الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تذكرة الفقهاء (ط.ج) - العلامة الحلي ج 2

تذكرة الفقهاء (ط.ج)

العلامة الحلي ج 2


[ 1 ]

تذكرة الفقهاء تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر المتوفى سنة 726 ه‍ الجزء الثاني تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث

[ 2 ]

BP علامه حلى، حسن بن يوسف، 648 - 726 ق. 182 تذكرة الفقهاء / تأليف العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر، 4 ت 8 ع / تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. - قم: مؤسسة آل 1372 البيت عليهم السلام لاحياء التراث، 1414 ق = 1372 -. 20 ج، نمونه. كتابنامه بصورت زيرنويس. 1 - فقه جعفرى - قرن 8. ألف. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث. ب: عنوان. شابك 7 - 33 - 5503 - 964 احتمالا 20 جزءا. 20 7 ISBN 469 - 3055 - 33 - VOLS شابك 3 - 35 - 5503 - 964 ج 2 2. 3 ISBN 469 - 3055 - 53 - VOL الكتاب: تذكرة الفقهاء / ج 2 المؤلف: العلامة الحلي تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث - قم التصوير الفني (الزينگغراف): ليتوگرافي حميد - قم الطبعة: الأولى - صفر 1414 ه‍ المطبعة: مهر - قم الكمية: 3000 نسخة السعر: 2700 ريال ساعدت وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي على طبعه

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة ومسجلة لمؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث قم - دورشهر - خيابان شهيد فاطمي - كوچه 9 - بلاك 5 ص. ب 996 / 37185 - هاتف 23435 و 37371

[ 5 ]

المطلب الثالث: التكفين. وفيه بحثان: الأول: في جنسه، وقدره. مسألة 154: يحرم التكفين بالحرير المحض، ذهب إليه علماؤنا أجمع، سواء كان الميت رجلا أو امرأة - وبه قال الشافعي في الرجل (1) - لما فيه من إتلاف المال، ولأن أحدا من الصحابة والتابعين لم يفعله، ولو كان سائغا لفعلوه، لأنهم كانوا يفتخرون بجودة الاكفان، وقد استحب الشارع تجويدها. وروى الحسين بن راشد، قال: سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قز وقطن، هل يصلح أن يكفن فيها الموتى؟ قال: " إذا كان القطن أكثر من القز فلا بأس " (2) دل بمفهومه على ثبوت البأس مع صرافة القز. والعصب ضرب من برود اليمن، سمي بذلك، لأنه يصبغ بالعصب، وهو نبت باليمن (3). وكره أكثر الجمهور ذلك إلا للمرأة، فإن بعضهم سوغه من غير كراهة، لأنها تلبسه في حال حياتها، والموت أخرجها عن لبسه لعدم الزينة حينئذ (4)، والشافعي كرهه (5).

(1) الوجيز 1: 74، المجموع 5: 197، كفاية الأخيار 1: 102.
(2) الكافي 3: 149 / 12، الفقيه 1: 90 / 415، التهذيب 1: 435 / 1396، الاستبصار 1: 211 / 744.
(3) انظر المصباح المنير 2: 413، مجمع البحرين 2: 122 " عصب ".
(4) المدونة الكبرى 1: 188، المجموع 5: 197، المغني 2: 350، بدائع الصنائع 1: 307.
(5) المجموع 5: 197، كفاية الأخيار 1: 102، السراج الوهاج: 105.

[ 6 ]

مسألة 155: يستحب أن يكون الكفن قطنا محضا أبيض، وهو قول العلماء كافة، لأن النبي صلى الله عليه وآله كفن في القطن الأبيض (1) وقال عليه السلام: (إلبسوا من ثيابكم البياض، فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيه موتاكم) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " الكتان كان لبني إسرائيل يكفنون به، والقطن لامة محمد صلى الله عليه وآله " (3). مسألة 156: ويكره الكتان، ذهب إليه علماؤنا - خلافا للجمهور - لقول الصادق عليه السلام: " لا يكفن الميت في كتان " (4) وكذا يكره الممتزج بالحرير. ويشترط أن يكون مما تجوز الصلاة فيه، ولا يجوز التكفين في الجلود، لأنها تنزع عن الشهيد مع أنه يدفن بجميع ما عليه، فلا يناسب تكفين غيره بها. وهل يجوز التكفين بالصوف والوبر والشعر؟ الأقرب ذلك، لجواز الصلاة فيها، وبه قال الشافعي (5).

(1) صحيح البخاري 2: 97، صحيح مسلم 2: 649 / 941، الموطأ 1: 223 / 5، سنن النسائي 4: 35 - 36.
(2) مسند أحمد 1: 247 و 328 و 355 و 5: 13 و 17، سنن الترمذي 5: 117 / 2810، سنن ابن ماجة 2: 1181 / 3566، سنن البيهقي 3: 402، المستدرك للحاكم 4: 185، سنن النسائي 4: 34.
(3) الكافي 3: 149 / 7، الفقيه 1: 89 / 414، التهذيب 1: 434 / 1392، الاستبصار 1: 210 / 741. (4) التهذيب 1: 451 / 1465، الاستبصار 1: 211 / 745.
(5) المجموع 5: 197، فتح العزيز 5: 131.

[ 7 ]

وقال ابن الجنيد: لا يكفن في الوبر (1)، ولعله استند في ذلك إلى عدم النقل، مع أن التكفين أمر شرعي يقف على مورده. ويشترط فيه الطهارة بالاجماع، ولأنه لو لحقته نجاسة بعد التكفين وجبت إزالتها، فقبله أولى، وكذا الملك، فلا يجوز التكفين بالمغصوب بإجماع العلماء، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، فيكون قبيحا. مسألة 157: يكره أن يكفن في الثياب السود بإجماع العلماء، لأن وصف البياض بالطيب والطهور في كلام النبي صلى الله عليه وآله (2)، يدل بمفهومه على كراهة ضده، ولأنها ثياب مثلة (3)، وقال الصادق عليه السلام: " لا يكفن الميت في السواد " (4). وكذا يكره تكفين الرجل والمرأة بالمعصفر، وغيره - وبه قال الأوزاعي (5) - إلا ما كان من المعصب، وهو ما صبغ بالعصب وهو نبت باليمن. مسألة 158: والواجب في كفن الرجل والمرأة ثلاثة أثواب: مئزر، وقميص - وهو البقيرة (6) - وإزار عند أكثر علمائنا (7)، لأن النبي صلى الله عليه

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 75.
(2) مسند أحمد: 13 و 17، سنن النسائي 4: 34، سنن الترمذي 5: 117 / 2810، سنن ابن ماجة: 2: 1181 / 3567، سنن البيهقي 3: 402، المستدرك للحاكم 4: 185.
(3) ثياب المثلة: هي الثياب التي يخرج بها لابسها عن معتاد العقلاء.
(4) الكافي 3: 149 / 11، التهذيب 1: 434 / 1394.
(5) المغني 2: 350، الشرح الكبير 2: 340.
(6) البقيرة: بفتح الموحدة وهو برد يشق فيلبس بلا كمين. القاموس المحيط 1: 375 - 376 " بقر ".
(7) منهم السيد المرتضى في جمل العلم والعمل (ضمن رسائله) 3: 50، والشيخ في الخلاف 1: 701 مسألة 491، وابن البراج في المهذب 1: 60، والمحقق في المعتبر: 75، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 53.

[ 8 ]

وآله كفن في ثلاثة أثواب سحولية (1). وسحول - بفتح السين - قرية بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها السحولية (2)، والسحول - بضم السين - الثياب البيض (3). وقال الصادق عليه السلام:: " كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثوبين سحوليين، وثوب حبرة يمنية عبري " (4). وقال الباقر عليه السلام: " الكفن المفروض ثلاثة أثواب أو ثوب تام لا أقل منه يوارى به جسده كله، فما زاد فهو سنة حتى يبلغ خمسة، فما زاد فمبتدع " (5). وقال سلار: الواجب لفافة تستر الميت وتعم البدن، وما زاد مستحب (6) للأصل، وبه قال الأوزاعي، والشافعي في أحد الوجهين (7) تكريما له، وسترا لما عساه يعرض من التغير، إلا أن المحرم عند الشافعي، لا يستر رأسه، ولا المرأة وجهها، والثاني: أن الواجب قدر ما يستر العورة كالحي - وهو أوفق لنص الشافعي - فيختلف الحال بالذكورة والانوثة، لاختلافهما في قدر العورة، واستحب الشافعي ثلاثة ازر يدرج فيها إدراجا ليس فيها قميص ولا عمامة، وبه قال أحمد (8).

(1) صحيح البخاري 2: 97، صحيح مسلم 2: 649 / 941، سنن البيهقي 3: 399.
(2) معجم البلدان 3: 195.
(3) انظر القاموس المحيط 3: 394 ولسان العرب 11: 328 " سحل ".
(4) المعتبر: 75.
(5) الكافي 3: 144 / 5، التهذيب 1: 292 / 854.
(6) المراسم: 47.
(7) المجموع 5: 191 - 192، فتح العزيز 5: 131 - 133.
(8) المجموع 5: 194، فتح العزيز 5: 135، مسائل أحمد: 141 - 142، المحرر في الفقه 1: 191، بداية المجتهد 1: 232، المغني 2: 333، الشرح الكبير 2: 336.

[ 9 ]

واستحب أبو حنيفة أن يكفن في إزار ورداء وقميص (1)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كفن في قميصه (2)، وألبس قميصه عبد الله بن أبي بن سلول [ و ] كفنه به، وقال: (لا يعذب ما بقي عليه منه سلك) (4). وقال ابن الجنيد: لا بأس أن يكون الكفن ثلاثة أثواب يدرج فيها إدراجا، أو ثوبين وقميصا (5). والمشهور إيجاب القميص، أما مع الضرورة فإن الواحد مجز بالاجماع. ولو قصر الثوب عن جميعه ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشا، ولو لم يكف إلا العورة وجب الستر بها، لأنها أهم من غيرها. تذنيب: لا فرق بين الصبي والرجل، والجمهور اكتفوا بثوب واحد، وإن كفن في ثلاثة فلا بأس (6). لنا: أنه كالرجل لأنه ذكر. مسألة 159: ذهب علماؤنا إلى استحباب زيادة حبرة يمنية - وهي المنسوبة إلى اليمن - عبرية - منسوبة إلى العبر، وهو جانب الوادي (7) - غير مطرزة بالذهب، لأن الباقر عليه السلام قال: " كفن رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثة أثواب: برد حبرة أحمر، وثوبين أبيضين صحاريين " وقال: " إن

(1) شرح فتح القدير، 2: 76 - 77، شرح العناية 2: 77، الكفاية 2: 76، الهداية للمرغيناني 1: 91، عمدة القارئ 8: 50، اللباب 1: 127 - 128، المغني 2: 333، الشرح الكبير 2: 336. (2) سنن ابن ماجة 1: 472 / 1471 وانظر المغني 2: 333 والشرح الكبير 2: 336.
(3) الزيادة يقتضيها السياق.
(4) انظر صحيح البخاري 2: 96 - 97، صحيح مسلم 4: 2141 / 2774، سنن النسائي 4: 37 - 38، سنن الترمذي 5: 279 / 3098.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 75.
(6) المغني 2: 340، الشرح الكبير 2: 339.
(7) القاموس المحيط 2: 83، مجمع البحرين 3: 394 " عبر ".

[ 10 ]

الحسن بن علي عليهما السلام كفن أسامة بن زيد في برد أحمر حبرة، وإن عليا عليه السلام كفن ابن حنيف في برد أحمر حبرة " (1). وأنكر الجمهور ذلك (2)، لأن عائشة ذكر لها أن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في برد، فقالت: قد أتي بالبرد، ولكن لم يكفنوه فيه (3). وروايتنا أولى، لأنها مثبتة، وكره أحمد الزيادة على ثلاثة أثواب لما فيه من إضاعة المال (4)، وينتقض بالثلاثة. مسألة 160: ويستحب أن يزاد الرجل خرقة لشد فخذيه، طولها ثلاثة أذرع ونصف، في عرض شبر إلى شبر ونصف، وتسمى الخامسة يلف بها فخذاه لفا شديدا بعد أن يحشو الدبر بالقطن، وعلى المذاكير، ثم يخرج طرفيها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن، ويغمزه في الموضع الذي شدها فيه، واستحبه أحمد في المرأة خاصة دون الرجل (5)، والمقتضي فيهما واحد، ولقول الصادق عليه السلام: " يلف (6) الميت في خمسة أثواب: قميص لا يزر عليه، وإزار، وخرقة يعصب بها وسطه " (7) وعنه عليه السلام: " يجعل طول الخرقة ثلاثة أذرع ونصفا وعرضها شبرا ونصفا " (8). مسألة 161: ويستحب العمامة للرجل تثنى عليه محنكا، ويخرج طرفاها

(1) الكافي 3: 149 / 9، التهذيب 1: 296 / 868 و 869.
(2) المجموع 5: 194، المغني 2: 333، الشرح الكبير 2: 336.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 258، سنن الترمذي 3: 321 / 996، سنن ابن ماجة 1: 472 / 1469، سنن البيهقي 3: 400 - 401.
(4) المغني 2: 337، الشرح الكبير 2: 338. (5) المغني 2: 346 - 347، المحرر في الفقه 1: 192، الشرح الكبير 2: 339.
(6) في المصدر: يكفن.
(7) الكافي 3: 145 / 11، التهذيب 1: 293 / 858.
(8) التهذيب 1: 306 / 887.

[ 11 ]

من الحنك، ويلقيان على صدره - ذهب إليه علماؤنا - لأن المطلوب ستر الميت، والعمامة ساترة، وقول الصادق عليه السلام: " وإذا عممته فلا تعممه عمة الأعرابي " وقال: " خذ العمامة من وسطها وانشرها على رأسه، ثم ردها إلى خلفه واطرح طرفيها على صدره " (1) وقال الباقر عليه السلام: " أمر النبي صلى الله عليه وآله بالعمامة، وعمم النبي صلى الله عليه وآله، ومات أبو عبيدة الحذاء، فبعث الصادق عليه السلام معنا بدينار وأمرنا أن نشتري به حنوطا وعمامة ففعلنا، وقال: " العمامة سنة " (2). ولم يستحبها الجمهور (3)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة (4)، وهو غير مناف، لأن المراد أن العمامة ليست أحد الثلاثة. تذنيب: العمامة ليست من الكفن، فلو سرقها النباش لم يقطع وإن بلغت النصاب، لأن القبر حرز الكفن دون غيره. مسألة 162: ويستحب أن تزاد المرأة على الخمسة، لفافتين أو لفافة ونمطا فيكون المستحب لها سبعة. قال الباقر عليه السلام: " يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع، ومنطق، وخمار، ولفافتين " (5). وسأل

(1) الكافي 3: 144 / 8، التهذيب 1: 309 / 899.
(2) الكافي 3: 144 / 5، التهذيب 1: 292 / 854.
(3) الأم 1: 266، الوجيز 1: 74، المجموع 5: 194، المغني 2: 333، الشرح الكبير 2: 336، العدة شرح العمدة: 116، سبل السلام 2: 543.
(4) صحيح مسلم 2: 649 / 941، مصنف ابن أبي شيبة 3: 258، الموطأ 1: 223 / 5، سنن ابن ماجة 1: 472 / 1469، سنن البيهقي 3: 339.
(5) الكافي 3: 147 / 3، التهذيب 1: 324 / 945.

[ 12 ]

بعض أصحابنا كيف تكفن المرأة؟ فقال: " كما يكفن الرجل، غير أنها تشد على ثدييها خرقة تضم الثدي إلى الصدر، وتشد إلى ظهرها " (1). والمراد بالنمط ثوب فيه خطط، مأخوذ من الانماط وهي الطرائق (2). وتعوض عن العمامة بقناع، لقول الصادق عليه السلام: " تكفن المرأة في خمسة أثواب، أحدها: الخمار " (3)، والخمار هو القناع لأنه يخمر به الرأس. تذنيب: ظهر مما قلناه أن الكفن الواجب في الذكر والانثى ثلاثة أثواب، والمستحب في الرجل خمسة، وفي الأنثى سبعة، ولا يجوز الزيادة على ذلك لما فيه من إضاعة المال. وقال الشافعي: الواجب في الكفن ستر العورة، والمستحب ثلاثة، والجائز خمسة، والمكروه ما زاد (4)، واستحب أكثر الجمهور كفن المرأة في خمسة أثواب، واختلفوا. فللشافعي قولان، أحدهما: قميص، ومئزر، ولفافة، ومقنعة، وخامسة يشد بها فخذاها، لزيادتها في حال الحياة في الستر على الرجل، لزيادة عورتها على عورته، فكذا بعد الموت، ولم يكره لها المخيط كما لم

(1) الكافي 3: 147 / 2، التهذيب 1: 324 / 944.
(2) النمط: نوع من الثياب المصبغة بألوان من حمرة أو خضرة أو صفرة... والنمط: الطريقة والجمع أنماط. لسان العرب 7: 417 " نمط ".
(3) الكافي 3: 146 / 1، التهذيب 1: 324 / 946.
(4) الأم 1: 266، الوجيز 1: 74، المجموع 5: 194، فتح العزيز 5: 133 و 135، السراج الوهاج: 105.

[ 13 ]

يكره حال إحرامها، وكرهوه في الرجل، والثاني: أن الخمسة: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان (1). وقال أحمد: لا خمار في كفن الجارية، لأنه غير واجب في صلاتها، وعنى بها - في رواية - ما لم تبلغ، وفي أخرى: ما لم تبلغ تسع سنين (2). مسألة 163: الكفن الواجب يخرج من صلب المال بإجماع العلماء إلا من شذ من الجمهور، فإنهم جعلوه من الثلث (3). وقال طاوس: إن كان ماله كثيرا فمن الأصل، وإن كان قليلا فمن الثلث لأن ما زاد على ستر العورة ليس بواجب، فيجب من الثلث كتبرعه (4). وهو خطأ لأن النبي صلى الله عليه وآله قال في الذي وقصت (5) به راحلته: (كفنوه في ثوبيه) (6) ولم يسأل عن ثلثه. ولأن جماعة من الصحابة لم تكن لهم تركة إلا قدر الكفن، فكفنوا به كحمزة، ومصعب بن عمير (7). ولأن الميراث بعد الدين والمؤونة مقدمة على الدين.

(1) مختصر المزني: 37، المجموع 5: 205 و 208 (2) المغني 2: 348 - 349، الشرح الكبير 2: 339.
(3) المجموع 5: 189، الشرح الكبير 2: 335، عمدة القارئ 8: 57.
(4) المجموع 5: 189، الشرح الكبير 2: 235، عمدة القارئ 8: 57.
(5) وقصت به ناقته: وقع عنها فكسرت عنقه. النهاية 5: 214 مادة " وقص ".
(6) صحيح البخاري 2: 96، صحيح مسلم 2: 865 / 1206، مسند أحمد 1: 333، سنن النسائي 5: 195، سنن البيهقي 3: 392، سنن أبي داود 3: 219 / 3238، سنن ابن ماجة 2: 1030 / 3084، سنن الدار قطني 2: 295 / 264.
(7) صحيح البخاري 2: 97 - 98، صحيح مسلم 2: 649 / 940، وانظر عمدة القارئ 8: 58، الشرح الكبير 2: 335.

[ 14 ]

ولقول الصادق عليه السلام، " ثمن الكفن من جميع المال " (1). ونمنع اعتبار الواجب في الساتر، ولا فرق بين أن يوصي به أو لا. أما ما عدا الواجب: فإن اتفقت الورثة عليه ولا دين، أو كان ووافق أربابه أو أوصى به وهو يخرج من الثلث، فإنه ماض. ولو تشاح الورثة اقتصر على الواجب، وللشافعية وجهان في مضايقة الورثة في الثوبين الزائدين على الواحد (2) (3)، ولو أوصى بإسقاط الزائد على الواجب نفذت وصيته، ولو أوصى بالمستحب نفذت وصيته من الثلث. ولو ضايق أصحاب الديون المستغرقة في الزائد على الواجب لم يخرج وللشافعية وجهان، أحدهما: أنهم لا يجابون، ويكفن في ثلاثة كالمفلس تترك عليه ثياب تجمله، وأظهرهما: الاجابة لحصول الستر وزيادة حاجته إلى براءة ذمته من التجمل (4)، ولو ضايقوا في الواجب أخرج. مسألة 164: محل كفن الرجل التركة لأنها من جملة المؤونة، وهو إجماع، ولو لم يخلف شيئا لم يجب على أحد بذل الكفن عنه، قريبا كان أو بعيدا، إلا المملوك، للبراءة الأصلية. وقال الشافعي: يجب على من تجب عليه النفقة كالقريب والسيد (5). وإما المرأة فإن كفنها على زوجها عند علمائنا، سواء كانت موسرة أو

(1) الكافي: 7: 23 / 1، الفقيه 4: 143 / 490، التهذيب 1: 437 / 1407.
(2) في نسخة (م): الواجب.
(3) الأم 1: 267، المجموع 5: 194، فتح العزيز 5: 133.
(4) المجموع 5: 195، فتح العزيز 5: 134.
(5) المجموع 5: 190، فتح العزيز 5: 134، السراج الوهاج: 105، مغني المحتاج 1: 338.

[ 15 ]

معسرة - وهو أصح وجهي الشافعية (1) - لقول علي عليه السلام: " على الزوج كفن امرأته إذا ماتت " (2) ولثبوت الزوجية إلى حين الوفاة، فيجب الكفن، ولأن من وجبت نفقته وكسوته في الحياة وجب تكفينه عند الممات كمملوكه، فكذا زوجته. والثاني: عدم الوجوب على الزوج - وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد - لأن النفقة تتبع التمكين من الاستمتاع وقد انقطع بالموت (3). وأما المملوك فيجب كفنه على مولاه بالاجماع، لاستمرار حكم رقيته إلى الوفاة. تذنيب: لو لم يخلف الميت شيئا دفن عاريا، ولا يجب على المسلمين بذل الكفن بل يستحب، نعم يكفن من بيت المال إن كان، وكذا الماء والكافور والسدر وغيره. مسألة 165: ويستحب أن تجعل معه في الكفن جريدتان، ذهب إليه علماؤنا أجمع - ولم يستحبه غيرهم - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (خضروا صاحبكم) (4) أي اجعلوا معه جريدة خضراء. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يوضع للميت جريدة في اليمين والأخرى في اليسار، فإن الجريدة تنفع المؤمن والكافر " (5).

(1) المجموع 5: 189، الوجيز 1: 74، فتح العزيز 5: 134، السراج الوهاج: 105، مغني المحتاج 1: 338.
(2) التهذيب 1: 445 / 1439.
(3) الكفاية 2: 77، بدائع الصنائع 1: 308، القوانين الفقهية: 92، الشرح الكبير 2: 335، المحرر في الفقه 1: 192. المجموع 5: 189، فتح العزيز 5: 134.
(4) الكافي 3: 152 / 2، الفقيه 1: 88 / 408.
(5) الكافي 3: 151 / 1، الفقيه 1: 89 / 409، التهذيب 1: 327 / 954.

[ 16 ]

فروع: أ - يستحب أن تكونا رطبتين، لأن القصد استدفاع العذاب ما دامت الرطوبة فيهما، قيل للصادق عليه السلام: لاي شئ تكون مع الميت جريدة؟ قال: " تجافي عنه مادامت رطبة " (1). ب - يستحب أن تكون من النخل فإن تعذر فمن السدر، فإن تعذر فمن الخلاف، فإن تعذر فمن شجر رطب، ولو حصلت تقية وضعت الجريدتان في القبر، فإن تعذر فلا بأس بتركهما. ج - يستحب جعل إحداهما مع ترقوته من جانبه الأيمن يلصقها بجلده والأخرى من الجانب الأيسر بين القميص والأزار، قاله الشيخان (2)، وقال ابن أبي عقيل: إحداهما تحت إبطه الأيمن (3). وقال علي بن بابويه: تجعل اليمنى مع ترقوته، واليسرى عند وركه بين القميص والأزار (4)، والوجه الأول، لرواية جميل (5). د - يستحب أن تكون قدر كل واحدة قدر عظم الذراع، وفي رواية: قدر شبر (6). مسألة 166: كره علماؤنا أجمع تجمير الاكفان، وهو تبخيرها بالعود (7) لعدم

(1) الكافي 3: 153 / 7، الفقيه 1: 88 / 404، التهذيب 1: 327 / 955.
(2) المقنعة: 11، المبسوط للطوسي 1: 179.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 77.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 77. (5) الكافي 3: 152 / 5، التهذيب 1: 309 / 897.
(6) الكافي 3: 152 / 5، التهذيب 1: 309 / 897.
(7) ورد في نسخة (ش): بالبخور.

[ 17 ]

الأمر الشرعي به، ولما فيه من تضييع المال، ولقول الصادق عليه السلام: " لا تجمروا الكفن " (1) وقال عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تجمروا الأكفان، ولا تمسوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور، فإن الميت بمنزلة المحرم " (2). واستحب الجمهور التجمير (3)، بأن يترك العود على النار في مجمرة، ثم يبخر به الكفن حتى تعبق (4) رائحته بعد أن يرش عليه ماء الورد، ويكون العود ساذجا، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا جمرتم الميت فاجمروه ثلاثا) (5)، وهو يدل على الجواز، ونحن لا نمنع منه. البحث الثاني: الكيفية. مسألة 167: يجب الحنوط، وهو أن يمسح مساجده السبعة بالكافور بأقل اسمه - وهو أحد قولي الشافعي (6) - لأنها مواضع شريفة، وإجماع علمائنا عليه، قال المفيد: أقل ما يحنط الميت درهم، وأفضل منه أربعة مثاقيل، والأكمل ثلاثة عشر درهما وثلث (7)، لأن جبرئيل نزل بأربعين درهما

(1) الكافي 3: 147 / 1، التهذيب 1: 294 / 862، الاستبصار 1: 209 / 734.
(2) الكافي 3: 147 / 3، التهذيب 1: 295 / 863، الاستبصار 1: 209 / 735، علل الشرائع: 308 باب 258، الخصال: 618 / 10.
(3) الأم 1: 266، المجموع 5: 197، المدونة الكبرى 1: 188، مسائل أحمد: 148، المغني 2: 331 - 332، الشرح الكبير 2: 337، العدة شرح العمدة: 116، كشاف القناع 2: 106، مختصر المزني: 36، المبسوط للسرخسي 2: 59 - 60، بدائع الصنائع 1: 307، اللباب 1: 129، الهداية للمرغيناني 1: 91.
(4) عبقت رائحة المسك: ظهرت. مجمع البحرين 5: 210 " عبق ".
(5) مسند أحمد 3: 331، سنن البيهقي 3: 405.
(6) الأم 1: 265، مختصر المزني: 36، المجموع 5: 198، فتح العزيز 5: 138 - 139.
(7) المقنعة: 11.

[ 18 ]

من كافور الجنة، فقسمه النبي صلى الله عليه وآله بينه وبين علي عليه السلام، وفاطمة عليها السلام أثلاثا (1)، وروى علي بن إبراهيم - رفعه - في الحنوط ثلاثة عشر درهما وثلث (2). فروع: أ - لا يقوم غير الكافور مقامه عندنا وسوغ الجمهور المسك (3)، وقد بينا أنه كالمحرم. ب - لو تعذر الكافور سقط الحنوط، لعدم تسويغ غيره. ج - لا يجب استيعاب المساجد بالمسح. لعلمائنا قولان في أن كافور الغسلة من هذا المقدر الشرعي. مسألة 168: يستحب أن يغتسل الغاسل قبل تكفينه، فإن لم يفعل استحب له أن يتوضأ وضوء الصلاة، لأن الغسل من المس واجب فاستحبت الفورية، فإن لم يتفق غسل يديه إلى ذراعيه، لأنه استظهار في التطهير، ولقول العبد الصالح عليه السلام: " يغسل الذي غسله يديه قبل أن يكفنه إلى المنكبين ثلاث مرات، ثم إذا كفنه اغتسل " (4). تذنيب: الأقرب عدم الاكتفاء بهذا الوضوء في الصلاة إذا لم ينو رفع الحدث.

(1) الفقيه 1: 90 ذيل الحديث 418، علل الشرائع: 302 باب 242.
(2) الكافي 3: 151 / 4، التهذيب 1: 290 / 845.
(3) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 138، المجموع 5: 202، المدونة الكبرى 1: 187، المغني 2: 342، إرشاد الساري 2: 386، بلغة السالك 1: 196، كشاف القناع 2: 106، شرح الازهار 1: 422.
(4) التهذيب 1: 446 / 1444، الاستبصار 1: 208 / 731.

[ 19 ]

مسألة 169: ويستحب أن يطيب الكفن بالذريرة - وهي الطيب المسحوق - قال بعض علمائنا: إنها نبت يعرف بالقمحان (1)، وعلى الاستحباب إجماع أهل العلم، وقال الصادق عليه السلام: " وتبسط اللفافة طولا، ويذر عليها من الذريرة " (2). ويستحب أن يكتب على الحبرة والقميص واللفافة والجريدتين: أنه يشهد الشهادتين، ويسمي الأئمة عليهم السلام واحدا واحدا، لأن الصادق عليه السلام كتب في حاشية كفن ولده إسماعيل " إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله " (3) ويكون ذلك بتربة الحسين عليه السلام، فإن تعذر فبالأصبع، ويكره أن يكتب بالسواد. مسألة 170: يستحب أن يجعل بين أليتيه شئ من القطن المنزوع الحب لئلا يخرج منه شئ، واختلف في كيفيته، فقال الشيخ: يحشى القطن في دبره (4). وقال ابن إدريس: يوضع على حلقة الدبر من غير حشو (5). وقال الشافعي: ثم يدخله بين أليتيه إدخالا بليغا ويكثر ذلك (6). وقال أصحابه: ليس المراد إدخال القطن في دبره، بل بين أليتيه، والمبالغة يريد الايصال إلى الحلقة (7) وهو الأحوط (8) عندي احتراما للميت،

(1) هو المفيد في المقنعة: 11، وابن إدريس في السرائر: 32.
(2) التهذيب 1: 305 / 887.
(3) التهذيب 1: 289 / 842. (4) المبسوط للطوسي 1: 179.
(5) السرائر: 32.
(6) الأم 1: 281، مختصر المزني: 36، الوجيز 1: 74، المجموع 5: 200.
(7) المجموع 5: 200 - 201.
(8) في نسخة (م): الاجود.

[ 20 ]

لما في الحشو من تناول حرمته، نعم إن خاف خروج شئ منه حشاه في دبره. مسألة 171: ثم يشد فخذيه بالخامسة، ويضم فخذيه ضما شديدا بعد أن يحشو الدبر قطنا، وعلى المذاكير، ويلفها في فخذيه، ثم يخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن، ويغمزها في الموضع الذي لف فيه الخرقة ويلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا، وبه قال الشافعي (1)، واستحبه أحمد في المرأة خاصة (2)، وقد تقدم (3)، وهذا مستحب وليس بواجب إجماعا. مسألة 172: ثم يأخذ الازار فيؤزره به، ويكون عريضا يبلغ من صدره إلى الرجلين، فإن نقص عنه لم يكن به بأس، ويحنط مساجده بالكافور كما تقدم (4)، فإن فضل شئ من الكافور مسح به صدره، ثم يرد القميص عليه، ويأخذ الجريدتين، ويجعل إحداهما من جانبه الأيمن مع ترقوته يلصقها بجلده، والأخرى من الأيسر ما بين القميص والأزار، ويعممه فيأخذ وسط العمامة فيلفها على رأسه بالدور ويحنكه بها، ويطرح طرفيها جميعا على صدره، ولا يعممه عمة الأعرابي بغير حنك، ثم يلفه في اللفافة، فيطوي جانبها الأيسر على جانبه الأيمن، وجانبها الأيمن على جانبه الأيسر، ثم يصنع بالحبرة أيضا مثل ذلك، فإن لم توجد حبرة استحب التعويض بلفافة أخرى، ويعقد طرفها مما يلي رأسه ورجليه، والواجب من ذلك أن يؤزره، ثم يلبسه القميص، ثم يلفه بالازار. وقال الشافعي، وأحمد: يبسط أحسن اللفائف وأوسعها، ويذر عليها حنوطا، ثم الثانية، ويذر عليها الحنوط، ثم الثالثة، ويذر عليها الحنوط في

(1) المجموع 5: 201، فتح العزيز 5: 138.
(2) مسائل أحمد: 150، المغني 2: 346 - 348. (3) تقدم في المسألة 160.
(4) تقدم في المسألة 167.

[ 21 ]

أحد الوجهين، وفي الثاني: لا يذر على الثالثة. فإذا فرغ من بسط الثياب نقله من مغتسله إلى أكفانه مستورا بثوب، ويترك على الكفن مستلقيا على ظهره، ويحشو القطن بين اليتيه، ويأخذ القطن ويضع عليه الحنوط والكافور، ثم يلف الكفن عليه، ويشد عليه بشداد، وينزع الشداد عند الدفن - ولم يعرف أصحابنا الشداد، بل يعقدون أطراف اللفافة - وفي طي اللفافة قولان، أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: يثني شق الثوب الأيمن على شقه الأيمن (1). وما قلناه أولى. مسألة 173: ويستحب سحق الكافور باليد - قاله الشيخان (2) - ولا يوضع شئ من الكافور، ولا من المسك، ولا من القطن في سمع الميت، ولا في بصره، ولا في فيه، ولا في جراحه النافذة إلا أن يخاف خروج شئ من أحدها فيوضع فيه القطن - قاله علماؤنا - لأن ذلك يفسدها (3) فيجتنب، لقوله عليه السلام: (جنبوا موتاكم ما تجنبون أحياءكم) (4). وقال الصادق عليه السلام: " لا تجعل في مسامع الميت حنوطا " (5). واستحبه الجمهور، لئلا يدخل الهوام إليها (6).

(1) الأم 1: 281 - 282، مختصر المزني: 36، الوجيز 1: 74، المجموع 5: 199 و 200 - 204، فتح العزيز 5: 138 - 139، السراج الوهاج: 105 - 106، المغني 2: 335، الشرح الكبير 2: 337.
(2) المقنعة: 11، المبسوط للطوسي 1: 179.
(3) ورد في نسختي (م) و (ش): يفسدهما.
(4) المعتبر: 78.
(5) التهذيب 1: 308 / 893، الاستبصار 1: 212 / 748.
(6) مختصر المزني: 36، المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 137، الوجيز 1: 74، المجموع 5: 201، المدونة الكبرى 1: 187، القوانين الفقهية: 92، بدائع الصنائع 1: 308، فتح الوهاب 1: 93، المحرر في الفقه 1: 191.

[ 22 ]

قال الشيخ: يكره أن يكون في الكافور شئ من المسك، والعنبر (1)، لقول الصادق عليه السلام: " لا تمسوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور " (2). مسألة 174: ويكره أن يقطع الكفن بالحديد، قال الشيخ في التهذيب: سمعناه مذاكرة من الشيوخ، وعليه كان عملهم (3)، ولابد له من أصل فيعتمد عليه. قال الشيخ: ويكره بل الخيوط التي يخاط بها الكفن بالريق، ويكره أيضا أن يعمل لما يبتدأ من الأكفان أكمام (4). ولو كفن في قميص كان لابسا له لم يقطع كمه - قاله علماؤنا - وسئل الصادق عليه السلام، قلت: الرجل يكون له القميص يكفن فيه؟ فقال: " إقطع أزراره " قلت: وكمه؟ قال: " لا إنما ذلك إذا قطع له وهو جديد لم يجعل له كما، فأما إذا كان ثوبا لبيسا فلا يقطع منه إلا أزراره " (5). مسألة 175: وإن سقط من الميت شئ غسل وجعل معه في أكفانه بإجماع العلماء، لأن جميع أجزاء الميت في موضع واحد أولى. المطلب الرابع: في الصلاة عليه، ومباحثه خمسة: الأول: الميت. مسألة 176: إنما تجب الصلاة على المسلم بالاجماع، فلا يجوز على

(1) المبسوط للطوسي 1: 177.
(2) الكافي 3: 147 / 3، التهذيب 1: 295 / 863، الاستبصار 1: 209 / 735، علل الشرائع: 308 باب 258، الخصال: 618 / 10.
(3) التهذيب 1: 294.
(4) المبسوط للطوسي 1: 177.
(5) الفقيه 1: 90 / 418، التهذيب 1: 305 / 886.

[ 23 ]

الكافر وإن كان ذميا أو مرتدا، قال الله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) (1) ولا يجب على المسلمين غسله. وأما التكفين والدفن فلا يجبان أيضا وإن كان ذميا - وهو أحد وجهي الشافعي - لأن الذمة قد انتهت بالموت، وأظهرهما: الوجوب كما يجب أن يطعم ويكسى في حياته (2). وأظهر الوجهين عنده في الحربي: عدم وجوب تكفينه ودفنه، لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بإلقاء قتلى بدر في القليب على هيئتهم (3)، وفي وجوب مواراته عنده وجهان (4). فروع: أ - لو اختلط قتلى المسلمين بقتلى المشركين، قال علماؤنا: يصلى عليهم جميعا بنية الصلاة على المسلمين خاصة، ويجوز أن يصلى على كل واحد واحد بنية الصلاة عليه إن كان مسلما - وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد (5) - لامكان الصلاة على المسلم من غير ضرورة فوجب. وقال أبو حنيفة: إن كان المسلمون أكثر صلي عليهم وإلا فلا، لأن الاعتبار بالأكثر، بدليل أن دار المسلمين الظاهر منها الاسلام لكثرة

(1) التوبة: 84.
(2) المجموع 5: 142، فتح العزيز 5: 149.
(3) سنن أبي داود 3: 58 / 2681، وانظر تلخيص الحبير 5: 150.
(4) المجموع 5: 143، فتح العزيز 5: 150. (5) الأم 1: 269، المجموع 5: 258 - 259، فتح العزيز 5: 150، المغني 2: 404، الشرح الكبير 2: 358.

[ 24 ]

المسلمين، وعكسها دار الحرب (1)، ويبطل بما إذا اختلطت أخته بالأجنبيات فإن الحكم يثبت للأقل (2). أما المواراة فقال الشيخ: يوارى من كان صغير الذكر (3) لقول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: لا تواروا إلا كميشا، وقال: لا يكون إلا في كرام الناس " (4)، وقيل بالقرعة (5)، والوجه عندي دفن الجميع تغليبا لحرمة المسلم، وبه قال الشافعي (6). ب - لو وجد ميت لا يعلم كفره وإسلامه، فإن كان في دار الاسلام الحق بالمسلمين وإلا فبالكفار. ج - يصلى على كل مظهر للشهادتين من سائر فرق الاسلام. وقال أحمد: لا أشهد الجهمية ولا الرافضة، ولا على الواقفي - وبه قال مالك (7) - لأن ابن عمر روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن لكل أمة مجوسا وإن مجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر) (8). وقال ابن عبد البر: سائر العلماء يصلون على أهل البدع، والخوارج، وغيرهم (9)، لعموم قوله صلى الله عليه وآله: (صلوا على من قال لا إله إلا

(1) المبسوط للسرخسي 2: 54، المجموع 5: 259، فتح العزيز 5: 150، المغني 2: 404.
(2) قال العلامة في منتهى المطلب 1: 449 ردا على أبي حنيفة: وما ذكروه ينتقض بالاخت لو اشتبهت مع عشرة، فإنهن يحرمن كلهن، والغالب هنا لم يعتد به.
(3) المبسوط للطوسي 1: 182.
(4) لتهذيب 6: 172 / 336.
(5) حكاه عن بعض المتأخرين المحقق في المعتبر: 85.
(6) المجموع 5: 258.
(7) المغني 2: 419، الشرح الكبير 2: 356، المدونة الكبرى 1: 182.
(8) مسند أحمد 2: 86، سنن أبي داود 4: 222 / 4692، الجامع الصغير 2: 413 / 7304.
(9) المغني 2: 419، الشرح الكبير 2: 356، وقال ابن عبد البر في كتابه (الكافي في فقه أهل المدينة): 86: ولا يصلي أهل العلم والفضل على أهل البدع، ولا على من ارتكب الكبائر واشتهر بها، ويصلي عليهم غيرهم.

[ 25 ]

الله) (1) واستضعفوا الرواية، وعنوا تشبيه القدرية بالمجوس. د - لا يصلى على أطفال المشركين لالحاقهم بآبائهم إلا أن يسلم أحد أبويه أو يسبى منفردا عن أبويه عند الشيخ (2)، ولو سبي مع أحد أبويه لم يلحق بالسابي في الاسلام، وبه قال أبو ثور (3)، وقال أحمد: يصلى عليه كما لو سبي منفردا (4). ه‍ - لا تجب الصلاة على كل من اعتقد ما يعلم بطلانه من الدين ضرورة، كالخوارج والغلاة، لقدحهم في علي عليه السلام، وكذا من قدح في أحد الأئمة عليهم السلام كالسبأية (5)، والخطابية (6)، ويجب على من عداهم لقوله عليه السلام: (صلوا على كل بر وفاجر) (7). مسألة 177: تجب الصلاة على الصبي من أولاد المسلمين إذا كان لهم ست

(1) سنن الدار قطني 2: 56 / 3 و 4، مجمع الزوائد 2: 67، سنن البيهقي 4: 19، الجامع الصغير 2: 98 / 5030. (2) المبسوط للطوسي 2: 23.
(3) المغني 2: 419، الشرح الكبير 2: 356، عمدة القارئ 8: 168.
(4) المغني 2: 419، الشرح الكبير 2: 356.
(5) السبأية: قيل: إنها فرقة تنسب إلى عبد الله بن سبأ، ولهم اعتقادات باطلة وآراء فاسدة، خرجت بها عن أصول الاسلام الحقة. انظر في شأن هذه الفرقة كتاب (عبد الله بن سبأ) للسيد العسكري، فرق الشيعة: 22، الملل والنحل للشهرستاني القسم الأول: 155، الفرق بين الفرق: 255، التبصير في الدين: 123.
(6) الخطابية: هم أتباع أبي الخطاب الأسدي الكوفي، وكان رجلا ضالا مضلا، وقد وردت روايات كثيرة صريحة في ذمه ولعنه، قتله عيسى بن موسى عامل المنصور بسبخة الكوفة، رجال الكشي: 290 / 509 وما بعدها، معجم رجال الحديث 14: 243 / 9987، فرق الشيعة: 42، التبصير في الدين: 126، الملل والنحل للشهرستاني القسم الأول: 159.
(7) سنن البيهقي 4: 19، سنن الدارقطني 2: 57 / 10، الجامع الصغير 2: 97 / 5022.

[ 26 ]

سنين فصاعدا، ولا تجب لو كان له دون ذلك، لأنه الحد الذي يؤمر معه بالصلاة. والصلاة على الميت استغفار وشفاعة فلا معنى للشفاعة فيمن لا يؤمر بالصلاة وجوبا ولا ندبا. وسئل الصادق عليه السلام متى يصلى على الصبي؟ قال: " إذا عقل الصلاة " قلت: متى تجب عليه؟ قال: " إذا كان ابن ست سنين " (1). وقال الحسن البصري، وإبراهيم، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا يصلى عليه حتى يستهل (2) لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل) (3). وقال أحمد: يصلى عليه وإن ولد سقطا إذا استكمل أربعة أشهر - وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق (4)، وللشافعي كالمذهبين (5) - لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (السقط يصلى عليه) (6)، وعن سعيد ابن المسيب أيضا تجب حين تجب عليه الصلاة (7).

(1) الكافي 3: 206 / 2، الفقيه 1: 104 / 486، التهذيب 3: 198 / 456، الاستبصار 1: 479 / 1855. (2) المدونة الكبرى 1: 179، القوانين الفقهية: 93، بداية المجتهد 1: 240، المجموع 5: 258، المغني 2: 393، عمدة القارئ 8: 176.
(3) سنن الترمذي 3: 350 / 1032.
(4) المغني 2: 393، الشرح الكبير 2: 333، المجموع 5: 258، عمدة القارئ 8: 176، المحلى 5: 159، مصنف ابن أبي شيبة 3: 317.
(5) المجموع 5: 255 - 256، فتح العزيز 5: 146 - 148، كفاية الأخيار 1: 101، عمدة القارئ 8: 176، المغني 2: 392، الشرح الكبير 2: 333.
(6) مسند أحمد 4: 249، سنن أبي داود 3: 205 / 3180، سنن البيهقي 4: 8، المستدرك للحاكم 1: 363.
(7) الموجود في المصادر هو سعيد بن جبير. راجع المجموع 5: 257، عمدة القارئ 8: 176، مصنف ابن أبي شيبة 3: 318.

[ 27 ]

فروع: أ - يستحب الصلاة على من نقص سنه عن ست إذا ولد حيا، لقول الكاظم عليه السلام: " يصلى على الصبي على كل حال إلا أن يسقط لغير تمام " (1) وقال الصادق عليه السلام: " لا يصلى على المنفوس - وهو المولود الذي لم يستهل - وإذا استهل فصل عليه " (2). ب - لو خرج بعضه واستهل ثم مات استحبت الصلاة عليه ولو خرج أقله، لحصول الشرط وهو الاستهلال. وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه حتى يكون الخارج أكثره، اعتبارا بالأكثر (3). ج - لا يستحب الصلاة على السقط ميتا عند علمائنا، وصلاة ابن عمر على ابن لابنه ولد ميتا (4) ليس حجة. مسألة 178: ويشترط حضور الميت عند علمائنا أجمع، فلا تجوز الصلاة على الغائب عن البلد - وبه قال أبو حنيفة، ومالك (5) - وإلا لصلي على النبي صلى الله عليه وآله في الأمصار، وكذا الأعيان من الصلحاء، ولو فعل ذلك لاشتهر وتواترت مشروعية، ولأن استقبال القبلة بالميت شرط ولم يحصل، ولأن حضور الجنازة شرط كما لو كانت في البلد.

(1) التهذيب 3: 331 / 1036، الاستبصار 1: 481 / 1860.
(2) التهذيب 3: 199 / 459، الاستبصار 1: 480 / 1857.
(3) شرح فتح القدير 2: 92.
(4) عمدة القارئ 8: 176.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 67، المجموع 5: 253، فتح العزيز 5: 191، المغني 2: 386، الشرح الكبير 2: 354، المحلى 5: 139، مغني المحتاج 1: 345.

[ 28 ]

وقال الشافعي: يجوز فيتوجه المصلي إلى القبلة فيصلي عليه سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن - وبه قال أحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، وصف بهم وكبر أربعا (2)، ويحتمل أن تكون الأرض قد زويت له فأري الجنازة. أو الدعاء، لما روى زرارة ومحمد بن مسلم: قلت له: فالنجاشي لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال: " لا إنما دعا له " (3). فروع: أ - شرط الشافعي الغيبة عن البلد، فإن كان الميت في طرف البلد لم تجوز الصلاة عليه حتى يحضره (4). ب - لا فرق بين أن تكون الجنازة في بلد آخر أو قرية أخرى بينهما مسافة، سواء كانت مما تقصر فيها الصلاة أو لا - في العدم عندنا، والجواز عند الشافعي (5). ج - حضوره وإن كان شرطا لكن ظهوره ليس بشرط، فلو دفن قبل الصلاة عليه صلي على القبر ولم ينبش إجماعا، وكذا العاري يترك في القبر وتستر عورته بالتراب ثم يصلى عليه ويدفن.

(1) المجموع 5: 253، الوجيز 1: 77، فتح العزيز 5: 191، مغني المحتاج 1: 354، المغني 2: 386، الشرح الكبير 2: 354، المبسوط للسرخسي 2: 67.
(2) صحيح البخاري 2: 112، سنن أبي داود 3: 212 / 3204، صحيح مسلم 2: 656 / 951، الموطأ 1: 226 - 227 / 14، مسند أحمد 2: 281، سنن ابن ماجة 1: 49 / 1534، الموطأ برواية الشيباني: 112 / 317.
(3) التهذيب 3: 202 / 473، الاستبصار 1: 483 / 1873. (4) المجموع 5: 253، فتح العزيز 5: 191، مغني المحتاج 1: 345.
(5) المجموع 5: 253، مغني المحتاج 1: 345، المغني 2: 386، الشرح الكبير 2: 354.

[ 29 ]

مسألة 179: لو دفن الميت قبل الصلاة عليه صلي على قبره - وبه قال علي عليه السلام، وأبو موسى الأشعري، وابن عمر، وعائشة، وهو مذهب الأوزاعي، والشافعي، وأحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على قبر مسكينة حين دفنت ليلا (2) وصلى على قبر رجل كان يقيم بالمسجد دفن ليلا (3). وقال النخعي، ومالك، وأبو حنيفة: لا يصلى على القبور وإلا لصلي على قبر النبي صلى الله عليه وآله (4)، وهو مدفوع إذ الصلاة على القبر مقدرة بما يأتي. مسألة 180: اختلف في تقدير الصلاة على القبر في حق المدفون بغير صلاة، فقال بعض علمائنا: يصلى عليه يوما وليلة لا أزيد، قاله المفيد (5). وقال الشيخ: ثلاثة أيام ولا تجوز الصلاة بعدها (6)، لأنه بدفنه خرج عن أهل الدنيا فساوى من قبر في قبره، خرج المقدر بالاجماع، فيبقى الباقي على الأصل، ولقول الكاظم عليه السلام: " لا تصل على المدفون " (7) خرج ما قدرناه بالاجماع، فيبقى الباقي. وللشافعية أربعة أوجه، أحدها: أنه يجوز إلى شهر - وبه قال

(1) المجموع 5: 249، عمدة القارئ 8: 26، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 352، بداية المجتهد 1: 238.
(2) سنن النسائي 4: 69، الموطأ 1: 227 / 15، سنن البيهقي 4: 48، الموطأ برواية الشيباني: 112 - 113 / 318، سنن ابن ماجة 1: 490 / 1533.
(3) صحيح البخاري 2: 112 - 113، سنن البيهقي 4: 47.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 67، بداية المجتهد 1: 238.
(5) المقنعة: 38.
(6) الخلاف 1: 726 مسألة 549.
(7) المعتبر: 223، ورواه في التهذيب 3: 201 / 471 عن الامام الرضا عليه السلام.

[ 30 ]

أحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على البراء بن معرور بعد شهر (2) ولم ينقل أكثر من ذلك. ومنهم من قال: ما لم يبل جسده ويذهب، لأنه حالة بقائه كهو حالة موته (3). ومنهم من قال: يجوز أبدا (4)، لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين (5). وقال أبو حنيفة: يصلي عليه الولي إلى ثلاث، ولا يصلي غيره عليه بحال (6). والتخصيص لا وجه له. وقال إسحاق: يصلي عليه الغائب إلى شهر، والحاضر إلى ثلاث (7)، وكل ذلك محمول على الدعاء.

(1) المجموع 5: 250، فتح العزيز 5: 194 - 195، مغني المحتاج 1: 346، المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 141، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 353، عمدة القارئ 8: 26، المحلى 5: 140.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 3: 360، سنن البيهقي 4: 49، أسد الغابة 1: 174. (3) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 141، المجموع 5: 247، المغني 2: 391، الشرح الكبير 2: 353، المبسوط للسرخسي 2: 69، بدائع الصنائع 1: 315، شرح فتح القدير 2: 84.
(4) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 141، المجموع 5: 247، فتح العزيز 5: 198، المغني 2: 391، الشرح الكبير 2: 353.
(5) صحيح البخاري 5: 120، مسند أحمد 4: 154، سنن أبي داود 3: 216 / 3224، سنن البيهقي 4: 14، سنن الدارقطني 2: 78 / 10.
(6) شرح فتح القدير 2: 84، الكفاية 2: 85، شرح العناية 2: 84، المجموع 5: 249 - 250، المغني 2: 391، الشرح الكبير 2: 352، مغني المحتاج 1: 346، المحلى 5: 140.
(7) المجموع 5: 250، المغني 2: 391، الشرح الكبير 2: 353، المحلى 5: 140.

[ 31 ]

تذنيب: هذا التقدير عندنا إنما هو على من لم يصل عليه - وبه قال أبو حنيفة (1) - خلافا للشافعي فإنه لم يشترط ذلك (2)، ولو قلع من لم يصل عليه صلي عليه مطلقا. مسألة 181: الشهيد يصلى عليه عند علمائنا أجمع - وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والثوري، وأبو حنيفة، والمزني، وأحمد في رواية (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر (4)، وقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله صلى على قتلى أحد وكان يقدمهم تسعة تسعة وحمزة عاشرهم (5)، ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه " (6)، ولأن مرتبته عالية فشرعت الصلاة عليه كالانبياء والأوصياء. وقال الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية: لا يصلى عليه (7) لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم (8)، ولأنه لم يغسل مع إمكان غسله فلم يصل عليه

(1) الهداية للمرغيناني 1: 92، شرح العناية 2: 84، المجموع 5: 249 - 250، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 352. (2) المجموع 5: 249، فتح العزيز 5: 192، المحلى 5: 140.
(3) المجموع 5: 264، فتح العزيز 5: 151، المغني 2: 398، الشرح الكبير 2: 330، بداية المجتهد 1: 240.
(4) صحيح البخاري 2: 114، صحيح مسلم 4: 1795 / 2296، سنن النسائي 4: 61 - 62.
(5) سنن ابن ماجة 1: 485 / 1513، سنن البيهقي 4: 12.
(6) الكافي 3: 212 / 5، التهذيب 1: 332 / 973.
(7) الأم 1: 267، مختصر المزني: 37، المجموع 5: 264، المغني 2: 398، الشرح الكبير 2: 330، بداية المجتهد 1: 240.
(8) صحيح البخاري 2: 115 و 5: 131، سنن أبي داود 3: 195 / 3134 و 3135، سنن الترمذي =

[ 32 ]

كسائر من لم يغسل، ورواية الاثبات مقدمة، وسقوط غسله لقوله عليه السلام: (زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما) (1). مسألة 182: ويصلى على المقتول ظلما، أو دون ماله، أو نفسه، أو أهله، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية (2) - لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك، وقال النبي صلى الله عليه وآله: (صلوا على من قال لا إله إلا الله) (3). وفي رواية عن أحمد: لا يصلى عليه لأنه قتل شهيدا (4)، والمقدمتان ممنوعتان. وأما من عداهم ممن أطلق عليه اسم الشهيد كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (الشهداء خمس: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) (5). وروي زيادة: (صاحب الحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بجمع (6) شهيدة) (7) فإنهم يصلى عليهم إجماعا، وكذا النفساء - خلافا

= 3: 354 / 1036، سنن النسائي 4: 62، سنن ابن ماجة 1: 485 / 1514. (1) مسند أحمد 5: 431، سنن النسائي 4: 78 و 6: 29، سنن البيهقي 4: 11 و 9: 164 - 165 و 170، الجامع الصغير 2: 30 / 4563، عوالي اللآلي 2: 208 / 128.
(2) المجموع 5: 267، المغني 2: 403، الشرح الكبير 2: 332. (3) سنن الدارقطني 2: 56 / 3 و 4، الجامع الصغير 2: 98 / 5030، مجمع الزوائد 2: 67، سنن البيهقي 4: 19.
(4) المغني 2: 403، الشرح الكبير 2: 332.
(5) صحيح البخاري 1: 167، صحيح مسلم 3: 1521 / 1914، سنن الترمذي 3: 377 / 1063.
(6) جمع: بضم الجيم أو كسرها وهي المرأة التي ماتت وولدها في بطنها. صحاح الجوهري 3: 1198، النهاية لابن الأثير 1: 296 " جمع ".
(7) الموطأ 1: 233 / 36، سنن أبي داود 3: 188 / 3111، سنن النسائي 4: 14.

[ 33 ]

للحسن البصري (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها (2). مسألة 183: وليس التمام شرطا فيصلى على البعض الذي فيه الصدر والقلب، أو الصدر نفسه عند علمائنا، لأن الصلاة ثبتت لحرمة النفس، والقلب محل العلم، ومنه تنبت الشرايين السارية في البدن، فكأنه الانسان حقيقة، ولقول الكاظم عليه السلام في الرجل يأكله السبع فتبقى عظامه بغير لحم، قال: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن " (3). فإذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب، وعن محمد ابن عيسى عن بعض أصحابنا يرفعه قال: المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب (4). وعن الصادق عليه السلام قال: " إذا وجد الرجل قتيلا فإن وجد له عضو من أعضائه تام صلي على ذلك العضو ودفن، فإن لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن " وذكره ابن بابويه (5)، ويحمل العضو التام على الصدر لاشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره من الأعضاء. وقال أبو حنيفة، ومالك: إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا، لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه، كالذي بان في حياة صاحبه

(1) المغني 2: 403، الشرح الكبير 2: 332.
(2) صحيح البخاري 2: 111، صحيح مسلم 2: 664 / 964، سنن أبي داود 3: 209 / 3195، سنن ابن ماجة 1: 479 / 1493، مسند أحمد 5: 19، سنن النسائي 4: 72.
(3) الكافي 3: 212 / 1، الفقيه 1: 96 / 444، التهذيب 1: 336 / 983. (4) المعتبر: 86.
(5) الفقيه 1: 104 / 485، وانظر كذلك الكافي 3: 212 / 3، والتهذيب 1: 337 / 987.

[ 34 ]

والشعر والظفر (1). والفرق أنه من جملة لا يصلى عليها، والشعر والظفر لا حياة فيهما. ولو قطع نصفين عرضا صلي على ما فيه الرأس، وإن قطع طولا لم يصل عليه. وقال الشافعي، وأحمد: إن وجد بعضه مطلقا صلي عليه أي عضو كان (2). قال الشافعي: ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم، وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، فصلى عليها أهل مكة بمحضر من الصحابة (3) ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلى عليه كالأكبر، وأنكر البلاذري وقوع اليد بمكة وقال: وقعت باليمامة (4)، ولو سلم فنمنع كون الفاعل ممن يحتج بفعله، والفرق بين الصدر والعضو ما بيناه. فروع: أ - لو وجد قطعة فيها عظم من الشهيد لم تغسل وكفنت ودفنت من غير صلاة، ولو لم يكن شهيدا غسلت أيضا. ب - لا فرق بين الرأس وغيره من الأعضاء. ج - لو أبينت قطعة من حي في المعركة دفنت من غير غسل ولا صلاة

(1) المجموع 5: 254 - 255، فتح العزيز 5: 144، بلغة السالك 1: 203، المغني 2: 405، الشرح الكبير 2: 357.
(2) الأم 1: 268، المجموع 5: 254، فتح العزيز 5: 144، المغني 2: 405، الشرح الكبير 2: 357.
(3) الأم 1: 268، المهذب للشيرازي 1: 141، التلخيص الحبير 5: 274.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 86.

[ 35 ]

وإن كان فيها عظم، لأنها من جملة لا تغسل ولا يصلى عليها على إشكال ينشأ من اختصاص الشهادة بالجملة. د - لو وجد الصدر بعد دفن الميت غسل، وصلي عليه، ودفن إلى جانب القبر أو نبش بعض القبر ودفن، ولا حاجة إلى كشف الميت، ولو كان غير الصدر دفنت إن لم يكن ذات عظم وإلا غسلت ودفنت. مسألة 184: المرجوم يصلى عليه بعد أن يؤمر بالاغتسال ثم يقام عليه الحد ثم يصلي عليه الامام وغيره، وكذا المرجومة، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال الشافعي إلا في تقديم الغسل (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله رجم العامرية وصلى عليها، فقال عمر: ترجمها وتصلي عليها؟! فقال: (لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) (2) ورجم علي عليه السلام شراحة الهمدانية وجاء أهلها إليه فقالوا: ما نصنع بها؟ فقال: " إصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم " (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام عن المرجوم والمرجومة: " ويصلى عليهما " (4)، والمقتص منه بمنزلة ذلك، ولأنه مسلم قتل بحق فأشبه المقتول قصاصا. وقال الزهري: المرجوم لا يصلى عليه (5)، وقال مالك: لا يصلي الامام ويصلي غيره (6) واحتجا بأن ماعزا رجمه النبي صلى الله عليه وآله ولم

(1) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 142، المجموع 5: 267.
(2) صحيح مسلم 3: 1324 / 1696، مسند أحمد 4: 435، سنن النسائي 4: 63 - 64، سنن أبي داود 4: 151 - 152 / 4440، سنن الترمذي 4: 42 / 1435، سنن الدار قطني 3: 127 / 144.
(3) سنن البيهقي 4: 19، كنز العمال 5: 422 / 13493 نقله عن مصنف عبد الرزاق.
(4) الكافي 3: 214 / 1، الفقيه 1: 96 / 443 رواه مرسلا عن علي عليه السلام، التهذيب 1: 334 / 978. وفي الجميع قطعة من حديث.
(5) المجموع 5: 267، المحلى 5: 172.
(6) المدونة الكبرى 1: 177، المنتقى للباجي 2: 21، المجموع 5: 267.

[ 36 ]

يصل عليه (1)، قال الزهري: ولم ينقل أنه أمر بالصلاة عليه (2)، وليس بجيد، لأن ما لم يكره لغير الامام لم يكره للامام كسائر الموتى، وعدم النقل لا يدل على العدم، مع وروده عاما في قوله صلى الله عليه وآله: (صلوا على من قال لا إله إلا الله) (3). مسألة 185: ولد الزنا يصلى عليه، وبه قال جميع الفقهاء، وقال قتادة: لا يصلى عليه (4)، وهو غلط، لأنه مخالف لاجماع انعقد قبله أو بعده، ولعموم الأخبار (5)، ولأنه مسلم غير مقتول في المعركة فأشبه ولد الحلال، ويجئ على قول من يذهب إلى كفره من علمائنا (6) تحريم الصلاة عليه. ويصلى أيضا على النفساء - وبه قال جميع الفقهاء - لما تقدم (7). وقال الحسن البصري: لا يصلى عليها، ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر (8). وكذا من لا يعطي زكاة ماله، وتارك الصلاة، لأن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى قبا فاستقبله رهط من الأنصار يحملون جنازة على باب، فقال

(1) سنن أبي داود 3: 206 / 3186، سنن البيهقي 4: 19.
(2) لم نعثر عليه بحدود المصادر المتوفرة عندنا.
(3) سنن البيهقي 4: 19، سنن الدار قطني 2: 56 / 3 و 4، الجامع الصغير 2: 98 / 5030، مجمع الزوائد 2: 67.
(4) المجموع 5: 267.
(5) الكافي 3: 40 / 2، الفقيه 1: 45 / 176، التهذيب 1: 104 / 270، الاستبصار 1: 97 / 315، وسنن البيهقي 4: 19، سنن الدار قطني 2: 56 / 3 و 4، الجامع الصغير 2: 98 / 5030، مجمع الزوائد 2: 67.
(6) هو ابن إدريس في السرائر: 81، 183، 241، 287.
(7) تقدم في المسألة 182.
(8) المغني 2: 403، حلية العلماء 2: 305.

[ 37 ]

النبي صلى الله عليه وآله: (ما هذا؟) قالوا: مملوك لآل فلان، قال: (أكان يشهد أن لا إله إلا الله؟) قالوا: نعم، ولكنه كان وكان، فقال: (أكان يصلي؟) فقالوا: قد كان يصلي ويدع، فقال لهم: (إرجعوا به فغسلوه، وكفنوه وصلوا عليه، وادفنوه، والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه) (1). مسألة 186: ويصلى على الغال، وهو الذي يكتم غنيمته أو بعضها ليأخذه لنفسه ويختص به الامام وغيره، وكذا قاتل نفسه متعمدا - وبه قال عطاء، والنخعي والشافعي (2) - لقوله عليه السلام: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله) (3) ومن طريق الخاصة قول النبي صلى الله عليه وآله: (صلوا على المرجوم من أمتي وعلى القاتل نفسه من أمتي، لا تدعوا أحدا من أمتي بلا صلاة) (4). وقال أحمد: لا يصلي الامام عليهما ويصلي غيره (5)، لأن النبي صلى الله عليه وآله جاؤوه برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه (6)، وتوفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (صلوا على صاحبكم) فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم، قال: (إن صاحبكم غل من الغنيمة) (7).

(1) ورد نحوه في مجمع الزوائد 3: 41 وانظر المغني 2: 420، الشرح الكبير 2: 357.
(2) المجموع 5: 267، المغني 2: 418، الشرح الكبير 2: 355.
(3) سنن البيهقي 4: 19، سنن الدار قطني 2: 56 / 3 و 4، الجامع الصغير 2: 98 / 5030، مجمع الزوائد 2: 67.
(4) الفقيه 1: 103 / 480، التهذيب 3: 328 / 1026، الاستبصار 1: 468 - 469 / 1810.
(5) المغني 2: 418، الشرح الكبير 2: 355، المجموع 5: 267. (6) صحيح مسلم 2: 672 / 978، سنن النسائي 4: 66، سنن أبي داود 3: 206 / 3185، سنن ابن ماجة 1: 488 / 1526، المحرر في الحدث 1: 310 / 521.
(7) مسند أحمد 4: 114 و 5: 192.

[ 38 ]

وليس حجة لسقوط الفرض بغيره، ويعارض بالمديون فإنه عليه السلام كان يقول إذا أتي بالميت: (هل على صاحبكم دين؟) فإن قالوا: نعم، قال: (صلوا على صاحبكم) (1)، مع أن الصلاة عليه مشروعة بالاجماع، ولعله عليه السلام فعل ذلك ليحصل الانتهاء فإن في صلاته سكنا، وكان ذلك لطفا للمكلفين. مسألة 187: وتجب الصلاة على كل مسلم ومن بحكمه ممن له ست سنين، سواء الذكر والانثى، والحر والعبد، بلا خلاف، وعلى الفاسق، لأن هشام بن سالم سأل الصادق عليه السلام عن شارب الخمر، والزاني، والسارق، يصلى عليهم إذا ماتوا؟ فقال: " نعم " (2). ويستحب على من نقص سنه عن ست إن ولد حيا، ولا صلاة لو سقط وإن ولجته الروح، ولا على الأبعاض غير الصدر وإن علم الموت. البحث الثاني: المصلي. مسألة 188: الولي - وهو القريب - أحق ممن أوصى إليه الميت - وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي (3) - لقوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * (4)، ولأنها ولاية تترتب ترتب العصبات، فالولي أولى كولاية النكاح، ولقول الصادق عليه السلام: " يصلي على الجنازة أولى

(1) صحيح البخاري 3: 128، صحيح مسلم 3: 1237 / 1619، سنن الترمذي 3: 381 / 1069، مجمع الزوائد 3: 40، سنن النسائي 4: 65 و 66، مسند أحمد 2: 290 و 380 - 381 و 399 و 3: 296.
(2) الفقيه 1: 103 / 481، التهذيب 3: 328 / 1024، الاستبصار 1: 468 / 1808.
(3) المجموع 5: 220، فتح العزيز 5: 160، شرح فتح القدير 2: 82، المغني 2: 362، الشرح الكبير 2: 308، أقرب المسالك: 34، بلغة السالك 1: 198، الشرح الصغير 1: 198.
(4) الانفال: 75.

[ 39 ]

الناس بها، أو يأمر من يحب " (1). وقال أحمد: الموصى إليه أولى - وبه قال أنس، وزيد بن أرقم، وأم سلمة، وابن سيرين، وإسحاق (2) - لأن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، ويونس بن حبير أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك، وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فجاءه عمرو بن حريث - وهو أمير الكوفة - ليتقدم فيصلي عليه فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فقدم زيدا (3) وهذا منتشر فكان إجماعا، وهو ممنوع. ولو كان الوصي فاسقا لم تقبل الوصية إجماعا. مسألة 189: الولي أولى من الوالي عند علمائنا - وهو قول الشافعي في الجديد (4) - لقوله تعالى: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * (5) ولقول الصادق عليه السلام: " يصلي على الجنازة أولى الناس بها " (6) ولأنها ولاية يعتبر فيها ترتيب العصبات فيقدم فيها الولي على الوالي كولاية النكاح. وقال الشافعي في القديم - وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق -: الوالي أولى، ونقله الجمهور عن علي عليه السلام، وجماعة من

(1) الكافي 3: 177 / 1، التهذيب 3: 204 - 205 / 483.
(2) المغني 2: 362، الشرح الكبير 2: 308، المجموع 5: 220، فتح العزيز 5: 160.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 285، سنن البيهقي 4: 29 وانظر المجموع 5: 220 - 221، المغني 2: 362 - 363، الشرح الكبير 2: 308.
(4) الأم 1: 275، المجموع 5: 217، فتح العزيز 5: 159، مغني المحتاج 1: 346.
(5) الانفال: 75.
(6) الكافي 3: 177 / 1، التهذيب 3: 204 - 205 / 483.

[ 40 ]

التابعين (1) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يؤم الرجل في سلطانه) (2) وحكى أبو حازم قال: شهدت حسينا حين مات الحسن عليهما السلام وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: " تقدم فلولا السنة ما قدمتك " (3) وسعيد أمير المدينة، والخبر محمول على غير صلاة الجنازة، وحديث الحسين عليه السلام - كما قالت الشافعية (4) - أراد بذلك إطفاء الفتنة، ومن السنة إطفاء الفتنة. قالوا: صلاة شرعت فيها الجماعة فكان الامام أحق بالامامة كسائر الصلوات (5) قلنا: الفرق أن الغرض من هذه الصلاة، الدعاء للميت والحنو عليه فيه، فالولي أحق بذلك. تذنيب: إمام الأصل أولى من كل أحد، ويجب على الولي تقديمه، لأن عليا عليه السلام، قال: " الامام أحق من صلى على الجنازة " (6) ولأن للامام منزلة النبي صلى الله عليه وآله في الولاية، وقال تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * (7) ومن طريق الخاصة ما رواه الصادق عليه السلام عن

(1) المجموع 5: 217، فتح العزيز 5: 158 - 159، مغني المحتاج 1: 347، المغني 2: 363، الشرح الكبير 2: 309، المبسوط للسرخسي 2: 62، شرح فتح القدير 2: 81، المدونة الكبرى 1: 188، المنتقى للباجي 2: 19.
(2) صحيح مسلم 1: 465 / 673، سنن الترمذي 1: 458 - 459 / 235، سنن النسائي 2: 76 و 77، سنن ابن ماجة 1: 313 - 314 / 980، سنن أبي داود 1: 159 / 582 و 583، مسند الطيالسي: 86 / 618، مسند أحمد 4: 118 و 121 و 5: 272.
(3) سنن البيهقي 4: 29، مجمع الزوائد 3: 31. (4 و 5) فتح العزيز 5: 158 - 159.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 3: 286.
(7) الأحزاب: 6.

[ 41 ]

أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا حضر سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه ولي الميت وإلا فهو غاصب " (1). مسألة 190: والولي هو الاحق بميراثه لثبوت الأولوية في طرفه بحكم الآية (2)، إذا عرفت هذا، فالأب أولى من الجد ومن غيره من الأقارب كالولد وولد الولد والأخوة، ذهب إليه علماؤنا، وبه قال أحمد، والشافعي (3). وقال مالك: الابن أولى من الأب لأنه أقوى تعصيبا منه كالارث (4)، وليس بجيد لأن كل واحد منهما يدلي بنفسه لكن الأب أرق وأشفق على الميت ودعائه لابنه أقرب إلى الاجابة. مسألة 191: الجد للأب أولى من الأخ وإن كان من الأبوين - وبه قال الشافعي، وأحمد (5) - لما تقدم من أن الأب أشفق وأكثر حنوا وأقرب إجابة للدعاء. وقال مالك: الأخ أولى، لأنه يدلي ببنوة أبيه، والجد يدلي بأبوة ابنه، والبنوة عنده أولى من الأبوة (6) وتقدم بطلانه.

(1) التهذيب 3: 206 / 490.
(2) الانفال: 75.
(3) الأم 1: 275، المجموع 5: 218، فتح العزيز 5: 159، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309، الانصاف 2: 472، المبسوط للسرخسي 2: 63. (4) المدونة الكبرى 1: 188، المنتقى للباجي 2: 19، القوانين الفقهية: 93، المجموع 5: 221، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.
(5) الأم 1: 275، المجموع 5: 218، فتح العزيز 5: 159، السراج الوهاج: 109، مغني المحتاج 1: 347، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.
(6) المدونة الكبرى 1: 188، المجموع 5: 221، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.

[ 42 ]

فروع: أ - الابن أولى من الجد عندنا، لأنه أولى بالميراث، وبه قال مالك (1)، وقال الشافعي، وأحمد: الجد أولى (2) لما تقدم. ب - ابن الابن أولى من الجد وإن كان للأب، لأنه أولى بالميراث، خلافا للشافعي، وأحمد (3). ج - قال الشيخ في المبسوط: الأب أولى، ثم الولد، ثم ولد الولد، ثم الجد للأب، ثم الأخ للأبوين، ثم الأخ للأب، ثم الأخ للأم، ثم العم، ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال، وبالجملة الأولى بالميراث أولى بالصلاة (4)، فعلى قوله الأكثر نصيبا يكون أولى، لأنه قدم العم على الخال مع تساويهما في الدرجة، وكذا الأخ للأب مع الأخ للأم. وللحنابلة وجهان في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب أو التسوية، قياسا على النكاح، وكذا الوجهان عندهم في الأعمام وأولادهم (5). وقال الشافعي في أكثر كتبه: الأخ من الأبوين أولى من الأخ للأب، وفيه قول آخر بالتسوية، إذ الأم لا مدخل لها في الترجيح (6)، وكذا القولان

(1) المدونة الكبرى 1: 188، المنتقى للباجي 2: 19، المجموع 5: 221.
(2) الأم 1: 275، المجموع 5: 221، فتح العزيز 5: 159، السراج الوهاج: 109، مغني المحتاج 1: 347، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.
(3) الأم 1: 275، فتح العزيز 5: 159، السراج الوهاج: 109، مغني المحتاج 1: 347، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.
(4) المبسوط للطوسي 1: 183.
(5) المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 310.
(6) الأم 1: 275، الوجيز 1: 76، المجموع 5: 218، فتح العزيز 5: 159، مغني المحتاج 1: 347، السراج الوهاج: 109.

[ 43 ]

للشافعي في تقديم العم للأبوين على العم من الأب (1)، وعندنا أن المتقرب بالابوين أولى لأنه الوارث خاصة، ولو كان ابنا عم أحدهما أخ لأم، ففي تقديمه عنده قولان (2)، وعندنا يقدم، لاختصاصه بالميراث. د - لو عدم العصبات، قال الشافعي: يقدم المعتق (3)، لقوله عليه السلام: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (4) وليس به بأس. مسألة 192: الزوج أولى من كل أحد - وروي عن ابن عباس أنه أولى من العصبات، وبه قال الشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق، وأحمد في رواية (5) - لأنه أحق بالغسل فكان أحق بالصلاة، ولاطلاعه على عورة المرأة، وليس كذلك المحارم، وسئل الصادق عليه السلام المرأة تموت من أحق بالصلاة عليها؟ قال: " زوجها " قلت: الزوج أحق من الأب والولد والأخ؟ قال: " نعم " (6). وقال سعيد بن المسيب، والزهري، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية: العصبات أولى من الزوج (7)، لأن عمر قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها (8) ولا حجة فيه.

(1) المجموع 5: 218، مغني المحتاج 1: 347، فتح العزيز 5: 159.
(2) المجموع 5: 218، مغني المحتاج 1: 347.
(3) الوجيز 1: 76، فتح العزيز 5: 159، المجموع 5: 218.
(4) سنن الدارمي 2: 398، المستدرك للحاكم 4: 341، سنن البيهقي 6: 240 و 10: 292 و 293، مجمع الزوائد 4: 231، إختلاف الحديث: 121، المحرر في الحديث 2: 529 / 967، الجامع الصغير 2: 723 / 9687.
(5) المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309 - 310، وانظر سنن البيهقي 3: 397، مصنف ابن أبي شيبة 3: 363.
(6) الكافي 3: 177 / 2 و 3.
(7) بدائع الصنائع 1: 317 - 318، شرح فتح القدير 2: 83، المجموع 5: 221، المدونة الكبرى 1: 188، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309.
(8) مصنف ابن أبي شيبة 3: 363، وانظر المغني 2: 364، المبسوط للسرخسي 2: 63.

[ 44 ]

تذنيب: وافقنا أبو حنيفة في أولوية الزوج من الابن منها (1). وقال الشافعي: الابن أولى لأن الزوج لا ولاية له فكان الولي أولى (2). مسألة 193: إذا ازدحم الاولياء، قدم الأقرأ، فالأفقه، فالأسن، وبالجملة يقدم الأولى في المكتوبة - وهو أحد قولي الشافعي (3) - لقوله عليه السلام: (يؤمكم أقرؤكم) (4) وقال عليه السلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) (5) وهو على إطلاقه. والقول الآخر: يقدم الاسن، لأن سائر الصلوات تتعلق بحق الله تعالى خاصة، فقدم من هو أعلم بشرائطها، وهنا الاسن أقرب إلى إجابة الدعاء، وأعظم عند الله قدرا (6)، ونمنع كون الاسن الجاهل أعظم قدرا من العالم وأقرب إجابة. مسألة 194: وإنما يتقدم الولي إذا كان بشرائط الامامة، وسيأتي بيانها في صلاة الجماعة إن شاء الله، فإن لم يستكملها استناب - وعليه علماؤنا أجمع - ومن قدمه الولي فهو بمنزلة الولي، وليس له أن يستنيب لاختصاصه باعتقاد إجابة دعائه. ويستحب للولي أن يقدم الهاشمي مع اجتماع الشرائط، لقوله عليه السلام: (قدموا قريشا ولا تقدموها) (7) وليس له التقدم بدون إذن الولي

(1) شرح فتح القدير 2: 83، المجموع 5: 221، المغني 2: 364، الشرح الكبير 2: 309 - 310.
(2) المجموع 5: 221، الميزان 1: 206.
(3) الأم 1: 275، المجموع 5: 218، فتح العزيز 5: 160.
(4) سنن أبي داود 1: 159 - 160 / 585.
(5) صحيح مسلم 1: 465 / 673، سنن الترمذي 1: 459 / 235، سنن النسائي 2: 76، سنن ابن ماجة 1: 313 / 980، سنن أبي داود 1: 159 / 582 - 583، مسند الطيالسي: 86 / 618، مسند أحمد 4: 118 و 121 و 5: 272.
(6) الأم 1: 275، المجموع 5: 218، فتح العزيز 5: 160، السراج الوهاج: 109.
(7) ترتيب مسند الشافعي 2: 194 / 691، الجامع الكبير 1: 605، الجامع الصغير 2: 253 / 6108 =

[ 45 ]

بالاجماع إلا إمام الأصل. والحر البعيد أولى من العبد القريب، والفقيه العبد أولى من غيره الحر. فإن اجتمع صبي ومملوك ونساء فالمملوك أولى، لأنه تصح إمامته، فإن كان نساء وصبيان، قال الشافعي: يقدم الصبيان لأن صلاتهن خلفه جائزة دون العكس (1)، وعند الحنابلة لا يؤم أحد النوعين الآخر بل يصلى كل نوع بإمام منه (2)، ولو تساوى الاولياء وتشاحوا اقرع - وبه قال الشافعي (3) - لتساوي حقوقهم. مسألة 195: لو لم يكن معه إلا نساء صلين عليه جماعة تقف إمامتهن وسطهن ولا تبرز - وبه قال أحمد، وأبو حنيفة (4) - لأنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعة كالرجال، وقد صلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله على سعد بن أبي وقاص (5). ومن طريق الخاصة سئل الباقر عليه السلام المرأة تؤم النساء؟ قال: " لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن وتكبر ويكبرن " (6).

= و 6109، مجمع الزوائد 10: 25، الكامل لابن عدي 5: 1810. (1) المجموع 5: 219، فتح العزيز 5: 159.
(2) المغني 2: 365، الشرح الكبير 2: 310.
(3) المجموع 5: 219، فتح العزيز 5: 162.
(4) المغني 2: 365، الشرح الكبير 2: 310، المجموع 5: 215.
(5) صحيح مسلم 2: 668 / 973، سنن البيهقي 4: 51.
(6) الفقيه 1: 259 / 1177، التهذيب 3: 206 / 488، الاستبصار 1: 427 / 1648.

[ 46 ]

وقال الشافعي في وجه: يصلين منفردات لا يسبق بعضهن بعضا، وإن صلين جماعة جاز أن تقف الامامة وسطهن، لأن النساء لم تسن لهن الصلاة على الجنائز فلم تشرع لهن الجماعة (1) والأولى ممنوعة. وفي الوجه الآخر: لا يكفي جنس النساء (2)، لأن الرجال أكمل، وتوقع الاجابة في دعائهم أكثر، ولأن فيه استهانة بالميت. ولو تعذر جنس الرجال أجزأت صلاتهن إجماعا. فروع: أ - يجوز للشابة أن تخرج إلى الجنازة، لقول الصادق عليه السلام: " توفيت زينب فخرجت أختها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله في نسائها فصلت عليها " (3) لكن يكره، لما فيه من الافتتان. قال الصادق عليه السلام: " ليس ينبغي للشابة أن تخرج إلى الجنازة تصلي عليها إلا أن تكون امرأة دخلت في السن " (4). ب - لو صلت المرأة على الميت سقط الفرض عن الرجال وإن كانت حال اختيار، لأنه فرض على الكفاية قام به من يصح إيقاعه منه فيسقط عن الباقين، أما الصبي فلا يسقط الفرض بصلاته وإن كان مميزا مراهقا. ج - العراة كالنساء يصلون جماعة يقف إمامهم وسطهم، ولا يتقدم لئلا تبدو عورته، ولا يقعد.

(1) المجموع 5: 215، المغني 2: 365، الشرح الكبير 2: 310.
(2) المجموع 5: 213.
(3) التهذيب 3: 333 / 1043، الاستبصار 1: 485 / 1880. (4) التهذيب 3: 333 - 334 / 1044، الاستبصار 1: 486 / 1881.

[ 47 ]

مسألة 196: لا يجوز لجامع الشرائط التقدم بغير إذن الولي المكلف وإن لم يستجمع الشرائط، لأنه حق له فليس لأحد مزاحمته فيه، ولو لم يكن هناك ولي تقدم بعض المؤمنين. ولو اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالامامة في الفرائض، لقوله عليه السلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) (1) ويحتمل تقديم من سبق ميته، ولو أراد ولي كل ميت إفراد ميته بصلاة جاز إجماعا. البحث الثالث: في مقدماتها. مسألة 197: يستحب تربيع الجنازة - وهو حملها من جوانبها الأربع، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد (2) - لقول ابن مسعود: إذا تبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو ليذر فإنه من السنة (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يبدأ في الحمل من الجانب الأيمن، ثم يمر عليه من خلفه إلى الجانب الآخر حتى يرجع إلى المقدم كذلك دور الرحى " (4). وقال الشافعي: حملها بين العمودين أولى من حملها من الجوانب

(1) صحيح مسلم 1: 465 / 673، سنن الترمذي 1: 458 / 235، سنن النسائي 2: 76، سنن ابن ماجة 1: 313 / 980، سنن أبي داود 1: 159 / 582 - 583، مسند الطيالسي: 86 / 618، مسند أحمد 4: 118 و 121 و 5: 272.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 56، بدائع الصنائع 1: 309، الهداية للمرغيناني 1: 93، شرح العناية 2: 95، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 360 و 361، المجموع 5: 270.
(3) سنن البيهقي 4: 20، مصنف ابن أبي شيبه 3: 283، سنن ابن ماجة 1: 474 / 1478.
(4) الكافي 3: 169 / 4، التهذيب 1: 453 / 1474، الاستبصار 1: 216 / 763.

[ 48 ]

الأربعة (1) لأن عثمان حمل سرير أمه بين العمودين، وحمل أبو هريرة سرير سعد بن أبي وقاص كذلك، وحمل الزبير سرير المسور بن مخزمة كذلك (2) وليس حجة، وكرهه النخعي، والحسن، وأبو حنيفة، وإسحاق (3). وقال مالك: ليس في حمل الميت توقيت يحمل من حيث شاء. ونحوه قال الأوزاعي (4). فروع: أ - قال الشيخ في الخلاف: صفة التربيع أن يبدأ بيسرة الجنازة ويأخذها بيمينه ويتركها على عاتقه ويربع (5) الجنازة ويمشي إلى رجليها ويدور دور الرحى إلى أن يرجع إلى يمنة الجنازة فيأخذ ميامن الجنازة بمياسره، وبه قال سعيد بن جبير، والثوري، وإسحاق (6). وقال الشافعي، وأبو حنيفة: يبدأ بمياسر مقدم السرير فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يتأخر فيأخذ مياسره فيضعها على عاتقه الأيمن، ثم يعود إلى مقدمه فيأخذ بميامن مقدمه فيضعها على عاتقه الأيسر، ثم يتأخر فيأخذ بميامنه فيأخذ ميمنة مؤخره فيضعها على عاتقه الأيسر (7). واستدل على قوله بإجماع الفرقة (8)، مع أنه قال في النهاية، والمبسوط:

(1) مختصر المزني: 37، المجموع 5: 269 - 270، فتح العزيز 5: 142.
(2) سنن البيهقي 4: 20، ترتيب مسند الشافعي 1: 212 / 587 - 590. (3) بدائع الصنائع 1: 309، المجموع 5: 269 - 270، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 362.
(4) المدونة الكبرى 1: 176، المجموع 5: 270، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 362.
(5) في المصدر: يرفع.
(6) المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 361.
(7) مختصر المزني: 37، المجموع 5: 269، فتح العزيز 5: 141 - 142، شرح فتح القدير 2: 96 - 97، شرح العناية 2: 97، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 361.
(8) الخلاف 1: 718 مسألة 531.

[ 49 ]

يبدأ بمقدم السرير الأيمن ثم يمر عليه إلى مؤخره ثم بمؤخر السرير الأيسر ويمر عليه إلى مقدمه دور الرحى (1)، وعليه دلت الرواية (2) وهو أولى. ب - صفة الحمل بين العمودين أن يدخل رأسه بين العمودين المقدمين ويتركهما على عاتقيه، ولا يمكن مثل ذلك في المؤخر لأنه يكون وجهه إلى الميت لا يبصر طريقه، فيحمل العمودين رجلان يجعل كل واحد منهما أحد العمودين على عاتقه، كما يفعل في التربيع. ج - لو ثقل حمله من جوانب السرير زيد من يخففه على الحاملين، وعند الشافعي لو أدخلوا عمودا آخر يكون بين ستة أو ثمانية جاز على قدر الحاجة (3). د - يحمل على سرير، أو لوح، أو محمل، أو أي شئ حمل عليه أجزأ، ولا بأس بالتابوت، وأول من وضعه فاطمة عليها السلام (4)، لأنه أستر خصوصا للنساء، ولو خيف عليه الانفجار والتغيير قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه جاز حمله على الأيدي والرقاب، وإن فعل لا مع الحاجة جاز. وقول الشيخ: يكره التابوت إجماعا (5) يعني بذلك دفن الميت به لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يفعله ولا أحد من الصحابة. مسألة 198: قال الشيخ: يكره الاسراع بالجنازة. واستدل بإجماع

(1) المبسوط للطوسي 1: 183، النهاية: 37.
(2) الكافي 3: 169 / 4، التهذيب 1: 453 / 1474، الاستبصار 1: 216 / 763.
(3) المجموع 5: 269 - 270.
(4) الكافي 3: 251 / 6، التهذيب 1: 469 / 1539 و 1540، الفقيه 1: 124 / 597، وانظر سنن البيهقي 4: 34.
(5) المبسوط للطوسي 1: 187.

[ 50 ]

الفرقة (1)، ولأنه قد ورد: " من مشى خلف جنازة كتب له بكل خطوة قيراط من الاجر " (2) ولقوله عليه السلام: (عليكم بالقصد في جنائزكم) (3). وأطبق الجمهور على استحبابه لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن لم تكن صالحة فخيرا تقدموها إليه، وإن تكن شرا فشرا تضعونه عن رقابكم) (4) واختلفوا، فقال الشافعي: المستحب إسراع لا يخرج عن المشي المعتاد، بل فوق العادة ودون الخبب (5) (6)، لقول ابن مسعود: سألنا نبينا عن المشي بالجنازة فقال: (ما دون الخبب) (7). وقال أصحاب الرأي: يخب ويرمل (8) لقول عبد الرحمن: كنا في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيا خفيفا، فلحقنا أبو بكرة فرفع سوطه، فقال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نرمل رملا (9)، والجواب: لعله حصل خوف على الميت، وحينئذ يجوز الاسراع إجماعا.

(1) الخلاف 1: 718 مسألة 532.
(2) ورد نحوه في الكافي 3: 173 / 4 و 5، التهذيب 1: 455 / 1485، الفقيه 1: 98 / 454 و 99 / 455.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 281، سنن البيهقي 4: 22.
(4) مصنف ابن أبي شيبة 3: 281، صحيح البخاري 2: 108، صحيح مسلم 2: 652 / 944، سنن أبي داود 3: 205 / 3181، سنن الترمذي 3: 335 / 1015، سنن النسائي 4: 42، سنن ابن ماجة 1: 474 / 1477، الموطأ 1: 243 / 56، الترغيب والترهيب 4: 344 - 345 / 1.
(5) الخبب: بخاء معجمة مفتوحة وباءين موحدتين: ضرب من العدو، وقيل: هو مثل الرمل. لسان العرب 1: 341 " خبب ".
(6) المجموع 5: 271، المغني 2: 353، الشرح الكبير 2: 363.
(7) سنن الترمذي 3: 332 / 1011، سنن أبي داود 3: 206 / 3184، الترغيب والترهيب 4: 345 / 3.
(8) المبسوط للسرخسي 2: 56، بدائع الصنائع 1: 309، اللباب 1: 131، المغني 2: 353، الشرح الكبير 2: 363. (9) سنن أبي داود 3: 205 / 3182، سنن النسائي 4: 43، الترغيب والترهيب 4: 345 / 2.

[ 51 ]

مسألة 199: ويستحب اتباع الجنائز بالاجماع لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر به (1)، وقال الباقر عليه السلام: " من تبع جنازة امرئ مسلم اعطي يوم القيامة أربع شفاعات، ولم يقل شيئا إلا قال الملك: ولك مثل ذلك " (2). فإذا صلى وانصرف، قال زيد بن ثابت: فقد قضيت الذي عليك (3)، وأفضل منه أن يتبعها إلى القبر، لقوله عليه السلام: (من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد حتى يدفن كان له قيراطان) قيل: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين) (4) ونحوه عن الباقر عليه السلام (5). وأفضل من ذلك الوقوف بعد الدفن وتعزية أهله، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من تبع جنازة كتب له أربعة قراريط، قيراط لاتباعه إياها، وقيراط للصلاة عليها، وقيراط للانتظار حتى يفرغ من دفنها، وقيراط للتعزية " (6). مسألة 200: المشي خلف الجنازة أو إلى أحد جانبيها أفضل من التقدم عليها، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي،

(1) قرب الاسناد: 34 وانظر صحيح البخاري 2: 90، سنن النسائي 4: 54.
(2) الكافي 3: 173 / 6، الفقيه 1: 99 / 456، التهذيب 1: 455 / 1483.
(3) المغني 2: 355، الشرح الكبير 2: 364، سبل السلام 2: 565.
(4) صحيح البخاري 2: 110، صحيح مسلم 2: 652 / 945، سنن أبي داود 3: 202 / 3168، سنن الترمذي 3: 358 / 1040، سنن النسائي 4: 76 و 77، سنن ابن ماجة 1: 491 / 1539.
(5) الكافي 3: 173 / 5، الفقيه 1: 99 / 455، التهذيب 1: 455 - 456 / 1485.
(6) الكافي 3: 173 / 7، التهذيب 1: 455 / 1484، الفقيه 1: 98 / 454.

[ 52 ]

وإسحاق، وأصحاب الرأي (1) - لأن عليا عليه السلام سأله أبو سعيد الخدري فقال: أخبرني يا أبا الحسن عن المشي مع الجنازة؟ فقال: " فضل الماشي خلفها على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع " فقلت: أتقول هذا برأيك أم سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: " لا، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله " (2). ومن طريق الخاصة: قول الباقر عليه السلام: " إن المشي خلف الجنازة أفضل من بين يديها " (3) ولأنها متبوعة فكانت متقدمة، ولأن المستحب التشييع والمشيع متأخر. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: المشي أمامها أفضل، ورواه الجمهور عن الحسن بن علي عليهما السلام، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن الزبير، وأبي قتادة، والقاسم بن محمد، وشريح، وسالم، والزهري، وابن أبي ليلى (4)، لأن النبي صلى الله عليه وآله مشى أمام الجنازة (5)، ولأنهم شفعاء الميت فينبغي أن يتقدموا المشفوع له. والحديث حكاية حال، فلا يعارض القول، مع احتمال أنه عليه السلام

(1) المجموع 5: 279، المبسوط للسرخسي 2: 56، بدائع الصنائع 1: 309، المغني 2: 356، الشرح الكبير 2: 366.
(2) كنز العمال 15: 722 / 42879، العلل المتناهية 2: 899 / 1502.
(3) الفقيه 1: 100 / 464، الكافي 3: 169 / 1، التهذيب 1: 311 / 902، وفي الاخيرين عن أبي عبد الله عليه السلام.
(4) المجموع 5: 279، المدونة الكبرى 1: 177، المغني 2: 356، الشرح الكبير 2: 366، بداية المجتهد 1: 233، المبسوط للسرخسي 2: 56، بدائع الصنائع 1: 309، سبل السلام 2: 567.
(5) الموطأ 1: 225 / 8، سنن الترمذي 3: 329 - 331 / 1007 - 1010، سنن أبي داود 3: 205 / 3179، سنن النسائي 4: 56، سنن ابن ماجة 1: 475 / 1482 و 1483، سنن الدار قطني 2: 70 / 1.

[ 53 ]

مشى مع أحد جانبيها، فتوهم المشاهد السبق، ثم إن الباقر عليه السلام روى عن علي عليه السلام قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إتبعوا الجنازة ولا تتبعكم، خالفوا أهل الكتاب " (1) ولا تقدم للشفاعة هنا إذ المشفوع إليه سبحانه وتعالى غير مختص بحيز ولا مكان. وقال الثوري: الراكب خلفها والماشي حيث شاء (2). فروع: أ - يكره الركوب، قال ثوبان: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله في جنازة، فرأى ناسا ركبانا، فقال: (ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب) (3) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في جنازة يمشي فقال له بعض أصحابه: ألا تركب؟ فقال: إني أكره أن أركب والملائكة يمشون " (4). ب - لو احتاج إلى الركوب زالت الكراهة إجماعا. ج - الكراهة في الركوب في التشييع، فلا بأس به في عوده، لأن الباقر عليه السلام روى عن علي عليه السلام أنه كره أن يركب الرجل مع الجنازة في بدأة إلا من عذر، وقال: " يركب إذا رجع " (5). د - يستحب للراكب المضي خلف الجنازة، ويكره أمامها كالماشي لما تقدم، وعن أحمد يتحتم المضي خلفها (6)، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (الراكب يسير خلف الجنازة) (7).

(1) التهذيب 1: 311 / 901.
(2) المجموع 5: 279 - 280، سبل السلام 2: 567.
(3) سنن ابن ماجة 1: 475 / 1480، سنن الترمذي 3: 333 / 1012، المستدرك للحاكم 1: 356.
(4) الكافي 3: 170 - 171 / 2، الفقيه 1: 122 / 588، التهذيب 1: 312 / 906.
(5) التهذيب 1: 464 / 1518.
(6) المغني 2: 358، الشرح الكبير 2: 368.
(7) مسند أحمد 4: 249، سنن أبي داود 3: 205 / 3180، سنن الترمذي 3: 349 - 350 / 1031، =

[ 54 ]

مسألة 201: يستحب للمشيع التفكر في مآله والاتعاظ بالموت والتخشع ولا يضحك. وقال علي بن بابويه في الرسالة: إياك أن تقول: إرفقوا به أو ترحموا عليه أو تضرب يدك على فخذك فيحبط أجرك (1). ويكره رفع الصوت عند الجنازة، لنهي النبي صلى الله عليه وآله أن تتبع الجنازة بصوت (2). وكره سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وأحمد، وإسحاق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له (3)، وقال الأوزاعي: بدعة (4). وقال أحمد: لا تقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله، فإنه بدعة، ولكن تقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله، وتذكر الله (5). ويكره مس الجنازة بالأيدي والأكمام لأنه لا يؤمن معه فساد الميت. مسألة 202: يكره اتباع الميت بنار - وهو قول كل من يحفظ عنه العلم - لأن ابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وعائشة، وسعيد بن المسيب أوصوا أن لا يتبعوا بنار (6). وأوصى أبو موسى حين حضره الموت أن لا يتبع بمجمر، قالوا:

= سنن النسائي 4: 56 و 58، سنن ابن ماجة 1: 475 / 1481. (1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 79.
(2) سنن أبي داود 3: 203 / 3171، مصنف ابن أبي شيبة 3: 274.
(3) المغني 2: 359، الشرح الكبير 2: 369.
(4) المغني 2: 359، الشرح الكبير 2: 370. (5) المغني 2: 359، الشرح الكبير 2: 370.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 3: 271، سنن البيهقي 3: 394 وانظر المغني 2: 360 والشرح الكبير 2: 371.

[ 55 ]

وسمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله صلى الله عليه وآله (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن تتبع الجنازة بمجمرة " (2). تذنيب: لو دفن ليلا واحتاج إلى ضوء لم يكن به بأس إجماعا، وإنما كره المجامر فيها البخور، لأن النبي صلى الله عليه وآله دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج (3)، وسئل الصادق عليه السلام عن الجنازة يخرج معها بالنار، فقال: " إن ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله أخرج بها ليلا ومعها مصابيح " (4). مسألة 203: ولو كان مع الجنازة منكر أنكره إن تمكن، فإن لم يقدر على إزالته لم يمتنع لاجله من الصلاة عليه، لأن الانكار سقط عنه بالعجز، فلا يسقط الواجب ولا يترك حقا لباطل. وروى زرارة قال: حضرت في جنازة فصرخت صارخة فقال عطاء: لتسكتن أو لنرجع، فلم تسكت، فرجع، فقلت ذلك لأبي جعفر عليه السلام فقال: " إمض بنا، فلو أنا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا الحق، لم نقض حق مسلم " (5). مسألة 204: يكره اتباع النساء الجنائز، لقول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز (6)، ولأنه مناف للتحذير الذي أمرن به، وكرهه ابن مسعود، وابن

(1) سنن ابن ماجة 1: 477 / 1487.
(2) الكافي 3: 147 / 4، التهذيب 1: 295 / 864، الاستبصار 1: 209 / 736.
(3) سنن الترمذي 3: 372 / 1057، سنن ابن ماجة 1: 487 / 1520.
(4) الفقيه 1: 100 / 466.
(5) الكافي 3: 171 / 3، التهذيب 1: 454 / 1481.
(6) صحيح البخاري 2: 99، مصنف ابن أبي شيبة 3: 284، سنن البيهقي 4: 77، سنن ابن =

[ 56 ]

عمر، ومسروق، وعائشة، والحسن البصري، والنخعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (1)، لأن النبي صلى الله عليه وآله خرج فإذا نسوة جلوس، فقال: (ما يجلسكن؟) قلن: ننتظر الجنازة، قال: (هل تغسلن؟) قلن: لا، قال: (هل تحملن؟) قلن: لا، قال: (هل تدلين فيمن يدلي؟) قلن: لا، قال: (فارجعن مأزورات غير مأجورات) (2). مسألة 205: قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن يجلس الانسان إذا تبع الجنازة قبل أن توضع في اللحد (3) - وبه قال الشافعي، ومالك (4) - عملا بالأصل الدال على الاباحة ونفي الكراهة، ولأن عليا عليه السلام قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر بالقيام، ثم جلس وأمر بالجلوس " (5). وروى عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى يوضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود وقال: إنا لنفعل ذلك، فجلس، وقال: (خالفوهم) (6). وقال أبو حنيفة، وأحمد: يكره له ذلك - وبه قال الشعبي،

= ماجة 1: 502 / 1577، صحيح مسلم 2: 646 / 938، سنن أبي داود 3: 202 / 3167. (1) المغني 2: 360، الشرح الكبير 2: 372، المجموع 5: 278 وانظر المصنف لابن أبي شيبة 3: 284.
(2) سنن البيهقي 4: 77، سنن ابن ماجة 1: 502 / 1578.
(3) الخلاف 1: 719 مسألة 534.
(4) المجموع 5: 280، الشرح الكبير 2: 374، المغني 2: 362، بداية المجتهد 1: 234.
(5) صحيح مسلم 2: 662 / 962، الموطأ 1: 232 / 33، سنن الترمذي 3: 361 - 362 / 1044، سنن أبي داود 3: 204 / 3175، سنن ابن ماجة 1: 493 / 1544، سنن البيهقي 4: 27 - 28.
(6) سنن أبي داود 3: 204 / 3176، سنن الترمذي 3: 340 / 1020، سنن ابن ماجة 1: 493 / 1545.

[ 57 ]

والنخعي (1)، وممن يرى ذلك الحسن بن علي عليهما السلام، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن الزبير، والأوزاعي، وإسحاق (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا، ومن تبعها فلا يقعد حتى توضع) (3) وروايتنا تدل على النسخ فتقدم. وقال ابن أبي عقيل منا بالكراهة (4) أيضا لقول الصادق عليه السلام: " ينبغي لمن شيع جنازة أن لا يجلس حتى توضع في لحده، فإذا وضع في لحده فلا بأس بالجلوس " (5). تذنيب: أظهر الروايتين عن أحمد أنه أريد بالوضع عن أعناق الرجال، وهو قول من ذكرناه قبل (6)، وروى الثوري الحديث: (إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع بالأرض) (7) ورواه أبو معاوية: (حتى توضع في اللحد) (8). فأما من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. مسألة 206: لا يستحب لمن مرت به الجنازة القيام لها لذمي كانت أو لمسلم، وبه قال الشافعي، وأحمد (9)، لقول علي عليه السلام: " قام

(1) الهداية للمرغيناني 1: 93، اللباب 1: 131، المغني 2: 362، الشرح الكبير 2: 374، المجموع 5: 280.
(2) المغني 2: 362، الشرح الكبير 2: 374.
(3) صحيح البخاري 2: 107، صحيح مسلم 2: 660 / 959، سنن الترمذي 3: 360 - 361 / 1043، سنن النسائي 4: 77.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 91.
(5) التهذيب 1: 462 / 1509، وكان في الأصلين: ولا بأس بالجلوس. بدل: فإذا وضع في لحده... وما أثبتناه من المصدر.
(6) المغني 2: 362، الشرح الكبير 2: 375.
(7) سنن أبي داود 3: 203 / 3173.
(8) سنن أبي داود 3: 204 ذيل الحديث 3173.
(9) المجموع 5: 280، المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 376.

[ 58 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قعد " (1) يعني ثم ترك. ومن طريق الخاصة رواية زرارة: مرت جنازة فقام الأنصاري ولم يقم الباقر عليه السلام، فقال له: " ما أقامك؟ " قال: رأيت الحسين بن علي يفعل ذلك، فقال أبو جعفر عليه السلام: " والله ما فعل ذلك الحسين عليه السلام، ولا قام لها أحد منا أهل البيت قط " فقال الأنصاري: شككتني أصلحك الله، وقد كنت أظن أني رأيت (2). وعن أحمد استحباب القيام (3). وحكي عن أبي مسعود البدري وغيره من الصحابة: وجوب القيام لها إذا مرت (4) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) (5) وهو منسوخ. ولو سلم فللعلة التي رواها الصادق عليه السلام قال: " كان الحسين ابن علي عليهما السلام جالسا، فمرت عليه جنازة، فقام الناس حين طلعت الجنازة، فقال الحسين عليه السلام: مرت جنازة يهودي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا على طريقها فكره أن يعلو رأسه جنازة يهودي " (6) ومع السبب يقصر عليه.

(1) صحيح مسلم 2: 662 / 962، سنن الترمذي 3: 361 - 362 / 1044، سنن أبي داود 3: 204 / 3175، سنن ابن ماجة 1: 493 / 1544.
(2) الكافي 3: 191 / 1، التهذيب 1: 456 / 1486.
(3) انظر المغني 2: 361، الشرح الكبير 2: 376. (4) سنن البيهقي 4: 26 - 27، المجموع 5: 280.
(5) صحيح البخاري 2: 107، سنن الترمذي 3: 360 / 1042، سنن أبي داود 3: 204 / 3174، سنن ابن ماجة 1: 492 / 1542.
(6) الكافي 3: 192 / 2، التهذيب 1: 456 / 1487.

[ 59 ]

تذنيب: يستحب لمن رأى جنازة أن يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم. مسألة 207: يجب تقديم التغسيل والتكفين على الصلاة، لأن النبي صلى الله عيه وآله كذا فعل، وقال الصادق عليه السلام: " لا يصلى على الميت بعدما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان " (1). فإن لم يكن كفن طرح في القبر ثم صلي عليه بعد تغسيله وستر عورته، ودفن، لأن الصادق عليه السلام قال في العريان: " يحفر له ويوضع في لحده ويوضع على عورته فيستر باللبن والحجر - وفي رواية: والتراب - ثم يصلى عليه ويدفن " (2). إلا الشهيد فإنه يصلى عليه من غير تغسيل، ولا يكفن إلا أن يجرد فإنه يكفن ولا يغسل ويصلى عليه. البحث الرابع: في الكيفية. مسألة 208: القيام شرط في الصلاة مع القدرة فلا تجوز الصلاة قاعدا، ولا راكبا إختيارا عند علمائنا، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأبو حنيفة (3)، ولا أعلم فيه خلافا إلا في قول للشافعي: إنه يجوز أن يصلي قاعدا، لأنها ليست من فرائض الأعيان فألحقت بالنوافل (4). وإنما قال أصحاب أبي حنيفة: إن القياس جوازه، لأنه ركن منفرد

(1) الكافي 3: 214 / 4، التهذيب 3: 179 / 406.
(2) الكافي 3: 214 / 4، الفقيه 1: 104 / 482، التهذيب 3: 179 / 406.
(3) الأم 1: 271، المجموع 5: 222، فتح العزيز 5: 174، كفاية الأخيار 1: 103، السراج الوهاج: 107، مغني المحتاج 1: 342، المغني 2: 371، الشرح الكبير 2: 348، بدائع الصنائع 1: 312.
(4) المجموع 5: 222، مغني المحتاج 1: 342.

[ 60 ]

فأشبه سجود التلاوة، ولكنهم لم يجوزوه (1)، لأن الأصل بعد شغل الذمة عدم البراءة إلا بما قلناه فيتعين، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وكذا الأئمة عليهم السلام وجماعة الصحابة صلوا قياما (2)، وقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3) ولأنها صلاة فريضة فلم تجز قاعدا ولا راكبا مع القدرة على القيام كغيرها من الفرائض، وسجود التلاوة لا يسمى صلاة. مسألة 209: وليست الطهارة شرطا، بل يجوز للمحدث والحائض والجنب أن يصلوا على الجنائز مع وجود الماء والتراب، والتمكن منها، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الشعبي، ومحمد بن جرير الطبري (4) - لأن القصد منها الدعاء للميت والدعاء لا يفتقر إلى الطهارة. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله يونس بن يعقوب عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء؟: " نعم إنما هو تكبير، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء " (5). وسأله محمد بن مسلم عن الحائض تصلي على الجنازة؟ قال: " نعم ولا تقف معهم، وتقف منفردة " (6). وقال الشافعي: الطهارة شرط، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (7)، لقوله

(1) المبسوط للسرخسي 2: 69، شرح فتح القدير 2: 89، شرح العناية 2: 89.
(2) انظر على سبيل المثال: الكافي 3: 176 - 177 / 1 و 2، والفقيه 1: 103 / 478، التهذيب 3: 319 / 989 وصحيح البخاري 2: 109 و 111، وسنن أبي داود 3: 208 / 3194، سنن الترمذي 3: 352 / 1034 و 353 / 1035.
(3) صحيح البخاري 1: 162 - 163، سنن الدارمي 1: 286، مسند أحمد 5: 53.
(4) المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243.
(5) الكافي 3: 178 / 1، الفقيه 1: 107 / 495، التهذيب 3: 203 / 475.
(6) الكافي 3: 179 / 4، الفقيه 1: 107 / 496، التهذيب 3: 204 / 479.
(7) الأم 1: 271، المجموع 5: 222 و 223، فتح العزيز 5: 185، المبسوط للسرخسي 2: =

[ 61 ]

عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور) (1) وهو محمول على الفرائض لأنها حقيقة فيها. فروع: أ - الطهارة وإن لم تكن واجبة إلا أنها مستحبة عند علمائنا، لأن عبد الحميد سأل الكاظم عليه السلام أيجزيني أن أصلي على الجنازة وأنا على غير وضوء؟ فقال: " تكون على طهر أحب إلي " (2). ب - يجوز التيمم مع وجود الماء هنا عند علمائنا وهو أقل فضلا من الطهارة به - وبه قال أبو حنيفة (3) - لقول سماعة: سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير طهر، قال: " يضرب يديه على حائط لبن فيتيمم " (4) ولأن الطهارة ليست شرطا عندنا فساغ ما هو بدل عنها، ومنعه الشافعي (5)، ولا يجوز أن يدخل بهذا التيمم في شئ من الصلوات فرضها ونفلها، فقد الماء أو لا. ج - لو صلى بغير طهارة جاز عندنا، وقال الشافعي: لا تصح صلاته (6). وكذلك من علم به من المأمومين، وإن لم يعلموا صحت صلاتهم. مسألة 210: ولا يشترط الكثرة على المصلي الواحد وإن كان امرأة، ذهب

= 126، المغني 2: 371، الشرح الكبير 2: 348. (1) سنن أبي داود 1: 16 / 59.
(2) الكافي 3: 178 / 3، التهذيب 3: 203 / 476.
(3) عمدة القارئ 8: 123، المجموع 5: 223، فتح العزيز 5: 185، بداية المجتهد 1: 243.
(4) الكافي 3: 178 - 179 / 5، التهذيب 3: 203 / 477.
(5) الأم 1: 275، المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243.
(6) المجموع 5: 223، المهذب للشيرازي 1: 139.

[ 62 ]

إليه علماؤنا - وهو أحد قولي الشافعي - لأنها فرض كفاية فلا يشترط الزائد على الفاعل لها بالتمام، ولأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة فلم يكن من شرطها العدد كساير الصلوات. وفي الآخر: يشترط ثلاثة (1)، لقوله عليه السلام: (صلوا على من قال لا إله إلا الله) (2) وهو خطاب للجمع وأقله ثلاثة، وهو غلط، لأن الخطاب وإن توجه عليهم أجمع إلا أن المراد كل واحد، إذ ليس المراد ثلاثة لا غير، بل الجميع، فإن كان المقصود الاتيان به جماعة وجب الجمع وإلا فلا. وله قول ثالث: وجوب أربع كما لابد من أربعة يحملونه. ولا تلازم، ثم إن الحمل بين العمودين أفضل عنده وهو يحصل بثلاثة. وله رابع: وجوب اثنين، لأنه أقل الجمع (3). مسألة 211: يستحب الجماعة، وليست شرطا إجماعا، لأن المعمول عليه بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى اليوم أن يصلى على الميت جماعة بإمام. فإن صلوا عليها أفرادا جاز، وبه قال الشافعي (4)، لأن الصحابة صلت على رسول الله صلى الله عليه وآله أفرادا (5) ولأن الأصل عدم الوجوب. وكذا النساء يستحب أن يجمعن لو صلين منفردات، ولو كن مع الرجال تأخرن مؤتمات بهم، ولو كان فيهن حائض انفردت وحدها بصف.

(1) الأم 1: 275، المجموع 5: 212، المهذب للشيرازي 1: 139.
(2) سنن البيهقي 4: 19، سنن الدار قطني 2: 56 / 3 و 4، مجمع الزوائد 2: 67، الجامع الصغير 2: 98 / 5030. (3) المجموع 5: 212.
(4) الأم 1: 275، المجموع 5: 212.
(5) سنن البيهقي 4: 30.

[ 63 ]

مسألة 212: ويجب أن يقف المصلي وراء الجنازة مستقبل القبلة ورأس الميت على يمينه غير متباعد عنها كثيرا، وإذا صلوا جماعة ينبغي أن يتقدم الامام والمؤتمون خلفه صفوفا، وإن كان فيهم نساء وقفن آخر الصفوف، وإن كان فيهن حائض انفردت بارزة عنهم وعنهن. ولو كانا نفسين وقف الآخر خلفه بخلاف صلاة الجماعة، ولا يقف على يمينه لأن القاسم بن عبد الله القمي سأل الصادق عليه السلام عن رجل يصلي على جنازة وحده، قال: " نعم " قلت: فاثنان، قال: " لا، يقوم الامام وحده والآخر خلفه ولا يقوم إلى جنبه " (1). فروع: أ - أفضل الصفوف هنا آخرها لقول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير الصفوف في الصلاة المقدم، وفي الجنائز المؤخر، قيل: ولم؟ قال: صار سترة للنساء " (2). ب - ينبغي أن يقف المأمومون صفوفا، وأقل الفضل ثلاثة صفوف لما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب (3)) (4). ج - يستحب تسوية الصف في الموقف هنا كالصلاة المكتوبة، خلافا لعطاء (5). د - ينبغي أن لا يتباعد الامام عن الجنازة، بل يكون بينهما شئ يسير. ه‍ - يستحب أن يتحفى عند الصلاة إن كان عليه نعلان، وإن كان عليه

(1) الكافي 3: 176 / 1، الفقيه 1: 103 / 477، التهذيب 3: 319 / 990.
(2) الكافي 3: 176 / 3، التهذيب 3: 319 - 320 / 991، علل الشرائع: 306 باب 252.
(3) أوجب أي وجبت له الجنة. النهاية - لابن الأثير - 5: 153.
(4) سنن الترمذي 3: 347 / 1028، سنن ابن ماجة 1: 478 / 1490.
(5) المغني 2: 372، الشرح الكبير 2: 348.

[ 64 ]

خف لم ينزعه، لما فيه من الاتعاظ والخشوع، وروى الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) (1). مسألة 213: ويستحب أن يقف الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة - وبه قال الشيخ في المبسوط (2)، وهو قول مالك (3) - لأن سمرة بن جندب قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله يوم صلى على أم كعب، وكانت نفساء، فوقف عند وسطها (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: من صلى على امرأة فلا يقم في وسطها، ويكون مما يلي صدرها، وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه " (5) ولأنه أبعد عن محارمها فكان أولى. وقال الشيخ في الخلاف: السنة أن يقف الامام عند رأس الرجل وصدر المرأة (6) لقول الكاظم عليه السلام: " يقوم من المرأة عند رأسها " (7). وقال أحمد، وبعض الشافعية: يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة (8)،

(1) صحيح البخاري: 2: 9 و 4: 25، سنن الترمذي 4: 170 / 1632، سنن النسائي 6: 14، سنن الدارمي 2: 202، مسند أحمد 3: 367 و 479 و 5: 225 و 226 و 6: 444. المبسوط للطوسي 1: 184.
(3) أقرب المسالك: 34، المجموع 5: 225، الشرح الكبير 2: 341، المحلى 5: 155.
(4) صحيح مسلم 2: 664 / 964، سنن النسائي 1: 195 و 4: 70 - 71، سنن ابن ماجة 1: 479 / 1493، مسند أحمد 5: 19، والظاهر: أن الاستدلال بهذه الرواية إنما يتم مع التوجيه باعتبار قرب الصدر من الوسط.
(5) الكافي 3: 176 / 1، التهذيب 3: 190 / 433، الاستبصار 1: 470 - 471 / 1818.
(6) الخلاف 1: 731 مسألة 562.
(7) الكافي 3: 177 / 2، التهذيب 3: 190 / 432، الاستبصار 1: 47 / 1817 نقلا بالمعنى. والظاهر أن الاستدلال بالرواية إنما يتم مع التوجيه الذي ذكره الشيخ الطوسي في التهذيب 3: 190 ذيل الحديث 433، قال: لأن الرأس يقرب من الصدر، فجاز أن يعبر عنه به.
(8) المغني 2: 390، المجموع 5: 225.

[ 65 ]

وبعضهم قال: عند رأس الرجل - وبه قال أبو يوسف، ومحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها (2)، وصلى أنس بن مالك على جنازة عبد الله بن عمر، فقام عند رأسه (3). وفعل أنس ليس حجة. وقال أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل والمرأة معا لتساويهما في سنن الصلاة (4)، وهو ممنوع لمخالفتهما في الموقف فكذا هنا. وقال مالك: يقف عند وسط الرجل ومنكبي المرأة (5). فروع: أ - لو اجتمعت جنائز الرجال جعل رأس الميت الأبعد عند ورك الأقرب وهكذا صفا مدرجا، ثم يقف الامام وسط الصف للرواية (6)، وقال الجمهور: يصفهم صفا مستويا (7).

(1) عمدة القارئ 8: 136، المجموع 5: 225، المغني 2: 390، الشرح الكبير 2: 341، بداية المجتهد 1: 236. (2) صحيح البخاري 1: 90 و 2: 111، صحيح مسلم 2: 664 / 964، سنن النسائي 1: 195، مسند أحمد 5: 19، سنن أبي داود 3: 209 / 3195، سنن ابن ماجة 1: 479 / 1493، المحرر في الحديث 1: 312 / 526.
(3) سنن ابن ماجة 1: 479 / 1494، سنن البيهقي 4: 33.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 65، الهداية للمرغيناني 1: 92، شرح العناية 2: 89، عمدة القارئ 8: 136، المجموع 5: 225، المغني 2: 390، الشرح الكبير 2: 341.
(5) الشرح الصغير 1: 198، أقرب المسالك: 34، المجموع 5: 225، المغني 2: 390، الشرح الكبير 2: 341.
(6) الكافي 3: 174 / 2، التهذيب 3: 322 - 323 / 1004، الاستبصار 1: 472 - 473 / 1827.
(7) المجموع 5: 226، المبسوط للسرخسي 2: 65.

[ 66 ]

ب - لو اجتمع الرجل والمرأة، قال أصحابنا: يجعل رأس المرأة عند وسط الرجل ليقف الامام موضع الفضيلة فيهما، وكذا لو اجتمع رجال ونساء، صف الرجال صفا، والنساء خلفهم صفا، رأس أول امرأة عند وسط آخر الرجال، ثم يقوم وسط الرجال، وبه قال مالك، وسعيد بن جبير، وأحمد في رواية، وفي أخرى: يسوى بين رؤوسهم كلهم (1)، لأن أم كلثوم بنت علي عليه السلام وزيدا ابنها توفيا معا، فأخرجت جنازتهما، فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما (2)، ولا حجة في فعل غير النبي، والامام عليهما السلام. ج - لا فرق بين العبيد والأحرار، ولا بين البالغين وغيرهم في هذا الحكم. مسألة 214: ويستحب جعل المرأة مما يلي القبلة والرجل مما يلي الامام لو اجتمعا - وبه قال جميع الفقهاء - لأن أم كلثوم وابنها وضعا كذلك (3). ومن طريق الخاصة سؤال محمد بن مسلم أحدهما عليهما السلام كيف يصلى على الرجال والنساء؟ قال: " الرجل مما يلي الامام " (4) ولأن الرجل يكون إماما في جميع الصلوات فكذا هنا. وحكي عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري أنهم عكسوا، لأن أشرف المواضع مما يلي القبلة، ولهذا يكونون في الدفن هكذا (5). والفرق أنه ليس في اللحد إمام فاعتبرت القبلة، وهنا إمام فاعتبر القرب منه.

(1) المجموع 5: 226، المغني 2: 391، الشرح الكبير 2: 343.
(2) سنن الدارقطني 2: 79 - 80 / 13 وانظر المغني 2: 390 والشرح الكبير 2: 343.
(3) سنن النسائي 4: 71، سنن الدار قطني 2: 79 - 80 / 13.
(4) الكافي 3: 175 / 4، التهذيب 3: 323 / 1005، الاستبصار 1: 471 / 1822.
(5) المجموع 5: 228.

[ 67 ]

فروع: أ - لو كانوا كلهم رجالا أحببت تقديم الافضل إلى الامام، وبه قال الشافعي (1). ب - لو تشاح أولياؤهم ولي الرجل: أنا أصلي عليهم. وقال ولي المرأة: أنا أصلي، قال الشافعي: يقدم السابق منهما، فإن استووا اقرع، ولو أراد كل منهما الانفراد كان له (2). ج - الأفضل أن يصلى على كل واحد من الجنائز المتعددة صلاة واحدة، لأن القصد بالتخصيص أولى منه بالتعميم، فإن كان بهم عجلة أو خيف على الأموات صلي على الجميع صلاة واحدة. د - لو كانوا مختلفين في الحكم بأن يجب على أحدهم الصلاة ويستحب على الآخر لم يجز جمعهم بنية متحدة الوجه، ولو قيل بإجزاء النية الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط أمكن. ه‍ - الترتيب بين الرجال والنساء مستحب، لقول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن يقدم الرجل وتؤخر المرأة، ويؤخر الرجل وتقدم المرأة " (3) يعني في الصلاة على الميت. و - لو اجتمع رجل وصبي وعبد وخنثى وامرأة، فإن كان للصبي أقل من ست سنين جعل الرجل مما يلي الامام، ثم العبد، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الصبي - ذهب إليه علماؤنا - إذ لا تجب الصلاة على الصبي، بخلاف المرأة والخنثى، فتقديمهما إلى الأمام أولى.

(1) الأم 1: 275، المجموع 5: 226. (2) الأم 1: 275 - 276، المجموع 5: 227.
(3) الفقيه 1: 106 / 493، التهذيب 3: 324 / 1009، الاستبصار 1: 473 / 1828.

[ 68 ]

وقال الشافعي: يجعل الصبي بين الرجل والخنثى مطلقا (1) لحديث أم كلثوم (2). ولو كان الصبي ابن ست سنين فصاعدا جعل بعد الرجل، لقول الصادق عليه السلام في جنائز الرجال والصبيان والنساء: " توضع النساء مما يلي القبلة، والصبيان دونهن، والرجال دون ذلك " (3). مسألة 215: إذا نوى المصلي، كبر خمسا واجبا بينها أربعة أدعية، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال زيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان (4) - لأن زيد ابن أرقم كبر على جنازة خمسا، وقال: كان النبي صلى الله عليه وآله يكبرها (5). وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك (6)، وكبر علي عليه السلام على سهل بن حنيف خمسا (7)، وكان أصحاب معاذ يكبرون على الجنازة خمسا (8). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " كبر رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا " (9).

(1) الأم 1: 275، المجموع 5: 226.
(2) سنن النسائي 4: 71، سنن الدارقطني 2: 79 - 80 / 13.
(3) الكافي 3: 175 / 5، التهذيب 3: 323 / 1007، الاستبصار 1: 472 / 1824.
(4) المجموع 5: 231.
(5) صحيح مسلم 2: 659 / 957، سنن الترمذي 3: 343 / 1023، سنن ابن ماجة 1: 482 / 1505، سنن أبي داود 3: 210 / 3197، سنن النسائي 4: 72، سنن الدار قطني 2: 73 / 8.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 3: 303، سنن الدار قطني 2: 73 / 9.
(7) المغني 2: 387، الشرح الكبير 2: 349 نقلا عن سعيد في سننه.
(8) مصنف ابن أبي شيبة 3: 303، سنن البيهقي 4: 37.
(9) التهذيب 3: 315 / 977، الاستبصار 1: 474 / 1833.

[ 69 ]

وسئل الصادق عليه السلام عن التكبير على الميت، فقال: " خمس " (1). وروى الصدوق: أن العلة في ذلك أن الله عز وجل فرض على الناس خمس صلوات فجعل للميت من كل صلاة تكبيرة، وفي أخرى: أن الله تعالى فرض على الناس خمس فرائض: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة (2). وقال الفقهاء الأربعة، والثوري، والأوزاعي، وداود، وأبو ثور: التكبير أربع، ورووه عن الحسن بن علي عليهما السلام، وأخيه محمد بن الحنفية، وعمر، وابن عمر، وزيد، وجابر، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعتبة بن عامر، وعطاء بن أبي رباح (3)، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله نعى النجاشي للناس وكبر بهم أربعا (4). والجواب: قد بينا أنه عليه السلام صلى له بمعنى الدعاء، ولو سلمنا أنه فعل ذلك ببعض الأموات لكن ذلك لانحراف الميت عن الحق، فإنه قد روي عن أهل البيت عليهم السلام: أن الصلاة بالاربع للمتهم في دينه (5). قال الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر

(1) الكافي 3: 184 / 3، التهذيب 3: 191 / 436.
(2) علل الشرائع: 302 باب 244 و 303 باب 245.
(3) المجموع 5: 230، المبسوط للسرخسي 2: 63، اللباب 1: 130، المغني 2: 387 و 389، الشرح الكبير 2: 350، بلغة السالك 1: 197، بداية المجتهد 1: 234، الشرح الصغير 1: 197، سبل السلام 2: 558.
(4) صحيح البخاري 2: 92 و 112، صحيح مسلم 2: 656 / 951، سنن الترمذي 3: 342 / 1022، سنن أبي داود 3: 212 / 3204، سنن النسائي 4: 72، الموطأ 1: 226 / 14.
(5) التهذيب 3: 192 - 193 / 439، علل الشرائع: 304 - 305 باب 245.

[ 70 ]

على قوم خمسا، وعلى آخرين أربعا، فإذا كبر أربعا اتهم " (1) يعني الميت. وحكي عن محمد بن سيرين وأبي الشعثاء وجابر بن زيد أنهما قالا: يكبر ثلاثا. وروي عن ابن عباس (2). وعن علي عليه السلام أنه كان يكبر على أهل بدر خمسا وعلى سائر الناس أربعا (3). وهو يناسب ما قلناه من تخصيص الأربع بغير المرضي. فروع: أ - لا ينبغي الزيادة على الخمس لأنها منوطة بقانون الشرع ولم تنقل الزيادة. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه كبر على حمزة سبعين تكبيرة (4)، وعن علي عليه السلام أنه كبر على سهل بن حنيف خمسة وعشرين تكبيرة (5) إنما كان في صلوات متعددة. قال الباقر عليه السلام: " كان إذا أدركه الناس قالوا: يا أمير المؤمنين لم تدرك الصلاة على سهل بن حنيف فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات " (6). ب - لو كبر الامام أكثر من خمس لم يتابعه المأموم، لأنها زيادة غير مسنونة للامام فلا يتابعه المأموم فيها.

(1) الكافي 3: 181 / 2، التهذيب 3: 197 / 454، الاستبصار 1: 475 / 1839.
(2) المجموع 5: 231، المغني 2: 389، المحلى 5: 127.
(3) الموجود في المصادر: أن عليا عليه السلام كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله خمسا، وعلى سائر الناس أربعا، راجع مصنف ابن أبي شيبة 3: 303، سنن البيهقي 4: 37، سنن الدار قطني 2: 73 / 7. (4 و 5 و 6) الكافي 3: 186 / 3، الفقيه 1: 101 / 470، التهذيب 3: 197 / 455.

[ 71 ]

وقال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية: لا يتابعه في الزائد على الأربع، لما تقدم، وعنه رواية أنه يتابعه إلى سبع (1)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كبر على حمزة سبعا (2)، وكبر علي عليه السلام على أبي قتادة سبعا، وعلى سهل بن حنيف ستا وقال: " إنه بدري " (3). وقال: فإن زاد على سبع لم يتابعه (4). وقال عبد الله بن مسعود: إن زاد الامام على سبع تابعه فإنه لا وقت ولا عدد (5). ج - لو زاد الامام على المقدر، فقد قلنا: إنه لا يتابعه وينصرف، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة (6). وقال الشافعي، وأحمد: لا ينصرف بل يقف حتى يسلم الامام فيسلم معه (7). مسألة 216: الأقرب عندي وجوب الدعاء بين التكبيرات، لأن القصد الدعاء، فلا تجب الصلاة لو لم يجب، ولأن النبي صلى الله عليه وآله كذا فعل (8).

(1) المجموع 5: 231، المبسوط للسرخسي 2: 64، شرح العناية 2: 87، المغني 2: 387 و 388، الشرح الكبير 2: 349 - 350، الشرح الصغير 1: 197.
(2) سنن البيهقي 4: 12 و 13.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 301، سنن البيهقي 4: 36.
(4) المغني 2: 388، الشرح الكبير 2: 350.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 3: 303، مجمع الزوائد 3: 34.
(6) شرح العناية 2: 87، بدائع الصنائع 1: 313، المجموع 5: 231، المغني 2: 388. (7) المجموع 5: 230 و 231، المغني 2: 388، الشرح الكبير 2: 350.
(8) صحيح مسلم 2: 662 / 963، سنن أبي داود 3: 211 / 3201 و 3202، سنن الترمذي =

[ 72 ]

قال الكاظم عليه السلام: " قال الصادق عليه السلام: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على جنازة خمسا، وصلى على أخرى فكبر أربعا، فالتي كبر عليها خمسا حمد الله ومجده في الأولى، ودعا في الثانية للنبي، وفي الثالثة للمؤمنين والمؤمنات، وفي الرابعة للميت، وانصرف في الخامسة، والتي كبر عليها أربعا، كبر وحمد الله ومجده، ودعا في الثانية لنفسه وأهله، ودعا للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة، وانصرف في الرابعة، ولم يدع له لأنه كان منافقا " (1). مسألة 217: الأقوى أنه لا يتعين دعاء معين، بل المعاني المدلول عليها تلك الادعية، وأفضله أن يكبر ويشهد الشهادتين، ثم يكبر ويصلي على النبي - صلى الله عليه - وآله، ثم يكبر ويدعو للمؤمنين، ثم يكبر ويدعو للميت، ثم يكبر الخامسة، وينصرف مستغفرا - ذهب إليه علماؤنا أجمع - لأن ابن مسعود قال: ما وقت رسول الله صلى الله عليه وآله قولا ولا قراءة، فكبر كما كبر الامام، واختر من طيب القول ما شئت (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت إلا أن تدعو بما بدا لك " (3). وقال الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى على ميت كبر وتشهد، ثم كبر وصلى على الأنبياء ودعا، ثم كبر

= 3: 343 - 345 / 1024 و 1025، سنن ابن ماجة 1: 480 / 1498 و 1499. (1) التهذيب 3: 317 / 983، الاستبصار 1: 475 / 1840.
(2) سبل السلام 2: 560، المغني 2: 366.
(3) الكافي 3: 185 / 1، التهذيب 3: 193 / 442، الاستبصار 1: 476 / 1843.

[ 73 ]

ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة ودعا للميت، ثم كبر وانصرف " (1). مسألة 218: وليس فيها قراءة عند علمائنا أجمع - وبه قال الثوري، والأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة (2) - لأن ابن مسعود قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لم يوقت فيها قولا ولا قراءة (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام (4) وقد تقدم (5). ولأن ما لا ركوع فيه ليس فيه قراءة، كسجود التلاوة. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود: تجب فاتحة الكتاب، ورووه عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، والحسن البصري (6)، لأن النبي صلى الله عليه وآله قرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن (7). ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجبت القراءة كغيرها. والجواب: قد بينا عدم التوقيت، فكما جاز الدعاء جازت القراءة بنية الدعاء، والفرق بين الصلاتين اشتراط الطهارة في غيرها دون هذه، لأن القصد فيها الدعاء فناسب سقوط القراءة.

(1) الكافي 3: 181 / 3، الفقيه 1: 100 / 469، التهذيب 3: 189 - 190 / 431.
(2) بداية المجتهد 1: 235، المبسوط للسرخسي 2: 64، شرح فتح القدير 2: 85، المجموع 5: 242، المغني 2: 366، الشرح الكبير 2: 344.
(3) سبل السلام 2: 560، المغني 2: 366. (4) الكافي 3: 185 / 1، التهذيب 3: 193 / 442، الاستبصار 1: 476 / 1843.
(5) تقدم في المسألة 217.
(6) الأم 1: 283، المجموع 5: 242، مختصر المزني 1: 38، المبسوط للسرخسي 2: 64، بداية المجتهد 1: 235، المغني 2: 366، الشرح الكبير 2: 343.
(7) سنن ابن ماجة 1: 479 / 1495، سنن البيهقي 4: 39.

[ 74 ]

فروع: أ - قال الشيخ في الخلاف: تكره القراءة في صلاة الجنازة (1) وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، ومالك، والأوزاعي - لما تقدم (2) من مشروعية الدعاء والتحميد - وهو مروي عن أبي هريرة وابن عمر (3). وقال الشافعي: قراءة الحمد شرط في صحتها (4). ب - يستحب الاسرار بالدعاء في صلاة الجنازة لأن السر أقرب إلى القبول لبعده عن الرياء، وكذا من أوجب القراءة إلا بعض الشافعية فإنه قال: يسر فيها نهارا لا ليلا (5). ج - لا تستحب الزيادة على الفاتحة عند الموجبين لها. د - لا يستحب دعاء الاستفتاح عند علمائنا، وهو قول أكثر العلماء (6) لاستحباب التخفيف في هذه الصلاة. واستحبه الثوري، وهو قول بعض الشافعية، ورواية عن أحمد (7) لأنه مستحب في غيرها، والفرق التخفيف هنا. ه‍ - لا يستحب التعوذ عندنا - وهو قول أكثر أهل العلم - لأنها مخففة،

(1) الخلاف 1: 723 مسألة 542.
(2) تقدم في المسألة 217.
(3) شرح فتح القدير 2: 85، بدائع الصنائع 1: 313، المنتقى للباجي 2: 16، بداية المجتهد 1: 235، المجموع 5: 242، الموطأ 1: 228 / 17 و 19 وانظر الخلاف 1: 723 مسألة 542.
(4) المجموع 5: 233 و 242، السراج الوهاج: 107، مغني المحتاج 1: 341، الشرح الكبير 2: 343، وانظر أيضا الخلاف 1: 723 مسألة 542.
(5) المجموع 5: 234، عمدة القارئ 8: 140. (6) المغني 2: 366، الشرح الكبير 2: 343، المجموع 5: 234، حلية العلماء 2: 295.
(7) المجموع 5: 234، المغني 2: 366، الشرح الكبير 2: 343.

[ 75 ]

وبعض الشافعية استحبه، وهو قول أحمد، لأنه سنة للقراءة (1) لقوله تعالى: * (فاستعذ) * (2) ونحن نمنع القراءة. مسألة 219: ولا تسليم فيها، بل يكبر الخامسة وينصرف وهو يقول: عفوك عفوك. ذهب إليه علماؤنا أجمع لقول ابن مسعود: لم يوقت لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في صلاة الميت قولا (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام: " ليس في الصلاة على الميت تسليم " (4)، ولأنه ليس لها حرمة الصلاة، لايقاعها من غير طهارة ولا قراءة، فلا يشرع التسليم. وقال الشافعي، وأحمد: يكبر ويقرأ فاتحة الكتاب إما من غير استفتاح ولا تعوذ أو بعدهما على ما تقدم، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو للمؤمنين، ويكبر الثالثة ويدعو للميت وحده لأن القصد هو الدعاء له، ثم يكبر الرابعة ويسلم (5). وكذا قال أبو حنيفة في التسليم (6)، ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والحارث، وإبراهيم النخعي،

(1) المغني 2: 366، الشرح الكبير 2: 343.
(2) الأعراف: 200.
(3) سبل السلام 2: 560، المغني 2: 366.
(4) الكافي 3: 185 / 3، التهذيب 3: 192 / 437، الاستبصار 1: 477 / 1846، وفي الاخيرين عن الامام الصادق عليه السلام.
(5) الأم 1: 270، المجموع 5: 233 - 239، فتح الوهاب 1: 94 و 95، المغني 2: 366 - 367 (6) الهداية للمرغيناني 1: 92، شرح العناية 2: 86، بداية المجتهد 1: 236.

[ 76 ]

والثوري، وأحمد، وإسحاق (1) قياسا على سائر الصلوات، والجواب ما تقدم من الفرق. فروع: الأول: اختلف القائلون بالتسليم بعد اتفاقهم على وجوبه، فقال الشافعي، وأصحاب الرأي: يستحب تسليمتان وتجزي الواحدة كغيرها من الصلوات (2) وأنكر الباقون استحباب الثانية إلا النخعي (3)، لأنهم نقلوا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سلم على الجنازة مرة واحدة (4). الثاني: قال الموجبون للتسليم: يستحب أن يسلم عن يمينه، وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس (5)، لأنهم رووا عن علي عليه السلام أنه سلم على يزيد بن المكفف واحدة عن يمينه السلام عليكم (6). الثالث: إذا فرغ من الصلاة يستحب أن لا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة. مسألة 220: الميت إن كان مؤمنا دعا له في الرابعة، وعليه إن كان منافقا، ويقرأ: ربنا اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، إن كان مستضعفا، وإن جهله سأل الله أن يحشره مع من يتولاه. والطفل، سأل الله أن يجعله له ولأبويه فرطا، لقول الباقر عليه

(1) المغني 2: 370، الشرح الكبير 2: 347، المجموع 5: 244.
(2) الأم 1: 271، المجموع 5: 240، بدائع الصنائع 1: 313، بداية المجتهد 1: 236، المغني 2: 370، الشرح الكبير 2: 347.
(3) المجموع 5: 243، المغني 2: 370 - 371، الشرح الكبير 2: 347.
(4) سنن البيهقي 4: 43، وانظر المغني 2: 370 والشرح الكبير 2: 347.
(5) المجموع 5: 240، مغني المحتاج 1: 341، المغني 2: 371، الشرح الكبير 2: 347.
(6) مصنف ابن أبي شيبة 3: 307، وانظر المغني 2: 371، والشرح الكبير 2: 347.

[ 77 ]

السلام: " إذا صليت على المؤمن فادع له، وإن كان مستضعفا فكبر وقل: اللهم اغفر للذين تابوا " (1) وصلى الباقر عليه السلام فقال: " اللهم هذا عبدك ولا أعلم منه شرا فإن كان مستوجبا فشفعنا فيه واحشره مع من كان يتولاه " (2). وحضر النبي صلى الله عليه وآله جنازة عبد الله بن أبي سلول فقيل: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فقال: (ويلك وما يدريك ما قلت، إني قلت: اللهم أحش جوفه نارا واملأ قبره وأصله نارا) (3). وصلى الحسين عليه السلام على منافق فقال: " اللهم العن عبدك فلانا، وأخزه في عبادك، وأصله حر نارك، وأذقه أشد عذابك، فإنه يوالي أعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك " (4). وقال علي عليه السلام في الصلاة على الطفل: " اللهم اجعله لنا ولأبويه فرطا وأجرا " (5). وأوجب الشافعي القراءة والصلاة على النبي، والدعاء للميت، ولم يقدره، واستحب الدعاء للمؤمنين (6). مسألة 221: أجمع أهل العلم كافة على استحباب رفع اليدين في أول تكبيرة، واختلفوا في البواقي، فلعلمائنا قولان: أحدهما: الاستحباب (7) - وبه قال ابن عمر، وسالم، وعمر بن

(1) الكافي 3: 187 / 2، التهذيب 3: 196 / 450.
(2) الكافي 3: 188 / 6، التهذيب 3: 196 / 451.
(3) الكافي 3: 188 / 1، التهذيب 3: 196 / 452.
(4) الكافي 3: 189 / 3، الفقيه 1: 105 / 490، قرب الاسناد: 29. (5) التهذيب 3: 195 - 196 / 449.
(6) الأم 1: 271.
(7) قاله الشيخ الطوسي في الاستبصار 1: 479 ذيل الحديث 1854، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 106، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: 121.

[ 78 ]

عبد العزيز، والزهري، وعطاء، وإسحاق، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد (1) - لأن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع يديه في كل تكبيرة (2) وفعله ابن عمر، وأنس (3). ومن طريق الخاصة ما رواه عبد الرحمن العرزمي قال: صليت خلف الصادق عليه السلام على جنازة فكبر خمسا، يرفع يديه مع كل تكبيرة (4)، ولأنها تكبيرة حالة مع الاستقرار فأشبهت الأولى. والثاني: عدم الاستحباب (5) - وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة (6) - لأن كل تكبيرة مقام ركعة، ولا ترفع الأيدي في جميع الركعات بل في الأولى، ولقول الصادق عليه السلام: " كان علي عليه السلام يرفع يديه في أول التكبير ثم لا يعود حتى ينصرف " (7). وحديثنا أولى، لأن الصادق عليه السلام فعله (8) فلا يروي عن جده ما ينافي فعله، أو أنه مندوب فجاز تركه أحيانا، ونمنع الأصل في القياس.

(1) الأم 1: 271، المجموع 5: 232، المغني 2: 370، الشرح الكبير 2: 347.
(2) ذكره الدار قطني في علله كما في هامش سنن الدار قطني 2: 75.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 296، سنن البيهقي 4: 44، المجموع 5: 232، المغني 2: 370، الشرح الكبير 2: 348.
(4) التهذيب 3: 194 / 445، الاستبصار 1: 478 / 1851.
(5) قاله المفيد في المقنعة: 37، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 185، والنهاية: 145، وأبو الصلاح في الكافي: 157، وابن حمزة في الوسيلة: 120، وسلار في المراسم: 79، وابن البراج في المهذب 1: 130.
(6) المنتقى للباجي 2: 12، القوانين الفقهية: 93، الحجة على أهل المدينة 1: 362، بدائع الصنائع 1: 314، المجموع 5: 232، المغني 2: 370، الشرح الكبير 2: 348.
(7) التهذيب 3: 194 / 444، الاستبصار 1: 478 / 1853. (8) التهذيب 3: 194 / 445، الاستبصار 1: 478 / 1851.

[ 79 ]

البحث الخامس: في الأحكام. مسألة 222: قال الشيخ في الخلاف: يكره لمن صلى على جنازة أن يصلي عليها ثانيا (1) - وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد وجهي الشافعي (2) - لأن المراد المبادرة. وفي الوجه الآخر: يجوز - وبه قال أحمد (3) - لأن عليا عليه السلام كرر الصلاة على سهل بن حنيف (4)، وليس حجة لأنه عليه السلام كررها إما لتعظيمه وإظهار شرفه أو ليصلي عليه من لم يصل. أما من لم يصل على الميت فهل يكره له الصلاة عليه بعد أن صلى عليه غيره؟ الأقرب ذلك - وبه قال النخعي، ومالك، وأبو حنيفة (5) - لمنافاته المبادرة المطلوبة، ولسقوط الفرض بالصلاة الأولى، فالثانية تطوع، والصلاة على الميت لا يتطوع بها، ولهذا إن من صلى لا يكررها. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة ثم جاءه قوم فقالوا: فاتتنا الصلاة. فقال: إن الجنازة لا يصلى عليها مرتين، ادعوا له وقولوا خيرا " (6). وقال بعض علمائنا: من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر يوما وليلة، أو ثلاثة أيام (7)

(1) الخلاف 1: 726 مسألة 548.
(2) المجموع 5: 246، شرح فتح القدير 2: 83، شرح العناية 2: 83، بدائع الصنائع 1: 311.
(3) المجموع 5: 246، حلية العلماء 2: 297، بدائع الصنائع 1: 311، شرح العناية 2: 83.
(4) التهذيب 3: 325 / 1011، الاستبصار 1: 484 / 1876.
(5) بداية المجتهد 1: 238، شرح فتح القدير 2: 83، شرح العناية 2: 83، الهداية للمرغيناني 1: 91، بدائع الصنائع 1: 311، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 352.
(6) التهذيب 3: 324 / 1010، الاستبصار 1: 484 - 485 / 1878.
(7) الخلاف 1: 726 مسألة 548.

[ 80 ]

على ما تقدم من الخلاف (1) - وهو مروي عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى على قبر المسكينة (3). والظاهر أنها دفنت بعد الصلاة، وصلى علي عليه السلام على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة (4)، لتلاحق من لم يصل. والوجه عندي التفصيل، فإن خيف على الميت ظهور حادثة به كره تكرار الصلاة وإلا فلا. إذا ثبت هذا، فإذا صلي على الميت مرة لم توضع لأحد يصلي عليها، ولا يحبس بعد الصلاة ويبادر بدفنه. وقال أبو حنيفة: إذا صلى غير الولي والسلطان أعاد الولي والسلطان (5) لخبر المسكينة (6). مسألة 223: ويصلى على الجنائز في الأوقات الخمسة المكروهة، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الشافعي (7) - لأن أبا هريرة صلى على عقيل حين اصفرت الشمس (8)، ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " يصلى

(1) تقدم في المسألة 180.
(2) المجموع 5: 249، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 353، بداية المجتهد 1: 238. (3) سنن النسائي 4: 69، الموطأ 1: 227 / 15، سنن البيهقي 4: 48.
(4) الكافي 3: 186 / 3، الفقيه 1: 101 - 102 / 470، التهذيب 3: 197 - 198 / 455.
(5) شرح فتح القدير 2: 83، المجموع 5: 249 - 250، بداية المجتهد 1: 238، المغني 2: 385، الشرح الكبير 2: 352.
(6) سنن النسائي 4: 69، الموطأ 1: 227 / 15، سنن البيهقي 4: 48.
(7) الأم 1: 279، المجموع 5: 213، بداية المجتهد 1: 242، المغني 2: 417، عمدة القارئ 8: 124.
(8) سنن البيهقي 4: 32.

[ 81 ]

على الجنازة في كل ساعة لأنها ليست صلاة ركوع وسجود، وإنما يكره عند طلوع الشمس وغروبها التي فيها الركوع والسجود " (1)، ولأنها عبادة واجبة فلا يكره كاليومية، ولأنها أدعية محضة فلا يكره كغيرها من الادعية، ولأنها ذات سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عنه، كما يجوز بعد العصر، وقال الأوزاعي: تكره في الأوقات الخمسة (2). وقال مالك، والنخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وابن عمر، وعطاء، وأصحاب الرأي: لا يجوز عند طلوع الشمس واصفرارها واستوائها (3). لأن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا، وذكر هذه الساعات (4)، وهو محمول على النافلة، أو على قصد ذلك الوقت بصلاة الجنازة. مسألة 224: ولو حضرت جنازة وقت الفريضة تخير في تقديم أيهما شاء ما لم يخف فوت إحداهما فتتعين لقول الباقر عليه السلام: " عجل الميت إلى قبره إلا أن تخاف فوت الفريضة " (5). وقال الصادق عليه السلام: " إبدأ بالمكتوبة قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون الميت مبطونا أو نفساء " (6) وإذا تعارض الخبران تخير المجتهد.

(1) الكافي 3: 180 / 2، التهذيب 3: 321 / 998، الاستبصار 1: 470 / 1814.
(2) المغني 2: 417 وفيه: تكره في الأوقات الثلاثة.
(3) المدونة الكبرى 1: 190، المنتقى للباجي 2: 17، بداية المجتهد 1: 242، بدائع الصنائع 1: 316، المغني 2: 416 - 417.
(4) سنن ابن ماجة 1: 486 - 487 / 1519، سنن البيهقي 4: 32.
(5) التهذيب 3: 320 / 995، الاستبصار 1: 469 / 1812.
(6) التهذيب 3: 320 / 994.

[ 82 ]

ولو قيل: الأولى أن يبدأ بالمكتوبة ما لم يخف على الجنازة كان وجها - وبه قال مجاهد، والحسن، وسعيد بن المسيب، وقتادة (1) - لشدة اهتمام الشارع بالمكتوبة. وقال أحمد: يبدأ بالمكتوبة إلا الفجر والعصر - وبه قال ابن سيرين - لأن ما بعدهما وقت نهي عن الصلاة فيه (2). مسألة 225: ويستحب الصلاة في الامكنة المعتادة، وإن صلي عليها في المساجد جاز، والأولى تجنبه إلا بمكة إذ لا يؤمن من تلطخ المسجد بانفجاره. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له) (3). ومن طريق الخاصة ما رواه أبو بكر بن عيسى بن أحمد العلوي قال: كنت في المسجد، فجئ بجنازة وأردت أن أصلي عليها، فجاء أبو الحسن الأول عليه السلام فوضع مرفقه في صدري وجعل يدفعني حتى أخرجني من المسجد ثم قال: " يا أبا بكر إن الجنائز لا يصلى عليها في المسجد " (4) وليس للتحريم لقول الصادق عليه السلام: " نعم " وقد سئل هل يصلى على الميت في المسجد؟ (5). وقال الشافعي: يجوز مطلقا - وبه قال أحمد (6) - لأن عائشة روت أن

(1) المغني 2: 416.
(2) المغني 2: 416.
(3) سنن ابن ماجة 1: 486 / 1517، سنن البيهقي 4: 52.
(4) الكافي 3: 182 / 1، التهذيب 3: 326 / 1016، الاستبصار 1: 473 / 1831.
(5) الفقيه 1: 102 / 473، التهذيب 3: 320 / 992، الاستبصار 1: 473 / 1829.
(6) المجموع 5: 213، المغني 2: 372، الشرح الكبير 2: 359، المحرر في الفقه 1: 193.

[ 83 ]

النبي صلى الله عليه وآله صلى على ابني بيضاء وسهيل وأخيه في المسجد (1)، ولأن كل صلاة جازت خارج المسجد لم تكره فيه كسائر الصلوات، وقال أبو حنيفة، ومالك: يكره في المسجد (2) لما تقدم. مسألة 226: لو فاته بعض الصلاة مع الامام وأدركه بين تكبيرتين كبر ودخل معه ولا ينتظر الامام حتى يكبر معه - وبه قال الشافعي (3) - لأنه أدرك الامام وقد فاته بعض صلاته فيدخل ولا ينتظره كسائر الصلوات. وقال أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وإسحاق: لا يكبر وينتظر تكبيرة (4) - وعن مالك روايتان (5) - لأن التكبيرات تجري مجرى الركعات لأنها تقضى بعد فراغ الامام فإذا فاته بعضها لم يشتغل بقضائها كما إذا فاته ركعة مع الامام. وينتقض بتكبير العيدين فإنه يقضيه عنده في حال الركوع ولا يجري مجرى الركعات، وإلا لكان إذا حضر وكبر الامام قبل أن يكبر المأموم لا يكبر حتى يكبر أخرى. فروع: أ - من أوجب القراءة لو دخل والامام في القراءة فكبر الامام الثانية كبر

(1) صحيح مسلم 2: 669 / 101، سنن البيهقي 4: 51.
(2) شرح فتح القدير 2: 90، عمدة القارئ 8: 20، بداية المجتهد 1: 242، المجموع 5: 213 - 214.
(3) الأم 1: 275، المجموع 5: 243، فتح العزيز 5: 183، الميزان 1: 207، بداية المجتهد 1: 238، المغني 2: 374، الشرح الكبير 2: 352.
(4) الحجة على أهل المدينة 1: 364، المغني 2: 374، الشرح الكبير 2: 352، المجموع 5: 243، الميزان 1: 207، فتح العزيز 5: 183، بداية المجتهد 1: 238.
(5) المدونة الكبرى 1: 181، بداية المجتهد 1: 238، المجموع 5: 243، فتح العزيز 5: 183، الميزان 1: 207، المغني 2: 374، الشرح الكبير 2: 352.

[ 84 ]

معه عنده إن كان قد فرغ من القراءة وإلا ففي القطع أو الاتمام وجهان للشافعي يبنيان على المسبوق إذا ركع الامام قبل إتمام القراءة، وأصحهما عنده: أنه يتبعه ويقطع كذا هنا قال: إلا أن بعد الثانية محل القراءة باق لأنه إذا أدركه في الثانية قرأ المأموم بخلاف الركوع (1)، ومقتضاه أن يأتي بالقراءة بعد الثانية. ويمكن أن يقال: لا يأتي لأنه لما أدرك قراءة الامام صار محل القراءة ما قبل الثانية في حقه فلا يأتي بها بعد الثانية، وإن أدركه بعد الثانية كبر واشتغل بالقراءة والامام مشغول بالصلاة على النبي. وعندنا عوض القراءة الشهادتان، فإذا كبر الثالثة كبر معه واشتغل بالصلاة والامام مشغول بالدعاء للمؤمنين، فإذا كبر الرابعة كبر معه واشتغل بدعاء المؤمنين، والامام مشغول بدعاء الميت، فإن أدركه في الرابعة كبر، فإذا كبر الخامسة عندنا، وسلم عند الشافعي (2) دعا للميت وتمم. ب - لو أدرك بعض التكبيرات أتم الصلاة عندنا وقضى ما فات مع الامام، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي (3) لقوله عليه السلام: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله عيص عن الرجل

(1) المجموع 5: 241، فتح العزيز 5: 183. (2) المجموع 5: 240 - 241.
(3) المدونة الكبرى 1: 181، المغني 2: 373، الشرح الكبير 2: 351، المجموع 5: 242 - 243.
(4) صحيح البخاري 1: 163، صحيح مسلم 1: 420 - 421 / 602، الموطأ 1: 68 - 69 / 4، سنن ابن ماجة 1: 255 / 775، سنن الترمذي 2: 149 / 327 وفي الجميع ورد " فأتموا " بدل " فاقضوا "

[ 85 ]

يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة، قال: " يتم ما بقي " (1) ولأنه دخل في فرض فوجب إكماله. وقال ابن عمر، والحسن البصري، وأيوب السجستاني، والأوزاعي: لا يقضي - وهو رواية عن أحمد (2) - لأن عائشة قالت: يا رسول الله إني أصلي على الجنازة ويخفى علي بعض التكبير، قال: (ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك) (3) ولأنها تكبيرات متوالية فإذا فاتت لم تقض، كتكبيرات العيد. ويحمل الحديث على الشك في البعض، فأمرها بالتعويل على تكبير الامام، ويخالف تكبيرات العيد لأنها تجري مجرى أفعال الصلاة إذ لا يجوز الاخلال بها، بخلاف تكبيرات العيد عنده. ج - إن تمكن في القضاء من الادعية فعل، وإن خاف مسارعة رفعها تابع بالتكبير ولاء، لقول الصادق عليه السلام: " إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين في الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا " (4). د - لو رفعت الجنازة ولما يتم أتم وهي على أيدي الرجال، ولو دفنت أتم على القبر لقول الباقر عليه السلام: " يتم التكبير وهو يمشي معها، وإذا لم يدرك التكبير كبر على القبر، وإن أدركهم وقد دفن كبر على القبر " (5). ه‍ - لو سبق المأموم الامام بتكبيرة فصاعدا استحب إعادتها مع الامام ليدرك فضيلة الجماعة.

(1) التهذيب 3: 199 / 461، الاستبصار 1: 481 / 1861.
(2) المغني 2: 373.
(3) المغني 2: 373.
(4) الفقيه 1: 102 / 471، التهذيب 3: 200 / 463، الاستبصار 1: 482 / 1865. (5) التهذيب 3: 200 / 462، الاستبصار 1: 481 / 1862.

[ 86 ]

مسألة 227: لو حضرت جنازة في أثناء التكبير تخير في الاتمام ثم يستأنف أخرى على الثانية، وفي الاستئناف عليهما بعد إبطال ما كبر، لأن في كل واحدة منهما الصلاة عليهما. وسأل علي بن جعفر أخاه الكاظم عليه السلام عن قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين ووضعت معها أخرى، قال: " إن شاءوا تركوا الأولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة، وإن شاءوا رفعوا الأولى وأتموا التكبير على الأخيرة، كل ذلك لا بأس به " (1). فروع: أ - الأفضل إفراد كل جنازة بصلاة. ب - يجوز أن يصلى على كل طائفة صلاة واحدة. ج - لو اختلف الوجه بأن جاء بعض من يستحب الصلاة عليه وقد دخل في الواجبة وجب الاكمال واستحبت الثانية، ولو انعكس الحال جاز الاتمام والاستئناف. د - لو خيف على الجنائز استحب الاستئناف كما يستحب الجمع ابتداءا معه. مسألة 228: ذهب علماؤنا أجمع إلى أن الامام يقف خلف الجنازة وجوبا، ولا يجوز أن يتقدمها ويصلي والجنازة خلف ظهره - وهو أصح وجهي الشافعية (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كذا فعل فيجب اتباعه (3).

(1) الكافي 3: 190 / 1، التهذيب 3: 327 / 1020.
(2) المجموع 5: 227 - 228، فتح العزيز 5: 163، الوجيز 1: 76.
(3) انظر على سبيل المثال: سنن ابن ماجة 1: 479 / 1493 و 1494، سنن البيهقي 4: 33.

[ 87 ]

احتجوا على الآخر بجواز الصلاة على الغائب وإن كان خلف ظهر المصلي (1) ونمنع حكم الأصل، ولو سلم فللضرورة بخلاف صورة النزاع. مسألة 229: قد بينا وجوب الصلاة على النبي وآله عليهم السلام في الثانية - وللشافعي في الآل قولان (2) - لأن الآل تجب الصلاة عليهم في التشهد فكذا هنا. ويجب في النية التعرض للفرض - وهو أحد قولي الشافعية (3) - لأن الفعل إنما يقع على الوجه المأمور به شرعا باعتبار القصد. ولا يجب التعرض لكونه فرض كفاية - وهو أصح وجهي الشافعية (4) - ولا تعيين الميت باسم، أو صفة، غير الاشارة ومعرفته، فلو عين فأخطأ احتمل بطلان الصلاة - وهو قول الشافعية (5) - إذ لم يقصد الصلاة على هذا فلا يجزي ما فعله، والصحة إذ التعيين ليس شرطا. ولو زاد تكبيرة عمدا على العدد الواجب لم تبطل الصلاة لأن التسليم ليس واجبا ولا مستحبا هنا. والشافعي حيث أوجب التسليم في البطلان عنه وجهان لأن الزيادة قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله عنده (6). ولأنها كالركعات. ولو كبر مع الامام ثم تخلف في التكبير اللاحق عمدا حتى كبر الامام

(1) فتح العزيز 5: 163.
(2) المجموع 5: 235، فتح العزيز 5: 169، الوجيز 1: 76. (3) المجموع 5: 230، السراج الوهاج: 106. (4 و 5) المجموع 5: 230، فتح العزيز 5: 165، السراج الوهاج: 106.
(6) المجموع 5: 230، فتح العزيز 5: 165 - 166.

[ 88 ]

باقي الفائت فالوجه عدم البطلان، ويأتي بها المأموم بعد الفراغ، وعند الشافعي تبطل (1) لأن الاقتداء في هذه الصلاة لا يظهر إلا في التكبيرات، وهذا تخلف فاحش. المطلب الخامس: في الدفن. مسألة 230: أجمع علماء الاسلام على وجوب دفن المسلم على الكفاية، لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر به وفعله بكل ميت (2)، ويجب دفنه في حفرة تحرسه عن السباع، وتكتم رائحته عن الناس. ويجب عندنا إضجاعه على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة لأن النبي صلى الله عليه وآله دفن كذلك، وهو عمل الصحابة والتابعين (3). وأوجب الشافعي الاستقبال دون الاضجاع على الأيمن بل جعله مستحبا (4)، وفعل النبي صلى الله عليه وآله يجب اتباعه، وقال عليه السلام: (إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه) (5). مسألة 231: ويستحب تعميق القبر قدر قامة أو إلى الترقوة عند علمائنا أجمع إذ قصد الدفن يحصل به فالزيادة تكلف، ولقول الصادق عليه السلام: " حد القبر إلى الترقوة " (6). وقال الشافعي: يعمق قدر قامة وبسطة، وقدر ذلك أربعة أذرع

(1) المجموع 5: 242.
(2) سنن أبي داود 3: 214 / 3215.
(3) سنن ابن ماجة 1: 495 / 1552.
(4) الأم 1: 276، المجموع 5: 293، فتح العزيز 5: 216 - 218.
(5) مسند أحمد 2: 432 نحوه.
(6) الكافي 3: 165 / 1، الفقيه 1: 107 / 498، التهذيب 1: 451 / 1469.

[ 89 ]

ونصف، وهو رواية عن أحمد (1) لأن النبي عليه السلام قال: (إحفروا وأوسعوا وعمقوا) (2) وقال عمر: عمقوا قبري قامة، وبسطة (3). والحديث لا دلالة فيه على دعواه، وقول عمر لا حجة فيه. وقال مالك: لا حد فيه بل يحفر حتى يغيب عن الناس (4). وقال عمر بن عبد العزيز: يحفر إلى السرة ولا يعمق لأن ما على وجه الأرض أفضل مما سفل منها (5)، وعن أحمد: إلى الصدر، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين (6). والوجه ما قدمناه لأن الصادق عليه السلام قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع " (7) ولا خلاف في أن ذلك كله مستحب. مسألة 232: ويستحب أن يجعل له لحد، ومعناه: أنه إذا بلغ الحافر أرض القبر حفر في حائطه مما يلي القبلة مكانا يوضع فيه الميت، وهو أفضل من الشق ومعناه: أن يحفر في قعر القبر شقا شبه النهر يضع الميت فيه ويسقف عليه بشئ، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال الشافعي، وأكثر

(1) الأم 1: 276، المجموع 5: 287، فتح العزيز 5: 201، الوجيز 1: 77، فتح الوهاب 1: الشرح الكبير 2: 379.
(2) سنن ابن ماجة 1: 497 / 1560، سنن أبي داود 3: 214 / 3216.
(3) مصنف ابن أبي شيبة 3: 326.
(4) المنتقى 2: 22 المجموع 5: 288.
(5) المجموع 5: 288، الشرح الكبير 2: 378 - 379.
(6) الشرح الكبير 2: 378.
(7) الكافي 3: 166 / 4، التهذيب 1: 451 / 1466.

[ 90 ]

أهل العلم (1) - لقول ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (اللحد لنا والشق لغيرنا) (2). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله لحد له أبو طلحة الأنصاري " (3) وقال أبو حنيفة: الشق أفضل بكل حال (4). فروع: أ - لو كانت الأرض رخوة يخاف من اللحد فالشق أولى - وبه قال الشافعي (5) - وقال بعض علمائنا: يعمل له شبه اللحد من بناء، تحصيلا للفضيلة (6). ب - يستحب أن يكون اللحد واسعا قدر ما يتمكن فيه الجالس من الجلوس لقوله عليه السلام: (وأوسعوا) (7) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " وأما اللحد فقدر ما يتمكن فيه من الجلوس " (8). ج - يستحب أن يضع تحت رأس الميت لبنة أو شيئا مرتفعا كما يصنع

(1) الأم 1: 276، المجموع 5: 287، فتح العزيز 5: 202، بدائع الصنائع 1: 318، كشاف القناع 2: 133، الشرح الكبير 2: 381.
(2) سنن ابن ماجة 1: 496 / 1554، سنن الترمذي 3: 363 / 1045، سنن النسائي 4: 80، سنن البيهقي 3: 408، سنن أبي داود 3: 213 / 3208.
(3) الكافي 3: 166 / 3، التهذيب 1: 451 / 1467.
(4) فتح العزيز 5: 202. (5) الأم 1: 276، المجموع 5: 287، فتح العزيز 5: 202.
(6) قاله المحقق في المعتبر: 80.
(7) سنن ابن ماجة 1: 497 / 1559 و 1560، سنن أبي داود 3: 214 / 3215.
(8) الفقيه 1: 107 - 108 / 498.

[ 91 ]

بالحي، ويدنى من الحائط لئلا ينكب ويسند من ورائه بتراب لئلا ينقلب. قال الصادق عليه السلام: " يجعل للميت وسادة من تراب، ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي " (1). د - لا ينبغي جعل مضربة ولا مخدة في القبر لما فيه من إتلاف المال، وعدم ورود النص به، وقد نقل أنه جعل في قبر النبي صلى الله عليه وآله قطيفة حمراء (2). مسألة 233: ويستحب وضع الجنازة على الأرض عند الوصول إلى القبر، وإنزاله إليه في ثلاث دفعات ولا يفدحه بالقبر دفعة واحدة، لأنه أبلغ في التذلل والخضوع، ولقول الصادق عليه السلام: " ينبغي أن يوضع الميت دون القبر هنيئة ثم واره " (3). ويجعل الميت عند رجل القبر إن كان رجلا، ويسل من قبل رأسه، ويبدأ برأسه كما خرج إلى الدنيا، وقدامه مما يلي القبلة إن كان امرأة وتؤخذ عرضا عند علمائنا - وبه قال الشافعي مطلقا، وأحمد، والنخعي، والشعبي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله سل من قبل رأسه سلا (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن عطية مرسلا، قال: " إذا أتيت بأخيك إلى القبر فلا تفدحه، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة،

(1) الفقيه 1: 108 / 500.
(2) صحيح مسلم 2: 665 - 666 / 967، سنن الترمذي 3: 365 / 1048، سنن النسائي 4: 81، مسند أحمد 1: 228، سنن البيهقي 3: 408.
(3) التهذيب 1: 313 / 908.
(4) المجموع 5: 294، المغني 2: 374، كشاف القناع 2: 131، بدائع الصنائع 1: 318 - 319.
(5) سنن البيهقي 4: 54.

[ 92 ]

حتى يأخذ أهبته (1)، ثم ضعه في لحده " (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن لكل بيت بابا، وباب القبر من قبل الرجلين) (3). وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة على جانب القبر مما يلي القبلة، ثم يدخل القبر معترضا لأنه مروي عن علي عليه السلام (4). وهو ممنوع، إذ أهل البيت عليهم السلام أعرف بمذهب أبيهم، وقد قال الصادق عليه السلام: " إذا أدخل الميت القبر إن كان رجلا يسل سلا، والمرأة تؤخذ عرضا " (5). مسألة 234: وينبغي أن ينزل إلى القبر الولي أو من يأمره به في الرجل، لطلب الحظ للميت والرفق به، ولقول علي عليه السلام: " إنما يلي الرجل أهله " (6) والنبي صلى الله عليه وآله لحده علي عليه السلام، والعباس، وأسامة (7). ولا بأس أن يكون شفعا أو وترا، والأصل فيه حاجتهم والأسهل في أمره لأن زرارة سأل الصادق عليه السلام عن القبر كم يدخله؟ قال: " ذلك إلى الولي إن شاء أدخل وترا، وإن شاء شفعا " (8).

(1) تأهب: استعد: وأهبة الحرب: عدتها. الصحاح 1: 89 " أهب ".
(2) التهذيب 1: 312 / 907.
(3) الكافي 3: 193 / 5، التهذيب 1: 316 / 918.
(4) بدائع الصنائع 1: 318، المجموع 5: 294، المغني 2: 374، الحجة على أهل المدينة 1: 370 - 371.
(5) التهذيب 1: 325 / 590.
(6) الكافي 3: 193 - 194 / 5، التهذيب 1: 325 / 948، سنن البيهقي 4: 53.
(7) المجموع 5: 288، سنن البيهقي 4: 53.
(8) الكافي 3: 193 / 4، التهذيب 1: 314 / 914.

[ 93 ]

وقال الشافعي: يستحب الوتر ثلاثا أو خمسا (1)، لأن النبي صلى الله عليه وآله أدخله العباس، وعلي عليه السلام، واختلف في الثالث، فقيل: الفضل بن العباس، وقيل: أسامة بن زيد (2)، وهو اتفاقي. ويكره أن ينزل ذو الرحم لأنه يقسي القلب، بل يوليه غيره. أما المرأة فالاجماع على أولوية إدخال ذي الرحم قبرها، لأنها عورة، قال الصادق عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله أن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها " (3). والزوج أولى من كل أحد - خلافا لأحمد - فإن لم يكن أحد من ذوي أرحامها ولا زوجها فالنساء، فإن تعذر فالأجانب الصلحاء، وإن كانوا مشايخ فهم أولى، وجعلهم أحمد أولى من النساء (4). مسألة 235: يستحب لمن ينزل إلى القبر حل أزراره، والتحفي، وكشف رأسه، قال الصادق عليه السلام: " لا تنزل إلى القبر وعليك عمامة، ولا قلنسوة ولا رداء ولا حذاء وحل أزرارك " قلت: فالخف؟ قال: " لا بأس " (5) قال الشيخ: ويجوز أن ينزل بالخفين عند الضرورة والتقية (6). ويستحب أن يكون متطهرا، قال الصادق عليه السلام: " توضأ إذا

(1) الأم 1: 283، مختصر المزني: 38 - 39.
(2) المجموع 5: 288، سنن البيهقي 4: 53.
(3) الكافي 3: 193 / 5، التهذيب 1: 325 / 948.
(4) المغني 2: 378.
(5) الكافي 3: 192 / 3، التهذيب 1: 313 - 314 / 911، الاستبصار 1: 213 / 751.
(6) النهاية: 37 - 38.

[ 94 ]

أدخلت الميت القبر " (1) ويستحب الدعاء عند معاينة القبر، فيقول: (اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النار) فإذا تناوله قال: (بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما). وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إذا وضعته في لحده فقل: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم عبدك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم افسح له في قبره وألحقه بنبيه، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا، وأنت أعلم به، فإذا وضعت اللبن فقل: اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، واسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك، فإذا خرجت من قبره فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، اللهم ارفع درجته في أعلا عليين، واخلف على عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب العالمين " (2). مسألة 236: ويحل عقد كفنه من قبل رأسه ورجليه لأن عقدها كان لخوف انتشارها قد امن ذلك، ولما أدخل النبي صلى الله عليه وآله نعيم بن مسعود الأشجعي (3) القبر نزع الأخلة بفيه (4)، ولا يشق الكفن لأنه إتلاف مستغنى عنه،

(1) التهذيب 1: 321 / 934.
(2) الكافي 3: 196 / 6، التهذيب 1: 316 / 920.
(3) نعيم بن مسعود بن عامر... الغطفاني الأشجعي: أسلم زمن الخندق وهو الذي خذل الاحزاب ثم سكن المدينة ومات في خلافة عثمان، وقيل: بل قتل في الجمل الأول قبل قدوم علي البصرة. راجع تهذيب التهذيب 10: 415 / 841 وأسد الغابة 5: 33. وعلى هذا فإن بين متن الحديث وكتب التراجم تضاد، وقال أبو داود في المراسيل ص 178: إن هذا الاسم خطأ.
(4) مصنف ابن أبي شيبة 3: 326، سنن البيهقي 3: 407، مراسيل أبي داود: 178 / 379.

[ 95 ]

وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يحسن الكفن (1) وتخريقه يذهب حسنه، ثم يضع خده على التراب، ويستحب أن يضع معه شيئا من تربة الحسين عليه السلام للأمن والستر، فقد روي أن امرأة كانت تزني، وتحرق أولادها خوفا من أهلها، فلما ماتت دفنت، فقذفتها الأرض، ودفنت ثانيا، وثالثا، فجرى ذلك، فسألت أمها الصادق عليه السلام عن ذلك وأخبرته بحالها، فقال: " إنها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، إجعلوا معها شيئا من تربة الحسين عليه السلام " ففعل فاستقرت (2). مسألة 237: إذا طرحه في اللحد لقنه الولي أو من يأمره وهو التلقين الثاني، قال الصادق عليه السلام: " إذا وضعته في اللحد فضع فمك على أذنه وقل: الله ربك، والاسلام دينك، ومحمد نبيك، والقرآن كتابك، وعلي إمامك " (3) وقال الصادق عليه السلام: " تضع يدك اليسرى على عضده الأيسر وتحركه تحريكا شديدا، ثم تقول: يا فلان بن فلان إذا سئلت فقل: الله ربي، ومحمد نبيي، والاسلام ديني، والقرآن كتابي، وعلي إمامي حتى تستوفي الأئمة " (4). ثم تعيد القول، ثم تشرج اللحد باللبن والطين، قال الصادق عليه السلام: " وتضع الطين واللبن، ثم تخرج من قبل الرجلين " (5) لما تقدم من أنه باب القبر، وقال الباقر عليه السلام: " من دخل القبر فلا يخرج منه إلا

(1) صحيح مسلم 2: 651 / 943، سنن ابن ماجة 1: 473 / 1474، سنن الترمذي 3: 320 / 995، سنن أبي داود 3: 198 / 3148، سنن النسائي 4: 33.
(2) منتهى المطلب 1: 461.
(3) الكافي 3: 195 / 2، التهذيب 1: 318 / 924، و 456 / 1489. (4، 5) التهذيب 1: 457 / 1493.

[ 96 ]

من قبل الرجلين " (1). مسألة 238: ثم يهيل التراب عليه وكذا الحاضرون بظهور الاكف مسترجعين، لأن الكاظم عليه السلام حثا التراب على القبر بظهر كفه (2)، وقال الصادق عليه السلام: " إذا حثوت التراب على الميت فقل: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله " وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من حثا على الميت وقال هذا القول أعطاه الله بكل ذرة حسنة " (3). ويكره أن يهيل ذو الرحم على رحمه لأن بعض أصحاب الصادق عليه السلام مات له ولد، فحضره الصادق عليه السلام، فلما الحد، تقدم أبوه فطرح عليه التراب، فأخذ الصادق عليه السلام بكفيه، وقال: " لا تطرح عليه التراب ومن كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب " فقلنا: يا بن رسول الله أتنهانا عن هذا وحده؟ فقال: " أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الأرحام، فإن ذلك يورث القسوة في القلب، ومن قسا قلبه بعد من ربه " (4). مسألة 239: ثم يطم القبر ولا يطرح فيه من غير ترابه إجماعا لأن النبي عليه السلام نهى أن يزاد في القبر على حفيرته، وقال: (لا يجعل في القبر من التراب أكثر مما خرج منه) (5).

(1) التهذيب 1: 316 / 917، الكافي 3: 193 / 4 وفيه عن الامام الصادق عليه السلام.
(2) التهذيب 1: 318 / 925.
(3) الكافي 3: 198 / 2، التهذيب 1: 319 / 926.
(4) الكافي 3: 199 / 5، التهذيب 1: 319 / 928، علل الشرائع: 304 باب 247.
(5) سنن البيهقي 3: 410.

[ 97 ]

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه " (1). وقال الصادق عليه السلام: " لا تطينوا القبر من غير طينه " (2). ويستحب أن يرفع مقدار أربع أصابع لا أزيد ليعلم أنه قبر فيتوقى ويترحم عليه، ورفع قبر النبي صلى الله عليه وآله قدر شبر (3). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته) (4). ومن طريق الخاصة رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: " ويلزق الأرض بالقبر إلا قدر أربع أصابع مفرجات " (5). مسألة 240: ثم يربع القبر مسطحا، ويكره التسنيم، ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الشافعي (6) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله سطح قبر ابنه إبراهيم (7). وقال القاسم بن محمد: رأيت قبر النبي صلى الله عليه وآله، وقبر أبي بكر، وعمر مسطحة (8). ومن طريق الخاصة رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام:

(1) الكافي 3: 202 / 4، التهذيب 1: 460 / 1500.
(2) الكافي 3: 201 / 1، التهذيب 1: 460 / 1499.
(3) فتح العزيز 5: 224، سنن البيهقي 3: 410 - 411.
(4) صحيح مسلم 2: 666 / 969، سنن أبي داود 3: 215 / 3218، سنن البيهقي 4: 3، سنن الترمذي 3: 366 / 1049.
(5) الكافي 3: 195 / 3، التهذيب 1: 315 / 916 و 458 / 1494، وفيهما: ويلزق القبر بالأرض. (6) الأم 1: 273، المجموع 5: 297، فتح العزيز 5: 229، المغني 2: 380 - 381.
(7) فتح العزيز 5: 230، المغني 2: 381.
(8) سنن أبي داود 3: 215 / 3220، المستدرك للحاكم 1: 369 نحوه.

[ 98 ]

" وربع قبره " (1) ولأن قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة، وهو يدل على أنه السنة، وأنه أمر متعارف. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأحمد: السنة التسنيم (2)، لأن إبراهيم النخعي قال: أخبرني من رأى قبر النبي صلى الله عليه وآله، وصاحبيه ممسنمة (3)، وهو مرسل فلا عبرة به. مسألة 241: ثم يصب الماء عليه من أربع جوانبه، مبتدئا بالرأس دورا، فإن فضل من الماء شئ صبه على وسط القبر. قال الصادق عليه السلام: " السنة في رش الماء على القبر أن يستقبل القبلة ويبدأ من عند الرأس إلى عند الرجل، يدور على القبر من الجانب الآخر ثم يرش على وسط القبر " (4). ويستحب أن يضع الحاضرون الأيدي عليه مترحمين، قال الباقر عليه السلام: " إذا حثي عليه التراب وسوي قبره فضع كفك على قبره عند رأسه وفرج أصابعك واغمز كفك عليه بعدما ينضح بالماء " (5) وقال الباقر عليه السلام بعد أن وضع كفه على القبر: " اللهم جاف الأرض عن جنبيه، واصعد إليك روحه، ولقه منك رضوانا، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك " ثم مضى (6). مسألة 242: ثم يلقنه - بعد انصراف الناس عنه - وليه مستقبلا للقبر والقبلة

(1) الكافي 3: 195 / 3، التهذيب 1: 458 / 1494.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 94، اللباب 1: 132، المنتقى للباجي 2: 22، المغني 2: 380، المجموع 5: 297، فتح العزيز 5: 229 - 230.
(3) شرح فتح القدير 2: 101، الكفاية 2: 101.
(4) التهذيب 1: 320 / 931.
(5) التهذيب 1: 457 / 1490.
(6) الكافي 3: 198 / 3، التهذيب 1: 319 / 927.

[ 99 ]

وهو التلقين الثالث، ذهب إليه علماؤنا - خلافا للجمهور (1) لما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم عند رأس قبره ثم ليقل: يا فلان بن فلان فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة الثانية، فيستوي قاعدا، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: أذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا (يتأخر كل واحد منهما) (2) فيقول: إنطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته، ويكون الله تعالى حجته (3) دونهما) فقال: يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: (فلينسبه إلى حواء) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ما على أهل الميت منكم أن يدرؤا عن ميتهم لقاء منكر ونكير " قلت: كيف يصنع؟ قال: " إذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به، فليضع فمه عند رأسه ثم ينادي بأعلى صوته يا فلان بن فلان أو يا فلانة بنت فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه [ من ] (5) شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عليا أمير المؤمنين، وأن ما جاء به محمد حق، وأن الموت والبعث حق، وأن الله يبعث من في القبور " قال: " فيقول منكر لنكير (6): انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته " (7) قال الشيخ: ويسمي الأئمة عليهم

(1) المغني 2: 381.
(2) في المصدر هكذا: يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه.
(3) وفي المصدر: حجيجه.
(4) مجمع الزوائد 2: 324 نقلا عن الطبراني.
(5) الزيادة من المصدر.
(6) في الأصلين: ونكير. وما أثبتناه من المصدر.
(7) الكافي 3: 201 / 11، الفقيه 1: 109 / 501، التهذيب 1: 321 / 935.

[ 100 ]

السلام واحدا واحدا (1) لأنه موضع الحاجة. مسألة 243: ينبغي تعليم القبر بحجر أو خشبة ليعرفه أهله فيترحمون عليه لأن النبي عليه السلام، لما مات عثمان بن مظعون واخرج بجنازته فدفن، أمر عليه السلام رجلا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله، فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: (أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله) (2). ومن طريق الخاصة، رواية يونس بن يعقوب قال: لما رجع الكاظم عليه السلام من بغداد ومضى إلى المدينة ماتت بنت له بفيد (3)، فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها، ويكتب على لوح اسمها، ويجعله في القبر (4). المطلب السادس: في اللواحق. مسألة 244: الدفن في مقبرة المسلمين أفضل من الدفن في البيوت لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم تزل الصحابة، والتابعون، ومن بعدهم يقبرون في الصحاري، واختاره النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه وكان يدفنهم بالبقيع (5) ودفن النبي عليه السلام في بيته (6) لأنه فعل أصحابه، وفعله عليه

(1) المبسوط للطوسي 1: 187.
(2) سنن أبي داود 3: 212 / 3206، سنن البيهقي 3: 412.
(3) الفيد: منزل بطريق مكة، ويقال: بليدة بنجد على طريق الحاج العراقي. انظر مجمع البحرين 3: 123، ومعجم البلدان 4: 282.
(4) الكافي 3: 202 / 3، التهذيب 1: 461 / 1501، الاستبصار 1: 217 / 768.
(5) المغني 2: 383.
(6) صحيح البخاري 2: 128، الموطأ 1: 232 / 30.

[ 101 ]

السلام أولى من فعل غيره، أو لأنه قيل: قبض في أشرف البقاع فيدفن فيه (1)، أو لما يقال من أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون (2) أو ليتميز عن غيره. فروع: أ - يستحب أن يدفن في أشرف البقاع، فإن كان بمكة ففي مقبرتها، وكذا بالمدينة، ومشاهد الأئمة عليهم السلام، وفي المقبرة التي يكثر فيها الصالحون، والشهداء، لتناله بركتهم، وكذا في البقاع الشريفة، لأن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة، سأل الله عز وجل أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي صلى الله عليه وآله: (لو كنت ثم لاريتكم قبره عند الكثيب الأحمر) (3). ب - جمع الأقارب في الدفن حسن لأن النبي صلى الله عليه وآله لما دفن عثمان بن مظعون قال: (أدفن إليه من مات من أهله) (4) ولأنه أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليه (5)، وينبغي تقديم الأب ثم من يليه في السن والفضيلة إذا أمكن. ج - ينبغي دفن الشهيد حيث قتل، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ادفنوا القتلى في مصارعهم) (6).

(1) دلائل النبوة للبيهقي: 7 / 259، طبقات ابن سعد 2: 293، الخصائص الكبرى 2: 278.
(2) سنن ابن ماجة 1: 521 ذيل الحديث 1628، سنن الترمذي 3: 338 / 1018، الموطأ 1: 231 / 27، طبقات ابن سعد 2: 292. (3) صحيح البخاري 2: 113.
(4) سنن أبي داود 3: 212 / 3206، سنن البيهقي 3: 412.
(5) كذا، والصحيح: عليهم.
(6) سنن ابن ماجة 1: 486 / 1516، موارد الظمآن: 196 / 774 و 775 نحوه.

[ 102 ]

د - لو طلب بعض الورثة الدفن في المسبلة والبعض في الملك، دفن في المسبلة لأنه أقل ضررا على الورثة، فإن تشاحا في الكفن قدم قول من يكفنه من ملكه لأن فيه منة يتضرر بها الوارث. ه‍ - لو أوصى بأن يدفن في داره كان من الثلث، وقال أحمد: يدفن في المسبلة لئلا يضر بالورثة (1). و - قال الشيخ: يستحب أن يكون للانسان مقبرة ملك، يدفن فيه أهله وأقاربه (2). ز - لو تشاح اثنان في الدفن في المسبلة قدم أسبقهما كما لو تنازعا في مقاعد الاسواق ورحاب المساجد، فإن تساويا اقرع. مسألة 245: يكره نقل الميت عن بلد موته بإجماع العلماء، لقوله عليه السلام: (عجلوهم إلى مضاجعهم) (3) ويستحب نقله إلى أحد مشاهد الأئمة عليهم السلام، لأن عمل الامامية عليه من زمن الأئمة عليهم السلام إلى زماننا فكان إجماعا، ولأنه موضع شريف فينبغي قصده. أما لو دفن في غيره لم يجز نقله وإن كان إلى المشاهد، لاطلاق تحريم النبش، وسوغه بعض علمائنا، قال الشيخ: سمعناه مذاكرة (4). مسألة 246: يحرم نبش القبر بالاجماع، لأنه مثلة وهتك لحرمة الميت إلا في مواضع: أ - إذا وقع في القبر ما له قيمة، جاز نبشه لاخذه، حفظا للمال عن

(1) المغني 2: 384.
(2) المبسوط للطوسي 1: 188.
(3) سنن البيهقي 4: 57، مجمع الزوائد 3: 43، كنز العمال 4: 428 / 11249، سنن الترمذي 4: 215 / 1717.
(4) المبسوط للطوسي 1: 187.

[ 103 ]

الضياع. وقيل: إن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: خاتمي، ففتح موضع منه فأخذ المغيرة خاتمه (1). فإن دفع أهل الميت القيمة إليه ففي وجوب أخذه وتحريم النبش إشكال، ولا فرق بين أن تكون القيمة قليلة أو كثيرة، نعم يكره في القليلة. ب - لو دفن في أرض مغصوبة، أو مشتركة بينه وبين غيره ولم يأذن الشريك فلمالكها قلعه، لأنه عدوان فتجب إزالته. ولو استعار للدفن جاز الرجوع قبله ويحرم بعده، لأن نبش الميت محرم، ولأن الدفن مؤبد إلى أن يبلى الميت ثم تعود إلى مالكها. وقال في المبسوط: إذا دفن الميت ثم بيعت الأرض جاز للمشتري نقل الميت عنها، والأفضل أن يتركه، لأنه لا دليل يمنع من ذلك (2) فإن قصد في الأرض المغصوبة صح وإلا منع. ج - لو كفن في ثياب مغصوبة ودفن، نبش إن طلب مالكها عين ماله لأنها ملك الغير فلا تنتقل عنه. وقال الشافعي: لا ينبش ويرجع إلى القيمة بخلاف غصب الأرض لتعذر تقويم المدفن وإمكان تقويم الثوب (3). د - لو دفن ولم يغسل، قال الشيخ: لا ينبش (4)، وبه قال أبو

(1) المجموع 5: 300، المغني 2: 415، المهذب للشيرازي 1: 145.
(2) المبسوط للطوسي 1: 188.
(3) المجموع 5: 299، فتح العزيز 5: 250.
(4) الخلاف 1: 730 مسألة 560.

[ 104 ]

حنيفة (1)، وهو الوجه، لأنه مثلة. وقال الشافعي: ينبش، ويغسل، ويصلى عليه إذا لم يخف فساده في نفسه - وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور - لأنه واجب فلا يسقط بذلك (2)، وهو وجه عندي، وكذا لو دفن إلى غير القبلة. ه‍ - لو دفن ولم يكفن فالوجه أنه لا ينبش، لأن التكفين أغنى عنه الدفن، إذ الستر قد حصل. ولو دفن قبل الصلاة فالوجه أنه لا ينبش أيضا، لاستدراكها بفعلها على القبر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، وفي أخرى: ينبش لأنه دفن قبل واجب (3) ونمنع العلية. و - كل موضع منعنا فيه من النبش فإنما هو مع بقاء الميت، أما لو بلى وصار رميما فإنه يجوز نبشه لدفن غيره فيه أو لمصلحة المالك المعير، ولو شك رجع إلى أهل الخبرة، ويختلف باختلاف الاهوية والترب، فإن نبش فوجد فيه عظاما دفنها وحفر في غيره. مسألة 247: تكره أشياء: أ - دفن ميتين في قبر واحد إذا دفنا ابتداء، أما لو دفن أحدهما ثم أريد نبشه ودفن آخر فيه، قال في المبسوط: يكره (4).

(1) المبسوط للسرخسي 2: 73، المجموع 5: 300، فتح العزيز 5: 250، المغني 2: 415، الشرح الكبير 2: 409.
(2) بلغة السالك 1: 203، المغني 2: 415، المجموع 5: 300، فتح العزيز 5: 250، الوجيز 1: 78. (3) المجموع 5: 298 - 299، المغني 2: 415.
(4) المبسوط للطوسي 1: 187.

[ 105 ]

والوجه: المنع لأنه صار حقا للأول فلم تجز مزاحمته بالثاني، نعم لو كان في أزج (1) يتسع لجماعة جاز على كراهية. ب - حمل ميتين على جنازة واحدة، لأن الصفار كتب إلى العسكري عليه السلام أيجوز أن يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة وقلة الناس؟ وإن كان الميت رجلا وامرأة يحملان على سرير واحد ويصلى عليهما؟ فوقع عليه السلام " لا يحمل الرجل والمرأة على سرير واحد " (2). ج - يكره فرش القبر بالساج إلا مع الحاجة كنداوة الأرض، لما فيه من إتلاف المال لغير غرض، أما مع الضرورة فلثبوت الغرض، ولما رواه محمد بن محمد قال: كتب علي بن بلال أنه ربما مات عندنا الميت فتكون الأرض ندية فنفرش القبر بالساج أو نطبق عليه فهل يجوز؟ فكتب " ذلك جائز " (3). د - يكره تجصيص القبور إجماعا، لأن النبي عليه السلام نهى أن تجصص القبور (4). ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام: " لا يصلح البناء عليه، ولا الجلوس، ولا تجصيصه ولا تطيينه " (5). ه‍ - يكره تطيينه بعد اندراسه - ولا بأس به ابتداء، قاله الشيخ (6)، لأن

(1) أزج: بيت يبنى طولا، تاج العروس 2: 4 " أزج ".
(2) التهذيب 1: 454 / 1480.
(3) التهذيب 1: 456 / 1488.
(4) صحيح مسلم 2: 667 / 970، سنن ابن ماجة 1: 498 / 1562، سنن الترمذي 3: 368 / 1052، سنن النسائي 4: 88، مستدرك الحاكم 1: 370.
(5) التهذيب 1: 461 / 1503، الاستبصار 1: 217 / 767.
(6) المبسوط للطوسي 1: 187.

[ 106 ]

الكاظم عليه السلام لما رجع إلى المدينة، ماتت ابنته بفيد، فدفنها، وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها (1) - لهذه الرواية (2). ورخص فيه الشافعي، والحسن البصري، وأحمد لأن ابن عمر كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر (3). والكراهة أولى لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره) (4). و - يكره البناء على القبر إجماعا لما تقدم من رواية الكاظم عليه السلام (5). ونهى النبي صلى الله عليه وآله أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه وأن يكتب عليه (6)، ولأنه من زينة الدنيا فلا حاجة الميت إليه. ز - يكره تجديد القبور لقول علي عليه السلام: " من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الاسلام " (7). واختلف علماؤنا، فقال محمد بن الحسن الصفار: بالجيم أي يجدد بناءها أو تطيينها، وحكي أنه لم يكره رمها، وقال البرقي: بالجيم والثاء أي يجعل القبر جدثا دفعة أخرى، وقال سعد بن عبد الله: أنها بالحاء وعنى التسنيم (8)، وقال المفيد: إنها بالخاء المعجمة وعنى شقها من خددت

(1) الكافي 3: 202 / 3، التهذيب 1: 461 / 1501، الاستبصار 1: 217 / 768.
(2) أي الرواية السابقة عن الامام الكاظم عليه السلام: " لا يصلح البناء عليه... ".
(3) المجموع 5: 298، فتح العزيز 5: 227، التلخيص الحبير 5: 226، المغني 2: 382، الشرح الكبير 2: 392.
(4) فردوس الأخبار للديلمي 5: 98 / 7587.
(5) التهذيب 1: 461 / 1503، الاستبصار 1: 217 / 767.
(6) صحيح مسلم 2: 667 / 970، سنن ابن ماجة 1: 498 / 1562 - 1564، سنن النسائي 4: 87 و 88، سنن الترمذي 3: 368 / 1052، سنن البيهقي 4: 4، مستدرك الحاكم 1: 370.
(7) الفقيه 1: 120 / 579، التهذيب 1: 459 / 1497، المحاسن: 612 / 33.
(8) الفقيه 1: 120 - 121 ذيل الحديث 579، التهذيب 1: 459 ذيل الحديث 1497.

[ 107 ]

الأرض أي شققتها (1). ح - يكره أن يجلس على القبر، أو يتكئ عليه، أو يمشي عليه، ذهب إليه علماؤنا - وهو قول أكثر أهل العلم (2) - لأن النبي عليه السلام نهى عن الجلوس على القبر (3) وقال عليه السلام: (لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم) (4). ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام: " ولا الجلوس " (5) ولأن فيه نوع استهانة. وقال مالك: إن جلس للغائط كره وإلا فلا (6). ط - التغوط بين القبور لما فيه من تأذي المترحمين، ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق) (7). ي - يكره المقام عندها لما فيه من ترك الرضا بقضائه تعالى، أو للاشتغال عن المصالح الأخروية والدنيوية، أو لعدم الاتعاظ. يا - يكره أن تتخذ مساجد لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لعن الله

(1) التهذيب 1: 460 ذيل الحديث 1497.
(2) المجموع 5: 312، المغني 2: 382، بدائع الصنائع 1: 320. (3) صحيح مسلم 2: 668 / 972، سنن أبي داود 3: 217 / 3229، سنن الترمذي 3: 367 / 1050، سنن النسائي 2: 67، و 4: 87.
(4) سنن ابن ماجة 1: 499 / 1567.
(5) التهذيب 1: 461 / 1503، الاستبصار 1: 217 / 767.
(6) بداية المجتهد 1: 244، المغني 2: 382.
(7) سنن ابن ماجة 1: 499 / 1567.

[ 108 ]

اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (1) ولمشابهته تعظيم الأصنام، ومنع أحمد من الاسراج عندها (2). مسألة 248: يجوز الدفن ليلا، وهو قول عامة أهل العلم، لأن ابن مسعود روى أن النبي صلى الله عليه وآله في غزاة تبوك - وهو في قبر ذي النجادين - قال لأبي بكر، وعمر: (أدنيا مني أخاكما حتى أسنده في لحده) ثم قال لما فرغ من دفنه وقام على قبره مستقبل القبلة: (اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه) (3) وكان ذلك ليلا، ودفن علي عليه السلام، وفاطمة عليها السلام، وأبو بكر وعثمان، وعائشة ليلا (4)، ولأنه أحد الزمانين فجاز الدفن فيه كالنهار. وقال الحسن البصري: إنه مكروه - وهو رواية عن أحمد (5) - لأن النبي صلى الله عليه وآله زجر أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك (6)، وهو يعطي المرجوحية، لأن النهار أسهل على مشيعي الجنازة، وأكثر للمصلين، وأمكن لاتباع السنة في دفنه وإلحاده. مسألة 249: إذا دفن جماعة في قبر، فالافضل تقديم الأفضل إلى القبلة، ولو كان رجلا وصبيا، فالرجل إلى القبلة لأفضلية تلك الجهة. وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجزا ليكون كالمنفرد، ولو خدد لهم

(1) صحيح البخاري 2: 111، سنن النسائي 4: 96، سنن البيهقي 4: 80.
(2) المغني 2: 383.
(3) أسد الغابة 3: 123، مجمع الزوائد 3: 43 نقلا عن الطبراني في الأوسط، المغني 2: 417 نقلا عن الخلال في جامعه.
(4) صحيح البخاري 2: 113، مصنف ابن أبي شيبة 3: 346. (5) المغني 2: 417، المجموع 5: 302.
(6) سنن ابن ماجة 1: 487 / 1521، سنن البيهقي 4: 32، مستدرك الحاكم 1: 369.

[ 109 ]

أخدود (1) وجعل رأس كل واحد عند رجلي الآخر جاز وإن كان اللحد أفضل. مسألة 250: لا يجوز أن يدفن في مقبرة المسلمين غيرهم وأطفالهم من مرتد وكافر وحربي وذمي بإجماع العلماء لئلا يتأذى المسلمون بعذابهم. ولو ماتت ذمية وهي حامل من مسلم، قال علماؤنا: تدفن في مقبرة المسلمين لحرمة ولدها، لأن له حرمة أجنة المسلمين، لأنه لو سقط لم تدفن إلا في مقابرهم فلا تسقط حرمته في جوف أمه، ولقول الرضا عليه السلام: " يدفن معها " (2)، وبه قال عمر بن الخطاب (3). وقال الشافعي، وأحمد: يدفن بين مقبرة المسلمين وأهل الذمة (4) إذا عرفت هذا فإنه يستدبر بها القبلة على جانبه الأيسر، ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن، وهو وفاق. مسألة 251: لو مات في سفينة في البحر ولم يقدر على الشط، غسل، وكفن، وصلي عليه وثقل ليرسب في الماء، أو جعل في خابية وشد رأسها والقي في البحر، لأن المقصود من دفنه ستره وهو يحصل بذلك، ولقول الصادق عليه السلام: " يغسل ويكفن ويصلى عليه ويثقل ويرمى في البحر " (5) وفي رواية عنه عليه السلام: " يوضع في خابية ويوكى (6) رأسها ويطرح في الماء " (7).

(1) أخدود: حفرة تحفرها في الأرض مستطيلة. لسان العرب 3: 160.
(2) التهذيب 1: 334 - 335 / 980.
(3) المجموع 5: 285، المغني 2: 423، سنن البيهقي 4: 58.
(4) المجموع 5: 285، المغني 2: 423.
(5) الكافي 3: 214 / 2، التهذيب 1: 339 / 993، الاستبصار 1: 215 / 759.
(6) الوكاء: كل سير أو خيط يشد به فم الوعاء وغيره. ويوكى رأسها: أي: يشد بسير أو خيط. لسان العرب 15: 405.
(7) الفقيه 1: 96 / 442، التهذيب 1: 340 / 996، الاستبصار 1: 215 - 216 / 762.

[ 110 ]

وقال الشافعي: يجعل بين لوحين ويربطان عليه ويلقى في البحر ليلقيه البحر بالساحل، فربما وقع إلى قوم فدفنوه خير من أن تأكله الحيتان (1) قال المزني: قصد بذلك إذا كان حول البحر مسلمون، فإن كانوا مشركين فإنه يثقل حتى يصل إلى قرار الماء (2)، وقال عطاء، وأحمد: يثقل ويطرح في البحر بكل حال، وعن أحمد: أنه يتربص به توقعا للمكنة من دفنه (3). مسألة 252: لو مات في بئر، فإن أمكن إخراجه وجب، تحصيلا للتغسيل وغيره. ولو تعذر إلا بالتمثيل به لم يجز، وطمت وكانت قبره، لقول الصادق عليه السلام: " وتجعل قبرا " (4). ولو اضطر أهل البئر إلى استعمالها وخافوا التلف جاز إخراجه بالكلاليب وإن تقطع، إذا لم يمكن إلا بذلك، وكذا لو كان طمها يضر بالمارة، سواء أفضى إلى المثلة أو لا، لما فيه من الجمع بين الحقوق من نفع المارة وغسل الميت وحفظه من المثلة ببقائه، لأنه ربما تقطع ونتن. مسألة 253: ويدفن الشهيد بثيابه، أصابها الدم أو لا - وعليه إجماع العلماء - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إدفنوهم بثيابهم) (5) وفي السروال عندنا قولان، أقواهما: وجوب دفنه لأنه من الثياب. ولا يجب تكفينه إلا أن يجرد من ثيابه، ولو لم يجرد وجب دفنه بها عند علمائنا أجمع.

(1) الأم 1: 266 - 267، المجموع 5: 285، الشرح الكبير 2: 384.
(2) المجموع 5: 286.
(3) الشرح الكبير 2: 384.
(4) التهذيب 1: 419 / 1324 و 465 / 1522. سنن ابن ماجة 1: 485 / 1515، سنن أبي داود 3: 195 / 3134، مسند أحمد 1: 247، سنن البيهقي 4: 14.

[ 111 ]

ولا يجوز نزع شئ من ثيابه عنه - وبه قال أبو حنيفة (1) - للخبر (2). وخير الشافعي، وأحمد بين نزع ثيابه فيكفن، وبين دفنه بها (3)، لأن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وآله بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر (4)، فدل على أن الخيار للولي. ويحمل على أنه زاده على ثيابه، ونحن نجوزه ونمنع النزع، ويؤيده قول الباقر عليه السلام: " دفن رسول الله صلى الله عليه وآله حمزة في ثيابه التي أصيب فيها، وزاده بردا فقصر عن رجليه، فدعا بإذخر فطرحه عليه وصلى عليه سبعين تكبيرة " (5). أو أنه قد جرده المشركون فكفن لذلك، لقول الصادق عليه السلام: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة لانه كان جرد " (6). مسألة 254: ولا يدفن معه الفرو، والقلنسوة، قاله المفيد (7). وقال في المبسوط: يدفن معه جميع ما عليه إلا الخفين (8)، وفي الخلاف: تنزع عنه الجلود (9).

(1) الهداية للمرغيناني 1: 94، بدائع الصنائع 1: 324، المغني 2: 400.
(2) سنن ابن ماجة 1: 485 / 1515، سنن أبي داود 3: 195 / 3134، مسند أحمد 1: 247، سنن البيهقي 4: 14، نقلا بالمعنى.
(3) المجموع 5: 263، المغني 2: 400.
(4) سنن البيهقي 3: 401، مسند أحمد 1: 165. (5) الكافي 3: 211 / 2، التهذيب 1: 331 / 970.
(6) الكافي 3: 210 - 211 / 1، الفقيه 1: 97 / 447، التهذيب 1: 331 / 969، الاستبصار 1: 214 / 755.
(7) المقنعة: 12.
(8) المبسوط 1: 181.
(9) الخلاف 1: 710 مسألة 514.

[ 112 ]

والأقرب نزع الجلود والحديد عنه - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد (1) - لأن النبي عليه السلام أمر في قتلى أحد بأن ينزع عنهم الجلود والحديد، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم (2). وقال مالك: لا ينزع منه فرو، ولا خف، ولا محشو (3)، لعموم قوله عليه السلام: (إدفنوهم بثيابهم) (4) وهو ممنوع فإن العرف ظاهر في إطلاق الثوب على المنسوج. تذنيب: الخف لا يدفن معه ولا الفرو، فإن أصابهما الدم دفنا معه عند بعض علمائنا (5)، وبه رواية ضعيفة السند (6)، ومنع منه آخرون (7). مسألة 255: إذا مات ولد الحامل أدخلت القابلة، أو من يقوم مقامها، أو الزوج، أو غيره عند التعذر يده في فرجها وقطع الصبي وأخرجه قطعة قطعة لأن حفظ حيوة الأم أولى من حفظ بنية الميت. ولقول الصادق عليه السلام: " قال أمير المؤمنين عليه السلام في المرأة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه إذا لم يتفق له (8) النساء " (9).

(1) المجموع 5: 267، شرح فتح القدير 2: 107، بدائع الصنائع 1: 324، المغني 2: 400، الجامع الصغير للشيباني: 119.
(2) سنن ابن ماجة 1: 485 / 1515، مسند أحمد 1: 247، سنن البيهقي 4: 14.
(3) المدونة الكبرى 1: 183، المجموع 5: 267، المغني 2: 400.
(4) سنن ابن ماجة 1: 485 / 1515، مسند أحمد 1: 247، سنن البيهقي 4: 14 نقلا بالمعنى.
(5) منهم ابن إدريس في السرائر: 33 وابن حمزة في الوسيلة: 63 وسلار في المراسم: 45.
(6) الكافي 3: 211 - 212 / 4. (7) منهم الطوسي في المبسوط 1: 181، والنهاية: 40، وابن البراج في المهذب 1: 55 والمحقق في المعتبر: 84.
(8) في المصدر: إذا لم ترفق به.
(9) التهذيب 1: 344 / 1008.

[ 113 ]

ولو ماتت الأم دونه، قال علماؤنا: يشق بطنها من الجانب الأيسر واخرج الولد وخيط الموضع - وبه قال الشافعي (1) - لانه إتلاف جزء من الميت لابقاء حي فجاز، كما لو خرج بعضه حيا ولم يمكن خروج باقيه إلا بشق، ولقول الكاظم عليه السلام: " يشق عن الولد " (2) والخياطة لحرمة الميتة، وبه رواية موقوفة عن ابن أذينة (3). وقال أحمد: يدخل القوابل أيديهن في فرجها فيخرجن الولد من مخرجه ولا يشق بطنها، مسلمة كانت أو ذمية، ولو لم توجد نساء تركت أمه حتى يتيقن موته ثم تدفن - ونحوه قال مالك، وإسحاق - لأنه لا يعيش عادة فلا تهتك حرمة الميتة لاجله (4) وهو ضعيف لاشتماله على إتلاف الحي. فروع: أ - لو شك في حياته فالأولى الصبر حتى يتيقن الحياة أو الموت، ويرجع في ذلك إلى قول العارف. ب - لو بلع الحي جوهرة أو مالا لغيره ومات، قال الشيخ في الخلاف: ليس لنا نص فيه، والأولى أنه لا يشق جوفه لقوله عليه السلام: (حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا) (5)، ولا يشق جوف الحي فكذا الميت (6). وقال الشافعي: يشق ويرد إلى صاحبه لما فيه من دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة

(1) المجموع 5: 301.
(2) التهذيب 1: 343 / 1004.
(3) التهذيب 1: 344 / 1007.
(4) المغني 2: 413 - 414، الشرح الكبير 2: 414 - 415، فتح العلي المالك 1: 158 (5) التهذيب 1: 419 / 1324 و 465 / 1522.
(6) الخلاف 1: 730 مسألة 559.

[ 114 ]

لهم (1)، وهو الوجه عندي، ولأحمد وجهان (2). ج - لو كان المال له لم يشق عند الشيخ (3)، وهو أحد وجهي الشافعي لأنه ماله استهلكه في حياته فلم يثبت للورثة فيه حق، والآخر: يشق لأنها صارت ملكهم بموته فهي كالمغصوبة (4). د - لو أذن المالك له في الابتلاع صار كماله. ه‍ - تؤخذ قيمة ذلك من تركة الميت عند الشيخ (5) لأنه حال بينه وبين صاحبه، ولو لم يأخذ عوضا له، ولم يترك الميت مالا، وتطاولت المدة، وبلي الميت جاز نبشه وإخراج ذلك المال لعدم التمثيل حينئذ فينتفي المانع من حفظ المال، وكذا لو كان له فالأقرب جواز ذلك للوارث. و - لو كان في أذن الميت حلقة، أو في يده خاتم أخذ، فإن كان يصعب توصل إلى إخراجه ببرده أو كسره للنهي عن تضييع المال. ز - لو أخذ السيل الميت، أو أكله سبع كان الكفن ملكا للورثة، لأنه مال متروك فيرثه الوارث، فإن كان قد تطوع به غيره عاد إليه إن شاء، وإن تركه للورثة كان عطية مستأنفة، لأن التطوع مشروط ببقائه كفنا فيزول لزوال شرطه. مسألة 256: إذا خرج من الميت نجاسة بعد التكفين لاقت كفنه، غسلت ما لم يطرح في القبر، فإن طرح قرضت، قاله ابن بابويه في الرسالة (6)،

(1) المجموع 5: 300، فتح العزيز 5: 250.
(2) المغني 2: 414، الشرح الكبير 2: 407.
(3) الخلاف 1: 730 مسألة 559.
(4) المجموع 5: 301، فتح العزيز 5: 250.
(5) الخلاف 1: 730 مسألة 559.
(6) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 90.

[ 115 ]

وأوجب الشيخ القرض وأطلق (1)، لقول الصادق عليه السلام: " إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشئ بعد الغسل فأصاب العمامة، أو الكفن قرض بالمقراض " (2) وتفصيل ابن بابويه جيد، لأن في القرض إتلاف مال لغير غرض، وعدم تحسين الكفن لغير حاجة، فيقتصر على محل الوفاق وهو القرض بعد الوضع (3). مسألة 257: قال الشيخ: إذا أنزل الميت القبر استحب أن يغطى القبر بثوب (4) - وبه قال الشافعي (5) - سواء كان الميت رجلا أو امرأة، لأن النبي عليه السلام لما دفن سعد بن معاذ، ستر قبره بثوب (6)، ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " وقد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب والنبي عليه السلام شاهد فلم ينكر ذلك " (7) ولأنه يحتاج إلى حل عقد كفنه وتسويته فربما حصل ما ينبغي ستره. وقال المفيد في أحكام النساء (8)، وابن الجنيد: لا يغطى قبر الرجل، ويغطى قبر المرأة (9) - وبه وقال أحمد (10) - لأن عليا عليه السلام مر بقوم دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال: " إنما يصنع هذا

(1) المبسوط للطوسي 1: 181.
(2) الكافي 3: 156 / 1، التهذيب 1: 449 - 450 / 1457.
(3) أي بعد الوضع في القبر. (4) الخلاف 1: 728 مسألة 552.
(5) الأم 1: 276، المجموع 5: 295، فتح العزيز 5: 208، بدائع الصنائع 1: 320.
(6) سنن البيهقي 4: 54.
(7) التهذيب 1: 464 / 1519.
(8) النسخة التي بأيدينا من أحكام النساء خالية من هذا الحكم وذكر العلامة في المختلف: 121 ما لفظه: وقد يوجد في بعض نسخ أحكام النساء..... فلاحظ.
(9) حكى المصنف أيضا قولهما في المختلف: 121.
(10) المغني 2: 377، كشاف القناع 2: 132، المجموع 5: 295.

[ 116 ]

بالنساء " (1) وهو حكاية حال، وهل يكره ستر قبر الرجل؟ قال أحمد: نعم، ومنعه أصحاب الرأي وأبو ثور (2). مسألة 258: لا يمنع أهل الميت من رؤيته وتقبيله بعد تكفينه لأن جابرا لما قتل أبوه جعل يكشف الثوب عن وجهه ويبكي والنبي صلى الله عليه وآله لا ينهاه (3)، وقالت عائشة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل (4)، ومن طريق الخاصة ما روي عن الصادق عليه السلام إنه كشف عن وجه إسماعيل بعد أن كفن فقبل جبهته (5). مسألة 259: المقتول الذي يجب تغسيله، يجب أن يغسل الدم عنه ويبدأ بيديه ودبره، وتربط جراحاته بالقطن والخيوط، وإذا وضع عليه القطن عصبه، وكذا موضع الرأس والرقبة، ويجعل له من القطن شيئا كثيرا، ويذر عليه الحنوط، وإن استطاع أن يعصبه فعل، وإن كان الرأس قد بان من الجسد غسل الرأس إذا غسل اليدين وسفله ثم الجسد، ويوضع القطن فوق الرقبة ويضم إليه الرأس ويجعل في الكفن، وإذا دفن تناول الرأس والجسد وأدخله اللحد، ووجهه القبلة، روى ذلك العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام (6). مسألة 260: إذا اجتمع أموات بدئ بمن يخشى فساده، فإن لم يكن، قال

(1) سنن البيهقي 4: 54.
(2) المغني 2: 377، الشرح الكبير 2: 380، كشاف القناع 2: 131، الكفاية 2: 100، بدائع الصنائع: 320.
(3) صحيح البخاري 2: 91، سنن البيهقي 3: 407.
(4) سنن أبي داود 3: 201 / 3163، سنن ابن ماجة 1: 468 / 1451، سنن البيهقي 3: 407.
(5) كمال الدين 1: 71.
(6) التهذيب 1: 448 / 1449.

[ 117 ]

في المبسوط: الأولى تقديم الأب، ثم الابن وابن الابن، ثم الجد، ولو كان أخوان في درجة قدم الأكبر، فإن تساويا اقرع، وتقدم أسن الزوجتين ويقرع لو تساوتا (1) ويجوز أن يخير الولي في التقديم. مسألة 261: يستحب للمصاب الاستعانة بالله والصبر، واستنجاز ما وعده الله تعالى عليا عليه السلام في قوله: * (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) * (2) (3). وقال الباقر عليه السلام: " ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته ويصبر حين تفجأه المصيبة إلا غفر الله له ما مضى من ذنوبه إلا الكبائر التي أوجب الله عزوجل عليها النار، وكلما ذكر مصيبته فيما يستقبل من عمره فاسترجع عندها وحمد الله عز وجل غفر الله له كل ذنب اكتسبه فيما بين الاسترجاع الأول إلى الاسترجاع الأخير إلا الكبائر من الذنوب " (4). وليتحفظ من التكلم بشئ يحبط أجره، ويسخط ربه مما يشبه التظلم والاستغاثة فإن الله عدل لا يجور. ولا يدعو على نفسه لنهي النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك (5) وقال عليه السلام لفاطمة عليها السلام حين قتل جعفر بن أبي طالب: (لا تدعين بذل، ولا ثكل، ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت (6).

(1) المبسوط للطوسي 1: 176.
(2) البقرة: 155 - 157.
(3) المناقب لابن شهر آشوب 2: 120.
(4) الفقيه 1: 111 / 515، ثواب الأعمال: 234.
(5) صحيح مسلم 4: 2064 / 2681، سنن أبي داود 3: 188 / 3108، سنن النسائي 4: 3 - 4. (6) الفقيه 1: 112 / 521.

[ 118 ]

ويحتسب ثواب الله ويحمده لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا قبض ولد المؤمن - والله أعلم بما قال العبد - فيسأل الملائكة قبضتم ولد فلان المؤمن؟ فيقولون: نعم ربنا، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك ربنا واسترجع، فيقول عزوجل: إبنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد) (1). مسألة 262: والبكاء جائز إجماعا، وليس بمكروه قبل خروج الروح ولا بعدها عندنا - وبه قال أحمد (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قبل عثمان بن مظعون وهو ميت ورفع رأسه وعيناه تهراقان (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن النبي صلى الله عليه وآله حين جاءته وفاة جعفر ابن أبي طالب وزيد بن حارثة، كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا، وقال: كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعا " (4). وقال الشافعي: إنه مباح إلى أن تخرج الروح، فإذا خرجت كره (5)، لأن النبي صلى الله عليه وآله جاء إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب عليه فصاح به فلم يجبه، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: (غلبنا عليك يا أبا الربيع) فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية) (6) يعني إذا مات.

(1) الفقيه 1: 112 / 523.
(2) الشرح الكبير 2: 428، المحرر في الفقه 1: 207، المغني 2: 410.
(3) سنن ابن ماجة 1: 468 / 1456، سنن الترمذي 3: 314 - 315 / 989، سنن البيهقي 3: 407، مستدرك الحاكم 1: 361.
(4) الفقيه 1: 113 / 527.
(5) الأم 1: 279، المجموع 5: 307، الشرح الكبير 2: 428، المغني 2: 410.
(6) سنن النسائي 4: 13.

[ 119 ]

وهو محمول على رفع الصوت، لأن النبي عليه السلام أخذ ابنه فوضعه في حجره فبكى، فقال عبد الرحمن بن عوف: أتبكي، أو لم تكن نهيت عن البكاء!؟ فقال: (لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب، ورنة شيطان) (1) وهو يدل على أن النهي ليس عن مطلق البكاء بل موصوفا بهذه الصفات. فروع: أ - نقل عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) (2) وحمله قوم على ظاهره، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه واسيداه، ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين يلهزانه (3) أهكذا كنت؟) (4). وأنكر ابن عباس، وعائشة ذلك، وقالت عائشة: والله ما قال النبي ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وحسبكم القرآن * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (5) (6) وقيل: من كان النوح سنته، ولم ينه أهله عنه (7)، لقوله تعالى: * (قوا أنفسكم وأهليكم نارا) * (8).

(1) مصنف ابن أبي شيبة 3: 393، سنن الترمذي 3: 328 / 1005.
(2) صحيح البخاري 1: 101، صحيح مسلم 2: 641 / 927، سنن النسائي 4: 15، سنن البيهقي 4: 73.
(3) اللهز: الضرب بجمع اليد بالصدر. الصحاح 3: 895 " لهز ".
(4) سنن الترمذي 3: 327 / 1003.
(5) سورة الأنعام: 164.
(6) صحيح البخاري 2: 101، صحيح مسلم 2: 642 / 929.
(7) المغني 2: 412، الشرح الكبير 2: 431.
(8) التحريم: 6.

[ 120 ]

وأحسن ما بلغنا فيه أن الجاهلية كانوا ينوحون ويعددون أفعالهم التي هي قتل النفس والغارة على الأموال، فأراد أنهم يعذبون بما كانوا يبكون به عليهم. ولابد من حمل هذا الحديث على البكاء الذي ليس بمشروع، كالذي معه اللطم، والخدش، والقول السيئ، لما بينا من جوازه. وقال الصادق عليه السلام: " إن إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته " (1). ب - لا بأس بالنوح والندب بتعداد فضائله واعتماد الصدق - وهو قول أحمد (2) لأن فاطمة عليها السلام كانت تنوح على النبي صلى الله عليه وآله كقولها: (يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه) (3). وجماعة من أصحاب الحديث من الجمهور حرموه لأن النبي عليه السلام نهى عنه (4) ويحمل على اقترانه بكذب، والدعاء بالويل والثبور، فقد روي: أن أهل البيت إذا دعوا بالويل والثبور وقف ملك الموت في عتبة الباب وقال: إن كانت صيحتكم علي فإني مأمور، وإن كانت على ميتكم فإنه مقبور، وإن كانت على ربكم فالويل لكم والثبور، وإن لي فيكم عودات ثم عودات (5).

(1) التهذيب 1: 465 / 1524. (2) المغني 2: 411، الشرح الكبير 2: 429.
(3) سنن النسائي 4: 13، سنن ابن ماجة 1: 522 / 1630.
(4) صحيح البخاري 2: 106.
(5) المغني 2: 411.

[ 121 ]

ولما انصرف النبي صلى الله عليه وآله من وقعة أحد إلى المدينة، سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاء، ولم يسمع من دار عمه حمزة، فقال عليه السلام: (لكن حمزة لا بواكي له) فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدؤوا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه، فهم إلى اليوم على ذلك (1). ج - يجوز الوقف على النائحة لأنه فعل سائغ فلا مانع من الوقف عليه وقال الصادق عليه السلام: " قال لي الباقر عليه السلام: أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني عشر سنين بمنى أيام منى " (2) وقصد عليه السلام بذلك عدم انقطاع ذكره والتسليم عليه. د - كره الشافعي المأتم - وهو الاجتماع - لما فيه من تجديد الحزن (3)، وكذلك قال: يكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة (4). ه‍ - يجوز شق الثوب في موت الأب، والأخ لأن الهادي عليه السلام لما قبض شق العسكري عليه السلام قميصه من خلف وقدام (5). مسألة 263: كل ما يفعل من القرب ويجعل ثوابه للميت فإنه يصله نفعه، أما الدعاء والاستغفار، والصدقة، وأداء الواجبات التي تدخلها النيابة فإجماع، قال الله تعالى: * (يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا) * (6) * (واستغفر

(1) الفقيه 1: 116 / 553.
(2) الكافي 5: 117 / 1، التهذيب 6: 358 / 1025.
(3) الأم 1: 279، المجموع 5: 306.
(4) المجموع 5: 312، السراج الوهاج: 114.
(5) الفقيه: 1: 111 / 511.
(6) الحشر: 10.

[ 122 ]

لذنبك وللمؤمنين) * (1). وقال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: إن أمي ماتت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم) (2). وقال الصادق عليه السلام: " يدخل على الميت في قبره الصلاة، والصوم، والحج، والصدقة، والبر، والدعاء، ويكتب أجره للذي يفعله وللميت " (3). وأما ما عداها فإنه عندنا كذلك - وبه قال أحمد (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات) (5). وقال عليه السلام لعمرو بن العاص: (لو كان أبوك مسلما فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك) (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف له أجره، ونفع الله به الميت " (7)، ولأنه عمل بر وطاعة، فوصل نفعه وثوابه إليه كالواجبات. وقال الشافعي: ما عدا الواجبات، والصدقة، والدعاء، والاستغفار لا

(1) محمد: 19.
(2) مسند أحمد 5: 285، مصنف ابن أبي شيبة 3: 386، سنن أبي داود 3: 118 / 2882، سنن البيهقي 4: 62.
(3) الفقيه 1: 117 / 557.
(4) المغني 2: 427، الشرح الكبير 2: 419.
(5) تفسير القرطبي 15: 3، المغني 2: 427، الشرح الكبير 2: 418.
(6) سنن أبي داود 3: 118 / 2883.
(7) الفقيه 1: 117 / 556.

[ 123 ]

يفعل عن الميت، ولا يصل ثوابه إليه (1) لقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) * (2) وقوله عليه السلام: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له) (3). والآية مخصوصة بما وافقنا عليه، والمختلف في معناه فيحمل عليه، ولا حجة في الخبر لدلالته على انقطاع عمله، وهذا ليس من عمله، ومخصوص بمحل الوفاق فيحمل عليه محل الخلاف للمشاركة في المعنى. مسألة 264: يستحب تعزية أهل الميت بإجماع العلماء لقوله عليه السلام: (من عزى مصابا فله مثل أجره) (4) ومن طريق الخاصة قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبر بها) (5) وقال عليه السلام: (التعزية تورث الجنة) (6) والمراد منها تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم، وإطفاء نار الحزن عنهم، وتسليتهم بمن سبق من الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وتذكيرهم الثواب على الصبر، واللحاق بالميت. فروع: أ - لا خلاف في استحباب التعزية قبل الدفن، وأما بعده فهو قول أكثر

(1) المجموع 15: 519، المغني 2: 428.
(2) النجم: 39. (3) مسند أحمد 2: 372.
(4) سنن الترمذي 3: 385 / 1073، سنن ابن ماجة 1: 511 / 1602.
(5) الكافي 3: 205 / 1، ثواب الأعمال: 235 / 2.
(6) ثواب الأعمال: 235 / 1.

[ 124 ]

العلماء (1) لقوله عليه السلام: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة) (2) وهو عام قبل الدفن وبعده، ومن طريق الخاصة قول هشام بن الحكم: رأيت الكاظم عليه السلام يعزي قبل الدفن وبعده (3). وعزى الصادق عليه السلام رجلا بابن له، فقال: " الله خير لابنك منك، وثواب الله خير لك منه " فبلغه جزعه بعد ذلك فعاد إليه فقال له: " قد مات رسول الله صلى الله عليه وآله فمالك به أسوة؟ " فقال: إنه كان مرهقا، فقال: " إن أمامه ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولن يفوته واحدة منهن إن شاء الله " (4)، ولأن القصد التسلية، والحزن يحصل بعد الدفن كما حصل قبله. وقال الثوري: لا تستحب التعزية بعد الدفن، لأنه خاتمة أمره (5)، ولقول الصادق عليه السلام: " ليس التعزية إلا عند القبر ثم ينصرفون " (6) وهو غير مناف لبقاء الحزن عند الأحياء بعد خاتمة أمر الميت، وقول الصادق عليه السلام يشمل قبل وبعد.

(1) فتح العزيز 5: 252، كفاية الأخبار 1: 105، السراج الوهاج: 112، المغني 2: 408، الشرح الكبير 2: 425، المجموع 5: 306.
(2) سنن ابن ماجة 1: 511 / 1601، الجامع الصغير للسيوطي 2: 522 / 8092.
(3) الكافي 3: 205 / 9، الفقيه 1: 110 / 503، التهذيب 1: 463 / 1516، الاستبصار 1: 217 / 769.
(4) الكافي 3: 204 / 7، الفقيه 1: 110 / 508، التهذيب 1: 468 / 1537، ثواب الأعمال: 235 - 236 / 3.
(5) المجموع 5: 307، المغني 2: 408، الشرح الكبير 2: 425.
(6) الكافي 3: 203 / 1، التهذيب 1: 463 / 1511.

[ 125 ]

ب - قال الشيخ: التعزية بعد الدفن أفضل (1)، وهو جيد لقول الصادق عليه السلام: " التعزية لأهل المصيبة بعدما يدفن " (2) ولاشتغالهم بميتهم، ولأنه بعد الدفن يكثر الجزع حيث هو وقت المفارقة لشخصه والانقلاب عنه. ج - قال الشيخ: يجوز أن يتميز صاحب المصيبة عن غيره بإرسال طرف العمامة أو أخذ مئزر فوقها على الأب والأخ، فأما غيرهما فلا يجوز على حال (3). والوجه عندي استحباب الامتياز في الأب والأخ وغيرهما لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وضع رداءه في جنازة سعد بن معاذ وقال: (رأيت الملائكة قد وضعت أرديتها فوضعت ردائي) (4). ولما مات إسماعيل تقدم الصادق عليه السلام السرير بغير رداء ولا حذاء (5). وقال عليه السلام: " ينبغي لصاحب المصيبة أن يضع رداءه حتى يعلم الناس أنه صاحب المصيبة " (6). د - قد منع وضع الرداء في مصيبة غيره لئلا يشتبه بصاحبها، وقال عليه السلام: (ملعون ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره) (7). ه‍ - يستحب تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم وصغارهم، ويخص من ضعف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها، ولا فرق بين الرجل والمرأة

(1) الخلاف 1: 729 مسألة 556.
(2) الكافي 3: 204 / 2، التهذيب 1: 463 / 1512، الاستبصار 1: 217 / 770.
(3) المبسوط للطوسي 1: 189.
(4) الفقيه 1: 111 / 512.
(5) الكافي 3: 204 / 5، الفقيه 1: 112 / 524، التهذيب 1: 463 / 1513.
(6) الكافي 3: 221 / 6، علل الشرائع: 307 الباب 254 الحديث 1.
(7) الفقيه 1: 111 / 510، علل الشرائع: 307 الباب 254 الحديث 2.

[ 126 ]

لقوله عليه السلام: (من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة) (1). نعم يكره تعزية الرجل المرأة الشابة الأجنبية حذر الفتنة. و - الأقرب جواز تعزية أهل الذمة - وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية (2) - لأنه كالعيادة، وقد عاد النبي صلى الله عليه وآله غلاما من اليهود مرض، فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم) فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال: أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي صلى الله عليه وآله وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) (3). وفي أخرى: المنع (4) لقوله عليه السلام: (لا تبدؤوهم بالسلام) (5) وهذا في معناه. ز - يقول في تعزية الكافر بالكافر: أخلف الله عليك ولا نقص عددك، ويقصد كثرة العدد لزيادة الجزية، وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك، وفي تعزية الكافر بالمسلم: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. ح - ليس في التعزية شئ موظف، واستحب بعض الجمهور (6) ما رواه الصادق عليه السلام عن الباقر عليه السلام عن زين العابدين عليه السلام قال: " لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب " (7).

(1) سنن الترمذي 3: 387 - 388 / 1076.
(2) فتح العزيز 5: 252، المغني 2: 409، الشرح الكبير 2: 427.
(3) صحيح البخاري 2: 118، سنن أبي داود 3: 185 / 3095، مسند أحمد 3: 227.
(4) المغني 2: 409، الشرح الكبير 2: 427.
(7) ترتيب مسند الشافعي 1: 216 / 600.

[ 127 ]

وعزى الصادق عليه السلام قوما قد أصيبوا بمصيبة فقال: " جبر الله وهنكم، وأحسن عزاءكم، ورحم متوفاكم " ثم انصرف (1). ط - يكفي في التعزية أن يراه صاحب المصيبة، قال الصادق عليه السلام: " كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة " (2). ي - قال في المبسوط: يكره الجلوس للتعزية يومين، أو ثلاثة إجماعا (3)، وأنكره ابن إدريس لأنه تزاور فيستحب (4). يا - الأقرب أنه لا حد للتعزية، لعدم التوقيت، وهو أحد وجهي الشافعية، وفي الآخر: حدها ثلاثة أيام إلا أن يكون المعزي أو المعزى غائبا (5). مسألة 265: يستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إجماعا إعانة لهم، وجبرا لقلوبهم، فإنهم ربما اشتغلوا بمصابهم، وبالوالدين عليهم عن إصلاح طعام لانفسهم، ولما جاء نعي جعفر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إصنعوا لآل جعفر طعاما فإنه قد أتاهم أمر شغلهم) (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لما قتل جعفر بن أبي طالب، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام أن تأتي أسماء بنت عميس ونساءها، وأن تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام، فجرت بذلك

(1) الفقيه 1: 110 / 506.
(2) الفقيه 1: 110 / 505.
(3) المبسوط للطوسي 1: 189.
(4) السرائر: 34.
(5) المجموع 5: 306، فتح العزيز 5: 252، كفاية الأخيار 1: 105 - 106، السراج الوهاج: 112.
(6) سنن أبي داود 3: 195 / 3132، سنن الترمذي 3: 323 / 998، سنن الدار قطني 2: 79 / 11 و 87 / 8.

[ 128 ]

السنة " (1). وكره أحمد أن يصنع أهل البيت طعاما للناس لأنه فعل أهل الجاهلية (2)، ولقول الصادق عليه السلام: " الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهلية، والسنة البعث إليهم بالطعام " (3). مسألة 266: يستحب للرجال زيارة مقابر المؤمنين إجماعا لأن النبي عليه السلام قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الموت) (4). ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " من أتى قبر أخيه المؤمن من أي ناحية يضع يده، وقرأ إنا أنزلناه سبع مرات أمن الفزع الأكبر " (5). ووقف الباقر عليه السلام على قبر رجل من الشيعة ثم قال: " اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، واسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك، وألحقه بمن كان يتولاه " ثم قرأ إنا أنزلناه سبع مرات (6). وسأل جراح الصادق عليه السلام كيف التسليم على أهل القبور؟ قال: " تقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، رحم الله المتقدمين منا والمتأخرين (7)، وإنا إن شاء الله لكم لاحقون ".

(1) المحاسن: 419 / 191.
(2) المغني 2: 413، الشرح الكبير 2: 423، كشاف القناع 2: 149.
(3) الفقيه 1: 116 / 548.
(4) صحيح مسلم 2: 672 / 977، سنن أبي داود 3: 218 / 3235، سنن الترمذي 3: 370 / 1054، مستدرك الحاكم 1: 375.
(5) الكافي 3: 229 / 9، التهذيب 6: 104 / 182.
(6) الكافي 3: 229 / 6، التهذيب 6: 105 / 183.
(7) في " ش " والكافي: رحم الله المستقدمين منا والمستأخرين.
(8) الفقيه 1: 114 / 533، والكافي 2: 229 / 8.

[ 129 ]

فروع: أ - لا يكره للنساء ذلك لأن الصادق عليه السلام قال: " إن فاطمة عليها السلام كانت تأتي قبور الشهداء في كل غداة سبت، فتأتي قبر حمزة وتترحم عليه وتستغفر له " (1). ب - لا يستحب خلع النعال لانتفاء الكراهة بالأصل، ولأن الحسن، وابن سيرين كانا يمشيان بين القبور في نعالهما (2). وكرهه أحمد (3)، لامر النبي صلى الله عليه وآله بإلقائهما (4)، ويحمل على من فعل ذلك للخيلاء. ج - لو احتيج إلى النعلين لم يكره المشي فيهما إجماعا. د - نزع الخفين ليس بمستحب إجماعا لأن في نزعهما مشقة، وهل يتعدى إلى الشمشك (5)؟ إشكال.

(1) الفقيه 1: 114 / 537، التهذيب 1: 465 / 1523.
(2) المغني 2: 424.
(3) المغني 2: 423، كشاف القناع 2: 141، المجموع 5: 312.
(4) سنن البيهقي 4: 80. (6) الشمشك بضم الشين وكسر الميم. قيل إنه المشاية البغدادية. مجمع البحرين 5: 277 " شمشك ".

[ 131 ]

الفصل السادس: في غسل مس الأموات. مسألة 267: الميت نجس وإن كان آدميا عند علمائنا أجمع، ويطهر بالغسل - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد الوجهين (1) - لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (2) وتحريم الأعيان يستلزم تحريم الانتفاع من جميع الوجوه، ولأنه حيوان لا يحل أكله، ذو نفس سائلة، فينجس بالموت كسائر الحيوانات، ولأنه لو بان منه عضو كان نجسا. وروي أن زنجيا مات في زمزم، فأمر عبد الله بن عباس أن ينزح جميع مائها، وكان في خلافة ابن الزبير (3) ولم ينكر ذلك أحد. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام، وقد سئل عن رجل يصيب ثوبه جسد الميت: " يغسل ما أصاب الثوب " (4). وللشافعي قول: إنه لا ينجس الآدمي (5)، لأن النبي عليه السلام قال:

(1) فتح العزيز 1: 162 و 163، شرح فتح القدير 2: 70.
(2) المائدة: 3.
(3) سنن الدار قطني 1: 33 / 1.
(4) الكافي 3: 161 / 4، التهذيب 1: 276 / 812، الاستبصار 1: 192 / 671.
(5) المجموع 1: 132، فتح العزيز 1: 162.

[ 132 ]

(لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا) (1) ولأنه يطهر بالغسل فلا يكون نجس العين. والحديث محمول على أنه ليس ينجس بنجاسة لا تقبل التطهير، ونمنع الملازمة فإن النجاسات العينية تختلف، فالكافر يطهر بالاسلام، والخمر يطهر بالانقلاب. فروع: أ - نجاسة الميت نجاسة عينية لأنها تتعدى إلى ما يلاقيها، على ما تضمنه حديث الصادق عليه السلام (2) وتطهر بالغسل بإجماع علماء الاسلام. ب - لو وقع الثوب على الميت بعد غسله لم يجب غسله لطهارته حينئذ، ولقول الصادق عليه السلام: " إن كان الميت غسل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، فإن كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه " (3). ج - لو وقعت يد الميت بعد برده وقبل غسله في مائع نجس ذلك المائع، فإن وقع ذلك المائع في آخر نجس الآخر خلافا لابن إدريس، فإنه قال: الثاني لم يلاق الميت، وحمله على ما لاقاه قياس، ولأن لمغسل الميت دخول المسجد واستيطانه، ولأن المستعمل في الكبرى طاهر (4). وليس بجيد إذ لا قياس هنا، بل لأن ملاقي يد الميت نجس، والمائع إذا لاقى نجسا تأثر به، ونمنع جواز الاستيطان، وطهارة المستعمل في الكبرى مع حصول نجاسة في المحل، ولامس الميت بيده تنجس يده نجاسة عينية، فإن اغتسل قبل غسل يده نجس الماء بملاقاة يده التي لاقى بها

(1) سنن الدار قطني 2: 70 /، مستدرك الحاكم 1: 385.
(2) الكافي 3: 161 / 4، التهذيب 1: 276 / 812، الاستبصار 1: 192 / 671.
(3) الكافي 3: 161 / 7، التهذيب 1: 276 / 811. (4) السرائر: 32.

[ 133 ]

الميت، ولو غسل يده ثم اغتسل لم ينجس الماء لأن اغتساله هنا طهارة حكمية، وإنما الأشكال لو لاقاه يابسين، أو لاقى ميتا من غير الناس. د - الميت إنما يطهر بالغسل إذا وقع على الوجه المشروع، أما لو رماه في ماء كثير - ولم يكتف بالقراح - لم يطهر. وكذا لا يطهر غير الآدمي بالغسل، أما الكافر فالأقرب إلحاقه بغير الآدمي في عدم الطهارة بالغسل، للنهي عن تغسيله (1) والنهي في العبادة يقتضي الفساد. مسألة 268: يجب الغسل على من غسل ميتا عند أكثر علمائنا (2) - وهو القول القديم للشافعي، وهو منقول عن علي عليه السلام، وأبي هريرة (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ) (4). ولما مات أبو طالب، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بغسله، فلما غسله، ودفنه رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وأخبره فقال: (إذهب واغتسل) (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " من غسل ميتا فليغتسل " (6).

(1) الكافي 3: 159 / 12، الفقيه 1: 95 / 437، التهذيب 1: 335 - 336 / 982.
(2) منهم: المفيد في المقنعة: 6، والصدوق في الفقيه 1: 87، والشيخ الطوسي في النهاية: 35، والمبسوط 1: 179، وابن إدريس في السرائر: 32، والمحقق في المعتبر: 96.
(3) المجموع 5: 185 - 186.
(4) سنن أبي داود 3: 201 / 3161، سنن ابن ماجة 1: 470 / 1463، سنن البيهقي 1: 300 - 304.
(5) سنن البيهقي 1: 305.
(6) الكافي 3: 160 / 1، التهذيب 1: 108 / 283، الاستبصار 1: 99 / 321.

[ 134 ]

وحكي عن أبي حنيفة والمزني: أنه ليس بمشروع (1). وقال السيد المرتضى (2) وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والفقهاء: مالك، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القول الثاني: إنه مستحب للأصل (3). والاحتياط يعارضه. مسألة 269: لو مس ميتا من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل وجب عليه الغسل عند أكثر علمائنا (4) - خلافا للسيد المرتضى (5)، والجمهور كافة - لما تقدم (6) ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل قلت: فإن مسه.؟ قال: " فليغتسل " (7). وقال المرتضى: إنه مستحب للأصل (8)، وقال أحمد: يجب الوضوء (9) لقوله عليه السلام: (من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ) (10). فروع: أ - يجب الوضوء أيضا بالمس عملا بعموم قوله تعالى: (فاغسلوا) (11)

(1) المجموع 5: 185.
(2) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 96.
(3) المجموع 5: 185 و 186 و 2: 203، بلغة السالك 1: 195، المغني 1: 243، الشرح الكبير 1: 243، البحر الرائق 1: 66.
(4) منهم الصدوق في الفقيه 1: 87، والشيخ الطوسي في النهاية 35 والمبسوط 1: 179، وابن إدريس في السرائر: 23.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 96.
(6) تقدم في المسألة 268.
(7) الكافي 3: 160 / 1، التهذيب 1: 108 / 283.
(8) حكاه المحقق في المعتبر: 96.
(9) الشرح الكبير 1: 244، المجموع 5: 186.
(10) سنن أبي داود 3: 201 / 3161، سنن ابن ماجة 1: 470 / 1463، سنن البيهقي: 1: 300 - 304.
(11) سورة المائدة: 6.

[ 135 ]

ولقولهم عليهم السلام: " كل غسل لابد معه من الوضوء إلا الجنابة " (1) فلو اغتسل ولم يتوضأ وصلى بطلت. ب - لو مسه قبل برده لم يجب عليه غسل لقول الصادق عليه السلام قال: " إذا مسه وهو سخن فلا غسل عليه، فإذا برد فعليه الغسل " (2) والأقرب: وجوب غسل يده لأنه لاقى نجاسة، إذ الميت نجس عندنا. ج - لو مس ميتا من غير الناس وجب عليه غسل ما مسه به، حكم الثوب حكم البدن، والأقوى عندي هنا اشتراط الرطوبة. د - لو كمل غسل الرأس فمسه قبل إكمال الغسل لم يجب الغسل. ه‍ - لا فرق بين كون الميت مسلما أو كافرا لامتناع التطهير في حقه، ولا يمنع ذلك صدق القبلية. مسألة 270: ويجب الغسل بمس قطعة فيها عظم أبينت من آدمي، حي أو ميت - خلافا للجمهور - لأنه ميت. وقال الصادق عليه السلام: " إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسه إنسان فكل ما فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل، فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه " (3). فلو كانت القطعة خالية من عظم، أو كانت من غير الناس وجب غسل اليد خاصة، ولا يجب الغسل، والأقرب عدم وجوب الغسل بمس نفس العظم.

(1) الكافي 3: 45 / 13، التهذيب 1: 139 / 391، الاستبصار 1: 216 / 428.
(2) التهذيب 1: 429 / 1367.
(3) الكافي 3: 212 / 4، الاستبصار 1: 100 / 325.

[ 136 ]

مسألة 271: كيفية هذا الغسل مثل كيفية غسل الحيض بمعنى افتقاره إلى الوضوء، إما قبله أو بعده، للصلاة، أو غيرها مما يشترط فيه الطهارة لا وجوبا في نفسه لقول الصادق عليه السلام: " كل غسل لابد فيه من الوضوء إلا غسل الجنابة " (1) خلافا للمرتضى (2) لقوله عليه السلام: " وأي وضوء أكبر من الغسل " (3) والأحوط ما قلناه. تذنيب: لو اغتسل ثم أحدث حدثا أصغر توضأ وضوءا واحدا ولا يعيد الغسل، ولو قدم الوضوء (4) أعاده واغتسل، ولو أحدث في أثناء الغسل أتمه وتوضأ سواء تقدم الغسل أو تأخر.

(1) التهذيب 1: 143 / 403.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 52.
(3) الكافي 3: 45 ذيل الحديث 13، التهذيب 1: 139 / 390، الاستبصار 1: 129 / 427، وفيها بدل أكبر: أطهر.
(4) أي: لو توضأ أولا ثم أحدث.

[ 137 ]

الفصل السابع: في الأغسال المسنونة. وهي على الأشهر ثمانية وعشرون غسلا، ستة عشر للوقت، وسبعة للفعل، وخمسة للمكان. مسألة 272: ذهب أكثر علمائنا إلى أن غسل الجمعة مستحب ليس بواجب (1) - وهو قول جمهور أهل العلم (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) (3) وقوله عليه السلام: (فبها) معناه بالفريضة أخذ، وقوله: (ونعمت) يعني الخلة الفريضة. ومن طريق الخاصة ما رواه زرارة قال: سألت الصادق عليه السلام عن غسل يوم الجمعة، قال: " سنة في الحضر والسفر إلا أن يخاف المسافر على نفسه القر (4) " (5).

(1) منهم المفيد في المقنعة: 6، والشيخ الطوس في المبسوط 1: 40، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 135، والمحقق في المعتبر: 97.
(2) المجموع 2: 201 و 4: 535، المغني 2: 199، العدة شرح العمدة: 109، المهذب لأبي إسحاق 1: 120، المبسوط للسرخسي 1: 89، بدائع الصنائع 1: 269.
(3) سنن أبي داود 1: 97 / 354، سنن النسائي 3: 94.
(4) القر: البرد. الصحاح 2: 789 " قرر ".
(5) التهذيب 1: 112 / 296، الاستبصار 1: 102 / 334.

[ 138 ]

وقال الصدوق: إنه واجب (1) - وبه قال الحسن البصري، وداود، ومالك، وأهل الظاهر (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (3). وقال الرضا عليه السلام وقد سئل عن غسل الجمعة: " واجب على كل ذكر وأنثى من حر وعبد " (4) وهو محمول على شدة الاستحباب عملا بالجمع بين الأحاديث وبأصالة البراءة. فروع: أ - استحباب غسل الجمعة مؤكد للرجال والنساء، سفرا وحضرا، وغسل مس الميت آكد، أما إن قلنا بوجوبه - على ما اخترناه - فظاهر، وإن قلنا: إنه سنة فكذلك لأن سببه وجد منه فهو بغسل الجنابة أشبه، ولأن الخلاف في وجوبه أكثر من خلاف غسل الجمعة، وهو أحد قولي الشافعي، والثاني: غسل الجمعة (5) لورود الأخبار بوجوبه (6). والفائدة تظهر فيما لو اجتمع اثنان على ماء مباح، أحدهما من أهل الجمعة، والآخر ليس من أهلها وقد مس ميتا. ب - وهو مستحب لآتي الجمعة وغيره كالنساء، والعبيد، والمسافرين

(1) الفقيه 1: 61.
(2) بداية المجتهد 1: 164، القوانين الفقهية: 32، المحلى 2: 8، المجموع 4: 535، المبسوط للسرخسي 1: 89.
(3) صحيح البخاري 2: 3، صحيح مسلم 2: 580 / 846.
(4) الكافي 3: 41 / 1 و 42 / 2، التهذيب 1: 111 / 291، الاستبصار 1: 103 / 336.
(5) المجموع 2: 203 - 204 و 5: 186، مغني المحتاج 1: 292.
(6) صحيح البخاري 2: 3 صحيح مسلم، 2: 580 / 846، سنن ابن ماجة 1: 246 / 1089.

[ 139 ]

عند علمائنا - وبه قال أبو ثور، والشافعي في أحد القولين (1) - لقوله عليه السلام: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (2). ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " إنه واجب على كل ذكر وأنثى من حر وعبد " (3). والثاني للشافعي: يستحب لآتي الجمعة خاصة (4) لقوله عليه السلام: (من جاء إلى الجمعة فليغتسل) (5) وهو يدل من حيث المفهوم، فلا يعارض المنطوق. ج - لو حضرت المرأة المسجد استحب لها، أما عندنا فظاهر، وأما عند الشافعي فللخبر (6). وقال أحمد: لا يستحب لأنها غير مخاطبة بالجمعة (7)، وينتقض بالعبد. د - وقته من طلوع الفجر الثاني إلى الزوال، وكلما قرب من الزوال كان أفضل، قال علماؤنا - وبه قال الشافعي (8) - لأن النبي عليه السلام قال:

(1) المجموع 2: 201 و 4: 534، مغني المحتاج 1: 290، السراج الوهاج: 88.
(2) صحيح البخاري 2: 3، صحيح مسلم 2: 580 / 846.
(3) الكافي 3: 4111 / 1 و 42 / 2، التهذيب 1: 111 / 291، الاستبصار 1: 103 / 336.
(4) المجموع 2: 201 و 4: 533، السراج الوهاج: 88، الوجيز 1: 66، مغني المحتاج 1: 290.
(5) صحيح البخاري 2: 2 و 4 و 6، صحيح مسلم 2: 579 / 844، سنن النسائي 3: 93، سنن الدارمي 1: 361، سنن ابن ماجة 1: 346 / 1088 و 349 / 1098، سنن البيهقي 1: 297، مسند أحمد 1: 15 و 46.
(6) صحيح البخاري 2: 2، صحيح مسلم 2: 579 / 844.
(7) المغني 2: 201، الشرح الكبير 2: 201.
(8) المجموع 4: 534، مغني المحتاج 1: 291.

[ 140 ]

(من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة) (1). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك للجنابة والجمعة " (2). ولأن القصد التنظيف للصلاة، وإزالة الرائحة الكريهة من البدن للاجتماع فيستحب عنده وليس شرطا. وقال مالك: لا يعتد بالغسل إلا أن يتصل به الرواح (3) لقوله عليه السلام: (من جاء إلى الجمعة فليغتسل) (4) وليس فيه دلالة. ه‍ - لا يجوز إيقاعه قبل الفجر اختيارا، فإن قدمه لم يجزئه إلا إذا يئس من الماء - وبه قال الشافعي (5) - للاجماع، ولأن النبي عليه السلام أضاف الغسل إلى اليوم (6). وقال الأوزاعي: يجوز قبل الفجر لأنه يوم عيد فجاز قبل الفجر كالعيدين (7). ونمنع حكم الأصل، والفرق أن وقت العيد طلوع الشمس، فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر فيجوز قبله، بخلاف الجمعة لأنها بعد الزوال.

(1) صحيح مسلم 2: 582 / 850، سنن الترمذي 2: 372 / 499، الموطأ 1: 101 / 1، مسند أحمد 2: 460.
(2) الكافي 3: 141 / 1، التهذيب 1: 107 / 279.
(3) المدونة الكبرى 1: 145، المجموع 4: 536، المغني 2: 200، الشرح الكبير 2: 200، المحلى 2: 22.
(4) صحيح البخاري 2: 2 و 4 و 6، صحيح مسلم 2: 579 / 844، سنن النسائي 3: 93، مسند أحمد 1: 15، 46، سنن ابن ماجة 1: 346 / 1088 و 349 / 1098، سنن البيهقي 1: 297، سنن الدارمي 1: 361.
(5) المجموع 4: 534، مغني المحتاج 1: 291.
(6) صحيح البخار 2: 3، صحيح مسلم 2: 581 / 846، سنن ابن ماجة 1: 346 / 1089. (7) المغني 2: 200، الشرح الكبير 2: 200، المجموع 4: 536.

[ 141 ]

و - لو فاته الغسل أول النهار قضاه بعد الزوال لأنها عبادة موقتة، فاستحب قضاؤها كالنوافل المرتبة، ولقول الصادق عليه السلام في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار قال: " يقضيه من آخر النهار " (1). ز - لو فاته يوم الجمعة أول النهار وآخره، استحب قضاؤه يوم السبت لقول الصادق عليه السلام: " فإن لم يجد فليقضه يوم السبت " (1). ح - لو وجد الماء الخميس وخاف عدمه يوم الجمعة، أو عدم التمكن من استعماله جاز أن يقدمه يوم الخميس تحصيلا للتنظيف المأمور به، ولقول الكاظم عليه السلام بالبادية - وهو يريد بغداد - لأم الحسين ولده، وأم أحمد ولده يوم الخميس: " اغتسلا اليوم لغد فإن الماء غدا قليل " (3). ط - لو اغتسل يوم الخميس لعذر، ثم زال قبل الزوال، استحب إعادته لسقوط حكم البدل مع إمكان المبدل. مسألة 273: ويستحب في شهر رمضان ستة أغسال: غسل أول ليلة منه، وليلة النصف، وليلة سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين لاختصاصها بالشرف. ولقول الصادق عليه السلام: " غسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب " (4). وعن أحدهما عليهما السلام: " الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة وهي ليلة التقى الجمعان، وتسع عشرة وفيها يكتب وفد السنة،

(1) التهذيب 1: 113 / 300، الاستبصار 1: 104 / 340.
(2) التهذيب 1: 113 / 300، الاستبصار 1: 104 / 340.
(3) الكافي 3: 42 / 6، الفقيه 1: 61 / 227، التهذيب 1: 365 - 366 / 1110.
(4) الاقبال: 14، اللمعتبر: 97.

[ 142 ]

وليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء، وفيها رفع عيسى بن مريم، وقبض موسى عليه السلام، وثلاث وعشرين يرجى فيها ليلة القدر " (1). مسألة 274: ويستحب الغسل يوم العيدين ذهب إليه علماؤنا أجمع - وبه قال الجمهور (2) - لقول الصادق عليه السلام: " اغتسل يوم الأضحى، ويوم الفطر " (3) والأمر للاستحباب هنا عملا بالأصل. ولقول الكاظم عليه السلام: " الغسل في الجمعة والأضحى والفطر سنة وليس بفريضة " (4). وعن أهل الظاهر: الوجوب (5)، وهو منفي بالأصل، وبما تقدم. مسألة 275: ويستحب الغسل ليلة الفطر، وليلة نصف رجب، ويوم المبعث، وليلة نصف شعبان، ويوم الغدير، ويوم المباهلة - وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة - لشرف هذه الأوقات. روى الحسن بن راشد قال: " إذا غربت الشمس ليلة العيد فاغتسل " (6). وقال الصادق عليه السلام: " صوموا شعبان واغتسلوا ليلة النصف منه " (7). وقال عليه السلام: " من صلى فيه ركعتين - يعني يوم الغدير - يغتسل

(1) التهذيب 1: 114 / 302. (2) المجموع 5: 7، المغني 2: 228، بدائع الصنائع 1: 279، بداية المجتهد 1: 216، الوجيز 1: 66.
(3) التهذيب 1: 105 / 273.
(4) التهذيب 1: 112 / 295، الاستبصار 1: 102 / 333.
(5) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا، ونسبه إليهم المحقق في المعتبر: 97.
(6) التهذيب 1: 115 / 303.
(7) التهذيب 1: 117 / 308.

[ 143 ]

عند زوال الشمس من قبل أن تزول بنصف ساعة " (1) وساق الحديث. وقال عليه السلام: " غسل يوم المباهلة واجب " (2) ويريد تأكيد الاستحباب. مسألة 276: ويستحب غسل الاحرام عند أكثر علمائنا (3) لقول أحدهما عليهما السلام: " الغسل إذا دخلت الحرم، ويوم تحرم " (4). وعن الصادق عليه السلام: " غسل الميت، وغسل الجنب، والجمعة، والعيدين، ويوم عرفة، والاحرام " (5). وقال بعض علمائنا بالوجوب (6) لقول الصادق عليه السلام: " الغسل في سبعة عشر موطنا: الفرض ثلاثة: غسل الجنابة، ومن غسل ميتا، والغسل للاحرام " (7)، والرواية مرسلة، والأصل عدم الوجوب. مسألة 277: يستحب الغسل لدخول الحرم، والمسجد الحرام، والكعبة، والمدينة، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، وزيارة الأئمة عليهم السلام، لشرف هذه الامكنة، لقول أحدهما عليهما السلام: " الغسل إذا دخلت الحرم، ويوم تحرم، ويوم الزيارة، ويوم تدخل البيت، ويوم التروية، ويوم عرفة " (8).

(1) التهذيب 3: 143 / 317.
(2) الفقيه 1: 45 / 176، التهذيب 1: 104 / 270.
(3) منهم: المفيد في المقنعة: 6، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40، والسيد المرتضى والمحقق كما في المعتبر: 98، وابن حمزة في الوسيلة: 160 - 161.
(4) الفقيه 1: 44 / 172، التهذيب 1: 114 / 302. (5) الخصال 2: 498 - 499 / 5.
(6) حكاه المحقق في المعتبر: 98، ونسبه الشهيد إلى ابن أبي عقيل في الذكرى: 25 والدروس: 96.
(7) التهذيب 1: 105 / 271، الاستبصار 1: 98 / 316.
(8) الفقيه 1: 44 / 172، التهذيب 1: 114 / 302.

[ 144 ]

وعن الصادق عليه السلام: " ودخول الكعبة، ودخول المدينة، ودخول الحرم، وفي الزيارة " (1). وعن الصادق عليه السلام: " الغسل إذا أردت دخول البيت، وإذا أردت دخول مسجد النبي عليه السلام " (3). مسألة 278: اختلف علماؤنا في وجوب غسل قاضي الكسوف مع استيعاب الاحتراق، والترك عمدا، والأقوى الاستحباب، لأصالة البراءة. وقال سلار بوجوبه (4) لقول أحدهما عليهما السلام: " وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله " (5). وقول الصادق عليه السلا: " إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل ولم يغتسل فليغتسل من الغد وليقض، وإن لم يعلم فليس عليه إلا القضاء بغير غسل " (6) وهما قاصران عن إفادة الوجوب. مسألة 279: واختلفوا في غسل المولود، فالأشهر استحبابه، تمسكا بالأصل، وقال بعض علمائنا بوجوبه (7) لقول الصادق عليه السلام: " غسل

(1) الخصال: 498 - 499 / 5.
(2) التهذيب 1: 110 - 111 / 290.
(3) التهذيب 1: 105 / 272.
(4) المراسم: 52.
(5) التهذيب 1: 114 - 115 / 302.
(6) التهذيب 1: 117 / 309.
(7) حكاه المحقق في المعتبر: 98، وقال ابن حمزة في الوسيلة: 54: (فصل في بيان الطهارة الكبرى، وهي ضربان: إما يجب إيقاعها على المكلف في نفسه أو في غيره، وذلك شيئان، أحدهما: غسل المولود بعد الولادة....).

[ 145 ]

النفساء واجب، وغسل المولود واجب " (1) والرواية ضعيفة السند، ويحمل الثاني على شدة الاستحباب. واختلوا أيضا في غسل من قصد إلى رؤية مصلوب بعد ثلاثة أيام فالأقوى الاستحباب للأصل، وقال بعض علمائنا بالوجوب (2). فإن ابن بابويه: روي ذلك (3). مسألة 280: وغسل التوبة مستحب وليس بواجب، سواء كانت عن كفر أو فسق عند علمائنا وبه - قال الشافعي، وأبو حنيفة (4) لأن العدد الكثير من الصحابة أسلموا، فلو وجب الغسل لنقل نقلا متواترا، أو مشهورا. ولأنه عليه السلام قال لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (5) ولو كان الغسل واجبا لبينه، ولأن الاسلام عبادة ليس من شرطها الغسل فلا يجب لها كالجمعة. وقال أحمد، ومالك، وأبو ثور، وابن المنذر: إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل سواء كان أصليا أو مرتدا، اغتسل قبل إسلامه أو لم يغتسل، وجد منه في حال كفره ما يوجب الغسل أو لا (6) لأن قيس

(1) الكافي 3: 40 / 2، الفقيه 1: 45 / 176، التهذيب 1: 104 / 270.
(2) قال به أبو الصلاح في الكافي: 135.
(3) الفقيه 1: 45 / 175، الهداية: 19.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 90، بدائع الصنائع 1: 35، المجموع 2: 153، المغني 1: 239، الشرح الكبير 1: 237.
(5) صحيح البخاري 2: 158 - 159، صحيح مسلم 1: 50 2 29، سنن النسائي 5: 55، سنن ابن ماجة 1: 578 / 1783.
(6) المغني 1: 239 الشرح الكبير 1: 237، المدونة الكبرى 1: 36، المجموع 2: 153.

[ 146 ]

ابن عاصم وثمامة بن أثال أسلما فأمرهما النبي صلى الله عليه وآله بالاغتسال (1). ويحمل على الاستحباب، أو أنه وجد منهما ما يوجب الغسل وهو الجنابة، إذ هو الغالب. وعلى هذا لو أجنب الكافر، أو حاضت الكافرة، ثم أسلما وجب عليهما الغسل لحصول الحدث، ولو كانا قد اغتسلا لم يجزئهما. وقال أبو حنيفة: لا يجب لعدم أمر الصحابة به حال إسلامهم (2)، وهو ضعيف للأمر به في الآية (3). مسألة 281: يستحب غسل صلاة الاستسقاء - وبه قال الشافعي (4) - لأن حكمها حكم صلاة العيد، فسن لها الغسل كالعيد، ولقول الصادق عليه السلام: " وغسل الاستسقاء واجب " (5) والمراد تأكيد الاستحباب لانتفاء القائل بالوجوب. قال الصدوق: روي: " أن من قتل وزغة فعليه الغسل " (6) وقال: وعلله بعض مشايخنا بأنه يخرج من ذنوبه فيغتسل (7). مسألة 282: ويستحب غسل صلاة الحاجة، والاستخارة عند علمائنا لأنه وقت التوجه إلى الله تعالى فيستحب التنظيف، ولقول الصادق عليه السلام:

(1) صحيح البخار 1: 125، النسائي 1: 109، سنن أبي داود 1: 98 / 355، سنن البيهقي 1: 171.
(2) بدائع الصنائع 1: 35، المجموع 2: 152، المغني 1: 239، الشرح الكبير 1: 237.
(3) النساء: 43.
(4) المجموع 2: 202.
(5) الكافي 3: 40 / 2، الفقيه 1: 45 / 176.
(6) الفقيه 1: 44 / 174.
(7) الفقيه 1: 45 ذيل الحديث 174، الهداية: 19.

[ 147 ]

" إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله " قلت: كيف أصنع؟ قال: " تغتسل " (1) الحديث. وعن الرضا عليه السلام: " إذا كانت لك حاجة مهمة فاغتسل " (2) الحديث. وعن الصادق عليه السلام في صلاة الاستخارة: " وتغتسل في ثلث الليل الثاني " (3). فروع: أ - لابد في الأغسال المندوبة من نية السبب، فلا يجزيه لو أهمله، إذ المميزة في الأفعال القصود والدواعي. أما الغسل الواجب فلا تجب نية السبب، بل يكفي رفع الحدث، أو استباحة الصلاة إذ المراد للشرع رفع المانع عما يشترط فيه الطهارة، نعم لو كان الوجه لا كذلك، بل النذر وشبهه وجبت نية السبب. ولو اجتمعت أسباب توجب الطهارة متساوية كفى نية رفع الحدث، أو الاستباحة، ولا يشترط نية السبب كما في الأحداث الاصاغر. ب - لو اختلف أسباب الغسل كالجنابة، والحيض فلا تجب على رأي المرتضى، أما على المختار، فإن نوت الجنابة أجزأ عنهما، وإن نوت الحيض فإشكال ينشأ من عدم ارتفاعه مع بقاء الجنابة لعدم نيتها، ومن أنها طهارة نوت بها الاستباحة، فإن صحت فالأقرب وجوب الوضوء، وحينئذ فالأقرب رفع حدث الجنابة لوجود المساوي في الرفع.

(1) الكافي 3: 476 / 1، التهذيب 1: 116 / 305. (2) الكافي 3: 477 / 3، التهذيب 1: 117 / 306.
(3) التهذيب 1: 117 / 307.

[ 148 ]

ج - لو اجتمع غسل الجنابة، والمندوب كالجمعة، فإن نوى الجميع، أو الجنابة أجزأ عنهما، قاله الشيخ، قال: ولو نوى الجمعة لم ترتفع الجنابة، ولم يجزئ غسل الجمعة، إذ المراد به التنظيف، ولا يصح مع وجود الحدث (1). والأقرب: أنه لو نواهما معا بطل غسله، وإن نوى الجنابة ارتفع حدثه، ولم يثب على غسل الجمعة، وإن نوى الجمعة صح عنها وبقي حكم الجنابة، إذ لا يراد به رفع الحدث، ولهذا صح للحائض غسل الاحرام، ولو اغتسل ولم ينو شيئا بطل. د - لو اجتمعت أغسال مندوبة، فإن نوى الجميع أجزأه غسل واحد لقول أحدهما عليهما السلام: " إذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد " قال: " وكذلك المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها، وإحرامها، وجمعتها وغسلها من حيضها، وعيدها " (2) ولو نوى البعض اختص بما نواه. ه‍ - لو حاضت الجنب لم تغتسل، فإن اغتسلت لم يرتفع حدث الجنابة - وبه قال الشافعي (3) - إذ لا طهارة مع الحيض. ولقول الصادق عليه السلام عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض تغتسل أم لا؟: " قد جاءها ما يفسد صلاتها فلا تغتسل " (4). وقال أحمد: يرتفع، قال: ولا أعلم أحدا قال: لا تغتسل، إلا عطاء (5).

(1) المبسوط للطوسي 1: 40.
(2) الكافي 3: 41 / 1، التهذيب 1: 107 / 279.
(3) المجموع 2: 150.
(4) الكافي 3: 83 / 1، التهذيب 1: 395 / 1224.
(5) المغني 1: 243.

[ 149 ]

الباب السادس: في التيمم، وفصوله أربعة: الأول: في مسوغاته. وينضمها شئ واحد هو العجز عن استعمال الماء، وأسباب العجز ثلاثة: الأول: عدم الماء، وعليه إجماع العلماء لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (1) وقوله عليه السلام: (التراب كافيك ما لم تجد الماء) (2). ويجب معه الطلب عند علمائنا أجمع، فلا يصح بدونه - وبه قال الشافعي (3) - لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (4). ولا يثبت عدم الوجدان إلا بعد الطلب وعدمه لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه، ولقول أحدهما عليهما السلام: " فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خشي أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (5).

(1) المائدة: 6.
(2) كنز العمال 9: 593 / 26566.
(3) المجموع 2: 249.
(4) المائدة: 6.
(5) الكافي 2: 63 / 2، التهذيب 1: 192 / 555، الاستبصار 1: 159 / 548.

[ 150 ]

وقال أبو حنيفة: لا يجب الطلب (1)، وعن أحمد روايتان (2) لأنه غير عالم بوجود الماء فجاز التيمم كما لو طلب فلم يجد، وبينهما فرق. إذا ثبت هذا فإعواز الماء بعد الطلب شرط بالاجماع. مسألة 283: وكيفية الطلب أن يبتدئ برحله فيعتبره لأنه أقرب الأشياء إليه، ثم إن رأى خضرة، أو شيئا يدل على الماء قصده واستبرأه، ولو كان دونه حائل صعد عليه وطلب، وإن وجد من له خبرة بالماء سأله، وإن دل على ماء لزمه قصده ما لم يخف على نفسه، أو ماله، أو فوت الوقت، وإن كان له رفقة طلب منهم. فإن تعذر ذلك كله فليطلب عن جوانبه الأربعة غلوة سهم إن كانت حزنة، وغلوة سهمين إن كانت سهلة عند علمائنا، ولا يعد فاقدا بدونه - خلافا للشافعي، وأحمد (3) - لامكان وجود الماء في هذا الحد فلزمه قصده دون الازيد للمشقة. ولقول علي عليه السلام: " يطلب الماء في السفر إن كانت حزونة فغلوة، وإن كانت سهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك " (4). فروع: أ - الطلب إنما يجب مع تجويز وجود الماء، انتفى لم يجب. ب - لو دل على ماء وجب قصده مع المكنة وإن زاد عن الغلوة

(1) بدائع الصنائع 1: 47، شرح فتح القدير 1: 125، المجموع 2: 249، المغني 1: 269، بداية المجتهد 1: 67.
(2) المغني 1: 269.
(3) المجموع 2: 250، المغني 1: 269، مغني المحتاج 1: 88.
(4) التهذيب 1: 202 / 586، الاستبصار 1: 165 / 571.

[ 151 ]

والغلوتين، فلو خاف فوت الوقت، أو التخلف عن الرفقة مع الحاجة، أو على نفسه، أو ماله سقط الوجوب. ج - لو أخل بالطلب لم يصح تيممه - قاله الشيخ (1) - وتلزمه الاعادة، ويشكل بأن مع التضيق يسقط الطلب ويجب التيمم وإن أخل بالطلب مع وقت السعة لأنه يكون مؤديا فرضه. نعم قد روي أنه لو أخل بالطلب، ثم وجد الماء في رحله، أو مع أصحابه أعاد الصلاة، وكذا يجئ لو وجد الماء قريبا منه. مسألة 284: إنما يجب الطلب بعد دخول الوقت، فلو طلب قبله لم يجزئه، ووجب عليه إعادة الطلب بعده - وبه قال الشافعي (2) - لامكان تجدد الماء إلا أن يكون ناظرا إلى مواضع الطلب، ولم يتجدد فيها شئ فيسقط، لكن هذا نوع طلب فيجزيه لأنه بعد دخول الوقت. لا يقال: يجوز التجدد بعد الطلب في الوقت قبل التيمم ومع ذلك يجوز التيمم إجماعا ولا يعيد الطلب. لأنا نقول: إذا طلب في وقت الطلب لم تجب إعادته إلا أن يعلم تجدد أمر لحصول المشقة، وإذا طلب قبل وقته لزمه الاعادة لتفريطه. فروع: أ - لو طلب في وقت صلاة، ثم دخل وقت أخرى وجب إعادة الطلب ما لم يعلم عدم تجدد شئ. ب - إذا كان يطلب الماء، فظهر ركب وجب أن يسألهم عن الماء ما لم

(1) المبسوط للطوسي 1: 31.
(2) الأم 1: 46، المجموع 2: 250، مغني المحتاج 1: 88.

[ 152 ]

يخف الفوت، ويطلب من كل واحد إلى أن يبقى مقدار التيمم والصلاة، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر: إلى أن يبقى مقدار ركعة إذ بإدراكها يحصل الغرض من كونها أداء، ولا يأثم بالتأخير إلى ذلك الوقت، لأنه مشغول بمصلحتها (1). وليس بجيد. ج - لو كان في برية لا تعهد بالماء وجب الطلب لامكانه، وتحقيقا لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * (2) وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: السقوط للعلم بالعدم (3). وهو ممنوع. د - لو أمر غيره بالطلب لم يبح له التيمم على إشكال ينشأ من الاعتماد على الظن وقد حصل بإخبار الثقة. مسألة 285: لا يشترط في عدم الماء السفر، طويله وقصيره - عند أكثر علمائنا - فلو عدم الماء في السفر القصير، أو الحضر وكان صحيحا، كما لو انفتح بثق (4) فانقطع الماء، أو كان محبوسا وجب التيمم ولا إعادة عليه - وبه قال الثوري، ومالك، والأوزاعي، والمزني، والطحاوي (5) - لقوله عليه السلام: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج) (6). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام: " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الأرض وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل وقد

(1) المجموع 2: 251، مغني المحتاج 1: 88.
(2) المائدة: 6.
(3) المجموع 2: 249، مغني المحتاج 1: 87.
(4) البثق: كسرك شط النهر لينشق الماء. لسان العرب 10: 13.
(5) المنتقى 1: 112، المدونة الكبرى 1: 44، المغني 1: 267، الشرح الكبير 1: 268.
(6) سنن النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 155 و 180، سنن الترمذي 1: 212 / 124، سنن أبي داود 1: 91 / 332، سنن الدار قطني 1: 187 / 4 و 6، سنن البيهقي 1: 212.

[ 153 ]

أجزأته صلاته التي صلاها " (1) ولأنه لا يمكنه استعمال الماء فأشبه المريض، ولأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. وقال الشافعي: إن كان السفر طويلا، وهو الذي يقصر فيه الصلاة، جاز التيمم قولا واحدا، لأنه رخصة تتعلق بالسفر فتعلقت بالطويل كالقصير، وإن كان قصيرا فقولان: أحدهما: أنه كالطويل لأن عدم الماء فيه غالب فإذا تيمم وصلى سقط الفرض كالطويل، والثاني: أنه يختص سقوط الفرض بالسفر الطويل لأنه رخصة فتتعلق بالطويل خاصة كالقصير، والفرق أن القصير يراعى فيه المشقة وهي تحصل في الطويل خاصة (2). وقال أبو حنيفة: إذا عدم الماء في الحضر لا يصلي - وبه قال زفر - لأنه تعالى شرط في جواز التيمم السفر (3). وهو يدل من حيث المفهوم، وليس حجة، أو لأنه خرج مخرج الأغلب إذ فقده في الحضر نادر. وقال الشافعي: يتيمم، ويصلي، ويعيد، وروي عن أبي حنيفة أيضا، وصاحبيه - وبه قال المرتضى في شرح الرسالة (4) - لأنه عذر نادر إذا وقع لا يتصل فلا يسقط القضاء، كالحيض في رمضان (5)، وليس بجيد، لأنه امتثل فيخرج عن العهدة. السبب الثاني: الخوف. مسألة 286: لو كان بقربه ماء وخاف إن سعى إليه على نفسه من سبع،

(1) الكافي 3: 63 / 3، التهذيب 1: 193 / 556، الاستبصار 1: 159 / 549.
(2) الأم 1: 45، المجموع 2: 303.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 123، بدائع الصنائع 1: 50، المجموع 2: 305، المغني 1: 267، الشرح الكبير 1: 268، بداية المجتهد 1: 66، المحلى 2: 139.
(4) حكاه المحقق في المعتبر: 100.
(5) المغني 1: 267، الشرح الكبير 1: 269، المحلى 2: 139.

[ 154 ]

أو عدو، أو على ماله من غاصب، أو سارق جاز له التيمم إجماعا لأنه كالعادم، ولقول الصادق عليه السلام: " لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص، أو سبع " (1) ولا إعادة عليه للامتثال، فيخرج عن العهدة. ولو خافت المرأة المكابرة على نفسها لو سعت إلى الماء، أو الغلام سقط السعي، ووجب التيمم، ولا إعادة، وهو أصح وجهي أحمد، لما فيه من التعرض للزنا وهتك نفسها وعرضها، والآخر: تعيد (2). ولو كان خوفه جنبا لا عن سبب يخاف فالوجه التيمم ولا إعادة، لأنه كالخائف بسبب، وهو أحد قولي أحمد، لكن يعيد عنده، وأصحهما عنده: الوضوء (3). ولو خاف بسبب ظنه، كمن رأى سوادا ثم تبين أنه ليس بعدو بعد تيممه وصلاته لم تلزمه الاعادة، وهو أحد وجهي أحمد، لأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة، وفي الآخر: يعيد، كناسي الماء في رحله (4). مسألة 287: خائف العطش يحفظ ماؤه ويتيمم، قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ذلك منهم: علي عليه السلام، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك، والثوري، ومالك، وأحمد، والشافعي وأصحاب الرأي، لأنه خائف على نفسه فأبيح له التيمم كالمريض (5).

(1) الكافي 3: 65 / 8، التهذيب 1: 184 / 528. (2) المغني 1: 271، الشرح الكبير 1: 274.
(3) المغني 1: 272، الشرح الكبير 1: 275.
(4) المغني 1: 272، الشرح الكبير 1: 275.
(5) المجموع 2: 244 و 245، المدونة الكبرى 1: 46، المغني 1: 300، الشرح الكبير 1: 272 - 273، بدائع الصنائع 1: 47.

[ 155 ]

ولقول الصادق عليه السلام في الجنب يكون معه الماء القليل فإن هو اغتسل به خاف العطش أيغتسل به أو يتيمم؟ قال: " بل يتيمم " (1). وكذا إذا أراد الوضوء. فروع: أ - لا فرق بين أن يخاف العطش في الحال أو فيما بعد لوجود المقتضي، ولو كان يرجو وجوده في غده ولا يتحققه فالوجه: جواز التيمم، لأن الأصل عدمه، وقد لا يجده فحاجته مقدمة على العبادة. ب - لو خاف على رفيقه أو دابته فهو كما لو خاف على نفسه، لأن حرمة المسلم آكد من حرمة الصلاة، والخوف على الدابة كالخوف على المال من اللص. ج - لو وجد عطشانا يخاف تلفه وجب بذل الماء له مع استغنائه عن شربه، ويتيمم حراسة للنفس. وقال بعض الجمهور: لا يجب لأنه محتاج إليه (2) وحفظ النفس أولى من الصلاة، ولهذا أمر واجد الغريق بقطعها وإنقاذه وإن فاتت. د - لو كان مع خائف العطش ماءان، أحدهما نجس، حبس الطاهر لشربه، وأراق النجس إن استغنى عن شربه، وتيمم وصلى، لأنه قادر على الطاهر فلم يجز له شرب النجس، ولو احتاج إلى أكثر احتفظ بالنجس أيضا. ولو وجدهما وهو عطشان شرب الطاهر وأراق النجس إن استغنى به، وإلا استبقاه سواء كان في الوقت أو قبله.

(1) التهذيب 1: 406 / 1275.
(2) المغني 1: 301، الشرح الكبير 1: 273.

[ 156 ]

وقال بعض الشافعية: إن كان في الوقت شرب النجس لأن الطاهر مستحق للطهارة فأشبه المعدوم (1). وليس بجيد، لأن شرب النجس حرام، وإنما يصير الطاهر مستحقا للطهارة لو استغنى عنه. ه‍ - لو تمكن من استعماله، وجمع المتساقط من وضوئه، أو غسله، وكفاه وجب عليه ذلك، وبعض الشافعية لم يوجبه لاستقذاره (2). وهو ممنوع. و - لا يجوز له حفظ الماء لبقاء مرتد، أو حربي، أو كلب عقور، أو خنزير لعدم احترامهم، ويجب لبقاء المسلم، والذمي، والمعاهد، والحيوان المحترم. ز - لو كان معه ما يفضل عن شربه إلا أنه يحتاج إلى بيع الفاضل لنفقة ثمنه في الطريق تيمم لأن ما استغرقته حاجة الانسان يجعل كالمعدوم شرعا. ح - يكفي في وجوب البذل إخبار الآدمي بعطشه، ويجوز بعوض، وغيره. ط - لو مات صاحب الماء ورفقاؤه عطشى، يمموه، وغرموا لوارثه القيمة يوم الاتلاف لئلا يضيع حق الورثة. وللشافعية وجهان: هذا أحدهما، والثاني: المثل لأنه مثلي (3)، وليس بجيد إذ لا قيمة للمثل هنا غالبا. مسألة 288: وخائف البرد يتيمم ويصلي إن لم يتمكن من إسخانه، وهو

(1) المجموع 2: 245 و 246، المغني 1: 301، الشرح الكبير 1: 274.
(2) المجموع 2: 245.
(3) المجموع 2: 277.

[ 157 ]

قول أكثر العلماء (1) لقوله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (2)، ولأن عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فتيمم، وصلى بأصحابه الصبح، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله ذلك لما سمع (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح، أو قروح، أو يخاف على نفسه من البرد: " ولا يغتسل ويتيمم " (4). وقال عطاء، والحسن: يغتسل وإن مات لم يجعل الله له عذرا، ونحوه قول ابن مسعود (5). فروع: أ - لو تمكن من إسخان الماء واستعماله وجب، ولو احتاج إلى الثمن وتمكن وجب. ب - لو تيمم وصلى لم يعد - وبه قال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة - لأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة (6). وقال أبو يوسف، ومحمد: يعيد لأنه نادر غير متصل فتجب الاعادة كنسيان الطهارة (7) وعن أحمد كالقولين (8) والفرق أنه في النسيان لم يأت بالمأمور به.

(1) المغني 1: 198، المجموع 2: 321.
(2) النساء: 29.
(3) سنن أبي داود 1: 92 / 334، سنن البيهقي 1: 225، مستدرك الحاكم 1: 177.
(4) التهذيب 1: 185 / 531.
(5) المغني 1: 298، الشرح الكبير 1: 271، بداية المجتهد 1: 66. (6) المدونة الكبرى 1: 44 - 45، المنتقي للباجي 1: 111، بدائع الصنائع 1: 95 و 60، المغني 1: 298، الشرح الكبير 1: 271.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 123، المغني 1: 298، الشرح الكبير 1: 271.
(8) المغني 1: 298، الشرح الكبير 1: 271.

[ 158 ]

وقال الشافعي: يعيد إن كان حاضرا لأن هذا العذر لا يمتد في دار الإقامة ولا يدوم فلا يؤثر في سقوط الاعادة، وإن كان مسافرا فقولان (1). ج - لو تعمد الجنابة، قال الشيخان: لم يجز له التيمم وإن خاف التلف، أو الزيادة في المرض (2). لقول الصادق عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة في ليلة باردة قال: " إغتسل على ما كان، فإنه لابد من الغسل " (3). وللشيخ قول في المبسوط بجواز التيمم (4)، وهو أجود دفعا للمشقة والجرح، لقول الصادق عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح، أو يخاف على نفسه من البرد، فقال: " لا يغتسل ويتيمم " (5) ويحمل الأول على المشقة التي لا يخاف معها التلف والشين. د - قال الشيخ في المبسوط: يصلي ويعيد (6) لقول الصادق عليه السلام في رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف إن اغتسل قال: " يتيمم فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة " (7). والوجه عندي عدم الاعادة، لأنه فعل المأمور به، والرواية عن جعفر ابن بشير عمن رواه، وهي مرسلة.

(1) المجموع 2: 303، المغني 1: 299، الشرح الكبير 1: 271.
(2) المقنعة: 8، النهاية: 46.
(3) التهذيب 1: 198 / 576، الاستبصار 1: 163 / 564.
(4) المبسوط للطوسي 1: 30.
(5) التهذيب 1: 185 / 531.
(6) المبسوط للطوسي 1: 30.
(7) الكافي 3: 67 / 3، الفقيه 1: 60 / 224، التهذيب 1: 196 / 567، الاستبصار 1: 161 / 559.

[ 159 ]

مسألة 289: المريض إذا خاف التلف باستعمال الماء وجب التيمم، بإجماع العلماء، وكذا إن خاف سقوط عضو، أو بطلان منفعة عضو لقوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * (1). ولو خاف زيادة المرض، أو بطئ البرء جاز التيمم عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أصح الوجهين (2) - لقوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى) * (3) وهو عام. ولقول الصادق عليه السلام: " ييمم المجدور، والكسير إذا أصابتهما الجنابة " (4). وقال الشافعي في الآخر: تجب الطهارة إلا مع خوف التلف - وبه قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن عطاء، والحسن البصري (5) - لقول ابن عباس في قوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * (6) إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قروح، أو جدري فيجنب، ويخاف أن يغتسل فيموت، يتيمم بالصعيد (7). وهو يدل من حيث المفهوم.

(1) المائدة: 6.
(2) المجموع 2: 285، مغني المحتاج 1: 92 - 93، شرح فتح القدير 1: 109، بدائع الصنائع 1: 48، المنتقى للباجي 1: 110، المغني 1: 295، الشرح الكبير 1: 272.
(3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 185 / 533.
(5) المغني 1: 295، الشرح الكبير 1: 272، المجموع 2: 286، شرح فتح القدير 1: 109، بدائع الصنائع 1: 48.
(6) المائدة: 6.
(7) سنن البيهقي 1: 324، سنن الدارقطني 1: 177 / 9.

[ 160 ]

فروع: أ - لو تمكن من استعمال الماء الحار وجب إسخانه ولا يتيمم، لأن عدم الماء شرط، وهو قول الفقهاء، وقال داود: تيمم (1) لظاهر الآية (2). ب - لو خاف الشين وجب التيمم - وبه قال أبو حنيفة (3) - لقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (4) خلافا للشافعي (5). ج - لا يستباح التيمم مع خوف المرض اليسير كوجع الرأس مع زواله، وكذا الضرس، وبه قال الشافعي (6)، وقال داود: يجوز التيمم (7) للآية (8)، والمراد التضرر. د - لو زال المرض في أثناء الصلاة لم يبطلها لأنه دخل مشروعا. ه‍ - لو لم يجد المريض من يناوله الماء مع حاجته تيمم، ولو ظن حصوله وخشي فوت الصلاة تيمم. و - يرجع المريض في معرفة التضرر إلى ظنه، أو إخبار ثقة عارف، والأقرب قبول [ قول ] (9) الصبي، والفاسق مع الظن، لأنه يجري مجرى العلامات، كما يقبل قول القصاب الفاسق: إنه مذكى، وللشافعية

(1) المغني 1: 295، الشرح الكبير 1: 272.
(2) المائدة: 6.
(3) شرح فتح القدير 1: 109، المجموع 2: 285 - 286.
(4) الحج: 78. (5) المجموع 2: 286، مغني المحتاج 1: 93.
(6) المجموع 2: 284، الوجيز 1: 20.
(7) المجموع 2: 285.
(8) المائدة: 6.
(9) الزيادة يقتضيها السياق.

[ 161 ]

وجهان (1)، وكذا العبد، والمرأة يقبل منهما، وأما الذمي فإن اتهمه في أمر الدين لم يقبل، وإن ظن صدقه قبل، وليس العدد شرطا، لأن طريقه طريق الخبر. السبب الثالث: تعذر الاستعمال مسألة 290: لو وجد الماء في بئر وشبهها، وقدر على التوصل إلى الماء إما بالنزول من غير ضرر، أو الاغتراف بدلو أو ثوب يبله، ثم يعصره إما بنفسه، أو بغيره وجب عليه ذلك لتمكنه من الاستعمال، وكذا لو كان في سفينة في البحر، وإن لم يمكنه إلا بمشقة، أو تغرير بالنفس فهو كالعادم. ولو تمكن وخاف فوت الوقت بعصر الثوب مثلا تيمم لتعذر استعمال الماء إذ القصد الطهارة لأداء الصلاة. وقال أحمد: يجب عليه الاشتغال بالتحصيل وإن خاف الفوت، لأن الاشتغال به كالاشتغال بالوضوء (2). وليس بمعتمد. مسألة 291: لو كان الماء قريبا منه وأمكنه تحصيله إلا أنه يفوت الوقت بتحصيله، قال بعض علمائنا: يسعى إليه، ولا يجوز له التيمم، وكذا لو كان عنده ويفوته الوقت باستعماله، لأنه واجد للماء فلا يباح له التيمم (3) لقوله تعالى: * (فلم تجدوا) * (4) وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لصلاة الجنازة والعيدين إذا خاف الفوت

(1) المجموع 2: 286.
(2) المغني 1: 273، الشرح الكبير 1: 275.
(3) قاله المحقق في المعتبر: 100.
(4) المائدة: 6.
(5) المجموع 2: 244، المبسوط للسرخسي 1: 118، الشرح الكبير 1: 275.

[ 162 ]

لأنهما لا يقضيان (1) والوجه عندي: وجوب التيمم لتعذر استعماله في هذه الصلاة، نعم لو تمكن من استعماله وإدراك ركعة من الصلاة لم يجز التيمم، ولو كان التفريط منه فالأقرب وجوب الصلاة بتيمم والاعادة، ويحتمل الاشتغال بالطهارة والقضاء. ولو خاف غير الواجد فوت الوقت بالطلب سقط، وتيمم، ولا إعادة. مسألة 292: لو انتهى المسافرون إلى بئر، وافتقروا إلى التناوب لضيق موقف النازح، أو لاتحاد الآلة، أو لغير ذلك، فمن توقع انتهاء النوبة إليه قبل خروج الوقت وجب عليه الصبر، ومن علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد الفوات، أو ظن ذلك وجب عليه التيمم ولا إعادة عليه لعدم تمكنه من الاستعمال. وقال الشافعي: يصبر، ويتوضأ بعد الوقت لقدرته على الوضوء (2). ولو كان لجماعة ثوب واحد يتناوبونه وبينهم ترتيب إما من المالك، أو بالقرعة وعلم بعضهم أن النوبة لا تصل إليه في الوقت صلى عاريا. وقال الشافعي: يجب الصبر وإن فات الوقت (3). وليس بجيد، إذ لو وجب على من تعذر عليه بعض فروض الصلاة في وقته وقدر عليه بعده الصبر، لم يبح للعادم التيمم لوصوله إلى الماء بعد الفوات. ولو كان قوم في سفينة، ولا يتمكن من القيام فيها أكثر من واحد،

(1) المبسوط للسرخسي 1: 118 - 119، اللباب 1: 34، بدائع الصنائع 1: 55، المجموع 2: 244.
(2) المجموع 2: 246، الوجيز 1: 19.
(3) المجموع 2: 246، الوجيز 1: 19.

[ 163 ]

وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه في الوقت صلى قاعدا - وبه قال الشافعي (1) - لأن حكم الستر آكد من حكم القيام. مسألة 293: لو لم يجد الماء إلا بالثمن وجب عليه شراؤه بشرطين: وجود الثمن، والاستغناء عنه، ولا خلاف في اشتراطهما، فلو تعذر الثمن سقط الشراء وتيمم إجماعا، ولا يختص بالدراهم والدنانير، بل الأموال كلها سواء، كما في ثمن الرقبة. وكذا لو احتاج إلى الثمن لقوته، أو لامر ضروري يتضرر بدفعه إما في الحال، أو فيما بعد لم يجب عليه الشراء، لأنا سوغنا ترك استعمال عين الماء لحاجته في الشرب فترك بدله أولى، وكذا لو وجد بعض الماء وجب شراء الباقي. فروع: أ - اختلف علماؤنا في اشتراط عدم الزيادة على ثمن المثل، فالمشهور: العدم، فيجب الشراء بأي ثمن كان ما لم يجحف به - وبه قال مالك (2) - لأنه متمكن لانتفاء الضرر. ولأن صفوان سأل أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج إلى وضوء الصلاة وهو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم، أو بألف درهم، وهو واجد لها، يشتري به ويتوضأ، أو يتيمم؟ قال: " بل يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت، وما يشترى (3) بذلك مال كثير " (4).

(1) المجموع 2: 246، الوجيز 1: 19، مغني المحتاج 1: 89. (2) بلغة السالك 1: 71، المدونة الكبرى 1: 46.
(3) في نسخ الكافي والتهذيب اختلاف شديد في هذه اللفظة، ففي بعض النسخ الكافي: يسوؤني، وفي بعضها كما في نسخة " م ": يسرني، وفي بعضها: يشترى، كما في المتن، وكذا في التهذيب، وفي الفقيه: يسوؤني. ومعنى " ما يشترى - مبنيا للمفعول - بذلك مال كثير " كما في الوافي 1: 85 (باب أحكام التيمم): أن الماء المشترى للوضوء بتلك الدراهم مال كثير لما يترتب عليه من الثواب العظيم.
(4) الكافي 3: 74 / 17، الفقيه 1: 23 / 71، التهذيب 1: 406 / 1276.

[ 164 ]

وقال أصحاب الرأي: إن كانت الزيادة يتغابن الناس بمثلها وجب شراؤه كالوكيل بالشراء له أن يشتري بزيادة يسيرة (1). وقال ابن الجنيد منا (2)، والشافعي: لا يجب الشراء وإن زاد يسيرا، لأنه يجوز له التيمم لحفظ المال فلا يناسب وجوب الشراء بأكثر من ثمن المثل لأنه تضييع له (3). والقليل والكثير واحد، ولهذا يكفر مستحله، ويفسق غاصبه، ويجوز الدفع عنه. ونمنع التساوي بين الأصل والفرع لتفويت الثواب الكثير في الفرع والعوض المساوي في الأصل. ب - إن اعتبرنا ثمن المثل، احتمل التقويم في ذلك الوقت والمكان لاختلاف القيمة باختلافهما، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر: اعتبار أجرة الاستقاء والنقل إلي ذلك المكان إذ لا ثمن للماء (4). ج - لو بذل له بثمن غير مجحف إلى أجل وكان قادرا عليه وجب الشراء لتمكنه، وبه قال الشافعي (5). وقال بعض الجمهور: لا يجب لأن عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته وربما تلف ماله قبل أدائه (6). ونمنع التضرر، ولو لم يكن قادرا لم يجب الشراء قطعا.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 115، بدائع الصنائع 1: 48، المجموع 2: 255.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 101.
(3) المجموع 2: 254، الوجيز 1: 19، مغني المحتاج 1: 90، المغني 1: 273، الشرح الكبير 1: 276. (4) المجموع 2: 254، الوجيز 1: 19، مغني المحتاج 1: 90.
(5) الأم 1: 46، المجموع 2: 253.
(6) المغني 1: 274، الشرح الكبير 1: 277.

[ 165 ]

د - لو امتنع صاحبه من بذله مطلقا لم تجز مكابرته عليه لانتفاء الضرورة فإن بدله يقوم مقامه بخلاف الطعام في المجاعة. ه‍ - لو كان عادما للثمن وبذل له بيعه في ذمته لم يلزمه شراؤه لما فيه من الضرر باشتغال الذمة. و - لو بذل له الماء بغير عوض لزمه القبول لأنه لا منة له في ذلك، ولو وهب له الثمن لم يجب القبول لما فيه من المنة - وبه قال الشافعي (1) - خلافا للشيخ (2). ز - لو عرف أن مع قوم ماء فعليه أن يطلبه منهم، لأنهم إذا بذلوه وجب قبوله، وقد يبذلوه عند طلبه فيجب، وهو أظهر وجهي الشافعية، والآخر: لا يجب (3). ح - لو امتنع من قبول الهبة لم تصح صلاته ما دام الماء والبذل، لتمكنه من الوضوء، وهو أحد وجهي الشافعية (4). ط - لو عدم الثمن، وتمكن من تحصيله بالكسب، فالوجه: وجوبه لتمكنه من الماء، خلافا للشافعي (5). ي - لو افتقر إلى الآلة وتمكن من شرائها وجب وإن زاد على ثمن المثل - خلافا للشافعي (6) - ولو وهبت منه لم يجب القبول، بخلاف الماء، وكذا لو وهب ثمنها، ولو أعاره المالك وجب القبول، لانتفاء المنة لقضاء العادة

(1) المجموع 2: 253، الوجيز 1: 19، مغني المحتاج 1: 91.
(2) المبسوط للطوسي 1: 31.
(3) المجموع 2: 251، فتح العزيز 1: 198.
(4) انظر المجموع 2: 256.
(5) فتح العزيز 2: 232.
(6) المجموع 2: 256.

[ 166 ]

بالاستعارة، ولو افتقر إلى دلو، وحبل فوجد أحدهما لم يجب شراؤه، ولا استعارته إلا أن يظن تحصيل الآخر. يا - لا فرق بين راكب البر والبحر، في جواز التيمم عند تعذر الآلة. يب - لو تمكن من استيجار الآلة بعوض موجود، أو في الذمة وله قدرة وجب. يج - لو تمكن من إنزال ثوب واستخراج الماء بعصره وجب وإن نقصت قيمته نقصانا قليلا أو كثيرا ما لم يتضرر به في الحال أو فيما بعد، خلافا للشافعي فيما لو زاد النقص عن ثمن الدلو والحبل (1)، وكذا لو كانت العمامة تصل لو شقها بنصفين. مسألة 294: لو أراق الماء قبل الوقت، أو نجسه لغرض أو لغيره، تيمم وصلى ولا إعادة عليه - وبه قال الشافعي، وأحمد (2) - لأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت فكقولنا وإلا تيمم وأعاد، لأنه مفرط (3). ولو فعل ذلك بعد الوقت لغرض فكذلك، وإن كان لغير غرض وجب أن يتيمم ويصلي لأنه فاقد، وهل يعيد؟ الوجه: المنع لأنه غير واجد، فصار كما لو قتل العبد، أو أعتقه فإنه يجزيه الصوم. ويحتمل الاعادة لأنه مفرط بإراقة الماء، وتمكن من الصلاة بالوضوء، وللشافعي وجهان (4)، فحينئذ يعيد واحدة لا ما بعدها، كما لو أراق قبل

(1) المجموع 2: 247، كفاية الأخيار 1: 34.
(2) المجموع 2: 307، مغني المحتاج 1: 91، المغني 1: 274، الشرح الكبير 1: 283، كشاف القناع 1: 168.
(3) المغني 1: 274، الشرح الكبير 1: 283.
(4) المجموع 2: 307، المغني 1: 274.

[ 167 ]

الوقت، ويحتمل قضاء كل صلاة يؤديها بوضوء واحد في عادته. ولا تصح الاعادة في الوقت لأنه لو صح القضاء فيه لصح الأداء، بل يؤخر إلى أن يجد الماء، أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته بالتيمم، وكلاهما للشافعي، وآخر: قضاء كل ما صلى بتيممه (1). فروع: أ - لو مر بنهر في الوقت ولم يتوضأ، وبعد عنه، وتيمم وصلى، فالأقرب: عدم القضاء، وهو أقرب وجهي الشافعية (2) لأنه لم يضيع شيئا وإنما امتنع من التحصيل، والتقصير في التضييع أشد، ومنهم من طرد الوجهين (3). ب - لو كان هناك من يحتاج إلى الماء فوهبه المالك منه، فإن كان للشرب صح وتيمم، وإن كان للطهارة لم يصح في الوقت، لأنه تعلق به حق العبادة، وحاجته أهم من حاجة غيره، وقبله يجوز. ج - لو سلم ما منع من هبته لم يجز، ولم يزل ملكه عنه، ولا تصح صلاة الواهب بالتيمم ما دام الماء في يد الموهوب له، وإذا استعمله كان حكمه حكم ما لو أراق الماء عمدا. والأقرب: صحة صلاة المتهب به. مسألة 295: لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته من الجنابة تيمم، وهو قول أكثر العلماء (4)، لأنه غير واجد للماء. ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل يجنب ومعه من الماء

(1) المجموع 2: 309.
(2) المجموع 2: 307، كفاية الأخيار 1: 40.
(3) المجموع 2: 307.
(4) المجموع 2: 268، المغني 1: 270، بدائع الصنائع 1: 50.

[ 168 ]

ما يكفيه لوضوئه للصلاة، أيتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال: " يتيمم ألا ترى أنه جعل عليه نصف الطهور " (1). وقال الحسن البصري: إذا كان معه من الماء ما يغسل به وجهه ويديه غسلهما ولا يتيمم، وبه قال عطاء، وزاد عليه فقال: لو وجد من الماء ما يغسل به وجهه غسله ومسح كفيه بالتراب لأن الماء هو الأصل وهو أولى من التراب، فإذا أجزأه التراب في الوجه واليدين فالماء أولى (2). وهو غلط لأن التيمم طهارة كاملة، ولهذا لا يلزمه مسح سواهما بالتراب مع قدرته عليه، بخلاف غسل الوجه واليدين فإنه بعضها فلا ينوب مناب جميعها. فروع: أ - قال أصحابنا: لا يجب استعمال الماء - وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وداود، والمزني، وأحمد، والشافعي في أحد القولين (3) - لأن هذا الماء لا يطهره فلا يلزمه استعماله كالنجس، وللخبر عن الصادق عليه السلام (4). والآخر: يجب - وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، وأحمد (5) - لأنه قدر على البعض فيجب، إذ الأمر بالجميع يستلزم البعض كالسترة وإزالة النجاسة، ولأنه تعالى شرط عدم ما يسمى ماء (6)،

(1) التهذيب 1: 404 / 1266.
(2) حلية العلماء 1: 197.
(3) المجموع 2: 268، فتح العزيز 2: 223، المبسوط للسرخسي 1: 113، أحكام القرآن للجصاص 2: 374، بدائع الصنائع 1: 50، تفسير القرطبي 5: 230، المنتقى للباجي 1: 115، المغني 1: 270، الشرح الكبير 1: 281.
(4) التهذيب 1: 404 / 1266.
(5) المغني 1: 270، المجموع 2: 268. (6) المائدة: 6.

[ 169 ]

والقليل يسمى به، وليس هذا القول عندي بعيدا من الصواب لامكان حصول ما يكمل الطهارة، مع أن الموالاة غير واجبة. ب - المحدث إذا وجد من الماء ما يكفيه لبعض الأعضاء لم يجب استعماله فيه عندنا قطعا - وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وداود، والمزني وأحمد (1) - بل يجب التيمم لانتفاء الغرض وهو الطهارة باستعماله، وقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * (2) يريد المطهر. وقال عطاء، والحسن بن صالح: يجب استعمال الماء والتيمم معا (3)، وللشافعي قولان، أصحهما: الثاني (4)، لما تقدم في الجنب. والموجبون في البابين، أوجبوا تقديم الماء ليصير فاقدا، وراعوا الترتيب في الوضوء إلى أن ينفد، وفي الغسل يغسل ما شاء من بدنه لعدم الترتيب عندهم فيه. ج - لو وجدت الحائض من الماء ما يكفي الوضوء خاصة وجب استعماله فيه، والتيمم للغسل لتعددهما، وتتخير في التقديم لاستقلالهما. د - لو وجد ما يصلح لبعض الأعضاء، وفقد التراب فحكمه حكم فاقد المطهر، وللشافعي قولان، أحدهما: وجوب استعماله إذ لا بدل للغسل يعدل إليه (5).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 113، المنتقى للباجي 1: 110، المغني 1: 271، الشرح الكبير 1: 281.
(2) المائدة: 6.
(3) المجموع 1: 268، المغني 1: 270.
(4) فتح العزيز 2: 223 - 224، كفاية الأخيار 1: 39، مغني المحتاج 1: 89، المغني 1: 270.
(5) الأم 1: 49، المجموع 2: 268، مغني المحتاج 1: 89، المغني 1: 270، الشرح الكبير 1: 281.

[ 170 ]

ه‍ - لو تيمم الفاقد، ثم وجد من الماء ما لا يكفيه لم ينتقض تيممه مطلقا عند أصحابنا، وفي الوضوء عندنا، وأما في الغسل، فيحتمل ذلك إن لم نوجب استعمال القاصر، وإلا انتقض فيستعمله، ثم يتيمم، والوجهان للشافعي مطلقا (1). و - لو تيمم من الجنابة وصلى فريضة واحدة ثم أحدث لم يجز له أن يصلي فريضة ولا نافلة لوجود الحدث، فإن وجد من الماء ما يكفيه لوضوئه خاصة احتمل وجوب استعماله في غسل الرأس، وتيمم لما يستقبل من الصلوات. وبعض الشافعية قال: إن توضأ به ارتفع حدثه، وصلى به النافلة خاصة، لأن التيمم الذي ناب عن غسل الجنابة أباح له فريضة واحدة وما شاء من النوافل، فإذا توضأ ارتفع تحريم النوافل ولم يستبح فريضة لأنه وضوء لا ينوب عن الجنابة (2)، وهو نادر لأنه وضوء يبيح النافلة دون الفريضة. ز - لو تضرر بعض أعضائه بالماء لمرض تيمم ولم يغسل الصحيح، وقال في الخلاف، والمبسوط: لو غسله وتيمم كان أحوط (3)، وكذا لو كان بعض أعضائه نجسا ولا يقدر على طهارته بالماء تيمم وصلى، ولا إعادة في شئ من ذلك لأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة. ح - لو وجد من التراب ما يكفيه لوجهه خاصة كان كفاقد المطهر، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: يجب استعماله فيه لأن التراب ليس له بدل، فصار كما لو قدر على ستر بعض العورة (4).

(1) المجموع 2: 270.
(2) المجموع 2: 271.
(3) الخلاف 1: 154 مسألة 105، المبسوط للطوسي 1: 35.
(4) المجموع 2: 270.

[ 171 ]

ط - لو قصر الماء عن إزالة النجاسة عن بدنه والوضوء، وكفى أحدهما، صرف في إزالة النجاسة إجماعا، إذ لا بدل لها، وتيمم، وكذا الغسل، وكذا لو كانت النجاسة على الثوب وليس غيره. وعن أحمد: لا يغسل الثوب لأن رفع الحدث آكد (1) وهو باطل لوجود البدل هنا، بخلاف نجاسة الثوب. ي - لو صرف الماء في الوضوء، وعليه أو على ثوبه نجاسة، ففي الاجزاء إشكال، أقربه: ذلك إن جوز وجود المزيل في الوقت وإلا فلا.

(1) المغني 1: 309، الشرح الكبير 1: 286.

[ 173 ]

الفصل الثاني: فيما يتيمم به. مسألة 296: لا يجوز التيمم إلا بما يقع عليه اسم الأرض بالاطلاق، سواء كان ترابا، أو حجرا، أو حصا عند أكثر علمائنا (1). وجوز مالك، وأبو حنيفة التيمم بالحجر وإن لم يكن عليه غبار (2) كما ذهبنا إليه، لقوله عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) (3). ولقول الباقر عليه السلام في التيمم: " تضرب بكفيك على الأرض " (4). ولأنه أرض اكتسب حرارة فتحجر، والتغاير في الأوصاف لا تخرج الماهية عن حقيقتها. ومنع الشافعي، وأحمد، وداود، وأبو يوسف من التيمم

(1) منهم السيد المرتضى وابن الجنيد كما في المعتبر: 102، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 31، إدريس في السرائر: 26.
(2) بلغة السالك 1: 74، المبسوط للسرخسي 1: 109، شرح فتح القدير 1: 113، بدائع الصنائع 1: 53، المجموع 2: 213، المغني 1: 281، الميزان 1: 122.
(3) الفقيه 1: 155 / 724 وانظر سنن النسائي 1: 210، مسند أحمد 5: 148، سنن ابن ماجة 1: 188 / 567.
(4) التهذيب 1: 212 / 615، الاستبصار 1: 171 / 595.

[ 174 ]

بالحجر (1) لقوله تعالى: * (صعيدا طيبا) * (2) قال ابن عباس: الصعيد: التراب (3). وقال عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) (4) ولولا اختصاص التراب لقال: وطهورا. والصعيد: وجه الأرض نقله الخليل (5)، وثعلب عن ابن الأعرابي لقوله تعالى: * (فتصبح صعيدا زلقا) * (6) أي أرضا ملساء مزلقة (7)، ونمنع الاختصاص، وروي الحذف. مسألة 297: ولا يجوز التيمم بما خرج بالاستحالة عن اسم الأرض كالزرنيخ، والكحل، وسائر المعادن عند أكثر علمائنا (8) لقوله تعالى: * (صعيدا) * (9) وهو إما التراب، أو الأرض، ولقوله عليه السلام: (عليكم بالأرض) (10). ومن طريق الخاصة: قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الوضوء باللبن: " لا إنما هو الماء والصعيد " (11).

(1) المجموع 2: 212، المغني 1: 281، الشرح الكبير 1: 287، بدائع الصنائع 1: 53، الميزان 1: 122.
(2) المائدة: 6.
(3) التفسير الكبير 11: 172، تنوير المقباس: 71.
(4) سنن البيهقي 1: 213، سنن الدار قطني 1: 175 - 176 / 1، دعائم الاسلام 1: 120 - 121.
(5) العين للخليل 1: 290.
(6) الكهف: 40.
(7) لسان العرب 3: 254، تاج العروس 2: 398 " صعد "، تفسير القرطبي 5: 236. (8) منهم المفيد في المقنعة: 8، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 32، وأبو الصلاح في الكافي: 136، والسيد المرتضى والمحقق كما في المعتبر: 102.
(9) النساء: 43.
(10) سنن البيهقي 1: 217.
(11) التهذيب 1: 188 / 540، الاستبصار 1: 155 / 534.

[ 175 ]

وقال ابن أبي عقيل منا: يجوز التيمم بما كان من جنس الأرض كالكحل والزرنيخ (1) - وبه قال أبو حنيفة، ومالك (2) - لقوله عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) (3) ونقول بالموجب، والمتنازع ليس أرضا. وقال مالك: يجوز التيمم بما يكون متصلا بالأرض كالشجر، والزرع (4). وليس بجيد، لأن الطهارة عبادة شرعية فتتوقف على مورد النص. مسألة 298: وكل ما يطلق عليه اسم التراب، يصح التيمم به سواء الأعفر - وهو الذي لا يخلص بياضه - والأسود، والأصفر، والأحمر، ومنه الارمني الذي يتداوى به، والأبيض الذي يؤكل سفها، والمدر وهو الذي ينبت، والسبخ وهو الذي لا ينبت، على كراهية، والبطحاء وهو التراب اللين في مسيل الماء بإجماع العلماء لصدق المسمى عليه. وحكي عن بعضهم: المنع من التيمم بالسبخ (5) - وبه قال ابن الجنيد (6) - لقوله تعالى: * (صعيدا طيبا) * (7) وليس بجيد لأن المدينة مالحة وتيمم النبي صلى الله عليه وآله منها، والمراد بالطيب الطاهر كالماء.

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 102.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 108 - 109، بدائع الصنائع 1: 53، بلغة السالك 1: 74، بداية المجتهد 1: 71، أقرب المسالك: 10.
(3) الفقيه 1: 155 / 724 وانظر سنن النسائي 1: 210، منسد أحمد 5: 148، سنن ابن ماجة 1: 188 / 567.
(4) حلية العلماء 1: 183، كفاية الأخيار 1: 35.
(5) حكاه النووي في المجموع 2: 218 عن إسحاق بن راهويه.
(6) حكاه المحقق في المعتبر: 103. (7) النساء: 43.

[ 176 ]

وأما الرمل فيجوز التيمم به على كراهة عندنا - وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي في أحد القولين - لصدق اسم الأرض عليه (1). ولما رواه أبو هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل، فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس، فلا نجد الماء أربعة أشهر، وخمسة أشهر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (عليكم بالأرض) (2). وفي الآخر: لا يجوز لعدم صدق التراب عليه (3) وهو ممنوع. فروع: أ - قال الشيخان: يجوز التيمم بأرض الجص، والنورة (4). وقال المرتضى: يجوز التيمم بالجص، والنورة (5). ولا بأس به لصدق اسم الأرض عليه، ولا يخرج باللون والخاصية عن اسم الأرض كما لا يخرج باللون. ولقول علي عليه السلام وقد سئل عن التيمم بالجص: " نعم " فقيل: بالنورة، فقال: " نعم " (6)، وهو أحد قولي الشافعي (7). ب - الحجر الصلد كالرخام إذا لم يكن عليه غبار، يجوز التيمم به

(1) المجموع 2: 213 و 215، الميزان 1: 122، اللباب 1: 31، بدائع الصنائع 1: 53، المغني 1: 281، نيل الأوطار 1: 328، المهذب للشيرازي 1: 39.
(2) سنن البيهقي 1: 217، كنز العمال 9: 595 / 27572.
(3) المجموع 2: 215، كفاية الأخيار 1: 34، المهذب للشيرازي 1: 39.
(4) المقنعة: 8، المبسوط للطوسي 1: 32.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 103.
(6) التهذيب 1: 187 / 539.
(7) المجموع 2: 213، كفاية الأخيار 1: 34.

[ 177 ]

عندنا - وبه قال الشيخ، والمرتضى (1) - لقوله تعالى: * (صعيدا) * (2) وقال المفيد: يجوز مع عدم التراب (3) ومنع الشافعي مطلقا (4). ج - منع ابن الجنيد من التيمم بالخزف (5) - وبه قال الشافعي (6) - لأنه خرج بالطبخ عن اسم الأرض، وهو ممنوع، ولهذا جاز السجود عليه، ولو دق حتى صار ترابا فكذلك. د - لو احترق التراب حتى صار رمادا، فإن خرج عن اسم الأرض لم يصح التيمم به، ولو احترق الشجر حتى صار رمادا لم يتيمم به. مسألة 299: ويشترط في التراب أمران: الطهارة، والملك، فلا يجوز التيمم بالتراب النجس، ولا المغصوب، ذهب إليه علماؤنا أجمع، وهو قول الجمهور (7) لقوله تعالى: * (طيبا) * (8) وهو الطاهر. ولا فرق بين أن تغير النجاسة رائحة التراب أو لا. وقال داود: إن غيرت رائحته لم يجز التيمم به وإلا جاز (9) اعتبارا بالماء، وهو خطأ لأن الجامد لا يعتبر فيه التغير كالثوب يصيبه الماء النجس، ولأن في الماء قوة بخلاف التراب.

(1) المبسوط للطوسي 1: 32، وحكى قول السيد المرتضى المحقق في المعتبر: 103.
(2) النساء: 43. (3) المقنعة: 8.
(4) المجموع 2: 213، المهذب للشيرازي 1: 39.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 103.
(6) المجموع 2: 316، كفاية الأخيار 1: 35، الوجيز 1: 21.
(7) المجموع 2: 216، كفاية الأخيار 1: 34، الوجيز 1: 21، المغني 1: 293، الشرح الكبير 1: 289، المبسوط للسرخسي 1: 119، شرح فتح القدير 1: 120، اللباب 1: 32، بلغة السالك 1: 73.
(8) النساء: 43.
(9) حلية العلماء 1: 183.

[ 178 ]

فروع: أ - الممتزج بالنجس كالنجس لامكان كون الواصل نجسا، سواء كان المزج بالنجس أو بالنجاسة، وسواء قلت النجاسة أو كثرت. ب - لو أصاب الأرض بول، أو ماء نجس، ثم جرى الماء الكثير عليها، أو المطر طهرت، وإن جفت بالشمس فكذلك، وجاز التيمم منها، وللشافعي قولان (1). ولو جفت بغيرها لم تطهر ولم يجز التيمم منها، وللشافعي قولان (2). ج - يجوز التيمم بتراب القبر ما لم يعلم حصول نجاسة فيه، سواء تكرر نبشه أو لا لأنه طاهر. وقال الشافعي: لا يجوز إذا تكرر نبشه لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم، وإن لم يتكرر جاز لعدم المزج، وإن جهل فوجهان لأصالة الطهارة، وظهور النبش (3). د - لو امتزج بالطاهر كالدقيق، والأشنان، قال الشيخ: لم يجز التيمم به إلا أن يستهلكه التراب (4)، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر: المنع مطلقا لجواز أن يصل المخالط إلى العضو فيمنع وصول التراب إليه (5). والأولى عندي اعتبار الاسم. ه‍ - لو لم يجد التراب إلا بالثمن وجب الشراء وإن كثر كالماء.

(1) المجموع 2: 217. (2) المجموع 2: 217.
(3) المجموع 2: 216.
(4) المبسوط للطوسي 1: 32.
(5) الأم 1: 50، المجموع 2: 217، كفاية الأخيار 1: 35، المهذب للشيرازي 1: 40.

[ 179 ]

مسألة 300: يجوز التيمم بالتراب المستعمل عند علمائنا أجمع - وبه قال أصحاب أبي حنيفة (1) - لبقاء اسم الصعيد الطيب عليه، ولأن الماء المستعمل عندنا طاهر يرفع به الحدث وإن رفع الحدث به أولا فالتراب الذي لا يرفع حدثا أولى. وللشافعي قولان، أصحهما: المنع كالماء المستعمل لاشتراكهما في أداء فرض الصلاة بهما، والجواز لأنه لم يرفع حدثا فلم يتأثر بالاستعمال (2). إذا عرفت هذا فنقول: ليس المستعمل الموضع الذي تضرب اليد عليه إجماعا لأنه بمنزلة الاناء الذي يغترف منه، فيجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد بأن يضرب واحد يده بعد آخر. وأما التراب الملتصق بأعضاء التيمم فإنه مستعمل إجماعا، وأما المتساقط من الأعضاء فوجهان، أصحهما عنده: أنه مستعمل كالمتقاطر من الماء (3). مسألة 301: ويستحب التيمم من ربى الأرض، ويكره من المهابط عند علمائنا أجمع - ولم يفرق الجمهور (4) - لبعد العوالي عن النجاسات وزوالها بالسيول لو حصلت، ولقول أمير المؤمنين عليه السلام: " لا وضوء من موطأ " (5). مسألة 302: إذا فقد الصعيد فله أحوال:

(1) المبسوط للسرخسي 1: 121، اللباب 1: 32.
(2) المجموع 2: 218، كفاية الأخيار 1: 35، فتح الوهاب 1: 23.
(3) المجموع 2: 218، كفاية الأخيار 1: 34.
(4) المجموع 2: 218، كفاية الأخيار 1: 35، المغني 1: 281، شرح فتح القدير 1: 112، بداية المجتهد 1: 71.
(5) الكافي 3: 62 / 5، التهذيب 1: 187 / 537.

[ 180 ]

الأول: أن يجد ثوبا، أو لبد سرج، أو عرف دابة، أو غير ذلك فإنه يتيمم بغبار ذلك عند علمائنا - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومالك (1) - لأن الغبار من الصعيد وقد استعمله فأجزاه. ولقول الباقر عليه السلام وقد سئل كيف أصنع وعلي وضوء ولا أقدر على النزول؟: " تيمم من لبده أو سرجه، أو عرف دابته فإن فيهما غبارا " (2) وقول الصادق عليه السلام: " لينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره، أو شئ مغبر " (3). ومنعه أبو يوسف لأنه ليس بأرض (4)، وهو ممنوع. والظاهر من كلام الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة الجواز مع وجود التراب (5)، وعلماؤنا جعلوه مرتبة بعده. الثاني: أن يجد الوحل ويفقد الغبار فإنه يتيمم به عند علمائنا - وبه قال ابن عباس (6) - لأنه لا يخرج بممازجة الماء عن حقيقة الأرض. ولما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام قلت: رجل في الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين ما يصنع؟ قال: " يتيمم به فإنه الصعيد " (7). وقال الصادق عليه السلام: " إن كنت في حال لا تجد إلا الطين فلا

(1) المجموع 2: 219، بدائع الصنائع 1: 54، بداية المجتهد 1: 71، المغني 1: 283، الشرح الكبير 1: 288.
(2) التهذيب 1: 189 / 544، الاستبصار 1: 157 / 541.
(3) التهذيب 1: 189 - 190 / 546، الاستبصار 1: 156 / 539.
(4) شرح فتح القدير 1: 113، بدائع الصنائع 1: 54، المجموع 2: 219.
(5) المجموع 2: 219، المغني 1: 283، المبسوط للسرخسي 1: 109، شرح فتح القدير 1: 113، بدائع الصنائع 1: 54.
(6) المغني 1: 284، تفسير القرطبي 5: 238، الشرح الكبير 1: 290.
(7) التهذيب 1: 190 / 547، الاستبصار 1: 156 / 540.

[ 181 ]

بأس أن تتيمم منه " (1). ولأنه مركب من العنصرين المطهرين فيبقى لوازمهما بعد التركيب لبقاء حقيقتهما. وقال الشافعي: لا يتيمم ويكون كفاقد المطهر لأنه لا يسمى صعيدا (2)، وهو ممنوع. فروع: أ - في كيفية التيمم بالوحل قولان، قال الشيخ: يضع يديه على الوحل ثم يفركهما ويتيمم به (3). وقال آخرون: يضعهما على الوحل ويصبر حتى يجف ويتيمم به (4)، وهو مروي عن ابن عباس (5)، وهو وجه عندي إن لم يخف فوت الوقت، فإن خاف عمل بقول الشيخ. ب - لا يجوز التيمم بالوحل مع القدرة على الغبار، ولا بالغبار مع القدرة على التراب والحجر. ج - ليس من شرط التراب اليبوسة، ولو كان نديا لا يعلق باليد منه غبار جاز التيمم به عند علمائنا - وبه قال مالك، وأبو حنيفة (6) - لقوله عليه

(1) التهذيب 1: 189 - 190 / 546، الاستبصار 1: 156 / 539. (2) الأم 1: 51، المهذب للشيرازي 1: 40.
(3) النهاية: 49، المبسوط للطوسي 1: 32.
(4) منهم: المفيد في المقنعة: 8، وابن البراج في المهذب 1: 31 - 32.
(5) المغني 1: 284، تفسير القرطبي 5: 238.
(6) المغني 1: 283، المجموع 2: 216، اللباب 1: 31 - 32.

[ 182 ]

السلام: (إنما يكفيك أن تصنع هكذا) وضرب بيده الأرض ثم نفخها (1). ولقول الصادق عليه السلام: " إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه، فإن ذلك توسيع من الله عز وجل " (2). وعند الشافعي لا يجوز لقوله تعالى: * (منه) * (3) وهي للتبعيض فيجب المسح بجزء منه، والمسح منه لا يوجب المسح به. إذا ثبت هذا فإنه يجوز التيمم به اختيارا، ومنع الشافعي اضطرارا أيضا وجعل حكمه حكم الفاقد (4). د - لو لم يجد إلا الثلج، قال المرتضى: تيمم بنداوته (5). وأوجب الشيخان الوضوء به مسحا به كالدهن (6). والتحقيق: أنه إن سمي غسلا وجب الوضوء أو الغسل به قطعا وإلا فالأقوى الدهن به لأنه أشبه بالوضوء، وتجب الملاقاة والجريان، فتعذر الثاني لا يسقط الأول. ولو وجده مع التراب فإن قدر على الغسل وجب وإلا فالتراب لأنه بدل عن الغسل. ولقول الكاظم عليه السلام وقد سأله أخوه عن الرجل الجنب، أو على

(1) صحيح البخاري 1: 96، صحيح مسلم 1: 280 / 368، سنن أبي داود 1: 87 - 88 / 321، سنن النسائي 1: 170 - 171، سنن البيهقي 1: 209 و 214.
(2) التهذيب 1: 189 - 190 / 546، الاستبصار 1: 156 / 539.
(3) المائدة: 6.
(4) الأم 1: 51، المجموع 2: 216، المهذب لأبي إسحاق الشيرازي 1: 40.
(5) حكاه المحقق في المعتبر: 104. (6) المقنعة: 8، النهاية: 47.

[ 183 ]

غير وضوء ولا يكون معه ماء ويصيب ثلجا وصعيدا أيهما أفضل يتيمم أو يتمسح بالثلج؟ قال: " الثلج إذا بل رأسه وجسده، فإن لم يقدر أن يغتسل به تيمم " (1). إذا عرفت هذا فالدهن إن صدق معه الغسل بأن يجري جزء من الماء على جزءين من البدن أجزأ في حال الاختيار وإلا فلا. لقول الباقر عليه السلام: " إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، إن المؤمن لا ينجسه شئ، إنما يكفيه مثل الدهن " (2). مسألة 303: اختلف علماؤنا في فاقد المطهرين، فقال بعضهم: يصلي ويعيد اختاره الشيخ في المبسوط (3) - وبه قال الليث بن سعد والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين، وأبو يوسف، ومحمد (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله بعث أسيد بن حضير وأناسا معه لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فذكروا له ذلك، فنزلت آية التيمم ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله فعلهم (5) فكان صحيحا، وإنما لم يأمرهم بالاعادة لأنها على التراخي، أو لأنهم عالمين بها، ولأن الصلاة لا تسقط بتعذر شرط من شرائطها كالسترة وإزالة النجاسة.

(1) التهذيب 1: 192 / 554، الاستبصار 1: 158 - 159 / 547.
(2) الكافي 3: 21 / 2، الفقيه 1: 25 / 78، التهذيب 1: 138 / 387، علل الشرائع 1: 279 باب 189 حديث 1.
(3) المبسوط للطوسي 1: 31.
(4) المجموع 2: 278 و 280، المبسوط للسرخسي 1: 123، بدائع الصنائع 1: 50، رحمة الأمة 1: 25، حلية العلماء 1: 200.
(5) صحيح البخاري 1: 92، صحيح مسلم 1: 279 / 367، سنن البيهقي 1: 214.

[ 184 ]

وقال آخرون: لا يصلي ويقضي إذا قدر على الطهارة (1) - وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي (2) - لأن المحدث لا يجوز له الصلاة وإن تعذرت عليه الطهارة كالحائض. وقال آخرون: تسقط أداء، وقضاء (3) - وبه قال مالك، وداود (4) - وهو المعتمد. لنا: أن الأداء ساقط فكذا القضاء والملازمة للتبعية، وصدق المقدم لقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور) (5) ولأنها صلاة غير مأمور بها مع الحدث في وقتها فيسقط قضاؤه كالحائض. وللشافعي قول آخر باستحباب الأداء ووجوب القضاء (6)، وعن أحمد رواية بعكس هذا (7). فروع: أ - الممنوع من الركوع والسجود برباط في الموضع النجس يصلي بالايماء، ولا إعادة.

(1) منهم: المفيد في المقنعة: 8، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 31.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 123، المجموع 2: 280، رحمة الأمة 1: 25، المغني 1: 284، الشرح الكبير 1: 286. (3) منهم: المفيد في أحد قوليه كما في المعتبر: 104 و 105، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 49 والمعتبر: 104 و 105، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرايع: 47.
(4) المنتفى للباجي 1: 116، المجموع 2: 280، المغني 1: 284، الشرح الكبير 1: 287.
(5) دعائم الاسلام 1: 100، صحيح مسلم 1: 204 / 224، سنن الترمذي 1: 5 / 1، سنن أبي داود 1: 16 / 59، سنن النسائي 1: 87 - 88، وفي غير الأول نحوه.
(6) المجموع 2: 278.
(7) المغني 1: 284، الشرح الكبير 1: 286.

[ 185 ]

ب - لو جامع المسافر ومعه ما يغسل به الفرج غسله وتيمم ولا إعادة إجماعا، ولو فقده تيمم وصلى، وفي الاعادة قولان. ج - لو كان على بدنه نجاسة يعجز عن إزالتها تيمم وصلى ولا إعادة على رأي.

[ 187 ]

الفصل الثالث: في كيفيته مسألة 304: ويجب فيه النية بإجماع علماء الاسلام إلا الأوزاعي، والحسن بن صالح بن حي فإنهما قالا: يجوز بغير نية (1)، وهو خطأ لانعقاد الاجماع من دونهما وقد سبق، وكيفيتها القصد بالقلب إلى التيمم لاستباحة الصلاة، أو ما شرطه الطهارة لوجوبه أو ندبه قربة إلى الله، ويجب استدامتها حكما حتى يفرغ، والمقارنة فلا يجوز أن يتقدم على الضرب ويجوز أن يقارن ابتداء المسح، والضرب. ولا يجوز أن ينوي رفع الحدث لامتناعه به، فلو نواه احتمل الاجزاء لاستلزامه الاستباحة فيدخل تحت النية، وعدمه، وهو أصح وجهي الشافعية (2)، لأنه لا يرفعه وإلا لما بطل إلا به. فروع: أ - لا يشترط تعيين الفريضة - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أصح

(1) المجموع 1: 313، فتح الباري 1: 344، المغني 1: 286، الشرح الكبير 1: 292 - 293، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559، أحكام القرآن للجصاص 2: 334، تفسير القرطبي 5: 213، بداية المجتهد 1: 67، المحلى 2: 146. (2) المجموع 2: 220، الوجيز 1: 21، كفاية الأخيار 1: 35، السراج الوهاج: 28، المغني 1: 286.

[ 188 ]

الوجهين (1) - كما لا يشترط في الوضوء تعيين الحدث، ولو عينها لم تتعين عندنا، وجاز أن يصلي غيرها، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد الوجهين (2). ب - لو نوى استباحة الصلاة مطلقا استباح الفريضة - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأن كل طهارة صحت للنفل صحت للفرض، كالطهارة بالماء. وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يستبيح الفرض لقوله صلى الله عليه وآله: (إنما الأعمال بالنيات) (4) ولم ينو الفرض (5). ويندفع بأنه نوى الاستباحة فيعم كرفع الحدث. ج - لو نوى استباحة الفرض والنفل معا أبيحا له، وفي وجه للشافعي: ليس له النفل بعد خروج وقت الفريضة إن كان قد عينها (6). ولو نوى استباحة الفرض جاز أن يتنفل به - وبه قال أبو حنيفة،

(1) المجموع 2: 221 و 224، كفاية الأخيار 1: 36، مغني المحتاج 1: 98، بدائع الصنائع 1: 52، المغني 1: 288.
(2) السراج الوهاج: 28، كفاية الأخيار 1: 36، بدائع الصنائع 1: 52، المغني 1: 287.
(3) بدائع الصنائع 1: 52، المغني 1: 287.
(4) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 / 1907، سنن أبي داود 2: 262 / 2201، مسند أحمد 1: 25، سنن الترمذي 4: 179 / 1647، سنن ابن ماجة 2: 1413 / 4227، مسند الطيالسي: 9، الجامع الصغير 1: 5 / 1، إحكام الأحكام 1: 7 / 1، متن عمدة الأحكام: 20، المحرر في الحديث 2: 651 / 1199، الايمان لابن منده 1: 363 / 201، سنن البيهقي 7: 341، الأذكار: 13.
(5) المجموع 2: 222، كفاية الأخيار 1: 36، مغني المحتاج 1 98، بلغة السالك 1: 73، المغني 1: 287، الشرح الكبير 1: 294.
(6) المجموع 2: 224، الوجيز 1: 21.

[ 189 ]

والشافعي في أحد الوجهين (1) - لأن النوافل أتباع الفرائض، وفي الآخر: لا يصح - وبه قال مالك - لأنها طهارة ضرورة فلا يؤدي بها ما لا ضرورة إليه ولم يقصده (2). ولو نوى النفل ولم يخطر له الفرض جاز أن يصلي به الفرض عندنا - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في وجه (3) - لأنه نوى ما يحتاج إلى الطهارة، وقال مالك، وأحمد، وأصح وجهي الشافعي: بالمنع (4) لأن الفرض أصل فلا يجعل تابعا، وهو ممنوع كالوضوء، وبعض الشافعية منع من النفل وإن نواه لأنه جعل التابع أصلا (5). د - لو تيمم لفرضين أو فائتتين أو منذورين (6) صح عندنا - وبه قال أبو حنيفة (7) - وللشافعي وجهان (8). ه‍ - إذا نوى الفريضة استباح النافلة إجماعا، وكذا يستبيح مس المصحف، وقراءة القرآن، ووطئ الحائض (9)، ولو نوى استباحة أحد هذه الأشياء استباح الباقي، والفريضة عندنا، خلافا للشافعي في الفريضة وفي النافلة وجهان (10).

(1) الأم 1: 47، المجموع 2: 224، الوجيز 1: 21، كفاية الأخيار 1: 36، المغني 1: 288.
(2) المجموع 2: 224، مغني المحتاج 1: 98، المدونة الكبرى 1: 47.
(3) المجموع 2: 222 و 224 و 242، المبسوط للسرخسي 1: 117.
(4) الأم 1: 47، المجموع 2: 222، المغني 1: 287، المنتقى للباجي 1: 111، الوجيز 1: 21، المبسوط للسرخسي 1: 117، كفاية الأخيار 1: 36، الانصاف 1: 291، السراج الوهاج: 28.
(5) المجموع 2: 223.
(6) في الطبع الحجري و " ش ": المندوبين.
(7) شرح فتح القدير 1: 121، الهداية للمرغيناني 1: 27، أحكام القرآن للجصاص 2: 382 و 395.
(8) المجموع 2: 225، الوجيز 1: 21.
(9) أي: الحائض لو انقطع دمها وتعذر الغسل وأراد الزوج أن يطأها جاز لها التيمم ثم يستبيح الوطئ.
10) الأم 1: 47، المجموع 2: 223، مغني المحتاج 1: 99، كفاية الأخيار 1: 36.

[ 190 ]

و - لو نوى إباحة فرض التيمم، صح، وهو أحد وجهي الشافعي كما لو توضأ بهذه النية، والآخر: يبطل لأنه عن ضرورة فلا يجعل مقصدا ولهذا لا يستحب تجديده بخلاف الوضوء (1). ز - ليست التسمية شرطا في التيمم خلافا للظاهرية (2). ح - لو تيمم الصبي للنافلة، أو للفريضة ثم بلغ جاز أن يستبيح الفريضة لأن طهارته شرعية، والنافلة لا تصح إلا مع رفع المنع بالطهارة، وعندي فيه نظر. مسألة 305: ثم يمسح وجهه بكفيه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى بعد الضرب بالكفين. ولا يجب استيعاب الوجه عند أكثر علمائنا (3) لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم) * (4) والباء للتبعيض إذ دخولها على المتعدي بنفسه يفيده، وإلا كانت زائدة، والأصل عدمها، وإنكار ورودها له غير مسموع لشهادة البعض به، وتنصيص الباقر عليه السلام (5). ولأن زرارة سأل الصادق عليه السلام عن التيمم فضرب بيديه الأرض ثم رفعهما فنفضهما ومسح بهما جبهته وكفيه مرة واحدة (6).

(1) المجموع 2: 225، كفاية الأخيار 1: 35، السراج الوهاج: 28، مغني المحتاج 1: 98.
(2) نسبه إليهم المحقق في المعتبر: 108. (3) منهم المفيد في المقنعة: 8، والسيد المرتضى في جمل العلم والعمل 3: 25، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 33، وسلار في المراسم: 54، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 136، وابن حمزة في الوسيلة: 72، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 48.
(4) المائدة: 6.
(5) الكافي 3: 30 / 4، التهذيب 1: 61 / 168، الاستبصار 1: 62 - 63 / 186، علل الشرائع: 279 الباب 190.
(6) الكافي 3: 61 / 1، التهذيب 1: 207 / 601، الاستبصار 1: 170 / 590، وفيها عن الامام الباقر عليه السلام، وأورده عن الامام الصادق عليه السلام المحقق في المعتبر: 106.

[ 191 ]

وقال سليمان بن داود: ويجزيه أن يصيب بالمسح بعض وجهه وبعض كفيه (1). وقال أبو حنيفة: يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الربع، وفي رواية عنه: إذا مسح أكثر الوجه أجزأه (2). وقال ابن بابويه من علمائنا: يجب استيعاب الوجه بالمسح (3)، وهو قول الجمهور (4) لأنه تعالى أحال فيه على الوضوء وإلا لبينه. ونمنع بطلان التالي، والباقر عليه السلام قد بينه (5). مسألة 306: ثم يمسح ظهر كفيه من الزند إلى أطراف الأصابع بباطنهما على الأشهر - وبه قال أحمد، ومالك، والشافعي في القديم، والأوزاعي، وإسحاق، وداود، وابن جرير الطبري (6) - لأنه المتعارف من اليد، ولأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إنما يكفيك - إلى قوله - وظاهر كفيه) (7).

(1) المغني 1: 290، الشرح الكبير 1: 291 (2) المبسوط للسرخسي 1: 107، الكفاية 1: 111، شرح العناية 1: 111، بدائع الصنائع 1: 46، أحكام القرآن للجصاص 2: 391، المجموع 2: 239، فتح العزيز 2: 326، البحر الرائق 1: 144، التفسير الكبير 11: 172.
(3) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 106، والفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 99 و 100.
(4) المجموع 2: 239، الوجيز 1: 21، المغني 1: 290، الانصاف 1: 287، المبسوط للسرخسي 1: 107، شرح فتح القدير 1: 111، بلغة السالك 1: 73. (5) الكافي 3: 30 / 4، علل الشرائع: 279 باب 190.
(6) المجموع 2: 211، كفاية الأخيار 1: 36، فتح الباري 1: 353، مغني المحتاج 1: 99، المغني 1: 291، الشرح الكبير 1: 290، بداية المجتهد 1: 69، الشرح الصغير 1: 73، تفسير القرطبي 5: 240، عمدة القارئ 4: 19، أحكام القرآن للجصاص 2: 387، نيل الأوطار 1: 333، المحلى 2: 156.
(7) مسند أحمد 4: 263، سنن أبي داود 1: 87 - 88 / 321.

[ 192 ]

وروى عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه والله قال: (التيمم ضربة للوجه والكفين) (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " ومسح بها جبهته وكفيه " (2) ولأنه أحد عضوي الوضوء فيجب مسح بعضه كالوجه. وقال علي بن بابويه رحمه الله: يمسح من المرفقين إلى أطراف الأصابع (3) - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ورووه عن علي عليه السلام، وابن عمر، وجابر، وبه قال الشعبي، والحسن البصري، والثوري، ومالك، والليث (4) - للحوالة في الوضوء. وهو ممنوع. ولقوله عليه السلام: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين) (5) وهي ضعيفة السند، طعن فيه أحمد بن حنبل (6). وقال الزهري: يمسح إلى المنكبين والآباط (7) لأن عمار بن ياسر مسح

(1) سنن الدارمي 1: 190، سنن الترمذي 1: 269 / 144، مسند أحمد 4: 263، سنن أبي داود 1: 89 / 327، سنن الدارقطني 1: 182 - 183 / 28.
(2) الكافي 3: 61 / 1، التهذيب 1: 207 / 601، الاستبصار 1: 170 / 590.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 107.
(4) بداية المجتهد 1: 68، المنتقى للباجي 1: 114، المجموع 2: 211، مختصر المزني: 6، السراج الوهاج: 28، الوجيز 1: 21، كفاية الأخيار 1: 36، الشرح الكبير 1: 292، المبسوط للسرخسي 1: 107، عمدة القارئ 4: 19، التفسير الكبير 11: 171، نيل الأوطار 1: 333 - 334، المحلى 2: 152، أحكام القرآن للجصاص 2: 387.
(5) سنن الترمذي 1: 270 / 144، سنن الدارقطني 1: 180 و 181 / 16 و 21، سنن البيهقي 1: 207. (6) المغني 1: 279، الشرح الكبير 1: 309.
(7) المجموع 2: 211، بداية المجتهد 1: 69، تفسير القرطبي 5: 240، أحكام القرآن للجصاص 2: 387، عمدة القارئ 4: 19، التفسير الكبير 11: 171، المحلى 2: 153، نيل الأوطار 1: 334.

[ 193 ]

إلى المناكب (1). فروع: أ - يجب أن يبدأ في مسح الوجه من أعلاه إلى أن ينتهي محل الفرض. فلو نكس فالوجه البطلان كالوضوء، ويجب أن يبدأ في مسح اليدين من الزند إلى أطراف الأصابع، وقال مالك، وأحمد: يمسح إلى الكوعين (2). وقال الشافعي: يضع أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغت الكوع ضم أطراف أصابعه وأمرها على حرف الذراع إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه منصوبة، فإذا بلغ الكوع مسح ببطنها ظهر إبهامه اليمنى وكذا اليسرى (3). ب - لو أخل بجزء من محل الفرض لم يجزئ ووجب مسحه - وبه قال الشافعي (4) - إذ لا مشقة في استيعاب الكل بالمسح، وأكثر العضو لا يقوم مقامه، وقال أبو حنيفة: يجزي الأكثر (5). ج - لو أهمل جزءا من الجبهة ومسح يديه لم يجزئه مسحهما فيمسح

(1) سنن الترمذي 1: 270 ذيل الحديث 144، سنن ابن ماجة 1: 187 / 566، سنن النسائي 1: 168.
(2) الشرح الصغير 1: 73، المنتقى للباجي 1: 114، المغني 1: 291 - 292، الشرح الكبير 1: 290، عمدة القارئ 4: 19، التفسير الكبير 11: 171.
(3) مختصر المزني: 6، المجموع 2: 227، فتح العزيز 2: 330، مغني المحتاج 1: 100.
(4) الأم 1: 49، المجموع 2: 239، فتح العزيز 2: 326.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 107، شرح العناية 1: 111، بدائع الصنائع 1: 46، فتح العزيز 2: 326.

[ 194 ]

الجزء ويعيد الكفين لوجوب الترتيب، وبه قال الشافعي (1). د - لا يجب المسح على المسترسل من اللحية، أما عندنا فظاهر، وأما من أوجب الاستيعاب فكذلك لأنه ليس محل الفرض، وللشافعي وجهان (2). ه‍ - لو كان عليه خاتم، وشبهه نزعه ليباشر المسح جميع محل الفرض. و - يستحب تفريج الأصابع في الضرب للوجه والكفين، وللشافعي قولان، هذا أحدهما، واستحبابه في الثانية خاصة، وله ثالث: منعه في الأولى (3). ز - لا يستحب تخليل الأصابع لأن المسح على الظاهر، وقال الشافعي: يستحب إن فرج أصابعه في الضربة الثانية وإلا وجب (4). ح - الأظهر من عبارة الأصحاب وجوب مسح الوجه بالكفين معا، فلو مسح بأحدهما لم يجزئ، ويحتمل الجواز. ط - لو قطع بعض محل الفرض وجب مسح الباقي، ولو استوعب سقط ذلك العضو. ي - لو خلقت له إصبع زائدة، أو كف، أو يد فكالوضوء. مسألة 307: اختلف علماؤنا في عدد الضربات، وأجودها قول الشيخين: ضربة واحدة للأعضاء الثلاثة في الوضوء، وضربتان إحداهما للوجه في

(1) المجموع 2: 238، فتح العزيز 2: 326.
(2) المجموع 2: 231، فتح العزيز 2: 327.
(3) مختصر المزني: 6، المجموع 2: 229، فتح العزيز 2: 330، مغني المحتاج 1: 100، الوجيز 1: 22.
(4) فتح العزيز 2: 331، مغني المحتاج 1: 100.

[ 195 ]

الغسل (1) لقول الباقر عليه السلام وقد سئل كيف التيمم؟: " ضربة واحدة للوضوء، وللغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين، ثم تنفضهما مرة للوجه، ومرة لليدين " (2). وقال المرتضى: ضربة واحدة فيهما (3) - وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن جرير الطبري، والشافعي في القديم (4) - للامتثال. وقال علي بن بابويه: ضربتان في الجميع (5) - وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، والليث بن سعد، والثوري، ورووه عن علي عليه السلام (6) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين) (7) والتفصيل قول فيهما على تقديرين فيصار إليه. وقال ابن سيرين: يضرب ثلاث ضربات: ضربة للوجه وأخرى للكفين والثالثة للذراعين (8). فروع: أ - وضع اليدين على الأرض شرط، فلو تعرض لمهب العواصف حتى

(1) المقنعة: 8، المبسوط للطوسي 1: 33، النهاية: 49 - 50.
(2) التهذيب 1: 210 / 611، الاستبصار 1: 172 / 599.
(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 25 - 26.
(4) المجموع 2: 211، المغني 1: 278، أحكام القرآن للجصاص 2: 387، تفسير القرطبي 5: 240، نيل الأوطار 1: 332. (5) حكاه المحقق في المعتبر: 107.
(6) المجموع 2: 210، بداية المجتهد 1: 70، المدونة الكبرى 1: 42، تفسير القرطبي 5: 240، المنتقى للباجي 1: 114، شرح العناية 1: 109، أحكام القرآن للجصاص 2: 387، اللباب 1: 31، بدائع الصنائع 1: 46، المغني 1: 278، المحلى 2: 152.
(7) سنن الدارقطني 1: 180 و 181 / 16 و 21، سنن البيهقي 1: 207.
(8) المجموع 2: 211، نيل الأوطار 1: 332.

[ 196 ]

لصق صعيدها بوجهه، أو كفيه، أو ردد الغبار على وجهه منه لم يجزئ لقوله تعالى: * (فتيمموا) * (1) أي اقصدوا. وقال بعض الشافعية: إذا صمد للريح ونوى التيمم أجزأه كالوضوء إذا جلس تحت الميزاب ونواه (2). ب - لو يممه غيره بغير إذنه فهو كما لو نسفت الريح التراب عليه، وإن كان بإذنه فإن كان عاجزا عن المباشرة صح وإلا فلا - وهو أحد وجهي الشافعية - لأنه لم يقصد التراب، وأظهرهما: الجواز (3) إقامة لفعل نائبه مقام فعله. ج - يستحب بعد الضرب نفض اليدين من التراب لأن النبي صلى الله عليه وآله فعله (4)، وليس واجبا إجماعا. د - لا يشترط أن يعلق على يده شئ من الغبار لأن النبي صلى الله عليه وآله نفض يديه (5)، وفي رواية عمار بن ياسر أنه نفخ فيهما (6) ولو كان شرطا لما عرضه للزوال، ولأن الصعيد هو وجه الأرض لا التراب. مسألة 308: الترتيب واجب في التيمم يبدأ بمسح الوجه ثم بالكف اليمنى ثم اليسرى فلو غيره وجب أن يعيد على ما يحصل معه الترتيب، ذهب إليه علماء أهل البيت عليهم السلام لقوله تعالى: * (فامسحوا

(1) المائدة: 6.
(2) المجموع 2: 235، فتح العزيز 2: 317، السراج الوهاج: 27، التفسير الكبير 11: 172.
(3) المجموع 2: 235، السراج الوهاج: 27، التفسير الكبير 11: 172.
(4) صحيح البخاري 1: 96، صحيح مسلم 1: 280 / 368، سنن ابن ماجة 1: 189 / 570، سنن أبي داود 1: 87 - 88 / 321، سنن النسائي 1: 170. (5) صحيح مسلم 1: 280 / 368، سنن الدارقطني 1: 179 / 14.
(6) صحيح مسلم 1: 280 ذيل الحديث 368، سنن النسائي 1: 170، سنن ابن ماجة 1: 188 / 569، سنن الدارقطني 1: 183 / 31، سنن البيهقي 1: 209.

[ 197 ]

بوجوهكم) * (1) والواو للترتيب عند الفراء (2)، ولأن التقديم لفظا يستدعي سببا لاستحالة الترجيح من غير مرجح ولا سبب إلا التقديم وجوبا، ولأنه عليه السلام رتب في مقابلة الامتثال 13) فيكون واجبا. وأوجب الشافعي، وأحمد تقديم الوجه ولم يرتبا في الكفين (4)، وأبو حنيفة أسقط الترتيب مطلقا عملا بالأصل (5)، ويعارضه البيان. مسألة 309: الموالاة واجبة هنا، أما على تقدير وجوب التأخير فظاهر، وأما على العدم فلأن النبي صلى الله عليه وآله تابع (6)، ولأنه تعالى عقب بمسح الوجه اليدين وهو يستلزم المتابعة لامتناع الجمع. وللشافعية وجوه أحدها: القطع باشتراطها كالوضوء، والثاني: المنع، والثالث: تجويز الأمرين (7). مسألة 301: نقل التراب إلى الأعضاء الممسوحة ليس بواجب - وبه قال أبو حنيفة (8) - لقوله تعالى: * (صعيدا طيبا) * (9) وهو وجه الأرض، ولم يشترط النقل، ولأنه عليه السلام نفض التراب بعد الضرب (10)، فلو كان النقل شرطا

(1) المائدة: 6.
(2) مغني اللبيب 1: 464 الباب الأول.
(3) صحيح مسلم 1: 280 / 368، سنن ابن ماجة 1: 188 / 569، سنن النسائي 1: 170، سنن البيهقي 1: 209، سنن الدارقطني 1: 183 / 31.
(4) الأم 1: 49، المجموع 2: 233، كفاية الأخيار 1: 37، السراج الوهاج: 28، مغني المحتاج 1: 100، المغني 1: 290 - 291، المحلى 2: 161.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 121، أحكام القرآن للجصاص 2: 396.
(6) سنن الدارقطني 1: 183 / 31، سنن البيهقي 1: 209.
(7) المجموع 2: 233، السراج الوهاج: 29، مغني المحتاج 1: 100.
(8) شرح فتح القدير 1: 113، بدائع الصنائع 1: 53، المجموع 2: 239، بداية المجتهد 1: 70.
(9) المائدة: 6. (10) صحيح مسلم 1: 280 / 368، سنن الدارقطني 1: 179 / 14.

[ 198 ]

لما أزاله. وقال الشافعي: إنه شرط (1)، لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * (2) أي من الصعيد، ولأنه ممسوح في الطهارة فافتقر إلى ممسوح به كمسح الرأس في الوضوء، والآية تقول بموجبها، والصعيد وجه الأرض، والقياس ضعيف، لأن المائية تزيل الحدث بخلاف التيمم. فروع: أ - لو نوى عند النقل وعزبت قبل المسح احتمل الاجزاء لأن الضرب من أعمال التيمم، وعدمه لأنه ليس مقصودا في نفسه، وهو أصح وجهي الشافعي (3). ب - لو أحدث بعد الضرب وأخذ التراب بطل أخذه وعليه الاعادة على إشكال ينشأ من عدم وجوب أخذ الماء ثانيا فكذا هنا، ومن الفرق بأن القصد إلى الماء ونقله لا يجب، وللشافعي الوجهان (4). ج - لو كان على العضو الممسوح تراب ونوى التيمم ورده من طرف إلى آخر لم يجزئ لأنه لم ينقل عند الشافعي (5)، ولا ضرب عندنا، ولو أخذه منه ورده إليه جاز عند الشافعي على أظهر الوجهين (6)، ولو نقله من عضو غير

(1) الأم 1: 49، المجموع 2: 231 و 238 و 239، فتح العزيز 2: 318، كفاية الأخيار 1: 36، السراج الوهاج: 27، بداية المجتهد 1: 70.
(2) المائدة: 6.
(3) المجموع 2: 228، كفاية الأخيار 1: 36.
(4) المجموع 2: 236.
(5) المجموع 2: 236، فتح العزيز 2: 318، السراج الوهاج: 27، الوجيز 1: 21.
(6) المجموع 2: 236، فتح العزيز 2: 318، الوجيز 1: 21.

[ 199 ]

ممسوح أجزأ عنده، ولو كان من ممسوح كما لو نقله من الوجه إلى الكفين أو بالعكس فوجهان (1)، والكل عندنا باطل. د - لو تمعك في التراب حتى وصل إلى وجهه ويديه لم يجزئ لأنه لم يمسح، إلا مع العذر، وللشافعي في الاختيار وجهان (2). ه‍ - لو مسح بآلة كخشبة لم يصح تبعا للكيفية المنقولة، وقال الشافعي: يجوز (3). و - لا يجب إيصال الغبار إلى باطن الشعر خفيفا كان أو كثيفا إجماعا. ز - لا يستحب التكرار، ولا التثليث في التيمم إجماعا لافضائه إلى تشويه الخلقة وتقبيح الصورة، وكذا لا يستحب تجديده. مسألة 311: دخول الوقت شرط في صحة التيمم، فلا يصح قبله إجماعا من علماء أهل البيت عليهم السلام - وبه قال الزهري، والشافعي، ومالك، وأحمد، وداود (4) - لأنها طهارة اضطرارية لا يصح إلا عند العجز ولا يتحقق قبل الوقت، ولأنها طهارة ضرورية قدمت على وقت الفريضة فلا يجوز كالمستحاضة. وقال أبو حنيفة: يجوز قبل دخول الوقت لأنها طهارة تستباح بها

(1) المجموع 2: 236، فتح العزيز 2: 318، الوجيز 1: 21، السراج الوهاج: 27 - 28.
(2) فتح العزيز 2: 319، الوجيز 1: 21.
(3) الأم 1: 49، المجموع 2: 228 و 232، كفاية الأخيار 1: 37.
(4) الأم 1: 46، المجموع 2: 243، كفاية الأخيار 1: 33، السراج الوهاج: 30، القوانين الفقهية: 42، تفسير القرطبي 5: 233، المنتقى للباجي 1: 111، المغني 1: 268، الشرح الكبير 1: 267، بدائع الصنائع 1: 54، أحكام القرآن للجصاص 2: 381، التفسير الكبير 11: 173.

[ 200 ]

الصلاة فجاز تقديمها كالوضوء (1) والفرق أنه ليس للضرورة. فروع: أ - ذهب الصدوق إلى صحته حال السعة (2) - وهو قول الجمهور (3) - لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (4) وقوله عليه السلام: (أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت) (5). وقال أكثر علمائنا بوجوب التأخير إلى آخر الوقت (6) - وبه قال الزهري (7) - لما رووه عن علي عليه السلام في الجنب: " يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم " (8) والتلوم: الانتظار (9). ومن طريق الخاصة قول أحدهما عليهما السلام: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه " (10). ولأنها طهارة ضرورية بدل من الماء عند العجز، ولا يتحقق العجز إلا عند خوف الفوت، فإن توقع

(1) بدائع الصنائع 1: 54، أحكام القرآن للجصاص 2: 381، المجموع 2: 243، المغني 1: 286، الشرح الكبير 1: 267، بداية المجتهد 1: 67، تفسير القرطبي 5: 233، المنتقى للباجي 1: 111، التفسير الكبير 11: 173.
(2) حكاه عنه نقلا عن المقنع، المحقق في المعتبر: 105.
(3) الأم 1: 46، المغني 1: 276، المدونة الكبرى 1: 42، اللباب 1: 33.
(4) المائدة: 6.
(5) سنن البيهقي 1: 222.
(6) منهم: المفيد في المقنعة: 8، والشيخ الطوسي في النهاية: 47، وابن حمزة في الوسيلة: 70، والمحقق في المعتبر: 105.
(7) المغني 1: 276.
(8) سنن البيهقي 1: 232 - 233، سنن الدارقطني 1: 186 / 5.
(9) انظر الصحاح للجوهري 5: 2034 " لوم ".
(10) الكافي 3: 63 / 2، التهذيب 1: 192 / 555 و 203 / 589، الاستبصار 1: 159 / 548.

[ 201 ]

الوجدان مع السعة يرفع العجز. وقال ابن الجنيد منا: إن كان التيمم لعذر لا يمكن زواله في الوقت - كالمرض والجرح - جاز حال السعة، وإن كان لعذر يمكن زواله - كعوز الماء وفقد الآلة أو الثمن - وجب التأخير إلى آخره (1) وهو المعتمد. ب - إذا تيمم في آخر وقت الحاضرة وصلى ثم دخلت الثانية احتمل وجوب التأخير لو جود المقتضي وهو تجويز وجود الماء، والعدم لأنه متيمم فصح أن يصلي. ج - يتيمم للفائتة وإن لم يكن وقت فريضة، وللنافلة بعد دخول وقتها دون الأوقات المنهي عنها إذا لم يكن لها سبب: ويدخل به في الفرائض عندنا - وسيأتي خلاف الجمهور - لقوله عليه السلام: (الصعيد طهور المسلم إذا لم يجد الماء عشر سنين) (2). والأقرب جواز أن يتيمم لنافلة مبتدأة لعدم التوقيت، وتعجيل الثواب مطلوب لامكان فواته بالعجز. د - إن سوغناه في أول الوقت فتيمم بعد الطلب وأخر الصلاة إلى آخر الوقت أجزأه لأنه تيمم في وقت يمكنه فعل الصلاة فيه، فإن سار بعد تيممه إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى تجديد طلب، وفي إعادة التيمم إشكال، وأوجبه الشافعي (3). ه‍ - إذا شرطنا الضيق فالتعويل فيه على الامارة لتعذر العلم، فإن ظنه

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 106.
(2) سنن أبي داود 1: 90 - 91 / 332، سنن الترمذي 1: 211 - 212 / 124، مسند أحمد 5: 155 و 180، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدارقطني 1: 186 و 187 / 1 و 3.
(3) الأم 1: 48، المجموع 2: 259، فتح العزيز 2: 337، المغني 1: 305، الشرح الكبير 1: 305.

[ 202 ]

لأمارة فتيمم وصلى ثم بان غلطه ظاهر كلام الشيخ الاعادة (1) لوقوعها قبل وقتها، ويحتمل الصحة لأنها مأمور بها. ونمنع كون الضيق شرطا بل ظنه وقد حصل، ويؤيده قول الباقر والصادق عليهما السلام في رجل تيمم وصلى ثم بلغ الماء قبل خروج الوقت: " ليس عليه إعادة، إن رب الماء ورب التراب واحد " (2). و - يتيمم لصلاة الخسوف بالخسوف، ولصلاة الاستسقاء باجتماع الناس في الصحراء، ولصلاة الميت بحضوره لها، وللفائتة بذكرها، والنوافل الرواتب لا يتأقت تيممها، وفيه للشافعي وجهان (3). ز - لو تيمم لفائتة ضحوة ولم يؤدها حتى زالت الشمس فله أن يصلي الظهر، وللشافعي وجهان (4)، وكذا لو تيمم لنافلة ضحوة جاز أن يؤدي به الظهر عند الزوال، وللشافعي وجهان (5).

(1) النهاية: 48 - 49. (2) التهذيب 1: 194 / 562 / 195 / 564، الاستبصار 1: 160 / 552 و 554.
(3) المجموع 2: 242، الوجيز 1: 23.
(4) المجموع 2: 242، الوجيز 1: 23.
(5) المجموع 2: 242، الوجيز 1: 23.

[ 203 ]

الفصل الرابع: في الأحكام. مسألة 312: يستباح بالتيمم الواحد ما زاد على الصلاة الواحدة من الفرائض والنوافل أداء وقضاء، ذهب إليه علماء أهل البيت عليهم السلام - وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والثوري، وأبو حنيفة، وداود، والمزني، وابن المنذر (1) - لقوله عليه السلام: (يا أبا ذر الصعيد كافيك إلى عشر سنين) (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها: " نعم ما لم يحدث أو يصب ماء " (3). ولأن الاستباحة إن بقيت جاز أن يصلي أخرى، وإن لم تبق لم تصح النافلة، ولأنها طهارة يجوز أن يجمع بها بين نوافل فجاز أن يجمع بها بين فرائض كالوضوء والمسح على الخفين. وقال الشافعي: لا يجوز أن يجمع بين صلاتين فريضتين، ورواه عن

(1) المبسوط للسرخسي 1: 113، شرح فتح القدير 1: 121، اللباب 1: 33، أحكام القرآن للجصاص 2: 382، عمدة القارئ 4: 24، المجموع 2: 294، كفاية الأخيار 1: 39، المغني 1: 299، بداية المجتهد 1: 74، تفسير القرطبي 5: 235، المحلى 2: 128.
(2) مصنف عبد الرزاق 1: 237 / 912.
(3) التهذيب 1: 200 / 580، الاستبصار 1: 163 / 565.

[ 204 ]

علي عليه السلام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص، ومن التابعين النخعي، وقتادة، وربيعة، وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق (1). لأن ابن عباس قال: من السنة أن لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للأخرى (2). ولأنها طهارة ضرورة فلا يجمع بها بين فريضتين من فرائض الأعيان كطهارة المستحاضة، ولفظ السنة مشترك فلا حجة فيه، والمستحاضة حدثها متجدد والتيمم لم يتعقبه حدث. وقال أحمد: يجمع بين فوائت ولا يجمع بين صلاتين راتبتين فكأنه تيمم لوقت الفريضة، وبه قال أبو ثور (3). فروع: أ - يجوز أن يجمع بين فريضتين، ومنذورتين، وطوافين، وبين فريضة وطواف عندنا، خلافا للشافعي (4). ب - يجوز أن يجمع بين صلاتي الجمع بتيمم واحد، وللشافعية وجهان: المنع لأنه يحتاج أن يطلب للثانية ويجدد التيمم وذلك يقطع

(1) الأم 1: 47، المجموع 2: 293 و 294، مختصر المزني: 7، كفاية الأخيار 1: 39، السراج الوهاج: 29، الوجيز 1: 22، مغني المحتاج 1: 103، الاشباه والنظائر للسيوطي: 430، المغني 1: 299، بداية المجتهد 1: 74، تفسير القرطبي 5: 235، المبسوط للسرخسي 1: 113، شرح فتح القدير 1: 121، عمدة القارئ 4: 24، أحكام القرآن للجصاص 2: 382، التفسير الكبير 11: 174، المحلى 2: 129.
(2) سنن الدارقطني 1: 185 / 5.
(3) المغني 1: 299 و 300، التفسير الكبير 11: 174، المحلى 2: 129.
(4) المجموع 2: 293 و 294، مغني المحتاج 1: 103، السراج الوهاج: 29.

[ 205 ]

الجمع، كما إذا تنفل بينهما. والجواز لأنهما فريضتان صلاهما بتيممين، والتفريق ليس بصحيح لأنه من مصلحة الصلاة فلا يزيد على قدر الإقامة في العادة (1). ج - لو نسي تعيين الفائتة كفاه تيمم واحد للثلاث أو الخمس عندنا - وهو ظاهر - وعند أكثر الشافعية، لأن الفريضة واحدة والزائد وإن وجب فإنه تابع، وعند بعضهم يفتقر إلى خمس تيممات لوجوب الجميع (2). ولو ترك فريضتين من خمس أجزاه تيمم واحد عندنا، ولا يكفي عند الشافعي [ إلا ] (3) تيممان، لأنه لابد أن يجمع بين صلاتين بتيمم واحد فربما كانت المتروكتان، بل إما أن يصلي الخمس بخمس تيممات أو يصلي ثماني صلوات بتيممين، فيصلي الفجر والظهرين والمغرب بتيمم ثم الظهرين والعشاءين بتيمم، فإن كانت الصبح والعشاء فقد صلاهما بتيممين، وإن كانت غيرهما فقد صلاهما في دفعتين بتيممين. ولو ترك صلاتين من يومين، فإن كانتا مختلفتين فهي كما لو تركهما من يوم واحد، وإن كانتا متفقتين كصبحين أو ظهرين لم يؤدهما إلا بأن يؤدي عشر صلوات بتيممين خمسة بتيمم، وخمسة بتيمم، أو بعشر تيممات (4)، وعندنا يجزي تيمم واحد للجميع. د - يجوز أن يجمع بين فريضة وما شاء من النوافل بتيمم واحد، وهو

(1) المجموع 2: 240 و 252.
(2) المجموع 2: 296، فتح العزيز 2: 345، الوجيز 1: 22، السراج الوهاج: 29، مغني المحتاج: 103 و 104.
(3) الزيادة يقتضيها السياق.
(4) المجموع 2: 296 - 298، فتح العزيز 2: 345 - 348، الوجيز 1: 22، السراج الوهاج: 29 و 30، مغني المحتاج 1: 104.

[ 206 ]

أصح قولي الشافعي (1)، لأن النفل تبع للفرض واستباحة المتبوع تستلزم استباحة التابع، وفي قول له: لا تصلى النافلة بتيمم أصلا (2) لأنه أبيح للضرورة ولا ضرورة في النافلة، وعلى الأول إن شاء قدم النوافل، وإن شاء أخرها، وله قول آخر: عدم تقديم النافلة لأن التابع لا يتقدم المتبوع (3). ه‍ - إذا صلى الفريضة بتيمم جاز أن يطوف فرضا، وعند الشافعي لابد من تيمم جديد (4)، وجوز أن يصلي ركعتي الطواف بتيمم الطواف لأنهما إما سنة أو تابعة للطواف إذ ليست مقصودة بذاتها (5). و - يجوز أن يصلي بتيمم واحد منذورتين، ومكتوبة ومنذورة، وهو أحد وجهي الشافعي، لأن المنذور يسلك به مسلك أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى فصار كالنافلة، وفي الآخر: لا يصح لأن النذر يسلك به مسلك واجبات الشرع (6). ز - ليس من شرط الصلاة على الجنائز الطهارة عندنا - خلافا للجمهور وقد سبق - نعم يستحب، ويجوز التيمم لها مع وجود الماء. ولو فقد الماء فاستحباب التيمم أولى، فلو صلى بتيمم مكتوبة جاز أن يصلي على جنازة به، وهو أحد قولي الشافعي، لأنها ليست من فرائض الأعيان فألحقت بالنوافل في الحكم، وفي الآخر: لابد من تيمم لها مقصود

(1) الأم 1: 47، المجموع 2: 224، السراج الوهاج: 29، الوجيز 1: 22، أحكام القرآن للجصاص 2: 382، المحلى 2: 129.
(2) المجموع 2: 224.
(3) المجموع 2: 224.
(4) المجموع 2: 293، مغني المحتاج: 103.
(5) المجموع 2: 294، الوجيز 1: 22.
(6) المجموع 2: 293، الوجيز 1: 22، مغني المحتاج 1: 103.

[ 207 ]

لوجوبها (1). ويجوز أن يصلي على جنازتين على التوالي بغير تيمم، وبتيمم واحد، وللشافعي وجهان، أحدهما: المنع لأنهما فرضان، فحينئذ لا يجوز أن يصلي على جنازتين دفعة لأن فعله يتضمن إسقاط فرضين (2). ح - لو تيمم لصلاة النفل استباح به الفرض - وبه قال أبو حنيفة (3) - وأصح وجهي الشافعي المنع (4). ولا خلاف أنه إذا تيمم للنفل استباح مس المصحف، وقراءة القرآن إن كان تيممه عن جنابة. ولو تيمم المحدث لمس المصحف، أو الجنب لقراءة القرآن استباح ما قصده، وفي استباحة صلاة النفل أو الفرض للشافعي وجهان (5). مسألة 313: ينقض التيمم كل ما ينقض الطهارة المائية ويزيد وجود الماء مع التمكن من استعماله، فلو تيمم ثم وجد الماء انتقض تيممه فإذا عدمه وجب عليه استينافه، وإن كان باقيا وجب عليه الغسل أو الوضوء ولا يصلي بذلك التيمم، وهو قول العلماء إلا ما نقل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي أنهما قالا: لا يلزمه استعمال الماء لأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فكان بمنزلة من وجد العتق بعد الصوم (6).

(1) المجموع 2: 300، كفاية الأخيار 1: 39، مغني المحتاج 1: 103، الوجيز 1: 22. (2) المجموع 2: 300، كفاية الأخيار 1: 39.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 117، أحكام القرآن للجصاص 2: 382، المجموع 2: 222، المغني 1: 287.
(4) المجموع 2: 222، و 244، 242، السراج الوهاج: 28، كفاية الأخيار 1: 36، مغني المحتاج 1: 98، الوجيز 1: 21، المغني 1: 287، المبسوط للسرخسي 1: 117.
(5) المجموع 2: 223.
(6) المجموع 2: 302، المبسوط للسرخسي 1: 110، أحكام القرآن للجصاص 2: 384، التفسير الكبير 11: 174، المحلى 2: 123، نيل الأوطار 1: 336.

[ 208 ]

وهو خطأ لقوله عليه السلام لأبي ذر: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته) (1) والأمر للوجوب، ولأن المقصود بالطهارة الصلاة بها ولم يشرع في المقصود فأشبه إذا وجد الأصل قبل أن يشرع في البدل بخلاف الكفارة. فروع: أ - ظن وجود الماء لا يبطل التيمم، وكذا شكه عملا بالاستصحاب، وقال الشافعي: يبطل (2) لأنه يجب عليه الطلب حينئذ فيبطل تيممه، لأن التيمم إنما يكون بعد الطلب وإعواز الماء وهو يمنع الابتداء دون الاستدامة. فلو رأى سرابا ولا يدري هل هو ماء أم لا، أو رأى إنسانا من بعد وتوهم أن معه ماء لم يبطل تيممه عندنا، خلافا للشافعي (3). ولو سمع إنسانا يقول: معي ماء وكان كاذبا، أو قال: معي ماء أودعينه فلان والمالك غائب لم يبطل تيممه، خلافا له لوجوب فرض الطلب عنده عقيب (معي ماء) قبل أن يذكر (الوديعة) (4)، ولو قال: أودعني فلان جرة ماء لم يبطل تيممه لعدم وجوب الطلب حينئذ. ب - لو طلع عليه راكب بماء فامتنع أن يعطيه، أو وجد ماء فحيل بينه وبينه لم تجب الاعادة، خلافا له (5)، ولو طلع عليه راكب ولم يعلم أن معه ماء فسأله فلم يكن معه شئ أعاد التيمم عنده (6).

(1) سنن الترمذي 1: 211 - 212 / 124، مسند أحمد 5: 155 و 180، سنن الدارقطني 1: 187 / 4 (2) المجموع 2: 259، الوجيز 1: 22، كفاية الأخيار 1: 37، المغني 1: 305.
(3) المجموع 2: 259، مغني المحتاج 1: 101، كفاية الأخيار 1: 37.
(4) المجموع 2: 260.
(5) الأم 1: 48.
(6) المجموع 2: 259.

[ 209 ]

ج - لو قارن ظن وجود الماء مانع من استعماله كعطش أو مرض أو عدم آلة لم ينتقض تيممه إجماعا لجواز التيمم ابتداء مع هذا المانع فلا يرفع دوامه. د - لا ينتقض التيمم بخروج الوقت، وهو قول العلماء لقوله عليه السلام: (الصعيد كافيك إلى عشر سنين) (1). وقال أحمد: ينتقض بخروج الوقت لأنها طهارة ضرورية فتتقيد بالوقت كالمستحاضة (2)، والفرق تجدد حدث المستحاضة. ه‍ - نقل عن أحمد: أن التيمم يبطل بنزع عمامة، أو خف يجوز له المسح عليه لأنه مبطل للوضوء (3) وخالف فيه باقي الجمهور (4)، والأصل ممنوع، ولأن التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه، فلا يبطل بنزعه كطهارة الماء، والوضوء يبطل بنزع ما هو ممسوح عليه فيه. و - الردة لا تبطل التيمم كالمائية، وقد سلف البحث فيه (5). مسألة 314: لو وجد الماء في أثناء الصلاة، لعلمائنا أربعة أقوال: أحدها: يمضي مطلقا ولو تلبس بتكبيرة الاحرام، اختاره الشيخان، والمرتضى (6)، وعليه أعمل - وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو ثور،

(1) مصنف عبد الرزاق 1: 237 / 912.
(2) المغني 1: 299 و 306، الشرح الكبير 1: 299، كشاف القناع 1: 177.
(3) المغني 1: 306، الشرح الكبير 1: 303، كشاف القناع 1: 178، المجموع 2: 332.
(4) المجموع 2: 332، المغني 1: 306، الشرح الكبير 1: 303.
(5) تقدم في المسألة 29 المطلب الثامن.
(6) المقنعة: 8، المبسوط للطوسي 1: 33، وحكى قول المرتضى المحقق في المعتبر: 110.

[ 210 ]

وداود، وأحمد في رواية (1) - لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (2) ولقوله عليه السلام: (فلا ينصرف أحدكم من الصلاة حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) (3). وقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل تيمم ثم دخل في الصلاة وقد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة؟: " يمضي في الصلاة " (4). ولأنه بدل من الماء وقد تحقق متصلا بالمقصود فيسقط اعتبار المبدل، كما لا عبرة بوجود الطول بعد نكاح الأمة، ولأنه وجد المبدل بعد التلبس بالمقصود فلم يلزمه الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصوم. الثاني: يرجع ما لم يركع، وهو قول الشيخ والمرتضى (5)، لقول الباقر عليه السلام وقد سئل فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلاة: " فلينصرف فليتوضأ ما لم يركع، فإن كان قد ركع فليمض في صلاته فإن التيمم أحد الطهورين " (6). وهو محمول على الشروع في الصلاة وأطلق عليها اسم الركوع إطلاقا لاسم الجزء على الكل، وأراد أولا بالدخول في الصلاة الشروع في مقدماتها من الأذان، وغيره.

(1) المجموع 2: 311 و 318، الوجيز 1: 22، بداية المجتهد 1: 73، تفسير القرطبي 5: 235، المغني 1: 303، المبسوط للسرخسي 1: 110، أحكام القرآن للجصاص 2: 384، المحلى 2: 162، نيل الأوطار 1: 336، التفسير الكبير 11: 174.
(2) محمد: 33.
(3) صحيح البخاري 1: 46، سنن النسائي 1: 98 - 99، سنن أبي داود 1: 45 / 176 و 177، سنن ابن ماجة 1: 171 / 514، مسند أحمد 2: 330 و 414.
(4) التهذيب 1: 203 / 590، الاستبصار 1: 166 / 575.
(5) النهاية: 48، وحكى قول المرتضى المحقق في المعتبر: 110.
(6) الكافي 3: 63 - 64 / 4، التهذيب 1: 200 / 580.

[ 211 ]

الثالث: قال سلار: ما لم يقرأ (1)، لأنه قد أتى بأكثر الأركان وهي النية والتكبير، والقراءة عند من يجعلها ركنا. الرابع: قال ابن الجنيد: ما لم يركع في الثانية لأنه فعل معظم الصلاة (2). وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد في رواية: تبطل صلاته مطلقا - إلا أن أبا حنيفة يقول: لا تبطل بذلك صلاة الجنازة، والعيدين، ولا برؤية سؤر الحمار والبغل - لأن زوال العذر في أثناء الصلاة يبطلها كانقطاع دم الاستحاضة (3). وهو ممنوع. والفرق أنه جوز لها الصلاة مع حدث لم تأت عنه بطهارة، للضرورة. وقال الأوزاعي: تصير نفلا (4)، لحجة أبي حنيفة وقد أبطلناها. فروع: أ - الأقرب عندي استحباب العدول إلى النفل مع سعة الوقت - وهو أحد قولي الشافعية - لأنا سوغنا له العدول إلى النافلة لتدارك فضيلة الأذان، والجماعة وهذا أولى، ويحتمل المنع لأنها فريضة صحيحة فلا ينصرف عنها وهو الثاني لهم (5). ب - لو رأى الماء في الصلاة ثم فقده قبل فراغه قال الشيخ: ينتقض

(1) المراسم: 54. (2) حكاه المحقق في المعتبر 110 ولم يذكر (الثانية).
(3) المبسوط للسرخسي 1: 110، بدائع الصنائع 1: 57 - 59، المغني 1: 303، الشرح الكبير 1: 306، حلية العلماء 1: 211، أحكام القرآن للجصاص 2: 384، بداية المجتهد 1: 73.
(4) حلية العلماء 1: 211.
(5) المجموع 2: 312، فتح العزيز 2: 338، الوجيز 1: 22.

[ 212 ]

تيممه في حق الصلوات المستأنفة (1) - وبه قال الشافعي في حق النوافل (2) - لأن الماء لم يمنع من فعل صلاة وهو فيها بالتيمم، ومنع من افتتاح صلاة أخرى، كما يمنع من الافتتاح لو وجده قبلها، ويحتمل عدم النقض لعدم الشرط وهو التمكن من الاستعمال إذ الشرع منع منه. ويمكن الجواب: بأن المنع الشرعي لا يرفع القدرة، لأنها صفة حقيقية، والحكم معلق عليها. ج - لو رعف في أثناء صلاته ثم وجد الماء لزمه أن ينصرف ويغسل الدم ويتوضأ، وإن لم يجد من الماء إلا ما يغسل الدم عنه غسله ولا يستأنف التيمم، وقال الشافعي: يستأنف (3) لأنه بالطلب بطل تيممه. د - لو رأى في أثناء النافلة احتمل النقض في المستأنفة، والعدم كالفريضة للأمر بالاتمام. مسألة 315: لو وجد الماء بعد فراغه من الصلاة لم يعد - وهو قول عامة العلماء - سواء كان في الوقت إن سوغناه مع السعة أو لا لأنه امتثل فيخرج عن العهدة. ولأن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما وصليا ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرا له ذلك فقال صلى الله عليه وآله للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال صلى الله عليه وآله للذي أعاد: (لك الاجر مرتين) (4).

(1) المبسوط للطوسي 1: 33.
(2) فتح العزيز 2: 339.
(3) الأم 1: 48، المجموع 2: 318.
(4) سنن أبي داود 1: 93 / 338، سنن النسائي 1: 213، سنن الدارمي 1: 190، سنن الدارقطني 1: 188 - 189 / 1، مستدرك الحاكم 1: 178 - 179.

[ 213 ]

ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل فإن أصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت: " تمت صلاته ولا إعادة عليه " (1). وقال طاوس: يعيد ما صلى بالتيمم، لأنه بدل فإذا وجد الأصل انتقض حكم البدل كالحاكم إذا حكم بالقياس ثم وجد النص بخلافه (2). وهو خطأ لأن النص موجود وقت حكمه بالقياس وأخطأ في طلبه فكان بمنزلة ناسي الماء في رحله. فروع: أ - لو وجد الماء في الوقت بعد الصلاة إن سوغناه مع السعة لم يعد على ما تقدم، وبه قال الفقهاء الأربعة (3)، لما تقدم من الأحاديث. وقال عطاء، والزهري، وربيعة: يعيد (4) تحصيلا لمصلحة الصلاة بالطهارة، وقد بينا حصولها بفعل البدل. ب - لو أحدث في الجامع يوم الجمعة ومنعه الزحام عن الخروج للطهارة تيمم وصلى لعدم تمكنه من استعمال الماء، وخوف فوت الجمعة، ولا يعيد للامتثال. وقال الشيخ، وابن الجنيد: يعيد (5) لقول علي عليه السلام وقد سئل عن رجل يكون في الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد لكثرة الناس: " يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا

(1) التهذيب 1: 194 / 562، الاستبصار 1: 160 / 552.
(2) المجموع 2: 306، المغني 1: 277، الشرح الكبير 1: 305.
(3) المجموع 2: 306، الشرح الكبير 1: 305، المبسوط للسرخسي 1: 110، تفسير القرطبي 5: 234، المنتقى للباجي 1: 111، التفسير الكبير 11: 174، نيل الأوطار 1: 335 - 336.
(4) المجموع 2: 306، الشرح الكبير 1: 305، نيل الأوطار 1: 336، المحلى 2: 124.
(5) المبسوط للطوسي 1: 31، وحكى قول ابن الجنيد المحقق في المعتبر: 110.

[ 214 ]

انصرف " (1) والراوي السكوني، قال الصدوق: لا أعمل بما ينفرد به (2). ج - قد بينا أنه إذا وجد الماء في الصلاة لم ينصرف، وقال أحمد: ينصرف، وهل يستأنف؟ وجهان، أصحهما: الاستئناف لفوات الشرط، والثاني البناء كالذي سبقه الحدث (3). مسألة 316: التيمم لا يرفع الحدث بالاجماع، ولأنه لو وجد الماء وجب عليه الطهور بحسب الحدث السابق، فلولا بقاؤه لكان الموجب وجود الماء لانتفاء وجود غيره، ووجود الماء ليس حدثا وإلا لتساوي المحدث والمجنب، وهو باطل فإن المحدث لا يغتسل والمجنب لا يتوضأ. وقيل: يرفع الحدث، واختلف في النسبة فأسنده قوم إلى أبي حنيفة، وآخرون إلى مالك (4). تذنيب: لو تيمم المجنب ثم أحدث ووجد ماء للوضوء تيمم بدلا من الغسل - وبه قال مالك، والثوري (5) - لأن التيمم لا يرفع الحدث فالجنابة باقية وقد زالت الاستباحة بالحدث فيجب التيمم للجنابة السابقة. وقال السيد المرتضى في شرح الرسالة: يتوضأ بالماء (6) - وبه قال أبو حنيفة (7) - لأنه متمكن من الماء فلا يجوز التيمم، ونمنع الأولى. وكذا لو تيمم الجنب ثم أحدث أعاد التيمم بدلا من الغسل لا من الحدث لبقاء الجنابة.

(1) التهذيب 1: 185 / 534، الاستبصار 1: 81 / 254.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 110.
(3) المغني 1: 303، الشرح الكبير 1: 306.
(4) المنتقى للباجي 1: 115، المجموع 2: 221، المغني 1: 286، حلية العلماء 1: 184.
(5) المدونة الكبرى 1: 46 - 47، ونسبه أيضا إلى مالك والثوري في المعتبر: 109.
(6) حكاه المحقق في المعتبر: 109.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 114.

[ 215 ]

مسألة 317: الجنب لو نسي الجنابة فتيمم معتقدا أنه محدث ثم ذكر فالوجه الاجزاء إن سويناهما وإلا فلا على إشكال. وقال في الخلاف: مقتضى المذهب المنع لاشتراط نية بدلية الوضوء أو الغسل (1)، وبه قال مالك، وأحمد لأنهما عبادتان مختلفتان في النية فلا تسقط إحداهما بنية الأخرى (2) وقال الشافعي بالاجزاء، وبه رواية عن مالك، لتساويهما (3). وكل حدثين تساوت طهارتهما سقط فرض إحداهما بنية الأخرى كالبول والغائط، ولأنه لو ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر مما فعل إذ لا يلزمه أن ينوي بتيممه إلا استباحة الصلاة وقد فعل. مسألة 318: الجنب كالمحدث إذا لم يجد الماء يتيمم، وهو قول عامة العلماء، لأن عمارا أجنب فتمعك في التراب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (إنما يكفيك هكذا) وضرب يديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام عن آبائه عن أبي ذر: " أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت جامعت على غير ماء قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله بمحمل فاستترت به، وبماء فاغتسلت أنا وهي، ثم قال: يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين " (5).

(1) الخلاف 1: 140، مسألة 87.
(2) المدونة الكبرى 1: 48، المغني 1: 302، الشرح الكبير 1: 293، المجموع 2: 225.
(3) المجموع 2: 225، المغني 1: 302، الشرح الكبير 1: 293 - 294. (4) صحيح البخاري 1: 92 و 93، سنن النسائي 1: 170، سنن البيهقي 1: 216، سنن الدارقطني 1: 183 / 33.
(5) الفقيه 1: 59 / 221، التهذيب 1: 194 / 561.

[ 216 ]

وقال عمر، وابن مسعود: لا يجوز له التيمم، وقيل: رجعا عن ذلك (1)، ورواه ابن المنذر عن النخعي (2) لأنه تعالى ذكر التيمم في الأحداث دون الجنابة، وهو غلط لأن قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * (3) راجع على الجميع. مسألة 319: الطهارة عندنا لا تتبعض فلو كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا تيمم وكفاه عن غسل الصحيح، وهو أحد قولي الشافعي لأنه مريض غير قادر على الماء فوجب البدل، وفي الآخر: يغسل الصحيح ويتيمم للجريح (4). لقول جابر: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده) (5). وهو ممنوع لأن فيه الجمع بين المسح على الجبائر والتيمم، والشافعي لا يقول به.

(1) المغني 1: 294، المبسوط للسرخسي 1: 111، أحكام القرآن للجصاص 2: 369، بداية المجتهد 1: 64، المحلى 2: 144، نيل الأوطار 1: 322.
(2) نيل الأوطار 1: 322، المحلى 2: 144.
(3) المائدة: 6.
(4) الأم 1: 49، المجموع 2: 287 و 288، السراج الوهاج: 26، مغني المحتاج 1: 93، مختصر المزني: 7، المغني 1: 295، الشرح الكبير 1: 277، المبسوط للسرخسي 1: 122، التفسير الكبير 11: 166.
(5) سنن أبي داود 1: 93 / 336، سنن الدارقطني 1: 190 / 3.

[ 217 ]

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر بدنه صحيحا غسل الصحيح ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحا تيمم ولا يغسل الصحيح لعدم وجوب الجمع بين البدل والمبدل كالصيام، والاطعام (1). فروع: أ - لو تمكن من المسح بالماء على العضو الجريح، أو على جبيرة وغسل الباقي وجب ولا يتيمم - خلافا للشافعي (2) - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو غير ذلك من أعضاء الوضوء فيعصبها بالخرقة: " إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة " (3). ب - لو كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا فأجنب تيمم. وعند الشافعي يجمع بين غسل الصحيح والتيمم، ويتخير إن شاء قدم التيمم ثم غسل الصحيح، وإن شاء غسل الصحيح ثم تيمم للجريح إذ الترتيب في الجنابة عنده ساقط (4). وإن كان محدثا وكان القرح في الوجه، فإن شاء بدأ بالتيمم ثم غسل الصحيح من وجهه، وإن شاء غسل الصحيح من وجهه ثم تيمم لأن العضو الواحد لا ترتيب فيه، نعم يجب تقديم التيمم على غسل اليدين، وإن كان في عضو آخر غسل ما قبله، وإن كان على وجهه قرح وعلى يديه آخر غسل الصحيح من وجهه ثم تيمم لموضع القرح ثم غسل

(1) المبسوط للسرخسي 1: 122، بدائع الصنائع 1: 51، المجموع 2: 293، فتح العزيز 2: 297، المغني 1: 295، الشرح الكبير 1: 277، التفسير الكبير 11: 166 - 167.
(2) المجموع 2: 323 و 327، المغني 1: 315.
(3) الكافي 3: 33 / 3، التهذيب 1: 362 / 1095 (4) المجموع 2: 288، السراج الوهاج: 26، مغني المحتاج 1: 94، المغني 1: 297، الشرح الكبير 1: 280.

[ 218 ]

الصحيح من يده ثم تيمم. ج - لو غسل الصحيح وتيمم للجريح ثم برئ الجرح بطل حكم التيمم فيه ووجب غسله عنده (1). د - لو كان على قرحه دم يخاف من غسله تيمم للحدث وصلى ولا يعيد - وبه قال أبو حنيفة، والمزني (2) - لأنه امتثل المأمور به فخرج عن العهدة. وقال الشافعي: يعيد لأنه صلى بالنجاسة فإذا ترك الطهارة لعذر نادر غير متصل أعاد كالمحبوس في المصر (3)، ونمنع الأصل، ويعارض بأن النجاسة إذا لم تمنع من فعل الصلاة لم تمنع من الاعتداد بها كنجاسة المستحاضة. ه‍ - لو كان على موضع التيمم خرقة لقرح لا يخاف من نزعها وجب عليه نزعها، ولو خاف من نزعها مسح بالتراب عليها وصلى ولا إعادة عليه للامتثال، وقال الشافعي: يعيد لأن التيمم لا يجزي على حائل دون العضو (4)، وهو ممنوع. و - إذا تيمم جاز أن يصلي ما شاء عندنا على ما تقدم ولو كان بعض أعضائه جريحا. وقال الشافعي: إذا غسل السليم وتيمم للجراحة استباح فريضة واحدة وما شاء من النوافل، فإن أراد أن يصلي فريضة أخرى أعاد التيمم لأجل الجراحة، ويعيد الغسل في كل عضو يترتب على العضو المجروح، وفي القدر

(1) المجموع 2: 292، مغني المحتاج 1: 95، فتح العزيز 2: 308.
(2) مختصر المزني: 7.
(3) مختصر المزني: 7، مغني المحتاج 1: 107.
(4) المجموع 2: 328 - 329، مختصر المزني: 7، مغني المحتاج 1: 107، السراج الوهاج: 30، المهذب للشيرازي 1: 44، المغني 1: 313.

[ 219 ]

الصحيح من المجروح وما قبله قولان (1). ز - إذا رفع الجبيرة بعد الاندمال أو قبله ليعيد الجبيرة عليه فإن كان محدثا تطهر، وإن كان متطهرا فهو على طهارته عندنا. وقال الشافعي: بطل طهره فيما تحت الجبيرة وفي المترتب عليه من الأعضاء، وهل يلزمه استئناف الوضوء؟ قولان له. ولو كانت الجبيرة على عضوين فرفع إحداهما لا يلزمه رفع الأخرى عنده، بخلاف الماسح على الخف إذا نزع أحد الخفين فإنه يلزمه نزع الآخر لأن شرطه لبس الخفين دفعة (2). ح - لو رفع الجبيرة عن موضع الكسر فوجده مندملا، فإن قلنا برفع الحدث فلا إعادة لما بعد الاندمال، وإلا فالوجه الاعادة لكل ما صلاه بعد الاندمال دون المشكوك فيه. واضطرب قول الشافعي، والمشهور قولان: عدم الاعادة، لأنه عليه السلام لم يأمر به عليا عليه السلام (3)، ووجوبها لانه عارض نادر (4). ط - لو كان به جرح ولا جبيرة غسل جسده وترك الجرح لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الجرح كيف يصنع صاحبه قال: " يغسل ما حوله " (5). وقال الباقر عليه السلام: " لا يغسله إن خشي على نفسه " (6) ولأن

(1) المجموع 2: 291 - 292، فتح العزيز 2: 304 و 306.
(2) المجموع 2: 331 و 332، فتح العزيز 2: 308، مغني المحتاج 1: 95.
(3) سنن ابن ماجة 1: 215 / 657، سنن البيهقي 1: 228.
(4) المجموع 2: 292. (5) الكافي 3: 32 / 2، التهذيب 1: 363 / 1095، الاستبصار 1: 77 / 239.
(6) التهذيب 1: 363 / 1099.

[ 220 ]

الضرورة أسقطت غسله، وسقط التيمم لئلا يجمع بين البدل والمبدل. وقال الشافعي: يغسل الصحيح ويتيمم للجرح (1)، وعن أحمد: يمسح الجرح ويغسل ما فوقه (2) وهو جيد إن أمن الضرر مع المسح. مسألة 320: لو نسي الماء في رحله فتيمم وصلى أعاد - وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال أحمد، وأبو يوسف (3) - لقول الصادق عليه السلام: " يتوضأ ويعيد " (4) ولأنه فرط في الطلب، فإنه لو اجتهد حسب ما يلزمه لوجده، ولأنها طهارة تجب مع الذكر فإذا نسيها لم تسقط عنه، كما لو شك في الطهارة ثم صلى ثم تيقن الحدث. وحكى أبو ثور عن الشافعي عدم الاعادة - وبه قال أبو حنيفة (5) - وبه قال السيد المرتضى (6) - وعن مالك روايتان (7) - لأنه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء لأن النسيان حال بينه وبين الماء فكان فرضه التيمم كما لو حال السبع، والفرق التفريط في صورة النزاع. وقال الشيخ: إن اجتهد وطلب لم يعد وإلا أعاد لأنه صلى بتيمم

(1) المجموع 2: 287 - 289، فتح العزيز 2: 284 و 292، الشرح الكبير 1: 277.
(2) المغني 1: 294 و 315، الشرح الكبير 1: 277.
(3) المجموع 2: 266 - 267، فتح العزيز 2: 256، الميزان 1: 125، الوجيز 1: 20، فتح الوهاب 1: 22، السراج الوهاج: 26، المغني 1: 275، الشرح الكبير 1: 283، اللباب 1: 35.
(4) الكافي 3: 65 / 10، التهذيب 1: 212 / 616.
(5) المجموع 2: 267، فتح العزيز 2: 257، الميزان 1: 125، الوجيز 1: 20، اللباب 1: 35، المغني 1: 275، الشرح الكبير 1: 283 - 284.
(6) حكاه المحقق في المعتبر: 101.
(7) المدونة الكبرى 1: 43، المغني 1: 275، الشرح الكبير 1: 284، الميزان 1: 125.

[ 221 ]

مشروع ولا طريق إلى إزالة النسيان فصار كعدم الوصلة (1). فروع: أ - لو كان في رحله ماء فحال العدو بينه وبين رحله تيمم وصلى ولا إعادة عليه إجماعا. ب - لو كان الماء في رحله فضل عنه فحضرت الصلاة فطلب الماء فلم يجد تيمم وصلى ولا إعادة عليه لأنه غير مفرط، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: يعيد كالناسي (2). ج - لو كان بقربه بئر فخفيت عنه، فإن كان قد طلب فلا إعادة، وإلا أعاد لتفريطه. مسألة 321: لو صلى بتيمم ثم أحدث في الأثناء ووجد الماء، قال الشيخان: إن تعمد الحدث أعاد الصلاة بعد الوضوء، وإن كان سهوا توضأ وبنى على ما مضى من صلاته (3) لرواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: " إنه يخرج ثم يتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (4). وإنما نزلها الشيخان على السهو لأن تعمد الحدث مبطل للصلاة إجماعا، فلا يجوز حمل الرواية عليه إذ الخبر لا يعارض الاجماع. وحملت الرواية على السهو لأن الواقع من الصلاة وقع مشروعا مع بقاء

(1) المبسوط للطوسي 1: 31.
(2) المجموع 2: 265 - 266، فتح العزيز 2: 259 - 260، مغني المحتاج 1: 91، السراج الوهاج: 26، الوجيز 1: 20.
(3) النهاية: 48، المقنعة: 8.
(4) التهذيب 1: 205 / 594.

[ 222 ]

الحدث فلا يبطل بزوال الاستباحة كالمبطون إذا فجأه الحدث، والمستحاضة، ولا ينتقض بالطهارة المائية لارتفاع الحدث فيها، فالحدث المتجدد مبطل لذلك الرفع، والأقرب عندي وجوب الاستئناف. مسألة 322: إذا اجتمع محدث، وميت، وجنب ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم، فإن كان ملكا لاحدهم اختص به، وإن لم يكن ملكا لأحد، أو لباذل، أو أوصي لا حقهم به، قال الشيخ في الخلاف: تخيروا في التخصيص لأنها فروض اجتمعت وليس البعض أولى فتعين التخيير، ولاختلاف الروايات ففي رواية عن الكاظم عليه السلام: اختصاص الجنب (1)، وفي أخرى مرسلة: اختصاص الميت (2) فتعين التخيير (3). وله قول آخر: اختصاص الجنب (4) لاتصال الرواية به، ولأنه متعبد بالغسل مع وجود الماء، والميت قد سقط الفرض عنه بالموت، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، والأخرى: اختصاص الميت - وبه قال الشافعي (5) - لأنه خاتمة عمله فيستحب أن تكون طهارته كاملة، والحي يرجع إلى الماء فيغتسل، ولأن القصد بغسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتيمم، والقصد بغسل الحي إباحة الصلاة وهي تحصل بالتيمم (6). فروع: أ - لا يجوز للمالك بذله لغيره مع وجوب الصلاة عليه لأنه متمكن من الماء فلا يجوز العدول إلى التيمم.

(1) التهذيب 1: 109 / 285، الاستبصار 1: 101 / 329.
(2) التهذيب 1: 110 / 228، الاستبصار 1: 102 / 332. (3) الخلاف 1: 166 مسألة 118.
(4) النهاية للطوسي: 50.
(5) مختصر المزني: 8.
(6) المغني 1: 310، الشرح الكبير 1: 313.

[ 223 ]

ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن قوم كانوا في سفر أصاب أحدهم جنابة وليس معهم إلا ما يكفي الجنب يتوضؤون أم يعطونه الجنب؟ قال: " يتوضؤون هم ويتيمم الجنب " (1). ب - لو أمكن أن يستعمله أحدهم ويجمع فيستعمله الآخر فالأولى تقديم المحدث لأن رافع الجنابة إما غير مطهر أو مكروه. ج - لو كان مباحا فالسابق أولى، فإن توافوا دفعة فهم شركاء، ولو تمانعوا فالمانع آثم ويملكه القاهر لأنه سابق. د - لو اجتمع جنب وحائض فالأقوى تقديم الحائض لأنها تقضي حق الله وحق زوجها في إباحة الوطئ، ويحتمل الجنب الرجل لأنه أحق بالكمال من المبرأة. ه‍ - لو اجتمع جنب ومحدث فالجنب أولى لأنه يستفيد به ما لا يستفيده المحدث، وإن كان وفق حاجة المحدث فهو أولى، لأنه يستفيد به طهارة كاملة، وإن لم يكف أحدهما فالجنب أولى، لأنه يطهر به بعض أعضائه. ولو كفى كل واحد منهما ويفضل منه فضلة لا تكفي الآخر فالمحدث أولى لأن فضلته يمكن للجنب استعمالها، ويحتمل الجنب لاستفادته ما لا يستفيده المحدث. و - لو تغلب المرجوح أساء وأجزأ لأن الآخر لا يملكه. ز - لو اجتمع ميت ومن على بدنه نجاسة احتمل تقديم الميت لأنه آخر عهده بالماء، وغسل النجاسة إذ لا بدل لها، وللشافعي كالوجهين (2).

(1) التهذيب 1: 190 / 548.
(2) المجموع 2: 275، فتح العزيز 2: 246، مختصر المزني: 8.

[ 224 ]

ولو اجتمع من على بدنه نجاسة مع محدث، أو حائض، أو جنب، فإزالة النجاسة أولى لعدم البدل.

[ 225 ]

الباب السابع: في اللواحق وفيه فصول: الأول: في الأواني والجلود. مسألة 323: أقسام الأواني أربعة: ما يتخذ من الذهب، أو الفضة، أو من العظام، أو من الجلود، أو ما عدا ذلك، ويحرم استعمال المتخذ من الذهب والفضة في أكل، وشرب، وغيرهما عند علمائنا أجمع - وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وعامة العلماء، والشافعي في الجديد (1) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم) (2) معناه يلقي في جوفه، وهذا وعيد يقتضي التحريم. وقول الصادق عليه السلام: " لا تأكل في آنية الذهب والفضة " (3)، والنهي للتحريم، ولاشتماله على الفخر، والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء.

(1) المجموع 1: 252، فتح العزيز 1: 301، الهداية للمرغيناني 4: 87، البحر الرائق 8: 185، الشرح الصغير 1: 25، المغني 1: 92، الشرح الكبير 1: 85، المحلى 1: 218.
(2) صحيح مسلم 3: 1634 / 2065، سنن ابن ماجة 2: 1130 / 3413، سنن الدارمي 2: 121.
(3) الكافي 6: 267 / 1، المحاسن: 582 / 63.

[ 226 ]

وقال الشافعي في القديم: إنه مكروه غير محرم، والنهي فيه نهي تنزيه، لأن الغرض ترك التشبه بالأعاجم والخيلاء، وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم (1)، وليس بجيد لاشتمال الحديث عليه. وقال داود: إنه يحرم الشرب فقط (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله خص الشرب بذلك (3)، وهو غلط لما رواه حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا تلبسوا الحرير والديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (4) ولنهي الصادق عليه السلام عن الأكل (5). فروع: أ - لا فرق في تحريم الاستعمال بين الأكل، والشرب، وغيرهما، كالبخور والاكتحال منه، والطهارة وشبهه، وجميع وجوه الاستعمال لأن في تحريم الأكل والشرب تنبيها على منع غيرهما، ولأن الباقر عليه السلام نهى عن آنية الذهب والفضة (6)، ولا يمكن تعلق النهي بالعين فيصرف إلى المنافع وهي وجوه الاستعمال. ب - لا يحرم المأكول والمشروب منهما وإن كان الاستعمال محرما

(1) المجموع 1: 249، فتح العزيز 1: 301 و 302، الشرح الكبير 1: 86، نيل الأوطار 1: 81.
(2) المجموع 1: 249، نيل الأوطار 1: 81.
(3) صحيح مسلم 3: 1634 / 2065، سنن ابن ماجة 2: 1130 / 3413، سنن الدارمي 2: 121.
(4) صحيح البخاري 7: 99 و 146، صحيح مسلم 3: 1638 / 2067، سنن الترمذي 4: 299 / 1878، سنن أبي داود 3: 337 / 3723، سنن ابن ماجة 2: 130 و 1187 / 3414 و 3590، سنن الدارمي 2: 121.
(5) الكافي 6: 267 / 1، المحاسن: 582 / 63.
(6) الكافي 6: 267 / 4، المحاسن: 582 / 59.

[ 227 ]

لتعلق النهي به لا بالمستعمل. ج - قال بعض الشافعية: إنما يكون مستعملا للمجمرة إذا بسط ثوبه عليها، فأما إذا كانت بعيدة منه فلا يكون استعمالا (1)، وليس بجيد، بل لو وضع البخور في الاناء كان استعمالا لها مع الاستنشاق. د - لا فرق في التحريم بين الرجال والنساء إجماعا، لوجود المقتضي فيهما، وإنما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للرجل والتجمل عنده وهو مختص بالحلي فتختص الاباحة به. مسألة 324: يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة من غير استعمال - وهو أحد قولي الشافعي (2) - لأن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كآلات الملاهي، ولأن فيه تعطيلا للمال، وسرفا، وخيلاء، ولنهي الباقر عليه السلام عن آنية الذهب والفضة (3) وهو يتناول الاتخاذ. ولقول الكاظم عليه السلام: " آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون " (4). وللشافعي قول بالجواز لأن الخبر ورد بتحريم الاستعمال فلا يحرم الاتخاذ، كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير (5). والفرق عدم تحريم الثياب مطلقا فإنها تباح للنساء، وللتجارة. مسألة 325: لو توضأ أو اغتسل من آنية الذهب والفضة فعل محرما

(1) المجموع 1: 250، فتح العزيز 1: 302، مغني المحتاج 1: 29.
(2) فتح العزيز 1: 302، كفاية الأخيار 1: 10، مغني المحتاج 1: 29.
(3) الكافي 6: 267 / 4، المحاسن 582 / 59.
(4) الكافي 6: 268 / 7، المحسان: 582 / 62.
(5) مغني المحتاج 1: 29، المغني 1: 93، الشرح الكبير 1: 85 - 86.

[ 228 ]

وصحت طهارته - وبه قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي (1) - لأن الطهارة تحصل بإجراء الماء على العضو، وذلك يحصل بعد انفصاله عن الاناء. وقال بعض الحنابلة: لا تصح لأنه استعمل المحرم في العبادة فلا تصح كالصلاة في الدار المغصوبة (2). وهو خطأ لأن انتزاع الماء من الاناء ليس جزءا من الوضوء، والطهارة إنما تقع بعد انقضاء ذلك الاستعمال فيكون كما لو قهر غيره على تسليم ثوب نفسه ليستتر به في الصلاة، والتصرف جزء من الصلاة في الدار المغصوبة وهو منهي عنه فلهذا بطلت. تذنيب: لو جعل آنية الذهب والفضة مصبا لماء الوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه لم يبطل وضوؤه، لأنه قد رفع الحدث قبل وقوعه في الاناء. وبعض الحنابلة أبطله لما فيه من الفخر، والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء (3)، وهو غلط لأن فعل الطهارة حصل قبل وصول الماء إلى الاناء. مسألة 326: اختلف علماؤنا في المفضض، فجوزه في المبسوط (4) وبه قال أبو حنيفة (5) - وإن كان كثيرا لغير حاجة لأنه صار تابعا للمباح. ولقول الصادق عليه السلام: " لا بأس بأن يشرب الرجل في القدح

(1) كفاية الأخيار 1: 10، المغني 1: 93، الشرح الكبير 1: 87.
(2) المغني 1: 93، الشرح الكبير 1: 88، المحرر في الفقه 1: 7.
(3) المغني 1: 93، الشرح الكبير 1: 88 - 89. (4) المبسوط للطوسي 1: 13.
(5) الهداية للمرغيناني 4: 78، بدائع الصنائع 5: 132 و 133، المغني 1: 94، الشرح الكبير 1: 87، تبيين الحقائق 6: 11، نيل الأوطار 1: 84.

[ 229 ]

المفضض، وأعزل فمك عن موضع الفضة " (1). ومنعه في الخلاف لما فيه من الخيلاء، والبطر، وتعطيل المال (2) ولما رواه بريد عن الصادق عليه السلام: أنه كره الشرب في الفضة وفي القداح المفضضة وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض والمشط كذلك (3). وقال الشافعي: إن كان المضبب على شفة الاناء لم يجز الشرب منه لئلا يكون شاربا على فضة، وإن كان في غيرها جاز (4). وقال بعض الشافعية: لا فرق بين أن يكون على شفته أو غيرها في التحريم، وبه قال مالك (5). ومن الشافعية من قسم المضبب أربعة أقسام: يسير لحاجة كحلقة القصعة وضبتها وهو مباح، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان حلقة قصعته وقبيعة سيفه من فضة (6)، وأذن لعرفجة بن أسعد لما قطع أنفه يوم الكلاب أن يتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه، فأذن له أن يتخذ أنفا من ذهب (7)، وكثير لحاجة فيكره لكثرته، ولا يحرم للحاجة إليه، وقليل لغير حاجة فلا يحرم لقلته، ويكره لعدم الحاجة إليه، وكثير لغير حاجة ويحرم (8) - خلافا لأبي

(1) التهذيب 9: 91 - 92 / 392.
(2) قال الشيخ في الخلاف 1: 69 المسألة 15 يكره استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك المفضض منهما، وحكى المحقق أيضا قوله في المعتبر: 126، ثم قال: ومراده بالتحريم. فلاحظ.
(3) الكافي 6: 267 / 5، الفقيه 3: 222 / 1032، التهذيب 9: 91 / 387.
(4) المجموع 1: 258، فتح العزيز 1: 304.
(5) المجموع 1: 258، فتح العزيز 1: 304، أقرب المسالك 1: 4، الشرح الصغير 1: 25.
(6) سنن الترمذي 4: 200 و 201 / 1690 و 1691، سنن النسائي 8: 219.
(7) سنن الترمذي 4: 240 / 1770، سنن النسائي 8: 163 - 164، مسند أحمد 4: 342 و 5: 23، أسد الغابة 3: 400، سنن أبي داود 4: 92 / 4232.
(8) المجموع 1: 258، فتح العزيز 3: 304 - 306، المهذب للشيرازي 1: 19.

[ 230 ]

حنيفة (1) -. والتفصيل في المضبب بالفضة، أما الضبب بالذهب فإنه حرام عندهم على الاطلاق (2). فروع: أ - إذا سوغنا الشرب من المفضض قال الشيخ رحمه الله: يجب عزل الفم عن موضع الفضة (3). لقول الصادق عليه السلام: " وأعزل فمك عن موضع الفضة " (4) والأمر للوجوب، وقيل بالاستحباب عملا بالأصل (5) وبما رواه معاوية بن وهب عن الصادق عليه السلام سئل عن القدح فيه ضبة فضة فقال: " لا بأس إلا أن يكره الفضة فينزعها عنه " (6). ب - لا بأس باتخاذ اليسير من الفضة كالحلقة للقصعة، والضبة، والسلسلة والقبيعة للسيف لأن الكاظم عليه السلام كان له مرآة كذلك (7). ج - لا بأس باتخاذ ما ليس بإناء كالصفائح في قائم السيف والميل، وقد روي أن العباس عذر، فعمل له قضيب ملبس بفضة نحو ما يعمل للصبيان من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن عليه السلام فكسر (8)، وهو

(1) الهداية للمرغيناني 4: 78 - 79، بدائع الصنائع 5: 133، المجموع 1: 261.
(2) المجموع 1: 255، مغني المحتاج 1: 30، المهذب للشيرازي 1: 19.
(3) المبسوط للطوسي 1: 13.
(4) التهذيب 9: 91 - 92 / 392.
(5) القائل هو المحقق في المعتبر: 126.
(6) التهذيب 9: 91 / 391، المحاسن: 582 / 65. (7 و 8) التهذيب 9: 91 / 390، المحاسن 582 / 67.

[ 231 ]

يعطي المنع. د - لو استأجر صانعا ليعمل له إناء فإن قلنا بتحريم الاتخاذ مطلقا لم يستحق أجرة لبطلان العقد، كما لو استأجره لعمل صنم، وإلا استحق. ه‍ - لو كان له إناء فكسره آخر ضمن النقصان إن سوغنا الاتخاذ، وإلا فلا. و - لو شرب وفي فيه دنانير أو دراهم أو طرحهما في الكوز وشرب لم يكن به بأس إجماعا لعدم اتخاذ ذلك من الزينة والتجمل. ز - لو اتخذ إناء من ذهب أو فضة وموهها بنحاس، أو رصاص حرم - وهو أحد وجهي الشافعية - لأن الاسراف موجود هنا، والثاني: الاباحة لأن السرف لا يظهر للناس فلا يخشى فتنة الفقراء (1)، ولو عكس جاز، وللشافعي وجهان (2). ح - لو اتخذ أنفا من ذهب أو فضة، أو سنا، أو أنملة لم يحرم لحديث عرفجة بن أسعد (3)، ولو اتخذ إصبعا، أو يدا فللشافعية قولان: الجواز قياسا على الأنف والسن، والتحريم لأنه زينة محضة إذ لا منفعة به (4). ط - لا يجوز اتخاذ أواني الذهب والفضة لتزيين المجالس لأن الخيلاء فيه أكثر، وللشافعي فيه وجهان (5).

(1) المجموع 1: 259، فتح العزيز 1: 303.
(2) المجموع 1: 260، فتح العزيز 1: 303، كفاية الأخيار 1: 10، مغني المحتاج 1: 29 - 30. (3) سنن النسائي 8: 163 - 164، سنن الترمذي 4: 240 / 1770، سنن أبي داود 4: 92 / 4232، مسند أحمد 4: 342 و 5: 23، أسد الغابة 3: 400.
(4) المجموع 1: 256.
(5) المجموع 1: 251، فتح العزيز 1: 302.

[ 232 ]

ي - المموه إن كان يحصل منه شئ بالعرض على النار حرم، وإلا فإشكال، وللشافعية وجهان (1). يا - في المكحلة الصغيرة، وظرف الغالية للشافعية وجهان: التحريم، وهو المعتمد لأنه يسمى إناء، والاباحة لأن قدره يحتمل ضبة للشئ فكذلك وحده (2). مسألة 327: نجس العين كالكلب والخنزير لا يقع عليه الذكاة فلا يجوز استعمال جلده، سواء دبغ أو لا، ذهب إليه علماؤنا أجمع لأنها أعيان نجسة في حال الحياة، وغاية الدباغ نزع الفضلات والاستحالات، والحياة أبلغ في دفعهما فإذا لم تفد الحياة الطهارة فالدباغ أولى، وكذا فروعهما وما يتولد منهما، أو من أحدهما مع بقاء الاسم، والآدمي لا تقع عليه الذكاة فجلده نجس، ولو غسل وسلخ بعد الغسل فإشكال، ينشأ من ورود التطهير بالغسل، وكذا جلد الشهيد. مسألة 328: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ سواء كان من نجس العين أو طاهرها، وسواء كان من مأكول اللحم أو لا، عند علمائنا أجمع - إلا ابن الجنيد (3) - وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، وهو إحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد (4) لقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * (5) وتحريم الأعيان ينصرف إلى تحريم جميع المنافع منها ومن أجزائها.

(1) المجموع 1: 260، فتح العزيز 1: 303، كفاية الأخيار 1: 10، مغني المحتاج 1: 29.
(2) فتح العزيز 1: 309.
(3) حكاه المحقق في المعتبر: 129.
(4) المنتقى 3: 134، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 94، المجموع 1: 217، نيل الأوطار 1: 74.
(5) المائدة: 3.

[ 233 ]

ولما رواه عبد الله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن بأرض جهينة (أن لا تستنفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الميتة ينتفع بشئ منها؟ قال: " لا " (2). وكتب الكاظم عليه السلام " لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب " (3) ولأن الموت سبب للتنجيس ولم يثبت المزيل. وقال الشافعي: تطهر كل الجلود بالدباغ إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما، أو من أحدهما، ورواه عن علي عليه السلام، وابن مسعود (4) وفي الآدمي عنده وجهان (5) لقوله عليه السلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (6). وحديث ابن عكيم متأخر لأنه قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بشهرين (7)، ولأنه روى فيه: (كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا

(1) سنن الترمذي 4: 222 / 1729، سنن أبي داود 4: 67 / 4127، سنن ابن ماجة 2: 1194 / 3613، سنن النسائي 7: 175، مسند أحمد 4: 310 - 311، سنن البيهقي 1: 14.
(2) الكافي 6: 259 / 7، التهذيب 2: 204 / 799.
(3) الكافي 6: 258 / 6.
(4) الأم 1: 9، المجموع 1: 215 و 217، فتح العزيز 1: 288، كفاية الأخيار 1: 8، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 97، نيل الأوطار 1: 74.
(5) المجموع 1: 216، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 97.
(6) صحيح مسلم 1: 277 / 366، سنن الترمذي 4: 221 / 1728، سنن ابن ماجة 2: 1193 / 3609، سنن أبي داود 4: 66 / 4123.
(7) سنن الترمذي 4: 222 ذيل الحديث 1729، مسند أحمد 4: 310.

[ 234 ]

أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (1) وهو يدل على التأخر فيتعين العمل به. وروي عن مالك أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيصلى عليه ولا يصلى فيه، ويستعمل في الأشياء اليابسة دون الرطبة، وهو قول الشافعي (2). وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه (3) لقوله عليه السلام: (دباغ الاديم ذكاته) (4) فشبه الدباغ بالذكاة والذكاة لا تعمل فيما لا يؤكل لحمه. وقال أصحاب الرأي: الجلود كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الخنزير والانسان، فجلد الكلب يطهر بالدباغ (5) للعموم (6). وهو غلط لأنه نجس العين في حياته فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. وقال داود: تطهر كلها حتى الخنزير - وهو مروي عن أبي يوسف (7) - لعموم (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (8) وهو محمول على المذكى

(1) نيل الأوطار 1: 78 نقلا عن الدارقطني.
(2) المجموع 1: 217، فتح العزيز 1: 295، نيل الأوطار 1: 76.
(3) المجموع 1: 217، المغني 1: 87، الشرح الكبير 1: 95، نيل الأوطار 1: 75.
(4) سنن البيهقي 1: 21، سنن النسائي 7: 174، مسند أحمد 3: 476.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 202، الهداية للمرغيناني 1: 20، بدائع الصنائع 1: 85، المجموع 1: 217، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 97، نيل الأوطار 1: 76.
(6) صحيح مسلم 1: 277 / 366، سنن ابن ماجة 2: 1193 / 3609 و 1194 / 3612، سنن أبي داود 4: 66 / 4123 - 4125، سنن الترمذي 4: 221 / 1728، سنن البيهقي 1: 20 - 21.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 202، المجموع 1: 217، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 97، بداية المجتهد 1: 79، نيل الأوطار 1: 76.
(8) سنن الترمذي 4: 221 / 1728، سنن ابن ماجة 2: 1193 / 3609.

[ 235 ]

لقوله عليه السلام: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب) (1). وقال الزهري: ينتفع بجلود الميتة بكل حال وإن لم يدبغ (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله مر بشاة ميتة لمولاة ميمونة فقال: (ما على أهل هذه لو أخذوا إهابها فانتفعوا به) (3) ولم يذكر الدباغ، ومن شرط الدباغ روى فيه زيادة: (فدبغوه فانتفعوا به) (4). وعندنا أن الحديث ممنوع لما تواتر من النقل عن أهل البيت عليهم السلام من منع ذلك، وروايتهم عن علي عليه السلام خلاف ذلك (5) مدفوعة، لأن أولاده عليهم السلام أعرف بمذهبه. وقد سئل الصادق عليه السلام: الميتة ينتفع بشئ منها فقال: " لا " فقلت: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ما كان على أهل هذه الشاة أن ينتفعوا بإهابها) قال: " كانت لسودة بنت زمعة وكانت مهزولة فتركوها حتى ماتت فقال: ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي بالذكاة " (6).

(1) سنن الترمذي 4: 222 / 1729، سنن أبي داود 4: 67 / 4127، سنن ابن ماجة 2: 1194 / 3613، سنن النسائي 7: 175، مسند أحمد 4: 310 - 311.
(2) المجموع 1: 217، نيل الأوطار 1: 76.
(3) سنن أبي داود 4: 66 / 4121، سنن ابن ماجة 2: 1193 / 3611، سنن النسائي 7: 171.
(4) سنن البيهقي 1: 15، صحيح مسلم 1: 277 / 102.
(5) المجموع 1: 217.
(6) الكافي 6: 259 / 7، التهذيب 2: 204 / 799.

[ 236 ]

وسأل عبد الرحمن بن الحجاج الصادق عليه السلام أشتري الفراء من سوق المسلمين فيقول صاحبها: هي ذكية هل يصلح أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: " لا " قلت: وما أفسد ذلك قال: " استحلال أهل العراق الميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله " (1). تذنيب: وفي جواز الانتفاع بها في اليابس إشكال، الأقرب عدمه لعموم النهي (2)، وعن أحمد: الجواز قياسا على الانتفاع بالكلب (3). وهو ممنوع لبطلان القياس. مسألة 329: ما لا يؤكل لحمه من الحيوان الطاهر في الحياة كالسباع وغيرها يقع عليه الذكاة إلا الآدمي، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد (4). ونعني بوقوع الذكاة بقاءه على طهارته لأن الذكاة أقوى من الدباغ، لأنها تطهر اللحم والجلد، ولقوله تعالى: * (إلا ما ذكيتم) * (5). والتذكية: الذباحة فتكون مطهرة لوجود صورتها إذا كان المذبوح

(1) الكافي 3: 398 / 5، التهذيب 2: 204 / 798.
(2) انظر الكافي 6: 259 / 7 والتهذيب 2: 204 / 799 وسنن الترمذي 4: 222 / 1279 وسنن أبي داود 4: 67 / 4127، وسنن ابن ماجة 2: 1194 / 3613 وسنن النسائي 7: 175 ومسند أحمد 4: 310 - 311 وسنن البيهقي 1: 14.
(3) المغني 1: 86، الشرح الكبير 1: 95.
(4) شرح فتح القدير 1: 81، بدائع الصنائع 1: 86، بداية المجتهد 1: 441، القوانين الفقهية: 179، المغني 1: 88، الشرح الكبير 1: 101، المجموع 1: 245، فتح العزيز 1: 288.
(5) المائدة: 3.

[ 237 ]

طاهرا، ولأنها تخلي الحيوان من العفن المقتضي للتحريم. ولقول الصادق عليه السلام: " لا يصلى فيما لا يؤكل لحمه، ذكاه الذبح أو لم يذكه " (1) وهو يدل على أن الذبح مطهر. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو ثور: لا تقع الذكاة إلا على ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل إذا ذبحه نجس وكان ذلك موته، لأنها ذكاة لا تبيح اللحم فلا تطهر الجلد (2). والملازمة ممنوعة، أما ما يؤكل لحمه فإذا ذكي حل أكله، وكان طاهرا، وجاز استعمال جلده قبل الدباغ وبعده ما لم يصبه دم، فإن أصابه غسله إجماعا. مسألة 330: إذا ذكي ما لا يحل أكله جاز استعمال جلده بعد الدبغ في غير الصلاة عند علمائنا أجمع، وهل يجوز قبله؟ قال الشيخ، والمرتضى: لا يجوز (3) لأنها تزيل العفن، والدسومة. وقيل بالجواز، لأن الذكاة تقع عليه فيستغنى بها عن الدباغ لأنها لو لم تقع عليه لكان ميتة، والميتة لا تطهر بالدباغ (4). مسألة 331: إذا شرطنا الدباغ فإنه يكون بما كانت العرب تدبغ به كالقرظ وهو ورق السلم ينبت بنواحي تهامة، أو الشب بالباء المنقطة تحتها نقطة وهو يشبه الزاج، وقيل بالثاء المنقطة فوقها ثلاث نقط وهو شجر مر الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا، وكذا بالعفص، وقشر الرمان، وما أشبه ذلك من

(1) الكافي 3: 397 / 1، التهذيب 2: 209 / 818، الاستبصار 1: 383 - 384 / 1454.
(2) المجموع 1: 245، المغني 1: 86، الشرح الكبير 1: 95، بداية المجتهد 1: 79، المهذب للشيرازي 1: 18.
(3) المبسوط للطوسي 1: 15، وحكى المحقق قول المرتضى في المعتبر: 129.
(4) المعتبر: 129.

[ 238 ]

الأجسام الطاهرة التي تنشف الرطوبة وتنفي الخبث. ولو دبغ بالأشياء النجسة، قال ابن الجنيد: لا يطهر (1)، والأقرب: أنه يطهر بالغسل، وبه قال الشافعي (2). وقال أحمد: لا يطهر لأن النجس لا يطهر النجس، وهو قول للشافعي (3). وما روي عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن جلود الدارش (4) فقال: " لا تصل فيها فإنها تدبغ بخرء الكلاب " (5) محمول على الصلاة قبل الغسل. فروع: أ - الرماد إن أصلح الجلد جاز الدبغ به. ب - التراب والتشميس لا يحصل بهما الدبغ عند الشافعي، لأنه لا يأمن الفساد ومتى يلحقه الماء عاد إلى حاله (6). وقال أبو حنيفة: إنه يحصل بهما الدباغ (7). ج - إذا دبغ جلد الميتة لم يطهر عندنا على ما تقدم، واختلفت

(1) حكاه المحقق في المعتبر: 129.
(2) المجموع 1: 225، فتح العزيز 1: 292، كفاية الأخيار 1: 9.
(3) المجموع 1: 225، فتح العزيز 1: 292، كفاية الأخيار 1: 9، المغني 1: 88، الشرح الكبير 1: 99 - 100.
(4) الدارس: جلد أسود معروف. انظر القاموس المحيط 2: 274، تاج العروس 4: 310.
(5) الكافي 3: 403 / 25، التهذيب 2: 373 / 1552.
(6) المجموع 1: 224، فتح العزيز 1: 293، كفاية الأخيار 1: 9.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 202، بدائع الصنائع 1: 86، فتح العزيز 1: 293.

[ 239 ]

الشافعية فقال بعضهم: لابد من الغسل بالماء القراح، ومنعه آخرون (1). مسألة 332: القائلون بطهارة جلد الميتة بالدباغ اختلفوا، فقال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور: بالمنع في جلود السباع قبل الدبغ وبعده (2). وكره سعيد بن جبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق الصلاة في جلود الثعالب، ورووه عن علي عليه السلام، وعمر (3)، وكره عطاء، وطاوس، ومجاهد الانتفاع بجلود السنانير (4). ورخص ابن سيرين، وعروة، والزهري في الركوب على جلود النمور (5). وأباح الحسن، والشعبي، وأصحاب الرأي الصلاة في جلود الثعالب، لأنها تفدي في الاحرام فكانت مباحة، ولقيام الدليل على طهارة جلد الميتة بالدباغ (6). فروع: أ - جلد الميتة كما لا يحل استعماله بعد الدباغ كذا لا يحل أكله لقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * (7)، ولأنه جزء من الميتة فحرم أكله كسائر

(1) المجموع 1: 226، فتح العزيز 1: 293 - 294 (2) المغني 1: 86، الشرح الكبير 1: 97.
(3) المغني 1: 86، الشرح الكبير 1: 97.
(4) المغني 1: 86.
(5) المغني 1: 86، الشرح الكبير 1: 97.
(6) المغني 1: 86.
(7) المائدة: 3.

[ 240 ]

أجزائه. وأباح بعض الشافعية، وبعض الحنابلة أكله (1) - وللشافعي قولان (2) - لقوله عليه السلام: (دباغ الاديم ذكاته) (3)، ولا يلزم من الطهارة إن قلنا بها إباحة الأكل، وأجاز القفال من الشافعية أكل جلد الميتة غير المأكول لأنه طاهر يمكن تناوله ولا مضرة فيه (4). ب - لا يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (5) - لأنه نجس كالكلب. وأما بعد الدباغ فكذلك عندنا لأن الدباغ لا يطهره، وبه قال مالك، والشافعي في القديم (6) وقال في الجديد: يجوز بيعه - وبه قال أبو حنيفة - لأنه طاهر (7) وهو ممنوع. ج - الاجارة وسائر وجوه الانتفاع كالبيع. مسألة 333: ما يتناثر من جلد الميت من أجزاء الدواء نجس لملاقاته النجس، وللشافعي وجهان بناء على وجوب غسله بعد الدباغ، فإن أوجبه فهو نجس وإلا فلا (8)، لأن نجاستها كنجاسة الجلد فإذا زالت نجاسته حكم بطهارتها كما أن نجاسة الدن لما فيه من الخمر فإذا انقلبت خلا طهر الدن.

(1) المجموع 1: 230، المغني 1: 87، الشرح الكبير 1: 99، المهذب للشيرازي 1: 17.
(2) المجموع 1: 230، المهذب للشيرازي 1: 17.
(3) سنن البيهقي 1: 21، مسند أحمد 3: 476.
(4) المجموع 1: 230، فتح العزيز 1: 299.
(5) المجموع 1: 229، أحكام القرآن للجصاص 1: 116. (6) المجموع 1: 229، كفاية الأخيار 1: 9، المهذب للشيرازي 1: 17، أحكام القرآن للجصاص 1: 115.
(7) المهذب للشيرازي 1: 17، المجموع 1: 229، أحكام القرآن للجصاص 1: 115.
(8) المجموع 1: 227، فتح العزيز 1: 293.

[ 241 ]

فإذا دبغ الجلد وبقي عليه الشعر بعد الدباغ لم يحكم بطهارته عندنا وهو ظاهر - وهو أحد قولي الشافعي (1) - لأن الدباغ لا تأثير له في الشعر فإنه قبل الدباغ وبعده على صفة واحدة بخلاف الجلد، فإن الدباغ يصلحه والثاني: الطهارة لأن حكم الشعر حكم ميتته (2). مسألة 334: الشعر، والوبر، والصوف، والريش من طاهر العين طاهر ما دام متصلا به إجماعا، وفي نجس العين كالكلب، والخنزير قولان عندنا: الأقوى النجاسة - وبه قال الشافعي (3) - وقد تقدم ذلك. ولو ذبح مأكول اللحم فشعره، وصوفه، وريشه طاهر، وكذا إذا جز منه حيا إجماعا. ولو مات لم ينجس بالموت بل يجوز جزه ويكون طاهرا - وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والمزني (4) - لأنه لا روح فيه فلا ينجس بالموت، وقال الشافعي: إن فيه روحا وينجس بالموت - وبه قال عطاء، والحسن البصري، والأوزاعي، والليث بن سعد - لأنه جزء من الحيوان ينمي بحياته (5). وقال حماد بن أبي سليمان: إنه ينجس بموت الحيوان، ويطهر بالغسل (6).

(1) المجموع 1: 238، حلية العلماء 1: 96.
(2) المجموع 1: 239، حلية العلماء 1: 96.
(3) المجموع 1: 231، فتح العزيز 1: 300، الوجيز 1: 11، كفاية الأخيار 1: 9، المهذب للشيرازي 1: 18.
(4) بداية المجتهد 1: 78، الهداية للمرغيناني 1: 21، المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105، المجموع 1: 236.
(5) المجموع 1: 236، كفاية الأخيار 1: 9، المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105. (6) لم نعثر على قوله فيما لدينا من المصادر.

[ 242 ]

وأما غير المأكول فكذلك عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والمزني (1). وقال الشافعي: إنه نجس إلا في حال اتصاله بالحي فإن جز في حياته، أو ذكي الحيوان، أو مات فهو نجس (2). وأما الآدمي ففيه قولان بناء على أنه هل ينجس بالموت أم لا؟ فإن قال بعدم النجاسة فشعره طاهر بكل حال، وإن قال بالنجاسة فإنه طاهر مع الاتصال نجس بعد انفصاله، ويعفى عن قليله لعدم الاحتراز منه (3)، ونقل المزني أن الشافعي رجع عن تنجيس شعر بني آدم لأنه تعالى كرمهم (4). وعلى تقدير نجاسة شعرهم، ففي شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وجهان: الطهارة لأنه عليه السلام لما حلق شعره فرقه على أصحابه، والنجاسة لأن ما كان من الآدمي نجسا كان منه عليه السلام كذلك كالدم (5)، وعندنا أنه طاهر على ما تقدم. مسألة 335: العظم، والقرن، والظفر من الحيوان الطاهر العين طاهر وإن كان ميتا لأنه لا تحله الحياة، وكان للكاظم عليه السلام مشط من عاج (6)، وبه قال أبو حنيفة، والثوري (7).

(1) الشرح الصغير 1: 18، الهداية للمرغيناني 1: 21، كشاف القناع 1: 57، المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105.
(2) المجموع 1: 241 و 242، المهذب للشيرازي 1: 18.
(3) المجموع 1: 231، كفاية الأخيار 1: 9، المغني 1: 96، الشرح الكبير 1: 107.
(4) المجموع 1: 231.
(5) المجموع 1: 232 و 233.
(6) الكافي 6: 488 / 3 و 489 / 4.
(7) شرح فتح القدير 1: 84، المجموع 1: 243، المغني 1: 90، الشرح الكبير 1: 104.

[ 243 ]

وقال الشافعي: إنه ينجس بالموت - وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني (1) - لقوله تعالى: * (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) * (2) وهو محمول على إحياء صاحبها. مسألة 336: الأقوى في مذهبنا نجاسة اللبن في ضرع الميتة - وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد (3) - لأنه مائع في وعاء نجس فانفعل بالملاقاة. وقال أبو حنيفة: يحل شربه - وبه قال داود (4) - وهو رواية لنا (5) لأن الصحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن (6)، وهو يعمل بالأنفحة وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس كموت الحيوان، والبيضة في الدجاجة الميتة طاهرة إن اكتست الجلد الفوقاني، وبه قال الشافعي (7). مسألة 337: الأواني المتخذة من غير جنس الأثمان يجوز استعمالها غلت أثمانها كالبلور، والياقوت، والفيروزج، أو لا كالخزف، والزجاج، والخشب، ذهب إليه علماؤنا - وهو أحد قولي الشافعي - عملا بالأصل السالم عن معارضة النص لاختصاصه بالذهب والفضة، والثاني: تحريم النفيس لما فيه من السرف (8) فأشبه أواني الفضة، وينتقض بالثياب النفيسة، ولأن هذه

(1) المجموع 1: 242، بداية المجتهد 1: 78، المغني 1: 89، الشرح الكبير 1: 103. (2) يس: 79.
(3) المجموع 1: 244، تفسير القرطبي 2: 220، المغني 1: 90، الشرح الكبير 1: 102.
(4) أحكام القرآن للجصاص 1: 119، المجموع 1: 244، المغني 1: 90، الشرح الكبير 1: 102.
(5) انظر الكافي 6: 258 / 3 و 4.
(6) المغني 1: 90، الشرح الكبير 1: 102.
(7) المجموع 1: 244، المغني 1: 91، الشرح الكبير 1: 102.
(8) المجموع 1: 252، كفاية الأخيار 1: 10، المغني 1: 95، المهذب للشيرازي 1: 19.

[ 244 ]

الأشياء لا تعرفها إلا الخواص فلا افتتان للعامة فيها بخلاف الفضة. مسألة 338: أواني المشركين طاهرة ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة فيجب غسلها - وبه قال أحمد، وإسحاق (1) - لقوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (2) وقال الشافعي: لا يجب (3) وقد تقدم.

(1) المغني 1: 98، الشرح الكبير 1: 92، المجموع 1: 264. (2) التوبة: 28.
(3) المجموع 1: 264، المغني 1: 98، الشرح الكبير 1: 92.

[ 245 ]

الفصل الثاني: في الحمام وآدابه. مسألة 339: يجوز اتخاذ الحمام، وبيعه، وشراؤه، من غير كراهة، وكذا إجارته عملا بالأصل، ولما فيه من المنافع من التنظيف وغيره. ودخل علي عليه السلام الحمام وعمر، فقال عمر: بئس البيت الحمام يكثر فيه العناء ويقل فيه الحياء، فقال علي عليه السلام: " نعم البيت الحمام يذهب الأذى ويذكر بالنار " (1). وكره أحمد بناءه، وبيعه، وشراءه، وإجارته (2) لحديث عمر (3)، واتباع علي عليه السلام أولى. مسألة 340: ولا بأس بدخوله إجماعا مع الاستتار، وترك النظر إلى عورة غيره لأن النبي صلى الله عليه وآله دخل حماما بالجحفة، وكذا ابن عباس، وخالد بن الوليد، والحسن، وابن سيرين (4).

(1) التهذيب 1: 377 / 1166.
(2) المغني 1: 263.
(3) التهذيب: 1: 377 / 1166.
(4) المغني 1: 263، الشرح الكبير 1: 263.

[ 246 ]

ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام وقد سئل عن الحمام: " أدخله بمئزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم " (1). ودخل الصادق عليه السلام الحمام، فقال له صاحب الحمام: نخليه لك؟ فقال: " لا إن المؤمن خفيف المؤونة " (2). ودخل الكاظم عليه السلام، وغيرهما من الأئمة عليهم السلام (3). وأما الاستتار فلترك التعرض للحرام وهو النظر إلى العورة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا " (4). ونهى أمير المؤمنين عليه السلام أن يدخل الرجل إلا بمئزر (5). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر) (6). وروى حنان بن سدير عن أبيه قال: دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حماما في المدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا: " ممن القوم؟ " فقلنا: من أهل العراق، فقال: " وأي العراق؟ " فقلنا: كوفيون، فقال:

(1) التهذيب 1: 373 / 1143.
(2) الفقيه 1: 65 / 249.
(3) انظر الكافي 6: 497 و 500 و 501 و 502 / 7 و 8 و 21 و 22 و 35، الفقيه 1: 65 و 66 / 250 و 251 و 252، التهذيب 1: 374 / 1147.
(4) التهذيب 1: 373 / 1144.
(5) التهذيب 1: 373 - 374 / 1145.
(6) الكافي 6: 497 / 3، الفقيه 1: 60 - 61 / 225.

[ 247 ]

" مرحبا بكم يا أهل الكوفة وأهلا، أنتم الشعار دون الدثار " ثم قال: " ما يمنعكم من الازار؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام " قال: فبعث عمي إلى كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منا واحدا ثم دخلنا فيها فلما كنا في البيت الحار صمد لجدي فقال: " يا كهل ما يمنعك من الخضاب؟ " فقال له جدي: أدركت من هو خير مني ومنك لا يختضب، فقال: " ومن ذلك الذي هو خير مني؟ " قال: أدركت علي ابن أبي طالب عليه السلام ولا يختضب، فنكس رأسه وتصاب عرقا وقال: " صدقت وبررت " ثم قال: " يا كهل إن تخضب فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خضب وهو خير من علي، وإن تترك فلك بعلي أسوة " قال: فلما خرجنا من الحمام سألنا عن الرجل في المسلخ فإذا هو علي بن الحسين ومعه ابنه محمد بن علي عليهما السلام (1). مسألة 341: ويجوز للنساء دخوله مع الستر لعذر من حيض، أو نفاس، أو غيرهما، أو لغير عذر لما فيه من التنظيف والتحسين. ولقول علي عليه السلام وقد قيل له: إن سعيد بن عبد الملك يدخل جواريه الحمام: " وما بأس إذا كان عليهن الازر، لا يكن عراة كالحمير ينظر بعضهم إلى سوأة بعض " (2). وقال أحمد: لا يجوز إلا لعذر (3) لقول عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إن المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين الله عزوجل) (4) وهو محمول على الكراهة بمعنى ترك

(1) الكافي 6: 497 - 498 / 8، الفقيه 1: 66 / 252.
(2) التهذيب 1: 374 / 1146.
(3) المغني 1: 263، الشرح الكبير 1: 264.
(4) سنن الترمذي 5: 114 / 2803، سنن ابن ماجة 2: 1234 / 3750، سنن أبي داود 4: 39 / 4010.

[ 248 ]

الأولى، أو على غير الحمام. وقد روي كراهة بعثهن إلى الحمام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبعث بحليلته إلى الحمام) (1). مسألة 342: لو اغتسل عريانا بين الناس فعل محرما، والأقرب إجزاء الغسل، وإن كان خاليا جاز لأن موسى، وأيوب عليهما السلام اغتسلا عريانين (2). وإن استتر كان أولى لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يستتر بثوب ويغتسل وقال: (فالله أحق أن يستحي منه الناس) (3). ونهى صلى الله عليه وآله عن الغسل تحت السماء إلا بمئزر، وعن دخول الأنهار إلا بمئزر وقال: (إن للماء أهلا وسكانا) (4). وروى الجمهور عن الحسن والحسين عليهما السلام أنهما دخلا الماء وعليهما بردان، فقيل لهما في ذلك فقالا: " إن للماء سكانا " (5). مسألة 343: ويجوز ذكر الله تعالى في الحمام لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يذكر الله على كل أحيانه (6)، ولا يكره فيه قراءة القرآن، وبه قال

(1) الفقيه 1: 63 / 240.
(2) انظر صحيح البخاري 1: 78، صحيح مسلم 1: 267 / 339، سنن النسائي 1: 200 - 201، مسند أحمد 2: 314.
(3) صحيح البخاري 1: 78، سنن أبي داود 4: 40 - 41 / 4017، سنن ابن ماجة 1: 618 / 1920، سنن الترمذي 5: 110 / 2794.
(4) الفقيه 1: 61 / 226.
(5) كنز العمال 9: 547 / 27355 وانظر المغني 1: 265 والشرح الكبير 1: 264 - 265 وعمدة القارئ 3: 228.
(6) صحيح البخاري 1: 83 و 163، صحيح مسلم 1: 282 / 373، سنن أبي داود 1: 5 / 18، سنن ابن ماجة 1: 110 / 30، مسند أحمد 6: 70 و 153.

[ 249 ]

النخعي، ومالك (1). لأن الكاظم عليه السلام سئل عن الرجل يقرأ في الحمام، وينكح فيه فقال: " لا بأس " (2). وقال أبو بصير: سألته عن القراءة في الحمام فقال: " إذا كان عليك إزار فاقرأ القرآن إن شئت كله " (3). وكرهه أبو وائل، والشعبي، والحسن، ومكحول، وأحمد (4)، لأنه محل التكشف ويفعل فيه ما لا يستحسن في غيره فاستحب صيانة القرآن عنه. وأما السلام فالأقرب تسويغه، لعموم قوله عليه السلام: (أفشوا السلام) (5). ودخل الكاظم عليه السلام الحمام وعليه إزار فوق النورة فقال: " السلام عليكم " (6). قال الصدوق: وفي هذا إطلاق في التسليم في الحمام لمن عليه مئزر، والنهي الوارد عن التسليم فيه هو لمن لا مئزر عليه (7). مسألة 344: ويستحب للداخل أشياء: أ - أن يقول ما روي عن الصادق عليه السلام وقت نزع ثيابه: " اللهم

(1) المغني 1: 265، الشرح الكبير 1: 265، المجموع 2: 163.
(2) الكافي 6: 502 / 31، الفقيه 1: 63 / 34، التهذيب 1: 371 - 372 / 1136.
(3) التهذيب 1: 377 / 1165.
(4) المغني 1: 265، الشرح الكبير 1: 265، المجموع 2: 163 - 164. (5) صحيح مسلم 1: 74 / 54، سنن الترمذي 4: 286 / 1854، سنن ابن ماجة 1: 26 / 68 و 2: 1218 / 3694، مسند أحمد 1: 165 و 167 و 2: 391 و 442 و 512.
(6) الفقيه 1: 65 / 251، التهذيب 1: 374 / 1147، قرب الاسناد: 131.
(7) الفقيه 1: 66 ذيل الحديث 251.

[ 250 ]

انزع عني ربقة النفاق، وثبتني على الايمان " فإذا دخل البيت الأول قال: " اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وأستعيذ بك من أذاه " فإذا دخل البيت الثاني قال: " اللهم أذهب عني الرجس النجس، وطهر جسدي وقلبي " وخذ من الماء الحار وضعه على هامتك وصب منه على رجليك، وإن أمكن أن تبلع منه جرعة فافعل فإنه ينقي المثانة، والبث في البيت الثاني ساعة، فإذا دخلت البيت الثالث فقل: " نعوذ بالله من النار ونسأله الجنة " وترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار، فإذا لبست ثيابك فقل: " اللهم ألبسني التقوى، وجنبني الردى " (1). ب - الاطلاء، لأن الصادق عليه السلام كان يطلي في الحمام (2). وقال الكاظم عليه السلام: " ألقوا الشعر عنكم فإنه يحسن " (3). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " النورة طهور " (4). ج - قال الصادق عليه السلام: " من أراد أن يتنور فليأخذ من النورة ويجعله على طرف أنفه ويقول: اللهم ارحم سليمان بن داود كما أمر بالنورة فإنه لا تحرقه النورة إن شاء الله " (5). د - قال أمير المؤمنين عليه السلام: " أحب للمؤمن أن يطلي في كل خمسة عشر يوما " (6).

(1) الفقيه 1: 62 / 232، أمالي الصدوق: 297 / 4.
(2) الفقيه 1: 65 / 248.
(3) الكافي 6: 505 / 5، الفقيه 1: 67 / 255.
(4) الكافي 6: 505 / 1، الفقيه 1: 67 / 254.
(5) الفقيه 1: 67 / 256.
(6) الكافي 6: 506 / 8، الفقيه 1: 67 / 258.

[ 251 ]

وقال الصادق عليه السلام: " السنة من النورة في كل خمسة عشر يوما فإن أتت عليك عشرون يوما وليس عندك فاستقرض على الله عزوجل " (1). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " ينبغي للرجل أن يتوقى النورة يوم الاربعاء فإنه يوم نحس مستمر " (2). وقال الكاظم عليه السلام: " من تنور يوم الجمعة فأصابه البرص فلا يلومن إلا نفسه " (3). ه‍ - طلي الابط، كان الصادق عليه السلام يطلي إبطيه في الحمام ويقول: " نتف الابط يضعف المنكبين، ويوهي ويضعف البصر " (4). وقال عليه السلام: " حلقه أفضل من نتفه، وطليه أفضل من حلقه " (5). و - التدلك بالحناء عقيب الاطلاء، قال الصادق عليه السلام: " الحناء على أثر النورة أمان من الجذام والبرص " (6). مسألة 345: يكره له أشياء: قال الصادق عليه السلام: " إياك وشرب الماء البارد، والفقاع في الحمام فإنه يفسد المعدة، ولا تصبن عليك الماء البارد فإنه يضعف البدن، وصب الماء البارد على قدميك إذا خرجت فإنه يسل الداء من جسدك " (7).

(1) الكافي 6: 506 / 9، الفقيه 1: 67 / 259، التهذيب 1: 375 - 376 / 1157.
(2) الخصال: 388 / 77.
(3) الفقيه 1: 68 / 268.
(4) الفقيه 1: 67 / 262.
(5) الكافي 6: 508 / 5، الفقيه 1: 68 / 263.
(6) الفقيه 1: 68 / 270.
(7) الفقيه 1: 62 / 232، أمالي الصدوق: 297 / 4.

[ 252 ]

وقال الصادق عليه السلام: " لا تتك في الحمام فإنه يذيب شحم الكليتين، ولا تسرح في الحمام فإنه يرقق الشعر، ولا تغسل رأسك بالطين فإنه يسمج (1) الوجه، ولا تدلك بالخزف فإنه يورث البرص، ولا تمسح وجهك بالازار فإنه يذهب بماء الوجه - وروي أن ذلك طين مصر، وخزف الشام - والسواك في الحمام يورث وباء الأسنان " (2). وقال الكاظم عليه السلام: " لا تدخلوا الحمام على الريق، ولا تدخلوه حتى تطعموا شيئا " (3). وقال الرضا عليه السلام لسليمان الجعفري وقد مرض حتى ذهب لحمه: " يسرك أن يعود إليك لحمك؟ " فقلت: نعم، فقال: " إلزم الحمام غبا فإنه يعود إليك لحمك، وإياك أن تدمنه فإن إدمانه يورث السل " (4).

(1) أي: يقبح. لسان العرب 2: 300 " سمج ".
(2) الفقيه 1: 64 / 243، والكافي 6: 501 / 24.
(3) الفقيه 1: 64 / 245.
(4) الكافي 6: 497 / 4، التهذيب 1: 377 / 1162.

[ 253 ]

الفصل الثالث: في أمور تتعلق بالفطرة. قال الصادق عليه السلام: " قلموا أظفاركم يوم الثلاثاء، واستحموا يوم الاربعاء، وأصيبوا من الحجامة حاجتكم يوم الخميس، وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة " (1)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه) (2). وقال عليه السلام: (حفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبهوا باليهود) (3). ونظر صلى الله عليه وآله إلى رجل طويل اللحية فقال: (ما كان على هذا لو هيأ (4) من لحيته) فبلغ الرجل ذلك فهيأ لحيته بين اللحيين (5)، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله فلما رآه قال: (هكذا فافعلوا) (6). وقال عليه السلام: (إن المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وأما نحن نجز الشوارب ونعفي اللحى وهي الفطرة) (7).

(1) الفقيه 1: 77 / 345.
(2) الكافي 6: 485 / 2، الفقيه 1: 75 / 328.
(3) الفقيه 1: 76 / 332.
(4) هيأت الشئ: أصلحته. مجمع البحرين 1: 484 " هيأ ".
(5) أي: أصلحها وجعلها متوسطة بين القصيرة والطويلة. مجمع البحرين 1: 484 - 485 " هيأ ". (6) الكافي 6: 488 / 12، الفقيه 1: 76 / 333.
(7) الفقيه 1: 76 / 334.

[ 254 ]

وقال عليه السلام: (الشيب نور فلا تنتفوه) (1). ويستحب الخضب، فإن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد صفر لحيته، فقال عليه السلام: (ما أحسن هذا) ثم دخل عليه بعد هذا وقد أقنى بالحناء، فتبسم عليه السلام وقال: (هذا أحسن من ذلك) ثم دخل عليه وقد خضب بالسواد فضحك وقال: (هذا أحسن من ذاك وذاك) (2). وقال لعلي عليه السلام: (يا علي درهم في الخضاب أفضل من ألف درهم في غيره في سبيل الله) (3). وقال الباقر عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخضب وهذا شعره عندنا " (4). وروي أنه كان في رأسه ولحيته عليه السلام سبع عشرة شيبة (5). وكان النبي، والحسين، والباقر عليهم السلام يخضبون بالكتم (6). وكان زين العابدين عليه السلام يخضب بالحناء والكتم (7). وقال الصادق عليه السلام: " غسل الرأس بالخطمي في كل جمعة أمان من البرص والجنون " (8).

(1) الفقيه 1: 77 / 341.
(2) الفقيه 1: 70 / 282.
(3) الفقيه 1: 70 / 285.
(4) الفقيه 1: 69 / 277.
(5) الفقيه 1: 69 / 278.
(6) الفقيه 1: 69 / 279.
(7) الفقيه 1: 70 / 280.
(8) الكافي 6: 504 / 2، الفقيه 1: 71 / 290، التهذيب 3: 236 / 624.

[ 255 ]

وقال الكاظم عليه السلام: " غسل الرأس بالسدر يجلب الرزق جلبا " (1). وقال الصادق عليه السلام: " تقليم الاظفار يوم الجمعة يؤمن من الجذام، والجنون، والبرص، والعمى، فإن لم تحتج فحكها حكا " (2). وقال عليه السلام: " أخذ الشارب من الجمعة إلى الجمعة أمان من الجذام " (3). وسئل الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * (4) قال: " من ذلك التمشط عند كل صلاة " (5). وقال الصادق عليه السلام لبعض أصحابه: " استأصل شعرك يقل درنه، ودوابه، ووسخه، وتغلظ رقبتك، ويجلو بصرك، ويستريح بدنك " (6) وهو يعطي نفي كراهة الحلق. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق (7)، وفي رواية عن أحمد أنه مكروه (8)، والاجماع بخلافه. وقال عليه السلام: (من اتخذ شعرا فلم يفرقه فرقه الله بمنشار من نار) (9).

(1) الكافي 6: 504 / 6. (2) الفقيه 1: 73 / 302.
(3) الفقيه 1: 73 / 306.
(4) الأعراف: 31.
(5) الكافي 6: 489 / 7، الفقيه 1: 75 / 319.
(6) الكافي 6: 484 / 2، الفقيه 1: 75 / 327.
(7) المغني 1: 104، الشرح الكبير 1: 136.
(8) المغني 1: 103، الشرح الكبير 1: 135، المجموع 1: 296، نيل الأوطار 1: 155.
(9) الفقيه 1: 76 / 330.

[ 256 ]

وقال عليه السلام: (من سرح لحيته سبعين مرة وعدها مرة مرة لم يقربه الشيطان أربعين يوما) (1). وقال عليه السلام: (ما زاد من اللحية على القبضة فهو في النار) (2). ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة (3). فالواصلة التي تصل الشعر بشعر آخر، والمستوصلة التي تسأل أن يوصل شعرها، والواشمة التي تغرز الكف أو الجبهة بالابرة وتتبعه بالخضاب حتى يخضر، والمستوشمة التي تسأله، والواشرة التي تشر الأسنان حتى تظهر في طرقها رقة وتجدد أطراف الأسنان، والمستوشرة التي يفعل بها ذلك. وعلل الشافعي تحريم الوصل إما بنجاسة الشعر، أو بكونه شعر أجنبي لا يحل النظر إليه، وإن كان مجزوزا على أحد الوجهين، وإن كان شعر بهيمة ولم تكن المرأة ذات زوج فهي متعرضة للتهمة، وإن كانت ذات زوج فهي ملبسة، وإن كان بإذن الزوج لم يحرم على أقيس الوجهين (4)، وعندنا العلة في شعر الآدمي ما ذكره في شعر الدابة. تم الجزء الأول (5) من كتاب تذكرة الفقهاء، ويتلوه في الثاني كتاب الصلاة فرغت من تسويده في رابع وعشرين صفر سنة ثلاث وسبعمائة، وكتب مصنف الكتاب حسن بن يوسف بن المطهر الحلي غفر الله له وللمؤمنين والمؤمنات، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

(1) الكافي 6: 489 / 10، الفقيه 1: 75 / 322، ثواب الأعمال: 40 / 1. (2) الكافي 6: 486 / 2، الفقيه 1: 76 / 335.
(5) معاني الأخبار: 249 - 250 / 1.
(4) الوجيز 1: 47.
(5) حسب تجزئة المصنف للكتاب.

[ 257 ]

كتاب الصلاة

[ 259 ]

بسم الله الرحمن الرحيم " كتاب الصلاة " وفيه مقاصد: الأول: في المقدمات، وفيه فصول: الأول: في أعدادها. مقدمة: الصلاة لغة: الدعاء، وشرعا: ذات الركوع والسجود، وهي من أهم العبادات، قال علي عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عمود الدين الصلاة، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحت نظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله " (1) وهي واجبة بالنص (2)، والاجماع. مسألة 1: الصلاة إما واجبة أو مندوبة، فالواجبات تسع: اليومية، وصلاة الجمعة، والعيدين، والكسوف، والزلزلة، والآيات، والطواف، وما يلزمه بنذر، وشبه. والمندوب ما عداه، وهو إما النوافل اليومية، أو

(1) التهذيب 2: 237 / 936.
(2) كما في الآيات 43 و 238 من سورة البقرة و 103 من سورة النساء.

[ 260 ]

غيرها، وسيأتي بيان ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى. واليومية خمس: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بالاجماع، ولا يجب ما عداها عند العلماء إلا أبا حنيفة، فإنه أوجب الوتر (1) لقوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (2) وإيجاب الوتر يسقط هذا الوصف، وقول النبي صلى الله عليه وآله: (ثلاث علي فرض ولكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر) (3)، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن الاسلام فقال: (خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرها؟ فقال: (لا إلا أن تطوع) ثم سأله عن الصوم فقال: (شهر رمضان) فقال: هل علي غيره؟ فقال: (لا إلا أن تطوع) ثم سأله عن الصدقة (4) فقال: هل علي غيرها؟ فقال: (لا إلا أن تطوع) فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (أفلح إن صدق) (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إنما كتب الله الخمس وليس الوتر مكتوبة " (6) ولأنها تصلى على الراحلة اختيارا ولا شئ من الواجب كذلك.

(1) بدائع الصنائع 1: 91، المجموع 4: 19، فتح العزيز 4: 221، المغني 1: 411، الشرح الكبير 1: 743، بداية المجتهد 1: 89، القوانين الفقهية: 49، شرح الازهار 1: 395، المحلى 2: 228.
(2) البقرة: 238. (3) سنن الدارقطني 2: 21 / 1.
(4) في بعض المصادر بدل قوله: ثم سأله عن الصدقة: ذكر له رسول الله صلى الله عليه وآله، الزكاة. وفي بعضها بدل الزكاة: الصدقة.
(5) صحيح البخاري 1: 18 و 3: 31 و 235 و 9: 29، صحيح مسلم 1: 40 / 11، الموطأ 1: 175 / 94، سنن النسائي 1: 226 - 227 و 4: 121، سنن أبي داود 1: 106 / 391، سنن البيهقي 1: 361.
(6) التهذيب 2: 11 / 22.

[ 261 ]

وقال أبو حنيفة: الوتر فرض (1) قال ابن المبارك: ما علمت أحدا قال: الوتر واجب إلا أبا حنيفة. قال حماد بن زيد: قلت لأبي حنيفة: كم الصلوات؟ قال: خمس، قلت: فالوتر؟ قال: فرض، قلت: لا أدري يغلط في الجملة أو في التفصيل (2) واحتج بقوله عليه السلام: (إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها) (3) وهو محمول على الندب. مسألة 2: الظهر أربع ركعات في الحضر بتشهدين وتسليم، وركعتان في السفر بتشهد وتسليم، وكذا العصر والعشاء، والمغرب ثلاث ركعات فيهما بتشهدين وتسليم، والصبح ركعتان فيهما معا بتشهد وتسليم، ولا خلاف في ذلك بين علماء الاسلام، وإنما الخلاف في القصر هل هو واجب أو لا؟ وسيأتي. مسألة 3: والنوافل إما راتبة أو غير راتبة، ثم الراتبة إما أن تتبع الفرائض أو لا، فالتابعة للفرائض عندنا ثلاث وعشرون ركعة: قبل الصبح ركعتان، وقبل الظهر ثمان، وكذا قبل العصر، وبعد المغرب أربع، وبعد العشاء ركعتان من جلوس يعدان بركعة لقول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي من التطوع مثلي الفرض، ويصوم من التطوع مثلي الفرض " (4). وقال عليه السلام: " كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي

(1) المجموع 4: 19، فتح العزيز 4: 221، المغني 1: 411 و 827، بدائع الصنائع 1: 270، المبسوط للسرخسي 1: 150، الهداية للمرغيناني 1: 65.
(2) انظر بدائع الصنائع 1: 270، شرح العناية 1: 369. (3) مسند أحمد 6: 7 وانظر بدائع الصنائع 1: 271، شرح فتح القدير 1: 370، المغني 1: 411، الشرح الكبير 1: 743.
(4) الكافي 3: 443 / 3، التهذيب 2: 4 / 3، الاستبصار 1: 218 / 773.

[ 262 ]

ثماني ركعات للزوال، وأربعا الأولى، وثماني بعدها، وأربعا العصر، وثلاثا المغرب، وأربعا بعدها، والعشاء أربعا، وثماني صلاة الليل، وثلاثا الوتر، وركعتي الفجر، وصلاة الغداة وركعتين " (1) وفي خبر آخر: " وركعتين بعد العشاء، كان أبي يصليهما وهو قاعد، وأنا أصليهما وأنا قائم " (2). وسأل البزنطي أبا الحسن عليه السلام عن النوافل فقال: " أنا أصلي واحدة وخمسين " ثم عد بأصابعه حتى قال: " وركعتين من قعود يعدان بركعة من قيام " (3). وقال أبو حنيفة: ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعدها وإن شاء ركعتين (4) للحديث. وقال أحمد: عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر (5). وللشافعي قولان، أحدهما: ثمان ركعات ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب. والثاني: هذا مع زيادة ركعتين بعد العشاء. وله ثالث: ثمان عشرة، ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء (6). ورواياتنا أولى، أما أولا: فلأن أهل البيت عليهم السلام أعرف بمواقع

(1) الكافي 3: 443 / 5، التهذيب 2: 4 / 4، الاستبصار 1: 218 / 774.
(2) الكافي 3: 446 / 15، التهذيب 2: 4 و 9 / 5 و 16.
(3) الكافي 3: 444 / 8، التهذيب 2: 8 / 14.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 66، اللباب 1: 90، فتح العزيز 4: 217.
(5) المغني 1: 798، الانصاف 2: 176، كشاف القناع 1: 422.
(6) المجموع 4: 8، فتح العزيز 4: 212 - 213 و 217، كفاية الأخيار 1: 53.

[ 263 ]

الشرع الهابط في بيوتهم. وأما ثانيا: فلأن فيه زيادة على ما ذكروه، والعمل بالزيادة أولى. مسألة 4: وغير التابعة للفرائض، منها: صلاة الليل وفيها فضل كثير، نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله فقال له: (يا جبرئيل عظني) قال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه كف الأذى عن الناس (1). وقال الصادق عليه السلام: " إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضئ لأهل السماء كما تضئ نجوم السماء لأهل الأرض " (2). ومدح الله تعالى أمير المؤمنين عليه السلام بقيام صلاة الليل بقوله عز وجل: * (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) * (3) (4). وآناء الليل ساعاته. وقال النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر: (يا أبا ذر إحفظ وصية تنفعك، من ختم له بقيام الليل ثم مات فله الجنة) (5). مسألة 5: المشهور عندنا أن صلاة الليل إحدى عشرة ركعة: ثمان صلاة الليل، واثنتان للشفع، ويوتر بواحدة، وبه قال أحمد، وزيد بن

(1) الفقيه 1: 298 / 1363.
(2) الفقيه 1: 299 / 1370، ثواب الأعمال: 66 / 10، التهذيب 2: 122 / 464.
(3) الزمر: 9.
(4) الكافي 8: 204 / 246، الفقيه 1: 299 ذيل الحديث 1371، تفسير القمي 2: 246، مناقب ابن شهر آشوب 3: 243.
(5) الفقيه 1: 300 / 1376، التهذيب 2: 122 / 465.

[ 264 ]

ثابت، وابن عباس، وعائشة، وأبو حنيفة لكنه يجمع بين الثلاثة الأخيرة بتسليمة يجعلها الوتر (1)، لما روت عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي ما بين أن يفرغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر منها بواحدة (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " وثمان من آخر الليل ثم الوتر ثلاث ركعات تفصل بينها بتسليم، ثم ركعتي الفجر " (3). إذا عرفت هذا فالوتر عندنا واحدة لا يزاد عليها، وما يصلى قبله ليس من الوتر، وهي رواية عن أحمد، وفي أخرى: يوتر بثلاث، ونقلوه عن علي عليه السلام وعمر، وأبي، وأنس، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي أمامة، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أصحاب الرأي (4). وقال الثوري، وإسحاق: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة (5). وقال ابن عباس: إنما هي واحدة، أو خمس، أو سبع، أو أكثر من ذلك يوتر بما شاء (6).

(1) المغني. 1: 818 - 819، الشرح الكبير 1: 749 و 752 - 753، المجموع 4: 22، فتح العزيز 4: 225 - 226، الميزان 1: 168، البحر الرائق 2: 38، الهداية للمرغيناني 1: 66، بدائع الصنائع 1: 271.
(2) صحيح مسلم 1: 508 / 122، سنن البيهقي 2: 486. (3) التهذيب 2: 5 / 8.
(4) المجموع 4: 22، فتح العزيز 4: 225، المغني 1: 819، الشرح الكبير 1: 752، الهداية للمرغيناني 1: 66، الحجة على أهل المدينة 1: 272.
(5) المغني 1: 819، الشرح الكبير 1: 750.
(6) المغني 1: 819، الشرح الكبير 1: 750.

[ 265 ]

وما تقدم من الحديثين يبطل هذه الاقاويل، وفعل معاذ القارئ ذلك، وتبعه رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (1) ولم ينكره أحد، وقال [ ابن عمر ] (2): الوتر ركعة، كان ذلك وتر رسول الله صلى الله عليه وآله، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور قالوا: يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بركعة (3)، وروى ابن عباس، وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الوتر ركعة من آخر الليل) (4). مسألة 6: ويستحب فيه القنوت والدعاء بالمرسوم في جميع السنة، وبه قال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والحسن، وأحمد في رواية (5)، لأن عليا عليه السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " (6). و " كان " للدوام، والأخبار من طريق (7) أئمتنا عليهم السلام متواترة بالقنوت، والدعاء فيه (8).

(1) المغني 1: 818، الشرح الكبير 1: 753.
(2) ما بين المعقوفين سقط من النسختين وأثبتناه من المصادر.
(3) المغني 1: 819، المبسوط للسرخسي 1: 164، بداية المجتهد 1: 200.
(4) صحيح مسلم 1: 518 / 153 - 155، سنن أبي داود 2: 62 / 1421، مسند أحمد 2: 43.
(5) المغني 1: 820، الشرح الكبير 1: 755، المجموع 4: 24، الحجة على أهل المدينة 1: 201، بدائع الصنائع 1: 273، المبسوط للسرخسي 1: 164، عمدة القارئ 7: 20. (6) سنن النسائي 3: 248 - 249، سنن أبي داود 2: 64 / 1427.
(7) في نسخة " ش ": طرق.
(8) انظر على سبيل المثال: التهذيب 2: 90 / 335، الاستبصار 1: 339 / 1276.

[ 266 ]

وقال الشافعي، ومالك: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، ورووه عن علي عليه السلام، وأبي، وابن سيرين، والزهري، وهو رواية عن أحمد (1)، لأن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بهم عشرين ليلة ولا يقنت إلا في النصف الباقي (2). وقال قتادة: يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان (3). وعن ابن عمر: لا يقنت في صلاة بحال (4). والكل ضعيف لما تقدم، ولأنه ذكر شرع في الوتر فيشرع في جميع السنة. فروع: أ - القنوت قبل الركوع عند علمائنا - وبه قال مالك، وأبو حنيفة - وروي عن أبي، وابن مسعود، وأبي موسى، والبراء، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز وعبيدة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (5)، لقول ابن مسعود: إن النبي صلى الله عليه وآله قنت قبل الركوع (6)، وعن أبي أن

(1) المغني 1: 820، الشرح الكبير 1: 755، المجموع 4: 24، فتح العزيز 4: 246، الوجيز 1: 54، المبسوط للسرخسي 1: 164، وانظر: سنن البيهقي 2: 498، سنن أبي داود 2: 65 / 1428 (2) سنن أبي داود 2: 65 / 1429، سنن البيهقي 2: 498.
(3) المغني 1: 820، الشرح الكبير 1: 756.
(4) المغني 1: 820، عمدة القارئ 7: 17.
(5) المغني 1: 821، الشرح الكبير 1: 756 و 757، بدائع الصنائع 1: 273، المحلى 4: 145، المجموع 4: 24، فتح العزيز 4: 249، المبسوط للسرخسي 1: 164، الحجة على أهل المدينة 1: 201، عمدة القارئ 7: 20.
(6) سنن الدارقطني 2: 32 / 4 و 5.

[ 267 ]

النبي صلى الله عليه وآله كان يوتر فيقنت قبل الركوع (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله معاوية بن عمار عن القنوت في الوتر قال: " قبل الركوع " قلت: فإن نسيت، أقنت إذا رفعت رأسي؟ فقال: " لا " (2). قال الصدوق: إنما منع عليه السلام من ذلك في الوتر والغداة، خلافا للعامة لأنهم يقنتون بعد الركوع، وأطلق في سائر الصلوات لأنهم لا يرون القنوت فيها (3)، وهذا تأويل (4) جيد، ويدل على الاطلاق قول الصادق عليه السلام: " إذا نسي القنوت فذكره وقد أهوى إلى الركوع فليرجع قائما فليقنت ثم يركع، وإن كان وضع يديه على ركبتيه مضى على صلاته " (5). وقال الشافعي: يقنت بعد الركوع، ورووه عن علي عليه السلام، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي قلابة، وأيوب السختياني، وأحمد في رواية (6)، لأن أبا هريرة روى أن النبي صلى الله عليه وآله قنت بعد الركوع (7)، وما ذكرناه أولى لموافقة نقل أهل البيت عليهم السلام، على

(1) سنن ابن ماجه 1: 374 / 1182، سنن الدارقطني 2: 31 / 1 و 2، سنن أبي داود 2: 64 / 1427.
(2) الفقيه 1: 312 / 1421.
(3) الفقيه 1: 313 ذيل الحديث 1421.
(4) في نسخة (م): تنزيل.
(5) التهذيب 2: 131 / 507.
(6) المجموع 4: 15 و 24، فتح العزيز 4: 248 - 249، المغني 1: 821، الشرح الكبير 1: 756، الأم 1: 143، بدائع الصنائع 1: 273، المبسوط للسرخسي 1: 165، المحرر في الفقه 1: 88، مسائل أحمد: 66 وسنن الترمذي 2: 329.
(7) صحيح البخاري 6: 48، سنن البيهقي 2: 207، مسند أحمد 2: 255.

[ 268 ]

أنه محمول على الدعاء بعد الركوع فإنه مستحب. ب - ليس في الوتر دعاء موظف لأنهم عليهم السلام قنتوا بأدعية مختلفة، ولأن إسماعيل بن الفضل سأل الصادق عليه السلام ما أقول في الوتر؟ قال: " ما قضى الله على لسانك " (1) وقال الشافعي، وأحمد: أحسن ما يقال ما رواه الحسن بن علي عليهما السلام: قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت) (2) ولا حجة فيه إذ لم يمنع من غيره. ج - يستحب الاستغفار في الوتر سبعين مرة، قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى: * (وبالأسحار هم يستغفرون) * (3) قال: " في الوتر في آخر الليل سبعين مرة " (4) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر الله في الوتر سبعين مرة ويقول: (هذا مقام العائذ بك من النار) سبع مرات (5).

(1) الكافي 3: 340 / 8، التهذيب 2: 130 / 499.
(2) المجموع 3: 495 و 4: 16، فتح العزيز 3: 421 - 430 و 4: 249، المغني 1: 821، الشرح الكبير 1: 757، وانظر سنن الترمذي 2: 328 / 464، سنن النسائي 3: 248، سنن أبي داود 2: 63 / 1425، سنن ابن ماجة 1: 372 / 1178، سنن البيهقي 2: 498 وعوالي اللآلي 1: 105 / 43.
(3) الذاريات: 18.
(4) التهذيب 2: 130 / 498، علل الشرائع: 364 باب 86 ح 1.
(5) الفقيه 1: 309 / 1409.

[ 269 ]

د - يستحب الدعاء بعد الرفع من الركوع لأن الكاظم عليه السلام كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال: " هذا مقام من حسناته نعمة منك " إلى آخر الدعاء (1). ه‍ - يجوز أن يدعو على عدوه في قنوته، وأن يسأل الله تعالى ما شاء، لقول الصادق عليه السلام: " تدعو في الوتر على العدو، وإن شئت سميتهم، وتستغفر، وترفع يديك حيال وجهك، وإن شئت تحت ثوبك " (2) وكان زين العابدين عليه السلام يقول: " العفو، العفو " ثلاثمائة مرة في الوتر (3)، وكان الباقر، والصادق عليهما السلام يدعوان بدعاء الفرج ويزيدان: " اللهم أنت نور السموات والأرض " إلى آخر الدعاء (4). مسألة 7: يستحب أن يقرأ في الاوليين من صلاة الليل الحمد مرة والاخلاص ثلاثين مرة، فقد روي أنه (من قرأها انفتل وليس بينه وبين الله تعالى ذنب) (5)، وروي في الأولى بالاخلاص وفي الثانية بالجحد (6)، ويستحب الاطالة مع سعة الوقت بقراءة السور الطوال (فإن ضاق الوقت خفف ولو بقراءة الحمد وحدها) (7) فإن ضاق الوقت عن الصلاة صلى ركعتين وأوتر بعدهما ثم صلى ركعتي الفجر والغداة وقضى ما فاته، فإن كان قد طلع الفجر اقتصر على ركعتيه وصلاة الغداة، ولو كان قد تلبس من نافلة الليل بأربع

(1) الكافي 3: 325 / 16، التهذيب 2: 132 / 508.
(2) التهذيب 2: 131 / 504، الفقيه 1: 309 / 1410.
(3) الفقيه 1: 310 / 1411.
(4) الفقيه 1: 310 / 1412.
(5) الفقيه 1: 307 / 1403، التهذيب 2: 124 / 470.
(6) الكافي 3: 316 / 22، التهذيب 2: 74 / 274، الفقيه 1: 314 / 1427.
(7) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (م).

[ 270 ]

زاحم بها الفريضة، لرواية محمد بن النعمان عن الصادق عليه السلام (1)، ولو نسي ركعتين من صلاة الليل ثم ذكرهما بعد الوتر قضاهما وأعاد الوتر. وأفضل ما يقرأ في ركعتي الفجر الحمد والجحد في الأولى، وفي الثانية الحمد والاخلاص، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله (2). ومن طريق الخاصة هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام (3). ويستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جانبه الأيمن، ويقرأ خمس آيات من آخر آل عمران، ويدعو بالمنقول (4) - ولو سجد عوض الضجعة جاز - لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع).
(5) ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام، وقد سأله سليمان بن خالد عما أقول إذا اضطجعت بعد ركعتي الفجر؟: " إقرأ الخمس آيات التي في آخر آل عمران، وقل الدعاء " (6)، وروى إبراهيم بن أبي البلاد، قال: صليت خلف الصادق عليه السلام صلاة الليل فلما فرغ جعل مكان الضجعة سجدة (7)، وأنكر أحمد كون الضجعة سنة (8). قال الشيخ: يجوز بدلا من الاضطجاع السجدة، والمشي، والكلام

(1) التهذيب 2: 125 / 475، الاستبصار 1: 282 / 1025.
(2) سنن أبي داود 2: 19 / 1256، سنن ابن ماجه 1: 363 / 1148.
(3) التهذيب 2: 134 / 521، الاستبصار 1: 284 / 1038 وفيهما عن يعقوب بن سالم. ورواه مرسلا الصدوق في الفقيه 1: 313 / 1422.
(4) انظر مصباح المتهجد: 158. والآيات 190 - 194 من سورة آل عمران.
(5) سنن أبي داود 2: 21 / 1261، سنن الترمذي 2: 281 / 420.
(6) التهذيب 2: 136 / 530.
(7) الكافي 3: 448 / 26، التهذيب 2: 137 / 531، وفيهما: صليت خلف الرضا عليه السلام وأورده كما في المتن في المعتبر: 132.
(8) المغني 1: 799، الشرح الكبير 1: 769.

[ 271 ]

إلا أن الاضطجاع أفضل (1). وروي أن (من صلى على محمد وآله مائة مرة بين ركعتي الفجر وركعتي الغداة وقى الله وجهه حر النار، ومن قال مائة مرة سبحان ربي العظيم وبحمده أستغفر الله ربي وأتوب إليه بنى الله له بيتا في الجنة، ومن قرأ إحدى وعشرين قل هو الله أحد بنى الله له بيتا في الجنة، فإن قرأها أربعين مرة غفر الله له) (2) ويستحب السواك أمام صلاة الليل لأن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا استيقظ تسوك وتوضأ (3). مسألة 8: يستحب زيادة على الرواتب التنفل بين المغرب والعشاء بأربع اثنتان ساعة الغفلة، واثنتان بعدها، لقول أنس في تأويل قوله تعالى: * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) * (4) قال: كانوا يتنفلون (5) ما بين المغرب والعشاء يصلون (6)، ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " من يصلي ركعتين يقرأ في الأولى الحمد، ومن قوله: * (وذا النون - إلى قوله - ننجي المؤمنين) * (7)، وفي الثانية الحمد [ وقوله: ] (8) * (وعنده مفاتح الغيب) * إلى آخر الآية (9)، ثم يدعو بدعائها وسأل الله حاجته أعطاه ما شاء " (10)، وعن الباقر عن

(1) التهذيب 2: 137.
(2) الفقيه 1: 314 / 1426. (3) الكافي 3: 445 / 13 وانظر صحيح مسلم 1: 221 / 256، سنن ابن ماجة 1: 376 / 1191، سنن النسائي 3: 241، سنن أبي داود 1: 15 / 57 و 58، مسند أحمد 6: 123.
(4) السجدة: 16.
(5) في بعض المصادر: يتيقظون. وفي بعضها: ينتظرون.
(6) سنن أبي داود 2: 35 / 1321، سنن البيهقي 3: 19، الدر المنثور 5: 175، تفسير الطبري 21: 63.
(7) سورة الأنبياء: 87 - 88.
(8) زيادة أثبتناها من المصدر.
(9) سورة الأنعام: 59.
(10) مصباح المتهجد: 94.

[ 272 ]

آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (أوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد، وإذا زلزلت ثلاث عشرة مرة، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ومن فعل ذلك في كل شهر كان من الموقنين، فإن فعل في كل سنة كان من المحسنين، فإن فعل في كل جمعة كان من المصلحين، فإن فعله في كل ليلة زاحمني في الجنة ولم يحص ثوابه إلا الله) (1). مسألة 9: ويسقط في السفر نوافل الظهرين، ونافلة العشاء وذلك سبع عشرة ركعة لأن هذه الفرائض يجب قصرها، وهو يشعر بكراهة التنفل لها، ولقول الصادق عليه السلام: " يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة " (2) وقال عليه السلام: " إنما فرض الله على المسافر ركعتين ليس قبلهما ولا بعدهما شئ إلا صلاة الليل على بعيرك حيث توجه بك " (3) وقال عليه السلام: " أربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في سفر ولا حضر " (4). وقال الرضا عليه السلام: " صل ركعتي الفجر في المحمل " (5) وقال الصادق عليه السلام: " كان أبي لا يدع ثلاث عشرة ركعة بالليل في سفر ولا حضر " (6).

(1) مصباح المتهجد: 94.
(2) الفقيه 1: 285 / 1293، التهذيب 2: 16 / 44، الاستبصار 1: 221 / 780.
(3) الفقيه 1: 284 - 285 / 1292، التهذيب 2: 16 / 43.
(4) الكافي 3: 439 / 2، التهذيب 2: 14 / 35.
(5) الكافي 3: 441 / 12، التهذيب 2: 15 / 38.
(6) التهذيب 2: 15 / 39.

[ 273 ]

وأما الركعتان من جلوس فالمشهور سقوطهما، وروي جوازهما عن الرضا عليه السلام قال: " إنما صارت العشاء مقصورة وليس تترك ركعتيها، لأنهما زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بهما بدل كل ركعة من الفريضة ركعتان من التطوع " (1). مسألة 10: قال الصدوق: قال أبي رضى الله عنه في رسالته إلي: إعلم يا بني أن أفضل النوافل ركعتا الفجر، وبعدهما ركعة الوتر، وبعدها ركعتا الزوال، وبعدهما نوافل المغرب، وبعدها تمام صلاة الليل، وبعدها تمام نوافل النهار (2). وذهب الشافعي إلى أن الوتر، وركعتي الفجر أفضل من غيرها، وله في أن أيهما أفضل قولان: ففي القديم ركعتا الفجر أفضل - وبه قال أحمد (3) - وعليه علماؤنا، لأن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن على شئ من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح (4)، ومن طريق الخاصة قول علي عليه السلام في قوله تعالى: * (إن قرآن الفجر كان مشهودا) * (5) قال: " ركعتا الفجر يشهدهما ملائكة الليل والنهار " (6) ولأنها محصورة بعدد واختلف في عدد الوتر.

(1) الفقيه 1: 290 / 1320، علل الشرائع: 267، عيون أخبار الرضا 2: 113.
(2) الفقيه 1: 314 - 315.
(3) المهذب للشيرازي 1: 91، المجموع 4: 26، فتح العزيز 4: 260 - 261، المغني 1: 798، الشرح الكبير 1: 767.
(4) صحيح مسلم 1: 501 / 94، سنن أبي داود 2: 19 / 1254، مسند أحمد 6: 54.
(5) الاسراء: 78. (6) الكافي 8: 341 / 536، الفقيه 1: 291 / 1321، علل الشرائع: 324. (وفيها عن علي ابن الحسين عليهما السلام) وأورده كما في المتن في المعتبر: 131.

[ 274 ]

وقال في الجديد: الوتر أفضل - وبه قال مالك (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من لم يوتر فليس منا) (2) ولأنه اختلف في وجوبها (3)، والحديث يراد به من لم يعتقد مشروعيته إذ لا يمكن حمله على ظاهره، وخطأ القول بالوجوب لا يثبت الأرجحية للاجماع على أنه خطأ. واختلف أصحابه، فالمشهور أن المرجوحية تابعة للراجحة هنا، وقال بعضهم: الوتر أفضل، ثم صلاة الليل، ثم ركعتا الفجر (4). مسألة 11: يكره الكلام بين المغرب ونوافلها، لأن أبا الفوارس نهاه الصادق عليه السلام أن يتكلم بين الأربع التي بعد المغرب (5)، ويستحب أن يسجد للشكر بعد السابعة لئلا يفصل بين الفريضة ونافلتها لقول أبي الحسن الهادي عليه السلام: " ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السابعة " (6) ولو سجد بعد الفريضة جاز لأن الكاظم عليه السلام سجد عقيب الثالثة من المغرب وقال: " لا تدعها فإن الدعاء فيها مستجاب " (7). مسألة 12: الأفضل في النوافل كلها أن يصلي ركعتين ركعتين كالرواتب إلا الوتر، وصلاة الأعرابي سواء في ذلك نوافل الليل والنهار - وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية (8) -

(1) أقرب المسالك: 22، بلغة السالك 1: 148، الشرح الصغير 1: 148 (2) سنن أبي داود 2: 62 / 1419، مسند أحمد 5: 357.
(3) المجموع 4: 26، فتح العزيز 4: 261، المهذب 1: 91.
(4) المجموع 4: 26، فتح العزيز 4: 261.
(5) الكافي 3: 443 - 444 / 7، التهذيب 2: 114 / 425.
(6) التهذيب 2: 114 / 426، الاستبصار 1: 347 / 1308.
(7) الفقيه 1: 217 - 218 / 967، التهذيب 2: 114 / 427، الاستبصار 1: 347 / 1309.
(8) المجموع 4: 51، بداية المجتهد 1: 207، المغني 1: 796 - 797، الشرح =

[ 275 ]

لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يتطوع مثنى مثنى (1) وقال عليه السلام: (صلاة الليل مثنى مثنى) (2) وقال عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور، وبين كل ركعتين تسليمة) (3) ولأنها أبعد من السهو، ومنع أكثر العلماء من الزيادة على الركعتين في تطوع الليل، وبه قال أبو يوسف، ومحمد (4). وقال أبو حنيفة: إن شاء صلى ركعتين، أو أربعا، أو ستا، أو ثماني، في صلاة الليل، وأما صلاة النهار فإنه قال: يجوز أن يصلي ركعتين، أو أربعا لا أزيد - وهو رواية عن أحمد (5) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أربع قبل الظهر لا تسليم فيهن يفتح لهن أبواب السماء) (6): ولأن الأربع مشروعة في الفرائض فاستحبت في النوافل، والحديث طعن فيه الشافعية (7)، وعورض بقول ابن عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) (8) ولأنه تطوع فكان ركعتين كركعتي

= الكبير 1: 804 - 805. (1) صحيح مسلم 1: 508 / 122، سنن البيهقي 2: 486.
(2) صحيح البخاري 2: 30 و 64، صحيح مسلم 1: 516 / 749، الموطأ 1: 123 / 13، سنن أبي داود 2: 36 / 1326، سنن الترمذي 2: 300 / 437، سنن النسائي 3: 228.
(3) المغني 1: 796.
(4) شرح فتح القدير 1: 389، اللباب 1: 92، الهداية للمرغيناني 1: 67، المغني 1: 796، الشرح الكبير 1: 804.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 158، اللباب 1: 91، المغني 1: 796 - 797، الشرح الكبير 1: 804 - 805، بداية المجتهد 1: 207.
(6) سنن أبي داود 2: 23 / 1270.
(7) انظر المجموع 4: 10.
(8) سنن الترمذي 2: 491 / 597، سنن أبي داود 2: 29 / 1295، سنن النسائي 3: 227، سنن ابن ماجة 1: 419 / 1322، سنن الدارقطني 1: 417 / 2 و 3.

[ 276 ]

الفجر، وجميع الرواتب، وينتقض قياسهم بالمغرب فإنها مشروعة في الفرض، ولا يستحب التنفل بالثلاث. فروع: أ - لا يجوز الزيادة على الركعتين في التنفل ليلا ونهارا قاله الشيخ، وابن إدريس (1) - وبه قال مالك، وأحمد في رواية (2) - لأنها عبادة شرعية فيقف على مورد النص، وقد ثبت أن تطوعات النبي صلى الله عليه وآله مثنى (3). وقال أبو حنيفة: لا يزيد على الثماني في نوافل الليل ولا على الأربع في نوافل النهار (4). وقال الشافعي: لا يكره أي عدد أراد، لكن الأفضل إذا جمع أن يتشهد في كل ركعتين ثم يسلم في الأخير، ولو صلى الجميع بتشهد واحد جاز، وكذا يجوز لو تشهد عقيب كل ركعة، ويجوز أن يصلي شفعا، أو وترا، وأن يصلي بغير عدد، وفي وجه: لا يزيد على ثلاث عشرة ركعة،

(1) المبسوط للشيخ الطوسي 1: 71، السرائر: 39.
(2) بداية المجتهد 1: 207، المغني 1: 796 - 797، الشرح الكبير 1: 804.
(3) انظر صحيح مسلم 1: 508 / 122، سنن البيهقي 2: 486، سنن ابن ماجة 1: 418 / 1318 و 1321. (4) المبسوط للسرخسي 1: 158 - 159، شرح فتح القدير 1: 389، بدائع الصنائع 1: 295، اللباب 1: 91 - 92، المجموع 4: 56، فتح العزيز 4: 274 - 275، المغني 1: 796 - 797، الشرح الكبير 1: 804 - 805.

[ 277 ]

والمشهور عندهم الأول، قالوا: له أن يزيد في عدد الركعات ما أراد ولكن لا يزيد في التشهد على تشهدين، ويكون بين التشهدين ركعتان، حتى لو أراد أن يصلي ثمان ركعات ويتشهد بعد الرابعة والثامنة لا يجوز (1). ب - قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز الاقتصار في التنفل على الواحدة إلا في الوتر (2). وقال أبو حنيفة: الركعة الواحدة ليست صلاة (3) لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن البتيراء (4) يعني الركعة الواحدة، ولأنه مخالف للتقدير الشرعي فيكون منفيا. وقال الشافعي، وأحمد في رواية: يجوز (5) لأن عمر تطوع في المسجد فصلى ركعة ثم خرج فتبعه رجل فقال له: إنما صليت ركعة، قال: هو تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص (6). ولا حجة في فعله مع مخالفة فعل النبي صلى الله عليه وآله. ج - لو نوى النفل مطلقا صلى ركعتين لأنه الكيفية المشروعة، وقال الشافعي: يصلي ما شاء والأولى عنده أن يسلم عن ركعتين، وفي كراهة التسليم عن ركعة عنده وجهان مبنيان على أنه لو نذر الصلاة مطلقا هل يبرأ

(1) المجموع 4: 49، فتح العزيز 4: 273، الوجيز 1: 54.
(2) الخلاف 1: 536 مسألة 274.
(3) المجموع 4: 56، فتح العزيز 4: 276.
(4) نيل الأوطار 3: 39، المبسوط للسرخسي 1: 164، نصب الراية 2: 120.
(5) المجموع 4: 49، فتح العزيز 4: 273، المغني 1: 797.
(6) سنن البيهقي 3: 24.

[ 278 ]

بالواحدة أم لا؟ (1). د - لو شرع في النفل بأربع سلم عن ركعتين، وقال الشافعي: إن لم يقصد الاقتصار على ركعتين فإن سلم ناسيا عاد وبنى على صلاته، وإن تعمد بطلت صلاته (2)، ولو شرع بنية ركعتين ثم قام إلى الثالثة فإن كان ساهيا عاد، وإن تعمد بطلت، وقال الشافعي: إن قصد أن يصلي أربع ركعات، أو ست ركعات جاز قياسا على المسافر إذا نوى الاتمام في أثناء الصلاة، وإن لم يقصد بطلت كما لو زاد في الفرض عامدا (3). ه‍ - قال الشافعي: لو تحرم بركعة فله أن يجعلها عشرا فصاعدا، وإن تحرم بعشر فله أن يقتصر على واحدة لكن بشرط أن يغير النية قبل الزيادة والنقصان، فلو زاد أو نقص قبل تغيير النية بطلت صلاته، كما لو نوى ركعتين ثم قام إلى الثالثة قبل نية الزيادة عمدا بطلت صلاته، ولو قام سهوا عاد وسجد للسهو وسلم عن ركعتين، فلو بدا له بعد القيام أن يزيد فيجب القعود ثم القيام في أصح الوجهين، ولو نوى أربعا ثم سلم عن ركعتين قبل تغيير النية بطلت صلاته إن كان عامدا، وإن كان ساهيا أتم الأربع وسجد للسهو، وإن أراد الاقتصار فذلك السلام غير محسوب فيسجد للسهو ويسلم (4). مسألة 13: صلاة الضحى عندنا بدعة لقول عائشة: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله يصلي الضحى قط (5)، وسألها عبد الله بن شفيق أكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجئ من مغيبه (6)،

(1) المجموع 4: 49 - 50، فتح العزيز 4: 273 و 276.
(2) المجموع 4: 50، فتح العزيز 4: 273.
(3) المجموع 4: 50، فتح العزيز 4: 273.
(4) المجموع 4: 50، فتح العزيز 4: 273.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 2: 406، الموطأ 1: 152 / 29، سنن البيهقي 3: 50.
(6) سنن أبي داود 2: 28 / 1292، سنن البيهقي 3: 50.

[ 279 ]

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما حدثني أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله يصلي الضحى إلا أم هاني فإنها حدثت: أن النبي صلى الله عليه وآله دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثمان ركعات ما رأيته قط صلى صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود (1). ومن طريق الخاصة إنكار علي عليه السلام لها (2)، وسأل زرارة، وابن مسلم، والفضيل، الباقر، والصادق عليهما السلام عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا: " إن النبي صلى الله عليه وآله صعد على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان في النافلة جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة فلا تجمعوا في رمضان لصلاة الليل، ولا تصلوا الضحى فإن ذلك بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار " (3) ولو كانت مشروعة لما خفي عن نساء النبي صلى الله عليه وآله، ولا عن أولاده وأهل بيته. وأطبق الجمهور على استحبابها (4) لما روى أبو هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد (5). ويبعد أن يوصي بما لا يهتم به، ولو اهتم به لعرفته عائشة، ولا دلالة في حديث أم هاني (6) لجواز أن يكون فعله عليه السلام شكرا لفتح مكة.

(1) سنن أبي داود 2: 28 / 1291، سنن الترمذي 2: 338 / 474، سنن الدارمي 1: 338.
(2) الكافي 3: 452 / 8.
(3) الفقيه 2: 87 - 88 / 394، التهذيب 3: 69 - 70 / 226، الاستبصار 1: 467 / 1807. (4) المجموع 4: 36، المغني 1: 802، الشرح الكبير 1: 811، عمدة القارئ 7: 240، السراج الوهاج: 65، سبل السلام 2: 405، بلغة السالك 1: 145.
(5) صحيح مسلم 1: 499 / 721، سنن النسائي 3: 229، سنن الدارمي 1: 339.
(6) صحيح مسلم 1: 497 / 336، سنن الدارمي 1: 338، سنن الترمذي 2: 338 / 474.

[ 280 ]

لا يقال: قد ورد أن الصلاة خير موضوع (1). لأنا نقول: لا امتناع في الاتيان بها باعتبار كونها نافلة مبتدأة، أما فعلها مع اعتقاد مشروعيتها في هذا الوقت بالخصوصية فإنه يكون بدعة. ووقتها عندهم من حين ترتفع الشمس قليلا إلى أن تزول، وأقلها ركعتان، وأكثرها ثمان (2). مسألة 14: يستحب نافلة رمضان عند علمائنا - وبه قال الجمهور (3) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جاء شهر رمضان زاد في الصلاة، وأنا أزيد فزيدوا " (5)، ولأنه أفضل من غيره من الشهور، واختص بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ويضاعف الحسنات فيه فناسب مشروعية زيادة أهم العبادات عند الشارع. مسألة 15: وقدرها ألف ركعة عند علمائنا لقول الصادق عليه السلام: " يصلي في شهر رمضان ألف ركعة " (6). وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: يصلي في كل ليلة عشرين ركعة

(1) كنز العمال 7: 288 / 1896، عن الطبراني في الأوسط.
(2) المجموع 4: 36، فتح العزيز 4: 257 و 258، المغني 1: 803، الشرح الكبير 1: 811.
(3) المجموع 4: 31، فتح العزيز 4: 266، المغني 1: 833، الشرح الكبير 1: 781، اللباب 1: 122، بداية المجتهد 1: 209 - 210.
(4) صحيح البخاري 1: 16، سنن أبي داود 2: 49 / 1371 و 1372، سنن الدارمي 2: 26، الموطأ 1: 113 / 2، سنن النسائي 4: 155، سنن الترمذي 3: 172 / 808. (5) التهذيب 3: 60 / 204، الاستبصار 1: 461 / 1793.
(6) التهذيب 3: 66 / 218، الاستبصار 1: 466 / 1802.

[ 281 ]

خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات، بتسليمتين (1) لأن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة (2)، ونحن نقول بموجبه إذ في العشر الاواخر يزاد في عدد الركعات لأن ليلة القدر ترجى فيها فناسب الزيادة، وقد كان أبي يصلي العشرين في كل ليلة إلى العشر الاواخر فيتخلف في بيته فيها وكانوا يقولون: أبق أبي (3). وقال مالك: ست وثلاثون لأن أهل المدينة فعلوا ذلك (4) والراوي ضعيف، ولأنهم قصدوا ما رواه أهل مكة حيث كانوا يطوفون سبعا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات (5). إذا عرفت هذا فقد روي زيادة على الألف مائة ركعة ليلة النصف يقرأ في كل ركعة الحمد مرة والاخلاص مائة مرة (6). مسألة 16: وفي كيفية توزيعها روايتان: إحداهما في كل ليلة عشرون ركعة ثم في الليالي الأفراد، وهي ليلة تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين في كل ليلة زيادة مائة، ثم زيادة عشر في العشر الاواخر فذلك ألف ركعة لرواية مسعدة بن صدقة (7) وسماعة (8).

(1) المجموع 4: 32، فتح العزيز 4: 264، المغني 1: 833 - 834، الشرح الكبير 1: 784، المبسوط 2: 144، بدائع الصنائع 1: 288، بداية المجتهد 1: 210.
(2) المغني 1: 834، الشرح الكبير 1: 784.
(3) سنن أبي داود 2: 65 / 1429، سنن البيهقي 2: 498.
(4) بداية المجتهد 1: 210، المجموع 4: 32، فتح العزيز 4: 264 - 265، المغني 1: 834، الشرح الكبير 1: 784 - 785، المبسوط للسرخسي 2: 144.
(5) انظر فتح العزيز 4: 265.
(6) انظر مصباح المتهجد: 497.
(7) التهذيب 3: 62 / 213، الاستبصار 1: 462 / 1796.
(8) الفقيه 2: 88 / 397، التهذيب 3: 63 / 214 و 64 / 217، الاستبصار 1: 462 / 1797 و 464 / 1801، إقبال الأعمال: 12.

[ 282 ]

والأخرى كذلك إلا أنه يقتصر في ليالي الأفراد على مائة فتبقى ثمانون فيصلي في كل جمعة عشر ركعات بصلاة علي عليه السلام، وفاطمة، وجعفر، وفي ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين بصلاة علي عليه السلام، وفي عشية تلك الجمعة ليلة السبت عشرين بصلاة فاطمة عليها السلام، لرواية المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام (1)، وإسحاق بن عمار عن الكاظم عليه السلام (2). إذا عرفت هذا فينبغي أن يقرأ - في المئات - في كل ركعة بالحمد مرة والاخلاص مائة مرة. مسألة 17: المشهور أنه يصلي بعد المغرب ثماني ركعات والباقي بعد العشاء لرواية مسعدة (3)، وفي رواية سماعة يصلي بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة والباقي بعد العشاء (4)، وكلاهما لا بأس به، وروي أن عليا عليه السلام كان يصلي في آخر عمره في كل يوم وليلة من رمضان ألف ركعة (5). مسألة 18: ولا تجوز الجماعة في هذه الصلاة عند علمائنا أجمع لقول زيد بن ثابت: إن الناس اجتمعوا فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج مغضبا وقال: (ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنها ستكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (6) ولو كانت الجماعة مستحبة لم يزهد فيها. ومن طريق الخاصة قول الباقر، والصادق عليهما السلام: " إن النبي

(1) التهذيب 3: 66 / 218، الاستبصار 1: 466 / 1802، إقبال الأعمال: 13.
(2) نقله في المعتبر: 225.
(3) التهذيب 3: 62 / 213، الاستبصار 1: 462 / 1796، إقبال الأعمال: 13.
(4) الفقيه 2: 88 - 89 / 397، التهذيب 3: 63 / 214، الاستبصار 1: 462 / 1797.
(5) الكافي 4: 154 / 1، التهذيب 3: 63 - 64 / 215، الاستبصار 1: 463 / 1798.
(6) صحيح مسلم 1: 539 - 540 / 781، سنن أبي داود 2: 69 / 1447.

[ 283 ]

صلى الله عليه وآله خرج أول ليلة من شهر رمضان ليصلي فاصطف الناس خلفه فهرب إلى بيته وتركهم، ففعل ذلك ثلاث ليال، وقام في اليوم الرابع على منبره وقال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في رمضان نافلة في جماعة بدعة فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل، فإن ذلك معصية، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار، ثم نزل وهو يقول: قليل في سنة خير من كثير في بدعة " (1). وأطبق الجمهور على تسويغ الجماعة فيها (2) لأن عمر جمع الناس على أبي (3)، ولا حجة فيه لانقضاء زمان النبي صلى الله عليه وآله، وأبي بكر على عدم الاجتماع، ولهذا قال عمر: نعمت البدعة (4) ونسبت الجماعة في التراويح إليه ولو كانت سنة لما كانت بدعة. واختلفوا في الافضلية فقال مالك: قيام رمضان في البيت لمن قوي أحب إلي (5) وكان ربيعة وجماعة من العلماء ينصرفون ولا يقومون مع الناس (6). وقال أبو يوسف: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الامام في رمضان فأحب إلي أن يصلي في بيته. وهو أحد قولي الشافعي (7) لقول

(1) الفقيه 2: 87 / 394، التهذيب 3: 69 / 226، الاستبصار 1: 467 / 1807. (2) المجموع 4: 31، فتح العزيز 4: 266، المغني 1: 835، الشرح الكبير 1: 785، بدائع الصنائع 1: 288، كفاية الأخيار 1: 55.
(3) صحيح البخاري 3: 58، سنن أبي داود 2: 65 / 1429، سنن البيهقي 2: 493.
(4) صحيح البخاري 3: 58، الموطأ 1: 114 / 3، سنن البيهقي 2: 493.
(5) المدونة الكبرى 1: 222، فتح العزيز 4: 266، المغني 1: 835، الشرح الكبير 1: 785، المبسوط 2: 144.
(6) المدونة الكبرى 1: 222.
(7) المجموع 4: 31، فتح العزيز 4: 266، المغني 1: 835، الشرح الكبير 1: 785، المبسوط للسرخسي 2: 144.

[ 284 ]

النبي صلى الله عليه وآله: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة) (1) وهذا يدل على انتفاء المشروعية إذ لو كانت الجماعة مشروعة لكانت أفضل كغيرها من الصلوات. والقول الثاني للشافعي: الاجتماع أفضل - وبه قال أحمد في رواية - وهو مروي عن الليث بن سعد (2) لأن أحمد روى أن عليا عليه السلام، وجابرا وعبد الله صلوها في جماعة (3)، وقد بينا أن عليا عليه السلام أنكر ذلك (4) وأهل بيته، وقد أنكر جماعة قيام علي عليه السلام مع الصحابة. مسألة 19: ينبغي أن يفصل بين كل ركعتين بالأدعية المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، ولا يستحب قيام ليلة الشك لأنها لم تثبت من رمضان فصلاة رمضان فيها بدعة، كما أن صومه بنية رمضان بدعة، ولأن الصحابة والتابعين لم يصلوها، ونقل عن أحمد أنه صلاها (5) لقوله عليه السلام: (إن الله فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه) (6) فجعل القيام مع الصيام، ونحن نقول بموجبه فإن الصيام يوم الشك بنية رمضان حرام عندنا. ويستحب أن يقرأ في ليلة ثلاث وعشرين سورة العنكبوت والروم. قال الصادق عليه السلام: " من قرأ سورتي العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة

(1) صحيح البخاري 1: 186، صحيح مسلم 1: 540 / 781، سنن النسائي 3: 198، مسند أحمد 5: 182.
(2) المجموع 4: 31 و 35، فتح العزيز 4: 266، المغني 1: 835، الشرح الكبير 1: 785. (3) المغني 1: 835، الشرح الكبير 1: 785.
(4) الكافي 8: 62 / 21، تفسير العياشي 1: 275 / 272، السرائر: 491.
(5) المغني 1: 838، الشرح الكبير 1: 789.
(6) سنن النسائي 4: 158، سنن ابن ماجة 1: 421 / 1328.

[ 285 ]

ثلاث وعشرين فهو والله - يا أبا محمد - من أهل الجنة، لا أستثني فيه أبدا ولا أخاف أن يكتب الله علي في يميني إثما، وأن لهاتين السورتين من الله مكانا " (1) ويستحب أن يقرأ فيها أيضا ألف مرة سورة القدر. مسألة 20: ويستحب من النوافل الموقتة غير ما تقدم صلوات: أ - صلاة ليلة الفطر وهي ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة والاخلاص ألف مرة، وفي الثانية الحمد مرة والاخلاص مرة واحدة، ويدعو بعدهما بالمنقول. ب - يستحب أن يصلي أول يوم من ذي الحجة صلاة فاطمة عليها السلام، وفيه زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله من علي عليه السلام، وروي أنه يوم السادس، ثم يدعو بالمنقول (2). ج - صلاة يوم الغدير مستحبة بعد الغسل قبل الزوال بنصف ساعة وهي ركعتان: يقرأ في كل واحدة الحمد مرة وكل واحدة من الاخلاص، وآية الكرسي، وسورة القدر عشر مرات، ثم يدعو بالمنقول (3)، وقد روى أبو الصلاح هنا استحباب الجماعة، والخطبة، والتصافح، والتهاني (4) لبركة هذا اليوم وشرفه بتكميل الدين بنصب أمير المؤمنين عليه السلام. د - يستحب أن يصلي قبل الزوال بنصف ساعة يوم الصدقة بالخاتم - وهو الرابع والعشرون من ذي الحجة - شكرا لله ركعتين، يقرأ في كل ركعة

(1) التهذيب 3: 100 / 261، مصباح المتهجد: 571، ثواب الأعمال: 136، المقنعة: 50.
(2) مصباح المتهجد: 613، أمالي الطوسي 1: 42.
(3) مصباح المتهجد: 691.
(4) الكافي في الفقه: 160.

[ 286 ]

الحمد مرة، والاخلاص عشر مرات، وآية الكرسي إلى قوله: * (هم فيها خالدون) * (1) عشر مرات، والقدر عشر مرات. قال الشيخ: وهذه الصلاة بعينها رويناها في يوم الغدير (2) وهي تعطي أن آية الكرسي في يوم الغدير إلى قوله: * (هم فيها خالدون) *. ه‍ - يستحب أن يصلي يوم المباهلة - وهو الخامس والعشرون من ذي الحجة - ما أراد من الصلاة، ويستغفر الله عقيب كل ركعتين سبعين مرة، ويدعو بالمنقول (3). و - يستحب أن يصلي صلاة عاشوراء. قال الصادق عليه السلام لعبد الله ابن سنان وقد رآه باكيا لمصاب جده عليه السلام: " إن أفضل ما تأتي به في هذا اليوم أن تعمد إلى ثياب طاهرة فتلبسها وتتسلب " قلت: وما التسلب؟ قال: " تحلل أزرارك ثم تحسر عن ذراعيك كهيئة أصحاب المصاب، ثم تخرج إلى أرض مقفرة، أو مكان لا يراك به أحد، أو تعمد إلى منزل لك خال، أو في خلوة منذ حين يرتفع النهار، فتصلي أربع ركعات، تحسن ركوعها، وسجودها، وتسلم بين كل ركعتين، تقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ثم تصلي ركعتين أخريين. تقرأ في الأولى الحمد وسورة الاحزاب، وفي الثانية الحمد وإذا جاءك المنافقون، أو ما تيسر من القرآن ثم تسلم، وتحول وجهك نحو قبر الحسين صلوات الله وسلامه عليه ومضجعه " (4) الحديث.

(1) البقرة: 255 - 257.
(2) مصباح المتهجد: 703 - 704.
(3) مصباح المتهجد: 704.
(4) مصباح المتهجد: 725.

[ 287 ]

ز - يستحب أن يصلي ليلة النصف من رجب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، فإذا فرغ قرأ الحمد والمعوذتين وسورة الاخلاص وآية الكرسي أربع مرات، ويدعو بالمنقول (1). ح - يستحب أن يصلي ليلة المبعث - وهي ليلة السابع والعشرين من رجب - أي وقت كان من الليل اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد، والمعوذتين، والاخلاص أربع مرات ثم يدعو بالمنقول (2). ط - يستحب أن يصلي يوم المبعث اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد، ويس. فإذا فرغ قرأ الحمد أربع مرات، وكذا الاخلاص، والمعوذتين، ودعا بالمنقول (3). ى - يستحب أن يصلي في أيام رجب ثلاثين ركعة في كل ركعة الحمد مرة، والاخلاص ثلاث مرات، والجحد ثلاث مرات، يصلي عشرا في العشر الأول، وعشرا في الأوسط، وعشرا في الأخير، ويدعو بالمنقول. رواه سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله (4). يا - يستحب أن يصلي ليلة نصف شعبان أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد، والاخلاص مائة مرة، ويدعو بالمنقول عن الباقر والصادق عليهما السلام (5) وفي رواية عن الصادق عليه السلام استحباب ركعتين يقرأ في الأولى الحمد والجحد مرة، وفي الثانية الحمد والاخلاص مرة، ويدعو بالمنقول (6).

(1) مصباح المتهجد: 742.
(2) مصباح المتهجد: 749.
(3) مصباح المتهجد: 750. (4) مصباح المتهجد: 752.
(5) مصباح المتهجد: 762 - 763.
(6) مصباح المتهجد: 762، أمالي الطوسي 1: 303.

[ 288 ]

وقال الباقر عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى ليلة النصف من شعبان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات، لم يمت حتى يرى منزله من الجنة أو يرى له " (1) وروى الكاظم عليه السلام عن الصادق عليه السلام: " صلاة أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة والاخلاص مائتين وخمسين مرة ثم يدعو بالمنقول " (2). وعن الرضا عليه السلام استحباب صلاة جعفر عليه السلام (3)، وفي هذه الليلة ولد مولانا القائم عليه السلام، وروي فيها صلوات غير ذلك (4). يب - يستحب أن يصلي في ليلة كل سبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وآية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، فإذا سلم قرأ آية الكرسي ثلاث مرات، ويصلي يوم السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وثلاث مرات الجحد، فإذا فرغ قرأ آية الكرسي ثلاث مرات. ويصلي ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وآية الكرسي والأعلى والاخلاص. ويصلي يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد، و * (آمن الرسول) * (5) إلى آخرها. وليلة الإثنين اثنتي عشرة ركعة كل ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي، فإذا فرغ قرأ الاخلاص اثنتي عشرة مرة، واستغفر الله اثنتي عشرة مرة، وصلى

(1) مصباح المتهجد: 768.
(2) مصباح المتهجد: 769.
(3) عيون أخبار الرضا عليه السلام: 293 / 45، أمالي الصدوق: 32 / 1، مصباح المتهجد: 769.
(4) مصباح المتهجد: 765 - 767 و 769 - 770.
(5) البقرة: 285.

[ 289 ]

على النبي وآله عليهم السلام اثنتي عشرة مرة. وفي يوم الإثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وآية الكرسي والاخلاص والمعوذتين مرة مرة، فإذا فرغ استغفر الله عشر مرات، وصلى على النبي وآله عليهم السلام عشر مرات. ويصلي ليلة الثلاثاء ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد، وآية الكرسي والاخلاص، * (وشهد الله) * (1) مرة مرة. وفي يوم الثلاثاء عشرين ركعة بعد انتصاف النهار في كل ركعة فاتحة الكتاب، وآية الكرسي والاخلاص ثلاث مرات. ويصلي ليلة الاربعاء ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد وآية الكرسي والاخلاص والقدر مرة مرة. وفي يوم الاربعاء اثنتي عشرة ركعة في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، والاخلاص ثلاث مرات، والفلق ثلاث مرات، والناس كذلك. ويصلي ليلة الخميس بين العشاءين ركعتين يقرأ في كل واحدة فاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي خمس مرات، والجحد والتوحيد والمعوذتين كل واحدة خمس مرات، فإذا فرغ استغفر الله تعالى خمس عشرة مرة. ويصلي يوم الخميس بين الظهرين ركعتين يقرأ في الأولى الحمد، وآية الكرسي مائة مرة، وفي الثانية الحمد، والاخلاص مائة مرة، ثم يستغفر الله مائة مرة بعد فراغه، ويدعو بالمنقول (2). ويصلي ليلة الجمعة اثنتي عشرة ركعة بين العشاءين يقرأ في كل ركعة

(1) آل عمران: 18.
(2) مصباح المتهجد: 224 - 225.

[ 290 ]

فاتحة الكتاب، والاخلاص إحدى وأربعين مرة، وروي عشرون ركعة في كل ركعة الحمد، والاخلاص إحدى عشرة مرة (1)، وروي ركعتان في كل واحدة الحمد، والزلزلة خمس عشرة مرة (2)، ورويت صلوات كثيرة ليلة الجمعة (3). ويصلي يوم الجمعة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وهي ركعتان يقرأ في كل ركعة الحمد، وإنا أنزلناه خمس عشرة مرة، فإذا ركع قرأها خمس عشرة مرة، فإذا انتصب قرأها خمس عشرة مرة، فإذا سجد قرأها خمس عشرة مرة، فإذا رفع رأسه من السجود قرأها خمس عشرة مرة، فإذا سجد ثانيا قرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه من السجود إلى الثانية ويصلي كذلك، فإذا سلم دعا بالمنقول (4). وصلاة علي عليه السلام وهي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وخمسين مرة الاخلاص، ثم يدعو بالمنقول (5)، وفي رواية: أربع ركعات، الحمد مرة، والتوحيد، والم تنزيل، وفي الثانية يس، وفي الثالثة الدخان، وفي الرابعة تبارك، ويقول خمس عشرة مرة في الأحوال كلها (6) ويدعو بالمنقول (7). وصلاة فاطمة عليها السلام ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة، والقدر

(1) مصباح المتهجد: 228.
(2) مصباح المتهجد: 228.
(3) مصباح المتهجد: 228 وما بعدها، جمال الأسبوع: 144 - 149. (4) انظر مصباح المتهجد: 255.
(5) انظر مصباح المتهجد: 256 - 258.
(6) انظر تفصيل الحالات والدعاء في مصباح المتهجد: 263.
(7) مصباح المتهجد: 263 - 264.

[ 291 ]

مائة مرة، وفي الثانية الحمد، والاخلاص مائة مرة، ثم يدعو بالمنقول (1). وصلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام وتسمى صلاة التسبيح، وصلاة الحبوة، وهي أربع ركعات بتسليمتين يقرأ في الأولى الحمد والزلزلة، وفي الثانية الحمد والعاديات، وفي الثالثة الحمد والنصر، وفي الرابعة الحمد والتوحيد، فإذا فرغ من القراءة في كل ركعة قال خمس عشر مرة: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم يركع ويقولها عشرا، ثم يرفع رأسه ويقولها عشرا، ثم يسجد ويقولها عشرا، ثم يرفع ويقولها عشرا، ثم يسجد ثانيا ويقولها عشرا، ثم يجلس ويقولها عشرا، ثم يقوم إلى الثانية وكذا باقي الركعات، ثم يدعو بالمنقول (2). والصلاة الكاملة وهي أربع ركعات قبل الزوال يقرأ في كل ركعة الحمد عشر مرات، وكذا المعوذتين، والتوحيد، والجحد، وآية الكرسي، والقدر، و * (شهد الله) * (3) عشر مرات، فإذا فرغ استغفر الله مائة مرة، ودعا بالمنقول (4). وصلاة الأعرابي وهي عشر ركعات يصلي ركعتين ثم يسلم، ويصلي أربعا ثم يسلم، ويصلي أربعا أخرى، عند ارتفاع نهار الجمعة، يقرأ في الأولى الحمد مرة، والفلق سبع مرات، وفي الثانية الحمد مرة، والناس سبع مرات، فإذا سلم قرأ آية الكرسي سبعا، ثم يصلي ثماني ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، والنصر مرة والاخلاص خمسا وعشرين مرة، ثم

(1) انظر مصباح المتهجد: 265 - 266.
(2) انظر مصباح المتهجد: 268 - 270.
(3) آل عمران: 18.
(4) انظر مصباح المتهجد: 280.

[ 292 ]

يدعو بالمنقول (1). وروي صلاة فاطمة عليها السلام أربع ركعات بعد الغسل، يقرأ في الأولى الحمد، والاخلاص خمسين مرة. وفي الثانية الحمد والعاديات خمسين مرة. وفي الثالثة الحمد والزلزلة خمسين مرة. وفي الرابعة الحمد والنصر خمسين مرة. ثم يدعو بالمنقول (2). وصلاة الهدية يصلي يوم الجمعة ثمان ركعات يهدي أربعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأربعا إلى فاطمة عليها السلام، وفي يوم السبت أربع ركعات يهدي إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ثم كذلك في كل يوم إلى واحد من الأئمة عليهم السلام إلى يوم الخميس يصلي أربع ركعات يهدي إلى جعفر بن محمد عليهما السلام،، ثم يوم الجمعة يصلي ثمان ركعات يهدي أربعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأربعا إلى فاطمة عليها السلام، ثم يوم السبت أربع ركعات يهدي إلى الكاظم عليه السلام، ثم كذلك إلى يوم الخميس أربع ركعات يهدي إلى صاحب الزمان عليه السلام (3). وصلاة الحسين عليه السلام يوم الجمعة أربع ركعات بثمانمائة مرة الحمد والاخلاص يقرأ في الأولى بعد التوجه الحمد خمسين مرة وكذا الاخلاص. فإذا ركع قرأ الحمد عشرا والاخلاص عشرا، وكذا في الأحوال في كل ركعة مائتي مرة، ثم يدعو بالمنقول (4). ويستحب أن يختم القرآن يوم الجمعة ثم يدعو بدعاء زين العابدين عليه السلام (5).

(1) انظر مصباح المتهجد: 281.
(2) انظر مصباح المتهجد: 282.
(3) انظر مصباح المتهجد: 285.
(4) انظر جمال الأسبوع: 270 - 271، وليس فيه ذكر يوم الجمعة.
(5) انظر الصحيفة السجادية: 211 دعاء رقم 42.

[ 293 ]

يج - يستحب صلاة الحاجة يوم الجمعة. روي عن الباقر عليه السلام ركعتين، يدعو بعدهما بالمنقول (1)، وعن الصادق عليه السلام: " فليصم الاربعاء، والخميس، والجمعة، ثم يغتسل يوم الجمعة ويلبس ثوبا نظيفا، ثم يصعد إلى أعلى موضع في داره ويصلي ركعتين، ويدعو بالمنقول (2)، وفي أخرى: صلاة جعفر عليه السلام بعد صوم الثلاثة، والصدقة عشية الخميس بعشرة أمداد على عشرة مساكين (3). وعن الرضا عليه السلام: " فليصم الاربعاء، والخميس، والجمعة، ثم ليغسل رأسه بالخطمي يوم الجمعة، ويلبس أنظف ثيابه، ويتطيب، ويتصدق على امرئ مسلم بما تيسر، ثم ليبرز إلى آفاق السماء، ويستقبل القبلة، ويصلي ركعتين في الأولى الحمد وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ثم يركع ويقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يسجد فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يسجد ثانيا فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يرفع رأسه فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم ينهض ويفعل مثل ذلك، ويقولها قبل التشهد خمس عشرة مرة، ثم يسلم بعد التشهد، ويقرأها بعد التسليم خمس عشرة مرة، ثم يسجد فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يضع خده الأيمن فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم الأيسر ويقرأها خمس عشرة مرة، ثم يعود إلى السجود فيقرأها خمس عشرة مرة، ثم يقول وهو ساجد يبكي: يا جواد يا ماجد، يا واحد يا أحد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، يا من هو هكذا [ و ] (4) لا هكذا غيره، أشهد أن كل معبود من

(1) مصباح المتهجد: 286.
(2) مصباح المتهجد: 287 و 477.
(3) مصباح المتهجد: 293.
(4) الزيادة من المصدر.

[ 294 ]

لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك جل جلالك، يا معز كل ذليل، ويا مذل كل عزيز، تعلم كربتي، فصل على محمد وآل محمد، وفرج عني، ثم يقلب خدك الأيمن ويقول ذلك ثلاثا، ثم الأيسر كذلك، ويتوجه في حاجته إلى الله بمحمد وآله عليه وعليهم السلام، ويسميهم عن آخرهم " (1) ونقل غير ذلك من الصلوات. يد - يستحب أن يزاد في نوافل الجمعة أربع ركعات زيادة على سائر الأيام، وروي عن الصادق عليه السلام: " إن فيه ساعتين يستجاب فيهما الدعاء إحداهما ما بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف بالناس والأخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس " (2). يه - يستحب أن يصلي في أول كل شهر ما كان الباقر عليه السلام يصليه وهو في أول كل يوم منه ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة وقل هو الله أحد لكل يوم، إلى آخره، وفي الثانية الحمد والقدر كذلك، ويتصدق بما يتسهل يشتري به سلامة ذلك الشهر كله (3). يو - صلاة الشكر مستحبة عند تجدد النعم، ودفع النقم، قال الصادق عليه السلام: " تصلي ركعتين تقرأ في الأولى الحمد والتوحيد، وفي الثانية الحمد والجحد " وتدعو بالمنقول (4). يز - صلاة الاستخارة مستحبة، كان زين العابدين عليه السلام إذا هم بأمر حج، أو عمرة، أو بيع، أو شراء، أو عتق تطهر ثم صلى ركعتين للاستخارة يقرأ فيهما الحشر والرحمن، والمعوذتين، ثم يدعو بالمنقول (5)،

(1) مصباح المتهجد: 303. (2) الكافي 3: 414 / 4، التهذيب 3: 235 / 619.
(3) انظر مصباح المتهجد: 470، إقبال الأعمال: 87.
(4) الكافي 3: 481 / 1، التهذيب 3: 184 - 185 / 418، مصباح المتهجد: 479.
(5) الكافي 3: 470 / 2، التهذيب 3: 180 / 408، المحاسن: 600 / 11.

[ 295 ]

ورويت صلوات كثيرة للاستخارة (1). يج - يستحب صلاة الاستسقاء على ما يأتي، وكذا تحية المسجد، وصلاة الاحرام، وهذه لأسباب. مسألة 21: والتطوع قائما أفضل، ويجوز جالسا بإجماع العلماء، قال النبي صلى الله عليه وآله: (من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم) (2) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " ما أصلي النوافل إلا قاعدا منذ حملت هذا اللحم " (3) ولأن كثيرا من الناس يشق عليه طول القيام، فلو لم يشرع الجلوس لزم الحرج، أو ترك النوافل التي هي في مظنة الرخصة، ولهذا صليت على الراحلة. فروع: أ - ينبغي أن يحتسب كل ركعتين من جلوس بركعة من قيام لأن أجره نصف أجر القائم فاستدراك فائت أجر القيام بتضعيف العدد، ولقول الصادق عليه السلام: " تضعف ركعتين بركعة " (4) ولو احتسب بركعتين جاز لقول الباقر عليه السلام وقد سأله أبو بصير من صلى وهو جالس من غير عذر كانت صلاته ركعتين بركعة؟ فقال: " ليس هو هكذا هي لكم تامة " (5) ولا بأس بالجمع باحتساب ركعة بركعة مع التعذر، وركعتين بركعة لا معه.

(1) انظر على سبيل المثال: الكافي 3: 470، والتهذيب 3: 179 (باب صلاة الاستخارة).
(2) صحيح البخاري 2: 59، سنن الترمذي 2: 207 / 371، سنن ابن ماجة 1: 388 / 1231، سنن النسائي 3: 224، الموطأ 1: 136 / 19 و 20 نحوه.
(3) الكافي 3: 410 / 1، التهذيب 2: 169 / 674.
(4) التهذيب 2: 166 / 655، الاستبصار 1: 293 / 1080.
(5) الكافي 3: 410 / 2، الفقيه 1: 238 / 1048، التهذيب 2: 170 / 677، الاستبصار 1: 294 / 1084.

[ 296 ]

ب - يستحب له أن يتربع حال قراءته، ويثني رجليه راكعا وساجدا - وبه قال ابن عمر، وأنس، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة في رواية (1) - لأن القيام يخالف القعود فينبغي مخالفة هيئة البدل له، وقال أبو حنيفة: يجلس كيف شاء لأن القيام سقط فسقطت هيئته (2). ولا يلزم من سقوط القيام للمشقة سقوط ما لا مشقة فيه، وروي عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء الخراساني أنهم كانوا يحتبون في التطوع، واختلف فيه عن عطاء والنخعي (3). ج - ثني الرجلين في الركوع والسجود مستحب، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الثوري لأن أنسا صلى متربعا فلما ركع ثنى رجليه (4)، وحكى ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق أنه لا يثني إلا حال السجود، ويكون في الركوع كهيئة القيام - وهو قول أبي يوسف، ومحمد - لأن هيئة الراكع في رجليه هيئة القيام (5). د - لو قام للركوع بعد فراغ القراءة كان أفضل لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي الليل قائما فلما أسن كان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين ثم ركع (6)، ومن طريق الخاصة قول الكاظم عليه السلام: " إذا أردت أن تصلي وأنت جالس فاقرأ وأنت جالس

(1 - 3) المغني 1: 812، الشرح الكبير 1: 809.
(4) المغني 1: 812، الشرح الكبير 1: 810.
(5) المغني 1: 812 و 813، الشرح الكبير 1: 810.
(6) صحيح البخاري 2: 60، صحيح مسلم 1: 505 / 731، الموطأ 1: 137 / 22، سنن النسائي 3: 220.

[ 297 ]

فإذا كنت في آخر السورة فقم وأتمها واركع تحسب لك بصلاة قائم " (1). مسألة 22: النوافل التي لا سبب لها هي ما يتطوع بها الانسان ابتداء، وهي أفضل من نقل العبادات، لأن فرض الصلاة أفضل من جميع الفرائض، والتنفل بالليل أفضل لقوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (2) ولأنه وقت غفلة الناس فكانت العبادة فيه أفضل. ولا يستحب استيعاب الليل بالصلاة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله بلغه عن بعض أصحابه أنه يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تفعل إن لعينك، ونفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا) (3) وآخر الليل أفضل من أوله، قال تعالى: * (وبالأسحار هم يستغفرون) * (4) * (والمستغفرين بالأسحار) * (5). وينبغي أن ينام نصف الليل، ويصلي ثلثه، وينام سدسه، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود. كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) (6).

(1) التهذيب 2: 170 / 676.
(2) الاسراء: 79.
(3) صحيح البخاري 7: 40 و 8: 38، صحيح مسلم 2: 817 و 818 / 123، سنن النسائي 4: 211، مسند أحمد 6: 268. (4) الذاريات: 18.
(5) آل عمران: 17.
(6) صحيح البخاري 2: 63، صحيح مسلم 2: 816 / 189، سنن أبي داود 2: 327 و 328 / 2448، سنن ابن ماجة 1: 546 / 1712، مسند أحمد 2: 160.

[ 299 ]

الفصل الثاني: في الأوقات. وفيه مباحث: الأول: في وقت الرفاهية للفرائض اليومية. مقدمة: لا خلاف في جواز تطابق الوقت والفعل، كالصوم. ومنع القصور عند العدلية إلا مع قصد القضاء. واختلف في توسيع الوقت، فمنعه جماعة منهم أبو حنيفة وجعل الوجوب مختصا بآخر الوقت (1)، وآخرون بأوله (2)، وآخرون قالوا: إن بقي على صفة المكلفين إلى آخر الوقت، فما فعله واجب وإلا كان نفلا (3). والكل خطأ نشأ بسبب الجهل بمعنى الواجب الموسع، والتحقيق أنه كالواجب المخير، فإن الله تعالى أوجب على المكلف الاتيان به في هذا الوقت لا بمعنى شغل جميع الوقت بالفعل، ولا اختصاص بجزء معين لانتفاء

(1) المجموع 3: 47، فتح العزيز 3: 41، المغني 1: 415، الشرح الكبير 1: 464، المنتقى 1: 3، بدائع الصنائع 1: 95.
(3) المجموع 3: 47، المهذب للشيرازي 1: 60، المغني 1: 414، الشرح الكبير 1: 464، المنتقى 1: 3، بدائع الصنائع 1: 95.
(3) المجموع 3: 47.

[ 300 ]

المرجح بل بمعنى وجوب الاتيان بهذا الفعل في أي جزء كان من الوقت ولا يجوز إخلاؤه عنه. واختلف مثبتوه، فالسيد المرتضى على وجوب العزم، ليقع الفصل بينه وبين الندب (1)، والتحقيق أن وجوب العزم من أحكام الايمان لا باعتبار التوسعة، والفرق بينه وبين الندب ظاهر. مسألة 23: لكل صلاة وقتان: أول وآخر، فالأول: وقت الفضيلة، والآخر وقت الاجزاء، وبه قال المرتضى، وابن الجنيد (2) لقول الباقر عليه السلام: " أحب الوقت إلى الله حين يدخل وقت الصلاة، فإن لم تفعل فإنك في وقت منها حتى تغيب الشمس " (3). وقال الشيخان: الأول وقت من لا عذر له، والثاني لمن له عذر (4)، - وبه قال الشافعي (5) - لقول الصادق عليه السلام: " لكل صلاة وقتان، وأول الوقت أفضله، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر " (6) وهو محمول على الفضيلة لدلالة قوله: " أول الوقت أفضله " و (أفعل) يقتضي التشريك في الجواز. مسألة 24: أول وقت الظهر زوال الشمس بإجماع علماء الاسلام لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (وقت الظهر زوال الشمس) (7) ومن طريق

(1) الذريعة 1: 146 - 147.
(2) حكى قولهما المحقق في المعتبر: 134.
(3) التهذيب 2: 24 / 69، الاستبصار 1: 260 / 935.
(4) المقنعة: 14، المبسوط للطوسي 1: 72. (5) فتح العزيز 3: 3، المغني 1: 414 - 415، الشرح الكبير 1: 464.
(6) الكافي 3: 274 / 3، التهذيب 2: 39 - 40 / 124، الاستبصار 1: 244 / 870.
(7) سنن الترمذي 1: 283 / 151، سنن الدارقطني 1: 262 / 22، مسند أحمد 2: 223.

[ 301 ]

الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر " (1) ومعنى زوالها: ميلها عن كبد السماء، فإن الشمس إذا طلعت وقع لكل شاخص ظل طويل في جانب المغرب، وكلما ارتفعت الشمس انتقص الظل، فإذا استوت انتهى نقصانه، وقد لا يبقى منه شئ في بعض البلاد في أطول أيام السنة، فإن الظل ينتفي بمكة قبل أن ينتهي طول السنة بستة وعشرين يوما، وكذا بعدما انتهى بستة وعشرين يوما، وقد يبقى، ويختلف باختلاف البلاد والفصول، فإذا مالت الشمس إلى المغرب زاد الظل الباقي وتحول إلى المشرق ويحدث شئ من الظل مائلا إلى المشرق حيث لم يبق شئ عند الاستواء، وذلك هو الزوال. والفئ عند الزوال يقل في الصيف، ويكثر في الشتاء، لقرب الشمس من سمت الرأس وبعدها عنه، وكل يوم يزيد الظل أو ينقص. وقد روي عن الصادق عليه السلام تقدير ذلك في أوساط الشهور فقال: " تزول الشمس في نصف حزيران على نصف قدم، وفي النصف من تموز وأيار على قدم ونصف، وفي النصف من آب ونيسان على قدمين ونصف، وفي النصف من أيلول وآذار وزاد على ثلاثة ونصف، وفي النصف من تشرين الأول وشباط على خمسة ونصف، وفي النصف من تشرين الثاني وكانون الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من كانون الأول على تسعة ونصف " (2). وقال بعض الفضلاء: الشمس تزول في حزيران على قدم وثلث وهو أقل ما يزول عليه الشمس، وفي نصف تموز ونصف أيار على قدم ونصف وثلث، وفي نصف آب ونيسان على ثلاثة أقدام، وفي نصف آذار وأيلول على أربعة أقدام ونصف، وهو وقت استواء الليل والنهار، وفي نصف

(1) الكافي 3: 276 / 2، التهذيب 21 / 57، الاستبصار 1: 250 / 898.
(2) الفقيه 1: 144 / 672، التهذيب 2: 276 / 1096، الخصال: 460 / 3.

[ 302 ]

تشرين الأول وشباط على ستة أقدام ونصف، وفي نصف تشرين الثاني وكانون الثاني على تسعة أقدام، وفي نصف كانون الأول على عشرة أقدام وسدس، وهذا أنهى ما تزول عليه الشمس في إقليم العراق والشام وما سامتهما من البلدان (1). ولا تنافي بينهما، لاحتمال أن يكون قصد الصادق عليه السلام بلد المدينة. مسألة 25: الدلوك في الآية هو الزوال ويطلق على الغروب والمراد الأول في قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (2) وهو قول أكثر العلماء (3)، لأن ابن عمر قال: دلوك الشمس ميلها، وكذا عن ابن عباس، وأبي هريرة (4) ولأنه لنظم جميع الصلوات، ولأن الدلوك الانتقال والتحويل. وقال عبد الله بن مسعود: الدلوك الغروب، ونقله الجمهور عن علي عليه السلام (5) لأقتضاء الآية إقامة الصلاة من الدلوك إلى غسق الليل فيحمل على الغروب لأن إقامة الصلاة لا يمكن من الزوال إلى الغسق لوجود النهي عن الصلاة عند اصفرار الشمس، والنهي إنما يتناول الندب. مسألة 26: آخر وقت الفضيلة للظهر إذا صار ظل كل شئ مثله، وآخر وقت الاجزاء إذا بقي للغروب قدر العصر، وهو اختيار المرتضى وابن

(1) المغني 1: 414، الشرح الكبير 1: 463.
(2) الاسراء: 78.
(3) تفسير القرطبي 10: 303، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1219.
(4) المجموع 3: 25، تفسير القرطبي 10: 303، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1219، أحكام القرآن للجصاص 2: 266، المبسوط للسرخسي 1: 141.
(5) المجموع 3: 25، تفسير القرطبي 10: 303، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1219.

[ 303 ]

الجنيد (1) - وبه قال مالك، وطاوس (2) - لقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (3) والغسق الظلمة فجعل الزمان ظرفا للصلاة، ولأن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الظهرين في الحضر (4) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " أحب الوقت إلى الله عزوجل أوله حين يدخل وقت الصلاة فإن لم تفعل فإنك في وقت منهما حتى تغيب الشمس " (5). وقال الشيخ: آخر وقت المختار إذا صار ظل كل شئ مثله (6). وتحقيقه: أن الفئ إذا زاد على ما زالت عليه الشمس من الظل بقدر الشخص فذلك آخر وقت الظهر، ومعرفته بأن يضبط ما زالت عليه الشمس وهو الظل الذي بقي بعد تناهي النقصان، ثم ينظر قدر الزيادة عليه فقد انتهى وقت الظهر، وقد قيل: إن مثل الانسان ستة أقدام ونصف بقدمه، فإذا أردت أن تعتبر المثل فقدر الزيادة من الفئ بقدمك بأن تقف في موضع مستو من الأرض، وتعلم على الموضع الذي انتهى إليه الفئ، وتعرف قدر ما زالت عليه الشمس ويقدر فيه بالأقدام، فيضع قدمه اليمنى بين يدي قدمه اليسرى ويلصق عقبة بإبهامه، فإذا مسحه بالأقدام أسقط منه القدر الذي زالت عليه الشمس، فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف فقد بلغ المثل، فإذا بلغ ذلك فقد خرج وقت الظهر، وما زاد عليه فهو من وقت العصر - وبه قال الشافعي،

(1) الناصريات: 229 المسألة 72، وحكى المحقق قول ابن الجنيد في المعتبر: 135.
(2) المغني 1: 416، الشرح الكبير 1: 465. (3) الاسراء: 78.
(4) صحيح مسلم 1: 489 - 490 / 705، سنن النسائي 1: 290، سنن الترمذي 1: 355 / 187، مسند أحمد 1: 223، الموطأ 1: 144 / 4، سنن البيهقي 3: 166.
(5) التهذيب 2: 24 / 69، الاستبصار 1: 260 / 935.
(6) المبسوط للطوسي 1: 72.

[ 304 ]

والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وأحمد، وأبو يوسف (1) - لأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أمني جبرئيل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر الأول منهما حين كان الفئ مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصيام، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم، وصلى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شئ مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت جبرئيل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين) (2) ومعنى قوله: (حين كان الفئ مثل الشراك) أنه إذا حدث الظل أو زاد وإن كان قليلا مثل الشراك فقد زالت الشمس. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " أتى جبرئيل عليه السلام بالمواقيت فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين زاد الظل قامة، والمغرب حين غربت الشمس، والعشاء حين سقط الشفق. ثم أتاه من الغد حين زاد الظل قامة فأمره فصلى الظهر، ثم لما زاد قامتين أمره فصلى العصر، ثم لما غربت الشمس أمره فصلى المغرب والعشاء حين ذهب ثلث الليل، وقال: ما بينهما وقت " (3) ولا دليل فيه إذ وصف ذلك بكونه وقتا، وكذا ما بينهما لا يدل على نفي ما زاد إلا بدليل الخطاب، أو يحمل على الفضيلة.

(1) المجموع 3: 21، أحكام القرآن للجصاص 2: 269، المغني 1: 416، الشرح الكبير 1: 465. (2) سنن الترمذي 1: 279 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393.
(3) التهذيب 2: 252 / 1001، الاستبصار 1: 257 / 922.

[ 305 ]

وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر إلى أن يصير الفئ مثليه (1) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس في النهار، وإنما مثلكم ومثل أهل الكتابين من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرا فقال: من يعمل لي من الغداة إلى نصف النهار بقيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من الظهر إلى صلاة العصر بقيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي إلى آخر النهار بقيراطين؟ فعملتم أنتم، فغضب اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا. فقال: هل نقصتكم من حقكم شيئا؟ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (2) قالوا: وهذا يدل على أن من الظهر إلى العصر أكثر من العصر إلى المغرب (3) ونحمله على وقت الفضيلة. وقال عطاء: لا يفرط بتأخيرها حتى تدخل في الشمس صفرة (4). وقال المزني، وأبو ثور، وإسحاق، وابن جرير: إذا صار ظل كل شئ مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر حتى يمضي قدر أربع ركعات يشترك فيهما الوقتان (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (صلى بي جبرئيل الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثله قدر العصر بالأمس) (6) فدل على اشتراك الوقتين، وهو محمول على أنه فرغ منها.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 142، فتح العزيز 3: 9 - 10، المغني 1: 417، الشرح الكبير 1: 465، المحلى 3: 175.
(2) صحيح البخاري 4: 207، سنن الترمذي 5: 153 / 2871.
(3) المغني 1: 417، الشرح الكبير 1: 465.
(4) المغني 1: 416، الشرح الكبير 1: 465، حلية العلماء 2: 14.
(5) المجموع 3: 21، فتح العزيز 3: 11 - 12، المغني 1: 418، الشرح الكبير 1: 469، حلية العلماء 2: 14.
(6) سنن الترمذي 1: 279 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393.

[ 306 ]

مسألة 27: الأكثر على أن المعتبر بزيادة الظل قدر الشخص المنصوب لأن يزيد بن خليفة قال للصادق عليه السلام: إن عمر بن حنظلة نبأنا عنك بوقت، فقال: " إذن لا يكذب علينا " قلت: ذكر أنك قلت: إذا زالت الشمس لم يمنعك إلا سبحتك ثم لا تزال في وقت الظهر إلى أن يصير الظل قامة، وهو آخر الوقت، ثم لا تزال في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين وذلك المساء، قال: " صدوق " (1) وعن الصادق عليه السلام قال: " إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر، وإذا صار مثليك فصل العصر " (2). وقال الشيخ: المعتبر قدر الظل الأول لا قدر الشخص (3)، لأن يونس روى عن بعض رجاله عن الصادق عليه السلام قال: سألته عما جاء في الحديث أن: (صل الظهر إذا كانت الشمس قامة وقامتين، وذراعا وذراعين، وقدما وقدمين) كيف هذا وقد يكون الظل في بعض الأوقات نصف قدم؟ قال: " إنما قال: ظل القامة، ولم يقل: قامة الظل، وإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة، وإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين، فهذا تفسير القامة والقامتين، والذراع والذراعين " (4) والرواية مرسلة، وفي طريقها صالح بن سعيد، وهو مجهول. مسألة 28: أول وقت العصر عند الفراغ من فريضة الظهر، والتحقيق أنه إذا زالت الشمس اختص الوقت بالظهر إلى أن يمضي مقدار أربع ركعات في الحضر، وركعتين في السفر وهو قدر أدائها، ثم يشترك الوقتان إلى أن يبقى

(1) الكافي 3: 275 / 1، التهذيب 2: 20 / 56، الاستبصار 1: 260 / 932.
(2) التهذيب 2: 22 / 62، الاستبصار 1: 248 / 891.
(3) المبسوط للطوسي 1: 73.
(4) الكافي 3: 277 / 7، التهذيب 2: 24 / 67.

[ 307 ]

للغروب مقدار العصر إما أربع ركعات أو ركعتان فيختص بها، ذهب إليه أكثر علمائنا (1) - وبه قال مالك في رواية (2) - لأن أبا أمامة قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم دخلنا على أنس وهو يصلي العصر فقلنا: يا أبا عمرة ما هذه الصلاة؟! قال: العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله التي كنا نصلي معه (3). ولا يحتمل وقوعها بعد الظل، لانتفاء الموجب للتعجب حينئذ، ولأن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الصلاتين في الحضر من غير عذر (4)، ولأنه يجوز الجمع بينهما في السفر، ولو لم يكن وقتا لهما لما جاز، كما لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب في وقت إحداهما. وقال ابن عباس: ألا أخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة " (6). وقال بعض علمائنا: إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين إلا أن

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 72، وسلار في المراسم: 62، وابن إدريس في السرائر: 39، والمحقق في شرائع الاسلام 1: 60.
(2) المغني 1: 416، حلية العلماء 2: 14.
(3) صحيح البخاري 1: 144 و 145.
(4) صحيح مسلم 1: 489 / 705 و 491 / 54، سنن الترمذي 1: 355 / 187، سنن النسائي 1: 290، سنن البيهقي 3: 166، الموطأ 1: 144 / 4.
(5) سنن البيهقي 3: 163.
(6) الكافي 3: 286 / 1، التهذيب 2: 19 / 53.

[ 308 ]

الظهر قبل العصر (1) - وبه قال ربيعة (2) - لقول العبد الصالح عليه السلام: " إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين " (3). وقال الشافعي: أول وقت العصر من حين الزيادة على المثل متصلا بوقت الظهر فلا يدخل الوقت إلا بعد أن يصير ظل كل شئ مثله (4) لحديث جبرئيل عليه السلام (5) وهو يدل على الافضلية. وقال أبو حنيفة: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه وزاد عليه أقل زيادة لقوله تعالى: * (أقم الصلاة طرفي النهار) * (6) ولو كان وقتها إذا صار ظل كل شئ مثله كان وسط النهار (7). ويضعف بأن الطرف إن قصد الحقيقي فهو آخر النهار كما يذهب إليه، وإن كان ما تراخى عن الوسط لم يبطل به قول الشافعي. مسألة 29: آخر وقت العصر للفضيلة إذا صار ظل كل شئ مثليه، وللاجزاء إلى الغروب عند أكثر علمائنا (8) - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (9) - لقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (10) وقوله تعالى:

(1) الفقيه 1: 139 / 647.
(2) المغني 1: 418، الشرح الكبير 1: 469.
(3) التهذيب 2: 244 / 966، الاستبصار 1: 246 / 876.
(4) المجموع 3: 21، الأم 1: 73، فتح العزيز 3: 14 و 19، المغني 1: 417، الشرح الكبير 1: 469.
(5) سنن الترمذي 1: 279 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393، سنن البيهقي 1: 366.
(6) هود: 114. (7) المبسوط للسرخسي 1: 142، المغني 1: 417، الشرح الكبير 1: 469، المحلى 3: 165.
(8) منهم: المرتضى في الناصريات: 229 المسألة 72، ابن زهرة في الغنية: 494، والمحقق في المعتبر: 137، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 60.
(9) المجموع 3: 21، كفاية الأخيار 1: 51، بدائع الصنائع 1: 123، حلية العلماء 2: 15.
(10) الاسراء: 78.

[ 309 ]

* (أقم الصلاة طرفي النهار) * (1) وقوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) (2). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وقت العصر إلى غروب الشمس " (3). وقال الشيخ في الخلاف: إذا صار ظل كل شئ مثليه للمختار، وللمعذور إلى الغروب (4)، وهو وجه الشافعي (5). وقال أبو سعيد الأصطخري: إذا جاوز المثلين فقد خرج وقت العصر - وبه قال مالك، والثوري، وأحمد في رواية (6) - لحديث جبرئيل عليه السلام: (أنه صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم قال: الوقت فيما بين هذين الوقتين) (7). ومن طريق الخاصة قول أبي الحسن عليه السلام: " كما أن رجلا لو أخر العصر إلى قرب أن تغيب الشمس لم تقبل منه " (8) وهما محمولان على الافضلية. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس

(1) هود: 114.
(2) صحيح مسلم 1: 424 / 608، الموطأ 1: 6 / 5، سنن النسائي 1: 258، سنن ابن ماجة 1: 229 / 699 و 700، سنن الدارمي 1: 278، سنن الترمذي 1: 353 / 186، مسند أحمد 2: 462، سنن أبي داود: 112 / 412.
(3) التهذيب 2: 25 / 71، الاستبصار 1: 261 / 937.
(4) الخلاف 1: 259 مسألة 5 و 271 مسألة 13 وانظر المبسوط للطوسي 1: 72.
(5) المجموع 3: 27، عمدة القارئ 5: 33، المهذب للشيرازي 1: 59، حلية العلماء 2: 15.
(6) بداية المجتهد 1: 94، القوانين الفقهية: 50، مقدمات ابن رشد 1: 105، المغني 1: 418 و 419، الشرح الكبير 1: 470، المجموع 3: 25 و 26. (7) سنن الترمذي 1: 279 - 280 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393، سنن الدار قطني 1: 256 / 1.
(8) التهذيب 2: 26 / 74، الاستبصار 1: 258 - 259 / 926.

[ 310 ]

بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها (1). وقال أحمد في رواية: آخر وقتها اصفرار الشمس - وبه قال أبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد، والأوزاعي (2) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) (3). ويحمل على الفضيلة لأنه مجهول فلا يناط به الفعل. مسألة 30: أول وقت المغرب غروب الشمس بإجماع العلماء، واختلف علماؤنا في علامته فالمشهور - وعليه العمل - إذا ذهب الشفق المشرقي لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أقبل الليل من هنا، وأدبر النهار من هنا، وغربت الشمس، أفطر الصائم) (4) وقول الصادق عليه السلام: " وقت المغرب إذا تغيرت الحمرة في الافق وذهبت الصفرة وقبل أن تشتبك النجوم " (5) وعنه عليه السلام: " وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق " (6). وقال بعضهم: سقوط القرص (7) وهو ظاهر في الصحارى، وأما في العمران والجبال فيستدل عليه بأن لا يبقى شئ من الشعاع على رؤوس الجدران، وقلل الجبال، وعليه الجمهور كافة (8).

(1 و 2) المغني 1: 419، الشرح الكبير 1: 470.
(3) سنن أبي داود 1: 109 / 396، سنن النسائي 1: 260، مسند أحمد 2: 210 و 223.
(4) صحيح مسلم 2: 772 / 1100، سنن أبي داود 2: 304 / 2351، سنن البيهقي 4: 216.
(5) التهذيب 2: 257 / 1024.
(6) الكافي 3: 278 / 1، التهذيب 2: 29 / 83، الاستبصار 1: 265 / 959، علل الشرائع: 349 باب 60 الحديث 1.
(7) قاله الشيخ في المبسوط 1: 74.
(8) المجموع 3: 29، فتح العزيز 3: 20 و 21، المغني 1: 424، الشرح الكبير 1: 472، بداية المجتهد 1: 95.

[ 311 ]

مسألة 31: وآخره للفضيلة إلى ذهاب الشفق، وللاجزاء إلى أن يبقى لانتصاف الليل قدر العشاء، لأن عبد الله بن عباس قال: الحائض تطهر قبل طلوع الفجر فتصلي المغرب والعشاء (1)، ولو لم يكن الوقت ممتدا لما وجب، لأن عذرها قد عم الوقت. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إن الله افترض أربع صلوات، صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه واثنتان وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه " (2) ولأن وقت العشاء ممتد إلى الانتصاف فتكون المغرب مساوقة لها لأنهما صلاتا جمع فيشترك وقتاهما كالظهر والعصر. وقال الشيخ، والمرتضى، وابن أبي عقيل: آخره للمختار إلى ذهاب الشفق، وللمضطر إلى الانتصاف بقدر العشاء (3) وفي قول آخر للشيخ: آخره ثلث الليل (4) وفي رواية إلى ربع الليل (5)، وبه قال ابن الجنيد، وهو قول للمرتضى (6). وللمضطر إلى أن يبقى لطلوع الفجر قدر العشاء. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبو ثور، وابن المنذر، والزهري: آخره غيبوبة الشفق المغربي، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (7)، لأن النبي عليه السلام قال: (وقت المغرب ما لم يسقط ثور

(1) سنن البيهقي 1: 376.
(2) التهذيب 2: 25 / 72، الاستبصار 1: 261 / 938.
(3) المبسوط 1: 74 - 75 وحكاه عنهم المحقق في المعتبر: 137.
(4) لم نجده في المصادر المتوفرة لدينا.
(5) التهذيب 2: 31 / 94، الاستبصار 1: 267 / 964.
(6) حكى قولهما المحقق في المعتبر: 137.
(7) اللباب 1: 56، المغني 1: 424، الشرح الكبير 1: 472، المنتقى 1: 14، المجموع 3: 290، حلية العلماء 2: 16.

[ 312 ]

الشفق) (1) وثور الشفق هو انتشار الشفق، وقال الشافعي في الجديد والقديم: إن لها وقتا واحدا - وهو قول مالك - وهو يدخل بسقوط جميع القرص (2). واختلفت الشافعية في قدره، فبعضهم قال: قدره بقدر الطهارة، ولبس الثياب، والأذان والإقامة، وفعل ثلاث ركعات بسور قصار، والسنة ركعتين خفيفتين، فإذا جاز ذلك فقد خرج وقت المغرب وصارت قضاء. وقال آخرون: مقدار الأذان والإقامة، وخمس ركعات قصار، فأما الطهارة، ولبس الثياب فيمكن تقديمهما على الوقت فلا يكون قدر إمكانهما من الوقت (3) لأن جبريل عليه السلام صلى المغرب في اليومين في وقت واحد (4). وقال مالك: يمتد وقتها إلى طلوع الفجر - وبه قال عطاء، وطاوس (5) - كما يقول في الظهر والعصر. مسألة 32: أول وقت العشاء عند الفراغ من فريضة المغرب، لكن الأفضل تأخيرها إلى سقوط الشفق، وهو اختيار المرتضى في الجمل، وابن الجنيد (6) لما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين المغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (7)، وفي رواية أخرى: من

(1) صحيح مسلم 1: 427 / 172، سنن أبي داود 109 / 396، سنن النسائي 1: 260 (2) المجموع 3: 29 و 34، فتح العزيز 3: 23، المنتقى 1: 14، المغني 1: 424، الشرح الكبير 1: 472، سنن الترمذي 1: 305 ذيل الحديث 164.
(3) المجموع 3: 31 و 32، فتح العزيز 3: 23 و 24، كفاية الأخيار 1: 52، حلية العلماء 2: 16.
(4) سنن أبي داود 1: 107 / 393.
(5) مقدمات ابن راشد 1: 106، المجموع 3: 34، المغني 1: 424، الشرح الكبير 1: 472.
(6) حكاه عنهما المحقق في المعتبر: 138 ويوجد قول السيد في الجمل: 30 (ضمن المجموع الرائق).
(7) صحيح مسلم 1: 489 / 705، سنن النسائي 1: 290، الموطأ 1: 144 / 4، سنن البيهقي 3: 166.

[ 313 ]

غير خوف ولا مطر (1). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل إلا أن هذه قبل هذه " (2) وعن الصادق عليه السلام " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله المغرب والعشاء قبل الشفق من غير علة في جماعة " (3). وللشيخ قول آخر: إن أول وقتها سقوط الشفق - وهو قول آخر للمرتضى (4)، وقول الجمهور كافة (5) - لأن جبرئيل أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي العشاء حين غاب الشفق، وفي اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل (6). وهو محمول على الاستحباب مسألة 33: واختلفوا في الشفق، فذهب أصحابنا إلى أنه الحمرة لا البياض، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والزهري، ومالك، والشافعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأبو يوسف، ومحمد (7) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت

(1) سنن النسائي 1: 290، سنن الترمذي 1: 355 / 187، سنن البيهقي 3: 167.
(2) الكافي 3: 281 / 12، التهذيب 2: 27 / 78، الاستبصار 1: 262 / 941.
(3) الكافي 3: 286 / 1، التهذيب 2: 263 / 1046، الاستبصار 1: 271 / 981.
(4) المبسوط للطوسي 1: 75، النهاية: 59، الخلاف 1: 262، المسألة 7، المسائل الناصرية (الجوامع الفقهية): 229، المسألة 74. (5) المجموع 3: 38، فتح العزيز 3: 27، المغني 1: 426، الشرح الكبير 1: 474، بداية المجتهد 1: 96.
(6) سنن النسائي 1: 263، سنن الترمذي 1: 279 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393، سنن الدارقطني 1: 256.
(7) الأم 1: 74، المجموع 3: 38 و 42 و 43، رحمة الأمة 1: 37 و 38، المغني 1: 426، الشرح الكبير 1: 473، الهداية للمرغيناني 1: 39.

[ 314 ]

الصلاة) (1). وقال أبو حنيفة، وزفر، والأوزاعي، والمزني: إنه البياض (2) لأن أبا مسعود الأنصاري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله يصلي هذه الصلاة حين يسود الافق (3). ولا حجة فيه لأنه إذا غابت الحمرة اسود الافق، لأن البياض ينزل ويخفى، على أنه يجوز تأخيرها إلى ذلك. وحكي عن أحمد: أن الشفق: البياض في الحضر، لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدران، فإذا غاب البياض علم الدخول (4). مسألة 34: وآخر وقت العشاء للفضيلة إلى ثلث الليل، وللاجزاء إلى نصفه - وهو قول المرتضى، وابن الجنيد (5)، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ابن المبارك، والثوري، وأبو ثور، وأحمد في رواية (6) - لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (ووقت العشاء إلى نصف الليل) (7)، وعن أنس قال: أخر النبي صلى الله عليه وآله العشاء إلى نصف الليل (8). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " أول وقت العشاء ذهاب الحمرة، وآخر وقتها غسق الليل " (9) وهو نصف الليل.

(1) سنن البيهقي 1: 373، سنن الدار قطني 1: 269 / 3.
(2) المجموع 3: 43، المبسوط للسرخسي 1: 144، الهداية للمرغيناني 1: 39، المغني 1: 426، الشرح الكبير 1: 473.
(3) سنن أبي داود 1: 108 / 394، سنن الدارقطني 1: 250 / 1.
(4) المغني 1: 425، مسائل أحمد: 27.
(5) حكى قولهما في المعتبر: 138.
(6) المجموع 3: 39، فتح العزيز 3: 28، المغني 1: 428، الشرح الكبير 1: 474. (7) صحيح مسلم 1: 427 / 172.
(8) صحيح البخاري 1: 150.
(9) الفقيه 1: 141 / 657، التهذيب 2: 30 / 88، الاستبصار 1: 264 / 953

[ 315 ]

وللشيخ قول آخر: أنه ثلث الليل (1)، وهو القول الثاني للشافعي - وبه قال أبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد في رواية (2) لأن جبريل عليه السلام صلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل (3) ولأن الثلث متيقن، والزائد عليه مشكوك فيه فلا يصار إليه. وقال أبو حنيفة: آخره طلوع الفجر (4) - وهو رواية لنا (5) - لقوله عليه السلام: (لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى) (6) ونحن نقول بموجبه إذ بعد نصف الليل يدخل وقت صلاة الليل، ولم يتعرض في الحديث للوجوب. واختلفت الشافعية فقال بعضهم: إذا خرج النصف، أو الثلث فقد خرج وقت الاختيار، ووقت الأداء باق إلى طلوع الفجر (7)، وعلى قياس قول أبي سعيد يخرج الوقت (8)، وقال أبو حامد: إذا خرج ثلث الليل فات الوقت (9).

(1) النهاية: 59.
(2) المجموع 3: 39، فتح العزيز 3: 28، الوجيز 1: 33، المهذب للشيرازي 1: 59، بداية المجتهد 1: 97، القوانين الفقهية: 50، أقرب المسالك: 12، المغني 1: 427، الشرح الكبير 1: 474.
(3) سنن الترمذي 1: 279 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393، سنن الدارقطني 1: 256 / 1.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 145، شرح فتح القدير 1: 197، الهداية للمرغيناني 1: 39، شرح العناية 1: 196، بدائع الصنائع 1: 124، اللباب 1: 57.
(5) التهذيب 2: 270 / 1076.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 145.
(7) المجموع 3: 39 - 40، الوجيز 1: 33، كفاية الأخيار 1: 52.
(8) المجموع 3: 36. (9) انظر الوجيز 1: 33.

[ 316 ]

مسألة 35: أول وقت الغداة طلوع الفجر الثاني - وهو البياض المعترض في أفق السماء - ويسمى الصبح الصادق، لأنه صدقك عن الصبح، وسمي صبحا لأنه جمع بين حمرة وبياض، ولا عبرة بالأول الكاذب الخارج مستدقا صاعدا كذنب السرحان، ويسمى الخيط الأسود - وهو قول العلماء كافة - ولا يتعلق بالفجر الأول حكم بحال. قال الباقر عليه السلام: " الفجر هو الخيط الأبيض، وليس هو الأبيض صعدا، ولا تصل في سفر ولا حضر حتى تتبينه " (1). مسألة 36: وآخر وقتها للفضيلة حين يسفر الصبح، وللاجزاء إلى طلوع الشمس - وبه قال أبو حنيفة (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (وقت الفجر ما لم تطلع الشمس) (3) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " وقت الغداة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " (4). وقال الشيخ: وقت المختار إلى أن يسفر الصبح، وللمضطر إلى طلوع الشمس (5)، وبه قال الشافعي وأحمد (6) لأن جبرئيل عليه السلام صلى الصبح في اليوم الثاني حين أسفر (7)، وهو يدل على الافضلية. البحث الثاني: في وقت النوافل اليومية. مسألة 37: وقت نافلة الظهر من الزوال إلى أن يصير ظل كل شئ

(1) التهذيب 2: 36 - 37 / 115، الاستبصار 1: 274 / 994، والكافي 3: 282 / 1 وفيه عن أبي جعفر الثاني عليه السلام.
(2) بدائع الصنائع 1: 122، بداية المجتهد 1: 97.
(3) صحيح مسلم 1: 427 / 172، سنن أبي داود 1: 109 / 396، سنن البيهقي 1: 378.
(4) التهذيب 2: 36 / 114، الاستبصار 1: 275 / 998.
(5) الخلاف 1: 267 المسألة 10.
(6) المجموع 3: 43، المغني 1: 429.
(7) سنن الترمذي 1: 280 / 149، سنن أبي داود 1: 107 / 393، سنن الدارقطني 1: 256 / 1.

[ 317 ]

مثله، ونافلة العصر حتى يصير الظل مثليه، قال الشيخ في الخلاف والجمل والمبسوط (1). وفي النهاية: نافلة الظهر حتى تبلغ زيادة الظل قدمين، والعصر أربعة أقدام (2) لقول الصادق عليه السلام: " كان حائط مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قامة، فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر، وإذا مضى ذراعان صلى العصر. ثم قال: أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟ لمكان الفريضة، لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يمضي ذراع، فإذا بلغ فيؤك ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة " (3) وهو يدل على بلوغ المثل والمثلين لأن التقدير أن الحائط ذراع، فحينئذ ما روي من القامة والقامتين (4) جار هذا المجرى لقول الصادق عليه السلام: " في كتاب علي عليه السلام: القامة ذراع " (5). وقال الشافعي في أحد الوجهين: وقت نافلة الظهر ما لم تصل الفرض وفي الآخر: ما لم يخرج وقت الفرض (6). وقال أحمد: كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها إلى فعل الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من فعل الصلاة إلى خروج وقتها (7). مسألة 38: وقت نافلة المغرب بعدها إلى أن تذهب الحمرة المغربية

(1) الخلاف 1: 257 المسألة 4 و 525 المسألة 266، الجمل والعقود: 174، المبسوط 1: 76.
(2) النهاية: 60.
(3) المعتبر: 139، الفقيه 1: 140 / 653، التهذيب 2: 19 - 20 / 55، الاستبصار 1: 250 / 899، وفي غير المعتبر: عن أبي جعفر عليه السلام.
(4) التهذيب 2: 19 / 52 و 251 / 994، والاستبصار 1: 247 / 883 و 256 / 917.
(5) التهذيب 2 251 / 995، الاستبصار 1: 251 / 900 (6) المجموع 4: 11.
(7) المغني 1 800، الشرح الكبير 1 770

[ 318 ]

- وبه قال الشافعي في وجه (1) - لأنه وقت يستحب فيه تأخير العشاء فينبغي اشتغاله بالنافلة، ولقول الصادق عليه السلام: " كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي ثلاثا المغرب، وأربعا بعدها " (2)، وفي وجه للشافعي: تمتد سنة المغرب إلى أن يصلي صلاة العشاء (3)، فإذا ذهب الشفق خرج وقتها، لأنه ابتداء وقت فريضة أخرى فلا يسوغ التطوع، لقول الباقر عليه السلام: " إذا دخل وقت الفريضة فلا تطوع " (4). وأما وقت الوتيرة فيمتد بامتداد وقت العشاء، لأنها نافلة تتبعها فيمتد وقتها بامتداد وقت متبوعها، وللشافعي وجهان: أحدهما: امتداد وقت نافلة العشاء إلى طلوع الفجر، لأنه وقت العشاء عنده، والثاني: إلى أن يصلي الصبح (5). مسألة 39: ووقت صلاة الليل بعد انتصافه، وكلما قرب من الفجر كان أفضل، وعليه علماؤنا. وقال الشافعي: الأفضل أن يوقعها بعد نصف الليل قبل الفجر بسدس الليل (6)، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك. وهو معارض بقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينام أول الليل ويحيي آخره (7)، ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام: " أفضل

(1) المجموع 4: 11.
(2) الكافي 3: 443 / 5، التهذيب 2: 4 / 4، الاستبصار 1: 218 - 219 / 774.
(3) المجموع 4: 11.
(4) التهذيب 2: 167 / 661 و 247 / 982، الاستبصار 1: 252 / 906.
(5) المجموع 4: 11.
(6) الأم 1: 143، المجموع 4: 44، كفاية الأخيار 1: 54.
(7) صحيح البخاري 2: 66، صحيح مسلم 1: 510 / 739، سنن ابن ماجة 1: 434 / 1365، سنن النسائي 3: 218، مسند أحمد 6: 102 و 253.

[ 319 ]

ساعات الليل الثلث الباقي " (1) وسئل الصادق عليه السلام متى أصلي صلاة الليل؟ قال: " صلها آخر الليل " (2) وقوله تعالى: * (وبالأسحار هم يستغفرون) * (3) يدل عليه، ولأنه يكره النوم بعدها لقول أبي الحسن الهادي عليه السلام: " إياك والنوم بين صلاة الليل والفجر، ولك ضجعة بغير نوم، فإن صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته " (4). مسألة 40: ركعتا الفجر، لعلمائنا قولان، أحدهما: أنهما يدخلان بطلوع الفجر الأول، قاله المرتضى (5) لقول الصادق عليه السلام: " صلهما بعدما يطلع الفجر " (6)، والثاني: بعد صلاة الليل وإن لم يكن قد طلع الفجر، اختاره الشيخان (7) لقول الباقر عليه السلام وقد سئل الركعتان قبل الغداة أين موضعهما؟ فقال: " قبل طلوع الفجر " (8) وعنه عليه السلام: " أنهما من صلاة الليل " (9) والأقوى جواز فعلهما بعد صلاة الليل، واستحباب تأخيرهما إلى طلوع الفجر الأول جمعا بين الأدلة. وقال الشافعي: يدخل وقتهما بطلوع الفجر (10). وآخر وقتهما طلوع الحمرة فيقدم على الفريضة إلى أن تطلع الحمرة،

(1) التهذيب 2: 339 / 1401.
(2) التهذيب 2: 335 / 1382.
(3) الذاريات: 18.
(4) التهذيب 2: 137 / 534. (5) حكاه المحقق في المعتبر: 141.
(6) التهذيب 2: 134 / 523، الاستبصار 1: 284 / 1040.
(7) المقنعة: 13، الجمل والعقود: 174، المبسوط للطوسي 1: 76.
(8) الكافي 3: 448 / 25، التهذيب 2: 132 / 509، الاستبصار 1: 283 / 1027.
(9) التهذيب 2: 133 / 513، الاستبصار 1: 283 / 1031.
(10) المجموع 4: 11، فتح العزيز 4: 276.

[ 320 ]

لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر صلى ركعتين (1)، وقال الصادق عليه السلام وقد سئل عن ركعتي الفجر: " صلهما قبل الفجر، ومع الفجر، وبعد الفجر " (2). وقال الشافعي: ما لم يصل الصبح، لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله تأخيرهما عن الفرض، وله قول: إلى طلوع الشمس، لأنهما تابعتان للفريضة، وكان وقتهما وقت الفريضة، وبعض الشافعية قال: يمتد وقتهما إلى زوال الشمس كالوتر (3). فإن ظهرت الحمرة ولم يصلهما بدأ بالفرض، وقضاهما بعد الغداة لقول الرضا عليه السلام وقد سئل عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر وتظهر الحمرة، ولم يركع ركعتي الفجر أيركعهما أو يؤخرهما؟ قال: " يؤخرهما " (4). وروي استحباب إعادتهما بعد الفجر لو صلاهما قبله، قال الباقر عليه السلام: " إني لأصلي صلاة الليل فأفرغ وأصلي الركعتين وأنام ما شاء الله قبل أن يطلع الفجر، فإن استيقظت بعد عند الفجر أعدتهما " (5). البحث الثالث: في وقت المعذورين. ونعني بالعذر ما أسقط القضاء، وبوقت المعذورين الوقت الذي يصير فيه الشخص من أهل وجوب الصلاة عليه بزوال الأسباب المانعة من الوجوب، وهي أربعة: الجنون، وفي معناه الاغماء، والصبي، والكفر،

(1) سنن الدارمي 1: 336 و 337.
(2) التهذيب 2: 134 / 522، الاستبصار 1: 284 / 1039.
(3) المجموع 4: 11، فتح العزيز 4: 276. (4) التهذيب 2: 340 / 1409.
(5) التهذيب 2: 136 / 528، الاستبصار 1: 285 / 1045.

[ 321 ]

والحيض، وفي معناه النفاس، وكل واحد من هذه إما أن يوجد أول الوقت، أو آخره، أو يعم الجميع. مسألة 41: إذا وجد العذر في أول الوقت وزال في آخره فإن بقي من الوقت مقدار الطهارة وأداء الصلاة وجب فعلها، فإن أهمل وجب القضاء بلا خلاف، ولو قصر الوقت فإن وسع الطهارة وأداء ركعة من الصلاة فكالأول بلا خلاف، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) (1). ولو قصر عن ركعة لم تجب عندنا - وبه قال مالك، والمزني، والشافعي في قول (2) - لأن الحديث دل على اعتبار الركعة في إدراك الصلاة، وللاجماع على أن المسبوق يدرك الجمعة بإدراك ركعة لا ما دونها فكذا هنا، ولأنه أدرك ما لا يقع فيه ما يكون صلاة بانفراده فلا يكون مدركا لها كما لو قصر عن إدراك التكبيرة. وللشافعي قول آخر: إدراك الصلاة بإدراك تكبيرة الافتتاح - وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (3) - لأنه أدرك جزءا من الوقت، وتمكن من الفعل، فصار كما لو أدرك ركعة من الصلاة، ولأن الادراك إذا تعلق به الايجاب استوى فيه الركعة وغيرها كالمسافر إذا اقتدى بالمقيم في الركعة الأخيرة فإنا نلزمه بالاتمام وإن أدركه بعد الركوع. ونمنع التمكن من الفعل، وينتقض بما لو أدرك بعض

(1) صحيح البخاري 1: 151، صحيح مسلم 1: 424 / 608، سنن الترمذي 1: 353 / 186، سنن النسائي 1: 257 و 258، سنن الدارمي 1: 278.
(2) المجموع 3: 65، فتح 3: 70، مختصر المزني: 12، بداية المجتهد 1: 100، المغني 1: 420، الشرح الكبير 1: 478.
(3) مختصر المزني: 12، المجموع 3: 65، فتح العزيز 3: 68، بدائع الصنائع 1: 96، المغني 1: 421، الشرح الكبير 1: 478.

[ 322 ]

التكبيرة، ونمنع الأصل في الثاني، وسيأتي. فروع: أ - إذا أدرك من الصلاة ركعة وجبت تلك ولا يجب ما قبلها، أما إذا كانت مما لا يجمع إليها فبالاجماع كالظهر مع الصبح، وأما إذا كانت مما يجمع إليها كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء فكذا عندنا - وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد أقواله (1) - لأن الظهر والمغرب خرج وقتهما في حال العذر فلا يجبان عليه، كما لو خرج وقت العصر والعشاء معذورا، ولأن التكليف يستدعي وقتا يتسع له، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق، ومع سقوط الوجوب أداء يسقط قضاء، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا رأت المرأة الطهر في وقت الصلاة، ثم أخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها " (2) وسئل الباقر عليه السلام عن الحائض تطهر عند العصر تصلي الأولى؟ قال: " لا، إنما تصلي الصلاة التي تطهر عندها " (3) وقال الصادق عليه السلام: " إذا طهرت قبل العصر صلت الظهر والعصر، وإن طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر " (4). وللشافعي أربعة أقوال أخر: أ - إنها تدرك الفريضتين بإدراك ركعة واحدة فيدرك الظهر والعصر بإدراك ركعة من العصر، لأن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس أوجبا على الحائض التي تطهر قبل طلوع الفجر بركعة المغرب والعشاء، ولا نعرف لهما مخالفا، ولأن وقت الثانية وقت الأولى في حال العذر فإنه من أدرك عصر يوم

(1) المجموع 3: 66، فتح العزيز 3: 74 و 77، حلية العلماء 2: 26، المغني 1: 441.
(2) الكافي 3: 103 / 3، التهذيب 1: 391 / 1208، الاستبصار 1: 145 / 496.
(3) الكافي 3: 102 / 2، التهذيب 1: 389 / 1198، الاستبصار 1: 142 / 484.
(4) التهذيب 1: 390 / 1201، الاستبصار 1: 142 / 487.

[ 323 ]

فقد أدرك ظهره، ولهذا لو أفاق المجنون فيه لزمه الفرضان (1). والأصل فيه أن آخر وقت العصر هل يصلح وقتا للظهر؟ قولان عنده (2)، فإن كان وقتا صلح لهما فوجبا معا، وإلا فلا، ويحمل قول ابن عباس على الاستحباب. وقد روي من طريق الخاصة نحوه، قال الصادق عليه السلام: " إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر " (3) وهو محمول على إدراك ما زاد على أربع، ونمنع اتحاد الوقت والحكم في الأصل. ب - بإدراك أربع وتكبيرة، أو ثلاث وتكبيرة (4). ج - أنها تدرك الفرضين بإدراك تكبيرة خاصة (5). د - بإدراك ركعة وتكبيرة. ب - لابد من اعتبار إدراك الطهارة مع الركعة - وهو أحد قولي الشافعي - لأنه (لا صلاة إلا بطهور) (6) فلا يدرك الصلاة بدون إدراك الطهور، وأصح وجهي الشافعي: المنع، لأن الطهارة لا تشترط في الالزام بل في الصحة (7).

(1) المجموع 3: 65 و 66، فتح العزيز 3: 73، المغني 1: 442، الشرح الكبير 1: 482.
(2) فتح العزيز 3: 74، المهذب للشيرازي 1: 61. (3) التهذيب 1: 390 / 1203، الاستبصار 1: 143 / 489.
(4) المجموع 3: 66، فتح العزيز 3: 80 - 81.
(5) مختصر المزني: 12، المجموع 3: 66، فتح العزيز 3: 74 و 80، مغني المحتاج 1: 132.
(6) الفقيه 1: 22 / 67، التهذيب 2: 140 / 545 و 546.
(7) المجموع 3: 66، فتح العزيز 3: 79.

[ 324 ]

أما الصبي، فإن قلنا: إن طهارته شرعية، فتطهر ثم بلغ بغير المبطل لم يشترط سوى إدراك الركعة له خاصة. ج - المشترط إدراك ركعة تامة الأفعال الواجبة خاصة دون المندوبة وهو يحصل بإدراك النية، وتكبيرة الافتتاح، وقراءة الفاتحة، وأخف السور إن قلنا بوجوبها، والركوع ذاكرا فيه أقل الواجب، والسجدتين ذاكرا فيهما أقل الواجب، والطمأنينة في ذلك كله أقل الواجب، وفي الرفع من الركوع والسجدتين. د - شرط اللزوم أن يبقى سليما عن الموانع مدة إمكان الوضوء والصلاة، فلو عاد المانع قبل ذلك سقط كما لو طهرت الحائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت. ه‍ - لو أدرك مقدار خمس ركعات فالأشهر وجوب الصلاتين، وللشيخ قول باستحبابهما (1)، وليس بجيد. وهل الأربع في مقابلة العصر والزائدة في مقابلة الظهر أو بالعكس؟ الظاهر عندنا الأول، لو رود النص عن الأئمة عليهم السلام أنه لو بقي لانتصاف الليل مقدار أربع ركعات وجب العشاء خاصة (2) - وهو أحد قولي الشافعية - لأن الظهر تابعة للعصر في الوقت واللزوم، فليكن الأكثر في مقابلة المتبوع. والثاني: الأولى لأنها السابقة (3). وتظهر الفائدة فيما لو أدرك في آخر وقت العشاء مقدار أربع، فإن قلنا في الصورة الأولى الأربع للظهر وجبت هنا الصلاتان ثلاث للمغرب، وركعة للعشاء، وإن قلنا الأربع للعصر وجبت العشاء خاصة ولا تجب المغرب إلا

(1) المبسوط للطوسي 1: 73. (2) التهذيب 2: 28 / 82، الاستبصار 1: 263 / 945.
(3) فتح العزيز 3: 76.

[ 325 ]

بإدراك خمس. و - قال الشيخ في التهذيب: الذي أعول عليه أن المرأة إذا طهرت بعد زوال الشمس - قبل أن يمضي منه أربعة أقدام - فإنه يجب عليها قضاء الظهر والعصر، وإن طهرت بعد أن يمضي أربعة أقدام يجب عليها قضاء العصر لا غير، ويستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها قبل مغيب الشمس (1). وهو بناء على الأقدام، والراوي الفضل بن يونس (2) وهو واقفي. ز - قد بينا أن إدراك الركعة سبب لادراك الفريضة إجماعا، لكن الخلاف في أنه يكون مؤديا للجميع، أو قاضيا لما يقع خارج الوقت؟. وعندي فيه إشكال ينشأ من قوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من الصبح فقد أدرك الصبح) (3). ومن أنها عبادة موقتة فعلت بعد خروج وقتها، ولا معنى للقضاء سوى ذلك. إذا ثبت هذا فإن قلنا إن الواقع خارجا قضاء فهل ينوي القضاء أم لا؟ الأقرب العدول بالنية إليه إذ الأفعال إنما تقع على الوجوه والاعتبارات المقصودة. وللشافعي ثلاثة أوجه: المذكوران، وكون الجميع قضاءا نظرا إلى آخر الصلاة (4) - وهو اختيار المرتضى (5) - وله قول رابع: إن أدرك ركعة في الوقت

(1) التهذيب 1: 391 ذيل الحديث 1207.
(2) هذا الراوي يقع في سند الحديث 1199 من التهذيب 1: 389 فراجع.
(3) صحيح البخاري 1: 151، صحيح مسلم 1: 424 / 608، سنن الترمذي 1: 353 / 186، سنن النسائي 1: 257 و 258، سنن الدارمي 1: 278.
(4) المجموع 3: 62 - 63، المهذب للشيرازي 1: 60.
(5) حكاه عنه الشيخ في الخلاف 1: 268 المسألة 11.

[ 326 ]

فالكل أداء وإلا فالجميع قضاء - وبه قال أحمد (1) - لقوله عليه السلام: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) (2). وعند أبي حنيفة لو طلعت الشمس في أثناء صلاة الصبح بطلت ولم يكن أداء ولا قضاء (3). مسألة 42: لو وجد العذر في آخر الوقت، بأن يطرأ بعد دخول الوقت وإنما يتحقق في الحيض، والنفاس، والجنون، والاغماء، دون الصبا، والكفر الاصلي، فإن كان الماضي من الوقت قدر ما يتسع للطهارة والصلاة الكاملة استقرت في الذمة، وعليه القضاء مع الاهمال بعد زوال العذر عند علمائنا - وهو أصح قولي الشافعي (4) - لأنه تمكن من الأداء وقد خوطب به وأهمل فلزمه القضاء كما لو تجدد العذر بعد الوقت. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تلزمه تلك الصلاة ما لم يدرك آخر الوقت - وهو قول للشافعي (5) - لأن المسافر لو دخل عليه الوقت في بلده ثم سافر في أثناء الوقت قبل الصلاة قصر، ولو كان قد استقر الفرض في ذمته لما جاز القصر، وهو ممنوع. فروع: أ - المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة، فلو طولت الصلاة بالقراءة فحاضت في خلالها والماضي بقدر الخفيفة وجب القضاء، ولابد من إدراك

(1) المجموع 3: 63، المغني 1: 420.
(2) صحيح البخاري 1: 151، صحيح مسلم 1: 424 / 608، سنن الترمذي 1: 353 / 186، سنن النسائي 1: 257 و 258، سنن الدارمي 1: 278.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 152، حلية العلماء 2: 18.
(4) المجموع 3: 67، فتح العزيز 3: 89، الوجيز 1: 34، المهدب للشيرازي 1: 61.
(5) المجموع 3: 67، فتح العزيز 3: 90.

[ 327 ]

الطهارة إن كان محدثا في أول الوقت، ولو كان متطهرا لم يشترط قدر زمانها. وعند الشافعي يشترط إن كان ممن لا يصح طهره قبل الوقت كالمتيمم، والمستحاضة، وإن كان ممن يصح طهره قبل الوقت فوجهان: الاعتبار، لأن الصلاة لا تصح بدونها. وعدمه، لأن الطهارة لا تختص بوقت (1). ب - لو أدرك من أول الوقت مقدار ركعة أو ركعتين، ثم طرأ العذر لم يلزمه قضاء الصلاة عندنا بعد العذر - وبه قال الشافعي - لعدم تمكنه من الفعل، وقال بعض الشافعية: يجب القضاء كما لو أدرك هذا الوقت من آخره (2)، والفرق تمكنه من إتمام الفعل لو أدرك قدر الركعة آخر الوقت بخلاف صورة النزاع فإنه لا يتمكن من إتمامه. ج - لو أدرك من أول الوقت مقدار خمس ركعات لم يلزمه العصر - وهو ظاهر مذهب الشافعية - لما تقدم (3)، وقال بعضهم: يلزمه العصر كما لو أدرك هذا الوقت من آخر وقت العصر يلزمه قضاء الظهر، والفرق أن وقت الظهر جعل وقتا للعصر على سبيل التبع للظهر، ولهذا لو بدأ بالعصر قبل الظهر لم يصح ولم يلزم العصر بإدراكه، وأما وقت العصر فقد جعل وقتا للظهر لا على سبيل التبع للعصر، بل إنه لو ابتدأ بالظهر قبل العصر صحت صلاته (4). أما لو مضى مقدار الطهارة وأداء ثمان ركعات فإن الصلاتين تجب عليه عندنا، إذ وقت العصر بعد الفراغ من الظهر، وقال الشافعي: تجب الظهر خاصة (5).

(1) المجموع 3: 67 - 68، فتح العزيز 3: 91.
(2) المجموع 3: 67، المهذب للشيرازي 1: 61، فتح العزيز 3: 91. (3) تقدم في فرع (ب).
(4) المهذب للشيرازي 1: 61، فتح العزيز 3: 92.
(5) فتح العزيز 3: 93، الوجيز 1: 34.

[ 328 ]

د - لو خلا الوسط عن العذر وحصل في الطرفين كان حكمه حكم هذا القسم، لا حكم الخالي آخره، فلو بلغ صبي في أول الوقت ثم جن، أو أفاقت المجنونة في أثناء الوقت ثم حاضت، أو تجدد الجنون فإن كان وقت زوال العذر يتسع للطهارة وتمام الصلاة وجب القضاء وإلا فلا. مسألة 43: لو عم العذر الوقت سقط القضاء، فلو أسلم الكافر بعد خروج الوقت لم يكن عليه قضاء أيام كفره لقوله تعالى: * (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (1). أما المرتد، فإنه يقضي أيام ردته بعد العود إلى الاسلام، لأنه التزم الصلوات بالاسلام فلا تسقط بالردة كحقوق الآدميين، وبه قال الشافعي، واحمد في رواية، وفي الثانية: لا يجب القضاء كالكافر الاصلي، وبه قال أبو حنيفة، ومالك (2)، والفرق ظاهر. والحائض والنفساء إذا استغرق عذرهما الوقت سقط القضاء، والصبي والمجنون لا تلزمهما الصلاة ولا قضاؤها إجماعا لقول النبي صلى الله عليه وآله: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق) (3) وإنما وجب القضاء على النائم لقوله عليه السلام: (إذا نسي أحدكم صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) (4).

(1) الانفال: 38.
(2) مختصر المزني: 16، المجموع 3: 4، فتح العزيز 3: 95، المهذب للشيرازي 1: 57، الوجيز 1: 34، المغني 1: 444، الشرح الكبير 1: 412 - 413، مغني المحتاج 1: 130، تفسير القرطبي 7: 403، بدائع الصنائع 1: 95.
(3) صحيح البخاري 7: 59، سنن أبي داود 4: 139 - 140 / 4398، سنن الترمذي 4: 32 / 1، سنن ابن ماجة 1: 658 / 2041، مسند أحمد 6: 100، سنن الدارمي 2: 171، وفيها نحوه.
(4) سنن الترمذي 1: 334 / 177، سنن أبي داود 1: 119 / 435، سنن ابن ماجة 1: =

[ 329 ]

وأما الاغماء، فإن عم الوقت سقطت أداءا وقضاءا كالجنون لأنه مسقط للتكليف - وبه قال الشافعي، ومالك (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال وقد سئل عن المغمى عليه: (ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن المريض هل يقضي الصلاة إذا أغمي عليه؟ قال: " لا، إلا الصلاة التي أفاق في وقتها " (3). وقال أبو حنيفة: إن أغمي عليه في خمس صلوات فما دون وجب عليه قضاؤها، وإن زادت على ذلك سقط عنه فرض القضاء في الكل (4). وقال أحمد: يجب القضاء في الجميع بكل حال (5)، واحتجا بأن عمار ابن ياسر أغمي عليه يوما وليلة فقضى (6)، وهو محمول على الاستحباب، وقد روي ذلك من طرقنا عن الصادق عليه السلام سئل عن المغمى عليه شهرا ما يقضي من الصلاة؟ قال: " يقضيها كلها، إن أمر الصلاة شديد " (7). فروع: أ - المرتد إذا ترك شيئا حال إسلامه قبل الردة وجب قضاؤه عندنا - وبه

= 228 / 698، سنن النسائي 1: 294. (1) الوجيز 1: 34 - 35، مغني المحتاج 1: 131، المنتقي 1: 24، بداية المجتهد 1: 100، المغني 1: 446، الشرح الكبير 1: 411.
(2) المغني 1: 446، الشرح الكبير 1: 411.
(3) الفقيه 1: 236 / 1040، التهذيب 3: 304 / 933، الاستبصار 1: 459 / 1780.
(4) المغني 1: 446، الشرح الكبير 1: 411، المنتقى 1: 24، المحلى 2: 233، بداية المجتهد 1: 100.
(5) المغني 1: 446، الشرح الكبير 1: 411.
(6) المغني 1: 446.
(7) التهذيب 3: 305 / 938، الاستبصار 1: 459 / 1785.

[ 330 ]

قال الشافعي، وأحمد في رواية (1) - لأن الردة غير مسقطة على ما تقدم، ولأنه قد كان واجبا عليه ومخاطبا به قبل الردة فبقي الوجوب بحاله لأنه لم يأت به، وقال أبو حنيفة: لا يجب (2). لما تقدم. ب - لو شرب مسكرا، أو دواء مرقدا، أو مزيلا للعقل فإن علم حاله وجب عليه القضاء وإلا فلا. ولو شرب دواء فذهب عقله فإن شربه للتداوي وليس الغالب فيه ذهاب العقل سقط القضاء، وإن شربه لزوال عقله لم يسقط. ولو شرب مسكرا لم تصح صلاته إن لم يحصل ما يفعله، ولا يسقط عنه فرض الصلاة بذلك لاجماع العلماء على تكليف السكران لقول علي عليه السلام: " إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه جلد المفتري " (3). فألزمه الصحابة بذلك حكم الافتراء في حال سكره. ج - لو ارتد ثم جن فالوجه عدم قضاء أيام الجنون، وكذا لو سكر ثم جن لسقوط التكليف. وقال الشافعي: يقضي المرتد أيام الجنون، وفي قضاء السكران وجهان: القضاء لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كالمرتد، والمنع لأن المرتد في أيام جنونه مرتد حكما، والسكران في دوام الجنون ليس بسكران قطعا (4). ولو ارتدت المرأة، أو سكرت ثم حاضت لم يكن عليها قضاء أيام

(1) المجموع 3: 5، المغني 1: 444، الشرح الكبير 1: 413.
(2) المجموع 3: 4، بدائع الصنائع 1: 95.
(3) الموطأ 2: 842 / 2، سنن البيهقي 8: 321، سنن الدارقطني 3: 166 / 245.
(4) المجموع 3: 9، فتح العزيز 3: 99 و 101.

[ 331 ]

الحيض، ولا فرق بين أن يطرأ الحيض على الردة، أو السكر. د - لو عم النوم الوقت ثم انتبه بعد خروج الوقت فعليه القضاء إجماعا لقوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها) (1). ه‍ - لو شربت دواء فأسقطت ونفست لم تصل أيام النفاس، ولا قضاء بعد الطهر وإن قصدته، لأن النفاس ليس مقصود جنايتها، وللشافعية وجه في وجوبه لأنها عاصية به فكان حكمها حكم السكران (2)، والفرق أن السكران قصد بجنايته زوال عقله فأبقينا حكم الخطاب عليه. مسألة 44: الصبي لا تجب عليه الصلاة ما لم يبلغ، لكن يستحب تمرينه بفعلها، ويستحب مطالبته بها إذا بلغ سبع سنين، وضربه عليها إذا بلغ عشرا لقوله عليه السلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) (3) وإنما ضرب بعد العشر لاحتمال البلوغ بالاحتلام، وهذا وإن لم يكن تكليفا لهم إلا أنه سائغ لاشتماله على اللطف لهم بالتعويد على ملازمة الصلاة عند البلوغ. وهل صلاته شرعية معتد بها؟ المشهور ذلك - وبه قال الشافعي (4) خلافا لأبي حنيفة (5) - ولا قضاء عليه لو أخل بها

(1) صحيح مسلم 1: 477 / 315، سنن الترمذي 1: 334 / 177، سنن النسائي 1: 294، سنن ابن ماجة 1: 228 / 698، سنن الدارمي 1: 280، مسند أحمد 3: 100.
(2) المجموع 3: 10، فتح العزيز 3: 101.
(3) سنن الترمذي 2: 259 / 407، سنن أبي داود 1: 133 / 494 و 495، سنن الدارمي 1: 333.
(4) المجموع 3: 12، مغني المحتاج 1: 132، المغني 1: 445. (5) بدائع الصنائع 1: 95، المجموع 3: 12، المغني 1: 445.

[ 332 ]

إجماعا لأن الأمر لم يكن أمر إيجاب بل إنما ثبت للتخلق، ومراعاة حق الوقت وحرمته، فإذا فات الوقت سقط. فروع: أ - لو صلى حالة الصغر ثم بلغ والوقت باق فلا خلاف في استحباب الاعادة، وهل تجب؟ الأقوى عندي ذلك - وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وحكاه القفال عن الشافعي (1) - لأنه الآن تعلق به الخطاب، والفعل الأول لم يكن واجبا فلا يسقط ما تجدد وجوبه، وظاهر مذهب الشافعي عدم الوجوب (2)، وأصل اختلاف قوليه أنه إذا نوى الظهر ولم يقيد النية بالفرضية هل تصح صلاته؟ وسيأتي، فإن قيل بالصحة هناك فلا إعادة هنا، لأن الصبي قد نوى الظهر، وإن قلنا بالعدم وجب هنا الاعادة، لأنه ليس من أهل نية الفرضية. ب - لو بلغ في أثناء الصلاة بغير المبطل استحب له أن يتم ويعيد بعد ذلك، وفي وجوب الاعادة ما تقدم من الاختلاف، ولو ضاق الوقت إلا عن ركعة استأنف ونوى الفرضية، ولو قصر عن ركعة لم يجب الاستئناف ولا الاعادة واستحب الاتمام. ج - الصبي إذا صلى الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ قبل فواتها وجب عليه استئناف الجمعة - وهو قول بعض الشافعية (3) - لأنه مأمور بالجمعة لا الظهر. وقال أكثر الشافعية: لا إعادة كالعبد إذا صلى الظهر ثم عتق (4)، وهو

(1) مختصر المزني: 11، المجموع 3: 12، الوجيز 1: 34، بدائع الصنائع 1: 95، المغني 1: 445، الشرح الكبير 1: 415.
(2) المجموع 3: 12، الوجيز 1: 34، مغني المحتاج 1: 132، المغني 1: 445، الشرح الكبير 1: 415.
(3) المجموع 3: 12، مغني المحتاج 1: 132، فتح العزيز 3: 85.
(4) المجموع 3: 12، الوجيز 1: 34، مغني المحتاج 1: 132، فتح العزيز 3: 85.

[ 333 ]

غلط لأن العبد مأمور بالظهر فإذا صلاها خرج عن العهدة فلم تلزمه الاعادة بخلاف الصبي. د - لو بلغ في أثناء الوقت قبل الصلاة، فإن بقي من الوقت مقدار ركعة والطهارة إن لم يكن متطهرا أو قدر ركعة إن كان وجب عليه الفعل، فإن أهمل وجب القضاء، وإن قصر عن ذلك لم يجب بل استحب. البحث الرابع: في الأوقات المكروهة. مسألة 45: الأوقات المكروهة لابتداء النوافل فيها خمسة: أ - عند طلوع الشمس إلى ارتفاعها. ب - عند غروبها. ج - عند قيامها وسط النهار إلى أن تزول إلا يوم الجمعة. د - بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. ه‍ - بعد العصر حتى تغرب الشمس. اثنان من هذه متعلقة بالفعل وهما ما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وما بعد العصر حتى تغرب، وثلاثة للوقت لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها) (1) ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة في تلك الأوقات (2)،

(1) سنن ابن ماجة 1: 397 / 1253، الموطأ 1: 219 / 44، سنن النسائي 1: 275، مسند أحمد 4: 348.
(2) سنن ابن ماجة 1: 397 / 1253، الموطأ 1: 219 / 44، سنن النسائي 1: 275، مسند أحمد 4: 348.

[ 334 ]

وبه قال الشافعي، وأحمد (1). وقال ابن المنذر: لا يكره بعد العصر حتى تصفر الشمس، وإنما المنهي عنه ما رواه عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب (2)، ومعنى تتضيف أي تميل، ومنه سمي الضيف، والتخصيص يدل على نفي ما عداه، وعن علي عليه السلام أنه دخل فسطاطه فصلى ركعتين بعد العصر (3)، وقال داود: يجوز فعل النافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس (4). مسألة 46: النهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة فمن لم يصل لم يكره له التنفل وإن صلى غيره، ولو صلى العصر كره له التنفل وإن لم يصل غيره، ولا نعلم فيه خلافا بين المانعين. وأما النهي بعد الصبح فإنه كذلك - وبه قال الحسن، والشافعي (5) - لأن النبي عليه السلام قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) (6) ولقول الصادق عليه السلام: " لا صلاة بعد العصر حتى تصلي المغرب، ولا بعد الفجر حتى تطلع

(1) الأم 1: 149، المجموع 4: 166، المغني 1: 790، الشرح الكبير 1: 830..
(2) سنن ابن ماجة 1: 486 / 1519، سنن الترمذي 3: 349 / 1030، سنن النسائي 1: 275، سنن الدارمي 1: 333، وانظر المغني 1: 790، والشرح الكبير 1: 835.
(3) سنن البيهقي 2: 459.
(4) المجموع 4: 172. (5) المجموع 4: 166، المغني 1: 790، الشرح الكبير 1: 832.
(6) سنن الترمذي 1: 343 - 345 / 183، سنن أبي داود 2: 24 / 1276، سنن النسائي 1: 278، سنن الدارمي 1: 333.

[ 335 ]

الشمس " (1). وقال أصحاب الرأي: النهي متعلق بطلوع الفجر - وبه قال ابن المسيب، والنخعي، وعن أحمد روايتان (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين) (3) وفي حديث آخر: (إذا طلع الفجر لا صلاة إلا ركعتا الفجر) (4). مسألة 47: إنما تكره في هذه الأوقات نافلة لا سبب لها متقدم على هذه الأوقات ولا مقارن لها، فالنوافل الفائتة، وذات السبب لا تكره في هذه الأوقات - وبه قال الشافعي (5) - لأن النبي صلى الله عليه وآله رأى قيس بن فهد يصلي بعد الصبح ركعتين فقال صلى الله عليه وآله: (ما هاتان الركعتان يا قيس؟) فقال: لم أكن صليت ركعتي الفجر فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله (6)، ودخل صلى الله عليه وآله على أم سلمة بعد العصر فصلى ركعتين فقالت أم سلمة: ما هاتان الركعتان؟ فقال صلى الله عليه وآله: (ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد) (7). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن قضاء النوافل فقال: " ما بين طلوع الشمس إلى غروبها " (8) وسئل الكاظم عليه السلام

(1) التهذيب 2: 174 / 695، الاستبصار 1: 290 / 1066.
(2) المغني 1: 790، الشرح الكبير 1: 832.
(3) سنن أبي داود 2: 25 / 1278، سنن البيهقي 2: 465.
(4) كنز العمال 7: 414 / 19583 (عن الطبراني).
(5) المجموع 4: 170، فتح الباري 2: 46 - 47، المغني 1: 793 - 795، الشرح الكبير 1: 838.
(6) سنن أبي داود 2: 22 / 1267، سنن الترمذي 2: 284 / 422، مسند أحمد 5: 447.
(7) سنن أبي داود 2: 23 - 24 / 1273، سنن الدارمي 1: 324 و 325.
(8) التهذيب 2: 272 / 1084، الاستبصار 1: 290 / 1064.

[ 336 ]

عن قضاء صلاة الليل قال: " نعم بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى الليل " (1). وقال المفيد رحمه الله: يكره النوافل أداء وقضاء عند طلوع الشمس وغروبها. وأجاز قضاءها بعد الصبح والعصر (2)، ومنع أبو حنيفة ومالك من قضاء النوافل في أوقات النهي، وابتدائها وإن كان لها سبب (3) - وعن أحمد روايتان (4) - لعموم النهي (5)، والجواب: الخاص مقدم. مسألة 48: النهي إنما هو كراهة عند علمائنا لا نهي تحريم لتعارض الأحاديث في المنع والتسويغ، وورود لفظ الكراهة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأن النهي يدل على التحريم (6)، وهو ممنوع خصوصا مع قيام المعارض. إذا عرفت هذا فإن النهي عن التنفل لا عن الفرائض، فلا يكره عندنا قضاء الفرائض، ولا ابتداؤها في هذه الأوقات - وبه قال علي عليه السلام، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأحمد بن حنبل (7) - لقوله عليه السلام:

(1) التهذيب 2: 173 / 689، الاستبصار 1: 290 / 1060.
(2) المقنعة: 23 و 35.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 152 و 153، بدائع الصنائع 1: 296، المنتقى 1: 362 و 363، القوانين الفقهية: 53، الهداية للمرغيناني 1: 40، فتح العزيز 3: 113، فتح الباري 2: 46 - 47، المغني 1: 794.
(4) المغني 1: 794، الشرح الكبير 1: 841، فتح العزيز 3: 113.
(5) انظر على سبيل المثال: سنن ابن ماجة 1: 486 / 1519، سنن الترمذي 3: 349 / 1030، سنن النسائي 1: 275، سنن الدارمي 1: 333.
(6) شرح فتح القدير 1: 202، الهداية للمرغيناني 1: 40، الكفاية 1: 202، بداية المجتهد 1: 103.
(7) فتح العزيز 3: 109، المغني 1: 783 و 784، الشرح الكبير 1: 833، القوانين الفقهية: 53، بداية المجتهد 1: 103.

[ 337 ]

(من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (1). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها: " يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها " (2). وقال أصحاب الرأي: لا يقضي الفرض ولا النفل في الأوقات الثلاثة إلا عصر يومه عند اصفرار الشمس، وأما الوقتان الآخران المتعلقان بالفعل فلا يجوز فيهما فعل شئ من النوافل سواء كان لها سبب أو لم يكن، لعموم النهي (3)، المتناول للفرائض والنوافل ولأنها صلاة فلم تجز في هذه الأوقات كالنوافل (4). والنهي مخصوص بعصر يومه، وبالقضاء في الوقتين الآخرين فنقيس محل النزاع على المخصوص، وقياسهم ينتقض بذلك. فروع: أ - لو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها - وبه قال الشافعي، وأحمد (5) - لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته) (6).

(1) صحيح البخاري 1: 154، صحيح مسلم 1: 477 / 315، سنن الترمذي 1: 334 / 177، سنن النسائي 1: 294، سنن أبي داود 1: 119 / 435، سنن ابن ماجة 1: 228 / 698، سنن الدارمي 1: 280، مسند أحمد 3: 100 و 282.
(2) الكافي 3: 292 / 3، التهذيب 2: 266 / 1059، الاستبصار 1: 286 / 1046.
(3) سنن ابن ماجة 1: 486 / 1519، سنن الترمذي 3: 349 / 1030، سنن النسائي 1: 275.
(4) فتح العزيز 3: 113، المغني 1: 784، الشرح الكبير 1: 833، بداية المجتهد 1: 103، القوانين الفقهية: 53، الهداية للمرغيناني 1: 40، اللباب 1: 88 - 89، المبسوط للسرخسي 1: 150.
(5) المجموع 3: 47، المهذب للشيرازي 1: 60، المغني 1: 784، الشرح الكبير 1: 834، المبسوط للسرخسي 1: 152.
(6) صحيح البخاري 1: 146، سنن النسائي 1: 257.

[ 338 ]

وقال أصحاب الرأي: تفسد صلاته لأنها صارت في وقت النهي (1). والخاص مقدم. ب - في انعقاد النوافل في هذه الأوقات إشكال ينشأ من النهي، فأشبهت صوم يوم العيد، ومن الترغيب في الصلاة مطلقا، وهذه الأوقات قابلة للصلاة في الجملة لصحة الفرائض فيها فصارت كالصلاة في الحمام، وللشافعية وجهان (2)، إذا ثبت هذا، فلو نذر أن يصلي في هذه الأوقات انعقد نذره إن قلنا بانعقاد الصلاة فيها وإلا فلا. ج - يجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي سواء كان النذر مطلقا أو موقتا - وبه قال الشافعي (3) - لاختصاص النهي بالنافلة، والنذر واجب. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأن وجوبها معلق بفعله وهو النذر فأشبه النافلة الواجبة بالدخول فيها (4). ويبطل بسجود التلاوة، فإنه متعلق بفعله وهو التلاوة، ولا تشبه المنذورة ما وجب بالدخول فيه لأن الدخول مكروه والنذر غير مكروه في الجملة. مسألة 49: لو صلى الصبح، أو العصر، أو المغرب منفردا ثم أدرك جماعة استحب له إعادتها عندنا - وبه قال الشافعي، والحسن البصري، وأبو ثور (5) - لأن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الصبح في مسجد خيف،

(1) المبسوط للسرخسي 1: 152، المجموع 3: 47، المغني 1: 784، الشرح الكبير 1: 834.
(2) المجموع 4: 181، فتح العزيز 3: 128.
(3) المجموع 4: 170، فتح الباري 2: 47، المهذب للشيرازي 1: 99، الميزان 1: 171، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة 1: 65.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 153، فتح الباري 2: 47، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة 1: 65، الميزان 1: 171، المغني 1: 784، الشرح الكبير 1: 834.
(5) المجموع 4: 223، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة 1: 68، المهذب للشيرازي 1: 102، المغني 1: 786، الشرح الكبير 1: 836.

[ 339 ]

فلما انصرف رأى رجلين في زاوية المسجد، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: (لماذا لم تصليا معنا؟) فقالا: كنا قد صلينا في رحالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا جئتما فصليا معنا، وإن كنتما قد صليتما في رحالكما تكن لكما سبحة) (1). وقال أبو حنيفة: لا تجوز الاعادة لأنها نافلة فلا يجوز فعلها في وقت النهي (2) لعموم الحديث (3) وما ذكرناه أخص فتقدم. وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: يعاد الجميع إلا المغرب لئلا يتطوع بوتر (4). وقال ابن عمر، والنخعي: تعاد الصلوات كلها إلا الصبح، والمغرب (5). وقال الحكم: إلا الصبح وحدها (6). فروع: أ - لا فرق في استحباب الاعادة بين أن تقام الصلاة وهو في المسجد أو لا، ولا بين أن يدخل وهم يصلون أو لا، وشرط أحدهما أحمد (7)

(1) سنن الترمذي 1: 424 / 219، سنن النسائي 2: 112 و 113، سنن أبي داود 1: 157 / 575، سنن الدارمي 1: 317، مسند أحمد 4: 161، موارد الظمآن: 122 / 434، سنن البيهقي 2: 301.
(2) المجموع 4: 225، الميزان 1: 174، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة 1: 68، المغني 1: 786، الشرح الكبير 1: 837 و 2: 7. (3) سنن ابن ماجة 1: 486 / 1519، سنن النسائي 1: 275.
(4) المدونة الكبرى 1: 87، المنتقى 1: 234، بلغة السالك 1: 154، المجموع 4: 225، الميزان 1: 174، رحمة الأمة 1: 68، المغني 1: 786، الشرح الكبير 2: 7.
(5) المجموع 4: 225، المغني 1: 876، الشرح الكبير 2: 7.
(6) المغني 1: 786، الشرح الكبير 2: 7.
(7) المغني 1: 786، الشرح الكبير 1: 836 و 2: 6.

[ 340 ]

ب - لا فرق في جواز الاعادة في وقت النهي بين أن يكون مع إمام الحي وغيره للعموم - خلافا لبعض أصحاب أحمد (1) - ولا بين أن يكون قد صلى وحده أو مع جماعة، قال أنس: صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد فانتهينا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصلينا مع المغيرة بن شعبة (2). ج - إذا أعاد المغرب صلاها ثلاثا لأن القصد المتابعة للامام، والمفارقة مكروهة سواء كانت بالزيادة أو النقصان. وقال الشافعي، والزهري، وأحمد: يصلي أربعا - وهو مروي عن سعيد بن المسيب - لأنها نافلة ولا يشرع التنفل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته (3)، وعن حذيفة يصلي ركعتين (4). د - إذا أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد استحب له الدخول، وإن كان وقت نهي، عملا بالعموم، خلافا لأحمد (5). ه‍ - إذا أعاد الصلاة فالأولى فرضه - وبه قال علي عليه السلام، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، والشافعي في الجديد (6) - لقوله عليه السلام: (تكن لكما نافلة) (7) ولأن الأولى وقعت فريضة فأسقطت الفرض لأنها لا

(1) المغني 1: 786، الشرح الكبير 1: 836.
(2) المغني 1: 787 و 788، الشرح الكبير 2: 7.
(3) المجموع 4: 225، المغني 1: 788، الشرح الكبير 2: 7.
(4) المغني 1: 788، الشرح الكبير 2: 7.
(5) المغني 1: 788، الشرح الكبير 2: 7.
(6) المغني 1: 788، الشرح الكبير 2: 7. (7) سنن النسائي 2: 112 و 113، سنن الدارمي 1: 317، مسند أحمد 4: 161، سنن البيهقي 2: 301، موارد الظمآن: 122 / 434.

[ 341 ]

تجب ثانيا، وإذا برئت الذمة بالأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة. وعن سعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي: التي صلى معهم المكتوبة (1) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم، وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة) (2) ولا تصريح فيه فيحب أن يحمل معناه على ما في الأحاديث الباقية سواء. إذا عرفت هذا فإنه ينوي بالثانية النفل لا الفرض، ويجوز أن ينويها ظهرا معادة ولا تجب الاعادة بلا خلاف لأنها نافلة، وقال عليه السلام: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) (3) معناه واجبتان، وعن أحمد رواية أنها تجب مع إمام الحي (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بها (5)، والأمر للاستحباب، فعلى هذا إن قصد الاعادة فلم يدرك إلا ركعتين جاز أن يسلم معهم لأنها نافلة، ويستحب أن يتمها لأنه قصد أربعا. وقال أحمد: يجب (6) لقوله عليه السلام: (وما فاتكم فأتموا) (7) وهو

(1) المغني 1: 788، الشرح الكبير 2: 8.
(2) سنن أبي داود 1: 157 / 577، سنن البيهقي 2: 302.
(3) سنن أبي داود 1: 158 / 579، مسند أحمد 2: 41، سنن البيهقي 2: 303.
(4) المغني 1: 789، الشرح الكبير 2: 8.
(5) سنن أبي داود 1: 157 / 577، سنن البيهقي 2: 302.
(6) المغني 1: 789، الشرح الكبير 2: 8.
(7) صحيح البخاري 1: 163 و 2: 9، صحيح مسلم 1: 420 و 421 / 602، سنن الترمذي 2: 149 / 327، سنن أبي داود 1: 156 / 572، سنن ابن ماجة 1: 255 / 775، سنن الدارمي 1: 294، مسند أحمد 2: 237 و 239 و 452 و 460 و 472 و 529.

[ 342 ]

للاستحباب، أو في غير الاعادة. مسألة 50: ركعتا الطواف الواجب واجبتان، وركعتا المستحب مستحبتان، ولهما سبب فيجوز أن يصليهما في أوقات النهي. وممن طاف بعد الصبح والعصر وصلى الركعتين الحسن والحسين عليهما السلام، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وعروة. وبه قال عطاء، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور (1)، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار) (2) ومنع من ذلك أبو حنيفة، ومالك واحتجا بعموم أحاديث النهي (3)، وهو مخصوص بما لا سبب له، ولأن ركعتي الطواف تابعة له فإذا أبيح المتبوع أبيح التبع. مسألة 51: ويصلى على الجنائز في جميع الأوقات، قال ابن المنذر: أجمع المسلمون على الصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح (4). وأما باقي الأوقات الثلاثة فعندنا يجوز - وبه قال الشافعي، ومالك (5) - لأنها صلاة فرض ذات سبب، ولأنها تباح بعد الصبح والعصر فأبيحت في الباقي كالفرائض.

(1) المجموع 8: 57 و 4: 170، المغني 1: 785، الشرح الكبير 1: 836، المبسوط للسرخسي 1: 153.
(2) سنن أبي داود 2: 180 / 1894، سنن ابن ماجة 1: 398 / 1254، سنن الترمذي 3: 220 / 868، سنن النسائي 1: 284، سنن الدارمي 2: 70، سنن الدارقطني 1: 424 / 2، سنن البيهقي 2: 461.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 153، بداية المجتهد 1: 103، المغني 1: 785، الشرح الكبير 1: 836.
(4) المجموع 4: 171 و 172، المغني 1: 785، الشرح الكبير 1: 835.
(5) المجموع 4: 170، فتح الباري 2: 47، بداية المجتهد 1: 103، المغني 1: 785 الشرح الكبير 1: 835.

[ 343 ]

وقال أبو حنيفة: لا يجوز (1) - وعن أحمد روايتان (2) - للنهي (3) ولأنها صلاة من غير الخمس، فلم يجز فعلها كالنوافل المطلقة. والنهي مخصوص بالنوافل المطلقة. والفرق ظاهر، لأنها ذات سبب. مسألة 52: قضاء السنن في سائر أوقات النهي جائز على ما تقدم، وكذا فعل غيرها من الصلوات التي لها سبب، كتحية المسجد، وإعادة صلاة الكسوف، وسجود التلاوة - وبه قال الشافعي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) (5). وقال في الكسوف: (فإذا رأيتموها فصلوا) (6) وهذا خاص فيقدم على العام، ولأنها صلاة ذات سبب فأشبهت ما ثبت جوازه، ولأنها عندنا واجبة فأشبهت الفرائض. وقال أصحاب الرأي، وأحمد: لا يجوز لأن النهي للتحريم، والأمر للندب وترك المحرم أولى من فعل المندوب (7). والأولى ممنوعة، وليس بعام، وثبت تخصيصه.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 152، اللباب 1: 88، فتح الباري 2: 47.
(2) المغني 1: 785 و 786، الشرح الكبير 1: 835.
(3) انظر على سبيل المثال سنن أبي داود 3: 208 / 3192، صحيح مسلم 1: 568 / 831.
(4) المجموع 4: 170، فتح الباري 2: 47، المغني 1: 795، الشرح الكبير 1: 841. (5) صحيح البخاري 2: 70، صحيح مسلم 1: 495 / 70، سنن الترمذي 2: 129 / 316، سنن النسائي 2: 53، الموطأ 1: 162 / 57، المعجم الصغير 1: 137.
(6) صحيح البخاري 2: 42 و 48، صحيح مسلم 2: 630 / 914، سنن أبي داود 1: 309 / 1185، سنن ابن ماجة 1: 400 / 1261، سنن النسائي 3: 126 و 127 و 131، سنن الدارمي 1: 359، مسند أحمد 2: 109 و 4: 122.
(7) المغني 1: 794 و 795، الشرح الكبير 1: 840 و 841.

[ 344 ]

فروع: أ - لو نذر صلاة تحية المسجد في أحد الأوقات فإن كان له غرض في الدخول سوى الصلاة صح ولزم، وإن لم يكن له غرض سواها فهو كما لو نذر النافلة في هذه الأوقات، وللشافعي وجهان: المنع لأنه قصد التنفل، والجواز لوجود السبب وهو الدخول (1). ب - إذا فاته شئ من النوافل فقضاه بعد العصر هل يكون ذلك سببا في فعل مثلها في هذا الوقت؟ الوجه المنع عملا بعموم النهي (2)، وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، والثاني: الجواز (3) لأن النبي صلى الله عليه وآله قضى بعد العصر ركعتين ثم داوم عليهما (4)، والفرق ظاهر لأنه عليه السلام كان ملتزما للمداومة على أفعاله. ج - يجوز قضاء سنة الفجر بعد الفجر - وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد - وهو مروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، والنخعي (5) لأن قيس بن فهد صلاهما بعد صلاة الفجر، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (ما هاتان الركعتان؟) قلت: لم أكن صليت ركعتي الفجر (6)، وسكوته عليه السلام يدل على الجواز.

(1) المجموع 4: 170، فتح العزيز 3: 110 و 111، المهذب للشيرازي 1: 100.
(2) صحيح مسلم 1: 566 / 825 و 826، سنن ابن ماجة 1: 395 / 1249 و 1250.
(3) المجموع 4: 171، فتح العزيز 3: 131 - 134.
(4) صحيح مسلم 1: 572 / 835، سنن أبي داود 2: 23 - 24 / 1273، سنن الدارمي 1: 324 - 325.
(5) بدائع الصنائع 1: 287، المغني 1: 793، الشرح الكبير 1: 841، معالم السنن للخطابي 2: 78. (6) سنن الترمذي 2: 285 / 422، سنن أبي داود 2: 22 / 1267، سنن ابن ماجة 1: 365 / 1154.

[ 345 ]

وقال مالك: لا يجوز (1) لعموم النهي (2). د - ركعتا الاحرام يجوز فعلهما في هذه الأوقات، وكذا الاستخارة لأن لهما أسبابا، وقال الشافعي بالمنع، لأن سببها يتأخر عنها، فأشبهت ما لا سبب له (3). ه‍ - سجود الشكر في هذه الأوقات ليس بمكروه، لأن كعب بن مالك لما بشر بأن الله تاب عليه وعلى صاحبيه سجد للشكر بعد صلاة الصبح، ولم ينكره عليه السلام (4). و - الصلوات التي لها أسباب إذا قصد تأخيرها في هذه الأوقات كانت كالمبتدأة لقوله عليه السلام: (لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها) (5). ز - يكره التنفل بعد الفجر قبل الفريضة لما روي عنه عليه السلام: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر) (6). ح - سجود التلاوة يجوز في كل الأوقات لأنه ليس صلاة، ولأن له سببا وبه قال الشافعي (7) ومنعه مالك، وأبو حنيفة لأنه أشبه جزء الصلاة (8).

(1) المنتقى للباجي 1: 228.
(2) سنن أبي داود 2: 24 / 1276، سنن الدارمي 1: 333.
(3) المجموع 4: 170، فتح العزيز 3: 109، كفاية الأخيار 1: 81.
(4) صحيح مسلم 4: 2121 / 2769، سنن البيهقي 2: 370 و 460.
(5) صحيح البخاري 1: 152، صحيح مسلم 1: 567 / 828، سنن النسائي 1: 277، الموطأ 1: 220 / 47، مسند أحمد 2: 33 و 63.
(6) سنن الدارقطني 1: 246 / 2، سنن البيهقي 2: 465 و 466.
(7) المجموع 4: 170، فتح العزيز 3: 110، فتح الباري 2: 47، المهذب للشيرازي 1: 99، كفاية الأخيار 1: 81.
(8) المنتقى للباجي 1: 364، المبسوط للسرخسي 1: 152، اللباب 1: 89، فتح الباري 2: 47.

[ 346 ]

ط - لا بأس بصلاة الاستسقاء في هذه الأوقات لوجود الحاجة الداعية إليها في الوقت، وهو أحد وجهي الشافعي، والثاني: الكراهة لأن غرضها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير (1). مسألة 53: لا يكره التنفل يوم الجمعة بركعتين نصف النهار - وبه قال الشافعي، والحسن، وطاوس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق (2) - لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة (3)، ولأن الناس في هذا الوقت ينتظرون الجمعة، ويشق عليهم مراعاة الشمس، وفي ذلك قطع للنوافل، ويحتاجون إلى الاشتغال بالصلاة عن النوم أيضا. وقال مالك: أكرهه إذا علمت انتصاف النهار، وإذا كنت في موضع لا أعلم ولا أستطيع أن أنظر فإني أراه واسعا (4)، وأباحه عطاء في الشتاء دون الصيف (لأن شدة الحر من فيح جهنم) (5) وذلك الوقت حين تسجر جهنم (6)، ومنع منه مطلقا في يوم الجمعة أبو حنيفة، وأحمد (7) لعموم

(1) المجموع 4: 170، فتح العزيز 3: 112، كفاية الأخيار 1: 81. (2) المجموع 4: 176، فتح العزيز 3: 117، فتح الباري 2: 50، المهذب للشيرازي 1: 100، كفاية الأخيار 1: 81، المغني 1: 796، الشرح الكبير 1: 842.
(3) كنز العمال 7: 418 / 19597، سنن البيهقي 2: 464.
(4) المغني 1: 796.
(5) صحيح البخاري 1: 142، صحيح مسلم 1: 430 - 431 / 615 و 616، سنن أبي داود 1: 110 / 401، سنن الدارمي 1: 274، سنن الترمذي 1: 295 / 157، سنن ابن ماجة 1: 222 / 677، الموطأ 1: 15 / 27 و 28، مسند أحمد 3: 53، المحرر في الحديث 1: 160 / 163، المعجم الصغير 1: 137، السنن المأثورة: 192 / 122، متن عمدة الأحكام: 60 / 142، مسند أبي يعلى 2: 480 / 1309.
(6) المغني 1: 796، الشرح الكبير 1: 842.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 151، المغني 1: 795، الشرح الكبير 1: 842، المجموع 4: 177، فتح العزيز 3: 118.

[ 347 ]

النهي (1). فروع: أ - جواز الصلاة هل يختص بهذا الوقت؟ للشافعية قولان: هذا أحدهما (2) لعموم النهي (3)، إلا فيما ورد فيه الاستثناء، والثاني: أنه يستثنى جميع يوم الجمعة (4) لأنه روي أن جهنم تسجر في الأوقات الثلاثة في سائر الأيام إلا يوم الجمعة (5). ب - الأقرب عموم الاستثناء لكل أحد لاطلاق الخبر، وهو أحد وجهي الشافعي، والثاني: عدم العموم، لأن الاستثناء لأحد معنيين: الأول: أن عند اجتماع الناس تشق مراقبة الشمس، والتمييز بين حالة الاستواء وغيره، والثاني: أن الناس يبكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون إلى طرده فلا يستثنى القاعد في بيته، وعلى المعنى الأول يستثنى جميع الحاضرين، وعلى الثاني يستثنى من بكر ويغلبه النعاس (6). ج - إن عللنا بغلبة النعاس، أو مشقة المراقبة، وعدم العلم بدخول الوقت جاز أن يتنفل بأكثر من ركعتين، وإلا اقتصرنا على المنقول. مسألة 54: ولا فرق بين مكة وغيرها من البلاد في المنع من التطوع في

(1) سنن ابن ماجة 1: 397 / 1253، سنن النسائي 1: 275، الموطأ 1: 219 / 44، سنن البيهقي 2: 454.
(2) المجموع 4: 176، فتح العزيز 3: 118 و 119.
(3) كنز العمال 7: 418 / 19595 و 19596 و 19597، سنن البيهقي 2: 464.
(4) المجموع 4: 176، فتح العزيز 3: 118 و 123.
(5) كنز العمال 7: 418 / 19595، سنن البيهقي 2: 464.
(6) المجموع 4: 176، فتح العزيز 3: 119 - 123.

[ 348 ]

أوقات النهي - وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (1) - لعموم النهي (2)، ولأنه معنى يمنع من التنفل فاستوت فيه مكة وغيرها كالحيض. وقال الشافعي: لا يكره التنفل بمكة في شئ من الأوقات الخمسة (3) لقوله عليه السلام: (لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار) (4) وهو مختص بركعتي الطواف، وفي اختصاص المسجد بجواز التنفل عند الشافعي وجهان: أحدهما ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر هذا البيت شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) (5) والثاني: جواز التنفل في جميع بيوت مكة (6) لعموم قوله عليه السلام: (إلا بمكة) (7).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 151، المغني 1: 795، الشرح الكبير 1: 842، المجموع 4: 180.
(2) صحيح مسلم 1: 566 و 569 / 825 و 831، صحيح البخاري 1: 152، سنن النسائي 1: 275 و 277، الموطأ 1: 219 / 44، سنن ابن ماجة 1: 396 و 397 / 1250 و 1253، سنن البيهقي 2: 454.
(3) المجموع 4: 179، فتح العزيز 3: 125، المغني 1: 795، الشرح الكبير 1: 842، المبسوط للسرخسي 1: 151.
(4) سنن أبي داود 2: 180 / 1894، سنن ابن ماجة 1: 398 / 1254، سنن الترمذي 3: 220 / 868، سنن النسائي 1: 284، سنن الدارمي 2: 70، سنن الدارقطني 1: 424 / 2، سنن البيهقي 2: 461 (5) سنن البيهقي 2: 461، سنن الدارقطني 1: 425 / 8.
(6) المجموع 4: 179 و 180، فتح العزيز 3: 127.
(7) كنز العمال 7: 422 / 19612، سنن الدارقطني 1: 424 و 425 / 6، سنن البيهقي 2: 461. وتمام الحديث: (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة).

[ 349 ]

البحث الخامس: في القضاء وسببه فوات الصلاة الواجبة، أو النافلة على المكلف. مسألة 55: إذا فاتت الصلاة الواجبة اليومية وجب قضاؤها بإجماع العلماء لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (1) فإن ذلك وقتها، لا وقت لها غيره، ولأن الصوم يجب قضاؤه بنص القرآن (2)، والصلاة آكد من الصوم فهي أولى بوجوب القضاء. وإنما يجب القضاء تبعا لوجوب الأداء، فلا يجب على الصبي والمجنون القضاء إجماعا، وكذا الكافر لقوله عليه السلام: (الاسلام يجب ما قبله) (3) وإن كان الأداء واجبا عليه إلا أنه سقط عند القضاء دفعا للمشقة والحرج، وترغيبا له في الاسلام، ويجب على النائم، والسكران، والمرتد، ويستحب للمغمى عليه. وفي الوجوب على فاقد المطهر لعلمائنا قولان: الوجوب قاله الشيخ، والمرتضى (4) - وبه قال الليث بن سعد، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، والشافعي،

(1) صحيح البخاري 1: 154، صحيح مسلم 1: 471 / 680 و 477 / 684، سنن الترمذي 1: 334 / 177، سنن النسائي 1: 293 و 294، سنن ابن ماجة 1: 227 / 696 و 698، سنن الدارمي 1: 280، مسند أحمد 3: 100 و 282، سنن البيهقي 2: 456.
(2) إشارة إلى الآية 184 و 185 من سورة البقرة.
(3) مسند أحمد 4: 199 و 204 و 205، جامع الصغير 1: 474 / 3064، عوالي اللآلي 2: 54 / 145، طبقات ابن سعد 7: 497.
(4) حكاه عنهما المحقق في المعتبر: 235.

[ 350 ]

وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي (1) - لأن الصلاة لا تسقط بفوات شرط كالسترة. والعدم، قاله المفيد (2) وبه قال مالك، وداود (3). وهو المعتمد، لأنها صلاة لا تجب في وقتها فلا تجب بعد خروجه، ولأن القضاء إنما يجب بأمر مجدد ولم يوجد. مسألة 56: ووقت الفائتة حين الذكر لقوله صلى الله عليه وآله: (من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها) (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها؟: " يصليها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها ليلا أو نهارا، فإذا دخل وقت صلاة ولم يتم ما فاته فليقض ما يتخوف أن يذهب وقت هذه، فهذه أحق بوقتها " (5). مسألة 57: والأقوى عندي أن هذا الوجوب موسع لا مضيق، فله مع الذكر التأخير إلى أن يغلب على الظن الموت فيتضيق الفعل، كالواجبات

(1) الأم 1: 51، المجموع 2: 278 و 280، المهذب للشيرازي 1: 42، المغني 1: 284، الشرح الكبير 1: 286 و 287، بدائع الصنائع 1: 50 و 54، المحلى 2: 139، نيل الأوطار 1: 338.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 235.
(3) المنتقى للباجي 1: 116، المجموع 2: 280، المغني 1: 284، الشرح الكبير 1: 287، نيل الأوطار 1: 338.
(4) سنن البيهقي 2: 219، سنن الدارقطني 1: 423 / 1، المحرر في الحديث 1: 156 / 157.
(5) الكافي 3: 293 / 3، التهذيب 2: 266 / 1059، الاستبصار 1: 286 / 1046.

[ 351 ]

التي مدتها العمر، لأن وقت الأداء فات، ولا اختصاص لوقت بالقضاء دون غيره وإلا لزم أن يكون قاضيا للقضاء لو فات ذلك الوقت وهو خلاف الاجماع. نعم يستحب المبادرة إليه للأمر بالمسارعة إلى فعل الخير (1)، وللخلاص من الخلاف وليس واجبا، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل في بعض أسفاره بالليل في واد فغلبهم النوم وما انتبهوا إلا بعد طلوع الشمس فارتحلوا ولم يقضوا الصلاة في ذلك الموضع بل في آخر (2). ولا فرق بين أن يتعمد تفويت الصلاة وأن لا يتعمد، وقال الشافعي: إن تعمد لزمه القضاء على الفور، ولا يجوز له التأخير لأنه عاص بتأخير الصلاة، ولو وسعنا الأمر عليه في القضاء صارت المعصية سببا للتخفيف وهو غير جائز (3)، ونمنع ذلك. مسألة 58: الحواضر تترتب بلا خلاف بين العلماء فيجب أن يصلي الظهر سابقة على العصر، والمغرب على العشاء لقول الصادق عليه السلام: " إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه " (4) وقول الباقر، والصادق عليهما السلام: " من نسي الظهر حتى دخل وقت العصر بدأ بالظهر ثم بالعصر، ولو دخل في العصر ثم ذكر الظهر عدل بنيته " (5). وكذا الفوائت يترتب بعضها على بعض فلو فاته صلاة يوم وجب أن يبدأ

(1) كما في الآية الكريمة (148) من سورة البقرة، و (48) من سورة المائدة.
(2) صحيح البخاري 1: 93 - 94، مسند أحمد 4: 434، مستدرك الحاكم 1: 274.
(3) المجموع 3: 69، المهذب للشيرازي 1: 61. (4) الكافي 3: 276 / 5، التهذيب 2: 26 / 73، الاستبصار 1: 260 / 934.
(5) الكافي 3: 292 / 2، التهذيب 2: 172 / 684، الاستبصار 1: 287 / 1050.

[ 352 ]

في القضاء بصبحه قبل ظهره ثم بظهره قبل عصره، وهكذا، ولو فاته ظهر يوم، وعصر سابق وجب أن يقدم في القضاء العصر على الظهر عند علمائنا أجمع - وبه قال ابن عمر، والزهري، والنخعي، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، وأحمد، والليث، وأبو حنيفة، وإسحاق (1)، لقوله عليه السلام: (من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته) (2) ولأن القضاء إنما هو الاتيان بعين الفائت في غير الوقت المضروب له، ولأن النبي صلى الله عليه وآله فاتته صلوات يوم الخندق فقضاهن مرتبا (3). فيجب اتباعه للتأسي، ولقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " إذا كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن (5) فأذن لها، وأقم، ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة " (6). وقال الشافعي: الأولى الترتيب، فإن قضاها بغير ترتيب أجزأه وسقط عنه الفرض (7)، لأن كل صلاة مستقلة بنفسها منفردة بحكمها، وإنما ترتبها لترتب أوقاتها فإذا فاتت الأوقات صارت دينا في ذمته ولا ترتيب فيما يقضي من الذمة وكقضاء رمضان.

(1) بداية المجتهد 1: 183 و 184، القوانين الفقهية: 72، مقدمات ابن رشد 1: 147، الشرح الكبير 1: 483، المغني 1: 676، المبسوط للسرخسي 1: 154، بدائع الصنائع 1: 132، اللباب 1: 87.
(2) عوالي اللآلي 2: 54 / 143 و 3: 107 / 150.
(3) صحيح البخاري 5: 141، مسند أحمد 3: 25 و 4: 106.
(4) صحيح البخاري 1: 162، سنن الدارمي 1: 286، سنن الدارقطني 1: 273 / 1 و 346 / 10، سنن البيهقي 2: 345، مسند أحمد 5: 53، ترتيب مسند الشافعي 1: 108 / 319.
(5) كذا في الأصلين والمصادر، والأصح: " أولاهن ".
(6) الكافي 3: 291 / 1، التهذيب 3: 158 / 340.
(7) المجموع 3: 70، المغني 1: 676، الشرح الكبير 1: 483، المبسوط للسرخسي 1: 153، بداية المجتهد 1: 184.

[ 353 ]

والاستقلال لا يخرج الحقيقة عن لوازمها، ومن جملة أوصافها اللازمة الترتيب، ولهذا لو قدم المتأخرة في الوقت المشترك لم يصح فكذا بعد الفوات، وترتب الفوائت لمعنى فيها، وترتيب أيام رمضان لتحصيل أيام الشهر لمعنى يختص بترتب الأيام. مسألة 59: ولا فرق بين كثرة الصلوات وقلتها عند علمائنا في وجوب الترتيب، فلو فاتته صلوات سنة فما زاد وجب فيها الترتيب - وبه قال أحمد (1) - لأنها صلوات واجبة تفعل في وقت يتسع لها فوجب فيها الترتيب كالخمس، ولقوله عليه السلام: (فليقضها كما فاتته) (2). وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة للمشقة (3). وهو ممنوع. تذنيب: هذا الترتيب شرط عندنا، فلو أخل به عمدا بطلت صلاته - وبه قال أحمد (4) - لأنه ترتيب واجب فكان شرطا كالركوع والسجود. مسألة 60: تترتب الفائتة على الحاضرة استحبابا ما لم يتضيق الحاضرة فيتعين فعلها سواء تعددت الفوائت أو اتحدت على الأقوى - وبه قال الشافعي (5) - لقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (6) وهو

(1) المغني 1: 677، الشرح الكبير 1: 484، المجموع 3: 70.
(2) عوالي اللآلي 2: 54 / 143 و 3: 107 / 150.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 154، بدائع الصنائع 1: 135، بداية المجتهد 1: 183، اللباب 1: 87 - 88، المجموع 3: 70، المغني 1: 677.
(4) المغني 1: 677، الشرح الكبير 1: 484، المجموع 3: 70.
(5) الأم 1: 78، المجموع 3: 70، بداية المجتهد 1: 184.
(6) الاسراء: 78.

[ 354 ]

عام، وقول الصادق عليه السلام: " إن نام رجل أو نسي أن يصلي المغرب والعشاء فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما فليصلهما، وإن خاف أن تفوت إحداهما فليبدأ بالعشاء، وإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح، ثم المغرب، ثم العشاء قبل طلوع الشمس " (1). ولأن الأصل عدم الترتيب، ولأنه يفضي إلى فوات مصلحة مطلوبة للشارع لا يمكن استدراكها فلا يكون مشروعا لأنه يفضي إلى المنع من الصلاة في أول وقتها وهو أمر مطلوب للشارع، ولأن الترتيب يفضي إلى عدمه، أو المنع من أداء الحاضرة في وقتها المضيق، والقسمان باطلان. بيان الملازمة أنه إما أن يقضي الفوائت عند تضييق الحاضرة فيلزم الأمر الثاني، أو يشتغل بالحاضرة فلا يثبت الترتيب، وأكثر علمائنا (2)، والجمهور على وجوب الترتيب إلا فيما زاد عن يوم عند أبي حنيفة (3)، لقوله عليه السلام: (من فاتته صلاة فوقتها حين يذكرها) (4) ولا يقتضي التخصيص. واعلم أن جماعة من علمائنا (5) ضيقوا الأمر في ذلك، وشددوا على المكلف غاية التشديد، حتى حرم السيد المرتضى (6) وآخرون الاشتغال بغير الصلاة الفائتة إلا قدر الأمر الضروري في النوم، والأكل، والشرب،

(1) التهذيب 2: 270 / 1077، الاستبصار 1: 288 / 1054.
(2) منهم: السيد المرتضى في رسائله 3: 364، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 150، وابن البراج في المهذب 1: 126، وابن زهرة في الغنية: 500، وابن إدريس في السرائر: 41 و 59. (3) المبسوط للسرخسي 1: 154، اللباب 1: 88، بدائع الصنائع 1: 134، المجموع 3: 70، المغني 1: 676.
(4) المحرر في الحديث 1: 156 / 157، سنن الدارقطني 1: 423 / 1، سنن البيهقي 2: 219.
(5) منهم: أبو الصلاح في الكافي: 150، وابن البراج في المهذب 1: 125، وابن إدريس في السرائر: 59.
(6) رسائل الشريف المرتضى 2: 365.

[ 355 ]

والمعاش، ومنعوا من الشبع، واكتساب أكثر من قوت يومه له ولمن تجب نفقته، وأن يتحقق الانسان آخر الوقت بحيث لا يتسع لأكثر من الواجب في الحاضرة، وذلك كله مكابرة، لمنافاته قوله عليه السلام: (بعثت بالحنيفية السمحة السهلة) (1). فروع: أ - لو ضاق وقت الحاضرة تعينت، ولا يجوز الاشتغال بالفائتة لئلا تفوت الحاضرة عند علمائنا أجمع، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، والأوزاعي، والشافعي، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد في رواية (2)، وفي أخرى: أنه يجب عليه الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة، وبه قال عطاء، والزهري، والليث، ومالك. ولا فرق بين كون الحاضرة جمعة أو غيرها، لأن الترتيب واجب (3)، وهو ممنوع. ب - الترتيب إنما يجب مع الذكر فلو صلى الحاضرة ناسيا ثم ذكر بعد الفراغ الفائتة لم يعد، أما عندنا فظاهر لأنا لا نوجب الترتيب، وأما عند القائلين بوجوبه فلأنه مشروط بالذكر عند علمائنا، ولقوله صلى الله عليه وآله: (عفي لأمتي الخطأ والنسيان) (4).

(1) الجامع الصغير 1: 486 / 3150، مسند أحمد 5: 266.
(2) الأم 1: 78، المجموع 3: 70، اللباب 1: 87، المغني 1: 679، الشرح الكبير 1: 485، مسائل أحمد: 49.
(3) المغني 1: 679، الشرح الكبير 1: 485، بداية المجتهد 1: 183، القوانين الفقهية: 72.
(4) سنن البيهقي 6: 84 (وفيه وضع)، وانظر المغني 1: 678، والشرح الكبير 1: 489.

[ 356 ]

وقال مالك، وزفر: يجب الترتيب مع النسيان أيضا (1) للحديث (2). وهو ممنوع، ويلزم منه الحرج فإنه لا ينفك من نسيان صلاة، فإذا ذكرها بعد مدة طويلة وجب قضاء الجميع. ج - لو تلبس بالحاضرة ناسيا في الوقت المتسع ثم ذكر أن عليه سابقة عليها عدل بنيته إلى السابقة، كما لو دخل في العصر فذكر أنه لم يصل الظهر فإنه يعدل بنيته ولو قبل التسليم، وكذا لو كان في العشاء فذكر أن عليه المغرب، ولو لم يمكن العدول بأن ركع في الرابعة أتم صلاته ثم صلى السابقة إن كان في الوقت المشترك، أو دخل قبل الفراغ من الأولى، ولو فرغ مما شرع فيه قبل دخول الوقت المشترك أعاد ما صلاه بعد فعل السابقة، وكذا لو كمل العصر ثم ذكر أن عليه الظهر، أو كمل العشاء ثم ذكر أن عليه المغرب فإن كان ما فعله في الوقت المشترك، أو دخل وهو فيه صحت وأتى بالسابق، فإن الترتيب إنما يجب مع الذكر، وإن كان في الوقت المختص بالسابقة أعاد بعد فعل السابقة. مسألة 61: لو دخل في الحاضرة وعليه فائتة نسيها ثم ذكر في الأثناء فإن كان الوقت ضيقا لا يفضل عن الحاضرة أتمها إجماعا منا، وإن كان الوقت متسعا فإن أمكن العدول بالنية إلى الفائتة عدل استحبابا عندنا، ووجوبا عند أكثر علمائنا (3). وقال أحمد: يتمها، ويقضي الفائتة، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها

(1) المدونة الكبرى 1: 129، المغني 1: 678، بدائع الصنائع 1: 136، الشرح الكبير 1: 489.
(2) مسند أحمد 4: 106.
(3) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم (في رسائله) 3: 38، والشيخ الطوسي في النهاية: 126، وابن البراج في المهذب 1: 126، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 150، وابن زهرة في الغنية: 500، وابن إدريس في السرائر: 59.

[ 357 ]

سواء كان إماما، أو مأموما، أو منفردا - وبه قال ابن عمر، ومالك، والليث، وإسحاق في المأموم (1) - وعن أحمد رواية أخرى أن هذا في المأموم، وأما المنفرد فإنه يقطع الصلاة ويقضي الفائتة، وبه قال النخعي، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري في السفر دون غيره (2) وقال طاوس، والحسن، والشافعي، وأبو ثور: يتم صلاته، ويقضي الفائتة لا غير (3) - كما قلناه نحن - لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * (4) إلا أن الشافعي قال: يستحب له إذا تمم صلاته وأعاد الفائتة أن يعيد صلاة الوقت بعد قضاء الفائتة، ولا تجب الاعادة (5). وقال أبو حنيفة: يجعل صلاته نفلا ركعتين، ويقضي الفائتة، ثم يصلي صلاة الوقت، فلو تمم صلاته لم تحتسب له (6). فروع: أ - لو تلبس بنافلة فذكر أن عليه فريضة أبطلها واستأنف الفريضة، ولا يجزيه العدول لفوات الشرط وهو نية الفرض. ب - لو ذكر فائتة وهناك قوم يصلون فرض الوقت جماعة فالأولى أن يصلي معهم بنية القضاء لأنا لا نشترط توافق الصلاتين مع اتحاد النظم. وقال الشافعي: الاشتغال بقضاء الفائتة منفردا أولى من الفرض لأن

(1) المغني 1: 677، الشرح الكبير 1: 484، المحرر في الفقه 1: 34 و 35، المجموع 3: 70، مسائل أحمد: 48 و 49، المدونة الكبرى 1: 132 - 133.
(2) المغني 1: 677، الشرح الكبير 1: 484.
(3) الأم 1: 78، المغني 1: 677، المجموع 3: 70.
(4) محمد: 33.
(5) المجموع 3: 70.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 154، بدائع الصنائع 1: 132.

[ 358 ]

الترتيب في قضاء الصلوات مختلف فيه، وفرض الوقت منفردا صحيح، فلو أراد أن يصلي الفائتة مع الجماعة كان فعلها منفردا أولى لأن القضاء خلف الأداء مختلف فيه أيضا، والخروج من الفرض على وجه مقطوع به أولى من فعله على وجه يكون مختلفا فيه بين العلماء (1). ج - لو شرع في الفائتة على ظن السعة فظهر الضيق، فالوجه العدول بالنية إلى الحاضرة ما دام العدول ممكنا، فإن تعذر قطعها وصلى الحاضرة ثم اشتغل بالفائتة. وقال الشافعي: يقطع الفائتة ويصلي صلاة الوقت ثم يعيد الفائتة، وله وجه: أنه يتمها ولا يقطعها (2). د - لو فاته ظهر وعصر من يومين وجهل الترتيب فالأقرب ثبوت الترتيب فيصلي الظهر مرتين بينهما العصر، أو بالعكس لأنه متمكن من أداء ما وجب عليه على هيئته فيتعين عليه ولا يمنع منه زيادة على الواجب، كما لو نسي فريضة وجهل تعيينها، ويحتمل سقوطه إذ التكليف به مع عدم العلم تكليف بما لا يطاق، والأصل براءة الذمة من الزائد فيتخير حينئذ في الاتيان بأيتهما شاء أولا. ولأحمد ثلاثة أوجه: الترتيب كما قلناه. وعدمه، ويتحرى كالقبلة عنده. وتقديم الظهر مطلقا، لأن التحري فيما فيه أمارة ولا أمارة هنا فيرجع فيه إلى ترتيب الشرع (3). وليس بجيد فإن الشارع لم يقدم أي ظهر كان على أي عصر كان.

(1) المجموع 3: 70. (2) المجموع 3: 70.
(3) المغني 1: 681، الشرح الكبير 1: 487.

[ 359 ]

ولو كان معهما مغرب من ثالث قضى الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، ثم المغرب، ثم الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، وكذا الزائد، ولو فاته مغربان من يومين نوى تقديم السابق منهما، وكذا لو فاته أيام متعددة صلى بنية تقديم السابق. ه‍ - لو فاته صلوات سفر وحضر، وجهل السابق فالوجه الاحتياط فيصلي عدد الأيام ويصلي مع كل رباعية صلاة قصر، فلو فاته شهر صلى شهرا لكن الرباعية يصليها مرتين تماما وتقصيرا وإن اتحدت إحداهما. و - لا ترتيب بين الفوائت اليومية وغيرها من الواجبات، ولا بين الواجبات أنفسها، فلو فاته كسوف وخسوف بدأ بأيهما شاء مع احتمال تقديم السابق. ز - لو تعددت المجبورات يترتب الاحتياط بترتبها، وكذا الأجزاء المنسية كالسجدة والتشهد، سواء اتحدت الصلاة أو تعددت. ح - لا تنعقد النافلة لمن عليه فريضة فائتة لعموم قوله عليه السلام: (لا صلاة لمن عليه صلاة) (1). ط - لا يعذر الجاهل بالترتيب في تركه كالركوع. وقال زفر: يعذر لأنه يسقط بالنسيان فيسقط بالجهل، كالطيب في الاحرام (2). مسألة 62: من فاتته فريضة من يوم ونسي تعيينها لعلمائنا قولان:

(1) لم نعثر عليه في المصادر التي بايدينا، وذكره الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 127، وابنا قدامة في المغني 1: 680، والشرح الكبير 1: 485.
(2) المغني 1: 681، الشرح الكبير 1: 487.

[ 360 ]

أحدهما: وجوب خمس (1)، وعليه أكثر الجمهور (2)، لأن التعيين شرط في صحة الصلاة الواجبة ولا يمكن إلا بإعادة الجميع. والثاني: وجوب صبح، ومغرب، وأربع ينوي بها ما في ذمته إن ظهرا فظهرا، وإن عصرا فعصرا، وإن عشاء فعشاء (3) - وهو الأشهر عندنا - لأن الثابت في الذمة فريضة واحدة ولا يجب سواها لكن لما اختلفت الصلوات وكانت الزيادة مبطلة، وكذا النقصان، أوجبنا المختلفة، أما المتحدة فلا يجب تكثيرها عملا بأصالة البراءة، والتعيين في النية يسقط لعدم العلم به، ولقول الصادق عليه السلام: " من نسي صلاة من صلاة يومه، ولم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين، وثلاثا، وأربعا " (4). فروع: أ - لو كانت الصلاة المنسية من يوم سفر وجب عند الأكثر (5) ثلاث وركعتان خاصة، وعند الباقين تجب الخمس - وبه قال ابن إدريس، مع أنه أوجب الثلاث في الحضر (6) - وليس بمعتمد. ب - يسقط الجهر والاخفات في الرباعية دون الثنائية والثلاثية، وفي

(1) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي: 150، وعلاء الدين علي بن أبي الفضل في إشارة السبق: 123، وابن زهرة في الغنية: 500. (2) المجموع 3: 71، المهذب للشيرازي 1: 61، المغني 1: 681، الشرح الكبير 1: 488، بدائع الصنائع 1: 133.
(3) منهم: السيد المرتضى في جمل العلم (ضمن رسائله) 3: 39، وسلار في المراسم: 91، وابن البراج في المهذب 1: 126، والشيخ في النهاية: 127، وابن إدريس في السرائر: 59، والمحقق في المعتبر: 237.
(4) التهذيب 2: 197 / 774.
(5) منهم: ابن البراج في المهذب 1: 126.
(6) السرائر: 59.

[ 361 ]

صلاة السفر تسقط في الثنائية دون الثلاثية. ج - لو كان عليه منذورة، ويومية، ونسي فعل إحداهما، فإن اتفقتا عددا صلى ذلك العدد بنية مشتركة وإلا صلاهما معا. د - لو ذكر في الأثناء التعيين عدل بنية الاطلاق إليه في الرباعية، وبنية المعين إلى الفائتة إن خالفت ما دام العدول ممكنا. ه‍ - لو فاتته معينة فاشتغل بقضائها فذكر سابقة عليها عدل بنيته - ما دام العدول ممكنا - واجبا، ولو لم يمكن العدول أتم ما نواه أولا، ثم قضى السابقة. مسألة 63: لو فاتته صلوات معلومة التعيين غير معلومة العدد صلى من تلك الصلوات إلى أن يتغلب في ظنه الوفاء، لاشتغال الذمة بالفائت، فلا تحصل البراءة قطعا إلا بذلك، ولو كانت واحدة ولا يعرف العدد صلى تلك الصلاة مكررا لها حتى يظن الوفاء. ويحتمل هنا أمران: إلزامه بقضاء المشكوك فيه فإذا قال: أعلم أني تركت ظهرا في بعض أيام شهر وصليتها في البعض الآخر، قيل له: كم المعلوم من صلاتك؟ فإذا قال: عشرة أيام كلف بقضاء ظهر عشرين لعلمنا باشتغال ذمته بالفرض فلا يسقط إلا بيقين وإلزامه بقضاء المعلوم تركه، فيقال: كم المعلوم من ترك الصلاة؟ فإذا قال: عشرة أيام وأشك في الزائد كلف قضاء العشرة خاصة، لأن الظاهر أن المسلم لا يفوت الصلاة، والأول أحوط، وكلا الوجهين للشافعية (1). ولو علم ترك صلاة واحدة من كل يوم ولا يعلم عددها ولا عينها صلى اثنين، وثلاثا، وأربعا، مكررا حتى يظن الوفاء، ولو علم أن الفائت الصلوات الخمس صلى صلوات أيام حتى يظن الوفاء، ولو فاتته صلوات سفر وحضر وجهل

(1) المجموع 3: 72.

[ 362 ]

التعيين صلى مع كل رباعية صلاة قصر ولو اتحدت إحداهما. مسألة 64: يستحب قضاء النوافل الموقتة عند علمائنا أجمع لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل عليه من صلواته النوافل ما لا يدري ما هو من كثرته فكيف يصنع؟: " يصلي حتى لا يدري كم صلى من كثرته، فيكون قد صلى بقدر ما عليه " (1)، ولأنها عبادة موقتة فاستحب قضاؤها كالفرائض، وهو أحد أقوال الشافعي (2). والثاني: لا يقضي، وبه قال أبو حنيفة قياسا على الخسوف (3). والأصل ممنوع لأنه عندنا واجب يجب قضاؤه على تفصيل يأتي، والثالث: يقضي نوافل النهار نهارا ونوافل الليل ليلا (4). ولو تعذر القضاء استحب له أن يتصدق عن كل صلاة ركعتين بمد، فإن تعذر فعن كل يوم لقول الصادق عليه السلام وقد سئل أنه لا يقدر على القضاء: " يتصدق بصدقة مد لكل مسكين مكان كل صلاة " قلت: وكم الصلاة؟ قال: " مد لكل ركعتين من صلاة الليل، وكل ركعتين من صلاة النهار " قلت: لا يقدر، قال: " مد لكل أربع " قلت: لا يقدر، قال: " مد لصلاة الليل ومد لصلاة النهار، والصلاة أفضل " (5). أما لو فاتت بمرض فإنه لا يتأكد القضاء وإن كان مستحبا لقول الصادق عليه السلام وقد سأله مرازم علي نوافل كثيرة كيف أصنع؟ قال: " اقضها " قلت: إنها كثيرة. قال: " اقضها "، قلت لا أحصيها،

(1) الكافي 3: 453 / 13، الفقيه 1: 359 / 1577، التهذيب 2: 11 / 25، المحاسن: 315 / 33.
(2) المجموع 4: 41، المبسوط للسرخسي 1: 161.
(3) المجموع 4: 42، المبسوط للسرخسي 1: 161، المغني 1: 794، فتح العزيز 4: 277.
(4) المجموع 4: 42، فتح العزيز 4: 279.
(5) الكافي 3: 453 - 454 / 13، الفقيه 1: 359 / 1577، التهذيب 2: 11 - 12 / 25، المحاسن: 315 / 33.

[ 363 ]

قال: " توخ " قلت: كنت مريضا لم أصل نافلة، فقال: " ليس عليك قضاء، إن المريض ليس كالصحيح، كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر فيه " (1). مسألة 65: والقضاء كالفوائت في الهيئة والعدد عند علمائنا أجمع، فلو فاتته صلاة حضر قضاها تماما في السفر والحضر بغير خلاف بين العلماء إلا ما حكي عن المزني أنه قال: يقضي قصرا اعتبارا بحالة الفعل، وقياسا على المريض فإنه يقضي من قعود وإن فاتته حال الصحة، وكذا فاقد الماء يقضي متيمما (2). وهو غلط فإن الأربع قد استقرت في ذمته فلا تسقط بركعتين، والمريض عاجز والقصر رخصة فاعتبر سبب الرخصة عند وجوبها. ولو فاتته صلاة سفر قضاها قصرا سفرا إجماعا، وحضرا عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك، والثوري والشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي - لأنه إنما يقضي ما فاته ولم يفته إلا ركعتان (3). وقال الأوزاعي، وداود، والشافعي في الآخر، والمزني، وأحمد: يقضيها في الحضر تماما، لأن القصر رخصة من رخص السفر فتبطل بزواله، ولأنها وجبت عليه في الحضر (4) لقوله عليه السلام: (فليصلها إذا

(1) الكافي 3: 451 / 4، الفقيه 1: 316 / 1434، التهذيب 2: 12 / 26، علل الشرائع: 362 باب 82 / 2 والذي في المصادر أنه لم يسأل مرازم إلا ما في الشطر الأخير من الحديث، وأما صدر الحديث فقد سأله إسماعيل بن جابر. فلاحظ.
(2) المجموع 4: 367، فتح العزيز 4: 458، الميزان 1: 183، كفاية الأخيار 1: 87.
(3) المجموع 4: 367، فتح العزيز 4: 459، المهذب للشيرازي 1: 110، مغني المحتاج 1: 263، الميزان 1: 183، بداية المجتهد 1: 183، المدونة الكبرى 1: 119، المغني 2: 127، اللباب 1: 109.
(4) مختصر المزني: 25، المجموع 4: 367، فتح العزيز 4: 459، مغني المحتاج 1: 263، الميزان 1: 183، كفاية الأخيار 1: 88، المغني 2: 127، مسائل أحمد: 75.

[ 364 ]

ذكرها) (1). والرخصة إنما تبطل فيما وجب في الحضر، والحديث لا دلالة فيه لقوله عليه السلام: (كما فاتته) (2). فروع: أ - لو نسيها في سفر فذكرها فيه قضاها مقصورة إجماعا، وكذا إن ذكرها في سفر آخر إذا لم يذكرها في الحضر، ولو ذكرها في الحضر فكذلك عندنا، وعند الأكثر (3)، وقال الشافعي: يلزمه تامة لأنه ذكرها تامة فثبتت في ذمته (4). والأصل ممنوع. ب - يجب الاتيان بالجهر والاخفات كالأصل، لقوله عليه السلام: (فليقضها كما فاتت) (5) وكذا يستحب لها الأذان والإقامة كما يستحبان للأصل، فإن كثر أذن لأول ورده، وأقام للبواقي، ولو لم يستحب لها الأذان لم يستحب في القضاء كعصر الجمعة وعرفه. ج - لا يستحب الاتيان بالنافلة التابعة لها إذ التنفل مشروط ببراءة الذمة من الصلاة الواجبة فإنه لا يجوز لمن عليه صلاة فريضة أن يأتي بالنافلة قضاء ولا أداء، نعم يستحب بعد الفراغ من قضاء الفرائض الاشتغال بقضاء النافلة الفائتة.

(1) صحيح البخاري 1: 154، سنن الترمذي 1: 335 / 178، سنن الدارمي 1: 280، سنن الدارقطني 1: 386 / 14، كنز العمال 7: 537 / 20143.
(2) عوالي اللآلي 3: 107 / 150.
(3) المجموع 4: 367، المغني 2: 128، المهذب للشيرازي 1: 111، حلية العلماء 2: 202.
(4) المجموع 4: 367، مختصر المزني: 25، مغني المحتاج 1: 263، كفاية الأخيار 1: 88، الميزان 1: 183، المغني 2: 127.
(5) عوالي اللآلي 3: 107 / 150.

[ 365 ]

د - لا تجوز المساواة في كيفية قضاء صلاة الخوف بل في الكمية وإن كانت في الحضر إن استوعب الخوف الوقت وإلا تمام. البحث السادس: في الجمع. مسألة 66: قد بينا فيما سلف أن لكل من الظهر والعصر وقتين: مختص ومشترك، فالمختص بالظهر من زوال الشمس إلى قدر أدائها، وبالعصر قدر أدائها في آخر الوقت، والمشترك ما بينهما، وللمغرب والعشاء وقتين فالمختص بالمغرب قدر أدائها بعد الغروب، وبالعشاء قدر أدائها عند الانتصاف، والمشترك ما بينهما فلا يتحقق معنى الجمع عندنا، أما القائلون باختصاص كل من الظهر والعصر بوقت، وكذا المغرب والعشاء فإنه يتحقق هذا المعنى عندهم. وقد ذهب إلى الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السفر ابن عباس، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو موسى الأشعري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (1) لأن ابن عباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينهما وبين العصر في وقت العصر، وكذا في المغرب والعشاء (2). وقال الحسن البصري، وابن سيرين، والنخعي، ومكحول،

(1) الأم 1: 77، المجموع 4: 370 - 371، الوجيز 1: 60، مغني المحتاج 1: 271 - 272، الميزان 1: 183، فتح العزيز 4: 489، كفاية الأخيار 1: 88، المدونة الكبرى 1: 116 - 117، بداية المجتهد 1: 172، المنتقى للباجي 1: 252، القوانين الفقهية: 81، المغني 2: 113، الشرح الكبير 2: 116، مسائل أحمد: 75.
(2) سنن البيهقي 3: 163.

[ 366 ]

وأصحاب الرأي: لا يجوز الجمع، لأن المواقيت قد ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر الواحد (1). مسألة 67: ويتخير في الجمع بين تقديم الثانية إلى الأولى وبين تأخير الأولى إلى الثانية إلا أن الأولى فعل ما هو أرفق به، فإن كان وقت الزوال في المنزل، ويريد أن يرتحل، قدم العصر إلى الظهر حتى لا يحتاج إلى أن ينزل في الطريق، وإن كان وقت الزوال في الطريق ويريد أن ينزل آخر النهار أخر الظهر، لحديث ابن عباس (2)، فإن لم يكن في أحد الأمرين غرض فالأولى التقديم، فإذا أراد تقديم الثانية إلى الأولى جاز مطلقا عندنا، واشترط الشافعي أمورا أربعة: أ - وجود السفر من أول الصلاتين إلى آخرهما، حتى لو أقام في أثناء الظهر، أو بعد الفراغ عنها قبل الشروع في العصر لم يجز أن يصلي العصر (3)، وإن نوى الإقامة بعد التلبس بالعصر لم تحتسب له عن الفرض، وهل تبطل أو تنقلب نفلا؟ قولان لأن الجمع أبيح بعلة السفر فيعتبر بقاء العلة إلى وقت الفراغ عن موجبها. ولو نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاتين قبل دخول وقت العصر، أو وصل إلى مقصده احتسب العصر له عندنا، وللشافعي وجهان: هذا أحدهما لأن الفعل وقع صحيحا فلا يبطل حكمه، والثاني: العدم (4)، لأن التقديم سوغ رخصة، فإذا زالت الشرائط قبل الوجوب لم يقع فرضا، كما لو عجل

(1) المجموع 4: 371، فتح العزيز 4: 471، الميزان 1: 183، المغني 2: 113، الشرح الكبير 2: 116، بداية المجتهد 1: 171، القوانين الفقهية: 81.
(2) سنن البيهقي 3: 163.
(3) المجموع 4: 376، فتح الوهاب 1: 72.
(4) المجموع 4: 376 - 377، الوجيز: 60 - 61، فتح الغزيز 4: 478.

[ 367 ]

زكاة ماله ثم هلك المال. ب - نية الجمع، وليست شرطا عندنا - وبه قال المزني (1) - وقال الشافعي: إنها معتبرة للاحتساب بالعصر، فلو صلى الظهر وأراد أن يصلي العصر عقيب الظهر من غير أن يكون قد نوى الجمع لم يجز، وله قولان في وقت النية: أحدهما عند افتتاح أول الصلاة، والثاني في أثناء الأولى قبل السلام، فلو شرع في الظهر فسارت السفينة في الأثناء فنوى الجمع صحت على الثاني لوجود علة الجمع وهي السفر والنية في وقتها، وعلى الأول لا يجوز لأن علة الجمع ونيته لم تكن في الابتداء (2). ج - الترتيب بأن يصلي الظهر أولا - وهو وفاق - لأن وقت العصر لم يدخل بعد وإنما جوز فعلها تبعا فلا يتقدم المتبوع (3). د - الموالاة بينهما ليست شرطا عندنا، فلو تنفل بينهما جاز - وبه قال أبو سعيد من الشافعية (4) - لأن كل واحدة منهما منفردة عن الأخرى، ولهذا جاز أن يأتم في الثانية بغير إمام الأولى. وقال الشافعي: الموالاة شرط لأن هذه رخصة جمع، وإنما سمي جمعا بالمقارنة أو المتابعة، والمقارنة ممتنعة، فتتعين المتابعة، وشرط عدم الفصل الطويل فيجوز أن يتكلم بكلمة وكلمتين وأن يقيم للثانية، فإن أطال

(1) المجموع 4: 374، مختصر المزني: 25 - 26، المهذب للشيرازي 1: 111.
(2) المجموع 4: 374، الوجيز 1: 60، فتح العزيز 4: 475، مغني المحتاج 1: 272، كفاية الأخيار 1: 88.
(3) المجموع 4: 374، الوجيز 1: 60، فتح العزيز 4: 475، مغني المحتاج 1: 272، كفاية الأخيار 1: 88.
(4) المجموع 4: 375، فتح العزيز 4: 476، المهذب للشيرازي 1: 112.

[ 368 ]

الفصل بأكثر من الإقامة لم يجز له فعل الثانية إلا في وقتها (1). ولو جمع بين الظهر والعصر فلما فرغ ذكر أنه ترك سجدتين من الظهر بطلتا، أما الظهر فلعدم السجود، وأما العصر فلأنه لم يقدم عليها الظهر، ولو أراد أن يجمع بينهما جاز. وإن علم أنهما من العصر صحت الظهر، وليس له الجمع عنده لحصول الفصل بين الصلاتين. وإن جهل من أيهما هما أخذ بأسوأ الأحوال، ففي الصلاة يجعل تركها من الظهر حتى يلزمه إعادة الصلاتين، وفي الجمع من العصر حتى لا يجوز الجمع. وأما إذا أراد تأخير الظهر إلى وقت العصر فإنه يجوز عندنا مطلقا، وشرط الشافعي أمرين: أ - نية الجمع، فلو أخر ولم ينو الجمع عصى عنده وصارت الصلاة فائتة. ب - بقاء السفر إلى وقت الجمع والفراغ منهما، فلو أخر الظهر ثم نوى الإقامة قبل أن يصليهما صارت فائتة ولا يكون لها حكم الأداء (2). ويعتبر عندنا تقديم الظهر على العصر - وهو أحد وجهي الشافعي (3) - لقوله عليه السلام: (إلا أن هذه قبل هذه) (4).

(1) المجموع 4: 375، فتح العزيز 4: 476، الوجيز 1: 60، كفاية الأخيار 1: 88، مغني المحتاج 1: 273، السراج الوهاج: 82.
(2) المجموع 4: 377، فتح العزيز 4: 478، السراج الوهاج: 83، المهذب للشيرازي 1: 112.
(3) المجموع 4: 376، مغني المحتاج 1: 273.
(4) الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) انظر الكافي 3: 276 / 5.

[ 369 ]

وأصح الوجهين عنده: جواز تقديم العصر على الظهر (1) لأن وقت الظهر قد دخل وفات، وهذا الزمان صالح للظهر لأنه لو فوت الظهر بغير نية الجمع عصى، ويجوز له فعلها في وقت العصر قبل العصر وبعدها ويجمع ويفرق، فإذا أخرها بوجه هو معذور فيه كان أولى، ونحن عندنا أن الوقت مشترك إلى أن يبقى للغروب قدر أداء العصر. مسألة 68: يجوز للحاج الجمع بين الظهرين بعرفة، وبين العشاءين بالمزدلفة لأن النبي صلى الله عليه وآله خطب يوم عرفة حين زالت الشمس ثم صلى الظهر والعصر معا، وصلى المغرب والعشاء جمعا بمزدلفة (2). وأجمع الناس عليه واختلفوا في علة الجمع، فعندنا اشتراك الوقتين، وأما الجمهور فقال الأكثر: علة الجمع السفر (3)، وقال آخرون: النسك حتى يتصل وقوفه بعرفة فلا تقطعه الصلاة عن الاشتغال بالدعاء، وفي المغرب والعشاء يتعجل حصوله بمزدلفة فإن المبيت بها من المناسك (4). وجوز الشافعي الجمع بين الظهرين للجماعة وللمنفرد، وبين العشاءين لهما (5). ومنع أبو حنيفة من الجمع بين الظهرين للمنفرد بعرفة، وجوز الجمع بين العشاءين له بمزدلفة (6).

(1) المجموع 4: 376، مغني المحتاج 1: 273.
(2) الفقيه 1: 186 / 885، صحيح البخاري 2: 201 و 202، صحيح مسلم 2: 937 / 1288.
(3) المجموع 4: 371، فتح العزيز 4: 472، عمدة القارئ 10: 11.
(4) المجموع 4: 371، فتح العزيز 4: 472، عمدة القارئ 10: 11.
(5) المجموع 8: 92، المبسوط للسرخسي 4: 15.
(6) المبسوط للسرخسي 4: 15 - 16، فتح العزيز 4: 473.

[ 370 ]

والمقيم بعرفة ومزدلفة يباح له الجمع إن علل بالنسك وإن علل بالسفر فلا. ولو أراد المسافر الجمع بين الظهرين في وقت العصر وبين العشائين في وقت المغرب جاز إن علل بالسفر، وإن علل بالنسك لم يجز لأنه يفوت الغرض المطلوب وهو اتصال الدعاء في الموقف وتعجيل الحصول بمزدلفة. مسألة 69: يجوز الجمع بين الظهرين، وكذا بين العشاءين في السفر الطويل والقصير، وهو ظاهر عندنا. وللشافعي في السفر القصير قولان: ففي القديم: الجواز - وبه قال مالك - لأن أهل مكة يجمعون وهو سفر قصير (1). والثاني: المنع - وبه قال أحمد - لأنها رخصة ثبتت لدفع المشقة فاختصت بما يجب فيه القصر كالقصر (2). ونمنع الأولى، ومنع أبو حنيفة من الجمع في السفر مطلقا (3). ولا يجوز الجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح - إجماعا - لعدم التشريك في الوقت، وهو يعطي ما ذهبنا نحن إليه، والصلاة في أول الوقت أفضل من الجمع لأن في الجمع إخلاء وقت العبادة عنها. مسألة 70: يجوز الجمع بين الظهرين في المطر، وكذا بين العشاءين.

(1) المجموع 4: 370، المهذب للشيرازي 1: 111، الوجيز 1: 60، فتح العزيز 4: 469، أقرب المسالك: 28، الشرح الصغير 1: 174، المغني 2: 116، الشرح الكبير 2: 117.
(2) المجموع 4: 370، فتح العزيز 4: 469، المهذب للشيرازي 1: 111، الوجيز 1: 60، المغني 2: 116، الشرح الكبير 2: 117.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 149، المجموع 4: 371، فتح العزيز 4: 471.

[ 371 ]

وهو قول فقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيب‍، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، وبه قال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (1) لأن عبد الله بن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وآله جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر (2). وقال أصحاب الرأي، والمزني: لا يجوز لأن المواقيت ثبتت بالتواتر (3). وقال مالك، وأحمد: إنما يجوز بين العشاءين لمشقة الظلمة ولا يجوز بين الظهرين (4). وينتقض بالليلة المقمرة. فروع: أ - يجوز تقديم العصر إلى الظهر لأجل المطر، وكذا تأخير الظهر إلى العصر عندنا، وهو القديم للشافعي - وبه قال أحمد - لأن كل عذر أباح تقديم العصر إلى الظهر أباح تأخير الظهر إلى العصر كالسفر، وفي الجديد: لا يجوز لأدائه إلى أن يجمع مع زوال العذر (5). ويمنع بطلان اللازم عندنا.

(1) المجموع 4: 384، مختصر المزني: 25، فتح العزيز 4: 479، المنتقى للباجي 1: 252، بداية المجتهد 2: 173، المغني 2: 117، الشرح الكبير 2: 118.
(2) انظر المغني 2: 118 والشرح الكبير 2: 118.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 149، المجموع 4: 381 و 384، المغني 2: 117، الشرح الكبير 2: 118.
(4) المنتقى للباجي 1: 256 - 257، بداية المجتهد 1: 173، المغني 2: 117 - 118، الشرح الكبير 2: 118، المجموع 4: 384.
(5) فتح العزيز 4: 479، المهذب للشيرازي 1: 112، المجموع 4: 380.

[ 372 ]

ب - يجوز الجمع لمنفرد في بيته، أو في المسجد، أو من كان بينه وبين المسجد ظل يمنع وصول المطر إليه، وهو أحد قولي الشافعي (1) لأن النبي صلى الله عليه وآله جمع في المطر (2) وليس بين حجرته وبين مسجده شئ، ولأن العذر إذا تعلقت به الرخصة استوى فيه وجود المشقة وعدمها كالسفر، وفي الآخر: لا يجوز، لأن الرخصة للمشقة وقد انتفت. ج - الوحل بغير مطر يبيح الجمع - وبه قال مالك، وأحمد (3) - للمشقة فجرى مجرى المطر، ولهذا جاز معه ترك الجمعة. وقال الشافع: لا يجوز لأن أذى المطر أكثر من أذى الوحل، فإن الزلق والبلل يحصلان بالمطر دون الوحل (4). د - لو نزل ثلج جاز الجمع، وشرط الشافعي نزوله ذائبا كالمطر، ولو لم يذب لم يجز إلا أن يكون كبارا (5). ه‍ - لو افتتح الظهر ولا مطر، ثم مطرت لم يجز الجمع عند الشافعي لأنه يحتاج إلى وجود العذر المبيح في جمع الصلاتين كالسفر، ونحن لما لم نشترط العذر سقط هذا عنا. قال: ولو افتتح الصلاة مع المطر ثم انقطع قبل الشروع في الثانية

(1) المجموع 4: 381، فتح العزيز 4: 479.
(2) انظر سنن أبي داود 2: 6 / 1210، سنن البيهقي 3: 166، المغني 2: 120.
(3) بداية المجتهد 1: 173، المغني 2: 119، الشرح الكبير 2: 119، المجموع 4: 383، فتح العزيز 4: 481.
(4) المجموع 4: 383، فتح العزيز 4: 481، كفاية الأخيار 1: 89، المغني 2: 119، الشرح الكبير 2: 119.
(5) فتح العزيز 4: 479.

[ 373 ]

فإنه لا يجمع إلا أن ينقطع في الأولى ثم يعود فيها فإنه يجوز (1). و - يجوز الجمع للريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة - وبه قال عمر ابن عبد العزيز (2) - لانه يجوز عندنا الجمع مطلقا، وللحنابلة وجهان (3). مسألة 71: يجوز الجمع حالة المرض والخوف وشبه ذلك - وبه قال عطاء، ومالك، وإسحاق، وأحمد (4) - لأن الجمع عندنا مطلقا جائز، ولأن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر (5)، وفي رواية: من غير خوف ولا سفر (6)، ولأن النبي صلى الله عليه وآله أمر سهلة بنت سهيل، وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر (7). وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز لأن أخبار التوقيت ثابتة فلما تترك بأمر محتمل (8)، وقد بينا نحن اشتراك الوقت. مسألة 72: ويجوز الجمع عندنا من غير عذر سفر، أو مطر،، أو

(1) المجموع 4: 378، فتح العزيز 4: 479 - 480. (2) المغني 2: 119، الشرح الكبير 2: 119.
(3) المغني 2: 119، الشرح الكبير 2: 119.
(4) المنتقى للباجي 1: 252 و 254، المغني 2: 120، الشرح الكبير 2: 117.
(5) صحيح مسلم 1: 491 / 54، سنن أبي داود 2: 6 / 1211، سنن النسائي 1: 290.
(6) صحيح مسلم 1: 489 / 705، الموطأ 1: 144 / 4، سنن أبي داود 2: 6 / 1210، سنن النسائي 1: 290.
(7) سنن الترمذي 1: 225 ذيل الحديث 128، سنن أبي داود 1: 76 / 287.
(8) المجموع 4: 383، فتح العزيز 4: 481، المبسوط للسرخسي 1: 149، المغني 2: 120، الشرح الكبير 2: 117.

[ 374 ]

خوف، أو مرض، أو غير ذلك - وبه قال ابن المنذر، وابن سيرين (1) - لأن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر، قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (2)، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا مطر (3). ومنع باقي الجمهور من ذلك، لأن أخبار التوقيت معلومة (4)، ونحن نقول به فإن الاشتراك بين الوقتين معلوم. البحث السابع: في الأحكام. مسألة 73: الصلاة عندنا تجب بأول جزء من الوقت وجوبا موسعا، وتستقر بإمكان الأداء، فلا يجب القضاء لو قصر عن ذلك - وبه قال الشافعي، وإسحاق (5) - وقال أحمد: يستقر الوجوب بإدراك جزء (6). فإذا دخل عليه وقت الصلاة وجب عليه عندنا بأول الوقت للمختار وللمعذور بأول جزء أدركه بعد زوال عذره، فإذا زال المانع من التكليف كالحيض والجنون في أثناء الوقت، أو في آخره وجبت الصلاة عليه - وبه قال

(1) المجموع 4: 384، كفاية الأخيار 1: 89، حلية العلماء 2: 207.
(2) صحيح مسلم 1: 490 / 705، سنن أبي داود 2: 6 / 1211، سنن النسائي 1: 290.
(3) صحيح مسلم 1: 491 / 54، سنن أبي داود 2: 6 / 1210. (4) المجموع 4: 384، المغني 2: 122، المبسوط للسرخسي 1: 149، بداية المجتهد 1: 173.
(5) المجموع 3: 47، المغني 1: 415، الشرح الكبير 1: 481.
(6) المغني 1: 415، الشرح الكبير 1: 481.

[ 375 ]

الشافعي (1) - لقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (2) فالتقديم والتأخير تحكم، ومن فعلها في أول الوقت فعلها بالأمر فكانت واجبة كما لو فعلها في آخره. وقال أصحاب الرأي: تجب بآخر الوقت (3) إلا أن أبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدا يقولون: تجب إذا بقي من الوقت مقدار تكبيرة (4). وزفر يقول: تجب إذا بقي من الوقت قدر الصلاة (5). وقال الكرخي: إنما يعتبر قدر التكبيرة في حق المعذورين وأما غير المعذورين فتجب بقدر أربع ركعات (6) كقول زفر عندهم أجمعين. فإذا فعلها في أول الوقت فمنهم من يقول: تقع مراعاة إن بقي على صفة التكليف إلى آخره تبينا الوجوب وإلا كانت نقلا، ومنهم من يقول: تقع نفلا وتمنع وجوب الفرض (7) وقال الكرخي: إذا فعلها وقعت واجبة لأن الصلاة تجب بآخر الوقت، أو بالدخول فيها (8). احتجوا بأنها لو كانت واجبة لما جاز تركها. ونمنع الملازمة فإن المخير يجوز تركه بشرط الاتيان ببدله. تذنيب: قال شيخنا المفيد: إن أخرها ثم اخترم (9) في الوقت قبل أدائها

(1) المجموع 3: 65، المهذب للشيرازي 1: 60، المغني 1: 414 و 415، الشرح الكبير 1: 481.
(2) الاسراء: 78.
(3) المجموع 3: 47، فتح العزيز 3: 41.
(4) بدائع الصنائع 1: 96، المجموع 3: 47.
(5) المجموع 3: 47، بدائع الصنائع 1: 96.
(6) بدائع الصنائع 1: 96. (7 و 8) حلية العلماء 2: 20. (9) المخترم: الهالك مجمع البحرين 6: 56 " خرم ".

[ 376 ]

كان مضيعا لها، وإن بقي حتى يؤديها في آخر الوقت، أو فيما بين الأول والآخر عفي عن ذنبه (1). وقال في موضع آخر: إن أخرها لغير عذر كان عاصيا ويسقط عقابه لو فعلها في بقية الوقت (2). وللشافعي وجهان فيما لو أخرها لغير عذر ومات في أثناء الوقت: العصيان لأنه ترك ما وجب عليه، وأصحهما عنده: المنع لأنه أبيح له التأخير (3). مسألة 74: تقديم الصلاة أفضل إلا في مواضع: أ - المغرب للمفيض من عرفة يستحب له تأخيرها إلى مزدلفة وإن صار إلى ربع الليل. ب - يستحب تأخير العشاء حتى يسقط الشفق. ج - المتنفل يؤخر الفرض ليصلي سبحته. د - القاضي للفرائض يستحب له تأخير الأداء إلى آخر الوقت عندنا، وعند الأكثر يجب (4). ه‍ - الظهر في الحر لمن يصلي جماعة يستحب الابراد بها لقوله عليه السلام: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) (5) ولو صلاها في منزله، أو في

(1) المقنعة: 14.
(2) حكاه المحقق في المعتبر: 134.
(3) المجموع 3: 0 5، فتح العزيز 3: 41، الوجيز 1: 33.
(4) منهم السيد المرتضى في جوابات المسائل الرسية الأولى (ضمن رسائله) 2: 364، وابن البراج في المهذب 1: 125 و 126، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 149 - 150 وابن زهرة في الغنية: 500.
(5) علل الشرائع: 247 باب 181 حديث 1، صحيح البخاري 1: 142، صحيح مسلم 1: 430 / 615، سنن الترمذي 1: 295 / 157، سنن أبي داود 1: 110 / 401، سنن النسائي 1: 248، سنن ابن ماجة 1: 222 / 677، سنن الدارمي 1: 274، الموطأ 1: 15 / 27 و 28، مسند أحمد 2: 238، مسند أبي يعلي 2: 480 / 1309، السنن المأثورة: 192 / 122.

[ 377 ]

المواضع الباردة كان التعجيل أفضل - وهو أحد وجهي الشافعي - لزوال المقتضي للتأخير. وفي الآخر: الابراد أفضل (1) للعموم (2). وهو ممنوع. و - المستحاضة ينبغي أن تؤخر الظهر لتجمع بينها وبين العصر في أوله بغسل واحد. ز - أصحاب الأعذار يستحب لهم التأخير لرجاء زوال عذرهم، وعند بعض علمائنا يجب (3)، وأما ما عدا هذه المواضع فإن المستحب التقديم - وبه قال الشافعي (4) - لقوله عليه السلام (الوقت الأول رضوان الله، والآخر عفو الله) (5). وقال أبو حنيفة: التأخير لصلاة الصبح أفضل إلا غداة مزدلفة، والتأخير بالظهر أفضل في غير الشتاء، والتأخير بالعصر أفضل إلا في يوم الغيم (6). فروع: أ - الابراد أفضل من التعجيل لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر به (7)، وهو أحد وجهي الشافعي. والثاني: التعجيل لكثرة الثواب بزيادة المشقة (8).

(1) المجموع 3: 60، فتح العزيز 3: 52، المغني 1: 434، الشرح الكبير 1: 467. (2) علل الشرائع: 247 باب 181 حديث 1، صحيح البخاري 1: 142، صحيح مسلم 1: 430 / 615، سنن النسائي 1: 248، سنن الترمذي 1: 295 / 157، سنن أبي داود 1: 110 / 401، سنن ابن ماجة 1: 222 / 677، سنن الدارمي 1: 274، الموطأ 1: 15 / 27 و 28، مسند أحمد 2: 238، مسند أبي يعلى 2: 480 / 1309، السنن المأثورة: 192 / 122.
(3) الخلاف 1: 146 مسألة 94.
(4) المجموع 3: 54، المهذب للشيرازي 1: 60.
(5) سنن الترمذي 1: 321 / 172، سنن الدارقطني 1: 249 / 20 و 21.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 146 و 147 و 148، بدائع الصنائع 1: 124 - 125.
(7) صحيح البخاري 1: 142، صحيح مسلم 1: 430 / 615، سنن أبي داود 1: 110 / 401 و 402، سنن النسائي 1: 248، سنن ابن ماجة 1: 222 / 677 - 681، الموطأ 1: 15 / 27 و 28، سنن الدارمي 1: 274، مسند أحمد 2: 238.
(8) فتح العزيز 3: 51، المجموع 3: 59.

[ 378 ]

ب - الأقرب استحاب الابراد بصلاة الجمعة لوجود المقتضي، وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: العدم لاستحباب المباكرة (1) فيكون في التأخير تطويل الأمر على الناس، وربما تأذوا في الانتظار بحر المسجد (2). ج - الأفضل في العشاء تعجيلها بعد غيبوبة الشفق - وهو أحد قولي الشافعي - للعموم، والآخر: يستحب التأخير - وبه قال أبو حنيفة (3) - لقوله صلى الله عليه وآله: (لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) (4) وفي رواية: (إلى نصف الليل) (5) وما تمناه لأمته كان أفضل من غيره. د - الأفضل في المغرب التعجيل بلا خلاف في غير حال العذر، لأن جبرئيل عليه السلام صلاها في اليومين في وقت واحد (6)، وهو يعطي ما قلناه. ه‍ - المشهور استحباب تعجيل العصر بكل حال، ذهب إليه علماؤنا - وبه قال ابن مسعود، وعمر، وعائشة، وأنس، وابن المبارك، وأهل المدينة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (7) - لأن رافع بن خديج قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) بكر: أتى الصلاة في أول وقتها. وكل من أسرع إلى شئ فقد بكر إليه. النهاية لابن الأثير 1: 148 " بكر ".
(2) المجموع 3: 60، المهذب للشيرازي 1: 60، فتح العزيز 3: 43 - 44، حلية العلماء 2: 21.
(3) المجموع 3: 55 - 56، فتح العزيز 3: 54، المهذب للشيرازي 1: 60، بدائع الصنائع 1: 126، اللباب 1: 58.
(4) سنن الترمذي 1: 310 / 167، سنن ابن ماجة 1: 226 / 691، مسند أحمد 4: 114.
(5) مستدرك الحاكم 1: 146، سنن الترمذي 1: 310 / 167.
(6) سنن أبي داود 1: 107 / 394، سنن الترمذي 1: 279 / 149.
(7) المجموع 3: 54، فتح العزيز 3: 54، المغني 1: 436، الشرح الكبير 1: 471.

[ 379 ]

فتقسم عشرة أجزاء، ثم نطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس (1). وقال أصحاب الرأي، وأبو قلابة، وابن شبرمة: الأفضل فعلها في آخر وقتها المختار (2)، لأن رافع بن خديج قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يأمر بتأخير العصر (3). ومنعه الترمذي (4). إذا ثبت هذا فالتعجيل المستحب هو أن تفعل بعد مضي أربعة أقدام بلا تأخير، ولو قدمت على هذا جاز. و - التغليس بالصبح أفضل، لما فيه من المبادرة إلى فعل الواجب، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (5)، وعن أحمد رواية أخرى: الاعتبار بالمأمومين، فإن أسفروا فالافضل الاسفار (6). وقال أصحاب الرأي: الأفضل الاسفار مطلقا (7) لقوله عليه السلام: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) (8) والمراد به التأخير إلى أن يتبين الفجر. ز - ينبغي تأخير الظهر والمغرب في الغيم ليتيقن دخول الوقت،

(1) صحيح البخاري 3: 180، صحيح مسلم 1: 435 / 625، مسند أحمد 4: 141.
(2) المغني 1: 436، الشرح الكبير 1: 471.
(3) مجمع الزوائد 1: 307.
(4) سنن الترمذي 1: 300 ذيل الحديث 159. (5) المغني 1: 439، الشرح الكبير 1: 476، الأم 1: 75، المدونة الكبرى 1: 56، المحلى 3: 190.
(6) المغني 1: 439، الشرح الكبير 1: 476.
(7) بدائع الصنائع 1: 124، المغني 1: 439، الشرح الكبير 1: 477.
(8) سنن الترمذي 1: 289 / 154، سنن أبي داود 1: 115 / 424، سنن ابن ماجة 1: 221 / 672، سنن النسائي 1: 272، سنن الدارمي 1: 277، مسند أحمد 5: 429، سنن البيهقي 1: 457، مسند الطيالسي: 129 / 959، الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 3: 23 / 1489.

[ 380 ]

ويستحب تعجيل العصر والعشاء حذرا من العوارض، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد (1). وعن ابن مسعود: تعجل الظهر والعصر، وتؤخر المغرب (2)، وقال الحسن: تؤخر الظهر (3)، وقال الشافعي: يستحب تعجيل الظهر في غير الحر، والمغرب في كل حال، وقال: متى غلب على ظنه دخول الوقت باجتهاده استحب له التعجيل (4)، وما قلناه أحوط. ح - لو أخر ما يستحب تقديمه، أو عكس لم يأثم إذا اقترن التأخير بالعزم، فإن لم يعزم أثم، ولو أخرها بحيث لا يتسع الوقت لجميعها أثم وإن اقترن بالعزم، لأن الركعة الأخيرة من جملة الصلاة فلا يجوز تأخيرها عن الوقت. مسألة 75: لو صلى قبل الوقت لم تجزئه صلاته عمدا، أو جهلا، أو سهوا، كل الصلاة، وبعضها، عند علمائنا أجمع - وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي - لأن الخطاب بالصلاة توجه إلى المكلف عند دخول وقتها فلا تبرأ الذمة بدونه (5). ولقول الصادق عليه السلام: " من صلى في غير وقت فلا صلاة له " (6).

(1) المبسوط للسرخسي 1: 148، المغني 1: 435، الشرح الكبير 1: 467، فتح العزيز 3: 60.
(2) المغني 1: 435، الشرح الكبير 1: 467. (3) المغني 1: 435، الشرح الكبير 1: 467.
(4) المجموع 3: 54 و 55، المهذب للشيرازي 1: 60، المغني 1: 435، الشرح الكبير 1: 467 و 468.
(5) عمدة القارئ 5: 5، المغني 1: 440 و 441، الشرح الكبير 1: 480.
(6) الكافي 3: 285 / 6، التهذيب 2: 140 / 547، الاستبصار 1: 244 / 868.

[ 381 ]

وروي عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزيه، ونحوه قال الحسن، والشعبي (1). وعن مالك فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق جاهلا أو ناسيا: يعيد ما كان في الوقت فإذا ذهب الوقت قبل علمه أو ذكره فلا شئ عليه (2). مسألة 76: لا يجوز التعويل في دخول الوقت على الظن مع القدرة على العلم، لقضاء العقل بقبح سلوك طريق لا يؤمن معه الضرر مع التمكن من سلوك ما يتيقن معه الامن، فإن تعذر العلم اكتفى بالظن المبني على الاجتهاد لوجود التكليف بالفعل، وتعذر العلم بوقته، فإن ظن دخول الوقت صلى، فإن استمر على ظنه، أو ظهرت صحته أجزأ، وإن انكشف فساده قبل دخول الوقت استأنف بعد الوقت. وإن دخل الوقت وهو متلبس ولو قبل التسليم أجزأ على الأقوى - واختاره الشيخ في المبسوط (3) - لأنه فعل المأمور به فخرج عن العهدة، ولقول الصادق عليه السلام: " إذا صليت وأنت ترى أنك في وقت ولم يدخل الوقت فدخل وأنت في الصلاة فقد أجزأت عنك " (4). وقال المرتضى، وابن الجنيد: يعيد على كل حال، لأنه أدى غير المأمور به فلا يجزي عن المأمور به (5)، ولقول الصادق عليه السلام: " من صلى في غير وقت فلا صلاة له " (6). والجواب: المنع من كون المأتي به غير مأمور به، ومن دخول صورة

(1) المغني 1: 441، الشرح الكبير 1: 480.
(2) المغني 1: 441، الشرح الكبير 1: 480.
(3) المبسوط للطوسي 1: 74.
(4) الكافي 3: 286 / 11، الفقيه 1: 143 / 666، التهذيب 2: 35 / 110. (5) رسائل الشريف المرتضى 2: 350، وحكاه المحقق في المعتبر: 143.
(6) الكافي 3: 285 / 6، التهذيب 2: 140 / 547، الاستبصار 1: 244 / 868.

[ 382 ]

النزاع تحت العموم لأنا نقول: إنه وقت الصلاة. وللشيخ قول آخر في النهاية ضعيف، وهو: أن من دخل قبل الوقت في الصلاة عامدا، أو ناسيا، فإن دخل ولم يفرغ منها فقد أجزأته (1). فروع: أ - لو شك في الوقت لم تجز الصلاة حتى يتيقن، أو يظن دخوله إن لم يتمكن من العلم لأصالة البقاء فيكون الدخول مرجوحا. ب - لو فقد العلم بالدخول والظن كالأعمى والمحبوس في موضع مظلم يجوز له التقليد، لتعذر علم الوقت وظنه، وهو أحد وجهي الشافعي (2)، وحكى أبو حامد عنه المنع لأن من كان من أهل الاجتهاد في شئ لا يجوز له التقليد فيه كالعالم لا يقلد في الحوادث (3)، ولو تمكن من الاجتهاد بعمل راتب له، أو درس مثلا عمل عليه ولم يجز له التقليد. ج - لو أخبره العدل بدخول الوقت عن علم ولا طريق سواه بنى عليه، ولو كان له طريق لم يعول على قوله لأن الظن بدل عن العلم فيشترط عدم الطريق إليه كالمبدل. د - لو سمع الأذان من ثقة عارف جاز أن يقلده في موضع جوازه لقوله عليه السلام: (المؤذن مؤتمن) (4)، ولا يجوز التعويل على أصوات الديكة. وقالت الشافعية: يجوز إذا عرف أن عادتها الصياح بعد الوقت (5).

(1) النهاية: 62.
(2) المجموع 3: 72، فتح العزيز 3: 58، مغني المحتاج 1: 127.
(3) فتح العزيز 3: 59، المجموع 3: 72، حلية العلماء 2: 18.
(4) التهذيب 2: 282 / 1121 وانظر سنن أبي داود 1: 143 / 517، سنن الترمذي 1: 402 / 207، مسند أحمد 2: 232، مسند الطيالسي: 316 / 2404.
(5) المجموع 3: 74، فتح العزيز 3: 58، مغني المحتاج 1: 127.

[ 383 ]

ه‍ - التعويل على المؤذن الثقة إنما هو للأعمى غير المتمكن من الاجتهاد، أو البصير كذلك. وقال بعض الشافعية: يجوز تقليد المؤذن مطلقا لأن الأذان بمنزلة الأخبار بالوقت فيجب قبوله (1)، وقال بعضهم: يجوز في الصحو دون الغيم لأنه في الصحو إنما يؤذن عن مشاهدة وعلم، وفي الغيم عن اجتهاد فيقلد في الأول دون الثاني (2). و - لو صلى المحبوس أو الأعمى من غير اجتهاد ولا تقليد أعادا الصلاة وإن وافقا الوقت، وبه قال الشافعي (3). ز - لو صلى قبل الوقت فقد بينا عدم صحتها، وهل نقع نفلا؟ الوجه: المنع لأنه لم يقصده، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: تقع نفلا لئلا يضيع عمله (4)، وليس بجيد. ح - معرفة الوقت واجبة لأن الامتثال إنما يحصل معها. مسألة 77: لا فرق في المنع من التقديم على الوقت بين الفرائض، والنوافل إلا في موضعين: أحدهما: نوافل الظهرين يوم الجمعة فإنه يجوز تقديمهما على الزوال للحاجة الداعية، وهي الشروع في الخطبة، والاستماع لها، ولأنه زمان شريف فتساوت أجزاؤه في إيقاع النوافل على ما يأتي. والثاني: صلاة الليل لشاب يمنعه من القيام بالليل رطوبة رأسه، أو

(1 و 2) المجموع 3: 74، فتح العزيز 3: 59، مغني المحتاج 1: 127.
(3) الأم 1: 72، المجموع 3: 72، فتح العزيز 3: 60، مغني المحتاج 1: 127.
(4) الوجيز 1: 40، فتح العزيز 3: 264، حلية العلماء 2: 88.

[ 384 ]

مسافر يصده سيره عن التنفل ليلا فإنه يجوز لهما تقديم نافلة الليل بعد العشاء، اختاره الشيخ (1) رحمه الله (لأنهما معذوران فجاز لهما التقديم محافظة على السنن) (2). ومنعه آخرون (3) وهو الوجه عندي لأنها عبادة موقتة فلا تفعل قبل وقتها كغيرها (من العبادات) (4)، ولأن معاوية بن وهب قال للصادق عليه السلام: رجل من مواليك يريد القيام لصلاة الليل فيغلبه النوم فربما قضى الشهر والشهرين. قال: " قرة عين له " ولم يرخص له في أول الليل، وقال: " القضاء بالنهار أفضل " (5). فروع: أ - قضاء صلاة الليل بالنهار أفضل من تقديمها في أوله. ب - لو طلع الفجر وقد صلى أربعا من صلاة الليل أتمها، وزاحم بها الفريضة، لرواية محمد بن النعمان عن الصادق عليه السلام قال: " إذا صليت أربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع الفجر أو لم يطلع " (6). أما نوافل الظهرين فإن خرج الوقت وقد صلى ركعة أتمها، وزاحم بها الفرضين، لقول الصادق عليه السلام: " فإن مضى قدمان قبل أن يصلي

(1) النهاية 61.
(2) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (م).
(3) منهم ابن إدريس في السرائر: 67.
(4) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (ش).
(5) الكافي 3: 447 / 20، الفقيه 1: 302 / 1381، التهذيب 2: 119 / 447، الاستبصار 1: 279 / 1015. (6) التهذيب 2: 125 / 475، الاستبصار 1: 282 / 1025.

[ 385 ]

ركعة بدأ بالأولى " (1). ونوافل المغرب إن خرج وقتها ولم يكملها، صلى العشاء وقضاها بعدها. ج - لو نسي ركعتين من صلاة الليل وأوتر ثم ذكرهما، قضاهما وأعاد الوتر. مسألة 78: وقت الوتر بعد صلاة الليل عند علمائنا لقوله عليه السلام: (الوتر ركعة من آخر الليل) (2) وكان النبي صلى الله عليه وآله يوتر آخر الليل (3). وقال الجمهور: وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني (4) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (الوتر جعله الله لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) (5) ونحن نقول بموجبه، فإن آخر وقت العشاء نصف الليل. فروع: أ - يجوز تقديمه على الانتصاف إذا قدم صلاة الليل للسفر، أو تعذر الانتباه، وقضاؤه من الغد أفضل. ب - لا خلاف في أن تأخيره عن صلاة الليل أفضل إلا أن الشافعي قال: إن لم تكن له عادة بالتهجد فإنه يصلي الوتر عقيب العشاء، وإن كان له عادة بذلك فالأولى أن يؤخر الوتر حتى يصلي التهجد، فإن أوتر في أول الليل

(1) التهذيب 2: 273 / 1086.
(2) صحيح مسلم 1: 518 / 752 ومسند أحمد 2: 33 و 51.
(3) صحيح مسلم 1: 512 / 745.
(4) المجموع 4: 13 و 14، المغني 1: 829، الشرح الكبير 1: 746، مغني المحتاج 1: 221، المبسوط للسرخسي 1: 150، أقرب المسالك: 23.
(5) سنن ابن ماجة 1: 369 / 1168، سنن أبي داود 2: 61 / 418، سنن الدارمي 1: 370.

[ 386 ]

ثم قام للتهجد صلى مثنى مثنى ولا يعيد الوتر، وعنه قول آخر: إن التعجيل مطلقا أفضل (1). وما ذهبنا نحن إليه أولى. ج - لو اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر، ثم ذكر، لم يعتد بالوتر عندنا - وبه قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد (2) - لأنه فعله قبل وقته وإن كان مخطئا، كما لو ظن دخول الوقت فصلى قبله. وقال أبو حنيفة: يعتد به، لأن الوقت لهما وإنما بينهما ترتيب فإذا نسيه سقط بالنسيان كترتيب الفوائت (3). د - آخر وقت الوتر طلوع الفجر لأنه آخر صلاة الليل، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر: يمتد وقته إلى أن يشتغل بفريضة الصبح (4). مسألة 79: صلاة الصبح من صلوات النهار لأن أول النهار طلوع الفجر الثاني عند عامة أهل العلم لأن الاجماع على أن الصوم إنما يجب بالنهار، والنص دل على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر (5). وحكي عن الأعمش أنها من صلاة الليل، وأن ما قبل طلوع الشمس من الليل يحل فيه الطعام والشراب (6) لقوله تعالى: * (فمحونا آية الليل وجعلنا

(1) المجموع 4: 14، فتح العزيز 4: 237 - 238.
(2) المجموع 4: 13، فتح العزيز 4: 231 و 232، بدائع الصنائع 1: 272، المغني 1: 829، الشرح الكبير 1: 746.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 150، بدائع الصنائع 1: 272، فتح العزيز 4: 232، المغني 1: 829، الشرح الكبير 1: 746.
(4) المجموع 4: 14.
(5) إشارة إلى قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) *. البقرة: 187.
(6) المجموع 3: 45.

[ 387 ]

آية النهار مبصرة) * (1) وآية النهار الشمس، وقول النبي صلى الله عليه وآله: (صلاة النهار عجماء) (2)، وقول أمية بن أبي الصلت: والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يبصر لونها يتوقد (3). ولا دلالة في الآية، لأن الآية قد تتأخر إذ لا دلالة فيها على حصر الآية فيها، ويقال: الفجر صاحب الشمس، والحديث نسبه الدارقطني إلى الفقهاء (4) ويحتمل إرادة الأكثر. وأما الشعر فحكى الخليل أن النهار هو الضياء الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس (5)، وسمي طلوع الشمس في آخر كل ليلة لمقارنتها (6) لذلك. مسألة 80: قال الشيخ في الخلاف: الصلاة الوسطى هي الظهر (7). وبه قالت عائشة، وزيد بن ثابت، وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه (8). - لأنها وسط صلوات النهار وهي مشقة لكونها في شدة الحر، ووقت القيلولة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي الظهر بالهاجرة فاشتد ذلك على

(1) الاسراء: 12.
(2) عوالي اللآلي 1: 421 / 98 ونسبه إلى الحسن البصري كل من الزمخشري في الفائق 2: 395 والهروي في غريب الحديث 1: 282 وابن الأثير في النهاية 3: 187 " عجم ".
(3) خزانة الأدب 1: 280.
(4) حكاه النووي في المجموع 3: 46، والزركشي في التذكرة في الأحاديث المشتهرة: 66 والعجلوني في كشف الخفاء 2: 36 / 1609.
(5) العين 4: 44. (6) في نسخة (ش): لمقاربتها.
(7) الخلاف 1: 294 مسألة 40.
(8) أحكام القرآن للجصاص 1: 442، المغني 1: 421، الشرح الكبير 1: 468، أحكام القرآن لابن العربي 1: 225، المجموع 3: 61.

[ 388 ]

أصحابه فنزلت * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (1) (2) وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قرأ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر (3). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام: " * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * هي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة والعصر " (4). وقال السيد المرتضى: إنها العصر (5)، وحكاه ابن المنذر عن علي عليه السلام، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وأبي سعيد، وهو قول أبي حنيفة، وابن المنذر (6) لأن عليا عليه السلام قال: " لما كان يوم الاحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي صلى الله عليه وآله: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملا الله قلوبهم وأجوافهم نارا " (7). وقال قبيصة بن ذويب: إنها المغرب، لأنها أوسط أعداد الصلوات،

(1) البقرة: 238.
(2) سنن أبي داود 1: 112 / 411.
(3) سنن أبي داود 1: 112 / 410، الموطأ 1: 138 / 25.
(4) الكافي 3: 271 / 1، الفقيه 1: 125 / 600، التهذيب 2: 241 / 954، علل الشرائع: 355 باب 67 حديث 1، معاني الأخبار: 332 / 5.
(5) رسائل الشريف المرتضى 1: 275.
(6) عمدة القارئ 18: 124، المجموع 3: 61، فتح الباري 8: 158، إرشاد الساري 7: 40، المغني 1: 421.
(7) سنن أبي داود 1: 112 / 409، سنن ابن ماجة 1: 224 / 684، سنن الدارمي 1: 280، مسند أحمد 1: 81 - 82 بتفاوت فيها.

[ 389 ]

ووقتها ضيق فنهي عن تأخيرها (1). وقال الشافعي: صلاة الصبح، وبه قال مالك وحكاه الشافعي في البويطي عن علي عليه السلام، وعبد الله بن عباس، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر أيضا (2) لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * (3) عقيب الوسطى، والقنوت مسنون في الصبح، وهو ممنوع، ولأن الفجر لا تجمع إلى ما قبلها ولا إلى ما بعدها فهي منفردة، قبلها صلاة الليل، وبعدها صلاة النهار. مسألة 81: قال الشيخ: يكره تسمية العشاء بالعتمة (4)، ولعله استند في ذلك إلى ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها العشاء فإنهم يعتمون بالابل) (5) فإنهم كانوا يؤخرون الحلب إلى أن يعتم الليل، ويسمون الحلبة العتمة، وبه قال الشافعي (6). قال الشيخ: وكذا يكره تسمية الصبح بالفجر، بل يسمى بما سماه الله تعالى في قوله: * (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) * (7) (8). وقال الشافعي: يستحب أن تسمى بأحد اسمين إما الفجر، أو الصبح

(1) المجموع 3: 61، فتح الباري 8: 158، عمدة القارئ 18: 124، أحكام القرآن للجصاص 1: 443.
(2) المجموع 3: 60، المغني 1: 421، الشرح الكبير 1: 468، الموطأ 1: 139 / 28، أحكام القرآن لابن العربي 1: 224 - 225.
(3) البقرة 238.
(4) المبسوط للطوسي 1: 75.
(5) صحيح مسلم 1: 445 / 644، سنن أبي داود 4: 296 / 4984، سنن ابن ماجة 1: 230 / 704، سنن النسائي 1: 270، مسند أحمد 2: 10.
(6) الأم 1: 74، المجموع 3: 41، المهذب للشيرازي 1: 59، السراج الوهاج: 35.
(7) الروم: 17.
(8) المبسوط للطوسي 1: 75.

[ 390 ]

لأن الله تعالى سماها فجرا، وسماها النبي صلى الله عليه وآله صبحا، ولا يستحب أن تسمى الغداة (1)، والأشبه انتفاء الكراهة، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنها المغرب، والعرب يسمونها العشاء) (2). مسألة 82: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا، وتستقر بإمكان الأداء، وهو اختيار أكثر علمائنا كالشيخ، وابن أبي عقيل (3) وبه قال الشافعي (4) لقوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (5). ولقول محمد بن مسلم قال: دخلت على الباقر عليه السلام وقد صليت الظهر والعصر، فيقول: " صليت الظهر " فأقول: نعم والعصر، فيقول: " ما صليت الظهر " فيقوم مسترسلا غير مستعجل، فيغتسل أو يتوضأ، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي العصر (6). ومن علمائنا من قال: تجب بأول الوقت وجوبا مضيقا إلا أنه متى لم يفعلها لم يؤاخذ به عفوا من الله تعالى (7). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب بآخر الوقت (8). وقد مضى تفصيل مذاهبهم (9).

(1) الأم 1: 74، المهذب للشيرازي 1: 60، المجموع 3: 46.
(2) صحيح البخاري 1: 147. (3) المبسوط للطوسي 1: 77، الخلاف 1: 276 مسألة 18، وحكى قول ابن أبي عقيل المحقق في المعتبر: 134.
(4) المجموع 3: 47، فتح العزيز 3: 41، الوجيز 1: 33.
(5) الاسراء: 78.
(6) التهذيب 2: 252 / 999، الاستبصار 1: 256 / 920.
(7) الشيخ المفيد في المقنعة: 14.
(8) المجموع 3: 47، فتح العزيز 3: 41.
(9) تقدم في المسألة 73.

[ 391 ]

فروع: أ - لو أخر حتى مضى إمكان الأداء ومات لم يكن عاصيا، ويقضي الولي لأن التقدير أنه موسع يجوز له تركه فلا يعاقب على فعل الجائز، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر: يعصي كالحج (1)، والفرق تضييق الحج عندنا، وعنده: أن آخر وقت الصلاة معلوم، فلم يكن في التأخير عذر، وآخر زمان يؤدي فيه الحج غير معلوم فكان جواز التأخير بشرط السلامة. ب - لو ظن التضييق عصى لو أخر إن استمر الظن، وإن انكشف بطلانه فالوجه عدم العصيان. ج - لو ظن الخروج صارت قضاء، فإن كذب الظن فالأداء باق. د - لو صلى عند الاشتباه من غير اجتهاد لم يعتد بصلاته وإن وقعت في الوقت. ه‍ - لو كان يقدر على درك اليقين بالصبر احتمل جواز المبادرة بالاجتهاد لأنه لا يقدر على اليقين حالة الاشتباه، وعدمه، وللشافعي كالوجهين (2). خاتمة: تارك الصلاة الواجبة مستحلا يقتل إجماعا إن كان مسلما ولد على الفطرة من غير استتابة، لأنه جحد ما هو معلوم من دين الاسلام ضرورة فيكون مرتدا، ولو تاب لم يسقط عنه القتل، وإن لم يكن مسلما لم يقتل إن كان من أهل الذمة. ولو كان مسلما عن كفر فهو مرتد لا عن فطرة يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وإلا قتل. ولو كان قريب العهد بالاسلام، أو نشأ في بادية وزعم أنه لا يعرف

(1) المجموع 3: 50، فتح العزيز 3: 41.
(2) المجموع 3: 73، الوجيز 1: 34، مغني المحتاج 1: 127، السراج الوهاج: 35.

[ 392 ]

وجوبها عليه قبل منه ومنع من العود، وعرف الوجوب. ولو كان غير مستحل لم يكن مرتدا بل يعزر على تركها، فإن امتنع عزر ثانيا، فإن امتنع عزر ثالثا، فإن امتنع قتل في الرابعة، وقال بعض علمائنا: قتل في الثالثة (1). فروع: أ - إذا ترك محرما طولب بها إلى أن يخرج الوقت، فإذا خرج أنكر عليه وأمر بقضائها، فإن لم يفعل عزر، فإن انتهى وصلى برئت ذمته، وإن أقام على ذلك حتى ترك ثلاث صلوات وعزر فيها ثلاث مرات قتل في الرابعة، ولا يقتل حتى يستتاب، ويكفن ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وميراثه لورثته المسلمين. ب - لو اعتذر عن الترك بالمرض أو الكسل لم يقبل عذره وطولب المريض بالصلاة على حسب حاله ومكنته قائما، أو جالسا، أو مضطجعا، أو مستلقيا فإن الصلاة لا تسقط عنه بحال، وإن كان لكسل الزم بها ولم يقتل منه فإن صلى وإلا عزر ثلاثا، ويقتل في الرابعة على ما قلناه لقولهم عليهم السلام: " أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (2). وقال مالك: لا يقتل حتى يحبس ثلاثا ويضيق عليه فيها، ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها، ويخوف بالقتل، فإن صلى وإلا قتل بالسيف - وبه قال حماد بن زيد، ووكيع، والشافعي (3) - لقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين

(1) قاله الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 689، المسألة 465 (صلاة الاستسقاء) وابن إدريس في السرائر: 467.
(2) أورده نصا في المبسوط 1: 129 و 7: 284، والذي عثرنا عليه في المصادر التالية "..... يقتلون في الثالثة " انظر: الكافي 7: 191 / 2، الفقيه 4: 51 / 182، التهذيب 10: 62 / 228 و 95 - 96 / 369، الاستبصار 4: 212 / 791. (3) الأم 1: 255، المجموع 3: 15، المهذب للشيرازي 1: 58، المغني 2: 297.

[ 393 ]

- إلى قوله: - فإن تابوا وأقامو الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) * (1) شرط في التخلية إقامة الصلاة فإذا لم يقم الصلاة بقى على وجوب القتل، وقال عليه السلام: (من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة) (2). وقال الزهري: يضرب، ويسجن، ولا يقتل - وبه قال أبو حنيفة (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق) (4) ولا حجة فيه لأن ترك العموم لدليل مخصص واجب، وحكي عن بعضهم ترك التعرض له (5) لأن الصلاة أمانة بينه وبين الله تعالى. وهو مدفوع بالاجماع. ج - لا يسوغ قتله مع إعتقاده التحريم بالمرة الواحدة ولا بما زاد ما لم يتخلل التعزير ثلاثا لأن الأصل حفظ النفس، وظاهر كلام الشافعي أنه يقتل بصلاة واحدة - وهو رواية عن أحمد (6) - لأنه تارك للصلاة فيقتل كتارك الثلاث، والفرق ظاهر. د - الظاهر من قول علمائنا أنه بعد التعزير ثلاثا عند ترك الفرائض الثلاث يقتل بالسيف إذا ترك الرابعة، وهو ظاهر مذهب الشافعي (7) لشبهه بالمرتد، وقال بعض الشافعية: يضرب حتى يصلي أو يموت (8).

(1) التوبة: 5.
(2) سنن ابن ماجة 2: 1339 / 4034، مسند أحمد 5: 238.
(3) المغني 2: 297، القوانين الفقهية: 50، مقدمات ابن رشد: 102.
(4) سنن الترمذي 4: 460 / 2158.
(5) الأم 1: 255، فتح العزيز 5: 290.
(6) المجموع 3: 14، المهذب للشيرازي 1: 58، الانصاف 1: 401، مقدمات ابن رشد: 100، المغني 2: 298.
(7) المهذب للشيرازي 1: 58، المغني 2: 297.
(8) المجموع 3: 15، المهذب للشيرازي 1: 58، السراج الوهاج: 102.

[ 394 ]

ه‍ - يقتل حدا ولا يكفر بذلك - وبه قال الشافعي، ومالك (1) - لقوله عليه السلام: (خمس كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) (2). وقال أحمد: يكفر بتركها، وإسلامه أن يصلي، ولو أتى بالشهادتين لم يحكم بإسلامه إلا بالصلاة - وبه قال الحسن، والشعبي، والنخعي، وأبو أيوب السجستاني، والأوزاعي، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن (3) - لقوله عليه السلام: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) (4) وهو محمول على التارك مستحلا. و - صلاة الكافر ليست إسلاما عندنا مطلقا، لأنه عبارة عن الشهادتين. وقال أبو حنيفة: إنها إسلام في دار الحرب ودار الاسلام معا (5)، وقال الشافعي: إنها إسلام في دار الحرب خاصة (6)، وسيأتي. ز - قال في المبسوط: إذا امتنع من الصلاة حتى خرج وقتها وهو قادر أنكر عليه، وأمر بأن يصليها قضاء، فإن لم يفعل عزر، فإن انتهى وصلى برئت ذمته، وإن أقام على ذلك حتى ترك ثلاث صلوات وعزر فيها ثلاث

(1) المجموع 3: 16، السراج الوهاج: 101، مغني المحتاج 1: 327، بداية المجتهد 1: 90، المغني 2: 299، مقدمات ابن رشد: 101، القوانين الفقهية: 50.
(2) الموطأ 1: 123 / 14، سنن النسائي 1: 230، سنن ابن ماجة 1: 449 / 1401، سنن أبي داود 2: 62 / 1420.
(3) المغني 2: 299، مقدمات ابن رشد: 101، بداية المجتهد 1: 90، كشاف القناع 1: 228.
(4) سنن ابن ماجة 1: 342 / 1078، سنن الدارمي 1: 280، سنن الدارقطني 2: 53 / 4 وانظر المغني 2: 299.
(5) بدائع الصنائع 7: 103، المجموع 4: 252.
(6) المجموع 4: 251، حلية العلماء 2: 169.

[ 395 ]

مرات قتل في الرابعة، لما روي عنهم عليهم السلام: " إن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة " (1) وهو يقتضي أنه لا يقتل حتى يترك أربع صلوات ويعزر ثلاثا. وظاهر مذهب الشافعي أنه يستحق القتل بترك الواحدة فإذا ضاق وقتها يقال له: إن صليت قبل خروج الوقت وإلا قتلناك بعد خروج الوقت (2). واختلف أصحابه فقال بعضهم: إذا خرج وقتها المختص وجب القتل (3)، وقال القفال: لا يقتل حتى يخرج الوقت، فتارك الظهر لا يقتل حتى تغرب الشمس (4). وهل يقتل في الحال؟ قولان: أحدهما: يمهل ثلاثة أيام رجاء لتوبته. والثاني: يقتل معجلا (5). ج - إذا اعتذر عن ترك الصلاة بالنسيان، أو بعدم المطهر قبل عذره إجماعا، ويؤمر بالقضاء فإن صلى فلا بحث، وإن امتنع لم يقتل، لأن القضاء ليس على الفور، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وله وجه أنه يقتل، لامتناعه عن الاتيان بها مع التمكن منها (6). ط - لا فرق بين تارك الصلاة وتارك شرط مجمع عليه كالطهارة، أو جزء منها كذلك كالركوع، أما المختلف فيه كإزالة النجاسة، وقراءة الفاتحة، والطمأنينة فلا شئ عليه، ولو تركه معتقدا تحريمه لزمه إعادة الصلاة، ولا يقتل بذلك لأنه مختلف فيه.

(1) لقد أشرنا إلى مصادر الحدث في فرع " ب ".
(2) المجموع 3: 14، السراج الوهاج: 101.
(3) المجموع 3: 14 - 15، فتح العزيز 5: 294 - 295.
(4) المجموع 3: 15. لم ينص فيه على اسم القفال، بل نسبه إلى الأصحاب وهكذا في فتح العزيز 5: 303 - 305.
(5) المجموع 3: 15، الأم 1: 255، مختصر المزني: 34، المهذب للشيرازي 1: 58.
(6) حلية العلماء 2: 11 - 12.

[ 397 ]

الفصل الثالث: في المكان ومباحثه ثلاثة: الأول: في ما يصلي فيه مسألة 83: تصح الصلاة في كل مكان مملوك، أو في حكمه، خال من نجاسة بغير خلاف بين العلماء. واختلف في المغصوب فذهب علماؤنا إلى بطلان الصلاة فيه اختيارا مع العلم بالغصبية، وهو قول الجبائيين، والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين (1)، لأنه فعل منهي عنه، إذ القيام والقعود، والركوع، والسجود التي هي أجزاء الصلاة تصرف في مال الغير بغير إذنه فيكون قبيحا، والنهي يدل على الفساد في العبادات. وقال أبو حنيفة، ومالك: تصح، وهو القول الثاني للشافعي، والرواية الثانية عن أحمد، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكن إنقاذه فلم ينقذه (2). وليس بجيد، إذ النهي وقع عن

(1) المغني 1: 758، الشرح الكبير 1: 513، كشاف القناع 1: 295، المجموع 3: 164، وحكى قول الجبائيين المحقق في المعتبر: 156.
(2) المجموع 3: 164، المهذب للشيرازي 1: 71، المغني 1: 758، الشرح الكبير 1: 513.

[ 398 ]

هذه التصرفات التي هي أجزاء من حقيقة الصلاة فبطلت، والصلاة حال الغرق مأمور بها، وإنقاذ الغريق مأمور به لكنه آكد فافترقا، على أنا نمنع حكم الأصل. فروع: أ - لا فرق بين غصب رقبة الأرض بأخذها، أو دعواه ملكيتها، وبين غصب المنافع بادعاء الاجارة ظلما، أو يضع يده عليها مدة، أو يخرج روشنا، أو ساباطا في موضع لا يحل له، أو يغصب راحلة فيصلي عليها، أو سفينة، أو لوحا فيجعله في سفينة ويصلي عليه. ب - لا فرق بين الجمعة وغيرها عند علمائنا لما تقدم. وقال أحمد: يصلي الجمعة في موضع الغصب، وكذا العيد، والجنازة، لأن الامام إذا صلى في موضع مغصوب فامتنع الناس فاتتهم الجمعة، ولهذا أبيحت الجمعة خلف الخوارج، والمبتدعة (1). وهو غلط، لأن صلاة الامام مع علمه باطلة فلا تفوت الجمعة بفعلها في غير الموضع، ونمنع من جواز الصلاة خلف الخوارج، والمبتدعة على ما يأتي. ج - لا فرق بين الغاصب وغيره في بطلان الصلاة سواء أذن له الغاصب أو لا، وتصح للمالك الصلاة فيه، ولا أعلم فيها خلافا إلا من الزيدية، فإنهم أبطلوا صلاته فيه للعموم. وهو خطأ. د - لو أذن المالك اختص المأذون وإن كان الغاصب، ولو أطلق الإذن

(1) المغني 1: 758 و 759، الشرح الكبير 1: 514، كشاف القناع 1: 296.

[ 399 ]

انصرف الاطلاق عرفا إلى غير الغاصب. ه‍ - لو أذن له في الدخول إلى داره والتصرف جاز له أن يصلي، لأنه من جملة التصرف، وكذا لو علم بشاهد الحال. و - تجوز الصلاة في البساتين، والصحارى وإن لم يحصل الإذن ما لم يكره المالك، لأن الإذن معلوم بالعادة، ولو كانت مغصوبة لم تصح إلا مع صريح الإذن. ز - جاهل الحكم غير معذور، وفي الناسي إشكال ينشأ من التفريط ومن سقوط القلم عنه. ح - لو أمره بعد الإذن بالخروج تشاغل به فإن ضاق الوقت خرج مصليا، ولو صلى من غير خروج لم يصح، وكذا الغاصب. ط - لو أمره بالكون فتلبس بالصلاة فأمره بالخروج مع الاتساع احتمل الاتمام لمشروعية الدخول، والقطع لأنه غير مأذون له في الصلاة صريحا وقد وجد المنع صريحا، والخروج مصليا كما في حالة التضيق (للمنع من قطع عبادة مشروعة فأشبهت المضيق) (1)، ولو أذن في الصلاة فالاتمام. ي - لا فرق بين النوافل والفرائض في ذلك كله بخلاف الصوم الواجب في المكان المغصوب فإنه سائغ، أما لو نذر قراءة القرآن فالوجه عدم الاجزاء في المكان المغصوب، وكذا أداء الزكاة، ويجزي أداء الدين، والطهارة كالصلاة في المنع، والمشتبه بالمغصوب كالمغصوب في الحكم. مسألة 84: يشترط طهارة المكان من النجاسات المتعدية إليه مما لم يعف

(1) ما بين القوسين لم يرد في نسخة (م).

[ 400 ]

عنها إجماعا منا - وبه قال أكثر العلماء (1) - لقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * (2)، ولقوله عليه السلام: (أكثر عذاب القبر من البول) (3) وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وأبي مجلز عدم اشتراط الطهارة (4) عملا بالأصل. وهو غلط. أما ما لا يتعدى كالنجاسات اليابسة فلا يشترط طهارة المكان عنها إلا موضع جبهة السجود خاصة عند أكثر علمائنا (5)، وقد أجمع كل من اشترط الطهارة على اعتبار طهارة موضع الجبهة، وهو حجة. وأما عدم اشتراط غيرها فهو الأشهر عندنا للأصل، ولأنه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة، ولقوله صلى الله عليه وآله: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) (6). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الشاذكونه (7) يصلي عليها وقد أصابتها الجنابة: " لا بأس " (8). وقال أبو الصلاح منا: يشترط طهارة مساقط أعضاء السجود (9) كالجبهة. ونمنع القياس.

(1) الشرح الكبير 1: 509.
(2) المدثر: 4.
(3) سنن ابن ماجة 1: 125 / 348، مسند أحمد 2: 326 و 388.
(4) انظر: الشرح الكبير 1: 509 (5) منهم: المفيد في المقنعة: 10، والشيخ الطوسي في المبسوط 1: 87، والمحقق في المختصر النافع: 26 (6) صحيح البخاري 1: 91، سنن الترمذي 2: 131 / 317، سنن أبي داود 1: 132 / 489، سنن ابن ماجة 1: 188 / 567، مسند أحمد 5: 145.
(7) الشاذكونه: هي بفتح الذال ثياب غلاظ مضربة تعمل باليمن، وقيل: إنها حصير صغير يتخذ للافتراش. مجمع البحرين 5: 273 " شذك ".
(8) التهذيب 1: 274 / 806، الاستبصار 1: 393 / 1500.
(9) الكافي في الفقه: 140.

[ 401 ]

وقال السيد المرتضى: يشترط طهارة المكان (1) - وبه قال الشافعي (2) - لأنه عليه السلام نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة (3)، ولا علة سوى النجاسة. ونقول بموجبه، لأنها نجاسات متعدية، أو نمنع نهي التحريم. وقال الشافعي: يشترط الطهارة في جهة الصلاة، والجوانب أيضا بحيث يكون ما يلاقي بدن المصلي وثيابه طاهرا حتى لو وقف تحت سقف يحتك به أو بجدار نجس لم تصح صلاته، وبه قال أحمد (4) وقال أبو حنيفة: لا يشترط إلا طهارة موضع القدمين، وفي رواية موضع القدمين والجبهة، ولا تضر نجاسة ما سواه إلا أن يتحرك بحركته (5). والكل ممنوع. فروع: أ - لو كان على رأسه عمامة وطرفها يسقط على نجاسة صحت صلاته عندنا، خلافا للشافعي، وأحمد في رواية، وفي أخرى: أنه لا يشترط طهارة ما تقع عليه ثيابه (6)، ولو كان ثوبه يمس شيئا نجسا كثوب من يصلي إلى

(1) حكاه عنه الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 143 - 144.
(2) المجموع 3: 151، المهذب للشيرازي 1: 68، فتح العزيز 4: 34. (3) سنن ابن ماجة 1: 246 / 746، سنن الترمذي 2: 178 / 346 انظر المهذب للشيرازي 1: 69.
(4) المجموع 3: 152، المغني 1: 750، الشرح الكبير 1: 509، فتح العزيز 4: 35.
(5) بدائع الصنائع 1: 82، فتح العزيز 4: 34، حلية العلماء 2: 49، شرح فتح القدير 1: 168.
(6) مغني المحتاج 1: 190، كفاية الأخيار 1: 56، المغني 1: 750 و 751، الشرح الكبير 1: 509.

[ 402 ]

جانبه أو حائط لا يستند إليه صحت صلاته عندنا، خلافا للشافعي، وأحمد (1). ب - قال أبو حنيفة: إن كان تحت قدميه أكثر من قدر درهم من النجاسة لم تصح صلاته، ولو وقعت ركبته أو يده على أكثر من قدر درهم صحت صلاته، ولو وضع جبهته على نجاسة تزيد على قدر الدرهم فروايتان (2)، وعند الشافعي لا تصح في الجميع (3)، وعندنا تصح في الجميع إلا موضع الجبهة فإن النجاسة إن استوعبته لم تصح صلاته وإن قلت عن الدرهم، ولو وقع ما يجزي من الجبهة على موضع طاهر والباقي على نجاسة فالأقوى عندي الجواز. ج - لو كان ما يلاقي بدنه وثيابه ظاهرا أو ما يحاذي بطنه أو صدره في السجود نجسا صحت صلاته عندنا - وبه قال أحمد، والشافعي في أحد الوجهين - لأنه لم يباشر النجاسة فصار كما لو صلى على سرير وتحته نجاسة، وفي الآخر: لا تصح (4) لأن ذلك الموضع منسوب إليه فإنه مكان صلاته، ويبطل بما لو صلى على خمرة طرفها نجس فإن صلاته تصح وإن نسبت إليه بأنها مصلاه. د - يجوز أن يصلي على بساط تحته نجاسة، أو سرير قوائمه على النجاسة وإن تحرك بحركته، وبه قال الشافعي (5)، وقال أبو حنيفة: إن تحرك

(1) المجموع 3: 152، المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 509، كشاف القناع 1: 289 و 290.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 204، بدائع الصنائع 1: 82، حلية العلماء 2: 49. (3) المجموع 3: 151 و 152، فتح العزيز 4: 34.
(4) المجموع 3: 152، مغني المحتاج 1: 190، المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 509.
(5) المجموع 3: 152، فتح العزيز 4: 35.

[ 403 ]

بحركته بطلت (1) ولا يصح ذلك في المغصوب سواء كان الساتر أو ما تحته. ه‍ - لو اشتبه موضع النجاسة لم يضع جبهته على شئ منه إن كان محصورا كالبيت والبيتين، بخلاف المواضع المتسعة كالصحاري، ولا يجوز التحري عندنا. وقال الشافعي: يتحرى إن وقع الاشتباه في بيتين، ولو اشتبه الموضع النجس من بيت أو بساط لم يتحر على أصح الوجهين (2). و - لو اضطر إلى الصلاة في المشتبه وجب تكرير الصلاة كالثوبين. مسألة 85: تكره الصلاة في أماكن: أ - معاطن الابل: وهي مباركها، سواء خلت من أبوالها أو لا عندنا لأن أبوالها طاهرة على ما تقدم (3). لقوله عليه السلام: (إذا أدركتك الصلاة وأنت في مراح الغنم فصل فيه فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتك الصلاة وأنت في معاطن الابل فاخرج منها وصل فإنها جن من جن خلقت) (4). والفرق ظاهر فإن الغنم لا يمنعه السكون في مراحها من الخشوع، والإبل يخاف نفورها فتمنعه من الخشوع والسكون، وقيل: إن عطنها مواطن الجن (5). ومنع الشافعي من الصلاة فيها مع وجود أبوالها فيها لأنها نجسة

(1) المجموع 3: 152، فتح العزيز 4: 35.
(2) المجموع 3: 153 و 154، فتح العزيز 4: 35.
(3) تقدم في المسألة 15 من كتاب الطهارة.
(4) سنن البيهقي 2: 449.
(5) فتح العزيز 4: 38 وانظر حياة الحيوان للدميري 1: 25.

[ 404 ]

عنده وقد تقدم، وسوغ الصلاة مع الخلو، وبه قال مالك، وأبو حنيفة (1) للحديث (2). وقال أحمد: لا تصح الصلاة فيها وإن خلت، وبه قال ابن عمر، وجابر ابن سمرة والحسن، وإسحاق، وأبو ثور (3) لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة فيها (4)، والنهي يدل على الفساد، وهو ممنوع لأن النهي للكراهة. ولا بأس بالصلاة في مرابض الغنم عملا بالأصل، ولقول الصادق عليه السلام: " لا بأس بالصلاة في مرابض الغنم " (5). ب - المقابر: وبه قال علي عليه السلام، وابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وابن المنذر، فإن صلى صحت سواء استقبلها، أو صلى بينها في الكراهة، والصحة، وبه قال الشافعي، ومالك (6) - لأنها بقعة طاهرة فصحت الصلاة فيها كغيرها. وقال أحمد: لا يجوز وإن تحقق طهارتها أو استقبلها - وفي صحة

(1) المجموع 3: 161، بداية المجتهد 1: 117، عمدة القارئ 4: 182، المغني 1: 753، الشرح الكبير 1: 512. (2) سنن الترمذي 2: 131 / 317، مسند أحمد 5: 145، صحيح البخاري 1: 91، سنن أبي داود 1: 132 / 489، سنن ابن ماجة 1: 188 / 567.
(3) عمدة القارئ 4: 182، المغني 1: 753، نيل الأوطار 2: 141.
(4) سنن ابن ماجة 1: 246 / 746 و 747، سنن الترمذي 2: 181 / 348، سنن النسائي 2: 56، سنن الدارمي 1: 323، مسند أحمد 2: 451 و 491 و 509، سنن أبي داود 1: 133 / 493، سنن البيهقي 2: 449.
(5) الكافي 3: 388 / 2، التهذيب 2: 22 / 868، الاستبصار 1: 395 / 1507.
(6) المجموع 3: 158، بداية المجتهد 1: 117، المغني 1: 753.

[ 405 ]

الصلاة عنه روايتان (1) - للنهي (2)، ونحن نحمله على الكراهة. ولو جعل بينه وبين القبر حائلا ولو عنزة (3)، أو بعد عشرة أذرع عن يمينه، ويساره، وقدامه زالت الكراهة، وقد روي جواز الصلاة إلى قبور الأئمة عليهم السلام في النوافل خاصة (4)، قال الشيخ: والأحوط الكراهة (5). ولو صلى على قبر كره سواء تكرر الدفن فيه ونبش أو لا، إلا أن تمازجه نجاسة متعدية فيحرم. وقال الشافعي: إن تكرر الدفن فيه ونبش بطلت صلاته، لأنه صلى على النجاسة لمخالطة صديد الموتى ولحومهم، وإن كان جديد لم ينبش كره (6) للنهي (7)، وإن لم يعلم التكرر، ولا عدمه فقولان لأصالة الطهارة وقضاء العادة بتكرر الدفن (8). وكره الاستقبال إلى القبر، إلا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه منعه (9) لقوله عليه السلام: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم

(1) المغني 1: 753، المجموع 3: 158، الشرح الكبير 1: 512.
(2) سنن النسائي 2: 67، سنن ابن ماجة 1: 246 / 746 و 747.
(3) العنزة بالتحريك: أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيه زج كزج الرمح. الصحاح 3: 887 " عنز ".
(4) كامل الزيارات: 122 / 1.
(5) المبسوط للطوسي 1: 85. (6) الأم 1: 92، المجموع 3: 158، المهذب للشيرازي 1: 70، رحمة الأمة 1: 57 نيل الأوطار 2: 137.
(7) سنن الترمذي 2: 131 / 317، سنن ابن ماجة 1: 246 / 746 و 747، سنن البيهقي 2: 329. (8 و 9) المجموع 3: 158، فتح العزيز 4: 39.

[ 406 ]

مساجد) (1) وإنما قاله تحذيرا لأمته أن يفعلوا. ج - الحمام إن علمت طهارته أو جهلت - وبه قال الشافعي (2) - لقول الصادق عليه السلام: " عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين، والماء، والحمام، والقبور، ومسان الطرق (3)، وقرى النمل، ومعاطن الابل، ومجرى الماء، والسبخ، والثلج " (4). وقال أحمد: لا تجوز الصلاة فيه (5) للنهي (6). ولو علمت نجاسته فإن لم تتعد إليه كرهت الصلاة فيه أيضا - خلافا للشافعي (7) - وإلا بطلت. وهل تكره في المسلخ؟ فيه احتمال ينشأ من علة النهي إن قلنا: النجاسة لم تكره، وإن قلنا: كشف العورة فيكون مأوى (الشيطان) (8) كره. د - بيوت الغائط لعدم انفكاكها عن النجاسة، ولو صلى صحت ما لم تتعد نجاستها إليه - وبه قال الشافعي (9) - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل

(1) الفقيه 1: 114 / 532، صحيح البخاري 1: 116، صحيح مسلم 1: 376 / 529 و 531، مسند أحمد 1: 218.
(2) حلية العلماء 2: 50، المجموع 3: 159.
(3) مسان الطرق: المسلوك منها. مجمع البحرين 6: 269 " سنن ".
(4) الكافي 3: 390 / 12، التهذيب 2: 219 / 863، الاستبصار 1: 394 / 1504.
(5) المغني 1: 753، عمدة القاري 4: 190، نيل الأوطار 2: 137.
(6) سنن ابن ماجة 1: 246 / 747، سنن البيهقي 2: 329.
(7) الأم 1: 92، المجموع 3: 159.
(8) في نسخة (ش): الشياطين. (9) المجموع 3: 162

[ 407 ]

أقوم في الصلاة فأرى بين يدي العذرة: " تنح عنها ما استطعت " (1). ولأنها لا تناسب العبادة المأمور بالتنظيف حال إيقاعها. وقال أحمد: لا تصح، ولا على سطحها (2)، وليس بجيد. ه‍ - بيوت النيران لئلا يتشبه (بعبادها) (3). و - بيوت المجوس لعدم انفكاكها من النجاسة، فإن رشت الأرض زالت الكراهة، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الصلاة في بيوت المجوس: " رش وصل " (4). ولا بأس بالبيع والكنائس مع النظافة - وبه قال الحسن البصري، وعمر ابن عبد العزيز، والشعبي، والأوزاعي (5) - لقوله عليه السلام: (أينما أدركتني الصلاة صليت) (6) وسأل عيص، الصادق عليه السلام عن البيع والكنائس يصلى فيها؟ قال: " لا بأس " (7) وقال الصادق عليه السلام: " صل فيها قد رأيتها ما أنظفها " (8). وكره ابن عباس، ومالك الكنائس من أجل الصور (9). ونحن نقول

(1) الكافي 3: 391 / 17، التهذيب 2: 376 / 1563، المحاسن: 365 / 109.
(2) المغني 1: 753 و 756، كشاف القناع 1: 294.
(3) في نسخة (م) بعبادتها.
(4) التهذيب 2: 222 / 877.
(5) المجموع 3: 158 - 159، المغني 1: 759، عمدة القارئ 4: 190 و 192.
(6) مسند أحمد 2: 222.
(7) التهذيب 2: 222 / 874.
(8) التهذيب 2: 222 / 876، والفقيه 1: 157 / 731 وفيه: " صل فيها " بدون الذيل.
(9) المجموع 3: 158، عمدة القارئ 4: 190 و 192، المغني 1: 759، المدونة الكبرى 1: 90 - 91.

[ 408 ]

بموجبه إن كان فيها صور. ز - بيوت الخمور والمسكر لعدم انفكاكها من النجاسة، ولقول الصادق عليه السلام: " لا تصل في بيت فيه خمر أو مسكر " (1). ح - جواد الطرق - وبه قال الشافعي (2) - لأنه صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة في محجة الطريق (3) ومعناه الجادة المسلوكة، وفي حديث: (عن قارعة الطريق) (4) يعني التي تقرعها الأقدام، ففاعلة هنا بمعنى مفعولة، ولقول الصادق عليه السلام: " فأما على الجواد فلا " (5) ولأنها لا تنفك غالبا عن النجاسة، ويمنع السابلة من الاستطراق. وقال أحمد: لا تصح (6) للنهي (7). وهو عندنا للكراهة. ولا بأس بالصلاة على الظواهر التي بين الجواد للأصل، ولقول الصادق عليه السلام: " لا بأس أن يصلي في الظواهر التي بين الجواد " (8) ولا فرق بين أن يكون في الطريق سالك أو لم يكن للعموم. ط - مساكن النمل لما تقدم في الحديث (9)، ولعدم انفكاكه من ضررها، أو قتل بعضها.

(1) الكافي 3: 392 / 24، التهذيب 2: 220 / 864 و 377 / 1568.
(2) المجموع 3: 162، فتح العزيز 4: 36، المهذب للشيرازي 1: 71، مغني المحتاج 1: 203.
(3) سنن ابن ماجة 1: 246 / 747، سنن البيهقي 2: 329.
(4) سنن الترمذي 2: 178 / 346، سنن ابن ماجة 1: 246 / 746.
(5) الكافي 3: 388 / 5، التهذيب 2: 220 / 865.
(6) المغني 1: 754 - 755، العدة شرح العمدة: 69، المحرر في الفقه 1: 49.
(7) سنن ابن ماجة 1: 246 / 746 و 747، سنن البيهقي 2: 329، سنن الترمذي 2: 178 / 346.
(8) الكافي 3: 389 / 10، التهذيب 5: 425 / 1475.
(9) تقدم في فرع " ج ".

[ 409 ]

ي - مرابط الخيل، والبغال، والحمير لكراهة أرواثها، وأبوالها فلا تنفك أمكنتها منها، ولقول الصادق عليه السلام: " فأما مرابط الخيل والبغال فلا " (1). يا - بطون الاودية لجواز هجوم السيل، ولأنها مجرى المياه، وكذا يكره في مجرى الماء لذلك، وللحديث، وقد سبق (2). يب - الأرض السبخة لعدم تمكن الجبهة من الأرض، قال أبو بصير: سألت الصادق عليه السلام عن الصلاة في السبخة لم تكرهه؟ قال: " لأن الجبهة لا تقع مستوية " فقلت: إن كان فيها أرض مستوية، قال: " لا بأس " (3). يج - أرض الثلج كذلك أيضا، قال داود الصيرفي: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الثلج فقال: " إن أمكنك أن لا تسجد عليه فلا تسجد، وإن لم يمكنك فسوه واسجد عليه " (4). يد - أرض الخسف كالبيداء (5)، وذات الصلاصل (6)، وضجنان (7)،

(1) التهذيب 2: 220 / 867، الاستبصار 1: 395 / 1506.
(2) تقدم في فرع " ج ".
(3) التهذيب 2: 221 / 873، الاستبصار 1: 396 / 1509.
(4) الكافي 3: 390 / 14،، الفقيه 1: 169 / 798، التهذيب 2: 310 / 1256، الاستبصار 1: 336 / 1263 وفيها عن (داود الصرمي).
(5) البيداء: اسم لأرض ملساء بين مكة والمدينة وهي إلى مكة أقرب. معجم البلدان 1: 523.
(6) اسم لموضع مخصوص في طريق مكة. مجمع البحرين 5: 407 - 408 " صلصل ".
(7) ضجنان: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة. معجم البلدان 3: 453، النهاية لابن الأثير 3: 74، القاموس المحيط 4: 243 " ضجن ".

[ 410 ]

وكذا كل موضع خسف به - وبه قال أحمد (1) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه يوم مر بالحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم) (2) وعبر علي عليه السلام من أرض بابل إلى موضع ردت له الشمس فيه وصلى (3)، وقال الصادق عليه السلام: " تكره الصلاة في ثلاثة مواطن بالطريق: البيداء وهي ذات الجيش، وذات الصلاصل، وضجنان " (4). يه - وادي الشقرة (5) واختلف علماؤنا، فقال بعضهم: إنه موضع مخصوص خسف به، وقيل: ما فيه شقائق النعمان (6) لئلا يشتغل النظر، لقول الصادق: " لا تصل في وادي الشقرة " (7). يو - المزابل، ومذابح الأنعام لعدم انفكاكها من النجاسة، ولأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: ظهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الابل، ومحجة الطريق (8). يز - أن يصلي وفي قبلته نار مضرمة - وبه قال أحمد (9) - لئلا يتشبه بعباد النار، ولقول الكاظم عليه السلام: " لا يصلح أن يستقبل المصلي

(1) المغني 1: 759، الشرح الكبير 1: 514.
(2) صحيح مسلم 4: 2285 / 2980، سنن البيهقي 2: 451، مسند أحمد 2: 72.
(3) الفقيه 1: 130 - 131 / 611، بصائر الدرجات: 237 / 1.
(4) الكافي 3: 389 / 10، التهذيب 2: 375 / 1560.
(5) شقرة: بضم الشين وسكون القاف وقيل بفتح الشين وسكون القاف. موضع في الطريق مكة. مجمع البحرين 3: 352 - 353 " شقر ".
(6) حكى القولين المحقق في المعتبر: 158.
(7) المحاسن: 366 / 115، الكافي 3: 390 / 11، التهذيب 2: 375 / 1561. (8) سنن الترمذي 2: 178 / 346، سنن ابن ماجة 1: 246 / 747، سنن البيهقي 2: 329.
(9) المغني 2: 73، الشرح الكبير 1: 663.

[ 411 ]

النار " (1) وقال عمار للصادق عليه السلام: أله أن يصلي وفي قبلته مجمرة شبه؟ قال: " نعم فإن كان فيها نار فلا يصلي فيها حتى ينحيها عن قبلته " وفي القنديل المعلق قال: " لا يصلي بحياله " (2). وفي رواية: " يجوز أن يصلي والنار، والسراج، والصورة بين يديه، إن الذي يصلي له أقرب من الذي بين يديه " (3) وجعلها الشيخ رحمه الله شاذة (4). يح - أن يصلي إلى التماثيل، والصور - وبه قال أحمد (5) - لقول محمد بن مسلم قلت: أصلي والتماثيل قدامي وأنا أنظر إليها؟ فقال: " لا إطرح عليها ثوبا ولا بأس إذا كانت على يمينك، أو شمالك، أو خلفك، أو تحت رجليك، أو فوق رأسك فإن كانت في القبلة فألق عليها ثوبا " (6). يط - قال أبو الصلاح: تكره إلى باب مفتوح، أو إنسان مواجه (7) - وبه قال أحمد (8) - وهو جيد، لاستحباب السترة بينه وبين ممر الطريق على ما يأتي.

(1) الكافي 3: 391 / 16، الفقيه 1: 162 / 763، التهذيب 2: 225 / 889، الاستبصار 1: 396 / 1511.
(2) الكافي 3: 391 / 15، الفقيه 1: 165 / 776، التهذيب 2: 225 / 888.
(3) التهذيب 2: 226 / 890، الاستبصار 1: 396 / 1512.
(4) التهذيب 2: 226 ذيل الحديث 890، والاستبصار 1: 396 ذيل الحديث 1512.
(5) المغني 2: 73، الشرح الكبير 1: 663، كشاف القناع 1: 280.
(6) الكافي 3: 391 / 20، التهذيب 2: 226 / 891، الاستبصار 1: 394 / 1502، المحاسن: 617 / 50.
(7) الكافي في الفقه: 141.
(8) المغني 2: 73، الشرح الكبير 1: 661.

[ 412 ]

ك - أن يصلي وفي قبلته مصحف مفتوح لئلا يشتغل عن الاقبال على العبادة. وعن عمار عن الصادق عليه السلام في الرجل يصلي وبين يديه مصحف مفتوح في قبلته قال: " لا " قلت: فإن كان في غلاف قال: " نعم " (1)، وهل يتعدى الحكم إلى كل ما يشغل النظر من كتاب ونقش (وغيره) (2)؟ الأقرب ذلك، ويحتمل المنع، لعدم القطع بالعلة. كا - أن يكون قبلته حائط ينز من بالوعة يبال فيها، لأنه ينبغي تعظيم القبلة فلا تناسب النجاسة، ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن مسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها فقال: " إن كان نزه من بالوعة فلا تصل فيه وإن كان من غير ذلك فلا بأس " (3)، وهل يتعدى الحكم إلى الماء النجس؟ عموم اللفظ يقضي بالمنع، لقوله عليه السلام: " وإن كان من غير ذلك فلا بأس " (4) والعلة تقضي بالمساواة لكن العلية ليست قطعية. مسألة 86: ويكره الفريضة جوف الكعبة، وتستحب النافلة عند علمائنا لأنه بالصلاة في الكعبة ربما تتعذر عليه الجماعة، والجماعة أفضل من الانفراد، ولأنه باستقبال أي جهة شاء يستدبر قبلة أخرى، ولقول أحدهما عليهما السلام: " لا تصل المكتوبة في الكعبة " (5) وهذا النهي ليس للتحريم فإنه يجوز فعل الفريضة فيها - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (6) -

(1) الكافي 3: 391 / 15، الفقيه 1: 165 / 776، التهذيب 2: 225 / 888.
(2) لم ترد في نسخة (ش). (3 و 4) الكافي 3: 388 / 4، التهذيب 2: 221 / 871.
(5) الكافي 3: 391 / 18، التهذيب 2: 376 / 1564، المقنعة: 70.
(6) الأم 1: 98، المجموع 3: 194، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 74، اللباب 1: 135، المغني 1: 757.

[ 413 ]

لقوله تعالى: * (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) * (1) ولا يمنع تحريم الطواف تحريم الصلاة، لأن الطواف به لا يحصل بطوافه فيه، والصلاة لا تجب إلى جميعه، ولأن كل بقعة جاز أن يتنقل فيها جاز أن يفترض كالمسجد. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: تجوز النافلة، ولا تجوز الفريضة (2) - وبه قال الشيخ في الخلاف (3) - لقوله تعالى: * (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (4) أي نحوه، وإذا كان فيه لم يول وجهه نحوه ولأنه مستدبر لبعضه فأشبه [ ما ] (5) إذا استدبر وهو خارجه، وقد بينا أن الصلاة لا تجب إلى جميعه، بل إنما يتوجه إلى جهة منه فيتوجه إليها وإلى ما يحاذيها دون باقي الجهات، وإذا استدبر وهو خارج لم يستقبل شيئا منه بخلاف ما لو كان فيه. وحكي عن ابن جرير الطبري أنه قال: لا يجوز فعل الفريضة والنافلة (6) لأن النبي صلى الله عليه وآله دخل البيت ولم يصل (7)، ولأن الطواف لا يجوز فيه فكذا الصلاة، ونمنع عدم صلاته عليه السلام فيه فإنه عليه السلام صلى

(1) الحج: 26.
(2) المغني 1: 757، 758، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، القوانين الفقهية: 55، الكافي في فقه أهل المدينة: 39. (3) الخلاف 1: 439 مسألة 186.
(4) البقرة: 144 و 150.
(5) زيادة يقتضيها السياق.
(6) المجموع 3: 194، حلية العلماء 2: 60.
(7) صحيح مسلم 2: 968 / 1331، سنن أبي داود 2: 214 / 2027، سنن البيهقي 2: 329.

[ 414 ]

فيه ركعتين (1)، قال بلال: ترك [ صلى الله عليه وآله ] (2) عمودا عن يمينه، وعمودا عن يساره، وثلاثة أعمدة من ورائه فإن البيت إذ ذاك على ستة أعمدة (3). والمثبت أولى من النافي. إذا عرفت هذا فاعلم أن الشافعي قال: الصلاة إن كانت فريضة فرادى أو نافلة فهي في الكعبة أفضل، لأنها أطهر موضع، وإن كانت جماعة فإن أمكنت في الكعبة فهو أفضل وإلا فالخارج أفضل (4). وقد بينا ضعفه. مسألة 87: وتكره الفريضة على ظهر الكعبة إن كان بين يديه قطعة من السطح - وبه قال أبو حنيفة (5) - لأن بين يديه بعض الكعبة فصح الاستقبال إليه كما لو كان خارجا عنها. وقال الشافعي: يجوز إن كان بين يديه سترة وإلا فلا (6) لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة على ظهر بيت الله العتيق (7) ولا علة للنهي إلا ما ذكرناه، ولأنه يصلي عليها لا إليها كالراحلة يقال: صلى عليها لا إليها، وينتقض بما لو كان قدامه سترة، وقال أحمد: لا تجوز الفريضة مطلقا لأنه لم يستقبلها (8). وهو ممنوع.

(1) سنن أبي داود 2: 214 / 2026، مسند أحمد 6: 15، سنن البيهقي 2: 328 - 329.
(2) زيادة من المصدر.
(3) صحيح البخاري 1: 134، الموطأ 1: 398 / 193، سنن أبي داود 2: 213 / 2023، مسند أحمد 2: 113 و 138، سنن النسائي 2: 63، سنن البيهقي 2: 326 - 327.
(4) الأم 1: 98 - 99، المجموع 3: 195 - 196. (5) المبسوط للسرخسي 1: 207.
(6) الأم 1: 99، المجموع 3: 198، فتح العزيز 3: 221، المبسوط للسرخسي 1: 207.
(7) سنن الترمذي 1: 178 / 346، سنن ابن ماجة 1: 246 / 746 و 747، سنن البيهقي 2: 329.
(8) المغني 1: 757.

[ 415 ]

فروع: أ - لا يشترط السترة على ما تقدم، وشرط الشافعي ستره مبنية بجص وآجر، أو بطين وآجر، أو بخشبة مسمرة لأنها كالجزء، ولهذا تدخل في (المبيع) (1)، ولو غرز عصى أو خشبة فلأصحابه قولان (2)، وكذا لو كان بين يديه آجرا معبأ. ب - روى علماؤنا أنه إذا صلى على ظهر الكعبة الفريضة استلقى على قفاه، وصلى بالايماء متوجها إلى البيت المعمور (3). والوجه: أنه يصلي قائما كما لو صلى أسفل. ج - لو صلى على موضع أعلى كجبل أبي قبيس صحت صلاته إجماعا ويتوجه إلى الكعبة. د - لو صلى داخل الكعبة استقبل أي جدرانها شاء وإن كان إلى الباب وكان مفتوحا وليس له عتبة مرتفعة، وأوجب الشافعي صلاته إلى حائط، أو باب مغلق، أو عتبة مرتفعة وإن قلت (4) وليس بمعتمد. مسألة 88: وفي جواز الصلاة وإلي جانب الرجل المصلي أو قدامه امرأة تصلي لعلمائنا قولان: أحدهما: المنع، ذهب إليه الشيخان وأبطلا صلاتهما معا (5) لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أخروهن من حيث أخرهن الله) (6) فأمر بتأخيرهن، فمن خالف وجب أن تبطل صلاته، وسئل الصادق عليه

(1) في نسخة (م): البيع.
(2) المجموع 3: 199 - 200، فتح العزيز 3: 221، المهذب للشيرازي 1: 74.
(3) وهو قول الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 441 المسألة 188 وادعى عليه إجماع الفرقة، ويدل عليه من الروايات ما في التهذيب 2: 376 / 1566، والكافي 3: 392 / 21.
(4) الأم 1: 98، المجموع 3: 195، فتح العزيز 3: 220، الوجيز 1: 38. (5) المقنعة: 25، النهاية: 100 - 101.
(6) التذكرة في الأحاديث المشتهرة: 62، كشف الخفاء 1: 69 / 156، جامع الأصول 11: 16 / 8480.

[ 416 ]

السلام عن الرجل والمرأة يصليان جميعا في بيت، والمرأة عن يمين الرجل بحذاه قال: " لا حتى يكون بينهما شبر، أو ذراع، أو نحوه " (1) ولا دلالة في الخبرين لحملهما على الاستحباب عملا بالأصل، مع منع دلالة الأول على صورة النزاع. وقال المرتضى رضي الله عنه بالكراهة، ولا تبطل به صلاة أحدهما (2) - وبه قال الشافعي، وأحمد (3) - وهو الأقوى للأصل فإن الأمر بالصلاة مطلق فلا يتقيد إلا بدليل، ولأنها لو وقفت في غير الصلاة، أو نامت مستورة، أو غير مستورة لم تبطل صلاته، وكذا لو كانت مصلية. وقال أبو حنيفة: إن وقفت إلى جنبه، أو أمامه ولم تكن المرأة في الصلاة، أو كانا في الصلاة من غير اشتراك لم تبطل صلاة واحد منهما، والشركة عنده أن ينوي الامام إمامتها، وإن اشتركا فإن وقفت بين رجلين بطلت صلاة من إلى جانبيها ولم تبطل صلاة من إلى جانب من إلى جانبيها، لأنهما حجزا بينها وبينه، فإن وقفت إلى جانب الامام بطلت صلاة الامام فتبطل صلاتهما، وصلاة كل الجماعة لبطلان صلاة الجماعة ببطلان صلاة الامام، وإن صلت أمام الرجال بطلت صلاة من يحاذيها ومن وراءها، ولم تبطل صلاة من يحاذي من يحاذيها. وتسمى هذه مسألة المحاذاة، اللهم إلا أن يكون الصف الأول نساء كله فتبطل صلاة أهل الصف الأول، والقياس أن لا تبطل صلاة أهل الصف الثاني، والثالث، لكن صلاة أهل الصفوف كلها تبطل استحسانا (4).

(1) التهذيب 2: 230 / 908، الاستبصار 1: 399 / 1523.
(2) نقله في المعتبر: 156 عن المصباح.
(3) المجموع 3: 252 و 4: 299، المهذب للشيرازي 1: 107، المغني 2: 37 - 38، الشرح الكبير 2: 67.
(4) المجموع 3: 252، اللباب 1: 81.

[ 417 ]

وتحقيق الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة أن سنة الموقف إذا خالفها لم تبطل الصلاة عند الشافعي، وتبطل عند أبي حنيفة، وعند الشافعي المخالفة منهما، وعند أبي حنيفة من الرجل دونها فلهذا بطلت صلاته دونها. فروع: أ - لا فرق عند علمائنا بين أن تكون المرأة محرما، أو زوجة، أو أجنبية، ولا بين أن تكون مصلية بصلاته، أو منفردة في التحريم والكراهة. ب - قال في المبسوط: لو صلت خلفه في صف بطلت صلاة من على يمينها، وشمالها، ومن يحاذيها من خلفها، ولا تبطل صلاة غيرهم، وإن صليت بجنب الامام بطلت صلاتها وصلاة الامام، ولا تبطل صلاة المأمومين الذين هم وراء الصف الأول (1). ج - لو كانت بين يديه أو إلى أحد جانبيه قاعدة لا تصلي، أو من خلفه وإن كانت تصلي لم تبطل صلاة واحد منهما. د - لو اجتمعا في محمل صلى الرجل أولا أو المرأة، ولا يصليان معا دفعة واحدة. ه‍ - لو كان بينهما ساتر، أو بعد عشرة أذرع صحت صلاتهما وإن كانت متقدمة، وفي الحديث: " شبرا أو ذراع " (2). و - الأقرب اشتراط صحة صلاة المرأة لولاه في بطلان الصلاتين، فلو

(1) المبسوط للطوسي 1: 86.
(2) التهذيب 2: 230 / 908، الاستبصار 1: 399 / 1523.

[ 418 ]

صلت الحائض، أو غير المتطهرة وإن كانت نسيانا لم تبطل صلاته، وفي الرجوع إليها حينئذ نظر. ز - ليس المقتضي للتحريم النظر لجواز الصلاة وإن كانت قدامه عارية فيمنع الأعمى، ومن غمض عينيه. ح - لو صلت المرأة خلف الرجل صحت صلاتها معه، وبه قال الشافعي، وغيره من الفقهاء (1)، إلا أبا حنيفة، وصاحبيه (2). مسألة 89: يستحب أن يصلي إلى سترة فإن كان في مسجد، أو بيت صلى إلى حائط، أو سارية، وإن صلى في فضاء أو طريق صلى إلى شئ شاخص بين يديه، أو ينصب بين يديه عصى، أو عنزة، أو رحلا، أو بعيرا معقولا بلا خلاف بين العلماء في ذلك، ولأن النبي صلى الله عليه وآله كان تركز له الحربة فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه، وركزت له العنزة فتقدم، وصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع (3). ولا يتقدر بقدر بل الأولى بلوغها ذراعا فما زاد، وقال الثوري، وأصحاب الرأي: قدرها ذراع (4). وقال مالك، والشافعي: قدر عظم الذراع (5). وعن أحمد روايتان (6)، ولا حد لها في الغلظ والدقة إجماعا،

(1) المجموع 4: 301، المهذب للشيرازي 1: 106، المغني 2: 37، الشرح الكبير 2: 67، المبسوط للسرخسي 1: 183.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 183، المغني 2: 38، الشرح الكبير 2: 67، حلية العلماء 2: 181.
(3) صحيح البخاري 1: 133 و 135، صحيح مسلم 1: 359 / 501 - 502 و 360 / 503، مسند أحمد 4: 308 و 309.
(4) عمدة القارئ 4: 277، المغني 2: 68، الشرح الكبير 1: 659. (5) المدونة الكبرى 1: 113، المغني 2: 68، الشرح الكبير 1: 659.
(6) المغني 2: 68، الشرح الكبير 1: 659.

[ 419 ]

فإنه يجوز الاستتار بالسهم، والخشبة، والحائط، نعم ما كان أعرض فهو أولى. فروع: أ - يستحب أن يدنو من سترته، لقوله عليه السلام: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته) (1) ولأنه أصون لصلاته وأبعد من حيلولة المار به، وقدره الشافعي بثلاثة أذرع (2). ب - يجوز أن يستتر بالبعير والحيوان - وبه قال أحمد (3) - لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعرض راحلته ويصلي إليها (4)، ومنع الشافعي من الاستتار بالدابة (5). ج - لو لم يجد سترة خط خطا وصلى إليه - وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، وأحمد (6) - لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (فإن لم تكن معه عصى فليخط خطا ثم لا يضره من مر أمامه) (7)، وأنكر مالك، والليث بن سعد، وأبو حنيفة الخط (8) وقال الشافعي بالخط بالعراق، وقال بمصر: لا يخط المصلي خطا

(1) سنن أبي داود 1: 185 / 695، سنن النسائي 2: 62، مسند أحمد 4: 2.
(2) المجموع 3: 247، المهذب للشيرازي 1: 76، مغني المحتاج 1: 200، المغني 2: 70، الشرح الكبير 1: 660.
(3) المغني 2: 70، الشرح الكبير 1: 660.
(4) صحيح البخاري 1: 135، صحيح مسلم 1: 359 / 502.
(5) المجموع 3: 248، المغني 2: 70، الشرح الكبير 1: 660.
(6) المغني 2: 71، الشرح الكبير 1: 661، مسائل أحمد: 44.
(7) سنن أبي داود 1: 183 / 689، سنن ابن ماجة 1: 303 / 943.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 192، المغني 2: 71، الشرح الكبير 1: 661.

[ 420 ]

إلا أن تكون فيه سنة تتبع (1)، والظاهر أنه بالعرض، وهو رواية عن أحمد، وعنه أنه كالهلال، وعنه أنه بالطول، وعنه أنه بالتدوير (2). د - لو كان معه عصى لا يمكنه نصبها ألقاها بين يديه عرضا - وبه قال الأوزاعي، وسعيد بن جبير، وأحمد (3) - لأنه يقوم مقام الخط، بل هو أولى لارتفاع حجمه، وكرهه النخعي (4). ه‍ - قال أحمد: يستحب إذا صلى إلى عمود، أو عود أن ينحرف عنه ويجعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر ولا يجعله وسطا (5). وهو ممنوع. و - يكره أن يصلي إلى من يتحدث قدامه لئلا يشتغل بحديثهم، وكره ابن مسعود، وسعيد بن جبير الصلاة إلى النائم في الفريضة والنافلة (6)، وكره أحمد [ في ] الفريضة خاصة (8). ز - ولا بأس بأن يصلي الرجل في مكة إلى غير سترة، الآن النبي صلى الله عليه وآله صلى هناك وليس بينه وبين الطواف سترة (9)، ولأن الناس يكثرون هناك لأجل قضاء نسكهم، وسميت بكة لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون ويدفع بعضهم بعضا، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه ضاق على الناس، وحكم الحرم كله كذلك لأن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار

(1) المغني 2: 71، الشرح الكبير 1: 661. (2) المغني 2: 71، الشرح الكبير 1: 662، مسائل أحمد: 44. (3 - 5) المغني 2: 72، الشرح الكبير 1: 662.
(6) المغني 2: 72 الشرح الكبير 1: 663.
(7) الزيادة يقتضيها السياق.
(8) المغني 2: 72، الشرح الكبير 1: 663.
(9) سنن أبي داود 2: 211 / 2016، مسند أحمد 6: 399.

[ 421 ]

أتان (1)، والنبي صلى الله عليه وآله يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار (2). ولأنه محل المشاعر، والمناسك. ح - وليست السترة شرطا، ولا واجبة بالاجماع، لأن النبي صلى الله عليه وآله أتى نادي العباس فصلى إلى غير سترة (3)، وللأصل. ط - سترة الامام سترة لمن خلفه إجماعا، لأن النبي صلى الله عليه وآله صلى إلى سترة ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى (4). ى - لو كانت السترة مغصوبة لم يأت بالمأمور به شرعا. مسألة 90: الفريضة في المسجد أفضل إجماعا لأن النبي صلى الله عليه وآله واظب على ذلك وحث عليه (5)، وقال علي عليه السلام: " صلاة في البيت المقدس بألف صلاة، وصلاة في المسجد الأعظم بمائة صلاة، وصلاة في مسجد القبيلة بخمس وعشرين صلاة، وصلاة في مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة " (6). ولأنه موضع العبادة، وموضوع لها فكان فعلها فيه أولى، وأما النافلة فإنها في المنزل أفضل، خصوصا نافلة الليل، لأن العبادة في السر أبلغ في الاخلاص، وقال عليه السلام: (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) وجاء رجال يصلون بصلاته عليه السلام فخرج مغضبا، وأمرهم أن يصلوا النوافل

(1) الأتان بالفتح: الأنثى من الحمير. مجمع البحرين 6: 197 " أتن ".
(2) صحيح البخاري 1: 132، صحيح مسلم 1: 361 / 504، سنن أبي داود 1: 190 / 715، الموطأ 1: 155 / 38.
(3) سنن أبي داود 1: 191 / 718، سنن الدار قطني 1: 369 / 9.
(4) سنن أبي داود 1: 188 / 708. (5) التهذيب 3: 25 / 87 وانظر صحيح مسلم 1: 452 / 653 و 459 / 649.
(6) الفقيه 1: 152 / 703، التهذيب 3: 253 / 98، ثواب الأعمال: 51 / 1، المحاسن: 55 / 84 و 57 / 89 - 91.

[ 422 ]

في بيوتهم (1). البحث الثاني: في المساجد مسألة 91: يستحب اتخاذ المساجد، لقوله تعالى: * (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) * (2) الآية، وقال الصادق عليه السلام: " من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " (3). ولا يجوز اتخاذها في المواضع المغصوبة، ولا في الطرق المسلوكة المضرة بالمارة، ولا بأس بوضعه على بئر الغائط إذا طم وانقطعت رائحته لزوال المانع، ولقول الباقر عليه السلام وقد سئل عن المكان يكون حشا، ثم ينظف ويجعل مسجدا قال: " يطرح عليه من التراب حتى يواريه فهو أطهر " (4) ومنع أحمد من الصلاة على سطح الحش (5). ولو كانت الأرض نجسة فطينها بطين طاهر، أو بسط عليها شيئا طاهرا صحت الصلاة - وبه قال طاوس، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق (6) - وعن أحمد روايتان، للعموم (7)، واحتج أحمد بأنها مدفن النجاسة أشبهت المقبرة (8)، وهو ممنوع. ولا يجوز تطيين المسجد بطين نجس، ولا تطبيقه بطوابيق نجسة، ولا

(1) صحيح مسلم 1: 539 / 781، سنن النسائي 3: 198.
(2) التوبة: 18.
(3) المحاسن: 55 / 85.
(4) الكافي 3: 368 / 2، التهذيب 3: 259 / 727، الاستبصار 1: 441 / 1701.
(5) المغني 1: 756، الشرح الكبير 1: 515.
(6) المجموع 3: 153، المهذب للشيرازي 1: 69، المغني 1: 759، الشرح الكبير 1: 510. (7 و 8) المغني 1: 759، الشرح الكبير 1: 510.

[ 423 ]

بناؤه بلبن نجس أو آجر نجس للمنع من إدخال النجاسة إليها. مسألة 92: يستحب اتخاذها جما، ويكره أن تكون مشرفة لأن عليا عليه السلام رأى مسجدا قد شرف فقال: " كأنه بيعة " وقال: " إن المساجد تبنى جما " (1). ويكره أن تكون مظللة، قال الحلبي: سألته عن المساجد المظللة يكره القيام فيها؟ قال: " نعم، ولكن لا يضركم الصلاة فيها اليوم، ولو كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك " (2). ويكره اتخاذ المحاريب فيها، لأن عليا عليه السلام كان يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد ويقول: " كأنها مذابح اليهود " (3). وينبغي وضع الميضاة على أبوابها لا داخلها لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشرائكم وبيعكم، واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم) (4). وينبغي وضع المنارة مع حائطها لا في وسطها، ولا ترفع عليه، لأن عليا عليه السلام مر على منارة طويلة فأمر بهدمها ثم قال: " لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد " (5)، ولئلا يشرف المؤذن على الجيران. مسألة 93: والاتيان إلى المساجد مستحب، مندوب إليه، مرغب فيه، إذ القصد بالعمارة إيقاع العبادة فيها، واجتماع الناس في

(1) الفقيه 1: 153 / 709، التهذيب 3: 253 / 697، علل الشرائع: 320 باب 8.
(2) الكافي 3: 368 / 4، الفقيه 1: 152 / 706، التهذيب 3: 253 / 695.
(3) الفقيه 1: 153 / 708، التهذيب 3: 253 / 696، وعلل الشرائع: 320 باب 7.
(4) التهذيب 3: 254 / 702. وانظر سنن ابن ماجة 1: 247 / 750.
(5) الفقيه 1: 155 / 723، التهذيب 3: 256 / 710.

[ 424 ]

الصلوات، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أو علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو يسمع كلمة تدله على الهدى، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء " (1) وقال الصادق عليه السلام: " من مشى إلى المسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبحت له الأرض إلى الأرضين السابعة " (2). ويشتد الاستحباب في المساجد المعظمة كمسجد الكوفة، وقال الصادق عليه السلام: " يا هارون بن خارجة كم بينك وبين مسجد الكوفة، يكون ميلا؟ " قلت: لا، قال: " أفتصلي فيه الصلوات كلها؟ " قلت: لا فقال: " أما أنا لو كنت حاضرا بحضرته لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة، وتدري ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح، ولا نبي إلا وقد صلى في مسجدكم، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسرى الله به، قال له جبرئيل عليه السلام: أتدري أين أنت يا رسول الله الساعة؟ أنت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربي عزوجل حتى آتيه فأصلي فيه ركعتين فاستأذن له، وأن ميمنته لروضة من رياض الجنة، وأن وسطه لروضة من رياض الجنة، وأن مؤخره لروضة من رياض الجنة، وأن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة، وأن النافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاة، وأن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لاتوه ولو حبوا " (3).

(1) الفقيه 1: 153 / 714، التهذيب 3: 248 / 681، ثواب الأعمال: 46 / 1، الخصال : 409 / 10، أمالي الطوسي 2: 46 - 47، أمالي الصدوق: 318 / 16.
(2) الفقيه 1: 152 / 702، التهذيب 3: 255 / 706، ثواب الأعمال: 46 / 1.
(3) الكافي 3: 490 / 1، التهذيب 3: 250 / 688، أمالي الصدوق: 315 / 4، المحاسن: 56 / 86، كامل الزيارات: 28 / 6، أمالي الطوسي 2: 43.

[ 425 ]

وجاء علي بن الحسين عليهما السلام إلى مسجد الكوفة عمدا من المدينة فصلى فيه ركعتين ثم عاد حتى ركب راحلته وأخذ الطريق (1). وقال الصادق عليه السلام: " جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فرد عليه السلام، فقال: جعلت فداك إني أردت المسجد الأقصى فأردت أن أسلم عليك وأودعك، فقال له: فأي شئ أردت بذلك؟ فقال: الفضل جعلت فداك، قال: فبع راحلتك، وكل زادك، وصل في هذا المسجد فإن الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة والنافلة عمرة مبرورة، والبركة منه علي إثني عشر ميلا، يمينه يمن، ويساره مكر، وفي وسطه عين من دهن وعين من لبن، وعين من ماء شراب للمؤمنين، وعين من ماء طهر للمؤمنين، منه سارت سفينة نوح عليه السلام، وكان فيه نسر، ويغوث، ويعوق، صلى فيه سبعون نبيا، وسبعون وصيا أنا أحدهم، ومال بيده على صدره: ما دعى فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا أجابه الله وفرج عنه كربته " (2). وكذا يستحب قصد مسجد السهلة، قال الصادق عليه السلام وذكر مسجد السهلة، فقال: " أما أنه منزل صاحبنا إذا قام بأهله " (3) وقال الصادق عليه السلام: " بالكوفة مسجد يقال له: مسجد السهلة، لو أن عمي زيد أتاه فصلى فيه واستجار الله لأجار له الله عشرين سنة، فيه مناخ الراكب بيت إدريس النبي عليه السلام، وما أتاه مكروب قط فصلى ما بين العشائين فدعا الله عزوجل إلا فرج الله كربته " (4).

(1) التهذيب 6: 32 / 59.
(2) الكافي 3: 491 / 2، التهذيب 3: 251 / 689، كامل الزيارات: 32 / 18.
(3) الكافي 3: 495 / 2، التهذيب 3: 252 / 692.
(4) الكافي 3: 495 / 3، التهذيب 3: 252 / 693.

[ 426 ]

وقال الباقر عليه السلام: " بالكوفة مساجد ملعونة، ومساجد مباركة، فأما المباركة فمسجد غني، والله إن قبلته لقاسطة، وإن طينته لطيبة، ولقد وضعه رجل مؤمن، ولا تذهب الدنيا حتى تنفجر عنده عينان، وتكون عليه جنتان، وأهله ملعونون، وهو مسلوب منهم. ومسجد بني ظفر - وهو مسجد السهلة - ومسجد الحمراء، ومسجد جعفى، وليس هو مسجدهم اليوم، قال: درس، وأما المساجد الملعونة: فمسجد ثقيف، ومسجد الأشعث، ومسجد جرير ومسجد سماك، ومسجد الحمراء بني على قبر فرعون من الفراعنة " (1). وقال الباقر عليه السلام: " جددت أربعة مساجد بالكوفة فرحا بقتل الحسين عليه السلام: مسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث بن ربعي " (2). ويكره للنساء الاتيان إلى المساجد لما فيه من التبرج المنهي عنه، قال الصادق عليه السلام: " خير مساجد نسائكم البيوت " (3) ويكره تمكين الصبيان والمجانين من الدخول إليها لعدم انفكاكهم عن النجاسة، ولما تقدم في الحديث (4). مسألة 94: ويستحب للداخل أن يقدم رجله اليمنى دخولا، واليسرى خروجا لأن اليمنى أشرف. ويتعاهد نعله عند الدخول تنزيها لها عن الاقذار، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم) ونهى أن ينتعل الرجل وهو قائم (5) وخلع نعله يوما فخلع الصحابة فقال:

(1) الكافي 3: 489 / 1، التهذيب 3: 249 / 685، الخصال: 300 / 75.
(2) الكافي 3: 490 / 2، التهذيب 3: 250 / 687.
(3) الفقيه 1: 154 / 719، التهذيب 3: 252 - 253 / 694.
(4) التهذيب 3: 254 / 702 وانظر سنن ابن ماجة 1: 247 / 750، وتقدم في المسألة 92.
(5) التهذيب 3: 255 - 256 / 709 وكنز العمال 7: 663 / 20799 (نقلا عن الطبراني في الكبير) =

[ 427 ]

(إن أخي جبرئيل أخبرني أنها قذرة) (1). ويستحب الطهارة، والدعاء دخولا، وخروجا، قال الباقر عليه السلام: " إذا دخلت المسجد وأنت تريد أن تجلس فلا تدخله إلا طاهرا، وإذا دخلته فاستقبل القبلة، ثم ادع الله واسأله، وسم حين تدخله، واحمد الله وصل على النبي صلى الله عليه وآله " (2) قال سماعة: إذا دخلت المسجد فقل: بسم الله، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله، وصلاة ملائكته على محمد وآل محمد، والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته، رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك. وإذا خرجت فقل مثل ذلك (3). ويستحب تلاوة القرآن في المساجد، والمداومة عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كان القرآن حديثه، والمسجد بيته، بنى الله له بيتا في الجنة) (4). وينبغي لمن أكل شيئا من المؤذيات - كالثوم، والبصل - تجنب المساجد لئلا يؤذي غيره برائحته، قال علي عليه السلام: " من أكل شيئا من المؤذيات فلا يقربن المسجد " (5). مسألة 95: يستحب كنس المساجد لما فيه من التنظيف، وتعظيم مشاعر العبادات، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كنس المسجد يوم

= وسنن الترمذي 4: 243 / 1776. (1) سنن أبي داود 1: 175 / 650، سنن الدارمي 1: 320، سند أحمد 3: 92.
(2) التهذيب 3: 263 / 743.
(3) التهذيب 3: 263 / 744.
(4) التهذيب 3: 255 / 707.
(5) التهذيب 3: 255 / 708.

[ 428 ]

الخميس وليلة الجمعة فأخرج من التراب ما يذر في العين غفر الله له) (1). ويستحب الاسراج فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة، وحملة العرش يستغفران له ما دام في المسجد ضوء من ذلك) (2). ويكره إنشاد الشعر فيها، وتعريف الضوال، وإقامة الحدود، ورفع الصوت، والبيع، والشراء، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا: فض الله فاك إنما نصبت المساجد للقرآن) (3) وقال الصادق عليه السلام: " جنبوا مساجدكم البيع، والشراء، والمجانين، والصبيان، والأحكام، والضالة، والحدود، ورفع الصوت " (4). ويكره إخراج الحصى منها فإن أخرج أعيد، قال الباقر عليه السلام: " إذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها، أو في مسجد آخر فإنها تسبح " (5). ويكره البصاق فأن فعل غطاه بالتراب، قال علي عليه السلام: " البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه " (6). ويكره قتل القمل فإن فعل غطاه بالتراب، ويكره الطهارة فيها من البول

(1) الفقيه 1: 152 / 701، التهذيب 3: 254 / 703، ثواب الأعمال: 51 / 1، أمالي الصدوق: 405 / 15.
(2) الفقيه 1: 154 / 717، التهذيب 3: 261 / 733، ثواب الأعمال: 49 / 1، المحاسن: 57 / 88.
(3) الكافي 3: 369 / 5، التهذيب 3: 259 / 725.
(4) الفقيه 1: 154 / 716، التهذيب 3: 249 / 682، علل الشرائع: 319 باب 6، الخصال: 410 / 13.
(5) الفقيه 1: 154 / 718، التهذيب 3: 256 / 711، علل الشرائع: 320 الباب 9 الحديث 1.
(6) التهذيب 3: 256 / 712، الاستبصار 1: 442 / 1704.

[ 429 ]

والغائط لأن الصادق عليه السلام كرهه منهما (1). ويكره النوم فيها، لأن الشحام سأل الصادق عليه السلام عن قوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (2) قال: " سكر النوم " (3) وتشتد الكراهة في المسجدين، لأن زرارة سأل الباقر عليه السلام ما تقول في النوم في المساجد؟ فقال: " لا بأس إلا في المسجدين مسجد النبي صلى الله عليه وآله، والمسجد الحرام " (4) وليس بمحرم، لأن معاوية بن وهب سأل الصادق عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله قال: " نعم أين ينام الناس!؟ " (5). ويكره سائر الصناعات في المساجد، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن سل السيف، وعن بري النبل في المسجد وقال: وإنما بني لغير ذلك (6). ويحرم تصوير المساجد، لأن الصادق عليه السلام سئل عن الصلاة في المساجد المصورة، فقال: " أكره ذلك، ولكن لا يضركم ذلك اليوم، ولو قد قام العدل رأيتم كيف يصنع ذلك " (7). وكذا يحرم زخرفتها ونقشها بالذهب، لأن ذلك لم يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ولا في زمن الصحابة فيكون إحداثه بدعة.

(1) الكافي 3: 369 / 9.
(2) النساء: 43.
(3) الكافي 3: 371 / 15، التهذيب 3: 258 / 722.
(4) الكافي 3: 370 / 11، التهذيب 3: 258 / 721.
(5) الكافي 3: 369 - 370 / 10، التهذيب 3: 258 / 720.
(6) الكافي 3: 369 / 8، التهذيب 3: 258 - 259 / 724.
(7) التهذيب 3: 259 / 726، وعن الامام الباقر عليه السلام في الكافي 3: 369 / 6.

[ 430 ]

مسألة 96: ويحرم نقضها، لقوله تعالى: * (وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) * (1) وكذا استعمال آلتها واتخاذها في ملك أو طريق، ويجوز هدم ما استهدم لاعادته لما فيه من العمارة، وللأمن على الداخل، ولو تعذرت إعادته جاز استعمال آلته في غيره من المساجد لاشتراكها في كونها موضعا للعبادة، وكذا لو فضل من أحد المساجد عن قدر الحاجة، ومن أخذ شيئا من آلة المسجد وجب أن يرده إليه أو إلى غيره من المساجد. ولو نذر شيئا لعمارة مسجد اختص به ما لم يفضل عنه إذا كان بحيث تنتابه الناس، ولو فضل منه شئ جاز صرفه إلى عمارة غيره من المساجد،. وإذا انهدم المسجد وخرب ما حوله لم يعد ملكا، لخروجه عن الملك إلى الله تعالى فلا يعود إلى الملك (2). ويجوز نقض البيع والكنائس واستعمال آلتها في المساجد إذا اندرس أهلها أو كانت في دار حرب، لأن عيصا سأل الصادق عليه السلام عن البيع والكنائس هل يصلح نقضها لبناء المساجد؟ قال: " نعم " (3). وأن تبنى مساجد، ولا يجوز اتخاذها في ملك، ولا استعمال آلتهما في الأملاك، ولو كان لها أهل ذمة يؤدون الجزية، ويلتزمون بشرائط الذمة لم يجز التعرض لها على حال. مسألة 97: من كان له في داره مسجد قد جعله للصلاة جاز له تغييره،

(1) البقرة: 114.
(2) في نسخة (م): المالك.
(3) الكافي 3: 368 / 3، التهذيب 3: 260 / 732.

[ 431 ]

وتبديله، وتوسيعه، وتضييقه حسبما يكون أصلح له، لأنه لم يجعله عاما وإنما قصد اختصاصه بنفسه وأهله، ولأن أبا الجارود سأل الباقر عليه السلام عن المسجد يكون في البيت فيريد أهل البيت أن يتوسعوا بطائفة منه، أو يحولونه إلى غير مكانه قال: " لا بأس بذلك " (1). وهل تلحقه أحكام المساجد من تحريم إدخال النجاسة إليه، ومنع الجنب من استيطانه، وغير ذلك؟ الأقرب المنع، لنقص المعنى فيه، ولا يخرج عن ملكه فيجوز له بيعه وشراؤه ما لم يجعله وقفا فلا يختص به حينئذ. ولو بناه خارج داره في ملكه لم يزل ملكه عنه أيضا، ولو نوى به أن يكون مسجدا يصلي فيه كل من أراده زال ملكه عنه بالعقد والقبض، أو بصلاة واحد فيه. مسألة 98: لا يجوز دفن الميت في المساجد، لأنه مناف لما وضعت له. ويكره كشف العورة فيها، لما فيه من الاستخفاف بالمساجد، وكذا كشف السرة، والركبة، والفخذ، وروى الباقر عليه السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله قال: كشف السرة، والفخذ، والركبة في المسجد من العورة " (2). ويكره رمي الحصى فيه خذفا لما لا يؤمن معه من الأذى للغير، وروى الباقر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله أبصر رجلا يخذف بحصاة في المسجد فقال: ما زالت تلعن حتى وقعت، ثم قال: الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط " ثم تلا عليه السلام:

(1) الكافي 3: 368 / 2، التهذيب 3: 259 / 727. (2) التهذيب 3: 263 / 742.

[ 432 ]

* (وتأتون في ناديكم المنكر) * (1) قال: " هو الخذف " (2). ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن رطانة (3) الاعاجم في المساجد (4)، وقال عليه السلام: " الاتكاء في المسجد رهبانية العرب، المؤمن مجلسه مسجده وصومعته بيته " (5) وقال بعض أصحابنا للصادق عليه السلام: إني لاكره الصلاة في مساجدهم. فقال: " لا تكره فما من مسجد بني إلا على قبر نبي أو وصي نبي قتل، فأصاب تلك البقعة رشة من دمه فأحب الله أن يذكر فيها، فأد فيها الفريضة والنوافل، واقض ما فاتك " (6). وفي كتاب ابن بابويه عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الوقوف على المساجد، فقال: " لا يجوز لأن المجوس وقفوا على بيت النار " (7) وهذه الرواية مرسلة وتحمل على الوقف على تزويقها وتصويرها. مسألة 99: لا يجوز لأحد من المشركين دخول المساجد مطلقا سواء أذن له المسلم أو لا، ولا يجوز للمسلم الإذن فيه - وبه قال مالك (8) - لقوله تعالى: * (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) * (9) وغيره من المساجد

(1) العنكبوت: 29.
(2) التهذيب 3: 262 / 741.
(3) الرطانة: الكلام بالأعجمية. مجمع البحرين 6: 255 " رطن ".
(4) الكافي 3: 369 / 7، التهذيب 3: 262 / 739.
(5) الكافي 2: 485 / 1، التهذيب 3: 249 / 684.
(6) الكافي 3: 37 / 14، التهذيب 3: 258 / 723.
(7) الفقيه 1: 154 / 720.
(8) تفسير القرطبي 8: 104 - 105، أحكام القرآن لابن العربي 2: 913، تفسير الآلوسي 10: 77، التفسير الكبير 16: 26، عمدة القارئ 4: 237، المحلى 4: 243.
(9) التوبة: 28.

[ 433 ]

مشارك له في كونه مسجدا، ولقوله عليه السلام: (جنبوا مساجدكم النجاسة) وقال تعالى: * (إنما المشركون نجس) * (1). وقال الشافعي: لا يجوز له دخول المسجد الحرام بكل حال، ويجوز له دخول غيره بإذن المسلمين (2) لأن النبي عليه السلام أنزل المشركين في المسجد (3)، وربط ثمامة بن أثال الحنفي في سارية المسجد وهو كافر (4). ونمنع ذلك بعد التحريم. وقال أحمد: لا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان: المنع، والجواز بالاذن (5). وقال أبو حنيفة: يجوز له دخول سائر المساجد، والمسجد الحرام أيضا (6) لقوله عليه السلام يوم الفتح: (من دخل المسجد فهو آمن) (7) وهو خطاب للمشركين، وأنه مسجد كسائر المساجد. والآية ناسخة لقول أبي حنيفة. * * *

(1) التوبة: 28.
(2) المجموع 2: 174، عمدة القارئ 4: 237، أحكام القرآن لابن العربي 2: 913 و 914، تفسير القرطبي 8: 105، التفسير الكبير 16: 26، تفسير الآلوسي 10: 77. (3) سنن البيهقي 2: 444 و 445.
(4) صحيح البخاري 1: 125 و 127، سنن النسائي 2: 46، مسند أحمد 2: 452، سنن البيهقي 2: 444.
(5) المغني 10: 605 - 606 و 607 و 608، الشرح الكبير 10: 611 و 614.
(6) المغني 10: 605 و 606 الشرح الكبير 10: 611، أحكام القرآن لابن العربي 2: 914، تفسير القرطبي 8: 105، التفسير الكبير 16: 26.
(7) سنن أبي داود 3: 162 / 3022.

[ 434 ]

البحث الثالث: فيما يسجد عليه مسألة 100: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض، ولا من نباتها كالجلود، والصوف، عند علمائنا أجمع، لأن السجود عبادة شرعية فتقف كيفيتها على نص الشرع، وقد وقع الاجماع على السجود على الأرض، والنابت منها فيقتصر عليه، ولقوله عليه السلام: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله تعالى، ثم يسجد ممكنا جبهته من الأرض) (1) وقال خباب: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حر الرمضاء في جباهنا وأنفنا فلم يشكنا (2)، ولو كان السجود على الفرش سائغا لما شكوا. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل يصلي على البساط من الشعر، والطنافس (3): " لا يسجد عليه وإن قمت عليه وسجدت على الأرض فلا بأس، وإن بسطت عليه الحصر وسجدت على الحصر فلا بأس " (4) وقال هشام بن الحكم للصادق عليه السلام: أخبرني عما يجوز السجود عليه، وعما لا يجوز، قال: " السجود لا يجوز إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض " (5). وأطبق الجمهور على الجواز لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى في نمرة (6) - وقال الشافعي: والنمرة تعمل من الصوف (7) - ولأنه بساط

(1) سنن أبي داود 1: 227 / 858، وانظر المعتبر: 158.
(2) صحيح مسلم 1: 433 / 619، سنن ابن ماجة 1: 222 / 675، سنن النسائي 1: 247، مسند أحمد 5: 108 و 110، سنن البيهقي 2: 105.
(3) الطنافس جمع، والطنفيس: البساط الذي له خمل رقيق. مجمع البحرين 4: 82 " طنفس ".
(4) المعتبر: 158.
(5) الفقيه 1: 177 / 840، التهذيب 2: 234 / 925، علل الشرائع: 341 باب 42 الحديث 1. (6 و 7) الأم 1: 91.

[ 435 ]

طاهر يجوز له الصلاة فيه فجازت عليه كالقطن. والرواية ممنوعة، ومحمولة على أنه عليه السلام كان يضع جبهته على ما يصح السجود عليه، والأصل ممنوع. فروع: أ - لا بأس بالسجود على الفرش من الصوف وغيره حالة التقية للضرورة، وسأل علي بن يقطين الكاظم عليه السلام عن السجود على المسح (1) والبساط، فقال: " لا بأس بالصوف في حال التقية " (2) ولا يعيد للامتثال. ب - لا يشترط ذلك إلا في الجبهة خاصة. ج - لا يشترط وقوع الجبهة بأجمعها بل ما تتمكن به من الجبهة على الأرض، وبعضهم قدره بالدرهم. مسألة 101: لا يجوز السجود على ما خرج باستحالته عن الأرض كالمعادن كالعقيق، والذهب والفضة، والملح، والقير اختيارا، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يفعله، وداوم على غيره (3)، وقال صلى الله عليه وآله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4) ولقول الصادق عليه السلام: " السجود لا يجوز إلا

(1) المسح، بالكسر فالسكون: يعبر عنه بالبلاس وهو كساء معروف. مجمع البحرين 2: 414 " مسح ".
(2) الفقيه 1: 176 / 831، التهذيب 2: 235 / 930 و 307 / 1245، الاستبصار 1: 332 / 1244.
(3) انظر على سبيل المثال: سنن أبي داود 1: 236 / 894.
(4) صحيح البخاري 1: 162، مسند أحمد 5: 53، سنن الدارمي 1: 286، ترتيب مسند الشافعي 1: 108 / 319.

[ 436 ]

على الأرض، أو ما أنبتت الأرض " (1) وهذا ليس أحدهما، ولو ولم يخرج بالاستحاله عن اسم الأرض جاز كالسبخة، والرمل، وأرض الجص، والنورة على كراهية. مسألة 102: إنما يجوز السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض بشرط أن لا يكون مأكولا في العادة، ولا ملبوسا، فلو كان أحدهما لم يصح لأن النبي صلى الله عليه وآله سجد على الخمرة (2)، وهي معمولة من سعف النخل، ولقول الصادق عليه السلام: " لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض إلا ما أكل أو لبس " (3). فروع: أ - لا فرق بين القطن والكتان وبين غيرهما عند أكثر علمائنا (4) لقول الباقر عليه السلام: " لا يسجد على الثوب الكرسف، ولا الصوف، ولا على شئ من الحيوان، ولا على طعام، ولا على شئ من الثمار، ولا على شئ من الرياش " (5). وقال المرتضى في المسائل الموصلية: إنه مكروه لا محظور (6)، لأن ياسر الخادم قال: مر بي أبو الحسن عليه السلام وأنا أصلي على الطبري (7). وقد ألقيت شيئا فقال: " ما لك لا تسجد عليه؟! أليس هو من نبات

(1) الفقيه 1: 177 / 840، التهذيب 2: 234 / 925، علل الشرائع: 341 باب 42 الحديث 1.
(2) مسند أحمد 6: 111.
(3) الفقيه 1: 177 / 840، التهذيب 2: 234 / 925، علل الشرائع 341 باب 42 الحديث 1.
(4) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 89، وسلار في المراسم: 66، وابن إدريس في السرائر: 57.
(5) الكافي 3: 330 / 2، التهذيب 2: 303 / 1226، الاستبصار 1: 331 / 1242.
(6) رسائل الشريف المرتضى 1: 174.
(7) الطبري: كتان منسوب إلى طبرستان. مجمع البحرين 3: 376.

[ 437 ]

الأرض؟ " (1). وسأل داود الصرمي أبا الحسن الثالث عليه السلام هل يجوز السجود على القطن، والكتان من غير تقية؟ قال: " جائز " (2) ويحملان على التقية، أو على غير الجبهة جمعا بين الأدلة. ب - لو كان مأكولا لا بالعادة جاز السجود عليه، ولو كان معتادا عند قوم دون آخرين عم التحريم. ج - الحنطة، والشعير يجوز السجود عليهما قبل الطحن، لأن القشر حاجز بين المأكول والجبهة، وكذا البحث في الملبوس، ويجوز السجود على ما لم تجر العادة بلبسه كالورق، والليف وإن كان ملبوسا نادرا. د - الكتان قبل غزله ونسجه، الأقرب عدم جواز السجود عليه، وعلى الغزل على إشكال ينشأ من أنه عين الملبوس والزيادة في الصفة، ومن كونه حينئذ غير ملبوس، أما الخرقة الصغيرة فإنه لا يجوز السجود عليها وإن صغرت جدا. ه‍ - القنب لا يجوز السجود عليه إن ليس عادة. و - لو اتخذ ثوب من الملبوس عادة، ومن غيره كغزل الكتان والليف ففي السجود عليه إشكال. ز - يجوز السجود على القرطاس إن كان متخذا من النبات، وإن كان من الابريسم فالوجه المنع، لأنه ليس بأرض، ولا من نباتها، وإطلاق علمائنا يحمل على الأول، ولو كان مكتوبا كره لقول الصادق عليه السلام: " يكره

(1) الفقيه 1: 174 / 827، التهذيب 2: 235 / 927 و 308 / 1249، الاستبصار 1: 331 / 1243، علل الشرائع: 341 - 342 باب 42 الحديث 4. (2) التهذيب 2: 307 / 1246، الاستبصار 1: 332 / 1246.

[ 438 ]

السجود على قرطاس فيه كتابة " (1) ولئلا يشغله نظره. وفي زوال الكراهة عن الأعمى وشبهه إشكال ينشأ من الاطلاق من غير ذكر علة، ولو سلمت لكن الاعتبار بالضابط وإن خلا عن الحكمة نادرا. مسألة 103: يشترط فيما يسجد عليه - بعد ما تقدم - أمور: أ - تمكن الجبهة منه، فلا يجوز على الوحل لعدم تمكنه من الطمأنينة حالة السجود، وهي واجبة. ب - الطهارة فلا يجوز على النجس وإن لم تتعد نجاسته إليه وإنما يشترط طهارة موضع الجبهة لا باقي المساقط إن لم تتعد إليه، وقد تقدم. ج - أن لا يكون مشتبها بالنجس لوجوب الاحتراز عنه كوجوب الاحتراز عن النجس، هذا إن كان الاشتباه في موضع محصور كالبيت، ولو لم ينحصر جاز السجود كالصحاري. د - الملك أو حكمه كالمباح، والمأذون فيه. ه‍ - أن لا يكون جزءا منه فلو سجد على كفه أو غيرها من بدنه لم يجز لأنا شرطنا كون المسجد أرضا أو ما ينبت منها، ولو خاف الحر جاز للضرورة، ولقول الباقر عليه السلام لما سئل أخاف الرمضاء، قال: " اسجد على بعض ثوبك " قلت: ليس علي ثوب يمكنني أن أسجد على طرفه ولا ذيله، قال: " اسجد على ظهر كفك فإنها إحدى المساجد " (2).

(1) الكافي 3: 332 / 12، التهذيب 2: 304 / 1232، الاستبصار 1: 334 / 1256.
(2) التهذيب 2: 306 / 1240، الاستبصار 1: 333 / 1249.

[ 439 ]

مسألة 104: ويحرم السجود على أشياء: أ - الزجاج، قاله في المبسوط، لما فيه من الاستحالة، وكذا منع من الرماد (1). ب - الخمرة (2) إن كانت معمولة بالسيور بحيث يعم موضع الجبهة لم يجز السجود عليها، وإن كانت معمولة بالخيوط، أو كان المجزي من الجبهة يقع على ما يصح السجود عليه جاز، وفي رواية: كراهة السجود على شئ ليس عليه سائر الجسد (3)، وفي طريقها غياث بن إبرهيم، وأكثر الروايات على الجواز (4) لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسجد على الخمرة (5). وعن أحدهما عليهما السلام: " كان أبي يصلي على الخمرة، فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد " (6). ح - القير، والصهروج، وفي رواية المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام الجواز (7)، وهي محمولة على الضرورة. د - أن لا يكون حاملا له مثل كور العمامة وطرف الرداء، قاله الشيخ

(1) المبسوط للطوسي 1: 89.
(2) الخمرة، بالضم: سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط. مجمع البحرين 3: 292 " خمر ".
(3) الكافي 3: 332 / 10، التهذيب 2: 305 / 1233، الاستبصار 1: 335 / 1261.
(4) انظر على سبيل المثال: التهذيب 2: 305 / 1234 و 1235، قرب الاسناد: 93 و 95.
(5) مسند أحمد 6: 111.
(6) الكافي 3: 332 / 11، التهذيب 2: 305 / 1234، الاستبصار 1: 335 / 1259. (7) الفقيه 1: 175 / 828، التهذيب 2: 303 / 1224، الاستبصار 1: 334 / 1255.

[ 440 ]

في الخلاف (8)، وبه قال الشافعي (9). وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يجوز السجود على كور العمامة (1)، وكان شريح يسجد على برنسه (2) لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسجد على كور العمامة (3)، ولأن الجبهة عضو من أعضاء السجود فلا يجب كشفه كسائرها. والتحقيق أن نقول: إن كان ما هو حامل له كالعمامة مما لا يجوز السجود عليه كالقطن، والكتان، والصوف، والشعر، فالحق قول الشيخ لا من حيث إنه حامل كما قاله الشافعي، بل لأنه لم يسجد على ما يصح السجود عليه، لأن النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يسجد وقد اعتم على جبهته فحسر عنها وقال: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض) (4). ومن طريق الخاصة وقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الرجل يسجد وعليه العمامة لا تصيب جبهته الأرض، قال: " لا يجزيه ذلك حتى تصل جبهته إلى الأرض " (5) والحديث الذي رووه عن سجود النبي صلى الله عليه وآله على العمامة لم يثبته أكثرهم، ويحمل على ما إذا أصاب بعض جبهته الأرض، والمشقة ثابتة في كشف غيرها دونها.

(8) الخلاف 1: 357 مسألة 113.
(9) المجموع 3: 424 - 425، فتح العزيز 3: 456، المغني 1: 593، الشرح الكبير 1: 593. (1) الشرح الصغير 1: 115، المغني 1: 593، الشرح الكبير 1: 593، المجموع 3: 425، فتح العزيز 3: 457.
(2) المغني 1: 593، الشرح الكبير 1: 593.
(3) مصنف عبد الرزاق 1: 400 / 1564، مجمع الزوائد 2: 125.
(4) الفردوس 1: 281 / 1103، عوالي اللآلي 1: 331 / 84، كنز العمال 7: 429 / 19634 عن الطبراني في الكبير.
(5) الكافي 3: 334 / 9، التهذيب 2: 86 / 319.

[ 441 ]

وإن كانت العمامة مما يصح السجود عليه صح كما لو كانت من خوص أو شئ من النباتات. * * *

[ 443 ]

الفصل الرابع: في اللباس ومباحثه ثلاثة: الأول: ستر العورة مسألة 105: ستر العورة عن العيون بما لا يصف البشرة واجب في الصلاة وغيرها، لقوله عليه السلام: (لعن الله الناظر والمنظور إليه) (1) وقال عليه السلام: (لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) (2) ولا يجب في غير الصلاة في الخلوة إجماعا منا - وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (3) - لأنه ليس معه من يستتر عنه، وهو أحد وجهي الشافعي، وأصحهما عنده: الوجوب (4) لعموم الخبر (5)، وللتستر عن الجن والملائكة.

(1) الكافي 6: 503 / 36، الفردوس 3: 465 / 5441، الكامل لابن عدي 1: 325، سنن البيهقي 7: 99، الجامع الكبير 1: 643. (2) سنن أبي داود 3: 196 / 3140 و 4: 40 / 4015، سنن ابن ماجة 1: 469 / 1460، سنن البيهقي 3: 388، سنن الدار قطني 1: 225 / 4.
(3) فتح العزيز 4: 79.
(4) المجموع 3: 166، كفاية الأخيار 1: 57، المهذب للشيرازي 1: 71.
(5) سنن أبي داود 3: 196 / 3140 و 4: 40 / 4015، سنن ابن ماجة 1: 469 / 1460، سنن البيهقي 3: 388، سنن الدارقطني 1: 225 / 4.

[ 444 ]

والخبر ممنوع إرادة التحريم منه لأن الفخذ عند جماعة ليس من العورة (1)، والتستر عن الجن والملائكة غير ممكن. مسألة 106: وستر العورة شرط في الصلاة إجماعا منا، فلو صلى مكشوف العورة في خلوة أو غيرها بطلت صلاته - وهو قول أكثر العلماء كالشافعي، وأبي حنيفة وأحمد (2) - قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا (3)، لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (4) ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سئل ما ترى للرجل أن يصلي في قميص واحد؟ قال: " إذا كان كثيفا فلا بأس " (5) يدل على ثبوت البأس مع عدم الكثافة. وقال مالك: ليس بشرط وإن كان واجبا في الصلاة وغيرها لأن وجوبه لا يختص بالصلاة فليس من فروضها فإذا عدم فيها لم يبطلها كالصلاة في الدار المغصوبة (6). وينتقض بالايمان والطهارة فإنها تجب لمس المصحف، ونمنع الأصل أيضا، وقال بعض أصحابه: إنه شرط مع الذكر دون النسيان (7).

(1) عمدة القارئ 4: 80 - 81.
(2) المجموع 3: 166 و 167، الوجيز 1: 48، كفاية الأخيار 1: 57، اللباب 1: 61، المغني 1: 651، بداية المجتهد 1: 114، كشاف القناع 1: 263.
(3) المغني 1: 651، كشاف القناع: 1: 263.
(4) سنن ابن ماجة 1: 215 / 655، سنن الترمذي 2: 215 / 377، سنن أبي داود 1: 173 / 641، مسند أحمد 6: 150 و 218 و 259، مستدرك الحاكم 1: 251. (5) الكافي 3: 394 / 2، التهذيب 2: 217 / 855.
(6) فتح العزيز 4: 81، بداية المجتهد 1: 114، القوانين الفقهية: 50، حلية العلماء 2: 52.
(7) المجموع 3: 167، المغني 1: 651، فتح العزيز 4: 81.

[ 445 ]

مسألة 107: وعورة الرجل عند أكثر علمائنا قبله ودبره لا غير (1) - وبه قال عطاء، وداود، وابن أبي ذئب، وهو وجه للشافعي، ورواية عن أحمد (2) - لأن أنسا قال: إن النبي صلى الله عليه وآله يوم خيبر حسر الازار عن فخذه حتى لاني أنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وآله (3). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " الفخذ ليس من العورة " (4). ولأنه ليس بمخرج للحدث فلم يكن عورة كالساق. وقال جماعة منا: العورة ما بين السرة والركبة (5) - وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي (6)، لقوله عليه السلام: (لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) (7) وهو محمول على الكراهة جمعا بين الأدلة. فروع: أ - السرة ليست من العورة على الرأيين عندنا، وكذا الركبة لقوله عليه

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 87، وقطب الدين الراوندي في فقه القرآن 1: 95، ويحيى بن سعيد الحلي في الجامع للشرائع: 65، وابن إدريس في السرائر: 55، والمحقق في المعتبر: 154.
(2) المجموع 3: 168 و 169، المغني 1: 651 - 652، نيل الأوطار 2: 49.
(3) صحيح البخاري 1: 103 - 104.
(4) الفقيه 1: 67 / 253، التهذيب 1: 374 / 1150.
(5) منهم: ابن البراج في المهذب 1: 83، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي: 139، وابن حمزة في الوسيلة: 89.
(6) المجموع 3: 168 - 169، بداية المجتهد 1: 114، المغني 1: 651، المنتقى للباجي 1: 247، العدة شرح العمدة: 66، المبسوط للسرخسي 10: 146، شرح العناية 1: 224، تفسير الرازي 23: 202. (7) سنن أبي داود 3: 196 / 3140 و 4: 40 / 4015، سنن ابن ماجة 1: 469 / 1460، سنن البيهقي 3: 388، سنن الدار قطني 1: 225 / 4.

[ 446 ]

السلام: (أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة) (1) وكان النبي صلى الله عليه وآله يقبل سرة الحسن (2)، وقبلها أبو هريرة (3)، وهو ظاهر مذهب الشافعي (4). وعند أبي حنيفة الركبة من العورة دون السرة، وهو وجه للشافعي (5) وله وجه ثالث: أن السرة والركبة جميعا من العورة (6)، وعن مالك: الفخذ ليس من العورة (7). ب - لا فرق بين الحر والعبد إجماعا، ولا بين البالغ والصبي. ج - الواجب الستر بما يستر لون البشرة فإن كان خفيفا يبين لون الجلد من ورائه فيعلم بياضه أو حمرته لم تجز الصلاة فيه لعدم الستر به، وإن ستر اللون ووصف الخلقة والحجم جازت الصلاة لعدم التحرز منه. مسألة 108: وعورة المرأة جميع بدنها إلا الوجه بإجماع علماء الأمصار، عدا أبا بكر بن عبد الرحمن بن هشام فإنه قال: كل شئ من المرأة عورة حتى ظفرها (8)، وهو مدفوع بالاجماع. وأما الكفان فكالوجه عند علمائنا أجمع - وبه قال مالك، والشافعي،

(1) سنن البيهقي 2: 229.
(2) سنن البيهقي 2: 232.
(3) سنن البيهقي 2: 232.
(4) الأم 1: 89، المجموع 3: 168، الوجيز 1: 48، المغني 1: 652، تفسير الرازي 23: 202.
(5) تفسير الرازي 23: 202، المغني 1: 652، المحلى 3: 323، المجموع 3: 168 - 169.
(6) المجموع 3: 168.
(7) تفسير الرازي 23: 202.
(8) المجموع 3: 169، المغني 1: 672، بداية المجتهد 1: 115، عمدة القارئ 4: 90

[ 447 ]

والأوزاعي، وأبو ثور (1) - لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) * (2) قال: الوجه والكفان (3). وسأل محمد بن مسلم الباقر عليه السلام قلت: ما ترى للرجل أن يصلي في قميص واحد؟ قال: " إذا كان كثيفا فلا بأس، والمرأة تصلي في الدرع والمقنعة إذا كان الدرع كثيفا " يعني إذا كان ستيرا، (4) فاجتزأ عليه السلام بالدرع - وهو القميص - والمقنعة - وهي للرأس - فيستحب ما عدا ذلك. وقال أحمد، وداود: الكفان من العورة (5) لقوله تعالى: * (إلا ما ظهر منها) (6) والظاهر منها الوجه. ويبطل بقوله ابن عباس. وأما القدمان فالظاهر عدم وجوب سترهما - وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والمزني - لأن القدمين يظهر منهما في العادة فلم تكن عورة كالكفين (7).

(1) الأم 1: 89، المجموع 3: 169، تفسير الرازي 23: 202، المنتقى للباجي 1: 251، مقدمات ابن رشد 1: 133، بداية المجتهد 1: 115، المغني 1: 672، الشرح الكبير 1: 492. (2) النور: 31.
(3) المغني 1: 672، الشرح الكبير 1: 492، العدة شرح العمدة: 66، الدر المنثور 5: 41، المحلى 3: 221 و 222.
(4) الكافي 3: 394 / 2، الفقيه 1: 243 / 1081، التهذيب 2: 217 / 855.
(5) المغني 1: 672 - 673، الشرح الكبير 1: 492، المحرر في الفقه 1: 42، حلية العلماء 2: 53.
(6) النور: 31.
(7) المجموع 3: 169، المبسوط للسرخسي 10: 153، اللباب 1: 62، شرح العناية 1: 225، عمدة القارئ 4: 90، المغني 1: 672، الشرح الكبير 1: 493، بداية المجتهد 1: 115، المحلى 3: 223.

[ 448 ]

وقال الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور: إنهما عورة (1) لحديث ابن عباس، ولا يعطي نفي الزائد. مسألة 109: الأمة الكبيرة يجوز أن تصلي مكشوفة الرأس بإجماع العلماء إلا ما نقل عن الحسن البصري من إيجاب الخمار عليها إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه (2). واستحب لها عطاء أن تقنع إذا صلت ولم يوجبه (3) لأن عمر كان ينهى الأماء عن القنع، وضرب جارية لآل أنس رآها مقنعة فقال: اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر (4). ومن طريق الخاصة قول الباقر عليه السلام وقد سأله محمد بن مسلم الأمة تغطي رأسها إذا صلت، فقال: " ليس على الأمة قناع " (5). فروع: أ - القناع وإن لم يجب لكنه مستحب لأنه أنسب بالخفر (6)، وهو أمر مطلوب من الحرائر والأماء، وأنكر الجمهور - إلا عطاء - استحبابه (7) لفعل

(1) الأم 1: 89، المجموع 3: 169، المنتقى للباجي 1: 251، مقدمات ابن رشد 1: 133، عمدة القارئ 4: 90.
(2) المجموع 3: 169، المغني 1: 674، الشرح الكبير 1: 492، بداية المجتهد 1: 116. (3) المغني 1: 674، بداية المجتهد 1: 116.
(4) المغني 1: 674، المبسوط للسرخسي 10: 151.
(5) الكافي 3: 394 / 2، التهذيب 2: 217 / 855.
(6) في نسخة (م): بالحصن.
(7) المغني 1: 674، بداية المجتهد 1: 116.

[ 449 ]

عمر، وليس بجيد لما فيه من ترك الستر، وجاز أن يكون فعله عن رأي رآه. ب - عورة الأمة كالحرة إلا في الرأس عند علمائنا أجمع - وبه قال بعض الشافعية (1) - لأن الأنوثة تناسب الستر فكانت علة، وإنما سوغنا لها كشف الرأس لما فيه من النص (2)، ولأنه ظاهر في أكثر الأوقات فأشبه وجه الحرة. وقال بعض الشافعية: إن عورتها كالرجل ما بين السرة إلى الركبة، وهو رواية عن أحمد (3)، لأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن بدنه عورة كالرجل. والفرق أن للمرأة محاسن بخلاف الرجل. وقال بعضهم: جميعها عورة إلا ما يحتاج إلى تغليبه وكشفه للخدمة كالرأس، والذراع والساق للحاجة إلى ذلك، وهو رواية عن أحمد أيضا (4) والمعتمد ما تقدم. ج - أم الولد، والمدبرة، والمكاتبة المشروطة، وغير المؤدية (5) كالقنة - وبه قال الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين (6) - لبقاء الملك فيها، ولأنها تضمن بالقيمة فأشبهت القنة، وقال محمد بن سيرين: أم الولد تصلي

(1) المجموع 3: 168، مغني المحتاج 1: 185، المهذب للشيرازي 1: 71.
(2) انظر على سبيل المثال التهذيب 2: 218 / 859، الاستبصار 1: 390 / 1483.
(3) المجموع 3: 169، فتح العزيز 4: 91، المغني 1: 674، الشرح الكبير 1: 491.
(4) فتح العزيز 4: 91، المغني 1: 674، المهذب للشيرازي 1: 71، حلية العلماء 2: 54.
(5) أي المكاتبة المطلقة التي لم تؤد شيئا من المال عن كتابتها.
(6) المجموع 3: 168، فتح العزيز 4: 91، المغني 1: 675، الشرح الكبير 1: 493.

[ 450 ]

مقنعة، وهو رواية عن أحمد لثبوت سبب الحرية لها (1). وهو ممنوع. د - لو انعتق بعضها كانت كالحرة أخذا بالاحتياط، وتغليبا للحرية، ولحصول يقين البراءة. وقال الشافعي: إنها كالأمة لأن وجوب ستر الرأس من أمارات الحرية، وعلامات الكمال (2). وهو ممنوع إن قصد في الجميع وإلا لم يتم. ه‍ - لو أعتقت في أثناء الصلاة وهي مكشوفة الرأس فكالعاري يجد السترة في الأثناء، إن أمكنها ستره من غير فعل كثير وجب وبنت - وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة (3) - وإن لم تتمكن إلا بفعل كثير فإن خافت فوت الصلاة أتمت، وإن لم تخف استأنفت، والمرجع في كثرة الفعل إلى العرف لعدم التوقيف (4) فيه. و - لو وجدت السترة واحتاجت إلى الانتظار الطويل بحيث لا يفوت الوقت احتمل وجوبه لأنه انتظار واحد، والبطلان لأنها صلت في زمان طويل عارية مع إمكان الستر فلم تصح. ز - لو أعتقت في الأثناء ولم تعلم حتى فرغت، أو كانت عتقت قبل الصلاة ولم تعلم ففي وجوب الاعادة نظر ينشأ من اشتراط العلم في التكليف. ومن كونها صلت جاهلة بوجوب الستر فلا تصح، كما لو علمت العتق

(1) المغني 1: 676، الشرح الكبير 1: 493، المجموع 3: 169.
(2) المجموع 3: 168، فتح العزيز 4: 91.
(3) المجموع 3: 184، فتح العزيز 4: 102، المحلى 3: 224.
(4) في نسخة (م): التوقيت.

[ 451 ]

وجهلت وجوب الستر، وللشافعي قولان (1). ح - لو أعتقت ولم تقدر على سترة مضت في صلاتها ولم تلزمها الاعادة لعدم وجوب الستر عليها لعجزها عنه. ط - الصبية الحرة كالأمة في تسويغ كشف الرأس لها ونعني بها من لم تبلغ، ولو بلغت في الأثناء بغير المبطل فكالأمة إذا أعتقت فيه إلا أنها متى تمكنت من الاستئناف وجب، لأن ما فعلته أولا لم يكن واجبا. مسألة 110: يستحب للرجل ستر جميع بدنه بقميص، وإزار، وسراويل لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق أن يتزين له) (2) ولما فيه من المبالغة في الستر، وتعظيم حال الصلاة. وأشد منه استحبابا ستر ما بين الركبة والسرة لوقوع الخلاف في وجوبه، ويجزي الثوب الواحد، لأن الباقر عليه السلام صلى فيه (3). ويستحب التحنك، لقول الصادق عليه السلام: " من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه " (4). وعنه عليه السلام: " من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه " (5). ويجوز أن يصلي في ثوب واحد يأتزر ببعضه ويرتدي بالآخر، لأن الصادق عليه السلام سئل عن الرجل يصلي في ثوب واحد قال: " يأتزر به إذا

(1) المجموع 3: 184، فتح العزيز 4: 102.
(2) كنز العمال 7: 331 / 19120 (عن الطبراني في الأوسط). (3) التهذيب 2: 216 / 848.
(4) الكافي 6: 460 / 1، التهذيب 2: 215 / 846.
(5) الكافي 6: 461 / 7، التهذيب 2: 215 / 847، المحاسن 378 / 157.

[ 452 ]

رفعه إلى الثديين " (1). ويستحب للمرأة ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار، لاشتماله على المبالغة في الستر لقول الصادق عليه السلام: " تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وإزار، ولا يضرها بأن تقنع بالخمار، فإن لم تجد فثوبين تأتزر بأحدهما وتقنع بالآخر " قلت: وإن كان درعا وملحفة ليس عليها مقنعة؟ فقال: " لا بأس إذا تقنعت بالملحفة، فإن لم تكفها فلتلبسها طولا " (2) والدرع يريد به القميص السابغ الذي يغطي ظهور قدميها، والخمار هو الجلباب وهو ما يغطي رأسها وعنقها. ويستحب أن يكون الازار غليظا، وتجافيه عن جسمها، لئلا يصفها في حال الركوع والسجود. مسألة 111: ويجوز أن يصلي عاريا ساترا لعورتيه خاصة لكن يستحب أن يجعل على عنقه شيئا ولو كالخيط وليس بواجب - وبه قال الشافعي (3) - لأن العنق ليس بعورة فلا يجب ستره كسائر البدن. وقال أحمد: إنه واجب (4) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ) (5) وهو محمول على الاستحباب.

(1) الكافي 3: 395 / 9، التهذيب 2: 216 / 849.
(2) الكافي 3: 385 / 11، التهذيب 2: 217 / 856.
(3) الأم 1: 89، المجموع 3: 175، المهذب للشيرازي 1: 72، المغني 1: 654.
(4) المغني 1: 655، الشرح الكبير 1: 495، المحرر في الفقه 1: 43، العدة شرح العمدة: 67، المجموع 3: 175.
(5) صحيح مسلم 1: 368 / 516، مسند أحمد 2: 243.

[ 453 ]

وقال الصادق عليه السلام: " ولكن إذا لبس السراويل جعل على عاتقه شيئا ولو حبلا " (1). ويجوز أن يصلي في ثوب واحد وإن كان واسع الجيب إذا لم تبد منه العورة حالة الركوع وغيرها لحصول الستر وإن لم يزره على نفسه، لقول الباقر عليه السلام: " لا بأس أن يصلي أحدكم في الثوب الواحد وأزراره محلولة، إن دين محمد صلى الله عليه وآله حنيف " (2). مسألة 112: لو انكشف بعض العورة في الصلاة بطلت قل أو كثر عند علمائنا، سواء الرجل والمرأة - وبه قال الشافعي (3) - لأنه حكم يتعلق بالعورة فاستوى فيه قليلها وكثيرها كالنظر. وقال أبو حنيفة: إن انكشف من العورة المغلظة - وهي القبل والدبر - قدر الدرهم لم تبطل وإن انكشف أكثر بطلت وإن انكشف من المخففة - وهي ما عدا ذلك - أقل من الربع لم تبطل، وأما المراة فإن انكشف ربع شعرها، أو ربع فخذها، أو ربع بطنها بطلت صلاتها، وإن كان أقل من ذلك لم تبطل (4). وقال أبو يوسف: إن انكشف أقل من النصف لم تبطل، لأن ستر

(1) الكافي 3: 393 / 1، التهذيب 2: 216 / 852.
(2) الكافي 3: 395 / 8، الفقيه 1: 174 / 823، التهذيب 2: 357 / 1477، الاستبصار 1: 392 / 1492.
(3) المجموع 3: 166، المهذب للشيرازي 1: 71، الأم 1: 89، المغني 1: 653، الشرح الكبير 1: 497.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 43 - 44، المبسوط للسرخسي 1: 197 بدائع الصنائع 1: 117، الجامع الصغير للشيباني: 82، المجموع 3: 167، فتح العزيز 4: 82، الميزان 1: 157، المغني 1: 654، الشرح الكبير 1: 497.

[ 454 ]

العورة حكم يسقط حال العذر، فيختلف قليله وكثيره في غير حالة العذر كإزالة النجاسة (1). ولا دليل على هذا التقدير، وينتقض قولهم بالوضوء. فروع: أ - قال الشيخ في المبسوط: لو انكشفت العورتان في الصلاة سترهما ولا تبطل صلاته به سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا، بعضه أو كله (2). وفيه نظر من حيث إن ستر العورة شرط وقد فات فتبطل. أما لو لم يعلم به فالوجه الصحة للعذر، ولقول الكاظم عليه السلام وقد سأله أخوه عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به هل عليه إعادة أو ما حاله؟ " لا إعادة عليه وقد تمت صلاته " (3). ب - لو وجد من الثوب ما يستر به بعض العورة لزمه الستر بخلاف ما لو وجد من الماء ما يكفي بعض الأعضاء، ولو كان الموجود يكفي إحداهما خاصة فالقبل أولى - وبه قال الشافعي (4) - لظهوره واستقبال القبلة به، ولا يجوز صرفه في غير ستر العورة، خلافا لبعض الشافعية (5). ج - لو كان في ثوبه خرق فجمعه وأمسكه بيده فصلاته صحيحة، ولو وضع يده على موضع الخرق وستره بيده فوجهان: الصحة لحصول الستر،

(1) المبسوط للسرخسي 1: 197، الجامع الصغير للشيباني: 82، بدائع الصنائع 1: 117، الهداية للمرغيناني 1: 44، المجموع 3: 167.
(2) المبسوط للطوسي 1: 87. (3) التهذيب 2: 216 / 851.
(4) الأم 1: 91، المجموع 3: 181، فتح العزيز 4: 99، المهذب للشيرازي 1: 73، السراج الوهاج: 53.
(5) المجموع 3: 181، فتح العزيز 4: 99، المهذب للشيرازي 1: 73، الشراج الوهاج: 53.

[ 455 ]

والمنع لأن اطلاق السترة على ما يغطي العورة من غير البدن. مسألة 113: لو لم يجد ساترا لم تسقط عنه الصلاة إجماعا، فإن وجد ورق الشجر وتمكن من الستر به وجب، وكذا لو وجد طينا وجب عليه أن يطين عورته لأنه يستر العورة، قال الصادق عليه السلام. " النورة سترة " (1). وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: المنع، لأنه يلوث نفسه ويجف ويتناثر ولا يستر العورة (2). ولا حجة فيه لأن التناثر بعد الاستظهار لا يضر. ولو وجد وحلا أو ماء كدرا يستر عورته لو نزله فإن لم يكن فيه مضرة وجب وإلا فلا. ولو وجد حفرة دخلها وجوبا، وصلى قائما مع أمن المطلع، وهل يركع ويسجد؟ قال بعض فقهائنا: نعم (3)، لأن الستر قد حصل وليس التصاقه بالبدن شرطا. ولقول الصادق عليه السلام: " العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفرة دخلها فيسجد فيها ويركع " (4). مسألة 114: لو لم يجد العاري سترة قال علماؤنا: يصلي جالسا إن لم يأمن المطلع، ويكون ركوعه وسجوده بالايماء، وإن أمن المطلع صلى قائما ويركع ويسجد بالايماء لأن القيام قد يسقط أحيانا فيسقط مع خوف المطلع لئلا تبدو عورته وفيه فحش، ولو أمنه صلى قائما لعدم الموجب لسقوط القيام، ولا يركع ولا يسجد إلا بالايماء لما فيه من الفحش.

(1) المعتبر 155، وعن الباقر عليه السلام في الكافي 6: 497 / 7، والفقيه 1: 65 / 250.
(2) المجموع 3: 180، كفاية الأخيار 1: 57، المهذب للشيرازي 1: 73، السراج الوهاج: 52.
(3) القائل هو المحقق في المعتبر: 155. (4) التهذيب 2: 365 - 366 / 1517.

[ 456 ]

ولقول الصادق عليه السلام في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة قال: " يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن رآه أحد صلى جالسا " (1). وقال الباقر عليه السلام فيمن خرج من سفينة عريانا، قال: " إن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، وإن كان رجلا وضع يده على سوءته ثم يجلسان فيوميان ايماء ولا يركعان ولا يسجدان فيبدو ما خلفهما " (2). وقال مالك، والشافعي: يصلي قائما بركوع وسجود. وأطلق، لأنه مستطيع للقيام من غير ضرر فلم يجز له تركه، كما لو لم يجد السترة (3). ونمنع انتفاء الضرر فإن اطلاع الغير ضرر. وقال الأوزاعي، وأحمد، والمزني: يصلون قعودا (4) وأطلقوا لأنه قادر على ستر العورة فلم يجز له كشفها، والستر ممنوع بل الأرض تستر بعضها عندهم. وقال أبو حنيفة: يتخير بين القيام والقعود، والقعود أفضل: لأنه لا بد من ترك فرض في كل من الفعلين فيتخير فيهما (5). فروع: أ - للشافعي قول بالصلاة قاعدا مطلقا، فتجب الاعادة، لأنه أخل بالقيام

(1) الفقيه 1: 168 / 793، التهذيب 2: 365 / 1516.
(2) الكافي 3: 396 / 16، التهذيب 2: 364 / 1512 و 3: 178 / 403.
(3) الأم 1: 91، الميزان 1: 157، المغني 1: 664.
(4) المجموع 3: 183، المهذب للشيرازي 1: 73، المغني 1: 664، الشرح الكبير 1: 500، المحرر في الفقه 1: 46.
(5) الكفاية 1: 230، الهداية للمرغيناني 1: 44، الميزان 1: 157، اللباب 1: 62 - 63، المجموع 3: 183.

[ 457 ]

وهو واجب مقدور عليه (1). ونمنع وجوبه، والصلاة صحيحة، لأنه فعل المأمور به على وجهه فأجزأ. ب - لو وجد بائع الثوب بثمن المثل وجب مع المكنة، وكذا لو آجره، ولو لم يكن معه ثمن أو احتاج إليه لم يجب، ولو كثر الثمن عن المثل وتمكن وجب كالماء. ج - لو وجد المعير وجب القبول لتمكنه حينئذ مع انتفاء الضرر، ولو وهب منه لم يجب القبول لما فيه من المنة، وبه قال الشافعي في أحد الوجهين (2)، وقال الشيخ: يجب القبول (3). وفيه إشكال. د - لو وجد السترة في أثناء صلاته فإن تمكن من الستر بها من غير فعل كثير وجب ولو احتاج إلى مشي خطوة أو خطوتين، أما لو احتاج إلى فعل كثير أو إلى استدبار القبلة بطلت صلاته إن كان الوقت متسعا ولو لركعة وإلا استمر، وفي قول للشافعي: أنه لو احتاج إلى فعل كثير مشى ولبس وبنى على صلاته كمن سبقه الحدث (4)، والأصل ممنوع. ولو وقف في موضعه حتى حمل إليه فالوجه الصحة، وللشافعي وجهان (5). وقال أبو حنيفة: لو وجد السترة في الأثناء بطلت صلاته كالمستحاضة

(1) المجموع 2: 335 - 336، فتح العزيز 2: 362 - 363. (2) المجموع 3: 187، فتح العزيز 4: 103، المهذب للشيرازي 1: 74، كفاية الأخيار 1: 57.
(3) المبسوط للطوسي 1: 88. (4 و 5) المجموع 3: 184.

[ 458 ]

إذا انقطع دمها (1). وينتقض بالأمة إذا أعتقت في الأثناء فإن صلاتها لا تبطل عنده إذا كانت مكشوفة الرأس (2). ه‍ - لو لم يجد إلا ثوب حرير صلى عاريا لفقدان الشرط، وهو وجدان الساتر، للنهي عن هذه السترة، وبه قال أحمد (3). وقال الشافعي: يصلي فيه وجوبا لأن ثوب الحرير صالح للسترة (4). وهو ممنوع، وتخصيص النبي صلى الله عليه وآله عبد الرحمن بن عوف، والزبير، لمعنى الحكة (5) لا يقاس عليه. ولو خاف البرد من نزعه صلى فيه وأجزأ. مسألة 115: لو لم يجد إلا الثوب النجس صلى عاريا إن تمكن من نزعه، لقول الصادق عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصابه مني قال: " يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويؤمي إيماء " (6). وإن لم يتمكن من نزعه صلى فيه ولا إعادة عليه، للضرورة في الموضعين لقول الصادق عليه السلام في الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه

(1) المبسوط للسرخسي 1: 125.
(2) شرح فتح القدير 1: 229.
(3) المغني 1: 661، الشرح الكبير 1: 499.
(4) المجموع 3: 180، فتح العزيز 4: 104.
(5) صحيح البخاري 4: 50 و 7: 195، صحيح مسلم 3: 1646 / 2076، سنن أبي داود 4: 50 / 4056، سنن الترمذي 4: 218 / 1722، سنن النسائي 8: 202، سنن ابن ماجة 2: 1188 / 3592، مسند الطيالسي: 265 / 1973، مسند أحمد 3: 122 و 127 و 180 و 192 و 215 و 252 و 255 و 273.
(6) التهذيب 1: 406 / 1278 و 2: 223 / 882، الاستبصار 1: 168 / 583.

[ 459 ]

بول وليس معه غيره قال: " يصلي فيه إذا اضطر إليه " (1). وعلى هذا التفصيل يحمل قول الكاظم عليه السلام في رجل أصاب ثوبه دم نصفه أو كله وحضرت الصلاة يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: " إن وجد ماء غسله، وإن لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا " (2). وللشيخ رحمه الله قول بالاعادة لو صلى فيه للضرورة (3)، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب لا تحل الصلاة فيه ولا يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: " يتيمم ويصلي، فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة " (4). وهي ضعيفة السند، ومدفوعة بأن الأمر للاجزاء. وبالصلاة عاريا فلا إعادة قال الشافعي في المذهب المشهور، والليث بن سعد (5). وقال أبو حنيفة: يتخير إن شاء صلى فيه، وإن شاء صلى عاريا، ولم يفرق بين مقادير النجاسة في رواية أبي يوسف (6). وفي رواية محمد: إن كان الدم أكثر من قدر درهم لم يجز أن يصلي عريانا، وإن كان مملوءا دما يتخير لأن ترك السترة إخلال بواجب، والصلاة

(1) التهذيب 2: 224 / 883، الاستبصار 1: 169 / 584.
(2) الفقيه 1: 160 / 756، التهذيب 2: 224 / 884، الاستبصار 1: 169 / 585، قرب الاسناد: 89.
(3) المبسوط للطوسي 1: 91.
(4) التهذيب 1: 407 / 1279 و 2: 224 / 886، الاستبصار 1: 169 / 587.
(5) المجموع 3: 142، فتح العزيز 4: 104، المهذب للشيرازي 1: 68، كفاية الأخيار 1: 57، المغني 1: 666، الشرح الكبير 1: 499.
(6) المجموع 3: 143، الشرح الكبير 1: 499، حلية العلماء 2: 46.

[ 460 ]

بالنجاسة كذلك، ولا يمكن الجمع بينهما فيتخير (1). وينتقض بجلد الميتة. وقال مالك، والأوزاعي: يصلي فيه ولا إعادة (2) لأن النجاسة لا تجب إزالتها عن المصلي عنده، وقد سبق. مسألة 116: لو كان جماعة عراة استحب لهم الجماعة، ذهب إليه علماؤنا سواء كانوا رجالا أو نساء يصلون صفا واحدا جلوسا يتقدمهم الامام بركبتيه لعموم الأمر بالجماعة (3). وقول الصادق عليه السلام: " يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه يومي الامام بالركوع والسجود وهم يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم " (4). وقال الشافعي: يصلون جماعة وفرادى قياما، ويقف الامام وسطهم، وله قول آخر: أن الأفضل الانفراد لعدم تمكنهم من الاتيان بسنة الجماعة وهي الموقف (5)، واستدراك فضيلة الجماعة أولى من استدراك سنة الموقف، وقال أبو حنيفة: يصلون فرادى، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة (6).

(1) حلية العلماء 2: 46.
(2) بلغة السالك 1: 104، القوانين الفقهية: 59، المجموع 3: 143، المغني 1: 666 و 667، الشرح الكبير 1: 499.
(3) انظر على سبيل المثال الكافي 3: 372 / 5.
(4) التهذيب 2: 365 / 1514.
(5) الأم 1: 91، المجموع 3: 185 و 186، فتح العزيز 4: 98، المهذب للشيرازي 1: 73، المغني 1: 668، الشرح الكبير 1: 503.
(6) المغني 1: 668، الشرح الكبير 1: 502.

[ 461 ]

فروع: أ - لو كان مع العراة مكتس وجب عليه أن يصلي في ثوبه، وليس له إعارته والصلاة عريانا لوجود السترة، نعم يستحب له إعارته بعد صلاته لقوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى) * ولا تجب عليه الاعارة، ويجب القبول لتمكنه من الساتر حينئذ. ب - لو بذل لهم الثوب لم يجز لهم الجماعة مع سعة الوقت وصلى كل واحد بعد آخر، لامكان ستر العورة مع الانفراد وهو واجب فلا يترك للندب، فإن خافوا فوت الوقت بالانتظار لم يجز، وصلوا عراة - عند علمائنا - محافظة على تحصيل المشروط، ولأنه موضع ضرورة فصار كالفاقد، وقال الشافعي: يجب الانتظار وإن فات الوقت تحصيلا للسترة (2). وليس بجيد. ج - لو لم يعرهم وأراد أن يصلي بهم قدم إن كان قارئا وإلا صلوا فرادى، وليس له أن يأتم بعار، لأن قيام الامام شرط في إمامة القائم. وقال الشافعي: يصح، لعدم سقوط القيام (3) وليس بجيد. د - لو اجتمع النساء والرجال فإن قلنا بتحريم المحاذاة لم تجتمع النساء معهم إلا مع حائل، وإن قلنا بالكراهة جاز أن يقف الجميع صفا، ولو كان معهم مكتس استحب له إعارة النساء بعد صلاته.

(1) المائدة: 2.
(2) الأم 1: 91، المجموع 2: 246، المهذب للشيرازي 1: 74، المغني 1: 669.
(3) المجموع 3: 186، المهذب للشيرازي 1: 73.

[ 462 ]

ه‍ - يجوز مع الحاجة أن يصلي الرجال في أكثر من صف واحد، لأن القيام يسقط حينئذ، وكذا الركوع والسجود، إلا بالايماء فيغضوا أبصارهم. و - يجوز للنساء العراة أن يصلين جماعة فتجلس إمامتهن وسطهن. ز - جوز الشيخ للعاري الصلاة في أول الوقت (1) لعموم الأمر، وتحصيلا لفضيلة أول الوقت، وحذرا من تجويز المسقط، وأوجب المرتضى، وسلار التأخير إلى آخر الوقت رجاء لحصول السترة كالمتيمم (2). ح - إذا صلوا جماعة جلسوا، وتقدم إمامهم بركبتيه، قال المرتضى: ويصلون كلهم بالايماء لأنه أستر (3)، وقال الشيخ: يؤمي الامام ويركع من خلفه ويسجد (4)، للرواية السابقة (5). ط - ليس الستر شرطا في صلاة الجنازة، لأنها دعاء، خلافا للشافعي (6). ي - لو كان على سطح ترى عورته من أسفل لم تصح صلاته لعدم الستر. وقال الشافعي: تصح، لأن الستر إنما يلزمه من الجهة التي يعتاد النظر منها، والنظر من الأسفل لا يعتاد (7). والمقدمتان ممنوعتان.

(1) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 156. (2) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 49، المراسم: 76.
(3) جمل العلم والعمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 49.
(4) المبسوط للطوسي 1: 130، النهاية: 130.
(5) التهذيب 2: 365 / 1514، وسبق في صدر المسألة.
(6) المجموع 5: 222، فتح العزيز 5: 185، المهذب للشيرازي 1: 139، مغني المحتاج 1: 344.
(7) المجموع 3: 171، فتح العزيز 4: 94، مغني المحتاج 1: 186، السراج الوهاج: 53.

[ 463 ]

يا - لو صلى في قميص واسع الجيب ترى عورته حال الركوع منه أو السجود بطلت صلاته حالة الركوع لا قبلها، وتظهر الفائدة في المأموم إذا نوى الانفراد حينئذ. يب - لا يكفي في الستر إحاطة الفسطاط الضيق به، لأنه ليس بلبس. البحث الثاني: في جنسه مسألة 117: يجوز الصلاة في كل ثوب متخذ من النباتات كالقطن، والكتان، والقنب، وسائر أنواع الحشيش بالاجماع، وكذا في جلد ما يؤكل لحمه مع التذكية لا بدونها وإن دبغ عند علمائنا أجمع، وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، وعن مالك روايتان، وكذا عن أحمد (1) لقوله صلى الله عليه وآله: (لا تستنفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلا: " لا تصل في شئ منه ولا شسع " (3)، وقال الباقر عليه السلام وقد سئل عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة؟ فقال: " لا ولو دبغ سبعين مرة " (4) ولأن الميتة نجسة، والدباغ غير مطهر، وقد سبق. وقال الشافعي: يطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير، ونقله عن علي

(1) بداية المجتهد 1: 78، القوانين الفقهية: 37، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 94، المجموع 1: 217، تفسير الرازي 5: 17، الحاوي للفتاوي 1: 12.
(2) سنن الترمذي 4: 222 / 1729، سنن أبي داود 4: 67 / 4218، سنن ابن ماجة 2: 1194 / 3613، سنن النسائي 7: 175، مسند أحمد 4: 310 و 311. (3) التهذيب 2: 203 / 793.
(4) الفقيه 1: 160 / 750، التهذيب 2: 203 / 794.

[ 464 ]

عليه السلام، وابن مسعود (1)، وقد تقدم. وقال مالك: يطهر ظاهره دون باطنه فيصلي عليه لا فيه (2)، وقال أبو حنيفة: تطهر الجلود كلها إلا الخنزير والانسان (3). وقد سبق، فجوزوا الصلاة فيه. تذنيب: يكفي في الحكم بالتذكية انتفاء العلم بموته، ووجوده في يد مسلم لا يستبيح جلد الميتة، أو في سوق المسلمين، أو في بلد الغالب فيه المسلمون، لقول العبد الصالح عليه السلام: " لا بأس بالصلاة في الفرو اليماني، وفيما صنع في أرض الاسلام " قلت: فإن كان فيها غير أهل الاسلام؟ قال: " إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس " (4). وإنما اعتبرنا في المسلم انتفاء استباحته ليحصل الظن بالتذكية، إذ لا فرق في انتفاء الظن بين المستبيح من المسلم والكافر إذ الأصل الموت ولا معارض له حينئذ، أما من لا يستبيح الميتة فإن إسلامه يمنعه من الاقدام على المحرم غالبا. ولو جهل حال المسلم فإشكال ينشأ من كون الاسلام مظنة للتصرفات

(1) الأم 1: 91، المجموع 1: 215 و 217، فتح العزيز 1: 288، مختصر المزني: 1، كفاية الأخيار 1: 8، الوجيز 1: 10، المهذب للشيرازي 1: 17، تفسير الرازي 5: 17، المغني 1: 84، الشرح الكبير 1: 97، الحاوي للفتاوي 1: 12، بدائع الصنائع: 1: 85، أحكام القرآن للجصاص 1: 115، نيل الأوطار 1: 74، الاشباه والنظائر للسيوطي: 433.
(2) المجموع 1: 217، تفسير الرازي 5: 17، الحاوي للفتاوي 1: 12 و 13.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 202، اللباب 1: 24، بدائع الصنائع 1: 85، أحكام القرآن للجصاص 1: 115، تفسير الرازي 5: 17، سبل السلام 1: 42.
(4) التهذيب 2: 368 / 1532.

[ 465 ]

الصحيحة، ومن أصالة الموت. ولو جهل إسلامه لم يجز استباحته. مسألة 118: وجلد ما لا يؤكل لحمه لا تجوز الصلاة فيه وإن ذكي ودبغ، سواء كان هو الساتر أم لا عند علمائنا أجمع، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن جلود السباع، والركوب عليها (1) ترك العمل به في غير الصلاة، فيبقى في الصلاة. ومن طريق الخاصة قول الرضا عليه السلام وقد سئل عن الصلاة في جلود السباع فقال: " لا تصل فيها " (2). وقال أبو حنيفة ومالك: يطهر بالذكاة فيصلي فيه (3)، وقال الشافعي: يطهر بالدباغ (4). وكذا المسوخ إذا ذكيت يجوز استعمال جلودها في غير الصلاة، وهي ما رواه محمد بن الحسن الأشعري عن الرضا عليه السلام قال: " الفيل مسخ كان ملكا زناء، والذئب أعرابيا ديوثا، والأرنب كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والوطواط كان يسرق تمور الناس، والقردة والخنازير قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم عليه السلام لم يؤمنوا فتاهوا فوقعت فرقة في البر، وفرقة في البحر، والفأرة وهي الفويسقة، والعقرب كان

(1) سنن أبي داود 4: 68 / 4131، سنن الدارمي 2: 85، الجامع الصغير 2: 697 / 9458، سنن البيهقي 1: 21.
(2) الكافي 3: 400 / 12، التهذيب 2: 205 / 801.
(3) بدائع الصنائع 1: 86، شرح فتح القدير 1: 83، الهداية في شرح البداية: 45، الهداية للمرغيناني 1: 21، الكفاية 1: 83، المغني 1: 88، الشرح الكبير 1: 101.
(4) الأم 1: 9 و 91، مختصر المزني: 1، المهذب للشيرازي 1: 17، الوجيز 1: 10، بدائع الصنائع 1: 86.

[ 466 ]

نماما، والدب والوزغ والزنبور كان لحاما يسرق في الميزان " (1). وأطلق الشيخان، والمرتضى النجاسة (2) والوجه: الطهارة، لرواية أبي العباس الفضل (3) الدالة على طهارة أسئار هذه الحيوانات. مسألة 119: الصوف، والشعر، والوبر، والريش تابعة فإن كانت أصولها مما لا يؤكل لحمه لم تصح الصلاة فيه، وإن كانت مما يؤكل لحمه صحت عند علمائنا أجمع، إلا ما يستثنى من الأول، لأن الصادق عليه السلام كان يكره الصلاة في وبر كل شئ لا يؤكل لحمه (4). وأما الجمهور فالقائلون بطهارته سوغوا الصلاة فيه، والقائلون بنجاسته منعوا، وقد سبق تفصيل مذاهبهم. فروع: أ - لا بأس بالصلاة في الثوب الذي يكون وبر الارانب فوقه أو تحته - خلافا للشيخ (5) - لأنه طاهر. ب - لو مزج صوف ما لا يؤكل لحمه مع صوف ما يؤكل لحمه ونسج منهما ثوب لم تصح الصلاة فيه تغليبا للحرمة على إشكال ينشأ من إباحة المنسوج من الكتان والحرير، ومن كونه غير متخذ من مأكول اللحم. وكذا لو أخذ قطعا وخيطت ولم يبلغ كل واحد منهما ما يستر العورة. ج - لا يشترط في صوف ما يؤكل لحمه، وريشه، وشعره، ووبره

(1) الكافي 6: 246 / 14، التهذيب 9: 39 / 166، علل الشرائع: 485 باب 239 الحديث 1.
(2) المقنعة: 89، الخلاف، كتاب الأطعمة والأشربة، المسألة 2، وحكى قول السيد المرتضى المحقق في المعتبر: 148.
(3) التهذيب 1: 225 / 646، الاستبصار 1: 19 / 40.
(4) التهذيب 2: 209 / 820، علل الشرائع: 342 باب 43 الحديث 1.
(5) المبسوط للطوسي 1: 82.

[ 467 ]

التذكية بل لو أخذ من الميتة جزا كان طاهرا، وصحت الصلاة فيه إجماعا منا، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (1) - خلافا للشافعي (2) - لأنه طاهر قبل موت الحيوان فكذا بعده عملا بالاستصحاب السالم عن معارضة كونه ميتا. ولقول الصادق عليه السلا: " لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، إن الصوف ليس فيه روح " (3). واحتجاج الشافعي بنموه فيكون حيا (4)، ممنوع الملازمة فيه. د - لا يشترط الجز بل لو قلع وغسل موضع الاتصال بالميتة، أو قطع موضع الاتصال كان طاهرا. مسألة 120: لا تصح الصلاة في جلود الثعالب، والأرانب، لأن الرضا عليه السلام سئل عن جلود الثعالب الذكية فنهي عن الصلاة فيها (5)، ولأنه غير مأكول اللحم فيدخل تحت العموم. وفي رواية جميل عن الصادق عليه السلام وقد سأله عن الصلاة في جلود الثعالب فقال: " إذا كانت ذكية فلا بأس " (6) والأحوط للعبادة الأول،

(1) شرح فتح القدير 1: 84، الكفاية 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح العناية 1: 84، الهداية في شرح البداية: 45، أحكام القرآن للجصاص 1: 121، المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105، زاد المستقنع: 4، المجموع 1: 236، كشف القناع 1: 57، بداية المجتهد 1: 78، المحلى 1: 122.
(2) المجموع 1: 236، المهذب للشيرازي 1: 18، المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105: بداية المجتهد 1: 78، الهداية في شرح البداية: 45، الهداية للمرغيناني 1: 21، الكفاية 1: 84 و 85، شرح العناية 1: 84، المحلى 1: 123.
(3) التهذيب 2: 368 / 1530.
(4) المغني 1: 95، الشرح الكبير 1: 105.
(5) التهذيب 2: 206 / 808، الاستبصار 1: 381 / 1446، الكافي 3: 399 / 8 وفي الأخير عن الماضي عليه السلام.
(6) التهذيب 2: 206 / 809، الاستبصار 1: 382 / 1447.

[ 468 ]

ويحمل الثاني على الضرورة، أو التقية. مسألة 121: لو عمل من جلد ما لا يؤكل لحمه قلنسوة، أو تكة فالأحوط المنع، لعموم النهي عن الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه (1). ولأن إبراهيم بن عقبة قال: كتبت إليه عندنا جوارب وتكك تعمل من وبر الارانب فهل تجوز الصلاة في وبر الارانب من غير ضرورة ولا تقية؟ فكتب: " لا تجوز الصلاة فيها " (2). وهو أحد قولي الشيخ (3)، وله قول بالكراهة (4) لما رواه محمد بن عبد الجبار، قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله هل أصلي في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه، أو تكة حرير، أو تكة من وبر الارانب؟ فكتب: " لا تحل الصلاة في الحرير المحض، وإن كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه " (5) والقول أرجح من الكتابة. مسألة 122: تجوز الصلاة في الخز الخالص لا المغشوش بوبر الارانب والثعالب عند علمائنا أجمع لأن الرضا عليه السلام سئل عن الصلاة في الخز فقال: " صل فيه " (6)، وبه قال أحمد (7) لأن الحسن بن علي عليهما السلام، ومحمد بن الحنفية لبسا الخز (8) وكسى رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا عمامة خز (9).

(1) انظر الكافي 3: 397 / 1، التهذيب 2: 209 / 818، الاستبصار 1: 383 - 384 / 1454.
(2) الكافي 3: 399 / 9، التهذيب 2: 206 / 806، الاستبصار 1: 383 / 1451.
(3) النهاية: 97.
(4) المبسوط للطوسي 1: 84.
(5) التهذيب 2: 207 / 810، الاستبصار 1: 383 / 1453.
(6) التهذيب 2: 212 / 829.
(7) المغني 1: 663، الشرح الكبير 1: 507، كشاف القناع 1: 281.
(8) المغني 1: 663.
(9) سنن أبي داود 4: 45 / 4038.

[ 469 ]

والخز دابة بحرية ذات أربع، تصاد من الماء، فإذا فقدته ماتت. ولا فرق بين كونه مذكى أو ميتا عند علمائنا، لأنه طاهر في حال الحياة، ولا ينجس بالموت فيبقى على الطهارة. وروي عن الصادق عليه السلام: " إن الله أحله وجعل ذكاته موته كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها " (1) وهو محمول على طهارتها، وإباحة الصلاة فيها لا على جواز أكلها للاجماع على المنع من أكل ما ليس بسمك، ومن السمك ما لا فلس له. فروع: أ - الأقرب جواز الصلاة في جلده، لأن سعد بن سعد سأل الرضا عليه السلام عن جلود الخز قال: " هو ذا تلبس " فقلت: ذاك الوبر جعلت فداك، قال: " إذا حل وبره حل جلده " (2) ومنع ابن إدريس من ذلك (3). ب - لا تجوز الصلاة في المغشوش بوبر الارانب والثعالب لقول الصادق عليه السلام: " الصلاة في الخز الخالص لا بأس به، أما الذي يخلط فيه وبر الارانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه " (4). ج - لو مزج بالحرير المحض صحت الصلاة كما في القطن الممتزج به لأن الباقر عليه السلام نهى عن لباس الحرير للرجال والنساء إلا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز، أو كتان، أو قطن (5).

(1) الكافي 3: 399 - 400 / 11، التهذيب 2: 211 - 212 / 828.
(2) الكافي 6: 452 / 7، التهذيب 2: 372 / 1547.
(3) السرائر: 56.
(4) الكافي 3: 403 / 26، التهذيب 2: 212 / 830، الاستبصار 1: 387 / 1469، علل الشرائع: 357 باب 71 الحديث 2.
(5) التهذيب 2: 367 / 1524، الاستبصار 1: 386 / 1468.

[ 470 ]

مسألة 123: وفي السنجاب قولان: المنع، اختاره الشيخ في موضع من النهاية (1)، لقول الصادق عليه السلام: " أن كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره، وشعره، وجلده، وبوله، وروثه، وكل شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة " (2). والجواز اختاره في النهاية أيضا والمبسوط (3) لقول أبي الحسن عليه السلام وقد سئل عن الصلاة في السمور، والسنجاب، والثعالب: " لا خير في ذلك كله ما خلا السنجاب، فإنه دابة لا تأكل اللحم " (4). وفي رواية عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: " صل في الفنك والسنجاب، فأما السمور فلا تصل فيه " (5). والأحوط الأول عملا أخذا بالمتيقن، أما الفنك والسمور فالأشهر فيهما التحريم. مسألة 124: ويحرم لبس الحرير المحض للرجال بإجماع علماء الاسلام، ولا تصح الصلاة فيه عند علمائنا أجمع - وهو رواية عن أحمد (6) - لأن النهي يدل على الفساد في العبادات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لاناثهم) (7). ومن طريق الخاصة ما رواه محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام هل يصلى في قلنسوة حرير أو ديباج؟ فكتب: " لا تحل

(1) النهاية: 586 - 587.
(2) الكافي 3: 397 / 1، التهذيب 2: 209 / 818، الاستبصار 1: 383 / 1454.
(3) النهاية: 97، المبسوط للطوسي 1: 82 - 83.
(4) الكافي 3: 401 / 16، الاستبصار 1: 384 / 1456.
(5) الكافي 3: 400 / 14، التهذيب 2: 210 / 822، الاستبصار 1: 384 / 1457.
(6) المغني 1: 661، الشرح الكبير 1: 505، المجموع 3: 180.
(7) سنن الترمذي 4: 217 / 1720، سنن النسائي 8: 161.

[ 471 ]

الصلاة في حرير محض " (1). وقال الشافعي: تصح الصلاة، وكذا لو كان معه ثوب هو وديعة عنده لا يجوز له لبسه، فإن لبسه وصلى فيه ضمن وصحت صلاته، لأن النهي ليس لأجل الصلاة فإن لبسه في غير الصلاة محرم وإذا لم يكن التحريم لأجل الصلاة لم يمنع صحتها (2). والملازمة ممنوعة. فروع: أ - الثوب المموه بالذهب لا تجوز الصلاة فيه للرجال، وكذا الخاتم المموه به، للنهي عن لبسه. ب - لا فرق في التحريم بين كونه ساترا للعورة أو لا، لأن الصلاة فيه محرمة على التقدير الثاني، وفاقده للشرط على الأول. ج - لا بأس بالحرير والذهب للنساء إجماعا، والصلاة لهن فيهما، إلا الصدوق فإنه منع من صلاتهن في الحرير لاطلاق النهي (3)، وهو ممنوع في حقهن، وفي الخنثى المشكل الأولى التحريم تغليبا للحرمة. د - يجوز لبس الحرير للضرورة كالبرد الشديد، وهو إجماع لسقوط التكليف معها، وكذا يجوز حالة الحرب لأنه يعطي قوة القلب - وبه قال أحمد، وعروة، وعطاء - لأن عروة كان له يلمق (4) من ديباج بطانته من سندس محشو قزا، وكان يلبسه في الحرب (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن لباس الحرير

(1) الكافي 3: 399 / 10، التهذيب 2: 207 / 812، الاستبصار 1: 385 / 1462.
(2) الأم 1: 91، المجمع 3: 180، المهذب للشيرازي 1: 73. (3) الفقيه 1: 171، ذيل الحديث 807.
(4) يلمق: القباء المحشو. معرب يلمه بالفارسية. لسان العرب 10: 332 " لمق ".
(5) المغني 1: 662، الشرح الكبير 1: 507.

[ 472 ]

والديباج فقال: " أما في الحرب فلا بأس به وإن كان فيه تماثيل " (1)، ولأن لبسه منع للخيلاء. وهو سائغ في الحرب، لأن النبي صلى الله عليه وآله رأى بعض أصحابه يمشي بين الصفين يختال في مشيه فقال عليه السلام: (إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن) (2). وعن أحمد رواية بالمنع للعموم، ولو احتاج إليه بأن يكون بطانة لدرع جاز عنده قطعا، وكذا درع مموه من ذهب لا يستغني عن لبسه (3). ه‍ - يجوز لبس الحرير للقمل، وصاحب الحكة والمرض إذا كان ينفعه لأن النبي صلى الله عليه وآله رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في قميص الحرير لما شكوا إليه القمل (4)، وبه قال أحمد في رواية (5)، وفي أخرى بالمنع - وبه قال مالك - للعموم، والرخصة مختصة بهما (6). وهو خطأ، لأن ما ثبت رخصة في حق صحابي ثبت في غيره لقوله صلى

(1) الكافي 6: 453 / 3، الفقيه 1: 171 / 807، التهذيب 2: 208 / 816، الاستبصار 1: 386 / 1466.
(2) السيرة النبوية لابن هشام 3: 71، دلائل النبوة للبيهقي 3: 233 - 234، مجمع الزوائد 6: 109، الجامع الكبير 1: 304، كنز العمال 4: 317 / 10685، المغازي للواقدي 1: 259.
(3) المغني 1: 662، الشرح الكبير 1: 507.
(4) صحيح البخاري 7: 195، صحيح مسلم 3: 1646 - 1647 / 2076، سنن أبي داود 4: 50 / 4056، سنن الترمذي 4: 218 / 1722، سنن ابن ماجة 2: 1188 / 3592، سنن النسائي 8: 202.
(5) المغني 1: 662، الشرح الكبير 1: 506.
(6) القوانين الفقهية: 430، المغني 1: 662، الشرح الكبير 1: 506.

[ 473 ]

الله عليه وآله: (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (1). ولا يشترط السفر للعموم، وفي وجه للشافعية: يشترط لأن السفر يشغل عن التفقد (2). و - الأقوى جواز مثل التكة، والقلنسوة من الحرير المحض، لقول الصادق عليه السلام: " كل ما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الابريسم، والقلنسوة، والخف، والزنار يكون في السراويل ويصلي فيه " (3). وفي رواية محمد بن عبد الجبار وقد كتب إلى أبي محمد عليه السلام هل يصلي في قلنسوة حرير محض، أو قلنسوة ديباج؟ فكتب: " لا تحل الصلاة في حرير محض " (4) وتحمل على الكراهة. ز - الأقرب جواز افتراش الحرير المحض، والوقوف عليه، والنوم للرجال، لوجود المقتضي وهو أصالة الاباحة السالم عن معارضة النهي المختص باللبس لانتفاء اللبس هنا. ولقول الكاظم عليه السلام وقد سأله أخوه عن فراش حرير، ومثله من الديباج، ومصلى حرير، ومثله من الديباج يصلح للرجل النوم عليه والتكأة، والصلاة؟ قال: " يفرشه، ويقوم عليه، ولا يسجد عليه " (5). وقال الشافعي، وأحمد بالمنع (6) لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى

(1) عوالي اللآلي 1: 456 / 197، الأربعون للشهيد الأول: 23، كشف الخفاء 1: 436 / 1161، وانظر المغني 2: 405، نيل الأوطار 1: 30.
(2) نيل الأوطار 2: 81.
(3) التهذيب 2: 357 / 1478.
(4) الكافي 3: 399 / 10، التهذيب 2: 207 / 812، الاستبصار 1: 385 / 1462.
(5) الكافي 6: 477 / 8، التهذيب 2: 373 / 1553.
(6) المجموع 4: 435، المهذب للشيرازي 1: 73 و 115، كفاية الأخيار 1: 99، المغني 1: 661، الشرح الكبير 1: 506، المحرر في الفقه 1: 139.

[ 474 ]

عن الجلوس عليه (1). وهو محمول على اللبس. ولا يحرم على النساء افتراشه لجواز لبسه، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الثاني: المنع وإن جاز اللبس للخيلاء (2)، وهو ممنوع. ح - لو كان الحرير ممتزجا بغيره مما تصح الصلاة فيه كالقطن، والكتان صحت الصلاة فيه عند علمائنا سواء تساويا، أو كثر أحدهما ما لم يخرج إلى اسم الحرير فيحرم، وبه قال ابن عباس، وجماعة من العلماء (3). لقول ابن عباس: إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الثوب المصمت من الحرير، وأما المعلم وسدى الثوب فليس به بأس (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " لا بأس بالثوب أن يكون سداه، وعلمه، وزره حريرا، إنما كره الحرير المبهم للرجال " (5). وللشافعية قولان: اعتبار الأكثر فإن تساويا فوجهان، واعتبار الظهور فيحرم مع ظهور الابريسم لا بدونه (6). ط - لا بأس بالمكفوف بالابريسم المحض، بأن يجعل الابريسم في رؤوس الأكمام، والذيل، وحول الزيق (7) لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى

(1) صحيح البخاري 7: 194 - 195.
(2) المجموع 3: 180، المهذب للشيرازي 1: 73، كفاية الأخيار 1: 100.
(3) المغني 1: 662، الشرح الكبير 1: 506.
(4) سنن أبي داود 4: 49 / 4055، مسند أحمد 1: 321، جامع الأصول لابن الأثير 10: 687 / 8342.
(5) الفقيه 1: 171 / 808، التهذيب 2: 208 / 817، الاستبصار 1: 386 / 1467.
(6) المجموع 4: 438، المهذب للشيرازي 1: 115، كفاية الأخيار 1: 100، المغني 1: 662 - 663.
(7) زيق القميص: ما أحاط بالعنق. مجمع البحرين 5: 179 " زوق ".

[ 475 ]

عن الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع (1). ومن طريق الخاصة قول جراح المدائني: إن الصادق عليه السلام كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج (2). ي - ما يخاط من الحرير بالكتان، أو القطن لا يزول التحريم عنه، وكذا لو بطن به الثوب، أو ظهر به لعموم النهي. يا - المحشو بالابريسم تبطل الصلاة فيه لتناول النهي له، ولما فيه من السرف، وتضييع المال. وقال الشافعي: يجوز لأنه لا خيلاء فيه (3). ونمنع التعليل. يب - لا يحرم على الولي تمكين الصغير من لبس الحرير لارتفاع التكليف عنه، وقال أحمد: يحرم (4)، وللشافعي وجهان (5) لقوله عليه السلام: (حرام على ذكور أمتي) (6). وقال جابر: كنا ننزعه عن الصبيان (7)، والمراد البالغون، وفعل جابر للتمرين وزيادة الورع.

(1) صحيح البخاري 7: 193، صحيح مسلم 3: 1644 / 15، سنن الترمذي 4: 217 / 1721 سنن أبي داود 4: 47 / 4042.
(2) الكافي 3: 403 / 27 و 6: 454 / 6، التهذيب 2: 364 / 1510.
(3) المجموع 4: 438، الأم 1: 221، المهذب للشيرازي 1: 115، المغني 1: 663.
(4) المغني 1: 664، الشرح الكبير 1: 507، المحرر في الفقه 1: 139.
(5) المجموع 4: 435 - 436، كفاية الأخيار 1: 100، مغني المحتاج 1: 306.
(6) سنن ابن ماجة 2: 1189 - 1190 / 3595 و 3597، سنن أبي داد 4: 50 / 4057، سنن الترمذي 4: 217 / 1720، سنن النسائي 8: 190.
(7) سنن أبي داود 4: 50 / 4059، جامع الأصول لابن الأثير 10: 686 - 687.

[ 476 ]

يج - لو كان في يده خاتم من ذهب أو مموه به بطلت صلاته للنهي عن الكون فيه (1). ولقول الصادق عليه السلام: " جعل الله الذهب حلية أهل الجنة، فحرم على الرجال لبسه، والصلاة فيه " (2). مسألة 125: يشترط في الثوب الملك، أو الاباحة صريحا، أو فحوى، فلا تصح الصلاة في الثوب المغصوب مع العلم بالغصب عند علمائنا أجمع - وهو إحدى الروايتين عن أحمد (3) - لأنها عبادة قد اشتملت على وجه قبح فلا تقع مجزية لأنها غير مأمور بها فيبقى في العهدة، ولأن الكون فيه محرم لأن النهي عن المغصوب منع عن وجوه الانتفاع به، والكون فيه انتفاع فيكون محرما وهو جزء من الصلاة. والثانية عن أحمد: الصحة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة وإن اتفقوا على التحريم، لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلا يمنع الصحة كما لو غسل ثوبه بالماء النجس (4). وليس بجيد، لأن الحركة التي هي القيام، والقعود، والركوع، والسجود في هذا الثوب منهي عنها وعصيان فلا يكون متقربا بما هو عاص

(1) صحيح البخاري 2: 90 و 7: 31 و 8: 61، صحيح مسلم 3: 1635 / 2066، سنن النسائي 8: 191، سنن أبي داود 4: 89 - 90 / 4222، سنن الترمذي 4: 226 / 1737 - 1738، سنن ابن ماجة 2: 1202 / 3642 و 3643، مسند أحمد 1: 81 و 2: 468.
(2) التهذيب 2: 227 / 894.
(3) المغني 1: 660، الشرح الكبير 1: 498، المحرر في الفقه 1: 43، العدة شرح العمدة: 66، المجموع 3: 180.
(4) المجموع 3: 180، المغني 1: 660، الشرح الكبير 1: 498، المحرر في الفقه 1: 43، العدة شرح العمدة: 67، المبسوط للسرخسي 1: 206.

[ 477 ]

به، ولا مأمورا بما هو منهي عنه. فروع: أ - لو جهل الغصب لم تبطل الصلاة لارتفاع النهي، ولو علمه وجهل الحكم لم يعذر. ب - لا فرق بين أن يكون الثوب هو الساتر أو غيره، بل لو كان معه خاتم، أو درهم، أو غير ذلك مغصوب وصلى فيه لم يصح، وكذا لو كان غاصبا لشئ غير مصاحب له، إلا أنه هنا لو صلى آخر الوقت صحت بخلاف المصاحب. ج - لا فرق بين أن يكون لابسا له، أو قائما عليه، أو ساجدا. د - لو نسي الغصب فالاشبه الاعادة لتفريطه بالنسيان. ه‍ - لو أذن المالك للغاصب أو لغيره صحت صلاته لزوال المانع، ولو أذن مطلقا جاز لغير الغاصب عملا بظاهر الحال. و - الأقوى صحة الصلاة في المبيع فاسدا مع الجهل بالفساد، أو الحكم، أما العالم فالوجه البطلان إن لم يعلم البائع الفساد، ويحتمل الصحة للاذن، وكذا البحث في الاجارة. مسألة 126: يشترط في الثوب والبدن الطهارة - إلا ما يستثنى - عند علمائنا أجمع، فلو صلى في النجس مع العلم بالنجاسة بطلت صلاته سواء كان هو الساتر أم لا، وبه قال أكثر العلماء منهم ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد وأصحاب الرأي (1) لقوله تعالى:

(1) الأم 1: 55، المجموع 3: 132، فتح العزيز 4: 14، تفسير الرازي 30: 191، الوجيز 1: 46، المهذب للشيرازي 1: 66 و 67، مغني المحتاج 1: 188، الشرح الصغير 1: 26، المغني 1: 750، الشرح الكبير 1: 509، المبسوط للسرخسي 1: 60، بدائع الصنائع 1: 114، مسائل أحمد: 41.

[ 478 ]

* (وثيابك فطهر) * (1). قال ابن سيرين: هو الغسل بالماء (2). وقال عليه السلام: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبيرة، أما أحدهما فكان لا يستنزه (3) من بوله) (4). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلا: " إن أصاب ثوب الرجل الدم وعلم قبل أن يصلي فيه ونسي وصلى فيه فعليه الاعادة " (5) ولأنها إحدى الطهارتين فكانت شرطا للصلاة كالطهارة من الحدث. وروي عن ابن عباس: ليس على الثوب جنابة، ونحوه عن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، والنخعي (6). وقال ابن أبي ليلى: ليس في ثوب إعادة (7). وهو مدفوع بالاجماع. وكذا طهارة الجسد شرط بالاجماع، وقوله عليه السلام للمستحاضة: (اغسلي عنك الدم) (8).

(1) المدثر: 4.
(2) المغني 1: 750، الشرح الكبير 1: 509، تفسير القرطبي 19: 65.
(3) في نسخة (م) وبعض المصادر: لا يستبرئ.
(4) صحيح البخاري 1: 64، صحيح مسلم 1: 240 / 292، سنن ابن ماجة 1: 125 / 347، سنن النسائي 1: 29، سنن أبي داود 1: 6 / 20، سنن الترمذي 1: 47 و 48 / 70، سنن الدارمي 1: 188، مسند أحمد 1: 225.
(5) التهذيب 1: 254 / 737، الاستبصار 1: 182 / 637.
(6) المغني 1: 750، الشرح الكبير 1: 509. (7) المغني 1: 750، الشرح الكبير 1: 509.
(8) صحيح البخاري 1: 84، صحيح مسلم 1: 262 / 333، سنن ابن ماجة 1: 203 / 621، سنن النسائي 1: 122 و 124، سنن أبي داود 1: 74 / 282، سنن الترمذي 1: 217 / 125، سنن الدارمي 1: 198، مسند أحمد 6: 194.

[ 479 ]

ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الكلب يصيبه جسد الرجل قال: " يغسل الموضع الذي أصابه " (1). فروع: أ - لو سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه، أو أزالها في الحال من غير فعل كثير صحت صلاته - وبه قال الشافعي (2) - لأن النجاسة عفي عن يسيرها فعفي عن يسير زمنها. ب - لو كان طرف ثوبه نجسا لم تجز الصلاة إذا كان حاملا له، أو كان ينتقل بقيامه ويقلها من الأرض، ولو كان الطرف موضوعا على الأرض والآخر حامل له صحت صلاته إذا لم يقله بالحركة، وقال الشافعي: تبطل صلاته (3). ج - لو كان طرف ثوبه متصلا بالنجاسة لم يمنع ذلك من الصلاة إلا أن يكون لو قام أقله من الأرض، ولا عبرة بحركتها بحركته وهي على الأرض - وبه قال أبو حنيفة (4) - عملا بأصالة الصحة السالم عن معارضة لبس النجاسة، وقال الشافعي: تبطل وإن لم يتحرك بحركته (5). ولو كان أحد طرفي الحبل نجسا وقبض الطاهر صحت صلاته، وإن تحرك النجس بحركته، خلافا للشافعي فيما إذا تحرك بحركته، وله فيما إذا

(1) التهذيب 1: 23 / 61 و 260 / 758، الاستبصار 1: 90 / 287.
(2) الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 11، المغني 1: 752، الشرح الكبير 1: 512.
(3) فتح العزيز 4: 22.
(4) المجموع 3: 148، فتح العزيز 4: 22.
(5) المجموع 3: 148، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 22، المهذب للشيرازي 1: 68، مغني المحتاج 1: 190.

[ 480 ]

لم يتحرك وجهان بخلاف العمامة لأنها ملبوسة (1). د - لو شد وسطه بحبل وطرفه الآخر مشدود بكلب صحت صلاته إذا لم يقل الكلب بحركته - خلافا للشافعي (2) - ولو كان طرفه الآخر مشدودا في ساجور (3) كلب صحت صلاته أيضا وإن انتقل الساجور خاصة بقيامه خلافا للشافعي في أحد الوجهين (4). ولا فرق بين كون الكلب صغيرا أو كبيرا حيا أو ميتا، وأوجب الشافعي الاعادة فيما إذا كان الكلب صغيرا أو ميتا قطعا بخلاف الكبير لأن له قوة الامتناع (5). ولو كان الطرف تحت رجله لم يكن به بأس إجماعا، لأن ما تحت قدمه طاهر، وليس هو بحامل للنجاسة، ولا لما هو متصل بها. ه‍ - لو كان طرف مصلاه نجسا خارجا عن مسقط جسده جاز وكان كما لو اتصلت الأرض بموضع نجس. و - لو وضع على النجس بساط أو شبهه طاهر صحت الصلاة، لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن المنازل التي ينزلها الناس فيها أبوال الدواب والسرجين، ويدخلها اليهود والنصارى كيف يصنع بالصلاة فيها؟: " صل على ثوبك " (6). ز - لو كان الحبل مشدودا في زورق فيه نجاسة، والآخر في وسطه،

(1) المجموع 3: 149، الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 22 - 23، مغني المحتاج 1: 190.
(2) المجموع 3: 148، فتح العزيز 4: 23، المهذب للشيرازي 1: 68.
(3) الساجور: خشبة تجعل في عنق الكلب. الصحاح 2: 677 " سجر ".
(4) الوجيز 1: 46، فتح العزيز 4: 23، مغني المحتاج 1: 190.
(5) المجموع 3: 148، فتح العزيز 4: 25، المهذب للشيرازي 1: 68.
(6) الكافي 3: 392 / 25، الفقيه 1: 157 / 733، التهذيب 2: 374 / 1556.

[ 481 ]

فإن كان الشد في موضع نجس صحت صلاته عندنا على ما تقدم، خلافا للشافعي، وإن كان في طاهر فله قولان (1). ج - لو صلى وفي كمه قارورة مضمومة فيها نجاسة لم تصح صلاته، لأنه حامل للنجاسة. وقال ابن أبي هريرة من الشافعية: تصح إذا كانت مضمومة بالرصاص، لأنه يجري مجرى باطن الحيوان (2). وهو غلط، لأن تلك نجاسة في معدنها، وهذه في غير معدنها. ط - لو صلى وفي كمه حيوان طاهر غير مأكول اللحم صحت صلاته، لأن باطن الحيوان معفو عنه، فإن المصلي في باطنه نجاسة - وبه قال الشافعي (3) - لأن الحسن والحسين عليهما السلام ركبا النبي صلى الله عليه وآله وهو ساجد (4). ولو كان نجسا كالكلب والخنزير لم تصح صلاته. ولو حمل حيوانا مذبوحا وقد غسل موضع الدم منه، فإن كان مأكول اللحم صحت صلاته - خلافا للشافعي (5) - وإن كان غير مأكول لم تصح، لأن باطن الحيوان لا حكم له إذا كان حيا فإذا زالت الحياة صار حكم الظاهر والباطن سواء، وجرى مجرى القارورة. مسألة 127: كل ما لا تتم الصلاة فيه منفردا كالتكة، والجورب، والقلنسوة، والخف، والنعل تجوز الصلاة فيه وإن كان نجسا، ذهب إليه

(1) المجموع 3: 148، المهذب للشيرازي 1: 68. (2) المجموع 3: 150، فتح العزيز 4: 41.
(3) المجموع 3: 150، المهذب للشيرازي 1: 68.
(4) مستدرك الصحيحين 3: 165 - 166 و 167 و 626، سنن البيهقي 2: 263، أسد الغابة 2: 389، مجمع الزوائد 9: 175 و 181 و 182.
(5) المجموع 3: 150، فتح العزيز 4: 41، مغني المحتاج 1: 192.

[ 482 ]

علماؤنا عملا بالأصل. ولقول الصادق عليه السلام: " كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة، والتكة، والخفين وما أشبه ذلك " (1). وخالف الجمهور في ذلك، لأنه حامل نجاسة، والجواب المنع من الفساد مطلقا، فإن الحاجة قد تدعو إلى هذه الأشياء فوجب العفو عنها. فروع: أ - خص بعض علمائنا هذه الأشياء الخمسة بالرخصة (2)، والوجه: العموم فيها وفيما شابهها كالسوار، والخاتم، وشبهه. ب - لو كان الخاتم، أو أحد هذه، وشبهها نجسا وصلى في المسجد لم تصح صلاته للنهي عن الكون في المسجد بنجاسة، وكذا لو كانت النجاسة معفوا عنها في الثوب كالدم اليسير. ولو كانت النجاسة خارجة عن ثوبه وبدنه، بل في نفس المسجد، أمكن بطلان الصلاة في أول وقتها مع تمكنه من إزالتها. ج - الأقرب أن العفو عن هذه الأشياء إنما هو إذا كانت في محالها فلو كانت القلنسوة في يده فالوجه: المنع. د - ألحق ابن بابويه العمامة بها (3)، ويحمل على عمامة صغيرة ليست ساترة للعورة بانفرادها. مسألة 128: لو نجس أحد الثوبين واشتبه طرحهما وصلى في غيرهما،

(1) التهذيب 1: 275 / 810.
(2) هو أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 140.
(3) الفقيه 1: 42 ذيل الحديث 167.

[ 483 ]

لأن المشتبه بالنجس كالنجس في وجوب الامتناع منه، لعدم العلم بالشرط الذي هو الطهارة فيه. ولو لم يجد غيرهما لعلمائنا قولان: النزع وأن يصلي عريانا (1) - وبه قال أبو ثور، والمزني (2) - كالأواني النجسة. وقال ابن إدريس: لا يجوز له أن يشرع في صلاة يشك في صحتها، والعلم بأنه قد صلى في ثوب طاهر بعد صلاته فيهما غير نافع، لأن الواجب يقارنه الوجه المقتضي وجوبه فلا يكون متأخرا عنه (3). وليس بجيد، فإن الفرق واقع بين الثياب والأواني لعدم تمكنه من استعمالها، وينجس به في الحال وفيما بعد، والثوب النجس قد تباح الصلاة فيه إذا لم يجد غيره، بخلاف الماء النجس، والشك ممنوع فإن ستر العورة شرط وهو متمكن منه بفعل صلاتين فتجبان معا، وليس اليقين بالطهارة شرطا، بل عدم العلم بالنجاسة، وهو حاصل في الثوبين. والوجه لو سلم مقارنته فإنه مقارن هنا، لأن المقتضي لوجوبهما تحصيل ستر العورة، كما أن المأمور بالصلاة يجب عليه الوضوء لتوقفها عليه، وإن كانت الصلاة متأخرة لأنه ليس وجه وجوب الوضوء الصلاة بل التمكن منها، وكونها لا تتم إلا به. الثاني: أن يصلي في كل ثوب بعدد النجس ويزيد واحدة (4) وهو الأقوى

(1) قال به ابن إدريس في السرائر: 37، ويحيى بن سعد الحلي في الجامع للشرائع: 24.
(2) المغني 1: 82، الشرح الكبير 1: 82.
(3) السرائر: 37.
(4) قال به الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 90 - 91، والخلاف 1: 481 المسألة 224، والنهاية: 55، والمحقق في المعتبر: 121.

[ 484 ]

عندي - وبه قال أحمد، وابن الماجشون (1) - لأنه تمكن من أداء الصلاة في ثوب طاهر بيقين فيجب، كما لو اشتبه الطهور بالطاهر، وكما لو نسي صلاة من يوم. ولما رواه صفوان بن يحيى قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في رجل معه ثوبان أصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: " يصلي فيهما جميعا " (2). وقال أبو حنيفة، والشافعي: يتحرى فيهما كالقبلة (3). والفرق مشقة اعتبار اليقين في القبلة لكثرة الاشتباه فيها، ولأن الاشتباه في الثوبين حصل بالتفريط لأنه كان يمكنه تعليم النجس أو غسله، ولا يمكنه ذلك في القبلة، ولأن القبلة عليها أدلة من النجوم، والشمس، والقمر، وغيرها فيصح الاجتهاد في طلبها ويقوى دليل الاصابة لها بحيث لا يبقى احتمال الخطأ إلا وهما ضعيفا بخلاف الثياب. فروع: أ - لو وجد المتيقن طهارته مع الثوبين المشتبهين صلى في المتيقن، لأن وجه الوجوب وهو التمكن من الصلاة في ثوب طاهر موجود في الثوب فيتعين. ب - لو لم يعلم عدد النجس صلى فيما يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر، فإن كثر ذلك وشق فالوجه: التحري دفعا للمشقة.

(1) المغني 1: 82، الشرح الكبير 1: 82، بلغة السالك 1: 33. (2) الفقيه 1: 161 / 757، التهذيب 2: 225 / 887.
(3) المجموع 3: 144، فتح العزيز 4: 21، مختصر المزني: 18، مغني المحتاج 1: 189، المهذب للشيرازي 1: 68، المغني 1: 82، الشرح الكبير 1: 82.

[ 485 ]

ج - لو ضاق الوقت عن الصلاة في الجميع صلى فيما يحتمله الوقت وإن كانت واحدة، ويتخير في الساقطة والمأتي بها إذا لم يتغلب عنده النجس. د - لو أداه اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فإن كان لأمارة فالوجه: لزوم الصلاة فيه مع ضيق الوقت، ويحتمل مع اتساعه تعدد الصلاة. والشافعي جوز التحري فأوجب الصلاة فيه مطلقا ولا إعادة عليه، فلو غسل الثوب الآخر فصلى فيه صحت صلاته (1) ولو جمع بين المغسول والطاهر بالتحري والاجتهاد، ثم صلى فيهما لم تصح عندنا، لأن المشتبه بالنجس كالمتيقن نجاسته في المنع. واختلفت الشافعية، فقال بعضهم: لا تصح، لأنه تيقن حصول النجاسة ولم يتيقن زوالها لأن الذي غسله يحتمل أن يكون هو الطاهر. وقال آخرون: تصح، لأن المغسول طاهر قطعا، والآخر طاهر اجتهادا، فيجري مجرى اليقين، ولهذا يصح أن يصلي فيه (2). وهو ممنوع. ه‍ - لو لم يغلب على ظنه طهارة أحد الثوبين صلى في كل منهما منفردا على ما اخترناه، وعريانا على قول بعض علمائنا (3). وبه قال الشافعي، لكنه أوجب الاعادة خلافا لنا، لأن معه ثوبا طاهرا بيقين، قال: ولا يجوز أن يصلي في كل منهما لأنه يؤدي إلى أن يصلي بنجاسة متيقنة وهو حرام (4).

(1) المجموع 3: 145، فتح العزيز 4: 18 - 19.
(2) المجموع 3: 145، فتح العزيز 4: 20 - 21، المهذب للشيرازي 1: 68.
(3) السرائر: 37.
(4) المجموع 3: 144، فتح العزيز 4: 21 و 104.

[ 486 ]

ونحن لا نوجب الاعادة لو قلنا بنزعهما، لأنه فعل المأمور به شرعا فيخرج عن العهدة. وتحريم الصلاة في الثوب النجس لا يستلزم تحريمها في المشتبه لاستدراك مصلحة الصلاة في الثوب الطاهر. و - لو اشتبه الثوبان - ولا ظن - ومعه من الماء ما يغسل أحدهما، لزمه عندنا تحصيلا ليقين الطهارة. وهو أظهر مذهبي الشافعي، وفي الآخر: لا يجب، لأن الثوب الذي يريد غسله لا يعلم نجاسته، ولا يمكن أن يؤمر بغسل ما لا يعلم نجاسته (1). والثانية ممنوعة. ز - لو اشتبه الثوبان ومعه ثالث طاهر بيقين لم يجز له الاجتهاد عندنا، ويصلي في الطاهر، وهو ظاهر. وللشافعي وجهان (2). وكذا لو قدر على غسل أحدهما منع من الاجتهاد. وللشافعي وجهان (3). ح - لو تلف أحد الثوبين لم يجتهد عندنا، وهو ظاهر على مذهبنا. وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، إذ المقصود من الاجتهاد معرفة الطاهر من النجس بالتمييز بينهما وقد تعذر، وثبوته لتمكنه من التوصل إلى معرفة صفة الباقي من طهارة أو نجاسة بأمارات تدل عليه (4). إذا ثبت المنع من الاجتهاد فماذا يصنع؟ يحتمل وجهان: الصلاة فيه وإعادتها عريانا، لأنه إن كان طاهرا حصل بالصلاة فيه

(1) المجموع 3: 145، فتح العزيز 4: 21. (2 و 3) المجموع 3: 144.
(4) المجموع 3: 146.

[ 487 ]

الصلاة في ثوب طاهر، وهو المأمور به فيخرج عن العهدة، وإن كان نجسا أجزأته الصلاة عاريا. والصلاة عاريا خاصة، لأصالة البراءة السالم عن معارضة اليقين بالصلاة في ثوب طاهر مع التعذر بخلاف الثوبين، وكذا لو انصب أحد المشتبهين بالمضاف احتمل استعمال الآخر مع التيمم، والاكتفاء بالتيمم. ط - لو غسل أحدهما من غير اجتهاد تعين عليه الصلاة فيه، وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني: له أن يصلي في الآخر (1). ي - لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد غسل الثوب كله ولم يجز التحري، وهو مذهب الشافعي أيضا (2) خلافا له في الثوبين. مسألة 129: يجوز أن يصلي في ثوب عمله المشرك إذا لم يعلم مباشرته له برطوبة، لأصالة الطهارة. ولأن المعلى بن خنيس سمع الصادق عليه السلام: " يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس، والنصارى، واليهود " (3). وقال معاوية بن عمار سألت الصادق عليه السلام عن الثياب السابرية (4) يعملها المجوس وهم أخباث، وهم يشربون الخمر، ونساؤهم على تلك الحال ألبسها، ولا أغسلها، وأصلي فيها؟ قال: " نعم " (5).

(1) المجموع 3: 146.
(2) المجموع 3: 143، مختصر المزني: 18، المهذب للشيرازي 1: 68، المغني 1: 766، كفاية الأخيار 1: 56.
(3) التهذيب 2: 361 / 1496.
(4) الثياب السابرية: وهو ضرب من الثياب الرقاق تعمل بسابور وهو موضع بفارس. مجمع البحرين 3: 322 " سبر ". (5) التهذيب 2: 362 / 1497.

[ 488 ]

وسأله عليه السلام عبيد الله الحلبي عن الصلاة في ثوب المجوسي فقال: " يرش بالماء " (1). ووجه الجميع حمل الثاني على الاستحباب، أو على علم المباشرة بالرطوبة، أو الظن، والشيخ منع في المبسوط من ذلك (2)، وهو حسن، لغلبة الظن بالمباشرة بالرطوبة. فروع: أ - يستحب غسل هذه الثياب إذا لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة، فإن علم أو ظن وجب. ب - تجوز الصلاة في ثياب الصبيان، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي وهو حامل لامامة بنت أبي العاص (3). ج - يجوز أن يصلي في ثوب الحائض، لأصالة الطهارة، وقال عليه السلام لعائشة: (ناوليني الخمرة) فقالت: إني حائض، فقال صلى الله عليه وآله: (ليس حيضتك في يدك) (4). د - يجوز أن يصلي في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم يعلم فيه نجاسة لطهارته.

(1) التهذيب 2: 362 / 1498.
(2) المبسوط للطوسي 1: 84.
(3) صحيح البخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 / 543، سنن النسائي 3: 10، الموطأ 1: 170 / 81، سنن أبي داود 1: 241 - 242 / 917 - 920.
(4) صحيح مسلم 1: 245 / 298 و 299، سنن النسائي 1: 146 و 192، سنن الترمذي 1: 241 / 134، سنن ابن ماجة 1: 207 / 632، سنن أبي داود 1: 68 / 261، سنن الدارمي 1: 248، مسند أحمد 2: 70، سنن البيهقي 1: 189، المنتقى لابن الجارود: 51 / 102 معرفة السنن والآثار 1: 441، مسند الطيالسي: 203 / 1430

[ 489 ]

ولو أصابه مني لم يجز الصلاة فيه عندنا، لأنه نجس خلافا للشافعي (1). ولو أصابه مذي صحت الصلاة فيه عندنا، لأنه طاهر. خلافا للشافعي (2). ولو أصابه من رطوبة فرج المرأة فهو طاهر إن لم يكن منيا، وللشافعي وجهان: النجاسة كالمذي، والطهارة، لأنه عرق الفرج (3). ه‍ - لو أعار ثوبه من لا يتقي النجاسة استحب له غسله ولا يجب عملا بالأصل، لأن عبد الله بن سنان سأل الصادق عليه السلام عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري، ويشرب الخمر، فيرده أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: " لا يصلي فيه حتى يغسله " (4). و - المسك طاهر يجوز أن يصلي فيه عملا بالأصل، ولما رواه علي بن جعفر عن أخيه الكاظم عليه السلام قال: سألته عن فأرة المسك تكون مع الرجل يصلي وهي في جيبه أو ثيابه فقال: " لا بأس بذلك " (5) وكتب عبد الله بن جعفر إلى أبي محمد العسكري عليه السلام يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة مسك؟ فكتب: " لا بأس به إذا كان ذكيا " (6).

(1) الأم 1: 55، مختصر المزني: 18، المجموع 2: 553 و 554، المهذب للشيرازي 1: 54، المغني 1: 772، بداية المجتهد 1: 82.
(2) المجموع 2: 552، الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 53 و 54.
(3) المجموع 2: 570، المهذب للشيرازي 1: 55.
(4) التهذيب 2: 361 / 1494، الاستبصار 1: 393 / 1498 وفيهما: عن عبد الله ابن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام.... فلاحظ.
(5) الفقيه 1: 164 - 165 / 775، التهذيب 2: 362 / 1499.
(6) التهذيب 2: 362 / 1500.

[ 490 ]

مسألة 130: لو صلى في ثوب نجس عالما بذلك أعاد بالاجماع عند من شرط الطهارة، ومع الخروج القضاء، لأنه لم يفعل المأمور به على وجهه فيبقى في العهدة. ولو علم النجاسة ثم نسيها وصلى فقولان: أحدهما: أنه يعيد مطلقا في الوقت وخارجه اختاره الشيخان، والمرتضى (1)، وهو المعتمد - وبه قال الشافعي (2) - لأنه أخل بالشرط بتفريطه بالنسيان فلزمه القضاء. ولقول الصادق عليه السلام: " إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة " (3). وقال الشيخ في موضع: لا يعيد مطلقا (4) - وبه قال أحمد (5) - لأن العلاء سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يصيب ثوبه الشئ فينجسه فينسى أن يغسله ويصلي فيه، ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ فقال: (لا يعيد وقد مضت صلاته وكتبت له " (6). ولأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، بل النسيان أولى لورود النص بالعفو فيه، لقوله عليه السلام: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان) (7).

(1) المقنعة: 24، المبسوط للطوسي 1: 38، وحكى قول المرتضى المحقق في المعتبر: 122.
(2) المجموع 3: 131 و 157، كفاية الأخيار 1: 57، المحلى 3: 207.
(3) التهذيب 1: 254 / 737، الاستبصار 1: 182 / 637.
(4) لم نعثر على قوله كما في المتن، والذي في الاستبصار 1: 184 ذيل الحديث 642: عدم الاعادة خارج الوقت لا مطلقا، فلاحظ.
(5) المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 512، كشاف القناع 1: 292.
(6) التهذيب 1: 423 / 1345 و 2: 360 / 1492، الاستبصار 1: 183 - 184 / 642.
(7) سنن البيهقي 6: 84.

[ 491 ]

قال الشيخ في التهذيب: هذا الخبر شاذ (1)، وأشار إلى رواية العلاء، ونحن نحمله على ما إذا لم يعلم، والنسيان حقيقة في الترك، فيحمل على الترك لعدم العلم. وهذا وإن كان بعيدا لكن فيه جمع بين الأدلة فيكون أولى، والعفو عن النسيان لا يوجب ترك القضاء بل مفهومه هنا عدم الإثم، ونحن نقول به. وهنا قول ثالث مشهور لعلمائنا: أنه يعيد في الوقت دون خارجه، لأنه ما دام في الوقت يكون في عهدة التكليف لعدم فعل ما أمر به، وبعد الخروج يكون قضاء، والأصل عدمه إلا بأمر مجدد. ولو لم يعلم بالنجاسة حتى فرغ من صلاته وتيقن حصولها في ثوبه أو بدنه حال الصلاة فقولان لعلمائنا: أحدهما: الاجزاء، اختاره الشيخان، والمرتضى (2) - وبه قال ابن عمر، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، وإسحاق، وابن المنذر، والأوزاعي، والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين (3) - لما رواه أبو سعيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلع الناس نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاته قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال صلى الله عليه وآله: (إن

(1) التهذيب 2: 360 ذيل الحديث 1492.
(2) النهاية: 52، وحكى قول المفيد والمرتضى، المحقق في المعتبر: 122.
(3) المجموع 3: 156 و 157، المهذب للشيرازي 1: 69، المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 511.

[ 492 ]

جبرئيل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) (1) ولو كانت الطهارة شرطا مع عدم العلم لوجب استئناف الصلاة. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام وقد سأله أبو بصير عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة، أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم قال: " قد مضت صلاته ولا شئ عليه " (2). ولأنه مأمور بالصلاة في ثوب لا يعلم فيه نجاسة فيخرج عن العهدة بالامتثال. الثاني: وجوب الاعادة في الوقت لا خارجه، اختاره الشيخ في موضع من النهاية (3) - وبه قال ربيعة، ومالك - لأنه لم يفعل ما أمر به (4) وهو الصلاة في ثوب طاهر، فوجبت الاعادة، ولا يجب القضاء، لأنه بأمر مجدد ولم يثبت. وقال الشافعي: يعيد مطلقا، وهو رواية عن أحمد، وقول أبي قلابة، لأنها طهارة مشترطة للصلاة فلا تسقط بالجهل كطهارة الحدث (5). والفرق أن طهارة الحدث آكد، لأنه لا يعفى عن يسيرها. فروع: أ - لو صلى ثم رأى النجاسة على ثوبه أو بدنه لم تجب الاعادة لاحتمال تجددها، والأصل عدمها في الصلاة، ولا نعلم فيه خلافا إلا ما

(1) سنن الدارمي 1: 320، سنن أبي داود 1: 175 / 650، مسند أحمد 3: 20 و 92.
(2) الكافي 3: 405 / 6، التهذيب 2: 360 / 1489، الاستبصار 1: 181 / 634.
(3) النهاية: 8.
(4) المدونة الكبرى 1: 34، المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 511.
(5) المجموع 3: 157، المغني 1: 751، الشرح الكبير 1: 511.

[ 493 ]

روي عن أبي حنيفة: أن النجاسة إن كانت رطبة أعاد صلاة واحدة، وإن كانت يابسة وكان في الصيف فكذلك، وإن كان في الشتاء أعاد صلوات يوم وليلة (1). ب - لو رآها على ثوبه أو بدنه في أثناء الصلاة رماها عنه، وأتم صلاته، لعدم العلم بالسبق، ولو لم يتمكن من رميها، ولا رمي الثوب عنه، استأنف الصلاة في ثوب طاهر، تحصيلا للشرط، ولما رواه محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام قال: " إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول " (2). ج - لو وقعت عليه نجاسة وهو في الصلاة ثم زالت وهو لا يعلم ثم علم استمر على حاله على أحد قولي الشيخ، ويستأنف على الآخر (3). مسألة 131: المربية للصبي إذا لم يكن لها إلا ثوب واحد أجزأها غسله في اليوم مرة واحدة، وتصلي باقي الصلوات وإن كان فيه نجاسة دفعا للمشقة الحاصلة بالتكليف بغسله عند كل صلاة، وربما تعذر يبسه ولبسه رطبا. ولقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص ولها مولود يبول كيف تصنع؟ قال: " تغسل القميص في اليوم مرة " (4). ولأن تكرار بول الصبي يجري مجرى دم القرح أو السلس الذي لا يمنع استصحاب الثوب في الصلاة.

(1) فتح العزيز 4: 70. (2) التهذيب 1: 252 / 730 و 2: 223 / 880.
(3) يستفاد ذلك مما ذكره في النهاية: 52 والمبسوط 1: 90 فلاحظ.
(4) الفقيه 1: 41 / 161، التهذيب 1: 250 / 719.

[ 494 ]

فروع: أ - المراد باليوم هنا الليل والنهار لدخولهما تحته، وفي حديث عن الكاظم عليه السلام وقد سأله عبد الرحيم القصير عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل فقال: " يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة " (1). والراوي ضعيف، والوجه وجوب تكرار الغسل فإن تعسر فلا بأس بالرواية دفعا للمشقة. ب - في المربية للصبية إشكال ينشأ من عدم التنصيص على العلة فيقتصر على مورد النص، خصوصا مع غلظ نجاسة بولها، ومن الاشتراك في المشقة. ج - الظاهر مشاركة المربي للصبي للمربية إذ لا مدخل للأنوثة هنا. د - لو نجس بعذرته فإشكال منشؤه ما تقدم، ولو نجس بغير البول والعذرة - كدمه - فالوجه عدم الالحاق. ه‍ - تتخير في وقت غسله والأفضل أن تؤخره إلى أن تجتمع الصلوات الأربع عدا الصبح فيه، وفي وجوبه إشكال ينشأ من الاطلاق، ومن أولوية طهارة أربع على طهارة واحدة. و - لو كان لها ثوب طاهر لم يجز لها الصلاة في النجس، وإن غسلته مرة، ولو كان لها ثوبان لم تكتف بالمرة أيضا لزوال المشقة مع التعدد. مسألة 132: النجاسات المغلظة يعفى عنها في مواضع أربعة: الأول: ما لا تتم الصلاة فيه منفردا، خلافا للجمهور.

(1) الكافي 3: 20 / 6، الفقيه 1: 43 / 168، التهذيب 1: 353 / 1051 و 424 / 1349.

[ 495 ]

الثاني: محل الاستنجاء من الغائط خاصة بعد الاستجمار، لأنه طاهر عندنا - وبه قال أحمد - (1) لقوله صلى الله عليه وآله في الروث والرمة (2): (أنهما لا يطهران) (3) مفهومه أن غيرهما يطهر. الثالث: أسفل الخف والحذاء والقدم إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض حتى زالت عينها طهرت عندنا، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايات (4). وقال الشافعي: لا يطهرها إلا الماء كسائر النجاسات. وهو رواية عن أحمد (5)، وفي ثالثة: يجب غسل البول والغائط خاصة (6). ولا فرق بين الدلك حال يبوسة النجاسة أو رطوبتها مع زوال الرطوبة. الرابع: إذا جبر عظمه بعظم نجس كعظم الكلب، والخنزير، والكافر، فإن تمكن من نزعه من غير ضرر وجب لئلا يصلي مع النجاسة، وإن تعذر لخوف ضرر لم يجب قلعه - وبه قال الشافعي، وأحمد (7) - لأنه حرج فيكون منفيا، ولأنها نجاسة متصلة كاتصال دمه فيكون معفوا عنها. وقال بعض الشافعية: يجب قلعه وإن أدى إلى التلف، لجواز قتل الممتنع من صلاته فكذا هذا، لأنه منع صحة صلاته بالعظم النجس (8)، وهو

(1) المغني 1: 764، المحرر في الفقه 1: 7. (2) الرمة: العظام البالية. لسان العرب 12: 252.
(3) سنن الدار قطني 1: 56 / 9، وانظر: المغني 1: 765.
(4) المغني 1: 765، المحرر في الفقه 1: 7.
(5) فتح العزيز 4: 45، كفاية الأخيار 1: 56، المغني 1: 765، المحرر في الفقه 1: 7.
(6) المغني 1: 765.
(7) المجموع 3: 138، فتح العزيز 4: 27، السراج الوهاج: 54، المغني 1: 766.
(8) المجموع 3: 138، فتح العزيز 4: 27، المهذب للشيرازي 1: 67، الوجيز 1: 46.

[ 496 ]

خطأ، لأن النجاسة يعفى عنها مطلقا في مواضع، وللضرورة مطلقا، ولا يعفى عن الصلاة مطلقا. وقال أبو حنيفة: لا يجب قلعه مطلقا وإن لم يلحقه ضرر ولا ألم (1)، لأنه صار باطنا، كما لو شرب خمرا أو أكل ميتة. والفرق مع تسليم الأصل أنه أوصل نجاسة إلى معدنها، ويتعذر في العادة إخراجها، وفي صورة النزاع أوصلها إلى غير معدنها فأشبه ما إذا وصل شعره بشعر غيره. فروع: أ - لو جبر عظمه بعظم طاهر العين في الحياة جاز، لأن الموت لا ينجس عظمه ولا شعره. ولو جبره بعظم آدمي فإشكال ينشأ من وجوب دفنه، ومن طهارته، ورواية الحسين بن زرارة عن الصادق عليه السلام عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن ميت مكانه قال: " لا بأس " (2). ب - لو مات المجبور عظمه بالعظم النجس لم ينزع، لسقوط التكليف عنه، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو إسحاق من أصحابه: نزعه أولى، لئلا يلقى الله تعالى بمعصية (4) (5). وهو خطأ لعدم زوالها بنزعه. ج - التدليس بوصل شعر المرأة بشعر غيرها حرام عندنا، ولو وصلت

(1) المجموع 3: 138، فتح العزيز 4: 27، الوجيز 1: 46.
(2) مكارم الأخلاق: 95.
(3) الأم 1: 54، المجموع 3: 138، فتح العزيز 4: 27، الوجيز 1: 47. (4) في نسخة (ش): بغضبه.
(5) فتح العزيز 4: 27، المجموع 3: 138 وفيهما نسب هذا القول إلى أبي العباس.

[ 497 ]

بشعر غير الآدمي جاز، وكرهه الشافعي للخالية من زوج ومولى، للغش (1)، وكرهه أحمد مطلقا (2). ولا بأس بالقرامل - وبه قال أحمد، وسعيد بن جبير (3) - وهي ما تواصل بالذوائب. د - لو سقطت سنه جاز أن يردها - وبه قال أحمد (4) - لأنها طاهرة، ولما تقدم من الحديث (5) على إشكال سبق. ومنعه الشافعي (6) لقوله عليه السلام: (ما أبين من حي فهو ميت) (7) والمراد ما تحله الحياة. ولو لم تسقط جاز ربطها إجماعا - ولو بالذهب - لأنه موضع حاجة، وجوز رسول الله صلى الله عليه وآله لعرفجة بن أسعد لما أصيب أنفه يوم الكلاب أن يتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه فأمره أن يتخذ أنفا من ذهب (8). ه‍ - لو شرب خمرا أو أكل ميتة لغير ضرورة فالأقرب وجوب قيئه، لحرمة الاغتذاء به، وهو ظاهر قول الشافعي (9). وقال بعض أصحابه: لا يجب، لأن المعدة معدن النجاسات (10). و - لو أدخل دما نجسا تحت جلده وجب عليه إخراج ذلك الدم مع عدم

(1) المجموع 3: 140، فتح العزيز 4: 32. (2 و 3) المغني 1: 107، الشرح الكبير 1: 137.
(4) كشاف القناع 1: 293.
(5) مكارم الأخلاق: 95.
(6) الأم 1: 54، المجموع 3: 139.
(7) سنن ابن ماجة 2: 1073 / 3217، سنن أبي داود 3: 111 / 2858، سنن الترمذي 4: 18 / 1480، مسند أحمد 5: 218، مستدرك الحاكم 4: 239، كنز العمال 6: 266 / 15631.
(8) سنن النسائي 8: 164، مسند أحمد 4: 342 و 5: 23. (9 و 10) المجموع 3: 139.

[ 498 ]

الضرر، وإعادة كل صلاة صلاها مع ذلك الدم. ز - لو خاط جرحه بخيط نجس فكالعظم النجس، ولو كان مغصوبا فإن تعذر النزع لضرر أو خوف تلف الخيط وجبت القيمة. مسألة 133: لا تجوز الصلاة فيما يستر ظهر القدم كالنعل السندي (1)، والشمشك قاله الشيخان (2)، ومستند ذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله، والصحابة، والتابعين. وقال في المبسوط: يكره الصلاة في الشمشك، والنعل السندي (3). أما ماله ساق كالخف والجرموق فلا بأس بالصلاة فيه إجماعا - والجرموق خف واسع قصير يلبس فوق الخف - لقول الصادق عليه السلام وقد سئل عن الخفاف التي تباع في السوق فقال: " اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميت بعينه " (4). وقال إبراهيم بن مهزيار: وسألته عن الصلاة في جرموق وأتيته بجرموق بعثت به إليه فقال: " يصلى فيه " (5). وتستحب الصلاة في النعل العربية عند علمائنا اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام.

(1) نعل سندية: منسوبة إلى بلاد السند أو إلى السندية قرية معروفة من قرى بغداد. مجمع البحرين 3: 71 " سند ".
(2) المقنعة: 25، النهاية: 98.
(3) المبسوط للطوسي 1: 83.
(4) الكافي 3: 403 / 28، التهذيب 2: 234 / 920.
(5) الكافي 3: 404 / 32، التهذيب 2: 234 / 923.

[ 499 ]

قال محمد بن إسماعيل: رأيته يصلي في نعليه لم يخلعهما وأحسبه قال: ركعتي الطواف (1). وقال معاوية بن عمار: رأيت الصادق عليه السلام يصلي في نعليه غير مرة ولم أره ينزعهما قط (2). وقال الصادق عليه السلام: " إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فإنه يقال: ذلك من السنة " (3). مسألة 134: لا يجوز أن يصلي الرجل وعليه لثام يمنعه من القراءة أو سماعها، وكذا النقاب للمرأة إن منعها شيئا من ذلك لما فيه من ترك واجب. ولو لم يمنع شيئا من الواجبات كره، ولم يحرم، لقول الباقر عليه السلام وقد سأله محمد بن مسلم يصلي الرجل وهو متلثم: " أما على الأرض فلا، وأما على الدابة فلا بأس " (4). وسأل سماعة الصادق عليه السلام عن الرجل يصلي ويقرأ بأم القرآن وهو متلثم فقال: " لا بأس " (5). وهو محمول على ما إذا لم يمنع شيئا من الواجبات. وكذا قول أحدهما عليهما السلام: " لا بأس بأن يقرأ الرجل في الصلاة

(1) التهذيب 2: 233 / 915.
(2) التهذيب 2: 233 / 916.
(3) التهذيب 2: 233 / 917.
(4) الكافي 3: 408 / 1، الفقيه 1: 166 / 778، التهذيب 2: 229 / 900، الاستبصار 1: 397 / 1516.
(5) التهذيب 2: 229 / 901، الاستبصار 1: 397 / 1517.

[ 500 ]

وثوبه على فيه " (1) لما رواه الحلبي قال: سألت الصادق عليه السلام هل يقرأ الرجل في صلاته وثوبه على فيه؟ فقال: " لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة " (2). وسأله سماعة عن الرجل يصلي فيتلو القرآن وهو متلثم، فقال: " لا بأس به، وإن كشف عن فيه فهو أفضل " قال: وسألته عن المرأة تصلي متنقبة قال: " إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، وإن أسفرت فهو أفضل " (3). البحث الثالث: فيما يكره فيه الصلاة وهو أشياء: أ - يكره الثياب السود ما عدا العمامة والخف، لقول النبي عليه السلام: (البسوا ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم) (4) وأمره عليه السلام بهذا اللون يدل على اختصاصه بالفضيلة فيكون أشد الألوان معاندة له وهو السواد مكروها. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يكره السواد إلا في ثلاث. العمامة، والخف، والكساء " (5).

(1) التهذيب 2: 229 / 902، الاستبصار 1: 398 / 1518.
(2) الكافي 3: 315 / 15، الفقيه 1: 173 / 818، التهذيب 2: 229 / 903، الاستبصار 1: 398 / 1519.
(3) التهذيب 2: 230 / 904.
(4) سنن الترمذي 3: 319 / 994، سنن أبي داود 4: 8 / 3878 و 51 / 4061، مسند أحمد 1: 328.
(5) الكافي 6: 449 / 1، التهذيب 2: 213 / 835.

[ 501 ]

ب - يكره للرجل المعصفر والمزعفر لأن ابن عمر قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله علي ثوبين معصفرين فقال: (هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) (1)، ونهى النبي صلى الله عليه وآله الرجال عن المزعفر (2). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " يكره الصلاة في المشبع بالعصفر والمضرج بالزعفران " (3). ج - الثوب الأحمر إذا كان مشبعا بالصبغ لقول الصادق عليه السلام: " يكره الصلاة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم " (4) والمفدم بسكون الفاء: المصبوغ المشبع بالحمرة. واختلفت الرواية عن أحمد، وروي عنه الكراهة (5)، وبه قال ابن عمر (6) لأن النبي صلى الله عليه وآله مر عليه رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله عليه (7). والجواز لقول البراء: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله (8).

(1) صحيح مسلم 3: 1647 / 2077، سنن النسائي 8: 203، مسند أحمد 2: 162 و 211 وفيها عن عبد الله بن عمرو.
(2) صحيح البخاري 7: 197، سنن أبي داود 4: 80 / 4179، سنن النسائي 8: 189، سنن الترمذي 5: 121 / 2815.
(3) التهذيب 2: 373 / 1550.
(4) الكافي 3: 402 / 22، التهذيب 2: 373 / 1549.
(5) المغني 1: 659، الشرح الكبير 1: 508، الانصاف 1: 481 - 482، كشاف القناع 1: 284.
(6) المغني 1: 659.
(7) سنن الترمذي 5: 116 / 2807، سنن أبي داود 4: 53 / 4069.
(8) صحيح مسلم 4: 1818 / 2337، سنن الترمذي 4: 219 / 1724، سنن أبي داود 4: 81 / 4183 سنن النسائي 8: 133.

[ 502 ]

وكان عليه السلام يخطب إذ رأى الحسن والحسين عليهما السلام عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبي صلى الله عليه وآله (1) ولم ينكر لباسهما ذلك. والوجه الجواز مع عدم الشبع، ولا يكره شئ من الألوان سوى ما تقدم عملا بالأصل، وروى الجمهور: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصبغ ثيابه كلها حتى عمامته بالصفرة، ولبس عليه السلام بردين أخضرين، ودخل مكة وعليه عمامة سوداء (2). د - يكره اشتمال الصماء إجماعا، واختلفوا في تفسيره، فقال الشيخ: هو أن يلتحف بالازار ويدخل طرفيه من تحت يده ويجمعهما على منكب واحد كفعل اليهود (3). لقول الباقر عليه السلام لزرارة: " إياك والتحاف الصماء " قلت: وما التحاف الصماء؟ قال: " أن تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد " (4) وروى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله: نهى عن اشتمال الصماء (5) وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويرد طرفه على الأيسر، وروى ابن مسعود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه عن منكبيه (6) فتدعى تلك الصماء

(1) سنن الترمذي 5: 658 / 3774، سنن ابن ماجة 2: 1190 / 3600، سنن النسائي 3: 108، مسند أحمد 5: 354.
(2) سنن أبي داود 4: 52 / 4064 و 4065، سنن الترمذي 4: 225 / 1735، سنن النسائي 8: 211، سنن ابن ماجة 2: 1186 / 3585.
(3) المبسوط للطوسي 1: 83.
(4) الكافي 3: 394 / 4، الفقيه 1: 168 / 792، التهذيب 2: 214 / 841.
(5) صحيح البخاري 1: 102، سنن النسائي 8: 210، سنن أبي داود 4: 54 / 4076، سنن ابن ماجة 2: 1179 / 3559 - 3561، مسند أحمد 3: 6.
(6) المغني 1: 658، وانظر سنن البيهقي 2: 236 و 238.

[ 503 ]

وقال بعض الشافعية: هو أن يلتحف بالثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره فتبدو عورته (1). وقال أبو عبيد: اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شئ يريد الاحتراز منه فلا يقدر عليه (2). وتفسير الفقهاء: أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فربما بدى منه فرجه. والفقهاء أعرف بالتأويل لما ورد عن الأئمة عليهم السلام، وهل يكره اشتمال الصماء لمن عليه ثوب؟ يحتمل ذلك، لعموم النهي، وبه قال أحمد (3). ه‍ - قيل: يكره السدل وهو أن يلقى طرف الرداء من الجانبين ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى ولا يضم طرفيه بيده - وبه قال ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، والنخعي، والثوري، والشافعي (4) - لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن السدل في الصلاة (5). ورخص فيه جابر، وابن عمر، وفعله الحسن، وابن سيرين، ومكحول، والزهري، وعبد الله بن الحسن (6)، قال ابن المنذر: لا أعلم

(1 و 2) المغني 1: 658، الشرح الكبير 1: 504.
(3) الشرح الكبير 1: 504، الانصاف 1: 470، المحرر في الفقه 1: 77 - 78.
(4) المجموع 3: 177 و 178، المهذب للشيرازي 1: 72، المغني 1: 658، الشرح الكبير 1: 504، نيل الأوطار 2: 68.
(5) سنن أبي داود 1: 174 / 643، سنن الترمذي 2: 217 / 378، مسند أحمد 2: 295 و 341 و 345.
(6) المجموع 3: 177 و 178، المغني 1: 658، الشرح الكبير 1: 504، نيل الأوطار 2: 68.

[ 504 ]

فيه حديثا يثبت (1). و - يكره أن يأتزر فوق القميص لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن التشبه بهم (2) لقول الصادق عليه السلام: " لا ينبغي أن تتوشح بإزار فوق القميص إذا صليت، فإنه من زي الجاهلية " (3). وليس بمحرم، لأن موسى بن عمر بن بزيع قال للرضا عليه السلام: أشد الازار والمنديل فوق قميصي في الصلاة؟ فقال: " لا بأس به " (4). واستحبه أحمد (5) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم) (6) وهو كناية عن شد الوسط، ولا بأس أن يكون تحت القميص إجماعا. ز - يكره أن يؤم بغير رداء، وهو الثوب الذي يجعل على المنكبين، لأن سليمان بن خالد سأل الصادق عليه السلام عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء فقال: " لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها " (7).

(1) المجموع 3: 178، المغني 1: 658، الشرح الكبير 1: 504.
(2) أنظر على سبيل المثال سنن أبي داود 1: 172 / 635، وكنز العمال 6: 653 / 17222 و 17223.
(3) الكافي 3: 395 / 7، التهذيب 2: 214 / 840، الاستبصار 1: 388 / 1473.
(4) الفقيه 1: 166 / 780، التهذيب 2: 214 / 842، الاستبصار 1: 388 / 1475.
(5) المغني 1: 659، الشرح الكبير 1: 505، وفيهما: لا بأس.
(6) مسند أحمد 2: 458.
(7) الكافي 3: 394 / 3، التهذيب 2: 366 / 1521.

[ 505 ]

ح - يكره استصحاب الحديد ظاهرا، ولو كان مستورا جاز من غير كراهة، روى موسى بن أكيل عن الصادق عليه السلام قلت: الرجل في السفر تكون معه السكين في خفه لا يستغني عنه، أو في سراويله مشدود، والمفتاح يخشى الضياع قال: " لا بأس بالسكين، والمنطقة للمسافر في وقت ضرورة، ولا بأس بالسيف، وكل آلة السلاح في الحرب، وفي غير ذلك لا يجوز في شئ من الحديد فإنه نجس مسخ " (1). والرواية ضعيفة وتحمل على الكراهة في موضع الاتفاق وهو البروز. وعن الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يصلي الرجل وفي يده خاتم حديد " (2). ط - تكره الصلاة في ثوب يتهم صاحبه فيه إما بعدم التوقي من النجاسة أو بالغصب، وشبهه، وليس بمحرم عملا بالأصل. ي - تكره في ثوب فيه تماثيل أو صور، وللشيخ قول: إنه لا يجوز (3)، وللحنابلة قولان: التحريم أحدهما (4) لقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) (5). ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه

(1) الكافي 3: 400 / 13، التهذيب 2: 227 / 894.
(2) الكافي 3: 404 / 35، الفقيه 1: 163 / 771، التهذيب 2: 227 / 895، علل الشرائع: 348 باب 57، الحديث 2.
(3) المبسوط للطوسي 1: 84.
(4) المغني 1: 663، الشرح الكبير 1: 505، الانصاف 1: 473. (5) صحيح البخاري 4: 138، صحيح مسلم 3: 1665 / 2106، سنن أبي داود 4: 72 / 4152، سنن النسائي 1: 141، الموطأ 2: 966.

[ 506 ]

كلب ولا تمثال جسد " (1) ونفور الملائكة يدل على الكراهة، أما التحريم فلا. وفي رواية عمار عن الصادق عليه السلام في الثوب يكون في عمله مثال الطير أو غير ذلك أيصلى فيه؟ قال: " لا " (2). والأصل الاباحة فيحمل ما تقدم على الكراهة، ولأنه مباح افتراشه والاتكاء عليه فكذا إذا كان ملبوسا. يا - يكره التصليب في الثوب، لأن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يترك في بيته شيئا فيه تصليب إلا قضبه (3)، يعني قطعه، ولما فيه من التشبه بالنصارى. يب - يكره الصلاة في خاتم فيه صورة، لقول الصادق عليه السلام في الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك قال: " لا تجوز الصلاة فيه " (4). يج - يكره للمرأة الصلاة في خلخال له صوت لاشتغالها به. يد - يكره في عمامة لا حنك لها، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الاقتعاط، وأمر بالتلحي (5)، والاقتعاط هو أن لا يدير العمامة تحت ذقنه. ومن طريق الخاصة قول الصادق عليه السلام: " من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه " (6).

(1) الكافي 3: 393 / 27، التهذيب 2: 377 / 1570، المحاسن: 615 / 39.
(2) الفقيه 1: 165 / 776، التهذيب 2: 372 / 1548.
(3) سنن أبي داود 4: 72 / 4151، مسند أحمد 6: 237.
(4) الفقيه 1: 166 / 776، التهذيب 2: 372 / 1548.
(5) الفائق للزمخشري 3: 310، غريب الحديث للهروي 1: 431.
(6) الكافي 6: 461 / 7، الفقيه 1: 173 / 814، التهذيب 2: 215 / 847.

[ 507 ]

يه - تكره الصلاة في القباء المشدود في غير الحرب، قال الشيخ ذكره علي بن الحسين بن بابوبه، وسمعناه من الشيوخ مذاكرة، ولم أجد به خبرا مسندا (1). يو - منع الشيخ من أن يصلي الرجل وهو معقوص الشعر (2)، وهو جمعه في وسط الرأس وشده - ولم يعتبر أحد من فقهاء الجمهور ذلك - والوجه الكراهة، وبه قال أبو حنيفة (3) عملا بالأصل الدال على نفي التحريم. واحتجاج الشيخ برواية مصادف عن الصادق عليه السلام في رجل صلى صلاة فريضة وهو معقص الشعر، قال: " يعيد صلاته " (4) ضعيف لضعف مصادف، ولا بأس به للنساء إجماعا، ولو منع السجود بأن وضع على الجبهة لم يجز للرجل ولا للمرأة. خاتمة: تشتمل على فوائد: أ - لو كان بين يديه وسادة وعليها تمثال طرح عليها ثوبا وصلى، لقول الصادق عليه السلام: " ربما قمت فأصلي وبين يدي الوسادة فيها تماثيل طير فجعلت عليها ثوبا " (5). وسأل محمد بن مسلم الباقر عليه السلام أصلي والتماثيل قدامي وأنا أنظر إليها؟ قال: " لا، إطرح عليها ثوبا، ولا بأس بها إذا كانت عن يمينك، أو شمالك، أو خلفك، أو تحت رجلك، أو فوق رأسك، وإن

(1) التهذيب 2: 232 ذيل الحديث 913.
(2) الخلاف 1: 510 مسألة 255.
(3) اللباب 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 64.
(4) الكافي 3: 409 / 5، التهذيب 2: 232 / 914.
(5) التهذيب 2: 226 / 892.

[ 508 ]

كانت في القبلة فألق عليها ثوبا وصل " (1). وظاهر هذه الرواية يشعر تعليل المنع بالاشتغال بالنظر إليها. ب - يجوز أن يصلي الرجل والمرأة وهما مختضبان، أو عليهما خرقة الخضاب مع الطهارة للأصل. ولأن رفاعة سأل أبا الحسن عليه السلام عن المختضب إذا تمكن من السجود والقراءة أيضا أيصلي في حنائه؟ قال: " نعم إذا كانت خرقته طاهرة وكان متوضأ " (2). والأفضل نزع ذلك، لأن أبا بكر الحضرمي سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يصلي وعليه خضابه فقال: " لا يصلي وهو عليه ولكن ينزعه إذا أراد أن يصلي " قلت: إن حناءه وخرقته نظيفة فقال: " لا يصلي وهو عليه، والمرأة لا تصلي وعليها خضابها " (3). ج - لا بأس أن يصلي الانسان ويده تحت ثيابه، وإن أخرجها كان أفضل، لأن محمد بن مسلم سأل الباقر عليه السلام عن الرجل يصلي ولا يخرج يديه من ثوبه فقال: " إن أخرج يديه فحسن، وإن لم يخرج فلا بأس " (4). د - لا ينبغي أن يصلي الرجل محلول الازرار إذا لم يكن عليه إزار لئلا تبدو عورته لقول الباقر عليه السلام: " لا يصلي الرجل محلول الازرار إذا لم يكن عليه إزار " (5).

(1) التهذيب 2: 370 / 1541، الاستبصار 1: 394 / 1502.
(2) الفقيه 1: 173 / 819، التهذيب 2: 356 / 1470، الاستبصار 1: 391 / 1487. (3) الكافي 3: 408 / 2، التهذيب 2: 355 / 1469، الاستبصار 1: 390 / 1486.
(4) الفقيه 1: 174 / 822، التهذيب 2: 356 / 1474، الاستبصار 1: 391 / 1491.
(5) التهذيب 2: 357 / 1476، الاستبصار 1: 392 / 1495.

[ 509 ]

ه‍ - لو استعار ثوبا وصلى فيه ثم أخبره المالك بنجاسته لم تجب عليه الاعادة، خصوصا إذا خرج الوقت عملا بالأصل، ولأن قول الغير لا يقبل في حقه. ولقول الصادق عليه السلام وقد سأله العيص في الصحيح عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه قال: " لا يعيد شيئا من صلاته " (1). و - روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي قال: " لا يؤذنه (2) حتى ينصرف " (3). ز - روى عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن أصلي؟ فقال الصادق عليه السلام: " صل فيه، ولا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه " (4). ح - روى يونس بن يعقوب قال: سألت الصادق عليه السلام عن الرجل يصلي وعليه البرطلة فقال: " لا يضره " (5). ط - روى محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر عليه السلام قال:

(1) الكافي 3: 404 / 1، التهذيب 2: 360 / 1490، الاستبصار 1: 180 / 631.
(2) في نسخة (م) وبعض المصادر: لا يؤذيه.
(3) الكافي 3: 406 / 8، التهذيب 2: 361 / 1493.
(4) التهذيب 2: 361 / 1495، الاستبصار 1: 392 / 1497.
(5) الفقيه 1: 172 / 813، التهذيب 2: 362 / 1051.

[ 510 ]

" لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه " (1). وعن محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام في الصحيح قال: " لا بأس أن تصلي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك " (2). ي - يجوز أن يصلي الرجل في ثوب المرأة إذا كانت مأمونة لعدم المانع، ولرواية العيص الصحيحة عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي في ثوب المرأة في إزارها ويعتم بخمارها، قال: " نعم، إذا كانت مأمونة " (3). يا - روى الحلبي قال: سألته عن لبس الخز فقال: " لا بأس به إن علي ابن الحسين عليهما السلام كان يلبس الكساء الخز في الشتاء، فإذا جاء الصيف باعه وتصدق بثمنه، وكان يقول: إني لاستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه " (4). يب - روي عن علي عليه السلام قال: لا تصلي المرأة عطلا " (5). يج - سأل علي بن جعفر أخاه الكاظم عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ قال: " إن كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس " وعن فراش حرير ومثله من الديباج، الصيف باعه وتصدق بثمنه، وكان يقول: إني لاستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه " (4). يب - روي عن علي عليه السلام قال: لا تصلي المرأة عطلا " (5). يج - سأل علي بن جعفر أخاه الكاظم عليه السلام عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ قال: " إن كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس " وعن فراش حرير ومثله من الديباج، ومصلى حرير ومثله من الديباج هل يصلح للرجل النوم عليه والتكاءة والصلاة؟ قال: " يفرشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه " (6).

(1) التهذيب 2: 363 / 1503.
(2) الفقيه 1: 158 / 740، التهذيب 2: 363 / 1505.
(3) الكافي 3: 402 / 19، الفقيه 1: 166 / 781، التهذيب 2: 364 / 1511.
(4) التهذيب 2: 369 / 1534.
(5) التهذيب 2: 371 / 1543.
(6) الكافي 6: 477 / 8، التهذيب 2: 373 / 1553، قرب الاسناد: 86.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية