الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منتهى المطلب (ط.ج) - العلامة الحلي ج 2

منتهى المطلب (ط.ج)

العلامة الحلي ج 2


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 5 ]

منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر 648 ه‍ 726 ه‍ الجزء الثاني تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية

[ 6 ]

الكتاب: منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ج 2. المؤلف: العلامة الحلي (الحسن بن يوسف بن المطهر). التحقيق: قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية. الخط والإخراج: الحافظ علاء البصري. الناشر: مجمع البحوث الاسلامية، إيران مشهد ص. ب 336 / 91735. الطبعة: الأولى 1413 ق. العدد: 3000 نسخة. الطبع: مؤسسة الطبع والنشر في الآستانة الرضوية المقدسة. حقوق الطبع والنشر محفوظة للناشر.

[ 7 ]

البحث الرابع في أفعال الوضوء وكيفيته: مسألة: في النية، وفيها بحثان غامضان: الأول: في وجوبها: قال علماؤنا: النية شرط في الطهارة المائية بنوعيها والترابية، وهو قول علي عليه السلام، وهو مذهب ربيعة، والليث، وإسحاق وأبي عبيد، وابن المنذر (1)، وأحمد بن حنبل (2) وأبي ثور، وداود (3)، والشافعي (4)، ومالك (5). وقال أبو حنيفة

(1) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151، المجموع 1: 312، المغني 1: 121، نيل الاوطار 1: 163. (2) المغني 1: 121، الكافي لابن قدامة 1: 28، الانصاف 1: 142، بداية المجتهد 1: 8، المجموع 1: 312، منار السبيل 1: 25، نيل الاوطار 1: 163، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151.
(3) المجموع 1: 312، بداية المجتهد 1: 8.
(4) الأم 1: 29، 47، المهذب للشيرازي 1: 14، مغني المحتاج 1: 47، التفسير الكبير 11: 153، المجموع 1: 312، فتح الوهاب 1: 11، شرح فتح القدير 1: 28 الهداية للمرغيناني 1: 13، فتح العزيز هامش المجموع 1: 310، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559، بداية المجتهد 1: 8، بدائع الصنائع 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 72، المغني 1: 121، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151.
(5) مقدمات ابن رشد 1: 53، بداية المجتهد 1: 8، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، نيل الاوطار 1: 163، المغني 1: 121، المجموع 1: 312، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559.

[ 8 ]

والثوري: لا يشترط النية في طهارة الماء، وإنما تشترط للتيمم (1). وقال الحسن بن صالح بن حي: ليست النية شرطا في شئ من الطهارات المائية والترابية (2)، وعن الأوزاعي روايتان: إحداهما كقول الحسن، والأخرى كقول أبي حنيفة (3). لنا: وجوه: أحدهما: ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام، أنه قال: (النية شرط في جميع الطهارات) (4) وقوله حجة. ومن طريق الخاصة: ما روي، عن الرضا عليه السلام، قال: (لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا نية إلا بإصابة السنة) (5). الثاني: إن الوضوء عبادة، وكل عبادة بنية. أما الصغرى: فلأن أهل اللغة نصوا على أن التعبد هو التذلل (6)، قال الشاعر: وأفردت إفراد البعير المعبد (7). أي: المذلل، وهذا المعنى المشتق منه موجود هنا، فإن فعل الطهارة على وجه

(1) المبسوط للسرخسي 1: 72، بدائع الصنائع 1: 19، شرح فتح القدير 1: 28، الهداية للمرغيناني 1: 13، المحلى 1: 73، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، المجموع 1: 313، فتح العزيز هامش المجموع 1: 310، نيل الاوطار 1: 163، المغني 1: 121، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 151، التفسير الكبير ج 11: 153، ميزان الكبرى 1: 115، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 17. (2 3) المجموع 1: 313، بداية المجتهد 1: 67، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559، أحكام القرآن للجصاص 3: 336، المحلى 1: 73.
(4) لم نعثر عليه في المصادر الحديثية المتوفرة لدينا، وقد أشار إليه ابن قدامة في المغني 1: 121.
(5) التهذيب 4: 186 حديث 520، الوسائل 1: 33 الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات، حديث 2.
(6) الصحاح 2: 503.
(7) صدره: إلى أن تحامتني العشيرة كلها. والبيت لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة.

[ 9 ]

الطاعة نوع تذلل، فيصدق عليه اللفظ. ولان التيمم عبادة وهو بدل، والبدل بحكم الأصل. وأما الكبرى فيدل عليها قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (1) والاخلاص هو مراد بالنية. وقوله تعالى: (قل الله أعبد مخلصا) (2). وقوله تعالى: (فا عبد الله مخلصا) (3). الثالث: الوضوء عمل ضرورة، وكل عمل بنية، لقوله عليه السلام: (إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (4) اتفق عليه الجمهور فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية. الرابع: قوله تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) (5). الخامس: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (6) والمفهوم منه في لغة العرب أي: اغسلوا للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فألبس أهبتك، أي: للقائه، وإذا لقيت العدو فخذ سلاحك، أي: لأجل لقائه، وهو كثير النظائر. السادس: لو لم تجب النية في الوضوء لزم أحد الامرين: إما التسلسل أو خرق

(1) البينة: 5.
(2) الزمر: 14.
(3) الزمر: 2، وفي النسخ: (فاعبدوا الله مخلصين) وهي غير موجودة في القرآن بهذا اللفظ، ولعله من سهو النساخ.
(4) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515 حديث 1907، سنن الترمذي 4: 179 حديث 1647، سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، سنن النسائي 1: 58، سنن البيهقي 7: 341، مسند أحمد 1: 25، 43، سنن الدارقطني 1: 50 حديث 1.
(5) الليل: 20.
(6) المائدة: 6.

[ 10 ]

الاجماع، والتالي بقسميه باطل قطعا، فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إن الوضوء بقيد عدم النية إما أن يكون شرطا أو لا يكون، وعلى التقدير الأول يلزم خرق الاجماع، وعلى التقدير الثاني إما أن لا يكون المسمى شرطا، أو يكون، وعلى التقدير الأول يلزم خرق الاجماع، وعلى التقدير الثاني يلزم التسلسل، لأن الكلي لا يمكن وجوده إلا مشخصا، وقيد الخصوصية هما النية وعدمها، فأحدهما شرط للمسمى، فإما أن يكون الشرط العدم، فيلزم خرق الاجماع، لأن شرط الشرط شرط، وأما الوجود، فيلزم المطلوب، وإما أن يكون مسمى ثانيا وينقل (1) الكلام إليه وذلك يفضي إلى التسلسل المحال. السابع: إنها طهارة عن حدث فلا تصح بغير نية كالتيمم. الثامن: أنه عبادة، فافتقرت إلى النية كالصلاة. وبيان الصغرى من وجهين: أحدهما: أن العبادة هي الفعل المأمور به شرعا من غير إطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، والطهارة كذلك، فإنها مرادة شرعا ليست مما يطرد بها العرف ولا يقتضيها العقل لانتفاء المصلحة المتأخرة فيها (2). الثاني: أنها تنقسم إلى فرض ونفل، وكل ما انقسم إليهما فهو عبادة بالاستقراء. وبيان الكبرى: أن العبادة لو صحت بدون النية فلا تخلو إما أن يحصل عليها ثواب أم لا، والقسمان باطلان. أما الأول: فلأنه يلزم منه مخالفة الدليل وهو قوله عليه السلام (ليس للمؤمن من عمله إلا ما نواه) (3) رواه الجمهور، المراد بذلك نفي الثواب بدون النية.

(1) (ح) (ق): ونقل. (2) (خ): بها.
(3) عمدة القارئ 1: 22.

[ 11 ]

والثاني باطل، وإلا لزم القبح العقلي وهو حصول التكليف من غير عوض، ولأنه مخالف للعمومات الواردة من جهة الكتاب والسنة الدالة على الثواب في كل عبادة. احتج: أبو حنيفة بوجوه: أحدها: قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (1) ذكر الشرائط ولم يذكر النية، فلو كانت شرطا لوجب ذكرها. الثاني: أنه أمر بالغسل، ومقتضى الأمر الإجزاء (2) بفعل المأمور به. الثالث: إن الآية ليس فيها ذكر النية، فلو أوجبناها لكنا قد زدنا على النص، والزيادة على النص نسخ. الرابع: أنها طهارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية كغسل النجاسة. الخامس: أنها غير عبادة، فلا تفتقر إلى النية كسائر الافعال الخارجة عن كونها عبادة (3). وبيان الصغرى: أنها لو كانت عبادة فإما مع النية أو بدونها، والثاني باطل لأنها لو كانت عبادة مع عدم النية بطل قولكم: كل عبادة تفتقر إلى النية، والأول باطل أيضا، وإلا لبطل قولكم أيضا بافتقار العبادة إلى النية، وإلا لزم اشتراط النية بالنية. فالجواب عن الأول: أنه حجة لنا، لما بينا من أن المفهوم منه (إذا قمتم إلى الصلاة) فاغسلوا للصلاة (4). وأيضا: فإنه لم يذكر الشرائط بل ذكر أركان الوضوء،

(1) المائدة: 6.
(2) (ح) (ق): الاجتزاء.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 72، بدائع الصنائع 1: 19، المغني 1: 121، المجموع 1: 313، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 152.
(4) راجع ص 9.

[ 12 ]

والنبي صلى الله عليه وآله بين شرائطه كالتيمم. وعن الثاني: بما قلناه أولا، وأيضا: مقتضى الأمر وجوب الفعل وهو واجب، فاشترط لصحته شرط آخر، كالتيمم. وعن الثالث: بما ذكرناه أولا، وبالمنع من كون الزيادة عن النص نسخا. وعن الرابع: أنها مع كونها طهارة، هي أيضا عبادة، والعبادة لا تكون إلا منوية، لأنها قربة إلى الله تعالى وطاعة. وعن الخامس: أن نقول أنها عبادة بدون النية، أي تسمى عبادة بدونها (1). قوله: تبطل كل عباده تفتقر إلى النية. قلنا: لا نسلم، فإنا نقول: أن العبادة تفتقر إلى النية في التحصيل والايجاد على الوجه المطلوب شرعا، لا أنها تفتقر إليها بإن تكون مصححة للاطلاق اللفظي. سلمنا، لكنا نقول: إنها عبادة مع النية. قول: يبطل افتقارها إلى النية وإلا لزم افتقار العبادة مع النية إلى النية. قلنا: هذا باطل، فإنه لا يلزم من افتقارها إلى نية هي جزؤها، افتقارها مع ذلك الجزء إلى نية أخرى ثانية. فروع: الأول: إزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية. وهو قول العلماء، وحكي عن ابن سريج (2) وهو قول أبي سهل الصعلوكي (3) من الشافعية إنها تفتقر إلى النية (4).

(1) (خ): بدون النية.
(2) أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، قدوة الشافعية ولي القضاء بشيراز، سمع الحسن بن محمد الزعفراني، وأبا داود السجستاني. وحدث عنه أبو القاسم الطبراني وأبو الوليد حسان بن محمد. له مصنفات كثيرة مات في جمادى الأولى سنة 306 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 811، طبقات الحفاظ للسيوطي: 339، شذرات الذهب 2: 247.
(3) أبو سهل: محمد بن سليمان العجلي الصعلوكي النيسابوري الحنفي نسبا والشافعي مذهبا، شيخ >

[ 13 ]

لنا: إنها كالترك، فلا تفتقر إلى النية. الثاني: غسل الميت لا بد فيه من النية وقد صرح بذلك أبو الصلاح (1)، لأنها عبادة، فتفتقر إلى النية، وللشافعي وجهان: أحدهما: كما قلناه، بناءا على أن الميت لا ينجس، فكان غسله كالطهارة عن حدث. والثاني: عدم الافتقار إلى نية (2)، بناءا على أنه ينجس، فصار كغسل النجاسة. الثالث: الحائض إذا انقطع دمها قال بعض علمائنا: لا يحل للزوج الوطئ حتى تغتسل (3) فإن نوت به إباحة الاستمتاع فالأقرب الإجزاء، وللشافعي وجهان: هذا أحدهما، والثاني: لا يجوز (4) لأنها من أهل حق الله تعالى، والطهارة فيها حق لله تعالى وحق للزوج، فلا بد من نيتهما معا، لتكلفها طهارة تصلح للحقين بخلاف الذمية، لأنها (5) ليست من أهل الله تعالى، فاكتفى فيها بنية حق الزوج. الرابع: لو ارتد لم يبطل غسله ولا وضوؤه على الاقوى، ويبطل تيممه، لأنه نوي به الاستباحة وقد خرج عنها بالردة. الخامس: طهارة الصبي معتبرة عند الشيخ (6)، وفيه إشكال أقربه أنها تمرين. وبه

< الشافعية بخراسان، سمع من أبي العباس السراج، وأخذ عنه إبنه أبو الطيب وغيره. مات سنة 369 ه‍. العبر 2: 132، شذرات الذهب 3: 69.
(4) المجموع 1: 311، فتح العزيز هامش المجموع 1: 311. (1) الكافي في الفقه: 134.
(2) المجموع 1: 334 و 5: 156، مغني المحتاج 1: 332، المهذب للشيرازي 1: 128، ميزان الكبرى 1: 203، فتح العزيز هامش المجموع 5: 114. (3) الفقيه 1: 53.
(4) المجموع 1: 323.
(5) (خ): فانها.
(6) الخلاف 1: 463 مسألة 192.

[ 14 ]

قال أبو حنيفة (1)، وقال الشافعي بالأول (2). لنا: أنه ليس أهلا للتكليف، وعلى قول الشيخ لو بلغ بغير المبطل بعد الطهارة لم يجب عليه الاستئناف، وكذا لو جامع الصغيرة فاغتسلت، ثم بلغت. السادس: لو اغتسل الجنب وترك جزءا من بدنه، ثم نسي الاغتسال فأعاد الغسل وغسل ذلك المحل، فالاقوى صحة غسله، لأن الواجب عليه غسل ذلك الجزء وقد حصل. السابع: لو نوت المستحاضة بالوضوء استباحة صلاتين فما زاد، ففي صحة الطهارة إشكال ينشأ من أنها نوت شيئا يستحيل حصوله شرعا فلا عبرة بذلك الوضوء، ومن استلزام نية الصلاتين نية أحدهما. الثاني: في كيفيتها وشرائطها. والنية عبارة عن القصد، يقال: نواك الله بخير، أي: قصدك، ونويت السفر، أي: قصدته وعزمت عليه، ومحلها القلب لأنه محل القصود والدواعي، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، سواء تلفظ بها بلسانه أو لا، ولو نطق بها ولم يخطر بباله لم يجزئه، ولو سبق لسانه إلى غير عزمه وما اعتقده، لم يمنع صحة ما اعتقده بقلبه. ويشترط استحضار نية التقرب لقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (3) ولا يتحقق الاخلاص بدون التقرب. ويشترط استباحة شئ لا يستباح إلا بها، كالصلاة، والطواف، أو رفع الحدث وهو إزالة المانع من كل فعل يفتقر إلى الطهارة لقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (4) أي: للصلاة على الاقوى، واكتفى الشيخ رحمه الله في بعض كتبه بنية

(1) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 415.
(2) المجموع 1: 333.
(3) البينة: 5.
(4) المائدة: 6.

[ 15 ]

القربة (1). لنا: الآية فإنها تدل على نية الاستباحة. ويجب أن تقع مقارنة لغسل الوجه، لأنه مبدأ للطهارة، فلو تراخت عنه لوقع غير منوي. ويستحب إيقاعها عند غسل اليدين للوضوء أمام غسل الوجه. وتشتمل النية أفعال الطهارة المسنونة والواجبة، لأن غسل اليدين للوضوء من أفعاله، فجاز إيقاع النية عنده، وجوز الشافعية ذلك بشرط بقاء الذكر إلى غسل الوجه (2)، والمعتمد ما قلناه. ويتضيق عند غسل أول جزء من الوجه الذي هو أول واجباته، ولا يجوز تقديمها على غسل اليدين ولو بالزمن اليسير، خلافا لأحمد (3)، وإلا فإن استحضرت حالة الغسل فتلك أخرى مجددة وإلا وقع غير منوي فلا يكون مجزيا. ويجب استدامتها حكما بمعنى أنه لا ينتقل إلى نية منافية لها، ولا يشترط الاستمرار حقيقة للمشقة. نعم، يستحب، لتقع جميع الافعال مقترنة بالنية. وهل يشترط نية الوجوب أو الندب؟ الوجه اشتراطه، لأنه فعل مشترك فلا يتخصص إلا بالنية، وبالقياس على واجبات العبادات. فروع: الأول: لو نوى ما لا يشرع له الطهارة كالاكل، والبيع، والتبرد لم يرتفع حدثه إجماعا، لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها، فلا تكون حاصلة له، كالذي لم ينو. شيئا.

(1) النهاية: 15.
(2) المجموع 1: 320، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 317.
(3) المغني 1: 124، الكافي لابن قدامة 1: 28، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 154.

[ 16 ]

الثاني: لو نوى ما ليس من شرطه الطهارة بل من فضله كقراءة القرآن، والنوم، أو كتابة القرآن، أو الاحاديث، أو الفقه، أو الكون على طهارة، قال الشيخ: لا يرتفع حدثه (1) لأنه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه، فأشبه ما لو نوى التبرد، وفيه للشافعي وجهان (2)، ويمكن أن يقال بارتفاع الحدث كأحد وجهي الشافعي، لأنه نوى طهارة شرعية فينبغي أن يحصل له ما نواه، عملا بالخبر. وقوله: لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه، ممنوع لأنه نوى شيئا من ضرورة صحة الطهارة وهي الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك وهو على طهارة، فصحت طهارته، كما لو نوى ما لا يباح إلا بها، أما لو نوى وضوءا مطلقا فالوجه عدم الارتفاع، لما قاله الشيخ، وإن كان فيه نظر من حيث أن الوضوء والطهارة إنما ينصرفان بالاطلاق إلى المشروع فيكون ناويا لوضوء شرعي، إلا أن الأول أصح، وهو قول أكثر الشافعية (3). الثالث: لو جدد الطهارة ندبا فتبين أنه كان محدثا فوجهان: أحدهما: الإجزاء، لأنه نوى طهارة شرعية فيحصل له. والآخر: عدمه، لأنه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه، فهو كما لو نوى التبرد. وكذا لو شك في الحدث بعد يقين الطهارة فتوضأ احتياطا. ولو أغفل لمعة في الطهارة الواجبة فانغسلت في الثانية أو أغفلت في الغسلة الأولى فانغسلت الثانية فالوجهان. الرابع: لو نوى الجنب الاستيطان في المسجد، أو قراءة العزائم، أو مس كتاب القرآن ارتفع حدثه قولا واحدا، لأنه شرط لذلك كله، أما لو نوى الاجتياز ففي ارتفاع حدثه إشكال، نص الشيخ على عدمه (4).

(1) المبسوط 1: 19. (2) المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 324، مغني المحتاج 1: 49، فتح العزيز هامش المجموع 1: 322، السراج الوهاج: 15.
(3) المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 323.
(4) المبسوط 1: 19.

[ 17 ]

الخامس: لو نوى الطهارة والتبرد أجزأه، وهو أظهر قولي الشافعي (1)، لأن التبرد (2) يحصل بدون النية فلا يؤثر هذا الاشتراك فإنه قد فعل الواجب وزيادة غير منافية، كما لو قصد بالصلاة، الطاعة والخلاص من خصمه، ويحتمل البطلان وهو الوجه الثاني للشافعي (3)، لأنه لم يخلص فعله للعبادة. أما لو ضم إلى الرفع نية الرياء، فالوجه عندي البطلان، لأن الطاعة لا تخلص طاعة إلا بنيتها، ولم تحصل، فلا يكون ما فعله مجزيا. السادس: لو عزبت النية عن خاطره في أثناء الطهارة لم يؤثر في صحتها، خلافا للشافعي فيما لو عزبت بعد اقترانها بغسل اليدين، ووافقنا على الإجزاء لو عزبت بعد اقترانها بغسل الوجه (4). لنا: أنه أتى بالمأمور به، وهو الطهارة مع النية، فوجب الاجتزاء (5) به، ولان ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام، والفرق بين ما لو اقترنت بغسل الوجه وغسل اليدين باطل، لأنهما استويا في كونهما من أفعال الطهارة المشترطة فيها النية. ولو عزبت عند (6) غسل الوجه، وقد قدمها عند غسل اليدين، ثم غسل اليدين للتبرد، لم يقع عن الوضوء، فإن ذكر ورطوبة الوجه باقية، جاز استئناف غسل اليدين بنية الوضوء وإلا استأنف من أوله.

(1) المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 325، مغني المحتاج 1: 49، السراج الوهاج: 15، فتح الوهاب 1: 12.
(2) (خ): التبريد.
(3) الأم 1: 29، المهذب للشيرازي 1: 15، مغني المحتاج 1: 49، السراج الوهاج: 15، المجموع 1: 325.
(4) الأم 1: 29، المجموع 1: 320، المهذب للشيرازي 1: 14، مغني المحتاج 1: 50.
(5) (ن) (م): الإجزاء. (6) (م): بعد.

[ 18 ]

السابع: لو نوى قطع النية في أثناء الطهارة لم يبطل فعله الأول خلافا لبعض الشافعية (1)، لأنه وقع صحيحا فلا يؤثر فيه قطع النية، كما لو نوى القطع بعد الفراغ، وما أتى به من الغسل بعد القطع لا اعتداد به لفقدان شرطه، ولو أعاد النية أعاد ما فعله بغير نية، لكن يقع هنا فرق بين الوضوء والغسل في طول الفصل وقصره، فيجوز في الغسل معهما، ويشترط في الوضوء عدم الطول المؤدي إلى الجفاف. الثامن: لو شك في النية بعد الفراغ لم يلتفت، لأنها وقعت مشروعة، فلا يؤثر فيها تجدد الشك. أما لو وقع الشك في الأثناء استأنف قولا واحدا، لأنها عبادة مشروطة بالنية ولم تتحقق. التاسع: لو وضأه غيره لعذر اعتبرت نية المتوضئ، لأنه المخاطب بالطهارة والوضوء يحصل له، ولا يحصل إلا مع النية، ولا اعتبار بالموضئ لأنه غير مخاطب ولا يحصل له، فأشبه حامل الماء إليه. العاشر: لا تصح طهارة الكافر لعدم النية منه، ولو وقعت النية منه فهي غير معتبرة إذ من شرطها الاسلام، ولا فرق بين أن يكون ذميا ولا حربيا. وقال الشافعي في أحد الوجهين: اجتزأ الذمية تحت المسلم بغسلها من الحيض لحق الزوج، فلا يلزمها الاعادة بعد الاسلام (2). الحادي عشر: لو نوى بطهارته (3) صلاة معينة، كان كما لو نوى استباحة الصلاة، وكذا لو نوى أنه لا يصلي غيرها. وهو أحد أقوال الشافعي، وقال أيضا: يفسد، لأنه لم ينو ما تقتضيه الطهارة. قال أيضا: يباح له ما نوى، لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة كالمستحاضة (4).

(1) المجموع 1: 336.
(2) المجموع 1: 330، فتح العزيز هامش المجموع 1: 313.
(3) (خ): بطهارة.
(4) المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 327، فتح العزيز هامش المجموع 1: 321.

[ 19 ]

لنا: أنه فعل المأمور به وهو النية والأفعال، فواجب الاجتزاء ولا يحصل بدون رفع الحدث، فيجوز له الدخول به في كل صلاة واجبة، أو مندوبة، لزوال المانع، ولان هذا إبطال للطهارة (1) بعد صحتها من غير حدث، ولا فرق بين أن تكون تلك الصلاة نفلا أو فرضا. الثاني عشر: المستحاضة تكفيها نية استباحة الصلاة. وهو أحد قولي الشافعي (2)، ولا يجوز لها نية رفع الحدث، لأنه موجود، خلافا للشافعي، فإنه اشترطه مع نية الاستباحة في أحد قوليه (3)، وهو باطل، لأنه نية ما يمتنع حصوله، فإن نوت الرفع احتمل الصحة، لاستلزامه نية الاستباحة، والأقوى البطلان. وكذا المبطون وصاحب السلس والمتيمم. وقال علماؤنا: من يجب عليه الطهارتان ينوي رفع الحدث إن قدم الغسل، والاستباحة إن قدم الوضوء. والأقرب أن له أن ينوي الرفع بكل منهما. الثالث عشر: لو فرق النية على أعضاء الوضوء، بأن نوى غسل الوجه لرفع الحدث، ثم اليمنى كذلك إلى آخر الاعضاء، فالوجه عندي الإجزاء. وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: لا يجزئه (4). لنا: أنه إذا صح غسل الوجه بنية مطلقة يدخل فيها ضمنا، فلأن يصح بنية مقصوده أولى. احتج: بأن الوضوء عبادة واحدة (إذ لا يتصور) (5) اختصاص بعضها بالبطلان

(1) (خ): الطهارة.
(2) السراج الوهاج: 15، فتح العزيز هامش المجموع 1: 330، مغني المحتاج 1: 48.
(3) السراج الوهاج: 15، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 330، مغني المحتاج 1: 48.
(4) المجموع 1: 329، فتح الوهاب 1: 12، السراج الوهاج: 15، فتح العزيز هامش المجموع 1: 334، مغني المحتاج 1: 50.
(5) (م): ولا يتصور.

[ 20 ]

وبعضها بالصحة، فتصير كالصلاة (1)، فكما تبطل لو نوى التكبير، ثم نوى القراءة وهكذا لبطلت صلاته، فكذا الطهارة. والجواب: الفرق فإن أركان الصلاة يرتبط بعضها بالبعض بخلاف أركان الطهارة. أما لو أتى بالبعض من النية عند غسل الوجه، والبعض عند اليمنى، وهكذا فإنه تبطل طهارته، لأنه يحصل بعض الافعال خاليا عن النية فلا يكون مجزيا. الرابع عشر: قد بينا أنه يستحب غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء (2)، وهل يستحب في غير الاناء؟ إشكال، فإن قلنا به صح اقتران النية به وإلا فلا. الخامس عشر: لو نوى رفع حدث معين ارتفعت جميع الاحداث، سواء كان آخر الاحداث أو أولها، لأن الاحداث تتداخل، فلا يرتفع أحدها إلا بارتفاع الجميع، وقد نوى رفع أحدها، فوجب أن يحصل له، فيحصل رفع الجميع. وهو أحد أقوال الشافعي. والثاني: أنه لا يرتفع حدثه، لأنه لم ينو رفع جميع الاحداث. والثالث: إنه إن كان أخر الاحداث ارتفعت كلها، لأنها تداخلت فيما بعدها، وإن كان أولها لم يرتفع (3). السادس عشر: لو نوى رفع حدث بعينه والواقع غيره، فإن كان غالطا صح، وإلا بطل. السابع عشر: كل من عليه طهارة واجبة يجب أن ينوي الوجوب، وغيره ينوي الندب، فلو نوى الوجوب أعاد، ولو صلى به فريضة لم تصح. ولو صلى بطهارات متعددة فرائض كثيرة مع تخلل الحدث، بأن كان يتوضأ لكل فريضة قبل وقتها، أعاد الصلاة الأولى خاصة، لبطلانها، فصارت قضاء، وكل من عليه قضاء ينوي الوجوب.

(1) فتح العزيز هامش المجموع 1: 335.
(2) تقدم بيان ذلك في الجزء الأول ص 291. (3) المجموع 1: 326، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 320، المهذب للشيرازي 1: 15.

[ 21 ]

مسألة: ويجب غسل الوجه. وهو مذهب علماء الاسلام، قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) (1). واختلفوا في حده، فمذهب أهل البيت عليهم السلام أنه من قصاص شعر الرأس إلى الذقن طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا. وبه قال مالك (2). وقال الشافعي (3)، وأبو حنيفة (4)، وأحمد: مابين العذار والأذن من الوجه (5). وذهب الزهري إلى أن الاذنين من الوجه (6). ونقل شارح الطحاوي، عن أبي يوسف أنه روي عنه (7): إذا نبتت اللحية زال العذار عن حد الوجه. وقال بعض الحنابلة: الصدغان من الوجه (8). لنا: أن الوجه ما يحصل به المواجهة، وهذا لا يواجه به. وما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة قال: قلت له: أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي له أن يوضأ الذي قال الله عزوجل؟ فقال: (الوجه الذي أمر الله عزوجل بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، وإن نقص منه أثم: ما دارت عليه السبابة والوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما حوت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه)

(1) المائدة: 6.
(2) بداية المجتهد 1: 11، مقدمات ابن رشد 1: 50، بلغة السالك 1: 41، ميزان الكبرى 1: 117، نيل الاوطار 1: 188، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، المجموع 1: 373.
(3) الأم 1: 25، المهذب للشيرازي 1: 16، المجموع 1: 372، فتح الوهاب 1: 12، مغني المحتاج 1: 50، 51، بداية المجتهد 1: 11، نيل الاوطار 1: 188، السراج الوهاج: 15.
(4) بدائع الصنائع 1: 4، الهداية للمرغيناني 1: 12، بداية المجتهد 1: 11، المجموع 1: 373.
(5) المغني 1: 128، المجموع 1: 373، الكافي لابن قدامة 1: 32.
(6) المغني 1: 126، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 158.
(7) (خ) بزيادة: أنه.
(8) المغني 1: 128، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 159، الانصاف 1: 154.

[ 22 ]

قلت: الصدغ من الوجه؟ قال: (لا) (1). ورواه محمد بن يعقوب (2)، ومحمد بن بابويه في كتابيهما في الصحيح، وزاد ابن بابويه تعيين المروي عنه وهو أبو جعفر الباقر عليه السلام، وزاد أيضا: قال زرارة: قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: (كلما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء) (3). وأيضا لا خلاف في تناول الأمر بالغسل لما ذكرناه (4)، فيكون ما عداه منفيا (5) بالاصل السالم عن معارضة اليقين. واحتج الشافعي (6)، وأبو حنيفة (7)، وأحمد بالاجماع (8). واحتج الزهري (9) بما رواه مسلم، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سجد فقال: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره) (10) أضاف السمع إليه كالبصر. والجواب عن الأول بالمنع من الاجماع مع وقوع الخلاف، وكيف يتحقق ذلك وأهل البيت عليهم السلام ردوا هذا القول، ومالك، وأبو يوسف، والزهري وغيرهم. وعن الثاني بأن الاضافة يكفي فيها مجرد ملابسة ما، وهي حاصلة هنا وهي المجاورة، ولم ينقل أحد أن الاذنين مغسولتان بل نقلوا مسحهما، فيكون ما ذكره

(1) التهذيب 1: 54 حديث 154، الوسائل 1: 283 الباب 17 من أبواب الوضوء، حديث 1. (2) الكافي 3: 27 حديث 1.
(3) الفقيه 1: 28 حديث 1.
(4) مر ذكره في ص 21.
(5) (خ) (ح) (ق): منتفيا.
(6) مغني المحتاج 1: 50، المجموع 1: 371.
(7) شرح فتح القدير 1: 13.
(8) المغني 1: 126، الكافي لابن قدامة 1: 32.
(9) المغني 1: 127 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 158.
(10) صحيح مسلم 1: 535 حديث 771.

[ 23 ]

مدفوعا. على أنه معارض بما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الاذنان من الرأس) (1) ويبطل قول من قال: الصدغ من الوجه، ما رواه الجمهور، عن الربيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه آله توضأ فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة (2) فمسحه مع الرأس ولم ينقل أنه غسله مع الوجه فبطل كونه من الوجه. فروع: الأول: لا اعتبار بمن تفضل يداه عن المعتاد أو تقصر أو يبلغ وجهه حدا في الكبر يخرج به عن المعتاد أو في الصغر كذلك، ولا اعتبار أيضا بالأصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه، ولا الأنزع، ولا بالأغم الذي ينزل شعره إلى الوجه، بل يجب على كل واحد من هؤلاء الرجوع إلى مستوى الخلقة. وهو قول أكثر أهل العلم عملا بقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (3) وهذا خطاب يتوجه إلى الغالب. وقال الشافعي: الغمم إن استوعب جميع الجبهة وجب إيصال الماء إليه، وإن لم يستوعب فوجهان (4). الثاني: لا يجب غسل ما خرج عن ما حددناه. ولا يستحب كالعذار، وهو النابت على العظم الناتئ الذي هو سمت الصماخ، وما انحط عنه إلى وتد الأذن، وما بينه وبين الأذن من البياض لا على الأمرد ولا على الملتحي، وبه قال مالك (5). وقال الشافعي: يجب

(1) سنن أبي داود 1: 33 حديث 134.
(2) سنن الترمذي 1: 49 حديث 34، سنن أبي داود 1: 32 حديث 129، نيل الاوطار 1: 202 حديث 1.
(3) المائدة: 6.
(4) المجموع 1: 372، فتح الوهاب 1: 12، فتح العزيز هامش المجموع 1: 338.
(5) بلغة السالك 1: 41، بداية المجتهد 1: 11، المجموع 1: 373، نيل الاوطار 1: 188.

[ 24 ]

غسله عليهما (1). وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد خاصة (2). ولا لعارض وهو: ما نزل عن حد العذار وهو النابت على اللحيين. ولا الصدغ وهو: الشعر الذي بعد انتهاء العذار المحاذي لرأس الأذن ونزل عن رأسها قليلا. ولا النزعتان وهما: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس. ولا التحذيف وهو: الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة المتصل شعر الرأس، لأن التكليف بهذه شرعي ولا شرع يدل على التكليف بها فلا تكليف. الثالث: لا يلزم تخليل شعر اللحية، ولا الشارب، ولا العنفقة، ولا الأهداب سواء كانت كثيفة أو خفيفة، ولا يستحب أيضا، بل الواجب إن فقد الشعر غسل هذه المواضع، وإن وجد فإمرار الماء على ظاهر الشعر. وقال ابن الجنيد: متى خرجت اللحية ولم تكثر فعل المتوضئ غسل الوجه حتى يستيقن وصول الماء إلى بشرته، لأنها لم تستر موضعها (3)، وهو قول الشافعي (4). واتفقوا على استحباب التخليل إلا أبا ثور، فإنه قال بوجوب إيصال الماء إلى بشرة الوجه وإن كانت كثيفة (5). وهو قول المزني (6). لنا: ما رواه الجمهور من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله أنه غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه (7) ولم يذكر التخليل فيكون منفيا.

(1) المجموع 1: 373، مغني المحتاج 1: 51، السراج الوهاج: 16.
(2) المجموع 1: 373، نيل الاوطار 1: 188.
(3) انظر: المختلف 1: 21.
(4) الأم 1: 25، التفسير الكبير 11: 158، المجموع 1: 374. (5 6) المغني 1: 117، شرح الكبير بهامش المغني 1: 162، المجموع 1: 374، نيل الاوطار 1: 185.
(7) صحيح البخاري 1: 58، سنن أبي داود 1: 29 حديث 118، سنن الترمذي 1: 66 حديث 47. سنن ابن ماجة 1: 149 حديث 434، سنن النسائي 1: 71، سنن الدارقطني 1: 82 حديث 13.

[ 25 ]

وأيضا: روى ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (1)، ومن المستحيل إمكان غسل الوجه وإيصال الماء إلى ما تحت الشعر بكف واحد وبالخصوص مع وضوء النبي صلى الله عليه وآله بأنه كثيف اللحية كبيرها (2). وأيضا: الوجه مأخوذ من المواجهة، وذلك غير صادق على ما تحت الشعر. ولأنه شعر يستر ما تحته بالعادة، فوجب انتقال الفرض إليه قياسا على الرأس. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: أرأيت ما كان تحت الشعر؟ قال: (كلما أحاطه به الشعر فليس على العباد أن يغسلوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء) (3). ورواه ابن بابويه أيضا في الصحيح (4). وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته؟ قال: (لا) (5). وروي، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إنما عليك أن تغسل ما ظهر) (6) و (إنما) تفيد الحصر. تذنيب: لو نبت للمرأة لحية، كان حكمها ذلك لما ذكرناه (7)، ولأنه شعر ساتر لما

(1) صحيح البخاري 1: 47، سنن النسائي 1: 74، نيل الاوطار 1: 183 حديث 1، كنز العمال 9: حديث 26929.
(2) (م) (د) (ق) (ح): كغيرها.
(3) التهذيب 1: 364 حديث 1106، الوسائل 1: 335 الباب 46 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(4) الفقيه 1: 28 حديث 88.
(5) التهذيب 1: 360 حديث 1084، الوسائل 1: 334 الباب 46 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(6) التهذيب 1: 78 حديث 202، الاستبصار 1: 67 حديث 201، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 6.
(7) تقدم في ص 24.

[ 26 ]

تحته، فأشبه لحية الرجل، سواء كانت خفيفة، أو كثيفة، خلافا للشافعي (1). الرابع: لا يجب غسل ما استرسل من اللحية طولا وعرضا. وهو قول أبي حنيفة (2)، والشافعي في أحد قوليه (3)، وفي القول الآخر: يجب (4)، وبه قال مالك (5). وعن أحمد روايتان (6). ونقل عن أبي حنيفة، أيضا أن اللحية النابتة في محل الفرض لا يجب غسلها إذا كانت كثيفة، لأن الوجه اسم للبشرة التي بها تحصل المواجهة، والشعر ليس ببشرة (7)، وما تحته لا تحصل به المواجهة (8)، وهو أيضا مروي عن أبي يوسف (9). لكن الأظهر من مذهب أبي حنيفة، أن عليه غسل الربع من اللحية، قياسا على مسح الرأس (10). لنا: أنها ليست من الوجه، ولأنه شعر خارج عن محل الفرض، فأشبه ما لو نزل من شعر الرأس عنه كالذؤابتين. احتج (11) الموجبون، بأنها تسمى في الشرع وجها، لما روي أن النبي صلى الله عليه

(1) مغني المحتاج 1: 52، المهذب 1: 16، المجموع 1: 377.
(2) بدائع الصنائع 1: 4، بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 130، نيل الاوطار 1: 182، التفسير الكبير 11: 158، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 160.
(3) الأم 1: 25، المهذب للشيرازي 1: 16، بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 130، التفسير الكبير 11: 158.
(4) المجموع 1: 379، المهذب للشيرازي 1: 16، الأم 1: 25، نيل الاوطار 1: 182، بدائع الصنائع 1: 4، التفسير الكبير 11: 158، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 160.
(5) بداية المجتهد 1: 11، مقدمات ابن رشد 1: 50.
(6) الكافي لابن قدامة 1: 33، الانصاف 1: 156.
(7) (خ): بشرة.
(8) المغني 1: 130، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 160.
(9) أحكام القرآن للجصاص 3: 343.
(10) بدائع الصنائع 1: 3، شرح فتح القدير 1: 13، المغني 1: 131، أحكام القرآن للجصاص 3: 343، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 160.
(11) المغني 1: 131، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 160، المجموع 1: 379.

[ 27 ]

وآله رأى رجلا غطى لحيته في الصلاة، فقال: (اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه) (1) وعرفا، ولهذا يقال: خرج وجهه، أي: لحيته، ولأنه شعر نابت على موضع مغسول، فيوصل إليه الماء، كالشارب. والجواب عن الأول: لعل ذلك الرجل غطى النابت في محل الفرض لا الساقط عنه. وعن الثاني: بأنه مجاز في الاستعمال، ولهذا فإنه لا يطرد، فلا يقولون: طال وجهه أو عرض أو قصر وجهه لمن حصلت (2) هذه الاوصاف للحيته. وعن الثالث: أن الحكم مضاف إلى المختص، وهو أنه شعر غير ساقط عن العضو المفروض، وإلا لثبت في محل النقض وهو المسترسل من الرأس. الخامس: الاذنان ليسا من الوجه، فلا يجب غسلهما ولا يستحب، ولا يجب مسحهما ما أقبل منهما وما أدبر، ولا يجوزان. وقال الجمهور: يمسح الاذنان (3). وقال الزهري: هما من الوجه يغسلان معه (4). وقال الشعبي، والحسن البصري، وإسحاق: يغسل ما أقبل ويمسح ما أدبر (5). ثم اختلف الشافعي وأبو حنيفة، فقال الشافعي: المستحب استيناف ماء جديد لهما (6)،

(1) المغني 1: 131، المجموع 1: 379.
(2) (م) (ن) (ح) (ق): جعل.
(3) المغني 1: 149، بداية المجتهد 1: 14، بدائع الصنائع 1: 23، المهذب للشيرازي 1: 18.
(4) نيل الاوطار 1: 188، المجموع 1: 413، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، تفسير القرطبي 6: 87.
(5) المجموع 1: 414، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، نيل الاوطار 1: 188، وفيها: الحسن بن صالح، بدل: الحسن البصري. تفسير القرطبي 6: 87، التفسير الكبير 11: 159.
(6) المجموع 1: 413، السراج الوهاج: 18، بداية المجتهد 1: 14، سنن الترمذي 1: 55، تفسير القرطبي 6: 90، الأم 1: 26، المهذب للشيرازي 1: 18.

[ 28 ]

وقال أبو حنيفة: يمسحهما بماء الرأس (1). واتفق أهل العلم على أن مسحهما غير واجب إلا ما يحكى عن إسحاق بن راهويه من إيجاب مسحهما (2). لنا: إنه تكليف، فيتوقف على الشرع ولم يثبت، فاعتقاد فعله بدعة. وما رويناه، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في حد الوجه (3). وما رويناه عنهم عليهم السلام من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (4)، وصفة وضوء أمير المؤمنين عليه السلام (5)، ولم يمسحا الاذنين. وما رواه الشيخ، عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام إن أناسا يقولون: إن بطن الاذنين من الوجه، وظهرهما من الرأس؟ فقال: (ليس عليهما غسل ولا مسح) (6) وفي طريقها ابن فضال وابن بكير، وفيهما قول (7)، إلا أن إجماع الأصحاب يؤيد العمل بها، واعتضادها بالأخبار الأخر. احتجوا (8) بما رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد (9).

(1) الهداية للمرغيناني 1: 13 شرح فتح القدير 1: 24، بداية المجتهد 1: 14، تفسير القرطبي 6: 90، المبسوط للسرخسي 1: 65، نيل الاوطار 1: 200.
(2) تفسير القرطبي 6: 90، نيل الاوطار 1: 200.
(3) تقدم في ص 22 رقم (1).
(4) تقدم في ص 297، 302، 306.
(5) الفقيه 1: 26 حديث 84، الوسائل 1: 282 الباب 16 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(6) التهذيب 1: 55 حديث 156، الاستبصار 1: 63 حديث 187، الوسائل 1: 285 الباب 18 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(7) مرت ترجمتهما والقول فيهما في الجزء الأول ص 76، 204. (8) المبسوط للسرخسي 1: 65.
(9) سنن أبي داود 1: 33 حديث 133، نيل الاوطار 1: 198 حديث 2، وفيهما: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة.

[ 29 ]

وبما (1) روي، عنه عليه السلام أنه قال: (الاذنان من الرأس) (2). والجواب عن الأول: أنه مدفوع عند الشافعي، ولو كان صحيحا لما خفي عنه، على أنه حكاية فعل وفيه ضعف. وعن الثاني بالمنع منه، فإن سليمان بن حرب (3)، قال: إنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله، وإنما هو من كلام أبي أمامة (4) راوي الخبر (5). وقال حماد بن زيد (6): لا أدري هو من قول النبي صلى الله عليه وآله، أو من قول أبي أمامة (7)، على أن أصحاب الحديث قد ضعفوه، فإن راويه شهر بن

(1) المبسوط للسرخسي 1: 65.
(2) سنن أبي داود 1: 33 حديث 134، سنن الترمذي 1: 53 حديث 37، سنن ابن ماجة 1: 152 حديث 443 و 444 و 445، نيل الاوطار 1: 199 حديث 1. سنن الدارقطني 1: 104 حديث 41، مجمع الزوائد 1: 234.
(3) سليمان بن حرب: أبو أيوب الازدي الواشحي البصري، قاضي مكة. سمع شيعة ومبارك بن فضالة، وروى عن حماد بن زيد وعنه ابن أبي شيبة، وإسحاق وأحمد بن سعيد الدارمي. مات بالبصرة سنة 224 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 393، العبر 1: 307، شذرات الذهب 2: 54، رجال صحيح مسلم 1: 268.
(4) أبو أمامة: صدي بن عجلان بن الحارث، أو وهب الباهلي السهمي كان مع علي عليه السلام بصفين، روى، عن النبي صلى الله عليه وآله، وعلي (ع)، وعمر، وعثمان، وأبي عبيدة، ومعاذ، وروى عنه أبو سلام الاسود، وشرحبيل بن مسلم، وشهر بن حوشب، ومكحول وغيرهم. مات بالشام سنة 86 ه‍. الاصابة 2: 182، أسد الغابة 3: 16، الجمع بين رجال الصحيحين 1: 226، رجال صحيح مسلم 1: 320.
(5): سنن أبي داود 1: 33، شرح فتح القدير 1: 25، سنن البيهقي 1: 66.
(6) حماد بن زيد بن درهم: أبو أمامة الازدي مولاهم البصري من أئمة الحديث حيث روى منها أربعة آلاف، سمع أبا عمران الجوني وأنس بن سيرين. وروى عنه عبد الرحمن بن مهدى، وعلي بن المديني، وأحمد بن المقدام وغيرهم. مات سنة 179 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 228، العبر 1: 211، شذرات الذهب 1: 292. (7) سنن الترمذي 1: 53 حديث 37، سنن أبي داود 1: 33، 134، شرح فتح القدير 1: 25، سنن البيهقي 1: 67، التعليق المغني هامش سنن الدارقطني 1: 103.

[ 30 ]

حوشب (1)، وقال شعبة: إن شهرا رافق رجلا من أهل الشام فخانه (2). على أن كونهما من الرأس لا يدل على وجوب مسحهما ولا استحبابه، لما سنبين من اختصاص المسح بالمقدم. لا يقال: قد روى الشيخ، عن على بن رئاب (3)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: الاذنان من الرأس؟ قال: (نعم) قلت: فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: (نعم) (4). لأنا نقول هذا الحديث مردود بالاجماع على خلافه، وبأنه (يحمل على التقية) (5)، ورواية يونس، و هو مشترك بين الموثق كابن عبد الرحمن (6) وابن

(1) شهر بن حوشب: أبو عبد الرحمن أو أبو الجعد الاشعري الشامي سكن البصرة، يروي عن أم سلمة، وابن عمر وأبي هريرة، وروى عنه قتادة وشمر بن عطية. قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي، وقد أطال الذهبي ترجمته والأقوال فيه. مات سنة 100 ه‍. ميزان الاعتدال 2: 283، المجروحين 1: 361، الضعفاء والمتروكين 2: 43.
(2) سنن البيهقي 1: 66.
(3) علي بن رئاب: أبو الحسن الطحان الكوفي، مولى جرم أو مولى بني سعد بن بكر، له أصل كبير، وهو ثقة جليل القدر، روى عن أبي عبد الله، وأبي الحسن عليهما السلام، قاله النجاشي. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 250، رجال الطوسي: 243، الفهرست: 87، رجال العلامة: 93.
(4) التهذيب 1: 62 حديث 169، الاستبصار 1: 63 حديث 188، الوسائل 1: 285 الباب 18 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(5) (م) (ن) (د): يتحمل التقية.
(6) يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين بن موسى. كان وجها في أصحابنا، متقدما، عظيم المنزلة، ورى عن أبي الحسن موسى (ع) وكان الرضا (ع) يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل له على الوقت مال جزيل وامتنع عن أخذه، وثبت على الحق، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الكاظم (ع) وأخرى من أصحاب الرضا (ع). رجال النجاشي: 446، رجال الطوسي: 364، 394، رجال العلامة: 184، وقد مرت ترجمته في الجزء الأول ص 117.

[ 31 ]

رباط (1)، والمضعف كابن ظبيان (2) فلا حجة فيه. السادس: روى الشيخ في حديث مرسل، عن الصادق عليه السلام، قال: (إذا توضأ الرجل فليصفق وجهه بالماء فإنه إن كان ناعسا فزع واستيقظ، وإن كان البرد فزع ولم يجد البرد) (3). وذكر في حديث ضعيف، عن السكوني، عن جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضأتم ولكن شنوا الماء شنا) (4) والسن (5): السيل، وجمع بينهما بأن الأول محمول على إباحته ولا يجب خلافه، والثاني محمول على أولوية غيره فلا ينافي. السابع: يستحب إسباغ ماء الوجه لأن فيه غضونا (6)، ومع الكثرة يحصل اليقين بوصول الماء إلى الجميع. الثامن: لو غسل منكوسا، قال الشيخ: لا يجزيه (7). خلافا للمرتضى مع أنه

(1) يونس بن رباط البجلي، مولاهم، كوفي من أصحاب أبي عبد الله (ع) وثقه النجاشي، والشيخ، والعلامة. رجال النجاشي: 448، رجال الطوسي: 337، رجال العلامة: 185.
(2) يونس بن ظبيان الكوفي، مولى، ضعيف جدا لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط، قاله النجاشي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) ونقل العلامة في رجاله عن ابن الغضائري أنه غال كذاب وضاع للحديث، ثم قال: لا أعتمد على روايته. رجال النجاشي: 448، رجال الطوسي: 336، رجال العلامة: 266.
(3) التهذيب 1: 357 حديث 1071، الاستبصار 1: 68 حديث 207، الوسائل 1: 305 الباب 30 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 357 حديث 1072، الاستبصار 1: 69 حديث 208، الوسائل 1: 305 الباب 30 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(5) السن خلاف الشن، هو الصب المتصل. النهاية لابن الاثير 3: 413، 507.
(6) الوجه الغضن: هو الذي فيه تجعد وتكسر. النهاية لابن الاثير 3: 372.
(7) المبسوط 1: 20.

[ 32 ]

كرهه (1). لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة بن أعين قال: حكى لنا أبو جعفر عليه السلام وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى فأخذ كفا من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه (2). وفعله إذا كان بيانا للمجمل وجب اتباعه فيه. وأيضا: نقل عنه عليه السلام حين أكمل وضوئه أنه قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (3). وأيضا: لا شك أنه عليه السلام توضأ بيانا، فإن كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه ولا قائل به، ويكون قد فعل المكروه فإنه وافق على الكراهية وهو منزه عنه، وإن كان قد غسل من أعلاه وجب اتباعه. التاسع: قال الشيخ في الخلاف: لا يستحب فتح العين عند الوضوء، واحتج بإجماع الفرقة وبالأصل (4). وروى ابن بابويه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال (افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم) (5) وهذا يعطي الاستحباب. وهو أحد قولي الشافعي (6)، لأن ابن عمر فعله (7). والجواب: فعل ابن عمر ليس حجة، مع أنهم نقلوا وضوء رسول الله صلى الله

(1) لم نعثر على قوله هذا من كتبه الموجودة، ولكن نقله عنه المحقق في المعتبر 1: 143.
(2) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.
(3) الفقيه 1: 25 حديث 76، الوسائل 1: 308 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 11.
(4) الخلاف 1: 14 مسألة 35.
(5) الفقيه 1: 31 حديث 104، الوسائل 1: 341 الباب 53 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(6) المهذب للشيرازي 1: 16، المجموع 1: 369.
(7) المغني 1: 118، المهذب للشيرازي 1: 16.

[ 33 ]

عليه وآله ولم ينقل إدخال الماء إلى العينين، ولان فيه ضررا، وقياسه على المضمضة والاستنشاق ضعيف، لأن داخل الفم والأنف يتغير، بخلاف داخل العين. العاشر: لو غسل الشعر النابت على الوجه، ثم زال عنه، أو انقلعت جلدة من يديه أو ظفره، أو قصه، لم يؤثر في طهارته. وهو قول أكثر أهل العلم (1)، ونقل عن ابن جرير (2)، أن ظهور بشرة الوجه بعد غسل شعره يوجب غسلها (3)، قياسا على ظهور قدم الماسح على الخف. لنا: أنه أتى بالمأمور به، ولأنه غسل ما هو أصل وهو الشعر، بدليل أنه لو غسل البشرة دون الشعر لم يجزيه، فأشبه ما لو انكشطت جلدة من الوجه بعد غسله، وقياسه ضعيف، لأن الخفين بدل مجزئ عن غسل الرجلين دونهما بخلاف الشعر. مسألة: ويجب غسل اليدين بالاجماع والنص، وأكثر أهل العلم على وجوب إدخال المرفقين في الغسل (4)، خلافا لبعض أصحاب مالك (5)، وابن داود (6) (7)،

(1) المجموع 1: 393، المغني 1: 130.
(2) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير: أبو جعفر الطبري صاحب التفسير، والتاريخ، والمصنفات الكثيرة. سمع إسحاق بن أبي إسرائيل ومحمد بن حميد الرازي وطبقتهما وحدث عنه خلق كثير. مولده بآمل طبرستان سنة 224 ه‍. مات ببغداد سنة 310 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 710، العبر 1: 460، ميزان الاعتدال 3: 498، لسان الميزان 5: 100. (3) المجموع 1: 393، المغني 1: 130.
(4) المجموع 1: 385، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، بدائع الصنائع 1: 4، المغني 1: 137، شرح فتح القدير 1: 13، بداية المجتهد 1: 11، مغني المحتاج 1: 52، التفسير الكبير 11: 159، ميزان الكبرى 1: 117.
(5) بداية المجتهد 1: 11، المغني 1: 137.
(6) أبو بكر محمد بن علي بن داود الظاهري، صاحب كتاب الزهرة تولى مقام الفتوى ببغداد بعد أبيه وكان يناظر أبا العباس بن سريج. مات سنة 297 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 660، العبر 1: 433، شذرات الذهب 2: 226.
(7) المغني 1: 137، المجموع 1: 385.

[ 34 ]

وزفر (1). لنا: ما رواه الجمهور، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا توضأ أدار الماء إلى مرفقيه (2). وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية، فإن (إلى) قد تأتي بمعنى (مع) كقوله تعالى: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) (3) وقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (4) وقوله: (من أنصاري إلى الله) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن بكير وزرارة ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفيه إلى قوله فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع (6). وقد وافق على أن مبدأ الغاية داخل. وروى الشيخ، عن الهيثم بن عروة التميمي (7)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (8) فقال: (ليس هكذا تنزيلها إنما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم من المرافق) ثم أمر يده من مرفقه إلى

(1) بدائع الصنائع 1: 4، شرح فتح القدير 1: 13، ميزان الكبرى 1: 117، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المغني 1: 137، عمدة القارئ 2: 233، التفسير الكبير 11: 159، المجموع 1: 385، الهداية للمرغيناني 1: 12.
(2) سنن الدارقطني 1: 83 حديث 15، سنن البيهقي 1: 56. (3) هود: 52.
(4) النساء: 2.
(5) آل عمران: 52، الصف: 14.
(6) التهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.
(7) الهيثم بن عروة التميمي، كوفي، ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 437، رجال الطوسي: 331، رجال العلامة: 179.
(8) المائدة: 6.

[ 35 ]

أصابعه (1). ولان الاحتياط يقتضي الوجوب. احتج: زفر (2) بأنها غاية في الآية، فلا تدخل في ذي الغاية كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (3) وهو ضعيف. أما أولا، فبالمنع من كونها غاية، بل بمعنى (مع) لما بيناه (4) من الاستعمال والاحتياط. وثانيا، بالمنع من كون الغاية غير داخلة، فإن بعضهم ذهب إلى وجوب الدخول (5)، وآخرون قالوا بالوقف (6) بأنها تارة تدخل وأخرى لا تدخل، فكان مجملا. وقال آخرون: إن كان الحد من جنس المحدود دخل، كقوله: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف وإلا فلا، كآية الصيام (7) (8)، وهاهنا المرافق من جنس الأيدي. فروع: الأول: لو غسلهما مبتدئا بالمرافق أجزأ إجماعا بل هو الأولى. وهل هو واجب أم لا؟ نص الشيخ على ذلك (9) حتى أنه لو استقبل الشعر لم يجزه، وقال المرتضى بالاستحباب (10).

(1) التهذيب 1: 57 حديث 159، الوسائل 1: 285 الباب 19 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) المغني 1: 137، شرح فتح القدير 1: 13، الهداية للمرغيناني 1: 12.
(3) البقرة: 187.
(4) تقدم بيانه في ص 34.
(5) مقدمات ابن رشد 1: 51. (6 7) المجموع 1: 386، عمدة القارئ 2: 234، أحكام القرآن للجصاص 3: 344.
(8) البقرة: 187.
(9) المبسوط 1: 21، النهاية 14، الخلاف 1: 11 مسألة 26.
(10) الانتصار: 16، رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الأولى): 213.

[ 36 ]

احتج الشيخ بابتداء النبي صلى الله عليه وآله من المرفق، لما رواه عن زرارة وبكير ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يرد الماء إلى المرفقين (1). وما رواه الهيثم بن عروة وقد تقدمت، والرواية الأولى في طريقها عثمان بن عيسى، والثانية في طريقها سهل بن زياد، وهما ضعيفان (2). احتج المرتضى بأنه أتى بالمأمور به، فيجب الإجزاء، لكنه أتى بالكراهية (3). وللشيخ أن يقول: إذا كان مكروها لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله بيانا، فتعين الآخر، فيكون واجبا. ونحن نقول: قد بينا تحريم النكس في الوجه (4)، فيحرم هنا، لعدم القائل بالفرق. الثاني: الواجب في الغسل ما يحصل به مسماه كالدهن، بشرط بقاء التسمية فيه، وذلك بأن يصدق الجريان على الماء، أما المسح فلا، لأنه بالأول يكون ممتثلا بخلاف الثاني. الثالث: لو انقطعت يده من دون المرفق غسل الباقي من محل الفرض. وهو قول أهل العلم (5). لنا: ما رواه الشيخ، عن رفاعة (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن

(1) التهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.
(2) تقدم بيان ضعفهما في الجزء الأول 1: 39، 251.
(3) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الأولى): 213.
(4) تقدم بيانه في ص 31.
(5) المجموع 1: 394، المغني 1: 139.
(6) رفاعة بن موسى الاسدي النخاس، كوفي، ثقة في حديثه مسكونا إلى روايته لا يعترض عليه بشئ من الغمز، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الصادق (ع). >

[ 37 ]

الاقطع الرجل واليد كيف يتوضأ؟ قال: (يغسل ذلك المكان الذي قطع منه) (1) ورواه ابن يعقوب في كتابه في الحسن، عن رفاعة أيضا (2). وروى الشيخ في الحسن عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الاقطع اليد والرجل؟ قال: (يغسلهما) (3) ولان غسل الجميع واجب بتقدير وجوده، وذلك يستلزم وجوب غسل كل عضو، فلا يسقط بعضه بفقدان البعض الآخر. الرابع: لو انقطعت يده من المرفق سقط غسلها، لفوات محل الغسل. وللشافعي في غسل العظم الباقي وهو طرف العضد وجهان، أصحهما عنده الوجوب، لأن غسل العظمين المتلاقيين من العضد والمرفق واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر (4). ونحن نقول: إنما وجب غسل طرف العضد توصلا إلى غسل المرافق، ومع سقوط الأصل انتفى الوجوب. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: (يغسل ما بقي من عضده) (5). لأنا نقول: هذه الرواية منافية للاجماع، فإن أحدا لم يوجب غسل العضد، فيحمل على الاستحباب تشبيها بالغاسل. أما لو قطعت يده من فوق المرفق، سقط الغسل إجماعا، لفوات المحل، لكن

< رجال النجاشي: 166، رجال الطوسي: 194، رجال العلامة: 71. (1) التهذيب 1: 359 حديث 1078، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(2) الكافي 3: 29 حديث 8.
(3) التهذيب 1: 360 حديث 1085، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) السراج الوهاج: 16، المجموع 1: 394، مغني المحتاج 1: 52.
(5) التهذيب 1: 360 حديث 1086، الوسائل 1: 337 الباب 49 من أبواب الوضوء، حديث 2.

[ 38 ]

يستحب غسل الباقي، لما تقدم من الرواية، وهو قول الشافعي (1). الخامس: إذا كان أقطع اليدين فوجد من يوضئه متبرعا، لزمه ذلك لتمكنه، وإن لم يجد إلا بأجرة يقدر عليها، فهل يجب ذلك أم لا؟ الوجه الوجوب للتمكن أيضا، كما يلزمه شراء الماء. وقال بعض الجمهور: لا يلزمه، كما لو عجز عن القيام في الصلاة، لا يلزمه استئجار من يقيمه ويعتمد عليه (2)، ونحن نمنع الأصل. ولو عجز عن الأجرة، أو لم يجد من يستأجره، صلى على حسب حاله، كفاقد الماء والتراب، وفي وجوب إعادة الصلاة إشكال. السادس: لو خلق له يد زائدة، أو إصبع، أو لحم نابت، أو جلد منبسط في محل الفرض، وجب غسله لأنه كالجزء منه، فأشبه الثؤلول (3). ولو كانت فوق المرفق كالعضد، والمرفق لم يجب غسلها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، لأنها خرجت عن محل الفرض، فأشبهت شعر الرأس إذا نزل عن الوجه. وقال الشافعي: إن كان بعضها يحاذي محل الفرض غسل المحاذي منه (4)، وليس بشئ. السابع: لو لم يعلم اليد الزائدة من الأصلية، وجب غسلهما جميعا، لأن غسل إحداهما متعين (5)، وتخصيص إحداهما به ترجيح من غير مرجح، فوجب الجميع، كما لو تنجست إحدى يديه، ولم يعلم (6) بعينها. الثامن: لو انقلعت جلدة من غير محل الفرض حتى تدلت من محل الفرض وجب غسلها، لأن أصلها في محل الفرض فأشبهت الاصبع الزائدة. ولو انقلعت من محل

(1) الأم 1: 26، المجموع 1: 394، مغني المحتاج 1: 52، السراج الوهاج: 16، فتح الوهاب 1: 12.
(2) المغني 1: 139، عمدة القارئ 2: 233.
(3) الثؤلول: الحبة التي تظهر في الجلد. النهاية لابن الاثير 1: 205.
(4) المهذب للشيرازي 1: 17، المجموع 388، مغني المحتاج 1: 53.
(5) (خ): متيقن.
(6) (ح) (ق) يعلمها.

[ 39 ]

الفرض، فتدلت من غير محل الفرض، لم يجب غسلها، قصيرة كانت أو طويلة بلا خلاف، لأنها في غير محل الفرض، كما لا تغسل الاصبع النابتة في غير محله. ولو انقلعت من أحد المحلين، فالتحم رأسها في الآخر، وبقي وسطها متجافيا، صار حكمها حكم النابت في المحلين، يجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها، وغسل ما تحتها من محل الفرض. التاسع: لو قطعت يده من دون المرفق بعد الطهارة، لم يجب غسل ما ظهر منها، لأن الطهارة لم تتعلق بموضع القطع، وإنما كانت متعلقة بما كان ظاهرا من اليد وقد غسله. العاشر: لو طالت أظفاره حتى خرجت عن سمت يده، احتمل وجوب غسلها لأنه نادر، وعدمه، كاللحية، وللشافعية الوجهان (1). الحادي عشر: الوسخ تحت الظفر المانع من وصول الماء إلى ما تحته، هل يجب إزالته مع عدم الضرر؟ فيه إشكال، فإن لقائل أن يقول: إنه حائل عما يجب غسله، ويمكن إزالته من غير مشقة فيجب، كالشمع (2). ويمكن أن يقال: إنه ساتر عادة فكان يجب على النبي صلى الله عليه وآله بيانه، ولما لم يبين دل على عدم الوجوب، ولأنه يستر عادة، فأشبه ما يستره الشعر من الوجه، والأقرب الأول. الثاني عشر: ذو الرأسين واليدين يغسل أعضائه مطلقا، لأن كل واحد من الوجهين يسمى وجها، سواء علمت الزيادة أو لا، وسواء حكم الشرع بوحدته أو بكثرته. (أصل: الباء إذا أدخلت على فعل متعد بنفسه أفادت التبعيض بالنقل، أو لأنا نعلم الفرق بين قولنا: مسحت يدي بالمنديل، ومسحت المنديل في إفادة الأول

(1) المهذب للشيرازي 1: 17، المجموع 1: 387.
(2) (خ): كالوسخ.

[ 40 ]

التبعيض من دون الثاني، ولأنه لو لم يفيد التبعيض لم يكن مفهما، لأن الإلصاق إنما يفيده إذا لم يتعد الفعل بنفسه، وقول ابن جني (1): إن الباء لم تفد التبعيض في لغة العرب، باطل، بالنقل عن كثير من أهل اللغة إنها تفيد (2)، وشهادة الاثبات مقدمة) (3). مسألة: ويجب مسح الرأس بالنص والاجماع، واختلفوا في قدر الواجب منه، فقال مالك (4)، وأحمد في أحد قوليه: يجب مسح الجميع (5). وقال علماؤنا: الواجب مسح البعض (6). وهو مذهب الحسن، والثوري، والأوزاعي (7)، والشافعي (8)، وأبي حنيفة (9). وفصل أحمد في القول الآخر، فأوجب الاستيعاب في حق الرجل دون

(1) أبو الفتح، عثمان بن جني الموصلي النحوي صاحب التصانيف، لازم أبا علي الفارسي وتصدر مكانه بعد موته ببغداد. مات في صفر سنة 392. بغية الوعاة: 322، العبر 2: 183.
(2) المصباح المنير 1: 67.
(3) مابين القوسين في (خ) فقط.
(4) المدونة الكبرى 1: 16، بداية المجتهد 1: 12، مقدمات ابن رشد 1: 51، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المبسوط للسرخسي 1: 63، المغني 1: 141، ميزان الكبرى 1: 117، التفسير الكبير 11: 160، عمدة القارئ 2: 234، بدائع الصنائع 1: 4، المجموع 1: 399، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، شرح فتح القدير 1: 15.
(5) المغني 1: 141، الانصاف 1: 161، الكافي لابن قدامة 1: 35، المجموع 1: 399، ميزان الكبرى 1: 117، نيل الاوطار 1: 192، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18.
(6) منهم: المفيد في المقنعة: 5، والسيد المرتضى في الجمل: 50، والشيخ الطوسي في النهاية: 14،. الخلاف 1: 13 مسألة 29.
(7) المغني 1: 141، المجموع 1: 399، عمدة القارئ 2: 235، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 167.
(8) مغني المحتاج 1: 53، المجموع 1: 399، التفسير الكبير 11: 160، أحكام القرآن للجصاص 3: 344، عمدة القارئ 2: 235، المغني 1: 141، نيل الاوطار 1: 192.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 63، بدائع الصنائع 1: 4، عمدة القارئ 2: 235، بداية المجتهد 1: 12، المغني 1: 141، التفسير الكبير 11: 160، نيل الاوطار 1: 192.

[ 41 ]

المرأة (1)، وحكي عن محمد بن [ مسلمة ] (2) من أصحاب مالك، أنه إن ترك قدر الثلث جاز (3)، وقال غيره من أصحابه: إن ترك يسيرا بغير قصد جاز (4)، وحكي عن المزني أنه قال: يجب مسح جميعه (5). لنا: قوله تعالى: (فامسحوا برؤسكم) (6) وقد بينا أن الباء للتبعيض. وما رواه الجمهور، عن المغيرة بن شعبة (7) أن النبي صلى الله عليه وآله مسح بناصيته (8). وما رواه سعيد (9)، عن عثمان (10) أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة لم

(1) المغني 1: 141، الانصاف 1: 162، الكافي لابن قدامة 1: 36، منار السبيل 1: 27، عمدة القارئ 2: 235.
(2) في النسخ: مسلم، وما أثبتناه من المصدر. (3) أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، المجموع 1: 399، عمدة القارئ 2: 234.
(4) أحكام القرآن لابن العربي 2: 568.
(5) المجموع 1: 399.
(6) المائدة: 6.
(7) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود. بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، أبو عيسى أو أبو محمد أو أبو عبد الله، أسلم عام الخندق، ولاه عمر بن الخطاب البصرة، ولم يزل عليها حتى شهد عليه بالزنا فعزله ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان عليها. هو أول من وضع ديوان البصرة، وأول من رشي في الاسلام، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه أبو أمامة الباهلي والمسور بن مخرمة ونافع بن جبير وغيرهم. مات بالكوفة سنة 50 ه‍. الاصابة 3: 452، أسد الغابة 4: 406.
(8) صحيح مسلم 1: 230 حديث 81 وص 231 حديث 83، سنن أبي داود 1: 38 حديث 150، سنن النسائي 1: 76، سنن البيهقي 1: 58، نيل الاوطار 1: 207.
(9) سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، صاحب السنن، سمع مالكا وفليح بن سليمان والليث بن سعد وحدث عنه أحمد وأبو بكر الأثرم ومسلم وأبو داود. مات بمكة سنة 227 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 416، العبر 1: 314، ميزان الاعتدال 2: 159. (10) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الله وأبو عمر، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أبي بكر وعمر وروى عنه أولاده: عمر، وأبان، وسعيد. ومروان بن الحكم بن أبي العاص، وابن >

[ 42 ]

يستأنف له ماءا جديدا حين حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وما رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله، توضأ فرفع مقدم عمامته وأدخل يده تحتها فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة (2). ولا شك أن مسح جميع الرأس لا يتم مع رفع المقدم. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ألا تخبرني من أين علمت وقلت أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، ثم قال: (يا زرارة، قاله رسول الله صلى الله عليه وآله: ونزل به الكتاب من الله تعالى [ لأن الله تعالى ] (3) يقول: (اغسلوا وجوهكم) فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل، ثم قال: (وأيديكم إلى المرافق) ثم فصل بين الكلامين، فقال: (وامسحوا برؤسكم) فعرفنا حين قال: برؤسكم، أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وأرجلكم إلى الكعبين) فعرفنا حين وصلهما بالرأس إن المسح على بعضها، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله للناس فضيعوه، ثم قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) فلما وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنه قال: (بوجوهكم وأيديكم) ثم وصل بها (وأيديكم) ثم قال: (منه) أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لا يجزي على الوجه، لأنه يعلق من ذلك [ الصعيد ] (4) ببعض

< مسعود وغيرهم. قتل بالمدينة سنة 35 ه‍. الاصابة 2: 462، أسد الغابة 3: 376. (1) كنز العمال 9: 443 حديث 26890.
(2) سنن أبي داود 1: 36 حديث 147، سنن ابن ماجة 1: 186 حديث 564.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) أضفناه من المصدر.

[ 43 ]

الكف، ولا يعلق ببعضها، ثم قال: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) (1) والحرج الضيق) (2). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (مسح الرأس على مقدمه) (3). وما رواه، عن معمر بن عمر (4)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (يجزي من مسح الرأس [ موضع ] (5) ثلاث أصابع، وكذلك الرجل) (6). وروى ابن يعقوب في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقى عنها خمارها) (7). وما رواه، عن الحسين (8) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل توضأ وهو

(1) المائدة: 6.
(2) التهذيب 1: 61 حديث 168، الاستبصار 1: 62 حديث 186، الوسائل 1: 290 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 1، 2.
(4) معمر بن عمر ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) وقال: روى عنهما، أي: الباقر والصادق (ع). رجال الطوسي: 316.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) التهذيب 1: 60 حديث 167، الاستبصار 1: 60 حديث 177، الوسائل 1: 294 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(7) الكافي 3: 30 حديث 5، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(8) الحسين بن المختار، أبو عبد الله القلانسي، كوفي روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (ع) له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى. قاله النجاشي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم (ع) وضعفه بأنه واقفي، وتبعه العلامة في رجاله، ووثقه المفيد في الارشاد وعده من أهل الورع الذين رووا النص على الامام الرضا (ع). رجال النجاشي: 54، إرشاد المفيد 2: 240، رجال الطوسي: 169، 346، رجال العلامة: 215.

[ 44 ]

معتم، فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: (يدخل إصبعه) (1). وأيضا: الأصل براءة الذمة، ومن مسح بعض رأسه يصدق عليه أنه قد مسح برأسه، كما يقال: مسحت برأس اليتيم. وأيضا: فهو مسح يسقط في التيمم، فوجب أن لا يستحق الاستيعاب، كالمسح على الخفين عندهم. وأيضا: لا يجب الاستيعاب في المسح، كما لا يجب استيعاب الحلق في التحلل، والجامع، ما اشتركا (2) فيه من كون كل واحد منهما حكما مختصا بالرأس على وجه العبادة. احتجوا (3) بما رووه (4)، عنه عليه السلام من أنه توضأ فمسح رأسه كله (5)، ولأنه لما كان كل جزء من الرأس محلا للفرض، علم تعلقه بالجميع، قياسا على سائر الاعضاء. والجواب عن الأول، بالمنع من صحته، فإن أهل البيت عليهم السلام أجمعوا على رده، ورده الشافعي، وأبو حنيفة، فلو كان صحيحا لما ردوه. وأيضا: يحمل على غير الوجوب، جمعا بينه وبين ما نقلوه عنه عليه السلام من ترك مسح البعض، ولا يمكن أن يقال إنه ترك بعض الواجب (6). وعن الثاني، بالمنع من ثبوت العلة في الفرع، فإن عندنا المسح مختص بالمقدم على

(1) الكافي 3: 30 حديث 3، التهذيب 1: 90 حديث 239، الاستبصار 1: 61 حديث 183، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 2، وفي الجميع: ليدخل إصبعه.
(2) (ح) (ق): هو مشترك.
(3) المجموع 1: 399.
(4) (ح) (ق): رووا.
(5) سنن أبي داود 1: 31 حديث 128.
(6) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 346.

[ 45 ]

ما يأتي، ومع هذا فإنه ينتقض بالمسح على الخفين، فإن كل جزء من الخف محل الفرض، ثم لا يتعلق الفرض بالجميع، وكذا بخصال الكفارة المخيرة. أصل: الأمر بالماهية الكلية لا يقتضي الأمر بشئ من جزئياتها على التعين، لأن الماهية الكلية صادقة على تلك الجزئيات، وليس كل واحد منها صادقا على الآخر، فما به الاشتراك غير ما ليس بالاشتراك، فالامر بالماهية الكلية التي بها الاشتراك، لا يكون أمرا بما به يمتاز كل واحد من الجزئيات، لا بالذات ولا بالاستلزام. نعم، يكون أمرا بواحد منها لا بعينه لاستحالة تحصيل الكلي إلا في أحد جزئياته. فروع: الأول: الحق عندي أن الواجب من مسح الرأس لا يتقدر بقدر في الرجل وفي المرأة، بل يكفي فيه أقل ما يصدق عليه الاسم، وبه قال الشيخ في المبسوط (1). نعم، الافضل ما يكون مقدار ثلاث أصابع مضمومة، وبه قال السيد المرتضى في المصباح، وقال في الخلاف: يجب مقدار ثلاث أصابع (2). وهو اختيار ابن بابويه (3)، وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى: يجزي مسح ربعه لا غير (4). وقال الشافعي: يجزي ما يقع عليه الاسم، وأقله ثلاث شعرات (5). وحكي عنه أنه لو مسح شعرة واحدة

(1) المبسوط 1: 21.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 145.
(3) الفقيه 1: 28.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المبسوط للسرخسي 1: 63، عمدة القارئ 2: 235، بدائع الصنائع 1: 4، الهداية للمرغيناني 1: 12، شرح فتح القدير 1: 15 16، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، بداية المجتهد 1: 12.
(5) المهذب للشيرازي 1: 17، المغني 1: 143، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 167، مغني المحتاج 1: 53، شرح فتح القدير 1: 15، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، بدائع الصنائع 1: 4.

[ 46 ]

أجزأه (1). وذهب بعض الحنابلة إلى أن قدر الواجب هو الناصية (2)، وهو رواية عن أبي حنيفة (3)، وحكي عن أحمد أنه لا يجزي إلا مسح أكثره (4). لنا: قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) والمراد البعض الكلي الصادق على الكثير والقليل، والامر بالكلي لا يكون أمرا بشئ من جزئياته على التعيين، فأيها أوقع أجزأه، ولا حد له شرعا، فيقتصر بالاجزاء على أقل ما يتناوله الاسم. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة وبكير ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن انتهيا إلى قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) قال عليه السلام: (فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه (5) مابين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع، فقد أجزأه) (6). وروى الشيخ، عن حماد بن عيسى (7) بإسناد صحيح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما عليهما السلام في الرجل يتوضأ وعليه العمامة؟ قال: (يرفع العمامة قدر ما يدخل أصبعه فيمسح على مقدم رأسه) (8) وهذا الحديث وإن كان مرسلا إلا أن الأصل

(1) مغني المحتاج 1: 53، السراج الوهاج: 16، المغني 1: 143، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 167.
(2) المغني 1: 142، الانصاف 1: 161.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 63، بدائع الصنائع 1: 4، الهداية للمرغيناني 1: 12، أحكام القرآن لابن العربي 2: 568، المجموع 1: 399.
(4) المغني 1: 142، الانصاف 1: 161.
(5) في بعض النسخ: رجليه.
(6) التهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(7) حماد بن عيسى: أبو محمد الجهني، كوفي، سكن البصرة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم (ع) ووثقه في الفهرست، قال النجاشي: كان ثقة في حديثه صدوقا. مات غريقا بوادي قناة وهو واد يسيل من الشجرة إلى المدينة سنة 209 ه‍، وقيل: 208 ه‍، وله نيف وتسعون سنة. رجال الطوسي: 174، 366، رجال النجاشي: 142، الفهرست: 61.
(8) التهذيب 1: 90 حديث 238، الاستبصار 1: 60 حديث 178، الوسائل 1: 289 الباب 22 من. >

[ 47 ]

يعضده. على إن ابن يعقوب رواه في كتابه، عن حماد، عن الحسين، عن أبي عبد الله عليه السلام (1)، ورواه السيد المرتضى في الخلاف، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام. والحاصل أن حماد أرسله تارة، وأسنده أخرى، فيكون حكمه حكم الروايتين، فيعمل بالمسند. لا يقال: أنهما روايتان في واقعة واحدة، فيقع التعارض. لأنا نقول: ليس في واقعة، لأن الرواية الأولى عن أحدهما عليهما السلام، فيحتمل أنه أبو جعفر الباقر عليه السلام. على أنهما لو كانا واحدا، لجاز سماعه من ثقة تارة، ومنه عليه السلام أخرى، فإن باتحاد المروي عنه، لا يحصل اتحاد الواقعة، على أن السيد المرتضى روى عن حماد، أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام، فكيف يقع الاتحاد. لا يقال: يعارض هذه الأدلة ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقى عنها خمارها) (2) والإجزاء إنما يفهم في أقل الواجب. لأنا نقول: لا نسلم أنه إنما يفهم في أقل الواجب. نعم، لا شك أنه الاغلب. على أنه يحتمل عود الإجزاء إلى عدم إلقاء الخمار، وهو الأولى، لما رواه الشيخ، عن عبد الله (3) بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها وتضع الخمار عنها، فإذا كان الظهر والعصر

< أبواب الوضوء، حديث 3. (1) الكافي 3: 30 حديث 3.
(2) التهذيب 1: 77 حديث 195، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(3) عبد الله بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين، قال العلامة المامقاني: ليس له ذكر في كتب الرجال. تنقيح المقال 2: 178.

[ 48 ]

والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها) (1). احتج أبو حنيفة بأن المسح أمر مقصود، والامر به أمر باستعمال الآلة التي هي اليد، فكأنها مذكورة دلالة، والاقتضاء لا عموم له، فيثبت (2) بقدر ما يدفع به الضرورة وهو الأدنى، وثلاث أصابع اليد أدنى الآلة، لأنه يقوم مقام كل اليد، لأنه أكثر اليد إلا أنه دون كله، فيصير مأمورا باستعمال هذا القدر ضرورة (3). والجواب: لا نسلم أن الآلة هي اليد بل بعضها، سلمنا، لكن لا نسلم أن أدنى اليد ثلاث أصابع، وكيف يصح منه ذلك ومن مذهبه أنه لو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات باستئناف ماء مقدار ثلاث أصابع أجزأه، فليس المعتبر حينئذ الآلة بل قدر الممسوح، فسقط ما قال بالكلية. الثاني: القائلون بالاكتفاء بالاقل اختلفوا، فذهب قوم إلى أن القدر الزائد عليه يوصف بالوجوب، والمحققون منعوا من ذلك، فإن الواجب هو الذي لا يجوز تركه، وهذه الزيادة يجوز تركها، فلا تكون واجبة. الثالث: المسح عندنا مختص بالمقدم، خلافا للجمهور (4). لنا: ما رواه من حديث المغيرة بن شعبة وعثمان في اختصاص مسح رسول الله صلى الله عليه وآله بالمقدم (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (مسح الرأس على مقدمه) (6).

(1) التهذيب 1: 77 حديث 194، الوسائل 1: 292 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 5. (2) (ح) (م): فثبت.
(3) بدائع الصنائع 1: 4.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 344، المغني 1: 142، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 167.
(5) تقدم الحديثان في ص 41 42.
(6) التهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من >

[ 49 ]

ولا يعارض هذا: ما رواه الشيخ، عن الحسين بن عبد الله (1)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمسح رأسه من خلفه وعليه عمامة بإصبعه أيجزيه؟ فقال: (نعم) (2) لوجهين: أحدهما: أن الراوي لا يحضرنا الآن حال ثقته وعدمها. الثاني: أنه لا يمتنع أن يدخل الرجل إصبعه من خلفه ويمسح المقدم، ويمكن أن يخرج ذلك مخرج التقية. ومما يعضد ما ذكرناه: ما رواه الشيخ، عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (امسح على مقدمه) (3). الرابع: يجوز المسح على المقدم مقبلا ومدبرا. وهو مذهب الشيخ في المبسوط، وقال في الخلاف بالتحريم (4). لنا: أنه امتثل الأمر بالمسح، فوجب الإجزاء. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن حماد بن عثمان (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام،

< أبواب الوضوء، حديث 1، 2. (1) الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق (ع)، روى عنه أحمد بن النضر، وعبد الله بن يحيى، والحسين بن مختار، واستظهر المامقاني كونه إماميا لكنه مجهول. رجال الطوسي: 113، 169، جامع الرواة 1: 245، تنقيح المقال 1: 333 (2) التهذيب 1: 90 حديث 240، الاستبصار 1: 60 حديث 179، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 62 حديث 171، الاستبصار 1: 60 حديث 176، الوسائل 1: 289 الباب 22 من أبواب الوضوء، حديث 2 بتفاوت يسير في اللفظ.
(4) المبسوط 1: 21، الخلاف 1: 13 مسألة 31. (5) حماد بن عثمان بن زياد الرواسي الملقب ب‍ (الناب)، كوفي ثقة جليل القدر، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم والرضا (ع). مات سنه 190 ه‍. رجال الطوسي: 173، 346، 371، الفهرست: 60.

[ 50 ]

قال: (لا بأس أن يمسح الوضوء مقبلا ومدبرا) (1) ولان أبا جعفر عليه السلام لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ذكر البدأة بالمرفقين لما كان واجبا، وأهمل كيفية المسح وبل قال: (ثم مسح رأسه وقدميه) (2) (3). وفي رواية أخرى: (ثم مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه) (4). ولو كان استقبال الشعر حراما لوجب بيانه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. الخامس: يجوز المسح على البشرة وعلى شعرها، خلافا لبعض الجمهور، حيث ذهب إلى وجوب المسح على الشعر.
(5). لنا: قوله تعالى: (فامسحوا برؤسكم) (6) وهو يتناول البشرة حقيقة، وإنما صير إلى الشعر لمحل الضرورة، فعلى تقدير التوصل وجب الإجزاء. احتج المخالف بأن الفرض قد انتقل إلى الشعر، كما انتقل في غسل اللحية، فكما لم يجزئه هناك غسل الباطن فكذا هنا. والجواب: إنما اعتبرنا الظاهر في اللحية، لانتقال اسم الوجه إليه، وزواله عن البشرة، بخلاف الرأس الذي أسمه لازم مع ستره بالشعر فافترقا. السادس: لا يجوز المسح على حائل غير الشعر كالعمامة. وهو مذهب علمائنا

(1) التهذيب 1: 58 حديث 161، الاستبصار 1: 57 حديث 169، الوسائل 1: 286 الباب 20 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) (خ) رجليه.
(3) التهذيب 1: 75 حديث 190، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 9.
(4) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.
(5) المغني 1: 146، المجموع 1: 404.
(6) المائدة: 6.

[ 51 ]

أجمع، وبه قال الشافعي (1)، ومالك (2)، وأبو حنيفة (3). وقال الثوري، والأوزاعي (4)، وأحمد (5)، وداود، وإسحاق: يجوز ذلك (6)، إلا أن أحمد، والأوزاعي قالا: إنما يجوز إذا لبسها على طهارة. وقال بعض أصحاب أحمد: إنما يجوز ذلك إذا كانت تحت الحنك (7). لنا: قوله تعالى: (فامسحوا برؤسكم) والباء إما للإلصاق أو للتبعيض، وعلى كلا التقديرين يجب المسح على البشرة ما لم تكن ضرورة مانعة كالشعر. وما رواه الجمهور من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله أنه مسح برأسه (8).

(1) الأم 1: 26، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 407، ميزان الكبرى 1: 117، المغني 1: 341، أحكام القرآن للجصاص 3: 357، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، بداية المجتهد 1: 13.
(2) المدونة الكبرى 1: 16، بداية المجتهد 1: 13، مقدمات ابن رشد 1: 52، الموطأ 1: 35، المغني 1: 341، ميزان الكبرى 1: 117، المجموع 1: 407، أحكام القرآن للجصاص 3: 357، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18. (3) أحكام القرآن للجصاص 3: 357، بدائع الصنائع 1: 5، الهداية للمرغيناني 1: 30، شرح فتح القدير 1: 140، المغني 1: 341، المجموع 1: 407، بداية المجتهد 1: 13، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18.
(4) المجموع 1: 407، إرشاد الساري 1: 280، أحكام القرآن للجصاص 3: 357، التفسير الكبير 11: 160، مقدمات ابن رشد 1: 52، نيل الاوطار 1: 205 شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 74.
(5) المغني 1: 340، الانصاف 1: 185، الكافي لابن قدامة 1: 48، المجموع 1: 407، عمدة القارئ 3: 101، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 18، نيل الاوطار 1: 205، ميزان الكبرى 1: 117 (في بعض المصادر لم يقيد بالطهارة). شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 74.
(6) المجموع 1: 407، مقدمات ابن رشد 1: 52، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 74، نيل الاوطار 1: 205.
(7) المغني 1: 342، الانصاف 1: 186، المجموع 1: 407.
(8) صحيح البخاري 1: 47، 51، 52، 58، صحيح مسلم 1: 204 حديث 3، وص 205 حديث 4، وص 210 حديث 18، وص 216 حديث 34، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106، 107، وص >

[ 52 ]

وروى الشيخ، عن حماد، عن الحسين قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: (ليدخل إصبعه) (1). تذنيب: لا فرق بين أن يكون الحائل ثخينا يمنع من وصول ماء المسح إلى الرأس، أو يكون رقيقا لا يمنع، عملا بالآية. وقال أبو حنيفة: إن (2) كان رقيقا ينفذ الماء منه ويبلغ ربع الرأس أجزأه (3) وهذا بناءا على أصله من استئناف الماء. السابع: يستحب أن تضع المرأة القناع، ويتأكد في المغرب والصبح، لما رواه الشيخ، عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد تقدم في حديث عبد الله بن الحسين بن زيد (4). الثامن: لا يمسح على الجمة (5) ولا على ما يجمع على مقدم الرأس من غير شعر المقدم لأنه حائل غير ضروري، فأشبه العمامة. ولو خضب رأسه بما يستره، أو طينه بساتر، لم يجز المسح على الخضاب والطين، لأنه لم يمسح على محل الفرض، فأشبه المسح على العمامة. التاسع: لو كان على رأسه جمة فأدخل يده تحتها ومسح على رأسه، أجزأه، لحصول الامتثال بالمسح على الرأس. ونقل الشيخ، عن الشافعي عدم الجواز (6)، وهو ضعيف.

< 27 حديث 109، 110، 111، وص 28 حديث 115، سنن الترمذي 1: 47 حديث 32، وص 48 حديث 33، وص 49 حديث 34، وص 50 حديث 35. (1) التهذيب 1: 90 حديث 239، الاستبصار 1: 61 حديث 183، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) (خ): إذا.
(3) بدائع الصنائع 1: 5، المبسوط للسرخسي 1: 101.
(4) تقدم في ص 48.
(5) الجمة: مجتمع شعر الرأس وهي أكثر من الوفرة. الصحاح 5: 1890.
(6) الخلاف 1: 14 مسألة 33.

[ 53 ]

العاشر: يجب المسح في الرأس والرجلين ببقية البلل، ولا يجوز الاستئناف، وأوجب الجمهور الاستئناف (1) إلا مالكا (2)، فإنه أجاز المسح بالبقية، وهو منقول عن الحسن، وعروة والأوزاعي (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن عثمان قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وآله مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماءا جديدا (4). ومن طريق الخاصة، ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة بن أعين، قال: حكى لنا أبو جعفر عليه السلام وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن قال: (ثم مسح ببقية ما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدها في الاناء (5). وروى، عن بكير وزرارة أيضا، عن أبي جعفر عليه السلام صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن قال: (ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه، لم يجدد ماءا) (6). وفعله عليه السلام بيان للمجمل فيكون واجبا. وروى، الشيخ في الصحيح، عن أبي عبيدة قال: وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع وقد بال وناولته ماءا فاستنجى، ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه، وكفا غسل به ذراعه الايمن، وكفا غسل به ذراعه الايسر، ثم مسح بفضل اليد رأسه

(1) سنن الترمذي 1: 52، المغني 1: 147، بداية المجتهد 1: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 169.
(2) بداية المجتهد 1: 13. (3) المغني 1: 147، عمدة القارئ 2: 266.
(4) كنز العمال 9: 443 حديث 26890.
(5) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 274 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 6.
(6) التهذيب 1: 56 حديث 158، الاستبصار 1: 57 حديث 168، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 11.

[ 54 ]

رجليه (1). قال ابن الجنيد من أصحابنا: إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يده، مسح بيمينه رأسه ورجليه اليمنى، وبيده اليسرى رجله اليسرى، وإن لم يستبق ذلك أخذ ماءا جديدا لرأسه ورجليه (2). وذلك ظاهر في جواز الاستئناف. احتج بما رواه معمر بن خلاد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه فقال: (برأسه لا) فقلت أبماء جديد؟ فقال: (برأسه، نعم) رواه الشيخ في الصحيح (3). وبما رواه في الصحيح، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي [ من الندى ] (4) رأسي؟ قال (لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح) (5). قال الشيخ: وهذان محمولان على التقية، ومعارضان بالاحاديث المتقدمة (6)، وبوجوب الموالاة المستدعية لعدم الاستئناف، بخلاف غسل اليدين الذي لا يمكن إلا به وبالاحتياط. الحادي عشر: لو غسل موضع المسح لم يجزئه. وبه قال علماؤنا أجمع، وقال

(1) التهذيب 1: 58 حديث 162، الاستبصار 1: 58 حديث 172، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 8. في الجميع بفضل الندا.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 147.
(3) التهذيب 1: 58 حديث 163، الاستبصار 1: 58 حديث 173، الوسائل 1: 288 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(4) أضفناه من المصدر.
(5) التهذيب 1: 59 حديث 164، الاستبصار 1: 59 حديث 174، الوسائل 1: 287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(6) التهذيب 1: 59، الاستبصار 1: 59.

[ 55 ]

الشافعي بالجواز (1)، وهو أحد قولي أحمد (2). لنا: أن الواجب المسح، فلا يجزي ما غايره كالغسل. وما رواه الجمهور في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله أنه مسح وأمر بالمسح (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: (لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا، ثم أضمرت أن ذلك من المفروض لم يكن بوضوء) (4). وما رواه، عن محمد بن مروان (5) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (أنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة) قلت: وكيف ذاك؟ قال: (لانه يغسل ما أمره الله بمسحه) (6). الثاني عشر: لو ذكر أنه لم يمسح مسح ببقية النداوة، فإن لم يبق في يده، أخذ من لحيته وأشفار عينيه و حاجبيه ومسح، ولو لم يبق أعاد، لما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة؟ قال: (إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك

(1) مغني المحتاج 1: 53، فتح الوهاب 1: 13، المجموع 1: 410، فتح العزيز هامش المجموع 1 355.
(2) المغني 1: 147، الانصاف 1: 159، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 169.
(3) تقدم في ص 51.
(4) التهذيب 1: 65 حديث 186، الاستبصار 1: 65 حديث 193، الوسائل 1: 296 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 12.
(5) محمد بن مروان الكلبي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر (ع) تارة بهذا العنوان، ومن أصحاب الصادق أخرى بعنوان: محمد الكلبي، روى عنه جميل وحكم بن مسكين وأبان وغيرهم. رجال الطوسي: 135، 305 جامع الرواة 2: 190.
(6) التهذيب 1: 65 حديث 184، الوسائل 1: 294 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 2.

[ 56 ]

وليصل) (1). وروي في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: (ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك) (2) قال في الذاكر للترك. وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: (فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه وعلى ظهر قدمك) (3) ولأنه ماء الوضوء، فأشبه ما لو كان على اليد، إذ الاعتبار بالبقية لا بمحلها. ولا فرق بين أن يكون ذلك البلل بقية الغسلة الأولى أو الثانية، لأن كل واحد منهما ماء الوضوء. الثالث عشر: لو مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة، لم يجزئه عندنا قولا واحدا، لأنه ماء جديد. والقائلون بجواز الاستئناف اختلفوا، فذهب بعضهم إلى الجواز لأنه فعل المأمور به، وآخرون منعوا (4)، وهو الأصح، لأن النبي صلى الله عليه وآله مسح بيده. ولو وضع على رأسه خرقة مبلولة، فابتل بها رأسه، أو وضع خرقة ثم بلها حتى ابتل شعره، لم يجزئه قولا واحدا، لأن ذلك ليس بمسح ولا غسل. الرابع عشر: إن مسح بإصبع واحدة، أو إصبعين أجزأه عندنا، لأن الاعتبار بأقل الاسم. وأما من قال من أصحابنا بوجوب ثلاث أصابع، فإنه لا يجزئه إلا إذا مسح بها ما

(1) التهذيب 1: 89 حديث 235، و 99 حديث 260، الاستبصار 1: 74 حديث 229، الوسائل 1: 287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 101 حديث 263، الوسائل 1: 287 الباب 21 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(4) المغني 1: 148 149، الانصاف 1: 160، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 170.

[ 57 ]

ما يجب مسحه (1)، فالأولى على قولهم الإجزاء، لأن السيد احتج بما رواه معمر بن عمر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (يجزي من مسح الرأس موضع ثلاث أصابع) (2). أما الجمهور الموجبون لمقدار (3) ثلاث أصابع، فقد اختلفوا ها هنا، فقال زفر بالجواز (4). وقال أحمد: يجوز (5). وإن كان الواجب عنده مسح جميع الرأس إذا استوعبه (6) بالاصبع. وقال أبو حنيفة: لا يجوز (7). والخلاف ينشأ من كون المستعمل طهورا أم لا. الخامس عشر: مسح جميع الرأس غير مستحب ولا مسح الاذنين، خلافا للشافعي (8) لأن عثمان نقل في وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله كيفية المسح، ولم ينقل مسح الجميع بل المقدم (9). ومن طريق الخاصة: ما وصفه أبو جعفر عليه السلام من وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (10)، فإذا لم يفعله كان غير موظف شرعا، فلا اعتداد به.

(1) الفقيه 1: 28، النهاية: 14، مصباح المتهجد: 8، عمل اليوم والليلة ضمن الرسائل العشر: 142، ونقل عن السيد المرتضى في المعتبر 1: 145.
(2) التهذيب 1: 60 حديث 167، الوسائل 1: 294 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(3) (م): بمقدار.
(4) بدائع الصنائع 1: 5، شرح فتح القدير 1: 16، المبسوط للسرخسي 1: 64، أحكام القرآن للجصاص 3: 348.
(5) المغني 1: 141، الانصاف 1: 159، الكافي لابن قدامة 1: 36. (6) (م): استوعب.
(7) بدائع الصنائع 1: 5، أحكام القرآن للجصاص 3: 348، المبسوط للسرخسي 1: 64، تفسير القرطبي 6: 89، بداية المجتهد 1: 12.
(8) المهذب للشيرازي 1: 17، المجموع 1: 402، فتح العزيز هامش المجموع 1: 424.
(9) تقدم في ص 53.
(10) الكافي 3: 24 25 الاحاديث من 1 4، الفقيه 1: 24 حديث 74، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 2، مؤداه في: التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث >

[ 58 ]

السادس عشر: لو أصاب رأسه من ماء المطر لم يجزئه لأنه ماء مستأنف، والشرط استعمال الماء الباقي من نداوة الوضوء. وقال أبو حنيفة: إذا أصاب مقدار ثلاث أصابع أجزأه، مسحه باليد أو لم يمسحه (1). وهو ضعيف لما قلناه، ولو سلمنا (2) لكن الواجب المسح ولم يحصل. السابع عشر: لا يستحب مسح العنق، ولو اعتقده كان بدعة. قال شارح الطحاوي: ليس عند أصحابنا المتقدمين فيه رواية، قال: وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني (3) أنه قال: يمسح على العنق. وقال الشافعي: يستحب المسح على الرقبة (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن عثمان في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يذكر فيه العنق ولا الرقبة، ورووه أيضا عنه عليه السلام وقال عقيب ذلك: (فمن زاد أو نقص فقد تعدى) (5) عقيب وضوئه ثلاثا. فنقول: المراد بالتعدي: التجاوز عن محال الوضوء وأمكنته لا العدد، لأن نقص العدد جائز اتفاقا، فإن الواجب مرة واحدة. الثامن عشر: لا يجوز المسح على الاذنين ذهب إليه علماؤنا أجمع. وقال الشافعي:

< 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10. (1) بدائع الصنائع 1: 5، شرح فتح القدير 1: 16.
(2) (خ): سلمناه.
(3) محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر: أبو جعفر البلخي الهندواني، شيخ الحنفية بديار بلخ، يقال له: أبو حنيفة الصغير تفقه على أبي بكر الاعمش وأبي بكر الاسكاف. توفي ببخارى سنة 362 ه‍. العبر 2: 114، شذرات الذهب 3: 41.
(4) المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 463، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 434.
(5) سنن أبي داود 1: 33 حديث 135، سنن ابن ماجة 1: 146 حديث 422، سنن النسائي 1: 88، سنن البيهقي 1: 79 بتفاوت يسير.

[ 59 ]

حكم الاذنين منفرد عن الرأس والوجه، فيأخذ لهما ماءا جديدا يمسح به ظاهرهما وباطنهما (1)، وحكى ذلك عن ابن عمر، وبه قال أبو ثور (2). وقال مالك: هما من الرأس، ويستحب أن يأخذ لهما ماءا جديدا (3)، وقال أحمد: هما من الرأس، ويجب مسحهما (4) على الرواية التي توجب استيعاب الرأس (5)، ويجزي أن يمسحهما بماء الرأس، وروى الجمهور، عن عبد الله بن العباس أنهما من الرأس يمسحان بماء الرأس (6). وبه قال عطاء، والحسن البصري (7)، ومن الفقهاء: الأوزاعي (8)، وأبو حنيفة، وأصحابه (9). وقال الزهري: هما من الوجه (10). وذهب الشعبي، والحسن بن صالح بن حي إلى أنه يغسل ما أقبل ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس (11).

(1) الأم 1: 26، الأم (مختصر المزني): 2، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 413، 1: 60، السراج الوهاج: 18، سنن الترمذي 1: 55، المبسوط للسرخسي 1: 64، شرح فتح القدير 1: 24، بداية المجتهد 1: 14، تفسير القرطبي 6: 90، أحكام القرآن للجصاص 3: 360.
(2) المجموع 1: 413، تفسير القرطبي 6: 90.
(3) بداية المجتهد 1: 14، المدونة الكبرى 1: 16، تفسير القرطبي 6: 90.
(4) المغني 1: 149، الانصاف 1: 162، منار السبيل 1: 24، سنن الترمذي 1: 55، المجموع 1: 414، تفسير القرطبي 6: 90، الكافي لابن قدامة 1: 36.
(5) سنن أبي داود 1: 32 حديث 129.
(6) سنن الدارقطني 1: 98 حديث 11 وص 99 حديث 13، نيل الاوطار 1: 199 حديث 1.
(7) المجموع 1: 413.
(8) أحكام القرآن للجصاص 3: 360.
(9) أحكام القرآن للجصاص 3: 360، بدائع الصنائع 1: 23، شرح فتح القدير 1: 24، المجموع 1: 414، تفسير القرطبي 6: 90، بداية المجتهد 1: 14، الهداية للمرغيناني 1: 13.
(10) تفسير القرطبي 6: 87، أحكام القرآن لابن العربي 2: 576، المجموع 1: 413، نيل الاوطار 1: 188، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، ميزان الكبرى 1: 118.
(11) المجموع 1: 414، أحكام القرآن لابن العربي 2: 576، تفسير القرطبي 6: 87، نيل الاوطار 1: 188، التفسير الكبير 11: 159.

[ 60 ]

لنا: ما رواه الجمهور في حديث عثمان حيث نقل صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ينقلهما (1). ومن طريق الخاصة: ما روي عنهما عليهما السلام من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يذكر الاذنين (2). وما رواه زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام أن أناسا يقولون الاذنين من الوجه، وظهرهما من الرأس، فقال: (ليس عليهما غسل ولا مسح) (3). التاسع عشر: لو وضع يده المبتلة على موضع المسح ورفعها لم يجزئه لأنه لم يأت بالواجب وهو المسح وهو أحد وجهي الشافعي (4). ولو مسح بيده على شعر جعد كالزنج فإن كان يخرج بالمد عن محل الفرض لم يجزئه. مسألة: قال علماؤنا: الواجب مسح الرجلين إلى الكعبين. وهو قول عبد الله بن عباس (5) من الصحابة، وقول علي عليه السلام (6). وأنس بن مالك روى عنه إنه ذكر له قول الحجاج (7): اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما وخللوا بين الأصابع فإنه

(1) تقدم في ص 53.
(2) الكافي 3: 24 حديث 1، الفقيه 1: 24 حديث 74، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(3) الكافي 3: 29 حديث 10، التهذيب 1: 55 حديث 156، الاستبصار 1: 63 حديث 187، الوسائل 1: 285 الباب 18 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(4) المجموع 1: 410، مغني المحتاج 1: 53، فتح العزيز هامش المجموع 1: 356.
(5) المغني 1: 150، سنن ابن ماجة 1: 156، المجموع 1: 418، المحلى 2: 56، الدر المنثور 2: 262، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19.
(6) المغني 1: 150، المجموع 1: 418، المحلى 2: 56.
(7) الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، أبو محمد الثقفي، الأمير، سفاك، قاتل سعيد بن جبير، روى عن أنس بن مالك، وروى عنه مالك بن دينار وثابت وجراد بن مجالد. مات سنة 95 ه‍. >

[ 61 ]

ليس شئ من ابن آدم أقرب من الخبث من قدميه، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج وتلا قوله: (فاغسلوا وجو هكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) (2). وقال الشعبي: الوضوء مغسولان وممسوحان. وبه قال أبو العالية، وعكرمة (3)، وقال أبو الحسن البصري، وابن جرير الطبري، وأبو علي الجبائي: بالتخيير بين المسح والغسل (4). وقال الفقهاء الأربعة وباقي الجمهور: الواجب الغسل دون المسح (5). وقال داود: يجب الغسل والمسح معا (6). لنا: وجوه: الأول: قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) بالجر في قراءة ابن كثير (7)،

< شذرات الذهب 1: 106، الجرح والتعديل 3: 168، لسان الميزان 2: 180. (1) المائدة: 6.
(2) عمدة القارئ 2: 238، أحكام القرآن لابن العربي 2: 577، المغني 1: 150، تفسير القرطبي 6: 92، سنن البيهقي 1: 71. (3) المغني 1: 151، أحكام القرآن لابن العربي 2: 577 التفسير الكبير 11: 161.
(4) عمدة القارئ 2: 238، نيل الاوطار 1: 209، المغني 1: 151، التفسير الكبير 11: 161، بدائع الصنائع 1: 5، المجموع 1: 417.
(5) الأم 1: 27، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 417، بداية المجتهد 1: 15، مقدمات ابن رشد 1: 53، شرح فتح القدير 1: 10، نيل الاوطار 1: 208، المحلى 2: 49، تفسير الطبري 6: 126، بدائع الصنائع 1: 5، التفسير الكبير 11: 161، عمدة القارئ 2: 238، المغني 1: 150، الكافي لابن قدامة 1: 38.
(6) التفسير الكبير 11: 161.
(7) أبو معبد عبد الله بن كثير الطائي الفارسي الأصل قارئ أهل مكة، قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مجاهد. مات سنة 120 ه‍. العبر 1: 116، شذرات الذهب 1: 157.

[ 62 ]

وأبي عمرو (1)، وحمزة (2)، وفي رواية أبي بكر (3) عن عاصم (4) (5). وذلك لا يصح إلا مع العطف على المجرور وهو الرؤوس، فيجب المشاركة في الحكم، لاتفاق أهل اللغة على أن الواو مشتركة في الاعراب والمعنى. لا يقال: الجر لا يقتضي العطف على المجرور، لجواز العطف على الأيدي والجر بالمجاورة، فإنه قد جاء في كلام العرب الجر على المجاورة كثيرا كقولهم: جحر ضب خرب، والخرب صفة الجحر (6) المرفوع. وقال الشاعر: كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل والمزمل من صفات الكبير لا البجاد. لأنا نقول هذا باطل من وجوه:

(1) أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري، أحد القراء السبعة، قراء على أبي العالية الرياحي، وروى عن أنس وإياس، مات سنة 154 ه‍. العبر 1: 171، شذرات الذهب 1: 237.
(2) أبو عمارة، حمزة بن حبيب التيمي الكوفي، أحد القراء السبعة، التابعين وحدث عن الحكم بن عيينة وطبقته، مات سنة 156 ه‍. العبر 1: 174، شذرات الذهب 1: 240.
(3) أبو بكر شعبة بن عياش بن سالم الحناط الاسدي الكوفي، شيخ الكوفة في القراءة، كان من أجل أصحاب عاصم وروى عنه، مات سنة 193 ه‍. العبر 1: 242، شذرات الذهب 1: 335.
(4) عاصم بن أبي النجود الاسدي الكوفي أحد القراء السبعة وقارئ الكوفة. قراء على أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش. مات سنة 128 ه‍. العبر 1: 128، شذرات الذهب 1: 175.
(5) للوقوف على القراءات، انظر: تفسير القرطبي 6: 91، التفسير الكبير 11: 161، عمدة القارئ 2: 239.
(6) (م) (د): للجحر.

[ 63 ]

أما أولا: فلأن أهل العربية نصوا على أن الاعراب بالمجاورة لا يقاس عليه، وإذا خرج إلى هذا الحد في الشذوذ، استحال حمل كلام الله تعالى عليه. وأما ثانيا: فلأن الاخفش (1)، قال: إنه لم يرد الاعراب بالمجاورة في كتاب الله تعالى. فكيف يصح حمله عليه مع إنكار مثل هذا الرجل له. وأما ثالثا: فلأن الاعراب بالمجاورة إنما يسوغ في موضع يزول فيه الاشتباه، كما في المثل والبيت، أما في مثل هذه الآية فلا. وأما رابعا: فلأن المجاورة إنما تصح مع عدم حرف العطف، كما في المثال والبيت، أما مع وجوده فلا. وقوله تعالى (وحور عين) (2) على قراءة من قرأ بالجر ليس من هذا الباب، قال أبو علي الفارسي (3) في كتابه الحجة: هو عطف على قوله: (أولئك المقربون * في جنات النعيم) (4) ويكون قد حذف المضاف، وتقديره: أولئك في جنات النعيم وفي مقارنة حور عين أو في معاشر حور عين (5). وهذا الوجه حسن على أن أكثر القراء قرأوا

(1) أبو الحسن، سعيد بن مسعدة المجاشعي البلخي الاخفش الاوسط، قراء النحو على سيبويه، له مصنفات منها معاني القرآن. مات سنة 215 ه‍. وأما الاخفش الأكبر فهو: أبو الخطاب: عبد الحميد بن عبد المجيد، أخذ عنه أبو عبيدة وسيبويه. مات سنة 177 ه‍. أما الاصغر فهو: أبو الحسن: علي بن سليمان البغدادي، روى عن ثعلب والمبرد. مات سنة 315 ه‍. بغية الوعاة: 296، 385، شذرات الذهب 2: 36، العبر 1: 470.
(2) الواقعة: 22.
(3) الحسن بن محمد بن عبد الغفار الفسوي منسوب إلى (فسا) من أعمال فارس النحوي المشهور، صاحب التصانيف، منها: كتاب الحجة في القراءآت. مات ببغداد سنة 377 ه‍. ودفن بالشونيزية. بغية الوعاة: 216، العبرة 2: 149، شذرات الذهب 3: 89.
(4) الواقعة: 11 12.
(5) نقل قوله في تفسير التبيان للشيخ الطوسي 3: 454، والتهذيب 1: 68.

[ 64 ]

بالرفع (1) ولم يقرأه بالجر غير حمزة والكسائي (2) (3). لا يقال: قد قرئ بالنصب وذلك يقتضي العطف على الأيدي. لأنا نقول: لا نسلم أن النصب يوجب العطف على الأيدي، بل كما يجوز العطف عليها يجوز العطف على محل الرؤس، والعطف على الموضع مشهور عند أهل اللغة، فإن قلت: العطف على اللفظ أولى، قلت: لا نسلم الأولوية، سلمنا، لكن يعارضها أولويتان. إحداهما: القرب، وهو معتبر في اللغة فإنهم اتفقوا على أن قولهم: ضربت فضلى سعدى، أن الأقرب فاعل، ولو عطفت بشرى (4) أيضا، لكان عطفا على المفعول للقرب، وكذلك جعلوا أقرب الفعلين إلى المعمول عاملا بخلاف الأبعد، وذلك معلوم من لغتهم، ومع العطف على لفظ الأيدي تفوت هذه الأولوية. الثانية: أنه من المستقبح في لغة العرب الانتقال من حكم قبل تمامه إلى حكم آخر غير مشارك له ولا مناسب. على أنا نقول: العطف ها هنا على لفظ الأيدي ممتنع، لأن معه تبطل قراءة الجر للتنافي بينهما، ومع العطف على الموضع يحصل الجمع، فيجب المصير إليه. ومن العجائب، ترجيح الغسل لقراءة النصب مع عدم دلالتها وإمكان حملها على أمر سائغ على المسح المستفاد من قراءة الجر، وحمل الجر على أمر ممتنع. الثاني: ما رواه الجمهور، عن أوس بن أبي أوس الثقفي (5) أنه رأى النبي صلى

(1) تفسير الطبري 27: 177، تفسير القرطبي 17: 204، التفسير الكبير 30: 154.
(2) أبو الحسن: علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الاسدي الكوفي الكسائي، أحد القراء السبعة، قراء على حمزة. وأدب الرشيد وولده الامين. توفي في صحبة الرشيد سنة 189 ه‍. بغية الوعاة: 336، العبر 1: 234، شذرات الذهب 1: 321. (3) تفسير القرطبي 17: 204.
(4) (ح) (ق): ببشرى.
(5) أوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة بن عمير بن عوف الثقفي، وكنية حذيفة أبي أوس روى عن >

[ 65 ]

الله عليه وآله أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه (1). وما رووه، عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على رجليه (2). وما رووه عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه توضأ ومسح على قدميه ونعليه (3). الثالث: ما رووه، عن الصحابة كعلي عليه السلام فإنه قال: (ما نزل القرآن إلا بالمسح) (4) وابن عباس، فإنه قال: إن كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل (5) وغير ذلك من الأخبار الدالة على عمل الصحابة بالمسح، وعملهم حجة. الرابع: ما رواه الخاصة، روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله: ثم مسح ببقية ما [ بقي ] في يديه ورأسه ورجليه ولم يعدها في الاناء (6).

< النبي، وروى عنه إبنه عمرو بن أوس وعثمان وعبد الملك بن مغيرة. مات سنة 59 ه‍. أسد الغابة 1: 142، الاصابة 1: 82، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 80. (1) سنن أبي داود 1: 41 حديث 160، مسند أحمد 4: 8، نيل الاوطار 1: 209، جامع الأصول 8: 139 حديث 5275، سنن البيهقي 1: 286. بتفاوت.
(2) سنن أبي داود 1: 34 حديث 137.
(3) أحكام القرآن للجصاص 3: 351 كنز العمال 9: 435 حديث 26856.
(4) لم نعثر على هذه الرواية في مصادر العامة المتوفرة لدينا. نعم أوردها منا: الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 63 حديث 175 نقلا عنهم.
(5) الدر المنثور 2: 262، سنن ابن ماجة 1: 156 حديث 458 بتفاوت يسير في الجميع. وقد أورد هذه الروايات الشيخ في التهذيب 1: 63. وفيه: (إن في كتاب الله.).
(6) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 274 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 6 وما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر.

[ 66 ]

وروي في الصحيح، عن أبي عبيدة الحذاء (1)، عن أبي جعفر عليه السلام ثم مسح بفضلة اليد رأسه ورجليه (2). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وأرجلكم إلى الكعبين) (3) فعرفنا أن المسح على بعضها، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله للناس فضيعوه) (4). وما رواه، عن سالم (5) وغالب ابني (6) هذيل (7)، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المسح على الرجلين؟ فقال: (هو الذي نزل به جبرئيل عليه السلام) (8).

(1) زياد بن عيسى، وقيل: زياد بن رجاء أو زياد بن أبي رجاء، أو أبو عبيدة الحذاء، كوفي ثقة، كان حسن المنزلة عند آل محمد (ع) وكان زامل أبا جعفر (ع) إلى مكة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. مات في حياة الصادق (ع). رجال الطوسي: 122، 198، رجال النجاشي: 170.
(2) التهذيب 1: 58 حديث 162 و 79 حديث 204، الاستبصار 1: 58 حديث 172 و 69 حديث 209، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 8. في المصادر: الندا بدل اليد. (3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 61 حديث 168، الاستبصار 1: 62 حديث 186، الوسائل 1: 290 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 1. في الجميع: فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما.
(5) سالم بن الهذيل، قال العلامة المامقاني: لم أقف فيه إلا على رواية حماد بن عثمان عنه عن أبي جعفر عليه السلام في باب صفة الوضوء من التهذيب وباب وجوب المسح على الرجلين من الاستبصار. جامع الرواة 1: 350، تنقيح المقال 2: 7.
(6) في المصادر: بن.
(7) غالب بن الهذيل، أبو الهذيل الشاعر الاسدي، مولاهم كوفي، عده الشيخ في رجاله تارة بهذا العنوان من أصحاب الصادق (ع) وأخرى بعنوان: غالب أبو الهذيل الشاعر الكوفي من أصحاب الباقر (ع). رجال الطوسي: 132، 269.
(8) التهذيب 1: 63 حديث 177، الاستبصار 1: 64 حديث 189، الوسائل 1: 295 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 4.

[ 67 ]

وروي في الصحيح، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع، ثم مسحها إلى الكعبين (1). وما رواه في الحسن، عن أيوب بن نوح (2)، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن المسح على القدمين؟ فقال: (الوضوء بالمسح ولا يجب فيه إلا ذلك ومن غسل فلا بأس) (3). لا يقال: هذا ينافي قولكم، لأن الغسل عندكم غير مجز بل الواجب المسح. لأنا نقول: إن قوله عليه السلام (ومن غسل فلا بأس) أشار بذلك: من غسل للتنظيف، لأنه يحتمل ذلك، فيحمل عليه جمعا بين الأدلة، ولان قوله عليه السلام: (لا يجب إلا ذلك) استثناء لنفي الوجوب، فيثبت الوجوب ومعه يثبت البأس بالغسل فيحمل على ما قلناه، وإلا لزم التناقض. وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن المسح على الرجلين؟ فقال: (لا بأس) (4). لا يقال: هذا يدل على التخيير، لأن رفع البأس يفهم منه تجويز المخالفة. لأنا نقول: نمنع ذلك، فإن نفي البأس أعم من ثبوت البأس في نقضيه ونفيه، ولا

(1) التهذيب 1: 64 حديث 179 و 91 حديث 243، الاستبصار 1: 62 حديث 184، الوسائل 1: الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(2) أيوب بن نوح بن دراج أبو الحسين النخعي، كان وكيلا لأبي الحسن وأبي محمد (ع) عظيم المنزلة عندهما، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي (ع). رجال النجاشي: 102، رجال الطوسي: 368، 398، 410.
(3) التهذيب 1: 64 حديث 180، الاستبصار 1: 65 حديث 195، الوسائل 1: 296 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 13.
(4) التهذيب 1: 64 حديث 178، الاستبصار 1: 64 حديث 190، الوسائل 1: 295 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 3.

[ 68 ]

دلالة للعام على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث، على أن دلالة المفهوم إنما تكون حجة على تقدير عدم المنافي للمنطوق، فإنه أقوى منه، والمنافي موجود، وهو ما قدمناه من الاحاديث. وروي، عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة) قلت: وكيف ذلك؟ قال: (لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه) (1). الخامس: أنه عضو من أعضاء الطهارة يسقط في التيمم، فيكون فرضه المسح كالرأس. واستدل المخالفون (2) بما رواه، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه توضأ فغسل رجليه ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (3). وما رواه أبو هريرة وعائشة أنه صلى الله عليه وآله قال: (ويل للاعقاب من النار) (4) وتوعد على ترك غسل العقب (5)، فلو جاز تركه لكان التوعد عليه قبيحا. وروى عاصم بن لقيط (6)، عن أبيه قال: قلت: كيف الوضوء يارسول الله؟

(1) التهذيب 1: 65 حديث 184 و 92 حديث 246، الاستبصار 1: 64 حديث 191 وفيه: محمد بن سهل، الوسائل 1: 294 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) المغني 1: 151، المجموع 1: 418، بدائع الصنائع 1: 6. أحكام القرآن للجصاص 3: 351.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا. نعم، نقله الكاساني في بدائع الصنائع 1: 6، والجصاص في أحكام القرآن 3: 351. (4) صحيح البخاري 1: 53، صحيح مسلم 1: 213 حديث 25 28 30، سنن الترمذي 1: 58 حديث 41، سنن ابن ماجة 1: 154 حديث 451، 453، سنن النسائي 1: 77، سنن الدارمي 1: 179، الموطأ 1: 19 حديث 5، مسند أحمد 2: 228، 284، 389، 406، 409، 430، 467، 482، 498، وج 6: 81، 84، 99، 112، 192، 258.
(5) (خ): الاعقاب.
(6) عاصم بن لقيط بن صبرة، روى عن أبيه، وروى عنه أبو هاشم إسماعيل بن كثير المكي. >

[ 69 ]

فقال: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع) (1). والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك بعد مسحهما، ولم يرو الراوي المسح للنسيان، أو لالتباس الفعل عليه وتقارب (2) زمانه، أو لتوهمه (3) أن ذكر الغسل يغني عنه. وعن الثاني: أنه قد قيل: إن أجلاف (4) الاعراب كانوا يبولون وهم قيام فيترشش (5) البول على أعقابهم وأرجلهم، فلا يغسلونها، ويدخلون المسجد للصلاة، فتوعد النبي صلى الله عليه وآله، لأجل ذلك (6). وعن الثالث: أن إسباغ الوضوء لا يستلزم جواز الغسل فإنا نحن نقول به في تكريره وإكثار الماء فيه، واستقصاء الغسل والامر بالتخليل بين الأصابع لا يدل على أنها أصابع الأرجل. مسألة: لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل الواجب من رؤس الأصابع إلى الكعبين ولو بإصبع واحدة. وهو مذهب علمائنا أجمع. لنا: أنه تعالى عطف الأرجل على الرؤس بالواو، فوجب التشريك عملا بمقتضى العطف، وفي المعطوف عليه ثبت الحكم في بعضه فكذا المعطوف، خصوصا وقد قرئ

< ميزان الاعتدال 2: 357، الجرح والتعديل 6: 350. (1) سنن الترمذي 3: 155 حديث 788، سنن أبي داود 1: 35 حديث 142، سنن ابن ماجة 1: 153 حديث 448، سنن النسائي 1: 66، 79، سنن الدارمي 1: 179، مسند أحمد 4: 211، كنز العمال 9: 305 حديث 26129، جامع الأصول 8: 100 حديث 5189، نيل الاوطار 1: 179 حديث 1.
(2) (م) (ح) (ق) وتقارن.
(3) (م) (ح) (ن) (ق) (د): لتوهم.
(4) (د): رجالا من الاعراب، (ح) (م) (ن) (ق): أحدا من. (5) (خ): فيرش.
(6) مجمع البيان 2: 167.

[ 70 ]

بالجر (1) المقتضي لتكرير العامل تقديرا. لا يقال: فقد قرئ بالنصب (2)، وذلك يقتضي العطف على المحل فلا يكون مبعضا. لأنا نقول: لا منافاة بينهما، لأن التبعيض لما ثبت في الجر وجب تقديره في النصب وإلا لتنافت القراءتان، وتقدير عامل الجر مع النصب غير ممتنع، بخلاف ثبوت الجر مع عدم تقديره، ولأنه بفعل البعض يكون ممتثلا لصدق اسم المسح فيه، فيثبت الإجزاء. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة وبكير، عن أبي جعفر عليه السلام في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (فإذا مسح بشئ من رأسه أو من رجليه قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع، فقد أجزأه) (3). لا يقال: يعارض هذا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم، فقلت: جعلت فداك، لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه؟ فقال: (لا، إلا بكفه) (4). وما رواه سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما) ثم قال: (هكذا) فوضع يده على الكعب، وضرب الأخرى على باطن قدميه، ثم مسحهما إلى الأصابع (5).

(1 2) أحكام القرآن للجصاص 3: 349، التفسير الكبير 11: 161، تفسير القرطبي 6: 91، عمدة القارئ 2: 239، تفسير الطبري 6: 126، 128.
(3) التهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 91 حديث 243، الاستبصار 1: 62 حديث 184، الوسائل 1: 293 الباب 24 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 92 حديث 245، الاستبصار 1: 62 حديث 185، الوسائل 1: 292 الباب 23 من >

[ 71 ]

لأنا نقول: أما الأول فمحمول على الاستحباب، إذ لا ريب في استحباب المسح بأكثر من الاصبع فيحمل عليه جمعا بين الأدلة، والنفي ها هنا كما في قوله عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (1). وأما الثاني: فلا تعويل عليه، إذ الرواة له فطحية (2)، فسقط بالكلية. وأيضا: لو وجب استيعاب المسح، لزم خرق الاجماع، لأن الناس قائلان: منهم من أوجب المسح ولم يو جب الاستيعاب، ومنهم من لم يوجبه فقال بالاستيعاب. فلو قلنا بوجوب الاستيعاب مع وجوب المسح، كان ذلك خرقا للاجماع. واعلم أن المحققين من الأصوليين قالوا: إن القول الثالث إنما يكون باطلا إذا تضمن إبطال ما أجمعوا عليه، كحرمان الجد مع الأخ، قال بعضهم بالمقاسمة، والآخرون بحرمان الأخ، أما إذا لم يتضمن فلا، وها هنا من قبيل القسم الأول، فإن القائل بالغسل والمسح اتفقوا على نفي وجوب مسح الجميع، فالقول بوجوبه قول ببطلان المتفق عليه. مسألة: ذهب علماؤنا إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان في وسط القدم وهما معقد الشراك، وبه قال محمد بن الحسن من الجمهور (3). وخالف الباقون فيه، وقالوا: إن الكعبين هما الناتئان في جانبي الساق (4)، وهما المسميان بالظنابيب (5).

< أبواب الوضوء، حديث 6. (1) سنن الدارقطني 1: 419 حديث 2 3، نيل الاوطار 1: 168، ورواه الشيخ في التهذيب 1: 92 حديث 244.
(2) كذا في النسخ. والصحيح أنهم واقفية كزرعة وسماعة.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 9، بدائع الصنائع 1: 7، شرح فتح القدير 1: 15، أحكام القرآن للجصاص 3: 352، أحكام القرآن لابن العربي 2: 579. المغني 1: 155، المجموع 1: 422، التفسير الكبير 11: 162.
(4) الأم 1: 27، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 422، المغني 1: 155، المبسوط للسرخسي 1: >

[ 72 ]

لنا: وجوه: أحدها: قوله تعالى: (إلى الكعبين) (1) فدل (2) على أن في الرجلين كعبين لا غير. ولو أراد ما ذكروه لكانت كعاب الرجل أربعة، فإن لكل قدم كعبين. الثاني: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة وبكير ابني أعين، عن أبي جعفر عليه السلام في وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قوله، قلنا: أصلحك الله، فأين الكعبان؟ قال: (ها هنا يعني المفصل دون عظم الساق) (3). وما رواه، عن ميسرة (4) (5)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الوضوء واحد) ووصف الكعب في ظهر القدم (6). وما رواه، عن ميسرة، عن أبي جعفر عليه السلام في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم وضع يده على ظهر القدم، ثم قال: (هذا هو الكعب) قال: وأومأ بيده

< 9، بدائع الصنائع 1: 7، أحكام القرآن للجصاص 3: 352، شرح فتح القدير 1: 14، التفسير الكبير 11: 162، مغني المحتاج 1: 53 54، إرشاد الساري 1: 269، فتح الباري 1: 235.
(5) الظنبوب: العظم اليابس من قدم الساق الصحاح 1: 175. (1) المائدة: 6.
(2) (ح) (ق): تدل.
(3) التهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3. (4) (ح): ميسرة.
(5) ميسر بن عبد العزيز النخعي بياع الزطي، كوفي، ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق (ع) وروى عنهما. ونقل العلامة المامقاني عن بعض: إنه ميسرة، وهو من خواص أصحاب الصادق (ع) مات في حياته سنة 136 ه‍. رجال الطوسي: 134، 317، تنقيح المقال 3: 264.
(6) التهذيب 1: 75 حديث 189، الاستبصار 1: 69 حديث 210، الوسائل 1: 306 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 73 ]

إلى أسفل العرقوب، ثم قال: (إن هذا هو الظنبوب) (1). الثالث: التمسك بالاجماع، فنقول: القول بوجوب المسح مع أن الكعب غير ما ذكرناه منفي بالاجماع، أما عندنا فلثبوت الامرين، وأما عند الخصم فلانتفائهما معا. احتج المخالف (2) بقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين) (3) أراد كل رجل ت غسل إلى الكعبين، إذ لو أراد جمع كعاب الأرجل، لقال: إلى الكعاب كالمرافق. ولما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان في سوق ذي المجاز عليه جبة حمراء وهو يقول: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ورجل يتبعه يرميه بالحجارة حتى أدمى عرقوبيه وكعبيه فقيل: من هو؟ فقال (4): عمه أبو لهب (5) (6). دل على أن الكعب في جانب القدم، لأن الرمية إذا كانت من وراء المرمي لم تصب ظهر قدمه (7). وما رواه النعمان بن بشير (8) أنه قال عليه السلام: (لتسوين صفوفكم أو ليخالفن

(1) التهذيب 1: 75 حديث 190، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 9.
(2) الأم 1: 27، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 423، المغني 1: 155، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 174، المبسوط للسرخسي 1: 9، أحكام القرآن للجصاص 3: 352.
(3) المائدة: 6.
(3) (خ): فقالوا.
(5) أبو لهب: اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، عدو الله ورسوله، نزلت في حقة سورة (تبت). فتح القدير 5: 511.
(6) سنن الدارقطني 3: 44 حديث 186، سنن البيهقي 1: 76، مستدرك الحكام 2: 612. بتفاوت لفظي يسير. رواه الجميع عن: طارق بن عبد الله المحاربي. (7) (خ): قدميه.
(8) أبو عبد الله، النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس. الانصاري الخزرجي، كان والي الكوفة من قبل معاوية سبعة أشهر، سمع النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وسماك وغيرهم، مات سنة 65 ه‍. أسد الغابة 5: 22، الاصابة 3: 559، الجمع بين رجال الصحيحين 2: 531.

[ 74 ]

الله بين قلوبكم) قال: فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه (1)، فدل على أن الكعب في جانب القدم، لامتناع الالصاق في ظهره، ولان أبا عبيدة قال: الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي الساق إليه بمنزلة كعاب القنا (2). والجواب عن الأول: أنه تعالى عني رجلي كل واحد من المتطهرين. ومعلوم قطعا أن في كل رجلين كعبين، وهذا أولى، فإن التكليف يتناول الرجلين معا، فصرف الخطاب إلى المتعلق بهما أشبه، ولا استبعاد في الجميع بالقياس إلى الجمع، وفي التشبيه بالقياس إلى المكلف، فالأول كالمرافق، والثاني كالكعبين. وعن الثاني: أنه لا استبعاد في إصابة الرامي ظهر قدمه، فإنه ربما كان مع توليه عنه، كان يقبل أحيانا عليه، فيقبل إليه، فيصيب المرمي ظهر قدمه (3)، فإنه ليس في الخبر أكثر من الاتباع، وقد يتبع من يقبل بوجهه تارة ويعرض أخرى. وعن الثالث، والرابع: أنهما دالان على تسمية غير ما ذكرناه بالكعب، ولا منافاة، ويجوز أن يكون ما ذكره النعمان وأبو عبيدة مذهبا، فما نقلناه عن الباقر عليه السلام أولى. فروع: الأول: قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب، والضابط فيه، ما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر عليه السلام: قلنا أصلحك

(1) صحيح البخاري 1: 184 185، سنن أبي داود 1: 178 حديث 663، سنن الترمذي 1: 438 حديث 227، صحيح مسلم 1: 324 حديث 128، سنن ابن ماجة 1: 318 حديث 994، مسند أحمد 4: 271، 272، 276، 277، نيل الاوطار 2: 187 حديث 1 في الجميع بتفاوت يسير، وفي بعض المصادر أورد قطعة منه.
(2) المغني 1: 155.
(3) (خ): ظاهر قدميه.

[ 75 ]

الله، فأين الكعبان؟ قال: (ها هنا، يعني المفصل دون عظم الساق) (1). الثاني: يجوز المسح مقبلا ومدبرا. لنا: أنه قد امتثل الأمر بالمسح، ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بمسح القدمين مقبلا ومدبرا) (2). وروى يونس، قال: أخبرني من رأى أبا الحسن عليه السلام بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلا القدم (3). الثالث: لا يجوز استيناف ماء جديد، لما قلناه (4) في مسح الرأس. الرابع: لو كان على رجليه رطوبة غير ماء الوضوء، ثم مسح بباقي النداوة على تلك الرطوبة، فالوجه الإجزاء، خلافا لوالدي رحمه الله تعالى لأنه أتى بالمسح ببقية النداوة ولم يستأنف للوضوء، فأجزأه عملا بالاصل. وكذا لو كان في الماء، فاخرج رجليه منه، ومسح عليهما. وفي الجميع نظر. الخامس: يجب الانتهاء في المسح إلى الكعب، لقوله تعالى: (إلى الكعبين) (5) وبدون الانتهاء لا تحصل الغاية. وهل يجب إدخالهما في المسح؟ قال بعض الأصحاب: لا (6)، لما رواه زرارة وبكير، عن أبي جعفر عليه السلام في صفة

(1) الكافي 3: 25 حديث 5، التهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 58 حديث 161، و 83 حديث 217، الاستبصار 1: 57 حديث 169، الوسائل 1: 286 الباب 20 من أبواب الوضوء، حديث 1 و 2 بتفاوت يسير.
(3) الكافي 3: 31 حديث 7، التهذيب 1: 57 حديث 160 وص 65 حديث 183، وص 83 حديث 216، الاستبصار 1: 58 حديث 170، الوسائل 1: 286 الباب 20 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) تقدم في ص 53.
(5) المائدة: 6.
(6) المعتبر 1: 152.

[ 76 ]

وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع، فقد أجزأه) (1). والوجه عندي الدخول، لقوله تعالى: (إلى الكعبين)، وهذه إما أن يكون بمعنى (مع) كما قلناه في اليدين فيتعين الدخول، وإما أن تكون غاية، فيجب دخولها، لعدم انفصالها عن ذي الغاية حسا. وأيضا: قال المبرد (2): إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، والكعبان من جنس الرجلين. ولا حجة فيما رواه، فإنه قد يكون ذلك مستعملا فيما يدخل فيه المبدأ، كقوله: له عندي مابين واحد إلى عشرة، فإنه يلزم فيه دخول الواحد قطعا، ولأنه في حالة الابتداء بهما يجب مسحهما، لرواية يونس، قال: أخبرني من رأى أبا الحسن عليه السلام بمنى يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم (3). فوجب في الانتهاء كذلك، لعدم القائل بالفرق ولأنه يلزم إسقاط بعض ما يجب مسحه في إحدى الحالتين، وهو باطل اتفاقا. السادس: يسقط فرض المسح عمن قطعت قدمه (4). ولو بقي شئ بين يدي الكعب أو الكعب مسح عليه، لأنه قد كان يجب مسح

الكافي 3: 25 حديث 5، التهذيب 1: 76 حديث 191، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(2) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الازدي البصري: أبو العباس المبرد، إمام العربية ببغداد، وصاحب التصانيف، أخذ عن المازني وأبي حاتم السجستاني، وروى عنه إسماعيل الصفار والصولي. مات سنة 285 ه‍. بغية الوعاة: 116، العبر 1: 410.
(3) الكافي 3: 31 حديث 7، التهذيب 1: 57 حديث 160، وص 65 حديث 183 وص 83 حديث 216، الاستبصار 1: 58 حديث 170، الوسائل 1: 286 الباب 20 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) (ح) (ق): قدمناه.

[ 77 ]

الجميع فلا يسقط البعض بفوات الباقي لفوات محله. السابع: لو عسل موضع المسح لم يجز، لما قلناه (1) في الرأس. روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام [ قال ] (2): قال لي (لو أنك توضأت فجعلت مسح الرجلين غسلا، ثم أضمرت أن ذلك من المفروض، لم يكن ذلك بوضوء) (3). ولا يعارض هذا: ما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه ثم يخوض الماء بهما خوضا؟ قال: (أجزأه ذلك) (4) لأن رواته فطحية (5)، ولاحتمال أن يكون ذلك في محل الضرورة كما في التقية. تذنيب: لو فعل ذلك للتقية أو للخوف صح وضوؤه، فلو زالت العلة، هل تجب إعادة الوضوء؟ فيه نظر، والوجه عدم الوجوب، ولو أراد التنظيف غسلهما قبل الوضوء أو بعده. الثامن: لا بأس بالمسح على النعل العربي وإن لم يدخل يده تحت الشراك، لأنه لايمنع مسح موضع الفرض، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة وبكير ابني أعين، أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المسح: (تمسح النعلين، ولا تدخل يدك تحت *) هامش) * (1) تقدم في ص 54.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 65 حديث 186، و 93 حديث 247، الاستبصار 1: 65 حديث 193، الوسائل 1: 296 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 12.
(4) التهذيب 1: 66 حديث 187، الاستبصار 1: 65 حديث 194، الوسائل 1: 296 الباب 25 من أبواب الوضوء، حديث 14.
(5) كأحمد بن الحسن بن علي بن فضال الذي مرت ترجمته في الجزء الأول ص 76، وعمرو بن سعيد المدائني الذي قال عنه الكشي في رجاله: 612: قال نصر بن الصباح: عمر بن سعيد فطحي. ومصدق بن صدقة المترجم في الجزء الأول ص 77، وعمار أيضا تقدمت ترجمته في الجزء الأول ص 59.

[ 78 ]

الشراك) (1). بقي هنا بحث، وهو: إنه هل يجب مسح ما تحت الشراك؟ ظاهر قول الأصحاب يقتضي عدمه (2)، والأقرب وجوبه، لأن عدم إيجاب إدخال اليد تحت الشراك لا يقتضي عدم إيجاب مسحه، لامكانه وإن لم يدخل يده تحت الشرك. مسألة: لا يجوز المسح على الخفين، ولا على الجوربين، ولا على شئ مما يستر ظهر القدم سفرا وحضرا (3) اختيارا. وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام، وبه قال مالك في رواية أبي ذؤيب (4) عنه فإنه قال: أبطال مالك المسح على الخفين في آخر أيامه (5). وهو أيضا مذهب الخوارج (6) (7)، ومذهب أبي بكر بن داود (8)، وخالف باقي الفقهاء في ذلك (9).

(1) التهذيب 1: 90 حديث 237، الاستبصار 1: 61 حديث 182، الوسائل 1: 291 الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(2) منهم الشيخ في الخلاف 1: 16 مسألة 40، والمحقق في المعتبر 1: 152. (3) (خ): أو حضرا.
(4) إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب، وقيل: ابن أبي ذؤيب الاسدي، روى عن عمر، وعطاء بن يسار، وروى عنه ابن أبي نجيح، وسعيد بن خالد القارضي. تهذيب التهذيب 1: 312.
(5) المجموع 1: 484 في الهامش.
(6) هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في وقعة صفين سنة 36 ه‍، بعد رفع المصاحف والتحكيم، ومن رؤسائهم المشهورين الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد الطائي، ويطلق عليهم أيضا: المارقة من الدين. وينقسمون إلى فرق متعددة، أهمها: الأزارقة والنجدات والأباضية، ولهم بدع كثيرة في الدين. دائرة معارف القرن العشرين 3: 691.
(7) التفسير الكبير 11: 163، ميزان الكبرى 1: 126، تفسير القرطبي 6: 100، عمدة القارئ 3: 97، نيل الاوطار 1: 223، المجموع 1: 476.
(8) المجموع 1: 476، عمدة القارئ 3: 98، نيل الاوطار 1: 223.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 97، أحكام القران للجصاص 3: 353، بدائع الصنائع 1: 7، عمدة القارئ >

[ 79 ]

لنا: وجوه: الأول: قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) (1). الحائل ليس برجل، فلا يقع معه الامتثال فلا يحصل الإجزاء. الثاني: ما روته عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أشد الناس حسرة يوم القيامة، من رأى وضوءه على جلد غيره) (2). وروي عنها إنها قالت: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خفي (3). وما روي عنه عليه السلام أنه توضأ مرة وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (4) ولا شك أنه في تلك الحال باشر الفعل بالرجلين دون الخف، لأنه لو أوقع (5) الفعل على الخفين لم يحصل الإجزاء إلا به، وذلك منفي اتفاقا. الثالث: ما روي، عن الصحابة من إنكاره (6)، لم ينازع المنكر، فدل على أنه إجماع. وروي، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (نسخ (7) الكتاب المسح على

< 3: 97، المغني 1: 316، التفسير الكبير 11: 163، تفسير القرطبي 6: 100، بداية المجتهد 1: مغني المحتاج 1: 63، فتح الباري 1: 244، المجموع 1: 476. (1) المائدة: 6.
(2) الفقيه 1: 30 حديث 96، الوسائل 1: 324 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 14.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 98 بتفاوت. وبهذا اللفظ انظر: الفقيه 1: 30 حديث 97.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 351، سنن ابن ماجة 1: 145 حديث 419 بتفاوت يسير، سنن البيهقي 1: 80، مجمع الزوائد 1: 231.
(5) (ح) (ق) (م): واقع.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 98، تفسير القرطبي 6: 93، التفسير الكبير 11: 163، المجموع 1: 478، نيل الاوطار 1: 222، كنز العمال 9: 621 حديث 27693.
(7) كذا في النسخ، وفي المصادر: سبق.

[ 80 ]

الخفين) (1). وفي رواية أخرى ما أبالي أمسحت على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة (2)؟ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. وما روى أبو سعيد البدري (3) أن النبي صلى الله عليه وآله، مسح على الخفين، قال له علي عليه السلام: (قبل نزول المائدة أو بعده؟) فسكت أبو سعيد. وهذا يدل على أن عليا عليه السلام كان يعتقد أنه لا يجوز بعد الأمر بالارجل. وروي، عن ابن عباس أنه قال: سبق كتاب الله المسح على الخفين، ولم ينكر عليه وروي عنه أنه قال: سلوا هؤلاء هل مسح رسول الله صلى الله عليه وآله على خفيه بعد نزول سورة المائدة (4)؟. وبهذا احتج مالك في أن المسح على الخفين شبهة لا متيقن. وروي، عن عائشة أنها قالت: لإن تقطع رجلاي بالمواسي أحب إلي من أن أمسح على الخفين (5). ولم ينكر عليها، وكره أبو هريرة ذلك (6). الرابع: ما رواه الأصحاب، روى الشيخ في الصحيح، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسح على الخفين؟ فقال: (لا تمسح) وقال: (إن جدي قال: سبق الكتاب الخفين) (7).

(1) سنن البيهقي 1: 272، عمدة القارئ 3: 97، نيل الاوطار 1: 223.
(2) لم نعثر عليها في المصادر الموجودة. (3) رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة. بدري استشهد بها، قتله عكرمة بن أبي جهل، وقيل: اسمه حارث بن أوس بن المعلى، روى عن النبي صلى الله عليه وآله. أسد الغابة 2: 158، الاصابة 1: 499، وج 4: 88.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 98، بدائع الصنائع 1: 7.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 98، التفسير الكبير 11: 163، نيل الاوطار 1: 223، شرح فتح القدير 1: 128 في الجميع بتفاوت.
(6) تفسير القرطبي 6: 93، نيل الأوطار 1: 222.
(7) التهذيب 1: 361 حديث 1088، الوسائل 1: 323 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 7.

[ 81 ]

وفي الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام سئل عن المسح على الخفين وعلى العمامة؟ قال: (لا تمسح عليهما) (1). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: (جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وفيهم علي عليه السلام، فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح على الخفين، فقال علي عليه السلام: قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري، فقال علي: سبق الكتاب الخفين، إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة) (2). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: هل في مسح الخفين تقية؟ فقال: (ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج) (3). وروي، عن أبي الورد (4) قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أن أبا ظبيان (5) حدثني أنه رأى عليا عليه السلام أراق الماء، ثم مسح على الخفين، فقال: (كذب أبو

(1) التهذيب 1: 361 حديث 1090، الوسائل 1: 323 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 8.
(2) التهذيب 1: 361 حديث 1091، الوسائل 1: 323 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 6.
(3) التهذيب 1: 362 حديث 1093، الاستبصار 1: 76 حديث 237، الوسائل 1: 321 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(4) عده الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين تارة مجردا عن اسم أبيه، وأخرى بضميمة اسم أبيه وجده بقوله: أبو الورد بن قيس بن فهد، وثالثة مجردا عن الضميمة من أصحاب الباقر (ع). ولم يستبعد المحقق المامقاني اتحادهما بعد القول بأنه غير أبي الورد بن زيد. رجال الطوسي: 64، 66، 141، تنقيح المقال 3: 37 من فصل الكنى.
(5) الحصين بن جندب: أبو ضبيان الجنبي، كوفي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (ع) كذبه أبو جعفر الباقر (ع) في حديث أبي الورد. رجال الطوسي: 38، تنقيح المقال 1: 349.

[ 82 ]

ظبيان، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم: سبق الكتاب الخفين؟) فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: (لا إلا من عدو تقية، أو ثلج تخاف على [ رجليك ] (1) (2)) ولا منافاة بين الحديثين في عدم التقية وجوازها، لاختصاص الأول به عليه السلام، أو يحتمل (3) أنه لا يتقى تقية يسيرة لا تبلغ المشقة العظيمة. وروي، عن رقبة بن مصقلة (4)، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فسألته عن أشياء؟ فقال: (إني أراك ممن يفتي في مسجد العراق) فقلت: نعم، فقال لي: (ممن أنت؟) فقلت: ابن عم لصعصعة (5)، فقال: (مرحبا بك يابن عم صعصعة) فقلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟ فقال: (كان عمر يراه ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وكان أبي لا يراه في سفر ولا حضر) فلما خرجت من عنده قمت على عتبة الباب، فقال لي: (أقبل يا ابن عم صعصعة) فأقبلت عليه، فقال: (إن القوم كانوا يقولون

(1) في النسخ: رجليه، وما أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 362 حديث 1092، الاستبصار 1: 76 حديث 236، الوسائل 1: 322 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(3) (ح) (ق): ويحتمل.
(4) نقل المحقق المامقاني عن الوحيد: إنه يظهر من بعض الروايات كونه عاميا مفتيا لهم في العراق. ولا يبعد كونه رفيد بن مصقلة الذي ذكره الشيخ في رجاله بعنوان: رفيد بن مصقلة العبدي الكوفي من أصحاب الامام الباقر (ع) وقوى هذا الاتحاد السيد المحقق الخوئي دام ظله ولكنه قال: من المحتمل صحة ما في التهذيب ووقوع الاشتباه في رجال الشيخ. رجال الطوسي 1: 121، تنقيح المقال 1: 434، معجم رجال الحديث 7: 202.
(5) صعصعة بن صوحان العبدي عده ابن عبد البر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يره صغر عن ذلك، وعده النجاشي والشيخ من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وقال المصنف في القسم الأول من رجاله: إنه عظيم القدر من أصحاب أمير المؤمنين (ع) وروى رواية تدل على عظم قدره، وهو ممن سيره عثمان إلى الشام. توفي في أيام معاوية. الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 196، رجال النجاشي: 203، رجال الطوسي: 45، رجال العلامة: 89.

[ 83 ]

برأيهم فيخطئون [ ويصيبون ] (1) وكان أبي لا يقول برأيه) (2). الخامس: أن نقول: [ إنه ] (3) أحد (4) أعضاء الطهارة، فلا يجوز على الحائل قياسا على الوجه واليدين، أو نقول: عضو يسقط في حال الضرورة من غير بدل، فلا يجوز المسح على الحائل المنفصل منه كالرأس، وشرطنا الانفصال ليخرج الشعر في الأصل، أو نقول: حائل منفصل عن العضو فلا يجوز المسح عليه كالعمامة والبرقع، أو نقول: الطهارة من حدث، فلا يجوز (5) فيها المسح على الخف كالجنابة. احتجوا (6) بما روي عنه عليه السلام أنه مسح على خفيه (7). والجواب: أن هذه الرواية تقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وذلك لا يجوز، وأيضا فهي معارضة برواية علي عليه السلام أنه قال: (نسخ (8) الكتاب المسح على الخفين) (9) وبما قدمناه من الاحاديث عنه عليه السلام وعن أصحابه (10).

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 361 حديث 1089، الوسائل 1: 323 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 10.
(3) أضفناه لاستقامة العبارة.
(4) (ق) (ح): آخر.
(5) (م) (ن): فلا يجزي.
(6) الأم 1: 32، المجموع 1: 476، المبسوط للسرخسي 1: 97، تفسير القرطبي 6: 93، المغني 1: 316، عمدة القارئ 3: 97، بداية المجتهد 1: 18، بدائع الصنائع 1: 7، نيل الاوطار 1: 222.
(7) صحيح البخاري 1: 62، صحيح مسلم 1: 227 حديث 72 73 75 76 77 78 79 80. سنن أبي داود 1: 37، حديث 149 150، سنن ابن ماجة 1: 180 باب 84 من كتاب الطهارة، سنن الترمذي 1: 155 حديث 93 94، سنن النسائي 1: 81، سنن الدارمي 1: 181، سنن الدارقطني 1: 193 194، الموطأ 1: 35 حديث 41 44، نيل الاوطار 1: 221 حديث 1 وص 225 حديث 2، 3.
(8) في المصادر: سبق. (9) تقدمت في ص 80.
(10) تقدم في ص 80.

[ 84 ]

فروع: الأول: لا بأس بالمسح على الخفين عند الضرورة كالبرد وشبهه والتقية، لرواية أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام (1)، ولان فيه مشقة فكان المسح عليهما حينئذ رخصة. الثاني: لما كان الجواز عندنا تابعا للضرورة، يقدر بقدرها في السفر والحضر، سواء لبسهما على طهارة أو حدث، وعلى أي صفة كان الجورب، سواء كان منتعلا أو لا، وسواء كان الخف بشرج أو لا، وسواء كان الجرموق فوق الخف أم لا. نعم، متى أمكن المسح على البشرة بأن يكون مشقوقا وجب. الثالث: لو زالت الضرورة أو نزع الخف استأنف، لأنها طهارة مشروطة بالضرورة فتزول مع زوالها، وإلا تتم طهارته بالمسح مع نزعه، لأن الموالاة لم تحصل. الرابع: كما جاز المسح على الخفين للضروة، فكذا يجوز على غيرهما، ويجوز على العمامة والقناع مع الضرورة، أما مع عدمها فلا. وها هنا فروع أخر، مبنية على القول بجواز المسح على الخفين ساقطة عندنا، ذكر الشيخ رحمه الله بعضها (2)، ونحن نذكرها اقتداءا بالشيخ فنقول. الفرع الأول: اشترط المجوزون للمسح على الخفين تقدم الطهارة، ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز المسح حتى يخلع ما لبسه قبل كمال الطهارة، ثم يعيده إلى رجل ه، هذا عند أحمد (3)، والشافعي (4)،

(1) التهذيب 1: 362 حديث 1092، الاستبصار 1: 76 حديث 236، الوسائل 1: 322 الباب 38 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(2) الخلاف 1: 61 62 مسألة 169 173.
(3) المغني 1: 318، الانصاف 1: 172، الكافي لابن قدامة 1: 44، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 183، المجموع 1: 512، بداية المجتهد 1: 22، المحلى 2: 100، نيل الاوطار 1: 227. >

[ 85 ]

ومالك (1)، وإسحاق (2). وقال أبو حنيفة: يجوز (3)، واعتبر أن يكون الحدث مع كمال الطهارة دون اللبس، وبه قال المزني، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر (4)، لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس، فجاز المسح، كما لو نزع الخف الأول، ثم عاد فلبسه. واحتج الشافعي (5) بما رواه، عن المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فأهويت لانزع خفيه، فقال: (دعهما فإني أدخلهما طاهرتين) فمسح عليهما (6). جعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعا وقت إدخالهما، ولم يوجد طهارتهما وقت لبس الأول، ولان الأول خف ملبوس قبل رفع الحدث، فلم يجز

< (4) الأم 1: 33، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 512، إرشاد الساري 1: 281، فتح العزيز هامش المجموع 2: 365، فتح الباري 1: 248، المغني 1: 318، أحكام القرآن للجصاص 3: 356، بداية المجتهد 1: 22، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 183، عمدة القارئ 3: 102، شرح فتح القدير 1: 130، المبسوط للسرخسي 1: 100، المحلى 2: 100، نيل الاوطار 1: 237. (1) بداية المجتهد 1: 22، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 59، المغني 1: 318، أحكام القرآن للجصاص 3: 356، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 184، المحلى 2: 100، نيل الاوطار 1: 227.
(2) المجموع 1: 512، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 183، المغني 1: 318، بداية المجتهد 1: 22، نيل الاوطار 1: 227.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 99، بدائع الصنائع 1: 9، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 130، عمدة القارئ 3: 102، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 184، المجموع 1: 512، المغني 1: 318، المحلى 2: 100، نيل الاوطار 1: 227، بداية المجتهد 1: 22.
(4) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المجموع 1: 512، المغني 1: 318، بداية المجتهد 1: 22، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 184، المحلى 2: 100، نيل الاوطار 1: 227، فتح الباري 1: 248، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 292.
(5) المجموع 1: 512، شرح النووي لصحيح مسلم هامش إرشاد الساري 2: 292، فتح العزيز هامش المجموع 2: 365.
(6) صحيح البخاري 1: 62، و 7: 186، صحيح مسلم 1: 230 حديث 79، سنن أبي داود 1: 38 حديث 151، سنن الدارمي 1: 181، نيل الاوطار 1: 227 حديث 1، مسند أحمد، 4: 251، 255.

[ 86 ]

المسح عليه، كما لو لبسه قبل غسل قدمه. الثاني: لا يجزي المسح على الخفين في جنابة، ولا في غسل واجب ولا مستحب إجماعا منا ومنهم، وحجتنا في ذلك ظاهرة. واحتجوا (1) بما رواه صفوان ابن عسال المرادي، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يأمرنا إذا كنا مسافرين، أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة (2) ولان وجوب الغسل نادر فلا يشق النزع. الثالث: لو تطهر، ثم لبس الخف، فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف، لم يجز له المسح، لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث، فصار كما لو بداء باللبس وهو محدث، ونحن لا نشترط هذا في محل الضرورة. الرابع: لو تيمم، ثم لبس الخف، قالوا لم يكن له المسح، لأنه لبسه على طهارة ناقصة (3)، ولأنها طهارة ضرورية بطلت من أصلها، فصار كما لو لبسه على الحدث، ولأنه غير رافع للحدث، فقد لبسه وهو محدث، ونحن لا نشترط هذا في الضرورة. أما لو تطهرت المستحاضة، أو صاحب السلس، ولبسوا خفافهما فلهم المسح عندهم (4)، لكمال طهارتهم في حقهم، فلو انقطع الدم وزالت الضرورة بطلت الطهارة من أصلها، فلم يكن لهم المسح كالمتيمم إذا وجد الماء.

(1) الأم 1: 34، المبسوط للسرخسي 1: 99، المغني 1: 318، الهداية للمرغيناني 1: 29، شرح القدير 1: 134، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 480، المحلى 2: 83، الكافي لابن قدامة 1: 43.
(2) سنن الترمذي 1: 159 حديث 96 و 5: 545 حديث 3535، سنن ابن ماجة 1: 161 حديث 478، سنن النسائي 1: 84، مسند أحمد 4: 239، 240، نيل الاوطار 1: 228 حديث 4.
(3) المغني 1: 319، شرح الكبير بهامش المغني 1: 185، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 516.
(4) المغني 1: 319، المهذب للشيرازي 1: 21، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 185، المجموع 1: 514، فتح العزيز هامش المجموع 2: 368.

[ 87 ]

الخامس: لو لبس خفين، ثم أحدث، ثم لبس فوقهما خفين أو جرموقين لم يجز المسح عليهما إجماعا منهم، لأنه لبسهما على حدث، ونحن لا نشترط كذلك في محل الضرورة. ولو مسح على الاولين، ثم لبس الجرموقين، لم يجز المسح عليهما عند بعضهم، لأن بالمسح على الخف لم يزل الحدث، فكأنه لبسه على حدث، ولأنها طهارة ناقصة فأشبه المتيمم. وبعض الشافعية جوزه (1)، لأن المسح قائم مقام غسل القدم. وإن لبس الفوقاني قبل أن يحدث، فإن كان الأسفل مخرقا والأعلى صحيحا، جاز المسح على الأعلى، وإن كان الأعلى مخرقا أو كانا صحيحين، قال أبو حنيفة: يجوز المسح عليه، لأنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه فأشبه المنفرد (2)، وبه قال الشافعي في القديم (3)، والثوري، والأوزاعي (4)، وأحمد (5)، وإسحاق، والمزني (6)، ومالك في إحدى الروايتين (7). ومنع منه الشافعي في أحد قوليه (8)، ومالك في الرواية الأخرى،

(1) المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 506، المغني 1: 319، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 195.
(2) المغني 1: 319، فتح العزيز هامش المجموع 2: 378، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194.
(3) المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 504، مغني المحتاج 1: 67، فتح العزيز هامش المجموع 2: 378، المغني 1: 320.
(4) المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194. (5) المغني 1: 319، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194، الانصاف 1: 183، الكافي لابن قدامة 1: 45، فتح العزيز هامش المجموع 2: 378.
(6) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المجموع 1: 508، فتح العزيز هامش المجموع 2: 378.
(7) المدونة الكبرى 1: 40، ميزان الكبرى 1: 128، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 28.
(8) الأم 1: 34، الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 504، فتح العزيز هامش المجموع 2: 379، مغني المحتاج 1: 66، السراج الوهاج: 19، المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194.

[ 88 ]

لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب، فلا تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة (1). قال المجوزون: لو نزع الفوقاني قبل مسحه، لم يؤثر ذلك وكان لبسه كعدمه، ولو نزعه بعد مسحه بطلت الطهارة ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين، لزوال محل المسح، ونزع أحد الخفين كنزعهما، لأن الرخصة تعلقت بهما، فصار كانكشاف القدم (2). ولو أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته، جاز عندهم، لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح على أيهما كان، كما يتخير بين غسل قدميه في الخف، والمسح عليه (3). ولو لبس أحد الجرموقين في أحد الرجلين دون الأخرى، جاز المسح عليه وعلى الخف الذي في الرجل الأخرى، لأن الحكم تعلق به وبالخف في الرجل الأخرى، فصار كما لو لم يكن تحته شئ. السادس: لو لبس خفا منخرقا فوق صحيح، جاز على قول بعضهم (4)، بخلاف ما لو كان تحته لفائف أو خرق، لأن القدم مستور بما يجوز المسح عليه، فجاز المسح كما لو كان السفلاني مكشوفا. وقال آخرون: لا يجوز، لأن الفوقاني لو كان منفردا لم يجز المسح عليه فلم يجز مع غيره، كما لو لبس على لفافة، أما لو لبس مخرقا على مخرق فاستتر بهما القدم ففيه وجهان: الجواز، لاستتار القدم بالخفين، فأشبه المستور بالصحيحين. وعدمه، لعدم

(1) المدونة الكبرى 1: 40، المجموع 1: 508، فتح العزيز هامش المجموع 2: 379، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 28، ميزان الكبرى 1: 128، المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194.
(2) المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194. (3) المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 506.
(4) المغني 1: 320، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 195، الكافي لابن قدامة 1: 45، الانصاف 1: 183.

[ 89 ]

استتار القدم بخف صحيح (1). ولو لبس الخف بعد طهارة كاملة مسح فيها على العمامة، قال بعضهم: لا يجوز المسح، لأنه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل، فلم يستبح المسح باللبس فيها، كما لو لبس خفا على طهارة ومسح فيها على خف (2). وقال آخرون بالجواز (3). السابع: قد قلنا أن التوقيت في المسح باطل عندنا (4) بل هو تابع للضرورة، فمتى زالت، الرخصة. وبه قال مالك في السفر وفي الحضر على إحدى الروايتين، وفي الثانية: لا يمسح في الحضر مطلقا (5). وقال الشافعي وأبو حنيفة بالتوقيت في المسح يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر (6) (7). وبه قال الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح (8)، وأحمد (9)، وإسحاق (10). وقال الليث بن سعد (11)، وربيعة:

(1) المغني 1: 321، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 195، الانصاف 1: 183. (2) المغني 1: 321، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 185، الانصاف 1: 175.
(3) المغني 1: 321، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 185، الانصاف 1: 175.
(4) راجع الصفحة 84.
(5) المدونة الكبرى 1: 41، بداية المجتهد 1: 18، تفسير القرطبي 6: 100، بلغة السالك 1: 58، المغني 1: 322، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 188، أحكام القرآن للجصاص 3: 353، المجموع 1: 476، المحلى 2: 89، شرح فتح القدير 1: 130، عمدة القارئ 3: 97.
(6) الأم 1: 34، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 482، مغني المحتاج 1: 64، السراج الوهاج: 19، فتح العزيز هامش المجموع 2: 393، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 26، ميزان الكبرى 1: 136، أحكام القرآن للجصاص 3: 353، المحلى 2: 89.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 98، بدائع الصنائع 1: 8، أحكام القرآن للجصاص 3: 353، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 130، المغني 1: 322، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 188، المجموع 1: 483، ميزان الكبرى 1: 126، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 26، التفسير الكبير 11: 163، المحلى 2: 89.
(8) المجموع 1: 484، نيل الاوطار 1: 229، أحكام القرآن للجصاص 3: 353، المحلى 2: 89، المغني 1: 322، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 188.
(9) المغني 1: 322، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 188، المجموع 1: 484، الكافي لابن قدامة 1: >

[ 90 ]

يمسح على الخفين إلى أن ينزعهما، ولم يفرقا بين المسافر والحاضر. وهو قول الشعبي (1). قال داود: يمسح المسافر [ بخمس ] (2) عشرة صلاة، والمقيم [ بخمس ] (3) (4). واختلفوا في ابتداء المدة، وقال الشافعي: من حين يحدث اللابس للخفين، فإذا تطهر المقيم بغسل أو وضوء، ثم أدخل رجليه الخفين وهما طاهرتان، ثم أحدث فإنه يمسح عليهما من وقت ما أحدث يوم وليلة (5). وقال الأوزاعي (6)، وأحمد (7)، وأبو ثور، وداود: إن ابتدأ المدة من حين يمسح على الخفين (8). لنا: أنها طهارة ضرورية فتقدر بقدرها. واحتجوا (9) بما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل ثلاثة أيام ولياليهن

< 45، الانصاف 1: 176، المحلى 2: 89، نيل الاوطار 1: 229، ميزان الكبرى 1: 126، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 26، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 299.
(10) المجموع 1: 484، نيل الاوطار 1: 229، المحلى 2: 89، المغني 1: 322، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 188.
(11) المجموع 1: 484، نيل الاوطار 1: 229، أحكام القرآن للجصاص 3: 353. (1) المجموع 1: 484. (2، 3) في النسخ: بخمسة، والأنسب ما أثبتناه.
(4) المجموع 1: 483.
(5) الأم 1: 35، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 486، فتح العزيز هامش المجموع 2: 397، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127، مغني المحتاج 1: 64، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، التفسير الكبير 11: 163، المحلى 2: 95، السراج الوهاج: 19.
(6) المجموع 1: 487.
(7) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، الكافي لابن قدامة 1: 46، الانصاف 1: 177، المجموع 1: 487، فتح العزيز هامش المجموع 2: 397.
(8) المجموع 1: 487.
(9) المجموع 1: 487.

[ 91 ]

للمسافر، ويوما وليلة للمقيم (1). وقد مضى الجواب عنه (2). قالوا: فإذا انقضت المدة بطل الوضوء، وليس له المسح عليهما إلا بعد النزع واللبس على طهارة كاملة (3). وقال الحسن: لا يبطل الوضوء إلا بحدث، ثم لا يمسح بعد حتى ينزعها (4). وقال داود: ينزع خفيه ولا يصل فيهما، فإذا نزعهما صلى حتى يحدث، لأن الطهارة لا تبطل إلا بحدث، والنزع والانقضاء ليسا بحدث (5). ولو خلع قبل إنقضاء المدة بعد المسح عليها بطل وضوؤه في قول أحمد (6)، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق (7)، وأحد قولي الشافعي (8). وقال أبو حنيفة (9)، والثوري، وأبو ثور (10)، والشافعي أيضا: لا يبطل (11). وقال وقال مالك (12)، والليث بن

(1) صحيح مسلم 1: 232 حديث 276، سنن أبي داود 1: 40 حديث 157، سنن ابن ماجة 1: 183 حديث 552، 555، 556، سنن النسائي 1: 84، سنن الترمذي 1: 158 حديث 95، كنز العمال 9: 404 حديث 26708، نيل الاوطار 1: 230 حديث 5، 1، 2، مسند أحمد 5: 213، 215.
(2) تقدم ص 84.
(3) المغني 1: 323، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 203، ميزان الكبرى 1: 127، المجموع 1: 523. (4) المغني 1: 323، الشرح الكبير بهامش المعني 1: 203، المجموع 1: 527.
(5) المغني 1: 323، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 203، المجموع 1: 527.
(6) المغني 1: 324، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، الكافي لابن قدامة 1: 47، الانصاف 1: 190، المجموع 1: 527، فتح العزيز هامش المجموع 2: 404.
(7) المغني 1: 324، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، المجموع 1: 526.
(8) الأم 1: 36، الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 1: 526، مغني المحتاج 1: 68، السراج الوهاج: 20، فتح العزيز هامش المجموع 2: 404، بدائع الصنائع 1: 12، المغني 1: 324، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202.
(9) بدائع الصانع 1: 12، شرح فتح القدير 1: 135، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 28، ميزان الكبرى 1: 128، المجموع 1: 526، المغني 1: 324، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 404.
(10) المجموع 1: 526، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202.
(11) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 1: 526، فتح العزيز هامش المجموع >

[ 92 ]

سعد: إنه يغسل قدميه مكانه، فإن أخر ذلك استأنف الطهارة (1). والأول أولى عندنا، لأنها طهارة ضرورية وقد زالت، ولان مسح الخفين ناب (2) عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما يبطل ما ناب عنه، كالتيمم إذا بطل برؤية الماء وجب ما ناب عنه. ولو نزع العمامة بعد المسح عليها للضرورة عندنا فالوجه البطلان، لما قلناه (3). وهو قول القائلين بالبطلان في الخفين. قالوا: ولو نزع أحد الخفين فهو كنزعهما، لأنهما كالعضو الواحد، ولهذا لا يجب فيهما الترتيب (4). ولو انكشف بعض القدم من خرق فهو كنزع الخف، أما لو انكشطت (5) الظهارة وبقيت البطانة، لم يضر عندهم، لبقاء الاستتار (6). ولو أخرج رجله إلى ساق الخف

< 2: 404، مغني المحتاج 1: 68، السراج الوهاج: 20، فتح الوهاب 1: 17، بدائع الصنائع 1: 12، المغني 1: 324، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 28، ميزان الكبرى 1: 128، بداية المجتهد 1: 22.
(12) المدونة الكبرى 1: 40، بداية المجتهد 1: 22، بلغة السالك 1: 60، المغني 1: 325، تفسير القرطبي 6: 103، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، المجموع 1: 527، فتح العزيز هامش المجموع 2: 404. (1) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 202، المجموع 1: 527، المدونة الكبرى 1: 41، تفسير القرطبي 6: 103.
(2) (خ): نائب.
(3) راجع ص 84.
(4) المغني 1: 325، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 203، المجموع 1: 527، بلغة السالك 1: 60، المبسوط للسرخسي 1: 102، 103، منار السبيل 1: 32.
(5) (خ): انكشفت.
(6) المغني 1: 326، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 497، الكافي لابن قدامة 1: 43، مغني المحتاج 1: 65، بدائع الصنائع 1: 11، فتح العزيز هامش المجموع 2: 370.

[ 93 ]

ولم يظهر من القدم شئ، فهو كحلقة عند أبي حنيفة (1)، خلافا للشافعي في الجديد (2). احتج أبو حنيفة بأن الاستقرار شرط لجواز المسح، بدليل ما لو أدخل الخف فأحدث قبل الاستقرار، لم يكن له المسح (3). حجة الشافعي عدم ظهور الرجل (4). والثوري (5)، ومالك (6)، وأحمد (7)، وإسحاق (8)، وبعض الشافعية (9)، والشافعي في القديم (10)، وافقوا أبا حنيفة، وكذا الأوزاعي (11). الثامن: قالوا: لو سافر قبل المسح، أتم مسح المسافر. وابتدأ مدة المسح من حين أحدث بعد لبس الخف عند الشافعي (12)، وأحمد (13)، وأبي حنيفة (14)، وفي رواية

(1) المبسوط للسرخسي 1: 104، بدائع الصنائع 1: 13، المجموع 1: 528، المغني 1: 326، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204.
(2) كلامه مشعر بأن الشافعي قال في الجديد بعدم بطلان المسح، وفي القديم ببطلانه، وفاقا لأبي حنيفة، والموجود في المجموع للنووي 1: 528 عكس ذلك قال: (للشافعي قولان: الجديد يبطل مسحه والقديم لا يبطل مسحه). (3) المبسوط للسرخسي 1: 104، بدائع الصنائع 1: 13.
(4) المهذب للشيرازي 1: 22، المغني 1: 326، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204.
(5) المجموع 1: 528.
(6) المدونة الكبرى 1: 41، المجموع 1: 528، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204.
(7) المغني 1: 326، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204، الانصاف 1: 192، الكافي لابن قدامة 1: 47، المجموع 1: 528.
(8) المغني 1: 326، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 204، المجموع 1: 528.
(9) المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 1: 528.
(10) المجموع 1: 528.
(11) ليست في (خ). والمنسوب إليه في المجموع 1: 528 عدم بطلان المسح.
(12) الأم 1: 35، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 486، فتح العزيز هامش المجموع 2: 397، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127، السراج >

[ 94 ]

أخرى عن أحمد: الابتداء من حين مسح بعد أن أحدث (1). ولو أحدث مقيما، ثم مسح مقيما، ثم سافر، أتم على مسح مقيم، ثم خلع على قول الشافعي (2)، وأحمد (3)، وإسحاق (4). وقال أبو حنيفة، والثوري: يمسح مسح المسافر سواء مسح في الحضر لصلاة أو أكثر، بعد أن لا تنقضي مدة المسح وهو حاضر (5) (6)، لأنه مسافر قبل الاكمال فأشبه ما لو سافر قبل الشروع. ولو مسح مسافر أقل من يوم وليلة، ثم أقام أو قدم، أتم على مسح مقيم وخلع. قاله

< الوهاج: 19، فتح الوهاب 1: 15، مغني المحتاج 1: 64، التفسير الكبير 11: 163، المغني 1: 327، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، المحلى 2: 95.
(13) المغني 1: 327، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، الانصاف 1: 177، الكافي لابن قدامة 1: 46، منار السبيل 1: 31، المجموع 1: 487، فتح العزيز هامش المجموع 2: 397.
(14) المبسوط للسرخسي 1: 99، بدائع الصنائع 1: 8، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 131، المغني 327، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، التفسير الكبير 11: 163، المجموع 1: 487، المحلى 2: 95. (1) المغني 1: 327، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 189، الانصاف 1: 177، الكافي لابن قدامة 1: 46، المجموع 1: 487، فتح العزيز هامش المجموع 2: 397، المحلى 2: 95، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127، التفسير الكبير 11: 163.
(2) الأم 1: 35، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 488، فتح العزيز هامش المجموع 2: 400، المغني 1: 328، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127.
(3) المغني 1: 328، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190، الكافي لابن قدامة 1: 46، المجموع 1: 488، فتح العزيز هامش المجموع 2: 400.
(4) المغني 1: 328، المجموع 1: 488، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 103، بدائع الصنائع 1: 8، الهداية للمرغيناني 1: 29، شرح فتح القدير 1: 136، المغني 1: 328، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190، المجموع 1: 488، فتح العزيز هامش المجموع 2: 400، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127.
(6) المجموع 1: 488.

[ 95 ]

أبو حنيفة (1) والشافعي (2). وإذا مسح مسافر يوما وليلة فصاعدا، ثم أقام أو قدم خلع، لأنه صار مقيما فلم يترخص برخص المسافر، ولان المسح عبادة تختلف سفرا وحضرا، فإذا ابتدأها في السفر، ثم حضر في أثنائها غلب حكم الحضر كالصلاة. التاسع: قالوا: إنما يجوز المسح على ما يكون ساترا لمحل الفرض لما يرى منه الكعبان ولا شئ من القدم لضيقه أو كونه مشدودا يمكن متابعة المشي فيه (3)، ولو كان مقطوعا دون الكعبين، لم يجز المسح عليه عند الشافعي في الجديد (4)، وبه قال الحسن بن صالح (5)، وقال الشافعي في القديم: يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي عليه (6). وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداو (7). وقال مالك، والأوزاعي: إن كثر الخرق وتفاحش لم يجز (8) (9). وبه قال الليث بن سعد (10). وقال أبو حنيفة: إن تخرق

(1) المبسوط للسرخسي 1: 104، الهداية للمرغيناني 1: 29، شرح القدير 1: 137، المغني 1: 329، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190.
(2) الأم 1: 35، الأم (مختصر المزني) 8: 9، المهذب للشيرازي 1: 20، المجموع 1: 489، المغني 1: 329، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 190.
(3) المغني 1: 330، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 191، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 496، بداية المجتهد 1: 20، فتح العزيز هامش المجموع 2: 370، الانصاف 1: 179. (4) الأم 1: 33، الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 496، فتح العزيز هامش المجموع 2: 370، مغني المحتاج 1: 65، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، المغني 1: 330، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 192، بداية المجتهد 1: 20، المحلى 2: 101. في بعضها لم يقيد في الجديد.
(5) المحلى 2: 101.
(6) المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 496، فتح العزيز هامش المجموع 2: 370، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 28.
(7) المحلى 2: 100، المجموع 1: 497.
(8) المدونة الكبرى 1: 40، بداية المجتهد 1: 20، تفسير القرطبي 6: 101، المغني 1: 330، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 193، المجموع 1: 497، فتح العزيز هامش المجموع 2: 370، ميزان >

[ 96 ]

قدر ثلاث أصابع لم يجز، وإن كان أقل جاز (1). قال أبو يوسف: قلت لأبي حنيفة: من أين أخذت هذا؟ قال: الثلاث أكثر الأصابع (2). واحتج: مالك والأوزاعي بأنه خف يمكن متابعة المشي فيه فأشبه الساتر، ولان الغالب على خفاف العرب التخريق. واتفقوا على أنه لا يجوز المسح على اللفافة والخرق (3)، ولا فرق في الجواز بين ما يكون من جلد، أو لبد، أو غيرهما، وفي الخشب والحديد قولان: أقربهما عندهم الجواز (4). ولو كان محرما كالحرير لم يرخص بالمسح لعصيانه، فلم يستبح به الرخصة، كما لا يرخص المسافر سفر المعصية. العاشر: قالوا: يجوز المسح على الجوربين بالشرطين: الستر، وإمكان متابعة المشي سواء كانا منعلين أو لا. وهو اختيار أحمد (5)، والحسن، وسعيد بن المسيب،

< الكبرى 1: 127، رحمه الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 27، المحلى 2: 101.
(9) تفسير القرطبي 6: 101، المحلى 2: 101، المجموع 1: 497، المغني 1: 330، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 193.
(10) تفسير القرطبي 6: 101. (1) المبسوط للسرخسي 1: 100، بدائع الصنائع 1: 11، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 132، المجموع 1: 497، فتح العزيز هامش المجموع 2: 372، تفسير القرطبي 6: 101، المغني 1: 334، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 193، بداية المجتهد 1: 20، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 28، المحلى 2: 101.
(2) قال في بدائع الصنائع 1: 11 (وإنما قدر بالثلاث لوجهين. والثاني: إن الثلاث أصابع أكثر الأصابع.).
(3) أحكام القرآن للجصاص 3: 356، المغني 1: 334، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 194، المجموع 1: 502، فتح العزيز هامش المجموع 2: 373.
(4) المغني 1: 331، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 192، المجموع 1: 205، فتح العزيز هامش المجموع 2: 373.
(5) المغني 1: 331، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 180، الانصاف 1: 170، المجموع 1: 500، >

[ 97 ]

وابن جبير، والثوري، والحسن بن صالح، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد (1). وقال أبو حنيفة (2)، ومالك (3)، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا (4). ولو كان الجورب لا يثبت بنفسه ويثبت بلبس النعل، أبيح المسح عليه وتنتقض الطهارة بخلع النعل، لأن ثبوته أحد شرطي الجواز، وإنما يحصل بالنعل، ومع الخلع يزول الشرط فتبطل الطهارة، كما لو ظهر القدم. الحادي عشر: مذهب أبي حنيفة، وأحمد أن المسنون في المسح أن يضع يده على موضع الأصابع ثم يجرها إلى ساقه خطا بأصابعه، ويجوز العكس. قالوا: ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه (5) (6). وبه قال الثوري (7)، وداود (8)، والأوزاعي (9)، لما رووه، عن

< المحلى 2: 86، ميزان الكبرى 1: 128، رحمة الأمة هامش الكبرى 1: 28. (1) المغني 1: 332، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 180، المجموع 1: 499، المحلى 2: 86.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 101، أحكام القرآن للجصاص 3: 356، بدائع الصنائع 1: 10، الهداية للمرغيناني 1: 30، شرح فتح القدير 1: 138، بداية المجتهد 1: 19، المحلى 2: 86، المغني 1: 332، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 180، المجموع 1: 500، فتح العزيز هامش المجموع 2: 373، ميزان الكبرى 1: 128، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 28.
(3) المدونة الكبرى 1: 40، بداية المجتهد 1: 19، تفسير القرطبي 6: 102، أحكام القرآن للجصاص 3: 356، المغني 1: 332، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 180، ميزان الكبرى 1: 128، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 28، المحلى 2: 86.
(4) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 499، فتح العزيز هامش المجموع 2: 373، ميزان الكبرى 1: 128، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 28، المغني 1: 332، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 180، أحكام القرآن للجصاص 3: 356، نيل الاوطار 1: 227، المحلى 2: 86، بداية المجتهد 1: 19، تفسير القرطبي 6: 102.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 100، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فتح القدير 1: 131، المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 196، المجموع 1: 521، فتح العزيز هامش المجموع 2: 390، المحلى 2: 111، نيل الاوطار 1: 231.
(6) المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 196، الكافي لابن قدامة 1: 47، الانصاف 1: >

[ 98 ]

علي عليه السلام أنه قال: (لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره) (1) ولان باطنه ليس بمحل لفرض المسح، فلم يكن محلا لمسنونه كالساق، ولان مسحه غير واجب ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تنجيس يده به فكان تركه أولى. وقال الشافعي (2)، ومالك: السنة مسح الظاهر والباطن (3)، أعني: أعلى الخف وأسفله. وبه قال عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز (4)، والزهري، وابن المبارك (5)، وإسحاق بن راهويه (6) لما رواه المغيرة بن شعبة، قال: وضأت رسول الله

< 185، منار السبيل 1: 31، المجموع 1: 521، فتح العزيز هامش المجموع 2: 390، ميزان 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 27، نيل الاوطار 1: 231.
(7) المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 196، المجموع 1: 521، المحلى 2: 111، نيل الاوطار 1: 231، بداية المجتهد 1: 19.
(8) بداية المجتهد 1: 19، المحلى 2: 111.
(9) المغني 335، المجموع 1: 521، نيل الاوطار 1: 231. (1) سنن أبي داود 1: 42 حديث 162، سنن الدارقطني 1: 199 حديث 23، نيل الاوطار 1: 231 حديث 1، كنز العمال 9: 606 حديث 27612، جامع الأصول 8: 140 حديث 5277.
(2) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 1: 518، فتح العزيز هامش المجموع 2: 388، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 26، مغني المحتاج 1: 67، السراج الوهاج: 19، فتح الوهاب 1: 17، المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 196، بداية المجتهد 1: 19، تفسير القرطبي 6: 103، المحلى 2: 113، نيل الاوطار 1: 231.
(3) المدونة الكبرى 1: 39، بداية المجتهد 1: 19، بلغة السالك 1: 60، تفسير القرطبي 6: 103، المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 196، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 26، نيل الاوطار 1: 231.
(4) أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الاموي. روي عن الباقر (ع): (أن نجيب بني أمية: عمر بن عبد العزيز). روى عن عبد الله بن جعفر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب وغيرهم. وروى عنه ابناه والزهري وأيوب وحميد. مات بدير سمعان من أرض المعرة سنة 101 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 118، العبر: 91.
(5) أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم المروزي الفقيه الحافظ التاجر السفار، >

[ 99 ]

صلى الله عليه وآله فمسح أعلى الخف وأسفله (1). وهذا الحديث قد طعن فيه الترمذي، وقال: إنه معلول (2)، قال: وسألت أبا زرعة (3)، ومحمدا (4) عنه، فقالا: ليس بصحيح. وقال أحمد: روى هذا الحديث رجاء بن حيوة (5)، عن وراد (6) كاتب المغيرة ولم يلقه (7). الثاني عشر: قال الشافعي: والمجزئ ما وقع عليه اسم المسح (8). وهو قولنا في

< صنف التصانيف الكثيرة، سمع هشام بن عروة وحميد الطويل وحدث عنه خلق منهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن معين وحبان بن موسى. مات سنة 181 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 274، العبر 1: 271.
(6) المغني 1: 335، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 196، المجموع 1: 521، نيل الاوطار 1: 231. (1) سنن أبي داود 1: 42 حديث 165، سنن الترمذي 1: 162 حديث 97، سنن ابن ماجة 1: 182 حديث 550، مسند أحمد 4: 251، نيل الاوطار 1: 232 حديث 3، جامع الأصول 8: 139 حديث 5276.
(2) سنن الترمذي 1: 163.
(3) أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن عمرو البصري الدمشقي، كان محدث الشام في زمانه، وصنف التصانيف، سمع أبا مسهر وأبا نعيم وأحمد بن حنبل، وروى عنه أبو داود وابن صاعد والطحاوي. مات سنة 281 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 624، العبر 1: 404، طبقات الحفاظ للسيوطي: 270.
(4) هو محمد بن إسماعيل البخاري الذي مرت ترجمته في الجزء الأول ص 121.
(5) رجاء بن حيوة، أبو المقدام الكندي الشامي الفلسطيني، روى عن أبي صالح السمان وابن عمرو ومعاوية ومحمود بن الربيع، وروى عنه محمد بن عجلان وابن عون وجراد بن مجالد. الجرح والتعديل 3: 501، الجمع بين رجال الصحيحين 1: 139، رجال صحيح مسلم 1: 202. (6) وراد الثقفي مولى المغيرة بن شعبة وكاتبه يكنى أبا الورد، أو أبا سعيد، سمع المغيرة بن شعبة وروى عنه المسيب بن رافع، وعبدة بن أبي لبابة، والشعبي، ومحمد بن عبد الله الثقفي. الجمع بين رجال الصحيحين 2: 544، رجال صحيح مسلم 2: 312.
(7) المغني 1: 336.
(8) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 1: 521، فتح العزيز هامش المجموع >

[ 100 ]

محل الضرورة، لأنه أطلق المسح ولم يقدره، فوجب الرجوع إلى ما يتناوله الاسم. وقال أبو حنيفة: يجزئه قدر ثلاث أصابع (1) لقول الحسن: سنة المسح خطط بالاصابع فينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأقل الجمع ثلاث (2). وهو ضعيف. وقال زفر: إن مسح بإصبع واحدة قدر ثلاث أصابع أجزأه (3). وقال أحمد: لا يجزئه إلا مسح أكثر القدم (4). وفي الإجزاء مع المسح بالخرقة أو الخشب عندهم وجهان (5). والأصح عندنا عدم الإجزاء في صورة يباح المسح فيها على الخفين. واختلفوا في إجزاء غسل الخف (6)، والأقوى عندنا عدم الإجزاء في محل الضرورة. الثالث عشر: لو مسح أسفل الخف دون أعلاه، لم يجزئه عندنا في صورة الجواز. وهو مذهب عامة العلماء (7)، إلا ما نقل عن بعض أصحاب الشافعي (8)، وبعض

< 2: 388، مغني المحتاج 1: 67، السراج الوهاج: 19 فتح الوهاب 1: 17، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 27، المغني 1: 337، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197، المحلى 2: 112، بدائع الصنائع 1: 12، نيل الاوطار 232. (1) المبسوط للسرخسي 1: 100، بدائع الصنائع 1: 12، الهداية للمرغيناني 1: 28، شرح فنح القدير 1: 132، المغني 1: 337، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197، المجموع 1: 522، فتح العزيز هامش المجموع 2: 388، ميزان الكبرى 1: 127، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 27، المحلى 2: 112، نيل الاوطار 232.
(2) المعني 1: 337، المجموع 1: 522.
(3) بدائع الصنائع 1: 12، المبسوط للسرخسي 1: 100.
(4) المغني 1: 337، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197، الكافي لابن قدامة 1: 47، الانصاف 1: 184، منار السبيل 1: 31، المجموع 1: 522، فتح العزيز هامش المجموع 2: 388، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 27، ميزان الكبرى 1: 127، نيل الاوطار 1: 232. (5) المغني 1: 338، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 198، المجموع 1: 520.
(6) راجع المصادر السابقة.
(7) المغني 1: 338، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197، المجموع 1: 518.
(8) المهذب للشيرازي 1: 22، المجموع 2: 519، المغني 1: 338، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197.

[ 101 ]

أصحاب مالك (1). لنا: أنه ليس محل للفرض، فلا يجزئ كالساق، وكذا البحث في عقب الخف. الرابع عشر: لا فرق في الترخص مع الضرورة بين المرأة والرجل، ولا فرق بين المستحاضة وصاحب السلس وغيرهما، لأن علة الترخص في الرجل موجودة في المرأة. وقال بعض الشافعية: ليس لصاحب السلس والمستحاضة أن يمسحا أكثر من وقت صلاة، لأن الطهارة التي لبسا الخف عليها، لا يستباح بها أكثر من ذلك (2). وهو ضعيف، لأن المسح لا يبطل ببطلان الطهارة، فلا يبطل بخروج الوقت. وقال زفر: إن المستحاضة تمسح يوما وليلة (3). تذنيبان: الأول: لو كان الخف مغصوبا لم يجز المسح عليه عندنا حال الضرورة، وعند بعض الشافعية مطلقا (4)، لأن اللبس، معصية فلا يناسب الترخص، وعند بعضهم يجوز مطلقا (5)، لأن المعصية لا تختص باللبس، فصار كالصلاة في الدار المغصوبة. وليس بجيد على ما يأتي. الثاني: لو زال عذرهما إلا الضرورة المبيحة، جاز لهما المسح عندنا، لوجود السبب وهو الضرورة. أما الجمهور، فمنعوا من ذلك، لأنهما كملا في بابهما، فلم يكن لهما المسح بتلك الطهارة، كالمتيمم إذا أكمل بالقدرة على الماء لا يمسح بالخف الملبوس على

(1) بداية المجتهد 1: 19، تفسير القرطبي 6: 103، المغني 1: 338، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 197.
(2) المغني 1: 340، فتح العزيز هامش المجموع 2: 368.
(3) بدائع الصنائع 1: 9، المبسوط للسرخسي 1: 105، المجموع 1: 515. (4 5) المهذب للشيرازي 1: 21، المجموع 1: 510، فتح العزيز هامش المجموع 2: 375.

[ 102 ]

التيمم (1) ونحن لما لم نشترط سبق الطهارة، سقطت هذه الحجة بالكلية. أصل: الواو تفيد مع الجمع الترتيب، لوجوه: أحدهما: ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى، فقال عليه السلام: (بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى) (2) ولولا إفادة الواو للترتيب لما افترق القولان. لا يقال: ليس النهي لما ذكرتم، بل لتفرد كل واحد بالذكر، ولا يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله في كتابه واحدة، لأنه منهي عنه كما قال الله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) (3) ولم يقل يرضوهما. لأنا نقول: العلة في كراهة الجمع المعنى الذي ذكرناه وهو سقوط الترتيب، لا ما ذكرتم، وإلا لزم تعليل الشئ بنفسه، لأنا في طلب علة النهي عن الجمع، فكيف يعلل بنفسه. الثاني: أن عمر سمع شاعرا يقول: كفا الشيب والاسلام للمرء ناهيا فقال له عمر: لو قدمت الاسلام على الشيب لاجزتك (4). وهذا يدل على التأخير (5) في المرتبة عند التأخير في اللفظ. الثالث: ما روي أن الصحابة قالوا لابن عباس: لم تأمرنا بالحج قبل العمرة وقد

(1) المغني 1: 340.
(2) صحيح مسلم 2: 594 حديث 870، سنن النسائي 6: 90، مسند أحمد 4: 256، 379 بتفاوت يسير.
(3) التوبة: 62.
(4) الأحكام في أصول الأحكام 1: 60.
(5) (خ): التأخر.

[ 103 ]

قال الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) (1) (2) وهم كانوا فصحاء العرب ففهمهم للترتيب يدل عليه. على أن ابن عباس أجابهم عن ذلك، فقال: كما قدمتم الدين على الوصية، والله تعالى قدم الوصية على الدين، فقال: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (3) وهذا اعتراف من ابن عباس بأن تقديم الحج يقتضي تقديم فعله، وإنما عدل لدلالة، كما عدل في الوصية، لأنه لو لم يذهب إلى اقتضاء الترتيب، لما جاز منه ذلك، ولقال: الواو لا تقتضي الترتيب. الرابع: إن الفراء (4) وأبا عبيدة بن سلام نصا على أنها تفيد الترتيب، فلو لم يكن كذلك، لما جاز هذا النص منهما، وقولهما مقدم على من نص على أنها ليست للترتيب، لتقدم الاثبات في الشهادة على النفي. الخامس: لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، طلقت واحدة، ولو قال طلقتين طلقت اثنتين، ولو كانت الواو تفيد الجمع لم يبق فرق. السادس: إن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له، فوجب جعله سببا له، إلى أن يقيم الخصم المعارض. السابع: إن الترتيب مع التعقيب وضع له لفظ، ومع التراخي آخر، ومطلق الترتيب معقول لا بد له من لفظ، وليس إلا الواو. لا يقال: الجمع المطلق معنى معقول، ولا لفظ يدل عليه إلا الواو.

(1) البقرة: 196.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 372. (3) النساء: 11.
(4) يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان أبو زكريا الديلمي المعروف ب (الفراء) أجل أصحاب الكسائي، كان رأسا في النحو واللغة، له مصنفات، منها: معاني القرآن، اللغات، المصادر في القرآن. مات بطريق مكة سنة 207. بغية الوعاة: 411، تذكرة الحفاظ 1: 372، العبر 1: 278، شذرات الذهب 2: 19.

[ 104 ]

لأنا نقول: مع التعارض يجب الترجيح وهو معنى، فإنا لو جعلناه حقيقة في الجمع، استحال التجوز به في الترتيب، لعدم لزوم الخاص العام، وبالعكس يجوز، فكان أولى. مسألة: قال علماؤنا: الترتيب واجب في الوضوء. وهو مذهب الشافعي (1)، وأحمد (2)، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد (3). وقال أبو حنيفة (4)، ومالك (5)، والثوري: لا يجب، ورواه الجمهور، عن علي عليه السلام، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطا، والزهري، والنخعي، ومكحول، وبه قال الأوزاعي،

(1) الأم 1: 30، الأم (مختصر المزني) 8: 3، المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 441، الكبرى 1: 119، مغني المحتاج 1: 54، السراج الوهاج: 17، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، فتح العزيز هامش المجموع 1: 361، التفسير الكبير 11: 153، فتح الوهاب 1: 13، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، المحلى 2: 66، بداية المجتهد 1: 17، تفسير القرطبي 6: 98، المغني 1: 156.
(2) المعني 1: 156، الانصاف 1: 138، الكافي لابن قدامة 1: 38، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، منار السبيل 1: 25، المحلى 2: 66، المجموع 1: 443، بداية المجتهد 1: 17، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 20، تفسير القرطبي 6: 98، ميزان الكبرى 1: 119.
(3) المغني 1: 156، المجموع 1: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، تفسير القرطبي 6: 98، بداية المجتهد 1: 17.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 55، بدائع الصنائع 1: 17، الهداية للمرغيناني 1: 13، شرح فتح القدير 1: 30، المغني 1: 156، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، المجموع 1: 443، بداية المجتهد 1: 17، فتح العزيز هامش المجموع 1: 361، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، المحلى 1: 67، ميزان الكبرى 1: 119، التفسير الكبير 11: 153، تفسير القرطبي 6: 98، نيل الاوطار 1: 175. (5) المدونة الكبرى 1: 14، مقدمات ابن رشد 1: 54، بداية المجتهد 1: 17، بلغة السالك 1: 47، تفسير القرطبي 6: 98، المغني 1: 156، المجموع 1: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، فتح العزيز هامش المجموع 1: 361، المحلى 2: 67، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 19، التفسير الكبير 11: 153، نيل الاوطار 1: 175، ميزان الكبرى 1: 119.

[ 105 ]

ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، والمزني، وداود (1). لنا: قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (2) وقد بينا أن الواو تقتضي الترتيب، ولأنه تعالى عقب إرادة القيام بالغسل، فيجب تقدمه على غيره، وكل من أوجب تقدم الغسل أوجب الترتيب، ولأنه تعالى ذكر هذه الاعضاء مرتبا فيجب غسلها مرتبا، ولأنه تعالى جعل غاية الغسل المنطوق المرافق، فيجب البدأة بالوجه. أما المقدمة الأولى فلأنه قد اتفق محققوا الادب على أن العامل في المعطوف هو الفعل الظاهر بتقوية حرف العطف، فلو قلنا بجعل (إلى) غاية في ذلك المقدر، لزم اعتبار وجوده من حيث الغاية واعتبار عدمه من حيث العطف، وفي ذلك تناف. وما وراه الجمهور من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (3)، فإن كل من حكاه إنما حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى. وتوضأ مرتبا وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (4) أي: بمثله. ولأن الصحابة رتبوا، فإن عليا عليه السلام نقل عنه الترتيب (5) ولم ينكر عليه، فكان إجماعا.

(1) المغني 1: 156، المجموع 1: 443، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149، تفسير القرطبي 6: 98، نيل الاوطار 1: 175.
(2) المائدة: 6.
(3) صحيح البخاري 1: 51، 58، صحيح مسلم 1: 205 حديث 226، وص 210 حديث 235، وص 216 حديث 246، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106، سنن الترمذي 1: 47 حديث 32، سنن ابن ماجة 1: 149 حديث 434، سنن النسائي 1: 69، 71، 73، الموطأ 1: 18: حديث 1، مسند أحمد 1: 59، 110، 125، و 4: 38، 41، و 5: 368، سنن الدارمي 1: 180.
(4) سنن ابن ماجة 1: 145 حديث 419.
(5) سنن أبي داود 1: 27 حديث 111 وص 29 حديث 117، سنن الترمذي 1: 67 حديث 48.

[ 106 ]

وروى أحمد، عن جرير (1)، عن قابوس (2)، عن أبيه أن عليا عليه السلام سئل فقيل له: أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ؟ قال: (لا حتى يكون كما أمر الله تعالى) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، قال حكى لنا أبو جعفر عليه السلام وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فدعا بقدح من ماء، فأدخل يده اليمنى، فأخذ كفا من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثم مسح بيده الجانبين جميعا، ثم أعاد اليسرى في الاناء، فأسدلها على اليمنى، ثم مسح جوانبها، ثم أعاد اليمنى في الاناء، ثم صبها على اليسرى فصنع بها كما صنع باليمنى، ثم مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعده في الاناء (4). وحرف (ثم) يقتضي الترتيب. وروي في الصحيح، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (تابع بين الوضوء كما قال الله عزوجل، إبدأ بالوجه، ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين، ولا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه وأعد على الذراع، وإن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عزوجل به) (5).

(1) جرير بن عبد الحميد أبو عبد الله الضبي الكوفي، محدث الري، روى عن منصور ومغيرة والأعمش، وروى عنه على بن المديني وأحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهم. مات بالري سنة 188 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 271، الجرح والتعديل 2: 505، ميزان الاعتدال 1: 394.
(2) قابوس بن أبي ظبيان روى عن أبيه وروى عنه سفيان الثوري وزهير وجرير وابن إدريس. ميزان الاعتدال 3: 367، الجرح والتعديل 7: 145.
(3) المغني 1: 157، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149.
(4) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 274 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 6 وص: 275 حديث 10.
(5) الكافي 3: 34 حديث 5، الفقيه 1: 28 حديث 89، التهذيب 1: 97 حديث 251، الاستبصار 1: 73 حديث 223، الوسائل 1: 315 الباب 34 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 107 ]

وروي في الصحيح، عن زرارة، قال: سئل أحدهما عليهما السلام عن رجل بدأ بيده قبل وجهه وبرجليه قبل يديه، قال: (يبدأ بما بدأ الله به وليعد ما كان) (1). وفي الصحيح: عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال: (يغسل اليمنى ويعيد اليسار) (2). لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل توضأ ونسي غسل يساره، فقال: (يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شئ غيرها) (3) فلو كان الترتيب واجبا لما جاز الاقتصار على غسل اليسار خاصة. لأنا نقول: الملازمة ممنوعة، وبيانه: إن اليسار آخر الاعضاء فلا يجب غسل شئ غيرها، ولم يتعرض الامام عليه السلام لعدم وجوب إعادة المسح، تعويلا على ما عرف منهم (4) عليهم السلام، ويدل عليه: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه وإن كان إنما نسي شماله، فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ) وقال: (اتبع وضوءك بعضه بعضا) (5).

(1) التهذيب 1: 97 حديث 252، الاستبصار 1: 73 حديث 224، الوسائل 1: 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 97 حديث 253، الاستبصار 1: 73 حديث 225، الوسائل 1: 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 98 حديث 257، الاستبصار 1: 73 حديث 226، الوسائل 1: 318 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 7.
(4) (م): عنهم.
(5) التهذيب 1: 99 حديث 259، الاستبصار 1: 74 حديث 228، الوسائل 1: 318 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 9.

[ 108 ]

وأيضا: الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فيجب فيه الترتيب كالصلاة (1). وأيضا: فهي عبادة يرتبط بعضها ببعض، يفسد أولها بفساد آخرها، فيجب فيه الترتيب كالصلاة. وأيضا: فهي عبادة ترجع إلى شطرها حال العذر، فيجب فيها الترتيب كالصلاة. وأيضا: فهي عبادة تجمع أفعالا مختلفة الصفة مرادة للصلاة ومتقدمة عليها، فلا يعتد بها مع عدم الترتيب كالأذان. احتج: أبو حنيفة بأنه تعالى أمر بالطهارة، وعطف بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب (2) فلو شرطناه كان نسخا، وبما روي، عن علي عليه السلام أنه قال: (ما أبالي بأي أعضاء بدأت) (3). وقال ابن مسعود: لا بأس أن تبدئ برجليك قبل يديك في الوضوء (4). والجواب عن الأول، بالمنع من كون الواو لا تقتضي الترتيب وقد بيناه (5) سلمنا، لكن النسخ إنما يلزم لو قلنا إنها تقتضي عدم الترتيب، أما إذا قلنا إنها لا تقتضي الترتيب لم يكن منافيا لوجوب الترتيب بدليل آخر. قوله: الزيادة على النص نسخ، قلنا: ممنوع. وعن الثاني: أنه معارض بما روي، عن علي عليه السلام من وجوب الترتيب (6)، وحديث ابن مسعود قال علماء الجمهور: لايعرف له أصل (7).

(1) (م) (ن) (ح) (د): قياسا على الصلاة.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 56، بدائع الصنائع 1: 22، الهداية للمرغيناني 1: 13، شرح فتح القدير 1: 30، المجموع 1: 444، التفسير الكبير 11: 155. (3) سنن الدارقطني 1: 88 حديث 4، سنن البيهقي 1: 87.
(4) المغني 1: 156، سنن البيهقي 1: 87، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149.
(5) تقدم في ص 102.
(6) سنن أبي داود 1: 27 حديث 111 وص 29 حديث 117، سنن الترمذي 1: 67 حديث 48، سنن >

[ 109 ]

برهان آخر: لا شئ من الوضوء غير المرتب بواجب، وكلما يؤدي به الواجب فهو واجب، فلا شئ من الوضوء غير المرتب يؤدي به الواجب، والصغرى مسلمة، وبيان الكبرى أنه به يحصل مصلحة الواجب، وكلما ؤ فروع: الأول: يجب أن يبدأ بوجهه، ثم بيده اليمنى، ثم اليسرى، ثم يمسح الرأس ثم يمسح الرجلين. وهل يجب تقديم اليمنى من الرجلين في المسح أم يسقط الترتيب؟ فيه قولان (1)، أشبههما السقوط. أما وجوب تقديم الوجه فقد مضى (2). وأما الترتيب في اليدين فهو قول علمائنا خاصة، لأن الموجبين للترتيب أسقطوا الترتيب بينهما، لأنهما كالعضو الواحد فسقط فيه الترتيب كالأصابع، ولقوله تعالى: (وأيديكم). لنا: ما قدمناه من الاحاديث الدالة على وجوب الترتيب فيهما (3)، وقياسهم باطل حينئذ، والآية لا تنافي الأدلة. وأما الرجلان فلم نجد حديثا يدل على الترتيب فيهما، وحملهما على اليدين قياس. نعم، يستحب تقديم اليمنى على اليسرى لقوله عليه السلام:

< النسائي 1: 70، مسند أحمد 1: 127، كنز العمال 9: 444 حديث 26891.
(7) المغني 1: 157، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 149. (1) قال بعض علمائنا بوجوب الترتيب فيهما، كسلار في المراسم: 38، وقال بعضهم بعدم وجوبه كالمحقق في المعتبر 1: 155، وادعى المصنف الشهرة عليه في المختلف 1: 25.
(2) تقدم في ص 105.
(3) تقدم في ص 105 وما بعدها.

[ 110 ]

(إن الله يحب التيامن) (1) ولأن القرآن قال: (وأرجلكم) ولم يرتب، والأصل عدمه. الثاني: لو نكس وضوءه صح غسل الوجه إن استصحب ذكر النية بالفعل عنده، ولا يكفيه الاستمرار حكما. نعم، لو نوى عند غسل الكفين أو عند المضمضة، فالأقرب الاكتفاء باستصحاب الحكم. ولو نكس ثانيا مع بقاء الندى، حصل له غسل الوجه واليمنى. ولو نكس ثالثا معه، حصل باليسرى وهكذا إلى آخره ما دامت الرطوبة موجودة. ولو غسل أعضاءه دفعة حصل بالوجه. ولو كان في الماء الجاري وتواردت عليه جريات ثلاث، حصل بالاعضاء المغسولة. ولو نوى الطهارة ثم انغمس في ماء واقف دفعة، حصل بغسل الوجه. ولو أخرج أعضاءه مرتبا، حصل بالاعضاء المغسولة وافتقر إلى المسح. ولو لم يرتب في الاخراج، حصل بالوجه وقت النزول وباليمنى وقت الاخراج. الثالث: يستحب البدأة بالاستنجاء قبل الوضوء لا أنه واجب، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن أذينة قال: ذكر أبو مريم الانصاري أن الحكم بن عتيبة بال يوم ولم يغسل ذكره متعمدا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (بئس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوءه) (2). الرابع: لو وضأه أربعة لعذر دفعة لم يجزئه، لعدم الترتيب. الخامس: لو انغمس المحدث ولم يرتب ونوى الطهارة لم يجزئه، لعدم الترتيب، وهو أحد وجهي الشافعي، وفي الآخر: يجزئه، لأن الغسل يجزي عن الحدثين، وإن لم يرتب فإجزاؤه عن الأصغر أولى (3).

(1) انظر مضمونه في: صحيح البخاري 1: 53، صحيح مسلم 1: 226 حديث 268، سنن ابن ماجة 1: 141 حديث 401 402.
(2) التهذيب 1: 48 حديث 137، الاستبصار 1: 53 حديث 154، الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 4.
(3) الأم 1: 29، المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 447، مغني المحتاج 1: 54، السراج الوهاج: >

[ 111 ]

والجواب: الجنب المحدث يسقط فرض حدثه مع الجنابة، فيكون الحكم لها. أصل: اعلم أن الناس اختلفوا في أن الزيادة على النص هل هي نسخ أم لا، مع اتفاقهم على أن زيادة عبادة أو صلاة على العبادات والصلوات لا تكون نسخا. قال الشافعي: لا تكون نسخا (1). وقال أبو حنيفة: تكون نسخا (2). والحق عندي ما ذكره أبو الحسين (3)، قال: النظر في هذه المسألة يتعلق بأمور ثلاثة: أحدها: أن الزيادة على النص هل تقتضي زوال أمر أم لا؟ والحق أنها تقتضيه، لأن إثبات كل شئ لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان. وثانيها: إن هذه الازالة هل تسمى نسخا؟ والحق أن الذي يزول بسبب هذه الزيادة إن كان حكما شرعيا وكانت الزيادة متراخية عنه، سميت تلك الازالة نسخا، وإن كان حكما عقليا وهو البراءة الأصلية، لم تسم تلك الازالة نسخا. وثالثها: هل تجوز الزيادة على النص بخبر الواحد والقياس أم لا؟ والحق أنه إن كان الزائد حكم العقل وهو البرائة الأصلية، جاز ذلك، إلا أن يمنع مانع خارجي، كما إذا قيل: خبر الواحد لا يكون حجة فيما يمع به البلوى، والقياس غير حجة في الكفارات والحدود، إلا أن هذه الموانع لا تعلق لها بالنسخ من حيث هو نسخ. وأما إن كان الحكم الزائد شرعيا فلينظر في دليل الزيادة، فإن كان بحيث يجوز أن يكون ناسخا

< 17، فتح الوهاب 1: 13، فتح العزيز هامش المجموع 1: 361. (1) الأحكام في أصول الأحكام 3: 154، المعتمد في أصول الفقه 1: 405.
(2) أحكام القرآن للجصاص 3: 363.
(3) أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب، شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف في الكلام والأصول، منها: المعتمد، تصفح الأدلة، غرر الأدلة. مات ببغداد سنة 436 ه‍. العبر 2: 273، شذرات الذهب 3: 259، تذكرة الحفاظ 3: 1109.

[ 112 ]

لدليل الحكم الزائل جاز إثبات الزيادة وإلا فلا (1). مسألة: قال علماؤنا: الموالاة شرط. وهو قول مالك (2)، وقتادة، والليث بن سعد (3)، وأحمد (4)، والأوزاعي (5)، وأحد قولي الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: لا يجب (7). وهو قول الشافعي في الجديد (8)، وبه قال ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، والثوري، وأصحاب أبي حنيفة (9).

(1) المعتمد في أصول الفقه 2: 410، الأحكام في أصول الأحكام 3: 155.
(2) المدونة الكبرى 1: 15، مقدمات ابن رشد 1: 54، بداية المجتهد 1: 17، تفسير القرطبي 6: 98، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 34، المغني 1: 158، المجموع 1: 455، المحلى 2: 69، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 20، التفسير الكبير 11: 155، نيل الاوطار 1: 218، ميزان الكبرى 1: 119.
(3) المجموع 1: 454 455. (4) المغني 1: 158، الانصاف 1: 139، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، الكافي لابن قدامة 1: 39، منار السبيل 1: 25، المجموع 1: 455، ميزان الكبرى 1: 119، نيل الاوطار 1: 218، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 20، فتح العزيز هامش المجموع 1: 438.
(5) المغني 1: 158، المجموع 1: 455، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، نيل الاوطار 1: 218.
(6) الأم 1: 30، المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 452، مغني المحتاج 1: 61، المغني 1: 158، بدائع الصنائع 1: 22، المبسوط للسرخسي 1: 56، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، السراج الوهاج: 18، نيل الاوطار 1: 218، فتح العزيز هامش المجموع 1: 438.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 56، بدائع الصنائع 1: 22، المغني 1: 158، ميزان الكبرى 1: 119، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 20، المحلى 2: 69، التفسير الكبير 11: 155.
(8) الأم (مختصر المزني) 8: 3، المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 452، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150، بداية المجتهد 1: 17، ميزان الكبرى 1: 119، التفسير الكبير 11: 155، المحلى 2: 69، تفسير القرطبي 6: 98، فتح العزيز هامش المجموع 1: 438، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 20. (9) المجموع 1: 454، المحلى 2: 69، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 150.

[ 113 ]

لنا: ما رواه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يعيد الوضوء والصلاة (1). ولولا اشتراط الموالاة، لأجزأه غسل اللمعة. وأيضا: قال الله تعالى: (وأيديكم) والواو للجمع والمراد به التتالي من غير تأخير، إذ هو القدر الممكن عادة في الجمع. وأيضا: ما رووه من أنه عليه السلام والى بين الأعضاء (2)، وكان بيانا للمجمل فيكون واجبا، وقال أيضا: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) (3) فكان شرطا. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك، فإن الوضوء لا يبعض) (4) وفي طريقها سماعة، وفيه قول (5). وروى، عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ربما توضأت ونفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء فيجف وضوئي؟ فقال: (اعد) (6). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: سأل أحدهما عن رجل بدأ بيده قبل

(1) سنن أبي داود 1: 45 حديث 175.
(2) صحيح مسلم 1: 204 حديث 226، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106، 108، 111، سنن النسائي 1: 69، مسند أحمد 1: 59 و 4: 41.
(3) سنن إبن ماجة 1: 145 حديث 419، كنز العمال 9: 454 حديث 26938، سنن البيهقي 1: 80.
(4) التهذيب 1: 87 حديث 230 وص 98 حديث 255، الاستبصار 1: 72 حديث 220، الوسائل 1: 314، الباب 33 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(5) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص: 84.
(6) التهذيب 1: 87 حديث 231، الاستبصار 1: 72 حديث 221، الوسائل 1: 314 الباب 33 من أبواب الوضوء، حديث 3. وفيها: فنفد الماء.

[ 114 ]

وجهه وبرجليه قبل يديه؟ قال: (يبدأ بما بدأ الله به وليعد ما كان) (1) ولو لم تجب الموالاة، لما وجب إعادة الجميع بل ما عدا الوجه. وروي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه) (2) والاعادة تستلزم سبق الفعل أولا. وروى محمد بن يعقوب في كتابه، عن حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي من الوضوء الذراع والرأس؟ قال: (يعيد الوضوء، أن الوضوء يتبع بعضه بعضا) (3) وفي طريقه معلى بن محمد، وهو ضعيف (4). وروى الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتبع وضوءك بعضه بعضا) (5) والامر للوجوب. والمتابعة، هي الموالاة لغة، ونصا بما تقدم في حديث حكم. وروى ابن يعقوب في كتابه في الحسن، عن زرارة، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (تابع بالوضوء) (6) ولأن الوضوء عبادة يجب مثل شطرها (7) في حال العذر،

(1) التهذيب 1: 97 حديث 252، الاستبصار 1: 73 حديث 224، الوسائل 1: 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 1. (2) التهذيب 1: 99 حديث 258، الاستبصار 1: 74 حديث 227، الوسائل 1: 318 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 8.
(3) الكافي 3: 35 حديث 9، الوسائل 1: 315 الباب 33 من أبواب الوضوء، حديث 6.
(4) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص: 191.
(5) التهذيب 1: 99 حديث 259، الاستبصار 1: 74 حديث 228، الوسائل 1: 314 الباب 33 من أبواب الوضوء، حديث 1 وباب 35 حديث 9.
(6) الكافي 3: 34 حديث 5، الوسائل 1: 315 الباب 34 من أبواب الوضوء، حديث 1 وفيهما: تابع بين الوضوء.
(7) (م) (د): شرطها.

[ 115 ]

فيجب فيها الموالاة كالصلاة. وأيضا: فهي عبادة تراد للصلاة متقدمة عليها مؤلفة من أشياء مختلفة، فيبطلها التفريق كالأذان. ويمكن أن يحتج ها هنا بما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة، ثم ليحدث بعد ذلك وضوءا) (1). فنقول: لو جاز التفريق، لامر من نزع خفيه، بغسل رجليه والبناء على ما مضى، ولم يأمره بإعادة الجميع. احتج: المخالفون بأنه قد أتى بالمأمور به، وهو مطلق الغسل الخالي عن قيدي الموالاة وعدمها، فوجب الإجزاء، ولأن الآية مطلقة فزيادة الشرط نسخ، ولأنها إحدى الطهارتين، فكيفما غسل جاز، سواء كان مع الموالاة أو لا معها كالغسل (2). والجواب عن الأول: أن الآية دلت على وجوب الغسل، والنبي صلى الله عليه وآله بين كفيه ذلك المجمل، فإنه لم يتوضأ إلا مواليا، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء. وعن الثاني: إنا قد بينا أن الزيادة ليست نسخا مطلقا، على أن هذا كيف يسمع من أبي حنيفة ومذهبه أن الأمر يقتضي الفور (3)، فأي زيادة ها هنا حينئذ، وهل معنى قولنا تجب الموالاة إلا وجوب الفور. وعن الثالث: أن الفرق واقع بين غسل الجنابة والوضوء، لأن الغسل كالعضو الواحد.

(1) سنن ابن ماجة 1: 184 حديث 556، سنن الدارقطني 1: 194 حديث 1، سنن البيهقي 1: 281، كنز العمال 9: 406 حديث 26717 وص 611 حديث 27639 بتفاوت في الجميع.
(2) المجموع 1: 455، التفسير الكبير 11: 155، المبسوط للسرخسي 1: 56، أحكام القرآن للجصاص 3: 363.
(3) أنظر: أحكام القرآن للجصاص 3: 364.

[ 116 ]

برهان آخر: شئ من الوضوء واجب، ولا شئ من غير الموالي بواجب، فتعين وجوب الموالي. فروع: الأول: الموالاة هي المتابعة، وهو اختيار الشيخ في الخلاف والمبسوط (1)، وعلم الهدى في المصباح (2). وقال في الجمل (3)، وعلم الهدى في شرح الرسالة: هي أن لا يؤخر بعض الأعضاء عن بعض بمقدار ما يجف ما تقدمه (4). لنا: أن الأمر في الآية يقتضي الفور إجماعا، ولما رواه الحلبي في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (اتبع وضوءك بعضه بعضا) وقد تقدم. احتج الشيخ برواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام وقد تقدمت، علق فيها إعادة الوضوء باليبس، وذلك يدل على العدم عند العدم. وبرواية معاوية بن عمار أيضا. والجواب عنها مع سلامة السند: إن وجوب الاعادة مشروط باليبس وذلك غير ما نحن فيه. الثاني: لو أخل بالمتابعة اختيارا فعل محرما، وهل يبطل وضوئه أم لا؟ الوجه اشتراط البطلان بالجفاف، لأنه مع الاخلال بها يحصل الامتثال بالغسل والمسح، فيجب الإجزاء إلا مع الجفاف، فيعيد، للروايتين المتقدمتين. الثالث: لو فرق لعذر لم تجب الاعادة إلا أن يجف جميع الأعضاء المتقدمة من ماء

(1) الخلاف 1: 17 مسألة 41، المبسوط 1: 23.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 157.
(3) الجمل والعقود: 40.
(4) نقله عنه في المعتبر 1: 157.

[ 117 ]

الأعضاء في الهواء المعتدل. وقال علم الهدى: إلا أن يجف العضو السابق على المفرق (1). لنا: حصول الاجماع على أن الناسي للمسح يأخذ من شعر لحيته إذا لم يبق في يديه نداوة، وذلك يدل على ما قلناه. الرابع: لو جف ماء الوضوء لحرارة الهواء المفرطة جاز البناء دون استئناف ماء جديد للمسح، لحصول الضرورة المبيحة للترخص. الخامس: لو جفت الأعضاء بواجب في الطهارة أو مسنون، فإن كان فعل ذلك الواجب أو المسنون يحصل بدونه، كان تفريقا، وإلا فهو في محل التردد. أما لو كان لوسوسة فالوجه أنه تفريق، لأنه حينئذ قد اشتغل بما ليس بواجب ولا مسنون. مسألة: والفرض في غسل الأعضاء في الوضوء مرة مرة. وهو مذهب علماء الامصار، إلا ما نقل عن الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز (2) فإنهما قالا: ثلاثا ثلاثا إلا الرجلين (3). والثانية، سنة في قول أكثر أهل العلم (4)، خلافا لمالك فإنه لم يستحب ما زاد على الفرض (5)، ولابن بابويه فإنه قال: من توضأ اثنتين لم يؤجر (6).

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 185.
(2) سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أبو محمد الدمشقي، فقيه الشام بعد الأوزاعي، روى عن مكحول، وربيعة بن يزيد، والزهري، وروى عنه ابن المبارك، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وغيرهم. مات سنة 167 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 219، العبر 1: 192، شذرات الذهب 1: 263.
(3) المغني 1: 159، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 176.
(4) المغني 1: 159، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 175، سنن الترمذي 1: 64.
(5) المدونة الكبرى 1: 2، مقدمات ابن رشد 1: 56، أحكام القرآن لابن العربي 2: 582، المغني 1: 159، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 175.
(6) الفقيه 1: 29، المقنع: 4، الهداية: 16.

[ 118 ]

أما الثالثة، فقال الشيخ: إنها بدعة (1)، وكذا قال ابن بابويه (2). وقال المفيد: الثالثة كلفة (3)، ولم يصرح بلفظ البدعة. وقال الشافعي (4) وأبو حنيفة (5) وأحمد: الثالثة سنة (6). فإذن اتفق علماؤنا على أن الثالثة ليست مستحبة. لنا: ما رواه البخاري، عن ابن عباس، قال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله مرة مرة (7). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرتين مرتين (8). فنقول: الرواية الأولى تدل على قدر الواجب، والثانية تدل على استحباب التكرار. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله أنه توضأ مرة مرة (9). وما رواه في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (إن الله وتر

(1) المبسوط 1: 23، النهاية: 14، الخلاف 1: 15 مسألة 38.
(2) الفقيه 1: 29، المقنع: 4، الهداية: 16.
(3) المقنعة: 5.
(4) الأم 1: 32، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 431، التفسير الكبير 11: 157، مغني المحتاج 1: 59، السراج الوهاج: 18، فتح الوهاب 1: 14، فتح الباري 1: 209.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 9، بدائع الصنائع 1: 22، الهداية للمرغيناني 1: 13، شرح فتح القدير 1: 27. (6) المغني 1: 159، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 175، الكافي لابن قدامة 1: 39، الانصاف 1: 137، منار السبيل 1: 29.
(7) صحيح البخاري 1: 51.
(8) سنن الترمذي 1: 62 حديث 43، سنن أبي داود 1: 34 حديث 136، سنن الدارقطني 1: 93 حديث 9، نيل الاوطار 1: 214 حديث 2، كنز العمال 9: 450 حديث 26920، جامع الأصول 8: 90 حديث 5161.
(9) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 10.

[ 119 ]

يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك، وما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى) (1). وروي، عن يونس بن عمار (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء للصلاة؟ فقال: (مرة مرة) (3). وعن عبد الكريم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء؟ فقال: (ما كان وضوء علي عليه السلام إلا مرة مرة) (4) وفي طريقهما سهل بن زياد، وهو ضعيف، إلا أنهما تأيدا بما تقدم. ويدل على استحباب الثانية رواية أبي هريرة، وقد تقدمت. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن وهب (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الوضوء؟ فقال: (مثنى مثنى) (6). وروي في الصحيح، عن صفوان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الوضوء

(1) التهذيب 1: 360 حديث 1083، الوسائل 1: 306 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) يونس بن عمار بن الفيض، أبو الحسن الصيرفي التغلبي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) وهو أخو إسماعيل بن عمار، نص عليه الصدوق في شرح مشيخته، والنجاشي في رجاله. الفقيه 4: 74، شرح المشيخة: 74، رجال النجاشي: 71، رجال الطوسي: 337.
(3) التهذيب 1: 80 حديث 206، الاستبصار 1: 69 حديث 211، الوسائل 1: 307 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 6.
(4) التهذيب 1: 80 حديث 207، الوسائل 1: 307 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 7. (5) معاوية بن وهب، أبو الحسن البجلي الكوفي، ثقة، حسن الطريقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). له كتب، منها: كتاب فضائل الحج. رجال النجاشي: 412، رجال الطوسي: 310، الفهرست: 166.
(6) التهذيب 1: 80 حديث 208، الاستبصار 1: 70 حديث 213، الوسائل 1: 310 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 28.

[ 120 ]

مثنى مثنى) (1) والمراد ها هنا الاستحباب لا الوجوب، لما تقدم من الاجتزاء بالواحدة. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة وبكير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلنا: أصلحك الله، فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ فقال: (نعم، إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كله) (2) ولأن الأولى قد يحصل فيها نوع خلل، فالثانية احتياط واستطهار. واحتج ابن بابويه (3) بما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الوضوء واحدة فرض، واثنتان لا يؤجر عليه، والثالثة بدعة) (4). والجواب: أن الراوي، عن محمد بن أبي عمير، هو محمد بن بشير، والنجاشي وإن قال: إنه ثقة، إلا أن الشيخ قال: محمد بن بشير غال ملعون (5). فروايته إذا ساقطة. على أنه يحتمل أن يكون المراد من اعتقد وجوبها، لما رواه، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من لم يستيقن أن واحدة من الوضوء تجزيه، لم يؤجر على الثنتين) (6).

(1) التهذيب 1: 80 حديث 209، الاستبصار 1: 70 حديث 214، الوسائل 1: 310 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 29.
(2) التهذيب 1: 81 حديث 211، الاستبصار 1: 71 حديث 216، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(3) المقنع: 4.
(4) التهذيب 1: 81 حديث 212، الاستبصار 1: 1 حديث 217، الوسائل 1: 307 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(5) محمد بن بشير، قال النجاشي، والمصنف في القسم الأول من رجاله: هو وأخوه ثقتان. وقال الشيخ في رجاله، والمصنف في القسم الثاني من رجاله: إنه غال ملعون يكذب على أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) فأذاقه الله حر الحديد. رجال النجاشي: 344، رجال الطوسي: 361، رجال العلامة: 55، 155، 251.
(6) التهذيب 1: 81 حديث 213، الاستبصار 1: 71 حديث 218، الوسائل 1: 307 الباب 31 من أبواب الوضوء، حديث 4.

[ 121 ]

وأما كون الثالثة بدعة فلأنها غير مشروعة، فكان اعتقاد شرعيتها إدخالا لما ليس من الدين فيه، وذلك هو معنى البدعة. ولأن القول بالثالثة مع القول بالمسح على الرجلين مما لا يجتمعان، والثاني ثابت لما بيناه (1) فينتفي الأول، وبيان عدم الاجتماع الاجماع. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن داود بن زربي (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء؟ فقال لي: (توضأ ثلاثا ثلاثا) (3) وذلك يدل على استحباب الثالثة، إذ الوجوب منتف اتفاقا إلا من شذ. لأنا نقول: أنه عليه السلام إنما أمره بذلك إذا كان في حال تقية (4)، ويدل عليه تتمة الحديث، وهو أنه قال: قال لي (أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟) قلت: بلى قال: (كنت (5) يوما أتوضأ في دار المهدي (6) فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به فقال: كذب من زعم أنك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء) قال: فقلت: (لهذا والله أمرني). احتج المخالفون (7) بما رواه ابن عمر، فقال: توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله

(1) تقدم بيانه في ص: 60.
(2) داود بن زربي، أبو سليمان الخندقي البندار الكوفي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم (ع). له كتاب. رجال النجاشي: 160، رجال الطوسي: 190، 349.
(3) التهذيب 1: 82 حديث 214، الاستبصار 1: 71 حديث 219، الوسائل 1: 311 الباب 32 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(4) (ح): التقية.
(5) (ح) فكنت.
(6) أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور وأسم أبي جعفر: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثالث خلفاء بني العباس، تولاها بعد المنصور وكانت خلافته عشر سنين وشهرا. مات ستة 169 ه‍. شذرات الذهب 1: 266، العبر 1: 196.
(7) المغني 1: 160، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 175، المبسوط للسرخسي 1: 9.

[ 122 ]

مرة، وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، ثم توضأ مرتين، وقال: (هذا وضوء من ضاعف الله له الاجر) ثم توضأ ثلاثة فقال: (هذا وضوئي ووضوء الانبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم عليه السلام) (1). والجواب: إن هذا الحديث مدني، وقد رده مالك (2)، وذلك يدل على ضعفه. وأيضا: لا يلزم من استحبابه في حقه استحبابه في حق أمته، لاحتمال أن يكون من خصائصه وبالخصوص حيث خصص، ولا يلزم وذلك في المرة الثانية، لأنه عليه السلام أخبر أنه وضوء من يضاعف الله له الاجر. فروع: الأول: لو غسل بعض أعضائه مرة وبعضها مرتين جاز، لأنه لما جاز في الكل، جاز في كل واحد. الثاني: اتفق أهل الاسلام على عدم استحباب ما زاد على الثلاث، وأما تحريمه فهو الوجه، أما عندنا فظاهر، وأما عند الجمهور (3). فلما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جاء أعرابي فسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثا، ثلاثا ثم قال: (هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد ظلم) (4). الثالث: لو زاد على الواحدة معتقدا وجوبها لم يثبت، لأن استحقاق الثواب.

(1) سنن ابن ماجة 1: 145 حديث 419 سنن الدارقطني 1: 80 حديث 4، كنز العمال 9: 454 حديث 26938. بتفاوت يسير.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 46، أحكام القرآن لابن العربي 2: 583.
(3) المغني 1: 161، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 176، المهذب للشيرازي 1: 18، المجموع 1: 438، مغني المحتاج 1: 59، نيل الاوطار 1: 215.
(4) سنن أبي داود 1: 33 حديث 135، سنن ابن ماجة 1: 146 حديث 422، سنن النسائي 1: 88، مسند أحمد 2: 180، كنز العمال 9: 455 حديث 26941، جامع الأصول 8: 81 حديث 5144.

[ 123 ]

منوط بإيقاع العبادة على الوجه المطلوب شرعا ولم يحصل، ولا يبطل وضوئه لأنه أتى بالمأمور به والزيادة غير منافية، ولا يخرج ماؤها عن كونه ماء الوضوء، ويجوز المسح به، وفيه احتمال. الرابع: لو غسل يده ثلاثا، قيل: تبطل الطهارة، لأنه مسح بغير ماء الوضوء (1) وقيل: لا تبطل، لأنه لا ينفك من ماء الوضوء الأصلي (2). والأقرب الأول. مسألة: لا تكرار في المسح. وهو مذهب علمائنا أجمع، وقول أبي حنيفة (3)، ومالك (4)، وأحمد (5)، وثوري، وهو مروي عن ابن عمر، والحسن، والنخعي، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، والحكم (6). وقال الشافعي: يستحب أن يمسح برأسه ثلاثا (7). وبه قال عطاء (8). وقال ابن سيرين: يمسح مرتين فريضة، ومرة سنة (9).

(1) الكافي في الفقه: 133.
(2) المعتبر 1: 160.
(3) بدائع الصنائع 1: 22، الهداية للمرغيناني 1: 13، شرح فتح القدير 1: 30 المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، المجموع 432، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 19، فتح العزيز هامش المجموع 1: 408.
(4) بداية المجتهد 1: 13، المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، المجموع 1: 432، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 19، فتح العزيز هامش المجموع 1: 408.
(5) المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، الكافي لابن قدامة 1: 36، الانصاف 1: 163، سنن الترمذي 1: 50، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 19، فتح العزيز هامش المجموع 1: 408.
(6) المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، المجموع 1: 432.
(7) الأم 1: 32، الأم (مختصر المزني) 8: 2، المجموع 1: 432، مغني المحتاج 1: 59، السراج الوهاج: 18، فتح الوهاب 1: 14، ميزان الكبرى 1: 118، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 19، فتح العزيز هامش المجموع 1: 405، بداية المجتهد 1: 13، المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، المحلى 2: 73، نيل الاوطار 1: 197.
(8) المجموع 1: 432، المحلى 2: 73، تفسير القرطبي 6: 89، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، نيل الاوطار 1: 197. >

[ 124 ]

لنا: إن الامتثال يقع بواحدة، والزيادة تكلف لم يثبت لها دليل. وما رواه الجمهور، عن عبد الله بن زيد أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: ومسح برأسه مرة واحدة (1). ورووه، عن علي عليه السلام، وقال: (هذا وضوء النبي صلى الله عليه وآله، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وآله فلينظر إلى هذا) (2). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (3). وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى (4)، وابن عباس (5)، وسلمة بن الاكوع (6) (7) والربيع، كلهم قالوا: مسح مرة واحدة (8)، وذلك إخبار عن دوامه

< (9) المجموع 1: 432، المحلى 2: 73، تفسير القرطبي 6: 89. (1) صحيح البخاري 1: 60، صحيح مسلم 1: 210 حديث 235، المغني 1: 144.
(2) سنن أبي داود 1: 27 حديث 111، سنن الترمذي 1: 67 حديث 48 49، مسند أحمد 1: 122، المغني 1: 144، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172 في الجميع بتفاوت لفظي يسير.
(3) سنن الترمذي 1: 69.
(4) سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 416، المغني 1: 145، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172، المجموع 1: 433، نيل الاوطار 1: 196.
(5) سنن الترمذي 1: 68 حديث 48، سنن أبي داود 1: 32 حديث 1303، سنن النسائي 1: 73، كنز العمال 9: 454 حديث 26935، المغني 1: 145، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172، المجموع 1: 433، نيل الاوطار 1: 198 حديث 2.
(6) سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي أبو سلم أو أبو عامر، وقيل: أبو إياس، كان ممن بايع النبي صلى الله عليه وآله عند الشجرة مرتين، سكن المدينة ثم انتقل إلى الربذة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه إبنه إياس والحسن بن الحنيفة، ويزيد بن أبي عبيد مولاه. مات سنة 74 ه‍ وقيل 64. الاصابة 2: 66، أسد الغابة 2: 333، رجال صحيح مسلم 1: 276.
(7) سنن ابن ماجة 1: 150 حديث 437، المغني 1: 145، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172، المجموع 1: 433، نيل الاوطار 1: 196.
(8) سنن الترمذي 1: 68 حديث 48، سنن أبي داود 1: 32 حديث 129، المغني 1: 145، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172، المجموع 1: 433.

[ 125 ]

ولا يداوم إلا على الافضل. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في مسح القدمين ومسح الرأس قال: (مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما) (1) أي: مقبلا ومدبرا، ولأن أبا جعفر عليه السلام وصف وضوء رسول الله صلى الله وآله، ولم يذكر التكرار (2) ولأنه مسح في طهارة فلم يسن فيه التكرار كالتيمم والجبيرة. واحتجوا (3) بما رواه شقيق بن سلمة (4)، قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله فعل مثل هذا (5).

(1) التهذيب 1: 82 حديث 215، الاستبصار 1: 61 حديث 181، الوسائل 1: 292، الباب 23 من أبواب الوضوء، حديث 7.
(2) الكافي 3: 24 حديث 1، 2، 3، 25 حديث 4، 5، الفقيه 1: 24 حديث 74، التهذيب 1: 55 حديث 157، وص 56 حديث 171، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 2، 3، وص 273 حديث 4، وص 274 حديث 6، 7، وص 275 حديث 9، 10، 11.
(3) المغني 1: 1440، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 171، بداية المجتهد 1: 13، المجموع 433، فتح العزيز هامش المجموع 1: 411، نيل الاوطار 1: 197.
(4) شقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي، أدرك النبي صلى الله عليه وآله ولم يسمع منه شيئا، صاحب عبد الله بن مسعود، روى عن علي (ع)، وأبي بكر، وعمر، وحذيفة، وروى عنه الاعمش، ومنصور، وعاصم، وزيد بن الحارث وغيرهم. مات سنة 82 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 60، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 172، أسد الغابة 3: 3، الاصابة 2: 167، الجمع بين رجال الصحيحين 1: 305.
(5) سنن أبي داود 1: 27 حديث 110، سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 413، سنن الدارقطني 1: 86 حديث 13، كنز العمال 9: 439 حديث 26875، جامع الأصول 8: 77.

[ 126 ]

وروى علي عليه السلام (1)، وعثمان (2)، وابن عمر (3)، وأبو هريرة (4)، وعبد الله بن أبي أوفى (5) وأبو مالك (6) (7)، وربيع (8)، وأبي بن كعب (9) أن رسول الله صلى الله عليه وآله توضأ ثلاثا (10) ثلاثا، ولأن الرأس أصل في الطهارة فيسن فيه

(1) سنن أبي داود 1: 28 حديث 116، سنن الترمذي 1: 63 حديث 44، سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 413، مسند أحمد 1: 110، 122، 125، سنن الدارقطني 1: 91 حديث 1، و 92 حديث 6، كنز العمال 9: 444 حديث 26893.
(2) صحيح البخاري 1: 51، صحيح مسلم 1: 204 حديث 226، 207 حديث 230، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106 108، سنن الترمذي 1: 64، سنن بن ماجة 1: 144 حديث 413، سنن النسائي 1: 64، سنن الدارقطني 1: 91 حديث 3، 4، 5، سنن الدارمي 1: 176، مسند أحمد 1: 58، نيل الاوطار 1: 215 حديث 3: كنز العمال 9: 440 حديث 26878. (3) سنن الترمذي 1: 64، سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 414، سنن النسائي 1: 62، سنن الدارقطني 1: 79 حديث 1 4، كنز العمال 9: 454 حديث 26938، 26941،: جامع الأصول 8: 91 حديث 5164.
(4) سنن الترمذي 1: 63، سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 415، نيل الاوطار 1: 215، مسند أحمد 2: 348، جامع الأصول 8: 90 حديث حديث 5161.
(5) سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 416.
(6) أبو مالك الأشعري اختلف في اسمه، فقيل: كعب بن مالك، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: عبيد، وقيل: عمرو، وقيل: الحارث. له صحبة، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه شهر بن حوشب. أسد الغابة 5: 288، الاصابة 4: 171.
(7) سنن ابن ماجة 1: 144 حديث 417.
(8) سنن ابن ماجة 1: 145 حديث 418، سنن الترمذي 1: 64، سنن الدارقطني 1: 96 حديث 5، سنن الدارمي 1: 175، نيل الاوطار 1: 215، كنز العمال 9: 432 حديث 26837، 26838، جامع الأصول 8: 84 حديث 5146.
(9) أبي كعب بن قيس أو قبيس بن عبيد. بن مالك ابن النجار الانصاري من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه عمر وأبو أيوب وعبادة بن الصامت وغيرهم. مات في خلافة عمر سنة 20 ه‍ أو 22، وقيل في خلافة عثمان سنة 30 ه‍. أسد الغابة 1: 51، الاصابة 1: 19، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 47.
(10) سنن ابن ماجة 1: 145 حديث 420، سنن الترمذي 1: 64، نيل الاوطار 1: 215، سنن >

[ 127 ]

التكرار كالوجه والجواب عن الأول: أن أصحاب الحديث قالوا: أحاديث عثمان الصحيحة كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها: ومسح رأسه ولم يذكروا عددا وما ذكروه من الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، أرادوا بها ما عدا المسح فإن روايتها لما فصلوا قالوا: ومسح برأسه مرة واحدة (1)، والتفصيل يحمل عليه الاجمال، ويكون تفسيرا لا معارضا، وقياسهم منقوض بالتيمم. مسألة: كل ما يمنع من وصول الماء إلى البشرة وجب تحريكه ليصل، فإن لم يكف فيه وجب نزعه، لأن الغسل تعلق بموضع الفرض لا بالحائل فمتى لم يمكن إلا بالتحريك أو الازالة وجب. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل عليه الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته أم لا كيف يصنع؟ قال: (إن علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ) (2). وروي في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المرأة عليها السوار والدملج (3) في بعض ذراعها لا تدري هل تجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال: (تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه) (4) ويستحب مع عدم المنع التحرك، طلبا للاستظهار.

< الدارقطني 1: 81 حديث 6، كنز العمال 9: 457 حديث 26957. (1) سنن أبي داود 1: 27، عمدة القارئ 3: 9، نيل الاوطار 1: 199، المغني 1: 145، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 172.
(2) التهذيب 1: 85 حديث 221، الوسائل 1: 329 الباب 41 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(3) الدملج: المعضد من الحلي. النهاية لابن الاثير 2: 134.
(4) التهذيب 1: 85 حديث 222، الوسائل 1: 329 الباب 41 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 128 ]

مسألة: والجبائر تنزع مع المكنة، وإلا مسح عليها وأجزأ عن الغسل، وكذا العصائب التي يعصب بها الجرح والكسر. وهو مذهب علمائنا أجمع. وممن رأى المسح على العصائب: ابن عمر، وعبيد بن عمر (1)، وعطاء (2). وأجاز المسح على الجبائر الحسن، والنخعي (3)، ومالك (4)، وإسحاق (5)، والمزني (6)، وأبو ثور (7)، وأبو حنيفة (8). وقال الشافعي في أحد قوليه: يعيد كل صلاة صلاها (9). لنا: ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام قال: (انكسرت إحدى يدي فأمرني النبي صلى الله عليه وآله أن أمسح على الجبائر) (10). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج (11)،

(1) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي، أبو عاصم المكي، روى عن علي (ع) وعمر وأبي ذر وعائشة، وروى عنه عطاء، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار. مات سنة 74 ه‍. أسد الغابة 3: 353، تذكرة الحفاظ 1: 50.
(2) المغني 1: 313.
(3) المغني 1: 313، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 182، المدونة الكبرى 1: 23.
(4) المدونة الكبرى 1: 23، بلغة السالك 1: 76، المغني 1: 313، المجموع 2: 325، المحلى 2: 77، ميزان الكبرى 1: 125، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 24.
(5) المغني 1: 313، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 182.
(6) الأم (مختصر المزني) 8: 7، المغني 1: 313.
(7) المغني 1: 313.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 73، بدائع الصنائع 1: 13، شرح فتح القدير 1: 140، المجموع 2: 325، ميزان الكبرى 1: 125، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 24، المغني 1: 313، المحلى 2: 77. الأم 1: 43، الأم (مختصر المزني) 8: 7، المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 329، مغني المحتاج 1: 107، السراج الوهاج: 30، فتح الوهاب 1: 26، المغني 1: 313.
(10) سنن ابن ماجة 1: 215 حديث 657، سنن البيهقي 1: 228، كنز العمال 9: 622 حديث 27697 وفي الجميع: زندي بدل: يدي.
(11) عبد الرحمن بن الحجاج البجلي، مولاهم كوفي، بياع السابري، أستاذ صفوان، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم (ع). رجال النجاشي: 237، رجال الطوسي: 230، 353.

[ 129 ]

قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الكسير يكون عليه الجبائر أو يكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء وعند غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ فقال: (يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، ولا ينزع الجبائر ويعبث بجراحته) (1). وروي في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك في موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة. يتوضأ ويمسح عليها إذا توضأ؟ فقال: (إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، وإن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها) قال: وسألته عن الجرح كيف يصنع به في غسله؟ قال: (اغسل ما حوله) (2). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن الجنب به الجرح فيتخوف الماء أن أصابه؟ قال: (فلا يغسله إذا خشي على نفسه) (3). وروي في الصحيح، عن الحسن بن علي الوشا، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أيجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: (نعم، يجزيه أن يمسح عليه) (4) ولأن تكليف النزع وإصابة الموضع بالماء مع الضرر حرج فيكون منفيا وقول الشافعي باطل، لما بيناه. ولأنه مسح على حائل أبيح له

(1) التهذيب 1: 362 حديث 1094، الاستبصار 1: 77 حديث 238، الوسائل 1: 326 الباب 39 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 362 حديث 1095، الاستبصار 1: 77 حديث 239، الوسائل 1: 326 الباب 39 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 363 حديث 1099، الوسائل 1: 525 الباب 42 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 364 حديث 1105، الاستبصار 1: 76 حديث 235، الوسائل 1: 327 الباب 39 من أبواب الوضوء، حديث 9.

[ 130 ]

المسح عليه فلم يجب معه الاعادة كالمسح على الخف عنده (1). ولأنها صلاة مأمور بها فيجب الإجزاء. فروع: الأول: لو كانت الجبيرة مستوعبة لمحل الفرض، مسح عليها أجمع ولو خرجت عنه مسح ما حاذى محل الفرض. الثاني: الجبيرة إنما توضع على طرفي الصحيح ليرجع الكسر فلو تجاوز الكسر بما لا بد منه، جاز المسح، أما لو تجاوز بما منه بد فالوجه عدم الجواز لأنه إذا شدها على مكان يستغني عن شدها عليه، كان تاركا لغسل ما يمكن غسله، فلم يجز، كما لو شدها على الصحيح. الثالث: لا توقيت في المسح على الجبيرة، وهو قول أهل العلم، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها، والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها فيتقدر بذلك دون غيره. الرابع: لا فرق في المسح عليها بين الطهارة الكبرى والصغرى، وهو قول أهل العلم، لأن الضرر يلحق بنزعها فيهما. الخامس: لا فرق بين أن يشدها على طهارة أو على غير طهارة، عملا بالعموم المستفاد من ترك الاستفصال في المقال عند السؤال، ولأنه مما لا ينضبط وفيه مشقة عظيمة، وهذا قول لبعض الجمهور (2). وقال آخرون منهم: يشترط الطهارة لأنه حائل

(1) الأم 1: 44، الأم (مختصر المزني) 8: 7، المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 328، مغني المحتاج 1: 107.
(2) بدائع الصنائع 1: 14، المغني 1: 314، الكافي لابن قدامة 1: 51، الانصاف 1: 173، المجموع 2: 326، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 293، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 76، الهداية للمرغيناني 1: 30، شرح فتح القدير 1: 140.

[ 131 ]

يمسح عليه، فكان من شرط المسح عليه تقدم الطهارة، كسائر الممسوحات (1). ونحن نمنع من ثبوت الحكم في الأصل. السادس: لو أمكنه وضع موضع الجبائر في الماء حتى يصل البشرة من غير ضرر وجب، لأن الغسل ممكن، فلا يجري المسح على الحائل. السابع: إذا اختصت الجبائر بعضو، مسح عليه خاصة وغسل الباقي، لأن الضرورة مختصة بمعين فلا يقع الترخص في غيره. ولو كان على الجميع جبائر أو دواء يتضرر بإزالته، جاز المسح على الجميع. ولو استضر بالمسح تيمم. وفي رواية عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحنا ثم يبدو له في الوضوء؟ قال: (يمسح فوق الحنا) (2) والرواية صحيحة رواها الشيخ رحمه الله وهي محمولة على الضرر بإزالة الحنا. وكذا في رواية محمد بن مسلم عنه عليه السلام (3)، وهي صحيحة أيضا، والتأويل ما قلناه. الثامن: قال بعض الأصحاب بإعادة الوضوء مع زوال الحائل (4)، لأن الترخص منوط بالضرورة، وقد زالت. ويشكل ذلك بأن حدثه قد ارتفع فلا يجب الوضوء ولمنازع أن ينازع في الصغرى، فحينئذ ليس له أن ينوي رفع الحدث كالمستحاضة. أما الصلاة التي صلاها، فلا يعيدها إجماعا منا. وهو مذهب بعض الجمهور (5)، خلافا

(1) المغني 1: 314، الانصاف 1: 173، الكافي لابن قدامة 1: 50، المجموع 2: 326، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 293.
(2) التهذيب 1: 359 حديث 1079، الاستبصار 1: 75 حديث 232، الوسائل 1: 321 الباب 37 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 359 حديث 1081، الاستبصار 1: 75 حديث 233، الوسائل 1: 321 الباب 37 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(4) المبسوط 1: 23. (5) بدائع الصنائع 1: 14، المجموع 2: 329.

[ 132 ]

للشافعي (1). التاسع: إذا غسل السليم ومسح على موضع الجبيرة، كانت طهارته كاملة بالنسبة إليه، فلا يجوز له التيمم حينئذ، سواء تجاوز بها موضع الحاجة أو لا، لأنه ممسوح في طهارة، فلا يجب التيمم كالخف عندهم (2). العاشر: إذا تجاوز بالشد عليها موضع الحاجة، وخاف من نزعها جاز له المسح، عملا بالاصل النافي للضرر. ولا يجب معه التيمم، خلافا لبعض الجمهور (3) لما قلناه. مسألة: لا يجوز أن يوضئه غيره. وهو مذهب علمائنا أجمع، وخالف فيه الفقهاء (4). لنا: الأمر بالغسل لمريدي الصلاة، وهو لا يتحقق مع فعل الغير، والامر للوجوب. وأيضا: قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (5). وأيضا: ما رواه الجمهور، عن غسل النبي صلى الله عليه وآله ومسحه بيده، رواه عثمان في وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (6) وغيره (7)، فكان هو الواجب.

(1) الأم 1: 43، الأم (مختصر المزني) 8: 7، المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 329، مغني المحتاج 1: 107، بدائع الصنائع 1: 14، فتح الوهاب 1: 26، المغني 1: 313.
(2) المغني 1: 315، المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 327، الانصاف 1: 187.
(3) المغني 1: 314.
(4) المغني 1: 161، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 176، المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 340، نيل الاوطار 1: 219، الانصاف 1: 165.
(5) النجم: 39.
(6) صحيح البخاري 1: 51، صحيح مسلم 1: 204 حديث 226، سنن أبي داود 1: 26 حديث 106 108، سنن النسائي 1: 64، سنن الدارمي 1: 176، مسند أحمد 1: 58، 59، سنن الدارقطني 1: 91 حديث 3، 4، وص 92 حديث 5، وص 93 حديث 8، كنز العمال 9: 443 حديث 26890 بتفاوت في الجميع.
(7) صحيح البخاري 1: 58، صحيح مسلم 1: 210 حديث 235، سنن أبي داود 1: 29 حديث 117 >

[ 133 ]

ومن طريق الخاصة: رواية زرارة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (1). ويجوز مع الضرورة إجماعا، لأن في تكليفه بنفسه مشقة، فيكون منفيا. مسألة: إذا توضأ للنافلة جاز أن يصلي بها فريضة، وكذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلوات. وهو مذهب أهل العلم، خلافا للظاهرية (2) (3). ولو جدد الطهارة كان أفضل. ويدل على الأول: ما رواه الشيخ في الموثق، عن بكير قال: قال: لي أبو عبد الله عليه السلام: (إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت) (4) وهذا عام في ذلك الوضوء السابق وفي غيره. لا يقال: المفهوم منه، لأن المتشكك في وضوئه لا يعيده لا ما ذكرتم. ولأنكم لا تقولون بما يدل عليه، لأنه عليه السلام حذره عن الوضوء وأنتم تقولون باستحبابه، وذلك تناف. لأنا نجيب عن الأول: أنه عام في ترك إعادة وضوئه وفي تجديد وضوء آخر قبل الحدث، لأنه نهاه عن التجديد المؤبد، وجعل الغاية فيه الاحداث، والصلاة الأولى

< 118، سنن ابن ماجة 1: 149 حديث 434، سنن النسائي 1: 71، سنن الدارمي 1: 177، سنن الدارقطني 1: 82 حديث 13. (1) الكافي 3: 24 حديث 1، 4، التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 272 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 2، وص 274 حديث 6، وص 275 حديث 10.
(2) هم: أصحاب داود بن علي بن خلف الاصفهاني الشافعي الظاهري، ولد بالكوفة سنة 200 ه‍ ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة 270 ه‍، لقب بالظاهري لقوله بأخذ معنى القرآن والحديث الظاهر دون الباطن، وكان ابن حزم الاندلسي الظاهري من أكبر أنصار هذا المذهب، بل من أكبر دعاة المدرسة الظاهرية. معجم الفرق الاسلامية: 165.
(3) المحلى 1: 233، المجموع 1: 47.
(4) التهذيب 1: 102 حديث 268، الوسائل 1: 332 الباب 44 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 134 ]

ليست بحدث، فجاز الدخول به في الثانية. وعن الثاني: إن المراد منه النهي عن التجديد مع اعتقاد الوجوب، ونحن نقول بتحريمه لكونه بدعة. وروي في الصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (وإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوئه لا شئ عليك فيه) (1) وذلك يدل على جواز استعمال الوضوء في الصلوات المتعددة، فإن قوله: وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها، أي: في غير الصلاة التي قد وقع فيها الشك، هو عام في كل ما غاير تلك الصلاة. لا يقال: يحتمل أن يعود الضمير إلى الحال وهي تؤنث تارة وتذكر أخرى وحينئذ لا يدل على الاجتزاء بذلك الوضوء إلا في تلك الصلاة ولأن الحكم معلق على الشك وهو خلاف قولكم. لأنا نجيب عن الأول بأن الصلاة أقرب فالعود إليه أولى، فإن النحويين اتفقوا على أن قولنا: ضرب زيد عمروا وأكرمته، يعود الضمير فيه إلى عمرو لقربه ولأن غير تلك الحال أيضا أعم من كونها في تلك الصلاة أو غيرها. لا يقال: تقييد المعطوف عليه يستلزم تقييد العطف، لوجوب الاشتراك. لأنا نقول: يمنع ذلك، والاشتراك إنما يجب في الحكم الثابت لهما وهو الاجتزاء بذاك الوضوء، أما في التقييد فلا. وعن الثاني: إن الإجزاء إذا وجد مع الشك فمع اليقين أولى. وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام:

(1) التهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 1: 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 135 ]

رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: (يمضي على صلاته ولا يعيد) (1) والنهي عن الاعادة عام في الصلاة والوضوء. لا يقال: بل هو في الصلاة أولى لوجهين: أحدهما: قوله عليه السلام (يمضي في صلاته) فتقدم هذا يدل على صرف عدم الاعادة إليها. الثاني: إنا لو حملناه على الوضوء لزم التخصيص، وهو خلاف الأصل. بيانه: إن (2) من تجدد حدثه يعيد وضوءه. أما لو حملناه على الصلاة اندفع هذا المحذور، فإن تلك الصلاة السابقة لا تعاد بوجه النية. لأنا نجيب عن الأول بأن ما ذكرتموه دل على صرفه إلى الوضوء وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة، لأن معنى قوله: يمضي في صلاته، هو أنه لا يعيد. وعن الثاني: إن التخصيص ثابت في البابين، فإن من صلى وذكر فوات بعض الاركان في الصلاة أو الوضوء أعاد. على أن التخصيص إنما يكون محذورا لو لم يدل دليل قاطع عليه، أما إذا دل وهو الاجماع على إعادة الوضوء للمحدث، فلا. على أنا نمنع أن يكون ذلك إعادة، بل هو تجديد واجب آخر، فإن الوضوء الأول زال بزوال شرطه وهو الاستمرار على عدم الحدث، ونحن لا نسلم أن ذلك يسمى إعادة. وأيضا: الصلاة الفريضة والنافلة معا مفتقرتان إلى رفع الحدث، فتحقق شرط الصلاة وارتفع المانع وهو الحدث، فأبيح له ما زاد. وأما استحباب التجديد فهو متفق عليه، إلا ما نقل عن علي بن سعيد (3)، عن أحمد

(1) التهذيب 1: 101 حديث 264، الوسائل 1: 331 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(2) (ح) (ق) (م) (ن): أنه.
(3) علي بن سعيد بن بشير بن مهران، أبو الحسن الرازي، روى عن عبد الأعلى بن حماد وبشر بن معاذ العقدي، وروى عنه أبو سعد بن الأعرابي ومحمد بن أحمد بن خروف، مات سنة 297 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 750، شذرات الذهب 2: 232.

[ 136 ]

أنه لا فضل فيه (1)، وهي عندهم شاذة. لنا: ما رواه الجمهور عن غطيف الهذلي (2)، قال: رأيت يوما ابن عمر توضأ عند كل صلاة، فقلت: أصلحك الله، أفريضة أم سنة الوضوء عند كل صلاة؟ فقال: لا، لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها ما لم أحدث، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (من توضأ على طهر فله عشر حسنات) وإنما رغبت في الحسنات (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه، عن سماعة، قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام فصلى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة، ثم قال لي: (توضأ) فقلت: جعلت فداك، أنا على وضوء، قال: (وإن كنت على وضوء، أن من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، ومن توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليله، إلا الكبائر) (4) وفي هذا دلالة من حيث المفهوم على جواز الجمع بالوضوء الواحد، لقوله: صلى الظهر والعصر، ثم دعا بطشت للمغرب، ولقوله عليه السلام: (وإن كنت على وضوء) حكم بثبوت الوضوء حينئذ، ولأنه لو كان التجديد واجبا لبينه. وروي أيضا في كتابه، عن سعدان (5) بعض أصحابه، عن أبي عبد الله

(1) المغني 1: 164، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 178.
(2) أبو غطيف بالتصغير الهذلي، وقيل: هو غطيف، أو غضيف، روى عن ابن عمر وبلال، وروى عنه مكحول وعبادة بن نسي. لسان الميزان 7: 478، ميزان الاعتدال 4: 561، الجرح والتعديل 9: 422.
(3) سنن ابن ماجة 1: 170 حديث 512، سنن أبي داود 1: 16 حديث 62 بتفاوت فيه.
(4) الكافي 3: 72 حديث 9، الوسائل 1: 263 الباب 8 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(5) سعدان بن مسلم الكوفي، أبو الحسن العامري، واسمه: عبد الرحمن، روى عن أبي عبد الله وأبي >

[ 137 ]

عليه السلام، قال: (الطهر على الطهر عشر حسنات) (1). مسألة: من دام به السلس يتطهر لكل صلاة، قال في الخلاف: المستحاضة ومن به السلس يجب عليه تجديد الوضوء عند كل فريضة، ولا يجوز أن يجمعا بين صلاتي فرض (2). وقال في المبسوط: من به السلس يجوز أن يصلي بوضوء واحد صلوات كثيرة (3). والحق عندي أنه يجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد، وبين المغرب والعشاء بوضوء، ويفرد الصبح بوضوء، وإذا صلى غير هذه وجب تجديد الطهارة لكل صلاة. لنا: ما رواه أبو جعفر بن بابويه في الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: (إذا كان الرجل يقطر منه البول والدم إذا كان حين الصلاة اتخذ كيسا وجعل فيه قطنا، ثم علقه عليه، وأدخل ذكره فيه، ثم صلى يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، يؤخر الظهر ويعجل العصر بأذان وإقامتين، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان وإقامتين ويفعل ذلك في الصبح) (4). ووجه ما قاله الشيخ في الخلاف أن البول حدث، فيعفى عما وقع الاتفاق عليه وهو الصلاة الواحدة. أما نحن فلما صرنا إلى الحديث الصحيح، لا جرم عملنا بما قاله الشيخ في غير ما دل النص عليه لقوته. قال في المبسوط: لا دليل على وجوب تجديد الوضوء، وحمله على المستحاضة قياس لا نقول به (5)، فإن أراد الشيخ بالتجديد التجديد

< الحسن (ع)، وعمر عمرا طويلا، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع)، وقال في الفهرست: له أصل. رجال النجاشي: 192، رجال الطوسي: 206، الفهرست: 79. (1) الكافي 3: 72 حديث 10، الوسائل 1: 264 الباب 8 من أبواب الوضوء، حديث 3. (2 3) الخلاف 1: 79 مسألة 28، المبسوط 1: 68.
(4) الفقيه 1: 38 حديث 146، الوسائل 1: 210 الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 1.
(5) المبسوط 1: 68.

[ 138 ]

عند كل صلاة، فالدليل ما ذكره في الخلاف (1)، وإن أراد التجديد بين كل صلاتين من الحواضر، فالوجه ما رواه ابن بابويه. وروى ابن يعقوب في كتابه في الحسن، عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يعتريه البول ولا يقدر على حبسه؟ قال: (إذا لم يقدر على حبسه فالله أولى بالعذر يجعل خريطة) (2). لا يقال: هذا يدل على سقوط الوضوء عند كل صلاة. لأنا نقول: لا نسلم دلالته على ذلك، بل يحمل على سقوط الوضوء عقيب الحدث المتجدد وللعذر، وأما الجمع فمستفاد من دليل آخر. واعلم أن هذا الحديث والحديث الأول دالان على وجوب الاستظهار في منع التعدي بقدر الامكان، وأما المبطون فإنه يجدد الوضوء لكل صلاة، لا يجمع بين صلاتي فرض، لأن الغائط حدث، فلا يستباح معه الصلاة إلا مع الضرورة، وهي متحققة في الواحدة دون غيرها، ولو تلبس بالصلاة، ثم فجأه الحدث مستمرا تطهر وبنى، لما رواه ابن بابويه، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبني على صلاته) (3). وروي عن الفضيل بن يسار أنه قال: قلت أبي جعفر عليه السلام: أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا؟ فقال: (انصرف ثم توضأ وابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، فإن تكلمت ناسيا فلا شئ عليك وهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا) قلت: وإن قلب وجهه عن القبلة؟ قال:

(1) الخلاف 1: 80.
(2) الكافي 3: 20 حديث 5، الوسائل 1: 210 الباب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 2.
(3) الفقيه 1: 237 حديث 1043.

[ 139 ]

(وإن قلب وجهه عن القبلة) (1). واعلم أن مجرد ما يحصل في البطن من ذلك غير موجب للطهارة، بل مع خروج الحدث، ويحل ذلك على من لم يملك نفسه من التحفظ. وحكم من يغلبه الحدث المستمر من الريح حكم المبطون. البحث الخامس: في أحكامه وتوابعه. مسألة: من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين وألقى الشك. وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال الثوري، وأهل العراق، والأوزاعي (2)، والشافعي (3)، وسائر أهل العلم (4) فيما علمنا، إلا الحسن ومالكا، فإن الحسن قال: إن شك في الحدث في الصلاة مضى فيها، وإن كان قبل الدخول توضأ (5). ومالك قال: الشك في الحدث إن كان يستنكحه (6) كثيرا فهو على وضوئه، وإن كان لا يستنكحه كثيرا توضأ (7).

(1) الفقيه 1: 240 حديث 1060، التهذيب 2: 332 حديث 1370، الاستبصار 1: 401 حديث 1533، الوسائل 4: 1242 الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، حديث 9.
(2) المغني 1: 226.
(3) الأم (مختصر المزني) 8: 4، المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 64، مغني المحتاج 1: 39، السراج الوهاج: 13، فتح الوهاب 1: 9، فتح العزيز هامش المجموع 2: 78، المغني 1: 226، المحلى 2: 80.
(4) المغني 1: 226، المجموع 2: 64، نيل الاوطار 1: 256.
(5) المغني 1: 226، المجموع 2: 64، ميزان الكبرى 1: 113، نيل الاوطار 1: 256، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 15.
(6) قال في المدونة: إن كان ذلك يستنكحه كثيرا فهو على وضوءه، وإن كان لا يستنكحه فليعد الوضوء. وقال في بلغة السالك: إما أن يكون مستنكحا أو غيره. وفي المغني: قال مالك: إن شك في الحدث إن كان يلحقه كثير فهو على وضوءه وإن كان لايلحقه كثيرا توضأ. >

[ 140 ]

لنا: ما رواه الجمهور، عن عبد الله بن زيد، قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وآله الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشئ؟ قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) (1). وما رواه مسلم، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه أم لم يخرج، فلا يخرج عن المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن بكير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن انك قد أحدثت) (3). وروى في الموثق، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) (4). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: (فلا تنقض الضوء بالشك) (5).

< (7) المدونة الكبرى 1: 14، بلغة السالك 1: 56، المغني 1: 226. (1) صحيح البخاري 1: 46، 55، صحيح مسلم 1: 276 حديث 361، سنن أبي داود 1: 45 حديث 176، سنن ابن ماجة 1: 171 حديث 513، سنن النسائي 1: 98، مسند أحمد 4: 40، نيل الاوطار 1: 255 حديث 1، جامع الأصول 8: 107 حديث 5209.
(2) صحيح مسلم 1: 276 حديث 362.
(3) التهذيب 1: 102 حديث 268، الوسائل 1: 332 الباب 44 من أبواب الوضوء، حديث 1، وص 176 الباب 1: من أبواب نواقض الوضوء، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 101 حديث 262، الوسائل 1: 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 1: 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 141 ]

وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به؟ قال: (لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجئ من ذلك أمر [ بين ] (1) وإلا فإنه على يقين من وضوءه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر) (2) ولأن الشك يتطرق في أكثر الأحوال لأغلب الناس، وذلك يستلزم الحرج العظيم فيكون منفيا، ولأنه إذا شك تعارض الامران ولا أولوية لاحدهما فيجب سقوطهما والأخذ بالمتيقن كاليقين عنده. فرع: لو ظن الحدث مع يقين الطهارة لا يلتفت، لأن الظن إنما يعتبر مع اعتبار الشارع له كالشهادة، لا كما لو ظن الحاكم ظنا غير منوط بسبب اعتبره الشارع، لأن في ذلك رجوعا عن المتيقن إلى المظنون، وهو باطل. مسألة: ولو تيقن الطهارة والحدث معا وشك في المتقدم، فالمشهور عند أصحابنا الاعادة. وهو أحد قولي الشافعي (3)، وهو الاقوى عندي، والقول الآخر للشافعي الرجوع إلى الزمان السابق على تصادم الاحتمالين، فإن كان حدثا بنى على الطهارة، لأنه تيقن انتقاله عن تلك الحالة إلى الطهارة، ولم يعلم تجدد الانتقاض، فصار متيقنا للطهارة، شاكا في رفعها، فيبني على اليقين، وإن كان متطهرا بنى على الحدث، لما قلناه (4). ولنا أنه حالة الدخول في الصلاة غير متيقن للطهارة ولا ظانا لها، فلم يسغ الدخول حينئذ، وما ذكروه ضعيف، لأنه كما تيقن انتقاله إلى الطهارة فكذلك تيقن حصول

(1) (م) (ن) (خ): يتعين، (ح) (ق) (د): يقين، وما أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 8 حديث 11، الوسائل 1: 174 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 1. (3) المجموع 2: 65، مغني المحتاج 1: 39، فتح العزيز هامش المجموع 2: 83، السراج الوهاج: 13.
(4) المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 64، فتح العزيز هامش المجموع 2: 78، مغني المحتاج 1: 39، السراج الوهاج: 13.

[ 142 ]

حدث بعد ذلك الحدث، فحينئذ يتساوى احتمال الطهارة وعدمها، فلا يكون كافيا. فرع: لو تيقن أنه وقت الزوال نقض طهارة، وتوضأ عن حدث، وشك في السابق، فها هنا الوجه استصحاب حال السابق على الزوال، فإن كان في تلك الحال متطهرا فهو على طهارته، لأنه تيقن أنه نقض تلك الطهارة، ثم توضأ، إذ لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة، ونقض هذه الطهارة الثانية مشكوك فلا يزول عن اليقين بالشك، وإن كان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث، لأنه تيقن أنه انتقل عنه إلى طهارة ثم نقضها، والطهارة بعد نقضها مشكوك فيها. آخر: ولو شك في يوم فلا يدري تطهر فيه وأحدث أم لا؟ نص الشيخ في النهاية على إعادة الطهارة (1)، لأنه غير متيقن لها، فلا تدخل في الصلاة بشك الطهارة. والوجه عندي النظر إلى ما قبل ذلك الزمان، فإن كان متطهرا بنى عليه لتيقن الطهارة وشك الحدث، وإن كان محدثا بنى على الحدث لذلك. مسألة: ولو تيقن الحدث وشك في الطهارة وجب عليه الطهارة. وهو إجماع. ولو شك في شئ من أفعالها كغسل الوجه أو اليد، فإن كان على حال الطهارة لم يفرغ أعاد على ما شك فيه وعلى ما بعده، وأما السابق فإن حصلت الموالاة صح وإلا فلا، لأن الأصل عدم فعله والحدث متيقن، فيعمل على اليقين، وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدرأ غسلت ذراعك أم لا فأعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو لم تمسحه مما سماه الله ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله مما أوجب الله عليك فيه

(1) النهاية: 17

[ 143 ]

وضوء لا شئ عليك فيه) (1). وروى في الموثق، عن عبد الله بن أبي يعفور. عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك في شئ، إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه) (2). وإن كان قد فرغ وانصرف عن حاله لم يلتفت إلى الشك، وهو إجماع، ويدل عليه أيضا رواية زرارة وابن أبي يعفور. وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: (يمضي على صلاته ولا يعيد) (3). وروي، عن بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك) (4) ولأن الانفكاك من الشك نادر، فيلزم وجوب الوضوء المتكرر في أغلب الأحوال، وذلك عسر ومشقة. أما لو تيقن ترك عضو أتى به وبما بعده، وأما السابق فإن حصلت الموالاة صح وإلا فلا، سواء انصرف أو لا، صلى به أو لا، ويعيد الصلاة، ولا نعرف خلافا في وجوب الاتيان، لأن المقتضي وهو الأمر موجود، فيوجد الأثر وهو الوجوب. ويعضده: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا ذكرت وأنت في صلاتك أنك قد تركت شيأ من وضوئك المفروض عليك فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلاتك، ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به

(1) التهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 1: 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 101 حديث 262، الوسائل 1: 330 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 101 حديث 264، الوسائل 1: 331 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(4) التهذيث 1: 101 حديث 265، الوسائل 1: 331 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 7.

[ 144 ]

مقدم رأسك) (1). وأما إعادة ما بعده فليحصل الترتيب. وروى الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه، وإن كان إنما نسي شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ) وقال: (اتبع وضوءك بعضه بعضا) (2). وروي، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة؟ قال: (إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل) قال: (وإن نسي شيئا من الوضوء المفروض فعليه أن يبدأ بما نسى ويعيد ما بقي لتمام الوضوء) (3). وروي في الصحيح، عن منصور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة، قال: (ينصرف ويمسح رأسه ورجليه) (4). وروي في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين؟ قال: (يغسل اليمين ويعيد اليسار) (5)، وذلك عام في الناسي والعامد، لأن (6) ترك الاستفصال يدل عليه، وإعادة الصلاة مستفادة من رواية

(1) التهذيب 1: 101 حديث 263، الوسائل 1: 331 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 99 حديث 259 الاستبصار 1: 74 حديث 228، الوسائل 1: 318 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 9.
(3) التهذيب 1: 89 حديث 235، و 99 حديث 260، الاستبصار 1: 74 حديث 229، الوسائل 1: 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 97 حديث 254، الاستبصار 1: 75 حديث 230، الوسائل 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 3. (5) التهذيب 1: 97 حديث 253، الاستبصار 1: 73 حديث 225، الوسائل 1: 317 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(6) (خ): فإن.

[ 145 ]

الحلبي. وفي رواية زرارة الصحيحة فإن دخله الشك وهو في صلاته فليمض في صلاته ولا شئ عليه، وإن استيقن رجع فأعاد عليه الماء، وإن رآه وبه بلة مسح عليه وأعاد الصلاة (1). لا يقال: روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: سألته عن رجل توضأ ونسي غسل يساره فقال: (يغسل يساره وحدها ولا يعيد وضوء شئ غيرها) (2) لأنا نقول: معناه: ولا يعيد وضوء شئ غيرها من الأعضاء المغسولة، جمعا بين الأدلة. فروع: الأول لو صلى بطهارة، ثم جدد مستحبا، ثم صلى أخرى، ثم ذكر أنه قد أخل بعضو من إحدى الطهارتين، قال الشيخ في المبسوط: يعيد الأولى خاصة، لأن الاخلال إن كان من الأولى صحت الثانية بطهارتها وبطلت الأولى، وإن كان من الثانية صحت الصلاتان معا بالأولى (3)، وهو حق إن اكتفينا بنية القربة دون التعين للاستباحة أو رفع الحدث، أما مع القول بعدم الاكتفاء فالطهارة الثانية وجودها كعدمها، وحينئذ قال القائلون به: يجب عليه الصلاتان معا، لعدم التيقن بالطهارة الأولى (4)، ولا بأس به، إلا أن عندي فيه شكا وهو أنه قد تيقن الطهارة وشك في بعض أعضائها بعد الانصراف، ولأن الشك في إلحاق الترك بالمعين منهما هو الشك في ترك أحد الأعضاء

(1) التهذيب 1: 100 حديث 261، الوسائل 1: 524 الباب 41 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 98 حديث 257، الاستبصار 1: 73 حديث 226، الوسائل 1: 318 الباب 35 من أبواب الوضوء، حديث 7.
(3) المبسوط 1: 25.
(4) السرائر: 18.

[ 146 ]

الواجبة، فلا يلتفت، وهو قوي. الثاني: لو تيقن الحدث عقيب إحدى الطهارتين الكاملتين مع تعدد الصلاة بهما على التفريق، قال الشيخ: يعيد الصلاتين، لأنه لم يؤد واحدة منهما بيقين (1). والأقرب عندي أنه يعيد صلاة واحدة إن اتفقتا عددا ينوي بها ما فيه ذمته، وإلا فالصلاتين معا، لما قاله الشيخ. لا يقال: الاعادة لواحدة منهما، أما الأولى فلأنه صلاها بطهارة أوقعها قطعا، وشك فيها بعد الصلاة، فلا يلتفت إلى الشك، لرواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: (يمضي على صلاته ولا يعيد) (2) وهي صحيحة. وأما الثانية فلهذا المعنى أيضا، لأن الشك في كون الحدث عقيب الطهارة الأولى أو الثانية، وهو بعينه شك في زوال الثانية بعد تيقنها، بناءا على الاكتفاء بنية القربة، فلا يلتفت إليه، للخبر. لأنا نقول: إنا لا نعلم قطعا بطلان إحدى الطهارتين، وتخصيص الأولى به دون الثانية ترجيح من غير مرجح، فوجب الحكم ببطلانهما مع الاختلاف عددا، وبطلان إحداهما) مع التساوي. فرع: لا يجوز لمثل هذ الشاك أن يصلي صلاة ثالثة إلا بطهارة مستأنفة، ولا (القضاء لاحداهما) (3) أيضا إلا بأخرى غير المشكوك فيها، لأنه قد تيقن الطهارة والحدث وشك في المقدم فيعيد على قولنا، وعلى أحد قولي الشافعي كذلك (4) أيضا، لأنه ينظر إلى

(1) المبسوط 1: 25.
(2) التهذيب 1: 101 حديث 264، الوسائل 1: 331 الباب 42 من أبواب الوضوء، حديث 5.
(3) (خ): لقضاء إحداهما.
(4) المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 65، مغني المحتاج 1: 39، فتح العزيز هامش المجموع 2: 83، السراج الوهاج: 13، فتح الوهاب 1: 9.

[ 147 ]

السابق على الاحتمالين ويحكم بالاختلاف، والسابق ها هنا الطهارة. الثالث: لو صلى بطهارة، ثم أحدث فتوضأ ثم صلى أخرى وذكر أنه قد أخل بعضو من إحداهما، فالحكم فيه كما في الثاني، والشك والايراد فيه كما سبق (1). الرابع: لو جدد مستحبا، ثم صلى عقيبها وتيقن ترك عضو من إحداهما، أعاد الصلاة، لاحتمال أن يكون من الطهارة الأولى فتبطل، والثانية غير صحيحة، لأن نية الاستباحة مفقودة، وهذا حق مع الاشتراط، أما مع عدمه فلا إعادة، لأن الترك في أيهما كان صحت الصلاة بالآخر. الخامس: لو صلى الخمس بوضوء متعدد بعددها وتيقن الحدث عقيب إحدى الطهارات، قال في المبسوط: يعيد الخمس (2). ويمكن القول بإعادة ركعتين وأربعا وثلاثا، كالناسي لفريضة مجهولة من يوم، ولو كان مسافرا كفاه اثنتان وثلاث. وكذا لو تطهر للخمس عقيب حدث وتيقن الاخلال المجهول. أما لو صلى الخمس بطهارات متعددة متعاقبة وذكر الاخلال من واحدة، أعاد الأولى لا غير لما قلناه، وفيه الخلاف السابق (3). ولو ذكر الترك من طهارتين أعاد الأولى والثانية، وهكذا. السادس: لو شك في الطهارة فصلى حينئذ، ثم ذكر في الأثناء وبعد الفراغ أنه متطهر أعاد الصلاة، لأنه دخل فيها مع الشك. وهو قول الشافعي (4). السابع: لو تيقن ترك العضو من طهارتين وكان قد صلى الخمس بخمس طهارات عقيب الاحداث، فالتقادير عشرة، ويكتفي بصبح، ومغرب، وأربع مرتين ينوي بكل واحدة إحدى الثلاث. ولو نوى بواحدة منها الظهر أو العصر، وبالاخرى العصر أو

(1) تقدم في ص 146. (2) المبسوط 1: 25.
(3) تقدم في ص 146.
(4) المجموع 1: 205.

[ 148 ]

العشاء أو الظهر أو العشاء صح. ولو نوى بواحدة منهما الظهر مثلا، لم يكتف في الاطلاق الثاني بأخرى، بل لابد من أربع مرتين، إما بأن يعين كل واحدة من الباقين فتوزع المرتين عليهما، أو يأتي بالاطلاق الثاني فيهما. ولو لم يعلم هل هما ليومه أو ليومه وأمسه، وجب عن يومه أربع صلوات وعن أمسه ثلاث. ولو لم يعلم هل هما ليومه أو لأمسه، وجب عليه أربع لا غير. ولو جهل الجمع والتفريق، صلى عن كل يوم ثلاث صلوات. وكذا البحث لو توضأ خمسا لكل صلاة طهارة من حدث، ثم ذكر تخلل حدث بين الطهارة والصلاة واشتبه. لو صلى الخمس بثلاث طهارات، فإن جمع بين رباعيتين بطهارة، صلى أربعا صبحا ومغربا، وأربعا مرتين، وإلا اكتفى بالثلاث. مسألة: لو ترك غسل أحد المخرجين وصلى، أعاد الصلاة لا الوضوء، سواء كان الترك عمدا أو سهوا. وقال ابن بابويه: يعيد الوضوء (1). لنا على إعادة الصلاة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، قال: توضأت يوما ولم أغسل ذكري ثم صليت فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فقال: (اغسل ذكرك وأعد صلاتك) (2). وفي الصحيح، عن ابن أذينة، قال: ذكر أبو مريم الأنصاري أن الحكم بن عتيبة بال يوما ولم يغسل ذكره فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام، فقال: (بئس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوءه) (3). ولأن طهارة البدن شرط في الصلاة ولم يحصل.

(1) المقنع: 4، الفقيه 1: 21.
(2) التهذيب 1: 47 حديث 135 و 51 حديث 149، الاستبصار 1: 53 حديث 152 و 56 حديث 164، الوسائل 1: 209 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 7.
(3) التهذيب 1: 48 حديث 137، الاستبصار 1: 53 حديث 154، الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 4 وفي الجميع: ولم يغسل ذكره متعمدا.

[ 149 ]

لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء؟ قال: (ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزأه ذلك ولا إعادة عليه) (1). وروي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال؟ فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (2). لأنا نجيب عن الأولى بأنها منافية للمذهب من وجهين: أحدهما: ما دلت عليه ظاهرا من ترك الاعادة مع الاكمال. الثاني: الفرق بين الاكمال وعدمه، وإذ كان كذلك وجب تأويلها بالمحتمل وهو أمران: أحدهما: أنه أراد الاستنجاء بالماء وإن كان قد استنجى بالحجر فيستحب له الانصراف ما دام في مقدمات صلاته كالأذان والتكبيرات السبع. وثانيهما: الحمل على من لم يعلم بالحدث كالمغمى عليه، جمعا بين الأدلة. وأما الثانية: ففي طريقها أحمد بن هلال، وهو ضعيف (3). وأما عدم إعادة الوضوء فقد تقدم (4). مسألة: يجوز الطهارة في المسجد لكن يكره من الغائط والبول. وهو مذهب علماء الاسلام. وروى ابن يعقوب في كتابه في الصحيح، عن رفاعة بن موسى، قال: سألت

(1) التهذيب 1: 50 حديث 145، الاستبصار 1: 55 حديث 161، الوسائل 1: 224 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 48 حديث 140، الاستبصار 1: 54 حديث 157، الوسائل 1: 224 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة، حديث 2.
(3) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 135.
(4) تقدم في ص 148.

[ 150 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد، فكرهه من الغائط والبول (1). مسألة: اختلف الأصحاب في جواز مس كتابة المصحف للمحدث، فقال الشيخ في المبسوط: يكره (2)، وحرمه في التهذيب والخلاف (3)، وهو الظاهر من كلام ابن بابويه (4)، وهو الاقوى عندي، وهو مروي، عن ابن عمر، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي (5). و [ هو ] (6) قول مالك (7)، والشافعي (8)، وأصحاب الرأي (9) إلا داود فإنه أجاز مسه (10). لنا: قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (11). وما رواه الجمهور، عن أبي عبيدة، قال في كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم

(1) الكافي 3: 369 حديث 9، الوسائل 1: 345 الباب 57 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) المبسوط 1: 23.
(3) التهذيب 1: 126، الخلاف 1: 18 مسألة 46.
(4) الفقيه 1: 48، الهداية: 20.
(5) المغني 1: 168، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(6) أضفناه لاستقامة العبارة.
(7) بداية المجتهد 1: 41، بلغة السالك 1: 57، تفسير القرطبي 17: 226 المغني 1: 168، المجموع 2: 72، ميزان الكبرى 1: 113، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(8) المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 67 مغني المحتاج 1: 36، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 97، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 15، ميزان الكبرى 1: 113، بداية المجتهد 1: 41، المعني 1: 168، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228. (9) بدائع الصنائع 1: 33، المغني 1: 168، المجموع 2: 72، ميزان الكبرى 1: 113، بداية المجتهد 1: 41، تفسير القرطبي 17: 226، أحكام القرآن لابن عربي 4: 1739.
(10) المغني 1: 168، المجموع 2: 72، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 103، رحمة الأمة هامش ميزان الكبرى 1: 16، ميزان الكبرى 1: 113، نيل الاوطار 1: 261، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(11) الواقعة: 79.

[ 151 ]

لعمرو بن حزم (1): (أن لا يمس القرآن، إلا طاهر) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء؟ قال: (لا بأس، ولا يمس الكتاب) (3) وفي الطريق الحسين بن المختار، قال الشيخ: إنه واقفي (4). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يحل له أن يكتب القرآن في الالواح والصحيفة وهو على غير وضوء؟ قال: (لا) (5). وروي، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان إسماعيل بن أبي عبد الله (6) عنده فقال: (يا بني اقرأ المصحف) فقال: إني لست على

(1) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، وكان عامل النبي على نجران، روى عنه كتابا كتبه له في الفرائض، أخرجه أبو داود، والنسائي، والدارمي. مات بالمدينة سنة 51 ه‍، وقيل: 54 ه‍. أسد الغابة 4: 98، الاصابة 2: 532.
(2) الموطأ 1: 199 حديث 1:، سنن الدارقطني 1: 121 حديث 3، 4 و 5، مستدرك الحاكم 1: 397، نيل الاوطار 1: 259 حديث 2، سنن البيهقي 1: 87 بتفاوت في السند في الجميع، ورواه في المغني 1: 168 نقلا عن كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد.
(3) التهذيب 1: 127 حديث 343، الاستبصار 1: 113 حديث 377، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(4) رجال الطوسي: 346.
(5) التهذيب 1: 127 حديث 345، الوسائل 1: 270 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(6) إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الهاشمي المدني، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). مات في حياة أبيه الصادق بالعريض وحمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع. رجال الطوسي: 146، تنقيح المقال 1: 131.

[ 152 ]

وضوء؟ فقال: (لا تمس الكتاب ومس الورق واقرأه) (1). وروي، عن إبراهيم بن عبد الحميد (2)، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه (3) ولا تعلقه، أن الله يقول: (لا يمسه إلا المطهرون) (4) (5) وفي الطريق علي بن فضال (6) وهو فطحي. احتج داود (7) بأن النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى المشركين (قل يا أهل الكتاب) (8) (9) وهذه قرآن وهم محدثون. والجواب: أنه عليه السلام لا يقصد القرآن بل المراسلة.

(1) التهذيب 1: 126 حديث 342، الاستبصار 1: 113 حديث 376، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي، مولاهم البزاز الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) بهذا العنوان، ومن أصحاب الكاظم (ع) بإضافة: له كتاب، وقال بعد عدة أسماء من هذا الباب: إنه واقفي. وقال في باب أصحاب الرضا (ع): إبراهيم بن عبد الحميد من أصحاب أبي عبد الله أدرك الرضا (ع) ولم يسمع منه على قول سعد بن عبد الله واقفي له كتاب. ووثقه في الفهرست. رجال النجاشي: 20، رجال الطوسي: 146، 342، 344، 366، الفهرست: 7.
(3) (خ) (ن) (د): خيطه.
(4) الواقعة: 79.
(5) التهذيب 1: 127 حديث 344، الاستبصار 1: 113 حديث 378، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(6) أبو الحسن علي بن الحسن بن فضال، فطحي المذهب، كوفي، ثقة، جيد التصانيف، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الهادي والعسكري (ع). رجال النجاشي: 257، رجال الطوسي: 419، 433، الفهرست: 92.
(7) المغني 1: 168، المجموع 2: 72، تفسير القرطبي 17: 227، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(8) آل عمران: 64.
(9) صحيح البخاري 4: 54، صحيح مسلم 3: 1393 حديث 1773، المحلى 1: 83، نيل الاوطار 1: 260.

[ 153 ]

فروع: الأول يجوز للمحدث مس ما عدا الكتابة، كالهامش، ويجوز حمله وتعليقه على كراهية. وهو قول علمائنا أجمع، وأبي حنيفة (1)، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل (2)، والحكم، وحماد (3). ومنع الأوزاعي (4)، والشافعي من مس هامشه وجلده وصندوقه إذا كان فيه، وخريطته كذلك (5). ولو كان في صندوق الأقمشة أو عدل معكم (6)، ففي جواز مسه للشافعي وجهان (7). وقال مالك: أحسن ما سمعت أنه لا يحمل المصحف بعلاقته ولا في غلافه إلا وهو طاهر، وليس ذلك لأنه يدنسه ولكن تعظيما للقرآن (8). لنا على جواز مس الهامش والورق: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كتب كتابا فيه آية إلى قيصر. وأباح الحكم، وحماد، مسه بظاهر الكف (9). ومن طريق الخاصة: رواية حريز، قال: (لا تمس الكتاب ومس الورق). ورواية إبراهيم بن عبد الحميد ضعيفة السند، فلا تعارض الأصل الذي هو الجواز.

(1) المغني 1: 169، فتح العزيز هامش المجموع 2: 103، ميزان الكبرى 1: 113، المحلى 1: 84، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228، تفسير القرطبي 17: 227.
(2) أبو وائل، شقيق بن سلمة، مرت ترجمته في ص: 125.
(3) المغني 1: 169، المجموع 2: 72، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(4) المغني 1: 169، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(5) مغني المحتاج 1: 37، المجموع 2: 67، فتح العزيز هامش المجموع 2: 102، السراج الوهاج: 12.
(6) العكوم: الاحمال والغرائر التي تكون فيها الامتعة. النهاية لابن الاثير 3: 285.
(7) المجموع 2: 68، مغني المحتاج 1: 37، السراج الوهاج: 12، فتح العزيز هامش المجموع 2: 104.
(8) المغني 1: 169، الموطأ 1: 199، تفسير القرطبي 17: 227.
(9) المغني 1: 168، المجموع 2: 72، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.

[ 154 ]

ولنا على جواز حمله وأخذه بغلافه أنه غير ماس (1) له، فكان كما لو حمله في رحله، ولأن النهي تناول المس، والحمل مغاير. احتج الشافعي بأنه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف، فلم يجز كما لو حمله مع مسه (2). والجواب: هذا القياس فاسد، لأن العلة في الأصل هي المس، وهي غير موجودة في الفرع، والحمل لا أثر له في التعليل. الثاني: المس (3) قيل: يختص بالملاقاة بباطن الكف (4). وقيل: بل هو اسم للملاقاة مطلقا (5)، وهو الأقرب من حيث اللغة. الثالث: يمنع الصبي من مس كتابة القرآن لعدم الشرط في حقه، ولا يتوجه النهي إليه، لعدم قبوله للتكليف، وكذا المجنون. وهو أحد وجهي الشافعية، وفي الآخر: يجوز، لحاجتهم إلى حفظه، فلو لم يشرع إلا بطهارة لزم التعسر.
(6) ولو توضأ الصبي جاز له المس، لارتفاع حدثه على إشكال. الرابع: لو حمله بحائل لا يتبعه في البيع جاز، وهو عندنا ظاهر، وهو اختيار أبي حنيفة (7)، خلافا للشافعي (8)، ووجه القولين ما تقدم في الغلاف. الخامس: قيل: يكره المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو، لئلا تناله أيدي

(1) (ح) (ق) (ن) (م) (د): مماس. (2) المغني 1: 169، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(3) (خ) (م) (ن): اللمس.
(4) المغني 1: 168، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(5) المغني 1: 169، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 228.
(6) المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 69، فتح العزيز هامش المجموع 2: 107.
(7) بدائع الصنائع 1: 34.
(8) مغني المحتاج 1: 37.

[ 155 ]

المشركين (1). السادس: يجوز تقليبه بعود ومسه به، وكتب المصحف بيده من غير أن يمسه، عملا بالاصل السالم عن معارضة تناول النهي له. السابع: لو تصفحه بكمه لم يكن به بأس، عملا بالاصل السالم عن معارضة المس. وفيه للجمهور خلاف (2). الثامن: يجوز مس كتب التفسير وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وكتب الفقه وغيرها، والرسائل وإن كان فيها آيات من القرآن، للمحدث والجنب، عملا بالاصل، ولأنه لا يقع عليها اسم المصحف عنه ولا تثبت لها حرمة، أما الآيات الموجودة في الكتب إذا مسها (3) ففي تناول التحريم له تردد، أقربه التحريم، لأن النهي تعلق بكل آيات القرآن، ضرورة عدم المس (4) له دفعة واحدة، وبانضمام غيره إليها لا تخرج عن كونها قرآنا. وقالت الشافعية: إن كانت الآيات مكتوبة بخط غليظ والتفسير بدقيق حرم مسها كالمصحف، وإلا فلا (5). التاسع: الدراهم المكتوب عليها القرآن يتناولها المنع من المس، لما قلناه، ولأن القرآن مكتوب عليها فأشبهت الورق، وهو اختيار أبي حنيفة (6). وقال بعض الجمهور بالجواز، لأنه لا يقع عليها اسم المصحف فأشبهت كتب الفقه، والمشقة الحاصلة من

(1) المغني 1: 170، المجموع 2: 71، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 229.
(2) المغني 1: 169، الانصاف 1: 224، مغني المحتاج 1: 38، المجموع 2: 68، الهداية للمرغيناني 1: 31، شرح فتح القدير 1: 149.
(3) (ن) (خ) (م) (ق): لمسها.
(4) (ن) (خ) (م) (ق): اللمس. (5) المجموع 2: 69، مغني المحتاج 1: 37، فتح العزيز هامش المجموع 2: 106، فتح الوهاب 1: 8.
(6) بدائع الصنائع 1: 33، المغني 1: 170، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 229.

[ 156 ]

الاحتراز (1). وكذا البحث في ألواح الصبيان في الكتاتيب (2)، وللشافعية فيها وجهان (3). العاشر: لو غسل المحدث بعض أعضائه لم يخرج عن المنع، لأنه غير متطهر إلا بغسل الجميع. الحادي عشر: لا يحرم مس كتابة التوراة والانجيل على الجنب والمحدث. وبه قال الشافعي (4)، لأنها منسوخة. الثاني عشر: المنسوخ حكمه خاصة يحرم مسه لأن له حرمة القرآن، والمنسوخ تلاوته يجوز مسه وإن بقي حكمه، لخروجه عن كونه قرآنا. مسألة: يستحب الوضوء في أماكن: للصلاة والطواف المنوبين، لأنها شرط فيهما، فلا يصحان بدونهما، والأصل مندوب فالفرع أولى. ولطلب الحوائج، لما رواه الشيخ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: (من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن إلا نفسه) (5). وتجديده مع بقاء حكمه عند كل صلاة، لما رواه سعدان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الطهر على الطهر عشر حسنات) (6).

(1) مغني المحتاج 1: 38، فتح العزيز هامش المجموع 2: 105، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 229، المجموع 2: 68، المغني 1: 170.
(2) الكتاب: الكتبة. والكتاب أيضا والمكتب واحد، والجمع الكتاتيب. الصحاح 1: 208.
(3) المهذب للشيرازي 1: 25، المجموع 2: 69، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 107، فتح الوهاب 1: 8.
(4) مغني المحتاج 1: 37، المجموع 2: 70، فتح الوهاب 1: 8، فتح العزيز هامش المجموع 2: 108.
(5) التهذيب 1: 359 حديث 1077، الوسائل 1: 262 الباب 6 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(6) الكافي 3: 72 حديث 10، الوسائل 1: 264 الباب 8 من أبواب الوضوء، حديث 3.

[ 157 ]

ولحمل المصحف، لأنه مناسب للتعظيم. ولأفعال الحج عدا الطواف الواجب وصلاته، لوجوبه. وللكون على الطهارة. ولدخول المساجد، لما رواه ابن بابويه، عن كليب الصيداوي (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (مكتوب في التوراة أن بيوتي في الارض المساجد فطوبى لمن تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر) (2) ولأنه يستحب الصلاة تحية، وهي مفتقرة إلى الطهارة، والطهارة مكروهة في المسجد، فاستحب التقديم. وللنوم، لما رواه ابن بابويه في ثواب الاعمال، عن محمد بن كردوس (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من توضأ ثم آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده) (4). وللصلاة على الجنائز (5). ولزيارة قبور المؤمنين (6). ولقراءة القرآن. ولنوم الجنب، لما رواه الشيخ، عن سماعة، قال: سألته عن الجنب يجنب، ثم يريد النوم؟ فقال: (إن أحب أن يتوضأ فليفعل والغسل أفضل من ذلك، وإن هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ إن شاء الله تعالى) (7).

(1) كليب بن معاوية بن جبلة، أبو محمد الصيداوي الأسدي، عربي، كوفي، ترحم عليه أبو عبد الله ( عده الشيخ تارة من أصحاب الباقر (ع) وأخرى من أصحاب الصادق (ع) وثالثة ممن لم يرو عنهم. رجال النجاشي: 318، رجال الطوسي: 133، 278، 491.
(2) علل الشرائع: 318، ثواب الاعمال: 47، الوسائل 1: 267 الباب 10 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(3) محمد بن كردوس الكوفي بياع السابري، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 299، تنقيح المقال 3: 178.
(4) ثواب الاعمال: 35، الوسائل 1: 265 الباب 9 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(5) (خ): الجنازة.
(6) (خ): المسلمين.
(7) التهذيب 1: 370 حديث 1127، الوسائل 1: 25 من أبواب الجنابة، حديث 6.

[ 158 ]

ولأكل الجنب، لما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام، قلت: أيأكل الجنب قبل أن يتوضأ؟ قال: (إنا لنكسل (1) ولكن ليغسل يده، والوضوء أفضل) (2). ولجماع المحتلم والحامل. وجماع غاسل الميت ولم يغتسل. ولمريد غسل الميت وهو جنب. وللحائض تجلس في مصلاها تذكر الله تعالى. وللتأهب لصلاة الفرض قبل وقته، لاستحباب الصلاة في أول وقتها، وهو غير ممكن إلا بتقديم الوضوء على الوقت. خاتمة تتعلق بثواب الوضوء وعلته: روى محمد بن يعقوب في كتابه، عن محمد بن بشير، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وهو يحدث الناس بمكة: قال (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفجر ثم جلس مع أصحابه حتى طلعت الشمس فجعل يقوم الرجل بعد الرجل حتى لم يبق معه إلا رجلان أنصاري وثقفي، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله: قد علمت أن لكما حاجة تريدان أن تسألا عنها فإن شئتما أخبرتكما بحاجتكما قبل أن تسألا وإن شئتما فاسألا عنها؟ قالا: تخبرنا قبل أن نسألك عنها، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبعد من الارتياب، وأثبت للايمان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما أنت يا أخا ثقيف فإنك جئت تسألني عن وضوئك وصلاتك مالك في ذلك من الخير، أما وضوؤك فإنك إذا وضعت يدك في الاناء فقلت: بسم الله، تناثرت منها ما اكتسبت من الذنوب وإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب التي اكتسبتها عيناك التي تنظر بها، وفوك، فإذا غسلت ذراعيك تناثرت الذنوب (التي بطشت بها يداك) (3)، فإذا مسحت على رأسك

(1) قال في الوافي 1: 64 (هكذا يوجد في النسخ ويشبه أن يكون مما صحف وكان (أنا لنغسل) لانهم عليهم السلام أجل من أن يكسلوا في شئ من عبادة ربهم عزوجل).
(2) التهذيب 1: 372 حديث 1127، الوسائل 1: 496 الباب 20 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(3) في المصدر: عن يمينك وشمالك.

[ 159 ]

وقدميك تناثرت الذنوب التي مشيت إليها على قدميك، فهذا لك في وضوئك) (1). وروي، عن سماعة، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (من توضأ للمغرب كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر، ومن توضأ للصبح كان وضوؤه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليله إلا الكبائر) (2). وروى إبن بابويه، عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام لما وصف وضوء أمير المؤمنين عليه السلام: (ثم قال: يا محمد (3)، من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي، خلق الله عزوجل من كل قطرة ملكا يسبحه ويقدسه ويكبره ويكتب الله له ثواب ذلك إلى يوم القيامة) (4). وروى ابن بابويه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من توضأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده وكان الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما أصابه الماء) (5). وروى ابن بابويه في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، عن أبيه جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من

(1) الكافي 3: 71 حديث 7، الوسائل 1: 276 الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 12. وفيهما: عن محمد بن قيس.
(2) الكافي 3: 70 حديث 5، الوسائل 1: 264 الباب 8 من أبواب الوضوء، حديث 4.
(3) محمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين علي (ع) والحنفية لقب أمه واسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة، مدحه أمير المؤمنين (ع) في رواية عن علي بن موسى الرضا (ع) بقوله: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله. وما قيل في منازعته مع علي بن الحسين (ع) في الامامة أجاب عنه المحقق المامقاني بأن ذلك قبل شهادة الحجر له وأما بعدها فلم ينازعه بوجه، واختلف في وفاته ومحل دفنه، قيل: مات برضوى، ودفن بالبقيع سنة 80 أو 81 ه‍. وقيل: مات بالطائف، ودفن بها. تنقيح المقال 3: 111.
(4) ثواب الاعمال: 31 حديث 1، الوسائل 1: 282 الباب 16 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(5) ثواب الاعمال: 30 حديث 1: الوسائل 299 الباب 26 من أبواب الوضوء، حديث 8

[ 160 ]

أسبغ وضؤه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه، فقد استكمل حقائق الايمان وأبواب الجنة مفتحة له) (1). وروي، عن السكوني عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليبالغ أحدكم في المضمضة والاستنشاق فإنه غفران لكم ومنفرة للشيطان) (2). وروى ابن بابويه أنه جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل فكان فيما سألوه، أخبرنا يا محمد لاي علة توضأ هذه الجوارح الأربعة وهي أنظف المواضع في الجسد؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: (لما أن وسوس الشيطان إلى آدم عليه السلام دنا من الشجرة فنظر إليها فذهب ماء وجهه، ثم قام ومشى إليها وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة، ثم تناول بيده منها ما عليها وأكل فطار الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على أم رأسه وبكى، فلما تاب الله عزوجل عليه فرض الله عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الأربع فأمر الله عزوجل بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول منها، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه، وأمره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة) (3). وكتب أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: (إن علة الوضوء التي من أجلها صار على العبد غسل الوجه والذراعين ومسح الرأس والقدمين، فلقيامه بين يدي الله عزوجل واستقباله إياه بجوارحه الظاهرة وملاقاته بها الكرام الكاتبين فيغسل الوجه للسجود والخضوع ويغسل

(1) ثواب الاعمال: 45 حديث 1:، الوسائل: 342 الباب 29 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) ثواب الاعمال: 35 حديث 1: الوسائل 1: 304 الباب 29 من أبواب الوضوء، حديث 11.
(3) الفقيه 1: 34 حديث 127. الوسائل 278، الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 16.

[ 161 ]

اليدين ليقلبهما ويرغب بهما ويرهب ويتبتل ويمسح الرأس والقدمين لأنهما ظاهران مكشوفان فاستقبل بهما كل حالاته وليس فيهما من الخضوع والتبتل ما في الوجه والذراعين (1).

(1) الفقيه 1: 35 حديث 128. الوسائل 1: 277، الباب 15 من أبواب الوضوء، حديث 15.

[ 163 ]

المقصد الثالث في الغسل والنظر في أنواعه وأحكام أنواعه

[ 165 ]

اعلم أن الغسل على ضربين، واجب، وندب: فالواجب ستة: غسل الجنابة، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومس الاموات بعد بردهم بالموت وقبل تطهيرهم بالغسل، وغسل الموتى، فها هنا فصول: الأول: في الجنابة، وقد اتفق علماء الامصار على أن الجنابة سبب موجب للغسل والقرآن دل عليه، قال الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (1). والكلام ها هنا يقع على ثلاثة مباحث: الموجب للجنابة، وكيفية الغسل المزيل لها، وأحكام الجنب. الأول: البحث في الموجب: وهي تكون تارة بسبب إنزال المني وهو الماء الغليظ الدافق غالبا، يخرج عند اشتداد الشهوة، يشبه رائحته رطبا رائحة الطلع، ويابسا رائحة البيض، وسمي منيا لأنه يمنى، أي يراق، ولهذا سميت منى منى، لإراقة الدماء بها. ومنى المرأة رقيق أصفر وعليه إجماع أهل الاسلام. وروى مسلم في صحيحه أن أم سليم (2) حدثت أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال رسول

(1) المائدة: 6.
(2) أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حزام. الانصارية، أم أنس بن مالك. كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، ثم خطبها أبو طلحة الأنصاري وهو مشرك فامتنعت إلى أن أسلم، كانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وروت عنه صلى الله عليه وآله، وروى عنها ابنها أنس وابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهم. الاصابة 4: 461، أسد الغابة 5: 591.

[ 166 ]

الله صلى الله عليه وآله: (إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل) فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك وهل يكون هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (نعم، فمن أين يكون الشبه؟ ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيها على أو سبق يكون منه الشبه) (1). وروت أيضا عنه صلى الله عليه وآله: قالت: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: (نعم، إذا هي رأت الماء) (2) وقال عليه السلام: (إنما الماء من الماء) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني، فما عليه؟ قال: (إذا جائت الشهوة ولها دفع وفتر لخروجه فعليه الغسل، وإن كان إنما هو شئ ولم يجد له فترة ولا شهوة، فلا بأس) (4) معناه إذا لم يكن الخارج هو الماء الأكبر، لاستبعاد خروج الماء الأكبر بغير شهوة ولذة وفتور، وأشار بذلك إلى من اشتبه عليه اعتبره بالشهوة. وروي في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى أن الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتى تنزل؟ قال: (تغسل) (5).

(1) صحيح مسلم 1: 250 حديث 311. (2) صحيح البخاري 1: 79، صحيح مسلم 1: 251 حديث 313، سنن الترمذي 1: 209 حديث 122، سنن النسائي 1: 115.
(3) صحيح مسلم 1: 269 حديث 343، سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، سنن الترمذي 1: 186 حديث 122، سنن أبي داود 1: 56 حديث 217، سنن النسائي 1: 115.
(4) التهذيب 1: 120 حديث 317، الاستبصار 1: 104 حديث 342، الوسائل 1: 477 الباب 8 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 120 حديث 318، الاستبصار 1: 105 حديث 343، الوسائل 1: 472 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 7.

[ 167 ]

وروي في الصحيح، عن اديم (1) بن الحر، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، عليها غسل؟ قال: (نعم، ولا تحدثوهن فيتخذنه علة) (2). وروي في الحسن، عن محمد (3) بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت: تلزمني المرأة أو الجارية من خلفي وأنا متكي على جنبي فتحرك على ظهري فتأتيها الشهوة وتنزل الماء [ أ ] (4) فعليها غسل أم لا؟ قال: (نعم، إذا جاءت الشهوة وأنزلت الماء وجب عليها الغسل) (5). وروى معاوية (6) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا أمنت المرأة

(1) اديم بن الحر الكوفي الخثعمي أو الجعفي، ثقة له أصل، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الصادق (ع). وقال المصنف في رجاله: اديم - بضم الهمزة - صاحب أبي عبد الله (ع) يروي نيفا وأربعين حديثا عنه (ع). رجال النجاشي: 106، رجال الطوسي: 143، رجال العلامة: 24.
(2) التهذيب 1: 121 حديث 319، الاستبصار 1: 105 حديث 344، الوسائل 1: 473 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 12.
(3) محمد بن الفضيل بن كثير الازدي الكوفي الصيرفي: أبو جعفر الازدي، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الصادق (ع) بعنوان محمد بن الفضيل بن كثير الازدي صيرفي، وأخرى من أصحاب الكاظم (ع) بعنوان محمد بن الفضيل الازدي الكوفي ضعيف، وثالثة من أصحاب الرضا (ع) بعنوان محمد بن الفضيل أزدي صيرفي يرمى بالغلو، له كتاب. قال المحقق المامقاني: ظاهر هذه العبائر كونه شخصا واحدا وظاهر المصنف في (الخلاصة) التعدد حيث قال في القسم الثاني منه: محمد بن الفضيل الكوفي الازدي من أصحاب الكاظم (ع) ضعيف، ثم قال: محمد بن الفضيل من أصحاب الرضا (ع) أزدي صيرفي، يرمى بالغلو. رجال الطوسي: 297 و 360، 389، تنقيح المقال 3: 172، رجال العلامة: 250 251.
(4) أضفناه من المصدر.
(5) التهذيب 1: 121 حديث 320، الاستبصار 1: 105 حديث 345، الوسائل 1: 473 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 13.
(6) في التهذيب والوسائل عن الحسن بن محبوب عن معاوية بن حكيم، وهو كما قال النجاشي في رجاله: 412 معاوية حكيم بن معاوية بن عمار الدهني، ثقة، جليل، في أصحاب الرضا (ع). وفي الاستبصار عن معاوية بن عمار، والظاهر أنه الصواب بقرينة رواية الحسن بن محبوب عنه وروايته عن أبي عبد >

[ 168 ]

والأمة من شهوة جامعها الرجل أو لم يجامعها، في نوم كان أو في يقظة، فإن عليها الغسل) (1). وروي في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج فتنزل المرأة، هل عليها غسل؟ قال: (نعم) (2). وروي في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة ترى في منامها فتنزيل، عليها غسل؟ قال: (نعم) (3). وروي في الحسن، عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المفخذ أعليه غسل؟ قال: (نعم إذا أنزل) (4) فخروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو نوم، لا نعرف فيه خلافا. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يضع ذكره على فرج المرأة فيمني، عليها غسل؟ فقال: (إن أصابها من الماء شئ فلتغسله، وليس عليها شئ إلا أن يدخله) قلت: فإن أمنت هي ولم يدخله؟ قال: (ليس عليها الغسل) (5). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام:

< الله (ع) كما ذكره المحقق الاردبيلي، جامع الرواة 2: 239. (1) التهذيب 1: 122 حديث 324، الاستبصار 1: 106 حديث 347 الوسائل 1: 473 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 14.
(2) التهذيب 1: 123 حديث 328، الاستبصار 1: 108 حديث 355، الوسائل 1: 471 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 3. (3) التهذيب 1: 124 حديث 333، الاستبصار 1: 108 حديث 356، الوسائل 1: 474 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 16.
(4) التهذيب 1: 119 حديث 313، الاستبصار 1: 104 حديث 341، الوسائل 1: 471 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 121 حديث 321، الاستبصار 1: 106 حديث 348، الوسائل 1: 474 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 18.

[ 169 ]

كيف جعل على المراة إذا رأت في النوم أن الرجل يجامعها في فرجها الغسل ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟ قال: (لأنها رأت في منامها أن الرجل يجامعها في فرجها، فوجب عليها الغسل، والآخر إنما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لأنه لم يدخله، ولو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أو لم تمن) (1). وروي في الصحيح، عن عمر بن أذينة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المرأة تحتلم في المنام فيهريق الماء الأعظم؟ قال: (ليس عليها الغسل) (2). لأنا نجيب عن ذلك كله بأن هذه أخبار آحاد عارضت إجماع المسلمين، فتكون مردودة بالاتفاق، على أنه يحتمل أنه إنما قال فإن أمذت هي، والسامع لم يفهم ذلك، وعمر بن يزيد هذا قد روي بغير هذا اللفظ، قال: اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت فمرت بي وصيفة ففخذت لها فأمذيت أنا وأمنت هي فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك؟ فقال: (ليس عليك وضوء ولا عليها غسل) (3). فاختلاف روايته دال على عدم الضبط فوجب إطراحها. وأيضا: يمكن أن يحمل المني على المذي الذي هو شبيه في بعض الأحوال والمصاحب له بالمجاز. قال الشيخ: ويحتمل أنه عليه السلام أجابه عما هو الثابت في نفس الأمر لا على اعتقاد السائل، فلعله يعتقد ما ليس بمني منيا (4)، وهذا هو الجواب عن الحديث الثاني. وعن الثالث باحتمال أنها رأت في النوم الانزال، ولما استيقظت ظهر لها

(1) التهذيب 1: 122 حديث 323، الاستبصار 1: 106 حديث 350، الوسائل 1: 475 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 19.
(2) التهذيب 1: 123 حديث 329، الاستبصار 1: 107 حديث 351، الوسائل 1: 475 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 21. (3) التهذيب 1: 121 حديث 322، الاستبصار 1: 106 حديث 349، الوسائل 1: 475 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 20.
(4) التهذيب 1: 121 ذيل حديث 322، الاستبصار 1: 106 ذيل حديث 349.

[ 170 ]

بطلانه، لأنها وجدته في حال اليقظة. فروع: الأول: قال علماؤنا: خروج المني مطلقا موجب للغسل، سواء قارنته الشهوة أو لا. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة (2)، وأحمد (3)، ومالك: لا يجب إلا مع الشهوة والدفق (4). لنا: ما رواه الجمهور، عنه عليه السلام أنه قال: (الماء من الماء) (5) ورووا، عنه عليه السلام أنه قال: (وفي المنى الغسل) (6). وقوله عليه السلام لام سليم: (إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل) (7) ولم يعلق الحكم على غير الرؤية. وقوله عليه السلام لها: (نعم، إذا هي رأت الماء) (8) ولم يعلق على الشهوة. ومن طريق الخاصة: ما تقدم من الاحاديث الدالة على إيجاب الغسل مطلقا (9)،

(1) الأم 1: 37، السراج الوهاج 1: 20، فتح الوهاب 1: 18، الهداية للمرغيناني 1: 16، ميزان الكبرى 1: 120، المجموع 2: 139، المبسوط للسرخسي 1: 67، شرح فتح القدير 1: 53، بداية المجتهد 1: 47، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 67، ميزان الكبرى 1: 120، المجموع 2: 139، شرح القدير 1: 53، الهداية للمرغيناني 1: 16، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125، بدائع الصنائع 1: 36.
(3) المغني 1: 230، الكافي لابن قدامة 1: 69، ميزان الكبرى 1: 120، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125، منار السبيل 1: 38، الانصاف 1: 227.
(4) بداية المجتهد 1: 47، ميزان الكبرى 1: 120، المبسوط للسرخسي 1: 67، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125.
(5) صحيح مسلم 1: 269 حديث 343، سنن الترمذي 1: 186. حديث 112، سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، سنن النسائي 1: 115، سنن الدارمي 1: 194، سنن أبي داود 1: 56 حديث 217، كنز العمال 9: 168 حديث 27325.
(6) سنن الترمذي 1: 193 حديث 114، سنن ابن ماجة 1: 168 حديث 504.
(7) صحيح مسلم 1: 250 حديث 311، سنن ابن ماجة 1: 197 حديث 600، الموطأ 1: 51 حديث 84، سنن البيهقي 1: 169.
(8) صحيح البخاري 1: 79، صحيح مسلم 1: 251 حديث 313، سنن النسائي 1: 115، سنن الترمذي 1: 209 حديث 122.
(9) تقدم في ص 166 167.

[ 171 ]

ولا ينافي ذلك، الاحاديث الدالة على الايجاب مع قيد الشهوة، لأن دليل الخطاب ضعيف وبالخصوص مع المنطوق الدال على الخلاف. ولأنه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الاغماء، ولأنه مني (1) نجس خارج من إحدى السبيلين فلا يعتبر في إيجابه الشهوة كالحيض. احتج أبو حنيفة (2) بما روي عن أم سليم أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل؟ فقال: (أتجد لذة بذلك؟) فقالت: نعم، قال: (فلتغتسل) علق الاغتسال باللذة، ولأنه ليس بمني بل يشبهه، لأن المني هو الماء الذي تدفعه الشهوة، فإذا انعدمت الشهوة لا يكون منيا بل أشبه البول، فيجب منه الوضوء. والجواب عن الأول بأن تعليق الحكم على وجدان اللذة لا يدل على نفيه عما عداه، إذ ذلك دليل الخطاب لا يعمل به المحققون، على أن السؤال ها هنا ليس لتعليق الحكم عليه واعتبار اللذة، بل هو استعلام بما يشتبه حاله، لا ما يتيقن أنه مني، على أن الشهوة لا تعتبر في النوم اتفاقا. وعن الثاني: أن الاسم معلق على الحقيقة المعينة لا باعتبار مقارنة الشهوة أو عدمها كما في حق النائم والمغمى عليه وغيرهما. والعجب أن أبا حنيفة يذهب إلى أن الزيادة على النص نسخ (3). فتقييد الماء بالشهوة زيادة لم يتناولها النص، مستفادة من مفهوم قوله عليه السلام (أتجد لذة) مع أن المفهوم اختلفوا في أنه هل هو حجة أم لا؟ وعلى القول بأنه حجة، اختلفوا في أنه هل يجوز التخصيص به أم لا؟ فكيف جوز النسخ به؟!. برهان آخر: خروج المني موجب للغسل مطلقا، عملا بالدوران في طرفي الوجود والعدم، أما في الوجود ففي حال الانزال مع الاغماء والنوم، وأما عدما فظاهر، والدوران يقتضي العلية، لأن مدارا ما من المدارات على ما ذكرنا من التفسير علة للدائر قطعا، فنقول: لو ثبت عدم علية غير هذا المدار من المدارات منضما إلى علية مدار ما،

(1) (ق) (ح) شئ.
(2) بدائع الصنائع 1: 37.
(3) أحكام القرآن للجصاص 3: 363.

[ 172 ]

وإلى عدم علية كل ما ليس بعلة في نفس الأمر، يلزم عليه هذا المدار، ويلزم من هذا أن يكون علة في نفس الأمر. أما المقدمة الأولى فلأن كل ما ليس بعلة في نفس الأمر فهو ليس بعلة على هذا التقدير، فينعكس بالنقيض إلى أن كل ما هو علة على هذا التقدير فهو علة في نفس الأمر. وأما المقدمة الثانية: فلأن هذا المدار علة على هذا التقدير وكل ما هو علة هذا التقدير فهو علة في نفس الأمر. وإن قال (1): عدم الانزال مع الشهوة موجب لعدم الغسل بالدوران وجودا وعدما، أما وجودا ففي صورة الانزال مطلقا، وأما عدما ففي صورة الانزال مع الشهوة، وإذا كان الانزال مع الشهوة مدارا، لم يكن مطلق الانزال مدارا، وإلا لزم وجود الحكم وعدمه في صورة النزاع. قلت: هذا لا يتم بالخلف، وتقريره أن نقول: لو كان عدم الانزال مع الشهوة موجبا لعدم الغسل لزم أحد الامرين، وهو: إما عدم وجوب الغسل في صورة النزاع، أو عدم إيجاب الانزال مطلقا للغسل، لدلالة الدليل على كل واحد منهما، أما على الأول فلأن الأصل ترتب المسبب على سببه، وأما الثاني فلأنه لو كان الانزال مطلقا حينئذ موجبا للغسل، لزم التعارض بين الموجب للوجوب، والموجب لعدم الوجوب، وهو على خلاف الأصل، فثبت دلالة الدليل على كل واحد منهما، فثبت أحدهما، ويلزم من هذه الملازمة وعدم موجبية الانزال مع الشهوة لعدم الغسل، لأنه لو ثبت أحد الامرين وهو أما موجبية عدم الانزال مع الشهوة لعدم وجوب الغسل، أو عدم وجوب الغسل في صورة النزاع، لثبت عدم وجوب الغسل في فصل النائم والمغمى عليه، عملا بالعلة السالمة عن المعارض دعواه، واللازم منتف فينتفي أحدهما، وإنما كان يلزم انتفاء موجبية عدم الانزال مع الشهوة لعدم وجوب الغسل. أما إذا كان الواقع انتفاء موجبيته لعدم وجوب

(1) كذا في النسخ.

[ 173 ]

الغسل فظاهر، وأما إذا كان الواقع انتفاء عدم وجوب الغسل في صورة النزاع فلأن ما ذكرناه (1) وهو الانزال مطلقا حينئذ يكون موجبا لوجوب الغسل لما ذكرنا من الدوران السالم عن معارضة عدم وجوب الغسل في صورة النزاع، فيظهر من هذا أن المدار إذا كان معينا (2) والمقابل له شئ يتخلف عنه ضد المدعى تم وإلا فلا. الفرع الثاني: إذا تيقن الخارج مني وجب الغسل، سواء خرج دافقا أو لا، بشهوة أو لا، في يقظة أو نوم، بعلة كالضرب أو لا، لأن السبب وهو الخروج موجود في الجميع. ولو اشتبه اعتبره الصحيح، باللذة والدفق وفتور الجسد، لرواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام وقد تقدمت (3). ولأن هذه الأمور مقارنة للمني في أغلب الأحوال، فمع حصول الاشتباه يستند إليها. أما المريض فلا يعتبر الدفق في حقه لضعف قوته، فالدفق غير ملازم للمني في حقه فلا يستند إليه، ولا بد من الآخرين. لما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا، ثم يمكث الهوين بعد فيخرج؟ قال: (إن كان مريضا فليغتسل، وإن لم يكن مريضا فلا شئ عليه) قال: قلت له: فما الفرق بينهما؟ قال: (لأن الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية وإن كان مريضا لم يجئ إلا بعد) (4). وروى الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا؟ قال: (ليس بشئ إلا أن يكون مريضا فإنه يضعف فعليه الغسل) (5).

(1) (1) (ق) (ح): ذكرناه. (2) في أكثر النسخ: معيبا.
(3) تقدمت في ص 165.
(4) التهذيب 1: 369 حديث 1124، الاستبصار 1: 110 حديث 365، الوسائل 478 الباب 8 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 368 حديث 1120، الاستبصار 1: 109 حديث 363، الوسائل 1: 477 الباب 8 من >

[ 174 ]

الثالث: لو أحس بانتقال المني عند الشهوة، فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل. وهو قول أكثر الفقهاء (1) خلافا لأحمد (2)، فإنه أوجب الغسل وأنكر رجوع الماء. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله في خبر أم سليم قال: (إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل) (3) علق الرؤية. وما رواه أبو داود، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام: (أن فضخت الماء فاغتسل) (4) والفضح: خروجه على وجه الشدة، وقيل خروجه بالعجلة (5). وبالجملة فالحكم معلق على الجروح، فينتفي عند انتفائه. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى في المنام حتى يجد الشهوة وهو يرى أنه قد احتلم فإذا استيقظ لم ير في ثوبه الماء ولا في جسده؟ قال: (ليس عليه الغسل) (6). احتج أحمد بأن الجنابة تباعد الماء عن محله لأن الجنابة في اللغة البعد وقد وجد، ولأن الغسل تراعى فيه الشهوة وقد حصلت بانتقاله، فأشبه ما لو ظهر (7). والجواب عن الأول: أنه لا يصح، لجواز أن يسمى جنبا لمجانبة الماء، وذلك لا

< أبواب الجنابة، حديث 2. (1) المجموع 2: 140، المغني 1: 231، ميزان الكبرى 1: 120، مغني المحتاج 1: 71، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 233.
(2) المغني 1: 231، ميزان الكبرى 1: 120، المجموع 2: 140، الكافي لابن قدامة 1: 71، منار السبيل 1: 38، الإنصاف 1: 230، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 233.
(3) صحيح مسلم 1: 250 حديث 311، سنن ابن ماجة 1: 197 حديث 600.
(4) سنن أبي داود 1: 53 حديث 206.
(5) منار السبيل 1: 38، المغني 1: 231. (6) التهذيب 1: 120 حديث 316، الاستبصار 1: 109 حديث 362، الوسائل 1: 479 الباب 9 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(7) المغني 1: 231، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 233.

[ 175 ]

يحصل إلا بخروجه منه، ولمجانبته المساجد والصلاة والقرآن وغيرها. وعن الثاني: بالمنع من اعتبار الشهوة وقد بينا فيما مضى (1) سلمنا لكن مراعاتها لا يلزم منه استقلالها به، فإن أحد وصفي العلة وشرط الحكم مراعى له، ولا يستقل بالحكم ويبطل بما إذا وجدت الشهوة من غير انتقال، فإنها لا تستقل للحكم مع مراعاتها فيه. الرابع: لو خرج المني بعد الانتقال والامساك لزمه الغسل، سواء اغتسل أو لم يغتسل، لوجود السبب وهو الخروج، وسواء قارنته الشهوة أو لا، وسواء بال أو لا. وقال بعض الجمهور في الذي أحس بانتقال المني فأمسك ذكره واغتسل ثم خرج منه المني من غير مقارنة شهوة بعد البول: لا غسل عليه (2). وهو قول أبي يوسف (3) وقال أبو حنيفة ومحمد: عليه الغسل (4). وهو قولنا لما قدمناه (5)، ولأمر النبي صلى الله عليه وآله بالغسل عند رؤية الماء وفضخه، وقد وجد في هذه الحالات. وكذا لو خرج منه الماء فاغتسل ثم خرج أيضا شئ آخر منه وجب أن يعيد الغسل، ذهب إليه علماؤنا، وبه قال الشافعي (6). وقال أبو حنيفة: إذا خرج قبل البول وجب أن يعيد الغسل، لأنه بقية ما خرج بالدفق والشهوة، وإن خرج بعد البول لم يجب به الغسل، لأنه خرج بغير دفق ولا شهوة (7). وبه قال الأوزاعي (8). وقال

(1) تقدم في ص 171.
(2) المغني 1: 232.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 67، بدائع الصنائع 1: 37، شرح فتح القدير 1: 54 55.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 67، شرح فتح القدير 1: 54، بدائع الصنائع 1: 37.
(5) تقدمت في ص 171.
(6) الأم 1: 37، المحلى 2: 7، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125، ميزان الكبرى 1: 120، المجموع 2: 139، المغني 1: 233.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 67، ميزان الكبرى 1: 120، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 139، شرح فتح القدير 1: 55، المغني 1: 233. >

[ 176 ]

مالك: لاغسل عليه سواء خرج بعد البول أو قبله، لأنه اغتسل منه فلا يجب أن يغتسل منه مرة أخرى (1). وعنه في الوضوء روايتان (2)، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد وإسحاق (3). وهو غلط لأن الاعتبار بخروجه كسائر الاحداث. ولو تقطر من بوله نقطة بعد نقطة أعاد الوضوء، واعتبار الشهوة قد بينا بطلانه (4). الخامس: لو رآى أنه قد احتلم فاستيقظ فلم يجد منيا لم يجب عليه الغسل. وأجمع عليه كل من يحفظ عنه العلم، لأنه لم يحصل السبب وهو الخروج، ولا اعتبار برؤيا (5) النائم في إيجاب الأحكام على المكلف. ولما روى الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل كان يرى في المنام حتى يجد الشهوة وهو يرى أنه قد احتلم فإذا استيقظ لم ير في ثوبه الماء ولا في جسده؟ قال: (ليس عليه الغسل). وقال: (كان علي عليه السلام يقول: إنما الغسل من الماء الأكبر فإذا رآى في منامه ولم ير الماء الأكبر فليس عليه غسل) (6). وروي في الصحيح، عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال: (إن أنزلت فعليها الغسل وإن لم تنزل فليس عليها الغسل) (7).

< (8) المغني 1: 233، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234. (1) المحلى 2: 7، ميزان الكبرى 1: 120، المجموع 2: 139، المغني 1: 233.
(2) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 61.
(3) المجموع 2: 139.
(4) تقدم في ص 171.
(5) (خ): برؤية.
(6) التهذيب 1: 120 حديث 316، الاستبصار 1: 109 حديث 362، الوسائل 1: 479 الباب 9 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 123 حديث 331، الاستبصار 1: 107 حديث 352، الوسائل 1: 472 الباب 7 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 177 ]

السادس: لو استيقظ الرائي فوجد المنى وجب الغسل، لأنه منه ولا اعتبار بالعلم بالخروج في وقته، لما رواه الجمهور، عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما؟ قال: (يغتسل) وعن الرجل أنه قد احتلم ولا يجد بللا؟ قال: (لا غسل عليه) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يرى في ثوبه المني بعدما يصبح ولم يكن رأي في منامه أنه احتلم؟ قال: (فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته) (2) وفي سماعة قول (3)، إلا أن روايته هذه متقبلة عند الأصحاب والنظر يؤيدها، فيجب المصير إليها. السابع: لو استيقظ فرآى مذيا لم يجب عليه الغسل، لأن الحكم معلق على المني. وقال أبو حنيفة ومحمد: يجب الغسل احتياطا تذكر الاحتلام أو لم يتذكر (4). وقال أبو يوسف: لا غسل عليه حتى يستيقن الاحتلام (5). وكلاهما ضعيفان. الثامن: لو وجد بللا لا يتحقق أنه مني لم يجب عليه شئ، لأن الطهارة متيقنة والحدث مشكوك فيه، فلا اعتبار به وهو قول مجاهد وقتادة (6). وقال أحمد في بعض الروايات: إذا وجد بلة اغتسل إلا أن يكون قد لاعب أهله فربما خرج منه المذي فلا بأس به. وكذلك إن كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية لا غسل عليه. وهو قول

(1) سنن الترمذي 1: 189 حديث 113، سنن أبي داود 1: 61 حديث 236، نيل الاوطار 1: 281، مسند أحمد 6: 256.
(2) التهذيب 1: 367 حديث 1118، الاستبصار 1: 111 حديث 367، الوسائل 1: 480 الباب 10 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(3) مرة ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 84. (4 5) المبسوط للسرخسي 1: 69، بدائع الصنائع 1: 37.
(6) المغني 1: 234، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 232. *

[ 178 ]

الحسن. وإن لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل (1). والحق ما قلناه أولا، وهذا التفصيل لا نعرفه لعدم الدلالة. التاسع: الحكم إنما يتعلق بالبالغ أو ممن قاربه، كابن ثلاث عشرة سنة أو إثني عشر فإذا وجد مثل هؤلاء المني بعد الاستيقاظ نسبت إليهم، لأن الصبي ها هنا وجد دليل البلوغ، وهو محتمل. أما إذا كان أقل من ذلك، بحيث لا يحتمل أنه منه غالبا، حمل على أنه من غيره، فلا يلحقه الحكم. العاشر: لو احتلم فاستيقظ فلم ير شيئا لكن خرج بعد استيقاظه، أو مشي فخرج منه المني، وجب عليه الغسل لوجوب السبب. الحادي عشر: لو رآى منيا في ثوبه فإن اختص به وجب عليه الغسل، وذكر شارح الطحاوي خلافا بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف فيمن وجد على ثوبه (2) منيا، فقال أبو حنيفة ومحمد: عليه الغسل، وخالف أبو يوسف. لنا: ما رواه الجمهور أن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبهما (3)، ورواية سماعة وقد تقدمت ولأنه لا يحتمل أن يكون من غيره. أما لو شاركه في الثوب غيره فلا غسل عليه ولا على الآخر، لأن كل واحد منهما بانفراده يحتمل ألا يكون منه، فوجوب الغسل عليه مشكوك فيه. نعم يستحب، الغسل لهما احتياطا. وروى الشيخ، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب بثوبه منيا ولم يعلم أنه احتلم؟ قال: (يغسل ما وجد بثوبه وليتوضأ) (4).

(1) المغني 1: 234، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 232.
(2) (خ) (ن) (د): فراشه.
(3) المغني 1: 235، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 231.
(4) التهذيب 1: 367 حديث 1117، الاستبصار 1: 111 حديث 369، الوسائل 1: 480 الباب 10 من أبواب الجنابة، حديث 3.

[ 179 ]

الثاني عشر: قال الشيخ في المبسوط: يعيد المنفرد بالثوب كل صلاة من عند آخر غسل رفع به الحدث، هذا بالنظر إلى كونه جنبا، أما بالنظر إلى حكم الثوب، فالواجب أن يعيد الصلوات التي صلاها من آخر نومة نامها فيه، لأنه لا يقوم إلى الصلاة إلا مع غلبة الظن أن ثوبه طاهر، قال: ولو قلنا أنه لا يجب عليه إعادة شئ من الصلوات بالنظر إلى الثوب خاصة كان قويا، وهو الذي أعمل به لأن إيجاب الاعادة يحتاج إلى دليل شرعي، ولما ثبت من عدم الاعادة على المصلي في النجس إذا كان جاهلا إلا إذ كان في وقته (1). فتلخص من هذا أن الشيخ يذهب إلى وجوب الاعادة عليه من آخر غسل، وليس بجيد. والحق أنه يعيد الصلاة من آخر نومة إلا أن يرى إمارة تدل على القبيلة، فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها، لأن الصلاة قبل ما حددناه وقعت مشروعة، فلا يبطلها التجويز المتجدد. الثالث عشر: هل يجوز لواجد المني في الثوب المشترك الائتمام بصاحبه في الصلاة؟ قال بعض الجمهور: لا، لعلمنا بأن أحدهما جنب فلا تصح صلاتهما (2). وعندي فيه إشكال، فإن الشارع أسقط نظره عن هذه الجنابة ولم يعتد بها في أحكام الجنب، فإن لكل واحد منهما الدخول في المساجد، وقراءة العزائم، وغير ذلك من المحرمات على الجنب، فلو كان حكم الجنابة باقيا لما ساغ ذلك. وعلى تقدير التسليم، فصلاة الامام صحيحة قطعا كما لو لم يأتم، والمأموم أتم بالصلاة يعلم صحتهما شرعا فساغ ذلك، ومع التسليم، فالذي ذكروه يقتضي بطلان صلاة المأموم خاصة. الرابع عشر: لو خرج منى الرجل من فرج المرأة بعد الاغتسال لم يجب عليها الغسل، سواء جامعها في فرجها أو في غيره فنزل فيه، ثم خرج. وهو مذهب قتادة،

(1) المبسوط 1: 28.
(2) المغني 1: 235، المجموع 2: 143، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 232.

[ 180 ]

والأوزاعي، وإسحاق (1). وقال الحسن: تغتسل (2). وقال الشافعي: تتوضأ (3). لنا: أنه ليس منها فأشبه غير المني. وروى الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبي عبد الله عليه السلام عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال: (لا) (4). الخامس عشر: لو أمذى لم يجب عليه شئ، لأن المذي عندنا طاهر بلا خلاف بين علمائنا أما الجمهور القائلون بنجاسته فقد اختلفوا فيه، فقال الشافعي: يجب غسل موضع المذي خاصة، لأنه خارج لا يوجب غسل جميع البدن، فلا يوجب غسل ما لم يصيبه (5). وقال مالك: يجب عليه غسل الذكر (6). وقال أحمد: يجب عليه غسل الذكر والانثيين (7)، لما رووه عن علي عليه السلام وقد سأل له المقداد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (يغسل ذكره ويتوضأ) (8) وفي رواية أخرى: (يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ) (9). والجواب: قد بينا في طرقنا أنه لا وضوء فيه. السادس عشر: لو خرج المنى من ثقبه في الاحليل غير المعتاد، أو في خصيتيه، أو

(1) المجموع 2: 151، المغني 1: 235، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 232.
(2) المغني 1: 235 المحلى 2: 7، المجموع 2: 151، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 232.
(3) المجموع 2: 151. (4) التهذيب 1: 146 حديث 413، الوسائل 1: 482 الباب 13 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(5) المجموع 2: 144.
(6) المجموع 2: 144، المدونة الكبرى 1: 12، بلغة السالك 1: 62، المحلى 1: 106.
(7) المغني 1: 194، الكافي لابن قدامة 1: 70، عمدة القارئ 3: 219، المجموع 2: 144.
(8) صحيح مسلم 1: 247 حديث 303، سنن أبي داود 1: 53 حديث 207، سنن النسائي 1: 213.
(9) سنن أبي داود 1: 54 حديث 208.

[ 181 ]

في صلبه، فالأقرب وجوب الغسل، لقوله عليه السلام: (إنما الماء من الماء) (1). ويحتمل إحالته على الخارج من السبيلين. وهو قول الشافعية (2). مسألة: والجماع في الفرج سبب موجب للجنابة على الرجل والمرأة، وحده: التقاء الختانين، والمراد به المحاذاة، ويعلم بغيبوبة الحشفة، سواء أنزل أو لم ينزل. وهو مذهب عامة العلماء إلا داود ونفرا يسيرا من الصحابة شرطوا الانزال (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) (4). وعنها أنها قالت: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلنا (5). وعنها أنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) (6). وفي حديث عمر أنه قال: من خالف ذلك فقد جعلته نكالا (7). وروى مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا

(1) صحيح مسلم 1: 269 حديث 343، سنن الترمذي 1: 186 حديث 112، سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، سنن النسائي 1: 115، سنن الدارمي 1: 194، كنز العمال 9: 540، حديث 27325، سنن أبي داود 1: 56 حديث 217.
(2) المجموع 2: 140.
(3) المغني 1: 236، ميزان الكبرى 1: 120، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 20، المجموع 2: 136، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 96، نيل الاوطار 1: 278.
(4) مسند أحمد 6: 239.
(5) سنن أبي ماجة 1: 199 حديث 608، نيل الاوطار 1: 278. (6) صحيح مسلم 1: 271 حديث 349، نيل الاوطار 1: 278، جامع الأصول 8: 160.
(7) المغني 1: 236، عمدة القارئ 3: 354.

[ 182 ]

قعد بين شعبها الأربع فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل) (1) وهذا نص، قال الازهري (2): أراد بين شعبتي رجليها وشعبتي شفريها (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألت متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال: (إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم) (4). وروي في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل، قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) قلت: التقاء الختانين غيبوبة الحشفة؟ قال: (نعم) (5). وروي في الصحيح، عن علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها، أعليها غسل؟ قال: (إذا وضع الختان على الختان فقد وجب الغسل، البكر وغير البكر) (6).

(1) صحيح مسلم 1: 271 حديث 348.
(2) أبو منصور محمد بن أحمد بن طلحة. بن الازهر الازهري، الهروي اللغوي الاديب الشافعي، صاحب (تهذيب اللغة) وغيره من المصنفات، روى عن البغوي ونفطويه وأبي بكر بن السراج. مات سنة 370 ه‍. العبر 2: 135، بغية الوعاة: 8.
(3) المغني 1: 236.
(4) التهذيب 1: 118 حديث 310، الاستبصار 1: 108 حديث 358، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 118 حديث 311، الاستبصار 1: 108 حديث 359، الوسائل 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 118 حديث 312، الاستبصار 1: 109 حديث 360، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 3.

[ 183 ]

وفي الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي عليه السلام: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه السلام: (أتوجبون عليه الرجم والحد ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان، فقد وجب عليه الغسل) فقال عمر: القول ما قاله المهاجرون ودعوا ما قالت الأنصار (1). فروع: الأول: لو جامع في دبر المرأة ولم ينزل، قال السيد المرتضى: يجب الغسل (2)، وبه قال الشافعي (3). وقال الشيخ في المبسوط: لأصحابنا فيه روايتان: الوجوب وعدمه (4). وقال في النهاية: فإن جامع فيما دون الفرج لم يجب الغسل إلا مع الانزال (5)، قال ابن إدريس: إن أراد بالفرج ما يعم القبل والدبر معا فصحيح، وإلا فلا (6). والأقرب ما ذهب إليه السيد المرتضى. لنا: قوله تعالى: (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا) (7) والتيمم بدل من الغسل فوجوبه تابع لوجوب الأصل، والملامسة هي الجماع مطلقا، خرج عنه ما

(1) التهذيب 1: 119 حديث 314، الوسائل 1: 470 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 5.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 180.
(3) الأم 1: 37، المهذب للشيرازي 1: 29، المجموع 2: 136.
(4) المبسوط 1: 27.
(5) النهاية: 19.
(6) السرائر: 21.
(7) النساء: 43، المائدة: 6.

[ 184 ]

ليس بمعتاد، لعدم انصراف اللفظ إليه، فيبقى الباقي على حكمه. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال: إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم) (1) أشار بذلك على الادخال في الفرج وهو موضع الحدث، سواء كان قبلا أو دبرا، وقول علي عليه السلام: (أتوجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا من ماء) وهذا يدل من حيث المفهوم على الوجوب بوطئ الدبر. احتج الشيخ بما رواه أحمد بن محمد (2)، عن البرقي (3) رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، وإن أنزل فعليه الغسل ولا غسل عليها) (4). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أعليها غسل إن هو أنزل ولم تنزل هي؟ قال: (ليس

(1) التهذيب 1: 118 حديث 310 الاستبصار 1: 108 حديث 358، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن علي البرقي: أبو جعفر، أصله كوفي وكان ثقة في نفسه، يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل، له كتب، منها: (المحاسن) قاله النجاشي. عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الامام الجواد (ع) وبعنوان: أحمد بن عبد الله، من أصحاب الامام الهادي (ع). توفي سنة 274 ه‍. رجال النجاشي: 76، رجال الطوسي: 398، 410.
(3) أبو عبد الله: محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الرضا (ع) قائلا بعد عد نفر: محمد بن خالد البرقي ثقة، هولاء من أصحاب أبي الحسن موسى (ع)، وأخرى من أصحاب الجواد قائلا: محمد بن خالد البرقي من أصحاب موسى بن جعفر والرضا (ع). رجال الطوسي: 386، 404.
(4) التهذيب 1: 125 حديث 336، الاستبصار 1: 112 حديث 371، الوسائل 1: 481 الباب 12 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 185 ]

عليها غسل، وإن لم ينزل هو فليس عليه غسل) (1). والجواب عن الأول: إنها مرسلة، فلا تعارض ما ذكرناه. وعن الثاني: إنا نقول بموجبه، ونمنع من اختصاص اسم الفرج بالقبل. الثاني: لو وطئ الغلام في دبره، قال السيد المرتضى: يجب الغسل (2). وقال الشيخ في المبسوط: لأصحابنا فيه روايتان (3)، وعندي فيه تردد والأقرب ما قاله السيد، وهو قول الشافعي (4)، وأبي حنيفة (5)، وأحمد (6). استدل السيد عليه بالاجماع، قال: كل من أوجب الغسل بوطئ دبر المرأة أوجبه بوطئ دبر الغلام، وقد بينا الحكم الأول، فيثبت الثاني. ويدل عليه أيضا: قول علي عليه السلام: (أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء) ولأنه دبر آدمي فأشبه دبر المرأة. والشيخ تمسك بالاصل وهو ضعيف مع وجود ما ينافيه. الثالث: هل يجب على المرأة الموطوءة في الدبر الغسل مع عدم الانزال؟ فيه تردد، ويلوح من كلام ابن إدريس الوجوب (7)، ويدل عليه كلام أمير المؤمنين عليه السلام، فإن الحد والرجم مشترك بينهما، وهو قول الشافعي (8)، وأبي حنيفة (9)، وأحمد (10).

(1) التهذيب 1: 124 حديث 335، الاستبصار 1: 111 حديث 370، الوسائل 1: 481 الباب 11 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 181.
(3) المبسوط 1: 27.
(4) المجموع 2: 132، مغني المحتاج 1: 69.
(5) بدائع الصنائع 1: 36، شرح فتح القدير 1: 56.
(6) المغني 1: 238، الكافي لابن قدامة 1: 71، الانصاف 1: 235، منار السبيل 1: 39.
(7) السرائر: 20. (8) الأم 1: 37، المجموع 2: 136.
(9) بدائع الصنائع 1: 36، الهداية للمرغيناني 1: 17، شرح فتح القدير 1: 56. >

[ 186 ]

وكذا الغلام الموطوء، يجب عليه الغسل. الرابع: لو وطئ بهيمة، قال الشيخ في المبسوط والخلاف: لا نص فيه (1)، فلا يتعلق به الحكم، وهو قول أبي حنيفة (2)، خلافا للشافعي (3)، وأحمد (4)، وكلام الشيخ قوي. الخامس: لا فرق في الموطوء الآدمي بين أن يكون طائعا أو مكرها، ونائما، أو مستيقظا وكذا الواطئ وحيا، أو ميتا، خلافا لأبي حنيفة فإنه لم يوجب الغسل بوطئ الميتة (5). لنا: إنه إيلاج فرج في فرج حصل معه الالتقاء، فيجب الغسل، عملا بالاحاديث السالفة ولأنه إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي فيجب الغسل كالحي. احتج أبو حنيفة بأنه وطئ غير مقصود، فلا يتعلق الحكم به (6). والجواب: المنع من عدم القصد، ضرورة (7) توقف الفعل عليه، إلا أن يعني بالقصد ما يكون متعلق الشهوة غالبا فينتقض بالعجوز والشوهاء. ولو كان جماعه للميتة بعد، غسلها لم يعد وهو أحد وجهي الشافعي (8).

< (10) المغني 1: 237، الانصاف 1: 235. (1) المبسوط 1: 28، الخلاف 1: 24 مسألة 59.
(2) بدائع الصنائع 1: 37، الهداية للمرغيناني 1: 17، شرح فتح القدير 1: 56، عمدة القارئ 3: 253، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 117، المغني 1: 237.
(3) الأم 1: 37، المهذب للشيرازي 1: 29، المجموع 2: 132، مغني المحتاج 1: 69، فتح الوهاب 1: 18، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 117.
(4) المغني 1: 237، الانصاف 1: 235.
(5) شرح القدير 1: 56، عمدة القارئ 3: 253، المغني 1: 237، المجموع 2: 136.
(6) المغني 1: 237، المجموع 2: 137. الشرح الكبير بهامش المغني 1: 235.
(7) (ح) (ق): لضرورة.
(8) المجموع 2: 135.

[ 187 ]

السادس: لو غيب بعض الحشفة ولم ينزل لم يتعلق به حكم، لأنه لم يوجد التقاء الختانين ولا ما هو في معناه، لأن غيبوبة الحشفة شرط للوجوب، لرواية محمد بن إسماعيل الصحيحة، قلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: (نعم) (1) ولم يوجد، فينتفي الوجوب. السابع: لو انقطعت الحشفة، أو لم يكن له خلقة، فأولج الباقي من ذكره بقدر الحشفة وجب الغسل، وتعلق به أحكام الوطئ من المهر وغيره، لرواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم) (2) وإن كان أقل من ذلك لم يجب. الثامن: لو أولج ذكره في قبل خنثى مشكل، أو أولج الخنثى المشكل ذكره، أو وطأ أحدهما الآخر في قبله، قال الشافعي: لا يجب الغسل لاحتمال أن يكون زائدا، ومع الانزال يختص الغسل بالمنزل ولو اشترك (3). وفيه إشكال من حيث تعلق الحكم بالتقاء الختانين من غير اعتبار الزيادة والأصالة. أما لو أولج الرجل في دبر الخنثى فإنه يجب الغسل عند السيد وهو الحق، وبه قال الشافعي (4). التاسع: لو وطئ الصبي أو [ وطئت ] (5) الصبية ففي تعلق الحكم بهما نظر. قال أبو حنيفة وأبو ثور: يستحب لهما الغسل لعدم تعلق الإثم بهما فلا يتصور الوجوب في حقهما، ولأن الصلاة التي يجب الطهارة لها غير واجبة عليهما، فأشبهت

(1) التهذيب 1: 118 حديث 311، الاستبصار 1: 108 حديث 359، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 118 حديث 310، الاستبصار 1: 108 حديث 358، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(3) المهذب للشيرازي 1: 29.
(4) المهذب للشيرازي 1: 29، المجموع 2: 132.
(5) في النسخ: وطئ

[ 188 ]

الحائض (1). وقال أحمد بالوجوب، عملا بقوله عليه السلام: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) (2) ولا نعني بالوجوب التأثيم بتركه، بل معناه أنه شرط لصحة الصلاة، والطواف، وإباحة قراءة العزائم، وإنما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه، ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة لم يأثم، والصبي لا صلاة عليه فلا يأثم بالتأخير، وبقي في حقه شرطا كما في حق الكبير، وإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيا، كالحدث الأصغر ينقض الطهارة في حق الكبير والصغير (3). وهو الاقوى. أصل: الكفار مخاطبون بفروع العبادات في الأمر والنهي معا، خلافا للحنفية مطلقا ولبعض الناس في الاوامر (4). لنا: المقتضي وهو العموم موجود كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) (5) (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) (6) والمانع وهو الكفر لا يصلح أن يكون مانعا، لأن الكافر متمكن من الاتيان بالايمان أولا حتى يصير متمكنا من الفروع كما في حق المحدث، ولقوله تعالى: (قالوا لم نك من المصلين) (7) ولقوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) (8) وذلك عائد إلى كل ما تقدم، وقوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) (9) ذمهم على الجميع، وقوله: (ويل للمشركين الذين

(1) المغني 1: 238.
(2) مسند أحمد 6: 239.
(3) المغني 1: 238. (4) بدائع الصنائع 1: 35.
(5) آل عمران: 97.
(6) البقرة: 21.
(7) المدثر: 43.
(8) الفرقان: 68.
(9) القيامة: 31، 32.

[ 189 ]

لا يؤتون الزكاة) (1). ولأن النهي يتناوله، فيحد على الزنى فيتناوله الأمر، لأن التناول ثم إنما كان لتمكنه من استيفاء المصلحة الحاصلة بسبب الاحتراز من المنهي عنه للمناسبة والاقتران، فوجب أن يكون متمكنا من استيفاء المصلحة الحاصلة بسبب الاقدام على المأمور به، واحتجاجهم بأنه لو وجبت الصلاة لكانت أما حال الكفر أو بعده، والأول باطل لامتناعه، والثاني باطل للاجماع على سقوط القضاء لما فات حالة الكفر، ولأنه لو كان واجبا لوجب القضاء كالمسلم، والجامع تدارك المصلحة المتعلقة بتلك العبادات، ضعيف. أما الأول فلانا لا نعني بتكليفهم في الدنيا الاقدام على الصلاة مع الكفر ولا وجوب القضاء، بل يتناول العقاب لهم في الآخرة على ترك الفروع، كما حصل لهم على ترك الايمان، وحينئذ يندفع ما ذكروه. وعن الثاني: بالمنع من الملازمة، فإن القضاء يجب بأمر جديد، وقياسهم منتقض بالجمعة. وأيضا: الفرق واقع، لأن في حق الكافر لو أمر بالقضاء، حصل التنفر له عن الاسلام. العاشر: إذا حصل السبب للكافر لحقه الحكم بمعنى تناوله (2) العقاب في الآخرة، فإذا أسلم يسقط عنه ما كان واجبا عليه ها هنا، سواء اغتسل في حال كفره أو لم يغتسل، وهو اختيار الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: يسقط الغسل عنه لكن يستحب له (4).

(1) فصلت: 6، 7.
(2) (خ) (م): تناول.
(3) المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 152، المغني 1: 239. (4) بدائع الصنائع 1: 35، المبسوط للسرخسي 1: 90، المغني 1: 239، المجموع 2: 152، نيل الاوطار 1: 282.

[ 190 ]

لنا: أنه جنب بعد الاسلام، فيمنع من الصلاة إلا بالغسل، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (1) وهو عام. وأيضا: قوله عليه السلام: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) (2) ولأنه لو كان محدثا حدثا أصغر لم يجز له الدخول في الصلاة إلا بالطهارة، فكذا في الغسل، ولأنه على تقدير أن لا يكون مكلفا لا يلزم عدم الغسل، لأن عدم التكليف غير مانع من الوجوب كالصبي والمجنون. احتجوا بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر أحدا بالغسل، مع كثرة من أسلم من البالغين، وهم غالبا لا يكادون يسلمون عن حدث الجنابة (3). وبقوله عليه السلام: (الاسلام يجب ما قبله) (4). والجواب عن الأول بالمنع من ترك الأمر، فإن قوله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) عام، وقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (5) عام أيضا. ولو سلمنا ترك أمرهم به على التفصيل، لكن لما علموا من دينه أنهم بعد الاسلام مأمورون بأحكامه، ومن جملة تلك الأحكام الصلاة المشترطة بالطهارة، لا جرم كان ذلك كافيا في الأمر لهم. على أنه قد نقل أنهم أمروا بذلك. روى أبو داود، عن قيس بن عاصم (6) قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله أريد الاسلام فأمرني أن اغتسل (7).

(1) المائدة: 6.
(2) مسند أحمد 6: 239.
(3) المغني 1: 239، نيل الاوطار 1: 282، المجموع 2: 152.
(4) مسند أحمد 4: 199، 204، 205.
(5) المائدة: 6.
(6) قيس بن عاصم بن سنان ين منقر التميمي المنقري، يكنى أبا علي، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه ابناه حكيم وحصين، وابن إبنه خليفة بن حصين، والأحنف بن قيس. أسد الغابة 4: 219، الاصابة 3: 252، الاستيعاب بهامش الاصابة 3: 232.
(7) سنن أبي داود 1: 98 حديث 355.

[ 191 ]

وروي، عن سعد بن معاذ (1) وأسيد بن حضير (2) حين أراد الاسلام أنهما سألا مصعب بن عمر (3) وأسعد بن زرارة (4)، كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قالا: نغتسل ونشهد شهادة الحق (5). وذلك يدل على استفاضة الأمر بالغسل، ولا موجب إلا ما ذكرناه. الحادي عشر: حكم المرتد حكم الكافر في وجوب الغسل عليه. وهو مذهب علمائنا أجمع، لوجود السبب في حقه. الثاني عشر: لا يبطل الغسل بالارتداد لعدم الدليل عليه، ولأن حدث الجنابة قد زال بالغسل، والتقدير أنه لم يتجدد موجب آخر، ومع زوال الحدث لا يعود إلا بإعادة السبب.

(1) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس. الاوسي الأنصاري سيد الاوس أسلم على يد مصعب بن عمير لما أرسله النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة شهد بدرا ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا فمات، شيعه النبي صلى الله عليه وآله وقال: إن الملائكة حملته. أسد الغابة 2: 296، الاصابة 2: 37.
(2) اسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس. الأنصاري الاشهلي يكنى أبا يحيى. أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير، كان ممن ثبت يوم أحد، روى عنه كعب مالك وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك، مات سنة 20 ه‍ وقيل 21 ه‍. الاصابة 1: 49، أسد الغابة 1: 92.
(3) مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. القرشي العبدري، يكنى أبا عبد الله كان من السابقين إلى الاسلام. ومن المهاجرين إلى الحبشة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن، أسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ شهد أحدا ومعه لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل به شهيدا سنة 3 ه‍. الاصابة 3: 421، أسد الغابة 4: 368، العبر 1: 6.
(4) أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك الأنصاري الخزرجي وهو من أول الأنصار إسلاما، وهو أول من بايع النبي صلى الله عليه وآله ليلة العقبة، مات في السنة الأولى من الهجرة. أسد الغابة 1: 71، الاصابة 1: 34.
(5) المغني 1: 240، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 238.

[ 192 ]

الثالث عشر: لا اعتبار بغسل الكافر في حال كفره، ويجب عليه تجديده بعد الاسلام. وهو أحد قولي الشافعي (1). وقال أبو حنيفة (2): يرتفع حدثه. وهو القول الآخر للشافعي (3). لنا: أنه عبادة مفتقرة إلى نية، وهي غير صحيحة في حقه، لعدم معرفته بالله تعالى. ولأن الجنابة إحدى الحدثين فلا ترتفع حال الكفر كالحدث الأصغر. الرابع عشر: لو استدخلت ذكر الرجل وجب الغسل وإن كان نائما على إشكال. ولو استدخلت ذكرا مقطوعا أو ذكر بهيم (4) ففي الغسل إشكال، وعند الشافعي (5) وجهان. ولو استدخلت ماء الرجل لم يجب عليها الغسل. وهو أظهر قولي الشافعي (6)، وله وجه أنه يجب، لأن المقتضي للغسل في الالتقاء [ إفضاءه ] (7) إلى الانزال غالبا (8). الخامس عشر: لو لف على ذكره خرقة وأولج، فالأقرب وجوب الغسل. وهو الأظهر من مذهب الشافعي (9)، لأن التحاذي موجود، وفي وجه آخر، إن كانت الخرقة لينه وجب، وإن كانت غليظة خشنة لم يجب (10)، لانتفاء الاستمتاع. ولو استمتع بما دون الفرج كالسرة والفم وغيرهما لم يجب الغسل إلا بالانزال

(1) المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 153.
(2) المغني 1: 240، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 238.
(3) المغني 1: 240، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 238، المهذب للشيرازي 1: 30.
(4) كذا في النسخ، والأنسب: بهيمة. (5) المجموع 2: 133، وفيه: ولو استدخلت ذكر بهيمة.
(6) المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 151.
(7) في النسخ: أفضاه، ولعل الأنسب ما أثبتناه.
(8) المجموع 2: 151.
(9) المجموع 2: 134، مغني المحتاج 1: 69، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 118.
(10) المجموع 2: 134 فتح العزيز بهامش المجموع 2: 119.

[ 193 ]

لأن الاستمتاع بما دون الفرج لم يجعل له حكم الايلاج في شئ من الأحكام المتعلقة بالوطئ، مثل الحد، والتحليل والتحصين، وتقرير المهر، وتحريم المصاهرة، فلا يلحق به إيجاب الغسل. البحث الثاني: في كيفية الغسل مسألة: النية شرط في الغسل من الجنابة، لما سبق في الوضوء (1)، ووقتها عند غسل اليدين، لأنه بداية (2) أفعال الطهارة، ويتضيق عند غسل الرأس، لأنه لو جاز التأخير عنه لزم حصول بعض الغسل من غير نية فلا يكون مجزيا. ويشترط استدامتها حكما كما قلنا في الوضوء (3)، ويكفيه أن ينوي مع الوجوب والقربة رفع الحدث وإن لم يذكر السبب. ولو اجتمعت الأسباب فالوجه أنه كذلك، أما لو اجتمع غسل الجنابة والجمعة لم يكف النية للغسل المتقرب به مطلقا، لأن غسل الجمعة ليس برافع للحدث. كذا ذكره الشيخ في المبسوط (4). ولو اجتمع غسل الحيض مثلا مع الجنابة هل يجب التعيين؟ فيه إشكال، والوجه أنه لا يجب، وبعض الفروع المتقدمة في الوضوء آتية ها هنا. مسألة: والواجب في الغسل ما يسمى غسلا، قاله الشيخ: ولو كالدهن (5).

(1) تقدم في ص: 7.
(2) (خ): بدأ به في.
(3) تقدم في ص: 15.
(4) المبسوط 1: 19.
(5) النهاية: 22.

[ 194 ]

ونحن نشترط فيه جريان أجزاء الماء عى أجزاء المحل ليتحقق المسمى، ويجب إيصال الماء إلى جميع البشرة، ولو كان بعض أجزاء البدن بحيث لا يصل الماء إليه إلا بالتخليل وجب، لأن الواجب الايصال، فما يتوقف عليه يكون واجبا. وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: (تبدأ بكفيك، ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا، ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى الماء عليه فقد طهره) (1) وهذا يدل على بقاء ما لم يجر الماء عليه على النجاسة، عملا بالاستصحاب السالم عن معارضة جريان الماء. وفي هذا الحديث دلالة على اشتراط الجريان في الغسل وذلك يوضح ما ذكرناه أولا. وروي أيضا في الحسن، عن زرارة قال: فقال: (فما جرى عليه الماء فقد أجزأه) (2). وروى الشيخ في الحسن، عن حجر بن زائدة (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار) (4).

(1) التهذيب 1: 132 حديث 365، الاستبصار 1: 123 حديث 420، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 1. (2) التهذيب 1: 133 حديث 368، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(3) أبو عبد الله حجر بن زائدة الحضرمي، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)، ثقة، صحيح المذهب، قاله النجاشي وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) ونقل العلامة المامقاني أخبارا واردة في ذمه وأجاب عنها. رجال النجاشي: 148، رجال الطوسي: 179، تنقيح المقال 1: 255.
(4) التهذيب 1: 135 حديث 373، الوسائل 1: 463 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 195 ]

فرع: يجب أن يتولى الغسل بنفسه، لأنه مخاطب به إلا مع الضرورة، ويكره الاستعانة وقد تقدم (1) في الوضوء. مسألة: ويجب الترتيب في غسل الجنابة، يبدأ برأسه ثم بجانبه الايمن، ثم الايسر. وهو مذهب علمائنا خاصة. لنا: ما روته عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخلل شعره، فإذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده (2). وما روته ميمونة، قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وضوء الجنابة، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم ضرب بيده على الارض أو الحائط مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض الماء على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيديه (3)، وهذان متفق عليهما. وروى الجمهور، عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفيرتي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين) (4) رواه مسلم. إذا ثبت هذا، فنقول: لما وجب تقديم غسل الرأس بفعله عليه السلام عقيب الاجمال، وبقوله: (ثم تفيضين) وهي للترتيب، وجب تقديم الجانب الايمن على الايسر. *) هامش) * (1) تقدم في الجزء الأول ص 311.
(2) صحيح البخاري 1: 76، سنن البيهقي 1: 175.
(3) صحيح البخاري 1: 77، سنن البيهقي 1: 177 مع تفاوت يسير. (4) صحيح مسلم 1: 259 حديث 330 وفيه: ضفر رأسي.

[ 196 ]

أما أولا: فلما روته عائشة قالت: كان عليه السلام إذا اغتسل من الجنابة بدأ بشقه الايمن ثم الايسر (1). وروت: أنه عليه السلام كان يحت التيمن في طهوره (2). وأما ثانيا: فلأن الاجماع واقع على إبطال ترتيب الرأس دون غيره، وبطلانه لا يجوز أن يكون بسقوط الترتيب، لما بيناه من وجوب تقديم الرأس، فوجب أن يكون بسقوط الترتيب بين الجانبين. وأما ثالثا: فلأنه عليه السلام رتب لأفضليته، ولما روته عائشة، فيجب اتباعه فيه، لأن فعله في معرض البيان. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، قال: قلت له: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: (إن لم يكن أصاب كفه مني غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه، ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه) (3) وحرف (ثم) يفيد الترتيب. وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: (تبدأ بكفيك، ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا، ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى الماء فقد طهر) (4). وروي في الحسن، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من اغتسل من جنابة ولم يغسل رأسه [ ثم بدا له أن يغسل رأسه ] (5) لم يجد بدا من إعادة

(1) صحيح البخاري 1: 73، صحيح مسلم 1: 255 حديث 318، سنن أبي داود 1: 62 حديث 240.
(2) صحيح مسلم 1: 226 حديث 268، صحيح البخاري 1: 53 بتفاوت يسير.
(3) التهذيب 1: 133 حديث 368، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 132 حديث 365، الاستبصار 1: 123 حديث 420، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) أضفناه من المصدر.

[ 197 ]

الغسل) (1) ولو لم يكن الترتيب واجبا، لجاز غسل الرأس من غيره إعادة. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن هشام، قال: كان أبو عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة ومعه أم إسماعيل (2)، فأصاب من جارية له فأمرها، فغسلت جسدها وتركت رأسها، فقال لها: (إذا أردت أن تركبي فاغسلي رأسك) ففعلت ذلك، فعلمت بذلك أم إسماعيل، فحلقت رأسها، فلما كان من قابل انتهى أبو عبد الله عليه السلام إلى ذلك المكان، فقالت له أم إسماعيل: أي موضع هذا؟ قال لها: (هذا الموضع الذي أحبط الله فيه حجك عام أول) (3) فأمره لها بغسل جسدها، ثم بغسل رأسها بعد الركوب يدل على سقوط الترتيب. لأنا نقول: إن الراوي قد وهم هاهنا، فإنه لا امتناع أن يكون الراوي سمع: اغسلي رأسك فإذا أردت الركوب فاغسلي جسدك، فعكس للاشتباه. ويدل عليه: ما رواه هشام بن سالم أيضا في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسطاطه وهو يكلم امرأة فأبطأت عليه، فقال: (أدنه هذه أم إسماعيل جاءت وأنا أزعم أن هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجها عام أول، كنت أردت الاحرام، فقلت: ضعوا إلى الماء في الخباء فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبت منها، فقلت: اغسلي رأسك وامسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك، فإذا أردت الاحرام فاغسلي جسدك ولا تغسلي رأسك

(1) التهذيب 1: 133 حديث 369، الاستبصار 1: 124 حديث 421، الوسائل 1: 506 الباب 28 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(2) أم إسماعيل، وهي: فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين المعروف بالحسين الأصغر وهي أم إسماعيل، وعبد الله وأم فروة من أولاد الامام الصادق عليه السلام. الارشاد 2: 200.
(3) التهذيب 1: 134 حديث 370، الاستبصار 1: 124 حديث 422، الوسائل 1: 507 الباب 28 من أبواب الجنابة، حديث 4.

[ 198 ]

فتستريب مولاتك، فدخلت فساط مولاتها فذهبت تتناول منه شيئا فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها وضربتها، فقلت لها: هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجك) (1). ولأنها طهارة تراد لأجل الصلاة فيجب فيها الترتيب كالوضوء، والقياسات التي ذكرناها في الوضوء آتية هاهنا. ولأنا نقول: شئ من الطهارة واجب، وغير المرتب ليس بواجب، فيجب المرتب، وإلا لزم شمول عدم الوجوب المنفي بالاتفاق. وأيضا: الطهارة واجبة بالاجماع، وغير المرتب ليس بواجب بالاجماع، فغير المرتب ليس طهارة. فروع: الأول: لا ترتيب على المرتمس في الماء، ولا على الواقف تحت الميزاب أو المطر أو المجرى على قول الشيخ، ونقل عن بعض الأصحاب، الترتيب حكما (2). وابن إدريس أسقط عن المرتمس خاصة (3). لنا: على السقوط: الأصل، ولأنه امتثل الأمر بالاغتسال، وهو لا يستلزم الترتيب إلا في الموضع الذي ثبت فيه النص. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده) (4).

(1) التهذيب 1: 134 حديث 371، الاستبصار 1: 124 حديث 423، الوسائل 1: 508 الباب 29 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) المبسوط 1: 29. (3) السرائر: 25.
(4) التهذيب 1: 148 حديث 422، الوسائل 1: 503 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 199 ]

وروي في الحسن، عن الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله) (1). وروي في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل الجنب هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر (2) حتى يغسل رأسه وجسده، وهو يقدر على ما سوى ذلك؟ قال: (إن كان يغسله اغتسالة في الماء أجزأه ذلك) (3). الثاني: الجنب طاهر إذا خلا بدنه من النجاسة فلو لمس شيئا برطوبة لم يتعلق به حكم، ولو غمس يده وهي طاهرة في الاناء لم يفسد الماء، وكذا باقي أعضائه. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو يوسف: إن أدخل يده لم يفسد الماء وإن أدخل رجله فسد، لأن المعالجة باليد في محل الحاجة فعفي عنها (5). قال المفيد: لا ينبغي للجنب أن يرتمس في الماء الراكد، فإنه إن كان قليلا أفسده، وإن كان كثيرا خالف السنة (6). وفساده مع القلة إسناده إلى ما ذهب إليه من عدم قوة التطهير عن القليل إذا ارتفع به حدث الجنابة، ونحن لما كان هذا عندنا ضعيفا لا جرم، سقط عنا هذا الفرع. ويدل على ما قلناه أيضا: ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن ميسر، قال:

(1) التهذيب 1: 148 حديث 423، الاستبصار 1: 125 حديث 424، الوسائل 1: 504 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 12.
(2) (ن) (د): القطر.
(3) التهذيب 1: 149 حديث 424، الاستبصار 1: 125 حديث 425، الوسائل 1: 504 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 10.
(4) الأم (مختصر المزني) 8: 5.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 53، المغني 1: 246.
(6) المقنعة: 6.

[ 200 ]

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان؟ قال: (يضع يده ويتوضأ ويغتسل، هذا مما قال الله عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1) (2). وأما مخالفته بالارتماس في الكثير للسنة، فلما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء ويستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الانسان من بول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟ فكتب: (لا توضأ من مثل هذا الماء إلا من ضرورة (3) إليه). الثالث: لو أخل بالترتيب وجب عليه إعادة ما أخل به وما بعده، ليحصل الترتيب، لأنه شرط، ومع فقدانه لا اعتداد بالفعل، ولرواية حريز الصحيحة وقد بيناها في الدلالة على وجوب الترتيب (4). الرابع: لو اغتسل المرتب وبقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء، أجزأه مسح تلك اللمعة بيده بالماء بحيث يحصل مسمى الغسل إذا كانت في الجانب الايسر، وكذا إذا كانت في الجانب الايمن، لكن يجب عليه الاعادة على الايسر. أما الإجزاء، فلما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (اغتسل [ أبي ] (5) من الجنابة، فقيل له: قد بقيت لمعة من ظهرك لم

(1) الحج: 78.
(2) التهذيب 1: 149 حديث 425، الوسائل 1: 113 الباب 8 من أبواب الماء المطلق، حديث 5.
(3) التهذيب 1: 150 حديث 427، الاستبصار 1: 9 حديث 11، الوسائل 1: 120 الباب 9 من أبواب الماء المطلق، حديث 15.
(4) تقدم في ص 196.
(5) أضفناه من المصدر.

[ 201 ]

يصبها الماء؟ قال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده) (1). وأما الاعادة فليحصل الترتيب. وعن أحمد رواية بوجوب استئناف ماء جديد (2)، وهو باطل عندنا، لأن المستعمل لا يخرج عن كونه طاهرا، والحنفية (3) وإن قالوا بنجاسة المستعمل إلا أن البدن كالعضو الواحد، فصار كما لو جرى الماء من أعلى العضو إلى أدناه. ولنا من طريق الجمهور: ما رووه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء فدلكها بشعره (4). ورووا، عن علي عليه السلام أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: إني اغتسلت من الجنابة وصليت ثم أصحبت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: (لو كنت مسحته بيدك أجزأك) (5). الخامس: لو اغتسل غير المرتب كالمرتمس، ثم وجد اللمعة ففي وجوب الاعادة نظر، وكان والدي (6) رحمة الله يذهب إلى الوجوب، لأن المأخوذ عليه الارتماس دفعة واحدة بحيث يصل الماء إلى سائر الجسد في تلك الدفعة لقول أبي عبد الله عليه السلام: (إذا ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه) (7) ومن المعلوم عدم الإجزاء مع عدم الوصول.

(1) التهذيب 1: 365 حديث 1108، الوسائل 1: 524 الباب 41 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) المغني 1: 254.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 46، بدائع الصنائع 1: 35، 38.
(4) سنن ابن ماجة 1: 217 حديث 663 بتفاوت يسير.
(5) سنن ابن ماجة 1: 218 حديث 664.
(6) يوسف بن علي بن المطهر الحلي، والد المصنف، كان فقيها، محققا، من مشايخ ولده وقد أكثر النقل عنه في كتبه. أمل الآمل 2: 350، تنقيح المقال 3: 336.
(7) تقدم في ص 199.

[ 202 ]

ويمكن أن يقال بالاجزاء مع غسل تلك اللمعة، لأن الترتيب سقط في حقه، وقد غسل أكثر بدنه فأجزأه، لقول أبي عبد الله عليه السلام: (فما جرى عليه الماء فقد أجزأه) (1) وفي الأول قوة. السادس: المرأة كالرجل في الاغتسال لتساويهما في تناول الأمر. ولو كان في رأسها حشو، فإن كان دهنا أو حشوا رقيقا لا يمنع وصول الماء، أجزأها صب الماء، وإن كان ثخينا وجب إزالته. مسألة: وإذا وصل الماء إلى أصول الشعر أجزأ، ولو لم يصل إلا بالتخليل وجب، ولو لم يصل إلا بحله وجب في الرجل والمرأة معا، ولا يجب عليها الحل مع الوصول، ولا نعرف خلافا في أن الماء إذا وصل لم يجب الحل إلا ما روي عن عبد الله بن عمرو (2). وقال المفيد: وإذا كان شعر المرأة مشدودا حلته (3). يريد به إذا لم يصل الماء إليه إلا بعد حله. كذا ذكره الشيخ (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: (لا) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن محمد الحلبي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة) (6). ورواه بإسناد آخر، عن محمد الحلبي، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام،

(1) تقدم في ص 196.
(2) صحيح مسلم 1: 260 حديث 331، سنن البيهقي 1: 181.
(3) المقنعة: 6.
(4) التهذيب 1: 147.
(5) صحيح مسلم 1: 259 حديث 330.
(6) التهذيب 1: 147 حديث 416، الوسائل 1: 521 الباب 38 من أبواب الجنابة، حديث 4.

[ 203 ]

عن أبيه، عن علي عليهم السلام (1). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (حدثتني سلمى (2) خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: كان أشعار نساء النبي صلى الله وآله قرون رؤسهن مقدم رؤسهن، وكان يكفيهن من الماء شئ قليل، فأما النساء الآن فقد ينبغي لهن أن يبالغن في الماء) (3). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا مس الماء جلدك فحسبك) (4). وأما وجوب الحل مع عدم الوصول، فلأن الايصال الواجب لا يتم إلا به. وكذا لو كان في يده خاتم ضيق، أو في يد المرأة سوار أو دملج ضيق لا يصل الماء إلا بتحريكه وجب، وإلا استحب طلبا للاستقصاء. فروع: الأول: غسل المسترسل من الشعر واللحية غير واجب، بل الواجب غسل البشرة المستورة به سواء كان الشعر خفيفا أو كثيفا. وبه قال أبو حنيفة (5). وقال

(1) التهذيب 1: 147، حديث 417 الوسائل 417، الوسائل 1: 521 الباب 38 من أبواب الجنابة، (2) سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي مولاة صفية بنت عبد المطلب، وهي امرأة أبي رافع، ويقال إنها أيضا مولاة للنبي صلى الله عليه وآله، وكانت قابلة بني فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وقابلة إبراهيم ابن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي التي غسلت فاطمة (ع) مع زوجها علي (ع) ومع أسماء بنت عميس، وشهدت خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وآله، روى عنها عبيد الله بن أبي رافع. أسد الغابة 5: 478، الاصابة 4: 333، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 327.
(3) التهذيب 1: 147 حديث 419، الوسائل 1: 521 الباب 38 من أبواب الجنابة، حديث 1:.
(4) التهذيب 1: 137 حديث 381، الاستبصار 1: 123 حديث 417، الوسائل 1: 341 الباب 52 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(5) المغني 1: 260، التفسير الكبير 11: 158.

[ 204 ]

الشافعي (1): يجب. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) (2) مع أن شعرها ضفرة، ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (الجنب ما جرى عليه الماء عليه من جسده قليلة وكثيرة فقد أجزأه) (3). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن وقت غسل الجنابة كم يجزي من الماء؟ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل بخمسة أمداد وبينه وبين صاحبته، ويغتسلان جميعا من إناء واحد) (4). ولأنه لو وجب بله لوجب نقضه، ليعلم أن الغسل أتى عليه. ولأنه ليس جزءا من الحيوان، لعدم حياته ونجاسته بالموت، ولا ينقض الوضوء الوضوء مسه من المرأة، ولا تطلق بطلاقه، فكان كالثوب. احتجوا (5) بقوله عليه السلام: (بلو الشعر) (6). والجواب: إن راويه الحارث بن وجيه (7) وحده، وهو ضعيف، الرواية عن مالك

(1) الأم 1: 42، المغني 1: 260، التفسير الكبير 11: 158.
(2) صحيح مسلم 1: 259 حديث 330.
(3) التهذيب 1: 137 حديث 380، الاستبصار 1: 123 حديث 416، الوسائل 1: 511 الباب 31 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 137 حديث 382، الاستبصار 1: 122 حديث 412، الوسائل 1: 512 الباب 32 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) المغني 1: 260.
(6) سنن البيهقي 1: 179، كنز العمال 9: 553 حديث 27379، المغني 1: 260، أحكام القرآن، للجصاص 3: 376، نيل الاوطار 1: 311.
(7) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 305.

[ 205 ]

بن دينار (1). الثاني: يجب غسل الحاجبين والأهداب، لأن الوصول إلى البشرة لا يتم إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. وكذا كل شعر من ضرورة غسل بشرته غسله، وجب غسله. الثالث: لو ترك غسل المسترسل من الشعر واللحية، ثم قطعه أجزأ غسله إجماعا، أما عندنا فظاهر، وأما القائلون بالوجوب فلأنه لم يبق في بدنه شئ غير مغسول (2). الرابع: يستحب تخليل الاذنين مع وصول الماء إلى ظاهرهما وباطنهما احتياطا، ولو لم يصل إلا به وجب لأن الوصول واجب لا يتم إلا بالتخليل، فيجب. مسألة: ويجب عليه إيصال الماء إلى جميع الظاهر من بدنه دون البواطن منه بلا خلاف، فلو أخل بشئ منه لم يجز ولم يرتفع حدثه، ولو كان في محل أعضاء الوضوء لم يكف الوضوء منه. ولو كان على بدنه نجاسة عينية وجب إزالتها أولا، فلو أجرى ماء الغسل عليها فإن أزالها وجب عليه إجراء ماء طاهر على المحل، لأنهما فرضان مختلفان فلا يؤديان بغسل واحد، ولأن الماء الجاري على النجاسة ينفعل بالنجاسة، فلا يطهر المحل ولا ما بعده. نعم، الماء المزيل للنجاسة لا يلحقه حكم الاستعمال فيندفع مع النجاسة العينية، لأنه قائم على المحل، وإنما يثبت له وصف الاستعمال بعد انفصاله، على أن الشيخ يسوغ رفع النجاسة بالمستعمل (3).

(1) أبو يحيى: مالك بن دينار البصري الزاهد المشهور، كان يكتب المصاحف بالاجرة، ورى عن أنس، وسعيد بن جبير، والحسن، وروى عنه همام بن يحيى، وجعفر بن سليمان، وعبد الله بن شوذب، وغيرهم. مات سنة 127 ه‍،. قيل: 130 ه‍. شذرات الذهب 1: 173، ميزان الاعتدال 3: 426، الجرح والتعديل 8: 208.
(2) المغني 1: 261، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 253.
(3) المبسوط 1: 11، النهاية: 4.

[ 206 ]

مسألة: قال: علماؤنا: لا تجب الموالاة في الغسل من الجنابة. وهو قول أكثر أهل العلم (1)، ونقل عن ربيعة قال: من تعمد تفريق غسله (2) أعاد. وبه قال الليث، واختلف فيه عن مالك، وفيه لاصحاب الشافعي قول (3). لنا: إنه تطهر فامتثل الأمر بالتطهير فوجب الإجزاء، ولأنه غسل لا يجب فيه الترتيب عندهم، فلا يجب فيه الموالاة كغسل النجاسة. وروى الشيخ في الحسن، عن إبراهيم بن عمر اليماني (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن عليا عليه السلام، لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة وسائر جسده عند الصلاة) (5). مسألة: ويستحب للمغتسل أمور: أحدها: الاستبراء وقد مضى كيفيته (6) وهو اختيار السيد المرتضى (7). وقال الشيخ: إنه واجب على الرجال (8). لنا على عدم الوجوب: الأصل، وقوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (9).

(1) المغني 1: 252، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 249.
(2) (خ): الغسل.
(3) المغني 1: 253، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 249.
(4) إبراهيم بن عمر الصنعاني اليماني، شيخ من أصحابنا ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع). رجال النجاشي: 20، رجال الطوسي: 103، 145.
(5) التهذيب 1: 134 حديث 372، الوسائل 1: 509 الباب 29 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(6) راجع: الجزء الأول ص 254.
(7) نقله عنه في المعتبر 1: 185.
(8) المبسوط 1: 29، الجمل والعقود: 42.
(9) النساء 43.

[ 207 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد، عن أحدهما عليه السلام، قال: سألته عن غسل الجنابة؟ فقال: (تبدأ بكفيك، ثم تغسل فرجك، ثم تصب على رأسك ثلاثا، ثم تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى الماء فقد طهره) (1) ولو كان الاستبراء واجبا لبينه، ولا ينافي ذلك وجوب إعادة الغسل مع تركه عند وجود البلل. الثاني: غسل اليدين ثلاثا وقد مر في باب الوضوء (2). الثالث: المضمضة والاستنشاق. وهو مذهب علمائنا أجمع، ومذهب الشافعي (3)، وأوجبهما أبو حنيفة (4) وأحمد (5)، والبحث فيه تقدم (6). الرابع: إمرار اليد ليس بواجب في الطهارتين لكنه مستحب. وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام (7)، واختاره النخعي، والشعبي، وحماد، والثوري، والأوزاعي (8)، والشافعي (9)، وإسحاق (10)، وأبو حنيفة (11).

(1) التهذيب 1: 132 حديث 365، الاستبصار 1: 123 حديث 420، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) تقدم في الجزء الأول ص 291. (3) الأم 1: 41، الأم (مختصر المزني) 8: 5، المهذب للشيرازي 1: 16، المجموع 2: 197، مغني المحتاج 1: 73، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 161، 166، السراج الوهاج: 21 بداية المجتهد 1: 45، التفسير الكبير 11: 157، المحلى 2: 50، المغني 1: 132.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 62، بدائع الصنائع 1: 34، الهداية للمرغيناني 1: 16، شرح فتح القدير 1: 50، عمدة القارئ 3: 194، تفسير القرطبي 5: 212، بداية المجتهد 1: 45، التفسير الكبير 11: 157، 165، المحلى 2: 50، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 92.
(5) المغني 1: 132، التفسير الكبير 11: 157، نفسير القرطبي 5: 212، المجموع 363، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 92.
(6) راجع: الجزء الأول ص 300.
(7) الخلاف 1: 27 مسألة 71، المعتبر 1: 185، السرائر: 22.
(8) المغني 1: 251، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 247.
(9) الأم 1: 41، مغني المحتاج 1: 74، المهذب للشيرازي 1: 31، المجموع 2: 185، ميزان الكبرى >

[ 208 ]

وقال مالك والمزني: يجب إمرار اليد حيث تنال في الطهارتين (1) (2). واختاره أبو العالية (3). وقال عطاء: في الجنب يفيض عليه الماء؟ قال: لا، بل يغتسل غسلا (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (ولو أن جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده) (6).

< 1: 121، المغني 1: 251، إرشاد الساري 1: 315، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 21.
(10) المغني 1: 251، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 247.
(11) المبسوط للسرخسي 1: 44 45، عمدة القارئ 3: 192، المحلى 2: 30، المغني 1: 251، إرشاد الساري 1: 315، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 247. (1) المدونة الكبرى 1: 27، بداية المجتهد 1: 44، بلغة السالك 1: 63، أحكام القرآن لابن العربي 1: 439، تفسير القرطبي 5: 210، المغني 1: 251، المبسوط للسرخسي 1: 45، المجموع 2: 185، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 185، عمدة القارئ 3: 192، ميزان الكبرى 1: 121، المحلى 2: 30، فتح البارئ 1: 286، إرشاد الساري 1: 315، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 364، التفسير الكبير 11: 165، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 247.
(2) المجموع 2: 185، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 364، تفسير القرطبي 5: 210، عمدة القارئ 3: 192، بداية المجتهد 1: 44، فتح البارئ 1: 286.
(3) المغني 1: 251، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 248.
(4) المغني 1: 251 252.
(5) صحيح مسلم 1: 259 حديث 330، سنن الترمذي 1: 175 حديث 1:، سنن أبي داود 1: 65 حديث 251، سنن ابن ماجة 1: 198 حديث 603، سنن النسائي 1: 131.
(6) التهذيب 1: 148 حديث 422، الوسائل 1: 503 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 209 ]

وفي الحسن، عن الحلبي، عنه عليه السلام: (لو ارتمس ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله) (1). وعن زرارة في الصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ما جرى عليه الماء من جسده قليلة وكثيرة فقد أجزأه) (2). ولأن الأصل عدم الوجوب، ولأنه غسل واجب فلا يجب فيه إمرار اليد كغسل النجاسة، ولأن الماء مطهر بالنص، فإذا صادف محلا قابلا للطهارة أثر، كالاحراق، ومع حصول الطهارة تجوز الصلاة به. احتج مالك بأن الواجب الاغتسال (3)، لقوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (4) ولا يقال: [ اغتسل ] (5) إلا لمن دلك نفسه، ولأن الغسل طهارة عن حدث، فوجب إمرار اليد فيها كالتيمم، ولأنه فعل والفعل لا يتحقق إلا بالدلك، فصار كغسل الثوب. والجواب عن الأول بالمنع من اختصاص الغسل بما يشتمل على الدلك، فإنه يقال: غسل الاناء وإن لم يمر يده ويسمى السيل الكثير غاسولا. وعن الثاني بالفرق، فإنا أمرنا في التيمم بالمسح، لأنه طهارة بالتراب ويتعذر غالبا إمرار التراب إلا باليد. وعن الثالث: إن النجاسة في الثوب حقيقة تخللت أجزاء الثوب فلا يزول، إلا بالدلك والعصر، بخلاف صورة النزاع.

(1) التهذيب 1: 148 حديث 423، الاستبصار 1: 125 حديث 424، الوسائل 1: 504 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 12. في الجميع: إذا ارتمس الجنب.
(2) التهذيب 1: 137 حديث 380، الاستبصار 1: 123 حديث 416، الوسائل 1: 511 الباب 31 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(3) المغني 1: 252 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 248، تفسير القرطبي 5: 210.
(4) النساء: 43.
(5) أضفناه لاستقامة العبارة.

[ 210 ]

قوله: هو فعل، قلنا: مسلم لكنه غير مقصود لذاته، بل المقصود الطهارة وقد حصلت. سلمنا، لكن تمكين اليدين من الماء وتقريبه إليه فعل، فيخرج به عن العهدة بدون الدلك. الخامس: الغسل بصاع فما زاد مستحب عند علمائنا أجمع. وهو اختيار الشافعي (1)، وأحمد (2)، وإحدى الروايتين، عن أبي حنيفة (3)، وفي الأخرى: لا يجزي أقل من صاع (4). وروي، عن محمد أنه قال: لا يمكن للمغتسل أن يعم جميع بدنه بأقل من صاع ولا للمتوضئ أن يسبغ جميع أعضاء وضوئه بأقل من مد (5). لنا: قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (6) وقد أتى به فثبت الإجزاء. وما رواه الجمهور، عن عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وآله من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد [ أو قريبا ] (7) من ذلك (8). ومن طريق الخاصة: رواية زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: (الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه) (9).

(1) الأم (مختصر المزني) 8: 6، المهذب للشيرازي 1: 31، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 189، مغني المحتاج 1: 74، السراج الوهاج: 22.
(2) المغني 1: 257، الانصاف 1: 258، منار السبيل 1: 41.
(3) بدائع الصنائع 1: 35.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 45، المغني: 256، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 191.
(5) بدائع الصنائع 1: 35، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 191.
(6) النساء: 43.
(7) في النسخ: وقريبا. وما أثبتناه من المصدر. (8) صحيح مسلم 1: 256 حديث 44. وفيه: أو قريبا.
(9) الكافي 3: 21 حديث 4، التهذيب 1: 137 حديث 380، الاستبصار 1: 123 حديث 416، الوسائل 1: 511 الباب 31 من أبواب الجنابة، حديث 3.

[ 211 ]

وفي الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله يغتسل بخمسة أمداد بينه وبين صاحبته ويغتسلان جميعا من إناء واحد) (1). احتج أبو حنيفة (2) بما رواه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (يجزي من الوضوء مد ومن الجنابة صاع) (3) والتقدير يدل على أنه لا يحصل الإجزاء بدونه. والجواب: أنه إنما يدل بالمفهوم وأبو حنيفة لا يقول به (4)، ومع ذلك فإن المفهوم إنما يدل إذا لم يخرج مخرج الغالب وها هنا قد خرج محرج الغالب فإنه لا يكفي غالبا أقل منه، ولأن ما ذكرناه من الحديث في الجنابة منطوق وما ذكروه مفهوم، والمنطوق مقدم. وأما الوضوء فقد روى عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ بثلثي مد (5). وهو يعارض حديث الوضوء. وأما استحباب الصاع فلأن فيه إسباغا، ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال) (6) قال الشيخ: أراد به

(1) الكافي 3: 22 حديث 5، التهذيب 1: 137 حديث 382، الاستبصار 1: 122 حديث 412، الوسائل 1: 512 الباب 32 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 45، المغني 1: 256.
(3) مسند أحمد 3: 370، كنز العمال 9: 309 حديث 26152، سنن البيهقي 1: 195، مستدرك الحاكم 1: 161.
(4) المغني 1: 256.
(5) سنن البيهقي 1: 196.
(6) التهذيب 1: 136 حديث 379، الاستبصار 1: 121 حديث 409، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 212 ]

أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي (1). فروع: الأول: لا نعرف خلافا بين علماء الاسلام في إجزاء المد في الوضوء والصاع في الغسل، وإنما الخلاف في قدرهما، فالذي اختاره أصحابنا أن الصاع أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بوزن بغداد (2). وروى الشيخ، عن سليمان بن حفص المروزي، عن أبي الحسن عليه السلام (أن الصاع خمسة أمداد، والمد وزن مأتين وثمانين درهما، والدرهم وزن ستة دوانيق، والدانق ست حبات، والحبة وزن حبتين من شعير من أوسط الحب لا من صغاره ولا من كباره) (3). وروي، عن سماعة قال: كان الصاع على عهد الرسول صلى الله عليه وآله خمسة أمداد، والمد قدر رطل وثلاثة أواق (4) (5). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة

(1) التهذيب 1: 137.
(2) الخلاف 1: 372 مسألة 44.
(3) التهذيب 1: 135 حديث 374، الاستبصار 1: 121 حديث 410، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) الاوقية في الحديث: أربعون درهما وكذلك كان فيما مضى، فأما اليوم فيما يتعارفها الناس ويقدر عليه الاطباء فالأوقية عندهم وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، والجمع: الأواقي. الصحاح 6: 2527.
(5) التهذيب 1: 136 حديث 376، الاستبصار 1: 121 حديث 411، الوسائل 1: 339 الباب 50 من أبواب الوضوء، حديث 4.

[ 213 ]

أرطال) (1) قال الشيخ: أراد به أرطال المدينة (2)، واستدل في الخلاف بإجماع الفرقة على كون الصاع تسعة، والمد رطلين وربعا (3). وقال الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو يوسف، الصاع خمسة أرطال [ وثلث ] (4) بالعراقي، والمد ربع ذلك وهو رطل وثلث (5)، واختاره أحمد (6). وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان (7). الثاني: لو زاد على المد في الوضوء، والصاع في الغسل جاز، ولا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم، وروت عائشة قال: كنت اغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وآله من إناء واحد من قدح يقال له: الفرق (8) (9)، والفرق: ثلاثة آصع، ولأن فيه احتياطا فكان سائغا. الثالث: المد الذي للوضوء غير الصاع، بل الصاع الذي للغسل وحده أربعة أمداد، وهو قول بعض الحنيفة، وقال آخرون منهم: إن معنى قوله: كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، أي يتوضأ بمد في ذلك الصاع، فيبقى الصاع بثلاثة أمداد. وليس بجيد، لأن اللفظ دال على الاغتسال بالصاع، (وثلاثة الأمداد) (10) بعض الصاع لا

(1) التهذيب 1: 136 حديث 379، الاستبصار 1: 121 حديث 409، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء حديث 1.
(2) التهذيب 1: 137.
(3) الخلاف 1: 372 مسألة 44.
(4) أضفناه من المصدر. (5) المغني 1: 255.
(6) المغني 1: 255، الانصاف 1: 258.
(7) المغني 1: 255، عمدة القارئ 3: 196.
(8) الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي إثنا عشر مدا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسط: نصف صاع فأما الفرق بالسكون: فمائة وعشرون رطلا. النهاية لابن الاثير 3: 437.
(9) صحيح البخاري 1: 72، نيل الاوطار 1: 316.
(10) (ح) (ق): وأن ثلاثة أمداد.

[ 214 ]

نفسه، ولأنه سيظهر إن شاء الله تعالى أن لا وضوء مع غسل الجنابة، فسقط ما قالوه بالكلية. الرابع: الصاع وحده كاف في الاستنجاء منه وغسل الذراعين في الغسل، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم وأبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، قالا: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله [ بمد ] (1) واغتسل بصاع) ثم قال: (اغتسل هو وزوجته بخمسة أمداد من إناء واحد) قال زرارة: فقلت: كيف صنع هو؟ قال: (بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها وأنقى فرجه ثم ضربت فأنقت فرجها ثم أفاض هو وأفاضت هي على نفسها حتى فرغا فكان الذي اغتسل به رسول الله صلى الله عليه وآله، ثلاثة أمداد، والذي اغتسلت به مدين وإنما أجزأ عنهما لأنهما اشتركا جميعا، ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع) (2) ولا شك أن التقدير لم يحصل بعد الاغتسال، بل قبله، وذلك يستلزم إدخال المستعمل في غسل الفرجين في المقدار. لا يقال: هذا يدل على عدم إجزاء ما دون الصاع. لأنا نقول: ذلك من حيث المفهوم، فلا يعارض ما قدمناه من المنطوق، ولأنه خرج مخرج الاغلب فلا يدل على النفي. قال أبو حنيفة: يستنجي برطل، ويغسل وجهه وذراعيه برطل، ويصب الماء على رأسه وسائر جسده خمسة أرطال، ويغسل قدميه برطل، فذلك ثمانية أرطال وهي الصاع. وقال بعض أصحابه: يتوضأ بمد سوى الاستنجاء، ويغتسل بصاع غير الاستنجاء أيضا.

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 370 حديث 1130، وفيه فضرب بيده بالماء.، الوسائل 1: 513 الباب 32 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 215 ]

الخامس: يستحب الدعاء، روى الشيخ، عن عمار الساباطي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا اغتسلت من جنابة فقل: اللهم طهر قلبي، وتقبل سعيي، واجعل ما عندك خيرا لي، اللهم اجعلني من المتطهرين، وإذا اغتسلت للجمعة فقل: اللهم طهر قلبي من كل افة تمحق ديني، وتبطل به (1) عملي، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) (2). البحث الثالث: في أحكام الجنب. مسألة: يحرم عليه قراءة العزائم الأربع، وهي (سورة سجدة وآلم التي تلي لقمان) (3) وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. وهو مذهب علمائنا أجمع، وهو قول عمر، والحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي خلافا لداود، وسعيد بن المسيب فإنهما أجازا له قراءة ما شاء (4). لنا: على إبطال قول داود وسعيد ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام، قال: (إن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يحجبه، أو قال: يحجزه عن قراءة القرآن شئ ليس الجنابة) (5).

(1) في التهذيب: بها. وهو الأنسب.
(2) التهذيب 1: 367 حديث 1116، الوسائل 1: 520 الباب 37 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(3) (ح) (ق): سورة لقمان. (م) (ن): سجدة لقمان تلي ألم التي تلي لقمان. وما أثبتناه تلفيق بين النسخ، والموجود في (ح) (ق) وقع في كلام بعض الفقهاء القدماء ويحتمل أن يكون من سهو الناسخ.
(4) المغني 1: 165، المجموع 2: 158.
(5) سنن أبي داود 1: 59 حديث 229، سنن ابن ماجة 1: 195 حديث 194 حديث 594 وفيه: ولا يحجزه عن القرآن شئ إلا الجنابة. سنن النسائي 1: 144، مسند أحمد 1: 84، سنن البيهقي 1: 88، نيل الاوطار 1: 283 حديث 1.

[ 216 ]

وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن) (1). وعلى تحريم السور الأربع: ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن من القرآن ما شاءا إلا السجدة ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين) (2). وما رواه، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الجنب والحائض هل يقرآن شيئا؟ قال: (نعم، ما شاءا إلا السجدة، ويذكران الله على كل حال) (3). فروع: الأول: يتناول التحريم السورة وأبعاضها حتى التسمية إذا نواها منها. الثاني: لا يحرم قراءة غير العزائم. وهو مذهب علمائنا أجمع. وقال الشافعي: يحرم أن تقرأ الحائض والجنب شيئا منه (4). وحكى ابن المنذر عن أبي ثور أن الشافعي أجاز للحائض أن تقرأ وأنكر الشافعية ذلك (5).

(1) سنن الترمذي 1: 236 حديث 131، سنن ابن ماجة 1: 196 حديث 596، سنن البيهقي 1: 89.
(2) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 488 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 17، وص 494 الباب 19 منها، حديث 7.
(3) التهذيب 1: 26 حديث 67، الاستبصار 1: 115 حديث 384، الوسائل 1: 220 الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة، حديث 6. في (ح): هل يقرآن من القرآن. (ح) (ق): البسملة.
(4) المهذب للشيرازي 1: 30، 38، المجموع 2: 158، مغني المحتاج 1: 72، السراج الوهاج: 21، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240، المغني 1: 166، نيل الاوطار 1: 284.
(5) المجموع 2: 356، فتح العزيز هامش المجموع 2: 143.

[ 217 ]

وروى الجمهور كراهة القراءة للجنب، عن علي عليه السلام، وعمر، والحسن والبصري، والنخعي، والزهري، وقتادة (1). وحكي عن ابن عباس أنه قال: يقرأ ورده وهو جنب (2)، وعن سعيد بن المسيب أنه قيل له: يقرأ الجنب؟ فقال: نعم، أليس هو في جوفه (3). وبه قال داود (4)، وابن المنذر (5)، وسووا بين الجنب والحائض. وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول (6) (سبحان الذي سخر لنا هذا) (7) (وقل رب أنزلني منزلا مباركا) (8). وقال مالك: للحائض القراءة دون الجنب، لأن أيامها تطول، فلو منعناها من القراءة نسيت (9). وقال أبو حنيفة: يجوز قراءة ما دون الآية وتحرم الآية (10). وعن أحمد في بعض الآية تفصيل قال: إن كان ذلك البعض مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية، والحمد لله، وسائر الذكر، فإن لم يقصد القرآن فلا بأس به، وإن قصد القراءة أو كان ما قرأه تميز به القرآن عن غيره من

(1) المغني 1: 165.
(2) المغني 1: 165، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240.
(3) المغني 1: 165، المحلى 1: 79، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240.
(4) المجموع 2: 158، 357، المحلى 1: 80 ميزان الكبرى 1: 121، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 21.
(5) المجموع 2: 158.
(6) المغني 1: 165، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240.
(7) الزخرف: 13.
(8) المؤمنون: 29.
(9) بداية المجتهد 1: 49، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 67، 81، المبسوط للسرخسي 3: 152، المغني 1: 165، المجموع 2: 158، 357، فتح العزيز هامش المجموع 2: 143، المحلى 1: 78، عمدة القارئ 3: 274.
(10) المجموع 2: 158، المحلى 1: 78، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 21، ميزان الكبرى 1: 121، نيل الاوطار 1: 284.

[ 218 ]

الكلام، ففيه روايتان إحداهما: المنع، والثانية، الجواز (1). لنا: قوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر منه) (2) وقوله تعالى: (فاقرأ ما تيسر من القرآن) (2) وقوله تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (3). وروى الشيخ في الصحيح، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا بأس أن تتلو الحائض والجنب القرآن) (4). وفي الصحيح، عن عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته أتقرأ النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوط، القرآن؟ فقال: (يقرأون ما شاؤوا) (5). وروي في الصحيح، عن عبد الغفار الحارثي (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: (الحائض تقرأ ما شاءت من القرآن) (7) ولأن الأصل الاباحة.

(1) المغني 1: 165، الكافي لابن قدامة 1: 73، الانصاف 1: 243، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240. (2 3) المزمل: 20.
(4) التهذيب 1: 128 حديث 347، الاستبصار 1: 114 حديث 380، الوسائل 1: 493 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 5.
(5) التهذيب 1: 128 حديث 348، الاستبصار 1: 114 حديث 381، الوسائل 1: 494 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 6.
(6) عبد الغفار بن حبيب الطائي الجازي من أهل الجازية قرية بالنهرين روى عن أبي عبد الله ثقة. قاله النجاشي. عده الشيخ في رجاله لهذا العنوان من أصحاب الصادق ع وبعنوان عبد الغفار الجابرزي ممن لم يرو عنهم، وقال في الفهرست: له كتاب. وقد نقل المحقق المامقاني عن نسخة من رجال الشيخ عنونه ب‍: عبد الغفار بن حبيب الحارثي الجازي. رجال النجاشي: 247، رجال الطوسي: 237، 488، الفهرست: 122، تنقيح المقال 2: 158. (7) التهذيب 1: 128 حديث 349، الاستبصار 1: 114 حديث 382، الوسائل 1: 494 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 8. في التهذيب: الجازي، وفي الوسائل: الجازي (المحاربي).

[ 219 ]

احتج الشافعي (1) وأبو حنيفة (2) برواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله (3). والجواب: إن راويها إسماعيل بن عياش (4)، عن نافع (5)، وضعف البخاري روايته عن أهل الحجاز، وقال: إنما روايته من أهل الشام (6). الثالث: يكره قراءة ما زاد على سبع آيات. وقال في المبسوط: الاحوط أن لا يزيد على سبع أو سبعين (7). وقال بعض الأصحاب: يحرم ما زاد على سبعين (8). روى الشيخ عن سماعة، قال: سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: (ما بينه وبين سبع آيات) (9). وفي رواية زرعة عن سماعة سبعين آية (10)، والروايتان ضعيفتان مع معارضتهما لعموم الإذن المستفاد من الروايات الصحيحة (11).

(1) المهذب للشيرازي 1: 38، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 139، ميزان الكبرى 1: 121.
(2) بدائع الصنائع 1: 38، المبسوط للسرخسي 3: 152. (3) تقدم الحديث في ص: 216.
(4) إسماعيل بن عياش، أبو عتبة الحمصي العنسي من أهل الشام، روى عن شرحبيل بن مسلم، وروى عنه الأعمش وابن المبارك. مات سنة 181 ه‍. ميزان الاعتدال 1: 240، المجروحين 1: 124، الضعفاء والمتروكين 1: 118.
(5) أبو عبد الله نافع العدوي المدني الديلمي، فقيه المدينة مولى عبد الله بن عمر، روى عنه وعن عائشة وأبي هريرة، وروى عنه أيوب وابن جريح والأوزاعي ومالك وعقيل. مات سنة 117 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 99، العبر 1: 113، شذرات الذهب 1: 154.
(6) انظر تضعيف البخاري له في: سنن البيهقي 1: 89 المغني 1: 165.
(7) المبسوط 1: 29.
(8) يظهر ذلك من كلام الشيخ في التهذيب 1: 128، والاستبصار 1: 114.
(9) التهذيب 1: 128 حديث 350، الاستبصار 1: 114 حديث 383، الوسائل 1: 494 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 9.
(10) التهذيب 1: 128 حديث 351، الاستبصار 1: 114 حديث 383، الوسائل 1: 494 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 10. (11) انظر: الوسائل 1: 492 الباب 19 من أبواب الجنابة.

[ 220 ]

مسألة: ويحرم على الجنب مس كتابة القرآن. وهو مذهب علماء الاسلام، لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (1). وفي كتاب النبي صلى الله عليه وآله لعمرو بن حزم: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) (2). ويحرم عليه مس اسم الله تعالى، سواء كان على درهم أو دينار أو غيرهما. روى الشيخ، عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله تعالى) (3) والرواية ضعيفة السند، لكن عمل الأصحاب يعضدها، ولأن ذلك مناسب للتعظيم. ولا يعارض ذلك: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم عليه السلام، قال: سألته عن الجنب والطامث يمسان أيديهما الدراهم البيض؟ قال: (لا بأس) (4) لأنه يمكن أن لا يكون عليها اسم الله تعالى، وإن كان لكن يمس الدراهم لا الكتابة. قال الشيخ والمفيد: ويلحق بالتحريم أسماء الانبياء والائمة عليهم السلام (5) (6). ولم أجد فيه حديثا مرويا، ولو قيل بالكراهية كان وجها.

(1) الواقعة: 79.
(2) الموطأ 1: 199 حديث 1، سنن البيهقي 1: 87 88، أحكام القرآن للجصاص 5: 300، نيل الاوطار 1: 259.
(3) التهذيب 1: 126 حديث 340 الاستبصار 1: 113 حديث 374، الوسائل 1: 491 الباب 18 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 126 حديث 341، الاستبصار 1: 113 حديث 375، الوسائل 1: 492 الباب 18 من أبواب الجنابة، حديث 2 في التهذيب والاستبصار: بأيديهما.
(5) المبسوط 1: 29، مصباح المجتهد: 8، الجمل والعقود: 42.
(6) نقل عنه المحقق في المعتبر 1: 188.

[ 221 ]

فروع: الأول: يكره للجنب مس المصحف وحمله. وهو قول الشيخين (1) وابني بابويه (2). وقال المرتضى: لا يجوز للجنب مس المصحف (3). وبه قال الشافعي (4) وأبو حنيفة (5). لنا: ما رواه الجمهور أنه كتب آية في كتابه إلى قيصر (6)، وهو كافر لا ينفك عن الجنابة، ولا يرتفع عنه لكفره، وهو لا يخلو عن (7) مس القرطاس، ولأن الأصل الجواز. واحتج المخالف (8) بقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (9) وبما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: (لا يمس القرآن، إلا

(1) انظر قول الشيخ الطوسي في: المبسوط 1: 29، والخلاف 1: 18 مسألة 46، وقول الشيخ المفيد في المقنعة: 6.
(2) انظر قول محمد بن علي بن بابويه (الصدوق) في: الهداية: 20، وقول والده نقله المحقق في المعتبر 1: 190.
(3) نقل عنه في المعتبر 1: 190. (4) المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 67، 72، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 97، مغني المحتاج 1: 36، 72، فتح الوهاب 1: 8، المغني 1: 168، بداية المجتهد 1: 41، تفسير القرطبي 17: 226.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 152، بدائع الصنائع 1: 37، الهداية للمرغيناني 1: 31، شرح فتح القدير 1: 149، المغني 1: 168، المجموع 2: 72، بداية المجتهد 1: 49، أحكام القرآن لابن العربي 4: 1739.
(6) صحيح البخاري 4: 54 57، سنن البيهقي 9: 177 178.
(7) (ح) (ق): من.
(8) المغني 1: 168.
(9) الواقعة: 79.

[ 222 ]

طاهر) (1). واحتج السيد المرتضى بما رواه الشيخ، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر، ولا جنبا، ولا تمس خطه ولا تعلقه، إن الله تعالى يقول: (لا يمسه إلا المطهرون) (2)). والجواب عن الأول: إنه إنما يتناول القرآن العزيز ونحن نقول بموجبه، ولا شك في أن الورق والجلد ليسا قرآنا، فلا يتناولهما النهي. وعن رواية السيد بالمنع من صحة السند، فإن في طريقها علي بن الحسن بن فضال، وهو فطحي (3) ولإمكان تناول النهي الكتابة، ولإمكان عدم إرادة التحريم من النهي بل يكون نهي كراهية، لأن السيد وافق على كراهية حمله للمحدث وجواز تعليقه. الثاني: يجوز مس كتب التفسير عدا الآيات. الثالث: يجوز حمله بغلافه، واختلفوا في تفسير الغلاف، فقال بعض الحنفية: المراد به الجلد الذي عليه، وقال آخرون منهم: لو مسه بالكم، جاز، وقال آخرون منهم: الغلاف شئ غير الجلد والكم كالخريطة وغيرها، لأن الجلد تبع المصحف والكم تبع للحامل (4)، والأصح الأول. الرابع: يجوز مس كتابة التوراة والانجيل وقرائتها، خلافا للحنفية (5).

(1) الموطأ 1: 199 حديث 1، أحكام القرآن للجصاص 5: 300، سنن البيهقي 1: 87 88، نيل الاوطار 1: 259.
(2) التهذيب 127 حديث 344، الاستبصار 1: 113 حديث 378، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(3) تقدمت ترجمته والقول فيه في ص: 152.
(4) بدائع الصنائع 1: 34، شرح فتح القدير 1: 149، 150.
(5) شرح فتح القدير 1: 149.

[ 223 ]

لنا: الأصل: ولإنهما منسوخان فأشبها غيرهما. احتجوا بأنا نؤمن (1) بجميع الكتب. والجواب: لا يستلزم تحريم المس، وبالخصوص حيث وقع فيهما التحريف. الخامس: القرآن المنسوخ حكمه، الباقية تلاوته، لا يجوز مسه للجنب والمحدث، لتناول اسم القرآن له، أما المنسوخ حكمه وتلاوته، أو المنسوخ تلاوته، فالوجه أنه يجوز لهما مسهما، لأن التحريم تابع للاسم قد خرجا بالنسخ عنه فيبقى على الأصل. السادس: يجوز للجنب أن يذكر الله، لما رواه الشيخ في الموثق، عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يأكل ويشرب ويقرأ القرآن: قال: (نعم يأكل ويشرب ويقرأ ويذكر الله عزوجل ما شاء) (2) لما رواه ابن بابويه في مناجاة موسى عليه السلام، قال: (يا رب إني أكون في أحوال أجلك أن أذكرك فيها؟ فقال: يا موسى اذكرني على كل حال) (3). وقال محمد بن الحسن: يكره للجنب أن يقول: اللهم إنا نستعينك. مسألة: ولا يجوز له اللبث في المسجد، ولا نعرف فيه خلافا إلا من سلار من أصحابنا، فإنه كرهه (4). لنا: قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (5) والمراد به موضع الصلاة ليتحقق معنى العبور فيه والقرب. وما رواه الجمهور، عن عائشة، قالت: جاء النبي صلى الله عليه وآله وبيوت

(1) (خ) (م) (ن) (د): نعرف.
(2) التهذيب 1: 128 حديث 346، الاستبصار 1: 114 حديث 379، الوسائل 1: 493 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(3) الفقيه 1: 20 حديث 58، الوسائل 1: 220 الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة، حديث 4. (4) المراسم: 42.
(5) النساء: 43.

[ 224 ]

أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذا البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن جميل، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: (لا ولكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله) (2). وما رواه في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (ويدخلان المسجد [ مجتازين ] (3) ولا يقعدان فيه) (4). أصل: الاستثناء من النفي إثبات لأن الاستثناء رفع، ورفع النفي إثبات، لعدم الواسطة، ولأنه لولا ذلك لم يكن قولنا لا إله إلا الله توحيدا، وللنقل. وقوله: لا صلاة إلا بطهور (5) وشبهه، ليس مخرجا من المتقدم وإلا لكان منقطعا، فالتقدير: ألا صلاة بطهور، وهو مسلم. فروع: الأول: يجوز الاجتياز في المسجد لا للاستيطان. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وابن المسيب، وابن جبير، والحسن (6) ومالك (7)،

(1) سنن أبي داود 1: 60 حديث 232، سنن البيهقي 2: 442.
(2) التهذيب 1: 125 حديث 338، الوسائل 1: 485 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 488 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 17.
(5) الفقيه 1: 22 حديث 67، التهذيب 1: 49 حديث 144، وص 209 حديث 605، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 256 الباب 1 من أبواب الوضوء، حديث 1، 6.
(6) المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، المجموع 2: 160.
(7) المدونة الكبرى 1: 32، المجموع 2: 160، المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241.

[ 225 ]

والشافعي (1)، وأحمد (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز العبور فيه وإن كان لغرض إلا مع الضرورة فيتيمم (3). وبه قال الثوري، وإسحاق (4). لنا: قوله تعالى: (إلا عابري سبيل) (5) والاستثناء من النهي إباحة. وما رواه الجمهور، عن عائشة أن رسول الله صلى السلام عليه وآله قال لها: (ناوليني الخمرة (6) من المسجد) قالت: إني حائض، قال: (إن حيضتك ليست في يدك) (7) ولا فرق بين الجنب والحائض في ذلك إجماعا. وعن جابر قال: كنا نمر في المسجد ونحن جنب (8). وعن زيد بن أسلم قال: [ كان ] (9) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يمشون في المسجد وهم جنب (10). ومن طريق الخاصة: رواية جميل، عن الصادق عليه السلام، عن الجنب يجلس في المساجد، قال: (لا ولكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله).

(1) الأم 1: 54، المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 160، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 146، السراج الوهاج: 21، المغني 1: 166، بدائع الصنائع 1: 38، الهداية للمرغيناني 1: 31.
(2) الكافي لابن قدامة 1: 73، الانصاف 1: 244، المغني 1: 166، المجموع 1: 160.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 118، شرح العناية على الهداية بهامش شرح فتح القدير 1: 147، المغني 1: 166، المجموع 2: 166.
(4) المغني 1: 166، المجموع 2: 160، تفسير القرطبي 5: 206.
(5) النساء: 43.
(6) الخمرة: سجادة تعمل من سعف النخيل وترمل بالخيوط. الصحاح 2: 649.
(7) صحيح مسلم 1: 244 حديث 298، سنن أبي داود 1: 68 حديث 261، سنن الترمذي 1: 241 حديث 134، سنن ابن ماجة 1: 207 حديث 632، سنن النسائي 1: 146.
(8) سنن البيهقي 2: 443، سنن الدارمي 1: 265، كنز العمال 8: 323 حديث 23120، 13121 بتفاوت لفظي يسير.
(9) أضفناه من المصدر.
(10) نيل الاوطار 1: 288، المغني 1: 166.

[ 226 ]

وكذا في رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، وقد تقدمتا (1). الثاني: لا يجوز له ولا للحائض الدخول في المسجدين، ولم يفصل الجمهور. لنا: ما رووه من قوله عليه السلام (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (2) وأشار بذلك إلى مسجده، لأن حكاية عائشة تدل عليه، وذلك عام في الدخول والاستيطان. ومن طريق الخاصة: روايتا جميل ومحمد بن مسلم عنهما عليهما السلام، وقد تقدمتا. الثالث: لو احتلم فأحد المسجدين، تيمم للخروج. وهو مذهب علمائنا. لنا: إن المرور فيهما محرم إلا بالطهارة، والغسل غير ممكن، فوجب التيمم. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي حمزة (3)، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما، ولا بأس أن يمر في المساجد، ولا يجلس في شئ من المساجد) (4). تذنيب: الاجود أنه يجب عليه قصد أقرب الأبواب إليه، لاندفاع الضرورة بذلك. الرابع: لا يجوز له وضع شئ في المساجد مطلقا، ويجوز له أخذ ما يريد منهما.

(1) تقدمت الروايتان في ص 224.
(2) سنن أبي داود 1: 60 حديث 232، سنن البيهقي 2: 442. (3) ثابت بن أبي صفية، أبو حمزة الثمالي وأسم أبي صفية: دينار. مولى، كوفي، ثقة، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا الحسن عليهم السلام، وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم. قاله النجاشي، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الأئمة: السجاد والباقر والصادق (ع). وقال عند عداد أصحاب الكاظم (ع): أختلف في بقائه إلى وقت أبي الحسن موسى (ع) مات سنة 150 ه‍. رجال النجاشي: 115، رجال الطوسي: 84، 110، 160، 345.
(4) التهذيب 1: 407 حديث 1280، الوسائل 1: 485 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 6.

[ 227 ]

وهو مذهب علمائنا، إلا سلار فإنه كره الوضع (1). لنا: قوله تعالى: (إلا عابري سبيل) (2). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحيض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: (نعم، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا) (3). الخامس: لو خاف الجنب على نفسه أو ماله، أو لم يمكنه الخروج من المسجد، ولم يجد مكانا غيره، ولم يمكنه الغسل، تيمم وجلس فيه إلى أن تزول الضرورة. وقال بعض الجمهور: لا يتيمم (4). لنا: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (5). وما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن بن مسلم (6) في تأويل قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون (7). ولأن الاستيطان مشروط بالطهارة فوجب له التيمم عند العجز، كالصلاة وسائر ما شرط له الطهارة. احتج المانع بأنه لا يرتفع حدثه مع التيمم، فلا فائدة فيه.

(1) المراسم: 42.
(2) النساء: 43.
(3) التهذيب 1: 125 حديث 339، الوسائل 1: 490 الباب 17 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) المغني 1: 167، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241.
(5) المائدة: 6.
(6) الحسن بن مسلم بن يناق بفتح التحتانية وتشديد النون وآخره قاف المكي، روى عن طاوس ومجاهد وسعيد بن جبير، روى عنه الحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وابن جريج. مات بعد المائة بقليل. تقريب التهذيب 1: 171، الجرح والتعديل 3: 36.
(7) المغني 1: 167، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، تفسير القرطبي 5: 206، أحكام القرآن للجصاص 3: 168، بدائع الصنائع 1: 38.

[ 228 ]

والجواب: سلمنا أنه لا يرتفع، لكنه يقوم مقام ما يرفع الحدث في إباحة ما يستباح به. أصل: إذا أوجب الفعل أو حرمته إلى غاية معينة، كان امتداد الحكم إلى غير تلك الغاية يخرجها عن كونها غاية، وقد ثبتت الغاية بالشرع، فيكون ذلك الاخراج نسخا، بخلاف ما لو قال: صوموا النهار، ثم دل الدليل على وجوب صوم شئ من الليل لم يكن نسخا. آخر: لا يجوز نسخ المقطوع به، قرآنا كان أو سنة متواترة بخبر الواحد، لأن المقطوع به أقوى، فالعمل به متعين عند التعارض، ولأن عمر قال: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (1). وهو موجود في خبر الثقة فيتحقق المنع. والفرق بين التخصيص والنسخ ظاهر، فإن الأول لا يرفع المدلول بالكلية بخلاف الثاني. ورجوع أهل قبا يحتمل أن يكون لانضمام القرائن، كالاعلان إلى خبر المنادى. وانفاذ الرسول عليه السلام الآحاد لتبليغ الأحكام المبتدأة والناسخة إنما يصح إذا لم تضمن نسخ المقطوع، أما إذا تضمن فلا بد من القرآئن. وتحريم النبي صلى الله عليه وآله أكل كل ذي ناب من السباع (2) ليس ناسخا، لقوله تعالى (لاأجد) (3) لأن الآية إنما تتناول المومى إليه إلى تلك الغاية لا ما بعدها، فالنهي الوارد بعدها لا يكون

(1) الأحكام في أصول الأحكام 3: 133، المعتمد في أصول الفقه 1: 398.
(2) انظر: صحيح البخاري 7: 181، صحيح مسلم 3: 1533 حديث 1932، وص 1534 حديث 1933، سنن الترمذي 4: 129 حديث 1560 و 254 حديث 1795، 1796، سنن أبي داود 3: 352 حديث 3790، وص 355 حديث 3802 و 3803، مسند أحمد 2: 236، سنن النسائي 7: 200، سنن الدارمي 2: 84 85، الموطأ 2: 496 حديث 13 14. ومن طريق الخاصة، انظر: الكافي 6: 245 حديث 3، الفقيه 3: 205 حديث 938، التهذيب 9: 38 حديث 162، الوسائل 16: 388 الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(3) الانعام: 145.

[ 229 ]

نسخا. وقوله عليه السلام: (لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها) (1) ليس ناسخا لقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (2) بل هو تخصيص، على أن الأمة تلقته بالقبول: فيخرج عن كونه من الآحاد. السادس: لو توضأ الجنب، لم يجز له الاستيطان في المسجد، وهو مذهب علمائنا القائلين بالتحريم، وهو قول أكثر أهل العلم (3)، خلافا لأحمد، وإسحاق (4). لنا: قوله تعالى: (حتى تغتسلوا) (5) جعل الغاية في المنع الاغتسال، فلو جوزنا له الاستيطان مع الوضوء، خرجت تك الغاية عن كونها غاية، وذلك نسخ لا يجوز بخبر الواحد، ولأن الجنابة حدث أكبر، فلا يجزي في استباحة الدخول معها إلى المسجد الوضوء كالحائض، وقد وافقنا أحمد، وإسحاق في حكم الأصل، فيتم القياس. احتجوا بما رواه زيد بن أسلم، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ، ثم يدخل، فيتحدث (6). ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث، فأشبه التيمم عند عدم الماء. والدليل

(1) صحيح البخاري 7: 15، صحيح مسلم 2: 1029 حديث 1408، وص 1030 حديث 1408، سنن أبي داود 2: 224 حديث 2065، 2066، سنن الترمذي 3: 432 حديث 1225، سنن النسائي 6: 98، سنن ابن ماجة 1: 621 حديث 1929، 1931، مسند أحمد 2: 179، 189، 229، 432، 489، وج 3: 338. ومن طريق الخاصة، انظر: الكافي 5: 424 حديث 2، الوسائل 14: 375 الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، حديث 2.
(2) النساء: 24.
(3) المجموع 2: 160، المغني 1: 168، بداية المجتهد 1: 48، أحكام القرآن للجصاص 3: 168، نيل الاوطار 1: 288.
(4) المغني 1: 168، الكافي لابن قدامة 1: 74، الانصاف 1: 246، عمدة القارئ 3: 226، منار السبيل 1: 37، المجموع 2: 160، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 148، تفسير القرطبي 5: 206، نيل الاوطار 1: 288.
(5) النساء: 43.
(6) المغني 1: 168، نيل الاوطار 1: 288.

[ 230 ]

على الخفة أمره بالوضوء عند النوم، وعند الاكل، ومعاودة الوطئ. والجواب عن الأول: بأنه غير محل النزاع، لأن الدخول غير الاستيطان، فما ذكرتموه لا ينهض في المطلوب، والحديث لا يستلزمه أيضا، لحصوله مع الاجتياز. وعن الثاني: بالمنع من الخفة، فإن الوضوء لا اعتبار له البتة في رفع شئ من أحكام الجنابة، والنوم والأكل والوطئ لا يشترط فيها الطهارة، ثم أنه ينتقض بمس الكتابة وقراءة القرآن. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن القاسم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: (يتوضأ ولا بأس أن ينام في المسجد ويمر فيه) (1). لأنا نقول: هذه الرواية منافية للمذهب ولظاهر التنزيل، فلا بد فيها من التأويل، وذلك بأن يحمل الوضوء على التيمم مجازا، لاشتراكهما في اسم الطهارة أو في الاستباحة، ويحمل ذلك على حالة الضرورة، ومع عدم التأويل يمكن أن تكون هذه الرواية حجة لسلار (2). مسألة: يكره للجنب أشياء: أحدها: النوم قبل الوضوء. وهو مذهب علمائنا أجمع، وهو مروي عن علي عليه السلام، وعبد الله بن عمر (3). وقال ابن المسيب: ينام ولا يمس ماءا (4)، وهو قول أصحاب الرأي (5). لنا: ما رواه الجمهور، قالوا سأل عمر عن النبي صلى الله عليه وآله: أيرقد أحدنا

(1) التهذيب 1: 371 حديث 1134، الوسائل 1: 488 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 18.
(2) المراسم: 42.
(3) المغني 1: 261، عمدة القارئ 3: 243، جامع الأصول 8: 191، المجموع 2: 158.
(4) المغني 1: 261، المجموع 2: 158.
(5) المغني 1: 261، المجموع 2: 158، عمدة القارئ 3: 243.

[ 231 ]

وهو جنب؟ قال: (نعم إذا توضأ) (1). وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أراد أن يأكل أو ينام يتوضأ، يعني وهو جنب (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة، قال: سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم؟ فقال: (إن أحب أن يتوضأ فليفعل، والغسل أفضل من ذلك، وإن هو نام ولم يتوضأ ولم يغتسل فليس عليه شئ) (3). ويدل على أولوية الغسل ما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواقع أهله أينام على ذلك؟ قال: (إن الله تعالى يتوفى الانفس في منامها ولا يدري ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل) (4). وروى ابن بابويه في كتابه، عن عبيد الله الحلبي في الصحيح، قال سأل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل [ أ ] (5) ينبغي له أن ينام وهو جنب؟ قال: (يكره ذلك حتى يتوضأ) (6). وفي حديث آخر قال: (أنا أنام على ذلك حتى أصبح وذلك إني أريد أن أعود) (7).

(1) سنن الترمذي 1: 206 حديث 120، سنن ابن ماجة 1: 193 حديث 585، مسند أحمد 2: 17، 132، جامع الأصول 8: 190، سنن البيهقي 1: 202، سنن النسائي 1: 139، صحيح مسلم 1: 248 حديث 306، صحيح البخاري 1: 80.
(2) صحيح مسلم 1: 248 حديث 305، سنن أبي داود 1: 57 حديث 224، سنن الترمذي 1: 203، جامع الأصول 8: 189، سنن النسائي 1: 138.
(3) التهذيب 1: 370 حديث 1127، الوسائل 1: 502 الباب 25 من أبواب الجنابة، حديث 6. (4) التهذيب 1: 372 حديث 1137، الوسائل 1: 501 الباب 25 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) الفقيه 1: 47 حديث 179، الوسائل 1: 501 الباب 25 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(7) الفقيه 1: 47 حديث 180، الوسائل 1: 501 الباب 25 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 232 ]

احتج المخالف بما روى الأسود (1)، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله ينام وهو جنب لا يمس ماءا (2). ولأنه حدث يوجب الغسل فلا يستحب الوضوء مع بقائه كالحيض. والجواب عن الأول: إن الراوي أبو إسحاق (3)، عن الأسود، عن عائشة، وقد روى جماعة كثيرة، عن الأسود، عن عائشة أنه عليه السلام كان يتوضأ قبل أن ينام (4). رواه شعبة والثوري وقالوا: إنه غلط من أبي إسحاق، قال أحمد: روى أبو إسحاق عن الأسود حديثا خالف فيه الناس فلم يقل أحد عن الأسود مثل ما قد قال، فلو أحاله عن غير الأسود (5). هذا ما قاله أحمد في هذه الرواية، على أن هذه الاحاديث دالة على الجواز، وما رويناه يدل على الاستحباب، وكلاهما لا ينافيان الترك. وعن الثاني: إن حدث الحائض قائم، فلا وضوء مع ما ينافيه. الثاني: يكره له الاكل والشرب قبل المضمضة والاستنشاق أو الوضوء، وخص الشيخان (6) والسيد المرتضى بالمضمضة والاستنشاق (7). وقال ابن المسيب: إذا أراد أن

(1) الأسود بن يزيد بن قيس: أبو عمرو النخعي الكوفي، وهو أخو عبد الرحمن بن يزيد وخال إبراهيم النخعي، روى عن عائشة وعمر وابن مسعود. مات 75 ه‍. أسد الغابة 1: 88 تذكرة الحفاظ 1: 50، العبر 1: 63.
(2) سنن أبي داود 1: 58 حديث 228، سنن الترمذي 1: 202 حديث 118، سنن ابن ماجة 1: 192 حديث 581، مسند أحمد 6: 43، 171.
(3) عمر بن عبد الله الهمداني الكوفي: أبو إسحاق السبيعي، وروى عن البراء بن عازب ومسروق وأسود بن يزيد، وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري. مات سنة 127 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 114، العبر 1: 127، رجال صحيح مسلم 2: 72.
(4) سنن أبي داود 1: 57 حديث 224، سنن النسائي 1: 138، سنن البيهقي 1: 202.
(5) المغني 1: 262.
(6) النهاية: 21، المبسوط 1: 29، وقول المفيد نقله في المعتبر 1: 191. (7) نقل عنه في المعتبر 1: 191.

[ 233 ]

يأكل يغسل كفيه ويتمضمض (1). وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي (2)، وإحدى الروايتين عن أحمد (3). وقال مجاهد: يغسل كفيه (4). وقال مالك: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى (5). لنا: من طريق الجمهور، ما تقدم من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، أيأكل الجنب قبل أن يتوضأ؟ قال: (إنا لنكسل ولكن ليغسل يده، والوضوء أفضل) (7). وقال ابن بابويه: إذا أراد أن يأكل أو يشرب قبل الغسل لم يجز له إلا أن يغسل يده أو يتمضمض ويستنشق، فإنه إن أكل أو شرب قبل ذلك، خيف عليه البرص (8). قال: وروي أن الاكل على الجنابة يورث الفقر (9). وروى ابن يعقوب في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يديه وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب) (10).

(1) المغني 1: 261، عمدة القارئ 3: 243، نيل الاوطار 1: 273.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 73، بدائع الصنائع 1: 38، المغني 1: 261، عمدة القارئ 3: 243.
(3) المغني 1: 261، الانصاف 1: 261، عمدة القارئ 3: 243.
(4) المغني 1: 261، عمده ة القارئ 3: 243، نيل الاوطار 1: 273.
(5) المغني 1: 261، عمدة القارئ 3: 243، نيل الاوطار 1: 273.
(6) تقدم في ص 231.
(7) التهذيب 1: 372 حديث 1137، الوسائل 1: 496 الباب 20 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(8) الفقيه 1: 46 الهداية: 20.
(9) الفقيه 1: 47 حديث 178، الوسائل 1: 496 الباب 20 من أبواب الجنابة، حديث 6.
(10) الكافي 3: 50 حديث 1، الوسائل 495 الباب 20 من أبواب الجنابة، حديث 4 وفي المصادر: يده >

[ 234 ]

وروى ابن بابويه، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام، قال: (إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ) (1). الثالث: ذكر أصحابنا أنه يكره للمحتلم الجماع قبل الغسل (2)، أما تكرير الجماع من غير اغتسال فلا يكره، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يطوف على نسائه بغسل واحد (3). الرابع: الخضاب مكروه وهو اختيار الشيخ (4)، والسيد المرتضى (5)، والمفيد (6). وقال ابن بابويه: ولا بأس أن يختضب الجنب، ويجنب مختضبا، ويحتجم، ويتنور، ويذبح، وينام جنبا إلى آخر الليل، ويلبس الخاتم، وينام في المسجد، ويمر فيه (7). لنا: ما رواه كردين المسمعي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لا يختضب الرجل وهو جنب) (8) وهذا يدل على الكراهية لا التحريم، لما رواه الشيخ، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس أن يختضب الرجل، ويجنب وهو مختضب، ولا بأس بأن يتنور الجنب، ويحتجم، ويذبح، ولا يذوق شيئا

< مكان: يديه. (1) الفقيه 1: 47 حديث 181، الوسائل 1: 495 الباب 20 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(2) الفقيه 3: 256 حديث 1212، المقنعة: 79، السرائر: 307، الشرائع 2: 268. (3) سنن ابن ماجة 1: 194 حديث 588، صحيح مسلم 1: 249 حديث 309، سنن أبي داود 1: 56 حديث 218، سنن الترمذي 1: 259 حديث 140، جامع الأصول 8: 180، مسند أحمد 3: 161، 185، 189، 225، سنن الدارمي 1: 192، سنن البيهقي 1: 204.
(4) المبسوط 1: 29، النهاية: 23.
(5) نقل عنه في المعتبر 1: 192.
(6) المقنعة: 7.
(7) الفقيه 1: 48، المقنع: 14.
(8) التهذيب 1: 181 حديث 518، الاستبصار 1: 116 حديث 387، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 235 ]

حتى [ يغتسل ] (1) يديه ويتمضمض فإنه يخاف منه الوضح) (2). وروي في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: الرجل يجنب فيصيب جسده ورأسه الخلوق والطيب والشئ اللكد مثل علك الروم والطرار وما أشبهه، فيغتسل، فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق والطيب وغيره؟ قال: (لا بأس) (3). وروى ابن يعقوب في كتابه، عن أبي جميلة (4)، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: (لا بأس بأن يختضب الجنب، ويجنب المختضب، ويطلي بالنورة) (5) قال ابن يعقوب: وروي أن المختضب لا يجنب حتى يأخذ الخضاب فأما في أول الخضاب فلا (6). وروى الشيخ، عن أبي سعيد (7) قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: أيختضب الرجل وهو جنب؟ قال: (لا) قلت: فيجنب وهو مختضب؟ قال: (لا) ثم مكث قليلا ثم قال: (يا أبا سعيد أفلا أدلك على شئ تفعله؟ قلت: بلى، قال: (إذا

(1) في النسخ: يغتسل، وما أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 130 حديث 357، الاستبصار 1: 116 حديث 391، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 130 حديث 56، الوسائل 1: 509 الباب 30 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) مفضل بن صالح: أبو جميلة الأسدي النخاس، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع)، وقد مات في حياة الرضا (ع) وضعفه المصنف في الخلاصة وقال: ضعيف كذاب يضع الحديث. رجال الطوسي: 315، رجال العلامة: 258.
(5) الكافي 3: 51 حديث 9، الوسائل 1: 496 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(6) الكافي 3: 51 حديث 9، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(7) لم نعثر على ترجمته أكثر مما في الفهرست بهذا العنوان من دون ذكر اسمه وهو مشترك بين عدة أشخاص. الفهرست: 184، جامع الرواة 2: 390.

[ 236 ]

اختضبت بالحناء وأخذ الحناء مأخذه وبلغ فحينئذ فجامع) (1). وروى الشيخ، عن جعفر بن محمد بن يونس (2) إن أباه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الجنب يختضب أو يجنب وهو مختضب؟ فكتب: (لا أحب له) (3). وروى الشيخ، عن عامر بن جذاعة (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (لا تختضب الحائض ولا الجنب ولا تجنب وعليها خضاب ولا يجنب هو عليه خضاب) (5). وروي، عن أبي المعزا (6)، عن علي، عن العبد الصالح عليه السلام قال: قلت: الرجل يختضب وهو جنب؟ قال: (لا بأس) وعن المرأة تختضب وهي حائض؟ قال: (ليس به بأس) (7) فظهر من الاحاديث الدالة على النهي وعلى الاباحة

(1) التهذيب 1: 181 حديث 517، الاستبصار 1: 116 حديث 386، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(2) جعفر بن محمد بن يونس الاحول الصيرفي مولى بجيلة، روى عن أبي جعفر الثاني، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الجواد (ع) وأخرى من أصحاب الهادي (ع). رجال النجاشي: 120، رجال الطوسي: 399، 412، الفهرست: 43.
(3) التهذيب 1: 181 حديث 519، الاستبصار 1: 117 حديث 392، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 8.
(4) عامر بن جذاعة، عده الشيخ ممن لم يرو عنهم. وقال في الفهرست: له كتاب رويناه عن القاسم بن إسماعيل. رجال الطوسي: 488، الفهرست: 122.
(5) التهذيب 1: 182 حديث 521، الاستبصار 1: 116 حديث 388، الوسائل 1: 498 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 9. (6) حميد بن المثنى العجلي الكوفي يكنى أبا المعزا الصيرفي، ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 133، رجال الطوسي: 179، الفهرست: 60.
(7) التهذيب 1: 183 حديث 525، الاستبصار 1: 116 حديث 390، الوسائل 1: 497 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 7.

[ 237 ]

الكراهية، ولأن الحناء غير مانع عن وصول الماء، لخفته وشدة سيلان الماء. الخامس: الادهان مكروه للجنب، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن حريز بن عبد الله قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: الجنب يدهن ثم يغتسل؟ فقال: (لا) (1). ولأن الدهن غالبا يمنع من التصاق أجزاء الماء بالبدن التصاقا تاما، فكره لذلك. لا يقال: الرواية دالة على المنع المقتضي للتحريم. لأنا نقول: لا نسلم دلالتها على التحريم لقول أبي عبد الله عليه السلام (وكل شئ أمسسته بالماء فقد أنقيته) (2). السادس: نقل ابن بابويه، عن الصادق عليه السلام، عن الباقر عليه السلام، قال: (إني أكره الجنابة حين تصفر الشمس، وحين تطلع وهي صفراء) (3). مسألة: ويكفي غسل الجناسة عن الوضوء سواء أحدث حدثا أصغرا أو لا، وهو مذهب علمائنا أجمع، وأحد قولي (4) الشافعي، وقال في الآخر: لا بد معه من الوضوء (5). وهي رواية عن أحمد (6)، وحكي ذلك عن داود، وأبي ثور (7).

(1) التهذيب 1: 129 حديث 355 و 372 حديث 1138، الاستبصار 1: 117 حديث 393، الوسائل 1: 496 الباب 21 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 370 حديث 1131 وص 148 حديث 422، الوسائل 1: 503 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 5.
(3) الفقيه 1: 47 حديث 182، المقنع: 13، الوسائل 14: 99 الباب 70 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه، حديث 2.
(4) الأم 1: 42، المجموع 2: 193، السرج الوهاج: 22، مغني المحتاج 1: 76، المهذب للشيرازي 1: 32، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 362، عمدة القارئ 3: 191، المغني 1: 250.
(5) المجموع 2: 194، المهذب للشيرازي 1: 32، مغني المحتاج 1: 76، السراج الوهاج: 22، المغني 1: 250. (6) المغني 1: 250، الكافي لابن قدامة 1: 77، الانصاف 1: 259.
(7) نيل الاوطار 1: 306 شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 91، التفسير الكبير 11: 165، فتح الباري 1: 287.

[ 238 ]

لنا: إن الاغتسال غاية في المنع من القربان، فإذا اغتسل وجب أن لا يمنع، وأيضا قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (1) أي: اغتسلوا، باتفاق المفسرين. وما رواه الجمهور، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة) (3). وفي الصحيح، عن حكم بن حكيم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة ثم وصفه قال: قلت: إن الناس يقولون يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل؟ فضحك وقال: (أي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ) (4). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الغسل يجزي في الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل) (5). وروي، عن محمد مسلم، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أن أهل الكوفة يروون، عن علي عليه السلام أنه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة؟ قال: كذبوا على علي ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه السلام، قال الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا (6) (7)).

(1) المائدة: 6.
(2) سنن ابن ماجة 1: 191 حديث 579، سنن الترمذي 1: 179 حديث 107، جامع الأصول 8: 181 حديث 5327، سنن النسائي 1: 137 و 209 مسند أحمد 6: 68 و 192 و 253 و 258.
(3) التهذيب 1: 139 حديث 391، الاستبصار 1: 126 حديث 428، الوسائل 1: 516 الباب 35 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 139 حديث 392، الوسائل 1: 515 الباب 34 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 139 حديث 390، الاستبصار 1: 126 حديث 427، الوسائل 1: 513 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(6) المائدة: 6. >

[ 239 ]

وروي عن عبد الله بن سليمان (1)، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الوضوء بعد الغسل بدعة) (2) أقول: يريد بذلك أن من يعتقد وجوب الوضوء عليه يكون مبدعا. وكذا روي عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الوضوء بعد الغسل بدعة) (3) وفي طريق هذه الرواية عثمان، وهو واقفي (4). وروى الشيخ في الصحيح، عن يعقوب بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء أم لا فيما نزل به جبرئيل عليه السلام؟ فقال: (الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يده (5) إلى المرفقين قبل أن يغمسها في الماء ثم يغسل ما أصابه من أذى، ثم يصب على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله، ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه) (6). وروي في الحسن، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في كل غسلة وضوء إلا الجنابة) (7) ولأنهما عبادتان من جنس واحد، فتدخل الصغرى في الكبرى كالعمرة والحج.

< (7) التهذيب 1: 139 حديث 389، الاستبصار 1: 125 حديث 246، الوسائل 1: 516 الباب 34 من أبواب الجنابة، حديث 5. (1) عبد الله بن سليمان النخعي، كوفي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 265.
(2) التهذيب 1: 140 حديث 395، الوسائل 1: 514 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 6.
(3) التهذيب 1: 140 حديث 396، الوسائل 1: 514 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 9.
(4) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول 39.
(5) وفي المصادر: يديه.
(6) التهذيب 1: 142 حديث 402، الوسائل 1: 515 الباب 34 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 143 حديث 403، و 303 حديث 881، الوسائل 1: 516 الباب 35 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 240 ]

احتج الشافعي بأن رسول الله صلى الله عليه وآله فعله وإن الجنابة والحدث وجدا منه، فوجب لهما الطهارتان كما لو انفردا (1). والجواب عن الأول: إنه معارض برواية عائشة. وعن الثاني: إن التداخل ثابت مع ما يوجب الصغرى، فمع ما يوجب الكبرى أولى. فروع: الأول: لا يستحب الوضوء قبله عندنا، خلافا للشيخ في التهذيب (2)، وأطبق الجمهور على استحبابه قبله (3). لنا أن الاستحباب حكم شرعي فيقف عليه، ولا شرع. واحتج: الجمهور بما رووه عن فعل النبي صلى الله عليه وآله (4). والجواب: المعارضة بما روته عائشة. الثاني: هل يكفي الغسل مطلقا، سواء كان من جنابة أو حيض أو غسل جمعة، عن الوضوء أم لا؟ الأقرب عدم الاكتفاء به. وهو اختيار المفيد (5) والشيخ (6). وقال السيد المرتضى: يكفي وإن كان ندبا (7).

(1) المغني 1: 250، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 257.
(2) التهذيب 1: 140. (3) المجموع 2: 186، المغني 1: 251، الكافي لابن قدامة 1: 76، الانصاف 1: 252، عمدة القارئ 3: 191، المدونة الكبرى 1: 28.
(4) المغني 1: 251، المجموع 2: 186، عمدة القارئ 3: 191.
(5) المقنعة: 6.
(6) النهاية: 23، المبسوط 1: 30.
(7) نقل عنه في المعتبر 1: 196.

[ 241 ]

لنا: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (1) وذلك عام خرج منه غسل الجنابة للنص، فيبقى الباقي على عمومه. لرواية حماد بن عثمان، و ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد تقدمتا. وما رواه الشيخ، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: (إذا أردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل) (2) ولأنهما سببان لأثرين (3) متغايرين لو انفرد كل واحد منها اقتضى أثره، فمع الاجتماع يجب التأثير، لكن العمل به في الجنابة، فيبقى معمولا به في البواقي. احتج السيد المرتضى بما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل) (4). وبما رواه، عن إبراهيم بن محمد (5) أن محمد بن عبد الرحمن الهمداني (6) كتب إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام سألته عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة؟ فكتب: (لا وضوء للصلاة في غسل يوم الجمعة ولا غيره) (7).

(1) المائدة: 6.
(2) التهذيب 1: 142 حديث 401، الاستبصار 1: 127 حديث 434، الوسائل 1: 517 الباب 35 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(3) (م): لأمرين.
(4) التهذيب 1: 139 حديث 390، الاستبصار 1: 126 حديث 427، الوسائل 1: 513 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) إبراهيم بن محمد الهمداني أو الهمذاني، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع) والجواد والهادي عليهما السلام، وصرح المصنف بأنه وكيل الناحية المقدسة وانه حج أربعين حجة. رجال الطوسي: 368، 397، 409، رجال العلامة: 6. (6) محمد بن عبد الرحمن الهمداني، قال العلامة المامقاني: ليس له ذكر في كتب الرجال. تنقيح المقال 3: 139، جامع الرواة 2: 139.
(7) التهذيب 1: 141 حديث 397، الاستبصار 1: 126 حديث 431، الوسائل 1: 513 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 2 وفي الجميع: يسأله عن الوضوء.

[ 242 ]

وروي، عن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا اغتسل من جنابة أو يوم جمعة أو يوم عيد، هل عليه الوضوء قبل ذلك أو بعده؟ فقال: (لا، ليس عليه قبل ولا بعد قد أجزأه الغسل، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد، قد أجزأها الغسل) (1). وما رواه حماد بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يغتسل للجمعة أو غير ذلك أيجزيه من الوضوء؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (وأي وضوء أطهر من الغسل) (2). والجواب عن الأول: أن الالف واللام لا يدل على الاستغراق، فلا احتجاج فيه، إذ يصدق بصدق أحد جزئياته، وقد ثبت هذا الحكم لبعض الاغتسال، فيبقى الباقي على الأصل. وأيضا: يحمل الالف واللام على العهد جمعا بين الأدلة. وعن الأخبار الباقية بالمنع عن صحة سندها، فإن الأول رواه الحسن بن علي بن إبراهيم بن محمد (3)، عن جده إبراهيم، ولا يحضرني الآن حالهما، ومحمد بن عبد الرحمن الهمداني، لا أعرف حاله. والثاني: رواه عمار وهو فطحي (4)، وفي طريقه ابن فضال وهو فطحي (5) أيضا.

(1) التهذيب 1: 141 حديث 398، الاستبصار 1: 127 حديث 432، الوسائل 1: 514 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 141 حديث 399، الاستبصار 1: 127 حديث 433، الوسائل 1: 514 الباب 33 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(3) الحسن بن علي إبراهيم بن محمد، روى عن جده إبراهيم بن محمد، وروى عنه سعد بن عبد الله. ولم نجد له ذكرا في كتب الرجال. معجم رجال الحديث 5: 15.
(4) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 59.
(5) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 76.

[ 243 ]

والثالث: مرسل، وفي طريقه الحسن بن علي بن فضال، وهو فطحي (1) وفي طريقه الحسن بن حسين اللؤلؤي (2)، والنجاشي وإن كان قد وثقه (3) إلا أن الشيخ حكى في كتاب الرجال أن ابن بابويه ضعفه (4)، فلا يعارض ما ذكرناه من الأدلة، على أنه يحتمل ما ذكره الشيخ، من أن المقصود هو ما إذا اجتمعت هذه أو شئ منها مع غسل الجنابة (5). ويمكن أن يقال في الجواب عن الاحاديث كلها: إنها تدل على كمالية الاغسال، والاكتفاء بها فيما شرعت له، ونحن نقول به. والوضوء لا نوجبه في غسل الحيض والجمعة مثلا ليكمل الغسل عنهما، وإنما نوجب الوضوء للصلاة، فعند غسل الحيض يرتفع حدث الحيض وتبقى المرأة كغيرها من المكلفين، إذا أرادت الصلاة يجب عليها الوضوء، وكذا باقي الاغسال. الثالث: لو اجتمعت أغسال واجبة معه أجزء غسل واحد، وبه قال الشيخ (6). وأكثر أهل العلم كعطاء، وأبي الزناد (7)، وربيعة (8)، ومالك (9)، والشافعي (10)،

(1) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 76.
(2) الحسن بن الحسين اللؤلؤي كوفي عده الشيخ في رجاله ممن لم يرو عنهم. رجال النجاشي: 40، رجال الطوسي: 469.
(3) رجال النجاشي: 40.
(4) رجال الطوسي: 469.
(5) التهذيب 1: 141.
(6) المبسوط 1: 40.
(7) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن ذكوان المدني، سمع أنس بن مالك وأبا أمامة، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن المسيب. حدث عنه مالك والليث، والسفيانان، وابنه عبد الرحمن، وخلق. مات سنة 131 وقيل 130 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 134، شذرات الذهب 1: 182.
(8) المغني 1: 253.
(9) المغني 1: 253، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 250 المحلى 2: 44.
(10) الأم 1: 45، المغني 1: 253، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 250، المحلى 2: 44.

[ 244 ]

وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل (1). وروي، عن الحسن، والنخعي في الحائض والجنب: يغتسل غسلين (2). لنا: ما رواه الجمهور أن النبي صلى السلام عليه وآله لم يكن يغتسل من الجماع إلا غسلا واحدا (3)، وهو يتضمن شيئين: الالتقاء، والانزال. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة والنحر والذبح والزيارة، فإذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد) قال: ثم قال: (وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها) (4). ورواه ابن يعقوب في الصحيح، عن زرارة أيضا (5). وروى ابن يعقوب، عن جميل بن [ دراج ] (6)، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام قال: (إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم) (7). إذا تقرر هذا، فنقول: لو نوى بالاغتسال رفع الحدث أو غسل الجنابة أجزأ عن الوضوء، أما لو نوى به غسلا آخر كالحيض وغير، فعلى ما اخترناه لا يجزئه عن الوضوء، وفي ارتفاع حدث الجنابة

(1) المغني 1: 253، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 250.
(2) المحلى 2: 47، المغني 1: 253، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 250.
(3) قريب منه في صحيح البخاري 1: 75، سنن النسائي 1: 209، مسند أحمد 6: 391، وبهذا اللفظ انظر المغني 1: 253.
(4) التهذيب 1: 107 حديث 279، الوسائل 1: 525 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) الكافي 3: 41 حديث 2.
(6) في النسخ: جميل بن صالح. وما أثبتناه من المصدر.
(7) الكافي 3: 41 حديث 2، الوسائل 1: 526 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 245 ]

حينئذ إشكال ينشأ من تبعية الافعال للقصود والدواعي، فإن قلنا بالاجزاء فلا وضوء حينئذ، وإن قلنا بعدمه فمع الوضوء هل يرتفع أم لا؟ فيه نظر ينشأ من عموم الإذن في الدخول في الصلاة من الاغتسال من الحيض والنفاس والوضوء، وذلك يستلزم رفع كل حدث، ومن كون الغسل الأول لم يقع عن الجنابة، والوضوء ليس بواقع لها، فنحن في هذا من المتوقفين. وأيضا: فإن غسل الجنابة قد اشتمل على نوع من التمام والكمال لم يشتمل عليه غيره، بحيث صار متحملا لقوة رفع الحدث بإنفراده، ولا يلزم من نية الفعل الضعيف حصول القوي، وعلى هذا البحث فلا بد من نية التعين. أما لو نوى به غسلا مطلقا، لم يجز عن واحد من الجنابة ولا من الجمعة. ولو اغتسل ونوى به غسل الجنابة دون غسل الجمعة أجزأ، عن الجنابة خاصة. وهو أحد قولي الشافعي (1). وقال الشيخ (2): يجزي عنهما، وبه قال أبو حنيفة، وهو القول الآخر للشافعي (3). لنا: قوله تعالى (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (4) وهو لم يفعل إلا غسل الجنابة، ضرورة تبعية الفعل للقصد لقوله عليه السلام: (إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (5). ولو نوى غسل الجمعة دون الجنابة، قال الشيخ: لا يجزئه عن واحد منهما (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 113، المجموع 4: 535.
(2) الخلاف 1: 68 مسألة 191، المبسوط 1: 40.
(3) المجموع 4: 535، المهذب للشيرازي 1: 113.
(4) النجم: 39. (5) سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، صحيح البخاري 1: 2 وج 8: 175، صحيح مسلم 3: 1515 حديث 1907، سنن الترمذي 4: 179 حديث 1647، سنن النسائي 1: 58 وج 6: 158 وج 7: 13، مسند أحمد 1: 25.
(6) الخلاف 1: 68 مسألة 192، المبسوط 1: 40

[ 246 ]

وقال الشافعي: لا يجزئه عن الجنابة قولا واحدا، وفي إجزائه عن الجمعة قولان (1). وقال أبو حنيفة: يجزئه عنها بناءا على عدم اشتراط النية. احتج الشيخ بأن الجنابة لم ترفع لعدم النية، وغسل الجمعة يراد للتنظيف وزيادة التطهير، وهو لا يصح إلا مع ارتفاع حدث الجنابة (2). ويمكن أن يقال: يجزئه عن غسل الجمعة، وما ذكره الشيخ منقوض بغسل الاحرام للحائض. مسألة: إذا جرى الماء تحت قدمي الجنب أجزاؤه وإلا جب غسلهما. لنا: على الإجزاء مع الجريان قول أبي عبد الله عليه السلام (فما جرى عليه الماء فقد طهره) (3) وعلى عدمه مع العدم، أنه لم يحصل كمال الغسل فلا تحصل الطهارة. وأيضا: روى الشيخ، عن بكر بن كرب (4) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يغتسل من الجنابة أيغسل رجليه بعد الغسل؟ فقال: (إن كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه فلا عليه أن لا يغسلهما، وإن كان يغتسل في مكان تستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما) (5). وروي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: جعلت فداك، اغتسلت في الكنيف الذي يبال فيه وعلي نعل سندية؟ فقال: (إن كان الماء الذي يسيل من جسدك يصيب أسفل قدميك فلا تغسل قدميك) (6).

(1) المجموع 4: 534، المهذب للشيرازي 1: 113، الأم (مختصر المزني) 8: 10.
(2) الخلاف 1: 68 مسألة 192.
(3) الكافي 3: 43 حديث 1:، التهذيب 1: 132 حديث 365، الاستبصار 1: 123 حديث 420، الوسائل 1: 502 الباب 26 من أبواب الجنابة، حديث 1:.
(4) بكر بن كرب الصيرفي، عده الشيخ تارة من غير وصف من أصحاب الباقر (ع)، وأخرى من أصحاب الصادق (ع) مضيفا إلى اسمه: كوفي أسند عنه. رجال الطوسي: 108، 156، تنقيح المقال 1: 179.
(5) التهذيب 1: 132 حديث 366، الوسائل 1: 506 الباب 27 من أبواب الجنابة، حديث 3. (6) التهذيب 1: 133 حديث 367، الوسائل 1: 505 الباب 27 من أبواب الجنابة، حديث 2 في >

[ 247 ]

فروع: الأول: غسل الرجلين تابع للطرفين، فاليمنى يجب تقديمها على اليسرى مع الترتيب. الثاني: لا يجب عليه تخليل الأصابع إلا مع عدم الظن بوصول الماء. الثالث: لو خاض في النهر وأرضه وحله للاغتسال، فإن كان مرتمسا أجزأه، لأنه حيث نوى ونزل حصلت الطهارة لرجليه قبل ثبوتها في الوحل ومنعه من إيصال الماء إلى البشرة. أما لو كان مرتبا وجب عليه نزع رجليه من الوحل على الترتيب، وغسل كل رجل مع جانبها. مسألة: إذا اغتسل ثم رأى بللا، فإن تيقنه منيا أعاد الغسل، والموجب للغسل إنما هو الخروج لا الانتقال عن مستقره، سواء بال واجتهد أو لم يبل. وبه قال الشافعي (1). وقال الأوزاعي (2)، وأبو حنيفة (3): إن خرج بعد البول فلا غسل وإلا فعليه الغسل. وقال أحمد (4)، ومالك (5)، والليث، والثوري، وإسحاق: عليه الوضوء

< المصادر: اغتسل بدل اغتسلت. (1) الأم 1: 37، المجموع 2: 139، المحلى 2: 7، ميزان الكبرى: 120، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125، المغني 1: 233، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234.
(2) المغني 1: 233، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 67، بدائع الصنائع 1: 37، شرح فتح القدير 1: 54، المجموع 2: 139، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 126، ميزان الكبرى 1: 120، المغني 1: 233، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234، المحلى 2: 7.
(4) المغني 1: 233، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234، الانصاف 1: 231، المجموع 2: 139.
(5) بلغة السالك 1: 61، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 61، المجموع 2: 139، المحلى 2: 7، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 125، المغني 1: 233، ميزان الكبرى 1: 120

[ 248 ]

خاصة لا الغسل (1). لنا: قوله عليه السلام: (إنما الماء من الماء) (2) ولأن الاعتبار بالخروج كسائر الاحداث وقد تجدد الخروج فيجب، ولا منافاة في سابقية الغسل والبول، ولأنه بقية ما خرج بالدفق والشهوة فأوجب الغسل كالأول. احتج المخالف بأنه جنابة واحدة فلم يجب بها غسلان، كما لو خرج دفعة واحدة (3)، ولأن الشهوة غير حاصلة وهي معتبرة في الايجاب. والجواب عن الأول: أنه ينقض بما إذا جامع فلم ينزل فاغتسل ثم أنزل. وعن الثاني: بالمنع من اعتبار الشهوة، وقد تقدم (4). أما إذا لم يعلم أنه مني ففيه ثلاث تقديرات: إحداها: إذا لم يكن قد بال ولا استبرأ أعاد الغسل، لأن الغالب عدم نفوذ أجزاء المني بأسرها وخروجها عن قصبة القضيب من غير بول أو اجتهاد، فيحال الخارج على المعتاد (5) وروى الشيخ، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شئ؟ قال: (يعيد الغسل) قلت: والمرأة يخرج منها بعد الغسل؟ قال: (لا تعيد) قلت: فما الفرق بينهما؟ قال:

(1) المغني 1: 233، المجموع 2: 139.
(2) صحيح مسلم 1: 269 حديث 343، سنن الترمذي 1: 186 حديث 112، جامع الأصول 8: 163 حديث 5303، وبتفاوت يسير، انظر: سنن أبي داود 1: 56 حديث 217، سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، سنن النسائي 1: 115، سنن الدارمي 1: 194.
(3) المغني 1: 232، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 234، المجموع 2: 139.
(4) تقدم في ص 169.
(5) (م): المعتاد.

[ 249 ]

(لأن ما يخرج من المرأة إنما هو من ماء الرجل) (1) وفي الطريق عثمان بن عيسى وهو واقفي (2). وروي في الصحيح، عن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وقال: (لأن ما يخرج من المرأة ماء الرجل) (3). وروي، عن سماعة قال: سألته عن الرجل يجنب، ثم يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل؟ قال: (يعيد الغسل فإن كان بال قبل أن يغتسل، فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي) (4) وسماعة واقفي (5) والراوي عنه زرعة، وهو واقفي أيضا (6). وروي في الصحيح عن محمد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شئ؟ قال: (يغتسل ويعيد الصلاة إلا أن يكون بال قبل أن يغتسل فإنه لا يعيد (7) غسله). وروي، عن معاوية بن ميسرة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل رأى بعد الغسل شيئا؟ قال: (إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ، وإن لم يبل حتى

(1) التهذيب 1: 143 حديث 404 و 148 حديث 420، الاستبصار 1: 118 حديث 399، الوسائل 1: 482 الباب 13 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 39.
(3) التهذيب 1: 148 حديث 321، الوسائل 1: 482 الباب 13 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) التهذيب 1:: 144 حديث 406، الاستبصار 1: 119 حديث 401، الوسائل 1: 518 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 8.
(5) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 84.
(6) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 231.
(7) التهذيب 1: 144 حديث 407 الاستبصار 1: 119 حديث 402، الوسائل 1: 518 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 6.

[ 250 ]

اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل) (1). وروي في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الرجل يغتسل ثم يجد بللا وقد كان بال قبل أن يغتسل؟ قال: (إن كان بال قبل أن يغتسل، فلا يعيد الغسل) (2) وهذا حكم معلق على الشرط، فيكون عدما عند عدمه، تحقيقا لمعنى الشرط. لا يقال: قد روى الشيخ، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل، ثم يرى بعد الغسل شيئا، أيغتسل أيضا؟ قال: (لا، قد تعصرت ونزل من الحبائل) (3). وروي، عن أحمد بن هلال، قال: سألته عن رجل إغتسل قبل أن يبول؟ فكتب: (أن الغسل بعد البول، إلا أن يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل) (4). وروي، عن عبد الله بن هلال (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يجامع أهله، ثم يغتسل قبل أن يبول ثم، يخرج منه شئ بعد الغسل؟ فقال: (لا شئ عليه

(1) التهذيب 1: 144 حديث 408، الاستبصار 1: 119 حديث 403، الوسائل 1: 519 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 9.
(2) التهذيب 1: 143 حديث 405، الاستبصار 1: 118 حديث 400، الوسائل 1: 518 البا 36 من أبواب الجنابة، حديث 11.
(4) التهذيب 1: 145 حديث 410، الاستبصار 1: 120 حديث 407، الوسائل 1: 519 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 12.
(5) عبد الله بن هلال بن جابان الأسدي، وفي بعض النسخ خاقان بدل جابان، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 265، جامع الرواة 1: 516، تنقيح المقال 2: 223.

[ 251 ]

إن ذلك مما وضعه الله عنه) (1). وروي عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن رجل احتلم ثم اغتسل قبل أن يبول ثم رأى شيئا؟ قال: (لا يعيد الغسل، ليس ذلك الذي رأى شيئا) (2). فهذه الأخبار تدل على عدم وجوب الغسل مع عدم البول، وذلك ينافي ما ذكرتموه. لأنا نجيب عن الأول باحتمال أن يكون الذي رآه مذيا وعلم كذلك فلا إعادة لأن الموجب خروج المني، وفي طريقها علي بن السندي (3)، ولا أحقق الآن حاله. على أنه يحتمل أنه اجتهد واخترط ولم يتأت له البول، ويحمل النسيان ها هنا على الترك المطلق. وعن الخبر الثاني: بأن راويه أحمد بن هلال، وهو ضعيف جدا، قال الشيخ: هو غال (4). وقال النجاشي: ورد فيه ذموم من سيدنا العسكري عليه السلام (5)، فلا تعويل على روايته إذن. على أنه لم يسندها إلى إمام، فلعله أخبر عمن لا تقوم الحجة بقوله. وأيضا: فإنه لم يذكر أنه قد خرج منه شئ بعد الغسل، فقال: لا يعيد الغسل لعدم الخروج، لا لعدم وجوب الاعادة مع عدم البول.

(1) التهذيب 1: 145 حديث 411، الاستبصار 1: 119 حديث 404، الوسائل 519: الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 13.
(2) التهذيب 1: 145 حديث 412، الاستبصار 1: 119 حديث 405، الوسائل 519 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 14. وفي الجميع: سألته عن رجل أجنب.
(3) علي بن السندي القمي، مختلف فيه بين كونه علي بن إسماعيل أو غيره وأن النسخ في السندي مختلفة، ففي جملة منها السندي وفي أخرى السدي. تنقيح المقال 2: 291، معجم رجال الحديث 12: 50.
(4) رجال الطوسي: 410، الفهرست: 36.
(5) رجال النجاشي: 83.

[ 252 ]

وعن الثالث: باحتمال أن يكون قد اجتهد ولم يتأت البول، فلا شئ عليه حينئذ أو إنه جامع ولم ينزل. على أن في طريقه عبد الله بن هلال، ولا أعرفه. وعن الرابع: بما تأولنا به ما تقدم، وفي طريقه أبو جميلة، وفيه ضعف. وثانيها: أن يكون قد بال ولم يجتهد، ثم رأى بللا، فعليه إعادة الوضوء لا الغسل، أما الوضوء فلأنه لعدم الاستبراء لم يخرج أجزاء البول بكمالها، فالظاهر أن البلل من بقاياه. وأما عدم الغسل فلأن البول أزال المتخلف من أجزاء المني، ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام (إلا أن يكون بال قبل أن يغتسل فإنه لا يعيد غسله) قال محمد: وقال أبو جعفر عليه السلام: (ومن اغتسل وهو جنب قبل أن يبول ثم يجد بللا فقد انتقض غسله وإن كان بال، ثم اغتسل، ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء، لأن البول لم يدع شيئا) (1). ولرواية معاوية بن ميسرة (2)، فإنها تدل على عدم إيجاب الغسل، وعلى إيجاب الوضوء (3). ولرواية الحلبي (4)، وهي تدل على عدم إيجاب الغسل مع البول. وثالثها: أن يكون قد بال واجتهد، ثم اغتسل، ثم رأى البلل، فلا إعادة للغسل ولا للوضوء، لأن البول أزال أجزاء المني المتوهمة، والاستبراء أزال أجزاء البول

(1) التهذيب 1: 144 حديث 407، الاستبصار 1: 119 حديث 402 الوسائل 1: 518 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 6، 7.
(2) معاوية بن ميسرة بن شريح بن الحارث الكندي القاضي، روى عن أبي عبد الله، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق. رجال النجاشي: 410، رجال الطوسي: 310.
(3) التهذيب 1: 144 حديث 408، الاستبصار 1: 119 حديث 403، الوسائل 1: 519 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 9.
(4) الكافي 3: 49 حديث 2، التهذيب 1: 143 حديث 405، الاستبصار 1: 118 حديث 400، الوسائل 1: 518 الباب 36 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 253 ]

المتوهمة، فلا التفات إلى الخارج بعد ذلك. ويدل عليه أيضا، الاحاديث الدالة على أن بعد البول لا إعادة للغسل، وبعد الاستبراء لا اعتداد بالخارج (1). فروع: الأول: لو صلى، ثم رأى بعد ذلك منيا قطعا، أعاد الغسل عندنا قولا واحدا، وهل يعيد الصلاة أم لا؟ قال بعض علمائنا: يعيد (2). وليس بجيد، لأن الصلاة وقعت مشروعة فيثبت الإجزاء. واحتج الآخرون أن هذا المني من بقايا الأول، فالجنابة واحدة لم تزل بالغسل الأول. والجواب: أن الموجب للغسل الثاني هو الخروج الذي لم يكن، لا الانتقال عن المحل، فيكون غير الأول. الثاني: لو جامع ولم ينزل لم يجب عليه الاستبراء، ولو رأى بللا يعلم أنه مني وجب عليه الاعادة، أما المشتبه فلا، لأنا إنما حكمنا هناك بكون البلل منيا بناءا على الغالب من استخلاف الإجزاء بعد الانزال، وهذا المعنى غير موجود مع الجماع الخالي عن الانزال. الثالث: هل تستبرئ المرأة أم لا؟ فيه توقف، منشأه أن مخرج البول غير مخرج المني، فلا فائدة فيه. الرابع: لو رأت بللا فلا إعادة، لأن الأظهر أنه من بقايا مني الرجل، وذلك غير موجب للغسل لما قدمناه من رواية سلميان بن خالد، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد

(1) راجع الوسائل 1: 517 الباب 36 من أبواب الجنابة.
(2) لم نظفر بقائله. إلا أن في السرائر: 23 قال: (وقد يوجد في بعض الأخبار والكتب: إنه إذا لم يبل قبل غسله، ثم اغتسل ووجد بللا فإنه يحب عليه إعادة الغسل والصلاة إن كان قد صلى).

[ 254 ]

الله. وأوجب ابن إدريس الاعادة (1) بقوله عليه السلام: (الماء من الماء) (2) وليس بشئ. الخامس: لو لم يتأت البول ففي إلحاقه بحدث البول إشكال، فإن ألحقنا به، كفى الاختراط والاجتهاد في إسقاط الغسل لو رأى البلل المشتبه بعد الانزال مع الاجتهاد، وإلا فلا. مسألة: إذا أحدث حدثا أصغر في أثناء الغسل، قال الشيخ في النهاية والمبسوط (3) وابنا بابويه: يعيد الغسل من أوله (4). وهو قول الحسن البصري (5). وقال ابن البراج: يتم غسله ولا وضوء عليه (6). واختاره ابن إدريس (7). وقال علم الهدى: يتم غسله ويتوضأ لحدثه (8). وبه قال عطاء، وعمر بن دينار (9)، والثوري (10)، والحق عندي الأول. لنا: أنه حدث ناقض للطهارة الكبرى بكمالها فلبعضها أولى، ومع النقض ينظر إلى حاله، إن كان جنبا اغتسل وإلا توضأ، وها هنا هو جنب قطعا، ضرورة عدم

(1) السرائر: 23.
(2) تقدم في ص 248.
(3) النهاية: 22، المبسوط 1: 30.
(4) الفقيه 1: 49، الهداية: 21 وانظر قول علي بن بابويه في المعتبر 1: 196.
(5) المجموع 2: 200. (6) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 473.
(7) السرائر: 22.
(8) نقله عنه في المعتبر 1: 196.
(9) أبو محمد عمر بن دينار الجمحي مولاهم اليمني الصنعاني الأيناوي عالم أهل مكة في زمانه، سمع ابن عباس وجابرا وطائفة. مات سنة 126 ه‍. العبر 1: 125، شذرات الذهب 1: 171.
(10) المجموع 2: 200.

[ 255 ]

ارتفاع الجنابة من غير إكمال الغسل. احتج: ابن إدريس بأن الاعادة لا وجه لها، إذ الاجماع على أن الحدث الأصغر موجب للصغرى لا للكبرى، وأبطل القول الثالث بأنه حالة الحدث جنب فلا حاجة إلى الوضوء مع الاغتسال لقوله: (إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (1) (2). واحتج السيد المرتضى بأن الحدث الأصغر موجب للوضوء وليس موجب للغسل ولا لبعضه، فيسقط وجوب الاعادة ولا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل، وألزم الفريق الثاني الشناعة بما لو بقي من الغسل مقدار الدرهم من جانبه الايسر، ثم تغوط، أن يكتفي عن الوضوء بغسل موضع الدرهم وهو باطل. والجواب عن الأول: إن الدليل على الاعادة قد ذكرناه. وقوله: الحدث الأصغر موجب للصغرى لا للكبرى مسلم، ولكنه غير نافع، لأنا نحن لم نقل أن الموجب للكبرى إنما هو الحدث الأصغر، بل الموجب هو بقاء الجنابة، فتوهم من إيجاب إعادة الغسل لأجل وجود الجنابة، استناد الاعادة إلى الحدث الأصغر، وليس كذلك، وإبطاله القول الثالث جيد. وعن الثاني: بما ذكرناه أولا، من أن الموجب ليس هو الحدث الأصغر، بل الأكبر الباقي مع فعل البعض المنتقض بالحدث الأصغر، فغلط هؤلاء نشأ من أخذ مانع العلة مكان العلة. قوله: ولا يسقط حكم الحدث بما بقي من الغسل، محل النزاع عند الفريق الثاني، فإن به يرتفع الحدث الأكبر فالاصغر أولى، والشناعة التي ذكرها عليهم غير واردة، لأنا نقول: إذا عقل ارتفاع حدث الجنابة بغسل ذلك القدر اليسير فليعقل ارتفاع الأصغر به، على أنها معارضة بالمثل، فإنه يلزم أن من غسل من رأسه جزءا لا يتجزأ، ثم أحدث، أن

(1) النساء: 43.
(2) السرائر: 22.

[ 256 ]

لا يسوغ له الصلاة إلا بعد الوضوء. خاتمة: تشتمل على فصول: فصل: أطنب المتأخرون في المنازعة بينهم في أن غسل الجنابة هل هو واجب لنفسه أو لغيره، فبعض قال بالأول (1)، وآخرون قالوا بالثاني (2). والفائدة تظهر في المجنب إذا خلا من وجوب ما يشترط فيه الطهارة، ثم أراد الاغتسال هل يوقع نية الوجوب أو الندب، فالقائلون بالأول قالوا بالأول، والقائلون بالثاني قالوا بالثاني. والأقرب عندي الأول، وهو مذهب والدي رحمه الله تعالى (3)، لوجوه. أحدها: قوله عليه السلام: (إذا التقا الختانان وجب الغسل) (4) وذلك عام فيمن تعلق به وجوب شئ مشروط بالطهارة ومن لم يتعلق به. الثاني: قوله عليه السلام: (إنما الماء من الماء) (5) وهو يقتضي وجوب الغسل عند الانزال مطلقا. الثالث: قول أمير المؤمنين عليه السلام: (أتوجبون عليه الرجم والحد ولا توجبون عليه صاعا من ماء) (6) وذلك إنكار منه عليه السلام على الأنصار حيث أوجبوا أصعب

(1) فقه القرآن 1: 31 وأسنده إلى السيد المرتضى في الذريعة.
(2) السرائر: 24، الشرائع 1: 11.
(3) المختلف: 29.
(4) الموطأ 1: 46 حديث 71، 72، سنن أبي داود 1: 56 حديث 216، سنن ابن ماجة 1: 200 حديث 611، صحيح مسلم 1: 271 حديث 349، سنن الترمذي 1: 180 حديث 108 و 182 حديث 109، سنن البيهقي 1: 163، جامع الأصول 8: 161، مسند أحمد 2: 178، وج 6: 239 بتفاوت في الجميع. ومن طريق الخاصة: الكافي 3: 46 حديث 2، التهذيب 1: 118 حديث 311، الاستبصار 1: 108 حديث 359، و 360.
(5) تقدم في ص 248.
(6) التهذيب 1: 119 حديث 314، الوسائل 1: 470 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 257 ]

العقوبتين ولو يوجبوا أدناهما، ولما لم يكن وجوب الحد والجلد مشروطا بوجوب ما من شرطه الطهارة، فكذا هنا، لأنه يدل على تعميم الوجوب في كل وقت ثبت فيه وجوب العقوبتين. الرابع: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: (إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والجلد) (1) وجه الاستدلال به أمران: أحدهما: ما قدمناه في الأول. الثاني: أنه لما لم يكن وجوب المهر والرجم مشروطين، لم يكن وجوب الغسل مشروطا، قضية للعطف الموجب للتساوي بين المعطوف والمعطوف عليه. الخامس: لو لم يجب إلا لما يشترط فيه الطهارة، لما وجب أول النهار للصوم، والتالي باطل إجماعا، فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة. واحتج ابن إدريس بوجوه: أحدها: إن الوجه في الوجوب إنما هو كونه شرطا في صلاة واجبة على المكلف إجماعا، ولا صلاة حينئذ، لأن التقدير أنه كذلك. الثاني: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض وهي في المغتسل، فتغتسل أم لا؟ قال: (قد جاء ما يغسل الصلاة فلا تغتسل) (2) علق الوجوب بالصلاة. الثالث: إنه عليه السلام كان يطوف على نسائه بغسل واحد (3) فلو كان واجبا

(1) التهذيب 1: 118 حديث 310، الاستبصار 1: 108 حديث 358، الوسائل 1: 469 الباب 6 من أبواب الجنابة، حديث 1:. وفي الجميع: والرجم مكان والجلد.
(2) التهذيب 1: 370 حديث 1128، و 395 حديث 1224، الوسائل 1: 483 الباب 14 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(3) صحيح مسلم 1: 249 حديث 309، سنن ابن ماجة 1: 194 حديث 588، سنن الترمذي 1: 259 حديث 140، جامع الأصول 8: 180 حديث 5324، سنن البيهقي 7: 192، وج 1: 204، مسند >

[ 258 ]

لما جاز تركه. الرابع: انعقد الاجماع على جواز النوم للجنب من غير اغتسال، وإن للمكلف التأخير، فلو كان واجبا لما جاز ذلك. الخامس: يلزم أن من جامع يجب عليه الاغتسال في الحال حتى لو كان عنده ماء، فآثر الخروج من منزله للاغتسال من نهر أو حمام، كان معاقبا. السادس: قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (1) ولا شك أن الوضوء للصلاة، فيكون الغسل لها أيضا، قضية للعطف الموجب للتسوية. وأجاب عن الخامس بوجهين: الأول: إن الاجماع منعقد إما على تعميم الوجوب في كل وقت، أو على اختصاص الوجوب بحال الصلاة والطواف الواجبين، فالقول بالوجوب في حالة الصوم أول الفجر، مع عدمه في غير حالة الصلاة والوجوب قول ثالث. الثاني: سلمنا أن من لا يتم الواجب وهو الصوم إلا به وهو الغسل يكون واجبا، إلا أن هذه المسألة ليست من هذه القبيل، لأن صوم رمضان يتم من دون نية الوجوب للاغتسال، وهو أن يغتسل لرفع الحدث مندوبا قربة، وقد ارتفع حدثه وصح صومه، فقد صح فعل الواجب من دون نية الوجوب (2). والجواب عن الأول: بالمنع من كون الوجه في الوجوب إنما هو الصلاة، وهل محل النزاع إلا هو؟ فكيف يدعي الاجماع فيه؟!. وعن الثاني أن الغسل إنما يجب إذا كان رافعا للحدث، وهو مستحيل عند تجدد الحيض الذي هو حدث ملازم، على أن هذا من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق.

< أحمد 3: 161 وص 225. (1) المائدة: 6.
(2) السرائر: 24 25.

[ 259 ]

وعن الثالث: بالمطالبة عن دليل الملازمة بين الوجوب والعقاب بالتأخير، فإن الأمر لا يقتضي الفور. وهذا هو الجواب عن الرابع والخامس. وعن السادس: أنا مع تسليم أن الواو للعطف لا الاستيناف نلتزم بما يدل عليه، وهو الوجوب عند القيام للصلاة، أما على عدم الوجوب عند غير تلك الحال، فلا. وأما جواباه عن الخامس فمشبهان لاستدلاله. والجواب عن الأول منهما: إنه شنع على المستدل بشئ ليس هو قائلا به، لأنه ألزمه خرق الاجماع، وهو لا يلزمه ذلك لأنه أبطل أحد القولين بالتزام الخرق لأحد الاجماعين، لأن الغسل إما أن يجب عند الصبح في رمضان أو لا؟ وعلى الثاني يلزم خرق الاجماع، وهو صحة ابتداء الصوم من دون الطهارة. وعلى الأول: إما أن يجب عاما وهو إبطال لما أدعي بطلانه، أو لا، وهو خرق الاجماع الذي ادعاه، فهو بالشناعة أولى. وعن ثانيهما: إن المستدل لم يوجب النية بناءا على أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا، بل أوجب الغسل، وهذا قد سلمه ابن إدريس، حيث سلم أن الصوم الواجب لا يتم ابتداءا إلا بالطهارة، وأن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا، ثم من أعجب العجائب إيجاب الغسل عليه، وإيجاب النية عليه، إذ الفعل لا يقع إلا مع النية، وأن لا ينوي نية الوجوب بل الندب، فللمغتسل أن يقول: إن كان الغسل ندبا، فلي أن لا أفعله، فإن سوغ له الصوم من دون اغتسال فهو خلاف الاجماع، وإلا لزمه القول بالوجوب، أو القول بعدم وجوب ما لا يتم الواجب إلا به، وإن كان واجبا فكيف نوى الندب في فعل واجب، وعندك الفعل إنما يقع على حسب المقصود (1) والدواعي، فانظر إلى هذا الرجل كيف يخبط في كلامه، ولا يحترز عن التناقض فيه، وإنما أطنبنا القول في هذا الباب وإن كان قليل الفائدة، لكثرة تشنيعه فيه. فصل: لا بأس بالنكاح في الحمام والقراءة فيه، لما روى الشيخ في الصحيح، عن

(1) (م) (خ) (ح) (ق): المقصود.

[ 260 ]

محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يقرأ في الحمام وينكح [ فيه ] (1)؟ قال: (لا بأس به) (2). وروي في الصحيح، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى عليه السلام مثله (3). فصل: روى الشيخ في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: سألت الرضا عليه السلام عن المرأة وليها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال: (إذا اغتسلت صلت فيهما) (4) وهذا يدل على طهارة الرطوبة. فصل: وروي، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: (كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا اغتسلن من الجنابة يبقين صفرة الطيب على أجسادهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهن أن يصبن صبا على أجسادهن) (5) وهذا يدل على أمرين: أحدهما: عدم تأثير الخضاب في الغسل. والثاني: عدم وجوب الدلك، خلافا لمالك (6). والرواية وإن كان في طريقها

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 371 حديث 1135، الوسائل 1: 374 الباب 15 من أبواب آداب الحمام، حديث 5.
(3) التهذيب 1: 371 حديث 1136، الوسائل 1: 374 الباب 15 من أبواب آداب الحمام، حديث 4. (4) التهذيب 1: 386 حديث 1122، الوسائل 2: 1077 الباب 55 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 369 حديث 1123، الوسائل 1: 510 الباب 30 من أبواب الجنابة، حديث 2. وفيها: يصببن الماء صبا.
(6) المدونة الكبرى 1: 27، بلغة السالك 1: 63، بداية المجتهد 1: 44، المغني 1: 251، المحلى 2: 30، ميزان الكبرى 1: 121، المبسوط للسرخسي 1: 45، المجموع 2: 185، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 185، عمدة القارئ 3: 192، التفسير الكبير 11: 165، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 21.

[ 261 ]

إسماعيل بن أبي زياد، وفيه ضعف (1)، إلا أن الأصحاب تلقتها بالقبول. فصل: ولا بأس بالجماع في الماء، لما رواه الشيخ، عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يأتي جاريته في الماء؟ قال: (ليس به بأس) (2). فصل: روى الشيخ في الصحيح، عن الحلبي قال: سأل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان؟ قال: (عليه أن يقضي الصلاة والصيام) (3). وأقول: أما الصلاة فاتفاق منا، وأما الصيام ففيه بحث سيأتي. فصل: روى ابن بابويه في الصحيح، عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد؟ قال: (لا بأس) (4) وهي موافقة للمذهب. فصل: قال ابن بابويه: ومن أجنب في أرض ولم يجد الماء إلا ماء جامدا ولا يخلص إلى الصعيد فليصل بالمسح، ثم لا يعيد إلى الارض التي توبق دينه (5). وهو محمول على أنه لا يتمكن من دلك جسده بالثلج، بحيث يحصل مسمى الغسل، وقد تقدم ذلك فيما مضى (6). فصل: روى ابن بابويه، قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله،

(1) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول: 242.
(2) التهذيب 1: 371 حديث 1133، الوسائل 1: 374 الباب 15 من أبواب آداب الحمام، حديث 6.
(3) التهذيب 4: 311 حديث 938، الوسائل 1: 523 الباب 39 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) الفقيه 1: 47 حديث 183، الوسائل 1: 370 الباب 11: من أبواب آداب الحمام، حديث 1 وص 530 الباب 47 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(5) الفقيه 1: 48، المقنع: 13.
(6) تقدم في ص 193.

[ 262 ]

فسأله أعلمهم من مسائل، وكان فيما سأله أن قال: لاي شئ أمر الله بالاغتسال من الجنابة ولم يأمر [ بالغسل ] (1) من الغائط والبول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة دب ذلك في عروقه وشعره وبشره، فإذا جامع الرجل أهله، خرج الماء من كل عرق وشعر في جسده، فأوجب الله عزوجل على ذريته الاغتسال من الجنابة إلى يوم القيامة، والبول يخرج من فضلة الشراب الذي يشربه الانسان، والغائط يخرج من فضلة الطعام الذي يأكله الانسان فعليه في ذلك الوضوء) فقال اليهود: صدقت يا محمد (2). وكتب الرضا عليه السلام إلى محمد بن سنان مما كتب من جواب مسائله: (علة غسل الجنابة النظافة لتطهير الانسان مما أصابه من أذاه وتطهير سائر جسده، لأن الجنابة خارجة من كل جسده، فلذلك وجب عليه تطهير جسده كله، وعلة التخفيف في البول والغائط أنه أكثر وأدوم من الجنابة، ورضي منه بالوضوء لكثرته ومشقته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة، والجنابة لا تكون إلا بالاستلذاذ منهم والاكراه لانفسهم) (3). فصل: وإدخال الماء في العين ليس بشرط، وهو مذهب أكثر أهل العلم (4)، وكان عبد الله بن عمر يدخل الماء في عينيه من الجنابة (5). ولنا: ما تقدم من الاحاديث الدالة على الاجتزاء بغسل الظاهر وبغسل الجسد (6)،

(1) أضفناه من المصدر.
(2) الفقيه 1: 43 حديث 170، الوسائل 1: 466 الباب 2 من أبواب الجنابة، حديث 2.
(3) الفقيه 1: 44 حديث 171، الوسائل 1: 466 الباب 2 من أبواب الجنابة، حديث 1. وفيها: فرضي الله فيه بالوضوء.
(4) المجموع 1: 369، المغني 1: 118، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 162، بدائع الصنائع 1: 4، التفسير الكبير 11: 157، الأم 1: 41.
(5) المغني 1: 118، بدائع الصنائع 1: 4، المهذب 1: 16، أحكام القرآن للجصاص 3: 377، تفسير القرطبي 6: 84، الموطأ 1: 45 حديث 69.
(6) تقدم في ص 196.

[ 263 ]

ولأن فيه مشقة فيسقط. فصل: هل يجب على الزوج ثمن الماء الذي تغتسل به المرأة؟ للحنفية فيه تفصيل، قال بعضهم: لا يجب مع غناها، ومع الفقر يجب على الزوج تخليتها لتنتقل إلى الماء أو تنقل الماء إليها. وقال آخرون: يجب عليه كما يجب عليه ماء الشرب (1). والجامع إن كل واحد منهما مما لا بد منه، والأول عندي أقوى. فصل: ولا يكره الوضوء ولا الغسل بماء زمزم لأنه ماء طور فأشبه سائر المياه، ولأن الكراهة حكم شرعي، فيتوقف على الشرع. وعن أحمد روايتان: أحدهما مثل ما قلناه، والثانية: الكراهة، لقول العباس: لا أحلها لمغتسل، لكن للمحرم حل وبل. ولأنه يزيل به مانعا من الصلاة، فأشبه إزالة النجاسة به (2). وهذان ضعيفان. أما الأول، فإنه لا يوجد تصريحه في التحريم، ففي غيره أولى. وأما الثاني، فإن الشرف لا يوجب الكراهية لاستعماله، كالماء الذي وضع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله كفه، أو اغتسل منه. فصل: ويجوز الاغتسال بفضل غسل المرأة، وبالعكس، وكذا في الوضوء. وعن أحمد في وضوء الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به روايتان، أشهرهما عدم الجواز (3)، وهو قول عبد الله بن سرجس، والحسن (4)، و [ غنيم ] (5) بن قيس (6) (7)، وهو قول ابن عمر

(1) بدائع الصنائع 1: 38، شرح فتح القدير 1: 52.
(2) المغني 1: 47، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 40، منار السبيل 1: 10.
(3) المغني 1: 247، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 50، الانصاف 1: 48، الكافي لابن قدامة 1: 77، نيل الاوطار 1: 32، المجموع 2: 191.
(4) المجموع 2: 191، المغني 1: 247، نيل الاوطار 1: 32، المحلى 1: 212، الكافي لابن قدامة 1: 77.
(5) (خ) (م) (ن) (د): عيثم، (ح) (ق): عشيم، والصحيح ما أثبتناه.
(6) غنيم بن قيس أبو العنبر المازني، بصري روى عن أبي موسى الأشعري، وروى عنه عاصم الاحول >

[ 264 ]

في الحائض والجنب (1)، وما اخترناه قول أكثر أهل العلم (2). لنا: ما رواه مسلم في صحيحه، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يغتسل بفضل ميمونة (3). وقالت ميمونة: اغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وآله يغتسل، فقلت: إني قد اغتسلت منه؟ فقال: (الماء ليس عليه جنابة) (4). وبما رويناه من الاحاديث المتقدمة من طريق الخاصة (5). ولأنه ماء طهور فجاز للمرأة الوضوء به والاغتسال منه، فجاز للرجل كفضل الرجل. واحتجاج أحمد قد تقدم في مباحث المقصد الأول مع الجواب عنه (6). واختلفوا في المراد من الخلوة، فقال قوم: هي أن لا يحضرها من لا تحصل الخلوة في النكاح بحضوره، رجلا كان أو امرأة أو صبيا عاقلا، لأنها إحدى الخلوتين، فنافاها حضور أحد هؤلاء كالأخرى (7). وقال آخرون منهم: هي أن لا يشاهدها رجل مسلم، فإن شاهدها صبي، أو

< وثابت بن عمارة ويزيد الرقاشي. مات سنة 90 ه‍. تقريب التهذيب 2: 106، الجرح والتعديل 7: 58.
(7) المغني 1: 247. (1) المغني 1: 247، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51، الكافي لابن قدامة 1: 77، نيل الاوطار 1: 32.
(2) المغني 1: 247، المجموع 2: 191. (3) صحيح مسلم 1: 257 حديث 323.
(4) سنن الدارقطني 1: 52 حديث 3، مسند أحمد 6: 330، وروي بمعناه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله، انظر: سنن أبي داود 1: 18 حديث 68، سنن الترمذي 1: 94 حديث 65، سنن ابن ماجة 1: 132 حديث 370، سنن الدارمي 1: 187، المستدرك 1: 159.
(5) تقدم في الجزء الأول ص 162.
(6) تقدم في الجزء الأول ص 165.
(7) المغني 1: 248، مغني المحتاج 1: 75، الكافي لابن قدامة 1: 78، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.

[ 265 ]

امرأة، أو كافر لم تخرج عن الخلوة (1). وقال آخرون منهم: هي استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل (2). وإن خلت به في بعض أعضائها، أو في تجديد طهارة، أو استنجاء، أو غسل نجاسة فعندهم وجهان: المنع، لأنها طهارة شرعية. والجواز، لأن إطلاق الطهارة ينصرف إلى طهارة الحدث الكاملة (3). ولو خلت به ذمية في اغتسالها، فوجهان عندهم أيضا: المنع، لأنها أدنى حالا من المسلمة وأبعد من الطهارة، وقد تعلق بغسلها حكم شرعي وهو حل وطئها إذا اغتسلت من الحيض، وأمرها به إذا كان من جنابة. والجواز، لأن طهارتها لا تصح، فهي كتبريدها (4). أما لو خلت به المرأة في تبردها أو تنظيفها وغسل ثوبها من الوسخ فلا يؤثر، لأنه ليس بطهارة. وإنما تؤثر الخلوة في الماء القليل عندهم (5)، لأن حقيقة النجاسة والحدث لا تمنع ولا تؤثر في الكثير، فتوهم ذلك أولى، وإنما يمنع الرجل خاصة لا المرأة. وهل يجوز للرجل غسل النجاسة به؟ فيه وجهان عندهم (6): المنع لأنه مائع لا يرفع حدثه فلا يزيل النجاسة، كسائر المائعات.

(1) المغني 1: 248، الكافي لابن قدامة 1: 78، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.
(2) المغني 1: 248، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.
(3) المغني 1: 248، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.
(4) المغني 1: 248، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51. (5) المغني 1: 248، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.
(6) المغني 1: 248، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 51.

[ 266 ]

والجواز، لأنه ما يزيل النجاسة بمباشرة المرأة، فيزيلها إذا فعله الرجل كسائر المياه، والمنع تعبدي لا يعقل معناه، فلا يتعدى. وهذه الفروع ساقطة عندنا، لأن الخلوة لا تصلح للمنع من الاستعمال. الفصل الثاني: في الحيض وهو في اللغة: السيل، يقال: حاض الوادي، إذا سال. وقال الشاعر: أجالت حصاهن الذواري وحيضت * عليهن حيضات السيول الطواحم (1) وهو في الشرع عبارة عن الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة، إما بظهوره أو بانقطاعه. أو يقال: هو الدم الأسود الخارج بحرارة غالبا على وجه يتعلق به أحكام مخصوصة. ولقليله حد. وأعلم: إن الحيض دم يرخيه الرحم مع بلوغ المرأة، ثم يصير لها عادة في أوقات متداولة معلومة لحكمة تربية الولد، فإذا حملت صرف الله تعالى بعنايته ذلك الدم إلى تغذيته، فإذا وضعت أعدم الله عنه الصورة الدموية وكساه الصورة اللبنية فاغتذى به الطفل، ولأجل ذلك قل ما تحيض المرضع والحامل، فإذا خلت المرأة من الحمل والرضاع بقي الدم لا مصرف له، فيستقر في مكان، ثم يخرج غالبا في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد ويقل ويطول زمان خفائه (2)، ويقصر بحسب ما ركبه الله في الطباع. وقد رتب الشارع على الحيض أحكاما، نحن نذكرها على الاستقصاء بعون الله

(1) الطواحم: أي الدوافع، واحدها (طحمة) بالفتح والضم، وهي: رفعة السيل ومعظمه. الصحاح 5: 1973.
(2) (ح): حقانه.

[ 267 ]

تعالى، فالنظر ها هنا يتعلق بماهيته، ووقته، وأحكامه، فها هنا مباحث: البحث الأول قد عرفت أن الحيض هو الدم الأسود العبيط الحار يخرج بقوة ودفع غالبا والعبيط، هو الطري وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: ما عدا البياض الخالص حيض (2). وهو حق إن كان في زمن العادة. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (دم الحيض عبيط أسود ومحتدم) (3) والمحتدم: الحار كأنه محترق، يقال: احتدم النهار إذا أشتد حره. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن حفص بن البختري قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة سألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: (إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة) قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا (4). وروي في الصحيح، عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد، ودم الحيض حار) (5).

(1) المجموع 2: 342.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 18. (3) لم نعثر على هذه الرواية في المصادر الحديثية المتوفرة لدينا، غير أن السرخسي أوردها في مبسوطه 3: 150.
(4) التهذيب 1: 151 حديث 329، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 151 حديث 430، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 1. وفيهما: >

[ 268 ]

وروي في الصحيح، عن إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد) (1). احتج أبو حنيفة (2) بما روى، عن عائشة أنها قالت: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (3). وهذا ما لا نعرفه قياسا، والظاهر أنها قالت سماعا. والجواب: يجوز أن يكون ذلك عن اجتهادا، ويجوز أن يكون راجعا إلى أيام العادة، ونحن نقول به. مسألة: ولو اشتبه بدم العذرة اعتبر فيه بانغماس القطنة، فمعه يكون حيضا، ومع التطوق يكون دم عذرة، لما رواه الشيخ، عن زياد بن سوقة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (تمسك الكرسف فإن خرجت القطنة مطوقة بالدم فإنه من العذرة تغتسل وتمسك معها قطنة وتصلي، فإن خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة أيام الحيض) (4). وروي، عن خلف بن حماد، قال: قلت لأبي الحسن الماضي عليه السلام: وكيف لها أن تعلم من الحيض هو أو من العذرة؟ قال: (تستدخل قطنة، ثم تخرجها فإن خرجت القطنة مطوقة بالدم فهو من العذرة، وإن خرجت منتقعة (5) بالدم فهو من الطمث) (6).

< ليس يخرجان. (1) التهذيب 1: 151 حديث 431، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 19.
(3) صحيح البخاري 1: 87، الموطأ 1: 59 حديث 79، سنن البيهقي 1: 336.
(4) التهذيب 1: 152 حديث 432، الوسائل 2: 536 الباب 2 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) كذا في النسخ وفي المصادر: مستنقعة.
(6) التهذيب 1: 385 حديث 1184، الوسائل 2: 536 الباب 2 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 269 ]

ورواه أيضا ابن يعقوب في كتابه، عن خلف أيضا، عن أبي الحسن عليه السلام (1). ولو اشتبه دم الحيض بدم القرح فلتدخل إصبعها، فإن كان خارجا من الجانب الأيسر فهو دم حيض، وإن كان خارجا من الأيمن فهو دم قرح. ذكره الشيخ (2) وابن بابويه (3)، ورواه في التهذيب، عن محمد بن يحيى رفعه، عن أبان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: فتاة منابها قرحة في جوفها والدم سائل، لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة؟ قال: (مرها فلتستلق على ظهرها وترفع رجليها وتستدخل إصبعها الوسطى فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، وإن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة) (4). وكذا ذكره ابن يعقوب في كتابه، عن محمد بن يحيى أيضا (5)، وهذه الرواية منافية لما ذكره الشيخ، وابن بابويه. وقال ابن الجنيد: إن دم الحيض يخرج من الجانب الأيمن، ودم الاستحاضة يخرج من الجانب الأيسر (6). مسألة: لا حيض مع صغر السن ولا مع كبره، وحد الصغر ما نقص عن تسع سنين، لأن الصغيرة لا تحيض، لقوله تعالى: (واللائي لم يحضن) (7) ولأن المرجع فيه إلى الوجود، ولم يوجد من النساء من تحيض فيما دون هذا السن، ولأنه تعالى إنما خلق غذاءا للولد، رواه ابن يعقوب في كتابه في الحسن، عن سليمان بن

(1) الكافي 3: 92 حديث 1:، الوسائل 2: 536 الباب 2 من أبواب الحيض، حديث 3.
(2) المبسوط 1: 43، النهاية: 24.
(3) المقنع: 16، الفقيه 1: 54.
(4) التهذيب 1: 385 حديث 1185، الوسائل 2: 561 الباب 16 من أبواب الحيض، حديث 2. إلا أن الشيخ رواه بعكس ذلك.
(5) الكافي 3: 94 حديث 3، الوسائل 2: 560 الباب 16 من أبواب الحيض، حديث 1.
(6) نقله عنه في المعتبر 1: 199.
(7) الطلاق: 4.

[ 270 ]

خالد، قال: (إن الولد في بطن أمه غذاؤه الدم) (1). فالحكمة في خلقه تربية الولد، فمن لا يصلح للحمل لا يوجد فيها، لانتفاء الحكمة، كالمني لتقاربهما معنى، فإن أحدهما يخلق معه الولد، والآخر يغذيه ويربيه، وكل منهما لا يوجد مع الصغر، ووجود كل واحد منهما دال على البلوغ. وأقل سن تبلغ له الجارية تسع سنين، فكان ذلك أقل سن الحيض له، وللشافعي قولان: أحدهما: إن أول وقت إمكانه أول السنة التاسعة. والثاني: إن أوله إذا مضيت منها ستة أشهر (2). وروي عنه قول آخر أن أول أوقات إمكانه أول العاشرة، قال: وقد رأيت جدة بنت إحدى وعشرين سنة، فيكون قد حملت لدون عشرين (3). وقال بعض الحنفية باحتمال أن تكون بنت سبع حائضا (4)، لقوله عليه السلام: (مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا) (5) وهو ضعيف، لأن الأمر ها هنا للتمرين. وروي، عن بعضهم أنه قال: بنت ست سنين ترى دم الحيض (6)، رواه شارح الطحاوي، قال وحكي أن بنت لأبي مطيع البلخي (7) صارت جدة وهي من بنات

(1) الكافي 3: 97 حديث 6، الوسائل 2: 579 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 14.
(2) المجموع 2: 373، و 374.
(3) المغني 1: 407، المجموع 2: 373 و 374، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 352.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 149. (5) سنن أبي داود 1: 133 حديث 494، سنن الترمذي 2: 259 حديث 407.
(6) المبسوط للسرخسي 3: 149.
(7) أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة وصاحب كتاب الفقه الأكبر روى عن ابن عون وهشام بن حسان وعنه أحمد بن منيع وخلاد بن سالم الصفار. مات سنة 199 ه‍. العبر 1: 257، شذرات الذهب 1: 357، ميزان الاعتدال 1: 574.

[ 271 ]

ثمان عشرة سنة، فقال أبو مطيع: فضحتنا هذه الجارية. نعم، قد تصير جدة بنت تسع عشر سنة، لأن أقل الحمل ستة أشهر، فلو رأت بنت تسع سنين دما بالصفات المذكورة، فهو حيض مع الشروط الآتية، لأنها رأت دما صالحا لأن يكون حيضا في وقت إمكانه، فيحكم بأنه حيض كغيرها. وهو مذهب أهل العلم كافة. وروي، عن أحمد رواية أخرى في بنت عشر رأت الدم، قال: ليس بحيض. رواها الميموني (1)، قال القاضي: فعلى هذا يجب أن يقال: أول زمان يصح فيه وجود الحيض ثنتا عشر سنة، لأنه الزمان الذي يبلغ فيه الغلام (2)، وليست هذه الرواية بجيدة عندهم أيضا. ولو رأت دما لدون تسع، فهو دم فساد للعادة، ولما رواه الجمهور، عن عائشة (3). أما حد الكبر الذي ينقطع معه الحيض ففيه روايتان عن أصحابنا: روى الشيخ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (المرأة التي يئست من المحيض حدها خمسون سنة) (4) وفي طريقها سهل بن زياد، وهو ضعيف (5)، مع إرسالها. ورواها ابن يعقوب في كتابه بالسند المذكور، وقال: وروي ستون سنة (6). وروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه

(1) أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الجزري الميموني الرقي، من كبار أصحاب أحمد بن حنبل، روى، عن إسحاق الازرق ومحمد بن عبيد، وروى عنه النسائي، وأبو عوانة، وأبو بكر بن زياد. مات في ربيع الأول سنة 274 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 603، العبر 1: 395، شذرات الذهب 2: 165.
(2) المغني 1: 408، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 352.
(3) صحيح مسلم 1: 263 حديث، سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 626، سنن النسائي 1: 117، سنن الدارمي 1: 196، مسند أحمد 6: 141. (4) التهذيب 1: 397 حديث 1235، الوسائل 2: 580 الباب 31 من أبواب الحيض، حديث 4.
(5) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول: ص 251.
(6) الكافي 3: 107 حديث 2، الوسائل 2: 581 الباب 31 من أبواب الحيض، حديث 4.

[ 272 ]

السلام، قال: (حد التي يئست من المحيض خمسون سنة) (1). الثانية: روى الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلا أن تكون امرأة من قريش) (2). قال الشيخ في المبسوط: وحد اليأس خمسون، وفي القرشية روي أنها ترى الدم إلى ستين (3)، والحق في غيره النبطية بالقرشية في البلوغ إلى ستين (4). وهذا قول أهل المدينة (5). ولو قيل: اليأس يحصل ببلوغ ستين، أمكن بناءا على الموجود، فإن الكلام مفروض فيما إذا وجد من المرأة دم في زمن عادتها على ما كانت تراه قبل ذلك، فالوجود ها هنا دليل الحيض كما كان قبل الخمسين دليلا. ولو قيل: ليس بحيض مع وجوده وكونه على صفة الحيض، كان تحكما لا يقبل. أما بعد الستين، فالإشكال زائل، للعلم بأنه ليس بحيض لعدم الوجود، ولما علم من أن للمرأة حالا يبلغها يحصل معها اليأس، لقوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض) (6). وقال بعض الحنفية: إن بنت سبعين ترى دم الحيض، وبعضهم قال: بأكثر من سبعين (7). وقال محمد بن الحسن في نوادر الصلاة: قلت: رأيت العجوز الكبيرة ترى الدم، أيكون حيضا؟ قال: نعم (8).

(1) التهذيب 1: 397 حديث 1237، الوسائل 2: 580 الباب 31 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 397 حديث 1236، الوسائل 2: 580 الباب 31 من أبواب الحيض، حديث 2.
(3) المبسوط 1: 42.
(4) لم نعثر على هذا القول في كتب الشيخ، ولكنه قول المفيد في المقنعة: 82.
(5) المغني 1: 406، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353.
(6) الطلاق: 4.
(7) المبسوط للسرخسي 3: 149 150.
(8) المصدر السابق.

[ 273 ]

مسألة: اختلف الأصحاب في الحبلى هل ترى دم الحيض أم لا؟ فقال المفيد (1)، وابن الجنيد (2)، وابن إدريس: إنها لا تحيض (3). وهو اختيار سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن يزيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي (4)، وأبي حنيفة (5)، وابن المنذر، وأبي عبيد، وأبي ثور (6)، والشافعي في القديم (7). وقال السيد المرتضى (8)، وابنا بابويه (9): إنها تحيض وهو مذهب الشافعي في الجديد (10)، ومالك (11)، والليث، وقتادة، وإسحاق (12). وقال الشيخ في النهاية: إن رأته في زمن عادتها فهو حيض،

(1) نسب في المعتبر 1: 200 القول إلى المفيد في المقنعة، والموجود فيه هكذا:. لأن من النساء من يرتفع حيضهن قبل حملهن. المقنعة: 83 84.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 200.
(3) السرائر: 29.
(4) المغني 1: 405، المجموع 2: 386، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 149، الهداية للمرغيناني 1: 33، بدائع الصنائع 1: 42، شرح فتح القدير 1: 164، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 576، المجموع 2: 386، المغني 1: 405، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353.
(6) المغني 1: 405، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353، المجموع 2: 386.
(7) المجموع 2: 384، مغني المحتاج 1: 119، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 576، المهذب للشيرازي 1: 39.
(8) الناصريات (الجوامع الفقهية): 191.
(9) انظر: قول علي بن بابويه في المعتبر 1: 200، ومحمد بن علي بابويه: في المقنع: 16، والفقيه 1: 51.
(10) المجموع 2: 384، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 577، مغني المحتاج 1: 118، السراج الوهاج: 33، ميزان الكبرى 1: 130، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31، المهذب للشيرازي 1: 39، المغني 1: 405.
(11) بداية المجتهد 1: 53، المجموع 2: 386، المغني 1: 405، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 577.
(12) المغني 1: 405، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353، المجموع 2: 386.

[ 274 ]

وإن تأخر عنها بمقدار عشرين يوما فليس بحيض (1). وقال في الخلاف: إنها تحيض ما لم يستبن حملها، فإذا استبان فلا حيض (2). والحق عندي مذهب السيد المرتضى. لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة أن الحبلى إذا رأت الدم لا تصلي (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الحبلى ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة؟ قال: (تترك إذا دام) (4). وروي، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في الحبلى ترى الدم؟ قال: (تدع الصلاة فإنه ربما بقي في الرحم الدم ولم يخرج وتلك الهراقة) (5). وروي في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحبلى ترى الدم أتترك الصلاة؟ قال: (نعم، إن الحبلى ربما قذفت بالدم) (6). وروي في الصحيح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحبلى ترى الدم؟ قال: (نعم، إنه ربما قذفت المرأة بالدم وهي حبلى) (7).

(1) النهاية: 25. (2) الخلاف 1: 74 مسألة 12.
(3) سنن الدارمي 1: 225، جامع الأصول 8: 223 حديث 5400، الموطأ 1: 60.
(4) التهذيب 1: 386 حديث 1189، الاستبصار 1: 139 حديث 476، الوسائل 2: 577 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 386 حديث 1186، الاستبصار 1: 138 حديث 473، الوسائل 2: 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 9.
(6) التهذيب 1: 386 حديث 1187، الاستبصار 1: 138 حديث 474، الوسائل 2: 576 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 386 حديث 1188، الاستبصار 1: 139 حديث 475، الوسائل 2: 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 10.

[ 275 ]

وروي، عن سماعة، قال: سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل؟ قال: (تقعد أيامها التي كانت تحيض، فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة أيام، ثم هي مستحاضة) (1). وروي في الصحيح، عن أبي المعزا، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحبلى قد استبان ذلك منها، ترى كما ترى الحائض من الدم؟ قال: (تلك الهراقة إن كان دما كثيرا فلا تصلين، وإن كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين) (2). وروي في الصحيح، عن إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحبلى تر الدم اليوم واليومين؟ قال: (إن كان دما عبيطا فلا تصل ذلك اليومين، وإن كانت صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (3). وروي في الصحيح، عن صفوان، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام تصلي؟ قال: (تمسك عن الصلاة) (4). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الحبلى ترى الدم كما ترى أيام حيضها مستقيما في كل شهر؟ قال: (تمسك عن الصلاة كما كانت تصنع في حيضها فإذا طهرت صلت) (5). وروى محمد بن يعقوب في كتابه، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما

(1) التهذيب 1: 386 حديث 1190، الاستبصار 1: 139 حديث 477، الوسائل 2: 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 11، و 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 6.
(2) التهذيب 1: 387 حديث 1191، الوسائل 2: 577 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 5.
(3) التهذيب 1: 387 حديث 1192، الاستبصار 1: 141 حديث 483، الوسائل 2: 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 6. وفي الجميع فلا تصلي ذينك اليومين.
(4) التهذيب 1: 387 حديث 1193، الاستبصار 1: 139 حديث 478، الوسائل 2: 577 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 387 حديث 1194، الاستبصار 1: 139 حديث 479، الوسائل 2: 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 7.

[ 276 ]

السلام، قال: سألته عن المرأة الحبلى قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم؟ قال: (تلك الهراقة من الدم إن كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي، وإن كان قليلا أصفر فليس عليها إلا الوضوء) (1). وروى ابن يعقوب في الحسن، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الحبلى ربما طمثت؟ فقال: (نعم، وذلك أن الولد في بطن أمه غذاؤه الدم فربما كثر يفضل عنه فإذا فضل دفعته فإذا دفعته حرمت عليها الصلاة) (2). قال: وفي رواية أخرى، إذا كان كذلك تأخر الولادة (3). ولأنه دم رحم خرج في وقت معتاد، فكان حيضا كالحائل. احتج القائلون (4) بأنها لا تحيض، بما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة) (5) جعل الحيض علامة فراغ الرحم، فدل على أنه لا يتصور مع الشغل. وبما رواه سالم، عن أبيه، أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا) (6) فجعل الحمل علما على عدم الحيض كما جعل الطهر علما عليه. ولأنه زمن لا يعتادها الحيض فيه

(1) الكافي 3: 96 حديث 2، الوسائل 2: 579 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 16.
(2) الكافي 3: 97 حديث 6، الوسائل 2: 579 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 14.
(3) الكافي 3: 97 حديث 6، الوسائل 2: 579 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 15.
(4) المغني 1: 405، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 353. (5) مسند أحمد 3: 87، سنن أبي داود 2: 248 حديث 2157، سنن النسائي 6: 301.
(6) مسند أحمد 2: 26، صحيح مسلم 2: 1095 حديث 1471، سنن الترمذي 3: 479 حديث 1176، سنن ابن ماجة 1: 652 حديث 2023، سنن النسائي 6: 141. بتفاوت انظر: سنن أبي داود 2: 255 حديث 2182، صحيح البخاري 7: 52، وج 6: 193.

[ 277 ]

غالبا، فلم يكن ما تراه فيه حيضا كالآيسة. وبما رواه الشيخ، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل يعني إذا رأت الدم وهي حامل، لا تدع الصلاة ألا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق فرأت الدم تركت الصلاة) (1). قال إبن إدريس: أجمعنا على بطلان طلاق الحائض مع الدخول والحضور، وعلى صحة طلاق الحامل مطلقا، ولو كانت تحيض لحصل التناقض (2). واحتج الشيخ (3) بما رواه في الصحيح، عن الحسن (4) بن نعيم الصحاف (5) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أم ولدي ترى الدم وهي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال: (إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه فإن ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث، فلتتوضأ وتحتشي بكرسفة وتصلي، فإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة، فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها، فإن انقطع الدم عنها قبل ذلك فلتغتسل ولتصل، وإن لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضى الايام [ التي (6) ] كانت

(1) التهذيب 1: 387 حديث 1196، الاستبصار 1: 140 حديث 481، الوسائل 2: 579 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 12.
(2) السرائر: 29.
(3) الاستبصار 1: 140.
(4) كذا في المصادر: الحسين، وهو الصحيح.
(5) الحسين بن نعيم الصحاف الكوفي، مولى بني أسد ثقة. قاله النجاشي. عده في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 53 رجال الطوسي: 169، رجال العلامة: 51.
(6) أضفناه من المصدر.

[ 278 ]

ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل وتحتشي وتستذفر وتصلي الظهر والعصر، ثم لتنظر.) (1) إلى آخر الحديث. والجواب عن الأول: أنه لا شك في أن الغالب أن الحامل لا ترى الدم، ويدل عليه تعليل الامام أبي عبد الله عليه السلام بأنه غذاؤه، وإنما يخرج الفضل منه، فلا يلزم ما ذكرتموه. وكذا البحث عن الثاني، على أنه يمكن أن يكون حجة لنا، لأنه عليه السلام فصل بين الطهر والحمل، والتفصيل قاطع للشركة، فلا يصدق الطهر حينئذ مع الحبل. وعن الثالث: بالفرق بين الآيسة وبينها، لاعتيادها دون اعتياد الآيسة. وقوله: إنه لا يعتاد غالبا، قلنا: الحبلى من حيث هي لا شك أنها لا ترى الدم غالبا، أما بالنظر إلى المرأة المعينة التي يعتادها الحيض في زمن حبلها على ما كانت عليه قبل الحبل، فلا نسلم أنه مغلوب في حقها. وعن الرابع: إن السكوني عامي، فلا تعارض روايته ما قدمنا من الروايات الصحيحة. وعن الخامس: إن الحيض في زمن الحبل سقط اعتباره في نظر الشرع فيما يرجع إلى منعه من الطلاق. وعن السادس: إنه بني على الغالب، فإن أغلب أحوال المراة إذا خرجت عادتها ولم تر دما وبالخصوص إذا كانت حبلى، أنه لا يكون دم حيض، وادعى الشيخ في الخلاف الاجماع على أن المستبين حملها لا تحيض، وإنما الخلاف وقع في غير المستبين، ونحن لا نحقق هذا الاجماع، مع أن رواية أبي المعزا تنافي ما ذكره الشيخ، وكذا رواية محمد بن مسلم. وأيضا: التعليلات التي ذكروها عليهم السلام عامة، والصيغ مطلقة، فالأقرب

(1) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 140 حديث 482، الوسائل 2: 577 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث، 3. وفي الجميع: وتستثفر.

[ 279 ]

ما ذهبنا نحن إليه. فرع (1): لو انقطع دمها، ثم ولدت، فإن كان بين الانقطاع والولادة أقل الطهر فالمنقطع حيض، وإن قصر ما بينهما عن أقل الطهر فليس بحيض، [ لاشتماله ] قصور الطهر عن أقله. وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: أنه يكون حيضا (2). وإنما يعتبر الطهر الكامل بين دمي حيض، لأن الدم الثاني، لا دلالة عليه إلا وجوده بعد الطهر الكامل، وهنا دمان مختلفان، وعلى الثاني دلالة، وهي خروج الولد. ولو تقدمت الولادة وانقطع دمها على الأكثر ورأت دما بعد تخلل أقل الطهر كان حيضا، وإن كان قبله لم يكن حيضا. وهو أحد وجهي الشافعية، والثاني: يكون حيضا، لأنهما دمان مختلفان: نفاس وحيض، فلا يعتبر بينهما أقل الطهر (3). البحث الثاني: في وقته مسألة: ولأيام الحيض طرفا قلة وكثرة، فأقل أيامه ثلاثة بلياليها، وأكثره عشرة. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال أبو (4) حنيفة، وسفيان الثوري، وأبو يوسف، ومحمد (5). ورواه الجمهور عن علي عليه السلام، وعمر، وابن مسعود، وابن

(1) (خ): فروع.
(2) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 521.
(3) المجموع 2: 519. (4) المغني 1: 354، المبسوط للسرخسي 3: 147، الهداية للمرغيناني 1: 30، بدائع الصنائع 1: 40، المجموع 2: 381، المحلى 2: 193 198، عمدة القارئ 3: 307، بداية المجتهد 1: 50، شرح فتح القدير 1: 142.
(5) المغني 1: 354، المجموع 2: 381.

[ 280 ]

عباس، وعثمان بن أبي العاص الثقفي (1)، وأنس بن مالك (2). وللشافعي قولان: أحدهما: أن دم الحيض أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما (3). وبه قال أبو ثور (4). والثاني: أن أقله يوم وأكثره خمسة عشر يوما (5). وبه قال داود (6)، وبالقولين روايتان عن أحمد (7)، وروي عنه ثالثة أن أكثره سبعة عشر يوما (8). وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يوما (9). وقال مالك: ليس لأقله حد ولا لأكثره، بل الحيض ما يوجد، قل أو كثر، والطهر كذلك (10). وروي، عن أبي يوسف رواية أخرى: إن

(1) أبو عبد الله: عثمان بن العاص بن بشر بن عبد بن دهمان الثقفي، نزيل البصرة. أسلم في وفد ثقيف، استعمله النبي صلى الله عليه وآله على الطائف، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص ومولاه أبو الحكم، وسعيد بن المسيب وغيرهم، مات في خلافة معاوية سنة 51 ه‍. الاصابة 2: 46، الاستيعاب بهامش الاصابة 3: 91، أسد الغابة 3: 373.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 147، شرح العناية بهامش فتح القدير 1: 142.
(3) الأم 1: 67، المهذب 1: 38، المجموع 2: 375، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 411، المغني 1: 353، بداية المجتهد 1: 50، مغني المحتاج 1: 109، بدائع الصنائع 1: 40، الأم (مختصر المزني) 8: 11 217.
(4) المجموع 2: 381، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 354.
(5) الأم (مختصر المزني) 8: 217، المهذب 1: 38، المجموع 2: 375، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 411، المغني 1: 353، بدائع الصنائع 1: 40.
(6) المحلى 2: 193. (7 8) المغني 1: 352 353، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 354 الانصاف 1: 358، الكافي لابن قدامة 1: 94، المجموع 2: 381، المحلى 2: 199. (9) المغني 1: 353، المحلى 2: 198، سنن الدارمي 1: 209.
(10) المدونة الكبرى 1: 50، بداية المجتهد 1: 50، المغني 1: 354، المجموع 2: 381، المبسوط للسرخسي 3: 147، المحلى 2: 192، بدائع الصنائع 1: 39، بلغة السالك 1: 78، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 412، مقدمات ابن رشد 1: 90.

[ 281 ]

أقل الحيض يومان وأكثر الثالث (1). لنا: ما رواه الجمهور، عن واثلة بن الاسقع أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) (2). وما رووه، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام) (3). وقال أنس: قرء المرأة: ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر (4). ولا يقول ذلك إلا توقيفا. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن يعقوب بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (أدنى الحيض ثلاثة وأقصاه عشرة) (5). وروي في الصحيح، عن صفوان بن يحيى، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحي ض؟ قال: (أدناه ثلاثة وأبعده عشرة) (6). وروي، عن الحسن بن علي بن زياد الحزاز، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة) (7).

(1) بدائع الصنائع 1: 40، المبسوط للسرخسي 3: 147، المجموع 2: 381، الهداية للمرغيناني 1: 30، عمدة القارئ 3: 307، شرح فتح القدير 1: 142 143.
(2) سنن الدارقطني 1: 219 حديث 61.
(3) سنن الدارقطني 1: 218 حديث 60 59، كنز العمال 9: 408 حديث 26725.
(4) المغني 1: 354، وبمضمونه، انظر: سنن الدارمي 1: 210، مجمع الزوائد 1: 280.
(5) التهذيب 1: 156 حديث 447، الاستبصار 1: 130 حديث 448، الوسائل 2: 552 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 10.
(6) التهذيب 1: 156 حديث 446، الاستبصار 1: 130 حديث 447، الوسائل 2: 551 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 2. (7) التهذيب 1: 156 حديث 449، الاستبصار 1: 131 حديث 450، الوسائل 2: 549 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 4.

[ 282 ]

وروي، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ قال: (ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام) (1). وروي، عن سماعة بن مهران، قال: قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشر) (2). وروي، عن سماعة أيضا، قال: (أكثر جلوسها عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام) (3). لا يقال: معارض ذلك: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن أكثر ما يكون الحيض ثمان، وأدنى ما يكون منه ثلاثة) (4). لأنا نقول: هذا خبر لم يذهب إليه أحد من المسلمين، فيجب تأويله بالمحتمل وهو أمران: أحدهما: أنه يكون المراد: إذا كانت عادتها إنها لا تحيض أكثر من ثمانية أيام، ثم استحاضت حتى لا يتميز لها دم الحيض من الاستحاضة، فإن أكثر ما تحتسب به من أيام الحيض ثمانية أيام حسب ما جرت عادتها قبل استمرار الدم. ذكره الشيخ في التهذيب (5).

(1) التهذيب 1: 156 حديث 445، الاستبصار 1: 130 حديث 446، الوسائل 2: 551 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 380 حديث 1178، الوسائل 2: 559 الباب 14 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 380 حديث 1181، الاستبصار 1: 138 حديث 471، الوسائل 2: 547 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 157 حديث 450، الاستبصار 1: 131 حديث 451، الوسائل 2: 553 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 14.
(5) التهذيب 1: 157.

[ 283 ]

الثاني: يحتمل أنه أراد أكثر ما يكون الحيض ثمانية أيام فإن وقوع العشرة نادر كما أن وقوع الثلاثة كذلك، بل الغالب وقوع الوسط وهو ثمانية، أو سبعة، أو ستة فيكون ذلك إشارة إلى بيان أكثر أيامه في الغالب لا مطلقا. احتج الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (دعي الصلاة يوم قرئك) (1) من غير فصل بين عدد القليل والكثير، وهذا يدل على أن أقل الحيض يوم واحد. وعلى الكثرة بأنا الشهر في حق الآيسة والصغيرة أقيم مقام حيض وطهر، فجعل العدة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء فيقسم عليها نصفين. وأيضا: فإنه غير محدود في الشريعة واللغة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، وقد وجد حيضا معتاد يوما، قال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر (2). وقال أحمد بن حنبل: حدثني يحيى بن آدم (3) قال: سمعت شريكا (4) يقول: عندنا امرأة تحيض كل [ شهر ] (5) خمسة عشر يوما (6). وقال ابن المنذر: قال الأوزاعي:

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 26. وفيه: (دعي الصلاة أيام أقرائك) وبهذا المضمون، انظر: سنن أبي داود 1: 73 حديث 281، سنن الترمذي 1: 220 حديث 126، سنن ابن ماجة 1: 203 حديث 620، سنن الدارمي 1: 203.
(2) فتح العزيز بهامش المجموع 2: 412: 375، المغني 1: 354، الكافي لابن قدامة 1: 94، المهذب للشيرازي 1: 38. (3) أبو زكريا: يحيى بن آدم الكوفي المقرئ الحافظ الفقيه، أخذ القراءة عن أبي بكر عياش، وسمع من يونس بن أبي إسحاق ونصر بن خليفة، وهذه الطبقة. مات سنة 203 ه‍. العبر 1: 268، شذرات الذهب 2: 8، تذكرة الحفاظ 1: 359.
(4) أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، روى عن سلمة بن كهيل وغيره. سمع منه إسحاق الازرق تسعة الآف حديث، مات سنة 177 ه‍. العبر 1: 208، شذرات الذهب 1: 287، تذكرة الحفاظ 1: 232.
(5) في النسخ: سنة، وما أثبتناه من المصدر.
(6) المغني 1: 354، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 355.

[ 284 ]

عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشيا يرون أنه حيض تدع له الصلاة (1). وقال الشافعي: رأيت امرأة اثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام (2). وذكر إسحاق بن راهويه، عن بكير بن عبد الله المزني (3) أنه قال: تحيض امرأتي يومين (4). وهذا يدل على أن أقل الحيض يوم. واحتجوا (5) أيضا بما رووه، عن علي عليه السلام أنه قال في صفة النساء: (أنهن ناقصات عقل ودين) فقيل: وما نقصان دينهن؟ قال: (تلبث شطر دهرها في بيتها لا تصلي) (6) وذلك يدل على أن أكثر الحيض نصف الشهر. واحتج مالك بأنه لو كان لأقله حد لكانت المرأة لا تدع الصلاة حتى يمضي ذلك الحد، وأيضا: قال الله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) (7) وذلك عام في الأقل والأكثر (8). والجواب عن الأول: أنه ليس فيه تقدير بيوم، بل فيه بيان بأنها لا تصلي في وقت

(1) المغني 1: 355، المهذب للشيرازي 1: 38، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 411.
(2) الأم 1: 64، المهذب للشيرازي 1: 38، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 411، المغني 1: 355.
(3) أبو عبد الله بكر بن عبد الله المزني البصري، روى عن المغيرة بن شعبة وابن عمر، وروى عنه قتادة وحميد وحبيب بن الشهيد مات سنة 108 ه‍. العبر 1: 101، شذرات الذهب 1: 135، الجرح والتعديل 2: 388.
(4) المغني 1: 355، المجموع 2: 382.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 24، المبسوط للسرخسي 3: 148، بدائع الصنائع 1: 40، شرح فتح القدير 1: 143، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 413، التفسير الكبير 6: 66.
(6) صحيح البخاري 1: 83، صحيح مسلم 1: 86 حديث 79، سنن أبن ماجة 2: 1326 حديث 4003، أحكام القرآن للجصاص 2: 24، مسند أحمد 2: 373 بتفاوت يسير في الجميع. الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وانظر بمضمونه عن علي (ع) في نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح: 105.
(7) البقرة: 222.
(8) المغني 1: 354، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 354، بدائع الصنائع 1: 39.

[ 285 ]

الحيض، ونحن نقول به. وعن الثاني: بالمنع من اعتداد الآيسة والصغيرة، أولا: لما يأتي، وثانيا، لو سلم، لم قلتم أنه لأجل قيام ثلاثة أشهر مقام ثلاثة أقراء؟ بل لعله أراد به الاستظهار، فإن الاعتداد بالاقراء يحصل معه القطع بخلو الرحم، أما بالاشهر فأوجب الأكثر من الاقراء للاستظهار. وعن الثالث: إنا قدمنا أنه محدود من حيث النقل عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث أبي أمامة، وحديث واثلة، وما رووه عن أكثر الصحابة كعلي عليه السلام، وعمر، وابن مسعود، وغيرهم ممن نقلنا عنهم. وهذا لا نعرف فيه قياسا، فالنقل عن كل واحد منهم كروايته، عن النبي صلى الله عليه وآله، وما رويناه، عن أهل البيت عليهم السلام، فكيف يصح إدعاء عدم التقدير الشرعي؟ وما نقلوه، عن النساء فضعيف لا يعارض به الاحاديث النبوية وآثار أهل البيت عليه السلام. وعن الرابع: أن الشطر لا يراد به النصف ها هنا، لعدم تطرق الخلف إلى كلامه عليه السلام، فيحمل على ما يقارب النصف. على أنهم أخذوا الشطر بالنسبة إلى الشهر، فهو غير مذكور في كلامه عليه السلام. ولقائل أن يقول: يجوز اعتباره بالنسبة إلى السنة، فانها إذا لبثت عشرة حائضا وعشرة طهرا وهكذا، حصل من ذلك مساواة ترك الصلاة لفعلها في الازمنة، ويناسبه إن الدهر في اللغة: الزمان الطويل، وذلك لا يناسب الشهر. وعن الخامس: بالمنع عن الملازمة في ذات العادة بناءا على الغالب وبالتزامها وبالمنع من إبطال التالي في المبتدئة، وسيأتي البيان. وعن السادس: إن الآية مجملة من حيث المقدار، وبيانه في حديث أبي أمامة، وواثلة، وأحاديث الأئمة عليهم السلام، وقد تقدمت. مسألة: هل يشترط في الثلاثة الايام، التوالي أم لا؟ فيه للأصحاب قولان: قال الشيخ في النهاية: لا يشترط، بمعنى أنها لو رأت الأول والثالث والخامس

[ 286 ]

مثلا، لكان حيضا (1). وقال في المبسوط والجمل: يشترط التتابع (2). وبه قال ابنا بابويه (3) والسيد المرتضى (4). واتفق الفريقان على أنه يشترط كون الثلاثة من جملة العشرة، والقول الأول اختيار الحنفية (5). احتج الشيخ (6) على الأول بما رواه يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة، فإن استمر بها الدم ثلاثة أيام فهي حائض، وإن انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام، فإن رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة أيام فذلك الذي رأته في أول الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض، وإن مر بها من يوم رأت عشرة أيام ولم تر الدم فذلك اليوم واليومان الذي رأته لم يكن من الحيض إنما كان من علة) (7) وهذه الرواية مرسلة لا يعول عليها. وروى الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهي من الحيضة الأولى، وإذا رأته بعد عشرة أيام فهي من حيضة أخرى مستقبلة) (8) وفي طريقها ابن فضال، وهو

(1) النهاية: 26.
(2) المبسوط 1: 42، الجمل والعقود: 45.
(3) الهداية: 21، الفقيه 1: 50، المعتبر 1: 202.
(4) نقله عنه في المعتبر 1: 202.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 154، الهداية للمرغيناني 1: 32، بدائع الصنائع 1: 43، شرح فتح القدير 1: 152.
(6) النهاية: 26.
(7) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 555 الباب 12 من أبواب الحيض، حديث 2.
(8) التهذيب 1: 156 حديث 448، الاستبصار 1: 130 حديث 449، الوسائل 2: 552 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 11.

[ 287 ]

ضعيف (1)، مع عدم إفادتها المطلوب، إذ لا دلالة فيها على أن الحيضة الأولى أقل من ثلاثة، بل دلت على أن ما تراه في العشرة فهو من الحيضة الأولى، ونحن لا نسمي الدم حيضا إلا ما بلغ ثلاثة فصاعدا، فمتى رأت الدم ثلاثا، ثم انقطع، ثم رأته في العشرة ولو تجاوز كان الجميع حيضا. وقد روى هذه الرواية أيضا من طريق حسن، عن محمد بن مسلم، ولم نظفر بحديث سوى ما ذكرناه فلنرجع إلى الأصل، وهو شغل الذمة بالعبادة المستفادة من الأمر إلى أن يظهر المزيل. مسألة: كل دم تراه المرأة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ثم ينقطع عليها فهو حيض ما لم يعلم أنها لعذرة أو قرح، ولا اعتبار باللون. وهو مذهب علمائنا أجمع، لا نعرف مخالفا، لأنه في زمان يمكن أن يكون حيضا، فيكون حيضا. وروى الجمهور، عن عائشة أنها كانت تبعث إليها النساء بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة والكدرة فتقول: لا تعجلين حتى ترين القصة البيضاء (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا رأت المرأة أقل من العشرة فهو من الحيضة الأولى، وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة) (3) وهو لفظ مطلق ليس فيه تخصيص بلون دون آخر. وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (فإن خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل) (4).

(1) مرت ترجمته في الجزء الأول ص 76.
(2) صحيح البخاري 1: 87، الموطأ 1: 59 حديث 97، كنز العمال 9: 624، حديث 27712، سنن البيهقي 1: 336.
(3) التهذيب 1: 159 حديث 454، الوسائل 2: 554 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 161 حديث 462، الوسائل 2: 562 الباب 17 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 288 ]

وروي، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ، فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال: (فإن كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط وترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد أن يبول ثم تستدخل الكرسف فإذا كان به من الدم مثل رأس الذباب خرج، فإن خرج دم فلم تطهر، وإن لم يخرج فقد طهرت) (1). مسألة: أقل الطهر بين الحيضتين عشرة أيام. وهو مذهب أهل البيت عليهم السلام. ولا حد لأكثره عند عامة علمائنا، إلا من شذ كأبي الصلاح، فإنه حده بثلاثة أشهر (2). وقال مالك (3)، والثوري (4)، والشافعي (5)، وأبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر (6). وقال أحمد: أقله ثلاثة عشر يوما (7). وقال أبو بكر: أقل الطهر مبني على أكثر الحيض، فإن قلنا أكثره خمسة عشر فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قلنا أكثره سبعة عشر

(1) التهذيب 1: 161 حديث 462، الوسائل 2: 562 الباب 17 من أبواب الحيض، حديث 4.
(2) الكافي في الفقه: 128.
(3) بداية المجتهد 1: 50، المغني 1: 356، مقدمات ابن رشد 1: 89، بلغة السالك 1: 78، أحكام القرآن للجصاص 2: 30.
(4) المجموع 2: 381، المغني 1: 356، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 356.
(5) المجموع 2: 376، المهذب للشيرازي 1: 39، ميزان الكبرى 1: 128، فتح الوهاب 1: 26، مغني المحتاج 1: 109، السراج الوهاج: 30، الأم 1: 67، المحلى 2: 200، بداية المجتهد 1: 50، المغني 1: 356، بدائع الصنائع 1: 40، المبسوط للسرخسي 3: 148. (6) المبسوط للسرخسي 3: 148، بدائع الصنائع 1: 40، عمدة القارئ 3: 306، المغني 1: 356، بداية المجتهد 1: 50، ميزان الكبرى 1: 128، المحلى 2: 200.
(7) المغني 1: 356، الكافي لابن قدامة 1: 94، منار السبيل 1: 56، المجموع 2: 382، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 412، ميزان الكبرى 1: 128.

[ 289 ]

فأقل الطهر ثلاثة عشر (1). وحكي عن يحيى بن أكثم (2) أن أقل الطهر تسعة عشر يوما (3)، لأن العادة أن للمرأة في كل شهر حيضا وطهرا، والشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما، وأكثر الحيض عشرة أيام، فيبقى أقل الطهر تسعة عشر يوما. لنا: ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض طهرت عند كل قرء وصلت، فقال علي عليه السلام لشريح (4) (قل فيها) فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك وإلا فهي كاذبة. فقال علي عليه السلام: (قالون) ومعناه بالرومية: جيد (5)، وهذا لا يقوله إلا توقيفا، وهو قول صحابي انتشر ولم يعلم خلافه، فكان إجماعا سكوتيا، ولا يتقدر ذلك على تقدير أن يكون أقل الطهر خمسة عشر يوما. ثم نقول: قد بينا أن أقل الحيض ثلاثة أيام (6)، فلا يتقدر ذلك أيضا إلا على تقدير أن يكون أقل الطهر عشرة أيام.

(1) المغني 1: 356، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 356.
(2) يحيى بن أكثم القاضي: أبو محمد المروزي البغدادي، وروى عن جرير بن عبد الحميد وطبقته، غلب على المأمون حتى أخذ بمجامع قلبه وقلده القضاء وتدبير مملكته فكانت الوزراء لا تعمل إلا بعد مطالعته. مات سنة 242 ه‍. العبر 1: 345، شذرات الذهب 2: 101.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 30، المجموع 2: 382.
(4) أبو أمية: شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي قاضي الكوفة، استقضاه عمر على الكوفة، ثم علي (ع) فمن بعده، روى عن علي (ع)، وعمر، وابن مسعود، وروى عنه الشعبي، والنخعي، وعبد العزيز، وطائفة. مات سنة 78 وقيل: 80 ه‍. أسد الغابة 2: 394، تذكرة الحفاظ 1: 59، العبر 1: 66، شذرات الذهب 1: 85.
(5) المغني 1: 357، وبتفاوت في: صحيح البخاري 1: 89، سنن الدارمي 1: 212، سنن البيهقي 7: 418. (6) راجع ص: 279.

[ 290 ]

وأيضا: ما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله في بيان نقصان دين المرأة في الحديث الطويل تقعد إحداهن شطر دهرها لا تصوم ولا تصلي (1). وقد بينا أن أكثر الحيض عشرة أيام فأقل الطهر ما يساويه (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه، الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا يكون القرء في أقل من عشرة فما زاد أقل ما يكون عشرة من حين تطهر إلى أن ترى الدم) (3). وروي، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أدنى الطهر عشرة أيام) (4). وما رواه في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيض الأولى، وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة) (5). وما رواه الشيخ، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في امرأة ادعت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال: (كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان فيما مضى على ما ادعت فإن شهدن

(1) صحيح البخاري 1: 83، صحيح مسلم 1: 86 حديث 79، سنن الترمذي 5: 10 حديث 2613، سنن ابن ماجة 2: 1326 حديث 4003، مسند أحمد 2: 374 بتفاوت يسير في الجميع.
(2) راجع ص: 279.
(3) التهذيب 1: 157 حديث 451، الاستبصار 1: 131 حديث 452، الوسائل 2: 553 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) الكافي 3: 76 حديث 5، التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 554 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) الكافي 3: 77 حديث 1 التهذيب 1: 159 حديث 454، الوسائل 2: 554 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 291 ]

صدقت وإلا فهي كاذبة) (1). احتج الجمهور بما رووه، عن عطاء بن يسار وإبراهيم النخعي، أنهما قالا: أقل الطهر خمسة عشر يوما (2). وليس ذلك إلا عن توقيف. والجواب: يجوز أن يكون إنما صار إليه عن اجتهاد، فإن الشهر عندهم ينقسم إلى الطهر والحيض، وقد أفتيا بأن أكثر الحيض خمسة عشر، فلزمهم (3) مساواة أقل الطهر له، ونحن لما بينا (4) كمية أكثر الحيض بطل هذا التقدير، على أن قولهما معارض بقول علي عليه السلام وهو الحجة. مسألة: ألوان الدماء ستة: السواد الخالص، والبياض الخالص، والحمرة والصفرة، والخضرة، والكدرة، فالسواد، دم حيض إجماعا. وأما البياض، فليس بحيض إجماعا. وأما الحمرة فقد روي، أبو حنيفة إنها في أيام الحيض حيض (5). وهو مذهبنا أيضا. وأما الصفرة فكذلك على رأينا ورأي أبي (6) حنيفة. وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليس بحيض إلا أن يتقدمها دم (7). وقال داود: إن

(1) التهذيب 1: 398 حديث 1242 وج 8: 166 حديث 576، الاستبصار 1: 148 حديث 511 وج 3: 356 حديث 1277، الوسائل 2: 596 الباب 47 من أبواب الحيض، حديث 3.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 155، أحكام القرآن للجصاص 2: 31. (3) (ق) (ح): فلزم.
(4) راجع ص 279.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 30، المبسوط للسرخسي 3: 150، بدائع الصنائع 1: 39، شرح فتح القدير 1: 144، عمدة القارئ 3: 309.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 30، المبسوط للسرخسي 3: 150، شرح فتح القدير 1: 144، بدائع الصنائع 1: 39، عمدة القارئ 3: 309، أحكام القرآن للجصاص 2: 33، بداية المجتهد 1: 53، المجموع 2: 395، المحلى 2: 168، إرشاد الساري 1: 362، مقدمات ابن رشد 1: 94.
(7) الهداية للمرغيناني 1: 30، المبسوط للسرخسي 3: 150، شرح فتح القدير 1: 144، أحكام القرآن للجصاص 2: 33، بدائع الصنائع 1: 39، عمدة القارئ 3: 310، المحلى 2: 169، المجموع 2: 395، مقدمات ابن رشد 1: 94.

[ 292 ]

الصفرة والكدرة ليستا حيضا (1). وقال أبو بكر الاسكاف (2): إن كانت الصفرة على لون القز فهي حيض وإلا فلا. وقال آخرون: إن كانت الصفرة أقرب إلى البياض فليس بحيض، وإن كانت أقرب إلى الحمرة فهي حيض. وأما الكدرة، فعلى قول أبي حنيفة، ومحمد يكون حيضا في الأحوال كلها: تقدم أو تأخر (3). وقال أبو يوسف: إن خرج عقيب الدم كان حيضا، وإن تقدم لم يكن حيضا. وأما الخضرة فالخلاف فيها كالكدرة. وقد تلخص من هذا أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض. وهو قول يحيى الأنصاري (4)، وربيعة (5)، ومالك (6)، والثوري، والأوزاعي (7)، وعبد الرحمن بن مهدي (8) (9)، والشافعي (10) وإسحاق (11). وقال أبو يوسف، وأبو ثور: لا يكون

(1) بداية المجتهد 1: 53.
(2) محمد بن محمد بن أحمد بن مالك: أبو بكر الاسكافي، روى عن موسى بن سهل، والوشاء، وجعفر بن محمد الصائغ، وأبي الاحوص، وعنه أبو الحسن بن رزقويه، وأبو علي بن شاذان. مات بإسكاف سنة 352 ه‍. تأريخ بغداد 3: 219، العبر 2: 90، شذرات الذهب 3: 11.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 150، شرح فتح القدير 1: 144، أحكام القرآن للجصاص 2: 33، بدائع الصنائع 1: 39، المجموع 2: 395، عمدة القارئ 3: 309.
(4) المغني 1: 383. (5) المغني 1: 383، المجموع 2: 395، عمدة القارئ 3: 310.
(6) المدونة الكبرى 1: 50، بداية المجتهد 1: 53، مقدمات ابن رشد 1: 94، بلغة السالك 1: 78، أحكام القرآن للجصاص 2: 33، المجموع 2: 395، المغني 1: 383، عمدة القارئ 3: 310، إرشاد الساري 1: 362، المحلى 2: 169.
(7) المغني 1: 383، المجموع 2: 395، المحلى 2: 168، عمدة القارئ 3: 310.
(8) أبو سعيد: عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي، أحد أركان الحديث بالعراق، روى عن هشام الدستوائي، وشعبة، وروى عنه ابن المبارك، وأحمد وإسحاق، وابن المديني. مات سنة 198 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 329، العبر 1: 255.
(9) المغني 1: 383، المحلى 2: 168. >

[ 293 ]

فحيضا إلا أن يتقدمها دم أسود (1). لنا: قوله تعالى: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى) (2) وهو يتناول الصفرة والكدرة. وفي حديث عائشة: لا تعجلين حتى ترين القصة البيضاء (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض) (4). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال: (لا تصلي حتى تنقضي أيامها فإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت) (5). وروي في الحسن، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة ترى الصفرة؟ قال: (إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس منه) (6). وروي، عن علي بن أبي حمزة، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن المرأة ترى الصفرة؟ فقال: (ما كان قبل الحيض فهو من الحيض، وما كان بعد

< (10) المهذب للشيرازي 1: 39، المجموع 2: 393، الأم (مختصر المزني) 8: 11، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 485، مغني المحتاج 1: 113، مقدمات ابن رشد 1: 94، بداية المجتهد 1: 53، عمدة القارئ 3: 310، إرشاد الساري 1: 362، أحكام القرآن للجصاص 2: 33، المحلى 1: 168. (11) المغني 1: 383، المجموع 2: 395، المحلى 2: 168، عمدة القارئ 3: 310. (1) المغني 1: 383، المجموع 2: 396، عمدة القارئ 3: 310.
(2) البقرة: 222.
(3) صحيح البخاري 1: 87، الموطأ 1: 59 حديث 97، جامع الأصول 8: 239 حديث 4223.
(4) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 396 حديث 1230، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 1.
(6) التهذيب 1: 396 حديث 1231، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 2.

[ 294 ]

الحيض فليس منه) (1) وفي طريقه علي بن أبي حمزة، وفيه ضعف (2). وروى ابن يعقوب، في كتابه، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا رأت المرأة الصفرة قبل إنقضاء أيام عدتها لم تصل وإن كانت صفرة بعد إنقضاء أيام قرئها صلت) (3) وفي الطريق علي بن محمد (4)، وفيه ضعف. وروي، عن معاوية بن حكم قال: قال: (الصفرة قبل الحيض بيومين من الحيض وبعد أيام الحيض ليس من الحيض وهي في أيام الحيض حيض) (5). وروى ابن يعقوب، عن داود مولى أبي المعزا (6) عمن أخبرنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قلت: المرأة يكون حيضها سبعة أيام أو ثمانية أيام، حيضها دائم مستقيم، ثم تحيض ثلاثة أيام ثم ينقطع عنها الدم فترى البياض لا صفرة ولا دما؟ قال: (تغتسل وتصلي وتصوم) (7). احتج المخالف (8) بحديث أم عطية (9) قالت: كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة

(1) التهذيب 1: 396 حديث 1232، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 5.
(2) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 83.
(3) الكافي 3: 78 حديث 3، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 4.
(4) كذا في النسح، والظاهر أنه معلى بن محمد كما في الوسائل والكافي وقد مرت ترجمته في الجزء الأول ص 191.
(5) الكافي 3: 78 حديث 5، الوسائل 2: 541 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 6.
(6) داود مولى أبي المعزا العجلي، قال العلامة المامقاني: لم أقف فيه إلا على رواية علي بن الحكم عنه في باب الحيض والاستحاضة من الكافي فهو مهمل في كتب الرجال. تنقيح المقال 1: 416. (7) الكافي 3: 90 حديث 7، الوسائل 2: 544 الباب 6 من أبواب الحيض، حديث 1.
(8) المغني 1: 383، المهذب للشيرازي 1: 39، المجموع 2: 388، مغني المحتاج 1: 113.
(9) أم عطية الانصارية، اسمها: نسيبة بنت الحارث، وقيل: بنت كعب، غزت مع النبي صلى الله عليه وآله سبع غزوات وروت عنه، وروى عنها أنس، ومحمد وحفصة ولدا سيرين وإسماعيل بن عبد الرحمن وغيرهم. أسد الغابة 5: 603، الاصابة 4: 476.

[ 295 ]

بعد الغسل شيئا (1). والجواب: أنه إنما يتناول ما بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به. مسألة: قد ذكرنا أن طرف القلة حده الثلاثة، وحد الكثرة العشرة، فما زاد على العشرة فليس بحيض، كما أن ما نقص عن الثلاثة غير حيض (2). واعلم أن المرأة أما أن تكون ذات عادة أو مبتدأة، وذات العادة أما أن تكون مستقيمة أو مضطربة، وأيضا: فهي أما ذات تميز أو لا؟ فالأقسام الأول أربعة: الجامعة لوصفي العادة والتمييز، والفاقدة لهما، وذات العادة الخالية عن التمييز، وبالعكس. الأول: إذا اتحد زمانا العادة والتمييز فلا بحث فيه إذ قد اتفقت العادة والتميز على الدلالة فيعمل بهما، ولا نعرف فيه مخالفا من أهل القبلة. وإن اختلف الزمان، مثل إن رأت في أيام العادة صفرة وما قبلها أو ما بعدها أسود، فإن لم يتجاوز المجموع العشرة فالجميع حيض، وإن تجاوز، قال الشيخ في المبسوط والجمل: ترجع إلى العادة (3). واختاره السيد المرتضى، والمفيد (4)، وأتباعهم (5)، هو إحدى الروايتين عن أحمد (6)، وبه قال أبو حنيفة (7)، والثوري (8)، وأبو علي بن خيران من الشافعية (9)، وأبو سعيد

(1) صحيح البخاري 1: 89، سنن ابن ماجة 1: 212 حديث 647، سنن أبي داود 1 83 حديث 307، سنن النسائي 1: 186، سنن الدارمي 1: 215.
(2) تقدم في ص 279.
(3) المبسوط 1: 49، الجمل والعقود: 46.
(4) نقل عنهما في المعتبر 1: 212.
(5) كأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 128، وابن إدريس في السرائر: 29 (6) المغني 1: 366، المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 478.
(7) المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 478. (8) المجموع 2: 433.
(9) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 476.

[ 296 ]

الاصطخري (1) منهم (2)، وهو الصحيح عندي، وقال في النهاية: ترجع إلى التمييز (3). وهو ظاهر مذهب الشافعي (4)، والرواية الأخرى عن أحمد (5)، وبه قال من الشافعية أبو العباس، وأبو إسحاق (6)، وبه قال الأوزاعي، ومالك (7). لنا: ما رواه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله رد أم حبيبة (8) (9) والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة (10) ولم يستفصل ولم يفرق بين كونها ذات تمييز أو غيرها. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن جرير (11).

(1) الحسن بن أحمد بن يزيد أبو سعيد الاصطخري شيخ الشافعية بالعراق، صنف التصانيف. روى عن سعدان بن نصر، مات سنة 328 ه‍. العبر 2: 29، شذرات الذهب 2: 312.
(2) المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 476. (3) النهاية: 24.
(4) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 431، المغني 1: 336، السراج الوهاج: 32، مغني المحتاج 1: 115.
(5) المغني 1: 366، الكافي لابن قدامة 1: 100.
(6) المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 476.
(7) بداية المجتهد 1: 54، المجموع 2: 433.
(8) أم حبيبة، وقيل: أم حبيب بنت جحش بن رباب الاسدية، أخت زينب زوج النبي صلى الله عليه وآله كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، استفتت عن النبي صلى الله عليه وآله في الاستحاضة. أسد الغابة 5: 572، الاصابة 4: 440.
(9) صحيح مسلم 1: 264 حديث 65 66، سنن أبي داود 1: 72 حديث 279، سنن النسائي 1: 182، نيل الاوطار 1: 340 حديث 2، جامع الأصول 8: 225.
(10) الموطأ 1: 62 حديث 105، سنن أبي داود 1: 71 حديث 274، سنن ابن ماجة 1: 204 حديث 623، سنن النسائي 1: 182، مسند أحمد 6: 293، 320، نيل الاوطار 1: 341 حديث 4، كنز العمال 9: 633 حديث 27753، جامع الأصول 8: 234 حديث 5411. (11) إسحاق بن جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب >

[ 297 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال (1): قلت له: إن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين) (2) ولم يفرق بين ذات التمييز وغيرها. وروي، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وكل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكل ما رأته بعد أيام حيضها فليس من الحيض (3). وروي، عن الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها) (4). وروي، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإن هي رأت طهرا اغتسلت، وإن لم تر طهرا

< الصادق (ع) وذكره المصنف في القسم الثاني من الخلاصة وقال: كان واقفيا فالاقوى عندي التوقف في رواية يتفرد بها. رجال النجاشي: 71، رجال الطوسي: 149، رجال العلامة: 200. (1) صدر الحديث: عن إسحاق بن جرير عن حريز، قال: سألتني امرأة منا أن أدخلها على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت لها فأذن لها فدخلت ومعها مولاة لها فقالت له: با أبا عبد الله ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها، قال: (إن كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة، قالت: فإن الدم يستمر بها الشهر والشهرين.).
(2) التهذيب 1: 151 حديث 431، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3. وفيه: عن إسحاق بن جرير عن حريز.
(3) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 140 حديث 482، الوسائل 2: 577 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 298 ]

اغتسلت واحتشت، ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر أعادت الغسل) (1). وروي في الصحيح، عن محمد بن عمرو بن سعيد (2)، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الطامث كم حد جلوسها؟ فقال: (تنتظر عدة ما كانت تحيض ثم تستظهر بثلاثة أيام ثم هي مستحاضة) (3). ومثله رواه في الحسن (4). وروي، عن يونس، عن غير واحد سألوا أبا عبد الله عليه السلام عن الحيض والسنة في وقته؟ فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله سن في الحيض ثلاث سنن) وذكر الحديث إلى أن قال (أن فاطمة بنت أبي حبيش استحاضت فأتت أم سلمة فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك، فقال: تدع الصلاة قدر أقراءها وقدر حيضها) قال أبو عبد الله عليه السلام بعد حديث طويل: (وهذه سنة التي تعرف أيام أقراءها لا وقت لها إلا أيامها قلت أو كثرت) (5). ولأن العادة أقوى في الدلالة لكونها لا تبطل دلالتها، واللون يبطل مع زيادته على أكثر الحيض وما لا تبطل دلالة أقوى.

(1) التهذيب 1: 171 حديث 488، الاستبصار 1: 149 حديث 512، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 10 بتفاوت يسير. (2) محمد بن عمرو بن سعيد الزيات المدائني النجاشي وقال: روى عن الرضا (ع) وعده الشيخ في رجاله ممن لم يرو عنهم (ع)، بعنوان: محمد بن عمرو الزيات. رجال النجاشي: 369، رجال الطوسي: 510.
(3) التهذيب 1: 172 حديث 492، الاستبصار 1: 149 حديث 515، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 10.
(4) التهذيب 1: 172 حديث 491، الاستبصار 1: 149 حديث 514، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 9.
(5) التهذيب 1: 381 حديث 1183، الوسائل 2: 542 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 1 بتفاوت يسير.

[ 299 ]

احتج المخالف (1) بما روته عائشة قالت: جائت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله عليه السلام فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: (إنما ذلك عرق، فإذا كان الدم دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق) (2). وقال ابن عباس: أما ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة (3). ولأن صفة الدم أمارة، والعادة زمان منقض، ولأنه خارج يوجب الغسل، فيرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني. واحتج الشيخ على مذهبه في النهاية بما رواه في الحسن، عن حفص بن البختري قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة سألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: (إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد فإذا كان للدم حرارة دافع وسواد فلتدع الصلاة) (4). والجواب عن الأول: أنه قد روي بغيره هذه الصورة وهو ردها فيه إلى العادة (5)،

(1) المغني 1: 359، المجموع 2: 431، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 476، مغني المحتاج 1: 115، بداية المجتهد 1: 55.
(2) سنن أبي داود 1: 75 حديث 286، سنن النسائي 1: 185 نيل الاوطار 1: 341 حديث 1، كنز العمال 9: 409 حديث 26729، جامع الأصول 8: 227، مستدرك الحاكم 1: 174، التلخيص في ذيل المستدرك 1: 173.
(3) سنن أبي داود 1: 75، سنن الدارمي 1: 203، المغني 359، الكافي لابن قدامة 1: 97.
(4) التهذيب 1: 151 حديث 429، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) صحيح مسلم 1: 262 حديث 62 63، صحيح البخاري 1: 66، سنن أبي داود 1: 74 حديث 282، سنن الترمذي 1: 217 حديث 125، سنن النسائي 1: 184، سنن ابن ماجة 1: 203 حديث 621، سنن الدارمي 1: 198، الموطأ 1: 61 حديث 104، جامع الأصول 8: 226 حديث 5403، نيل الاوطار 1: 338 حديث 1، كنز العمال 9: 631 حديث 27742، المغني 1: 366.

[ 300 ]

فتعارضت الروايتان، فبقيت الاحاديث الباقية خالية عن المعارض. على أنها قضية عين وحكاية حال لا عموم لها، فيحتمل أنها أخبرته أنه لا عادة لها أو علم ذلك من غيرها أو من قرينة حالها. وعن الثاني: إن دلالة العادة أقوى، لما بيناه (1)، فيجب الرجوع إليها، وهو الجواب عن الثالث. وعن الرابع: باحتمال أن تكون المرأة لا عادة لها، إذ ليست الصيغة للعموم، فلا ترجيح حينئذ، فلا معارضة. القسم الثاني: مقابله، وهو ما تكون المرأة فيه فاقدة للوصفين، وهي المبتدئة إذا استمر بها الدم على حال واحدة، فإن انقطع لعشرة فما دون، مما فوق الثلاثة فهو حيض، وإن تجاوزت رجعت إلى عادة نسائها، كالأم، والأخت، والعمة، والخالة، فإن لم يكن لها نساء أو كن مختلفات، قال في المبسوط: ترجع إلى أقرانها من بلدها، فإن لم يكن لها أقران أو اختلفن رجعت إلى الروايات الآتية (2). وقال في الخلاف: ترجع بعد فقد نسائها إلى الروايات (3)، وأسقط اعتبار الاقران. وبمثله قال السيد المرتضى (4) وابن بابويه، وبانتقالها إلى عادة نسائها (5). قال مالك في إحدى الروايات (6)، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايات ترد إلى غالب عادة النساء ست أو سبع (7)، وهو أحد قولي الشافعي (8)، وفي الآخر: ترد إلى أقل الحيض وتقضي صلاة

(1) قدم بيانه في ص 298.
(2) المبسوط 1: 46.
(3) الخلاف 1: 72 مسألة 7.
(4) نقله عنه في المعتبر 207.
(5) الفقيه 1: 51. (6) فتح العزيز بهامش المجموع 2: 461.
(7) المغني 1: 380، المجموع 2: 402، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 357.
(8) الأم 1: 61، المهذب للشيرازي 1: 39، المجموع 2: 398، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 458، >

[ 301 ]

الأكثر فانها ترك الصلاة إلى أكثره (1)، وبه قال أحمد في إحدى الروايات (2)، وأبو ثور، وزفر (3). وقال مالك: تقعد عادة أقرانها وتستظهر بثلاثة أيام (4). وقال أبو حنيفة: تتحيض أكثر الحيض (5). وهو رواية عن مالك (6)، وعن أحمد (7). وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة بالاقل، وفي وطئ الزوج بالأكثر (8). لنا: أن الحيض دم جبلة وخلقة، وفي الغالب تساوى المرأة والأقرباء فيه، فيعمل بالغالب، لأنه كالامارة فصار كالتمييز. وأيضا: روى الشيخ، عن أحمد بن محمد (9) رفعه، عن زرعة، عن سماعة قال:

< السراج الوهاج: 32، المغني 1: 380، المبسوط للسرخسي 3: 154، مغني المحتاج 1: 114، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 391، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31. (1) الأم 1: 61، المهذب للشيرازي 1: 39، المجموع 2: 398، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 458، مغني المحتاج 1: 114، المغني 1: 380، المبسوط للسرخسي 3: 154، السراج الوهاج: 32، المحلى 2: 210، فتح الوهاب 1: 27، إرشاد الساري 1: 349، سنن الترمذي 1: 228، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 391.
(2) المغني 1: 380، الكافي لابن قدامة 1: 96، المجموع 2: 402، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 461 المحلى 2: 210، الانصاف 1: 360.
(3) المجموع 2: 402.
(4) مقدمات ابن رشد 1: 93، بداية المجتهد 1: 50، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 461، المبسوط للسرخسي 3: 154 (5) المبسوط للسرخسي 3: 153، بدائع 1: 41، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31، المعني 1: 380، المجموع 2: 402، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 460، بداية المجتهد 1: 54.
(6) مقدمات ابن رشد 1: 93، بداية المجتهد 1: 50، المجموع 2: 402، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 460.
(7) المغني 1: 380، الكافي لابن قدامة 1: 96، الانصاف 1: 360 فتح العزيز بهامش المجموع 2: 460.
(8) المبسوط للسرخسي 3: 154، المجموع 2: 402.
(9) أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي: أبو جعفر البرقي صاحب المحاسن، عده الشيخ >

[ 302 ]

سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر وهي لا تعرف أيام أقرائها؟ قال: (أقراؤها مثل أقراء نسائها، وإن كن نساؤها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام) (1). وهذه الرواية مع قطع سندها ضعيفة، فإن زرعة وسماعة واقفيان (2). وأيضا: فإن سماعة لم يسندها عن إمام إلا أن الأصحاب تلقتها بالقبول. وروى الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يجب للمستحاضة [ أن ] (3) تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها، ثم تستظهر على ذلك بيوم) (4) وفي طريقها علي بن فضال وهو فطحي (5)، إلا أن الأصحاب شهدوا له بالثقة والصدق. وأما الرجوع إلى الاقران فشئ ذكره الشيخ في بعض كتبه (6)، ولم نقف فيه على أثر. ويمكن أن يقال: أن الغالب التحاق المرأة بأقرانها في الطبع، ويدل عليه من حيث المفهوم: ما رواه يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أدنى الطهر عشرة أيام) وذلك أن المرأة أول ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم، فيكون حيضها عشرة أيام، فلا تزال كلما كبرت نقصت حتى ترجع إلى ثلاثة أيام، فإذا

< في رجاله تارة من أصحاب الجواد (ع) بعنوان: أحمد بن محمد بن خالد، وأخرى من أصحاب الامام الهادي (ع) بعنوان: أحمد بن أبي عبد الله البرقي. رجال النجاشي: 76، رجال الطوسي: 398، 410. (1) التهذيب 1: 380 حديث 1181، الاستبصار 1: 138 حديث 471، الوسائل 2: 547 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) تقدمت ترجمتها والقول فيهما في الجزء الأول ص 231 84.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 401 حديث 1252، الاستبصار 1: 138 حديث 472، الوسائل 2: 546 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 1.
(5) تقدمت ترجمته والقول فيه في ص 152.
(6) المبسوط 1: 46، الجمل والعقود: 46.

[ 303 ]

رجعت إلى ثلاثة أيام ارتفع حيضها، ولا يكون أقل من ثلاثة أيام (1)، فقوله عليه السلام: (كلما كبرت نقصت) دال على توزيع الايام على الاعمار غالبا، وذلك يؤيد ما ذكره الشيخ. وأما السيد المرتضى وابن بابويه فقد استدلا على الرجوع إلى الروايات من دون توسط الاقران بما رواه الشيخ في الموثق، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر الدم، تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلى عشرين يوما، فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما) (2). وروي، عن يونس، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن امرأة يقال لها: حمنة بنت جحش، أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إني استحضت حيضة شديدة؟ فقال: احتشي كرسفا. فقالت: إنه أشد من ذلك، إني أثجه ثجا؟ فقال لها: تلجمي وتحيض في كل شهر في علم الله تعالى ستة أيام أو سبعة أيام). قال أبو عبد الله عليه السلام: (وهذه سنة التي استمر بها الدم أول ما تراه) (3). والأولى عندي: ما ذكره السيد المرتضى. فروع: الأول: المبتدئة إذا فقدت النساء المتفقات، والمضطربة أعني التي لم تستقر لها

(1) الكافي 3: 76 حديث 5، التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 551 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 381 حديث 1182، الاستبصار 1: 137 حديث 469، الوسائل 2: 549 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 6.
(3) الكافي 3: 83 حديث 1، التهذيب 1: 381 حديث 183، الوسائل 2: 547 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 304 ]

عادة، لا في الوقت ولا في العدد وإذا استمر بها الدم ولا تمييز، تتركان الصوم والصلاة في كل شهر ستة أيام أو سبعة وتغتسلان. وهو اختيار الشافعي في أحد قوليه (1)، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (2). وقال بعض أصحابنا: تترك الصلاة والصوم في كل شهر أقل أيام الحيض (3)، وهو الرواية الأخرى لأحمد (4) والقول الآخر للشافعي (5). وقال بعض أصحابنا: تجلس أكثر أيام الحيض (6). وهو مذهب أبي حنيفة (7)، وهو قول ثالث لأحمد (8). وقال بعض أصحابنا: تترك الصلاة والصوم في الشهر الأول أقل أيام الحيض، وفي الثاني أكثره (9). وقال آخرون بالعكس (10). ومنهم من يقول: تترك

(1) الأم 1: 61، المهذب للشيرازي 1: 39، المجموع 2: 398، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 458، مغني المحتاج 1: 114، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 391، المبسوط للسرخسي 3: 154، المغني 1: 380.
(2) المغني 1: 380، الكافي لابن قدامة 1: 96، الانصاف 1: 360، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 461.
(3) هو قول ابن الجنيد نقله عنه المصنف في المختلف 1: 38.
(4) المغني 1: 380، الكافي لابن قدامة 1: 96 المجموع 2: 402، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 461، المحلى 2: 210.
(5) الأم 1: 61، المغني 1: 380، المجموع 2: 389، 433، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 458، المبسوط للسرخسي 3: 153، السراج الوهاج: 32، مغني المحتاج 1: 114، المحلى 2: 210، فتح الوهاب 1: 27، المهدب للشيرازي 1: 39، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 391.
(6) الفقيه 1: 51.
(7) المبسوط للسرخسي 3: 153، بدائع الصنائع 1: 41، عمدة القارئ 3: 308، المحلى 2: 210، المغني 1: 380، المجموع 2: 402، بداية المجتهد 1: 54، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 460.
(8) المغني 1: 378، الكافي كابن قدامة 1: 96، الانصاف 1: 364، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 460.
(9) المبسوط 1: 46، الخلاف 1: 72 مسألة 7، المهذب 1: 35، الوسيلة (الجوامع الفقهية): 665.
(10) النهاية: 25.

[ 305 ]

الصلاة في كل شهر سبعة أيام (1)، ومنهم من يقول: ستة أيام (2)، ومنهم من يقول: تعد عشرات، عشرة حيضا، وعشرة طهرا، وهكذا إلى أن تستقر لها عادة (3). لنا: ما رواه الجمهور والأصحاب، عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث حمنة بنت جحش، وقد تقدم (4). ولأن غالب النساء هكذا تحيض، فتلحق هذه بالأعم الأغلب لأرجحيته، كما رددناها إليهن في حصول كل حيضة في كل شهر. وأما القائلون بأنها تتحيض بالأكثر، فقالوا: إنها زمان الحيض وقد رأت فيه الدم، فيكون حيضا كالمعتادة. والقائلون بأنها تجلس في الشهرين الأكثر والأقل، احتجوا بأنه التوسط (5) بين الأكثر والأقل، وبما رواه الشيخ، عن عبد الله بن بكير، قال في الجارية: أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر الصلاة، فلا تصلي حتى يمضي أكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك وهو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة، وتجلس أقل ما يكون من الطمث وهو ثلاثة أيام، فإن دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت، وجعلت وقت طهرها أكثر ما يكون من الطهر وتركها الصلاة أقل ما يكون من الحيض (6).

(1) المبسوط 1: 47، النهاية: 24، الخلاف 1: 73 مسألة 7.
(2) الخلاف 1: 73 مسألة 7.
(3) المبسوط 1: 58.
(4) انظر رواية الجمهور في: سنن أبي داود 1: 76 حديث 287، سنن الترمذي 1: 221 حديث 128، سنن ابن العمال 9: 629 حديث 27741، جامع الأصول 8: 231 حديث 5405 ومن طريق الحاصة انظر رواية يونس المتقدمة في ص 303.
(5) (ح) (ق) (د) المتوسط.
(6) التهذيب 1: 400 حديث 1251، الاستبصار 137 حديث 470، الوسائل 2: 549 الأب 8 من >

[ 306 ]

وروي، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر الدم تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلي عشرون يوما، فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما) (1). والقائلون بأنها تقعد الأقل قالوا: إن الذمة مشغولة بالصلاة فتعمل بالمتيقن في الحيض احتياطا للعبادة (2). والجواب عن الأول: بالمنع من كونه زمان الحيض مع الاستمرار. وعن الثاني: بأن الرواية ضعيفة، فإن عبد الله بن بكير (3) فطحي، وفي الأول لم يسندها إلى إمام فكانت أضعف. وعن الثالث: بالمنع من شغل الذمة في الأصل، إذ البراءة الأصلية ثابتة ما لم يظهر الشاغل، فكان الأصل معارضا للأصل. الثاني: قيل: إن المراد بقوله عليه السلام: (ستة أو سبعة) الرد إلى اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها أو ما يكون أشبه بكونه) (4) [ حيضا ] (5). وقيل: المراد: التخيير، لأن حرف (أو) موضوع له (6). والأقرب الأول، وإلا لزم التخيير في اليوم السابع بين وجوب الصلاة وعدمها، ولا تخير

< أبواب الحيض، حديث 5 وفي الجميع: إنها تنتظر بالصلاة. (1) التهذيب 1: 381 حديث 1182، الاستبصار 1: 137 حديث 469، الوسائل 2: 549 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 6.
(2) المغني 1: 380، الكافي لابن قدامة 1: 96، المهذب للشيرازي 1: 39، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 458، المبسوط للسرخسي 3: 154، مغني المحتاج 1: 114.
(3) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 204. (4 5) المغني 1: 372. (6) أضفناه من المصدر.

[ 307 ]

في الواجب، لمنافاته له. وقولهم: أنها موضوعة للتخيير، معارض بأنها موضوعة للتفصيل والشك والابهام، والأخيران غير مرادين، فيبقى إما التخيير أو التفصيل، والأول لا يصح إرادته لما بيناه، فتعين الثاني. الثالث: حكم المتخيرة حكم المبتدئة والمضطربة، والمراد بها من كانت لها عادة إلا أنها نسيتها عددا ووقتا، فإنها تجلس ستة أيام أو سبعة، وهو قول أحمد، وقال أيضا: تجلس أقل الحيض (1). وقال الشيخ: تفعل ثلاثة أيام في أول الشهر ما تفعله المستحاضة، وتغتسل فيما بعد لكل صلاة، وصلت وصامت شهر رمضان، وقد روي أنها تترك الصلاة في كل شهر سبعة أيام، وتصلي وتصوم ما بقي (2). وقال الشافعي: لا حيض لها بيقين، وجميع زمانها مشكوك فيه تغتسل لكل صلاة وتصوم وتصلي (3). وهو يقارب قول الشيخ. لنا: ما رواه الجمهور والخاصة من حديث حمنة بنت جحش عن النبي صلى الله عليه وآله (4) ولم يستفصلها هل هي مبتدئة أو ناسية، ولأنها لا عادة لها ولا تمييز، فأشبهت المبتدئة. احتج الشافعي بأن هذه لنا أيام معروفة فلا يمكن ردها إلى غيرها، فجميع زمانها مشكوك فيه. وبما روته عائشة أن أم حبيبة: استحيضت سبع سنين فسألت النبي صلى الله عليه وآله فأمر أن تغتسل لكل صلاة (5).

(1) تقدم في ص 304.
(2) المبسوط 1: 51، والرواية رواها الشيخ في التهذيب 1: 381 حديث 1183 عن يونس.
(3) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 433، المغني 1: 371، السراج الوهاج: 32، فتح الوهاب 1: 28، مغني المحتاج 1: 117.
(4) تقدم في ص 305 رقم 4 و 303 رقم 3.
(5) صحيح مسلم 1: 264 حديث 64، صحيح البخاري 1: 89، سنن أبي داود 1: 74 حديث 285، سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 626، سنن النسائي 1: 183، سنن الدارمي 1: 196.

[ 308 ]

والجواب عن الأول: أنا نسلم أنها كانت ذات أيام معروفة، لكن تلك المعروفة قد زالت فصار وجودها كالعدم. وعن الثاني: أن الأمر يحتمل الندبية. على أنه إنما روي، عن الزهري، وأنكره الليث بن سعد فقال: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة ولكنه شئ فعلته هي (1). الرابع: هذه والمبتدئة والمضطربة تتخير في الايام أيها شاءت جعلتها أيام حيضها، لأن تخصيص بعض الازمنة هنا بها ترجيح من غير مرجح. وقيل: أنها تتحيض في أول الشهر لقوله عليه السلام (تصلي عشرين يوم) ثم قال: (وتصلي سبعة وعشرين يوما) (2) ولا دلالة فيه، إذ مع اختيارها للثلاثة الاخيرة مثلا تصلي سبعة وعشرين يوما، وكذا لو اختارت الوسطى. الخامس: إذا رد بناؤها إلى الثلاثة دائما أو في أحد الشهرين، فالثلاثة حيض بيقين والزائد عن العشرة طهر بيقين، وما بين الثلاثة إلى العشرة هل هو طهر بيقين أو مشكوك فيه؟ فيه احتمال، فعلى الأول لا تحتاط في الايام الزائدة على العادة، وذات التمييز بعد وجود اللون الضعيف. وعلى الثاني: تحتاط فلا يقربها زوجها وتصلي ولا تقضي صلاتها، لأنها إن كانت حائضا فلا قضاء، وإن كانت طاهرا فقد صلت، وتصوم وتقضي. السادس: لو رد بناؤها إلى الستة أو السبعة، فثلاثة حيض بيقين، وما زاد على العشرة طهر بيقين، وما زاد على الثلاثة إلى الستة أو السبعة هل هو حيض بيقين أو مشكوك فيه؟ يحتمل الأول كالمعتاد في أيام عادتها، وذات التمييز في لون الدم

(1) المغني 1: 372.
(2) التهذيب 1: 381 حديث 1182، الاستبصار 1: 137 حديث 469، الوسائل 2: 549 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 6.

[ 309 ]

القوي. والثاني: يستعمل فيه الاحتياط بأن تقضي صلاة تلك الايام، وما زاد على الستة أو السبعة إلى العشرة هل هو طهر بيقين أو مشكوك فيه؟ فيه الاحتمالان. السابع: لو اتفق لها ذلك في رمضان قضت صوم عشرة احتياطا، وكذا المبتدئة والمضطربة إذا فقدتا التمييز، قاله علماؤنا. والأقرب عندي إنها تقضي أحد عشر يوما. القسم الثالث: ذات العادة الفاقدة للتمييز، أي: يكون دمها على لون واحد، أو يكون مختلفا ولم يستجمع شرائط التمييز الآتية، قال أهل العلم: أنها ترجع إلى العادة، عدا مالكا (1)، فإنه لم يعتبر العادة بل التمييز، فإن فقد استظهرت بعد زمان عادتها بثلاثة أيام. لنا: ما رواه الجمهور، عن أم سلمة أنها كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (لتنظر عدة الايام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل) (2). وما روته أم حبيبة أنها سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الدم فقال: (امكثي واحتشي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي) (3).

(1) المغني 1: 362، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 363، المجموع 2: 433، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 469.
(2) الموطأ 1: 62 حديث 105، مسند، أحمد 6: 320، سنن، أبي داود 1: 71 حديث 274، سنن النسائي 1: 182 جامع الأصول 8: 234 حديث 5411، نيل الاوطار 1: 341 حديث 4، كنز العمال 9: 633 حديث 27753، سنن الدارمي 1: 199، سنن البيهقي 1: 332.
(3) صحيح مسلم 1: 264 حديث 334، مسند أحمد 6: 222، سنن أبي داود 1: 72 حديث 279، سنن النسائي 1: 182، نيل الاوطار 1: 340 حديث 2، جامع الأصول 8: 225، سنن البيهقي 1: 330 بتفاوت في الجميع.

[ 310 ]

وروى عدي بن ثابت (1)، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصوم وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله عليه السلام. قالت: فإن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين) (3). ما رواه في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المستحاضة تنتظر أيامها ولا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر) (4). وروي في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام عن المستحاضة، قال: (ولا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء إلا في أيام حيضها فيعزلها زوجها) (5). واحتج مالك (6) بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، عن النبي صلى الله عليه وآله

(1) عدي بن ثابت الأنصار الكوفي، وجده أبو أمة عبد الله بن يزيد روى عن البراء، وروى عن يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة وغيرهم، مات سنة 126 ه‍. العبر 1: 110، الجرح والتعديل 7: 2، ميزان الاعتدال 3: 61.
(2) سنن أبي داود 1: 80 حديث 297، سنن الدارمي 1: 202 بتفاوت، سنن الترمذي 1: 220 حديث 126، سنن ابن ماجة 1: 204 حديث 625.
(3) التهذيب 1: 151 حديث 431. الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 106 حديث 277، وص 170 حديث 484، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 1، وفي المصادر: تنظر أيامها.
(5) التهذيب 1: 171 حديث 487، الوسائل 2: 605 الباب 1: من أبواب الاستحاضة، حديث 4 وفيهما: فيعتزلها.
(6) المغني 1: 362، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 363.

[ 311 ]

أنه ردها إلى التمييز (1). وقد تقدم (2) الجواب عنه، مع أنه لا حجة فيه على ترك العادة فيمن لا تمييز لها. مسألة: وتثبت العادة بأن يتوالى على المرأة شهران ترى فيهما الدم أياما سواء لا زيادة فيها ولا نقصان. وذهب الشافعي (3)، وأبو العباس (4)، وأبو إسحاق (5) من الشافعية إلى أنها تثبت بمرة واحدة، وذهب أبو حنيفة وبعض الشافعية إلى أنها تثبت بمرتين (6) (7) كما قلناه، وهو اختيار أحمد في إحدى الروايتين عنه. وروي عنه أنها لا تثبت إلا بثلاثة مرات (8). وقال بعض الشافعية: تثبت في المبتدئة بمرة ولا تنتقل العادة بمرة (9). ولو كانت عادتها عشرة، ثم إنها رأت في شهر خمسة، ثم استحيضت ردت إلى العشرة لتأكد حكم العشرة بالتكرار، فلا يسقط حكمها إلا بما يساويها في القوة. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (دعي الصلاة أيام أقرائك) (10) ولا يصدق الجمع على الواحد إجماعا.

(1) سنن أبي داود 1: 75 حديث 286 وص 2 8 حديث 304، سنن النسائي 1: 185، نيل الاوطار 1: 341 حديث 1، كنز العمال 9: 409 حديث 26729، مستدرك الحاكم 1: 174. (2) راجع ص 299.
(3) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 417، فتح الوهاب 1: 27، السراج الوهاج: 32، مغني المحتاج 1: 115، المغني 1: 363. (4 5) المجموع 2: 418، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 470.
(6) المجموع 2: 419، شرح فتح القدير 1: 157، المبسوط للسرخسي 3: 175.
(7) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 418، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 470، المغني 1: 363.
(8) المغني 1: 363، الانصاف 1: 361، الكافي لابن قدامة 1: 99، المجموع 2: 419.
(9) المجموع 2: 418.
(10) أحكام القرآن للجصاص 2: 26. ومن طريق الخاصة، انظر: الكافي 3: 88 حديث 1، التهذيب 1: 384 حديث 1183، الوسائل 2: 546، الباب 7 من أبواب الحيض، حديث 2.

[ 312 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة بن مهران، قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض تقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء؟ قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها) (1) وسماعة واقفي (2)، والراوي عنه عثمان بن (3) عيسى، وهو واقفي أيضا غير أن الأصحاب تلقتها بالقبول. وما رواه الشيخ، عن يونس، عن غير واحد سألوا أبا عبد الله عليه السلام: فقال: (إن فاطمة بنت أبي حبيش استحاضت فأتت أم سلمة فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك فقال: تدع الصلاة قدر أقرائها) (4) وقد قلنا أن الجمع لا يصدق على الواحد. وروى الشيخ، عن فضيل وزرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها) (5). وما رواه الشيخ، عن مالك بن أعين (6)، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال: (ينظر الايام التي كانت تحيض فيها وحيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الايام) (7) والاستقامة إنما تكون بمعاودة المرة

(1) التهذيب 1: 380، حديث 1178، الوسائل 2: 559، الباب 14 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول: 84. (3) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول: 39.
(4) التهذيب 1: 381 حديث 1183، الوسائل 2: 542 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 401، حديث 1253، الوسائل 2: 608 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 12.
(6) مالك بن أعين الجهني الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع) مات في حياة أبي عبد الله (ع). رجال الطوسي: 135، 308.
(7) التهذيب 1: 402 حديث 1257، الوسائل 2: 609 الباب 3 من أبواب الاستحاضة، حديث 1.

[ 313 ]

الثانية على حذو المرة الأولى، ولأن العادة مأخوذة من المعاودة، والمعاودة لا تصدق بالمرة الواحدة، وصدق المشتق يستدعي صدق المشتق منه قطعا، ضرورة توقف صدق الكل على صدق الجزء. احتج الشافعي (1) بأن النبي صلى الله عليه وآله قال للمرأة التي كانت تهراق الدماء: (لتنظر عدة الايام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر) (2) ردها إلى الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة، ولأن ذلك أقرب إليها، فوجب ردها إليه. والجواب: أن الحديث حجة لنا، لأنه قال: (لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر) ولا يقال لمن فعل شيئا مرة واحدة كان يفعل، ولأنه ليس بصريح في الاقتصار على المرة، فلا يعارض ما ذكرناه. فروع: الأول: إذا عرفت المرأة شهرها صارت ذات عادة. وهو إجماع أهل العلم كافة. والمراد بشهر المرأة: المدة التي لها فيها حيض وطهر، وأقله ثلاثة عشر يوما عندنا، وهذا مبني على أقل الحيض وأكثره الطهر. والقائلون بأن أكثر الطهر خمسة عشر وأقل الحيض يوم، فأقصر شهرها ستة عشر يوما. ولو عرفت أيام حيضها ولم تعرف أيام طهرها أو بالعكس فليست معتادة، لكنها متى جهلت شهرها، رددناها إلى الغالب فحيضناها في كل شهر حيضة.

(1) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 418، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 470، مغني المحتاج 1: 115، المغني 1: 363. (2) الموطأ 1: 62 حديث 105، مسند أحمد 6: 293 وص 320، سنن أبي داود 1: 71 حديث 274، سنن النسائي 1: 182، جامع الأصول 8: 234 حديث 5411، نيل الاوطار 1: 341 حديث 4، كنز العمال 9: 633 حديث 27752، سنن الدارمي 1: 199، سنن البيهقي 1: 332.

[ 314 ]

الثاني: لا يشترط في استقرار العادة استقرار عادة الطهر. لنا: قوله عليه السلام: (تدع الصلاة أيام أقرائها) (1) فلو رأت في شهر خمسة، ثم رأت طهرا بقية الشهر، ثم رأت في الآخر مرتين بعدد تلك الايام بينهما عشرون، وفي الثالث بالعدد بينهما أقل، استقرت العادة. الثالث: لا يشترط التساوي في الوقت، فإن العادة تتقدم وتتأخر بالوجدان، ولأن الحديث دال على ترك الصلاة بقدر الاقراء. الرابع: لا يشترط في العادة تكثر الأشهر فلو رأت خمسة في شهر، ثم فيه خمسة أخرى، صار ذلك عادة في الشهر الثاني إذا استمرت تحيضت فيه بالخمستين. ولو رأت خمسة أول الشهر، ثم خمسة وخمسين طهر، ثم خمسة في أول الثالث، ثم خمسة وخمسين طهرا استقرت عادتها بخمسة حيضا وبخمسة وخمسين طهرا، وذلك لأن العادة مأخوذة من المعاودة. الخامس: لو اتفق العدد والوقت في المرة الثانية مع الأولى صار عادة، أما العدد فظاهر، وأما الوقت فلقول أبي عبد الله عليه السلام: (فهذه سنة التي تعرف أيام أقرائها لا وقت لها إلا أيامها، قلت أو كثرت) (2). السادس: العادة تثبت بالتميز، فإذا رأت في الشهرين الاولين خمسة أيام دما أسود وباقيها أحمر، ثم رأت في الثالث دما مبهما، تحيضت بالخمسة. لنا: إن المبتدأة ترجع إلى التميز لما يأتي فتتحيض به، فإذا عاودها صار عادة، فوجب الرجوع إليه في الثالث، ولا نعرف فيه خلافا.

(1) سنن أبي داود 1: 80 حديث 297، سنن الترمذي 1: 220 حديث 126، سنن ابن ماجة 1: 204 حديث 625.
(2) الكافي 3: 85 حديث 1، التهذيب 1: 382 حديث 1183، الوسائل 2: 542 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 315 ]

السابع: لو رأت المبتدأة في الشهر الأول عشرة، وفي الثاني خمسة، صارت الخمسة عادة لتكررها، فإنها موجودة في العشرة، ولو انعكست فكذلك. ويحتمل فيهما أن لا يكون لها عادة، لأنها لم تجد فيهما أياما سواء. مسألة: والعادة إما متفقة وإما مختلفة، فالمتفقة: أن تكون أيامها متساوية، كأربعة في كل شهر، فإذا تجاوز الدم العشرة في شهر، تحيضت بأربعة خاصة. وأما المختلفة فأما أن تكون مترتبة أو لا؟ فالمترتبة كالمتفقة، كما إذا رأت في الشهر الأول ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم عادت إلى ثلاثة، ثم إلى أربعة، ثم إلى خمسة وهكذا، صار ذلك عادة، فإذا تجاوز الدم في شهر العشرة تحيضت بنوبة ذلك الشهر، ثم على [ تاليه ] (1) على العادة. ولو نسيت نوبته فالحق عندي أنها تجلس أقل الحيض. ولو شكت في أنه أحد الاخيرين حيضناها بأربعة لأنها اليقين، ثم تجلس في الاخيرين ثلاثة ثلاثة لاحتمال أن يكون ما حيضناها بالاربعة فيه، شهر الخمسة فالتالي له ثلاثة، ويحتمل أن يكون شهر الأربعة فالتالي [ لتاليه ] (2) شهر الثلاثة، أما في الرابع فتتحيض بأربعة، ثم ت عود إلى الثلاثة وهكذا إلى وقت الذكر، وهل يجزيها غسل واحد عند انقضاء المدة التي جلستها؟ قيل (3): نعم، لأنها كالناسية إذا جلست أقل الحيض، لأن ما زاد على اليقين مشكوك ولا وجوب مع الشك، إذ الأصل براءة الذمة. والوجه عندي وجوب الغسل يوم الرابع والخامس معا، لأن يقين الحدث وهو الحيض قد حصل، وارتفاعه بالغسل الأول مشكوك فيه، فتعمل باليقين مع التعارض، ولأنها في اليوم الخامس تعلم وجوب الغسل عليها في أحد الايام الثلاثة وقد حصل الاشتباه، وصحة الصلاة متوقفة على الغسل، فيجب كالناسي لتعين الصلاة الفائتة،

(1) في النسخ: ثالثة، والصواب ما أثبتناه.
(2) (م): لثالثة (ح) (ق): لثلاثة.
(3) المغني 1: 364.

[ 316 ]

وبهذا ظهر الفرق بينها وبين الناسية، إذ تلك لا تعلم لها حيضا زائدا على ما جلسته، وهذه عالمة، فوقف صحة صلاة هذه على الطهارة الثانية بخلاف الأولى، وتتحيض في رمضان بثلاثة وتقضي يومين. وإن لم تكن مرتبة، مثل إن رأت في الأول ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة، فإن أمكن ضبطه واعتاد هو، فهو كالمتفق وإلا جلست الأقل. وقيل: تجلس الأكثر كالناسية (1). وهو خطأ، إذ هذه تعلم وجوب الصلاة في اليوم الرابع والخامس، أو الرابع في أحد الأشهر، بخلاف تلك التي علم حيضها يقينا، والأصل بقاؤه، فصار كالصلاة المنسي بعينها. فرع: لو رأت الدم في الشهر الأول سبعة، ثم في الثانية ستة، ثم في الثالث خمسة كان الأقل حيضا، لحصوله في الشهرين الاولين، وما زاد عليه لا يكون حيضا في الرابع لعدم تكراره، هذا عند من يشترط في العادة التكرار ثلاثا، أما نحن فنثبت هذا البحث في شهرين أيضا، وإن جاء في الشهر الرابع ستة صار ذلك عادة لتكرره (2). مسألة: ذات العادة إن انقطع دمها على عادتها فلا استظهار حينئذ، وإن استمر زائدا على العادة وهي أقل من عشرة، قال الشيخ في النهاية: تستظهر بعد العادة بترك العبادة بيوم أو يومين (3)، وبه قال ابن بابويه والمفيد (4). وقال المرتضى: تستظهر عند استمرار الدم إلى عشرة أيام، فإن استمر عملت ما تعمله المستحاضة (5). وقال في الجمل: تدخل قطنة فإن خرجت ملوثة فهي بعد حائض تصبر حتى تنقى (6). وقال

(1) المغني 1: 365.
(2) (ح) (ق): لثبوته.
(3) النهاية: 24. (4) نقل عنهما في المعتبر 1: 214.
(5) نقل عنه في المعتبر 1: 214.
(6) الجمل والعقود: 45.

[ 317 ]

مالك: صاحبة العادة إذا استمر بها الدم فثلاثة أيام من الزيادة على العادة تلحق بأيامها استظهارا، ثم ما بعده طهر (1). وخالف باقي الجمهور في الاستظهار واقتصروا على العادة خاصة (2). والأقرب عندي الأول. لنا: على الاستظهار قضاء العادة بزيادة الايام ونقصانها يوما ويومين، فنقول: هذا دم في وقت يمكن أن يكون حيضا، وغلب على الظن ذلك فوجب الاستظهار، وما نذكره من الروايات الدالة على الأول. وأما ما يدل على قدر الاستظهار، فما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال: (تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة فلتغتسل) (3) وفي الطريق ابن بكر وفيه قول (4). وما رواه، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المستحاضة تقعد أيام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين) (5). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الحائض كم تستظهر؟ فقال: (تستظهر بيوم أو يومين أو ثلاثة) (6).

(1) بداية المجتهد 1: 51، بلغة السالك 1: 79، تفسير القرطبي 3: 84، المبسوط للسرخسي 3: 154، المحلى 2: 216، المغني 1: 362.
(2) المحلى 2: 217، تفسير القرطبي 3: 84، بداية المجتهد 1: 51، المبسوط للسرخسي 3: 154، المغني 1: 362.
(3) التهذيب 1: 169 حديث 483، الوسائل 2: 544 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 7، وص 558 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 13، وص 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 9.
(4) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 204.
(5) التهذيب 1: 171 حديث 488، الاستبصار 1: 149 حديث 512، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 7، و 607 الباب من أبواب الاستحاضة، حديث 10. (6) التهذيب 1: 171 حديث 489، الاستبصار 1: 149 حديث 514، الوسائل 2: 557 الباب 13 من >

[ 318 ]

وروي، عن سعيد بن يسار (1)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تحيض، ثم تطهر وربما رأت بعد ذلك الشئ من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها؟ فقال: (تستظهر بعد أيامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلي) (2) وفي طريقها عثمان بن عيسى، وهو واقفي (3). وروي في الصحيح، عن عمرو بن سعيد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الطامث كم حد جلوسها؟ فقال: تنتظر عدة ما كانت تحيض، ثم تستظهر بثلاثة أيام، ثم هي مستحاضة) (4). وروي، عن [ داود مولى ] (5) أبي المعزا، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تحيض، ثم يمضي وقت طهرها وهي ترى الدم؟ قال: فقال: (تستظهر بيوم إن كان حيضها دون العشرة أيام فإن استمر الدم فهي مستحاضة، وإن انقطع الدم اغتسلت وصلت) (6).

< أبواب الحيض، حديث 9. (1) سعيد بن يسار الضبعي مولى بني ضبيعة بن عجل بن لجيم الحناط، كوفي روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (ع) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 181، رجال الطوسي: 204.
(2) التهذيب 1: 172 حديث 490، الاستبصار 1: 149 حديث 513، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 8.
(3) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 39.
(4) التهذيب 1: 172 حديث 491، الاستبصار 1: 149 حديث 515، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 10.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) التهذيب 1: 172 حديث 494، الاستبصار 1: 150 حديث 518، الوسائل 2: 556 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 4، وص 543 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 4.

[ 319 ]

وروي، عن سماعة: الاستظهار بثلاثة أيام (1) وقد مضى في الحبلى (2). وروي، عن فضيل وزرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرئها وتحتاط بيوم أو يومين) (3). وروي، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين) (4). احتج السيد (5) المرتضى بما رواه الشيخ، عن عبد الله بن المغيرة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في المرأة ترى الدم؟ قال: (إن كان قرؤها دون العشرة انتظرت العشرة، وإن كانت أيامها عشرة لم تستظهر) (6). وبما رواه في الصحيح، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله عيه السلام: امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاوز [ وقتها ] (7) متى ينبغي لها أن تصلي؟ قال: (تنتظر عدتها التي كانت تجلس ثم تستظهر بعشرة أيام، فإن رأت الدم صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة) (8).

(1) التهذيب 1: 386 حديث 1190، الاستبصار 1: 139 حديث 477، الوسائل 2: 557 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 6، وص 578 الباب 30 من أبواب الحيض، حديث 11. (2) تقدم في ص 273.
(3) التهذيب 1: 401 حديث 1253، الوسائل 2: 608 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 12، وفيهما: بيوم أو اثنين.
(4) التهذيب 1: 402 حديث 1256، الوسائل 1: 558 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 14.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 215.
(6) التهذيب 1: 172 حديث 493، الاستبصار 1: 150 حديث 517، الوسائل 2: 558 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 11.
(7) في النسخ: (دمها) وما أثبتناه من المصدر.
(8) التهذيب 1: 402 حديث 1259، الاستبصار 1: 149 حديث 516، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 11، وص 558 الباب 13 من أبواب الحيض، حديث 12. وفيهما: ويغشاها فيما سوى ذلك.

[ 320 ]

والجواب عن الأول: بالطعن في السند، فإن في الطريق أحمد بن (1) هلال، وهو ضعيف. وبالتأويل المحتمل، وهو أن يكون عادتها ثمانية أيام أو تسعة، جمعا بين الأدلة وهو الجواب عن الثاني، على أن ما ذكرناه أحوط للعبادة، فيكون أولى. احتج مالك بأن الحيض يزداد وينقص، فإذا كثرت الزيادة لم يمكن جعله كله حيضا، لعلمنا أنه عن آفة، لكن لا بد من إلحاق زيادتها، والثلاث عدد معتبر، وهو جمع صحيح، فينبغي أن يقال: هذا أيامها، ثم يحكم بطهرها. وهذا الكلام ضعيف جدا ولا يخفى وجهه. فروع: الأول: الاستظهار المذكور ليس على الوجوب، لما رواه الشيخ، عن مالك بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا يقربها في عدة تلك الايام من الشهر، ويقربها فيما سوى ذلك من الايام) (2). وما رواه عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المستحاضة إذا مضت أيام حيضها اغتسلت واحتشت كرسفها) (3). وفي رواية إسحاق بن جرير الصحيحة: (تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل [ صلاتين ] (4) (5) ويلوح من كلام

(1) تقدمت ترجمته، والقول فيه في الجزء الأول ص 135.
(2) التهذيب 1: 402 حديث 1257، الوسائل 2: 569 الباب 24 من أبواب الحيض، حديث 11، وص 609 الباب 3 (3) التهذيب 1: 402 حديث 1258، الوسائل 2: 608 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 13. وفيهما: إذ مضت أيام أقرائها.
(4) في النسخ: صلاة، وما أثبتناه من المصدر.
(5) الكافي 3: 91 حديث 3، التهذيب 1: 151 حديث 431، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 321 ]

الشيخ في بعض كتبه (1) والسيد المرتضى: الوجوب (2). الثاني: لو استظهرت بيوم أو يومين وتجاوز الدم العشرة، كان ما أتت به من الاغسال والصلوات فيما بعد الاستظهار مجزيا، للعلم بأنه دم فساد، أما لو انقطع على العشرة قضت الصيام الماضي، للقطع بأنه دم حيض، ثم اغتسلت للانقطاع. الثالث: لو تجاوز مع الاستظهار هل يجب قضاء الصلاة التي فاتت في وقت الاستظهار أم لا؟ الوجه: القضاء، لأنا علمنا بعد ذلك فساد ما رأته في زمن الاستظهار، والاستظهار إنما أمر به لتجويز أن يكون حيضا، فمع العلم بعدمه كان الوجه القضاء. الرابع: قد ورد الاستظهار في الحديث الصحيح بثلاثة أيام، وقد بيناه فيما مضى (3)، وورد بيوم، أو يومين فهل المراد التخيير؟ الوجه: لا، لعدم جواز التخيير في الواجب بل التفصيل، اعتمادا على اجتهاد المرأة في قوة المزاج وضعفه الموجبين لزيادة الحيض وقلته. الخامس: لو انقطع لدون العشرة فلا استظهار حينئذ، إذ المقتضي للعمل بالعادة موجود وهو النص (4)، والموجب للاستظهار وهو سيلان الدم مفقود، مع أن الاحتياط يقتضي عدم الاستظهار، ثم تستدخل قطنة فإن خرجت نقية فهي طاهرة وإلا صبرت حتى تنقى يوم، أو يومين، أو ثلاثة أيام على ما مر (5).

(1) النهاية: 24.
(2) نقل عنه في المعتبر 1: 214.
(3) راجع ص 448.
(4) انظر: الوسائل 2: 541 الباب 5 من أبواب الحيض.
(5) راجع ص 316.

[ 322 ]

القسم الرابع: الفاقدة للعادة ذات التمييز كالمضطربة والمبتدئة والناسية فإنها ترجع إليه، وهو مذهب علمائنا، وبه قال الشافعي (1)، وأحمد (2)، ومالك (3). وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة في حديث فاطمة بن أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي (5) عنك الدم وصلي) (6). وقال ابن عباس: أما ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة (7). وفي حديث آخر، عن فاطمة بنت أبي حبيش: (فإذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فامسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي) (8).

(1) المهذب للشيرازي 1: 40، 41، المجموع 2: 432، السراج الوهاج: 32، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31، بداية المجتهد 1: 55، المغني 1: 359، المحلى 2: 216. (2) المغني 1: 358، المجموع 2: 432، الانصاف 1: 365، الكافي لابن قدامة 1: 100، المحلى 2: 215.
(3) المغني 1: 359، المجموع 2: 433، بلغة السالك 1: 80، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 32، المحلى 2: 215.
(4) رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 32، المحلى 2: 215، المجموع 2: 433، المغني 1: 359.
(5) في النسخ: فاغتسلي. وما أثبتناه من المصدر.
(6) صحيح البخاري 1: 66، صحيح مسلم 1: 262 حديث 333، سنن أبي داود 1: 74 حديث 282، سنن الترمذي 1: 217 حديث 125، سنن النسائي 1: 184، سنن ابن ماجة 1: 203 حديث 621، سنن الدارمي 1: 198، مسند أحمد 6: 194، جامع الأصول 8: 226 حديث 5403، الموطأ 1: 61 حديث 104، كنز العمال 9: 415 حديث 26752، نيل الاوطار 1: 338 حديث 1.
(7) المغني 1: 359، الكافي لابن قدامة 1: 97.
(8) سنن أبي داود 1: 82 حديث 304، سنن النسائي 1: 185، كنز العمال 9: 409 حديث 26729، >

[ 323 ]

ومن طريق الخاصة:، ما رواه الشيخ في الحسن، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة) (1). وفي الصحيح، عن إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله عليه السلام: (دم الحيض ليس فيه خفاء، هو دم حار تجد له حرقة ودم الاستحاضة دم فاسد بارد) (2). وما رواه يونس، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث فاطمة بنت أبي حبيش، قال أبو عبد الله عليه السلام: (فإذا جهلت الايام وعددها فالنظر حينئذ إلى إقبال الدم وإدباره وتغير لونه، ثم تدع الصلاة) قال: (وكذا أبي عليه السلام أفتى في مثل هذا وذلك إن امرأة من أهلنا استحاضت فسألت أبي عليه السلام عن ذلك فقال: إذا رأيت البحراني فدعي الصلاة) (3) ومعنى البحراني: الشديدة الحمرة والسواد، يقال: بحراني وباحري، أو ليست الياء للنسبة. كذا قاله ابن الأعرابي في نوادره (4). احتج أبو حنيفة (5) بأن النبي صلى الله عليه وآله قال للمرأة التي استفتت لها أم سلمة: (لتنظر عدة الايام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر) (6).

< نيل الاوطار 1: 341 حديث 1، مستدرك الحاكم 1: 174. (1) التهذيب 1: 151 حديث 429، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 151 حديث 431، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3.
(3) الكافي 3: 86 حديث 1، التهذيب 1: 383 حديث 1183، الوسائل 2: 538 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 4.
(4) لسان العرب 4: 46، تهذيب اللغة 5: 41.
(5) المغني 1: 359، المجموع 2: 431.
(6) سنن أبي داود 1: 71 حديث 274، سنن النسائي 1: 182، الموطأ 1: 62 حديث 105، جامع الأصول 8: 234 حديث 5411، كنز العمال 9: 633 حديث 27753.

[ 324 ]

والجواب: أنه غير محل النزاع، فإنا نقول بموجبه، إذ ذات العادة ترجع إليها، ولا اعتبار بالتمييز، أما الفاقدة لها فلا يدل الحديث عليها. فروع: الأول: يشترط في التمييز أمور ثلاثة: أحدها: اختلاف اللونين. الثاني: أن يكون ما هو بصفة دم الحيض يمكن أن يكون حيضا في العدة بأن لا يتجاوز الأكثر ولا يقصر عن الأقل. الثالث: أن يتجاوز المجموع العشرة، ومن يشترط التوالي يشرط توالي ثلاثة أيام بصفة دم الحيض فما زاد. الثاني: لا يشترط في التمييز التكرار. وبه قال الشافعي (1) وأحمد (2)، واشترط بعضهم التكرار مرتين، أو ثلاثا (3) على الخلاف في العادة. لنا: ما رواه الجمهور في حديث فاطمة (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة) (4) علق الترك على الاقبال من غير اعتبار أمر آخر، ثم مده إلى حين إدباره. ومن طريق الخاصة: حديث حفص، وإسحاق ويونس وقد تقدم الجميع ولأنه إمارة بمجردة، فلم يفتقر إلى ضم غيره كالعادة، ولأن معنى التمييز الفرق بين أحد الدمين عن الآخر لونا، ويكفي فيه أول مرة. فعلى هذا، لو رأت في شهر ثلاثة أسود وفي آخر أربعة وفي آخر خمسة، فما هو بالصفة حيض والباقي طهر.

(1) المهذب 1: 41، المجموع 2: 421، المغني 1: 360، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 369.
(2) المغني 1: 359، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 369. (3) المغني 1: 360، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 369.
(4) راجع ص 322.

[ 325 ]

الثالث: لو رأت أسود بين أحمرين، فإن لم يتجاوز الأكثر فالجميع حيض، لأنه دم يصلح أن يكون حيضا في وقته فكان حيضا، أما لو تجاوز، فإن كان الأسود صلحا للحيض بمفرده كان حيضا سواء كان وسطا أو طرفا، تقدم أو تأخر عملا بالتمييز ولو رأت أحمر بين أسودين ووجدت شرائط التمييز فيهما فإن تخلل بينهما عشرة أيام كانا حيضتين وإلا فالأول حيض والباقي فساد، أما لو لم يتجاوز المجموع العشرة فالكل حيض. ولو رأت يوما دما أسود، وثانيا أحمر، وثالثا أسود، ورابعا أحمر، وخامسا أسود وتجاوز، فعندنا لا حيض بالتمييز، وعند القائلين (1) بالتلفيق يمكن أن تكون المرأة حائضا هنا. ولو رأت أحمر وأصفر كان الأحمر حيضا، لأنه أشبه بالحيض من الأصفر، أما لو رأت معه سوادا كان السواد هو الحيض، لأن الأحمر معه طهر. الرابع: لو رأت ثلاثة صفراء تركت الصوم والصلاة إلى العاشر، فإن رأت بعد ذلك أسود تركت الصلاة أيضا إلى أن يمضي عشرة أسود، فإن انقطع كان حيضا وقضت ما تركته أولا. ولو تجاوز لم يحصل التمييز. ويمكن أن يقال: أنها تحتاط للعبادة بعد العشرة الأولى، وأما عدم التمييز فصحيح. الخامس: لو رأت ثلاثة أيام أسود وثلاثة أصفر، ثم عشرة أسود، قال الشيخ رحمه الله: تحيضت بالعشرة الاخيرة وقضت ما تركته في الثلاثة الأولى فكانت الستة استحاضة (2)، وقيل: لا تمييز لهذه (3).

(1) انظر: المجموع 2: 502، المغني 1: 361، بداية المجتهد 1: 51 و 52، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 537.
(2) المبسوط 1: 50.
(3) المعتبر 1: 206.

[ 326 ]

السادس: لو رأت المبتدئة خمسة أيام دم الاستحاضة، ثم الأسود بقية الشهر، قال الشيخ: يحكم في أول يوم ترى ما هو بصفة الحيض إلى تمام العشرة بأنه حيض، وما بعده استحاضة، فإن استمر على هيئته، جعلت بين الحيضة الأولى والثانية عشرة طهرا وما بعد ذلك من الحيضة الثانية، ثم على هذا التقدير (1). والأقرب عندي الرجوع إلى الروايات. قال: ولو رأت ما هو بصفة الاستحاضة ثلاثة عشر يوما، ثم رأت الأسود واستمر، كان ثلاثة أيام من أول الدم حيضا، والعشرة طهرا، وما رأته بعد ذلك من الحيضة الثانية (2). السابع: لو رأت أول الشهر عشرة أيام أسود، ثم عشرة أحمر، ثم عشرة أسود، كان ما هو بصفة دم الحيض حيضا، إذ هو في وقته مع إمكانه، وقد حصل التمييز، فكان حيضا. الثامن: لو رأت في شهر خمسة أسود، ثم استمر أحمر، وفي الثاني كذلك، وفي الثالث كله أحمر، وفي الرابع كالأول، وفي الخامس خمسة أحمر، ثم صار أسود واتصل، فحيضها الأسود من الأول، والثاني، والرابع، أما الثالث، والخامس فلا تمييز لها فيهما، فإن اعتبرنا المرتين في العادة وهو مذهبنا عملت فيهما كما عملت في الاولين، وإن اعتبرنا الثلاث كما هو رأي بعض (3) الجمهور فكذلك، لأنها قد رأت ذلك في ثلاثة أشهر. وقيل: لا تثبت لها عادة (4). وليس بجيد. التاسع: لو رأت ثلاثة أيام، ثم انقطع، ثم رأت يوم العاشر أو قبله وانقطع، كان الدمان وما بينهما حيضا، لما رواه الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله

(1) المبسوط 1: 46.
(2) المبسوط 1: 47.
(3) انظر: المغني 1: 363، الانصاف 1: 361، الكافي لابن قدامة 1: 99، المجموع 2: 419.
(4) المغني 1: 362.

[ 327 ]

عليه السلام، قال: (أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، وإذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى، وإذا رأته بعد عشرة فهو من حيضة أخرى مستقبلة) (1) وفي طريقها ضعف، ورواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم (2) أيضا. وإذا كان من الحيضة الأولى كان الخالي من الدم حيضا، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا يكون القرء في أقل من عشرة فما زاد) (3). وروي عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أقل ما يكون الطهر عشرة أيام) ثم قال: (فإن حاضت المرأة خمسة أيام، ثم انقطع الدم، اغتسلت وصلت، فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض، تدع الصلاة) (4). وكذا البحث لو تكرر الانقطاع ولم يتجاوز العشرة، أما لو لم تر إلا بعد العاشر فهو استحاضة، إلا أن يكون ما بينهما عشرة أيام، فيمكن أن يكون من الحيضة المستقبلة. العاشر: روى الشيخ في الصحيح، عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال: (تدع الصلاة) قلت:

التهذيب 1: 156 حديث 448، الاستبصار 1: 130 حديث 449، الوسائل 2: 552 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 11.
(2) التهذيب 1: 159 حديث 454، الوسائل 2: 554 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 3 والباب 12 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 157 حديث 451، الاستبصار 1: 131 حديث 452، الوسائل 2: 553 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 555 الباب 12 من أبواب الحيض، حديث 2. وفيهما: (ولا يكون الطهر أقل من عشرة أيام، فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم.).

[ 328 ]

فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة أيام؟ قال: (تصلي) قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام؟ قال: (تدع الصلاة، تصنع ذلك ما بينهما وبين شهر، فإن انقطع عنها وإلا فهي بمنزلة المستحاضة) (1). وروي في الصحيح، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ترى الدم خمسة أيام والطهر خمسة أيام وترى الدم أربعة أيام والطهر ستة أيام؟ فقال: (إن رأت الدم لم تصل، وإن رأت الطهر صلت ما بينهما وبين ثلاثين يوما، وإذا تمت ثلاثون يوما فرأت دما صبيبا اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كل صلاة، فإذا رأت صفرة توضأت) (2). قال في الاستبصار: نحمل هاتين الروايتين على من اختلطت عادتها وأيام أقرائها، أو مستحاضة استمر بها الدم واشتبهت عليها العادة، ثم رأت ما يشبه دم الحيض ثلاثة أو أربعة، وما يشبه دم الاستحاضة ثلاثة أو أربعة هكذا، ففرضها أن تجعل ما يشبه دم الحيض حيضا والآخر طهرا، صفرة كانت أو نقاءا ليستبين حاله (3). وعندي في ذلك توقف.

(1) التهذيب 1: 380 حديث 1179، الاستبصار 1: 131 حديث 453، الوسائل 2: 544 الباب 6 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 380 حديث 1180، الاستبصار 1: 132 حديث 454، الوسائل 2: 545 الباب 6 من أبواب الحيض، حديث 3.
(3) الاستبصار 1: 132.

[ 329 ]

البحث الثالث: في بقية الكلام في ذات العادة المختلفة، والتفريع عليه مسألة: الانتقال، على ضربين: انتقال عدد، وانتقال مكان. وانتقال العدد: أن ترى زيادة على أيام عادتها المستقرة، كما لو كانت عادتها ثلاثة أيام في كل شهر، فرأت في شهر زائدا على ذلك، وإن لم يتجاوز فهو حيض بأجمعه، وإن تجاوز الأكثر تحيضت بالعادة، والحكمان ظاهران، فإذا لم يتجاوز، بأن رأته خمسة مثلا، هل انتقلت عادتها بذلك أم لا؟ فالحق عندي: أنها لم تنتقل بذلك إلا مع التكرار مرة أخرى. وبه قال أبو حنيفة (1) ومحمد (2). وقال أبو يوسف: أنها تنتقل عن العادة بالمرة الواحدة (3). لنا: إن العادة مشتقة من العود، فما لم يعد لا يكون عادة. وتحقيقه: أن العادة المتقدمة دليل على أيامها التي اعتادت، فلا يبطل حكم هذا الدليل إلا بدليل مثله، وهي العادة بخلافه. احتج أبو يوسف بأن عادة الطهر الاصلي كما في المبتدئة ينتقل برؤية الدم ابتداءا، فكذا غيرها (4). والجواب عن وجهين: الأول: المنع من ثبوت الحكم في الأصل، إذ هو بناءا على الاكتفاء بمرة واحدة في العادة وقد بينا بطلانه وهذا إنما يلزم من يقول: تكتفي بالمرة، كأبي حنيفة (5)، والشافعي (6)، ومحمد.

(1 2 3) المغني 1: 399، المبسوط للسرخسي 3: 174 175، بدائع الصنائع 1: 42.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 175، بدائع الصنائع 1: 42.
(5) كذا نسب إليه، ولكنه قائل بأن العادة لا تثبت وكذا لا تنتقل إلا بالمرتين، انظر: المصادر المتقدمة. (6) المهذب للشيرازي 1: 41، المجموع 2: 417، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 470 فتح، الوهاب 1: >

[ 330 ]

والثاني: الفرق، فإنه معارض في حق المبتدئة، فعلى هذا لو كان عادتها ثلاثة، فرأت خمسة في شهر وانقطع فهو حيض إجماعا، فلو استمر في الرابع جعلت عادتها الثلاثة لا غير عندنا وعند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: تتحيض خمسة. أما لو رأته في الشهر الرابع خمسة كالثالث واستمر في الخامس، كان حيضها خمسة لتحقق العادة الثانية، هو اتفاق. فرع: لو رأت قبل العادة وفيها أو بعدها فالجميع حيض إن لم يتجاوز، وإلا فالعادة، وكذا لو رأته فيها وقبلها وبعدها. وأما انتقال المكان، فتارة يكون بالتقدم وأخرى بالتأخر، فلو كانت عادتها خمسة في أول الشهر فلم تر فيها ورأت في الخمسة الثانية، تحيضت بها. وهو قول محمد، وأبي يوسف، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة (1). لأنه دم حيض في وقت يمكن أن يكون حيضا، فكان حيضا، ولأنا لو اعتبرنا التكرار كما قال أبو حنيفة لادى إلى خلو جماعة من الحيض بالكلية مع رؤية ما يصلح أن يكون حيضا في زمنه (2)، لأن المرأة إذا رأت في غير عادتها، وطهرت أيام عادتها، لم تمسك عن الصلاة شهرين، فإذا انتقلت في الثالث إلى أيام آخر لم نحيضها أيضا شهرين، وهكذا. وأيضا: فإن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله كانت معه في الخميلة (3) فجاءها الدم فانسلت من الخميلة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما لك، أنفست؟) قالت: نعم، فأمرها أن تأتزر (4). ولم يسألها هل وافق العادة أم جاء قبلها

< 27، السراج الوهاج: 32، مغني المحتاج 1: 115، المغني 1: 363. (1) المبسوط للسرخسي 3: 157.
(2) (ح) (ق): وقته.
(3) الخميلة: القطيفة، وهي كل ثوب له خمل من أي شئ كان. النهاية لابن الاثير 2: 81.
(4) صحيح البخاري 1: 88، وج 3: 39، صحيح مسلم 1: 243 حديث 296، سنن النسائي 1: 149، 188، سنن الدارمي 1: 243، مسند أحمد 6: 294، 300، 318.

[ 331 ]

أو بعدها. ولأن عائشة حاضت في حجة الوداع فعملت برؤية الدم ولم تذكر عادة ولا ذكر لها النبي صلى الله عليه وآله (1)، والظاهر أنه لم يأت في العادة، لأنها استنكرته. وقالت: وددت أني لم أكن حججت، وبكت، لو علمت أن لها عادة تجئ فيها لما استنكرت. وكذا لو رأت آخر الخمسة يوما ويومين فيها فالجميع حيض. وبه قال أبو يوسف، ومحمد (2) وفي رواية عن أبي حنيفة (3) كما قلناه وكذا لو رأت في عادتها ما لا يمكن أن يكون حيضا، كيوم وأربعة بعدها، فالخمسة حيض والخلاف كالخلاف، فعلى هذا لو انتقل المكان في شهر، ثم استمر في الثاني عملت على عادتها القديمة، خلافا لأبي يوسف (4). ولو رأتها مرتين، ثم استمر في الثالث ردت إلى ما رأته مرتين، عندنا، وعند الثلاثة. أما في صورة التقديم، فإذا رأت قبل عادتها الخمسة يوما أو يومين وخمستها، أو رأت يوما، أو يومين قبل العادة وهو ثلاثة أيام من خمستها، فالجميع حيض اتفاقا، ولو رأت عادتها مقدمة، أو أربعة أيام منها، أو ثلاثة، ولم تر في عادتها شيئا، كان ما رأته حيضا، لأنه في زمان يمكن أن يكون حيضا بصفة الحيض، فكان حيضا. وهو اختيار محمد، وأبي يوسف (5)، خلافا لأبي حنيفة (6). وكذا الخلاف لو رأت قبل العادة ثلاثة، ويوما في العادة، أو يومين، أو رأت قبل العادة يوما، أو يومين وفي العادة يوما، أو يومين. أما لو رأت قبل العادة ما يمكن أن

(1) صحيح البخاري 1: 84، صحيح مسلم 2: 873 حديث 1211.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 179، 181.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 179، 181.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 182.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 180.
(6) المبسوط للسرخسي 3: 181.

[ 332 ]

يكون حيضا، وفيها ما يمكن أن يكون حيضا ولم يتجاوز الأكثر، فعندنا أنه حيض بأسره. وهو اختيار الشافعي (1)، وأحمد (2) ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة. وفي رواية محمد عنه أنه يكون الحيض ما رأته في العادة (3)، وما قبله موقوف حتى ترى في الشهر الثاني مثله. مسألة: ذات العادة إذا نسيتها لم تخل من ثلاثة أقسام: أما أن تذكر العدد وتنسى الوقت، أو بالعكس، أو تنساهما معا وهي المتحيرة، وقد مضى حكمها. وأما حكم الناسية للعدد خاصة، كمن تعلم أنها تحيض في أول الوقت ولا تعلم عدده، فإن ذكرت أول الوقت، أكملته ثلاثة، لأنه المتيقن، والزائد مشكوك، وإن ذكرت آخره، جعلته نهاية الثلاثة. ولو قيل: أنها تتحيض كالمتحيرة كان وجها. أما لو قالت: كنت أعلم انني أحيض في العشر الأول، ولا أعلم الوقت ولا العدد، تحيضت في أول العشر بالثلاثة. وقيل: تجتهد في تعيين الثلاثة من العشرة (4). وأما الناسية للوقت دون العدد، فأما أن لا تعلم وقتا أصلا، وأما تعلم، فالأول مثل أن تعلم حيضها خمسة أيام من الشهر، قال الشيخ: تعمل ما تعمله المستحاضة خمسة أيام، ثم تغتسل للانقطاع عند كل صلاة إلى آخر الدم، إلا أن تعرف وقتا لانقطاعه، فتغتسل عند تجدده دائما (5). ولو قالت: كنت أحيض في الشهر عشرة أيام ولا أعلم موضعها، فعلت في العشر الأول ما تفعله المستحاضة، ثم اغتسلت عند وقت كل صلاة للانقطاع إلى آخر الشهر. والثاني: أن تعلم أن لها وقتا، مثل: أن تعلم أنها كانت تحيض أياما معلومة من

(1) المغني 1: 397.
(2) المغني 1: 396. (3) المبسوط للسرخسي 3: 181.
(4) المغني 1: 374، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 376.
(5) المبسوط 1: 55.

[ 333 ]

العشر الأول، وهي على قسمين: أما أن يتجاوز عدد أيامها نصف وقتها المعلوم، أو لا يتجاوز بل يقصر، أو يساوي. ففي الأولى: يجعل الزائد وضعفه حيضا بيقين. مثاله: إذا قالت: كان حيضي ستة أيام في العشر الأول، كان لها يومان حيضا بيقين، هما: الخامس والسادس، وتغتسل في آخر العاشر للانقطاع، وعملت في الأربعة الأولى والأخيرة ما تعمله المستحاضة. ولو قالت: سبعة دخل الرابع والسابع في الحيض بيقين، وهكذا. وأما في الثاني: فإن حكمها حكم غير العالم فيما وقع فيه الشك، مثاله: أن تقول: إن حيضي خمسة في العشرة الأولى ولا أعلم موضعها، فإنها تعمل في العشرة ما تعمله المستحاضة، وتغتسل بعد الخمسة عند كل صلاة، لاحتمال الانقطاع. وكذا لو قالت: أن حيضي أربعة فيها، فإنها تفعل ما تفعله المستحاضة في العشرة، ثم تغتسل بعد الأربعة عند كل صلاة. ولو قالت: إن حيضي إحدى العشرات ولا أعلم بعينها، عملت في العشرة الأولى ما تعمله المستحاضة، ثم اغتسلت عند انتهائها للانقطاع، وكذا تغتسل في آخر العشرة الثانية وآخر الثالثة، وبينها وبين المسألة الثانية من قسم غير العاملة بالوقت فرق فيما زاد على العشرة الأولى، فإن تلك تغتسل بعد العشرة الأولى عند كل صلاة لاحتمال الانقطاع، لاحتمال أن يكون أول حيضها اليوم الثاني والثالث، وهكذا إلى الحادي والعشرين. وأما هذه فإن أول حيضها أما اليوم الأول، أو الحادي عشر، أو الحادي والعشرين. أما العشر الأول: فإنهما تتساويان فيه فتعملان عمل المستحاضة فيه. ولو قالت: حيضي عشرة وأعلم الطهر في العشر الثالث، عملت ما تعمله المستحاضة في العشرين الاولين، ثم تغتسل بعد مضى الأول عند كل صلاة للانقطاع، أما لو قالت: أحد العشرين، اغتسلت غسلين، وبمثله لو تيقنت الطهر في العشر الأول. ولو تيقنت ذات الخمسة من العشر الأول طهر أول يوم، حصل لها تيقن حيض السادس، وحاصله الرجوع إلى تجاوز النصف.

[ 334 ]

ولو تيقنت طهر الخامس، فالحيض الخمسة الثانية بيقين، والأولى لو تيقنت طهر السادس. ولو تيقنت طهر الثاني وحيض الخامس، فالأولان والعاشر طهر قطعا، والخامس، والسادس، والسابع حيض قطعا، فتعمل ما تعمله المستحاضة إلا في هذه، ثم تغتسل في آخر السابع عند كل صلاة إلى آخر التاسع للانقطاع. ولو تيقنت ذات العشرة طهر السادس، تضاف إليه في تيقن الطهر الخمسة الأولى، ثم فعلت في اليوم السابع إلى آخر الشهر ما تعمله المستحاضة، ثم اغتسلت آخر السادس عشر للانقطاع عند كل صلاة إلى آخر الشهر. ولو تيقنت طهر العاشر فمن أول الشهر إليه طهر متيقن، ثم تعمل في الباقي ما تعمله المستحاضة إلى انقضاء العدد، ثم تغتسل عند كل صلاة إلى آخر الشهر للانقطاع. ولو تيقنت الطهر الحادي عشر اختص به، ووقع الشك في العشرة الأولى وما بعده، فتغتسل في آخر العشرة الأولى للانقطاع، وفي آخر الحادي والعشرين إلى آخر الشهر. ولو تيقنت ذات الخمسة طهر الخمسة الاخيرة اختص التيقن بها، وعملت في الخمسة الأولى ما تعمله المستحاضة، ثم تغتسل عند كل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين. ولو تيقنت ذات العشرة حيض العاشر اختص به، لاحتمال أن يكون ابتداءا وانتهاءا، واغتسلت في آخره للانقطاع، وفي آخر التاسع عشر، وحصل لها تيقن طهر أحد عشر آخر الشهر. ولو تيقنت ذات الخمسة حيض الثاني عشر فمن أول الشهر إلى آخر السابع طهر متيقن، ومن أول السابع عشر إلى آخر الشهر كذلك، فتغتسل في آخر الثاني عشر للانقطاع عند كل صلاة إلى آخر السادس عشر، وتعمل ما تعمله المستحاضة في هذه الايام إلا الثاني عشر. ولو تيقنت ذات العشرة حيض الثاني عشر، فاليومان الأولان والتسعة الاخيرة.

[ 335 ]

طهر بيقين، فتعمل ما تعمله المستحاضة فيما بينهما إلا الثاني عشر، ثم تغتسل في آخره مستمرا عند كل صلاة إلى آخر الحادي والعشرين. ولو تيقنت ذات الخمسة تعاقب الطهر والحيض في يومي السادس والسادس والعشرين، وجهلت تعين أحد اليومين لاحدى الصفتين، فاليوم الأول من أول العشر الثاني إلى آخر الحادي والعشرين طهر قطعا، ثم تغتسل في آخر السادس إلى آخر العاشر، ومن آخر السادس والعشرين إلى آخر الشهر عند كل صلاة للانقطاع، إلا أن تعلم أن الانقطاع في وقته صلاة معينة، فتغتسل عندها دائما. قال الشيخ: لا توطأ هذه المرأة في كل، ولا تطلق فيما يقع الشك فيه، وتقضي صوم العدة التي تعلمها بعد الزمان الذي تفرض عادتها في جملته (1). ولو قيل: في هذه المواضع تعين ما تجعله حيضا مما وقع الشك فيه اختيارا أو اجتهادا على ما سلف من القولين أمكن، فعلى هذا القول، لو ذكرت عادتها بعد جلوسها في غيره رجعت، لأن ترك العادة حصل لعارض وهو النسيان، ومع الذكر زال العارض فترجع إلى الأصل، فلو ظهر لها أنها تركت الصلاة في غير عادتها، فالوجه قضاءها وقضاء ما صامته من الفرض في عادتها. ولو قالت: لي في كل شهر حيضتان كل واحدة ثمانية، فمن الأول إلى آخر الرابع طهر مشكوك فيه، وكذا من التاسع إلى آخر الثاني عشر، ومن التاسع عشر إلى آخر الثاني والعشرين، ومن السابع والعشرين إلى آخر الشهر، ولها حيضتان بيقين من أول الخامس إلى آخر الثامن، ومن الثالث والعشرين إلى آخر السادس والعشرين، ولها طهر بيقين من أول الثالث عشر إلى آخر الثامن عشر.

(1) المبسوط 1: 51.

[ 336 ]

فروع: في الامتزاج. إذا تيقنت ذات العشرة مزج إحدى العشرات بالاخرى بيوم، فاليوم الأول والآخر طهر قطعا، فتعمل في الباقي ما تعمله المستحاضة، ثم تغتسل في آخر الحادي عشر، والتاسع عشر، والحادي والعشرين، والتاسع والعشرين للانقطاع، لتيقن عدد أيامها وهي العشرة غير نصف الزمان، وهو ما بين الأول والآخر، ويجب عليها قضاء صوم عشرة أيام خاصة، خلافا للشافعي (1). ولو مزجت بيومين فاليومان الأولان والأخيران طهر قطعا، وتعمل في الباقي ما تعمله المستحاضة، ثم تغتسل آخر الثاني عشر، والثامن عشر، والثاني والعشرين، والثامن والعشرين للانقطاع. ولو مزجت ذات الخمسة إحدى العشرات بالأخرى بيوم، فالستة الأولى طهر قطعا وكذا الاواخر، والخامس عشر، والسادس عشر قطعا، وتعمل فيما عداها كالمستحاضة، وتغتسل آخر الحادي عشر، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والرابع والعشرين للانقطاع. ولو مزجت بيومين فالثمانية الأول والأواخر طهر قعطا، والرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر كذلك، ثم تفعل في الباقي ما تعمله المستحاضة، وتغتسل في آخر الثاني عشر، والثالث عشر، والثاني والعشرين، والثالث والعشرين للانقطاع. ولو تيقنت ذات العشرة مزج أحد النصفين بصاحبه بيوم، فالستة الأول من الشهر، والأخرى طهر قطعا، والخامس عشر، والسادس عشر حيض قطعا، لزيادة عدد أيامها وهي عشرة على نصف الزمان المشكوك فيه، وهو ما بين السادس، والخامس،

(1) المجموع 2: 493، السراج الوهاج: 32 33، مغني المحتاج 1: 117.

[ 337 ]

والعشرين بيوم، تعمل ما تعمله المستحاضة فيما عدا اليومين، ثم تغتسل آخر السادس عشر، والرابع والعشرين للانقطاع، قال الشيخ: تعمل ما تعمله المستحاضة من يوم الخامس عشر إلى آخر الرابع والعشرين (1). وليس بجيد. ولو مزجت إحدهما بالآخر بيومين، فالثمانية الأولى والأواخر طهر قطعا، والرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر حيض قطعا، والباقي مشكوك فيه. ولو مرجت ذات تسعة أيام ونصف إحدى العشرات الأخرى بيوم والكسر في الأول، فالتسعة الأخيرة من الشهر طهر قطعا، وكذا اليوم الأول ونصف الثاني ونصف الثاني عشر، وتعمل في الباقي ما تعمله المستحاضة، ثم تغتسل آخر الحادي عشر، وآخر الحادي والعشرين للانقطاع. ولو قالت: الكسر في العشر الثاني، فالتسعة الأول (2) طهر قطعا، وكذا النصف الأخير من التاسع والعشرين، واليوم الآخر والباقي مشكوك فيه تعمل ما تعمله المستحاضة، وتغتسل آخر النصف الأول من التاسع عشر وآخر النصف الأول من التاسع والعشرين. ولو مزجت هذا أحد النصفين بالآخر والكسر في الأول، فستة أيام ونصف من أول الشهر طهر بيقين، ومن النصف الثاني من السابع إلى آخر السادس عشر حيض قطعا، والباقي طهر قطعا، وينعكس (3) لو قالت: الكسر في آخره. ولو قالت ذات تسعة ونصف: إن المزج بيوم كامل والكسر من العشرين معا، فهو خطأ، لأنه إذا كان الكسر في العشرين لا يختلط بيوم كامل.

(1) المبسوط 1: 62.
(2) (ق) (خ) (م) (ن): الأول.
(3) (خ): وتنعكس.

[ 338 ]

فروع: في التلفيق. وهو ضم الدم إلى الدم الذي يتخلل بينهما نقاء. واعلم أن الأصل عندنا، أن الطهر لا يكون أقل من عشرة، فعلى هذا لو رأت بين ثلاثة أيام الحيض والعاشر ونقاءا، ثم رأت العاشر دما، كان الكل حيضا، وقد تقدم الدليل على ذلك (1). فإذا انقطع الدم بعد الثلاثة وأدخلت القطنة وخرجت نقية، صلت وصامت إجماعا، لرواية عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (2). بضم القاف والمراد به: القطنة التي تحشى في القبل. وقيل أنه شئ يتبع الحيض أبيض (3). فإن عاودها الدم في العشرة وانقطع، قضيت ما فعلته من الصيام، للعلم بوقوعه حال الحيض، فإن النقاء المتخلل ليس له حكم الطهر. وبه قال أبو حنيفة (4)، وهو أحد قولي الشافعي (5). لأن الدم من شأنه أن ينقطع تارة ويسيل أخرى. والقول الآخر للشافعي: أن النقاء طهر كما أن الدم حيض (6). وسواء عبر العادة أو لم يعبر إذا لم يتجاوز العشرة، فإنه متى تجاوز العشرة كان استحاضة إجماعا.

(1) تقدم في ص 287 288.
(2) صحيح البخاري 1: 87، الموطأ 1: 59 حديث 97، كنز العمال 9: 624 حديث 27712، جامع الأصول 8: 239 حديث 5423.
(3) المغني 1: 400، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 380، النهاية لابن الاثير 4: 71.
(4) بدائع الصنائع 1: 43، المبسوط للسرخسي 3: 156، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 153، المجموع 2: 502، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 539، المغني 1: 400.
(5) الأم 1: 66، المهذب للشيرازي 1: 44، المجموع 2: 501، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 539، ميزان الكبرى 1: 130، فتح الوهاب 1: 27، السراج الوهاج: 33، مغني المحتاج 1: 119، المغني 1: 400.
(6) المهذب للشيرازي 1: 44، المجموع 2: 501، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 536، السراج الوهاج: 33، مغني المحتاج 1: 119.

[ 339 ]

وإنما الخلاف في أمرين: أحدهما إذا عاد في العادة فمذهبنا ما قلناه، وبه قال الثوري، وأصحاب الرأي (1)، والشافعي (2)، لأنه صادف زمن العادة فأشبه ما لو لم ينقطع. وقال عطاء، وأحمد: ليس بحيض، لأنه عاد بعد طهر صحيح (3) (4). ونحن لما كان الأصل عندنا أن الطهر عشرة أيام سقط هذا الكلام، فلو جاوز أكثر الحيض بعد المعاودة فعندنا تتحيض بالعادة، خلافا لبعض الجمهور (5). لنا: أن المقتضي للرد إلى العادة موجود، وهو سيلان الدم، والمعارض وهو تخلل النقاء لا يصلح للمانعية، لما بينا (6) أن أقل الطهر عشرة. الثاني: لو انقطع لأكثره فما دون بعد أن تجاوز العادة، فمن قال: إن المعاود في العادة ليس بحيض، فهذا أولى عنده أن لا يكون حيضا، ومن قال: أنه يكون حيضا، ففيه على قوله ثلاثة أوجه: أحدها: أن الجميع حيض بناءا على أن الزائد على العادة حيض ما لم يتجاوز الأكثر، وهو مذهبنا. الثاني: إن ما وافق العادة حيض، وما زاد عليها فليس بحيض، لخروجه عنهما. الثالث: أن الجميع ليس بحيض، لاختلاطه بما ليس بحيض (7). ولو رأت أقل من ثلاثة أيام ثم رأت النقاء كذلك ثم الدم وانقطع لما دون

(1) المغني 1: 400، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 381.
(2) المغني 1: 400.
(3) المغني 1: 400.
(4) المغني 1: 400، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 381، الكافي لابن قدامة 1: 98، الانصاف 1: 373 - 384.
(5) المجموع 2: 507، المبسوط للسرخسي 3: 154.
(6) راجع ص 288.
(7) للاطلاع على الأقوال انظر: المغني 1: 400 - 401، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 381، الانصاف 1: 374.

[ 340 ]

العشرة كان طهرا عند أكثر الأصحاب (1)، وعند بعضهم يضم الثاني إلى الأول، فإن بلغ ثلاثة فالجميع حيض (2). وكذا لو تناوب الدم والنقاء في الساعات. وإن كان عادتها عشرة فرأتها متفرقة وتجاوز، تحيضت بعادتها واحتسب النقاء من الحيض عند القائلين بالتلفيق مطلقا (3)، وعندنا يشترط أن يتقدمه حيض صحيح. ولو رأت يوما دما وثمانية طهر، أو رأت يوم العاشر دما، لم يكن حيضا عند علمائنا أجمع، إذ أقل الحيض ثلاثة أيام، وهو قول كل من اشترط هذا العدد في القلة (4) إلا أبا يوسف، فإنه بناه على أصل له هو أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا انتقص عن أقله لم يفصل بينهما، وكانا كالدم المتصل، ثم ينظر إن كان ذلك كله لا يزيد على العشرة، فذلك حيض كله ما رأت فيه الدم وما لم تر، سواء كانت مبتدئة أو ذات عادة، وإن زاد، فالعشرة حيض إن كانت مبتدئة وما رأت فيه الدم وما لم تر، وما عداه طهر أو دم استحاضة (5). وكذا عنده لو رأت ساعة دما، ثم عشرة أيام إلا ساعتين طهرا، ثم ساعة دما فالعشرة حيض (6).

(1) منهم الشيخ في المبسوط 1: 67، والمحقق الحلي في المعتبر 1: 202 203، وسلار في المراسم: 43، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقيه: 128، وابن إدريس في السرائر: 27، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 41.
(2) النهاية: 26، المهذب 1: 34.
(3) المجموع 2: 501 502، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 537، المغني 1: 400، بداية المجتهد 1: 51، 52.
(4) المغني 1: 354، المبسوط للسرخسي 3: 147، الهداية للمرغيناني 1: 30، بدائع الصنائع 1: 40، المجموع 2: 380، المحلى 2: 193، عمدة القارئ 3: 307، بداية المجتهد 1: 50، سنن الترمذي 1: 228، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 412، شرح فتح القدير 1: 142.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 254 155، بدائع الصنائع 1: 43، شرح فتح القدير 1: 152 153، الهداية للمرغيناني 1: 32.
(6) المبسوط للسرخسي 3: 155 156، بدائع الصنائع 1: 43، شرح فتح القدير 1: 153.

[ 341 ]

ولو رأت ثلاثة أيام دما وستة طهرا، ثم يوما دما، فالجميع عندنا حيض. وهو قول أبي يوسف، وزفر (1). وقال محمد: أن الثلاثة الأولى حيض والأخرى استحاضة، وبناه على أصل له، وهو أن الطهر إذا تخلل بين الدمين إن كان الطهر أقل من ثلاثة أيام لم يفصل بحال، وإن كان ثلاثة أيام فإن كان أقل من الدمين معا لم يفصل، لأنه صار مغلوبا، وكذا إن ساواهما، تغليبا للمحرم على المبيح، وإن زاد عليهما فصل، ثم يجعل الممكن من الدمين حيضا، فإن أمكنا فأسبقهما هو الحيض (2). فعلى أصله لو رأت يومين دما وسبعة طهرا ويوما دما، فلا حيض لها، لأن الطهر أكثر من ثلاثة وهو أكثر من الدمين، ففصل، وليس في أحد الطرفين ما يمكن جعله حيضا، فكانا استحاضة. ولو رأت أربعة دما وخمسة طهرا، ثم يوما دما فالعشرة حيض، لأن الطهر ساوى الدمين، فلم يفصل. ولو رأت يوما دما ويومين طهرا ويوما دما، فالاربعة حيض عنده (3)، لأن الطهر أقل من ثلاثة أيام. ولو رأت ثلاثة دما وستة طهرا وثلاثة دما، فعندنا ترجع إلى العادة، وإن كانت مبتدئة تحيضت بالروايات. وعند أبي يوسف، وأبي حنيفة، وزفر تجلس عشرة (4). وقال محمد: الطهر يوجب الفصل (5)، فالثلاثة الأولى حيض والباقي استحاضة، لأن الطهر أكثر من الدمين الذين رأتهما في العشرة، لأن مجموعهما أربعة أيام والطهر ستة، فأوجب الفصل. ولو كانت عادتها عشرة في أول الشهر فرأت قبل عادتها يوما دما وطهرت عادتها أجمع، ثم رأت بعدها يوما دما وانقطع، فلا حيض لها عندنا. وهو قول محمد (6)، خلافا

(1) المبسوط للسرخسي 3: 153 156، شرح فتح القدير 1: 153 154.
(2) بدائع الصنائع 1: 44، المبسوط للسرخسي 3: 156، شرح فتح القدير 1: 153.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 157، شرح فتح القدير 1: 154.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 157، شرح فتح القدير 1: 154 155.
(5) المبسوط للسرخسي 3: 157، شرح فتح القدير 1: 154 155.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 155 156، شرح فتح القدير 1: 153.

[ 342 ]

لأبي يوسف فإنه جعل العشرة حيضا (1). لنا: أن هذين الدمين ليسا بحيض، فلا يجوز جعل الطهر بما ليس بحيض حيضا. قال أبو يوسف: إن هذا طهر فاسد، إن كان دما حكما، كالدم الفاسد طهر حكما (2)، وبناه على أصل له، هو أن يبتدأ الحيض بالطهر ويختم به، بشرط أن يكون قبل ابتدائه وبعد انتهائه دم ولو ساعة، ويجعل الطهر حيضا بإحاطة الدمين. ولو رأت قبل عشرتها يوما ورأت يوما طهرا في أول عشرتها، ثم رأت ثمانية أيام دما من عشرتها ورأت العاشر طهرا، ثم الحادي عشر دما، فعشرتها حيض في قول أبي يوسف، وإن حصل ختمها وابتداؤها بالطهر، لأن قبلها وبعدها دم. وعند محمد يكون حيضها ثمانية أيام (3)، وهو الوجه عندي. ولو لم تر الدم في اليوم الذي قبل عشرتها، فعند أبي يوسف حيضها تسعة أيام (4)، لأنه لا يبتدأ الحيض بالطهر، لأنه ليس قبله دم ويختم به لوجود الدم بعدها، وكذا لو لم تر الدم المتأخر ورأت المتقدم، كان حيضها تسعة أيام التي رأت في عادتها، واليوم الذي رأت قبل أيامها حيض تبعا لأيامها، فكان المجموع عشرة، واليوم العاشر الذي رأت فيه الطهر ليس بحيض، لأنه لا يختم الحيض بالطهر إذا لم يكن بعده دم، وعند محمد: الحيض ثمانية أيام (5)، ولو لم تر قبلها ولا بعدها فالحيض ثمانية عندهما معا.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 155 156، شرح فتح القدير 1: 153.
(2) المبسوط للسرخسي 3: 155، شرح فتح القدير 1: 153 154.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 155، شرح فتح القدير 1: 153.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 180، شرح فتح القدير 1: 153. (5) المبسوط للسرخسي 3: 180.

[ 343 ]

فروع: الأول: إذا قلنا بالتلفيق فكل قدر من الدم لا يجعل حيضا تاما، وكذا كل قدر من الطهر، لكن جميع الدماء حيض واحد يفرق، وجميع النقاء طهر كامل واحد حتى أن العدة لا تنقضي بعود الدم ثلاث مرات، ولو كان كل قدر من النقاء طهر كاملا، خرجت العدة بعد ثلاثة. الثاني: إذا رأت الدم يوما وانقطع لم يجب الغسل إلا إذا غمس القطنة، لأنه إن لم يعد لم يكن له حكم الحيض، وإن عاد تبين أن الزمان زمان الحيض، وليس للغسل في وقت (1) الحيض حكم إن قلنا أن أيام النقاء حيض، بل نأمرها بالوضوء والصلاة. الثالث: لو رأت يوما دما أسود ويوما أصفر وهكذا، فعندنا تتحيض على التوالي، ومن يعتبر التمييز يلفق أيام الدماء السود. البحث الرابع: في الأحكام مسألة: يحرم على الحائض الصلاة والصوم. وهو مذهب عامة أهل الاسلام. روى البخاري بإسناده قول النبي صلى الله عليه وآله: (أليست إحداكن إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي) (2). وقالت حمنة للنبي صلى الله عليه وآله: إني أستحاض حيضة شديدة منكرة قد

(1) هامش (خ): زمن.
(2) صحيح البخاري 1: 83 بتفاوت، وبهذا اللفظ، انظر: المغني 1: 347.

[ 344 ]

منعتني الصلاة والصوم (1). وقال النبي صلى الله عليه وآله، لفاطمة بن أبي حبيش: (إذ ابتليت الحيضة فاتركي الصلاة) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إذا كان للدم حرارة ودفع وسواد، فلتدع الصلاة) (3). وروي، عن زياد بن سوقة (4)، عن أبي جعفر عليه السلام (تقعد عن الصلاة أيام الحيضة) (5). وعن عيص بن القاسم البجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن امرأة طمثت في رمضان قبل أن تغيب الشمس؟ قال: (تفطر) (6). وعن علي بن عقبة (7)، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة حاضت في

(1) سنن أبي داود 1: 176 حديث 287، سنن الترمذي 1: 221 حديث 128، سنن ابن ماجة 1: 203 حديث 622، مسند أحمد 6: 439، جامع الأصول 8: 231 حديث 5405، كنز العمال 9: 629 حديث (27741) في بعضها بتفاوت يسير.
(2) صحيح البخاري 1: 66، 84، صحيح مسلم 1: 262 حديث 62، سنن أبي داود 1: 74 حديث 382 - 383، سنن الترمذي 1: 217 حديث 125، سنن النسائي 1: 118، 122، 184 - 186، سنن ابن ماجة 1: 203 حديث 621، الموطأ 1: 61 حديث 104.
(3) التهذيب 1: 151 حديث 429، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(4) زياد بن سوقة الجريري البجلي مولى جرير بن عبد الله، يكنى أبا الحسن، ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الأئمة: السجاد، والباقر، الصادق (ع). رجال الطوسي: 89، 122، 197، رجال العلامة: 74.
(5) التهذيب 1: 152 حديث 432، الوسائل 2: 536 الباب 2 من أبواب الحيض، حديث 2. وفي الجميع: تقعد عن الصلاة أيام الحيض. (6) التهذيب 1: 393 حديث 1215، الاستبصار 1: 145 حديث 498، الوسائل 2: 601 الباب 50 من أبواب الحيض، حديث 1.
(7) علي بن عقبة بن خالد الأسدي: أبو الحسن مولى كوفي ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق >

[ 345 ]

رمضان حتى إذا ارتفع النهار بان الطهر؟ قال: (تفطر ذلك اليوم كله، تأكل وتشرب، ثم تقضيه) وعن المرأة أصبحت في رمضان طاهرا حتى إذا ارتفع النهار رأت الدم؟ قال: (تفطر ذلك اليوم كله) (1). وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة تطهر في أول النهار في رمضان، أتفطر أو تصوم؟ قال: (تفطر) وفي المرأة ترى الدم في أول النهار في شهر رمضان، أتفطر أو تصوم؟ قال: (تفطر إنما فطرها من الدم) (2). قوله عليه السلام: (إنما فطرها من الدم)، قاض بالافطار حالة الاكل والشرب وعدمهما. وفي رواية يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام (فإن رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض تدع الصلاة) (3). وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا كانت المرأة طامثا، فلا تحل لها الصلاة) (4). وفي رواية سماعة قال: (وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة) (5).

< (ع) مرتين، تارة بعنوان: علي بن عقبة الأسدي مولاهم كوفي، وأخرى بعنوان: علي بن عقبة مولى كوفي. رجال النجاشي: 271، رجال الطوسي: 242، 267، رجال العلامة: 102. (1) التهذيب 1: 153 حديث 434، الوسائل 2: 602 الباب 50 من أبواب الحيض، حديث 6.
(2) التهذيب 1: 153 حديث 435، الوسائل 2: 602 الباب 50 من أبواب الحيض، حديث 7.
(3) الكافي 3: 76 حديث 5، التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 555 الباب 12 من أبواب الحيض، حديث 2.
(4) الكافي 3: 101 حديث 4، التهذيب 1: 159 حديث 456، الوسائل 2: 587 الباب 40 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) الكافي 3: 79 حديث 1، التهذيب 1: 380 حديث 1178، الوسائل 2: 559 الباب 14 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 346 ]

فروع: الأول: لا يحرم عليها سجود الشكر ولا سجود التلاوة، لعدم اشتراط الطهارة لا فيهما. وعند الشافعي: الطهارة شرط، فلهذا حكم بتحريمهما (1). الثاني: لا فرق بين صلاة الفريضة والنافلة في التحريم، لاشتراطهما بالطهارة. وكذا الصوم الواجب والندب. الثالث: الحائض غير مخاطبة بالصوم. وهو قول بعض الشافعية (2). وقال بعضهم: إنها مخاطبة به (3). لنا: أنها ممنوعة من الصوم، فلا يصح أمرها به، وإلا لزم التكليف بالنقيضين. احتجوا بأن وجوب القضاء يستلزم وجوب الاداء (4). والجواب: المنع من الاستلزام. نعم، يستلزم قيام سبب الوجوب، أما نفس الوجوب فلا، أو نقول: القضاء بأمر متجدد (5). مسألة: وتترك ذات العادة الصلاة والصوم برؤية الدم في وقت عادتها. وهو قول كل من يحفظ عنه العلم، لأن العادة كالمتيقن. وروى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (دعي الصلاة أيام أقرائك) وهو لا يتحقق إلا بالترك في أول الايام.

(1) المهذب للشيرازي 1: 86، مغني المحتاج 1: 217، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 192، 417، المجموع 2: 353 و 4: 63، السراج الوهاج: 62، ميزان الكبرى 1: 164، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 61.
(2) المجموع 2: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 420، السراج الوهاج: 31، مغني المحتاج 1: 109.
(3) المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 420، مغني المحتاج 1: 109.
(4) المجموع 2: 355، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 420.
(5) (خ): جديد.

[ 347 ]

ومن طريق الخاصة: رواية زياد بن سوقة، عن الباقر عليه السلام (تقعد عن الصلاة أيام الحيضة) (1). ورواية محمد بن مسلم الحسنة، عن أبي عبد الله عليه السلام: المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال: (لا تصلي حتى تنقضي أيامها) (2). وفي رواية يونس، عن رجاله، عن الصادق عليه السلام (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تدع الصلاة قدر أقرائها وقدر حيضها) (3). أما المبتدئة والمضطربة فقد اختلف الأصحاب في ابتداء وقت الترك لهما، فقال الشيخ بتركهما بمجرد الرؤية، فإن استمر ثلاثة فهو حيض قطعا، وإن انقطع عرفت أنه دم فساد، وقضت ما تركته من الصلاة والصيام (4). وقال السيد المرتضى: لا تترك الصلاة حتى تمضي ثلاثة أيام (5). واختاره ابن إدريس (6)، والأقرب عندي الأول. لنا: ما رواه الشيخ في الحسن، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة) (7) وهذا لا يصح أن يكون المرجع إلى ذات العادة، لأنا قد بينا (8) أن الاعتبار في ذات العادة إنما هو

(1) الكافي 3: 94 حديث 2، التهذيب 1: 152 حديث 432، الوسائل 2: 536 الباب 2 من أبواب الحيض، حديث 2. وفي الجميع: تقعد عن الصلاة أيام الحيض.
(2) الكافي 3: 78 حديث 1، التهذيب 1: 396 حديث 1230، الوسائل 2: 540 الباب 4 من أبواب الحيض، حديث 1. (3) الكافي 3: 83 حديث 1، التهذيب 1: 381 حديث 1183، الوسائل 2: 542 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) المبسوط 1: 42.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 213.
(6) السرائر: 29.
(7) التهذيب 1: 151 حديث 429، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(8) تقدم بيانه في ص 346.

[ 348 ]

بعادتها لا بالتمييز. وروى الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين؟ قال: (إن كان دما عبيطا فلا تصلي ذلك اليومين، وإن كانت صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (1) وذلك مطلق، فالتقييد بذات العادة غير مدلول من اللفظ، فلا يصار إليه إلا لدليل. على أن الحكم معلق على الصفة، وذلك لا يعتبر في ذات العادة، وقد سلف. ولأنها رأت دما يمكن أن يكون حيضا في وقت يمكن للحيض، فكان حيضا كذات العادة، والمستمر بها الدم ثلاثة. ولأن الاحتياط للصلاة في حق الحائض غير معتبر شرعا، فإن ذات العادة إذا استمر بها الدم بعد عادتها تستظهر بيوم أو يومين في ترك العبادة لما بينا (2)، وذلك ينافي الاحتياط. ولأن الاحتياط لو اعتبر في المبتدئة كان الموجب له إنما هو ثبوت الصلاة في الذمة مع عدم العلم بالمزيل، وهذا المعنى يتحقق في ذات العادة، فإنها ربما تتغير عادتها وينقطع الدم لدون الأقل، فكان ينبغي الاحتياط لشغل الذمة المتيقن مع عدم العلم بالمزيل. لا يقال: هذا هو الأصل، إلا أن الظن حاصل ها هنا بأنه حيض بخلاف صورة النزاع، فإن الظن بكون الدم المرئي في العادة حيضا ليس كالظن بكون المرئي في الابتداء حيضا. لأنا نقول: إن اعتبرت مطلق الظن فهو موجود ها هنا، فإن العادة قاضية بأن المرأة في سن البلوغ ترى الحيض، فإذا رأت في وقته ما هو بصفته، غلب على ظنها أنه حيض، وإن اعتبرت ظنا غالبا، فلا بد من الاشارة إلى تلك المرتبة من الظن، ثم من الدلالة على أن تلك المرتبة موجبة للحكم دون الأقل منها، وهما ممتنعان، ثم كيف اعتبر السيد

(1) التهذيب 1: 387 حديث 1192، الاستبصار 1: 141 حديث 483، الوسائل 2: 578 الباب 30 أبواب الحيض، حديث 6.
(2) تقدم في ص 316.

[ 349 ]

الاحتياط ها هنا، ولم يلتفت إليه في المستمر دمها إذا كانت مبتدئة؟! فإنه قال هناك: تتحيض من ثلاثة إلى عشرة. ولأنه لو لم يحكم عليها بالحيض في الثلاثة إلا بعد انقضائها، لما دام الحكم عليها به فيها، والتالي باطل اتفاقا، فالمقدم مثله. بيان الملازمة: أنها بعد مضي الثلاثة ربما رأت دما أسود ويتجاوز، فيكون هو الحيض لا الثلاثة. لا يقال: الفرق بأن اليوم واليومين ليس حيضا حتى تستكمل ثلاثة، والأصل عدم التتمة حتى يتحقق، أما إذا استمر ثلاثا فقد كمل ما يصلح أن يكون حيضا، ولا يبطل هذا إلا مع التجاوز، والأصل عدمه حتى يتحقق. لأنا نقول: أما أن يعتبر في صيرورة الدم حيضا صلاحيته له، أو وجود ما يعلم معه أنه حيض، والثاني يلزم منه أن لا يحكم بالحيض إلا بعد الانقطاع على العشرة، فإنه بدونه لا يقطع على أن ما رأته حيض، لجواز أن يكون الحيض ما يتلوه، وإن اعتبرت الصلاحية فهي موجودة في البابين. احتج بأن الأصل لزوم العبادة حتى يتيقن المسقط، ولا يقين قبل الاستمرار ثلاثة (1). والجواب: لا نسلم أن الأصل لزوم العبادة بل الأصل البراءة. فإن قلت: أنها صارت أصلا بعد ثبوت الاوامر. قلت: فلم قلت: إن تلك الاوامر متوجهة ها هنا؟ سلمنا، لكن لا نسلم أنه لا يسقط إلا مع تيقن المسقط، بل قد يسقط مع ظنه. سلمنا، لكن اليقين ها هنا حاصل، فإنا نقطع بأن الشرع أسقط عن المرأة مع غلبة ظنها بأن الدم حيض ما شغل ذمتها عليها. مسألة: ويحرم اللبث في المساجد. وهو مذهب عامة أهل العلم. روى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا أحل المسجد لحائض

(1) المعتبر 1: 213.

[ 350 ]

ولا جنب) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه) (2) ولأن الحائض مشاركة للجنب في الحدث وممتازة عنه بزيادة حمل النجاسة، فحكم حدثها أغلظ، فالمنع من الاستيطان في المسجد في حقها أقرب. فروع: الأول: يجوز لها الاجتياز في المساجد، إلا المسجدين، والاستثناء مختص بهما. أما جواز الاجتياز، فقد ذهب إليه علماؤنا أجمع، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس (3)، وابن المسيب (4)، وابن جبير، والحسن (5)، ومالك (6)، والشافعي (7). وقال أبو حنيفة (8)، والثوري، وإسحاق: لا تدخل المسجد، فإن اضطرت تيممت (9).

(1) سنن أبي داود 1: 60 حديث 232، نيل الاوطار 1: 287 حديث 5.
(2) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 488 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 17.
(3) المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، أحكام القرآن للجصاص 3: 168، تفسير القرطبي 5: 206، نيل الاوطار 1: 287، المجموع 2: 160. (4) المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، أحكام القرآن للجصاص 3: 168، المجموع 2: 160.
(5) المغني 1: 166، المجموع 2: 160، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241.
(6) المدونة الكبرى 1: 32، تفسير القرطبي 5: 206، المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241.
(7) الأم 1: 54، المهذب للشيرازي 1: 30، 38، المجموع 2: 160، مغني المحتاج 1: 109، السراج الوهاج: 31، أحكام القرآن للجصاص 3: 168، المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، تفسير القرطبي 5: 206، بدائع الصنائع 1: 38، نيل الاوطار 1: 287.
(8) المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، المحلى 2: 185، المجموع 2: 160، المبسوط للسرخسي 1: 118، بدائع الصنائع 1: 38، شرح فتح القدير 1: 147. >

[ 351 ]

لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد) قالت: إني حائض؟ قال: (إن حيضتك ليست في يدك) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه) (2) إشارة إلى الجنب والحائض. وما رواه محمد بن يعقوب في كتابه، عن محمد بن يحيى (3) رفعه، عن أبي حمزة عن الباقر عليه السلام: (ولا بأس أن يمرا في المساجد ولا يجلسان فيها) (4). احتج أبو حنيفة (5) بقوله عليه السلام: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (6). والجواب: أنه مخصوص بمسجده عليه السلام، وهو دليل لنا على الاستثناء المذكور. وأما تحريم الاجتياز في المسجدين فرواية الجمهور تدل عليه، ومن طريق الخاصة:

< (9) المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، المحلى 2: 185، المجموع 2: 160، تفسير القرطبي 5: 206. (1) صحيح مسلم 1: 245 حديث 298، سنن أبي داود 1: 68 حديث 261، سنن الترمذي 1: 241 حديث 134، سنن الدارمي 1: 248، سنن النسائي 1: 146، 192، سنن ابن ماجة 1: 207 حديث 632، نيل الاوطار 1: 285 حديث 1، كنز العمال 9: 414 حديث 26748. (2) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 488 الباب 5 من أبواب الجنابة، حديث 17.
(3) محمد بن يحيى: أبو جعفر العطار الأشعري القمي، شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، كثير الحديث. عده الشيخ في رجاله ممن لم يرو عنهم (ع)، وقال: روى عنه الكليني. رجال الطوسي: 495، رجال النجاشي: 353، رجال العلامة: 357.
(4) الكافي 3: 73 حديث 14، الوسائل 1: 485 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 168، الهداية للمرغيناني 1: 31، بدائع الصنائع 1: 38، شرح فتح القدير 1: 146، نيل الاوطار 1: 287، المحلى 2: 185.
(6) سنن أبي داود 1: 60 حديث 232، نيل الاوطار 1: 287 حديث 5.

[ 352 ]

ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: (ولا يقربان المسجدين الحرمين) (1). وما رواه ابن يعقوب، عن محمد بن يحيى رفعه، عن أبي حمزة عن الباقر عليه السلام: (إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فأصابته جنابة فليتيمم، ولا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ويغتسل، وكذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل كذلك، ولا بأس أن يمرا في سائر المساجد لا يجلسان فيها) (2). الثاني: إذا اتفق لها الحيض في أحد المسجدين لم تقطعه خارجة إلا بالتيمم، لرواية أبي حمزة المذكورة وهي وإن كانت مقطوعة السند إلا أنها مناسبة للمذهب، ولأن الاجتياز فيهما حرام عليها إلا مع الطهارة، وهي متعذرة، والتيمم يقوم مقامها في جواز الصلاة، فكان قائما مقامهما في قطع المسجد وإن لم يكن التيمم ها هنا طهارة. الثالث: قال الشيخ في الخلاف: يكره لها الاجتياز في غير المسجدين (3). ولم نقف على حجة، وإباحة في غيره (4)، وهو اختيار المفيد (5)، والسيد المرتضى (6). لنا: إن الكراهة حكم شرعي، فيقف عليه، ويمكن أن يقال: السبب في الكراهة إما جعل المسجد طريقا، وإما الدخول بالنجاسة إليه. وقال الشافعي: أن لم تعصب (7)

(1) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 488 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 17.
(2) الكافي 3: 73 حديث 14، الوسائل 1: 485 الباب 15 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(3) الخلاف 1: 196 مسألة 259.
(4) المبسوط 1: 41، النهاية: 25. (5) المقنعة: 6.
(6) نقله عنه في المعتبر 1: 222.
(7) عصبت المرأة فرجها (عصبا): شدته بعصابة ونحوها. المصباح المنير 2: 413.

[ 353 ]

فرجها لم يبح بها، لأنه لا نؤمن أن تلوث المسجد، وإن عصبت فرجها فوجهان (1). الرابع: قال أصحابنا: يحرم على الحائض أن تضع شيئا في المسجد ويجوز لها أن تأخذ منه، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: (نعم، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا) (2). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد ولا تضع فيه؟ فقال: (إن الحائض تستطيع أن تضع ما في يدها في غيره ولا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلا منه) (3). مسألة: ويحرم عليها الطواف، وهو إجماع، لأنه يفتقر إلى الدخول إلى المسجد الحرام وهو حرام، وإلى الطهارة ولا يصح منها فعلها، لوجود الحدث الملازم الضد، ولأن النبي صلى الله عليه وآله قال لعائشة وقد حاضت: (افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) (4) فإن طافت لم تعتد به بلا خلاف. مسألة: ويحرم عليها قرائة العزائم. وهو مذهب علمائنا أجمع، ونقل الجمهور، عن علي عليه السلام، وعمر. وبه قال الحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي (5)، وزادوا تحريم غيره. وقال مالك: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن مطلقا ولم يخصص، ولايجوز للجنب (6).

(1) المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 358، مغني المحتاج 1: 109، السراج الوهاج: 31، فتح الوهاب 1: 26.
(2) التهذيب 1: 125 حديث 339، الوسائل 1: 490 الباب 17 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 397 حديث 1233، الوسائل 2: 583 الباب 35 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) صحيح البخاري 1: 84، و 2: 195، صحيح مسلم 2: 874 حديث 1211، سنن الدارمي 2: 44، الموطأ 1: 411 حديث 244، مسند أحمد 6: 273، نيل الاوطار 5: 119 حديث 4.
(5) المغني 1: 165، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240، المجموع 2: 357، المحلى 1: 78. (6) بداية المجتهد 1: 49، بلغة السالك 1: 81، المغني 1: 165، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240، >

[ 354 ]

لنا: على تحريم العزائم: ما قدمناه في باب الجنب (1)، ولأن الحائض آكد في الحدث من الجنب. فروع: الأول: لا يحرم عليها قراءة غير العزائم عملا بالاصل، وبما تقدم من الروايات في باب الجنب (2)، وهو أحد قولي الشافعي (3)، وفي الآخر: يحرم (4). الثاني: يحرم عليها قراءة بعض السورة حتى البسملة إذا نوت أنها من العزائم، لأنها جزء منها. الثالث: يكره لها قراءة ما زاد على سبع آيات، وقيل: سبعين (5). وقد تقدم الكلام في ذلك كله (6). مسألة: ويحرم عليها مس كتابة القرآن. وهو إجماع، ولقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (7). ولما رواه الشيخ، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يا بني اقرأ المصحف) فقال: إني لست على وضوء؟ فقال: (لا تمس الكتاب ومس

< المبسوط للسرخسي 3: 152، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 143، شرح فتح القدير 1: 148. (1 2) تقدم في ص 215.
(3) المجموع 2: 356، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 143، مغني المحتاج 1: 72.
(4) المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 158، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 143، مغني المحتاج 1: 72، السراج الوهاج: 21، فتح الوهاب 1: 26، المغني 1: 166، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 241، نيل الاوطار 1: 284.
(5) المبسوط 1: 29.
(6) تقدم في ص 219.
(7) الواقعة: 79.

[ 355 ]

الورق واقرأه) (1) والحائض ليست على وضوء وكانت داخلة تحت هذا المنع. وروي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء، قال: (لا بأس ولا يمس الكتاب) (2) والحائض داخلة. وروي في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام قال: قال: (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن من القرآن ما شاء إلا السجدة) (3). وحكم الحائض في الفروع التي ذكرناها في باب الجنب في هذه المسألة (4) حكم الجنب. أصل: صيغة (أفعل) حقيقة في الوجوب، لقوله تعالى: (وما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) (5) ذمه على الترك عقيب الأمر، إذ ليس المقصود منه الاستفهام، ولا يتحقق إلا مع القول بأنه للوجوب. وكذا في قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) (6). وأيضا قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) (7) أمر المخالف للامر بالحذر، فلا بد من السبب الموجب للحذر، ولا سبب إلا وصف المخالفة، فيكون علة،

(1) التهذيب 1: 126 حديث 342، الاستبصار 1: 113 حديث 376، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 127 حديث 343، الاستبصار 1: 113 حديث 377، الوسائل 1: 269 الباب 12 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 371 حديث 1132، الوسائل 1: 494 الباب 19 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(4) تقدم في ص 215.
(5) الاعراف: 12.
(6) المرسلات: 48.
(7) النور: 63.

[ 356 ]

للمناسبة والاقتران. وأيضا تارك المأمور عاص، لقوله تعالى: (لا أعصي لك أمر) (1) (لا يعصون الله ما أمرهم) (2) (أفعصيت أمري) (3) والعاصي يستحق العقاب، لقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها) (4). ولأنه عليه السلام ذم أبا سعيد الخدري حيث لم يجبه (5)، وتمسك بقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) (6). ولأنه عليه السلام قال: (لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة) (7) و (لولا) موضوعة للانتفاء عند الوجود، لا شك في تحقيق الندبية، فيكون غير مأمور به. ولأن الصحابة تمسكوا بالامر على الوجوب ولم يظهر إنكار، فكان إجماعا، وذلك كما في قوله عليه السلام (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (8) وقوله عليه السلام: (فليغسله سبعا) (9) وقوله عليه السلام: (فليقضها إذا ذكرها) (10).

(1) الكهف: 69.
(2) التحريم: 6.
(3) طه: 93.
(4) الجن: 23.
(5) صحيح البخاري 6: 77، ونقل بمعناه في التفسير الكبير 15: 146.
(6) الانفال: 24.
(7) صحيح البخاري 2: 5، صحيح مسلم 1: 220 حديث 252، سنن أبي داود 1: 12 حديث 47، سنن الترمذي 1: 34، حديث 22، سنن ابن ماجة 1: 105 حديث 287، سنن النسائي 1: 12، 266، سنن الدارمي 1: 174، الموطأ 1: 66 حديث 114 115، ومن طريق الخاصة، انظر: الكافي 3: 22 حديث 1، الفقيه 1: 34 حديث 123، الوسائل 1: 354 الباب 3 من أبواب السواك، حديث 4، والباب 5 حديث 3.
(8) أمالي الطوسي 1: 375 حديث 20، الوسائل 11: 98 الباب 49 من أبواب جهاد العدو، حديث 9.
(9) صحيح البخاري 1: 54. >

[ 357 ]

ولأن العقلاء يذمون العبد إذا لم يفعل ما أمره السيد، ويعللون حسن الذم بالترك. ولأن الأمر دال على اقتضاء الفعل ووجوده، فكان مانعا من النقيض كالخبر، بجامع أن اللفظ وضع لإفادة معنى، فلا بد وأن يكون مانعا من نقيضه تكميلا للمقصود، وتقوية لحصوله. ولأن المطلوب لا بد وأن يكون قد اشتمل على مصلحة ويكون خاليا عن المفسدة عند المعتزلة، وراجحا في المصلحة عند غيرهم. وعلى كلا التقديرين فالاصل عدم الإذن في تفويت المصلحة الخالصة، أو الراجحة، لاستلزامه الإذن في تفويت الخالصة، وهو قبيح. ولأن شرعية المنع من الترك أرجح في الظن من شرعية الإذن فيه، لأنه أكثر إفضاءا إلى وجود الراجح الذي هو المطلوب في (1) الأول، ولا شك أن الذي يكون أكثر إفضاءا إلى الشئ الراجح، راجح في الظن على ما يكون أكثر إفضاءا إلى المرجوح. ولأن الوجوب معنى تشتد الحاجة إليه، فوجب أن يوضع له لفظ يدل عليه كسائر المعاني، لاستلزام القدرة والداعي الفعل، ولا الفظ إلا صيغة (إفعل). ولأن الحمل على الوجوب يقتضي القطع بعدم الاقدام على المخالفة، ومع الندب يحصل الشك، فالأول أولى. وقولهم: العلم بإفادته للوجوب ليس بعقلي قطعا ولا نقلي، لفقدان التواتر وعدم إفادة الآحاد، وإن أهل اللغة قالوا: لا فرق بين الأمر والسؤال إلا الرتبة، فلو كان للوجوب لم يكن الحصر صادقا، ولأنه قد ورد للندب فلا يمكن جعله حقيقة فيهما، وإلا لزم الاشتراك، ولا في أحدهما، وإلا لزم المجاز، فكان للقدر المشترك، ليس بشئ

< (10) صحيح مسلم 1: 477 حديث 684، وفيه: فليصلها إذا ذكرها. (1) (د) (خ): من.

[ 358 ]

أما الأول: فيجوز أن يحصل من المركب، كما تقول: تارك المأمور [ به ] (1) عاص بالنقل، والعاصي يستحق العقاب به، فيحصل القطع بالعقل بأنه للوجوب. ولأنه يجوز أن يثبت بالآحاد فإنها ليست مسألة علمية بل لغوية. وأما الثاني فإن السؤال يدل على الايجاب، إذ السائل إنما يطلب طلبا لا يسوغ فيه العمل بالنقيض، أقصى ما في الباب أنه لا يلزم من إيجابه الوجوب. وأما الثالث: إن المجاز يصار إليه، لما ذكرنا من الأدلة. مسألة: يحرم على الرجل وطئ الحائض قبلا. وهو مذهب عامة علماء الاسلام، قال الله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) (2) وهذا أمر يدل على الوجوب، ثم قال: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (3) وهذا نهي، وهو يدل على التحريم. وأما غير القبل فما فوق السرة ودون الركبة يجوز الاستمتاع به بالنص (4) والاجماع. واختلف في الاستمتاع بينهما، فقال أكثر علمائنا بالكراهية دون التحريم (5). وقال أحمد: هو مباح (6)، وهو قول عكرمة، وعطاء، والشعبي، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، والنخعي، وأبو إسحاق المروزي، وابن المنذر (7). وقال السيد المرتضى بالتحريم (8)، وهو اختيار أبي حنيفة (9)،

(1) أضفناه لاستقامة المعنى. (2 3) البقرة: 222.
(4) الوسائل 2: 571 الباب 26 من أبواب الحيض.
(5) الخلاف 1: 69 مسألة 2، المعتبر 1: 224، السرائر: 29.
(6) المغني 1: 384، الانصاف 1: 350، الكافي لابن قدامة 1: 92، المجموع 2: 366، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 428، نيل الاوطار 1: 349، فتح الباري 1: 321، عمدة القارئ 3: 267، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 335، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30.
(7) المجموع 2: 363 365، المغني 1: 384، نيل الاوطار 1: 349، المحلى 2: 183، عمدة القارئ 3: 267، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 335. >

[ 359 ]

ومالك (1)، والشافعي (2)، وأبي يوسف (3). لنا: قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) (4) وهو اسم لمكان الحيض كالمقيل والمبيت، فالتخصيص بالموضع والمعين يدل على إباحة ما سواه. أو نقول: الأصل الاباحة، والتحريم إنما يتناول القبل فيبقى الباقي على الأصل. لا يقال: المحيض هو الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضا ومحيضا، ويدل عليه أول الآية وهو قوله: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى) (5) والأذى هو الحيض،

< (8) نقله عنه في المعتبر 1: 224.
(9) أحكام القرآن للجصاص 1: 21، تفسير القرطبي 3: 87. بداية المجتهد 1: 56، عمدة القارئ 3: 266، شرح فتح القدير 1: 147، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 335، نيل الاوطار 1: 349، المغني 1: 384، المحلى 2: 176، المجموع 2: 365، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 428، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30. (1) المدونة الكبرى 1: 52، بداية المجتهد 1: 56، تفسير القرطبي 3: 87، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 81، أحكام القرآن للجصاص 2: 21، المغني 1: 384، ميزان الكبرى 1: 129، عمدة القارئ 3: 266، شرح فتح القدير 1: 147، المحلى 2: 176، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 335، المجموع 2: 365، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، نيل الاوطار 1: 349، مقدمات ابن رشد 1: 87.
(2) الأم 1: 59، المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 362، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 335، فتح الوهاب 1: 26، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، ميزان الكبرى 1: 129، مغني المحتاج 1: 110، السراج الوهاج: 31، المغني 1: 384، تفسير القرطبي 3: 87، بداية المجتهد 1: 56، أحكام القرآن للجصاص 2: 21، عمدة القارئ 3: 266، شرح فتح القدير 1: 147، المحلى 2: 176، نيل الاوطار 1: 349.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 21، شرح فتح القدير 1: 147، عمدة القارئ 3: 266، تفسير القرطبي 3: 87.
(4) البقرة: 222.
(5) البقرة: 222.

[ 360 ]

لا موضعه، وقال الله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض) (1) وإنما يريد به الدم لأنا نقول: استعمال المحيض في الحيض لا ينافي في مطلوبنا، إذ الحيض ها هنا غير مراد لوجوه: أحدها: إن ما ذكرناه قياس اللفظ، فيحمل عليه. الثاني: لو نزل على الحيض لوجب الاضمار، إذ يستحيل حمل اللفظ على حقيقته، سلمنا، لكن إضمار الموضع أولى من إضمار الزمن، لأنه يلزم من الثاني الأمر باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، وقد انعقد الاجماع على خلافه. الثالث: إن ما ذكرناه أولى، لأن سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى قصد مخالفة اليهود حيث كانوا يعزلون النساء، فلا يؤاكلوهن، ولا يشاربوهن مدة الحيض، ولا يجامعوهن في البيت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فنزلت هذه الآية، فقال صلى الله عليه وآله: (اصنعوا كل شئ غير النكاح) (2). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (اجتنب منها شعار الدم) (3). وروى مسلم، عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (اصنعوا كل شئ غير النكاح) (4).

(1) الطلاق: 4.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 21، تفسير الطبري 2: 380، تفسير القرطبي 3: 80 81، التفسير الكبير 6: 63، أحكام القرآن لابن العربي 1: 158، المغني 1: 384. صحيح مسلم 1: 246 حديث 302، سنن أبي داود 1: 67 حديث 258، سنن ابن ماجة 1: 211 حديث 644، سنن الدارمي 1: 245، سنن النسائي 1: 152 187، سنن البيهقي 1: 313، نيل الاوطار 1: 348 حديث 1، مسند أحمد 3: 132، جامع الأصول 8: 211 حديث 5379، كنز العمال 9: 408 حديث 26726. في بعضها بتفاوت يسير.
(3) المغني 1: 384.
(4) صحيح مسلم 1: 246 حديث 302.

[ 361 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم) (1). ورواه، عن عبد الملك بن عمرو (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما لصاحب المرأة الحائض منها؟ قال: (كل شئ ما عدا القبل بعينه) (3). وما رواه، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض؟ قال: (لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع) (4) ولأن المنع من الوطئ لأجل الاذى، فاختص بمحله كالدبر عندهم. احتج السيد المرتضى (5) بما رواه الشيخ، عن عبد الله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: (تتزر بإزار إلى الركبتين وتخرج سرتها، ثم له ما فوق الازار) (6). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الحائض ما يحل

(1) التهذيب 1: 154 حديث 436، الاستبصار 1: 128 حديث 437، الوسائل 2: 570 الباب 25 من أبواب الحيض، حديث 5.
(2) عبد الملك بن عمر الاحول، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) وقال: عربي، كوفي، روى عنهما، أي: عن الصادقين (ع). رجال الطوسي: 269، رجال العلامة: 115.
(3) التهذيب 1: 154 حديث 437، الاستبصار 1: 128 حديث 438 وفيه: عن عبد الكريم بن عمرو، الوسائل 2: 570 الباب 25 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 154 حديث 438، الاستبصار 1: 129 حديث 439، الوسائل 2: 571 الباب 25 من أبواب الحيض، حديث 6.
(5) نقل احتجاجه في المعتبر 1: 225. (6) التهذيب: 14 حديث 439، الاستبصار 1: 129 حديث 442، الوسائل 2: 571 الباب 26 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 362 ]

لزوجها منها؟ قال: (تتزر بإزار إلى الركبتين وتخرج ساقها وله ما فوق الازار) (1). وعن حجاج الخشاب (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض والنفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال: (تلبس درعا، ثم تضطجع معه) (3). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: (لا شئ حتى تطهر) (4) وهذا عام، إذ هو نكرة في معرض المنع (5)، خرج ما فوق السرة وتحت الركبة بالاجماع، فيبقى النهي متناولا للباقي. احتج أبو حنيفة ومن وافقه (6) بما رواه البخاري، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض (7). وعن عمر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: (فوق الازار) (8).

(1) التهذيب 1: 154 حديث 440، الاستبصار 1: 129 حديث 443، الوسائل 2: 572 الباب 26 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) حجاج بن رفاعة: أبو رفاعة، وقيل: أبو علي الخشاب، كوفي ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 144، رجال الطوسي: 179، رجال العلامة: 174.
(3) التهذيب 1: 155 حديث 441، الاستبصار 1: 129 حديث 444، الوسائل 2: 572 الباب 26 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 155 حديث 444، الاستبصار 1: 130 حديث 445، الوسائل 2: 569 الباب 24 من أبواب الحيض، حديث 12.
(5) (خ): النفي.
(6) المغني 1: 384، بداية المجتهد 1: 56.
(7) صحيح البخاري 1: 82 بتفاوت يسير.
(8) بهذا اللفظ انظر: المغني 1: 384. وبمعناه انظر: مسند أحمد 1: 14، سنن البيهقي 1: 312.

[ 363 ]

والجواب عن الرواية الأولى: أنها دالة على تحليل ما فوق الازار لا على تحريم ما عداه إلا من حيث المفهوم بدليل الخطاب، وليس حجة خصوصا مع معارضة المنطوق له، وكذا رواية أبي بصير، ورواية حجاج. على أن قوله عليه السلام: (تلبس درعا ثم تضطجع معه) ليس دالا على الوجوب بل على الاستحباب، ثم إن هذه الروايات لا تخلو من ضعف في سندها. وأيضا: فهي معارضة بما رواه الشيخ، عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: (ما بين الفخذين) (1). وما رواه في الصحيح، عن عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما للرجل من الحائض؟ قال: (مابين إليتيها، ولا يوقب) (2). وأما رواية عبد الرحمن فإنها متروكة بالاجماع، فإن خصصتموها بما تحت السرة وفوق الركبة خرج اللفظ عن حقيقته، فكان (3) مجازا، فنقول: لم لا تحمل ففي الحل على الكراهية مجازا؟! سلمنا، لكنا نقول: ثبت التخصيص فيما ذكرتم، فكذا في صورة النزاع بالقياس، والجامع ما اشتركا فيه من المصلحة الناشئة من دفع الضرر الحاصل بوجوب الاحتراز مع خلوص الداعي. والجواب عن احتجاج الشافعي (4): أنه دال على حل ما فوق الازار لا على تحريم غيره، والنبي صلى الله عليه وآله قد يترك بعض المباح تحرزا، ثم هو معارض بما رواه عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على

(1) التهذيب 1: 155 حديث 442، الاستبصار 1: 129 حديث 440، الوسائل 2: 571 الباب 25 من أبواب الحيض، حديث 7.
(2) التهذيب 1: 155 حديث 443، الاستبصار 1: 129 حديث 441، الوسائل 2: 571 الباب 25 من أبواب الحيض، حديث 8.
(3) (د) (ح) (ق) (ن) (م): وكان.
(4) راجع ص 362 عبارة: احتج أبو حنيفة ومن وافقه، والمراد بمن وافقه (هو الشافعي ومالك وغيره).

[ 364 ]

فرجها ثوابا (1). وأيضا: ما ذكرناه (2) منطوق، وهذا دليل خطاب فلا يعارضه. مسألة: ويحرم طلاقها. وهو مذهب علماء الاسلام، ويدل عليه قوله تعالى: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (3) قال ابن عباس: هو أن يطلقها طاهرا من غير جماع. وبه قال مجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك (4)، والسندي (5)، وعامة المفسرين (6). ولما طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، أمره النبي صلى الله عليه وآله برجعتها وإمساكها حتى تطهر (7). ولو طلق لم يقع عندنا خاصة، وخالف باقي الفقهاء فيه (8)، وسيأتي البحث في باب الطلاق إن شاء الله تعالى. مسألة: ويحرم عليها الاعتكاف، وهو ظاهر، لأنه عبارة عن اللبث في المسجد، وقد بينا تحريم (9) اللبث عليها (10).

(1) سنن أبي داود 1: 71 حديث 272، نيل الاوطار 1: 349 حديث 2، سنن البيهقي 1: 314، جامع الأصول 8: 215 حديث 5385.
(2) راجع ص 358.
(3) الطلاق: 1.
(4) أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، محدث البصرة، سمع من جعفر بن محمد، ويزيد بن أبي عبد الله، وجماعة من التابعين. وروى عنه أحمد والدارمي والبخاري وغيرهم. مات سنة 212 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 366، العبر 1: 285، شذرات الذهب 1: 28.
(5) أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي المفسر، وكان نظير مجاهد، وقتادة، والكلبي، والشعبي، ومقاتل ممن يفسرون القرآن الكريم. مات سنة 127 وقيل: 129 ه‍. العبر 1: 127، شذرات الذهب 1: 174، الكنى والألقاب 2: 284.
(6) تفسير الطبري 28: 128، تفسير القرطبي 18: 150، التفسير الكبير 29: 30.
(7) صحيح البخاري 6: 193 وج 7: 52، صحيح مسلم 2: 1093 حديث 1471، سنن أبي داود 2: 255 حديث 2179 و 2182، سنن الترمذي 3: 479 حديث 1176، سنن ابن ماجة 1: 652 حديث 2023، سنن النسائي 6: 138، مسند أحمد 2: 81، 130.
(8) المغني 8: 238، المبسوط للسرخسي 6: 57، تفسير القرطبي 18: 150، التفسير الكبير 29: 31، نيل الأوطار 7: 7.
(9) (خ): حرمة. >

[ 365 ]

وروى الشيخ، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام في امرأة اعتكفت، ثم أنها طمثت، قال: (ترجع ليس لها اعتكاف) (1). مسألة: ويجب عليها الغسل عند انقطاع الدم، وهو مذهب علماء الأمة كافة. ويدل عليه النص والاجماع، قال الله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (2) بالتشديد، أي: يغتسلن. وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي) (3). وعن حمنة بنت جحش (4) قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله استفتيه فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، وأنه لحدث (5) ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال: (ما هي يا هنتاه) (6) قلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ فقال: (أنعت (7) لك الكرسف) فقلت: أشد من ذلك، فقال: تلجمي، فقلت:

< (10) تقدم في ص 349. (1) التهذيب 1: 398 حديث 1339، الوسائل 2: 603 الباب 51 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) البقرة: 222.
(3) صحيح مسلم 1: 264 حديث 334، سنن أبي داود 1: 72 حديث 279، سنن النسائي 1: 119، مسند أحمد 6: 222، سنن البيهقي 1: 330.
(4) حمنة بنت جحش بن رياب، قيل: تكنى أم حبيبة، كانت من المبايعات وشهدت أحدا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى، وقيل: هي متحدة مع أم حبيبة التي مرت ترجمتها ص 296 روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنها ابنها عمران. أسد الغابة 5: 428، الاصابة 4: 275.
(5) (خ): لحديث.
(6) يا هنتاه: أي: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن. قال الجوهري: هذه اللفظة تختص بالنداء. وقيل معنى يا هنتاه: يا بلهاء. النهاية لابن الأثير 5: 279.
(7) النعت: وصف الشئ بما فيه من حسن. النهاية لابن الأثير 5: 79.

[ 366 ]

هو أشد من ذلك فذكرت الخبر إلى أن قال: (إنها ركضه من ركضات الشيطان تحيضي في علم الله ستا وسبعا، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي [ أربعا ] (1) وعشرين ليلة وأيامها أو [ ثلاثا ] (2) وعشرين وأيامها، وصومي فإنه يجزيك) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإن حاضت المرأة وكان حيضها خمسة أيام، ثم انقطع الدم، اغتسلت وصلت) (4). وما رواه، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل الحائض إذا طهرت واجب) (5). وما رواه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألت عن الحائض أعليها غسل مثل غسل الجنب؟ قال: (نعم) (6). وما رواه، عن الحسن الصيقل (7)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

(1) في النسخ: أربعة، وما أثبتناه من المصدر.
(2) في النسخ: ثلاثة، وما أثبتناه من المصدر.
(3) سنن الترمذي 1: 221 حديث 128، سنن أبي داود 1: 76 حديث 287، سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 627، كنز العمال 9: 629 حديث 27741، سنن البيهقي 1: 338، سنن الدارقطني 1: 214 في الجميع بتفاوت يسير.
(4) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 555 الباب 12 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 104 حديث 270، الاستبصار 1: 97 حديث 315، الوسائل 1: 462 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 3، وج 2: 937 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 3.
(6) التهذيب 1: 106 حديث 275 و 162 حديث 464، الاستبصار 1: 98 حديث 318، الوسائل 1: 463 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(7) الحسن بن زياد الصقيل، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر (ع) تارة بالعنوان المذكور وأخرى بزيادة قوله: أبو محمد الكوفي، وعده في باب أصحاب الصادق (ع) تارة بعنوان: الحسن بن زياد الصقيل >

[ 367 ]

(الطامث تغتسل بتسعة أرطال من ماء) (1). وما رواه، عن يونس، عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: (إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة، وإذا رأت الطهر ولو ساعة من نهار فاغتسلي وصلي) (2). وبهذا الاسناد عنه عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لحمنة بنت جحش: (تحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين يوما) (3). وأمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة (4). فروع: الأول: المراد بوجوب الغسل ها هنا وجوبه لأجل الصلاة، والطواف الواجبين، أو غيرهما من الافعال الواجبة المشروطة بالطهارة، لا إنه مستقر في ذمتها، وإن كان للنظر فيه مجال، إذ الأمر ورد مطلقا بالوجوب.

< الكوفي، وأخرى بعنوان: الحسن بن زياد الصقيل يكنى أبا الوليد، مولى كوفي واستظهر المحقق الاردبيلي إنهما إثنان مع احتمال الاتحاد. رجال الطوسي: 115، 119، 166، 183، جامع الرواة 1: 199. (1) التهذيب 1: 106 حديث 276، الاستبصار 1: 147 حديث 507، الوسائل 1: 510 الباب 31 من أبواب الجنابة، حديث 2، وج 2: 564 الباب 20 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 381 حديث 1183، الوسائل 2: 538 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 4، و 554 الباب 11 من أبواب الحيض، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 383 حديث 1183، الوسائل 2: 542 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 3، 5 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 383 حديث 183، الوسائل 2: 542 الباب 5 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 368 ]

الثاني: الغسل شرط في الصلاة. وعليه علماء الاسلام، وهل هو شرط في الطواف؟ اتفق علماؤنا عليه، خلافا لأبي حنيفة (1). لنا: إن الطواف منهي عنه لأجل الدخول في المسجد الحرام على الحائض، فكان فاسدا، وهل هو شرط في صحة الصوم بحيث لو أخلت به ليلا حتى أصبحت بطل صومها؟ فيه نظر. ويدل على الاشتراط: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن طهرت بليل من حيضتها، ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت كان عليها قضاء ذلك اليوم) (2) وفي طريقها علي بن فضال، وهو فطحي، وعلي بن أسباط وإن كان فطحيا إلا أن الأصحاب شهدوا لهما بالثقة والصدق. قال النجاشي: علي بن الحسن بن فضال، فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث والمسموع قوله فيه، سمع منه شيئا كثيرا فلم يعثر له على زلة فيه، وقل ما روى عن ضعيف، وكان فطحيا (3). وقال: علي بن أسباط ثقة وكان فطحيا جرى بينه وبين علي بن مهزيار (4) رسائل في ذلك رجعوا فيها إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام، فرجع علي بن أسباط عن ذلك القول وتركه (5).

(1) المبسوط للسرخسي 4: 38، بدائع الصنائع 2: 129، الهداية للمرغيناني 1: 165، شرح فتح القدير 2: 458 459، بداية المجتهد 1: 343، المجموع 8: 17.
(2) التهذيب 1: 393 حديث 1213، الوسائل 2: 534 الباب 1 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) رجال النجاشي: 257.
(4) أبو الحسن علي بن مهزيار الاهوازي، دورقي الأصل، كان أبوه نصرانيا فأسلم، قيل: إن عليا أسلم وهو صغير، روى عن الرضا (ع) وأبي جعفر الثاني وله اختصاص به وبأبي الحسن الثالث، وتوكل لهم في بعض النواحي وخرجت إلى الشيعة فيه توقيعات بكل خير، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا والجواد والهادي (ع). رجال النجاشي: 253، رجال الطوسي: 381، 403، 417، رجال العلامة: 92.
(5) رجال النجاشي: 252.

[ 369 ]

الثالث: يجب في الغسل الترتيب. وهو مذهب علمائنا أجمع، ويدل عليه: ما رواه الشيخ، عن عبيد الله بن علي الحلبي (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (غسل الجنابة والحيض واحد) (2). وروي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3). وبمثله روي في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام (4). ولا يتحقق الوحدة إلا مع اعتبار الشرائط الموجودة هناك. وأيضا: إن صدق بعض غسل الحيض يجب فيه الترتيب المخصوص به، صدق كل غسل حيض فيه الترتيب المذكور، والتالي كالمقدم حق. بيان الملازمة: عدم القائل بالفصل، وبيان صدق المقدم: أنه لو لم يصدق الحكم الجزئي صدق نقيضه، وينعكس، لا شئ. مما يجب فيه الترتيب المخصوص بغسل الحيض بغسل حيض، وذلك باطل قطعا. الرابع: يجب فيه النية، لما ذكرناه في الترتيب، وللأدلة العامة المذكورة في الجنابة (5). واعلم أن جميع الأحكام المذكورة في غسل الجنابة آتية ها هنا، لتحقق الوحدة إلا

(1) عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، كوفي يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فغلب عليهم النسبة إلى حلب، وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور من أصحابنا، وروى جدهم أبو شعبة، عن الحسن، والحسين (ع)، وكانوا جميعهم ثقاة مرجوعا إلى ما يقولون، وكان عبيد الله كبيرهم ووجههم، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 230، رجال الطوسي: 229.
(2) التهذيب 1: 162 حديث 463، الوسائل 2: 566 الباب 23 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 106 حديث 275، الاستبصار 1: 98 حديث 318، الوسائل 1: 463 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 395 حديث 1223، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 9.
(5) تقدم في ص 193.

[ 370 ]

شيئا واحدا، وهو الاكتفاء به عن الوضوء، فإن فيه خلافا ذكرناه فيما سلف (1). مسألة: ويجب عليها الاستبراء عند الانقطاع إن انقطع لدون عشرة، وكيفيته أن تدخل قطنة، فإن خرجت ملوثة صبرت حتى تنقى أو تبلغ العشرة، وإن خرجت نقية اغتسلت، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتدخل قطنة، فإن خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل [ و إن لم تر شيئا فلتغتسل ] (2) وإن رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ ولتصل) (3). ومثله روي، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإن خرج دم فلم تطهر، وإن لم يخرج فقد طهرت) (4). أما إذا كان الانقطاع لعشرة فلا استبراء، لأنه إنما يراد به معرفة وجود دم الحيض من عدمه، وذلك لا يتم مع التجاوز للعشرة. مسألة: ويجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة، وهو مذهب علماء الاسلام. وقالت الخوارج: يجب عليها قضاء الصلاة (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة أنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (6).

(1) تقدم في ص 237.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 161 حديث 460، الوسائل 2: 562 الباب 17 من أبواب الحيض، حديث 1. وفي المصادر: فلتستدخل قطنة. (4) التهذيب 1: 161 حديث 462، الوسائل 2: 562 الباب 17 من أبواب الحيض، حديث 4.
(5) فتح الباري 1: 334، عمدة القارئ 3: 300، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 400، إرشاد الساري 1: 359، نيل الأوطار 1: 354.
(6) صحيح مسلم 1: 265 حديث 335، سنن أبي داود 1: 69 حديث 263، سنن الترمذي 3: 154 حديث 787، سنن النسائي 4: 191، سنن ابن ماجة 1: 207 حديث 631 و 534 حديث 1670، سنن البيهقي 1: 308.

[ 371 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام في الحائض في رمضان: (تأكل وتشرب، ثم تقضيه) (1). وما رواه، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإن رأت الدم ثلاثة أيام فهو من الحيض ولم يجب عليها قضاء الصلاة) (2). وما رواه، عن أبان، عمن أخبره، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام [ قالا ] (3): (الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة) (4). وما رواه، عن الحسين بن راشد، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: (لا) قلت: تقضي الصوم؟ قال: (نعم) قلت: من أين جاء هذا؟ قال: (إن أول من قاس إبليس) (5). وما رواه في الحسن، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قضاء الحائض الصلاة، ثم تقضي الصيام؟ فقال: (ليس عليها أن تقضي الصلاة، وعليها أن تقضي صوم شهر رمضان ثم أقبل علي فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بذلك فاطمة عليها السلام، وكان يأمر بذلك المؤمنات) (6). أصل: ما يجوز تركه لا يكون فعله واجبا، لأن حد الواجب هو الذي يذم تاركه، والجائز هو الذي لا ضرر في تركه، وبينهما منافاة.

(1) التهذيب 1: 153 حديث 434، الوسائل 2: 602 الباب 50 من أبواب الحيض، حديث 6.
(2) التهذيب 1: 157 حديث 452، الوسائل 2: 555 الباب 12 من أبواب الحيض، حديث 2 بتفاوت يسير.
(3) في النسخ: قال، وما أثبتناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 160 حديث 457، الوسائل 2: 589 الباب 41 من أبواب الحيض، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 160 حديث 458، الوسائل 2: 589 الباب 41 من أبواب الحيض، حديث 3. (6) التهذيب 1: 160 حديث 459، الوسائل 2: 589 الباب 41 من أبواب الحيض، حديث 2. وفيهما: وكانت تأمر بذلك المؤمنات.

[ 372 ]

فروع: الأول: صوم الحائض ليس بواجب، لأنه يجوز تركه فلا يكون واجبا، ووجوب القضاء لا يستلزم وجوب الاداء، لأنه بأمر متجدد. نعم، لا بد وأن يكون سبب الوجوب ثابتا. الثاني: لو دخل الوقت وهي طاهر ولم تصل مع الامكان فحاضت، قضت. وهو اختيار الشافعي (1)، خلافا لأبي حنيفة، فإنه قال: لو حاضت وقد بقي من الوقت شئ قليل لم تقض (2)، بناءا على إن الوجوب يتعلق بالآخر. الثالث: يشترط إدراك الفريضة والطهارة. وهو أحد قولي الشافعي، لأن الصلاة لا تصح بدونها، وفي القول الآخر: لا يشترط، لعدم اختصاص الطهارة بوقت (3). الرابع: لو مضى من الوقت أقل من أداء الفريضة ثم حاضت، لم يجب القضاء. وقال بعض الشافعية: يجب القضاء كما لو أدركت من آخر الوقت (4). لنا: ما رواه الشيخ، عن الفضل بن يونس (5)، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: (وإذا رأت المرأة الدم بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام

(1) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 67، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 88 89، المغني 1: 415، المحلى 2: 175، بداية المجتهد 1: 101.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 14 بداية المجتهد 1: 101، المحلى 2: 175. فتح العزيز بهامش المجموع 3: 90.
(3) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 65، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 87، 91.
(4) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 67، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 91.
(5) الفضل بن يونس بن موسى الكاتب البغدادي، أصله كوفي تحول إلى بغداد، من أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر (ع)، وثقه النجاشي، وصرح الشيخ بكونه واقفيا، ونقل العلامة قولهما من دون تعرض لوثاقته وضعفه. رجال النجاشي: 309، رجال الطوسي: 357، رجال العلامة: 246.

[ 373 ]

فلتمسك عن الصلاة، فإذا طهرت من الدم فلتقض الظهر، لأن وقت الظهر دخل عليها وهي طاهرة وخرج عنها وقت الظهر وهي طاهرة فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها) (1) والفضل وإن كان واقفيا إلا أن النجاشي حكم بتوثيقه. وما رواه في الحسن، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإذا طهرت في وقت فأخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى، ثم رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها) (2). وروي، عن أبي الورد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين، ثم ترى الدم؟ قال: (تقوم في مسجدها ولا تقضي الركعتين) (3) وهذا يدل على عدم القضاء مع التضيق، ولأن وجوب القضاء تابع لوجود سبب وجوب الاداء وهو منتف، فإن التكليف يستدعي وقتا، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. لا يقال: إن الحديثين الاولين دلا على وجوب القضاء مع خروج الوقت بالكلية لا مع خروج وقت إمكان الفعل، وأنتم لا تقولون به. لأنا نقول: إنهما من حيث المنطوق دلا على وجوب القضاء مع الخروج بالكلية، ومن حيث المفهوم على الوجوب مع خروج وقت الامكان، لأن الأول رتب الحكم فيه على الضياع، والثاني على التفريط وذلك متحقق في صورة النزاع. وأيضا روى الشيخ في الموثق، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه

(1) التهذيب 1: 389 حديث 1199، الاستبصار 1: 142 حديث 485، الوسائل 2: 596 الباب 48 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 391 حديث 1208، الاستبصار 1: 145 حديث 496، الوسائل 2: 597 الباب 48 من أبواب الحيض، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 392 حديث 1210، الاستبصار 1: 144 حديث 495، الوسائل 2: 597 الباب 48 من أبواب الحيض، حديث 3.

[ 374 ]

السلام، قال: في امرأة إذا دخل وقت الصلاة وهي طاهر، فأخرت الصلاة حتى حاضت؟ قال: (تقضي إذا طهرت) (1) علق الحكم على التأخير عن الوقت، وذلك يتناول الخروج بالكلية وعدمه. وما رواه، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت عن المرأة تطمث بعد ما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: (نعم) (2) والفرق بين أول الوقت وآخره ظاهر، وهو عدم التمكن من الاتيان بالفرض حال إدراك الأول ووجوده عند إدراك الثاني، ولهذا لو أدركت ركعة من آخر الوقت، ثم جنت لم يجب القضاء إجماعا. الخامس: لو عقب بالنفاس بأن شربت دواء فألقت الولد، لم يجب قضاء أيام نفاسها بخلاف السكران. مسألة: لو دخل الوقت وهي حائض فطهرت، وجب عليها الصلاة إن بقي من الوقت ما يتسع للغسل وأداء، ركعة فلو بقي للغروب مقدار ما توقع الغسل وتصلي ثمان ركعات، وجبت عليها الصلاتان. وكذا لو بقي مقدار ما تصلي فيه خمس ركعات، وأما لو بقي مقدار ما تصلي فيه أربع ركعات لا غير وجب عليها العصر خاصة. وكذا البحث لو تخلف من النصف الأول من الليل مقدار خمس ركعات وجبت الصلاتان. ولو تخلف إلى الغروب ما لا يسع الغسل وأداء ركعة سقط عنها الفرضان. ولو أهملت في الصور التي أوجبنا فيها الصلاة، وجب عليها القضاء، ولا قضاء إلا مع اتساع الزمان، فلا

(1) التهذيب 1: 392 حديث 1211، الاستبصار 1: 144 حديث 493، الوسائل 2: 597 الباب 48 أبواب الحيض، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 394 حديث 1221، الاستبصار 1: 144 حديث 494، الوسائل 2: 597 الباب 48 من أبواب الحيض، حديث 5.

[ 375 ]

يجب في غيره. وقال الشافعي (1)، ومالك (2)، وأحمد: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الفريضتان، ولو طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء (3). لنا: إن التكليف يستدعي وقتا يقع فيه الفعل لا يقصر عنه، فمع (4) القصور يسقط التكليف وإلا لزم التكليف بالمحال، وإذا سقط الاداء سقط القضاء، لأنه تابع. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبيد بن زرارة (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أيما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة أخرى، كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، فإن رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك، فجاز وقت صلاة ودخل وقت صلاة أخرى، فليس عليها قضاء وتصلي الصلاة التي دخل وقتها) (6). وروي في الحسن، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا رأت المرأة الطهر وهي في وقت صلاة، ثم أخرت الغسل حتى يدخل وقت صلاة أخرى كان عليها قضاء تلك التي فرطت فيها) (7) والتفريط إنما يقع مع إمكان الفعل في وقته.

(1) المهذب للشيرازي 1: 53 54، المجموع 3: 65 66، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 91 92، المغني 1: 441، بداية المجتهد 1: 100.
(2) المغني 1: 441.
(3) المغني 1: 441، الانصاف 1: 442، الكافي لابن قدامة 1: 119.
(4) (م): وفي.
(5) عبيد بن زرارة بن أعين الشيباني، مولى كوفي، ثقة ثقة عين، لا لبس فيه ولا شك، من أصحاب الامام الصادق (ع). رجال النجاشي: 233، رجال الطوسي: 240، رجال العلامة: 127.
(6) التهذيب 1: 392 حديث 1209، الوسائل 2: 598 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 1. (7) التهذيب 1: 391 حديث 1208، الوسائل 2: 599 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 4.

[ 376 ]

وروي في الموثق، عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة تقوم في وقت الصلاة فلا تقضي ظهرها حتى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت، أتقضي الصلاة التي فاتتها؟ قال: (إن كانت توانت قضتها، وإن كانت دائبة في غسلها فلا تقضي) (1) وفي طريقها علي بن فضال وقد شهد له بالثقة مع كونه فطحيا. لا يقال: يعارض هذا: ما رواه أبو همام (2)، عن أبي الحسن عليه السلام: في الحائض إذا اغتسلت في وقت العصر، تصلي العصر ثم تصلي الظهر (3). وما رواه، عن الفضل بن يونس، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصلي إلا العصر، لأن وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلي الظهر، وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر) (4). وما رواه، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر) (5).

(1) التهذيب 1: 391 حديث 1207، الوسائل 2: 599 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 8.
(2) إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري مولى كندة، أبو همام ثقة هو وأبوه وجده، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال النجاشي: 30، رجال الطوسي: 368، رجال العلامة: 10.
(3) التهذيب 1: 398 حديث 1241، الاستبصار 1: 143 حديث 488، الوسائل 2: 601 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 14.
(4) التهذيب 1: 389 حديث 1199، الاستبصار 1: 142 حديث 485، الوسائل 2: 598 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 390 حديث 1203، الاستبصار 1: 143 حديث 489، الوسائل 2: 599 الباب 49 من أبواب الصلاة، حديث 7.

[ 377 ]

وما رواه، عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر، وإن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء) (1). وما رواه، عن داود الدجاجي (2)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا كانت المرأة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإن طهرت في الليل صلت المغرب والعشاء الآخرة) (3). وما رواه، عن عمر بن حنظلة، عن الشيخ عليه السلام قال: (إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر) (4). لأنا نجيب عن الرواية الأولى باحتمال أن تكون قد فرطت في وقت الظهر، لأن قوله عليه السلام: (إذا اغتسلت في وقت العصر) يشعر بأن الطهر حصل في وقت الظهر، ويحتمل أن يكون الأمر للاستحباب. وعن الثانية: أنها مبنية على أن وقت الظهر أربعة أقدام، ثم تصير قضاء،

(1) التهذيب 1: 390 حديث 1204، الاستبصار 1: 143 حديث 490، الوسائل 2: 600 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 10.
(2) داود الدجاجي الكوفي، عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الباقر (ع)، وبعنوان: داود بن أبي داود الدجاجي الكوفي من أصحاب الصادق (ع) واستظهر العلامة المامقاني اتحادهما. والرواية في التهذيب والاستبصار عن داود الزجاجي، وأشار في الهامش إلى أن في بعض نسخ الاستبصار: الدجاجي. رجال الطوسي: 120، 191، تنقيح المقال 1: 408.
(3) التهذيب 1: 390 حديث 1205، الاستبصار 1: 143 حديث 491، الوسائل 2: 600 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 12.
(4) التهذيب 1: 391 حديث 1206، الاستبصار 1: 144 حديث 492، الوسائل 2: 600 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 12.

[ 378 ]

وسيأتي البحث فيه (1)، على أن راويها الفضل، وهو ضعيف. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: والذي أعول عليه أن المرأة إذا طهرت بعد الزوال إلى أن يمضي أربعة أقدام يجب عليها قضاء الصلاتين، ولو طهرت بعد مضي أربعة أقدام وجب عليها قضاء العصر لا غير، ويستحب لها قضاء الظهر إذا كان طهرها إلى مغيب الشمس (2). أقول: وسيأتي تحقيق هذا في باب المواقيت إن شاء الله تعالى. وعن الثالثة: إنه لا منافاة فيها لما ذكرناه، لأنها إذا طهرت قبل نصف الليل أو قبل الغروب بمقدار ما تسع الصلاتين والغسل، يصدق إنها قد طهرت قبل الفجر والغروب، فيحمل عليه جمعا بين الأدلة، على إن في طريقها ابن فضال، وهو فطحي. وعن الرابعة: بما ذكرناه ها هنا، وقوله عليه السلام: (وإن طهرت من آخر الليل) يحمل على النصف مجازا لما ذكرناه، أو يحمل الأمر على الاستحباب، وفي طريقها ضعف أيضا. وكذا الجواب عن الروايتين الاخيرتين. احتج الشافعي (3) بما رواه الأثرم (4)، وابن المنذر بإسنادهما، عن عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف، أنهما قالا في الحائض: تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب والعشاء إذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا (5).

(1) (ح) (ق): عنه.
(2) التهذيب 1: 391، الاستبصار 1: 144. (3) المغني 1: 442، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 482، المجموع 3: 66، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 73.
(4) أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الاسكافي الطائي صاحب أحمد بن حنبل، وأحد الأئمة المشاهير، سمع أبا نعيم وعفان وغيرهما. له كتاب نفيس في السنن. مات سنة 261 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 570، العبر 1: 374، شذرات الذهب 2: 141.
(5) سنن البيهقي 1: 387.

[ 379 ]

والجواب: أنه يحتمل أنهما قالاه عن اجتهاد لا نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فلا اعتداد به، ويحتمل أنهما قالاه على جهة الاستحباب. وأيضا: فهو معارض بما ذكرناه من الأدلة، وبما رواه الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر؟ قال: (تصلي العصر وحدها، فإن ضيعت (1) فعليها صلاتان) (2). وروى الشيخ، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا طهرت الحائض قبل العصر صلت الظهر والعصر، فإن طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر) (3). فروع: الأول: إذا طهرت قبل غروب الشمس بمقدار خمس، فقد بينا أنه يجب الفرضان، وهل الأربع للظهر أو العصر؟ فيه احتمال، وتظهر الفائدة لو أدركت قبل الانتصاف مقدار أربع ركعات، فإن قلنا: الأربعة للظهر، وجب هنا الفرضان، وإن قلنا: للعصر، وجبت العشاء خاصة، والروايات تدل على الثاني، وسيأتي. الثاني: لا تجب الصلاة إلا بإدراك الطهارة وركعة. وهو أحد قولي الشافعي (4)،

(1) (ق) (ن) (ح): ضيقت.
(2) التهذيب 1: 389 حديث 1200، الاستبصار 1: 142 حديث 486، الوسائل 2: 599 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 5.
(3) التهذيب 1: 390 حديث 1201، الاستبصار 1: 142 حديث 487، الوسائل 2: 599 الباب 49 من أبواب الحيض، حديث 6.
(4) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 65 66، مغني المحتاج 1: 131، السراج الوهاج 36، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 79.

[ 380 ]

لأن الصلاة لا تصح بدونها، وفي الآخر: لا تشترط الطهارة، لعدم اختصاصها بوقت (1). الثالث: لو أدركت الطهارة وأقل من ركعة، لم تجب الصلاة عندنا بل تستحب. وهو أحد قولي الشافعية (2)، وفي الآخر: تجب (3). وحينئذ هل تجب ما قبلها؟ قالوا: إن كانت لا تجمع إليها كالعشاء والصبح، أو الصبح والظهر لم تجب، وإن كانت تجمع معها كالظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء فوجهان. الرابع: إذا قلنا: إن الوقت مشترك بين الصلاتين في الزوال إلى الغروب ومن المغرب إلى نصف الليل حتى تطهر قبل الغروب بمقدار أربع ركعات وجب عليها العصر وقضاء الظهر، وكذا في المغرب والعشاء، وهو قول الشافعي (4). ولو قلنا: أن الوقت يختص بكل فريضة فأول الوقت يختص بالظهر، وآخره بالعصر حتى تطهر قبل الغروب بأربع وجب عليها العصر لا غير. وهو اختيار أبي حنيفة (5)، وهو الحق عندي، لما يأتي في باب الاوقات. مسألة: لو سمعت سجدة التلاوة، قال في النهاية: لا يجوز لها أن تسجد (6). وهو اختيار الشافعي (7)، وأبي (8) حنيفة، وأحمد (9). وقال عثمان، وسعيد بن المسيب في

(1) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 65، مغني المحتاج 1: 132، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 79، السراج الوهاج: 37، المغني 1: 442.
(2) المهذب للشيرازي 1: 53، المجموع 3: 65، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 70.
(3) المهذب للشيرازي 1: 53، المجموع 3: 65، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 68 80، مغني المحتاج 1: 131 132، السراج الوهاج: 36.
(4) المهذب للشيرازي 1: 54، المجموع 3: 66، فتح العزيز بهامش المجموع 3: 81.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 143، بداية المجتهد 1: 98، المجموع 1: 65 66، عمدة القارئ 5: 49.
(6) النهاية: 25.
(7) المهذب للشيرازي 1: 86، المجموع 2: 353 وج 4: 63، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 417، ج 4، 192، مغني المحتاج 1: 217، السراج الوهاج 62: ميزان الكبرى 1: 166، رحمة الأمة بهامش >

[ 381 ]

الحائض تسمع السجدة، قال: تومئ برأسها وتقول: اللهم لك سجدت (1) (2). وقيل: لا تمنع من السجود، وهو الأقرب. لنا: إن الأمر بالسجود ورد مطلقا، فساغ مع عدم الطهارة. احتجوا (3) بقوله عليه السلام: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) (4) والسجود جزء الصلاة، فيدخل فيها ضمنا، ولأنه سجود وقع على وجه الطاعة، فيشترط فيه الطهارة كسجود الصلاة والسهو. والجواب: عن الأول: أن السجود الذي هو جزء الصلاة ليس مطلق السجود، بل سجود خاص، وليس سجود التلاوة جزءا، كما أن سجود الشكر ليس جزء، ولا يشترط فيه الطهارة. وعن الثاني: بالفرق، فإن سجود السهو معرض لأن يكون جزءا من الصلاة، فاشترط فيه الطهارة، بخلاف سجدة التلاوة، على أنا نمنع كون سجود السهو مفتقرا إلى الطهارة، ثم يعارض هذا: ما رواه محمد بن يعقوب في الصحيح، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الطامث تسمع

< ميزان الكبرى 1: 62.
(8) المبسوط للسرخسي 2: 5، بدائع الصنائع 1: 186، الهداية للمرغيناني 1: 79، شرح فتح القدير 1: 468، ميزان الكبرى 1: 166.
(9) المغني 1: 685، الانصاف 2: 193، الكافي لابن قدامة 1: 205، منار السبيل 1: 114. (1 2) عمدة القارئ 7: 95، المغني 1: 685، ميزان الكبرى 1: 164، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 61.
(3) المغني 1: 685.
(4) صحيح مسلم 1: 204 حديث 224، سنن أبي داود 1: 16 حديث 59، سنن الترمذي 1: 5 حديث 1، سنن النسائي 1: 87 وج 5: 56، سنن ابن ماجة 1: 100 حديث 271 274، سنن الدارمي 1: 175، مسند أحمد 2: 20، 39، 51، 57، 73، وج 5: 74 و 75.

[ 382 ]

السجدة؟ فقال: (إذا كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها) (1). ورواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام (2). وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا قرئ شئ من العزائم الأربع وسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا وإن كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار، إن شئت سجدت وإن شئت لم تسجد) (3) هذا إذا سمعت. أما إذا سمعت هي أو الجنب، قال الشيخ: يمنعان من السجود (4)، لرواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحائض [ هل ] (5) تقرأ القرآن وتسجد السجدة إذا سمعت السجدة؟ قال: (تقرأ ولا تسجد) (6). وقال في المبسوط: يجوز (7). لرواية علي بن حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا قرئ شئ من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد، وإن كنت على غير وضوء، وإن كنت جنبا، وإن كانت المرأة لا تصلي، وسائر القرآن أنت فيه بالخيار إن شئت سجدت وإن شئت لم تسجد) (8).

(1) الكافي 3: 106 حديث 3، الوسائل 2: 584 الباب 36 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 129 حديث 353، الاستبصار 1: 115 حديث 385، الوسائل 2: 584 الباب 36 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) الكافي 3: 318 حديث 2، التهذيب 2: 291 حديث 1171، الوسائل 2: 584 الباب 36 من أبواب الحيض، حديث 2.
(4) النهاية: 25. (5) أثبتناه من المصدر.
(6) التهذيب 2: 292 حديث 1172، الاستبصار 1: 320 حديث 1193، الوسائل 2: 584 الباب 36 من أبواب الحيض، حديث 4. وفي الاخيرين: (لا تقرأ، ولا تسجد).
(7) المبسوط 1: 114.
(8) الكافي 3: 318 حديث 2، التهذيب 2: 291 حديث 1171، الوسائل 2: 584 الباب 36 من أبواب >

[ 383 ]

مسألة: ويستحب لها الوضوء عند كل صلاة، وذكر الله تعالى في مصلاها بقدر زمان الصلاة، كذا قال الشيخ (1). وقال المفيد: تجلس ناحية من مصلاها (2). وأطلق باقي الأصحاب (3)، وهو الاقوى، لما رواه الشيخ في الحسن، عن زيد الشحام، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة، ثم تستقبل القبلة فتذكر الله عزوجل مقدار ما كانت تصلي) (4). وما رواه في الحسن، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة، ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها) (5) ولأن فيه نوع تشبيه بالطاعة، فكان مطلوبا، ولأن فيه تمرينا على الطاعات، إذا الترك في أكثر الاوقات قد يشق معه الفعل عند الوجوب، فيكون سببا للاهمال. فروع: الأول: لا تنوي بهذا الوضوء رفع الحدث، ولا استباحة الصلاة، لوجود الحدث، وحصول التحريم للصلاة، بل تنوي وضوءا متقربا به إلى الله تعالى.

< الحيض، حديث 2. (1) النهاية: 25، الخلاف 1: 72 مسألة 5.
(2) المقنعة: 7.
(3) منهم ابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 665، وابن البراج في المهذب 1: 36، وسلار في المراسم: 43، وابن إدريس في السرائر: 28، المحقق الحلي في المختصر النافع: 10، والشرائع 1: 31.
(4) التهذيب 1: 159 حديث 455، الوسائل 2: 587 الباب 40 من أبواب الحيض، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 159 حديث 456، الوسائل 2: 587 الباب 40 من أبواب الحيض، حديث 2.

[ 384 ]

الثاني: لو توضأت بنية التقرب في وقت يتوهم أنه حيض فبان طهرا، لم يجز لها الدخول به في الصلاة، لأنها لم تنو طهارة، فلم تقع. والفرق بينها وبين المجدد حيث قلنا أنه يسوغ له الدخول به في الصلاة وإن بان محدثا، لأنه ثم ينوي الفضيلة التي لا تحصل إلا مع الطهارة، أما ها هنا فلما لم تتوقف الفضيلة على الطهارة، لم تكن الطهارة حاصلة. الثالث: لو نوت بوضوئها رفع الحدث في وقت يتوهم فيه إنها حائض فبانت طاهرا، فالوجه إنها لا تدخل به في الصلاة، لأنها أقدمت على القبيح، فلا يقع على وجه التقرب. الرابع: لو اغتسلت عوض الوضوء لم تدرك به فضيلة الوضوء، إذ النص تناول الوضوء. الخامس: لو فقدت الماء هل تتيمم أم لا؟ الوجه: لا، لأنها طهارة اضطرارية ولا ضرورة هنا، ولعدم تناول النص له. مسألة: ويكره لها الخضاب. وهو مذهب علمائنا أجمع، لما رواه الشيخ، عن عامر بن جذاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تختضب الحائض ولا الجنب) (1) وهذا النهي ليس للتحريم، لما رواه ابن يعقوب، عن سهل بن اليسع (2)، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (لا بأس بأن تختضب المرأة وهي حائض) (3).

(1) التهذيب 1: 182 حديث 521، الاستبصار 1: 116 حديث 388، الوسائل 1: 498 الباب 22 من أبواب الجنابة، حديث 9، وج 2: 593 الباب 42 من أبواب الحيض، حديث 7.
(2) سهل بن اليسع بن عبد الله بن سعد الأشعري، قمي ثقة، روى عن موسى، والرضا (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال النجاشي: 186، رجال الطوسي: 377.
(3) الكافي 3: 109 حديث 1، الوسائل 2: 592 الباب 42 من أبواب الحيض، حديث 1. بتفاوت في اللفظ.

[ 385 ]

وعن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: تختضب المرأة وهي طامث؟ فقال: (نعم) (1) فظهر إن الرواية الأولى تدل على الكراهية، وهاتان على الاباحة. ويكره لها حمل المصحف، ولمس هامشه، وقال المرتضى: يحرم (2). وقد تقدم البحث فيه في باب الجنابة (3) ويكره الاستمتاع منها بما فوق الركبة وتحت السرة إلا موضع الدم، فإنه محرم (4). مسألة: لا خلاف في تحريم وطئ الحائض قبلا، وقد (5) تقدم. واتفقوا على تعلق الكفارة بالوطئ مع العلم بالحيض والتحريم، ووقع الخلاف في وجوبها، قال الشيخ في الجمل والمبسوط: تجب (6)، وهو قول المفيد (7)، والسيد المرتضى (8)، وابني بابويه (9)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (10)، وأحد قولي الشافعي (11). وقال الشيخ

(1) الكافي 3: 109 حديث 2، الوسائل 2: 592 الباب 42 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) نقل عنه في المعتبر 1: 234.
(3) تقدم في ص 221.
(4) (ق) (خ): يحرم.
(5) تقدم في ص 358.
(6) الجمل والعقود: 44، المبسوط 1: 41.
(7) المقنعة: 7.
(8) الانتصار: 33. (9) انظر قول علي بن بابويه في المعتبر 1: 229، وقول محمد بن علي بن بابويه في الفقيه 1: 53، المقنع: 16.
(10) المغني 1: 384، الانصاف 1: 351، الكافي لابن قدامة 1: 93، سنن الترمذي 1: 246، تفسير القرطبي 3: 87، منار السبيل 1: 57، نيل الأوطار 1: 351، بداية المجتهد 1: 59، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، المجموع 2: 361، ميزان الكبرى 1: 129، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 424، المحلى 2: 187، عمدة القارئ 3: 266.
(11) المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 359، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 422. >

[ 386 ]

في الخلاف: إن كان جاهلا بالحيض أو التحريم، لم يجب عليه ويجب على العالم بهما (1). وقال في النهاية بالاستحباب (2). وهو قول مالك (3)، وأبي حنيفة (4)، وأكثر أهل العلم (5)، وهو الحق عندي. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (من أتى حائضا فقد كفر بما انزل (6) على محمد صلى الله عليه وآله) (7) ولم يذكر كفارة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع امرأته وهي طامث؟ قال: (لا يلتمس فعل ذلك، قد نهى الله أن يقربها) قلت: فإن فعل أعليه كفارة؟ قال: (لا أعلم فيه شيئا، يستغفر الله) (8). وما رواه، عن ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقوع

< رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، ميزان الكبرى 1: 129، عمدة القارئ 3: 266، إرشاد الساري 1: 346، نيل الأوطار 1: 352، المغني 1: 385. (1) الخلاف 1: 69 مسألة 1.
(2) النهاية: 26.
(3) بداية المجتهد 1: 59، تفسير القرطبي 3: 87، المجموع 2: 360، المغني 1: 385، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، ميزان الكبرى 1: 129. وفيها: لا كفارة عليه.
(4) شرح فتح القدير 1: 147، عمدة القارئ 3: 266، المغني 1: 385، المجموع 2: 360، بداية المجتهد 1: 59، تفسير القرطبي 3: 87، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، المجموع 2: 361، ميزان الكبرى 1: 129. وفيها ما عدا شرح فتح القدير: لا كفارة عليه.
(5) المغني 1: 385، عمدة القارئ 3: 266، المجموع 2: 361. (6) (خ) (م) (ن): أنزل الله.
(7) سنن الترمذي 1: 242 حديث 135، سنن ابن ماجة 1: 209 حديث 639، سنن الدارمي 1: 259، مسند أحمد 2: 408 و 476، سنن أبي داود 4: 15 حديث 3904، بتفاوت.
(8) التهذيب 1: 164 حديث 472، الاستبصار 1: 134 حديث 460، الوسائل 2: 576 الباب 29 من أبواب الحيض، حديث 1.

[ 387 ]

الرجل على امرأته وهي طامث خطأ؟ قال: (ليس عليه شئ وقد عصى ربه) (1). لا يقال: هذا لا يدل على المطلوب، إذ النفي مصروف إلى الخاطئ لا إلى العامد. لأنا نقول: لو لم يكن الواطئ ها هنا عامدا لما حكم عليه بالعصيان. وما رواه، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الحائض يأتيها زوجها؟ قال: (ليس عليه شئ يستغفر الله ولا يعود) (2) ولأنه وطئ نهي عنه لأجل الأذى، فأشبه الدبر عندهم، ولأن الأصل براءة الذمة وعصمة المال، فالقول بالايجاب هدم (3) لهما. احتج الشيخ (4) على الايجاب بما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عمن أتى امرأته وهي طامث؟ قال: (يتصدق بدينار ويستغفر الله) (5) وتأوله على أنه في أوله. وما رواه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به) (6) وتأوله على الوسط. وما رواه، عن عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن

(1) التهذيب 1: 165 حديث 473، الاستبصار 1: 134 حديث 461، الوسائل 2: 576 الباب 29 من أبواب الحيض، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 165 حديث 474، الاستبصار 1: 134 حديث 462، الوسائل 2: 576 الباب 29 من أبواب الحيض، حديث 2.
(3) (ح) (م) (ق): معدم.
(4) التهذيب 1: 163.
(5) التهذيب 1: 163 حديث 467، الاستبصار 1: 133 حديث 455، الوسائل 2: 575 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 3. (6) التهذيب 1: 163 حديث 468، الاستبصار 1: 133 حديث 456، الوسائل 2: 575 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 4.

[ 388 ]

الرجل يقع على امرأته وهي حائض ما عليه؟ قال: (يتصدق على مسكين بقدر شبعه) (1) وتأوله إذا كان يبلغ المقدر. وما رواه، عبد الملك بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رجل أتى جاريته وهي طامث؟ قال: (يستغفر ربه) (2) قال عبد الملك: فإن الناس يقولون عليه نصف دينار أو دينار؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: (فليتصدق على عشرة مساكين) (3). وروي، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام، في كفارة الطمث، (أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه بنصف دينار، وفي آخره بربع دينار) قلت: فإن لم يكن ما يكفر؟ قال: (فليتصدق على مسكين واحد وإلا استغفر الله ولا يعود، فإن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة) (4). واحتج في الخلاف على مذهبه فيه بالاجماع (5). وبمثله استدل السيد رحمه الله (6). واحتج أحمد (7) بما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال في الذي يأتي

(1) التهذيب 1: 163 حديث 469، الاستبصار 1: 133 حديث 457، الوسائل 2: 575 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 5.
(2) (7) (ح) (ق): يستغفر الله.
(3) التهذيب 1: 164 حديث 470، الاستبصار 1: 133 حديث 458، الوسائل 2: 574 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 164 حديث 471، الاستبصار 1: 134 حديث 459، الوسائل 2: 574 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 1.
(5) الخلاف 1: 69 مسألة 1.
(6) الانتصار: 34.
(7) المغني 1: 384، الكافي لابن قدامة 1: 93، منار السبيل 1: 57، تفسير القرطبي 3: 87، بداية المجتهد 1: 59، نيل الأوطار 1: 351، المجموع 2: 361، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 424، >

[ 389 ]

امرأته وهي حائض: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) (1). والجواب عن الرواية الأولى من وجهين: أحدهما: أن محمد بن مسلم يسند إلى إمام: الثاني: إنها محمولة على الاستحباب، جمعا بين الروايات. وعن الثانية بوجهين: أحدهما: الحمل على الاستحباب. والثاني: ضعف سندها، فإن في طريقها علي بن فضال (2). وعن الثالثة بالوجهين المذكورين. وأما الرابعة: فإنها تدل على الاستحباب، فإن القائل بالوجوب لم يوجب ما قدره، وفي طريقها أبان بن عثمان (3)، وفيه قول. وأما الخامسة: فإنها مرسلة ومحمولة على الاستحباب. ثم الذي يدل على الاستحباب اختلاف مقادير الكفارات، وذلك بحسب ما تراه الأئمة عليهم السلام من العقوبات، بالنظر إلى زيادة قبح الفعل ونقصانه، بصدوره عن العارف والجاهل. وأما الاجماع، فلم نحققه. وكيف يدعي فيه ذلك، وفيه ما فيه من الخلاف. وعن حجة أحمد: بضعف روايته، فإن مدارها على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (4)، وقد قيل لأحمد: في نفسك من هذا الحديث شئ؟ قال: نعم،

< المحلى 2: 187. (1) سنن ابن ماجة 1: 210 حديث 640، سنن أبي داود 1: 69 حديث 264 وج 2: 251 حديث 2168، سنن النسائي 1: 158، 188، سنن الدارمي 1: 254، 255، مسند أحمد 1: 230، 237، 286، 312، 339، سنن البيهقي 1: 317، 318، سنن الدارقطني 3: 286 277 حديث 155 156.
(2) مرت ترجمته في 152.
(3) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 60.
(4) عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب القرشي العدوي، كان عاملا لعمر بن عبد العزيز على الكوفة، روى عن القاسم ومسلم بن يسار، وروى عنه الزهري والحكم بن عتيبة وزيد بن أبي أنيسة. أسد الغابة 3: 295، الجرح والتعديل 6: 15.

[ 390 ]

لأنه من حديث فلان، وأشار به إلى عبد الحميد. وقال أيضا: لو صح ذلك الحديث، عن النبي صلى الله عليه وآله، كنا نرى عليه الكفارة (1)، وهذا يدل على ضعفه عنده، فلا احتجاج به. فروع: الأول: الكفارة في أوله دينار قيمته عشرة دراهم جيادا، وفي أوسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار. وهو مذهب أكثر علمائنا القائلين بالوجوب والاستحباب (2)، وقول ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه (3)، وقال في المقنع: يتصدق على مسكين بقدر شبعه، وجعل الذي قدرناه رواية (4). وقال بعض الحنفية: يتصدق بدينار أو نصف دينار (5). وهو إحدى الروايتين عن أحمد (6)، وانهما على التخيير. وروي عن أبي يوسف أنه قال: يتصدق بدينار في اليوم الأول، وبنصف دينار في اليوم الثاني. وعن أبي يوسف ومحمد أنهما قالا: إن كان في إقبال الدم فعليه دينار، وإن كان في إدباره فعليه نصف دينار. وهو قول النخعي (7)، وقول الشافعي (8)، وله قول

(1) المغني 1: 385، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 350 351.
(2) راجع: ص 385.
(3) الفقيه 1: 53.
(4) المقنع: 16.
(5) تفسير القرطبي 3: 87، المحلى 2: 187. (6) المغني 1: 385، الانصاف 1: 351، منار السبيل 1: 57، بداية المجتهد 1: 59، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 424، المحلى 2: 187، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30.
(7) المغني 1: 385.
(8) المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 359، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 422، مغني المحتاج 1: 110، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30.

[ 391 ]

آخر: عتق رقبة (1). وفي الرواية الأخرى عن أحمد: إن كان الدم أحمر فدينار، وإن كان أصفر فنصف دينار (2)، وهو قول إسحاق (3). وقال الشافعي: إن كان الدم عبيطا فدينار، وفي آخره نصف دينار (4). وحكي عن الحسن البصري وعطاء الخراساني (5) أنهما قالا: تجب فيه كفارة الفطرة في رمضان (6). لنا: رواية داود بن فرقد، وقد تقدمت (7)، ولا يمنع ضعف سندها العمل بها، إذ الاتفاق وقع على صحتها، فبعض استدل بها على الرجحان المانع من النقيض (8)، وبعض استدل بها على مطلق الرجحان (9). واحتج ابن بابويه برواية الحلبي، وقد تقدم بيان ضعفها، على أن القول بالاستحباب لا ينافي تلك، إذ قد يؤمر بأدون الراجحين كما يؤمر بأعلاهما. واحتج الباقون برواية ابن عباس. والجواب عنها مثل هذا الجواب.

(1) المجموع 2: 360، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 422، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30.
(2) المغني 1: 385، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 351، الانصاف 1: 351.
(3) المغني 1: 385، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 351.
(4) فتح العزيز بهامش المجموع 2: 424.
(5) عطاء بن أبي مسلم الخراساني: أبو أيوب البلخي، نزيل بيت المقدس، وهو كثير الإرسال عن الصحابة، سمع من ابن بريدة، وروى عن الزهري وسعيد بن المسيب، وروى عنه أبو حنيفة، ومالك، والثوري. مات سنة 135 ه‍. العبر 1: 140، شذرات الذهب 1: 192، طبقات الحفاظ: 67.
(6) المجموع 2: 361، المحلى 2: 187، البحر الزخار 2: 137. (7) تقدمت في ص 388. المبسوط 1: 41، الخلاف 1: 69 مسألة 1.
(9) المعتبر 1: 232.

[ 392 ]

الثاني: قال الشيخ (1) وابن بابويه: من جامع أمته وهي حائض تصدق بثلاثة أمداد من طعام (2). والأقرب الاستحباب عملا بالاصل. ورواية عبد الملك تدل على إطعام عشرة مساكين، وقد بينا ضعفها. الثالث: الأول، والأوسط، والآخر مختلف باختلاف النساء في عادتهن، فلو كانت عادتها ستة، فالأول: اليومان الأولان، والأوسط: التاليان، والآخر: الأخيران. ولو كانت أربعة، فاليوم الأول وثلث الثاني: أول، وثلثا الثاني وثلثا الثالث: أوسط، وثلث الثالث والرابع بأسره: آخر. وهكذا كل عدد ت فرضه فإنك تقسمه أثلاثا. الرابع: لو عجز عن الكفارة سقطت وجوبا واستحبابا، ولو عجز عن بعضها، قال بعض الجمهور: تسقط (3). ولو قيل بدفع ذلك البعض كان قويا. الخامس: حكم الاجنبية حكم الزوجة، لقول أبي عبد الله عليه السلام في رواية أبي بصير: (من أتى حائضا) (4) علق الحكم على المطلق من غير تقييد، فكان كالعام. السادس: لو وطئ جاهلا أو ناسيا، فالوجه عدم تعلق الكفارة به وجوبا واستحبابا، لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (5) ولأنهما إنما تجب

(1) النهاية: 571 572.
(2) الفقيه 1: 53، المقنع: 16.
(3) المغني 1: 385، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 351.
(4) التهذيب 1: 163 حديث 468، الاستبصار 1: 133 حديث 456، السائل 2: 575 الباب 28 من أبواب الحيض، حديث 4.
(5) سنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2045، سنن البيهقي 6: 84 وج 7: 357. ومن طريق الخاصة انظر: الخصال 417، حديث 9، الفقيه 1: 36 حديث 132، الوسائل 4: 1284 الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة، حديث 2، وج 5: 345 الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، حديث 2، وج 11: 295 الباب 56 من أبواب جهاد النفس، حديث 1، 3.

[ 393 ]

لمحو المأثم (1)، ولا إثم مع النسيان كاليمين. وبعض الجمهور القائل بالوجوب أوجبها (2) عملا بعموم الخبر، والأول أقوى. السابع: لو وطئ طاهرا فحاضت في أثناء وطئه، وجب عليه النزع مع العلم، فإن لم ينزع تعلقت به الكفارة على إحدى صفتي الوجوب والاستحباب، وإن لم يعلم فالحكم فيه كما في الجاهل. الثامن: لو وطئ الصبي لم يتعلق به إثم إجماعا، لأنه فرع التكليف ولا تكليف مع عدم البلوغ، وقال ابن حامد (3): تلزمه الكفارة، للعموم (4)، ولم يعلم أن العموم إنما يتناول المكلف. التاسع: لو كرر الوطئ، قال الشيخ: لا يتكرر، عملا بالاصل (5). واختاره ابن إدريس (6). والتفصيل في هذا الباب أولى، وهو أن يقال: إن كان الوطئ قد تكرر في حال واحد كالأول ولم يكفر أولا فلا تكرار، وإلا تكررت. العاشر: يجب على الواطئ التعزير، لأنه أقدم على فعل محرم، هذا إن كان عالما بالحيض والتحريم، ولو جهل أحدهما، فالوجه عدم العقوبة. الحادي عشر: لو وطئ مستحلا وجب قتله، لأنه ينكر ما علم ثبوته من الدين قطعا. الثاني عشر: يجب عليه الامتناع من الوطئ وقت الاشتباه، كما في حالة استمرار

(1) (ح) (ق): الإثم.
(2) المغني 1: 386، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 351، الانصاف 1: 352.
(3) الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، روى عن النجاد وغيره، وتفقه على أبي بكر بن عبد العزيز. العبر 2: 205، شذرات الذهب 3: 166.
(4) المغني 386، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 351، الانصاف 1: 353.
(5) المبسوط 1: 41.
(6) السرائر: 28.

[ 394 ]

الدم، لأن الاجتناب حالة الحيض واجب، والوطئ حالة الطهر مباح، فيحتاط بتغليب الحرام، لأن الباب باب الفروج. الثالث عشر: لا تجب الكفارة على المرأة ولو غرت لزوجها، لعدم الدليل، ولأن الأصل براءة الذمة وعصمة المال، ولأنا قلنا: أن الزوج لا يجب عليه الكفارة فالمرأة أولى (1). وقال أحمد: لو غرته وجب عليهما معا الكفارة، قياسا على الاحرام (2): والقياس عندنا باطل خصوصا في باب الكفارات، أما لو كانت مكرهة أو جاهلة، فلا كفارة عليها إجماعا. الرابع عشر: حكم النفساء في ذلك حكم الحائض، لتساوي أحكامها على ما يأتي. الخامس عشر: لا فرق في الاخراج بين المضروب والتبر، لتناول الاسم لهما، و يشترط أن يكون صافيا من الغش، وفي إخراج القيمة نظر، أقربه عدم الإجزاء، لأنه كفارة فاختص ببعض أنواع المال كسائر الكفارات. السادس عشر: مصرف هذه الكفارة مصرف سائر الكفارات، لأنها كفارة، ولأنها حق الله تعالى، والمساكين مصرف حقوق الله تعالى. السابع عشر: وطئ المستحاضة مباح عندنا على ما يأتي، فلا يتعلق به كفارة. والقائلون بالتحريم (3) قالوا بعدم الوجوب أيضا، لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد بإيجابها في حقها، وهي ليست في معنى الحائض، لما بينهما من الاختلاف. مسألة: ولو انقطع دمها حل وطؤها قبل الغسل. وهو قول أكثر علمائنا (4)،

(1) راجع ص 385.
(2) المغني 1: 386، الانصاف 1: 352.
(3) انظر المغني 1: 387، 388، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 401، 402، الانصاف 1: 382.
(4) منهم المفيد في المقنعة: 7، والسيد المرتضى في الانتصار: 24، الطوسي في النهاية: 26، وسلار في المراسم: 43، وابن إدريس في السرائر: 29.

[ 395 ]

خلافا لابن بابويه من أصحابنا فإنه حرمه قبل الغسل (1). وبه قال الشافعي (2)، والزهري، وربيعة (3)، ومالك (4)، والليث، والثوري (5)، وأحمد (6)، وإسحاق، وأبو ثور (7). وقال أبو حنيفة: إن انقطع الدم لاكثر الحيض حل وطؤها، وإن انقطع لدون ذلك لم يبح حتى تغتسل، أو تتيمم، أو يمضي عليها وقت الصلاة (8). لنا: قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (9) بالتخفيف، أي: حتى يخرجن من الحيض، فيجب القول بالاباحة بعد هذه الغاية. وأيضا: قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) (10) والمنع متعلق به،

(1) الفقيه 1: 53، الهداية: 22. (2) الأم 1: 59، الأم (مختصر المزني) 8: 11، المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 368، 370، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 421، مغني المحتاج 1: 110، فتح الوهاب 1: 26، السراج الوهاج: 31، ميزان الكبرى 1: 129، التفسير الكبير 6: 68، تفسير القرطبي 3: 88، بداية المجتهد 1: 57.
(3) المجموع 2: 370، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165، المحلى 2: 173.
(4) المدونة الكبرى 1: 52، مقدمات ابن رشد 1: 97، أقرب المسالك بهامش بلغة السالك 1: 81، تفسير القرطبي 3: 88، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165، بداية المجتهد 1: 57، المجموع 2: 370، التفسير الكبير 6: 68.
(5) المجموع 2: 370، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165.
(6) المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 349، المجموع 2: 370، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165، الانصاف 1: 349، 350، الكافي لابن قدامة 1: 93.
(7) المجموع 2: 370، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165.
(8) أحكام القرآن للجصاص 2: 35، المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 349، المجموع 2: 370، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 422، ميزان الكبرى 1: 129، المبسوط للسرخسي 2: 16، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 150 151، المحلى 2: 173، بداية المجتهد 1: 57 58، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165، تفسير القرطبي 3: 88، التفسير الكبير 6: 68، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30. (9 10) البقرة: 222.

[ 396 ]

فمع زواله يثبت (1) الحل، لأن الأصل الاباحة، ولأن وجوب الغسل لا يمنع الوطئ كالجنابة. وما رواه الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها؟ فقال: (إن أصاب زوجها شبق فلتغسل فرجها ثم يمسها زوجها إن شاء قبل أن تغتسل) (2). وروي، عن علي بن يقطين، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء) (3). وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة ينقطع عنها دم الحيض (4) في آخر أيامها؟ فقال: (إن أصاب زوجها شبق فلتغسل فرجها، ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل) (5). وروي، عن عبد الله بن المغيرة، عمن سمع عن العبد الصالح عليه السلام: (في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها: زوجها حتى تغتسل فإن فعل ذلك فلا بأس به، وقال: تمس الماء أحب إلي) (6). وعن علي بن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام في الحائض ترى الطهر يقع (7)

(1) (ح) (م) (ن) (د): ثبت.
(2) التهذيب 1: 166 حديث 475، الاستبصار 1: 135 حديث 463، الوسائل 2: 572 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 166 حديث 476، الوسائل 2: 573 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) (خ): الحيضة.
(5) التهذيب 1: 166 حديث 477، الاستبصار 1: 135 حديث 463، الوسائل 2: 572 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 1.
(6) التهذيب 1: 167 حديث 480، الاستبصار 1: 136 حديث 467، الوسائل 2: 573 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 4.
(7) في المصادر: أيقع.

[ 397 ]

بها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: (لا بأس، وبعد الغسل أحب إلي) (1) وهذه الاحاديث تدل على استحباب تقديم الغسل. احتج المانعون بقوله تعالى: (حتى يطهرن) (2) بالتشديد، أي: يغتسلن، ولأنها ممنوعة من الصلاة بحدث الحيض فلم يبح وطؤها كما لو انقطع لاقل الحيض. وبما رواه الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن امرأة كانت طامثا فرأت الطهر، أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: (لا، حتى تغتسل) وعن امرأة حاضت في السفر، ثم طهرت فلم تجد ماءا يوما واثنين، أيحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: (لا يصلح حتى تغتسل) (3). وروي، عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة، ثم تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل، أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: (لا، حتى تغتسل) (4). والجواب عن الأول: إنا قدمنا أن التخفيف قراءة، فصارت القراءتان كآيتين، فيجب العمل بهما، فتحمل عند الاغتسال وعند الانقطاع، أو نقول: يحمل قراءة التشديد على الاستحباب، والأولى على الجواز، صونا للقراءتين عن التنافي. لا يقال: قوله: (فإذا تطهرن فأتوهن) (5) دال على اشتراط الغسل، إذ المراد

التهذيب 1: 167 حديث 481، الاستبصار 1: 136 حديث 468، الوسائل 2: 573 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 5.
(2) البقرة: 222.
(3) التهذيب 1: 166 حديث 478، الاستبصار 1: 136 حديث 465، الوسائل 2: 573 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 6.
(4) التهذيب 1: 167 حديث 479، الاستبصار 1: 136 حديث 466، الوسائل 2: 574 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 7.
(5) البقرة: 222.

[ 398 ]

بالتطهير ها هنا الغسل. وكذا قوله: (ويحب المتطهرين) (1) أثنى عليهم فدل على أنه فعل منهم، والفعل هو الاغتسال لا الانقطاع، فشرط لاباحة الوطئ بشرطين: الانقطاع، والاغتسال، فلا يباح إلا بهما. لأنا نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله: (فإذا تطهرن) يعني به: فإذا طهرن، كما يقال: قطعت الحبل فتقطع، وكسرت الكوز فتكسر، وحاصله أن (تفعل) قد جاء بمعنى فعل كما يقال: تطعمت الطعام وطعمته، بمعنى واحد. سلمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون كلاما مستأنفا لا مدخل له في الشرط والغاية؟ سلمنا، لكن يحمل على غسل الفرج جمعا بين الأدلة. وأما قوله: (ويحب المتطهرين) (2) فلا يدل على ما ذكرتم، لاحتمال الاستيناف، أو يكون المراد منه التنزه من الذنوب، فإن الطهارة في اللغة هي النزاهة، فيحمل عليها ها هنا لمناسبة التوبة، فإنه لا استبعاد أن يكون المراد (أن الله يحب التوابين) أي: عن الاقدام على الوطئ بعد فعله، فإن التوبة إنما تكون بعد الايقاع (ويحب المتطهرين) أي المتنزهين عن إيقاع الوطئ الذي هو الذنب مطلقا. وعن الثاني: أنه غير وارد علينا، وإنما هو وارد على مذهب أبي حنيفة. وعن الثالث: أن النهي فيه يحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة، على أن الرواية في طريقها علي بن أسباط، وفيه قول، وكذا الجواب عن الرواية الثانية. فروع: الأول: لو كانت عادتها دون العشرة فانقطع عليها، جاز للزوج وطؤها. وقال أبو حنيفة: لا توطأ حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت أداء الصلاة إليها مع القدرة على

(1) البقرة: 222.
(2) البقرة: 222.

[ 399 ]

الغسل، مثل أن يكون الانقطاع في وقت صلاة، فإن وجدت في الوقت مقدار ما تغتسل فتجد من الوقت ساعة تصح فيها الصلاة فإنه يحكم بطهارتها بمضي ذلك الوقت، ويجوز وطؤها بعد مضيه، اغتسلت أولا (1). وقال زفر: لا يجوز أن يقربها حتى تغتسل، ولو بقي من الوقت مقدار الاغتسال لا غير، لم يحكم بطهارتها حتى يمضي ذلك الوقت أو تغتسل أو يمضي وقت صلاة أخرى (2). مبناه على أصل هو أن المرأة إذا كانت أيامها دون العشرة في الحيض، فإن مدة الاغتسال من الحيض، ولو كانت عشرة فمدته ليس من الحيض. ولو فقدت الماء فتيممت حكم بطهارتها، وجاز للزوج أن يقربها، وهل تنقطع الرجعة بنفس التيمم من غير صلاة به؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تنقطع (3). خلافا لمحمد (4)، فلو رأت بعد ذلك لماء حل للزوج وطؤها، ولا تقرأ القرآن، لأنها بالتيمم خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغسل، فصارت كالجنب. قال أبو حنيفة: ولو انقطع في ليل رمضان، ووجدت من الليل مقدار ما تغتسل وتجد ساعة من الليل، فإنه يجب عليها قضاء العشاء ويصح صومها في الغد، لو بقي أقل من ذلك لم يجب القضاء ولم يصح صومها، أما لو كانت عادتها عشرة ووجدت بعد الانقطاع مقدار زمان الغسل، وجب عليها قضاء صلاة العشاء وصح صوم غدها (5).

(1) المبسوط للسرخسي، 2: 16، أحكام القران للجصاص 2: 35، الهداية للمرغيناني 1: 41، شرح فتح القدير 1: 150 151، المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 349، المجموع 2: 370، المحلى 2: 173، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 30، أحكام القرآن لابن العربي 1: 165، تفسير القرطبي 3: 88، التفسير الكبير 6: 68.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 16، شرح فتح القدير 1: 152.
(3) الهداية للمرغيناني 2: 8، شرح فتح القدير 4: 21، المبسوط للسرخسي 6: 23.
(4) الهداية للمرغيناني 2: 8، شرح فتح القدير 4: 21.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 142، بدائع الصنائع 2: 89.

[ 400 ]

ونحن عندنا أن الشرط الذي ذكره ليس بصحيح، وقد تقدم بيانه. الثاني: يكره للزوج وطؤها قبل الغسل، لما بيناه من الاحاديث الدالة على المنع، ولوقوع الخلاف في الجواز وعدمه، وذلك يثمر كراهيته. الثالث: لو غلبته الشهوة أمرها بغسل فرجها استحبابا، ثم يطؤها إن شاء، لرواية محمد بن مسلم، وقد تقدمت. لا يقال: أنها تدل على الوجوب، لأنه أمره أن لا يقربها إلا بعد غسل فرجها، والامر للوجوب. لأنا نقول: هو الأمر وإن كان في الأصل للوجوب، لكن قد يترك ذلك الأصل لوجود دليل وقد وجد ها هنا، وهو رواية علي بن عبد الله بن المغيرة (1). مسألة: وعرق الحائض طاهر إذا لم يلاق النجاسة، لأنه الأصل، فلا يزول اعتقاد ثبوته إلا بدليل، ولما رواه محمد بن يعقوب في كتابه، عن سورة بن كليب (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض أتغسل ثيابها التي لبستها في طمثها؟ قال: (تغسل ما أصاب ثيابها من الدم وتدع ما سوى ذلك) قلت له: وقد عرقت فيها؟ قال: (إن العرق ليس من الحيض) (3). وما رواه، إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الحائض تصلي في ثوبها ما لم يصبه دم) (4) جعل الغاية في الاباحة إصابة الدم، والعرق ليس

(1) التهذيب 1: 167 حديث 480، الاستبصار 1: 136 حديث 467، الوسائل 2: 573 الباب 27 من أبواب الحيض، حديث 4. وفي المصادر: عبد الله بن المغيرة.
(2) سورة بفتح السين المهملة وسكون الواو وفتح الراء المهملة أبن كليب النهدي الكوفي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الصادق (ع). رجال الطوسي: 216، جامع الرواة 1: 391، تنقيح المقال 2: 72.
(3) الكافي 3: 109 حديث 1. الوسائل 2: 1040 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) الكافي 3: 109 حديث 2، الوسائل 2: 1040 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 3.

[ 401 ]

به، فساغ الصلاة فيه، فكان طاهرا. وكذا لا ينجس ما تباشره من المائع، لما رواه الشيخ، ومحمد بن يعقوب في كتابيهما في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحائض تناول الرجل الماء؟ فقال: (قد كان بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله تسكب عليه الماء وهي حائض وتناوله الخمرة) (1) ولأن الأصل عدم النجاسة. فصول في هذا الباب: فصل: ولا ينبغي أن تشرب المرأة دواء إذا احتبس دمها، لما رواه محمد بن يعقوب في الصحيح، وعن رفاعة النحاس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: اشتري الجارية فربما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح فتسقى دواءا لذلك فتطمث من يومها، أفيجوز ذلك لي وأنا لا أدري من حبل هو أو من غيره؟ فقال: (لا تفعل ذلك) فقلت له: إنما ارتفع طمثها منها شهرا، ولو كان ذلك من حبل إنما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل، فقال لي: (إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى ما شاء الله، وإن النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق فيها شئ فلا تسقها دواءا إذا ارتفع طمثها شهرا وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه) (2) وهذا النهي يدل على أن المنع إنما كانت للحبل، فعلى هذا لو كانت خالية منه لم أر به بأسا. فصل: وأغلب ما يجئ الحيض في كل شهر مرة. روى ابن يعقوب، عن أديم بن الحر، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن الله تعالى حد للنساء في كل شهر

(1) الكافي 3: 110 حديث 1، التهذيب 1: 397 حديث 1238، الوسائل 2: 595 الباب 45 من أبواب الحيض، حديث 1.
(2) الكافي 3: 108 حديث 2، الوسائل 2: 582 الباب 33 من أبواب الحيض، حديث 1. في المصادر: لا أدري ذلك من حبل، فقال لي: (لا تفعل ذلك) فقلت له: إنه إنما ارتفع طمثها منها شهرا.

[ 402 ]

مرة) (1). وروي في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن قوله تعالى: (إن ارتبتم) (2). فقال: (ما جاز الشهر، فهو ريبة) (3). وروى ابن بابويه، عن الباقر عليه السلام، قال: (إن الحيض نجاسة للنساء رماهن الله تعالى بها، وقد كن في زمن نوح عليه السلام إنما تحيض المرأة في كل سنة حيضة حتى خرج نسوة من مجانهن (4) وكن سبعمائة امرأة فانطلقن فلبسن المعصفرات من الثياب وتحلين وتعطرن، ثم خرجن فتفرقن في البلاد، فجلسن مع الرجال وشهدن الاعياد معهم، وجلسن في صفوفهم، فرماهن الله تعالى بالحيض عند ذلك في كل شهر، يعني أولئك النسوة بأعيانهن، فسالت دماءهن فأخرجن من بين الرجال فكن يحضن في كل شهر حيضة فشغلهن الله تعالى بالحيض وكسر شهوتهن وكان غيرهن من النساء اللواتي لم يفعلن مثل ما فعلن يحضن في كل سنة حيضة، قال: فتزوج بنو اللواتي (5) يحضن في كل شهر حيضة بنات اللواتي (6) يحضن في كل سنة حيضة، فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء وهؤلاء في كل شهر حيضة) (7). ويجوز أن يقع في الندرة خلاف ذلك، روى ابن بابويه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (فاطمة عليها السلام ليست كإحداكن، أنها لا ترى دما في حيض ولا نفاس).

(1) الكافي 3: 75 حديث 1، الوسائل 550 الباب 9 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) الطلاق: 4.
(3) الكافي 3: 75 حديث 2، الوسائل 2: 549 الباب 9 من أبواب الحيض، حديث 1.
(4) (خ): محالهن، (ح): محاريبهن.
(5) (م) (ن) (ق): اللاتي.
(6) (خ) (م) (ن) (ق): اللاتي. (7) الفقيه 1: 49 حديث 193، الوسائل 2: 550 الباب 9 من أبواب الحيض، حديث 3.
(8) الفقيه 1: 50 حديث 194.

[ 403 ]

فصل: الناسية للعدد والوقت ليس لها حيض ولا طهر بيقين فتستعمل الاحتياط، وتغتسل عند كل صلاة، وتصلي إلى أن تمضي ثلاثة أيام، ثم تغتسل عند كل صلاة، لاحتمال انقطاع دم الحيض، وهكذا تفعل ما تفعله المستحاضة، وتغتسل للانقطاع إلى آخر الشهر، ويردها إلى آخر الأحوال في أمور ثمانية: الأول: منعها من الاستمتاع، فلا يحل على الزوج دائما. الثاني: لا تنقطع عدتها إلا بثلاثة أشهر. الثالث: إذا أرادت قضاء صوم يوم، صامت يومين: أول وحادي عشر، وعلى ما اخترناه تضيف إليهما الثاني والثاني عشر لاحتمال أن يكون ابتداؤه من نصف الأول إلى نصف الحادي عشر فيصح الثاني عشر، ويحتمل أن يكون انقطاعه في نصف الثاني، بأن يكون قد مزجت من الشهر الأول إلى نصف الثاني عشر، ويبتدئ الحيض الثاني من نصف الثاني عشر، فيصح الحادي عشر، ويحتمل انقطاعه في نصف اليوم الأول، ثم يبتدئ في نصف الحادي عشر فيصح الثاني، ويحتمل أن يكون الأول طهرا فيصح. الرابع: إذا طلقت واحدة افتقر إلى إيقاعها في هذه الايام الأربعة. الخامس: تصوم شهر رمضان بأجمعه وتقضي أحد عشر على ما اخترناه. ولو أرادت القضاء في أيام الدم صامت شهرين ليحصل لها في كل شهر عشرة أيام. السادس: منعها من المساجد والطواف. السابع: منعها من قرائة العزائم. الثامن: أمرها بالصلوات، والغسل عند كل صلاة. فصل: قال ابن بابويه: ولا يجوز للحائض أن تختضب، لأنه يخاف عليها [ من ] (1)

(1) أضفناه من المصدر.

[ 404 ]

الشيطان (1). أقول: وليس مراده بذلك التحريم، لما بيناه من الاحاديث الدالة على الجواز (2). وكذا قال: والحائض تغتسل بتسعة أرطال من ماء بالرطل المدني (3)، وليس المراد بذلك الأمر الوجوب، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها) (4) وهذا يشعر على أن وصول الماء إلى الجسد مع حصول مسمى الغسل مجز. ورواية الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الطامث تغتسل بتسعة أرطال من ماء) (5) (6) لا يعارض هذا، إذ الأمر هنا للاستحباب. لا يقال: وقد روى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام عن الحائض كم يكفيها من الماء؟ فقال: (فرق) (7) قال أبو عبيدة: ولا اختلاف بين الناس فيما أعلمه أن الفرق ثلاثة أصوع (8). لأنا نقول: إنه على الاستحباب، فإن أحدا لم يوجب الاغتسال بفرق. فصل: ولو شكت المرأة في حال الصلاة هل حاضت أم لا؟ (أدخلت يدها فتمس

(1) الفقيه 1: 51.
(2) راجع: ص 384.
(3) الفقيه 1: 50. وفيه: نقل عن أبيه. (4) التهذيب 1: 400 حديث 1249، الاستبصار 1: 148 حديث 508، الوسائل 2: 564 الباب 20 من أبواب الحيض، حديث 2.
(5) (ح) (ق): الماء.
(6) الكافي 3: 82 حديث 2، التهذيب 1: 106 حديث 276 و 399 حديث 1246، الاستبصار 1: 147 حديث 507، الوسائل 2: 564 الباب 20 من أبواب الحيض، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 399 حديث 1247، الاستبصار 1: 148 حديث 509، الوسائل 2: 564 الباب 20 من أبواب الحيض، حديث 3.
(8) المغني 1: 255، وفيه: قال أبو عبيد: ولا اختلاف بين الناس فيما أعلمه أن الفرق ثلاثة آصع.

[ 405 ]

الموضع فإن رأت شيئا انصرفت وإن لم تر شيئا أتمت صلاتها) (1) رواه الشيخ وابن يعقوب، وفي الطريق ضعف إلا أن فيها احتياطا فلا بأس بالعمل بمضمونها. فصل: وإذا كان على الحائض جنابة فليس عليها أن تغتسل حتى ينقطع حيضها. وبه قال أحمد وإسحاق (2)، لأن الغسل لا يفيد شيئا من الأحكام. وروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تحيض وهي جنب هل عليها غسل الجنابة؟ قال: (غسل الجنابة والحيض واحد) (3). وروي، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا حاضت المرأة وهي جنب أجزأها غسل واحد) (4). تذنيب: لو اغتسلت للجنابة في زمن حيضها لم ترتفع جنابتها ولم يصح غسلها، خلافا لاكثر الجمهور (5). لنا: أن الحدث ملازم، ولأن الحيض أكبر من الغسل، ولأنه لو توضأ ليزيل الحدث الأصغر لم يعتد به مع الجنابة، فكذا ها هنا. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض وهي في المغتسل، تغتسل أو

(1) الكافي 3: 104 حديث 1، التهذيب 1: 394 حديث 1222، الوسائل 2: 594 الباب 44 من أبواب الحيض، حديث 1 وفي الجميع: تدخل يدها.
(2) المغني 1: 242، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 239، الانصاف 1: 240.
(3) التهذيب 1: 395 حديث 1223، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 9. (4) التهذيب 1: 395 حديث 1225، الاستبصار 1: 146 حديث 502، الوسائل 1: 526 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(5) انظر المغني 1: 242 243 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240، الانصاف 1: 240، المجموع 2: 150.

[ 406 ]

لا تغتسل؟ قال: (لا تغتسل، قد جاءها ما يفسد الصلاة) (1). وروي في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل أصاب من امرأته، ثم حاضت قبل أن تغتسل؟ قال: (تجعله غسلا واحدا) (2) والامر ظاهر للوجوب. وروي في الموثق، عن الحجاج الخشاب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع امرأته فطمثت بعد ما فرغ، أتجعله غسلا واحدا [ إذا تطهرت ] (3) أو تغتسل مرتين؟ قال: (تجعله غسلا واحدا عند طهرها) (4). لا يقال: يعارض هذا: ما رواه الشيخ، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قالا في الرجل يجامع امرأته فتحيض قبل أن تغتسل من الجنابة، قال: (غسل الجنابة عليها واجب) (5). لأنا نقول: سماعة واقفي، والراوي عنه عثمان بن عيسى وهو واقفي أيضا فلا تعويل على هذه الرواية. على أنا نقول: نحن نسلم هذه الرواية، فإن الحيض لا يسقط وجوب غسل الجنابة وليس فيها دلالة على وجوب فعل غسل الجنابة حالة الحيض.

(1) التهذيب 1: 395 حديث 1124، الوسائل 2: 565 الباب 22 من أبواب الحيض، حديث 1. وفيها: قد جاءها ما يفسد الصلاة، لا تغتسل.
(2) التهذيب 1: 395 حديث 1226، الاستبصار 1: 147 حديث 503، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 5.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 395 حديث 1227، الاستبصار 1: 147 حديث 504، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 6.
(5) التهذيب 1: 395 حديث 1228، الاستبصار 1: 147 حديث 505، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 8.

[ 407 ]

احتج المخالف بأن أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل الجنب المحدث الحدث الأصغر (1). والجواب: المنع من بقاء الحدث الأصغر مع غسل الجنابة. سلمنا، لكنا نقول: إن الحدث الأصغر لا يرتفع إلا بمجموع الطهارتين، فكان كل واحد منهما كجزء طهارة، وفعل الجزء لا يمنع من فعل الجزء الآخر، بخلاف طهارتي الجنابة والحيض. على أن الشيخ يلوح من كلامه في التهذيب جواز الاغتسال (2)، لرواية عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المرأة يواقعها زوجها، ثم تحض قبل أن تغتسل، قال: (إن شاءت أن تغتسل فعلت وإن لم تفعل فليس عليها شئ، فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة) (3) وفي طريقها ابن فضال وعمار الساباطي، وكلاهما ضعيفان. فصل: قد بينا الاختلاف في الاكتفاء بغسل الحيض عن الطهارة الصغرى وعدمه (4)، فعلى القول بالعدم يجوز تقديم الوضوء وتأخيره، وأيهما قدم جاز أن ينوي به استباحة الصلاة، وهو ينوي بالمتقدم رفع الحدث أم بالمتأخر لا غير؟ فيه نظر، من حيث أن الحدث لا يرتفع إلا بهما، فكان الأول غير رافع، فلا ينوي به الرفع، وأنه مع المتأخر كالجزء فجازت نية رفع الحدث، وكان أبي رحمه الله يذهب إلى الأول، وعندي فيه توقف. فصل: ويستحب لها الغسل للاحرام، والجمعة، ودخول الحرم، وغيرها من الاغسال

(1) المغني 1: 243، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 240، الانصاف 1: 241.
(2) التهذيب 1: 396.
(3) التهذيب 1: 396 حديث 1229، الاستبصار 1: 147 حديث 506، الوسائل 1: 527 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 7.
(4) راجع ص 240.

[ 408 ]

المستحبة عملا بالعموم، وليس شئ منها رافعا للحدث، فلا يصلح الحيض للمانعية. فصل: وروى ابن بابويه، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوما أو أبرص فلا يلومن إلا نفسه) (1). وسئل الصادق عليه السلام عن المشوهين في خلقهم، فقال: (هم الذين يأتي آبائهم نسائهم في الطمث) (2). قال ابن بابويه: ولا يجوز للنساء أن ينظرن إلى أنفسهن في المحيض، لأنهن قد نهين عن ذلك (3). فصل: ولا بأس أن تغتسل المرأة وعليها الزعفران، لرواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحائض تغتسل وعلى جسدها الزعفران لم يذهب به الماء؟ قال: (لا بأس به) (4). فصل: بدن الحائض والجنب والنفساء ليس بنجس، فلو أصاب أحدهم بيده ثوبا رطبا لم ينجس، وحكى عن أبي يوسف أنه قال: بدن الحائض والجنب نجس حتى لو أدخل الجنب رجله في ماء قليل صار نجسا (5)، وليس بشئ، لقوله عليه السلام لعائشة: (ليست حيضتك في يدك) (6).

(1) الفقيه 1: 53 حديث 201، الوسائل 2: 568 الباب 24 من أبواب الحيض، حديث 4.
(2) الكافي 5: 539 حديث 5، الفقيه 1: 53 حديث 202، الوسائل 2: 568 الباب 24 من أبواب الحيض، حديث 3. في الكافي والوسائل بتفاوت. (3) الفقيه 1: 54.
(4) الكافي 3: 82 حديث 5، الفقيه 1: 55 حديث 208، التهذيب 1: 400 حديث 1248، الوسائل 1: 510 الباب 30 من أبواب الجنابة، حديث 3.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 53، المغني 1: 246.
(6) صحيح مسلم 1: 244 و 245 حديث 298 و 299، سنن النسائي 1: 146، سنن أبي داود 1: 68 حديث 261، سنن الترمذي 1: 241 حديث 134، كنز العمال 9: 408 حديث 26724، جامع الأصول 8: 218 حديث 5389. >

[ 409 ]

الفصل الثالث: في الاستحاضة وهو في الأغلب دم أصفر بارد رقيق، لما رواه الشيخ في الحسن، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ودم الاستحاضة أصفر بارد) (1). وروي في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (دم الاستحاضة بارد) (2). وروي في الصحيح، عن إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (دم الاستحاضة دم فاسد بارد) (3). وقد يتفق بهذه الصفات حيضا إذا كان في العادة، وإن يكون استحاضة وإن لم يكن بهذه الصفات إذا تجاوز العادة، أو كان بعد أكثر أيام النفاس والحيض، أو كان أقل من ثلاثة. وقد سلف بيان ذلك كله (4). مسألة: ويجب على المستحاضة أن تعتبر الدم في قلته وكثرته وتوسطه، لتغير أحكامها في الأحوال الثلاث، وذلك بأن تدخل قطنة في فرجها، فإن لطخ الدم باطنها ولم يظهر عليها، لزمها (5) إبدالها عند كل صلاة والوضوء لكل صلاة، ولا خلاف عندنا في وجوب الإبدال. وأما الوضوء، فهو قول أكثر الأصحاب (6) خلافا لابن أبي

< ومن طريق الخاصة، انظر: الفقيه 1: 40 حديث 154، الوسائل 2: 595 الباب 45 من أبواب الحيض، حديث 2. (1) التهذيب 1: 151 حديث 429، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 151 حديث 430، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 151 حديث 431، وفيه: إسحاق ابن جرير عن حريز عن أبي عبد الله (ع)، الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض، حديث 3. (4) راجع: ص 295 300.
(5) (م): لزم.
(6) منه: المفيد في المقنعة: 7، والشيخ في المبسوط 1: 67، وابن إدريس في السرائر: 30، والقاضي في >

[ 410 ]

عقيل (1)، ومالك (2)، وقال أبو حنيفة: تتوضأ لوقت كل صلاة (3). وقد تقدم البحث في (4) ذلك. ولو غمس الدم القطنة ولم يسل، لزمها مع الوضوء والابدال تغيير الخرقة والغسل لصلاة الغداة والوضوء لكل صلاة. وقال ابن أبي عقيل: يجب عليها ثلاثة أغسال (5). لنا: ما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإن لم يجز [ الدم ] (6) الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة، والوضوء لكل صلاة) (7). وروى الشيخ، عن الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإن لم ينقطع عنها الدم إلا بعد أن تمضي الايام التي كانت ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ولتحتشي ولتستثفر وتصلي الظهر والعصر، ثم لتنظر، فإن كان الدم فيما بينهما وبين المغرب لا يسيل عن خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها، فإن طرحت الكرسف عنها وسال الدم، وجب عليها الغسل) (8).

< المهذب 1: 37، والمحقق في الشرائع 1: 34. (1) المعتبر 1: 242.
(2) بداية المجتهد 1: 60، مقدمات بن رشد 1: 87، المغني 1: 389، المبسوط للسرخسي 1: 184، المجموع 2: 535.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 84، وج 2: 17، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 159، المجموع 2: 535، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 437، المغني 1: 389، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 389.
(4) راجع: ج 1: 203.
(5) المعتبر 1: 244.
(6) أضفناه من المصدر.
(7) التهذيب 1: 170 حديث 485، الوسائل 2: 606 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 6.
(8) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 140 حديث 482، الوسائل 2: 606 الباب 1 من >

[ 411 ]

وروي في الموثق، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (فإذا نفد اغتسلت وصلت) (1). وفي رواية إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المستحاضة تقعد أيام قرئها، ثم تحتاط بيوم أو يومين، فإن هي رأت طهرا اغتسلت وإن هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف، فإذا ظهر أعادت الغسل وأعادت الكرسف) (2). وروى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ قال: (تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين، فإن انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت، ثم صلت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد) قلت: والحائض (3)؟ قال: (مثل ذلك سواء، فإن انقطع الدم وإلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء سواء) (4). واعلم أن هذه الروايات كلها لا تخلو عن ضعف. أما الأولى: فراويها سماعة، والراوي عنه عثمان بن عيسى، وهما واقفيان (5). وأما الثانية: فإن الحكم فيها معلق على السيلان، ومع ذلك ففي طريقها من لا يحضرني الآن حال عدالته وجرحه.

< أبواب الاستحاضة، حديث 7. (1) التهذيب 1: 169 حديث 483، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 9.
(2) التهذيب 1: 171 حديث 488، الاستبصار 1: 149 حديث 512، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 10.
(3) (ح) (ق): والحائض.
(4) التهذيب 1: 173 حديث 496، الوسائل 2: 605 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 5.
(5) مرت ترجمتهما في الجزء الأول ص 84 39.

[ 412 ]

وأما الثالثة: فإن في طريقها ابن بكير، وفيه قول (1). ورواية إسماعيل في طريقها القاسم بن محمد، وهو واقفي (2)، وأبان بن عثمان، وهو ضعيف ذكره الكشي (3). وأما رواية زرارة فإنه لم يسندها إلى إمام، وإن كانت ثقته تدل على أنه لم يسندها إلا إلى إمام، إلا أن ذلك لا يخلو من احتمال، فإنه من الممكن أن يخبر عن غير إمام. وقد روى ابن يعقوب في كتابه في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان (4)، عن حماد بن عيسى وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المستحاضة تنظر أيامها، فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها، فإذا جازت أيامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للصبح وتحتشي وتستثفر ولا تحيي (5) وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج، ولا يأتيها بعلها أيام قرئها، وإن كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء، وهذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها) (6) وهذه رواية صحيحة وعليها أعمل. أما لو سال دمها فعليها ثلاثة أغسال: غسل للصبح، وإن كانت تصلي صلاة الليل أخرتها إلى قرب الصبح، ثم اغتسلت لها وللصبح، وغسل للظهر والعصر، وغسل

(1) مرت ترجمته في الجزء الأول ص 204.
(2) مرت ترجمته في الجزء الأول ص 83.
(3) رجال الكشي: 352. (4) الفضل بن شاذان بن الخليل: أبو محمد الازدي النيشابوري، روى عن أبي جعفر الثاني، وقيل عن الرضا أيضا عليهما السلام، وكان ثقة. أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلمين، وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن يوصف، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الهادي والعسكري (ع) وذكره في الفهرست. رجال النجاشي: 306، رجال الطوسي: 420، 434، الفهرست: 124.
(5) في (ح) وبعض نسخ المصدر: لا تحني.
(6) الكافي 3: 88 حديث 2، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 1.

[ 413 ]

للمغرب والعشاء. وهو مذهب علمائنا أجمع، خلافا لاكثر الجمهور، فإن بعضهم لم يوجب الغسل أصلا (1)، ومالك لم يجعله ناقصا (2). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر حمنة (3) وسهلة بنت سهيل (4) بالغسل (5). ومن طريق الخاصة: ما تقدم من الروايات. وما رواه الشيخ، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (وإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ، فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات وتحشي وتصلي وتغتسل للفجر وتغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء الآخرة) (6). وروي في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر، ثم تغتسل عند المغرب وتصلي المغرب والعشاء، ثم تغتسل عند الصبح وتصلي الفجر، ولا بأس أن يأتيها بعلها

(1) المجموع 2: 535، 536، المغني 1: 408، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 399، 400 البحر الزخار 2: 143.
(2) بداية المجتهد 1: 60، مقدمات ابن رشد 1: 87، المبسوط للسرخسي 1: 84، المغني 1: 389.
(3) سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 627، سنن أبي داود 1: 76 حديث 287، سنن الدارقطني 1: 214 حديث 48، سنن الترمذي 1: 221 حديث 128، مسند أحمد 6: 381، 439 سنن البيهقي 1: 338.
(4) سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية من بني عامر بن لؤي، وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة هاجرت إلى الحبشة وهي من السابقين إلى الاسلام، وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة. أسد الغابة 5: 483، الاصابة 4: 336.
(5) سنن أبي داود 1: 79 حديث 295، سنن البيهقي 1: 352 353.
(6) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 140 حديث 482، الوسائل 2: 606 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 7.

[ 414 ]

متى شاء إلا في أيام حيضها فيعتزلها زوجها) (1). وما رواه، عن يونس، عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وآله حمنة بنت جحش حين قالت: إني أثجه ثجا، فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله سبعة أيام أو ستة أيام (2)، ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين، أو أربعة وعشرين، واغتسلي للفجر غسلا، وأخري الظهر وعجلي العصر واغتسلي غسلا، وأخري المغرب، وعجلي العشاء، واغتسلي غسلا) (3). وروي في الصحيح، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (4) وقد مضى البحث مع المخالف (5). فروع: الأول: قال المفيد رحمه الله: إذا كان الدم كثيرا صلت بوضوئها وغسلها الظهر والعصر معا على الاجتماع، وتفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء، وتفعل مثل ذلك لصلاة الليل والغداة (6). وقال السيد المرتضى (7) وابنا بابويه: تكتفي بالاغسال (8) عن

(1) التهذيب 1: 171 حديث 487، الوسائل 2: 605 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 4.
(2) في المصادر: ستة أيام أو سبعة أيام.
(3) الكافي 3: 83 حديث 1، التهذيب 381 حديث 1183، الوسائل 2: 547 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 387 حديث 1192، الاستبصار 1: 141 حديث 483، الوسائل 2: 553 الباب 10 من أبواب الحيض، حديث 13.
(5) راجع: ص 295 إلى ص 300.
(6) المقنعة: 7.
(7) الناصريات (الجوامع الفقهية): 188.
(8) الفقيه 1: 50، المقنع: 15.

[ 415 ]

الوضوء. وهو الظاهر من كلام الشيخ رحمه الله (1)، والحق عندي أنها تتوضأ لكل صلاة مع هذه الأغسال. لنا: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (2) وذلك عام. لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ، عن الحسين بن نعيم الصحاف، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإن طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتوضأ ولتصل ولا غسل عليها) قال: (فإن كان الدم إذا أمسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقأ، فإن عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات وتحتشي وتصلي وتغتسل للظهر والعصر وتغتسل للمغرب والعشاء الآخرة) (3). وما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: الطامث تقعد بعدد أيامها كيف تصنع؟ قال: (تستظهر بيوم أو يومين، ثم هي مستحاضة فلتغتسل ولتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت وصلت) (4) وهذا التفصيل قاطع للشركة. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، وقد تقدمت. لأنا نقول: أن إيجاب الغسل لا يمنع إيجاب الوضوء مع كل غسل، ولا مع كل صلاة، لما تقدم من قولهم عليهم السلام (كل غسل لا بد معه من الوضوء إلا غسل الجنابة) (5) وقوله: التفصيل قاطع للشركة، مسلم، فإن ذات الدم القليل تقدم على

(1) النهاية: 28، الخلاف 1: 80 مسألة 28.
(2) المائدة: 6.
(3) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 140 حديث 482، الوسائل 2: 606 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 169 حديث 483، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 9.
(5) تقدم في ص 238 139.

[ 416 ]

الصلاة بالوضوء لا غير، وذات الكثير به وبالغسل معا، فانقطعت الشركة. لا يقال: إن رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام تنافي هذا، لأنه قال: (تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء، ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر) (1) وهذا يدل على تعقيب الفعل للغسل، فلا يجب الوضوء. لأنا نقول: أنه من حيث المفهوم دال على ما ذكرتم، وما قدمناه من احتياج كل غسل إلى وضوء منطوق، فكان العمل به أولى، على أنه يمكن حمل الصلاة على المعنى الشرعي، وجزء مفهومها حينئذ الوضوء، وفي طريق الرواية علي بن فضال، وفيه قول (2). الثاني: حكم النية هاهنا حكم نية الحيض في الوضوء والغسل معا. الثالث: إذا فعلت هذه الأغسال صارت طاهرة، لأن الاستحاضة حدث يبطل الطهارة بوجوده، فمع الاتيان بما ذكر من الوضوء حالة القلة، والاغسال حالة الكثرة يخرج عن حكم الحدث. ويجوز لها استباحة كلما يشترط فيه الطهارة كالصلاة، والطواف، ودخول المساجد وقراءة العزائم وإباحة الوطئ، ولو لم تفعل ذلك كان حدثها باقيا. وهل يصح صومها حينئذ؟ قال أصحابنا: يجب عليها القضاء. كذا قال الشيخ في المبسوط (3). الرابع: قد بينا أن المستحاضة لا تجمع بين صلاتين بوضوء واحد على الأشهر عندنا (4). وقال الشافعي: لا تجمع بين فريضتين، وتجمع بين الفريضة وما شاءت من

(1) التهذيب 1: 401 حديث 1254، الوسائل 2: 605 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 4.
(2) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 76.
(3) المبسوط 1: 68.
(4) راجع الجزء الأول ص 204.

[ 417 ]

النوافل (1). وقال أبو حنيفة (2) وأحمد: تجمع بين فريضتين في وقت واحد، وتبطل طهارتها بخروج وقت الصلاة (3). وقال ربيعة (4)، ومالك (5)، وداود: لا وضوء على المستحاضة (6). وقال الأوزاعي، والليث: تجمع بطهارتها بين الظهر والعصر (7). الخامس: انقطاع دم الاستحاضة ليس بموجب للغسل، فلو اغتسلت ذات الدم الكثير وقت الصبح وصلت به، ثم انقطع الدم وقت الظهر لم يجب الغسل واكتفت بالوضوء، ولو كان الدم الكثير سائلا ففرطت في غسل الصبح، اجتزأت بغسل واحد للظهر والعصر مع الوضوءين، ولو أرادت قضاء الصبح حينئذ كفاها الوضوء، أما لو أرادت قضاؤه قبل الظهر وجب أن تغتسل، ولا يكفيها عن غسل صلاة الظهر وإن أوقعته قبل الزوال بشئ يناسب تقديم غسل الصبح لصلاة الليل. وكذا ليس لها أن تقدم غسل الزوال عليه، ولا غسل الغروب عليه. مسألة: المستحاضة مع الافعال يجوز وطؤها. ذهب إليه علماؤنا، وبه قال أكثر الفقهاء (8). وقال أحمد: يحرم وطؤها إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في محذور (9). وهو

(1) المهذب للشيرازي 1: 46، المجموع 2: 535، المبسوط للسرخسي 1: 84، مغني المحتاج 1: 112، المحلى 1: 253.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 159، المجموع 2: 535، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 437.
(3) المغني 1: 390، الكافي لابن قدامة 1: 105، الانصاف 1: 378 و 379.
(4) المجموع 2: 535، المغني 1: 191 و 389، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 389، عمدة القارئ 3: 277.
(5) بداية المجتهد 1: 60، المدونة الكبرى 1: 11، المغني 1: 389، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 389، المجموع 2: 535، المحلى 1: 253، عمدة القارئ 3: 277.
(6) المجموع 2: 535، عمدة القارئ 3: 277. (7) البحر الزخار 2: 143، 144. فيه قول الأوزاعي فقط.
(8) المجموع 2: 372، الأم 1: 59، عمدة القارئ 3: 277، بداية المجتهد 1: 63، ميزان الكبرى 1: 130. >

[ 418 ]

اختيار ابن سيرين (1)، والشعبي (2)، والنخعي (3) والحكم (4). أما مع عدم الافعال، فالذي تعطيه عبارة أصحابنا التحريم. لنا: على الاباحة قوله تعالى: (فإذا تطهرن فآتوهن) (5) وذلك عام. وما رواه الجمهور، عن حمنة بنت جحش: إنها كانت مستحاضة وكان زوجها طلحة يجامعها (6)، وكانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها عبد الرحمن بن عوف يجامعها (7)، وقد سألتا النبي صلى الله عليه وآله (8) من أحكام المستحاضة، فلو كان حراما لبينه لهما. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه

< (9) المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 401، الانصاف 1: 382، الكافي لابن قدامة 1: 106، عمدة القارئ 3: 277، المجموع 372، ميزان الكبرى 1: 130 بداية المجتهد 1: 63. (1) المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 401، المجموع 2: 372، عمدة القارئ 3: 314.
(2) المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 401، المجموع 2: 372، سنن البيهقي 1: 329.
(3) المغني 1: 387، المجموع 2: 372، بداية المجتهد 1: 63، نيل الأوطار 1: 356، عمدة القارئ 3: 314.
(4) المغني 1: 387، المجموع 2: 372، بداية المجتهد 1: 63، نيل الأوطار 1: 356، عمدة القارئ 3: 314.
(5) البقرة: 222.
(6) سنن أبي داود 1: 83 حديث 310، سنن البيهقي 1: 329، جامع الأصول 8: 239 حديث 4521.
(7) سنن أبي داود 1: 83 حديث 309، سنن البيهقي 1: 329، جامع الأصول 8: 238 حديث 4520.
(8) سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 627، سنن أبي داود 1: 76 حديث 287، سنن الترمذي 1: 221 حديث 128، مسند أحمد 6: 381، 439، سنن البيهقي 1: 338، سنن الدارقطني 1: 214 حديث 48، صحيح البخاري 1: 89، صحيح مسلم 1: 263 حديث 334، سنن أبي داود 1: 74 حديث 285 و 77 حديث 288، 289، 290 وص 78 حديث 291، سنن ابن ماجة 1: 205 حديث 626، سنن الترمذي 1: 229 حديث 129، سنن النسائي 1: 182 186، سنن الدارمي 1: 196، مسند أحمد 6: 83، 128، 187، سنن البيهقي 1: 348، 349.

[ 419 ]

السلام، قال: (وهذه يأتيها بعلها إلا في أيام حيضها) (1) عني المستحاضة. وما رواه في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ولا بأس أن يأتيها بعلها متى شاء إلا في أيام حيضها) (2). وأما ما يدل على اشتراط الافعال، فما رواه الشيخ، في الموثق، عن فضيل، وزرارة عن أحدهما عليهما السلام في المستحاضة: (فإذا حلت لها الصلاة حل لزوجها أن يغشاها) (3) ولا ريب أن الصلاة لا تحل إلا مع الافعال، فكذا المعلق معه بحرف الشرط. وما رواه، عن مالك بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام، في المستحاضة: (ولا يغشها حتى يأمرها فتغتسل، ثم يغشاها إن أراد) (4). وما رواه، عن سماعة قال: (وإذا أراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل) (5). واحتج أحمد (6) بما روي، عن عائشة أنها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها (7). ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها، كالحائض الممنوع وطؤها بالأذى، لترتب الحكم عليه بفاء التعقيب المشعر بالعلية. والجواب عن الأول: باحتمال أن يكون ذلك باجتهاد منها لا نقلا عن الرسول صلى الله عليه وآله، فلا يكون حجة.

(1) لم نعثر على رواية لزرارة بهذا اللفظ، والموجود في المصادر عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام انظر: التهذيب 1: 106 حديث 277 و 170 حديث 484، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 171 حديث 487، الوسائل 2: 605 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 5.
(3) التهذيب 1: 401 حديث 1253، الوسائل 2: 608 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 12.
(4) التهذيب 1: 402 حديث 1257، الوسائل 2: 609 الباب 3 من أبواب الاستحاضة، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 170 حديث 485، الوسائل 2: 606 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 6.
(6) المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 401، نيل الأوطار 1: 356.
(7) سنن الدارمي 1: 208، سنن البيهقي 1: 329 بتفاوت يسير.

[ 420 ]

وأيضا: يمكن أن يكون المراد لا يغشاها زوجها في أيام أقرائها، أو مع الاشتباه فإن الصيغة ليست للعموم. وعن الثاني: إن ما ذكرتموه مفهوم، فلا يعارض المنطوق. سلمنا، لكن يمكن ترتيب الحكم على أذى الحيض، لا على كل أذى، خصوصا مع قوله: (فإذا تطهرن فآتوهن) (1) وهذا يدل بمنطوقه على تحليل الوطئ. لا يقال: يمنع اشتراط الافعال فإن الله تعالى قال: (فإذا تطهرن فأتوهن) وقال (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم) (2) وذلك يدل على عمومية التحليل، ولأن رواية ابن سنان تدل على الاباحة مطلقا، ولأن الوطئ لا يشترط فيه خلو الموطوءة من الحدث كالحائض إذا انقطع دمها والجنب، ولأن الأصل الحل، وقد سلم من المعارض، فيعمل به. وأيضا: فإن رواية زرارة غير دالة على مطلوبكم، لأن الظاهر أن المنع لما كان من الحيض، كان الحل بالخروج منه، كما يقال: لا تحل الصلاة في المغصوب، فإذا خرج حلت، أي زال منع الغصب وإن افتقر إلى الطهارة. ورواية ابن أعين يحتمل إنه أراد غسل الحيض. لأنا نقول: ما ذكرتم من الآيات لا تدل من حيث المنطوق على العموم، إذ ليست هذه الصيغ موضوعة له. ولو سلمناه لكن ما ذكرناه خاص، فيكون مقدما، وهو الجواب عن رواية ابن سنان. على أنها إنما وردت عقيب أمرها بالاغتسال والوضوء. وأما ما ذكرتموه من القياس على الحائض، فهو ينقلب عليكم، لأنا نقول: يشترط فيه انقطاع الدم كالحائض، وأما التمسك بالاصل فضعيف مع ما ذكرنا من الأدلة. وأما ما ذكره من تأويل رواية زرارة فضعيف، إذ المنطوق تعليق الحل بالحل والاحتمال الذي ذكروه في رواية ابن أعين لم يدل عليه اللفظ، فلا يكون مقبولا.

(1) البقرة: 222.
(2) المؤمنون: 5 6.

[ 421 ]

مسألة: ويجب عليها التحفظ بمنع الدم من التعدي على قدر الامكان، بأن تحتشي وتستثفر (1)، وتحتاط بحشو القطن أو ما يشبهه لرد (2) الدم، لما رواه يونس، عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر حمنة لما شكت إليه كثرة الدم (احتشي كرسفا) فقالت: إنه أشد من ذلك إني أثجه ثجا؟ فقال لها: (تلجمي) (3). وفي رواية فضيل وزرارة، عن أحدهما عليهما السلام: (وتحتشي). وفي رواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام: (واحتشت كرسفا وتنظر فإن ظهر على الكرسف زادت كرسفها) (4). في رواية ابن نعيم، عن أبي عبد الله عليه السلام (ولتحتش بالكرسف ولتستثفر) (5). وفي رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: (ويستوثق من نفسها) (6). وفي رواية معاوية بن عمار. (وتحتشي وتستثفر وتضم فخذيها في المسجد) (7).

(1) الاستثفار: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا وتوثق طرفيها في شئ تشد على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم. النهاية لابن الأثير 1: 214.
(2) (م) ليرد.
(3) الكافي 3: 83 386 حديث 1، التهذيب 1: 381 383 حديث 1183، الوسائل 2: 547 الباب 8 من أبواب الحيض، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 402 حديث 1258، الوسائل 2: 608 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 13.
(5) التهذيب 1: 168 حديث 482، الاستبصار 1: 14 حديث 482، الوسائل 2: 606 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 7.
(6) التهذيب 1: 169 حديث 483، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 9.
(7) التهذيب 1: 106 حديث 277، و 170 حديث 484، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 1.

[ 422 ]

وفي رواية صفوان، عن أبي الحسن عليه السلام: (وتستدخل قطنة) (1) والأحاديث في ذلك كثيرة (2). وروى محمد بن يعقوب في كتابه في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تستدخل قطنة وتستثفر بثوب) (3) ولأن طهارة البدن من النجاسة شرط في الإذن في الدخول في الصلاة، فيجب تحصيله بقدر الامكان. وكذا البحث في صاحب السلس والمبطون وصاحب الجرح، وقد تقدم (4)، إلا أن الاستحاضة تفارقهم بوجوب تغيير الشداد للنص، وليس ذلك بواجب في حقهم لعدم الدلالة. مسألة: قد ذكرنا أن المستحاضة إذا انقطع دمها انتقض وضوئها (5). وهو قول الشيخ في المبسوط (6)، وقد أطلق الشيخ هذا. والذي يقتضيه النظر التفصيل، فإن الانقطاع إن كان للبرء ثبت ما قاله الشيخ، أما لو انقطع، ثم عاد، فالوجه أنه لا عبرة بهذا الانقطاع، لأن اعتباره مما يشق، والعادة في المستحاضة وأصحاب الاعذار كالسلس والمبطون أن الخارج يجري تارة وتنقطع أخرى، واعتبار مقدار الانقطاع بما يمكن فعل العبادة فيه يشق جدا، وإيجاب الوضوء عند كل انقطاع غير مستقر حرج لم يثبت بدليل شرعي اعتباره، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وآله عنه المستحاضة التي استفتته، فلم يكن معتبرا.

(1) التهذيب 1: 170 حديث 486، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حديث 3.
(2) الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.
(3) الكافي 3: 89 حديث 3، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة، حدث 2. (4) تقدم في ص 137 138.
(5) راجع الجزء الأول ص 203.
(6) المبسوط 1: 68.

[ 423 ]

فروع: الأول: لو انقطع دمها في أثناء الصلاة للبرء، احتمل وجوب الاتمام والاعادة حينئذ، لأنها دخلت في الصلاة دخولا مشروعا فليس لها إبطاله، كالمتيمم يجد الماء بعد الدخول، والإبطال، لأن حدثها لم يرتفع، وإنما دخلت مع الحدث للضرورة وقد زالت، والحمل على المتيمم قياس، والأول أقوى. الثاني: لو كان دمها يجري تارة وينقطع أخرى، فإن اتسع وقت الانقطاع للطهارة والصلاة انتظرته ما لم يخرج الوقت، وإن لم يتسع جاز لها الوضوء والصلاة مع جريان الدم. ولو توضأت حال جريانه وانقطع فدخلت في الصلاة جاز. ولو استمر الانقطاع بطلت صلاتها، لظهور أن هذا الانقطاع قد أبطل طهارتها قبل الشروع في الصلاة. الثالث: لو توضأت حال الجريان، ثم صلت بعد الانقطاع، فإن علمت أنه يعاود صحت صلاتها، وإن شكت لم يصح، سواء عاد إليها الدم وهي في الصلاة أو لا، أما مع عدمه فظاهر، أما مع عوده فلأنها دخلت بطهارة مشكوك فيها فلم يصح، وإن تبينت صحتها، كما لو دخل الشاك في الطهارة في الصلاة، ثم تبين أنه متطهر فإنه يعيد. مسألة: وغسلها كغسل الحائض سواء في اعتبار النية، والترتيب، ومقارنة الوضوء، وغيره من الأحكام، لا نعرف فيه خلافا بين علمائنا. ولو كانت جنبا أو لم تغتسل للحيض كفاها غسل واحد. والبيان كما تقدم (1). مسألة: ولو اغتسلت لكل صلاة وتوضأت فهو أبلغ للتطهير (2)، وكان مستحبا وليس بواجب.

(1) تقدم في ص 405.
(2) (خ): في التطهير.

[ 424 ]

أما استحبابه، فلأنه طهر فيسن فيه التكرار، لقوله عليه السلام: (الطهر على الطهر عشر حسنات) (1). وأما عدم الوجوب، فلما روي من قولهم عليهم السلام: تغتسل لكل صلاتين (2). ولا نعرف في ذلك خلافا بين علمائنا. وذهب بعض الجمهور إلى أنه يجب عليه الغسل لكل صلاة (3)، ورووه، عن علي عليه السلام، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير (4)، وهو أحد قولي الشافعي في المتحيرة (5). ونحن نذهب إلى ما قاله الشافعي في المتحيرة، لما تقدم من الاحاديث (6). وقال بعضهم: تغتسل كل يوم غسلا (7). احتج القائلون بوجوب التكرار عند كل صلاة: بأن النبي صلى الله عليه وآله أمر أم حبيبة لما استحيضت بالغسل لكل صلاة (8). والجواب: إنه معارض بما تقدم من الاحاديث، ولأن الراوي عائشة فيحتمل أنها

(1) الكافي 3: 72 حديث 10، الوسائل 1: 264 الباب 8 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(2) الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة.
(3) المغني 1: 408، بداية المجتهد 1: 60، سنن الترمذي 1: 230.
(4) المجموع 2: 536، المغني 1: 408، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 399، سنن البيهقي 1: 356، المحلي 2: 213 214. (5) مغني المحتاج 1: 117، فتح الوهاب 1: 28، السراج الوهاج: 32، المغني 1: 408، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 399، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 495.
(6) تقدمت في ص 307.
(7) المغني 1: 408، بداية المجتهد 1: 60، المجموع 2: 536، سنن البيهقي 1: 356، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 399.
(8) صحيح البخاري 1: 89، صحيح مسلم 1: 263 حديث 334، سنن أبي داود 1: 74 حديث 285، سنن ابن ماجة 205 حديث 426، سنن النسائي 1: 183، سنن الدارمي 1: 196، 199، مسند أحمد 6: 83، 128، 187.

[ 425 ]

توهمت الأمر فيما ليس أمرا، ولو سلم عن ذلك يحمل على الاستحباب. الفصل الرابع: في النفاس وهو دم يقذفه الرحم عقيب الولادة، يقال: نفست المرأة ونفست بضم النون وفتحها وفي الحيض بالفتح لا غير. وهو مأخوذ إما من النفس وهي الدم لغة، أو من تنفس الرحم بالدم. مسألة: ولا يكون نفاس إلا مع الدم، سواء ولدته تاما أو ناقصا. وهو قول أحمد في إحدى الروايتين (1)، وأحد قولي الشافعي. وفي القول الآخر: يجب عليها الغسل (2) (3). وهو قول أحمد في إحدى الروايتين (4) وذلك على الاختلاف بين زفر وأبي يوسف في وجوب الاغتسال عليها، فأوجبه أحدهما (5) دون الآخر. لنا: إن النفاس هو الدم المخصوص ولم يوجد، ولأن الأصل براءة الذمة من وجوب الغسل، واستباحة الافعال الممنوعة منها النفساء، فالقول بوجوب الغسل إبطال للأصل من غير دليل. ولأن الوجوب حكم شرعي، ولم يرد بالغسل هاهنا النص ولا معناه، فإنه ليس بدم ولا مني، وإنما ورد الشرع بالايجاب بهذين الشيئين. احتجوا بأن الولادة مظنة النفاس الموجب، فقامت مقامه في الايجاب، كالتقاء الختانين، ولأن استبراء الرحم يحصل بها كالحيض، فيثبت فيها حكمه، ولأن الولد خلق من المني، وخروج المني يوجب الغسل.

(1) المغني 1: 394، الكافي لابن قدامة 1: 72، الانصاف 1: 241، المجموع 2: 150.
(2) المهذب للشيرازي 1: 30، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 580، المجموع، 2: 149.
(3) أي: يجب عليها الغسل ولو لم تر الدم. (4) المغني 1: 394، الانصاف 1: 241، المجموع 2: 150، الكافي لابن قدامة 1: 72 73.
(5) شرح فتح القدير 1: 165.

[ 426 ]

والجواب عن الأول: أن المظنة إنما تعتبر بالنص أو الاجماع، ولم يوجدا هاهنا. وعن الثاني: أنه قياس طردي لا معنى تحته. ثم أن النفاس والحيض اختلفا في كثير من الأحكام، فليس شبهه به في هذا الحكم أولى من مخالفته لمخالفة في سائر الأحكام، ويؤيد ما ذكرناه: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحسين بن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام عن النفساء، قال: (تدع [ الصلاة ] (1) ما دامت ترى الدم العبيط) (2) وهذا دال على المنع من الترك وقت عدم الرؤية للدم (3). وعن الثالث: أن الموجب خروج المني، لا ما يتكون منه. مسألة: ولو خرج الدم قبل الولادة لم يكن نفاسا إجماعا، كما أنه لو خرج بعد الولادة كان نفاسا إجماعا. أما ما يخرج مع الولادة فقد صرح الشيخ في الخلاف والمبسوط أنه نفاس (4). وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي (5). وقال السيد المرتضى: النفاس هو الدم الذي تراه المرأة عقيب الولادة (6). وهو اختيار بعض الشافعية (7)، ومذهب أبي حنيفة (8). واستدل الشيخ في الخلاف، بأن اللفظ يتناوله، فيحمل على عموم ما ورد في هذا

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 174 حديث 497، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 16. وفيها: عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن على بن يقطين.
(3) ليست في (م) (ن) (د).
(4) الخلاف 1: 78 مسألة 24، المبسوط 1: 68.
(5) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 518، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 579.
(6) الناصريات (الجوامع الفقهية): 191.
(7) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 518 519، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 578.
(8) بدائع الصنائع 1: 41، المبسوط للسرخسي 2: 19 وج 3: 210، الهداية للمرغيناني 1: 33، شرح فتح القدير 1: 164.

[ 427 ]

الباب. أما ما تراه مع الطلق قبل الولادة فليس بنفاس، لما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام: في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يوما أو يومين وترى الصفرة أو دما؟ قال: (تصلي ما لم تلد، فإن غلبها الوجع ففاتها صلاة لم تقدر أن تصليها فعليها قضاء تلك الصلاة) (1) ويؤيدها الأصل من شغل الذمة بالعبادة بعد التكليف. وروى الشيخ، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل، يعني إذا رأت المرأة الدم وهي حامل لا تدع الصلاة إلا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة) (2). فروع: الأول: لو وضعت شيئا تبين فيه خلق الانسان فرأت الدم فهو نفاس إجماعا، ولو كان مضغة فهو كالولد، لأنه دم جاء عقيب حمل، لأنه بدء خلق آدمي وكان نفاسا، كما لو تبين فيها خلق آدمي. وهو أحد الوجهين عند أحمد، وفي الوجه الآخر: ليس بنفاس (3). وهو اختيار الحنفية (4)، لأنه لم يتبين فيها خلق آدمي فأشبهت النطفة،

(1) التهذيب 1: 403 حديث 1261، الوسائل 2: 618 الباب 4 من أبواب النفاس، حديث 1. وفيهما: أن تصليها من الوجع.
(2) التهذيب 1: 387 حديث 1196، الاستبصار 1: 140 حديث 481، الوسائل 2: 618 الباب 4 من أبواب النفاس، حديث 2.
(3) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، الانصاف 1: 387.
(4) بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 165.

[ 428 ]

ولعل بين الامرين فرقا. أما العلقة والنطفة: فلا يتعين (1) معهما الحمل، فيكون حكم الدم الحاصل بعدها حكم الدم الحائل، أما حيض أو استحاضة. الثاني: لو خرج بعض الولد كانت نفاسا عندنا. خلافا لبعض الحنيفة (2)، والوجه فيه ما تقدم. الثالث: الدم الخارج قبل الولادة، قال الشيخ في الخلاف والمبسوط: ليس بحيض (3) مأولا على الاجماع، على أن الحامل المستبين حملها لا تحيض، ونحن لما نازعنا في ذلك، سقط هذا الكلام عندنا. وللشافعي قولان: أحدهما: أنه حيض. والثاني: إنه استحاضة، لاستحالة تعاقب النفاس والحيض من غير طهر بينهما صحيح (4). ونحن ننازع في هذا. الرابع: الدم المتخلل بين الولدين التوأمين نفاس. وهو قول مالك (5)، وأبي حنيفة (6)، وأبي يوسف (7)، وأصح وجهي الشافعي (8)، وقول أبي إسحاق المروزي من أصحابه وإحدى الروايتين عن أحمد (9). وقال بعض الشافعية (10)، ومحمد (11)،

(1) (خ): تيقن.
(2) بدائع الصنائع 1: 43، النهاية بهامش شرح فتح القدير 1: 165.
(3) الخلاف 1: 78 مسألة 25، المبسوط 1: 68.
(4) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 521 522.
(5) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، المجموع 2: 526، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 583.
(6) بدائع الصنائع 1: 34، المبسوط للسرخسي 2: 20، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع 2: 526، المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، شرح فتح القدير 1: 167. (7) بدائع الصنائع 1: 43، المبسوط للسرخسي 2: 20، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع 2: 526، شرح فتح القدير 1: 167.
(8) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 526 527، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 582.
(9) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، الكافي لابن قدامة 1: 108، المجموع 2: 526، الانصاف 1: 386. >

[ 429 ]

وزفر: إنه ليس بنفاس (1). وهو الوجه الضعيف للشافعي (2) والرواية الأخرى لأحمد (3). لنا: إن النفاس أما أن يكون مشتقا من تنفس الرحم، أو من خروج النفس الذي هو الولد، أو من النفس الذي هو اسم لدم. وعلى كل تقدير فالدم الحاصل عقيب الولد الأول يصدق عليه المعنى المشتق منه، فيصدق عليه اسم (4) المشتق، لوجوب الاطراد في الاشتقاق. احتج محمد بأن المرأة حامل ما دام في بطنها ولد آخر، ودم الحامل ليس بحيض، فلا يكون نفاسا، لأنهما في الحكم سواء، ولأن العدة تنقضي بالولد الأخير فكذلك النفاس، لأنهما حكمان متعلقان بالولادة (5). والجواب عن الأول: بالمنع من كون الحامل لا تحيض. وقد سلف (6). سلمنا، لكن الحامل إنما لم تحض، لانسداد فم الرحم وكان الخارج غير دم

< (10) المجموع 2: 526 527، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 583، المغني 1: 396، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409.
(11) بدائع الصنائع 1: 43، المبسوط للسرخسي 2: 20، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167، المجموع 2: 526. (1) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، المجموع 2: 526، المغني 1: 396، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409.
(2) المجموع 2: 526، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 582 583، المغني 1: 396، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409.
(3) المغني 1: 395 396، الشرح الكبير بهامش المعني 1: 409، الكافي لابن قدامة 1: 108، الانصاف 1: 386، المجموع 2: 526. (4) (خ) (ن): الاسم.
(5) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167.
(6) تقدم في ص 273.

[ 430 ]

الرحم، أما ها هنا فبالولد الأول انفتح فم الرحم، فكان الخارج دمه. وعن الثاني: بالفرق، فإن العدة تنقضي بوضع الحمل، والحمل اسم لجميع ما في البطن، على أنا نمنع توقف الانقضاء على الولد الثاني. وسيأتي البحث فيه إن شاء الله. وقد ظهر ما تقدم: إن ابتداء النفاس من الأول، وعدد أيامه من الثاني، وهو أحد وجوه الشافعي والوجه الثاني له: أن المعتبر بأول النفاس وآخره بالأول (1)، وبه قال أبو يوسف (2) وأبو حنيفة أيضا (3)، حتى قالوا: لو كان بين الولدين أكثر مدة النفاس وهي أربعون، أو ستون على الخلاف، لم يكن ما يوجد من الدم بعد الثاني نفاسا (4). والوجه الثالث له: أنه يعتبر ذلك بالثاني (5). وبه قال محمد (6)، وزفر (7). والحق ما قلناه من أنه يعتبر أوله بالأول، وآخره بالثاني. مسألة: ولا حد لاقل النفاس. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي (8)،

(1) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 526.
(2) بدائع الصنائع 1: 43، المبسوط للسرخسي 2: 20 وج 3: 212، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167، المجموع 2: 526.
(3) بدائع الصنائع 1: 43، المبسوط للسرخسي 2: 20 و 3: 212، الهداية للمرغيناني 1: 34، المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، شرح فتح القدير 1: 167، المجموع 2: 526.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 212 213، شرح فتح القدير 1: 167.
(5) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 526.
(6) المسوط للسرخسي 2: 20 وج 3: 212، بدائع الصنائع، 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، المجموع 2: 526.
(7) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، المغني 1: 396، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409، المجموع 2: 526.
(8) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 522، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 574، فتح الوهاب 1: 29، السراج الوهاج: 33، مغني المحتاج 1: 119، بداية المجتهد 1: 52، المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403، نيل الأوطار 1: 359.

[ 431 ]

والأوزاعي (1)، ومالك (2)، وأحمد (3) وأبو حنيفة (4)، والثوري (5). وقال محمد بن الحسن، وأبو ثور: أقله ساعة (6) (7). وقال أبو عبيد: أقله خمسة وعشرون يوما (8). وقال أبو يوسف فيما روي عنه: أقله أحد عشر يوما (9). وروي عن أحمد: أقله يوم (10). وحكي عن الثوري: أن أقله ثلاثة أيام، لأنها أقل الحيض (11). وقال المزني: أربعة أيام، وبناه على أصول، منها: إن أقل الحيض يوم وليلة، وإن أكثره خمسة عشر يوما، وإن أكثر النفاس أربعة أضعاف أكثر الحيض، فيكون أقله أربعة أضعاف أقل الحيض (12). لنا: ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام أنه قال: (لا يحل للنفساء إذا رأت

(1) المجموع 2: 523.
(2) المدونة الكبرى 1: 53، بداية المجتهد 1: 52، مقدمات ابن رشد 1: 91، بدائع الصنائع 1: 41، المجموع 2: 523. (3) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403، الكافي لابن قدامة 1: 108، الانصاف 1: 384، المجموع 2: 523، منار السبيل 1: 60.
(4) المبسوط للسرخسي 2: 19، بدائع الصنائع 1: 41، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 165، المجموع 2: 525، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 575.
(5) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403.
(6) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403، شرح العناية بهامش فتح القدير 1: 165، المجموع 2: 523.
(7) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403، المجموع 2: 523.
(8) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403.
(9) شرح العناية بهامش شرح فتح القدير 1: 165، بداية المجتهد 1: 52، المحلى 2: 207، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 403، نيل الأوطار 1: 359.
(10) الانصاف 1: 384.
(11) المجموع 2: 525، نيل الأوطار 1: 359.
(12) المجموع 2: 525، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 575.

[ 432 ]

الطهر إلا أن تصلي) (1) وما رواه أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلم تر دما، فسميت ذات الجفوف (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحسين بن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام: في النفساء كم يجب عليها الصلاة؟ قال: (تدع ما دامت ترى الدم العبيط) (3) وهذا يدل على الانقطاع وإن قل عدد أوقات الدم قبله فوجب الصلاة. ولأن اليسير دم وجد عقيب سببه وهو الولادة، فيكون نفاسا كالكثير، فعلى هذا لو رأته لحظة، ثم انقطع، حكم لها بالنفاس تلك اللحظة. مسألة: وفي حد كثرته خلاف بين علمائنا. قال الشيخ (4) وعلي بن بابويه: إنه لا يزيد عن أكثر الحيض (5)، وهو أحد قولي المفيد، والقول الآخر له: أكثره ثمانية عشر يوما (6). وهو اختيار السيد المرتضى (7)، وابن الجنيد (8)، وأبي جعفر محمد بن بابويه (9)، وسلار (10). وقال ابن أبي عقيل: أيامها أيام حيضها، وأكثره أحد

(1) سنن البيهقي 1: 342، سنن الدارقطني 1: 223 حديث 81. (2) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 404، المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 522.
(3) التهذيب 1: 174 حديث 497، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 16 وفيه: عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن علي بن يقطين.
(4) النهاية: 29، المبسوط 1: 69، الخلاف 1: 77 مسألة 20، الجمل والعقود: 48.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 253.
(6) المقنعة: 7.
(7) الانتصار: 35، رسائل الشريف المرتضى 1: 172.
(8) نقل عنه في المعتبر 1: 253.
(9) الفقيه 1: 55، الهداية: 22.
(10) المراسم: 44.

[ 433 ]

وعشرون يوما، فإن انقطع دمها في أيام حيضها، صلت وصامت، وإن لم ينقطع صبرت ثمانية عشر يوما، ثم استظهرت بيوم أو يومين، فإن كانت كثيرة الدم صبرت ثلاثة أيام، ثم اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت (1). وقال الشافعي (2)، ومالك (3)، وأحمد في إحدى الروايتين عنه: أكثره ستون يوما (4). وبه قال عطاء (5)، والشعبي (6)، وأبو ثور، وداود (7)، وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري (8)، والحجاج بن أرطأة (9) (10). وقال أبو حنيفة (11)، وأحمد في الرواية الأخرى (12)،

(1) نقل عنه في المعتبر 1: 253.
(2) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 524، الأم (مختصر المزني) 8: 11، السراج الوهاج: 33، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، بداية المجتهد 1: 52، المحلى 2: 203، بدائع الصنائع 1: 41، المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، نيل الأوطار 1: 358.
(3) المدونة الكبرى 1: 53، بداية المجتهد 1: 52، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 81، بدائع الصنائع 1: 41، المغني 1: 312، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، المجموع 2: 524، المحلى 2: 203، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، نيل الأوطار 1: 358.
(4) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، الانصاف 1: 383.
(5) سنن الترمذي 1: 259، المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 524. (6) المهذب للشيرازي 1: 45، سنن الترمذي 1: 259، بدائع الصنائع 1: 41، المجموع 2: 524.
(7) المجموع 2: 524.
(8) عبيد الله بن الحسن بن الحصين، أبي الحر العنبري قاضي البصرة بعد سوار بن عبد الله العنبري، سمع داود بن أبي هند وخالد الحذاء، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن معاذ القاضي. مات سنة 168 ه‍. تاريخ بغداد 10: 310.
(9) حجاج بن ارطاة بن ثور بن هبيرة مفتي العراق أبو ارطاة النخعي الكوفي، سمع عن الشعبي حديثا واحدا ومن الحكم وعطاء بن أبي رباح وطائفة، وعنه سفيان وشعبة وحماد وآخرون، مات سنة 149 ه‍. طبقات الحفاظ: 87، تذكرة الحفاظ 1: 186.
(10) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 524. >

[ 434 ]

والثوري (1)، وإسحاق (2)، وأبو عبيد: أكثره أربعون يوما (3)، ونقل عن مالك أيضا أن أكثره سبعون يوما (4). وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: خمسون يوما (5). والحق عندي الأول. لنا: إن النفاس دم الحيض في الحقيقة، وقد بينا أن أكثره عشرة (6)، فكذا النفاس. ولأن العبادة شاغلة في الذمة، ترك العمل بها في العشرة للاجماع، فيبقى الباقي على ذلك الأصل. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: (النفساء تكف عن الصلاة أيامها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل كما تغتسل المستحاضة) (7). وما رواه في الصحيح، عن زرارة قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ قال:

< (11) بدائع الصنائع 1: 41، المبسوط للسرخسي 2: 19، الهداية 1: 34، شرح فتح القدير 1: 166، بداية المجتهد 1: 52، مقدمات ابن رشد 1: 91، المحلى 2: 203، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33.
(12) المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، الكافي لابن قدامة 1: 107، الانصاف 1: 383، منار السبيل 1: 61، سنن الترمذي 1: 258، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، نيل الأوطار 1: 358. (1) سنن الترمذي 1: 258، المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، المجموع 2: 524، نيل الأوطار 1: 358.
(2) المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، سنن الترمذي 1: 258، المجموع 2: 524.
(3) المغني 1: 392، المجموع 2: 524.
(4) المجموع 2: 524. وفيه: قال الليث: قال بعض الناس: إنه سبعون يوما.
(5) سنن الترمذي 1: 258، سنن الدارمي 1: 229، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، مقدمات ابن رشد 1: 91، المجموع 2: 524، نيل الأوطار 1: 358.
(6) تقدم في ص 279.
(7) التهذيب 1: 173 حديث 495، الاستبصار 1: 151 حديث 524، الوسائل 2: 611 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 1 بتفاوت يسير.

[ 435 ]

(تقعد قدر حيضها وتستظهر بيومين، فإن انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلت) (1). وما رواه في الحسن، عن الفضيل بن يسار وزرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: (النفساء تكف عن الصلاة أيام أقرائها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة) (2). وما رواه في الصحيح، عن يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: (النفساء تجلس أيام حيضها التي كانت تحيض، ثم تستظهر وتغسل وتصلي) (3). وما رواه في الموثق، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (تقعد النفساء أيامها التي كانت تقعد في الحيض) (4). وما رواه في الحسن، عن يونس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن امرأة ولدت فرأت الدم أكثر مما كانت ترى؟ قال: (فلتقعد أيام قرئها التي كانت تجلس، ثم تستظهر بعشرة أيام) (5) قال الشيخ: أراد به إلى عشرة أيام، لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض (6).

(1) التهذيب 1: 173 حديث 496، الوسائل 2: 611 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 175 حديث 499، الاستبصار 1: 150 حديث 519، الوسائل 2: 611 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 175 حديث 500، الاستبصار 1: 150 حديث 520، الوسائل 2: 613 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 8.
(4) التهذيب 1: 175 حديث 501، الاستبصار 1: 151 حديث 521، الوسائل 2: 612 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 5.
(5) التهذيب 1: 175 حديث 502، الاستبصار 1: 151 حديث 522، الوسائل 2: 612 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 3.
(6) التهذيب 1: 176 ذيل حديث 502، الاستبصار 1: 151 ذيل حديث 522.

[ 436 ]

وروى الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن موسى عليه السلام: في امرأة نفست وبقيت ثلاثين ليلة أو أكثر، ثم طهرت وصلت، ثم رأت دما أو صفرة؟ فقال: (إن كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة، وإن كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام قرئها، ثم لتغتسل ولتصل) (1). وروي في الموثق، عن مالك بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم؟ قال: (نعم، إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر أيام عدة حيضها، ثم [ تستظهر بيوم فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها يأمرها فتغتسل، ثم ] (2) يغشاها إن أحب) (3) وحل الوطئ يستلزم الخروج عن حد النفاس. احتج السيد المرتضى (4) بما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال: (ثمان عشر، سبع عشرة ثم تغتسل وتحتشي وتصلي) (5). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن النفساء كم تقعد؟ فقال: (إن أسماء بنت عميس (6) أمرها رسول الله صلى

(1) التهذيب 1: 176 حديث 503، الاستبصار 1: 151 حديث 523، الوسائل 2: 619 الباب 5 من أبواب النفاس، حديث 3.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 176 حديث 505، الاستبصار 1: 152 حديث 525، الوسائل 2: 620 الباب 7 من أبواب النفاس، حديث 1.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية) 191، رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الأولى): 172.
(5) التهذيب 1: 177 حديث 508، الاستبصار 1: 152 حديث 528، الوسائل 2: 614 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 12. (6) أسماء بنت عميس الخثعمية، عدها الشيخ في رجاله من أصحاب رسول الله، قال العلامة المامقاني: إني أعتبرها ثقة مقبولة الرواية لاسترحام الصادق عليها. رجال الطوسي: 34، تنقيح المقال 3: 69.

[ 437 ]

الله عليه وآله أن تغتسل لثمان عشرة، ولا بأس أن تستظهر [ بيوم أو ] (1) بيومين) (2). والجواب عن الأول: إن ما رويناه أكثر، والكثرة دلالة (3) على الرجحان، ولأن الأصل لزوم العبادة، فكان الحديث مرجوحا، فلا يعتمد عليه، وبما يأتي من بعد. وعن الثاني: إن أسماء إنما سألته (عليه السلام) (4) بعد مضي ثمانية عشر يوما، ولا شك أنه حينئذ يجب عليها الاغتسال، وليس فيه دلالة على تحديد مدة النفاس بذلك العدد. ويدل على وقوع السؤال بعد الانقضاء: ما رواه الشيخ، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه رفعه قال: سألت امرأة أبا عبد الله عليه السلام فقالت: إني كنت أقعد في نفاسي عشرين يوما حتى أفتوني بثمانية عشر يوما، فقال أبو عبد الله: (ولم أفتوك بثمانية عشر يوما؟) (فقال الرجل) (5): للحديث الذي روي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لاسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر (6). فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إن أسماء سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أتى لها ثمانية عشر يوما، ولو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل وتفعل كما تفعل المستحاضة) (7).

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 178 حديث 511، الاستبصار 1: 153 حديث 531، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 15.
(3) (ح) (ق): دالة.
(4) (م) (ن): عنه.
(5) في التهذيب: فقال رجل. في الاستبصار: فقالت.
(6) محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (ع) وذكره العلامة في رجاله قائلا: جليل القدر عظيم المنزلة من خواص علي (ع)، ولد في حجة الوداع وقتل بمصر سنة 38 ه‍ في خلافة علي (ع) وكان عاملا عليها من قبله. رجال الطوسي: 30، 58، رجال العلامة: 138. (7) التهذيب 1: 178 حديث 512، الاستبصار 1: 153 حديث 532، الوسائل 2: 613 الباب 3 من >

[ 438 ]

وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: (إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله حين أرادت الاحرام بذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق وتهل بالحج، فلما قدموا ونسكوا المناسك فأتت لها ثمانية عشرة يوما فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم، ففعلت ذلك) (1). وما رواه، عن فضيل وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تغتسل وتحتشي بالكرسف وتهل بالحج، فلما قدموا ونسكوا المناسك سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الطواف بالبيت والصلاة فقال لها: (منذ كم ولدت؟) فقالت: منذ ثماني عشرة ليلة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل وتطوف بالبيت وتصلي ولم ينقطع عنها الدم ففعلت مثل ذلك (2). فسقط الاحتجاج بذلك. احتج أبو حنيفة (3) بما روته أم سلمة قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعين يوما وأربعين ليلة (4). ولأن النفاس دم الحيض ومدة احتباسه ستة أشهر، والغالب أن الحيض ستة أو سبعة، فإذا جعل في الشهرين ستة

< أبواب النفاس، حديث 7. (1) التهذيب 1: 179 حديث 513، الوسائل 2: 612 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 6.
(2) التهذيب 1: 179 حديث 514، الوسائل 2: 616 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 19.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 166، بدائع الصنائع 1: 41، المجموع 2: 525، مغني المحتاج 1: 120، المحلى 2: 203.
(4) سنن الترمذي 1: 256 حديث 139، سنن الدارمي 1: 229، سنن أبي داود 1: 83 حديث 311، سنن بن ماجة 1: 213 حديث 648، جامع الأصول 8: 239 حديث 5425، مسند أحمد 6، 300، سنن البيهقي 1: 341، المستدرك للحاكم 1: 175.

[ 439 ]

وفي الأربعة سبعة، كان الجميع أربعين. والجواب عن الأول: إن هذا الحديث لم يعرف إلا من أبي سهل كثير بن زياد (1). كذا قال الترمذي (2)، وذلك مما يوجب تطرق التهمة إليه، لأن الانفراد مع اشتداد الحاجة إلى الاشتراك يوجب تطرق التهمة، على أن مالكا أنكره. وأيضا: فإن أم سلمة لم تروه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فلا يكون حجة. وعن الثاني أن الحيض في حال الحمل ينصرف غذاءا للولد فلا يحتبس، وعند الولادة يندفع ما كان للتغذية، فيكون حيضة واحدة. لا يقال: قد روى هذا المقدار الشيخ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه، عن علي عليهما السلام: قال: (قال النفساء تقعد أربعين يوما، فإن طهرت وإلا اغتسلت وصلت ويأتيها زوجها، وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلي) (3). وعن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (النفساء تقعد ما بين الأربعين إلى الخمسين) (4). وفي الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (تقعد

كثر بن زياد أبو سهل البرساني الخراساني أصله من البصرة سكن بلخ، روى عن الحسن وروى عنه حماد بن زياد. ضعفه ابن حيان. المجروحين 2: 224، ميزان الاعتدال 3: 404. (2) سنن الترمذي 1: 257.
(3) التهذيب 1: 177 حديث 506، الاستبصار 1: 152 حديث 526، الوسائل 2: س 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 17. وفي المصادر: عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام.
(4) التهذيب 1: 177 حديث 507، الاستبصار 1: 152 حديث 527، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 18 بتفاوت في الجميع.

[ 440 ]

النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم أربعين يوما إلى الخمسين) 9 (1). لأنا نجيب عن الاولين بالمنع من صحة سندها، وأيضا: فإنهما معارضان بما قدمناه من الاحاديث الصحيحة. قال أبو جعفر ابن بابويه: الاحاديث التي وردت في قعودها أربعين يوما وما زاد إلى أن تطهر، معلولة كلها لا يفتي بها إلا أهل الخلاف (2). وهذا هو الجواب عن الأخير. واحتج الشافعي بما روي، عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين (3). وروي مثل ذلك عن عطاء أنه وجده، والمرجع في ذلك إلى الوجود (4). ولأن أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض إجماعا، وقد ذكرنا أن أكثره خمسة عشر يوما (5)، فيكون النفاس شهرين. والجواب عن الأول: باحتمال أن الزيادة كانت حيضا أو استحاضة، كما لو زاد دمها على الستين، أو كما لو زاد دم الحيض خمسة عشر يوما عنده. وعن الثاني: أنه لا يعرف بالقياس فاتبعنا النص فيهما جميعا. على أنا نمنع الاجماع على أن أكثره أربعة أمثال أكثر الحيض، وكيف يحكم بالاجماع على ذلك، ومالك (6) وأحمد (7) وغيرهما من الفقهاء (8)، ومن الصحابة: عمر (9) وابن عباس (10)، وغيرهما

(1) التهذيب 1: 177 حديث 509، الاستبصار 1: 152 حديث 529، الوسائل 2: 614 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 13 بتفاوت يسير.
(2) الفقيه 1: 56.
(3) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 522، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 573، المعني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402.
(4) المغني 1: 393، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402.
(5) تقدم في ص 280.
(6) بداية المجتهد 1: 52، المدونة الكبرى 1: 53، المجموع 2: 524، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 573، مقدمات ابن رشد 1: 91، المحلى 2: 203، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، نيل الأوطار 1: 358.
(7) المغني 1: 392، الكافي لابن قدامة 1: 107، المجموع 2: 524، فتح العزيز بهامش المجموع 2: >

[ 441 ]

نازعوا في ذلك. على أنه قال في أحد وجهيه: أكثر الحيض ثلاثة عشر يوما. احتج مالك بأنه قد روى في بعض الأخبار أنه سبعون (1). والجواب: إنه غريب، والمشهور ما قلناه. واحتج ابن أبي عقيل بما رواه البزنطي في جامعه في الصحيح، عن جميل، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام (2). وبما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (تقعد النفساء تسع عشر ليلة، فإن رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة) (3). والجواب: أنه مع شذوذه مناف للأصل المقتضي لشغل الذمة بالعبادة، مع أن ابن سنان الراوي المذكور روي أن أكثره مقدار الحيض (4). لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن ابن يقطين، عن أبي الحسن الماضي

< 573، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، نيل الأوطار 1: 358، سنن الترمذي 1: 258.
(8) انظر: سنن الترمذي 1: 258، نيل الأوطار 1: 357، 358، المجموع 2: 524، مغني المحتاج 1: 119، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 573، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 33، المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، بداية المجتهد 1: 52، المحلى 2: 203.
(9) سنن البيهقي 1: 341، المغني 1: 392، المجموع 2: 524.
(10) سنن البيهقي 1: 341، سنن الدارمي 1: 229، المجموع 2: 524، المحلى 2: 205. (1) لم نعثر على قول مالك في المصادر الموجودة، ولكن قال في المجموع 2: 524: قال الليث: قال بعض الناس: إنه سبعون يوما.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 253.
(3) التهذيب 1: 177 حديث 510، الاستبصار 1: 152 حديث 530، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 14 وفي الوسائل: سبع عشرة ليلة.
(4) التهذيب 1: 178 الاستبصار 1: 153.

[ 442 ]

عليه السلام إن أكثره ثلاثون يوما (1). لأنا نقول: هذه رواية شاذة لم يعمل بها أحد، فلا تكون معارضة للروايات المقدمة (2)، ومع ذلك فهي محتملة للتأويل. مسألة: لو انقطع الدم لدون العشرة، أدخلت قطنة، فإن خرجت نقية اغتسلت وصلت، وجاز لزوجها أن يقربها، وحل عليها جميع ما يحل على الطاهرات، وإن خرجت ملوثة صبرت إلى النقاء، أو تمضي مدة الأكثر وهي عشرة أيام إن كانت عادتها، وإلا صبرت عادتها خاصة واستظهرت بيوم أو يومين، وكذا البحث لو استمر بها الدم. وبعض المتأخرين غلط ها هنا، فتوهم أن مع الاستمرار تصبر عشرة (3)، ولا نعرف عليه دليلا سوى ما رواه يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (تستظهر بعشرة أيام) (4) وذلك غير دال على محل النزاع، إذ من المحتمل أن تكون عادتها ثمانية أيام أو تسعة أيام، ويدل على ما اخترناه، الاحاديث التي قدمناها (5)، فإنها دالة على حوالة النفساء عن الحائض في الايام والاستظهار بيوم أو يومين. فروع: الأول: لا يرجع إذا تجاوز دمها إلى عادتها في النفاس، لما رويناه من الاحاديث الدالة على الحوالة على أيام الحيض (6).

(1) التهذيب 1: 174 حديث 497، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 16.
(2) في ص 531 و 532.
(3) المعتبر 1: 255، 257، المختصر النافع: 11.
(4) التهذيب 1: 175 حديث 502، الاستبصار 1: 151 حديث 522، الوسائل 2: 612 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 3.
(5) راجع: ص 430 432.
(6) انظر: ص 430 342.

[ 443 ]

وما رواه الشيخ، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن النفساء؟ فقال: (كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها) قلت: فلم تلد فيما مضى؟ قال: (بين الأربعين إلى الخمسين) (1). ليست مشهورة مع ضعف سندها ولم يعمل على مضمونها أحد من الأصحاب، وهي معارضة للروايات الصحيحة، فكانت مدفوعة بالكلية. على أنه يحتمل أنه أراد: إذا تطابقت أيامها في النفاس المقدم مع أيامها في الحيض. الثاني: هل ترجع إلى عادة أمها وأختها في النفاس؟ لا يعرف فتوى لأحد ممن تقدمنا في ذلك. وقد روى الشيخ في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (النفساء إذا ابتليت بأيام كثيرة مكثت، مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك واستظهرت بمثل ثلثي أيامها، ثم تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المستحاضة، وإن كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست بمثل أيام أمها، أو أختها، أو خالتها واستظهرت بثلثي ذلك، ثم صنعت كما تصنع المستحاضة، تحتشي وتغتسل) (2) والرواية شاذة وفي سندها ضعف، والأقوى الرجوع إلى أيام الحيض. الثالث: لو كانت مبتدئة، أو مضطربة، أو ذات عادة منسية فإن انقطع الدم لعشرة فما دون فهو نفاس قطعا، ولو تجاوز ففي قدر أيامها حينئذ نظر، فإنه يمكن أن يقال: أنها تجلس ستة أيام، أو سبعة، لأن الحائض تقعد ذلك فكذلك النفساء، لأنه حيض في الحقيقة، ولأن قوله عليه السلام: (تجلس أيام حيضها التي كانت

(1) التهذيب 1: 177 حديث 507، الاستبصار 1: 152 حديث 527، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 18 في جميع المصادر: من أولادها وما جربت.
(2) التهذيب 1: 403 حديث 1262، وفيه: بمثل أيام أمها أيامها، ثم تغتسل. الوسائل 2: 616 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 20.

[ 444 ]

تحيض) (1) كما يتناول الماضي يتناول المستقبل، وفيه ضعف. ويمكن أن يقال: أنها تجلس عشرة أيام، لأنه حيض في الحقيقة فلا يزيد على أيامه، ولرواية يونس، ولأن العشرة، أيام الحيض فتنفست بها، ولأن النفاس قد ثبت بيقين، فلا يزول إلا بيقين وهو بلوغ العشرة بخلاف الحيض، لأنه لم يثبت من الابتداء بيقين. ويمكن أن يقال: تجلس ثمانية عشر، لرواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال: (ثمان عشرة، سبع عشرة) (2). وللرواية الصحيحة، عن أبي جعفر عليه السلام بمثله (3) وتحمل هذه النفساء على المبتدئة جمعا بين الأخبار، فإن هذه مطلقة. والأحاديث المتقدمة دالة على سبق عادة للمرأة فتعمل بتلك في موضعها، وتحمل هذه الرواية المطلقة على المبتدأة، وهذا الأخير كأنه أقرب إلى الصواب، وللشافعي قولان: في أحدهما: يرد إلى لحظة، وفي الآخر: إلى أربعين (4). الرابع: الأقرب أن الاستظهار بيوم أو يومين لذات العادة ليس بواجب، لما رواه الشيخ، عن زرارة وفضيل في الصحيح، عن أحدهما عليهما السلام قال: (تكف عن الصلاة أيامها، ثم تغتسل) (5) فترك الاستظهار بترك العبادة عقيب السؤال دال على

(1) الكافي 3: 99 حديث 5، التهذيب 1: 175 حديث 500، الاستبصار 1: 150 حديث 520، الوسائل 2: 613 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 8.
(2) التهذيب 1: 177 حديث 508، الاستبصار 1: 152 حديث 528، الوسائل 2: 614 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 12.
(3) التهذيب 1: 180 حديث 515، الاستبصار 1: 153 حديث 531، الوسائل 2: 615 الباب 3 من أبواب النفاس، حديث 15.
(4) المجموع 2: 531، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 589، مغني المحتاج 1: 120.
(5) التهذيب 1: 173 حديث 495، الاستبصار 1: 150 حديث 519، الوسائل 2: 611 الباب 3 من >

[ 445 ]

عدم الوجوب. الخامس: إذا تجاوز الدم أكثر أيام النفاس فهو استحاضة، سواء صادف أيام العادة في الحيض أو لم يصادف، خلافا لأحمد، فإنه قال: إن صادف أيام العادة فهو حيض، وإلا فهو استحاضة (1). لنا: إنه دم حيض قد احتبس فلا يتعقبه حيض ما لم يفصل الطهر بينهما، وبين هذا الدم، والموجود قبل الوضع فرق ما. السادس: لو تخلل النقاء بين الدمين ولم يتجاوز أكثر النفاس فالجميع نفاس تقضي الصوم الذي فعله عند الانقطاع. وهو قول أبي (2) حنيفة، وللشافعي فيما إذا رأت الدم العائد يوما وليلة بعد طهر خمسة عشر يوما قولان: أحدهما: إنه حيض. وهو قول أبو يوسف (3)، ومحمد (4)، لأن الدم فصل بينهما طهر صحيح، فلم يضم أحدهما إلى الآخر. والثاني: هو نفاس (5). وبه قال أبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (6)، وهو قول (7) عطاء والشعبي (8)، لأنهما دمان في زمان (9) أيام النفاس، فكانا نفاسا،

< أبواب النفاس، حديث 1 مع تفاوت يسير. (1) المغني 1: 393، الانصاف 1: 384، الكافي لابن قدامة 1: 108.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 19 وج 3: 211، شرح فتح القدير 1: 166، المجموع 2: 528.
(3) المبسوط للسرخسي 3: 211، المجموع 2: 528، شرح فتح القدير 1: 166.
(4) المبسوط للسرخسي 3: 211، شرح فتح القدير 1: 166، المحلى 2: 203، المجموع 2: 528.
(5) المهذب للشيرازي 1: 45، المجموع 2: 528 529، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 599 600، المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 407.
(6) المغني 1: 394، الكافي لابن قدامة 1: 108، الانصاف 1: 384، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 406. (7 8) المغني 1: 394، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 406.
(9) (م): زمن.

[ 446 ]

كما لو تخلل بينهما أقل من خمسة عشر يوما. وفي الرواية الأخرى عن أحمد (1) أنه مشكوك فيه، فتصوم فيه وتصلي وتقضي الصوم، أما ما صامته في زمن الطهر فقد نص أحمد (2) على أنه صحيح لا قضاء فيه. لنا: إنه دم في زمن النفاس، فكان نفاسا كالأول، وكما لو اتصل، ومع ثبوت أنه نفاس كانت أيام النقاء كذلك، لأنها لا تفصل ما لم تكمل أقل الطهر وهو عشرة. السابع: لو لم يعد إلا بعد العاشر، أختص النفاس بأيام الدم وكانت أيام النقاء طهرا، لأن النفاس هو الدم، ولم يوجد صورة ولا حكما. أما القائلون من أصحابنا بأن أكثر النفاس ثمانية عشر (3)، لو رأت ساعة بعد الولادة، ثم انقطع عشرة أيام، ثم رأته ثلاثة أيام، فإنه يحتمل أن يكون حيضا، لأنه بعدد أيامه بعد طهر كامل، وأن يكون نفاسا، لأنه في وقت إمكانه (4). فعلى الأول لو رأته أقل من ثلاثة، كان دم فساد لأنه أقل من عدد الحيض بعد طهر كامل، فكان فسادا. وعلى الثاني يكون نفاسا، ولم نقف لهم على نص في ذلك. الثامن: لو ولدت ولم تر دما إلا يوم العاشر فهو النفاس خاصة، ومما قبله طهر وما بعده استحاضة، لما قلناه من أن النفاس هو الدم، وإن حده عشرة أيام، ولو لم تر في العشرة دما، ثم رأت بعدها، فإن استمر ثلاثة فهو حيض، ولا نفاس لها، لأن أيامه قد أنقضت بغير دم، وإن كان أقل فهو استحاضة إلا أن يعود قبل إنقضاء العشرة الثانية

(1) المغني 1: 394، الانصاف 1: 385، الكافي لابن قدامة 1: 108، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 406.
(2) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 407.
(3) منهم المفيد في المقنعة: 7، والصدوق في الفقيه 1: 55، والسيد المرتضى في الانتصار: 35، وسلار في المراسم: 44، والمحقق الحلي في المعتبر 1: 253.
(4) (م) (ن) (د): أحكامه.

[ 447 ]

ويكمل ثلاثة فإنه يكون حيضا عند القائلين بالتلفيق. التاسع: المعتادة في الحيض لو كانت ذات جفاف، ثم ولدت واستحيضت، جرت على، عادتها في الحيض خمسة من كل شهر ونفست عشرا، ثم طهرت شهرا مرتين أو مرارا، ثم استحيضت، رجعت إلى عادتها في الحيض ولم تنتقل بتغير الطهر. العاشر: لو ولدت ولم تر الدم إلى خمسة عشر يوما، ثم رأته، فعندنا ليس بنفاس إذ النفاس قد خرج. وعند القائلين بأن أكثره ثمانية عشر يوما يكون نفاسا، وللشافعي فيه وجهان (1). الحادي عشر: لا اعتبار بعبادتها في النفاس عندنا، لما بيناه، خلافا لاكثر الجمهور (2)، فعلى قولهم لو كانت عادتها في النفاس ثلاثين، فولدت فرأت الدم عشرين ورأت الطهر عشرة أيام من عادتها، ثم رأت الدم حتى جاوز الأربعين في قول من يجعل الأربعين حد الأكثر (3)، قال أبو يوسف: يكون نفاسها ثلاثين (4). وقال محمد: نفاسها عشرون (5)، لأن أبا يوسف يختم النفاس بالطهر، خلافا لمحمد. الثاني عشر: القائلون باعتبار العادة فيه، اختلفوا فيما يزيد عليها، فعند الشافعي إن كانت معتادة يرد إليها، ثم يحكم بالطهر بعد العادة وعلى قدر عادتها، ثم يبتدئ

(1) المجموع 2: 529، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 600، 601.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 34 بدائع الصنائع 1: 42، المجموع 2: 530، المبسوط للسرخسي 2: 19، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 586.
(3) منهم: أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد. انظر: بدائع الصنائع 1: 41، المحلى 2: 203، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى: 33، شرح فتح القدير 1: 166، المبسوط للسرخسي 2: 19، مقدمات ابن رشد 1: 91، بداية المجتهد 1: 52، المغني 1: 392، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 402، نيل الأوطار 1: 358، سنن الترمذي 1: 258، الانصاف 1: 383، المجموع 2: 524. (4 5) بدائع الصنائع 1: 42، 43 المبسوط للسرخسي 2: 19، 20.

[ 448 ]

حيضها. قال: ولو ولدت مرارا وهي ذات جفاف، ثم ولدت واستحيضت، فهي كالمبتدئة وعدم النفاس لا يثبت لها عادة، كما أنها لو حاضت خمسا وطهرت سنة وهكذا مرارا، ثم استحيضت فلا نقول: الدور سنة، بل أقصى ما يرتقي إليه الدور تسعون يوما، وهو ما تنقضي به عدة الآيسة وما فوقه لا يؤثر فيه العادة (1). وفي المبتدئة قولان تقدما (2). والمميزة حكمها حكم الحائض في شروط التمييز إلا أن الستين ها هنا بمنزلة خمسة عشر، وفي المتحيرة قولان: أحدهما: ترد إلى الاحتياط. وفي الآخر: إلى المبتدئة (3). الثالث عشر: لو ولدت توأمين فما بعد الثاني نفاس قطعا، ولكنهم اختلفوا، فذهب علمائنا إلى أن أوله من الأول، وآخره من الثاني. وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي، وأبو طيب الطبري (4)، وبعض الحنابلة (5). فعلى هذا لو رأت الدم بعد الأول عشرة كان نفاسا، فلو ولدت بعد العشرة بلا فصل حتى جاوز دمها إلى العشرة كان نفاسها عشرون. وقال أبو حنيفة (6)، ومالك (7)، وأحمد في إحدى الروايتين: إن النفاس كله من الأول، أوله وآخره (8). فعلى هذا لو ولدت الثاني عقيب

(1) فتح العزيز بهامش المجموع 2: 585.
(2) تقدما في 443.
(3) فتح العزيز بهامش المجموع 2: 594.
(4) أبو الطيب الطبري: طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الفقيه الشافعي، روى عن أبي أحمد الغطريفي وجماعة، وتفقه على أبي الحسن الماسرجسي، وكان عارفا بأصول الفقه وفروعه. مات سنة 450 ه‍. العبر 2: 296، شذرات الذهب 3: 284، تاريخ بغداد 9: 358.
(5) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409، الانصاف 1: 386.
(6) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167، المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409، المجموع 2: 526.
(7) المدونة الكبرى 1: 54، المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، المجموع 2: 526. (8) المغني 1: 395، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 408، الكافي لابن قدامة 1: 108، المجموع 2: >

[ 449 ]

مضي أكثر النفاس لم يكن الثاني نفاسا. وقال زفر: إن ابتداءها وانتهاءها من الثاني، فلم تجعل ما قبل الولادة الثانية نفاسا (1). لنا: إن الثاني دم يعقب ولادة، فلا ينتهي قبل انتهاء مدة النفاس كالمنفرد. احتج أبو حنيفة بأن أوله من الولد الأول (2)، لما بيناه فيما سلف (3)، فأخره منه كالمنفرد. والجواب: الفرق ظاهر لتكثر الولادة الموجبة لتعدد أيام النفاس في الصلاة الثانية دون الأولى، واحتجاج زفر، والجواب عنه قد مضى (4). مسألة: وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها ويكره ويباح، ويسقط عنها من الواجبات ويستحب، تحريم وطئها، وجواز الاستمتاع بما دون الفرج لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم، وإنما يتفارقان في أقل أيامه فلا حد له ها هنا، وفي أكثره على رأي (5)، بانقضاء العدة فإن الحيض علة فيه بخلاف النفاس، إذ المقتضي للخروج من العدة إنما هو الوضع، وبالدلالة على البلوغ، فإنه يحصل بالحيض دونه، لحصوله بالحمل قبله. وخالفت الحنفية في إنقضاء العدة به، فجعلوه علة، فعلى هذا إذا طلقها بعد الولادة، ثم قالت بعد ذلك انقضت عدتي، قال أبو حنيفة: لا تصدق في أقل

< 526 الانصاف 1: 386، منار السبيل 1: 61. (1) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34: 167، المغني 1: 396، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 409، المجموع 2: 526.
(2) المبسوط للسرخسي 2: 20، بدائع الصنائع 1: 43، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167.
(3) تقدم في ص 428.
(4) تقدم في ص 429.
(5) المدونة الكبرى 1: 53، بداية المجتهد 1: 52، مقدمات ابن رشد 1: 91، المحلى 2: 203، المجموع 2: 524.

[ 450 ]

من خمسة وثمانين يوما، وفي رواية عنه: لا تصدق في أقل من مائة يوم، وفي أخرى: لا تصدق في أقل من مائة وخمسة عشر يوما. وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين. وفي قول محمد: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة. وهذه المسألة تبنى عندهم على أن الدمين إذا استدارا في الأربعين كان ذلك كله نفاسا في قول أبي حنيفة، وفي قول صاحبيه: إذا كان الطهر أقل من خمسة عشر يوما لم يفصل، وإلا فصل. أيضا: المعتدة لا تصدق في الأخبار عن إنقضاء العدة في أقل من شهرين في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يصدق وفي أقل من تسعة وثلاثين يوما. واختلفت الروايات عنه في تخريج قوله: فروى محمد أنه يبدأ بالطهر خمسة عشر، ثم الحيض خمسة، ثلاثة أدوار، فيكون ستين. وروي عنه الحسن بن زياد أنه يبدأ بالحيض عشرة، ثم الطهر خمسة عشر، ثلاثة أدوار، فطهران، وثلاث حيض، فيكون المجموع ستين يوما (1). إذا عرفت هذا، فنقول: ظهر على قول أبي حنيفة على الرواية الأولى، [ أنه ] (2) يجعل النفاس خمسة وعشرين يوما، وخمسة عشر طهرا لتأمن عليها الانتقاض، ثم يضم خمسة وعشرين النفاس إلى شهرين، فتصير خمسة وثمانين يوما، الحيض خمسة، ثم الطهر خمسة عشر يوما، ثم الحيض خمسة. وفي الرواية الثانية: أنه يجعل الحيض عشرة، ومحمد يجعل الحيض خمسة، فإن زاد ثلاث مرات خمسة، فعلى هذا صارت مائة. وفي الرواية التي يجعل مائة وخمسة عشر يجعل النفاس أربعين ويضم خمسة عشر إلى مائة. وأما أبو يوسف، فإنه يجعل النفاس أحد عشر والطهر بعده خمسة عشر، ثم يضم إلى ذلك تسعة وثلاثين على مذهبه في المعتدة فتصير خمسة وستين يوما، وإنما جعل النفاس

(1) لاحظ هذه الأقوال كلها في: المبسوط للسرخسي 3: 216 219.
(2) في النسخ: لأنه. ولعل الأنسب ما أثبتناه.

[ 451 ]

أحد عشر، لأن النفاس غالبا يزيد عن أكثر الحيض، والساعات لا تضبط (1) فانتقل عنها إلى الايام، وأقل الايام يوم، فاقتصر عليه. وأما محمد فإنه يصدقها في أقل النفاس وهو ساعة كما في أقل الحيض، ثم بعدها طهر خمسة عشر، ثم يضم ذلك إلى تسعة وثلاثين فتصير أربعة وخمسين يوما وساعة. وهذا الفرع ساقط عندنا، لأنه مبني على أصول ذهب فساد بعضها، وسيأتي إبطال الباقي إن شاء الله. مسألة: وغسلها واجب، لا نعرف فيه مخالفا من أهل القبلة. وكيفيته: كغسل الحيض، ولا بد معه من الوضوء على الخلاف (2)، ويجوز تقديم الوضوء وتأخيره، وتقديمه أفضل. نص عليه الشيخ في المبسوط (3)، وقال في الجمل بوجوب تقديم الوضوء عليها وعلى الحائض (4). والأقرب عدم الوجوب، إذ الأصل عدمه. وروى الشيخ في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في كل غسل وضوء إلا الجنابة) (5). والمعية الحقيقية غير مراد ها هنا لتعذره، فيحمل على المقارنة (6) الممكنة بالتقدم اليسير أو التأخر. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي

(1) (د) (ح): لا تنضبط.
(2) جمل العلم والعمل: 51.
(3) المبسوط 1: 30.
(4) الجمل والعقود: 45، 47.
(5) التهذيب 1: 143 حديث 403 وص 303 حديث 881، الاستبصار 1: 209 حديث 733، الوسائل 1: 516 الباب 35 من أبواب الجنابة، حديث 2. (6) (خ) (م) (ن): المقاربة.

[ 452 ]

عبد الله عليه السلام، قال: (كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة) (1). لأنا نقول: هذه صيغة أخبار، وهو غير مراد، فلا بد من إضمار شئ أو صرفه إلى الأمر، فيخرج عن الدلالة الظاهرة، فلا يبقى حجة. نعم، الأولوية ثابتة. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (سمعته يقول: ليس على النفساء غسل في السفر) (2). لأنا نقول: هذا الحديث متروك الظاهر بالاجماع، فلا بد من تأويله بالمحتمل، وهو ما إذا تعذر استعمال الماء للحاجة إليه، أو لتعذره، أو لغيرهما من الموانع بقرينة السفر الذي هو مظنة الاعذار. تذنيب: لو طهرت، ثم ولدت ولم تر دما لم تنتقض طهارتها، لأن الولادة بمجردها ليس ناقضة. الفصل الخامس: في غسل الاموات مسألة: ويجب الغسل على من مس ميتا من الناس بعد برده بالموت وقبل تطهيره بالغسل. وهو قول أكثر علمائنا (3)، ورواه الجمهور، عن علي عليه السلام، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والزهري، وأبي سعيد الجوزجاني (4) (5)، والشافعي في

(1) التهذيب 1: 139 حديث 391، الاستبصار 1: 126 حديث 428، الوسائل 1: 516 الباب 35 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 107 حديث 280، الاستبصار 1: 99 حديث 320، الوسائل 2: 610 الباب 1 من أبواب النفاس، حديث 3.
(3) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 40، وأبو الصلاح في الكافي: 129، وابن البراج في المهذب 1: 33، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 664، المحقق في المعتبر 1: 351، والشرائع 1: 25.
(4) كذا في النسخ، والصحيح: أبو إسحاق الجوزجاني كما في المصدر. وهو إبراهيم بن يعقوب صاحب التصانيف، سمع الحسين بن علي الجعفي ويزيد بن هارون، وحدث عنه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو زرعة. مات سنة 259 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 549، العبر 1: 372، شذرات الذهب 2: 139. >

[ 453 ]

والبويطي (1) (2)، وبه قال أحمد في الكافر خاصة (3). وقال السيد المرتضى: هو مستحب وليس بواجب (4). وهو مذهب الشافعي (5)، وأبي حنيفة (6)، وأبي ثور (7)، ونقل عن ابن عباس، وابن عمر، وعائشة والحسن، والنخعي، وإسحاق (8). لنا: ما رواه الجمهور، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من غسل ميتا فليغتسل) (9) قال الترمذي: وهذا حديث حسن. وما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أمر عليا عليه السلام أن يغتسل لما غسل أباه (10). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام

< (5) المغني 1: 243، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 243. (1) أبو يعقوب يوسف بن يحيى أكبر أصحاب الشافعي منسوب إلى (بويط) قرية من صعيد مصر الأدنى. كان خليفة الشافعي في حلقته بعد وفاته. مات سنة 231 ه‍. المجموع 1: 106 107.
(2) المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 185.
(3) المغني 1: 243، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 243.
(4) جمل العلم والعمل: 1. (5) الأم (مختصر المزني) 8: 10، المهذب للشيرازي 1: 129، المجموع 5: 186، المغني 1: 243، سنن الترمذي 3: 319، المحلى 2: 24، مغني المحتاج 1: 291، منار السبيل 1: 43.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 82، المجموع 5: 186، المحلى 2: 14، المعني 1: 243. (7 8) المغني 1: 243، المحلى 2: 24، المجموع 5: 186، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 243، منار السبيل 1: 43.
(9) سنن أبي داود 3: 201 حديث 3161، سنن ابن ماجة 1: 470 حديث 1463، سنن البيهقي 1: 300، مسند أحمد 2: 280، 433، 454، 472، ونقله بتفاوت وفي سنن الترمذي 3: 318 حديث 993.
(10) سنن البيهقي 1: 304، مسند أحمد 1: 103، 129، المغني 1: 243.

[ 454 ]

قال: (وغسل من غسل ميتا واجب) (1). وما رواه، عن يونس، عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل من غسل ميتا) (2) وعده في الفروض. وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (اغتسل إذا اغتسلت ميتا) (3). وما رواه في الحسن، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من غسل ميتا فليغتسل) (4). وما رواه، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يغتسل الذي غسل الميت) (5). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا) وقال: (إذا غسلت ميتا وكفنته أو مسسته بعد ما يبرد) (6).

(1) التهذيب 1: 104 حديث 270.
(2) التهذيب 1: 105 حديث 271، الاستبصار 1: 98 حديث 316، الوسائل 1: 463 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 4، وج 2: 930 الباب 1 من أبواب غسل مس الميت، حديث 17. في جميع المصادر: عن يونس عن بعض رجاله.
(3) التهذيب 1: 105 حديث 273، الوسائل 2: 933 الباب 4 من أبواب غسل مس الميت، حديث 2، و 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9. (4) التهذيب 1: 108 حديث 283، الاستبصار 1: 99 حديث 321، الوسائل 2: 929 الباب 1 من أبواب غسل مس الميت، حديث 14.
(5) التهذيب 1: 108 حديث 284، الاستبصار 1: 99 حديث 322، الوسائل 2: 930 الباب 1 من أبواب غسل مس الميت، حديث 15.
(6) التهذيب 1: 114 حديث 302، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 11.

[ 455 ]

احتج المخالف (1) بما رووه، عن صفوان بن عسال قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة (2). ولأنه غسل آدمي فلم يوجب الغسل كغسل الحي. والجواب عن الأول، من وجوه: أحدها: الطعن في الحديث، فإن مالك بن أنس لم يعمل به، ولو كان صحيحا لما رده. الثاني: إن قوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس نصا في الباب، لجواز أن يكون توهم ما ليس بأمر أمرا. الثالث: إنهم تارة ينقلون عن صفوان وأخرى عن عوف بن مالك الأشجعي (3) (4)، وذلك دليل الاضطراب وتطرق التهمة. الرابع: إنهم نقلوه عن النبي صلى الله عليه وآله في غزاة تبوك، ولو قلنا بموجبه، لما كان نقضا، لأن الغالب في أحوال (5) الحرب استناد الموت إلى القتل، ونحن نقول: إنه لا يجب على من مسه، الغسل حينئذ.

(1) المغني 1: 243، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 244.
(2) سنن الترمذي 1: 159 حديث 96، سنن ابن ماجة 1: 161 حديث 478، سنن الدارقطني 1: 197 حديث 15، سنن النسائي 1: 84، نيل الأوطار 1: 228 حديث 4، سنن البيهقي 1: 276 مع تفاوت يسير.
(3) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي يكنى أبا عبد الرحمن ويقال: أبو حماد، وقيل: أبو عمرو، روى عنه من الصحابة أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين أبو مسلم وأبو إدريس الخولانيان وغيرهم. مات بدمشق سنة 73 ه‍. أسد الغابة 4: 156، العبر 1: 59، شذرات الذهب 1: 79.
(4) سنن الدارقطني 1: 197 حديث 18، سنن البيهقي 1: 275.
(5) (م): حال.

[ 456 ]

الخامس: أنه عليه السلام إنما أمرهم بذلك بناءا على الغالب، فلا يكون دالا على النفي عن غيره. وعن الثاني: بالفرق، فإن الميت نجس عندنا، لما يأتي بخلاف الحي. فروع: الأول: يجب الغسل على الغاسل ومن مسه بغير الغسل، لرواية محمد بن مسلم. وقد تقدمت (1). الثاني: لا فرق في اللمس (2) بين أن يكون أحدهما رطبا أو كلاهما يابسين عملا بالعموم. الثالث: لو مسه رطبا ينجس نجاسة عينية، لما يأتي من أن الميت نجس. ولو مسه يابسا فالوجه أن النجاسة حكمية، فلو لاقى ببدنه (3) بعد ملاقاته للميت رطبا لم يؤثر في تنجسه، لعدم دليل التنجيس وثبوت الأصل الدال على الطهارة. مسألة: ولا يجب الغسل لو مسه بعد تطهيره بالغسل ولا قبل برده بالموت، وهو مذهب علماء الامصار، لأنه بعد التطهير طاهر، فلا تؤثر في التنجيس العيني والحكمي، وقبل البرد طاهر، لعدم انتقال الروح بالكلية، فلا يؤثر في التنجيس. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ولا تغتسل من مسه إذا أدخلته القبر ولا إذا حملته) (4). وروي في الحسن، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإن مسه ما

(1) تقدمت في ص 454.
(2) (ح) (د): المس.
(3) (خ) بدنه.
(4) التهذيب 1: 105 حديث 273، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9.

[ 457 ]

دام حارا فلا غسل عليه) (1). وعن ابن سنان عنه عليه السلام: (وإن قبل الميت بعد موته وهو حار فليس عليه غسل، ولكن إذا مسه وقبله وقد برد فعليه الغسل، ولا بأس بمسه بعد الغسل وتقبيله) (2). فروع: الأول: قال الشيخ في المبسوط: لو مسه قبل برده لم يجب الغسل ويغسل يده (3). وفي وجوب غسل اليد عندي نظر. الثاني: الأقرب في الشهيد أنه لا يجب الغسل بمسه، لأن الرواية تدل بمفهومها على أن الغسل إنما يجب في الصورة التي يجب فيها تغسيل الميت قبل غسله. الثالث: المقتول قودا، ومرجوما، أو حدا، إذا فعل ما أمر به من الغسل هل يجب الغسل بمسه بعد برده بالموت؟ فيه نظر من حيث أنه قد أمر بالتطهير أولا، وأوجب ابن إدريس الغسل به (4). ولو مات حتف أنفه بعد الغسل قبل القتل وجب إعادة الغسل عليه، ويجب على من مسه الغسل. الرابع: السقط الذي لدون أربعة أشهر لا يجب بمسه الغسل. قاله المفيد رحمه الله (5)، وهو قوي لما ذكرناه في المقتول، ولأنه لا يسمى ميتا، إذ الموت إنما يكون بعد

(1) التهذيب 1: 108 حديث 283، الاستبصار 1: 99 حديث 321، الوسائل 2: 929 الباب 1 من أبواب غسل مس الميت، حديث 14.
(2) التهذيب 1: 108 حديث 284، الاستبصار 1: 99 حديث 322، الوسائل 2: 930 الباب 1 من أبواب غسل مس الميت، حديث 15، بتفاوت في الجميع. (3) المبسوط 1: 179.
(4) السرائر: 33.
(5) المقنعة: 12.

[ 458 ]

حياة سابقة، وهو إنما يتم في أربعة أشهر، نعم يجب غسل اليد. الخامس: الأقرب أن الغسل يجب بمس الكافر، لأن في حياته نجس وبالموت لا يزول عنه ذلك الحكم، ويحتمل العدم لأن قولهم قبل تطهره بالغسل، إنما يتحقق في ميت يقبل التطهير. السادس: لو تعذر الماء فيمم الميت وجب على من مسه بعده الغسل، لأن النص قيد فيه التطهير بالغسل. مسألة: ويجب الغسل بمس قطعة من الميت ذات عظم لأنها بعضه، فيجب فيها ما يجب فيه، ولأن المس المعلق عليه الوجوب يصدق بمس الجزء، وليس الكل مقصودا، والانفصال لا يغير حكما، أما لو كانت خالية من العظم لم يجب الغسل بمسها، بل يجب غسل ما مسها به خاصة، نص عليه الأصحاب وكذا الحكم لو قطعت من حي يجب بمسها الغسل إن كانت ذات عظم، وإلا فلا. مسألة: ولو مس ميتا من غير الناس لم يجب الغسل وإنما يجب غسل ما مس به، ولا أعرف في عدم وجوب الغسل خلافا. ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته هل يجوز أن تمس الثعلب والأرنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا؟ قال: (لا يضره ولكن يغسل يده) (1). فروع: الأول: لو كانت الميتة غير ذات نفس سائلة لم تنجس بالموت لما يأتي، فلا تؤثر في التنجيس. الثاني: لا فرق بين أن يمس الميتة برطوبة أو لا في إيجاب غسل اليد خاصة، ولا

(1) التهذيب 1: 277 حديث 816، الوسائل 2: 935 الباب 6 من أبواب غسل مس الميت، حديث 4.

[ 459 ]

فرق بين كون الميتة مأكولة اللحم أو لا. الثالث: لو مس الصوف المتصل بها، أو الشعر، أو الوبر ففي إيجاب غسل اليد نظر ينشأ من صدق اسم مس الميتة، ومن كون الممسوس لو كان طاهرا فلا يؤثر اتصاله نجاسة (1) المماس. الرابع: هل تنجس اليد لو كانت الميتة يابسة؟ فيه نظر ينشأ من كون النجاسات العينية اليابسة غير مؤثرة في الملاقي، ومن عموم وجوب الغسل، وإنما يكون مع التنجيس، وحينئذ تكون نجاستها عينية أو حكمية؟ الأقرب: الثاني، فلو لا مس رطبا قبل غسل يده لم يحكم بنجاسته على إشكال، وينجس لولا مس الرطبة من الميتة نجاسة عينية. مسألة: قال بعض الجمهور: يجب الغسل على من غسل الكافر الحي (2)، ولا نعلم له حجة بوجه أصلا، مع أن أهل العلم كافة على خلافه. وأما كيفية غسل الاموات فسيأتي في باب الجنائز إن شاء الله تعالى. الفصل السادس: في الاغسال المندوبة وهي أما أن تستحب للوقت، أو للمكان، أو للفعل. وللأول أقسام: منها: غسل الجمعة، وهي مستحب عند أكثر علمائنا (3)، وأكثر أهل العلم (4)، وهو قول الأوزاعي، والثوري (5)، ومالك (6)، والشافعي (7)، وأبي حنيفة (8)،

(1) (خ): بنجاسة.
(2) المغني 1: 244، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 244.
(3) منهم: المفيد في المقنعة: 6، والشيخ في المبسوط 1: 40، وابن إدريس في السرائر: 23، وأبو الصلاح في الكافي: 135، والمحقق في الشرائع 1: 44. (4 5) المغني 2: 199، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 198.
(6) بداية المجتهد 1: 164، مقدمات ابن رشد 1: 43، المغني 2: 199، المجموع 4: 535، الشرح >

[ 460 ]

وأحمد (1). وروي، عن مالك أنه واجب (2). وكذا روي، عن أحمد أيضا (3)، وعن أبي هريرة (4)، وهو قول علي بن بابويه من أصحابنا وولده أبي جعفر (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن سمرة بن جندب (6) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) (7). وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام) (8) ولو

< الكبير بهامش المغني 2: 198.
(7) الأم 1: 211، المجموع 4: 535، المغني 2: 199، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 614، الأم: (مختصر المزني) 8: 10.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 89، المجموع 4: 535، بدائع الصنائع 1: 269. (1) المغني 2: 199، الانصاف 1: 247 وج 2: 407، المجموع 4: 535. الكافي لابن قدامة 1: 298.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 89، بدائع الصنائع 1: 270، الهداية للمرغيناني 1: 17، المجموع 4: 535، نيل الأوطار 1: 290.
(3) المغني 2: 199، الانصاف 2: 407.
(4) المغني 2: 199، المجموع 4: 535.
(5) الفقيه 1: 61، المقنع: 45، الهداية: 22.
(6) سمرة بن جندب يكنى أبا سعيد، وقيل غير ذلك، سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة، روى عنه الشعبي وابن أبي ليلى والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم. مات سنة 59 ه‍. وقيل 58 ه‍. أسد الغابة 2: 355، الاصابة 2: 78، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 77.
(7) سنن الترمذي 2: 369 حديث 497، سنن ابن ماجة 1: 347 حديث 1091، سنن أبي داود 1: 97 حديث 354، سنن النسائي 3: 94، سنن الدارمي 1: 362، في سنن ابن ماجة رواه عن أنس بن مالك.
(8) سنن الترمذي 2: 371 حديث 498، صحيح مسلم 2: 588 حديث 857، سنن ابن ماجة 1: 346 >

[ 461 ]

كان واجبا لبينه. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: (سنة وليس بفريضة) (1). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن غسل الجمعة، فقال: (سنة في السفر والحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه القر) (2) (3). وما رواه، عن أحمد بن محمد، عن القاسم، عن علي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل العيدين أواجب هو؟ فقال: (هو سنة) قلت: فالجمعة؟ قال: (هو سنة) (4). ولأن الأصل براء الذمة، فشغلها يحتاج إلى دليل، وقد وقع الاجماع على الترجيح فيبقى الزائد منفيا بالاصل. احتج المخالف (5) بما روي، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (غسل

< حديث 1090، نيل الأوطار 1: 291. (1) التهذيب 1: 112 حديث 295، الاستبصار 1: 102 حديث 333، الوسائل 2: 944 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9.
(2) القر بالضم: البرد. الصحاح 2: 789.
(3) التهذيب 1: 112 حديث 296، الاستبصار 1: 102 حديث 334، الوسائل 2: 945 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 10.
(4) التهذيب 1: 112 حديث 297، الاستبصار 1: 103 حديث 335، الوسائل 2: 945 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 12. (5) المبسوط للسرخسي 1: 89، المجموع 4: 535، المغني 2: 199، نيل الأوطار 1: 290، بدائع الصنائع 1: 270، الهداية للمرغيناني 1: 17.

[ 462 ]

الجمعة واجب على كل محتلم) (1) وقوله عليه السلام: (من أتى منكم الجمعة فليغتسل) (2) والامر للوجوب. وعن أبي هريرة عنه عليه السلام قال: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما ويغسل رأسه وجسده) (3). واحتج ابنا بابويه (4) بما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (غسل الجمعة واجب في السفر والحضر إلا أنه رخص للنساء في السفر لقلة الماء) (5). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اغتسل يوم الفطر والأضحى والجمعة وإذا غسلت ميتا) (6) والامر للوجوب. وما رواه في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الغسل من الجنابة ويوم الجمعة) (7) ولا ريب أن الأول واجب، وكذا الثاني، لأن حرف الصلة لا بد له من متعلق عامل فيه، ولا يصح تعلقه يعني الوجوب، والعطف

(1) صحيح البخاري 2: 6، صحيح مسلم 2: 580 حديث 846، سنن أبي داود 1: 94 حديث 341، سنن النسائي 3: 93، سنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1089، الموطأ 1: 102 حديث 4، نيل الأوطار 1: 293 حديث 2، جامع الأصول 8: 199 حديث 5354، سنن الدارمي 1: 361. وفيها: غسل يوم الجمعة..
(2) صحيح البخاري 2: 6، صحيح مسلم 2: 579 حديث 844، سنن الترمذي 2: 364 حديث 492، سنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1088، سنن النسائي 3: 93، الموطأ 1: 102 حديث 5، سنن الدارمي 1: 361، جامع الأصول 8: 200 حديث 5358.
(3) صحيح البخاري 2: 7، صحيح مسلم 2: 582 حديث 849، نيل الأوطار 1: 294 حديث 3.
(4) الفقيه 1: 45، 61 حديث 176، الهداية: 22.
(5) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 3.
(6) التهذيب 1: 105 حديث 273، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9.
(7) التهذيب 1: 110 حديث 290، الوسائل 2: 939 الباب 2 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 10.

[ 463 ]

يقتضي التشريك. وما رواه في الحسن، عن عبد الله بن المغيرة، عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الغسل الجمعة، قال: (واجب على كل ذكر وأنثى من عبد أو حر) (1). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن عبيد الله (2) قال: سألت الرضا عليه السلام عن غسل يوم الجمعة، فقال: (واجب على كل ذكر وأنثى من عبد أو حر) (3). والجواب عن الأول: أنها داله على تأكد الاستحباب لا والايجاب لما بيناه، جمعا بين الأدلة، ولأنه ذكر في سياقه: والسواك، وإن مس طيبا. كذا رواه مسلم (4)، والسواك ومس الطيب ليسا بواجبين، فكذا الغسل. وعن الرواية الأولى من أحاديث ابني بابويه: أنها ضعيفة السند، فإن سماعة (5) وعثمان بن عيسى (6) الراوي عنه واقفيان فلا تعويل على هذه الرواية، ويحتمل أنه أراد بالوجوب شدة الاستحباب لما بيناه من الاحاديث، وهو الجواب عن باقي الروايات. وقوله: إن الأمر للوجوب، مسلم، إلا أنه غير مراد هنا، لما بيناه من الدليل، ولأنه لو كان للوجوب لكانت الاغسال التي عددها واجبة، وليس كذلك. وقوله: حرف الصلة لا بد له من عامل يتعلق به، ولا يصح تعلقه بغير الوجوب

(1) التهذيب 1: 111 حديث 291، الاستبصار 1: 103 حديث 336، الوسائل 2: 943 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 3.
(2) (م) (ح): عبد الله.
(3) التهذيب 1: 111 حديث 292، الاستبصار 1: 103 حديث 337، الوسائل 2: 944 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 6.
(4) صحيح مسلم 2: 581 حديث 846.
(5) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص: 84.
(6) تقدمت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص: 39.

[ 464 ]

ممنوع، بل يتعلق (1) بما تدل عليه قرينة الحال، وهو عموم الثبوت والاستقرار، وهذا لا ينافي في الوجوب لدليل زائد. فروع: الأول: وقته للمختار (2) من طلوع الفجر إلى الزوال، وهو قول مجاهد، والحسن، والنخعي، والثوري، والشافعي وإسحاق (3). وقال الأوزاعي: يجزيه قبل الفجر (4). وعن مالك أنه لا يجزيه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح (5). لنا: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (من اغتسل يوم الجمعة) (6) واليوم من طلوع الفجر. وكذا من طريق الخاصة قول أبي عبد الله عليه السلام: (اغتسل يوم الجمعة) (7). وأما إن انتهاء وقته الزوال، فلأن العلة إنما هي حضور المسجد للصلاة، لما رواه الجمهور، عن عائشة قالت: كانت الناس يروحون إلى الجمعة بهيئتهم فتظهر لم رائحة، فقيل لهم: لو اغتسلتم. رواه مسلم (8).

(1) (م): متعلق.
(2) (م): وقت المختار.
(3) المغني 2: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 200، المجموع 4: 536، المحلى 2: 20.
(4) المغني 2: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 200، المجموع 4: 536، المحلى 2: 20.
(5) المدونة الكبرى 1: 145، الموطأ 1: 102، المغني 2: 200، الشرح الكبير 2: 200، المجموع 4: 536، نيل الأوطار 1: 293. (6) سنن أبي داود 1: 94 حديث 343 وص 95: 345، سنن الترمذي 2: 367 حديث 496، سنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1087، سنن النسائي 3: 97، سنن الدارمي 1: 363، مسند أحمد 2: 209.
(7) التهذيب 1: 105 حديث 273، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9.
(8) صحيح مسلم 2: 581 حديث 847 بتفاوت.

[ 465 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كانت الأنصار تعمل في نواضحها وأموالها، فإذا كان يوم الجمعة جاؤا فتأذى الناس بأرواح آباطهم وأجسادهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك السنة) (1). وروي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة في أول النهار، وقال: (يقضيه في آخر النهار فإن لم يجد فيقضيه يوم السبت) (2) والقضاء إنما يكون بعد فوات الوقت. الثاني: والغسل مستحب لليوم، خلافا لأبي يوسف (3)، فلو أحدث بعد الغسل لم يبطل غسله وكفاه الوضوء. وهو قول مجاهد، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي (4)، واستحب طاوس، والثوري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير (5) إعادة الغسل. لنا: إنه اغتسل يوم الجمعة فأتى بالمجزي، والامر لا يقتضي التكرار، ولأن الغسل للتنظيف، وقد حصل، والحدث لا يضاده، ولأنه غسل، فلا يؤثر الحدث في إبطاله كالجنابة، ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام في أي الليالي أغتسل في شهر رمضان؟ قال: (في تسع عشرة، وفي إحدى

(1) التهذيب 1: 366 حديث 1112، الوسائل 2: 945 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، ذيل حديث 15.
(2) التهذيب 1: 113 حديث 300، الاستبصار 1: 104 حديث 340، الوسائل 2: 949 الباب 10 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 3.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 89 90، بدائع الصنائع 1: 270، الهداية للمرغيناني 1: 17، شرح فتح القدير 1: 59، عمدة القارئ 6: 166.
(4) المغني 2: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 200 201، المجموع 4: 536.
(5) المغني 2: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 201، المجموع 4: 536، المحلى 2: 22.

[ 466 ]

وعشرين، وفي ثلاث وعشرين، والغسل أول الليل) قلت: فإن نام بعد (1) الغسل؟ قال: (هو مثل غسل الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك) (2). الثالث: لو فاته يوم الجمعة قبل الزوال قضاه بعده، ولو فاته يوم الجمعة أصلا قضاه يوم السبت. لنا: أنه عبادة مؤقتة فات وقتها، فاستحب قضاؤها كغيرها من مؤقتات العبادات. ويؤيده: رواية سماعة بن مهران، وقد تقدمت. وما رواه الشيخ في الموثق، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة، قال: (يغتسل ما بينه وبين الليل، فإن فاته اغتسل يوم السبت) (3). ولو فاته يوم السبت لم يستحب قضاؤه، لأن الأصل عدمه، وقد سلم عن معارضة النص الدال على خلافه بخلاف السبت. الرابع: لو غلب على ظنه يوم الخميس فقدان الماء في الجمعة استحب له تقديم يوم الخميس، لأنه طاعة في نفسه، فلا يؤثر فيها الوقت، ولما رواه الشيخ، عن محمد بن الحسن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لاصحابه: (أنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد، فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة) (4) وما رواه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين (5) بن موسى بن جعفر، عن أمه وعن أم

(1) في النسخ: يعيد، وما أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 373 حديث 1142، الوسائل 2: 950 الباب 11 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 113 حديث 301، الوسائل 2: 950 الباب 10 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 365 حديث 1109، الوسائل 2: 948 الباب 9 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 1.
(5) الحسين بن موسى بن جعفر، روى عن أبيه وعن أمه وأم أحمد بن موسى بن جعفر (ع). >

[ 467 ]

أحمد (1) إبنه (2) موسى بن جعفر عليه السلام قالتا: كنا مع أبي الحسن عليه السلام بالبادية ونحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: (اغتسلا يوم الغد يوم الجمعة) (3). تذنيب: لو اغتسل يوم الخميس لخوف الاعواز، ثم وجد الماء يوم الجمعة، استحب له الاعادة، لأن البدل إنما يجزي مع تعذر المبدل، وغسل الخميس هنا بدل، أما لو وجده بعد الزوال فإن الأقرب (4) عدم الاعادة لفوات الوقت، والقضاء كالتقديم في البدلية. آخر: لو خاف الفوات يوم الجمعة دون السبب احتمل استحباب التقديم للعموم، ولأن فيه مسارعة إلى فعل الطاعة. وعدمه، لأن القضاء أولى من التقديم كما في صلاة الليل للشاب والمسافر. الخامس: لا بد فيه من النية، لأنه عبادة محضة فافتقرت إلى النية كتجديد الوضوء، والأقرب أنه لا بد من ذكر السبب ونية الندب والتقرب. السادس: يستحب فيه الدعاء، لما رواه عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإذا اغتسلت للجمعة فقل: اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق به ديني وتبطل به عملي، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) (5).

< جامع الرواة 1: 256، معجم رجال الحديث 6: 99. (1) أم أحمد بن الحسين، واسمها: زهراء، عدها الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد (ع) وأحمد هذا ابن داود البغدادي، ويطلق عليه: أحمد بن الحسين بن موسى بن جعفر (ع) باعتبار كونه ابن بنت الحسين بن موسى بن جعفر. رجال الطوسي: 409، تنقيح المقال 3: 70، 78.
(2) قال المحقق المامقاني: الموجود في الكافي وبعض نسخ التهذيب، كلمة: بنت، وفي بعض النسخ: (ابني) بدل (بنت) وعليه فالمعنى ظاهر. وفي نسخة ثالثة: (ابنتي) وعليه فلا بد أن يكون الحسين بن موسى باعتبار كون أمه بنت موسى، وإلا فلا يعقل أن يكون المراد ب‍: الحسين هو: الحسين من أولاد موسى الصلبيين، وكون أمه بنت موسى، تنقيح المقال 3: 71.
(3) التهذيب 1: 365 حديث 1110، الوسائل 2: 949 الباب 9 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 2.
(4) (خ) (ن) (ح) (ق) (د): فإن الأقرب.
(5) التهذيب 1: 367 حديث 1116، الوسائل 1: 520 الباب 37 من أبواب الجنابة، حديث 3. في >

[ 468 ]

السابع: هو مستحب للرجال والنساء، الحاضرين والمسافرين العبيد والأحرار سواء في ذلك. وقال أحمد: لا يستحب لمن لا يأتي الجمعة، فليس على النساء غسل، وعلى قياسهن الصبيان، والمسافر، والمريض (1)، وكان ابن عمر، وعلقمة (2) (3) لا يغتسلان للسفر (4)، وكان طلحة (5) يغتسل (6). وبالاغتسال في السفر قال مجاهد وطاوس (7). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: غسل الجمعة واجب على كل محتلم (8) وقد بينا أن الوجوب المعني به ها هنا: الاستحباب المؤكد (9)، وهو عام في الذكور والإناث، العبيد والأحرار، المسافرين والحضار.

< التهذيب: تبطل بها عملي. (1) المغني 2: 201، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 201.
(2) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، فقيه العراق وصاحب ابن مسعود، سمع من عمر وعثمان وابن مسعود وعلي (ع) مات سنة 62 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 48، العبر 1: 49، شذرات الذهب 1: 70.
(3) المغني 2: 201، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 201، المجموع 4: 536.
(4) كذا في النسخ، وفي المصادر: في السفر.
(5) أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التميمي، لما أسلم آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين الزبير بمكة، وبينه وبين أبي أيوب الأنصاري بالمدينة، وهو أحد العشرة المبشرة وأحد أصحاب الشورى، وهو ممن قام بحرب علي (ع) خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله في وقعة الجمل وقتل فيها بسهم مروان بن الحكم سنة 36 ه‍. الاصابة 2: 229، الاستيعاب بهامش الاصابة 3: 59، العبر 1: 27، أسد الغابة 3: 59. (6 7) المغني 2: 201، 202، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 201، المجموع 4: 536.
(8) صحيح البخاري 2: 6، صحيح مسلم 2: 580 حديث 846، سنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1089، سنن أبي داود 1: 94 حديث 341، الموطأ 1: 102 حديث 4، سنن النسائي 3: 93، سنن الدارمي 1: 361.
(9) تقدم في ص 463.

[ 469 ]

ومن طريق الخاصة: ما تقدم من الاحاديث الدالة على العموم (1)، سفرا وحضرا، للنساء والرجال، عبيدا (2) وأحرارا. وروى الشيخ في الحسن، عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن النساء أعليهن غسل الجمعة؟ قال: (نعم) (3). احتجوا بقوله عليه السلام: (من أتى الجمعة فليغتسل) (4) ولأن المقصود التنظيف وقطع الرائحة، وهذا يختص بالآتي إلى المسجد. والجواب عن الأول: أنه يدل على استحبابه للآتي، لا على نفيه عن غيره، دليل الخطاب ليس بحجة. وعن الثاني: أن المقصود وإن كان ذلك، لكن التعليل به غير جائز، إذ الأمور الخفية غير صالحة للتعليل، بل إنما تعتبر مظانها، كالسفر للمشقة. الثامن: لو حضر الجمعة من لا تجب عليه، استحب الغسل له إجماعا، أما عندنا فلما بيناه، وأما عند المخصص (5) بالحاضر فلوجود المعنى الموجب للاستحباب، والغسل لم يستحب للصلاة الواجبة، بل للحضور والصلاة مطلقا، وهما حاصلان في حق الحاضر على جهة الاستحباب. التاسع: كلما قرب فعله من الزوال كان أفضل، لأنه غالبا إنما يستحب

(1) تقدمت في ص 463.
(2) (ح) (ق): أو.
(3) التهذيب 1: 111 حديث 294، الوسائل 2: 944 الباب 6 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 8.
(4) صحيح البخاري 2: 6، صحيح مسلم 2: 579 حديث 844، سنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1088، سنن الترمذي 2: 364 حديث 492، الموطأ 1: 102 حديث 5، سنن النسائي 3: 93، سنن الدارمي 1: 361، جامع الأصول 8: 200 حديث 5358.
(5) (ن) (م) (ح) (ق): المخصص.

[ 470 ]

للحضور، فالمقارنة (1) أولى، ويتفاوت الاستحباب بتفاوت القرب منها والبعد. مسألة: ويستحب الغسل في يومي: الفطر والأضحى. وبه قال علي عليه السلام، وذهب إليه علقمة، وعروة، وعطاء والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد (2)، ومالك (3)، والشافعي (4)، لما رواه ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يغتسل يوم الفطر والأضحى (5). وروي عنه عليه السلام أنه قال في جمعة من الجمع: (هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك) (6) علل هذه الاشياء بكون الجمعة عيدا، فيثبت الحكم في الأصل قطعا. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة، عن، أبي عبد الله عليه السلام قال: (وغسل يوم الفطر وغسل يوم الاضحى سنة لا أحب تركها) (7). وما رواه، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الغسل من الجنابة وغسل الجمعة والعيدين) (8). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: اغتسل يوم الاضحى والفطر) (9) وليس الأمر ها هنا للايجاب فيبقي الرجحان المطلق مرادا وهو

(1) (م): والمقارنة.
(2) المغني 2: 228، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 227.
(3) المدونة الكبرى 1: 167، بداية المجتهد 1: 216، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 227، المغني 2: 228.
(4) الأم 1: 231، المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 5: 7، مغني المحتاج 1: 312.
(5) سنن ابن ماجة 1: 417 حدث 1315، سنن البيهقي 3: 278.
(6) الموطأ 1: 65 حديث 113.
(7) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 3.
(8) التهذيب 1: 105 حديث 272، الوسائل 2: 940 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 12.
(9) التهذيب 1: 105 حديث 273، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 9.

[ 471 ]

دال على الندبية. وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا) (1) وعد منها يوم العيدين. فروع: الأول: وقت الغسل بعد طلوع الفجر، خلافا لأحمد في أحد قوليه (2). لنا: إن اليوم إنما ينطلق على ما بعد الفجر، فلم يجز قبله كغسل الجمعة، ولأنه أبلغ في التنظيف. الثاني: هل يمتد وقته بامتداد اليوم، والأقرب أنه تنظيف مضيق عند الصلاة، لأن المقصود منه التنظيف للاجماع في الصلاة، وإن كان اللفظ الوارد دالا على امتداد وقته. الثالث: لو فات لم يستحب قضاؤه، لأن الأمر تعلق بنفس اليوم، فلا يتعدى إلى غيره، ولأن المقصود الاجتماع، وهو قد فات. الرابع: الأقرب استحبابه على النساء ومن لا يحضر العيد كالجمعة، وإن كان اللفظ لم يدل بالنص على ذلك إلا في رواية زرارة، عن أحدهما عليه السلام، قال: (المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها) (3). وهل يستحب للصبيان؟ قالت الشافعية به، لأن المراد ها هنا التنظيف للتجمل والزينة، بخلاف الجمعة، لأن القصد فيه زوال الرائحة (4)، وعندي في ذلك نظر.

(1) التهذيب 1: 114 حديث 302، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، حديث 11.
(2) المغني 2: 229، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 227، الانصاف 1: 248.
(3) الكافي 3: 41 حديث 1، التهذيب 1: 107 حديث 279، الوسائل 1: 525 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 1.
(4) المهذب للشيرازي 1: 119، المجموع 5: 6.

[ 472 ]

الخامس: لا بد فيه من النية، لما قلناه في الجمعة (1). ولو أحدث بعد الغسل أجزأه، لما بيناه (2) ثم. مسألة: ويستحب الغسل ليلة الفطر، وأول ليلة من شهر رمضان، وليلة النصف منه، وسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وليلة النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، ويوم الغدير، ويوم المباهلة، ويوم عرفة، ويوم التروية، ويوم نيروز للفرس، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من رمضان وهي ليلة التقى الجمعان، وليلة تسع عشرة وفيها يكتب الوفد وفد السنة، وليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء وفيها رفع عيسى بن مريم وقبض موسى عليه السلام، وليلة ثلاث وعشرين يرجى فيها ليلة القدر، ويوم العيدين، وإذا دخلت الحرمين، ويوم تحرم، ويوم الزيارة، ويوم تدخل البيت، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا غسلت ميتا، وكفنته، أو مسسته بعد ما يبرد، ويوم الجمعة، وغسل الجنابة فريضة، وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل) (3). وما رواه، عن الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ما ينبغي لنا أن نعمل فيها يعني ليلة الفطر؟ فقال: (إذا غربت الشمس فاغتسل) (4). وما رواه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (صوموا شعبان

(1) تقدم في ص 467.
(2) تقدم في ص 465.
(3) التهذيب 1: 114 حديث 302، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 11. وفيهما: أو كفنته. (4) التهذيب 1: 115 حديث 303، الوسائل 2: 954 الباب 15 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1.

[ 473 ]

واغتسلوا ليلة النصف منه، ذلك تخفيف من ربكم) (1). وما رواه، سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل المباهلة واجب) (2) أراد به شدة الاستحباب. وعنه عليه السلام: (وغسل أول ليلة من شهر رمضان يستحب) (3) وباقي الاوقات ويستحب فيها الزيادة، لما يأتي، ويستحب فيها الغسل. الثاني: ما يستحب للمكان، وهو أقسام: غسل دخول الحرم، والمسجد الحرام، والكعبة، والمدينة، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، ومشاهد الأئمة عليهم السلام لقوله عليه السلام: (وإذا دخلت الحرمين، ويوم تحرم، ويوم الزيارة، ويوم تدخل البيت) (4). وفي حديث محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام: (وحين تدخل الحرم، وإذا أردت دخول البيت الحرام، وإذا أردت دخول مسجد الرسول صلى الله عليه وآله) (5). وفي رواية ابن سنان الصحيحة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (ودخول مكة والمدينة، ودخول الكعبة) (6). الثالث: ما يستحب للفعل، وهي أمور: غسل الاحرام، والطواف، وزيارة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم

(1) التهذيب 1: 117 حديث 308، الوسائل 2: 959 الباب 23 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب أ من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، 3.
(4) التهذيب 1: 114 حديث 302، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 11.
(5) التهذيب 1: 105 حديث 272، الوسائل 2: 940 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 12.
(6) التهذيب 1: 110 حديث 290، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 10.

[ 474 ]

السلام، لما رواه سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل الزيارة واجب إلا من عله، وغسل المحرم واجب) (1) والمراد الاستحباب. وما رواه الشيخ، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال (الفرض من الغسل ثلاث) (2) وعد منها غسل الاحرام. وفي رواية ابن سنان الصحيحة، عن أبي عبد الله عليه السلام وحين يحرم وغسل الزيارة (3). فروع الأول: الاحرام يعم إحرام الحج والعمرة، فيعمهما الحكم باستحباب الغسل. الثاني: الزيارة تعم زيارة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، فيعم الاستحباب. الثالث: هذا الحكم عام في الرجال والنساء، لرواية زرارة عن أحدهما عليهما السلام: (وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها وإحرامها وغسلها من حيضها وعيدها) (4). مسألة: والغسل من توبة الفسق مستحب، سواء كان الفسق مشتملا على كبيرة أو صغيرة، وهو مذهب علمائنا أجمع، لما رواه الشيخ وابن بابويه في كتابيهما، عن أبي

(1) الفقيه 1: 45 حديث 176، الكافي 3: 40 حديث 2، التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 3.
(2) التهذيب 1: 105 حديث 271، الاستبصار 1: 98 حديث 316، الوسائل 1: 463 الباب 1 من أبواب الجنابة، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 110 حديث 290، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 10.
(4) التهذيب 1: 107 حديث 279، الوسائل 1: 525 الباب 43 من أبواب الجنابة، حديث 1. في المصادر: وإحرامها وجمعتها.

[ 475 ]

عبد الله عليه السلام أنه جاء إليه رجل، فقال له: إن لي جيرانا ولهم جوار يتغنين ويضربن بالعود فربما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا مني لهن، فقال له عليه السلام: (لا تفعل) فقال: والله ما هو شئ آتيه برجلي إنما هو سماع أسمعه بأذني، فقال الصادق عليه السلام: (يا لله أنت أما سمعت الله يقول (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (1) فقال الرجل: كأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله عزوجل من عربي ولا عجمي، لا جرم أني قد تركتها وإني استغفر الله، فقال له لصادق عليه السلام: (قم فاغتسل وصل ما بدا لك، فلقد كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك، استغفر الله واسأله التوبة من كل ما يكره، فإنه لا يكره إلا القبيح، والقبيح دعه لاهله فإن لكل أهلا) (2). ولأن الغسل طاعة في نفسه، فكان مستحبا عقيب التوبة ليظهر أثر العمل الصالح. مسألة: ويستحب من توبة الكفر سواء كان ارتدادا، أو أصليا، اغتسل قبل إسلامه، أو لم يغتسل، إلا أن يوجد منه في حالة الكفر ما يوجب سبب الوجوب، فيجب. وهو مذهب علمائنا أجمع، واختاره أبو بكر القاضي (3) (4)، وهو مذهب الشافعي (5)، ولم يوجب أبو حنيفة الغسل عليه بحال (6)، وأوجبه أحمد مطلقا (7)، وهو

(1) الاسراء: 39.
(2) التهذيب 1: 116 حديث 304، الفقيه 1: 45 حديث 177، الوسائل 2: 957 الباب 18 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1.
(3) عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر الفقيه الحنبلي، صاحب الخلال وشيخ الحنابلة صاحب التصانيف روى عن موسى بن هارون وأبي خليفة الجمحي. مات سنة 363 ه‍. العبر 2: 116، شذرات الذهب 3: 45، تاريخ بغداد 10: 459. (4) المغني 1: 239، الانصاف 1: 236، المجموع 2 153.
(5) الأم 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 30، المجموع 2: 153، نيل الأوطار 1: 281، المغني 1: 239. >

[ 476 ]

مذهب مالك، وأبي ثور (1). لنا على الرجحان: إن الكفر أعظم من الفسق، وقد ثبت بالحديث (2) الأول استحباب الغسل للفاسق، فالكافر أولى. ولأن تعليله عليه السلام أمره بالاغتسال يدل عليه من حديث المفهوم، ولأن النبي صلى الله عليه وآله أمر قيس بن عاصم لما أسلم بالاغتسال بماء وسدر (3). وأما على عدم الوجوب: فما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما بعث معاذ إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) (4) ولو كان الغسل واجبا لأمرهم به، لأنه أول واجبات الاسلام. ولأنه نقل نقلا متواترا أن العدد الكثير أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل متواترا أو ظاهرا، ولأن الأصل عدم الوجوب. احتج أحمد برواية قيس (5). والجواب: أنه لو كان الأمر للوجوب، لوجب عليه الغسل بالماء والسدر، لأنه

< (6) بدائع الصنائع 1: 35، المجموع 2: 153، المغني 1: 239.
(7) المغني 1: 239، الكافي لابن قدامة 1: 72، الانصاف 1: 236. (1) المغني 1: 239، المجموع 2: 153.
(2) (ح) (ق): في الحديث.
(3) سنن أبي داود 1: 98 حديث 355، سنن النسائي 1: 109، نيل الأوطار 1: 281 حديث 1، جامع الأصول 8: 209 حديث 5374.
(4) صحيح البخاري 2: 130 وج 5: 206، صحيح مسلم 1: 51، سنن الترمذي 3: 21 حديث 625، سنن ابن ماجة 1: 568 حديث 1783، سنن أبي داود 2: 105 حديث 1584، سنن النسائي 5: 55، سنن الدارمي 1: 379، سنن الدارقطني 2: 136 حديث 4، 5، مسند أحمد 1: 233. في الجميع بتفاوت.
(5) المغني 1: 239، الكافي لابن قدامة 1: 72.

[ 477 ]

المأمور به، وقد وافقنا على عدم ذلك. وأما الوجوب عند حصول السبب، فقد قدمنا بيانه. مسألة: ويستحب الغسل لصلاة الاستسقاء، لما رواه ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله للاستسقاء متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه، لكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد (1). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (2). وقد بينا استحباب الغسل لصلاة العيد (3)، فيثبت فيما ماثلها. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل الاستسقاء واجب) (4) أراد به شدة الاستحباب، ولأن المقتضي لاستحباب الغسل أما التنظيف للاجتماع، أو زيادة التطهير للصلاة، والمعنيان موجودان في الاستسقاء فاستحب. مسألة: ويستحب عند صلاة الاستخارة، وصلاة الحاجة، لما رواه الشيخ، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني اخترعت دعاءا فقال: (دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصل ركعتين تهديهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله) قلت: كيف أصنع؟ قال: (تغتسل وتصل ركعتين.) ثم ذكر الحديث، قال أبو عبد الله عليه السلام:

(1) سنن الترمذي 2: 445 حديث 558، بتفاوت يسير، انظر: سنن أبي داود 1: 302 حديث 1165، سنن ابن ماجة 1: 403 حديث 1266، سنن النسائي 3: 163.
(2) سنن الترمذي 2: 445.
(3) تقدم بيانه في ص 470.
(4) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 3.

[ 478 ]

(أنا الضامن على الله أن لا يبرح حتى تقضى حاجته) (1). وما رواه، عن مقاتل بن مقاتل (2) قال: قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك علمني دعاءا لقضاء الحوائج؟ قال: فقال: (إذا كانت لك حاجة إلى الله مهمة فاغتسل والبس أنظف ثيابك.) (3) وذكر الحديث. وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في والامر يطلبه الطالب من ربه، قال: (يتصدق في يومه على ستين مسكينا على كل مسكين صاع بصاع النبي صلى الله عليه وآله، فإذا كان الليل فاغتسل ثلث الليل الباقي (4) ويلبس أدنى ما يلبس) وذكر الحديث، إلى أن قال: (فإذا رفع رأسه في السجدة الثانية استخار الله مائة مرة) (5). مسألة: ويستحب غسل المولود عند ولادته، لما رواه الشيخ، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وغسل المولود واجب) (6) والمراد به الاستحباب المؤكد، ولأنه خرج من محل الخبث، فاستحب غسله. وقال بعض أصحابنا بوجوبه (7). وهو متروك.

(1) التهذيب 1: 116 حديث 305، الوسائل 2: 958 الباب 20 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1. وج 5: 257 الباب 28 من أبواب بقية الصلوات المندوبة، حديث 5. في التهذيب: (أن لا تبرح من مكانك حتى تقضى حاجتك).
(2) مقاتل بن مقاتل البلخي، روى عن الرضا (ع)، له كتاب عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال النجاشي: 424، رجال الطوسي: 390، 391.
(3) التهذيب 1: 117 حديث 306، الوسائل 2: 958 الباب 20 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 2.
(4) (ح) (ق) (خ): الثاني.
(5) التهذيب 1: 117 حديث 307، الوسائل 2: 958 الباب 21 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1.
(6) التهذيب 1: 104 حديث 270، الوسائل 2: 937 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 3.
(7) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 664.

[ 479 ]

مسألة: ويستحب الغسل لقضاء صلاة الكسوف إذا تركها متعمدا مع إستيعاب الاحتراق. وهو مذهب أكثر الأصحاب (1)، وقال بعضهم: هو واجب (2). والأصل الرجحان مطلقا، لما رواه الشيخ، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل [ فكسل أن يصلي ] (3) فليغسل من غد وليقض الصلاة، وإن لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل) (4) وهذه الرواية وإن دلت على الوجوب ظاهرا لكنها مقطوعة السند. وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (وغسل الكسوف إذا احترق القرص كله فاغتسل) (5) وهذه الرواية ظاهرة في الوجوب، فلو قلنا به لهذه الرواية والاحتياط، كان قويا. مسألة: قال ابن بابويه: روي أن من قتل وزغا فعليها الغسل، قال: وقال بعض مشائخنا: أن العلة في ذلك أنه يخرج من ذنوبه فيغتسل منها، قال: وروي أن من قصد إلى مصلوب فنظر إليه وجب عليه غسل عقوبة (6). والوجه: الاستحباب.

(1) منهم: المفيد في المقنعة: 6، وابن البراج في المهذب 1: 33، وابن إدريس في السرائر: 23.
(2) كالشريف المرتضى في رسائله (المجموعة الأولى): 223، وسلار في المراسم: 40، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 135.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 3: 157 حديث 337، الاستبصار 1: 453 حديث 1758، الوسائل 5: 155 الباب 10 من أبواب صلاة الكسوف والآيات، حديث 5، وج 2: 960 الباب 25 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 1:.
(5) التهذيب 1: 114 حديث 302، الوسائل 2: 939 الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، حديث 11. (6) الفقيه 1: 44 45 حديث 174 175.

[ 480 ]

فروع: الأول: لو اجتمعت أسباب الاستحباب، فالأقرب الاكتفاء بغسل واحد عنها. الثاني: لا ترفع هذه الأغسال الحدث. خلافا للسيد المرتضى، وقد تقدم. الثالث: ما يستحب للمكان والفعل يقدم عليهما، وما يستحب للوقت يفعل بعد دخوله. الرابع: ما كان للفعل يستحب أن يوقع الفعل عليه، فلو أحدث استحب إعادته، وما كان للوقت كفاه وإن أحدث. الخامس: لو نوى بالغسل الواحد الواجب والندب، فالوجه عدم إجزائه عنهما معا، لاستحالة وقوعه على صفتي ما نواه، والترجيح من غير مرجح. وهو مذهب أبي سهل الصعلوكي من الشافعية (1). وقال الشيخ وابن أبي عقيل بالاجزاء (2)، وهو أصح وجهي الشافعية (3). السادس: لا عوض لهذه الأغسال المندوبة، فلا يجزي الوضوء ولا التيمم وإن كان الماء متعذرا بل يسقط الفعل، لأن المأمور به الغسل، وشئ منهما لا يصدق عليه اسمه، فلا يتحقق الإجزاء. وقال الشيخ: إن التيمم قد يكون بدلا من غسل الاحرام عند فقد الماء (4). السابع: كيفية هذه الأغسال مثل غسل الجنابة، فلو نذر غسل الجمعة وجب فيه الترتيب.

(1) المجموع 1: 326.
(2) المبسوط 1: 40.
(3) المجموع 1: 326، المغني 1: 253.
(4) المبسوط 1: 314.

[ 481 ]

الثامن: لو نوى غسل الجنابة خاصة في يوم الجمعة لم يحصل له فضل غسل الجمعة إن لم نقل بالتداخل. ولو نوى غسل الجمعة خاصة لم يحصل غسل الجنابة قطعا، وهل يصح غسل الجمعة؟ الاقوى ذلك. وللشافعية قولان، هذا أحدهما، لأنه نوى شيئا وفعله فصح له، والثاني: لا يصح، لأنه نوى التنظيف، ومع الجنابة لا قطعا، وهل يصح غسل الجمعة؟ الاقوى ذلك. وللشافعية قولان، هذا أحدهما، لأنه نوى شيئا وفعله فصح له، والثاني: لا يصح، لأنه نوى التنظيف، ومع الجنابة لا نظافة (1). مسألة: وليس على المجنون والمغمى عليه إذا أفاق الغسل، لا وجوبا، ولا استحبابا، خلافا للحنابلة في الاستحباب (2). لنا: الاجماع على أنه لا يجب، ولأن زوال العقل في نفسه ليس بموجب للغسل، والانزال مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشك، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل ولم يقم. ولو وجد منهما الانزال، وجب الغسل بعد الافاقة لوجود السبب. مسألة: قال بعض الحنفية: يستحب للصبي إذا أدرك، الغسل (3). ولا نعرف عليه نصا، ولا شك أن الاستحباب حكم شرعي، فيقف على الدليل.

(1) المهذب للشيرازي 1: 113، المجموع 4: 534.
(2) المغني 1: 244.
(3) بدائع الصنائع 1: 35.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية