الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منتهى المطلب (ط.ج)- العلامة الحلي ج 1

منتهى المطلب (ط.ج)

العلامة الحلي ج 1

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر (648) ه‍ - (726) ه‍ الجزء الأول تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية.

[ 4 ]

الكتاب: منتهى المطلب في تحقيق المذهب المؤلف: العلامة الحلي. التحقيق: قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية. الخط والإخراج: الحافظ علاء البصري الناشر: مجمع البحوث الاسلامية، ايران مشهد ص. 336 / 91735 الطبعة: الأولى 1412 ق. العدد: 3000 نسخة. الطبع: مؤسسة الطبع والنشر في الآستانة الرضوية المقدسة

[ 5 ]

تقديم بقلم الدكتور محمود البستاني

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (1) يعد " العلامة الحلي " واحدا من أبرز الاسماء التي أفرزتها عصور التأريخ الفقهي، وإذا كان التأريخ الفقهي قد حفل بأسماء كثيرة من المتميزين، فإن هناك في صعيد المتميزين أنفسهم أسماء متفوقة معدودة فرضت فاعليتها بنحو متفرد في ميدان النشاط الفقهي، حيث يجئ " العلامة " في مقدمة الاسماء المشار إليها. ويتمثل هذا النشاط " نوعيا " في " تطوير " الممارسة الفقهية وغيرها من ضروب المعرفة، أي: إدخال الجديد من أدوات الممارسة فضلا عن اتشاحها بالمشمول والعمق والدقة. وأما " كميا " فيتمثل هذا النشاط في تنويع المعرفة " فقه "، أصول، كلام، رجال،. إلخ " حيث لا تنحصر نشاطات " العلامة " في ضرب واحد منها، بل يتجاوزها إلى مختلف ضروب المعرفة، وحتى في ميدان المعرفة الواحدة - من نحو النشاط الفقهي مثلا - توفرت هذه الشخصية على مصنفات مختلفة عرفت بمختصراته ومتوسطاته ومطولاته، فضلا عن كونها تصب في اتجاهات متنوعة تتوزع بين النمط الاستدلالي والفتوائي والتراوح بينهما وبين المنهج المقارن وغير المقارن. إلخ. يضاف إلى ذلك: أن هذه الشخصية قد اقترن نشاطها العلمي بنشاط اجتماعي أكسبها مزيدا من الأهمية التأريخية، حيث احتلت موقعا رياديا بالنسبة إلى " المؤسسة المرجعية " مثلما احتلت موقعا له فاعليته في الحياة الاجتماعية العامة، حيث كان الصراع بين الطائفة وبين الاتجاهات المذهبية من جانب، وفترات المد والجزر من جانب آخر، يضفي على هذه

[ 8 ]

الشخصية أهمية اجتماعية خاصة، تكسبها مزيدا من الاهتمام التأريخي بها. إننا لن نتحدث عن " الموقع الاجتماعي " للعلامة، وانعكاسات الوضع السياسي على نشاطه، حيث توفرت المصادر التي تعنى بالسيرة والتأريخ على هذا الجانب، كما لن نتحدث عن نشاطه العلمي بعامة، ومساهمته الفذة في نشر المذهب، ولن نتحدث عن مجمل نشاطه الذي يحوم على الجانب الثقافي، فيما يقول عنه مترجموه بأن حصيلة ذلك أكثر من مائة كتاب أو يزيد على ذلك، لن نتحدث عن ذلك كله، بل نحصر حديثنا في صعيد النشاط الفقهي المتمثل في أحد كتبه فحسب، وهو: " المنتهى " دون مصنفاته الأخرى التي قد تتماثل منهجا وممارسة في بعض الجوانب، مثل: " التذكرة " و " المختلف " فيما يتميز كل منهما بسمات خاصة قد نعرض لها عابرا خلال حديثنا عن الكتاب المشار إليه.
(2) " المنتهى " كتاب ضخم يتشح بطابعين هما: " الاستدلال " و " المقارنة ". أما " الاستدلال " فإن التأريخ الفقهي الذي سبق " العلامة " قد شهد تطورا ملحوظا فيه، على يد رواد كبار أمثال " الشيخ المفيد " و " السيد المرتضى " و " الشيخ الطوسي " ومن سواهم، فيها يمكن ملاحظة ذلك في كتب عديدة من نحو: " الانتصار " و " الناصريات " الممارسات الاستدلاية لدى " ابن إدريس " في " سرائره " و " ابن زهرة " في " غنيته " و " المحقق " في " معتبره " حيث يظل هذا الأخير قريبا من " العلامة " من حيث النسب، ومن حيث المستوى العلمي في تطويره للممارسة الفقهية منهجا وفكرا. إن هذه المقدمة لا تسمح لنا بمتابعة خطوط التطور الذي شهدته الاجيال الفقهية المختلفة، بدءا من نماذج الاستدلال العابر " لدى الرواة المعاصرين " للمعصومين عليهم السلام " حيث ومضت نماذج منه لدى بعض الرواة عصرئذ مرورا ب‍ " نشأته " مع عصر الغيبة - فيما يشير المعنيون بشؤون الفقه - إلى توفره لدى أسماء من مثل: " ابن الجنيد " و " ابن أبي عقيل "، وامتداد إلى أسماء متميزة مثل: " الصدوق "، وانتهاءا إلى الأسماء الرائدة التي

[ 9 ]

أشرنا إليها حيث يمكن القول بأن خطوط التطور تظل ملحوظة لدى هذه الأسماء بشكل أو بآخر بما يواكبها من " أدوات أصولية " يشير إليها المؤرخون، أو ما وصل إلى أيدينا منه مثل: " الرسالة الموجزة في الأصول " للمفيد، و " الذريعة " للمرتضى و " العدة " ل‍ " الطوسي "، ومثل: " المقدمات التي كتبها " ابن زهرة " في " الغنية " و " المحقق " في " المعتبر ومن سواهم. وبالرغم من أن الاداة الاصولية - في مستوى النظرية - لا تعني أن الفقيه يمارس عملية " تطبيق " شاملة لمبادئ " الأصول " التي يصوغها، إلا أن انعكاسات ذلك على الممارسات الفقهية - ولو في نطاق محدود - يظل تعبيرا عن خطوط التطور الذي أشرنا إليه، ومن ثم يظل مؤشرا إلى مستويات التطور الفكري الذي يمكن ملاحظته لدى " العلامة " فيما يعد نقطة تحول ملحوظة في هذا الميدان. أما الطابع الآخر، ونعني به: " المقارنة " فإن كلا من " المفيد " و " المرتضى " و " الطوسي " يمثلون أسماءا رائدة في هذا الصعيد، يمكن الذهاب إلى طبيعة الحياة الاجتماعية: سياسيا، ومذهبيا، وعلميا، مضافا إلى شخصياتهم الرائدة - من حيث كونهم ممثلين للمؤسسة المرجعية في قمة هرمها الاجتماعي - فرضت على الأسماء المشار إليها نوعا من النشاط الفقهي القائم على " المقارنة " بين المذهب الامامي وبين المذاهب العامة الأخرى، حيث شهدت تلكم المذاهب أيضا نشاطا مماثلا فيما بينهما في صعيد المقارنة. المهم أن نشاط فقهائنا في ميدان " المقارنة " تجسد بوضوح في مصنفات أشرنا إليها من نحو " الانتصار " " الناصريات " " الخلاف " وما سواها من الكتب التي يشير إليها المؤرخون لدى المفيد والمرتضى والطوسي وغير هم، مما نلحظ شذرات منه في الاجيال اللاحقة أيضا. لا شك، أن " العلامة " قد أفاد من الأسماء المذكورة، كما أنه تأثر ببعض خطوط مناهجهم في " المقارنة " و " الاستدلال " أيضا إلا أنه - في الحصيلة العامة - أضاف جديدا، كما هو طابع أية شخصية متميزة رائدة، بحيث تمتد في الماضي، وتصنع الحاضر وتقدم جديدا يترك أثره على اللاحق، بما تمتلكه من قدرة ذاتية على الكشف في ممارساتها العلمية، بحيث يقتادها ذلك إلى الاسهام في تطوير في المعرفة وأدواتها، بالنحو الذي نلحظه لدى " العلامة " في كتابه: " المنتهى " الذي نتحدث عنه، أو كتبه الأخرى التي تكشف عن

[ 10 ]

تطويره لعنصري: الاستدلال، والمقارنة. ونبدأ في الحديث عن منهجه أولا، من حيث: (3) المقارنة: " المقارنة " نوع من النشاط العلمي الذي خبرته ضروب المعرفة الانسانية في حقول التربية، والنفس، والاجتماع، والاقتصاد. إلخ، بصفة أن مقارنة الشئ مع الآخر سواءا كان ذلك من خلال " التماثل " القائم بينهما، أو من خلال " التضاد " بينهما - يسهم في بلورة وتعميق المفهوم الذي يستهدفه الباحث.. المقارنة تتم - كما هو ملاحظ في البحوث المعاصرة - في مستويات مختلفة، منها: " المقارنة المستقلة " التي تقوم أساسا على الموازنة بين ضربين من المعرفة - كما لو قمنا بمقارنة بين الاسلام مثلا وبين الأديان الأخرى - وهذا ما يندرج ضمن الأبحاث التي تأخذ شكلا له استقلاليته في الدراسات الحديثة بخاصة. كما أن هناك نوعا من المقارنة التي تشكل عنصرا واحدا من عناصر البحث دون أن تستقل بالمقارنة، أي: تكون " المقارنة " جزءا من أجزاء البحث. هذا فضلا عن أن المقارنة بقسميها المتقدمين قد تكون " شاملة " تتناول جميع الجوانب المبحوث عنها، مقابل المقارنة " الموضعية " التي تتناول جانبا واحدا أو عملا منحصرا لدى كتاب واحد أو مؤلف واحد على سبيل المثال. ويلا حظ أن فقهاءنا قد توفروا على شتى مستويات " المقارنة " التي أشرنا إليها قديما وحديثا بل يمكن القول بأنه لا يكاد أي كتاب استدلالي أو فتوائي - حينا - يخلو من أحد أشكال المقارنة، بل إن الممارسات الفقهية بنحو عام تتميز عن سواها من الممارسات التي خبرتها علوم النفس، والاجتماع، والتأريخ، والتربية، والأدب والفن، وسواها باعتمادها " المقارنة " عنصرا أو بحثا مستقلا لا يكاد كتاب فقهي يخلو منها في الغالب. كل ما في الأمر أن المقارنة قد تأخذ صفة التغليب داخل المذهب مثلا مثلما تأخذ صفة كونها

[ 11 ]

" عنصرا " من عناصر الممارسة الفقهية. أما المقارنة " المستقلة " و " الشاملة " فتأخذ حجما أصغر من الاهتمام الفقهي، حيث تسهم الظروف الاجتماعية في تضخيم أو تضئيل هذا الحجم، فيها لا يعنينا التحدث عنه الآن. ولكن يعنينا أن نشير إلى أن الفقهاء قديما وحديثا قد توفروا على هذا النمط من النشاط المقارن، وفي مقدمتهم " العلامة " حيث عرف بهذا النشاط من خلال قيامه بأبحاث ضخمة تناولت كلا من المقارنة داخل المذهب مثل: " المختلف "، وخارج المذهب أيضا مثل: " التذكرة " - في نطاق محدد - بينا جاءت مقارنته خارج المذهب " شاملة " متجسدة في كتابه الذي نتحدث عنه " المنتهى " فيما أكسبه مزيدا من الأهمية العلمية التي آن لنا نعرض لخطوطه المنهجية. ويمكننا عرض الخطوط لمنهجه المقارن، وفقا لما يلي: 1 عرض الأقوال: تبدأ الخطوة الأولى من ممارساته بعرض الآراء الفقهية للمؤلف، أو وجهة النظر لفقهاء بعامة، أو أحد فقهائها، أو فقهاء المذاهب الأخرى، أو مطلق الفقهاء حسب ما يتطلبه سياق المسألة المطروحة حيث يتدخل مدى التوافق أو التخالف بين الآراء في منهجية العرض للأقوال. بيد أن الغالب يبدأ بوجهة نظر المؤلف طالما نعلم بأن هدف " المقارنة " أو مطلق الممارسات الفقهية ليس هو مجرد العرض للآراء بل تثبيت وجهة النظر الصائبة في تصور المؤلف. لذلك، فإن تثبيته وجهة نظره أولا، ثم عرض الآراء الأخرى، يظل خطوة منهجية لها مشروعيتها دون أدنى شك. كما أن إرداف وجهة نظره بأقوال فقهاء الطائفة يحمل نفس المشروعية ما دام هدف المقارنة - في أحد خطوطه - هو: إقناع " الجمهور " بصواب المذهب. لذلك، نجده بعد عرضه لوجهة نظره، ثم وجهة نظر فقهائنا، يتجه - في المرحلة الثالثة - إلى عرض وجهة نظر " الجمهور " وفي الحالات جميعا يلتزم المؤلف بالحياد العلمي من جانب، وبمتطلبات المنهج المقارن من جانب آخر، حيث يستقطب جميع الأقوال داخل المذهب وخارجه، على نحو ما نلحظه في الممارسة التالية مثلا، وهي تتناول مسح الرأس في عملية الوضوء:

[ 12 ]

(الواجب من مسح الرأس لا يتقدر بقدر في الرجل، وفي المرأة يكفي منه أقل ما يصدق عليه الاسم. وبه قال الشيخ في " المبسوط "، والأفضل أن يكون بقدر ثلاث أصابع مضمومة، وبه قال السيد المرتضى، وقال في " الخلاف ": يجب مقدار ثلات أصابع مضمومة، وهو اختيار ابن بابويه، وأبي حنيفة في إحدى الروايتين، وقال الشافعي: يجزي ما وقع عليه الاسم، وذهب بعض الحنابلة إلى أن قدر الواجب هو: الناصية وهو رواية عن أبي حنيفة، وحكي عن أحمد أنه لا يجزي إلا مسح الأكثر). فالملاحظ هنا، أن المؤلف بدأ بتصدير فتواه، ثم بفتاوى الآخرين من فقهاء المذهب على اختلاف الآراء بين المرتضى والطوسي وابن بابويه - ثم عرض آراء " الجمهور " في مدى توافقها أو تخالفها مع " فقهاء الخاصة " من نحو ما نقله من الاتفاق بين ابن بابويه والطوسي وأبي حنيفة، ثم ما نقله من التفاوت بين آراء " العامة ". إلخ. طبيعيا، لا يعني هذا أن المؤلف يلتزم بهذا المنهج في ممارساته جميعا بقدر ما يعني أن الطابع الغالب على مقارناته - كما قلنا - هو: السمة المذكورة وإلا نجده حينا يكتفي بالمقارنة " داخل المذهب " كما هو ملا حظ في الممارسة التالية: (في جواز إحرام المرأة في الحرير المحض: قولان، أحد هما: الجواز وهو اختيار " المفيد " في كتاب: أحكام النساء. واختاره " ابن إدريس " والآخر: المنع، اختاره " الشيخ ". والأقوى: الأول). ونجده حينا آخر يكتفي بالمقارنة " خارج المذهب " كما هو ملا حظ في الممارسة الآتية: (لو صلى المكتوبة بعد الطواف لم تجزه عن الركعتين. وبه قال الزهري ومالك أصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير وإسحاق وعن أحمد روايتان). وقد يتخلى أحيانا عن عرض الأقوال نهائيا، مكتفيا بوجهة نظره فحسب، من نحو معالجته للمسألة التالية: (مسألة: يحرم عمل الصور المجسمة وأخذ الأجرة عليه، روى ابن بابويه عن

[ 13 ]

الحسين. إلخ). وقد يتخلى حتى عن تقديم وجهة نظره مباشرة، مكتفيا من ذلك بإيراد الدليل، وهو: ما يدرج ضمن " الفتوى " بمتن الرواية على نحو ما نلحظه في الممارسة التالية: (فصل: روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحول من مسكنه فيسكنه؟ قال عليه السلام: لا بأس). لكن - كما قلنا - إن أمثلة هذه الموارد التي يتخلى فيها عن المقارنة - في صعيد عرض الأقوال - تظل نادرة بالقياس إلى الطابع الغالب على ممارساته. وفي تصورنا: إن عدم خلاف يعتد به بين علماء الخاصة، أو بينهم وبين " العامة " أو كون المسألة المعروضة ذات طابع فرعي أو كون اللجوء إلى عرض الأقوال في المسائل جميعا تستتلي إطالة البحث أو قلة فائدته، أو كون المسألة لا يسمح الوقت بعرضها، أو كون الوقوف عليها يتعذر حينا، أو كونها غير مبحوث فيها، كل ذلك يفسر لنا السر الكامن وراء تخليه أحيانا عن عرض الأقوال شاملة. وخارجا عن ذلك، يظل عرض الأقوال لدى المؤلف طابعا ملحوظا في غالبية ممارساته، حتى أنه ليقدم أحيانا قوائم ضخمة من الأسماء بنحو يثير الدهشة، حيث يعرض الأسماء الممثلة للمذاهب الرئيسة وما ترتبط بها من خطوط وتيارات داخل المذهب الواحد، كما يعرض الأسماء التي اندثرت مذاهبها، مضافا إلى أقوال كبار الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء المتميزين في مختلف الفترات التأريخية، مما يكشف ذلك عن قابلية فذة في بذل الجهد للعثور على تلكم الأسماء واستخلاص أقوالها، بخاصة أن بيئته التأريخية لم تخبر وسائل الطباعة الحديثة، حيث يتطلب الوقوف على أقوال الفقهاء - في مختلف تياراتهم وأجيالهم - قابلية ضخمة لا تتوفر إلا لدى الأفذاذ، دون أدنى شك. 2 عرض الدليل الشخصي: بما أن المؤلف يبدأ غالبا " في عرضة للأقوال " بتصدير وجهة نظره، أو تخليلها ضمن العرض أو نهايته، حينئذ فإن الخطوة الثانية من منهجه المقارن تبدأ بعرض الدليل الشخصي

[ 14 ]

الذي يمثل وجهة نظره. وسنرى عند حديثنا عن أدوات الاستدلال التي يستخدمها: أن المؤلف يعتمد أولا: الأدلة الرئيسة: " الكتاب، السنة. إلخ " ثم: الأدلة الثانوية من أصل عملي، وغيره، مضافا إلى أدوات الاستدلال العامة التي نعرض لها في حينه. لكن، ما يعنينا الآن هو: منهج العرض، دون تفصيلاته، حيث يبدأ ذلك بالكتاب أو السنة أو الاجماع أو العقل، أو بثلاثة منها أو بإثنين أو بها جميعا: حسب توافر الأدلة التي تتاح له، أو يبدأ ذلك بدليل ثانوي أو بالادلة جميعا: الرئيسي والثانوي. هذا إلى أن منهجه في عرضه للأدلة المشار إليها يبدأ بعبارة " لنا " وهي تشير إلى دليله الشخصي بطبيعة الحال، حيث يعرض الدليل الإجمالي أولا ثم يبدأ بتفصيله، وهذا ما يمكن ملاحظته في الممارسة الآتية: (مسألة: قال علماؤنا: النوم الغالب على السمع والبصر ناقض للوضوء. وهو مذهب المزني وإسحاق وأبي عبيد. لنا: النص والمعقول. أما النص، فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.). وأما المعقول، فهو: أن النوم سبب لخروج الحدث. إلخ). وبما أن ما يعنينا - في هذه الخطوة من منهجه - هو: عرض الدليل من خلال المقارنة، وليس الدليل مطلقا - حيث نتحدث عنه لاحقا - حينئذ فإن عرضه لدليله الشخصي لا بد أن يتناسب مع منهجه المقارن الذي يحرص فيه على تقديم الأدلة متوافقة مع مبادئ الخاصة والعامة، لكن بما أن مبادئ العامة تظل مستهدفة من حيث حرصه على تحقيق عملية " الاقناع " لهم، حينئذ نجده يقدم أدلتهم أولا، ثم يتبعها بالدليل الخاص. من هنا يبدأ بعرض الدليل من " الكتاب " - إذا أمكن - بصفته دليلا مشتركا بين الخاص والعام، ثم من روايات " العامة " ثم يورد الروايات " الخاصة " حيث أن إيرادها أخيرا يظل أكثر إلزاما لهم من حيث كونها متوافقة مع أدلتهم من جانب مضافا إلى كون ذلك أسلوبا من أساليب " المجاملة " العلمية. ويمكن ملاحظة هذا المنهج - في عرض الأدلة - متمثلا في الممارسة الآتية عن مسوغات التيمم: (لنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا

[ 15 ]

صعيدا. ". وما رواه الجمهور عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الصعيد الطيب. ومن طريق الخاصة: وما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان. إلخ). واضح - كما قلنا - أن البدء بدليل الكتاب، فالرواية العامة، فالرواية الخاصة يحقق هدفا مزدوجا - في مجال البحث المقارن - هو: إقناع " العامة " أو إلزامهم من خلال أدوات استدلالهم، فضلا عن إقناع " الخاصة " بأدواتهم أيضا. والامر نفسه حينما يتقدم بالادلة الأخرى التي تشكل أدوات مشتركة بين الفريقين، حيث تتطلب المقارنة استخدام ما هو مشترك أيضا مثل: الاجماع، أو العقل، أو الأصل، وهو أمر يمكن ملاحظته في الممارسة الآتية التي استدل بها على طهارة الماء ومطهريته، مرتكنا - فضلا عن الكتاب والسنة - إلى الاجماع والعقل: (أما الاجماع: فلأن أحدا لم يخالف في أن الماء المطلق طاهر. وأما المعقول: فلأن النجاسة حكم طارئ على المحل، والأصل: عدم الطريان ولان تنجس الماء يلزم منه الحرج. إلخ). والامر نفسه يمكن ملاحظته بالنسبة إلى توسله بسائر الأصول الأخرى، كالاستصحاب مثلا، وهذا من نحو: (إذا أسر المشرك وله زوجة لم يؤسرها المسلمون، فالزوجية باقية، عملا بالاستصحاب). لكن: إذا كان المؤلف يستخدم ما هو " مشترك " من الادوات بين الفريقين، أو ما يختص بأدوات " الجمهور " فهذا لا يعني أنه يستخدم مطلق أدواتهم بقدر ما يعني أنه ينتخب من الادوات ما لا يتعارض بنحو أساسي مع مبادئه الخاصة، كالقياس وغيره من المعايير المنهي عنها في الشريعة. طبيعيا، أن غالبية الادوات التي يتوكأ المؤلف عليها بالنسبة إلى أدوات الاستدلال لدى الجمهور، ليست حجة عند المؤلف، مثل رواياتهم الواردة من غير طرق الخاصة، ومثل عمل الصحابة، ومثل إجماعاتهم. إلا أنه يستخدمها بمثابة إلزام يستدل من خلاها على

[ 16 ]

تثبيت وجهة نظره. حيث إن المسوغ لأمثلة هذا التوكؤ على أدلة السنة النبوية من طرقهم أو إجماعاتهم أو قول وعمل الصحابة دون القياس والاستحسان ونحوها من الأدلة التي تدخل ضمن " الرأي " هو: أن هذه الأدلة لا تتعارض مع أدلة " الخاصة " من حيث كونها مستندة إلى كلام النبي صلى الله عليه وآله أو فعله أو تقريره، كل ما في الأمر أن " طرقها " مشكوك فيها، أي: أنها ذات مظان شرعية من حيث المصدر دون طرقه الكاشفة عنه، وهذا بخلاف الأدلة المستندة إلى " الرأي " المنهي عنه شرعا، حيث لا مستند لها ألبتة، لذلك يمكن الاستدلال بالرواية أو الاجماع أو عمل الصحابة " في مقام إلزامهم " على العكس من أدلة " الرأي "، فروايات الجمهور - مثلا - حيال طهارة ومطهرية الماء، أو إجماعهم على عدم انفعال الكثير منه بالنجاسة، أو عمل الصحابة في عدم الالتفات إلى " تغير " الماء الذي لا يمكن التحرز منه بالنسبة إلى مطهريته. أمثلة هذه الأدلة التي استند إليها المؤلف تظل أدوات معززة لدليل " الخاصة ": من حيث استنادها إلى مصدر " شرعي " بالرغم من أنها ذات طرق مشكوك في حجتها ولكنها ما دامت - بشكل أو بآخر - تدعي الانتساب إلى ما هو " شرعي "، فحينئذ لا مانع من التوكؤ عليها في صعيد " الالزام " للمخالف. وفي ضوء هذه الحقائق يمكننا أن نستشهد ببعض ممارسات المؤلف في تعامله مع أدلة الجمهور في مرحلة عرض الأدلة، سواء أكان ذلك في صعيد التعامل مع " الروايات " أو " الاجماع " أو " قول وفعل الصحابي ". أما بالنسبة إلى تعامله مع الرواية، فنجده يرتكن - بنحو عام - إلى معايير الجمهور في " التعديل والجرح " لها، حيث إن المقارنة تفرض عليه أن يعتمد معايير الطرف الآخر من أطراف المقارنة. لذلك يحرص على تقديم الرواية المعتبرة سندا لدى الجمهور، حتى أنه ليشير أحيانا إلى كونها " معتبرة " من خلال التنصيص عليها. وهذا من نحو تعقيبه على الروايات التي ساقها للتدليل على عدم طهارة جلد الميتة حتى لو دبغ، حيث علق على إحداها قائلا: (ورواه أبو داود، قال: إسناده جيد) وعقب على أخرى، قائلا: (وإسناده حسن). بالمقابل نجده في مرحلة ردوده على أدلة الآخرين - كما سنرى لاحقا - يرفض الرواية

[ 17 ]

الضعيفة مستندا أيضا لمعاييرهم في " التجريح ". وهذا يعني أن المؤلف يظل ملتزما بما تفرضه متطلبات المقارنة بين الأطراف من حيث الركون إلى معاييرهم في تعديل الرواية أو تجريحها. لكن، ثمة ملاحظة لا مناص من تسجيلها هنا، وهي: أن المؤلف يعتمد على الرواية العامية مع كونها غير معتبرة، في نظره من أجل " إلزام المخالف " حيث يصرح بكونها " غير معتبرة " ولكنة يقدمها بمثابة " إلزام " للمخالف. فمثلا، في تقديمه لاحدى الروايات التي تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قد سلم في ركعتي الرباعية نسيانا، وتكلم بعد ذلك مستفسرا بعد أن نبه على ذلك حيث ساقها المؤلف للتدليل على جواز التكلم علق قائلا: (لنا. ورواية ذي اليدين - وهي الرواية التي ساقها للتدليل على جواز التكلم لمن ظن الاتمام - وإن لم تكن حجة لنا، فهي في معرض الالزام). كذلك، في تعقيبه على صلاة جعفر حيث قدم رواية من الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وآله علم العباس بن عبد المطلب تلكم الصلاة، بينا تشير الروايات الواردة من طرق الخاصة أنه صلى الله عليه وآله قد علمها " جعفرا " فيما عقب المؤلف على ذلك قائلا: (ونحن إنما ذكرنا تلك الرواية احتجاجا على أحمد النافي لمشروعيتها). أمثلة هذه النماذج تكشف عن أن المؤلف يعنيه أن يلزم المخالف في الدرجة الأولى حتى لو كان ذلك على حساب الرواية الضعيفة. لذلك - كما قلنا - لا يتقبل الرواية الضعيفة في مرحلة " الرد " من جانب مضافا إلى أنه لا يتقبلها مطلقا - في حالة مناقشته للخاصة - من جانب آخر، وهذا ما نلحظه في تعليقه على رواية للجمهور، احتج بها الطوسي في عدم جواز تقدم المرأة على الرجل في الصلاة، قائلا: (إنه غير منقول من طرقنا فلا تعويل عليه) فالمؤلف هنا يرفض الرواية العامية حتى لو كانت معتبرة لدى العامة - عند مناقشته الخاصة - ما دامت ليست حجة من حيث طرقها ولكنة يتقبلها في معرض إلزامه للمخالف، مع ملاحظة أنه يخضعها لمعايير التعديل والجرح عند تعامله مع الجمهور، إلا في حالة الالزام، حيث لا يلتزم بصحة الرواية أو عدمها للسبب الذي ذكرناه. وهذا يعني أن المؤلف يأخذ طرفي المقارنة بنظر الاعتبار حتى أننا لنجده في

[ 18 ]

تعامله مع الرواية الواحدة - من حيث طرفي المقارنة - يخضعها لمستويين من التعامل، حيث وجدناه يرفض الرواية التي احتج بها " الطوسي، " من خلال " السند "، ولكنه عندما يناقش أبا حنيفة - حيث احتج أيضا بالرواية المذكورة - نجده يرفض الرواية ليس من حيث " سندها " بل من حيث " دلالتها " فيما عقب عليها قائلا: (لا يصح احتجاج أبي حنيفة، لأنه إذا وجب أن يؤخرها، وجب عليها أن تتأخر، ولا فرق بينهما، بل الأولى أن يقول: إن المنهي هي المرأة عن التقدم). لا شك، أن أمثلة هذا التعامل مع روايات الجمهور، تظل منهجا صائبا ما دام يأخذ بنظر الاعتبار أدوات الجمهور والخاصة. حيث يتعين عليه أن يرفض روايات العامة عند مناقشته " الخاصة "، مثلما يحق له أن يقدم الرواية الضعيفة حينما يحتج بها على المخالف في حالة كونها معتبرة لدى الأخير، وهذا ما نجده واضحا عندما يحتج - مثلا - على أبي حنيفة برواية مرسلة ما دام الأخير لا يمانع من العمل بها - كما صرح المؤلف بذلك في بعض احتجاجاته على الشخص المذكور. بيد أننا لا نوافق المؤلف على احتجاجه بالرواية الضعيفة في حالة تضمنها ما هو مضاد لمبادئ الشرع من جانب، وما هو متناقض في الاستدلال بها من جانب آخر. وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في ممارستين للمؤلف، تحدث في أولاهما عن الكلام متعمدا في الصلاة، وتحدث في أخراهما عن الكلام ممن ظن إتمامها، حيث رفض " في المسألة الأولى " رواية للجمهور تزعم - كما أشرنا - بأن النبي " ص " سلم في ركعتي الرباعية نسيانا، فيما لفت " ذو اليدين " نظر النبي " ص " إلى ذلك، وانه " ص " قد استفسر عن صحة ما زعمه الشخص المذكور. المؤلف رد هذه الرواية بجملة وجوه، منها: إن الراوي أبا هريرة أسلم بعد وفاة الشخص المشار إليه بسنتين، ومنها - وهذا ما نعتزم التأكيد عليه -: إن الرواية تتضمن ما يتنافى مع عصمة النبي " ص " وهو النسيان. أما " في المسألة الثانية " فإن المؤلف يقدم الرواية ذاتها للتدليل على جواز التكلم بالنسبة لمن ظن الاتمام. فبالرغم من أنه لم يعتد بهذه الرواية، حيث علق قائلا: (ورواية ذي اليدين - وإن لم تكن لنا حجة - فهي في معرض الالزام) إلا أن سوقها هنا للتدليل على

[ 19 ]

جواز التكلم بالنسبة لمن ظن الاتمام، ينطوي على جملة من الملاحظات، منها: استشهاده بها في حكمين مختلفين هما: النسيان والظن مع أنها لا تتضمن إلا حكما واحدا. وحتى مع صحة الفرضية الأولى لا يمكننا أن نعتمدها ما دام المؤلف نفسه قد رفضها بالنسبة إلى النسيان، فيما ينبغي أن يرفضها بالنسبة إلى الظن أيضا، ما دامت متعلقة بفعل واحد. مضافا لما تقدم، فإن الرواية المذكورة ما دامت تتضمن ما هو يتنافى مع عصمة النبي " ص " حينئذ لم يكن هناك أي مسوغ للاستدلال بها ما دام المؤلف قد أخذ على نفسه ألا يعتمد - حتى في مجال الالزام - ما لا يتسق مع الشرع بنحو ما قلناه مثلا: في رفضه لمعاييرهم المرتبطة بالقياس والاستحسان ونحو هما مما يرفضها حتى في حالة " الالزام ". وأيا كان، فإن المؤلف خارجا عن الملاحظة المذكورة، يظل - كما قلنا - متعاملا مع " روايات " الجمهور حسب ما يتطلبه منهج " المقارنة " من الاعتماد على " أدواتهم الاستدلالية " التي لا تتعارض مع أدلة " الخاصة " بالنحو الذي أوضحناه. أما ما يتصل بأدوات الاستدلال الأخرى، فإن المؤلف يمارس نفس المنهج، وهذا مثل تعامله مع دليلي: " الاجماع " و " عمل الصحابة ". وهو ما يمكن ملاحظته في الممارسة التالية " بالنسبة إلى عدم جواز المسح على الخف، فيما عرض جملة أدلة الجمهور "، منها: (. وما روي عن الصحابة من إنكاره، ولم ينكر المنازع، فدل على أنه إجماع). ومثل الممارسة التالية " بالنسبة إلى جواز التكلم في الصلاة ممن ظن إتمامها ": (. نقل عن جماعة من الصحابة أنهم تكلموا بعد السلام بظن الاتمام، ثم أتموا مع الذكر كالزبير وابنيه: عبد الله، وعروة، وصوبهم ابن عباس، ولم ينكر، فكان إجماعا). ومثل الممارسة الآتية " مستدلا بها على طهارة ومطهرية الماء المطلق في حالة امتزاجه بما لا يمكن التحرز منه ": (. ولان الصحابة كانوا يسافرون وغالب أوعيتهم الادم، وهي تغير الماء غالبا). وأما " عمل الصحابي " منفردا " بخلاف العمل الجماعي السابق بصفته كاشفا عن السيرة الشرعية بالنسبة لمقاييس الجمهور " فإن تعامل المؤلف مع هذا الجانب، يظل مماثلا لتعامله مع " الرواية " من حيث تقديمه دليلا معززا لوجهة نظره الشخصية، ثم رفضه للدليل

[ 20 ]

المذكور نفسه في مرحلة رده على أدلة المخالفين تمشيا مع منهجه القائم على " إلزام " المخالف بالنحو الذي لحظناه في إلزامه الآخرين بالنسبة إلى الرواية الضعيفة التي يقدمها في مرحلة عرض الدليل الشخصي، ثم يرفضها في مرحلة الرد وهذا ما نلحظه - مثلا - في عرضه لأعمال كبار الصحابة بمثابة تعزيز لأدلته الخاصة، بينا يرفضها مطلقا في حالة احتجاجهم ذاهبا إلى أنها ليست " حجة " ما دامت غير مرتكنة إلى النبي " ص ". وبعامة، فإن تعامل المؤلف مع أدوات الاستدلال لدى الجمهور " في مرحلة عرض الأدلة الشخصية "، يتمثل: إما في أداة مشتركة مثل: " الكتاب " أو " إجماع المسلمين " أو " العقل " أو " الأصل ". أو في أدواتهم المختصة بهم. وأما تعامله مع فقهاء الخاصة، فلا بد أن يتم - بطبيعة الحال - وفق أدواتهم الخاصة بهم أيضا ما داموا من جانب، أحد طرفي " المقارنة " وما دام المؤلف يمثل أحد فقهائهم من جانب آخر، مع ملا حظة أنه يستخدم نفس التعامل بالنسبة إلى عملية " الالزام " أي: العمل بما هو ليس " حجة " لديه في صعيد التعزيز لوجهة نظره، أو صعيد " الرد على أدلة الآخرين بالنحو الذي نعرض له لا حقا عند حديثنا عن الجانب الآخر من ممارسته، وهو: " الاستدلال ". 3 فرضية النقض: المؤلف عند ما يعرض أدلته الشخصية في المرحلة الثانية، يفترض أحيانا إمكانية " الاشكال " عليها من قيل الآخرين كما لو افترض أن النصوص التي استشهد بما مطعونة سندا، أو معارضة بنصوص أخرى أو أن أدلته بعامة غير صائبة مثلا. إلخ، حينئذ يتقدم المؤلف بالرد على الاشكال المتقدم. وهذا ما يمكن ملاحظته مثلا في النموذج الآتي، حيث قدم المؤلف أدلته الشخصية على عدم انفعال ماء البئر بالنجاسة، ومنه: الرواية القائلة (كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا " ع "، فقال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ. إلخ) حيث عقب المؤلف على هذه الرواية قائلا: (واعترضوا على الحديث الأول بوجوه:

[ 21 ]

* أحدها: أن قوله " ع ": لا يفسده. أي: فسادا يوجب التعطيل. * الثاني: أن الراوي أسندها إلى المكاتبة، وهي ضعيفة. * الثالث: المعارضة بخبر ابن بزيع - وهو الخبر القائل بأن ينزح من البئر دلاء، حيث تستشف منه نجاسة البئر. والجواب عن الأول: أنه تخصيص لا يدل اللفظ عليه. وعن الثاني: أن الراوي قال: فقال " ع " كذا، والثقة لا يخبر بالقول إلا مع القطع، على أن الرسول " ص " كان ينفذ رسله بالمكاتبات. وعن الثالث: إنما يتم على تقدير نصوصية الحديث. وليس كذلك). واضح من خلال هذه الممارسة أن المؤلف قد التزم بمتطلبات المقارنة الشاملة التي تفرض عليه أن يتوقع إشكالات الآخرين عليه فيما، يمكن ألا يقتنعوا بصواب دليله الشخصي.. فجاء مثل هذا العرض أو افتراض الاشكال عليه، يحمل مسوغه دون أدنى شك. كما جاء " الرد " على هذه الاشكالات محكوما بنفس المسوغ، طالما يستهدف من ذلك تثبيت وجهة نظره الخاصة، كما هو واضح. ويلا حظ: أن عرض المؤلف لاعتراضات الآخرين، يأخذ أكثر من صياغة، فهو حينا يصوغ الاشكال بنحوه المتقدم، وحينا آخر يستخدم أسلوب " المقولات " أي: عبارة: " لا يقال " و " لانا نقول ". وهذا من نحو ذهابه إلى عدم وجوب استيعاب الرجلين بالمسح، عبر ارتكانه إلى الدليل القرآني في آية الوضوء من عطف عبارة " الأرجل " على " الرؤس " حيث افترض هذا الاشكال: (لا يقال: فقد قرئ بالنصب، وذلك يقتضي العطف على المحل فلا يكون مبعضا. لانا نقول لا منافاة بينهما، لأن التبعيض لما ثبت بالجر، وجب تقديره في النصب، وإلا لتنافت القراءات. إلخ). هذا إلى أن أسلوب " المقولات " يجئ أيضا في المراحل الأخرى من منهجه المقارن: عندما يعرض أدلة الآخرين والرد عليها، حيث تتطلب المناقشة أمثلة هذه الاشكالات والرد عليها، كما سنرى في حينه.

[ 22 ]

ويلاحظ أيضا: أن هناك صياغة أخرى يستخدمها المؤلف في مرحلة " النقض " لأدلته، ألا وهي: تطوع المؤلف بإيراد الاشكال على دليله دون أن يفترضه من الآخرين، وهذا يتم - غالبا - عند تقديمه للأدلة الروائية: من حيث انطواؤها على اعتراضات في السند أو الدلالة حينا. ويمكن ملا حظة ذلك في ممارسات متنوعة من نحو تقديمه جملة من الروايات التي ساقها للتدليل على وجوب الموالاة في أفعال الوضوء، حيث استشهد برواية لأبي بصير، وعقب قائلا: (وفي طريقها سماعة وفيه قول). واستشهد برواية أخرى وعقب عليها قائلا: (وفي طريقها معلى بن محمد، وهو ضعيف). فالمؤلف في أمثله هذه الممارسات، يتطوع بإيراد الاشكال على أدلته، حيث ينسج حولها صمتا حينا، كما هو طابع النصوص المتقدمة التي لم يرد عليها. ولكنه يرد على ذلك حينا آخر، كما هو ملا حظ في تعقيبه على رواية ساقها للتدليل على أن الواجب في غسل الاعضاء - بالنسبة للوضوء - هو: المرة الواحدة، حيث أشار إلى أن في طريقها سهل بن زياد، وهو ضعيف. ولكنه يرد على هذا الاشكال بأن الرواية قد تأيدت بروايات صحيحة تحوم على نفس الموضوع. لا شك، أن تقديم الرواية الضعيفة في سياق الروايات المعتبرة يعد نوعا من " التزكية " لها، إلا أن الملا حظ أن المؤلف نجده - بعض الاحيان - يورد الرواية الضعيفة في سياق خاص هو كونها " مقوية " لأدلته لا أنها " تستدل " بها وهذا ما نلحظه مثلا: في تعقيبه على رواية ضعيفة أوردها للتدليل على عدم نجاسة ما لا نفس له سائلة، حيث قال: (وهذه مقوية، لا حجة). هنا ينبغي أن نشير إلى أن تقوية الاستدلال برواية ضعيفة لا يمكن الاقتناع به، لبداهة أن ما هو " ضعيف " لا قابلية له على " التقوية "، بل العكس هو الصحيح، أي: أن الرواية الضعيفة هي ما تتقوى بالروايات المعتبرة - كما لا حظنا ذلك في نص أسبق. وأيا كان، يعنينا أن نشير إلى أن المؤلف في المرحلة الثالثة من منهجه المقارن يلتزم

[ 23 ]

بموضوعية " المقارنة " حينما يتطوع بإيراد الاشكالات المتوقعة حيال أدلته الشخصية، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه. 4 أدلة المخالفين: بعد أن يعرض المؤلف دليله الشخصي والاشكالات الواردة عليه من قبل المؤلف نفسه، يتجه إلى عرض لأدلة المخالفة لو جهة نظره حيث يصدرها بعبارة: " احتج " فيما تومئ هذه العبارة إلى المستند الشرعي أو العقلي للأقوال التي عرضها المؤلف في المرحلة الأولى من منهجه المقارن، أي: الأقوال المخالفة لوجهة نظره - كما قلنا. طبيعيا، يظل العرض لأدلة المخالفين مرتبطا بطبيعة المسألة المطروحة من حيث شمولها لكل من " العامة " و " الخاصة " فيما يفرد لكن منهما حقلا خاصا، ومن حيث تعدد الأقوال أو توحدها، حيث يحرص على عرضها جميعا ما أمكنه ذلك. فمثلا، عند عرضه لمسألة عدم رؤية الهلال، نقل جملة آراء: شهادة العدل الواحد شهادة العدلين، شهادتهما مع الصحو، شهادة عدد كبير مع العلة. إلخ، حيث حرص على عرض الأدلة لها بهذا النحو: (* احتج سلار. * واحتج الشافعي. * واحتج أبو حنيفة. * واحتج الشيخ..). إلا أن الملا حظ أن المؤلف لا يعرض أحيانا للاحتجاجات كلها، بل نجد يكتفي بعرض واحد منها، وهذا من نحو عرضه للأقوال المختلفة بالنسبة إلى عدم تعيين " الحمد " أو تعينها في الثلاثة والرابعة من الفرائض حيث نقل قولا بوجوبها في كل الركعات، وقولا في معظم الصلاة، وقولا في ركعة واحدة. ولكنه اكتفى ب‍ " احتجاج " منها، هو: ما نقله الجمهور عن النبي " ص " بأنه كان يقرأ بالحمد في الركعتين الاخرتين، دون أن يعرض لأدلة القولين الآخرين. وهذا مالا يلتئم مع حرصه الذي لحظناه بالنسبة إلى عرض الأدلة

[ 24 ]

جميعا. ألا أننا نحتمل أن عدم وجود دليل يعتد به، أو عدم العثور عليه بسبب فقدان النصوص الاستدلالية للمخالف، يقف سببا وراء ذلك، وهذا ما يصرح به المؤلف أحيانا عندما يقرر بأنه لم يعثر على دليل لهذا الفقيه أو ذاك، بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن تقديمه لأدلة المخالفين لا ينحصر في عثوره على المصدر الاستدلالي للمخالف، بل يلتمس المؤلف أدلة تتناسب مع فتوى المخالف حيث إن كثيرا من الفقهاء لم يؤثر عنهم أي كتاب استدلالي، كما أن بعض أقوالهم تنقل عنهم بواسطة الآخرين، مما يجعل العثور على أدلتهم أمرا متعذرا، ومن ثم ينحصر عرض الدليل في محاولة المؤلف بأن يلتمس دليلا تخمينيا يمكن أن يشكل مستندا للأقوال المشار إليها. وهذا كله فيما يتصل بطريقة العرض للأدلة المخالفة. أما فيما يتصل بمستوياتها - من حيث الاختزال أو التفصيل، ومن حيث أدوات الاستدلال التي يعتمدها - فتظل مماثلة لمنهجه في عرض الأدلة الشخصية، حيث يخضع المسألة لمتطلبات السياق الذي ترد فيه ففي صعيد الاجمال أو التفصيل للأدلة نجده حينا يكتفي بتقديم الدليل عابرا، ونجده في ممارسات أخرى يفصل الحديث في ذلك، وهذا من نحو الممارسة التالية التي يعرض فيها أدلة القائلين بانفعال ماء البئر بالنجاسة: (احتج القائلون بالتنجيس بوجوه: * الأول: النص، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح. * الثاني: عمل الأصحاب. * الثالث: لو كان طاهرا لما ساغ التيمم، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة، فإن الشرط في جواز التيمم فقدان الطاهر، وبيان بطلان الثالي من وجهين: * الأول: ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن أبي يعفور وعنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله " قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا يغرف به فتيمم بالصعيد الطيب، فإن رب الماء رب الصعيد، ولا تقع على البئر ولا تفسد ماء هم ". * الثاني: لو لم يحز التيمم لزم أحد الامرين: إما جواز استعمال ماء البئر بغير نزح، أو:

[ 25 ]

طرح الصلاة، وهما باطلان. أما الأول: فلأنه لو صح، ما وجب النزح وهو باطل بالاحاديث المتواترة الدالة على وجوبه. وأما الثاني: فبالاجماع. * الرابع: إنه لو كان طاهرا لكان النزح عبثا، والمقدم كالتالي باطل). فالملاحظ أن المؤلف فصل في عرضه لأدلة المخالفين، حيث قدم أولا أربعة أدلة رئيسة ومعززة، وفصل ثانيا في عرضة للدليل الثالث ففرع عليه فرعين، ثم فرع على الأخير منهما فرعين أيضا. ومثل هذا التفصيل في عرضه لأدلة المخالف فضلا عن كونه عملا جادا يكشف عن براعته في العرض، وفضلا عن كونه يتناسب مع أهمية المسألة المطروحة حيث إن السابقين على " العلامة " قد اشتهر القول لديهم بانفعال ماء البئر - وقد خالفهم في ذلك - مما يجعل لتفصيله المذكور مسوغا علميا دون أدنى شك. وفضلا عن ذلك كله، فإن المؤلف من خلال حرصه على تفصيل الأدلة، يكشف عن الحياد العلمي الذي تتطلبه المقارنة الشاملة، كما هو واضح. 5 الرد على أدلة المخالفين: بعد أن يعرض المؤلف لأدلة المخالف، حينئذ يتعين عليه " منهجيا " أن يتجه للرد عليها طالما يستهدف تثبيت وجهة نظره بطبيعة الحال، ومن الواضح، أن هذه المرحلة من مراحل منهجه المقارن، تظل مرتبطة بمستو يات الأدلة التي يلتمسها للمخالف، فيجمل أو يفصل أو يبسط أو يعمق الرد حسب متطلبات السياق. إلا أنه بعامة يلقي - في هذه المرحلة بثقله العلمي بنحو ملحوظ بحيث تتضح أمام الملا حظ قابلية المؤلف في محاكمة أدلة الآخرين، ومن ثم يمكننا أن نستكشف غالبية الادوات التي يعتمدها في ممارسته الفقهية، بحيث يمكن القول بأن الطابع العلمي يتبدى من خلال هذه المرحلة من منهجه المقارن. ويمكننا - على سبيل المثال أن نقدم نموذجا للرد المفصل لدى المؤلف، حيث لحظنا في المرحلة السابقة " مرحلة عرض أدلة المخالفين " أنه فصل الكلام في عرضه لأدلة القائلين بانفعال ماء البئر. وها هو يسلك نفس التفصيل في الرد على ذلك ما دام الموقف يتطلب تجانسا بين أدلة المخالف المفصلة وبين الرد عليها بنفس التفصيل.

[ 26 ]

يقول المؤلف - وقد قدم أدلة المخالف في أربع نقاط مع تفريعاتها -: (والجواب عما احتجوا: أولا، من وجوه: * أحدها: إنه " ع " لم يحكم بالنجاسة " أي: قوله " ع ": ينزح منها دلاء " أقصى ما في الباب أنه أوجب النزح. * وثانيها: إنه لم يجوز أن يكون قوله: " ينزح منها دلاء " المراد من الطهارة ها هنا: النظافة؟!. * ثالثها: يحمل على ما لو تغيرت، جمعا بين الأدلة. * رابعا: هذه دلالة مفهوم وهي ضعيفة خصوصا مع معارضتها للمنطوق. * وخامسها: يحمل المطهر هنا على ما أذن في استعماله، وذلك إنما يكون بعد النزح لمشاركته للنجس في المنع جمعا بين الأدلة. وهذه الاجوبة آتية في الحديث الثاني " أي: قوله " ع " يجزيك أن تنزح دلاء ". وعن الثاني بأن عمل الأكثر ليس بحجة، وأيضا: فكيف يدعي عمل الأكثر هنا مع أن الشيخ وابن أبي عقيل ذهبا إلى ما نقلناه - أي: مخالفتهما -. وعن الثالث: بالمنع من الملازمة " أي: احتجاجهم القائل: لو كان طاهرا لما ساغ التيمم، والتالي باطل، فالمقدم مثله ": أولا: قوله: الشرط فقدان الطاهر، قلنا: ليس على الاطلاق، بل المأذون في استعماله، فإن المستعمل في إزالة الحدث الأكبر طاهر عند أكثر أصحابنا يجب معه التيمم، فكذا هنا. وثانيا: بالمنع من بطلان التالي. والحديث الذي ذكروه " وهو قوله " ع " فيتمم بالصعيد الطيب. ولا تقع على البئر ولا تفسد. إلخ غير دال على التنجيس، فإنه يحتمل رجوع النهي إلى التنجيس للمصلحة الحاصلة من فقدان الضرر بالوقوع، والنهي عن إفساد الماء إما على معنى عدم الانتفاع به إلا بعد النزح.). لقد استشهدنا بهذا النص المطول ليتبين القارئ مدى اتسام هذا الرد بالتفصيل

[ 27 ]

والعمق والشمول، فيما رد على الدليل الأول " وهو الروايتان القاضيتان بالنزح " حيث علل المخالف ذلك بقوله (لو كانت طاهرة لكان تعليل التطهير بالنزح تعليلا لحكم سابق بعلة لاحقة رده على ذلك بخمسة وجوه اعتمد فيها على ذائقته الفقهية المتميزة من جانب مثل عدم الملازمة بين النزح والنجاسة ومثل إمكان حمل ذلك على النظافة وليس الطهارة التي تقابلها النجاسة، ومثل تفسيره لعبارة " الافساد لماء البئر بمعنى: عدم الانتفاع به، وليس نجاسته. إلخ " مضافا - من جانب آخر إلى محاولة تأليفه بين الروايات المتضاربة، حيث أن عبارات من نحو: (ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير) و (لا بأس) جوابا لمن سأله " ع " عن وقوع بعض النجاسات في البئر، و (لا تعاد الصلاة ما وقع في البئر إلا أن ينتن) أمثلة هذه العبارات (نص) في عدم انفعال ماء البئر بالنجاسة، لذلك، فإن حمله الروايات الآمرة بالنزح على " التغير " وجمع بين الأدلة يكون بذلك قد استخدم ذائقته الفقهية في تفسير النص أو تأويله " أي: الجمع " بالنحو المطلوب هذا فضالا عن اعتماد المؤلف بعض الأدلة العقلية، في " الملازمات " التي نقضها. وفضلا عن اعتماده العنصر الاستقرائي في التماس أحكام أو أقوال " مماثلة " للمسألة المبحوث عنها، مثل استشهاده بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر. إلخ، حيث تكشف هذه المستويات من " الرد " عن مدى الجدية ومدى الحرص على تفصيل الممارسة التي ينتهجها في هذا الميدان. طبيعيا، من الممكن أن تثار بعض الملاحظات على الرد المذكور للمؤلف، ومنها مثلا ذهابه إلى أن عمل الأكثر ليس بحجة " وهو موقف صائب دون أدنى شك، بدليل، أنه خالف المشهور في انفعال ماء البئر، مع ملاحظة أن المؤلف يعمل بالمشهور في غالبية ممارساته - كما سنرى لاحقا إلا أن رده على المخالف بعبارة (فيكف يدعي عمل الأكثر هنا مع أن الشيخ وابن أبي عقيل ذهبا إلى ما نقلناه). هذا الرد لا يمكن التسليم به من حيث نفيه صفة " الشهرة " لمجرد مخالفة فقيهين، لوضوح أن مخالفة الواحد أو الاثنين لا تقدح في تحقق الشهرة، وإلا كان القول " إجماعا " وليس " شهرة " كما هو بين ولا أدل على ذلك أن المؤلف قد صدر ممارسته لهذه المسألة بعبارة: (المشهور عند أصحابنا: تنجس البئر بملاقاة النجاسة.) حيث أقر بتحقق " الشهرة " في هذا القول، وحينئذ، كيف ينفيه " في رده

[ 28 ]

المذكور على المخالف؟ " وبالرغم من أن المؤلف كان في صدد الرد على " الشهرة الفتوائية " مقابل " الشهرة العملية " بدليل أن المخالف - حسب ما نقله المؤلف على لسانه - قد احتج بالقول: (عمل أكثر الأصحاب، وهو وإن لم يكن حجة. فإذا انضم إلى ما ذكرناه من الاحاديث حصل القطع بالحكم) إلا أنه في الحالين - سواء أكانت " الشهرة: فتوائية أو عملية " فإن مخالفة الواحد أو الإثنين لا تزيلها، كما قلنا. وبعض النظر عن ذلك. فإن المؤلف " في ردوده بصورة عامة يظل كما أشرنا - متوفرا على الممارسة الجدية، العميقة، المستوعبة لكل متطلبات الرد المفصل، بالنحو الذي لحظناه. أما من حيث أدوات " المقارنة " التي يستخدمها المؤلف في مرحلة رده على أدلة المخالفين، فإن الخطوط التي لحظناها في " مرحلة عرض أدلتهم " تأخذ المنحى ذاته: من حيث اعتماده أدوات طرفي المقارنة " الخاصة " و " العامة "، مضافا إلى الادوات المشتركة بينهما بطبيعة الحال، مع ملاحظة جانبين هما: * رفضه لأدوات " الجمهور " في أكثر من مجال، منها: الرد على الرواية الضعيفة " حيث لا يرفضها - كما لحظنا - عند مرحلة عرض أدلته الخاصة " ومنها " الرد على أدلتهم المنهي عنها " كالقياس والاستحسان ونحو هما ". * اعتماده - في كثير من الحالات - على الأدلة " الخاصة " في تعامله مع الجمهور، سواء أكان ذلك في صعيد " الجمع " بين أدلة الطرفين أو الترجيح لأدلة الخاصة. ويحسن بنا أن نستشهد بنماذج من ممارساته في صعيد تعامله مع الجمهور أولا، فيما نبدأ ذلك بتعامله مع أدلتهم النقلية، وفي مقدمتها: الرواية، حيث يخضعها لجملة من الاعتبارات، منها: 1 التعامل مع الرواية، من خلال " تجريحها " سندا، حيث يعتمد في ذلك على معايير الجمهور نفسه، ففي رده على رواية " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " فيما استدل بها الشافي على اعتصام الماء الكثير علق قائلا: (إن الحنفية قد طعنوا فيه. فلو كان صحيحا لعرفه مالك). ورد الاحاديث الذاهبة إلى أن المسح هو: إلى المرفقين فس التيمم، بقوله:

[ 29 ]

(والجواب عن أحاديث أبي حنيفة بضعفها فإن أكثر العلماء أنكرها ولم يرو منها أصحاب السنن وقال أحمد: ليس بصحيح عن النبي " ص " إنما هو عن ابن عمر، وقال الخطائي: يرويه محمد بن ثابت، وهو ضعيف). فالملاحظ هنا، أن المؤلف قد اعتمد مقاييس الجمهور في تجريح هذه الروايات، من خلال علماء الحديث، أو أصحاب السنن، أو رواد المذاهب أنفسهم من حيث إنكار بعضهم لمبادئ البعض الآخر، حيث يعد مثل هذا المنحى من الرد أسلوبا بارعا في " الالزام "، كما هو واضح. بيد أنه إذا كان المؤلف يعتمد مقاييس الجمهور في تقويم الرواية من أجل " إلزامهم " بمقاييسهم ذاتهم، فهذا لا يعني أنه يتقبل ذلك بنحو مطلق حتى لو كان ذلك على حساب مبادئه الخاصة مثلا. بل إن " الموضوعية " و " الحياد العلمي " الذي تفرضه " المقارنة " من جانب، وخطأ بعض المقاييس التي يصدر عنها الجمهور من جانب آخر، يفرضان على المؤلف ألا يتقبل المعيار المخطئ لديهم. لذلك نجده يرد مثلا على الحنابلة الذين طعنوا في حديث - ورد عن طريق الجمهور - للامام " ع " فيما قدمه المؤلف دليلا لوجهة نظره بالنسبة إلى التخيير في الأخرتين بين التسبيح والحمد. يرد على الطعن المذكور، بقوله: (وطعن الحنابلة - في حديث علي " ع " بأن الرواية هي للحارث بن الاعور، وقد قال الشعبي: إنه كان كذابا - باطل، لأن المشهور من حال الحارث: الصلاح وملازمته لعلي " ع ". وأما الشعبي، فالمعلوم منه: الانحراف عنه " ع ": وملازمته لبني أمية، ومباحثته لهم، حتى عد في شيعتهم). إن أمثلة هذا الرد تتناسب مع موضوعية المنهج المقارن الذي يفرض على المؤلف ألا يتقبل المعايير المخطئة للجمهور، بخاصة أن المؤلف استند إلى عنصري: " السيرة والتأريخ " في تدليله على فساد الطاعن وصلاح المطعون. ومنها: 2 التعامل مع الرواية من خلال السمة الذهنية للراوي من حيث إمكان " توهمه " في عملية النقل. وهذا من نحو رواية أبي هريرة عن النبي " ص " القائلة: " جعل المضمضة والإستنشاق للجنب ثلاثا: فريضة " حيث عقب المؤلف عليها قائلا:

[ 30 ]

(إنه حكاية قول أبي هريرة فلعله " توهم " ما ليس بفرض فرضا). ومما يكسب أمثلة هذا الرد قيمة علمية، أن المؤلف - في حالات كثيرة - لا يقف عند مجرد إمكان " التوهم "، بل نجده يستدل على ذلك. وهذا من نحو رده على الاتجاه الذاهب إلى وجوب إرغام الانف في السجود حيث احتج المخالف برواية لابن عباس عن النبي " ص ": (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأشار بيده إلى الانف) فيما عقب المؤلف أولا على ذلك بقوله: (فلعل الراوي رأى محاذاة يديه لأول الجبهة، فتوهم الانف). بعد ذلك، استدل المؤلف على " توهمه المذكور برواية أخرى للرواي نفسه، عد الانف منها، فعقب عليها بقوله: (وقوله " ع " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ثم عد الانف، دليل على أنه غير مراد بأمر الوجوب، وإلا لكان المأمور ثمانية). إن أمثلة هذا الاستدلال يظل من المتانة والقوة بمكان كبير، حيث أثبت إمكان " التوهم " من الراوي بما لا مجال للشك فيه، وهو أمر يدعو إلى إكبار المؤلف في أمثلة هذه الردود. ومنها: 3 التعامل منع الرواية من خلال معارضتها من قبل الراوي نفسه أي: معارضة روايته برواية أخرى للراوي ذاته. وهذا من نحو رواية أبي هريرة التي احتج بها المخالف بالنسبة إلى وضع اليدين قبل الركبتين في الهوي إلى السجود: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه) حيث عقب المؤلف على هذه الرواية: (ورواية أبي هريرة معارضة بالرواية التي نقلناها عنه، وذلك مما يوجب تطرق التهمة إليه) ويقصد بها رواية احتج بها المؤلف لوجهة نظره الذاهبة إلى وضع اليدين قبل الركبتين في الهوي إلى السجود، والرواية هي: (إذا سجد أحد كم فليضع يديه قبل ركبته ولا يبرك بروك البعير). بيد أن مثل هذا الرد يظل عرضة للإشكال من جانبين، أحدهما: سقوط الروايتين كلتيهما، حيث يفترض في مثل هذه الحالة إما أن يصحح المؤلف إحدى الروايتين أو يرجع إلى ثالثة أو إلى الأصول العملية ونحوها: عند تعارضهما. الجانب الآخر: أن قول المؤلف بأن معارضة

[ 31 ]

الرواية الأولى بالثانية توجب " تطرق التهمة " تنعكس عليه أيضا، لأن الرواية الأولى ساقها للتدليل على صحة وجهة نظره، فإذا أسقط الروايتين، يكون قد أسقط دليله أيضا، وهذا ما يجعل الرد المذكور غير محكوم بصواب ممارسته. وهذا على العكس مثلا من ممارسة أخرى، صحح فيها المؤلف إحدى الروايتين المتعارضتين عند رده على دليل خصمه فيما استند - بالنسبة إلى زعمه بعدم وجوب سورة الحمد - إلى قوله " ص " (ثم اقرأ ما تيسر من القرآن.) حيث رد المؤلف على ذلك بأن الرواية المذكورة رويت بصيغة أخرى هي: (ثم اقرأ بأم القرآن). وهذا ما يكسب الرد المشار إليه، قيمة علمية: ما دام المؤلف قد اضطلع بتصحيح إحدى الروايتين وهي: الرواية التي اعتمدها دليلا لوجهة نظره، كما هو واضح. ومنها: 4 التعامل مع الرواية من خلال معارضتها مطلقا، أي: معارضتها بروايات أخرى. وهذا النمط يتماثل مع سابقه - من حيث مستويات الرد التي تتجه إلى إسقاطهما أو تصحيح إحداهما. إلخ ففي مجال التصحيح مثلا نجد المؤلف يرد على احتجاج المخالف الذاهب إلى أن التكبير في الاذان مرتان لا أربع، واستناده إلى رواية تقول بأن أحد المؤذنين في زمن الرسول " ص " كان يجعل التكبير مرتين، حيث رده المؤلف: (إنه معارض بحديث بلال - وكان المؤلف قدمه لدعم أدلته الشخصية - فيما تقول الرواية بأن الرسول " ص " علمه التكبير بأربع مرات والأخذ به أولى، أنه كان أكثر ملازمة لرسول الله " ص ") وأهمية مثل هذا الرد تتمثل في تصحيح الرواية المعارضة من خلال كون المؤذن أكثر ملازمة للنبي " ص " وهذا مرجح لها، أو أسقاط للرواية المعارضة لها. فيما يكشف مثل هذا التصحيح عن براعة فائقة في الممارسة الفقهية دون أدنى شك. ومنها: 5 التعامل مع الرواية من خلال تذوق دلالتها، أي: استشفاف المخالف دلالة مغايرة لظهورها وهذا ما يمكن ملاحظته في رد المؤلف عى الجمهور في ذهاب الأخير إلى عدم ناقضية النوم للوضوء، إلا في حالات خاصة، مستندين في ذلك إلى رواية تقول: (الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استراحت مفاصله) ورواية أخرى جاء فيها: (بينا أنا جالس في صلاتي إذ رقدت، وإذا النبي " ص " فقلت: يا رسول الله، على من هذا

[ 32 ]

وضوء؟، فقال: لا، حتى تضع جنبيك). وقد عقب المؤلف على هاتين الروايتين، بقوله على الأولى (إنه نص على الاضطجاع ونص على العلة التي هي الاسترخاء، وذلك يقتضي تعمم الحكم في جميع موارد العلة). وقال عن الرواية الأخرى: (يجوز أن يكون غير مستغرق بحيث يغيب عن مشاعره الاحساس). فالمؤلف هنا يرد تينك الروايتين من خلال تفسير هما بما لا يتنافى وأدلته الشخصية، أو لنقل: يفسر هما في ضوء النقض للدلالة التي أخطأ المستدل المخالف في استخلاص الحكم منها. بيد أن المهم هو: براعته في استخلاص الدلالتين اللتين لحظنا هما حيث استخلص في أولاهما " مناطا " يتعمم حكمه على جميع الموارد بما فيها المورد الذي استهدف المخالف نفيه. كما استخلص في أخراهما: احتمالا هو عدم تحقق " المناط " المشار إليه، حيث إن عدم الاستغراق في النوم هو أحد مصاديقه، كما هو واضح. التعامل مع الأدلة الأخرى: الاجماع: يتعامل المؤلف مع " الجمهور " بالنسبة إلى الاجماع - بنحو يماثل التعامل مع الدليل الروائي من حيث اعتماده " إجماع الجمهور "، إلا أنه يضيف إلى ذلك " إجماع المسلمين " - بنحو ما لحظناه في " مرحلة الأدلة الشخصية " - كما أنه يضيف إلى ذلك " إجماع الخاصة " وفي مقدمته " إجماع أهل البيت عليهم السلام "، حيث إن طبيعة هذه المرحلة " مرحلة الرد على دليل المخالف تفرض عليه من جانب: أن يرد إجماعاتهم بما يضادها من أدلتهم، وبما ينافيها من " إجماع الخاصة من جانب آخر. ويمكن ملا حظة هذه المستويات من الرد، متمثلة في رده - على سبيل المثال - على الاتجاهات الذاهبة إلى غسل الوجه ما بين العذار والأذن، حيث احتج المخالفون على ذلك ب‍ " الاجماع ". ردهم بقوله: (الجواب. بالمنع من الاجماع مع وقوع الخلاف، وكيف يتحقق ذلك وأهل البيت

[ 33 ]

عليهم السلام رووا هذا القول - ويقصد به: ما دارت عليه الابهام والوسطى - ومالك ويوسف والزهري وغيرهم؟). ومن نحو رده على الاتجاه الذاهب إلى أن مسح الرأس في الوضوء: أن يكون بجميعه، رد ذلك قائلا: (. إن أهل البيت أجمعوا على رده). ومن نحو رده على أحد الاتجاهات الذاهبة إلى أن " المسافة " ليست شرطا في " قصر " الصلاة، رد ذلك قائلا: (. إنه مناف للاجماع، إذ قد ثبت عن الصحابة والتابعين: التحديد). فالملاحظ في هذه الممارسات الثلاث، أن المؤلف توكأ على " إجماع العامة " في رده على قول شاذ " عدم شرط المسافة " عبر استناده إلى إجماع الصحابة والتابعين. حيث إن مخالفة فقيه من " العامة " لفقهائهم الآخرين، يفرض عليه أن " يلزمه " من خلال أدلتهم، كما هو واضح. وأما رده على الاتجاه الذاهب إلى تحديد الغسل ما بين العذار والأذن. فبما أن هذا الاتجاه ادعى " الاجماع " على ذلك، حينئذ نقض الادعاء المذكور بوجود المخالف من " الخاصة " و " العامة ": حيث إن إشارته إلى خلاف " الخاصة " - مضافا إلى خلاف " العامة " أشد إلزاما. وأما رده على الاتجاه الذاهب إلى مسح جميع الرأس، فبما أن " العامة " منشطرون إلى أكثر من اتجاه خلافا للخاصة فيما " أجمعوا " على تبعيض ذلك، حينئذ يكون " الاستدلال " بإجماع " الخاصة " وحدهم له مسوغه العلمي، كما هو واضح. الشهرة الروائية والعملية والفتوائية: تظل هذه الادوات: من جملة الادوات المشتركة التي يعتمدها المؤلف في رده على أدلة " الجمهور " بصفتها أدوات تعامل مع " الخاصة " أيضا كما سنرى ذلك لا حقا. لذلك، نجده غير مقتصر على تقديم أدلة طرف دون آخر، بل " يزاوج " بينهما في أكثر من ممارسة. وهذا من نحو الممارسة التالية التي يرد فيها على روايتين قد أوردهما " الجمهور " بأن

[ 34 ]

النبي " ص " كان - في رفع اليدين - يقتصر على تكبيرة الافتتاح. حيث رد ذلك، قائلا: (والجواب عن الحديثين: أنهما معارضان للأحاديث المتقدمة - ويقصد بها: الاحاديث التي عرضها المؤلف " للخاصة والعامة " بالنسبة لاستحباب رفع اليدين عند الركوع - مع " كثرة رواياتها. وعمل الصحابة بما قلناه، وعمل أهل البيت عليهم السلام، مع أنه: الحجة، وهم أعرف بمظان الأمور الشرعية). فالملاحظ هنا، أنه قد اعتمد " الشهرة الروائية " أولا: حينما أشار إلى كثرة الروايات الذاهبة إلى رفع اليدين. كما اعتمد - ثانيا الشهرتين " العملية " و " الفتوائية ": في حالة ما إذا كان عمل الصحابة مستندا إلى رواياتهم التي ذكرها، أو مطلقا. واعتمد - ثالثا - عمل أهل البيت عليهم السلام حيث رجح هذا الجانب على سواه. وأهمية مثل هذا الرد تتمثل في: كون المؤلف قد اعتمد أدوات طرفي " المقارنة " فيما أكسب ممارسته أهمية كبيرة، بيد أن الأهم من ذلك أنه أكسب عمل أهل البيت عليهم السلام قيمة خاصة تترجح على سواها بصفة أنهم أعرف بمظان الأمور الشرعية. وهذا يعني أن المؤلف - في أمثلة هذه الممارسة - قد التزم بما تفرضه " منهجية المقارنة " من جانب، مضافا إلى ضرورة العمل بما يعتقده " حجة " بينه وبين الله تعالى في ذهابه إلى أن أهل البيت عليهم السلام هم الأعرف بمظان الأمور الشرعية. عمل الصحابي: لحظنا بعض الممارسات المرتبطة بعمل الصحابة في مرحلة عرض الأدلة الشخصية وغيرها، هنا " في مرحلة الرد على أدلتهم، يمارس نفس المنحى من حيث تقبله لهذا الدليل " في حالة كونه كاشفا عن سيرة " شرعية " لدى الجمهور، كما هو الأمر بالنسبة إلى ما لحظناه - قبل قليل - عن سيرتهم في " رفع اليدين " و " تحديد المسافة " حيث توكأ على سيرة الصحابة في " رده " على أدلتهم المخالفة لو جهة نظره والامر كذلك، بالنسبة إلى قول أو عمل الصحابي " في حالة كونه مستقلا " حيث يرد على مخالفيه قول أو فعل الصحابي، من خلال إشارته إلى كونه معارضا بصحابي آخر، أو

[ 35 ]

خرقه لإجماعهم أو إسقاطه أساسا، من حيث كونه غير حجة ما لم يستند إلى الرسول " ص ". وهذا ما نلحظه - مثلا - في ممارسته التي يرد بها على من ذهب إلى أن " عمر " هم أن يعاقب أحد الأشخاص المفطرين ممن انفرد برؤية الهلال، حيث علق المؤلف قائلا: (إنه - أي: سلوك الصحابي المذكور - مستند إلى " صحابي " فلا يكون حجة ما لم يسنده إلى الرسول صلى الله عليه وآله.). الأدلة المنهي عنها: ونقصد بها: أدوات " القياس " و " الاستحسان " والرأي ونحوها وحيث أن المؤلف لا يعتمد أمثلة هذه الأدلة المنهي عنها، فيما يفرض عليه ذلك، أن " يرد " عليها بطبيعة الحال.. وهذا ما يمكن ملاحظته - على سبيل الاستشهاد - في " رده " على من ذهب إلى جواز انعقاد الصلاة بغير الصيغة المنحصرة بعبارة " الله أكبر " حيث ذهب المخالف إلى أنه يتم بأية عبارة تتضمن ذكر الله تعالى وتعظيمه، مشابهة للتكبير. حيث رده المؤلف قائلا: (والجواب. أنه " قياس " في مقابل النص، فالا يكون مقولا. والملاحظ أن المؤلف - في كثير من ممارساته - لا يكتفي بمجرد الاشارة إلى معارضة هذا القياس أو ذلك للنص، بل نجده يوضح عقم هذا القياس أو ذلك: إما من خلال توضيحه الفارق بين الأصل والفرع، أو بتقديم معارض له في القياس ذاته. فالمخالف الذي سبق أن رده المؤلف قد احتج بقياس آخر على المسألة المتقدمة بأن ذلك يقاس على الخطبة التي لا صيغة محددة لها، حيث رده المؤلف قائلا: (والفرق بينه وبين الخطبة ظاهر، إذا لم يرد عن النبي " ص " فيها لفظ معين). وأما رد القياس بما هو معرض له فيمكن ملاحظته في رده على من ذهب إلى عدم جواز أن " يصاف " الصبي الامام في صلاة الجماعة قياسا على المرأة، حيث قال: (القياس منقوض بالنوافل، وبالأمي مع القارئ، وبالفاسق مع العدل). وأما ردوده على " الاستحسان " وسواه من أدوات " الرأي " المنهي عنها، فيمكن

[ 36 ]

ملاحظتها في ردوده على بعض المخالفين ممن ذهب إلى تقدير الماء الكثير بالقلتين، أو بعدم وصول النحاسة إليه، أو تقديره بعشرة أذرع.. إلخ، حيث رد القولين الاخيرين " حركة الماء والتقدير بالأذرع " قائلا: (والقول بمذهب أبي حنيفة باطل " أي: الحركة " لأنه تقدير غير شرعي، ولأنه مجهول، فإن الحركة قابلة للشدة والضعف. والتقدير بعشرة أذرع مجرد استحسان من غير دليل). إن أمثلة هذا الرد تتسم بأهمية كبيرة. فبالرغم من رده أدوات: استدلال المخالف " من حيث عدم مشروعيتها " إلا أنه يتعامل - من جانب آخر - مع هذه الادوات: إما بإبراز فسادها، مثل: القياس قبال النص، أو الاستحسان من غير دليل حيث جاء في أحد تعريفاته مثلا أنه دليل ينقدح في الذهن. وإما بنقضه بنفس الأدلة مثل القياس المعارض بمثله، بالنحو الذي لحظناه في الممارسات المتقدمة. وهذا كله فيما يتصل بأدوات " رده " على الجمهور. أما ما يتصل بتعامله مع الخاصة فسنعرض له عند حديثنا عن السمة الاستدلالية في ممارساته. والآن: بعد ملاحظتنا هذه المرحلة من منهجه المقارن. نتقدم إلى المرحلة الاخيرة، وهي: 6 فرضية النقض أو الاشكال على ردوده: هذه هي المرحلة أو الخطوة الاخيرة من الخطوات التي ينتهجها المؤلف في منهجه المقارن. لقد كانت المرحلة السابقة تتمثل في: ردوده على المخالفين، أما الخطوة الاخيرة فتتمثل في: فرضية الاشكال من قبل مخالفيه، حيث يتوقع المؤلف أن يرد مخالفوه على ردوده التي تحدثنا عنها في المرحلة الخامسة من منهجه المقارن. لذلك، فإن المرحلة السادسة التي نعرض لها الآن تكاد تماثل المرحلة الثالثة التي وقفنا عند مستوياتها المتمثلة في: فرضية الرد على أدلته الشخصية. أما هنا فإن " الرد " يتم من خلال ردوده على الآخرين، وليس من

[ 37 ]

خلال عرض أدلته الشخصية. وتبعا لهذا، نجد أن هذه الخطوة تتميز عن سابقتها بتنوع الإشكال وتضخمه، وأيضا بتنوع رده على الاشكالات المشار إليها. ومن الواضح، أن هذه الخطوة تعد في قمة الأهمية بالنسبة لمتطلبات المنهج المقارن، نظرا لإمكانية أن تثار على ردوده إشكالات أخر: ما دام طرفا المقارنة يمكنهما أن يقدما الاجابة علي رد كل واحد الآخر. وبمقدورنا أن نستشهد ببعض النماذج في هذا الصعيد.. منها: رده على القول الذاهب بعدم انفعال الماء بالنجاسة في حالة بلوغه قلتين، أو القول المستند إلى ما هو غير شرعي، بالنسبة إلى تقديره، حيث ردهم بالطعن في السند في موضوع القلتين، وردهم بعدم استناد تقديرهم إلى الشرع بل مجرد الاستحسان ونحوه " كما لحظنا في المرحلة السابقة ". وهنا، نجد أن المؤلف يورد " إشكالا " على رده المذكور، حيث افترض ما يلي: (لا يقال: ينتقض ما ذكرتموه بما رواه الشيخ عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله " ع " قال: إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ. وبما رواه في الصحيح عن صفوان، قال: سألت أبا عبد الله " ع " عن الحياض التي من مكة إلى المدينة، تردها السباع. فقال " ع ": وكم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق إلى الركبة، قال " ع ": توضأ). لانا نجيب عن الأول بأنه مرسل، ولأنه مناف لعمل الأصحاب، ولأنه ورد للتقية. وعن الثاني بأنه مناف لاجماع المسلمين، لأن القائل بالتقدير لم يقدره بذلك). فالمؤلف هنا قد أوفى " المقارنة " حقها، وسلك المنحى الموضوعي في ذلك، حينما وجد أن في نصوص " الخاصة " ما يتوافق مع أقوال " العامة "، لذلك لم ينسج صمتا حيال هذه الروايات، بل رد الأولى منهما بضعف السند، ومنافاتها لعمل الأصحاب، وورودها تقية. ورد الأخرى بمخالفتها لاجماع المسلمين. وإذا كانت هذه الممارسة تعرض " الإشكال " وترده، من خلال إقراره فعلا بوجود نصوص مماثلة لأدلة المخالف، فإنه - في مستوى آخر من الممارسة - لا يقر ب‍ " النقض " إلا من

[ 38 ]

خلال ما هو " افتراض " فحسب، حيث نجده يرد على " الفرضية " المذكورة بأسلوب آخر من الرد. وهذا ما نلحظه متمثلا في أسلوب هو: استخدامه عبارة " سلمنا " حيث تتناسب هذه العبارة مع طبيعة " الفرضية " التي لم يقتنع بها، بخلاف أسلوبه الأول الذي يعتمد " المقولات " أي: عبارة " لا يقال " و " لانا نقول " حيث تتناسب العبارة الاخيرة مع طبيعة الإشكال الذي يقتنع بمشروعيته فيما لحظناه قد أقر بوجود روايات للخاصة تماثل روايات العامة. والمهم يمكننا ملاحظة الأسلوب الآخر الذي يعتمد مجرد " التسليم " بالإشكال دون أن يقتنع به، متمثلا في رده على من ذهب إلى أن الواجب من الغسل هو: ذلك البدن بواسطة اليد، ولا يكفي مجرد الصب، مستندا في ذلك إلى هذه المقولة: (ولأنه فعل، والفعل لا يتحقق إلا بالدلك) حيث أجابه قائلا: (قوله: هو فعل، قلنا: مسلم، لكنه غير مقصود لذاته، بل المقصود: الطهارة، وقد حصلت. سلمنا، لكن تمكين البدن وتقريبه إليه: فعل، فخرج به عن العهدة بدون الدلك). فالملاحظ هنا، أن المؤلف قد اعتمد عنصر " التسليم " على نحو " الفرضية " في عبارة " سلمنا "، ثم رد بأن تمكين البدن " فعل " أيضا، بالنحو الذي لحظناه. وأهمية مثل هذا الأسلوب تتمثل في شمولية الممارسة لكل الاحتمالات التي يمكن أن يتقدم بها المخالف، حتى تصبح " المقارنة " مستكملة لشروطها جميعا، وهذا ما توفر عليه المؤلف حقا، كما لحظنا. * * * ما تقدم، يجسد منهج المؤلف في ممارسته ل‍ " عنصر المقارنة " التي طبعت كتاب " المنتهى "، أما العنصر الآخر الذي قلنا بأنه يطبع كتابه المذكور: فهو:

[ 39 ]

(4) (عنصر الاستدلال) " المقارنة " قد تتم - كما أشرنا - في صعيد عرض الأقوال كما هو طابع الكثير من المؤلفات. وقد تتم في صعيد الممارسة الفكرية " الاستدلال "، كما هو طابع كتاب " المنتهى " وهذا العنصر الأخير، قد يتم عابرا، أو مختزلا وقد يتم بنحوه المفصل الشامل، فيما يطبع كتاب " المنتهي " أيضا. لكن ما يعنينا هو: أن نعرض لمنهج المؤلف في الاستدلال، من حيث تعامله مع " الأدلة " التي يعتمدها " والأدوات " التي تواكبها طبيعيا، إن هذه الصفحات لا تسمح لنا تسمح لنا بالتناول المفصل لمنهج المؤلف، بقدر ما يحسن بنا أن نعرض سريعا لطبيعة سلفا، ينبغي أن نشير إلى أن المؤلف قد توفر على " الممارسة الاستدلالية " بكل متطلباتها من حيث تعامله مع الأدلة الرئيسة من الكتاب والسنة أو الكاشفة عنها من شهرة أو سيرة شرعية أو عقلائية، فضلا عن دليلي الاجماع والعقل، وفضلا عن الأدلة الثانوية من أصل عملي ونحوه بما يواكب ذلك من " الادوات " التي يتم التعامل من خلالها مع الأدلة المذكورة، وهي: أدوات التعامل اللغوي والعرفي " الظواهر اللفظية " من عموم وإطلاق وخصوص وتقييد. إلخ، مضافا - بطبيعة الحال - إلى أدوات التعامل مع " السند ". المؤلف - كما قلنا - يتعامل مع الأدلة المذكورة وأدواتها بكل ما يتطلبه البحث من سعة وعمق وجدية. ولعل وقوفنا على منهجه المقارن يكشف عن الطابع المذكور بوضوح. بيد أننا نعتزم عرض هذا الجانب مشفوعا مع الملاحظات التي يمكن أن تثار حيال منهجه في هذا الصعيد. ونقف أولا مع منهجه في التعامل مع النصوص " كتابا أو سنة ":

[ 40 ]

التعامل مع النصوص: 1 التفسير اللغوي: يتعامل المؤلف مع النصوص وفقا لما يتطلبه التعامل من كشف لدلالاتها اللغوية أو لا، أي الكشف أو التفسير لدلالة لغوية كالظواهر النحوية مثلا أو الدلالة المعجمية للعبارات أو الدلالة العرفية لها. في صعيد الكشف اللغوي مثلا، نواجه تفسيره للآية الكريمة: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) حيث أوضح مفروغية القراءة بالجر وليس النصب، مشيرا إلى قراءة كل من ابن كثير وأبي عمر وحمزة وسواهم، واتفاق أهل اللغة على اشتراك الواو في المعنى والاعراب، موردا الإشكال الذاهب إلى أن الجر لا يقتضي العطف على المجرور لإمكانية أن يكون العطف على الأيدي والجر بالمجاورة، مستشهدا ببيت شعري وبمثل، رادا ذلك بأن الاعراب بالمجاورة لا يقاس عليه عند أهل العربية أو لا، وأن بعض النجاة لا يقرونه ثانيا، وأنه يتم في حالة عدم اللبس: كالمثل والبيت اللذين أشرنا إليهما ثالثا، مستشهدا بآية: (وحور عين) - فيمن قرأها بالجر - من أن العطف هو على قوله تعالى: (أولئك المقربون) مع أن أكثرية القراء: على الرفع، موردا - من جديد - إشكالا آخر، هو: القراءة بالنصب أيضا، واقتضاء ذلك: العطف على الأيدي، رادا ذلك بعدم إيجاب النصب: عطف ذلك على الأيدي، لجواز العطف على الرؤوس أيضا، وأن العطف على الموضع هو المشهور لغويا، موردا للمرة الجديدة إشكالا ثالثا، هو أولوية العطف علي اللفظ، رادا ذلك بعدم التسليم بهذه الأولوية، موردا للمرة الرابعة افتراضا آخر، هو: التسليم بإمكان الأولوية المذكورة، إلا أنه أوضح أن هذه الأولوية معارضة بأولويتين مثلهما، وهما القرب من جانب، وقبح الانتقال من حكم قبل تمامه إلى آخر غير مشارك له من جانب آخر، موضحا - في نهاية كلامه - " بعد أن يستشهد بنماذج في هذا الصدد " أن العطف على الأيدي ممتنع لاستتلائه بطلان قراءة الجر، في حين أن العطف على الموضع تقتاد إلى الجمع بين القراءتين. إلخ.

[ 41 ]

واضح من هذه الممارسة، أن المؤلف قد بذل أقصى الجهد في التدليل علي مفروغية القراءة بالجر، حيث عرض مختلف الوجوه التي تسوغ القراءة بالجر، وعرض مختلف الوجوه التي تسوغ العكس، رادا عليها جميعا من خلال الاستشهاد باللغويين والنصوص، بالنحو الذي عرضنا له، مما تكشف مثل هذه الممارسة عن سعتها ودقتها واستيعابها لكل الجوانب، وهو ما يتطلبه الكشف العلمي الجاد في صعيد التفسير اللغوي للنص من الزاوية النحوية. والامر نفسه بالنسبة إلى التفسير " المعجمي ". ففي تفسيره لدلالة " الصعيد " الذي يتيمم به، أورد المؤلف مجموعة من أقوال اللغويين وغيرهم ممن فسر " الصعيد " بأنه " التراب " أو التراب الخالص " أو " غبار الارض المستوية ". إلخ، مضافا إلى اعتماده " الحسن أو الذوق الفني الخاص " في رده على الاتجاه الذاهب إلى إمكانية شمول " الصعيد " لما كان من جنس الارض أو مشابهه، مثل الرماد والجص وغيرهما، معلقا على نفي ذلك بأكثر من وجه ومنه قوله: (الطهارة اختصت بأعم المائعات وجودا، وهو: الماء، فتخص بأعم الجامدات وجودا، وهو: التراب). وبالرغم من أن هذا التعليل لا يكشف ضرورة عن الاسرار الكامنة وراء التيمم بالتراب، إلا أنه ينم عن تذوق خاص لدلالة العبارة في أحد جوانبها بخاصة أنه أورد ذلك في سياق الرد على من ذهب إلى أن " النعومة " وغيرها هي المسوغ في مشاركة " الرماد " وغيره لدلالة " الارض "، حيث إنه نفى هذا المعيار وحصره في الارض، وفسر ذلك في ضوء تذوقه الخاص الذي أشرنا إليه. ومهما يكن، يعنيا أن نشير إلى أن المؤلف يمنح الممارسة المرتبطة بتفسير النص لغو يا " نحويا أو معجميا " كل متطلبات الموقف، ما دام التعرف على دلالته اللغوية يشكل الخطوة التمهيدية للتعامل مع النص، بصفة أن استخلاص دلالته شرعيا يتوقف على فهمه لغويا أولا، كما هو واضح. هذا إلى أنه - في حالة تعارض النصوص اللغوية - يرتكن إلى وجهة نظر المشرع الاسلامي في

[ 42 ]

حسم الموقف وهذا من نحو تحقيقه اللغوي لعبارة " الكعبين " التي وردت في باب الوضوء، فيما خلص من تحقيقه إلى أن المقصود منهما هو: العظمان في وسط القدم، وليس النابتين في جانبي الساق، كما زعم بعضهم والمؤلف بعد أن يثبت ذلك، يتقدم بالرد على بعض اللغويين ممن فسر ذلك تبعا للمخالف، علق قائلا: (فما نقلناه عن الامام الباقر " ع " أولى) مشيرا بذلك إلى ما ورد عنه " ع " من تفسيرهما بما تقدم. ومن الواضح أن مثل هذا الترجيح لقول المشرع الاسلامي يحمل قيمة استدلالية مهمة: ما دام المشرع الاسلامي يملك الحسم في تحديد ما هو مختلف فيه، حتى لو كان ذلك في صعيد اللغة، بالنحو الذي لحظناه. وهذا فيما يتصل بالكشف: نحويا ومعجميا. والامر نفسه فيما يتصل بالكشف: أو التفسير للنص، من خلال لغته " العرفية ". ويمكن تقديم نموذج - على سبيل الاستشهاد - في هذا الميدان. ففي تفسيره لقوله تعالى: (إذا ضربتم في الارض) الواردة في صلاة القصر، رد الذاهبين إلى أن " القصر " يتحقق مع خروج المسافر من منزله، ردهم بأن ذلك يتحقق مع خفاء الجدران، وأن " الضرب في الارض " لا يتحقق مع الحضور في البلد، فلا بد من التباعد الذي يصدق معه اسم " الضرب ". فالملاحظ في هذا النمط من أنه قد اعتمد " العرف " في توضيحه لدلالة الضرب في الارض، كما هو واضح. هنا يتعين علينا أن نشير إلى المؤلف - في بعض ممارساته - يحمل النص تفسيرا يصعب التسليم به. وهذا من نحو تأويله مثلا - في صعيد اللغة العرفية - لرواية تحدد الحيض بثمانية أيام " من طرف كثرته "، حيث علق عليها قائلا: (الغالب وقوع المتوسط وهو ثمانية أيام أو سبعة أو ستة، فيكون ذلك إشارة إلى بيان أكثر أيامه في الغالب، لا مطلقا). إن هذا التأويل لا يمكن التسليم به، لبداهة أن " الوسط " لا يتحدد في الرقم المذكور، بدليل أن المؤلف نفسه قد ذكر الستة والسبعة أيام أيضا، كما أن " الغالب " لم يتحدد عرفا - في الرقم المذكور نظرا لعدم إمكان " الاستقراء " في ذلك.

[ 43 ]

ولو أن المؤلف طرح هذا الخبر لشذوذه مقابل الشهرة الروائية لرقم " الشهرة أيام " لكان أجدر. والمؤلف أقر - في الواقع - بشذوذ الرواية عند ما قال في البدء: (هذا خبر لم يذهب إليه أحد من المسلمين)، إلا أنه أضاف قائلا: (فيجب تأويله). ولعل قناعته بصحة الرواية من جانب، وحرصه على مقولة " الجمع أولى من الطرح " حمله على التفسير المتقدم، وهو أمر سنعرض له عند حديثنا عن " تأليفه بين النصوص " في حقل لاحق حيث يمكن أن يثار " التشكيك " حيال " المقولة المذكورة بالنحو الذي نعرض له في حينه. المهم، أن هذه الانماط الثلاثة من التفسير اللغوي للنص: نحويا ومعجميا وعرفيا، تظل خطوة أولى من التعامل مع النص، قد توفر المؤلف عليها حسب ما يتطلبه الموقف من تفصيل أو اختزال. أما الخطوة الأخرى لتعامله مع النص، فتتمثل في: 2 التفسير من خلال النص: وهو أن يفسر النص في ضوء سياقه الذي ورد فيه، أو في ضوء النصوص الأخرى الواردة في المسألة المطروحة، أو غير ها مما تفتقر إلى التوضيح: للاجمال الذي يطبع النص، وهذا ما يندرج ضمنه: التأليف بين النصوص " من خلال ما يسمى ب‍ " الجمع العرفي "، ويتجاوزه إلى " الجمع التبرعي " أيضا وسائر الأشكال التي تجمع بين النصوص المتضاربة في الظاهر. أما النمط الأول من الأول من التفسير، أي: كشف الدلالة من خلال سياقها الذي وردت فيه، فيمكن ملاحظته في ممارسات متنوعة من نحو رده مثلا على من ذهب إلى أن الفاقد للماء " حضرا " لا يشمله حكم " التيمم "، نظرا لوروده في سياق " السفر " تبعا للآية الكريمة عن التيمم. حيث رد ذلك بقوله: (الآية لا تدل عليه، لأنه تعالى ذكرا أمورا في الاغلب هي أعذار كالمرض والسفر، فإذا خرج الوصف مخرج الاغلب، لا يدل على نفي الحكم عما عداه.). ومن نحو رده على من ذهب إلى وجوب غسل الجمعة مثلا، استنادا إلى رواية:

[ 44 ]

(قال " ع ": اغتسل يوم الفطر والأضحى والجمعة) من حيث إن الأمر يدل على الوجوب. رد ذلك قائلا: (لو كان للوجوب كانت الاغسال التي عددها واجبة، وليس كذلك). ففي هذه الممارسة وسابقتها فسر المؤلف دلالة النص في ضوء السياق الذي وردت فيه، حيث كان السياق في الآية الكريمة يتناول أمورا تقترن بالأعذار مثل " السفر " و " المرض " وحيث كان السياق في الرواية يتناول أغسالا ليست واجبة كالفطر والأضحى. ومن الواضح، أن التفسير من خلال السياق ينطوي على أهمية كبيرة في صعيد الكشف عن الدلالة المستهدفة في النص، لبداهة أن عزلها عن السياق الذي وردت فيه، يجعل الحكم مبتورا، كما هو واضح. إلا أنه يلاحظ في بعض الاحيان - أن المؤلف تتعذر عليه إضاءة الدلالة من خلال سياقها الذي وردت فيه فنجده مثلا في محاولته الاستدلال على عدم وجوب الأذان والإقامة في صلاة الجماعة، يرد الذاهبين، إلى وجوبها - في استنادهم إلى الرواية القائلة: (سألته " ع ": أيجزي أذان واحد؟ فقال " ع ": إن صليت جماعة لم يجز إلا أذان وإقامة، وإن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك، تجزيك إقامة إلا الفجر والمغرب، فإنه ينبغي أن تؤذن فيهما وتقيم) حيث عقب المؤلف على هذه الرواية بقوله: (يحتمل الاستحباب، ويدل عليه: إلزامه بالإقامة، في حالة الانفراد). فالملاحظ، أن المؤلف كان في صدد الرد على عدم وجوب الأذان والإقامة جماعة، ولكن ليس في الرواية ما يدل على نفي الوجوب، بل هناك دلالة على سقوط الأذان في الصلاة المنفرد. لذلك تتعذر ملاحظة علاقة بين تفسيره لعدم وجوبهما جماعة وبين السياق (1) الذي اعتمد عليه في التدليل على ذلك، حيث لا علاقة بين الالزام بالإقامة عند

1 ويمكن جعله من التفسير بالسياق ببيان أن ظاهر سياق الحديث وحدة كيفية مطلوبية الإقامة للمنفرد ومطلوبية الأذان والإقامة في الجماعة، وحيث أن المسلم استحباب الإقامة للمنفرد، فهكذا، يستحب الأذان والإقامة في الجماعة. [ هذه الملاحظة وما يتبعها من الهوامش، مما تفضل به سماحة آية الله مؤمن " حفظه الله " على هذه المقدمة، أثبتناها لمزيد ].

[ 45 ]

الانفراد، وبين وجوبهما جماعة، كما هو واضح. أما ما يتصل بتفسير النص في ضوء الاضاءة بالنصوص الأخرى، فإن المؤلف يتوفر عليه بطبيعة الحال سواء أكان ذلك في نطاق الجمع بين ما هو عام، وخاص، ومطلق، ومقيد ونحوهما، أو في نطاق الجمل على الاستحباب أو الكراهة، أو في نطاق ما هو مجمل أو مبين، أو في نطاق " التأويل " مطلقا بحيث يزول التنافي بين النصين المتضاربين. ولا نجدنا بحاجة إلى الاستشهاد بنماذج في هذا الصدد نظرا لوضوحها في الأذهان. بيد أن ما يلفت النظر حقا، هو أن المؤلف يبدي حرصا بالغ المدى على ضرورة الجمع بين النصوص، بدلا من طرحها: خلا ما يتسم منها بضعف السند. ومن الواضح أن هذا الحرص هو صدى لمقولة معروفة قد اشتهرت بين الفقهاء، بخاصة لدى " الطوسي " الذي أكد هذه المقولة نظريا في كتابه الأصولي " العدة " وطبقها في ممارساته المتنوعة، وهي مقولة " الجمع أولى من الطرح " مهما أمكن. بيد أن هذه المقولة تقتاد في كثير من الحالات التي يصعب فيها الجمع بين المتضاربين إلى نمط من التفسير الذي قد لا يتحمله النص، مما نجده بوضوح في كثير من تفسيرات " الطوسي " بحيث أن " العلامة " - وهو يشارك الطوسي في هذا الاتجاه - قد أشار بدوره إلى بعض هذه النماذج المطبوعة بسمة " التكلف ". لا نشك أن هذا الاتجاه لدى " الطوسي " يعد عمال رائدا من شخصية متفردة طوال التأريخ الفقهي، كما أن حرصه على عدم طرح الخبر - مهما أمكن - يدل على صواب وجهة نظره: ما دام " التأويل " أمرا قد أشار إليه أهل البيت " ع " وما دام التمييز صعبا بين ما هو مقبول أو غير مقبول من الدلالات، وهذا ما توفر عليه الطوسي في ممارساته " الرائدة " التي شكلت تراثا ضخما في تأريخ الفقه. إلا أن الالحاح على هذا النمط يقتاد إلى تحميل النص أحيانا ما لا يحتمله، كما قلنا. وحين نعود إلى " العلامة " نجده أيضا موفقا في ممارساته القائمة على المقولة المذكورة، إلا أنه أيضا يقع - نتيجة إلحاحه على هذا الجانب - في بعض الممارسات التي تثير التساؤل. المؤلف ينجح دون أدنى شك - في تأويلاته الجامعة بين دلالات

[ 46 ]

النصوص، وهذا مثل حمله - على سبيل الاستشهاد - لما ورد من الاسهام للمرأة في الغنيمة، حيث حمله على " الرضخ " وحيث ورد من النصوص ما يشير إلى إعطائها " سهما " في بعض حروب النبي " ص " مماثلا لما " أسهمه " للرجال، فيما عقب المؤلف على هذه النصوص قائلا: (يحتمل أن الراوي سمى " الرضخ " سهما "، وقولها - أي: المرأة الراوية لهذا الخبر -: " أسهم لنا كما أسهم للرجال " معناه: قسم بيننا الرضخ كما قسم الغنيمة بين الرجال). أمثلة هذا " التأويل " تتناسب مع دلالة النص الذي تردم الفارق بين " الرضخ " و " السهم " بصفة أن كليهما تعبير عن إعطاء الحصة لمن اشترك في المعركة، بغض النظر عن الفارس الذي يتعين له: الاسهام، والعبد أو المرأة اللذين يتعين لهما الرضخ مثلا. إلا أن هناك " تأويلات " لا تتجانس فيها عبارة النص مع تأويل المؤلف. وهذا من نحو تعقيبه - على سبيل الاستشهاد - على الروايات التي تشير إلى أن المتيمم إذا دخل في الصلاة ووجد الماء أثناء ذلك، فعليه أن يتم صلاته ما لم يركع عقب قائلا: (ويمكن أن يحمل قوله " ع " وقد دخل في الصلاة " قارب الدخول فيها، أو دخل في مقدماتهما من التوجه بالأذان والتكبير، وقوله " فلينصرف ما لم يركع " أي: ما لم يدخل في الصلاة ذات الركوع، وأطلق على الصلاة اسم الركوع مجازا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وهذان المجازان - وإن بعدا - إلا أن المصير إليهما للجمع أولى). فالمؤلف يقر بأن المصير إلى هذين المجازين بعيد، ولكنة يقر أيضا بأن المصير إليها أولى من أجل الجمع بين النصوص. إن بعد هذين المجازين عن الحقيقة أمر من الوضوح بمكان كبير، حيث لا يمكن الاقتناع بأن عبارة " دخل في الصلاة " معناها قارب الدخول " في الصلاة " فإن هذا خلاف العرف اللغوي، كما أن عبارة " ما لم يركع " لا يمكن أن تعني " ما لم يدخل في الصلاة ذات الركوع " لأن أمثلة هذه الاحتمالات تلغي حجية كل الظواهر اللغوية التي تسالم عليها العرف. إلا أن الانصاف يقتضينا أن نقرر بأن المؤلف - كما لحظنا - أخضع هذه التأويلات لمجرد " الاحتمال " حيث صرح بذلك بقوله: (ويحتمل.) كما أخضعها للبعد بقوله: (وإن بعدا) كما حملها - أولا - " وهذا هو المهم "

[ 47 ]

على الاستحباب، حيث اتجه إلى هذا الحمل في أول ردوده. وبما أن المؤلف - كما سنرى لاحقا لا يكتفي في تقديم أدلته وردوده بدليل واحد أو وجه واحد بل يعرض كل الاحتمالات الواردة، حينئذ نستخلص بأن الدليل أو الوجه الذي يعتمده أساسا هو: ما يذكره أولا، وهذا هو الذي يمنح ممارسته الفقهية قيمتها الحقة، وأن ما يذكره من أدلة أو وجوه أخرى تظل مجرد أدوات يستخدمها لإلزام المخالف، فيا يفصح مثل هذا المنحى في الاستدلال عن كونه خطا في حقل المناقشة والرد ونحوهما، وليس خطا في استخلاص الحكم النهائي للمسألة، حيث قلنا أن استخلاصه للحكم يتحدد - في الغالب - في الدليل أو الوجه الأول من فاتحة الأدلة أو التي يسردها في مناقشاته مع الآخرين. 3 النص والتعارض: الممارسات المتقدمة، تمثل نموذجا لتعامل المؤلف مع النصوص المتضاربة التي لا يمكن الجمع بينها، فإن المؤلف يسلك المنحى الاستدلالي الذي تفرضه طبيعة الموقف في أمثلة هذا التضارب الذي عرضت له روايات أهل البيت عليهم السلام، وقدمت الحلول المتنوعة في معالجته، متمثلة في ترجيح الموثوق سندا، والمشهور رواية والموافق للقرآن الكريم، والمخالف لآراء العامة. إلخ. أما ما يرتبط بوثاقة الراوي، فسنعرض له لاحقا عند حديثنا عن تعامله مع السند. وأما المرجحات الأخرى، فإن المؤلف يتوفر على العمل بها بنحو ملحوظ، وفي مقدمتها الترجيح بالشهرة الروائية. وهذا ما يمكن ملاحظته في ممارسات متنوعة، من نحو ترجيحه للروايات الذاهبة إلى أن حد النفاس هو حد أكثر الحيض مقابل ما ورد من النصوص التي تحدده أكثر من ذلك معلقا على ذلك بقوله: (إن ما رويناه أكثر، والكثرة تدل على الرجحان)، ومن نحو ترجيحه للروايات المحددة لرؤية الهلال بالرؤية ومضي ثلاثين يوما، مقابل رواية تحدده بالغيبوبة قبل الشفق وبعده: (إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين) حيث رجح الروايات الأولى، بقوله: (لكثرتها واشتهارها حتى قاربت المتواتر). ونحو التعقيب الذي استند فيه إلى وجهة نظر

[ 48 ]

الطوسي، على رواية شاذة تنفي وجوب طواف النساء في العمرة المفردة: (يجب العدول عنها، إلى العمل بالأكثر. إلخ). وهذا بالنسبة للشهرة الروائية، أما العملية فإن المؤلف مقتنع بكونها أحد المرجحات في حقل التعارض بين النصوص، أو مطلقا، وهذا ما يمكن ملاحظته في الممارسة التالية، حيث رجح بها الرواية التي تقرر بأن العائد من السفر ينتهي عند الحد مقابل الرواية الذاهبة إلى أنه ينتهي مع دخوله البيت، قائلا وهو في معرض الرد: (يترجح ما ذكرناه أولا لوجوه: أحدها: الشهرة بين الأصحاب). طبيعيا، لا يعنينا أن تكون قناعة المؤلف بهذه الشهرة نابعة من استخلاصه إياها من المرجحات المنصوص عليها (مثل قوله " ع ": خذ بما اشتهر بين أصحابك) في مرفوعة زرارة، أو في رواية ابن حنظلة التي استفاد البعض منها الشهرتين: الروائية والفتوائية، أو تكون قناعته نابعة من مطلق المرجحات التي يتوكأ المؤلف عليها في ممارساته عند تعارض الخبرين، أو الخبر مع الأصل. إلخ، بقدر ما يعنينا أن نشير إلى أن " الشهرة " تظل واحدا من المرجحات عند التعارض. ولكن ليس بنحو مطلق، بل حسب متطلبات السياق حيث سبق أن لحظنا - في رد المؤلف على القائلين بعدم انفعال البئر بالنجاسة - عدم قناعته بعمل الأكثر وأنها ليست حجة (2) ولكنها تكون كذلك في سياقات خاصة. وأما الترجيح بموافقة القرآن الكريم، فيمكن ملاحظته في ممارسات متنوعة، منها: ترجيحه للروايات النافية لغسل الجنابة بالنسبة لمن يتضرر به مقابل الروايات الآمرة بالغسل، حيث عقب على الروايات الاخيرة قائلا: (وهذه الروايات - وإن كانت صحيحة السند إلا أن مضمونها مشكل، إذ هو معارض لعموم قوله: تعالى: (ما جهل لكم في الدين من حرج). ومنها: رفضه للرواية الواردة بأن النبي " ص " مسح على الخف بالنسبة للوضوء، حيث عقب قائلا:

2 من الواضح عند أهله أنه فرق بين كونه الشئ مرجحا لأحد المتعارضين وكونه حجة بنفسه، فمجرد عمل الأكثر لا حجة فيه، إلا أنه من المرجحات، فإذا عمل الأكثر بما كان مقتضى الأدلة خلافه لا يعتنى به، وأما إذا وقع بين طائفتين من الروايات تعارض فالترجيح مع ما عمل به الأكثر.

[ 49 ]

(إن هذه الرواية تقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز). وبالرغم من أن هذه الممارسة ترتبط بموضوع آخر هو: * بالنسبة إلى إمكانية النسخ وعدمه، إلا أنها تطبيق واضح لعملية الترجيح (3) بموافقة الكتاب، خاصة أن المؤلف أضاف إلى دليله المتقدم قائلا: (فهي معارضة برواية على " ع " نسخ الكتاب المسح على الخفين) حيث يجسد هذا التعليق: الاخذ بالنص القرآني مقابل معارضة الخبر. وأما الترجيح بمخالفة العامة، فإن نماذجه متنوعة في هذا الميدان، فيما لا حاجة إلى الاستشهاد بها مع ملاحظة أن المؤلف يتحفظ أحيانا في العمل بهذا المرجح إما لكونه يتعامل مع العامة في مقارناته أو لإمكان قناعته بالمرجحات الأخرى بما أنها أقرب إلى الواقع في تصوره، ولعل الملاحظ في هذا الصعيد أن المؤلف في كثير من ممارساته، يتوكأ على الشيخ الطوسي في العمل بهذا المرجح، مما يكشف ذلك عن " تحفظه " - كما قلنا حيال المرجح المذكور. هذا، وينبغي أن نشير إلى أن المؤلف يتجاوز - بطبيعة الحال - العمل المرجحات المنصوص عليها، إلى غيرها من المرجحات الأخرى - في حالة التعارض - مما نلحظه - نظريا - في كتابه الأصولي المقارن: " نهاية الوصول " حتى أنه يسرد عشرات المواقف التي يتعين فيها ترجيح الخبر على غيره، كما أنه - تطبيقيا - يمارس أكثر من عملية استدلال في هذا الصعيد مما نعرض لنماذجه عند حديثنا عن تعامله مع السند. 4 استقراء النصوص: من الظواهر اللافتة للنظر في تعامل المؤلف مع النصوص، أنه طالما يدعم أدلته التي يعرضها بمشابه لها من النصوص المرتبطة بمختلف أبواب الفقه. وهذا ما يمكن ملاحظته في

3 عملية الترجيح بموافقة الكتاب معناها حجية كل من الطائفتين لولا تعرضهما، وما نقل عن كتاب في الموردين، إنما هو من باب رد الحديث بمخالفة الكتاب، وبينهما فرق واضح، فتأمل جيدا.

[ 50 ]

عشرات الممارسات، من نحو: 1 * بالنسبة إلى وجوب الطلب عند فقدان الماء، علق: (ولهذا لما أمر بالاعتاق في كفارة الظهار ثم بصيام الشهرين إن لم يجد، كان الطلب واجبا، ثم حتى أنه قبل الطلب لا يعد أنه غير واجد، فكذا هاهنا). وعلق أيضا على الموضوع ذاته: (ولأنه سبب للطهارة، فيلزمه الاجتهاد في تحصيله بالطلب والبحث عند الاعواز، كالقبلة.). 2 * بالنسبة لعدم وجوب قضاء الصوم عن الميت الذي حجزه المرض عن الصوم، علق: (ولأنه مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل، كالحج). 3 * بالنسبة لاستحباب التأخير إلى آخر الوقت برجاء الحصول على الماء، علق: (لا ضرورة قبل التضييق، ولأنه يمكن وصول الماء إليه، فكان التأخير أولى، فإنه قد استحب تأخيرها لإدراك الجماعة) وللتدليل على جواز تأخير الصلاة بالتيمم دون وجوب، علق قائلا: (ولأنه لو وجب التأخير لرجاء حصول الطهارة، لوجب على أصحاب الاعذار ذلك كالمستحاضة). 4 بالنسبة إلى إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء علق: (ولأنهما عبادات من جنس واحد، فتدخل الصغرى في الكبرى، كالعمرة والحج). وعلق أيضا على الروايات الآمرة بالتيمم لكل صلاة: (يحمل ذلك على الاستحباب، كما في تجديد الوضوء) 5 * بالنسبة إلى تقديم زكاة الفطر قبل وقتها، علق: (إن سبب الصدقة: الصوم والفطر، فإذا وجد أحد السببين، جاز التقديم، كزكاة المال). 6 * بالنسبة لمن ظن الغروب أو الطلوع، فأكل ثم شك، علق: (لا قضاء عليه. فأشبه ما لو صلى ثم شك في الاصابة بعد صلاته). هذه الأمثلة وعشرات سواها تظل نموذجا لمنهج المؤلف في تعامله مع النصوص " المشابهة " التي يتوكأ عليها في دعم أدلته الشرعية والعقلية. ولا شك أن أمثلة هذه الاداة الاستدلالية تحمل قيمة ذات أهمية ملحوظة طالما تظل الاستعانة بالأحكام التي تفرزها النصوص الأخرى، تجسد إثراءا لعملية " الاقناع " بالدليل، بخاصة أن المؤلف يورد أمثلة هذه " الاستقراءات " بمثابة دعم لمختلف الأدلة، فضلا عن أنه في بعض الحالات، قد

[ 51 ]

يستشهد بالرواية التي تتضمن عنصر التشابه الذي يورده. بيد أن تعامل المؤلف مع الدليل الاستقرائي، تنتفي ضرورته عند ما يتكفل النص بتحديد ذلك، وتعذر القناعة به حينا آخر، عندما يقدم استقراءا ناقصا لا شاهد عليه من الموارد الأخرى، أو كون الشاهد لا يتضح مناطه في هذا الاستقراء أو كونه مشكوكا على الأقل، حيث نلحظ التشكيك عند المؤلف أحيانا، من نحو ذهابه إلى أن قراءة (سبح) في صلاة العيدين - وهو يرد على الروايات التي ورد فيها غير السورة المذكورة - يقول: (ولان في سبح الحث في زكاة الفطرة فاستحب قراءتها في يوم فضلها، كالجمعة) فهو يعلل قراءة سبح في العيدين من خلال شباهتها لقراءة سورة الجمعة في يوم الجمعة من حيث التجانس، مع أن صلاة الاضحى ليس فيها زكاة الفطر، فما هو وجه الشبه أو المناط في ذلك؟ مضافا إلى أن مناسبة قراءة السورة في الجمعة لا تعني أنها مأخوذة من الموارد الأخرى، كما هو بين وهذا من نحو ممارسته الذاهبة إلى أن المرأة لو طافت أكثر من النصف تتم طوافها بعد الطهر وإلا تستأنف. وبما أن النصوص الواردة في غير الحائض أشارت إلى هذا المعيار - وهو تجاوز النصف أو عدمه - حينئذ علق المؤلف على طواف المرأة قائلا: (قد ثبت اعتبار مجاوزة النصف في حق غير الحائض باعتبار أنه المعظم، وإن كان هذا أصلا فليعتمد عليه.) بيد أن هناك رواية معتبرة تقول: (امرأة طافت ثلاثة أطواف أو أقل من ذلك ثم رأت دما، فقال (ع) تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى) وقد علق المؤلف على هذا الرواية بأن ابن بابويه أفتى بمضمونها نظرا لإسنادها، بخلاف الروايات التي تشير إلى معيار مجاوزة النصف. أن أمثلة هذه الرواية تزيل حكم الاستقراء، لأن مجرد مجاوزة النصف بالنسبة لغير الحائض لا يعني تمريره على الموارد الأخرى حيث يجر مثل هذا المعيار الفقيه أحيانا إلى الوقوع في القياس المنهي عنه، ذلك يصعب الاقتناع بوجهة نظر المؤلف في التماسه أمثلة هذه الاستقراءات، بخاصة أنه لا يعمل بالضعيف الذي أشار إلى مجاوزة النصف. هذا إلى أن بعض الموارد كما أشرنا - يصعب فيها الاستقراء نظرا لعدم وجود مناط أو علاقة وثيقة بين المسألة المبحوث عنها والمسألة المقيس عليها، وهذا مثل ذهابه إلى أن غسل الجنابة مجز عن.

[ 52 ]

الوضوء حيث شبهه بالحج المجزي عن العمرة المفردة، من حيث دخول الاصغر ضمن الأكبر، حيث يرد على هذا الاستقراء السؤال القائل: إذا كان المعيار هو دخول الاصغر ضمن الأكبر فلماذا ينفرد غسل الجنابة دون غيره من الاغسال في الحكم المذكور؟ لذلك كما قلنا - تصعب القناعة أحيانا بأمثلة هذا الاستقراءات لكن خارجا عن أمثلة هذه الموارد يظل تعامل المؤلف مع الأدلة الاستقرائية (4)، عملا له أهميته وإمتاعه فقهيا وفنيا. 5 تعليل النصوص: هناك ظاهرة استدلالية تلفت النظر حقا، حتى أنه ليكاد المؤلف يتفرد فيها من حيث تضخيمها في ممارساته، ألا وهي: " التعليل " الذي يقدمه في أدلته. أي: أن المؤلف يضطلع بتقديم السبب الكامن وراء النص الذي يتضمن هذا الحكم الشرعي أو ذاك. طبيعيا، إن الأحكام لا تصاب بالعقول، وهي حقيقة لا يتجادل فيها إثنان لكن في الآن ذاته ثمة " أحكام " قد " عللها " الشرع نفسه، كما أن هناك " أحكاما " من الممكن أن يدركها " الخبير " في مسائل النفس، والاجتماع، والتربية، والاقتصاد. إلخ، بحيث يستخلص السر الكامن وراء هذا الحكم الشرعي أو ذاك، كما لو أدرك الطبيب مثلا سر " الصوم " من حيث المعطى الصحي له، أو سر التحريم الذي يكمن في

4 إلا أن يقال: إن مبنى كلمات المصنف في هذه الموارد ليس الاستقراء، بل مبناه الاستناد إلى قاعدة كلية يكون مورد كلامه من صغريات تلك القاعدة، ويذكر موردا آخر يكون هو أيضا عنده من صغرياتها مع زيادة تسلم حكم القاعدة في هذا المورد الآخر، فمثلا: مسألة وجوب طلب الماء في المسألة الأولى مستفاد من تعليق حكم التيمم على عدم وجدان الما، فيدل أنه حكم ثانوي اضطراري، فلذلك يجب طلب ما علق الحكم الثانوي على عدم وجداني، لأنه القاعدة العقلائية في تمام موارد الاضطرار. ونظيره مسألة مقايسة وجوب التأخير لصاحب الاعذار عند احتمال ارتفاع العذر، فإنه لا وجه له، إلا أن الواقع المحتمل واجب الرعاية، وهو يقضي مساواة جميع الموارد، وحيث لا يقتضي في مثل الاستحاضة، فلا بد وأن لا يقتضي فاقد الماء. وبالجملة، يمكن أن يقال: ليس مبنى كلامه الاستقراء الظني لا حجية له، بل مبناه الاستناد إلى قاعدة كلية، وإن كان لنا أن نناقش أحيانا في بعض ما قال.

[ 53 ]

ظواهر مثل الخمر، أو لحم الخنزير، أو الميتة من حيث الخسارة الصحيحة. أو كما يدرك الخبير النفسي والتربوي و الاجتماعي سر الحظر لظواهر مثل القمار والغش والغناء وسواها من حيث الأمراض النفسية والاجتماعية التي تترتب على ممارسة الظواهر المنهي عنها. أيضا من الممكن أن يدرك الفقيه بعض الاسرار المرتبطة بوجوب أن حرمة هذا الشئ أو ذاك. وهذا ما يسوغ الركون إلى ظاهرة " التعليل " في جانب من ممارسات المؤلف - كم قلنا - فمثلا، نجد أن المؤلف قد عقب على الاصناف التي لا تقصر في صلاتها عند السفر، قائلا: (ولان الفعل المعتاد (5) يصير كالطبيعي، والسفر لهؤلاء معتاد، فلا مشقة فيه عليهم، فلا يقصر) كما نجده في تعقيبه على إتمام الصلاة في الأماكن المقدسة الأربعة، يقول: (ولأنها (6) مواضع اختصت بزيادة شرف، فكان إتمام العبادة فيها مناسبا لتحصيل فضيلة العبادة فيها، فكان مشروعا). أن أمثلة هذا التعليل تفرض مشروعيتها لسبب واضح، هو: أن فهم الأحكام له دخل كبير في إقناع الشخصية غير المؤمنة، كما أن له دخلا في تعميق القناعة لدى المؤمن، بيد أن هناك نمطين من البحث يمكن أن يتوفر الباحث عليها في هذا الميدان، أحدهما: أن يكون التناول لهذه الظواهر يختص بدراسة مستقلة، كما لو تناول عالم النفس، أو الاجتماع، أو الاقتصاد، مسائل نفسية، واجتماعية، واقتصادية، ودرسها في ضوء الأحكام التي توجب، تحرم أو تبيح، أو تندب لهذا العمل أو ذاك. والنمط الآخر، هو: أن يبين الفقيه نفسه " علل الأحكام، على نحو التعقيب والتعليق عليها (7). إلا أن المؤلف - كما يبدو - قد أورد هذه التعليلات ضمن الأدلة وليس ضمن التعليق عليها، وهذا ما ينبغي أن

5 ربما يستفاد هذا التعليل من نحو قولهم عليهم السلام في مقام التعليل بوجوب التمام، بيوتهم معهم، منازلهم معهم ; لأنه عملهم. (5 و 6 و 12 و 11 الوسائل، صلاة المسافر). 6 هذه العلة مستفادة من نصوص متعددة كصحيح علي بن مهزيار، وخبر عمران بن حمران، وخبر الحسين بن المختار (الحديث 4 و 11 و 16 من باب 25 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل) إلى غير ذلك. 7 قد يقال: هنا نمط ثالث وهو استفادة العلل من النصوص الخاصة، وفي مثل هذه الموارد يستند إلى التعليل كأحد الأدلة، وفي غيرها يذكرها التعليل مؤيدا أو تفننا.

[ 54 ]

نتحفظ حياله دون أدنى شك، نظرا لإمكانية أن تكون العلة المستكشفة جزءا من " علل " أخرى مجهولة لدينا، فضلا عن إمكانية ألا تكون " العلة " المستكشفة صائبة أساسا.. وفي تصورنا أن حرص المؤلف على تعدد الأدلة كما سنرى لاحقا يقتاده إلى عرض التعليل ضمن سائر الأدلة - التي يعرضها، فهو في النموذجين السابقين أورد نصوصا للاتمام في الصلاة سفرا بالنسبة إلى الاصناف المشار إليها والأماكن الأربعة ثم أضاف إليها عبارة " ولان " حيث توحي هذه العبارة بأن دليلا آخر أضيف إلى النص الشرعي، حتى أننا لنجده يعدد " الأدلة " حتى في صعيد التعليل ذاته، مثل ممارسته التالية بالنسبة إلى جواز تقديم زكاة الفطر قبل العيد: (لنا: أن سبب الصدقة: الصوم والفطر معا، فإذا وجد أحد السببين، جاز التقديم كزكاة المال، ولان في تقديمه مسارعة إلى الثواب والمغفرة، فيكون مأمورا به، ولان خبر حال الفقراء على القطع، ومع التأخير على الشك لجواز موته أو فقره، فيكون مشروعا. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح. وهو في سعة أن يعطيها في أول يوم يدخل في شهر رمضان. ولان جواز التقديم يوما ويومين يقتضي جوازه من أول الشهر، إذ سببه: الصوم، موجود هنا، وأما تقديمها على شهر رمضان فغير جائز، عملا بالاصل السالم عن معارضته سبب الصوم، ولان تقديمها قبل الشهر تقديم للزكاة قبل السببين، فيكون ممنوعا، كتقديم زكاة المال قبل الحول والنصاب) إن هذه الممارسة تكشف لنا عن جملة أمور منها: تعدد الأدلة العقلية حيث أنهاها إلى ثلاثة أدلة: سبب الصوم المسارعة إلى الثواب، اليقين بالفقر أول الشهر مقابل الشك في آخره ومنها: عرضه لأقوال الفقهاء " الخاصة والعامة " حيث نقل عن الخاصة تجويزهم ذلك، ونقل عن ابن إدريس عدم الجواز لدليل عقلي هو أن التقديم إبراء للذمة قبل شغلها وهو باطل، ونقل عن العامة تجويزهم ذلك قبل يومين وبعد انتصاف الشهر، وأول الحول. من هنا نحتمل أن عرض المؤلف لأدلته العقلية من جانب وتقديمها على النص من جانب آخر، نابع من كونه يقوم بعملية " مقارنة " حيث تفرض عليه المقارنة أن يتعامل مع أدلة المخالفين " الخاصة والعامة " ما داموا جميعا قد استندوا إلى دليل عقلي في جواز التقديم، حيث استند ابن إدريس - وهو من الخاصة - إلى دليل عدم البراءة،

[ 55 ]

واستندت العامة إلى " أقيسة " استقرائية مثل جواز الخروج من المزدلفة قبل منتصف الليل، ومثل المقايسة بزكاة المال بعد وجود النصاب. إلخ، وحينئذ يتعين على المؤلف أن يعرض دليله أو رده، مقرونا بما هو " عقلي " أو " استقرائي " أيضا: كما لحظنا. لذلك وجدناه يضيف دليلا رابعا - بعد إيراده للرواية - يقول فيه: (ولان جواز التقديم يوما يومين يقتضي جوازه من أول الشهر، إذ سببه الصوم، موجود). وهذا الدليل، جاء في سياق عرضه للا تجاه المجوز لتقديم الزكاة قبل يومين، كما هو واضح. لذلك، نجده أيضا " في مرحلة رده على الآخرين يستند إلى الدليل العقلي نفسه في رده على أبي حنيفة المجوز تقديمها أول الحول، حيث رده قائلا: (والفرق بين زكاة المال وزكاة الفطرة، لأن السبب هناك: النصاب، وقد حصل في الحول، فجاز إخراجها فيه، وزكاة الفطر سببها: الفطر بدليل إضافتها إليه، ولان المقصود إغناء الفقراء هناك في الحول، وإغناؤهم هنا في هذا اليوم) إذن: المسوغ للتعامل مع الأدلة العقلية أو الاستقرائية، يظل نابعا من طبيعة الموقف الذي يفرض على المؤلف مثل هذا التعامل. بيد أن هذا المسوغ قد يفقد دلالته حينما " يتعارض " مع النص، أو حينما يبتعد " تعليله " عن جوهر النص أو روح التشريح أساسا. وهذا ما يمكن ملاحظته مثلا في ذهابه إلى جواز الجمع بين " الجزية " - بالنسبة إلى أهل الذمة - بين وضعها على " الرؤس " مضافا إلى " الارض "، حيث علل ذلك بقوله: (لنا: أن الجزية غير مقدرة في طرفي الزيادة والنقصان. بل هي موكولة إلى نظر الامام، فجاز أن يأخذ من أرضيهم ورؤسهم، كما يجوز له أن يضعف الجزية التي على رؤوسهم في الحول الثاني، ولان ذلك أثبت للصغار. فالمؤلف هنا " يماثل " (8) بين عدم تقدير الجزية - حيث وردت نصوص في ذلك - وبين الجمع بين الرأس والأرض " حيث لا علاقة بينهما كما هو واضح " مضافا إلى أن هناك نصوصا " ظاهرة " في التخيير لا الجمع، مثل قوله " ع ": (ليس للامام أكثر من الجزية: إن شاء الامام وضع على رؤوسهم - وليس على أموالهم شئ، وإن شاء ففي أموالهم - وليس على

8 بل كلامه " قدس سره " مبني على استفادة الاطلاق من كونها موكولة إلى نظر الامام، لا على المماثلة.

[ 56 ]

رؤوسهم شئ) فبالرغم من أن عبارة " ليس " تتنافى مع " التخيير "، إلا أنه عقب على هذه الرواية بقوله: (نحملها على ما إذا صالحهم على قدر، فإن شاء أخذه من رؤوسهم ولا شئ حينئذ على أراضيهم، وبالعكس: ليس فيهما دلالة على المنع). واضح، أن هذا الحمل لا ينسجم مع قوله " ع ": (وليس على أموالهم شئ) و (ليس على رؤوسهم شئ) وحتى مع إمكان مثل هذا الحمل، فإن " التعليل " العقلي الذي قدمه المؤلف بقوله: " ولان ذلك أثبت للصغار " لا يمكن التسليم به، لأن قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) لا يعني أن الوالي بمقدوره أن يحقق كل المصاديق التي ينطبق عليها معنى " الصغار " بل لا بد من تقييد ذلك بالموارد التي تحددها " السنة " وإلا أمكن للوالي أن يصنع ما يشاء إمعانا في " الصغار " وهو أمر يصعب التسليم به، كما قلنا. 6 تفكيك النصوص: من الظواهر المألوفة في بعض النصوص، أنها تتضمن أحكاما " نادرة " لا شاهد لها في النصوص الأخرى، كما لم يعمل بها الفقهاء عامة، إلى جانب تضمنا أحكاما اعتيادية. فمثلا في إحدى الروايات - جاء فيها: (أن الكذب على الله تعالى ورسوله يفطر الصائم وينقض الوضوء).. أمثلة هذه الرواية المتضمنة نوعين من الحكم: النادر، والاعتيادي أو المقبول " يقف الفقهاء حيالها على نمطين: نمط يرفض العمل بها مطلقا نظرا لتضمنها ما هو غير مقبول، ونمط يعمل بما هو مقبول منها ويرفض الآخر. ونحن إذا أخضعنا هذه الظاهرة إلى " العرف " حينئذ لا نجد مسوغا لرفض الرواية بجزئيها لمجرد أن أحد جزئيها خاضع للاحالة. والسر في ذلك أن الراوي من الممكن جدا أن يتوهم في النقل أو السماع فيثبت إحدى الحقائق بصورة مغلوطة، ويثبت الحقائق الأخرى في صورها الصائبة، وهذا ما يمكن ملاحظته في حياتنا اليومية التي نخبر فيها أمثلة هذا التوهم. المؤلف يبدو أنه ينتسب إلى الفريق الثاني الذي يؤمن بإمكان تفكيك الرواية والعمل بأحد أجزائها والرفض لاجزائها غير المقبولة، وهذا ما نلحظه بالنسبة إلى موقفه من الرواية المشار إليها، حيث ذهب إلى مفطرية الكذب دون نقضه للوضوء مستندا في ذلك إلى الرواية ذاتها. هذه الرواية لأبي

[ 57 ]

بصير. وهناك رواية لسماعة تتضمن نفس الحكمين، إلا أن المؤلف رفضها لكون سماعة ضعيفا من جانب، ولكونها مضمرة لم يسندها إلى المعصوم " ع " من جانب آخر، لذلك عقب قائلا: (والأقرب الافساد عملا بالرواية الأولى، وبالاحتياط المعارض لاصل البراءة). كذلك في ذهابه إلى مفطرية الغبار، استند إلى رواية سليمان المروزي: (سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين.). حيث تضمنت الرواية أحكاما لا قائل بها مثل مفطرية الرائحة. ولكنة قد اعتمدها بالنسبة إلى الغبار " وهذه الرواية مضمرة " ولكنه لم يعقب عليها، لاسباب نذكرها لا حقا. كذلك، نجده قد اعتمد رواية عبد الله بن سنان التي تضمنت حكمين، أحدهما: طهارة ومطهرية الماء المستعمل في رفع الحدث الاصغر، والآخر: عدم مطهرية المستعمل في رفع الحدث الأكبر، حيث عمل المؤلف بجزئها الأول ورفض العمل بجزئها الآخر، علما بأن الرواية في طريقها أحمد بن هلال المعروف بالضعف - وسنوضح سر العمل بها في حينه - بيد أن المهم هو: أن المؤلف في هذه النماذج الثلاثة وفي نماذج أخرى، لا ضرورة للاستشهاد بها قد فكك بين محتويات النص، فعمل بأحد أجزائها دون الاجزاء الأخرى، انطلاقا من إدراكه لإمكانية مثل هذا التفكيك بالرواية، وهو موقف يدل على صواب وجهة نظره ما دمنا قد أشرنا إلى أن إمكان التوهم في شئ لا يستلزم التوهم في الاشياء الأخرى. لكن ثمة ملاحظ (9) على نمط تعامله مع أمثله هذه النصوص. فالمؤلف عندما عرض رواية ابن سنان، لم يعلق على ضعفها مع أن دأبه - كما لحظنا عند حديثنا عن نهجه المقارن في الخطوة الثانية - الاشارة إلى ضعف الخبر بالرغم من كونه واردا ضمن أدلته الشخصية، ولكننا نجده بعد سطور " وهو يدلل على مطهرية الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر " ويرد القائلين بعدم مطهريته فيما استندوا إلى الجزء الآخر من رواية ابن سنان

(9) إلا أن هذه الملاحظة غير مرتبطة بمسألة تفكيك مضمون الحديث، فلب الملاحظة أنه " استند في بعض الموارد إلى حديث أسنده إلى الضعف في مورد آخر ". ولعله يوجد في كلامه حتى في الاحاديث الغير المشتملة على ما لا قائل به، وهو بعهدة التتبع.

[ 58 ]

نجده يقول (في طريقها ابن هلال، وهو ضعيف جدا). علما بأن المؤلف قد عمل بهذه الرواية في جزئها الأول. طبيعيا، سوف نرى عند حديثنا عن تعامله مع السند " وهو أمر لحظناه في تعامله مع روايات الجمهور "، أن المؤلف يستهدف " إلزام المخالف " فحسب، لذلك " يشكل " عليه ما أمكن، وهو أمر له مشروعيته حقا في حالة كون المؤلف قد أورد الخبر بمثابة تكثير للأدلة التي تعزز صحة الخبر الضعيف. بيد أن الأمر الذي تحدر ملاحظته في هذا الصعيد، هو: أن المؤلف عندما ينفرد بدليل روائي واحد ويرتب عليه الحكم حينئذ لا مجال لمؤاخذة المخالف بالعمل بها. ففي تدليله على عدم استلزام الكذب للكفارة: رد المخالف على استدلاله بخبري أبي بصير وسماعة قائلا: (والجواب عن الحديثين باشتمالهما على ما منعتم من العمل به) كما أنه في استدلاله برواية سليمان بالنسبة إلى استلزام الغبار للكفارة، عقب قائلا: (الاستدلال بهذه الرواية ضعيف لوجهين، أحدهما: عدم الاتصال إلى إمام. الثاني: اشتمال هذه الرواية على أحكام لا تثبت على ما يأتي). فالملاحظ هنا أن استدلاله بكون رواية سليمان تشتمل على أحكام غير ثابتة، يتزامن مع كونه قد رتب عليها أثرا وهو مفطرية الغبار. كذلك اشتمال رواية أبي بصير على ما منع به الآخرون العمل، يتضمن نفس الشئ حيث إن المؤلف أيضا قد عمل بجزء من الرواية وترك العمل بما هو ممنوع منه. لذلك نجد أن " تضادا " ملحوظا في مثل هذه الممارسات لدى المؤلف، مما يصعب التسليم بها في هذا المجال، إلا مع فرضية " إلزامه " المخالف. إلا المخالف ما دام قد عمل بجزء من الرواية - بدليل ذهابه إلى مفطرية الكذب مثلا - حينئذ لا مجال لإلزامه بالقول بأن الرواية تضمنت ما لم يعملوا بها من الأحكام. التعامل مع الأصول العملية وسواها: النماذج المتقدمة، تجسد تعامل المؤلف مع النص: كتابا وسنة، كما تجسد تعاملا مع الدليل الثالث " العقل ". وأما الدليل الرابع " الاجماع " فقد لحظنا مستوياته عند عرضنا

[ 59 ]

لمنهجه في المقارنة. وأما بالنسبة للأصول العملية وسواها فبالرغم أننا لحظنا تعامله مع الأصول المذكورة في صعيد " المقارنة " إلا أن ثمة ملاحظات لا بد من عرضها في هذا الحقل الذي نتحدث عنه الآن، ولعل أهم ما ينبغي أن نلحظه هو: منهج المؤلف في التعامل مع الأصول، حيث نعرف جميعا بأن الأصل العملي هو: الدليل الثانوي الذي يلجأ إليه الفقيه في حالة عدم الحصول على الدليل المحرز وهذا ما أشار المؤلف إليه في مواقع متنوعة من ردوده على المخالف، مثل رده على من اعتمد " الاستصحاب " في طهارة المسكر قائلا: (الاستصحاب إنما يكون دليلا ما لم يظهر مناف، والأدلة التي ذكرناها أي النصوص تزيل حكم الاستصحاب) ومثل رده على القائل بعدم الكفارة لمن فاته صيام رمضان في اعتماده أصل البراءة، قائلا (إن أصالة براءة الذمة لا يصار إليها مع وجود المزيل وهو ما تقدم من الاحاديث). غير أن المؤلف هنا لا يحق له إلغاء " الأصل " الذي اعتمده المخالف " وهو ابن إدريس " حيث لم يعتمد هذا الفقيه الأخبار التي أوردها المؤلف بل اعتبرها " ظنية " مما سوغ له الرجوع إلى " الأصل ". وبغض النظر عن ذلك، فإن المؤلف انطلاقا من هذا المبدأ نجده يعتمد " الأصل " بمختلف أقسامه ومستوياته عند فقدان الدليل، مثل ذهابه إلى عدم طهارة المياه بعد زوال تغير ها بالنجاسة، قائلا: (ولأنها نجسة قبل الزوال فيستصحب الحكم) ومثل ذهابه إلى عدم تكرر الكفارة لمن أخر قضاء صومه لسنتين قائلا: (لأن الأصل: براءة الذمة). فالمؤلف حينما اعتمد الاستصحاب والبراءة في النموذجين السابقين إنما اعتمدهما بناءا على فقدان النص، كما أنه حينما رد المخالف على اعتماده دليلي الاستصحاب والبراءة وغيرهما، إنما كان رده نابعا من وجود النص. وهذا يعني انتفاء " الأصل " في حالة وجود النص، لكن يبدو أن المؤلف ينطلق من قناعات خاصة " ومثله الكثير من فقهائنا قديما وحديثا " بالنسبة إلى اعتماده " الأصل " في حالة وجود النص أيضا بالرغم من كونه ينكر على الآخرين مثل هذا الاعتماد، كما لحظنا. فالملاحظ في ممارساته أنه يعتمد " الأصل " إلى جانب " النص " - في حالة توافق الدليلين: " النص والأصل " كما لو أضاف إلى النص " أصلا "، وهذا من نحو ذهابه إلى

[ 60 ]

عدم نجاسة المذي حيث قدم نصوصا على الطهارة ثم قال: (ولان الأصل الطهارة فتستصحب إلى أن يقوم دليل المنافي) ومثل ذهابه إلى عدم نجاسة " القي " فيما أورد النص أولا، ثم عقب قائلا: (ولأنه طاهر قبل الاستحالة فيستصحب). وما دام المؤلف يحرص على عرض أكثر من دليل كما سنرى لا حقا، حينئذ فإن المسوغ لتقديم " الأصل " إضافة إلى النص يتناسب مع المنهج المذكور - وإن كنا نتحفظ في قيمة الأصل مقابل النص - فمع توفر النصوص الكثيرة الدالة على عدم نجاسة المذي، تنتفي مشروعيته " الأصل " الذي أورده المؤلف، إلا في حالة عدم قناعة المخالف بالنصوص التي استدل بها. ومما تجدر ملاحظته هنا أن المؤلف يقدم ما هو " أصل " على النص في غالبية ممارساته بحيث يعرض أولا " الأصل " ثم يردفه بالنص، وهذا من نحو ذهابه إلى عدم نجاسة عرق الجنب حيث قال مستدلا: (لنا: أن الأصل الطهارة، فتستصحب، وما رواه الشيخ في الصحيح. إلخ). ومن نحو ذهابه إلى عدم جواز شهادة المرأة في الهلال، حيث قال: (لنا: الأصل براءة الذمة وعدم التكليف بالصوم عند شهادتهن، وما تقدم في الحديث عن علي " ع ".) ففي هذه النماذج وسواها، يقدم المؤلف " الأصل " أولا ثم يدعمه بالنص. لكن لا فاعلية لمثل هذا التقديم، لبداهة أن النص هو المحرز لاكتشاف الحكم، فكيف يقدم عليه ما هو غير محرز؟! (10) وأيضا، ثمة مسوغ آخر يمكن التسليم به، وهو ما إذا كان المؤلف في صدد تقديم دليل يتوافق مع مبادئ " العامة " مثلا، حينئذ يكون تقديم " الأصل " متجانسا مع المنهج المقارن. أما في حالة العكس - كما هو ملاحظ مثلا في تعامل المؤلف مع فقهاء الخاصة الذين أورد وجهات نظرهم حيال طهارة أو نجاسة عرق الجنب، ثم استدل ب‍ " الأصل "

10 إلا أن يقال: إن هذا ليس من باب التقديم، بل من باب أنه القاعدة والأصل التي يرجع إليها عند عدم تمامية الأدلة.

[ 61 ]

أولا ثم أورد النصوص، كما لحظنا - في مثل هذه الحالة تفتقد الفاعلية لأمثلة هذا التقديم. المهم، أن تعامل المؤلف مع " الأصل " يقترن حينا بما هو غير ضروري، وحينا آخر يقترن بما هو مسوغ منهجيا، كما هو الأمر بالنسبة إلى عدم حجية النص لديه، كما لو كان الخبر ضعيفا أو كان حيال خبرين متعارضين حيث يسقطهما ويتمسك ب‍ " الأصل " ويمكن الاستشهاد في الحالة الأولى " وهي: سقوط الخبر لضعفه " بممارسته (11). تعدد الأدلة: من الظواهر الملحوظة في ممارسات المؤلف، هي اللجوء إلى أكثر من دليل واحد في تحريره للمسألة المبحوث عنها. طبيعيا، ثمة مواقف تفرض تعدد الأدلة: مثل الكتاب ثم النصوص الحديثية مضافا إلى فعل المعصوم " ع " وتقريره، حيث أن حشدها جميعا يعمق من القناعة بصحة الاستدلال، فمثلا في تدليله على عدم انفعال الماء الجاري بالنجاسة كان من الممكن أن يكتفي بدليل من السنة هو قوله " ع " (لا بأس بأن يبول في الماء الجاري) إلا أنه أورد ثلاثة أدلة أخرى رئيسة وثانوية هي: (ولان الجاري قاهر للنجاسة. ولان الأصل الطاهرة، فتستصحب. ولأنه إجماع) حيث أورد دليلا رئيسا هو " الاجماع " ثم أورد دليلا ثانويا هو " الأصل " كما أورد دليلا استقرائيا مستخلصا من نصوص أخرى هو: كونه قاهر. مع أن واحد منها كاف في التدليل. لكن كما قلنا - يظل تعدد مثل هذه الأدلة له ما يسوغه في عملية الاقناع. كما أن منهج المقارنة يفرض تنوع الأدلة حسب المعايير التي ينبغي الركون إليها بالنسبة لأطراف المقارنة، سواء أكانوا من العامة أو الخاصة، ما دام الفقهاء داخل المذهب الواحد

11 إن التحقيق وإن كان إنه لا مجرى للأصل ولا مجال له مع النص المعتبر السند، لكونه واردا على الأصل - أو حاكما على بعض المباني - إلا أنه يرى كثيرا في كتب العلماء ممن تقدم على الشيخ الأعظم الاستدلال بالاصل وبالنص الموافق له في عرض واحد - والمؤلف " قدس سره " لا يخرج عن هذا العموم. وأما مسألة تقدم ذكر الأصل على النصل، فيمكن توجيه بأن الأصل لما كان موضوعه عدم العلم وهو أمر متقدم بالطبع على العلم الحاصل من النص، فلذلك يقدم عليه في الذكر.

[ 62 ]

يتمايزون فيما بينهم بالنسبة للمباني التي يعتمدونها. بكل أولئك يفسر لنا مشروعية تعدد الأدلة. والحق، أننا لا نجدنا بحاجة إلى الاستشهاد بنماذج في هذا الصدد، حيث أن وقوفنا على منهجه المقارن والاستدلالي أبرز لنا طبيعة التعدد أو التنوع في كتبهم الاستدلالية للأدلة التي يعتمدها المؤلف، فيما تفصح مستوياتها عن مدى الثراء والعمق والجدية والسعة العلمية. والمهم هو: أن حرص المؤلف على تعدد الأدلة ما دام نابعا من كونه يقوم بعملية مقارنة - من جانب، وعرض الأدلة بما يحقق الاقناع للقارئ من جانب آخر - فإن طبيعة المناقشة أو البرهنة العلمية - من جانب ثالث، تفرض عليه أن يعتمد " تعدد الأدلة ": حتى لو خضعت لما هو " محتمل " أو " ممكن " من الأدلة، ما دام الهدف هو: " إلزام " المخالف و " إقناعه " بصواب ما يذهب إليه المؤلف، وبخطأ ما يذهب إليه المخالف. فمثلا، عند رده لرواية خاصة تحدد عدم انفعال الماء إذا كان قدر قلتين، يرده قائلا: (بأنه مرسل، ولأنه مناف لعمل الأصحاب، ولأنه ورد للتقية ولأنه يحتمل أن تكون القلة.) فالارسال، وعدم العمل به، ووروده تقية، أو احتمال بلوغ القلة قدر الكر. كل واحد من هذه الفرضيات الأربع، كاف في الرد على الرواية، إلا أن المؤلف أخضع ذلك لافتراضات أربعة " من حيث سند الرواية ودلالتها "، حتى " يلزم " المخالف بوجهة النظر، سليمة من الاشكالات أيا كان نمطها. التعامل مع السند: ما تقدم، يمثل تعامل المؤلف مع الدلالة. أما الآن، فنعرض لتعامله مع " السند " في كتابه " المنتهى ". سلفا، ينبغي التأكيد على حقيقة ملحوظة في منهج المؤلف بالنسبة إلى تعامله مع السند، وهي: أنه يرتب أثرا على الرواية من حيث " اعتبارها " أو عدمه. وهو مبدأ عام في ممارساته، حيث يظل مثل هذا التعامل أمرا له أهميته العملية دون أدنى شك، لبداهة أن تحقيق النص وتصحيح نسبته إلى قائله، يظل واحدا من أهم معالم " المنهج " التأريخي " في

[ 63 ]

البحوث القديمة والمعاصرة: بخاصة إذا كان النص المبحوث عنه ينتسب إلى " الموروث " الممتد إلى أزمنة قديمة. لا شك أن البحث الفقهي سبق البحوث العلمية الأخرى في منهجه (12) التأريخي الذي تبلورت معالمه في أزمنتنا الحديثة. والمهم أيضا أن " العلامة " أعار اهتماما أكثر من سواه بالنسبة إلى تصحيح النص " من حيث صدوره " حتى أنه - كما يشير مؤرخوه - حرص على تصنيف الاحاديث إلى أقسامها المعروفة (الصحيح، الحسن،. إلخ) مما يكشف ذلك عن مدى اهتمامه بهذا الجانب، حيث ينبغي لنا أن نثمنه كل التثمين، ما دام الحكم الشرعي يتوقف على مدى صحة النص وعدمها - كما هو واضح. وانطلاقا من هذه الحقيقة نجد المؤلف يرتب الأثر على هذا الجانب، فيقبل الرواية المستجمعة لشرائط الصحة، ويرفض الرواية الفاقدة للشروط الذكورة، بحيث يرتب على ذلك أثرا في استخلاص الحكم الشرعي. ففي معالجته - على سبيل الاستشهاد - لقضية المسافر في شهر رمضان " من حيث تقييد إفطاره بتبييت النية ليلا أو عدمه " رفض هذا القيد، وأسقط جميع الروايات المقيدة، قائلا: (الجواب عن الحديث الأول: إن في طريقه. وهو ضعيف. والحديث الثاني في طريقة ابن فضال، وهو ضعيف. وعن الثالث في طريقه ابن فضال، وهو ضعيف والرابع مرسل. إلخ) حيث رتب على هذا الرفض للروايات حكما شرعيا هو: إن المعيار هو السفر قبل الزوال وبعده، حيث يفطر إذا كان السفر قبل الزوال، ويتم إذا كان بعده. بيد أن هذا المبدأ العام يظل خاضعا للاستثناء، شأنه شأن سائر المبادئ أو القوانين الخاضعة للاستثناءات، إذ أن لكل قاعدة استثناءا، كما هو واضح. لذلك نجده - في سياقات خاصة - يعمل بالخبر الضعيف، وبالمقابل قد يرفض ما هو صحيح في حالة معارضته بمثله، فيسقطهما ويرجع إلى " الأصل " أو في حالة معارضته للقرآن الكريم مثلا، أو في حالة ندرته قبالة ما هو مشهور، أو في حالة عدم عمل الأصحاب به. إلخ). أما عمله بالخبر الضعيف، فيأخذ مستويا متنوعة، منها:

12 مضافا إلى أن إثبات الحكم الشرعي وإسناده إلى الشارع لا يجوز قطعا إلا بعد اعتبار سند النص، وهو أمر واضح منصوص عليه في كتب الأصحاب.

[ 64 ]

عمل الأصحاب: وهذا المبدأ - وإن كنا نتحفظ في أهميته التي يؤكدها كثير من الفقهاء - يظل واحدا من المبادىء التي يعتمدها " العلامة " في ممارساته، بصفة أن عمل القدماء بالخبر الضعيف يكشف عن وجود قرائن على صحته، ما دامت البيئة التي يحياها القدماء تساعد على كشف مثل تلكم القرائن المحتفة به. والمهم، أن المؤلف يرتب أثرا على هذا المبدأ وإن كان في نماذج من ممارساته يخالف المبدأ المذكور، كما لحظنا. وأيا كان، بمقدورنا أن نستشهد بنماذج من ممارساته في هذا الميدان. وهذا من نحو عمله بمرسلة ابن أبي عمير الواردة في تحديد الكر - وزنا، وبرواية أبي بصير - وفي طريقها راو واقفي - الواردة في تحديد الكر: مساحة، حيث عقب على الأولى بقوله: (عمل عليها الأصحاب)، وحيث عقب على الأخرى بقوله: (وهذه الرواية عمل عليها أكثر الأصحاب). ومن نحو تعقيبه على روايتي عمار وسماعة الواردتين في إراقة الاناءين المشتبه أحد هما بالنجاسة، قائلا: (وسماعة وعمار وإن كانا ضعيفين، إلا أن الأصحاب تلقت هذين الحديثين بالقبول). ومنها: تصحيح الأصحاب: من الاستثناءات للعمل بالخبر الضعيف لدى المؤلف هو: العمل بما أجمع الأصحاب على تصحيح ما يرويه نفر خاص من الرواة، من أمثال مراسيل ابن أبي عمير وسواه، حيث عمل المؤلف بمراسيل هذا الأخير، من نحو ذهابه إلى عدم جواز بيع العجين النجس، مستدلا بمرسلة ابن أبي عمير القائلة بأنه: (يدفن ولا يباع). كما أنه قبل مراسيله بشكل عام، حينما علق مرسلة أخرى تتحدث عن العجين النجس، بأنه يطهر بالنار، قائلا: (وإن كانت مراسيل ابن أبي عمير معمولة بها، إلا أنها معارضة ب‍ " الأصل " فلا تكون مقبولة). ومنها:

[ 65 ]

مناسبة المذهب: ومن الاستثناءات لدى المؤلف في العمل بالخبر الضعيف هو: مناسبته للمذهب أو للروايات الصحيحة، وهذا مثل تعليقه على روايتين تتحدثان عن طهارة الأسئآر للسباع وغيرها - وفي طريقهما واقفي وفطحي - حيث قال: (وحديث أبي بصير وعمار - وإن كانا ضعيفين، لأن في الأول علي بن أبي حمزة، وهو واقفي، وعمار، وهو فطحي - إلا أنه مناسب للمذهب). والحق، أن العمل بالخبر لا ضعيف من حيث مناسبته للمذهب، لا يكتسب صفة " عملية " إلا في حالة فقدان النصوص المعتبرة، أما مع وجود النصوص المعتبرة فلا يزيد عن كونه قد " تأيد " بها من حيث مجانسته لها، دون أن يأخذ صفة استقلالية، لذلك يتعذر القول بأن المؤلف قد عمل بالخبرين المذكورين، لأن العمل أساسا قد تم من خلال النصوص المعتبرة التي جاء هذان الخبران في سياقهما، كما قو واضح. وهذا على العكس مما لو اكتسب الخبر الضعيف صفة استقلالية بحيث يصح أن يعتمده المؤلف في حالة فقدان النصوص المعتبرة " من خلال مناسبته للمذهب " وهذا من نحو عمله بالرواية الذاهبة إلى أن الصائم يقضي صومه في حالة إفطاره قبل المغرب لتوهم الظلمة ونحوها، حيث عقب المؤلف على ذلك قائلا: (وحديثنا - وإن كان يرويه محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمان، وقد توقف ابن بابويه فيما يرويه محمد بن عيسى عن يونس - إلا أنه اعتضد بأنه تناول ما ينافي الصوم عامدا.) فمناسبة هذا الخبر للمذهب تتجسد في كونه قد تجانس مع الدليل القائل بأن تناول ما ينافي الصوم يستلزم إفساده، ولذلك جاء العمل بهذا الخبر الضعيف مقرونا بالأهمية من حيث تجانسه مع دليل عقلي على العكس من الحالة السابقة التي جاء فيها الخبران الضعيفان في سياق الأخبار المعتبرة، حيث لا فاعلية لمفهوم " المناسبة للمذهب " فيهما، ما دام النص المعتبر هو الدليل، وليس الدليل العقلي أو الاستقرائي، كما قلنا.

[ 66 ]

تأييد وتقوية: وهذا النمط من العمل بالخبر الضعيف، سبق أن تحدثنا عنه، وقلنا في حينه: إن إيراد الخبر الضعيف في سياق الأخبار المعتبرة يكسب الضعيف قوة، وليس العكس، ولذلك لا ضرورة لهذا النمط من العمل بالضعيف، طالما لا يترك أثره على عملية الاستدلال حيث إن الضعيف يكتسب قيمته الاستدلالية في حالة انفراده، كما هو بين. إلزام المخالف: لعل العمل بالضعيف لدى المؤلف - في حالة إيراده بمثابة " إلزام " للمخالف - يظل عرضة لإثارة أكثر من إشكال حيال هذا التعامل. وهذا التعامل يأخذ لدى المؤلف أكثر من أسلوب. فهو حينا يعمل به في سياق عرض أدلته الشخصية، وحينا آخر يعمل به في سياق أدلة المخالف والرد عليها. أما العمل في صعيد عرض الأدلة المخالفة، فأمر يحمل مسوغاته دون أدنى شك، فما دام المخالف مقتنعا بالخبر الضعيف، فحينئذ يجئ إلزامه بالخبر المذكور مناسبا للموقف. وحتى في صعيد عرض الأدلة الشخصية يكون العمل بالضعيف مشروعا في حالة كونه مرتبطا بروايات " العامة " ما دام هدف المؤلف " إلزامهم " بوجهة نظره التي يلتمس لها أدلة معززة بروايات " الجمهور ". أما في حالة كونه مرتبطا بروايات " الخاصة " فإن المسوغ للعمل به ينحصر في حالة الذي يناقشه كون الفقيه المؤلف مقتنعا بحجية هذه الرواية الضعيفة أو تلك، كما قلنا، وخارجا عن ذلك، لا نجد مسوغا للعمل بالخبر الضعيف. لذلك، فإن المؤلف يتعامل بصورة ذكية جدا في كثير من ممارساته القائمة على مناقشة الآخرين، فهو يورد الأدلة الروائية المعتبرة أولا " وهذه هي المرحلة المعبرة عن وجهة نظره التي هي حجة بينه وبين الله تعالى " وبعد ذلك يورد الخبر الضعيف " إلزاما " لمن يناقشه. فمثلا، لحظنا أن المؤلف قد أسقط جميع الروايات الواردة بالنسبة إلى تبييت النية لمن يسافر في رمضان، لكنه - مع.

[ 67 ]

ذلك، لأجل الالزام - رتب عليها أثرا، فحملها على أكثر من محمل، مثل قوله عن أحد الأخبار الضعيفة: (وهو ضعيف، ومحمول على من سافر بعد الزوال) عن آخر: (وهو ضعيف: ومع ذلك، يحتمل التأويل). وهكذا مع سائر روايات المسألة المشار إليها، حيث أولها بما لا يتنافى مع وجهة نظره الذاهبة إلى أن ميزان الافطار هو: السفر قبل الزوال وليس تبييت النية. ويلاحظ هنا: - * إسقاط المؤلف حينا: الرواية ثم العمل بها حينا آخر، حيث يصرح في الحالة الأولى بسبب ذلك، وهو ضعف الراوي كما لو كان فطحيا أو واقفيا أو غيرهما من أمثال سماعة وعمار وابن فضال وابن بكير وسواهم. ولكنه - وفي الحالة الثانية - يصرح بأن الراوي " ثقة ": مع أن الراوي هو نفسه في الحالتين. أي: إنه بسبب من كون أولئك الرواة قد تأرجح القول في " وثاقتهم وعدمها " حيث وثقهم البعض، وقدح فيهم بعض آخر، حينئذ نجده عند التأييد لوجهة نظره يصرح بوثاقتهم من قبل أهل التعديل والحرج " مع أنه في كتابه الرجالي المعروف يحسم الموقف حينا ; فيميل إلى الترجيح بوثاقتهم، ويتردد بالنسبة إلى آخرين ". وأما في حالة أخرى نجده يقدح بهم، وهذا ما يمكن ملاحظته - على سبيل الاستشهاد - بالنسبة إلى " ابن فضال "، حيث نجده - في ذهابه إلى عدم إجزاء الغسل عن الوضوء - يسقط رواية ابن فضال القاضية بالاجزاء، قائلا بأنه " فطحي "، كذلك بالنسبة لاسقاطه روايتين لحظناهما عند حديثنا عن روايات تبييت النية في سفر رمضان، حيث أسقطهما لمكان ابن فضال فيهما. ولكنه بالنسبة لحكم الحائض المبتدئة، مثلا يعلق على رواية في طريقها ابن فضال نفسه، قائلا: (وهو فطحي، إلا أن الأصحاب شهدوا له بالثقة والصدق)، بل نجده في إيراده لرواية أخرى لابن فضال تتعلق بوجوب الغسل في صحة الصوم بالنسبة إلى الحائض، يستشهد بقول " النجاشي " عن ابن فضال: (فقيه أصحابنا بالكوفة، ووجههم، وثقتهم، وعارفهم بالحديث. إلخ) والامر كذلك بالنسبة إلى رواة آخرين مثل عمر وإسحاق و.. حيث يسقط رواياتهم " عند الرد " ويضفي عليهم طابع " الوثاقة " عند ما يعزز برواياتهم وجهة نظره، مشيرا إلى أن الأصحاب

[ 68 ]

شهدوا بالثقة لهذا الراوي أو ذاك. إنه من الممكن أن نقول المؤلف حينما سكت عن عمار، أو سماعة، أو ابن فضال، أو غيرهم: فلأن مناقشيه يعتمدون رواياتهم مثلا، وأنه لا يعتمدهم في حالة تقديمه لأدلته الخاصة، لكن حينما يؤكد على أن الأصحاب شهدوا لهم بالثقة، حينئذ كيف يسوغ له أن يرفض رواياتهم التي لا تتسق مع وجهة نظره، وبكلمة جديدة: إن المؤلف إما أن يكون مقتنعا بوثاقتهم - وهذا هو الصحيح، بدليل أنه وثقهم كما لحظنا في النماذج السابقة، فضلا عما أوضحه أيضا في كتابه الرجالي - وإما أن يقتنع بعدم وثاقتهم، فحينئذ لا معنى للاعتماد على رواياتهم إلا في حالة " الالزام " وهذا ما لا ينطبق على حالة الرواة المشار إليهم. طبيعيا، لو كان المؤلف مقتنعا بعدم وثاقتهم - كما هو الحال بالنسبة إلى راو مثل أحمد بن هلال مثلا، فحينئذ عندما يسكت عن الطن به، نفسر ذلك بأنه يستهدف " إلزام " المخالف بروايته كما حدث بالنسبة إلى استدلاله على مطهرية المستعمل في رفع الحدث الاصغر. وعند ما " يطعن " بالرواية نفسها - كما حدث بالنسبة إلى استدلاله على مطهرية المستعمل في رفع الحدث الأكبر، حيث نفت الرواية ذلك - حينئذ نفسر موقفه بأن قناعته الحقيقة بعدم وثاقة الراوي المذكور تفرض عليه ذلك، وأن عدم طعنه إنما جاء " إلزاما للمخالف فحسب. أما في حالة كونه قد اقتنع بوثاقة الراوي - كما هو الحال بالنسبة لبعض الفطحيين والواقفيين - حينئذ فإن رفض رواياتهم يظل محل تساؤل * * * العمل أولى من الطرح: من الموارد التي لوحظ فيها أن المؤلف يعمل بالخبر الضعيف فيها، هو: ذهابه إلى أن العمل بالرواية أولى من طرحها - وقد لاحظنا ذلك بشكل عام في حقل -. أما ما يرتبط ب‍ " الضعيف " من الروايات، فإن العمل بها، يظل نادرا. وهذا من نحو ممارسته الذاهبة إلى إمكان العمل برواية سبق أن رفضها عندما استدل على عدم الاعتماد في ثبوت رمضان

[ 69 ]

المبارك - في حالة غيمومة الهلال - على الرواية القائلة بأن ينظر إلى اليوم الذي كان الصوم فيه من العام الماضي، وعد خمسة أيام منه، ثم الصوم في اليوم الخامس. هذه الرواية التي رفضها في هذا المورد بسبب ضعفها - كما صرح بذلك - قبلها المؤلف في مورد آخر هو: في حالة ما إذا غامت الاهلة جميعا، حيث علق قائلا: (فالأقرب: الاعتبار برواية الخمسة. لنا: أن العادة قاضية متواترة على نقصان بعض الشهور في السنة بعدد الخمس أو أزيد أو أنقص، فيحمل على الاغلب للرواية الدالة على الخمسة، فإنها معتبرة هاهنا، وإلا لزم إسقاطها بالكلية، إذ لا يعمل بها في غير هذه الصورة). المؤلف ذكر روايتين عن الخمسة ورماهما بالارسال والضعف حيث رفضهما في غيمومة الهلال. وفي مورد غيمومة الاهلة جميعا، كما أشرنا. والملاحظ هنا جهتان: إما عدهما معتبرتين من حيث السند، أو من حيث الدلالة، فإذا سقطتا سندا فلا مسوغ للعمل بهما في بعض الموارد دون غيرها. وإذا لوحظت دلالتهما، فيمكن العمل بهما كما أشار المؤلف. بيد أن رفضهما في غيمومة رمضان المبارك - بسبب من الضعف والارسال - لا يتناسب مع اعتبار هما في غيمومة (13) الشهور. العمل بالضعيف مطلقا: بالرغم من أن غالبية ممارسات المؤلف تقوم على رفض العمل بالرواية الضعيفة - كما لحظنا، عدا الموارد الاستثنائية المتقدمة، إلا أننا نجده حينا يعمل بالخبر الضعيف مطلقا، دون أن يعلل ذلك. والتعامل مع الخبر الضعيف أحيانا، ينطوي على تقدير صائب للموقف، دون أدنى شك، فما دام الراوي " المطعون فيه " لا يعني أنه " كاذب " في الحالات جميعها، وما دام خبره - من جانب آخر - قد يتوافق مع الاحتياط " مثلا، أو غير معارض بخبر آخر، مضافا إلى خضوع البعض منها لقاعدة ما يسمى ب‍ " التسامح " في غير موارد الوجوب أو الحرمة،

13 نعم يمكن أن يقال: إنه رحمه الله حين رأى عمل المشهور بالرواية في تلك المسألة عده معتبرا بخلاف المسألة السابقة.

[ 70 ]

حينئذ: فإن العمل بها يحمل مسوغاته، بخاصة إذا اقترنت بالقناعة " وجدانيا " - وإن كانت " علميا " مرفوضة من حيث الخضوع لقواعد الحجية، إلا أن " الوجدان " وملاحظة القرائن المحتفة بها، تحمل الفقيه على الظن المعتد بصحة مثل هذه الروايات. والمهم، أن المؤلف - في أمثلة هذه المواقف - يعمل بالخبر الضعيف، كما قلنا، وهذا من نحو عمله بالروايات المانعة من أخذ الرشاء في الحكم مثلا، حيث استشهد بالروايات الضعيفة في ذلك. ومن نحو عمله برواية ضعيفة تحرم الحج بمال غير حلال، فيما يعززها حكم " العقل " أو القاعدة الشرعية بذلك. وحتى في حالة عدم تأييدها بحكم عقلي أو بعدم خلاف بين الفقهاء، حيث إنه في حالة عدم الخلاف من الممكن أن يكون العمل بالضعيف مستندا إلى عمل الأصحاب، يظل العمل بالضعيف أمرا ملحوظا لدى المؤلف، مثل ذهابه (14) إلى استحباب المقام على تجارة معينة إذا ربح فيها، واستحباب التحول عنها إذا خسر فيها، واستحباب قلة الربح. إلخ، حيث اعتمد المؤلف على روايات ضعيفة في المسائل المشار إليها. وهذا فيما يتصل بمطلق التعامل مع الروايات الضعيفة. وفي حالة التضارب بين خبرين ضعيفين، نجد أن المؤلف يعمل بهما أيضا ما دام الخبران المتضاربان لم " يعارضهما " ما هو معتبر من الروايات. وهذا من نحو عمله بروايتين: إحداهما: مرسلة، والأخرى: غير معتبرة، لمكان " السكوني " فيها، حيث جمع بينهما في حديثه عن صفق الوجه بالماء أو صبه على نحو التفريق، مستندا إلى وجهة نظر الفقهاء، قائلا: (وجمع بينهما بأن الأول محمول على إباحته ولا يجب خلافه والثاني محمول على أولوية غيره، فلا ينافي). وحتى في حالة كون أحدهما ضعيفا والآخر معتبرا، فإن المؤلف يعمل بهما في صعيد التضارب أيضا، وهذا من نحو جمعه بين روايات بعضها معتبر وبعضها غير معتبر، تمنع الدائن من أخذ حقه إذا أودع المدين لديه مالا، وبين روايات ضعيفة تبيح ذلك (15)،

14 يحتمل فيها الاستناد إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن، فإنه قد قال بها جمع من الأصحاب. 15 لعل السر فيه أن عمومات التقاص وهي أخبار معتبرة معمول بها تقتضي جوازه مطلقا، والأدلة الواردة في لزوم الاقتناع بحلف المنكر توجب تخصيصها، فإطلاق الروايات - الموصوفة بالمانعة - حملها على مورد حلف المنكر عند القاضي، والعمدة أن المورد المذكور يحتمل فيه أن المهم فيه عموم أخبار المقاصة، لا غير هذه الأخبار الضعاف.

[ 71 ]

حيث جمع بين الطائفتين بحمل الروايات المانعة على ما لو أنكر المدين، فاستحلفه على ذلك فحلف. بيد أن الملاحظ أن سكوت المؤلف عن خدش الرواية، يتضخم بنحو ملحوظ في أبواب التجارة. ولعل ذلك يتساوق مع ما قلنا - في مقدمة هذه الصفحات - من أن المؤلف يتخلى عن المنهج المفصل في الأبواب الاخيرة من الكتاب، لاحتمالات متنوعة، أشرنا إليها في حينه. التوقف أو التردد: يظل استخلاص الحكم هو النتيجة النهائية لاية ممارسة فقهية، وإذا كانت الممارسة تعنى بعرض الآراء والأدلة ومناقشتها والرد عليها، فلأنها مقدمات لا بد أن تقضي إلى ما هو نهائي من الحكم. وهذا الاستخلاص للحكم يأخذ عند المؤلف: إما طابعا حاسما لا مكان فيه للافتراض أو التأرجح أو التوقف، وإما أن يخضع لافتراضات متنوعة تتطلبها طبيعة مناقشة الآخرين، وهذان النمطان من استخلاص الحكم لحظناهما بوضوح لدى المؤلف، فهو يفتي حاسما من خلال دليله الشخصي الذي يعدمه أولا ثم يفترض إمكان خضوع هذا النص أو الدليل إلى حكم آخر كالاستحباب أو الكراهة. إلخ، لكن هناك من الممارسات ما يقف المؤلف عندها متأرجحا بين هذا الحكم أو ذاك، ومن ثم يتوقف عن إصدار الحكم. ولا شك أن كلا من التأرجح والتوقف له مسوغاته التي ينبغي أن نثمنها لدى المؤلف ما دامت طبيعة الدليل لا تسمح له إلا بالتأرجح أو التوقف. ويمكننا ملاحظة المستوى الأول من إصدار الحكم، أي: التأرجح، فمثلا في ممارسته الذاهبة إلى جواز الاقتصار على جزء من السورة أو قراءة السورة كاملة قائلا: (ولو قيل فيه روايتان، إحداهما: جواز الاقتصار على البعض، والأخرى: المنع، كان وجها، ويحمل، المنع على كمال الفضيلة). وسبب هذا التأرجح أن المؤلف استدل أولا على وجوب السورة كاملة، إلا أنه عرض نصوصا معتبرة تجوز ذلك، مما اقتاده إلى التأرجح المذكور. كذلك في ممارسته الذاهبة إلى

[ 72 ]

أن من استمر به المرض إلى رمضان آخر، لا قضاء عليه بل يتصدق مستدلا على ذلك بنصوص لزرارة وابن مسلم وسواهما، لكنة نقل قولا لابن بابويه بوجوب القضاء حيث استند هذا الأخير إلى عموم الآية: من كون مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) في شمولها لمن استمر فيه المرض أو عدم استمرار، حيث عقب قائلا: (وقول ابن بابويه عندي قوي، لا يعارض الآية التي استدل بها: الاحاديث المروية بطريق الآحاد). والتأرجح هنا واضح من خلال ذهابه إلى عدم وجوب القضاء في استناده للنصوص المشار إليه " وقد استدل بها في مسألة سابقة تتعلق بقضاء السنة الماضية دون أن يشير إلى أنها أخبار آحاد " ثم ذهابه إلى " قوة " الرأي الذي ذهب إليه ابن بابويه، حيث يجسد هذان النمطان من الحكم تأرجحا بينهما كما هو واضح. بيد أن ذهاب المؤلف إلى أن النصوص المشار إليها أخبار آحاد مما يلفت النظر حقا، بصفة أنه عمل بهذه الأخبار من جانب، وبصفة أنها لا تتضارب من الآية الكريمة من جانب آخر، بل إنها تفصل إجمالها أو تخصص عمومها، فلا مسوغ حينئذ للقول بأنها تطرح، لمخالفتها الكتاب الكريم. ويمكننا الاستشهاد بنموذج ثالث من ممارساته التي يرجح فيها أحد الجانبين إلا أنه يتوقف في النهاية، ما نلحظه في ممارسته الذاهبة إلى عدم جواز " القران " بين سورتين في الفريضة حيث استدل على ذلك بنصوص مانعة، وبالمقابل قدم أدلة المخالف التي تجوز ذلك. وبالرغم من أنه رد أدلة المخالف بكون أدلته الشخصية أصح سندا وأوفق للاحتياط، إلا أنه في النهاية صرح بأنه (في هذه المسألة: من المترددين). كذلك - في نموذج رابع - في ممارسته الذاهبة إلى عدم طهارة فضلات ما لا يؤكل لحمه، استند إلى جملة من النصوص منها: رواية ابن سنان: (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) لكن بما أن هناك رواية لأبي بصير تستثني عضوية " الطير " من ذلك (كل شئ يطير فلا بأس.) حينئذ عقب قائلا: (والرواية مشكلة، وهي معارضة لرواية ابن سنان. إلا أن القائل يقول: إنها غير مصرحة بالتنجيس، أقصى ما في الباب أنه أمر بالغسل منه، وهذا غير دال على النجاسة إلا من حيث المفهوم.).

[ 73 ]

وجه تردده هو أن المؤلف قد استند إلى رواية ابن سنان في تنجيسها لفضلات ما لا يؤكل لحمه، وهنا تردد في تصريحها بالتنجيس، مضافا إلى أن رواية أبي بصير الذاهبة إلى عدم نجاسة عضوية الطير - كما هو رأي المؤلف - معارضة لرواية ابن سنان، لأن الالتزام بأحدهما يلغي الآخر. طبيعيا، يمكن أن تقيد رواية ابن سنان بالطير فتكون النتيجة: أن ما لا يؤكل لحمه نجس إلا الطير. ومن الممكن أن تقيد رواية أبي بصير برواية ابن سنان فنكون النتيجة: أن ما لا يو كل لحمه من الطير نجس. إلا أن الحمل الأخير لا وجه له، لاستلزامه " عبثية " القيد، وإذا كنا نعرف بأن كلام المعصوم " ع " لا يمكن أن يتضمن قيدا عابثا، حينئذ نستخلص بسهولة أن قيد " الطيران " له مدخلية في الحكم، وأن " الطير " مستثنى من قاعدة: (ما لا يؤكل لحمه)، ومن هنا لا نرى وجها لتردد المؤلف في هذه المسألة. ويمكن ملاحظة نمط آخر من التردد المقترن بالترجيح، يتمثل في الممارسة التالية: (حكم الاستنشاق حكم المضمضة في ذلك، على تردد، لعدم النص). فالمؤلف هنا يرجح أن يلحق الاستنشاق بالمضمضة من حيث عدم مفطريته إذا كان في الوضوء - ولكن: نظرا لعدم وجود النص، يتردد في الالحاق المذكور. كما هو واضح، فالملاحظ في هذه النماذج - أن عدم " ظهور " النص من جانب أو فقدانه من جانب آخر، دفع المؤلف إلى التردد في إصدار الحكم. وأيا كان، فإن النماذج المتقدمة من تردد " العلالة " نابع من كونه يستند إلى أدلة مرجحة في نظره، ولكنه يتوقف في النهاية من إصدار الحكم. لكن هناك نموذج من الممارسات التي لا ترجيح فيها لأحد الأدلة، حيث يتكافأ الدليلان مما يحمله ذلك على التردد أو التوقف في إصدار الحكم، وهذا من نحو ممارسته التالية: (الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام هل يباح له الفطر؟ فيه: تردد ينشأ من وجوب الصوم بالعموم وسلامته عن معارضة المرض، ومن كون المرض إنما يبيح له الفطر لأجل الضرر به، وهو حاصل هنا، لأن الخوف من تجدد المرض: في معنى الخوف من زيادته وتطاوله). كذلك يمكن ملاحظة تردده النابع من تكافؤ الدليلين، في ممارسته الآتية:

[ 74 ]

(لو فكر، ففي الافساد تردد: ينشأ من قوله (ع) " عفي لامتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم يعلم أو تعلم، ومن كونه متمكنا من فعله وتركه.) فالملاحظ في هذه النماذج هو تكافؤ الأدلة التي تستاقه إلى التردد، في حين كانت النماذج التي سبقتها مطبوعة بتردد يترجح فيها أحد الدليلين، ولكنه لا يصل إلى اليقين والظن الذي يسمح للمؤلف بأن يحسم المسألة. وفي الحالين ثمة مسوغات تدفع المؤلف إلى أمثلة هذا التردد الذي ينبغي تثمينه، دون أدنى شك. * * * إذا كان المؤلف في النماذج المتقدمة يتوقف عن إصدار الحكم، فهناك نمط من التعامل مع " الحكم " يقوم على مجرد الافتراض في مشروعية الآراء المخالفة التي يتردد فيها أو يحسم المسألة فيها على خلاف وجهة نظرهم. وهذا ما ندرجه ضمن عنوان: الافتراضات والحكم: هناك نمط من التعامل مع " استخلاص الحكم " قائم على مجرد الفرضية بصحة ما يحكم به الآخرون، حيث يرتب المؤلف على هذا الافتراض آثارا شرعية. طبيعيا، ثمة فارق بين فرضية تقوم على مجرد التسليم بما يقوله الآخرون، كما لو اقتنع المؤلف بدليل خاص لديه، ولكنه حكم بحكم آخر لإلزام المخالف بفساد وجهة نظر الأخير، حيث لحضنا أمثلة هذا المنحى في سياق رده على أدلة المخالفين، وبين فرضية تسلم بوجهة نظر المخالف ثم ترتب عليه الأثر الشرعي، وهذا ما يتمثل في منهج خاص من الاستدلال يقوم على عبارة " لو قلنا " بجواز أو حرمة هذا الشئ أو ذاك. إلخ، حيث لا يقتنع المؤلف بالحكم المذكور، ولكنه يفرض إمكان صحته، فيتناوله بالدراسة مثل سائر المسائل المطروحة. وهذا ما يمكن ملاحظته في ممارسات من نحو: (إذا قلنا بجواز الاقتصار على بعض السورة فلا فرق بين أولها وآخرها وأوسطها.) ثم يستدل على ذلك بروايات في هذا الصدد. ومن نحو افتراضه الآتي: من الماء النجس المتمم كرا حيث حكم سابقا بعدم تطهره

[ 75 ]

بإتمامه كرا: (لو قلنا بالطهارة، لم يشترط خلوه من نجاسة عينية. نعم، يشترط خلوه على التغير). ومن نحو افتراضه الآتي عن تحريم نقل الزكاة من بلد المالك إلى غيره حيث حكم سابقا بجواز النقل، ولكنه ما دام قد نقل قولا بعدم الجواز، حينئذ فقد افترض ما يلي: (لو قلنا بتحريم النقل - أي: نقل الزكاة إلى بلد آخر تجزي إذا وصلت إلى الفقراء) ثم يستدرك على ذلك بقوله: (لنا: أنه دفع المالك إلى مستحقه فيخرج عن العهدة كما لو أخرجها من بلده). ففي النموذج الأول افترض المؤلف جواز الاقتصار على بعض السورة، مع أنه كان " مترددا " فيها، كما لحظنا في نموذج أسبق من ممارساته، وفي النموذج الثاني والثالث افترض طهارة المتمم كرا وتحريم نقل الزكاة إلى بلد آخر مع أنه لا يرى طهارة الأول ولا تحريم الآخر. والمهم هو ملاحظة هذا المنحى من الاستلال من حيث مسوغاته العلمية. وفي تصورنا، ثمة مسوغ علمي من النمط الأول من الممارسة، وهو النمط القائم على تردد في الحكم، فبما أنه لم يحسم المسألة، حينئذ فإن افتراضه الذاهب إلى جواز الاقتصار على أول السورة أو وسطها أو آخرها يتناسب مع تردده طالما يظل هناك احتمال بجواز الاقتصار على بعض السورة يتكافأ مع الاحتمال الآخر، وهو عدم الجواز، حيث يترتب - مع احتمال الجواز في تبعيض السورة - إمكانية أن يكون التبعيض في أولها وسطها أو آخرها. كما أن الاستدلال على إمكانية ذلك يتناسب مع الاحتمال المذكور. لكن عندما نتجه إلى النمط الآخر من عرض المسألة التي لم يقتنع بها المؤلف، حينئذ يثار السؤال عن ضرورة أن يستدل المؤلف على إتمام المنجس كرا ما دام مقتنعا بأن الماء القليل لا يطهر بإتمامه كرا سواء أكان مصحوبا بالنجاسة العينية أو غير مصحوب. * * * نعم، في النموذج الثالث من الممارسة يمكن أن نجد مسوغا للطرح وهو نقل الزكاة إلى بلد غير المالك، فبالرغم من أن المؤلف يرى جواز النقل، إلا أن عرضه للمسألة جاء في سياق الاجزاء أو عدمه، حيث إنه مع القول بالتحريم حينئذ فإن المالك إذا دفعها فقد أبرأ ذمته

[ 76 ]

وإن كان قد عمل محرما من حيث النقل، وهذا من نحو الصلاة في المكان المغصوب أو البيع في يوم الجمعة عند النداء مثلا، حيث تترتب آثار الابراء للذمة وتحقق الملكية بالرغم من ممارسته مما هو محرم. لذلك، فإن المسوغ العملي - في النموذج الثالث - يظل فارضا فاعليته في هذا الصعيد. وهو أمر ينطوي على فائدتين في ميدان البحث، أولاهما: الفائدة العلمية المتمثلة في رحابة صدر المؤلف لأن يفترض إمكانية الصواب لوجهة النظر المفترضة، والأخرى: الفائدة المصحوبة بالامتاع العلمي، حيث أن تناول المسألة في شتى صورها تحقق إمتاعا علميا له إسهامه في إثراء تجربة القارئ وتحريك ذهنه على المحاكمات العقلية، وهذا ما توفر عليه فقيهنا الكبير " العلامة " في عرضه الممتع لكثير من افتراضاته التي تفصح عن إسهامه العلمي الضخم في هذا الميدان وفي سائر الميادين التي طبعت شخصية " العلامة " بسمات فائقة جعلت منه شخصية علمية متفردة في تأريخنا الفقهي الموروث والمعاصر. عنصر التطوير الفقهي: والآن، خارجا عن الملاحظات التي طرحناها في سياق تقويمنا لممارسات " العلامة " وهي ملاحظات قد لا يوافقنا القراء عليها، بخاصة أن طبيعة الممارسة الاستدلالية الشاملة التي لا تقتصر على صياغة الدليل العابر، تتطلب منهجا يقوم على تثبيت وجهة النظر أو إلزام المخالف من الخاصة والعامة من خلال طرائق متنوعة، مثل: افتراض صحة الرواية حينا، والطعن بها في موقع آخر، ومثل: الاستدلال على مسألة لم يقتنع الفقهاء بها، ثم ترتيب الآثار عليها على نحو الافتراض، ومثل: تقديم الأصل على الامارة،. إلخ أولئك جميعا قد تفرضها طبيعة الممارسة الفقهية التي لم تقتصر على فقيهنا الكبير، بل انسحبت على المتأخرين أيضا، بحيث أصبحت جزءا من الصناعة الفقهية التي اكتسبت طابعا مشروعا. ولذلك، فإن إبداء الملاحظات على هذه الصناعة لا يعني أنها تقلل من ضخامة وإحكام ومتانة العمارة الفقهية الضخمة التي خطط لها " العلامة ".

[ 77 ]

وهذا ما يدفعنا إلى القول - ونحن نختم حديثنا عن فقيهنا الكبير بأننا نواجه فقهيا عملاقا قد انفرد بين السابقين عليه بكونه قد " طور " الممارسة الفقهية، و " جددها " على المستويات جميعا، سواء أكان ذلك في صعيد الاداة الأصولية التي طرح مفرداتها الضخمة في كتابه المخطوط: " نهاية الوصول إلى علم الأصول " حيث سلك فيه نفس المنهج الفقهي المقارن من حيث تتبعه المدهش لآراء الأصوليين ومناقشتها والرد عليها وإبداء وجهة نظر جديد حيالها، أو كان ذلك في صعيد " الاداة الرجالية والحديثية " حيث اختط حيالها منحى فيه " الجدة " دون أدنى شك، أو كان ذلك في صعيد الممارسة الفقهية بعامة: منهجا واستدلالا، حيث نلاحظ " الجدة أو التطوير " فيها يتجاوز طرح " المبادئ إلى طرح " المنج " أيضا، وهو ما لحظناه خلال هذه السطور التي كتبناها عن فقيهنا الفذ، حيث كانت " السعة " و " التنوع " و " العمق " و " الجدة " طوابع علمية لهذا الفقهية لم يكد لسواه أن يتوفر عليها بنفس الحجم الذي لحظناه عند " العلامة "، فهو كما سبقت الاشارة يرصد آلاف الاراء لمذاهب وتيارات وأشخاص، في كل العصور، وفي كل الامكنة، داخل المذهب وخارجه وهو يلتمس " الأدلة " لها وليس مجرد رصدها، بما تستتبعها من منهجية جديدة بالنحو الذي يضفي على بحثه حيوية لافتة للنظر تجعلك منبهرا ومندهشا حيال قابليته الفذة التي وهبها الله تعالى لفقيهنا الكبير، حتى ليكاد " يتفرد " مع آخرين لا يتجاوزون عدد الأصابع في عصور التاريخ الفقهي.

[ 79 ]

كلمة القسم

[ 81 ]

كلمة القسم النسخ المخطوطة المعتمدة في تحقيق الكتاب: لما كان هدفنا في تحقيق الكتاب وهو إخراج نصف صحيحا مفهوما لا يشوبه إبهام، خاليا من التعقيد والالتواء، بعيدا عن المظاهر الشكلية التي يقتصر عليها بعض المحققين في عملهم، فقد اعتمدنا في عملنا هذا على تسع نسخ مخطوطة، هي كما يلي: 1 النسخة الموقوفة لخان باب مشار، المحفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد، تحت رقم 9548، وهي تشتمل على كتاب الطهارة فقط، جاء في آخرها: كتب آخر هذا الكتاب على يد أقل خلق الله وأحوجهم إلى رحمة ربه الغني محمد بن محمد الجزائري، الساكن في بلدة شيراز. وكان الفراق من كتابته في بلدة بغداد في شهر صفر، ختم بالخير والظفر سنة 1047. تقع في 156 ورقة، تحتوي كل صفحة منها على 29 سطرا، بحجم 20 * 13 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " خ ". 2 النسخة المحفوظة في كتب الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد، تحت رقم 10597، وهي تشتمل على كتب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس، وبعض من كتاب الصوم. جاء في آخر كتاب الطهارة وفرغ من نسخة نسختها من نسخة الأصل العبد المذنب الراجي إلى رحمة الله تعالى يوسف بن يعقوب طالقاني، وجاء في آخر كتاب صلاة الخوف: كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن شاه منصور التبريزي. وذلك في سابع [ و ] عشرين من شهر شعبان المعظم من سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة. تقع في 397 ورقة تحتوي كل صفحة منها على 31 سطرا، بحجم 20 * 12 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " ن ". 3 النسخة المحفوظة في مكتبة ملك الوطنية (كتابخانه ملى ملك) تحت رقم 1228، وهي

[ 82 ]

تشتمل على كتب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس، وبعض من كتاب الصوم، كتبها: محمد هادي ميرزا عرب شيرازي في يوم الثلاثاء الخامس من شهر شعبان المعظم: ولم يذكر سنة كتابتها. تقع في 463 ورقة، كل صفحة منها تحتوي على 30 سطرا، بحجم 21 * 11 سم، وقد رمزنا لها في هامش الكتاب بالحرف: " م ". 4 النسخة المحفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد، تحت رقم 1012، وهي تشتمل على كتب: الصلاة، الزكاة، الخمس، وبعض من كتاب الصوم، كتبها: محمد بن شمس بن علي بن حسن بن أبي الحسن بن جعفر بن الغساني. جاة في آخر كتاب الصلاة: وقع الفراغ من نسخها عصرية يوم الإثنين لخمس خلون من شهر ربيع الأول من شهور أحد وثمانين وتسعمائة من الهجرة (على مهاجرها الصلاة والسلام والتحية والاكرام). تقع في 572 ورقة، تحتوي كل صفحة منها على 23 سطرا، بحجم 22 * 13 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " غ ". 5 النسخة المحفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد، تحت رقم 2850، وهي تشتمل على القسم الأخير من كتاب الصوم، وكتب: الحج، الجهاد، وبعض من كتاب التجارة، قال في آخرها: وفرغ من نسخته (كذا) أقل عباد الله وأحوجهم إلى غفرانه، العبد الفقير، كثير الخطايا والزلل: علي بن الحاج قوام الدين بن محمود العاقولي الليثي أصلا، النجفي مولدا، الحلي منشأ. وذلك في غرة ذي القعدة سنة 982 هجرية (على مهاجرها أفضل الصلوات وأكمل التحيات). تقع في 143 ورقة، تحتوي كل صفحة منها على 41 سطرا، بحجم 23 * 14 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " ع ". 6 النسخة المحفوظة في مكتبة مسجد جامع گوهر شاد في مشهد، تحت رقم 554، وهي تشتمل على: البحث الثامن والتاسع من كتاب الصوم، وتمام كتاب الاعتكاف، والقسم الأكبر من كتاب الحج إلى أواسط الصنف الثالث عشر: الصيد. جاء في آخر الفصل السادس في الحلق والتقصير من كتاب الحج: وكان الفراغ من تسويده على يدي العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهر مصنف الكتاب في ثاني عشر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وستمائة، وفق الله تعالى إتمام الكتاب بمنه وكرمه والحمد الله رب العالمين. ولم يذكر اسم ناسخها. تقع في 267 ورقة، بخط النسخ القديم، وصفحاتها مختلفة من حيث السطور، فصفحة فيها 16 سطرا، وأخرى 22 سطرا، بحجم 16 * 11 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " ج ". 7 النسخة الموقوفة في مكتبة مسجد جامع گوهر شاد في مشهد تحت رقم 1326، وهي

[ 83 ]

تشتمل على بعض من كتاب الصلاة حيث تبدأ من المقصد الثامن في الخلل الواقع في الصلاة، وكتاب الزكاة والخمس، وبعض من كتاب الصوم، إلى البحث الثامن في بقية أقسام الصوم. لم يعلم اسم كاتبها ولا تأريخ كتابتها، حيث جاء في آخرها: تم الجزء الثالث من كتاب: منتهى المطلب في تحقيق المذهب، والحمد لله وحده، ويتلوه في. وقد كتب في هامش الصفحة الاخيرة بخط مغاير للأصل: من ممتلكات أفقر الطلبة إلى ربه المجيد محمد مكي بن محمد بن شمس الدين بن الحسن بن زين الدين علي بن خير الدين من سلالة أبي عبد الله الشريف الشهيد ابن مكي بن أحمد بن حامد المطلبي الحارثي الهمداني الخزرجي العاملي. ومكتوب فوق هذه العبارات بخط أخضر بالفارسية: (خط نوه شهيد) أي: خط حفيد الشهيد، والنسخة مختومة في عدة أماكن منها بمهر حفيد الشهيد وختمه، حيث جاء في الختم: من ولد الشريف أبي عبد الله الشهيد محمد بن مكي العاملي. تقع في 310 ورقة، تحتوي كل صفحة منها على 19 سطرا، بحجم 16 * 10 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " ش ". 8 النسخة المحفوظة في مكتبة الآستانة الرضوية المقدسة في مشهد، تحت رقم 12314، وهي تشتمل على كتب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس، الصوم الحج، الجهاد وبعض من كتاب التجارة جاء في آخر كتاب الطهارة: قد فرغ من كتابة هذا الجزء محمد حسين بن حاجي حسين الرويدشتي من أعمال أصفهان. في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 1066. تقع في 419 ورقة، تحتوي كل صفحة منها على 36 سطرا، بحجم 21 * 12 سم وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " ق ". 9 النسخة المحفوظة عند السيد جعفر مير داماد، في طهران، وهي تشتمل على كتاب الطهارة، جاء في آخرها، فرغ من نسخه وتعليقه الفقير إلى غفور ربه الغني علي بن محمد بن هلال، صدر نهار السبت آخر يوم من صفر سنة خمسة وثمانين وتسعمائة هجرية نبوية. ثم جاء في هامش آخرها: قد وقعت المقابلة لهذه النسخة الشريفة مع نسخة الأصل طابق النعل بالنعل. تقع في 298 ورقة، بخط النسخ القديم، تحتوي كل صفحة منها على 21 سطرا، بحجم 30 * 20 سم، وقد رمزنا لها في الهامش بالحرف: " د ". وحيث أننا عثرنا عليها متأخرا، أي: بعد طبع حروف الجزء الأول وترتيب فصوله وإخراجه الفني، لذلك لم يكن لنا مجال لاثبات اختلافاتها في الهامش، إلا أننا قابلنا مع فصول هذا الجزء بأجمعه، وأخذنا باختلافاتها مع بقية النسخ، وقد كانت مفيدة للغاية، وسيأتي تثبيت اختلافاتها في الهامش عند تحقيق الاجزاء اللاحقة من كتاب الطهارة.

[ 84 ]

منهجية تحقيق الكتاب: إن كتاب المنتهى هو من أجمع الكتب الفقهية المقارنة، وأضخمها في بابها، وأكثر جمعا، وأغزرها علما، وأحسنها تفصيلا وتفريعا، وأجودها تقسيما وتنويعا. قد حوى جل أمهات المسائل الخلافية في الفقه داخل المذهب وخارجه فكان حقيقا بأن يسمى: " منتهي المطلب. " وقد أشار العلامة نفسه إلى أهميته وعظمته علميا في تقديمه له، وفي مواضع متعددة من بقية كتبه الأخرى. كما وأشاد بفضله جمع كثير من علمائنا المتأخرين، وجعلوه في عداد أفضل من كتب في هذا الباب على الاطلاق، لما جاء فيه من المقارنة العلمية، وروعة في الاستدلال الفقهي. ولما كان " المنتهى " بما يمثله من عطاء فقهي زاخر، وتراث علمي جم. وإخراجه محققا، مصححا بالشكل الذي يتناسب ومستواه يحتاج إلى جهود جادة وطاقات مخلصة. كان أن سعى الإخوة المحققون في قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية بكل ما أوتوا من عزم وهمة إلى تفجير طاقاتهم، وصب جهودهم بشكل جدي ومتواصل. من أجل إخراج هذا السفر الجليل بكيفية تناسب محتواه العلمي، آخذين بنظر الاعتبار وعاملين وفق أحدث القواعد العلمية والفنية في موضوع تحقيق وتصحيح التراث الاسلامي الخالد. فكان أن شمر هؤلاء بأجمعهم عن ساعد الجد وتوزعوا إلى ست لجان تحقيقية، كل حسب اختصاصه العلمي والثقافي، كما يلي: 1 لجنة المقابلة، وعملها مقابلة النسخ المخطوطة الآنفة الذكر مع بعضا الآخر، وضبط الاختلافات الواقعة بينها، وتثبيتها على حدة. 2 لجنة التخريجات، وعملها تخريج الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة الواردة عن طريق الجمهور، والأحاديث والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكذا تخريج الأقوال الفقهية التي أوردها المصنف واستدل بها أو ناقشها أثناء بحثه وخوضه في مسائل الكتاب، وإرجاعها إلى مصادرها الاصلية، والاشارة إلى ذلك في الهامش. 3 لجنة الترجمة، وعملها ترجمة جميع الاعلام والرواة على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم الوارد ذكرهم في الكتاب، مع ترجمة مختلف المدارس الفقهية والطوائف والفرق الاسلامية. 4 لجنة تقويم النص وعملها تقطيع النص وتوزيع فقراته بحسب عنواينه ومعنوناته، وجمله حسب ما تقتضيه العبارة، مع ملاحظة جميع الاختلافات الواردة بين النسخ الخطية والنسخة

[ 85 ]

الحجرية المطبوعة وتثبيت ما ترجح منها، والاشارة إلى المرجوح عليه في الهامش عند اقتضاء ذكره. 5 لجنة تنزيل الهامش، وعملها تنزيل هوامش الكتاب، بالاستفادة من كل ما أنجزته اللجان المتقدمة في صياغة الهوامش النهائية بخط واضح وجميل. 6 مهمة الاشراف النهائي فنيا على الكتاب متنا وهامشا وضبط الملاحظات النهائية، مع مراعاة فنية الترقيم والتنقيط وصياغة الكلمات الاملائية القديمة بقالب فني جديد، ومع وضح فهارس الكتاب. ملتمسين لهم التوفيق والتسديد في إخراج بقية الاجزاء الأخرى بالشكل المطلوب إن شاء الله تعالى. [ ولا يفوتنا هنا أن نتقدم بالشكر والامتنان إلى كل الإخوة المحققين، الذين شاركوا في تحقيق واخراج هذا الجزء من الكتاب، وهم: حجج الاسلام الشيخ علي اعتمادي، والشيخ نوروز علي حاجى آبادي، والشيخ صفاء الدين البصري والشيخ عباس معلمي، والشيخ محمد بشيري، والشيخ هادي علي زاده، والسيد رضا سيادت والشيخ أبو الحسن ملكي، والشيخ محمد علي ملكي، والسيد طالب الموسوي، والشيخ محمد أكبري، والسيد حسن الشريفي. كما نشكر سماحة الشيخ إلهي الخراساني في إشرافه على التحقيق، ملتمسين لهم جميعا التوفيق والتسديد في إنجاز بقية أجزاء الكتاب، إن شاء الله تعالى ]. ختاما نسأل الله العلي القدير أن يعيننا على أنفسنا، ويأخذ بأيدينا إلى ما فيه الخير، وأن يتقبل منا هذا القيل خالصا لوجهه، ويجعلنا من محيي تراث مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويجعلنا نعم خلف لأولئك الماضين من علمائنا العظماء الذين كانوا وبحق نعم سلف لنا، ملتمسين بذلك القربة إليه وحسن الثواب، إنه ولي النعم، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. قسم الفقه ومجمع البحوث الاسلامية

[ 87 ]

نماذج من النسخ المخطوطة

[ 89 ]

الصفحة الأولى من نسخة " خ "

[ 90 ]

الصفحة الأولى من نسخة " ن "

[ 91 ]

الصفحة الأولى من نسخة " م

[ 92 ]

الصفحة الأولى من نسخة " ج

[ 93 ]

الصفحة الأولى من نسخة " د "

[ 94 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " خ "

[ 95 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " غ "

[ 96 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ع "

[ 97 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " م "

[ 98 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " د ".

[ 1 ]

منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر 648 - 726 ه‍ الحسن الأول تحقيق

[ 2 ]

مخفي نماند چون دوره منتهاء جناب اعلم العلماء وأعلى الله مقامه تعالى حال چاپ نشده بود ونسخه خطي خيلي كمياب بود لهذا جناب أشرف الحاج والعمار جناب محمود آقا حفظه الله تعالى در مشرف شدن أرض المقدس نسخه اورا با زحمت كلى بدست آورده به تبريز آورده دو باره در تبريز داده بجناب مستطاب شريعتمدار آقا شيخ حسين پيشنماز احرابي سلمه الله تعالى مقابله كرده با دقت تمام وچون در اينزمان هم فقه اصول آنقدر در كار نيست لهذا از أول خير الحاج حاجي إبراهيم مرحوم مغفور اعلى الله درجه در خدمت نمودن شريعت مطهره بود واز هر قبيل كتاب از أحاديث وأخبار ومعجزات ائمة طاهرين صلوات الله عليهم أجمعين بود وجناب افتخار الحاج والعمار حاجي أحمد آقا الملقب بمؤيد العلماء ولد أرشد مشار إليه مرحوم حدائق وجواهر الكلام وغيرها چاپ كرده وبرسيدن أين نسخه داده بچاپ خانه چاپ كرده اند در كاغذ خوب وانشاء الله تعالى خيال هم دارد كتاب احقاق حق كه از تصنيفات جناب قاضي نور الله شوشتري اعلى الله مقامه را هم چاپ نمايند لهذا در شهرها بهمه مجتهدها وفقهاء وطالب علمها لازم است كه از اين نسخه يك دوره اخذ كرده محض به اينكه شريعت نبوي صلى الله عليه وآله از دست نرود وطالب باشند كه أين جور كتابها بدست آورد چاپ نمايند وشريعت نبوي صلى الله عليه وآله ضايع نباشد إعلان وآنچه در أين سالها چاپ شده ودر كتابخانه حاجي مزبور موجود است بقرار ذيلست كه قلمي شده است قوانين أصول خط شيخ أحمد منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن على بن المطهر 648 - 726 ه‍ الجزء الأول تحقيق قسم الفقهة في مجمع البحوث الاسلامية.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتفضل فلا يبلغ مدحته الحامدون، المنعم فلا يحصي نعمته (1) العادون الكريم فلا يحصر مدى كرمه الحاصرون، والكامل في ذاته وصفاته فلا يقدر على إدراكه المجتهدون القديم فلا أزلى سواه الباقي فكل شئ فإن عداه، القادر فكل موجود منسوب إلى قدرته، العالم فكل مخلوق مندرج تحت عنايته، نحمده على إفضال أسداه إلينا، ونشكره على نوال تكرمه به علينا ونستزيده من نعمه الجسام، ونسترفده من عطاياه العظام. والصلاة على أشرف النفوس الزكية، وأعظم الذوات القدسية، خصوصا على سيد البرية، محمد المصطفى وعترته المرضية، صلاة باقية إلى يوم الدين مستمرة على مر الدهور والسنين، وسلم عليهم أجمعين. أما بعد: فإن الله تعالى لما أوجد الاشياء بعد العدم بمقتضى إرادته، وميز بينهما بحسب عنايته، جعلها متفاوتة في النقصان و الكمال ومتباينة بالثبات والزوال، واقتضت الحكمة الالهية والعناية الازلية تشريف الانسان على غيره من الموجودات السفلية وتفضيله على جميع المركبات العنصرية بما أودع فيه من العقل الدراك الفارق بين متشابهات الأمور، والباقي إدراكه على تعاقب الدهور. ثم لما كان مقتضى الحكمة الازلية تتميم هذا التكميل، وتحصيل هذا التشريف على أبلغ تحصيل، وكان ذلك إنما يتم بمعرفته، ويحصل بالعلم بكمال حقيقته لا جرم، أمر

(1) في " ق ": نعمه.

[ 4 ]

بالسلوك في هذا الطريق، وكلف العلم به على وجه التحقيق، ولما كان الانسان مطبوعا على النسيان، ومجبولا على النقصان، كان من مقتضى الحكمة تكرير التذكير المقرون بالانقياد المشفوع بالاستعداد لتحصيل المراد، فأمر بالشرائع على مقتضى حكمته، وسن السنن بموجب لطفه بخليقته. ثم لما كان الوصول إلى معرفة الشرائع على كل واحد متعذرا، والوقوف على مقاصد السنن متعسرا، لا جرم، أوجب النفور على بعض المكلفين بقوله: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " (1). ولما لطف الله تعالى لنا بالبحث عن الشريعة المحمدية والملة الأحمدية على أحق الطرائق وأصدقها أكمل المسالك معرفة وأوثقها، وهي طريقة الامامية المتمسكين بأقوال الأئمة المعصومين من الزلل في القول والعمل صلوات الله عليهم أجمعين، أحببنا أن نكتب دستورا في هذا الفن يحتوي على مقاصده، ويشتمل على فوائده، على وجه الايجاز والاختصار، متجنبين الاطالة والاكثار، مع ذكر الخلاف الواقع بين أصحابنا، والاشارة إلى مذاهب المخالفين المشهورين، مع ذكر ما يمكن أن يكون حجة لكل فريق على وجه التحقيق وقد وسمناه: ب‍ (منتهى المطلب في تحقيق المذهب) ونرجو من لطف الله تعالى أن يكون هذا الكتاب بعد التوفيق لإكماله أنفع من غيره. أما أولا: فبذكر الخلاف الواقع بين الأصحاب والمخالفين مع ذكر حججهم والرد على الفاسد منها. وأما ثانيا: فباشتماله على المسائل الفقهية الاصلية والفرعية على وجه الاختصار، فكان هذا الكتاب متميزا عن غيره من الكتب. وقد رتبنا هذا الكتاب على أربع قواعد، وقبل الخوض في المقصود، لا بد من تقديم المقدمات:

(1) التوبة: 123.

[ 5 ]

الأولى: في ذكر الغرض من هذا العلم، ووجه الحاجة إليه قد بينا في كتبنا العقلية: إن الله تعالى إنما فعل الاشياء المحكمة المتقنة لغرض وغاية، لا لمجرد العبث والاتفاق (1) كما قاله بعض من لا تحصيل (2) ولا شك أن أشرف الاجسام السفلية، هو: نوع الانسان، فالغرض لازم في خلقه ولا يمكن أن يكون الغرض منه حصول ضرر له، فإن ذلك إنما يقع من المحتاج أو الجاهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فلا بد وأن يكون هو النفع، ولا يجوز عوده إليه تعالى لاستغنائه، فلا بد وأن يكون عائدا إلى العبد. ثم لما بحثنا عن المنافع الدنيوية وجدناها في الحقيقة غير منافع، بل هي دفع آلام، فإن كان فيها شئ يستحق أن يطلق عليه اسم النفع فهو يسير جدا، ومثل هذا الغرض لا يمكن أن يكون غاية في حصول هذا المخلوق الشريف، خصوصا مع انقطاعه وشوبه بالآلام المتضاعفة، فلا بد وأن يكون الغرض شيئا آخر مما يتعلق بالمنافع الأخروية. ولما كان ذلك النفع من أعظم المطالب، وأنفس المقاصد، لم يكن مبذولا لكل أحد، بل إنما يحصل بالاستحقاق، وذلك لا يكون إلا بالعمل في هذه الدار، المسبوق بتحصيل كيفية العمل المشتمل عليه هذا العلم، فكان ذلك من أعظم المنافع في هذا العلم، والحاجة إليه ماسة جدا لتحصيل هذا النفع والتخلص من العقاب الدائم.

(1) كشف المراد: 238، الباب الحادي عشر: 2، نهج: الحق وكشف الصدق: 89، أنوار الملوك في شرح الياقوت: 151.
(2) ذهبت الأشاعرة إلى أن أفعاله تعالى يستحيل تعليلها بالأغراض والمقاصد. كشف المراد: 238، أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 151، نهج الحق وكشف الصدق: 89، التفسير الكبير 17: 11.

[ 6 ]

المقدمة الثانية: في مرتبة هذا العلم اعلم أن العلوم قد يتقدم بعضها على بعض إما لتقدم موضوعاتها، أو لتقدم غاياتها، أو لاشتمالها على مبادئ العلوم المتأخرة، أو لامور أخر ليس هذا موضع ذكرها. والحق عندي أن مرتبة هذا العلم متأخرة عن غيره بالاعتبار الثالث، وذلك لافتقاره إلى سائر العلوم، واستغنائها عنه. أما تأخره عن علم الكلام فلأن هذا العلم باحث عن كيفية التكليف، وهو لا شك مسبوق بالبحث عن معرفة التكليف والمكلف. وأما تأخره عن علم أصول الفقه فظاهر، لأن هذا العلم ليس ضروريا بل لابد فيه من الاستدلال، وأصول الفقه متكفل ببيان كيفية ذلك الاستدلال، وبهذا الاعتبار كان متأخرا عن علم المنطق المتكفل ببيان فساد الطرق وصحتها. وأما اللغة والنحو والتصريف، فلأن مبادئ هذا العلم إنما هو القرآن والسنة وغيرهما، ولا شك في أن القرآن والسنة عربيان فوجب تقديم البحث عن اللغة والنحو والتصريف على البحث عن هذا العلم، فهذه العلوم التي يحتاج هذا العلم إلى تقدم معرفتها. المقدمة الثالثة: في موضوع هذا العلم ومبادئه ومسائله اعلم أن كل علم على الاطلاق لا بد وأن يكون باحثا عن أمور لاحقة لغيرها، وتسمى تلك الأمور مسائل ذلك العلم، وذلك الغير موضوعه، ولا بد له من مقدمات يتوقف الاستدلال عليها، ومن تصورات للموضوع وأجزائه وجزئياته إن كانت، ويسمى ذلك أجمع بالمبادئ.

[ 7 ]

ولما كان الفقه باحثا عن الوجوب والندب والاباحة والكراهة والتحريم والصحة والبطلان، لا من حيث هي بل من حيث هي عوارض لأفعال المكلفين، لا جرم، كان موضوع هذا العلم هو أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء والتخيير. ومبادئه هي: المقدمات التي يتوقف عليها ذلك العلم كالقرآن، والأخبار، والاجماع، والتصورات التي يتوقف عليها ذلك العلم. ومسائله هي: المطالب الجزئية التي يشتمل عليها علم الفقه. المقدمة الرابعة: في تحديد هذا العلم لا يمكن تحديد علم من العلوم إلا بالاضافة إلى متعلقه، لدخول الاضافة فيه وكونها جزءا منه، والفقه في اللغة هو الفهم، وأما في الاصطلاح، فهو عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، مستندا إلى الأدلة التفصيلية، وقد بينا في أصول الفقه في شرح هذا الحد على الاستقصاء (1). المقدمة الخامسة: في أن تحصيل هذا العلم واجب يدل عليه المعقول والمنقول أما المعقول، فهو أن معرفة التكليف واجبة، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، ولا يتم إلا بتحصيل هذا العلم قطعا، وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا، فيكون تحصيل هذا العلم واجبا. وأما المنقول، فقوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا

(1) تهذيب الوصول إلى علم الأصول: 201.

[ 8 ]

في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " (1). المقدمة السادسة: في أن تحصيل هذا العلم واجب على الكفاية ويدل عليه ما تقدم القرآن، فإنه دل على وجوب التفقه على الطائفة من كل فرقة، ولو كان واجبا على الاعيان، لكان واجبا على كل فرقة. ولان الأصل عدم الوجوب، والدليل إنما ينهض بالوجوب على الكفاية ولان الوجوب على الاعيان ضرر عظيم وهو منفي اتفاقا. المقدمة السابعة: اعلم أن الناس على أقسام ثلاثة بالنسبة إلى العلم. أحدها الذي هو الأصل والمستنبط له، والمظهر لكنوزه، والدال على فوائده وكأنه الخالق لذلك العلم والمبتدع له، وهذا القسم أشرف الاقسام وأعلاها. وثانيها: من كان له مرتبة دون هذه المرتبة، وحظه من العلم أنقص من حظ الأول، وكان سعيه وكده فهم ما يرد عليه من العلوم المنقولة عن الأول، وتحصيل ما أراده الأول، ولهذا القسم أيضا شرف قاصر عن شرف الأول. وثالثها: من قصر عن هاتين المرتبتين ولم يفز بأحد هذين المقامين، وهم الغالب في زماننا، وهم في الحقيقة ينقسمون إلى قسمين: الأول: من تعاطى درجة العلم، وهم المتجاهلون، وغاية سعيهم، الرد على أهل

(1) التوبة: 122.

[ 9 ]

الحق، والتخطئة لهم، وجبر نقصهم بذلك، وهم الحشوية (1). الثاني: من لم تسم نفسه إلى ذلك، وهم الجاهلون، وهم أشرف من أولى هذه المرتبة، وإلى ذلك (2) أشار مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بقوله: " الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق " (3). المقدمة الثامنة: إنه قد يأتي في كتابنا هذا إطلاق لفظ الشيخ، ونعني به: الامام أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي (4) قدس الله روحه والمفيد، ونريد به: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان (5)، وبالشيخين، هما. وقد يأتي في بعض الأخبار، أنه في الصحيح، ونعني به:

(1) الحشوية، لهم: الذين يحشون الاحاديث التي لا أصل لها في الاحاديث المروية عن رسوله الله أي: يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وإن الله تعالى موصوف عند هم بالنفس واليد والسمع والبصر، وانهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة أن بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الاخلاص والاتحاد المحض. الملل والنحل 1: 96، المقالات والفرق: 136.
(2) في " ق " " ح ": ولذلك.
(3) نهج البلاغة، لصبحي الصالح: 496.
(4) هو: الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، ولد في طوس سنة 385 ه‍، انتقلت إليه الزعامة بعد وفاة السيد المرتضى، وهاجر من بغداد إلى النجف سنة 448 ه‍، له مؤلفات أكثر من خمسين في الفقه والأصول والكلام والتفسير وغيره، توفي ليلة الإثنين 22 محرم سنة 460 ه‍. رجال النجاشي: 403، رجال العلامة 189: 189، تنقيح المقال 3: 104، الكنى والألقاب 2: 394.
(5) المفيد: محمد بن محمد بن النعمان، بلغ نسبه إلى يعرب بن قحطان، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم، ولد سنة 336 ه‍، وتوفي سنة 413 ه‍. رجال النجاشي: 399، تنقيح المقال 3: 180، رجال العلامة: 147، الكنى والألقاب 3: 171.

[ 10 ]

ما كان رواته ثقاة عدولا، وفي بعضها، في الحسن، ونريد به: ما كان بعض رواته قد أثنى عليه الأصحاب وإن لم يصرحوا بلفظ التوثيق له: وفي بعضها في الموثق، ونعني به: ما كان بعض رواته من غير الامامية كالفطحية (1)، والواقفية (2)، وغيرهم، إلا أن الأصحاب شهدوا بالتوثيق له. المقدمة التاسعة: لما رأينا أن الغالب على الناس في هذا الزمان الجهل، وطاعة الشهوة والغضب والرفض، لإدراك المعاني القدسية، وترك الوصول إلى أنفس المعارج العلوية، واقتنائهم لرذائل الأخلاق، واتصافهم بالاعتقادات الباطلة على الاطلاق، والتشنيع على من سمت همته (3) عن درجتهم، وطلبت نفسه الصعود عن منزلتهم، حتى أنا في مدة عمرنا هذا، وهو إثنان وثلاثون سنة لم نشاهد من طلاب الحق إلا من قل، ومن القاصدين للصواب إلا من جل ; أحببنا إظهار شئ من فوائد هذا العلم عسى [ أن ] (4) يحصل لبعض الناس مرتبة الاقتداء ويرغب في الاقتفاء وذلك من أشرف فوائد وضع هذا الكتاب، لما فيه من السنة المقتدى

(1) الفطحية: فرقة قالت بانتقال الامامة من الصادق (ع) إلى إبنه عبد الله الأفطح، وهو أخو إسماعيل من أبيه وأمه، ما عاش بعد أبيه إلا سبعين يوما، ومات ولم يعقب ولدا ذكرا. وسموا بذلك، لأن عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين. وقال بعض الرواة: إنهم نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبد الله بن فطيح، ومال عند وفاة جعفر إلى هذه الفرقة. الملل والنحل 1: 148، المقالات والفرق: 87.
(2) الواقفية: من توقف على موسى بن جعفر (ع) وقال: إنه لم يمت وسيخرج بعد الغيبة، وربما يطلق الواقفي على من وقف على غير الكاظم (ع) كمن وقف على أمير المؤمنين أو الصادق أو الحسن العسكري (ع). الملل والنحل 1: 150، المقالات والفرق: 237.
(3) في " ق " " ح ": سمته.
(4) أضفناه لاستقامة المعنى.

[ 11 ]

بها، الفائز صاحبها بالسهم المعلى من السعادة، والمتخلص من مراتب الشقاوة فشرعنا في عمل هذا الكتاب المحتوي على المسائل اللطيفة، والمباحث الدقيقة الشريفة، وإن كان أصحابنا المتقدمون وعلماؤنا السابقون رضوان الله عليهم قد أوضحوا سبيل كل خير ونهجوا طريق كل فائدة، خصوصا شيخنا الأقدم، والامام الأعظم، المستوجب للكرامة، والمستحق لمراتب الامامة، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه الشريفة فإنه الواصل بنظره الثاقب إلى أعظم المطالب، ولما انتقل إلى جوار الرحمن، ونزل بساحة الرضوان، درس هذا العلم بعده وطمست معالمه، وانمحت مراسمه، ولم يتعلق المتأخرون بعده إلا بفوائده، ولم يغترفوا إلا من بحر فرائده ولم يستضيئوا إلا بأنواره، ولم يستخرجوا إلا درر نثاره، إلا أن في أصحابنا المتأخرين عنه زمانا، من استنبط بنظره ما لم يثبته في كتبه، وإن كان يسيرا لا اعتداد (1) به، فوضعنا هذا الكتاب الجامع لتلك الفوائد، والحاوي لتلك الفرائد. هذا مع أن كتابنا هذا لا يخلو عن مطالب دقيقة، ومباحث عميقة، لم توجد في شئ من صحف الاولين، ولم تسطر في دفاتر الأقدمين، مما استنبطناه من فكرنا ونظرنا، ومن الله تعالى نستمد المعونة والتوفيق، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه، عليه توكلت وإليه أنيب.

(1) في " ق ": الاعتداد.

[ 13 ]

القاعدة الأولى في العبادات، وتشتمل على عدة كتب: الكتاب الأول: في الطهارة وفيه مقدمة ومقاصد: أما المقدمة، ففيها بحثان:

[ 15 ]

الأول: في تعريفها الطهارة لغة: النظافة، وشرعا قال الشيخ: ما يستباح به الدخول في الصلاة (1). وأورد على طرده إزالة النجاسة، وعلى عكسه وضوء الحائض (2). والجواب عن الأول: المعنى ما يستباح به الدخول على سبيل الاستقلال في وقت ما، فيخرج الازالة بخلاف الطهارة التي تستباح بها إذا كانت الحال حال ضرورة، وعن الثاني: بالمنع من تسميته طهارة، وقد رواه محمد بن مسلم (3) عن الصادق عليه السلام، قلت: الحائض تتطهر يوم الجمعة وتذكر الله تعالى؟ قال: " أما الطهر فلا ولكن تتوضأ.
(4) الحديث ". لا يقال: لا شك في صدق الوضوء عليه، وهو نوع من الطهارة، فيستلزم، صدق الجنس، لانا نقول: لفظة النوع يقال عليه لا لوجوده فيه، بل بالاشتراك. وهذا الحد بحسب الغاية، وللشيخ حد آخر بالنظر إلى نفس الماهية (5)، وذلك أنه لما نظرنا إلى الانواع وجدناها مشتركة في كونها أفعالا، وانها واقعة في البدن، مقترنة بالنية والترتيب، يراد لأجل الصلاة، وأن ما عدا هذه أمور مخصصة لكل نوع، فأخذنا الأول في حد المشترك، فقلنا: أنها أفعال مخصوصة في البدن على وجه مخصوص يستباح بها عبادة مخصوصة.

(1) النهاية: 1، المبسوط 1: 4.
(2) السرائر: 6.
(3) محمد بن مسلم بن رباح الأوقص الطحان مولى ثقيف الاعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام، وروى عنهما، وكان من أوثق الناس، قال الصادق (ع): " أحب إلي أحياءا وأمواتا أربعة.. منهم محمد بن مسلم " وهو من أصحاب الاجماع. مات سنة 150 ه‍. رجال النجاشي: 324، رجال الطوسي: 135، رجال الكشي: 161.
(4) الكافي 3: 100 حديث 1، الوسائل 2: 566 الباب 22 من أبواب الحيض حديث 3.
(5) الخلاف 1: 3 مسألة 1.

[ 16 ]

إذا عرفت هذا، فنقول: الحق أن لفظة الطهارة بالنسبة إلى المعنى الشرعي حقيقة شرعية، مجاز لغوي. أما الأول: فللسبق إلى الفهم بالنسبة إلى عادة الشرع، وذلك دليل الحقيقة. وأما الثاني: فظاهر، لعدم فهم أهل اللغة ذلك، ومنه يظهر عدم اشتراط التوقيف فيه، وإذا نظر إلى الموضوعين كان مشتركا، وإذا ظهر ذلك ثبت أنها من المنقولات، وهكذا حكم سائر الالفاظ الشرعية. تذنيب: جعل لفظ الطهارة واقعا على أنواعها الثلاثة بالتواطؤ لاشتراكها فيما ذكرناه أولى من جعلها مشتركة ومجازا في أحدهما. الثاني: في تقسيمها، وذلك على نوعين: الأول: الطهارة، إما أن تكون صغرى أو كبرى، والصغرى قسمان: وضوء وتيمم، والكبرى: الغسل، والشيخ في نهايته قسمها إلى وضوء وتيمم (1). ووجه الاعتذار أنه ذكر أقسام الطهارة بالنسبة إلى الضرورة والاختيار، والطهارة الضرورية هي التيمم. ولما كان أغلب الطهارة في الاختيار الوضوء، ذكره وأعرض عن ذكر الغسل الذي هو نادر، أو نقول: إن الوضوء شامل للغسل بالنظر إلى الاعتبار اللغوي وهو التحسين. الثاني: الطهارة إما أن تكون واجبة، أو مندوبة، ولما كانت الطهارة غير مقصودة لذاتها بل لغيرها، لا جرم، كان وجوبها وندبها تابعين لوجوب ذلك الغير وندبيته فالوضوء إنما يجب لوجوب الصلاة أو الطواف، أو لمس كتابة القرآن إن وجب بنذر وشبهه على رأي (2)، للنذر وشبهه.

(1) النهاية: 1.
(2) الشرائع 1: 11.

[ 17 ]

والغسل، إنما يجب لما ذكرنا، وللصوم إذا بقي لطلوع الفجر مقدار الغسل، ولصوم المستحاضة مع انغماس القطنة، ولدخول المساجد، وقراءة العزائم إن وجبا وبما ذكرنا، وللنذر وشبهه. والتيمم، إنما يجب للصلاة الواجبة مع الشروط الآتية، والخروج عن المسجدين إذا أجنب فيهما وللنذر، وشبهه. والمندوب لما عدا ذلك، وقد يأتي مفصلا في أبوابه. المقصد الأول: فيما يتطهر به من المياه، وفيه مباحث: البحث الأول: في الماء المطلق: الماء على ضربين: مطلق ومضاف، والمراد من المطلق، هو الذي يصح عليه الاسم بانفراده مع امتناع سلبه عنه أو الباقي على أوصاف الخلقة، ويقع عليه اسم الماء من غير إضافة، وليس المراد من أوصاف الخلقة الجميع، كالحرارة وضدها، بل الاوصاف التي هي مدار الطهورية، ومن المضاف خلاف ذلك. والمطلق على ضربين، جار، وراكد. والراكد على ضربين: ماء البئر، (وغير ماء البئر) (1). وغير ماء البئر على ضربين: قليل وكثير، والفقهاء بحثوا عن أحكام هذه الاقسام لاختلافها بالنسبة إلى وقوع النجاسة فيها. مسألة: الماء المطلق طاهر في نفسه، ومطهر لغيره سواء نزل من السماء أو نبع من الارض، أو أذيب من الثلج والبرد (2)، أو كان ماء بحر وغيره. أما الحكم الأول، فبالنص والاجماع.

(1) " ح ": وماء غير البئر.
(2) البرد بفتحتين: شئ ينزل من السحاب يشبه الحصى ويسمى: حب الغمام. المصباح المنير 1: 43.

[ 18 ]

أما النص فقوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " (1) وقوله: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " (2). وما رواه الجمهور من قوله عليه السلام: (الماء طهور لا ينجسه شئ) (3) ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا) (4). وأما الاجماع، فلأن أحدا لم يخالف في أن الماء المطلق طاهر. (وأما المعقول، فلأن النجاسة حكم طارئ على المحل، والأصل عدم الطريان، ولان تنجس الماء يلزم منه الحرج المنفي إجماعا) (5). وأما الثاني، فللنص والاجماع. أما النص، فقوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به (6). " وما ورد في النصوص المتقدمة من إنه طهور (7)، والطهور من صيغ المبالغة والطهارة لا تقبل الشدة والضعف، فتحمل المبالغة على التعدي عن المحل بأن يكون طاهرا في نفسه مطهر لغيره، وقد نص الجوهري (8) على أن الطهور هو الذي يتطهر به (9).

(1) الانفال: 11.
(2) الفرقان: 48. سنن أبي داود 1: 17 حديث 6، سنن الترمذي 1: 95 حديث 66، مسند أحمد 3: 31.
(4) التهذيب 1: 404 حديث 1264، الوسائل 1: 99 الباب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) ليست في " خ " " ن " " م ".
(6) الانفال: 11. (7) راجع ص 11.
(8) إسماعيل بن حماد الجوهري: صاحب الصحاح، أبو نصر الفارابي، كان من الفاراب: إحدى بلاد الترك، ولع باللغة العربية وأسرارها، أخذ عن السيرافي وأبي علي الفارسي. بغية الوعاة 195، الكنى والألقاب 2: 161.
(9) الصحاح 2: 727 مادة: " طهر ".

[ 19 ]

وقول أبي حنيفة (1): الطهور هو الطاهر (2)، وقول مالك (3): الطهور ما يتكرر به الطهارة (4)، ضعيفان لما تقدم، ولقوله عليه السلام: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا) (5) ومعناه: مطهر إناء أحدكم. رواه الجمهور. ولقوله عليه السلام: (جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا) (6) ولو أراد الطاهر، لم يثبت المزية. ولقوله عليه السلام عن ماء البحر وقد سئل عن الطهارة به: (إنه الطهور ماؤه) (7) ولو أراد الطاهر، لم يحصل الجواب. وأما الاجماع، فلأن أحدا لم يخالف فيه سوى ما نقل عن

(1) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي، إمام المذهب الحنفي، رأى أنس بن مالك، وحدث عطاء، ونافع، وعبد الرحمن، وعدي ثابت، وسلمة بن كهيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق، وأخذ عنه: زفر بن الهذيل، وداود الطائي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني. ولد سنة 80 ه‍، ومات سنة 150 ه‍. الفهرست لابن النديم: 84 تذكرة الحفاظ 1: 168، شذرات الذهب 1: 227.
(2) تفسير القرطبي 13: 9، والمغني 1: 35، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1416.
(3) مالك: أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الحميري الاصبحي المدني، إمام المذهب المالكي، حدث عن: نافع، والمقبري، ونعيم المجمر، وعامر عبد الله بن الزبير، والزهري، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وحدث عنه: ابن المبارك، والقطان، وابن مهدي، وابن وهب، وغيرهم. ولد سنة 93 ه‍ مات سنة 179 ه‍. شذرات الذهب 1: 292، تذكرة الحفاظ 1: 207.
(4) فتح العزيز بهامش المجموع 1: 105.
(5) صحيح مسلم 1: 234 حديث 91، 92، سنن أبي داود 1: 19 حديث 71، نيل الاوطار 1: 45 حديث 1، مسند أحمد 2: 427.
(6) لم نعثر - بعد التبيع - على حديث بهذا اللفظ من طرق العامة، حيث أن الموجود في مصادرهم بدون لفظ: " وترابها " مع وجود تقديم وتأخير في البعض منها. راجع: صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 371 حديث 522، سنن البيهقي 1: 213، نيل الاوطار 1: 331، مسند أحمد 2: 222، و 5: 161 نعم، ورد بهذا اللفظ من طريق الخاصة في دعائم الاسلام 1: 121.
(7) سنن أبي داود 1: 21 حديث 83، سنن النسائي 1: 176، سنن ابن ماجة 1: 136 حديث 386، سنن الدارمي 1: 158، سنن الترمذي 1: 100 حديث 69، الموطأ 1: 22 حديث 12، مستدرك الحاكم 1: 140 - 141، مسند أحمد 1: 237، 361، وج 3: 373، وج 5: 365، كنز العمال 9: 396 حديث 26656 و 26663، و 26667 وص 572 حديث 27473 نيل الاوطار 1: 17.

[ 20 ]

سعيد بن المسيب (1)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (2)، أنه لا يجوز التوضؤ بماء البحر مع وجود غيره (3)، وهو محجوج بالاجماع، وبما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن التوضؤ بماء البحر؟ فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان (4)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ماء البحر أطهور هو؟ قال: (نعم) (5). احتجا بأنه نار (6). والجواب: إن أرادا به أنه في الحال كذلك، فهو تكذيب للحس، وإن أراد صيرورته كذلك، فلا يمنع الطهورية (7). مسألة: إذا تغير أحد أوصاف المطلق: اللون، أو الطعم، أو الرائحة، فإن كان تغيره بالنجاسة، نجس سواء كان قليلا أو كثيرا، جاريا أو راكدا، وهو قول كل من يحفظ عنه العلم، ويدل عليه الاجماع، فإني لا أعرف فيه مخالفا، وما رواه الجمهور، عن النبي صلى

(1) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم القرشي المدني: أبو محمد، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، سمع من عمر وعثمان وزيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص، واختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة: 94 وقيل: 89، وقيل: 91، وقيل: 105 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 54، شذرات الذهب 1: 102، وفيات الاعيان 2: 117.
(2) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي: أبو محمد، وأبو عبد الرحمن، وقيل: كنيته: أبو نصر، حدث عن النبي كثيرا وعن عمر وأبي الدرداء ومعاذ وابن عوف، وعنه: سعيد بن المسيب وعبد الله بن الحارث بن نوفل. الاصابة 2: 351، شذرات الذهب 1: 73، تذكرة الحفاظ 1: 41.
(3) نيل الاوطار 1: 20، المغني 1: 37، المجموع 1: 91. أحكام القرآن لابن العربي 3: 1425، تفسير القرطبي 13: 53، سنن الترمذي 1: 102.
(4) عبد الله بن سنا بن طريف، كوفي ثقة جليل لا يطعن عليه في شئ كان خازنا للمنصور والمهدي، عده الشيخ من أصحاب أبي الحسن (ع). رجال النجاشي: 558، رجال الكشي: 770، رجال الشيخ الطوسي: 354، رجال العلامة: 15.
(5) التهذيب 1: 216 حديث 622، الوسائل 1: 101 الباب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(6) سنن الترمذي 1: 102، تفسير القرطبي 13: 53، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1425، المجموع 1: 91.
(7) " خ ": من الطهورية.

[ 21 ]

الله عليه وآله قال: (خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) (1). ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب) (2). ولان انفعاله بالنجاسة وتغير أوصافه بها يدل على قهرها له، وإزالة قوة الماء التي باعتبارها كان مطهرا. وإن كان تغيره بمرور رائحة النجاسة عليه لم ينجس، لأن الرائحة ليست نجاسة. وإن كان تغيره بملاقاة جسم طاهر، فإن لم يسلبه التغير إطلاق الاسم فهو باق على طهارته. ويصح التطهر به إجماعا إن لم يمكن التحرز منه كالطحلب، وما ينبت في الماء، وما يتساقط من ورق الشجر النابت فيه، أو يحمله الريح، وكالتراب الذي أصله مطهر، وكالملح الذي أصله الماء، كالبحري. وكذا ما تغير الماء بمجاورته من غير ممازجته كالعود والدهن، لأن الموجب للتطهير هو كونه ماءا طاهرا وهو موجود مع التغير. أما لو امتزج بما يمكن التحرز منه كقليل الزعفران فإنه باق على أصله في الطهورية إجماعا منا. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال مالك (4) والشافعي (5):

(1) سنن البيهقي 1: 259، سنن الدار قطني 1: 28، كنز العمال 9: 396 حديث 26652 مجمع الزوائد 1: 214 - مع تفاوت في اللفظ، نيل الاوطار 1: 35، وبهذا اللفظ نقلها المحقق في المتعبر 1: 41. (2) التهذيب 1: 216 حديث 625، الاستبصار 1: 12 حديث 19 الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 18، بدائع الصنايع 1: 15، شرح فتح القدير 1: 63، أحكام القرآن للجصاص 5: 202، بداية المجتهد 1: 27، المغني 1: 41، مقدمات ابن رشد 1: 57، المجموع 1: 104، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 5.
(4) بلغة السالك 1: 13 بداية المجتهد 1: 27 مقدمات ابن رشد 1: 57، المغني 1: 40.
(5) أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد، إمام المذهب الشافعي، تفقه على مسلم بن خالد الزنجي، وحدث عن عمه محمد بن علي، وعبد العزيز بن الماجشون ومالك وإسماعيل بن جعفر، وحدث عنه أحمد والحميدي وأبو عبيد والبويطي. ولد سنة 150 ه‍، ومات سنة 204 ه‍. طبقات الشافعية الكبرى 1: 100، تذكرة الحفاظ 1: 361، الفهرست لابن النديم: 294، وفيات الاعيان 4: 163.

[ 22 ]

لا يجوز الطهارة به (1). وعن أحمد (2) روايتان (3). لنا: عموم الآية، وقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (4) والنكرة في سياق النفي للعموم، فلا يجوز التيمم مع وجود هذا الماء، ولقوله عليه السلام لأبي ذر (5): (التراب كافيك ما لم تجد الماء) (6) ولان الصحابة كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الادم، وهي تغير الماء غالبا، ولأنه طهور خالطه طاهر ولم تغير جنسه ولا جريانه، فأشبه المتغير بالدهن. فروع: الأول: لو امتزج الماء بما يشابهه كماء الورد المنقطع الرائحة، اعتبر بما يوجد فيه الرائحة، فإن كان بحيث لو امتزج به مثله في المقدار سلبه الاسم، منع هاهنا

(1) المجموع 1: 105، بداية المجتهد 1: 27، شرح فتح القدير 1: 62، الهداية للمرغيناني 1: 18، مغني المحتاج 1: 18، المغني 1: 40، أحكام القرآن للجصاص 5: 202.
(2) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، سمع من سفيان بن عيينة وإبراهيم بن سعد وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود. له الكتاب المعروف ب‍: المسند. ولد سنة 164 ومات سنة 241 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 431، شذرات الذهب 2: 96 وفيات الاعيان 1: 63. (3) المغني 1: 40 الانصاف 1: 32، الكافي لابن قدامة 1: 7.
(4) المائدة: 6.
(5) أبو ذر الغفاري، الزاهد المشهور الصادق اللهجة، هو: جندب بن جنادة بن سكن، وقد اختلف في اسمه ونسبه اختلافا كثيرا. أسلم والنبي بمكة وكان رابع أربعة أو خامس خمسة، صحب النبي صلى الله عليه وآله بعدما هاجر إلى المدينة إلى أن مات، ويكفي في جلالة شأنه: قول النبي له: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر " أخرجه الترمذي في صحيحه 5: 669 حديث 3801، مات بالربذة سنه 31 ه‍ أو 32. الاصابة 4: 62، أسد الغابة 1: 301، تذكرة الحفاظ 1: 17.
(6) انظر: سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 180، مستدرك الحاكم 1: 176، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 178. بتفاوت لفظي في الجميع. وانظر من طريق الخاصة: الفقيه 1: 59 حديث 221، التهذيب 1: 194 حديث 561، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم حديث 12.

[ 23 ]

من الطهورية، وإلا فلا. الثاني: الذائب من الثلج والبرد يجوز التطهر به، وكذا بالثلج نفسه إن جرى على العضو المغسول، أما الملح الذائب إذا كان أصله السبخ، فلا. الثالث: لو كان معه ماء قليل لا يكفيه للطهارة، وماء ورد لا يتغير إطلاق الاسم بامتزاجه به فمزجه، جازت الطهارة به لأنه حينئذ مطلق. وهو إحدى الروايتين عن أحمد (1). وفي الأخرى: لا يجوز (2) للعلم بأنه استعمل المضاف في الوضوء، ويبطل بأنه لما لم تظهر صفة المائع، بقي الاعتبار بالماء كما لو مزج ما يكفيه لطهارته بمضاف ثم استعمله وبقي قدر المضاف فإنه وافق على الصحة. وهل يجب عليه المزج للطهارة أم لا؟ نص الشيخ في المبسوط على عدم الوجوب (3)، ووجهه أنه غير واجد للماء المطلق، فحصل شرط التيمم. وعندي فيه نظر، فإنه بعد المزج يجب عليه الوضوء به، لكونه واجدا للماء المطلق، فقبل المزج هو متمكن من الماء المطلق، فلا يجوز له التيمم. الرابع: لو كان تغيره لطول بقائه، فإن سلبه إطلاق الاسم لم يجز الطهورية، ولا يخرج عن كونه طاهرا، وإلا فلا بأس ولكنه مكروه. ولا خلاف بين عامة أهل العلم في جواز الطهارة به إلا ابن سيرين (4)، (5) لما رواه الجمهور إنه عليه السلام توضأ من بئر بضاعة وكان ماؤها نقاعة الحناء (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام في الماء

(1 - 2) المغني 1: 45، الانصاف 1: 55.
(3) المبسوط 1: 10.
(4) محمد بن سيرين: أبو بكر مولى أنس بن مالك، إمام المعبرين، روى عن أبي هريرة وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر، وروى عنه أيوب وابن عون وأبو هلال محمد بن سليم وغيرهم، مات سنة 110 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 77، شذرات الذهب 1: 138.
(5) المغني 1: 42، المجتهد 1: 23، المجموع 1: 91، رحمة الأمة بهامش مزان الكبرى 1: 5.
(6) المغني 1: 42، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 92، سنن النسائي 1: 174.

[ 24 ]

الآجن يتوضأ منه إلا أن يجد غيره (1). الخامس: لو كان على العضو المغسول طاهر كالزعفران فيتغير به الماء وقت غسله، فإن سلبه إطلاق الاسم لم يجز، وإلا صح الوضوء به. واعلم أنه لما كانت هذه الكيفيات الثلاث إنما تحصل غالبا بالممازجة للنجاسة، لا جرم كانت مؤثرة في زوال الوصف السابق من حصول الطهارة، أما غيرها من الكيفيات فلا اعتبار به، لأنه قد يحصل وإن لم يقع امتزاج. مسألة: يكره استعمال ماء أسخنته الشمس في الآنية في الطهارة. وقال أبو حنيفة (2) ومالك: لا يكره (3)، وللشافعي قولان (4)، وعن أحمد روايتان (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه نهى عائشة (6) عن استعمال المشمس وقال: (إنه يورث البرص) (7). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (دخل رسول الله صلى الله وعليه وآله على عائشة وقد وضعت قمقمتها (8) في الشمس فقال: يا حميراء ما

(1) التهذيب 1: 217 حديث 626، الاستبصار 1: 12 حديث 3، الوسائل 1: 103 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(2) المجموع 1: 88، التفسير الكبير 11: 169.
(3) المجموع 1: 88، بلغة السالك 1: 17. (4) المهذب للشيرازي 1: 4، المجموع 1: 87، الأم 1: 3، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 4، ميزان الكبرى 1: 100.
(5) المغني 1: 46، الانصاف 1: 24، الكافي لابن قدامة 1: 5، كذا نسب إليه، وفي المصادر أسند الروايتين إليه في ماء أسخن بالنجاسة.
(6) عائشة بنت أبي بكر زوج النبي صلى الله عليه وآله، روت عن النبي كثيرا، وعن أبيها، وعمر، وسعد بن أبي وقاص، روى عنها ابنها عبد الله، وأبو هريرة وأبو موسى وابن عباس وعروة وسعيد بن المسيب ومسروق وغيرهم. ماتت سنة 57 وقيل 58 ه‍. أسد الغابة 5: 501، الاصابة 4: 359، تذكرة الحفاظ 1: 27.
(7) سنن البيهقي 1: 6، سنن الدار قطني 1: 38 حديث 2، كنز العمال 9: 327 حديث 26262، مجمع الزوائد 1: 314.
(8) " ح " " ق ": قصعتها.

[ 25 ]

هذا؟ قالت: أغسل رأسي وجسدي، قال: لا تعودي فإنه يورث البرص) (1). وما رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الماء الذي يسخن بالشمس لا توضأوا به، ولا تغسلوا به، ولا تعجنوا به فإنه يورث البرص) (2). وروى الشيخ في حديث مرسل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بأن يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس) (3). وفي طريق هذا الحديث محمد بن سنان (4)، وفيه قول، والجمع بين الاحاديث بعد تسليمها، حمل النهي على التنزيه والكراهة، ويدل عليها العلة التي أومأ إليها صلى الله عليه وآله الدالة على المصلحة العائدة إلى المنافع الدنيوية. فرعان: الأول: الظاهر عموم النهي، ويحتمل عدمه واختصاصه بما يخاف منه المحذور كالمشمس في البلاد الحارة دون المعتدلة، أو فيما يشبه آنية الحديد والرصاص دون الذهب والفضة لصفاء جوهرهما. الثاني: لو زالت حرارة المشمس فالأقرب بقاء الكراهة، لعدم خروجه عن كونه مشمسا.

(1) التهذيب 1: 366 حديث 1113، الاستبصار 1: 30 حديث 79، الوسائل 1: 150 الباب 6 من أبواب الماء المطلق. حديث 1.
(2) التهذيب 1: 379 حديث 1177 وفيه: في الشمس، الوسائل 1: 150 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(3) التهذيب 1: 366 حديث 1114، الوسائل 1: 151 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
(4) محمد بن سنان: أبو جعفر الزاهري الخزاعي من ولد زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم والرضا والجواد (ع). وقد اختلف في شأنه، ضعفه النجاشي والشيخ ووفقه المفيد وجعله من خاصة الامام الكاظم (ع) وثقاته ونقل الكشي روايات في مدحه وذمة. رجال النجاشي: 328 رجال الطوسي: 361، 386، 405. الارشاد للشيخ المفيد 2: 240، رجال الكشي: 506، رجال العلامة: 251، تنقيح المقال 3: 124.

[ 26 ]

مسألة: الماء المسخن بالنار لا بأس باستعماله، لبقاء الاسم خلافا لمجاهد (1)، (2). وكذا ما كان مسخنا من منبعه. روى الجمهور عن شريك قال أجنبت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فجمعت حطبا وأحميت الماء فاغتسلت فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله فلم ينكر (3). وروى الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، إنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل (4). بل يكره تغسيل الميت منه، لما روى الشيخ في الصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لا يسخن الماء للميت) (5) ولان فيه أجزاءا نارية فلا تعجل له. وقد نص أبو عبد الله عليه السلام على هذه العلة فيما رواه الشيخ عنه عليه السلام قال: (لا يسخن للميت الماء، لا تعجل النار) (6) وفي طريق ضعف، فإن خاف الغاسل من

(1) مجاهد بن جبر المكي: أبو الحجاج المخزومي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، سمع سعدا وعائشة وأبا هريرة وأم هانئ وعبد الله بن عمر وابن عباس ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن، روى عنه قتادة والحكم بن عتيبة وعمرو بن دينار ومنصور والأعمش وغيرهم، مات سنة 103 ه‍. شذرات الذهب 1: 125، تذكرة الحفاظ 1: 92. (2) المجموع 1: 91، المحلى 1: 221، التفسير الكبير 11: 168، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 4، ميزان الكبرى 1: 100.
(3) سنن البيهقي 1: 5، الاصابة 1: 36 رقم 122 - بتفاوت في اللفظ - وبهذا اللفظ في المغني 1: 45. وفي الجميع عن أسلع بن شريك. وهو: أسلع بن شريك بن عوف الأعرجي أو الاعوجي التميمي الأشجعي. وقيل: هو من بني الاعرج بن كعب. وقيل: اسمه الحارث بن كعب، خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحب راحلته. روى عنه زريق المالكي المدلجي. أسد الغابة 1: 74، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 116.
(4) التهذيب 1: 198 حديث 576، الاستبصار 1: 163 حديث 564، الوسائل 1: 151 الباب 7 من أبواب الماء المضاف حديث 2.
(5) التهذيب 1: 322 حديث 938، الوسائل 2: 693 الباب 10 من أبواب غسل الميت حديث 1.
(6) التهذيب 1: 322 حديث 937، الوسائل 2: 693 الباب 10 من أبواب غسل الميت 3. ولعل ضعفها لإرسالها.

[ 27 ]

البرد زالت الكراهة على ما ذكره الشيخ رحمه الله (1) والمفيد (2)، لأن فيه دفعا للضرر. ويكره التداوي بالمياه الحارة من الجبال التي يشم منها رائحة الكبريت، ذكره ابن بابويه رحمه الله (3)، (4)، لأنها من فوح جهنم على ما روي (5). ولا فرق بين أن يكون مسخنا بالنجاسة أو لا، إذ لا يعلم وصول أجزاء النجاسة إليه، عملا بالاصل السالم لمن ممازجة النجاسة. وعن أحمد في كراهية الطهارة بالمسخن بالنجاسة روايتان (6). فرع: النجس من الجاري إنما هو المتغير دون ما عداه. أما الأول: فبالاجماع، وبالنصوص الدالة على نجاسة المتغير (7). وأما الثاني: فبالأصل الدال على الطهارة، السليم عن المعارض وهو المتغير، والملاقاة لا توجب التنجيس له لما يأتي، وكذلك البحث في الواقف الزائد على الكر، فإن ما عدا المتغير إن بلغ كرا فهو على الأصل، وإلا لحقه الحكم، لحصول الملاقاة الموجب للتنجيس السالم عن بلوغ الكرية. مسألة: اتفق علماؤنا على أن الماء الجاري لا ينجس بالملاقاة. وهو قول أكثر المخالفين (8).

(1) الخلاف 1: 279 مسألة - 5 - النهاية: 33، المبسوط 1: 177. (2) المقنعة: 12.
(3) ابن بابويه: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، وجه الطائفة، رئيس المحدثين، ثقة جليل القدر، وهو أستاذ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، وله مصنفات نحوا من ثلاثمائة. مات بالري سنة 381 ه‍. رجال النجاشي: 389، الكنى والألقاب 1: 221.
(4) الفقيه 1: 13.
(5) الفقيه 1: 14 حديث 25، الوسائل 1: 160 الباب 12 من أبواب الماء المضاف حديث 2.
(6) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 39، الانصاف 1: 29، الكافي لابن قدامة 1: 5.
(7) الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق.
(8) رحمة الأمة بهامش الكبرى 1: 6، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 223، المجموع 1: 111، 143، المغني 1: 61. الشرح الكبير بهامش المغني 1: 69.

[ 28 ]

وقال الشافعي: إن كانت النجاسة تجري مع الماء، فما فوقها وما تحتها طاهران. وأما الجرية التي فيها النجاسة فحكمها كالراكد وعنى بالجرية، القدر الذي بين حافتي النهر عرضا عن يمين النجاسة وشمالها إن كان أقل من قلتين فهو نجس وإلا فلا، وإن كانت النجاسة واقفة والماء يجري عليها، فلكل جرية حكم نفسها إن كانت أقل من قلتين نجست وإلا فلا (1). لنا: ما رواه الجمهور من قوله عليه السلام: (الماء كله طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته) (2) وذلك عام إلا ما أخرجه الدليل. وما رواه الشيخ، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري.) (3) ولان الماء الجاري قاهر للنجاسة غالب عليها وهي غير ثابتة، ولان الأصل الطهارة، فيستصحب حتى تظهر دلالة تنافيه، ولأنه إجماع. فروع: الأول: الجريات في الماء الجاري متحدة فلا تعتبر الجرية التي فيها النجاسة بانفرادها، خلافا لبعض الشافعية حيث حكموا بنجاستها إن كانت دون القلتين (4)، لأنه ماء متصل متدافع، فيمنع استقرار الجرية. الثاني: لو جرى الماء على نجاسة واقفة، لم يلحقه حكم التنجيس. وقال بعض الشافعية: إن بلغت الجرية قلتين، لم تنجس، وإلا كانت نجسة.
(5). وليس بجيد، لما تقدم. الثالث: لا فرق بين الانهار الكبار والصغار. ونعم، الأقرب اشتراط الكرية، لانفعال

(1) المجموع 1: 143، مغني المحتاج 1: 24، السراج الوهاج: 9، الأم 1: 4.
(2) سنن ابن ماجة 1: 174 حديث 521، سنن البيهقي 1: 259، سنن الدار قطني 1: 29 حديث 5، 6، مجمع الزوائد 1: 214، كنز العمال 9: 398 حديث 26670 - بتفاوت في الجميع.
(3) التهذيب 1: 31 حديث 81، وص 43 حديث 121، الاستبصار 1: 13 حديث 23، الوسائل 107. الباب 5 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(4) المجموع 1: 143، مغني المحتاج 1: 24.
(5) المجموع 1: 143.

[ 29 ]

الناقص عنها مطلقا. ولو كان القليل يجري على أرض منحدرة، كان ما فوق النجاسة طاهرا. الرابع: الواقف في جانب النهر المتصل بالجاري، حكمه حكمه، لاتحاده بالاتصال، فتتناوله الأدلة، ولو كان الجاري متغيرا، اعتبر في الواقف الكرية. الخامس: ماء الغيث حال نزوله يلحق بالجاري، ويلوح من كلام الشيخ في التهذيب والمبسوط، اشترط الجريان من الميزاب (1)، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله في ميزابين سالا، أحدهما بول، والآخر ماء المطر، فاختلطا فأصاب ثوب رجال لم يضر ذلك (2). واستدل الشيخ على الاشتراط بما رواه في الصحيح، عن علي بن جعفر (3)، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، عن البيت يبال على ظهره ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر، أيؤخذ من مائه ويتوضأ للصلاة؟ فقال: (إذا جرى فلا بأس) (4). ونحن نمنع هذا الشرط ونحمل الجريان على النزول من السماء لعدم التقييد في الخبر، ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه: عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلي فيه، قبل أن يغسله؟ فقال: (لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه فلا بأس) (5).

(1) التهذيب 1: 411، المبسوط 1: 6 (2) التهذيب 1: 411 حديث 1259، الوسائل 1: 109 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 4. وفيهما: لم يضره ذلك.
(3) علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان راوية للحديث، سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، لزم موسى أخاه وروى عنه شيئا كثيرا، وروى الكشي عنه ما يشهد بصحة عقيدته وتأدبه مع أبي جعفر الثاني، سكن العريض من نواحى المدينة، عده الشيخ من رجال الكاظم والرضا (ع) وقال: له كتاب ما سأله عنه، وروى عن أبيه (ع). رجال الطوسي: 353، 379، رجال الكشي: 263، الفهرست 87.
(4) التهذيب 1: 411 حديث 1297، الوسائل 1: 108 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 2 - بتفاوت.
(5) التهذيب 1: 418 حديث 1321، الوسائل 1: 108 الباب 6 من أبواب الماء المطلق ذيل حديث 2.

[ 30 ]

لا يقال: هذا يتناول حال الانقطاع. لانا نقول: نحمله على غير تلك الحالة عملا بما رويناه أولا، ولما رواه ابن يعقوب (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث، قلت: يسيل علي من ماء المطر أرى فيه التغير وأرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علي وينتضح منه علي، والبيت يتوضأ على سطحه، فيكف (2) على ثيابنا، فقال: (ما بذا بأس، لا تغسله، كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر) (3). ولما رواه ابن بابويه، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب، فقال: (لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه) (4). ولأنه بتقاطره يشبه الجاري، فيلحقه حكمه، ولان الاحتراز منه يشق، وبالتخفيف تندفع المشقة. أما إذا استقر على الارض، وانقطع التقاطر ثم لاقته نجاسة، اعتبر فيه ما يعتبر في الواقف، لانتفاء العلة التي هي الجريان. مسألة: ماء الحمام في حياضه الصغار كالجاري إذا كان له مادة تجري إليها. وهو محكى عن أبي حنيفة (5). وعن أحمد بن حنبل إنه قال (6): إنه بمنزلة الجاري (7). لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (هو بمنزلة الماء الجاري) (8) ولان الضرورة داعية إليه، والاحتراز عنه حرج عظيم، فيكون منفيا، ولأنه

(1) محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني الرازي، ثقة الاسلام، وحاله في الفقه والعلم والحديث والورع وعلو المنزلة أشهر من أن يحيط به قلم ويستوفيه رقم، صنف الكتاب الكبير المعروف بالكافي في عشرين سنة مات سنة 329 ه‍. رجال الطوسي: 495، رجال النجاشي: 377، لسان الميزان 5: 433.
(2) وكف البيت: أي قطر. الصحاح 4: 1441.
(3) الكافي 3: 13 حديث 3، الوسائل 1: 109 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 5. (4) الفقيه 1: 7 حديث 4، الوسائل 1: 108 الباب 6 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) بدائع الصنائع 1: 72، شرح فتح القدير 1: 69.
(6) في " د " قال قد قيل أنه.، وهو عين ما في الانصاف 1: 59.
(7) المغني 1: 264، الانصاف 1: 59.
(8) التهذيب 1: 378 حديث 1170، الوسائل 1: 110 الباب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 31 ]

بجريانه من المادة يشبه الجاري فيلحقه حكمه، وأما اشتراط المادة، فما رواه الشيخ، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ماء الحمام لا بأس بن إذا كان له مادة) (1) ولأنه بوجودها يقهر النجاسة، فلا يساوي حال عدمها، ويشترط عدم العلم بالنجاسة في المادة، لا العلم بعدمها، فإن بينهما فرقا كثيرا. أما الأول: فلأن النجس لا يطهر بالجريان. وأما الثاني: فللعموم، ولأنه متعذر، ولأنه حرج.

(1) التهذيب 1: 378 حديث 1168، الوسائل 1: 111 الباب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 4.

[ 32 ]

فروع: هل يشترط الكرية المادة؟ الوجه ذلك، لأن ما قصر عنه مساو له، فلا يفيد حكما ليس له. الثاني: المادة إنما تؤثر في تسوية الصغير بالجاري لو اتصلت به بأنبوبة أو شبهها، لا حال انقطاعها عنه. الثالث: لو كان الحوض الصغير في غير الحمام وله مادة، ففي إلحاقه بماء الحمام نظر. الرابع: الحوض الصغير من الحمام إذا نجس لم يطهر بإجراء المادة إليه ما لم يغلب عليه بحيث يستولي عليه، لأن الصادق عليه السلام حكم بأنه بمنزلة الجاري (1)، ولو تنجس الجاري لم يطهر إلا باستيلاء الماء عليه بحيث يزيل انفعاله. مسألة: قال علماؤنا: الماء الكثير الواقف لا ينجس بالملاقاة عملا بالاصل، ولأنه حرج. وهو مذهب علماء الاسلام كافة وإنما الخلاف في تقدير الكثرة، فذهب الشيخان (2)، والسيد المرتضى (3)، (4) وأتباعهم إلى التقدير بالكر (5). وهو مذهب الحسن

(1) التهذيب 1: 379 حديث 1170، الوسائل 1: 110 الباب 7 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(2) المفيد في المقنعة: 8، والطوسي في المبسوط 1: 6. (3) هو: علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أبو القاسم المرتضى ذو المجدين الملقب عن حده المرتضى ب‍: علم الهدى حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد، متوحد في علوم كثيرة مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة، وهو أول من جعل داره دار العلم للمناظرة، أخذ العلوم عن الشيخ المفيد وغيره، وتلمذ عليه جماعة كثيرة كشيخ الطائفة الطوسي وأبي يعلى سلار، وابن البراج وابن حمزة وغيرهم، له مصنفات كثيرة. ولد في رجب سنة 355 ه‍، وتوفي رحمه الله في ربيع الأول سنة 436 ه‍، تولى غسله النجاشي، وصلى عليه إبنه، ودفن في داره. رجال النجاشي: 270، لسان الميزان 4: 223، مقابس الانوار: 6، رجال العلامة: 94.
(4) الانتصار: 8.
(5) كابن البراج في شرح الجمل: 55، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.

[ 33 ]

بن صالح بن حي (1)، حكاه الطحاوي (2)، (3)، وروى التقدير بالقلتين (4). وذهب الشافعي وأحمد إلى التقدير بالقلتين (5). وقال أبو حنيفة: إن كان الماء يصل بعضه إلى بعض نجس بحصول النجاسة فيه، وإلا فلا (6) وفسره أبو يوسف (7)، (8)، والطحاوي بحركة أحد الجانبين عند حركة الآخر

(1) الحسن بن صالح بن حي: أبو عبد الله الهمداني، فقيه الكوفة، حدث عن سلمة بن كهيل وعبد الله بن دينار وسماك بن حرب، وحدث عنه وكيع ويحيى بن آدم ومحمد بن فضيل وعبيد الله بن موسى وقبيصة، ولد سنة 100 ه‍، ومات 167 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 216، شذرات الذهب 1: 262، لسان الميزان 7: 196.
(2) هو: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المصري الطحاوي، شيخ الحنفية، روى عن هارون بن سعيد الآيلي وعبد الغني بن رفاعة وطائفة من أصحاب ابن عيينة، وروى عنه أحمد بن القاسم الخشاب والطبراني، له تصانيف كثيرة. ولد سنة 237 ه‍ ومات سنة 321 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 808، شذرات الذهب 2: 288، وفيات الاعيان 1: 71.
(3) لم نعثر على حكاية الطحاوي في المصادر المتوفرة لدينا، ونقل السيد المرتضى في الانتصار: 8 هذا القول من كتاب الطحاوي الموسوم ب‍ " اختلاف الفقهاء ".
(4) التهذيب 1: 415 حديث 1309، الاستبصار 1: 7 حديث 6، الوسائل 1: 123 الباب 10 من أبواب الماء المضاف حديث 8.
(5) الأم 1: 4، المجموع 1: 112، مغني المحتاج 1: 21، فتح الوهاب 1: 4، سنن الترمذي 1: 98، التفسير الكبير 24: 94، تفسير القرطبي 13: 42، المحلى 1: 150، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1420، أحكام القرآن للجصاص 5: 205، بداية المجتهد 1: 24، المغني 1: 55 و 52 شرح فتح القدير 1: 65، المبسوط للسرخسي 1: 71، الانصاف 1: 66، الكافي لابن قدامة 1: 9.
(6) فرق أبو حنيفة بين القليل والكثير بالخلوص وعدمه، واختلف أصحابه في تفسيره، فقال بعضهم بوصول البعض إلى البعض وبعضهم بالتحريك. أنظر: بدائع الصنائع 1: 71، شرح فتح القدير 1: 70 المبسوط للسرخسي 1: 70، عمدة القارئ 3: 159، بداية المجتهد 1: 24.
(7) هو: يعقوب بن إبراهيم الانصاري الكوفي صاحب أبي حنيفة قاضي القضاة، وهو أول من دعي بذلك، ولي القضاء للمهدي وابنيه، روى عن الاعمش وهشام بن عروة وأبي إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب، وروى عنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشر بن الوليد وغيرهم. تذكرة الحفاظ 1: 292، شذرات الذهب 1: 298 لسان الميزان 6: 300، وفيات الاعيان 6: 378.
(8) شرح فتح القدير 1: 70، بدايع الصنائع 1: 72، الهداية للمرغيناني 1: 19، عمدة القارئ 3: 159.

[ 34 ]

وعدمها، فالموضع الذي لم يبلغ التحرك إليه لم ينجس. وقال بعضهم: ما كان كل من طوله وعرضه عشرة أذرع في عمق شبر لم ينجس، وإن كان أقل نجس بالملاقاة للنجاسة، وإن بلغ ألف قلة (1). وقال المتأخرون من أصحابه: الاعتبار بحصول النجاسة علما أو ظنا، والحركة اعتبرت للظن، فإن غلب ظن الخلاف، حكم بالطهارة (2)، (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) (4) وفي رواية: (لم يحمل خبثا) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) (7) ولان الأصل الطهارة، خرج ما دون الكر بما نذكره، فيبقى الباقي على الأصل إلى أن يظهر مناف. ولان الاجماع واقع على التقدير، والقول بالقلتين باطل.

(1) شرح فتح القدير 1: 70، 71 بدائع الصنائع 1: 71، 73، عمدة القارئ 3: 159، المبسوط للسرخسي 1: 71، الهداية للمرغيناني 1: 19، سبل السلام 1: 17. (2) بدائع الصنائع 1: 72، عمدة القارئ 3: 159، أحكام القرآن للجصاص 5: 204، التفسير الكبير 24: 94، شرح فتح القدير 1: 71.
(3) في " ق " " ح " بزيادة: له.
(4) لم نعثر عليها في المصادر التي بأيدينا من العامة. ومن طريق الخاصة انظر: الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق.
(5) سنن الترمذي 1: 97 حديث 67، سنن النسائي 1: 46، سنن أبي داود 1: 17 حديث 63، سنن البيهقي 1: 261، مسند أحمد 2: 12، سنن الدار قطني 1: 14، 15 حديث 2، 3 وص 16 حديث 7، 8. وفي الجميع: إذا كان الماء قدر قلتين..
(6) معاوية بن عمار بن أبي جناب الدهني كوفي ثقة، كان وجها عظيم المحل، وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى، وروى عنه الحسن بن محبوب وفضالة بن أيوب. رجال النجاشي: 411، رجال الكشي: 308، الفهرست: 166، رجال العلامة: 166.
(7) التهذيب 1: 40 حديث 108، 109، الاستبصار 1: 6 حديث 2، 3، الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 2.

[ 35 ]

أما أولا: فللمنع من الحديث الذي استدل به الشافعي (1)، وهو قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا) (2) فإن الحنفية قد طعنوا فيه، حتى قالوا: إنه مدني (3)، فلو كان صحيحا لعرفه مالك (4). وأما ثانيا: فلأن القلة مجهولة، وقد (5) فسرها أهل اللغة بالجرة (6)، وهي أيضا مجهولة، فالحوالة فيما يعم به البلوى، وما تمس الحاجة إليه على مثل هذا الخفي مناف للحكمة، فإن إبن دريد (7)، قال: القلة من قلال هجر عظيمة تسع خمس قرب (8)، فلا يكون منافيا لما ذهبنا إليه من الكر. والقول بمذهب أبي حنيفة باطل لأنه تقدير غير شرعي، ولأنه مجهول، فإن الحركة قابلة للشدة والضعف، والتعليق للطهارة والنجاسة بذلك إحالة على ما لا يعلم والتقدير بعشرة أذرع مجرد استحسان من غير دليل، مع أن الحديث الصحيح عندهم يبطل ذلك كله، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله أتاه الماء، فقالوا: أن حياضنا ترده السباع، والكلاب، والبهائم؟ قال: (لها ما أخذت بأفواهها ولنا ما غبر) (9).

(1) المجموع 1: 112، مغني المحتاج 1: 21، الأم 1: 4، بدائع الصنائع 1: 71.
(2) سنن أبي داود 1: 17 حديث 63، سنن الترمذي 1: 97 حديث 67، سنن النسائي 1: 46، سنن الدارمي 1: 87، مسند أحمد 2: 12، سنن الدار قطني 1: 14، 15 حديث 2، 3، سنن البيهقي 1: 260. (3) " م ": مدلس.
(4) عمدة القارئ 3: 159، شرح فتح القدير 1: 66، المبسوط للسرخسي 1: 71، بدائع الصنائع 1: 72، التفسير الكبير 24: 96، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1430، تفسير القرطبي 13: 42.
(5) في " ق " " ح ": ولقد.
(6) المصباح المنير 1: 514، لسان العرب 11: 565.
(7) محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية: الامام أبو بكر الازدي البصري، كان رأسا في العربية وأشعار العرب، حدث عن أبي حاتم السجستاني وأبي الفضل العباس الرياشي، وابن أخي الاصمعي وغيرهم. وروى عنه أبو سعيد السيرافي وأبو بكر بن شاذان وأبو الفرج صاحب الاغاني وأبو عباس إسماعيل بن ميكال وغيرهم. ولد سنة 223 ه‍، ومات 321 ه‍ - طبقات الشافعية 2: 145.
(8) جمهرة اللغة 3: 165 - بتفاوت.
(9) سنن ابن ماجة 173 حديث 519، سنن الدار قطني 1: 31، سنن البيهقي 1: 358 - بتفاوت في الجميع. وقد وردت هذه الرواية أيضا من طريق الخاصة، انظر: الفقهة 1: 8 حديث 10، التهذيب 1: 414 حديث 1307، الوسائل 1: 119 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 10 بتفاوت يسير.

[ 36 ]

والحوض غالبا يتحرك طرفاه بحركة بعضه ولا يبلغ هذا التقدير، ولان التقدير بالحركة يؤدي إلى الحكم بالطهارة والنجاسة في ماء واحد على تقدير اختلاف أوضاعه، وهو محال. احتج أبو حنيفة (1) بقوله عليه السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة) (2) أراد بالدائم: الواقف، فلو لم يكن البول مؤثرا في تنجيسه، لم يكن للنهي فائدة. والجواب من وجهين: الأول: إنا نحمله على القليل جمعا بين الأدلة. الثاني: المنع من حصر الفوائد فيما ذكرتم، فإنه قد نهي عن البول في الجاري (3)، والنهي فيهما نهي تنزيه. لا يقال: ينتقض ما ذكرتموه بما رواه الشيخ، عن عبد الله بن المغيرة (4)، عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شئ القلتان جرتان) (5). وبما رواه في الصحيح، عن صفوان (6)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحياض التي من مكة إلى المدينة تردها السباع، ويلغ فيها الكلب، وتشرب منها الحمير،

(1) الهداية للمرغيناني 1، 18، بدائع الصنائع 1: 72، شرح فتح القدير 1: 68. (2) صحيح البخاري 1: 69، صحيح مسلم 1: 235 حديث 95، سنن أبي داود 1: 18 حديث 70، سنن النسائي 1: 49 مع تفاوت يسير لفظا في الجميع.
(3) كنز العمال 9: 353 حديث 26410.
(4) عبد الله بن المغيرة البجلي مولى جندب بن عبد بن سفيان العلقي، كوفي ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته ودينه وورعه، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، روى عن أبي الحسن موسى (ع) قيل: إنه صنف ثلاثين كتابا. رجال النجاشي: 215، رجال الكشي: 556 رجال العلامة: 109.
(5) التهذيب 1: 415 حديث 1309، الاستبصار 1: 7 حديث 6، الوسائل 1: 123 الباب 10 من أبواب الماء المطلق حديث 8.
(6) صفوان بن مهران بن المغيرة الاسدي مولاهم ثم مولى بني كأهل منهم، كوفي يكنى أبا محمد الجمال كان يسكن بني حرام بالكوفة، وثقة النجاشي والعلامة، وعده الكشي من أصحاب الامام الكاظم (ع) وروى عن أبي عبد الله له كتاب. رجال النجاشي: 198، رجال الكشي: 440، رجال الطوسي 220، رجال العلامة: 89.

[ 37 ]

ويغتسل منها الجنب ويتوضأ منه (1)؟ فقال: (وكم قدر الماء؟) قلت: إلى نصف الساق وإلى الركبة، فقال: (توضأ منه) (2). لانا نجيب عن الأول: بأنه مرسل، ولأنه مناف لعمل الأصحاب، ولأنه ورد للتقية، ولأنه يحتمل أن يكون القلة تسع ستمائة رطل، وقد ذكرناه. وعن الثاني: بأنه مناف لاجماع المسلمين، لأن القائل بالتقدير لم يقدره بذلك، وأيضا: فيحتمل أن الامام فهم من ذلك بلوغ الماء قدر كر جمعا بين الأدلة. مسألة: اختلف الرواية في كمية الكر، فالمشهور بين الأصحاب ما رواه ابن أبي عمير (3)، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الكر من الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومائتا رطل) (4) وهي حسنة عمل عليها الأصحاب، لكن اختلف الأصحاب في تعيين الرطل، فقال الشيخ (5) والمفيد: إنه عراقي، وقدره مائة وثلاثون درهما (6). وقال المرتضى (7) وابن بابويه: إنه مدني، وقدره مائة وخمسة وتسعون درهما (8).

(1) كذا في بعض المصادر، والصواب: منها.
(2) التهذيب 1: 417 حديث 1317، الاستبصار 1: 22 حديث 54، الوسائل 1: 119 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
(3) محمد بن زياد بن عيسى، أبو أحمد الازدي من موالي المهلب بن أبي صفرة، بغدادي الأصل والمقام أدرك من الأئمة ثلاثة: أبا الحسن موسى والإمامين بعده (ع). عظيم المنزلة عند العامة والخاصة، وكان من أصحاب الاجماع، والأصحاب يعتمدون على مراسيله. عده الشيخ من أصحاب الرضا وقد صنف كتبا كثيرة بلغت نحوا من أربعة وتسعين. رجال النجاشي: 326، رجال الطوسي: 388، رجال العلامة: 140، رجال الكشي: 556.
(4) الكافي 3: 3 حديث 6، التهذيب 1: 41: حديث 113، الاستبصار 1: 10 حديث 15، الوسائل 1: 123 الباب 11 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) المبسوط 1: 6، النهاية: 3.
(6) المقنعة: 8.
(7) الانتصار: 8، جمل العلم والعمل: 49.
(8) الفقهية 1: 6.

[ 38 ]

وروى الشيخ في الصحيح، عن إسماعيل بن جابر (1)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الذي لا ينجسه شئ؟ قال: (ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته) (2) وتأولها الشيخ على احتمال بلوغ الأرطال (3). وهو حسن، لأنه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار. وروي في الصحيح، عن إسماعيل بن جابر، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الماء الذي لا ينجسه شئ قال: (كر) قلت: وما الكر؟ قال: (ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار) (4) وهي مدفوعة بمخالفة الأصحاب لها إلا ابن بابويه ذكر أن الكر ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق (5)، ولعله تعويل على هذه الرواية، وهي قاصرة عن إفادة مطلوبة. وروى الشيخ، عن أبي بصير (6)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكر من

(1) إسماعيل بن جابر الجعفي الكوفي، ثمة ممدوح، روى حديث الأذان، ذكره الشيخ من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (ع) واختلف في نسبته، نسبه النجاشي والكشي والعلامة إلى جعفى، والشيخ في رجاله إلى خثعم، وأطلق في الفهرست وهو من أصحاب الأصول والكتب. رجال النجاشي: 32، رجال الشيخ: 147، 105، 343، رجال العلامة: 8، الفهرست: 15، تنقيح المقال 1: 130. (2) التهذيب 1: 41 حديث 114، الاستبصار 1: 10، حديث 12، الوسائل 1: 121 الباب 10 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) التهذيب 1: 41.
(4) التهذيب 1: 41 حديث 115، الاستبصار 1: 10 حديث 13، الوسائل 1: 122 الباب 10 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
(5) الفقيه 1: 6، ذيل حديث 2. والعبارة هكذا: والكر: ما يكون ثلاثة أشبار طولا في عرض ثلاثة أشبار في عمق ثلاثة أشبار.
(6) قد اضطرب كلام الأصحاب في اسمه واسم أبيه وكنيته وفي وثاقته وعدمها، قال النجاشي في رجاله: 441: يحيى بن أبي القاسم: أبو بصير الاسدي، وقيل: أبو محمد، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله. وقيل: يحيى بن أبي القاسم، واسم أبي القاسم: إسحاق، وروي عن أبي الحسن موسى. وقال الشيخ في رجاله: 333: في أصحاب الصادق، يحيى بن القاسم: أبو محمد، يعرف بأبي بصير الاسدي، مولاهم كوفي تابعي. وقال الكشي في رجاله: 474: يحيى بن القاسم الحذاء. وقد ذكر العلامة في رجاله: 264 اختلاف الأقوال فيه. مات سنة 150 ه‍. تنقيح المقال 3: 308، الفهرست 178.

[ 39 ]

الماء كم يكون قدره؟ قال: (إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصفا في مثلة في ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض فذلك الكر من الماء) (1) وهذه الرواية عمل عليها أكثر الأصحاب (2) إلا أن في طريقها عثمان بن عيسى (3)، وهو واقفي، لكن الشهرة تعضدها. وروى الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الكر ستمائة رطل) (4) وتأولها الشيخ باحتمال كون الأرطال ضعف العراقي (5)، وهو يقوي ما فسره الشيخ في الرطل. وروى الشيخ، عن عبد الله بن المغيرة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الكر من الماء نحو حبي هذا) (6) وأشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة فلا يمتنع أن يكون الحب يسع مقدار الكر. وروى الشيخ في الصحيح، عن زرارة (7)، قال: (إذا كان الماء أكثر من راوية لم

(1) التهذيب 1: 42 حديث 116، الاستبصار 1: 10 حديث 14، الوسائل 1: 122 الباب 10 من أبواب الماء المطلق حديث 6، وفي المصادر: ثلاثة أشبار ونصفا في مثله ثلاثة أشبار.
(2) كالشيخ في المبسوط 1: 6، وابن البراج في المهذب 1: 21. (3) أبو عمرو عثمان بن عيسى العامري الكلابي الرواسي من ولد عبيد بن رؤاس، ذكره الشيخ في أصحاب الامام الكاظم والرضا (ع)، وعد الكشي عدة ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وقال: منهم ابن فضال، ثم قال: وقال بعضهم: عثمان بن عيسى مكان ابن فضال. وكان من الواقفية بل شيخهم وهو أحد الوكلاء المعتمدين بمال موسى بن جعفر (ع). رجال الطوسي: 355، رجال النجاشي: 300، الفهرست: 120، تنقيح المقال 2: 247، رجال الكشي: 556.
(4) التهذيب 1: 414 حديث 1308، الاستبصار 1: 17، حديث 17 الوسائل 1: 124 الباب 11 من أبواب الماء المطلق، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 43.
(6) التهذيب 1: 42 حديث 118، الاستبصار 1: 7 حديث 5، الوسائل 1: 122 الباب 10 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
(7) زرارة بن أعين بن سنسن، وقيل: سنبس، قال ابن النديم: زرارة لقب، واسمه عبد ربه بن أعين، أبو علي أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا معرفة بالكلام والتشيع. وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم. وكان قارئا فقيها متكلما شاعرا أديبا. عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الباقر، وأخرى من أصحاب الصادق وثالثة من أصحاب الكاظم. مات سنة 150 ه‍. رجال النجاشي: 175، رجال الطوسي: 123، 301، 350، الفهرست لابن النديم: 308، تنقيح المقال 1: 438.

[ 40 ]

ينجسه شئ.) (1) وليس بمناف لما أصلناه، لتعليق الحكم على الزيادة فيحمل على بلوغ المقدر، جمعا بين الأدلة. وروى محمد بن يعقوب، عن الحسن بن الصالح الثوري (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الكر ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها) (3) وليس يحضرني الآن حال الحسن بن صالح وأما الحسن بن صالح بن حي، فإنه قدر الكر بثلاثة آلاف رطل (4)، وهو مدفوع بما قدمناه من الاحاديث، وبالاجماع، فإن أحدا لم يقدره بذلك. فروع: الأول: الاعتبار في الأشبار إنما هو بالغالب لا بالنادر، لأن إحالة الشرع في ذلك إنما هو على المتعارف. الثاني: التقدير الذي ذكرناه تحقيق لا تقريب، لأنه تقدير شرعي تعلق به حكم شرعي فيناط به، ومجموعه [ تكثيرا ] (5) إثنان وأربعون شبرا وسبعة أثمان شبر.

(1) التهذيب 1: 42 حديث 117، الاستبصار 1: 6 حديث 4، الوسائل 1: 104 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 9.
(2) الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري الكوفي، ذكره الشيخ تارة من أصحاب الباقر (ع)، وقال: زيدي، وإليه تنسب الصالحية منهم، وأخرى من أصحاب الصادق (ع) وعده الكشي بمن البترية. واستظهر المامقاني اتحاده مع الحسن الذي نقل المرتضى في الانتصار: 8 موافقته للامامية في تحديد الكر. وقال: غرضه عدم كونه اثنى عشريا. وقوى السيد الخوئي اتحاده مع الحسن بن صالح الاحول مستدلا بأن النجاشي لم يتعرض للحسن المذكور إلا بعنوان الاحول. ولد سنة 100 ه‍، ومات سنة 154 ه‍ وقيل: 163 أو 194 ه‍. وقد تقدمت ترجمته في ص 21. رجال الطوسي: 113، 166، الفهرست: 50، رجال الكشي: 233، الفهرست لابن النديم: 253، تنقيح المقال 1: 285، معجم رجال الحديث 4: 371.
(3) الكافي 3: 2 حديث 4، الوسائل 1: 118 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 8.
(4) حكاه السيد المرتضى في الانتصار: 8.
(5) في جميع النسخ: تكثيرا. والصواب ما أثبتناه.

[ 41 ]

وقال القطب الراوندي (1): مجموعه عشرة أشبار ونصف، لأن المراد ليس هو الضرب، أما الشافعي: فقد اختلف أصحابه في الرواية عنه، فقال: قوم إنه تحقيق (2). وآخرون: إنه تقريب (3)، وعن الحنابلة وجهان (4). الثالث: إذا وقعت النجاسة المائعة في المقدر (5) الذي لا يقبل التنجيس ولم تغيره، جاز استعمال جميعه. وهو قول أكثر الشافعية خلافا لبعضهم (6) لأن البلوغ موجب لعدم التأثير، فيسقط حكم اعتبار النجاسة. ولان النجاسة شائعة في أجزاء الماء، فتخصيص الباقي المساوي بالمنع ترجيح من غير مرجح. وهذا التقدير سار في كل واقف سواء كان محويا (7) في آنية أو غيرهما. وإن كانت النجاسة متميزة، جاز استعمال الماء المجاور لها، ولا يجب التباعد حد الكثير (8)، خلافا للشافعي في الجديد (9). الرابع: بلوغ الكرية حد لعدم قبول التأثير عن الملاقي إلا مع التغير، من حيث أن التغير قاهر للماء عن قوته المؤثرة في التطهير، فهل التغير علامة على ذلك (والحكم بتبع الغلبة) (10) أم هو المتبر؟ الأولى الأول، فلو زال التغير من قبل نفسه

(1) هو: الفقيه الكبير قطب الدين أبو الحسين سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله الحسن الراوندي، كان عالما، فاضلا، متبحرا، كاملا، فقيها، محدثا، ثقة، له تصانيف كثيرة. لسان الميزان 3: 48، مستدرك الوسائل 3: 326، تنقيح المقال 2: 22، 34، معجم رجال الحديث 8: 94.
(2) المجموع 1: 122، مغني المحتاج 1: 25.
(3) المجموع 1: 122، فتح الوهاب 1: 4، مغني المحتاج 1: 25، السراج الوهاج: 10.
(4) المغني 1: 56، الانصاف 1: 69، الكافي لابن قدامة 1: 10.
(5) " م ": المقدار.
(6) المهذب للشيرازي 1: 7، المجموع 1: 142.
(7) في بعض النسخ: مسحوبا.
(8) " ح " " ق ": حدا للكثير، " ن ": الكثرة.
(9) المهذب للشيرازي 1: 7، المجموع 1: 139، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 214.
(10) " م ": الحكم يتبع الغلبة " خ " " ح " " ق ": فالحكم مع الغلبة.

[ 42 ]

لم يزل حكم التنجس. الخامس: لو وافقت النجاسة الماء في صفاته، فالأقرب الحكم بنجاسة الماء إن كان (1) يتغير بمثلها على تقدير المخالفة، وإلا فلا، ويحتمل عدم التنجيس لانتفاء المقتضي وهو التغير. السادس: لو تغير بعض الزائد على الكر، فإن كان الباقي كرا فصاعدا، اختص المتغير بالتنجيس (2)، وإلا نجس الجميع. وقال بعض الشافعية: الجميع نجس وإن كثر وتباعدت أقطاره، لأن المتغير نجس، فينجس ما يلاقيه، ثم ينجس ملاقي ملاقيه، وهكذا (3). وهو غلط، لأن الباقي الكر لا ينجس بالملاقاة. السابع: لو اغترف من كر فيه نجاسة عينية متميزة، كان المأخوذ طاهرا والباقي نجسا، ولو كانت غير متميزة، كان الباقي طاهرا، وعلى التقدير الأول، لو دخلت النجاسة في الآنية كان باطنها وما فيه نجسين، والماء وظاهر الآنية طاهرين إن دخلت النجاسة (4) مع أول جزء من الماء، وإن دخلت آخرا فالجميع نجس، ولو لم تدخل النجاسة في الآنية، فالماء الذي فيها وباطنها طاهران، وظاهرها وباقي الماء نجسان إن جعلت الآنية تحت الماء، وإلا فالجميع نجس، لأن الماء يدخل الآنية شيئا فشيئا والذي يدخل فيها آخرا نجس، فيصير ما في الاناء نجسا. الثامن: قال داود (5): إذا بال الرجل في الماء الراكد ولم يتغير، لم ينجس ولم يجز أن

(1) " م " بزيادة: الماء.
(2) في " ن ": بالتنجس.
(3) المجموع 1: 111.
(4) " م " بزيادة: إلى الآنية، وفي " خ " في الآنية.
(5) داود بن علي: أبو سليمان الاصفهاني الفقيه الظاهري تفقه على أبي ثور، وابن راهويه، وحدث عنه إبنه محمد، والساجي، ويوسف بن يعقوب الداودي. وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعة جماعة يعرفون بالظاهرية أخذوا بظاهر الكتاب والسنة وتركوا الرأي والقياس. ولد سنة 202 ومات سنة 270 ه‍ وقيل: 275 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 572، شذرات الذهب 2: 158، لسان الميزان 2: 422، الفهرست لابن النديم: 303.

[ 43 ]

يتوضأ منه، لأن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يبول الرجل في الماء الدائم ثم يتوضأ منه (1). ويجوز لغيره، وإن تغوط فيه ولم يتغير، لم ينجس وجاز له ولغيره الوضوء منه، ولو بال على الشط وجرى في الماء، جاز أن يتوضأ منه إذا لم يتغير لأنه لم يبل في الماء (2). وعندنا أنه يكره البول في الماء. التاسع: لا فرق في عدم تنجيس الكر (3) بملاقاة النجاسة مع عدم التغير بين جميع النجاسات، لعموم قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر، لم ينجسه شئ) (4). وقال أحمد: إن الماء الكثير الواقف الذي يمكن نزحه كالزائد على القلتين ينجس بوقوع بول الآدميين أو عذرتهم الرطبة خاصة (5)، لقوله عليه السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) (6). وهو يتناول القليل والكثير، وعامة الفقهاء لم يفرقوا بين البول وغيره، والنهي لا يدل على النجاسة مع، إنه وافق على أن بول الكلب أزيد نجاسة من بول الآدمي، وأن القلتين لا ينجس بوقوع بول الكلب، فأولى أن لا ينجس ببول الآدمي. مسألة: الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة له، سواء غيرت أحد أوصافه أو لا. ذهب

(1) سنن الترمذي 1: 100 حديث 68، سنن النسائي 1: 49، سنن البيهقي 1: 97، مسند أحمد 2: 265. (2) المجموع 1: 119، عمدة القارئ 3: 169، فتح الباري 1: 277، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 314، بداية المجتهد 1: 25، نيل الاوطار 1: 40 (3) " خ ": الكثير.
(4) الفقيه 1: 8 حديث 121، الكافي 3: 2، حديث 1، 2، التهذيب 1: 39 حديث 107، الاستبصار 1: 6 حديث 1، 2، 3، الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 1، 2، 5، 6 وفي الجميع بتفاوت يسير.
(5) المغني 1: 66، الانصاف 1: 59، إرشاد الساري 1: 304، الكافي لابن قدامة 1: 11 (6) صحيح البخاري 1: 69، صحيح مسلم 1: 235 حديث 282، سنن أبي داود 1: 18 حديث 69، سنن الترمذي 1: 100 حديث 68، سنن النسائي 1: 125، سنن الدارمي 1: 186، مسند أحمد 2: 346، نيل الاوطار 1: 39.

[ 44 ]

إليه أكثر علمائنا (1)، وبه قال أبو حنيفة (2)، وسعيد بن جبير (3)، وابن عمر (4)، ومجاهد، وإسحاق (5)، وأبو عبيد (6)، (7). وقال ابن أبي عقيل (8) من علمائنا: لا ينجس إلا بالتغير كالكثير (9)، وهو مروي

(1) كالمفيد في المقنعة: 9، والسيد المرتضى في الجمل: 49: والشيخ في الخلاف 1: 55، مسألة 149.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 70، بدائع الصنائع 1: 71، شرح فتح القدير 1: 68، عمدة القارئ 3: 159، المجموع 1: 113، ميزان الكبرى 1: 104، نيل الاوطار 1: 36.
(3) سعيد بن جبير الوالبي: أبو محمد مولى بني والبة، تابعي كوفي، تنزيل مكة. الفقيه المحدث، روي عن ابن عباس وعدي بن حاتم، وروى عنه جعفر بن أبي المغيرة والأعمش وعطاء بن السائب وغيره. عده الشيخ من أصحاب الامام علي بن الحسين، وكان يسمي جهبذة العلماء، قتله الحجاج بعد محاورة طويلة معه. رجال الطوسي: 90، رجال العلامة: 79، تذكرة الحفاظ 1: 76.
(4) عبد الله بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، روى عن النبي وأبيه وأبي بكر وأبي ذر ومعاذ وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن المسيب وعون بن عبد الله. ولد سنة ثلاث من المبعث، ومات سنة 74 ه‍. الاصابة 2: 347، تذكرة الحافظ 1: 37، شذرات الذهب 1: 81.
(5) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، تزيل نيسابور وعالمها، يعرف ب‍: (ابن راهويه) سمع من ابن المبارك وفضيل بن عياض، وأخذ عنه أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو العباس بن السراج. ولد سنة 166 ه‍ وقيل: 161 ه‍. مات سنة 238 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 435، الفهرست لابن النديم: 321، شذرات الذهب 2: 89.
(6) القاسم بن سلام - بتشديد اللام - أبو عبيد البغدادي اللغوي الفقيه ولي القضاء بمدينة طرسوس، سمع شريكا وابن المبارك وحدث عنه الدارمي وأبو بكر بن أبي الدنيا وابن أبي أسامة. أخذ عن الاصمعي والكسائي والفراء وغيرهم. مات سنة 242 ه‍. بغية الوعاة: 376، تذكرة الحفاظ 2: 417، شذرات الذهب 2: 55.
(7) أحكام القرآن للجصاص 4: 205، المغني 1: 53، المجموع 1: 112، نيل الاوطار 1: 36.
(8) الحسن بن علي بن أبي عقيل: أبو محمد العماني الحذاء، فقيه متكلم، ثقة، وعرفه الشيخ بالحسن بن عيسى، يكنى أبا علي، وجوه أصحابنا، وهو أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبري له كتب، منها: كتاب المتمسك بحبل آل الرسول. الفهرست للطوسي: 54، رجال النجاشي: 48، رجال العلامة: 40، تنقيح المقال: 219.
(9) المعتبر 1: 48.

[ 45 ]

عن حذيفة (1)، وأبي هريرة (2)، وابن عباس (3)، وسعيد بن المسيب، والحسن (4)، وعكرمة (5)، وعطاء (6)، وطاووس (7)،

(1) حذيفة بن حسل، ويقال: حسيل اليمان بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث، يكني أبا عبد الله العبسي، شهد حذيفة وأخوه صفوان أحدا وكان من كبار الصحابة معروف فيهم بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وآله في تمييز المنافقين، روى عن النبي، وروى عن إبنه أبو عبيدة وعمر بن الخطاب وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل وزيد بن وهب وغيرهم، مات سنة 36 ه‍. الاصابة 1: 317، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 377، أسد الغابة 1: 390، شذرات الذهب 1: 44.
(2) أبو هريرة الدوسي، ودوس هو: ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث، اختلفوا في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام، وقيل: اسمه عبد شمس في الجاهلية، صحب النبي وروى عنه. الاصابة 4: 202، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 202، تذكرة الحفاظ 1: 32.
(3) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي (ع) ومعاذ بن جبل، وروى عنه جمع كثير منهم عبد الله بن عمر وأنس وأبو أمامة وعكرمة وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد بن المسيب وطاووس ووهب بن منبه وأخوة كثير بن عباس وابنه علي بن عبد الله بن عباس. ولد قبل الهجرة بثلاث 3: 192.
(4) الحسن بن أبي الحسن يسار: أبو البصري مولى زيد بن ثابت الانصاري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، حدث عن عثمان وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وابن عباس. مات سنة 110 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 72، شذرات الذهب 1: 136، سير أعلام النبلاء 4: 536، ميزان الاعتدال 1: 527.
(5) أبو عبد الله: عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، أصله من البربر، روى عن مولاه وعلي بن أبي طالب (ع) وأبي سعيد وأبي هريرة وعائشة واستبعد الذهبي روايته عن علي (ع)، وكان ينتقل من بلد إلى بلد. مات سنة 107، تذكرة الحفاظ 1: 95 شذرات الذهب 1: 130، وفيات الاعيان 2: 427.
(6) عطاء بن أبي رباح، أبو محمد بن أسلم القرشي، مفتي أهل مكة ومحدثهم، روى عن عائشة وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي سعيد وطائفة. وروى عنه أيوب وعمرو بن دينار وابن جريح وأبو إسحاق والأوزاعي وأبو حنيفة. خلق كثير. مات سنة 114 ه‍ وقيل: 115 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 98، شذرات الذهب 1: 147، وفيات الاعيان 2: 423، ميزان الاعتدال 3: 70.
(7) طاوس بن كيسان اليماني الجندي الخولاني: أبو عبد الرحمن من أبناء الفرس، روى عن ابن عباس وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وروى عنه إبنه عبد الله والزهري وإبراهيم بن ميسرة حنظلة بن أبي سفيان وكان شيخ أهل اليمن وكان كثير الحج، مات بمكة قبل يوم التروية سنة 104 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 90، شذرات الذهب 1: 133.

[ 46 ]

وجابر بن زيد (1)، وابن أبي ليلى (2)، ومالك، والأوزاعي (3)، والثوري (4)، وابن المنذر (5)، (6) وللشافعي قولان (7)، وعن أحمد روايتان (8). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا بلغ الماء قلتين، لم ينجسه شئ) (9).

(1) جابر بن زيد الازدي البصري: أبو الشعثاء صاحب ابن عباس وروى عنه، روى عنه قتادة وأيوب وعمرو بن دينار وكان من فقهاء البصرة. مات سنة 93 ه‍، وقيل: 103 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 72، شذرات الذهب 1: 101.
(2) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري: أبو عبد الرحمن، مفتى الكوفة وقاضيها، حدث عن الشعبي وعطاء والحكم بن عيينة ونافع وطائفة، وحدث عنه شعبة وسفيان بن سعيد الثوري ووكيع وأبو نعيم. مات سنة 148 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 171، شذرات الذهب 1: 224، ميزان الاعتدال 3: 613، الفهرست لابن النديم: 285، وفيات الاعيان 2: 309. (3) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن محمد الدمشقي الاوزاعي الفقيه، حدث عن عطاء بن أبي رباح والقاسم بن مخميرة وربيعة بن يزيد وشداد بن أبي عمار والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير، وحدث عنه شعبة وابن المبارك والوليد بن مسلم. ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع ثم نزل بيروت فمات بها سنة 157 ه‍. شذرات الذهب 1: 241، تذكرة الحفاظ 1: 178، وفيات الاعيان 2: 310، المجموع 2: 379.
(4) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الفقيه الكوفي، حدث عن أبيه وزبيد بن الحارث وحبيب بن أبي ثابت وزياد بن علاقة ومحارب بن دثار ويحيى والقطان وابن وهب ووكيع وقبيصة وجمع كثير. مات بالبصرة بعد أن كان مختفيا من المهدي سنة 161 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 203، شذرات الذهب 1: 250، الفهرست لابن النديم 315.
(5) إبراهيم بن المنذر عبد الله الحزامي الاسدي، أبو إسحاق المدني محدث المدينة، روى عن مالك وسفيان بن عيينة والوليد بن مسلم وابن وهب وأبي ضمرة، وروى عنه البخاري وابن ماجة ومحمد بن إبراهيم البوشنجي وخلق كثير. مات سنة 236 ه‍. وهو غير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر من فقهاء الشافعية. تذكرة الحفاظ 2: 470، شذرات الذهب 2: 86، ميزان الاعتدال 1: 67.
(6) المغني 1: 54، المجموع 1: 113، نيل الاوطار 36، سبل السلام 1: 18. ولمزيد الاطلاع على قول مالك، انظر: رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 5، مقدمات ابن رشد 1: 57، بداية المجتهد 1: 24. (7) المغني 1: 57.
(8) المغني 1: 53، الانصاف 1: 55، الكافي لابن قدامة 1: 10.
(9) سنن الترمذي 1: 97 حديث 67، وفيه: لم يحمل الخبث، سنن أبي داود 1: 17 حديث 65، سنن النسائي 1: 46 وفيه أيضا: لم يحمل الخبث، سنن ابن ماجة 1: 172 حديث 517، سنن الدارمي 1: 186 وفيه كذلك: لم يحمل الخبث، مسند أحمد 2: 23، 27، 107، مستدرك الحاكم 1: 132، سنن الدار قطني. 1: 14 وما بعدها: سنن البيهقي 1: 264.

[ 47 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟ قال: (إن كانت يده قذرة فأهرقه، وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه (1)). وما رواه في الصحيح، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (2)، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة؟ قال: (يكفئ (3) الاناء) (4). وما رواه الشيخ في الحسن، عن سعيد الاعرج (5)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني؟ قال: (لا) (6). وما رواه في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام؟ قال: (إذا علم أنه نصراني، اغتسل بغير ماء الحمام) (7).

(1) التهذيب 1: 37 حديث 100. وص: 229 حديث 661، الاستبصار 1: 20 حديث 46، الوسائل 1: 115 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 11.
(2) أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر مولى السكون: أبو جعفر المعروف بالبزنطي، كوفي، لقي الرضا (ع). عده الشيخ من أصحاب الرضا والجواد، وكان عظيم المنزلة عندهما وهو من أصحاب الاجماع، مات سنة 221 ه‍. رجال النجاشي: 75، رجال الطوسي: 366، 397، رجال العلامة: 13.
(3) كفأت الاناء: كببته وقلبته. الصحاح 1: 67.
(4) التهذيب 1: 39 حديث 105، الوسائل 1: 114 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
(5) سعيد بن عبد الرحمن، وقيل: ابن عبد الله الاعرج السمان: أبو عبد الله التيمي، كوفي ثقة الشيخ مع أبيه من أصحاب الصادق. ونقل العلامة المامقاني قول العلامة في المختلف بأنه لا يعرف حاله مع أنه نفسه ذكره في رجاله بعنوان سعيد بن عبد الرحمن ثم قال والتحقيق أن سعيد الاعرج وسعيد بن عبد الرحمن وسعيد السمان وسعيد بن عبد الرحمن السمان، واحد. رجال النجاشي: 181، رجال الطوسي: 204، الفهرست 77، تنقيح المقال 2: 27، رجال العلامة: 80.
(6) التهذيب 1: 223 حديث 638، الاستبصار 1: 18 حديث 36، الوسائل 1: 165 الباب 3 من أبواب الاسئار حديث 1.
(7) التهذيب 1: 223 حديث 640، الوسائل 2: 1020 الباب 14 من أبواب النجاسات حديث 9.

[ 48 ]

وما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال (اغسل الاناء) (1). وما رواه في الصحيح عن الفضل أبي عباس (2)، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والإبل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه؟ فقال: (لا بأس) حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله واجتنب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء) (3) وأيضا: قوله عليه السلام: (الماء الذي لا ينجسه شئ ألف ومائتا رطل) (4) وقوله: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ) (5) علق الحكم على الشرط، فينتفي عند انتفائه. وأيضا ما رواه ابن جابر فيما قدمناه، وهو قوله: سألته عن الماء الذي لا ينجسه شئ فقال: (كر) (6). فنقول: لو لم يكن ما دون الكر قابلا للتنجيس لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز إجماعا، ولكان توقيف الحكم على الكرية عبثا، ولان النجاسة امتزجت بالماء وشاعت أجزاؤها في أجزائه ويجب الاحتراز عن أجزاء النجاسة وقد تعذر إلا بالاحتراز عن

(1) التهذيب 1: 225 حديث 644، الاستبصار 1: 18 حديث 39، الوسائل 1: 162 الباب 1 من أبواب الأسئآر حديث 3.
(2) الفضل بن عبد الملك: أبو العباس البقباق، مولى كوفي ثقة عين، روى عن أبي عبد الله. له كتاب يرويه عن داود بن حصين، عده الشيخ من أصحاب الصادق، ونقل العلامة المامقاني في الفائدة الثانية والعشرين في تنقيح المقال عن الشيخ المفيد ما يدل على عظم منزلته ووثاقته. رجال النجاشي: 308 رجال الطوسي: 270، رجال العلامة: 133، تنقيح المقال 1: 209.
(3) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الأسئآر حديث 4، في الجميع: واصبب - بدل كلمة - واجتنب.
(4) التهذيب 1: 41 حديث 113، الاستبصار 1: 10 حديث 15، الوسائل 1: 123، الباب 11 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) التهذيب 1: 40 حديث 108، الاستبصار 1: 6 حديث 2 و 3، الوسائل 1: 117، الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(6) التهذيب 1: 41 حديث 115، الاستبصار 1: 10 حديث 13، الوسائل 1: 118 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 7.

[ 49 ]

أجزاء الماء المختلط أجزاؤه بأجزائها. احتج ابن أبي عقيل (1) بما روي عنه عليه السلام، وهو قوله: (الماء طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) (2). وبما روي، عن الباقر عليه السلام، قال: سئل (3) عن الجرة والقربة يسقط فيهما فأرة أو جرذ أو غيره، فيموت فيهما (4)؟ قال (إذا غلبت رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه، وإن لم تغلب فاشرب منه وتوضأ) (5). بما روي، عن الصادق عليه السلام إنه أستقي له من بئر فخرج في الدلو فأرتان، فقال: (أرقه) فاستقى آخر، فخرج فيه فأرة، فقال (أرقه) ثم استقى آخر، فلم يخرج فيه شئ فقال: (صبه في الاناء فتوضأ واشرب) (6). وبما روي، عن الصادق عليه السلام، قال: سئل عن الماء النقيع يبول فيه الدواب؟ فقال: (إن تغير الماء، فلا تتوضأ منه، وإن لم تغيره أبوالها، فتوضأ منه، وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه) (7). احتج مالك بالحديث الأول عن رسول الله صلى الله عليه وآله (8)، ولان التنجيس موجب للحرج، فإنه لا يمكن حينئذ تطهير شئ بالماء، فإنه ينجس بملاقاة النجاسة، والنجس لا يطهر.

(1) السرائر: 8 المعتبر 1: 48، المختلف 1: 2.
(2) المعتبر 1: 48، المختلف 1: 2، الوسائل 1: 101 الباب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 9.
(3) في " ح ": سألته.
(4) " ق " " ": فيها. (5) لم نعثر على حديث بهذا اللفظ إلا في المعتبر 1: 49، والمختلف 1: 3، وبهذا المضمون في: التهذيب 1: 412 حديث 1298، الاستبصار 1: 7 حديث 7.
(6) التهذيب 1: 239 حديث 693، الاستبصار 1: 40 حديث 112، الوسائل 1: 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 14، في المصادر: بدون عبارة: (فتوضأ واشرب).
(7) التهذيب 1: 40 حديث 111، الاستبصار 1: 9 حديث 9، الوسائل 1: 103 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
(8) التفسير الكبير 24: 94، تفسير الكبير 24: 94 تفسير القرطبي 13: 43 بدائع الصنائع 1: 71.

[ 50 ]

والجواب عن الأول: إنه ليس من الالفاظ الدالة على العموم، فيحمل على الكثير جمعا بين المطلق والمقيد. وعن الحديثين الآخرين بضعف السند، فإن الراوي علي بن حديد (1)، وهو ضعيف مع أنه مرسل. وأما الحديث الرابع، فإن راويه ياسين الضرير (2)، ولا أحقق حاله، فهو مدفوع ومعارض بما ذكرناه. وحجة مالك النقلية: بما أجبنا به ابن أبي عقيل. وأيضا: فإن ذلك ورد في بئر بضاعة بضم الباء وفتحها وماؤها يجري في البساتين فعلى. هذا كأنه قال: (الماء الجاري طهور. الحديث). وما ذكره من الملازمة في العقلية ممنوع، لأن التطهير هناك حصل لأجل الضرورة. على أن لنا المنع من الملازمة أيضا على مذهب السيد المرتضى (3)، ومذهب الشافعي من الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه (4)، ومعارض بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (لا يبولن أحد كم في الماء الدائم) (5) فلو لم يكن قابلا للتنجيس، لم يكن فيه فائدة، وفيه كلام ذكرناه سالفا (6).

(1) علي بن حديد بن حكيم المدائني الازدي الساباطي، قال النجاشي: روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام، وعده الشيخ تارة من أصحاب الرضا (ع) وتارة من أصحاب الجواد (ع). وقال الكشي: إنه فطحي. وذكره العلامة في رجاله في الضعفاء. وقال الشيخ في التهذيب 1: 240، والاستبصار 1: 40: ضعيف لا يعول على ما ينفرد بنقله. رجال النجاشي: 274، رجال الكشي: 570، رجال الطوسي: 382، 403، الفهرست: 89، رجال العلامة: 234.
(2) ياسين الضرير الزيات البصري، لقي أبا الحسن لما كان بالبصرة وروى عنه. ذكره النجاشي والكشي والشيخ في الفهرست، ولم يعرضوا لوثاقته وعدمها. والعلامة المامقاني، استظهر كونه إماميا موثوقا به رجال النجاشي: 453، رجال الكشي: 163، الفهرست: 183، تنقيح المقال 3: 307.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): 179.
(4) المهذب للشيرازي 1: 7، المجموع 1: 138 مغني المحتاج 1: 21، تفسير القرطبي 13: 50، بداية المجتهد 1: 25، سبل السلام 1: 17.
(5) راجع ص 39 رقم 6.
(6) تقدم في ص 28.

[ 51 ]

وأيضا بما روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير (1)، أنهما حكما بنجاسة بئر زمزم، حيث وقع الزنجي فيه فمات حتى أمرا بنزح ماء البئر كله (2). وبما روي، عن علي عليه السلام أنه حكم بنجاسة البئر بوقوع الفأرة فيه حتى أوجب نزح دلاء (3). وقد روى بعض الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه أمر بنزح (4) ثلاثين دلوا (5). لا يقال يعارض ما ذكرتم بما رواه الشيخ في الصحيح، عن حريز (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب) (7). وبما رواه في الصحيح، عن ابن مسكان (8)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

(1) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وآله، وأمه عاتكة، يعد من الطبقة الخامسة من الصحابة قتل في معركة أجنادين مع الروم سنة 13 ه‍. الاصابة 2: 308، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 299، أسد الغابة 3: 161.
(2) أحكام القرآن للجصاص 5: 209، تفسير القرطبي 13: 46، عمدة القارئ 3: 169، المجموع 1: 113، بدائع الصنائع 1: 72 سنن البيهقي 1: 266، سنن الدار قطني 1: 33 حديث 1.
(3) كنز العمال 9: 577 حديث 27500، شرح فتح القدير 1: 90، المبسوط للسرخسي 1: 58.
(4) " م " " ح " " ق ": نزح.
(5) بدائع الصنائع 1: 75 شرح فتح القدير 1: 90.
(6) حريز بن عبد الله السجستاني: أبو محمد الازدي، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها، قال النجاشي: قيل: روى عن أبي عبد الله (ع)، وقال يونس، لم يسمع من أبي عبد الله إلا حديثين، وقيل: روى عن أبي الحسن موسى، ولم يثبت ذاك، وكان ممن شهر السيف في قتال الخوارج في سجستان في حياة أبي عبد الله (ع)، عده الشيخ من أصحاب الصادق، ووثقه في الفهرست. رجال النجاشي: 144، رجال الطوسي: 181، الفهرست: 62، تنقيح المقال 1: 261.
(7) التهذيب 1: 216 حديث 625، الاستبصار 1: 12 حديث 19، الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1. في الجميع. بتفاوت يسير.
(8) عبد الله بن مسكان: أبو محمد، كوفي من موالي عنزة، ثقة عين، روى عن أبي الحسن موسى، وقيل: روى عن أبي عبد الله، وليس بثبت، قاله النجاشي. وعده الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق. وهو من أصحاب الاجماع، وكان من أروى أصحاب أبي عبد الله، مات في زمان أبي الحسن. رجال النجاشي: 214 رجال الطوسي 264، رجال الكشي: 375، رجال العلامة: 106، تنقيح المقال 2: 216.

[ 52 ]

سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك يتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: (نعم، إلا أن تجد غيره فتنزه عنه) (1). لأنا نجيب عن الأول: أنه ليس فيه ما يدل على العموم، والسور الكلي دخل على الغلبة لا على الماء المطلق، فيحمل على البالغ كرا جمعا بين الأدلة، وهو الجواب عن الثاني. فروع: الأول: الماء القليل قابل للانفعال عن كل نجاسة، وإن كانت دما يسيرا بحيث لا يدركه الطرف كرؤوس الأبر. وقال الشيخ في المبسوط: إن ما لا يدركه الطرف معفو عنه، دما كان أو غيره (2)، وقال في الاستبصار: إذا كان الدم مثل رؤوس الأبر، لم ينجس به الماء (3). لنا: حصول المؤثر والقابل، فيوجد الأثر. احتج الشيخ بما رواه في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل امتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه، هل [ يصلح ] (4) الوضوء منه؟ قال: (إن لم يكن شئ يستبين في الماء، فلا بأس، وإن كان شيئا بينا، فلا يتوضأ منه) (5) ولان وجوب التحرز عنه مشقة وحرج، فيكون منفيا. والجواب عن الأول: إنه غير دال بصريحه على صورة النزاع، فإنه ليس فيه إشعار بإصابة الماء وإن كان المفهوم منه ذلك، لكن دلالة المفهوم أضعف لما ذكرناه. و (يعارضه: ما) (6) رواه محمد بن يعقوب في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه

(1) التهذيب 1: 226 حديث 649، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الأسئآر حديث 6. وفيهما: أيتوضأ. (2) المبسوط 1: 7.
(3) الاستبصار 1: 23.
(4) في النسخ: يصح. ما أثبتناه، من المصدر.
(5) التهذيب 1: 412 حديث 1299، الاستبصار 1: 23 حديث 57 الوسائل 1: 112 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 1 - بتفاوت يسير.
(6) " خ ": معارضة بما.

[ 53 ]

موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال (لا) (1) ولم يشترط الظهور، ويحتمل أن يكون الأول معناه إذا أصاب الاناء وشك في وصوله إلى الماء اعتبر بالظهور حسا. وعن الثاني: إن اعتبار المشقة مع قيام الموجب ساقط. الثاني: أطلق المفيد وسلار (2) تنجيس مياه الاواني والحياض، حتى أن سلار أوجب إراقتها وإن كان كثيرا (3)، وهذا الاطلاق غير واضح. لنا: العموم المستفاد من قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر، لم ينجسه شئ) (4). لا يقال: يعارضه الاحاديث الدالة على نجاسة الاواني عند الملاقاة. لأنا نقول: الاطلاق هناك بناءا على الغالب من صغر الاناء عن بلوغ الكرية، ولأنه مقيد بما ذكرنا. والحق أن مرادهما بالكثرة هنا، الكثرة العرفية بالنسبة إلى الاواني والحياض التي يسقى منها الدواب، وهي غالبا تقصر عن الكر. الثالث: لو وصل بين الغديرين بساقية اتحدا، أو اعتبر الكرية فيهما مع الساقية جميعا، أما لو كان أحدهما أقل من كر ولاقته نجاسة فوصل بغدير بالغ كرا، قال بعض الأصحاب:

(1) الكافي 3: 74 حديث 16، الوسائل 1: 125 الباب 13 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(2) أبو يعلي: سلار بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني، المقدم في الفقه والأدب وغيرهما، ومن أعاظم تلاميذ المفيد والسيد المرتضى، وربما درس نيابة عنه. له كتب، منها: المقنع في المذهب، والتقريب في أصول الفقه، والمراسم في الفقه، والرد على أبي الحسن البصري في نقض الشافعي. توفي لست خلون من شهر رمضان سنة 463 ه‍، وقيل: في صفر سنة 448 ه‍. قبره في قرية " خسرو شاه " من قرى تبريز. الكنى والألقاب 2: 238، تنقيح المقال 2: 42. (3) المفيد في المقنعة: 9، وسلار في المراسم: 36.
(4) الكافي 3: 2 حديث 2، الفقيه 1: 8 حديث 12، التهذيب 1: 39 حديث 107 - 109، الاستبصار 1: 6 حديث 1 3، الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 1، 2، 5، 6، بتفاوت يسير.

[ 54 ]

الأولى بقاؤه على النجاسة، لأنه ممتاز عن الطاهر، مع أنه لو مازجه وقهره لنجسه (1). وعندي فيه نظر، فإن الاتفاق واقع على أن تطهير ما نقص من الكر بإلقاء كر عليه، ولا شك أن المداخلة ممتنعة، فالمعتبر إذن الاتصال الموجود هنا. الرابع: لو شك في بلوغ الكرية، فالوجه التنجيس، لأن الأصل القلة وللاحتياط، ويحتمل عدمه، لأنه كان طاهرا قبل وقوع النجاسة، وشك في تنجيسه بها ولا يرفع اليقين بالشك. الخامس: قد بينا أن الكثير (2) إذا تغير بالنجاسة نجس، أما لو تغير بما نجاسته عارضية كالزعفران النجس والمسك النجس، فإنه لا ينجس بذلك، لأن الملاقي يطهر بالماء. نعم، لو سلبه إطلاق اسم الماء، فإنه ينجسه. مسألة: لا يجوز استعمال الماء النجس في رفع الحدث ولا في إزالة النجاسة، لأنه منفعل بها، فكيف يعدمها عن غيره وهو إجماع؟! وكذا كل ما منع من استعماله كالمشتبه وإن لم يكن نجسا. ويجب التيمم إذا لم يوجد غيره، لأنه منع من الطهارة به شرعا، فكان كالعدم، ولا يجوز استعماله أيضا في أكل ولا شرب إلا عند الضرورة، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن حريز بن عبد الله، عن الصادق عليه السلام قال: (فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب) (3). وفي الصحيح، عن الفضل أبي العباس، عن الصادق عليه السلام وقد سأله عن أشياء حتى انتهى إلى الكلب؟ فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء) (4).

(1) المعتبر 1: 50.
(2) " ق ": الكر.
(3) التهذيب 1: 216 حديث 625، الاستبصار 1: 12 حديث 19، الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(4) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الأسئآر حديث 4.

[ 55 ]

فروع: الأول: لو شك في نجاسة متيقن الطهارة، جاز الاستعمال وبنى على اليقين. ولو تيقن النجاسة وشك في الطهارة، بنى على النجاسة عملا بالمتيقن، وتركا للمرجوح. الثاني: لو أخبره عدل بنجاسة الماء، لم يجب القبول وإن أسندها إلى سبب بناءا على ما ذكرنا من ترجيح الأصل المتيقن على الخبر المظنون، خلافا للحنابلة (1) فيما إذا ذكر السبب، وكذا البحث لو وجده متغيرا وشك في استناد التغير إلى النجاسة. أما لو شهد عدلان بالنجاسة، فالأولى القبول، لأن شهادة العدلين معتبرة في نظر الشرع قطعا، فإن المشتري لو ادعى سبق النجاسة، لثبت جواز الرد بناءا على وجود العيب. وقال ابن البراج (2): لا يحكم بالشهادة عملا بالاصل القطعي السالم عن اليقين بصدقهما (3). أما لو تعارضت البينتان في إناءين، فقال في الخلاف: سقطت شهادتهما ورجع إلى الأصل (4)، وقال في المبسوط: لو قلنا إن أمكن الجمع بينهما قبلتا ونجسا، كان قويا (5)، ولم يتعرض لما لا يمكن فيه الجمع، والوجه فيه وجوب الاحتراز منهما والحكم بنجاسة أحدهما لا بعينه، والقول بسقوط شهادتهما فيما يتعذر الجمع فيه لا يخلو من قوة. وهو قول الحنابلة (6).

(1) المغني 1: 82، الانصاف 1: 71، الكافي لابن قدامة 1: 14.
(2) الشيخ أبو القاسم: عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، الفقيه العالم الجليل، وجه الأصحاب وفقيههم، لقب بالقاضي لكونه كان قاضيا في طرابلس مدة عشرين سنة، وكان من خواص تلامذة السيد المرتضى، وشيخ الطائفة، له مصنفات، منها: المهذب والمعتمد والجواهر، وشرح جمل العلم والعمل للسيد المرتضى، وغيره. توفي في شعبان سنة 481 ه‍. الكنى والألقاب 1: 224، تنقيح المقال 2: 156، مستدرك الوسائل 3: 480.
(3) المهذب 1: 30.
(4) الخلاف 1: 58، مسألة 162.
(5) المبسوط 1: 9.
(6) المغني 1: 83، الكافي لابن قدامة 1: 15.

[ 56 ]

الثالث: لو علم بالنجاسة بعد الطهارة وشك في سبقها عليه، فالاصل الصحة. ولو علم سبقها على الطهارة وشك في بلوغ الكرية أعاد، لأن الأصل عدمها. ولو شك في نجاسة الواقع أو في كون الحيوان الميت من ذوات الانفس، بني على الطهارة. الرابع: لو أخبر العدل بنجاسة إنائه أو الفاسق بطهارته، فالوجه القبول، ولو أخبر الفاسق بنجاسة إنائه، فالأقرب القبول أيضا. ولو سقط عليه من طريق ماء لم يلزمه السؤال عنه، لأصالة الطهارة. مسألة: المشهور عند أصحابنا: تنجيس البئر بملاقاة النجاسة (1). وهو أحد قولي الشيخ (2). وقال في التهذيب: لا يغسل الثوب ولا تعاد الطهارة ما لم يتغير بالنجاسة، لكن لا يجوز استعماله إلا بعد تطهيره (3). وذهب الجمهور إلى التنجيس أيضا مع قلة الماء أو تغيره (4)، والحق أنها لا تنجس بمجرد الملاقاة. وقد أجمع العلماء كافة على نجاستها بالتغير بالنجاسة. احتج القائلون بالتنجيس بوجوه: الأول: النص، وهوما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن بزيع (5)، قال كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام، عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم، أو يسقط فيها شئ من العذرة (6) كالبعرة أو نحوها ما

(1) المقنعة: 9، الانتصار: 11، المهذب 1: 21.
(2) المبسوط 1: 11، النهاية: 6.
(3) التهذيب 1: 232.
(4) شرح فتح القدير 1: 86، الهداية للمرغيناني 1: 21.
(5) أبو جعفر محمد بن إسماعيل بن بزيع، مولى المنصور. وولد بزيع بيت، منهم حمزة بن بزيع كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم. عده الشيخ من أصحاب الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام. وقال: ثقة صحيح كوفي، له كتب منها كتاب الحج. رجال النجاشي: 330، رجال الطوسي: 360، 386، 405، الفهرست: 155، تنقيح المقال 2: 81.
(6) كذا في جميع النسخ وفي المصدر: من عذرة.

[ 57 ]

الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه السلام في كتابي بخطه: (ينزح منها دلاء) (1) فلو كانت طاهرة، لما حسن تقريره على السؤال. وما رواه أيضا في الصحيح، عن علي بن يقطين (2)، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: سألته عن البئر يقع فيها الحمامة والدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرة؟ فقال: (يجزيك أن تنزح منها دلاء، فإن ذلك يطهرها إن شاء الله) (3) ولو كانت طاهرة، لكان تعليل التطهير بالنزح تعليلا لحكم سابق بعلة لاحقة، وهو محال. الثاني: عمل أكثر الأصحاب (4)، وهو وإن لم يكن حجة قطعية، لكنه يفيد أولوية ما، فإذا انظم نضيف إلى ما ذكرنا من الاحاديث حصل القطع بالحكم. الثالث: لو كان طاهرا، لما ساغ التيمم، والتالي باطل، فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة، فإن الشرط في جواز التيمم، فقدان الطاهر. وبيان بطلان التالي من وجهين: الأول: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور (5)، وعنبسة بن

(1) التهذيب 1: 244 حديث 705، الاستبصار 1: 44 حديث 124، الوسائل 1: 130 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21.
(2) علي بن يقطين بن موسى، كوفي الأصل، بغدادي السكنى، مولى بني أسد، ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى عليه السلام. له مدائح كثيرة عن أهل البيت (ع)، عده الشيخ من أصحاب الكاظم. وقال في الفهرست: له كتب، منها ما سأل عنه الصادق (ع) من الملاحم. ولد بالكوفة سنة 121 ه‍. ومات ببغداد سنة 182 ه‍. رجال النجاشي: 273، رجال الكشي: 430، رجال الطوسي: 354، الفهرست: 90، رجال العلامة: 91، تنقيح المقال 2: 315.
(3) التهذيب 1: 237 حديث 686، الاستبصار 1: 37 حديث 101، الوسائل 1: 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(4) المقنعة: 9، الانتصار: 11 المهذب 1: 21.
(5) عبد الله بن أبي يعفور العبدي مولاهم كوفي. واسم أبي يعفور: واقد، وقيل: وقدان. يكنى أبا محمد، ثقة ثقة جليل في أصحابنا، له منزلة عظيمة. عده الشيخ من أصحاب الصادق. وروى الكشي ما يدل على عظم منزلته وشدة إخلاصه في حبه والتسلم بأوامره. مات في حياة الصادق (ع) في سنة الطاعون. رجال النجاشي: 213، رجال الكشي: 246، رجال الطوسي: 223، رجال العلامة 107، تنقيح المقال 2: 165.

[ 58 ]

مصعب (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به، فتيمم بالصعيد الطيب، فإن رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم) (2). واعلم أن هذا الحديث كما دل على بطلان التالي، فله دلالة على المطلوب ابتداءا مستفادة من قوله عليه السلام: (ولا تفسد على القوم ماءهم). الثاني: لو لم يجز التيمم، لزم أحد الامرين: إما جواز استعمال ماء البئر بغير نزح، أو إطراح الصلاة، وهما باطلان. أما الأول: فلأنه لو صح لما وجب النزح، وهو باطل بالاحاديث المتواترة الدالة على وجوبه (3). وأما الثاني: فبالاجماع. الرابع: إنه لو كان طاهرا، لكان النزح عبثا، والمقدم كالتالي باطل. احتج الآخرون بوجوه: الأول: النص، وهو روايات. منها: ما دل بمنطوقه، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد، بن إسماعيل، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام؟ فقال: (ماء البئر واسع لا يفسده شي ء، إلا أن يتغير ريحه لأنه (4) له مادة) (5) وقد أشار عليه السلام إلى العلة، فكان أبلغ في التنصيص (6).

(1) عنبسة بن مصعب العجلي الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. ونقل الكشي عن حمدويه أنه ناووسي واقفي. رجال الكشي: 365، رجال الطوسي: 130، 261، 356، جامع الرواة 1: 646، تنقيح المقال 2: 353.
(2) التهذيب 1: 149 حديث 426، الاستبصار 1: 127 حديث 435 الوسائل 1: 130 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 22 - بتفاوت يسير.
(3) انظر: الوسائل 1: 125 الباب 14: 23 من أبواب الماء المطلق.
(4) كذا في جميع النسخ وفي المصدر: لان.
(5) التهذيب 1: 234 حديث 676، الاستبصار 1: 33 حديث 87، الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
(6) " ح " " ق ": التنظيف.

[ 59 ]

وما رواه، عن علي بن حديد، عن بعض أصحابنا، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام في طريق مكة، فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد الله عليه السلام دلوا، فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (أرقه) فاستقى آخر، فخرجت فيه فأرة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: (أرقه) قال: فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شئ، فقال: (صبه في الاناء) (1) وهذا وإن كان مرسلا، لكنه مرجح. وما رواه الشيخ في حديث حسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها قال؟: (لا بأس) (2). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل، عن الرضا عليه السلام، قال: (ماء البئر واسع لا يفسده شئ، إلا أن يتغير) (3). وما رواه الشيخ، عن عمار (4)، قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن البئر يقع فيها زنبيل عذرة يابسة أو رطبة؟ فقال: (لا بأس إذا كان فيها ماء كثير) (5) وعمار وإن كان فطحيا، إلا أنه يعتمد كثيرا على روايته لثقته. ومنها: ما يدل بمفهومه، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية، عن أبي عبد

(1) التهذيب 1: 239 حديث 693، الاستبصار 1: 40 حديث 112، الوسائل 1: 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 14.
(2) التهذيب 1: 246 حديث 709، الاستبصار 1: 42 حديث 118، الوسائل 1: 127، الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 8.
(3) التهذيب 1: 409 حديث 1287، الوسائل 1: 125 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(4) عمار بن موسى الساباطي: أبو اليقظان، وقيل: أبو الفضل، كوفي سكن المدائن، وثقة النجاشي. وحكى المامقاني في فوائد التنقيح 1: 209 عن المفيد أنه من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله، وانه من الاعلام الذين أخذوا عنهم الحلال والحرام. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب أبي عبد الله وأبي الحسن موسى. وقال الكشي في رجاله والشيخ في الفهرست والعلامة في رجاله: إنه فطحي، لكنه ثقة في الرواية. رجال النجاشي: 290، رجال الكشي: 253، رجال الطوسي: 250، 354 الفهرست: 117، رجال العلامة: 243، تنقيح المقال 2: 318.
(5) التهذيب 1: 416 حديث 1312، الاستبصار 1: 42 حديث 117، الوسائل 1: 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 15.

[ 60 ]

الله عليه السلام، قال، سمعته يقول: (لا يغسل الثوب ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر) (1). وما رواه في الصحيح، عن معاوية، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها ويصلي وهو لا يعلم أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه؟ فقال: (لا يعيد الصلاة ولا يغسل ثوبه) (2). وما رواه، عن أبان بن عثمان (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلا بعد ما يتوضأ منها، أيعاد الوضوء؟ فقال: (لا) (4). وما رواه، عن أبي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بئر يستقي منها وتوضئ به وغسل منه الثياب وعجن به، ثم علم إنه كان فيها ميت؟ قال: (بأس، ولا يغسل الثوب ولا تعاد منه الصلاة) (5). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزيز يستقي بن الماء من البئر، أيتوضأ من ذلك الماء؟ قال: (لا بأس) (6).

(1) التهذيب 1: 232 حديث 670، الاستبصار 1: 30 حديث 80، الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 10.
(2) التهذيب 1: 233 حديث 671، الاستبصار 1: 31 حديث 81، الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 9.
(3) أبان بن عثمان الاحمر البجلي: أبو عبد الله مولاهم، أصله كوفي، سكنها تارة والبصرة أخرى. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام. له كتاب حسن كبير. عده الشيخ من أصحاب الصادق (ع). وقال الكشي: إنه من الناووسية، مع إنه عده من أصحاب الاجماع، واستقرب العلامة قبول روايته وإن كان فاسد المذهب. رجال النجاشي: 13، رجال الكشي 352، 375، رجال الطوسي: 152، الفهرست: 18، رجال العلامة: 21 جامع الرواة 1: 12.
(4) التهذيب 1: 233 حديث 672، الاستبصار 1: 31 حديث 82 الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 11.
(5) التهذيب 1: 234 حديث 677، الاستبصار 1: 32 حديث 85، الوسائل 1: 126 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(6) التهذيب 1: 409 حديث 1289 الوسائل 1: 125 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 2.

[ 61 ]

واعترضوا على الحديث الأول بوجوه:. أحدها: إن قوله عليه السلام: لا يفسده، أي: فسادا يوجب التعليل. الثاني: إن الراوي أسندها إلى المكاتبة، وهي ضعيفة. الثالث: المعارضة بخبر ابن بزيع المتقدم (1). والجواب عن الأول، أنه تخصيص لا يدل اللفظ عليه، ولان الاستثناء ينفيه، لأنه حينئذ لا يبقى فرق بين المستثنى منه. وعن الثاني: إن الراوي قال: فقال عليه السلام كذا، والثقة لا يخبر بالقول إلا مع القطع. على أن الرسول عليه السلام قد (2) كان ينفذ رسله بالمكاتبات، فلم لم يكن حجة دالا لما ساغ (3) ذلك. على أن الحديث الذي استدلوا به أولا من هذا النوع. وعن الثالث: إن المعارضة إنما تتم على تقدير نصوصية الحديث الأول على المعنى المطلوب منه، وليس كذلك. الوجه الثاني العمومات الدالة على أن مطلق الماء طهور، وقد تقدمت (4)، وتخصيصها بالماء القليل حال ملاقاة النجاسة لا يخرجها عن كونها حجة. الوجه الثالث: إنها لو نجست لما طهرت، والتالي باطل اتفاقا، ولأنه حرج، فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إنه لا طريق إلى التطهير إلا النزح حينئذ، وإلا لزم إحداث الثالث، وليس بصالح لذلك. أما أولا: فإنه لم يعهد (5) في الشرع تطهير شئ بإعدام بعضه. وأما ثانيا: فلأنه غالبا قد يسقط من الدلو الأخير إلى البئر، فيلزم تنجيسها، ولا ينفك المكلف من النزح، وذلك ضرر عظيم.

(1) في ص 53 رقم 1.
(2) ليست في " ح " " ق ".
(3) " م ": شاع.
(4) في ص 14.
(5) " ق ": يعد.

[ 62 ]

وأما ثالثا: فلأن الأخبار اضطربت في تقدير النزح، فتارة دلت على التضييق في التقديرات المختلفة، وتارة دلت على الاطلاق، وذلك مما يمكن أن يجعله الشارع طريقا إلى التطهير. الرابع: إنه بجريانه من منابعه أشبه الماء الجاري، فيتساويان حكما. الخامس: الأصل الدال على الطهارة وعلى نفي الحرج المستفاد من التنجيس. والجواب عما احتجوا به أولا من وجوه:. أحدها: إنه عليه السلام لم يحكم بالنجاسة، أقصى ما في الباب أنه أوجب النزح. وثانيها: إنه لم لا يجوز أن يكون قوله ينزح منها دلاء، وإن كان متضمنا للطهارة إلا أن المراد من الطهارة هاهنا النظافة، لا ضد النجاسة، فإن هذه الاشياء المعدودة من القاذورات، وتقريره عليه السلام لقول السائل حتى يحل الوضوء منها بعد تسليمه، ليس فيه دلالة على التنجيس، فإنا نقول بموجبه حيث أو جبنا النزح ولم نسوغ الاستعمال قبله. وثالثها: يحمل على ما إذا تغيرت جمعا بين الأدلة. ورابعها: إن هذا دلالة مفهوم، وهي ضعيفة، خصوصا مع معارضتها للمنطوق والمفهوم. وخامسها: يحمل المطهر هاهنا على ما أذن في استعماله، وذلك إنما يكون بعد النزح، لمشاركته للنجس في المنع جمعا بين الأدلة. وهذه الاجوبة آتية في الحديث الثاني. وعن الثاني: بأن عمل الأكثر ليس بحجة، وأيضا: فكيف يدعي عمل الأكثر هاهنا مع أن الشيخ وابن أبي عقيل ذهبا إلى ما نقلناه عنهما (1). وعن الثالث: بالمنع عن الملازمة أو لا، قوله: الشرط فقدان الطاهر، قلنا: ليس على الاطلاق، بل المأذون في استعماله، فإن المستعمل في إزالة الحدث الأكبر طاهر عند أكثر أصحابنا (2) يجب معه التيمم، فكذا هاهنا، وثانيا: بالمنع من بطلان التالي. والحديث الذي ذكروه غير دال على التنجيس، فإنه يحتمل رجوع النهي إلى المصلحة

(1) راجع ص 40، 51.
(2) المقنعة: 9، المبسوط 1: 6.

[ 63 ]

الحاصلة من فقدان الضرر بالوقوع، والنهي عن إفساد الماء إما على معنى عدم الانتقاع به إلا بعد النزح، وأما على معنى النهي عن إظهار الأجزاء الحمائية (1) في البئر وخلطها بالماء. وبالجملة: فهذا الحديث أيضا يدل بمفهومه، والملازمة الثانية من الوجه الثاني ممنوعة، والملازمة في الوجه الرابع ممنوعة، ولا يلزم من عدم العلم بالفائدة، العلم بالعدم. وإذا عرفت هذا، فالاقوى عندنا عدم التنجيس بالملاقاة. فائدة: لا يكره الطهارة بماء البئر ويستوي في ذلك زمزم وغيرها من الآبار. وهو (2) مذهب العلماء. ويحكى عن أحمد كراهة الطهارة بماء زمزم (3). لنا: إنه ماء مطلق فيساوي غيره. احتج بما روي عن العباس (4) أنه قال: (لا أحله لمغتسل، أما. للشارب فحل وبل) (5)، (6). والجواب بعد سلامة النقل: لعله قال ذلك في وقت قلة المياه، وكثرة الحاجة إلى الشرب، أو لأن المغتسل ربما لا ينفك عن النجاسة، ويحرم غسلها في المسجد.

(1) الحمأ: الطين الاسود المصباح المنير 1: 153 مادة (حمي).
(2) في " ح " " ق ": وهذا.
(3) المغني 1: 47، الانصاف 1: 27، المجموع 1: 91.
(4) العباس بن عبد المطلب بن هامش بن عبد مناف القرشي الهاشمي، عم النبي صلى الله عليه وآله يكنى أبا الفضل، كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله بسنتين، وقيل بثلاث سنين، وكان رئيسا في الجاهلية وممن خرج مع المشركين يوم بدر وأسر يومئذ فيمن أسر، أسلم قبل فتح مكة. وكانت له في الجاهلية السقاية والعمارة روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه أولاده وعامر بن سعد والأحنف بن قيس. مات بالمدينة سنة 32 ه‍. الاصابة 2: 271، أسد الغابة 3: 109.
(5) الحل: الحلال ضد الحرام. والبل: المباح. النهاية لابن الاثير 1: 154، 429.
(6) المجموع 1: 91 وفيه: لشارب، المغني 1: 47، وفيه: (لا أحله لمغتسل لكن للمحرم حل وبل).

[ 64 ]

(البحث الثاني: في كيفية تطهير المياه من النجاسات:) مسألة: المتغير إما أن يكون جاريا أو واقفا، فالجاري إنما يطهر بإكثار الماء المتدافع حتى يزول التغير، لأن الحكم تابع للوصف، فيزول بزواله، ولان الطارئ لا يقبل النجاسة لجريانه، والمتغير مستهلك فيه فيطهر. والواقف بإلقاء كر عليه دفعة من المطلق بحيث يزول تغيره، وإن لم يزل فبإلقاء كر آخر، وهكذا لأن الطارئ غير قابل للنجاسة لكثرة، والمتغير مستهلك فيه فيطهر. ولو زال التغير من قبل نفسه أو بملاقاة أجسام طاهرة غير الماء أو بتصفيق الرياح، المشهور أنه لا يطهر، لأن النجاسة حكم شرعي، فيتوقف زواله عليه، ولأنها نجسته قبل الزوال، فيستصحب الحكم، ولان النجاسة تثبت بوارد، فلا تزول إلا بوارد، بخلاف نجاسة الخمر، فإنها تثبت بغير وارد، فتطهر بغير وارد. وقال الشافعي وأحمد: إن زال بطول المكث عاد طهورا وإن زال بطرح المسك والزعفران فلا، لأنهما ساتران لا مزيلان (1). وفي التراب قولان له مبنيان على أنه مزيل أو ساتر (2). ولو زال التغير بأخذ بعضه لم يطهر، وإن كان الباقي كرا، وكذا لو زال التغير بإلقاء أقل من الكر على الاقوى، خلافا لبعض علمائنا (3)، وللشافعي (4).

(1) انظر: قول الشافعي في المهذب للشيرازي 1: 6، والمجموع 1: 132، ومغني المحتاج 1: 22، وفتح الوهاب 1: 4، والسراج الوهاج 1: 9، وأحمد في: المغني 1: 64، والانصاف 1: 64، والكافي لابن قدامة 1: 13.
(2) المهذب للشيرازي 1: 6، المجموع 1: 133، مغني المحتاج 1: 22.
(3) كالمرتضى في الرسائل (المجموعة الثانية): 361، وابن إدريس في السرائر: 8.
(4) المهذب للشيرازي 1: 6، المجموع 1: 132، مغني المحتاج 1: 22، فتح الوهاب 1: 4، السراج الوهاج 1: 9.

[ 65 ]

لنا: أنه بملاقاته الماء النجس ينجس فلا يكون مطهرا، وكذا باقي الاجسام كالمسك و الزعفران (1)، ولأنها لا تطهر نفسها، فأولى أن لا تطهر غيرها. مسألة: الماء القليل إن تغير بالنجاسة فطريق تطهيره إلقاء كر عليه أيضا دفعة، فإن زال تغيره فقد طهر إجماعا، وإن لم يزل وجب إلقاء كر آخر، وهكذا إلى أن يزول التغير. ولا يطهر بزوال التغير من قبل نفسه إجماعا منا، وهو ظاهر، ومن القائلين بطهارة الكثير المتغير بزوال تغيره، لأن المقتضي للتنجيس في الكثير التغير، فيزول بزواله، وفي القليل الملاقاة لا التغير، فلا يؤثر زواله في عدم التنجيس. وإن لم يتغير، قال الشيخ في الخلاف: يشترط في تطهير الكر: الورود (2)، وقال في المبسوط: لا فرق بين أن يكون الطارئ نابعا من تحته، أو يجري إليه، أو يغلب (3). فإن أراد بالنابع ما يكون نبعا من الارض، ففيه إشكال من حيث أنه ينجس بالملاقاة، فلا يكون مطهرا، وإن أراد به ما يوصل إليه من تحته، فهو حق. وهل يطهر بالاتمام؟ الوجه إنه لا يطهر سواء تمم بنجس أو طاهر، وتردد في المبسوط (4)، وجزم المرتضى في المسائل الرسية (5)، وابن البراج (6)، وابن إدريس (7) بالتطهير (8). وللشافعية في اجتماع القلتين من الماء النجس وجهان (9). لنا: إن النجاسة حكم شرعي فيقف زواله عليه، ولان النجاسة سابقة (10) قبل البلوغ،

(1) " م " أو الزعفران.
(2) الخلاف 1: 55. مسألة 149.
(3) المبسوط 1: 7.
(4) المبسوط 1: 7.
(5) رسائل السيد المرتضى (المجموعة الثانية): 261.
(6) المهذب 1: 23.
(7) محمد بن أحمد بن إدريس الحلي: فخر الاجلة، وشيخ فقهاء الحلة، صاحب كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ومختصر تبيان الشيخ. مات سنة 598 ه‍. الكنى والألقاب 1: 210، تنقيح المقال 2: 77.
(8) السرائر: 8.
(9) المهذب للشيرازي 1: 7، المجموع 1: 136.
(10) " م " " ق " بزيادة: على البلوغ فيستصحب، ولان بقين النجاسة حاصل.

[ 66 ]

فلا يؤثر في العمل به الشك عنده، وللنهي عن استعمال غسالة ماء الحمام، وهي لا تنفك عن الطاهر. واستدل المرتضى بوجهين: الأول: إن بلوغ الكرية يوجب استهلاك النجاسة، ولا فرق بين وقوعها قبل البلوغ وبعده. الثاني: لو لم يحكم بالطهارة حينئذ، لما حكم بطهارة الكثير إذا اشتبه وقوع النجاسة فيه قبل البلوغ وبعده، والتالي باطل اتفاقا، فالمقدم مثله. بيان الملازمة: إن احتمال الوقوع في الحالتين على السوية، فلا أولوية (1). واحتج ابن إدريس بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا) (2) ادعاه متواترا. الثاني: قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " (3) وقوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (4) وقوله: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (5). وقوله: " حتى تغتسلوا " (6) أجاز الدخول في الصلاة بعد الاغتسال، فالمغتسل بالمتنازع يصدق عليه اسم الاغتسال، وقوله عليه السلام لأبي ذر: (إذا وجدت الماء فأمسه جلدك) (7) والمتنازع فيه ماء، وقوله عليه السلام: (أما أنا فأحثوا ثلاث حثيات من ماء، فإذا أنا قد طهرت) (8) ولم يختص ماء بالذكر.

(1) رسائل السيد المرتضى (المجموعة الثانية): 261 - 262.
(2) السرائر: 8.
(3) الانفال: 11.
(4) المائدة: 6.
(5) المائدة: 6، النساء: 43.
(6) النساء: 43.
(7) سنن أبي داود 1: 91 حديث 332، 333، سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، مستدرك الحاكم 1: 176، كنز العمال 9: 403 حديث 26702 - 26703. مسند أحمد 5: 146.
(8) صحيح البخاري 1: 73، صحيح مسلم 1: 258، سنن النسائي 1: 135، كنز العمال 9: 384 حديث 26589، مسند أحمد 4: 84 - بتفاوت في الجميع.

[ 67 ]

الثالث: الاجماع (1). والجواب عما احتج به سيد المرتضى (2)، أولا: بالمنع من المساواة ضرورة كون الأصل منصوصا عليه بخلاف المتنازع، فإن أسندها إلى القياس فباطل، والفرق واقع، فإن النابع له قوة على عدم الانفعال على الملاقي بخلاف المنفعل. وعن الثاني: بالمنع الملازمة، وتساوي الاحتمالين ممنوع بالاصل الدال على الطهارة فالحاصل أن الطهارة لم تستند (3) إلى أن البلوغ رافع للتنجيس. وعما احتج به ابن إدريس أولا: بالمنع من الرواية، فإن الشيخ رواها مرسلة في المبسوط (4) ولم يسندها في غيره. نعم، قد وردت أحاديث كثيرة بقولهم عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر، لم ينجسه شئ) (5) وهذا يدل على أن بلوغ الكرية مانع من التأثير، لا على أنه رافع لما كان ثابتا. وعن الثاني: إن الآيات والأحاديث التي ذكرها غير دالة على محل النزاع، فإنا لم نمنع من جواز استعمال الماء، ولكن النزاع في تطهير النجس بالاتمام. وعن الثالث: إنه دعوى الاجماع كدعوى تواتر حديثه. فروع: الأول: لو كان بعض الكر نجسا وتمم بالمستعمل، فكالأول. الثاني: لو قلنا بالطهارة ففرق، لم يصر نجسا، كما لو كان كرا عند وقوع النجاسة ثم فرق. الثالث: لو قلنا بالطهارة لم يشترط خلوه من نجاسة عينية. نعم، يشترط خلوه من التغير.

(1) انظر احتجاجات ابن إدريس في السرائر: 8.
(2) راجع ص 66.
(3) " ق " " ح ": لم تسند.
(4) المبسوط 1: 7.
(5) انظر: الوسائل 1: 117 أبواب الماء المطلق.

[ 68 ]

الرابع: إنما لا يقبل النجاسة الكثير من محض الماء، فلو كوثر (1) النجس القليل بماء ورد، لم يطهر، ولو كمل الطاهر بماء ورد كرا ثم وقعت فيه نجاسة، فالأقرب عدم التأثير إن بقي الاطلاق خلافا للشافعي (2). الخامس: لو نجس القليل وزيد عليه ماء يقهره ولم يبلغ حد الكثرة لم يزل حكم التنجيس. خلافا للشافعية (3) في أحد الوجهين، لكن شرطوا طهارة الوارد، ووروده على النجس، وأن يزيد الوارد على الأول، وأن لا يكون فيه نجاسة جامدة. السادس: لا يطهر غير الماء من المائعات. خلافا للحنابلة (4) حيث جوزوا تطهير الدهن بأن يلقى عليه ماء كثير ويضرب جيدا. وهو باطل لعدم العلم بالوصول. مسألة: قد ذكرنا أن الاقوى عندنا عدم تنجيس البئر بالملاقاة (5)، فالنزح الوارد عن الأئمة عليهم السلام إنما كان تعبدا (6)، والقائلون بالتنجيس جعلوه طريقا إلى التطهير. إذا عرفت هذا، فنقول: الواقع في البئر على أنواع: الأول: ما يوجب نزح الجميع، وهو موت البعير أو الثور فيها، ووقوع الخمر، وكل مسكر، والفقاع، والمني ودم الحيض، والاستحاضة، والنفاس، لما رواه الحلبي (7) في

(1) " ح " " خ " " ق ": كثر.
(2) المهذب للشيرازي 1: 4، الأم 1: 7، المجموع 1: 137، (3) المهذب للشيرازي 1: 7، المجموع 1: 136، مغني المحتاج 1: 23، السراج الوهاج: 9.
(4) المغني 1: 65، الانصاف 1: 321. (5) راجع ص 56.
(6) انظر: الوسائل 1: 131 الباب 15 - 22 من أبواب الماء المطلق.
(7) عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي مولى بني تيم اللات بن ثعلبة أبو علي، كوفي، يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب، فغلب عليهم النسبة إلى حلب. وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور من أصحابنا، وروى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين عليهما السلام وكانوا جميعهم ثقاة. وكان عبيد الله كبيرهم ووجههم، صنف الكتاب المنسوب إليه وعرضه على الصادق (ع) وصححه واستحسنه. وقال عند قراءته: (ليس لهؤلاء في الفقه مثله). وهو أول كتاب صنفه الشيعة، عده الشيخ من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 230، رجال الطوسي: 239، الفهرست: 106، جامع الرواة 1: 529، تنقيح المقال 2: 240.

[ 69 ]

الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا مات فيها بعير أو يصب فيها خمر فلينزح) (1). وروى عبد الله بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإن مات فيها ثور أو نحوه أوصب فيها خمر، نزح الماء كله) (2). ولا يعارض هذا برواية عمرو بن سعيد بن هلال (3)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عما يقع في البئر - وعد أشياءا إلى أن قال: حتى بلغت الحمار والجمل؟ قال: (كر من ماء) (4) لأن عمرا هذا فطحي، والأصحاب لم يعملوا بهذه الرواية أيضا. ولا برواية زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بئر، قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: (الخمر والدم والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منه عشرون دلوا، فإن غلب الريح نزحت حتى تطيب) (5) لاني لم أعرف من الأصحاب من عمل بها غير ابن بابويه في المقنع (6)، والرواة لها لا يحضرني الآن حالهم، قال الشيخ: وأيضا فهذا خبر

(1) الكافي 3: 6 حديث 7 التهذيب 1: 240 حديث 694، الاستبصار 1: 34 حديث 92، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6 - بتفاوت يسير.
(2) التهذيب 1: 241 حديث 695، الاستبصار 1: 19 حديث 93، الوسائل 1: 131 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام. وقد حكى العلامة المامقاني عن المحقق في المعتبر، والمصنف هنا وفي المختلف: إنه فطحي، ورده بأن أحدا من علماء الرجال لم يتفوه بذلك. ثم قال: والمظنون أن المحقق قد اشتبه عليه الرجل فزعمه المدائني، حيث أن الكشي حكى عن نصر إنه فطحى، واتحادهما في غاية البعد، حيث أن الثقفي من أصحاب الباقر (ع)، ومدائني من أصحاب الرضا (ع). وقال السيد الخوئي: والصحيح أن الرجل مجهول. رجال الكشي: 612، رجال الطوسي: 129، 247، جامع الرواة 1: 622، تنقيح المقال 2: 331، معجم رجال الحديث 13: 113.
(4) التهذيب 1: 235 حديث 679، الاستبصار 1: 34 حديث 91، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(5) التهذيب 1: 241 حديث 697، الاستبصار: 35 حديث 96، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 3 - بتفاوت يسير.
(6) المقنع: 11.

[ 70 ]

واحد لا يدفع ما تقدم، ولان العمل بالأول يستلزم العمل بهذا بخلاف العكس (1). ولا برواية كردويه (2)، قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن البئر يقع فيها قطرة دم، أو نبيذ مسكر، أو بول أو خمر؟ قال: (ينزح منها ثلاثون دلوا) (3) لما ذكرناه أولا. وقال بعض المتأخرين: يمكن تنزيل الروايتين على القطرة من الخمر ويفرق بين القطرة وصبه كالدم، لأنه ليس أثر القطرة في التنجيس كالمصبوب لشياعه (4)، وهذا ضعيف. أما أولا: فلأن رواية زرارة اشتملت على حكم التغير، ومن المستبعد بل المحال حصول التغير عن القطرة. لا يقال: المراد فإن تغيرت بالانصباب. لأنا نقول: هذا ضعيف من وجهين: الأول: الاضمار. الثاني: إن الانصباب موجب لنزح الجميع، فمع التغير أولى. وأما ثانيا: فلأن أحدا من أصحابنا لم يفرق بين قليل الخمر وكثيرها إلا من شذ (5). وقال الشيخ، والمفيد، والسيد المرتضى: إن حكم المسكرات حكم الخمر (6)، ولم نظفر في ذلك بحديث، سوى ما رويناه عن زرارة، وهم غير عاملين به. نعم، يمكن أن

(1) التهذيب 1: 242، الاستبصار 1: 36.
(2) كردويه الهمداني: وقع في طريق الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب في باب تطهير المياه، روى عن أبي الحسن موسي (ع)، والرجل غير مذكور في كتب الرجال أكثر من هذا. إلا أن المصنف في المختلف في مسألة النجاسة التي لم يرد فيها نص قال: كردويه لا أعرف حاله. وقال في رجاله في الفائدة الثامنة: إن طريق ابن بابويه عن كردويه الهمداني صحيح. وقال السيد الخوئي: إنه لم ينص على وثاقته. جامع الرواة 2: 29، رجال العلامة: 277، تنقيح المقال 2: 38، معجم رجال الحديث 14: 118.
(3) التهذيب. 1: 241 حديث 698، الاستبصار 1: 35 حديث 95، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(4) المعتبر 1: 58.
(5) المراد منه ابن بابويه، مر في ص 69.
(6) انظر قول الشيخ في: المبسوط 1: 11، النهاية: 6، وقول المفيد: في المقنعة: 9. والسيد المرتضى لم نعثر على قوله في مسألة تنجيس ماء البئر في كتبه الموجودة، ولكنه ألحق بالخمر كل مسكر، انظر: الناصريات (الجوامع الفقهية): 181 مسألة 16.

[ 71 ]

يقال: إنه يدخل تحت حكمه، لما رواه عطاء بن يسار (1)، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (كل مسكر خمر) (2). وروى ابن يقطين، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام، قال: (كلما عاقبته عاقبة الخمر، فهو خمر) (3). فنقول: إطلاق الخمر على المسكر إما بالقياس في التسمية، والجامع الاسكار، ويلزم منه جواز إثبات اللغة بالقياس، وقد ذهب إليه بعضهم (4)، وإما من حيث المشاركة في الحكم، وعلى كلا التقديرين يلزم المطلوب. وأما الفقاع، فقد ألحقه الشيخ بالخمر (5) وتبعه أبو الصلاح (6)، (7)، وابن إدريس وادعى فيه الاجماع (8)، ولم يقف على حديث يدل عليه، سوى ما رواه هشام بن

(1) عطاء بن يسار، روى عن أبي جعفر (ع). روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عنه في الكافي 6 باب إن رسول الله حرم كل مسكر، حديث 3. وفي التهذيب 9 باب الذبائح والأطعمة حديث 482 ولعله لم يتعرض له في باقي كتب الرجال. جامع الرواة 1: 538، معجم رجال الحديث 11: 156.
(2) التهذيب 9: 111 حديث 482، الوسائل 17: 260 الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 5.
(3) التهذيب 9: 112 حديث 486، الوسائل 17: 273 الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1 - بتفاوت يسير.
(4) أي: إلى أن الخمر اسم لكل مسكر. انظر المصباح المنير 1: 182.
(5) المبسوط 1: 11. (6) هو: الشيخ تقي الدين نجم بن عبيد الله بن محمد الحلبي، أبو الصلاح، الفاضل، الفقيه، المحدث، من عظماء مشائخ الامامية ومن أعظم تلاميذ السيد المرتضى والشيخ خليفته في البلاد الشامية. له تصانيف، منها: الكافي في الفقيه، وشرح الذخيرة. والبرهان على ثبوت الايمان. قال ابن حجر: ولد سنة: 374 ه‍، ومات 447 ه‍. رجال الطوسي: 457، جامع الرواة 1: 132، رجال العلامة: 28، تنقيح المقال 1: 185، مستدرك الوسائل 3: 480، لسان الميزان 2: 71.
(7) الكافي في الفقه: 130.
(8) السرائر: 9.

[ 72 ]

الحكم (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الفقاع؟ فقال: (لا تشر به فإنه خمر مجهول) (2). وعن الرضا عليه السلام: (وهو حرام وهو خمر) (3). وعن أبي الحسن الأخير عليه السلام، قال: (هي خمر استصغرها الناس) (4) والبحث فيه كالخمر. وأما المني: فقد قال الشيخ: إنه يوجب نزح الجميع (5)، وتبعه جماعة (6)، ولم نقف فيه على خبر، ويمكن أن يقال: إنه ماء محكوم بنجاسته، وتقدير بعض المنزوحات ترجيح من غير مرجح، فيجب الجميع، لكنا لما طعنا في المقدمة الأولى سقط عندنا هذا الدليل. وأما دم الحيض والاستحاضة والنفاس، فقد ألحقه الشيخ بهذا النوع (7)، ولم نظفر فيه بحديث مروي.

(1) هشام بن الحكم الكندي مولاهم البغدادي، يكنى أبا محمد وأبا الحكم، مولده بالكوفة، ومنشأه واسط. وتجارته بغداد، انتقل إلهيا في آخر عمره. من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليها السلام وروى عنهما. وعنهما مدائح جليلة له. وهو ممن اتفق الاعلام على وثاقته وعظم قدره وكان ممن فتق الكلام في الامامة، وهذب المذهب بالنظر، وكان حاذقا بصناعة الكلام حاضر الجواب، له مباحثات كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها وكان له كتاب يرويه جماعة، توفي سنة 199 ه‍، وقيل: 197 ه‍. رجال النجاشي: 433، رجال الكشي: 255، الفهرست: 174، رجال الطوسي: 329، 362، جامع الرواة 3: 23 31. (2 - 3) الكافي 6: 423، حديث 7، التهذيب 9: 125 حديث 544، الاستبصار 4: 96 حديث 373، الوسائل 17: 288 الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 8. (4) الكافي 6: 423 حديث 9، التهذيب 9: 125 حديث 540، الاستبصار 4: 95 حديث 369، الوسائل 17: 287 الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة ذيل حديث 1. وفي الكافي والتهذيب والاستبصار: خميرة.
(5) المبسوط 1: 11، النهاية: 6.
(6) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 130، وسلار في المراسم: 35، وابن البراج في المهذب 1: 21.
(7) المبسوط 1: 11.

[ 73 ]

فروع: الأول: لو تعذر نزح الجميع لكثرته تراوح عليها أربعة رجال مثنى مثنى (1) من طلوع الفجر إلى الغروب، ولم أعرف فيه مخالفا من القائلين بالتنجيس ويدل عليه أيضا: ما رواه عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل قال: وسئل عن بئر وقع فيه كلب، أو فأرة، أو خنزير؟ قال: (ينزف كلها فإن غلب عليه الماء فلينزف يوما إلى الليل، ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما إلى الليل وقد طهرت) (2) وهذه الرواية ضعيفة من وجهين: الأول: السند، فإن رواتها فطحية.
(3). الثاني: المتن، فإن أحدا من أصحابنا لم يوجب نزح الجميع بموت الكلب والفأرة والخنزير. أجاب الشيخ عن الثاني باحتمال التغير (4)، واستدل الشيخ أيضا بما رواه عمرو بن سعيد بن هلال، عن الباقر عليه السلام قال: سألته عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة فكل ذلك يقول: (سبع دلاء) قال: حتى بلغت الحمار والجمل؟ قال: (كر من ماء) (5) وإن كان كثيرا، قال الشيخ: تراوح الأربعة يوما يزيد عن الكر، فيجب أن يكون مجزيا (6). والبحث في هذه الرواية في السند والمتن كما مر، ويزيد عليه أن هذه الرواية دلت على

(1) ليست في " م " " ق " " ن " " خ ".
(2) التهذيب 1: 284 حديث 832 و 242، حديث 699، الوسائل 1: 143 الباب 23 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) سيأتي ذكرهم في ص 51. (4) التهذيب 1: 242.
(5) التهذيب 1: 235 حديث 679، الاستبصار 1: 34 حديث 91، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(6) النهاية: 6.

[ 74 ]

الاكتفاء بالكر، والتراوح وإن زاد على الكر، لكن لا دلالة في هذه الرواية على أنه يقوم مقام نزح الجميع. والأقرب أن يقال: إنه بالتراوح يغلب على الظن زوال ما كان في البئر، فيصار إليه. الثاني إن أوجبنا الرجال لم يجز النساء ولا الصبيان، ويشكل لو ساوت قوتهم قوة الرجال، وإن عملنا بالحديث المتناول للقوم (1) أجزأ النساء والصبيان. الثالث: لا بد من نزح اثنين اثنين تبعا للرواية، ولا يكفي الآحاد وإن قصر زمان التراوح. الرابع: لو نزح إثنان وامتد نزحهما إلى الليل، ففي الإجزاء نظر أقر به ذلك إن علم مساواته لتراوح الأربعة. الخامس: البعير اسم جنس للصغير والكبير، والذكر والانثى، كالانسان. النوع الثاني: ما يوجب نزح كر، وهو: موت الحمار، والبغل، والفرس، والبقر وأشباهها. أما الحمار، فقد ذهب إليه أكثر أصحابنا (2) مستدلين برواية عمرو بن سعيد، عن الباقر عليه السلام، وهي ضعيفة من حيث السند، ومن حيث التسوية بين الحمار والجمل، إلا أن أصحابنا عملوا فيها بالحمار، والتسوية سقطت باعتبار حصول المعارض، فلا يلزم نفي الحكم عما فقد عنه المعارض. وأما البقرة والفرس فقد قال الشيخ والسيد المرتضى والمفيد بمساواتهما للحمار في الكر (3)، ولم نقف في ذلك على حديث، إلا ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة،

(1) " م " " ن ": للعموم.
(2) كالصدوق في الفقيه 1: 12، والمفيد في المقنعة: 9، والشيخ في المبسوط 1: 11، والنهاية: 6، وابن إدريس في السرائر: 10.
(3) انظر قول الشيخ في: النهاية: 6، المبسوط 1: 11، وقول المفيد في المقنعة: 9، وقول السيد المرتضى نقله المحقق في المعتبر 1: 61.

[ 75 ]

ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام وأبي جعفر عليه السلام: في البئر يقع فيها الدابة، والفأرة والكلب، والطير، فيموت؟ قال: (يخرج، ثم ينزح من البئر دلاء، ثم اشرب وتوضأ) (2). قال صاحب الصحاح: الدابة: اسم لكل ما يدب على الارض، والدابة: اسم لكل ما يركب (3)، فنقول: لا يمكن حمله على المعنى الأول وإلا لعم، وهو باطل لما يأتي، فيجب حمله على الثاني. فنقول: الالف واللام (في الدابة) (4) ليست للعهد، لعدم سبق معهود يرجع إليه، فإما أن يكون للعموم، كما ذهب إليه الجبائيان (5)، أو لتعريف الماهية على المذهب الحق. وعلى التقديرين يلزم العموم في كل مركوب. أما الأول: فظاهر. وأما الثاني: فلأن تعليق الحكم على الماهية يستدعي ثبوته في جميع صور وجودها، وإلا لم يكن علة. هذا خلف، وإذا ثبت فيه العموم دخل فيه الحمار، والفرس، والبغل، والإبل، والبقر نادرا غير أن الابل، والثور، خرجا بما دل بمنطوقه على نزح الجميع، فيكون

(1) بريد بن معاوية العجلي الكوفي، يكني أبا القاسم، وجه من وجوه أصحابنا ثقة فقيه، له محل عند الأئمة (ع) من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع) وروى عنهما. عده الكشي ممن أجمعت العصابة على تصديقهم. قال النجاشي: مات في حياة أبي عبد الله (ع) ثم نقل عن ابن فضال أنه مات سنة 150 ه‍. رجال النجاشي: 112، رجال الطوسي: 109، 158، جامع الرواة 1: 117، رجال العلامة: 26، تنقيح المقال 1: 164.
(2) التهذيب 1: 236 حديث 682، الاستبصار 1: 36 حديث 99، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(3) الصحاح 1: 124.
(4) ليست في " ن " " م " " ح " " ق ".
(5) هما: محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد مولى عثمان بن عفان المعروف ب‍ (أبي علي الجبائي) نسبة إلى قرية في البصرة، شيخ المعتزلة في زمانه. وابنه: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي، المكني ب‍ (أبي هاشم) ويقال لهما: الجبائيان. وكلاهما على مذهب المعتزلة. ولهما مقالات على مذهب الاعتزال. مات أبي على سنة 303 ه‍. وابنه أبو هاشم سنة 321 ه‍. الملل والنحل 1: 73، الكنى. والألقاب 2: 141.

[ 76 ]

الحكم ثابتا في الباقي. فإن قلت: يلزم التسوية بين ما عدده الامامان عليهما السلام، قلت: خرج ما استثني لدليل منفصل، فيبقى الباقي، لعدم المعارض. وأيضا: التسوية حاصلة من حيث الحكم بوجوب نزح الدلاء (1)، وإن افترقت بالكثرة والقلة، وذلك شئ لم يتعرضا له عليهما السلام، إلا أن لقائل أن يقول: إن ما ذكرتموه لا يدل على بلوغ الكرية، ويمكن التمحل بأن يحمل الدلاء على ما يبلغ الكر جمعا بين المطلق والمقيد خصوصا مع الاتيان بصيغة جمع الكثرة. لا يقال: إن حمل الجمع على الكثرة استحال إرادة القلة منه، وإلا لزم الجمع بين إرادتي الحقيقة والمجاز، وإن حمل على القلة فكذلك. لأنا نقول: لا نسلم استحالة التالي (2). سلمنا، لكن إن حمل على معناه المجازي وهو مطلق الجمع، لم يلزم ما ذكرتم، على أن لنا في كون الصيغ المذكورة حقائق أو مجازات في القلة والكثرة نظرا. وبعض المتأخرين استدل بهذه الرواية على وجوب النزح للحمار دون الفرس والبقرة، وألحقهما بما لم يرد فيه نص (3)، وقد ظهر بطلانه. وقد روى مثل هذه الرواية: البقباق عن أبي عبد الله عليه السلام (4). الثالث: الانسان، وينزح لموته سبعون دلوا. وهو مذهب القائلين بالتنجيس أجمع، واستدل عليه الشيخ برواية ابن فضال (5)، عن عمرو بن

(1) " ح " " ق " الماء.
(2) " م " " ن ": الثاني.
(3) المعتبر 1: 62.
(4) التهذيب 1: 237 حديث 685، الاستبصار 1: 37 حديث 100، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
(5) يطلق على الحسن بن علي بن فضال وبنيه: علي، وأحمد، ومحمد، كلهم من بني فضال بن عمر بن أيمن مولى عكرمة بن ربعي الفياض، وكلهم فطحية. والمراد به هنا: أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، أبو عبد الله. أو أبو الحسين. روي عنه أخوة علي بن الحسن وغيره من الكوفيين والقميين، وله كتب، مات سنة 360 ه‍. رجال النجاشي: 80، 257، رجال الكشي: 530، الفهرست: 24، جامع الرواة 1: 45 و 2: 95.

[ 77 ]

سعيد (1)، عن مصدق بن صدقة (2)، عن عمار (3)، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ذبح طيرا فوقع بدمه في البئر؟ فقال: (ينزح منها دلاء هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا، وما سوى ذلك مما وقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره (4)، الانسان ينزح منها سبعون دلوا، وأقله العصفور وينزح منها دلو واحد، وما سوى ذلك فيما بين هذين) (5). والاستدلال بهذه الرواية ضعيف فإن رواتها فطحية، ولم أقف على غيرها إلا ما يدل بمفهومه لا على هذا الحكم، وهو ما رواه الشيخ، عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بئر قطر فيها قطرة دم. إلى آخر الرواية، وقد تقدمت (6). وما رواه في الحسن، عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: في البئر تقع فيها الميتة، قال: (إذا كان لها ريح، نزح منها عشرون دلوا) وقال: (إذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء) (7) ووجهه الاستدلال من الحديثين أن الحكم علق تارة على لفظ الميت وتارة على لفظ الميتة، وهو تعليق على الماهية، فيعم في موارد عمومها، إلا أن أصحابنا يعلموا

(1) عمرو بن سعيد المدائني، وثقه النجاشي، وقال: روى عن الرضا (ع). ونسبه الكشي إلى المامقاني اختلاف الأقوال فيه ثقة وضعفا، وقد اشتبه هذا الرجل بعمرو بن سعيد بن هلال الذي مر ذكره والقول فيه ص 69. رجال النجاشي: 278، رجال الكشي: 612، رجال العلامة: 120، جامع الرواة 1: 621، تنقيح المقال 2: 331.
(2) مصدق بن صدقة المدائني، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الصادق وأخرى من أصحاب الجواد ويظهر من ذلك أنه أدرك زمان أربعة من الأئمة، وعده الكشي من الفطحية، وتبعه العلامة والأردبيلي. رجال الكشي: 563، رجال الطوسي: 320، 406، رجال العلامة: 173، جامع الرواة 2: 233، تنقيح المقال 3: 218.
(3) مرت ترجمته في ص 59.
(4) كذا في جميع النسخ، وفي المصادر: فأكثره.
(5) التهذيب 1: 234 حديث 678، الوسائل 1: 141 الباب 21 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(6) في ص 69 رقم 6.
(7) التهذيب 1: 244 حديث 703، الوسائل 1: 142 الباب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 78 ]

بالعشرين (1) فيكون الاستدلال بهما ساقطا. والحنفية أوجبوا نزح الجميع (2). واعلم أن هذا الحكم عند القائلين به سار في الصغير والكبير، والسمين والمهزول، والذكر والانثى، أما المسلم والكافر، فهل يستويان فيه؟ منع ابن إدريس منه، لأن بملاقاته حيا يجب نزح الجميع، فلا يطهر بالموت، ومنع من تناول المطلق له، قياسا على الجنب في قولهم: (ينزح له سبع) فإنه يختص المسلم (3)، وهو ضعيف، فإن المقدمة الأولى تبنى (4) على أن ملاقاة النجاسة التي لم يرد فيها نص يوجب نزح الجميع، وهو ممنوع وسيأتي. والقياس الذي ذكره ضعيف، فإنه لا مناسبة بين الموضعين، إلا من حيث أن لفظة الانسان مطلق، ولفظة الجنب مطلق، وهذا لا يوجب أن أحد المطلقين إذا قيد بوصف لدليل وجب تقييد الآخر. ولا يختص النقص (5) بصورة النزاع، بل في كل اسم جنس حلى بلام التعريف، بأن يقال مثلا: إن لفظ البيع في قوله تعالى: " وأحل الله البيع " (6) وكذا لفظ " الزانية والزاني " (7) و " السارق والسارقة " (8) ليس للعموم، لأن لفظ الجنب ليس للعموم، ولا شك في فساده، على أنا نقول: هل وجد ما يخصص لفظ الجنب أم لا؟ فإن وجد، امتنع القياس للفارق، وإن لم يوجد منع من التقيد فيه بالاسلام أيضا. سلمنا، لكن لا نسلم عدم النص، فإن النص كما يدل بمنطوقه يدل بمفهومه، وهو ثابت هنا، لأن الانسان لفظ مطلق يتناول المسلم والكافر، فيجري مجرى النطق بهما، فإذا وجب في موته سبعون لم يجب في مباشرته أكثر، لأن الموت يتضمن المباشرة، فيعلم نفي ما زاد من مفهوم النص. سلمنا،

(1) حيث قالوا بنزح السبعين لموت الانسان. انظر: الفقيه 1: 12، المقنعة: 9، النهاية 6.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 22، المبسوط للسرخسي 1: 58، بدائع الصنائع 1: 75 شرح فتح القدير 1: 90.
(3) السرائر 10: 11.
(4) في أكثر النسخ: مبني.
(5) كذا في جميع النسخ، والأنسب: النقض.
(6) البقرة 275.
(7) النور: 2.
(8) المائدة: 380.

[ 79 ]

لكن نمنع بقاء نجاسة المشرك بعد موته، وإنما يحصل له نجاسة الموت مغايرة لنجاسة حال حياته. وبيانه أن النجاسة حكم شرعي يتبع مورد النص، لتساوي الجواهر في الجسمية، فالمشرك إنما لحقه حكم التنجيس باعتبار كفره وقد انتفى بموته، فينتفي الحكم التابع له ويلحقه حكم آخر شرعي تابع للموت، والحكمان متغايران. الرابع: ما يوجب نزح خمسين، وهو: الدم الكثير، والعذرة الرطبة. أما الدم، فقال الشيخ في النهاية: الكثير خمسون، وكذا في المبسوط (1). وقال المفيد: في الكثير عشر (2). وقال ابن بابويه: في دم ذبح الشاة من ثلاثين إلى أربعين (3). وقال علم الهدى في المصباح: في الدم ما بين الدلو الواحدة إلى العشرين (4). وأما القليل، فقال ابن بابويه: ينزح له دلاء يسيرة (5) وقال المفيد: خمس دلاء (6). وقال في النهاية والمبسوط (7): عشر. والأقوى ما ذكره ابن بابويه. ويدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال سألته عن رجل ذبح شاة فاضطربت (ووقعت) (8) في بئر ماء وأوداجها تشخب دما، هل يتوضأ من ذلك البئر؟ قال: (ينزح منها ما بين الثلاثين إلى الأربعين دلوا ثم يتوضأ منها ولا بأس) قال: وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر، هل يصلح أن يتوضأ منها؟ قال: (ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها) وسألته عن

(1) النهاية: 7، المبسوط 1: 12.
(2) المقنعة: 9.
(3) الفقيه 1: 15.
(4) نقل عنه في المعتبر 1: 58.
(5) الفقيه 1: 13.
(6) المقنعة: 9.
(7) النهاية: 7، المبسوط 1: 12.
(8) أضفناه من المصدر.

[ 80 ]

رجل يستقي من بئر ويرعف فيها، هل يتوضأ منها؟ قال: (ينزح منها دلاء يسيرة) (1). وما ذكره السيد المرتضى، فيمكن الاحتجاج له برواية زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وهي قوله: (الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد نزح منه عشرون دلوا) وقد تقدمت (2)، إلا أن هذا الحديث دل على نزح العشرين، فقول المرتضى: من دلو إلى عشرين، غير مطابق. فإن قلت: هذا الحديث يتناول الكثير، وقول السيد المرتضى: من واحد إلى عشرين، يحمل على التفصيل إن كان الدم قليلا فواحدة وإلا فعشرون، وما بينهما بحسب تفاوت الكثرة والقلة. قلت: هذا ضعيف من وجهين: الأول: إنه ليس في قول المرتضى دلالة على تفصيل. الثاني: إن الحديث وقع جوابا عن قول السائل: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بئر قطر فيها قطرة دم أو خمر؟ قال: (الدم والخمر). فالالف واللام هاهنا للعهد المسبوقية الذكر لفظا. واستدل الشيخ في التهذيب على قول المفيد برواية محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح، قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن البئر يكون في المنزل للوضوء، فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من العذرة كالبعرة أو نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع عليه السلام في كتابي بخطه (ينزح منها دلاء) (3). قال الشيخ: وجه الاستدلال أن أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة، فيجب الاخذ به، إذ لا دليل على ما دونه. وبعض المتأخرين سلم المقدمة الأولى، ثم قال: لا نسلم أنه

(1) التهذيب 1: 409 حديث 1288، الاستبصار 1: 44 حديث 123، الوسائل 1: 141، الباب 21 من أبواب الماء المطلق، حديث 1 - بتفاوت يسير.
(2) في ص 69.
(3) التهذيب 1: 244 حديث 705، الاستبصار 1: 44 حديث 124، الوسائل 1: 130 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21.

[ 81 ]

إذا جرد عن الاضافة كان حاله كذا، فإنه لا يعلم من قوله: عندي دراهم، أنه لم يخبر عن زيادة عن عشرة، فإن دعوى ذلك باطلة (1). والحق: ما ذكره الشيخ، لأن الاضافة ها هنا وإن جردت لفظا، لكنها مقدرة، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. إذا عرفت هذا، فنقول: لا بد من إضمار عدد يضاف إليه تقديرا، فيحمل على العشرة التي هي أقل ما يصلح إضافته إلى هذا الجمع أخذا بالمتيقن، وحوالة على الأصل من براءة الذمة. لا يقال: فكان يجب على الامام بيانه، لما ذكرتم. لأنا نقول: يجوز أن يكون الامام عليه السلام عرف من المخاطب علمه بالحاجة إلى الاضمار، وبالبراءة الاصلية، فكان ذلك بمنزلة التنصيص. وها هنا نوع من التحقيق، وهو أن هذا الحديث يمكن أن يستدل به على ما ذهب الشيخ إليه في القليل، لأن السؤال يضمن قوله: قطرات دم، وهو جمع تصحيح. ونص سيبويه (2) على أن جمع التصحيح للقلة، فيكون السؤال يضمن القليل. وأما الحكم بالعدد، فإما لما ذكره الشيخ، وإما لأنه جمع كثرة فيحمل على أقلها وهو العشرة. وأما العذرة، فقال ابن بابويه: لها عشر فإن ذابت فأربعون أو خمسون (3). وقال المفيد في المقنعة: للرطبة أو الذائبة خمسون، ولليابسة عشر (4). وقال الشيخ: للرطبة خمسون، ولليابسة عشر (5).

(1) التهذيب 1: 245، المتعبر 1: 66.
(2) أبو بشر عمرو بن عثمان. ولد في البيضاء قرب شيراز وتوفي فيها، كان منشأه في البصرة، تعلم على الخليل، يعد إمام مذهب البصريين، وكتابه في النحو هو: " الكتاب " شرحه ابن السراج، والمبرمان، والسيرافي، والرماني، مات بالبيضاء أو شيراز سنة 180 ه‍، وقيل غير ذلك. بغية الوعاة: 366، شذرات الذهب 1: 252 العبر 1: 215.
(3) الفقيه 1: 13.
(4) المقنعة: 9.
(5) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.

[ 82 ]

وقال المرتضى في المصباح: لليابسة عشر، فإن ذابت وتقطعت خمسون دلوا (1). والأقوال متقاربة، فإن الرطبة والذائبة اشتركتا في شياع أجزائهما في أجزاء الماء، فتعلق بهما حكم واحد بخلاف اليابسة، والرواية تتضمن ما ذكره ابن بابويه. روى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام عن العذرة تقع في البئر؟ فقال: (ينزح منها عشر دلاء فإن ذابت فأربعون أو خمسون دلوا) (2) ويمكن التعدية إلى الرطبة، للاشتراك في شياع الإجزاء أو لأنها تصير حينئذ رطبة. الخامس: ما يوجب نزح أربعين، وهو موت الكلب، والخنزير، والثعلب، والأرنب، والشاة، والسنور، وما أشبهها، وبول الرجل. هذا مذهب الشيخين (3)، ووافقهما السيد المرتضى في الكلب، ووافقهما مع ابني بابويه في البول (4). ولنذكر ما وصل إلينا من الروايات في ذلك، فإنها غير دالة على مقصودهم. أما الكلب والسنور: فروى الشيخ في الحسن، عن أبي أسامة (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام في الفأرة والسنور والدجاجة والطير والكلب؟ قال: (ما لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء، فيكفيك خمس دلاء فإن تغير الماء، فخذه حتى يذهب الريح) (6) وفي موضع آخر: (فخذ منه حتى يذهب الريح (7).

(1) نقل عنه في المعتبر 1: 65.
(2) التهذيب 1: 244 تحديث 702، الاستبصار 1: 41 حديث 116، الوسائل 1: 140 الباب 20 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) المفيد في المقنعة: 9، والطوسي في المبسوط 1: 11، والنهاية: 6. (4) انظر أقوالهم في المعتبر 1: 67.
(5) زيد بن يونس، وقيل: ابن موسى - أبو أسامة الشحام مولى شديد بن عبد الرحمن بن نعيم الازدي الغامدي، كوفي، قاله النجاشي. عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب أبي جعفر (ع) بعنوان: زيد بن محمد. وأخرى من أصحاب الصادق (ع) بعنوان: زيد بن يونس، ثقة له كتاب، قيل توفي سنة 100 ه‍. رجال النجاشي 175، رجال الطوسي: 122، 195، الفهرست: 71، رجال العلامة: 73 تنقيح المقال 3: باب الكنى صفحة 1.
(6) التهذيب 1: 233 حديث 675.
(7) التهذيب 1: 237 حديث 684، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 7.

[ 83 ]

وروي في الضعيف، عن عمرو بن سعيد بن هلال، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما يقع في البئر ما بين الفأرة والسنور إلى الشاة؟ فقال: كل ذلك يقول: (سبع دلاء) (1). وروى الشيخ، عن الحسين بن سعيد (2)، عن القاسم (3)، عن علي (4)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: (سبع دلاء)، قال: وسألته عن الطير والدجاجة تقع في البئر؟ قال: (سبع دلاء، والسنور عشرون أو ثلاثون أو أربعون دلوا والكلب وشبهه) (5). وهذه الرواية ضعيفة، فإن القاسم بن محمد وعلي بن أبي حمزة واقفيان. قال الشيخ عقيب هذا الحديث: وهذا يدخل فيه الشاة، والغزال، والثعلب، والخنزير

(1) التهذيب 1: 235 حديث 679، الاستبصار 1: 34 حديث 91 الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق، حديث 5.
(2) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران الاهوازي من موالي علي بن الحسين، ثقة، وأصله كوفي، وانتقل مع أخيه الحسن إلى الاهواز ثم إلى قم، وتوفي فيها. عده الشيخ تارة من أصحاب الرضا (ع) وأخرى من أصحاب الجواد (ع). مضيفا إليه أخيه الحسن - وثالثة من أصحاب الهادي (ع). رجال النجاشي: 58، رجال الطوسي: 372، 399، 412، الفهرست: 58، جامع الرواة 1: 241.
(3) القاسم بن محمد الجوهري مولى تيم الله، كوفي الأصل، سكن بغداد، واقفي، عده الشيخ تارة من أصحاب الصادق وأخرى من أصحاب الكاظم عليهما السلام. وقال: واقفي. روى عن علي بن أبي حمزة وغيره. رجال النجاشي: 315 رجال الكشي: 452، رجال الطوسي: 358، الفهرست: 128، جامع الرواة 2: 20، تنقيح المقال 2: 24.
(4) علي بن أبي حمزة - واسم أبي أبي حمزة: سالم البطائني - أبو الحسن مولى الأنصار، كوفي، وكان قائد أبي بصير يحيى بن القاسم، وله أخ يسمى جعفر بن أبي حمزة. روى عن أبي الحسن موسي (ع) وعن أبي عبد الله ثم وقف. وهو أحمد عمد الواقفة. عده الشيخ تارة من أصحاب الصادق (ع) وأخرى من أصحاب الكاظم (ع) قائلا بأنه واقفي: رجال النجاشي، 249، رجال الكشي: 443، رجال الطوسي: 242، 353، جامع الرواة 1: 547، رجال العلامة 231.
(5) التهذيب 1: 235، حديث 680 الاستبصار 1: 36 حديث 97، الوسائل 1: 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 3.

[ 84 ]

وكل ما ذكر (1). وروي في الضعيف، عن سماعة (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام. إلى قوله (وإن كان سنورا أو أكبر منه نزحت منها ثلاثين دلوا أو أربعين دلوا) (3). وروي في الصحيح، عن زرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام في البئر يقع فيها الدابة والفأرة والكلب والطير فيموت؟ قال: (يخرج ثم ينزح من البئر دلاء، ثم اشرب وتوضأ) وقد تقدم البحث في هذه الرواية (4) وروي في الضعيف، عن إسحاق بن عمار (5)، عن جعفر، عن أبيه، إن عليا عليه السلام كان يقول: (الدجاجة ومثلها يموت في البئر ينزح منها دلوان وثلاثة (6) فإذا كانت شاة وما أشبهها فتسعة أو عشره) (7).

(1) التهذيب 1: 236.
(2) سماعة بن مهران بن عبد الرحمن الحضرمي الكوفي مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي. وقيل: مولى خولان. يكني أبا ناشرة، وقيل: أبا محمد، كان يتجر في القز ويخرج به إلى حران، ونزل الكوفة في كندة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن، ومات بالمدينة. وله في الكوفة مسجد، وثقة النجاشي. وعده الشيخ من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وقال: واقفي. رجال النجاشي: 193، رجال الطوسي: 214، 351 جامع الرواة 1: 384.
(3) التهذيب 1: 236 حديث 681، الاستبصار 1: 6 حديث 98، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 4 - بتفاوت يسير.
(4) تقدمت في ص 75 رقم 1. (5) إسحاق بن عمار مشترك بين إسحاق بن عمار بن حيان مولى بني تغلب الكوفي الصيرفي، وثقة النجاشي، والشيخ في رجاله، وعده من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليهما السلام. له كتاب. وبين إسحاق بن عمار بن موسى الساباطي، ذكره الشيخ في الفهرست، وقال، له أصل، وكان فطحيا إلا أنه وأصله معتمد، وتوقف العلامة والأردبيلي فيما ينفرد به. وقد نبه العلامة المامقاني أن هذا الاشتراك في الاسم يوجب توثيق بعض له وتضعيف بعض آخر. رجال النجاشي: 71، رجال الطوسي: 149، 342، الفهرست: 150 رجال العلامة: 200، جامع الرواة 1: 82، تنقيح المقال 1: 115.
(6) في المصدر: أو ثلاثة.
(7) التهذيب 1: 237 حديث 683، الاستبصار 1: 38 حديث 105، الوسائل 137 الباب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 3.

[ 85 ]

وروي، عن البقباق (1) مثل رواية زرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد. ومثلها روى علي بن يقطين، عن الكاظم عليه السلام، إلا أنه ذكر عوض الدابة والطير الحمامة والدجاجة، وزاد أو الهرة، وذكر العطف بأو، وقد تقدمت أيضا (2). وفي رواية أبي مريم (3) في الصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام: (إذا مات الكلب في البئر نزحت) (4). وفي رواية ياسين، عن حريز، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلوا) (5). وفي رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (ينزف البئر كلها لوقوع الكلب أو الفأرة أو الخنزير) (6) ورواتها فطحية. وقال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه: ينزح للكلب من ثلاثين إلى أربعين، وفي السنور سبع، وفي الشاة وما أشبهها تسعة إلى عشرة (7)، ويمكن أن يكون حجته رواية إسحاق بن عمار (8).

(1) التهذيب 1: 237 حديث 685، الاستبصار 1: 37 حديث 100، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
(2) في ص 57.
(3) عبد الغفار بن قاسم بن قيس بن قيس بن قهد الانصاري، أبو مريم، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله، وعده الشيخ من أصحاب الامام السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، له كتاب. روى عنه الحسن بن محبوب وأبان بن عثمان. رجال النجاشي: 246، رجال الطوسي: 99، 129، 237، الفهرست: 188، جامع الرواة 1: 461.
(4) التهذيب 1: 237 حديث 687، وص 415 حديث 1310، الاستبصار 1: 38 حديث 103، الوسائل 1: 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) التهذيب 1: 241 حديث 697.
(6) التهذيب 1: 242 حديث 699 وص 284 حديث 832، الاستبصار 1: 38 حديث 104، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 8 - بتفاوت يسير.
(7) الفقيه 1: 12، 15.
(8) تقدمت في ص 84.

[ 86 ]

وأما البول، فقد روى الشيخ، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن بول الصبي الفطيم يقع في البئر؟ فقال: (دلو واحد) قلت: بول الرجل؟ قال: (ينزح منها أربعون دلوا) (1) وعلي بن أبي حمزة لا يعول على روايته، غير أن الأصحاب قبلوها. وفي رواية معاوية بن عمار في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام، في البئر يبول فيها الصبي أو يصب فيها بول أو خمر؟ قال: (ينزح الماء كله) (2) وحمله الشيخ على التغير (3)، وفي رواية كردويه: (ينزح ثلاثون) وقد تقدمت (4)، وفي رواية محمد بن بزيع في الصحيح: (ينزح منها دلاء) (5) من غير ذكر تفصيل البول. والأقرب في العمل عندي: الاخذ برواية محمد بن بزيع لسلامة سندها. ويحمل الدلاء في البول على رواية كردويه، فإنها لا بأس بها. ورواية معاوية بن عمار، تحمل على التغير في البول أو على الاستحباب. فرعان: الأول: لا فرق بين بول الكافر والمسلم لاطلاق الاسم. الثاني: لا فرق بين بول المرأة والرجل، إن عملنا برواية محمد بن بزيع أو برواية كردويه، وإن عملنا برواية علي بن أبي حمزة حصل الفرق. وابن إدريس لم يفرق بينهما من مأخذ آخر، قال: لأنها إنسان، والحكم معلق عليه معرفا باللام الدال على

(1) التهذيب 1: 243 حديث 700، الاستبصار 1: 34 حديث 90، الوسائل 1: 133 الباب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(2) التهذيب 1: 241 حديث 696، الاستبصار 1: 35 حديث 94، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
(3) التهذيب 1: 241.
(4) في ص 70.
(5) الكافي 3: 5 حديث 1، التهذيب 1: 244 حديث 705، الاستبصار 1: 44 حديث 124، الوسائل 1: 130 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 21.

[ 87 ]

العموم (1). ومقدماته كلها فاسدة. نعم، لا فرق في المراة بين الصغيرة والكبيرة في وجوب الأربعين. السادس: ما يوجب نزح ثلاثين، وذلك روى الشيخ، عن كردويه، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول والعذرة وأبوال الدواب وأرواثها وخرء الكلاب؟ قال: (ينزح منها ثلاثون دلوا، وإن كانت مبخرة) (2). السابع: ما يوجب نزح عشر، وهو الدم القليل، والعذرة اليابسة، على ما ذكره الأصحاب وقد تقدم (3) الثامن: ما يوجب نزح سبع، وهو أقسام: أحد ها: موت الطير. اختاره الشيخان (4)، والسيد المرتضى (5)، ومن تابعهم (6)، ويدل يدل عليه رواية أبي أسامة وأبي يوسف يعقوب بن عيثم (7)، عن أبي عبد الله عليه

(1) السرائر: 12.
(2) التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120، الوسائل 1: 133 الباب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 3. في التهذيب والاستبصار: مبخرة. وفي هامش التهذيب: المبخرة: البئر التي منها الرائحة الكريهة، وفي هامش المطبوعة (وجد بخط الشيخ في نسخة الاستبصار مبخرة - بضم الميم وسكون الباء وكسر الحاء - معناها: المنتنة. وروي - بفتح الميم والخاء -: موضع النتن) شرح الارشاد للشهيد الأول: 153.
(3) في ص 79، 82.
(4) المفيد في المقنعة: 9، والطوسي في المبسوط 1: 11، والنهاية: 7.
(5) نقل عنه في المعتبر 1: 69 - 70. (6) كابن البراج في المهذب 1: 22، وسلار في المراسم: 36، وابن إدريس في السرائر: 11.
(7) يعقوب بن عيثم أو عثيم - بضم العين وفتح المثلثة - كما قال العلامة المامقاني. وذكره الشيخ في رجاله تحت عنوان أبو يوسف من أصحاب الصادق (ع). ووقع في طريق الصدوق في الفقيه وذكره في مشيخته، روى عنه علي بن الحكم وأبان. رجال الطوسي: 337، الفقيه 4: 6 من المشيخة، جامع الرواة 2: 427، تنقيح المقال 3: 331.

[ 88 ]

السلام، قال: (إذا وقع في البئر الطير والدجاجة والفأرة، فانزح منها سبع دلاء) (1) وكذا في رواية علي بن أبي حمزة، وقد تقدمت في قسم الكلب. وكذا في رواية سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي رواية زرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، عنهما عليهما السلام (دلاء) وقد تقدمت. وكذا في رواية البقباق (2)، ورواية علي بن يقطين (3). وفي رواية الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها، فانزح منها دلاء) قال: (فإن وقع فيها جنب، فانزح منها سبع دلاء، وإن مات فيها بعير أو صب فيها خمر، فلينزح) (4). وفي رواية عبد الله بن سنان في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن سقط في البئر دابة صغيرة أو نزل فيها جنب، نزح منها سبع دلاء) (5). وفي رواية إسحاق بن عمار: (الدجاجة ومثلها يموت في البئر، تنزح منها دلوان أو ثلاثة) (6). وفي رواية أبي أسامة في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الفأرة والسنور والدجاجة والطير والكلب؟ قال: (ما لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء، فيكفيك خمس دلاء، فإن تغير الماء، فخذه حتى يذهب الريح) (7).

(1) التهذيب 1: 233 حديث 674، الاستبصار 1: 31 حديث 84، الوسائل 1: 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 12.
(2) مرت الروايات في ص 83 - 85.
(3) مرت في ص 57.
(4) الكافي 3: 6 حديث 7، التهذيب 1: 240 حديث 694، الاستبصار 1: 34 حديث 92، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6. وفي الجميع: شئ بدل كلمة حيوان. (5) التهذيب 1: 241 حديث 695، الاستبصار 1: 35 حديث 93، الوسائل 1: 131 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1 - بتفاوت يسير.
(6) التهذيب 1: 237 حديث 683، الاستبصار 1: 38 حديث 105، الوسائل 1: 137 الباب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
(7) التهذيب 1: 233 حديث 675.

[ 89 ]

قال ابن إدريس: والسبع يجب للنعامة والحمامة وما بينهما (1). وثانيها: اغتسال الجنب، ويدل عليه: رواية الحلبي وابن سنان. وفي رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها؟ قال: (ينزح منها سبع دلاء) (2). وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، في البئر يقع فيها الميتة؟ قال: (إذا كان له ريح نزح منها عشرون دلوا) وقال: (إذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء) (3). تنبيه: قال ابن إدريس: الحكم يتعلق (4) بالارتماس بحيث يغطي ماء البئر رأسه لا بالنزول (5). والروايات التي أوردناها ليس فيها إشعار بذلك، فرواية الحلبي بعبارة الوقوع ورواية ابن سنان بعبارة النزول، ورواية أبي بصير بالدخول والاغتسال، ورواية محمد بن مسلم بالدخول. آخر: هذا الحكم إنما يتعلق مع الخلو عن النجاسة العينية. كذا ذكره ابن إدريس (6) بناءا منه على أن المني يوجب نزح الجميع. ونحن لما لم تقم عندنا دلالة على وجوب النزح للمني، لا جرم توقفنا في هذا الاشتراط. وينبغي أن يعلم أن القائلين بتنجيس البئر، منهم من قال بالمنع من المستعمل في الكبرى فأوجب النزح للجنب كالشيخين (7)، ومنهم من لم يمنع منه فلم يتعرض للنزح

(1) السرائر: 11.
(2) التهذيب 1: 244 حديث 702، الوسائل 1: 142 الباب 22 من أبواب المطلق حديث 4.
(3) التهذيب 1: 244 حديث 703، الوسائل 1: 142 الباب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(4) " م " " ن ": معلق.
(5) السرائر: 12.
(6) السرائر 12. (7) المقنعة: 9، وقال الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 11، بالمنع من المستعمل في الكبري، في ص: 12 بوجوب النزح.

[ 90 ]

كالمرتضى (1)، إلا سلار، فإنه أوجب النزح ولم يمنع من الاستعمال (2). أما نحن فلما أوجبنا النزح للتعبد، قلنا بالوجوب هاهنا، عملا بهذه الروايات. وثالثها: خروج الكلب حيا بعد وقوعه، لرواية أبي مريم في الصحيح، قال: حدثنا جعفر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (إذا مات الكلب في البئر نزحت) وقال جعفر عليه السلام: (إذا وقع فيها ثم أخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء) (4) وهو اختيار الشيخ في المبسوط (3). وقال في النهاية: وقد روي إذا وقع فيها كلب وخرج حيا، نزح منها سبع دلاء (5). وابن إدريس استضعف هذه الرواية، وقال: منها أربعون دلوا (6)، ولا أعرف من أين هذا الاستضعاف والتقدير الذي صار إليه! فإن كان استضعافه لقول الشيخ في النهاية: وروي (7)، فهو خيال فاسد. ورابعا: الفأرة إذا تفسخت أو انتفخت (8). كذا قال المفيد (9) وأبو الصلاح (10) وسلار (11)، وقال الشيخ: إذا تفسخت فسبع دلاء (12). وقال المرتضى في المصباح: في الفأرة سبع دلاء وقد روي ثلاث (13).

(1) جمل العلم والعمل: 49.
(2) قال في ص: 33 من المراسم بجواز الطهارة بالماء المستعمل في الطهارة الكبرى، وفي ص: 36، أوجب سبع دلاء لارتماس الجنب.
(3) التهذيب 1: 237 حديث 687، الاستبصار 1: 38 حديث 103، الوسائل 1: 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، حديث 1، و فيه: أبو جعفر.
(4) المبسوط 1: 11.
(5) النهاية: 6.
(6) السرائر 11.
(7) " ح ": وروايته.
(8) " م ": انفسخت أو انتفخت.
(9) المقنعة: 9.
(10) الكافي في الفقه: 130.
(11) المراسم 1: 35. (12) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.
(13) نقله عنه في المعتبر 1: 71.

[ 91 ]

وقال ابن بابويه: وإن وقع فيها فأرة، فدلو واحدة: وإن تفسخت، فسبع دلاء (1). قال ابن إدريس: وحد تفسخها انتفاخها (2). لنا: ما رواه أبو عيينة (3)، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الفأرة تقع في البئر؟ قال: (إذا خرجت فلا بأس، وإن تفسخت فسبع دلاء) (4). وما رواه أبو سعيد المكاري (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا وقعت الفأرة في البئر فتسلخت، فانزح منها سبع دلاء) (6). وما رواه منصور (7)، قال: حدثني عدة من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ينزح منها سبع إذا بال فيها الصبي أو وقعت فيها فأرة أو نحوها) (8) ولا يحضرني

(1) الفقيه 1: 12.
(2) السرائر: 11.
(3) روى الشيخ في باب تطهير المياه من التهذيب عن جعفر بن بشير عنه عن أبي عبد الله (ع). ورورى أيضا في كتاب العتق عن أبي جميلة عنه. ذكره النجاشي ولم يتعرض لحاله. وقال الاردبيلي: لم أجد له ذكر في كتب الرجال. واقتصر على تسميته دون بيان شئ في حقه. رجال النجاشي: 460، جامع الرواة 2: 408، تنقيح المقال 3: 30.
(4) التهذيب 1: 233 حديث 673، الاستبصار 1: 31 حديث 83، الوسائل 1: 128 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 13.
(5) أبو سعيد المكاري، هاشم أو هشام بن حيان الكوفي مولى بني عقيل كان هو وأبوه وجهين في الواقفة. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). وقال النجاشي: له كتاب يرويه جماعة. رجال النجاشي: 436، رجال الطوسي 330 الفهرست: 190، جامع الرواة 2: 310، تنقيح المقال 3: 287.
(6) التهذيب 1: 239 حديث 691، الاستبصار 1: 39 حديث 110، الوسائل 1: 137 الباب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 1 - بتفاوت يسير.
(7) منصور بن حازم، أبو أيوب البجلي مولاهم كوفي ثقة، عين، من أجلة أصحابنا وفقهائهم، وهو من الاعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام. عده الشيخ من أصحاب الصادق، وقال له أصول الشرائع والحج. رجال النجاشي: 413، رجال الطوسي: 313، الفهرست: 164، جامع الرواة 2: 264، تنقيح المقال 3: 249.
(8) التهذيب 1: 243 حديث 701 الاستبصار 1: 33 حديث 89، الوسائل 1: 133 الباب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 92 ]

لآن حال رواة هذه الاحاديث، لكن روى الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة والوزغة وقع في البئر؟ قال: (ينزح منها ثلاث دلاء) (1) ومثله روى في الصحيح، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام (2). وروى في الصحيح، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا سقط في البئر شئ صغير فمات فيها، فانزح منها دلاء) (3). وروى في الحسن، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن سقط في البئر دابة صغيرة أو نزل فيها جنب نزح منها سبع دلاء) (4) علق الحكم على موت صغير الحيوان الصادق على الفأرة، فيوجد عند ثبوته. وروى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال: (إن أدركته قبل أن ينتن نزحت منه سبع دلاء) (5) وسماعة واقفي، والراوي عنه عثمان بن عيسى واقفي (6)، فالاستدلال بها ضعيف. وفي رواية علي بن يقطين في الصحيح: (ينزح منها دلاء) (7) من غير ذكر التفسخ

(1) التهذيب 1: 238 حديث 688، الاستبصار 1: 39 حديث 106 الوسائل 1: 137 الباب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(2) التهذيب 1: 238 حديث 689، الاستبصار 1: 39 حديث 107 الوسائل 1: 138 الباب 19 من أبواب الماء المطلق، ذيل حديث 2.
(3) الكافي 3: 6 حديث 7 التهذيب 1: 240 حديث 694، الاستبصار 1: 34 حديث 92 الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
(4) التهذيب 1: 241 حديث 695، الاستبصار 1: 43 حديث 93، الوسائل 1: 131 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(5) التهذيب 1: 236 حديث 681، الاستبصار 1: 36 حديث 98 الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق، حديث 4.
(6) مر ذكر سماعة: في ص 84، وعثمان بن عيسى ص 39. (7) التهذيب 1: 237 حديث 686 الاستبصار 1: 37 حديث 101، الوسائل 1: 134 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 2.

[ 93 ]

ولا العدد (1). وكذا في رواية زرارة، ومحمد، وبريد، عنهما وقد تقدمت (2). وفي رواية أبي أسامة في الحسن: (إذا لم يتفسخ أو يتغير طعم الماء (فيكفيك) (3) خمس دلاء) (4). وفي رواية علي بن أبي حمزة: (سبع دلاء) (5)، ولم يذكر التفسخ، وهي ضعيفة السند. وكذا في رواية عمرو بن سعيد بن هلال (6)، وهي ضعيفة أيضا، وكذا في رواية أبي أسامة وأبي يوسف يعقوب بن عثيم (7). وروي في الصحيح، عن ابن مسكان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يقع في الآبار؟ قال: (أما الفأرة، فينزح منها حتى تطيب، وإن سقط فيها كلب فقدرت على أن تنزح ما فيها فافعل وكل، شئ سقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك، فلا بأس) (8) به ولكن هذه الرواية إنما تدل على ما وجد فيه التغير لدلالة قوله عليه السلام (حتى تطيب) عليه. وروى أبو خديجة (9)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الفأرة يقع في

(1) " ح " " ق ": والعدد.
(2) في ص 75.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) الكافي 3: 5 حديث 3، التهذيب 1: 237 حديث 684، الاستبصار 1: 37 حديث 102، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
(5) تقدمت في ص 83.
(6) تقدمت في ص 73.
(7) تقدمت في ص 88.
(8) التهذيب 1: 230 حديث 666، الاستبصار 1: 26 حديث 68.
(9) سالم بن مكرم بن عبد الله: أبو خديجة مولى بني أسد الجمال، يقال: إن أبا عبد الله (ع) كناه: أبا سلمة. وثقة النجاشي. وعده الشيخ. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق وضعفه في الفهرست. وتوقف فيه الاردبيلي. واستظهر صلاحه العلامة المامقاني. رجال النجاشي: 188، رجال الطوسي: 209، الفهرست: 79، جامع الرواة 1: 349، تنقيح المقال 2: 5.

[ 94 ]

البئر؟ قال: (إذا ماتت ولم تنتن، نزح أربعين دلوا) (1) وحمل الشيخ هذه الرواية على الاستحباب (2) وإطلاق الرواية بالسبع على التفسخ، وبالثلاث على عدمه. وقد عرفناك ضعف الروايات الدالة على التفصيل مع أن في رواية أبي أسامة (3) نزح خمس مع عدم التفسخ. وخامسها: بول الصبي، وتدل (4) عليه رواية منصور، عن عدة من أصحابنا. وقد تقدمت في الفأرة (5). وفي رواية علي بن أبي حمزة نزح لبول الصبي الفطيم دلو واحد (6). التاسع: ما يوجب نزح خمس دلاء وهو ذرق الدجاج. اختاره الشيخ (7)، وقيده المفيد وابن إدريس بالجلال (8)، ولم أقف على حديث يدل على شئ منها. العاشر: ما يوجب نزح ثلاث، وهو موت الفأرة مع عدم التفسخ على ما ذكره الشيخ (9)، وبول الصبي إذا أكل الطعام على ما ذكره السيد المرتضى (10)، وبول الصبي الرضيع على ما ذكره أبو الصلاح (11)، وقد تقدم البحث في ذلك كله (12). ولموت الحية سواء تفسخت أو لا، وألحق الشيخ بها الوزغة (13)، والعقرب، واقتصر

(1) التهذيب 1: 239 حديث 692، الاستبصار 1: 40 حديث 111، الوسائل 1: 138 الباب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 4، وفي المصدر: فأربعين دلوا.
(2) التهذيب 1: 239 حديث 692، الاستبصار 1: 40.
(3) تقدمت في ص 82.
(4) " م " يدل.
(5) تقدمت في ص 91.
(6) تقدمت في ص 86.
(7) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.
(8) المقنعة: 9 السرائر: 12.
(9) المبسوط 1: 12.
(10) نقل عنه في المعتبر 1: 72.
(11) الكافي في الفقه: 130. (12) راجع ص 86 89.
(13) المبسوط 1: 12، النهاية: 7.

[ 95 ]

المفيد على الوزغة (1). وقال أبو الصلاح: للحية والعقرب ثلاث دلاء، وللوزغة دلو واحدة (2). وقال علي بن بابويه (3): إذا وقع فيها حية أو عقرب أو خنافس أو بنات وردان (4)، فاستق للحية دلو، وليس عليك فيما سواها شئ (5). وابن إدريس أقتصر على الحية بثلاث (6). أما الحية، فلم نقف على حديث يدل على ما ذكروه فيها، ويمكن التمسك فيها بحديث عبد الله بن سنان (7)، الدال على حكم الدابة الصغيرة، لكنه يدل على نزح سبع دلاء. وأما الوزغة، فيدل عليه روايتا معاوية وابن سنان في الصحيح، وقد تقدمتا في فصل الفأرة (8). وفي رواية الحلبي في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا سقط في البئر حيوان، صغير فانزح منها دلاء) (9) وهي دالة على الوزغة والحية أيضا، ويحمل على الثلاثة أخذ بالمتيقن في أقل الجمع.

(1) المقنعة: 9.
(2) الكافي في الفقه: 130.
(3) علي بن الحسين بن موسي بن بابويه القمي: أبو الحسن شيخ القميين في عصره وفقيههم وثقتهم، اجتمع في العراق مع أبي القاسم الحسين بن روح - رحمه الله - وسأله مسائل. وكفى في فضله ما في التوقيع الشريف المنقول عن الامام العسكري: " أوصيك يا شيخي ومعتمدي.. " له كتب كثيرة. توفي سنة 329 ه‍ ودفن بقم بجوار الحضرة الفاطمية (ع). رجال النجاشي: 261، رجال الطوسي: 482، الفهرست: 93.
(4) بنات وردان: دويبة نحو الخنفساء حمراء اللون وأكثر ما تكون الحمامات وفي الكنف. المصباح المنير 2: 655.
(5) المختلف: 8.
(6) السرائر: 13.
(7) التهذيب 1: 241 حديث 695، الاستبصار 1: 93، الوسائل 1: 131 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(8) انظر: ص 92. (9) التهذيب 1: 240 حديث 694، الاستبصار 1: 34 حديث 92، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 6. وفي المصدر: شئ - بدل - حيوان.

[ 96 ]

وفي رواية يعقوب بن عثيم، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: سام أبرص وجدناه قد تفسخ في البئر؟ قال: (إنما عليك أن تنزح منه سبع دلاء قال: قلت: فثيابنا التي صلينا فيها، نغسلها ونعيد الصلاة؟ قال: (لا) (1). وسأل جابر بن يزيد الجعفي (2) أبا جعفر عليه السلام عن السام أبرص يقع في البئر؟ فقال: (ليس بشئ، حرك الماء بالدلو) (3) وجمع الشيخ بينهما، بأن حمل الثاني على عدم التفسخ. والأولى عندي تعلق الحكم، وهو نزح الثلاث بالحية دون غيرها مما عددناه، لوجود النفس السائلة لها دون غيرها، وميتتها نجسة، وأحمل رواية يعقوب في سام أبرص على الاستحباب. أما أولا: فلرواية جابر. وأما ثانيا: فلأنها لو كانت نجسة بوقوعه، لما أسقط عنه غسل الثوب. وسأل يعقوب بن عثيم أبا عبد الله عليه السلام، فقال له: بئر ماء في مائها ريح يخرج منها قطع جلود؟ فقال: (ليس بشئ؟ إن الوزغ ربما طرح جلده وإنما يكفيك من ذلك دلو واحد) (4) وربما كان ذلك إعتماد أبي الصلاح (5).

(1) الفقيه 1: 15 حديث 32، التهذيب 1: 245 حديث 707، الاستبصار 1: 41 حديث 114، الوسائل 1: 129 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 19.
(2) جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن مرار بن جعفي، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. عده الشيخ تارة من أصحاب الباقر وأخرى من أصحاب الصادق عليهما السلام. وقال النجاشي: روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا. والكشي أيضا روى فيه مدحا وبعض الذم. مات سنة 128 ه‍. وقيل 132 ه‍. رجال النجاشي: 128 رجال الكشي: 191، رجال الطوسي: 111، 163، الفهرست: 45، رجال العلامة: 35، تنقيح المقال 1: 201.
(3) الفقيه 1: 15 حديث 31، التهذيب 1: 245 حديث 708، الاستبصار 1: 41 حديث 115 الوسائل 1: 139 الباب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 8.
(4) الفقيه 1: 15 حديث 30 الكافي 3: 6 حديث 9.
(5) الكافي في الفقه 130..

[ 97 ]

وفي رواية هارون بن حمزة الغنوي (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء يخرج حيا، هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: (يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ غير الوزغ فإنه لا ينتفع بما يقع فيه) (2). والأقرب عندي تفريعا على القول بالتنجيس: استحباب النزح للعقرب أيضا. ويدل عليه ما رواه ابن مسكان في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (وكل شئ سقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس) (3). وفي رواية المنهال بن عمرو (4)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: العقرب تخرج من البئر ميتة؟ قال: (استق منها عشرة دلاء) قال: فقلت: فغيرها من الجيف؟ قال: (الجيف كلها سواء إلا جيفة قد أجيفت فإن، كانت لجيفة قد أجيفت فاستق منها مائة دلو، فإن غلب عليها الريح بعد مأة دلو، فانزحها كلها) (5) فما تضمنت هذه الرواية من نزح العشرة على جهة الاستحباب. ومنهال، لا يحضرني الآن حاله، فإن كان ثقة فالرواية صحيحة.

(1) هارون بن حمزة الغنوي الصيرفي، كوفي، ثقة، عين. عده الشيخ من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام. وقال النجاشي: له كتاب يرويه جماعة. رجال النجاشي: 437، الفهرست: 176، رجال الطوسي: 139، 328.
(2) التهذيب 1: 238 حديث 690، الاستبصار 1: 41 حديث 113، الوسائل 1: 138 الباب 19 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(3) الكافي 3: 6، حديث 6، التهذيب 1: 230 حديث 666، الاستبصار 1: 26 حديث 68، الوسائل 1: 136 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 11. في الكافي والوسائل: عن ابن مسلكان عن أبي بصير.
(4) المنهال بن عمر الاسدي، كوفي، عده الشيخ تارة من أصحاب الحسين (ع)، وأخرى من أصحاب السجاد (ع)، وثالثة من أصحاب الباقر (ع)، ورابعة من أصحاب الصادق (ع). روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام. رجال الطوسي: 79، 101، 138، 313، تنقيح المقال 3: 251، معجم رجال الحديث 19: 10، جامع الرواة 2: 269.
(5) التهذيب 1: 231 حديث 667، الاستبصار 1: 27 حديث 70، الوسائل 1: 143 الباب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 7.

[ 98 ]

ولنا: ما روي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة) (1). الحادي عشر: ما نزح له دلو واحدة، وهو: العصفور وما أشبهه، وبول الرضيع، وأما العصفور وشبهه، فقال به الشيخان (2) وأتباعهما (3). وتدل عليه رواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام، وذكر الحديث إلى أن قال: (وأقل ما يقع في البئر عصفور نزح منها دلو واحد) (4) وعمار فطحي (5)، لكن الأصحاب قبلوا روايته وشهدوا له بالثقة. وفي رواية الحلبي في الصحيح، ورواية ابن سنان في الحسن، دلالة على نزح ما هو أكثر، وقد تقدمتا (6). وأما البول، فقد مضى الكلام فيه (7). وحد ابن إدريس الرضيع بمن كان له دون الحولين سواء أكل الطعام أو لا (8). وقال أبو الصلاح: لبول الصبي الرضيع ثلاث دلاء (9). وألحق الصهرشتي (10).

(1) الكافي 3: 5 حديث 4، التهذيب 1: 231 حديث 668، الوسائل 1: 173 الباب 10 من أبواب الأسئآر حديث 4.
(2) المفيد في المقنعة: 9، والطوسي في المبسوط 1: 12.
(3) كابن البراج في المهذب 1: 22، وسلار في المراسم: 35 - 36، وابن إدريس في السرائر: 11.
(4) التهذيب 1: 234 حديث 678، الوسائل 1: 141 الباب 21 من أبواب المطلق حديث 2.
(5) مرت ترجمته وبيان حاله في ص 59.
(6) تقدمنا في ص 92.
(7) في ص 86.
(8) السرائر: 12.
(9) الكافي في الفقه 130. (10) الشيخ الثقة أبو الحسن سليمان بن الحسن بن سلمان، فقيه، وجه، دين، قراء على شيخنا أبي جعفر الطوسي وجلس في مجلس درس سيدنا المرتضى. له مصنفات، منها كتاب: قيس المصباح - مختصر مصباح المتهجد - وكتاب النفيس، وكتاب التنبيه، وغيرها. الكنى والألقاب 2: 434.

[ 99 ]

بالعصفور كل طائر في حال صغره (1). وفيه إشكال. والأقرب إلحاقه بنوعه، لتناول الاسم له. واشترط الراوندي فيه أن يكون مأكولا، قال: واحترز بذلك عن الخفاش، فإنه نجس (2)، وهو أشد إشكالا من الأول. وللحنفية تقسيم آخر للنجاسة الواقعة في البئر، قالوا: إما أن يكون ذا روح أو لا. والثاني يوجب نزح الجميع، كالبول والدم، والخمر قلت أو كثرت. والأول لا يخلو إما أن يكون فأرة ونحوها كالعصفور وشبهه، أو دجاجة ونحوها كالسنور، أو شاة ونحوها كالانسان، فلا يخلو إما أن يخرج حيا، أو ميتا، وبعد الموت لا يخلو إما إن تكون منتفخة، أو منفسخة (3) تمعط (4) شعرها، أو غير منتفخة وغير منفسخة (5) ولم يتمعط شعرها، فإن خرج حيا فلا يوجب النزح شئ منها إلا الكلب والخنزير، ذكره القاضي والشهيد في نكته، وقال: إن الفأرة إذا وقعت في البئر هاربة من الهر، فإنها توجب تنجيس ماء البئر، وإن خرجت حية لأنها تبول من فزعها، وكذا الهرة إذا وقعت هاربة من الكلب وغير الكلب، والخنزير إذا خرج حيا لم ينزح له شئ إذا لم يصب الماء فمه، فإن أصاب فمه، فإن كان سؤره طاهرا فالماء طاهر، وإن كان نجسا فالماء نجس، وإن كان مكروها فالماء مكروه. ويستحب أن ينزح منها عشر دلاء. وإن كان سؤره مشكوكا كالبغل، والحمار، نزح الماء كله، كذا ذكر في الفتاوي عن أبي يوسف (6)، وإن استخرج بعد التفسخ وتمعط الشعر، نزح الماء كله في الفضول بأسرها، وإن استخرج قبله بعد الموت، فإن كان فأرة ونحوها نزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون بعد إخراجها، وإن كان سنورا وشبهه، نزح منها أربعون أو خمسون، وإن كانت شاة وشبهها، نزح الماء كله حتى يغلبهم الماء، وفي الإوزة، والسخلة، والجدي روايتان عن أبي حنيفة.

(1) نقل عنه في المعتبر 1: 73.
(2) نقل عنه في المعتبر 1: 74. (3 - 5) في " م ": متفسخة.
(4) تمعط الشعر: تساقط. المصباح المنير 2: 575. (6) بدائع الصنائع 1: 74، 75.

[ 100 ]

إحداهما: إنها كالشاة. والأخرى: كالدجاجة. ثم اختلفوا في نزح الماء كله (1)، فقال محمد (2) في النوادر: إذا نزح ثلاثمائة دلو أو مائتا دلو (3) فإن لم ينزف فقد غلبهم الماء. وروي عن أبي حنيفة إنه قال: ينزح منها مائتا دلو. وفي رواية: مائة دلو (4). وعن أبي يوسف روايتان: إحداهما: يجوز جانبها حفرة مقدار عرض الماء وطوله وعمقه فتجصص وينزح ماؤها فيصيب فيها حتى تملا، فإذا امتلات حكم بطهارتها. والأخرى: يرسل فيها قصبة أو خشبة، فيجعل لمبلغ الماء علامة، ثم ينزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون (5)، فينظر كم انتقص، فإن انتقص شبر، نزح لكل شبر ذلك المقدر إلى آخره (6). وقيل: يؤتى برجلين عارفين بأمر الماء فيحكمان فيه، فينزح مقدار ما حكما به (7). وقال الكرخي (8): يحكم بالاجتهاد وإن سكن قلبه أنه طهر حكم به، قالوا: وهذا

(1) ليست في " م ".
(2) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني: أبو عبد الله، ولد بواسط ونشأ بالكوفة وتفقه على أبي حنيفة، وسمع الحديث من الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس، له كتاب: الجامع الصغير والكبير. مات سنة 189 ه‍. شذرات الذهب 1: 321، لسان الميزان 5: 121.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 59، بدائع الصنائع 1: 86، الهداية للمرغيناني 1: 22، تبيين الحقائق 1: 30.
(4) راجع المصادر في رقم (3) مع: شرح فتح القدير 1: 92.
(5) في المصادر: ينزح عشر دلاء.
(6) بدائع الصنايع 1: 86 وفيه: وعن أبي يوسف روايتان، في رواية: يحفر بجنبها حفيرة..، المبسوط للسرخسي 1: 59 شرح فتح القدير 1: 92، الهداية للمرغيناني 1: 22، تبيين الحقائق 1: 30.
(7) راجع المصادر السابقة.
(8) أبو الحسن عبد الله بن الحسين بن دلال الكرخي شيخ الحنفية بالعراق، روى عن إسماعيل القاضي وغيره. مات سنة 340 ه‍، لسان الميزان 7: 138، شذرات الذهب 2: 358.

[ 101 ]

كله استحسان. والقياس إما أن لا يحكم بنجاسة الماء كما قال الشافعي (1)، أو إذا حكم بالنجاسة لا يحكم بالطهارة بعد ذلك، كما قال بشر (2): يطم البئر طما (3). ونحن قد عرفت ما عندنا فيه من أن المراد بنزح كل الماء نزح الجميع بحيث لا يبقى منه شئ ولا يتقدر بقدر، ومع التعذر بالتراوح عملا بالنص. فروع: الأول: إذا تغير ماء البئر بالنجاسة نجس. وهو اتفاق علماء الاسلام، واختلف الأصحاب في تطهيره، فقال الشيخان: ينزح الجميع، فإن تعذر نزح حتى تطيب (4). وقال السيد المرتضى (5) وابنا بابويه: مع التعذر يتراوح عليها أربعة رجال يوما (6). وقال أبو الصلاح: نزح حتى يزول التغير (7). وقال ابن إدريس: إن كانت مما يوجب نزح الجميع نزح، ومع التعذر يتراوح الأربعة يوما، فإن زال التغير طهرت، وإلا نزحت حتى يزول التغير، ولا يتقدر بعد ذلك بمدة بل بالزوال، وإن كان مما يوجب نزح مقدار محدود؟ نزح المقدر، فإن زال التغير طهرت وإلا نزحت حتى يزول (8). والأولى عندي: ما ذكره أبو الصلاح.

(1) لم نعثر على قول للشافعي في خصوص البئر، بل المنقول عنه إن الماء ينجس بالملاقاة إذا كان أقل وإذا كان أكثر لا ينجس إلا بالتغير، سواء في ذلك البئر وغيره. انظر: المجموع 1: 86.
(2) بشر بن غياث المريسي الفقيه المتكلم، تفقه على أبي يوسف فبرع وأتقن علم الكلام فكان داعية للقول بخلق القرآن. ثم إنه كان مرجئا، وإليه تنسب طائفة المريسية المرجئة. روى عن حماد بن سلمة. مات أواخر سنة 218 ه‍ وقيل: 219 ه‍ ولم يشيعه أحد من العلماء بعد أن حكموا بكفره. لسان الميزان 2: 29، شذرات الذهب 2: 44.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 58، بدائع الصنائع 1: 75، شرح فتح القدير 1: 86.
(4) نقله في المقنعة: 9، والطوسي في المبسوط 1: 11.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 76.
(6) انظر قول علي بن بابويه في المتخلف 1: 5، ومحمد بن علي بن بابويه في الفقيه 1: 13.
(7) الكافي في الفقه: 130.
(8) السرائر: 10.

[ 102 ]

لنا: رواية أبي أسامة في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإن تغير الماء فخذه حتى يذهب الريح) (1). ورواية ابن بزيع في الصحيح، عن الرضا عليه السلام: (فينزح منه حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لأنه (2) له مادة) (3). وفي رواية سماعة: (وإن أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء، نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء) (4). وفي رواية زرارة: (فإن غلبت الريح، نزحت حتى تطيب) (5) ولان العلة هي التغير بالنص والدوران في الطرفين على مذهبنا، وقد زال، فيزول الحكم التابع، ولأنه قبل وقوع المغير طاهر، فكذا بعده مع زوال التغير، والجامع المصلحة الناشئة من الطهارة في الحالين، ولان نزح الجميع حرج وضرر، فيكون منفيا، ولأنه لو لم يكن زوال التغير غاية، لزم: إما خرق الاجماع، أو الفرق بين الأمور المتساوية بمجرد التحكم (6)، أو إلحاق الأمور المختلفة بعضها ببعض لمعنى غير معتبر شرعا، والتالي بأقسامه باطل، فالمقدم مثله. بيان الملازمة: إنه حينئذ إما أن لا يطهر بالنزح وهو خرق الاجماع، أو يطهر، فإما بنزح الجميع حالتي الضرورة والاختيار، وهو خرق الاجماع أيضا، وإما بنزح الجميع حالة الاختيار، وبالزوال حالة الضرورة والعجز، وهو الفرق بين الأمور المتساوية، ضرورة تساوي الحالتين في التنجيس، أو بالجميع في الاختيار، وبالتراوح عند الضرورة، قياسا على الاشياء المعينة الموجبة لنزح الجميع، وهو قياس أحد المختلفين على الآخر، ضرورة عدم

(1) التهذيب 1: 233 حديث 675.
(2) كذا في النسخ، وفي المصدر: لأن.
(3) التهذيب 1: 234 حديث 676، الاستبصار 1: 33 حديث 87، الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 7.
(4) التهذيب 1: 236 حديث 681: الاستبصار 1: 36 حديث 98، الوسائل 1: 135 الباب 17 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
(5) التهذيب 1: 241 حديث، 697 الاستبصار 1: 35 حديث 96، الوسائل 1: 132 الباب 15 من أبواب الماء المطلق حديث 3 - بتفاوت يسير.
(6) في " م " " ن " " ح " " ق ": الحكم.

[ 103 ]

النص الدال على الالحاق، أو ينزح شئ معين، وهو خرق الاجماع. ضرورة عدم القائل به من الأصحاب. لا يقال: لا نسلم تساوي حالتي الضرورة والاختيار. لأنا نقول: نعني بالتساوي ها هنا اتحادهما في الحكم بالتنجيس، مع سقوط التعليل بالمشقة والحرج في نظر الشرع، إذ هو حوالة على وصف خفي مضطرب، ومثل هذا لا يجعله الشارع مناطا للحكم، ولأنه يشبه الجاري بمادته فيشبهه في الحكم، وقد نص الرضا عليه السلام على هذه العلة (1). ولا شك في أن الجاري بتواتر جريانه حتى يزول التغير، فكذا البئر إذا زال التغير بالنزح، يعلم حصول الجريان من النابع الموجب لزوال التغير. حجة الشيخ: ما رواه في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإن أنتن غسل الثوب وأعاد الصلاة ونزحت البئر) (2). وفي رواية منهال: (وإن كان (3) جيفة قد أجيفت فاستق منها مائة دلو فإن غلب عليها الريح بعد مائة دلو، فانزحها كلها) (4)، ولأنه ماء محكوم بنجاسته إجماعا، فالتقدير تحكم. والجواب عن الحديث الأول من وجهين: أحدهما: يحتمل (نزحت البئر حتى تطيب) ويجب المصير إليه جمعا بين الأخبار. الثاني: يحتمل أن الماء قد تغير تغيرا لا يزيله إلا نزح الجميع إما لقلته أو لغلبة النجاسة. وعن الثاني: بالوجه الثاني من هذين، ويدل عليه العادة، فإن من المستبعد نزح مائة دلو من ماء متغير، ولا يزول تغيره إلا لغلبة النجاسة وضيق مجاري الماء وقلة الجريان.

(1) راجع ص 102 رقم 3.
(2) التهذيب 1: 232 حديث 670، الاستبصار 1: 30 حديث 80 الوسائل 1: 127 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 10.
(3) كذا في النسخ، وفي المصادر: كانت.
(4) التهذيب 1: 231، حديث 667، الاستبصار 1: 27 حديث 70، الوسائل 1: 143 الباب 22 من أبواب الماء المطلق حديث 7.

[ 104 ]

وعن الثالث: بالمنع من التحكم، وبالخصوص مع وجود النص المتقدم. الثاني: إذا وقع فيها نجاسة لم يقدر لها الشارع منزوحا ولم يغير الماء، فعندنا لا يتعلق به حكم. والقائلون بالتنجيس اختلفوا، فقال بعضهم بالجميع، لأنه ماء محكوم بنجاسته، فلا بد من النزح (1)، والتخصيص ببعض المقادير ترجيح من غير مرجح، فوجب نزح الجميع. وبعضهم أوجب نزح أربعين (2)، لرواية كردويه (3) وهو إنما يدل على نزح ثلاثين، ومع ذلك فالاستدلال بها لا يخلو من تعسف، وتردد الشيخ في المبسوط (4). والأقوى عندي تفريعا على التنجيس: الأول. الثالث: المعتبر في الدلو العادة لعدم النص الدال على التقدير، وأبو حنيفة قال: إن كان لها دلو معروف نزح به، وإلا اتخذ دلوا تسع عشرة أرطال، وقيل: ثمانية أرطال.
(5). الرابع: لو تعلق الحكم بعدد معين، فنزح بدلو عظيم يسع ذلك العدد، ليس لأصحابنا فيه نص، والوجه عدم الإجزاء، لأن الحكم تعلق بعدد معين ومقدار معين، فالمساوي لاحدهما غير مجز، وهو اختيار زفر (6)، (7).

(1) السرائر 13، الغنية (الجوامع الفقهية): 552.
(2) الوسيلة (الجوامع الفقهية 669.
(3) التهذيب 1: 413 حديث 1300، الاستبصار 1: 43 حديث 120، الوسائل 1: 133 الباب 16 من أبواب الماء المطلق حديث 3.
(4) المبسوط 1: 12.
(5) بدائع الصنائع 1: 86، المبسوط للسرخسي 1: 92، شرح فتح القدير 1: 90، الهداية للمرغيناني 1: 2، وفي الجميع: التعبير بالصاع. وقال في الهداية 1: 117، وشرح فتح القدير 2: 229: الصاع عند أبي حنيفة: ثمانية أرطال.
(6) زفر بن الهذيل بن قيس من بني العنبر: يكني أبا الهذيل الفقيه الحنفي، وصاحب أبي حنيفة. مات بالبصرة سنة 158 ه‍. ميزان الاعتدال 2: شذرات الذهب 1: 243، الفهرست لابن النديم: 285، وفيات الاعيان 2: 19، العبر 176.
(7) تبيين الحقائق 1: 29

[ 105 ]

وقال أبو حنيفة وصاحباه (1): يحكم بالطهارة (2). الخامس: لا تنجس جوانب البئر بما يصيبها من المنزوح (3) للمشقة المنفية. وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر تنجس (4). فيغسل لو أريد تطهيرها، وليس بجيد للضرر، وعدم إمكان التطهير. وعن أحمد روايتان كالوجهين (5). السادس: لا يجب غسل الدلو بعد الانتهاء، لعدم الدليل الدال على ذلك، ولأنه حكم شرعي، فكان يجب على الشرع بيانه ولأنه يستحب زيادة النزح في البعض، ولو كان نجسا لتعدت نجاسته إلى الماء. السابع: لا تجب النية في النزح لعدم، الدليل الدال على الوجوب، ولأنه ليس في نفسه عبادة مطلوبة، بل معنى وجوب النزح مع عدم جواز الاستعمال إلا به، إنه مستقر في الذمة، فجرى مجرى إزالة النجاسات (6). فرع: يجوز أن يتولى النزح البالغ وغيره والمسلم وغيره مع عدم المباشرة، للمقتضي، وهو النزح السالم عن معارضة اشتراط النية. الثامن: يحكم بالطهارة عند مفارقة آخر الدلاء لوجه الماء والمتساقط من الدلو معفو عنه للمشقة ولان الحكم بالطهارة متعلق (7) بالنزح وقد حصل، ولان البئر معدن الطاهر، والدلو معدن النجس، فإذا انفصل عن وجه الماء، تميز النجس عن الطاهر، فيطهر، كما لو نحي عن رأس البئر.

(1) المراد بهما: محمد وأبو يوسف. (2) انظر: بدائع الصنائع 1، 72، المبسوط للسرخسي 1: 92، الهداية للمرغيناني 1: 22، شرح فتح القدير 1: 90.
(3) " ح " " ق " النزح.
(4) مغني المحتاج 1: 23، المجموع 1: 148.
(5) المغني 1: 67، الانصاف 1: 65.
(6) " ح " " ق ": النجاسة.
(7) " ح " " ق ": متلق.

[ 106 ]

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يطهر إلا إذا نحي عن رأس البئر، لأن الفصل بين ماء البئر وماء الدلو واجب [ لا الفصل (1) ] بين الظرفين، وماء البئر متصل بالدلو حكما، لأنه لا ينجس الماء بما يتقاطر منه، فحكم المتقاطر حكم ماء البئر، فلا يقع الانفصال من كل وجه، بخلاف ما إذا نحي عن رأس البئر، لأنه انفصال حقيقي، ولهذا لو عاد شئ من ماء الدلو إليه، وجب النزح ثانيا.
(2) التاسع: إذا وجدت الجيفة في البئر، فإن غيرت الماء، حكم بنجاسته من حين الوقوف على التغير، وإلا فلا، سواء وجدت منتفخة أو لا. هذا على رأينا، وأما القائلون بالتنجيس، فحكموا به من حين الوجدان (3)، واختيار أبي يوسف ومحمد (4)، لأن النجاسة في الحال متيقنة، وفي الماضي مشكوك فيه (5)، لاحتمال موتها خارجا وانتفاخها ثم سقوطها، فلا تثبت النجاسة في الماضي بالشك. وعند أبي حنيفة إن وجدت منتفخة حكم بنجاستها منذ ثلاثة أيام ولياليها، وإن كانت غير منتفخة منذ يوم وليلة (6)، لأن الموت حادث لا بد له من سبب ظاهر، والوقوع في الماء سبب صالح، فيضاف إليه للمناسبة، ومن المعلوم أنه لا يموت بالسقوط في زمان قصير، بل يمضي مدة كثيرة ونهايتها غير مضبوطة، فقدرنا بيوم وليلة الذي هو أدنى الكثرة. والانتفاخ يفتقر إلى زمان أكثر من زمان الموت، وهو غير ممكن أن يوقف عليه، فقدرناه بثلاثة أيام ولياليها. وما ذكره أبو حنيفة ليس بجيد، لأن الوصف الذي ذكره مناسبا، مرسل غريب، فإنه لم يشهد به أصل من الأصول بالاعتبار بطريق من الطرق، فكان مرسلا، ولم يعتبر جنسه البعيد في جنس الحكم، فكان غريبا، فيكون مردودا اتفاقا.

(1) " ن ": لا فصل، " خ ": للفصل، والظاهر ما أثبتناه.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 92، بدائع الصنائع 1: 77، شرح فتح القدير 1: 92. (3) منهم: المفيد في المقنعة: 9، والشيخ في المبسوط 1: 11، وسلار في المراسم: 34.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 59، بدائع الصنائع 1: 78، شرح فتح القدير 1: 93.
(5) كذا في جميع النسخ، والأنسب: فيها.
(6) راجع المصادر السابقة.

[ 107 ]

وأيضا: المناسبة إنما تتم على تقدير عدم وجود مفسدة راجحة أو مساوية (1)، والمفسدة هنا موجودة، وهي الضرر الحاصل من التنجيس في الماضي. وأيضا: الموت حاصل من الله تعالى، فكيف يطلب له سبب ظاهر، وبالخصوص مع عدم توقف الموت على السبب دائما ولا أكثريا؟!. وأيضا: التقييد لأدنى كثرة الموت بيوم وليلة ولأدنى الانتفاخ بثلاث تخمين غير مطابق للموجود بل في الغالب يحصلان لاقل من المقدرين. العاشر: إذا تكررت (2) النجاسة، فإن كانت من نوع واحد، فالأقرب سقوط التكرير في النزح، لأن الحكم معلق على الاسم المتناول للقليل والكثير لغة، أما إذا تغايرت، فالاشبه عندي: التداخل. لنا: إنه بفعل الأكثر يمتثل الامرين، فيحصل الإجزاء، وقد بينا أن النية غير معتبرة، فلا يقال: إنه يجب عليه النزحان (3) لكل نجاسة مقدار مغاير. لا يقال: يلزم تعليل الشئ الواحد بعلل متغايرة، وهو محال. لأنا نقول: الحق أن هذه علامات ومعرفات لا علل عقلية، ولا استحالة في اجتماع المعرفات، ويحتمل التزايد، لأن كثرة الواقع يزيد مقدار النجاسة فيؤثر زيادة شياع للنجاسة في الماء. ولهذا اختلف النزح بزيادة (4) مقدار الواقع وموته وإن كان طاهرا في الحياة. الحادي عشر: لو وقع جزء الحيوان في البئر، كيده ورجله يلحق بحكمه، عملا بالاحتياط الدال على المساواة، وبأصالة البراءة الدالة على عدم الزيادة. الثاني عشر: النزح إنما يجب بعد إخراج النجاسة، وهو متفق عليه بين القائلين بالتنجيس، فإنه قبل الاخراج لا فائدة فيه وإن كثر.

(1) " ح " " ق ": متساوية.
(2) " خ " " ن " " م ": تكثرت. (3) " ح " " ق ": نزحات.
(4) " خ ": لزيادة.

[ 108 ]

الثالث عشر: لو وجب نزح عدد معين فنزح الدلو الأول ثم صب فيها، فالذي أقوله تفريعا على القول بالتنجيس: إنه لا يجب نزح ما زاد على العدد عملا بالاصل، ولأنه لم تزد (1) النجاسة بالنزح والالقاء، وكذا إذا ألقي الدلو الاوسط. أما لو ألقي الدلو الأخير بعد انفصاله عنها، فالوجه دخوله تحت النجاسة التي لم يرد فيها نص. وكذا لو رمي الدلو الأول في بئر طاهرة ألحق بغير المنصوص. وقالت الحنفية تطهر البئر الثانية بما تطهر به البئر الأولى (2) وليس بجيد، لأن النزح الأول وجب لنجاسة معينة، والماء المصبوب مغاير لها، فلا يلحقه حكمها من حيث النص. وأما القياس فيه فباطل، خصوصا على رأيهم في أنه لا يجري القياس في الأمور المقدرة، كالحدود والكفارات. ولو ألقيت النجاسة العينية وما وجب لها من المنزوح في الطاهرة، فالأولى التداخل. وهو مذهب الحنفية (3). الرابع عشر: لو غار ماؤها قبل النزح ثم ظهر فيها بعد الجفاف ماء (4)، فالاصل فيه الطهارة. لا يقال: ظهور الماء عقيب الجفاف أمارة على أن العائد هو الأول. لأنا نقول: جاز أن يكون هو الأول، وجاز أن يكون قد انصب إليها من (مواد جهات) (5) لها، وإذا جاز الامران جوازا متساويا، كيف يجعل الاعادة أمارة على أحد الجائزين دون الآخر؟!. لا يقال: البئر قد تعلق عليها الحكم بوجوب النزح، فلا يسقط إلا به. لأنا نقول: النزح لم يتعلق بالبئر، بل بمائها المحكوم بنجاسته الذي لا يعلم وجوده، فالتكليف بالنزح منه، تكليف بما لا يطاق، ولان التكليف سقط وقت الذهاب، فعوده

(1) " ح " " ق " " خ ": ترد.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 91، بدائع الصنائع 1: 77، شرح فتح القدير 1: 91.
(3) راجع المصادر السابقة.
(4) ليست في: " م ".
(5) في " م ": مواد وجهات.

[ 109 ]

يحتاج إلى دليل مستأنف. الخامس عشر: لو سيق إليها نهر من الماء الجاري وصارت متصلة به، فالأولى على التخريج: الحكم بالطهارة، لأن المتصل بالجاري كأحد أجزائه، فيخرج عنه حكم البئر. السادس عشر: الجنب إذا ارتمس فيها هل يطهر أم لا؟ نص في المبسوط أنه لا يطهر (1)، ويمكن أن يكون ذلك منه بناءا على مذهبه من أن الماء المستعمل في الكبرى لا يجوز استعماله لا من حيث أنه نجس لعدم ملاقاته للنجاسة (2)، والعجب أن ابن إدريس القائل بطهارة المستعمل، حكم هنا بنجاسة البئر (3)، ولم يوجد في الاحاديث شئ يدل عليه، ولا في لفظ أصحابنا ذلك، والحق عندي بناءا على التنجيس: عدم تنجيس الماء والاكتفاء بالطهارة، ولا ينافي ذلك وجوب النزح. وقال أبو حنيفة: إذا ارتمس بغير نية الاغتسال، فالماء نجس والرجل طاهر، لأن الماء مطهر بذاته، وإنما يتنجس بعد مزايلته عن البدن (4)، وهو بناءا على تنجيس المستعمل وعدم اشتراط النية. وسيأتي البحث فيهما. وقال أبو يوسف: الرجل جنب والماء نجس (5). لأن صب الماء عنده شرط لازالة الحدث، ولم يوجد، والماء نجس لملاقاته البدن وهو النجس، والمقدمتان ممنوعتان. وقال محمد: الماء طاهر والرجل طاهر (6)، لأن الماء لاقى بدنه وهو مطهر، فيطهر، ولا ينجس الماء، لاشتراط نية التقرب عنده في صيرورة الماء مستعملا، ولم يوجد. مسألة: لا تنجس البئر بالبالوعة وإن قربت ما لم تتصل بالنجاسة.

(1) المبسوط 1: 12.
(2) المبسوط 1: 11، النهاية: 4، الخلاف 1: 46 مسألة 126 - 127.
(3) السرائر: 7 حيث قال بطهارة المستعمل، وفي ص 12 قال بالنزح لارتماس الجنب.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 53، بدائع الصنائع 1: 70، شرح فتح القدير 1: 80، الهداية للمرغيناني 1: 20.
(5) بدائع الصنائع 1: 70، المبسوط للسرخسي 1: 53.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 53، بدائع الصنائع 1: 70، شرح فتح القدير 1: 79، الهداية للمرغيناني.

[ 110 ]

لنا: ما رواه محمد بن القاسم (1)، عن أبي الحسن عليه السلام، في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمس وأقل وأكثر يتوضأ منها؟ فقال: (ليس يكره في قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء) (2) ولان طهارة الماء معلومة فلا تزول إلا مع تيقن السبب ولأنه حرج، فيكون منفيا. البالوعة أو كانت الارض صلبة، ومع فقدهما سبعة، لما رواه الحسن بن رباط (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن البالوعة تكون فوق البئر؟ قال: (إذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع وإن كانت فوق البئر فسبعة أذرع من كل ناحية وذلك كثير) (5). وفي رواية قدامة بن أبي زيد الحمار (6)، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته، كم أدنى ما يكون بين البئر وبئر الماء والبالوعة؟ فقال: (إن كان سهلا فسبعة أذرع، وإن كان جبلا فخمسة) (7).

(1) محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار النهدي: ثقة، من أصحاب الرضا (ع). رجال النجاشي: 362، رجال الطوسي: 391.
(2) الكافي 3: 8 حديث 4، التهذيب 1: 411 حديث 1294 الاستبصار 1: 46 حديث 129، الوسائل 1: 126 الباب 14 من أبواب الماء المطلق حديث 4 - بتفاوت يسير.
(3) " م ": إذا.
(4) الحسن بن رباط البجلي الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. والكشي، هو وإخوته: الحسين وعلى ويونس، من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 46، رجال الكشي: 368، رجال الطوسي: 115، 167.
(5) الكافي 3: 7 حديث 1، التهذيب 1: 410 حديث 1290، الاستبصار 1: 45 حديث 126، الوسائل 1: 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق حديث 3 وفيه: الحسين بن رباط.
(6) قدامة بن أبي يزيد الحمار، وقع في طريق محمد بن يعقوب في الكافي، والشيخ في التهذيب والاستبصار، في باب البئر تكون إلى جنب البالوعة، إلا أن في التهذيب: قدامة بن أبي زيد الحمار، وفي الاستبصار: الجمال بدل الحمار، قال السيد الخوئي: ما في الكافي، هو الصحيح. لم نعثر على ترجمته في الكتب الرجالية التي بأيدينا. معجم رجال الحديث 14: 82.
(7) الكافي 3: 8 حديث 3، التهذيب 1: 410 حديث 1291، الاستبصار 1: 45 حديث 127، الوسائل 1: 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق حديث 2 وفيه: قدامة بن أبي زيد الجماز، وفي الجميع بتفاوت يسير.

[ 111 ]

وفي رواية محمد بن سليمان الديلمي (1)، عن أبيه، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف؟ فقال لي: (إن مجري العيون كلها مع مهب الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال والكنيف أسفل منها، لم يضرها إذا كان بينهما أذرع، وإن كان الكنيف فوق النظيفة، فلا أقل من اثنى عشر ذراعا، وإن كان تجاها بحذاء القبلة وهما مستويان في مهب الشمال، فسبعة أذرع) (2). وفي رواية زرارة ومحمد بن مسلم، وأبي بصير في الحسن، قالوا: قلنا له: بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها، أينجسها؟ قال: فقال: (إن كانت البئر في أعلى الوادي، فالوادي (3) يجري فيه البول من تحتها وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك شئ وإن كانت البئر في أسفل الوادي ويمر عليها الماء وكان بين البئر وبينه تسعة (4) أذرع، لم ينجسها، وما كان أقل من ذلك، لم يتوضأ منه) قال زرارة: فقلت له: فأن كان يجري يلزقها (5) وكان لا يلبث (6) على الارض؟ فقال: (ما لم يكن له قرار فليس به بأس، فأن استقر منه قليل فإنه لا يثقب الارض ولا يغوله حتى يبلغ البئر، وليس على البئر منه بأس، فتوضأ منه أنما ذلك إذا استنقع كله) (7). لا يقال: هذا الحديث يدل على التنجيس من وجوه:

(1) أبو عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الله الديلمي، ضعيف جدا، له كتاب، قاله النجاشي. وعده في رجاله من أصحاب الامامين، الكاظم والرضا عليهما السلام. مع توصيفه بالبصري ورميه بالغلو، وقد وصفه بعض بالنصري ولكنه رجل واحد. قاله العلامة المامقاني. رجال النجاشي: 365، رجال الطوسي: 359، 386، رجال العلامة: 255، جامع الرواة 2: 122، تنقيح المقال 3: 122.
(2) التهذيب 1: 410 حديث 1292، الوسائل 1: 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق حديث 6.
(3) كذا في النسخ، وفي المصدر: والوادي.
(4) " ح " " ق ": سبعة.
(5) كذا في النسخ، وفي المصادر: يلصقها، بلزقها.
(6) " ح " " ق ": يثبت.
(7) الكافي 3: 7 حديث 2، التهذيب 1: 410 حديث 1293 الاستبصار 1: 46 حديث 128، الوسائل 1: 144 الباب 24 من أبواب الماء المطلق حديث 1، وفيه: يلصقها - وفي الجميع بتفاوت يسير.

[ 112 ]

الأول: إنه علق عدم التنجيس بعدد، فينتفي عند انتفائه. الثاني: قوله: (وإن كان أقل من ذلك لم يتوضأ منه) وما ذاك إلا للتنجيس. الثالث: قوله: (ما لم يكن له قرار، فليس به بأس) دل من حيث المفهوم على ثبوت البأس مع الاستقرار. الرابع: قوله: (وما كان منه قليل لا يثقب الارض، فليس به بأس) دل على ثبوت البأس مع الكثرة. الخامس: قوله: (إنما ذلك إذا استنقع كله) دل بالنصوصية على ثبوت التنجيس مع الاستنقاع. لأنا نقول: الجواب عما ذكرتموه من حيث الاجمال ومن حيث التفصيل: أما الاجمال فمن وجهين: أحدهما: إن هؤلاء الرواة لم يسندوها عن إمام، ويجوز أن يكون قولهم: (قلنا) إشارة إلى بعض العلماء، وإن كان هذا الاحتمال مرجوحا إلا أنه غير ممتنع. الثاني: إن الوجوه التي ذكرتموها، غير دالة على التنجيس بمنصوص الخطاب، بل بمفهومه، فلا يعرض النص. وأما التفصيل، فالجواب عن الأول بالمنع من عدم الحكم عند عدم العدد. ولنزد هذا تحقيقا فنقول: إذا (1) كان العدد الناقص علة للعدم، امتنع الوجود في الزائد لوجود علة العدم فيه، أما لو كان الناقص موصوفا بحكم لم يجب اتصاف الزائد به، فإنه لا يلزم من إيجاب الثمانين إيجاب الزائد، وإذا كان العدد موصوفا بوصف الاباحة، كان الناقص عنه إذا كان داخلا تحته في كل حال موصوفا بها، كإباحة جلد الثمانين المستلزم لاباحة العشرين، وإن لم يدخل تحته البتة لم يتعد الوصف إليه، كإباحة العمل بالشاهدين، وإن دخل في حال دون أخرى كإباحة استعمال ألف ومائتي رطل إذا وقع فيها نجاسة، لم تدل على الثبوت في الأقل، أما لو حرم عددا، فقد يكون الأقل أولى بالتحريم، كما في تحريم استعمال ما نقص عن الكر مع وقوع النجاسة المستلزم لتحريم استعمال ما نقص عن

(1) " خ ": إن.

[ 113 ]

الناقص، وقد لا يكون، فإنه لا يستلزم تحريم جلد القاذف مائة، تحريم الثمانين، وحكم الايجاب حكم الاباحة. وعن الثاني: لا نسلم أن النهي نهي تحريم. سلمنا، لكن لا نسلم أنه للتنجيس، وكيف يحكم بذلك من يستدل على التنجيس من أصحابنا وهو قد اتفقوا على عدم التنجيس بالتقارب جدا؟!. وعن الثالث إن هذا مفهوم دليل الخطاب، وهو ضعيف، ولو سلم، فلا نسلم أن البأس يستلزم التحريم، وهو الجواب عن الرابع. وعن الخامس: إنه ليس دالا على التنجيس، بل على ثبوت البأس، ولو سلم لكن ليس مطلق الاستقرار مقتضيا للتنجيس، بل الاستقرار الموجب للنفوذ، ويدل عليه قوله: (فإن استقر منه قليل فإنه لا يثقب الارض) ونحن نقول بموجبه، فإنه مع النفوذ من المستبعد أن لا يغير الماء فيحكم بالتنجيس حينئذ. وفي رواية ابن بابويه، عن أبي بصير، قال نزلنا في دار فيها بئر وإلى جانبها بالوعة ليس بينهما إلا نحو من ذراعين، فامتنعوا من الوضوء منها وشق ذلك عليهم، فدخلنا على أبي عبد الله عليه، السلام، فأخبرناه به، فقال: (توضأوا منها فإن لتلك البالوعة مجاري تصب في واد تصب (1) في البحر (2)). وهذه الرواية مناسبة للمذهب وإن كان في طريقها علي بن أبي حمزة، فيعمل عليها بموافقة الأصل، وغيرها من الاحاديث (3). فرع: لو تغير ماؤها تغيرا يصلح استناده إلى البالوعة، فهو على الطهارة ما لم يحصل اليقين بالاستناد. وكذا غير البالوعة من النجاسات. آخر: لو وقع حيوان غير مأكول اللحم في البئر، لم ينجسها مع خروجه حيا، لأن المخرج ينضم انضماما شديدا لخوفه، فلا يحصل ملاقاة الماء لموضع النجاسة، وما نقلناه عن أبي

(1) في المصدر: ينصب.
(2) الفقيه 1: 13 حديث 24، الوسائل 1: 145 الباب 24 من أبواب الماء المطلق حديث 4.
(3) انظر: الوسائل 1: 144 الباب 24 من أبواب الماء المطلق.

[ 114 ]

حنيفة أولا فليس شيئا البتة. البحث الثالث: في المضاف وهو كل ما افتقر صدق اسم الماء عليه إلى تقييد وصح سلب المطلق عنه، سواه اعتصر من جسم، أو استخرج منه، أو مزح به ما يسلبه الاطلاق، كماء الرمان، والورد، والزعفران، وهو طاهر إجماعا. ولان الأصل: الطهارة، والنجاسة طارئ، فيفتقر إلى السبب، ولا يرفع حدثا إجماعا منا، وما اخترناه مذهب الشافعي (1)، ومالك (2)، وأحمد (3)، وأبي عبيدة (4)، (5). خلافا لأبي حنيفة، فإنه، جوز الوضوء بنبيذ التمر مع عدم الماء إذا كان حلوا أو قارسا (6)، (7). ولو غلى واشتد وقذف بالزبد، لم يجز التوضؤ به في رواية (8).

(1) الأم 1: 7، مغني المحتاج 1: 18، المهذب للشيرازي 1: 4، المجموع 1: 92، 104، فتح الوهاب 1: 3، بداية المجتهد 1: 27، أحكام القرآن للجصاص 5: 202، التفسير الكبير 11: 170، الهداية للمرغيناني 1: 18، الأم (مختصر المزني) 8: 1.
(2) المدونة الكبرى 1: 4 بداية المجتهد 1: 27 مقدمات ابن رشد 1: 27، بلغة السالك 1: 13، المجموع 1: 104، المغني 1: 40.
(3) 1: 39، الكافي لابن قدامة 1: 7، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبري 1: 5.
(4) يحتمل أن يكون المراد منه أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد مرت ترجمته في ص 44. وإن كان المراد منه أبو عبيدة، فهو: معمر بن المثني اللغوي البصري، مولى بني تيم، وهو أول من صنف غريب الحديث، أخذ عنه أبو عبيدة، وأبو حاتم والمازني. مات سنة 211 ه‍. وقيل: 210. بغية الوعاة: 395، تذكرة الحفاظ 1: 371.
(5) المغني 1: 38 وفيه عن أبي عبيد.
(6) كذا في النسخ، والظاهر: قارصا. (7) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15، عمدة القارئ 3: 179، بداية المجتهد 1: 33، تفسير القرطبي 13: 51، المغني 1: 38، إرشاد الساري 1: 309، التفسير الكبير 11: 169، المجموع 1: 93.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 17، عمدة القاري 3: 180.

[ 115 ]

ولو أنه طبخ، ادني طبخة، فحكمه حكم المثلث من العنب، فإنه يجوز شربه في قول أبي حنفية وأبي يوسف (1)، وعند محمد: لا يتصور، فما دام حلوا فهو على الاختلاف المذكور (2). ولو غلى واشتد، قال أبو حنيفة: له أن يتوضأ به (3). وقال محمد: ليس له أن يتوضأ به (4). كما اختلفوا في شربه (5)، وقال الاوزاعي، يجوز التوضؤ بالانبذة كلها، حلوا كان أو غير حلو، مسكرا كان أو غير مسكر، إلا الخمر خاصة (6). وروى نوح بن أبي مريم (7) عن أبي حنيفة أن التوضؤ بنبيذ التمر منسوخ (8). وقال أبو يوسف، يتيمم ولا يتوضأ بالنبيذ (9). قال: وذكر الحسن (10) عن أبي حنيفة: إنه يجمع بين التيمم والنبيذ، فإن ترك أحدهما، لم تجز صلاته (11). وقال محمد: يجوز أن يجمع بينهما احتياطا أيهما ترك لا يجوز، وأيهما قدم وأخر جاز (12).

(1) المبسوط للسرخسي 24: 14، بدائع الصنائع 1: 17، إرشاد الساري 1: 309. (2 - 3 - 4) بدائع الصنائع 1: 17، عمدة القارئ 3: 179، شرح فتح القدير 1: 105.
(5) شرح فتح القدير 1: 105.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 89، بدائع الصنائع 1: 17، عمدة القارئ 3: 179، إرشاد الساري 1: 309، المحلي 1: 202، المجموع 1: 92.
(7) أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، قاضي مرو، لقب بالجامع، لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وأخذ الحديث عن حجاج بن أرطاة، والمغازي عن ابن إسحاق، والتفسير عن مقاتل. مات سنة 173 ه‍. شذرات الذهب 1: 283، الجرح والتعديل 8: 484.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15، شرح فتح القدير 1: 103 عمدة القارئ 3: 179.
(9) راجع نفس المصادر بإضافة إرشاد الساري 1: 309.
(10) الحسن بن زياد اللؤلؤي، أبو علي الكوفي والقاضي فيها. صاحب أبي حنيفة وتفقه عليه، وروى عن ابن جريح، مات سنة 204. وقيل: 254 ه‍. شذرات الذهب 2: 12، ميزان الاعتدال 1: 491، لسان الميزان 2: 208.
(11) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15.
(12) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 15، المحلى 1: 203، إرشاد الساري 1: 309، الجامع الصغير للشيباني: 74، المجموع 1: 93.

[ 116 ]

وقال الحسن البصري: لا بأس بالوضوء بالنبيذ (1). وقال عكرمة: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء (2). وقال إسحاق: النبيذ حلوا أحب من التيمم، وجمعهما أحب إلي (3). لنا: وجوه: أحدها: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (4) أوجب التيمم عند عدم الماء المطلق، وواجد المضاف غير واجد للمطلق، فانتفت الواسطة. الثاني: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: (لا، إنما هو الماء والصعيد) (5) نفى أن يكون غير الماء المطلق والتراب مطهرا. الثالث: الوضوء حكم شرعي، فيقف تحصيله على الشرع، والذي قطع الشرع الحصول به، الماء المطلق فيبقى الباقي غير مجز. الرابع: منع الدخول في الصلاة لأجل الحدث مستفاد من الشرع، فيستمر ما لم يظهر دلالة شرعية على زواله. الخامس: لو حصل رفع الحدث بالنبيذ لحصل بماء الباقلاء المغلي، والمقدم كالتالي باطل. بيان الشرطية: إن الارتفاع لو حصل في محل النزاع، كان لرجحان صفة المائية الاصلية على صفة الحلاوة الفرعية عملا بالمناسبة، ولو كان كذلك، لزم حصول الارتفاع بماء الباقلاء ترجيحا للمائية الأصلية على صفة الآدمية (6)، إذ القول بالافتراق مع التساوي في الداعي ممتنع اتفاقا.

(1) صحيح البخاري 1: 70، المغني 1: 38، عمدة القارئ 3: 179، إرشاد الساري 1: 309.
(2) المغني 1: 38، المحلى 1: 202، مجمع الزوائد 1: 215.
(3) المغني 1: 38، تفسير القرطبي 13: 52 عمدة القارئ 3: 179.
(4) النساء: 43. (5) التهذيب 1: 188 حديث 540، الاستبصار 1: 155، حديث 534 الوسائل 1: 146 الباب 1 من أبواب الماء المضاف حديث 1.
(6) لعل الانسب: الأدامية.

[ 117 ]

السادس: لو حصل الرفع بالمضاف، لكان لكونه منصوصا عليه أو في معناه أو بغيرها، والحصر ظاهر، والأول باطل، لأن المنصوص عليه هو المطلق، ضرورة أن الاطلاق في الأسماء ينصرف إلى الكامل من المسميات، اعتبره بإجزاء السليم في الزكاة دون غيرها، والكامل من الماء هو الباقي على الصفات الأصلية، فإذا تبدلت بأضدادها خرجت عن الكمال فلا ينصرف لفظ الاطلاق إليه، ولان النصوص إنما وردت بالماء في أول خلقه ونزوله، وهو حينئذ عار من الاضافة. وأما الثاني: فالناس قائلان، منهم: من لم يعلل الطهورية في الماء، ومنهم: من عللها بتحصيل النظافة (1)، وعلى القول الأول لا قياس، والمعنى الثاني غير موجود في ماء الزعفران مثلا، لأنه غير صالح للتنزه والتنظيف، والثالث: باطل، لأنه يصير تحكما محضا. وقد روى يونس (2)، عن أبي الحسن عليه السلام في الرجل يتوضأ بماء الورد ويغتسل به، قال: (لا بأس) (3) وهذه الرواية ضعيفة السند. وقد ذكر ابن بابويه أيضا عن ابن الوليد (4)، أنه لا يعتمد على حديث محمد بن

(1) انظر: أحكام: القرآن للجصاص 5: 201، أحكام القرآن لابن العربي 3: 1415، التفسير الكبير 24: 91، بداية المجتهد 1: 23، السراج الوهاج: 8.
(2) أبو محمد يونس بن عبد الرحمن: مولى علي بن يقطين بن موسى مولى بني أسد، كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبد الملك ورأى جعفر بن محمد بين الصفا والمروة، ولم يرو عنه. روى عن أبي الحسن موسى والرضا، وكان الرضا يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل له على الوقف مال الجليل فامتنع وثبت على الحق. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام. وقال: ضعفه القميون، ولكنه عندي ثقة. مات سنة 208 ه‍. رجال النجاشي: 446، رجال الطوسي: 364، 394، الفهرست: 181، رجال العلامة: 184، تنقيح المقال 3: 338.
(3) الكافي 3: 73 حديث 12، التهذيب 1: 218 حديث 627، الاستبصار 1: 14 حديث 27، الوسائل 1: 148 الباب 3 من أبواب الماء المضاف حديث 1.
(4) أبو جعفر محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ووجههم، عارف بالرجال موثوق به، عده الشيخ في رجاله ممن لم يرو عنهم. وقال: بصير بالفقه ثقة، يروي عن الصفار وسعد، وروى عنه التلعكبري وذكر إنه لم يلقه، ولكن وردت عليه إجازاته. مات سنة 314 ه‍. رجال النجاشي: 383، رجال الطوسي: 495، الفهرست: 156، جامع الرواة 2: 90، تنقيح المقال 3: 100.

[ 118 ]

عيسى (1) عن يونس. نقله النجاشي (2)، (3)، ويحتمل أن يكون الورد قليلا غير مؤثر في سلب الاسم، قال الشيخ: هذا الحديث شاذ شديد الشذوذ، أجمعت العصابة على ترك العمل به (4). احتج أبو حنيفة (5) بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، قال لابن مسعود (6) ليلة الجن: (هل معك ماء؟) فقال: لا، إلا نبيذ التمر في إداوة. فقال صلى الله عليه وآله: (تمرة طيبة وماء طهور) فأخذه وتوضأ به (7)

(1) محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين: أبو جعفر مولى بني أسد بن خزيمة، الملقب تارة بالعبيدي، وأخرى باليقطيني، وثالثة بالبغدادي، ورابعة باليونسي. وقيل في وجه نسبته إلى الأخير: لكثرة روايته عن يونس، أو لأن يونس أحد أجداده. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا والهادي والعسكري، وذكره فيمن لم يرو عنهم. واختلف في تضعيفه وتوثيقه، فالشيخ ضعفه في رجاله وفي الفهرست، وقيل: إنه كان يذهب مذهب الغلاة. ووثقه النجاشي، وقوي الاردبيلي والمامقاني قبول روايته. رجال النجاشي: 333، رجال الطوسي: 393 - 422 - 435 - 511، الفهرست: 140، جامع الرواة 2: 166، تنقيح المقال 3: 167.
(2) أبو العباس: أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله النجاشي، صاحب كتاب الرجال المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافة علماء الامامية. وجده عبد الله النجاشي صاحب المكاتبة المعروفة إلى الصادق (ع) عند ولايته الاهواز. يروي عنه جماعة، منهم: المفيد، والغضائري، والتلعكبري، وغيرهم. ولد في صفر سنة 273 ه‍. وتوفي في نواحي سر من رأى سنة 450 ه‍. تنقيح المقال 1: 69، الكنى والألقاب 3: 239.
(3) رجال النجاشي 333.
(4) التهذيب 1: 219، الاستبصار 1: 14.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 88، بدائع الصنائع 1: 16، عمدة القارئ 3: 180.
(6) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شخص أو شمخ الهذيل الهذلي حليف بني زهرة، من السباقين إلى الاسلام، شهر بدرا والمشاهد بعدها، وهاجر الحجرتين، لازم النبي صلى الله عليه وآله وكان صاحب نعليه. روى عن النبي، وعن عمرو بن سعد بن معاذ، وروى عنه ابناه: عبد الرحمن وأبو عبيدة، وامرأته زينب، وأبو رافع وجابر وأنس ومسروق وغيرهم. مات سنة 32، وقيل 33 ه‍. الاصابة 2: 368، أسد الغابة 3: 356.
(7) سنن أبي داود 1: 21 حديث 84، سنن الترمذي 1: 147 حديث 88، سنن ابن ماجة 1: 135 حديث 384 - 385، مسند أحمد 1: 402، 449، 450، 458 - بتفاوت يسير.

[ 119 ]

وهذا الحديث مردود من وجوه: أحدها: إن أبا يوسف لم يصححه، ولو كان صحيحا لما خفى عنه (1). الثاني: إن راويه أبو زيد (2)، وهو مجهول. الثالث: إن عبد الله بن مسعود سئل هل كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد، ووددت؟ إني كنت معه (3). الرابع: يحتمل أن يكون المراد بالنبيذ ها هنا ما ترك فيه قليل تمر أزال ملوحة الماء فلم يبلغ الشدة، ويدل عليه ما ورد من طريق الأصحاب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن النبيذ فقال: (حلال) فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر (4) وما سوى ذلك فقال: (شه شه (5)، تلك الخمرة المنتنة) قال: فقلت: جعلت فداك، فأي نبيذ تعني؟ قال: (إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تغير الماء وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره) فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ فقال: (ما حمل الكف) قلت: واحدة أو اثنتين (6)؟ فقال: ربما كانت واحدة، وربما كانت اثنتين (7) فقلت: وكم كان يسع الشن (8)؟ فقال: (ما بين الأربعين إلى الثمانين إلى فوق ذلك) فقلت: بأي الأرطال؟ فقال: (أرطال مكيال العراق) (9) ومع هذا الاحتمال)

(1) انظر: الجامع الصغير للشيباني وشرحه: 75، ورقم 9 من صفحة 115 حديث أنه أفتى بخلافه وقال بوجوب تيمم.
(2) أبو زيد مولى عمرو بن حريث، لا يعرف أبوه ولا بلده، روى عن ابن مسعود حديث وضوء النبي صلى الله عليه وآله بالنبيذ، وذكره ابن حبان في الضعفاء والمتروكين وميزان الاعتدال 4: 526، كتاب المجروحين 3: 158، سنن الترمذي 1: 147.
(3) سنن أبي داود 1: 21 حديث 85.
(4) العكر: ما خثر ورسب من الزيت ونحوه. المصباح المنير 2: 424.
(5) شه، شه: حكاية كلام شبه الانتهار. لسان العرب 13: 508. (6 - 7) " م " " ن " ثنتين.
(8) الشن: القربة والنهاية لابن الاثير 2: 506.
(9) الكافي 6: 416 حديث 3، التهذيب 1: 220 حديث 629 وفيه: ثنتين، الاستبصار 1: 16 حديث 29، الوسائل 1: 147 الباب 2 من أبواب الماء المضاف حديث 2 - بتفاوت يسير.

[ 120 ]

يندفع الاستدلال. فرع: المضاف إن اعتصر من الجسم كماء الورد أو خالطه فغير اسمه كالمرق أو طبخ فيه كماء الباقلاء المغلي، لم يجز الوضوء ولا الغسل به، في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن أبي ليلى والأصم (1)، في المياه المعتصرة إنها طهور يرفع بها الحدث ويزال بها الخبث (2) وللشافعية وجه في ماء الباقلاء المغلي (3). إلى النبيذ، فإنا قد بينا الخلاف فيه (4). مسألة (5): للأصحاب في إزالة النجاسة بالمضاف قولان، أقواهما: المنع (6). وبه قال مالك (7)، والشافعي (8)، ومحمد بن الحسن، وزفر (9)، خلافا لأبي حنيفة (10)، وعن أحمد روايتان كالقولين (11).

(1) عقبة بن عبد الله الاصم الرفاعي العبدي البصري، روى عن أبيه وعطاء بن أبي رباح وحميد بن هلال وقتادة والحسن ومحمد بن سيرين وعنه معقل بن مالك الباهلي وأبو قبيصة وشاذ بن فياض وابن المبارك مات سنة 200 ه‍. تهذيب التهذيب 7: 244.
(2) المغني 1: 39، المجموع 1: 93، ميزان الكبرى 1: 99، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى: 4.
(3) الشرح الكبير بهامش 1: 40، 41، المجموع 1: 104.
(4) راجع ص 114 - 115.
(5) " م ": فرع.
(6) أحدهما: الجواز، وقال به السيد المرتضى، انظر الناصريات (الجوامع الفقهية): 183، وثانيهما، المنع، وقال به المفيد في المقنعة: 9، والشيخ في المبسوط 1: 5، وسلار في المراسم: 34، وابن البراج في المهذب 1: 24، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 130. (7) بداية المجتهد 1: 83، مقدمات ابن رشد 1: 57، المجموع 1: 95 رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 4.
(8) بداية المجتهد 1: 83، بدائع الصنائع 1: 83 المبسوط للسرخسي 1: 96، المهذب للشيرازي 1: 4، المجموع 1: 92، المغني 1: 38، التفسير الكبير 24: 98، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 4.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 96، بدائع الصنائع 1: 83، المجموع 1: 95، المغني 1: 38.
(10) بداية المجتهد 1: 83، المبسوط للسرخسي 1: 96، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 4 تفسير القرطبي 13: 51. ميزان الكبرى 1: 100، التفسير الكبير 24: 98، المغني 1: 38.
(11) المغني 1: 38، المجموع 1: 95، الانصاف 1: 32.

[ 121 ]

لنا: وجوه: الأول: ما ورد من وجوب الغسل بالماء عند الملاقاة، والماء إنما يفهم منه عند الاطلاق، المطلق. والمقدمة الأولى نقلية، رواها الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله في صحيحي مسلم (1) والبخاري (2) من حديث أسماء (3) أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وآله عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال صلى الله عليه وآله: (حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه (4) بالماء) (5). وما رواه الأصحاب، عن أبي عبد الله عليه السلام في الحسن، روى الحسين بن أبي العلاء (6)، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبي يبول على الثوب؟ قال:

(1) أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كرشان القشيري النيسابوري صاحب الصحيح، رحل إلى الحجاز والعراق والشام، سمع يحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وروى عنه الترمذي حديثا واحدا، وإبراهيم بن أبي طالب وابن خزيمة والسراج وغيرهم. له كتب أهمها: الصحيح - مات سنة 261 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 588، شذرات الذهب 2: 144، الفهرست لابن النديم: 322، طبقات الحفظ: 264.
(2) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم، صاحب الصحيح والتصانيف. ولد في شوال سنة 194 ه‍، روى عن أحمد وإبراهيم المنذر وابن المديني، وروى عنه مسلم والترمذي وأبو حاتم والمحاملي وغيرهم، له كتب منها. الجامع الصحيح، والتاريخ الكبير مات سنة 256 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 555، شذرات الذهب 2: 134، طبقات الحفاظ: 252، الفهرست لابن النديم: 321، وفيات الاعيان 4: 188. (3) أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، زوجة الزبير بن العوام، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنا إبناها: عبد الله، وعروة. ماتت بمكة سنة 73 ه‍. أسد الغابة 5: 392، الاصابة 4: 299، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 232.
(4) " ح ": جنبيه ثم أقرضيه.. " م ": حتيه، فاقرضيه، فاغسليه.
(5) صحيح مسلم 1: 240 حديث 110، صحيح البخاري 1: 66، وفيها: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه.
(6) الحسين بن أبي العلاء العامري الزندجي - زندج: نوع من الثباب - الخفاف أبو علي الاعور مولى بني أسد. وقيل: بني عامر، روى عن أبي عبد الله (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر تارة، وأخرى من أصحاب الصادق. وقال في الفهرست: له كتاب يعد في الأصول. رجال النجاشي: 52، رجال الطوسي: 115، 169، الفهرست: 54، جامع الرواة 1: 231، تنقيح المقال 1: 317.

[ 122 ]

(يصب عليه الماء قليلا ثم يعصره) (1). وروى الحلبي، عنه عليه السلام، قال: سألته عن بول الصبي؟ قال: (تصب عليه الماء) (2). وروى أيضا الحلبي في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام: رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره؟ قال: (يصلي فيه، وإذا وجد الماء غسله) (3). وجه الاستدلال: إنهم عليهم السلام أمروا (4) بالغسل بالماء جوابا للسؤال (5) وجعلوه طريقا في تحصيل الطهارة؟، فلو حصلت بغيره لكان التعيين تضييقا، وهو منفي،، لما فيه من الحرج، وعبثا لخلوه عن (6) الفائدة. لا يقال: هذه قضية في عين، وقضايا الاعيان لا عموم لها لتناولها صورة واحدة، فيكون محل النزاع خاليا عن الحجة. وأيضا: نمنع دلالة التخصيص على التعيين، فإنه قد يأتي لغيره كالتنبيه (7) كما في الصورة التأفيف وكالتعدية في غير محل التنصيص للجامع المستنبط، وككون المذكور أغلب، كما في الربيبة، فلم لا يجوز ذلك ها هنا؟! وأيضا: التخصيص إنما دل على التعيين على سبيل الاستحباب بدليل الأمر بالحت والقرص، وليسا بواجبين ولا طريقين إلى حصول الطهارة. وأيضا: نقول بالموجب، فإنه أمر بإزالة العين والمرئية، ومع زوالها بالحك مثلا لم يبق ما

(1) الكافي 3: 55 حديث 1، التهذيب 1: 249 حديث 714، الاستبصار 1: 174 حديث 603، 2: 1002 الباب 3 من أبواب النجاسات حديث 1:.
(2) التهذيب 1: 249 حديث 715، الاستبصار 1: 173 حديث 620، الوسائل 2: 1002 الباب 3 من أبواب النجاسات حديث 1.
(3) التهذيب 1: 271 حديث 799، الاستبصار 1: 187 حديث 655، الوسائل 2: 1039 الباب 27 من أبواب النجاسات حديث 11.
(4) " ح ": أمروه.
(5) " ح " " ق ": بالسؤال.
(6) " م ": من.
(7) " م ": كالتنبه.

[ 123 ]

يتوجه الخطاب إليه، كمن نذر ذبح شاة فماتت. لأنا نجيب عن الأول: بأن قضايا الاعيان حجة اتفاقا إلا من داود، فلا يسمع من أبي حنيفة والسيد المرتضى هذا المنع، وهل أكثر الأحكام الشرعية إلا مستندة إلى حكمه عليه السلام؟!. وعن الثاني: إن الحكيم لا يخص شيئا بالذكر مع انتفاء المقتضي للتخصيص من التعيين بسؤال أو قرينة حال، لاختصاصه بالحكم خصوصا مع أنه ذكر جنس الغسل، فلو أراد التعميم لاقتصر عليه. وعن الثالث: بأن الأمر قد ثبت أنه للوجوب، على أنا لم نتمسك بالامر في إثبات الايجاب ليحمل على الاستحباب، وإنما وقع التمسك بكونه نص على الماء بالذكر في جهة البيان، فيختص بالتطهير. وأما الحت والقرص، فهما واجبان إذا لم يكن الازالة إلا بهما، على أن خروج الدليل عن الدلالة في صورة المعين لا يقتضي الخروج العام. وعن الرابع، وهو سؤال القول بالموجب الذي هو أقواها (1): أنا نقول: أنا لم نستدل على الايجاب ليدعى الخصم انتفاء الخطاب، وإنما تمسكا به لاثبات تعيين الماء على ما سبق. سلمنا الايجاب، لكن الضمير في قوله: (ثم اغسليه) عائد إلى الثوب بدليل قوله عليه السلام: " (ثم صلي فيه) لا إلى الحيض. الثاني: لا يجوز إزالة النجاسة الحكمية وهو الحدث به، فلا يجوز إزالة الحقيقية به، بل أولى، لأن الحكمي تقدير الحقيقي وهو دونها. الثالث: إنه بملاقاة النجاسة ينجس، فلا يطهر المحل. لا يقال: ينتقص بالماء. لأنا نقول: يقتضي الدليل بنجاستهما، خالفنا في الماء للاجماع، فلا يتعدى إلى غيره، لما فيه من كثرة المخالفة الدليل. الرابع: الشرع منع من الصلاة في الثوب النجس واستصحاب النجس في الصلاة،

(1) " ح " " ق ": أقوى لهما.

[ 124 ]

فيقف زوال المنع على الأذن، ويستصحب المنع إلى أن يظهر المنافي. الخامس: الطهارة تراد لأجل الصلاة، فلا تحصل بغير الماء كطهارة الحدث، يؤيده من حيث الشبه والمعنى: أما الشبه، فاعتبار إحدى الطهارتين بالاخرى نظرا إلى الاشتراك في الاسم والمقصود، فإنه مشعر باتحاد الوسيلتين في الحكم إلا أن يبدي الخصم فارقا، وأما المعنى، فهو أن المحل إذا نجس استدعى محيلا، والاحالة من خصائص الماء دون غيره من المائعات ودليل الاختصاص طهارة الحدث. لا يقال: يمنع الاشتراك لفظا من حيث أن الازالة ليست طهارة، بل إزالة نجاسة عن المحل الطاهر في الأصل. سلمنا سلامته عن هذا، لكن لا نسلم عن المطالبة، وما ذكرتموه من التقرير بالاشتراك في الاسم والمقصود لا يستقيم، فإنه ما من شيئين إلا ويشتركان من جهة ويختلفان من أخرى، لكن الجمع لا يمكن إلا إذا اتفقا في المعنى المحصل للحكم ولم يثبتوا ذلك. وأيضا: الفرق بين الطهارتين يكون إحداهما مزيلة لعين مرئية دون الأخرى فلا فرق في زوال العين بالخل وبغيره، وبكون إحداهما يشترط فيها النية والموالاة والترتيب، فجاز اشتراطها بالماء دون الأخرى، وبأن طهارة الخبث أكثر توسعة في التحصيل، فإنها تحصل بفعل الصبي والمجنون بخلاف الأخرى. وأيضا: النقص بالخمر المنقلب، فإنه يطهر الدن وإن لم يحصل استعمال الماء. وأيضا: القلب، فنقول طهارة تراد في للصلاة فتوجد بغير الماء كطهارة الحدث الحاصلة بالتيمم. لأنا نجيب عن الأول: بأن هذا غير مسموع فإنا نعلم قطعا من عرف اللغة إطلاق لفظ الطهارة على إزالة النجاسة. وأيضا: الشارع نص على ذلك في قوله: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبعا) (1) وغير ذلك من الاحاديث التي نقلتموها. وعن سؤال المطالبة ما بينا من الجامع.

(1) صحيح مسلم 1: 234 حديث 91، 92 سنن أبي داود 1: 19 حديث 71، مسند أحمد 2: 427.

[ 125 ]

وعن الفرق الأول: بأن الخل ليس في معنى الماء، لسيلانه وشدة رطوبته ولطافته، وغوصه في أجزاء الجسم، فيستأصل أجزاء النجاسة. وعن الثاني: أنه غير لائق من أبي حنيفة، فإنه لا يقول باشتراط النية والترتيب (1)، وأيضا: فهو وارد على أحد المأخذين، أعني: الشبه. وعن الثالث: إن المقصود هو استعمال الماء، وقد وجد. وعن النقض، بالفرق، فإن الحاجة ماسة إلى الخلول، وهي مفتقرة إلى الظروف، فلو حكمنا بنجاستها كان ذلك حكما بنجاسة الخل. وعن القلب: بالمنع من حكم الأصل، فإن التيمم لا يرفع حدث، ولا يسمى طهارة حقيقة عند بعضهم (2). وأيضا: فهذا غير لائق من أبي حنيفة، فإنه يرى أن التيمم بدل (3)، ولا يرى القياس في الأبدال (4). احتجوا بأنه قد ورد الأمر بالغسل، روى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لخولة بنت يسار (5): (حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه) (6). وروى الأصحاب، عن الصادق عليه السلام: (إذا أصاب الثوب المني، فليغسل (7) وليس في ذلك تقييد وبالماء.

(1) حيث أنه لم يشترط النية في الطهارة الحكمية، انظر: بداية المجتهد 1: 8، بدائع الصنائع 1: 19، المحلى 1: 73، المجموع 1: 313.
(2) بداية المجتهد 1: 73، المبسوط للسرخسي 1: 110، المجموع 2: 221.
(3) " م " بزيادة له. (4) بدائع الصنائع 1: 55، المغني 1: 286.
(5) خولة بنت يسار، روى عنها علي بن ثابت، لم تترجم بأكثر من أنها روت هذا الحديث، وقد احتمل كونها خولة بنت اليمان، أخت حذيفة بن اليمان. الاصابة والاستيعاب بهامشها 4: 293، 294، أسد الغابة 5: 447.
(6) مسند أحمد 2: 364، سنن البيهقي 2: 408، وفيهما: (أغسليه وصلي فيه) وما في المتن من حديث أسماء الذي تقدم في صفحة 121.
(7) الكافي 3: 53 حديث 1، التهذيب 1: 215 حديث 725، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات حديث 6.

[ 126 ]

وأيضا: روى الشيخ في الحسن، عن حكم بن حكيم الصيرفي (1)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط والتراب، ثم تعرق يدي فأمس وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال: (لا بأس به) (2). وعن غياث بن إبراهيم (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليه السلام، قال: (لا بأس أن تغسل الدم بالبصاق) (4). ولان النجاسة تابعة للعين بالدوران وقد زالت، فيزول معلولها. والجواب عن الأول: إنه لا ينافي التقييد بالماء، فيحمل عليه، لما قلناه من الأدلة، ولان إطلاق الغسل ينصرف إلى تحصيله بالماء كما في إطلاق (اسقني). وعن الرواية الأولى: إن المراد، لا بأس بالصلاة مع ذلك قبل الغسل للضرورة، وليس فيه دلالة على الطهارة، وتحمل الرواية حينئذ على ما إذا زالت الرطوبة بالعرق ثم يمس جسده أو وجهه أو ثوبه. وعن الثانية: إنها ضعيفة السند فإن غياثا هذا بتري، فلا تعويل على روايته، على أنه يمكن حملها على الذي ليس بنجس، كدم ما لا نفس له سائلة، أو يحمل على الاستعانة

(1) حكم بن حكيم الصيرفي الاسدي، أبو خلاد، كوفي ثقة، روى عن أبي عبد الله (ع) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 137، رجال الطوسي: 171.
(2) التهذيب 1: 250 حديث 720، الوسائل 2: 1005 الباب 6 من أبواب النجاسات حديث 1. (3) غياث بن إبراهيم الأسيدي، بصري سكن الكوفة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن، وثقه النجاشي. عده الشيخ تارة من أصحاب الباقر (ع) قائلا بأنه بتري، وأخرى: من أصحاب الصادق، وثالثة: ذكره فيمن لم يرو عنهم. وقال العلامة في الخلاصة بأنه بتري ونقل المامقاني الأقوال فيه وضعفا. والبترية هم: أصحاب الحسن بن صالح بن حي وأصحاب كثير النوا، وإنما سموا بذلك، لأن كثيرا كان يلقب بالأبتر. رجال النجاشي: 305، رجال الطوسي: 132، 270، 488، الفهرست: 123، رجال العلامة: 245، تنقيح المقال 2: 366، المقالات والفرق: 140.
(4) التهذيب 1: 425 حديث 1350، الوسائل 1: 149 الباب 4 من أبواب الماء المضاف حديث 2.

[ 127 ]

بالبصاق، لا إنه مطهر. وعن الثالث: بالمنع من المقدمتين. مسألة: لا خلاف بيننا أن المضاف ينجس بالملاقاة وإن كثر سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة وسواء غيرت أحد أوصافه أو لم تغيره. وهو إحدى الروايات عن أحمد. وفي الثانية: اعتبار القلتين، والثالثة: إن ما أصله الماء كالخل التمري، فكالماء، وما لا، فلا (1). وهذه الروايات في جميع المائعات وإن كانت من غير الماء، كالدهن وشبهه. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه سئل عن فأرة وقعت في سمن؟ فقال عليه السلام: (إن كان مائعا، فلا تقربوه) (2) ولم يفرق بين القليل والكثير. ومن طريق الخاصة: ما رواه زرارة، عن الباقر عليه السلام، قال: (إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت، فإن كان جامدا، فألقها وما يليها وكل ما بقي وإن كان ذائبا فلا تأكله، ولكن أسرج به) (3) ولأنها لا قوة لها على دفع النجاسة، فإنها لا تطهر غيرها فلا يدفعها عن نفسها كالقليل، والطريق إلى تطهيره حينئذ، إلقاء كر فما زاد عليه من الماء المطلق، لأن بلوغ الكريه سبب لعدم الانفعال عن الملاقي، وقد مازجه المضاف فاستهلكه، فلم يكن مؤثرا في تنجيسه لوجود السبب، ولا يمكن الاشارة إلى عين نجسة، فوجب الجزم بطهارة الجميع. فرعان: الأول: لو تغير الكثير بأحد (4) أوصاف المضاف: قال الشيخ: نجس الكثير (5)، وليس بجيد.

(1) المغني 1: 58.
(2) سنن أبي داود 3: 364 حديث 3842، مسند أحمد 2: 233، كنز العمال 9: 532 حديث 27295.
(3) الكافي 6: 261 حديث 1، التهذيب 9: 85 حديث 95 الوسائل 1: 149 الباب 5 من أبواب الماء المضاف حديث 1.
(4) " ق " " ن " " ح ": بإحدى.
(5) المبسوط 1: 5، النهاية: 3، الخلاف 1: 54، مسألة - 184.

[ 128 ]

لنا: الأصل الطهارة، وانفعال الكر بالنجس ليس انفعالا بالنجاسة، والمؤثر في التنجيس إنما هو الثاني لا الأول. الثاني: لو سلبه المضاف إطلاق الاسم، فالاقوى حصول الطهارة، وارتفاع الطهورية. مسألة: الماء المستعمل في رفع الحدث الاصغر طاهر مطهر إجماعا منا. وهو قول الحسن البصري، والزهري (1)، والنخعي (2)، وعطا بن أبي رباح، ومكحول (3)، وأبي ثور (4)، (5)، وداود، وأهل الظاهر (6)، وإحدى الروايتين عن مالك (7) وأحمد (8)،

(1) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث القرشي الزهري أحمد الفقهاء السبعة وأحد الاعلام المشهورين. روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وأبي أمامة. وروى عنه عطاء بن أبي رباح، والزبيدي، وصالح بن كيسان، والأوزاعي والليث، ومالك وغيرهم. مات سنة 124. وقيل 123 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 108، شذرات الذهب 1: 162، وفيات الاعيان 4: 177.
(2) أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الاسود الكوفي النخعي روى عن علقمة ومسروق والأسود وروى عنه حماد بن أبي سليمان وسماك بن حرب، مات سنة 95 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 73، شذرات الذهب 1: 111، العبر 1: 85.
(3) أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي مولى امرأة من هذيل وأصله من كابل، فقيه أهل الشام، روى عن أبي أمامة، وواثلا بن الاسقع وأنس بن مالك. وروى تدليسا عن أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وعائشة. وروى عنه الأوزاعي وحجاج بن أرطاة. مات سنة 113 ه‍. تذكرة الحافظ 1: 107 و 3: 815، شذرات الذهب 1: 146 و 2: 291، الفهرست لابن النديم: 318.
(4) إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي: أبو ثور، ويكنى أيضا: أبا عبد الله، سمع من سفيان بن عيينة، كان على مذهب أبي حنيفة حتى قدم الشافعي العراق فصحبه واتبعه وتفقه عليه. مات سنة 240: تذكرة الحفاظ 2: 512، شذرات الذهب 2: 93، مزان الاعتدال 1: 29، طبقات الشافعية للسبكي 1: 227.
(5) المجموع 1: 153، المغني 1: 47، إرشاد الساري 1: 269، تفسير القرطبي 13: 49، المحلى 1: 184، نيل الاوطار 1: 28، عمدة القارئ 3: 73.
(6) بداية المجتهد 1: 27، المحلى 1: 184، نيل الاوطار 1: 28، المغني 1: 47.
(7) بداية المجتهد 1: 27، ميزان الكبرى 1: 100، تفسير القرطبي 13: 48، المجموع 1: 153، إرشاد الساري 1: 269، التفسير الكبير 11: 170، عمدة القارئ 3: 73، المغني 1: 47.
(8) المغني 1: 47، الانصاف 1: 37، الكافي لابن قدامة 1: 7.

[ 129 ]

وحكاه عيسى بن أبان (1) عن الشافعي في رده على الشافعي، وحكى أبو ثور عنه: إنه توقف فيه (2). وقال محمد: إنه طاهر غير طهور (3) وهو قول الشافعي في الجديد (4)، وبه قال الاوزاعي (5)، وأحمد في إحدى الروايتين (6)، والليث بن سعد (7)، (8)، وهو مروي عن مالك (9). وقال أبو حنيفة إنه نجس نجاسة غليظة في رواية الحسن عنه كالدم والبول والخمر، حتى أنه إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم، منع أداء الصلاة (10). وقال أبو يوسف: إنه نجس نجاسة خفيفة حتى أنه إذا أصاب الثوب أكثر من الدرهم، لم يمنع من الصلاة ما لم يكن كثيرا فاحشا، ورواه عن أبي حنيفة (11)، وبقول

(1) أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة: أحد فقهاء العراق، صحب محمد بن الحسن الشيباني وتفقه عليه. تولى القضاء بعسكر المهدي ثم بالبصرة، ومات فيها سنة 221 ه‍. تاريخ بغداد 11: 157، ميزان الاعتدال 3: 310.
(2) المجموع 1: 150.
(3) بدائع الصنائع 1: 66، المبسوط للسرخسي 1: 46، شرح فتح القدير 1: 74، عمدة القارئ 3: 73، التفسير الكبير 11: 170، إرشاد الساري 1: 269.
(4) التفسير الكبير 11: 170، مغني المحتاج 1: 20، السراج الوهاج: 8 إرشاد الساري 1: 269.
(5) تفسير القرطبي 13: 48، نيل الاوطار 1: 28، المغني 1: 47.
(6) نيل الاوطار 1: 28، المجموع 1: 153، الكافي لابن قدامة 1: 7، المغني 1: 47، الانصاف 1: 35. (7) الليث بن سعد، أبو الحارث الفهمي، شيخ الديار المصرية، أصله فارسي أصبهاني، روى عن الزهري وعطاء ونافع، وروى عنه ابن شعيب وابن المبارك. مات سنة 175 ه‍. تذكرة الحافظ 1: 224، شذرات الذهب 1: 285، العبر 1: 206، الجرح والتعديل 7: 179.
(8) نيل الاوطار 1: 28، المغني 1: 47.
(9) بداية المجتهد 1: 27، التفسير القرطبي 13: 48، المجموع 1: 153، ذيل الاوطار 1: 28، بلغة السالك 1: 15، المغني 1: 47.
(10) بدائع الصنائع 1: 66، المبسوط للسرخسي 1: 46، الهداية للمرغيناني 1 20، شرح فتح القدير 1: 77، إرشاد الساري 1: 269.
(11) راجع نفس المصادر.

[ 130 ]

أبي يوسف أخذ مشايخ بلخ (1)، وبقول محمد أخذ مشايخ العراق (2). وقال زفر: إن كان المتوضي محدثا، فهو كما قال محمد، وإن كان المتوضئ غير محدث، فهو طاهر وطهور (3)، وهو قول الشافعي أيضا (4). لنا: وجوه: أحدها: إن بلالا (5) أخرج وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فتبادر إليه الصحابة ومسحوا به وجوههم (6). ولو كان نجسا لما فعلوا. وأيضا: روى الجمهور، عنه إنه صب على جابر (7) من وضوئه (8). ورووا أيضا عنه عليه السلام، إنه قال: (الماء لا يجنب) (9).

(1) بدائع الصنائع 1: 67.
(2) راجع نفس المصدر.
(3) بدائع الصنائع 1: 66، الهداية للمرغيناني 1: 19، عمدة القارئ 3: 73.
(4) التفسير الكبير 11: 170، إرشاد الساري 1: 269، مغني المحتاج 1: 20.
(5) بلال بن رباح: أبو عبد الله، وقيل: أبو عمرو أو عبد الكريم، مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، أول مؤذن للنبي، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من السابقين إلى الإسلام، لم يؤذن بعد النبي صلى الله عليه وآله لأحد إلا مرة واحدة بطلب من الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) ولم يتمه، كما في الفقيه 1: 194. توفي بدمشق سنة 18 ه‍. ودفن بباب الصغير. والصغير والاستيعاب بهامش الاصابة 1: 141، أسد الغابة 1: 206، رجال الطوسي: 8، رجال العلامة 27، تنقيح المقال 1: 182.
(6) صحيح البخاري 1: 59، صحيح مسلم 1: 360 حديث 250، مسند أحمد 4: 308، سنن البيهقي 1: 235. (7) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الانصاري المدني العربي الخزرجي، صاحب رسول الله، شهد بدرا وثماني عشرة غزوة مع النبي صلى الله عليه وآله وهو من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (ع) عده الشيخ من أصحاب النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين والسجاد والباقر عليهم السلام. أسد الغابة 1: 256، الاصابة 1: 213، رجال الطوسي: 12، 37، 66، 82، 85، 111، رجال العلامة: 34، تنقيح المقال 1: 199.
(8) صحيح البخاري 1: 60، صحيح مسلم 3: 1235، سنن الترمذي 4: 417 حديث 2097، سنن البيهقي 1: 235، سنن الدارمي 1: 187.
(9) سنن أبي داود 1: 18 حديث 68، سنن الترمذي 1: 94 حديث 65، سنن ابن ماجة 1: 132 حديث 370، كنز العمال 1: 579 حديث 27504.

[ 131 ]

وعنه عليه السلام، أنه قدمت إليه مرأة من نسائه قصعة ليتوضأ منها، فقالت امرأة: إني غمست يدي فيها وأنا جنب، فقال: (الماء ليس عليه جنابة) (1). وروى الجمهور عن ربيع (2) أن النبي صلى الله عليه وآله مسح رأسه بفضل ما كان في يده (3). الثاني: ما رواه الأصحاب، روى (4) عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل) وقال: (الماء الذي يغسل به الثوب ويغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ به وأشباهه، وأما الماء الذي يتوضأ به الرجل فيغسل وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به) (5). وروى زرارة، عن أحدهما عليه السلام، قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله إذا توضأ أخذوا ما سقط من وضوئه فيتوضؤن به) (6). وروى حريز بن عبد الله في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب) (7). وجه الاستدلال فيه من وجهين: أحدهما: عموم جواز الاستعمال سواء استعمل في الوضوء أم لا.

(1) سنن الدارمي 1: 187، سنن الدار قطني 1: 52 حديث 3.
(2) ربيع بنت معوذ بن عفراء الانصارية، شهدت بيعة الشجرة والرضوان، روت عن النبي صلى الله عليه وآله. وروى عنها سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن وخالد بن ذكوان وغيرهم. الاصابة 4: 300، أسد الغابة 5: 451.
(3) سنن أبي داود 1: 32 حديث 130، سنن البيهقي 1: 59، سنن الدار قطني 1: 87، كنز العمال 9: 432 حديث 26836.
(4) " م " بزيادة: عن.
(5) التهذيب 1: 221 حديث 630، الاستبصار 1: 27 حديث 71، الوسائل 1: 155 الباب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 13.
(6) التهذيب 1: 221 حديث 631، الوسائل 1: 152 الباب الماء المضاف حديث 1.
(7) الكافي 3: 4 حديث 3، التهذيب 1: 216 حديث 625، الاستبصار 1: 12، حديث 19 الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

[ 132 ]

الثاني: إنه إذا لاقى النجاسة العينية، كان حكمه جواز الاستعمال ما دام وصف الماء باقيا، فالأولى أنه إذا رفع به الحدث مع عدم ملاقاة النجاسة جاز استعماله. الثالث: المقتضي موجود وهو الأمر باستعمال الماء المطلق، والمعارض وهو الاستعمال لا يصلح أن يكون معارضا، لأنه لم يخرجه عن إطلاقه، وإضافته إلى الاستعمال يؤثر تغير وصف ولا هيئة فيكون كإضافته إلى المحل، ولأنه طاهر لاقى طاهرا، فلا يخرجه عن تأدية الفرض به ثانيا، كالثوب إذا تعددت الصلاة فيه. احتج أبو حنيفة وأبو يوسف (1) بأن هذا الفعل يسمى طهارة، وذلك يستدعي نجاسة المحل فشارك الذي أزيلت به النجاسة الحقيقية، ولما كانت النجاسة مجتهدا فيها، خفف حكمها كبول ما يؤكل (2) لحمه. والجواب: إن وقوع لفظ الطهارة على مزيل الحدث وعلى مزيل الخبث بالاشتراك اللفظي فلا جامع بينهما، ولا نسلم أن التسمية تستدعي سابقية النجاسة، والفرق بين مزيل الحدث والخبث ملاقاة النجاسة العينية الصالحة للحوق حكم التنجيس، فلا يتم القياس. فروع: الأول: الماء المستعمل في المرة الثانية، أو في المضمضة والاستنشاق، أو التجديد، عندنا طاهر بالاجماع، وللشافعية وجهان: أحدهما: ذلك، لأنه لم يؤد به فرضا. والثاني: المنع، لأنه مستعمل في الطهارة (3). ومن أحمد روايتان (4). الثاني: يجوز إزالة النجاسة بماء الوضوء عندنا، وللشافعي وجهان: أحدهما ذلك، لأن للماء فعلين: رفع الحدث وإزالة الخبث، فإذا رفع الحدث بقي

(1) بدائع الصنائع 1: 68، المبسوط للسرخسي 1: 46، نيل الاوطار 1: 24، ميزان الكبرى 1: 100، المغني 1: 48، المجموع 1: 151.
(2) " خ " " ح " " ق ": ما لا يؤكل، والصحيح ما أثبتناه، لأنهما يقولان بنجاسة بول ما يؤكل لحمه نجاسة خفيفة.
(3) مغني المحتاج 1: 20، المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 157، السراج الوهاج: 8.
(4) المغني 1: 50، الكافي لابن قدامة 1: 7.

[ 133 ]

تطهير الخبث. والثاني: المنع، وهو المشهور عندهم، لأنه مائع لا يزيل الحدث فلا يرفع الخبث كالمائعات (1)، وليس للماء فعلان، بل فعل واحد، وهو رفع أحدهما، أعني: النجاسة أو الحدث لا بعينه، فأيهما حصل زالت طهوريته. الثالث: لو بلغ المستعمل حد الكثرة، للشافعية وجهان: أحدهما: جواز التطهير به، لأن البلوغ مانع من قبول النجاسة، فرفع حكم الاستعمال أولى. والثاني: المنع، لأنه مستعمل (2). الرابع: المستعمل في تعبد من غير حدث كغسل اليدين من نوم الليل طاهر مطهر. وعن أحمد في الحكم الثاني روايتان: إحداهما: المنع، لأنه مستعمل في طهارة تعبد أشبه المستعمل في رفع الحدث (3). والأصل عندنا باطل. مسألة: المستعمل في رفع الحدث الأكبر كالجنابة، قال الشيخان (4) وابنا بابويه: إنه طاهر غير مطهر (5)، وقال السيد المرتضى: إنه (6) مطهر (7)، وقول الجمهور ها هنا كقولهم ثم، فإنهم لم يفصلوا بين الماءين. والذي أذهب إليه أنه طاهر مطهر، فالبحث ها هنا يقع في مقامين: الأول: إنه طاهر وذلك مجمع عليه عندنا، ولان التنجيس حكم شرعي، فيتوقف ثبوته

(1) المهذب 1: 8 المجموع 1: 156.
(2) راجع نفس المصادر، مع: مغني المحتاج 1: 21. (3) المغني 1: 50، الانصاف 1: 38.
(4) المفيد في المقنعة: 9، والطوسي في المبسوط 1: 11.
(5) المختلف 1: 12 نقله عن علي بن بابويه، الفقيه 1: 10، المقنع: 7، الهداية: 13.
(6) " ح " " ق ": بأنه.
(7) جمل العلم والعمل: 49.

[ 134 ]

على الشرع، وليس في الشرع دلالة عليه. ولان القول بالتنجيس مع القول بطهارة المستعمل في الوضوء مما لا يجتمعان إجماعا، والثاني ثابت إجماعا، فينتفي الأول، وإلا لزم خرق الاجماع. ولما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله: (الماء لا يجنب) وفي قوله: (الماء ليس عليه جنابة) (1). وروى أحمد وابن ماجة (2) معا أن النبي صلى الله عليه وآله اغتسل من الجنابة، فرأى لمعة لم يصبها الماء، فعصر شعره عليها (3). ولان الماء طاهر لاقى محلا طاهرا، فلا يخرج عن وصف الطهارة. أما المقدمة الثانية: فلما رواه الجمهور عن أبي هريرة، قال: (لقيني النبي صلى الله عليه وآله أنا جنب فا [ نسللت ] (4) منه، فاغتسلت ثم جئت فقال: (أين كنت يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله كنت جنبا فكرهت أن أجالسك فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: (سبحان الله، المسلم لا ينجس) (5). وأما الملازمة فظاهرة، ولان المقتضي موجود والمعارض لا يصلح أن يكون معارضا وقد تقدما. ولرواية حريز في الصحيح من قوله: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ) (6).

(1) مر الحديثان في ص 130، 131.
(2) أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة الربعي القزويني صاحب كتاب السنن والتفسير والتأريخ، سمع من ابن أبي شيبة ويزيد بن عبد الله اليماني، وروى عنه خلق، منهم: أبو الطيب البغدادي، وإسحاق بن محمد القزويني. مات سنة 273 ه‍، وقيل: 283 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 636: شذرات الذهب 2: 164، العبر 1: 394، طبقات الحفاظ: 282.
(3) مسند أحمد 1: 243، سنن ابن ماجة 1: 217 حديث 663.
(4) في النسخ: فانخلست، وما أثبتناه من البخاري. (5) صحيح البخاري 1: 79، صحيح مسلم 1: 282 حديث 371، سنن الترمذي 1: 207 حديث 121، سنن أبي داود 1: 59 حديث 231، سنن ابن ماجة 1: 178 حديث 534، سنن النسائي 1: 145، مسند أحمد 2: 235، سنن البيهقي 1: 189 - بتفاوت لفظي في الجميع.
(6) تقدمت في ص 131.

[ 135 ]

المقام الثاني: في كونه مطهرا، وهوما ذكرناه في المستعمل في الصغرى. احتج المانعون بوجوه: أحدها: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة) (1) ولو لم يكن نجسا، لم يكن للنهي فائدة. الثاني: رواية عبد الله بن سنان. وقد تقدمت في الوضوء (2). الثالث: إنه مشكوك فيه، فيجب أنه لا يجوز استعماله. والجواب عن الأول بالمنع من الدلالة على التنجيس، فإنه قد نهى عن البول في الماء الجاري (3) مع إنه لا ينجس لو فعل إجماعا. وعن الثاني: بالطعن في رواتها (4)، فإن في طريقها أحمد بن هلال (5)، وهو ضعيف جدا، وابن فضال، وهو فطحي. وعن الثالث: بالمنع من الشك فيه، ووجهه أن نقول: الشك إما أن يقع في كونه طاهرا، أو في كونه مطهرا، والأول باطل عند الشيخ (6)، والثاني أيضا باطل، فإنه حكم تابع لطهارة الماء وإطلاقه، وقد حصلا، فأي شك ها هنا؟!.

(1) سنن أبي داود 1: 18 حديث 70، مسند أحمد 2: 433، كنز العمال 9: 355 حديث 26422: وقريب منه في: صحيح البخاري 1: 68، صحيح مسلم 1: 235 حديث 95، 96، سنن النسائي 1: 49، سنن أبي داود 1: 18 حديث 69، نيل الاوطار 1: 27.
(2) في ص 131.
(3) كنز العمال 9: 353 حديث 26410.
(4) " ح " " ق ": روايتها.
(5) أبو جعفر أحمد بن هلال العبرتائي، يعرف منها وينكر، وقد روي فيه: ذموم من سيدنا العسكري (ع) قاله النجاشي. وعده الشيخ من أصحاب الامامين الهادي والعسكري عليهما السلام. وقال: كان متهما في دينه. مات سنة 267 ه‍. رجال النجاشي: 83، رجال الطوسي: 410، الفهرست: 36.
(6) المبسوط 1: 11.

[ 136 ]

فروع: الأول: إذا حصل الجنب عند غدير أو قليب وخشي إن نزل فساد الماء، قال الشيخ: فليرش عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه، ثم يأخذ كفا كفا يغتسل (1)، تعويلا على ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في كتاب الجامع، عن عبد الكريم (2)، عن محمد بن ميسر (3)، أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الجنب ينتهي إلى الماء القليل والماء في وهدة (4)، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال: (ينضح بكف بين يديه، وكف خلفه، وكف عن يمينه، وكف عن شماله ويغتسل) (5). ورواه الشيخ في الصحيح، عن ابن مسكان، قال: حدثني صاحب لي ثقة إنه سأل أبا عبد الله عليه السلام (6)، وبمثله روي في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام (7). واختلف في المراد، فقيل: إنه يمسح جسده بالماء ثم يغتسل، والفائدة سرعة جريان الماء عند الغسل بحيث لا ينزل إلى الماء قبله (8)، وقيل: يرش على الارض في الجهات (9)،

(1) النهاية: 8.
(2) عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي الملقب ب‍ " كرام " روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ثم وقف على أبي الحسن. وثقة النجاشي وعده الشيخ من أصحاب الصادق والكاظم (ع) وقال: واقفي، وأطلق في الفهرست. وتوقف فيه المصنف. رجال النجاشي: 245، رجال الطوسي 234، 354، الفهرست: 109 رجال العلامة: 243.
(3) محمد بن ميسر بن عبد العزيز النخعي بياع الزطي، كوفي ثقة، روى عن أبي عبد الله (ع). رجال النجاشي: 368، الفهرست: 161، رجال العلامة: 159.
(4) الوهدة: الارض المنخفضة كالوهد. القاموس المحيط 1: 360.
(5) السرائر: 473 نقلا عن جامع البزنطي.
(6) التهذيب 1: 417 حديث 1318، الاستبصار 1: 28 حديث 72، الوسائل 1: 157 الباب 10 من أبواب الماء المضاف حديث 2.
(7) التهذيب 1: 416 حديث 1315، الاستبصار 1: 28 حديث 73، الوسائل 1: 156 الباب 10 من أبواب الماء المضاف حديث 1. (8، 9) انظر: المعتبر 1: 88.

[ 137 ]

لهذه الفائدة أيضا. أقول: وهذا عندي على وجه الاستحباب دون الايجاب. وروى الشيخ في الحسن، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي (1)، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا أتيت ماءا وفيه قلة، فانضح عن يمينك وعن يسارك وبين يديك وتوضأ) (2). الثاني: متى كان على جسد المجنب أو المغتسل (3) من حيض وشبهه نجاسة عينية فالمستعمل إذا قل عن الكر، نجس إجماعا، بل الحكم بالطهارة إنما يكون مع الخلو من النجاسة العينية، فإذا ارتمس فيه ناويا للغسل صار الماء مستعملا وطهر الجنب. وبه قال الشافعي (4)، لأنه إنما يصير مستعملا بارتفاع حدث فيه. وقال أحمد: يصير مستعملا، ولا يرتفع حدثه (5)، لقوله عليه السلام: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم) (6) والنهي يقتضي الفساد. والكبرى (7) ممنوعة. ولو غسل مرتبا فتساقط الماء من رأسه أو من جانبه الايمن عليه، صار مستعملا، فليس له استعمال الباقي. على قول الشيخ (8). ولو نزل فيه إثنان وارتمسا دفعة واتفقا في زمن النية طهرا، ولو سبق أحدهما، طهر وصار مستعملا في حق الثاني. ولو غسل رأسه خارجا، ثم أدخل يده في القليل ليأخذ ما يغسل به جانبه، فالأقرب أن

(1) أبو محمد عبد الله بن يحيى الكاهلي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن وكان وجها عنده. عده الشيخ من أصحاب الكاظم. له كتاب. رجال النجاشي: 221، رجال الطوسي: 357، رجال العلامة: 108.
(2) التهذيب 1: 408 حديث 1283، الوسائل 1: 158 الباب 10 من أبواب الماء المضاف حديث 3.
(3) " ح " " ق ": والمغتسل.
(4) مغني المحتاج 1: 21، المجموع 1: 167، 334.
(5) المغني 1: 51، الكافي لابن قدامة 1: 8.
(6) تقدم في ص 135.
(7) في " م ": والأولى.
(8) حيث أنه قال بعدم مطهرية الماء المستعمل في الكبرى. انظر: المبسوط 1: 11.

[ 138 ]

الماء لا يصير مستعملا، ولو نوى غسل يده، صار مستعملا. الثالث: المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة النجاسة به إجماعا منا، لاطلاقه، والمنع من رفع الحدث به عند بعض الأصحاب (1)، لا يوجب المنع من إزالة النجاسة، لانهم إنما قالوه ثم لعلة لم توجد في إزالة الخبث، فإن صحت تلك العلة ظهر الفرق وبطل الالحاق، وإلا حكموا بالتساوي في البابين كما قلناه نحن. الرابع: إذا بلغ المستعمل في الكبرى كرا، قال الشيخ في المبسوط: زال عنه حكم المنع (2)، وتردد في الخلاف (3). والذي أختاره تفريعا على القول بالمنع، زوال المنع هاهنا، لأن بلوغ الكرية موجب لعدم انفعال الماء عن الملاقي، وما ذلك إلا لقوته، فكيف يبقى انفعاله عن ارتفاع الحدث الذي لو كان نجاسة لكانت تقديرية، ولأنه لو اغتسل في كر لما [ انفعل ] (4) فكذا المجتمع. لا يقال: يرد ذلك في النجاسة العينية. لأنا نقول هناك إنما حكمنا بعدم الزوال، لارتفاع قوة الطهارة بخلاف المتنازع فيه. الخامس: المستعمل في الاغسال المندوبة، أو في غسل الثوب أو الآنية الطاهرين ليس بمستعمل، لأن الاستعمال لم يسلبه الاطلاق، فيجب بقاؤه على التطهير للآية (5). وقالت الحنفية: كل مستعمل في غسل بني آدم على وجه القربة فهو مستعمل، وما لا فلا. فلو غسل يده للطعام أو من الطعام صار مستعملا، بخلاف ما لو غسل لازالة الوسخ أو لازالة العجين من يده (6)، ولو توضأ أو اغتسل للتبرد، قال الطحاوي: يصير مستعملا (7).

(1) كالشيخين وابن بابويه. انظر: المقنعة: 9 المبسوط 1: 11، الفقيه 1: 13.
(2) المبسوط 1: 11.
(3) الخلاف 1: 46 مسألة - 127.
(4) في النسخ التي بأيدينا: (لما نفى انفعاله لعدمه) وما أثبتناه مطابق لما نقل عنه صاحب الحدائق 1: 450.
(5) الانفال: 11.
(6) بدائع الصنائع 1: 69، شرح فتح القدير 1: 78، الهداية للمرغيناني 1: 20.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 47.

[ 139 ]

وعند أبي يوسف إنما يصير مستعملا بأحد أمرين إما بنية التقرب أو بإسقاط الفرض. وعند محمد: بنية التقرب لا غير (1). وتظهر الفائدة في الجنب المرتمس في البئر لطلب الدلو، فعلى هذه الرواية، عن أبي يوسف: الماء بحاله والرجل بحاله (2). وقد ذكرنا عنه أولا أن الماء نجس والرجل جنب (3). وروى الكرخي عنه قولا ثالثا، وهو أن الماء نجس والرجل طاهر. ولو أن الطاهر انغمس في البئر لطلب الدلو لم يصر مستعملا اتفاقا. قال محمد: ولو أدخل رأسه أو خفه في إناء فيه ماء للمسح، لا يجوز (4) عن المسح ويصير مستعملا، ويخرج رأسه وخفه من الماء المستعمل، لأنه قصد التقرب. وقال أبو يوسف: يجوز (5) المسح ولا يصير الماء مستعملا، لأن المسح هو الاصابة دون الاسالة، والتقرب وسقوط الفرض إنما يقع بالاصابة لا بالاسالة، واتفقا على أنه لو لم يقصد المسح فإنه يجوز (6) عن المسح ولا يصير الماء مستعملا، لأن قصد التقرب لم يوجد وعند أبي يوسف وإن سقط الفرض عن ذمته، لكنه أسقط الفرض بالاصابة لا بالاسالة (7). السادس: لو اغتسل من الجنابة وبقيت في العضو لمعة لم يصبها الماء فصرف البلل الذي على العضو إلى تلك اللمعة، جاز أما على ما اخترنا نحن فظاهر، وأما على قول الحنفية فكذلك، لأنه إنما يكون مستعملا بانفصاله عن البدن، وفي اشتراط استقراره في المكان خلاف عندهم (8). وأما في الوضوء، فقالوا: لا يجوز صرف البلل الذي في اليمنى إلى اللمعة التي في اليسرى، لأن البدن في الجنابة كالعضو الواحد فافترقا (9)، وليس للشيخ فيه نص، والذي

(1) بدائع الصنائع 1: 69، المبسوط للسرخسي 1: 53، شرح فتح القدير 1: 78.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 53، الهداية للمرغيناني 1: 20، شرح فتح القدير 1: 79.
(3) تقدم في ص 129. (4 - 5 - 6) في المصدر: يجزئه، وهو الانسب.
(7) انظر جميع ذلك في: بدائع الصنائع 1: 70.
(8) بدائع الصنائع 1: 68، شرح فتح القدير 1: 78، الهداية للمرغيناني 1: 20.
(9) بدائع الصنائع 1: 68.

[ 140 ]

ينبغي أن يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فإنه لم يشترط في المستعمل الانفصال. السابع: لو اغتسل واجبا من جنابة مشكوك فيها كالواجد في ثوبه المختص أو المتيقن لها وللغسل الشاك في السابق، أو من حيض مشكوك فيه كالناسية للوقت أو العدد، هل يكون ماؤه مستعملا؟ فيه إشكال، فإن لقائل أن يقول: إنه غير مستعمل، لأنه ماء طاهر في الأصل لم يعلم إزالة الجنابة به، فلا يلحقه حكم المستعمل، ويمكن أن يقال: إنه مستعمل، لأنه قد اغتسل به من الجنابة وإن لم تكن معلومة إلا أن الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، ولأنه ماء أزال مانعا من الصلاة، فانتقل المنع إليه كالمتيقن. الثامن: لو انغمس الجنب في ماء قليل، فإن نوى بعد تمام انغماسه وإيصال (1) الماء بجميع البدن ارتفع حدثه لوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النية ويكون مستعملا، وهل يحكم بالاستعمال في حق غيره قبل انفصاله عنه؟ الوجه ذلك. ولو خاض (2) جنبان ونويا دفعة بعد تمام الانغماس (3)، ارتفع حدثهما، وإن نوى قبل إكمال الانغماس، فالأقرب أنه لا يكون مستعملا بأول الملاقاة، بل يرتفع (4) حدثه عند كمال الانغماس. التاسع: الذمية إذا اغتسلت من الحيض لاباحة وطئ الزوج، كان الماء نجسا عندنا، لأن الكافر نجس. وعن أحمد روايتان: إحداهما: إنه مطهر، لأنه لم يزيل مانعا من الصلاة، فأشبه ما لو تبرد به. والأخرى: إنه غير مطهر، لأنها أزالت به المانع من الوطئ (5). العاشر: المستعمل في التجديد أو الجمعة أو غسل العيدين وغيرهما من المسنونات طاهر

(1) " ح " " خ " " ق ": اتصال.
(2) " خ ": غاص.
(3) " ح " " ق ": الارتماس.
(4) كذا في النسخ، ولعل الانسب: برفع.
(5) المغني 1: 49.

[ 141 ]

مطهر. وقد تقدم (1)، وعن أحمد روايتان (2). مسألة المنفصل من غسالة النجاسة، إما أن ينفصل متغيرا بها، فهو نجس إجماعا لتغيره، وإما أن ينفصل غير متغير قبل طهارة المحل وهو كذلك، لأنه ماء يسير لاقى نجاسة لم يطهرها، فكان نجسا كالمتغير، وكما لو وردت النجاسة عليه وكالباقي في المحل، فإنه نجس وهو جزء من الماء الذي غسلت به النجاسة، ولأنه قد كان نجسا في المحل، فلا يخرجه العصر إلى التطهير، لعدم صلاحيته، وهو أحد وجهي الشافعي (3)، وفي الآخر: إنه طاهر (4)، لأن الماء الوارد على النجاسة يعتبر فيه التغير، لأن الحاجة داعية إلى ملاقاته النجاسة، فاعتبر فيه التغير كالقلتين، لما شق حفظ ذلك من النجاسة اعتبر فيه التغير. ثم اختلفوا، فقال ابن خيران (5): يجوز يتوضأ به (6)، ولا تزيل النجاسة (7)، والمشهور عندهم إنه طاهر غير مطهر (8). وإما أن ينفصل غير متغير منن الغسلة التي طهرت المحل، فللشيخ قولان: قال في المبسوط: هو نجس، وفي الناس من قال: لا ينجس إذا لم يغلب على أحد أوصافه، وهو قوي، والأول أحوط (9)، وجزم في الخلاف بنجاسة الغسلة الأولى، وطهارة الغسلة الثانية (10)، والأقوى عندي: التنجيس، وهو مذهب أبي حنيفة (11)،

(1) في ص 132، 138.
(2) المغني 1: 50، الكافي لابن قدامة 1: 7، الانصاف 1: 37.
(3) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 158.
(4) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 158.
(5) أبو على: الحسين بن صالح بن خيران، شيخ الشافعية ببغداد بعد ابن سريج، وأحد أركان المذهب، عرض عليه القضاء فامتنع، تفقه به جماعة. مات سنة 320 ه‍. طبقات الشافعية للشبكي 3: 213، العبر 2: 10، شذرات الذهب 2: 287. (6) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 158.
(7) " ح " " ق ": ولا يزيل به النجاسة.
(8) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 158.
(9) المبسوط 1: 92.
(10) الخلاف 1: 48 مسألة - 135.
(11) بدائع الصنائع 1: 66.

[ 142 ]

والانماطي (1) من الشافعية (2)، وللحنابلة وجهان (3). لنا: إنه ماء قليل لاقى نجاسة فينجس بها كما لو وردت عليه. وما رواه عيص بن القاسم (4)، قال: سألته عن رجل أصابه قطر من طشت فيه وضوء؟ فقال: (إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه) (5). وذهب الشافعي إلى أنه طاهر (6)، لأنه جزء من المتصل، والمتصل طاهر، فكذا المنفصل، ولأنه ماء أزال حكم النجاسة ولم يتغير بها، فكان طاهرا كالمنفصل من الارض. والجواب عن الأول: بالمنع من كونه جزءا حالة الانفصال، وقياسه على المتصل باطل، لوقوع الفرق وهو لزوم المشقة في تنجيس المتصل دونه. وعن الثاني: بالمنع في الأصل على ما يأتي. فرع: رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره مما يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا. أما على قولنا فظاهر، وأما على قول الشيخ، فلما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة، لا يتوضأ

(1) أبو القاسم: عثمان بن سعيد بن بشار الفقيه البغدادي الانماطي، صاحب المزني، نشر مذهب الشافعي ببغداد، وتفقه عليه أبو العباس بن سريج. مات سنة 288 ه‍. العبر: 415، طبقات الشافعية للسبكي 2: 52.
(2) المهذب للشيرازي 1: 8 المجموع 1: 158.
(3) المغني 1: 77، الانصاف 1: 46، الكافي لابن قدامة 1: 8.
(4) عيص بن القاسم بن ثابت بن عبيد بن مهران البجلي الكوفي، يكنى: أبا القاسم، ثقة، عين، روى عن أبي عبد الله، وأبي الحسن موسى (ع). رجال النجاشي: 302، رجال الطوسي: 264 رجال الكشي: 361، رجال العلامة 131. (5) الظاهر أن الرواية لم يذكرها الشيخ إلا في الخلاف 1: 49 ذيل مسألة 135 - وذكرها المحقق في المعتبر 1: 90، والشهيد في الذكرى: 9 وقال: هي مقطوعة النظر الوسائل 1: 156 الباب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 14.
(6) مغني المحتاج 1: 85، المجموع 1: 159، فتح الوهاب 1: 21 السراج الوهاج: 24.

[ 143 ]

منه (1)، (2) ولأنه أزال مانعا من الصلاة، فينتقل إلى الماء ما كأم في الثوب من المنع وإن كان طاهرا كماء الحدث. مسألة: (3) عفي عن ماء الاستنجاء إذا سقط منه شئ على ثوبه أو بدنه، سواء رجع على (4) الارض الطاهرة أو لا، وصرح الشيخان بطهارته (5)، أما لو سقط وعلى الارض نجاسة ثم رجع على الثوب أو البدن، فهو نجس سواء تغير أو لا، وكذا لو تغير أحد أوصافه من الاستنجاء. لنا: ما رواه الاحول (6) في الحسن، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به؟ فقال: (لا بأس به) (7). وما رواه محمد بن النعمان (8)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب؟ فقال: (لا بأس به) (9).

(1) في بعض النسخ: به.
(2) التهذيب 1: 221 حديث 630، الاستبصار 1: 27 حديث 71 الوسائل 1: 155 الباب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 13.
(3) " ح " " ق " فرع.
(4) لعل الصحيح: عن.
(5) المفيد في المقنعة: 5، الطوسي في المبسوط 1: 16.
(6) أبو جعفر محمد بن علي بن نعمان بن أبي طريقة البجلي مولاهم الاحوال، كوفي صيرفي يلقب مؤمن الطاق وصاحب الطاق، له مناظرات مع أبي حنيفة. عده الشيخ في رجاله من أصحابه الصادق والكاظم بعنوان: محمد بن النعمان الاحول. له كتب منها كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين (ع). رجال النجاشي 325، رجال الطوسي: 302، 359، الفهرست 131.
(7) الكافي 3: 13 حديث 5، التهذيب 1: 85 حديث 223، الوسائل 1: 160 الباب 13 من أبواب الماء المضاف حديث 1.
(8) هو مشترك بين محمد بن النعمان الاحول - الذي مرت ترجمته - وبين محمد بن النعمان الحضرمي ومحمد بن النعمان الازدي الكوفي، عدهما الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 302، تنقيح المقال 3: 196.
(9) التهذيب 1: 86 حديث 227، الوسائل 1: 161 الباب 13 من أبواب الماء المضاف حديث 4.

[ 144 ]

وما رواه عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1)، قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ فقال: (لا) (2). وهكذا حكم الماء الذي يتوضأ به أو يغتسل به من الجنابة، أما عندنا فهو ظاهر، وأما عند الشيخ فلما رواه في الصحيح، عن الفضيل بن يسار (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال في الرجل الجنب: يغتسل فينضح من الارض في إنائه، فقال: (لا بأس " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4)) (5). وفي الصحيح عن الفضيل أيضا، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الجنب يغتسل فينضح الماء من الارض في الاناء فقال: (لا بأس، هذا مما قال الله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج ") (6). ولان التحرز عن هذه المياه مما يعسر جدا، فشرع العفو دفعا للحرج، ويدل عليه: تعليل الامام عليه السلام في المغتسل به. فروع: الأول: الماء الذي يغسل به القبل والدبر يدخل تحت هذا الحكم لعموم اسم الاستنجاء لهما. الثاني: الماء الذي يغسل به الآنية لا يلحقه هذا الحكم.

(1) عبد الكريم بن عتبة الهاشمي القرشي اللهبي ثقة من أصحاب الامامين الصادق والكاظم. رجال الطوسي 234، رجال العلامة 127.
(2) التهذيب 1: 86 حديث 228، الوسائل 1: 161 الباب 13 من أبواب الماء المضاف حديث 5.
(3) أبو القاسم: الفضيل بن يسار النهدي، أصله كوفي. نزيل البصرة، ثقة، وممن أجمعت العصابة على تصديقه. وقيل يكنى أبا ميسور، من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع) ومات في أيامه. رجال النجاشي: 309، رجال الطوسي: 132، 271، رجال الكشي 238.
(4) الحج 13.
(5) التهذيب 1: 86 حديث 224، الوسائل 1: 153 الباب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 5 - بتفاوت يسير.
(6) التهذيب 1: 86 حديث 225، الوسائل 1: 153 الباب 9 من أبواب الماء مطلق حديث 1.

[ 145 ]

وقال الشيخ في الخلاف: إذا أصاب الثوب أو الجسد من الماء الذي يغسل به إناء الولوغ لا يغسل، سواء كان من الغسلة الأولى أو الثانية (1). تردد في المبسوط في نجاسة الأولى (2). لنا: إنه ماء قليل لاقى نجاسة، فينفعل بها ولا يتعدى إليه الرخصة التي في الاستنجاء، لأنه استعمال الماء الذي قام المانع على المنع منه مع عدم قيام الموجب، وذلك غير سائغ اتفاقا. احتج الشيخ بوجهين: الأول: عدم الدلالة الشرعية على التنجيس. الثاني: الالزام بعدم تطهير الاناء، فإنه دائما لا ينفك عن أجزاء مائية تخلفت من الغسلة، فلو كانت نجسة لكان الماء الملاقي لها في المرة الأخرى ينجس، فلا تحصل الطهارة ألبتة (3). والجواب عن الأول: بوجود الدليل الشرعي، وهو قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر، لم ينجسه شئ) (4) ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط، وإلا لم يكن شرطا، ولأنه وافقنا على أن الماء القليل ينجس بالملاقاة. وعن الثاني: بالفرق بين المرة الثالثة والثانية، فإن الاجماع واقع (5) على الطهارة بعد المرة الثانية، و بالفرق بين المنفصل والمستخلف بوجود المشقة وعدمها في أحدهما دون الثاني. الثالث: لو اجتمع الماء الذي يغسل به النجاسة كرا لم يزل عنه المانع لانفعاله بالنجاسة أولا فيكون المنع ثابتا فيستصحب إلى أن تظهر دلالة شرعية على زواله، و على رأي

(1) الخلاف 1: 49 مسألة - 137.
(2) المبسوط 1: 15، 36.
(3) الخلاف 1: 50 مسألة - 137.
(4) التهذيب 1: 40 حديث 108، الاستبصار 1: 6 حديث 2، 3، الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(5) " ح " " ق ": وقع.

[ 146 ]

الشيخ يلزم الحكم بكونه طهورا (1)، أما لو اجتمع ماء الغسلة الأولى والثانية فبلغ كرا فعلى أحد قولي الشيخ يكون باقيا على المنع (2). الرابع: إذا غسل الثوب من البول في إجانة بأن يصب عليه الماء فسد الماء وخرج من الثانية طاهرا اتحدت الآنية أو تعددت. وقال أبو يوسف: إذا غسل في ثلاث إجانات خرج من الثالثة طاهرا (3)، وماء (4) الاجانة الرابعة فما فوقها طاهر. ولو كان المغسول عضوا من أعضاء الوضوء، قال أبو يوسف: فسدت المياه كلها ولو كانت مائة آنية ولم تطهر (5). وقال محمد: يخرج المغسول من الاجانة الثالثة طاهرا والماء بعد ذلك طاهر وطهور في الثوب، وطاهر غير طهور في العضو (6)، ونحن قد سلف منا بيان طهارة المستعمل في رفع الاحداث (7). بقي علينا أن نبين الدلالة على طهارة الثوب المذكور، ويدل عليه وجهان: الأول: إنه قد حصل الامتثال بغسله مرتين فيكون طاهرا وإلا لم يدل الأمر على الإجزاء. الثاني: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: (اغسله في المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة) (8). الخامس: غسالة الحمام وهو المستنقع، منع الشيخ في النهاية عن استعمالها (9). وقال

(1) المبسوط 1: 36 و 92، الخلاف 1: 49 مسألة - 137.
(2) المبسوط 1: 92، الخلاف 1: 48 مسألة - 135.
(3) بدائع الصنائع 1: 87.
(4) " ح " " ق " " خ ": وأما. (5، 6) المبسوط للسرخسي 1: 93، بدائع الصنائع 1: 87.
(7) راجع ص 128، 133.
(8) التهذيب 1: 250 حديث 717، الوسائل 2: 1002 الباب 2 من أبواب النجاسات حديث 1.
(9) النهاية: 5.

[ 147 ]

ابن بابويه: لا يجوز التطهير بغسالة الحمام (1)، وادعى ابن إدريس الاجماع على ذلك، وكثرة الأخبار الدالة عليه (2)، ولم يصل إلينا من القدماء غير حديثين ضعيفين يدلان على ذلك: أحدهما: ما رواه حمزة بن أحمد (3)، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: (ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فإنه يسيل فيها ماء يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم) (4) وهي مرسلة، فإن محمد بن محبوب (5) رواها عن عدة من أصحابنا. وأيضا: فإن حمزة بن أحمد لا أعرف حاله. الثاني: ما رواه محمد بن يعقوب في كتابه، عن بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن محمد بن القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة الحمام، فإن فيها غسالة ولد الزنا. الحديث) (6) وهذا مع إرساله ضعيف، فإن ابن جمهور ضعيف جدا، قال النجاشي: محمد بن جمهور، ضعيف في الحديث فاسد المذهب، وقيل فيه أشياء، الله أعلم بها من عظمها (7). والأقوى عندي أنه على أصل الطهارة، وقد روى الشيخ، عن أبي يحيى الواسطي (8)، عن بعض أصحابنا،

(1) الفقيه 1: 10.
(2) السرائر: 15. (3) حمزة بن أحمد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم (ع) وظاهره كونه إماميا، إلا أن حاله مجهول. رجال الطوسي: 347، تنقيح المقال 1: 372.
(4) التهذيب 1: 373 حديث 1143، الوسائل 1:: 158 الباب 11 من أبواب الماء المضاف حديث 1.
(5) محمد بن على بن محبوب الاشعري القمي: أبو جعفر، شيخ القميين في زمانه ثقة، عين فقيه، صحيح المذهب، عده الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عن الأئمة (ع). وقال في الفهرست: له تصانيف. رجال النجاشي: 349، رجال الطوسي: 494، الفهرست: 145.
(6) الكافي 3: 14 حديث 1، الوسائل 1: 159 الباب 11 من أبواب الماء المضاف حديث 4.
(7) رجال النجاشي 337.
(8) سهيل بن زياد أبو يحيى الواسطي، لقي أبا محمد العسكري (ع)، أمة بنت أبي جعفر الاحوال مؤمن الطاق. ذكره الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عنهم، وقال في الفهرست: له كتاب. اختلف في تضعيفه وتوثيقه، وقيل: لم يكن بكل الثبت في الحديث. رجال النجاشي: 192، رجال الطوسي: 476، الفهرست: 80، 186، تنقيح المقال 2: 77.

[ 148 ]

عن أبي الحسن الماضي عليه السلام، قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: (لا بأس) (1). وأيضا: روي في الصحيح، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب) (2). وروي في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في الماء الآجن يتوضأ منه إلا أن يجد ماء غيره..) (3) وهذان عامان. البحث الرابع: في الأسئآر والأواني المشتبهة. مسألة: الحيوان على ضربين: آدمي وغيره، فالآدمي إن كان مسلما أو بحكمه، فسؤره طاهر، عدا الناصب والغلاة، وغير المسلم والناصب والغلاة سؤرهم نجس. وغير الآدمي مأكول اللحم وغيره، فالأول سؤره طاهر، فإن كان لحمه مكروها، كان سؤره كذلك كالفرس والحمار والبغل، وغير المأكول إما أن يكون نجس العين كالكلب والخنزير أو لا، والأول سؤره نجس، والثاني سؤره طاهر. هذا على القول المشهور لأصحابنا (4)، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (5)، ووافق في المبسوط على ذلك إلا في شئ واحد، وهو غير مأكول اللحم من الحيوان الانسي، فإنه منع

(1) التهذيب 1: 379 حديث 1176، الوسائل 1: 154 الباب 9 من أبواب الماء المضاف حديث 9. (2) التهذيب 1: 217 حديث 626، الاستبصار 1: 12 حديث 19، الوسائل 1: 102 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 1.
(3) الكافي 3: 4 حديث 6، التهذيب 1: 217 حديث 626 و 409 حديث 1286، الاستبصار 1: 12 حديث 20، الوسائل 1: 103 الباب 3 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(4) كالسيد في الجمل: 49، وابن البراج في المهذب 1: 25، وسلار في المراسم: 37، والمحقق في المعتبر 1: 93.
(5) الخلاف 1: 52 مسألة - 44.

[ 149 ]

من استعمال سؤره إلا ما لا يمكن التحرز منه (1). وما اخترناه أولا هو مذهب الشافعي (2) إلا في قسم الآدمي، وهو قول عمرو بن العاص (3) وأبي هريرة (4). وقال أبو حنيفة: سؤر الآدمي طاهر، سواء كان مسلما أو لا، صغيرا أو كبيرا، إلا سؤر شارب الخمر، فإنه نجس إلا إذا ابتلع بصاقه ثلاث مرات، وكذا سؤر مأكول اللحم (5)، وسؤر الفرس مكروه في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: هو طاهر (6)، وهو اختيار محمد وأبي يوسف. وكذا الطيور المأكولة إلا الدجاجة المطلقة، فإنه مكروه، وسؤر الكلب والخنزير نجس، وسؤر سباع الوحش كالاسد نجس، وسؤر سباع الطير مكروه، وكذا الحشرات كالحية والعقرب، وكذا سؤر الهرة، وسؤر البغل والحمار مشكوك فيه (7). وذهب الجمهور إلى طهارة الكفار، وطهارة سؤرهم، وعرقهم وما باشروه برطوبة (8). وقال أحمد: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر، وكذا حشرات الارض والهر (9)،

(1) المبسوط 1: 10.
(2) المجموع 1: 171 و 2: 589، بداية المجتهد 1: 28، بدائع الصنائع 1: 64، المحلى 1: 134، المغني 1: 72.
(3) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبو محمد، وأمة النابغة بنت حرملة، وهو الذي أرسلته قريش إلى النجاشي لاسترداد جعفر بن أبي طالب ومن معه، روى عن النبي وعمر بن الخطاب، وروى عنه إبنه عبد الله وأبو عثمان النهدي وقبيصة وغيرهم، مات سنة 43 أو 47، أو 48، وقيل: 51 ه‍. أسد الغابة 4: 115، شذرات الذهب 1: 53.
(4) المجموع 1: 173، 174، بخصوص قول عمرو بن العاص، فإننا قد استفدناه منه، وانظر أيضا: الموطأ 1: 23 حديث 14. (5) بدائع الصنائع 1: 63، 64.
(6) " ح " " ق " " م " " ن ": طلق.
(7) انظر جميع ذلك في: بدائع الصنائع 1: 64، 65، 66، المبسوط للسرخسي 1: 48، 50، شرح فتح القدير 1: 95 إلى 103، الهداية للمرغيناني 1: 23 - 24.
(8) بدائع الصنائع 1: 63، المجموع 1: 264، المغني 1: 72، بلغة السالك 1: 18، نيل الاوطار 1: 86. المحلى 1: 132.
(9) المغني 1: 74، الكافي لابن قدامة 1: 16.

[ 150 ]

وأما السباع ففيه روايتان: إحدهما: إن سؤرها طاهر، والأخرى: نجس، وفي البغل والحمار روايتان (1). وقال مالك (2) والأوزاعي (3) وداود: سؤر الكلب والخنزير طاهر يتوضأ به ويشرب، وإن ولغا في طعام لم يحرم أكله (4). وقال الزهري: يتوضأ به إذا لم يجد غيره (5). وقال عبيدة بن أبي لبابة (6) والثوري، وابن ماجشون (7)، وابن مسلمة (8): يتوضأ به ويتيمم (9). وقال مالك: ويغسل الاناء الذي ولغ الكلب فيه تعبدا (10). وأما سؤر السباع عدا السنور وما دونها في الخلقة، وسؤر جوارح الطير، والحمار

(1) المغني 1: 71، الانصاف 1: 342، الكافي لابن قدامة 1: 17.
(2) المدونة الكبرى 1: 5، بداية المجتهد 1: 28، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 10، المغني 1: 70، المحلى 1: 113، المجموع 2: 580.
(3) المجموع 2: 580، المغني 1: 70.
(4) المغني 1: 70.
(5) صحيح البخاري 1: 54، عمدة القارئ 3: 36، المغني 1: 70.
(6) كذا في النسخ، والصحيح: عبدة بن أبي لبابة، وهو: أبو القاسم الاسدي ثم الغاضري مولاهم الكوفي التاجر، أحد الأئمة، نزل دمشق. روى عن ابن عمر وزر بن حبيش، وأبي وائل وسويد بن غفلة. وروى عنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والأوزاعي وشعبة وسفيان بن عيينة وآخرون، مات في حدود سنة 127 ه‍. سير أعلام النبلاء 5: 229، الجرح والتعديل 6: 89. (7) أبو مروان: عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب مالك وتفقه به وبأبيه وابن أبي حازم وغيرهم، مات سنة 212 ه‍. العبر 1: 285 شذرات الذهب 2: 28.
(8) أبو هشام محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي المديني من أصحاب مالك، وتفقه عنده، كان أحد فقهاء المدينة وأفقههم. الجرح والتعديل 8: 71.
(9) المغني 1: 70.
(10) بداية المجتهد 1: 29، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 7، المجموع 2: 518، المغني 1: 70.

[ 151 ]

الاهلي، والبغل، فكله طاهر عندنا، إلا أنه مكروه. وبه قال الحسن البصري، وعطا، والزهري، ويحيى الانصاري (1)، وربيعة (2)، (3)، ومالك (4)، والشافعي (5)، وابن المنذر (6)، لما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله سئل: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: (نعم، وبما أفضلت السباع كلها) (7) وهو رواية عن أحمد، وفي الرواية الأخرى: إن جميع ذلك نجس، إذا لم يجد غيره يتيمم ويتركه (8). فقد وقع الاتفاق بين العلماء كافة على طهارة سؤر المسلمين غير الخوارج والغلاة، وعلى نجاسة سؤر الكلب والخنزير (9)، إلا من مالك (10) ومن تقدم، فإنه قال بطهارة سؤرهما (11)، وحكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني، والمشرك أنه لا يتوضأ له به. لنا على نجاسة سؤر الكافر: قوله تعالى: " إنما المشركون نجس " (12).

(1) يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو، أبو سعيد الانصاري الفقيه، ولي قضاء المنصور. روى عن أنس وأبي أمامة وسعيد بن المسيب، وروى عنه شعبة ومالك وغيرهم. ومات سنة 143 ه‍. تذكرة الحافظ 1: 137، شذرات الذهب 1: 212.
(2) أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي المدني. ويقال له: ربيعة الرأي، سمع أنساء وابن المسيب. وأخذ عنه مالك والأوزاعي. مات سنة 136 ه‍. العبر 1: 141 تذكرة الحافظ 1: 157، شذرات الذهب 1: 194.
(3) المغني 1: 72 المجموع 1: 173، المدونة الكبري 1: 65 (4) بداية المجتهد 1: 28، المغني 1: 72، المحلى 1: 133، المدونة الكبرى 1: 5. (5) الأم 1: 6، المجموع 1: 172، المحلى 1: 134، المغني 1: 72.
(6) المغني 1: 72.
(7) سنن البيهقي 1: 249، سنن الدار قطني 1: 62 - بتفاوت.
(8) المغني 1: 71، الكافي لابن قدامة 1: 18.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 47، بدائع الصنائع 1: 63، المجموع 1: 173، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 10.
(10) المدونة الكبرى 1: 5، مقدمات ابن رشد 1: 60، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 10.
(11) كالأوزاعي وداود والزهري، انظر: المغني 1، 70.
(12) التوبة: 28.

[ 152 ]

وأيضا: ما رواه الجمهور، عن أبي ثعلبة الخشني (1) قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم [ من ] (2) أهل الكتاب نأكل في آنيتهم؟ فقال: (لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها) (3). لا يقال: على الآية والخبر أنهم لما كثرت مباشرتهم للنجاسات أطلق عليهم اسم النجس وإن لم تكن أعيانهم نجسة ولا أوانيهم. لأنا نقول: هذا صرف للفظ عن الظاهر مع عدم الدليل، ولان إذلال الكافر أمر مطلوب، والتنجيس طريق صالح. وأيضا: ما رواه الشيخ في الحسن، عن سعيد الاعرج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر اليهودي والنصراني؟ قال: (لا) (4). وأما الناصب فإنه قادح في أمير المؤمنين عليه السلام، وقد علم بالضرورة من الدين تحريم ذلك فهو من هذه الحيثية داخل في الكفار لخروجه عن الاجماع. وأما الغلاة فإنهم وإن أقروا بالشهادة إلا أنهم خارجون عن الاسلام أيضا. وأما نجاسة سؤر الكلب والخنزير، فيدل عليه: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا) (5) أخرجه أبو داود (6).

(1) أبو ثعلبة الخشني - بخاء مضمومة ثم شين مفتوحة - منسوب إلى خشين، بطن من قضاعة. واسمه، جرهم، وقيل: جرثوم. ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله تحت الشجرة، وشهد فتح خيبر، مات أيام معاوية سنة 75 ه‍. أسد الغابة 5: 154، العبر 1: 63، شذرات الذهب 1: 82، المجموع 1: 262. (2) أضفناه من صحيح مسلم.
(3) صحيح البخاري 7: 114، صحيح مسلم 3: 1533 حديث 1930، سنن أبي داود 3: 363 حديث 3839، سنن ابن ماجة 2: 1069 حديث 3207 سنن الترمذي 4: 256 حديث 1797، سنن الدارمي 2: 233.
(4) التهذيب 1: 223 حديث 638، الاستبصار 1: 18 حديث 36 الوسائل 1: 165 الباب 3 من أبواب الأسئآر حديث 1.
(5) سنن أبي داود 1: 19 حديث 71.
(6) أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الازدي السجستاني صاحب السنن. حدث عن أبي عمرو الضرير ومسلم بن إبراهيم وشيخه أحمد بن حنبل وخلق كثير، وحدث عنه الترمذي والنسائي وابنه أبو بكر بن أبي داود. مات بالبصرة سنة 275. العبر 1: 396، تذكرة الحافظ 2: 591: شذرات الذهب 2: 167.

[ 153 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الفضل أبي العباس، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة، والشاة، والبقرة، والإبل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه؟ فقال: (لا بأس به) حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء) (1). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الكلب يشرب من الاناء؟ قال: (اغسل الاناء) وعن السنور؟ قال: (لا بأس أن تتوضأ من فضلها، إنما هي من السباع) (2). وما رواه معاوية بن شريح (3)، قال: سأل عذافر (4) أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن سؤر السنور، والشاة، والبقرة والبعير، والحمار، والفرس، والبغل، والسباع، يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: (نعم، اشرب منه وتوضأ) قال: قلت له: الكلب؟ قال: (لا) قلت: أليس هو سبع؟ قال: (لا والله إنه نجس، لا والله إنه نجس) (5) ومثله روى

(1) التهذيب 1: 255 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الاسئار حديث 4.
(2) التهذيب 1: 225 حديث 644، الاستبصار 1: 18 حديث 39 الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الاسئار حديث 3. (3) معاوية بن ميسرة بن شريح الكندي القاضي الكوفي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). ولا إشكال في توثيق الرجل، إنما الخلاف في اتحاده مع معاوية بن ميسرة الذي يأتي بعده، فقال العلامة المامقاني باتحادهما، حيث إنه ينسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جده شريح وقد استظهر الاردبيلي والمحدث النوري تعددهما. والامر سهل بعد التوثيق واحدا كان أو متعددا. رجال النجاشي 1: 410، رجال الطوسي: 310، جامع الرواة 2: 238، 242، مستدرك الوسائل 3: 678.
(4) عذافر بن عيسي الخزاعي الصيرفي، كوفي، عده الشيخ بهذا العنوان في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 264، جامع الرواة 1: 537، تنقيح المقال 2: 250.
(5) التهذيب 1: 225 حديث 647، الاستبصار 1: 19 حديث 41، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الاسئار حديث 6.

[ 154 ]

معاوية، بن ميسرة عن أبي عبد الله عليه السلام (1). ولأنهما نجسا العين، فينجسان ما يلاقيانه، ولان لعابهما متولد من لحمهما وهو نجس العين، فإذا (2) امتزج بالماء، نجس الماء. لا يقال: إن الكلب من الطوافين علينا فكان سؤره طاهرا كالهرة. وأيضا: روي الشيخ في الصحيح، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الوضوء مما ولغ فيه الكلب والسنور، أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك، أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: (نعم، إلا أن تجد غيره فتنزه عنه) (3). لأنا نجيب عن الأول: بالمنع من كونه من الطوافين. سلمنا، لكن القياس في معارضة النص باطل. وعن الثاني: بأن المراد: ما (4) ولغ فيه الكلب مما بلغ كرا، ويدل عليه: ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ليس بفضل السنور بأس لمن يتوضأ منه ويشرب، ولا يشرب سؤر الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه) (5). فائدة: الاحاديث التي قدمناها ليس فيها دلالة على الخنزير، بل الطريق وجوه: أحدهما: أنه نجس، فينجس سؤره. الثاني: الاجماع، وقول مالك خارق له، ويمكن أن نقول: ثبت نجاسة سؤر الكلب، فيثبت نجاسة سؤر الخنزير بالاجماع. الثالث: قوله تعالى: " أو لحم خنزير، فإنه رجس " (6).

(1) التهذيب 1: 255 حديث 648، الاستبصار 1: 19 حديث 42، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الاسئار، ذيل حديث 6.
(2) " ح " " ق ": فإن.
(3) التهذيب 1: 226 حديث 649، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الأسئآر، حديث 6.
(4) " م ": بما.
(5) التهذيب 1: 226 حديث 650، الاستبصار 1: 20 حديث 44، الوسائل 1: 163 الباب 1: من أبواب الأسئآر حديث 7.
(6) الانعام: 145.

[ 155 ]

الرابع: قال الشيخ: الخنزير يسمى كلبا لغة (1)، وقد روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: (إن كان دخل في صلاته فليمض، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله) قال: وسألته عن خنزير شرب من (2) إناء، كيف يصنع به؟ قال: (يغسل سبع مرات) (3). احتجوا (4) بقوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " (5) لم يأمر بغسل ما أصابه فمه. وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع، والكلاب، والحمر، وعن الطهارة بها؟ فقال: (لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور) (6) فيدل على أن ما بقي طهور، ولأنه حيوان، فكان طاهرا كالمأكول. والجواب: الأمر بالغسل مستفاد من الأخبار (7). سلمنا، لكن المشقة منعت من وجوب الغسل، والحياض الكبيرة لا تنجس بالملاقاة، والفرق ظاهر بين المأكول والكلب. وأما طهارة سؤر غيرهما من الحيوانات، فلأنها طاهرة، والماء على أصل الطهارة، فمع الملاقاة لا موجب للتنجيس (8). ولما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن الحياض التي في الفلوات وما يؤتيها (9) من السباع؟ فقال: (لها ما حملت في بطونها، وما أبقت فهو

(1) الخلاف 1: 52 ذيل مسألة - 143.
(2) في بعض النسخ: في.
(3) التهذيب 1: 261 حديث 760، الوسائل 2: 1017 الباب 13 من أبواب النجاسات حديث 1.
(4) نيل الاوطار 1: 43، بداية المجتهد 1: 29، المجموع 2: 567.
(5) المائدة: 4.
(6) سنن ابن ماجة 1: 173 حديث 519، سنن البيهقي 1: 258، سنن الدار قطني 1: 31.
(7) انظر: سنن الدار قطني 1: 63، سنن البيهقي 1: 239، ومن طريق الخاصة انظر: الوسائل 1: 162.
(8) " ح " " ق " " م ": يوجب التنجيس.
(9) في المصدر: وما ينوبه.

[ 156 ]

لنا شراب وطهور) (1). ومن طريق الخاصة: رواية الفضل الصحيحة، وقد تقدمت (2)، ورواية محمد بن مسلم في الصحيح أيضا الدالة على طهارة سؤر الهرة بالتنصيص، وعلى طهارة سؤر السباع كلها بالايماء (3)، وروايتا معاوية بن شريح ومعاوية بن ميسرة، وقد تقدمتا (4). وأيضا: روى الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، أن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: (لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الاناء أن يشرب منه ويتوضأ منه) (5). وروي في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الهرة (أنها من أهل البيت ويتوضأ من سؤرها) (6) ويدل هذا من حيث المفهوم على طهارة (7) سؤر الحشرات. وروي في الصحيح، عن أبي الصباح (8)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان علي عليه السلام يقول: لا تدع فضل السنور أن يتوضأ منه، إنما هي سبع) (9) وهو يدل بالايماء على طهارة سؤر السباع.

(1) الرواية التي مذيلة بقوله صلى الله عليه وآله: (لها ما حملت في.) ما تقدم نفس الصفحة رقم 1. وأما هذه الرواية، فانها مذيلة بقوله: (إذا كان الماء قدر قلتين.) انظر: سنن ابن ماجة 1: 172 حديث 517،. سنن البيهقي 1: 261، سنن الدار قطني 1: 14.، كنز العمال 1: 400 - بتفاوت يسير في الجميع. (2 - 3 - 4) تقدمت الروايات في ص 153 - 154. (5) التهذيب 1: 419 حديث 1323، الاستبصار 1: 26 حديث 65، الوسائل 1: 171 الباب 9 من أبواب الأسئآر حديث 2.
(6) التهذيب 1: 226، حديث 652، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الأسئآر حديث 1.
(7) " م ": طهور.
(8) إبراهيم بن نعيم العبدي: أبو الصباح الكناني، قال له الصادق: (أنت ميزان لا عين فيه) لثقته. من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع) ومن فقهاء أصحاب الأئمة (ع) المأخوذ منهم الحلال والحرام والفتيا، مات سنة 170 ه‍. رجال النجاشي: 19، رجال الطوسي: 102، 144، الفهرست: 185 رجال العلامة: 3، تنقيح المقال 1: 38.
(9) التهذيب 1: 227 حديث 653، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الأسئآر حديث 4.

[ 157 ]

وروي في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (في كتاب علي عليه السلام أن الهر سبع، ولا بأس بسؤره، وإني لاستحيي من الله أن أدع طعاما لأن الهر أكل منه) (1). وروي في الصحيح، عن جميل بن دراج (2)، قال: سألت أبا عبد الله عن سؤر الدواب والغنم والبقر أيتوضأ منه ويشرب؟ فقال: (لا بأس) (3). وروي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فضل الحمامة والدجاج لا بأس به والطير) (4). وروي عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عما تشرب منه الحمامة؟ قال: (كلما أكل لحمه، يتوضأ من سؤره ويشرب) وعما (5) يشرب منه باز أو صقر أو عقاب؟ فقال: (كل شئ من الطير، يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما، فلا تتوضأ منه ولا تشرب) (6). وحديث أبي بصير وعمار وإن كانا ضعيفين لأن في الأول علي بن أبي حمزة وهو واقفي، وعمار فطحي، إلا أنه مناسب للمذهب. وأيضا: الاجماع قد وقع على طهارة سؤر الطيور وعلى طهارة سؤر الهر وما دونها في الخلقة

(1) الكافي 3: 9 حديث 4، التهذيب 1: 227 حديث 655، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الأسئآر حديث 2. (2) جميل بن دراج بن عبد الله: أبو علي النخعي، وأبوه دراج يكنى بأبي الصبيح، ثقة من أصحاب الامامين أبي عبد الله وأبي الحسن موسى (ع)، وأخذ عن زرارة، وقد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، مات في أيام الرضا (ع). رجال النجاشي: 127، رجال الطوسي: 162، 346، الفهرست: 44.
(3) التهذيب 1: 227 حديث 657، الوسائل 1: 167 الباب 5 من أبواب الأسئآر حديث 4.
(4) الكافي 3: 9 حديث 2، التهذيب 1: 228 حديث 659، الوسائل 1: 166 الباب 4 من أبواب الأسئآر حديث 1.
(5) في التهذيب: وعن ماء.
(6) الكافي 3: 9 حديث 5، التهذيب 1: 228 حديث 660، الوسائل 1: 166 الباب 4 من أبواب الأسئآر حديث 2.

[ 158 ]

كالفأرة وابن عرس وغيرهما من حشرات الارض، فإن عامة أهل العلم من أصحابه والتابعين من أهل المدينة والشام وأهل الكوفة وأصحاب الرأي على طهارتها وجواز شرب سؤرها والوضوء به. وكره أبو حنيفة سؤر الهر (1)، وكذا ابن عمر، ويحيى الانصاري، وابن أبي ليلى (2). وقال أبو هريرة: يغسل مرة أو مرتين (3). وبه قال ابن المسيب (4). وقال الحسن وابن سيرين: يغسل مرة (5). وقال طاوس: يغسل سبعا كالكلب (6). وما تقدم يبطل ذلك كله. وما نقلناه عن الشيخ في المبسوط فضعيف (7)، للأحاديث التي نقلناها (8). واستدل في التهذيب على نجاسة سؤر الكلب والخنزير بما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كلما يؤكل لحمه، فلا بأس بسؤره) (9) قال: وهذا يدل على أن ما لا يؤكل لحمه لا يجوز الوضوء منه ولا الشرب، والظاهر أن ما صار إليه في المبسوط مستند إلى هذا، وهو ضعيف من وجهين: الأول: إن عمارا فطحي، وكذا الراوي عنه، وهو مصدق بن صدقة، وكذا الراوي عن مصدق، وهو عمرو بن سعيد، وكذا الراوي عن عمرو، وهو أحمد بن الحسن بن علي، فلا تعارض الروايات التي قدمناها. الثاني: إن ما ذكره الشيخ دليل الخطاب، فلا يجوز التعويل عليه خصوصا مع النص المعارض.

(1) الهداية للمرغيناني 1: 23، بدائع 1: 65، المبسوط للسرخسي 1: 51، شرح فتح القدير 1: 99.
(2) المغني 1: 73، المجموع 1: 173.
(3) المغني 1: 73، المحلى 1: 118.
(4) المجموع 1: 173، المحلى 1: 118. (5 - 6) المغني 1: 73، المحلى 1: 118، المجموع 1: 173.
(7) راجع ص 149.
(8) راجع ص 155 و 157.
(9) التهذيب 1: 224 حديث 642، الوسائل 1: 166 الباب 4 من أبواب الأسئآر حديث 2.

[ 159 ]

واحتج أبو حنيفة على نجاسة سؤر سباع الوحش بأن لعابه نجس بدليل حرمة أكله مع كونه صالحا للغذاء من غير استحقاقه الكرامة (1) والاحترام، وإذا كان لعابه نجسا وقد امتزج بالماء أوجب نجاسته (2)، وخص ما ورد من الحديث بالحياض الكبيرة. والجواب عنه بالمنع من نجاسة اللعاب، وتحريم أكل اللحم لا يدل على النجاسة فإن التحريم قد يكون للنجاسة، وقد يكن لاشتماله على المؤذي، وقد يكون لمصالح أخر خفية علينا، فكيف يعارض النص بمثل هذا الاستدلال الضعيف، على أنا نقول: حيوان يطهر جلده بالدباغ، فيكون سؤره طاهرا كالشاة والحمار، والجامع أن طهارة الجلد تدل على أن عينه ليست نجسة، فلا يكون لحمه نجسا، وتخصيص الحديث لغير دليل باطل خصوصا مع أن السؤال وقع عن الجمع المحلى بالالف واللام الموضوع للعموم، فلو لم يكن الجواب بحيث يدخل فيه كل الافراد، لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك باطل بالاتفاق. واستدل من قال بنجاسة سؤر الحمر (3) بما روي، عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال يوم الخيبر في الحمر: (إنه رجس) (4) وهو ضعيف، فإن البخاري قال: راوي هذا الحديث ابن أبي حبيبة، وهو منكر الحديث (5)، وإبراهيم بن أبي يحيى، وهو

(1) في " م " " خ ": للكرامة.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 23، بدائع الصنائع 1: 64، المبسوط للسرخسي 1: 48، شرح فتح القدير 1: 95.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 49، بدائع 1: 65. (4) صحيح البخاري 5: 167، و 7: 123، و 9: 31، صحيح مسلم 2: 1027، و 3: 1537، سنن النسائي 7: 202، سنن الدارمي 2: 86.
(5) أبو إسماعيل: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الاشهلي، مولى بني عبد الاشهل من الأنصار من أهل المدينة، يروي عن داود بن الحصين، وعمرو بن سعيد بن سريح، وروى عنه أبو عامر العقدي. مات سنة 165 ه‍. وقيل 160 ه‍. وهو ضعيف منكر الحديث كان يقلب الاسانيد ويرفع المراسيل. الضعفاء الصغير للبخاري: 25 ميزان الاعتدال 1: 15، المجروحين لابن حبان 1: 109، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 22، سنن الدار قطني 1: 62، الجرح والتعديل 2: 83.

[ 160 ]

كذاب (1) فلا يعول عليه. فروع: الأول: قال ابن بابويه: لا يجوز الوضوء بسؤر ولد الزنا (2)، والذي نراه أنه مكروه، فإن تمسك بكفره منعنا ذلك، ويمكن أن يستدل عليه بما رواه محمد بن يعقوب بإسناده، عن الوشا (3)، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام، إنه كره سؤر ولد الزنا، واليهودي، والنصراني، والمشرك وكل ما خالف الاسلام، وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب (4). ووجهه إنه لا يريد بلفظه (كره) المعنى الظاهر له، وهو النهي عن الشئ نهي تنزيه لقوله: (واليهودي) فإن الكراهة فيه تدل على التحريم، فلم يبق المراد إلا كراهية التحريم، ولا يجوز أن يرادا معا، وإلا لزم استعمال المشترك في كلا معنييه، أو استعمال اللفظ في معنى الحقيقة والمجاز، وذلك باطل. والجواب: المنع من الحديث، فإنه مرسل. سلمنا، لكن قول الراوي (كره) ليس إشارة إلى النهي بل الكراهة التي في مقابلة الارادة، وقد يطلق على ما هو أعم من المحرم والمكروه. سلمنا، لكن الكراهة قد تطلق على النهي المطلق فليحمل عليه ولا يلزم ما ذكرتم.

(1) أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الاسلمي المدني، واسم أبي يحيى: سمعان، روى عن صفوان بن سليم وصالح، وروى عنه محمد عنه محمد بن إدريس الشافعي، وداود بن عبد الله الجعفري، مات سنة 184 ه‍. ضعيف كذاب متروك الحديث. الضعفاء الصغير للبخاري: 28، ميزان الاعتدال 1: 57، الجرح والتعديل 2: 125، المجروحين لابن جبان 1: 105، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 51.
(2) الفقيه 1: 8.
(3) الحسن بن علي بن زياد الوشاء: بجلي كوفي يكنى بأبي محمد، وهو ابن بنت الياس الصيرفي من أصحاب الرضا (ع) وكان من وجوه الطائفة، روى عن جده الياس، قاله النجاشي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الرضا والهادي (ع). رجال النجاشي 39، رجال الطوسي 371، 412، الفهرست: 54.
(4) الكافي 3: 11 حديث 6، الوسائل 1: 165 الباب 3 من أبواب الأسئآر حديث 2.

[ 161 ]

الثاني: قال الشيخ (1) بنجاسة سؤر المجبرة والمجسمة (2)، وقال ابن إدريس بنجاسة غير المؤمن والمستضعف (3)، ويمكن أن يكون مأخذهما قوله تعالى: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (4) والرجس: النجس، وقول ابن إدريس مشكل، وتنجيس سؤر المجبرة ضعيف، وفي المجسمة قوة. الثالث: يكره سؤر ما أكل الجيف من الطير إذا خلا موضع الملاقاة من عين النجاسة، وهو قول السيد المرتضى (5). لنا: ما أوردناه من الاحاديث العامة في استعمال سؤر الطيور والسباع، وهي لا تنفك عن تناول ذلك عادة، فلو كان ذلك مانعا لوجب التنصيص عليه، وإلا لزم صرف الظاهر إلى نادر لا دلالة للفظ الشامل عليه، وذلك بعيد ومحال حيث أنه تأخير للبيان عن وقت الحاجة. وهكذا سؤر الهرة، وإن أكلت الميتة ثم شربت، قل الماء أو كثر، غابت عن العين أو لم تغب، لعموم الاحاديث المبيحة، ولان النبي صلى الله عليه وآله نفى عموم النجاسة عنها مطلقا، اللهم إلا أن يكون أثر النجاسة ظاهرا على المنقار أو الفم، أو يشاهد في الماء. وعند الشافعية والحنابلة وجهان: أحدهما مثل قولنا، والثاني: إن لم تغب فالماء نجس، وهو ظاهر نص الشافعي، وإن غابت ثم عادت فشربت فوجهان: أحدهما: التنجيس، لأن الأصل بقاء النجاسة، والثاني: الطهارة لأصالة طهارة الماء (6)، ويمكن أن يكون وردت حال غيبوبتها على ماء كثير.

(1) المبسوط 1: 14.
(2) المجبرة، هم: الذين نفوا الفعل حقيقة عن العبد وأسندوه إلى الرب. والمجسمة، هم: الذين ذهبوا إلى أن الله تعالى جسم وفي جهة خاصة. الملل والنحل: 79، 96، 99، كشف المراد: 228، أصول للبزدوي: 253.
(3) السرائر: 13.
(4) الانعام: 125.
(5) الناصريات (الجوامع الفقهية): 180.
(6) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 170 - 171، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 269، المغني 1: 73، الكافي لابن قدامة 1: 19، الانصاف 1: 344.

[ 162 ]

الرابع: يكره سؤر الحائض إن كانت متهمة. وهو اختيار الشيخ في النهاية، في المبسوط (1). لنا: ما رواه الشيخ، عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر الحائض؟ قال: (توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يدها قبل أن تدخلها الاناء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل هو وعائشة في إناء واحد ويغتسلان جميعا) (2). ورواه محمد بن يعقوب في الصحيح، عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سؤر الحائض؟ قال: (لا تتوضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة وتغسل يديها قبل أن تدخلها في الاناء وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل هو وعائشة في إناء واحد ويغتسلان جميعا) (3). وروي في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض يشرب سؤرها؟ قال: (نعم ولا يتوضأ) (4). وهذا يدل على الكراهية، لأنه إن كان طاهرا جاز الوضوء منه وإلا لم يجز الشرب، ومثله روي عن عنبسة بن مصعب (5). وأيضا مع التهمة يتطرق تحويز النجاسة، فيكره الاستعمال احتياطا للعبادة. الخامس: ذهب بعض أصحابنا إلى أن لعاب المسوخ كالقرد، والدب، والثعلب، والأرنب (6) نجس (7)، وقال الشيخ رحمه الله: المسوخ نجس (8). وهو عندي ضعيف.

(1) المبسوط 1: 10.
(2) التهذيب 1: 222 حديث 633، الاستبصار 1: 17 حديث 31.
(3) الكافي 3: 10 حديث 2، في المصدر: لا توضأ.
(4) الكافي 3: 10 حديث 3، الوسائل 1: 170 الباب 8 من أبواب الأسئآر حديث 2، وفي المصدر بإضافة منه. (5) الكافي 3: 10 حديث 1، التهذيب 1: 222، حديث 634، الاستبصار 1: 17 حديث 32، الوسائل 1: 170 الباب 8 من أبواب الأسئآر حديث 1، 6.
(6) " م ": الذئب، وفي " خ ": كالدب والذئب.
(7) منهم: سلار في المراسم: 55، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(8) الخلاف 1: 587 مسألة - 306.

[ 163 ]

لنا: رواية الفضل (1)، ولان الأصل الطهارة، وحكم السؤر حكم اللعاب. ويكره سؤر الدجاج لعدم انفكاكها من استعمال النجاسة، ولا بأس بسؤر الفأرة، والحية. وكذا لو وقعتا في الماء وخرجتا. وقال في النهاية: الافضل ترك استعماله.
(2) لنا: ما رواه إسحاق بن عمار، وقد تقدم (3)، وأيضا فإنه جسم طاهر لاقى ماءا طاهرا، فلا يوجب المنع، والوجه: إن الوزغ كذلك. وقال في النهاية: لا يجوز استعمال ما وقع فيه الوزغ وإن خرج حيا (4). وهو اختيار ابن بابويه (5). لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن العظاية، والحية، والوزغ في الماء فلا يموت، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: (لا بأس) (6) ولأنه طاهر في الأصل لاقى طاهرا، فلا يوجب التنجيس. ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن حية دخلت حبا فيه ماء وخرجت منه؟ قال: (إن وجد ماءا غيره فليهرقه) (7) غير دالة على التنجيس مع أن في طريقها وهبا (8)، فإن كان هو وهب بن وهب أبا البختري

(1) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الاسئار حديث.
(2) النهاية 6.
(3) في ص 156.
(4) النهاية: 6.
(5) الفقيه 1: 8.
(6) التهذيب 1: 419 حديث 1326 الاستبصار 1: 23 حديث 58، الوسائل 1: 171 الباب 9 من أبواب الأسئآر حديث 1.
(7) التهذيب 1: 413 حديث 1302، الاستبصار 1: 25 حديث 63، الوسائل 1: 172 الباب 9 من أبواب الأسئآر حديث 3.
(8) وهب بن وهب بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزي: أبو البختري، روى عن أبي عبد الله، وكان عامي المذهب ضعيفا كذابا. رجال النجاشي: 430، رجال الكشي: 309، رجال العلامة: 262، الفهرست: 173.

[ 164 ]

فهو ضعيف جدا. ورواية عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن العظاية يقع في اللبن؟ قال: (يحرم اللبن) وقال: (إن فيها السم) (1) ضعيفة أيضا، فإن رواتها الحسن بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، وهؤلاء فطحية. وأيضا: فإن فيه إشارة إلى أن التحريم إنما كان لأجل السم، وذلك ليس مما نحن فيه، فإنه غير دال على التنجيس. وأيضا: فإن الرواية قد اشتملت على قوله: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ قال: (كل ما ليس له دم، فلا بأس). السادس: يجوز للرجل أن يستعمل فضل وضوء المرأة وغسلها، وبالعكس ما لم يكن هناك نجاسة عينية. وهو قول أكثر أهل العلم (2). وقال أحمد: يكره إذا خلت بالمرأة وعنه رواية أخرى أنه لا يجوز (3). وحكى ابن المنذر عن إسحاق الكراهة (4). وكذا حكى عن الحسن وابن المسيب (5)، وكان ابن عمر لا يكره فضل وضوئها إلا أن تكون جنبا أو حائضا، قال: فإذا خلت به فلا تقربه (6). لنا: ما تقدم من الاحاديث الدالة على جواز استعمال سؤر الحائض (7)، وما رواه

(1) التهذيب 1: 284 حديث 832.
(2) بداية المجتهد 1: 31، المجموع 2: 191.
(3) المغني 1: 247، الكافي لابن قدامة 1: 77، الانصاف 1: 47، المجموع 2: 191، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 369.
(4) لم نعثر على حكاية ابن المنذر عن إسحاق، لكن نقل قول إسحاق في: سنن الترمذي 1: 92، تفسير القرطبي 13: 55 التفسير الكبير 13: 171، نيل الاوطار 1: 32.
(5) عمدة القاري 3: 85، إرشاد الساري 1: 273، المجموع 2: 193، المحلى 1: 213، نيل الاوطار 1: 32، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 1: 369.
(6) صحيح البخاري 1: 60، المغني 1: 247، نيل الاوطار 1: 32، الموطأ 1: 52.
(7) تقدم في ص 162.

[ 165 ]

محمد بن يعقوب بإسناده، عن ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: (إذا كانت تعرف) (1). ولما رواه الجمهور، عن ميمونة (2) قالت: اغتسلت من جفنة ففضلت منها فضلة قلت: يا رسول الله، إني اغتسلت منه؟ فقال: (الماء ليس عليه جنابة) (3) ولأنه في الأصل طاهر، فيبقى على الأصل. احتج ابن حنبل بما روى الحكم بن عمرو (4) أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة (5). وهذا ضعيف، فإن محمد بن إسماعيل قال: هذا الحديث موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ (6). مسألة: اتفق علماؤنا على أن ما لا نفس له سائلة من الحيوانات، لا ينجس بالموت

(1) الكافي 3: 11 حديث 4، الوسائل 1: 170 الباب 8 من أبواب الأسئآر حديث 3.
(2) ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية العامرية: زوجة النبي صلى الله عليه وآله، وخالة عبد لله بن عباس. كان اسمها برة فسماها رسول الله صلى الله عليه وآله ميمونة، تزوجها سنة سبع في عمرة القضاء. روت عن النبي صلى الله عليه وآله. وعنها عبد الله بن عباس وعبد الله بن شداد، ومولاها عطاء بن يسار وسليمان بن يسار ويزيد بن الاصم، ماتت بسرف سنة 51 ه‍ وقيل: 63 ه‍ عام الحرة وقيل: 66 ه‍. الاصابة والاستيعاب بهامشها 4: 411، 404، أسد الغابة 5: 550.
(3) سنن أبي داود 1: 18 حديث 68، سنن الترمذي 1: 94، سنن ابن ماجة 132 حديث 370 - 372، مسند أحمد 1: 330، سنن الدار قطني 1: 52 حديث 3، سنن البيهقي 1: 188. الروايات وردت بألفاظ مختلفة تارة عن ميمونة، وأخرى عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله.
(4) الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن ثعلبة من مليل بن كنانة: أبو عمرو الغفاري، أخو رافع بن عمرو. نسب إلى غفار، لأن ثعلبة أخو غفار صحب النبي وروى عنه. روى عنه أبو الشعثاء وأبو حاجب وابن سيرين وغيرهم. مات بخراسان بمرو بعد أن ولاه زياد عليها سنة 50 ه‍، وقيل 51 ه‍. الاصابة 1: 346، أسد الغابة 2: 36، الجرح والتعديل 3: 119.
(5) سنن أبي داود 1: 21 حديث 82، سنن الترمذي 1: 93 حديث 94، سنن ابن ماجة 1: 132 حديث 373، سنن البيهقي 1: 191، سنن الدار قطني 1: 3 حديث 8، نيل الاوطار 1: 31.
(6) نقل تضعيف البخاري لحديث الحكم بن عمرو في: سنن ابن ماجة 1: 132، سنن الدار قطني 1: 53، سنن البيهقي 1: 192، عمدة القارئ 3: 86، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 37.

[ 166 ]

ولا يؤثر في نجاسة ما يلاقيه من الماء وغيره (1). وهو مذهب الحنفية (2)، وعامة الفقهاء (3)، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر له: إنه ينجس ما يموت فيه عدا السمك، وأما الحيوان فإنه ينجس، قولا واحدا (4). قال ابن المنذر، لا أعرف أحدا قال بنجاسة الماء سوى الشافعي (5). ونقل أبو جعفر من الحنفية في شرح الطحاوي، عن بعض الحنفية: إن الضفدع إذا مات في الخل أو العصير، نجسه، فاعتبر موته في غير موطنه ومعدنه، ولم يعتبر سيلان الدم. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (موت ما لا نفس له سائلة في الماء، لا يفسده) (6). وما رووه، عن سلمان (7)، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (أيما طعام أو شراب مات فيه دابة ليس لها نفس سائلة، فهو الحلال أكله وشربه والوضوء منه) (8). وما رواه مسلم وأبو داود، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) (9) قال الشافعي: مقله

(1) المقنعة: 9، الجمل: 49 السرائر: 13، المراسم: 36.
(2) الهداية للمرغيناني 1: 19، المبسوط للسرخسي 1: 51، بدائع الصنائع 1: 62، شرح فتح القدير 1: 72.
(3) المغني 1: 68، المجموع 1: 129.
(4) الأم 1: 5، مغني المحتاج 1: 23، الأم (مختصر المزني) 8: 8، المغني 1: 68 المجموع 1: 129، السراج الوهاج: 9، المهذب للشيرازي 1: 6.
(5) المغني 1: 68، المجموع 1: 129.
(6) المغني 1: 68.
(7) أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويعرف سلمان الخير، مولى رسول الله، وأصله من فارس من رام هرمز، منزلته عظيمة، وهو أول الاركان الأربعة، ومن السبعة الذين بهم الرزق وكفى في حقه قول النبي صلى الله عليه وآله: " سلمان منا أهل البيت " وهو من حواري أمير المؤمنين (ع). روى عن النبي، وروى عنه ابن عباس وأنس وعقبة بن عامر وغيرهم. مات سنة 35 ه‍، وقيل 36 ه‍. عاش 250 سنة وقيل: 350 سنة. أسد الغابة 2: 328، رجال الكشي: 9، 18، رجال، الطوسي: 6.
(8) سنن الدار قطني 1: 37 حديث 1، سنن البيهقي 1: 253، كنز العمال 9: 375، حديث 26541.
(9) لم نعثر على الحديث في صحيح مسلم نعم، رواه البخاري وأبو داود، انظر: صحيح البخاري 4: 158، سنن أبي داود 3: 365 حديث 3844.

[ 167 ]

ليس بقتله (1). قلنا: اللفظ عام في كل شراب بارد أو حار أو دهن بما (2) يموت بغسله فيه. وطعن الترمذي (3) في الحديث الثاني بأن راويه بقية (4)، وهو مدلس لا التفات إليه، لأن جماعة صححوه، ولان الترمذي قال: بقية مدلس فإذا روى عن الثقاة جود (5)، وللحديث السابق واللاحق. ومن طريق الأصحاب: ما رواه الشيخ، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كل شئ يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك، فلا بأس) (6). وما رواه، عن محمد بن يحيى (7)، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة) (8).

(1) المغني 1: 68.
(2) كذا في النسخ، والأنسب: مما.
(3) أبو الحسن أحمد بن الحسن بن جنيدب المشهور بالترمذي الكبير، كان من أصحاب أحمد بن حنبل، روى عن يعلى بن عبيد وأبي النضر وسعيد بن أبي مريم وروى عنه البخاري ابن خزيمة. مات سنة 240 ه‍. وهو غير الترمذي صاحب الجامع الصحيح. تذكرة الحفاظ 2: 536.
(4) بقية بن الوليد بن صائد: أبو يحمد أو أبو محمد الحميري الكلاعي الحمصي روى عن بجير بن سعد ومحمد بن زياد الالهاني والزبيدي، وروى عنه ابن جريح والأوزاعي وشعبة وابن راهويه. مات سنة 197 ه‍. تذكرة الحافظ 1: 289، العبر 1: 252، شذرات الذهب 1: 348.
(5) نقل طعن أحمد بن الحسن الترمذي في: سنن الترمذي: 433، ميزان الاعتدال: 1: 331، المجروحين لابن حبان 1: 200، الجرح والتعديل 2: 435. (6) التهذيب 1: 230 حديث 666، الاستبصار 1: 26 حديث 68، الوسائل 1: 173 الباب 10 من أبواب الأسئآر حديث 3.
(7) محمد بن يحيى: أبو جعفر العطار القمي، شيخ أصحابنا في زمانه، عده الشيخ ممن لم يرو عنهم، وقال: روى عنه الكليني، قمي، كثير الرواية، وهو مشترك بين عديد من الرجال. رجال النجاشي: 353، رجال الطوسي: 495، رجال العلامة: 157، جامع الرواة 2: 213، تنقيح المقال 3: 199.
(8) الكافي 3: 5 حديث 4، التهذيب 1: 231 حديث 668، الوسائل 1: 173، الباب 10 من أبواب الأسئآر حديث 4.

[ 168 ]

وما رواه حفص بن غياث (1)، عن جعفر بن محمد عليه السلام، قال: (لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة) (2) وحفص وإن كان عاميا، إلا أن روايته مناسبة للمذهب، وابن سنان (3) الذي روى، عن ابن مسكان الحديث الأول وإن كان قد ضعفه بعض أصحابنا، إلا أن بعضهم قد شهد له بالثقة، وأيضا: فهي مناسبة للمذهب. وما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وأشباه ذلك يموت في اللبن (4) والزيت وشبهه، قال: (كل ما ليس له دم، فلا بأس) (5) وهذه مقوية لا حجة، والأقرب الاستدلال بألاصل، وبما روي، عن الصادق عليه السلام، قال: (الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر) (6). ولان الموت ليس لذاته علة للنجاسة، وإلا لنجس المذكى الذي حله الموت، وانما كان نجسا لما فيه من الدماء، وهذا ليس له دم، وحرمة (7) الانتفاع به لعدم صلاحية الغذاء لا للنجاسة وعن أحمد في الوزغ روايتان:

(1) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك، أبو عمرو النخعي الكوفي القاضي. عده الشيخ تارة من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع)، وأخرى فيمن لم يرو عنهم، والرجل عامي، ولي القضاء لهارون ببغداد ثم بالكوفة مات سنة 194 ه‍. رجال النجاشي: 134، رجال الطوسي: 118، 175، 471. رجال العلامة: 218، تذكرة الحفاظ 1: 297.
(2) التهذيب 1: 231 حديث حديث 669، الاستبصار 1: 26 حديث 67، الوسائل 1: 173 الباب 10 من أبواب الأسئآر حديث 2.
(3) وهو مشترك بين عبد الله بن سنان الذي مرت ترجمته في ص 12، وبين محمد بن سنان الذي مرت ترجمته في ص 2016، 25، (4) في المصادر: البئر.
(5) التهذيب 1: 230 حديث 665، الاستبصار 1: 26 حديث 66، الوسائل 1: 173 الباب 10 من أبواب الأسئآر حديث 1.
(6) الكافي 3: 1 حديث 2 - 3، التهذيب 1: 215 حديث 619 - 621، الوسائل 1: 100 الباب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 5.
(7) " خ ": وحرم.

[ 169 ]

إحداهما: النجاسة، لما روي، عن علي عليه السلام أنه كان يقول: (إن ماتت الوزغة أو الفأرة في الحب فصب ما فيه، وإن ماتت في بئر فانزحها حتى يغلبك) (1). والجواب: النزح والصب في الوزغ لا باعتبار النجاسة، بل باعتبار الطيب. فروع: الأول: كل حيوان يعيش في الماء، فلا يخلو إما أن يكون ذا نفس سائلة أو لا، فإن كان كالتماسيح وشبهه مما له عرق يخرج منه الدم، فهو نجس بالموت، فينجس الماء إن كان قليلا. وبه قال أحمد (2) خلافا للحنفية (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله وآله في الحديثين السابقين (4)، فإنه علق الحكم فيها على كون النفس ليست سائلة. ومن طريق الخاصة: رواية محمد بن يحيى بإسناده، عن الصادق عليه السلام، قال: (لا يفسد الماء، إلا ما كانت له نفس سائلة) (5) والاستثناء من النفي إثبات، وما اخترناه روي عن أبي يوسف أيضا (6). احتج (7) المخالف بقوله عليه السلام: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (8). والجواب: إنه مختص بالسموك، وإلا لزم تحليل الجميع وليس كذلك إجماعا، وأيضا: ليس هذه الصيغة من صيغ العموم، فلا يتناول ذا النفس وغيره جميعا. وإن لم يكن ذا نفس سائلة لم ينجس سواء مات في الماء أو خارجة. ولو تقطعت أجزاء حيوان الماء ذي النفس السائلة في الماء، نجسه إن كان قليلا، وإن

(1) المغني 1: 70.
(2) المغني 1: 69.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 19، بدائع الصنائع 1: 79، المبسوط للسرخسي 1: 57، شرح فتح القدير 1: 73. (4 - 5) راجع ص 166.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 57، بدائع الصنائع 1: 79، المغني 1: 69.
(7) بداية المجتهد 1: 77.
(8) سنن أبي داود 1: 21 حديث 83، سنن الترمذي 1: 100 حديث 69، سنن النسائي 1: 176.

[ 170 ]

كان كثيرا، جاز استعماله وعند الحنفية يكره شربه (1)، لأنه لا يتوصل إليه إلا ومعه جزء من أجزاء الذي لا يحل أكله وشربه. والضفدع لا ينجس بالموت، لأنه ليس ذا نفس سائلة. وبه قال مالك (2) وأبو حنيفة (3)، محمد بن الحسن (4). وقال الشافعي (5)، وأبو يوسف (6)، وأحمد (7): إنه نجس، لأنه يعيش في البئر، فأشبه حيوان البر. والجواب المقتضي للنجاسة: سيلان النفس. الثاني: الحيوان المتولد من الاجسام الطاهرة طاهر، كالفأر، ودود الخل، وشبهه، والمتولد من النجاسات كدود العذرة كذلك، لأنه غير ذي نفس سائلة، فيدخل تحت العموم الدال على طهارة ما مات فيه حيوان غير ذي نفس. وقال أحمد: إن المتولد من الاعيان النجسة نجس حيا وميتا، لأنها كائنة عن النجاسة، فتكون نجسة (8) كولد الكلب والخنزير (9). والجواب: المقدمتان ممنوعتان فإن المعلوم تولده في النجاسة، أما منها فلا، ولو سلم، منع من نجاسة المتولد من النجس، وولد الكلب ليس نجسا باعتبار تولده عن النجس، بل باعتبار اسم الكلب عليه بخلاف دود العذرة. ويحرم أكله عند علمائنا أجمع سواء انفصل عن الطعام أو اتصل به. وهو أحد قولي

(1) شرح فتح القدير 1: 73، المبسوط للسرخسي 1: 57، بدائع الصنائع 1: 79.
(2) المدونة الكبرى 1: 4، مقدمات ابن رشد 1: 63، بداية المجتهد 1: 76، المغني 1: 69.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 57، بدائع الصنائع 1: 79، الهداية للمرغيناني 1: 19، شرح فتح القدير 1: 73، المغني 1: 69.
(4) المغني 1: 69، المجموع 1: 132.
(5) المغني 1: 69.
(6) المصدر السابق.
(7) المصدر السابق. (8) في بعض النسخ: نجسا.
(9) المصدر السابق.

[ 171 ]

الشافعي، لاستقذاره. احتج حالة الاتصال بعسر الازالة وحالة الانفصال بالطهارة (1)، وهما غير دالين على المطلوب. الثالث: لا خلاف عندنا في أن الآدمي ينجس بالموت لأن له نفسا سائلة. وهو مذهب أبي حنيفة (2)، خلافا للشافعي على أحد القولين (3)، ولأحمد في إحدى الروايتين (4). لنا: إنه ذو نفس سائلة فيدخل تحت قوله: (لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة) (5). ولان زنجيا وقع في بئر زمزم في عهد عبد الله بن عباس وابن الزبير فأمرا بنزح الماء فلم يمكنهم ذلك وكان لها عين تنبع في أسفلها كأنها (عنق جزور) (6) فأمرا بسدها) بالاقطاع (7) فلم يقدروا عليه، فأمرا بنزح البعض وحكما بطهارة الباقي (8). احتجوا (9) بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (المؤمن لا ينجس) (10) متفق عليه. والجواب: أن المؤمن (11) إنما يتناول حقيقة الحي، أما الميت فإنما يطلق عليه بالمجاز

(1) المجموع 1: 131.
(2) نيل الاوطار 1: 27، المغني 1: 69.
(3) المجموع 5: 187، المغني المحتاج 1: 78، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2، 446.
(4) المغني 1: 69، الكافي لابن قدامة 1: 20، الانصاف 1: 337.
(5) الكافي 3: 5 حديث 4، التهذيب 1: 231 حديث 668، الوسائل 2: 1052 الباب 35 من أبواب النجاسات حديث 5.
(6) " خ " عنق بعير جزور.
(7) " خ " " ق ": بالانطاع.
(8) سنن الدار قطني 1: 33 حديث 1 نيل الاوطار 1: 27.
(9) مغني المحتاج 1: 78، نيل الاوطار 1: 27، المغني 1: 69.
(10) سنن ابن ماجة 1: 178 حديث 534، سنن النسائي 1: 145.
(11) " ح ": إن المؤمن.

[ 172 ]

ويطهر بالغسل إن كان مسلما، أما الكافر فلا. الرابع: الصيد المحلل إذا وقع في بالماء القليل مجروحا فمات فيه، فإن كان الجرح قاتلا فهو حلال والماء طاهر، وإلا فلا فيهما سواء اشتبه أو علم استناد الموت إلى الماء. قيل: إنه مع اشتباه موته بالماء وعدمه أن يكون الأصل طهارة الماء وحرمة الحيوان، فيحكم بطهارة الماء وتحريم الحيوان (1) عملا بالأصلين (2)، وما اخترناه نحن في بعض كتبنا (3)، وليس بجيد، لأن العمل بالأصلين إنما يصح مع الامكان وهو هنا منتف، فإنه كما يستحيل اجتماع الشئ مع نقيضه، كذا يستحيل اجتماعه مع نقيض لازمه، وموت الحيوان يستلزم نجاسة الماء، فلا يجامع الحكم بطهارته كما لا يجامع تذكيته. الخامس: لو لاقى الحيوان الميت أو غيره من النجاسات ما زاد على الكر من الماء الجامد، الأقرب: عدم التنجيس ما لم يغيره. لنا: قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر، لم ينجسه شئ) (4) وبالتجميد لم يخرج عن حقيقته، بل ذلك مما يوكل ثبوت مقتضي حقيقته، فإن الآثار الصادرة عن الحقيقة كلما قويت، كانت آكد في ثبوتها، والبرودة من معلولات طبيعة الماء وهي تقتضي الجمود. أما لو كان ناقصا عن الكر، هل يكون حكمه حكم الجامدات بحيث يلقى النجاسة وما يكتنفها أم يدخل تحت عموم التنجيس للقليل؟ الأقرب: الأول، لأنه بجموده يمنع من شياع النجاسة فيه فلا يتعدى موضع الملاقاة بخلاف الماء القليل الذي تسري النجاسة إلى جميع أجزائه.

(1) لم نعثر على القائل به ممن تقدم على العلامة. ومن العامة انظر: المغني 1: 69.
(2) " خ " بالاصل.
(3) تحرير الأحكام 1: 6.
(4) لم نعثر من طرق العامة. نعم في أحكام القرآن للجصاص 5: 205 نقلها عن مسروق والنخعي وابن سيرين. ومن طريق الخاصة، انظر: الكافي 3: 2 حديث 1، 2 التهذيب 1: 40 حديث 108، 109، الاستبصار 1: 6 حديث 1، 2، 3، الوسائل 1: 117 الباب 9 من أبواب الماء المطلق..

[ 173 ]

مسألة: هل يجوز الطهارة بالثلج؟ الحق: جوازه بشرط أن يكون ما يتحلل منه جاريا على العضو بحيث يسمى غاسلا. والشيخ اقتصر في الخلاف على الدهن (1)، فإن كان المقصود الغسل الخفيف بحيث ينتقل جزء من الماء على جزئين من البدن، فهو صحيح. لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج، قال: (يغتسل بالثلج أو ماء النهر) (2). وروى، معاوية بن شريح، قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده، قال: يصيبنا الدمق (3) والثلج ونريد أن نتوضأ فلا نجد إلا ماءا جامدا، فكيف أتوضأ، أدلك به جلدي؟ قال: (نعم) (4). ومعاوية لا أعرفه، وفي طريق هذه الرواية عثمان بن عيسى، وهو واقفي، فالتعويل على الأولى. وما رواه الشيخ في الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا، أيهما أفضل: التيمم، أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: (الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به، فليتيمم) (5) أمره بالتيمم مع عدم القدرة، فينتفي عند وجودها ضرورة كونه شرطا، ولأنه فعل حقيقة الغسل، فيكون ممتثلا للامر بالاغتسال. لا يقال: قد روى محمد بن يعقوب في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله

(1) الخلاف 1: 3 مسألة - 3.
(2) التهذيب 1: 191 حديث 550، الاستبصار 1: 157 حديث 542، الوسائل 2: 974 الباب 10 من أبواب التيمم حديث 1.
(3) الدمق، بالتحريك: الثلج مع الريح يغشى الانسان من كل أوب حتى يكاد يقتل من يصيبه، لسان العرب 10: 104.
(4) التهذيب 1: 191 حديث 552، الاستبصار 1: 157 حديث 543، الوسائل 2: 975 الباب 10 من أبواب التيمم حديث 2.
(5) التهذيب 1: 192 حديث 554، الاستبصار 1: 158 حديث 547، الوسائل 2: 975 الباب 10 من أبواب التيمم حديث 3. وفيها: أيتيمم أم يمسح.

[ 174 ]

عليه السلام، قال: سألته عن رجل أجنب ولم يجد إلا الثلج، أو ماءا جامدا، فقال: (هو بمنزلة الضرورة، يتيمم، ولا أرى أن يعود إلى هذه الارض التي توبق دينه) (1). فنقول: لو جاز الاغتسال به لما جاز التيمم، ولما (2) حكم عليه السلام بكونه بمنزلة الضرورة، ولما (3) نهاه عن العود إلى هذه الارض، ولما (4) حكم بأنها موبقة لدينه، والتوالي كلها باطلة، وقد روى الشيخ أيضا هذه الرواية (5)، ولأنه لو جاز الاغتسال بالثلج أو الوضوء لما خصص الامامان عليهما السلام في الحديثين اللذين استدللتم بهما بعدم وجدان الماء. لأنا نقول: أما الحديث الذي ذكرتموه: فإنا نحمله على من لم يتمكن من استعمال الثلج للبرد لأن الغالب في تلك الارض (6) التي لا يوجد فيها إلا الثلج أو الجمد، شدة البرودة المانعة من الملامسة، فيحمل عليه لظهوره، وجمعا بين الأدلة، وأما التخصيص فممنوع، فإنه قد وقع الاتفاق من المحققين على أن الجواب عن صورة خاصة لا يقتضي التخصيص كما لو سئل عليه السلام عن السائمة فقال: فيها زكاة، مع وقوع الخلاف منهم على الدلالة على التخصيص إذا لم يكن جوابا. فرعان: الأول: ظهر من هذا جواز استعمال الثلج مع وجود الماء بشرط الجريان. الثاني: لو وقع في الماء القليل المائع الملاصق لما زاد على الكر من الثلج نجاسة ففي نجاسته نظر، فإنه يمكن أن يقال: ماء متصل بالكر، فلا يقبل التنجيس، ويمكن أن يقال: ماء قليل متصل بالجامد اتصال مماسة لا ممازجة واتحاد، فأشبه المتصل بغير الماء في انفعاله عن النجاسة لقلته. مسألة: إذا كان معه إناءان أحدهما نجس بيقين واشتبها، اجتنب ماءهما وجوبا

(1) الكافي 3: 67 حديث 1، الوسائل 2: 973 الباب 9 من أبواب التيمم حديث 9. (2 - 3 - 4) " ح " " م " " ن " " ق ": لا.
(5) التهذيب 1: 191 حديث 553، الاستبصار 1: 158 حديث 544.
(6) " ن " " م ": الاراضي.

[ 175 ]

وتيمم سواء زاد عدد الطاهر أو نقص. وهل يجب الاراقة؟ جزم به الشيخ في النهاية، وابن بابويه في كتابه، والمفيد في المقنعة (1). والأولى: عدم الوجوب، وعن أحمد روايتان في الاراقة (2). وقال الشافعي: يجوز التحري إن كانت نجاسة ظاهرية (3). وجوز أبو حنيفة التحري بشرط غلبة الطاهر، أما مع المساواة والأقلية فلا (4). وهو إحدى الروايتين عن أحمد (5). وما اخترناه، مذهب المزني (6)، وأبي ثور، وأحمد في إحدى الروايتين، وهو أيضا مذهب أكثر الصحابة (7). وقال ابن الماجشون ومحمد بن [ مسلمة ] (8): لا يتحرى ويتوضأ بكل واحد منهما ويصلي بعد أن يغسل بالثاني ما أصابه من الأول (9). لنا: ما رواه الشيخ، عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره؟ قال: (يهريقهما جميعا ويتيمم) (10). وما رواه سماعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل معه إناءان فيهما

(1) النهاية: 6، المقنع: 9، المقنعة: 9.
(2) المغني 1: 79، الانصاف 1: 74 المجموع 1: 181، الكافي لابن قدامة 1: 15.
(3) الأم 1: 10، المهذب للشيرازي 1: 9، المجموع 1: 180، المغني 1: 79، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 274.
(4) المجموع 1: 181، المغني 1: 79، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 274.
(5) الكافي لابن قدامة 1: 15، المجموع 1: 79، الانصاف 1: 71، المغني 1: 79. (6) المزني - بضم الميم، وفتح الزاي -: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني. قبيلة من قبائل اليمن. أخذ عن الشافعي، له كتاب: (المختصر في فروع الشافعية) مات بمصر سنة 267 ه‍. الفهرست لابن النديم: 298، طبقات الشافعية للسبكي 1: 238.
(7) المغني 1: 79، المجموع 1: 181.
(8) في النسخ: مسلم. والصحيح ما أثبتناه.
(9) المغني 1: 79، المجموع 1: 181.
(10) التهذيب 1: 248 حديث 712، الوسائل 1: 116 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 14.

[ 176 ]

ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو وليس يقدر على ماء غيره؟ قال: (يهرقهما جميعا ويتيمم) (1). وسماعة وعمار وإن كانا ضعيفين، إلا أن الأصحاب تلقت هذين الحديثين بالقبول، وأيضا: شهدوا لهما بالثقة. ولان الصلاة بالماء النجس حرام، فالاقدام على ماء لا يؤمن معه أن يكون نجسا إقدام على ما لا يؤمن معه فعل الحرام، فيكون حراما. ولأنه متيقن لوجوب الصلاة، فلا يزول إلا بمثله، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، قال: وقال: (ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر) (2). ولأنه لو جاز له الاجتهاد، لجاز في الماء والبول والماء المضاف كماء الورد، ولا يجوز هنا إجماعا، فلا يجوز هناك. اعتذر أصحاب الشافعي بأن البول لا أصل له في الطهارة (3). والجواب هذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة، فلم يبق للأصل أثر، ولان البول قد كان ماءا، فله أصل في الطهارة، وأيضا: لو جاز التحري، لجاز التحري في الميتة، والمذكاة، والمحرم، والأجنبية، والتالي باطل إجماعا، فكذا المقدم. ووجه الملازمة في البابين أن الاجتهاد طريق صالح لتعين المجتنب عنه من غيره، فالتخصيص تحكم. وأيضا: لو جاز الاجتهاد لما جاز الاجتهاد، أو لزم جواز استعمال متيقن النجاسة، والتالي بقسميه باطل، فالمقدم مثله. بيان الملازمة: إنه لو اجتهد وقت الصبح في أحد الاناءين ثم اجتهد وقت الظهر في الآخر، فإما أن يعمل بالاجتهاد الثاني أو لا، وعلى التقدير الأول يلزم ما ذكرناه ثانيا، وعلى الثاني؟ يلزم الأول.

(1) الكافي 3: 10 حديث 6، التهذيب 1: 249 حديث 713، الاستبصار 1: 21 حديث 48، الوسائل 1: 113 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 2.
(2) التهذيب 1: 8 حديث 11، الوسائل 1: 174 الباب الأول من أبواب نواقض الوضوء حديث 1:.
(3) المهذب للشيرازي 1: 9، المجموع 1: 195، مغني المحتاج 1: 27، فتح الوهاب 1: 5، السراج الوهاج: 10، المغني 1: 80.

[ 177 ]

وأما بطلان قسمي التالي فبالاجماع في الثاني، وبالعقل الدال على امتناع ما أدى ثبوته إلى انتفائه في الأول. احتج الشافعي بأنه شرط الصلاة، فجاز التحري من أصله كما لو اشتبهت القبلة ولان الطهارة تؤدي باليقين تارة وبالظن أخرى، ولهذا جاز الوضوء بالماء القليل المتغير الذي لا يعلم سبب تغيره (1). والجواب: القبلة يباح تركها حالة الضرورة، في السفر في النفل اختيارا، ولان القبلة التي يتوجه إليها مبنية على الظن، ولو بان له يقين الخطأ لم يلزمه الاعادة والمتغير من غير سبب يجوز الوضوء به عملا بأصالة الطهارة وإن عارضه ظن النجاسة، وهنا عارضه يقين النجاسة، ولهذا لا يحتاج في القليل إلى التحري بخلاف التنازع. فروع: الأول: حكم ما زاد على الاناءين حكم الاناءين في المنع من التحري سواء كان هناك أمارة أو لم يكن، وسواء كان الطاهر هو الأكثر أو بالعكس أو تساويا، وسواء كان المشتبه بالطاهر نجسا أو نجاسة أو ماءا مضافا، ولو انقلب أحدهما لم يجز التحري أيضا، لأنه ظن، فلا يرفع يقين النجاسة. ووافقنا الشافعي على عدم التحري إذا كان أحد الاناءين نجاسة كالبول، لأنه ليس له أصل في الطهارة سواء زاد عدد الطاهر أو لا (2). وقال أبو حنيفة: إن زاد عدد الطاهر، جاز (3). قالت الشافعية: لو أدى اجتهاد أحد الرجلين إلى طهارة إناء، والآخر إلى طهارة آخر، صلى كل منهما منفردا ولا يجوز الائتمام، لأنه معتقد فساد طهارة إمامه، فلو كانت الاواني خمسة واجتهد فيها خمسة واستعمل كل ما أدى إليه اجتهاده، فإن كان الطاهر

(1) المهذب للشيرازي 1: 9، المجموع 1: 180، المغني 1: 79. (2) المهذب للشيرازي 1: 9، المجموع 1: 195، المغني المحتاج 1: 27، فتح الوهاب 1: 5، السراج الوهاج: 10، المغني 1: 80، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 281.
(3) المجموع 1: 181، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 274، المغني 1: 79.

[ 178 ]

واحدا صلى كل منهم منفردا، فإن صلوا جماعة لم يصح، وإن كان النجس واحدا صحت صلاتهم جماعة، فلو صلوا الخمس جماعة وأم كل واحد منهم في واحدة، وكل من صلى إماما صحت صلاته، وكل صلاة صلاها وهو مأموم فيها صحيحة إلا الصلاة الاخيرة، فإمام العشاء لا يصح له صلاة المغرب، لأنه يزعم أنه تطهر بالماء الطاهر. وكذا إمام الصبح والظهر والعصر، فتعين استعماله الماء النجس بحكم اقتدائه بمن قبله في حق إمام المغرب، وعلى الباقين إعادة صلاة العشاء لما ذكرنا (1)، وهذا عندنا ساقط، لأنا نوجب التيمم. الثاني: لو كان أحدهما متيقن الطهارة والآخر مشكوك النجاسة كما لو انقلب أحد المشتبهين ثم اشتبه الباقي بمتيقن الطهارة، وكذا لو اشتبه الباقي بمتيقن النجاسة وجب الاجتناب. الثالث: لو خاف العطش أمسك أيهما شاء، لاستوائهما في المنع، وخائف العطش يجوز أن يمسك النجس، فالمشكوك أولى، ويجوز له أن يستعمل أيهما شاء، ولا يلزمه التحري، لأنه مضطر، فساغ له التناول، ولو لم يكونا مشتبهين شرب الطاهر وتيمم، ولو خاف العطش في ثاني الحال حبس الطاهر، لأن وجود النجس كعدمه عند الحاجة إلى الشرب في الحال، فكذا في المآل، وخوف العطش في إباحة التيمم كحقيقته. وهو قول بعض الحنابلة وقال بعضهم: يحبس النجس، لأنه ليس بمحتاج إلى شربه في الحال، فلم يجز التيمم مع وجوده (2). الرابع: لو استعمل الاناءين وأحدهما نجس مشتبه وصلى، لم تصح صلاته ولم يرتفع حدثه سواء قدم الطهارتين أو صلى بكل واحد صلاة، لأنه ماء يجب اجتنابه فكان كالنجس. وكذا لو استعمل أحدهما وصلى به، لم تصح صلاته ووجب عليه غسل ما أصابه المشتبه بماء متيقن الطهارة كالنجس. وهو أحد وجهي الحنابلة، والآخر: لا يجب غسله، لأن المحل طاهر بيقين، فلا يزول بشك النجاسة (3).

(1) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 197.
(2) المغني 1: 81. (3) المغني 1: 81، الانصاف 1: 74.

[ 179 ]

والجواب: لا فرق في المنع بين يقين النجاسة وشكها هنا بخلاف غيره، أما لو كان أحدهما ماءا والآخر مضافا، قال الشيخ: يتطهر بهما (1)، وهو حسن، خلافا لابن إدريس (2)، وقال الجمهور كافة بمثل قول الشيخ (3)، لأنه يمكنه أدا فرضه بيقين من غير حرج فيه فوجب عليه، ولو احتاج إلى أحدهما للشرب أبقاه وتوضأ بالآخر وتيمم، وكذا لو صب أحدهما ليحصل له يقين البراءة. لنا: إنه متمكن من تحصيل الطهارة ولم يتناوله المنع، فوجب عليه الفعل. الخامس: لو كان معه ماء متيقن الطهارة لم يجز له التحري سواء كان الاشتباه بين الطاهرين أو بين الطاهر والنجس ولا استعمالهما في الموضعين. وهو اختيار أبي إسحاق المروزي (4) من الشافعية (5)، وقال أكثرهم: هو مخير بين التحري واستعمال المتيقن (6). لنا: ما تقدم من الأدلة المانعة من التحري لفاقد المتيقن (7)، فلوا جده أولى. السادس: لو اشتبه بالمغصوب وجب اجتنابهما، ولو تطهر بهما ففي الإجزاء نظر ينشأ من إتيانه بالمأمور به وهو الطهارة بماء مملوك، فيخرج عن العهدة، ومن طهارته بما نهي عنه فيبطل، وهو الاقوى. ولو غسل ثوبه بالمغصوب أو المشتبه به، طهر وصحت الصلاة فيه. السابع: لا تجب الاراقة ولا المزح عملا بالاصل، وليس شرطا في التيمم، لأن الوجدان مفقود هنا لعدم التمكن من الاستعمال. الثامن: لو بلغ ماؤهما كرا لم يجب المزح، ولو فعل كان الجميع نجسا على ما اخترناه،

(1) المبسوط 1: 8، الخلاف 1: 57 مسألة: 158.
(2) كذا نسب إليه، ولكن لم نجد له تصريحا في السرائر بهذا المطلب.
(3) المغني 1: 81.
(4) إبراهيم بن أحمد: أبو إسحاق المروزي، شيخ الشافعية وصاحب المزني وأبي العباس بن سريج، انتهت إليه رئاسة مذهب الشافعية ببغداد، مات بمصر سنة 340 ه‍. الفهرست لابن النديم: 299، العبر 2: 59، شذرات الذهب 2: 355.
(5) المجموع 1: 192.
(6) المجموع 1: 193.
(7) راجع ص 174، 176.

[ 180 ]

ويجئ على أحد قولي الشيخ وجوب المزح (1). التاسع: لو أراق أحدهما، لم يجز التحري أيضا. وهو أحد قولي الشافعية (2)، ووجب التيمم، ومن وافقنا من الشافعية، قال بعضهم: يتيمم كما قلناه وقال آخرون: يتوضأ، لأن الأصل الطهارة، ونجاسته مشكوك فيها وقد زال يقين النجاسة (3). وليس بجيد، لما قلناه (4) من وجوب الاجتناب. ولو اجتهد في الصلاة الثانية بعد إراقة أحدهما فأداه اجتهاده إلى طهارة الباقي، قال بعض الشافعية: يتيمم (5). وعندنا الاجتهاد من أصله باطل. ووافقنا الشافعي في المنع من التحري في حق الأعمى في أحد القولين (وجوز له في الآخر التحري (6)) (7). العاشر كما لا يجوز التحري في الاناءين من الماء، لا يجوز في غيرهما. وجوز الشافعي التحري في الاناءين من السمن والدهن وغير ذلك (8)، وفي الثوبين إذا نجس أحدهما، ومنع من التحري في كمي الثوب الواحد، وفرق بأن النجاسة هنا قد تحققت في الثوب، فلا تزول بالظن (9).

(1) المبسوط 1: 7.
(2) المجموع 1: 184، المغني المحتاج 1: 27. (3) المجموع 1: 185.
(4) " ح ": قلنا.
(5) المجموع 1: 189، مغني المحتاج 1: 28.
(6) " م ": وجوز التحري في الآخر.
(7) المجموع 1: 196، مغني المحتاج 1: 27.
(8) المجموع 1: 195.
(9) المهذب 1: 61، المجموع 3: 145.

[ 181 ]

[ المقصد الثاني ] في الوضوء والنظر في الموجب والكيفية والأحكام فها هنا مباحث:

[ 183 ]

الأول: في موجباته مسألة (1): الحدث الناقض للطهارة، إما أن يوجب طهارة الصغرى لا غير، وهو خمسة أشياء خروج البول، والغائط، والريح، والنوم الغالب على الحاستين السمع والبصر، وكلما أزال العقل من إغماء وجنون (2) وسكر وشبهه. وإما أن يوجب الكبرى لا غير، وهو الجنابة خاصة. وإما أن يوجبهما معا وهو الحيض، والنفاس، ومس الاموات بعد بردهم بالموت وقبل تطهيرهم بالغسل. وإما أن يوجب الوضوء خاصة، في حال والأمرين في حالة أخرى وهو الاستحاضة. مسألة: لا نعرف خلافا بين أهل العلم في أن خروج البول والغائط والريح من المعتاد ناقض للطهارة وموجب للوضوء، ويدل عليه قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " (3). وما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: ما ينقض الوضوء؟ فقالا: (ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الدبر والذكر من غائط أو بول أو مني أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل وكل النوم يكره إلا أن تسمع الصوت) (4). وما رواه في الصحيح عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يوجب الوضوء إلا من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها) (5).

(1) ليست في " م ".
(2) " م ": أو جنون.
(3) المائدة: 6، النساء: 43.
(4) التهذيب 1: 9 حديث 15، الوسائل 1: 177 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
(5) التهذيب 1: 10 حديث 16، الوسائل 1: 175 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.

[ 184 ]

وما رواه في الصحيح، عن سالم أبي الفضل (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين الذين أنعم الله بهما عليك) (2). فروع: الأول: لو خرج أحد الثلاثة من غير المعتاد، فالوجه إنه لا ينقض. وقال الشيخ: إن خرج البول والغائط مما دون المعدة نقض، ومن فوقها لا ينقض (3). وما اخترناه مذهب الشافعي في أحد قوليه (4)، وما اختاره الشيخ هو القول الثاني. وقال أبو حنيفة: إنه ينقض مطلقا، سواء خرج مما فوق المعدة أو دونها بشرط السيلان (5) إلا الريح، فقد نقل الكرخي أنه لو خرج من الذكر أو من قبل المرأة لم ينقض (6)، وروي عن محمد أنه لو خرج من قبل المرأة ريح منتن نقض (7)، وللشافعي قول إن الريح ينقض سواء خرج من قبل الرجل أو دبره، وكذا المرأة (8)، ويمكن خروج الريح من قبل المرأة ومن قبل الرجل إذا كان أدر. لنا: رواية أبي الفضل، فإنه عليه السلام نفى النقض إلا مع الخروج من الطرفين، وأيضا: رواية زرارة، فإنه عليه السلام أجاب عن السؤال المستوعب لكل ناقض (9) لأن (ما) من صيغ العموم، فلو كان التخصيص بالذكر لا يقتضي نفى الحكم عما عداه، لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وكان في الجواب إيهاما للخطأ، وذلك باطل، ولان غسل

(1) سالم الحناط: أبو الفضل، كوفي مولى ثقة، روى عن أبي عبد الله. قاله النجاشي، وعنونه الشيخ والعلامة ب‍: سلم الحناط. والأردبيلي عنونه ب‍: سالم الخياط. رجال النجاشي: 190، رجال الطوسي 211، رجال العلامة: 86، جامع الرواة 1: 348.
(2) التهذيب 1: 10 حديث 17، الوسائل 1: 177 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4. (3) المبسوط 1: 27، الخلاف 1: 23 مسألة - 58.
(4) المجموع 2: 8، المغني 1: 195، الهداية للمرغيناني 1: 14، مغني المحتاج 1: 33.
(5) بدائع الصنائع 1: 24، الهداية للمرغيناني 1: 14، شرح فتح القدير 1: 33، عمدة القارئ 3: 47.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 83، بدائع الصنائع 1: 25، عمدة القارئ 3: 47.
(7) بدائع الصنائع 1: 25.
(8) الأم 1: 17.
(9) تقدمت في ص 183.

[ 185 ]

غير موضع النجاسة غير معقول، فيقتصر على مورد الشرع، ولان الأصل بقاء الطهارة، فيقف انتقاضها على غير موضع الدلالة. ونقول على الحنفية أن أنس بن مالك (1) احتجم ولم يزد على غسل محاجمة (2). وروى ثوبان (3) أنه قال: قاء رسول الله صلى الله عليه وآله: فصببت له وضوءا وقلت: يارسول الله، أيجب الوضوء من القئ؟ فقال: (لو كان واجبا لوجدته في كتاب الله) (4) أتى صلى الله عليه وآله بحرف (لو) الدالة على الامتناع للامتناع. ورووا عنه صلى الله عليه وآله، قال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) (5). فنقول: لا يجب الوضوء بهذه النصوص لما دلت عليه، فلا يجب في الثلاثة لانهم لم يفصلوا، ولان الخارج من غير السبيلين لو كان ناقضا، لما اشترط فيه السيلان قياسا على الخارج منهما. احتج الشيخ (6) بقوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " (7) وهو مطلق

(1) أنس بن مالك بن ضمضم بن زيد: أبو حمزة الانصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وأحد المكثرين من الرواية عنه، روى عنه الحسن والزهري وقتادة وغيرهم، مات سنة 93 ه‍. وقيل 90، وقيل: 91 ه‍. أسد الغابة 1: 127، الاصابة والاستيعاب بهامشها 1: 71، العبر 1: 80، تذكرة الحفاظ 1: 44.
(2) لم نعثر على عبارة بهذا اللفظ بعد التتبع، والموجود: " احتجم رسول الله فصلى ولم يزد على غسل محاجمة ". انظر: سنن الدار قطني 1: 157 حديث 26، سنن البيهقي 1: 141. (3) أبو عبد الله ثوبان بن يجدد: مولى رسول الله من أهل السراة - موضع بين مكة واليمين - اشتراه النبي صلى الله عليه وآله ثم أعتقه فخدمه إلى أن مات، روى عنه أبو أسماء الرجبي وجبير وابن أبي الجعد وجماعة من التابعين مات بحمص 54 ه‍. الاصابة 1: 204، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 209، أسد الغابة 1: 249، العبر 1: 42، الجرح والتعديل 2: 269.
(4) نيل الاوطار 1: 235، البحر الزخار 2: 88، وقريب منه في سنن الدار قطني 1: 159.
(5) سنن ابن ماجة 1: 172 حديث 515، سنن الترمذي 1: 109 حديث 74.
(6) الخلاف 1: 23 مسألة - 58، المبسوط 1: 27.
(7) المائدة: 6، النساء: 43.

[ 186 ]

سواء خرج من السبيلين أو من غيرهما، لكن الخارج مما فوق المعدة لا يسمى غائطا، فلا يكون ناقضا. واحتج أبو حنيفة (1) بالآية، وبما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش (2)، قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، وأخاف أن لا يكون لي في الاسلام حظ؟ فقال: (إنما ذلك دم عرق وليست بالحيضة، فتوضئي وصلي) (3) وكلمة (أن) للتعليل. وأيضا: هو خارج نجس من الآدمي فيؤثر في تنجيس الاعضاء الأربعة حكما، إذ هو من لوازمه كما في الخارج من السبيلين. والجواب عما ذكره الشيخ: أن الاطلاق ينصرف إلى المعتاد فيتقيد به، وأيضا: فالروايات التي ذكرناها مقيدة للاطلاق، وتخصيص الشيخ ليس بجيد، وقد ذهب إليه الشافعي أيضا في بعض أقواله (4)، لأن الغائط لغة: المكان المطمئن، وعرفا: الفضلة المخصوصة، ولا اعتبار بالمخرج في التسمية. وعما ذكره أبو حنيفة أولا: من وجوه: أحدها: إنه عليه السلام لم يأمرها بالوضوء وإنما هو من كلام عروة (5).

(1) شرح فتح القدير 1: 35، بدائع الصنائع 1: 24.
(2) فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الاسدية، تعد من النساء المهاجرات، زوجة عبد الله بن جحش. روت عن النبي صلى الله عليه وآله ما سألت عنه في الاستحاضة، روى عنها عروة بن الزبير. الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 383، أسد الغابة 5: 518. الاصابة 4: 381.
(3) صحيح البخاري 1: 66، سنن أبي داود 1: 74. حديث 282.
(4) شرح فتح القدير 1: 37، بداية المجتهد 1: 35.
(5) عروة بن الزبير بن العوام الاسدي المدني أبو عبد الله أو أبو محمد، روى عن أبيه يسيرا، وعن زيد بن ثابت وحكيم بن حزام وعائشة وأبي هريرة، روى عنه بنوه: هشام، ومحمد، وعثمان، ويحيى، وعبد الله، وحفيده عمر بن عبد الله، وأبو الزناد وغيرهم. مات سنة 94 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 62، العبر 1: 82، شذرات الذهب 1: 103.

[ 187 ]

هكذا ذكره اللالكائي (1). الثاني: إنه عليه السلام لم يذكر الدم وإنما قان: عرق، على ما ذكره بعض المحدثين (2)، فحينئذ يبطل ما ذكره من التعليل. الثالث: الاستفسار وتقريره أن نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بالوضوء غسل مورد النجاسة؟! بقي علينا أن نبين جواز استعماله فيما ذكرنا، ويدل عليه الموضع اللغوي وهو ظاهر، والاستعمال الشرعي وهو ما رواه معاذ (3) أن قوما سمعوا أن النبي عليه السلام يقول: (الوضوء مما مست النار) (4). الرابع: المنع من انصراف التعليل إلى إيجاب الوضوء، لأنه ينصرف إلى ما قصد بيانه مما وقع الإشكال فيه، والإشكال نشأ للمرأة من اشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة لقولها: أخشى أن لا يكون لي حظ في الاسلام، وذلك لا يوجب اعتقاد انتفاء وجوب الطهارة، فإن الحيض يوجب أعلى الطهارتين، فيجب صرفه إلى نفي الغسل والاطلاق في الصلاة، ويدل على صرفه إليه وإن لم يكن مذكورا الاشارة بقوله: إنما ذلك دم عرق إلى كونه بحال لا يمكنها الاحتراز عنه، وذلك يناسب حكما يشعر بالتخفيف وهو الاكتفاء

(1) أبو القاسم اللالكائي هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الفقيه الشافعي محدث بغداد، تفقه على الشيخ أبي حامد الاسفراييني، وسمع من جعفر بن عبد الله بن فناكي وأبي القاسم عيسى بن علي الوزير وأبي طاهر المخلص وغيرهم. حدث عنه أبو بكر الخطيب، وأبو بكر أحمد بن على الطرثيثي، صنف كتابا في السنة، وكتابا في رجال الصحيحين، وكتابا في السنن، مات سنة 418 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 1083، شذرات الذهب 3: 211. (2) انظر: الكافي 3: 83 حديث 1، ومن طريق العامة: صحيح البخاري 1: 66، وراجع ص 135.
(3) أبو عبد الله معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن جشم بن الخزرج الانصاري الخزرجي: ممن شهد العقبة وبدر، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله. آخى النبي بينه وبين عبد الله بن مسعود، روى عن النبي وروى عنه عمر وابنه عبد الله وأبو قتادة وأنس بن مالك وأبو أمامة وأبو ليلى وغيرهم. مات في طاعون عمواس سنة 18 ه‍. وقيل: في غيرها. أسد الغابة 4: 376، تذكرة الحفاظ 1: 19، شذرات الذهب 1: 29.
(4) الرواية عن عبد الله بن زيد، والذي روى عن معاذ، إنه قال: إذا أكل أحدنا مما غيرت النار غسل يديه وفاه فكنا نعد هذا وضوءا. مجمع الزوائد 1: 249.

[ 188 ]

بالوضوء عن الغسل. الثاني: لو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد خلقة، انتقضت الطهارة بخروج الحدث منه إجماعا لأنه مما أنعم به. وكذا لو انسد المعتاد وانفتح غيره أما لو انفتح مخرج آخر والمعتاد على حاله، فإن صار معتادا، فالأقرب مساواته له في الحكم، وإن كان نادرا، فالوجه أنه لا ينقض. ولو خرج الريح من الذكر لم ينقض، لأنه غير معتاد، ولان ما خرج منه لا يسمى ضرطة ولا فسوة، ولأنه لا منفذ له إلى الجوف. أما المرأة: فالأقرب أن ما يخرج من قبلها من الريح كذلك، وإن كان لها منفذ إلى الجوف بناءا على المعتاد. وأما ما يخرج من الفم كالجشاء، فلا ينقض إجماعا، ولو خرج البول من الاقلف حتى صار في قلفته نقض. الثالث: ما يخرج من السبيلين غير البول والغائط والريح والمني. والدماء الثلاثة لا تنقض الطهارة سواء كان طاهرا كالدود أو نجسا كالدم، وهكذا لو استدخل دواءا كالحقنة وغيرها، إلا أن يستصحب شيئا من النواقض، فيكون الحكم له. ووافق مالك أصحابنا في الدود والحصى والدم (1). وقال الشافعي (2)، وأبو حنيفة، وأصحابه (3)، والثوري والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إن جميع ذلك ناقض (4). لنا: ما ذكرنا من الروايات، وأيضا: ما رواه الشيخ، عن محمد بن يعقوب، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن الرجل يخرج منه مثل حب القرع، قال: (ليس عليه وضوء) قال محمد بن يعقوب: وروي (إذا كانت متلطخة

(1) بداية المجتهد 1: 34، عمدة القارئ 3: 47، المجموع 2: 7، المغني 1: 192، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 12.
(2) الأم 1: 17.
(3) بداية المجتهد 1: 34.
(4) المجموع 2: 7، عمدة القارئ 3: 47.

[ 189 ]

بالعذرة، أعاد الوضوء) (1). وروى عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الرجل يكون في الصلاة فيخرج منه مثل حب القرع فكيف يصنع؟ قال: (إن كان خرج نظيفا من العذرة، فليس عليه شئ ولم ينقض وضوؤه، وإن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء، وإن كان في صلاته قطع الصلاة وأعاد الوضوء والصلاة) (2). وروى حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يسقط منه الدواب وهو في الصلاة، قال: (يمضي في صلاته ولا ينقض ذلك وضوءه) (3). وروى عبد الله بن يزيد (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ليس في حب القرع والديدان الصغار وضوء ما هو إلا بمنزلة القمل) (5). وروى محمد بن يعقوب في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يستدخل الدواء ثم يصلي وهو معه، أينقض الوضوء؟ قال: (لا ينقض الوضوء ولا يصلي حتى يطرحه) (6) ولان الأصل الطهارة، فيستصحب ما لم يثبت الناقض، ولان النقض حكم شرعي، فيقف على الشرع، ولأنه لو نقض الخارج من السبيلين، لنقض الخارج من غيرهما، وبالاتفاق التالي باطل في الظاهر، فالمقدم مثله.

(1) الكافي 3: 36 حديث 5، الوسائل 1: 183 الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1، 2. لم يورد الشيخ هذه الرواية في كتابي الأخبار. (2) التهذيب 1: 11 حديث 20، الاستبصار 1: 82 حديث 258، الوسائل 1: 184 الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5.
(3) التهذيب 1: 11 حديث 21 الاستبصار 1: 81 حديث 255، الوسائل 1: 184 الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5.
(4) عبد الله بن يزيد الفزاري الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) وروى عنه. رجال الطوسي: 299، جامع الرواة 1: 518، تنقيح المقال 2: 224.
(5) الكافي 3: 36 حديث 4، التهذيب 1: 12 حديث 22، الاستبصار 1: 82 حديث 256، الوسائل 1: 183 الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(6) الكافي 3: 36 حديث 7، الوسائل 1: 206 الباب 16 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.

[ 190 ]

الرابع: المذي: والوذي وقد اتفق علماؤنا على أنهما غير ناقضين، وانهما طاهران. وخالف جميع الجمهور في ذلك (1). لنا: ما تقدم من الروايات الدالة على انحصار النواقض فيما ذكرناه (2). وأيضا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زيد الشحام، وزرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن سال من ذكرك شئ من مذي فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة، كل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل) (3). وفي رواية حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الودي لا ينقض الوضوء، إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق) (4). وأيضا: روى الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ليس في المذي من الشهوة، ولا من الانعاظ، ولا من القبلة، ولا من مس الفرج، ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد) (5) وروي في الصحيح عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المذي؟ فقال: (إن عليا كان رجلا مذاءا واستحيى أن يسأل رسول الله صلى الله عليه

(1) سنن الترمذي 1: 196، 197، الأم 1: 39، نيل الاوطار 1: 62، المدونة الكبرى 1: 12، المبسوط للسرخسي 1: 67، عمدة القارئ 3: 217، مجمع الزوائد 1: 284، الموطأ 1: 40، المحلى 1: 232.
(2) راجع ص 183. (3) التهذيب 1: 21 حديث 52، الاستبصار 1: 94 حديث 205، الوسائل 1: 196 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2 - بتفاوت يسير.
(4) التهذيب 1: 21 حديث 51، الاستبصار 1: 94 حديث 304، الوسائل 1: 198 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 15.
(5) التهذيب 1: 19 حديث 47، الاستبصار 1: 93 حديث 300 وص 174، حديث 605، الوسائل 1: 191. الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.

[ 191 ]

وآله لمكان فاطمة، فأمر المقداد (1) أن يسأله وهو جالس، فسأله، فقال له النبي: (ليس بشئ) (2). وروى عمر بن حنظلة (3)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المذي؟ فقال: (ما هو عندي إلا كالنخامة) (4) وفي طريقها ابن فضال. وروى عنبسة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (كان علي عليه السلام لا يرى في المذي وضوءا ولا غسل ما أصاب الثوب منه إلا في الماء الأكبر) (5) وفي طريقها معلى بن محمد (6)، وهو مضطرب الحديث والمذهب، فالتعويل على الروايات الصحيحة، ولان الأصل الطهارة. لا يقال: روى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت

(1) المقداد بن الاسود الكندي، وكان اسم أبيه عمرو البهراني أو البهراوي وكان الاسود بن عبد يغوث قد تبناه فنسب إليه، يكنى أبا سعيد، من أصحاب رسول الله وأمير المؤمنين ثاني الاركان الأربعة، عظيم القدر، شريف المنزلة، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وثاقته بين الخاصة والعامة أشهر من أن تحتاج إلى بيان، وكفى في فضله ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (إن الله أمرني بحب أربعة.. منهم المقداد)، توفي بالجرف، وهو على ثلاثة أميال من المدينة وحمل على الرقاب حتى دفن بالبقير سنة 33 ه‍. رجال الطوسي: 27، 57، رجال العلامة: 169، الاصابة 3: 454، أسد الغابة 4: 404.
(2) التهذيب 1: 17 حديث 39، الاستبصار 1: 91 حديث 292، الوسائل 1: 197 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 7.
(3) عمر بن حنظلة العجلي: أبو الصخر، عده الشيخ تارة من أصحاب الباقر (ع)، وقال: هو وعلى ابنا حنظلة، وأخرى من أصحاب الصادق بعنوان: عمرو - بالواو - وبعنوان عمر بن حنظلا العجلي البكري الكوفي، واستظهر العلامة المامقاني وثاقته من رواية الكافي 3: 275 حديث 1 في قوله: (إذا لا يكذب علينا)، ومن رواية التهذيب 3: 16 حديث 75 في قوله: (أنت رسولي إليهم في هذا) وغيره. رجال الطوسي: 131، 251، 268، تنقيح المقال 2: 342.
(4) التهذيب 1: 17 حديث 38، الاستبصار 1: 91 حديث 291، الوسائل 1: 197 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 8.
(5) التهذيب 1: 17 حديث 41، الاستبصار 1: 91 حديث 294.
(6) معلى بن محمد البصري: أبو الحسن، ضعفه النجاشي والعلامة بأنه مضطرب الحديث والمذهب، وعده الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عنهم. رجال النجاشي: 418، رجال الطوسي: 515، رجال العلامة: 259.

[ 192 ]

الرضا عليه السلام عن المذي، فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه في سنة أخرى، فأمرني بالوضوء وقال: (إن علي بن أبي طالب عليه السلام أمر المقداد بن الاسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله واستحيى أن يسأله، فقال: فيه الوضوء) (1). لأنا نقول: قال الشيخ: وهذا خبر شاذ، فيحمل على الاستحباب، لما روى الحسين بن سعيد في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن المذي، فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه سنة أخرى، فأمرني بالوضوء منه، وقال: (إن عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحيى أن يسأله فقال: فيه الوضوء، قلت: فإن لم أتوضأ؟ قال: لا بأس) (2) ولا شك في أن الراوي، إذا روى الحديث تارة مع زيادة وتارة بدونها، عمل على تلك الزيادة إذا لم تكن مغيرة، وتكون بمنزلة الروايتين. لا يقال: الزيادة هنا مغيرة لأنها تدل على الاستحباب، مع أن الخبر الأول الخالي عنها يدل على الوجوب. لأنا نقول: هذا ليس بتغيير، بل هو تفسير لما دل عليه لفظ الأمر الأول، لأنه لو كان مغيرا، لكان الخبر المشتمل على الزيادة متناقضا، وليس كذلك اتفاقا، قال: ويحمل أيضا على المذي الذي تقارنه (3) الشهوة ويكون كثيرا يخرج عن المعتاد لكثرته، ويدل عليه: ما رواه علي بن يقطين في الصحيح، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن المذي أينقض الوضوء؟ قال: (إن كان من شهوة نقض (4)). أقول: ويحمل المذي ها هنا على المني، لأنه من توابعه، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم كثير.

(1) التهذيب 1: 18 حديث 42، الاستبصار 1: 92 حديث 295، الوسائل 1: 199 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 17.
(2) التهذيب 1: 18 حديث 43، الاستبصار 1: 92 حديث 296.
(3) " خ " " ن ": يقاربه.
(4) التهذيب 1: 19 حديث 45، الاستبصار 1: 93 حديث 298، الوسائل 1: 198 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 11.

[ 193 ]

لا يقال: روى الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان، عى أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ثلاث يخرجن من الاحليل وهن: المني فمنه الغسل، والودي فمنه الوضوء، لأنه يخرج من دريرة البول، قال: والمذى ليس فيه وضوء، إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف) (1) فهذا يدل على وجوب الوضوء من الودي. لأنا نقول: يحمل على ما إذا لم يكن استبرأ من البول، فإنه لا ينفك عن ممازجة أجزاء من البوال، ويدل عليه: التعليل الذي ذكره عليه السلام. لا يقال: روى الشيخ في الصحيح، عن يعقوب بن يقطين (2)، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يمذي وهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة؟ قال: (المذي منه الوضوء) (3) فهذا يدل على إيجاب الوضوء من المذي مطلقا، ولا يمكن تأويله بما ذكرتم أولا. لأنا نقول: المراد منه، التعجب جمعا بين الأدلة، هذا تأويل الشيخ في التهذيب، ويمكن حمله على الاستحباب أيضا. مسألة: قال علماؤنا: النوم الغالب على السمع والبصر ناقض للوضوء، سواء كان قائما أو قاعدا، أو راكعا أو ساجدا، في حال الصلاة أو في غيرها. وهو مذهب المزني (4)، وإسحاق، وأبي عبيد (5).

(1) التهذيب 1: 20 حديث 49، الاستبصار 1: 94 حديث 302، الوسائل 1: 198 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 14.
(2) يعقوب بن يقطين، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الرضا (ع) ووثقه. وكذلك العلامة في رجاله في ترجمة يعقوب بن يزيد. رجال الطوسي: 395، رجال العلامة: 186، تنقيح المقال 3: 332.
(3) التهذيب 1: 21 حديث 53، الاستبصار 1: 95 حديث 306، الوسائل 1: 199 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء حديث 16.
(4) الأم (مختصر المزني) 8: 3، نيل الاوطار 1: 239، عمدة القارئ 3: 109، تفسير القرطبي 5: 221، المجموع 2: 17.
(5) نيل الاوطار 1: 239، عمدة القارئ 3: 109، المجموع 2: 17.

[ 194 ]

وقال ابن بابويه من أصحابنا: الرجل يرقد قاعدا أنه لا وضوء عليه ما لم ينفرج (1). وقال الشافعي: إذا نام قاعدا ممكنا مقعدته من الارض، لم ينقض (2). وحكي عن أبي موسى الاشعري (3)، وأبي مجلز (4)، وحميد الاعرج (5)، أنهم قالوا: النوم لا ينقض الوضوء على سائر الاحوال (6). ونقله ابن الصباغ (7) في الشامل عن الامامية وهو غلط في النقل (8).

(1) الفقيه 1: 38. (2) الأم 1: 12، نيل الاوطار 1: 240، بداية المجتهد 1: 36، عمدة القارئ 3: 110، المحلى 1: 225، بدائع الصنائع 1: 31، المغني 1: 197، المجموع 2: 15، المهذب 1: 23.
(3) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الاشعري، أبو موسى، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي (ع) ومعاذ وابن مسعود وعمار وغيرهم، وروى عنه أولاده وإبراهيم وموسى وأبو بردة وأبو بكر، وامرأته أم عبد الله وغيرهم. مات بالكوفة سنة 42 ه‍، وقيل: 44 ه‍، وقيل غير ذلك، الاصابة 2: 359، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 371، أسد الغابة 3: 245 و 5: 308.
(4) أبو مجلز: لاحق بن حميد البصري، أحد علماء البصرة، لقي كبار الصحابة كابن عباس وروى عنه، كان عاملا على بيت المال وعلى ضرب السكة زمن عمر بن عبد العزيز، مات سنة 106 ه‍. العبر 1: 99، شذرات الذهب 1: 134.
(5) حميد بن قيس المكي المقرئ الاعرج: أبو صفوان مولى بني أسد بن عبد العزى، روى عن مجاهد ومحمد بن إبراهيم التيمي وجماعة، روى عنه مالك والزنجي وغيرهم، مات سنة 130 ه‍. ميزان الاعتدال 1: 615، الجرح والتعديل 3: 227. (6) المغني 1: 196 المجموع 2: 17. نيل الاوطار 1: 239 عمدة القارئ 3: 109، تفسير القرطبي 5: 221، المبسوط للسرخسي 1: 78، أحكام القرآن لابن العربي 2: 559.
(7) أبو نصر بن الصباغ عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد الفقيه البغدادي الشافعي مؤلف كتاب الشامل في الفقه، تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد بعد أبي إسحاق، روى عن محمد بن الحسين القطان وأبي علي بن شاذان. ولد سنة 400 ه‍. ومات سند 477 ه‍. العبر 2: 337، شذرات الذهب 3: 355.
(8) لم نعثر على كتابه أو من نسب إليه القول. وقد نقل الشوكاني هذا القول في نيل الاوطار 1: 239، عن شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 454، وهو غلط أيضا، لأن النووي قال: (وهذا محكي عن أبي موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الاعرج وشعبة) ولعل الغلط نشأ من إشتباه كلمة: (شعبة) ب‍: (شيعة) وبهذا ظهر عدم صحة ما نقل في المجموع 2: 17 عن القاضي أبي الطيب من نسبة القول إلى الشيعة.

[ 195 ]

وقال أبو حنيفة: لو نام في الصلاة قائما أو قاعدا، أو راكعا أو ساجدا، غلبه النوم أو تعمد، وعلى كل حال، لم ينقض وضوؤه (1)، وكذا لو نام خارج الصلاة قائما أو قاعدا، متمكنا أو ركعا أو ساجدا. أما لو نام متوركا أو مضطجعا انتقض وضوؤه. وبه قال داود (2). وقال مالك: النوم قاعدا إذا طال حدث (3). وقال أحمد بن حنبل: نوم المضطجع ينقض كثيرة وقليله، ونوم القاعد إن كان كثيرا نقض وإلا فلا. ونوم القائم والراكع والساجد فيه روايتان: إحداهما: ينقض، والأخرى: لا ينقض (4). لنا: النص والمعقول، أما النص، فقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " (5) نقل المفسرون أجمع أن المراد بها: إذا قمتم من النوم (6)، وهذا يقتضي الوجوب على الاطلاق. وأيضا: روى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (العين وكاء (7) السه (8)،

(1) بداية المجتهد 1: 36، نيل الاوطار 1: 240، أحكام القران لابن العربي 2: 560، عمدة القارئ 3: 109، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 454، بدائع الصنائع 1: 31، المجموع 2: 18، الهداية للمرغيناني 1: 15، المحلى 1: 234 المغني 1: 198 شرح فتح القدير 1: 43، المبسوط للسرخسي 1: 78. (2) المجموع 2: 18، المحلى 1: 224، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 454، نيل الاوطار 1: 240، عمدة القارئ 3: 109.
(3) المدونة الكبرى 1: 9، مقدمات ابن رشد 1: 44، بداية المجتهد 1: 37، تفسير القرطبي 5: 221، المغني 1: 197، المبسوط للسرخسي 1: 78.
(4) المغني 1: 197 - 198، الانصاف 1: 199، الكافي لابن قدامة 1: 53، عمدة القارئ 3: 109 - 110، نيل الاوطار 1: 240 - 241، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 454.
(5) المائدة: 6.
(6) التبيان 3: 448، تفسير الطبري 6: 112، أحكام القرآن للجصاص 3: 333.
(7) الوكاء - بالكسر والمد -: خيط يشد به الصرة والكيس والقربة ونحوها. النهاية لابن الاثير 5: 222.
(8) السه، حلقه الدبر، وهو من الاست، وأصلها: سته، بوزن: فرس. النهاية لابن الاثير 3: 429.

[ 196 ]

فمن نام فيتوضأ) (1). وفي حديث آخر: (العينان وكاء السه، وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) (2). وروى صفوان المرادي (3) أن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا بأن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إذا كنا سفرا إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم (4). عطف مطلق النوم على البول والغائط الحدثين فكان المطلق حدثا. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (لا ينقض الوضوء إلا ما يخرج من طرفيك أو النوم) (5). وما رواه في الحسن، عن عبد الحميد بن عواض (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: (من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات، فعليه الوضوء) (7).

(1) سنن أبي داود 1: 52 حديث 203، سنن ابن ماجة 1: 161 حديث 477، سنن البيهقي 1: 118، سنن الدار قطني 1: 161 حديث 5. كنز العمال 9: 342، ومعنى الحديث: إن الانسان مهما كان مستيقظا، كانت إسته كالمشدودة الموكي عليها، فإذا نام انحل وكاؤها، كنى بهذا اللفظ عن الحدث وخروج الريح.
(2) سنن الدارمي 1: 184، كنز العمال 9: 342، مسند أحمد 4: 97. سنن البيهقي 1: 118، سنن الدار قطني 1: 160 حديث 2. (3) صفوان بن عسال المرادي من بني الربض بن زاهر بن عامر بن عوسان بمر مراد، سكن الكوفة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه عبد الله بن مسعود وزر بن حبيش وعبد الله بن سلمة. الاصابة 2: 189، أسد الغابة 3: 24.
(4) سنن الترمذي 1: 159 حديث 96، سنن ابن ماجة 1: 161 حديث 478، سنن النسائي 1: 83، سنن البيهقي 1: 118 - في الجميع بتفاوت يسير.
(5) التهذيب 1: 6 حديث 2، الاستبصار 1: 79 حديث 244، الوسائل 1: 179 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
(6) عبد الحميد بن عواض - وقيل: غواض، وقيل غير ذلك - الطائي الكسائي الكوفي، وثقة الشيخ والعلامة، من أصحاب الامام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. رجال الطوسي 128، 235، 353، رجال العلامة: 116، تنقيح المقال 3: 136.
(7) التهذيب 1: 6 حديث 3، الاستبصار 1: 79 حديث 247، الوسائل 1: 6 حديث 3، الاستبصار 1: 79 حديث 247، الوسائل 1: 180 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.

[ 197 ]

وروي في الصحيح، عن محمد بن عبد الله (1)، وعبد الله بن المغيرة، قالا: سألنا الرضا عليه السلام عن الرجل ينام على دابته؟ فقال: (إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء) (2). وروي في الصحيح، عن إسحاق بن عبد الله الاشعري (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث) (4). وقد ذكرنا في كتاب (استقصاء الاعتبار في تحرير معاني الأخبار) وجه الاستدلال من هذا الحديث وما فيه من المباحث اللطيفة، ومع ذلك فلا نخلي هذا الكتاب عن بعضها، فنقول: في الظاهر أن هذا الحديث يدل على أن النوم ناقض، وإذا اعتبر بنوع من الاعتبار، ورد عليه الإشكال من حيث خروجه عن شرائط القياس. فنقول: وجه الاستدلال منه أن كل واحد من أنواع الحدث اشترك مع غيره منها في معنى الحدث (5)، وامتاز عنه بخصوصيته، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، وغير داخل فيه، فماهية الحدث من حيث هي مغايرة لتلك الخصوصيات، والامام عليه السلام حكم باستناد (6) النقص إلى الحدث الذي هو المشترك، فلا يكون لقيد الخصوصيات مدخل في

(1) كذا في النسخ، وفي المصدر: محمد بن عبيد الله، وهو ابن أبي نصر، روي عن الرضا، وعنه أحمد بن محمد بن عيسى، ويحتمل اتحاده مع محمد بن عبد الله بن عيسى الاشعري القمي الذي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا ووثقه بقرينة إتحاد الراوي عنه، وذكره العلامة المامقاني من غير توصيف، وقال: لم يعلم حاله. رجال الطوسي: 389، جامع الرواة 2: 147، تنقيح المقال 3: 149.
(2) التهذيب 1: 6 حديث 4، الاستبصار 1: 79 حديث 245، الوسائل 1، 180 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
(3) إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري القمي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق (ع). رجال النجاشي: 73، رجال الطوسي: 107، 149، تنقيح المقال 1، 114.
(4) التهذيب 1: 6 حديث 5، الاستبصار 1: 79 حديث 246، الوسائل 1: 180 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(5) في " ح ": الحدثية.
(6) " ح " " ق ": باسناد.

[ 198 ]

ذلك التأثير، وحكم بأن تلك الماهية التي هي علة موجودة في النوم، والعقل قاض بأن المعلول لا يتخلف عن علته، فلا جرم، كان النوم ناقضا. لا يقال: يعارض ما ذكرتم من الأثر بما رواه الشيخ، عن عمران بن حمران (1)، إنه سمع عبدا صالحا يقول: (من نام وهو جالس لا يتعمد النوم، فلا وضوء عليه) (2). وما رواه عن بكر بن أبي بكر الحضرمي (3)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: (كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، وإن نام مضطجعا فعليه الوضوء) (4). لأنا نقول: نمنع أولا صحة سند الحديث، فإن عمران بن حمران لا يعرف حاله، وبكر بن أبي بكر كذلك. وثانيا: يحمل ذلك على ما إذا لم يغلب النوم على العقل، لما رواه في الصحيح، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة؟ فقال: (إن كان لا يحفط حدثا منه إن كان، فعليه الوضوء وإعادة الصلاة وإن كان يستيقن أنه لم يحدث، فليس عليه وضوء ولا إعادة) (5). وروي في الصحيح، عن زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام (5) عن الخفقة

(1) عمران بن حمران الاذرعي من أهل أذرعات، روى عن أبي عبد الله. قاله النجاشي، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق قائلا بأنه روى عن أبي الحسن أيضا، واستظهر المامقاني كونه إماميا. وقال: لم أقف فيه على مدح يدرجه في الحسان. رجال النجاشي: 292، رجال الطوسي: 256، تنقيح المقال 2: 350.
(2) التهذيب 1: 7 حديث 6، الاستبصار 1: 80 حديث 248، الوسائل 1: 132 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 14.
(3) بكر بن أبي بكر عبد الله بن محمد الحضرمي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق، واستظهر المامقاني كونه إماميا. وقال: إلا أنه مجهول الحال. رجال الطوسي: 157، تنقيح المقال 1: 177.
(4) التهذيب 1: 7 حديث 7، الاستبصار 1: 80 حديث 249، الوسائل 1: 182 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 15.
(5) التهذيب 1: 7 حديث 8، الاستبصار 1: 80 حديث 250، الوسائل 1: 180 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6

[ 199 ]

والخفقتين؟ فقال: (ما أدري ما الخفقة والخفقتان، إن الله يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة " (1) إن عليا كان يقول: من وجد طعم النوم، فإنما أوجب عليه الوضوء) (2). وروي في الصحيح، عن زرارة، قال قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: (يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن، فإذا نامت العين والأذن والقلب، وجب الوضوء) قلت: فإن حرك إلى جنبه شئ ولم يعلم به؟ قال: (لا حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر [ بين ] (3) وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر) (4). وأما المعقول: فهو أن النوم سبب لخروج الحدث بواسطة ذهاب وكاء السه، فصار كالنوم متوركا ومضطجعا. وأيضا: النوم غالب على العقل ومزيل للتمييز، فأشبه الاغماء، ولما كان المقيس عليه ناقضا على كل حال، فكذا المقيس. احتج أبو حنيفة (5) بما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (لا وضوء على من نام قائما أو راكعا أو ساجدا، إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإذا اضطجع استرخت مفاصله) (6). وما رواه ابن عباس أيضا، قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله نام وهو ساجد حتى غط ونفخ، ثم قام فصلى، فقلت: يا رسول الله، صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: (إنما

(1) القيامة: 14.
(2) التهذيب 1: 8 حديث 10، الاستبصار 1: 80 حديث 252، الوسائل 1، 181 الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث 8.
(3) في النسخ: يقين، وما أثبتناه، من المصدر.
(4) التهذيب 1: 8 حديث 11 الوسائل 1: 174 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
(5) بدائع الصنائع 1: 31، المحلى 1: 225، أحكام القرآن لابن العربي 2: 560، بداية المجتهد، 37، الهداية للمرغيناني 1: 15، المبسوط للسرخسي 1: 78.
(6) مسند أحمد 1: 256، نيل الاوطار 1: 243 - بتفاوت يسير.

[ 200 ]

الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) (1). وما رواه حذيفة بن اليمان، قال بينما أنا جالس في صلاتي إذا رقدت، فوضع إنسان يده على كتفي وإذا النبي صلى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله علي من هذا وضوء؟ فقال: (لا حتى تضع جنبيك) (2). وما رواه أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ملائكته، فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في طاعتي) (3) فلو كان النوم ناقضا لخرج عن كونه طائعا. واستدل الشافعي (4) بما رواه أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا ينامون ثم يقومون يصلون ولا يتوضؤن (5). والجواب عن الحديث الأول من وجهين: أحدهما: الطعن في السند، فإن رواية أبو خالد الدالاني (6)، عن قتادة (7)، عن أبي

(1) سنن أبي داود 1: 52 حديث 202، سنن الترمذي 1: 111 حديث 77، البيهقي 1: 121، سنن الدار قطني 1: 159 حديث 1.
(2) سنن البيهقي 1: 120، نيل الاوطار 1: 244، وفيهما: جنبك. (3) المبسوط للسرخسي 1: 79، بدائع الصنائع 1: 31، نيل الاوطار 1: 240.
(4) الأم 1: 12، المغني 1: 197، المجموع 2: 19، المهذب للشيرازي 1: 23.
(5) صحيح مسلم 1: 284 حديث 125، سنن الترمذي 1: 113 حديث 78، سنن البيهقي 1: 120، سنن الدار قطني 1: 131 حديث 3.
(6) يزيد بن عبد الرحمن الدالاني: أبو خالد الاسدي من أهل واسط كان نازلا في بني دالان فنسب إليهم، روى عن عون بن أبي جحيفة وإبراهيم السكسكي وعمرو بن مرة وقتادة. وروى عنه الثوري وشعبة وعبد السلام بن حرب، ضعفه ابن حبان، وقال: كثير الخطأ، فاحش الوهم. ميزان الاعتدال 4: 432، الجرح والتعديل 9: 277، المجروحين لابن حبان 3: 105، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3: 210.
(7) أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري، كان أعمى، روى عن أنس وعبد الله بن سرجس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، وعنه أبو حنيفة وأيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم. ولد سنة 60 ه‍، ومات سنة 117 ه‍ وقيل: 118 ه‍. العبر 1: 112، تذكرة الحفاظ: 122، طبقات الحفاظ: 51، شذرات الذهب 1: 153.

[ 201 ]

العالية (1)، عن ابن عباس، وأبو خالد لم يلق قتادة. وقال شعبة (2) وغيره: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث أو ثلاثة، وليس هذا الحديث منها (3). وقيل: إن قتادة كان مدلسا (4)، قال ابن سيرين: حدث عمن شئت إلا عن الحسن وأبي العالية لأنهما لم يكونا يباليان عمن أخذا (5). الثاني: إنه مع التسليم فهو غير حجة، لأنه عليه السلام نص على الاضطجاع ونص على العلة التي هي الاسترخاء، وذلك يقتضي تعميم الحكم في جميع موارد صور العلة، وهذان جوابان عن الثاني. وعن الثالث: يجوز أن يكون حذيفة غير مستغرق في النوم بحيث يغيب عن مشاعره الاحساس وليس في حديثه أن رقاده انتهى إلى ذلك. لا يقال: تعليق الايجاب بوضع الجنب إلى الارض يقتضي السلب في غيره. لأنا نقول: التعليق هنا خرج مخرج الاغلب، فلا يدل على النفي في غيره إجماعا كما في النهي عن الاكراه عند إرادة التحصن. وعن الرابع بوجوه: أحدها: إن السجود قد يكون في الصلاة وفي غيرها، وليس في الحديث

(1) رفيع بن مهران البصري: أبو العالية الرياحي الفقهية المقرئ مولى امرأة من بني رياح، أدرك رسول صلى الله عليه وآله في الجاهلية وأسلم بعد وفاته بسنتين، روى عن علي (ع) وعائشة وابن مسعود، وروى عنه قتادة وخالد الحذاء وداود بن أبي هند والربيع وغيرهم. مات سنة 93 ه‍. وقيل: 92 ه‍، وقيل: 106. ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 16، العبر 1: 81، طبقات الحافظ: 29.
(2) أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الازدي الواسطي شيخ البصرة، هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين: روى عن معاوية بن قرة والأزرق بن قيس وأنس وابن سيرين وقتادة، وروى عنه الاعمش وأيوب وابن إسحاق والثوري وغيرهم. ولد سنة 82 ه‍. ومات سنة 160 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 193، العبر 1: 180، طبقات الحفاظ: 89، شذرات الذهب 1: 247.
(3) انظر: سنن أبي داود 1: 52، هامش سنن الدار قطني 1: 160 سنن البيهقي 1: 121، المغني 1: 198، المحلى 1: 226.
(4) تذكرة الحفاظ 1: 123. (5) انظر: سنن الدار قطني 1: 171، شرح فتح القدير 1: 44.

[ 202 ]

إشعار بذكر الصلاة. والثاني: إن قوله: (وجسده في طاعتي) لا يمكن حمله على حالة النوم، بل يكون إشارة إلى حاله قبل النوم، لأنه في تلك الحال خرج عن أن يكون مكلفا. الثالث: إنه قد روي هذا الحديث بغير هذه العبارة، فإنه قد روي (روحه عندي وجسده بين يدي) (1) وحينئذ لا دلالة. وحديث الشافعي ضعيف، لأن رواية أنس على النفي غير مقبولة. ولان قوله: ينامون، حكاية حال، فلا يعم، فجاز أن يكون المراد بذلك غير الغالب. ولأنه حكاية عن حال خفية عنه استدل عليها بظاهر فعلهم، فأمكن أن يظن نوما ما ليس بنوم. فروع: الأول: السنة غير ناقضة، والمراد منها ابتداء النعاس، لأنه في تلك الحال لا يسمى نائما، ولان النقض مشروط بزوال العقل لرواية أبي الصباح وزرارة وقد تقدمتا (2). الثاني: كلما غلب على العقل من إغماء أو جنون أو سكر أو غيره، ناقض، لا نعرف خلافا فيه بين أهل العلم، لأن النوم الذي يجوز معه الحدث موجب للوضوء، فالاغماء، والسكر أولى. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن معمر بن خلاد (3) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع، [ للوضوء ] (4) يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال؟ قال: (يتوضأ) قلت له: إن الوضوء يشتد عليه؟ فقال: (إذا خفى عنه الصوت فقد وجب عليه الوضوء) (5) علق الحكم بخفاء الصوت فيطرد.

(1) المجموع 2: 13، سبل السلام 1: 62.
(2) في ص 198 - 199.
(3) معمر بن خلاد بن أبي خلاد: أبو خلاد البغدادي: ثقة روى عن الرضا، له كتاب الزهد. رجال النجاشي: 421، رجال الطوسي: 390، الفهرست: 170، رجال العلامة: 169.
(4) في النسخ: للوضوء: وما أثبتناه، من المصدر.
(5) التهذيب 1: 9 حديث 14، الوسائل 1: 182 الباب 4 من أبواب النواقض الوضوء حديث 1.

[ 203 ]

وأجمع العلماء على عدم وجوب الغسل على المغمى عليه. وقال الشافعي: قيل ما جن إنسان إلا أنزل (1)، والمعتمد أنه لا يجب الغسل على المغمى عليه أيضا، لأن ما ذكره الشافعي لم يعلم تحققه. الثالث: لو نام المريض مضطجعا، نقض وضوؤه لما ذكرناه (2). واختلفت الحنفية فيه، فقال بعضهم: ينقض، وقال آخرون: لا ينقض، لأنه بمنزلة القائم والقاعد، وإن اتفقوا على أن النوم كذلك في غير حالة الصلاة ناقض. مسألة: المشهور عند الأصحاب أن الاستحاضة القليلة حدث موجب للوضوء، خلافا لابن أبي عقيل منا (3)، وهو قول أكثر الجمهور (4). وقال ابن أبي عقيل منا: ليس عليها وضوء. وقال داود: ليس على المستحاضة مطلقا وضوء (5). وهو قول ربيعة ومالك (7). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (وإن كان الدم لا يثقب الكرسف، توضأت [ ودخلت

(1) الأم 1: 38، المهذب للشيرازي 1: 23، المجموع 2: 22.
(2) راجع ص 193.
(3) المختلف 1: 40، المعتبر 1: 111.
(4) بدائع الصنائع 1: 24، المغني 1: 191، المجموع 2: 6.
(5) المجموع 2: 535.
(6) المجموع 2: 6 و 535، المغني 1: 389، عمدة القارئ 3: 277.
(7) بدائع الصنائع 1: 24، المجموع 2: 535، المغني 1: 389 فتح العزيز بهامش المجموع 2: 10، شرح فتح القدير 1: 159، المحلى 1: 253، بداية المجتهد 1: 60 عمدة القارئ 3: 277.
(8) بدائع الصنائع 1: 28، المجموع 2: 535، المحلى 1: 252، وبهذا المضمون في: سنن أبي داود 1: 82 حديث 304، سنن الترمذي 1: 220 حديث 136، سنن ابن ماجة 1: 204 حديث 624 و 625، سنن البيهقي 1: 347، نيل الاوطار 1: 346.

[ 204 ]

المسجد ] (1) وصلت كل صلاة بوضوء) (2). وما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (تصلي كل صلاة بوضوء ما لم يثقب الدم) (3) وفي طريقها ابن بكير وإن كان فيه قول، إلا أن أصحابنا شهدوا له بالثقة (4). احتج مالك بقول النبي صلى الله عليه وآله: (وإن قطر الدم على الحصير) (5). والجواب عنه: إن المراد به في الوقت، لأن طهارتها باقية ببقاء الوقت، ولأنا نقول بموجبه، لأنها مكلفة بالصلاة وإن كان الدم يسيل، ولان النبي صلى الله عليه وآله قال في هذا الحديث: (توضئي وصلي) وأيضا: فهو خارج نجس، فصار كالبول. فروع: الأول: لا تجمع المستحاضة بين صلاتين بوضوء واحد سواء كانا فرضين أو أحدهما أو نفلين. وقال الشافعي: تتوضأ لكل فرض ولا تجمع بين فرضين بوضوء، ولها أن تجمع بين فرض ونفل وبين نوافل (6).

(1) أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 170 حديث 484، الوسائل 2: 604 الباب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 1.
(3) التهذيب 1: 169 حديث 483، الوسائل 2: 607 الباب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 9. (4) عبد الله بن بكير بن أعين بن سنسن: أبو علي الشيباني مولاهم، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق، وقال في الفهرست: إنه فطحي إلا أنه ثقة. وعده الكشي تارة من الفطحية، وأخرى ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وقال العلامة في الخلاصة: أنا أعتمد على روايته وإن كان مذهبه فاسدا. رجال النجاشي: 222 رجال الطوسي: 226، الفهرست: 106، رجال الكشي 345، 375، رجال العلامة: 106، تنقيح المقال 2: 171.
(5) سنن ابن ماجة 1: 204 حديث 624، مسند أحمد 6: 42، 204 262، والحديث هكذا: عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: (لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، اجتني الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير).
(6) المجموع 2: 535، مغني المحتاج 1: 112، عمدة القارئ 3: 277، فتح الباري 1: 325، بدائع الصنائع 1: 28، شرح فتح القدير 1: 159، الهداية للمرغيناني 1: 32، المهذب للشيرازي 1: 46.

[ 205 ]

وقال أبو حنيفة وأحمد: تصلى بوضوء واحد ما شاءت من الفرائض والنوافل ما دامت في الوقت (1)، (2). والشيخ في المبسوط اختار قول الشافعي (3). لنا: ما رويناه من حديث زرارة ومعاوية من قولهما عليهما السلام: (تتوضأ لكل صلاة). وما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) (4) ولأنها طهارة ضرورية لكون الحدث مقارنا لها، فيتقدر بقدر الضرورة وهو الصلاة الواحدة. الثاني: لو توضأت قبل دخول الوقت، لم يصح لعدم الضرورة ولقوله عليه السلام: (تتوضأ لكل صلاة). الثالث: لو انقطع دمها بعد الطهارة للبرء وقبل الدخول، استأنف الوضوء. وهو قول الشافعي (5)، لأنه شرع للضرورة وقد زالت، فصارت كالمتيمم، ولو صلت من غير استئناف، أعادت الصلاة (6) لأنها دخلت غير متطهرة سواء عاد الدم قبل الفراغ أو بعده، أما لو انقطع في أثناء الصلاة، فللشافعية وجهان: أحدهما: الاستئناف بعد إعادة الطهارة. والثاني: الاستمرار (7). وأما عندنا، فالوجه عدم الاستئناف، لأنها دخلت في الصلاة دخولا مشروعا قطعا، ولا دليل على إيجاب الخروج، والاستصحاب يدل على وجوب الاتمام، وقوله تعالى: " ولا

(1) المبسوط للسرخسي 2: 17، بدائع الصنائع 1: 28، و 3: 277، الهداية للمرغيناني 1: 32، المجموع 2: 535 فتح الباري 1: 325، شرح فتح القدير 1: 159.
(2) المغني 1: 390، الكافي لابن قدامة 1: 105، الانصاف 1: 379.
(3) المبسوط 1: 68.
(4) تقدم في ص 203.
(5) المجموع 2: 538، المهذب للشيرازي 1: 46، مغني المحتاج 1: 112 فتح الوهاب 1: 37.
(6) في النسخ يوجد: ومع الاستئناف. حذفناها لاستقامة مغني العبارة.
(7) المجموع 2: 538، المهذب للشيرازي 1: 49..

[ 206 ]

تبطلوا أعمالكم " (1). وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم قبل الشروع أو بعده قبل الفراغ فتم ذلك الانقطاع حتى خرج وقت الظهر مثلا انقضت طهارتها، فإذا توضأت للعصر فصلت (2) فاستمر الانقطاع إلى الغروب لم تنتقض طهارتها، بل يجب عليها إعادة الظهر، لأنه انقطع دمها وقت العصر، وبين إنها صلت الظهر بطهارة العذر، والعذر قد زال، فلا يجب عليها إعادة العصر، لأن وجوب الظهر إنما يظهر بعد الغروب (3). فالحاصل أن للمستحاضة عنده وضوءا كاملا وهو ما يحصل والدم منقطع، وحكمه أن يقع عن دم سائل قبل ذلك وعن دم لم يسل في الوقت، ولا يضرها خروج الوقت إذا لم يسل في الوقت. وناقصا وهو الحاصل مع السيلان، وحكمه أن يقع عن دم سائل قبل ذلك وعن دم يسيل في الوقت، ويضرها خروج الوقت سال فيه أو لم يسل. ولها انقطاع كامل كما قلنا في طهارة العصر في الفرض الذي انقطع الدم وقت الظهر واستمر إلى الغروب، وحكمه أن يوجب زوال العذر، ونمنع اتصال الدم الثاني بالدم الأول. وانقطاع ناقص، وهو أن ينقطع دون وقت صلاة كاملة، وحكمه أن لا يوجب زوال العذر، ولا نمنع اتصال الدم الثاني بالدم الأول وحكمه حكم الدم المتصل. الرابع: هل يجب عليها الوضوء عند الصلاة حتى لو أخرت الصلاة غير متشاغلة بها لا تدخل به في الصلاة؟ نص في المبسوط على وجوب الاتصال، قال: لان المأخوذ عليها أن تتوضأ عند كل صلاة (4)، وذلك يقتضي التعقيب، ونحن لم نقف في شئ من أخبارنا على هذا (5) اللفظة، ويمكن أن يقال إنها طهارة ضرورية، فلا تتقدم على الفعل بما يعتد به

(1) محمد: 33.
(2) " م " " ن ": وصلته.
(3) شرح فتح القدير 1: 163، بدائع الصنائع 1: 39 - المبسوط للسرخسي 2: 143.
(4) المبسوط 1: 68.
(5) " ح " " ق ": هذا اللفظ.

[ 207 ]

كالتيمم، ولان الدم حدث فيستبيح بالوضوء ما لا بد منه وهو قدر التهيؤ والصلاة، بل قد وردت هذه اللفظة في الغسل (1). وقد روى الشيخ عن ابن بكير: (فإذا مضى عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت) (2) ولفظة (ثم) للتراخي، إلا أن الرواية ضعيفة السند، وابن بكير لم يسندها إلى إمام، فنحن في هذا من المتوقفين. الخامس: ظهر مما قلنا أن طهارتها تنتقض بدخول الوقت كما تنتقض بخروجه، لا على معنى إنها مرتفعة الحدث، وبالدخول والخروج يزول الارتفاع، بل بمعنى إنها كانت مستبيحة للدخول في الصلاة في وقتها بطهارتها، فإذا خرج وقتها أو دخل وقت أخرى وجب عليها استئناف الطهارة. وهو اختيار أبي يوسف (3). وقال أبو حنيفة، ومحمد: ينتقض بخروج الوقت لا بالدخول (4)، وقال زفر: ينتقض بالدخول لا بالخروج (5). لنا: إنها طهارة ضرورية لمقارنة الحدث فيتقدر بقدر الضرورة، والضرورة متقدرة بالوقت فلا تثبت قبل الوقت ولا بعده. احتج أبو حنيفة ومحمد بأن طهارتها ثبتت للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت فتثبت عند وجود دليل الحاجة، ويزول عند دليل زوال الحاجة، ودخول الوقت دليل الحاجة، وخروجه دليل زوال الحاجة، فكان المؤثر في الانتقاض هو الخروج، وهذا الدليل يقتضي أن لا تتقدم الطهارة على الوقت، إلا أن الحاجة دعت إلى تقديمها على الوقت، لأنها لا تتمكن من أداء الصلاة في أول الوقت إلا بتقديم الطهارة على الوقت حتى تتمكن. والجواب: هذا بناءا على إنها في أول الوقت مخاطبة بفعل الصلاة مع تقديم الطهارة قبله أو مع عدم الطهارة، والقسمان باطلان إجماعا، ومعارض بقوله عليه السلام: (المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة) (6) رواه الحنفية.

(1) انظر: الوسائل 2: 605 الباب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 4.
(2) التهذيب 1: 400 حديث 1251، الاستبصار 1: 137 حديث 470. (3 - 4 - 5) الهداية للمرغيناني 1: 33، بدائع الصنائع 1: 28، شرح فتح القدير 1: 161.
(6) بدائع الصنائع 1: 28، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 159.

[ 208 ]

وفائدة الخلاف تظهر في موضعين: أحدهما: إذا توضأت بعد الفجر ثم طلعت الشمس، انتقض عندنا وعند الثلاثة (1)، وقال زفر: لا ينتقض لعدم دخول الوقت، لأن ذلك الوقت مهمل إلى الزوال (2). الثاني: إذا توضأت بعد طلول الشمس، انتقض وضوؤها بالزوال عندنا، وعند أبي يوسف وزفر، خلافا لأبي حنيفة ومحمد (3)، وفي غير هذين لا فائدة، فإنه لا يخرج وقت إلا بدخول آخر، فتنتقض الطهارة على المذاهب الثلاثة. مسألة: لا يوجب الوضوء وحده شئ سوى ما ذكرناه، لما تقدم من الاحاديث الدالة على الحصر، وقد ذكر المخالفون أشياء توجب الوضوء. الأول: مس القبل والدبر سواء كان له أو لغيره، امرأة أو رجلا، بشهوة أو بغيرها، باطنا أو ظاهرا، لا يوجب الوضوء. وهو مذهب الشيخين (4) والسيد المرتضى (5) وأتباعهم (6). وقال ابن بابويه: من مس باطن ذكره بإصبعه أو باطن دبره، انتقض وضوؤه (7). وقال ابن الجنيد: من مس ما انضم عليه الثقبان نقض وضوؤه، ومن مس ظاهر الفرج من غيره بشهوة يطهر إذا كان محرما، ومن مس باطن الفرجين فعليه الوضوء من المحرم والمحلل (8). وما اخترناه مذهب ابن عباس، وعطاء وطاوس، والثوري (9)، ونقله الجمهور

(1 - 2 - 3) بدائع الصنائع 1: 28، الهداية للمرغيناني 1: 32، شرح فتح القدير 1: 159.
(4) المفيد في المقنعة: 3، والطوسي في المبسوط 1: 26، والخلاف 1: 22. (5) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 25، جمل العلم والعمل: 52.
(6) كابن زهرة الحلبي في الغنية (الجوامع الفقهية): 549، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 664، وابن البراج في المهذب 1: 49.
(7) الفقيه 1: 39.
(8) نقل قوله في المعتبر 1: 113، والمختلف 1: 17.
(9) المجموع 2: 30، المغني 1: 220، نيل الاوطار 1: 249.

[ 209 ]

عن علي (1) عليه السلام، وعمار بن ياسر (2) وعبد الله بن مسعود (3). وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن (4) أبا حنيفة، قال: إذا باشر امرأته وانتشر وليس بينهما ثوب ومس الفرج الفرج نقض، خرج، شئ أو لم يخرج (5). وهو قول أبي يوسف (6)، والذي نقوله أنه لا ينقض إلا بالايلاج أو بالانزال. وهو قول محمد (7). وقال الشافعي: مس الذكر من نفسه أو من غيره، بالراحة أو بطون الأصابع ناقض، وكذا فرج المرأة وحلقة الدبر في الجديد دون فرج البهيمة، وفي القديم: ينقض ولا أثر للمس بما بين الأصابع وبرؤسها (8)، وأظهر الوجهين عنده أن فرج الميت والصغير كفرج الحي والكبير، وإن الذكر الاشل واليد الشلاء كالصحيحين، وإن محل الجب كالشاخص، قال: ولمس بشرة المرأة الاجنبية ناقض، بشهوة كان اللمس أو بغير شهوة أي موضع كان من بدنها بأي موضع كان من بدنه سوى الشعر (9)، (10). وهو قول ابن مسعود،

(1) المغني 1: 220، نيل الاوطار 1: 244، 249، المبسوط للسرخسي 1: 67.
(2) أبو اليقظان: عمار بن ياسر العبسي أو العنسي، رابع الاركان، وهو وأبوه وأمه من السابقين الاولين إلى الاسلام، صحب النبي وأمير المؤمنين علي (ع) وكان من شرطة الخميس، وفضائله كثير، وكفي في فضله قول النبي صلى الله عليه وآله لما مر به وبأمه وأبيه وهم يعذبوه بالابطح: (صبرا يا آل ياسر، إن موعدكم الجنة) واستشهد يوم صفين في قتال معاوية مع علي (ع) وقد أخبر النبي بقتله، وقال (أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية) أخرجه الترمذي 5: 669 حديث 3800، ومسلم 4: 2236. أسد الغابة 4: 43، العبر 1: 27، تنقيح المقال 2: 320.
(3) نيل الاوطار 1: 249.
(4) " ح " " ق ": لأن.
(5) المغني 1: 220، نيل الاوطار 1: 244، المجموع 2: 30، بدائع الصنائع 1: 29، المبسوط للسرخسي 1: 68. المحلي 1: 248. (6) بدائع الصنائع 1: 29، المبسوط للسرخسي 1: 68، نيل الاوطار 1: 244.
(7) بدائع الصنائع 1: 29، المبسوط 1: 68.
(8) الأم 1: 15، مغني المحتاج 1: 35، بداية المجتهد 1: 39، بدائع الصنائع 1: 30، الأم (مختصر المزني): 4، فتح الوهاب 1: 8.
(9) " م " " ن " " ح " " ق ": الثقبة.
(10) الأم 1: 15، المبسوط للسرخسي 1: 67، المحلى 1: 244، 248، بداية المجتهد 1: 37، بدائع الصنائع 1: 30، المجموع 2: 23، التفسير الكبير 11: 168، تفسير القرطبي 5: 225.

[ 210 ]

وابن عمر، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم (1)، ومكحول، والأوزاعي (2). وفي المحرم والصغيرة والميتة عند الشافعي قولان (3)، ويستوي اللمس سهوا وعمدا، وفي الملموس قولان (4). ولو مس الخنثى من نفسه أحد فرجيه، لم ينتقض عنده لاحتمال زيادته. وإن مس رجل ذكره أو امرأة فرجه انتقض، إذ لا يخلو عن مس أو لمس، وإن مس رجل فرجه أو امرأة ذكره، لم ينتقض لاحتمال الزيادة. ولو مس أحد الخنثيين من الآخر الفرج، والآخر من الأول الذكر، انتقضت طهارة أحدهما لا بعينه، وتصح صلاة واحد منهما، لأن بقاء طهارته ممكن، واليقين لا يرفع بالشك (5). وقال مالك (6) وأحمد (7) وإسحاق: إن لمس المراة بشهوة انتقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينقض (8). وحكاه أبو المنذر، عن النخعي والشعبي (9) والحكم (10)

(1) زيد بن أسلم العدوي مولاهم: الفقيه أبو عبد الله، وقيل: أبو أسامة، لقى ابن عمرو روى عنه، وعن سلمة بن الاكوع، وجابر بن عبد الله، وأنس، وروى عنه مالك، وهشام بن سعد وغيرهم، له تفسير القرآن. مات سنة 136 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 132، العبر 1: 141، شذرات الذهب 1: 149.
(2) المجموع 2: 3، نيل الاوطار 1: 244، المبسوط للسرخسي 1: 67.
(3) المغني 1: 223، بدائع الصنائع 1: 30 المجموع 2: 24، المهذب للشيرازي 1: 23، مغني المحتاج 1: 34.
(4) المجموع 2: 26، بدائع الصنائع 1: 30، المغني 1: 225، مغني المحتاج 1: 35، المهذب للشيرازي 1: 23. (5) المغني المحتاج 1: 36، المجموع 2: 45، المهذب للشيرازي 1: 24.
(6) المدونة الكبرى 1: 13، بداية المجتهد 1: 37، مقدمات ابن رشد 1: 66.
(7) المغني 1: 219، الكافي لابن قدامة 1: 57، الانصاف 1: 211.
(8) تفسير القرطبي 5: 224، المغني 1: 219.
(9) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن معبد الشعبي الحميري، كوفي من شعب همدان ينسب إليها، وقيل لمن كان منهم بالكوفة: شعبيون. روى عن أمير المؤمنين علي (ع) وعمران بن حصين وأبي هريرة وابن عباس، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد والأعمش وأبو حنيفة وأبو إسحاق. مات سنة 104 ه‍، وقيل: 103 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 79، العبر 1: 96، شذرات الذهب 1: 126.
(10) أبو محمد الحكم بهن عتيبة الكوفي مولى كندة، أخذ عن أبي جحيفة، وتفقه على إبراهيم النخعي، وروى عنه الأوزاعي وحمزة الزيات وشعبة، مات سنة 115 ه‍، وقيل: 114 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 117، العبر 1: 109، شذرات الذهب 1: 151.

[ 211 ]

وحماد (1)، (2). وقال داود: إن قصد لمس المرأة انتقض، وإن لم يقصد لم ينتقض. وخالفه إبنه، فقال: لا ينتقض بكل حال (3). وقال داود: إذا مس ذكر غيره، لم تنتقض طهارته (4). لنا: بعد ما تقدم: ما رواه الجمهور، عن قيس بن طلق (5)، عن أبيه طلق بن علي (6)، أنه قال: يا رسول الله، ربما أمس ذكري وأنا في الصلاة، هل علي منه (7) وضوء؟ فقال عليه السلام: (لا، هل هو إلا بضعة منك) (8) نفى عليه السلام الوجوب، وذكر علة جامعة بين الذكر والأعضاء. وما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قبل وهو صائم، وقال: (إن القبلة لا تنقض الوضوء، ولا تفطر الصائم، يا حميراء، إن في ديننا لسعة (9)) (10).

(1) أبو إسماعيل: حماد بن أبي سليمان الاشعري مولاهم، صاحب إبراهيم النخعي، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وغيرهم، مات سنة 120 ه‍، وقيل: 119 ه‍. العبر 1: 116، شذرات الذهب 1: 156.
(2) المجموع 2: 30، المغني 1: 219، المحلى 1: 249، تفسير القرطبي 5: 226. وليس فيها حكاية ابن المنذر، بل نقلوها عنهم. (3) المجموع 2: 30.
(4) الشرح الكبير بهامش المغني 1: 217، المغني 1: 204.
(5) قيس بن طلق بن علي بن المنذر الحنفي، روى عن أبيه، وعنه عبد الله بن بدر. أسد الغابة 4: 219، ميزان الاعتدال 3: 397.
(6) طلق بن علي بن طلق بن عمرو، وقيل: ابن علي بن المنذر بن قيس: أبو علي الحنفي اليمامي، من الوفد الذين قدموا علي رسول الله من اليمامة فأسلموا. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعنه إبنه قيس، وابنته خلدة، وعبد الله بن بدر. الاصابة 2: 232، أسد الغابة 3: 63.
(7) " م ": فيه.
(8) سنن أبي داود 1: 46 حديث 182، سنن الترمذي 1: 131 حديث 85، بتفاوت يسير.
(9) " م " " خ ": السعة.
(10) قريب منه في سنن الدار قطني 2: 181 حديث 3.

[ 212 ]

وعنها إنه كان عليه السلام يقبل بعض نسائه وكان يخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ (1). وروى يزيد بن سنان (2)، عن الأوزاعي، عن يحيى (3)، عن أبي سلمة (4)، عن أم سلمة (5): إن النبي صلى الله عليه وآله، كان يقبلها وهو صائم، لا يفطر ولا يحدث وضوءا (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ليس في المذي من الشهوة، ولا من

(1) سنن أبي داود 1: 46 حديث 179، سنن الترمذي 1: 133 حديث 86، سنن ابن ماجة 1: 168 حديث 502، مسند أحمد 6: 210.
(2) يزيد بن سنان: أبو فروة الرهاوي مولى بني تميم، روى عن ميمون بن مهران وزيد بن أبي أنيسة، وروى عنه إبنه محمد ووكيع وأبو أسامة وشعبة وعطاء وغيرهم، مات سنة 155 ه‍. ميزان الاعتدال 4: 427 الجرح والتعديل 9: 266.
(3) أبو نصر يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي واسم أبي كثير: صالح بن المتوكل روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي قلابة وأنس وغيرهم، وروى عنه إبنه عبد الله ومعمر والأوزاعي وهشام الدستوائي وغيرهم مات سنة 129 ه‍. تذكرة الحافظ 1: 128، العبر 1: 130، طبقات الحفاظ للسيوطي: 58.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، روى عن أبيه وعن أسامة وأم سلمة وأبي هريرة وشعبة وابن عباس، وروى عنه إبنه عمر بن أبي سلمة وعروة والشعبي ويحيى بن أبي كثير وأبو الزناد وغيره، مات بالمدينة سنة 94 ه‍، وقيل: 104 ه‍. سير أعلام النبلاء 4: 78، تذكرة الحفاظ 1: 63، طبقات الحفاظ للسيوطي: 30، العبر 1: 83، شذرات الذهب 1: 105.
(5) أم سلمة: هند بنت أبي أمية - واسم أبي أمية: حذيفة، وقيل: سهيل - بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية، زوجة النبي، هاجرت إلى الحبشة ثم إلى المدينة، حالها في الجلالة والاخلاص لأمير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء (ع) والحسنين (ع) أشهر من أن يذكر، وكفى في فضلها إبداع النبي صلى الله عليه وآله إياها تربة سيد الشهداء وإخباره لها بأنها متى فاضت دما فاعلمي أن الحسين قد قتل. عدها الشيخ في رجاله وابن عبد البر في الاستيعاب من الصحابة. روت عن النبي وفاطمة الزهراء. روى عنها إبناها: عمر وزينب، سعيد بن المسيب وأبو سلمة وغيرهم. ماتت سنة 61 ه‍. رجال الطوسي: 32، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 454، أسد الغابة 5: 588، الاصابة 4: 458، تنقيح المقال 3: 72 فصل النساء. (6) مجموع الزوائد 1: 247 - بتفاوت يسير.

[ 213 ]

الانعاظ، ولا من القبلة، ولا من مس الفرج، ولا من المضاجعة وضوء، ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد) (1). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء) (2). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القبلة تنقض الوضوء؟ قال: (لا بأس) (3). لا يقال: روى الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا قبل الرجل المرأة من شهوة أو مس فرجها، أعاد الوضوء) (4). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من مس كلبا، فليتوضأ) (5). لأنا نقول: في طريق الحديثين: عثمان بن عيسى وهو واقفي (6)، فلا تعويل على روايته خصوصا مع وجود الاحاديث الصحيحة الدالة على خلافها، وذلك نعم المعين. على أن الحديث الأول يحمل على الاستحباب، لما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله (7)، قال:

(1) التهذيب 1: 19 حديث 47، الاستبصار 1: 93 حديث 300، الوسائل 1: 191 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
(2) التهذيب 1: 21 حديث 54، الاستبصار 1: 87 حديث 277، الوسائل 1: 192 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(3) التهذيب 1: 23 حديث 58، الاستبصار 1: 88 حديث 279، الوسائل 1: 192 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5.
(4) التهذيب 1: 22 حديث 56، الاستبصار 1: 88 حديث 280، الوسائل 1: 193 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9.
(5) التهذيب 1: 23 حديث 60، الاستبصار 1: 89 حديث 286، الوسائل 1: 195 الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(6) رجال العلامة: 244، رجال النجاشي: 300، رجال الطوسي: 380 الفهرست: 120.
(7) عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري، مولى بني شيبان وأصله كوفي، واسم أبي عبد الله ميمون، وكان ختن الفضيل بن يسار، من أصحاب الصادق (ع)، روى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب، وروى عنه سلمة بن كهيل. وثقه العلامة والنجاشي عند ترجمة ابن إبنه إسماعيل بن همام. رجال الطوسي: 230، رجال النجاشي: 30، رجال العلامة: 113.

[ 214 ]

سألته عن رجل مس فرج امرأته؟ قال: (ليس عليه شئ، وإن شاء غسل يده) (1). ويحمل الحديث الثاني على غسل اليد، لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل؟ قال: (يغسل المكان الذي أصابه) (2). وأيضا: الحدث هو الخارج النجس ولم يوجد، وأيضا: فإن مس ما هو نجس لا يؤثر في الطهارة، فمس الطاهر أولى، ولان مس الذكر بظاهر الكف لا ينقض، فكذا بباطنه كسائر الاعضاء، ولان كل أمر يتعلق بالذكر أوجب أعلى الطهارتين لا يتعلق بمس اليد، فوجب أن يكون الموجب لأصغرهما كذلك، ولأن مس الرجل المرأة لو كان ناقضا، لكان مس الرجل الرجل ينقضه كالوطئ، ولأنه مس لا يؤثر في الصيام، فيجب أن لا ينقض الوضوء (والأصل من مس نفسه) (3). احتج الشافعي (4) بما رواه أبو هريرة، عن النبي عليه السلام أنه قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه حجاب ولا ستر، فليتوضأ) (5). وما رواه (6) بسرة بنت صفوان (7)، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إذا مس

(1) التهذيب 1: 22 حديث 57، الاستبصار 1: 88 حديث 281، الوسائل 1: 192 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6.
(2) التهذيب 1: 23 حديث 61، الاستبصار 1: 90 حديث 287، الوسائل 1: 195 الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(3) كذا في النسخ. ولعل الأنسب: وللأصل فيمن مس نفسه.
(4) الأم 1: 19، مغني المحتاج 1: 35، بدائع الصنائع 1: 30، بداية المجتهد 1: 39، المحلى 1: 37، نيل الاوطار 1: 251.
(5) مسند الشافعي: 12، سنن البيهقي 1: 131، سنن الدار قطني 1: 147 حديث 6، نيل الاوطار 1: 251.
(6) كذا في النسخ، والصحيح: وما روته.
(7) بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى. القرشية الاسدية. وقيل بنت أمية بن محرث من كنانة، جدة عبد الملك بن مروان، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وعنها مروان بن الحكم، وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأم كلثوم بنت عقبة وغيرهم. الاصابة 4: 252، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 249، أسد الغابة 5: 410.

[ 215 ]

أحدكم ذكره، فليتوضأ) (1)، وقوله تعالى: " أو لامستم النساء " (2) وحقيقة اللمس، باليد، ولان مس الفرج بغير حائل سبب لخروج البلل، فأقيم مقام حقيقة الخروج احتياطا. والجواب عن الأول بأن رواية (3) يزيد بن عبد الملك النوفلي (4)، عن أبي موسى الحناط (5)، عن سعيد المقبري (6)، عن أبي هريرة، ويزيد ضعيف عند أهل النقل، وأبو موسى مجهول. وعن الثاني: وهو حديث بسرة أن رواية مروان بن الحكم (7) وكان قد رواه لعروة فلم يرفع عروة بحديثه رأسا فبعثوا شرطيا إلى بسرة فأخبر عنها الشرطي بذلك، وكان إبراهيم

(1) سنن الترمذي 1: 126 حديث 82، سنن أبي داود 1: 46 حديث 181، سنن ابن ماجة 1: 161 حديث 479، سنن الدار قطني 1: 146، سنن البيهقي 1: 130.
(2) النساء: 43، المائدة: 6.
(3) كذا في النسخ، ولعل الصحيح: راويه. (4) أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب النوفلي المدني، روى عن سعيد المقبري ويزيد بن خسيفة، وروى عنه إبنه يحيى ومعن بن عيسى وخالد بن مخلد. مات سنة 165 ه‍. ضعفه البخاري وابن حبان والذهبي وابن أبي حاتم. الضعفاء الصغير للبخاري: 255، المجروحين لابن حبان 3: 102، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3: 210، الجرح والتعديل 9: 278.
(5) لم يضبط الرجل. وليس له ذكر في سند حديث أبي هريرة، إلا أن ابن التركماني نقل في الجوهر النقي بذيل سنن البيهقي عنه إدخال أبي موسى الحناط بين يزيد والمقبري. وقال: هو مجهول. سنن البيهقي 1: 130.
(6) أبو سعيد: سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني مولى بني ليث، روى عن أبيه وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وجبير بن مطعم، وروى عنه إسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنوات. مات سنة 125 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 116، العبر 1: 122، ميزان الاعتدال 2: 139.
(7) مروان بن الحكم بن أبي العاص الاموي يكني أبا عبد الملك، لم ير النبي صلى الله عليه وآله، لأن النبي طرد أباه من المدينة إلى الطائف. أرسل عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وبسرة بنت صفوان، روى عنه إبنه عبد الملك وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، مات سنة 65 ه‍. الاصابة 3: 477، أسد الغابة 4: 348، ميزان الاعتدال 4: 89، العبر 1: 52.

[ 216 ]

الحربي (1) يقول حديث بسرة إنما هو شرطي (2) عن امرأة ورده يحيى (3) بن معين فلم يقبله، ومع التسليم يحمل على غسل اليد مع عدم الاستنجاء. وعن الثالث: إن المراد باللمس، الوقاع مجازا والتيمم المذكور للجنابة على ما اتفق عليه المفسرون. وعن الرابع: إنه ليس بسبب ظاهر بل محتمل. سلمنا، لكن السبب إنما يقوم مقام المسبب مع تعذر الوقوف على حقيقة المسبب كما في النوم والغفلة، وهذه حالة يقظة، فأمكن الوقوف على حقيقة الخروج. فروع: الأول: لمس الشعر عندنا لا يوجب الوضوء. وبه قال الشافعي (4). وقال مالك: إن كان بشهوة نقض كالبشرة (5). الثاني: اللمس من وراء حائل، لا يوجب الوضوء. وبه قال الشافعي (6). وقال مالك وربيعة: إن كان بشهوة نقض (7).

(1) أبو إسحاق: إبراهيم بن إسحاق البغدادي، تفقه على أحمد، وكان من أجلة أصحابه، روى عن أبي نعيم وهوذة بن خليفة، وروى عنه عبد الرحمن بن العباس الذهبي وأبو بكر القطيعي، له كتاب غريب الحديث، مات سنة 285 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 584، طبقات الحفاظ: 263، العبر 1: 410، الفهرست لابن النديم: 323.
(2) " ح " " ق " " خ " " ن " بزيادة: عن شرطي.
(3) يحيى بن معين بن عون أبو زكريا الغطفاني البغدادي. روى عن هشيم وابن المبارك ويحيى بن أبي زائدة، وروى عنه أحمد وهناد والبخاري ومسلم وأبو داود وزرعة. مات سنة 233 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 429، العبر 1 327، طبقات الحفاظ للسيوطي: 188.
(4) الأم 1: 16، المجموع 2: 27، المغني 223، مغني المحتاج 1: 35، المهذب للشيرازي 1: 24.
(5) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 54، بداية المجتهد 1: 37.
(6) الأم 1: 15، المجموع 2: 30، المحلى 1: 244. (7) المغني 1: 220، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 224، المجموع 2: 31. المدونة الكبرى 1: 13، تفسير القرطبي 5: 226.

[ 217 ]

الثالث: لو كان له إصبع زائدة فمس بباطنها ذكره لم تنتقض طهارته. وهو أحد وجهي الشافعية، وفي الأخرى: تنتقض (1). وكذا لو مسه بعد قطعه فيه الوجهان عندهم (2). الرابع: لا فرق بين مس ذكر صغير أو كبير عندنا في عدم النقض، ولا عند الشافعي في النقض (3). وقال الزهري والأوزاعي ومالك: إنه لا يجب على من مس ذكر الصغير وضوء (4). الخامس: لو مس الانثيين أو الالية أو العانة لم ينتقض وضوؤه. وبه قال الشافعي (5)، وحكي عن عروة بن الزبير أن عليه الوضوء (6). السادس: لو مست المرأة فرجها لم ينتقض وضوؤها. وبه قال مالك (7)، وقال الشافعي: ينتقض (8) و. ولو مس فرج البهيمة لم ينتقض وضوؤه عندنا، وعند الشافعي في أحد القولين (9)، وفي الآخر: ينتقض (10)، وهو مذهب الليث بن سعد (11). الثاني: القئ لا ينقض الوضوء، من ملأ الفم أولا. ذهب إليه علماؤنا، وبه قال عبد الله بن

(1) المجموع 2: 40 مغني المحتاج 1: 35.
(2) المجموع 2: 35، 38، المهذب للشيرازي 1: 24.
(3) المجموع 2: 35، الأم 1: 19، مغني المحتاج 1: 36، المغني 1: 204، المهذب للشيرازي 1: 42.
(4) المغني 1: 204.
(5) الأم 1: 19، المجموع 2: 40، مغني المحتاج 1: 35.
(6) المجموع 2: 40.
(7) المدونة الكبرى 1: 9، بلغة السالك 1: 55، مقدمات ابن رشد 1: 70، المحلى 1: 237.
(8) الأم 1: 20، مغني المحتاج 1: 35، المجموع 2: 34، 37، المهذب للشيرازي 1: 24.
(9) الأم 1: 19، مغني المحتاج 1: 36، المجموع 2: 38، المهذب للشيرازي 1: 24.
(10) المجموع 2: 39.
(11) المغني 1: 207، المجموع 2: 39.

[ 218 ]

عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى (1)، وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله (2)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطا، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر (3)، ومكحول. وهو مذهب ربيعة، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وداود (4). وقال أبو حنيفة: إن قاء طعاما، أو مرة، أو صفراء، أو سوداء، أو دما لم يخالطه شئ بعد أن وصل الجوف ثم عاد، نقض إن كان ملأ الفم، وإلا فلا (5). وقال زفر: ينقض مطلقا (6). وإن قاء بلغما إذا انحدر من الرأس، لم ينقض إجماعا (7)، وإن ارتقى من الجوف، لم ينقض قليلا وكثيرا في قول أبي حنيفة ومحمد وإن ملأ الفم (8). وقال أبو يوسف: ينقض إن كان ملأ الفم (9).

(1) عبد الله بن أبي أوفي - واسم أبي أوفى: علقمة - بن خالد بن الحرث بن أسد بن هوازن الاسلمي، أبو معاوية، وقبل أبو إبراهيم، وقيل غير ذلك، روى عنه أبو إسحاق الشيباني وسلمة بن كهيل وطلحة بن أبي خالد وخلق. مات سنة 80 ه‍، وقيل 86 ه‍. الاصابة 2: 279، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 264، العبر 1: 74، الجرح والتعديل 5: 120.
(2) المجموع 2: 54: المغني 1: 208.
(3) أبو عمرو أو أبو عبد الله: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري المدني، روى عن أبيه وأبي هريرة وعائشة ورافع بن خديج وسعيد بن المسيب، وروى عنه عمرو بن دينار والزهري وصالح بن كيسان، مات سن 106 ه‍. تذكر الحفاظ 1: 88، العبر 1: 99، طبقات الحفاظ: 40.
(4) المجموع 2: 54، المغني 1: 208، نيل الاوطار 1: 235، الأم 1: 18، سنن الترمذي 1: 145، المدونة الكبرى 1: 18، المبسوط للسرخسي 1: 75.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 14، شرح فتح القدير 1: 34، بداية المجتهد 1: 34، بدائع الصنائع 1: 26، المبسوط للسرخسي 1: 75.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 14، شرح فتح القدير 1: 34 المجموع 2: 54، بدائع الصنائع 1: 25.
(7) الهداية للمرغيناني 1: 14، المبسوط للسرخسي 1: 75، بدائع الصنائع 1: 27، شرح فتح القدير 1: 41.
(8) الهداية للمرغيناني 1: 14، بدائع الصنائع 1: 27، المبسوط للسرخسي 1: 75، شرح فتح القدير 1: 41، بداية المجتهد 1: 34، المحلى 1: 257، الجامع الصغير للشيباني: 72. (9) راجع نفس المصادر.

[ 219 ]

وإن قاء دما ارتقي من الجوف نقض، قل أو أكثر عند أبي حنيفة (1) وقال محمد: إنه ينقض إن كان ملأ الفم (2). وإن انحدر من الرأس فقد اتفقوا على نقضه (3)، وأما إذا قاء مرارا قليلا قليلا (4) بحيث لو جمع يبلغ ملأ الفم إن اتحد المجلس يجمع عند أبي يوسف (5). وقال محمد: إن اتحد السبب، وهو القيئان يجمع، وإلا فلا (6). وقال الأوزاعي: والثوري وأحمد وإسحاق: إن كان القئ ملأ الفم نقض، وإلا فلا (7). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قاء ولم يتوضأ (8) ورووا عنه عليه السلام أنه قاء فغسل فمه، وقال: (وهكذا الوضوء من القئ) (9). وأيضا: ما رواه أبو الدرداء (10) أن النبي صلى الله عليه وآله قاء فأفطر، قال ثوبان: فسكبت له وضوءه وقلت: الوضوء واجب من القئ يا رسول الله؟ فقال: (لو كان واجبا

(1) بدائع الصنائع 1: 27، شرح فتح القدير 1: 41، المبسوط للسرخسي 1: 75، الهداية للمرغيناني 1: 15، بداية المجتهد 1: 34. (2) بدائع الصنائع 1: 27، المبسوط للسرخسي 1: 76، المحلى 1: 257، شرح فتح القدير 1: 42، الهداية للمرغيناني 1: 15.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 15، شرح فتح القدير 1: 42.
(4) ليست في " م " و " خ ".
(5) بدائع الصنائع 1: 26، شرح فتح القدير 1: 40، الهداية للمرغيناني 1: 14.
(6) راجع نفس المصادر.
(7) سنن الترمذي 1: 145، المجموع 2: 54، المغني 1: 210، منار السبيل 1: 33، العبارة مطلقة حيث إنهم لم يقيدوه بملء الفم.
(8) الهداية للمرغيناني 1: 14 الجامع الصغير للشيباني: 72.
(9) بدائع الصنائع 1: 24.
(10) أبو الدرداء: عويمر، وقيل: عامر - وعويكر لقب - بن مالك بن زيد بن قيس بن أمية الخزرجي الانصاري أسلم بعد بدر، ولي قضاء دمشق لمعاوية في خلافة عثمان، روى عن النبي وزيد بن ثابت وأبي أمامة، وروى عنه إبنه بلال وزوجته أم الدرداء وأبو إدريس الخولاني، مات سنة 33 ه‍، وقيل غير ذلك الاصابة والاستيعاب بهامشها 4: 59، أسد الغابة 5: 185، شذرات الذهب 1: 39.

[ 220 ]

لوجدته في كتاب الله عزوجل) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن عن أبي أسامة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القئ والرعاف والمدة، هل ينقض الوضوء؟ قال: (لا) (2). وما رواه في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود (3)، قال: سألت الرضا عليه السلام عن القئ والرعاف والمدة، أتنقض الوضوء أم لا؟ قال: (لا ينقض شيئا) (4) ولان القليل ليس بحدث فكذلك الكثير، كالدمع وغيره، والجامع إن غسل غير موضع النجاسة ليس بمعقول فيقتصر على مورد الشرع. احتج أبو حنيفة (5) بما رواه ابن جريح (6)، عن أبيه، عن ابن أبي

(1) ظاهر كلام العلامة يوحي بأن الرواية التي نقلها عن الدرداء واحدة، والواقع أن هناك روايتين، إحداهما: عن أبي الدرداء على هذا النحو: (. إن النبي قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه). انظر: سنن الدار قطني 1: 158 حديث 36 و 2: 181 حديث 5، سنن الترمذي 1: 142، مسند أحمد 6: 443، سنن أبي داود 2: 310 حديث 2381، سنن البيهقي 1: 144 مستدرك الحاكم 1: 426. والأخرى عن ثوبان على هذا النحو: (.. كان رسول الله صلى الله عليه وآله صائما في غير رمضان، فأصابه غم آذاه فتقيأ، فقاء فدعاني بوضوء، فتوضأ ثم أفطر، فقلت، يا رسول صلى الله عليه وآله أفرضية الوضوء من القي؟ قال: لو كان فريضة لوجدته في القرآن، قال: ثم صام.) انظر: سنن الدار قطني 1: 159 حديث 41، نيل الاوطار 1: 235، البحر الزخار 2: 88.
(2) التهذيب 1: 13 حديث 25، الاستبصار 1: 83 حديث، 259، الوسائل 1: 185 الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3. واللفظ في الجميع هكذا: سألت أبا عبد الله عن القئ هل ينقض الوضوء؟ قال: " لا ".
(3) إبراهيم بن أبي محمود الخراساني، ثقة مولى. روى عن الامام الرضا (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الكاظم (ع) والرضا (ع). رجال النجاشي: 25، رجال الطوسي: 343، 367، رجال العلامة: 3.
(4) التهذيب 1: 16 حديث 34، الاستبصار 1: 84 حديث 266، الوسائل 1: 185 الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 14، شرح فتح القدير 1: 35، المجموع 2: 54، المحلى 1: 257، المغني 1: 209.
(6) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الرومي المكي: أبو الوليد، أو أبو خالد، روى عن أبيه، ومجاهد يسيرا وعن عطاء بن أبي رباح والزهري، وروى عن ابناه والأوزاعي ومسلم بن خالد وغيرهم. مات سنة 150 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 169، العبر 1: 163، طبقات الحفاظ 1: 81، ميزان الاعتدال 2: 659.

[ 221 ]

مليكة (1)، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (من قاء أو رعف في صلاته فلينتقل (2) عن صلاته وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم أو يحدث) (3). ولأنه نجس خرج من البدن، فينقض (4) كالخارج من السبيلين. والجواب عن الأول: إن الناس قد طعنوا في الحديث، فقالوا: إن ابن جريح لم يرو عنه غير إبنه عبد الملك، ولم تثبت عدالته، وقالوا أيضا: إن ابن جريح كان يرسله، فلا يكون حجة (5)، ولان مالكا قال: لا نص فيه، ولو كان صحيحا لما ذهب على مالك (6)، ولو سلم فيحمل الوضوء على غسل الفم، ولأنه عام في القليل والكثير، وأبو حنيفة لا يقول به، ولأنه لو كان ناقضا، لما جاز البناء على الصلاة. وعن الثاني بالمنع من وجود العلة، وسيأتي بيانه. الثالث: القهقهة غير ناقضة للوضوء وإن أبطلت الصلاة. وقال ابن الجنيد: من قهقه في صلاته متعمدا لنظر أو سماع ما أضحكه، قطع صلاته وأعاد وضوءه (7). وقال الشافعي كما قلناه نحن (8)، وبه قال جابر، وأبو موسى

(1) أبو بكر أو أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة - واسم أبي مليكة: زهير - بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي المكي الاحول قاضي مكة زمن ابن الزبير روى عن جده وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر، وروى عنه عمرو بن دينار وأيوب وابن جريح والليث بن سعد، مات سنة 117 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 101، العبر 1: 111، شذرات الذهب 1: 153، طبقات الحفاظ: 48.
(2) في المصدر: فلينصرف.
(3) سنن ابن ماجة: 1: 358 حديث 1221، سنن الدار قطني 1: 153 حديث 11، نيل الاوطار 1: 236 حديث 2، سنن البيهقي 1: 143.
(4) " م ": فنقض.
(5) المجموع 2: 55، شرح فتح القدير 1: 37، المحلى 1: 257، التعليق المغني على سنن الدار قطني 1: 153 - 154، سنن البيهقي 1: 142، ميزان الاعتدال 2: 659، نيل الاوطار 1: 236.
(6) الموطأ 1: 25، فإنه قال بعدم الوجوب. (7) المعتبر 1: 116.
(8) الأم 1: 21، المهذب للشيرازي 1: 24، المجموع 2: 60، مغني المحتاج 1: 32، المغني 1: 201، المبسوط للسرخسي 1: 77، بدائع الصنائع 1: 32، عمدة القارئ 3: 48.

[ 222 ]

الاشعري (1)، ومن التابعين: القاسم بن محمد، وعروة، وعطاء والزهري، ومكحول (2). وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور (3). وقال أبو حنيفة: القهقهة إن حصلت في حرمة صلاة لها ركوع وسجود انتقضت طهارته وفسدت صلاته، وإن كان (4) بعد القعود مقدار التشهد انتقض وضوؤه ولم تفسد صلاته (5). وبه قال أبو يوسف ومحمد (6). وقال زفر: لا ينقض وضوؤه (7). وإن وقعت في حرمة صلاته ليس لها ركوع ولا سجود كالجنازة، وسجود التلاوة فسدت الصلاة والسجدة ولم ينقض الوضوء، ولو كانت خارجة الصلاة لم تنتقض الطهارة إجماعا (8). ولو قهقه الامام والمأمومون بعد القعود آخر الصلاة مقدار التشهد انتقض وضوؤهم جميعا إن سبق الامام بالقهقهة أو كانوا معا، لأن ضحكهم حصل في حرمة الصلاة، أما لو تقدم ضحك الامام انتقض وضوؤه خاصة، لأنه وقع في حرمة صلاة، أما ضحك القوم فقد حصل خارج الحرمة، لانهم خرجوا من حرمة الصلاة بخروج الامام، ولا تفسد صلاة الامام والمأمومين في واحدة من الصور (9). وقال الحسن، والنخعي، والثوري: يجب الوضوء بالقهقهة في الصلاة (10)، وعن

(1) المجموع 2: 60، سنن البيهقي 1: 144، 145.
(2) المجموع 2: 60، المغني 1: 201، سنن البيهقي 1: 145.
(3) المجموع 2: 61، المغني 1: 201، عمدة القارئ 3: 48.
(4) كذا في النسخ، والأنسب: وإن كانت.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 15، شرح فتح القدير 1: 45، 46، المبسوط للسرخسي 1: 77، بداية المجتهد 1: 40، بدائع الصنائع 1: 32.
(6) عمدة القارئ 3: 48، وفيه: قال أبو حنيفة وأصحابه.
(7) شرح فتح القدير 1: 47.
(8) الهداية للمرغيناني 1: 15، بدائع الصنائع 1: 32. (9) شرح فتح القدير 1: 42، بدائع الصنائع 1: 32.
(10) المجموع 2: 61، المغني 1: 201، شرح فتح القدير 1: 46، المحلى 1: 265، عمدة القارئ 3: 48.

[ 223 ]

الأوزاعي روايتان (1). لنا: ما رواه الجمهور عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء) (2). وما رووه عن جابر أيضا، عن النبي صلى الله عليه وآله: (من تقهقه في صلاته، يعيد صلاته ولا يعيد الوضوء) (3). وما رواه معاذ بن أنس (4): إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (الضاحك في صلاته والمتكلم سواء) (5) والكلام غير ناقض، فكذا الضحك قضية للتسوية. ومن طريق الخاصة: ما قدمناه من الاحاديث الدالة على حصر الناقض في الخارج من السبيلين والنوم) (6). وما رواه محمد بن يعقوب في الحسن عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (القهقهة لا تنقض الوضوء، وتنقض الصلاة) (7). ولأنها لو كانت حدثا في الصلاة لكانت حدثا خارج الصلاة قياسا على البول، ولأنها لما لم تكن حدثا خارج الصلاة لم تكن حدثا في الصلاة كالكلام. ولان التبسم لا ينقض إجماعا، فكذا الكثير كالكلام والمشي. ولأنها ليست حدثا في الجنازة، فلا تكون حدثا في غيرها كالكلام والتبسم. احتج أبو حنيفة بما رواه أسامة (8)، قال: (بينا نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه

(1) المجموع 2: 61.
(2) سنن البيهقي 1: 144، 145، سنن الدار قطني 1: 172 - بتفاوت يسير.
(3) سنن البيهقي 1: 144، 145 - بتفاوت يسير.
(4) معاذ بن أنس الجهني: والد سهل خليفة الانصاري، سكن مصر، روى عن النبي وأبي الدرداء وكعب الاحبار، وروى عنه إبنه سهل. الاصابة 3: 426، أسد الغابة 4: 375.
(5) سنن الدار قطني 1: 175 حديث 67، سنن البيهقي 2: 289، مسند أحمد 3: 438، واللفظ في الجميع: (الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع " المفرقع " أصابعه بمنزلة واحدة).
(6) راجع ص 183 - 184، 196 - 199. (7) الكافي 3: 364 حديث 6، الوسائل 1: 185 الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(8) أسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصري، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه إبنه أبو المليح عامر بن أسامة. الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 59، أسد الغابة 1: 67، الجرح والتعديل 2: 283.

[ 224 ]

وآله إذ أقبل ضرير فتردى في بئر، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بإعادة الوضوء وإعادة الصلاة) (1). والجواب من وجهين: أحدهما: إن راوي هذا الحديث الاصلي (2) الحسن بن دينار، وهو ضعيف (3). الثاني: إن الراوي، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينقل لفظ الرسول، فلعله توهم ما ليس بأمر أمرا. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن رهط سمعوه يقول: (إن التبسم في الصلاة لا ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة) (4). لأنا نجيب من وجهين: أحدهما: إن الرهط لم يسندوا القول إلى إمام فلعلهم رجعوا في ذلك إلى غيره. الثاني: إنه ليس فيه دلالة على أن القهقهة تنقض الوضوء، وقوله: (إنما يقطع الضحك الذي فيه القهقهة) إشارة إلى الصلاة، فإن المفهوم من لفظ القطع إنما يرجع إلى الصلاة، فيقال: انقطعت صلاته لا الوضوء، فلا يقال: انقطع وضوؤه. الرابع: أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء، وكذا لحم الابل. وقال أحمد بن حنبل: أكل لحم الابل ناقض، سواء كان نيا أو مطبوخا، عالما كان أو

(1) سنن الدار قطني 1: 161، سنن البيهقي 1: 146 - بتفاوت يسير.
(2) " م " بزيادة: وهو.
(3) الحسن بن واصل التيمي: أبو سعيد، من أهل البصرة، وانما نسب إلى دينار، لأنه كان زوج أمه، روى عن الحسن ويحيى بن أبي كثير، وروى عنه وكيع ومروان معاوية ويزيد بن هارون. ضعفه البخاري والذهبي وابن حبان والعقيلي وابن حجر والدار قطني وابن الجوزي. الضعفاء الصغير للبخاري: 61، ميزان الاعتدال 1: 487، المجروحين لابن حبان 1: 231، الضعفاء الكبير للعقيلي 1: 222، لسان الميزان 2: 203، سنن الدار قطني 1: 162، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 201.
(4) التهذيب 1: 12 حديث 24، الاستبصار 1: 86 حديث 274، الوسائل 1: 186 الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء حديث 10.

[ 225 ]

جاهلا (1). وهو أحد قولي الشافعي (2). قال الخطابي (3): وإليه ذهب عامة أهل الحديث (4)، ووافقنا على ما اخترناه مالك والشافعي، وأبو حنيفة (5)، وذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء من أكل ما غيرته النار، منهم: ابن عمر، وزيد بن ثابت (6)، وأبو موسى، وأبو هريرة، والحسن، والزهري (7)، وذهب عامة الفقهاء والائمة من الصحابة إلى أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار (8). لنا: ما رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الوضوء مما يخرج لا مما يدخل) (9).

(1) المغني 1: 211، الكافي لابن قدامة 1: 54، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 4، المجموع 2: 60، الانصاف 1: 216، بداية المجتهد 1: 40، المحلى 1: 241. نيل الاوطار 1: 252، سنن الترمذي 1: 125، عمدة القارئ 3: 104.
(2) المغني 1: 211، المجموع 2: 57، 60، نيل الاوطار 1: 252، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 4. (3) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي من الشافعية، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال وابن أبي هريرة وسمع الحديث من أبي سعيد بن الاعرابي وإسماعيل الصفار، روى عنه أبو حامد الاسفرائيني والبخلي والكرابيسي وغيرهم. له كتب منها: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، مات سنة 388 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 1018، العبر 2: 174، بقية الوعاة: 239، طبقات الشافعية للسبكي 2: 218، طبقات الحفاظ: 404.
(4) المغني 1: 211.
(5) المجموع 2: 57، المغني 1: 211، نيل الاوطار 1: 252، الأم 1: 21، المبسوط للسرخسي 1: 79، 80، عمدة القارئ 3: 104.
(6) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الانصاري الخزرجي، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو خارجة، روى عن النبي وروى عنه إبنه خارجة وأنس وابن عمر وعطاء وسهل بن سعد، اختلف في وفاته، فقيل: سنة 45 ه‍، وقيل: 43 ه‍، وقيل غير ذلك. الاصابة 1: 561، والاستيعاب بهامش الاصابة 1: 551، تذكرة الحفاظ 1: 30، أسد الغابة 2: 221.
(7) المجموع 2:: 57، المغني 1: 216، سنن الترمذي 1: 116، عمدة القارئ 3: 104. (8) المغني 1: 216، سنن الترمذي 1: 119، المبسوط للسرخسي 1: 79، عمدة القارئ 3: 104، المجموع 2: 57، بداية المجتهد 1: 40، مجمع الزوائد 1: 251.
(9) سنن الدار قطني 1: 151 حديث 1، سنن البيهقي 1: 116 - بتفاوت يسير.

[ 226 ]

وما رواه جابر قال: كان آخر الامرين من رسول صلى الله عليه وآله ترك الوضوء مما مست النار (1). وما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (لا يتوضأ من لحوم الغنم) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن بكير بن أعين (3)، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الوضوء مما غيرت النار؟ فقال: (ليس عليك فيه وضوء، إنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل) (4) وفيه دلالة على أن أكل لحم (5) الجزور غير ناقص، من وجوه: أحدها: جوابه بالنفي عن " ما " المستوعبة. الثاني: حصره ب‍ " إنما " للوضوء في الخارج. والثالث: نفيه عن الداخل. وما رواه الشيخ في الحسن (6)، عن سليمان بن خالد (7)، قال: سألت أبا عبد الله

(1) سنن أبي داود 1: 49 حديث 192، سنن النسائي 1: 108، سنن البيهقي 1: 155، مسند الحميدي 2: 399 حديث 898، نيل الاوطار 1: 263 حديث 7.
(2) صحيح مسلم 1: 273، سنن ابن ماجة 1: 166، مسند أحمد 4: 303، سنن البيهقي 1: 153، سنن الترمذي 1: 122 (مع تفاوت في الجميع).
(3) بكير بن أعين بن سنسن الشيباني الكوفي: أخو زرارة، يكني أبا الجهم أو أبا عبد الله من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. ثقة مات على الاستقامة، روى الكشي أن الصادق لما بلغه موت بكير، (أما والله، لقد أنزله الله بين رسول الله وأمير المؤمنين عليهم السلام) مات في حياة أبي عبد الله (ع). رجال الطوسي: 109، 157، رجال الكشي 1: 181، رجال العلامة: 28، جامع الرواة 1: 129.
(4) التهذيب 1: 350 حديث 1034، الوسائل 1: 205 الباب 15 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(5) " ح " " ق " لحوم.
(6) لا توجد في: " م ".
(7) سليمان بن خالد بن دهقان بن نافلة مولى عفيف بن معدي كرب: أبو الربيع الهلالي البجلي الكوفي، كان قارئا فقيها وجها ثقة، روى عن الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. عده المفيد من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته وثقاته من الفقهاء الصالحين، مات في حياة أبي عبد الله فتوجع لفقده ودعى لولده وأوصى بهم أصحابه. رجال النجاشي 183، رجال الطوسي: 207، إرشاد المفيد 2: 208، جامع الرواة 1: 377.

[ 227 ]

عليه السلام، هل يتوضأ من الطعام أو شرب اللبن ألبان البقر والإبل والغنم وأبوالها ولحومها؟ قال: (لا يتوضأ منه) (1). ولأنه مأكول أشبه سائر المأكولات. احتج أحمد (2) بما رواه البراء بن عازب (3)، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحوم الابل؟ فقال: (توضأ منها) (4). والجواب من وجوه: أحد ها: إنه منسوخ بخبر جابر، فإنه قال: آخر الامرين ترك الوضوء مما مست النار. الثاني: يحتمل أنه أراد غسل اليد، لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى (5) غسل اليد (كأمره) (6) بالوضوء قبل الطعام وبعده (7)، والتخصيص بالابل للزهومة (8) التي ليست في غيرها. الثالث: إنه يحمل على الاستحباب.

(1) التهذيب 1: 350 حديث 1035، الوسائل 1: 205 الباب 15 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.
(2) المغني 1: 212، المجموع 2: 58 - 59، الكافي قدامة 1: 54.
(3) البراء بن عازب الانصاري الخزرجي، يكني أبا عامر، وقيل: أبا عمارة، وقيل أبا عمرو، رده النبي صلى الله عليه وآله. عن غزوة بدر لصغره، شهد أحدا وهو أول مشاهده، وقيل: الخندق. افتتح الري سنة 24 ه‍. عده الشيخ في رجاله من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، أصابته دعوة الامام أمير المؤمنين (ع) لكتمانه الشهادة في حديث الغدير. مات في إمارة مصعب بن الزبير. أسد الغابة 1: 171، الاصابة 1: 142، رجال الطوسي: 8، رجال العلامة: 24، تنقيح المقال 1: 161.
(4) سنن أبي داود 1: 47 حديث 184، سنن الترمذي 1: 122 حديث 82، سنن ابن ماجة 1: 166 حديث 494، سنن البيهقي 1: 159، مسند أحمد 1: 288، نيل الاوطار 1: 254 حديث 2.
(5) في " م ": اقتصر على (6) " م ": كما مر الأمر.
(7) انظر: الوسائل 16: 648 الباب 112 من أبواب آداب المائدة حديث 1، وسنن الترمذي 4: 281 حديث 1846.
(8) زهمت يدي - بالكسر - من الزهومة، فهي زهمة، أي: دسمة. الصحاح 5: 1946.

[ 228 ]

الخامس: شرب اللبن مطلقا وغيره (1) غير ناقض. وعن أحمد في لبن الابل روايتان (2). لنا: ما تقدم من الاحاديث، ولأنه مشروب أشبه الماء، فيتساويان حكما. احتج أحمد (3) بما رواه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن ألبان الابل، فقال: (توضأ من ألبانها) (4). والجواب أن المحدثين طعنوا فيه، وقالوا: الحديث إنما ورد في اللحم (5)، فلا تعويل عليه حينئذ مع تخصيصه للنص الدال على حصر الاحداث فيما عددناه. فرع: لا فرق في عدم النقض بين لحم البعير وسائر أجزائه وغيره كالطحال، والكبد، والدهن، والمرق، والكرش، والمصران، والسنام. وعن أحمد فيه وجهان: أحدهما: إنه ينقض، لأن إطلاق اللحم في الحيوان يتناول الجملة (6)، وهو ضعيف لأن التناول هاهنا (7) مجاز، فيقف على السماع خصوصا مع وجود النص الدال بالحقيقة على ما ينافيه. السادس: الردة، وهي: الاتيان بما يخرج به عن الاسلام، إما نطقا، أو اعتقادا، أو شكا ينقل عن الاسلام، لا يوجب الوضوء ولا ينقض التيمم. وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ومالك والشافعي في الوضوء (8)، وله في التيمم قولان (9). وقال زفر: إنها

(1) كذا في النسخ.
(2) المغني 1: 215 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 224، الكافي لابن قدامة 1: 54، الانصاف 1: 216.
(3) المغني 1: 215، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 224، الكافي لابن قدامة 1: 55.
(4) مسند أحمد 4: 352 وفيه: توضؤوا من ألبانها.
(5) المغني 1: 216، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 225.
(6) الكافي لابن قدامة 1: 55، الانصاف 1: 217، منار السبيل 1: 35 - 36، المغني 1: 216، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 225.
(7) " ح " " ق ": هنا.
(8) المغني 1: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 225، المجموع 2: 5.
(9) المغني 1: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 226، المجموع 2: 5، 301.

[ 229 ]

تبطل التيمم (1). وقال أحمد: إنها تنقض الوضوء والتيمم. وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (2). لنا: إن حصول الطهارة وزوالها حكم شرعي، فيتوقف عليه. وما ذكرناه من الاحاديث الدالة على حصر الاحداث (3) وليس الردة منها، ولان الباقي بعد الفراغ من فعل الطهارة صفة كونه طاهرا، لا نفس الفعل لاستحالة ذلك، والكفر لا ينافيه كما في الغسل وفي الوضوء عند زفر (4). احتج أحمد (5) بقوله تعالى: " لئن أشركت ليحبطن عملك " (6). وبقوله: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط علمه " (7) وبما روي عن ابن عباس، أنه قال: الحدث حدثان: حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان (8) وقال النبي صلى الله عليه وآله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (9). واحتج زفر بالآيتين، وبأن الردة لو قارنت (10) التيمم منعت صحته، فإذا طرأت عليه أبطلت، والجامع إنها عبادة فلا تجامع الكفر. والجواب عن الآيتين أنهما مشروطتان بالموافاة، وقد بيناه في علم الكلام (11)، ويدل عليه قوله تعالى: " ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر أولئك حبطت

(1) شرح فتح القدير 1: 116، المبسوط للسرخسي 1: 117، الهداية للمرغيناني 1: 26.
(2) المغني 1: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 225.
(3) تقدم في ص 183.
(4) تبيين الحقائق 1: 40.
(5) المغني 1: 200، الشرح الكبير بهامش 1: 226، الكافي لابن قدامة 1: 58، المجموع 2: 61.
(6) الزمر: 65.
(7) المائدة: 5.
(8) المغني 1: 200، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 225، الكافي لابن قدامة 1: 58، المجموع 2: 62.
(9) صحيح البخاري 1: 46، صحيح مسلم 1: 204 حديث 225، سند أحمد 2: 308.
(10) في " ن ": قاربت.
(11) كشف المراد: 326 - 327.

[ 230 ]

أعمالهم " (1) شرط في الاحباط الموت، وأما حديث ابن عباس فليس بحجة. أما أولا: فلأنه لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وآله، بل قاله برأيه. وأما ثانيا: فلأن تسميته حدثا لا يوجب كونه ناقضا، فإن كان متجدد حادث، والاشتراك في الاسم لا يوجب الشركة في الحكم المعلق على أحد المسميين. وكلام زفر ضعيف لوقوع الفرق بين المقارنة والتقدم، لعدم فقدان شرط التيمم في الأول وهو مقارنة النية، والنقض بالطهارة المائية. السابع: إنشاء الشعر وكلام الفحش والكذب والغيبة والقذف، غير ناقض. وهو إجماع علماء الامصار سواء كان في الصلاة أو خارجا عنها. لنا: ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء) (2) وما رووه، عنه صلى الله عليه وآله قال: (من حلف باللات، فليقل: لا إله إلا الله) (3) ولم يأمر في ذلك بالوضوء. ومن طريق الخاصة: ما رواه معاوية بن ميسرة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إنشاد الشعر، هل ينقض الوضوء، قال: (لا) (4) ولا يعارض هذا برواية سماعة، قال: سألته عن نشيد الشعر، هل ينقض الوضوء، أو ظلم الرجل صاحبه، أو الكذب؟ فقال: (نعم، إلا أن يكون شعرا والاربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء) (5) لوجوه: أحدها: إن سماعة لم يسنده عن إمام، بل قال: سألته، ويحتمل أن يكون المراد بعض الفقهاء.

البقرة: 217.
(2) سنن الدار قطني 1: 172 حديث 59.
(3) صحيح مسلم 3: 1267 حديث 1647، سنن البيهقي 1: 149.
(4) الفقيه 1: 38 حديث 142، التهذيب 1: 16 حديث 37، الاستبصار 1: 86 حديث 275، الوسائل 1: 190 الباب 8 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
(5) التهذيب 1: 16 حديث 35، الاستبصار 1: 87 حديث 276، الوسائل 1: 191 الباب 8 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.

[ 231 ]

الثاني: إن سماعة واقفي، والراوي عنه: زرعة (1)، وهو واقفي أيضا. الثالث: إنه خبر واحد مع معارضة الاجماع، فلا يسمع. الرابع: المعارضة بما قدمناه من الاحاديث الناصة على حصر الاحداث.
(2). الثامن: حلق الشعر ونتفه وقص الاظفار لا ينقض الوضوء ولا يوجب غسل موضعه، لما رواه الشيخ في الصحيح عن سعيد بن عبد الله الاعرج، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آخذ من أظفاري ومن شاربي وأحلق رأسي، أفأغتسل؟ قال: ([ لا ] (3) ليس عليك غسل) قلت: فأتوضأ؟ قال: ([ لا ] (4) ليس عليك وضوء) قلت: فأمسح على أظفاري الماء؟ فقال: (لا، [ هو ] (5) طهور، ليس عليك مسح) (6). وروي في الصحيح عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل يقلم أظفاره ويجز شاربه ويأخذ من شعر لحيته ورأسه، هل ينقض ذلك وضوءه؟ فقال: (يا زرارة، كل هذا سنة، والوضوء فريضة، وليس شئ من السنة ينقض الفريضة وإن ذلك ليزيده تطهيرا) (7). وروي في الصحيح عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون على طهر فيأخذ من أظفاره أو شعره، أيعيد الوضوء؟ فقال: (لا، ولكن يمسح رأسه وأظفاره بالماء) قال: قلت: فإنهم يزعمون أن فيه الوضوء؟ فقال: (إن خاصموكم فلا تخاصموهم

(1) زرعة بن محمد: أبو محمد الحضرمي، صحب سماعة وأكثر عنه، عده الشيخ من أصحاب والكاظم (ع) وقال: إنه واقفي المذهب. رجال النجاشي: 176، رجال الطوسي 201، 350 الفهرست: 75، رجال العلامة: 224.
(2) تقدم في ص 183.
(3) ما بين المعقوفين من المصدر.
(4) ما بين المعقوفين من المصدر.
(5) " م " " خ " " ن ": فهو، " ح " " ق ": وهو، وما أثبتناه، من المصدر.
(6) التهذيب 1: 346 حديث 1012، الاستبصار 1: 95 حديث 309، الوسائل 1: 203 الباب 14 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(7) التهذيب 1: 346 حديث 1013، الاستبصار 1: 95 حديث 308، الوسائل 1: 203 الباب 14 من أبواب نواقض الوضوء حديث 2.

[ 232 ]

وقولوا هكذا السنة) (1) وأمره عليه السلام بالمسح بالماء للاستحباب من حيث أن فيه إزالة وسخ إن كان. التاسع: ما يخرج من البدن من دم، أو قيح، أو نخامة، أو رطوبة، أو صديد، لا ينقض الطهارة كيف خرج كثر أو قل، إلا الدماء الثلاثة. وقال أبو حنيفة: الدم، والقيح، والصديد، إذا خرج عن رأس الجرح وسال نقض الطهارة، وإن لم يسل لم ينقض، قال: ولو خرج من رأس الجرح فمسحه ثم خرج فمسحه، وهكذا، نظر إن كان بحال لو تركه سال، نقض، وإلا فلا، ولو أبطل رباط الجراح نقض إن نفذ (2) البلل إلى الخارج وإلا فلا، ولو كان الرباط ذا طاقين فنفذ (3) إلى البعض نقض، ولو نزل الدم إلى قصبة الانف وأنفه مشدود (4) نقض، لأن كان داخل الانف يقبل التطهير، ولو نزل البول إلى قصبة الذكر، لم ينقض (5). وقال زفر: ينقض سواء سال أو لم يسل (6). وقال الشافعي: الخارج من غير القبل والدبر كالدم والبصاق وغير ذلك لا ينقض مطلقا (7) كما قلناه. وهو مذهب مالك (8)، وبه قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين:

(1) الكافي 3: 37 حديث 11، التهذيب 1: 345 حديث 1010، الاستبصار 1: 95 حديث 307، الوسائل 1: 202 الباب 14 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
(2) " م " " ن ": تعدى.
(3) " خ " " ن ": فينفذ.
(4) " ح " " ق ": مسدود.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 76 - 77، المغني 1: 209، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 211، الهداية للمرغيناني 1: 15، شرح فتح القدير 1: 34، 48، المحلى 1: 256، بدائع الصنائع 1: 25.
(6) شرح فتح القدير 1: 34، الهداية للمرغيناني 1: 15، بدائع الصنائع 1: 25.
(7) الأم 1: 18، الهداية للمرغيناني 1: 14، المغني 1: 280، المجموع 2: 54، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 15، بداية المجتهد 1: 34 - 35 عمدة القارئ 3: 46.
(8) المدونة الكبرى 1: 18، مقدمات ابن رشد 1: 70، المغني 1: 208، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 15، الموطأ 1: 39، بداية المجتهد 1: 34 - 35.

[ 233 ]

سعيد بن مسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومكحول، وربيعة، وأبو ثور، وداود (1). وقال الأوزاعي، والثوري، وإسحاق: كل نجس خارج من البدن إذا سال يوجب الوضوء (2). وقال أحمد: إن كان الدم قطرة أو قطرتين لم يوجب الوضوء، وعنه رواية أخرى إذا خرج قدر ما يعفى عنه وهو قدر الشبر لم يوجب الوضوء (3). لنا: ما رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه احتجم ولم يتوضأ (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحسن بن علي الوشاء، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: (كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: في الرجل يدخل يده في أنفه فيصيب خمس أصابعه الدم، قال: (ينقيه ولا يعيد الوضوء) (5). وما رواه عبد الأعلى (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الحجامة أفيها وضوء؟ قال: (لا، ولا يغسل مكانها، إن الحجام مؤتمن إذا كان ينظفه، ولم يكن صبيا صغيرا) (7). وما رواه صفوان، قال: سأل رجل أبا الحسن عليه السلام وأنا حاضر، فقال: إن بي جرحا في مقعدتي فأتوضأ ثم أستنجئ ثم أجد بعد ذلك الندا والصفرة تخرج من المقعدة فأعيد الوضوء؟ قال: (قد أنقيت؟) قال: نعم، قال: (لا، ولكن رشه بالماء ولا تعد الوضوء) (8).

(1) المجموع 2: 54، المغني 1: 208، المحلى 1: 259. (2) الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي 1: 143، المجموع 2: 54.
(3) المغني 1: 209 - 210، الكافي لابن قدامة 1: 52، الانصاف 1: 197، منار السبيل 1: 33.
(4) سنن البيهقي 1: 141، سنن الدارقطني 1: 151 حديث 2: نيل الأوطار 1: 238.
(5) التهذيب 1: 348 حديث 1024، الوسائل 1: 189 الباب 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث 11.
(6) عبد الأعلى بن أعين العجلي: مولاهم الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) ونقل العلامة المامقاني عن المفيد أنه من فقهاء أصحاب الصادق المأخوذ عنهم الحلال والحرام. رجال الطوسي: 238، تنقيح المقال 2: 132.
(7) التهذيب 1: 349 حديث 1031، الوسائل 1: 188 الباب 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث 6.
(8) الكافي 3: 19 حديث 3، التهذيب 1: 347 حديث 1019، الوسائل 1: 206 الباب 16 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.

[ 234 ]

وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرعاف والحجامة وكل دم سائل؟ فقال: (ليس في هذا وضوء، إنما الوضوء من طرفيك، الذين أنعم الله بهما عليك) (1). ولان النقض حكم شرعي فيتوقف على النص. العاشر: لا تنقض (2) الطهارة بظن الحدث، لأنه متيقن، فلا يرتفع إلا بيقين، لما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، قال: (ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر) (3). وما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريح، فلا ينقض وضوءه إلا ريح يسمعها أو يجد ريحها) (4). الحادي عشر: القرقرة في البطن لا تنقض الوضوء. لنا: قوله عليه السلام: (لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين) (5). وما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ (أو لم) (6) يخرج، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) (7).

(1) الكافي 3: 37 حديث 13، التهذيب 1: 15 حديث 33، الاستبصار 1: 84 حديث 264، الوسائل 1: 189 الباب 7 من أبواب نواقض الوضوء حديث 10. (2) " ن " " م ": تنتقض.
(3) التهذيب 1: 8 حديث 11، الوسائل 1: 174 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1.
(4) الكافي 3:: 36 حديث 3، التهذيب 1: 347 حديث 1017، الاستبصار 1: 90 حديث 289، الوسائل 1: 175 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(5) الكافي 3:: 35 حديث 1، التهذيب 1: 6 حديث 2، وص 10 حديث 17، وص 16 حديث 36، الوسائل 1: 177 الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1، 3، 4.
(6) " ح " " خ " " ق ": أو لم، وفي المصدر: أم لا، فلا يخرجن.
(7) صحيح مسلم 1: 276 حديث 362، سنن البيهقي 1: 117، نيل الاوطار 1: 255.

[ 235 ]

وما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أجد الريح في بطني حتى أظن إنها قد خرجت، فقال: (ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت [ أ ] و (1) تجد الريح) (2) وهو إجماع العلماء كافة، ولا يعارض برواية زرعة، عن سماعة، قال: سألته عما ينقض الوضوء؟ قال: (الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شئ تصبر (3) عليه والضحك في الصلاة والقئ) (4) لأن سماعة لم يسنده عن إمام فلعل المسؤول من لا يوثق بفتواه، وأيضا: فإن زرعة وسماعة واقفيان، فلا تعويل على روايتهما إذا سلمت عن المعارض فضلا عما لا تحصل معه السلامة. الثاني عشر: لو ظهرت مقعدته لعلة، لم ينتقض (5) الوضوء إلا مع خروج شئ من الغائط، وهل يشترط انفصاله، أم لا؟ فيه نظر. البحث الثاني: في الاستطابة وآداب التخلي الاستطابة: الاستنجاء بالماء أو بالاحجار، فيقال: طاب واستطاب: إذا استنجى، وسمي استطابة، لوجود معنى الطيب في جسده بإزالة الخبث عنه، والاستنجاء: استفعال من: نجوت الشجرة، أي قطعتها، والاستجمار: استفعال من الجمار، وهي: الحجارة الصغار، لأنه يستعملها في استجماره. ويستحب لمن أراد التخلي أن يطلب موضعا يستتر فيه عن الناس، فإن في ذلك تأسيا

(1) أضفناه من المصدر.
(2) الفقهية 1: 37 حديث 139، التهذيب 1: 347 حديث 1018، الاستبصار 1: 90 حديث 288. الوسائل 1: 175 الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5. (3) في بعض النسخ: إلا شئ لا تصبر. وما أثبتناه في المتن موافق للمصدر.
(4) التهذيب 1: 12 حديث 23، الاستبصار 1: 83 حديث 262 و 86 حديث 273، الوسائل 1: 175 الباب 1: من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(5) " م " " خ ": ينقض.

[ 236 ]

بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله. وروى ابن المنذر بإسناده عن جابر، قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فإذا هو بشجرتين بينهما أربعة أذرع، فقال: (يا جابر انطلق إلى هذه الشجرة، فقل: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وآله: الحقي بصاحبتك، حتى أجلس خلفكما) فجلس النبي صلى الله عليه وآله خلفهما ثم رجعا إلى مكانهما. (1). مسألة: يجب ستر العورة مطلقا، لما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) (2). ورووا عنه صلى الله عليه وآله، أنه قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه) (4). وما رواه عن حمزة بن أحمد، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، قال: (وغض بصرك) (5). وما رواه أبو بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يغتسل الرجل بارزا؟ فقال: (إذا لم يره أحد، فلا بأس) (6). وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال سألته عن عورة المؤمن [ على المؤمن ] (7) حرام؟ فقال: (نعم) فقلت أعني سفليه؟ فقال: (ليس حيث تذهب

(1) سنن الدارمي 1: 10، سنن البيهقي 1: 93 - بتفاوت، وقريب منه في صحيح مسلم 4: 2306.
(2) سنن ابن ماجة 1: 217 حديث 661، صحيح مسلم 1: 266 حديث 338، سنن الترمذي 5: 109، مسند أحمد 3: 63.
(3) سنن ابن ماجة 1: 618 حديث 1920، سنن الترمذي 5: 97 حديث 2769 و 110 حديث 2794، مسند أحمد 5: 4.
(4) التهذيب 1: 374 حديث 1149، الوسائل 1: 211 الباب 1: من أبواب أحكام الخلوة حديث 1. (5) التهذيب 1: 273 حديث 1143، الوسائل 1: 363 الباب 3 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(6) التهذيب 1: 374 حديث 1148، الوسائل 1: 371 الباب 11 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(7) أثبتناه من المصدر.

[ 237 ]

إنما هو إذاعة سره) (1) وليس هذا الحديث منافيا لما قلنا، لأن فيه تفسير لفظ العورة بمعنى آخر وحكما (2) بتحريمه، ونحن قد دللنا على تحريم النظر إلى العورة بالمعنى الذي قصدناه، فلا ينافي ذلك. ونقل ابن بابويه في كتابه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر) (3). ونقل عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قول الله عز وجل: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم " (4) فقال: (كلما كان في كتاب الله عز وجل من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا في هذا الموضع فإنه للحفظ من أن ينظر إليه) (5) وذلك يدل على وجوب الاستتار. فرع: المراد بالعورة هنا (6): القبل والدبر، لما رواه الشيخ عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن الماضي، قال: (العورة عورتان: القبل والدبر، [ مستور ] (7) بالاليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة) (8)، ولقول أبي عبد الله عليه السلام: (الفخذ ليست من العورة) رواه الشيخ أيضا (9)، ولان الأصل عدم وجوب الستر، فيخرج منه المجمع عليه، ولما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه الله وآله إنه كان يقبل سرة الحسين عليه السلام (10)، ولا يظن به مس العورة من غيره.

(1) التهذيب 1: 375 حديث 1153، معاني الأخبار: 255، الوسائل 1: 367 الباب 8 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(2) " م " " ن " " ح " " ق ": وحكم.
(3) الفقهية 1: 60 حديث 225، الوسائل 1: 368 الباب 9 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(4) النور: 30.
(5) الفقيه 1: 63 حديث 235، الوسائل 1: 211 الباب 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
(6) " خ " " ن ": ها هنا.
(7) في النسخ: مستورة، وما أثبتناه موافق للمصدر. (8) التهذيب 1: 374 حديث 1151، الوسائل 1: 365 الباب 4 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(9) التهذيب 1: 374 حديث 1150، الوسائل 1: 365 الباب 4 من أبواب آداب حديث 4.
(10) مسند أحمد 2: 255 والحديث فيه مربوط بتقبيله صلى الله عليه وآله للحسن (ع).

[ 238 ]

مسألة: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحاري والبنيان في البول والغائط. وقال ابن الجنيد منا: يستحب للانسان إذا أراد التغوط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة، أو الشمس، أو القمر، أو الريح بغائط أو بول (1). وبه قال أبو أيوب (2). الانصاري، والنخعي (3). وقال المفيد وسلار من أصحابنا: التحريم مختص بالصحاري (4) (5). وهو اختيار الشافعي (6)، وبه قال مالك، وإسحاق، وروي ذلك عن العباس بن عبد المطلب، وابن عمر، وهو إحدى الروايات عن أحمد بن حنبل (7). وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجوز استقبال القبلة بذلك لا في الصحاري ولا في البنيان (8)، وعنه في الاستدبار روايتان (9)، وروي مثله عن أحمد (10).

(1) نقل عنه في المعتبر 1: 122. (2) أبو أيوب الانصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الخزرجي، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد، وشهد مع علي (ع)، الجمل وصفين مات بأرض الروم عام غزا يزيد القسطنطينية زمن معاوية سنة 51 ه‍ وقيل: 52 ه‍. أسد الغابة 5: 143، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 5، تنقيح المقال 1: 390.
(3) المجموع 2: 81، نيل الاوطار 1: 94، بداية المجتهد 1: 87، المدونة الكبرى 1: 7، عمدة القارئ 2: 277.
(4) كذا نسب إليه، ولكنه قال: (إذا دخل الانسان دارا قد بنى فيها مقعدا للغائط على استقبال القبلة واستدبارها لم يضره الجلوس عليه، وإنما يكره ذلك في الصحاري.) انظر: المقنعة: 4. وأيضا نسب المصنف إليه في المختلف القول بالكراهة، انظر: المختلف 1: 19.
(5) المراسم: 32.
(6) الأم 1: 23 نيل الاوطار 1: 94، عمدة القارئ 2: 278، مغني المحتاج 1: 40، المغني 1: 185، المهذب للشيرازي 1: 26، المجموع 2: 81.
(7) مقدمات ابن رشد 1: 64، المدونة الكبرى 1: 7، بداية المجتهد 1: 87، عمدة القارئ 2: 278، نيل الاوطار 1: 94، المغني 1: 185، المجموع 2: 81. (8) عمدة القارئ 2: 277، نيل الاوطار 1: 94، المغني 1: 185، المجموع 2: 81.
(9) نيل الاوطار 1: 94، عمدة القارئ 2: 278.
(10) الكافي لابن قدامة 1: 62، نيل الاوطار 1: 94، المجموع 2: 81.

[ 239 ]

وقال داود وربيعة وعروة بن الزبير: يجوز استقبالها واستدبارها (1). وفرق أبو يوسف بين الاستقبال والاستدبار (2). لنا: ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره وشرقوا أو غربوا) (3). وما رووا (4) عنه عليه السلام، قال: (إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) (5). وعنه عليه السلام أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي (7)، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (إذا دخلت المخرج، فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا [ أ ] و (8) غربوا) (9). وما رواه عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلاء (10) أو غيره رفعه، قال: سئل

(1) نيل الاوطار 1: 94، عمدة القارئ 2: 278، المجموع 2: 81، المغني 1: 184.
(2) نيل الاوطار 1: 94، عمدة القارئ 2: 279.
(3) صحيح البخاري 1: 48، صحيح مسلم 1: 224 حديث 264، سنن الترمذي 1: 13 حديث 8، سنن أبي داود 1: 3 حديث 9.
(4) " ق ": وما رووه.
(5) صحيح مسلم 1: 244 حديث 265، ين الاوطار 1: 93، مسند أحمد 5: 414.
(6) سنن أبي داود 1: 3 حديث 8، مسند أحمد 2: 247.
(7) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (ع) الهاشمي، من أصحاب الامام الصادق (ع) روى الكشي مدح الصادق (ع) إياه بأنه: منا، حيا، وهو منا ميتا. رجال الكشي: 332، رجال النجاشي: 295، رجال الطوسي: 275.
(8) أثبتناه من المصدر.
(9) التهذيب 1: 25 حديث 64، الاستبصار 1: 47 حديث 130 الوسائل 1: 213 الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
(10) عبد الحميد بن أبي العلاء بن عبد الملك الازدي الكوفي: يقال له السمين، ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 246، رجال الطوسي: 235، رجال العلامة: 116.

[ 240 ]

الحسن بن علي عليهما السلام، ما حد الغائط؟ قال: (لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها) (1). وروى عن علي بن إبراهيم (2) رفعه، قال: خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله عليه السلام، وأبو الحسن موسى عليه السلام قائم وهو غلام، فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: (اجتنب أفنية المساجد، وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول وارفع ثوبك وضع حيث شئت) (3). وروي في الحسن عن محمد بن إسماعيل، قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام، وفي منزله كنيف [ مستقبل القبلة ] (4) سمعته يقول: (من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة وتعظيما لها، لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له) (5). واستدل المفيد وسلار على تخصيص التحريم بالصحاري بما رواه محمد بن إسماعيل في الحسن، قال: دخلت على الرضا عليه السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة (6) (7). ولا حجة فيه، لأن التحريم يتناول حالتي القعود لا البناء. واحتج الشافعي (8) على الجواز في البنيان بما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عمر

(1) التهذيب 1: 26 حديث 65، الاستبصار 1: 47 حديث 131، الوسائل 1: 213 الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(2) علي بن إبراهيم بن هاشم: أبو الحسن القمي، ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب، روى عنه محمد بن يعقوب الكليني كثيرا، له كتب، منها: التفسير المعروف ب‍: تفسير علي بن إبراهيم. رجال النجاشي: 260، جامع الرواة 1: 545، رجال العلامة: 100، تنقيح المقال 2: 260.
(3) الكافي 3: 16 حديث 5، التهذيب 1: 30 حديث 79، الوسائل 1: 212 الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(4) أضفناه من المصدر.
(5) التهذيب 1: 253 حديث 1043، الوسائل 1: 213 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
(6) الاستبصار 1: 47 حديث 132.
(7) لم نعثر على استدلالهما بهذه الرواية إلا ما نقله المصنف في المختلف 1: 19. (8) الأم 1: 23، مغني المحتاج 1: 40، المجموع 2: 82.

[ 241 ]

قال: ارتقيت فوق بيت حفصة (1) فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقضي حاجته مستدبر القبلة (2). والجواب: لعله عليه السلام قد كان منحرفا، ولم يتنبه ابن عمر له لقلته، والظاهر أنه عليه السلام لم يكن يحرم هذا في الصحراء إلا لحرمة القبلة، فكيف كان عليه السلام يفعله في البنيان. واحتج داود: بأنه قد تعارضت الأخبار (3)، والأصل الاباحة. وهو ليس بجيد، لأنا قد بينا المحال؟ في الجواز (4). فروع: الأول لو كان الموضع مبنيا على الاستقبال والاستدبار وأمكنه الانحراف وجب عليه، وإن لم يمكنه ولم يتمكن من غير ذلك المقعد، جاز له الاستقبال والاستدبار لمكان الضرورة. الثاني: لو كان في الصحراء وهدة (5)، أو نهر، أو شئ يستره جرى عند الشافعية مجرى البنيان (6)، وهذا الفرع عندنا ساقط، والأقوى على قول المجوزين من أصحابنا إلحاقه بالصحراء. الثالث: روي أنه عليه السلام نهى عن استقبال القبلتين (7) ويحتمل أمرين

(1) حفصة بنت عمر بن الخطاب، تقدم نسبها عند ذكر أخيها عبد الله من بني عدي بن كعب زوج النبي صلى الله عليه وآله وروت عنه وعن أبيها عمر. وروى عنها أخوها عبد الله وابنه حمزة وزوجته صفية بنت أبي عبيد وغيرهم. ماتت سنة 41 ه‍، وقيل: 45 ه‍، وقيل: 27 ه‍. أسد الغابة 5: 425، الاصابة 4: 273.
(2) صحيح البخاري 1: 48، صحيح مسلم 1: 224 حديث 266، سنن الترمذي 1: 16 حديث 11، سنن أبي داود 1: 4 حديث 12، سنن البيهقي 1: 92، سنن الدار قطني 1: 61.
(3) بداية المجتهد 1: 88، المجموع 2: 82.
(4) " ح " " ق ": الجواب.
(5) الوهدة: المكان المطمئن. والصحاح 2: 554.
(6) المجموع 2: 79، مغني المحتاج 1: 41.
(7) سنن ابن ماجة 1: 115 حديث 319، سنن أبي داود 1: 3 حديث 10 مسند أحمد 5: 415.

[ 242 ]

أحدهما: النهي عن الاستقبال إلى بيت المقدس، لأنه محترم لشرفه وقد كان قبلة له عليه السلام إلى حين النسخ، ونهى عن استقبال الكعبة. الثاني: إنه نهي عن استقبال الكعبة واستقبال بيت المقدس، لأنه يكون مستدبر الكعبة، وهو منهي عنه. الرابع: ليس التسقيف شرطا في البنيان، بل كونه بحيث يستر القاعد عن أعين الناس ولو كان بقدر مؤخرة الرجل. الخامس: قال بعض الشافعية: إنا لا نحرم القعود في البنيان إذ قعد قريبا من البناء بحيث لا يكون بينه وبين البناء إلا قدر ما بين الصفين، فأما إذ تباعد عن البناء فإنه يحرم، لأنه لا يؤمن أن يكون هناك مصل من الانس أو من الجن أو الملائكة يقع بصره على عورته (1). السادس: يكره استقبال بيت المقدس لأنه قد كان قبلة، ولا يحرم للنسخ، وهو قول الشافعي أيضا (2). مسألة: ويكره استقبال الشمس والقمر بفرجه؟ في البول والغائط، لما رواه الشيخ، عن السكوني (3)، عن جعفر عن آبائه عليهم السلام، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستقبل الرجل الشمس والقمر وهو يبول) (4). وما رواه عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به) (5).

(1) المجموع 2: 78.
(2) المجموع 2: 80.
(3) إسماعيل بن أبي زياد السكوني الشعيري، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق بقوله: إسماعيل بن مسلم، لم يتعرض الشيخ والنجاشي لمذهبه، لكن المصنف نص على كونه عاميا. رجال النجاشي: 26، رجال الطوسي: 147، رجال العلامة: 199.
(4) التهذيب 1: 34 حديث 91، الوسائل 1: 241 الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(5) التهذيب 1: 34 حديث 92 الوسائل 1: 241 الباب 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.

[ 243 ]

ولأنهما اشتملا على نور من نور الله تعالى. فرع: لو استتر عنهما بشئ فلا بأس، لأنه لو استتر عن القبلة بالانحراف جاز، فها هنا أولى. مسألة: ويكره في حال البول والغائط أمور. الأول: استقبال الريح بالبول لئلا يعكسه فيرده على جسده وثيابه، ولما قدمناه من رواية ابن أبي العلاء (1). الثاني: البول على الارض الصلبة لئلا يرد عليه، وما رواه الشيخ في الحسن، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله أشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول) (2). وروي عن سليمان الجعفري (3)، قال: بت مع الرضا عليه السلام في سفح [ جبل ] (4) فلما كان آخر الليل قام فتنحى وصار على موضع مرتفع فبال وتوضأ، وقال: (من فقه الرجل أن يرتاد لموضع بوله) وبسط سراويله وقام عليه وصلى صلاة الليل (5). وقد ظهر من هذا استحباب طلب المرتفع من الارض. الثالث: البول قائما لئلا يترشش عليه، قال عمر: ما بلت قائما منذ أسلمت (6)، وقال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم (7)، وكان

(1) راجع ص 240. (2) التهذيب 1: 33 حديث 87، الوسائل 1: 238 الباب 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(3) سليمان بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر الطيار، أبو محمد الطالبي الجعفر، ثقة روى عن الرضا عليه السلام. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الكاظم والرضا عليهم السلام. رجال النجاشي: 182، رجال الطوسي 1: 351، 377.
(4) أثبتناه من المصدر.
(5) التهذيب 1: 33 حديث 86، الوسائل 1: 238 الباب 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
(6) سنن الترمذي 1: 18، نيل الاوطار 1، 107، مجمع الزوائد 1: 206، سنن البيهقي 1: 102.
(7) سنن الترمذي 1: 18، نيل الاوطار 1: 107، المغني 1: 187.

[ 244 ]

سعد بن إبراهيم (1) لا يجيز شهادة من بال قائما (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه ابن بابويه في كتابه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (البول قائما من غير علة من الجفاء والاستنجاء باليمين من الجفاء) (3). وروى الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أتى سباطة فبال قائما (4). وهذه الرواية لا تنافي ما ذكرناه. أما أولا: فللطعن فيها، فإنهم رووا عن عائشة إنها قالت: من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا. نقله الترمذي، وقال: هذا شئ أصح ما في هذا الباب (5). وأما ثانيا: فلأنه عليه السلام فعله بيانا للجواز، ولم يفعله إلا مرة. وأما ثالثا: فلاحتمال أن يكون في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه. وأما رابعا: فإنه قيل إنما فعل ذلك لعله كانت بمأبضه، والمأبض: ما تحت الركبة من كل حيوان. الرابع: أن يطمح ببوله من السطح في الهواء، لما رواه الشيخ عن

(1) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أبو إسحاق مديني أو المدني، ولي قضاء المدينة، روى عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وإبراهيم بن عبد الله، روى عنه يحيى بن سعيد الانصاري، وأيوب والثوري وشعبة وابن عيينة. مات سنة 127 ه‍. وقيل: 126 ه‍. الجرح والتعديل 4: 79، العبر 1: 127، شذرات الذهب 1: 173. (2) المغني 1: 187، المجموع 2: 85، عمدة القارئ 3: 135 وفيها: إبراهيم بن سعد، وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى عن أبيه والزهري وصفوان وابن إسحاق، وروى عنه ابناه يعقوب وسعد وشعبة والليث بن سعد. مات سنة 183 ه‍ أو 184 ه‍. الجرح والتعديل 2: 101، تذكرة الحفاظ 1: 252.
(3) الخصال 1: 54 حديث 72، الوسائل 1: 226 الباب 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
(4) صحيح البخاري 1: 66، صحيح مسلم 1: 228 حديث 673، سنن أبي داود 1: 6 حديث 23. سنن النسائي 1: 19، سنن الدارمي 1: 171، سنن ابن ماجة 1: 111 حديث 305 - 306.
(5) سنن الترمذي 1: 17 حديث 12، وفيه: أحسن شئ في الباب وأصح.

[ 245 ]

مسمع (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يكره للرجل أو ينهى الرجل أن يطمح ببوله من السطح في الهواء) (2). الخامس: البول (3) في الماء جاريا وراكدا، والراكد أشد كراهية، لما رواه الشيخ، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، وكره أن يبول في الراكد) (4). وروي عن مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة) وقال: (إن للماء أهلا) (5). السادس: الجلوس للحدث في المشارع، والشوارع، ومواضع اللعن، وتحت الأشجار المثمرة، وفئ النزال، ومساقط الثمار، وجحرة الحيوان، وأفنية الدور. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن عاصم بن حميد (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل لعلي بن الحسين صلوات الله عليهما: أين يتوضأ (7) الغرباء؟ فقال: (يتقي (8) شطوط الانهار والطرق

(1) مسمع بن عبد الملك بن مسمع بن مالك شيخ بكر بن وائل بالبصرة، يكني أبا سيار الملقب: كردين، روى عن أبي جعفر يسيرا، وعن أبي عبد الله، وأكثر، واختص به، وروى عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع). وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام. رجال النجاشي: 420، رجال الطوسي: 136، 321.
(2) التهذيب 1: 352 حديث 1045 الوسائل 1: 249 الباب 33 من أبواب أحكام الخلوة حديث 8.
(3) " م ": أن يبول.
(4) التهذيب 1: 31 حديث 81، الاستبصار 1: 13 حديث 23، الوسائل 1: 107 الباب 5 من أبواب الماء المطلق حديث 1. (5) التهذيب 1: 34 حديث 90 الاستبصار 1: 13 حديث 25، الوسائل 1: 240 الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 3.
(6) عاصم بن حميد الحناط الحنفي: أبو الفضل، مولى كوفي، ثقة، عين صدوق، من أصحاب الصادق، وروى عنه. رجال النجاشي: 301، رجال الطوسي: 262، الفهرست 120.
(7) " ح ": تتوضأ.
(8) " ح " " ق ": تتقي.

[ 246 ]

النافذة وتحت الأشجار المثمرة ومواضع اللعن) قيل له: وأين مواضع اللعن؟ قال: (أبواب الدور) (1). وفي الحديث الذي نقلناه عن أبي الحسن عليه السلام جوابا لسؤال أبي حنيفة (2) ما يدل على كراهية أفنية المساجد ومنازل النزال. وروى الشيخ عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ثلاثة من فعلهن ملعون، المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، وساد الطريق المسلوك) (4). وروى الجمهور عن عبد الله بن سرجس (5) أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يبال في الجحر (6). ولأنه لا يؤمن خروج حيوان يلسعه، فقد حكي أن سعد بن عبادة (7) بال في جحر بالشام فاستلقى ميتا، فسمعت الجن تنوح عليه بالمدينة، وتقول:

(1) التهذيب 1: 30 حديث 78، الوسائل 1: 228 الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(2) تقدم في ص 240.
(3) اختلفت كتب الرجال والأخبار في الرجل، عنونوه تارة بإبراهيم بن أبي زياد الكرخي، وأخرى بعنوان إبراهيم بن زياد الكرخي، وثالثة: إبراهيم الكرخي البغدادي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق ووثق برواية ابن أبي عمير والحسن بن محبوب عنه. رجال الطوسي: 154، جامع الرواة 1: 16، تنقيح المقال 1: 11، هداية المحدثين: 9.
(4) التهذيب 1: 30، حديث 80 الوسائل 1: 229 الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
(5) عبد الله بن سرجس المزني حليف بني مخزوم سكن البصرة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعمر وأبي هريرة، وروى عنه قتادة وعاصم الاحول وعثمان بن حكيم. الاصابة 2: 315، أسد الغابة 3: 171، الجرح والتعديل 5: 63. (6) سنن أبي داود 1: 8 حديث 29، سنن النسائي 1: 33، مسند أحمد 5: 82، سنن البيهقي 1: 99، نيل الاوطار 1: 103.
(7) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة. الخزرجي الانصاري الساعدي، يكنى أبا ثابت، وقيل: أبا قيس، كان نقيب بني ساعدة، شهد العقبة، وقيل: بدرا، روى عنه بنوه: قيس وسعيد وإسحاق، وحفيده شر حبيل بن سعيد، ومن الصحابة: ابن عباس وأبو أمامة بن سهل، وقصته مشهورة في أنه بال قائما في بئر بالشام فوجد ميتا سنة 15 ه‍ وقيل: 14 ه‍ وقيل: 11 ه‍. أسد الغابة 2: 283، إصابة 2: 30

[ 247 ]

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده (1) السابع: السواك على الخلاء، لما رواه ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، قال: (السواك على الخلاء يورث البخر) (2). الثامن: الكلام على حال الخلاء، لما رواه الجمهور، عن أبي سعيد الخدري (3)، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (لا يخرج الرجلان [ يضربان ] (4) الغائط كاشفان عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن صفوان (6)، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجيب الرجل آخر، وهو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ) (7). أما الذكر لله تعالى أو حكاية الأذان أو قراءة آية الكرسي فلا يكره، لما رواه الشيخ، عن

(1) المغني 1: 188.
(2) الفقيه 1: 32 حديث 110.
(3) سعيد بن مالك بن سنان أو شيبان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر: أبو سعيد الانصاري الخزرجي الخدري من مشهوري الصحابة وعلمائهم وفضلائهم، شهد بيعة الشجرة، والخندق، واثنى عشرة غزوة بعدها، روى عن النبي كثيرا وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وجابر ومحمود بن لبيد وغيرهم. وطائفة من التابعين، وقد عده الشيخ في رجاله من أصحاب رسول الله. اختلف في سنة وفاته، فقيل: 74 ه‍، وقيل: 64 ه‍، وقيل: 63 وقيل: 65 ه‍. أسد الغابة 2: 289، الاصابة 2: 35، تذكرة الحفاظ 1: 44، رجال الطوسي: 20.
(4) في النسخ: يقربان، وما أثبتناه من المصدر.
(5) سنن أبي داود 1: 4 حديث 15، مسند أحمد 3: 36، سنن البيهقي 1: 99، مستدرك الحاكم 1: 157، نيل الاوطار 1: 91.
(6) صفوان بن يحيى، أبو محمد البجلي، بياع السابري، كوفي، ثقة، عين، وكيل الرضا (ع)، وله منزلة عنده، الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الرضا والجواد عليهما السلام. مات سنة 210 ه‍. رجال النجاشي: 197، رجال الطوسي: 378، 402.
(7) التهذيب 1: 27 حديث 69، الوسائل 1: 218 الباب 6 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.

[ 248 ]

عمر بن يزيد (1)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن، قال: (لم يرخص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي وحمد الله أو آية) (2)، ومثله رواية محمد بن بابويه في كتابه (3). وروى الشيخ عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: الحائض والجنب يقرآن شيئا؟ قال: (نعم، ما شاءا إلا السجدة، ويذكران الله على كل حال) (4). وروى ابن بابويه في كتابه قال: لما ناجى الله موسى بن عمران عليه السلام، قال موسى: (يا رب أبعيد أنت مني فأناديك، أم قريب فأناجيك؟ فأوحى الله جل جلاله أنا جليس من ذكرني، فقال موسى يا رب إني أكون في أحوال أجلك أن أذكرك فيها؟ فقال: يا موسى، اذكرني على كل حال) (5). وكره الشافعي ذلك كله (6). لنا: (7) ما تقدم. واحتج بما رواه المهاجر بن قنفذ (8) أنه قال: (إني كرهت أن أذكر الله تعالى)

(1) عمرو بن يزيد بن ذبيان الصيقل: أبو موسى مولى بني نهد، روى عن أبي عبد الله، وعده الشيخ من أصحابه رجال النجاشي: 286، رجال الطوسي: 251، جامع الرواة 1: 639.
(2) التهذيب 1: 352 حديث 1042، الوسائل 1: 220 الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7، فيها: ويحمد الله.
(3) الفقيه 1: 19 حديث 57.
(4) التهذيب 1: 26، حديث 67، الوسائل 1: 220 الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث 6 وفيهما: عن زرارة ومحمد بن مسلم.
(5) الفقيه 1: 20 حديث 58، الوسائل 1: 220 الباب 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
(6) المهذب للشيرازي 1: 26، المجموع 2: 88، السراج الوهاج: 13، مغني المحتاج 1: 42.
(7) " ح " " ق ": ولنا. (8) المهاجر بن قنفذ بن عمير بن جدعان بن كعب بن سعد. القرشي التيمي، كان أحد السابقين إلى الاسلام. وقيل: أسلم يوم الفتح. ولاه عثمان في خلافته شرطته. روى عنه أبو ساسان حضين، وروى عنه الحسن مرسلا. سكن البصرة ومات بها. أسد الغابة 4: 424، الاصابة 3: 466، الجرح والتعديل 8: 259.

[ 249 ]

إلا على طهر) (1). والجواب أحاديثنا أشهر. فروع: الأول: يجب رد السلام لقوله تعالى: " فحيوا بأحسن منها " (2) والامر للوجوب، وكرهه الشافعي (3)، لما روى المهاجر بن قنفذ أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، ويبول فلم يرد عليه حتى توضأ فلما توضأ رد عليه (4). الثاني: يستحب أن يحمد الله تعالى إذا عطس، وأن يسمت العاطس (5)، لما فيهما من الذكر، وكرههما الشافعي (6). الثالث: لو احتاج إلى أمر فإن قدر عليه بغير الكلام كالتصفيق باليد أو ضرب الحائط كان أولى من الكلام، وإلا تكلم. التاسع: الاستنجاء باليمين، لما نقله ابن بابويه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من الجفاء الاستنجاء باليمين) (7). وروى الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا خلى فلا يستنج بيمينه) (8). وعن عائشة قالت كانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله اليمنى لطعامه وطهوره، ويده اليسرى للاستنجاء (9). وكان النبي صلى الله عليه وآله استحب أن يجعل اليمنى، لما علا من الأمور

(1 - 4) سنن أبي داود 1: 5 حديث 17، نيل الاوطار 1: 90.
(2) النساء: 86. (3 - 6) المهذب للشيرازي 1: 26، المجموع 2: 89، مغني المحتاج 1: 42.
(5) " ح " " ق ": المعطس.
(7) الفقيه 1: 19 حديث 51، الوسائل 1: 226 الباب 14 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4، 7 (8) سنن أبي داود 1: 8 حديث 31.
(9) سنن أبي داود 1: 9 حديث 33.

[ 250 ]

واليسرى لما دنا (1). فروع: الأول: لو استنجى بيمينه أجزأ، وترك الأولى في قول العلماء، وحكي عن بعض الظاهرية عدم الإجزاء (2) للنهي، وهو غلط، لأنه نهى تنزيه. الثاني: لا يكره الاستعانة باليمنى، خلافا لبعض الشافعية (3)، وذلك بصب الماء أو غيره لعدم تناول النهي له، وللحاجة إليه. الثالث: لا يكره الاستنجاء باليمين مع الحاجة كمرض اليسار وشبهه. العاشر: الاستنجاء باليسار، وفيها خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى، أو أسماء أنبيائه، أو أحد الأئمة عليهم السلام، أو ما كان فصه من حجر زمزم، فإن كان فيها شئ من ذلك فليحوله، لما رواه عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله تعالى، ولا يستنجي وعليه خاتم فيه اسم الله تعالى، ولا يجامع وهو عليه، ولا يدخل المخرج وهو عليه) (4)، ولان فيه إجلالا لله تعالى وتعظيما، فكان ذلك مناسبا. ولا يعارض بما روى الشيخ عن وهب بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان نقش خاتم أبي: العزة لله جميعا، وكان في يساره يستنجي بها، وكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام: الملك لله، وكان في يده اليسرى يستنجي بها) (5) ولا بما رواه عن أبي القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: الرجل يريد الخلاء وعليه خاتم فيه

(1) عمدة القارئ 2: 269.
(2) المحلى 1: 95، المجموع 2: 109، المغني 1: 177.
(3) المجموع 2: 110.
(4) التهذيب 1: 31 حديث 82، و 126 حديث 340، الاستبصار 1: 48، حديث 133 الوسائل 1: 233 الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
(5) التهذيب 1: 31، حديث 83 الاستبصار 1: 48 حديث 134، الوسائل 1: 234 الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث 8.

[ 251 ]

اسم الله تعالى؟ فقال: (ما أحب ذلك)، قال: فيكون اسم محمد؟ قال: (لا بأس) (1) لأن وهب بن وهب كذاب عامي المذهب، فلا يعول على روايته. الرواية الثانية، فإن رواتها لا يعرف حالهم، وفي طريقها ابن زياد (2)، فإن كان سهلا فهو ضعيف، على إنها لا تدل على الملاقاة بل إنما يدل على الدخول باستصحاب الخاتم. الحادي عشر: الاكل والشرب على حال الخلاء، لما روى ابن بابويه في كتابه، قال: دخل أبو جعفر الباقر عليه السلام الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه، وقال: (تكون معك لآكلها إذا خرجت) فلما خرج عليه السلام، قال للمملوك: (أين اللقمة؟) قال: أكلتها يابن رسول الله؟ فقال: (إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة فاذهب فأنت حر لوجه الله، فإني، أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة) (3)، فتأخيره عليه السلام لاكلها مع ما فيه من الثواب الوافر، دال على كراهية الاكل حينئذ خصوصا لما علق الاكل بالخروج. الثاني عشر: الحدث على شطوط الانهار ورؤس الآبار، ما قدمناه من الحديثين (4)، ولما رواه الشيخ عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها) (5).

(1) التهذيب 1: 32 حديث 84، الاستبصار 1: 48 حديث 135، الوسائل 1: 233 الباب 17 من أحكام الخلوة حديث 6.
(2) سهل بن زياد: أبو سعيد الرازي متهم بالغلو والكذب أخرج من قم إلى الري وسكنها، ضعفه الشيخ في الفهرست والعلامة في رجاله، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام وقال: ثقة. رجال النجاشي: 185، الفهرست: 80، رجال العلامة: 228، رجال الطوسي: 401، 416، 431، تنقيح المقال 2: 75.
(3) الفقيه 1: 18 حديث 49، الوسائل: 1: 254 الباب 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1. كلمة: (لوجه الله) ليست في الحديث.
(4) تقدما في ص 240، 246.
(5) التهذيب 1: 353 حديث 1048، الوسائل 1: 228 الباب 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.

[ 252 ]

الثالث عشر: طول الجلوس على الخلاء، لما رواه أبو جعفر بن بابويه، عن الصادق عليه السلام، قال: (طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور) (1) ورواه الشيخ أبو جعفر الطوسي، عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (قال لقمان: طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور، قال: فكتب هذا على باب الحش) (2). الرابع عشر: أن يمس الرجل ذكره بيمينه عند البول، لما رواه ابن بابويه عن الباقر عليه السلام، قال: (إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه) (3). الخامس عشر: يكره استصحاب دراهم بيض، لما رواه الشيخ عن غياث، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام، أنه كره أن يدخل الخلاء ومعه درهم أبيض (4) إلا أن يكون مصرورا (5). مسألة: يستحب لطالب الحدث أشياء: الان ول: تغطية الرأس عند دخول الخلاء، لما رواه الشيخ عن علي بن أسباط (6) أو رجل عنه، عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان إذا دخل الكنيف، يقنع رأسه، ويقول سرا في نفسه: (بسم الله وبالله) (7). قال المفيد: إنها من سنن النبي صلى الله عليه وآله (8). ولأنه لا يؤمن من وصول الرائحة

(1) الفقيه 1: 19 حديث 56، الوسائل 1: 237 الباب 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(2) التهذيب 1: 325 حديث 1041، الوسائل 1: 236 الباب 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1. (3) الفقيه 1: 19 حديث 55، الوسائل 1: 226 أبواب 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث 6.
(4) " ح " " ق ": دراهم بيض " م " دراهم أبيض.
(5) التهذيب 1: 353 حديث 1046، الوسائل 1: 234 الباب 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
(6) علي بن أسباط بن سالم بياع الزطي: أبو الحسن المقرئ، كوفي ثقة، وكان فطحيا ومن أوثق الناس وأصدقهم لهجة، روى عن الرضا (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا والجواد عليهما السلام. له كتب منها: الدلائل، التفسير، المزار. رجال النجاشي: 252، رجال الطوسي: 382 جامع الرواة 1: 554، الفهرست: 90.
(7) التهذيب 1: 24 حديث 62، الوسائل 1: 214 الباب 3 من أبواب أحكام حديث 2.
(8) المقنعة: 4.

[ 253 ]

إلى دماغه الكشف. الثاني: يستحب التسمية عند الدخول، لرواية علي بن أسباط، ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله وبالله اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم، وإذا خرجت فقل: بسم الله، الحمد لله الذي عافاني من الخبيث المخبث، وأماط عني الأزدي، وإذا توضأت فقل: أشهد أن لا اله إلا الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين والحمد لله رب العالمين) (1). الثالث: الدعاء عند دخول الخلاء والخروج منه وعند الاستنجاء والفراغ منه، لما تقدم. وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (إذا دخلت الغائط فقل: أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، فإذا فرغت فقل: الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط غني الاذى) (2). وروي عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الحسين (3)، عن الحسن بن علي، عن أبيه، عن آبائه، عن جعفر عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل: بسم الله، فإن الشيطان يغض بصره) (4). وروي في الصحيح عن عبد الله بن ميمون القداح (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه، عن علي عليه السلام إنه كان إذا خرج من الخلاء، قال: (الحمد لله الذي

(1) التهذيب 1: 25 حديث 63، الوسائل 1: 216 الباب 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1:.
(2) التهذيب 1: 351 حديث 1038، الوسائل 1: 216 الباب 5 من أبواب الخلوة حديث 2. (3) محمد بن الحسين بن أبي الخطاب: أبو جعفر الزيات الهمداني الكوفي، ثقة عين حسن التصانيف، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد والعسكري عليهم السلام. له كتب: منها التوحيد، منها التوحيد، مات سنة 262 ه‍. رجال النجاشي: 334، رجال الطوسي: 407، 423، 435.
(4) التهذيب 1: 353 حديث 1047، الوسائل 1: 217 الباب 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
(5) عبد الله بن ميمون بن الاسود القداح المكي، مولى بني مخزوم، ثقة من أصحاب الصادق (ع) ومن الفقهاء، له كتاب منها: كتاب مبعث النبي صلى الله عليه وآله. رجال النجاشي: 213، رجال الطوسي: 225، الفهرست لابن النديم: 308.

[ 254 ]

رزقني لذته، وأبقي قوته في جسدي وأخرج عني أذاه، يا لها نعمة) ثلاثا (1). وروى ابن بابويه، عن رسول الله صلى الله عليه، وآله أنه كان إذا أراد دخول المتوضأ، قال: (اللهم إنى أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، اللهم أمط عني الاذى وأعذني من الشيطان الرجيم) وإذا استوى جالسا للوضوء، قال: (اللهم اذهب عني القذى والأذى واجعلني من المتطهرين) فإذا تزحر، قال: (اللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافية فأخرجه مني خبيثا في عافية) (2). وروي أيضا، عنه عليه السلام (3)، إنه كان يقول: (ما من عبد إلا وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ثم يقول له الملك: يابن آدم هذا رزقك، فانظر من أين أخذته، وإلى ما صار؟ فعند ذلك ينبغي للعبد أن يقول: اللهم ارزقني من الحلال وجنبني الحرام) (4). وكان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أراد الحاجة وقف على باب المتوضأ ثم التف عن يمينه ويساره إلى ملكيه، فيقول: (أميطا عني فلكما الله علي أن (5) لا أحدث بلساني شيئا حتى أخرج إليكما). ويقول عند الدخول: (الحمد لله الحافظ المؤدي) (6). الرابع: تقديم الرجل اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج، بخلاف المسجد فيهما. ذكره الأصحاب (7)، فإن المسجد مكان شريف، فاستحب ابتداء العضو الشريف بالدخول فيه، والخلاء بضده. الخامس: الاستبراء في البول، بأن يمسح يده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ثم يمسح القضيب ثلاثا وينتره ثلاثا.

(1) التهذيب 1: 29 حديث 77، الوسائل 1: 216 الباب 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3. (2) الفقيه 1: 16 حديث 37، الوسائل 1: 217 الباب 5 من أبواب الحكام الخولة حديث 5.
(3) رواه عن علي (ع).
(4) الفقيه 1: 16 حديث 38.
(5) " ق " " ح ": إني.
(6) الفقيه 1: 17 حديث 39، 40.
(7) النهاية 12، السرائر: 60، الشرائع 1: 19، الجامع للشرائع: 102.

[ 255 ]

قال علم الهدى: يستحب (1) عند البول نتر القضيب من أصله إلى طرفه، ثلاث مرات (2). لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل بال ولم يكن معه ماء؟ قال: (يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شئ، فليس من البول ولكنه من الحبائل) (3). والمراد منا: عروق الظهر. واحتج المرتضى بما رواه الشيخ في الصحيح، عن حفص بن البختري (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل يبول، قال: (ينتره ثلاثا، ثم إن سال يبلغ الساق فلا يبالي (5). ولا تنافي بين الحديثين، لأن المستحب: الاستظهار (6) بحيث لا يتخلف شئ من أجزاء البول في القضيب، وذلك قابل للشدة والضعف ومتفاوت بقوة المثانة وضعفها. وذهب بعض الأصحاب إلى وجوب الاستبراء (7). فروع: الأول: لو استبرأ ثم وجد بللا كان طاهرا، ولا يجب منه إعادة الوضوء، لقول أبي جعفر عليه السلام: (فليس من البول ولكنه من الحبائل).

(1) " م " " ن ": مستحب.
(2) نقل عنه في المعتبر 1: 134.
(3) التهذيب 1: 28 حديث 71، الوسائل 1: 225 الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(4) حفص بن البختري مولى بغدادي أصله كوفي، ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق. رجال النجاشي: 134، رجال الطوسي: 177، رجال العلامة: 58. (5) التهذيب 1: 27 حديث 70، الاستبصار 1: 49 حديث 136، الوسائل 1: 200 الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 3.
(6) " ح " " ق ": الاستطهار.
(7) النهاية: 10، المبسوط 1: 17، الاستبصار 1: 48.

[ 256 ]

ولا يعارض بما رواه الشيخ، عن الصفار (1)، عن محمد بن عيسى (2)، قال: كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب: (نعم) (3)، لأن محمد بن عيسى لم يسنده إلى إمام، فلعله عول فتوى من لا يوثق به، وأيضا فإنه نقل بالكتابة لا المشافهة، وأيضا: يحتمل أن يكون المجيب، فهم أن الخارج بول فأوجب منه الوضوء، وأيضا: يحتمل أن يكون أراد الاستحباب. كذا ذكره الشيخ (4)، وهو بعيد، لأنه أجاب ب‍ (نعم) عقيب هل يجب الوضوء. الثاني: لو لم يستبرئ وتوضأ وصلى صحت تلك الصلاة، لأن الظاهر انقطاعه، وقد قيل: إن الماء يقطع البول. ولو رأى حينئذ بللا قبل الصلاة أعاد الطهارة لغلبة الظن بكونه من بقايا البول المحتقن في الذكر، فتكون الطهارة مشكوكة، ولو رأى البلل بعد الصلاة لم يعد صلاته لحصولها على الوجه المشروع فكانت مجزية ويعيد الوضوء لحصول الحدث ويغسل الموضع. الثالث: الرجل والمرأة في ذلك سواء. وكذا البكر والثيب، لأن مخرج البول غير موضع (5) والبكارة والثيوبة. مسألة: مذهب علمائنا أن البول لا يجزي فيه إلا الماء. وخالف فيه الجمهور فإن أبا حنيفة لم يجب الاستنجاء منه ولا من الغائط بالماء ولا بغيره (6). وهو أحد الروايتين عن

(1) محمد بن الحسن بن فروخ الصفار: أبو جعفر الاعرج، كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام العسكري، له كتب منها: بصائر الدرجات. مات بقم سنة 290 ه‍. رجال النجاشي: 354، رجال الطوسي: 436، الفهرست: 143.
(2) محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الاشعري: أبو علي، شيخ القميين، دخل على الرضا (ع) وسمع منه، وروى عن أبي جعفر (ع). رجال النجاشي: 338، رجال العلامة: 154، تنقيح المقال 3: 167.
(3) التهذيب 1: 28 حديث 72، الاستبصار 1: 49 حديث 138، الوسائل 1: 202 الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9. (4) التهذيب 1: 28، الاستبصار 1: 49.
(5) " ق " بزيادة: مخرج.
(6) أحكام القرآن للجصاص 3: 367، بدائع الصنائع 1: 18، عمدة القارئ 2: 300، المجموع 2: 95.

[ 257 ]

مالك (1)، وحكى ذلك الزهري. وقدر أبو حنيفة النجاسة تصيب الثوب أو البدن بموضع الاستنجاء، فقال: إذا أصاب الثوب أو البدن (2) قدر ذلك لم يجب إزالته، وقدره بالدرهم البغلي (3). وعند الشافعي وأحمد وإسحاق وداود: يجب الاستنجاء، ويكفي فيه الحجر كالغائط (4)، وهو قول مالك في الرواية الأخرى عنه (5). لنا: ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه مر بقبرين جديدين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان بكبيرة، أما أحدهما: فقال يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا ينتزه من البول) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (وأما البول فلا بعد من غسله) (7). وما رواه عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يجزي من الغائط المسح بالاحجار، ولا يجزي من البول إلا الماء) (8). وما رواه في الصحيح عن زرارة، قال: توضأت يوما ولم أغتسل ذكري ثم صليت فسألت أبا عبد الله عليه السلام [ عن ذلك ] (9)؟ فقال: (اغسل ذكرك، وأعد

(1) عمدة القارئ 2: 300، المجموع 2: 195.
(2) " ق " " ح " بزيادة: بموضع الاستنجاء.
(3) المجموع 2: 95.
(4) الأم 1: 22، المجموع 2: 95، عمدة القارئ 2: 300 بدائع الصنائع 2: 18.
(5) المجموع 2: 95، عمدة القارئ 2: 300.
(6) صحيح البخاري 1: 65، و 8: 20، صحيح مسلم 1: 240 حديث 292، سنن أبي داود 1: 6 حديث 20، سنن الترمذي 1: 102 حديث 70، سنن ابن ماجة 1: 125 حديث 347، سنن الدارمي 1: 188، مسند أحمد 1: 225، سنن النسائي 1: 28 - بتفاوت في الجميع.
(7) التهذيب 1: 49 حديث 144، و 209 حديث 605، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 222 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1. (8) التهذيب 1: 50 حديث 147، الاستبصار 1: 57 حديث 166، الوسائل 1: 223 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 6.
(9) أثبتناه من المصدر.

[ 258 ]

صلاتك) (1) والغسل حقيقة في الازالة بالماء، فلو كان غيره مجزيا لما اقتصر عليه للتنظيف (2). وروي في الحسن، عن يونس بن يعقوب (3) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال: (يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين) (4) فذكر الغسل جوابا عن السؤال المشتمل على المفروض يدل على المقصود، ولهذا لم يجب الغسل في الغائط، قال: فيه (ويذهب الغائط). وروي (5) في الصحيح عن ابن أذينة (6)، قال: ذكر أبو مريم الانصاري أن الحكم بن عتيبة (7) بال يوما ولم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام،

(1) التهذيب 1: 47 حديث 135، الاستبصار 1: 53 حديث 152، الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(2) " م ": للتضييق.
(3) يونس بن يعقوب بن قيس: أبو علي الجلاب البجلي الدهني، اختص بأبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام وكان يتوكل لأبي الحسن (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام. مات بالمدينة في أيام الرضا (ع) فتولى أمره. ونقل المصنف في رجاله عن بعض أنه فطحي وقال بقبول روايته. رجال النجاشي: 446، رجال الطوسي: 335، 363، 394.
(4) التهذيب 1: 47 حديث 134، الاستبصار 1: 52 حديث 151، الوسائل 1: 223 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
(5) " ح " " ق ": وقد روي.
(6) عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة بن سلمة بن الحارث. بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان شيخ أصحابنا البصريين ووجههم، روى عن الصادق (ع) مكاتبة. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليهما السلام. وقد ورد تارة تحت عنوان: ابن أذينة، وأخرى بعنوان: عمر بن أذينة، وثالثة: عمر بن محمد بن عبد الرحمن، وإسناده إلى أذينة إسناد إلى جد أبيه من حيث أن له شرفا وقدرا بين الأصحاب. رجال النجاشي: 283، رجال الطوسي: 253، 353، تنقيح القال 2: 340.
(7) أبو محمد أبو عبد الله: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي مولى الشموس بن عمرو أو عمر الكندي، عده الشيخ من أصحاب السجاد والباقر والصادق عليهم السلام وقال: زيدي بتري ورد فيه ذم من أبي جعفر الباقر (ع). مات سنة 114 وقيل 115. ه‍. رجال الطوسي: 86: 114، 171، رجال العلامة: 218، تقيح المقال 1: 358.

[ 259 ]

فقال: (بئس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره ويعيد صلاته ولا يعيد وضوءه) (1). وما رواه في الصحيح عن عمرو بن أبي نصر (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول فينسى أن يغسل ذكره ويتوضأ قال: (يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه) (3). وما رواه في الصحيح عن داود بن فرقد (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول، قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض وجعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون) (5) فتخصيصه عليه السلام بالماء يدل على نفي الطهورية عن غيره خصوصا عقيب ذكر النعمة بالتخفيف، فلو كان البول يزول بغيره لكان التخصيص منافيا للمراد. وما رواه في الصحيح، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا انقطعت ذرة البول، فصب الماء) (6) والامر للوجوب. وأيضا فإن مقتضى الدليل عدم إزالة النجاسة بغير الماء، فيجب المصير إليه. وأيضا: لو جاز إزالة البول بغير الماء لجاز إزالته إذا تعدى المخرج، والتالي باطل عند الشافعي (7).

(1) التهذيب 1: 48 حديث 137، الاستبصار 1، 53 حديث 154 الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 4.
(2) عمرو بن أبي نصر الانماطي السكوني الشرعبي، واسم أبي نصر: زيد، وقيل: زيادة، ثقة روى عن أبي عبد الله، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 290، رجال الطوسي: 248، الفهرست: 111، رجال العلامة: 121.
(3) التهذيب 1: 48 حديث 139، الاستبصار 1: 54 حديث 156، الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 5. (4) أبو يزيد داود بن فرقد مولى آل أبي سمال الاسدي النصري، كوفي ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال النجاشي: 158، رجال الطوسي: 189، 349.
(5) التهذيب 1: 356 حديث 1064، الوسائل 1: 247 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
(6) التهذيب 1: 356 حديث 1065، الوسائل 1: 247 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(7) الأم 1: 22.

[ 260 ]

وبيان الملازمة حصول الازالة الموجبة للتطهير بالمناسبة المشتركة بين البابين. وأيضا: لو جاز إزالته بغير الماء، لجاز إزالة ما زاد على الدرهم إذا (1) كان في غير المخرج، والتالي باطل عند أبي حنيفة (2). ووجه الملازمة: ما قدمناه. فروع: الأول: البكر كالثيب في وجوب الغسل بالماء لما قلناه. أما المقتصرون على الاحجار، فرقوا بينهما فجعلوا البكر كالرجل، لأن عذرتها تمنع انتشار البول (3)، وأما الثيب فإن خرج البول بحدة فلم ينتشر فكذلك وإن تعدى مخرج الحيض، فقد أوجب بعضهم الغسل، لأن مخرج الحيض والولد غير مخرج البول (4). الثاني: الاقلف إن كان مرتتقا (5) لا يمكنه إخراج البشرة فهو كالمختتن، وإن أمكنه إخراجها كشفها إذا بال وغسل المخرج، فإن لم يكشفها وقت البول فهل يجب كشفها لغسل المخرج؟ الأقرب الوجوب، ولو تنجست (6)، بالبول، وجب غسلها كما لو انتشر إلى الحشفة. الثالث: لو توضأ قبل غسل المخرج جاز، ولو صلى أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء. وهو مذهب أكثر علمائنا (7). وقال ابن بابويه: ومن صلى فذكر أنه لم يغسل ذكره فعليه أن يغسل ذكره ويعيد الوضوء والصلاة (8).

(1) " ق " " ح ": أن.
(2) المجموع 2: 95.
(3) المجموع 2: 111، المغني 1: 182.
(4) المغني 1: 182. (5) " ن " " ق " " ح ": مرتقا.
(6) " م ": نجست.
(7) المبسوط 1: 24، النهاية: 17، المهذب 1: 41، الشرائع 1: 24.
(8) الفقهية 1: 21، وقال في المقنع: 4: وأعد الوضوء للصلاة.

[ 261 ]

لنا: ما تقدم من الروايات الصحيحة كرواية ابن أذينة، وعمرو بن أبي نصر (1). وما رواه الشيخ، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يبول فلا يغسل ذكره حتى يتوضأ وضوء الصلاة؟ فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد وضوءه) (2). احتج ابن بابويه بروايات منها: ما رواه [ سماعة ] (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (فإن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك) (4). ومنها: ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (5). ومنها: ما رواه سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام، في الرجل يتوضأ فينسى غسل ذكره؟ قال: (يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء) (6). والجواب من حيث الاجمال، ومن حيث التفصيل: أما الاجمال، فمن وجهين: الأول: يحمل الأمر على الاستحباب، فإن تكرار الطهارة مستحب. الثاني: يحمل الوضوء على مفهومه اللغوي جمعا بين الأدلة. وأما التفصيل: أما الرواية الأولى، فإن راويها محمد بن عيسى، عن يونس، عن زرعة، عن سماعة، وزرعة وسماعة واقفيان، فلا تعويل (7) على روايتهما، وأحاديث

(1) تقدمت في ص 258، 259.
(2) التهذيب 1: 48 حديث 138، الاستبصار 1: 53 حديث 155، الوسائل 1: 208 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 1: (3) في النسخ: عمار. والصواب ما أثبتناه بدليل ما سيأتي في الجواب من نسبته إلى سماعة.
(4) الكافي 3: 19 حديث 17، التهذيب 1: 50 حديث 146، الاستبصار 1: 55 حديث 162، الوسائل 1: 224 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
(5) التهذيب 1: 47 حديث 136، الاستبصار 1: 53 حديث 153، الوسائل 1: 209 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 8.
(6) التهذيب 1: 49 حديث 142، الاستبصار 1: 54 حديث 158، الوسائل 1: 209 الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث 9.
(7) " م " " ن ": يعول.

[ 262 ]

محمد بن عيسى عن يونس، نقل ابن بابويه منع العلم بها، عن ابن الوليد (1). وأما الثانية: فإن في طريقها سماعة بن مهران وهو واقفي (2). وأما الثالثة: فإن سليمان بن خالد راويها، لم ينص أصحابنا على تعديله، بل ذكروا أنه خرج مع زيد بن علي (3) فقطعت يده. كذا قال النجاشي (4)، وقال الشيخ: قطعت إصبعه، قالا: ولم يخرج معه من أصحاب أبي جعفر عليه السلام غيره (5). ولا يعارض ما ذهبنا إليه من وجوب إعادة الصلاة بما رواه هشام بن سالم (6)، عن أبي عبد لله عليه السلام، في الرجل يتوضأ وينسى أن يغسل ذكره وقد بال، فقال: (يغسل ذكره ولا يعيد الصلاة) (7). أما أولا: فلاحتمال تخصيص هذا الحكم بمن لم يجد الماء. ذكره الشيخ (8). وأما ثانيا: فلأن في طريقها أحمد بن هلال، وهو ضعيف، قال الشيخ: هو غال (9)،

(1) انظر: رجال النجاشي: 333.
(2) راجع: ص 84.
(3) أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام المجاهد المعروف الذي تنسب إليه الزيدية: أخو الامام الباقر (ع)، عده الشيخ تارة من أصحاب أبيه السجاد (ع) وأخرى من أصحاب الباقر (ع) وثالثة من أصحاب الامام الصادق (ع) صرح المفيد رضوان الله عليه، أنه ظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين (ع) ونقل المامقاني اتفاق علماء الاسلام على جلالته وثقته وورعه وعلمه، استشهد سنة 121 ه‍. إرشاد المفيد 2: 168، رجال الطوسي: 89، 122، 195، تنقيح المقال 1: 467.
(4) رجال النجاشي: 183.
(5) رجال الطوسي: 207.
(6) هشام بن سالم الجواليقي العلاف مولى بشر بن مروان: أبو محمد، أو أبو الحكيم، ثقة، له أصل، وكان من سبي الجوزجان، روى الكشي في مدحه روايات. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال الكشي: 271، رجال النجاشي: 434، رجال الطوسي: 329، 363، الفهرست: 174، تنقيح المقال 3: 301.
(7) التهذيب 1: 48 حديث 140، الاستبصار 1: 54 حديث 157، الوسائل 1: 224 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(8) الاستبصار 1: 54.
(9) رجال الطوسي: 410.

[ 263 ]

وقال النجاشي: ورد فيه ذموم من سيدنا أبي محمد العسكري عليه السلام (1). الرابع: لو لم يجد الماء لغسل البول أو تعذر استعماله لجرح وشبهه (2)، أجزأه المسح بالحجر وشبهه مما يزيل العين، لأن الواجب إزالة العين والأثر، فلما تعذرت إزالتهما لم يسقط إزالة العين. وروى الشيخ، عن عبد الله بن بكير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط؟ قال: (كل شئ يابس زكي) (3). تنبيه: لو وجد الماء بعد ذلك وجب عليه الغسل، ولا يجتزئ بالمسح المتقدم، لأنه اجتزأ به للضرورة وقد زالت، ونجاسة المحل باقية، لأن المزيل لم يوجد، فلو لاقاه شئ برطوبة كان نجسا. الخامس: لو خرج من الذكر دود، أو حصى، أو غيره مما ليس ببول ولا دم ولا مني، لا يجب غسله، سواء كان جامدا، أو مائعا عملا بالأصلين: براءة الذمة، والطهارة. وكذا لو أدخل شيئا ثم أخرجه كالميل والحقنة ما لم يحصل هناك نجاسة من أحد الثلاثة، وللشافعي قولان في الجامد كالحصى والدود إذا خرجت غير ملوثة. أحدهما: وجوب الاستنجاء إذ لا يخلو من نداوة وإن لم يظهر. والثاني: عدم الوجوب لعدم البلة فأشبه الريح (4). وعلى الأول هل تجزي الحجارة أو يتعين الماء؟ قولان (5)، وأوجب الاستنجاء من المائع كالدم والقيح والصديد والمذي قطعا (6)، وفي تعيين الماء والتخيير بينه وبين الحجارة، قولان (7).

(1) رجال النجاشي: 83.
(2) " ح " " ق ": أو شبهه.
(3) التهذيب 1: 49 حديث 141، الاستبصار 1: 57 حديث 167، الوسائل 1: 248 الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5. (4) المهذب للشيرازي 1: 27، المجموع 2: 96. (5 - 6 - 7) المهذب للشيرازي 1: 29، المجموع 2: 127.

[ 264 ]

ولو خرجت البعرة يابسة لا بلل فيها، كان حكمها حكم الحصاة عنده (1)، وعندنا: يجب فيها الاستنجاء. ولو سال إلى فرج امرأة مني من ذكر أو أنثى ثم خرج، لم يجب به وضوء ولا غسل ويكون حكمه حكم النجاسة الملاقية للبدن في وجوب غسل موضع الملاقاة خاصة. السادس: من بال لا يجب عليه إلا غسل مخرج البول لا غير، لأنه محل النجاسة، فالتعدي في الغسل إلى غيره غير معقول، وهو إجماع علمائنا. وروى عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا بال الرجل ولم يخرج منه شئ غيره فإنما عليه أن يغسل إحليله وحده ولا يغسل مقعدته) (2). السابع: أقل ما يجزي من الماء لغسلة ما أزال العين عن رأس الفرج، هذا قول أبي الصلاح (3)، وقدره الشيخان بمثلي ما على الحشفة (4). لنا: إن المنع تابع للعين وقد زالت، فخرج (5) عن العهدة. استدل الشيخ بما رواه نشيط بن صالح (6) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ قال: (مثلا ما على الحشفة من البلل) (7) وفي

(1) المجموع 2: 96.
(2) التهذيب 1: 45 حديث 127، الاستبصار 1: 52 حديث 149، الوسائل 1: 244 الباب 28 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(3) الكافي في الفقه: 127.
(4) الفيد في المقنعة: 4، والطوسي في النهاية: 11، والمبسوط 1: 17.
(5) " م " " خ " " ن ": فيخرج.
(6) نشيط بن صالح بن لفافة العجلي مولاهم، كوفي ثقة، روى عن أبي الحسن موسى (ع) وكان يخدمه. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال النجاشي: 429، رجال الطوسي: 326، 362، رجال العلامة: 176.
(7) التهذيب 1: 35 حديث 93، الاستبصار 1: 49 حديث 139، الوسائل 1: 242 الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.

[ 265 ]

طريق هذه الرواية مروك بن عبيد (1) ولا أعرف حاله، فنحن فيها من المتوقفين، ولان الاجماع واقع على الاكتفاء في الغائط بالازالة ففي البول أولى، لسرعة انفصاله بجميع (2). أجزائه. وقد روى نشيط، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يجزي من البول أن يغسله بمثله) (3) وهذا الخبر مرسل، وفي طريقه مروك ولا نعرفه. الثامن: لا يجب على المرأة إدخال إصبعها في فرجها، ونقل عن بعض الحنفية قول مردود عندهم وجوبه (4)، وليس بشئ لعدم الدليل، ولان الباطن لا يقبل النجاسة وإلا لزم الحرج والضرر. مسألة: قال علماؤنا: الاستنجاء من الغائط واجب. وهو مذهب أكثر أهل العلم (5). وقال أبو حنيفة: إنه سنة وليس بواجب (6). وهو رواية عن مالك (7)، وحكي أيضا عن الزهري.

(1) مروك بن عبيد بن سالم بن أبي حفصة مولى بني عجل، وقيل: مولى عمار بن المبارك العجلي. واسم مروك: صالح. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الجواد (ع) وقال في الفهرست: له كتاب. ونقل المصنف توثيق الكشي إياه وسكت عنه. رجال النجاشي: 425، رجال الطوسي: 406، الفهرست: 168، رجال العلامة: 172.
(2) " ح " " ق ": لجميع.
(3) التهذيب 1: 35 حديث 94، الاستبصار 1: 49 حديث 140، الوسائل 1: 243 الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 7.
(4) المجموع 2: 111، وفيه قال صاحب البيان وغيره: يستحب للبكر أن تدخل إصبعها في الثقب الذي في الفرج فتغسله.
(5) المهذب للشيرازي 1: 27، المجموع 2: 95، المغني 2: 172، عمدة القارئ 2: 300.
(6) بدائع الصنائع 1: 19، أحكام القرآن للجصاص 34: 367 المجموع 2: 95، عمدة القارئ 2: 300، ميزان الكبرى 1: 114، الهداية للمرغيناني 1: 37، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 16.
(7) المجموع 2: 95، عمدة القارئ 2: 300، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 16، ميزان الكبرى 1: 114.

[ 266 ]

لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه) (1). وقال عليه السلام: (لا يستنجئ أحدكم بدون ثلاثة أحجار) (2) رواه مسلم، وفي لفظ: (لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة) (3) والامر يقتضي الوجوب، والإجزاء إنما يستعمل في الواجب، والنهي عن الاقتصار على أقل من ثلاثة، يقتضي التحريم. ولان المحل لا يخلو من ملاقاة نجاسة فيجب إزالتها ليحصل (4) الطهور المشروط في الصلاة بقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بطهور) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال: (يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين) (6). وما رواه الشيخ في الحسن، عن ابن المغيرة، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (ينقي ما ثمة) (7) والامر للوجوب. وما رواه الشيخ عن مسعدة بن زياد (8)، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن النبي

(1) سنن أبي داود 1: 10 حديث 40، سنن الدارمي 1: 171، مسند أحمد 6: 133، سنن النسائي 1 (2) صحيح مسلم 1: 224 ذيل 262.
(3) صحيح مسلم 1: 223 حديث 262.
(4) " ح " " ق ": لتحصيل.
(5) صحيح مسلم 1: 204 حديث 224، سنن ابن ماجة 1: 100 حديث 272، 274 سنن أبي داود 1: 16 حديث 59، سنن الترمذي 1: 5 حديث 1، واللفظ في الجميع: (لا تقبل صلاة بغير طهور.) مسند أحمد 2: 57، ومن طريق الخاصة، انظر: التهذيب 1: 49 حديث 144، و 209 حديث 605 وج 2: 140 حديث 546، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 256 الباب 1 من أبواب الوضوء حديث 1.
(6) التهذيب 1: 47 حديث 134، الاستبصار 1: 52 حديث 151، الوسائل 1: 223 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 5.
(7) التهذيب 1: 28 حديث 75، الوسائل 1: 227 الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(8) مسعدة بن زياد الربعي الكوفي، ثقة عين، روى عن أبي عبد الله (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الباقر والصادق عليهما السلام، له كتاب مبوب في الحلال والحرام. رجال النجاشي: 415، رجال الطوسي 137، 314.

[ 267 ]

صلى الله عليه وآله، قال لبعض نسائه: (مري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء، فإنه مطهرة للحواشي ومذهبة للبواسير) (1). وروى، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: قال: (جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان (2) ولا يغسله، ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلها) (3). وروي في الصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا صلاة إلا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأما البول فلا بد من غسله) (4) ولفظ (5) الإجزاء يدل على الوجوب، خصوصا بعد قوله: (لا صلاة إلا بطهور) فإنه لما ذكر ذلك عقب بالاستنجاء كان القصد أنه من جملة الطهور وإلا لم يكن لذكر الحكم الأول فائدة. وروي في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته أنه لم يستنج من الخلاء؟ قال: (ينصرف ويستنجي من الخلاء ويعيد الصلاة، وإن ذكر وقد فرغ من صلاته أجزاه ذلك ولا إعادة عليه) (6). احتج أبو حنيفة (7) بما رواه أبو داود، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (8) ولأنها نجاسة يكتفى فيها

(1) التهذيب 1: 44 حديث 125، الاستبصار 1: 51 حديث 147، الوسائل 1: 222 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3. وفيها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال.
(2) العجان - بكسر الميم -: ما بين الخصية وحلقة الدبر - المصباح المنير 1: 395.
(3) التهذيب 1: 46 حديث 129، الوسائل 1: 246 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3. وفيهما: يمسح رجليه ولا يغسلهما.
(4) التهذيب 1: 49 حديث 144 و 209 حديث 605 وج 2: 140 حديث 545، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 256 الباب 1 من أبواب الوضوء حديث 1، و 222 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(5) " ح " " ق ": ولفظة.
(6) التهذيب 1: 50 حديث 145، الاستبصار 1: 55 حديث 161، الوسائل 1: 224 الباب 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4. (7) الهداية للمرغيناني 1: 37، بدائع الصنائع 1: 18.
(8) سنن أبي داود 1: 9 حديث 35.

[ 268 ]

بالمسح، فلم يجب إزالتها كيسير الدم. والجواب عن الأول: إن نفي الحرج عائد إلى الوتر إذ هو المأمور به في الخبر، ونحن نقول به. وعن الثاني: إن الاجتزاء بالمسح لمشقة الغسل، لكثرة تكرره في محل الاستنجاء. فروع: الأول: إذا تعدى المخرج تعين الماء. وهو أحد قولي الشافعي وإسحاق، والقول الثاني للشافعي أنه: إذا تعدى إلى باطن الاليتين ولم يتجاوز إلى ظاهرهما فإنه يجزيه الحجارة، فإن تجاوز ذلك وظهر على الاليتين وجب الماء عنده قولا واحدا (1)، وأما البول فإذا انتشر على ما أقبل على الثقب أجزأه الاستنجاء، وإن انتشر حتى تجاوز ذلك وجب الماء فيما جاوزه (2). وذكر صاحب الفتاوي اختلاف الحنفية فيما إذا أصاب موضع الاستنجاء أكثر من قدر الدرهم، فاستنجى بثلاثة أحجار، ولم يغسله فقال بعضهم بالطهارة ونفاه آخرون، ولو كانت النجاسة في سائر الموضع أكثر من قدر الدرهم لم يجز إلا الغسل. لنا: ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام، أنه قال: (انكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا، فاتبعوا الماء والأحجار) (3) ولان المتعين لازالة النجاسة إنما هو الماء، والاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة الحاصلة من تكرر (4) الغسل مع تكرار (5). النجاسة، أما ما لا يتكرر فيه حصول النجاسة فلا يجزي فيه إلا الغسل كالساق والفخذ. ومن طريق الخاصة: ما رواه مسعدة بن زياد من أمر النبي صلى الله عليه وآله لنسائه، بأن يأمرن النساء بالاستنجاء بالماء، وقد تقدم (6). وما رواه عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام: (وإن خرج من مقعدته شئ)

(1) المغني 1: 182، المهذب للشيرازي 1: 28.
(2) الأم 1: 22، المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 2: 125، 126.
(3) سنن البيهقي 1: 106 - بتفاوت يسير. (4 - 5) " ح " " ق ": تكرار.
(6) تقدم في ص 267.

[ 269 ]

ولم يبل فإنما عليه أن يغسل المقعدة) (1) والغسل حقيقة في الازالة بالماء ولفظة (على) تدل على الوجوب. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود، عن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول في الاستنجاء: (يغسل ما ظهر على الشرج ولا يدخل الانملة) (2) (إذ الأمر) (3) للوجوب. وروي في الصحيح عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر الأنصار إن الله قد أحسن عليكم الثناء فماذا تصنعون؟ قالوا: نستنجي بالماء) (4). لا يقال: ما دلت عليه هذه الآثار لا تقولون به، وما تقولون به لا تدل عليه هذه الأخبار، بيانه: إنها كما تتناول المتعدى تتناول غيره، وأنتم لا تقولون به، وما تقولون به من التخصيص بالمتعدي لا تدل عليه هذه الأخبار. لأنا نقول: إنها كما دلت على المطلوب وهو وجوب الغسل بالماء في المتعدي لكونه أحد أفراد العموم المستفاد من الاحاديث، فهي دالة على غيره، ونحن لم نتعرض الآن له فإذا أخرجناه عن ارادة المخصصات، لا يلزم خروج المطلوب عن الارادة. الثاني: إذا لم يتعد المخرج، تخير بين الماء والأحجار، والماء أفضل، والجمع بينهما أكمل، وهو مذهب أهل العلم (5) إلا من شذ كعطاء، فإنه قال: غسل الدبر محدث (6)، وكسعيد بن المسيب فإنه قال: هل يفعله إلا النساء (7)؟! وأنكر ابن الزبير وسعد بن أبي

(1) التهذيب 1: 45 حديث 127، الاستبصار 1: 52 حديث 149، الوسائل 1: 244 الباب 28 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(2) التهذيب 1: 45 حديث 128، الاستبصار 1: 51 حديث 146، الوسائل 1: 245 الباب 29 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(3) " م ": والامر.
(4) التهذيب 1: 354 حديث 1052، الوسائل 1: 250 الباب 34 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(5) المهذب للشيرازي 1: 27، المجموع 2: 100، المغني 1: 174، نيل الاوطار 1: 122.
(6) المغني 1: 173.
(7) المغني 1: 173، المجموع 2: 101.

[ 270 ]

وقاص (1) الاستنجاء بالماء (2)، وكان الحسن البصري لا يستنجئ بالماء (3). وحكي عن قوم من الزيدية (4) والقاسمية (5) ما يضاد قول هؤلاء، وهو أنه لا يجوز الاستنجاء بالاحجار مع وجود الماء (6). لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وآله كان يستنجي بالماء (7). وروى أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة؟ من ماء وعنزة فيستنجي بالماء (8). وروى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (نزلت هذه الآية في أهل قبا " فيه رجال يحبون أن يتطهروا " (9) قال: كانوا يستنجون بالماء) (10). ومن طريق الخاصة: ما قدمناه من حديث هشام، عن النبي صلى الله عليه وآله (11)

(1) أبو إسحاق بن أبي وقاص، سعد بن مالك بن أهيب - أو وهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، روى عن النبي صلى الله عليه وآله كثيرا، وروى عنه بنوه: إبراهيم وعامر ومصعب وعمر ومحمد، وعائشة وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم. مات سنة 51 ه‍ وقيل: 55، وقيل غير ذلك. الاصابة 2: 33، أسد الغابة 2: 290. (2) المغني 1: 173، المجموع 2: 100، نيل الاوطار 1: 122.
(3) المغني 1: 173، نيل الاوطار 1: 122.
(4) الزيدية، هم الذين قالوا بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام ثم قالوا بالامامة في ولد فاطمة عليها السلام كائنا من كان إذا خرج بالامامة. ومن علمائهم سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وصالح بن حي وولده. الفهرست لابن النديم: 253، الملل والنحل: 137.
(5) هم: من فرق الزيدية القائلين بإمامة أبي محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الحسيني العلوي أخي محمد بن إبراهيم بن طباطبا من الأم، سكن جبال القدس من نواحي المدينة، وكان يعرف بالرسي، انتسابا إلى الجبل الذي مات فيه. تاريخ اليمن: 18.
(6) المجموع 2: 101، نيل الاوطار 1: 122.
(7) سنن الترمذي 1: 30 حديث 17، سنن النسائي 1: 42.
(8) صحيح البخاري 1: 50، صحيح مسلم 1: 227.
(9) التوبة: 108.
(10) سنن أبي داود 1: 11. (11) تقدم قي ص 269.

[ 271 ]

وغيره من الاحاديث. وما رواه الشيخ، عن الحسن بن راشد (1)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (الاستنجاء بالماء البارد يقطع البواسير) (2). وأما ما يدل على كون الماء أفضل: ما تقدم من حديث أبي هريرة وعائشة. ومن طريق الخاصة: ما رواه زرارة في الصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار) (3) وهذا يدل على أفضلية غيره وهو الماء عليه، وما رواه هشام أيضا، ولأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر، وذلك أبلغ في التنظيف، ولما رواه الشيخ، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا استنجى أحدكم، فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء) (4) فسوغ الاستنجاء مع عدم الماء، وليس ذلك شرطا لما يأتي من جواز الاقتصار على الاحجار. وأماما يدل على أن الجمع أفضل فما رواه الشيخ، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام، قال: (جرت السنة الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، ويتبع بالماء) (5) وليس الجمع شرطا. وأما ما يدل على جواز الاقتصار على الاحجار مع عدم التعدي: فإجماع علماء الاسلام، وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزي عنه) وقد تقدم (6). ومن طريق الخاصة: رواية زرارة وغيرها وقد تقدمت (7).

(1) أبو محمد الحسن بن راشد مولى بني العباس، كان وزير المهدي وموسى وهارون، بغدادي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع)، مضيفا إلى ما في العنوان قوله: كوفي. رجال الطوسي: 167، جامع الرواة 1: 197، تنقيح المقال 1: 276.
(2) التهذيب 1: 354 حديث 1056، الوسائل 1: 250 الباب 34 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(3) راجع ص 267، 269.
(4) التهذيب 1: 45 حديث 126، الاستبصار 1: 52 حديث 148، الوسائل 1: 223 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
(5) التهذيب 1: 46 حديث 130، الوسائل 1: 246 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4. (6 - 7) في ص 266، 267.

[ 272 ]

وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (كان الحسين بن علي عليهما السلام يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل) (1) ولان المحل طاهر حال الضرورة، فكذا حال الاختيار. الثالث: حد الاستنجاء بالماء النقاء، بحيث يزول العين والأثر، لما رواه الشيخ في الحسن، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ويذهب الغائط) وقد تقدم (2). وما رواه الشيخ في الحسن، عن ابن المغيرة، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: قلت: للاستنجاء حد؟ قال: (لا، ينقى مأثمة) قلت: فإنه ينقي مأثمة، ويبقى الريح؟ قال: (الريح لا ينظر إليها) (3). ولان المراد إزالة العين والأثر، فلا يحصل المقصود دونه، أما الاستجمار فحده إزالة (4) العين، والأثر معفو عنه، لأنه لا يتعلق بالجامد منه شئ وإنما ينظفه الماء، أما الرائحة فإنها معفو عنها في الاستنجاء بالماء والأحجار. الرابع: الاحجار المستعملة في الاستنجاء يشترط فيها أمور: الأول: العدد، فلا يجزي أقل من الثلاث وإن حصل النقاء بالاقل. وهو مذهب الشيخ (5) وأتباعه (6)، وأحمد (7)، والشافعي (8)، وإسحاق، وأبي ثور (9).

(1) التهذيب 1: 354 حديث 1055، الوسائل 1: 252 الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
(2) في ص 266.
(3) التهذيب 1: 28 حديث 75، الوسائل 1: 227 الباب 13 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(4) " ح " " ق ": زوال.
(5) النهاية: 10، الخلاف 1: 20، المبسوط 1: 17.
(6) كالقاضي ابن البراج في المهذب 1: 40، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 662.
(7) المغني 1: 173، المجموع 2: 104.
(8) الأم 1: 22، الأم (مختصر المزني) 8: 3، مغني المحتاج 1: 43، بدائع الصنائع 1: 19، المغني 1: 174، الهداية للمرغيناني 1: 37 المجموع 2: 103.
(9) المجموع 2: 104.

[ 273 ]

وقال مالك وداود: الواجب الانقاء دون العدد (1). وهو اختيار المفيد من أصحابنا (2). وقال أبو حنيفة: المستحب الانقاء ولا اعتبار بالعدد (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن سلمان رضي الله عنه، قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) (4). ومن طريق الخاصة: رواية زرارة الصحيحة، عن أبي جعفر عليه السلام: (ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله) (5). وفي رواية أخرى: (جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله) (6). ولان الحجر الواحد لا يحصل به الازالة الكلية فلا بد من تخلف شئ من بقايا النجاسة غالبا، وقليل النجاسة ككثيرها، وفي الثلاثة يحصل القطع بالازالة. فرعان: الأول: لو لم يحصل النقاء بالثلاثة وجبت الزيادة إلى أن يحصل النقاء، وهو إجماع لكن يستحب أن لا يقطع إلا على وتر، بالنقاء: زوال عين النجاسة ورطوبتها بحيث يخرج الحجر نقيا ليس عليه أثر.

(1) المغني 1: 174، المجموع 2: 104.
(2) المقنعة: 4.
(3) بدائع الصنائع 1: 19، المحلى 1: 97، عمدة القارئ 2: 304، الهداية للمرغيناني 1: 37، المجموع 2: 104.
(4) صحيح مسلم 1: 223، حديث 262.
(5) التهذيب 1: 49 حديث 144، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 222 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(6) التهذيب 1: 46 حديث 129، الوسائل 1: 246 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 3.
(7) لعل مراده الحديث الذي رواه أبو داود المتقدم في ص 267 حيث لم نجد رواية عن علي (ع) متقدمة بهذا الخصوص.

[ 274 ]

ولان المراد إزالة عين النجاسة، ولما كان ذلك إنما يحصل غالبا باستعمال الثلاثة لا، جرم، قدره الشارع بها لمقارنتها الازالة غالبا لا لاجزائها وإن لم يحصل النقاء. الثاني: في إجزاء الحجر ذي الشعب الثلاث خلاف، قال في المبسوط: يجزي عند بعض أصحابنا، قال: والأحوط اعتبار العدد (1). ومنع داود (2)، والأقوى عندي الجواز، وهو أحد قولي الشافعي (3) وإسحاق وأبي ثور (4)، وإحدى الروايتين عن أحمد (5). احتج الشيخ بالاحاديث الدالة على استعمال ثلاثة أحجار (6). ولنا: إنه استجمر ثلاثا منقية بما وجد فيه شرط الاستجمار فأجزأه كما لو تعدد حسا، ولأنه لو فصله لجاز استعماله إجماعا، ولا فرق بينهما إلا الفصل، ولا أثر له في التطهير، ولأنه لو استجمر به ثلاثة لحصل (7) لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة أحجار، فكذلك في الواحد، ولان الواجب التطهير، وهو إنما يحصل بعدد المسحات دون بالأحجار، ولهذا لو مسح بحائط أو ثوب ثلاث مسحات أجزأه، واحتجاجهم بالاحاديث ضعيف، لأنها دالة على تكرر (8) المسحات بالحجر دون غير الاحجار، كما يقال: ضربته ثلاثة أسواط، أي: ثلاث ضربات بسوط، لأن معناه معقول والمراد معلوم، ولهذا لم نقتصر على لفظة الاحجار بل جوزنا استعمال الخشب والخرق (9) وغيرهما. لا يقال: يشترط الطهارة في الاحجار وهي غير حاصلة. لأنا نقول: المشترط إنما هو الطهارة في محل الاستعمال، ولهذا لو تنجس جانبه بغير

(1) المبسوط 1: 17.
(2) المغني 1: 174، المجموع 2: 104.
(3) الأم 1: 22، المحلى 1: 98، المغني 1: 180، مغني المحتاج 1: 45، السراج الوهاج: 12، المجموع 2: 103.
(4) المغني 1: 180، المجموع 2: 104.
(5) الكافي لابن قدامة 1: 65، المغني 1: 180، المجموع 2: 104.
(6) الخلاف 1: 20 مسألة - 50.
(7) " ح " " ق ": يحصل.
(8) " خ " " ق " " ح ": تكرار.
(9) " ق " " ح " " ن ": الخزف.

[ 275 ]

الاستعمال جاز استعمال الجانب الآخر، ولو استعمل ثلاثة أنفس ثلاثة أحجار كل واحد منهم من كل حجر بشعبة (1)، أجزأهم، وعلى قول الشيخ لا يجزي. الوصف الثاني: أن يكون مما له تأثير في إزالة العين، لأنه هو المقصود فيحصل به الاكتفاء، وذلك يستدعي شيئين: الأول: يجوز استعمال الخرق (2) والخشب والمدر والجلد وكل جامد طاهر مزيل، إلا ما نستثنيه. وهو قول أكثر أهل العلم (3). وقال داود: الواجب الاقتصار على الاحجار (4)، وحكي ذلك عن زفر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (واستنظف بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن ابن المغيرة، عن أبي الحسن عليه السلام، قلت: للاستنجاء حد؟ قال: (لا، ينقي مأثمة) (7). وما رواه في الصحيح عن زرارة، قال: كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغائط بالمدر والخرق (8). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه، السلام قال: (كان الحسين عليه السلام يتمسح من الغائط بالكرسف، ولا يغتسل (9)) (10).

(1) " ن " " م " " ق " " ح ": شبعة.
(2) " ح " " ق " " ن ": الخزف.
(3) المغني 1: 178، المجموع 2: 113.
(4) نفس المصادر.
(5) الكافي لابن قدامة 1: 66، المغني 1: 178.
(6) سنن البيهقي 1: 111، سنن الدار قطني 1: 57 حديث 12، وفيها:. ليستطب بثلاثة أحجار.
(7) تقدم الحديث في ص 272.
(8) التهذيب 1: 354 حديث 1055، الوسائل 1: 242 الباب 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث 6.
(9) كذا في النسخ، وفي المصدر: يغسل.
(10) تقدم في ص 272.

[ 276 ]

ولان المقصود إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الاحجار كحصوله بها. واحتج داود بأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بالأحجار (1)، وهو يقتضي الوجوب، ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها كالتراب في التيمم. والجواب عن الأول: إن الأمر إذا كان لمعنى، ووجد الشرع (2) مشاركة، عدي الحكم إليه عنده، وقد حصل في هذه الصورة ما ذكرناه. وعن الثاني: إن الرخصة في التيمم غير معقولة المعنى، فلهذا لم يعد الحكم بخلاف ما ذكرناه. الثاني: لا يجوز استعمال ما يزلج من النجاسة كالحديد الصقيل، والزجاج، واللحم الرخو، وأشباه ذلك، ولا يجزي لعدم المعنى المقصود منه، وهو الازالة. وكذا التراب لأنه يقع بعضه على المحل وقد صار نجسا، فيحصل في المحل نجاسة أجنبية. وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر: يجوز (3) لقوله عليه السلام: (أو ثلاث حثيات من تراب.) (4). الوصف الثالث: أن يكون طاهرا، فلا يجو الاستجمار بالحجر النجس. وهو قول علمائنا أجمع، واختيار الشافعي (5) وأحمد (6). وقال أبو حنيفة: يجزيه (7). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه أتاه ابن مسعود بحجرين وروثة يستجمر بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: (هذا رجس) (8) يعني: نجس، وفي

(1) المغني 1: 178. (2) ليست في " خ " " ن " " ق " " ح ".
(3) الأم 1: 22، المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 2: 117، مغني المحتاج 1: 43، السراج الوهاج: 14.
(4) تقدم الحديث في ص: 275.
(5) الأم 1: 22، المغني 1: 179، المهذب للشيرازي 1: 28، السراج الوهاج: 14، مغني المحتاج 1: 43.
(6) المغني 1: 179، الكافي لابن قدامة 1: 66.
(7) المغني 1: 179، الهداية للمرغيناني 1: 38، بدائع الصنائع 1: 18.
(8) سنن ابن ماجة 1: 114 حديث 314.

[ 277 ]

حديث آخر: (إنها ركس) (1) وهذا تعليل منه عليه السلام. ومن طريق الخاصة: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام: (جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار) (2) وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلا أنها موافقة للمذهب، ولأنه إزالة النجاسة فلا يحصل بالنجاسة كالغسل. فروع: الأول: لو استجمر بالنجس لم يجزه، لأن المحل ينجس بنجاسة من غير المخرج فلم يجز فيها غير الماء كما لو تنجس ابتداءا، هذا إذا كانت نجاسته بغير الغائط، ولو كانت نجاسته به احتمل ذلك أيضا لما تقدم، والاكتفاء بثلاثة غيره لأن النجاسة واحدة في الجنس، أما لو كسر النجس واستعمل الطاهر منه، أو أزيلت النجاسة بغسل أو غيره، أو استعمل الطرف الطاهر أجزأ. وكذا الاحتمال لو سهل بطنه فترششت النجاسة من الارض إلى محل الاستجمار، لأن الاستجمار رخصة في تطهير المحل من نجاسة خارجة منه لكثرتها، لا من نجاسة واردة لندورها. الثاني: الحجر النجس إذا تقادم عهده وزالت عين النجاسة عنه، لا يجوز استعماله لنجاسته، أما لو كانت النجاسة مائعة كالبول فزالت عينها بالشمس، جاز استعماله لطهارته، ولو زالت بغيرها، لم يجز لبقاء نجاسته. الثالث: لو استجمر بحجر ثم غسله أو كسر ما تنجس (3) منه، جاز الاستجمار به ثانيا، لأنه حجر يجزي غيره الاستجمار به فأجزأه كغيره، ويحتمل على قول الشيخ عدم الإجزاء (4) محافظة على صورة لفظ العدد، وفيه بعد. الرابع: لو استجمر بالآجر صح سواء كان الطين نجسا أو لا، لأنه بالطبخ يطهر،

(1) صحيح البخاري 1: 51، سنن الترمذي 1: 25 حديث 17، سنن النسائي 1: 39، مسند أحمد 1: 418.
(2) التهذيب 1: 46 حديث 130، الوسائل 1: 246 الباب 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث 4.
(3) " م " " ح " " ن " " ق ": نجس.
(4) المبسوط 1: 17، الخلاف 1: 20 مسألة - 50.

[ 278 ]

ومنعت الشافعية من الاستجمار (1) بالآجر إذا عمل بالسرجين، إلا بعد أن يغسل ويجف (2). الوصف الرابع: أن لا يكون عظما، ولا روثا، ولا مطعوما. وهو قول علمائنا، والشافعي (3)، إسحاق، والثوري (4) خلافا لأبي حنيفة، فإنه أجاز الاستنجاء بالعظم والروث (5)، وشرط مالك طهارتهما (6). لنا: ما رواه الجمهور، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن) (7). وروى الدار قطني (8): إن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يستنجي بروث أو عظم وقال: (إنما لا يطهران) (9). (1) " م " " ن ": الاستنجاء.
(2) المجموع 2: 113.
(3) الأم 1: 22، مغني المحتاج 1: 23، فتح الوهاب 1: 11، المحلى 1: 100 نيل الاوطار 1: 116، المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 2: 118، ميزان الكبرى 1: 114، عمدة القارئ 2: 301، المغني 1: 179.
(4) المغني 1: 179، عمدة القارئ 2: 301.
(5) المغني 1: 179، المجموع 2: 116 و 121، الهداية للمرغيناني 1: 38، شرح فتح القدير 1: 190، بدائع الصنائع 1: 18، المهذب للشيرازي 1: 28، ميزان الكبري 1: 114، عمدة القارئ 2: 301، نيل الاوطار 1: 116.
(6) المغني 1: 179، ميزان الكبرى 1: 114، بلغة السالك 1: 40.
(7) سنن الترمذي 1: 29. (8) أبو الحسن علي بن عمرو بن أحمد بن مهدي البغدادي الدار قطني، نسبة إلى دار القطن - محلة ببغداد صاحب السنن، والعلل، والافراد، روى عن البغوي وابن أبي داود وابن صاعد، وروى عنه الحاكم، وأبو حامد الاسفرائيني، وأبو نعيم الاصفهاني، وغيرهم. ارتحل في كهولته إلى مصر الشام. ولد سن 306 ه‍، ومات سنة 385 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 991، العبر 2: 167، طبقات الحفاظ للسيوطي: 393، شذرات الذهب 3: 116.
(9) سنن الدار قطني 1: 56 حديث 9.

[ 279 ]

وروى أبو داود، عنه قال لرويفع بن ثابت (1): (أخبر الناس أنه من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من محمد) (2). ومن طريق الخاص: ما رواه الشيخ: عن ليث المرادي (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود؟ قال: (أما العظام والروث فطعام الجن، وذلك مما شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لا يصلح بشئ من ذلك) (4) والرواية وإن كانت ضعيفة السند، إلا أن الأصحاب تلقوها بالقبول، ويؤيدها الروايات الصحيحة الدالة على الاحجار مقتضاها الاقتصار إلا أنه صير إلى غيرها من المزيلات لدليل، فيبقى (5) الباقي على المنع، وأما الطعام فالنهي متناول له من طريق التنبيه، لأن النهي معلل في الروث بكونه زاد الجن، فزادنا أولى. فرع: لو استنجى (6) بالعظم، أو بالروث، أو بالطعام، قال الشيخ: لا يجزيه (7). وبه قال الشافعي (8) خلافا لأبي حنيفة (9).

(1) رو يفع بن ثابت بن سكن بن عدي من بني مالك بن النجار، روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وروى عنه بشر بن عبيد الله الحضرمي وحنش الصنعاني، مات ببرقة وهو أمير عليها ما قبل مسلمة بن مخلد سنة 56 ه‍. الاصابة 1: 522، أسد الغابة 2: 191.
(2) سنن أبي داود 1: 9 حديث 36.
(3) ليث البختري المرادي: أبو محمد أو أبو يحيى، وقيل: أبو بصير الاصغر، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الباقر عليه السلام، وأخرى من أصحاب الصادق عليه السلام وثالثة من أصحاب الكاظم عليه السلام. وعده الكشي ممن أجمعت بالصعبة على تصديقه. رجال النجاشي: 321 رجال الطوسي: 134، 278، 358، رجال الكشي: 238.
(4) التهذيب 1: 354 حديث 1053، الوسائل 1: 251 الباب 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1. (5) " ح " " ق ": فبقي.
(6) " خ " 6 استجمر.
(7) المبسوط 1: 16، الخلاف 1: 21 مسألة: 52.
(8) الأم 1: 22، المهذب للشيرازي 1: 28، نيل الاوطار 1: 116، المجموع 2: 118، المغني 1: 179، ميزان الكبرى 1: 114، المحلى 1: 98.
(9) المغني 1: 179، نيل الاوطار 1: 116، الهداية للمرغيناني 1: 38، شرح فتح القدير 1: 190، بدائع الصنائع 1: 18، ميزان الكبرى 1: 114.

[ 280 ]

لنا: إن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (إنما لا يطهران) وأيضا: المنع من الدخول في الصلاة حكم شرعي، فيستصحب حتى يقوم دليل شرعي على زواله. واستدل الشيخ رحمه الله بأنه منهي عنه، والنهي يدل على الفساد. وفي الكبرى كلام، والأقرب الطهارة، لأن التقدير زوال عين النجاسة فحصلت الطهارة كالحجر، والنهي وإن اقتضى التحريم، فإنه لا ينافي الطهارة كالماء المغصوب والحجر المغصوب، وكالنهي عن الاستنجاء باليمين مع حصول الطهارة. لا يقال: الاستجمار رخصة لموضع المشقة فإذا كان ما تعلقت به الرخصة معصية، لم يجز كسفر المعصية. لأنا نقول: الفرق ظاهر، فإن شرط الرخصة هناك منتف ومنتقض بالحجر المغصوب. الوصف الخامس: أن لا يكون مما له حرمة كتربة الحسين عليه السلام، وحجر زمزم، وكتب الاحاديث، وورق المصحف العزيز، وكتب الفقه، لأن فيه هتكا للشريعة، واستخفافا لحرمة، فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة، ولو استنجي به لم يجزئه عند الشيخ (1)، لما قلنا (2) أولا، والأجود الإجزاء، لما تقدم. الوصف السادس: أن يكون جافا، فإن الرطوبة تنتشر إلى النجاسة فتزداد النجاسة. الفرع الخامس: لو استنجي بالخرقة، لم يجز قلبها والاستنجاء بالوجه الآخر إلا أن تكون صفيقة تمع نفوذ أجزاء النجاسة إلى الجانب الآخر، فحينئذ ينبغي القول بالجواز، والأليق بمذهب القائلين بعدم الاكتفاء بالحجر ذي الشعب الثلاث: عدم الاكتفاء هاهنا، ولو كانت طويلة فاستعمل طرفها جاز استعمال الطرف الآخر على قولنا، وعلى المانعين من الحجر يجوز بعد القطع. السادس: يجوز الاستجمار بالصوف والشعر، ومنع الشافعية (3) والحنابلة من كل

(1) المبسوط 1: 17.
(2) " ح " " ق ": قلنا.
(3) المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 2: 121، مغني المحتاج 1: 43، السراج الوهاج: 14.

[ 281 ]

متصل بالحيوان كذنبه والصوف على ظهره (1). لنا إنه مزيل فأجزأ، كالحجر والخشب، ولو انفصل الجزء، جاز الاستجمار به إن كان طاهرا، وإلا فلا، يجوز بالجلد المذكي وإن لم يكن مدبوغا، لأنه طاهر، وهو أحد قولي الشافعي (2)، ومنع في الآخر، ولأنه لا يحصل منه الانقاء ليبوسته. والجواب: المنع من عدم الانقاء، فإن البحث معه. لا يقال: إنه مأكول، لأنا نقول: إنه لا يؤكل في العادة ولا يقصد بالأكل، أما الجلد الميت فلا يجوز وإن دبغ، لبقاء نجاسته، خلافا للجمهور (4). السابع: محل الاستجمار بعد استعمال الاحجار المزيلة للعين طاهر خلافا للشافعي (5) وأبي حنيفة (6)، واتفق الجميع على أن أثر النجاسة بعد الاستنجاء وزوال العين معفو عنه. لنا: قوله عليه السلام: نهي عن العظم والروث فإنها لا يطهران (7)، دل من حيث المفهوم أن غيرهما مطهر، ولان الصحابة كانوا يستعملون الاستجمار كثيرا حتى أن بعضهم أنكر الماء، وقال آخرون: إنه بدعة مع سخونة بلادهم، وعدم انفكاك أبدانهم من العرق، ولم ينقل عنهم الاحتراز منه (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة

(1) المغني 1: 180، الكافي لابن قدامة 1: 67، الانصاف 1: 111.
(2) المهذب للشيرازي 1: 28، المجموع 2: 122.
(3) الأم 1: 22، مغني المحتاج 1: 44، السراج الوهاج: 14.
(4) المجموع 2: 122، بدائع الصنائع 1: 85.
(5) المغني 1: 183، الأم (مختصر المزني) 8: 3، المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 102، نيل الاوطار 1: 122.
(6) المغني 1: 183، بدائع الصنائع 1: 19، الهداية للمرغيناني 1: 37، نيل الاوطار 1: 122، شرح فتح القدير 1: 189، إلا أن في الأربعة الاخيرة قيدوه بالتعدي عن المخرج.
(7) سنن الدار قطني 1: 56 حديث 9.
(8) المغني 1: 183.

[ 282 ]

أحجار) (1) يدل بالمفهوم على إنها من الطهور. الثامن: كيف حصل الانقاء بالاستنجاء (2) أجزأه، سواء وزع الثلاثة على أجزاء المحل، أو جعل الثلاثة متواردة على جميع المحل. وهو قول الشيخ في المبسوط (3)، لحصول امتثال الأمر بالاستنجاء على التقديرين. ومنع بضع الفقهاء (4) من ذلك يكون تلفيقا فيكون بمنزلة مسحة واحدة ولا يكون. تكرار وهو ضعيف، لأنا لو خلينا والأصل لاجتزأنا بالواحدة المزيلة، لكن لما دل النص على العدد، وجب اعتباره وقد حصل هاهنا، والفرق بين الواحد والمتعدد: كون الواحد المنتقل إلى الجزء الثاني من المحل يكون نجسا بمروره على الجزء الأول، أما المتكثر ففي الجزء الثاني يكون بكرا، ومع هذا الفرق لا يتم القياس. التاسع: لا يجب الاستنجاء في مخرج الغائط إلا مع خروج نجاسة منه كالغائط، والدم، أما الدود والحصى والحقنة الطاهرة والشعر رطبا أو يابسا (5) فلا يتعلق به الحكم، خلافا للجمهور (6)، لأن الرطوبات طاهرة ما عدا ما عددناه، والطاهر (7) لا يجب إزالته، أما لو خرج مع هذه الاشياء شئ من أجزاء النجاسة تعلق به الحكم، وكذا لو احتقن بنجاسة ثم خرجت، لأنها بالملاقاة نجست المحل، وهل يكون حكمها حكم الغائط في الاجتزاء (8) بالأحجار؟ الأقرب المنع. العاشر: ليس على النائم ولا على من خرج منه ريح استنجاء، وهو مذهب علماء الاسلام،

(1) التهذيب 1: 49 حديث 144، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 222 الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(2) " خ ": بالاستجمار.
(3) المبسوط 1: 17.
(4) يظهر ذلك من الشرائع 1: 19.
(5) " خ " " ن " " ق " ح ": ويابسا.
(6) الأم 1: 17، بدائع الصنائع 1: 27، المجموع 2: 127، المغني 1: 172، عمدة القارئ 3: 47. (7) " ن " " خ " " م ": الظاهر.
(8) " م " " ن ": الإجزاء.

[ 283 ]

وروى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (من استنجى من ريح فليس منا) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن سليمان بن جعفر الجعفري، قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام يستيقظ من نومه يتوضأ ولا يستنجي، وقال كالمتعجب من رجل سماه (بلغني أنه إذا خرجت منه ريح استنجى) (2). وروى عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يكون منه الريح أعليه أن يستنجي؟ قال: (لا) (3). الحادي عشر: الواجب في الاستنجاء إزالة النجاسة عن الظاهر. وهو مذهب أكثر أهل العلم (4). وروي عن محمد أنه قال: ما لم يدخل إصبعه لا يكون نظيفا (5). وهذا شاذ. لنا: الاكتفاء عن النبي صلى الله عليه وآله بالاستجمار. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن إبراهيم بن أبي محمود، عن الرضا عليه السلام، قال، سمعته يقول: (في الاستنجاء، يغسل ما ظهر على الشرج ولا يدخل فيه الانملة) (6). ولأنه بإدخال الاصبع لا يحصل النقاء فيجب عليه تكرير الاستنجاء، لأن كل خارج عندهم موجب للاستنجاء وإن خلا من النجاسة، ولأنه ضرر، فيكون منفيا. الثاني عشر: لو انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، هل يجزي فيه الاستجمار أم لا؟ فيه

(1) المغني 1: 171، فيض، القدير 6: 60 حديث 8429.
(2) التهذيب 1: 44 حديث 124، الوسائل 1: 244 الباب 27 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(3) التهذيب 1: 44 حديث 123، الاستبصار 1: 52 حديث 149، الوسائل 1: 244 الباب 27 من أبواب أحكام الخلوة حديث 2.
(4) المجموع 2: 111.
(5) العمدة الفهامة هامش تبيين الحقائق 1: 77.
(6) التهذيب 1: 45 حديث 128، الاستبصار 1: 51 حديث 146، الوسائل 1: 245 الباب 49 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.

[ 284 ]

تردد ينشأ من صرف الاستنجاء في الغالب إلى المكان المخصوص، وأيضا: فهو نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلا تثبت فيه أحكام الفرج فإنه لا ينقض الوضوء ولا يجب بالايلاج فيه تمام مهر ولا حد ولا غسل، فأشبه سائر البدن، ولان المأخوذ في إزالة النجاسة استعمال الماء، وجوزنا الاحجار رخصة، فيقتصر على موضعه الذي ثبت عمل الرسول صلى الله عليه وآله والصحابة عليه. وهو أحد وجهي الشافعي (1). والثاني الجواز، لأن الخارج من جنس المعتاد. وعلى هذا، لو بال الخنثى المشكل من أحد الفرجين كان حكمه حكم الفرج. الثالث عشر: لا يفتقر مع استعمال الماء إلى تراب. وهو قول أهل العلم لما ثبت من اجتزاء النبي صلى الله عليه وآله. الرابع عشر: روى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا أراد أن يستنجي بدأ بالمقعدة ثم بالإحليل) (2). ويمكن أن يكون الوجه في ذلك افتقار البول إلى المسح من المقعدة وقبل غسلها لا تنفك اليد عن النجاسة، وبعض الجمهور عكس الحكم لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر، لأن قبله بارز يصيبه إذا مدها إلى الدبر (3)، والوجهان عندي سائغان، فإن عمارا لا يوثق بما ينفرد به. الخامس عشر: الاستجمار إنما يكون في المعتاد كالغائط، أما النادر كالدم فلا بد فيه من الماء، وغيرهما عندنا طاهر لا يجب فيه استنجاء بحجر ولا ماء، وللشافعي قول في النادر أنه يجزي فيه الاستجمار (4). لنا: إن الرخصة إنما شرعت مع الكثرة لحصول المشقة بالاقتصار على الماء، وهذا المعنى منتف في النادر.

(1) المجموع 2: 9، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 16، مغني المحتاج 1: 33.
(2) الكافي 3: 17 حديث 4، التهذيب 1: 29 حديث 76، الوسائل 1: 227 الباب 14 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1 (بتفاوت في الجميع).
(3) المغني 1: 177، بلغة السالك 1: 38.
(4) المهذب للشيرازي 1: 29، المجموع 2: 127، مغني المحتاج 1: 43، السراج الوهاج 14.

[ 285 ]

السادس عشر: شرط الشافعية في الاستجمار أن لا يقوم المتغوط عن المحل، لأنه بقيامه تنتقل النجاسة من مكان إلى آخر (1). وهو جيد على أصلنا، وشرطوا أيضا بقاء الرطوبة في النجاسة، لأن الحجر لا يزيل النجاسة الجامدة. البحث الثالث: في السواك وآداب الوضوء والحمام وما يتبع ذلك. مسألة: مذهب علمائنا أن السواك مندوب إليه غير واجب. وهو مذهب أكثر الجمهور (2)، خلافا لإسحاق وداود حيث أوجباه (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل صلاة) (4) متفق عليه، وذلك يدل على عدم الوجوب. لا يقال: هذا يدل على غير مطلوبكم، لأنه يدل على أنه غير مأمور به وهو عندكم مندوب فحصلت المنافاة بين المطلوب والديل. لأنا نقول: لا منافاة بينهما لوجهين: أحدهما: إن الأمر للوجوب، فلا يكون المندوب مأمورا به، وإنما تحصل المنافاة، لو قلنا الندب مأمور به. الثاني: تخصيص هذا الحديث بأمر الايجاب دون الاستحباب، لاتفاق الناس على نقله. وأعلم: إن هذا الحديث كما يدل على عدم الوجوب، ففيه دلالة من حيث المفهوم على

(1) المجموع 2: 129، السراج الوهاج: 14، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 484. (2) نيل الاوطار 1: 125، المغني 1: 108، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 130، عمدة القارئ 3: 185، (3) المجموع 1: 271، المغني 1: 108، نيل الاوطار: 1: 126، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 131، عمدة القارئ 3: 185.
(4) صحيح البخاري 2: 5، سنن أبي داود 1: 12 حديث 47 سنن الترمذي 1: 34 حديث 22، سنن ابن ماجة 1: 105 حديث 287، سنن النسائي 1: 12، صحيح مسلم 1: 220 حديث 252، مسند أحمد 2: 245 - 287 - 399 - 429، سنن البيهقي 1: 35، سنن الدارمي 1: 174، الموطأ 1: 66 حديث 115.

[ 286 ]

الندبية، ويدل عليها أيضا: ما رواه الجمهور، عنه عليه السلام أنه، قال: (السواك مطهرة للفم، ومرضاة للرب) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه ابن بابويه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (ما زال جبرئيل عليه السلام، يوصيني بالسواك حتى خفت أن أحفي أو أدرد) (2). وروي عن الصادق عليه السلام، قال: (نزل جبرئيل بالسواك والحجامة والخلال. وعنه عليه السلام: (أربع من سنن المرسلين: التعطر، والسواك، والنساء، والخلال) (3). وعنه عليه السلام: (أربع من سنن المرسلين: التعطر، والسواك، والنساء، والحناء) (4). وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (إن أفواهكم طرق القرآن، فطهروها بالسواك) (5). وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (يا علي، عليك بالسواك عند وضوء كل صلاة) (6). وقال عليه السلام: (السواك شطر الوضوء) (7). ورورى عن النبي صلى الله عليه وآله: (لولا أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند وضوء كل صلاة) (8). وروى ابن يعقوب، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام،

(1) صحيح البخاري 3: 40، سنن ابن ماجة 1: 106، سنن النسائي 1: 10، سنن الدارمي 1: 174، سنن البيهقي 1: 34، مسند أحمد 6: 47، نيل الاوطار 1: 125، كنز العمال 9: 310. (2) الفقيه 1: 32 حديث 108، الوسائل 1: 346 الباب 1 من أبواب السواك حديث 1.
(3) الفقيه 1: 32 حديث 109، الوسائل 1: 346 الباب 1 من أبواب السواك حديث 6.
(4) الفقيه 1: 32 حديث 111، الوسائل 1: 349 الباب 1 من أبواب السواك حديث 18.
(5) الفقيه 1: 32 حديث 112، الوسائل 1: 358 الباب 7 من أبواب السواك حديث 3.
(6) الفقيه 1: 32 حديث 113، الوسائل 1: 353 الباب 3 من أبواب السواك حديث 2.
(7) الفقيه 1: 32 حديث 114، الوسائل 1: 354 الباب 3 من أبواب السواك حديث 3.
(8) الفقيه 1: 34 حديث 123، الوسائل 1: 354 الباب 3 من أبواب السواك حديث 4.

[ 287 ]

قال: (ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك) (1). وروي في الصحيح، عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من سنن المرسلين السواك) (2). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالسواك حتى خفت أن أخفي أو أدرد) (3). فروع: الأول: أشد أوقات الاستحباب، في ثلاثة مواضع: عند الصلاة، لقوله عليه السلام: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك مع كل صلاة) (4) رواه ابن يعقوب في كتابه، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام. وعند الوضوء، لما رواه ابن بابويه في كتابه: (لامرتهم عند وضوء كل صلاة)، ولما رواه ابن يعقوب، عن المعلى بن خنيس (5)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السواك بعد الوضوء؟ قال: (الاستياك قبل أن يتوضأ) (6). وعند السحر، لما رواه ابن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا قمت بالليل فأمسك، فإن الملك يأتيك فيضع فاه على فيك وليس من حرف تتلوه وتنطق به إلا صعد

(1) الكافي 3: 22 حديث 1 الوسائل 1: 355 الباب 5 من أبواب السواك حديث 2.
(2) الكافي 3: 23 حديث 2، الوسائل 1: 346 الباب 1 من أبواب السواك حديث 2.
(3) الكافي 3: 23 حديث 3، الوسائل 1: 346 الباب 1 من أبواب السواك حديث 1.
(4) الكافي 3: 23 حديث 3 الوسائل 1: 355 الباب 5 من أبواب السواك حديث 3. (5) معلى بن خنيس: أبو عبد الله مولى الصادق (ع)، ومن قبله كان مولى بني أسد، كوفي بزاز ضعيف جدا، عده الشيخ من أصحاب الصادق (ع)، ووصفه المصنف بالعدالة لما روي من كتاب الغيبة بأنه كان محمودا عند الصادق (ع)، وقد وردت أخبار كثيرة في مدحه وقدحه عن الصادق (ع). رجال النجاشي: 417، رجال الطوسي: 310، رجال العلامة: 259، تنقيح المقال 3: 230.
(6) الكافي 3: 23 حديث 6، الوسائل 1: 354 الباب 4 من أبواب السواك حديث 1.

[ 288 ]

[ به ] (1) إلى السماء، فليكن فوك طيب الريح) (2). الثاني: يكره السواك في الخلاء، لما رواه ابن بابويه في كتابه، عن موسى بن جعفر عليه السلام، قال: (السواك في الخلاء يورث البخر) (3)) (4). ويكره أيضا في الحمام، قال: (لأنه يورث وباء الاسنان) (5). الثالث: يجوز السواك للصائم نهارا بالرطب واليابس سواء كان أول النهار أو آخره لعموم الأمر به. وقال الشافعي: يكره للصائم بعد الزوال (6). وهو ضعيف للعموم، ولما رواه الجمهور عنه عليه السلام أنه قال: (خير خلال الصائم السواك) (7). والذي اخترناه قول علي عليه السلام، وبه قال ابن عباس، وعائشة، والنخعي، وابن سيرين، وعروة، وأصحاب الرأي (8)، وقال عطاء وأبو ثور ومجاهد وإسحاق بقول الشافعي، وهو قول عمر (9) (10)، وعن أحمد روايتان (11). وقال مالك: إن كان الصوم فرضا كره السواك، وإن كان نفلا استحب لاستحباب إخفاء النوافل، وبترك السواك يظهر صومه، ولا بأس بالسواك للمحرم، للعموم.

(1) أضفنا من المصدر.
(2) الكافي 3: 23 حديث 7، الوسائل 1: 357 الباب 6 من أبواب السواك حديث 3.
(3) بخر الفم: انتنت ريحه. المصباح المنير 1: 37.
(4) الفقيه 1: 32 حديث 110، الوسائل 1: 237 الباب 21 من أبواب أحكام الخلوة حديث 1.
(5) الفقيه 1: 33.
(6) المهذب للشيرازي 1: 13، المجموع 1: 275، مغني المحتاج 1: 56، السراج الوهاج: 17، الهداية للمرغيناني 1: 126، المغني 1: 110، فتح الوهاب 1: 13.
(7) سنن ابن ماجة 1: 536 حديث 1677، سنن الدار قطني 2: 203، نيل الاوطار 1: 132. (8 - 9) المجموع 1: 279. (10) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، روى عن النبي وأبي بكر وأبي بن كعب، وروى عنه أولاده وعثمان وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. قتل سنة 23 ه‍. أسد الغابة 4: 52، الاصابة 2: الاصابة 2: 518، تذكرة الحفاظ 1: 5، شذرات الذهب 1: 33.
(11) المغني 1: 110، الانصاف 1: 118، الكافي لابن قدامة 1: 26.

[ 289 ]

الرابع: يستحب أن يكون آلة السواك عودا لينا ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك، لما روى ابن بابويه في كتابه: (أن الكعبة شكت إلى الله تعالى ما تلقى من أنفاس المشركين فأوحى الله تبارك وتعالى إليها: قري كعبة فإني مبدل لك بهم قوما يتنظفون بقضبان الشجر، فلما بعث الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وآله، نزل جبرئيل بالسواك) (1). فإن لم يوجد استاك بيده، قال علماؤنا وأحمد (2)، خلافا للشافعي (3)، لما رواه الشيخ، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (التسويك بالابهام والمسبحة عند الوضوء سواك) (4). وروى ابن يعقوب، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (أدنى السواك أن تدلكها بإصبعك) (5). الخامس: يستحب أن لا يترك السواك أكثر من ثلاثة أيام لقوله عليه السلام: (يا علي، عليك بالسواك عند وضوء كل صلاة) (6) والتقدير مستفاد من رواية ابن بابويه وابن يعقوب في كتابيهما، عن أبي جعفر عليه السلام، قال في السواك: (لا تدعه في كل ثلاثة أيام ولو أن تمره مرة واحدة) (7). السادس: في السواك اثنتا عشرة فائدة رواها ابن بابويه، عن الصادق عليه السلام، قال: (هو من السنة، ومطهرة للفم، ومجلاة للبصر، ويرضي الرحمن، ويبيض الاسنان،

(1) الفقيه 1: 34 حديث 125 الوسائل 1: 348 الباب 1: من أبواب السواك حديث 13. وفيها: مبدلك.
(2) المغني 1: 109، الانصاف 1: 119، منار السبيل 1: 21، الكافي لابن قدامة 1: 26.
(3) المهذب للشيرازي 1: 14، المجموع 1: 282 مغني المحتاج 1: 55، فتح الوهاب 1: 13، السراج الوهاج: 17.
(4) التهذيب 1: 357 حديث 1070، الوسائل 1: 359 الباب 9 من أبواب السواك حديث 4.
(5) الكافي 3: 23 حديث 5، الوسائل 1: 359 الباب 9 من أبواب السواك حديث 3. (6) الفقيه 1: 32 حديث 113، الوسائل 1: 353 الباب 3 من أبواب السواك حديث 2.
(7) الكافي 3: 23 حديث 4، الفقيه 1: 33 حديث 119، الوسائل 1: 353 الباب 2 من أبواب السواك حديث 1.

[ 290 ]

ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويشهي الطعام، ويذهب بالبلغم، ويزيد في الحفظ، ويضاعف الحسنات، وتفرح به الملائكة) (1). وروي أيضا أنه أحد الحنيفية العشرة، وهي (خمس في الرأس، هي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، والفرق لمن طول شعر رأسه، ومن لم يفرق شعره فرقه الله يوم القيامة بمنشار من النار، وخمس في البدن، وهي: الاستنجاء، والختان، وحلق العانة، وقص الاظافير، ونتف الابطين) (2). السابع: يستحب أن يستاك عرضا، وأن يبدأ بجانبه الايمن، لأن النبي صلى الله عليه وآله، كان يحب التيامن في كل شئ. الثامن: اختلف (3) في السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ فقيل: إنه من سننه، لأنه نوع من النظافة يؤمر به المتوضئ (4)، وقيل: إنه سنة مقصودة في نفسه (5)، لأنه يؤمر به غير المتطهر كالحائض والنفساء كما يؤمر به المتطهر، وتظهر الفائدة فيما لو نذر الاتيان بسنن الوضوء. مسألة (6): يستحب وضع الاناء على اليمين والاغتراف بها إن كانت الآنية التي يغترف منها باليد، لما رواه الجمهور، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (7). ومن طريق الخاصة، ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام أنه حكى لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فدعى بقدح من ماء فأدخل

(1) الفقيه 1 34 حديث 126، الوسائل 1: 347 الباب 1 من أبواب السواك حديث 12.
(2) الفقيه 1: 33 حديث 117.
(3) " خ ": اختلفوا. (4 - 5) عمدة القارئ 3: 185 المجموع 1: 273.
(6) " ق " " ح ": التاسع.
(7) صحيح البخاري 1: 116، و 7: 199، صحيح مسلم 1: 226 حديث 268، سنن الترمذي 3: 506 حديث 608، سنن ابن ماجة 1: 141 حديث 401، سنن النسائي 1: 78، 205، مسند أحمد 6: 94، 130، 147، 188.

[ 291 ]

يده اليمنى فأخذ كفا من ماء فأسد لها على وجهه (1). ولأنه أمكن في الاستعمال. مسألة (2): ويستحب غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء من النوم. وهو مذهب علمائنا، وبه قال عطاء (3)، ومالك (4)، والأوزاعي (5)، والشافعي (6)، وإسحاق، وأصحاب الرأي (7)، وقال أحمد به في نوم النهار، وأصح الروايتين عنه: وجوب غسلهما من نوم الليل (8)، وهو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن البصري، إلا أن الحسن البصري أوجب غسلهما من نوم النهار (9) أيضا. لنا: قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (10) عقب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه. وقال المفسرون: المراد: إذا قمتم من النوم (11)، وليس في الآية دلالة على غسل اليدين،

(1) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171 الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء حديث 10. (2) " ق " " ح ": العاشر.
(3) المغني 1: 111.
(4) بداية المجتهد 1: 9، سبل السلام 1: 47، عمدة القارئ 3: 70، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 50، المغني 1: 111، مقدمات ابن رشد 1: 55.
(5) المغني 1: 111.
(6) الأم 1: 24، بداية المجتهد 1: 9، سبل السلام 1: 47، مغني المحتاج 1: 57، سنن الترمذي 1: 36، المهذب للشيرازي 1: 15، المجموع 1: 348، السراج الوهاج: 17، فتح الوهاب 1: 13، المغني 1: 111، نيل الاوطار 1: 169.
(7) نيل الاوطار 1: 169، المغني 1: 111، سنن الترمذي 1: 37، بدائع الصنائع 1: 20، الهداية للمرغيناني 1: 12، شرح فتح القدير 1: 18.
(8) سنن الترمذي 1: 37، بداية المجتهد 1: 9، ميزان الكبرى 1: 116، المجموع 1: 349، نيل الاوطار 1: 169، الانصاف 1: 130، المغني 1: 110، شرح الزرقاني على موطأ مالك 1: 50، سبل السلام 1: 47.
(9) المغني 1: 111، نيل الاوطار 1: 169، ميزان الكبرى 1: 116. (10) المائدة: 6.
(11) تفسير الطبري 6: 112، أحكام القرآن للجصاص 3: 333، تفسير العياشي 1: 297 تفسير القرطبي 6: 82 أحكام، القرآن لابن العربي 2: 559، الدر المنثور 2: 262.

[ 292 ]

فيحصل الاكتفاء بالمأمور به، وإلا لم يبق الأمر دالا على الإجزاء. (وأيضا: فالاصل عدم الوجوب) (1) وأيضا: ما رواه الشيخ، عن سماعة، قال: سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الاناء قبل أن يفرغ كفيه؟ قال: (يهريق من الماء ثلاث حفنات، وإن لم يفعل فلا بأس) (2) والطريق وإن كان ضعيفا إلا إنها مؤيدة بالاصل وعمل الأصحاب. وروي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟ قال: (إن كانت إصبعه قذره فليهرقه، وإن لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (3)) (4) وفي طريقها محمد بن سنان، وفيه قول (5). وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شيئا أيغمسها في الماء؟ قال: (نعم وإن كان جنبا) (6). وأيضا: فهو قائم من النوم، فأشبه قيامه من نوم النهار. احتج أحمد (7) بقوله عليه السلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الاناء ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) (8).

(1) ليست في " ح " " ق ".
(2) التهذيب 1: 38 حديث 102، الوسائل 1: 114 الباب 8 من أبواب الماء المطلق حديث 10.
(3) الحج: 78.
(4) التهذيب 1: 37 حديث 100، الاستبصار 1: 20 حديث 46، الوسائل 1: 115 الباب 18 من أبواب الماء المطلق حديث 11 - بتفاوت يسير.
(5) مرت ترجمته والقول فيه في ص: 250.
(6) التهذيب 1: 36 حديث 98، الاستبصار 1: 50 حديث 143، الوسائل 1: 302 الباب 28 من أبواب الوضوء حديث 1.
(7) المغني 1: 110 - 111.
(8) صحيح البخاري 1: 52، صحيح مسلم 1: 233 حديث 278 سنن الترمذي 1: 36 حديث 24، سنن ابن ماجة 1: 138 حديث 393، وص: 139 حديث 394، 395، سنن أبي داود 1: 25 حديث 103، 105، سنن النسائي 1: 99، مسند أحمد 2: 241، 253، 259، نيل الاوطار 1: 169 حديث 2، 3 الموطأ 1: 21 حديث 9. وفي الجميع بتفاوت يسير.

[ 293 ]

والجواب: إن التعليل يشعر بأن الأمر للاستحباب فإن طريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها كما في الشك في الحدث مع يقين الطهارة. ويدل على الاستحباب أنها تدخل الاناء وتنقل الماء إلى الاعضاء ففي غسلها احتراز لجميع أعضاء الوضوء، وما رواه الجمهور من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يفعله (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن عبيد الله الحلبي، قال: سألته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلهما في الاناء؟ قال: (واحدة من حدث البول، واثنتان من الغائط وثلاث من الجنابة) (2). وما رواه، عن حريز، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (يغسل الرجل يده من النوم مرة ومن الغائط والبول مرتين ومن الجنابة ثلاثا) (3). واختلاف الاحاديث دال على الاستحباب وغير قادح فيه. لا يقال: إنه أمر وهو يدل على الوجوب، وبه احتج الموجبون. وأيضا روى الشيخ، عن عبد الكريم بن عتبة الكوفي الهاشمي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول ولم يمس يده اليمنى شئ أيدخلها في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: (لا حتى يغسلها) قلت: فإنه استيقظ من نومه ولم يبل، أيدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؟ قال: (لا، لأنه لا يدري حيث كانت يده فليغسلها) (4). لأنا نجيب عن الأول بأن الأمر وإن كان في الأصل للوجوب إلا أنه قد يستعمل كثيرا في الندب، وقد دللنا على الاستحباب فيحمل عليه، وعن الثاني: بذلك أيضا، والنهي لا يدل على التحريم في كل صورة خصوصا مع قيام الدليل الدال على المصير إلى خلافه.

(1) المغني 1: 110، سنن ابن ماجة 1: 139 حديث 396.
(2) التهذيب 1: 36، حديث 96 الاستبصار 1: 50 حديث 141، الوسائل 1: 301 الباب 27 من أبواب الوضوء حديث 1.
(3) التهذيب 1: 26 حديث 97، الاستبصار 1: 50 حديث 142، الوسائل 1: 301 الباب 27 من أبواب الوضوء حديث 2.
(4) التهذيب 1: 39 حديث 106، الاستبصار 1: 51 حديث 145، الوسائل 1: 301 الباب 27 من أبواب الوضوء حديث 3. وفيها: حيث باتت.

[ 294 ]

فروع: الأول: لو لم يغسل يده وغمسها في الماء، لم يؤثر في تنجيسه، قليلا كان أو كثيرا، وعند القائلين بالوجوب كذلك أيضا، لأن طهورية الماء كانت بيقين، والغمس المحرم لا يقتضي زوالها، لأنه لو زال لكان مستندا إلى وهم النجاسة، والوهم لا يزيل اليقين، ولان (1) اليقين لا يزول بالشك، فبالوهم أولى. وقال الحسن: يجب إهراق الماء (2). وقال أحمد: أحب إلي أن يهريق الماء (3). وليس بشئ. الثاني: لم يحد الأصحاب اليد ها هنا والأولى أن المراد منها العضو من الكوع، لأنه هو الواجب في مسح التيمم، ولان الغمس لها، فلا يحصل الاكتفاء ببعض المغموس لقوله: (فلا يدخل يده قبل أن يغسلها) ولا يستحب الزيادة، لأن اليد من المرفق هو الواجب للوضوء، ولأنه غير مغموس. الثالث: غمس بعضها في المنع الاستحبابي كغمس جميعها، لأنه مفهوم من قوله: (لأنه لا يدري حيث كانت يده). وقال الحسن: لا يمنع (4)، لأن النهي يتناول غمس الجميع ولا يلزم من كون الشئ محكوما عليه بشئ، كون بعضه كذلك، وهو ضعيف لما قلناه من المفهوم، ونحن لم نقل بالملازمة بين الحكم على الجميع والبعض. الرابع: غمسها بعد غسلها دون الثلاث في الجنابة والمرتين في الغائط كغمسها قبل الغسل، لأن النهي باق لا يزول حتى يغسلها كمال العدد. الخامس: لا فرق بين كون (5) يد النائم مشدودة أو مطلقة أو في جراب أو كون النائم

(1) " م " " ح " " ق " لأن. (2 - 3) المغني 1: 112.
(4) المغني 1: 112.
(5) " م " " ح " " ق ": أن يكون.

[ 295 ]

عليه سراويله أو لم يكن عملا بالعموم. وأيضا: الحكم المعلق على المظنة لا يعتبر فيه حقيقة الحكمة كالمشقة في السفر وكالاستبراء للرحم في العدة، فإنه واجب في حق الصغيرة واليائسة. وأيضا: الغسل تعبد لا باعتبار النجاسة، ولهذا فإن القائلين بالوجوب معترفون بطهارة اليد قبل الغسل. وأيضا: احتمال النجاسة لا ينحصر في مس الفرج، فقد يكون في البدن بثرة أو دمل، أو تلاقي يده نجاسة خارجة، أو تكون نجسة قبل نومه فينساها لطول نومه. السادس: هذا الحكم يتعلق بالمسلم البالغ العاقل لأن المراد تطهيرها حكما ولا يحصل إلا فيمن (1) ذكرناه. السابع: لم يقدر أصحابنا النوم هنا بقدر، والظاهر أن المراد منه الناقض لأنه مفهوم من قوله: (لأنه لا يدري أين باتت يده). وقال بعض الفقهاء من الجمهور: هو ما زاد على نصف الليل، قال: لأنه لا يكون بائتا بالنصف فإن من خرج من جمع (2) قبل نصف الليل لا يكون بائتا ويجب الدم، وهو ضعيف، لأنه لو جاء بعد الانتصاف المزدلفة فإنه يكون بائتا بها إجماعا ولا دم، وقد بات دون النصف (3). الثامن: لا يفتقر إلى نية في غسل اليدين لأنه معلل بوهم النجاسة، ومع تحققها لا تجب النية فمع توهمها أولى، ولأنه قد فعل المأمور به وهو الغسل فيحصل الإجزاء، والقائلون بالوجوب أوجبوا النية في أحد الوجهين (4).

(1) " خ ": لمن.
(2) جمع: بسكون الميم وضمها وفتحها يقال لمزدلفة، إما لأن الناس يجتمعون بها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بجواء. المصباح المنير 1: 108.
(3) المغني 1: 113.
(4) المغني 1: 113، الانصاف 1: 131.

[ 296 ]

التاسع: لا يفتقر إلى تسمية، وقال بعض الجمهور: يفتقر قياسا على الوضوء (1)، ونحن نمنع الحكم في الأصل لما يأتي، ويظهر الفرق بأن الوضوء آكد وهو في أربعة أعضاء، وأيضا: فإن شرط القياس حصول العلة المتوقف على معقولية المعنى وهو غير معقول هنا. العاشر: المستحب عندنا غسل اليدين من حدث البول والنوم مرة واحدة ومن الغائط مرتين ومن الجنابة ثلاثا، لأن تفاوت الاحداث ينساب تفاوت الغسل، والجمهور استحبوا غسلهما من حدث النوم ثلاثا خاصة (2). لنا: ما تقدم في حديث الحلبي وحديث حريز، عن الباقر عليه السلام، وقد تقدما (3). احتجوا بما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (4). والجواب: إن أصحاب ابن مسعود أنكروا على أبي هريرة هذا، وقالوا: كيف نصنع بالمهراس (5). الحادي عشر: لو تعددت الاحداث فالأولى التداخل سواء اتحد الجنس أو اختلف. الثاني عشر: الوجه اختصاص التعبد بذلك بالماء القليل، فلو كانت الآنية تسع الكر لم يستحب. وكذا لو غمس يده في نهر جار. والأقرب أن غسل اليدين تعبد محض فلو تيقن طهارة يده استحب له غسلها قبل الادخال، ولو لم يرد الطهارة ففي استحباب غسلها إشكال، أقر به ذلك، لعموم الأمر بالغسل لمريد الغمس. وكذا يستحب غسلها لمن قام من النوم ومن لم يقم، وسواء توهم على يده نجاسة أولا. وهل غسلها من سنن الوضوء؟ فيه احتمال من حيث الأمر به عند الوضوء ومن حيث

(1) المغني 1: 113.
(2) المجموع 1: 348، نيل الاوطار 1: 169، المغني 1: 110، بدائع الصنائع 1: 20.
(3) تقدم الحديثان في ص 293 (4) تقدمت الرواية في ص 292.
(5) المهراس: صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء. النهاية لابن الاثير 5: 259.

[ 297 ]

أن الأمر به لتوهم النجاسة، لقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) فيكون من جملة السنن. مسألة: ويستحب التسمية في ابتداء الطهارة. وهو مذهب عامة العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الأخرى: إنها واجبة (1)، وبه قال إسحاق بن راهويه (2). لنا: قوله تعالى: " فاغسلوا " (3) عقب القيام بالغسل فانتفت الواسطة بين إرادة الصلاة والغسل. وما رواه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله، قال: (من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه) (4) ومعنى ذلك: الطهارة من الذنوب، لأن رفع الحدث لا يتبعض، وذلك يدل على أن التسمية موضع الفضيلة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام حكاية وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يذكر فيه التسمية، ولو كانت واجبة لوجب ذكرها (5). وما رواه في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال (إذا سميت في الوضوء، طهر جسدك كله وإذا لم تسم لم يطهر من جسدك إلا ما مر عليه الماء) (6) ولو كانت شرطا لكان الاخلال بها مبطلا، فلا تحصل طهارة شئ من الاعضاء.

(1) المغني 1: 114، الانصاف 1: 128، المجموع 1: 346، نيل الاوطار 1: 167، الكافي لابن قدامة 1: 29 - 30.
(2) التفسير الكبير 11: 157، سنن الترمذي 1: 38، المجموع 1: 346، نيل الاوطار 1: 167، المغني 1: 114.
(3) المائدة: 6. (4) سنن الدار قطني 1: 74، نيل الاوطار 1: 167، سنن البيهقي 1: 44.
(5) التهذيب 1: 55 حديث 157، الاستبصار 1: 58 حديث 171، الوسائل 1: 275 الباب 15 من أبواب الوضوء حديث 10.
(6) التهذيب 1: 355 حديث 1060، الاستبصار 1: 67 حديث 204، الوسائل 1: 298 الباب 26 من أبواب الوضوء حديث 5.

[ 298 ]

وأيضا: روي في الصحيح، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من ذكر اسم الله تعالى على وضوئه فكأنما اغتسل) (1) وذلك يدل على تأكد الاستحباب فإن المشبه به غير واجب، فلا يكون الطريق إليه واجبا. لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ في الصحيح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن رجلا توضأ وصلى فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أعد صلاتك ووضوءك، ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أعد وضوءك وصلاتك ففعل فتوضأ وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه وآله أعد وضوءك وصلاتك فأتى أمير المؤمنين عليه السلام فشكا ذلك إليه، فقال: هل سميت حيث توضأت؟ قال: لا، قال فسم على وضوءك فسمى فأتى النبي صلى الله عليه وآله فلم يأمر أن يعيد الوضوء) (2). وبما (3) استدل به أهل الظاهر (4) من قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (5). لأنا نجيب عن الأول بأنه يحتمل أن يكون المراد بالتسمية: النية، إطلاقا لاسم الجزء على الكل، وذلك باب مستعمل في المجاز يجب المصير إليه عند وجود الاجماع على امتناع الحمل على الحقيقة. وعن الثاني بذلك، أيضا على أن أحمد، قال: ليس يثبت في هذا حديث، ولا أعلم فيه

(1) التهذيب 1: 358 حديث 1073، الاستبصار 1: 67 حديث 203. الوسائل 1: 298 الباب 26 من أبواب الوضوء حديث 3.
(2) التهذيب 1: 358 حديث 1075، الاستبصار 1: 68 حديث 206، الوسائل 1: 298 الباب 26 من أبواب الوضوء حديث 6.
(3) كذا، والأنسب: وما.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 55، المجموع 1: 346، نيل الاوطار 1: 167، سبل السلام 1: 53. (5) سنن أبي داود 1: 25 حديث 101، سنن الترمذي 1: 37 حديث 25، سنن ابن ماجة 1: 139 حديث 397، سنن الدارمي 1: 176 حديث 1، سنن الدار قطني 1: 71 حديث 3، سنن البيهقي 1: 43، نيل الاوطار 1: 165 حديث 1، سبل السلام 1: 53 حديث 18، مسند أحمد 2: 418 وج 3: 41، مستدرك الحاكم 1: 146.

[ 299 ]

حديثا له إسناد جيد (1). وقال الحسن بن محمد (2): ضعف أبو عبد الله الحديث في التسمية فإن رجاله مجهولون، ولو سلم فالمراد نفي الكمال (3) كقوله عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (4) جمعا بين الأدلة. فروع: الأول: لو تركها عمدا أو سهوا لم تبطل طهارته وهو ظاهر على قولنا، أما القائلون بالوجوب فقالوا: إن تركها عمدا بطلت طهارته، ولأنه ترك واجبا في الطهارة فأشبه ما لو ترك النية (5)، وهو ضعيف فإن الأصل الصحة، وقياسهم مقلوب، فإنا نقول: فلا يشرط فيه العمد كالنية وهم قد اشترطوه، فإن أحمد قال: لو تركها ناسيا أرجو أن لا يكون عليه شئ (6)، وهذا النوع من القلب يسمى قلبا لإبطال مذهب المستدل بالالزام. الثاني: لو فعلها خلال الطهارة لم يكن قد أتى بالمستحب لقوله عليه السلام: (إذا وضعت يدك في الماء فقل) وإن كان قد أتى بمستحب. واختلف القائلون بالوجوب في الاعتداد بذلك فقال بعضهم (7) به، لأنه قد ذكر اسم الله على وضوئه. وقال بعضهم: لو تركها سهوا لا يسقط التكليف بها (8)، وهو ضعيف

(1) المغني 1: 115، نيل الاوطار 1: 166، الكافي لابن قدامة 1: 30، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 141.
(2) أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني صاحب الشافعي ببغداد، روى عنه كتابه القديم، له مصنفات، روى عنه الجماعة سوى مسلم، مات سنة 260 ه‍. تذكرة الحفاظ 2: 525، شذرات الذهب 2: 140، طبقات الحفاظ للسيوطي: 234.
(3) المغني 1: 115.
(4) سنن الدار قطني 1: 420، نيل الاوطار 1: 168.
(5) تقدم قولهم في صفحة 217، وانظر: الشرح الكبير بهامش المغني 1: 141، التفسير الكبير 11: 157، المغني 1: 115.
(6) المغني 1: 115، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 141، الكافي لابن قدامة 1: 30. (7 - 8) انظر نفس المصادر.

[ 300 ]

لقوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (1). الثالث: كيفيتها: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم الله وبالله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقل: الحمد لله رب العالمين (2). وروي في الضعيف، عن عبد الرحمن بن كثير (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام: (بسم الله والحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا) (4). وروى محمد بن يعقوب في كتابه في الحسن، عن معاوية بن عمار، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (فإذا توضأت فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين والحمد لله رب العالمين (5). مسألة: قال علماؤنا: المضمضة والاستنشاق مستحبان غير واجبين في الطهارتين. وبه قال مالك (6)، والشافعي (7)، والزهري، والحسن، وقتادة، وربيعة، ويحيى

(1) رواه بتفاوت في سنن ابن ماجة 1: 959 - وبهذا اللفظ في الوسائل 11: 295 الباب 56 من أبواب النفس حديث 1، 2.
(2) التهذيب 1: 76 حديث 192 الوسائل 1: 298 الباب 26 من أبواب الوضوء حديث 2.
(3) عبد الرحمن بن كثير الهاشمي: مولى عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان ضعيفا، غمز أصحابنا عليه، وقالوا: كان يضع الحديث. رجال النجاشي: 234، رجال العلامة: 239.
(4) الكافي 3: 70 حديث 60، الفقيه 1: 26 حديث 1، التهذيب 1: 53 حديث 153، الوسائل 1: 282 الباب 16 من أبواب الوضوء حديث 1.
(5) الكافي 3: 16 حديث 1، التهذيب 1: 25 حديث 63، الوسائل 1: 298 الباب 26 من أبواب الوضوء حديث 1.
(6) مقدمات ابن رشد 1: 55، بداية المجتهد 1: 10، بلغة السالك 1: 46، نيل الاوطار 1: 173، ميزان الكبرى 1: 116، المغني 1: 132، المجموع 1: 362، المدونة الكبرى 1: 15، سنن الترمذي 1: 41، عمدة القارئ 3: 70، المحلى 2: 50.
(7) الأم 1: 24 التفسير الكبير 11: 157، المجموع 1: 362، إرشاد الساري 1: 249، السراج الوهاج: 17، مغني المحتاج 1: 57، المبسوط للسرخسي 1: 62، سنن الترمذي 1: 41، بداية المجتهد 1: 10، عمدة القارئ

[ 301 ]

الانصاري، والليث، والأوزاعي (1). وقال أحمد: إنهما واجبان في الطهارتين (2). وبه قال إسحاق وابن أبي ليلى (3)، وروي عنه رواية أخرى أن الواجب هو الاستنشاق فيهما. وهو قول أبي ثور وداود (4)، وروي عنه أيضا أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الكبرى، مستحبان في الصغرى. وهو قول أبي حنيفة (5). لنا: قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم " (6) ولم يجعل فاصلا بين إرادة القيام وغسل الوجه وذلك يقتضي الإجزاء بالمأمور به. وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (عشر من الفطرة) (7) وذكر فيها المضمضة والاستنشاق، والفطرة سنة، وذكره لهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المضمضة والاستنشاق ليسا من الوضوء) (8) أي: ليسا من فرائضه.

(1) نيل الاوطار 1: 173، المجموع 1: 362 عمدة القارئ 3: 70، المغني 1: 132.
(2) المغني 1: 132، الانصاف 1: 152، الكافي لابن قدامة 1: 31، منار السبيل 1: 24، عمدة القارئ 3: 70، المحلى 2: 50، بدائع الصنائع 1: 21، إرشاد الساري 1: 249، نيل الاوطار 1: 172 المجموع 1: 363، سنن الترمذي 1: 41 ميزان الكبرى 1: 116، التفسير الكبير 11: 157.
(3) المجموع 1: 363، سنن الترمذي 1: 41، عمدة القارئ 3: 70 التفسير الكبير 11: 157، المغني 1: 132، بداية المجتهد 1: 10، نيل الاوطار 1: 172.
(4) المغني 1: 132، بداية المجتهد 1: 10، نيل الاوطار 1: 172، تفسير القرطبي 6: 84، عمدة القارئ 3: 70.
(5) شرح فتح القدير 1: 22 و 50، المغني 1: 132، المجموع 1: 363، المبسوط للسرخسي 1: 62، بدائع الصنائع 1: 21، المحلى 2: 50، نيل الاوطار 1: 173، بداية المجتهد 1: 10 التفسير الكبير 11: 157.
(6) المائدة: 6.
(7) صحيح مسلم 1: 223 حديث 261، سنن الترمذي 5: 91، سنن ابن ماجة 1: 107 سنن النسائي 8: 126. مسند أحمد 6: 137، نيل الاوطار 1: 135. (8) التهذيب 1: 78 حديث 199، الاستبصار 1: 66 حديث 199، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 5.

[ 302 ]

وما رواه في الحسن، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عنهما؟ فقال: (هما من الوضوء فإن نسيتهما فلا تعد) (1) وهذا الخبر يدل على صحة ما ذكرناه من التأويل. وما رواه، عن أبي بكر الحضرمي (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس عليك استنشاق ولا مضمضة لأنهما من الجوف) (3). وما رواه عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المضمضة والاستنشاق مما سن رسول الله صلى الله عليه وآله) (4). وما رواه زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ليس المضمضة والاستنشاق فريضة ولا سنة إنما عليك أن تغسل ما ظهر) (5). أقول: ويريد بالسنة الحنفية: السنة التي لا يجوز تركها، ويدل عليه، مفهوم قوله: (إنما عليك أن تغسل ما ظهر) فإن (على) دالة على الايجاب. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله (6) ولم يذكر المضمضة والاستنشاق لما كان فعله بيانا، فلو كانا واجبين لاستحال منه الاخلال بهما. وما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: قد يجزيك

(1) التهذيب 1: 78 حديث 200، الاستبصار 1: 67 حديث 200، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 4.
(2) عبد الله بن محمد: أبو بكر الحضرمي الكوفي سمع من أبي الطفيل، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). وروى الكشي له مناظرة جرت مع زيد بن علي بن الحسين. رجال الطوسي: 224، رجال الكشي: 416، رجال العلامة: 110.
(3) التهذيب 1: 78، حديث 201، الاستبصار 1: 117 حديث 395، الوسائل 1: 304 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 10.
(4) التهذيب 1: 79 حديث 203، الاستبصار 1: 67 حديث 202، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 1.
(5) التهذيب 1: 78 حديث 202، الاستبصار 1: 67 حديث 201، الوسائل 1: 303 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 6.
(6) تقدم الحديث في ص 297.

[ 303 ]

من الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه واثنتان للذراعين) (1) فلو كانا واجبين لما حصل الإجزاء بدونهما. وروى محمد بن يعقوب في كتابه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن المضمضة والاستنشاق؟ فقال: (ليس هما من الوضوء، هما من الجوف) (2) وهذا التعليل يشعر بأنهما ليسا واجبين في غسل الجنابة. ويدل عليه من حيث المنطوق: ما رواه الشيخ، عن عبد الله بن سنان، قال: أبو عبد الله عليه السلام: (لا يجنب الانف والفم لأنهما سائلان) (3) وفي طريقها موسى بن سعدان (4)، وهو ضعيف في الحديث إلا أن الأصحاب تلقته بالقبول. وروى الشيخ، عن الحسن بن راشد، قال: قال الفقيه العسكري عليه السلام: (ليس في الغسل ولا في الوضوء مضمضة ولا استنشاق) (5) أي: ليسا بواجبين فيهما، لما رواه الشيخ عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة؟ قال: (تصب على يديك الماء فتغسل كفيك ثم تدخل يدك فتغسل فرجك ثم تمضمض وتستنشق) (6). لا يقال: الأمر يقتضي الوجوب، لأنا نقول: قد بينا انتفاء الوجوب، ويدل على انتفائه هنا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: (تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك، وتبول إن

(1) التهذيب 1: 360 حديث 1083، الوسائل 1: 306 الباب 31 من أبواب الوضوء حديث 2.
(2) الكافي 3: 24 حديث 2، الوسائل 1: 304 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 9.
(3) التهذيب 1: 131 حديث 358، الاستبصار 1: 117 حديث 394، الوسائل 1: 500 الباب 34 من أبواب الجنابة حديث 5.
(4) موسى بن سعدان الحناط - بالحاء المهملة والنون - أو الخياط - بالخاء المعجمة والياء المثناة التحتانية - كوفي، ضعيف في الحديث، في مذهب غلو، روى عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع). رجال النجاشي: 404، رجال الطوسي: 361، رجال العلامة: 257.
(5) التهذيب 1: 131، حديث 361 الاستبصار 1: 118 حديث 397، الوسائل 1: 304 الباب 29 من أبواب الوضوء حديث 7.
(6) التهذيب 1: 131 حديث 362، الاستبصار 1: 118 حديث 398، الوسائل 1: 499 الباب 24 من أبواب الجنابة حديث 2..

[ 304 ]

قدرت على البول، ثم تدخل يدك في الاناء، ثم اغسل ما أصابك منه، ثم أفض على رأسك وجسدك ولا وضوء فيه) (1) فلو كانا واجبين لوجب ذكرهما عقيب السؤال وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك باطل اتفاقا. وأيضا: الفم والأنف باطنان فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وباطن العينين، ولان الوجه ما يحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بها، ولان غسل الجنابة واجب فلا يجب فيه المضمضة والاستنشاق قياسا على غسل الميت. واحتج المخالف (2) بما رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثا فريضة (3). وما رواه أبو هريرة أيضا أنه عليه السلام قال: (تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة) (4) وباطن الفم بشرة، وداخل الانف شعر، فيجب بله. قال أبو حنيفة: لأنهما عضوان باطنان من وجه ظاهران من وجه، فأعطيناهما حكم الباطن في الوضوء وحكم الظاهر في الجنابة (5). وقال أحمد: إنهما ظاهران، لأن الصائم لا يفطر بوضع الطعام فيهما، ولا ينشر حرمة الرضاع بوصول اللبن إليهما، ولا يجب الحد بترك الخمر فيهما، فيجب غسلهما (6). والجواب عن الحديث الأول: إنه قد ضعفه العلماء، قالوا: إن راويه بركة الحلبي، وهو

(1) التهذيب 1: 131 حديث 363، الاستبصار 1: 123 حديث 419، الوسائل 1: 515 الباب 34 من أبواب الجنابة حديث 3.
(2) المجموع 1: 363.
(3) سنن الدار قطني 1: 115 حديث 3.
(4) سنن أبي داود 1: 65 حديث 248، سنن الترمذي 1: 178 حديث 106، سنن ابن ماجة 1: 196 حديث 597، سنن البيهقي 1: 179، كنز العمال 9: 385، حديث 26595.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 62.
(6) الكافي لابن قدامة 1: 31.

[ 305 ]

غير معروف (1)، وأيضا: فإنه على خلاف مطلوبهم، فإنه أوجب الثلاث وهم لا يقولون به، وأيضا: فإنه حكاية قول أبي هريرة فلعله توهم ما ليس بفرض فرضا، فلا يبقى حجة مع وجود المنافي، وأيضا: فالفرض في اللغة التقدير، فيحمل عليه ويدخل فيه الواجب والندب. وعن الحديث الثاني: إن راويه الحارث بن وجيه (2)، وقد ضعفه البخاري (3)، قال يحيى بن معين: حديث الحارث بن وجيه ليس بشي ء (4)، وأيضا: يحتمل إنه أراد بالشعر ما ظهر، وكذا في البشرة، على أنه قد قيل: إن البشرة اسم لظاهرة الجلد دون باطنه (5) وعن كلام أبي حنيفة بالمنع من كونهما ظاهرين، ثم بالمطالبة له بوجه التخصيص. وينتقض ما ذكره أحمد جميعه بالعين، وبالمنع من التعليل في الأحكام التي ذكرها. بكونهما (6) باطنين. فروع: الأول: المضمضة: إدارة الماء في الفم، والاستنشاق: إجتذابه بالانف (7)، ويستحب إدارة الماء في جميع الفم للمبالغة، وكذا في الانف.

(1) بركة بن محمد: أبو سعيد الحلبي، روى عن يوسف بن أسباط والوليد بن مسلم وأهل الشام، ضعفه حبان والدار قطني، والذهبي وابن حجر وقالوا أنه كان يسرق ويضع الحديث وربما قلبه، متهم بالكذب. والمجروحين لابن حبان 1: 203، سنن الدار قطني 1: 115، ميزان الاعتدال 1: 303، لسان الميزان 2: 8 الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 137.
(2) الحارث بن وجيه الراسبي البصري، روى عن مالك بن دينار، وروى عنه زيد بن الحباب ومسلم بن إبراهيم وأبو سلمة وأبو عمر الحوضي والمقدمي. الجرح والتعديل 3: 92، ميزان الاعتدال 1: 445، المجروحين لابن حبان 1: 224.
(3) الضعفاء الصغير للبخاري: 61.
(4) ميزان الاعتدال 1: 445، الجرح والتعديل 3: 92، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 184.
(5) المجموع 1: 366.
(6) " م " " ن ": بكونهما ظاهرين باطنين.
(7) " ح " " ق ": في الانف.

[ 306 ]

الثاني: لو أدار الماء في فمه ثم ابتلعه فقد امتثل، لأن المقصود به قد حصل، وهو قول الحنابلة القائلين بالوجوب (1)، وقول بعض الحنفية، وقال بعضهم: لا يجزيه، نقله شارح الطحاوي (2)، وليس شئ. الثالث: يستحب فيهما الدعاء، لما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في صفة وضوء أمير المؤمنين عليه السلام: ثم تمضمض، فقال: (اللهم لقني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك) ثم استنشق، فقال: (اللهم لا تحرم علي ريح الجنة واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وطيبها) (3). ورواه أيضا ابن بابويه عنه عليه السلام (4). الرابع: يستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمناه، وقال بعض الجمهور: التمضمض باليمنى، والاستنشاق باليسرى (5) (6). لنا: ما رواه الجمهور، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يجب التيمن في طهوره وشأنه كله (7). الخامس: يستحب الترتيب فيهما وتقديمهما على الوضوء متابعة لفعل أمير المؤمنين عليه السلام، والمبالغة فيهما، أما في المضمضة فبأن يدخل الماء في الفم ويديره على جميع جوانبه (8) ويوصله إلى طرف حلقه ويمره على أسنانه ولسانه ثم يمجه، وفي الاستنشاق يدخل الماء في الانف ويأخذ بالنفس حتى يصل إلى خياشيمه ثم يدخل إصبعه فيه فيزيل ما في

(1) المغني 1: 134.
(2) شرح فتح القدير 1: 22.
(3) التهذيب 1: 53 حديث 153، الوسائل 1: 282 الباب 16 من أبواب الوضوء حديث 1.
(4) الفقيه 1: 26 حديث 84.
(5) " ح " " ق ": باليمين، والاستنشاق باليسار.
(6) المجموع 1: 357، بدائع الصنائع 1: 21.
(7) صحيح البخاري 1: 116 و 7: 199، صحيح مسلم 1: 226 حديث 268، سنن ابن ماجة 1: 141 حديث 401، سنن الترمذي 2: 506 حديث 608، سنن النسائي 1: 78.
(8) " خ ": جوانب فيه، " ح " " ق " " ن ": جوانب فمه.

[ 307 ]

الانف من أذى (1) ثم يستنثر مثل ما يفعله المتمخط، إلا الصائم، فإنه لا ينبغي له المبالغة، لقوله عليه السلام: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) (2) ولأنه ربما وصل إلى الجوف أو الدماغ (3). السادس: المستحب فيهما أن يتمضمض ثلاثا كملا، ثم يستنشق ثلاثا إما بكف واحدة أو بأكثر. وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: المستحب أن يأخذ كفا من الماء فيتمضمض ببعضها ويستنشق بالبعض، ثم يفعل ثانيا وثالثا كذلك (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن طلحة بن مصرف (6)، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق (7). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن صفة وضوء أمير المؤمنين عليه السلام أنه تمضمض ثم استنشق (8)، و (ثم) للترتيب، ولأنه أمكن (9) في التطهير، وأشبه بأعضاء الطهارة حيث ينتقل إلى الثاني بعد إكمال الأول.

(1) " ح ": الدرن.
(2) سنن أبي داود 1: 36، سنن ابن ماجة 1: 142 حديث 407، سنن النسائي 1: 66، نيل الاوطار 1: 172.
(3) " ح " " ق ": والدماغ. (4) بدائع الصنائع 1: 21، الهداية للمرغيناني 1: 13.
(5) الأم 1: 24، المهذب للشيرازي 1: 16، المجموع 1: 360، مغني المحتاج 1: 58، بدائع الصنائع 1: 21، فتح الوهاب 1: 14.
(6) أبو محمد أو أبو عبد الله طلحة بن مصرف بن كعب بن عمرو بن جحدب. اليامي سمع أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفي وسعيد بن جبير، وروى عنه منصور بن المعتمر وابنه محمد بن طلحة وعبد الملك بن أبجر والزبير بن عدي. مات سنة 112 ه‍. الجمع بين رجال الصحيحين 1: 230، الجرح والتعديل 4: 473، سبل السلام 1: 54.
(7) سنن أبي داود 1: 34 حديث 139، سبل السلام 1: 54.
(8) تقدمت الرواية في ص 306.
(9) في بعض النسخ: أذكى.

[ 308 ]

احتج الشافعي (1) بما رواه عبد الله بن زيد (2) أن النبي صلى الله عليه وآله تمضمض واستنشق بكف واحدة (3). والجواب: إنه محمول على أنه استعمل فيهما كفا واحدا. مسألة: يستحب الدعاء عند غسل الاعضاء لما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في صفة وضوء أمير المؤمنين عليه السلام، ثم غسل وجهه، فقال: (اللهم بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه، ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه) ثم غسل يده اليمنى فقال: (اللهم اعطني كتابي بيميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيرا) ثم غسل يده اليسرى، فقال: (اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران) ثم مسح رأسه فقال: (اللهم غشني برحمتك وبركاتك) ثم مسح رجليه، فقال: (اللهم ثبتني على الصراط يوم تزل فيه الأقدام واجعل سعيي فيما يرضيك عني) ورواه ابن بابويه أيضا (4). وروي أنه يستحب أن يقول المتوضئ: (اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة، وتمام رضوانك، والجنة) (5). مسألة: يستحب أن يبدأ الرجل في غسل ذراعيه بظاهرهما، والمرأة بباطنهما. وهو اتفاق علمائنا، لما رواه الشيخ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (فرض الله على النساء في الوضوء أن يبد أن بباطن أذرعهن وفي الرجال:

(1) بدائع الصنائع 1: 21، المجموع 1: 359. (2) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف. الانصاري المازني، أبو محمد، ويعرف بابن أم عمارة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله وعنه ابن أخيه عباد بن تميم ويحيى بن عمار وسعيد بن المسيب وغيرهم، قبل: قتل يوم الحرة سنة 63 ه‍. أسد الغابة 3: 167، الاصابة والاستيعاب بهامشها 2: 312.
(3) صحيح البخاري 1: 59، صحيح مسلم 1: 210 حديث 235، سنن الترمذي 1: 41 حديث 28، سنن أبي داود 1: 30 حديث 119، سنن ابن ماجة 1: 142 حديث 405، مسند أحمد 4: 42.
(4) تقدم الحديثان في ص 306.
(5) الفقيه 1: 32.

[ 309 ]

بظاهر الذراع) (1) والمراد بالفرض ها هنا التقدير لا الوجوب. مسألة: قال علماؤنا: يستحب الوضوء بمد. وقال أبو حنيفة: لا يجزي في الوضوء أقل منه (2). لنا: قوله تعالى: " فاغسلوا " (3) ومع تحقق الامتثال بما (4) يسمى غسلا يحصل الإجزاء. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله تعالى تعالى من يطيعه ومن يعصيه، وإن المؤمن لا ينجسه شئ إنما يكفيه اليسير) (5). ويدل على الاستحباب: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل بصاع من ماء ويتوضأ بمد من ماء) (6). وروى عن سليمان بن حفص المروزي (7)، قال: قال أبو الحسن عليه السلام: (الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمد من ماء، وصاع النبي صلى الله عليه وآله: خمسة أمداد، والمد: وزن مائتين وثمانين درهما، والدرهم: وزن ستة دوانيق، والدانق: وزن ست حبات، والحبة: وزن حبتين من شعير من أوسط الحب لا من صغاره ولا من كباره) (8).

(1) التهذيب 1: 76 حديث 193، الوسائل 1: 328 الباب 40 من أبواب الوضوء حديث 1. المبسوط للسرخسي 1: 45، بدائع الصنائع 1: 35، المغني 1: 256.
(3) المائدة 6. (4) " خ ": بأقل ما.
(5) التهذيب 1: 138 حديث 387، الوسائل 1: 340 الباب 52 من أبواب حديث 1:.
(6) التهذيب 1: 136 حديث 377 الاستبصار 1: 121 حديث 408 و 409، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء حديث 2. وفي الجميع بدل (اليسير) يوجد: (مثل الدهن).
(7) سليمان بن حفص المروزي لم يتعرض له أكثر علماء الرجال، كذا قال المامقاني، وقال: إنه كان من علماء خراسان وباحث مع الرضا (ع) وكان له مكاتبات إلى الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام جامع الرواة 1: 377، تنقيح المقال 2: 56.
(8) الفقيه 1: 23 حديث 69، التهذيب 1: 135 حديث 374، الاستبصار 1: 121 حديث 410، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء حديث 3.

[ 310 ]

وروي في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع) (1) والمد: رطل ونصف، والصاع: ستة أرطال، قال الشيخ: يعني أرطال المدينة فيكون تسعة أرطال بالعراقي (2). وروى ابن بابويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (الوضوء مد والغسل صاع وسيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك فأولئك على خلاف سنتي، والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس) (3). مسألة: يكره التمندل من الوضوء ذكره الشيخ في بعض كتبه (4)، وبه قال عبد الله بن عباس (5). وقال في الخلاف: لا بأس به (6). وهو قول أكثر الفقهاء (7)، وللشافعي قولان (8). لنا: ما رواه ابن بابويه، عن الصادق عليه السلام، قال: (من توضأ وتمندل كتبت له حسنة، ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتبت له ثلاثون) (9). احتج الشيخ بما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسح بالمنديل قبل أن يجف؟ قال: (لا بأس به) (10). والجواب: أنا نقول به، فإن (11) نفي البأس يفهم منه نفي التحريم، وأيضا: يدل على ما

(1) التهذيب 1: 136 حديث 378، الاستبصار 1، 121 حديث 409، الوسائل 1: 338 الباب 50 من أبواب الوضوء حديث 1.
(2) التهذيب 1: 135.
(3) الفقيه 1: 23 حديث 70، الوسائل 1: 339 الباب 50 من أبواب الوضوء حديث 6. (4) الجمل والعقود: 38.
(5) المجموع 1: 462.
(6) الخلاف 1: 18 مسألة - 44.
(7) المغني 1: 161، نيل الاوطار 1: 221.
(8) المهذب للشيرازي 1: 19، المجموع 1: 461، فتح الوهاب 1: 15، مغني المحتاج 1: 61، السراج الوهاج: 18.
(9) الفقيه 1: 31 حديث 105، الوسائل 1: 334 الباب 45 من أبواب الوضوء حديث 5.
(10) التهذيب 1: 346 حديث 1101، الوسائل 1: 233 الباب 45 من أبواب الوضوء حديث 1.
(11) " خ ": وإن.

[ 311 ]

قلناه: قول أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمد لما وصف له الوضوء: (يا محمد، من توضأ مثل ما توضأت وقال مثل ما قلت خلق الله له من كل قطرة ملكا يقدسه ويسبحه ويهلله ويكبره ويكتب له ثواب ذلك) (1) ومع التمندل يزول التقاطر. مسألة: تكره الاستعانة في الوضوء بصب الماء، لما روى الحسن بن علي الوشا، قال: دخلت على الرضا عليه السلام وبين يديه إبريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة فدنوت منه لأصب عليه فأبى ذلك وقال: (مه يا حسن) فقلت له: لم تنهاني أن أصب على يدك، تكره أن أوجر؟ قال: (تؤجر أنت وأوزر أنا) فقلت له: فكيف ذلك؟ فقال: (أما سمعت الله يقول: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (2) وها أنا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد " (3). وفي طريق هذه الرواية إبراهيم بن إسحاق الاحمر (4) وفيه ضعف (5) إلا أن الأصحاب عملوا بمضمونها. ولان صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام اشتملا على ترك الاستعانة (6). ولان فيه زيادة مشقة في تحصيل أمر مطلوب شرعا، فيكون فيه زيادة ثواب ومع الاستعانة يفقد ذلك القدر. مسألة: يحرم كشف العورة في الحمام وغيره بحيث يراه غيره، ويستحب دخوله بمئزر

(1) تقدم الحديث في ص 306.
(2) الكهف: 110. (3) الكافي 3: 69 حديث 1، التهذيب 1: 365 حديث 1107، الوسائل 1: 335 الباب 47 من أبواب الوضوء حديث 1.
(4) إبراهيم بن إسحاق: أبو إسحاق النهاوندي الأحمري، أو الأحمر، عده الشيخ في رجاله في باب من لم يرو عن الأئمة (ع)، وقال في الفهرست: كان ضعيفا في حديثه متهما في دينه. وكذا قال النجاشي. رجال الطوسي: 451، 409، الفهرست: 7، رجال النجاشي: 19، تنقيح المقال 1: 13، رجال العلامة: 198.
(5) " خ ": وهو ضعيف.
(6) الفقيه 1: 26، الوسائل 1: 335 الباب 47 من أبواب الوضوء حديث 1، 2.

[ 312 ]

وإن لم يره غيره. روى الشيخ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال: (إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا) (1). وعن حمزة بن أحمد، عن أبي الحسن الأول، قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام؟ قال: (أدخله بمئزر وغض بصرك ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم) (2). وعن مسمع، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه نهى أن يدخل الرجل إلا بمئزر (3). وروي عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يغتسل الرجل بارزا؟ فقال: (إذا لم يره أحد فلا بأس) (4). وروي في الصحيح عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه) (5).. وروى ابن بابويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر) (6). ونهى عليه السلام عن الغسل تحت السماء إلا بمئزر، ونهى عن دخول الانهار إلا بمئزر، وقال: (إن للماء أهلا وسكانا) (7). وروي عن حنان بن سدير (8)، عن أبيه، قال: قال: دخلت أنا وأبي وجدي وعمي

(1) التهذيب 1: 273 حديث 1144، الوسائل 1: 367 الباب 9 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(2) التهذيب 1: 373 حديث 1143، الوسائل 1: 158 الباب 11 من أبواب الماء المضاف حديث 1. (3) التهذيب 1: 373 حديث 1145، الوسائل 1: 369 الباب 10 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(4) التهذيب 1: 374 حديث 1148، الوسائل 1: 371 الباب 11 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(5) التهذيب 1: 374 حديث 1149، الوسائل 1: 363 الباب 3 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(6) الفقيه 1: 60 حديث 225، الوسائل 1: 368 الباب 9 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(7) الفقيه 1: 61 حديث 225، الوسائل 1: 370 الباب 10 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(8) حنان بن سدير بن صهيب: أبو الفضل الصيرفي، كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، قاله النجاشي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم (ع) وقال: واقفي. وقال في الفهرست: ثقة. رجال النجاشي: 146، رجال الطوسي: 346، الفهرست: 64، رجال العلامة: 218، تنقيح المقال 1: 380.

[ 313 ]

حماما في المدينة فإذا رجل في بيت المسلخ، فقال لنا: (ممن القوم؟) فقلنا: من العراق، فقال: (وأي العراق؟) فقلنا: كوفيون، فقال: (مرحبا بكم يا أهل الكوفة وأهلا، أنتم الشعار دون الدثار)، ثم قال: (ما يمنعكم من الازار؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام) قال: فبعث عمي إلى كرباسة (1) فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منا واحدا ثم دخلنا فيها فلما كنا في البيت الحار صمد لجدي، فقال: (يا كهل ما يمنعك من الخضاب؟) فقال له جدي: أدركت من هو خير مني ومنك لا يختضب، فقال: (ومن ذلك الذي هو خير مني) قال: أدركت علي بن أبي طالب عليه السلام، ولا يختضب فنكس رأسه وتصاب عرقا وقال: (صدقت وبررت) ثم قال: (يا كهل إن تخضب فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خضب وهو خير من علي عليه السلام، وإن تترك فلك بعلي عليه السلام أسوة) قال: فلما خرجنا من الحمام سألنا عن الرجل في المسلخ فإذا هو علي بن الحسين ومعه إبنه محمد الباقر عليهما السلام (2). وقد اشتمل هذا الحديث على فوائد: إحداها: الأمر بالمعروف برفق. الثانية: تحريم النظر إلى عورة المؤمن. الثالثة: الأمر بالخضاب. الرابعة: جواز دخول الرجل وابنه الحمام. الخامسة: الدلالة على متابعة النبي صلى الله عليه وآله في أفعاله. ويستحب الدعاء، روى ابن بابويه عن محمد بن حمران (3) قال: قال الصادق عليه السلام: (إذا دخلت الحمام فقل في الوقت الذي تنزع ثيابك: اللهم انزع عني ربقة النفاق وثبتني على الايمان، فإذا دخلت البيت الأول فقل: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي

(1) الكرابيس: جمع كرباس، وهو: القطن. النهاية لابن الاثير 4: 161.
(2) الكافي 6: 497 حديث 8، الفقيه 1: 66 حديث 252، الوسائل 1: 368 الباب 9 من أبواب آداب الحمام حديث 4.
(3) محمد بن حمران النهدي: أبو جعفر، كوفي الأصل ثقة من أصحاب أبي عبد الله الصادق (ع) وروى عنه. رجال النجاشي: 359، رجال الطوسي: 285.

[ 314 ]

وأستعيذ بك من أذاه، وإذا دخلت البيت الثاني فقل: اللهم أذهب عني الرجس النجس وطهر جسدي وقلبي، وخذ من الماء الحار وضعه على هامتك وصب منه على رجليك، وإن أمكن أن تبلع منه جرعة فافعل فإنه ينقي المثانة، والبث في البيت الثاني ساعة، فإذا دخلت البيت الثالث فقل: نعوذ بالله من النار ونسأله الجنة، ترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار، وإياك وشرب الماء البارد والفقاع في الحمام فإنه يفسد المعدة، ولا تصبن عليك الماء البارد فإنه يضعف البدن، وصب الماء البارد على قدميك إذا خرجت فإنه يسل الداء من جسدك، فإذا لبست ثيابك فقل: اللهم ألبسني التقوى وجنبني الردى، فإذا فعلت ذلك أمنت من كل داء) (1). وروي، عن محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام، فقال: أكان أمير المؤمنين عليه السلام ينهى عن قراءة القرآن في الحمام؟ فقال: (لا، إنما نهى أن يقرأ الرجل وهو عريان، فإذا كان عليه إزار فلا بأس) (2). وقال علي بن يقطين لموسى بن جعفر عليه السلام: أقرأ في الحمام وأنكح فيه؟ قال: (لا بأس) (3). وقد ورد ذم ومدح في الحمام، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (نعم البيت الحمام تذكر فيه النار ويذهب بالدرن) (4). وقال عليه السلام: (بئس البيت الحمام يهتك الستر ويذهب بالحياء) (5). وقال الصادق عليه السلام: (بئس البيت الحمام يهتك الستر ويبدي العورة، ونعم البيت بيت الحمام يذكر حر جهنم) (6). ومن الادب: أن لا يدخل الرجل ولده معه الحمام فينظر إلى عورته. * (هاش) * (1) الفقيه 1: 62 حديث 232، الوسائل 1: 371 الباب 13 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) الكافي 6: 502 حديث 32، الفقيه 63 حديث 233، الوسائل 1: 373 الباب 15 من أبواب آداب الحمام حديث 1. (3) الكافي 6: 502 حديث 31، الوسائل 1: 374 الباب 15 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(4) الفقيه 1: 63 حديث 237، الوسائل 1: 361 الباب 1 من أبواب آداب الحمام حديث 4.
(5) الفقيه 1: 63 حديث 238، الوسائل 1: 362 الباب 1 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(6) الفقيه 1: 63 حديث 249، الوسائل 1: 362 الباب 1 من أبواب آداب الحمام حديث 6.

[ 315 ]

وقال الصادق عليه السلام: (لا تتك في الحمام فإنه يذيب شحم الكليتين، ولا تسرح في الحمام فإنه يرفق الشعر، ولا تغسل رأسك بالطين فإنه يسمج الوجه، ولا تدلك بالخزف فإنه يورث البرص، ولا تمسح وجهك بالازار فإنه يذهب بماء الوجه) (1). وروي أن المراد بذلك طين مصر وخزف الشام. وقال أبو الحسن موسى عليه السلام: (لا تدخلوا الحمام على الريق، ولا تدخلوا حتى تطعموا شيئا) (2). وقال عليه السلام: (الحمام يوم ويوم لا، يكثر اللحم، وإدمانه كل يوم يذيب شحم الكليتين) (3). ودخل الصادق عليه السلام الحمام، فقال له صاحب الحمام: نخليه لك؟ فقال: (لا، إن المؤمن خفيف المؤنة) (4). وقال الصادق عليه السلام: (غسل الرأس بالخطمي في كل جمعة أمان من البرص والجنون) (5). وقال عليه السلام: (غسل الرأس بالخطمي ينفي الفقر ويزيد في الرزق) (6). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (غسل الرأس بالخطمي يذهب بالدرن وينفي الأقذاء (7)) (8). (وإن رسول الله صلى الله عليه وآله اغتم فأمره جبرئيل عليه السلام أن

(1) الفقيه 1: 64 حديث 243، الوسائل 1: 372 الباب 13 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(2) الفقيه 1: 64 حديث 245، الوسائل 1: 377 الباب 17 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(3) الكافي 6: 496 حديث 2، الفقيه 1: 65 حديث 247، الوسائل 1: 362 الباب 2 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(4) الفقيه 1: 65 حديث 249، الوسائل 1: 381 الباب 22 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(5) الكافي 6: 504 حديث 2، الفقيه 1: 71 حديث 290، التهذيب 3: 236 حديث 624، الوسائل 5: 47 الباب 32 من أبواب صلاة الجمعة حديث 1.
(6) الفقيه 1: 71 حديث 291، الوسائل 1: 384 الباب 25 من أبواب آداب الحمام حديث 5. (7) الأقذاء: جمع قذي، والقذي: جمع قذاة، وهو ما يقع العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك. النهاية لابن الاثير 4: 30.
(8) الكافي 6: 504 حديث 3، الفقيه 1: 71 حديث 293، الوسائل 1: 383 الباب 25 من أبواب آداب الحمام حديث 2.

[ 316 ]

يغسل رأسه بالسدر، وكان ذلك سدرا من سدرة المنتهى) (1). وقال أبو الحسن موسى عليه السلام: (غسل الرأس بالسدر يجلب الرزق جلبا) (2). وقال الصادق عليه السلام: (اغسلوا رؤسكم بورق السدر، فإنه قدسه كل ملك مقرب وكل نبي مرسل) (3). وخرج الحسن بن علي عليه السلام، فقال له رجل: طاب استحمامك، فقال له: (يا لكع وما تصنع بالأست ها هنا؟) قال: فطاب حمامك، فقال: (إذا طاب الحمام فما راحة البدن منه)؟! قال: فطاب حميمك، فقال: (ويحك، أما عرفت أما الحميم عرق فقال: فكيف أقول؟ قال: (قل طاب منك ما طهر، وطهر منك ما طاب) (4). فصول: في الفطرة: حلق العانة مستحب، روى ابن بابويه عن أبي الحسن موسى عليه السلام: (القوا الشعر عنكم فإنه نجس) (5). وكان الصادق عليه السلام يطلي في الحمام، فإذا بلغ موضع العورة قال للذي يطلي: (تنح) ثم يطلي هو ذلك الموضع (6). قال ابن بابويه: ومن أطلى فلا بأس أن يلقي المئزر عنه، لأن النورة ستر (7)

(1) الفقيه 1: 72 حديث 394، الوسائل 1: 385 الباب 26 من أبواب آداب الحمام حديث 4.
(2) الكافي 6: 504 حديث 6، الفقيه 1: 72 حديث 295 الوسائل 1: 385 الباب 26 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(3) الفقيه 1: 72 حديث 296، الوسائل 1: 385 الباب 26 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(4) الكافي 6: 500 حديث 21، الفقيه 1: 72 حديث 297، الوسائل 1: 383 الباب 24 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(5) الكافي 6: 505 حديث 5، الفقيه 1: 67 حديث 255، التهذيب 1: 376 حديث 1158، الوسائل 1: 415 الباب 59 من أبواب آداب الحمام ذيل حديث 4. وفيها: فإنه يحسن. (6) الفقيه 1: 65 حديث 248، الوسائل 1: 389 الباب 31 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(7) الفقيه 1: 65.

[ 317 ]

والسنة إزالتها بالنورة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (النورة طهور) (1). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (أحب للمؤمن أن يطلي في كل خمسة عشر يوما) (2). وقال الصادق عليه السلام: (السنة في النورة في كل خمسة عشر يوما فإن أتت عليك عشرون يوما وليس عندك فاستقرض على الله عزوجل) (3). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يترك عانته فوق أربعين يوما، ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدع ذلك منها فوق عشرين يوما) (4). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (احلقوا شعر البطن للذكر والانثى) (5). فصل: ونتف الابط من الفطرة ويفحش تركه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (نتف الابط ينفي الرائحة المكروهة، وهو طهور وسنة مما أمر به الطيب عليه وعلى أهل بيته السلام) (6). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يطولن أحدكم شعر إبطيه فإن الشيطان يتخذه مخبأ (7) يستتر به) (8).

(1) الكافي 6: 505 حديث 1، الفقيه 1: 67 حديث 254، الوسائل 1: 386 الباب 28 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) الكافي 6: 506 حديث 8، الفقيه 1: 67 حديث 258، الوسائل 1: 391 الباب 33 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(3) الكافي 6: 506 حديث 9، الفقيه 1: 67 حديث 259، التهذيب 1: 375 حديث 1157، الوسائل 1: 391 الباب 33 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(4) الكافي 6: 506 حديث 11، الفقيه 1: 67 حديث 260، الوسائل 1: 439 الباب 86 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(5) الفقيه 1: 67 حديث 261، الوسائل 1: 436 الباب 84 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(6) الفقيه 1: 68 حديث 264، الوسائل 1: 436 الباب 84 من أبواب آداب الحمام حديث 4.
(7) " ح " " ق ": مجنا.
(8) الكافي 6: 507 حديث 1، الفقيه 1: 68 حديث 265 وفيه: مجنا، الوسائل 1: 436 الباب 84 من أبواب آداب الحمام حديث 2.

[ 318 ]

وكان الصادق عليه السلام يطلي إبطيه في الحمام، ويقول: (نتف الابط يضعف المنكبين، ويوهي ويضعف البصر) (1) وقال عليه السلام: (حلقه أفضل من نتفه، وطليه أفضل من حلقه) (2) والمقصود إنما هو الازالة فمهما حصلت، حصلت الافضلية، ومع ذلك فينبغي الازالة بالنورة لما ورد فيها من الفضل (3). فصل: إزالة الشعر من الانف مستحب، لما فيه من التحسين والتزيين، ولما رواه ابن بابويه، عن الصادق عليه السلام، قال: (أخذ الشعر من الانف يحسن الوجه) (4). فصل: واتخاذ الشعر أفضل من إزالته، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الشعر الحسن من كسوة الله تعالى فأكرموه) (5). وقال عليه السلام: (من اتخذ شعرا فليحسن ولايته أو ليجزه) (6). وقد روي خلاف ذلك، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل: (احلق، فإنه يزيد في جمالك) (7) ويحتمل أن المراد ها هنا ما دل عليه اللفظ صريحا وهو التخصيص لمعرفته بحال المأمور من زيادة جماله بحلق شعره. فصل: وقص الاظفار من الفطرة ويتفاحش تركها فربما تغرب (8) لاجتماع الوسخ إذا حك جلده. قال رسول الله صلى الله عليه وآله للرجال: (قصوا أظافيركم) وللنساء: (أتركن من أظافير كن، فإنه أزين لكن) (9).

(1) الفقيه 1: 67 حديث 262، الوسائل 1: 438 الباب 85 من أبواب آداب الحمام حديث 7.
(2) الفقيه 1: 68 حديث 263، الوسائل 1: 438 الباب 85 من أبواب آداب الحمام حديث 8.
(3) الكافي 6: 505 باب النورة الوسائل 1: 386 الباب 28 من أبواب آداب الحمام.
(4) الفقيه 1: 71 حديث 289، الوسائل 1: 424 الباب 68 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(5) الفقيه 1: 76 حديث 329، الوسائل 1: 432 الباب 78 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(6) الفقيه 1: 75 حديث 328، الوسائل 1: 432 الباب 78 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(7) الفقيه 1: 71 حديث 287، الوسائل 1: 416 الباب 60 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(8) " ح " " ق ": يعرف.
(9) الفقيه 1: 74 حديث 316 الوسائل 1: 435 الباب 81 من أبواب آداب الحمام حديث 1.

[ 319 ]

وقال الرضا عليه السلام: قلموا أظفاركم يوم الثلاثاء، واستحموا يوم الاربعاء، وأصيبوا من الحجامة حاجتكم يوم الخميس، وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة) (1). وقال الحسين بن أبي العلاء للصادق عليه السلام: ما ثواب من أخذ من شاربه وقلم أظفاره في كل جمعة؟ قال: (لا يزال مطهرا إلى الجمعة الأخرى) (2). وقال الصادق عليه السلام: (من قص أظافيره يوم الخميس وترك واحدا ليوم الجمعة، نفى الله عنه الفقر) (3). وقال عبد الله بن أبي يعفور للصادق عليه السلام: جعلت فداك، يقال: ما استنزل الرزق بشئ مثل التعقيب ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؟ فقال: (أجل، ولكن أخبرك بخير من ذلك، أخذ الشارب وتقليم الاظفار يوم الجمعة) (4) وتقليم الاظفار يوم الخميس يدفع الرمد. قال الباقر عليه السلام: (من أخذ من أظفاره كل خميس لم يرمد ولده) (5). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من قلم أظفاره يوم السبت ويوم الخميس وأخذ من شاربه، عوفي من وجع الضرس ووجع العين) (6). فصل: أخذ الشارب من الفطرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يطولن أحدكم شاربه فإن الشيطان يتخذه مجنا يستتر به) (7). وقال عليه السلام: (خفوا الشوارب واعفوا اللحى، ولا تشبهوا باليهود) (8).

(1) الفقيه 1: 77 حديث 345، الوسائل 5: 55 الباب 3 من أبواب صلاة الجمعة حديث 7.
(2) الفقيه 1: 73 حديث 307 الوسائل 5: 50 الباب 33 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 13.
(3) الفقيه 1: 74 حديث 310، الوسائل 5: 51 الباب 34 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 4.
(4) الفقيه 1: 74 حديث 311، التهذيب 3: 238 حديث 630، الوسائل 5: 48 الباب 33 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 3.
(5) الفقيه 1: 74 حديث 312، الوسائل 5: 51 الباب 34 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 3.
(6) الفقيه 1: 74 حديث 313، الوسائل 5: 52 الباب 34 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 5.
(7) الفقيه 1: 73 حديث 308 ولعل الأنسب: مخبأ.
(8) الفقيه 1: 76 حديث 332، الوسائل 1: 423 الباب 67 من أبواب آداب الحمام حديث 1.

[ 320 ]

وقال عليه السلام: (إن المجوس جزوا لحاهم ووفروا شواربهم، وإنا نجز الشوارب ونعفي اللحى وهي الفطرة) (1). وقال الصادق عليه السلام: (أخذ الشارب من الجمعة إلى الجمعة أمان من الجذام) (2). وقال الصادق عليه السلام: (قصها إذا طالت) (3). وقال موسى بن بكر (4) له عليه السلام: إن أصحابنا يقولون: إنما أخذ الشارب والأظفار يوم الجمعة، فقال: (سبحان الله خذها إن شئت في يوم الجمعة وإن شئت في سائر الايام) (5) ورورى عبد الرحيم القصير (6)، عن الباقر عليه السلام، قال: (من أخذ من أظفاره. وشاربه كل جمعة، وقال حين يأخذه: بسم الله وبالله وعلى سنة محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، لم تسقط منه قلامة ولا جزازة إلا كتب الله عز وجل له بها عتق نسمة ولم يمرض إلا مرضه الذي يموت فيه) (7).

(1) الفقيه 1: 76 حديث 334، الوسائل 1: 423 الباب 67 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(2) الفقيه 1: 73 حديث 306، الوسائل 5: 48 الباب 33 من أبواب صلاة الجمعة وآدابها حديث 5.
(3) الفقيه 1: 74 حديث 315، الوسائل 1: 434 الباب 80 من أبواب آداب الحمام حديث 7.
(4) موسى بن بكر الواسطي، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الصادق (ع) وأخرى من أصحاب الكاظم (ع) قائلا: أصله كوفي، واقفي. وكذا قال المصنف في رجاله. رجال النجاشي: 407، رجال الطوسي: 307، 357، رجال العلامة: 257، تنقيح المقال 3: 254.
(5) الفقيه 1: 74 حديث 314، التهذيب 3: 237 حديث 626، الوسائل 1: 434 الباب 80 من أبواب آداب الحمام حديث 6.
(6) عبد الرحيم القصير، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الصادق (ع) بعنوان عبد الرحيم بن روح القصير الاسدي، كوفي روى عنهما وبقي بعد أبي عبد الله (ع). وأخرى من أصحاب الباقر (ع) بعنوان: عبد الرحيم القصير. واستظهر المامقاني اتحادهما. رجال الطوسي: 128، 232، تنقيح المقال 2: 15.
(7) الكافي 6: حديث 491، التهذيب 3: 237 حديث 627، الوسائل 5: 53 الباب 35 من أبواب صلاة الجمع ذيل حديث 1.

[ 321 ]

فصل: فرق الرأس من الفطرة، ولان فيه تحسينا، وقال الصادق عليه السلام: (من اتخذ شعرا ولم يفرقه، فرقه الله بمنشار من نار) (1). ويستحب التمشط (2)، سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن قوله عز وجل " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (3)؟ قال: (من ذلك التمشط عند كل صلاة) (4). وقال الصادق عليه السلام: (مشط الرأس يذهب بالوباء، ومشط اللحية يشد الاضراس) (5). وقال الصادق عليه السلام: (من سرح لحيته سبعين مرة وعدها مرة مرة، لم يقر به الشيطان أربعين يوما) (6). فصل (7): روى ابن بابويه، عن الصادق عليه السلام، قال: (يدفن الرجل شعره وأظافيره إذا أخذ منها وهي سنة) (8) قال: وروي أن من السنة دفن الشعر والظفر والدم (9). فصل: يستحب الخضاب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أطلى واختضب بالحناء، آمنه الله عز وجل من ثلاث خصال: الجذام، والبرص، والأكلة، إلى طلية مثلها) (10).

(1) الفقيه 1: 76 حديث 330، الوسائل 1: 417 الباب 62 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) " ح " " ق ": التمشيط.
(3) الاعراف: 31.
(4) الكافي 6: 489 حديث 7، الفقيه 1: 75 حديث 319، الوسائل 1: 426 الباب 71 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(5) الفقيه 1: 75 حديث 320، الوسائل 1: 428 الباب 73 من أبواب الحمام حديث 1.
(6) الكافي 6: 489 حديث 10، الفقيه 1: 75 حديث 322، الوسائل 1: 429 الباب 76 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(7) ليست في: " ح " " ق " " م ".
(8) الفقيه 1: 74 حديث 317، الوسائل 1: 431 الباب 77 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(9) الفقيه 1: 74 حديث 318، الوسائل 1: 431 الباب 77 من أبواب آداب الحمام 4.
(10) الفقيه 1: 68 حديث 269، الوسائل 1: 393 الباب 35 من أبواب آداب الحمام حديث 4.

[ 322 ]

وقال الصادق عليه السلام: (الحناء على أثر النورة أمان من الجذام والبرص) (1). وروي أن من أطلى فتدلك (2) بالحناء من قرنه إلى قدمه، نفى الله عنه الفقر) (3). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اختضبوا بالحناء فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر، ويطيب الريح، ويسكن الزوجة) (4). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (الخضاب هدى محمد صلى الله عليه وآله، وهو من السنة) (5) وقال الصادق عليه السلام: (لا بأس بالخضاب كله) (6). وسأل محمد بن مسلم أبا جعفر عليه السلام عن الخضاب؟ فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخضب وهذا شعره عندنا) (7). وقال الصادق عليه السلام: (الخضاب بالسواد أنس للنساء، ومهابة للعدو) (8). وقال عليه السلام في قوله تعالى: " وأعدو لهم ما استطعتم من قوة " (9) قال: (منه الخضاب بالسواد) (10). وروى ابن بابويه أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد صفر لحيته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما أحسن هذا؟) ثم دخل عليه بعد ذلك وقد أقنى

(1) الفقيه 1: 68 حديث 270 الوسائل 1: 393 الباب 35 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(2) في المصدر: وتدلك.
(3) الفقيه 1: 68 حديث 271، الوسائل 1: 393 الباب 35 من أبواب آداب الحمام حديث 6.
(4) الكافي 6: 483 حديث 4، الفقيه 1: 68 حديث 272، الوسائل 1: 408 الباب 50 من أبواب آداب الحمام حديث 5.
(5) الفقيه 1: 69 حديث 274، الوسائل 1: 400 الباب 41 من أبواب آداب الحمام حديث 5. (6) الفقيه 1: 69 حديث 275، الوسائل 1: 400 الباب 41 من أبواب آداب الحمام حديث 6.
(7) الفقيه 1: 69 حديث 277، الوسائل 1: 400 الباب 41 من أبواب آداب الحمام حديث 7.
(8) الكافي 6: 483 حديث 7، الفقيه 1: 70 حديث 281، الوسائل 1: 404 الباب 46 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(9) الانفال: 60.
(10) الفقيه 1: 70 حديث 282، الوسائل 1: 404 الباب 46 من أبواب آداب الحمام حديث 4.

[ 323 ]

بالحناء، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: (هذا أحسن من ذاك) ثم دخل عليه بعد ذلك وقد خضب بالسواد فضحك إليه، فقال: (هذا أحسن من ذاك وذاك) (1). وقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (يا علي، درهم في الخضاب أفضل من ألف درهم في غيره في سبيل الله، وفيه أربع عشرة خصلة: يطرد الريح من الاذنين، ويجلو البصر، ويلين الخياشيم، ويطيب النكهة، ويشد اللثة، ويذهب بالضنى، ويقل وسوسة الشيطان، وتفرح به الملائكة، ويستبشر به المؤمن، ويغيظ به الكافر، وهو زينة، وطيب، ويستحيي منه منكر ونكير، وهو براءة له في قبره) (2). فصل: يكره نتف الشيب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله (الشيب نور فلا تنتفوه) (3). وكان علي عليه السلام لا يرى بجز الشيب بأسا، ويكره نتفه (4). وقال الصادق عليه السلام: (لا بأس بجز الشمط (5) ونتفه، وجزه أحب إلى من نتفه) (6). وقال عليه السلام: (من شاب شيبة في الاسلام، كانت له نورا يوم القيامة) (7). وقال عليه السلام: (أول من شاب، إبراهيم الخليل عليه السلام وانه ثنى لحيته فرأى طاقة بيضاء، فقال: يا جبرئيل، ما هذا؟ فقال: هذا وقار، فقال إبراهيم: اللهم زدني وقارا) (8). ويستحب قص ما زاد على القبضة من اللحية، قال الصادق عليه السلام: (تقبض

(1) الفقيه 1: 70 حديث 282، الوسائل 1: 405 الباب 47 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) الفقيه 1: 70 حديث 285، الوسائل 1: 402 الباب 42 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(3) الفقيه 1: 77 حديث 341، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(4) الفقيه 1: 77 حديث 342، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(1) الفقيه 1: 70 حديث 282، الوسائل 1: 405 الباب 47 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) الفقيه 1: 70 حديث 285، الوسائل 1: 402 الباب 42 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(3) الفقيه 1: 77 حديث 341، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(4) الفقيه 1: 77 حديث 342، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(5) الشمط: بياض شعر الرأس يخالطه سواده. الصحاح 3: 1138.
(6) الفقيه 1: 77 حديث 343، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(7) الخصال 2: 612، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 6.
(8) الفقيه 1: 76 حديث 339.

[ 324 ]

بيدك على اللحية وتجز ما فضل) (1). وقال عليه السلام: (ما زاد من اللحية على القبضة فهو في النار) (2) وهذا بعد سلامة السند يدل على تأكد الاستحباب لا الوجوب.

(1) الفقيه 1: 76 حديث 337، الوسائل 1: 420 الباب 65 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(2) الفقيه 1: 76 حديث 335، الوسائل 1: 420 الباب 65 من أبواب آداب الحمام حديث 2.

(1) الفقيه 1: 70 حديث 282، الوسائل 1: 405 الباب 47 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(2) الفقيه 1: 70 حديث 285، الوسائل 1: 402 الباب 42 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(3) الفقيه 1: 77 حديث 341، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 2.
(4) الفقيه 1: 77 حديث 342، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 3.
(5) الشمط: بياض شعر الرأس يخالطه سواده. الصحاح 3: 1138.
(6) الفقيه 1: 77 حديث 343، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 1.
(7) الخصال 2: 612، الوسائل 1: 432 الباب 79 من أبواب آداب الحمام حديث 6.
(8) الفقيه 1: 76 حديث 339.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية