يجهر فيه بالقراءة، وآكده الغداة، والمغرب، لأن في الجهر دلالة على طلب الاعلام فيها، والتنبيه بالأذان زيادة في المطلوب شرعا، وشدة تأكيده في الصبح والمغرب لعدم التقصير فيهما فلا يقصر مندوباتهما، وليكون افتتاح النهار والليل بذكر الله تعالى. وقال الصادق عليه السلام: " لا تدع الأذان في الصلوات كلها، فإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر، فإنه ليس فيهما تقصير " (3). وقال الباقر عليه السلام: " إن أدنى ما يجزي من الأذان أن يفتتح الليل بأذان وإقامة، ويفتتح النهار بأذن وإقامة، ويجزيك في سائر الصلوات إقامة بغير أذان " (4) مسألة 168: يستحب الأذان والإقامة للفوائت من الخمس كما يستحب

(1) الأم 1: 83، المجموع 3: 77، فتح العزيز 3: 148.
(2) انظر على سبيل المثال: صحيح مسلم 2: 604 / 887.
(3) التهذيب 2: 49 / 161، الاستبصار 1: 299 / 1104 (4) الفقيه 1: 186 / 885.

[ 58 ]

للحاضرة عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة (1) - لقوله صلى الله عليه وآله: (من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته) (2) ولأن ما يسن للصلاة في أدائها يسن في قضائها كسائر الأذكار. وقال الشافعي: يقيم لكل صلاة، وفي الأذان له ثلاثة أقوال، أحدها: لا يستحب الأذان - وبه قال مالك، والأوزاعي، وإسحاق (3) - لرواية أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي (4) من الليل فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها ثم أقام العصر فصلاها (5)، ولأن الأذان وضع للاعلام بدخول الوقت وهو منتف هنا. ويحمل على العذر بالسفر، والخوف، وضيق وقت المغرب حينئذ، مع أنه روي أنه أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر (6)، ونفي المظنة لا يوجب نفي السبب كالمشقة، وينتقض بالإقامة، ونمنع العلية. الثاني: يؤذن للأولى خاصة - وبه قال أحمد، وأبو ثور، وابن المنذر (7) - لأن عمران بن حصين قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه

(1) المبسوط للسرخسي 1: 136، الهداية للمرغيناني 1: 42، شرح فتح القدير 1: 219، اللباب 1: 60، الشرح الكبير 1: 447، المغني 1: 463.
(2) عوالي اللألي 2: 54 / 143 و 3: 107 / 150.
(3) المجموع 3: 84 و 85، الوجيز 1: 36، فتح العزيز 3: 149، المدونة الكبرى 1: 61 - 62. الشرح الصغير 1: 91، المغني 1: 463، الشرح الكبير 1: 446.
(4) الهوي: الساعة الممتدة من الليل. لسان العرب 15: 372 مادة هوا.
(5) سنن النسائي 2: 17، مسند أحمد 3: 49، سنن البيهقي 1: 402.
(6) سنن البيهقي 1: 403.
(7) المجموع 3: 84، فتح العزيز 3: 150، المهذب للشيرازي 1: 62، السراج الوهاج: 37، المغني 1: 463، الشرح الكبير 1: 446.

[ 59 ]

وآله في غزاة أو سرية فلما كان آخر السحر عرسنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا فارتحلنا ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس ونزلنا فقضى القوم حوائجهم، وأمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلى الغداة (1). ولا حجة فيه. الثالث: إن كان يرجو اجتماع الناس أذن (2) لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يؤذن بعرفات للعصر، ولا بمزدلفة للعشاء (3) لاجتماع الناس. ولا حجة فيه لسقوطه هناك للاشتغال بالعبادة. فروع: أ - الأذان وإن استحب لكنه في الأداء أفضل إجماعا. ب - يجزيه مع التعدد الأذان لأول ورده، ثم الإقامة للبواقي، وإن اقتصر على الإقامة في الجميع أجزأه. ج - إذا جمع بين صلاتين أذن للأولى منهما وأقام، ويقيم للثانية خاصة سواء كان في وقت الأولى أو الثانية وفي أي موضع كان، لأن الصادق عليه السلام روى عن أبيه عن جابر: " أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد وإقامتين " (4). وقال أبو حنيفة: لا يقيم ولا يؤذن للعشاء بمزدلفة (5) لأن ابن عمر صلى

(1) مسند أحمد 4: 441، سنن الدارقطني 1: 385 / 11.
(2) المجموع 3: 84، فتح العزيز 3: 150، المهذب للشيرازي 1: 62، المغني 1: 463، الشرح الكبير 1: 447.
(3) سنن النسائي 2: 15 و 16، سنن ابن ماجة 2: 1005 / 3021.
(4) سنن النسائي 2: 16.
(5) المبسوط للسرخسي 4: 19، الهداية للمرغيناني 1: 145، عمدة القارئ 10: 12 فتح العزيز 3: 156، الموطأ برواية الشيباني: 165 ذيل الحديث 490.

[ 60 ]

المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بمزدلفة بإقامة واحدة، وقال: صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك (1). وعمله ليس حجة. ونقل ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جمع بينهما بمزدلفة كل واحدة بإقامة (2). وقال الشافعي: إن جمع في وقت الأولى فكقولنا، وإن جمع في وقت الثانية فالأقاويل الثلاثة السابقة له (3). د - يسقط الأذان الثاني يوم الجمعة، لأن الجمعة يجمع صلاتاها ويسقط ما بينهما من النوافل، ولقول الباقر عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهرين بأذان وإقامتين، وبين المغرب والعشاء بأذان وإقامتين " (4). وكذا يسقط لو جمع بين الظهرين بعرفة، والعشاءين بمزدلفة، لقول الصادق عليه السلام: " السنة في الأذان يوم عرفة أن يؤذن ويقيم للظهر ثم يصلي، ثم يقوم فيقيم للعصر بغير أذان " (5)، ولأن الأذان للاعلام بدخول الوقت فإذا صلى في وقت الأولى أذن لوقتها ثم أقام للأخرى لأنه لم يدخل وقت يحتاج إلى الاعلام به، وإن جمع في وقت الثانية أذن لوقت الثانية وصلى الأولى لترتب الثانية عليها، ثم لا يعاد الأذان للثانية. مسألة 169: ويستحب الأذان لصلاة المنفرد كالجامع وإن تأكد فيه، سواء كان مسافرا أو حاضرا، وبه قال الشافعي في المسافر، وله في الحاضر

(1) سنن أبي داود 2: 192 / 1929 و 1932، سنن النسائي 2: 16.
(2) صحيح البخاري 2: 201.
(3) الأم 1: 86، المجموع 3: 86، فتح العزيز 3: 155.
(4) التهذيب 3: 18 / 66.
(5) التهذيب 2: 282 / 1122.

[ 61 ]

قولان، أحدهما: الاكتفاء بأذان المصر (1) لقوله عليه السلام: (إذا كان أحدكم في أرض فلاة ودخل عليه وقت الصلاة فإن صلى بغير أذان وإقامة صلى وحده، وإن صلى بإقامة صلى معه ملكاه، وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أو لهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام لمحمد بن مسلم: " إنك إذا أذنت وأقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، وإن أقمت بغير أذان صلى خلفك صف واحد " (3). ويدل على الرجحان في الجماعة قول الصادق عليه السلام وقد سأله الحلبي عن الرجل هل يجزئه في السفر والحضر إقامة ليس معها أذان؟ قال: " نعم لا بأس به " (4) وقال عليه السلام لعبد الله بن سنان: " يجزيك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان " (5) فروع: أ - المنفرد يقيم، وهو أحد قولي الشافعي، لأن الإقامة للحاضرين والآخر: لا يقيم كما لا يؤذن (6). ب - يستحب رفع الصوت به للمنفرد، وهو أصح وجهي الشافعي (7)، لقوله عليه السلام: (لا تسمع صوتك شجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيمة) (8).

(1) المجموع 3: 82 و 85، فتح العزيز 3: 142.
(2) فتح العزيز 3: 145. وانظر التلخيص الحبير 3: 145 وقال: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أره.
(3) التهذيب 2: 52 / 174.
(4) التهذيب 2: 52 / 171.
(5) التهذيب 2: 50 / 166. (6) المجموع 3: 85، فتح العزيز 3: 142.
(7) الأم 1: 87، المجموع 3: 85، فتح العزيز 3: 142 و 143.
(8) صحيح البخاري 1: 158، سنن ابن ماجة 1: 239 / 723، الموطأ 1: 69 / 5.

[ 62 ]

ج - لا فرق بين السفر والحضر، لقول الصادق عليه السلام: " إذا أذنت في أرض فلاة وأقمت صلى خلفك صفان من الملائكة، وإن أقمت قبل أن تؤذن صلى خلفك صف واحد " (1). مسألة 170: يسقط الأذان والإقامة في الجماعة الثانية إذا لم تتفرق الجماعة الأولى عن المسجد، وهو أحد قولي الشافعي (2)، لأنهم مدعوون بالأذان الأول فإذا أجابوا كانوا كالحاضرين في المرة الأولى، ومع التفرق تصبر كالمستأنفة. ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل قلت: الرجل يدخل المسجد وقد صلى القوم أيؤذن ويقيم؟ قال: " إن كان دخل ولم يتفرق الصف صلى بأذانهم وإقامتهم، فإن كان الصف تفرق أذن وأقام " (3). وفي الآخر " يستحب مطلقا - وبه قال أبو حنيفة (4) - كما في الأولى، لكن لا يرفع الصوت دفعا للالتباس، وقال الحسن البصري، والنخعي، والشعبي: الأفضل لهم الإقامة (5) وأطلقوا، وقال أحمد: إن شاؤا أذنوا وأقاموا، وإن شاؤا صلوا من غير أذان ولا إقامة (6) وأطلق. مسألة 171: ويستحب في صلاة جماعة النساء أن تؤذن إحداهن وتقيم

(1) التهذيب 2: 52 / 173.
(2) المجموع 3: 85، فتح العزيز 3: 146.
(3) التهذيب 2: 281 / 1120.
(4) فتح العزيز 3: 146، الجامع الصغير للشيباني: 86.
(5) المغني 1: 467، الشرح الكبير 1: 447.
(6) المغني 1: 467، الشرح الكبير 1: 447.

[ 63 ]

لكن لا تسمع الرجال عند علمائنا - وهو أحد أقوال الشافعي (1) -، لأن عائشة كانت تؤذن وتقيم (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن المرأة تؤذن: " حسن إن فعلت " (3) ولأنه ذكر في جماعة فاستحب كما في الرجال. والثاني: لا يستحبان، لأن الأذان للاعلام، وإنما يحصل برفع الصوت (4). والثالث: وهو الأصح عندهم، استحباب الإقامة خاصة، لأنها لاستفتاح الصلاة وانتهاض الحاضرين، وبه قال جابر، وعطاء، ومجاهد، والأوزاعي (5)، وقال أحمد: إن أذن فلا بأس (6). فروع: أ - الاستحباب في حق الرجال آكد. ب - يجزيها التكبير والشهادتان، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن المرأة تؤذن للصلاة: " حسن إن فعلت، وإن لم تفعل أجزأها أن تكبر، وأن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " (7) وسأل جميل بن دراج

(1) المجموع 3: 100، الوجيز 1: 35، فتح العزيز 3: 147، مغني المحتاج 1: 135، المغني 1: 467، الشرح الكبير 1: 424، المحلى 3: 129.
(2) سنن البيهقي 1: 408.
(3) التهذيب 2: 58 / 202. (4) المجموع 3: 100، الوجيز 1: 35، فتح العزيز 3: 147، مغني المحتاج 1: 135.
(5) المجموع 3: 100، الوجيز 1: 35، فتح العزيز 3: 146، السراج الوهاج: 37، مغني المحتاج 1: 135، المغني 1: 467، الشرح الكبير 1: 424.
(6) المغني 1: 467، الشرح الكبير 1: 424.
(7) التهذيب 2: 58 / 202.

[ 64 ]

الصادق عليه السلام عن المرأة أعليها أذان وإقامة؟ فقال: " لا " (1). ج - لو أذنت للرجال لم يعتدوا به، لأنه عورة فالجهر منهي عنه، والنهي يدل على الفساد - وبه قال الشافعي - لأن المرأة كما لم يجز أن تكون إماما لم يجز أن تؤذن للرجال (2). وقال الشيخ في المبسوط: يعتدون به ويقيمون (3) وليس بجيد، نعم، لو كانوا أقارب يجوز لهم سماع صوتهن، فالوجه ما قاله الشيخ، ونمنع الملازمة بين الأذان والامامة. د - الخنثى المشكل لا يؤذن للرجال لاحتمال أن يكون امرأة. مسألة 172: إذا سمع الامام أذان منفرد جاز أن يستغني به عن أذان الجماعة، لأن أبا مريم الأنصاري قال: صلى بنا أبو جعفر الباقر عليه السلام في قميص بغير إزار، ولا رداء، ولا أذان، ولا إقامة فلما انصرف قلت له: صليت بنا في قميص بلا إزار، ولا رداء، ولا أذان، ولا إقامة، فقال: " قميصي كثيف فهو يجزي أن لا يكون علي إزار ولا رداء، وإني مررت بجعفر وهو يؤذن ويقيم فأجزأني ذلك " (4). أما لو أذن بنية الانفراد ثم أراد أن يصلي جماعة استحب له الاستئناف، لأن الصادق عليه السلام سئل عن رجل يؤذن ويقيم ليصلي وحده، فيجئ رجل آخر فيقول له " نصلي جماعة. هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان والإقامة؟ قال: " لا ولكن يؤذن ويقيم " (5).

(1) الكافي 3: 305 / 18، التهذيب 2: 57 / 200.
(2) الأم 1: 84، المجموع 3: 100، المهذب للشيرازي 1: 64.
(3) المبسوط للطوسي 1: 97.
(4) التهذيب 2: 280 / 1113.
(5) الكافي 3: 304 / 13، الفقيه 1: 258 / 1168، التهذيب 3: 282 / 834.

[ 65 ]

البحث الثالث: في المؤذن مسألة 173: يشترط في المؤذن العقل بإجماع العلماء لعدم الاعتداد بعبارة المجنون، والاسلام بالاجماع، ولقوله عليه السلام: (الامام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) (1) والكافر لا يصح الاستغفار له. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا يجوز أن يؤذن إلا رجل مسلم عارف " (2). والذكورة أيضا شرط في حق الرجال وقد سلف، أما البلوغ فلا يشترط مع التمييز عند علمائنا أجمع، وبه قال عطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية (3)، لأن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام ولم أحتلم، وأنس ابن مالك شاهد ولم ينكر (4). ومن طريق الخاصة قول علي عليه السلام: " لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم " (5) ولأنه ذكر تصح صلاته فاعتد بأذانه كالبالغ. وقال أحمد في الأخرى: لا يعتد به، لأنه وضع للاعلام فلا يصح منه لأنه لا يقبل خبره ولا روايته، والأذان أخف من الرواية والخبر (6). وقال داود: لا يعتبر إذا أذن للرجال (7)، أما غير المميز فلا عبرة بأذانه إجماعا.

(1) سنن أبي داود 1: 143 / 517، سنن الترمذي 1: 402 / 207، مسند أحمد 2: 232.
(2) الكافي 3: 304 / 13، التهذيب 2: 277 / 1101.
(3) الوجيز 1: 36، المبسوط للسرخسي 1: 138، شرح فتح القدير 1: 216، المغني 1: 459، الشرح الكبير 1: 448.
(4) المغني 1: 459، الشرح الكبير 1: 448.
(5) الفقيه 1: 188 / 896، التهذيب 2: 53 / 181.
(6) المغني 1: 459، الشرح الكبير 1: 449.
(7) انظر المجموع 3: 100 وفيه: أنه لا يعتبر مطلقا.

[ 66 ]

مسألة 174: ويعتد بأذان العبد إجماعا لأن الألفاظ الدالة على الحث على الأذان عامة تتناول العبد كما تتناول الحر، ولأنه يصح أن يكون إماما فجاز أن يؤذن، والأقرب: اشتراط إذن مولاه، إذ له منعه من العبادات المندوبة، والأذان مندوب. والمدبر، وأم الولد كالقن، أما المكاتب فيحتمل مشاركته، إذ ليس له التصرف في نفسه إلا بالاكتساب، والجواز لانقطاع ولاية المولى عنه. مسألة 175: ويستحب أن يكون عدلا بالاجماع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يؤذن لكم خياركم) (1) ولأنه مخبر عن الوقت فيكون عدلا ليقبل إخباره، ولأنه لا يؤمن من اطلاعه على العورات، ويعتد بأذان مستور الحال إجماعا لعدم العلم بفسقه. وهل يعتد بأذان الفاسق؟ قال به علماؤنا، والشافعي، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وأحمد في رواية، لأنه ذكر بالغ فاعتد بأذانه كالعدل، وفي الأخرى: لا يعتد به لأنه شرع للاعلام ولا يحصل بقوله، وشرع الاعلام لا يقتضيه بل يقتضي النظر في الدخول وعدمه (2). وهل يصح أذان السكران؟ الأقرب نعم إن كان محصلا - وبه قال الشافعي (3) - أما لو كان مخبطا فالوجه عدم صحته كالمجنون، وللشافعي وجهان (4). وأما الملحن فلا يصح أذانه، لأنه معصية فلا يكون مأمورا به فلا يكون مجزيا عن المشروع، وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذن يطرب، فقال

(1) سنن أبي داود 1: 161 / 590، سنن ابن ماجة 1: 240 / 726.
(2) المجموع 3: 101، مغني المحتاج 1: 138، المغني 1: 459، الشرح الكبير 1: 449.
(3) المجموع 3: 100، فتح العزيز 3: 189، حاشية إعانة الطالبين 1: 231.
(4) المجموع 3: 100، فتح العزيز 3: 189.

[ 67 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الأذان سهل سمح، فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن) (1) وعن أحمد روايتان، إحداهما: الجواز، لحصول المقصود منه فكان كغير الملحن (2) والفرق ظهار للنهي عن الأول. مسألة 176: يستحب أن يكون بصيرا إجماعا فإن الأعمى لا يعرف الوقت فإن أذن صح فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله، وكان يؤذن بعد بلال (3)، فتزول الكراهة إن تقدمه أذان بصير، أو كان معه بصير عارف بالوقت. وينبغي أن يكون المؤذن بصيرا بالأوقات لئلا يغلط فيقدم الأذان على وقته أو يؤخره فإن أذن الجاهل صح كالأعمى إذا سدده غيره. ويستحب أن يكون صيتا لعموم النفع به، فإن النبي صلى الله عليه وآله قال لعبد الله بن زيد: (ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا) (4) أي أرفع، ويستحب أن يكون حسن الصوت لأنه أرق لسماعه. مسألة 177: يستحب أن يكون متطهرا إجماعا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (حق وسنة أن لا يؤذن واحد إلا وهو طاهر) (5) ولأنه يستحب أن يصلي عقيب الأذان ركعتين. فإن أذن جنبا أو محدثا أجزأه - وبه قال أكثر العلماء (6) - لأن قوله عليه

(1) سنن الدار قطني 1: 239 / 11.
(2) المغني 1: 459، الشرح الكبير 1: 449، كشاف القناع 1: 245، زاد المستقنع: 10.
(3) صحيح مسلم 1: 287 / 381، سنن أبي داود 1: 147 / 535.
(4) سنن ابن ماجة 1: 232 / 706، سنن الدارمي 1: 269، سنن أبي داود 1: 135 / 499، سنن البيهقي 1: 391.
(5) سنن البيهقي 1: 397.
(6) المغني 1: 458 - 459، الشرح الكبير 1: 436.

[ 68 ]

السلام: (حق وسنة) (1) يعطي الندب. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن تؤذن وأنت على غير طهور، ولا تقيم إلا وأنت على وضوء " (2). وعن علي عليه السلام: " ولا بأس أن يؤذن المؤذن وهو جنب، ولا يقيم حتى يغتسل " (3). وقال أحمد، وإسحاق بن راهويه: لا يعتد بأذان غير المتطهر، لأنه ذكر يتقدم الصلاة فافتقر إلى الطهارة كالخطبة (4). ونمنع الأصل، ويفرق بوجوبها وإقامتها مقام الركعتين. إذا ثبت هذا فإذا أذن الجنب لم يقف في المسجد فإن أذن فيه مقيما فالوجه عدم الاعتداد به للنهي، واستحباب الطهارة من الجنابة آكد من الحدث. فروع: أ - لو أحدث في حال (5) الأذان تطهر وبنى. ب - الطهارة في الإقامة أشد لأنها أقرب إلى الصلاة، والإقامة مع الجنابة أشد كراهة من الحدث، وليست شرطا فيها - وبه قال الشافعي (6) - لأن الأصل الجواز.

(1) سنن البيهقي 1: 392 و 397.
(2) التهذيب 2: 53 / 179.
(3) الفقيه 1: 188 / 896، التهذيب 2: 53 / 181.
(4) المغني 1: 458 - 459، الشرح الكبير 1: 436، المجموع 3: 105.
(5) في نسخة (م): خلال.
(6) المجموع 3: 104، فتح العزيز 3: 191، مغني المحتاج 1: 138.

[ 69 ]

وقال المرتضى: الطهارة شرط في الإقامة (1) لقول الصادق عليه السلام: " ولا تقيم إلا وأنت على وضوء " (2). ج - لو أحدث في خلال الإقامة استحب له استئنافها. مسألة 178: يستحب أن يكون مستقبل القبلة حال الأذان بإجماع العلماء لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يستقبلون القبلة (3)، وقال عليه السلام: (خير المجالس ما استقبل به القبلة) (4) فإن أذن غير مستقبل جاز إجماعا لحصول المقصود. فروع: أ - الاستقبال في الإقامة أشد، وأوجبه المرتضى (5)، وهو ممنوع للأصل. ب - يكره الالتفات به يمينا وشمالا سواء كان في المأذنة أو على الأرض - عند علمائنا - في شئ من فصوله - وبه قال ابن سيرين (6) - لأنه ذكر مشروع يتقدم الصلاة فلا يستحب فيه الالتفات كالخطبة، ولمنافاته الاستقبال. وقال الشافعي: يستحب للمؤذن أن يلتوي في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، برأسه وعنقه، ولا يدير بدنه سواء كان في

(1) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 30.
(2) التهذيب 2: 53 / 179.
(3) المغني 1: 472، كشاف القناع 1: 239.
(4) الغايات: 87 والكامل لابن عدي 2: 785، كنز العمال 9: 139 / 25401 و 140 / 25403.
(5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 30.
(6) المجموع 3: 107.

[ 70 ]

المأذنة أو لا (1)، لأن بلالا أذن ولوى عنقه يمينا وشمالا عند الحيعلتين (2). وفعله ليس حجة. وقال أحمد: إن كان على المنارة فعل ذلك وإلا فلا (3). وقال أبو حنيفة: إن كان فوق المنارة استدار بجميع بدنه، وإن كان على الأرض لوى عنقه، لأن بلالا دار في المأذنة (4). وفعله ليس حجة. ج - يستحب أن يضع إصبعيه في أذنيه حالة الأذان - وبه قال الشافعي (5) - لأن بلالا وضع يديه في أذنيه (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " السنة أن تضع إصبعيك في أذنيك في الأذان " (7). وقال أحمد: يستحب أن يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه (8). مسألة 179: ويستحب أن يكون قائما إجماعا، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا بلال قم فناد بالصلاة) (9). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " لا يؤذن جالسا إلا راكب

(1) المجموع 3: 107، الوجيز 1: 36، فتح العزيز 3: 175، مغني المحتاج 1: 136، المهذب للشيرازي 1: 64.
(2) سنن أبي داود 1: 144 / 520، سنن البيهقي 1: 395.
(3) المغني 1: 473، كشاف القناع 1: 240، الانصاف 1: 416، المحرر في الفقه 1: 38.
(4) شرح فتح القدير 1: 213، بدائع الصنائع 1: 149، اللباب 1: 60، حلية العلماء 2: 38.
(5) المجموع 3: 108، فتح العزيز 3: 192، مغني المحتاج 1: 137، المهذب للشيرازي 1: 64.
(6) سنن ابن ماجة 1: 236 / 711، سنن الترمذي 1: 375 / 197، مسند أحمد 4: 308.
(7) الفقيه 1: 184 / 873، التهذب 2: 284 / 1135.
(8) المغني 1: 468، الشرح الكبير 1: 438، الانصاف 1: 417، النكت والفوائد السنية 1: 38.
(9) صحيح مسلم 1: 285 / 377، سنن النسائي 2: 3، سنن الترمذي 1: 363 / 190.

[ 71 ]

أو مريض " (1) ولأنه أبلغ لصوته. وأن يكون على مرتفع إجماعا، لأنه أبلغ لصوته، ولقول الصادق عليه السلام: " كان طول حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قامة فكان عليه السلام يقول لبلال إذا دخل الوقت: يا بلال اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالأذان فإن الله تعالى قد وكل بالأذان ريحا ترفعه إلى السماء، فإن الملائكة إذا سمعوا الأذان من أهل الأرض قالوا: هذه أصوات أمة محمد صلى الله عليه وآله بتوحيد الله عزوجل، ويستغفرون لامة محمد صلى الله عليه وآله حتى يفرغوا من تلك الصلاة " (2). قال الشيخ: يكره الأذان في الصومعة (3). وسأل علي بن جعفر أخاه موسى عليه السلام عن الأذان في المنارة أسنة هو؟ فقال: " إنما كان يؤذن النبي صلى الله عليه وآله في الأرض ولم يكن يومئذ منارة " (4). فروع: أ - يجوز أن يؤذن جالسا إجماعا، لأن الأذان غير واجب فلا تجب هيئته، ولقول محمد بن مسلم قلت: يؤذن الرجل وهو قاعد؟ قال: " نعم " (5). ب - القيام في الإقامة أشد استحبابا، لقول العبد الصالح عليه السلام: " ولا يقيم إلا وهو قائم " (6). ج - يجوز أن يؤذن راكبا وماشيا، وتركه أفضل، ويتأكد في الإقامة

(1) التهذيب 2: 57 / 199، الاستبصار 1: 302 / 1120.
(2) الكافي 3: 307 / 31، التهذيب 2: 58 / 206، المحاسن: 48 / 67.
(3) المبسوط للطوسي 1: 96.
(4) التهذيب 2: 284 / 1134.
(5) التهذيب 2: 56 / 194، الاستبصار 1: 302 / 1118.
(6) التهذيب 2: 56 / 195، الاستبصار 1: 302 / 1119.

[ 72 ]

لقول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن يؤذن راكبا، أو ماشيا، أو على غير وضوء ولا تقيم وأنت راكب، أو جالس إلا من علة، أو تكون في أرض ملصة " (1). د - يستحب له أن يستقبل القبلة حال تشهده، لقول أحدهما عليهما السلام وقد سئل عن الرجل يؤذن وهو يمشي وعلى ظهر دابته وعلى غير طهور فقال: " نعم إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس " (2) ه‍ - لا بأس أن يقيم وهو ماش إلى الصلاة، لأن الصادق عليه السلام سئل أؤذن وأنا راكب؟ فقال: " نعم " قلت: فأقيم وأنا راكب؟ فقال: " لا " فقلت: فأقيم وأنا ماش؟ فقال: " نعم ماش إلى الصلاة " قال: ثم قال لي: " إذا أقمت فأقم مترسلا فإنك في الصلاة " فقلت له: قد سألتك أقيم وأنا ماش فقلت لي: نعم، أفيجوز أن أمشي في الصلاة؟ قال: " نعم إذا دخلت من باب المسجد فكبرت وأنت مع إمام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك " (3). مسألة 180: لا يختص الأذان بقبيل بل يستحب لمن جمع الصفات عند علمائنا لتواتر الأخبار على الحث عليه مطلقا، فلا يتقيد إلا بدليل. وقال الشافعي: أحب أن يجعل الأذان إلى أولاد المؤذنين في عهد النبي صلى الله عليه وآله كأولاد أبي محذورة، وسعد القرظ، فإن انقرضوا ففي أولاد أحد الصحابة (4). فإن تشاح اثنان (5) في الأذان قال الشيخ: يقرع (6) لقول النبي صلى الله

(1) الفقيه 1: 183 / 868، التهذيب 2: 56 / 192.
(2) الفقيه 1: 185 / 878، التهذيب 2: 56 / 196.
(3) التهذيب 2: 57 / 198.
(4) المجموع 3: 102، المهذب للشيرازي 1: 64.
(5) في " ش " نفسان. بدل اثنان.
(6) المبسوط للطوسي 1: 98.

[ 73 ]

عليه وآله: (لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لفعلوا) (1) فدل على جواز الاستهام فيه. وهذا القول جيد مع فرض التساوي في الصفات المعتبرة في التأذين، وإن لم يتساووا قدم من كان أعلا صوتا، وأبلغ في معرفة الوقت، وأشد محافظة عليه، ومن يرتضيه الجيران، وأعف عن النظر. فروع: أ - يجوز أن يؤذن جماعة في وقت واحد، كل واحد في زاوية عملا باستحباب عموم الأذان، وانتفاء المانع، وظاهر كلام الشافعي ذلك (2)، وفي قول بعض أصحابه: لا يتجاوز أربعة، لأن عثمان اتخذ أربعة مؤذنين (3)، ولا مانع فيه من الزيادة. ب - قال الشيخ في المبسوط: إذا كانوا اثنين جاز أن يؤذنوا في موضع واحد فإنه أذان واحد، فأما إذا أذن واحد بعد الآخر فليس ذلك بمسنون (4) وهو جيد، لما فيه من تأخير الصلاة عن وقتها، نعم لو احتيج إلى ذلك لانتظار الامام، أو كثرة المأمومين فالوجه الجواز. ج - يكره التراسل وهو أن يبني أحدهما على فصول الآخر. د - لا ينبغي أن يسبق المؤذن الراتب بل يؤذن بعده، لأن أبا محذورة، وبلالا لم يسبقهما أحد فيه. ه‍ - يجوز أن يؤذن واحد ويقيم غيره - وبه قال أبو حنيفة، ومالك (5) - لأن

(1) صحيح البخاري 1: 159، صحيح مسلم 1: 325 / 437، سنن النسائي 2: 23، الجامع الصغير 2: 440 / 7502.
(2) المجموع 3: 123، فتح العزيز 3: 199.
(3) المجموع 3: 123، فتح العزيز 3: 199، المهذب للشيرازي 1: 66، نيل الأوطار 2: 35.
(4) المبسوط للطوسي 1: 98.
(5) بدائع الصنائع 1: 151، المنتقى للباجي 1: 138، القوانين الفقهية: 54، الحجة على أهل المدينة 1: 78، المجموع 3: 122، المغني 1: 460، الشرح الكبير 1: 438.

[ 74 ]

بلالا أذن، وأقام عبد الله بن زيد (1). ومن طريق الخاصة ما روي أن الصادق عليه السلام كان يقيم بعد أذان غيره، ويؤذن ويقيم غيره (2). وقال الشافعي، وأحمد، والثوري، والليث، وأبو حنيفة في رواية: يستحب أن يتولاهما الواحد لأنها فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فيسن أن يتولاهما الواحد كالخطبتين (3). والفرق ظاهر. و - يجوز أن يفارق موضع أذانه ثم يقيم عملا بالأصل، ولأن الأذان يستحب في المواضع المرتفعة، والإقامة في موضع الصلاة. وقال أحمد: يستحب أن يقيم موضع أذانه ولم يبلغني فيه شئ (4). وإذا لم يبلغه فيه شئ كيف يصير إلى ما ذهب إليه؟! ز - لا يقيم حتى يأذن له الامام، لأن عليا عليه السلام قال: " المؤذن أملك بالأذان، والامام أملك بالإقامة " (5). ح - قال الشيخ: إذا أذن في مسجد جماعة دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافيا لكل من يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد، ويجوز أن يؤذن ويقيم

(1) سنن أبي داود 1: 142 / 512.
(2) الكافي 3: 306 / 25، التهذيب 2: 281 / 1117.
(3) المجموع 3: 122، المهذب للشيرازي 1: 66، المغني 2: 460، الشرح الكبير 1: 438، بدائع الصنائع 1: 151.
(4) المغني 1: 461، الشرح الكبير 1: 439، الانصاف 1: 418، كشاف القناع 1: 239.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 414.

[ 75 ]

فيما بينه وبين نفسه (1). ط - يكره أذان اللاحن لأنه ربما غير المعنى، فإذا نصب (رسول الله) أخرجه عن الخبرية، ولا يمد (أكبر) لأنه يصير جمع كبر وهو الطبل (2) ولا يسقط الهاء من اسمه تعالى، واسم الصلاة، ولا الحاء من الفلاح، قال عليه السلام: (لا يؤذن لكم من يدغم الهاء) قلنا: وكيف يقول؟ قال: يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله) (3). وإن كان ألثغ غير متفاحش جاز أن يؤذن، فإن بلالا كان يجعل الشين سينا. البحث الرابع: في الأحكام مسألة 181: الأذان والإقامة مستحبان في جميع الفرائض اليومية للمنفرد والجامع على أقوى الأقوال - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (4) - لأن عبد الله بن عمر صلى بغير أذان ولا إقامة (5). ومن طريق الخاصة ما تقدم في حديث الباقر عليه السلام حيث صلى لما سمع مجتازا أذان الصادق عليه السلام (6). ولأن الأصل عدم الوجوب. ولأن النبي صلى الله عليه وآله قال

(1) المبسوط للطوسي 1: 98.
(2) المصباح المنير: 524، مجمع البحرين 3: 469 " كبر ".
(3) حكاه ابن قدامة في المغني 1: 479 عن الدار قطني في الأفراد.
(4) المجموع 3: 82، فتح العزيز 3: 136، المهذب للشيرازي 1: 62، مغني المحتاج 1: 133، بدائع الصنائع 1: 147، اللباب 1: 59، المغني 1: 461، الشرح الكبير 1: 425، بداية المجتهد 1: 107، نيل الأوطار 2: 10.
(5) نسب ذلك إلى عبد الله بن مسعود، انظر مصنف ابن أبي شيبة 1: 220، صحيح مسلم 1: 378 / 534، سنن البيهقي 1: 406، سنن النسائي 2: 49 - 50.
(6) التهذيب 2: 280 / 1113.

[ 76 ]

للاعرابي المسئ في صلاته: (إذا أردت صلاة فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر) (1) ولم يأمره بالأذان. وقال السيد المرتضى، وابن أبي عقيل: بوجوب الأذان والإقامة في الغداة والمغرب (2) لقول الصادق عليه السلام: " لا تصل الغداة والمغرب إلا بأذان وإقامة " (3) وهو محمول على الاستحباب، ومعارض بقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الإقامة بغير أذان في المغرب فقال: " ليس به بأس وما أحب يعتاد " (4). وقال السيد: يجبان فيهما سفرا وحضرا (5). وهو ممنوع، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل هل يجزيه في السفر والحضر إقامة ليس معها أذان؟: " نعم لا بأس به " (6). وقال السيد المرتضى، وابن أبي عقيل: تجب الإقامة على الرجال في جميع الصلوات (7) لقول الصادق عليه السلام: " يجزئك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان " (8) ومفهوم الإجزاء الوجوب. وهو ممنوع فإن الإجزاء كما يأتي في الصحة يأتي في الفضيلة. وقال الشيخان، والمرتضى: يجبان في صلاة الجماعة (9) لقول

(1) سنن البيهقي 2: 372 - 373.
(2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29، وحكى قول ابن أبي عقيل المحقق في المعتبر: 162.
(3) التهذيب 2: 51 / 167، الاستبصار 1: 299 / 1106.
(4) التهذيب 2: 51 / 169، الاستبصار 1، 300 / 1108.
(5) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29.
(6) التهذيب 2: 52 / 171. (7) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29، وحكى قول ابن أبي عقيل المحقق في المعتبر: 162.
(8) التهذيب 2: 50 / 166.
(9) المقنعة: 15، المبسوط للطوسي 1: 95، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 29.

[ 77 ]

أحدهما عليهما السلام: " إن صليت جماعة لم يجزئ إلا أذان وإقامة " (1) وهو محمول على شدة الاستحباب، وللشيخ قول في الخلاف: أنهما مستحبان في الجماعة أيضا، واستدل بأصالة براءة الذمة (2)، وبه قال الشافعي (3)، وهو الحق عندي. وقال أبو سعيد الاصطخري من الشافعية: بأن الأذان من فروض الكفاية، فإن وقع في قرية كفى الواحد، وفي البلد يجب في كل محلة، وإن اتفق أهل بلد على تركه قاتلهم الامام (4). وقال داود بوجوب الأذان والإقامة على الأعيان إلا أنهما ليسا بشرط في الصلاة (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لمالك بن الحويرث ولصاحبه (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما) (6) والأمر للوجوب. وهو ممنوع. وقال أحمد: إنه فرض على الكفاية (7). وقال الأوزاعي: من نسي الأذان أعاد في الوقت (8)، وقال عطاء: من نسي الإقامة أعاد الصلاة (9). مسألة 182: لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت في غير الصبح بإجماع علماء الاسلام، لأنه وضع للاعلام بدخول الوقت فلا يقع قبله.

(1) الكافي 3: 303 / 9، التهذيب 2: 50 / 163، الاستبصار 1: 299 / 1105.
(2) الخلاف 1: 284 مسألة 28.
(3) المجموع 3: 82، المهذب للشيرازي 1: 62، فتح العزيز 3: 135، عمدة القارئ 5: 105.
(4) المجموع 3: 81 - 82، فتح العزيز 3: 139.
(5) المجموع 3: 82، حلية العلماء 2: 31.
(6) سنن النسائي 2: 9، سنن الترمذي 1: 399 / 205، مسند أحمد 3: 436.
(7) المغني 1: 461، الشرح الكبير 1: 424، الانصاف 1: 407، المحرر في الفقه 1: 39، المجموع 3: 82، فتح العزيز 3: 140.
(8) المغني 1: 461، المجموع 3: 82.
(9) المجموع 3: 82، المغني 1: 461، الشرح الكبير 1: 425.

[ 78 ]

أما في صلاة الصبح فيجوز تقديمه رخصة لكن يعاد بعد طلوعه - وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأبو يوسف (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) (2). ومن طريق الخاصة مثل ذلك رواه الصدوق رحمه الله، إلا أنه قال: " إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال " قال: وكان ابن أم مكتوم يؤذن قبل الفجر وبلال بعده، فغيرت العامة النقل (3). وقول الصادق عليه السلام وقد قال له ابن سنان: إن لنا مؤذنا يؤذن بليل: " إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة، وأما السنة فإنه ينادي من طلوع الفجر " (4). ولأن فيه تنبيها للنائمين، ومنعا للصائمين عن التناول، واحتياطهم في الوقت. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لبلال: (لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر) (6)، ولأنها صلاة فلا يقدم أذانها كغيرها من الصلوات. ويحتمل أنه عليه السلام أراد الأذان الثاني، وهذه الصلاة تخالف سائر

(1) المجموع 3: 89، المهذب للشيرازي 1: 62، أقرب المسالك: 13، بلغة السالك 1: 92، بداية المجتهد 1: 107، المغني 1: 455، الشرح الكبير 1: 441، المبسوط للسرخسي 1: 134، بدائع الصنائع 1: 154.
(2) صحيح البخاري 1: 160، سنن الترمذي 1: 394 / 203، مسند أحمد 2: 9 و 57 و 6: 44 و 54.
(3) الفقيه 1: 194 / 905.
(4) التهذيب 2: 53 / 177.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 135، بدائع الصنائع 1: 154، الحجة على أهل المدينة 1: 71، المجموع 3: 89، المغني 1: 455، الشرح الكبير 1: 441، نيل الأوطار 2، 32.
(6) سنن أبي داود 1: 147 / 534، كنز العمال 7: 693 / 20959 و 696 / 20975.

[ 79 ]

الصلوات لدخول وقتها والناس نيام. واستحب علماؤنا إعادته بعد الفجر، لقول الصادق عليه السلام: " وأما السنة فإنه ينادى من طلوع الفجر " (1) ولأن الأول يعلم به قرب الوقت، والثاني دخوله، لئلا يتوهم بذلك طلوع الفجر. فروع أ - لا ينبغي تقديمه بزمان طويل لئلا يفوت المقصود منه وهو الاستعداد للصلاة طلبا لفضيلة أول الوقت، وقد روي أن بين أذان بلال وابن أم مكتوم أن ينزل هذا ويصعد هذا (2). وقال الشافعي: يجوز بعد نصف الليل، وبه قال أحمد (3). ب - لا يشترط أن يكون معه مؤذن آخر بل لو كان المؤذن واحدا استحب له إعادته بعد الفجر، وإن أراد الاقتصار على المرة أذن بعده، وقال أحمد: يشترط كبلال وابن مكتوم (4). وهو اتفاقي. ج - ينبغي أن يجعل المقدم أذانه في وقت واحد ليعلم الناس عادته فيعرفوا الوقت بأذانه. د - لا يكره قبل الفجر في رمضان لأن بلالا كان يفعل ذلك (5) وقال

(1) التهذيب 2: 53 / 177.
(2) مسند الطيالسي: 231 / 1661.
(3) المجموع 3: 88، المهذب للشيرازي 1: 62، مغني المحتاج 1: 139، المغني 1: 457، الشرح الكبير 1: 443، الانصاف 1: 420، المبسوط للسرخسي 1: 134.
(4) المغني 1: 456، الشرح الكبير 1: 443، الانصاف 1: 420.
(5) صحيح البخاري 1: 160، صحيح مسلم 2: 768 / 1092، سنن النسائي 2: 10، سنن الترمذي 1: 392 / 203. مسند الطيالسي: 231 / 1661، مسند أبي عوانه 1: 373، مسند أحمد 2: 9 و 57، سنن البيهقي 1: 427، المحرر في الحديث 1: 169 / 190.

[ 80 ]

عليه السلام: (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال) (1)، وهو يعطي تسويغه. وقال أحمد: يكره في رمضان لئلا يمتنعوا من السحور (2). ه‍ - يستحب أن يؤذن في أول الوقت ليعلم الناس فيتأهبوا للصلاة في أول وقتها بلا خلاف. مسألة 183: لو ترك الأذان والإقامة متعمدا وصلى استمر على حاله ولا يعيد صلاته، وإن كان ناسيا تداركهما ما لم يركع، ويستقبل صلاته استحبابا لا وجوبا - وبه قال المرتضى (3) - لأن النسيان عذر فجاز أن يستدركه قبل الركوع، لأن الركوع يحصل منه أكثر أركان الصلاة فلا تبطل بعده. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن وتقيم ثم ذكرت قبل أن تركع فانصرف فأذن وأقم واستفتح الصلاة، وإن كنت ركعت فأتم صلاتك " (4) وليس هذا بواجب إجماعا. ولما رواه زرارة عن الصادق عليه السلام قلت: الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يكبر قال: " يمضي في صلاته ولا يعيد " (5). وقال الشيخ: إن تركهما متعمدا استأنف ما لم يركع، وإن كان ناسيا استمر (6). وقال ابن أبي عقيل: إن تركه متعمدا واستخفافا فعليه الاعادة (7).

(1) سنن الترمذي 3: 86 / 706، مسند أحمد 5: 13.
(2) المغني 1: 457، الشرح الكبير 1: 443، الانصاف 1: 421.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 161.
(4) التهذيب 2: 278 / 1103، الاستبصار 1: 304 / 1127.
(5) التهذيب 2: 279 / 1106، الاستبصار 1: 302 / 1121.
(6) النهاية: 65.
(7) حكاه المحقق في المعتبر: 162.

[ 81 ]

والأصل صحة الصلاة والمنع من إبطالها، خولف في النسيان لمصلحة الاستدراك، فيبقى في العمد على أصله. مسألة 184: يحرم أخذ الأجرة على الأذان - وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، والأوزاعي (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لعثمان بن أبي العاص: (اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام عن أبيه عن علي عليه السلام قال: " آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي أن قال: يا على إذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك، ولا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا " (3)، ولأنها قربة لنفسه فيحرم فيها الأجرة كالصلاة. وقال المرتضى: يكره، عملا بالأصل (4). وقال الشافعي، ومالك بالجواز، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه (5)، والملازمة ممنوعة. فروع: أ - يجوز أخذ الرزق عليه إجماعا، لحاجة المسلمين إليه وقد لا يوجد متطوع به.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 140، بدائع الصنائع 1: 152، المغني 1: 460، الشرح الكبير 1: 427، المجموع 3: 127، فتح العزيز 3: 198، المحلى 3: 145 - 146، نيل الأوطار 2: 44.
(2) سنن الترمذي 1: 409 / 209، سنن النسائي 2: 23، سنن أبي داود: 146 / 531، سنن ابن ماجة 1: 236 / 714، مسند أحمد 4: 217، مستدرك الحاكم 1: 199.
(3) الفقيه 1: 184 / 870، التهذيب 2: 283 / 1129.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 163.
(5) المجموع 3: 127، فتح العزيز 3: 198، مغني المحتاج 1: 140، المدونة الكبرى 1: 62، بلغة السالك 1: 94، المغني 1: 460، الشرح الكبير 1: 428، المحلى 3: 146، نيل الأوطار 2: 44.

[ 82 ]

ب - يرزقه الامام من بيت المال مع عدم التطوع، ومن خاص الامام، قال الشيخ: ولا يعطيه من الصدقات، ولا من الأخماس، لأن لها أقواما مخصوصين (1). وقال الشافعي: يعطيه من خمس خمس الغنيمة، والفئ، لأنه معد للمصالح. وأما أربعة أخماس الفئ فله قولان: أحدهما: أنه معد للمجاهدين، والثاني: للمصالح (2) وسيأتي. ج - إذا وجد المتطوع الأمين لم يرزق أحدا، ولو وجد الفاسق قال الشافعي: جاز أن يرزق العدل (3). ولا بأس به، ولو احتاج البلد إلى أكثر من مؤذن واحد رزق ما تندفع به الحاجة. مسألة 185: تستحب الحكاية لسامع الأذان إجماعا، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر: " يا محمد بن مسلم لا تدعن ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي الأذان وأنت على الخلاء فأذكر الله عزوجل وقل كما يقول " (5). قال ابن بابويه: وروي أن من سمع الأذان فقال كما يقول المؤذن زيد في رزقه (6).

(1) المبسوط للطوسي 1: 98.
(2) الأم 1: 84، مختصر المزني: 13، المجموع 3: 126، فتح العزيز 3: 196 - 197.
(3) المجموع 3: 126، فتح العزيز 3: 197.
(4) صحيح البخاري 1: 159، صحيح مسلم 1: 288 / 383، سنن الترمذي 1: 407 / 208، سنن أبي داود 1: 144 / 522، سنن ابن ماجة 1: 238 / 720، سنن النسائي 2: 23، الجامع الصغير 1: 106 / 691.
(5) الفقيه 1: 187 / 892.
(6) الفقيه 1: 189 / 904.

[ 83 ]

فروع: أ - لو كان يقرأ القرآن قطعه، وحكى الأذان للعموم، ولأن القراءة لا تفوت، والقول مع المؤذن يفوت، وبه قال الشافعي (1) ب - لو كان مصليا فرضا أو نفلا لم يحك الأذان واشتغل بصلاته - وبه قال الشافعي (2) - لأنه يقطعه عن الاقبال على الصلاة. وقال مالك، والليث: يعيد في النافلة خاصة إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (3). ج - لو حكى في الصلاة قال الشيخ: لا تبطل صلاته، لجواز الدعاء فيها إلا أنه لا يقول: حي على الصلاة، لأنه ليس بتحميد ولا تكبير بل هو كلام الآدميين، فإن قال بدلا من ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله. لم تبطل (4)، وبه قال الشافعي (5). د - لو فرغ من صلاته ولم يحكه فيها كان مخيرا بين الحكاية وعدمها، قال الشيخ: لا مزية لأحدهما من حيث كونه أذانا بل من حيث كونه تسبيحا وتكبيرا (6). وقال الشافعي: يستحب دون استحباب ما يسمعه في غير الصلاة (7).

(1) الأم 1: 88، المجموع 3: 118، فتح العزيز 3: 205.
(2) الأم 1: 88، المجموع 3: 118، فتح العزيز 3: 205، مغني المحتاج 1: 140.
(3) مدونة الكبرى 1: 59 - 60، بلغة السالك 1: 93، المنتقى للباجي 1: 131، المجموع 3: 120.
(4) المبسوط للطوسي 1: 97.
(5) الأم 1: 88، المجموع 3: 118، فتح العزيز 3: 205.
(6) المبسوط للطوسي 1: 97.
(7) انظر المجموع 3: 118 و 120.

[ 84 ]

ه‍ - روي أنه يستحب إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالائمة الطاهرين أئمة. ويصلي على النبي وآله عليهم السلام، ويقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، وارزقني شفاعته يوم القيامة (1). و - قال الصادق عليه السلام: " من قال حين يسمع أذان الصبح: اللهم إني أسألك بإقبال نهارك، وإدبار ليلك، وحضور صلواتك، وأصوات دعاتك أن تتوب علي إنك أنت التواب الرحيم، وقال مثل ذلك حين يسمع أذان المغرب ثم مات من يومه أو ليلته مات تائبا " (2). ز - لو نقص المؤذن استحب له إتمام ما نقصه تحصيلا لكمال السنة، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا نقص المؤذن الأذان وأنت تريد أن تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه " (3). ح - ليس من السنة أن يلتفت الامام بعد الفراغ من الإقامة يمينا وشمالا ولا يقول: استووا يرحمكم الله لعدم دليله. مسألة 186: لو أحدث في الصلاة أعادها ولم يعد الإقامة، لأن الطهارة ليست شرطا فيها فلا تؤثر في إعادتها. أما لو تكلم أعاد الإقامة والصلاة لقول الصادق عليه السلام: " لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة " (4).

(1) المبسوط للطوسي 1: 97.
(2) الفقيه 1: 187 / 890.
(3) التهذيب 2: 280 / 1112.
(4) التهذيب 2: 55 / 191، الاستبصار 1: 301 / 1112.

[ 85 ]

مسألة 187: لو صلى خلف من لا يقتدى به أذن لنفسه وأقام، ولو خاف فوت الصلاة اقتصر على تكبيرتين، وقد قامت الصلاة لأن ذلك أهم فصول الإقامة. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتم بصاحبه فخشي إن هو أذن وأقام أن يركع الامام فليقل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، ألله أكبر، لا إله إلا الله، وليدخل في الصلاة " (1). قال الشيخ: وقد روي أنه يقول ما يتركه من قول حي على خير العمل (2). مسألة 188: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قام المصلون - وبه قال مالك، وأحمد (3) - لأنه وقت المبالغة في الاستدعاء إلى القيام كما في إيجاب البيع، ولأن حفص بن سالم سأل الصادق عليه السلام إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة أيقوم القوم على أرجلهم أو يجلسون حتى يجئ إمامهم؟ قال: " بل يقومون على أرجلهم، فإن جاء إمامهم وإلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم " (4). وقال الشافعي: إذا فرغ المؤذن من الإقامة (5)، وقال أبو حنيفة: إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر (6).

(1) الكافي 3: 306 / 22، التهذيب 2: 281 / 1116.
(2) المبسوط للطوسي 1: 99.
(3) المغني 1: 538، الشرح الكبير 1: 538، المجموع 3: 253.
(4) الفقيه 1: 252 / 1137، التهذيب 2: 285 / 1143.
(5) المجموع 3: 253، مغني المحتاج 1: 252، المغني 1: 538، الشرح الكبير 1: 538.
(6) المجموع 3: 253، المغني 1: 538، الشرح الكبير 1: 538، بداية المجتهد 1: 147.

[ 87 ]

المقصد الثاني: في أفعال الصلاة وتروكها وكل منهما إما واجب أو ندب، ويجب معرفة ذلك كله إما بالدليل، أو التقليد، فلو قلد غير مجتهد في الأحكام لم تصح صلاته. ويجب إيقاع كل من الواجب والندب على وجهه فلو أوقع الواجب على جهة الندب بطلت صلاته لعدم الامتثال. ولو أوقع الندب على جهة الوجوب فإن كان ذكرا فيها بطلت صلاته، إذ المأتي به غير مشروع فيدخل تحت من تكلم في الصلاة عامدا، وليس الجهل عذرا - خلافا للشافعي - لأنه لم يوقعه على وجهه فلا يكون من الصلاة، واحتجاجه بأن السنة تؤدى بنية الفرض - ممنوع. وإن كان فعلا فإن كان كثيرا أبطل الصلاة وإلا فلا. وأنا أسوق إليك إن شاء الله تعالى الأفعال الواجبة، وهي القيام، والنية، وتكبيرة الاحرام، والقراءة، والركوع والسجود، وأذكارهما، والتشهد، وفي التسليم قولان، ثم أعقب بالمندوبة، ثم أتلو ذلك كله بالتروك في فصول:

[ 89 ]

الفصل الأول: الأفعال الواجبة. وفيه مباحث: الأول: في القيام مسألة 189: القيام واجب في الصلاة الواجبة إجماعا، وركن فيها، لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (1) أي مطيعين، لقوله عليه السلام لرافع ابن خديج: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام في المريض: " يصلي قائما، فإن لم يقدر على ذلك صلى جالسا " (3). ولا فرق في وجوبه بين أن يعجز عن الركوع والسجود مع القدرة على

(1) البقرة: 238.
(2) صحيح البخاري 2: 60، سنن أبي داود 1: 250 / 952، سنن الترمذي 2: 208 / 372، سنن ابن ماجة 1: 386 / 1223، مسند أحمد 4: 426، سنن الدار قطني 1: 380 / 3، سنن البيهقي 2: 304 وفي الجميع عن عمران بن الحصين فلاحظ.
(3) الفقيه 1: 235 / 1033، التهذيب 3: 176 / 393.

[ 90 ]

القيام، وبين أن لا يعجز عند علمائنا - وبه قال الشافعي (1) - فيقوم ويومئ للركوع والسجود للآية والأخبار (2)، ولأن القيام ركن فلا يسقط بعجزه عن غيره كالقراءة. وقال أبو حنيفة، وصاحباه: إذا عجز عن الركوع والسجود دون القيام سقط عنه القيام، لأن كل صلاة لا يجب فيها الركوع والسجود ولا يجب فيها القيام (3)، كالنافلة على الراحلة، والنافلة لا يجب فيها شئ من ذلك بخلاف الفريضة. مسألة 190: وحد القيام الاقلال (4) منتصبا مع القدرة فلا يجوز له الاتكاء والاستناد من غير حاجة بحيث لو سل السناد لسقط، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: يكره الاستناد (5). فإن عجز عن الاقلال جاز أن يستند إلى جدار وغيره، وأن يتكئ عليه منتصبا على أي جانبيه شاء - وهو أحد وجهي الشافعي (6) - لوجود المقتضي للقيام، وهو الأمر فلا يسقط بالعجز عن هيئته، ولقول الصادق عليه السلام: " لا تستند إلى جدار وأنت تصلي إلا أن تكون مريضا " (7) وللشافعي قول بسقوط القيام في هذه الحالة (8).

(1) المجموع 3: 263، فتح العزيز 3: 284، مغني المحتاج 1: 154، المغني 1: 814.
(2) إشارة إلى الآية 238 من سورة البقرة، وللأخبار: انظر على سبيل المثال الفقيه 1: 235 / 1033 وصحيح البخاري 2: 60.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 213، اللباب 1: 100، المغني 1: 814.
(4) الاقلال: التحمل والتمكن. انظر النهاية لابن الأثير 4: 103 ومجمع البحرين 5: 453 " قلل ".
(5) المجموع 3: 259، فتح العزيز 3: 284، مغني المحتاج 1: 154.
(6) المجموع 3: 260، فتح العزيز 3: 284، مغني المحتاج 1: 154.
(7) الفقيه 1: 198 / 917، التهذيب 3: 176 / 394.
(8) المجموع 3: 260، فتح العزيز 3: 284، مغني المحتاج 1: 154.

[ 91 ]

ولو عجز عن الانتصاب قام منحنيا، والمعتبر نصب الفقار فلا يضر إطراق الرأس، ولا يجوز له مع القدرة أن ينحني قليلا ولا كثيرا، وهو أظهر وجهي الشافعي، وفي الآخر: يجوز في اليسير (1). تذنيب: يستحب حال قيامه أن يفصل بين رجليه من أربع أصابع إلى شبر، وأن يستقبل بأصابعهما القبلة، وقال بعض علمائنا: يجب (2). وليس بمعتمد للأصل. مسألة 191: القيام ركن مع القدرة، لو أخل به عمدا أو سهوا بطلت صلاته لعدم الامتثال، ويجب مدة القراءة فلو ركع قبل إكمالها مع القدرة بطلت صلاته، ولو عجز عنه مدة القراءة وجب أن يقوم مدة قدرته، لأن القيام يجب في جميع القراءة فالعجز عن البعض لا يسقط الآخر. ولو عجز عن القيام وكان كالراكع خلقة لكبر وغيره، وجب أن يقوم بقدر مكنته، وهو الأظهر من مذهبي الشافعي، وفي الآخر: يقعد لئلا يتأدى القيام بهيئة الركوع (3)، والوقوف على هيئة الراكع أقرب إلى القيام فيجب، فإذا ركع وجب أن ينحني يسيرا ليفرق بين ركوعه وقيامه. ويحتمل السقوط، لأن ذلك واجب الركوع. مسألة 192: ولو عجز عن القيام أصلا صلى قاعدا بإجماع العلماء، وفي حد العجز روايتان، إحداهما: المصير إلى ظنه بانتفاء قدرته على الاقلال والاتكاء لأن جميلا سأل الصادق عليه السلام ما حد المريض الذي يصلي قاعدا؟ قال: " إن الرجل ليوعك ويحرج ولكنه أعلم بنفسه إذا قوي

(1) المجموع 3: 261، فتح العزيز 3: 284، مغني المحتاج 1: 154.
(2) قاله الشيخ في النهاية: 70 وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 142.
(3) المجموع 3: 262، فتح العزيز 3: 284.

[ 92 ]

فليقم " (1) وقال الباقر عليه السلام: " بل الانسان على نفسه بصيرة، ذاك إليه هو أعلم بنفسه " (2). الثانية: العجز عن المشي قدر الصلاة، لأن سليمان بن حفص قال: قال الفقيه عليه السلام: " المريض إنما يصلي قاعدا إذا صار الحال التي لا يقدر فيها على المشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائما " (3) والأولى أولى. ولو عجز عن القيام وقدر على المشي وجب المشي ولا يصلي حينئذ قاعدا. فروع: أ - لو صلى قاعدا لعجزه وتمكن من القيام للركوع وجب، لأنها حالة يجب فيها القيام فلا يسقط مع القدرة. ب - لو صلى قاعدا وعجز عن الركوع والسجود أومأ بهما كما يومي القائم للضرورة، ويدني جبهته من الأرض إلى أقصى ما يقدر عليه، ولو قدر أن يسجد على صدغه وجب لقرب جبهته من الأرض. ج - لو افتقر إلى نصب مخدة وشبهها جاز ولم يجز الايماء، لأنه أتم من الايماء - وجوزه الشافعي، وأبو حنيفة (4) - ولا فرق بين أن يكون على فخذيه، أو على يديه، أو على الأرض. وقال الشافعي: إن وضعها على يديه لم يجزئ لأنه سجد على ما هو حامل له (5). ونمنع بطلان اللازم. مسألة 193: يستحب للقاعد أن يتربع قارئا، ويثني رجليه راكعا، ويتورك

(1) الكافي 3: 410 / 3، التهذيب 2: 169 / 673 و 3: 177 / 400.
(2) التهذيب 3: 177 / 399.
(3) التهذيب 3: 178 / 402.
(4) الأم 1: 81، المجموع 3: 436 و 4: 312، فتح العزيز 3: 468، المهذب للشيرازي 1: 108، المبسوط للسرخسي 1: 218، بدائع الصنائع 1: 108.
(5) الأم 1: 81.

[ 93 ]

متشهدا، لقول أحدهما عليهما السلام: " كان أبي عليه السلام إذا صلى جالسا تربع، فإذا ركع ثنى رجليه " (1). وللشافعي قولان، أحدهما: يتربع حالة القيام ويفترش متشهدا كالقائم - وبه قال مالك، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، والليث (2) - لأن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله يصلي النفل متربعا (3). ولأن هذا الجلوس بدل عن القيام فينبغي أن يخالف هيئته هيئة غيره كمخالفة القيام لغيره، الثاني: أنه يجلس كما يجلس في التشهد (4). وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما كقولنا. والثانية: يجلس كيف شاء لأن القيام سقط تخفيفا فتسقط هيئته (5)، وهو غلط، لأنه سقط ما عجز عنه فلا يسقط غيره. وقال زفر: يجلس مفترشا، لأن ابن مسعود كره التربع (6). وحديث النبي والأئمة عليهم السلام أولى من [ أثر ] (7) ابن مسعود. مسألة 194: لو عجز عن القعود صلى مضطجعا على جانبه الأيمن موميا مستقبل القبلة بمقاديم بدنه كالموضوع في اللحد - وبه قال الشافعي،

(1) الفقيه 1: 238 / 1049، التهذيب 2: 171 / 679.
(2) المجموع 4: 311، فتح العزيز 3: 287، الوجيز 1: 41، مغني المحتاج 1: 154، المهذب للشيرازي 1: 108، المدونة الكبرى 1: 76 - 77، بداية المجتهد 1: 178، أقرب المسالك: 19، بلغة السالك 1: 130، الشرح الصغير 1: 130، السراج الوهاج: 42، القوانين الفقهية: 62، رحمة الأمة 1: 41، بدائع الصنائع 1: 106، المغني 1: 812، الشرح الكبير 1: 809.
(3) سنن النسائي 3: 224، سنن الدار قطني 1: 397 / 3.
(4) المجموع 4: 311، فتح العزيز 3: 287، الوجيز 1: 41، مغني المحتاج 1: 154، المهذب للشيرازي 1: 108، السراج الوهاج: 42، رحمة الأمة 1: 41.
(5) بدائع الصنائع 1: 106، اللباب 1: 99، المغني 1: 812، الشرح الكبير 1: 809، فتح العزيز 3: 287، رحمة الأمة 1: 41.
(6) سنن البيهقي 2: 306 وانظر المجموع 4: 311، بدائع الصنائع 1: 106، بداية المجتهد 1: 178.
(7) الزيادة يقتضيها السياق.

[ 94 ]

وأحمد (1) - لقوله تعالى: * (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) * (2) تلاها النبي صلى الله عليه وآله لعمران بن حصين حين قال له: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك) (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده وينام على جانبه الأيمن يومي بالصلاة، فإن لم يقدر على جانبه الأيمن فكيف ما قدر فإنه جائز ويستقبل بوجهه القبلة ثم يومي بالصلاة إيماء " (4). وللشافعي قول آخر: أنه يستلقي على ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة - وبه قال أبو حنيفة - لأنه أمكن للتوجه إلى القبلة (5). وهو ممنوع، لأنه حينئذ يستقبل السماء. إذا عرفت هذا فإنه يكون معترضا بين يدي القبلة، ولو اضطجع على شقه الأيسر مستقبلا فالوجه الجواز، ولبعض الشافعية: تكون رجلاه في القبلة حتى إذا ما أومأ يكون إيماؤه إلى ناحية القبلة (6). مسألة 195: لو عجز عن الاضطجاع صلى مستلقيا على قفاه موميا برأسه،

(1) المجموع 4: 316، فتح العزيز 3: 290، الوجيز 1: 41، المهذب للشيرازي 1: 108، مغني المحتاج 1: 155، السراج الوهاج: 43، المغني 1: 815، العدة شرح العمدة: 99، المحرر في الفقه 1: 124 - 125، حاشية إعانة الطالبين 1: 137.
(2) آل عمران: 191.
(3) صحيح البخاري 2: 60، سنن أبي داود 1: 250 / 952، سنن الترمذي 2: 208 / 372، سنن ابن ماجة 1: 386 / 1223، مسند أحمد 4: 426، سنن البيهقي 2: 304.
(4) التهذيب 3: 175 / 392.
(5) المجموع 4: 316، فتح العزيز 3: 290، المبسوط للسرخسي 1: 213، اللباب 1: 100، بدائع الصنائع 1: 106.
(6) المجموع 4: 317، فتح العزيز 3: 291.

[ 95 ]

فإن عجز عن الايماء بالرأس أومى بعينيه - وبه قال الشافعي (1) - لأن عليا عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يصلي المريض قائما فإن لم يستطع صلى جالسا، فإن لم يستطع صلى على جنب مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقيا على قفاه ورجلاه في القبلة وأومى بطرفه " (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " المريض إذا لم يقدر على الصلاة جالسا صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ، فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح، فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع، فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد وينصرف " (3). وقال أبو حنيفة: تسقط الصلاة ويقضي، لأنه عجز عن القيام وعما يقوم مقامه (4). وهو ممنوع، وقال مالك: تسقط ولا يقضي (5). إذا عرفت هذا فإنه يصلي بالايماء، فإن عجز جعل الايماء بطرف العين، فإن لم يقدر أجرى أفعال الصلاة على قلبه وحرك بالقراءة والذكر لسانه، فإن لم يقدر أخطرها بالبال، وكذا الأعمى، أو وجع العين يكتفي بالأذكار. مسألة 196: لو كان به رمد وهو قادر على القيام فقال العالم بالطب: إذا صلى مستلقيا رجي له البرء. جاز ذلك - وبه قال أبو حنيفة، والثوري (6) -

(1) السراج الوهاج: 43، مغني المحتاج 1: 155، كفاية الأخيار 1: 77، حاشية إعانة الطالبين 1: 137.
(2) سنن البيهقي 2: 307، سنن الدار قطني 2: 42 / 1.
(3) الكافي 3: 411 / 12، الفقيه 1: 235 / 1033، التهذيب 3: 176 / 393.
(4) شرح فتح القدير 1: 459، بدائع الصنائع 1: 107، اللباب 1: 100.
(5) فتح العزيز 3: 291.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 215، بدائع الصنائع 1: 106، المغني 1: 816.

[ 96 ]

للمشقة فيسقط موجبها، ولأن الصوم يترك للرمد. وقال مالك، والأوزاعي: لا يجوز (1)، لأن ابن عباس لم ترخص له الصحابة في الصلاة مستلقيا (2). فروع: أ - لا يجوز أن يأتم القائم بالقاعد، وقال الشافعي: يلزمه القيام (3). وقال أحمد: يصلي جالسا كإمامه (4). وسيأتي. ب - لو كان يقدر على القيام لم يسقط بجهله بالقراءة والذكر بل يجب عليه القيام، وبه قال الشافعي (5)، وقال مالك: لا يلزمه القيام (6). ج - لو كان لا يتمكن من القيام إلا بمعاون وجب فإن لم يجد المتبرع استأجر وإن زاد على أجرة المثل وجوبا، فإن عجز صلى جالسا. د - لو صلى في السفينة وخاف دوران رأسه مع القيام ولم يقدر على الشط صلى جالسا للضرورة، وقال الشافعي: يجب القيام (7). ه‍ - لو خاف من القيام أن يراه العدو صلى قاعدا وأجزأه للضرورة، وهو أصح وجهي الشافعي، وفي الآخر: يقضي (8)

(1) المدونة الكبرى 1: 78، المجموع 4: 314، المغني 1: 816.
(2) سنن البيهقي 2: 309.
(3) الأم 1: 171، مختصر المزني: 22، مغني المحتاج 1: 240.
(4) المغني 2: 50، الشرح الكبير 2: 50، العدة شرح العمدة: 96، المحرر في الفقه 1: 105.
(5) المجموع 3: 379، فتح العزيز 3: 343، مغني المحتاج 1: 160، المهذب للشيرازي 1: 80.
(6) المجموع 3: 379، فتح العزيز 3: 340.
(7) كذا في " م وش "، والموجود في المصادر الآتية: لا يجب القيام. انظر: المجموع 3: 242 و 4: 310، حاشية إعانة الطالبين 1: 136، مغني المحتاج 1: 153، رحمة الأمة 1: 41، الميزان 1: 138.
(8) الأم 1: 223، المجموع 3: 275، مغني المحتاج 1: 153.

[ 97 ]

و - الكمين إذا صلوا في وهدة قعودا صحت صلاتهم، لأن لهم غرضا وهو التوصل إلى قهر العدو، وللشافعية وجهان (1). ز - لو تمكن من القيام منفردا، وعجز في الجماعة لتطويل الامام لم تجز له الجماعة، وقال الشافعي: يجوز فيجلس إذا عجز (2). ح - كل ذي عذر يمنعه عن القيام والقعود يصلي مستلقيا دفعا للحرج لأن الصادق عليه السلام جوزه وقال: " ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أباحه لمن اضطر إليه " (3) وقال مالك: لا يجوز (4). وليس بجيد. مسألة 197: ينتقل كل من القادر والعاجز عن حالة إلى أخرى عند حصول سببها، فلو قدر القاعد على القيام وجب ويبني - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف (5) - لأن زوال العذر إذا لم يورث عملا طويلا لم يبطل الصلاة. وقال محمد: تبطل ولا يبني إحداهما على الأخرى فإن لم يفعل بطلت صلاته - وهو أحد قولي الشافعي (6) - لأنه قادر على الامتثال ولم يفعل. وإن قام فإن كان الخف قبل القراءة قام ثم قرأ، ولا يجوز أن يقرأ وهو آخذ في القيام، لأن فرض القراءة توجه عليه في حالة الانتصاب وهو قادر،

(1) الأم 1: 223، المجموع 3: 275، مغني المحتاج 1: 153.
(2) الأم 1: 81، المجموع 4: 313، المهذب للشيرازي 1: 108، مغني المحتاج 1: 153، حاشية إعانة الطالبين 1: 136.
(3) الفقيه: 235 / 1035، التهذيب 3: 306 / 945.
(4) المدونة الكبرى 1: 77، بلغة السالك 1: 130، أقرب المسالك 1: 19، القوانين الفقهية: 62، المغني 1: 815.
(5) الأم 1: 81، المجموع 4: 318 و 321، فتح العزيز 3: 296، المهذب للشيرازي 1: 108، مغني المحتاج 1: 155، المبسوط للسرخسي 1: 218، الهداية للمرغيناني 1: 77 - 78، بدائع الصنائع 1: 108، اللباب 1: 101.
(6) المجموع 4: 321، بدائع الصنائع 1: 108، الهداية للمرغيناني 1: 78، اللباب 1: 101.

[ 98 ]

فإن فعل استأنف. وإن كان في الأثناء سكت إلى أن ينتصب، وليس له القراءة في حالة أخذه للقيام كما تقدم، فإذا انتصب تخير بين الاستئناف ليقع جميع القراءة منتصبا، وبين الاتمام للإجزاء فيما فعل. وإن قدر بعد القراءة وجب أن يقوم للركوع، ولا يجب عليه الطمأنينة في هذا القيام، وهل يستحب له إعادة القراءة؟ قال الشافعي: نعم (1). وليس بجيد لأن القراءة لا تتكرر في الركعة الواحدة وقد فعل المأمور به. ولو خف في ركوعه قبل الطمأنينة وجب أن يرتفع منحنيا إلى حد الراكعين، ولا يجوز له أن ينتصب ثم يركع لئلا يزيد ركوعا، ولو خف بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه. وإن خف في الاعتدال من الركوع قبل الطمأنينة فعليه أن يقوم بالاعتدال ويطمئن فيه، وإن اطمأن فهل عليه أن يقوم ليسجد عن قيام؟ إشكال، وللشافعي وجهان (2)، ولو عجز حالة القيام عنه قعد، فإن اتفق حال القراءة قعد قارئا، لأن الهوي أكمل من القعود. ولو صلى بالايماء فقدر على القعود وجب، وكذا لو قدر على القيام ولا تبطل صلاته بل يتم، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة، وصاحباه: تبطل صلاته. مع أن أبا حنيفة قال: القاعد إذا قدر على القيام قام وبنى، والقائم إذا عجز عنه يقعد، فأما المضطجع إذا قدر على القيام أو على القعود بطلت صلاته ولا يبني عليها،

(1) المجموع 4: 320، فتح العزيز 3: 297، مغني المحتاج 1: 155.
(2) المجموع 4: 321، فتح العزيز 3: 289، مغني المحتاج 1: 155.
(3) المجموع 4: 318، فتح العزيز 3: 296، مغني المحتاج 1: 155، المهذب للشيرازي 1: 108

[ 99 ]

وكذا القاعد إذا عجز عن القعود لا يضطجع بل يستأنف. وحاصل مذهبه أن الاضطجاع لا يبنى على القيام، ولا على القعود، ولا بالعكس (1). مسألة 198: لا يجب القيام في النافلة إجماعا وإن كان قادرا، لأن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: بلغني أنك قلت: صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدا؟ فقال: (أجل ولكني لست كأحد منكم) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا أردت أن تدرك صلاة القائم فاقرأ وأنت جالس، فإذا بقي من السورة آيتان فقم فأتم ما بقي واركع واسجد " (3) ولأن النوافل تكثر فلولا تسويغ الجلوس لزم المشقة. وهل يجوز مضطجعا مع القدرة على القعود، والقيام؟ إشكال ينشأ من عدم وجوبها فلا يجب كيفيتها، ومن أنه يمحو صورة الصلاة. وللشافعية قولان (4). ولو قلنا بجواز الاضطجاع فالأقرب جواز الايماء للركوع والسجود. وإذا صلى جالسا استحب احتساب كل ركعتين بركعة من قيام، وهل يحتسب في الاضطجاع كذلك، أو أربعا؟ نظر، لعدم التنصيص. البحث الثاني: النية مسألة 199: النية ركن بمعنى أن الصلاة تبطل مع الاخلال بها عمدا

(1) المبسوط للسرخسي 1: 218، بدائع الصنائع 1: 108، شرح فتح القدير 1: 460، اللباب 1: 101.
(2) سنن أبي داود 1: 250 / 950، سنن النسائي 3: 223، سنن الدارمي 1: 321، الموطأ 1: 136 / 19، مسند أحمد 2: 162 و 203.
(3) الفقيه 1: 238 / 1046، التهذيب 2: 295 / 1188.
(4) المجموع 3: 276، الوجيز 1: 42، فتح العزيز 3: 299، السراج الوهاج: 43، مغني المحتاج 1: 155.

[ 100 ]

وسهوا بإجماع العلماء لقوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (1) ولا يتحقق الاخلاص من دونها، ولقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) (2). ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " لا عمل إلا بالنية " (3). ولأن الأفعال يمكن أن تقع على وجوه غير مرادة فلا يختص بمراد الشارع إلا بالنية. وهي عبارة عن القصد، فمحلها القلب، ولا اعتبار فيها باللسان عندنا لافتقار تخصيص الأفعال بالوجوه والاعتبارات إلى الارادة، وهي من أفعال القلوب، ولا أثر للفظ في الاختصاص، فيسقط اعتباره، وقال بعض الشافعية: يستحب التلفظ بها مع القصد. وقال بعضهم: يجب (4). وكلاهما ممنوع. وهل هي شرط أو جزء من الصلاة، لأنها تتعلق بالصلاة فتكون خارجة وإلا لتعلقت بنفسها؟ إشكال. مسألة 200: وكيفيتها أن يقصد إيقاع صلاة معينة لوجوبها أو ندبها، أداء أو

(1) البينة: 5.
(2) التهذيب 4: 186 / 519، أمالي الطوسي 2: 231 وصحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 / 1907، سنن الترمذي 4: 179 / 6147، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، مسند الطيالسي: 9، سنن البيهقي 7: 341، مسند الحميدي 1: 16 / 28، شعار أصحاب الحديث: 45، المحرر في الحديث 2: 651 / 1199، الجامع الكبير 1: 288، الجامع الصغير 1: 5 / 1، الايمان لابن منده 1: 363، الأذكار للنووي: 13، متن عمدة الأحكام: 20 (باختلاف يسير في بعضها).
(3) التهذيب 4: 186 / 520، الفقه المنسوب للامام الرضا عليه السلام: 378.
(4) المجموع 3: 277، فتح العزيز 3: 263، مغني المحتاج 1: 150، حاشية إعانة الطالبين 1: 130، المهذب للشيرازي 1: 77، السراج الوهاج 1: 41.

[ 101 ]

قضاء، متقربا إلى الله تعالى. أما قصد الصلاة فهو واجب إجماعا فلا يكفي فعلها من غير قصدها. وأما التعيين فواجب عند علمائنا أجمع، فيأتي بظهر، أو عصر، أو جمعة. ولا تكفي نية فريضة الوقت عن نية الظهر أو العصر مثلا، وهو أصح وجهي الشافعية، وفي وجه: الاكتفاء (1). ولا يصح الظهر بنية الجمعة، وللشافعية وجه ضعيف (2). ولا تصح الجمعة بنية مطلق الظهر، وهل تصح بنية ظهر مقصورة؟ الأقرب المنع، خلافا للشافعي (3). وأما الفرضية أو الندبية فلا بد من التعرض لهما عندنا - وهو أحد وجهي الشافعي (4) - لأن الظهر مثلا تقع على وجهي الفرض والنفل كصلاة الصبي، ومن أعادها للجماعة فلا يتخصص بأحدهما إلا بالقصد. وقال أبو حنيفة: تكفي صلاة الظهر عن نية الفرض - وبه قال ابن أبي هريرة من الشافعية - لأن الظهر لا تكون إلا واجبة (5). وتقدم بطلانه. وأما الأداء أو القضاء فهو شرط عندنا - وهو أحد وجهي الشافعية - لأن الفعل مشترك بينهما فلا يتخصص بأحدهما إلا بالنية إذ القصد بها تمييز بعض

(1) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 261، حاشية إعانة الطالبين 1: 127، كفاية الأخيار 1: 63.
(2) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 261.
(3) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 261.
(4) المجموع 3: 279، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 261، مغني المحتاج 1: 149، السراج الوهاج: 41، حاشية إعانة الطالبين 1: 128، المهذب للشيرازي 1: 77، كفاية الأخيار 1: 63.
(5) المهذب للشيرازي 1: 77، المبسوط للسرخسي 1: 10، بدائع الصنائع 1: 128، شرح فتح القدير 1: 233، اللباب 1: 63.

[ 102 ]

الأفعال عن بعض، والآخر: لا يشترط (1)، لأنه لو صلى في يوم غيم ثم بان أنه صلى بعد الوقت أجزأه وإن لم ينو الفائتة، وكذا لو اعتقد فوات الوقت فنوى القضاء ثم بان الخلاف. والفرق ظاهر، فإنه نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم فكيف وقعت أجزأه، سواء وقت أداء أو قضاء لأنه عين وقت وجوبها، ويجري مجرى من نوى صلاة أمس فإنه تجزئه عن القضاء، وإنما يتصور الخلاف فيمن عليه فائتة الظهر إذا صلى وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة فإن هذه الصلاة لا تقع بحكم الوقت عندنا، وتقع عند المجوزين. وإذا كان نسي أنه صلى فصلى ثانيا ينوي صلاة الفريضة فإنه لا تجزئه عن القضاء عندنا، وهل تقع نافلة؟ للشافعي وجهان (2)، وتجزي عن القضاء عند الآخرين (3)، ويلزمهم أن من اعتقد دخول الوقت ولم يكن دخل فصلى ظهره أنها تجزئه عن الفائتة. وأما التقرب إلى الله تعالى فلا بد منه عندنا، لأن الاخلاص يتحقق به، وللشافعية وجه آخر: عدم الوجوب، لأن العبادة لا تكون إلا لله (4). فروع: أ - لو نوى أداء فرض الظهر أجزأه على الأقوى لأن الظهر عرفا اسم للصلاة، وللشافعية وجهان: أحدهما: المنع، لأنه اسم للوقت دون العباد (5)

(1) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 262، المهذب للشيرازي 1: 77، كفاية الأخيار 1: 63، السراج الوهاج: 41، مغني المحتاج 1: 149. (2 و 3) لم نعثر عليهما في المصادر المتوفرة بأيدينا.
(4) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 262، كفاية الأخيار 1: 63، الوجيز 1: 40، مغني المحتاج 1، 149، السراج الوهاج: 41.
(5) المجموع 3: 279، فتح العزيز 3: 261، كفاية الأخيار 1: 63.

[ 103 ]

فلا بد وأن يقول: فريضة صلاة الظهر وإلا لم يقصد أداء العبادة. ب - لو نوى القضاء لم يصح به الأداء وبالعكس - وللشافعي وجهان (1) - لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقائه عبث وملاعبة بالصلاة. ج - النوافل المقيدة كصلاة الاستسقاء، والعيد المندوب لابد فيه من نية الفعل والتقييد، أما غير المقيد كصلاة الليل، وسائر النوافل فتكفي نية الفعل عن القيد. وقال الشافعي: لابد في الرواتب من تعيين إضافتها إلى الفرائض في وجه. وفي آخر: يشترط في ركعتي الفجر خاصة، وفي الوتر لا يضيفها إلى العشاء (2) وفي التعرض للنفلية إشكال ينشأ من أصالتها، والشركة. د - لو نوى الفرض قاعدا وهو قادر على القيام لم تنعقد صلاته فرضا قطعا ولا نفلا - وهو أصح وجهي الشافعي (3) - لأنه متلاعب بصلاته، ولأنه نوى الفرض ولم يحصل له فأولى أن لا يحصل ما لم ينوه، وكذا في التحريم بالظهر قبل الزوال، وبالجملة كل حال ينافي الفرضية دون النفلية. ه‍ - لو نوى في النفل عددا جاز له الزيادة عليه والنقصان منه. و - لابد من نية الائتمام، فلو صلى خلفه من غير أن يقتدي به لم تكن صلاة جماعة إجماعا، ولا يقع منفردا، وهو أحد وجهي الشافعي (4).

المجموع 3: 280، فتح العزيز 3: 262، كفاية الأخيار 1: 63، السراج الوهاج: 41، مغني المحتاج 1: 149.
(2) المجموع 3: 280 - 281، فتح العزيز 3: 262 - 263.
(3) المجموع 3: 286 - 287، فتح العزيز 3: 265، مغني المحتاج 1: 150.
(4) المجموع 4: 201، فتح العزيز 4: 363، الوجيز 1: 57، السراج الوهاج: 74، كفاية الأخيار 1: 83، مغني المحتاج 1: 253.

[ 104 ]

ز - لا يجب اشتراط نية الامام للامامة، فإذا تقدم وصلى بقوم ولم ينو الامامة صحت صلاته إجماعا، وتكون جماعة أيضا - وهو أحد قولي الشافعي - لأن سبب الفضيلة اجتماع القوم على العبادة، ولهذا تزداد الفضيلة بكثرة العدد وإن لم يقصده الامام، وفي الآخر: لا تنعقد جماعة، لأنه لم ينوها (1). وتظهر الفائدة فيما لو نوى صلاة الجمعة ووقف القوم خلفه ودخلوا معه ولم ينو الامامة، فإن قلنا: تصح جماعته صحت جمعته وإلا فلا. ح - يشترط في صلاة الجمعة نية الامامة لأنها لا تصح منفردا. مسألة 201: لا يشترط نية عدد الركعات، لانحصاره شرعا، فلو ذكره على وجهه لم يضر، ولو أخطأ بأن نوى الظهر ثلاثا لم تصح صلاته. ولا يشترط نية القصر والتمام، لأن الفرض متعين، ومع التخيير - كما لو كان في أحد الأماكن الأربعة - لا يتعين أحدهما بالنية بل يجوز أن يقصر، وأن يتمم وإن نوى الضد. ولا يشترط نية الاستقبال بل الشرط أن يعلم كونه مستقبلا كما لا يشترط أن يقول: وأنا على طهر، وقال بعض الشافعية: تجب (2). وليس بشئ. ولا يشترط تعيين اليوم، فلو نوى ظهر الجمعة صحت صلاته وإن أخطأ، لأن الوقت معين شرعا وقد نوى فرضه إلا أنه سمى الوقت بغير اسمه فلا يضره الخطأ في التسمية. أما في القضاء فيجب أن ينوي اليوم السابق على اللاحق، ولا يجب عليه تعيين اليوم الذي فاتت فيه الصلاة، فإن عين وأخطأ لم يسقط فرضه، لأن

(1) المجموع 4: 202 - 203، فتح العزيز 4: 366 - 367، الوجيز 1: 57، كفاية الأخيار 1: 81، مغني المحتاج 1: 253، السراج الوهاج: 74.
(2) المجموع 3: 280، فتح العزيز 3: 262، كفاية الأخيار 1: 63، مغني المحتاج 1: 149، حاشية إعانة الطالبين 1: 130.

[ 105 ]

وقت الفعل غير متعين له بالشرع وإنما يقضي عن ذمته، فالواجبة لم ينوها والمنوية ليست واجبة. وقال الشافعي: يكفيه أن ينوي قضاء فائتة الظهر إلى أن يقضي جميع ظهر عليه، ولا يشترط التقييد بأول فائتة ظهر أو آخرها (1). مسألة 202: لو فاتته صلاة نسي تعيينها، قال أكثر علمائنا: يصلي أربعا، وينوي إحدى الثلاث، وصبحا، ومغربا (2). وقال بعضهم: يصلي خمس صلوات (3). وهو قول أكثر الشافعية (4). وقال المزني: يصلي أربع ركعات ويتشهد عقيب الثانية والثالثة والرابعة، ويجهر في الأوليين، وأجزأه، لأن الفائتة إن كانت صبحا فقد صلى ركعتين إلا أنه صلى ركعتين على ظن أن عليه ركعتين فيصير كما لو غلط وقام وصلى ركعتين بعد ما تشهد ساهيا، وإن كانت الفائتة المغرب فقد تشهد عقيب الثالثة، وإن كانت رباعية فقد صلى أربعا وتشهده بعد الثالثة كأنه سهو (5). مسألة 203: لو فاتته رباعية لم يدر أظهر أم عصر أجزأه مرددة بينهما عند أكثر علمائنا (6).

(1) المجموع 3: 280، مغني المحتاج 1: 149.
(2) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 24، والشيخ الطوسي في النهاية: 127، والمبسوط 1: 101 و 127، والصدوق في المقنع: 32، وسلار في المراسم: 91، وابن البراج في المهذب 1: 126، والمحقق في المعتبر: 237.
(3) قاله أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 150، وابن زهرة في الغنية: 500.
(4) الأم 1: 100، المجموع 3: 71، المهذب للشيرازي 1: 61.
(5) المجموع 3: 71، المهذب للشيرازي 1: 61.
(6) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 24، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 101 و 127، وابن البراج في المهذب 1: 126، وابن إدريس في السرائر: 59.

[ 106 ]

وقال الشافعي: لابد من الرباعية مرتين (1)، وهو قول بعض علمائنا وقد سلف. ولو نواهما جميعا في صلاة واحدة لم تجزئه، لأن تشريكه بينهما يمنع من وقوعها بإحداهما. ولو دخل بنية إحداهما ثم شك فلم يدر أيتهما نوى لم يجزئه عن إحداهما، ولو شك هل دخلها بنية ثم ذكرها قبل أن يحدث عملا أجزأته، أما لو عمل بعد الشك فقد عرى عن النية. ولو صلى الظهر والعصر وذكر نسيان النية في إحداهما أو تعيين النية وجب عليه إعادة رباعية ينوي بها عما في ذمته إن ظهرا فظهرا وإن عصرا فعصرا، وعند الشافعي، وبعض علمائنا يعيدهما معا (2). مسألة 204: وقت النية عند التكبير فلو تقدمت عليه بزمان يسير لم تصح صلاته - وبه قال الشافعي (3) - لأن تكبيرة الاحرام أول أفعال العبادة فيجب أن تقارنها النية. وقال أبو حنيفة، وأحمد: لو تقدمت بزمان يسير ولم يتعرض بشاغل أجزأه لأنها عبادة من شرطها النية فجاز تقديم النية على وقت الدخول فيها كالصوم (4).

(1) الأم 1: 100، المجموع 3: 72.
(2) المجموع 3: 289.
(3) الأم 1: 99 - 100، المجموع 3: 277، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 257، مغني المحتاج 1: 152، المهذب للشيرازي 1: 77، مختصر المزني: 14، فتح الوهاب 1: 39، حاشية إعانة الطالبين 1: 130، المغني 1: 546، الشرح الكبير 1: 529.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 10، بدائع الصنائع 1: 129، شرح فتح القدير 1: 231، الهداية للمرغيناني 1: 44، الكفاية 1: 231 المغني 1: 546، العدة شرح العمدة: 71، الشرح الكبير 1: 529، المحرر في الفقه 1: 52.

[ 107 ]

والفرق جواز تقدم النية الصوم بالزمان الكثير. إذا عرفت هذا فالواجب اقتران النية بالتكبير، بأن يأتي بكمال النية قبله ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل، وهذا تصح صلاته إجماعا. ولو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثم فرغ منهما دفعة فالوجه الصحة - وهو أحد وجهي الشافعية - (1) لأنه قرن بالنية صلاته، والآخر: لا تصح لأن التكبير من الصلاة فلا يقدم منه شئ على تمام النية، وبه قال داود (2). فروع: أ - لو قدم النية على التكبير فإن استصحبها فعلا حالة التكبير صحت صلاته وإلا فلا، ولو عزبت قبل التكبير لم تنعقد وإن لم يطل الفصل، خلافا لأبي حنيفة (3). ب - هل يجب استصحاب النية إلى تمام التكبير؟ الأقرب ذلك، لأن الشرط مقارنة النية عند الصلاة، والعقد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ولهذا لو رأى المتيمم الماء قبل انتهاء التكبير بطل تيممه. ج - لا يجب استصحاب النية إلى آخر الصلاة فعلا إجماعا لما فيه من العسر لكن يجب حكما إلا في مواضع تأتي، فيمتنع عن القصود المنافية للنية الجازمة. د - تحصل المقارنة بأن يحضر في العلم صفات الصلاة التي يجب

(1) المجموع 3: 277، الوجيز 1: 40، مغني المحتاج 1: 152، كفاية الأخيار 1: 64.
(2) المحلى 3: 232.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 10، شرح فتح القدير 1: 231، بدائع الصنائع 1: 129

[ 108 ]

التعرض لها ويقصد فعل هذا الذي أحضره في الذهن ويقرن قصده بأول التكبير ويستديمه إلى آخره. ه‍ - لو فصل بين لفظتي الجلالة في آخر النية وابتداء التكبير بقوله: تعالى (1) فإن استصحب النية فعلا صحت وإلا بطلت لعدم الاقتران. مسألة 205: يجب استدامة النية حكما حتى يفرغ من صلاته إجماعا فلو قصد ببعض الأفعال كالقيام، أو الركوع، أو السجود غير الصلاة بطلت صلاته. ولو نوى الخروج من الصلاة في الحال، أو تردد، أو أنه سيخرج، قال الشيخ في الخلاف: لا تبطل صلاته (2) - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأنها عبادة صح دخوله فيها فلا تفسد إذا نوى الخروج منها كالحج والصوم. ثم قوى الشيخ البطلان (4) - وبه قال الشافعي (5) - لأنه قطع حكم النية قبل إتمام الصلاة فأشبه إذا سلم ونوى الخروج، ونمنع في الصوم، والحج أن لا يخرج عنه بمحظوراته فهذا آكد. فروع: أ - لو نوى الخروج في الركعة الثانية، أو علقه بما يوجد في الصلاة لا محالة احتمل البطلان، لأنه قطع موجب النية الجازمة، وعدمه في الحال، فلو رفض هذا القصد قبل البلوغ إلى تلك الغاية صحت الصلاة.

(1) أي أن يقول مثلا: أصلي قربة إلى الله " تعالى " الله أكبر.
(2) الخلاف 1: 307 مسألة 55.
(3) المجموع 3: 286، المغني 1: 545، الشرح الكبير 1: 529.
(4) الخلاف 1: 307 مسألة 55.
(5) الأم 1: 100، المجموع 3: 282 و 285، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 258، كفاية الأخيار 1: 63، المهذب للشيرازي 1: 77، المغني 1: 545، الشرح الكبير 1: 529.

[ 109 ]

أما لو علق الخروج بما لا يتيقن حصوله في الصلاة كدخول زيد احتمل البطلان في الحال كما لو قصد ترك الاسلام إن دخل فإنه يكفر في الحال، وعدمه، لأنه ربما لايدخل فيستمر على مقتضى النية فإن دخل احتمل البطلان قضية للتعليق، وعدمه، ولأنها إذا لم تبطل حالة التعليق لم يكن للتردد أثر. ب - لو عزم على فعل ما ينافي الصلاة من حدث، أو كلام ثم لم يفعل لم تبطل صلاته، لأنه ليس رافعا للنية الأولى، ويحتمل البطلان، للتنافي بين إرادتي الضدين. ج - لو شك هل أتى بالنية المعتبرة فإن كان في محله استأنفها، وإن تجاوزه لم يلتفت وبنى على ما هو فيه. وقال الشافعي: إن مضى مع الشك ركن فعلي كالركوع والسجود بطلت صلاته، وإن مضى ركن قولي كالفاتحة، والتشهد، ولم يطل الزمان فوجهان (1). د - لو شك هل نوى ظهرا أو عصرا، أو فرضا أو نفلا فإن كان في موضعه استأنف، وإن تجاوز محل النية فإن كان يعلم ما عليه فعله استمر عملا بالأصل وإلا استأنف ما يريد. مسألة 206: لا يجوز نقل النية من صلاة إلى غيرها إلا في مواضع مستثناة فلو نقل نيته من صلاة إلى أخرى لم تصح ما نقل عنه حيث قطع حكمه، ولا ما عدل إليه لأنه لم ينوه في أول صلاته، أما لو صلى بنية الظهر ثم نقل إلى عصر فائت ذكره كان جائزا، للحاجة إلى استدراك فعل الفائت قبل الحاضر، ولو نقل إلى عصر متأخر بطلت الصلاتان. ولو نقل من فرض إلى تطوع جاز في مواضع الإذن كطالب الجماعة،

(1) المجموع 3: 281، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 260، كفاية الأخيار 1: 63 - 64.

[ 110 ]

وناسي الأذان، وسورة الجمعة، ولا يجوز في غير مواضع الأذان، لأنه دخل مشروعا، ومنع الشافعي، لأن النفل لم ينوه في أول الصلاة (1)، وهو ممنوع لأن عنده النفل يدخل في الفرض ولهذا قال: لو صلى قبل الوقت انعقدت نافلة (2). وسأل عبد الله بن أبي يعفور، الصادق عليه السلام عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو يرى أنها نافلة فقال: " إذ قمت في فريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة، وإنما تحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته " (3). مسألة 207: لو نوى الرياء بصلاته أو ببعضها بطلت صلاته لأنه لم يقصد القربة وهو شرط، ولو كان ذكرا مندوبا، أما زيادة على الواجب من الهيئات كالطمأنينة فالوجه البطلان مع الكثرة، وكذا الحكم لو نوى ببعض الصلاة غيرها. ولو نوى المحبوس الأداء مع ظنه بالبقاء فبان الخروج أجزأ، ولو بان عدم الدخول أعاد لمشروعية القضاء دون السبق. ولو ظن بالخروج فنوى القضاء ثم ظهر البقاء فالأقرب الإجزاء مع خروج الوقت، أما مع بقائه فالأقرب الاعادة. ولا يجوز نقل النية من النفل إلى الفرض فإن فعله بطلت (4) لأن الفرض أقوى فلا يبنى على الضعيف.

(1) الأم 1: 100، المجموع 3، 286 - 287، فتح العزيز 3: 264، المغني 1: 546.
(2) المجموع 3: 287، فتح العزيز 3: 264، الوجيز 1: 40.
(3) التهذيب 2: 343 / 1420 و 382 / 1594.
(4) في نسخة (ش): بطلتا.

[ 111 ]

وقال بعض الشافعية: تصح نفلا لأنه لم يترك مما قصده شيئا بل طلب زيادة لم تحصل فيبقى ما شرع فيه (1). وهو غلط لاختلاف الوجهين. ولو فرغ من الصلاة ثم شك هل أدى الظهر أو العصر احتمل أن يصلي صلاة واحدة ينوي بها ما في ذمته إن كانتا عليه، والصرف إلى ما يجب عليه أولا منهما. البحث الثالث: التكبير مسألة 208: تكبيرة الاحرام ركن في الصلاة تبطل بتركها عمدا وسهوا، ولا تنعقد بمجرد النية - وهو قول عامة العلماء - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يفتتح بالتكبير (2) إلى أن فارق الدنيا، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) وقال صلى الله عليه وآله: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله زرارة وغيره عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح: " يعيد " (5). وقال الزهري: تنعقد بالنية خاصة من غير لفظ قياسا على الصوم والحج (6). والفرق أن الصلاة يعتبر الذكر في أوسطها وآخرها فاعتبر في أولها

(1) حلية العلماء 2: 74.
(2) انظر على سبيل المثال: الفقيه 1: 200 / 921 وصحيح مسلم 1: 292 / 390.
(3) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، مسند أحمد 5: 53، عوالي اللآلي 1: 198 ذيل الحديث 8.
(4) فتح العزيز 3: 267، المبسوط للسرخسي 1: 36، وذكر ابن حجر نحوه وقال: هذا أقرب ما وجدته في السنن إلى لفظ الحديث. انظر التلخيص الحبير 3: 267.
(5) التهذيب 2: 142 / 556، الاستبصار 1: 351 / 1325.
(6) المجموع 3: 290، عمدة القارئ 5: 268، رحمة الأمة 1: 40.

[ 112 ]

بخلاف الصوم. مسألة 209: يشترط عين التكبير فلا يجزئ ما عداه وإن تضمن الثناء على الله تعالى - وبه قال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وداود، وإسحاق، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف (1) - لمداومة النبي صلى الله عليه وآله عليه (2). وقال أبو حنيفة، ومحمد: تنعقد بكل اسم لله تعالى على وجه التعظيم كقوله: ألله عظيم، أو جليل، أو الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله (3) - ولو قال: الله من غير وصف أو الرحمن ففيه عنه روايتان (4)، فإن أتى باسم الله تعالى وجه النداء يا الله لم تنعقد عنده، وكذا أستغفر الله (5) وبه قال النخعي، والحكم بن عيينة (6) - لأن هذا اللفظ ذكر لله تعالى على وجه التعظيم فأشبه التكبير، كالخطبة فإنه لا يعتبر لها لفظ معين، وكالاسلام، وينتقض بقوله: يا الله اغفر لي. ولأن في قوله: أكبر. معنى العظمة والقدم قبل كل شئ، ولا يحصل

(1) الأم 1: 100، المجموع 3: 292، فتح العزيز 3: 265، الوجيز 1: 40، كفاية الأخيار 1: 64، المهذب للشيرازي 1: 77، بداية المجتهد 1: 123، المغني 1: 540، الشرح الكبير 1: 540، المبسوط للسرخسي 1: 36، عمدة القارئ 5: 268، المحلى 3: 233.
(2) صحيح مسلم 1: 301 / 401، سنن أبي داود 1: 192 و 193 و 194 / 722 و 723 و 724 و 726 و 730 و 198 / 744 و 199 / 747، سنن ابن ماجة 1: 264 / 803، سنن النسائي 2: 126 و 129 و 130، سنن الدارمي 1: 281 و 282.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 35، اللباب 1: 67، عمدة القارئ 5: 268، الهداية للمرغيناني 1: 47، شرح العناية 1: 246، الجامع الصغير للشيباني: 95، المجموع 3: 302، فتح العزيز 3: 266، بدائع الصنائع 1: 130، الميزان 1: 137، المغني 1: 540، الشرح الكبير 1: 540، رحمة الأمة 1: 40، بداية المجتهد 1: 123، نيل الأوطار 2: 185، المحلى 3: 233.
(4) شرح فتح القدير 1: 246، بدائع الصنائع 1: 131، المجموع 3: 303، حلية العلماء 2: 76.
(5) فتح العزيز 3: 266 و 267.
(6) الأصل: 14، مصنف ابن أبي شيبة 1: 238.

[ 113 ]

بغيره، وحذف قولنا: (من غيره)، أو (من كل شئ) لعادة العرب بحذف ما يبقى من الكلام ما يدل عليه. مسألة 210: ولا يجزئ من التكبير إلا قولنا: الله أكبر - وبه قال مالك، وأحمد (1) - لمداومته صلى الله عليه وآله عليه إلى أن فارق الدنيا (2)، وهو يدل على منع العدول عنه. وقال الشافعي: ينعقد بقوله: الله أكبر، وبقوله: الله الأكبر معرفا - وبه قال الثوري، وأبو ثور، وداود، وإسحاق (3) وابن الجنيد منا، لكن كرهه (4) - لأنه لم يغيره عن لغته ومعناه، وهو ممنوع، لأنه مع التنكير يكون فيه إضمار أو تقدير (من) بخلاف المعرف. فروع: أ - لو غير الترتيب فقال: أكبر الله لم تنعقد - وهو أحد قولي الشافعي - لأن النبي صلى الله عليه وآله داوم على قوله: الله أكبر (5)، ولأن التقديم لاسم الله تعالى أولى، والثاني: الجواز لأنه خبر فجاز تقديمه (6).

(1) بداية المجتهد 1: 123، المغني 1: 540، الشرح الكبير 1: 540، المجموع 3: 292 و 302، فتح العزيز 3: 267، المبسوط للسرخسي 1: 36، الهداية للمرغيناني 2: 47، شرح العناية 1: 247، المحلى 3: 233.
(2) انظر على سبيل المثال الفقيه 1: 200 / 921 وصحيح مسلم 1: 292 / 390.
(3) الأم 1: 100، المجموع 3: 292 و 302، الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 267، كفاية الأخيار 1: 64 السراج الوهاج: 41، المهذب للشيرازي 1: 77، فتح الوهاب 1: 39، المغني 1: 540، الشرح الكبير 1: 540، المبسوط للسرخسي 1: 36، الهداية 1: للمرغيناني 1: 47، شرح العناية 1: 247، بداية المجتهد 1: 123.
(4) حكى قول ابن الجنيد المحقق في المعتبر: 168.
(5) انظر على سبيل المثال: الفقيه 1: 200 / 921 وصحيح مسلم 1: 292 / 390.
(6) المجموع 3: 292، الوجيز 1: 41، فتح العزيز 3: 268، كفاية الأخيار 1: 64، السراج الوهاج: 42، المهذب للشيرازي 1: 77.

[ 114 ]

ولو أضاف (أكبر) إلى أي شئ كان، أو قرنه بمن كذلك وإن عمم وإن كان هو المقصود بطلت. ب - لا يجوز الاخلال بحرف منه، فلو حذف الراء (1) أو التشديد لم يصح، وكذا لا يجوز الزيادة فلو قال: " أكبار " لم تصح، لأنه جمع كبر وهو الطبل، فيبطل لو قصده، وإلا فلا، وكذا لا يجوز مد الهمزة في لفظة الجلالة ولا لفظة أكبر وإلا كان استفهاما. ج - يشترط أن يأتي بهيئة التركيب، فلو قاله على حد تعديد أسماء العدد بطل، وكذا لو فصل بين لفظتي الله وأكبر بسكون أو بوصف مثل الله تعالى أكبر، لأن ذلك يغير نظم الكلام، ولا بأس بالفصل للتنفس، وللشافعي في قوله: الله الجليل أكبر وجهان (2) د - يجب الاتيان به قائما كماله، فلو شرع فيه وفي القيام، أو ركع قبل انتهائه بطل، وهل يشترط القيام في النية؟ الأقرب ذلك. ه‍ - يجب أن يقصد بالتكبير الافتتاح، فالمسبوق لو نوى به الهوي إلى الركوع لم يجزئ، لقول الصادق عليه السلام في الرجل يصلي ولم يفتتح بالتكبير هل يجزئه تكبيرة الركوع؟ قال: " لا بل يعيد صلاته " (3). ولو نواهما لم يصح لاختلاف وجههما، ولو نذر تكبيرة الركوع ونواهما فكذلك، لاستقلال كل من الافتتاح والركوع بالتعليل فيغاير المعلول - وبه قال الشافعي (4) - خلافا لمن اغتسل بنية الجنابة والجمعة عنده (5)، وعند كثير من

(1) في نسخة (ش): الباء.
(2) المجموع 3: 292، الوجيز 1: 41، فتح العزيز 3: 267، السراج الوهاج: 42.
(3) الكافي 3: 347 / 2، التهذيب 2: 143 / 562، الاستبصار 1: 353 / 1333.
(4) الأم 1: 101، المجموع 4: 214، فتح العزيز 4: 399، المهذب للشيرازي 1: 102، كفاية الأخيار 1: 65، مغني المحتاج 1: 261.
(5) المجموع 1: 326، فتح العزيز 1: 329 و 330 و 4: 400، الوجيز 1: 12.

[ 115 ]

علمائنا (1)، لأنه لو اقتصر على الجنابة حصل له غسل الجمعة، ولا تنعقد صلاته نفلا، لأنه لم ينوه، وللشافعي قولان (2). و - يجب النطق به بحيث يسمع نفسه، فلو حرك لسانه ولم يسمع نفسه لم تصح، لأن النطق شرط، وغير المسموع يكون خاطرا لا لفظا، وبه قال الشافعي (3)، ويستحب للامام إسماع من خلفه بها ما لم يبلغ صوته حد العلو، وبه قال الشافعي (4). ز - التكبير جزء من الصلاة - وبه قال الشافعي (5) - لقوله عليه السلام: (إنما هي التكبير، التسبيح، وقراءة القرآن) (6)، ولأن العبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالآذان. وقال الكرخي: الذي يقتضيه مذهب أبي حنيفة أنه ليس منها، لأنه ذكر لم يتقدمه جزء من الصلاة فلا يكون منها كالخطبة (7). والفرق عدم افتقار الخطبة إلى النية. مسألة 211: لا تجزئ الترجمة، ولا غير العربية للعارف عند علمائنا - وبه

(1) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40 وابن إدريس في السرائر: 23 والمحقق في المعتبر: 99. وابن حمزة في الوسيلة: 56.
(2) المجموع 4: 214، فتح العزيز 4: 400، مغني المحتاج 1: 261.
(3) الأم 1: 101، المجموع 3: 295، فتح العزيز 3: 268، المهذب للشيرازي 1: 78، فتح الوهاب 1: 39.
(4) المجموع 3: 294 و 295، فتح الوهاب 1: 39، المهذب للشيرازي 1: 78.
(5) المجموع 3: 289، فتح الوهاب 1: 38، الميزان 1: 136.
(6) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249 و 250.
(7) المجموع 3: 290، حلية العلماء 2: 80، فتح الباري 2: 173.

[ 116 ]

قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد (1) - لأن النبي عليه السلام لم يعدل عن قوله: الله أكبر (2). وقال أبو حنيفة: يجوز (3) لقوله تعالى: * (وذكر اسم ربه فصلى) * (4). ولم يفصل، وما ذكرناه مخصص. ولا ينتقض بالتشهد بالفارسية للمنع عندنا وعند الاصطخري من الشافعية (5). وبالفرق فإن المقصود الاخبار عما في نفسه من الايمان وهنا لفظ وضع لعقد الصلاة. فروع: أ - لو لم يحسن العربية وجب عليه التعلم إلى أن يضيق الوقت فإن صلى قبله مع التمكن لم تصح - وبه قال الشافعي (6) - وإن ضاق كبر بأي لغة كانت، ثم يجب عليه التعلم بخلاف التيمم في الوقت إن جوزناه، لأنا لو جوزنا له التكبير بالعجمية في أول الوقت سقط فرض التكبير بالعربية أصلا، لأنه بعد أن صلى لا يلزمه التعلم في هذا الوقت وفي الوقت الثاني مثله بخلاف الماء فإن وجوده لا يتعلق بفعله، والبدوي إذا لم يجد في موضعه المعلم

(1) المجموع 3: 299 و 301، الوجيز 1: 4، المهذب للشيرازي 1: 77، المبسوط للسرخسي 1: 36، المغني 1: 542، الشرح الكبير 1: 542.
(2) انظر على سبيل المثال الفقيه 1: 200 / 921 وصحيح مسلم 1: 292 / 390.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 36، المجموع 3: 301، المغني 1: 542، الشرح الكبير 1: 542.
(4) الأعلى: 15.
(5) المجموع 3: 301.
(6) الأم 1: 100، المجموع 3: 293، فتح العزيز 3: 269، مغني المحتاج 1: 152، كفاية الأخيار 1: 65، فتح الوهاب 1: 39، المغني 1: 543، الشرح الكبير 1: 542.

[ 117 ]

وجب قصد بلدة أو قرية للتعلم، ولا تجزيه الترجمة، وهو أحد وجهي الشافعي (1) ب - باقي الأذكار كالقرائة، والتشهد، والتسبيح كالتكبير في اعتبار لفظ العربية، وبه قال الشافعي (2). ج - لو لم يكن له نطق كالأخرس وجب أن يحرك لسانه أقصى ما يقدر عليه ويشير باصبعه، لأن التحريك جزء من النطق فلا يسقط بسقوط المركب، وبه قال الشافعي (3). ولو كان مقطوع اللسان من أصله وجب استحضاره على الترتيب، وقال بعض الجمهور: يسقط فرض التكبير، لأن الاشارة وحركة اللسان تبع اللفظ (4). وهو ممنوع. د - يستحب للأب تعليم ولده الصغير، ولا يحرم تركه، أما المولى فيحرم عليه المنع من التعليم. ه - الألثغ يجب عليه التعلم بقدر الامكان. مسألة 212: يستحب التوجه بسبع تكبيرات بينها ثلاثة أدعية واحدة منها واجبة وهي تكبيرة الاحرام، يكبر ثلاثا ويدعو، ثم يكبر اثنتين ويدعو، ثم يكبر اثنتين ويتوجه، ويتخير أيها شاء جعلها تكبيرة الاحرام فيوقع النية

(1) المجموع 3: 293، فتح العزيز 3: 269، كفاية الأخيار 1: 65، مغني المحتاج 1: 152.
(2) الأم 1: 100، المجموع 3: 299، فتح العزيز 3: 518 - 519، كفاية الأخيار 1: 69، فتح الوهاب 1: 46، مغني المحتاج 1: 177.
(3) الأم 1: 101، المجموع 3: 293 و 294، فتح العزيز 3: 267، مغني المحتاج 1: 152، فتح الوهاب 1: 39.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 168، وراجع: المغني والشرح الكبير 1: 543.

[ 118 ]

عندها، قال في المبسوط: والأفضل الأخيرة (1). فإن جعلها أولاهن جاز الدعاء بعد تكبيرة الافتتاح مع باقي التكبيرات وكذا وسطاهن، لقول الصادق عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا، ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم قل: اللهم أنت الملك الحق - إلى آخره - ثم كبر تكبيرتين، ثم قل: لبيك - إلى آخره - ثم كبر تكبيرتين، ثم تقول: وجهت وجهي إلى آخره " (2). فروع: أ - لو كبر للافتتاح، ثم كبر ثانيا له، ثم كبر ثالثا له انعقدت صلاته بالأولى، وبطلت بالثانية، لأنه فعل منهي عنه فيكون باطلا ومبطلا للصلاة فتنعقد بالثالثة، هذا إذا لم ينو الخروج من الصلاة قبل الثانية فإن نواه بطلت الأولى، وصحت الثانية، وصار حكم الثالثة مع الثانية كحكم الثانية مع الأولى. ب - منع كثير من الجمهور استحباب الدعاء قبل تكبيرة الاحرام (3) لقوله تعالى: * (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) * (4) وليس فيه حجة، لأن الرغبة إليه بالدعاء أعم من التكبير والقراءة. ج - قال الصادق عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة، وإن شئت ثلاثا، وإن شئت خمسا، وإن شئت سبعا، كل ذلك مجز عنك غير أنك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة واحدة " (5) وسأله

(1) المبسوط للطوسي 1: 104.
(2) الكافي 3: 310 / 7، الفقيه 1: 198 - 199 / 917، التهذيب 2: 67 / 244.
(3) المغني 1: 536.
(4) الانشراح: 7 و 8.
(5) التهذيب 2: 66 / 239.

[ 119 ]

الحلبي عن أخف ما يكون من التكبير، قال: " ثلاث تكبيرات " (1). ومنع الجمهور من استحباب الزائدة على تكبيرة الاحرام (2) على أنها مخصوصة بهذا الموضع، بل هو مستحب في هذا الموضع كغيره. د - يستحب التوجه بالسبع في سبعة مواضع في أول كل فريضة، وأول صلاة الليل، والوتر، وأول نافلة الزوال، وأول نوافل المغرب، وأول ركعتي الاحرام، والوتيرة، وعمم بعض علمائنا الاستحباب (3). مسألة 213: يستحب رفع اليدين بالتكبير في كل صلاة فرض ونفل، لأن النبي صلى الله عليه وآله فعله، وكذا الأئمة عليهم السلام (4)، وقال بعض علمائنا (5)، وبعض الجمهور بالوجوب (6). وهو ممنوع للأصل. وكذا يستحب عندنا الرفع في كل تكبيرات الصلاة، واستحبه الشافعي عند الافتتاح، والركوع، والرفع منه - وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق وأبو ثور، ومالك في رواية (7) - لأن النبي صلى الله عليه وآله رفع في هذه

(1) التهذيب 2: 287 / 1151.
(2) المجموع 3: 304.
(3) القائل هو المحقق في المعتبر: 169.
(4) الكافي 3: 310 / 7، الفقيه 1: 198 - 199 / 917، التهذيب 2: 67 / 244 وانظر صحيح البخاري 1: 187 - 188، سنن ابن ماجه 1: 279 - 281 / 858 - 868، سنن أبي داود 1: 191 - 193 / 721 - 728، سنن الترمذي 2: 35 / 255.
(5) القائل هو السيد المرتضى في الانتصار: 44.
(6) المجموع 3: 305، بداية المجتهد 1: 133، نيل الأوطار 2: 189 و 190، المحلى 3: 236.
(7) المجموع 3: 309، مغني المحتاج 1: 152 و 164 و 165، المهذب للشيرازي 1: 78 و 82، كفاية الأخيار 1: 71، المغني 1: 547 و 574 و 583، الشرح الكبير 1: 546 و 574 و 581، المنتقى للباجي 1: 142، بداية المجتهد 1: 133، القوانين الفقهية: 62.

[ 120 ]

المواضع (1). ومنع الشافعي من الرفع في السجدتين (2)، وليس بجيد، لأن الحسن قال: رأيت الصحابة يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنها المراوح، وإنما يكون حال الرفع من الركوع للسجود (3). وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: ترفع في تكبيرة الافتتاح خاصة - وهو رواية عن مالك (4) - لأن البراء قال: كان النبي عليه السلام إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (5). وهو محمول على أنه لا يعود إلى رفعهما في ابتداء الركعة الثانية والثالثة، وضعف الجمهور (6) الحديث. مسألة 214: ويبسط كفيه حال الرفع إجماعا، وقال الصادق عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا " (7) ويستحب أن يستقبل

(1) صحيح البخاري 1: 187، سنن ابن ماجة 1: 279 - 281 / 858 و 859 و 860 و 863 و 867 و 868، سنن أبي داود 1: 191 - 193 / 721 و 722 و 726، سنن الترمذي 2: 35 / 255.
(2) الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 472، مغني المحتاج 1: 170، السراج الوهاج: 47.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 1: 235، سنن البيهقي 2: 75.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 14، بدائع الصنائع 1: 199، الموطأ برواية الشيباني: 58، عمدة القارئ 5: 272، الحجة على أهل المدينة 1: 94، القوانين الفقهية: 62، الشرح الصغير 1: 188، مقدمات ابن رشد 1: 116، المجموع 3: 400، المغني 1: 574، الشرح الكبير 1: 574.
(5) سنن أبي داود 1: 200 / 749، سنن الدار قطني 1: 293 / 21 و 294 / 24، سنن البيهقي 2: 26.
(6) سنن أبي داود 1: 200 ذيل الحديث 752، سنن البيهقي 2: 26، المجموع 3: 402، المغني 1: 575 - 576، الشرح الكبير 1: 575.
(7) الكافي 3: 310 / 7، الفقيه 1: 198 / 917، التهذيب 2: 67 / 244.

[ 121 ]

بباطن كفيه القبلة، لأن الصادق عليه السلام فعله (1)، ولأن الاستقبال مأمور به. ويستحب ضم الأصابع، لأن الصادق عليه السلام أرسل يديه على فخذيه قد ضم أصابعه (2). وقال المرتضى، وابن الجنيد: يجمع بين الأربع ويفرق الإبهام (3). وقال الشافعي يفرق أصابعه (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله كان ينشر أصابعه (5)، وهو يحصل ببسط الكف وإن كانت أصابعه مضمومة كما يقال: نشرت الثوب. ولو كانت يداه تحت ثيابه رفعهما، لأن الصحابة كانوا يرفعون أيديهم في الشتاء في ثيابهم (6)، ويستحب للمرأة كالرجل للعموم، ولا فرق بين الامام والمأموم، وكذا القاعد للمرض أو في النافلة يرفع يديه. مسألة 215: ويستحب رفعهما إلى حذاء أذنيه - وبه قال أبو حنيفة، والثوري (7) - لأن وائل بن الحجر الحضرمي قال: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يرفع يديه حيال أذنيه (8). ومن طريق الخاصة، قال معاوية بن عمار: رأيت الصادق عليه السلام

(1) التهذيب 2: 66 / 240.
(2) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 169. (4) المجموع 3: 307، المهذب للشيرازي 1: 78، مغني المحتاج 1: 152، المغني 1: 548، الشرح الكبير 1: 547.
(5) سنن الترمذي 2: 5 / 239، سنن البيهقي 2: 27.
(6) سنن البيهقي 2: 28.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 11، شرح فتح القدير 1: 245، عمدة القارئ 5: 272، بدائع الصنائع 1: 199، الحجة على أهل المدينة 1: 94، المجموع 3: 307، فتح العزيز 3: 270.
(8) سنن أبي داود 1: 193 / 728، سنن الدار قطني 1: 292 / 14، سنن البيهقي 2: 25.

[ 122 ]

يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح (1). وقال الشافعي: يرفع يديه حذو منكبيه - وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق (2) - لأن عليا عليه السلام قال: " رأيت النبي صلى الله عليه وآله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه " (3) وهو مستحب فجاز أن يفعل أقل مراتبه تارة، والأعلى أخرى. وللشافعي قول ثان: الرفع إلى أن تحاذي رؤوس أصابعه شحمة أذنيه، وثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أعلا أذنيه وكفاه منكبيه (4). فروع: أ - لو كان بيده عذر لا يتمكن من استيفاء الرفع استحب الاتيان بالمقدور، ولو قدر على الرفع فوق المنكبين ودون الاذنين فالأول أولى لاشتماله على المسنون. ب - مقطوع الكفين يرفع ساعديه، ومقطوع الذراعين يرفع العضدين، ومقطوع إحداهما يرفع الأخرى. ج - قال ابن سنان: رأيت الصادق عليه السلام يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح (5). وظاهره يقتضي ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع وانتهائه عند انتهائه، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: يرفع ثم يكبر عند الإرسال (6)،

(1) أورده في المعتبر: 169 عن ابن عمار، وفي التهذيب 2: 66 / 236 عن ابن سنان.
(2) الأم 1: 104 المجموع 3: 305 و 307، مختصر المزني: 14، فتح العزيز 3: 269، مغني المحتاج 1: 152، المهذب للشيرازي 1: 78، بلغة السالك 1: 118، المغني 1: 547، الشرح الكبير 1: 547، المحرر في الفقه 1: 53، العدة شرح العمدة: 74.
(3) سنن أبي داود 1: 198 / 744، سنن البيهقي 2: 24، سنن الدار قطني 1: 287 / 1.
(4) الوجيز 1: 41، فتح العزيز 3: 269.
(5) التهذيب 2: 66 / 236.
(6) المجموع 3: 308، الوجيز 1: 41، مغني المحتاج 1: 152.

[ 123 ]

وهو عبارة بعض علمائنا (1)، وظاهر كلام الشافعي أنه يكبر بين الرفع والارسال (2). د - يكره أن يتجاوز بهما رأسه لقول الصادق عليه السلام: " ولا تتجاوز أذنيك " (3) وعن علي عليه السلام: " إن النبي عليه السلام مر برجل يصلي وقد رفع يديه فوق رأسه فقال: مالي أرى قوما يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس " (4). مسألة 216: المأموم يكبر بعد تكبير الامام وإن كبر معه جاز - وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد (5) - لأن له أن يركع مع ركوعه فكذا التكبير. وقال الشافعي: لا يجوز أن يكبر إلا بعد الامام - وبه قال مالك، وأبو يوسف (6) - لقوله عليه السلام: (فإذا كبر فكبروا) (7) وهو يعطي ما قلناه أيضا. ولو كبر المأموم أولا، قال الشيخ: يجب أن يقطعها بتسليمة ثم يكبر

(1) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة 2: 349: وفي الذكرى عن الكراجكي أن محل تكبير الركوع عند إرسال اليدين بعد الرفع انتهى. فلاحظ.
(2) الأم 1: 104، المجموع 3: 307.
(3) التهذيب 2: 65 / 233.
(4) المعتبر: 169، ورواه جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله بتفاوت كما في صحيح مسلم 1: 322 / 430 وسنن أبي داود 1: 262 / 998 وسنن النسائي 3: 4 - 5 ومسند أحمد 5: 101 و 107 وسنن البيهقي 2: 280 والجامع الكبير 1: 711.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 38، بدائع الصنائع 1: 200، المجموع 4: 235، المغني 1: 544، الشرح الكبير 1: 544، بداية المجتهد 1: 154.
(6) المجموع 4: 235، فتح العزيز 4: 380، مغني المحتاج 1: 256، الشرح الصغير 1: 162، بداية المجتهد 1: 153 - 154، القوانين الفقهية: 70، بدائع الصنائع 1: 200.
(7) صحيح البخاري 1: 187، صحيح مسلم 1: 308 / 411 و 310 / 414، سنن أبي داود 1: 164 / 603، سنن الدار قطني 1: 327 / 10 و 329 / 12.

[ 124 ]

معه أو بعده، لأنه ائتم بمن ليس في صلاة (1)، وكذا قال الشافعي (2)، وقال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي: يعيد تكبيرته (3). البحث الرابع: القراءة. مقدمة: يستحب التوجه بعد تكبيرة الافتتاح فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. وبه قال الشافعي (4)، لأن عليا عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله ذلك (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " يجزيك أن تقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا " إلى آخره (6). قال الشيخ: وإن قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم، ودين محمد صلى الله عليه وآله، ومنهاج علي عليه السلام حنيفا مسلما إلى آخر الكلام كان أفضل (7). وقال مالك: لا يدعو بشئ بعد الافتتاح (8) لأن النبي عليه السلام كان

(1) المبسوط للطوسي 1: 103.
(2) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 37.
(4) الأم 1: 106، المجموع 3: 318، الوجيز 1: 42، فتح العزيز 3: 300، مغني المحتاج 1: 155، المهذب للشيرازي 1: 78، كفاية الأخيار 1: 72، بداية المجتهد 1: 123.
(5) سنن الدارمي 1: 282، سنن أبي داود 1: 201 / 760، سنن البيهقي 2: 32، سنن الدار قطني 1: 297 / 1 و 2.
(6) التهذيب 2: 67 / 245.
(7) النهاية: 70.
(8) بداية المجتهد 1: 123، المجموع 3: 321، فتح العزيز 3: 301.

[ 125 ]

يفتتح الصلاة ب‍: الحمد لله رب العالمين (1)، والمراد استفتاح القراءة. وقال أبو حنيفة: يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وبه قال الثوري، وأحمد (2) - وروي عن أبي يوسف أنه يقول معه: وجهت وجهي أيضا (3) - لأن أبا سعيد الخدري رواه عن النبي صلى الله عليه وآله (4). وما قلناه أولى، لأنه من ألفاظ القرآن، والتسبيح تعود في الركوع والسجود، ولو قاله عندي لم يكن به بأس. قال الشافعي: وإذا فرغ من التوجه قال: اللهم أنت الملك الحق إلى آخره، ثم يقول: لبيك وسعديك (5)، إلى آخره. ونحن نستحبه متقدما على التوجه. مقدمة أخرى: يستحب التعوذ قبل القراءة في أول كل صلاة - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (6) -

(1) سنن ابن ماجة 1: 267 / 812 و 813 و 814، سنن الترمذي 2: 15 / 246، سنن أبي داود 1: 208 / 783، سنن الدارمي 1: 281.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 12، اللباب 1: 68، بدائع الصنائع 1: 202، الهداية للمرغيناني 1: 48، شرح العناية 1: 251، عمدة القارئ 5: 294، المغني 1: 550، الشرح الكبير 1: 550، المجموع 3: 321، فتح العزيز 3: 301، بداية المجتهد 1: 123.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 12، الهداية للمرغيناني 1: 48، شرح العناية 1: 251، بدائع الصنائع 1: 202، عمدة القارئ 5: 296، المجموع 3: 321، بداية المجتهد 1: 123.
(4) سنن ابن ماجة 1: 264 / 804، سنن الترمذي 2: 9 / 242، سنن أبي داود 1: 206 / 775، سنن الدار قطني 1: 298 / 4.
(5) فتح العزيز 3: 302، المهذب للشيرازي 1: 78، مغني المحتاج 1: 156.
(6) المجموع 3: 326، مغني المحتاج 1: 156، المهذب للشيرازي 1: 79، المبسوط للسرخسي 1: 13، اللباب 1: 68، بدائع الصنائع 1: 202، شرح فتح القدير 1: =

[ 126 ]

لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ثم تعوذ من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب " (2). وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة بل في قيام رمضان (3)، لأن أنسا روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يفتتح الصلوة ب‍ " الحمد لله رب العالمين " (4). وتقدم جوابه. وقال النخعي، ومحمد بن سيرين: يتعوذ بعد القراءة (5) لقوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) * (6) والمراد إذا أردت القراءة. فروع: أ - صورة التعوذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (7) - لأنه لفظ القرآن، وقال الثوري، وابن سيرين: يزيد بعد ذلك إن الله هو السميع العليم (8). وقال أحمد: أعوذ بالله السميع

= 252، الهداية للمرغيناني 1: 48، شرح العناية 1: 252، الكفاية 1: 253، المغني 1: 554، الشرح الكبير 1: 551، الانصاف 2: 47. (1) سنن أبي داود 1: 206 / 775، سنن الدارمي 1: 282، سنن البيهقي 2: 35.
(2) الكافي 3: 311 / 7، التهذيب 2: 67 / 244.
(3) المدونة الكبرى 1: 64، الشرح الصغير 1: 122، القوانين الفقهية: 63، المجموع 3: 325، فتح العزيز 3: 304، المغني 1: 554، الشرح الكبير 1: 552، شرح فتح القدير 1: 253.
(4) سنن أبي داود 1: 207 / 782، سنن الدارمي 1: 281، سنن الترمذي 2: 15 / 246، سنن ابن ماجة 1: 267 / 813.
(5) المجموع 3: 325، المحلى 3: 250.
(6) النحل: 98.
(7) المجموع 3: 323 و 325، فتح العزيز 3: 304، بدائع الصنائع 1: 203، شرح فتح القدير 1: 253، الهداية للمرغيناني 1: 48، الكفاية 1: 253، شرح العناية 1: 253، المغني 1: 554، الشرح الكبير 1: 552.
(8) المجموع 3: 325، حلية العلماء 2: 83.

[ 127 ]

العليم من الشيطان الرجيم (1). وقال الحسن بن صالح بن حي: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (2). واحتجوا بقوله تعالى: * (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) * (3) والأخير ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة بل خبر بعده، والأمر قبله. ب - يستحب الاسرار بها ولو في الجهرية. وهو أحد قولي الشافعي (4)، لأن ابن عمر كان يتعوذ في نفسه (5)، والآخر: يجهر به في الجهرية (6)، لأن أبا هريرة جهر به (7). وعمل الأئمة عليهم السلام أولى. ج - إنما يستحب التعوذ في الركعة الأولى خاصة - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد القولين (8) - لأن الصلاة كالفعل الواحد فيكفي استعاذة واحدة كالتوجه، وفي الآخر: في كل ركعة (9) لقوله تعالى: * (فإذا

(1) المغني 1: 554، الشرح الكبير 1: 552، الانصاف 2: 47، المجموع 3: 325.
(2) المجموع 3: 325.
(3) فصلت: 36.
(4) الأم 1: 107، المجموع 3: 324 و 326، فتح العزيز 3: 305، مغني المحتاج 1: 156.
(5) سنن البيهقي 2: 36، وانظر الأم 1: 107، المهذب للشيرازي 1: 79.
(6) المجموع 3: 324، فتح العزيز 3: 305، مغني المحتاج 1: 156.
(7) سنن البيهقي 2: 36، الأم 1: 107، المهذب للشيرازي 1: 79.
(8) الأم 1: 107، مغني المحتاج 1: 156، فتح العزيز 3: 306، المهذب للشيرازي 1: 79، كفاية الأخيار 1: 72، المبسوط للسرخسي 1: 13، اللباب 1: 71، الهداية للمرغيناني 1: 48، شرح العناية 1: 255.
(9) المجموع 3: 324 و 326، فتح العزيز 3: 305، مغني المحتاج 1: 156، المهذب للشيرازي 1: 79، كفاية الأخيار 1: 72.

[ 128 ]

قرأت القرآن) * (1) وليس المراد كل آية بل قراءة واحدة، والصلاة كلها واحدة. د - لو نسيه في الأولى لم يأت به في الثانية لفوات محله، وقال الشافعي - على القول الثاني - باستحباب إعادته (2). مسألة 217: القراءة واجبة في الصلاة وشرط فيها عند علمائنا أجمع، وبه قال عامة العلماء إلا ما نقل عن الحسن بن صالح بن حي، وابن علية، والأصم فإنهم قالوا: باستحبابها (3). لنا قوله تعالى: * (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) * (4) وليس واجبا في غير الصلاة فيجب فيها إجماعا، ولقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بقراءة) (5) وخلاف المذكورين منقرض، واحتجاجهم بقول عمر - عمن نسي القراءة -: لا بأس (6). وليس حجة، ويحمل على النسيان خاصة لوروده فيه. مسألة 218: وتتعين الفاتحة في كل فريضة ثنائية، وفي الأوليين من غيرها عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، والثوري، وأحمد، وأبو ثور، ومالك، وإسحاق، وداود (7) - لقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ

(1) النحل: 98.
(2) المجموع 3: 324، فتح العزيز 3: 307، مغني المحتاج 1: 156.
(3) المجموع 3: 330، عمدة القارئ 6: 9، الكفاية 1: 255. (4) المزمل: 20.
(5) صحيح مسلم 1: 297 / 396، مسند أحمد 2: 308 و 443، كنز العمال 7: 443 / 19697.
(6) المجموع 3: 330، بداية المجتهد 1: 125، عمدة القارئ 6: 9.
(7) الأم 1: 107، المجموع 3: 326، فتح العزيز 3: 308، مغني المحتاج 1: 156، المغني 1: 555، الشرح الكبير 1: 556، الشرح الصغير 1: 112، بلغة السالك 1: 112، المنتقى للباجي 1: 156، بداية المجتهد 1: 126.

[ 129 ]

فيها بأم القرآن) (1) ومن طريق الخاصة قول محمد بن مسلم: سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته قال: " لا صلاة له إلا أن يقرأها في جهر أو إخفات " (2) ولأن القراءة جزء من الصلاة فكانت متعينة كالركوع والسجود. وقال أبو حنيفة: أي شئ قرأ أجزأه (3) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال للاعرابي: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) (4) ولأن الفاتحة كغيرها في جميع الأحكام فكذا الصلاة. والرواية: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن يقرأ) (5)، والتساوي ممنوع للإجماع على إساءة من ترك الفاتحة دون غيرها. وقال محمد، وأبو يوسف: ثلاث آيات أو آية كبيرة كآية الدين (6) (7). وهو تحكم. وعن أحمد رواية: يجزئ مقدار آية (8).

(1) صحيح مسلم 1: 295 / 394، سنن أبي داود 1: 217 / 822، كنز العمال 7: 437 / 19664 و 19667.
(2) الكافي 3: 317 / 28، التهذيب 2: 146 / 573 و 147 / 576، الاستبصار 1: 310 / 1152 و 354 / 1339.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 221، الهداية للمرغيناني 1: 48، شرح العناية 1: 255، بدائع الصنائع 1: 160، اللباب 1: 77.
(4) صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن ابن ماجة 1: 336 / 1060، سنن النسائي 2: 124، مسند أحمد 2: 437، سنن الترمذي 2: 104 / 303، كنز العمال 7: 425 / 19625 و 426 / 19626.
(5) مسند أحمد 4: 340، كنز العمال 7: 425 / 19624.
(6) إشارة إلى الآية 282 من سورة البقرة.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 221، بدائع الصنائع 1: 112، المجموع 3: 327.
(8) المغني 1: 555، الشرح الكبير 1: 556، الانصاف 2: 112.

[ 130 ]

وهل تجب الفاتحة في النافلة؟ الأقوى عندي عدم الوجوب - خلافا للشافعي (1) - عملا بالأصل. مسألة 219: وفي وجوب سورة بعد الحمد في الثنائية وأوليي غيرها قولان: الأشهر: الوجوب - وبه قال بعض أصحاب الشافعي (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقرأ في الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكذا في العصر (3)، وقال لمعاذ: (اقرأ بالشمس وضحيها وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى) (4). وروى الجمهور عنه عليه السلام أنه قال (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها غيرها) (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل ما تقول فيمن قرأ أم الكتاب فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسي (6): ليس بذلك بأس. فكتب بخطه: " يعيدها مرتين على رغم أنفه " (7).

(1) المجموع 3: 326، مغني المحتاج 1: 156.
(2) المجموع 3: 388.
(3) صحيح البخاري 1: 193 و 197، صحيح مسلم 1: 333 / 451، سنن النسائي 2: 166، سنن أبي داود 1 212 / 798.
(4) صحيح مسلم 1: 340 / 197، سنن النسائي 2: 173، سنن البيهقي 2: 393.
(5) سنن الترمذي 2: 3 / 238، سنن ابن ماجة 1: 274 / 839، سنن البيهقي 2: 374، سنن الدار قطني 1: 321 / 15 بتفاوت.
(6) الظاهر أنه هشام بن إبراهيم العباسي نسبة إلى كتابه الذي ألفه وأنفذه إلى هارون الرشيد في إمامة العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا الرجل من أعداء الامامين الرضا والجواد (عليهما السلام) وقد وردت في ذمه روايات جمة. انظر: جامع الرواة 2: 312: وتنقيح المقال 3: 291.
(7) الكافي 3: 313 / 2، التهذيب 2: 69 / 252، الاستبصار 1: 311 / 1156.

[ 131 ]

وقال الشيخ في موضع: إنه مستحب لا واجب (1). وهو مذهب الجمهور كافة إلا عثمان بن أبي العاص فإنه أوجب بعد الفاتحة قدر ثلاث آيات (2) لأن النبي عليه السلام قال: (لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب) (3) وهو يعطي حالة الضرورة. مسألة 220: يجوز في حال الضرورة، والاستعجال الاقتصار على الحمد إجماعا، ولقول الصادق عليه السلام: " يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار " (4) وسئل عليه السلام أيجزي عني أن أقول في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها إذا كنت مستعجلا أو أعجلني شئ؟ فقال: " لا بأس " (5). ولأنها حالة مشقة فيسقط التكليف بها، وقال الصادق عليه السلام: " لا بأس أن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الأوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو يخاف شيئا " (6). وكذا يجوز أن يقرأ بعض السورة حالة الضرورة، لأن الصادق عليه السلام سئل عن السورة تصلى في الركعتين من الفريضة، فقال: " نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الأولى والنصف الآخر في الركعة الثانية " (7) وحملناه على الضرورة جمعا بين الأدلة.

(1) النهاية: 75.
(2) المجموع 3: 388 - 389، كفاية الأخيار 1: 73، المغني 1: 568، الشرح الكبير 1: 568، الهداية للمرغيناني 1: 48، المبسوط للسرخسي 1: 19، اللباب 1: 69، الشرح الصغير 1: 116.
(3) كنز العمال 7: 443 / 19697، تاريخ بغداد 4: 216.
(4) الكافي 3: 314 / 9، التهذيب 2: 70 / 256، الاستبصار 1: 315 / 1171.
(5) الكافي 3: 314 / 7، التهذيب 2: 70 / 255، الاستبصار: 315 / 1170.
(6) التهذيب 2: 71 / 261، الاستبصار 1: 315 / 1172.
(7) التهذيب 2: 294 / 1182، الاسبتصار 1: 316 / 1175.

[ 132 ]

وسئل الباقر عليه السلام عن رجل قرأ سورة فغلط أيدع المكان الذي غلط فيه ويمضي في قراءته، أو يدع تلك السورة ويتحول منها إلى غيرها؟ قال: " كل ذلك لا بأس به، وإن قرأ آية واحدة فشاء أن يركع بها ركع " (1). مسألة 221: ولا يقرأ في الثالثة والرابعة في الثلاثية والرباعية بعد الحمد شيئا عند علمائنا - وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي في أحد القولين (2) - ولأن عليا عليه السلام كتب إلى شريح أن: " اقرأ في الركعتين الأوليين أم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن " (3). والآخر للشافعي: قراءة غيرها معها (4) لأن أبا سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين نصف ذلك (5) ولأنهما يساويان الأوليين في الواجب من القراءة فكذا في المستحب. ويحمل الحديث مع ثبوته على نافلة الظهر، ونمنع التساوي. مسألة 222: البسملة آية من الحمد، ومن كل سورة عدا براءة، وفي النمل آية وبعض آية، وبه قال الشافعي، والزهري، وعطاء (6). قال ابن

(1) التهذيب 2: 293 / 1181.
(2) المجموع 3: 361، إرشاد الساري 2: 97، بداية المجتهد 1: 128، المبسوط للسرخسي 1: 18، عمدة القارئ 6: 19، شرح فتح القدير 1: 274، اللباب 1: 73، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا إلا أنه ورد في المصنف لابن أبي شيبة 1: 370، هكذا: كتب عمر إلى شريح... إلى آخر ما في المتن. فلاحظ.
(4) الأم 1: 107، المجموع 3: 382.
(5) سنن البيهقي 2: 64 و 66.
(6) الأم 1: 107 - 108، تفسير الرازي 1: 194، مختصر المزني: 14، المغني 1: 558، الشرح الكبير 1: 554، بداية المجتهد 1: 124، أحكام القرآن لابن العربي 1: 2.

[ 133 ]

المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية، وروي عن أبي عبيد، وأبي ثور (1) لأن أبا هريرة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ الحمد، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله (2)، ولأن النبي صلى الله عليه وآله قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، الحمد لله رب العالمين آيتين (3) وقال عليه السلام: (إذا قرأتم الحمد فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها من أم الكتاب، وأنها السبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله معاوية بن عمار إذا قمت إلى الصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال: " نعم " قلت: فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: " نعم " (5). وقد أثبتها الصحابة في أوائل السور بخط المصحف مع تشددهم في كتبة ما ليس من القرآن فيه، ومنعهم من النقط والتعشير، ولا يكفر جاحدها للشبهة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وداود: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل (6).

(1) المغني 1: 558، الشرح الكبير 1: 554، المبسوط للسرخسي 1: 15.
(2) سنن البيهقي 2: 46، سنن الدار قطني 1: 305 / 14، مستدرك الحاكم 1: 232، الدر المنثور 1: 8.
(3) سنن البيهقي 2: 44، سنن الدار قطني 1: 307 / 21.
(4) سنن الدار قطني 1: 312 / 36، كنز العمال 7: 437 / 19665.
(5) الكافي 3: 312 / 1، التهذيب 2: 69 / 251، الاستبصار 1: 311 / 1155.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 15، شرح العناية 1: 253، عمدة القارئ 5: 28، =

[ 134 ]

وقال أبو الحسن الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السورة، وهو مروي عن أحمد (1) لأن النبي عليه السلام قال: (يقول الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله اثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، يقول الله تعالى: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، يقول الله: هذه بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: إهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، يقول الله تعالى: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل) (2) ولم يذكر البسملة. وقال عليه السلام: (سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي تبارك الذي بيده الملك) (3) وهي ثلاثون [ آية ] (4) سوى البسملة، وأجمعوا على أن الكوثر ثلاث آيات (5). والحديث رواه أبو هريرة: فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله تعالى: ذكرني عبدي (6). وسورة الملك والكوثر يحتمل أن تكون البسملة بعض آية مضمومة إلى أولها، أو قال: قبل نزول البسملة، أو أراد ما

= أحكام القرآن لابن العربي 1: 2، بداية المجتهد 1: 124 - 125، تفسير الرازي 1: 194، حلية العلماء 2: 86، المغني 1: 558، الشرح الكبير 1: 554. ويريدون بذلك الآية 30 من سورة النمل وهي قوله تعالى: * (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) *. (1) تفسير الرازي 1: 194، أحكام القرآن للجصاص 1: 8.
(2) صحيح مسلم 1: 296 / 395، سنن الترمذي 5: 201 / 2953، سنن النسائي 2: 136، مسند أحمد 2: 241 و 285 و 460.
(3) سنن الترمذي 5: 164 / 2891.
(4) زيادة يقتضيها السياق.
(5) تفسير الرازي 32: 117، غرائب القرآن 30: 174، فنون الأفنان: 162.
(6) سنن الدار قطني 1: 312 / 35.

[ 135 ]

تختص به السورة من آياتها وأن البسملة آية منها ومن غيرها. مسألة 223: يجب أن تقرأ بالعربية ولا يجزئ مرادفها سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لا - وبه قال الشافعي، وأحمد (1) - لقوله تعالى: * (بلسان عربي) * (2) * (قرآنا عربيا) * (3) ولأن النبي عليه السلام داوم عليه وقال (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4) ولأنه معجز بلفظه ونظمه فلو كان معناه قرآنا لم يتحقق الاعجاز. وقال أبو حنيفة: هو مخير إن شاء قرأ بالفارسية، أو تلفظ بالعربية ما يكون تفسيره لفظ القرآن (5). وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان يحسن القراءة فلا يجوز أن يقرأ بلسان غيرها، وإن كان لا يحسنها جاز أن يقرأ بلسان غيرها يفسرها (6) لقوله تعالى: * (لأنذركم به ومن بلغ) * (7) ولا يمكن أن ينذر الفرس إلا بلسانهم، ولأن كل ذكر وجب في الصلاة فإنما يعتبر معناه خاصة كالخطبة. والقرآن حجة على العجم لقصور العرب عنه، ولأنه إذا فسره لهم كان الانذار به دون التفسير، ويخالف الخطبة، لأن غيرها مثلها ولا مثل للقرآن، وألفاظها لا إعجاز فيها بخلاف القرآن. مسألة 224: لو لم يحسن القراءة وجب عليه التعلم، وكذا لو لم يحسن العربية لاجماع العلماء على القراءة، ولأن وجوب القراءة يستدعي وجوب

(1) المجموع 3: 379 و 380، المهذب للشيرازي 1: 80، المغني 1: 562.
(2) الشعراء: 195.
(3) طه: 113.
(4) صحيح البخاري 1: 162 - 163، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 272 / 1. (5 و 6) المبسوط للسرخسي 1: 37، بدائع الصنائع 1: 112.
(7) الأنعام: 19.

[ 136 ]

التعلم لتوقف أداء الواجب عليه فإن لم يفعل مع المكنة لم تصح صلاته. ولو خشي ضيق الوقت قبل التعليم فإن أمكنه القراءة من المصحف وجب، وهل تكفي مع إمكان التعلم؟ الأقرب ذلك، للامتثال، فإن عجز أو لم يحسن تخير في الحفظ وتعلم الكتابة إن جوزناه. فإن أحسن غير الفاتحة من القرآن فعليه أن يقرأ سبع آيات ولا يعدل إلى الذكر، لأن القرآن أقرب إلى القرآن، ولا يجوز أن ينقص عن سبع آيات مع المعرفة، فلو قرأ آية طويلة بقدر الفاتحة فالأقرب الإجزاء، وهو أحد قولي الشافعي (1)، والأقرب اشتراط عدم قصور الآيات السبع عن آيات الفاتحة، وللشافعي قولان (2). ويجوز أن يجعل آيتين بدلا من آية، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: يجب تعديل حروف كل آية من البدل بآية من الفاتحة (3). ولو لم يحسن الفاتحة ولا غيرها من القرآن سبح الله، وهلله، وكبره بقدر القراءة. ولا يقرأ بغير العربية، ولا معنى القرآن - وبه قال الشافعي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال له رجل: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني في الصلاة. فقال صلى الله عليه وآله: (قل * سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله). فقال الرجل: هذا لله فما لي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(1) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة لدينا.
(2) المجموع 3: 374، المهذب للشيرازي 1: 80، السراج الوهاج: 44 (3) المجموع 3: 375، فتح العزيز 3: 337 - 338.
(4) المجموع 3: 379، الوجيز 1: 43، فتح العزيز 3: 336.

[ 137 ]

(قل: اللهم ارحمني وعافني وارزقني) (1). فروع: أ - هل يجب أن يذكر بقدر الفاتحة؟ إشكال ينشأ من وجوب سبع آيات عن (2) الحمد فكذا الذكر، ومن أنه بدل من الجنس فاعتبر العدد بخلاف الذكر فإنه من غير الجنس فيجوز أن يكون دون أصله كالتيمم، وهو أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وآله اقتصر في التعليم على ما ذكره، وبه قال أحمد (3)، وقال الشافعي بالأول (4). ب - هذا الذكر واجب - وبه قال الشافعي (5) - لأنه بدل عن الواجب، وقال أبو حنيفة: لا شئ عليه إذا لم يحسن القرآن بل يقوم ساكتا (6). وقال مالك: لا يلزمه الذكر ولا القيام (7). ولا يجب هذا الترتيب على إشكال ينشأ من أنه بدل عن الحمد في الأخريين على ما يأتي وكذا في الأوليين مع العجز. ج - لو لم يحسن هذه الكلمات كرر ما يحسن منها بقدرها، والأقرب استحباب ذلك لا وجوبه. د - لو أحسن منها آية اقتصر عليها، لأنها أقرب إليها من الذكر،

(1) سنن أبي دواد: 220 / 832.
(2) في نسخة (م): غير.
(3) المغني 1: 564، كشاف القناع 1: 341.
(4) المجموع 3: 377، فتح العزيز 3: 342، السراج الوهاج: 44. (5) المجموع 3: 376 و 379، الوجيز 1: 43، فتح العزيز 3: 339، كفاية الأخيار 1: 66، السراج الوهاج: 44.
(6) المجموع 3: 379، فتح العزيز 3: 339.
(7) المجموع 3: 379، فتح العزيز 3: 340.

[ 138 ]

والأقرب وجوب تكررها سبعا حينئذ، وبه قال أحمد، والشافعي في أحد القولين (1). ولو كان يحسن غيرها قرأ ما يحسنه منها ثم قرأ من غيرها بقدر باقيها، لأن هذه الآية سقط فرضها بقراءتها، وقال أحمد: يكرر ما يحسنه منها دون غيرها لأن الآية منها أقرب إليها من غيرها (2). وللشافعية وجهان (3). ه‍ - لو عرف بعض آية فالأولى عدم لزوم تكرارها، ويعدل إلى غيرها لأنه عليه السلام أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: الحمد لله وغيرها (4) وهي بعض آية ولم يأمره بتكرارها، هذا إذا لم يسم ذلك البعض قرآنا، فإن سمي فالوجه تكرره - كآية الدين (5) - لو نقصت كلمة. و - لو لم يحسن القرآن ولا الذكر فالوجه وجوب الوقوف بقدر القراءة، ولو كان يحسن الذكر المنقول وغيره فالوجه وجوب ما نص عليه النبي صلى الله عليه وآله لأنه بدل من القراءة في الأخيرتين دون غيره من الأذكار، خلافا للشافعي في أحد الوجهين (6). ولو لم يحسن بالعربية لم تجزئه ترجمتها بخلاف التكبير بل يأتي بسبع آيات، فإن لم يحسن فالذكر، ولو لم يحسن الذكر بالعربية أجزأت الترجمة، وهل هو أولى من ترجمة القرآن؟ فالأقرب العكس.

(1) المجموع 3: 375، فتح العزيز 3: 339، المهذب للشيرازي 1: 80، المغني 1: 562، الشرح الكبير 1: 566.
(2) المغني 1: 563، الشرح الكبير 1: 566.
(3) المجموع 3: 375 - 376، فتح العزيز 3: 344، المهذب للشيرازي 1: 80.
(4) سنن أبي داود 1: 220 / 832.
(5) إشارة إلى الآية 282 من سورة البقرة.
(6) المجموع 3: 377، فتح العزيز 3: 341 - 342، المهذب للشيرازي 1: 80.

[ 139 ]

ز - لو أحسن سبع آيات متوالية لم يجز له التفرقة على إشكال، ولو لم يحسن المتوالية أجزأه التفرقة قطعا، ولو كان يحسن بعض الحمد وغيرها كان الغير أولى من الذكر. ح - لو أحسن النصف الأول من الحمد قرأه وقرأ عوض الباقي من غيرها فإن لم يحسنه ذكر بقدره، ولو كان يحسن النصف الثاني أتى به وبالذكر. وهل تترتب القراءة على الذكر؟ الأقرب عدم الوجوب عملا بالأصل، وللشافعي وجهان (1). فعلى الترتيب لو أحسن آية من وسط الحمد وسطها بين ذكرين. ط - لو افتتح يصلي بالأذكار لعجزه فحصل من يحسن الفاتحة فيلقن منه في الأثناء، أو حضر مصحف يمكنه القراءة منه، فإن لم يكن قد شرع في البدل قرأ الفاتحة، وإن قرأ بعض البدل فعليه قراءة ما لم يأت ببدله وقراءة ما أتى ببدله، وهو أصح وجهي الشافعي (2). وكذا لو تعلم بعده قبل الركوع، لكن أصح وجهي الشافعي هنا الاكتفاء لأن الفرض يؤدي بالبدل (3). وهو منقوض بالتيمم قبل الصلاة. أما لو تعلم بعد الركوع فقد مضت الركعة على الصحة، ويحتمل عندي استحباب العدول إلى النفل لثبوته في استدراك سورة الجمعة مع استحبابه، فاستدراك الواجب أولى. ي - هذا الذكر بدل عن الفاتحة لا عن السورة إذا لم يعلم غير الفاتحة بل يكتفي بالفاتحة، ولو أحسن بعض السورة وجب عليه قراءته بعد الحمد

(1) الوجيز 1: 43، فتح العزيز 3: 345، كفاية الأخيار 1: 67.
(2) المجموع 3: 378 - 379، فتح العزيز 3: 346.
(3) المجموع 3: 379، فتح العزيز 3: 346.

[ 140 ]

والتعلم مع سعة الوقت. يا - الأخرس يحرك لسانه بالقراءة ويعقد بها قلبه، لأنهما واجبان على القادر (1). مسألة 225: ويجب أن يأتي بحروف الفاتحة أجمع حتى التشديد وهو أربع عشرة شدة في الفاتحة إجماعا، فلو أخل بحرف منها عمدا قادرا بطلت صلاته - وبه قال الشافعي (2) - لأنه مع إخلال حرف لم يأت بالفاتحة. وكذا التشديد لأن المشدد أقيم مقام حرفين فإن شدة راء الرحمن ودال الدين أقيمت مقام اللام، فإذا أخل بها أخل بالحرف وما يقوم مقامه. وقال بعض الجمهور: ولا تبطل بترك الشدة لعدم ثبوتها في المصحف، وهي صفة الحرف، ويسمى تاركها قارئا (3). وليس بجيد. ولو فك الادغام فهو لحن لا يغير المعنى، ولا تستحب المبالغة في التشديد بحيث يزيد على قدر حرف ساكن لأنها في كل موضع أقيمت مقام حرف ساكن. تذنيب: يجب إخراج الحروف من مواضعها مع القدرة فإن أخل بها وأمكنه التعلم أعاد الصلاة وإلا فلا، ولا يعذر بالجهل، ولو أخرج الضاد من مخرج الظاء أو بالعكس أعاد مع إمكان التعلم، وهو أحد وجهي الشافعي، والآخر: لا يعيد لعسر التمييز بينهما (4).

(1) في نسخة م: الفاقد.
(2) الوجيز 1: 42، فتح العزيز 3: 326، كفاية الأخيار 1: 66، السراج الوهاج: 43، المغني 1: 559، الشرح الكبير 1: 562 - 563.
(3) المغني 1: 559، الشرح الكبير 1: 563.
(4) المجموع 3: 392، الوجيز 1: 42، فتح العزيز 3: 326، السراج الوهاج: 43.

[ 141 ]

مسألة 226: الاعراب شرط في القراءة على أقوى القولين، فلو لحن عمدا فالأقرب الاعادة سواء كان عالما، أو جاهلا، وسواء غير المعنى مثل أن يكسر كاف إياك، أو يضم تاء أنعمت، أو لا مثل أن نصب الله، أو رفعه، وسواء كان خفيا، أو لا. وللشافعي فيما إذا لم يتغير المعنى وجهان (1) لقوله تعالى: (بلسان عربي) * (2) ولأنه عليه السلام أعرب وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3). مسألة 227: يجب أن يقرأ بالمتواتر من القراآت وهي السبعة، ولا يجوز أن يقرأ بالشواذ، ولا بالعشرة، وجوز أحمد قراءة العشرة، وكره قراءة حمزة والكسائي من السبعة، لما فيها من الكسر والادغام (4). ويجب أن يقرأ بالمتواتر من الآيات وهو ما تضمنه مصحف علي عليه السلام، لأن أكثر الصحابة اتفقوا عليه، وحرق عثمان ما عداه، ولا يجوز أن يقرأ بمصحف ابن مسعود، ولا أبي، ولا غيرهما، وعن أحمد رواية بالجواز إذا اتصلت به الرواية (5)، وهو غلط لأن غير المتواتر ليس بقرآن. والمعوذتان من القرآن يجوز أن يقرأ بهما، ولا اعتبار بإنكار ابن مسعود (6) للشبهة الداخلة عليه بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعوذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام (7)، إذ لا منافاة بل القرآن صالح للتعوذ به

(1) المجموع 3: 393.
(2) الشعراء: 195.
(3) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 346 / 10.
(4) المغني 1: 570، الشرح الكبير 1: 571.
(5) المغني 1: 571، الشرح الكبير 1: 571.
(6) المجموع 3: 396، الدر المنثور 6: 416، تفسير الآلوسي 30: 279.
(7) مسند أحمد 5: 130.

[ 142 ]

لشرفه وبركته، وقال الصادق عليه السلام: " اقرأ المعوذتين في المكتوبة " (1) وصلى عليه السلام المغرب فقرأهما فيها (2). مسألة 228: يجب أن يقرأ الفاتحة والسورة على ترتيبهما المخصوص، فلو قدم آية على المتأخرة أعاد - وبه قال الشافعي (3) - وكذا يجب أن يقدم الحمد على السورة فإن خالف أعاد الصلاة إن فعله عمدا، وإلا القراءة، لأن الأمر ورد بالتلاوة على الترتيب فلا يكون المخل به آتيا بالمأمور به، ويجب أن يأتي بالجزء الصوري، لأن الاعجاز فيه فلو قرأه مقطعا كأسماء العدد لم يجزئ. ولو سكت في أثناء القراءة بالخارج عن المعتاد إما بأن أرتج عليه فطلب التذكر، أو قرأ من غيرها سهوا لم تقطع القراءة وقرأ الباقي. وإن سكت طويلا عمدا لا لغرض حتى خرج عن كونه قارئا استأنف القراءة، وكذا لو قرأ في أثنائها ما ليس منها ولا تبطل صلاته. ولو سكت بنية القطع بطلت قراءته، ولو سكت لا بنية القطع أو نواه ولم يسكت صحت لأن الاعتبار بالفعل لا بالنية، بخلاف ما لو نوى قطع الصلاة فإنها تبطل وإن لم يقطع الأفعال لأن الصلاة تحتاج إلى نية فتبطل بتركها بخلاف القراءة. ولو كرر آية من الفاتحة لم تبطل قراءته سواء أوصلها بما انتهى إليه أو ابتدأ من المنتهى، خلافا لبعض الشافعية في الأول (4).

(1) التهذيب 2: 96 / 356.
(2) الكافي 3: 314 / 8 و 317 / 26، التهذيب 2: 96 / 357.
(3) المجموع 3: 357، فتح العزيز 3: 328، كفاية الأخيار 1: 66.
(4) المجموع 3: 358، ويستفاد منه أن خلاف بعض الشافعية في الثاني لا الأول. فلاحظ.

[ 143 ]

ولو كرر الحمد عمدا ففي إبطال الصلاة به إشكال ينشأ من مخالفة المأمور به، ومن تسويغ تكرار الآية فكذا السورة. ولو سأل الرحمة عند آيتها، أو تعوذ من النقمة عند آيتها كان مستحبا ولا تبطل بهما الموالاة، لأنه ندب إليهما، قال حذيفة: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله ذات ليلة فقرأ سورة البقرة فكان إذا مر على آية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ (1). وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: تبطل، وكذا لو عطس فحمد الله (2). ولو ترك الموالاة سهوا لم تبطل وبنى، وهو قول أكثر الشافعية (3)، وقال إمام الحرمين: تبطل كما لو ترك الترتيب سهوا (4). مسألة 229: قراءة الفاتحة متعينة في الأوليين من كل صلاة، ولا تجب عينا في ثالثة المغرب، والآخريين من الرباعيات، بل يتخير بينها وبين التسبيح عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، والثوري، وأحمد في رواية (5) - لأن عليا عليه السلام قال: " اقرأ في الأوليين وسبح في الآخريين " (6). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سأله زرارة ما يجزئ من

(1) صحيح مسلم 1: 536 / 772، سنن النسائي 3: 225.
(2) المجموع 3: 359، الوجيز 1: 42 - 43، كفاية الأخيار 1: 66، فتح العزيز 3: 329 - 330.
(3) المجموع 3: 357، فتح العزيز 3: 331.
(4) المجموع 3: 358، فتح العزيز 3: 331.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 19، اللباب 1: 73، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560، المجموع 3: 361.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 1: 372.

[ 144 ]

القول في الركعتين الأخيرتين: " أن يقول: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويكبر ويركع " (1) ولأنها لو وجبت في باقي الركعات لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالأوليين. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأحمد في رواية: تجب الفاتحة في كل ركعة من الأوائل والأواخر (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله قرأ في الآخريين من الظهر بأم الكتاب (3)، ونحن نقول بموجبه إذ هو واجب مخير. فروع: أ - تجب الفاتحة في الأوليين خاصة، وقال الحسن: تجب في ركعة واحدة أيها شاء (4) لقوله تعالى: * (فاقرؤا ما تيسر منه) * (5) وعن مالك أنه يجب أن يقرأ في معظم الصلاة، ففي الثلاثية يقرأ الفاتحة في ركعتين، وفي الرباعية تجب في ثلاث إقامة للأكثر مقام الجميع (6). ب - قال أبو حنيفة: لا يجب التسبيح ولا القراءة في الأخيرتين بل يجزئه السكوت، ولو لم يقرأ في الأوليين قرأ في الأخيرتين (7).

(1) الكافي 3: 319 / 2، التهذيب 2: 98 / 367، الاستبصار 1: 321 / 1198.
(2) الأم 1: 107، المجموع 3: 361، فتح العزيز 3: 313، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560، المبسوط للسرخسي 1: 18، نيل الأوطار 2: 232.
(3) صحيح البخاري 1: 197، صحيح مسلم 1: 333 / 451، سنن أبي داود 1: 212 / 799، سنن النسائي 2: 165، سنن البيهقي 2: 63.
(4) المجموع 3: 361، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560، المبسوط للسرخسي 1: 18، بداية المجتهد 1: 126، نيل الأوطار 2: 233.
(5) المزمل: 20.
(6) بلغة السالك 1: 113، الشرح الصغير 1: 113، المجموع 3: 361، فتح العزيز 3: 313، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560، المبسوط للسرخسي 1: 18.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 19، عمدة القارئ 6: 8، المجموع 3: 361، فتح العزيز 3: 313، المغني 1: 561، الشرح الكبير 1: 560، نيل الأوطار 2: 233.

[ 145 ]

ج - روي أن التسبيح أفضل من القراءة، وروي العكس، وروي استحباب القراءة للامام والتسبيح للمأموم، وهو حسن، وروي التساوي، وقال سفيان: يكره القراءة في الأخيرتين (1). د - لو نسي القراءة في الأوليين قيل: تجب في الأخيرتين لئلا تخلو الصلاة من قراءة، وقيل: لا يسقط التخيير (2). وهو أقوى. ه‍ - لا يجب فيه ما يجب في الفاتحة من الاخفات. مسألة 230: واختلف في كيفية التسبيح فالأقوى الاكتفاء بقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر مرة واحدة لحديث الباقر عليه السلام (3). وللشيخ قولان: أحدهما: أن يكرر ذلك ثلاث مرات عدا التكبير فإنه يقول في آخره فيكون عشر مرات، وبه قال ابن أبي عقيل، والمرتضى (4). وقال حريز بن عبد الله السجستاني: تسع تسبيحات (5). فأسقط التكبير من الثالث، لقول الباقر عليه السلام: " وإن كنت إماما فقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ثلاث مرات ثم تكبر وتركع " (6) وبه قال الصدوق (7).

(1) تفسير الرازي 1: 216.
(2) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 106، والمحقق في المعتبر: 172.
(3) الكافي 3: 319 / 2، التهذيب 2: 98 / 367، الاستبصار 1: 321 / 1198.
(4) المبسوط للطوسي 1: 106، وحكى المحقق قول ابن أبي عقيل والمرتضى في المعتبر: 178.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 178.
(6) الفقيه 1: 256 / 1158.
(7) الهداية: 31.

[ 146 ]

والثاني للشيخ: اثنتا عشرة مرة فيضيف الله أكبر في الثلاث (1). والأصل براءة الذمة من الوجوب، فتحمل هذه الروايات على الاستحباب جمعا بين الأدلة. تذنيب: الأقرب وجوب هذا الترتيب عملا بالمنقول، وقد روي عن الصادق عليه السلام: " فقل: الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر " (2) والأولى الأول، لحصول يقين البراءة به. مسألة 231: لا يجوز أن يقرأ في الفرائض شيئا من العزائم الأربع عند علمائنا أجمع - خلافا للجمهور كافة - لقول الباقر عليه السلام أو الصادق عليه السلام: " لا يقرأ في المكتوبة بشئ من العزائم، فإن السجود زيادة في المكتوبة " (3). ولأن سجود التلاوة واجب، وزيادة السجود في الصلاة مبطل. وأطبق الجمهور على جوازه للأصل، وإنما يكون حجة لو لم يطرأ المعارض. فروع أ - لو قرأ عزيمة في فريضة عمدا بطلت صلاته، ويجئ على قول الشيخ (4) أنه يسقط آية السجود ويجزئه. ب - يجوز أن يقرأ في النافلة فيسجد واجبا، وكذا إن استمع ثم يقوم فيتم القراءة، وإن كانت السجدة آخر السورة استحب له بعد القيام قراءة الحمد ليركع عن قراءة، ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل الرجل يقرأ السجدة في

(1) النهاية: 76.
(2) التهذيب 2: 99 / 372، الاستبصار 1: 322 / 1203.
(3) الكافي 3: 318 / 6، التهذيب 2: 96 / 361.
(4) المبسوط للطوسي 1: 108.

[ 147 ]

آخر السورة: " يسجد ثم يقوم ويقرأ فاتحة الكتاب، ثم يركع ويسجد " (1). وقال الشيخ: يقرأ الحمد وسورة، أو آية منها (2). ج - لو سهى في الفريضة فقرأ عزيمة رجع عنها ما لم يتجاوز النصف وجوبا على إشكال، فإن تجاوزه ففي جواز الرجوع عنها إشكال، فإن منعناه قرأها كملا ثم أومى أو يقضيها بعد الفراغ بالسجدة، لقول الصادق عليه السلام وقد سأله عمار عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم فقال: " إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها وإن أحب أن يرجع فيقرأ سورة غيرها ويدع التي فيها السجدة رجع إلى غيرها " (3). د - لو سمع في الفريضة فإن أوجبناه بالسماع أو استمع أومأ أو قضى. ه‍ - لو نسي السجدة حتى ركع سجدها إذا ذكر، لأن محمد بن مسلم سأل أحدهما عليهما السلام عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال: " يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم " (4). و - لو كان مع إمام ولم يسجد الامام ولم يتمكن من السجود فليؤم إيماء لقول الصادق عليه السلام: " إن صليت مع قوم فقرأ الامام اقرأ باسم ربك الذي خلق، أو شيئا من العزائم، وفرغ من قراءته ولم يسجد فأوم لها " (5). مسألة 232: لا يجوز أن يقرأ ما يفوت الوقت بقراءته لاستلزامه الاخلال بالواجب، وهو يجوز أن يقرن بين سورتين مع الحمد في ركعة؟ منعه

(1) الكافي 3: 318 / 5، التهذيب 2: 291 / 1167، الاستبصار 1: 319 / 1189.
(2) النهاية: 79، المبسوط للطوسي 1: 108.
(3) التهذيب 2: 293 / 1177.
(4) التهذيب 2: 292 / 1176.
(5) الكافي 3: 318 / 4، التهذيب 2: 291 / 1168، الاستبصار 1: 320 / 1192.

[ 148 ]

الشيخ (1) لقول أحدهما عليهما السلام وقد سأله محمد بن مسلم أيقرأ الرجل السورتين في ركعة قال: " لا لكل سورة ركعة " (2) ولأنه صلى الله عليه وآله كذا صلى (3). وقال المرتضى رضي الله عنه: يكره (4) لقول الباقر عليه السلام: " إنما يكره الجمع بين السورتين في الفريضة " (5) ويحمل على التحريم لوروده فيه، وجوزه الشافعي (6)، لأن ابن عمر فعله (7). وليس حجة. فروع: أ - قال في المبسوط: لو قرن ما بين سورتين بعد الحمد لم يحكم بالبطلان (8). ب - لو قرأ السورة الواحدة مرتين فهو قارن، وكذا لو كرر الحمد، ولا يجزئه تكريرها عن السورة الأخرى، لأن الفاتحة في الركعة مضيقة والشئ الواحد لا يؤدى به المضيق والمخير في محل. ج - يجوز أن يكرر السورة الواحدة في الركعتين وأن يقرأ فيهما بسورتين

(1) النهاية: 75، الخلاف 1: 336 مسألة 87.
(2) التهذيب 2: 70 / 254، الاستبصار 1: 314 / 1168.
(3) انظر على سبيل المثال الكافي 3: 482 / 1 وصحيح البخاري 1: 193.
(4) صريح السيد المرتضى (قدس سره) في الانتصار: 44 وجوابات المسائل الموصليات الثالثة " ضمن رسائل الشريف المرتضى " 1: 220 هو عدم الجواز لا القول بالكراهة ليحمل على التحريم، ولعل العلامة نقله عن مصدر آخر لم نعثر عليه.
(5) الكافي 3: 314 / 10 التهذيب 2: 70 / 258 و 72 / 267، الاستبصار 1: 317 / 1180.
(6) المجموع 3: 385، فتح الباري 2: 202.
(7) سنن البيهقي 2: 64، الموطأ برواية الشيباني: 64 / 133، وانظر المغني 1: 572.
(8) المبسوط للطوسي 1: 107.

[ 149 ]

متساويتين أو متفاوتتين - وبه قال الشافعي (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله سوى بينهما (2). وقال أبو حنيفة: يستحب في الفجر قراءة أطول السورتين في الأولى وأقصرهما في الثانية - وبه قال الثوري (3) - وهو مذهبنا على ما يأتي لفائدة تلاحق الناس. د - يجوز أن يقرأ في الثانية السورة التالية لما قرأه في الأولى من غير استحباب - خلافا للشافعي (4) - للأصل، ولو قرأ " الناس " في الأولى قال: يقرأ في الثانية من البقرة (5). مسألة 233: الضحى وألم نشرح سورة واحدة لا تفرد إحداهما عن الأخرى في الركعة الواحدة، وكذا الفيل ولايلاف عند علمائنا، لقول زيد الشحام في الصحيح: صلى بنا الصادق عليه السلام الفجر فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة واحدة (6)، وقد بينا التحريم أو الكراهة فلا يقع من الامام عليه السلام إلا وهو واجب. وسمع المفضل الصادق عليه السلام يقول: " لا يجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح، سورة الفيل ولايلاف " (7).

(1) فتح العزيز 3: 357، المجموع 3: 387، حلية العلماء 2: 94.
(2) صحيح مسلم 1: 334 / 452، سنن أبي داود 1: 213 / 804، سنن النسائي 1: 237، مسند أحمد 3: 2، سنن البيهقي 2: 66.
(3) عمدة القارئ 4: 9، الجامع الصغير للشيباني: 96، المجموع 3: 387، فتح العزيز 3: 357. (4 و 5) المجموع 3: 385.
(6) التهذيب 2: 72 / 266، الاستبصار 1: 317 / 1182.
(7) المعتبر: 178. مجمع البيان 5: 544.

[ 150 ]

وهل تعاد البسملة بينهما؟ الأقرب ذلك، لأنها ثابتة في المصحف، وللاجماع على أنها آية من كل سورة، والاستثناء في رواية المفضل يدل على الاثنينية. وقال الشيخ رحمه الله في التبيان: لا تعاد، لأنهما سورة واحدة (1). والاجماع على أنها ليست آيتين من سورة واحده. والأولى ممنوعة وإن وجبت قراءتهما. مسألة 234: يجوز العدول من سورة إلى أخرى ما لم يتجاوز نصفها إلا في سورة الجحد والاخلاص فإنه لا ينتقل عنهما إلا إلى سورة الجمعة والمنافقين في الجمعة وظهريها، لقول الصادق عليه السلام: " يرجع من كل سورة إلا قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون " (2). فروع أ - قال المرتضى: يحرم الرجوع عن سورة التوحيد والجحد (3). ويحتمل الكراهة. ب - لو وقفت عليه آية من السورة وجب العدول عنها إلى سورة أخرى وإن تجاوز النصف، تحصيلا لسورة كاملة. ج - إذا رجع عن السورة إلى أخرى وجب أن يعيد البسملة، لأنها آية من كل سورة، فالمتلوة آية من المرجوع عنها فلو لم يأت بها ثانيا لم تكمل السورة، وكذا من سمى بعد الحمد من غير قصد سورة معينة يعيدها مع القصد، ولو نسي آية ثم ذكرها بعد الانتقال إلى أخرى قرأها وأعاد ما بعدها

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 178 ونظر أيضا تفسير التبيان 10: 371.
(2) الكافي 3: 317 / 25، التهذيب 2: 190 / 752 و 290 / 1166.
(3) الانتصار: 44.

[ 151 ]

وإن قرأ إلى آخر السورة. مسألة 235: قد بينا جواز القراءة من المصحف - وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد (1) - لأن من جاز له القراءة ظاهرا جاز باطنا (2) كالآية القصيرة من المصحف. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن يقرأ آية قصيرة، لأنه عمل طويل (3). وهو ضعيف، لأن الفكر والنظر لا يبطل الصلاة كما لو أفكر في أشغاله، ونظر إلى المارة، ولا فرق بين الحافظ وغيره. مسألة 236: يجب الجهر بالقراءة خاصة دون غيرها من الأذكار في صلاة الصبح وأولتي المغرب، وأولتي العشاء، والاخفات في الظهرين، وثالثة المغرب، وآخرتي العشاء عند أكثر علمائنا (4) - وبه قال ابن أبي ليلى (5) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (6). ولقول الباقر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه أو

(1) حلية العلماء 2: 89، مغني المحتاج 1: 156، الميزان 1: 143، الجامع الصغير للشيباني: 97، المبسوط للسرخسي 1: 201.
(2) في " م " ناظرا. بدل باطنا.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 201، الجامع الصغير للشيباني: 97، المغني 1: 649، الشرح الكبير 1: 675، الميزان 1: 143، حلية العلماء 2: 89.
(4) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 33، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 108، والمحقق في المعتبر: 175.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 175.
(6) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدار قطني 1: 346 / 10، سنن البيهقي 2: 345، ترتيب مسند الشافعي 1: 108 / 319، مسند أحمد 5: 53.

[ 152 ]

أخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه فقال: " إن فعل ذلك متعمدا فقد نقض صلاته وعليه الاعادة، وإن فعل ذلك ناسيا، أو ساهيا ولا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته " (1). وقال المرتضى (2)، وباقي الجمهور كافة: بالاستحباب عملا بالأصل (3). وهو غلط للإجماع على مداومة النبي صلى الله عليه وآله، وجميع الصحابة، والأئمة عليهم السلام فلو كان مسنونا لا خلوا به في بعض الاحيان. مسألة 237: يجب الجهر بالبسملة في مواضع الجهر، ويستحب في مواضع الاخفات في أول الحمد وأول السورة عند علمائنا، لأنها آية من السورة تتبعها في وجوب الجهر، وأما استحبابه مع الاخفات فلأن أم سلمة قالت: إن النبي صلى الله عليه وآله صلى فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (4)، وهو إخبار عن السماع ولا نعني بالجهر إلا سماع الغير. ومن طريق الخاصة قول صفوان: صليت خلف الصادق عليه السلام أياما وكان يقرأ في فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك (5). وقال الشافعي: يستحب الجهر بها قبل الحمد، والسورة في

(1) الفقيه 1: 227 / 1003، التهذيب 2: 147 / 577، الاستبصار 1: 313 / 1163.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 175.
(3) المجموع 3: 389، مغني المحتاج 1: 162، الشرح الكبير 1: 569، المهذب للشيرازي 1: 81، الميزان 1: 146، المبسوط للسرخسي 1: 17، العدة شرح العمدة: 75.
(4) سنن البيهقي 2: 44، مستدرك الحاكم 1: 232. (5) الكافي 3: 315 / 20، التهذيب 2: 68 / 246، الاستبصار 1: 311 / 1154.

[ 153 ]

الجهرية، والاخفاتية - وبه قال عمر، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وهو مذهب عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد (1) - وهو موافق لقولنا في الاخفاتية، وقد بينا وجوب الجهر في الجهرية. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبو عبيد: لا يجهر بها بحال. ونقله الجمهور عن علي عليه السلام، وابن مسعود، وعمار (2) لأن أنسا قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله فلم أسمعه يجهر بها (3). ولا حجة فيه لصغره أو بعده وقال النخعي: جهر الامام بها بدعة (4). وقال مالك: المستحب أن لا يقرأها (5). وقال ابن أبي ليلى، والحكم، وإسحاق: إن جهرت فحسن وإن أخفيت فحسن (6). فروع: أ - أقل الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا، أو تقديرا، وحد

(1) الميزان للشعراني 1: 141، الشرح الكبير 1: 553، حلية العلماء 2: 86.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 15، شرح فتح القدير 1: 254، اللباب 1: 68، المغني 1: 557، العدة شرح العمدة: 74، المجموع 3: 342، الميزان 1: 141، المنتقى للباجي 1: 150، القوانين الفقهية: 63، بداية المجتهد 1: 124، الحجة على أهل المدينة 1: 96، نيل الأوطار 2: 216، الشرح الكبير 1: 553.
(3) صحيح مسلم 1: 299 / 399، سنن النسائي 2: 135، سنن الدارمي 1: 283، سنن الدارقطني 1: 314 / 1، سنن البيهقي 2: 50 و 51.
(4) الميزان 1: 141، نيل الأوطار 2: 217، حلية العلماء 2: 87.
(5) المدونة الكبرى 1: 64، المنتقى للباجي 1: 150، بداية المجتهد 1: 124، الميزان 1: 141، المغني 1: 556، الشرح الكبير 1: 552، المبسوط للسرخسي 1: 15، شرح فتح القدير 1: 253، نيل الأوطار 2: 218.
(6) المجموع 3: 342، الميزان 1: 141، المبسوط للسرخسي 1: 17، نيل الأوطار 2: 218.

[ 154 ]

الاخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سميعا بإجماع العلماء، ولأن ما لا يسمع لا يعد كلاما ولا قراءة، لقول الباقر عليه السلام: " لا يكتب من القراءة والدعاء إلا ما أسمع نفسه " (1) ب - لا جهر على المرأة بإجماع العلماء، ولأن صوتها عورة، ولا تخافت دون إسماع نفسها. ج - قال ابن إدريس: ما لا يتعين فيه القراءة لا يجهر فيه بالبسملة لو قرأ (2). وهو تخصيص لعموم الروايات، وتنصيص علمائنا. د - كل صلاة تختص بالنهار ولا نظير لها ليلا فالسنة فيها الجهر كالصبح، وكل صلاة تختص بالليل ولا نظير لها نهارا فالسنة فيها الجهر كالمغرب، وكل صلاة تفعل نهارا ولها نظير بالليل فما تفعل نهارا فالسنة فيه الاخفات كالظهرين، وما تفعل ليلا فالسنة الجهر كالعشاء، فصلاة الجمعة، والعيد سنتهما الجهر، لأنهما يفعلان نهارا ولا نظير لهما ليلا، وأصله قوله عليه السلام: (صلاة النهار عجماء) (3). وكسوف الشمس يستحب فيها الاسرار، لأنها تفعل نهارا، ولها نظير بالليل وهي صلاة خسوف القمر، ويجهر في الخسوف. أما صلاة الاستسقاء فعندنا كصلاة العيد، وقال الشافعي: إن فعلت نهارا أسر بها، وإن فعلت ليلا جهر، ونوافل النهار يسر فيها، ونوافل الليل

(1) الكافي 3: 313 / 6، التهذيب 2: 97 / 363، الاستبصار 1: 320 / 1194. (2) السرائر: 45.
(3) عوالي اللآلي 1: 421 / 98 ونسبه إلى الحسن البصري كل من الزمخشري في الفائق 2: 395، والهروي في غريب الحديث 1: 282، وابن الأثير في النهاية 3: 187 " عجم ". وانظر كشف الخفاء 2: 36 / 1609 والتذكرة في الأحاديث المشتهرة: 66 والمجموع 3: 46.

[ 155 ]

تجهر (1). ولا قراءة في صلاة الجنائز عندنا، أما الشافعي فاستحب الجهر ليلا لا نهارا (2). ه‍ - القضاء كالفوائت فإن كان الفائت صلاة جهر جهر في قضائها وجوبا وإن فعلت نهارا، وإن كانت صلاة إخفات أسر فيها وإن فعلت ليلا، وبه قال بعض الشافعية (3)، وقال الباقون: الاعتبار بوقت القضاء (4). وليس بجيد لقوله عليه السلام: (فليقضها كما فاتته) (5). و - لا فرق بين الامام والمنفرد عندنا - وبه قال الشافعي (6) - لأن المنفرد ليس تابعا لغيره فهو كالامام، وقال أبو حنيفة: لا يسن الجهر للمنفرد (7). ز - ليس للمأموم الجهر وإن سوغنا له القراءة، لأن صحابيا جهر خلف النبي صلى الله عليه وآله فلما فرغ من الصلاة قال: (ما لي أنازع القرآن؟) (8) ولما فيه من تشويش الامام.

(1) المجموع 3: 391، مغني المحتاج 1: 162.
(2) انظر: المجموع 5: 234، وحلية العلماء 2: 295.
(3) المجموع 3: 390، المهذب للشيرازي 1: 81.
(4) المجموع 3: 390، مغني المحتاج 1: 162، المهذب للشيرازي 1: 81، الشرح الكبير 1: 570.
(5) عوالي اللألي 3: 107 / 150 و 2: 54 / 143 والمهذب البارع 1: 460.
(6) المجموع 3: 389، المهذب للشيرازي 1: 81، الشرح الكبير 1: 570.
(7) المجموع 3: 389، شرح العناية 1: 283.
(8) سنن أبي داود 1: 218 / 826، سنن النسائي 2: 141، سنن الترمذي 2: 118 / 312، الموطأ 1: 86 / 44، موارد الظمآن: 126 / 454.

[ 156 ]

ح - يستحب الجهر في صلاة الجمعة وظهرها - خلاف لابن إدريس (1) - وفي صلاة الليل. مسألة 238: القراءة ليست ركنا عند أكثر علمائنا (2) فلو أخل بها سهوا لم تبطل صلاته - وبه قال الشافعي في القديم (3) - لأن عمر صلى المغرب فلم يقرأ فيها فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: كان حسنا. قال: فلا بأس (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله منصور بن حازم إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، فقال: " قد تمت صلاتك " (5). وعند بعض علمائنا أنها ركن لو أخل بها سهوا بطلت صلاته (6)، وهو قول الشافعي في الجديد (7)، لقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) (8) ولا حجة فيه لافتقاره إلى إضمار.

(1) السرائر: 65.
(2) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 105، وابن إدريس في السرائر: 50، والمحقق في المعتبر: 172.
(3) المجموع 3: 332، عمدة القارئ 6: 9، المهذب للشيرازي 1: 79. (4) مصنف ابن أبي شيبة 1: 396.
(5) الكافي 3: 348 / 3، التهذيب 2: 146 / 570، الاستبصار 1: 353 / 1336.
(6) حكى ذلك الشيخ في المبسوط 1: 105.
(7) الأم 1: 107، المجموع 3: 332، المهذب للشيرازي 1: 79، كفاية الأخيار 1: 65، المغني 1: 555، الشرح الكبير 1: 556.
(8) صحيح البخاري 1: 192، صحيح مسلم 1: 295 / 394، سنن الترمذي 2: 25 / 247، سنن البيهقي 2: 59، مستدرك الحاكم 1: 239.

[ 157 ]

مسألة 239: يستحب له ترتيل القراءة، والتسبيح، والتشهد ليلحقه من خلفه ممن يثقل لسانه. قال الله تعالى: * (ورتل القرآن ترتيلا) * (1) وقال الصادق عليه السلام: " ينبغي للعبد إذا صلى أن يرتل قراءته، وإذا مر بآية فيها ذكر الجنة أو النار سأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار، وإذا مر بيا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا قال: لبيك ربنا " (2). ولو أطال الدعاء في خلال القراءة كره، وربما أبطل إن خرج عن نظم القراءة المعتاد فيبين الحروف ولا يمده مدة يشبه الغناء، ولو أدرج ولم يرتل وأتى بالحروف بكمالها صحت صلاته، ويستحب تعمد الاعراب والوقوف في مواضعه، ولا يستحب له التطويل كثيرا فيشق على من خلفه، لقوله صلى الله عليه وآله: (من أم الناس فليخفف) (3) وللمنفرد الاطالة. ولو عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه استحب للامام التخفيف، قال عليه السلام: (إني لاقوم في صلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها كراهية أن يشق على أبيه) (4). مسألة 240: يستحب له أن يسكت قليلا بعد الحمد وبعد السورة - وبه قال عروة بن الزبير (5) - لقول الباقر عليه السلام: (إن رجلين اختلفا في صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله كم كان له من سكتة فكتبا إلى أبي بن كعب فقال: كان له سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن، وإذا فرغ من

(1) المزمل: 4.
(2) التهذيب 2: 124 / 471.
(3) صحيح البخاري 1: 180، صحيح مسلم 1: 341 / 467، سنن الترمذي 1: 461 / 236، سنن النسائي 2: 94، الموطأ 1: 134 / 13، مسند أحمد 2: 271.
(4) صحيح البخاري 1: 181، سنن أبي داود 1: 209 / 789، سنن ابن ماجة 1: 317 / 991، سنن النسائي 2: 95، سنن البيهقي 3: 118، وفيها (... كراهية أن يشق على أمه).
(5) المغني 1، 567.

[ 158 ]

السورة " (1) ولأن المقتضي للسكوت عقيب الحمد مقتض له عقيب السورة. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: يسكت بعد تكبيرة الافتتاح وبعد الفاتحة (2)، لأن سمرة بن جندب حدث أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة الفاتحة فأنكر عليه عمر (3) فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ (4). وحديثنا أولى، لأن أهل البيت عليهم السلام أعرف، وكره ذلك كله مالك، وأصحاب الرأي (5). مسألة 241: يستحب أن يقرأ في الظهرين، والمغرب بقصار المفصل كالقدر والنصر، وفي العشاء بمتوسطاته كالطارق والأعلى، وفي الصبح بمطولاته كالمدثر والمزمل، قاله الشيخ في المبسوط (6). وروى محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قلت: القراءة في الصلاة فيها شئ موقت؟ قال: " لا، إلا الجمعة تقرأ بالجمعة والمنافقين " قلت له: فأي السور أقرأ في الصلوات؟ قال: " أما الظهر والعشاء فتقرأ فيهما سواء، والعصر والمغرب سواء، وأما الغداة فأطول، ففي الظهر

(1) التهذيب 2: 297 / 1196.
(2) المجموع 3: 395، مغني المحتاج 1: 163، المغني 1: 567، الشرح الكبير 1: 568، العدة شرح العمدة: 75، نيل الأوطار 2: 265.
(3) الصحيح عمران بن الحصين كما في المصادر التالية.
(4) سنن الترمذي 2: 31 / 251، سنن ابن ماجة 1: 275 / 844، سنن أبي داود 1: 207 / 779، سنن الدار قطني 1: 309 / 28.
(5) المغني 1: 567، الشرح الكبير 1: 568، نيل الأوطار 2: 265.
(6) المبسوط للطوسي 1: 108.

[ 159 ]

والعشاء بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوها، والعصر والمغرب إذا جاء نصر الله وألهاكم التكاثر، ونحوها، والغداة بعم يتسائلون، وهل أتاك، ولا أقسم بيوم القيامة، وهل أتى " (1) وقال الشافعي: يقرأ في الصبح كما قلناه (2) لأن النبي صلى الله عليه وآله قرأ " ق " في الصبح (3). ويقرأ في الظهر نصف ما يقرأ في الصبح، ويقرأ في العصر بنحو ما يقرأ في العشاء سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، ويقرأ في المغرب بالعاديات وشبهها، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل (4). وقال أبو حنيفة: يقرأ في الأولى من الصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية، وفي الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر نصف ما قرأ في الصبح، وفي العصر والعشاء عشرين آية في كل ركعة غير الفاتحة في الأوليين (5). وقال أحمد: يقرأ في العشاء خمس عشرة آية (6). ولو خالف ذلك كله جاز بإجماع العلماء فإن النبي صلى الله عليه وآله قرأ في المغرب بالاعراف، وتارة بالمرسلات، وتارة بالطور (7). مسألة 242: يستحب أن يقرأ في ظهري يوم الجمعة الجمعة والمنافقين،

(1) التهذيب 2: 95 / 354.
(2) المجموع 3: 385، مختصر المزني: 18، السراج الوهاج: 44، المهذب للشيرازي 1: 80، مغني المحتاج 1: 163.
(3) صحيح مسلم 1: 337 / 458.
(4) سنن البيهقي 2: 391.
(5) بدائع الصنائع 1: 206.
(6) المغني 1: 643، حلية العلماء 2: 95.
(7) سنن الترمذي 2: 112 - 113 / 308، سنن أبي داود 1: 214 / 810 و 811 و 215 / 812، سنن الدارمي 1: 296، سنن البيهقي 2: 392.

[ 160 ]

وكذا في الجمعة سواء الجامع والمنفرد، والمسافر والحاضر، لأن الباقر عليه السلام قال: " إن الله أكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة لهم، والمنافقين توبيخا للمنافقين فلا ينبغي تركهما، ومن تركهما متعمدا فلا صلاة له " (1). وليستا واجبتين في الجمعة أيضا، خلافا لبعض علمائنا (2)، والمراد نفي الكمال، لقول الكاظم عليه السلام في الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا، فقال: " لا بأس " (3). ويستحب أن يقرأ في غداة يوم الجمعة، الجمعة والتوحيد، وروي المنافقين (4)، وفي مغرب ليلة الجمعة وعشائها بالجمعة والأعلى، وفي رواية عن الصادق عليه السلام قراءة الجمعة، والتوحيد في المغرب، وفي العشاء بالجمعة وسبح اسم (5). ويستحب لمن قرأ غير الجمعة والمنافقين في الجمعة، والظهرين الرجوع إليهما إن كان ناسيا ولم يتجاوز النصف، فإن تجاوز فليتمها ركعتين نافلة، ويصلي الفريضة بهما. وقال المرتضى: إذا دخل الامام في صلاة الجمعة وجب أن يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين يجهر بهما لا يجزئه غيرهما (6)، لقول الصادق عليه السلام: " من صلى الجمعة بغير الجمعة والمنافقين أعاد

(1) الكافي 3: 425 / 4، التهذيب 3: 6 / 16، الاستبصار 1: 414 / 1583.
(2) هو أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 152 - 153.
(3) التهذيب 3: 7 / 19 و 20، الاستبصار 1 414 / 1586.
(4) التهذيب 3: 7 / 18، الاستبصار 1: 414 / 1585.
(5) التهذيب 3: 5 / 13.
(6) جمل العلم والعمل " ضمن رسائل الشريف المرتضى " 3: 42.

[ 161 ]

الصلاة " (1) والمراد الاستحباب، لقول الرضا عليه السلام وقد سأله علي بن يقطين عن الجمعة ما أقرأ فيهما؟ قال: " إقرأهما بقل هو الله أحد " (2). مسألة 243: يستحب أن يقرأ في غداة الإثنين والخميس هل أتى، وأن يقرأ الجحد في سبعة مواضع: في أول ركعة من ركعتي الزوال، وأول ركعة من نوافل المغرب، وأول ركعة من صلاة الليل، وأول ركعة من ركعتي الاحرام، وركعتي الفجر والغداة إذا أصبح بها، وركعتي الطواف، لقول الصادق عليه السلام: " لا تدع أن تقرأ قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون في سبعة مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال، وركعتين بعد المغرب، وركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الاحرام والفجر إذا أصبحت بهما، وركعتي الطواف " (3). قال الشيخ: وفي رواية أخرى أنه: " يقرأ في هذا كله بقل هو الله أحد، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون " (4). ويستحب أن يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الليل ثلاثين مرة قل هو الله أحد في كل ركعة، وفي باقي صلاة الليل بالسور الطوال كالأنعام والكهف مع السعة فإن تضيق الوقت خفف القراءة. مسألة 244: لو أراد المصلي التقدم خطوة، أو خطوتين، أو التأخر كذلك سكت عن القراءة حالة التخطي لأنها ليست حالة القيام بل حالة المشي، وهل ذلك على سبيل الوجوب؟ يحتمل ذلك إن سلبنا القيام عنه وإلا مستحبا.

(1) الكافي 3: 426 / 7، التهذيب 3: 7 / 21، الاستبصار 1: 415 / 1588.
(2) الفقيه 1: 268 / 1224، التهذيب 3: 8 / 23، الاستبصار 1: 415 / 1590.
(3) الكافي 3: 316 / 22، الفقيه 1: 314 / 1427، التهذيب 2: 74 / 273.
(4) التهذيب 2: 74 / 274.

[ 162 ]

مسألة 245: يحرم قول آمين آخر الحمد عند الامامية، وتبطل الصلاة بقولها سواء كان منفردا، أو إماما، أو مأموما، لقوله عليه السلام: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين) (1) والتأمين من كلامهم وقال عليه السلام: (إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن) (2) و " إنما " للحصر. ولأن جماعة من الصحابة نقلوا صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله منهم أبو حميد الساعدي قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: أعرض علينا، ثم وصف إلى أن قال، ثم يقرأ ثم يكبر (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام لجميل في الصحيح: " إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين، ولا تقل آمين " (4) وسأل الحلبي الصادق عليه السلام أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب: آمين؟ قال: " لا " (5). ولأن معناه اللهم استجب، ولو نطق به أبطل صلاته، فكذا ما قام مقامه، ولأنه يستدعي سبق دعاء ولا يتحقق إلا مع قصده فعلى تقدير عدمه يخرج التأمين عن حقيقته فيلغو، ولأن التأمين لا يجوز إلا مع قصد الدعاء وليس ذلك شرطا إجماعا أما عندنا فللمنع مطلقا، وأما عند الجمهور

(1) صحيح مسلم 1: 381 - 382 / 537، سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن أبي داود 1: 244 / 930.
(2) صحيح مسلم 1: 381 - 382 / 537، سنن النسائي 3: 17، سنن أبي داود 1: 244 / 930، مسند أحمد 5: 447 و 448.
(3) سنن أبي داود 1: 194 / 730، سنن البيهقي 2: 72.
(4) الكافي 3: 313 / 5، التهذيب 2: 74 / 275، الاستبصار 1: 318 / 1185.
(5) التهذيب 2: 74 / 276، الاستبصار 1: 318 / 1186.

[ 163 ]

فللاستحباب مطلقا. وأطبق الجمهور على الاستحباب (1) لقول أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إذا قال الامام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين) (2) ونمنع صحة الرواية فإن عمر شهد عليه بأنه عدو الله وعدو المسلمين، وحكم عليه بالخيانة، وأوجب عليه عشرة آلاف دينار ألزمه بها بعد ولايته البحرين (3)، ومثل هذا لا يسكن إلى روايته، ولأن ذلك من القضايا الشهيرة التي يعم بها البلوى فيستحيل انفراد أبي هريرة بنقلها. فروع: أ - قال الشيخ رحمه الله: آمين تبطل الصلاة سواء وقعت بعد الحمد، أو بعد السورة، أو في أثنائهما (4). وهو جيد، للنهي عن قولها مطلقا. ب - لو كانت حال تقية جاز له أن يقولها، ولهذا عدل الصادق عليه السلام عن الجواب وقد سأله معاوية بن وهب أقول: آمين إذا قال الامام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ قال: " هم اليهود، والنصارى " (5) ولم يجب فيه بشئ كراهة لهذه اللفظة، ولم يمكنه عليه السلام التصريح بها، وعليه يحمل قوله عليه السلام وقد سأله جميل عنها: " ما أحسنها، وأخفض الصوت بها ".

(1) المجموع 3: 371 و 373، المهذب للشيرازي 1: 79، السراج الوهاج: 44، كفاية الأخيار 1، 72، المغني 1: 564، المبسوط للسرخسي 1: 32، المحرر في الفقه 1: 54، اللباب 1: 69.
(2) سنن الدارمي 1: 284، سنن الدار قطني 1: 329 / 12.
(3) طبقات ابن سعد 4: 335، الفائق للزمخشري 1: 102.
(4) المبسوط للطوسي 1: 106، الخلاف 1: 332 مسألة 84 وفيهما: سواء كان في خلال الحمد أو بعده.
(5) التهذيب 2: 75 / 278، الاستبصار 1: 319 / 1188.
(6) التهذيب 2: 75 / 277، الاستبصار 1: 318 / 1187.

[ 164 ]

ج - اختلف الجمهور فقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود: يجهر الامام بها، لأنه تابع للفاتحة (1). وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يجهر بها، لأنه دعاء مشروع في الصلاة فاستحب إخفاؤه كالدعاء في التشهد (2). وعن مالك روايتان: هذا إحداهما، والثانية: لا يقولها الامام (3)، لأنه عليه السلام قال: (إذا قال الامام: ولا الضالين فقولوا: آمين) (4) فدل على أن الامام لا يقولها. أما المأموم فللشافعي قولان: الجديد: الاخفاء - وبه قال الثوري، وأبو حنيفة (5) - والقديم: الجهر. وبه قال أحمد، وأبو ثور، وإسحاق، وعطاء من التابعين (6). وإذا أسر بالقراءة أسر به اتفاقا منهم، واستحبت الشافعية التأمين عقيب قراءة الحمد مطلقا للمصلي وغيره (1). وفيه لغتان: المد مع التخفيف، والقصر، ولو شدد عمدا بطلت صلاته إجماعا.

(1) المجموع 3: 410، حلية العلماء 2: 89 - 90.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 32، اللباب 1: 69، عمدة القارئ 6: 50، الميزان 1: 143، رحمة الأمة 1: 44، المحلى 3: 264، حلية العلماء 2: 90.
(3) شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 179 - 180، حلية العلماء 2: 90، عمدة القارئ 6: 50 و 52.
(4) صحيح البخاري 1: 198 و 6: 21، سنن أبي داود 1، 246 / 935، سنن النسائي 2: 97، صحيح مسلم 1: 310 / 415، سنن ابن ماجة 1: 276 / 846، سنن الدارمي 1: 284، مسند أحمد 2: 233، سنن الدارقطني 1: 329 / 12.
(5) الأم 1: 109، فتح العزيز 3: 348، الميزان 1، 143، رحمة الأمة 1، 44، حلية العلماء 2: 90، اللباب 1: 69، عمدة القارئ 6: 50.
(6) المجموع 3: 371، فتح العزيز 3: 348، الميزان 1: 143، رحمة الأمة 1: 44، السراج الوهاج: 44، المغني 1: 565، الشرح الكبير 1: 565، عمدة القارئ 6: 50.

[ 165 ]

البحث الخامس: الركوع مسألة 246: الركوع واجب في الصلاة في كل ركعة مرة بإجماع علماء الاسلام إلا في الكسوف، والآيات على ما يأتي. قال الله تعالى: * (واركعوا) * (2). وعلمه الأعرابي لما علمه الصلاة (3). وهو ركن في الصلاة إجماعا لو أخل به سهوا مع القدرة عليه، أو عمدا بطلت صلاته، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. ولقول الصادق عليه السلام في الرجل ينسى الركوع حتى يسجد ويقوم، قال: " يستقبل " (4)، وسئل الكاظم عليه السلام عن الرجل ينسى أن يركع قال: " يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه " (5)، ولم يجعله الشيخ ركنا في أواخر الرباعيات في بعض أقواله (6)، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. مسألة 247: ويجب فيه الانحناء إلى أن تبلغ راحتاه إلى ركبتيه إجماعا إلا من أبي حنيفة فإنه اكتفى بأصل الانحناء، لأنه لا يخرج عن حد القيام إلا

فتح العزيز 3: 347، السراج الوهاج: 44، فتح الوهاب 1: 41.
(2) الحج: 77.
(3) المشهور أنه حديث المسئ في صلاته انظر: صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن النسائي 2: 124 سنن الترمذي 2: 103 - 104 / 303، سنن البيهقي 2: 372.
(4) الكافي 3: 348 / 2، التهذيب 2: 148 / 581 و 582، الاستبصار 1: 355 / 1344 و 1345.
(5) التهذيب 2: 149 / 583، الاستبصار 1: 356 / 1347.
(6) المبسوط للطوسي 1: 109.

[ 166 ]

بذلك (1)، ولقوله عليه السلام: (إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك) (2) وهو يستلزم الانحناء المذكور. ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وتمكن راحتيك من ركبتيك " (3) وسنبين أن الوضع غير واجب فتعين الانحناء بقدره. والعاجز يأتي بالممكن لأن الزيادة تكليف بما لا يطاق، ولو تعذر أومأ لأنه القدر الممكن فيقتصر عليه، ولأن إبراهيم الكرخي سأل الصادق عليه السلام عن رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء ولا يمكنه الركوع والسجود، فقال: " ليؤم برأسه إيماء، وإن كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد، فإن لم يمكنه ذلك فليؤم برأسه نحو القبلة " (4). ولراكع خلقة يزيد يسير انحناء ليفرق بين القيام والركوع وإن لم يفعل لم يلزمه لأنه حد الركوع فلا يلزمه الزيادة عليه. ولو انخنس (5) وأخرج ركبته وصار بحيث لو مد يديه نالتا ركبتيه لم يكن ركوعا، لأن هذا التمكن لم يحصل بالانحناء، وطويل اليدين ينحني كالمستوي، وكذا قصيرهما. مسألة 248: ويجب فيه بعد الانحناء الطمأنينة ومعناها السكون بحيث تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع وينفصل هويه عن ارتفاعه منه عند علمائنا

(1) المجموع 3: 410، حلية العلماء 2: 97، بدائع الصنائع 1: 162.
(2) سنن أبي داود 1: 227 / 859.
(3) الكافي 3: 319 - 320 / 1، التهذيب 2: 77 - 78 / 289 و 83 / 308.
(4) الفقيه 1: 238 / 1052، التهذيب 3 / 307 / 951.
(5) الخنس: الانقباض. لسان العرب 6: 72.

[ 167 ]

أجمع - وبه قال الشافعي، وأحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال للمسئ في صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعا) (2) ومن طريق الخاصة رواية حماد - الطويلة - قال: " ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات " (3) ولأنه فعل مفروض في الصلاة فوجبت فيه الطمأنينة كالقيام. وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة (4) لقوله تعالى: (واركعوا) (5) وقد حصل مع عدمها فيخرج عن العهدة. والآية بينها النبي صلى الله عليه وآله بفعله. فروع: أ - الطمأنينة ليست ركنا لأنا سنبين أن الصلاة لا تبطل بالاخلال بها سهوا وإن بطلت عمدا. وقال الشيخ في الخلاف: إنها ركن. وبه قال الشافعي (6). ب - حد زمانها قدر الذكر الواجب لوجوب الذكر فيه على ما يأتي فلا بد من السكون بقدر أداء الواجب. ج - لو زاد في الهوي ثم ارتفع والحركات متواصلة لم تقم زيادة الهوي مقام الطمأنينة.

(1) المجموع 3: 410، مختصر المزني: 17، الوجيز 1: 43، كفاية الأخيار 1: 67، السراج الوهاج: 45، المغني 1: 577.
(2) صحيح البخاري 1: 193 و 201، سنن النسائي 2: 124.
(3) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(4) بدائع الصنائع 1: 162، المجموع 3: 410، المغني 1: 577.
(5) البقرة: 43.
(6) الخلاف 1: 348، المسألة 98، وراجع المجموع 3: 410، وحلية العلماء 2: 97، المغني 1: 577.

[ 168 ]

د - يجب أن لا يقصد بهويه غير الركوع فلو قرأ آية سجدة فهوى ليسجد ثم لما بلغ حد الراكعين أراد أن يجعله ركوعا لم يجز بل يعود إلى القيام ثم يركع لأن الركوع الانحناء ولم يقصده. ه‍ - لو عجز عن الركوع إلا بما يعتمد عليه وجب، ولو عجز وتمكن من الانحناء على أحد جانبيه وجب، ولو عجز عن الطمأنينة سقطت، وكذا الرفع. و - لو لم يضع راحتيه فشك بعد القيام هل بلغ بالركوع قدر الإجزاء احتمل العود عملا بالأصل - وبه قال الشافعي (1) - وعدمه لأنه شك بعد انتقاله. مسألة 249: ويجب فيه الذكر عند علمائنا أجمع، وبه قال أحمد، وإسحاق، وداود إلا أنه قال: إذا تركه عمدا لم تبطل صلاته (2) لقوله صلى الله عليه وآله لما نزل (فسبح باسم ربك العظيم) (3) قال: ضعوها في ركوعكم) (4) والأمر للوجوب. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله هشام بن سالم عن التسبيح في الركوع والسجود فقال: " تقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى. الفريضة من ذلك تسبيحة،

المجموع 3: 410.
(2) المغني 1: 579، الشرح الكبير 1: 578 المجموع 3: 414، الميزان 1: 148، رحمة الأمة 1: 45، سبل السلام 1: 300، نيل الأوطار 2: 271، المحلى 3: 255، حلية العلماء 2: 97.
(3) الواقعة: 74.
(4) الفقيه 1: 207 / 932، التهذيب 2: 313 / 1273، علل الشرائع: 333 باب 30 حديث 6 وانظر مسند أحمد 4: 155، مستدرك الحاكم 1: 225 و 2: 477، سنن البيهقي 2: 86، مسند الطيالسي: 135 / 1000.

[ 169 ]

والسنة ثلاث، وأفضل في سبع " (1)، ولأنه هيئة في كون فيجب فيه الذكر كالقيام. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك: بعدم الوجوب (2) لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعلمه الأعرابي (3). وهو ممنوع لقوله عليه السلام: (إذا ركع أحدكم وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه) (4) وهو يدل على عدم تمام الركوع لو لم يذكر. فروع: أ - الأقوى أن مطلق الذكر واجب، ولا يتعين التسبيح، لأن هشام بن الحكم، وهشام بن سالم سألا الصادق عليه السلام يجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله والله أكبر؟ فقال، " نعم كل هذا ذكر " (5) علل بالذكر. وقال بعض علمائنا: يتعين التسبيح،: وهو سبحان ربي العظيم وبحمده، ثلاثا (6). وبعضهم مرة، أو ثلاث مرات سبحان الله (7) - وأحمد

(1) التهذيب 2: 76 / 282، الاستبصار 1: 323 / 1204.
(2) المجموع 3: 414، الوجيز 1: 43، السراج الوهاج: 45، كفاية الأخيار 1: 73، المبسوط للسرخسي 1: 21 - 22.
(3) صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن الترمذي 2: 103 - 104 / 303، سنن النسائي 2: 124، سنن البيهقي 2: 371 - 372.
(4) مصنف ابن أبي شيبه 1: 250 - 251.
(5) الكافي 3: 329 / 5 و 321 / 8، التهذيب 2: 302 / 1217 و 1218. (6) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 118.
(7) كالشيخ الطوسي في النهاية: 81 والمحقق في المعتبر: 180.

[ 170 ]

أوجب التسبيح أيضا (1) - لما تقدم في حديث الصادق عليه السلام: " يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم " (2). وسأل معاوية بن عمار الصادق عليه السلام أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة، قال " ثلاث تسبيحات مترسلا، يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله " (3) ولا حجة فيهما، لأن السؤال وقع أولا عن التسبيح، وثانيا عن أخفه. ب - إذا قال: سبحان ربي العظيم، أو سبحان ربي الأعلى استحب أن يقول: وبحمده - وبه قال الشافعي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثا (5) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " تقول: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا " (6) وقال ابن المنذر: قيل لأحمد: تقول: سبحان ربي العظيم وبحمده؟ قال: أما أنا فلا أقول: وبحمده (7). ج - يجب أن يأتي بالذكر حال الطمأنينة، فلو شرع فيه قبل انتهائه في الهوي الواجب، أو شرع في الرفع قبل إكماله بطلت صلاته. د - يستحب أن يقول (8) ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم وبحمده

(1) المغني 1: 578، الشرح الكبير 1: 578، الانصاف 2: 60، المجموع 3: 414.
(2) التهذيب 2: 76 / 282، الاستبصار 1: 323 / 1204.
(3) التهذيب 2: 77 / 288، الاستبصار 1: 324 / 1212.
(4) المجموع 3: 412، فتح العزيز 3: 394، كفاية الأخيار 1: 73.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 248، سنن أبي داود 1: 230 / 870، سنن الدار قطني 1: 341 / 1.
(7) المغني 1: 579، الشرح الكبير 1: 581.
(8) في نسخة ش: يقرأ.

[ 171 ]

إجماعا، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات (1)، وأفضل منه خمسا والأكمل سبعا، وإن زاد فهو أفضل. قال أبان بن تغلب: دخلت على الصادق عليه السلام وهو يصلي فعددت له في الركوع والسجود ستين تسبيحة (2). وحكى الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للامام أن يقول: سبحان ربي العظيم، خمسا حتى يدرك الذي خلفه ثلاثا (3)، وأنكره الشافعي (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله قاله ثلاثا (5)، ولأن المأموم يركع مع الامام فما أمكن الامام أمكن المأموم. ه‍ - ينبغي للامام التخفيف، قال سماعة: سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن؟ قال: " نعم " قول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) (6) فقلت: كيف حد الركوع والسجود؟ فقال: " أما ما يجزيك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول: سبحان الله، سبحان الله ثلاثا " (7). ومن كان يقوي على أن يطول الركوع والسجود فليطول ما استطاع يكون

(1) مصنف ابن أبي شيبة 1: 248، سنن أبي داود 1: 230 / 870، سنن الدار قطني 1: 341 / 1.
(2) الكافي 3: 329 / 2، التهذيب 2: 299 / 1205.
(3) الميزان 1: 149، رحمة الأمة 1: 46، المبسوط للسرخسي 1: 22، بداية المجتهد 1: 129، حلية العلماء 2: 98.
(4) المجموع 3: 412، فتح العزيز 3: 397. (5) مصنف ابن أبي شيبة 1: 248، سنن أبي داود 1: 230 / 870، سنن الدار قطني 1: 341 / 1.
(6) الحج: 77.
(7) التهذيب 2: 77 / 287، الاستبصار 1: 324 / 1211.

[ 172 ]

ذلك في تسبيح الله، وتحميده، والتمجيد، والدعاء، والتضرع فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد (1). فأما الامام فإنه إذا قام بالناس فلا ينبغي أن يطول بهم فإن في الناس الضعيف ومن له الحاجة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله (كان إذا صلى بالناس) (2) خف بهم (3). مسألة 250: ويجب بعد انتهاء الذكر الرفع من الركوع والاعتدال، والطمأنينة قائما حتى يرجع كل عضو إلى موضعه عند علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي، وأحمد (4) لقول النبي صلى الله عليه وآله للمسئ في صلاته: (ثم ارفع حتى تعتدل قائما) (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فإنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه " (6) ولأنه ركن هو خفض فالرفع منه فرض كالسجود. وقال أبو حنيفة: لا يجب الرفع، ولا الاعتدال، ولا الطمأنينة بل ينحط من ركوعه ساجدا (7).

(1) إشارة إلى الحديث المروي في الكافي 3: 323 و 324 / 7 و 11 وصحيح مسلم 1: 350 / 482 وسنن أبي داود 1: 231 / 875 وسنن النسائي 2: 226 وسنن البيهقي 2: 110.
(2) مابين القوسين لم يرد في نسخة (م).
(3) صحيح البخاري 1: 181، صحيح مسلم 1: 342 / 469.
(4) المجموع 3: 416 - 417 و 419، فتح العزيز 3: 399، الوجيز 1: 43، السراج الوهاج: 45، كفاية الأخيار 1: 67، المغني 1: 582 و 583، الشرح الكبير 1: 582 و 583، بداية المجتهد 1: 135.
(5) سنن البيهقي 2: 97.
(6) الكافي 3: 320 / 6، التهذيب 2: 78 / 290.
(7) المجموع 3: 419، حلية العلماء 2: 99، فتح العزيز 3: 401، المغني 1: 583، الشرح الكبير 1: 583، الهداية للمرغيناني 1: 49، شرح العناية 1: 261.

[ 173 ]

واختلف أصحاب مالك في مذهبه على القولين، لأن القيام لو وجب لتضمن ذكرا واجبا كالقيام الأول، فلما لم يتضمن ذكرا واجبا لم يجب كقيام القنوت (1). وينتقض بالركوع، والسجود، والرفع من السجود، فإن الذكر عنده ليس بواجب في شئ منها (2). مسألة 251: والسنة في الركوع أن يكبر له قائما ثم يركع، والمشهور بين العلماء مشروعية التكبير لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يكبر في كل رفع، وخفض، وقيام، وقعود (3). ومن طريق الخاصة قول حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام: ثم رفع يديه حيال وجهه وقال: ألله أكبر وهو قائم ثم ركع (4). ولأنه شروع في ركن فشرع فيه التكبير كحالة ابتداء الصلاة. وقال سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وسالم، والقاسم: لا يكبر إلا عند افتتاح الصلاة (5) لقوله عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير) (6) فدل على أنه لا يكون في غير التكبير. ولا حجة فيه فإنه لا يدل على أن التكبير لا يكون في غير التحريم.

(1) بداية المجتهد 1: 135، المجموع 2: 419، حلية العلماء 2: 99.
(2) المجموع 3: 414.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 1: 239، سنن النسائي 2: 230 و 3: 62، سنن الترمذي 2: 34 / 253، سنن البيهقي 2: 67 - 68، سنن الدارمي 1: 285.
(4) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(5) المجموع 3: 397، المغني 1: 573، الشرح الكبير 1: 575، مصنف ابن أبي شيبة 1: 242.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 1: 229، سنن البيهقي 2: 15 - 16، سنن الترمذي 2: 3 / 238، كنز العمال 7: 428 / 632 19.

[ 174 ]

فروع: أ - هذا التكبير ليس بواجب عند أكثر علمائنا (1)، وأكثر أهل العلم (2) عملا بالأصل، ولقوله عليه السلام للمسئ: (ثم اقرأ ما تيسر من القرآن ثم اركع) (3) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله أبو بصير عن أدنى ما يجزئ من التكبير في الصلاة، قال: " تكبيرة واحدة " (4). وقال بعض علمائنا بالوجوب (5) - وبه قال إسحاق، وداود، وعن أحمد روايتان (6) - لقوله عليه السلام: (لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يكبر ثم يركع حتى يطمئن) (7) ونفي التمام لا يدل على نفي الصحة. ب - يستحب أن يكبر قائما ثم يركع - وبه قال أبو حنيفة (8) - لأن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (يقرأ ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه ثم يركع) (9) ومن طريق الخاصة رواية حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام: ثم رفع يديه حيال وجهه وقال: الله أكبر

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 110، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 98، والمحقق في المعتبر: 180.
(2) المجموع 3: 397، المغني 1: 579.
(3) صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن الترمذي 2: 103 - 104 / 303، سنن النسائي 2: 124، سنن البيهقي 2: 372.
(4) التهذيب 2: 66 / 238.
(5) المراسم: 69.
(6) المغني 1: 579، العدة شرح العمدة: 82، المحرر في الفقه 1: 70 - 71، المجموع 3: 397، عمدة القارئ 6: 58.
(7) سنن أبي داود 1: 226 / 857، جامع الأصول 5: 420 / 3577.
(8) الهداية للمرغيناني 1: 49، اللباب 1: 69.
(9) سنن أبي داود 1: 194 / 730، سنن الدارمي 1: 313، سنن البيهقي 2: 72.

[ 175 ]

وهو قائم ثم ركع (1). وقال الشافعي: يهوي بالتكبير (2). ج - لا ينبغي المد في التكبير بل يوقعه جزما - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في القديم (3) - لقوله: (التكبير جزم) (4) أي لا يمد فيه، ولأنه ربما غير المعنى، وفي الجديد للشافعي: يمد إلى تمام الهوي لئلا يخلو جزء من صلاته عن الذكر (5). د - يستحب رفع اليدين بالتكبير في كل مواضعه عند أكثر علمائنا (6) لأن الجمهور رووا أن المشروع أولا رفع اليدين، ثم ادعوا النسخ (7) ولم يثبت وروى سالم عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين (8). ومن طريق الخاصة رواية حماد (9)، وقد سلفت. وقال

(1) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(2) المجموع 3: 396، السراج الوهاج: 45، الوجيز 1: 43، مغني المحتاج 1: 164.
(3) المجموع 3: 299 فتح العزيز 3: 388، الوجيز 1:، 43، المبسوط للسرخسي 1: 23، شرح فتح القدير 1: 258، الهداية للمرغيناني 1: 49، الكفاية 1: 258، شرح العناية 1: 258، اللباب 1: 69.
(4) قال ابن حجر في التلخيص الحبير 3: 283: هذا الحديث لا أصل له بهذا اللفظ وإنما هو قول إبراهيم النخعي، وقال: قال الدار قطني في العلل: الصواب موقوف وهو من رواية قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف اختلف فيه. انتهى وانظر سنن الترمذي 2: 95.
(5) الأم 1: 110، المجموع 3: 299، فتح العزيز 3: 389، الوجيز 1: 43، مغني المحتاج 1: 164.
(6) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 107، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 122، والمحقق في المعتبر: 181.
(7) انظر اختلاف الحديث: 126 - 130 باب رفع الأيدي في الصلاة.
(8) صحيح البخاري 1: 187، صحيح مسلم 1: 292 / 390، سنن أبي داود 1: 191 - 192 / 721.
(9) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.

[ 176 ]

بعض علمائنا بوجوب الرفع في التكبير كله لامر (1). وقد بينا أن التكبير مستحب فكيفيته أولى. وقال الشافعي: يرفع في تكبير الركوع والرفع منه، ولا يرفع بين السجدتين (2) لحديث سالم (3). ونفي الرؤية لا يدل على نفيه لا مكان غفلته، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وروي عن مالك (4). وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: لا يرفع إلا في تكبير الافتتاح (5). والصحيح ما قلناه، لأن الأئمة عليهم السلام أعرف، قال الباقر عليه السلام: " فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا " (6) ولأنه تكبير فاستحب فيه الرفع كالافتتاح. ه‍ - لو صلى قاعدا، أو مضطجعا رفع يديه - وبه قال الشافعي (7) - لأن القعود ناب مناب القيام.

(1) الانتصار: 44.
(2) المجموع 3: 399، فتح العزيز 3: 390 و 472، مغني المحتاج 1: 164 و 165 و 171.
(3) صحيح البخاري 1: 187، صحيح مسلم 1: 292 / 390، سنن أبي داود 1: 191 - 192 / 721.
(4) المغني 1: 574، الشرح الكبير 1: 574، العدة شرح العمدة: 76، الانصاف 2: 59 و 61، بداية المجتهد 1: 133، المجموع 3: عمدة القارئ 5: 272، المحلى 4: 87 و 90.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 14، الهداية للمرغيناني 1: 52، عمدة القارئ 5: 272، إرشاد الساري 2: 73، اللباب 1: 71، المجموع 3: 400، المغني 1: 574، الشرح الكبير 1: 574، حلية العلماء 2: 96.
(6) الكافي 3: 335 / 1، التهذيب 2: 84 / 308.
(7) السراح الوهاج: 42، مغني المحتاج 1: 152، المجموع 3: 398.

[ 177 ]

و - لو نسي الرفع لم يعد التكبير لأنه هيئة له فسقط بفوات محله. ز - يرفع يديه حذاء وجهه، وفي رواية إلى أذنيه (1)، وقال الشافعي: إلى منكبيه (2). والأشهر رواية حماد: ثم رفع يديه حيال وجهه (3). ح - ينبغي أن يبتدئ برفع يديه عند ابتداء التكبير، وينتهي الرفع عند انتهاء التكبير، ويرسلهما بعد ذلك، لأنه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا كذلك. مسألة 252: يستحب أن يضع يديه على عيني ركبتيه مفرجات الأصابع بإجماع العلماء إلا عبد الله بن مسعود، وصاحبيه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود فإنهم قالوا: إذا ركع طبق يديه وجعلهما بين ركبتيه (4) لأن ابن مسعود رواه عن النبي صلى الله عليه وآله (5). وهو مدفوع بالنقل عنه عليه السلام: إنه كان إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه وفرج بين أصابعه (6). ومن طريق الخاصة رواية حماد عن الصادق عليه السلام: ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات (7). وبأنه منسوخ.

(1) التهذيب 2: 65 / 233.
(2) الأم 1: 104، مختصر المزني: 14، المجموع 3: 398 و 417، السراج الوهاج: 42 و 45، المهذب للشيرازي 1: 78، الوجيز 1: 41.
(3) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(4) المجموع 3: 411، المغني 1: 577، الشرح الكبير 1: 576، المبسوط للسرخسي 1: 19 و 20، عمدة القارئ 6: 64، رحمة الأمة 1: 45، إرشاد الساري 2: 105، حلية العلماء 2: 97.
(5) صحيح مسلم 1: 378 و 379 / 534، سنن النسائي 2: 184 - 185، سنن أبي داود 1: 229 / 868، سنن البيهقي 2: 83، سنن الدار قطني 1: 339 / 1.
(6) سنن ابن ماجة 1: 283 / 874، سنن البيهقي 2: 85.
(7) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.

[ 178 ]

قال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي فضرب في يدي وقال لي: يا بني إنا كنا نفعل ذلك فأمرنا أن نضرب بالاكف على الركب (1). ولو كانتا عليلتين أو إحداهما إنحنى كمال الركوع وأرسلهما. مسألة 253: ويستحب أن يسوي ظهره ولا يتبازخ به بأن يخرج صدره ويطأ من ظهره فيكون كالسرج، ولا يحدودب فيعلي وسط ظهره، ويجعل رأسه وعنقه حيال ظهره، ويمد عنقه محاذيا ظهره لأن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وأقم صلبك ومد عنقك " (3). ويستحب أيضا رد ركبتيه إلى خلفه عند علمائنا أجمع لقول حماد عن الصادق عليه السلام: ورد ركبتيه إلى خلفه (4). وقال الشافعي: بنصب ركبتيه وأن يجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا يجاوز في الانحناء استواء الظهر والرقبة (5). مسألة 254: يستحب الدعاء أمام التسبيح لقول النبي صلى الله عليه وآله: (أما الركوع فعظموا الرب فيه، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء

(1) صحيح البخاري 1: 200 صحيح مسلم 1: 380 / 535، سنن أبي داود 1: 229 / 867، سنن النسائي 2: 185، سنن ابن ماجة 1: 283 / 873، سنن البيهقي 2: 83.
(2) صحيح مسلم 1: 357 / 498، سنن ابن ماجة 1: 282 / 869، سنن البيهقي 2: 85. (3) الكافي 3: 319 - 320 / 1، التهذيب 2: 78 / 289.
(4) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(5) الأم 1: 111 - 112، المجموع 3: 409، فتح العزيز 3: 375 و 378 و 380، المهذب للشيرازي 1: 82.

[ 179 ]

فقمن (1) أن يستجاب لكم) (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " فاركع وقل: رب لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، فأنت ربي خشع لك سمعي، وبصري، وشعري، وبشري، ولحمي، ودمي، ومخي، وعصبي، وما أقلتا قدماي، غير مستنكف، ولا مستكبر، ولا مستحسر، سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا " (3) وبنحوه قال الشافعي إلا أنه قدم التسبيح (4). ولايستحب أن يقرأ في ركوعه، وسجوده، وتشهده، بل يكره، قاله الشيخ في المبسوط (5) - وبه قال الشافعي، وأحمد (6) - لأن عليا عليه السلام قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله قال: ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم " (7). ويكره أن تكون يداه تحت ثيابه حالة الركوع بل يستحب أن تكون بارزة أو في كمه، ولو خالف لم تبطل صلاته.

(1) قمن: بفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، ومعناه جدير وحقيق. انظر النهاية 4: 111 ومجمع البحرين 6: 301 " قمن ".
(2) صحيح مسلم 1: 348 / 479، سنن أبي داود 1: 232 / 876، سنن النسائي 2: 218.
(3) الكافي 3: 319 / 1، التهذيب 2: 77 / 289.
(4) الأم 1: 111، المجموع 3: 411 و 412، فتح العزيز 3: 390 و 394، السراج الوهاج: 45، المهذب للشيرازي 1: 82.
(5) المبسوط للطوسي 1: 111.
(6) الأم 1: 111، المجموع 3: 414، فتح العزيز 3: 399، المغني 1: 580، الشرح الكبير 1: 581.
(7) مسند أحمد 1: 155.

[ 180 ]

مسألة 255: يستحب إذا انتصب أن يقول: سمع الله لمن حمده، سواء الامام والمأموم - وبه قال عطاء، ومحمد بن سيرين، وإسحاق بن راهويه، والشافعي (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقوله (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ثم قل: سمع الله لمن حمده، وأنت منتصب " (3) ولأن ما سن للامام في الانتقال من ركن إلى ركن سن للمأموم كسائر الأذكار. وقال أبو حنيفة، ومالك: يقولها الامام دون المأموم - وبه قال ابن المنذر، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد (4) - لقوله عليه السلام: (إذا قال الامام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) (5) وهذا يدل على أن المأموم لا يقولها. فروع: أ - هذا القول عندنا مستحب لا واجب للأصل، ولأنه عليه السلام لم

(1) الأم 1: 112، المجموع 3: 417 و 419، فتح العزيز 3: 404 و 405، الوجيز 1: 43، كفاية الأخيار 1: 73، السراج الوهاج: 45.
(2) صحيح البخاري 1: 200 و 202، صحيح مسلم 1: 346 / 476، سنن النسائي 2: 195، سنن أبي داود 1: 223 / 846، سنن ابن ماجة 1: 284 / 878، سنن البيهقي 2: 93 و 94 و 95 و 96، سنن الدار قطني 1: 288 / 3 و 4 و 289 / 9.
(3) الكافي 3: 319 / 1، التهذيب 2: 77 / 289.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 20، اللباب 1: 69، المغني 1: 584، الشرح الكبير 1: 583 - 584، المجموع 3: 419، فتح العزيز 3: 405.
(5) صحيح البخاري 1: 201 و 203، سنن النسائي 2: 196، سنن أبي داود 1: 224 / 848. سنن ابن ماجة 1: 284 / 876 و 877، سنن البيهقي 2: 96 و 97، سنن الدار قطني 1: 329 / 12.

[ 181 ]

يعلمه المسئ في صلاته (1) وهو وقت الحاجة، وأكثر العلماء على ذلك (2)، وقال إسحاق: بوجوبه (3) - وعن أحمد روايتان (4) - لقوله صلى الله عليه وآله: (لا تتم صلاة أحدكم) وساق الحديث حتى قال: (ثم يقول: سمع الله لمن حمده) (5). والتمام يطلق على جملة الأفعال الواجبة والمندوبة. ب - يستحب الدعاء بعده فيقول: الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والعظمة. إماما كان، أو مأموما، أو منفردا، لقول حذيفة: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده) ثم قال: (الحمد لله ذي الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة) (6). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ثم قل: سمع الله لمن حمده أهل الجود والكبرياء والعظمة " (7) ولأن قوله: سمع الله لمن حمده إذكار بالحمد، وحث عليه فيستحب. وقال الشافعي: يقول بعده: ربنا لك الحمد مل ء السماوات ومل ء الأرض ومل ء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد: كلنا

(1) انظر صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن ابن ماجة 1: 336 - 337 / 1060، سنن الترمذي 2: 100 - 104 / 302 و 303، سنن النسائي 2: 124، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن البيهقي 2: 371 - 372.
(2) المغني 1: 579، المجموع 3: 414.
(3) المغني 1: 579.
(4) المغني 1: 579.
(5) سنن أبي داود 1: 226 - 227 / 857.
(6) مسند أحمد 5: 388.
(7) الكافي 3: 320 / 1، التهذيب 2: 78 / 289.

[ 182 ]

لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد (1). ورووه عن علي عليه السلام (2) - إماما، أو مأموما، أو منفردا، وبه قال عطاء، وابن سيرين، وإسحاق (3). وقال أبو حنيفة، ومالك: يقول الامام: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. واختاره ابن المنذر (4). وقال الثوري، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد: يقول الامام: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد. لا يزيد عليه (5) قال الشيخ: ولو قال: ربنا ولك الحمد، لم تفسد صلاته (6). وهو جيد لأنه نوع تحميد، لكن المنقول عن أهل البيت عليهم السلام أولى، وقال الطحاوي: خالف الشافعي الاجماع فيما قاله.

(1) المجموع 3: 417، مختصر المزني: 14، فتح العزيز 3: 406، مغني المحتاج 1: 166، المهذب للشيرازي 1: 82، للسراج الوهاج: 45 - 46. وانظر صحيح مسلم 1: 347 / 477 والأذكار للنووي: 63.
(2) سنن الترمذي 2: 53 / 266، سنن الدار قطني 1: 342 / 3، مسند الطيالسي: 22 / 152، الأذكار للنووي: 63 وفيها إلى قوله: ومل ء ما شئت من شئ بعد. فلاحظ.
(3) المجموع 3: 419، المغني 1: 583، الشرح الكبير 1: 583.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 49، شرح فتح القدير 1: 259 و 260، شرح العناية 1: 259 و 260، اللباب 1: 69 و 70، الشرح الصغير 1: 119.
(5) المغني 1: 584 و 585، الشرح الكبير 1: 583 و 584 و 585، المجموع 3: 419، فتح العزيز 3: 405 و 406.
(6) المبسوط للطوسي 1: 112.

[ 183 ]

ج - من الجمهور من أسقط الواو، ومنهم من أثبتها (1)، لأنها قد تزاد لغة. د - لو عكس فقال: من حمد الله سمع له لم يأت بالمستحب، لأنه خلاف المنقول. ه‍ - لو عطس فقال: الحمد لله رب العالمين ونوى المستحب بعد الرفع جاز، لأن انضمام هذه النية لم يغير شيئا من المقصود. و - لو منعه عارض عن الرفع من الركوع سجد، وسقط الذكر، ولو ركع ثم اطمأن ثم سقط على الأرض فإنه يقوم منتصبا ولا يعيد الركوع، لأن الركوع سقط بفعله فالانتصاب منه يحصل بقيامه، ويحتمل أن سجد من غير قيام لفوات محله لعذر. ز - لو سجد ثم شك هل رفع رأسه من الركوع لم يلتفت عندنا. وقال الشافعي: يجب أن ينتصب فإذا انتصب سجد (2). ح - لو ركع ولم يطمئن فسقط احتمل إعادة الركوع لعدم الاتيان به على وجهه، وعدمها لأن الركوع حصل فلو أعاد زاد ركوعا. ط - لو منعته العلة عن الانتصاب سجد، فإن زالت العلة قبل بلوغ

(1) المجموع 3: 418، الوجيز 1: 43، فتح العزيز 3: 405، كفاية الأخيار 1: 73، المغني 1: 585، الشرح الكبير 1: 585، المهذب للشيرازي 1: 82، السراج الوهاج: 45، المحرر في الفقه 1: 62، كشاف القناع 1، 349، المبسوط للسرخسي 1: 20، اللباب 1: 70، المدونة الكبرى 1: 72، مقدمات ابن رشد 1: 117، القوانين الفقهية: 65، حاشية إعانة الطالبين 1: 157، الجامع الصغير للشيباني: 88.
(2) المجموع 3: 416، فتح العزيز 3: 402 و 403، كفاية الأخيار 1: 67، حاشية إعانة الطالبين 1: 157.

[ 184 ]

جبهته الأرض فإنه يرفع وينتصب ويسجد لزوال العلة قبل الشروع في الركن، وفي المبسوط: يمضي في صلاته (1). وليس بجيد، لأن الانتصاب والطمأنينة واجبان، وإن زالت بعد الوضع سقط، لأنه شرع في السجود. ي - هذا الذكر وهو: سمع الله لمن حمده يقوله عند الانتصاب لحديث الباقر عليه السلام (2)، وقال الشافعي: يبتدي عند ابتداء الرفع. وله قول آخر: أنه يقول: سمع الله لمن حمده وهو راكع فإذا انتصب قال: ربنا لك الحمد (3). يا - إذا قام من الركوع لا يستحب رفع اليدين بل إذا كبر للسجود قائما رفعهما، واستحبه الشافعي (4)، خلافا لأبي حنيفة (5). يب - لو ترك الاعتدال عن الركوع والسجود في صلاة النفل صحت صلاته، ويكون قد ترك الأفضل، وللشافعية وجهان (6). يج - يستحب للامام رفع صوته بالذكر في الركوع والرفع. البحث السادس: السجود مسألة 256: السجود واجب بالنص والاجماع وهو في كل ركعة سجدتان

(1) المبسوط للطوسي 1: 112.
(2) الكافي 3: 320 / 1، التهذيب 2: 78 / 289.
(3) المجموع 3: 417 و 419، فتح العزيز 3: 404 و 405، كفاية الأخيار 1: 73، السراج الوهاج: 45، المهذب للشيرازي 1: 82، حلية العلماء 2: 98.
(4) الأم 1: 104، المجموع 3: 399، فتح العزيز 3: 403، كفاية الأخيار 1: 71، إرشاد الساري 2: 72، السراج الوهاج: 45، المهذب للشيرازي 1: 82، الوجيز 1، 43، بداية المجتهد 1: 133، المحلى 4: 87.
(5) اللباب 1: 71، فتح العزيز 3: 404، إرشاد الساري 2: 73، بداية المجتهد 1: 133، المحلى 4: 87.
(6) المجموع 3، 419، حاشية إعانة الطالبين 1: 156.

[ 185 ]

هما معا ركن في الصلاة، ولو أخل بهما عمدا أو سهوا بطلت صلاته بإجماع العلماء. ويجب على الأعضاء السبعة في كل سجدة: الجبهة، والكفان، والركبتان، وإبهاما الرجلين عند علمائنا أجمع، إلا المرتضى فإنه قال عوض الكفين: مفصل الكفين عند الزندين (1). وما قلناه ذهب إليه أحمد، وإسحاق، والشافعي في أحد القولين (2)، لأن ابن عباس قال: أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يسجد على سبع: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته (3). ومن طريق الخاصة قول حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام: وسجد على ثمانية أعظم: الكفين، والركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والجبهة، والأنف وقال: سبع منها فرض، ووضع الأنف على الأرض سنة (4). والقول الآخر للشافعي: لا يجب إلا على الجبهة دون باقي السبعة. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأكثر الفقهاء (5) لقوله عليه السلام: (سجد

(1) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 32.
(2) الأم 1: 114، المجموع 3: 423 و 427، فتح العزيز 3: 451 و 452، الوجيز 1: 44، إرشاد الساري 2: 119، كفاية الأخيار 1: 68، المهذب للشيرازي 1: 83، المغني 1: 590 و 591، الشرح الكبير 1: 591، نيل الأوطار 1: 287.
(3) صحيح البخاري 1: 206، صحيح مسلم 1: 354 / 490، سنن النسائي 2: 209 و 210.
(4) الكافي 3: 312 / 8، التهذيب 2: 82 / 301.
(5) المجموع 3: 423 و 427، فتح العزيز 3: 451 و 452 و 454، كفاية الأخيار 1: 68، المهذب للشيرازي 1: 83، الوجيز 1: 44، اللباب 1: 70، بدائع الصنائع 1: 105، الهداية للمرغيناني 1: 50، شرح العناية 1: 263، المغني 1: 591، الشرح الكبير 1: 591: نيل الأوطار 2: 287.

[ 186 ]

وجهي) (1) وهو يدل على أن السجود للوجه، ولأنه لا يجب كشفها في السجود. والحديث لا دلالة فيه، والتخصيص بالذكر لأنه أبلغ في الخضوع وقد قال: (سجد لحمي وعظمي وما أقلته قدماي) (2) ولا يلزم من عدم الكشف انتفاء وجوب السجود عليها كما لا يلزم انتفاء استحبابه عنده. فروع: أ - لو أخل بالسبعة أو بأحدها عمدا بطلت صلاته، وناسيا لا يعيد لعدم وجوبه حينئذ. ب - يجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه مما لا يؤكل، ولا يلبس وقد سلف، دون باقي الأعضاء، لكن يستحب في اليدين، ويسقط مع الضرورة. وللشافعي على تقدير وجوب السجود عليها قولان في وجوب كشف اليدين، أشهرهما: ذلك (3) لأن خباب بن الارت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا (4)، والثاني: العدم (5) كقولنا، لأنه عضو يغطى عادة فأشبه الركبتين. والحديث محمول على

(1) صحيح مسلم 1: 535 / 771، سنن الترمذي 5: 486 - 488 / 3421 - 3423، سنن ابن ماجة 1: 335 / 1054، سنن أبي داود 2: 60 / 1414، سنن النسائي 2: 222، مسند أحمد 1: 95، سنن البيهقي 2: 109.
(2) أورد المحقق في المعتبر: 183.
(3) المجموع 3: 429، فتح العزيز 3: 464، الوجيز 1: 44، المهذب للشيرازي 1: 83، عمدة القارئ 6: 91.
(4) سنن البيهقي 2: 105.
(5) المجموع 3: 429، الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 465، المهذب للشيرازي 1: 83، عمدة القارئ 6: 91.

[ 187 ]

أنه لم يشكهم في السؤال لأجل الجبهة. ج - لا يجب استيعاب الجبهة بالوضع بل يكفي المسمى مع التمكين لأن النبي صلى الله عليه وآله سجد بأعلى جبهته (1). ولقول الباقر عليه السلام: " ما بين قصاص شعر الرأس إلى موضع الحاجب ما وضعت منه أجزأك " (2) وشرط بعض علمائنا قدر الدرهم (3)، وكذا لا يجب استيعاب كل مسجد بل يكفي الملاقاة ببعضه، والأفضل الاستيعاب د - لا يجزئ أحد جانبي الجبهة عنها، وبه قال الشافعي (4). مسألة 257: يتعين وضع الجبهة مع القدرة فلا يجزئ الأنف عنها عند علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي، وأحمد (5) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض) (6) والأمر للوجوب، ولقول الصادق عليه السلام: " سبعة منها فرض " (7) وعد الجبهة. وقال أبو حنيفة: إذا سجد على أنفه أجزأه عن جبهته، لأن الأنف والجبهة عضو واحد، فإذا سجد على الأنف أجزأه كما لو سجد على بعض

(1) سنن الدارقطني 1: 349 / 4.
(2) الكافي 3: 333 / 1، التهذيب 2: 85 / 313.
(3) المقنع: 26.
(4) المجموع 3: 423، فتح العزيز 3: 452.
(5) المجموع 3: 423 و 424، فتح العزيز 3: 451، المغني 1: 592، عمدة القارئ 6: 90، بداية المجتهد 1: 138.
(6) مسند أحمد 1: 287، الفردوس 1: 281 / 1103 وانظر عوالي اللآلي 1: 331 / 84.
(7) الكافي 3: 312 / 8، التهذيب 2: 82 / 301.

[ 188 ]

الجبهة (1). ويبطل بعظم الرأس فإنه متصل بعظم الجبهة. فروع: أ - لو سجد على خده أو رأسه لم يجزئه، وبه قال الشافعي (2). ب - لا يجب السجود على الأنف بل يستحب استحبابا مؤكدا، فلو اقتصر على الجبهة أجزأه عند علمائنا، وبه قال عطاء، وطاوس، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، والشافعي، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد في رواية، وأبو حنيفة، والثوري، و مالك (3)، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم) 4) ولم يذكر الأنف. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ووضع الأنف على الأرض سنة " (5). وقال الأوزاعي، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق: يجب السجود على الأنف أيضا (6)، لقوله عليه السلام: (لا صلاة لمن لا يصيب

(1) المبسوط للسرخسي 1: 34، عمدة القارئ 6: 90، المجموع 3: 424، فتح العزيز 3: 451، فتح الباري 2: 236، إرشاد الساري 2: 120، المغني 1: 592، بداية المجتهد 1: 138، سبل السلام 1: 305، نيل الأوطار 2: 288.
(2) الأم 1: 114، المجموع 3: 423.
(3) المجموع 3: 425، فتح العزيز 3: 455، فتح الباري 2: 236، المغني 1: 592، الشرح الكبير 1: 592، المحرر في الفقه 1: 63، عمدة القارئ 6: 90، بداية المجتهد 1: 138.
(4) صحيح البخاري 1: 206، صحيح مسلم 1: 354 / 490، سنن ابن ماجة 1: 286 / 883، سنن الدارمي 1: 302، سنن البيهقي 2: 103.
(5) الكافي 3: 312 / 8، التهذيب 2: 82 / 301.
(6) المغني 1: 592، الشرح الكبير 1: 592، المجموع 3: 425، فتح العزيز 3: 455، فتح الباري 2: 236، عمدة القارئ 6: 90.

[ 189 ]

أنفه من الأرض ما يصيب الجبين) (1) وهو محمول على نفي الفضيلة. ج - يستحب الارغام بطرف الأنف الأعلى، قاله المرتضى (2). مسألة 258: لا يجوز أن يكون موضع السجود أعلى من موقف المصلي بالمعتد اختيارا عند علمائنا، لقول الصادق عليه السلام وقد سأله ابن سنان عن موضع جبهة الساجد يكون أرفع من مقامه؟ فقال: " لا، ولكن يكون مستويا " (3) ولأنه يخرج عن الهيئة المشروعة. ويجوز العلو بمقدار لبنة لأنه لا يعد علوا، ولعدم التمكن من الاحتراز عنه إذ علو ذلك غالب، ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله ابن سنان عن السجود على الأرض المرتفعة فقال: " إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس " (4) ولو كان مساويا أو أخفض جاز إجماعا. مسألة 259: ويجب فيه الذكر، والخلاف فيه كالركوع لقوله عليه السلام لما نزل سبح اسم ربك الأعلى: (إجعلوها في سجودكم) (5) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى الفريضة من ذلك تسبيحة، والسنة ثلاث، والفضل في سبع " (6). وأما إجزاء الذكر، فلقول الصادق عليه السلام وقد سئل أيجزي أن أقول مكان التسبيح في الركوع والسجود: لا إله إلا الله، والله أكبر؟

(1) سنن البيهقي 2: 104، سنن الدارقطني 1: 348 / 3.
(2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 32.
(3) الكافي 3: 333 / 4، التهذيب 2: 85 / 315.
(4) الكافي 3: 333 ذيل الحديث 4، التهذيب 2: 313 / 1271.
(5) الفقيه 1: 206 / 932، التهذيب 2: 313 / 1273، علل الشرائع: 333 باب 30 حديث 6. (6) التهذيب 2: 76 / 282، الاستبصار 1: 322 / 1204.

[ 190 ]

فقال: " نعم كل هذا ذكر " (1) وقد تقدم. مسألة 260: ويجب فيه الطمأنينة بقدر الذكر في كل واحدة منهما، وإيقاع الذكر مطمئنا، فلو شرع فيه قبل وصول الجبهة الأرض، أو رفع قبل انتهائه بطل سجوده عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (2) - لقوله صلى الله عليه وآله للاعرابي: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا) (3). ومن طريق الخاصة حديث حماد - الطويل - لما وصف صلاة الصادق عليه السلام: ثم سجد وبسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه فقال: " سبحان ربي الأعلى وبحمده " ثلاث مرات (4). وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة لأنه أمر بالسجود وقد امتثل (5). ونمنع الامتثال، لأن النبي صلى الله عليه وآله بين الهيئة (6)، وقال الشيخ في الخلاف: إنه ركن (7). مسألة 261: فإذا أكمل الذكر وجب عليه رفع رأسه من السجود، والطمأنينة في الجلوس بين السجدتين عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي،

(1) الكافي 3: 321 / 8 و 329 / 5، التهذيب 2: 302 / 1217 و 1218.
(2) المجموع 3: 410 و 432، فتح العزيز 3: 469، كفاية الأخيار 1: 68، المهذب للشيرازي 1: 83، السراج الوهاج: 47، مغني المحتاج 1: 169، بدائع الصنائع 1: 162، حاشية إعانة الطالبين 1: 168.
(3) صحيح البخاري 1: 193 و 201، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن ابن ماجة 1: 336 / 1060، سنن الترمذي 2: 103 / 303، سنن النسائي 2: 124، سنن البيهقي 2: 117.
(4) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 197 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 49، الكفاية 1: 262، شرح العناية 1: 261، بدائع الصنائع 1: 162، المجموع 3: 432، فتح العزيز 3: 469، المغني 1: 577 و 589.
(6) صحيح البخاري 1: 193 و 201، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن البيهقي 2: 117.
(7) الخلاف 1: 359 مسألة 116.

[ 191 ]

وأحمد (1) - لقوله عليه السلام للاعرابي: (ثم ارفع رأسك حتى تطمئن) (2). ومن طريق الخاصة في حديث حماد: فلما استوى جالسا قال: " الله أكبر " ثم قعد على فخذه الأيسر (3) ولأنه رفع واجب فكان إلى الاعتدال واجبا كالرفع من السجدة الأخيرة من الصلاة. وقال أبو حنيفة: لا يجب ذلك. واكتفى أبو حنيفة بأن يرفع رأسه مثل حد السيف ومعه تتحقق السجدتان لأنها جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة كالتشهد الأول (4)، ونمنع الحكم في الأصل على ما يأتي، ثم يفرق على مذهبه بأن هذه مقصودة في نفسها بخلاف جلسة التشهد فإنها تقصد لذكر غير واجب عنده. وقال الشيخ في الخلاف: إن ذلك ركن (5). فإن قصد به الفرض فهو مسلم، وإن قصد إبطال الصلاة بالاخلال به سهوا فهو ممنوع. مسألة 262: والسجود الثاني واجب كالأول بإجماع العلماء، وهيئته كهيئته في السجود على الأعضاء السبعة، ووجوب الذكر فيه، والطمأنينة بقدره، ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، ووجوب الرفع منه إما للقيام أو الجلوس

(1) المجموع 3: 437 و 440، فتح العزيز 3: 477، الوجيز 1: 44، كفاية الأخيار 1: 68، السراج الوهاج: 47، المهذب للشيرازي 1: 84، المغني 1: 598، الشرح الكبير 1: 598، حاشية إعانة الطالبين 1: 168. (2) صحيح البخاري 1: 193 و 201، صحيح مسلم 1: 289 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن ابن ماجة 1: 336 / 1060، سنن النسائي 2 / 124.
(3) الكافي 3: 312 / 8، التهذيب 2: 82 / 301.
(4) اللباب 1: 71، المجموع 3: 440، فتح العزيز 3: 477، المغني 1: 598، الشرح الكبير 1: 598، حلية العلماء 2: 102.
(5) الخلاف 1: 360 مسألة 117.

[ 192 ]

لا خلاف بينهما إجماعا. مسألة 263: يستحب إذا أراد السجود الأول أن يكبر له عند علمائنا - وبه قال الشافعي، وأحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يكبر حين يسجد (2)، ورووا أيضا أنه كان يكبر عند كل رفع وخفض (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " إذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا " (4) ولأنه انتقال إلى ركن فشرع فيه الذكر. وقال بعض علمائنا بوجوبه (5)، وبه قال أحمد (6)، وقد تقدم في تكبير الركوع. فروع: أ - يستحب رفع اليدين به عند علمائنا، وقال المرتضى بوجوبه (7). وقال الشافعي: لا يستحب، لأنه يصل طرفه بسجود فهو كالتكبير بين السجدتين (8). ونمنع الحكم في الأصل، وقول الباقر عليه السلام: " فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير " (9).

(1) المجموع 3: 421، المهذب للشيرازي 1: 82، المغني 1: 579 و 589، الشرح الكبير 1: 589.
(2) صحيح البخاري 1: 200، سنن النسائي 2: 233.
(3) سنن الترمذي 2: 34 / 253، سنن النسائي 2: 230، سنن البيهقي 2: 67.
(4) الكافي 3: 334 / 1، التهذيب 2: 83 / 308.
(5) قاله سلار في المراسم: 69.
(6) المغني 1: 579، الشرح الكبير 1: 589، المجموع 3: 397.
(7) الانتصار: 44.
(8) المجموع 3: 446، الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 472، المهذب للشيرازي 1: 84، مغني المحتاج 1: 170.
(9) الكافي 3: 334 / 1، التهذيب 2: 83 / 308.

[ 193 ]

ب - يستحب التكبير قائما، فإذا فرغ منه أهوى إلى السجود عند علمائنا، وقال الشافعي، وأحمد: يهوي بالتكبير ليكون انتهاء التكبير مع انتهاء الانحطاط، وابتداؤه مع ابتدائه لأنه هيئة من هيئات الانحطاط (1). وحديث حماد عن الصادق عليه السلام (2) يبطل ذلك، ونمنع أنه هيئة من هيئات الانحطاط بل هو ابتداء ذكر لركن فشرع قبله كالتحريم. ج - الاجود الاتيان به جزما مؤخرا، وللشافعية وجهان: أحدهما: أنه يستحب أن يمده مدا لينتهي مع انتهاء الهوي (3). مسألة 264: يستحب إذا أهوى إلى السجود أن يبتدئ بوضع يديه على الأرض يتلقاها بهما عند علمائنا أجمع - وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد في رواية (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) (5) وعن ابن عمر: قبل اليدين (6). أولا (7). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وابدأ بيديك تضعهما قبل ركبتيك " (8).

(1) فتح العزيز 2: 472، إرشاد الساري 2: 113، المغني 1: 589، الشرح الكبير 1: 589.
(2) الكافي 3: 311 / 8، التهذيب 2: 81 / 301.
(3) فتح العزيز 3: 472، المجموع 3: 421.
(4) القوانين الفقهية: 66، المغني 1: 590، الشرح الكبير 1: 590، المجموع 3: 421، عمدة القارئ 6: 78.
(5) سنن أبي دواد 1: 222 / 840، سنن الدارمي 1: 303، سنن النسائي 2: 207، مسند أحمد 2: 381، سنن الدار قطني 1: 344 - 345 / 3، سنن البيهقي 2: 99.
(6) كذا في النسختين " م وش " والظاهر كون العبارة هكذا: أقبل باليدين أولا.
(7) صحيح البخاري 1: 202، سنن البيهقي 2: 100.
(8) الكافي 3: 334 / 1، التهذيب 2: 83 / 308.

[ 194 ]

وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وعمر بن الخطاب، والنخعي: أول ما يقع على الأرض ركبتاه (1) لأن وائل بن حجر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (2)، ولأن اليدين لما تقدم رفعهما تأخر وضعهما كالجبهة. والقول مقدم خصوصا مع ندبية الفعل فجاز أن يتركه عليه السلام أحيانا لبيان الندبية، ونمنع سبق رفع اليدين. ولو غير إحدى الهيئتين بالأخرى جاز إجماعا ويكون قد ترك الأفضل، قال الصادق عليه السلام: " لا بأس إذا صلى الرجل أن يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه " (3). مسألة 265: يستحب أن يكون موضع جبهته مساويا لموقفه، لأنه أنسب بالاعتدال المطلوب في السجود، وأمكن للساجد، وقال الصادق عليه السلام وقد سأله أبو بصير عن الرجل يرفع جبهته في المسجد: " إني أحب أن أضع وجهي في موضع قدمي " وكرهه (4). فإن وقعت على المرتفع فإن كان بمقدار لبنة فما دون جاز، وإن كان أزيد رفع رأسه ثم وضعه على المعتدل، ولا تكون هنا زيادة سجود، لأن الوضع الأول ليس بسجود. أما لو وقعت على لبنة فإنه يستحب جر الجبهة إلى المعتدل، ولا يجوز

(1) الأم 1: 113، المجموع 3: 421، الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 472، فتح الباري 2: 231، السراج الوهاج: 47، المهذب للشيرازي 1: 82، المغني 1: 590، الشرح الكبير 1: 590، الفتاوى الهندية 1: 75.
(2) سنن الترمذي 2: 56 / 268، سنن ابن ماجة 1: 286 / 882، سنن النسائي 2: 234، سنن أبي داود 1: 222 / 838.
(3) التهذيب 2: 78 / 294، الاستبصار 1: 326 / 1218.
(4) التهذيب 2: 85 / 316.

[ 195 ]

رفعها حينئذ لئلا تزيد سجدة، ولو بقي على حاله جاز، وكذا التفصيل لو سجد على ما يكره السجود عليه أو يحرم. مسألة 266: يستحب الدعاء أمام التسبيح بإجماع العلماء، لقوله عليه السلام: (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا سجدت فكبر، وقل: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، والحمد لله رب العالمين، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قل: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات " (2). وسأل عبد الله بن سنان الصادق عليه السلام أدعو الله وأنا ساجد؟ فقال: " نعم، آدع الله للدنيا والآخرة " (3). مسألة 267: ويستحب التخوية في السجود بأن يفرق بين فخذيه وساقيه، وبين بطنه وفخذيه، وبين جنبيه وعضديه، وبين عضديه وساعديه، وبين ركبتيه ومرفقيه، ويفرق بين رجليه، وسمي تخوية، لأنه إلقاء الخوا بين الأعضاء. وهذا للرجل خاصة دون المرأة بل تضم بعضها إلى بعض، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا سجد فرج يديه عن جنبيه وجخى - والجخ الخاوي - وفرج بين رجليه (4)، وقال عليه السلام: (إذا سجد أحدكم فلا

(1) صحيح مسلم 1: 348 / 479، سنن أبي داود 1: 232 / 876، سنن النسائي 2: 218.
(2) الكافي 3: 321 / 1، التهذيب 2: 79 / 295.
(3) الكافي 3: 323 / 6، التهذيب 2: 299 / 1207، وفيهما عن عبد الرحمن بن سيابة، واورده عن عبد الله بن سنان المحقق في المعتبر: 185.
(4) سنن أبي داود 1: 237 / 889، سنن النسائي 2: 212.

[ 196 ]

يفترش ذراعيه افتراش الكلب) (1) ومعناه أن يضعهما بالأرض ولا يتجافى بهما. ومن طريق الخاصة رواية حماد عن صفة صلاة الصادق عليه السلام: ولم يضع شيئا من جسده على شئ منه لما سجد (2)، وقول الباقر عليه السلام: " لا تفترش ذراعيك افتراش السبع " (3). ويستحب الاعتدال في السجود إجماعا، لقوله عليه السلام: (اعتدلوا في السجود) (4). قال الجمهور: لا ينبغي أن يجمع ثيابه، وشعره في سجوده (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يجمع ثيابه في الصلاة فقال عليه السلام: (دعها فإنها تركع بركوعك، وتسجد بسجودك) ونهى [ صلى الله عليه وآله ] أن يكفت منه الشعر والثياب (6) أي يجمعهما. قال عطاء: وكانوا يكرهون أن يسجد وهو عاقص شعره، ولعل النهي لما فيه من الفعل الذي ليس من الصلاة.

(1) سنن أبي داود 1: 237 / 901، سنن ابن ماجة 1: 288 / 891، سنن الترمذي 2: 65 / 275، سنن البيهقي 2: 115.
(2) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(3) الكافي 3: 335 / 1، التهذيب 2: 84 / 308.
(4) صحيح البخاري 1: 208، صحيح مسلم 1: 355 / 493، سنن أبي داود 1: 236 / 897، سنن ابن ماجة 1: 288 / 892، سنن النسائي 2: 214، سنن الترمذي 2: 66 / 276، سنن البيهقي 2: 113.
(5) المجموع 4: 98، مغني المحتاج 1: 201، المهذب للشيرازي 1: 96، المغني 1: 697، المبسوط للسرخسي 1: 34، بدائع الصنائع 1: 216، كشاف القناع 1: 372، المحلى 4: 7.
(6) صحيح مسلم 1: 354 / 490، سنن البيهقي 2: 103، مصنف عبد الرزاق 2: 179 - 180 / 2970 - 2974.

[ 197 ]

مسألة 268: يستحب التورك في الجلوس بين السجدتين عند علمائنا أجمع ومعناه أن يجلس على وركه الأيسر، ويخرج رجليه جميعا، ويجعل رجله اليسرى على الأرض، وظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، لأن ابن مسعود روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركا (1). ومن طريق الخاصة رواية حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام: ثم قعد على جانبه الأيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على طرف قدمه اليسرى (2). وقال الصادق عليه السلام: " إذا جلست في الصلاة فلا تجلس على يمينك واجلس على يسارك " (3). وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد المستحب الافتراش وهو أن يثني رجله اليسرى، فيبسطها، ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى، ويخرجها من تحته، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمدا عليها ليكون أطراف أصابعها إلى القبلة (4) لأن أبا حميد الساعدي لما وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها (5). ولا حجة فيه لاحتمال جلوسه على فخذه. وللشافعي قول باستحباب الاقعاء (6)، وسيأتي.

(1) أورده المحقق في المعتبر: 185.
(2) الكافي 3: 312 / 8، الفقيه 1: 197 / 916، التهذيب 2: 82 / 301.
(3) التهذيب 2: 83 / 307.
(4) المجموع 3: 437، الوجيز 1: 44، السراج الوهاج: 48، المبسوط للسرخسي 1: 24، اللباب 1: 71 - 72، المغني 1: 598 - 599، الشرح الكبير 1: 599.
(5) مسند أحمد 5: 424، سنن البيهقي 2: 118.
(6) المجموع 3: 439.

[ 198 ]

مسألة 269: يستحب التكبير إذا استوى جالسا عقيب الأولى، ثم يكبر لثانية قاعدا، ثم يسجد، ثم يكبر بعد جلوسه لرواية حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام: فلما استوى جالسا قال: الله أكبر، ثم قعد على فخذه الأيسر، ووضع قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر، وقال: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس، وسجد ثانية وقال كما قال في الأولى (1). وقال المرتضى: قد روي إذا كبر للدخول في فعل من الصلاة ابتدأ بالتكبير في حال ابتدائه، وللخروج بعد الانفصال عنه (2). وما تقدم يدل على إكمال التكبير قبل الدخول، والابتداء به بعد الخروج، وكلاهما جائز لكن الأول أولى. وقال الشافعي، وأحمد: يكبر عند شروعه في الرفع (3). وقد سبق. مسألة 270: يستحب الدعاء بين السجدتين عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول بين السجدتين: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، واهدني السبيل الاقوم، وعافني) (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا رفعت رأسك بين السجدتين فقل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وعافني، إني لما أنزلت إلي من خير فقير، تبارك الله رب العالمين " (6).

(1) الكافي 3: 312 / 8، الفقيه 1: 197 / 916، التهذيب 2: 82 / 301.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 185.
(3) المجموع 3: 442، فتح العزيز 3: 489، المهذب للشيرازي 1: 84، المغني 1: 589، الشرح الكبير 1: 598.
(4) المجموع 3: 436، الوجيز 1: 44، المهذب للشيرازي 1: 84.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 534، سنن الترمذي 2: 76 / 284، سنن أبي داود 1: 224 / 850، سنن البيهقي 2: 122، مستدرك الحاكم 1: 271.
(6) الكافي 3: 321 / 1، التهذيب 2: 79 / 295.

[ 199 ]

وأنكر ذلك أبو حنيفة (1)، وقال أحمد: تكرر رب اغفر لي رب اغفر لي، الواجب منه مرة وأدنى الكمال ثلاث (2)، والأصل عدم الوجوب، والنبي صلى الله عليه وآله لم يعلمه الأعرابي (3). مسألة 271: جلسة الاستراحة مستحبة عند أكثر علمائنا (4) - وبه قال الشافعي في أحد القولين، وأحمد في أحد الروايتين (5) - لأن أبا حميد الساعدي وصف صلاة النبي صلى الله عليه وآله إلى أن قال: ثم ثنى رجليه فقعد عليها، ثم هوى ساجدا، فقال: الله أكبر، ثم ثنى رجليه، وقعد، واعتدل، ثم نهض (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية حين تريد أن تقوم فاستو جالسا، ثم قم " (7). وعن علي عليه السلام كان إذا رفع رأسه من السجود قعد حتى يطمئن، ثم يقوم، فقيل له: كان أبو بكر، وعمر إذا رفعا من السجود نهضا على صدور أقدامهما كما تنهض الابل، فقال: " إنما يفعل ذلك أهل الجفا من

(1) العناية 1: 260: فتح العزيز 3: 483.
(2) المغني 1: 600، الشرح الكبير 1: 600.
(3) انظر صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي دواد 1: 226 / 856، سنن ابن ماجة 1: 336 / 1060، سنن الترمذي 2: 100 / 302، سنن النسائي 3: 60، سنن البيهقي 2: 371 - 372.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 113، وابن البراج في المهذب 1: 98، والمحقق في المعتبر: 185.
(5) المجموع 3: 443، الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 487، كفاية الأخيار 1: 74، السراج الوهاج: 48، المغني المحتاج 1: 171 و 172، الميزان: 152، رحمة الأمة 1: 47، المغني 1: 603، الشرح الكبير 1: 605، نيل الأوطار 2: 302.
(6) سنن الترمذي 2: 107 / 304، مسند أحمد 5: 424، سنن البيهقي 2: 123.
(7) التهذيب 2: 82 / 303، الاستبصار 1: 328 / 1229.

[ 200 ]

الناس إن هذا من توقير الصلاة " (1). وقال المرتضى بالوجوب لأنه مأمور به، والأمر للوجوب (2). ونمنع الكبرى، لأن زرارة قال: رأيت الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام إذا رفعا رؤوسهما من الثانية نهضا ولم يجلسا (3). وقال مالك، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي في القول الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى: يقوم ولا يجلس (4). ورووه عن علي عليه السلام، وعمر، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس (5) لأن وائل ابن حجر روى أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائما بكبيرة (6). ولا حجة فيه، لأنه مندوب فجاز له تركه ليعلم ندبيته، وللشافعية قول باستحبابها للضعيف لا القوي.
(7) فروع: أ - يستحب الدعاء، لقول الصادق عليه السلام: " إذا قمت من السجود قلت: اللهم رب بحولك وقوتك، أقوم وأقعد، وإن شئت قلت: وأركع وأسجد " (8).

(1) التهذيب 2: 314 / 1277.
(2) الانتصار: 46.
(3) التهذيب 2: 83 / 305، الاستبصار 1: 328 / 1231.
(4) المجموع 3: 443، فتح العزيز 3: 486، رحمة الأمة 1: 47، مغني المحتاج 1: 172، المهذب للشيرازي 1: 84، الميزان 1: 152، بدائع الصنائع 1: 211، المغني 1: 602، الشرح الكبير 1: 605، الانصاف 2: 71.
(5) المجموع 3: 443، المغني 1: 602 - 603، الشرح الكبير 1: 605.
(6) تلخيص الحبير 3: 486.
(7) المجموع 3: 441، المهذب للشيرازي 1: 84، حلية العلماء 2: 102.
(8) التهذيب 2: 86 / 320.

[ 201 ]

ب - يستحب الجلوس متوركا كما تقدم، وقال الشافعي: يجلس مفترشا كما بين السجدتين (1) لأن النبي صلى الله عليه وآله ثنى رجليه وقعد واعتدل حتى يرجع كل عضو إلى موضعه (2). وأحمد وافقنا (3) ليفرق بينه وبين الجلوس بين السجدتين فيأمن الشك، هل جلس عن الأولى، أو الثانية؟. ج - قالت الشافعية: إن قلنا بالجلوس أنهى التكبير حالة الجلوس، ويقوم بغير تكبير، وإن قلنا لا يجلس أنهاه مع انتهاء الرفع وذلك عند ابتداء القيام. وقال بعضهم: يتم التكبير عند انتهاء القيام فيمده (4). وقد بينا أنه يكبر عند انتهاء الجلوس. مسألة 272: يستحب الاعتماد على يديه سابقا برفع ركبتيه عند القيام من السجدة الثانية، أو من جلسة الاستراحة عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (5) - لأن مالك بن الحويرث لما وصف صلاة النبي صلى الله عليه وآله قال: فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى واستوى قاعدا، قام واعتمد على الأرض بيديه (6). ومن طريق الخاصة قول محمد بن مسلم: رأيت الصادق عليه السلام

(1) المجموع 3: 442، الوجيز 1: 44، كفاية الأخيار 1: 74، المغني 1: 603.
(2) سنن الدارمي 1: 314، سنن البيهقي 2: 123.
(3) المغني 1: 602، الشرح الكبير 1: 605.
(4) المجموع 3: 441 و 442، فتح العزيز 3: 489.
(5) الأم 1: 117 المجموع 3: 444، السراج الوهاج: 51، المهذب للشيرازي 1: 86، المنتقى للباجي 1: 166، المغني 1: 603، الشرح الكبير 1: 603، المحرر في الفقه 1: 64، الجوهر النقي 2: 125.
(6) سنن النسائي 2: 234، صحيح البخاري 1: 209، سنن البيهقي 2: 124.

[ 202 ]

إذا سجد وأراد القيام، رفع ركبتيه قبل يديه (1)، ولأنه أشبه بالتواضع وأعون للمصلي. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا يعتمد على يديه بل يرفعهما أولا ويقوم على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه. وهو رواية عن أحمد، ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وابن مسعود (2) لقول أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينهض من الصلاة معتمدا على صدور قدميه (3)، وخبرنا زائد والزائد أولى. مسألة 273: يكره الاقعاء بين السجدتين، وهو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه، وقال بعض أهل اللغة: هو أن يجلس على ألييه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب (4). وتفسير الفقهاء أولى لأن البحث على تقديره. وبالكراهة قال علي عليه السلام، وأبو هريرة، ومالك، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم (5) - وفعله ابن عمر وقال: لا تفتدوا بي فإني قد كبرت (6) - لأن عليا عليه السلام

(1) التهذيب 2: 78 / 291.
(2) شرح فتح القدير 1: 268، الهداية للمرغيناني 1: 51، شرح العناية 1: 268، عمدة القاري 6: 99، اللباب 1: 71، المغني 1: 603، الشرح الكبير 1: 603، سنن البيهقي 2: 125، المجموع 3: 444.
(3) سنن البيهقي 2: 124.
(4) الصحاح 6: 2465، مجمع البحرين 1: 348.
(5) المجموع 3: 439، المهذب للشيرازي 1: 84، مغني المحتاج 1: 154، السرج الوهاج: 42، المدونة الكبرى 1: 73، المنتقى للباجي 1: 166، بداية المجتهد 1: 139 - 140، المغني 1: 599، الانصاف 2: 91، المبسوط للسرخسي 1: 26.
(6) سنن البيهقي 2: 124.

[ 203 ]

قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تقع بين السجدتين) " (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا تقع بين السجدتين " (2) والنهي للكراهة لا التحريم، لقول الصادق عليه السلام: لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين " (3). وللشافعي قول آخر باستحبابه (4) لأن طاوسا قال لابن عباس في الاقعاء على القدمين فقال: هي السنة (5). قال طاوس: رأيت العبادلة - ابن عمر، وابن الزبير، وابن العباس - يقعون بين السجدتين (6). والأصح الأول، لأن أبا حميد الساعدي لما وصف جلوسه عليه السلام في (عشرة) (7) من الصحابة قال: ثم ثنى رجله اليسرى فقعد عليها ثم هوى ساجدا، فصدقه كلهم (8). مسألة 274: يستحب له رفع اليدين بالتكبير عند القيام من السجود، وبالجملة عند كل تكبيرة، وبه قال ابن المنذر (9)، وقال: هذا باب (أغفله) (10) كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد

(1) سنن الترمذي 2: 72 / 282، سنن ابن ماجة 1: 289 / 894، سنن البيهقي 2: 120.
(2) الكافي 3: 336 / 3، التهذيب 2: 301 / 1213، الاستبصار 1: 327 / 1225.
(3) التهذيب 2: 301 / 1212، الاستبصار 1: 327 / 1226.
(4) المجموع 3: 438 - 439، مغني المحتاج 1: 154.
(5) صحيح مسلم 1: 380 - 381 / 536، سنن الترمذي 2: 73 / 283، سنن أبي دواد 1: 223 / 845.
(6) المجموع 3: 438، المغني 1: 599.
(7) في نسخة (ش): غيره.
(8) سنن الترمذي 2: 105 - 107 / 304، سنن الدارمي 1: 313 - 314، مسند أحمد 5: 424، سنن البيهقي 2: 118.
(9) المجموع 3: 446، المهذب للشيرازي 1: 84 - 85.
(10) وفي نسخة (م): أغلقه.

[ 204 ]

الساعدي (1)، وروي في حديث علي عليه السلام أيضا (2)، ولأنه ابتداء ركعة فكان بمنزلة تكبيرة الافتتاح. وقال الشافعي: لا يستحب الرفع (3)، لأن ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما رفع، ولا يرفع بين السجدتين (4)، ولأنها تكبيرة يتصل طرفها بسجود أو قعود فلا يرفع يديه فيها كتكبيرة السجود من القيام. ولا تقبل رواية النفي مع الاثبات، والحكم في الأصل ممنوع. مسألة 275: قد بينا وجوب وضع الجبهة على الأرض، فإن كان عليها دمل حفر حفيرة ليقع الدمل فيها، والصحيح على الأرض لأن مصادفا قال: خرج بي دمل فكنت أسجد على جانب، فرآني الصادق عليه السلام فقال: " ما هذا؟ " فقلت: لا أستطيع أن أسجد لمكان الدمل. فقال: " احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الأرض " (5). فإن كانت مستوعبة سجد على أحد اللحيين، لأنه أشبه بالسجود على الجبهة من الايماء، والايماء سجود مع تعذر الجبهة فالجبين أولى. فإن تعذر سجد على ذقنه وهو مجمع اللحيين، لقوله تعالى: * (ويخرون للأذقان سجدا) * (6) وإذا صدق عليه اسم السجود وجب أن يكون مجزئا، وقد سئل الصادق عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها،

(1) سنن الترمذي 2: 105 - 107 / 304، سنن أبي دواد 1: 194 / 730، مسند أحمد 5: 424.
(2) سنن أبي داود 1: 198 / 744.
(3) المجموع 3: 446، المهذب للشيرازي 1: 84.
(4) سنن البيهقي 2: 23.
(5) الكافي 3: 333 / 5، التهذيب 2: 86 / 317.
(6) الاسراء: 107.

[ 205 ]

فقال: " يضع ذقنه على الأرض، إن الله سبحانه يقول: * (ويخرون للأذقان سجدا) * (1) " (2) فإن تعذر أومأ. مسألة 276: لو عجز عن التنكيس - وهو الانحناء إلى أن تستعلي الاسافل - لمرض، وجب وضع وسادة ليضع الجبهة عليها أو رفع ما يسجد عليه عند علمائنا - وبه قال أحمد (3) - لأن السجود فرض فيجب أن يؤدي على القدر الممكن، ولأنه أشبه بالسجود من الايماء، وقول الصادق عليه السلام: " وإن كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد " (4)، ولأن على المساجد هيئة التنكس ووضع الجبهة فلا يسقط الثاني بتعذر الأول. وقال أبو حنيفة: لا يجب (5). وللشافعي قولان: أحدهما: وجوبه، والآخر: وجوب الهوي بقدر الامكان لأن هيئة السجود فاتته، وإن وضع الجبهة فيكتفي بالانحناء المقدور عليه (6)، ولو تعذر رفع شئ أجزأه الايماء إجماعا، ولو عجز عن الطمأنينة سقطت. مسألة 277: يجب أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو سقط لا للسجود لم يجزئه، والأقرب بطلان الصلاة لوجود ما ينافيها، ولأنه تغيير لهيئة الصلاة، ولو أراد السجود فسقط من غير قصد أجزأته إرادته السابقة، إذ لا يجب في كل فعل تجديد قصد مقارن على التفصيل، ولو لم تسبق منه نية السجود ففي الإجزاء إشكال أقربه ذلك، لأنه لم يخرج بذلك عن هيئة الصلاة ونيتها.

(1) الاسراء: 107.
(2) الكافي 3: 334 / 6، التهذيب 2: 86 / 318.
(3) المغني 1: 591، الشرح الكبير 1: 592.
(4) الفقيه 1: 238 / 1052، التهذيب 3: 307 / 951.
(5) بدائع الصنائع 1: 105.
(6) المجموع 3: 436، الوجيز 1: 44، فتح العزيز 3: 467 - 468، كفاية الأخيار 1: 68.

[ 206 ]

ولو هوى ليسجد فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماست جبهته الأرض، قال الشافعي: لا يعتد بهذا السجود لأنه لم يرده بانقلابه وإنما أراد انقلابه فقطع بذلك نية السجود كما لو نوى الطهارة ثم نوى بغسل بعض الأعضاء التبرد، وقطع بذلك نية الطهارة (1). ولو انقلب يريده أجزأه فلو سجد فعرض له ألم ألقاه على جنبه ثم عاد للسجود، فإن تطاول انقلابه لم يجزئه، وإلا أجزأه لبقائه على النية. مسألة 278: ويجب الاعتماد على موضع السجود فلا يتحامل عنه بثقل رأسه وعنقه، ولو كان يسجد على قطن، أو حشيش ثقل عليه حتى ينكبس وتمكن جبهته عليه. ويجب أن يجافي بطنه عن الأرض فلو أكب على وجهه ومد يديه ورجليه ووضع جبهته على الأرض منبطحا لم يجزئه، لأن ذلك لا يسمي سجودا. ولو كان به مرض ولا يتمكن من السجود إلا على هذا الوجه أجزأه. وهل يجب أن يلقى الأرض ببطون راحتيه، أو يجزئه إلقاء زنديه؟ ظاهر كلام الأصحاب الأول، وكلام المرتضى (2) الثاني. ولو ضم أصابعه إلى كفه، وسجد عليها، ففي الإجزاء إشكال أقربه المنع، لأنه عليه السلام جعل يديه مبسوطتين حالة السجود (3). ولو قلب يديه وسجد على ظهر راحتيه لم يجزئه - وبه قال الشافعي (4) - لأنه مناف لفعله عليه السلام. ويستحب أن يفرج بين رجليه في السجود، لأنه عليه السلام صلى

(1) الأم 1: 114، المجموع 3: 434 - 435، فتح العزيز 3: 471، مغني المحتاج 1: 169.
(2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 32.
(3) سنن البيهقي 2: 113.
(4) الأم 1: 114، المجموع 3: 429، كفاية الأخيار 1: 68.

[ 207 ]

كذلك (1) - وبه قال الشافعي (2) - وهل يجزئه وضع الأصابع دون الكف وبالعكس؟ الأقرب ذلك، وبه قال الشافعي (3). مسألة 279: المريض الذي يصلي مضطجعا يؤمي برأسه بالركوع والسجود، ويجعل إشارته بالسجود أخفض من إشارته بالركوع، فإن عجز عن الاشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن عجز عن ذلك تفكر بقلبه. ولا يسقط فرض الصلاة ما دام عقله تاما (4) - وبه قال الشافعي (5) - للعموم (6)، ولما رووه عن علي عليه السلام: " فإن لم يستطع صلى مستلقيا على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومى بطرفه " (7). وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الاشارة بالرأس سقط عنه فرض الصلاة (8). وقد تقدم. خاتمة: السجدات الخارجة عن الصلاة ثلاث: الأولى: سجدة التلاوة وهي في خمسة عشر موضعا: في الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج في موضعين،

(1) مصنف ابن أبي شيبة 1: 257، سنن البيهقي 2: 115.
(2) مختصر المزني: 14، المجموع 3: 431، المهذب للشيرازي 1: 83، مغني المحتاج 1: 170.
(3) الأم 1: 114، المجموع 3: 429.
(4) في نسخة (م): ثابتا.
(5) فتح العزيز 3: 291، الوجيز 1: 41 - 42، كفاية الأخيار 1: 68، المهذب للشيرازي 1: 108، الميزان 1: 138.
(6) انظر الآية 114 من سورة هود.
(7) سنن الدار قطني 2: 42 / 1، سنن البيهقي 2: 307.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 216 - 217، بدائع الصنائع 1: 107، فتح العزيز 3: 291، الوجيز 1: 42، المغني 1: 818، الميزان 1: 138.

[ 208 ]

والفرقان، والنمل، وآلم تنزيل وهي سجدة لقمان، وص، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، وإقرأ باسم ربك، ثلاث منها في المفصل وهي النجم، والانشقاق، وإقرأ عند علمائنا، لأن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله خمس عشرة سجدة ثلاث في المفصل، وسجدتان في الحج (1). والخلاف مع الجمهور في المفصل (2)، والثانية في الحج، و " ص "، فأما المفصل فقال الشافعي في القديم: ليس فيه سجود - وبه قال مالك في المشهور عنه (3) - لأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وآله لم يسجد في شئ من المفصل منذ تحول إلى المدينة (4). وقال في الجديد: فيه سجود - وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق (5) - كما قلناه نحن، لأن أبا رافع صلى خلف أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت وسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت

(1) سنن أبي داود 2: 58 / 1401، سنن ابن ماجة 1: 335 / 1057، سنن الدار قطني 1: 408 / 8، مستدرك الحاكم 1: 223، وفيها: عبد الله بن منين عن عمرو بن العاص. فلاحظ.
(2) قيل: سمي به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور، وقيل: لقصر سوره. واختلف في أوله فقيل: من سورة محمد (صلى الله عليه وآله) وقيل: من سورة ق وقيل: غير ذلك. أنظر مجمع البحرين 5: 441 ومفردات ألفاظ القرآن للراغب: 381 " فصل ".
(3) مختصر المزني: 16، المجموع 4: 60 و 62، فتح العزيز 4: 185، الميزان 1: 165، المهذب للشيرازي 1: 92، بلغة السالك 1: 150، الشرح الصغير 1: 150، المنتقى للباجي 1: 349 و 351، بداية المجتهد 1: 223، الموطأ 1: 207، المغني 1: 683، الشرح الكبير 1: 820، بدائع الصنائع 1: 193.
(4) سنن أبي داود 2: 58 / 1403.
(5) الأم 1: 137 و 138، مختصر المزني: 16، المجموع 4: 62، المهذب للشيرازي 1: 92، الميزان 1: 165، بدائع الصنائع 1: 193، اللباب 1: 102، الحجة على أهل المدينة 1: 109، المغني 1: 683، الشرح الكبير 1: 820، المنتفى للباجي 1: 349، بداية المجتهد 1: 223، سبل السلام 1: 353.

[ 209 ]

فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وآله ولا أزال أسجدها حتى ألقاه (1). وأبو هريرة متأخر أسلم بالمدينة (2)، وهو مثبت فيقدم على النافي. وقال أبو ثور: ليس في النجم خاصة سجدة (3). ويدفعه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (4). وأما الحج فقال الشافعي كقولنا بالسجدتين فيها - وبه قال أحمد وإسحاق، وأبو ثور (5) - لأن عقبة بن عامر قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: في سورة الحج سجدتان؟ فقال: (نعم من لم يسجدهما فلا يقرأهما) (6) وسجدهما علي عليه السلام، وعمر، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وابن عمر (7). قال أبو إسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (8)، وهذا إجماع. وقال أبو حنيفة، ومالك: الثانية ليست سجدة، لأنه جمع فيها بين

(1) صحيح البخاري 2: 52، صحيح مسلم 1: 407 / 110، سنن أبي داود 2: 59 / 1408، سنن النسائي 2: 162.
(2) أسد الغابة 5: 316، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 208.
(3) نيل الأوطار 3: 124.
(4) سنن ابن ماجة 1: 335 / 1057، جامع الأصول 5: 554، مستدرك الحاكم 1: 223.
(5) الأم 1: 133، المجموع 4: 62، فتح العزيز 4: 187، الوجيز 1: 53، مختصر المزني: 16، السراج الوهاج: 61، المهذب للشيرازي 1: 92، الميزان 1: 165، المغني 1: 684، الشرح الكبير 1: 823، بدائع الصنائع 1: 193، المنتقى للباجي 1: 349، بداية المجتهد 1: 224.
(6) سنن أبي داود 2: 58 / 1402، سنن الترمذي 2: 470 - 471 / 578، مسند أحمد 4: 151، سنن الدارقطني 1: 408 / 9، مستدرك الحاكم 1: 221.
(7) الأم 1: 133، المجموع 4: 62، المغني 1: 684، الشرح الكبير 1: 823، المنتقى للباجي 1: 349، سبل السلام 1: 356.
(8) المجموع 4: 62، المغني 1: 685، الشرح الكبير 1: 823.

[ 210 ]

الركوع والسجود (1) فقال: * (اركعوا واسجدوا) * (2) كقوله لمريم: * (واسجدي واركعي) * (3) ولا حجة فيه. وأما صلى الله عليه وآله، فعند الشافعي أنها سجدة شكر ليست من سجود التلاوة - وبه قال أحمد في إحدى الروايتين (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قرأ على المنبر صلى الله عليه وآله فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجود (تشزن) (5) الناس للسجود، فقال: (إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزلت وسجدت) (6) فبين أنها توبة وليست سجدة. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأبو ثور، وإسحاق، وأحمد في الرواية الأخرى: إنها من عزائم السجود (7) لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (8)، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله سجدها (9)،

(1) اللباب 1: 102، بدائع الصنائع 1: 193، المنتقى للباجي 1: 349، بلغة السالك 1: 150، الشرح الصغير 1: 150، المغني 1: 684، الشرح الكبير 1، 823، الميزان 1: 165، المجموع 4: 62.
(2) الحج: 77.
(3) آل عمران: 43.
(4) المجموع 4: 62، مختصر المزني: 16، المهذب للشيرازي 1: 92، السراج الوهاج: 62، الميزان 1: 165، المغني 1: 684، الشرح الكبير 1: 822، بداية المجتهد 1: 223، القوانين الفقهية: 87 - 88، بدائع الصنائع 1: 193.
(5) التشزن: التأهب والتهيؤ للشئ والاستعداد له... لسان العرب 13: 237.
(6) سنن أبي داود 2: 59 / 1410، سنن الدارقطني 1: 408 / 7.
(7) اللباب 1: 102، بدائع الصنائع 1: 193، بداية المجتهد 1: 223، القوانين الفقهية: 87، المغني 1: 684، الشرح الكبير 1: 821 - 822، المجموع 4: 62، الميزان 1: 165، سبل السلام 1: 353.
(8) سنن أبي داود 2: 58 / 1401، سنن ابن ماجة 1: 335 / 1057.
(9) صحيح البخاري 2: 50، سنن أبي داود 2: 59 / 1409، سنن النسائي 2: 159، سنن الترمذي 2: 469 / 577.

[ 211 ]

وروي غيره أنه سجدها وقرأ * (أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده) * (1) (2). مسألة 280: موضع السجود في (حم) عند قوله تعالى: * (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) * (3) - وبه قال ابن عمر، والحسن البصري، ومالك، وحكاه مسروق عن أصحاب ابن مسعود (4) - لأن الأمر بالسجود فيها فيجب عندها. وقال الشافعي: في الآية الثانية عند قوله: * (وهم لا يسئمون) * (5) - وبه قال سعيد بن المسيب، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وهو مروي عن ابن عباس (6) - لأن تمام الكلام في الثانية فكان السجود عقيبها، وأولوية السجود عند الذكر راجحة عليه عند التتمة. أما الأعراف فآخرها: * (وله يسجدون) * (7) والرعد: * (وظلالهم بالغدو والآصال) * (8) والنحل: * (ويفعلون ما يؤمرون) * (9) وبني إسرائيل: * (ويزيدهم خشوعا) * (10) ومريم: * (خروا سجدا وبكيا) (11) والحج: * (يفعل

(1) الأنعام: 90.
(2) سنن الدارمي 1: 342، سنن أبي داود 2: 59 / 1410، سنن الدارقطني 1: 408 / 7.
(3) فصلت: 37.
(4) الشرح الصغير 1: 150، المنتقى للباجي 1: 352، المجموع 4: 60، المغني 1: 685، الشرح الكبير 1: 824.
(5) فصلت: 38.
(6) المجموع 4: 60، المهذب للشيرازي 1: 92، بدائع الصنائع 1: 194، المغني 1: 685، الشرح الكبير 1: 824.
(7) الأعراف: 206.
(8) الرعد: 15.
(9) النحل: 50.
(10) الاسراء: 109.
(11) مريم: 58.

[ 212 ]

ما يشاء) * (1) * (وافعلوا الخير) * (2) والفرقان: * (وزادهم نفورا) * (3) والنمل: * (رب العرش العظيم) * (4) وآلم تنزيل: * (وهم لا يستكبرون) * (5) والنجم: * (فاسجدوا لله) * (6) والانشقاق: * (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) * (7) والقلم: * (واسجد واقترب) * (8). مسألة 281: سجود التلاوة واجب في العزائم الأربع: سجدة لقمان، وحم، والنجم، والقلم. ومستحب في البواقي عند علمائنا أجمع، لأن عليا عليه السلام قال: " عزائم السجود أربع " (9) وقال الصادق عليه السلام: " إذا قرئ شئ من العزائم الأربع فسمعتها فاسجدوا، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار " (10) ولأنها تتضمن الأمر بالسجود فتكون واجبة، لأن الأمر للوجوب، وغير الأربع ليس بصريح في الأمر فيكون ندبا. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: السجود واجب في الجميع (11) ولم يفصل لقوله تعالى: * (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) * (12) وهذا ذم، وأنه

(1) الحج: 18.
(2) الحج: 77.
(3) الفرقان: 60.
(4) النمل: 26.
(5) السجدة: 15.
(6) النجم: 62.
(7) الانشقاق: 21.
(8) العلق: 19.
(9) سنن البيهقي 2: 315.
(10) الكافي 3: 318 / 2، التهذيب 2: 291 / 1171.
(11) المبسوط للسرخسي 2: 4، اللباب 1: 103، المغني 1: 687، الميزان 1: 164. المنتقى للباجي 1: 351، بداية المجتهد 1: 222، القوانين الفقهية: 87.
(12) الانشقاق: 21.

[ 213 ]

سجود يفعل في الصلاة فكان واجبا كسجودها، والذم على ترك السجود الواجب وهي العزائم الأربع، أو غير معتقد فضله ولا مشروعيته. ونمنع المشترك، وينتقض بسجود السهو فإنه ليس بواجب عندهم. وقال مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد: الكل مستحب، لأن عمر خطب يوم الجمعة ولم يسجد في النحل (1). ونقول بموجبه فإنه ليس بواجب عندنا. مسألة 282: وتجب الأربع على القاري والمستمع بلا خلاف عندنا وعند الموجبين، ومستحب في الباقي عندنا لهما وعند الباقين لأن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته (2). أما السامع غير القاصد للسماع فيستحب في حقه في الجميع عندنا عملا بالأصل، ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله عبد الله بن سنان عن رجل يسمع السجدة تقرأ قال: " لا يسجد إلا أن يكون منصتا، مستمعا لها، أو يصلي بصلاته، فأما أن يكون يصلي في ناحية وأنت في ناحية فلا تسجد لما سمعت " (3). وقال أبو حنيفة: يجب على السامع أيضا. ونحوه عن ابن عمر

(1) الأم 1: 136، الوجيز 1: 53، الميزان 1: 164، بلغة السالك 1: 149، الشرح الصغير 1: 149، المنتقى للباجي 1: 350 و 351، بداية المجتهد 1: 222، المغني 1: 687، الشرح الكبير 1: 814، المبسوط للسرخسي 2: 4.
(2) صحيح البخاري 2: 51 و 52، صحيح مسلم 1: 405 / 575، سنن أبي داود 2: 60 / 1412.
(3) الكافي 3: 318 / 3، التهذيب 2: 291 / 1169.

[ 214 ]

والنخعي، وسعيد بن جبير، ونافع، وإسحاق (1)، لأنه سامع للسجدة فأشبه المستمع. وقال الشافعي: لا اؤكد عليه السجود، وإن سجد فحسن (2). وقال مالك، وأحمد: لا يستحب للسامع، وهو مروي عن عثمان، وابن عباس وعمران بن الحصين (3)، لأن عثمان مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه فلم يسجد وقال: إنما السجود على من استمع (4). مسألة 283: هذا السجود ليس بصلاة، ولا بجزء منها فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة عند علمائنا - وبه قال عثمان، وسعيد بن المسيب، والشعبي (5) - عملا بالأصل، وقول الصادق عليه السلام: " فاسجد وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا تصلي " (6). وقال الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، ومالك: تشترط الطهارة من الحدث والخبث، وستر العورة، والاستقبال (7) لقوله صلى الله عليه وآله:

(1) المبسوط للسرخسي 2: 4، شرح فتح القدير 1: 466، الكفاية 1: 466، الهداية للمرغيناني 1: 78، المجموع 4: 61، المغني 1: 688، شرح الكبير 1: 815 - 816، بداية المجتهد 1: 225، اللباب 1: 103.
(2) المجموع 4: 58، الوجيز 1: 53، السراج الوهاج: 62، المغني 1: 688، الشرح الكبير 1: 816.
(3) المغني 1: 688، الشرح الكبير 1: 814 و 815 و 816، المجموع 4: 58، العدة شرح العمدة: 92.
(4) المغني 1: 688، الشرح الكبير 1: 816.
(5) المغني 1: 685، الشرح الكبير 1: 813، سبل السلام 1: 354.
(6) الكافي 3: 318 / 2، التهذيب 2: 291 / 1171.
(7) المجموع 4: 63، السراج الوهاج: 62، المغني 1: 685، الشرح الكبير 1: 813، المبسوط للسرخسي 2: 4، شرح العناية 1: 464، المنتقى للباجي 1: 352، بلغة السالك 1: 150، الشرح الصغير 1: 149.

[ 215 ]

(لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (1) فيدخل في عمومه السجود، ولأن ما نافى الصلاة نافى السجود كالكفر. ولا دلالة في الخبر، لأنها ليست صلاة، والكفر مناف للعبادات الواجبة والمندوبة المشروطة فيها الطهارة وغير المشروطة بها. أما النية فلابد منها، لأنه فعل مشترك فيقتصر التخصيص إلى نيته. فروع: أ - لو سمع السجود وهو على غير طهارة لم يلزمه الوضوء ولا التيمم - وبه قال أحمد (2) - لأنها تتعلق بسبب فإذا فات لم يسجد كما لو قرأ سجدة في الصلاة فلم يسجد لم يسجد بعدها، ونحن نوجب السجود، أو نستحبه وإن لم يتطهر، لعدم اشتراط الطهارة كما تقدم. وقال النخعي: يتيمم ويسجد، وعنه: يتوضأ ويسجد، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي (3). ب - لو توضأ سجد، وقال أحمد: لا يسجد، لفوات سببها، ولا يتيمم لها مع وجود الماء (4). ج - لو عدم الماء فتيمم سجد عندنا، وبه قال أحمد إذا لم يطل، لعدم بعد سببها، بخلاف الوضوء عنده (5). مسألة 284: ولا تكبير فيها للسجود عندنا - وبه قال أبو حنيفة في رواية،

(1) صحيح مسلم 1: 204 / 224، سنن الترمذي 1: 5 / 1.
(2) المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 813.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 4، المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 813.
(4) المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 814.
(5) الشرح الكبير 1: 814.

[ 216 ]

وابن أبي هريرة (1) - عملا بالأصل، قال الشيخ: ويكبر للرفع منه (2) لقول الصادق عليه السلام: " إذا قرأت السجدة فاسجد، ولا تكبر حتى ترفع رأسك " (3) وقال عليه السلام فيمن يقرأ السجدة من القرآن من العزائم: " فلا يكبر حين يسجد ولكن يكبر حين يرفع رأسه " (4). وقال الشافعي: إن كان في غير صلاة نوى الساجد، وكبر للافتتاح، ورفع يديه حذو منكبيه كما في افتتاح الصلاة (5) - خلافا لأبي حنيفة في الرفع (6) - ثم يكبر تكبيرة أخرى للهوي من غير رفع، فإذا رفع رأسه كبر. وفي وجه: لا يكبر للافتتاح. ثم هو مستحب أو شرط؟ وجهان. وإن كان في الصلاة فلا يكبر للافتتاح، ويكبر للهوي من غير رفع، اليدين ثم يكبر عند رفع الرأس (7). وقال ابن أبي هريرة: لا يكبر للسجود، ولا للرفع في غير الصلاة (8). وقال النخعي، وأحمد، وأصحاب الرأي - كقول الشافعي -: باستحباب التكبير للسجود، والرفع منه، لأنها صلاة ذات سجود فوجب أن

(1) بدائع الصنائع 1: 192، حلية العلماء 2: 124.
(2) المبسوط للطوسي 1: 114.
(3) التهذيب 2: 292 / 1175.
(4) الكافي 3: 317 / 1، التهذيب 2: 291 / 1170. (5) المجموع 4: 64 - 65، الوجيز 1: 53، فتح العزيز 4، 192، مغني المحتاج 1: 216، المهذب للشيرازي 1: 93، السراج الوهاج: 62، المغني 1: 686.
(6) شرح فتح القدير 1: 476، اللباب 1: 104، الهداية للمرغيناني 1: 80، شرح العناية 1: 476.
(7) المجموع 4: 63.
(8) المجموع 4: 63.

[ 217 ]

تفتقر إلى تكبيرة الاحرام كسائر الصلوات (1). والصغرى ممنوعة. فروع: أ - منع أحمد من تثنية التكبير في الابتداء وإن كان خارجا من الصلاة (2)، وقال الشافعي: إذا سجد خارجا من الصلاة كبر واحدة للافتتاح، وأخرى للسجود، لأنها صلاة فيكبر للافتتاح غير تكبيرة السجود (3). والصغرى ممنوعة. ب - قال الشافعي، وأحمد: يرفع يديه عند تكبيرة الابتداء إن كان في غير الصلاة، لأنها تكبيرة إحرام (4). وإن سجد في الصلاة، قال أحمد: يرفع (5)، خلافا للشافعي (6). ج - ليس فيها ذكر موظف، لأصالة براءة الذمة فإن الأمر تعلق بالسجود خاصة، وقال أحمد: يقول ما يقول في سجود صلب صلاته (7). وهو ممنوع، نعم يستحب الذكر. مسألة 285: وليس في سجود التلاوة تشهد، ولا تسليم عند علمائنا أجمع - وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي (8) - لأن الأمر بالسجود

المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 824، العدة شرح العمدة: 93، المحرر في الفقه 1: 80، المبسوط للسرخسي 2: 10، الميزان 1: 166.
(2) المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 825.
(3) المجموع 4: 64 - 65، السراج الوهاج: 62، المهذب للشيرازي 1: 93.
(4) المجموع 4: 64 - 65، الوجيز 1: 53، فتح العزيز 4: 192، المهذب للشيرازي 1: 93، السراج الوهاج: 62، المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 827.
(5) المغني 1: 686: الشرح الكبير 1: 827.
(6) الوجيز 1: 53، فتح العزيز 4: 195.
(7) المغني 1: 686، الشرح الكبير 1: 826.
(8) المجموع 4: 65، الوجيز 1: 53، المهذب للشيرازي 1: 93، السراج الوهاج: 62، الميزان 1: 166، اللباب 1: 104، المغني 1: 687.

[ 218 ]

لا يتناول غيره فيكون منفيا بالأصل، ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله ولا عن أحد من الأئمة عليهم السلام تشهد ولا تسليم، ولأن التشهد في مقابلة القيام ولا قيام، ولأنه لا تشهد فيه عند أحمد فلا يستحب له التسليم كغير الصلاة، وبه قال النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير (1). وقال بعض الشافعية: يتشهد، لأنه سجود يحتاج إلى الاحرام والسلام فيكون كسجود الصلاة (2). والصغرى ممنوعة، وهو خلاف نص الشافعي (3). والقول الثاني للشافعي: أنه يسلم من غير تشهد - وبه قال أحمد (4) - لقوله صلى الله عليه وآله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (5) ولأنها ذات تكبيرة إحرام فافتقرت إلى التسليم. والصغرى ممنوعة، وضمير الحديث راجع إلى الصلاة. إذا ثبت هذا فاختلفت الرواية عن أحمد فروي إيجاب تسليمتين، وروي واحدة (6). مسألة 286: لا يقوم الركوع مقام السجود عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، وأحمد (7) - لأنه سجود مشروع فلا يقوم الركوع مقامه كسجود الصلاة، ولأن الأمر ورد بالسجود والركوع مغاير.

(1) المغني 1: 687، الشرح الكبير 1: 825 - 826.
(2) المجموع 4: 66، الوجيز 1: 53، فتح العزيز 4: 194، المهذب للشيرازي 1: 93.
(3) المجموع 4: 65 - 66، الوجيز 1: 53، المهذب للشيرازي 1: 93.
(4) المجموع 4: 66، الوجيز 1: 53، الميزان 1: 166، المغني 1: 687، الشرح الكبير 1: 825.
(5) سنن أبي داود 1: 16 / 61، سنن الدارمي 1: 175، سنن ابن ماجة 1: 101 / 275 و 276، سنن الترمذي 1: 8 / 3، مسند أحمد 1: 123.
(6) المغني 1: 687، الشرح الكبير 1: 826.
(7) المجموع 4: 72، المغني 1: 689، الشرح الكبير 1: 818.

[ 219 ]

وقال أبو حنيفة: يقوم مقامه استحسانا (1)، لقوله تعالى: * (وخر راكعا وأناب) * (2) وإنما يقال: خر ساجدا لا راكعا فعبر بالركوع عن السجود مجاز، ولأن المروي عن داود [ عليه السلام ] السجود (3). مسألة 287: يجوز السجود في الأوقات المكروهة عند علمائنا - وبه قال الحسن، والشعبي، وسالم، وعطاء، وعكرمة، والشافعي، وأحمد في رواية (4) - لاطلاق الأمر بالسجود فيتناول بإطلاقه جميع الأوقات، ولأنها ذات سبب. وقال أبو ثور، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وأحمد في رواية، وإسحاق: إنه لا يسجد (5) لقوله عليه السلام: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس) (6) ونحن نقول بموجبه فإنها ليست صلاة، وكره مالك قراءة السجدة في وقت النهي (7). مسألة 288: لا يشترط لسجود المستمع سوى الاستماع لعموم الأمر، وقال مالك، والشافي، وأحمد، وإسحاق، وقتادة: يشترط كون التالي ممن يصلح أن يكون إماما للمستمع، فإن كان التالي امرأة أو خنثى مشكلا لم يسجد الرجل باستماعه منهما، ولو كان التالي أميا سجد القارئ المستمع

(1) المبسوط للسرخسي 2: 8 - 9، المجموع 4: 72، المغني 1: 689، الشرح الكبير 1: 818.
(2) ص: 24.
(3) سنن النسائي 2: 159، سنن الدارقطني 1: 407 / 3 و 4.
(4) المجموع 4: 170، فتح العزيز 3: 110، الوجيز 1: 35، الميزان 1: 171، المهذب للشيرازي 1: 99، المغني 1: 687.
(5) المغني 1: 687، الشرح الكبير 1: 840.
(6) الكامل لابن عدي 3: 1225 ونحوه في صحيح البخاري 1: 152، صحيح مسلم 1: 567 / 827، تاريخ بغداد 5: 36.
(7) المغني 1: 687.

[ 220 ]

لسجوده، لأن القراءة ليست بركن في السجود، وإن كان صبيا ففي سجود الرجل بسجوده عند أحمد وجهان بناء على صحة إمامته (1)، والكل عندنا باطل، لما تقدم. ولو لم يسجد التالي سجد المستمع عند علمائنا - وبه قال الشافعي (2) - لأن السبب وهو الاستماع موجود. وقال أحمد: لا يسجد، لأنه تابع له فإن الاستماع إنما يحصل بالقراءة، ولا يسجد بدون سجوده (3). وهو ممنوع. ولا فرق بين أن يكون التالي إماما، أو لا. وقال الشافعي: إن كان التالي إماما ولم يسجد تبعه في تركها كما يتبعه في ترك سائر المسنونات (4). وتحقيق مذهبنا أن الامام إن كان ممن يقتدى به وقرأ العزيمة في فرض ناسيا أومأ بالسجود عند آيته، وكذا المأموم، وإن كان في نافلة فلا تسوغ فيها الجماعة فإن سجد الامام سجد المأموم، وكذا إن لم يسجد إن كانت السجدة عزيمة، وإلا فلا، وإن كان ممن لا يقتدى به وقرأ في فرض لم يتابعه المأموم في سجوده بل يؤمي، وإن لم يسجد الامام تابعه في الترك وأومى. ولو كان التالي في غير الصلاة والمستمع في الصلاة حرم عليه الاستماع فإن فعله احتمل السجود إذا فرغ - وبه قال أبو حنيفة (5) - لوجود سبب

(1) الشرح الصغير 1: 149، بداية المجتهد 1: 225، المغني 1: 688 - 689، الشرح الكبير 1: 816 - 817.
(2) المجموع 4: 58، المهذب للشيرازي 1: 92.
(3) المغني 1: 689، الشرح الكبير 1: 817.
(4) فتح العزيز 4: 190، الوجيز 1: 53، السراج الوهاج: 63، المجموع 4: 59.
(5) اللباب 1: 103، الهداية للمرغيناني 1: 79، شرح العناية 1: 468، حلية العلماء 2: 123.

[ 221 ]

(السجود) (1) وامتنع منه لعارض فإذا زال سجد، والايماء. وقال الشافعي، وأحمد: لا يسجد، لأن سببها لم يوجد في صلاته، ولا يسجد إذا فرغ (2) وإن كان التالي في صلاة والمستمع في غير الصلاة سجد. مسألة 289: لو قرأ السجدة ماشيا سجد فإن لم يتمكن أومى - وبه قال أبو العالية، وأبو زرعة، وأحمد، وأصحاب الرأي (3) - وقال عطاء، ومجاهد: يؤمي (4). وإن كان راكبا سجد على راحلته إن تمكن، وإلا نزل، وفعله علي عليه السلام، وابن عمر، وابن الزبير، والنخعي، وعطاء، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي (5)، ولا نعلم فيه خلافا، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى أن الراكب يسجد على يده (6). قيل: يكره اختصار السجود وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود فيقرأها ويسجد فيها. وبه قال الشعبي، والنخعي، والحسن، وإسحاق (7)، ورخص فيه أبو حنيفة، ومحمد، وأبو ثور (8)، وقيل: اختصار السجود أن

(1) في نسخة (م): الوجوب.
(2) المجموع 4: 59، المغني 1: 689.
(3) المغني 1: 689 - 690، الشرح الكبير 1: 820.
(4) المغني 1، 690، الشرح الكبير 1: 820.
(5) المجموع 4: 68، فتح العزيز 4: 207 - 208، المغني 1: 689، المبسوط للسرخسي 2: 7.
(6) سنن أبي داود 2: 60 / 1411، سنن البيهقي 2: 325.
(7) المجموع 4: 73، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 827.
(8) المبسوط للسرخسي 2: 4، المجموع 4: 73، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 827.

[ 222 ]

يقرأ القرآن ويحذف آيات السجود (1). والأخير عندي أولى. مسألة 290: لو فاتت، قال في المبسوط: يجب قضاء العزائم، وفي الندب هو بالخيار (2)، وقال في الخلاف: تعلقت ذمته بفرض أو سنة ولا تبرأ إلا بقضائه (3). ويحتمل أن يقال بالأداء لعدم التوقيت. وقال الشافعي: إذا لم يسجد في موضع السجود لم يسجد بعد ذلك، لأنها تتعلق بسبب فإذا فات سقطت، ولأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كصلاة الاستسقاء (4). والكبرى ممنوعة في الأول، والصغرى في الثاني، لأنها عندهم صلاة، وتارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، وله قول: بالقضاء (5). ولو كرر آية السجدة في مجلس واحد ولم يسجد للمرة الأولى احتمل الاكتفاء بسجدة واحدة - وبه قال الشافعي (6) - ووجوبهما معا. ولو سجد للأولى سجد للثانية أيضا لوجود السبب. وقال أبو حنيفة: تكفيه الأولى (7). وللشافعي قولان: أظهرهما الأول (8). أما لو طال الفصل فإنه يسجد مرة أخرى، والركعة الواحدة في الصلاة كالمجلس الواحد عند الشافعي، والركعتان كالمجلسين (9).

(1) حكاه ابن قدامة في الشرح الكبير 1: 827.
(2) المبسوط للطوسي 1: 114 (3) الخلاف 1: 433 مسألة 181.
(4) المجموع 4: 71، الوجيز 1: 53، السراج الوهاج: 63، فتح العزيز 4: 199.
(5) المجموع 4: 71، فتح العزيز 4: 200.
(6) المجموع 4: 71، فتح العزيز 4: 191، السراج الوهاج: 63.
(7) المبسوط للسرخسي 2: 5، الهداية للمرغيناني 1: 79، بدائع الصنائع 1: 181، اللباب 1: 104، المجموع 4: 71، الميزان 1: 167.
(8) المجموع 4: 71، الوجيز 1: 53، فتح العزيز 4: 191.
(9) المجموع 4: 71، فتح العزيز 4: 192.

[ 223 ]

الثانية: سجدة الشكر، وهي مستحبة عقيب الفرائض، وعند تجدد النعم، ودفع النقم عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، وأحمد (1) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا جاءه شئ يسره خر ساجدا (2). وقال عبد الرحمن بن عوف: سجد رسول الله صلى الله عليه وآله فأطال فسألناه فقال: (أتاني جبرئيل فقال: من صلى عليك مرة صلى الله تعالى عليه عشرا فخررت شكرا لله) (3). وسجد علي عليه السلام شكرا يوم النهروان لما وجدوا ذا الثدية (4) وسجد أبو بكر لما بلغه فتح اليمامة، وقتل مسيلمة (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " سجدة الشكر واجبة على كل مسلم تتم بها صلاتك، وترضي بها ربك، وتعجب الملائكة منك، وأن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تعالى الحجاب بين الملائكة وبين العبد " (6). وقال مالك: إنه مكروه (7). وقال الطحاوي: وأبو حنيفة لا يرى

(1) المجموع 4: 68 و 70، الوجيز 1: 53، المهذب للشيرازي 1: 93، الميزان 1: 167، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 828.
(2) سنن أبي داود 3: 89 / 2774، سنن ابن ماجة 1: 446 / 1394، سنن الترمذي 4، 141 / 1578.
(3) مسند أحمد 1: 191، سنن البيهقي 2: 370 - 371 باختصار. وانظر أيضا: التلخيص الحبير بهامش المجموع 4: 204، والضعفاء الكبير - للعقيلي - 3: 468 / 1523.
(4) مصنف ابن أبي شيبة 2: 483 و 484، مصنف عبد الرزاق 3: 358 / 5962، سنن البيهقي 2: 371. (5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 483، مصنف عبد الرزاق 3: 358 / 5963، سنن البيهقي 2: 371.
(6) الفقيه 1: 220 / 978، التهذيب 2: 110 / 415.
(7) بلغة السالك 1: 151، الشرح الصغير 1: 151، المدونة الكبرى 1: 108، المجموع 4: 70، فتح العزيز 4: 203، الميزان 1: 187، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 828.

[ 224 ]

سجود الشكر شيئا (1)، وروى محمد عن أبي حنيفة الكراهة (2)، ومحمد لا يكرهه (3). واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله قد كانت في أيامه الفتوح واستسقى على المنبر وسقي ولم ينقل أنه سجد (4). وتركه أحيانا لا ينفي الاستحباب. فروع أ - يستحب عقيب الصلوات على ما بينا - خلافا للجمهور (5) - لأنها مظنة التعبد، وموضع الخضوع، والشكر على التوفيق لأداء العبادة، وحديث الصادق عليه السلام (6) يدل عليه. ب - يستحب فيها التعفير عند علمائنا - ولم يعتبره الجمهور - لأنها وضعت للتذلل والخضوع بين يدي الرب، والتعفير أبلغ في الخضوع والذل، وقال إسحاق بن عمار: سمعت الصادق عليه السلام يقول: " كان موسى بن عمران عليه السلام إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض، وخده الأيسر بالأرض " قال إسحاق: رأيت من يصنع ذلك، قال محمد بن سنان: يعني موسى بن جعفر عليهما السلام، في الحجر في جوف الليل (7).

(1) حلية العلماء 2: 126، الميزان للشعراني 1: 167.
(2) الميزان 1: 167، حلية العلماء 2: 126.
(3) حلية العلماء 2: 126.
(4) المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 828.
(5) انظر على سبيل المثال المجموع 4: 68، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 828.
(6) الفقيه 1: 220 / 978، التهذيب 2: 110 / 415.
(7) روى الصدوق صدر الرواية في الفقيه 1: 219 / 973، وأوردها الشيخ في التهذيب 2: 109 / 414 وذيلها بقوله: قال: وقال إسحاق: رأيت من آبائي من يصنع ذلك. قال محمد بن =

[ 225 ]

ج - يستحب الدعاء بما روي، أو بما يتخيره الانسان من الادعية، ويستحب أن يقول: شكرا شكرا مائة مرة، وإن قال: عفوا عفوا جاز. د - روى هارون بن خارجة عن الصادق عليه السلام قال: " إذا أنعم الله عزوجل عليك بنعمة فصل ركعتين تقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وتقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وتقول في الركعة الأولى في ركوعك وسجودك: الحمد لله شكرا شكرا وحمدا، وتقول في الركعة الثانية في ركوعك وسجودك: الحمد لله الذي استجاب دعائي، وأعطاني مسألتي " (1). ه‍ - الأقرب استحباب السجدة عند تذكر (النعمة) (2) وإن لم تكن متحددة - خلافا للجمهور (3) - لأن دوام النعمة نعمة، وعن إسحاق بن عمار قال: " إذا ذكرت نعمة الله عليك وكنت في موضع لا يراك أحد فألصق خدك بالأرض، وإذا كنت في مل ء من الناس فضع يدك على أسفل بطنك، وأحن ظهرك، وليكن تواضعا لله، فإن ذلك أحب " (4).

= سنان: يعني موسي في الحجر في جوف الليل. انتهى وفي الخلاف 1: 437 مسألة 183 حيث أوردها كما في المتن. وقد وقع الخلاف بين الأعلام في ذلك: فمن ذاهب إلى أن موسى في آخر الحديث هو الامام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وعليه فإسحاق يكون ولده وقد اتقى في عدم ذكر نسبه، ومن ذاهب إلى أنه الساباطي، وعليه فالتحية في غير موردها. للتوسعة انظر: الوافي للفيض الكاشاني 2: 123، وملاذ الأخيار 3: 621 - 622، وتنقيح المقال 1: 118 وغيرها. (1) الكافي 3: 481 / 1، التهذيب 3: 184 / 418.
(2) في نسخة (م): النعم.
(3) المجموع 4: 68، فتح العزيز 4: 205، المغني 1: 690، الشرح الكبير 1: 828، الانصاف 2: 200، الميزان 1: 167.
(4) التهذيب 2: 112 / 421.

[ 226 ]

و - يستحب السجود إذا رأى مبتلى ببلية أو فاسقا شكرا لله وستره عن المبتلى لئلا يتأذى به، ويظهره للفاسق ليرجع عن فسقه. ز - ليس في سجود الشكر تكبير الافتتاح، ولا تكبير السجود، ولا تشهد، ولا تسليم. وقال في المبسوط: يستحب التكبير لرفع رأسه من السجود (1). وقال الشافعي: إنه كسجود التلاوة (2). والمعتمد ما قلناه للامتثال بإيقاعه كيف كان. ح - هل يجب وضع الأعضاء السبعة في السجود الواجب في التلاوة، ويستحب في مندوبها، والشكر؟ إشكال ينشأ من أصالة البراءة وصرف السجود إلى وضع الجبهة، ومن صرف السجود في الصلاة إلى ما وضع فيه الأعضاء. ط - يجوز أن يؤدي هذا السجود، وسجود التلاوة أيضا على الراحلة عندنا - خلافا للشافعي (3) - لحصول المسمى. ي - لو تجددت عليه نعمة وهو في الصلاة فإنه لا يسجد فيها، لأن سبب السجدة ليس منها، وبه قال الشافعي (4). لكن لو قرأ صلى الله عليه وآله فإن سجدتها عنده للشكر فهل يسجد؟ وجهان: السجود، لأن سببه وجد في الصلاة، والعدم، لأنها سجدة شكر، وليست متعلقة بالتلاوة (5). الثالثة: سجدة السهو، وسيأتي البحث فيها إن شاء الله تعالى.

(1) المبسوط للطوسي 1: 114.
(2) المجموع 4: 68، فتح العزيز 4: 205 - 206.
(3) الوجيز 1: 53، المجموع 4: 68، فتح العزيز 4: 206.
(4) المجموع 4: 68، فتح الوهاب 1: 56، فتح العزيز 4: 206.
(5) المجموع 4: 61، فتح العزيز 4: 186 - 187.

[ 227 ]

البحث السابع: في التشهد التشهد واجب في كل ثنائية مرة في آخرها، ومرتين في الثلاثية بعد الثانية والثالثة، والرباعية بعد الثانية والرابعة، عند علمائنا أجمع - وبه قال الليث بن سعد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأحمد في رواية (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك وداوم عليه، وكذا الصحابة والأئمة عليهم السلام، وأمر به النبي صلى الله عليه وآله في حديث ابن عباس (2)، والأمر للوجوب، وسجد ابن عباس لما نسيه (3)، وعن ابن مسعود: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله التشهد في وسط الصلاة وآخرها (4). ومن طريق الخاصة ما رواه البزنطي: " التشهد تشهدان في الثانية، والرابعة " (5). وقال الشافعي: الأول سنة، وكذا الجلوس فيه - وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية - لأنه يسقط بالسهو فأشبه السنن (6). وهو ممنوع

(1) المغني 1: 606، المجموع 3: 450 و 462، عمدة القارئ 6: 107 و 115، نيل الأوطار 2: 304.
(2) سنن البيهقي 2: 140، صحيح مسلم 1: 302 / 403.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 187، وانظر أيضا المغني 1: 607.
(4) مسند أحمد 1: 459.
(5) أوردها عن الجامع البزنطي المحقق في المعتبر: 187.
(6) المجموع 3: 449 و 450، فتح العزيز 3: 493 - 494، المنتقى للباجي 1: 168، عمدة القارئ 6: 106، المغني 1: 606.

[ 228 ]

لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل ينسى التشهد، قال: " يرجع فيتشهد " (1). وأوجب الشافعي التشهد الأخير، وهو الذي يتعقبه التسليم، سواء كانت الصلاة ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية - وبه قال عمر، وابنه، وأبو مسعود البدري، والحسن البصري، وأحمد كما قلناه (2) - لأن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرئيل وميكائيل، السلام على فلان، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، إلى آخره) (3) ولأنه ذكر قدر به ركن من أركان الصلاة فكان واجبا كالقراءة. وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري: إنه غير واجب كالأول (4)، إلا أن أبا حنيفة يقول: الجلوس في الثاني قدر التشهد واجب (5)، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعلمه الأعرابي (6)، ولأنه أحد التشهدين فلم يكن واجبا كالأول. ونمنع عدم تعليم التشهد، أو أنه كان يعرفه، أو كان قبل فرضه. ونمنع عدم وجوب الأول، وقد سبق، وأيضا الفرق: أن محله غير واجب عندهم، والثاني قدر به ركن.

(1) التهذيب 2: 158 / 622، الاستبصار 1: 363 / 1376.
(2) المجموع 3: 462، فتح العزيز 3: 503، المغني 1: 613، الشرح الكبير 1: 643، نيل الأوطار 2: 314.
(3) صحيح البخاري 1: 212، سنن ابن ماجة 1: 290 / 899، سنن الدار قطني 1: 350 / 4، سنن البيهقي 2: 138.
(4) المغني 1: 613، الشرح الكبير 1: 634، حلية العلماء 2: 107، الشرح الصغير 1: 116، المنتقى للباجي 1: 168، نيل الأوطار 2: 314.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 46، حلية العلماء 2: 107، المغني 1: 613، الشرح الكبير 1: 634.
(6) انظر: سنن الترمذي 2: 100 - 102 / 302، سنن النسائي 3: 59 - 60.

[ 229 ]

مسألة 291: يجب فيه الجلوس بقدره مطمئنا في الأول والثاني، فلو شرع فيه قبل انتهاء رفعه من السجدة أو شرع في النهوض قبل إكماله متعمدا، بطلت صلاته عند علمائنا - وبه قال في الثاني أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله داوم عليه، وكذا الصحابة والتابعون، وهو يعطي الوجوب، ولأنه عليه السلام فعله بيانا. إذا ثبت هذا فعلى أي هيئة جلس أجزأه للامتثال بأي نوع، إلا أن الأفضل التورك فيهما - وبه قال مالك (2) - لقول ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس وسط الصلاة وآخرها متوركا (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر، والصادق عليهما السلام: " إذا قعدت في تشهدك فالصق ركبتيك بالأرض، وفرج بينهما، وليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض، وظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى، وأليتاك على الأرض وطرف إبهام اليمنى على الأرض، وإياك والقعود على قدميك.. فلا تصبر للتشهد والدعاء " (4). وقال الشافعي: الجلسات في الصلاة أربع: الجلسة بين السجدتين، والتشهد الأخير، وهما واجبتان، وجلسة التشهد الأول، وجلسة الاستراحة وهما مستحبتان. ويستحب في جميع الجلسات الافتراش بأن يفرش رجله اليسرى

(1) المجموع 3: 462، المغني 1: 613، الشرح الكبير 1: 634، حلية العلماء 2: 107.
(2) المنتقى للباجي 1: 165 - 166، المغني 1: 607 و 612، الشرح الكبير 1: 607 و 633.
(3) مسند أحمد 1: 459، نيل الأوطار 2: 305.
(4) الكافي 3: 334 - 335 / 1، التهذيب 2: 83 - 84 / 308، وفيهما عن الامام الباقر عليه السلام، وأما عن الصادق عليه السلام فيدل عليه حديث حماد بن عيسى في صفة صلاته عليه السلام. انظر: الكافي 3: 311 - 312 / 8 والتهذيب 2: 81 - 82 / 301.

[ 230 ]

ويجلس عليها، وينصب اليمنى إلا التشهد الأخير الذي يتعقبه التسليم وإن كان واحدا فإنه يستحب فيه التورك (1) لحديث أبي حميد الساعدي: فلما جلس بين السجدتين ثنى رجله اليسرى فجلس عليها، ونصب قدمه اليمنى، وإذا جلس في الأربع أماط رجليه عن وركه وأفضى بمقعدته إلى الأرض ونصب وركه اليمنى (2)، وقد ضعفه الطحاوي فلا حجة فيه (3). وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس في جميعها مفترشا (4) لقوله عليه السلام: (إذا جلست فاجعل عقبك تحت أليتيك) (5) قال الشافعي: لو أدرك من الصبح ركعة مع الامام قعد معه مفترشا ويتورك في الثاني، ولو أدرك الثانية من المغرب جلس أربع مرات يفترش في ثلاثة ويتورك في الأخير (6). مسألة 292: ويجب فيه الشهادتان بالتوحيد، والرسالة في الأول والثاني عند علمائنا أجمع - وبه قال كل من أوجبه - قال محمد بن مسلم للصادق عليه السلام: التشهد في الصلاة قال: " مرتان " قلت: وكيف مرتان؟ قال: " إذا استويت جالسا فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " (7). وأقل الواجب فيه الشهادتان، لقول سورة بن كليب، قلت: أدنى ما يجزي من التشهد؟ قال: " الشهادتان ".
(8) وقول الباقر عليه السلام وقد سأله زرارة ما يجزي من التشهد في الآخريين؟ قال: " الشهادتان " (9).

(1) المجموع 3: 449.
(2) الأم 1: 116.
(3) شرح معاني الآثار 1: 259 وانظر عمدة القارئ 6: 105 والمجموع 3: 443.
(4) بدائع الصنائع 1: 211، عمدة القارئ 6: 105، المجموع 3: 450.
(5) لم نعثر عليه فيما بأيدينا من المصادر المتوفرة.
(6) المجموع 3: 451 و 452، فتح العزيز 3: 495.
(7) التهذيب 2: 101 / 379، الاستبصار 1: 342 / 1289.
(8) الكافي 3: 337 / 3، التهذيب 2: 101 / 375، الاستبصار 1: 341 / 1285.
(9) التهذيب 2: 100 / 374، الاستبصار 1: 341 / 1284.

[ 231 ]

وقال الشافعي: يجب خمس كلمات، أن يقول: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لاختلاف ورود الأخبار وسقوط ما سوى هذا في بعضها (1). ونحن لا نوجب التحيات، للأصل، وقول محمد بن مسلم للصادق عليه السلام قلت: قول العبد: التحيات لله والصلوات الطيبات، قال: " ذلك اللطف يلطف العبد ربه " (2) وأيضا لو وجب لتواتر، لأنه مما تعم به البلوى، ولأن الواجب التشهد وهو مأخوذ من الشهادة ولفظ التحيات ليس منها. ونمنع من تقديم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وتبطل به الصلاة، لأن التسليم مخرج عن الصلاة لقوله صلى الله عليه وآله: (تحليلها التسليم) (3). لا يقال: المخرج قوله: السلام عليكم. لأنا نقول: إنه تحكم لتناول إطلاق التسليم ذلك، ولأن قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يتناول الحاضرين والغائبين من الصلحاء، وقوله: السلام عليكم يختص الحاضرين فإذا كان السلام على الحاضرين مخرجا كان السلام على

(1) الأم 1: 118، المجموع 3: 458 - 459، الوجيز 1: 45، السراج الوهاج: 49، كفاية الأخيار 1: 68، افتح العزيز 3: 512.
(2) التهذيب 2: 101 / 379، الاستبصار 1: 342 / 1289.
(3) سنن الترمذي 2: 3 / 238، مصنف ابن أبي شيبه 1: 229، سنن البيهقي 2: 15، سنن الدار قطني 1: 359 / 1 سنن ابن ماجة 1: 101 / 275 و 276، سنن أبي داود 1: 16 / 61، مسند أحمد 1: 123 ونحوه في الكافي 3: 69 / 2 والفقيه 1: 23 / 68.

[ 232 ]

الحاضرين والغياب أولى. ولقول الصادق عليه السلام: " كلما ذكرت الله والنبي صلى الله عليه وآله فهو من الصلاة، فإذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت " (1) وسأله أبو كهمش عن الركعتين الأوليين إذا جلست فيهما، فقلت وأنا جالس: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته انصراف هو؟ قال عليه السلام: " لا، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف " (2). مسألة 293: ويجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في التشهدين عند علمائنا أجمع لقوله تعالى: * (صلوا عليه) * (3) والأمر للوجوب، ولا يجب في غير الصلاة إجماعا فيجب فيها، ولأن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا يقبل صلاة إلا بطهور، وبالصلاة علي) (4) ولقول الصادق عليه السلام: " من صلى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله، وتركه عامدا فلا صلاة له " (5). وقال الشافعي: إنها واجبة في التشهد الأخير خاصة. وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق، وأبو مسعود الأنصاري (6)، وفي مشروعيتها في الأول للشافعي قولان (7)، لأن العبادة إذا شرط فيها ذكر الله تعالى بالشهادة

(1) الكافي 3: 337 / 6، التهذيب 2: 316 / 1293.
(2) التهذيب 2: 316 / 1292.
(3) الأحزاب: 56.
(4) سنن الدار قطني 1: 355 / 4.
(5) التهذيب 4: 109 / 314، الاستبصار 1: 343 / 1292، ونحوه في الفقيه 2: 119 / 515.
(6) المجموع 3: 465 و 467، فتح العزيز 3: 503، مغني المحتاج 1: 173، المغني 1 614، الشرح الكبير 1: 613 و 614.
(7) المجموع 3: 460، فتح العزيز 3: 505.

[ 233 ]

شرط فيها ذكر النبي صلى الله عليه وآله كالآذان، ولحديث عائشة (1). وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والأوزاعي: لا يجب (2) لأن ابن مسعود علمه النبي صلى الله عليه وآله التشهد، ثم قال: (إذا قلت هذا تمت صلاتك) (3) ويحمل على قرب التمام، أو على سبق المشروعية بالصلاة. مسألة 294: وتجب الصلاة على آله عليهم السلام عند علمائنا أجمع، وأحمد في إحدى الروايتين، وبعض الشافعية (4) - وللشافعية وجهان، وقيل: قولان (5) - لأن كعب بن عجرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في صلاته: (اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد) (6) فتجب متابعته، لقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (7). وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه) (8) وقال الشافعي: بالاستحباب للأصل (9). وهو ممنوع لثبوت المخرج منه.

(1) سنن الدار قطني 1: 355 / 4.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 29، شرح فتح القدير 1: 275، شرح العناية 1: 275، بدائع الصنائع 1: 213، بلغة السالك 1: 117، المجموع 3: 467، فتح العزيز 3: 503، المغني 1: 614، الشرح الكبير 1: 614.
(3) سنن أبي داود 1: 255 / 970، سنن الدار قطني 1: 353 / 13 و 354 / 14.
(4) المجموع 3: 465، المغني 1: 616، الشرح الكبير 1: 616.
(5) المجموع 3: 465، فتح العزيز 3: 503 و 504، المغني 1: 616، الشرح الكبير 1: 616.
(6) صحيح مسلم 1: 305 / 406، سنن أبي داود 1: 257 / 976، سنن الدارمي 1: 309، سنن البيهقي 2: 147.
(7) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286.
(8) سنن الدار قطني 1: 355 / 6.
(9) المجموع 3: 466.

[ 234 ]

فروع: أ - قال بعض الناس: آل محمد هم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم أهل النبي، وآل منقلب عن أهل (1). فلو قال: وعلى أهل محمد أجزأه عند بعض الجمهور، وكذا لو صغر فقال: أهيل (2) والحق عدم الإجزاء، لأنه أمر مشروع فيتبع فيه النقل. وقيل: آل محمد من كان على دينه (3)، لأنه سئل عليه السلام من آل محمد؟ فقال: (كل تقي) (4) ولقوله تعالى: * (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * (5) والوجه: أن الآل هنا المعصومون من أهل بيته إذ لا تجب الصلاة على غيرهم. ب - من لا يحسن التشهد والصلاة وجب عليه التعلم، فإن ضاق الوقت أو عجز أتى بالممكن، ولو عجز سقط. ج - لا يجزئ بغير العربية ولو لم يقدر وجب التعلم، فإن ضاق الوقت أو عجز أجزأت الترجمة، وكذا الأذكار الواجبة، أما الدعاء بغير العربية فإنه جائز. د - يجب الترتيب فيبدأ بالشهادة بالتوحيد، ثم بالنبوة، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ثم على آله، ولو عكس لم يجزئه وقوفا على المأخوذ عن صاحب الشرع.

(1) المجموع 3: 466، فتح العزيز 3: 508، نيل الأوطار 2: 327.
(2) المغني 1: 617، الشرح الكبير 1: 616.
(3) سنن البيهقي 2: 151، المجموع 3: 466، المغني 1: 617، الشرح الكبير 1: 616، نيل الأوطار 2: 328.
(4) سنن البيهقي 2: 152، كشف الخفاء 1: 17 / 17، الفردوس 1: 418 / 1692.
(5) المؤمن: 46.

[ 235 ]

وقال الشافعي: يجزئه لحصول المعنى فيكفي (1). وهو ممنوع. ه‍ - يجب فيه التتابع فلو تركه لم يجزئه، وبه قال الشافعي (2). و - يجب في الصلاة ذكر اسم الرسول صلى الله عليه وآله، فلو قال: اللهم صل على الرسول لم يجزئه، لأنه عليه السلام سئل كيف يصلى عليك؟ فقال: (قولوا: اللهم صلي على محمد وآل محمد) (3). مسألة 295: قد بينا أن الواجب الشهادتان، والصلاتان، وأقله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم صل على محمد وآل محمد. وفي وجوب (وحده لا شريك له) عقيب الشهادة بالتوحيد إشكال ينشأ من حديث محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام (4) وقد سلف، ومن أصالة البراءة. ولو أسقط الواو في الثاني، أو اكتفى به، أو أضاف الآل إلى المضمر، فالوجه: الإجزاء للامتثال، أما لو حذف لفظة الشهادة ثانيا والواو فإنه لا يجزئه قطعا. ولا بد من الاتيان بصيغة الشهادة، فلو قال: أعلم أو أخبر عن علم لم يجزئ، وكذا لو قال: أشهد أن الله واحد، ولو أتى عوض حرف الاستثناء بغيره مما يدل عليه ك‍ " غير " و " سوى " فالوجه: عدم الإجزاء، لأنه خلاف المنقول.

(1) المجموع 3: 460، المهذب للشيرازي 1: 86، المغني 1: 618، الشرح الكبير 1: 618.
(2) مغني المحتاج 1: 175.
(3) سنن ابن ماجة 1: 293 / 904، سنن الدارمي 1: 309، سنن أبي داود 1: 257 / 976، سنن البيهقي 2: 146 و 147.
(4) التهذيب 2: 101 / 379، الاستبصار 1: 342 / 1289.

[ 236 ]

مسألة 296: ويستحب الزيادة في التشهد بالأذكار المنقولة عن أهل البيت عليهم السلام، لأنهم أعرف بمواقع الشرع وكيفيته لأنهم مهبط الوحي، قال الصادق عليه السلام: " إذا جلست في الثانية، فقل: بسم الله وبالله، والحمد لله، وخير الأسماء لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، وأشهد أن ربي نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في أمته وارفع درجته، ثم تحمد الله مرتين، أو ثلاثا، ثم تقوم. فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم الله وبالله، والحمد لله، وخير الأسماء لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، أشهد أنك نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول، التحيات لله الصلوات الطاهرات، الطيبات، الزاكيات، الغاديات، الرائحات، السابغات، الناعمات لله، ما طاب، وزكى، وطهر وخلص، وصفى فلله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، أشهد أن ربي نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد، وترحم على محمد وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد، وامنن علي بالجنة وعافني من النار " (1) وقد روي زيادة على ذلك.

(1) التهذيب 2: 99 / 373.

[ 237 ]

أما الجمهور فالمشهور عندهم ثلاث روايات: إحداها: ما رواه ابن عباس: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله (1). الثانية: عن ابن مسعود: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وهي مذكورة في الصحيحين (2). الثالثة: عن عمر بن الخطاب: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (3). واختار الشافعي الأول (4)، وأبو حنيفة الثاني، وبه قال الثوري،

(1) صحيح مسلم 1: 302 / 403، سنن النسائي 2: 242، سنن الترمذي 2: 83 / 290، سنن الدار قطني 1: 350 / 2، سنن البيهقي 2: 377.
(2) صحيح البخاري 1: 211 - 212، صحيح مسلم 1: 301 / 402، سنن النسائي 2: 238، سنن الترمذي 2: 81 / 289، سنن الدار قطني 1: 350 / 4 و 352 / 10 و 353 / 12 و 13 و 354 / 14.
(3) الموطأ 1: 90 / 53، سنن البيهقي 2: 144.
(4) المجموع 3: 457، فتح العزيز 3: 509، مغني المحتاج 1: 174، شرح العناية 1: 272، عمدة القارئ 6: 115، المغني 1: 609، الشرح الكبير 1: 609، بداية المجتهد 1: 130، نيل الأوطار 2: 315، سبل السلام 1: 323.

[ 238 ]

وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر (1)، واختار مالك الثالث (2). والكل عندنا باطل، لأن التسليم مخرج عن الصلاة. إذا ثبت هذا، فإنه يستحب عندنا تقديم التسمية، لما تقدم في الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام (3)، ورواه الجمهور عن جابر (4)، وأنكره الشافعي، وابن المنذر (5)، لأن ابن عباس سمع رجلا يقول: بسم الله، فانتهره (6). تنبيه: قال ابن عباس: التحيات لله يعني العظمة لله، الصلوات يريد الصلوات الخمس، الطيبات الأعمال الصالحة (7). وقال أبو عمرو: التحيات لله، معناه الملك لله، وقيل: الطيبات هو الثناء على الله (8). وفي السلام قولان: أحدهما: أن معناه اسم السلام، والسلام هو الله

(1) المبسوط للسرخسي 1: 27، اللباب 1: 72 - 73، بدائع الصنائع 1: 211، المغني 1: 608، الشرح الكبير 1: 609، العدة شرح العمدة: 79، المجموع 3: 457، فتح العزيز 3: 510، بداية المجتهد 1: 130، نيل الأوطار 2: 315.
(2) المدونة الكبرى 1: 143، المنتقى للباجي 1: 167، بداية المجتهد 1: 130، المجموع 3: 457، فتح العزيز 3: 510، المغني 1: 608، الشرح الكبير 1: 609، عمدة القارئ 6: 115، نيل الأوطار 2: 315.
(3) انظر على سبيل المثال التهذيب 2: 99 / 373.
(4) سنن ابن ماجة 1: 292 / 902، سنن النسائي 2: 243.
(5) المجموع 3: 458، فتح العزيز 3: 511، مغني المحتاج 1: 175، المغني 1: 611، الشرح الكبير 1: 611.
(6) المغني 1: 611، الشرح الكبير 1: 611. (7 و 8) المغني 1: 617، الشرح الكبير 1: 617.

[ 239 ]

كما يقال: اسم الله عليك، والثاني: سلام الله عليك تسليما وسلاما. مسألة 297: يستحب للامام أن يسمع من خلفه الشهادتين، وليس على المأموم ذلك، قال أبو بصير: صليت خلف الصادق عليه السلام، فلما كان في آخر تشهده رفع صوته حتى أسمعنا، فلما انصرف قلت: كذا ينبغي للامام أن يسمع تشهده من خلفه؟ قال: " نعم " (1) وقال الصادق عليه السلام: " ينبغي للامام أن يسمع من خلفه التشهد ولا يسمعونه شيئا " (2) وليس على الوجوب إجماعا، ولأن علي بن يقطين سأل أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الرجل هل يصلح أن يجهر بالتشهد، وبالقول في الركوع والسجود والقنوت؟ قال: " إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر " (3). وقال أحمد: يستحب إخفاء التشهد، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يجهر به (4). وهو ممنوع، لأن عدم السماع لا يدل على العدم، ولأنه مندوب فجاز تركه أحيانا. مسألة 298: يجوز الدعاء في التشهد، وفي جميع أحوال الصلاة كالقنوت، والركوع، والسجود، والقيام قبل القراءة، وبعدها بالمباح من أمر الدين والدنيا عند علمائنا أجمع، سواء كان مما ورد به الشرع، أولا - وبه قال الشافعي (5) - لأن أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيى وفتنة الممات، وفتنة المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه ما بدا

(1) التهذيب 2: 102 / 382.
(2) الكافي 3: 337 / 5، الفقيه 1: 260 / 1189، التهذيب 2: 102 / 384.
(3) التهذيب 2: 102 / 385.
(4) المغني 1: 617، الشرح الكبير 1: 618.
(5) المجموع 3: 469 و 471، فتح العزيز 3: 516، مغني المحتاج 1: 176، المغني 1: 620 - 621، الشرح الكبير 1: 620، عمدة القارئ 6: 118.

[ 240 ]

له) (1) وقال عليه السلام لابن مسعود: (ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه) (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سأله بكر بن حبيب أي شئ أقول في التشهد والقنوت؟ قال: " قل بأحسن ما علمت فإنه لو كان موقتا لهلك الناس " (3) ولأنه دعاء لله تعالى يجوز خارج الصلاة فجاز في الصلاة كالدعاء المأثور. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن، والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس (4). ومن أصحابه من قال: ما لا يطلب إلا من الله تعالى يجوز، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا سأله الله تعالى في الصلاة أفسدها، لأنه ذكر لو أتى به على غير وجه الدعاء أفسدها كالدعاء المحظور (5). وينتقض بالدعاء المأثور فإنه لو ذكر الفتنة والمسيح الدجال على غير وجه الدعاء أبطل الصلاة. فروع: أ - يجوز الدعاء بغير العربية على قول أكثر علمائنا (6) للأصل، وعند

(1) سنن النسائي 3: 58، سنن البيهقي 2: 154.
(2) سنن النسائي 3: 50 - 51، سنن أبي داود 1: 254 / 968.
(3) الكافي 3: 337 / 2، التهذيب 2: 102 / 381.
(4) بدائع الصنائع 1: 213، اللباب 1: 73 و 74، شرح فتح القدير 1: 277، عمدة القارئ 6: 118، المجموع 3: 471، فتح العزيز 3: 516، سبل السلام 1: 322.
(5) المجموع 3: 471، فتح العزيز 3: 516، حلية العلماء 2: 109، اللباب 1: 74.
(6) منهم: محمد بن الحسن الصفار، والصدوق كما في الفقيه 1: 208 ذيل الحديث 935، والمحقق في المعتبر: 192.

[ 241 ]

بعضهم لا يجوز (1)، لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله الدعاء بالعربية (2)، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) وللشافعية كالقولين (4). ب - الدعاء أفضل من تطويل القراءة. سأل معاوية بن عمار الصادق عليه السلام: رجلان افتتحا الصلاة في ساعة واحدة فتلا هذا القرآن وكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا وكان دعاؤه أكثر من تلاوته، أيهما أفضل؟ قال: " كل فيه فضل " قلت: قد علمت أن كلا حسن، فقال: " الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله عزوجل: * (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) * (5) هي والله العبادة، هي والله أفضل " (6). ج - لا ينبغي للامام التطويل في الدعاء إرفاقا بمن خلفه، وللشافعي قولان: أحدهما: يدعو أقل من التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، والثاني: بقدرهما (7). أما المنفرد فيجوز له أن يطول ما لم يخرجه ذلك إلى السهو. د - يكره قراءة القرآن في التشهد، لأن كل ركن لا تشرع فيه القراءة كرهت فيه كالركوع والسجود. ه‍ - الدعاء مستحب في التشهد الأول أيضا كالثاني عند علمائنا، وبه

(1) منهم سعد بن عبد الله انظر الفقيه 1: 208 ذيل الحديث 935 والمعتبر: 192.
(2) انظر على سبيل المثال الفقيه 1: 308 / 1405 وصحيح مسلم 1: 466 / 675.
(3) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286.
(4) المجموع 3: 300، فتح العزيز 3: 519، مغني المحتاج 1: 177.
(5) المؤمن: 60.
(6) التهذيب 2: 104 / 394.
(7) الأم 1: 121، المجموع 3: 469، فتح العزيز 3: 518، مغني المحتاج 1: 176.

[ 242 ]

قال مالك (1)، وقال الشافعي: لا يستحب (2). و - يجوز الدعاء لمن شاء من أهله، وإخوانه، وغيرهم من المؤمنين من الرجال، والنساء، والصبيان - وبه قال الشافعي (3) - لعموم قوله تعالى: * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) * (4) * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * (5). وقال أبو هريرة: إن النبي صلى الله عليه وآله لما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من الفجر قال: (اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، واشدد وطأتك على مضر، ورعل، وذكوان، واجعل عليهم سنين كسني يوسف) (6) وقنت علي عليه السلام فدعا فيه على قوم بأعيانهم وأسمائهم (7). البحث الثامن: التسليم مسألة 299: اختلف علماؤنا في وجوبه، فقال المرتضى، وجماعة من علمائنا به (8) - وبه قال الشافعي، والثوري (9) - لقوله عليه السلام: (مفتاح

(1) المنتقى للباجي 1: 168، حلية العلماء 2: 106.
(2) فتح العزيز 3: 517.
(3) المجموع 3: 468، فتح العزيز 3: 516، الوجيز 1: 45، المهذب للشيرازي 1: 86، المحلى 4: 150.
(4) الاسراء: 110.
(5) الأعراف: 180.
(6) صحيح مسلم 1: 466 / 675، سنن النسائي 2: 201، سنن البيهقي 2: 197 و 244.
(7) سنن البيهقي 2: 245، مصنف عبد الرزاق 3: 113 و 114 / 4976.
(8) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 119، وسلار في المراسم: 69، وابن حمزة في الوسيلة: 95، والمحقق في المعتبر: 190.
(9) المجموع 3: 475، 481، الوجيز 1: 45، فتح العزيز 3: 520، المهذب للشيرازي 1: 87، الميزان 1: 154، كفاية الأخيار 1: 69، مغني المحتاج 1: 177 =

[ 243 ]

الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (1) ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فكان واجبا كالتكبير. وقال الشيخان، ومن تبعهما: بالاستحباب (2)، وبه قال أبو حنيفة (3)، وهو الأقوى عندي عملا بالأصل، ولأن الحدث المتخلل بين الصلاة على النبي وآله عليهم السلام وبينه غير مبطل للصلاة، لقول الباقر عليه السلام وقد سئل عن رجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم، قال: " تمت صلاته " (4) ولأن النبي صلى الله عليه وآله لم يعلمه المسئ في صلاته (5)، ولأن التسليمة الثانية ليست واجبة فكذا الأولى. ونمنع الحديث والحصر، ونمنع كونه طرفا بل الصلاة على النبي وآله عليهم السلام. إذا ثبت هذا، فقال أبو حنيفة: الخروج من الصلاة واجب، وإذا خرج بما ينافي الصلاة من عمل، أو حدث، أو غير ذلك كطلوع الشمس، أو وجدان المتيمم الماء أجزأه (6).

= المغني 1: 623، الشرح الكبير 1: 623، نيل الأوطار 2: 344، المحلى 3: 276. (1) سنن الدار قطني 1: 360 / 4، سنن ابن ماجة 1: 101 / 275 و 276، سنن أبي داود 1: 16 / 61، سنن الترمذي 1: 9 / 3، مسند أحمد 1: 123، سنن البيهقي 2: 15 ونحوها في الكافي 3: 69 / 2.
(2) المقنعة: 23، النهاية: 89، الخلاف 1: 376 مسألة 134، وابن البراج في المهذب 1: 98 - 99، وابن إدريس في السرائر: 51.
(3) عمدة القارئ 6: 124، المجموع 3: 481، الميزان 1: 154، المغني 1: 623، الشرح الكبير 1: 623، بداية المجتهد 1: 131.
(4) التهذيب 2: 320 / 1306، الاستبصار 1: 345 / 1301. (5) صحيح البخاري 1: 192 - 193، صحيح مسلم 1: 298 / 397، سنن أبي داود 1: 226 / 856، سنن الترمذي 2: 100 / 302، سنن النسائي 2: 124، سنن ابن ماجة 1: 336 / 1060، سنن البيهقي 2: 371.
(6) بدائع الصنائع 1: 194، اللباب 1: 85، المغني 1: 623، الشرح الكبير 1: 623، المجموع 3: 481، فتح العزيز 3: 520، المحلى 3: 276.

[ 244 ]

مسألة 300: وتجزئ التسليمة الواحدة عند علمائنا أجمع - وبه قال علي عليه السلام، وعمار، وابن مسعود، والشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وإسحاق، ومالك، والأوزاعي (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه (2). وقال الحسن بن صالح بن حي: تجب التسليمتان. وهو أصح الروايتين عن أحمد (3)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسلم عن يمينه وشماله (4)، وهو محمول على الاستحباب. وللشافعي قول في القديم: إنه إن اتسع المسجد، وكثر الناس واللغط من حول المسجد وجب أن يسلم اثنتين، وإن قلوا وسكتوا فواحدة (5). إذا عرفت هذا فالمنفرد يسلم تسليمة واحدة إلى القبلة، ويؤمي إلى يمينه بمؤخر عينه، والامام يؤمي بصفحة وجهه. والمأموم كالامام إن لم يكن على يساره أحد، وإن كان على يساره غيره سلم تسليمتين بوجهه يمينا وشمالا، لقول الصادق عليه السلام: " إن كنت إماما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك، وإن كنت مع إمام فتسليمتين، وإن

(1) الأم 1: 122، المجموع 3: 482، الميزان 1: 155، بدائع الصنائع 1: 194، المدونة الكبرى 1: 143، مغني المحتاج 1: 177، المنتقى للباجي 1: 169، أقرب المسالك: 18، القوانين الفقهية: 68، المغني 1: 624، الشرح الكبير 1: 624، المحلى 3: 276.
(2) سنن الترمذي 2: 91 / 296، سنن ابن ماجة 1: 297 / 918 و 919، سنن الدار قطني 1: 358 / 7، مستدرك الحاكم 1: 230.
(3) المحرر في الفقه 1: 66، كشاف القناع 1: 361، المجموع 3: 482، فتح العزيز 3: 524.
(4) سنن ابن ماجة 1: 296 / 914 - 917، مسند أحمد 5: 60، سنن الدار قطني 1: 357 / 4 و 6، سنن الترمذي 2: 89 / 295، سنن الدارمي 1: 310.
(5) المجموع 3: 477، فتح العزيز 3: 521، المهذب للشيرازي 1: 87.

[ 245 ]

لم يكن على يسارك أحد فسلم واحدة " (1) وقال عليه السلام: " إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك " (2). مسألة 301: وله عبارتان: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقوله عليه السلام: (وتحليلها التسليم) (3) وهو يقع على كل واحد منهما، ولقولهم عليهم السلام: " وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قلت ذلك انقطعت الصلاة " (4). وسئل الصادق عليه السلام عن السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته انصراف هو؟ قال: " لا، ولكن إذا قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو انصراف " (5) وقال الصادق عليه السلام: " فإن قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت " (6). وأما العبارة الثانية فعليها علماء الاسلام كافة، ومنع الجمهور من الخروج بالأولى (7)، وهو مدفوع بما تقدم.

(1) التهذيب 2: 92 / 345، الاستبصار 1: 346 / 1303.
(2) المعتبر: 191.
(3) الكافي 3: 69 / 2، الفقيه 1: 23 / 68 وسنن ابن ماجة 1: 101 / 275 - 276، سنن أبي داود 1: 16 / 61، سنن الترمذي 1: 9 / 3، مسند أحمد 1: 123، سنن الدار قطني 1: 359 / 1 و 360 / 4 و 361 / 5.
(4) التهذيب 2: 93 / 349، الاستبصار 1: 347 1307.
(5) التهذيب 2: 316 / 1292، الفقيه 1: 229 / 1014.
(6) الكافي 3: 337 / 6، التهذيب 2: 316 / 1293.
(7) المجموع 3: 475 - 476، فتح العزيز 3: 520، مغني المحتاج 1: 177، المغني 1: 626، الشرح الكبير 1: 626، المحرر في الفقه 1: 66، العدة شرح العمدة: 80، المبسوط للسرخسي 1: 30، بدائع الصنائع 1: 195، شرح فتح القدير 1: 278، اللباب 1: 74، أقرب المسالك: 16، المدونة الكبرى 1: 143 - 144، المنتقى =

[ 246 ]

إذا عرفت هذا فبأيهما بدأ كان الثاني مستحبا، وكذا الأول عندنا، وأما الموجبون منا فأنهم أوجبو الأول، واستحبوا الثاني. فروع: أ على القول بالوجوب لا يخرج بقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته عندهم ب إذا اقتصر على الأولى وجب أن يأتي بالصورة فلو نكس أو قرأ الترجمة لم يجزئه، وتبطل صلاته لو فعله عمدا، لأنه كلام في الصلاة غير مشروع. ج لو اقتصر على الثانية أجزأه السلام عليكم عند ابن بابويه، وابن أبي عقيل، وابن الجنيد (1) - وبه قال الشافعي (2) - لأن عليا عليه السلام كان يسلم عن يمينه وشماله السلام عليكم، السلام عليكم (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يقول: السلام عليكم " (4). وقال أبو الصلاح: الفرض أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله (5). د - لو نكس فقال: عليكم السلام، أو ترك حرفا بأن قال: السلام عليك، أو قال، سلام عليكم بضم الميم من غير تنوين لم يجزئه - وبه قال

= للباجي 1: 169، عمدة القارئ 6: 124. (1) الفقيه 1: 210، وحكى قول ابن أبي عقيل وابن الجنيد المحقق في المعتبر: 191.
(3) الأم 1: 122، المجموع 3: 475 - 476، فتح العزيز 3: 520، كفاية الأخيار 1: 69، مغني المحتاج 1: 177.
(3) مصنف عبد الرزاق 2: 219 / 3131، كنز العمال 8: 159 / 22380.
(4) المعتبر: 191.
(5) الكافي في الفقه: 119.

[ 247 ]

الشافعي - إلا في النكس فله قول بالجواز (1). ولو قال: سلام عليكم منونا فالأقرب: الإجزاء، لأن عليا عليه السلام كان يقول: سلام عليكم عن يمينه وشماله (2)، وظاهر مذهب الشافعي: العدم، لأنه نقص الألف واللام (3). وليس بجيد، لأنه نون وهو يقوم مقامهما. ه‍ - يستحب أن يضيف ورحمة الله وبركاته. مسألة 302: قال في المبسوط: من قال: إن التسليم فرض فتسليمة واحدة تخرج من الصلاة، وينبغي أن ينوي بها ذلك والثانية ينوي بها السلام على الملائكة، أو على من في يساره (4). إذا عرفت هذا فهل تجب نية الخروج عن الصلاة بالسلام؟ الأقرب: العدم، لأنه فعل من أفعال الصلاة فصار كسائر الأفعال، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: تجب، لأنه أحد طرفي الصلاة فصار كالتكبير في وجوب مقارنة النية له (5). ولا يجب تعيين النية في الخروج، لأن الصلاة تعينت بالشروع فيها فيكون الخروج عما هو متلبس به يخالف حالة الافتتاح. قال الشافعي: يستحب أن ينوي الامام بالتسليمة الأولى ثلاثة

(1) المجموع 3: 476، فتح العزيز 3: 520، المهذب للشيرازي 1: 87، مغني المحتاج 1: 177، كفاية الأخيار 1: 69.
(2) سنن البيهقي 2: 178، كنز العمال 8: 159 / 22380.
(3) المجموع 3: 476، فتح العزيز 3: 520، مغني المحتاج 1: 177، كفاية الأخيار 1: 69.
(4) المبسوط للطوسي 1: 116.
(5) المجموع 3: 476، فتح العزيز 3: 520، مغني المحتاج 1: 177، كفاية الأخيار 1: 69.

[ 248 ]

أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، وعلى من على يمينه من المأمومين، وبالثانية شيئين: السلام على الحفظة، وعلى المأمومين الذين على يساره، والمأموم إن كان الامام عن يمنه ينوي أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على الامام، والسلام على من على يمينه، وإن سلم عن يساره نوى الحفظة والمأمومين، وإن كان الامام عن يساره نوى بالسلام عن يمينه ثلاثة أشياء، وعن يساره ثلاثه أشياء، وإن كان تجاهه فإن شاء نواه بالسلام عن يمينه، وإن شاء بالسلام عن يساره، والمنفرد ينوي عن يمينه الخروج، والسلام على الحفظة (1). إذا عرفت هذا فالتسليمة الأولى من الصلاة - وبه قال الشافعي (2) - لأنه ذكر مشروع في محل الصلاة يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة فكان منها كالتشهد. وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة (3) لقوله عليه السلام: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التسبيح، والتكبير وقراءة القرآن) (4) ولأن السلام ينافيها فلم يكن منها كالكلام. والخبر محمول على ما لم يشرع لها، وبهذا فارق الكلام أيضا. مسألة 303: إذا فرغ من التسليم كبر الله تعالى ثلاث مرات يرفع بها يديه إلى شحمتي أذنيه، ثم إن كان له حاجة انصرف في جهتها، وإن لم تكن له حاجة في جهة أو غرض كان الأولى أن ينصرف في جهة اليمين - وبه قال الشافعي (5) - لقول الصادق عليه السلام: " إذا انصرفت من الصلاة فانصرف

(1) المجموع 3: 478، فتح العزيز 3: 522 - 524، المهذب للشيرازي 1: 87.
(2) المجموع 3: 482، مغني المحتاج 1: 177، كفاية الأخيار 1: 69.
(3) المجموع 3: 481.
(4) سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249.
(5) الأم 1: 128، المجموع 3: 490، المهذب للشيرازي 1: 88.

[ 249 ]

عن يمينك " (1). وقال أبو حنيفة: ينصرف عن يساره (2). وليس بجيد، لأنه ربما كان معه مأموم واحد فإذا دار إلى اليسار (جعل) (3) ظهره إليه بخلاف اليمين. ويستحب للامام أن لا ينصرف من مكانه حتى يتم المسبوق صلاته، ولو لم يكن فيهم مسبوق ذهب حيث شاء، لقول الصادق عليه السلام: " أيما رجل أم قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم، ولا يخرج من ذلك الموضع حتى يتم الذين سبقوا صلاتهم، ذلك على إمام واجب إذا علم أن فيهم مسبوقا، وإن علم أن ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء " (4) ولو كان في الجماعة نساء استحب له اللبث حتى يخرجن لئلا يمتزجن بالرجال.

(1) التهذيب 2: 317 / 1294، وفي الفقيه 1: 245 / 1090 عن الامام الباقر عليه السلام.
(2) المجموع 3: 490.
(3) في نسخة (ش): حصل.
(4) الكافي 3: 341 / 2، التهذيب 2: 103 / 387.

[ 251 ]

الفصل الثاني: في مندوبات الصلاة وقد سلف بعضها، وبقي أمور: الأول: وضع اليدين حالة القيام على فخذيه مضمومتي الأصابع محاذيا بهما عيني ركبتيه عند علمائنا، لأنه أبلغ في الخضوع، ولقول الباقر عليه السلام: " أرسل يديك، وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك " (1) وقول (2) الصادق عليه السلام: أرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه (3). ولا يجوز التكفير وهو وضع اليمين على الشمال، وهو مبطل عندنا على ما يأتي، وأطبق الجمهور على جواز الإرسال، واختلفوا في الأفضل، فقال الشافعي: التكفير سنة فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس - وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود (4) - لأن عليا عليه السلام قرأ

(1) الكافي 3: 334 / 1، التهذيب 2: 83 / 308.
(2) كذا في الأصلين، والصحيح: ما حكاه حماد في صفة صلاة الصادق عليه السلام.
(3) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.
(4) المجموع 3: 310 و 311، فتح العزيز 3: 273 - 274، مغني المحتاج 1: 181، المهذب للشيرازي 1: 78، المبسوط للسرخسي 1: 23 - 24، اللباب 1: 67، شرح فتح القدير 1: 249 و 250، عمدة القاري 5: 279، بدائع الصنائع 1: 201، المغني 1: 549، الشرح الكبير 1: 549، المحرر في الفقه 1: 53، الانصاف 2: 46.

[ 252 ]

هذه الآية * (فصل لربك وانحر) * (1) فوضع يده اليمنى على ساعده اليسرى ثم وضعهما على صدره (2). وعن مالك روايتان: إحداهما: أن ذلك مستحب، والثاني: أنه مباح (3). وروى ابن المنذر عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه، وهو مروي عن الحسن، وابن سيرين، والنخعي (4). وقال الليث: يرسل يديه إلا أن يطيل القيام فيعيى (5) وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك (6). مسألة 304: ويستحب وضعهما حالة الركوع على عيني الركبتين مفرجات الأصابع عند علمائنا - وبه قال الشافعي (7) - لأن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في عشرة من الصحابة، أحدهم أبو قتادة، فوصف ركوعه كما قلناه (8). ومن طريق الخاصة وصف حماد صلاة الصادق عليه السلام، قال: ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات (9). وقال الباقر عليه السلام: " ومكن راحتيك من ركبتيك تدع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى وتلقم بأطراف

(1) الكوثر: 3.
(2) سنن البيهقي 2: 30، سنن الدار قطني 1: 285 / 6.
(3) المنتقى للباجي 1: 281، الكفاية 1: 250، الروضة الندية شرح الدرر البهية 1: 98، القوانين الفقهية: 56. (4) المجموع 3: 311، المغني 1: 549، الشرح الكبير 1: 549، عمدة القارئ 5: 279.
(5) المجموع 3: 311: عمدة القارئ 5: 279.
(6) المجموع 3: 312، المبسوط للسرخسي 1: 23، عمدة القارئ 5: 279.
(7) المجموع 3: 409، فتح العزيز 3: 378، المهذب للشيرازي 1: 82، مغني المحتاج 1: 164.
(8) سنن الترمذي 2: 106 / 304، سنن أبي داود 1: 194 / 730، سنن النسائي 2: 187، مسند أحمد 5: 424، سنن البيهقي 2: 85.
(9) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 / 916، التهذيب 2: 81 / 301.

[ 253 ]

أصابعك عين الركبة، وفرج بين أصابعك " (1). وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا ركع طبق يديه وجعلهما بين ركبتيه ويرويه عن النبي صلى الله عليه وآله (2)، وهو منسوخ (3). ومنع بعض علمائنا من جواز التطبيق (4). مسألة 305: ويستحب وضعهما حالة السجود حيال منكبيه مضمومتي الأصابع مبسوطتين موجهتين إلى القبلة - وهو مذهب العلماء - لأن وائل بن حجر قال: إن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا سجد ضم أصابعه وجعل يديه حذو منكبيه (5). وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا سجدت فضم كفيك وارفع مرفقيك) (6). ومن طريق الخاصة ما رواه زرارة قال: " ولا تلزق كفيك بركبتيك، ولا تدنهما من وجهك بين ذلك وحيال منكبيك، ولا تفرجن أصابعك (7) ولكن أضممهن جميعا " (8). مسألة 306: ويستحب وضعهما حالة الجلوس للتشهد وغيره على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع بحذاء عيني ركبتيه عند علمائنا، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا قعد يدعو، يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى،

(1) الكافي 3: 319 - 320 / 1، التهذيب 2: 77 - 78 / 289.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 1: 246، صحيح مسلم 1: 379 / 534، سنن الترمذي 2: 44 ذيل الحديث 258.
(3) صحيح مسلم 1: 380 / 535، سنن الترمذي 2: 44 / 259.
(4) ابن إدريس في السرائر: 46.
(5) سنن البيهقي 2: 112، سنن الدار قطني 1: 339 / 3 (6) صحيح مسلم 1: 356 / 494، سنن البيهقي 2: 113.
(7) في المصدر: ولا تفرجن بين أصابعك.
(8) الكافي 3: 334 / 1، التهذيب 2: 83 - 84 / 308.

[ 254 ]

ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويشير بإصبعه (1) ونحوه ومن طريق الخاصة (2). ووافقنا الشافعي، وأحمد في اليسرى (3)، وفي اليمنى ثلاثة أقوال للشافعي: أن يقبض أصابعهما إلا المسبحة، وهو مروي عن ابن عمر، وابن الزبير (4). وفي وضع الإبهام وجهان: على حرف راحته أسفل من المسبحة كأنه قابض على ثلاثة وخمسين، وعلى حرف إصبعه الوسطى. وأن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويبسط المسبحة والابهام، وأن يقبض الخنصر والبنصر ويجعل الوسطى مع الإبهام خلفه، ويشير بالمسبحة متشهدا (5). مسألة 307: ويستحب جعلهما حالة القنوت حيال وجهه مبسوطتين لقول الصادق عليه السلام: " وترفع يديك في الوتر حيال وجهك، وإن شئت تحت ثوبك " (6) وهو يعطي عدم الوجوب. الثاني: شغل النظر بما يمنعه عن الاشتغال بالصلاة فينظر حالة قيامه إلى موضع سجوده، وحالة ركوعه إلى بين رجليه، وفي سجوده إلى طرف أنفه أو يغمضهما، وفي جلوسه إلى حجره، وحالة القنوت إلى باطن كفيه، وبه قال شريك بن عبد الله (7) لقول علي عليه السلام: " لا تتجاوز بطرفك في

(1) سنن البيهقي 2: 131، سنن أبي داود 1: 251 / 957 و 259 / 987 و 988.
(2) انظر: الكافي 3: 312 / 8، التهذيب 2: 82 / 301.
(3) المجموع 3: 453، فتح العزيز 3: 497، المهذب للشيرازي 1: 85، المغني 1: 607.
(4) صحيح مسلم 1: 408 / 579 و 580.
(5) المهذب للشيرازي 1: 85، المجموع 3: 453 و 454، فتح العزيز 3: 497 - 499.
(6) الفقيه 1: 310 / 1410، التهذيب 2: 131 / 504.
(7) المغني 1: 696.

[ 255 ]

الصلاة موضع سجودك " (1) وقول الباقر عليه السلام: " وليكن نظرك إلى ما بين قدميك " (2) يعني حالة الركوع. وروي جواز التغميض أيضا في رواية حماد عن صفة صلاة الصادق عليه السلام: ثم ركع، وسوى ظهره، ومد عنقه، وغمض عينيه (3). ويكره النظر إلى السماء، لقول الباقر عليه السلام: " أجمع بصرك، ولا ترفعه إلى السماء " (4). وقال الشافعي: ينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، وإن رمى بصره أمامه كان حقيقا. وبه قال أبو حنيفة، والثوري (5). وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته (6). الثالث: القنوت وهو مستحب في كل صلاة مرة واحدة فرضا كانت أو نفلا، أداء أو قضاء عند علمائنا أجمع، وآكده ما يجهر فيه بالقراءة، لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (7). ولما رواه أحمد بن حنبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتضرع وتخشع، ثم تقنع يديك ثم ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، فتقول: يا رب يا رب) (8) وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا

(1) التهذيب 2: 326 / 1334.
(2) الكافي 3: 334 - 335 / 1، التهذيب 2: 83 - 84 / 308.
(3) الكافي 3: 311 / 8، الفقيه 1: 196 - 197 / 916، التهذيب 12: 81 / 301.
(4) الكافي 3: 300 / 6، الفقيه 1: 180 / 856، التهذيب 2: 286 / 1146.
(5) المجموع 3: 314، المهذب للشيرازي 1: 78، مغني المحتاج 1: 180، السراج الوهاج: 51، المبسوط للسرخسي 1: 25، حلية العلماء 2: 82.
(6) حلية العلماء 2: 82.
(7) البقرة: 238.
(8) مسند أحمد 1: 211.

[ 256 ]

يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها (1). وروي عن علي عليه السلام أنه قنت في صلاة المغرب على أناس وأشياعهم (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع " (3) وقوله عليه السلام: " القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة " (4) وسأل محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام القنوت في كل الصلوات؟ فقال: " أما ما لا يشك فيه فما يجهر فيه بالقراءة " (5). ولأنه دعاء فيكون مأمورا به لقوله تعالى: * (ادعوني أستجب لكم) * (6). ولأن الدعاء أفضل العبادات فلا يكون منافيا للصلاة. وقال الثوري، وأبو حنيفة: إنه غير مسنون (7)، ورواه الجمهور عن ابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي الدرداء (8)، لأن أم سلمة روت أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن القنوت في الفجر (9)، وروى ابن مسعود، وأنس أن النبي صلى الله عليه وآله قنت شهرا وترك (10)، وضعفه

(1) سنن البيهقي 2: 198، سنن الدار قطني 2: 37 / 4.
(2) سنن البيهقي 2: 245، مصنف عبد الرزاق 3: 113 - 114 / 4976.
(3) الكافي 3: 340 / 7، التهذيب 2: 89 / 330، الاستبصار 1: 338 / 1271.
(4) الفقيه 1: 207 / 934، التهذيب 2: 90 / 336، الاستبصار 1: 339 / 1277.
(5) التهذيب 2: 90 ذيل الحديث 336، الاستبصار 1: 339 ذيل الحديث 1277.
(6) غافر: 60.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 165، المنتقى للباجي 1: 282، رحمة الأمة 1: 51، المغني 1: 823، الشرح الكبير 1: 760، فتح العزيز 3: 416 - 417.
(8) المجموع 4: 504، المغني 1: 823، الشرح الكبير 1: 760.
(9) سنن البيهقي 2: 214، سنن الدارقطني 2: 38 / 5.
(10) صحيح مسلم 1: 469 / 304، سنن أبي داود 2: 68 / 1445، سنن النسائي 2: 204، سنن البيهقي 2: 201، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: 93، وانظر أيضا: الشرح الكبير 1: 761، والمغني 1: 823، ومصنف ابن أبي شيبة 2: 310.

[ 257 ]

الشافعي (1)، ويحمل على أن المراد الدعاء على الكفار، وكذا حديث أنس. وقال الشافعي: إنه مستحب في الصبح خاصة دون باقي الصلوات إلا أن تنزل نازلة فيقنت في الصلوات كلها إن شاء الامام - وبه قال مالك، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حي، ورواه الشافعي عن الخلفاء الأربعة، وأنس، وهو مذهب الحسن البصري (2) - ولأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا (3). ولا يدل على نفي غيره، ولأنها صلاة فشرع فيها القنوت كالصبح. وقال أبو يوسف: إذا قنت الامام فاقنت معه (4). وقال أحمد: القنوت للأئمة يدعون للجيوش وإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس (5). وقال إسحاق: هو سنة عند الحوادث لا تدعه الأئمة (6). وقال أبو حنيفة: القنوت مكروه إلا في الوتر (7). وقال مالك، والشافعي: إنما يستحب في الوتر في النصف الأخير من رمضان (8). مسألة 308: ومحله قبل الركوع في الثانية عند علمائنا أجمع - وبه قال

(1) انظر: المجموع 3: 505.
(2) المجموع 3: 504، المهذب للشيرازي 1: 88، السراج الوهاج: 46، رحمة الأمة 1: 51، المنتقى للباجي 1: 282، القوانين الفقهية: 64، المغني 1: 823، الشرح الكبير 1: 760، المبسوط للسرخسي 1: 165، حلية العلماء 2: 111، نيل الأوطار 2: 397 (3) سنن البيهقي 2: 201، سنن الدارقطني 2: 39 / 9 و 10.
(4) بدائع الصنائع 1: 274، حلية العلماء 2: 111.
(5) المجموع 3: 504، حلية العلماء 2: 111.
(6) المجموع 3: 504، حلية العلماء 2: 111.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 165، اللباب 1: 77، المغني 1: 823.
(8) الوجيز 1: 54، السراج الوهاج: 64، المهذب للشيرازي 1: 90، المنتقى للباجي 1: 282، المبسوط للسرخسي 1: 164.

[ 258 ]

مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى (1) - لأن عمر قال: كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقنت قبل الركوع (2)، وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قنت قبل الركوع، وروي ذلك عن أبي، وابن عباس، وأنس (3)، ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " القنوت في كل صلاة في الثانية قبل الركوع " (4). وقال الشافعي: إنه بعد الركوع (5)، لأن العوام بن حمزة قال لأبي عثمان النهدي: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعده، فقلت: عمن أخذت هذا؟ فقال: عن أبي بكر، وعمر، وعثمان (6). وفعل النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أولى، مع أن عمر قال: أنه قبل الركوع (7). مسألة 309: وتقنت في الجمعة مرتين: في الأولى قبل الركوع، وفي الثانية بعده، قاله الشيخان (8)، وقال المرتضى: اختلفت الرواية فروي أن الامام يقنت في الأولى قبل الركوع وكذا من خلفه، ومن صلاها منفردا

(1) المبسوط للسرخسي 1: 164، اللباب 1: 76، بدائع الصنائع 1: 273، المغني 1: 821، الشرح الكبير 1: 756.
(2) انظر الخلاف 1: 382 مسألة 138. وفيه عن ابن عمر، ولم نعثر عليه في حدود المصادر المتوفرة عندنا.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 2: 302، صحيح مسلم 1: 469 / 301، سنن ابن ماجة 1: 374 / 1182 و 1183، سنن البيهقي 2: 207.
(4) الكافي 3: 340 / 7، التهذيب 2: 89 / 330، الاستبصار 1: 338 / 1271.
(5) المجموع 3: 506، المهذب للشيرازي 1: 90، المغني 1: 821، الشرح الكبير 1: 756، المبسوط للسرخسي 1: 165.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 2: 312، سنن البيهقي 2: 202.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 2: 313، سنن البيهقي 2: 208 - 209.
(8) الاشراف: 7، النهاية: 106، المبسوط للطوسي 1: 151، الخلاف 1: 379 مسألة 137.

[ 259 ]

[ أو ] (1) في جماعة ظهرا قنت في الثانية قبل الركوع، وروي أنه إذا صلاها جمعة مقصورة قنت قنوتين في الأولى قبل الركوع، وفي الثانية بعده (2). وأنكر ابن بابويه القنوتين واقتصر على الواحد في الصلوات كلها (3)، وذكر أن زرارة تفرد به (4)، وأطبق الجمهور على خلاف ذلك. والأقرب: أن الامام إن صلاها جمعة قنت قنوتين، وغيره يقنت مرة وإن كان في جماعة لقول الصادق عليه السلام: " كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة فإن القنوت في الأولى قبل الركوع وفي الأخيرة بعد الركوع " (5). تذنيب: ويستحب في المفردة من الوتر القنوت قبل الركوع وبعده لأن الكاظم عليه السلام كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر: قال " هذا مقام من حسناته نعمة منك " إلى آخر الدعاء (6). مسألة 310: ويستحب الدعاء فيه بالمأثور مثل كلمات الفرج، وأدناه: " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الاكرم " أو يسبح ثلاث تسبيحات. وليس فيه شئ معلم لا يجوز التجاوز عنه إجماعا، لأن إسماعيل بن الفضل سأل الصادق عليه السلام عن القنوت، وما يقال فيه؟ فقال عليه السلام: " ما قضى الله على لسانك، ولا أعلم فيه شيئا موقتا " (7) وسئل عليه السلام عن أدنى القنوت، فقال: " خمس تسبيحات " (8).

(1) ورد في المخطوطتين (و) وما أثبتناه هو الصحيح.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 193 وانظر كذلك رسائل الشريف المرتضى 3: 42.
(3) الفقيه 1: 267 ذيل الحديث 1217.
(4) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 193.
(5) التهذيب 3: 17 / 62، الاستبصار 1: 418 / 1606.
(6) الكافي 3: 325 / 16، التهذيب 2: 132 / 508.
(7) الكافي 3: 340 / 8، التهذيب 2: 314 / 1281.
(8) الكافي 3: 340 / 11، التهذيب 2: 315 / 1282.

[ 260 ]

ويجوز الدعاء بالعربية وغيرها - وبه قال الصدوق (1) - لقول أبي جعفر الثاني عليه السلام: " لا بأس أن يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شئ يناجي به ربه عزوجل " (2) ولقول الصادق عليه السلام: " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي " (3). قال محمد بن الحسن بن الوليد: كان سعد بن عبد الله لا يجيز الدعاء في القنوت بالفارسية (4). واستحب الشافعي الكلمات الثماني التي رواها عن الحسن بن علي عليهما السلام، قال: " علمني رسول الله صلى الله عليه وآله كلمات في القنوت أقولهن: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت " (5). مسألة 311: القنوت سنة، ليس بفرض عند علمائنا، وقد يجري في بعض عبارات علمائنا: الوجوب (6) والقصد: شدة الاستحباب عملا بالأصل، ولأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقنت تارة، ويترك أخرى (7).

(1) الفقيه 1: 208 ذيل الحديث 935.
(2) الفقيه 1: 208 / 936.
(3) الفقيه 1: 208 / 937.
(4) الفقيه 1: 208 ذيل الحديث 935.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 300، سنن أبي داود 2: 63 / 1425، سنن الترمذي 2: 328 / 464، سنن ابن ماجة 1: 372 / 1178، سنن الدارمي 1: 373 - 374، سنن النسائي 3: 248، مسند أحمد 1: 199، سنن البيهقي 2: 209، وانظر أيضا المجموع 3: 495، والمهذب للشيرازي 1: 88، وفتح العزيز 3: 421 - 430.
(6) هو الصدوق في الفقيه 1: 207.
(7) انظر: سنن أبي داود 1: 67 / 1440 ومصنف ابن أبي شيبة 2: 311، وصحيح مسلم 1: 468 / 676 و 470 / 678، وسنن النسائي 2: 202.

[ 261 ]

وقال الباقر عليه السلام في القنوت: " إن شئت فاقنت، وإن شئت لا تقنت " (1). وقول الصادق عليه السلام: " فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له " (2) محمول على نفي الفضيلة، أو لأنه مشروع فتركه رغبة عنه يعطي كون التارك مستخفا بالعبادات وهذا لا صلاة له حينئذ. ولو تركه ناسيا لم يعد إجماعا لقول الصادق عليه السلام: " إن نسي الرجل القنوت في شئ من الصلاة حتى يركع فقد جازت صلاته، وليس عليه شئ، وليس له أن يدعه معتمدا " (3). مسألة 312: ويستحب فيه الجهر لقول الباقر عليه السلام: " القنوت كله جهار " (4). قال المرتضى: إنه تابع للقراءة يجهر فيما يجهر فيه، ويخافت فيما يخافت لأنه ذكر فيتبع القراءة (5). وقال الشافعي: يخافت به مطلقا لأنه مسنون فأشبه التشهد الأول (6). والأصل ممنوع. مسألة 313: لو نسيه في الثانية قبل الركوع قضاه بعده لقول الصادق عليه السلام في الرجل ينسى القنوت حتى يركع قال: " يقنت بعد الركوع، فإن لم يذكر حتى ينصرف فلا شئ عليه " (7). ولو لم يذكر حتى ركع في الثالثة قضاه بعد فراغه عن الصلاة لفوات محله - وهو الثانية - ولقول الصادق عليه السلام: " إذا سهى الرجل في

(1) التهذيب 2: 91 / 340، الاستبصار 1: 340 / 1281.
(2) التهذيب 2: 90 / 335، الاستبصار 1: 339 / 1276.
(3) التهذيب 2: 315 / 1285.
(4) الفقيه 1: 209 / 944.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 192.
(6) المجموع 3: 501، فتح العزيز 3: 441 و 443.
(7) التهذيب 2: 160 / 629، الاستبصار 1: 344 / 1296.

[ 262 ]

القنوت قنت بعدما ينصرف وهو جالس " (1). مسألة: 314: إذا قنت الامام تبعه المأموم فيه، وللشافعية قولان: أحدهما: ذلك، والثاني: التأمين لدعاء الامام (2) وقال بعضهم: إن كان ثناء على الله تعالى تابعه، وإن كان دعاء أمن عليه (3) وقولنا أولى. وقد بينا استحباب رفع اليدين بالقنوت، وبه قال الشافعي (4) لأن أنسا قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو على الذين قتلوا القراء ببئر معونة (5) (6). فإذا فرغ من القنوت استحب الشافعي مسح وجهه بيديه (7) لأن ابن عباس روى قول النبي صلى الله عليه وآله: " إذا دعوت الله فادع الله ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك " (8) ولا يستحب مسح غير الوجه، ومنع القفال من رفع اليدين في القنوت قياسا على الدعاء في التشهد (9). وكره الشافعي تخصيص الامام نفسه بالدعاء (10) لقوله عليه السلام:

(1) التهذيب 2: 160 / 631، الاستبصار 1: 345 / 1298.
(2) المجموع 3: 501، الوجيز 1: 44، فتح العزيز فتح العزيز 3: 443 و 444.
(3) المجموع 3: 502، فتح العزيز 3: 444، السراج الوهاج: 46، مغني المحتاج 1: 167.
(4) المجموع 3: 500، فتح العزيز 3: 445، السراج الوهاج: 46، رحمة الأمة 1: 51.
(5) بئر معونة: قال ابن إسحاق: بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم.. معجم البلدان 1: 302.
(6) سنن البيهقي 2: 211.
(7) المجموع 3: 500، مغني المحتاج 1: 167.
(8) سنن ابن ماجة 1: 373 / 1181.
(9) المجموع 3: 499، فتح العزيز 3: 484 - 449، حلية العلماء 2: 112 (10) كفاية الأخيار 1: 71، وانظر أيضا المجموع 3: 496، فتح العزيز 3: 430.

[ 263 ]

(إذا خص الامام نفسه الدعاء فقد خان) (1). وروى واحد من الصحابة صورتين: إحدهما: (اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك ونستهديك، ونستنصرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك). والثانية: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، وإن عذابك بالكفار ملحق) (2)، فقال عثمان: اجعلوهما في القنوت، ولم يثبتهما في المصحف لانفراد الواحد، وكان عمر يقنت بذلك (3)، ولم ينقل ذلك من طريق أهل البيت عليهم السلام، فلو قنت بذلك جاز لاشتماله على الدعاء. الرابع: التكبيرات الزائدة على تكبيرة الاحرام منها ما هو خارج عن الصلاة، وهي ست متقدمة، وثلاث بعد التسليم، ومنها ما هو في الصلاة، وقد اتفق علماؤنا على ثبوت أربع وتسعين تكبيرة مستحبة في كل الصلوات الخمس تكبيرة الركوع، والسجودين، والرفع منهما. واختلف الشيخان في إثبات تكبيرة أخرى، والأصل فيه أن شيخنا المفيد يقوم إلى الثانية بالتكبير، ويسقط تكبير الركوع القنوت (4)، والشيخ الطوسي يقوم إلى الثانية كما يقوم إلى الثانية بحول الله وقوته أقوم وأقعد (5)، وتكبيرة القنوت يسقط باعتبار قول المفيد وتكبير القيام إلى الثالثة في الصبح (6).

(1) سنن ابن ماجة 1: 298 / 923، سنن أبي داود 1: 22 / 90، سنن الترمذي 2: 189 / 357 وفيها نحوه.
(2) سنن البيهقي 2: 210، الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: 90 - 91 باختلاف في اللفظ.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 2: 314 - 315، سنن البيهقي 2: 210 و 211.
(4) حكى قول المفيد المحقق في المعتبر: 189 و 193.
(5) المبسوط للطوسي 1: 111.
(6) أي سقوط التكبير إلى الثالثة في الصبح لأجل أنها سالبة بانتفاء الموضوع.

[ 264 ]

وقول الشيخ أجود لقول الصادق عليه السلام: " التكبير في صلاة الفرض في الخمس الصلوات خمس وتسعون تكبيرة منها القنوت خمس (1). وعن عبد الله بن المغيره: وفسرهن في الظهر إحدى وعشرون تكبيرة، وفي العصر إحدى وعشرون تكبيرة، وفي المغرب ست عشرة تكبيرة، وفي العشاء الأخيرة إحدى وعشرون تكبيرة، وفي الفجر إحدى عشرة تكبيرة، وخمس تكبيرات في القنوت في خمس صلوات (2). وقال علي عليه السلام: " خمس وتسعون تكبيرة في اليوم والليلة للصلوات منها تكبيرة القنوت " (3). وقال الصادق عليه السلام: " إذا جلست في الركعتين الأوليين فتشهدت ثم قمت، فقل: بحول الله وقوته أقوم وأقعد " (4). وقال عليه السلام: " إذا قمت من الركعتين فاعتمد على كفيك، وقل: بحول الله وقوته أقوم وأقعد، فإن عليا عليه السلام كان يفعل ذلك " (5). الخامس: التعقيب: وقد أجمع العلماء على استحبابه عقيب الصلوات لقول أبي هريرة: جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى، والنعم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويتصدقون، فقال: (ألا أحدثكم بحديث إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم، إلا من عمل

(1) الكافي 3: 310 / 5، التهذيب 2: 87 / 323، الاستبصار 1: 336 / 1264.
(2) الكافي 3: 310 / 6، التهذيب 2: 87 / 324، الاستبصار 1: 336 / 1265.
(3) التهذيب 2: 87 / 325، الاستبصار 1: 336 / 1266.
(4) الكافي 3: 338 / 11، التهذيب 2: 88 / 326، الاستبصار 1: 337 / 1267.
(5) الكافي 3: 338 / 10، التهذيب 2، 89 / 338، الاستبصار 1: 338 / 1269.

[ 265 ]

مثله، تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين (1). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد " قال الراوي: يعني بالتعقيب: الدعاء عقيب الصلوات (2) وهو أفضل من التنفل بعد الفريضة، لقول الباقر عليه السلام: " الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفلا " (3). مسألة 315: ويستحب الدعاء بالمنقول عن أهل البيت عليهم السلام، وأفضله تسبيح الزهراء عليها السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة " (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ما عبد الله بشئ أفضل من تسبيح الزهراء عليها السلام، ولو كان شئ أفضل منه لنحله رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام " (5) وكان يقول: " تسبيح فاطمة عليها السلام في كل يوم دبر كل صلاة أحب إلي من صلاة ألف ركعة في كل يوم " (6). وإنما نسب التسبيح إليها عليها السلام لأنها عليها السلام السبب في تشريعه، روى الصدوق أن أمير المؤمنين عليها السلام قال لرجل من بني سعد: " ألا أحدثكم عني، وعن فاطمة أنها كانت عندي فاستقت بالقربة

(1) صحيح البخاري 1: 213، صحيح مسلم 1: 416 / 595.
(2) التهذيب 2: 104 / 391.
(3) الكافي 3: 342 / 5، الفقيه 1: 216 / 962، التهذيب 2: 103 / 389.
(4) صحيح مسلم 1: 418 / 596، سنن النسائي 3: 75، سنن الترمذي 5: 479 / 3412.
(5) الكافي 3: 343 / 14، التهذيب 2: 105 / 398.
(6) الكافي 3: 343 / 15، التهذيب 2: 105 / 399.

[ 266 ]

حتى أثر في صدرها، وطحنت بالرحا حتى مجلت (1) يداها، وكسحت (2) البيت حتى أغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حر ما أنت فيه من هذا العمل؟ فأتت النبي صلى الله عليه وآله فوجدت عنده حداثا فاستحيت وانصرفت، فعلم عليه السلام أنها جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لفاعتنا (3)، فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم، فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم، فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك يسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله أدخل، فدخل وجلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد؟ فخشيت إن لم نجبه أن يقوم فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله أخبرك يا رسول الله إنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وجرت بالرحا حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى أغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حر ما أنت فيه من هذا العمل، قال: أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم إذا أخذتما منامكما فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة، وسبحا ثلاثا وثلاثين، وأحمدا ثلاثا وثلاثين، فأخرجت فاطمة عليها السلام رأسها فقالت: رضيت عن الله وعن رسوله، رضيت عن الله وعن رسوله " (4). مسألة 316: المشهور: أنه يبدأ بالتكبير، ثم بالتحميد، ثم بالتسبيح، قال محمد بن عذافر: دخلت على الصادق عليه السلام فسألته عن تسبيح فاطمة

(1) مجلت يداها: أي ثخن جلدها وتعجز وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. مجمع البحرين 5: 472 " مجل ".
(2) كسحت: كسحت البيت كسحا من باب نفع كنسته، مجمع البحرين 2: 406 " كسح ".
(3) وفي المصدر: لحافنا وهما بمعنى.
(4) الفقيه 1: 211 / 947، علل الشرائع: 366 باب 88.

[ 267 ]

عليها السلام، فقال: " الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، ثم قال: الحمد لله حتى بلغ سبعا وستين، ثم قال: سبحان الله حتى بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة " (1). وعن الصادق عليه السلام قال: " من سبح تسبيح الزهراء عليها السلام قبل أن يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر الله له ويبدأ بالتكبير " (2). وفي رواية: تقديم التسبيح على التحميد (3). ويستحب قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ثلاثين مرة، قال الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: أرأيتم لو جمعتم ما عندكم من الثياب والآنية، ثم وضعتم بعضها على بعض ترونه يبلغ السماء؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال: يقول أحدكم إذا فرغ من صلاته: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ثلاثين مرة، وهن يدفعن الهدم، والغرق، والحرق، والتردي في البئر، وأكل السبع، وميتة السوء، والبلية التي نزلت على العبد في ذلك اليوم " (4). مسألة 317: قال الصادق عليه السلام: " أدنى ما يجزي من الدعاء بعد المكتوبة أن تقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك، اللهم إنا نسألك عافيتك في أمورنا كلها، ونعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " (5). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " من أحب أن يخرج من الدنيا وقد خلص من الذنوب كما يتخلص الذهب الذي لا كدر فيه، ولا يطلبه أحد

(1) الكافي 3: 342 / 8، التهذيب 2: 105 / 400.
(2) الكافي 3: 342 / 6، الفقيه 1: 210 / 946، التهذيب 2: 105 / 395.
(3) الفقيه 1: 211 / 947، علل الشرائع: 366 باب 88 حديث 1.
(4) التهذيب 2: 107 / 406، معاني الأخبار: 324 / 1.
(5) الفقيه 1: 212 / 948، التهذيب 2: 107 / 407.

[ 268 ]

بمظلمة، فليقل في دبر الصلوات الخمس نسبة الرب تبارك وتعالى (1) اثنتي عشرة مرة، ثم يبسط يده فيقول: اللهم إني أسألك باسمك المكنون المخزون، الطاهر الطهر المبارك، وأسألك باسمك العظيم، وسلطانك القديم، أن تصلي على محمد وآل محمد، يا واهب العطايا، يا مطلق الاسارى، يا فكاك الرقاب من النار أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعتق رقبتي من النار، وتخرجني من الدنيا آمنا، وتدخلني الجنة سالما، وأن تجعل دعائي أوله فلاحا، وأوسطه نجاحا، وآخره صلاحا إنك أنت علام الغيوب " ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: " هذا من المخبيات مما علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرني أن أعلمه الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام " (2). وقال الباقر عليه السلام: " تقول في دبر كل صلاة: اللهم اهدني من عندك، وأفض علي من فضلك، وانشر علي من رحمتك، وانزل علي من بركاتك " (3). وقال الجواد عليه السلام: " إذا انصرفت من صلاة مكتوبة فقل: رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبمحمد نبيا، وبعلي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن بن على أئمة، اللهم وليك الحجة فاحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، وامدد في عمره، واجعله القائم بأمرك والمنتصر لدينك، وأره ما يحب، وتقر به عينه في نفسه، وفي ذريته، وأهله، وماله، وفي شيعته، وفي عدوه، وأرهم منه ما يحذرون، وأره فيهم ما يحب وتقر به

(1) المقصود من نسبة الرب، سورة التوحيد. أنظر الكافي 1: 71 / 1.
(2) الفقيه 1: 212 / 949، التهذيب 2: 108 / 410.
(3) الفقيه 1: 213 / 951، التهذيب 2: 107 / 404.

[ 269 ]

عينه، واشف صدورنا وصدور قوم مؤمنين " (1). وقال النبي صلى الله عليه وآله: (قال الله جل جلاله: يابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة أكفيك ما أهمك) (2). وقال الباقر عليه السلام: " ما بسط عبد يده إلى الله عزوجل إلا استحى الله أن يردها صفرا، حتى يجعل فيها من فضله، ورحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يديه حتى يمسح بهما على رأسه ووجهه "، وفي خبر آخر: " على وجهه وصدره " (3) والأدعية في ذلك كثيرة فلتطلب من مظانها (4).

(1) الكافي 2: 398 / 6، الفقيه 1: 215 / 959.
(2) الفقيه 1: 216 / 964، التهذيب 2: 138 / 536.
(3) الفقيه 1: 213 / 953.
(4) أنظر مصباح المتهجد: 177 وما بعدها، جمال الأسبوع: 401 و 419 وغيرها، الأذكار للنووي: 80.

[ 271 ]

الفصل الثالث: في التروك وفيه بحثان: الأول: في التروك الواجبة مسألة 318: يجب ترك الحدث فإن فعله عمدا أو سهوا في الصلاة بطلت إجماعا لأنه مخل بالطهارة، وهي شرط وفساد الشرط يقتضي فساد المشروط، فإن وجد بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله قبل التسليم فمن جعل التسليم واجبا أبطل الصلاة، وبه قال الشافعي (1) ومن جعله ندبا لم تبطل صلاته، وبه قال أبو حنيفة (2)، وقد تقدم. أما لو سبقه الحدث فللشيخ، والمرتضى قول: باستئناف الوضوء، والبناء (3) وبه قال الشافعي في القديم، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وداود (4) لقوله عليه السلام: (من قاء أو رعف، أو أمذى فلينصرف وليتوضأ

(1) المجموع 3: 481، الوجيز 1: 45، فتح العزيز 3: 520، المهذب للشيرازي 1: 89، سنن الترمذي 2: 262 ذيل الحديث 408.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 59 - 60، الكفاية 1: 334، المجموع 3: 481، اللباب 1: 85.
(3) المبسوط للطوسي 1: 117، الخلاف 1: 409 مسألة 157 وحكى قول المرتضى المحقق في المعتبر: 194. (4) المجموع 4: 75 و 76، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 5، المهذب للشيرازي 1: 93 - 94، الميزان 1: 158، رحمة الأمة 1: 54، المبسوط للسرخسي 1: 169، الهداية للمرغيناني 1: 59، اللباب 1: 85، بدائع الصنائع 1: 220، حلية العلماء 2: 127.

[ 272 ]

وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم) (1). ومن طريق الخاصة ما رواه فضيل بن يسار، قال: قلت للباقر عليه السلام: أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا فقال: " انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة متعمدا، وإن تكلمت ناسيا فلا بأس عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا " قلت: وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال: " نعم وإن قلب وجهه عن القبلة " (2) قال المرتضى: لو لم يكن الأذى والغمز ناقضا للطهارة لم يأمره بالانصراف (3)، وقد بينا أن الرعاف، والقئ، والمذي، ليست ناقضة للطهارة. فيحمل الوضوء على غسل ما أصابه للتحسين، لأنه الحقيقة الأصلية، وكذا الأز، والغمز، والأذى ليست ناقضة. وقال أكثر علمائنا: ببطلان الصلاة (4) وبه قال الشافعي في الجديد، ومالك، وابن شبرمة (5). وقال الثوري: إن كان حدثه من رعاف أو قئ توضأ وبنى، وإن كان من بول، أو ريح، أو ضحك أعاد الوضوء والصلاة (6) لقوله عليه السلام: (إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليعد صلاته) (7)، وهو إلزامي، وقوله عليه السلام: (إذا فسا

(1) سنن ابن ماجة 1: 385 / 1221، سنن البيهقي 1: 142.
(2) الفقيه 1: 240 / 1060، التهذيب 2: 332 / 1370، الاستبصار 1: 401 / 1533.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 194.
(4) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 120، وابن إدريس في السرائر: 49، والمحقق في المعتبر: 194.
(5) المجموع 4: 76، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 4، الميزان 1: 158، رحمة الأمة 1: 54، المهذب للشيرازي 1: 93، بلغة السالك 1: 102، المنتقى للباجي 1: 83 المحلى 4: 156.
(6) الميزان 1: 158، رحمة الأمة 1: 54.
(7) سنن البيهقي 2: 255.

[ 273 ]

أحدكم وهو في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر والصادق عليهما السلام: " لا يقطع الصلاة إلا أربع: الخلاء، والبول، والريح، والصوت " (2). ولأن الطهارة شرط وقد بطلت فيبطل المشروط، ولأنه حدث يمنع المضي في الصلاة فمنع من البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج، فإن أبا حنيفة سلم ذلك (3) وكذا إذا رماه به الطائر لسقوطه عليه. إذا ثبت هذا فإن قلنا: بالبطلان فلا بحث، وإن لم نقل به، فلو انصرف من الصلاة وأخرج باقي الحدث وتوضأ لم يكن له البناء لأنه حدث اختياري فأبطل الصلاة كما أبطل الطهارة. وقالت الشافعية بناء على القديم: إن له البناء، واختلفوا في التعليل، فمنهم من قال: إنما لم تبطل لأن الحدث لا يؤثر بعد نقض الطهارة فيها، ومنهم من قال: إنه محتاج إلى إخراج بقيته وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله (4) ويلزم الأول أنه أحدث حدثا آخر لا تبطل صلاته. قال الشيخ تفريعا على البناء: لو سبقه الحدث فأحدث ناسيا استأنف - وبه قال أبو حنيفة (5) - للتمسك بإطلاق الأحاديث (6)، وقال الشافعي في القديم: يبني لأنه حدث طرأ على حدث فلم يكن له حكم (7).

(1) سنن أبي داود 1: 263 - 264 / 1005، سنن البيهقي 2: 255 وانظر فتح العزيز 4: 5.
(2) الكافي 3: 364 / 4، التهذيب 2: 331 / 1362، الاستبصار 1: 400 - 401 / 1530.
(3) بدائع الصنائع 1: 221.
(4) المجموع 4: 75، فتح العزيز 4: 8 و 9، المهذب للشيرازي 1: 94.
(5) بدائع الصنائع 1: 222.
(6) الخلاف 1: 412 مسألة 158.
(7) المجموع 4: 75، المهذب للشيرازي 1: 94، فتح العزيز 4: 8.

[ 274 ]

مسألة 319: يجب ترك الكلام بحرفين فصاعدا مما ليس بقرآن، ولا دعاء، فلو تكلم عامدا بحرفين، وإن لم يكن مفهما بطلت صلاته سواء كان لمصلحة الصلاة، أولا عند علمائنا أجمع - وبه قال الشافعي، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وهو محكي عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعطاء، وعروة بن الزبير، وقتادة، وابن أبي ليلى (1) - لقوله عليه السلام: (إنما صلاتنا هذه تكبير، وتسبيح، وقرآن، ليس فيها شئ من كلام الناس) (2) وهو خير يراد به النهي فيكون منافيا للصلاة. وقال مالك، والأوزاعي: إن كان لمصلحة الصلاة لم يبطلها كتنبيه الامام، ودفع المار بين يديه (3) لأن ذا اليدين تكلم عامدا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وآله بالاعادة (4). وقال الأوزاعي أيضا: إن تكلم لمصلحة لا تتعلق بالصلاة كأن يقول للأعمى: البئر أمامك، أو يرى من يحترق ماله فيعرفه ذلك لم تبطل صلاته (5). وهو غلط، لأنه خطاب أوقعه على وجه العمد فأبطل الصلاة كما لو لم يكن لمصلحة. وخبر ذي اليدين عندنا باطل، لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز عليه

(1) المجموع 4: 85، الوجيز 1: 49، فتح العزيز 4: 113 و 114، المغني 1: 741.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 432، صحيح مسلم 1: 381 و 382 / 537، سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249 و 250.
(3) بداية المجتهد 1: 119، المجموع 4: 85، الميزان 1: 158، رحمة الأمة 1: 55، المغني 1: 740، الشرح الكبير 1: 713، نيل الأوطار 2: 365.
(4) صحيح البخاري 2: 86 و 9: 108، صحيح مسلم 1: 403 / 573، الموطأ 1: 93 / 58، سنن النسائي 3: 22، سنن الترمذي 2: 247 / 399.
(5) الميزان 1: 158، رحمة الأمة 1: 55، بداية المجتهد 1: 119.

[ 275 ]

السهو، مع أن جماعة من أصحاب الحديث طعنوا فيه (1)، لأن راويه أبو هريرة وكان إسلامه بعد موت ذي اليدين بسنتين، فإن ذا اليدين قتل يوم بدر وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين (2). قال المحتجون به: إن المقتول يوم بدر هو ذو الشمالين واسمه عبد الله بن عمرو بن نضلة (3) الخزاعي، وذو اليدين عاش بعد النبي صلى الله عليه وآله، ومات في أيام معاوية وقبره بذي خشب (4) واسمه الخرباق (5) لأن عمران بن الحصين روى هذا الحديث فقال فيه: فقام الخرباق فقال: أقصرت الصلاة؟ (6). وأجيب بأن الأوزاعي قال: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصرت الصلاة؟ وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة (7) وروي في هذا الخبر أن ذا اليدين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: (كل ذلك لم يكن) (8)

(1) انظر إرشاد الساري 2: 365، عمدة القارئ 4: 264.
(2) الطبقات الكبرى 4: 327، تهذيب التهذيب 12: 290، تهذيب الأسماء واللغات 1: 186، شرح صحيح مسلم للنووي 3: 245، الاصابة 1: 422.
(3) وفي نسخة (ش): فضلة.
(4) ذو خشب: محركة موضع باليمن. وخشب. كجنب واد باليمامة وواد بالمدينة. القاموس المحيط 1: 62، معجم البلدان 2: 372.
(5) قيل: إن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمرو من بني سليم، وإن ذا الشمالين اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد وقيل: غير ذلك، وسمي بذي اليدين لأنه كان يعمل بيديه جميعا وقيل: لأنه كان في يديه طول. تهذيب الأسماء واللغات 1: 185، الاصابة 1: 422 و 3: 33، الطبقات الكبرى 3: 167، شرح صحيح مسلم للنووي 3: 241.
(6) سنن ابن ماجة 1: 384 / 1215. سنن النسائي 3: 26، سنن أبي داود: 1: 267 / 1018.
(7) حكاه الشيخ في الخلاف 1: 405، المسألة 154.
(8) صحيح مسلم 1: 404 / 99، النسائي 3: 22، الموطأ 1: 94 / 59، سنن البيهقي 2: 335.

[ 276 ]

وروي أنه قال: (إنما أسهو لأبين لكم) (1) وروي أنه قال: (لم أنس ولم تقصر الصلاة) (2) وروي من طريق الخاصة أن ذا اليدين كان يقال له ذو الشمالين عن الصادق عليه السلام.
(3) فروع: أ - الكلام الواجب يبطل الصلاة أيضا كإجابة النبي صلى الله عليه وآله لما تقدم، وقال الشافعي: لا تبطل الصلاة (4) لأن أبا هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فقال: (السلام عليك يا أبي) فالتفت إليه أبي فلم يجبه، ثم إن أبيا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا نبي الله، فقال: (وعليك السلام، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟) فقال: يا رسول الله كنت أصلي، قال: (أفلم تجد فيما أوحي إلي أن * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) *؟!) * (5) قال: بلى يا رسول الله لا أعود (6). ولا حجة فيه لأن رد السلام عندنا واجب في الصلاة وغيرها. ب - للشافعية في تنبيه الأعمى على بئر يخاف من التردي فيها، والصبي على نار يقع فيها قولان: أحدهما: البطلان - كما قلناه نحن - لجواز أن لا يقع، بخلاف إجابة النبي عليه السلام، والثاني: عدمه لأنه واجب كإجابة

(1) أورده الشيخ في الخلاف 1: 406 المسألة 154، وانظر الموطأ 1: 100 / 2.
(2) صحيح البخاري 2: 86، سنن أبي داود 1: 265 / 1008، الموطأ 1: 94 / 60، سنن النسائي 3: 21، سنن ابن ماجة 1: 383 / 1214، سنن الدارقطني 1: 366 / 1 (3) انظر الكافي 3: 357 / 6، التهذيب 2: 345 / 1433.
(4) المجموع 4: 81، المغني 1: 739، المهذب للشيرازي 1: 94، الشرح الكبير 1: 715.
(5) الانفال: 24.
(6) سنن الترمذي 5: 155 / 2875.

[ 277 ]

النبي صلى الله عليه وآله (1)، والأصل ممنوع. وأما رد الوديعة، وتفرقة الزكاة فإنهما وإن وجبا لكنهما مبطلان إن كان عملا كثيرا لأنه لا يتعين في الصلاة لامكان حصوله قبلها وبعدها بخلاف إجابة النبي صلى الله عليه وآله، وإنقاذ الأعمى. ج - الجاهل وهو الذي يقصد الكلام ويعتقد أنه جائز في الصلاة كالعالم عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة (2) - لقوله عليه السلام: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين) (3) ولأن علمه مبطل فكذا جهله كالحدث. وقال الشافعي: لا تبطل به الصلاة، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله لما انصرف من اثنتين قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال: (أصدق ذو اليدين؟) فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع (5). وقد بينا بطلان الحديث، ولأنه عليه السلام يمتنع عليه جهل تحريم الكلام في الصلاة.

(1) المجموع 4: 81 و 82، المهذب للشيرازي 1: 94، المغني 1: 739، الشرح الكبير 1: 715.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 170، اللباب 1: 85، بدائع الصنائع 1: 233 و 234، الهداية للمرغيناني 1: 61، شرح العناية 1: 344، حاشية الچلبي 1: 344.
(3) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 17، مصنف ابن أبي شيبة 2: 432، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249 و 250.
(4) المجموع 4: 80، الوجيز 1: 49، فتح العزيز 4: 110، مغني المحتاج 1: 195، الميزان 1: 158، السراج الوهاج: 56، الشرح الكبير 1: 712.
(5) صحيح البخاري 9: 108، صحيح مسلم 1: 403 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399، سنن النسائي 3: 22، الموطأ 1: 93 / 58.

[ 278 ]

ولا فرق بين أن يكون قريب العهد بالاسلام أو لا - خلافا للشافعي في قول له (1) - ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم أنه مبطل لم يعذر، وبه قال الشافعي (2)، لأنه لما عرف التحريم كان حقه الامتناع منه. د - لو تكلم ناسيا لم تبطل صلاته، ويسجد للسهو عند علمائنا - وبه قال مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (3) - لقوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (4). من طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم، قال: " يتم ما بقي من صلاته " (5) وسئل الصادق عليه السلام عن الرجل يتكلم في الصلاة ناسيا يقول: أقيموا صفوفكم، قال: " يتم صلاته، ثم يسجد سجدتين " (6). وقال أبو حنيفة: تبطل إلا أن يسلم من اثنتين ساهيا (7) لأن عمده يبطل الصلاة فكذا سهوه كالحدث. والفرق أن الحدث يبطل الطهارة أو يوجبها. ه‍ - لا فرق بين أن يطول كلام الناسي أو يقصر لأنه خطاب الآدمي على وجه السهو، وللشافعي قول بالفرق فأبطلها مع الكثرة كالفعل (8).

(1) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 110، مغني المحتاج 1: 195، الوجيز 1: 49، السراج الوهاج: 56.
(2) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 111، مغني المحتاج 1: 196.
(3) المجموع 4: 85، مغني المحتاج 1: 195، كفاية الأخيار 1: 75، بلغة السالك 1: 124، بداية المجتهد 1: 119، أحكام القران لابن العربي 1: 227.
(4) الجامع الصغير 2: 16 / 4461، كنز العمال 4: 233 / 10307، نيل الأوطار 2: 360.
(5) التهذيب 2: 191 / 756، الاستبصار 1: 378 / 1434. (6) الكافي 3: 356 / 4، التهذيب 2: 191 / 755، الاستبصار 1: 378 / 1433.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 170 و 171، الكفاية 1: 345، الميزان 1: 158.
(8) المجموع 3: 80، الميزان 1: 158، مغني المحتاج 1: 195، السراج الوهاج: 56، الشرح الكبير 1: 715.

[ 279 ]

ونمنع الأصل، ويفرق بأن الفعل آكد، فإن عتق المجنون لا ينفذ، وينفذ إحباله. و - لا خلاف في أن الحرف الواحد ليس مبطلا لأنه لا يعد كلاما، ولعدم انفكاك الصوت منه غالبا، نعم في الحرف الواحد المفهم ك‍ (ق) و (ش) و (ع) إشكال ينشأ من حصول الافهام به فأشبه الكلام، ومن دلالة مفهوم النطق بحرفين على عدم الابطال به. وأما الحرف بعد مده ففيه نظر أيضا ينشأ من تولد المد من إشباع الحركة ولا يعد حرفا، ومن أنه إما ألف، أو واو، أو ياء. ز - لو تكلم مكرها عليه فالأقوى الابطال به لأنه مناف للصلاة فاستوى الاختيار فيه وعدمه كالحدث، ويحتمل عدمه لرفع ما استكرهوا عليه (1) وللشافعي قولان (2). ح - لا يجوز أن يئن بحرفين، ولا يتأوه بهما لأنه يعد كلاما. ط - السكوت الطويل إن خرج به عن كونه مصليا أبطل، وإلا فلا. مسألة 320: يجوز التنبيه على الحاجة إما بالتصفيق، أو بتلاوة القرآن، كما لو أراد الإذن لقوم فقال: * (ادخلوها بسلام آمنين) * (3) أو قال لمن أراد التخطي على البساط بنعله: * (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) * (4) أو أراد إعطاء كتاب لمن اسمه يحيى: * (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) * (5) أو

(1) الجامع الصغير 2: 16 / 4461، كنز العمال 4: 233 / 10307.
(2) المجموع 4: 80 - 81، الوجيز 1: 49، السراج الوهاج: 56، فتح العزيز 4: 112، مغني المحتاج 1: 196، كفاية الأخيار 1: 60 و 76.
(3) الحجر: 46.
(4) طه: 12.
(5) مريم: 12.

[ 280 ]

* (يوسف أعرض عن هذا) * (1) أو أتى بتسبيح، أو تهليل، وقصد القرآن، والتنبيه - وبه قال الشافعي - (2) لأن عليا عليه السلام قال: " كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله فإن كان في الصلاة سبح وذلك إذنه، وإن كان في غير الصلاة أذن " (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " نعم " لما قال له ناجية أبو حبيب: أضرب الحائط لا وقظ الغلام؟ (4) وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن ينبه إمامه، والمار بين يديه (5) لأنه قصد به خطاب الآدمي لا لاصلاح الصلاة، فأشبه رد السلام. والأصل ممنوع، والفرق بأنه خطاب الآدمي بالوضع. فروع: أ - لو لم يقصد إلا التفهيم بطلت صلاته لأنه لم يقصد القرآن فلم يكن قرآنا، وفيه إشكال ينشأ من أن القرآن لا يخرج عن كونه قرآنا بعدم قصده. ب - لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك - وبه قال مالك - (6) لعموم قوله عليه السلام: (من نابه في صلاته شئ فليسبح) (7).

(1) يوسف: 29.
(2) المجموع 4: 83، السراج الوهاج: 56، الوجيز 1: 49، مغني المحتاج 1: 196، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 115.
(3) سنن البيهقي 2: 247، مسند أحمد 1: 77.
(4) الكافي 3: 301 / 8، الفقيه 1: 243 / 1080، التهذيب 2: 325 / 1329.
(5) بدائع الصنائع 1: 235، فتح العزيز 4: 115، الميزان 1: 159.
(6) المدونة الكبرى 1: 100، بداية المجتهد 1: 198، الميزان 1: 159.
(7) صحيح البخاري 1: 175، صحيح مسلم 1: 317 / 421، سنن أبي داود 1: 248 / 940، الوطأ 1: 164 / 61.

[ 281 ]

وقال الشافعي: يسبح الرجل، وتصفق المرأة (1) لقوله عليه السلام: (إذا نابكم شئ في الصلاة فالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) (2) ولو خالفا فسبحت المرأة، وصفق الرجل لم تبطل الصلاة عنده بل خالفا السنة (3). ج - لو صفقت المرأة أو الرجل على وجه اللعب لا للاعلام بطلت صلاتهما لأن اللعب ينافي الصلاة، ويحتمل ذلك مع الكثرة خاصة. مسألة 321: إذا سلم عليه وهو في الصلاة وجب عليه الرد لفظا عند علمائنا - وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وقتادة (4) - لقول الباقر عليه السلام: " إن عمارا سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فرد عليه السلام " (5). وقال محمد بن مسلم: دخلت على الباقر عليه السلام وهو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال: " السلام عليك " قلت: كيف أصبحت فسكت، فلما انصرف، قلت له: أيرد السلام وهو في الصلاة؟ قال: " نعم مثل ما قيل له " (6). ولأن الأمر بالرد مطلق فيتناول حال الصلاة كغيرها، ولأنه واجب فلا تبطل الصلاة به كالكلام الواجب عند الشافعي (7). وقال الشافعي: يرد السلام بالاشارة (8) لأن أبا مسعود لما قدم من

(1) المجموع 4: 82، السراج الوهاج: 56، الميزان 1: 159، مغني المحتاج 1: 197 - 198، المهذب للشيرازي 1: 95.
(2) صحيح البخاري 2: 89، صحيح مسلم 1: 317 / 421، سنن أبي داود 1: 248 / 941، سنن النسائي 2: 88، سنن الدارمي 1: 317.
(3) المجموع 4: 82، مغني المحتاج 1: 198، المهذب للشيرازي 1: 95.
(4) الميزان 1: 159، بداية المجتهد 1: 181.
(5) الفقيه 1: 241 / 1066.
(6) التهذيب 2: 329 / 1349.
(7) المجموع 4: 81 و 82، فتح العزيز 4: 115.
(8) المجموع 4: 93، الميزان 1: 159، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 117.

[ 282 ]

الحبشة سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الصلاة فلم يرد عليه، قال أبو مسعود: فأخذني ما قرب وما بعد، فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل في شئ؟ قال: (لا ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء، وأن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة) (1) وليس حجة لجواز أن يكون قبل الأمر بالرد، أو أنه حياه بغير السلام وسماه سلاما مجازا. وقال أبو حنيفة: لا يرد عليه وتبطل (2)، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل مسجد بني عمرو بن عوف يصلي، ودخل معه صهيب، فدخل معه رجال من الأنصار يسلمون عليه، فسألت (3) صهيبا كيف كان يصنع إذا سلم عليه؟ فقال: كان يشير بيده (4). وقال عطاء، والنخعي، والثوري: يرد بعد فراغه، ونقله الجمهور عن أبي ذر (5). فروع: أ - لا يكره السلام على المصلي - وبه قال ابن عمر، وأحمد - (6) للأصل، ولقوله تعالى: * (إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) * (7) وهو عام، وحكى ابن المنذر عن عطاء، وأبي مجلز، والشعبي، وإسحاق بن

(1) صحيح البخاري 9: 187، سنن النسائي 3: 9، سنن أبي داود 1: 243 / 924، مسند أحمد 1: 435 و 463 وفي جميع المصادر ورد عن ابن مسعود.
(2) اللباب 1: 84، بدائع الصنائع 1: 237.
(3) كذا في الأصلين. والسائل هو عبد الله بن عمر كما في المصادر.
(4) سنن البيهقي 2: 259.
(5) المجموع 4: 105، الميزان 1: 159، المغني 1: 748.
(6) المغني 1: 748، المجموع 4: 105.
(7) النور: 61.

[ 283 ]

راهويه، وجابر الكراهة (1)، وعن أحمد روايتان (2)، وظاهر كلام الشافعي الكراهة لأنه كره السلام على الامام حال الخطبة (3) فحال الصلاة أولى. ب - إذا سلم بقوله: سلام عليكم رد مثله، ولا يقول: وعليكم السلام لأنه عكس القرآن، ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله عثمان بن عيسى عن الرجل يسلم عليه وهو في الصلاة: " يقول: سلام عليكم، ولا يقول: وعليكم السلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قائما يصلي فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله هكذا " (4). ج - لو سلم عليه بغير اللفظ المذكور فإن سمي تحية فلوجه: جواز الرد به، وبقوله: سلام عليكم، لعموم قوله تعالى، * (فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * (5) ولو لم تسم تحية جاز إجابته بالدعاء له إذا كان مستحقا له وقصد الدعاء، لا رد السلام، ولو سلم عليه بقوله: عليك السلام ففي جواز إجابته بالصورة إشكال ينشأ من النهي، ومن جواز الرد مثل التحية. د - لو اتقى رد فيما بينه وبين نفسه تحصيلا لثواب الرد وتخليصا من الضرر، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا سلم عليك رجل من المسلمين وأنت في الصلاة فرد عليه فيما بينك وبين نفسك، ولا ترفع صوتك " (6) وفي رواية أخرى: " ترد عليه خفيا " (7). مسألة 322: يجوز تسميت العاطس بأن يقول المصلي له: يرحمك الله لأنه.

(1) المجموع 4: 105، المغني 1: 748، الشرح الكبير 1: 720.
(2) كشاف القناع 1: 378.
(3) مختصر المزني 1: 27، المجموع 4: 523.
(4) التهذيب 2: 328 / 1348، الكافي 3: 366 / 1 وفيه: عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام. فلاحظ.
(5) النساء: 86.
(6) الفقيه 1: 240 / 1064، التهذيب 2: 331 / 1365.
(7) الفقيه 1: 241 / 1065، التهذيب 2: 332 / 1366.

[ 284 ]

دعاء، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وآله لقوم، ودعا على آخرين (1) وهو محكي عن الشافعي (2) وظاهر مذهبه: البطلان (3) لأن معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه وما شأنكم تنظرون إلي؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي تكبير وقراءة القرآن) (4) ولا حجة فيه لأن إنكاره عليه السلام وقع على كلامه لا على تسميته. إذا عرفت هذا فإنه يجوز أن يحمد الله تعالى إن عطس هو أو غيره لأنه شكر لله تعالى على نعمه، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله " (5) وقال له أبو بصير: أسمع العطسة فأحمد الله وأصلي على النبي عليه السلام وأنا في الصلاة؟ قال: " نعم ولو كان بينك وبين صاحبك البحر " (6). مسألة 323: التنحنح جائز لأنه لا يعد كلاما، وأظهر وجوه الشافعية: البطلان به إن ظهر منه حرفان، وإن لم يبين كما إذا استرسل سعال لا يبين منه

(1) انظر على سبيل المثال: سنن البيهقي 2: 197 وما بعدها، مصنف ابن أبي شيبة 2: 316، مصنف عبد الرزاق 2: 445.
(2) المجموع 4: 84، فتح العزيز 4: 117.
(3) المجموع 4: 84، فتح العزيز 4: 117، مغني المحتاج 1: 197، السراج الوهاج: 56.
(4) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 14 - 17، سنن أبي داود 1: 244 / 930، سنن الدارمي 1: 353، مسند أحمد 5: 447 و 448، سنن البيهقي 2: 249، مسند الطيالسي: 150 / 1105.
(5) الكافي 3: 366 / 2، التهذيب 2: 332 / 1367.
(6) الكافي 3: 366 / 3، التهذيب 2: 332 / 1368.

[ 285 ]

حرف لم يبطل (1)، والثاني: عدم البطلان وإن بان منه حرفان لأنه ليس من جنس الكلام (2)، والثالث: إن كان مطبقا شفتيه لم يضر كقرقرة البطن، وإن كان فاتحا فمه فإن بان منه حرفان بطلت وإلا فلا (3). ولو تعذرت القراءة إلا به فهو معذور، وإن أمكنه القراءة وتعذر الجهر فوجهان عندهم: أحدهما: إنه كالقراءة لاقامة شعار الجهر، والثاني: المنع لأن الجهر سنة فلا ضرورة إلى التنحنح له (4). ولو تنحنح الامام وبان منه حرفان فللشافعية وجهان في مداومة المأموم: أظهرهما: ذلك لأن الأصل بقاء عبادته والظاهر من حاله الاحتراز عن مبطلات الصلاة، وأنه غير مختار فيه، والثاني: المنع (5) لأن العاقل لا يفعل إلا عن قصد، فالظاهر أن الامام قاصد فبطلت صلاته فلا يجوز له المتابعة. مسألة 324: الدعاء المحرم مبطل للصلاة إجماعا لأنه ليس بقرآن، ولا دعاء مأمور به بل هو منهي عنه، والنهي يدل على الفساد، أما الدعاء بالمباح فقد بينا جوازه في جميع أحوال الصلاة. ولو جهل تحريم المطلوب ففي بطلان الصلاة إشكال ينشأ من عدم التحريم لجهله، ومن تفريطه بترك التعلم، أما لو جهل تحريم الدعاء فالوجه: البطلان. مسألة 325: القهقهة عمدا تبطل الصلاة إجماعا منا، وعليه أكثر العلماء (6)

(1) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 107، مغني المحتاج 1: 195، السراج الوهاج: 55 - 56، كفاية الأخيار 1: 60.
(2) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 107، السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195.
(3) المجموع 4: 79 - 80، فتح العزيز 4: 107.
(4) المجموع 4: 80، الوجيز: 49، كفاية الأخيار 1: 60، فتح العزيز 4: 107. (5) المجموع 4: 80، فتح العزيز 4: 107، كفاية الأخيار 1: 60.
(6) المغني 1: 741.

[ 286 ]

سواء غلب عليه أولا لقوله (صلى الله عليه وآله: (من قهقه فليعد صلاته) (1) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة " (2). وقالت الشافعية: إن غلب عليه لم تبطل صلاته لعدم الاختيار فأشبه الناسي (3)، وإن كان مختارا فإن لم يظهر في صوته حرفان لم تبطل صلاته وإن ظهر فقولان: البطلان لأن التفوه بما يتهجى حرفين وقد وجد على وجه يسمع من قصده، وهو الظاهر من مذهبه، والعدم لعدم تسميته كلاما (4). ونحن لا نبطل من حيث الكلام بل للنص، والحكمة هتك الحرمة. فروع: أ - القهقهة لا يبطل بها الوضوء - خلافا لبعض علمائنا (5) - لحديث الباقر عليه السلام (6)، وقد سبق. ب - لو قهقه ناسيا لم تبطل صلاته إجماعا. ج - لو تبسم - وهو ما إذا لم يكن له صوت - لم تبطل صلاته إجماعا. مسألة 326: البكاء خوفا من الله تعالى، وخشية من عقابه غير مبطل للصلاة وإن نطق فيه بحرفين، وإن كانت لامور الدنيا بطلت صلاته وإن لم ينطق بحرفين عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة (7) - لقوله تعالى: * (إذا تتلى عليهم

(1) كنز العمال 7: 491 / 19925.
(2) الكافي 3: 364 / 6، الفقيه 1: 240 / 1062، التهذيب 2: 324 / 1324 (وفي الجميع عن الصادق عليه السلام).
(3) كفاية الأخيار 1: 60 و 75، المهذب للشيرازي 1: 94.
(4) المجموع 4: 79 و 89، كفاية الأخيار 1: 60، مغني المحتاج 1: 195.
(5) حكاه المحقق عن ابن الجنيد في المعتبر: 30.
(6) الكافي 3: 364 / 6، الفقيه 1: 240 / 1062، التهذيب 2: 324 / 1324 وفيها عن الصادق عليه السلام.
(7) الهداية للمرغيناني 1: 61، بدائع الصنائع 1: 235، فتح العزيز 4: 108.

[ 287 ]

آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) * (1) ولأن أبا مطرف قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل (2)، والأزيز غليان صدره وحركته بالبكاء. وسأل أبو حنيفة الصادق عليه السلام عن البكاء في الصلاة أيقطع الصلاة؟ فقال: " إن كان لذكر جنة أو نار فذلك أفضل الأعمال في الصلاة، وإن كان لذكر ميت له فصلاته فاسدة (3). وقال الشافعي: إن كان مغلوبا لم تبطل صلاته، وإن كان مختارا: فإن لم يظهر فيه حرفان لم تبطل سواء كان لمصاب الدنيا أو الآخرة لعدم الاعتبار بما في القلب، وإنما يعتبر الظاهر وهو في الحالتين واحد (4). وهو ممنوع لأنه مأمور به في أمور الآخرة لأنه من الخشوع المأمور به بخلاف أمر الدنيا. وإن ظهر فيه حرفان فوجهان: الظاهر: عدم البطلان (5) لأن الشمس كسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلما كان في السجدة الأخيرة جعل ينفخ في الأرض ويبكي (6)، ولأنه لا يسمى كلاما من غير تفصيل. مسألة 327: النفخ بحرفين يوجب الاعادة، وكذا الانين، والتأوه، ولو كان بحرف واحد لم تبطل - وهو أحد قولي الشافعي (7) - لأن تعمد الكلام مناف

(1) مريم: 58. (2) سنن النسائي 3: 13: مسند أحمد 4: 25 - 26، سنن أبي داود 1: 238 / 904.
(3) الفقيه 1: 208 / 941، التهذيب 2: 317 / 1295، الاستبصار 1: 408 / 1558.
(4) المجموع 4: 79، فتح العزيز 4: 108.
(5) فتح العزيز 4: 107 و 108، مغني المحتاج 1: 195.
(6) سنن النسائي 3: 138 و 149.
(7) المجموع 4: 79 و 89، فتح العزيز 4: 108، المهذب للشيرازي 1: 94، السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195.

[ 288 ]

للصلاة، ولقول علي عليه السلام: " من أن في صلاته فقد تكلم " (1) وللشافعي قول آخر: أنه لا يبطلها وإن كان بحرفين (2) لأنه لا يعد كلاما. وهو ممنوع. وقال أبو حنيفة: النفخ يبطلها وإن كان بحرف واحد، والتأوه للخوف من الله تعالى عند ذكر المخوفات لا يبطلها ولو كان بحرفين، ويبطلها لو كان لغير ذلك كالألم يجده (3). ولا دليل على هذا التفصيل. مسألة 328: الفعل الذي ليس من أفعال الصلاة إن كان قليلا لم تبطل به الصلاة كالاشارة بالرأس، والخطوة، والضربة، وإن كان كثيرا أبطلها بلا خلاف في الحكمين لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتل الاسودين في الصلاة: الحية، والعقرب (4)، ودفع عليه السلام المار بين يديه (5) وحمل أمامة بنت أبي العاص، وكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها (6)، وقتل عقربا وهو يصلي (7) وأخذ بإذن ابن عباس وأداره عن يساره إلى يمينه (8). واختلف الفقهاء في حد الكثرة، فالذي عول عليه علماؤنا البناء على

(1) التهذيب 2: 330 / 1356.
(2) السراج الوهاج: 56، مغني المحتاج 1: 195، فتح العزيز 4: 107 و 108.
(3) بدائع الصنائع 1: 234 و 235، المجموع 4: 89، اللباب 1: 85، المغني 1: 742، وفي المصادر: وإن سمع النفخ فهو بمنزلة الكلام [ فتبطل الصلاة ] وإلا فلا يضر.
(4) سنن النسائي 3: 10، سنن ابن ماجة 1: 394 / 1245، سنن الدارمي 1: 354، مسند أحمد 2: 233 و 248 و 255 و 284 و 473 و 475 و 490 (5) سنن ابن ماجة 1: 305 / 948.
(6) صحيح البخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 و 386 / 543، سنن النسائي 3: 10، سنن أبي داود 1: 241 / 917 و 918 و 242 / 919 و 920، الموطأ 1: 170 / 81، سنن البيهقي 2: 262 - 263.
(7) سنن ابن ماجة 1: 395 / 1247.
(8) سنن أبي داود 1: 166 / 610، سنن النسائي 2: 87، سنن البيهقي 3: 95.

[ 289 ]

العادة فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير وإلا فلا لأن عادة الشرع رد الناس فيما لم ينص عليه إلى عرفهم، وبه قال بعض الشافعية (1). وقال بعضهم: القليل ما لا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة، والكثير ما يسع (2). وقال بعضهم: ما لا يحتاج إلى فعل اليدين معا كرفع العمامة وحل الازار فهو قليل، وما يحتاج إليهما معا كتكوير العمامة وعقل السراويل فهو كثير (3). وقال بعضهم: القليل مالا يظن الناظر إلى فاعله أنه ليس في الصلاة: والكثير ما يظن به الناظر إلى فاعله الاعراض عن الصلاة (4). إذا عرفت هذا فالخطوة الواحدة والضربة قليل، والثلاث كثير، وفي الفعلين للشافعية وجهان: أحدهما: أنه كثير لتكرره. والأصح خلافه (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله خلع نعليه في الصلاة وهما فعلان (6). فروع: أ - الكثير إذا توالى أبطل، أما مع التفرق فإشكال ينشأ من صدق الكثرة عليه، وعدم للتفرق، فإن النبي صلى الله عليه وآله كان يضع أمامة ويرفعها، فلو خطا خطوة ثم بعد زمان خطوة أخرى لم تبطل صلاته، وقال بعض الشافعية: ينبغي أن يقع بين الأولى والثانية قدر ركعة (7).

(1) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 129، مغني المحتاج 1: 199.
(2) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 126، مغني المحتاج 1: 199.
(3) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 126، مغني المحتاج 1: 199.
(4) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 127.
(5) المجموع 4: 93، المهذب للشيرازي 1: 95، فتح العزيز 4: 129.
(6) سنن الدارمي 1: 320، سنن أبي داود 1: 175 / 650، مسند أحمد 3: 20 و 92.
(7) المجموع 4: 93، فتح العزيز 4: 129، مغني المحتاج 1: 199.

[ 290 ]

ب - الفعلة الواحدة لا تبطل، فإن تفاحشت فإشكال، كالوثبة الفاحشة فإنها لافراطها وبعدها عن حال المصلي توجب البطلان. ج - الثلاثة المبطلة يراد بها الخطوات المتباعد، أما الحركات الخفيفة كتحريك الأصابع في مسبحة، أو حكمه فالأقرب منع الابطال بها لأنها لا تخل بهيئة الخشوع والاستكانة فهي مع الكثرة بمثابة الفعل القليل، ويحتمل الابطال للكثرة، وللشافعية وجهان (1). د - لا يكره قتل الحية والعقرب في الصلاة - وبه قال الشافعي (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر به (3)، وقال النخعي: يكره (4). ه‍ - الفعل الكثير إنما يبطل مع العمد أما مع النسيان فلا خلاف عند علمائنا لقول عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (5) وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: أنه مبطل (6) لأن النسيان بالفعل الكثير قلما يقع، ويمكن الاحتراز عنه في العادة. وينتقض عندهم بقصة ذي اليدين، فإنهم رووا أن النبي صلى الله عليه وآله سلم عن اثنتين، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يديه عليها وخرج سرعان القوم من المسجد، وقالوا: قصرت الصلاة، ثم لما عرف رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ساه عاد فبنى على صلاته، والذين خرجوا

(1) المجموع 4: 94، فتح العزيز 4: 130، مغني المحتاج 1: 199.
(2) المجموع 4: 105، الميزان 1: 160، المغني 1: 699.
(3) سنن النسائي 3: 10، سنن ابن ماجة 1: 394 / 1245، سنن الدارمي 1: 354، مسند أحمد 2: 233 و 248 و 255 و 284 و 473 و 475 و 490.
(4) المجموع 4: 105، الميزان 1: 160، المغني 1: 699، الشرح الكبير 1: 646.
(5) الجامع الصغير 2: 16 / 4461، كنز العمال 4: 233 / 10307.
(6) المجموع 4: 94، فتح العزيز 4: 130، مغني المحتاج 1: 200.

[ 291 ]

من المسجد بنوا على الصلاة، والرسول صلى الله عليه وآله ما أمرهم بالاعادة (1)، وهو إلزام لامتناع السهو على النبي صلى الله عليه وآله عندنا. و - لو قرأ كتابا بين يديه في نفسه من غير نطق لم تبطل صلاته لقوله صلى الله عليه وآله: (تجاوز الله لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا) (2) ولأن الانسان لا ينفك عن التصورات، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته وإن قرأ القرآن من المصحف (4) لأن النظر عمل دائم، وقد سبق ز - ما ليس من أفعال الصلاة إذا كان من جنس أفعالها وزاده المصلي ناسيا لم تبطل صلاته كما لو صلى خمسا ناسيا إن كان قد قعد في الرابعة بقدر التشهد، وأطلق الشافعي، وأبو حنيفة الصحة (5). أما لو زاد عامدا فإن الصلاة تبطل كما لو زاد ركوعا أو سجدة - وبه قال الشافعي (6) - لأن الزيادة كالنقصان، والثاني مبطل مع العمد فكذا الأول.

(1) صحيح مسلم 1: 403 / 573، سنن النسائي 3: 20 - 25.
(2) صحيح البخاري 3: 190 و 7: 59 و 8: 168، صحيح مسلم 1: 116 / 127، سنن أبي داود 2: 264 / 2209، سنن النسائي 6: 156، سنن ابن ماجة 1: 658 و 659 / 2040 و 2044، سنن الترمذي 3: 489 / 1183 وانظر عدة الداعي: 212، الفقه المنسوب إلى الامام الرضا عليه السلام: 385.
(3) المجموع 4: 95، فتح العزيز 4: 130.
(4) شرح فتح القدير 1: 351، الهداية للمرغيناني 1: 62، شرح العناية 1: 351، الكفاية 1: 351.
(5) المجموع 4: 91، فتح العزيز 4: 119، مغني المحتاج 1: 198، المهذب للشيرازي 1: 95، بدائع الصنائع 1: 164.
(6) المجموع 4: 91، فتح العزيز 4: 119، مغني المحتاج 1: 198، المهذب للشيرازي 1: 95.

[ 292 ]

وقال أبو حنيفة: لا تبطل ما لم تبلغ الزيادة ركعة (1). ح - يجوز عد الركعات والتسبيحات بأصابعه، أو بشئ يكون معه من الحصى، والنوى إذا لم يتلفظ به، ولا كراهة فيه - وبه قال مالك، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وابن أبي ليلى، والنخعي (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسبح ثلاث تسبيحات (3)، وذلك إنما يكون بالعدد. وقال أبو الدرداء: إني لأدعو في صلاتي لسبعين رجلا من إخواني (4)، وعلم النبي صلى الله عليه وآله العباس صلاة التسبيح، وأمره في كل ركن بتسبيحات مقدرة (5)، وليس ذلك بعقد القلب لاشتغاله به عن الخشوع فلا بد وأن يكون بعقد الأصابع. وقال أبو حنيفة: يكره - وبه قال محمد (6) - لأنه ليس من الصلاة. وقال أبو يوسف: لا بأس به في التطوع (7). وقال الشافعي: تركه أحب إلي (8). ط - الأكل والشرب مبطلان لأنهما فعل كثير إذ تناول المأكول ومضغه

(1) بدائع الصنائع 1: 171، حلية العلماء 2: 132.
(2) المجموع 4: 100، المغني 1: 698، الشرح الكبير 1: 645، حلية العلماء 2: 134.
(3) سنن أبي داود 1: 230 / 870، سنن ابن ماجة 1: 287 / 888، سنن الدار قطني 1: 341 / 1.
(4) سنن البيهقي 2: 245 وفيه:.. لثلاثين. والرواية موجودة نصا في المعتبر 192، والخلاف 1: 376 ذيل المسألة 133.
(5) سنن أبي دواد 2: 29 / 1297، مستدرك الحاكم 1: 318.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 65، بدائع الصنائع 1: 216، حلية العلماء 2: 134، الجامع الصغير للشيباني: 100.
(7) حلية العلماء 2: 134.
(8) المجموع 4: 100، فتح العزيز 4: 130، المهذب للشيرازي 1: 96.

[ 293 ]

وابتلاعه أفعال متعددة، وكذا المشروب، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (1). وحكي عن سعيد بن جبير أنه شرب الماء في صلاته النفل (2)، وعن طاوس أنه قال: لا بأس بشرب الماء في صلاته النافلة (3) - وبه قال الشيخ في الخلاف (4) - لأن الأصل الاباحة. وممنوع، ومنع الشافعي من ذلك في النافلة والفريضة (5). واستدل الشيخ (6) بقول الصادق عليه السلام، إنى أريد الصوم وأكون في الوتر فأعطش، فأكره أن أقطع الدعاء وأشرب، وأكره أن أصبح وأنا عطشان وأمامي قلة بيني وبينها خطوتان، أو ثلاثه قال: " تسعى إليها وتشرب منها حاجتك وتعود في الدعاء " (7). ويحتمل الاقتصار على ذلك للحاجة فيختص الترخص بالوتر مع إرادة الصوم وخوف العطش وكونه في دعاء الوتر، وقال الشافعي: إن قليله مبطل لأنه إعراض، وله وجه: أنه غير مبطل (8). ولو كان في فيه شئ من الطعام، أو بين أسنانه فازدرده لم تنقطع صلاته إذا كان يمر مع الريق من حيث لا يملكه بلا مضغ، ولا علك،

(1) المجموع 4: 89، المهذب للشيرازي 1: 95، مغني المحتاج 1: 200، المبسوط للسرخسي 1: 195، الهداية للمرغيناني 1: 64.
(2) المجموع 4: 90، الميزان 1: 159، الشرح الكبير 1: 706، حلية العلماء 2: 133.
(3) المجموع 4: 90، الميزان 1: 159، حلية العلماء 2: 133.
(4) الخلاف 1: 413، مسألة 159.
(5) المجموع 4: 89، الميزان 1: 159، المهذب للشيرازي 1: 95.
(6) الخلاف 1: 413 مسألة 159.
(7) الفقيه 1: 313 / 1424، التهذيب 2: 329 / 1354.
(8) المجموع 4: 89، فتح العزيز 4: 134 و 135.

[ 294 ]

وللشافعية في امتصاص سكرة من غير مضغ وجهان، وأقواهما: البطلان (1) لأن الامساك شرط في الصلاة كما هو في الصوم بل الصلاة آكد فإن الكلام يبطلها بخلاف الصوم. ولو أكل ناسيا لم تبطل صلاته وإن كثر، وأبطلها الشافعي مع الكثرة في أصح الوجهين (2)، ولو كان مغلوبا بأن نزلت النخامة لم يقدر على إمساكها لم تبطل صلاته إجماعا، ولو كان في فمه شئ لا يذوب صحت صلاته إن لم يمنعه القراءة. مسألة 329: الالتفات إلى ما وراءه مبطل للصلاة لأن الاستقبال شرط والالتفات بكله مفوت بشرطها، ولقول الباقر عليه السلام: " إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، إن الله تعالى يقول لنبيه في الفريضة: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (3) (4) وقال الباقر عليه السلام: " الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله " (5). ويكره الالتفات بوجهه يمينا وشمالا، وليس بمحرم لدلالة مفهوم قول الباقر عليه السلام: " إذا كان بكله " (6) ومفهوم قول الصادق عليه السلام: " إذا التفت في الصلاة المكتوبة من غير فراغ فأعد إذا كان الالتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد " (7).

(1) المجموع 4: 90، فتح العزيز 4: 135.
(2) المجموع 4: 90، فتح العزيز 4: 135، كفاية الأخيار 1: 77، السراج الوهاج: 57.
(3) البقرة: 144.
(4) الكافي 3: 300 / 6، التهذيب 2: 199 / 782، الاستبصار 1: 405 / 1545. (5 و 6) التهذيب 2: 199 / 780، الاستبصار 1: 405 / 1543.
(7) الكافي 3: 365 / 10، التهذيب 2: 323 / 1322، الاستبصار 1: 405 - 406 / 1547.

[ 295 ]

وقال بعض الحنفية: تبطل (1) لرواية عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وآله: (لا تلتفتوا في صلاتكم فإنه لا صلاة لملتفت) (2) - وعبد الله ضعيف - ونقول بموجبه فإن الالتفات هنا يراد به الالتفات بالجميع، ولأن نفي الصلاة لا يستلزم نفي جميع الأحكام فيحمل على نفي الفضيلة. مسألة 330: التكفير مبطل للصلاة وهو وضع اليمين على الشمال في القراءة عند علمائنا لاجماع الفرقة عليه - قاله الشيخ والمرتضى (3) - ولأنه فعل كثير فيكون مبطلا، ولأنه أحوط لوقوع الخلاف فيه دون الإرسال، ولقول الباقر عليه السلام: " النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه.. ولا تكفر، إنما يصنع ذلك المجوس " (4) وسأل محمد بن مسلم أحدهما عليهما السلام عن الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى، فقال: " ذلك التكفير لا تفعله " (5). وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: إن وضع اليمين على الشمال مسنون مستحب (6) إلا أن الشافعي قال: وضع اليمين على الشمال فوق السرة (7). وقال أبو حنيفة: تحت

(1) البحر الرائق 2: 21.
(2) كنز العمال 7: 505 / 19987 نقلا عن الطبراني في الأوسط.
(3) المبسوط للطوسي 1: 117 و 118، وحكى قول السيد المرتضى المحقق في المعتبر: 195.
(4) الكافي 3: 336 / 9، التهذيب 2: 84 / 309.
(5) التهذيب 2: 84 / 310.
(6) المجموع 3: 311، فتح العزيز 3: 273، كفاية الأخيار 1: 71، رحمة الأمة 1: 41، المبسوط للسرخسي 1: 23، عمدة القارئ 5: 279، بدائع الصنائع 1: 201، المغني 1: 549، الشرح الكبير 1: 549، نيل الأوطار 2: 201.
(7) المجموع 3: 313، فتح العزيز 3: 281، كفاية الأخيار 1: 71، الميزان 1: 138، رحمة الأمة 1: 41، المغني 1: 550، الشرح الكبير 1: 549، المبسوط للسرخسي 1: 24، عمدة القارئ 5: 279، نيل الأوطار 2: 203.

[ 296 ]

السرة. وهو مذهب أبي هريرة (1)، وعن مالك روايتان: إحداهما مثل قول الشافعي، والثانية: الإرسال (2) وروي عنه أيضا أنه يفعل ذلك في النافلة إذا طالت فإن لم تطل لم يفعله فيها ولا في الفرض (3). وقال الليث بن سعد: إن أعيى فعل وإن لم يعي لم يفعل (4)، وروى ابن المنذر عن ابن الزبير: أنه كان يرسل يديه، وهو مروي عن الحسن، وابن سيرين، والنخعي (5)، وقال الأوزاعي: من شاء فعل ومن شاء ترك (6). واحتجوا برواية وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل في الصلاة يأخذ شماله بيمينه (7)، ولا حجة فيه لعدم الدلالة، ولوقوع الخلاف في مضمونها بينهم فدل على ضعفها. فروع: أ - يجوز فعل ذلك للتقية. ب - قال الشيخ: لا فرق بين وضع اليمين على الشمال وبالعكس، ولا

(1) المبسوط للسرخسي 1: 24، اللباب 1: 67، عمدة القاري 5: 279، بدائع الصنائع 1: 201، المجموع 3: 313، فتح العزيز 3: 281، رحمة الأمة 1: 41، الميزان 1: 138، المغني 1: 550، الشرح الكبير 1: 549، نيل الأوطار 2: 203.
(2) المجموع 3: 312، فتح العزيز 3: 274، الميزان 1: 138، رحمة الأمة 1: 41، المنتقى للباجي 1: 281، المغني 1: 549، الشرح الكبير 1: 549، عمدة القارئ 5: 279، نيل الأوطار 2: 204.
(3) المنتقى للباجي 1: 281، المدونة الكبرى 1: 74، بداية المجتهد 1: 137.
(4) المجموع 3: 311، عمدة القارئ 5: 279.
(5) المجموع 3: 311، المغني 1: 549، الشرح الكبير 1: 549، عمدة القارئ 5: 279، نيل الأوطار 2: 201.
(6) المجموع 3: 312، الميزان 1: 138، رحمة الأمة 1: 41، المبسوط للسرخسي 1: 23، عمدة القارئ 5: 279، نيل الأوطار 2: 201.
(7) سنن ابن ماجة 1: 266 / 810، سنن الترمذي 2: 32 ذيل الحديث 252.

[ 297 ]

فوق السرة، ولا تحتها (1). ج - لا فرق في المنع بين أن يكون بينهما حائل أو لا، وفي تحريم وضع الكف على الساعد إشكال ينشأ من إطلاق اسم التكفير عليه، ومن أصالة الاباحة. د - قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز التطبيق في الصلاة - وهو أن يطبق إحدى يديه إلى الأخرى ويضعهما بين ركبتيه - وبه قال جميع الفقهاء، وأوجبه ابن مسعود، واحتج الشيخ بالاجماع، وخلاف ابن مسعود منقرض (2). البحث الثاني: في التروك المندوبة وقد تقدم بعضها، وبقي أمور: أ - نفخ موضع السجود، لما فيه من الاشتغال عن الصلاة، وتأذي المجاور، ولقوله عليه السلام: (أربع من الجفاء: أن ينفخ في الصلاة، وأن يمسح وجهه قبل أن ينصرف من الصلاة، وأن يبول قائما، وأن يسمع المنادي فلا يجيبه) (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل الرجل ينفخ في الصلاة، قال: " لا " (4)، وليس للتحريم لقول الصادق عليه السلام: " لا

(1) الخلاف 1: 321 مسألة 74.
(2) الخلاف 1: 347، مسألة 97، وانظر المغني 1: 577، والمجموع 3: 411، وحلية العلماء 2: 96 و 97.
(3) سنن البيهقي 2: 285 و 286 بتفاوت.
(4) الكافي 3: 334 / 8، التهذيب 2: 303 / 1222، الاستبصار 1: 329 - 330 / 1235.

[ 298 ]

بأس بالنفخ في الصلاة موضع السجود ما لم يؤذ أحدا " (1). ب - فرقعة الأصابع، لقوله عليه السلام لعلي عليه السلام: (لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي) (2) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا أقمت إلى الصلاة فاعلم أنك بين يدي الله، فإن كنت لا تراه فاعلم أنه يراك، فأقبل قبل صلاتك ولا تمتخط، ولا تبصق، ولا تنقض أصابعك، ولا تورك فإن قوما عذبوا بنقض الأصابع، والتورك في الصلاة " (3). ج‍ - العبث، لما فيه من الاشتغال عن الصلاة، وترك الخشوع. د - التثاوب. ه‍ - التمطي، لما فيها من الاستراحة وتغيير هيئة الصلاة المشروعة. و - التنخم. ز - البصاق لأنه عليه السلام كان يأخذ النخامة في ثوبه وهو يصلي (4). ح‍ - مدافعة الاخبثين والريح لما فيه من الاشتغال عن الصلاة، ولقول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تصل وأنت تجد شيئا من الاخبثين " (5) وقال عليه السلام: " لا صلاة لحاقن ولا لحاقنة " (6). ط - لبس الخف الضيق لما يحصل معه من الشغل عن الصلاة. ي - التورك - وهو أن يعتمد بيديه على وركيه وهو التخصر - لأن النبي

(1) التهذيب 2: 329 / 1351، الاستبصار 1: 330 / 1236.
(2) سنن ابن ماجة 1: 310 / 965.
(3) التهذيب 2: 325 / 1332.
(4) سنن ابن ماجة 1: 327 / 1024.
(5) التهذيب 2: 326 / 1333.
(6) التهذيب 2: 333 / 1372.

[ 299 ]

صلى الله عليه وآله نهى عن التخصر في الصلاة (1)، ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ولا تورك " (2). يا - السدل - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (3) - لما فيه من الخيلاء، ولم يكرهه مالك (4)، ومعناه وضع الثوب على الرأس أو الكتف، وإرسال طرفيه. مسألة 331: يحرم قطع الصلاة لغير حاجة لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (5) ويجوز للحاجة كما لو رأى دابة له انفلتت، أو غريما يخاف فوته، أو مالا يخاف ضياعه، أو غريقا يخاف هلاكه، أو طفلا يخاف سقوطه لئلا يلحقه الضرر وهو منفي. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق، أو غريما لك عليه مال، أو حية تخافها على نفسك فاقطع الصلاة واتبع الغلام أو الغريم، واقتل الحية " (6). وسأله سماعة عن الرجل يكون قائما في صلاة الفريضة فينسى كيسه، أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه، قال: " يقطع صلاته، ويحرز متاعه، ثم يستقبل الصلاة " قلت: فيكون في الصلاة فتفلت دابته ويخاف أن تذهب، أو

(1) صحيح البخاري 2: 84، صحيح مسلم 1: 387 / 545، سنن الترمذي 2: 222 / 383، سنن الدارمي 1: 332، سنن أبي داود 1: 249 / 947، سنن النسائي 2: 127، مسند أحمد 2: 232، سنن البيهقي 2: 287.
(2) التهذيب 2: 325 / 1332.
(3) المجموع 3: 177، الهداية للمرغيناني 1: 64، الكفاية 1: 359، نيل الأوطار 2: 68.
(4) المجموع 3: 177، نيل الأوطار 2: 68.
(5) محمد: 33.
(6) الكافي 3: 367 / 5، الفقيه 1: 242 / 1073، التهذيب 2: 331 / 1361.

[ 300 ]

يصيب منها (عنتا) (1)؟ قال: " لا بأس أن يقطع صلاته " (2). مسألة 332: لا يقطع الصلاة ما يمر بين يدي المصلي حيوانا كان أو إنسانا، ذكرا كان أو أنثى، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال عروة، والشعبي، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي (3) - لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يقطع الصلاة شئ " (4). وقال الفضل بن عباس: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك (5)، وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا يقطع الصلاة شئ كلب، ولا حمار، ولا امرأة، ولكن استتروا بشئ " (7) وسأل ابن أبي يعفور الصادق عليه السلام عن الرجل هل يقطع صلاته شئ مما يمر به؟ قال: " لا يقطع صلاة المسلم شئ، ولكن ادرؤا ما استطعتم " (8).

(1) في نسخة (م) وبعض نسخ الكافي: عيبا.
(2) الكافي 3: 367 / 3، الفقيه 1: 241 / 1071، التهذيب 2: 330 / 1360.
(3) المجموع 3: 250، الميزان 1: 160، مغني المحتاج 1: 201، المدونة الكبرى 1: 114، القوانين الفقهية: 61، المبسوط للسرخسي 1: 191، بدائع الصنائع 1: 217، شرح فتح القدير 1: 352، المغني 2: 82، المحلى 4: 12.
(4) سنن أبي داود 1: 191 / 719، سنن البيهقي 2: 278، سنن الدار قطني 1: 367 / 3 و 368 / 5 و 6.
(5) سنن أبي داود 1: 191 / 718، سنن البيهقي 2: 278، سنن الدار قطني 1: 369 / 11.
(6) صحيح مسلم 1: 366 / 268، سنن أبي داود 1: 189 / 711، سنن ابن ماجة 1: 307 / 956، سنن البيهقي 2: 275.
(7) الكافي 3: 297 ذيل الحديث 3، التهذيب 2: 323 / 1319، الاستبصار 1: 406 / 1551.
(8) الكافي 3: 297 / 3، التهذيب 2: 322 / 1318، الاستبصار 1: 406 / 1552.

[ 301 ]

وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود، والمرأة، والحمار (1) لأن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب) (2) وهو منسوخ بما تقدم من الأحاديث للإجماع على نسخ حكم المرأة. فروع: أ - لو جعل بينه وبين ما يمر به حاجزا زالت الكراهة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي ما وراء ذلك) (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام " كان رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ذراعا، وكان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه " (4). ب - لو لم يتفق له سترة استحب له دفع المار بين يديه لقوله عليه السلام: (لا يقطع الصلاة شئ، فادرؤا ما استطعتم) (5)، وكذا قول الصادق عليه السلام (6). ج - لا فرق بين فرض الصلاة ونفلها إجماعا. د - لو كان الكلب واقفا بين يديه لم تبطل صلاته على قولنا، وعن

(1) المغني 2: 81، الانصاف 2: 106 - 107، المحرر في الفقه 1: 76، مسائل أحمد: 44، المجموع 3: 250.
(2) صحيح مسلم 1: 365 / 366 / 511، سنن ابن ماجة 1: 305 / 950، مسند أحمد 2: 425، سنن البيهقي 2: 274.
(3) صحيح مسلم 1: 358 / 499، سنن الترمذي 2: 156 / 335.
(4) الكافي 3: 296 / 2، التهذيب 2: 322 / 1317، الاستبصار 1: 406 / 1549.
(5) سنن أبي داود 1: 191 / 719، سنن البيهقي 2: 278.
(6) الكافي 3: 297 / 3، التهذيب 2: 322 / 1318، الاستبصار 1: 406 / 1552.

[ 302 ]

أحمد روايتان: إحداهما: البطلان لشبهه بالمار (1). مسألة 333: لا يقطع الصلاة رعاف، ولا قئ، ولو عرض الرعاف في الصلاة أزاله وأتم الصلاة ما لم يحتج إلى فعل كثير، أو كلام، أو استدبار لأن ذلك ليس بناقض للطهارة، وهو إجماع منا، والأصل يعطيه. مسألة 334: حكم المرأة حكم الرجل في جميع الأحكام لكن لا جهر عليها، ولا أذان، ولا إقامة، فإن أذنت وأقامت خافتت فيهما. ويستحب لها اعتماد ما رواه زرارة، قال: " إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها، ولا تفرج بينهما، وتضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها، فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تتطأطأ كثيرا، فإذا جلست فعلى اليتيها كما يقعد الرجل، فإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود وبالركبتين قبل اليدين، ثم تسجد لاطئة بالأرض، وإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها ورفعت ركبتيها، فإذا نهضت انسلت انسلالا لا ترفع عجيزتها أولا " (2). وفي رواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام، قال: " إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها " (3) وبهذا قال الشافعي أيضا (4)، وقال أبو حنيفة: تجلس كأستر ما يكون (5). وقال الشعبي: تجلس كما يتيسر عليها (6). وكان ابن عمر يأمر نساءه أن يجلسن متربعات (7).

(1) المغني 2: 84، الانصاف 2: 108.
(2) الكافي 3: 335 / 2، الفقيه 1: 243، التهذيب 2: 94 / 350.
(3) الكافي 3: 336 / 4، التهذيب 2: 94 / 351.
(4) حلية العلماء 2: 113.
(5) انظر: المبسوط للسرخسي 1: 25.
(6) حلية العلماء 2: 113، المغني 1: 636.
(7) حلية العلماء 2: 113، المغني 1: 636، الشرح الكبير 1: 636.

[ 303 ]

الفصل الرابع: في أحكام السهو، وفيه مباحث: الأول: فيما يوجب الاعادة: مسألة 335: من أخل بشئ من واجبات الصلاة عمدا بطلت صلاته سواء كان شرطا كالطهارة، والاستقبال، وستر العورة، أو جزءا منها، سواء كان ركنا كالركوع، أو غيره كالتسبيح فيه، أو كيفية كالطمأنينة. وسواء كان عالما، أو جاهلا لأن الاخلال بالشرط يستلزم الاخلال بالمشروط، فلو صحت بدونه لم يكن ما فرضناه شرطا بشرط، هذا خلف. والاخلال بجزء من الماهية يستلزم الاخلال بها لتوقف وجود المركب على وجود أجزائه فلا يكون المخل ببعض الأجزاء آتيا بالصلاة المأمور بها شرعا، فيبقى في عهدة التكليف عدا الجهر والاخفات، فقد عذر الجاهل فيهما بالاخلال بهما باتفاق الموجبين له لقول الباقر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه، أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه، فقال: " إن فعل ذلك متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الاعادة فإن فعل ذلك ناسيا، أو ساهيا ولا يدري فلا شئ عليه " (1) وكذا لو فعل شيئا لا يجوز فعله في الصلاة عمدا بطلت صلاته كالكلام وشبهه وقد تقدم. ولو جهل غصبية الثوب الذي يصلي فيه، أو المكان أو نجاسة

(1) الفقيه 1: 227 / 1003، التهذيب 2: 147 / 577.

[ 304 ]

الثوب، أو البدن، أو موضع السجود فلا إعادة، ولو توضأ بماء مغصوب مع علم الغصبية وصلى أعاد الطهارة والصلاة، ولو جهل الغصبية لم يعد إحداهما، ولا يعذر جاهل الحكم، ولا الناسي على إشكال ينشأ من إلحاقه بالعامد، وبالنجس إن قلنا بالعذر فيه. ولو لم يعلم أن الجلد ميتة وصلى فيه ثم علم لم يعد إذا كان في يد مسلم غير مستحل، أو شراه من سوق المسلمين، فإن أخذه من غير مسلم أو منه وكان مستحلا، أو وجده مطروحا أعاد لأصالة الموت، ولو لم يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه أعاد لتفريطه. مسألة 336: وتبطل الصلاة لو أخل بركن سهوا أو عمد، قد عرفت أن الركن هو ما تبطل بتركه الصلاة عمدا وسهوا. واختلف علماؤنا في عدد الأركان فالمشهور أنها خمسة: النية، والقيام، وتكبيرة الافتتاح، والركوع، ومجموع السجدتين في ركعة، وأسقط بعضهم القيام (1)، وأثبت آخرون مع الخمسة القراءة (2). وفي كون النية من الأركان أو الشروط احتمال من حيث إنها تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عنها وإلا لتعلقت بنفسها، ومن إمكان تعلقها بسائر الأركان وهي من الصلاة. هذا إذا تجاوز المحل كما لو سهى عن القيام حتى نوى، أو عن النية حتى يكبر للاحرام، أو عن تكبيرة الاحرام حتى قرأ، أو عن الركوع حتى سجد، أو عن السجدتين حتى ركع، لقول الكاظم عليه السلام: " يعيد الصلاة " لما سئل عن الرجل ينسى التكبيرة حتى قرأ (3).

(1) هو ابن أبي عقيل كما في المختلف - للمصنف -: 91، ومفتاح الكرامة 2: 301.
(2) هو ابن حمزة كما نسبة إليه الفاضل السيوري في التنقيح الرائع 1: 197، وليس في الوسيلة لذلك ذكر، وإنما عد الاستقبال فيها ركنا. انظر: الوسيلة: 93.
(3) المعتبر: 228، وفي التهذيب 2: 143 / 560، الاستبصار 1: 351 - 352 / 1329: ينسى أن يفتتح الصلاة حتى يركع.

[ 305 ]

أما لو كان في محله فإنه يأتي به لامكانه على وجه لا يخل بهيئة الصلاة، ولقول الصادق عليه السلام لما سأله أبو بصير عن رجل يشك وهو قائم فلا يدري ركع أم لم يركع، قال: " يركع ويسجد " (1). وعند الشافعية أن الصلاة تشتمل على أركان وأبعاض وهيئات، فالركن ما إذا تركه عمدا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا لزمه العود إليه ولا يجبر بالسجود، وهي خمسة عشر: النية، والتكبير، والقيام، والقراءة، والركوع والاعتدال عنه، والرفع والاعتدال عنه، والسجود والاعتدال عنه، والجلسة بين السجدتين، والقعود للتشهد الأخير، وقراءة التشهد الأخير، والصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله في الأخير، والتسليم الأول ومراعاة الترتيب بين الأركان، والموالاة بين الأفعال حتى لو فرقها لم تصح صلاته. وزاد بعضهم: الطمأنينة في الركوع والسجود، والصلاة على الآل عليهم السلام، ونية الخروج من الصلاة. وأما الأبعاض فهي التي لا تبطل الصلاة بتركها ولكنها تقتضي السجود، وهي القنوت في صلاة الصبح، والعقود في التشهد الأول، وقراءة التشهد الأول والصلاة على النبي في التشهد الأول على قول، والصلاة على آله في الأخير في وجه. وأما الهيئات فما عدا ذلك، ولا يقتضي تركها بطلان الصلاة، ولا سجود السهو (2). مسألة 337: ولا فرق بين الأولتين والآخرتين في الابطال بترك الركن

(1) الكافي 3: 348 / 1، التهذيب 2: 150 / 590، الاستبصار 1: 357 / 1352.
(2) المجموع 3: 512 - 517، فتح العزيز 3: 253 - 257، الوجيز 1: 39 و 40، كفاية الأخيار 1: 63 - 69 و 71 - 74 و 80، السراج الوهاج: 41 وما بعدها، مغني المحتاج 1: 148 وما بعدها، فتح الوهاب 1: 38 وما بعدها باختلاف في كمية الأركان في جميعها.

[ 306 ]

سهوا عند أكثر علمائنا (1) فلو نسي ركوع الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة بطلت صلاته، وكذا لو ترك سجدتين من ركعة واحدة أيها كانت لأنه أخل بركن من الصلاة حتى دخل في آخر فسقط الثاني، فلو أعاد الأول لزاد ركنا، ولو لم يأت به نقص ركنا، وكلاهما مبطل، ولأن الزائد لا يكون من الصلاة وهو فعل كثير فيكون مبطلا. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين، وترك الركوع استأنف الصلاة " (2) وسئل عليه السلام عن الرجل ينسى الركوع حتى يسجد، ويقوم، قال: " يستقبل " (3). وقال الشيخ: إن كان في الأولتين أبطل الصلاة، وإن كان في الأخيرتين حذف الزائد وأتى بالفائت فيلفق فلو ترك الركوع في الثالثة حتى سجد سجدتيها أسقطهما وركع وأعاد السجدتين، وكذا لو ترك سجدتيها حتى ركع في الرابعة أسقط الركوع وسجد للثالثة، ثم أتى بالرابعة (4) لقول الباقر عليه السلام في رجل شك بعدما سجد أنه لم يركع، قال: " إذا استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة فيهما، ويبني على صلاته، وإن لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليصل ركعة ويسجد سجدتين ولا شئ عليه " (5). وهو معارض بالأحاديث الكثيرة، ويحمل على النافلة جمعا بين الأدلة، وبعض علمائنا (6) يلفق مطلقا لا يعتد بالزيادة.

(1) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم والمعل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 35، وسلار في المراسم: 88 - 89، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 118، وابن البراج في المهذب 1: 153، وابن إدريس في السرائر: 51 - 52.
(2) التهذيب 2: 148 / 580 و 149 / 587، الاستبصار 1: 355 / 1343 و 356 / 1349.
(3) التهذيب 2: 148 / 581، الاستبصار 1: 355 / 1344.
(4) المبسوط للطوسي 1: 119.
(5) الفقيه 1: 228 / 1006، التهذيب 2: 149 / 585، الاستبصار 1: 356 / 1348.
(6) هو أبو علي ابن الجنيد وعلي بن بابويه كما في المختلف: 129.

[ 307 ]

تذنيب: لو ترك ركوعا من رباعية ولم يدر من أي الركعات أعاد على ما اخترناه - وعلى مذهب الشيخ أيضا (1) - لاحتمال أن يكون من الأولتين، ولو تيقن سلامتهما أضاف إليهما ركعة، وعلى مذهب من يلفق مطلقا يضيف إليها ركعة. ولو ترك سجدتين ولم يدر من أي الأربع أعاد على ما اخترناه مطلقا، وكذا على قول الشيخ (2)، إلا أن يتحقق سلامة الأولتين فتصير الرابعة ثالثة ويتمم بركعة ويسقط حكم الركوع المتخلل لأنه وقع سهوا، وعلى المذهب الآخر يتم له ثلاث ركعات ويضيف إليها ركعة. ولو لم يعلم هل هما من ركعة أو ركعتين أعاد مراعاة للاحتياط. مسألة 338: زيادة الركن عمدا وسهوا مبطلة كنقصانه لما فيه من تغيير هيئة الصلاة إلا زيادة القيام سهوا، فلو زاد ركوعا أو سجدتين دفعة أعاد، ولأنه فعل كثير فتبطل الصلاة، ولقول الصادق عليه السلام في رجل صلى وذكر أنه زاد سجدة: " لا يعيد الصلاة من سجدة ويعيدها من ركعة " (3). وقال الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة: لا يعيد لو زاد سهوا بل يسجد للسهو (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى الظهر خمسا، فلما قيل له سجد للسهو (5). ونمنع تطرق السهو إلى النبي صلى الله عليه وآله، سلمنا لكن جاز أن

(1) المبسوط للطوسي 1: 119.
(2) المبسوط للطوسي 1: 120.
(3) الفقيه 1: 228 / 1009، التهذيب 2: 156 / 610.
(4) المجموع 4: 91، المغني 1: 718، الشرح الكبير 1: 701، بدائع الصنائع 1: 164.
(5) سنن ابن ماجة 1: 380 / 1205، سنن البيهقي 2: 341.

[ 308 ]

يكون قعد بعد الرابعة، سلمنا لكن يحتمل أنه لم يظن قولهم بل حدث عنده شك، والشك في الزيادة لا يبطل بل يسجد للسهو. مسألة 339: لو زاد على الرباعية خامسة سهوا فإن لم يكن قد جلس عقيب الرابعة وجب عليه إعادة الصلاة عند علمائنا أجمع. وإن كان قد جلس عقيب الرابعة بقدر التشهد صحت صلاته وتشهد، وسلم، وسجد للسهو عند بعض علمائنا (1) - وبه قال أبو حنيفة (2) - لأن أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك، وليبن على اليقين، وإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت الصلاة تامة كانت الركعة نافلة له والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان) (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام في رجل استيقن أنه صلى الظهر خمسا فقال: " إن كان علم أنه جلس في الرابعة فصلاته الظهر تامة ويضيف إلى الخامسة ركعة ويسجد سجدتين فيكونان نافلة ولا شئ عليه " (4). ولأن نسيان التشهد غير مبطل، فإذا جلس قدر التشهد يكون قد فصل بين الفرض والزيادة. أما إذا لم يجلس عقيب الرابعة فإن النافلة قد اختلطت بالفرض فصار جميعه نفلا، ومع الجلوس يكون قد خرج من الصلاة لأن التشهد ليس بركن

(1) نسب هذا القول المصنف في المختلف: 135 إلى ابن الجنيد.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 228، اللباب 1: 98، كتاب الحجة 1: 240، المجموع 4: 163، المغني 1: 721، الشرح الكبير 1: 702.
(3) سنن ابن ماجة 1: 382 / 1210، سنن الدار قطني 1: 372 / 21، مستدرك الحاكم 1: 322.
(4) التهذيب 2: 194 / 765، الاستبصار 1: 377 / 1430.

[ 309 ]

والتسليم ليس بواجب، ولقول الصادق عليه السلام: " من زاد في صلاته فعليه الاعادة " (1) ولأنها زيادة مغيرة لهيئة الصلاة فتكون مبطلة. وقال الشافعي: يسجد للسهو وتصح صلاته مطلقا - وبه قال الحسن البصري، وعطاء، والزهري، ومالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (2) - لأن عبد الله بن مسعود قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا فلما انفتل تشوش القوم بينهم فقال: (ما شأنكم؟) قالوا: يارسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: (لا) قالوا: فإنك قد صليت خمسا، فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم ثم قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) (3) وهذا لا يصح على ما بيناه في علم الكلام من عصمة النبي صلى الله عليه وآله عن السهو (4). فروع: أ - لو ذكر الزيادة قبل الركوع جلس، وتشهد، وسلم، وسجد للسهو - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد (5) - لأنه لم يأت بركن يغير هيئة الصلاة. ب - لو ذكر الزيادة بعد السجود وكان قد جلس بعد الرابعة احتمل أن يضيف إلى الخامسة ركعة ويسجد سجدتين وتكون نافلة، لقول الباقر عليه السلام: " ويضيف إلى الخامسة ركعة، ويسجد سجدتين فتكونان نافلة (6)،

(1) الكافي 3: 355 / 5، التهذيب 2: 194 / 764، الاستبصار 1: 376 / 1429.
(2) المجموع 4: 139، المهذب للشيرازي 1: 97، الأم 1: 131، مختصر المزني: 17، المدونة الكبرى 1: 135، القوانين الفقهية: 75، المغني 1: 720 - 721، الشرح الكبير 1: 702.
(3) سنن البيهقي 2: 342.
(4) أنظر الباب الحادي عشر مع شرحيه: 37.
(5) المجموع 4: 139، حلية العلماء 2:، 141 المغني 1: 720 - 721، الشرح الكبير 1: 702.
(6) التهذيب 2: 194 / 765، الاستبصار 1: 377 / 1430.

[ 310 ]

وبه قال أبو حنيفة (1)، ويحتمل التسليم ويسجد للسهو ويلغي الركعة إذا لم يقصد النفل بها. ج - لو ذكر الزيادة بعد الركوع قبل السجود احتمل الجلوس، والتشهد، والتسليم، ويسجد للسهو لأنه لو أكمل الركعة فعل ذلك ففي بعضها أولى، والبطلان لأنا إن أمرناه بالسجود زاد ركنا آخر، وإن لم نأمره زاد ركوعا غير معتد به بخلاف الركعة لصلاحيتها للنفل، ويحتمل إتمامها وإضافة أخرى، ويسجد للسهو كما لو كان بعد السجدة. أما الشافعي فقال: إن ذكر في الخامسة فإن كان بعدما جلس وتشهد فإنه يسجد للسهو ويسلم، وإن ذكر بعد ما سلم فكذلك، وإن ذكر قبل أن يجلس بأن يذكر في القيام إليها، أو الركوع، أو السجود، فإن كان لم يتشهد في الرابعة جلس وتشهد وسجد للسهو وسلم، وإن كان تشهد في الرابعة جلس وسجد للسهو وسلم (2)، وفي إعادة التشهد قولان (3). د - لو ذكر الزيادة بعد السجود فقد بينا أنها تبطل إن لم يكن جلس عقيب الرابعة بقدر التشهد، وبه قال أبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال: تبطل فرضا وتكون نافلة فيضيف إليها سادسة (4)، وهو ممنوع إذا لم يقصد النفل. مسألة 340: لو نقص من عدد صلاته ناسيا وسلم ثم ذكر بعد فعل المبطل عمدا وسهوا، كالحدث إجماعا، والاستدبار خلافا للشافعي (5) بطلت

(1) المبسوط للسرخسي 1: 228، اللباب 1: 98، المجموع 4: 162 - 163، فتح العزيز 4: 163، المغني 1: 721، الشرح الكبير 1: 702.
(2) الأم 1: 131، مختصر المزني: 17، المجموع 4: 139 و 163، فتح العزيز 4: 162، المغني 1: 720 - 721، الشرح الكبير 1: 702، الميزان 1: 162، حلية العلماء 2: 141.
(3) المجموع 4: 139، فتح العزيز 4: 163، حلية العلماء 2: 141.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 227، اللباب 1: 97، فتح العزيز 4: 163، المغني 1: 721، الشرح الكبير 1: 702.
(5) المجموع 4: 115، فتح العزيز 3: 215.

[ 311 ]

صلاته، كما لو سلم في الأولتين من الرباعية، أو الثلاثية، أو تشهد في الأولى من الثنائية وسلم ناسيا، ثم أحدث أو استدبر، لأن ذلك يبطل صلاة المصلي حقيقة فكيف من هو في حكمه؟! ولأنه لا يمكن الاتيان بالفائت من غير خلل في هيئة الصلاة، ولأنه قد فعل المنافي للصلاة فلا يصح معه الاتمام. ولقول أحدهما عليهما السلام: " إذا حول وجهه عن القبلة استقبل الصلاة استقبالا " (1) ولقول الصادق عليه السلام: " إن كنت انصرفت فعليك الاعادة " (2). وإن كان بعد فعل المبطل عمدا كالكلام فللشيخ قولان: أحدهما: الاتمام ويسجد للسهو (3) - وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (4) - لحديث ذي اليدين (5). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام في الرجل يتكلم ثم يذكر أنه لم يتم صلاته، قال: " يتم ما بقي من صلاته، ولا شئ عليه " (6). وقال أبو حنيفة: يعيد مع الكلام (7) وهو الثاني للشيخ (8) لقوله عليه

(1) التهذيب 2: 184 / 732،، الاستبصار 1: 367 - 368 / 1401.
(2) الكافي 3: 383 / 11، التهذيب 2: 183 / 731، الاستبصار 1: 368 / 1400.
(3) المبسوط للطوسي 1: 118.
(4) الأم 1: 124، المهذب للشيرازي 1: 97 - 98، المغني 1: 738، الشرح الكبير 1: 710، وانظر المدونة الكبرى 1: 133.
(5) صحيح البخاري 2: 86، صحيح مسلم 1: 404 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399،، سنن النسائي 3: 22، الموطأ 1: 93 / 58.
(6) التهذيب 2: 191 / 757، الاستبصار 1: 379 / 1436.
(7) بدائع الصنائع 1: 233، المبسوط للسرخسي 1: 170، الهداية للمرغيناني 1: 61، اللباب 1: 85، المغني 1: 738، سبل السلام 1: 344.
(8) المبسوط للطوسي 1: 118.

[ 312 ]

السلام: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين " (1) ونحن نقول بموجبه إذ الظاهر حمله على العمد. فروع: أ - لو فعل المبطل عمدا على وجه السهو وتطاول الفصل، ظاهر كلام علمائنا: عدم البطلان - وبه قال الأوزاعي، والليث، ويحيى الأنصاري (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله سلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم (3) وهو عندنا ممنوع. وقال الشافعي: إن طال الفصل استأنف الصلاة - وبه قال مالك، وأحمد - لأنها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض في طول الفصل كما لو انتقض الوضوء.
(4) ولا بأس عندي بهذا القول لخروجه عن كونه مصليا. ب - إن قلنا بالأخير رجع في حد التطاول إلى العرف - وهو ظاهر كلام الشافعي في الأمر - (5) واختلفت الشافعية، فقال بعضهم: حده ما زاد على فعل رسول الله صلى الله عليه وآله (6) فإنه بعدما سلم قام ومشى إلى مقدم المسجد وجلس وراجعه ذو اليدين فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله الصحابة عن الحال فأخبروه فعاد إلى الصلاة (7).

(1) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 17، مسند أحمد 5: 448.
(2) المغني 1: 701، الشرح الكبير 1: 709.
(3) سنن ابن ماجة 1: 384 / 1251، سنن البيهقي 2: 359.
(4) المجموع 4: 113، كفاية الأخيار 1: 78، المهذب للشيرازي 1، 96، المغني 1: 701، الشرح الكبير 1: 709.
(5) حكاه النووي نقلا عن الأم في المجموع 4: 144، وأيضا الرافعي في فتح العزيز 4: 166.
(6) المجموع 4: 115، فتح العزيز 4، 166.
(7) صحيح مسلم 1: 403 / 98، سنن البيهقي 2: 457.

[ 313 ]

وقال آخرون: أن يمضي مقدار ركعة تامة، وهو قول الشافعي في البويطي (1)، وقال آخرون: مقدار الصلاة التي هو فيها (2) وهو غلط لأدائه إلى اختلاف التطاول باختلاف عدد الصلوات. ج - لو ذكر بعد أن شرع في صلاة أخرى فإن طال الفصل بطلت الأولى وصحت الثانية، وإن لم يطل الفصل عاد إلى الأولى فأتمها، وبه قال الشافعي (3) ويحتمل البطلان لأنه زاد ركنا هو النية، والتكبير وهو مبطل، وإن كان سهوا، ويمكن الجواب بأنه ليس ركنا في تلك الصلاة فلا يبطلها. وهل تبنى الثانية على الأولى؟ يحتمل ذلك فيجعل ما شرع فيه من الصلاة الثانية تمام الأولى فيكون وجود السلام كعدمه لأنه سهو معذور فيه، ويحتمل بطلان الثانية، لأنها لم تقع بنية الأولى فلا تصير بعد عدمه منها، فحينئذ لا فرق بين أن يكون ما شرع فيه ثانيا فرضا أو نفلا، أما على احتمال البناء، فقال بعض الشافعية: إن كان فرضا صح له البناء بخلاف النافلة لأنه لا يتأدى الفرض بنية النفل. ولو نوى المسافر القصر فصلى أربعا ناسيا ثم نوى الإقامة لم يحتسب له بالركعتين، وعليه أن يصلي ركعتين بعد نية الاتمام، لأن وجوب الركعتين بعد الفراغ من الزائدتين، فلم يعتد بهما، وعلى ما اخترناه نحن إن كان جلس عقيب الركعتين صحت صلاته وإلا فلا. د - إذا أراد أن يبني صلاته لم يحتج إلى النية، ولا إلى التكبير لأن التحريمة الأولى باقية فلو كبر ونوى الافتتاح بطلت صلاته.

(1) المجموع 4: 115، فتح العزيز 4: 166، المهذب للشيرازي 1: 96 - 97، المغني 1: 702.
(2) المجموع 4: 114، فتح العزيز 4: 166، المهذب للشيرازي 1: 97، المغني 1: 702.
(3) مغني المحتاج 1: 214، المغني 1: 702، الشرح الكبير 1: 709.

[ 314 ]

ه‍ - لو كان قد قام عن موضعه لم يعد إليه بل يبني على الصلاة في الموضع الذي ذكر فيه، لأن عوده إلى مكان الصلاة ليس من مصلحتها. و - لو شك بعد أن سلم هل ترك بعض الركعات أم لا؟ لم يلتفت إليه لأنه قد شك في شئ بعد انتقاله عنه فلا يؤثر فيه، وإلا لزم الحرج لتطرق الشك دائما في الصلوات الماضية، والأصل صحة الصلاة، وهو قول الشافعي في القديم، وفي الجديد: يلزمه إتمام الصلاة لأنها في الذمة بيقين فلا يبرأ بدونه، فإن كان الفصل قريبا بنى، وإن طال استأنف (1). ز - لو سلم عن ركعتين، فقال له إنسان: سلمت عن ركعتين فإن تداخله شك احتمل عدم الالتفات عملا بالأصل، والاتمام، لأن إخبار المسلم على أصل الصحة. ولو اشتغل بجوابه فلم يذكر فأراد العود إلى صلاته جاز لأن الكلام وقع ناسيا، ومنعت الشافعية منه، أما لو لم يتداخله شك فأجابه، وقال: بل أتممت، ثم ذكر النقصان فإنه يبني عندهم أيضا لخبر ذي اليدين (2). مسألة 341: لو شك في عدد الركعات فإن كان في الثنائية كالصبح، وصلاة المسافر، والجمعة، والعيدين، والكسوف، أو في الثلاثية كالمغرب، أو في الأوليين من الرباعية أعاد عند علمائنا. وإن كان في الأخيرتين من الرباعية احتاط بما يأتي.

(1) المجموع 4: 116، الوجيز 1: 51، السراج الوهاج: 60، فتح العزيز 4: 165، مغني المحتاج 1: 210، المهذب للشيرازي 1: 97.
(2) صحيح البخاري 2: 86، صحيح مسلم 1: 404 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399، سنن النسائي 3: 22، الموطأ 1: 93 / 58.

[ 315 ]

ولم يفرق أحد من الجمهور بين الصلوات بل سووا بينها في الحكم (1) - وهو قول الصدوق منا (2) - والحق ما قلناه، لأن الصلاة في الذمة بيقين فلا يخرج عن العهدة بدونه، ولأنه إن أمر بالانفصال احتمل النقصان وهو مبطل قطعا، وإن أمر بالاتمام احتملت الزيادة وهي مبطلة قطعا فيكون المأتي به مترددا بين الصحة والبطلان فلا يبرأ عن عهدة التكليف. ولا ينتقض بالأخيرتين لأن عناية الشارع بالأولتين أتم، ولهذا سقطت الاخيرتان في السفر، ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله العلاء عن الشك في الغداة: " إذا لم يدر واحدة صليت أم اثنتين فأعد الصلاة من أولها " (3)، وسأل محمد بن مسلم أحدهما عليهما السلام عن السهو في المغرب قال: " يعيد حتى يحفظ أنها ليست مثل الشفع " (4). وقال الصادق عليه السلام: " إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك " وسأله العلا عن الرجل يشك في الفجر فقال عليه السلام: " يعيد " قلت: والمغرب، قال: " نعم، والوتر والجمعة " من غير أن أسأله (6). واحتجاج الصدوق بقول الكاظم عليه السلام في الرجل لا يدري صلى

(1) مغني المحتاج 1: 209، الميزان 1: 162، المغني 1: 711، الشرح الكبير 1: 727، المجموع 4: 106.
(2) لم نعثر على قوله، ونسبه المصنف في المختلف: 132 إلى علي بن بابويه. فلاحظ.
(3) التهذيب 2: 179 / 720، الاستبصار 1: 366 / 1394، والحديث مضمر مروي عن سماعة، وأورده عن العلاء في المعتبر: 230.
(4) التهذيب 2: 179 / 717، الاستبصار 1: 370 / 1406.
(5) التهذيب 2: 177 / 707، الاستبصار 1: 364 / 1384.
(6) التهذيب 2: 180 / 722، الاستبصار 1: 366 / 1395.

[ 316 ]

ركعة أو ركعتين؟: " يبني على الركعة " (1) محمول على النوافل لأنها مطلقة، وما قلناه مقيد. فروع: أ - لو شك في جزء منها لا في عدد كالركوع، أو السجود، أو الذكر فيهما، أو الطمأنينة، أو القراءة كان حكمه حكم الشك في غيرهما - وسيأتي - عند أكثر علمائنا (2) لأصالة البراءة، وقال الشيخان: يعيد (3) لقول الصادق عليه السلام: " إذا لم تحفظ الأولتين فأعد صلاتك " (4) والمشهور الأول، وتحمل الرواية على العدد. ب - لا فرق عند علمائنا بين الركن وغيره من الواجبات بل أوجب الشيخان الاعادة بالشك في الجزء من الأولتين مطلقا (5) والباقون على الصحة مطلقا (6) وليس بعيدا من الصواب الفرق بين الركن وغيره، لأن ترك الركن سهوا مبطل كعمده فالشك فيه في الحقيقة شك في الركعة إذ لا فرق بين الشك في فعلها وعدمه، وبين الشك في فعلها على وجه الصحة والبطلان. ج - هل الشك في أجزاء ثالثة المغرب وكيفيتها الواجبة كالشك في الأولتين أو في الأخيرتين؟ لم ينص علماؤنا على شئ منهما وكلاهما يحتمل لاجراء الثالثة مجرى الثانية في الشك عددا فكذا كيفية للمساواة في طلب المحافظة عليها، وعدم التنصيص الثابت في الأولتين.

(1) التهذيب 2: 177 - 178 / 711، الاستبصار 1: 365 / 1388.
(2) منهم: المحقق في المعتبر 230 - 231.
(3) المقنعة: 24، النهاية: 92، وانظر المبسوط 1: 120. (4) التهذيب 2: 177 / 707، الاستبصار 1: 364 / 1384.
(5) المقنعة: 24 وانظر النهاية: 92، والمبسوط 1: 120.
(6) منهم: المحقق في المعتبر: 230 - 231.

[ 317 ]

د - لو شك في ركعات الكسوف أعاد على قول الشيخ، وعلى ما اخترناه من الفرق بين الركن وغيره، أما على قول الباقين فإنه يأتي به لأنه لم يتجاوز محله إن شك في العدد مطلقا أو في الأخير، أما لو شك في سابق كما لو شك هل ركع عقيب قراءة التوحيد - مثلا وقد كان قرأها - أو لا فإنه لا يلتفت لانتقاله عن محله. ه‍ - لو شك في عدد الثنائية ثم ذكر قبل فعل المبطل أتم صلاته على ما ذكره وإلا بطلت. مسألة 342: لو شك فلا يدري كم صلى أعاد إذ لا طريق له إلى براءة ذمته إلا ذلك، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا لم تدر في ثلاث أنت أم في اثنتين، أم في واحدة، أو أربع فأعد، ولا تمض على الشك " (1) وقول الكاظم عليه السلام: " إذا لم تدر كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة " (2). مسألة 343: لو شك في الاتيان بركن أو غيره من الواجبات فإن كان قد تجاوز المحل لم يلتفت مثل أن يشك في النية وقد كبر، أو في تكبيرة الافتتاح وقد قرأ، أو في القراءة وقد ركع، أو في الركوع وقد سجد، أو في السجود، أو التشهد وقد قام - وإن كان في محله لم يتجاوز عنه فإنه يأتي به - لأن الأصل - بعد التجاوز - الفعل، إذ العادة قاضية بأن الانسان لا ينتقل عن فعل إلا بعد إكماله. ولأن اعتبار الشك بعد الانتقال حرج، لعروضه غالبا. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشكك ليس بشئ " (3).

(1) الكافي 3: 358 / 3، التهذيب 2: 178 / 743، الاستبصار 1: 373 / 1418.
(2) الكافي 3: 358 / 1، التهذيب 2: 187 / 744، الاستبصار 1: 373 / 1419.
(3) التهذيب 2: 352 / 1459.

[ 318 ]

أما في المحل فإن الأصل عدم الفعل، والاتيان به ممكن من غير خلل ولا تغيير لهيئة الصلاة، ولقول الصادق عليه السلام: " يركع ويسجد " لما سأله أبو بصير عن رجل شك وهو قائم فلا يدري ركع أم لم يركع (1). وقال الشافعي: لو شك الراكع في ترك القراءة، أو الساجد في ترك الركوع فعليه أن يعود في الوقت إلى ما شك في فعله لأن الفرض قد توجه عليه فلا يسقط إلا بيقين (2). ونمنع التوجه مطلقا. إذا ثبت هذا فإن ذكر أنه كان قد فعله قبل أعاد الصلاة إن كان ركنا كالركوع والسجدتين لأن زيادته مطلقا مبطلة، وإن لم يكن ركنا كالسجدة الواحدة، والتشهد، والقراءة لم يعد لعدم الابطال بسهوه، ولقول الصادق عليه السلام: " لا يعيد الصلاة من سجدة، ويعيدها من ركعة " (3). فروع: أ - لو شك في الركوع وهو قائم فأتى به ثم ذكر أنه كان قد ركع قبل أن ينتصب أعاد - وبه قال ابن أبي عقيل منا (4) - لأن الركوع الانحناء وقد وجد فيكون قد زاد ركنا وصار كما لو ذكر بعد الانتصاب. وقال الشيخ، والمرتضى: يهوي للسجود ولا يرفع رأسه لأن ركوعه مع هويه لازم فلا يعد زيادة (5). وهو ممنوع لأن مسمى الركوع وهو الانحناء قد حصل، والرفع ليس جزءا منه بل انفصال عنه وقد قصد الركوع. ب - لو شك في قراءة الفاتحة وهو في السورة قرأ الفاتحة وأعاد السورة

(1) الكافي 3: 348 / 1، التهذيب 2: 150 / 590، الاستبصار 1: 357 / 1352.
(2) فتح العزيز 3: 331، مغني المحتاج 1: 179، السراج الوهاج: 50، حاشية إعانة الطالبين 1: 179.
(3) الفقيه 1: 228 / 1009، التهذيب 2: 156 / 610.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 231 عنه.
(5) النهاية: 92، المبسوط للطوسي 1: 122، جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 36.

[ 319 ]

لأن محل القراءتين واحد. ج - لو شك في السجود وهو قائم، أو في التشهد، قال الشيخ: يرجع ويسجد أو يتشهد ثم يقوم (1) لأن القيام والقراءة ليسا ركنين فيكون في حكم ركن السجود، ولقول الصادق عليه السلام: " يسجد " في رجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر سجد أم لم يسجد (2). وقد بينا أن القيام ركن وقبل الاستواء مغاير للاستواء، والنزاع في الثاني، والوجه عدم الالتفات لقول الصادق عليه السلام: " إن شك في الركوع بعدما سجد فليمض، وإن شك في السجود بعدما قام فليمض، كل شئ شك فيه وقد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه " (3). د - لو سهى عن ركن ولم يذكر إلا بعد انتقاله أعاد الصلاة لأن ترك الركن مبطل سواء كان عن عمد أو سهو. البحث الثاني: فيما لا حكم له مسألة 344: لو نسي القراءة حتى ركع مضى في صلاته ولم يجب عليه تدارك القراءة، وكذا لو نسي الحمد أو السورة لأنه عذر فيسقط معه الوجوب، ولأن الأصل براءة الذمة، ولقول الصادق عليه السلام وقد قال له منصور بن حازم: صليت المكتوبة ونسيت أن أقرأ في صلاتي كلها: " أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ " قلت: بلى، قال: " تمت صلاتك " (4). وقال الشافعي: يتدارك القراءة ثم يأتي بما بعدها (5). وهل تجب سجدتا السهو؟ لعلمائنا قولان: أحدهما: الوجوب وهو

(1) المبسوط للطوسي 1: 122.
(2) التهذيب 2: 153 / 603، الاستبصار 1: 362 / 1371.
(3) التهذيب 2: 153 / 602، الاستبصار 1: 358 / 1359، وفيه عن الامام الباقر عليه السلام.
(4) الكافي 3: 348 / 3، التهذيب 2: 146 / 570، الاستبصار 1: 353 / 1336.
(5) المجموع 3: 332.

[ 320 ]

أقوى لما يأتي، والثاني: المنع عملا بالبراءة. مسألة 345: لو نسي الجهر والاخفات حتى فرغ من القراءة مضى في صلاته ولا يستأنف القراءة وإن كان لم يركع لأنه فعل المأمور به وهو القراءة، والكيفية لا تجب مع النسيان لأنه عذر، ولقول الباقر عليه السلام وقد سأله زرارة عن رجل جهر بالقراءة فيما لا ينبغي أن يجهر فيه وأخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه وترك القراءة فيما ينبغي القراءة فيه وقرأ فيما لا ينبغي القراءة فيه فقال: " إن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا فلا شئ عليه " (1) ولأنه لو ترك أصل القراءة ناسيا صحت صلاته فالكيفية أولى. وهل يسجد له؟ لعلمائنا قولان: أحدهما: الوجوب بناء على أن كل سهو يلحق الانسان يجب فيه السجدتان على ما يأتي. والثاني: المنع لأن قول الباقر عليه السلام: " لا شئ عليه " (2) يقتضي نفي السجود. وبالأول قال مالك (3) لقوله عليه السلام: (لكل سهو سجدتان) (4) وبالثاني قال الشافعي، والأوزاعي (5) لأن أنسا جهر في العصر فلم يسجد له (6)، ولأنها هيئة مسنونة فلم يسجد لتركها كرفع اليدين. ولا حجة في فعل أنس مع أنها شهادة نفي، ونمنع الجامع لأنه عندنا

(1 و 2) التهذيب 2: 147 / 577.
(3) المدونة الكبرى 1: 140، القوانين الفقهية: 77، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 139، الميزان 1: 163: المغني 1: 720.
(4) سنن ابن ماجة 1: 385 / 1219، مسند أحمد 5: 280.
(5) المجموع 4: 126 و 128، مختصر المزني: 17، الميزان 1: 163، المهذب للشيرازي 1: 98، المغني 1: 720.
(6) المغني 1: 720. فتح العزيز 4: 140.

[ 321 ]

واجب، وعن أحمد روايتان كهذين (1). وقال أبو حنيفة: إن كان إماما سجد (2). ونقل عنه إن أسر المصلي بما يجهر فلا سجود عليه وإن جهر بما يسر فعليه سجود السهو (3). ثم اختلفوا في قدره فمنهم من اعتبر أن يجهر بقدر ثلاث آيات، ومنهم من اعتبر الجهر بآية (4)، ونقل أبو إسحاق عن الشافعي أنه يسجد لكل مسنون تركه في الصلاة سواء كان ذكرا أو عملا (5). مسألة 346: لو سهى عن الذكر في الركوع أو السجود فإن كان بعد لم يرفع رأسه سبح، وإن كان قد رفع مضى في صلاته لما تقدم، ولقول علي عليه السلام وقد سئل عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا، قال: " تمت صلاته " (6) وسئل الكاظم عليه السلام عن رجل نسي تسبيحة في ركوعه وسجوده قال: " لا بأس بذلك " (7). وهل يسجد للسهو؟ لعلمائنا قولان، وقال الشافعي: لا يسجد فيها للسهو لأنها ليست أركانا مقصودة بل هيئات لها، وبه قال أبو حنيفة أيضا (8). مسألة 347: لو ترك الطمأنينة في الركوع، أو الرفع منه، أو في إحدى السجدتين، أو في الرفع من الأولى، أو في إكماله، أو في الرفع من الركوع، أو في الجلوس للتشهد، أو ترك عضوا من السبعة لم يسجد عليه فما زاد

(1) المغني 1: 719 - 720، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 140.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 222، اللباب 1: 95، الكفاية 1: 440، الهداية للمرغيناني 1: 74، الميزان 1: 163، المغني 1: 720.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 222.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 222، الهداية للمرغيناني 1: 75.
(5) حكاه الرافعي في فتح العزيز 4: 140.
(6) التهذيب 2: 157 / 613.
(7) التهذيب 2: 157 / 614.
(8) الأم 1: 115، المجموع 4: 126 و 128، مختصر المزني: 17، فتح العزيز 4: 139، بدائع الصنائع 1: 166.

[ 322 ]

سهوا، فإن كان في محله أتى به، وإن انتقل لم يلتفت لأنه عذر في الأفعال فكذا في كيفياتها مسألة 348: لا حكم للسهو في السهو لأنه لو تداركه أمكن إن يسهو ثانيا، فلا ينفك عن التدارك وهو حرج فيكون منفيا، ولأنه شرع لازالة حكم السهو فلا يكون سببا لزيادته، ولقوله الصادق عليه السلام: " ليس على السهو سهو، ولا على الاعادة إعادة " (1). إذا عرفت هذا فاعلم أن الشافعي قال: إن استيقن أنه سهى وشك هل سجد للسهو أم لا، يسجد لأن الأصل أنه لم يسجد، وكذا إذا سجد وشك هل سجد واحدة أو اثنتين فإنه يأتي بسجدة أخرى، والنفل أولى (2). أما لو شك هل سهى أم لا فإنه لا يلتفت ولا شئ عليه لأن الأصل عدم السهو سواء كان في الزيادة أو النقصان. وقال الشافعي: إن كان في الزيادة مثل أن شك هل زاد في الصلاة سهوا أم لا، أو هل جرى في صلاته ما يقتضي سجودا أم لا فإنه لا سهو فيه ولا سجود عليه. وإن كان في النقصان فإن كان قد شك في نقصان فعل واجب كسجود وغيره أتى به وسجد للسهو. وإن كان في مسنون يسجد له كالتشهد الأول أو القنوت فإنه يسجد له لأن الأصل عدمه (3). مسألة 349: ولا سهو على من كثر سهوه وتواتر بل يبني على وقوع ما شك فيه، ولا يسجد للسهو فيه لما في وجوب تداركه من الحرج، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك " (4) وقول الباقر عليه

(1) الكافي 3: 359 / 7، التهذيب 2: 344 / 1428.
(2) الأم 1: 131، المجموع 4: 128، مختصر المزني: 17، فتح العزيز 4: 168، مغني المحتاج 1: 209.
(3) المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 167 - 168، المهذب للشيرازي 1: 98.
(4) التهذيب 2: 343 / 1423.

[ 323 ]

السلام: إذا كثر عليك فامض في صلاتك فإنه يوشك أن يدعك فإنما هو الشيطان " (1). إذا عرفت هذا فالمرجع إلى العرف في حد الكثرة إذ عادة الشرع رد الناس إلى عرفهم فيما لم ينص عليه. وقال بعض علمائنا: حده أن يسهو في شئ واحد، أو فريضة واحدة ثلاث مرات، أو يسهو في أكثر الصلوات الخمس كالثلاث فيسقط بعده ذلك حكم السهو في الرابعة (2). قال الشيخ في المبسوط: قيل: إن حد ذلك أن يسهو ثلاث مرات متوالية (3). مسألة 350: ولا سهو على المأموم إذا حفظ عليه الامام، وبالعكس عملا بأصالة البراءة، ولقوله عليه السلام: (ليس على من خلف الامام سهو) (4). ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " الامام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح " (5) وقول الصادق عليه السلام: " ليس على من خلف الامام سهو " (6). ولو اختص المأموم بالسهو فإن كان بالزيادة مثل أن يتكلم ناسيا أو يقوم في موضع قعود الامام ناسيا أو بالعكس كان وجوده سهوه كعدمه، ولا شئ

(1) الكافي 3: 359 / 8، الفقيه 1: 224 / 989، التهذيب 2: 343 / 1424.
(2) هو ابن إدريس في السرائر: 52.
(3) المبسوط للطوسي 1: 122.
(4) سنن الدار قطني 1: 377 / 1.
(5) الفقيه 1: 264 / 1205، التهذيب 2: 144 / 563.
(6) الكافي 3: 359 / 7، التهذيب 2: 344 / 1428.

[ 324 ]

عليه عملا بالأحاديث السابقة - وهو قول الجمهور كافة (1) - لأن معاوية بن الحكم تكلم خلف النبي صلى الله عليه وآله فلم يأمره بالسجود (2)، إلا ما نقل عن مكحول: أنه قام مع قعود إمامه فسجد للسهو (3). ولا عبرة بخلافه مع انقراضه. وإن كان بالنقصان فإن كان في محله أتى به لأنه مخاطب بفعله ولم يحصل فيبقى في العهدة، وإن تجاوز المحل فإن كان ركنا بطلت صلاته كما لو سهى عن الركوع وذكر بعد سجوده مع الامام، وإن لم يكن ركنا كالسجدة قضاها بعد التسليم. ولو كان مما لا يقضى كالذكر في السجود، أو الركوع فلا سجود للسهو فيه عملا بما تقدم من الأخبار، ولو قيل: بوجوب السجود في كل موضع يسجد للسهو فيه كان وجها لقول أحدهما عليهما السلام: " ليس على الامام ضمان " (4). مسألة 351: لو انفرد الامام بالسهو لم يجب على المأموم متابعته لأن المقتضي للسجود - وهو السهو - منتف عنه فينتفي معلوله. وقال الشيخ: يجب على المأموم (5) - وهو قول الجمهور كافة - لقوله

(1) الأم 1: 131، المجموع 4: 143، الوجيز 1: 52، فتح العزيز 4: 174، المغني 1: 731، الشرح الكبير 1: 730، الميزان 1: 161، بداية المجتهد 1: 197.
(2) صحيح مسلم 1: 381 / 537، سنن النسائي 3: 14 - 17، سنن أبي داود 1: 244 / 930 و 245 / 931، سنن الدارمي 1: 353، سنن البيهقي 2: 249، مسند الطيالسي: 150 / 1105.
(3) المغني 1: 731، الشرح الكبير 1: 730.
(4) الكافي 3: 378 / 3، الفقيه 1: 264 / 1207، التهذيب 3: 269 / 772، الاستبصار 1: 440 / 1695.
(5) المبسوط للطوسي 1: 123 - 124.

[ 325 ]

عليه السلام: (ليس على من خلف الامام سهو، فإن سهى الامام فعليه وعلى من خلفه) (1) ولأن صلاة المأموم تابعة لصلاة الامام، وإنما يتم صلاة الامام بالسجود للسهو، ونمنع الحديث، ونمنع التبعية كما لو انفرد بما يوجب الاعادة. أما لو اشترك السهو بين الامام والمأموم فإنهما يشتركان في موجبه قطعا لوجود المقتضي في حق كل منهما. فروع: أ - لو اختص الامام بالسهو فلم يسجد له لم يسجد له المأموم - وبه قال أبو حنيفة، وإبراهيم النخعي، وحماد والمزني، وأحمد في رواية (2) - لأنه لم يسه ولم يسجد إمامه فيتابعه. وقال الشافعي: يسجد المأموم - وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث بن سعيد، وأبو ثور، وأحمد في رواية (3) - لأن صلاة المأموم تنقص بنقصان صلاة الامام كما تكمل بكمالها فإذا لم يجبرها الامام جبرها المأموم. ونمنع المقدمة الأولى. ب - لو اشترك السهو بينهما فإن سجد الامام تبعه المأموم بينة الائتمام أو الانفراد إن شاء، ولو لم يسجد الامام سجد المأموم وبالعكس. ج - لو سهى الامام لم يجب على المسبوق بعده متابعته في سجود

(1) سنن الدار قطني 1: 377 / 1.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 75، الكفاية 1: 442، شرح العناية 1: 442، اللباب 1: 96، المغني 1: 732، الشرح الكبير 1: 731، المجموع 4: 145 و 147، فتح العزيز 4: 177.
(3) المجموع 4: 145 و 146 - 147، الوجيز 1: 52، فتح العزيز 4: 177، مغني المحتاج 1: 212، الشرح الصغير 1: 139، أقرب المسالك: 21، المغني 1: 732، الشرح الكبير 1: 731.

[ 326 ]

السهو لعدم الموجب في حقه سواء قلنا: إن السجود قبل التسليم، أو بعده بل ينوي المأموم الانفراد ويسلم، وإن شاء انتظر إمامه ليسلم معه - وبه قال ابن سيرين (1) - لأن هذا ليس موضع سجود السهو في حق المأموم. وقال الجمهور كافة: يتابعه المأموم (2) لقوله عليه السلام: (إنما جعل الامام إماما ليؤتم به فإذا سجد فاسجدوا) (3) ويحمل على سجود الصلاة. فإن سلم الامام ثم سجد لم يتابعه المأموم بل قام فأتم صلاته - وبه قال الشافعي (4) خلافا لأبي حنيفة لأن عنده الامام يسجد بعد السلام ويعود إلى حكم صلاته فيتابعه فيه (5). إذا عرفت هذا فإذا قضى المسبوق ما بقي عليه لم يسجد للسهو عندنا لاختصاص الامام بموجبه - وهو القديم للشافعي (6) - لأن سجود الامام قد كملت به الصلاة في حق الامام والمأموم فلا حاجة به إلى السجود كما لو سها المأموم فإنه لا يسجد لأن كمال صلاة الامام أغناه عن تكميل صلاته بالسجود. وفي الجديد: أنه يسجد في آخر صلاته لأنه قد لزمه حكم سهو الامام

(1) المجموع 4: 146، المغني 1: 731، الشرح الكبير 1: 730.
(2) المجموع 4: 146، مغني المحتاج 1: 212، المغني 1: 731، الشرح الكبير 1: 730، بدائع الصنائع 1: 175 - 176، بداية المجتهد 1: 197.
(3) صحيح البخاري 1: 106، صحيح مسلم 1: 308 / 411 و 309 / 414، سنن أبي داود 1: 164 / 603، سنن الترمذي 2: 194 / 361، سنن النسائي 2: 83، سنن ابن ماجة 1: 276 / 846 و 392 / 1238، سنن الدارمي 1: 300، مسند أحمد 2: 314.
(4) حلية العلماء 2: 148.
(5) بدائع الصنائع 1: 176، حلية العلماء 2: 148.
(6) المجموع 4: 148، المهذب للشيرازي 1: 98، مغني المحتاج 1: 212، حلية العلماء 2: 148.

[ 327 ]

فيسجد له موضع السجود، وما فعله مع الامام كان متابعا له (1). إذا ثبت هذا فلو سها هذا المسبوق فيما انفرد به سجد له. وقال الشافعي: إن كان قد سجد مع إمامه وقلنا: لا يلزمه إعادة السجود سجد لسهوه الذي انفرد به سجدتين، وإن قلنا: يعيد أو لم يكن سجد مع إمامه سجد سجدتين، وكفاه عن سهو الامام وسهو نفسه. ومن الشافعية من قال: يسجد أربع سجدات لاختلاف السهوين (2). د - لو سها الامام فيما سبق به المأموم لم يلزمه حكم سهو الامام لأنه لا يلزمه فيما يتابعه فغيره أولى - وهو قول لبعض الشافعية (3) - لأنه كان منفردا عنه. وقال الشافعي، ومالك: يلزمه حكم سهو الامام لدخول النقص فيها فيسجد لو سجد إمامه (4). وعلى القول الأول لو سجد إمامه، قال الشافعي: يتبعه وإذا أتم صلاته لا يعيد، وكذلك إن لم يسجد إمامه لا يلزمه أن يسجد إذا تمم صلاته (5). ه‍ - لو قام الامام إلى الخامسة ساهيا فسبح به المأموم فلم يرجع جاز أن ينوي الانفراد، والبقاء على الائتمام: فلا يجوز له متابعة الامام في الأفعال لأنها زيادة في الصلاة إلا أن صلاة الامام لا تبطل بها لسهوه، بل ينتظر قاعدا حتى يفرغ من الركعة ويعود إلى التشهد ويتشهد معه. فإن سجد الامام للسهو لم يسجد المأموم، وقال الشافعي:

(1) المجموع 4: 148، مغني المحتاج 1: 212.
(2) المجموع 4: 149، المهذب للشيرازي 1: 98، حلية العلماء 2: 148. (3) المجموع 4: 148، فتح العزيز 4: 178، المهذب للشيرازي 1: 99، حلية العلماء 2: 149 (4) المجموع 4: 148، فتح العزيز 4: 178، المهذب للشيرازي 1: 98 - 99، المغني 1: 731، الشرح الكبير 1: 730، حلية العلماء 2: 148.
(5) المجموع 4: 148، فتح العزيز 4: 178.

[ 328 ]

يسجد (1). وإن لم يسجد الامام لم يسجد المأموم أيضا، وقال الشافعي: يسجد (2). فلو كان المأموم مسبوقا بركعة وقام الامام إلى الخامسة فإن علم المأموم أنها خامسة لم يكن له المتابعة، وإن لم يعلم وتابعه احتسب له الركعة. و - لو صلى ركعة فأحرم إمام بالصلاة فنوى الاقتداء به احتمل البطلان والصحة، والقولان للشافعي (3)، وسيأتي، فإن سوغناه وكان قد سها المأموم فيما انفرد به ثم سها إمامه فيما يتبعه فيه فلما فارق الامام وأراد السلام وجب عليه أربع سجدات إن قلنا بالمتابعة وإلا فسجدتان عما اختص به. ز - لو ترك الامام سجدة وقام سبح به المأموم فإن رجع، وإلا فللمأموم متابعته بعد أن يسجد لأن صلاة الامام صحيحة. وقال الشافعي: لا يجوز له متابعته لأن فعل الامام بعد ذلك غير معتد به (4). وهو ممنوع فإن أخرج نفسه عن متابعة الامام جاز سواء كان قبل أن يبلغ الامام حد الراكعين أو زاد عليه ولا يسجد المأموم. وقال الشافعي: إن أخرج قبل أن يبلغ الامام حد الراكعين أو زاد عليه لزمه أن يسجد للسهو لأنه فارق إمامه بعد استقرار حكم السهو في صلاته (5).

(1 و 2) حلية العلماء 2: 144.
(3) المجموع 4: 208 و 209، المهذب للشيرازي 1: 101، مغني المحتاج 1: 260.
(4) المجموع 4: 240، فتح العزيز 4: 377، المهذب للشيرازي 1: 103، حلية العلماء 2: 144.
(5) انظر المجموع 4: 146.

[ 329 ]

فإن أراد أن ينتظره فإن كان المأموم قد رفع رأسه من السجدة الأولى فإن أراد أن ينتظره في الجلسة لم يجز لأن الجلسة ركن قصير فلا يجوز تطويلها، فلو أراد أن يسجد السجدة الثانية وينتظره فيها كره له ذلك لأنه يكره للمأموم أن يسجد قبل إمامه إلا أنه لو فعل ذلك لم تبطل صلاته. ثم إذا سجد الامام فيصبر المأموم ساجدا إلى أن يرفع الامام رأسه من السجدتين جميعا إن أراد، وإن أراد أن يرفع رأسه من السجود بعد ما رفع الامام رأسه من السجدة الأولى جاز لأن المحسوب للامام السجدة الأولى على ظاهر المذهب. ولو رفع رأسه من السجود قبل أن يسجد الامام بطلت صلاته، لأن الامام ما شرع في السجدة الثانية وهو قد فرغ منها، والمأموم إذا سبق الامام بركن كامل بطلت صلاته. ثم إذا رفع الامام رأسه وكان قد ترك السجود من الركعة الأولى فأراد الامام أن يجلس للتشهد الأول فالمأموم لا يتابعه في التشهد ولكن ينتظره قائما فإذا صلى ركعة أخرى فقد تمت للمأموم ركعتان وهو موضع التشهد إلا أن الامام يعتقد ذلك ثالثه فلا يقعد للتشهد ويترك المأموم التشهد أيضا متابعة له. فإذا صلى ركعة أخرى فاعتقاد الامام أن صلاته قد تمت فيقعد للتشهد والمأموم لا يتابعه بعد ذلك، فإن تابعه بطلت صلاته، فإن أحس بقيامه وبعد لم يرفع رأسه من السجدة الأولى، فأراد أن ينتظره فيها جاز، لأن السجود ركن ممتد. ثم إذا أراد الامام أن يسجد فعلى المأموم أن يرفع رأسه ثم يسجد معه لأن الامام قد فرغ من سجدة فالمحسوب له السجدة الأولى، فلو لم يرفع رأسه حتى زاد الامام ولكن سجد معه السجدة الثانية لم يجز لأن الثانية زائدة ولو فعل بطلت صلاته. وهذا كله ساقط عندنا. ح - لو ظن المأموم أن الامام قد سلم فسلم ثم بان له أنه لم يسلم بعد

[ 330 ]

احتمل خروجه عن الصلاة باستيفاء أفعاله وسلامه، وخطؤه ليس بمفسد لشئ من أفعاله، وأن يسلم مع الامام فيسجد إن قلنا به فيما ينفرد به وإلا فلا، لأنه سهو في حالة الاقتداء، وبه قال الشافعي (1). ولو ذكر في التشهد أنه ترك الفاتحة لم يلتفت عندنا، وقال الشافعي: إذا سلم الامام قام إلى ركعة أخرى ولا يسجد للسهو، لأن سهوه كان خلف الامام وكذا لو ذكر أنه ترك ركوعا (2) وعندنا تبطل صلاته لأنه ركن. ولو سلم الامام فسلم المسبوق ناسيا ثم تذكر بنى على صلاته وسجد للسهو - وبه قال الشافعي (3) - لأن سلامه وقع بعد انفراده، ولو ظن المسبوق أن الامام سلم لصوت سمع فقام لتدارك ما عليه وفعله وجلس، ثم علم أن الامام لم يسلم احتسب ما فعله لأنه بقيامه نوى الانفراد وله ذلك. وقال الشافعي: لا يحسب ما فعله لأن وقت انقطاع القدوة إما بخروج الامام عن الصلاة أو بقطع القدوة حيث يجوز ذلك ولم يوجد واحد منهما، فلا يسجد للسهو بما أتى به لبقاء حكم الاقتداء (4). ولو تبين له في القيام أن الامام لم يسلم فإن أراد أن يستمر على التدارك وقصد الانفراد فهو مبني على أن المقتدي هل له قطع القدوة؟ فإن منعناه رجع، وإن جوزناه فوجهان: أحدهما: ذلك لأن نهوضه غير معتد به ثم ليقطع القدوة إن شاء.

(1 و 2) المجموع 4: 143: فتح العزيز 4: 175، كفاية الأخيار 1: 78، مغني المحتاج 1: 211.
(3) المجموع 4: 143، فتح العزيز 4: 175، مغني المحتاج 1: 211.
(4) المجموع 4: 143 - 144، فتح العزيز 4: 175، كفاية الأخيار 1: 78، مغني المحتاج 1: 211.

[ 331 ]

والثاني: لا يجب لأن الانتهاض ليس متعينا لعينه، وإنما المقصود القيام وما بعده فصار كما لو قصد القطع في ابتداء النهوض. وإن لم يقطع القدوة تخير بين أن يرجع أو ينتظر قائما سلام الامام، فإذا سلم اشتغل بتدارك ما عليه. ط - إن قلنا بالتحمل - كما هو قول الشيخ (1) والشافعي (2) - فإنما يكون لو كانت صلاة الامام صحيحة فلو تبين كون الامام جنبا لم يسجد لسهوه ولا يحتمل هو عن المأموم، فلو عرف أن الامام مخطئ فيما ظنه من السهو فلا يوافقه إذا سجد. ي - كل موضع يلحقه سهو الامام فإنه يوافقه، فإن ترك عمدا ففي إبطال الصلاة نظر - وجزم به الشافعي (3) - ولو رأى الامام يسجد في آخر صلاته سجدتين فعلى المأموم أن يتابعه حملا على أنه قد سها، وإن لم يعرف سهوه. يا - لو اعتقد الامام سبق التسليم على سجدتي السهو فسلم واعتقد المأموم خلافه لم يسلم بل يسجد ولا ينتظر سجود الامام لأنه فارقه بالسلام، وهو وجه للشافعي، وله اثنان: أن يسلم معه ويسجد معه، وأنه لا يسلم، فإذا سجد سجد معه ثم يجلس معه، فإذا فرغ من تشهده سلم معه (4). يب - لو سجد الامام آخر صلاته عن سهو اختص به بعد اقتداء المسبوق لم يتبعه على الأقوى، وعلى الآخر: يتبعه - وبه قال الشافعي - لأن عليه متابعته.

(1) المبسوط للطوسي 1: 123 - 124.
(2) المجموع 4: 144 و 146، فتح العزيز 4: 177، مغني المحتاج 1: 211، المهذب للشيرازي 1: 98 (3) المجموع 4: 144، فتح العزيز 4: 177.
(4) المجموع 4: 146، فتح العزيز 4: 178.

[ 332 ]

وفيه وجه آخر: أنه لا يسجد معه لأن موضعه آخر الصلاة (1). وإذا سجد معه فهل يعيد في آخر صلاته؟ له قولان: أصحهما: الاعادة، لأن المأتي به كان للمتابعة وقد تعدى الحال إلى صلاته بسهو الامام ومحل الجبر بالسجود آخر الصلاة. والعدم، لأنه لم يسه، والمأتي به سببه المتابعة وقد ارتفعت بسلام الامام (2). يج - لو اشترك الامام والمأموم في نسيان التشهد أو سجدة رجعوا ما لم يركعوا فإن رجع الامام بعد ركوعه لم يتبعه المأموم لأنه خطأ، فلا يتبعه فيه وينوي الانفراد، ولو ركع المأموم أولا قبل الذكر رجع الامام وتبعه المأموم إن نسي سبق ركوعه، وإن تعمد استمر على ركوعه وقضى السجدة وسجد للسهو. يد - المسبوق إذا قضى ما فاته مع الامام لا يسجد السهو إذ المقتضي وهو السهو منفي هنا - وبه قال الشافعي (3) - لقوله صلى الله عليه وآله: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (4) ولم يأمر بالسجود. وحكي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: يسجد للسهو ثم يسلم لأنه زاد في الصلاة ما ليس من صلاته مع إمامه (5)،

(1) المجموع 4: 148، فتح العزيز 4: 178، مغني المحتاج 1: 212، السراج الوهاج: 61.
(2) فتح العزيز 4: 178، المجموع 4: 148.
(3) المجموع 4: 163.
(4) صحيح البخاري 1: 163 و 164 و 2: 9، صحيح مسلم 1: 420 و 421 / 602، سنن الترمذي 2: 149 / 327، سنن ابن ماجة 1: 255 / 775، سنن الدارمي 1: 294، مسند أحمد 2: 237 و 239 و 270 و 452.
(5) المجموع 4: 163، المغني 1: 733، الشرح الكبير 1: 732، سنن أبي داود 1: 39 ذيل الحديث 152.

[ 333 ]

وهو غلط لأن الزيادة إنما تفتقر إلى الجبران لو نقصت صلاته، وهذه الزيادة واجبة فلا يجبرها إذا فعلها. مسألة 352: لا حكم للسهو في النافلة فلو شك في عددها بنى على الأقل استحبابا، وإن بنى على الأكثر جاز، ولا يجبر سهوه بركعة، ولا سجود عند علمائنا أجمع لأن النافلة لا تجب بالشروع فيقتصر على ما أراد، وبه قال ابن سيرين (1). وقال الشافعي: يسجد للنافلة كالفريضة لأن السجود لترك ما اقتضاه الاحرام، أو لفعل شئ يمنع منه الاحرام وهو موجود في النفل كالفرض (2)، ونمنع اقتضاء مطلق الاحرام بل الواجب. البحث الثالث: فيما يوجب التلافي. كل ساه أو شاك في شئ وإن كان ركنا وهو في محله فإنه يأتي به على ما تقدم، وإن تجاوز المحل فمنه ما يجب معه سجدتا السهو إجماعا منا، وهو نسيان السجدة أو السجدتين وتذكر قبل الركوع، ونسيان التشهد وكذلك، ومنه مالا يجب على خلاف، ونحن نذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى. مسألة 353: لو ترك سجدة في الأولى ساهيا ثم ذكر قبل الركوع في الثانية رجع فسجد ثم قام فاستقبل الثانية - وبالرجوع قال العلماء - ولأن القيام ليس ركنا يمنع عن العود إلى السجود، ولقول الصادق عليه السلام في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام، قال: " فليسجد ما لم يركع " (3). وكذا لو ترك سجدة في الثانية فذكر قبل أن يركع في الثالثة، أو في الثالثة فذكر قبل أن يركع في الرابعة، ويجب عليه بعد ذلك سجدتا السهو

(1) المجموع 4: 161، المغني 1: 734.
(2) الأم 1: 132، المجموع 4: 161، مغني المحتاج 1: 204.
(3) التهذيب 2: 153 / 602، الاستبصار 1: 359 / 1361.

[ 334 ]

لقول الكاظم عليه السلام في الرجل ينسى السجدة من صلاته، قال: " إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته، ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه " (1). وهل تجب جلسة الفصل قبل السجود إن لم يكن قد جلس، أو كان نيته جلسة الاستراحة؟ إشكال ينشأ من عدم النص، وقيام القيام مقامه في الفصل، وأصالة البراءة، ومن أنها واجبة فيأتي بها. وكذا لو نسي السجدتين معا وذكر قبل الركوع فإنه يرجع ويسجدهما ثم يقوم لأن محل السجود قبل الركوع باق وإلا لما صح الرجوع إلى السجدة الواحدة، ويسجد أيضا سجدتي السهو. أما لو ذكر بعد الركوع أنه نسي سجدة واحدة من السابقة فإنه يتم الصلاة ويقضيها بعد التسليم، ويسجد سجدتي السهو، ولا يرجع إلى، السجود لما فيه من تغيير هيئة الصلاة، وزيادة الركن، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا ذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض في صلاته حتى يسلم ثم يسجدها، فإنها قضاء " (2). ولو ذكر بعد الركوع ترك سجدتين من السابقة بطلت صلاته لأنه أخل بركن. وقال الشافعي: إذا ذكر وهو قائم في الثانية أو بعد ركوعها قبل أن يسجد للثانية نسيان سجدة من الأولى أتى بها كما يذكر. ثم إن لم يجلس عقيب السجدة المأتي بها فيكفيه أن يسجد عن قيام، أو يجلس مطمئنا ثم يسجد؟ وجهان: أحدهما: أن القيام كالجلسة لأن الغرض الفصل بين السجدتين.

(1) التهذيب 2: 154 / 606، الاستبصار 1: 359 / 1363.
(2) التهذيب 2: 153 / 602، الاستبصار 1: 359 / 1361.

[ 335 ]

وأصحهما عنده: أنه يجلس مطمئنا ثم يسجد، لأن مقصود الجلسة وإن كان هو الفصل فالواجب الفصل بهيئة الجلوس. وإن كان قد جلس، إن جلس على قصد الجلسة بين السجدتين، فإن اكتفينا في الصورة السابقة بأن يسجد عن قيام فهنا أولى، وإن قلنا: يجلس ثم يسجد فقد قيل بمثله هنا لينتقل من الجلوس إلى السجود، والأصح: أنه يكفيه أن يسجد عن قيامه فإنه الذي تركه. وإن قصد بتلك الجلسة الاستراحة فوجهان: من حيث إن السنة لا تقوم مقام الفرض، وأن ظن الاستراحة بتلك الجلسة لا يقدح. وإن ذكر بعد أن سجد للثانية فإن السجدة التي سجدها تقع عن الأولى ويبطل عمله في الثانية وتحصل له ركعة ملفقة. وإن ذكر بعد فراغه من الثانية فإن لم يقيد سجوده في الثانية بنية تمت الأولى بسجود الثانية ولغت أعماله في الثانية، وإن نوى أنها للثانية فأكثرهم على تمام الأولى بسجوده لأن نية الصلاة تشتمل على جميع أفعالها وقد فعل السجود حال توجه الخطاب عليه بفعله (1). وقال ابن سريج: لا يتم الأولى بهذه السجدة لأن نية الصلاة يجب استدامتها حكما وقد وجدت نية حقيقية تخالفها فكانت الحقيقية أغلب. وقال أبو حنيفة: إن ذكر نسيان السجدة الأولى قبل ركوعه في الثانية عاد إليها كما قلناه نحن، وإن كان بعد ركوعه أو سجوده في الثانية سجد ثلاث سجدات متواليات فتلتحق سجدة بالأولى واثنتان عن الركعة الثانية وتتم له الركعتان، وإن ذكر بعد اشتغاله بالتشهد سجد سجدة كما تذكر وتلتحق بالركعة الأولى (2).

(1) مختصر المزني: 17، المجموع 4: 118 - 119، فتح العزيز 4: 149 - 151، مغني المحتاج 1: 179، المهذب للشيرازي 1: 97.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 113 - 114، بدائع الصنائع 1: 167، فتح العزيز 4: 150 - 151.

[ 336 ]

وقال مالك: إن لم يكن قد ركع عاد إلى السجود - كما قلناه - وإن كان قد ركع لغت الأولى وصار الحكم للثانية فيتمها بسجدتين (1). فروع: أ - إذا ذكر نسيان سجدة بعد سجدتي الثانية فقد بينا أنه يستمر ويقضي المنسية، وعند الشافعي يلفق فيجعل سجدة منهما للأولى ويبطل المتخلل بينهما، وأي السجدتين تحتسب له بها؟ أكثر أصحاب على أنها بالأولى وتلغو السجدة الثانية سواء كان قد جلس أولا للفصل أو لا (2)، وعلى قول أبي إسحاق: يتم ركعته بالسجدة الثانية لأن عليه أن ينتقل إليهما من القعود (3). ب - لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات، فإن ذكر قبل التسليم سجد واحدة عن الركعة الأخيرة لأن المحل باق ثم يعيد التشهد ويسلم ويقضي السجدات الثلاث لفوات محلها، ويسجد سجدتي السهو لكل سهو، وإن ذكر بعد التسليم قضى السجدات الأربع ولاء، ويسجد السهو أربع مرات لفوات المحل. وقال الشافعي: يتم الأولى بما في الثانية، والثانية بما في الثالثة، والثالثة بما في الرابعة فتصح له ركعتان لأن السجود الأول من الثانية يحسب عن الأولى، ويبطل المتخلل بينهما، والثالثة تحسب ثانية، وسجود الرابعة يكمل الثالثة ثانية، هذا إن كان قد جلس للفصل

(1) المدونة الكبرى 1: 134 - 135، الشرح الصغير 1: 141، حلية العلماء 2: 139، فتح العزيز 4: 150.
(2) المجموع 4: 119، فتح العزيز 4: 151، المهذب للشيرازي 1: 97، حلية العلماء 2: 139.
(3) حلية العلماء 2: 139.

[ 337 ]

وإن ترك الجلسة أيضا فإن كان جلس للتشهد الأول صحت له ركعتان إلا سجدة لأن التشهد الأول قام مقام جلسة الفصل للركعة الأولى ووقعت السجدة الأولى في الركعة الثالثة تمامها فصحت له ركعة بالثالثة، وصحت له الرابعة بسجدة واحدة فيبني على ذلك. وإن لم يجلس للتشهد الأول صحت له ركعة إلا سجدة إن كان جلس في الرابعة فيسجد أخرى ويتم له ركعة ويبني عليها، ومن اجتزأ بالقيام في الفصل حصل له ركعتان، وإن ذكر بعد التسليم ولم يطل الفصل فكما لو ذكر قبله، وإن طال وجب الاستئناف (1). وقال مالك تصح الرابعة إلا سجدة ويبطل ما قبلها (2)، وعن أحمد روايتان، إحداهما: كقول مالك، والأخرى: بطلان الصلاة (3). وقال أبو حنيفة: يأتي في آخر صلاته بأربع سجدات ويتم صلاته. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري (4) وحكى الطحاوي عن الحسن بن صالح بن حي: أنه لو نسي ثمان سجدات أتى بهن متواليات لأن الركعة إذا سجد فيها فقد أتى بأكثرها، والحكم يتعلق بالأكثر في صحة البناء كما إذا أدرك الركوع مع الامام، والسجود متكرر فلا يعتبر فيه الترتيب كأيام رمضان (5). ج - لو صلى الظهر فنسي سجدة وذكر أنها من الأولى أتم صلاته وقضاها بعد التسليم وسجد للسهو، وقال الشافعي: تمت الأولى بالثانية

(1) المجموع 4: 119 و 120 و 121، فتح العزيز 4: 151 - 152، الوجيز 1: 50، المغني 1: 727، الشرح الكبير 1: 722، القوانين الفقهية: 76، حلية العلماء 2: 137 و 139.
(2) المجموع 4: 122، القوانين الفقهية: 76، المغني 1: 726، الشرح الكبير 1: 722، حلية العلماء 2: 139.
(3) المجموع 4: 122، المغني 1: 726، الشرح الكبير 1: 722، فتح العزيز 4: 155.
(4) المجموع 4: 121، فتح العزيز 4: 154، المغني 1: 727، الشرح الكبير 1: 723، القوانين الفقهية: 76، حلية العلماء 2: 139.
(5) المغني 1: 727، حلية العلماء 2: 139.

[ 338 ]

وتصير الثالثة ثانية (1) والرابعة ثالثة (2)، وتبقى عليه ركعة، وكذا لو كانت من الثانية أو الثالثة (3). ولو لم يعلم من أي ركعة هي حمل على أحسن الأحوال عنده، وهو أنه تركها من ركعة قبل الرابعة، فلا تصح الركعة التي بعدها فيأتي بركعة لتتم الصلاة بيقين. ولو نسي سجدتين من الرباعية ولا يدري كيف تركهما أخذ بأسوأ الأحوال ويجعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثالثة سجدة فيتم الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة وتحصل له ركعتان. ولو نسي ثلاث سجدات جعل كأنه ترك من الأولى سجدة ولم يترك من الثانية شيئا فتمت الأولى بالثانية، وترك من الثالثة سجدة، ومن الرابعة سجدة فتحصل من مجموعها ركعتان. ولو نسي أربع سجدات قدر كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثانية لم يترك شيئا ومن الثالثة ترك سجدة، وما سجد شيئا من الرابعة فتحصل له ركعتان إلا سجدة. ولو ترك خمس سجدات جعل كأنه ترك من الأولى سجدة، ومن الثانية سجدتين، ومن الثالثة سجدتين، ولم يترك من الرابعة شيئا فتمت الأولى بالرابعة وحصل له ركعة (4). وعلى مذهبنا أنه إذا ترك سجدتين من ركعة واحدة بطلت صلاته على ما تقدم، وإن لم يعلم أهما من ركعة أو ركعتين؟ رجحنا جانب الاحتياط، وأبطلنا الصلاة، لاحتمال أن يكونا من ركعة فتبطل الصلاة لفوات ركن فيها، وكذا لو علم أنهما من ركعة ولم يعلم أهما من الرابعة أو مما سبق؟

(1) في نسخة (ش): ثانيته.
(2) في نسخة (ش): ثالثته.
(3) المجموع 4: 120 - 131، المهذب للشيرازي 1: 97.
(4) المجموع 4: 120 - 121، فتح العزيز 4: 153 - 154، المهذب للشيرازي 1: 97.

[ 339 ]

د - لو نسي جميع السجود بطلت صلاته عندنا، وقال الشافعي: صح له القيام، والقراءة، والركوع الأول (1). وقال بعض أصحابه: بل الركوع الأخير. مسألة 354: لو نسي التشهد الأول، ثم ذكر قبل الركوع رجع إليه وتشهد، ثم قام فاستقبل الثالثة، وفي سجود السهو قولان، ولو لم يذكر حتى ركع مضى في صلاته، وقضاه بعد التسليم، وسجد للسهو - وبه قال الحسن البصري (2) - لقول الصادق عليه السلام وقد سأله سليمان بن خالد عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين، فقال: " إن ذكر قبل أن يركع فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم ويسجد سجدتي السهو " (3) ولأنه قبل الركوع في محل التشهد كالسجود. وقال الشافعي: إن ذكر قبل انتصابه عاد إليه، وإن ذكر بعد انتصابه لم يعد (4) لقوله عليه السلام: (إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، وإذا استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو) (5). وقال مالك: إن فارقت أليتاه الأرض مضى ولا يرجع (6). وقال

(1) المجموع 4: 121، فتح العزيز 4: 154، المهذب للشيرازي 1: 97.
(2) المجموع 4: 140، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، المغني 1: 713، الشرح الكبير 1: 724.
(3) التهذيب 2: 158 / 618، الاستبصار 1: 362 - 363 / 1374.
(4) المجموع 4: 122 و 130 و 140، فتح العزيز 4: 156 و 158، الوجيز 1: 50 و 51، المهذب للشيرازي 1: 97، السراج الوهاج: 59، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، المغني 1: 712 و 713، الشرح الكبير 1: 724.
(5) سنن ابن ماجة 1: 381 / 1208، مسند أحمد 4: 254.
(6) المنتقى للباجي 1: 178، الشرح الصغير 1: 142، المجموع 4: 140، فتح العزيز 4: 158، الميزان 1: 162، المغني 1: 713، الشرح الكبير 1: 724.

[ 340 ]

النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة (1). وقال أحمد: إن ذكر قبل أن يستوي قائما وجب أن يرجع، وإن ذكر بعد أن يستوي قائما وقبل القراءة تخير والأولى أن لا يرجع (2). فروع: أ - إذا ذكر قبل انتصابه رجع إلى التشهد عندنا وعند الشافعي (3)، وكذا يرجع عندنا قبل الركوع وإن أنهى القراءة. وهل يسجد للسهو؟ قولان: أحدهما: الوجوب لما تقدم من وجوبهما لكل زيادة ونقصان - وبه قال أحمد، والشافعي في أحد القولين (4) - لأنه زاد في الصلاة من جنسها على وجه السهو فأشبه زيادة سجود. والثاني: عدمه - وبه قال الشافعي أيضا، والأوزاعي، وعلقمة، والأسود (5) - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد: " يرجع فيتشهد ": قلت: أيسجد سجدتي السهو؟ فقال: " ليس في هذا سجدتا السهو " (6).

(1) المجموع 4: 140، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، المغني 1: 713، الشرح الكبير 1: 724.
(2) المغني 1: 712 و 713، الشرح الكبير 1: 724، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58.
(3) المجموع 4: 140، الوجيز 1: 51، فتح العزيز 4: 158، المهذب للشيرازي 1: 97، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، المغني 1: 712 و 713، الشرح الكبير 1: 724.
(4) المجموع 4: 127 و 130، الوجيز 1: 51، فتح العزيز 4: 159، المهذب للشيرازي 1: 98، المغني 1: 713 و 714، الشرح الكبير 1: 725، حلية العلماء 2: 141.
(5) المجموع 4: 127، فتح العزيز 4: 158، المهذب للشيرازي 1: 98، حلية العلماء 2: 141.
(6) التهذيب 2: 158 / 622، الاستبصار 1: 363 / 1376.

[ 341 ]

ب - لو ذكر قبل الركوع بعد الانتصاب فقد قلنا: إنه يجب عليه الرجوع، خلافا للشافعي فإنه يمنع منه لأن القيام فرض والتشهد سنة عنده والفرض لا يقطع بالسنة (1)، وقد بينا وجوبه. فلو خالف وعاد عامدا عالما بأنه لا يجوز على مذهبه بطلت صلاته عنده (2)، وإن كان ناسيا لم تبطل ويقوم كما يذكر، وإن عاد جاهلا بأنه لا يجوز فوجهان: البطلان لتقصيره بترك العلم وأصحهما: الصحة لأنه قد يخفى فيعذر (3). هذا في المنفرد، وكذا الامام لا يرجع بعد الانتصاب عنده والمأموم يوافقه، فإن نوى مفارقته ليتشهد جاز، وإن نهض المأموم ناسيا فأصح الوجهين عنده: العود لوجوب متابعة الامام، والآخر: الصبر إلى أن يلحقه الامام لأنه ليس فيما فعله إلا التقدم على الامام بركن وهو غير مبطل، وإن كان عمدا فلا حاجة إلى الرجوع (4)، وهذا كله عندنا باطل لوجوب الرجوع قبل الركوع. ج - المراد بالانتصاب الاعتدال قائما، وهو أحد وجهي الشافعية والآخر: أن يصير أرفع من حد أقل الركوع (5)، وعند أبي حنيفة، ومالك: إن صار أقرب إلى القيام لم يعد (6).

(1) المجموع 4: 140، الوجيز 1: 50 - 51، فتح العزيز 4: 156، المهذب للشيرازي 1: 97، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58.
(2) المجموع 4: 123 و 130، الوجيز 1: 51، فتح العزيز 4: 156، كفاية الأخيار 1: 79.
(3) المجموع 4: 130، فتح العزيز 4: 156 و 157.
(4) المجموع 4: 131 و 132، فتح العزيز 4: 157، الوجيز 1: 51، كفاية الأخيار 1: 79، السراج الوهاج: 59.
(5) المجموع 4: 134، فتح العزيز 4: 158، كفاية الأخيار 1: 79.
(6) اللباب 1: 97، الهداية للمرغيناني 1: 75، شرح العناية 1: 443، المجموع 4: 140، فتح العزيز 4: 158.

[ 342 ]

د - إذا عاد قبل الانتصاب فالأقرب وجوب سجدتي السهو لزيادة بعض القيام، وهو أحد قولي الشافعي (1)، وقال بعض علمائنا: لا يجب (2). وهو ثاني الشافعي (3). وقال بعض الشافعية: إن عاد قبل أن ينتهي إلى حد الراكعين لم يسجد، وإن عاد بعد الانتهاء إليه سجد لأنه زاد ركوعا سهوا (4). ه‍ - لا فرق بين نسيان التشهد ونسيان بعض الواجب فيه، وكذا لو نسي الصلاة على النبي وآله عليهم السلام، ولو لم يذكر إلا بعد الركوع قضى الصلاة عليهم دون التشهد لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل ينسى من صلاته ركعة، أو سجدة، أو الشئ منها، ثم يذكر بعد ذلك، فقال: " يقضي ذلك بعينه " فقلت: يعيد الصلاة؟ قال: " لا " (5). و - لو أخل بالتشهد الأخير حتى سلم قضاه وسجد للسهو، ولو أحدث قبل قضائه، قال بعض أصحابنا: يعيد الصلاة لأنه أحدث فيها ووقع التسليم في غير موضعه (6). وليس بجيد لأن التسليم وقع موقعه مع السهو فحينئذ يتطهر، ويقضي التشهد، ويسجد للسهو إن لم يبطل الحدث المتخلل بين الصلاة والجزء المنسي الصلاة. مسألة 355: لو ذكر - وهو في السورة - نسيان قراءة الحمد استأنف الحمد وأعاد السورة أو غيرها، لأن محل القراءة باق، وكذا لو نسي الركوع ثم ذكر قبل السجود قام وركع، ثم سجد، وكذا لو نسي سجدة أو سجدتين وذكر قبل

(1) المجموع 4: 134، فتح العزيز 4: 158 و 159، السراج الوهاج: 60.
(2) قاله المحقق في المعتبر: 230.
(3) المجموع 4: 134، فتح العزيز 4: 159، كفاية الأخيار 1: 79.
(4) المجموع 4: 134، فتح العزيز: 4: 159.
(5) التهذيب 2: 150 / 588، الاستبصار 1: 357 / 1350.
(6) حكاه عن بعض الأصحاب أيضا المحقق في المعتبر: 230.

[ 343 ]

الركوع قعد وفعل ما نسيه، ثم قام فقرأ. وهل تجب السجدتان للسهو في هذه الأماكن؟ قولان وقد سلف البحث في ذلك كله. البحث الرابع: فيما يوجب الاحتياط: مسألة 356: قد بينا أن الشك في عدد الثنائية، أو الثلاثية، أو الأوليين من الرباعية مبطل، خلافا للجمهور (1). أما لو شك في الزائد على الاثنتين في الرباعية مثل أن يشك بين الاثنتين والثلاث، أو بين الثلاث والأربع، أو بين الاثنتين والأربع، أو بين الاثنتين والثلاث والأربع، فإنه يبني على الأكثر ويسلم بعد إكمال الصلاة، ويأتي بالفائت، أو مساويه احتياطا، فيبني في الأول على الثلاث، ثم يتمم صلاته ويسلم، ثم يصلي ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس، وفي الثانية يبني على الأربع ويفعل ما تقدم، وفي الثالثة يبني على الأربع ويسلم، ثم يصلي ركعتين من قيام، وفي الرابعة يبني على الأربع ويصلي ركعتين من قيام وركعتين من جلوس فإن كان قد صلى اثنتين كانت الركعتان من قيام تمام الصلاة والركعتان من جلوس نافلة وإن كان قد صلى ثلاثا فبالعكس. وإن كان قد صلى أربعا فالجميع نفل لأن البناء على الأقل يحتمل زيادة الركعة وهي مبطلة عمدا وسهوا، والقول بإعادة الصلاة باطل هنا إجماعا فتعين العمل بما قلناه، ولأن التسليم في غير موضعه لا يبطل الصلاة سهوا فكذا هنا لأنه يجري مجرى السهو. ولقول الصادق عليه السلام: " إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فإن كنت أتممت لم يكن

(1) المجموع 4: 106 و 107، فتح العزيز 4: 165، الوجيز 1: 51، المهذب للشيرازي 1: 96، المغني 1: 711، الشرح الكبير 1: 727، الشرح الصغير 1: 137، شرح العناية 1: 452، و 453.

[ 344 ]

عليك في هذا شئ، وإن ذكرت أنك نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت " (1). هذا عند أكثر علمائنا (2)، وقال الصدوق رحمه الله: يتخير بين ذلك وبين البناء على الأقل (3) لقول الرضا عليه السلام: " يبني على يقينه ويسجد سجدتي السهو " (4) والمشهور الأول، فيتعين المصير إليه، وتحمل الرواية على الظن. وقال الشافعي: يبني على الأقل ويأتي بالتمام - وبه قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور (5) - لقوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين، وإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة له والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان) (6) وفيما قلناه إلغاء للشك وأخذ باليقين أيضا. وقال أبو حنيفة إن كان أول ما أصابه أعاد الصلاة (7) لقوله عليه

(1) التهذيب 2: 349 / 1448.
(2) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 148، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 155، وابن إدريس في السرائر 54، والمحقق في المعتبر: 231 و 232.
(3) انظر: الفقيه 1: 230 - 231.
(4) الفقيه 1: 230 / 1023.
(5) المجموع 4: 111، فتح العزيز 4: 165، الوجيز 1: 51: المهذب للشيرازي 1: 96، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، القوانين الفقهية: 78، الشرح الصغير 1: 137، الشرح الكبير 1: 727، عمدة القارئ 7: 312 - 313، وفيها الثوري بدل " أبو ثور ".
(6) سنن أبي داود 1: 269 / 1024.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 219، الهداية للمرغيناني 1: 76، شرح العناية 1: 452، عمدة القارئ 7: 313، اللباب 1: 98، المجموع 4: 111، رحمة الأمة 1: 58، الشرح الكبير 1: 728.

[ 345 ]

السلام: (لا غرار في الصلاة) (1) وإن تكرر تحرى وعمل على ما يؤديه تحرية إليه لقوله صلى الله عليه وآله: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، وليبن عليه، ويسلم، ويسجد سجدتين) (2) ونحن نقول بموجبه، فإن تحري الصواب هو ما قلناه لما تقدم. وعن أحمد في المنفرد كالشافعي، وفي الامام روايتان: إحداهما: ذلك، والثانية: يبني على غالب ظنه (3)، وعن الثوري روايتان: إحداهما: يتحرى، والثانية: يبني على اليقين (4). وقال الحسن البصري: يسجد سجدتي السهو ويجزيه (5) لقوله عليه السلام: (يأتي الشيطان أحدكم فيلبس عليه صلاته فلا يدري أزاد أم نقص فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس) (6) وحديثنا أولى لأنه مبين. فروع: أ - لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى على ظنه ولا شئ عليه لقول الصادق عليه السلام: " إذا لم تدر ثلاثا صليت أم أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وإن وقع رأيك على الأربع فسلم

(1) سنن أبي داود 1: 244 / 929، مسند أحمد 2: 461، مستدرك الحاكم 1: 264، سنن البيهقي 2: 260 و 261. والغرار في الصلاة: هو نقصان هيآتها وأركانها - النهاية 3: 356 " غرر ".
(2) صحيح البخاري 1: 111، صحيح مسلم 1: 400 / 572، سنن النسائي 3: 28، سنن ابن ماجة 1: 382 / 1211، سنن أبي داود 1: 268 / 1020. (3) المغني 1: 702 و 703، كشاف القناع 1: 406، عمدة القارئ 7: 312 و 313، القواعد في الفقه الاسلامي: 344 و 345، حلية العلماء 2: 136 - 137.
(4) المجموع 4: 111، المغني 1: 703.
(5) الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، عمدة القارئ 7: 312، حلية العلماء 2: 137.
(6) صحيح مسلم 1: 398 / 389، سنن الترمذي 2: 244 / 397، الموطأ 1: 100 / 1، سنن النسائي 3: 31.

[ 346 ]

وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس " (1) ويدل على التخيير بين الركعة من قيام والركعتين من جلوس قول الصادق عليه السلام: " إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة وهو قائم، وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات " (2). ب - يتخير الشاك بين الاثنتين والثلاث والأربع بين صلاة ركعتين من قيام وركعتين من جلوس، وبين ركعتين من قيام ويسلم وركعة أخرى من قيام إذ الركعة قائما تعدل الركعتين جالسا وهي إلى الفائت المعوض عنه أقرب فكان أولى، وكذا يتخير بين أن يفعل الركعتين من قيام أولا، أو الركعتين من جلوس، أو الركعة من قيام. وقول الصادق عليه السلام: " يقوم فيصلي ركعتين ويسلم، ثم يصلي ركعتين من جلوس ويسلم، فإن كان قد صلى أربعا كانت الركعات نافلة وإلا تمت الأربع " (3) الظاهر أنه لا يراد فيه الترتيب وهذه الصورة لا تنفك من وجوب نافلة، وليس له أن يصلي ركعتين قائما يفصل بينهما بالتسليم، ولا ست ركعات من جلوس، ولا ركعة من قيام وأربعا من جلوس. ج - لو شك بين الأربع والخمس بنى على الأربع وتشهد وسلم وسجد سجدتي السهو - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد (4) - لقوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى خمسا أو أربعا فليطرح الشك وليبن على اليقين ثم يسجد سجدتين) (5).

(1) الكافي 3: 353 / 7، التهذيب 2: 184 / 733.
(2) الكافي 3: 353 / 9، التهذيب 2: 184 / 734.
(3) الكافي 3: 353 / 6، التهذيب 2: 187 / 742.
(4) المجموع 4: 111، فتح العزيز 4: 165، الوجيز 1: 51، الميزان 1: 162، رحمة الأمة 1: 58، اللباب 1: 99، المغني 1: 703، الشرح الكبير 1: 727.
(5) سنن أبي داود 1: 269 / 1014، باختصار، وأورده نصا في المعتبر: 233.

[ 347 ]

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما " (1) ولأن الشك هنا لا يوجب تلافيا ولا إعادة فيجبر بسجدتي السهو. مسألة 357: المراد بقولنا: بين كذا وكذا، الشك في الزائد على العدد الأول بعد إكماله. فلو قال: لا أدري قيامي لثانية أو لثالثة بطلت صلاته لأنه في الحقيقة شك بين الأولى والثانية. ولو قال: لثالثة أو رابعة فهو شك في الاثنتين والثلاث، فيكمل الرابعة ويتشهد ويسلم ويصلي ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس. ولو قال: لرابعة أو خامسة فهو شك بين الثلاث والأربع فيقعد ويتشهد ويسلم ثم يصلي ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس لاحتمال أن يكون القيام إلى رابعة، ويسجد للسهو إن قلنا بوجوبه على من قام في حال قعود. ولو قال: لثالثة أو خامسة قعد وسلم وصلى ركعتين من قيام وسجد للسهو، ولو قام من الركوع فقال قبل السجود: لا أدري قيامي لثانية أو ثالثة فالأقرب البطلان لأنه لم يحرز الأولتين، ويحتمل الصحة تنزيلا للأكثر منزلة الجميع وبركوعه حصل أكثر الثانية. ولو قال لرابعة: أو خامسة بطلت صلاته، إذ مع الأمر بالاتمام يحتمل الزيادة المبطلة، وبعدمه يحتمل النقصان المبطل، وإنما تصح الصلاة لو صحت قطعا على أحد التقديرين وكذا تبطل لو قال: لثالثة أو خامسة. أما لو قال: لثالثة أو رابعة فإنه يتم الركعة ويتشهد ويسلم ويصلي ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس لاحتمال أن يكون ثالثة فيجبرها الاحتياط ورابعة فتكون الركعة نفلا.

(1) الكافي 3: 355 / 3.

[ 348 ]

مسألة 358: لا بد في الاحتياط من النية وتكبيرة الافتتاح، لأنها صلاة فعلت بعد تسليم فيجب فيها ذلك كغيرها، وهل تجب الفاتحة عينا أم يتخير بينها وبين التسبيح؟ قال بعض علمائنا: بالأول، لأنها صلاة منفردة فتجب الفاتحة (1) لقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (2) وقال آخرون: بالثاني لأنها بدل عن الثالثة أو الرابعة فيثبت فيها ما يثبت في حكم المبدل (3). ونمنع المقدمتين، ولا خلاف في إجزاء الفاتحة وعدم الزيادة عليها. مسألة 359: لو أحدث قبل الاحتياط، قال بعض علمائنا: تبطل الصلاة ويسقط الاحتياط لأنه في معرض التمامية للصلاة، وكما تبطل الصلاة بتخلل الحدث بين أجزائها كذا تبطل بتخلله بين ما يقوم مقام الأجزاء، ويحتمل أن يكون جزءا، وقال بعضهم: لا تبطل لأنها صلاة منفردة، ولا يلزم من كونها بدلا مساواتها للمبدل في كل حكم (4) والأول أحوط. أما السجدة المنسية، أو التشهد المنسي، أو الصلاة على النبي وآله عليهم السلام فالوجه عدم اشتراط عدم تخلل الحدث بين الصلاة وبينها، وكذا الركعة المنسية. ويشترط في السجدة المنسية الطهارة لأنها جزء من الصلاة التي تجب الطهارة في جميع أجزائها، وكذا الاستقبال، والأداء في الوقت، فإن خرج الوقت قبل فعلها عمدا بطلت صلاته، وإن خرج سهوا قضاها، ويتأخر حينئذ عن الفائتة السابقة.

(1) منهم: الصدوق في المقنع: 31، والشيخ الطوسي في النهاية: 90، وابن حمزة في الوسيلة: 102، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 118.
(2) صحيح البخاري 1: 192، صحيح مسلم 1: 295 / 394، سنن أبي داود 1: 216 / 820، سنن البيهقي 2: 37، سنن الدار قطني 1: 321 / 16 و 17، عوالي اللآلي 1: 196 / 2.
(3) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 24، وابن إدريس في السرائر: 54.
(4) حكى القولين، المحقق في شرائع الاسلام 1: 118.

[ 349 ]

البحث الخامس: في سجدتي السهو وباقي مسائله. مسألة 360: قال الشيخ في الخلاف: لا تجب سجدتا السهو إلا في أربعة مواضع: من تكلم في الصلاة ناسيا، أو سلم في غير موضعه ناسيا أو نسي سجدة ولم يذكر حتى يركع، أو التشهد ولا يذكر حتى يركع في الثالثة، ولا يجب في غير ذلك فعلا كان أو قولا، زيادة كان أو نقصانا، متحققة كانت أو متوهمة، وعلى كل حال. وفي أصحابنا من قال: تجب سجدتا السهو في كل زيادة ونقصان (1). وزاد في المبسوط: من شك بين الأربع والخمس (2)، وقال المرتضى: من قعد في حال قيام فتلافاه وبالعكس سجد للسهو (3). والوجه وجوبهما في كل زيادة ونقصان لقول الصادق عليه السلام " يسجد للسهو في كل زيادة ونقصان " (4). وقال الشافعي: يجب سجود السهو لأمرين: إما لزيادة أو نقصان، فالزيادة إما قول أو فعل، فالقول مثل أن يسلم ساهيا في غير موضعه، أو يتكلم ساهيا، أو يقرأ في غير موضع القراءة كالركوع والسجود. والفعل إما زيادة متحققة كأن يقعد في موضع قيامه عقيب الأولى والثالثة أكثر من جلسة الاستراحة، أو يقوم في موضع قعوده وهو أن يقوم عن الثانية ثم يعود للقعود، أو يقوم بعد الرابعة إلى الخامسة يعتقدها رابعة. وإما زيادة متوهمة وهو البناء على اليقين في الشك مثل أن يشك هل

(1) الخلاف 1: 459 مسألة 202، وانظر أيضا: أمالي الصدوق: 153 المجلس 93، والفقيه 1: 225 / 993.
(2) المبسوط للطوسي 1: 123.
(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 37.
(4) التهذيب 2: 155 / 608، الاستبصار 1: 361 / 1367.

[ 350 ]

صلى ثلاثا أو أربعا فإنه يضيف إليها أخرى، وضابط ذلك أن كل ما إذا فعله عامدا بطلت صلاته لو فعله ساهيا جبره بسجود السهو. وأما النقصان فأن يترك التشهد الأول أو الجلوس له، وكذلك القنوت في الفجر وفي النصف الأخير من شهر رمضان من صلاة الوتر، وأما الصلاة على النبي في التشهد الأول ففي الجديد على قولين: أحدهما: أنه سنة فيجبره بالسجود، والثاني، أنه ليس بسنة فلا يجبره. وأما ما لا يجبره به فأركان الصلاة وهيآتها فإن ترك ركنا لم يجبر بسهو لكن إن ذكره قريبا أتى به وسجد للسهو ولأجل ما زاد من الفعل بتركه، وإن ذكره بعيدا بطلت صلاته. وأما الهيئات فأن ترك دعاء الافتتاح، والتعوذ، والجهر فيما يسر به وبالعكس، وترك القراءة بعد الفاتحة، والتكبيرات بعد الاحرام، والتسبيحات في الركوع والسجود. وأما الأفعال فترك رفع اليدين مع الافتتاح، وعند الركوع والرفع منه، ووضع اليمين على الشمال حال القيام، وترك وضعهما على الركبتين حال الركوع، وعلى الفخذين حال الجلوس، وترك جلسة الاستراحة عقيب الأولى والثالثة، وترك هيئة ركن من الأفعال كالافتراش في موضع التورك، والتورك في موضع الافتراش، وكذلك إذا خطا خطوة أو خطوتين، أو التفت، أو لف عمامته أو لفتين كل هذا ترك هيئات الأركان فلا يجبره بسجود السهو. والحاصل أن الصلاة تشتمل على أركان فلا تجبر بالسهو، وعلى هيآت فكذلك، وعلى مسنونات تجبر بسجدتي السهو (1). ووافقه أبو حنيفة على ذلك وزاد عليه في خمس مسائل، فقال: إن جهر

(1) الأم 1: 130 - 132، المجموع 4: 125 - 127، فتح العزيز 4: 138 - 142، المهذب للشيرازي 1: 97 - 98.

[ 351 ]

فيما يسر، أو سر فيما يجهر به - يعني الامام - فإن المأموم عنده لا يجهر، أو ترك فاتحة الكتاب، أو قرأ سورة قبل الفاتحة، أو أخر القراءة عن الأولتين إلى الآخريين، أو ترك التكبيرات المتوالية في العيدين، أو تورك في موضع الافتراش سجد للجميع (1). وقال مالك: متى ترك الهيآت سجد، ودعاء الافتتاح والتعوذ عنده في الصلاة لكن بتكبيرات الصلاة غير الافتتاح، وترك التسبيح في الركوع والسجود، وترك الاسرار أو الجهر فمذهبه أنه يجبر كل سهو يقع في الصلاة (2). وقال ابن أبي ليلى: إن أسر فيما يجهر فيه، أو جهر فيما يسر فيه بطلت صلاته (3) كقولنا، وقد ذكرنا أكثر هذه المسائل على سبيل التفصيل. مسألة 361: لو جلس في الأولى أو الثالثة للتشهد وتشهد، ثم ذكر قام وصلى وتشهد، ويسجد سجدتي السهو عند بعض علمائنا على ما تقدم وبه قال الشافعي (4) لما تقدم. وحكي عن علقمة والأسود أنهما قالا: لا يسجد لأن الجبران إنما يكون للنقصان لا للزيادة (5) وهو ممنوع. ولأن الزيادة تؤثر نقصانا، ولهذا إذا كانت عمدا أبطلتها، وإن ذكر قبل أن يتشهد، فإن كان قد جلس قدر جلسة الاستراحة لم يسجد، وإن زاد

(1) المبسوط للسرخسي 1: 220 و 221 و 222، الهداية للمرغيناني 1: 74 - 75، اللباب 1: 95 - 96، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 139، الميزان 1: 163، رحمة الأمة 1: 59.
(2) المدونة الكبرى 1: 140، القوانين الفقهية: 77، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 139 - 140.
(3) المجموع 4: 128.
(4) المجموع 4: 138، فتح العزيز 4: 160، مغني المحتاج 1: 208.
(5) المجموع 4: 127، المغني 1: 712، شرح الازهار 1: 315.

[ 352 ]

سجد، وبه قال الشافعي (1). مسألة 362: لا سجود لترك المندوب لجواز تركه مطلقا فلا يستعقب تركه نسيانا تكليفا، فلو ترك القنوت في صلاة الصبح أعاده بعد الركوع استحبابا ولا يسجد للسهو، وقال الشافعي: يسجد (2). ولو ذكر بعد الانحطاط إلى السجود لم يعد لفوات محله، وقال الشافعي: إن سجد لم يجز أن يرجع لأنه تلبس بالفرض فلا يعود إلى السنة وإن لم يكن وضع جبهته على الأرض عاد إليه، ويسجد للسهو إن كان قد بلغ حد الراكعين أو زاد، وإلا فلا (3). ولو ترك الامام القنوت لاعتقاده لم يسجد المأموم لاجله - وبه قال القفال (4) - إذ لا خلل في صلاة الامام، وقال بعض الشافعية: يسجد المأموم لأنه اعتقد أن إمامه ترك مأمورا فاختلت صلاته فعليه جبرها بالسجود (5). فروع: أ - ترك التكبيرات المستحبة لا يقتضي سجود السهو، وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: إذا ترك تكبيرات العيدين خاصة سجد لها لأنه

(1) المجموع 4: 138 - 139، الوجيز 1: 51، فتح العزيز 4: 160، مغني المحتاج 1: 208.
(2) المجموع 4: 125، مغني المحتاج 1: 205، الميزان 1: 163، كفاية الأخيار 1: 79.
(3) المجموع 4: 136، فتح العزيز 4: 159 - 160، مغني المحتاج 1: 208، السراج الوهاج: 60. (4 و 5) حلية العلماء 2: 171.
(6) الأم 1: 130، مختصر المزني: 17، المجموع 4: 126، فتح العزيز 4: 139، كفاية الأخيار 1: 80، المهذب للشيرازي 1: 98.

[ 353 ]

ذكر في محل واحد، فإذا تركه سجد له كالتشهد والقنوت (1) وينتقض بدعاء الاستفتاح. ب - لو زاد فعلا مندوبا أو واجبا في غير موضعه سجد للسهو، فلو قنت في الركعة الأولى ساهيا سجد للسهو - وبه قال الشافعي - لما تقدم، واختلف أصحابه في العلة. فقيل: إنه نقل ذكرا مقصودا من محله إلى غير محله فيجعل كتركه في محله. وقيل: إن قيام الاعتدال ركن قصير وقد طوله بالقنوت (2). وتظهر الفائدة فيما لو قنت في الأولى من الصبح عامدا هل تبطل صلاته أم لا؟ أما عندنا فإنها تبطل لأنه زاد ذكرا غير مشروع فيكون حكمه حكم ما لو تكلم في الصلاة بما ليس منها عامدا. وأما الشافعية فمن علل بالأول لم يبطل، لأن الصلاة محل الذكر، وفي سجود السهو قولان. ومن علل بالثاني أبطلها، لأن تطويل الركن القصير كزيادة ركن في الصلاة (3). ولو قنت قبل الركوع لم يسجد عندنا لأنه المأمور به، والشافعية قالوا: إنه بعده فهل يسجد؟ إن علل بالأول سجد، وإلا فلا لأن القيام ركن ممتد (4).

(1) الهداية للمرغيناني 1: 74، شرح العناية 1: 439، اللباب 1: 95، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 139، رحمة الأمة 1: 59.
(2) انظر المجموع 4: 126 - 127، فتح العزيز 4: 144 - 145.
(3) انظر المجموع 4: 126 - 127، فتح العزيز 4: 144 - 145.
(4) المجموع 3: 494 و 495.

[ 354 ]

ولو تشهد قائما متعمدا بطلت صلاته، لأن التشهد عندنا فرض في محله وقد أخل به عمدا، وعند الشافعية أنه مستحب (1) فلا يبطل لأن الذكر في الصلاة لا يبطلها نقله. والقيام والقعود ركن ممتد، ولو فعله ساهيا سجد عندنا وتداركه، ومن علل من الشافعية بالأول سجد لأنه نقل الذكر، ومن علل بالثاني لم يسجد لأن الركن طويل في نفسه. ج - لو عزم أن يفعل فعلا مخالفا للصلاة أو أن يتكلم عامدا ولم يفعله لم يلزمه سجود السهو لأن حديث النفس مرفوع عن هذه الأمة (2)، ولا سجود إلا في عمل البدن. د - لو سها في صلاة النفل بنى على الأقل استحبابا، ويجوز البناء على الأكثر، وبه قال ابن سيرين، وهو قول الشافعي، وعنه السجود لترك ما اقتضت التحريمة فعله (3). ه‍ - لو سها في سجود السهو بأن ظن ترك سجدة وقلنا بفعله في الصلاة فسجد، ثم ذكر أنه لم يتركها وأن سجوده للسهو كان سهوا في الصلاة لم يسجد له لما تقدم من أنه لا سهو في سهو، وعند الشافعية يسجد لوجود السبب وهو السهو (4).

(1) المجموع 3: 450، فتح العزيز 3: 493 و 494، حلية العلماء 2: 104.
(2) صحيح البخاري 3: 190 و 7: 59 و 8: 168، صحيح مسلم 1: 116 / 201 و 202، سنن النسائي 6: 156 - 157، سنن ابن ماجة 1: 658 / 2040 و 659 / 2044، سنن الترمذي 3: 489 / 1183.
(3) المجموع 4: 161.
(4) فتح العزيز 4: 173 - 174.

[ 355 ]

و - لو سها بعد سجود السهو إذا جعلناه في الصلاة بأن فرغ من السجود وقبل أن يسلم تكلم ناسيا، أو قام على ظن أنه رفع رأسه من سجدات الصلوات سجد ثانيا لوجود السبب، وسجود السهو يجبر ما قبله لا ما بعده، وبه قال بعض الشافعية (1)، وظاهر مذهبهم: أنه لا يسجد ثانيا لأنه ربما (يسهو) (2) فيحتاج إلى سجود آخر فيؤدي إلى ما لا يتناهى (3). ز - المسبوق إذا أدرك الامام بعد السجود تابعه ولا سجود عليه، ولو أدركه بعد الرفع من الركن فإن سوغنا الدخول معه والاعتداد بهذه النية والتكبير لم يسجد للسهو، وبه قال الشافعي (4). وقال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير: يسجد لوجود زيادة في صلاته لا يعتد بها (5). ويبطله قوله عليه السلام: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) (6) ولم يأمر بسجود. مسألة 363: سجدتا السهو بعد التسليم مطلقا عند أكثر علمائنا (7) - وبه قال علي عليه السلام، وابن مسعود، وعمار، وسعد بن أبي وقاص، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول

(1) المجموع 4: 141، فتح العزيز 4: 173، المهذب للشيرازي 1: 98.
(2) بدل ما بين القوسين في " م، ش " والطبع الحجري تشهد. والأنسب بالعبارة ما أثبتناه.
(3) المجموع 4: 141، فتح العزيز 4: 173، المهذب للشيرازي 1: 98، مغني المحتاج 1: 213.
(4) المجموع 4: 163.
(5) المجموع 4: 163، المغني 1: 733، الشرح الكبير 1: 732.
(6) صحيح البخاري 1: 163 و 2: 9، سنن أبي داود 1: 156 / 572، سنن الترمذي 2: 149 / 327، سنن ابن ماجة 1: 255 / 775، سنن الدارمي 1: 294، مسند أحمد 2: 238 و 270 و 318 و 489 و 533، صحيح مسلم 1: 420 / 602، مسند أبي عوانة 1: 413، الموطأ 1: 68 / 4.
(7) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 37، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 125، والمحقق في المعتبر: 233.

[ 356 ]

الشافعي (1) - لقوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب وليبن عليه ويسلم ويسجد سجدتين) (2) وقوله عليه السلام: (لكل سهو سجدتان بعد أن يسلم) (3). ومن طريق الخاصة قول علي عليه السلام: " سجدتا السهو بعد السلام وقبل الكلام " (4) ولأنه زيادة في الصلاة وفعل كثير ليس منها فيكون مبطلا، ولأن فيه تغييرا لهيئة الصلاة إذ السجود لا يتبع التشهد في شئ من صور الصلاة. وقال بعض علمائنا: إنهما قبل التسليم سواء زاد في الصلاة أو نقص (5) - وهو قول أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والزهري، وسعيد بن المسيب، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد (6) - لما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى صلاة العشاء فقام في ركعتين فقام الناس معه فلما انتظروا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم (7).

(1) المجموع 4: 154 و 155، فتح العزيز 4: 180 و 181، فتح الباري 3: 72، المبسوط للسرخسي 1: 219، عمدة القارئ 7: 301، المغني 1: 710، الشرح الكبير 1: 734، سنن الترمذي 2: 237.
(2) صحيح البخاري 1: 111، سنن ابن ماجة 1: 382 / 1211، سنن أبي داود 1: 268 / 1020، سنن البيهقي 2: 335 و 336، سنن الدار قطني 1: 375 / 1.
(3) سنن ابن ماجة 1: 385 / 1219، سند أحمد 5: 280، سنن البيهقي 2: 337.
(4) الفقيه 1: 225 / 994، التهذيب 2: 195 / 768، الاستبصار 1: 380 / 1438.
(5) هو المحقق في شرائع الاسلام 1: 119.
(6) المجموع 4: 155، المغني 1: 710، الشرح الكبير 1: 734، عمدة القاري 7: 301، سنن الترمذي 2: 237.
(7) صحيح البخاري 2: 85، صحيح مسلم 1: 399 / 570، الموطأ 1: 96 / 65، سنن الدارمي 1: 353، سنن النسائي 3: 19 و 20، سنن البيهقي 2: 334.

[ 357 ]

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إنهما قبل التسليم فإذا سلمت ذهبت حرمة صلاتك " (1). والحديث الأول ممنوع لمنافاته الأصول الدالة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله عن السهو. والثاني ضعيف السند. وقال بعض علمائنا بالتفصيل فإن كان للنقصان ففي الصلاة وإن كان للزيادة فبعد التسليم (2) - وبه قال مالك، والمزني، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي في القديم - (3) لأن خبر ذي اليدين (4) ذكر السجود بعد السلام لأن السهو في الزيادة، والخبر السابق ذكر السجود في الصلاة لأنه للنقصان. ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " إذا نقصت فقبل التسليم وإذا زدت فبعده " (5) والأولان بينا ضعفهما، والثالث معارض بالأخبار الكثيرة فتكون أرجح. وقال أحمد: السجود قبل السلام إلا في موضع ورد فيه الأثر خاصة، واختاره ابن المنذر (6).

(1) التهذيب 2: 195 / 770، الاستبصار 1: 380 / 1440، وفيها عن الامام الباقر عليه السلام، وأورده عن الامام الصادق عليه السلام في المعتبر: 233 - 234.
(2) انظر المبسوط للطوسي 1: 125، المعتبر: 233.
(3) المجموع 4: 155، فتح العزيز 4: 180، السراج الوهاج: 16، الميزان 1: 162، القوانين الفقهية: 73، بداية المجتهد 1: 193، المغني 1: 710، الشرح الكبير 1: 734، المبسوط للسرخسي 1: 220، عمدة القارئ 7: 302، المحلى 4: 171، الموطأ 1: 95 ذيل الحديث 61، سنن الترمذي 2: 237 و 238.
(4) صحيح البخاري 9: 108، صحيح مسلم 1: 403 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399، سنن النسائي 3: 20، الموطأ 1: 93 / 58.
(5) التهذيب 2: 195 / 769، الاستبصار 1: 380 / 1439.
(6) المغني 1: 709 و 710، الشرح الكبير 1: 733 و 734، العدة شرح العمدة: 86، فتح العزيز 4: 181، عمدة القارئ 7: 302، حلية العلماء 2: 151.

[ 358 ]

فروع: أ - لو تعدد الموجب - وقلنا بالاتحاد وقبل التسليم إن كان للنقصان، وبعده إن كان للزيادة - واختلفت، قالت الشافعية: يسجد قبله (1) لأن القائل بأن السجود بعده يسوغه قبله، ولأنها حالة متقدمة فاعتبارها أولى. ب - إذا قلنا بأنه قبل التسليم فإذا فرغ من التشهد سجدهما ثم سلم بعد الرفع ولا يحتاج إلى إعادة التشهد عند الشافعي (2)، والوجه عندنا وجوبه - وبه - قال أبو حنيفة (3) - لأنهما مستقلان بوجوبه فالتشهد لهما. ج - لو نسي السجود فسلم ثم ذكر سجد لوجود المقتضي، وقال الشافعي: إن كان الفصل قصيرا سجد وإن طال فقولان (4). مسألة 364: لا سجود فيما يترك عمدا لأنه إن كان واجبا أبطل الصلاة، وإن كان مندوبا لم يشرع له السجود كما تقدم - وبه قال أبو حنيفة (5) - لأنه سجود يضاف إلى السهو فيختص به كسجود التلاوة. وقال الشافعي: يسجد لو ترك التشهد والقنوت عمدا لأنه يسجد لهما

(1) الأم 1: 130، المجموع 4: 160، المهذب للشيرازي 1: 99، السراج الوهاج: 61، مغني المحتاج 1: 212 و 213.
(2) الأم 1: 130، مختصر المزني: 17، فتح الباري 3: 76، عمدة القارئ 7، 303.
(3) عمدة القارئ 7: 303 و 309، الجامع الصغير للشيباني: 104، الحجة على أهل المدينة 1: 223، الهداية للمرغيناني 1: 74.
(4) الأم 1: 131، المجموع 4: 156، مغني المحتاج 1: 213، المهذب للشيرازي 1: 99.
(5) المغني 1: 734، الشرح الكبير 1: 700.

[ 359 ]

للسهو فالعمد أولى (1). والمقدمتان ممنوعتان. مسألة 365: سجود السهو واجب: قال الشيخ في الخلاف: وشرط في صحة الصلاة (2) - وبه قال مالك (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أمروا به (4) والأمر للوجوب، ولأنه جبران يفعل في العبادة فكان واجبا كجبران الحج. وقال أحمد: إنه واجب (5). وحكى أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة: أنه واجب وليس بشرط في الصلاة (6)، وحكى أصحاب مالك عنه: أنه واجب في النقصان (7). وقال الشافعي: إنه ليس بواجب مطلقا (8) لقوله عليه السلام في حديث

(1) المجموع 4: 125، فتح العزيز 4: 138 و 139، المهذب للشيرازي 1: 98، المغني 1: 734، الشرح الكبير 1: 700.
(2) الخلاف 1: 462 مسألة 203.
(3) بداية المجتهد 1: 191، القوانين الفقهية: 73، المجموع 4: 152.
(4) انظر على سبيل المثال الفقيه 1: 230 / 1018، التهذيب 2: 196 / 772، الاستبصار 1: 380 / 1441، صحيح البخاري 2: 87، صحيح مسلم 1: 398 / 569 و 400 / 572، سنن ابن ماجة 1: 380 / 1203 و 1204، سنن النسائي 3: 27، و 28، و 30 و 31، سنن البيهقي 2: 353، سنن الدار قطني 1: 374 - 375 / 1.
(5) المغني 1: 725، الشرح الكبير 1: 733، المجموع 4: 152، فتح العزيز 4: 138، الميزان 1: 161، رحمة الأمة 1: 57.
(6) المجموع 4: 152، حلية العلماء 2: 150.
(7) بداية المجتهد 1: 191، المجموع 4: 152، فتح العزيز 4: 138، فتح الباري 3: 71، الميزان 1: 161، رحمة الأمة 1: 57.
(8) المجموع 4: 152، فتح العزيز 4: 138، الوجيز 1: 50، المهذب للشيرازي 1: 99، فتح الباري 3: 71، رحمة الأمة 1: 57، الميزان 1: 161، بداية المجتهد 1: 191.

[ 360 ]

أبي سعيد الخدري: " فإن كانت الصلاة تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة) (1) ولأنها تفعل تكملة للصلاة وليس بشرط فيها فلم يكن واجبا كسائر المسنونات. ولا حجة في الحديث إذ كونها نافلة على تقدير لا يقتضي كونهما نافلة مطلقا، ونمنع القياس على المسنونات فإن العلة موجودة في الواجبات. فروع: أ - قول الشيخ: إنهما شرط في [ صحة ] (2) الصلاة (4) إن قصد بذلك بطلان الصلاة بتركهما مع الذكر منعناه عملا بأصالة البراءة والصحة، وإن قصد وجوبها فهو مسلم، فعلى هذا لو لم يسجد لم تبطل صلاته بل يجب عليه السجود دائما إلى أن يفعله. ب - لو نسي السجدتين أتى بهما إذا ذكر سواء تطاولت المدة أم لا - وبه قال الأوزاعي (4) - لقول الصادق عليه السلام في الرجل ينسى سجدتي السهو: " يسجدهما متى ذكر " (5) ولأنه مأمور بهما فيأتي بهما عند الذكر ليتحقق الامتثال. وقال أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة أو خرج من المسجد سقط عنه السجود (6).

(1) سنن البيهقي 2: 351، سنن الدار قطني 1: 372 / 21.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) الخلاف 1: 462 مسألة 203.
(4) المحلى 4: 163 و 166.
(5) التهذيب 2: 353 - 354 / 1466.
(6) بدائع الصنائع 1: 175، المجموع 4: 161، المغني 1: 722، الشرح الكبير 1: 735.

[ 361 ]

وقال الشافعي: إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال ففي القديم: يأتي به لأنه جبران يفعل لنقص في العبادة فلا يسقط بتطاول الفصل كجبران الحج، والثاني: يسقط لأنه يبنى على الصلاة (1). فإذا طال الفصل منع من البناء عليها كما لو ترك من الأخيرة سجدة وتطاول الفصل فإن الصلاة تبطل، والفرق أن المنسي هنا جزء بخلاف سجدتي السهو. وقال مالك: إن كان لزيادة أتى بهما ولو بعد شهر وإن كان لنقصان فإن ذكرهما قريبا سجدهما، وإن تطاول أعاد الصلاة (2). وقال ابن شبرمة: إذا خرج من المسجد أعاد الصلاة (3). وقال الحسن وابن سيرين: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد (4). وقال أحمد: ما كان منه في الصلاة إذا تركه عامدا بطلت، وإن تركه ناسيا حتى يسلم فإن لم يطل الفصل أتى به وإن طال لم يأت به (5). ج - لو تحقق السهو وشك هل سجد أم لا؟ سجد، لأن الأصل العدم، أما لو شك أنه سجد واحدة أو اثنتين احتمل البناء على اليقين فيسجد ثانية ولا يسجد للسهو - وبه قال الشافعي (6) - وإلا لزم عدم التناهي لو سها ثانيا، ويحتمل البناء على الأكثر لعموم قولهم عليهم السلام: " لا سهو في

(1) المجموع 4: 156، فتح العزيز 4: 181، مغني المحتاج 1، 213، المهذب للشيرازي 1: 99، المغني 1: 722، و 723، الشرح الكبير 1: 735.
(2) المدونة الكبرى 1: 137، القوانين الفقهية: 73، المجموع 4: 161، فتح العزيز 4: 181، المغني 1: 723، الشرح الكبير 1: 736.
(3) المغني 1: 724، الشرح الكبير 1: 736 و 740، عمدة القارئ 7: 304.
(4) المجموع 4: 161، المغني 1: 722، الشرح الكبير 1: 735.
(5) المغني 1: 722 و 723، الشرح الكبير 1: 735.
(6) الأم 1: 131، المجموع 4: 128، فتح العزيز 4: 168، الوجيز 1: 51، مغني المحتاج 1: 209، السراج الوهاج: 60، مختصر المزني: 17، فتح الوهاب 1: 54.

[ 362 ]

سهو " (1). د - عند القائلين بأن السجود في الصلاة فإنه يقع آخرها قبل التسليم فلو سجد على أن المحل آخر صلاته فتبين البقية أمر بإعادة السجود - وبه قال الشافعي - ويحتمل إعادة الصلاة لزيادة ركن. فلو سهى الامام في صلاة الجمعة فتشهد وسجد فأطال ثم رفع رأسه فظهر خروج وقت الجمعة أتم صلاته جمعة عندنا، لأنها تدرك بإدراك ركعة. وقال الشافعي: يتمم صلاته ظهرا، ويؤمر بإعادة السجود آخر الصلاة (2). أما المسافر إذا فرغ من التشهد فسجد فاتصلت السفينة (3) بدار إقامته، أو نوى المقام فإنه يلزمه إتمام الصلاة وإعادة السجود آخر الصلاة. مسألة 366: يجب في سجدتي السهو النية لأنها عبادة، والسجود على الأعضاء السبعة، والطمأنينة فيهما وفي الرفع لأنه المتبادر في عرف الشرع، والجلوس بينهما مطمئنا لأن التعدد في صلب الصلاة لا يحصل بدونه فكذا هنا. أما التشهد فأوجبه علماؤنا لقول الصادق عليه السلام: " إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا، أم نقصت، أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة فتشهد فيهما تشهدا خفيفا " (4). ويسلم عقيبه لقول الصادق عليه السلام: " فاسجد سجدتي السهو بعد

(1) الكافي 3: 358 / 5، الفقيه 1: 231 / 1028، التهذيب 3: 54 / 187.
(2) المجموع 4: 141، الوجيز 1، 52، فتح العزيز 4: 173، مغني المحتاج 1: 214، السراج الوهاج: 61.
(3) في نسخة (م): البقية.
(4) الفقيه 1: 230 / 1019، التهذيب 2: 196 / 772، الاستبصار 1: 380 / 1441.

[ 363 ]

تسليمك ثم تسلم بعدهما " (1) وبوجوب التشهد والتسليم عقيبهما قال أبو حنيفة (2) وقال الشافعي: إن قلنا: السجود للزيادة بعد السلام فإنه يتشهد ويسلم عقيبهما - وإليه ذهب أكثر من يقول: إنه بعد السلام - وإن قلنا: إنه قبل السلام فإنه يكفيه أن يسلم (3). فإن نسي السجود حتى سلم، وقلنا: إن موضعه قبل السلام لو كان لنقصان اختلف أصحابه، فبعض قال: يتشهد ويسلم، وبعض قال: يسلم لأنه سجود تركه من الصلاة فلا يلزمه أن يعيد ما قبله (4). مسألة 367: قال الشيخ: إذا أراد السجود افتتح بالتكبير وسجد عقيبه (5)، فإن أراد بذلك الوجوب - كما هو قول أبي حنيفة، والشافعي (6) - منعنا ذلك للأصل ولقول الصادق عليه السلام لما سأله عمار عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال: " لا إنما هما سجدتان فقط " (7). وهل تجب فيهما الطهارة والاستقبال؟ إن قلنا بوقوعها في الصلاة وجب وإلا فإشكال ينشأ من أصالة البراءة، ومن أنه سجود واجب فاشترطا له كسجود الصلاة. وقال الشافعي: يشترط فيهما ما يشترط في سجود الصلاة (8).

(1) الكافي 3: 355 / 3، التهذيب 2: 195 / 767.
(2) اللباب 1: 95، عمدة القارئ 7: 309، بدائع الصنائع 1: 173 و 174، الحجة على أهل المدينة 1: 223.
(3) الأم 1: 130 و 131، مختصر المزني: 17، حلية العلماء 2: 151.
(4) حلية العلماء 2: 151، المجموع 4: 159، المغني 1: 723، الشرح الكبير 1: 739.
(5) المبسوط للطوسي 1: 125.
(6) فتح العزيز 4: 183 و 192، فتح الباري 3: 77، عمدة القارئ 7: 310، بدائع الصنائع 1: 173.
(7) الفقيه 1: 226 / 996، التهذيب 2: 196 / 771، الاستبصار 1: 381 / 1442.
(8) فتح العزيز 4: 183، و 192، مغني المحتاج 1: 212.

[ 364 ]

مسألة 368: وهل يجب فيهما الذكر؟ أكثر علمائنا عليه (1) لما رواه الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في سجدتي السهو: " بسم الله وبالله، اللهم صل على محمد وآل محمد " قال: وسمعته مرة أخرى يقول: " بسم الله، وبالله، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " (2) فيجب أحدهما ويتخير فيهما. وقال بعض علمائنا: بعدم الوجوب (3) لمنافاة الرواية المذهب، لامتناع تطرق السهو على الامام عليه السلام، ولقول الصادق عليه السلام لما سأله عمار عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟: " لا إنما هما سجدتان فقط " (4). ولا منافاة بين الرواية والمذهب، إذ سماعه يقول في سجدتي السهو، لا يدل على أنه عليه السلام قاله في سجوده له بل المراد سماعه هذا الحكم في هذا الفرض كما يقال: سمعته يقول: " في النفس المؤمنة مائة من الابل " (5). وعمار ضعيف، ولا حجة فيه لأن نفي وجوب التكبير والتسبيح لا يدل على نفي ما ذكره. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يسبح فيهما كما يسبح في سجدات الصلاة (6). ولا جامع بينهما مع الفرق بأن ذاك جزء من الصلاة وهذا جبران فلا يجب التساوي.

(1) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 37، والصدوق في المقنع: 33، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 125.
(2) الكافي 3: 356 / 5، الفقيه 1: 226 / 997، التهذيب 2: 196 / 773.
(3) هو المحقق في المعتبر 234.
(4) الفقيه 1: 226 / 996، التهذيب 2: 196 / 771، الاستبصار 1: 381 / 1442.
(5) الكافي 7: 281 / 3، الفقيه 4: 77 / 240، التهذيب 10: 158 / 635، الاستبصار 4: 259 / 976.
(6) المجموع 4: 161، فتح العزيز 4: 179، الفتاوى الهندية 1: 125.

[ 365 ]

مسألة 369: إذا تعدد السهو في الصلاة الواحدة تعدد جبرانه سواء اختلف أو تجانس لأن كل واحد سبب تام في وجوب السجدتين فكذا حالة الاجتماع لأن الاجتماع لا يخرج الحقيقة عن حقيقتها، ولما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: (لكل سهو سجدتان) (1). وقال الأوزاعي: يتداخل المتجانس دون المختلف قياسا على جبران الحج فإنه لو كرر اللبس اتحد الجبران، ولو لبس وتطيب تعدد (2). ونمنع الأول مع تكثر المجلس. وقال الشافعي، وباقي الجمهور: بالتداخل تجانس أو اختلف (3) لأن في خبر ذي اليدين أنه عليه السلام سلم من اثنتين، وتكلم وسجد سجدتين (4). وقد بينا امتناع ذلك على أصولنا. فروع: أ - لو تعدد السهو في صلوات تعدد الجبران إجماعا أما عند القائلين بسبقه على التسليم فظاهر. وأما عند الآخرين فلأن الصلاة لا تبنى على غيرها. ب - لا يكفي الاحتياط عن سجود الجبران لو حصلا وإن قلنا بتداخل

(1) سنن أبي داود 1: 273 / 1038، سنن ابن ماجة 1: 385 / 1219، كنز العمال 7: 472 / 19834، مسند أحمد 5: 280.
(2) المجموع 4: 143، الميزان 1: 163، رحمة الأمة 1: 60، المغني 1: 729، الشرح الكبير 1: 737، عمدة القارئ 7: 303.
(3) المجموع 4: 141، فتح العزيز 4: 172، مغني المحتاج 1: 212، الميزان 1: 163، رحمة الأمة 1: 60، المغني 1: 729، الشرح الكبير 1: 736، الانصاف 2: 157، أقرب المسالك: 20، بلغة السالك 1: 136، المدونة الكبرى 1: 138، عمدة القارئ 7: 303.
(4) صحيح البخاري 2: 86، صحيح مسلم 1: 403 - 404 / 573، سنن الترمذي 2: 247 / 399، سنن النسائي 3: 20، الموطأ 1: 93 / 58.

[ 366 ]

السجود لاختلاف الفرضين. ج - لو نسي أربع سجدات من أربع ركعات قضاهن أولا ورتب في القضاء ثم يسجد بعد قضاء الجميع ثمان سجدات للسهو. وهل له التفريق بينها بالجبران؟ إشكال. د - لو كان السهو لزيادة ونقصان كالكلام ونسيان سجدة فإنه يبدأ بقضاء السجدة. وهل يجب تقديم جبرانها على جبران الزيادة وإن تأخرت عن الزيادة؟ إشكال ينشأ من أنها كالتتمة للسجدة المنسية التي هي من صلب الصلاة، ومن أصالة البراءة وعدم الترتيب. مسألة 370: لو صلى المغرب أربعا سهوا قال الشيخ: أعاد (1)، وأطلق، والوجه التفصيل وهو أنه إن كان قد جلس عقيب الثالثة بقدر التشهد أجزأه وقعد وتشهد وسلم وسجد سجدتي السهو وإلا أعاد. وقال الأوزاعي، وقتادة: يضيف إليها أخرى ويسجد للسهو لأنه إذا لم يضف صارت شفعا (2)، وقال باقي الجمهور: يسجد للسهو (3) وأطلقوا لأنه عليه السلام صلى الظهر خمسا فلما قيل له سجد للسهو ولم يضف أخرى لتصير شفعا (4). وقد بينا امتناع السهو على النبي صلى الله عليه وآله. مسألة 371: لو ذكر بعد الاحتياط النقصان لم يلتفت مطلقا سواء كان في الوقت أو بعده لأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. ولو ذكر قبله أكمل الصلاة وسجد للسهو ما لم يحدث لأنه ساه في فعله فلا يبطل صلاته إلا مع الحدث.

(1) الخلاف 1: 466 مسألة 211.
(2) المجموع 4: 163، المغني 1: 721، الشرح الكبير 1: 702.
(3) المجموع 4: 163، المغني 1: 720.
(4) صحيح مسلم 1: 401 / 91، سنن ابن ماجة 1: 380 / 1205، سنن النسائي 3: 31، سنن الترمذي 2: 248 / 392، سنن أبي داود 1: 268 / 1019.

[ 367 ]

ولو ذكره في أثنائه استأنف الصلاة لأنه ذكر النقصان بعد فعل كثير قبل خروجه عن العهدة، ويحتمل الصحة لأنه مأمور به وهو من الصلاة. ولو شك بين الاثنتين والثلاث والأربع فذكر بين الركعتين من جلوس أنها ثلاث صحت صلاته وسقط الباقي لظهور بطلان شكه فيما يوجبه. ولو ذكر أنها اثنتان بطلت لأنه ذكر النقصان قبل فعل الجبران. ولو بدأ بالركعتين من قيام انعكس الحكم فتبطل صلاته لو ذكر الثلاث وتصح لو ذكر الاثنتين. ولو ذكر الثلاث بعد أن رفع رأسه من السجدة الثانية احتمل أن يتشهد ويسلم لأن الاحتياط المساوي قد فعله وهو الركعة والتشهد ليس من الأصل بل وجب لكونه جزءا من كل صلاة. والبطلان لأن التشهد جزء من الجبران ولم يأت به. تم الجزء الثاني من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنه، يتلوه في الثالث بتوفيق الله تعالى المقصد الثالث في باقي الصلوات، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، فرغت من تسويده في ثامن عشر شعبان من سنة ثلاث وسبعمائة، وكتب حسن بن يوسف بن مطهر مصنف الكتاب حامدا مصليا مستغفرا (1).

(1) ورد في آخر نسخة (ش) هكذا: هذا آخر ما كتبه المصنف قدس الله نفسه الزكية ونور رمسه بأنواره الربانية وكان الفراغ منه قبل الظهر السادس والعشرين من شهر جمادى الآخرة من سنة سبعة وستين وثمانمائة، وكتب العبد الضعيف علي بن منصور بن حسين المزيدي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أكرم المرسلين وخاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين شافع يوم الدين محمد النبي وعلى آله المعصومين الطاهرين الطيبين وذريته الاكرمين صلاة متتابعة مترادفة إلى يوم الدين إنه القادر على ذلك وهو بفضله يسمع ويجيب. وجاء في آخر نسخة (م) هكذا: هذا صورة ما في نسخة الأصل بخط المصنف أدام الله أيامه ونجز تعليق ليلة الاربعاء حادي عشر ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة والحمد لله وحده وصلواته على أطيب المرسلين محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية