الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 9

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 9


[ 1 ]

(608) مختلف الشيعة تأليف ابي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الاسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء التاسع تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

الطبعة الاولى التاريخ: 1149 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب الفرائض

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الفرائض مسألة: قال الشيخان (1): إن أولاد الاولاد يقومون مقام آبائهم، وتقسم فريضتهم كقسمة فرائض آبائهم على الاتفاق. ثم فصل الشيخ في النهاية فقال: فان خلف الميت ابن بنت وبنت ابن كان لبنت الابن الثلثان ولابن البنت الثلث، فان خلف أولاد ابن وأولاد بنت ذكورا وإناثا كان لاولاد الابن الثلثان بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، ولاولاد البنت الثلث الذكر والانثى فيه سواء عند بعض أصحابنا. قال: وعندي ان المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، فان خلف بنت ابن ولم يخلف غيرها كان لها المال كله، وكذلك إن خلف أكثر منها كان المال كله لهن، فان خلف بنت بنت كان لها النصف تسمية امها والباقي رد عليها بآية اولي الارحام، فإن خلف بنتي بنت كان لهما النصف أيضا بالتسمية التي تناولت امهما والباقي رد عليهما، فان خلف بنتي بنتين كان لهما الثلثان نصيب امهما والباقي رد عليهما، وعلى هذا يجري مواريث ولد الولد، قلوا أم كثروا فان كل واحد منهم يأخذ نصيب من يتقرب به (2). ونحوه قال في الخلاف (3)

(1) المقنعة: ص 688، النهاية ونكتها: ج 3 ص 198.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 198 - 200.
(3) الخلاف: ج 4 ص 50 المسألة 57.

[ 6 ]

والمبسوط (1)، وبه قال الصدوق في المقنع (2) وكتاب من لا يحضره الفقيه (3)، وابن أبي عقيل، وأبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6). الا ان ابن البراج قال: أولاد البنات يقتسمون بالسوية للذكر مثل حظ الانثى (7). مع انه قسم بين أولاد الاخت من الابوين للذكر مثل حظ الانثيين، وكذا جعل لاولاد الاخت من قبل الاب للذكر ضعف الانثى (8). وقال ابن ادريس: بعض أصحابنا يذهب الى أن ابن البنت يعطى نصيب البنت وبنت الابن تعطى نصيب الابن، وذهب آخرون من أصحابنا الى خلاف ذلك، وقالوا: ابن البنت ولد ذكر حقيقة فنعطيه نصيب الولد الذكر دون نصيب امه، وبنت الابن بنت حقيقة نعطيها نصيب البنت دون نصيب الابن الذي هو أبوها. قال: واختاره السيد المرتضى، واستدل على صحته بما لا يمكن المنصف دفعه من الادلة القاهرة اللائحة والبراهين الواضحة، قال - رضي الله عنه -: اعلم انه يلزم من ذهب من أصحابنا الى أن

(1) المبسوط: ج 4 ص 84.
(2) راجع المقنع: ص 169.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 268 ذيل الحديث 5618.
(4) الكافي في الفقه: ص 371.
(5) المهذب: ج 2 ص 132 - 133.
(6) الوسيلة: ص 387. (7) المهذب: ج 2 ص 133.
(8) المهذب: ج 2 ص 133 وص 137.

[ 7 ]

أولاد البنين والبنات يرثون سهام آبائهم مسائل سبع لا مخلص لهم منها فمن ذلك: انه يلزمهم أن يكون حال البنت أحسن من حال الابن، بل أحسن من حال جماعة كثيرة من البنين، كرجل خلف بنت ابن وعشرين ابنا من بنت فعندهم أن لبنت الابن نصيب أبيها وهو الثلثان، ولبني البنت نصيب امهم وهو الثلث، فالبنت الواحدة أوفر نصيبا من عشرين ابنا. ومنها: أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن حتى لو كان مكانها ابن لورث ما ترثه هي بعينه على وجه واحد وسبب واحد، وذلك ان مذهبهم ان بنت الابن تأخذ المال كله بسبب واحد، لان لها عندهم نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه البنت ابن لساواها في هذا الحكم وأخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه الذي تأخذه، وليس في الشريعة ان الابن يساوي البنت في الميراث. فإذا عارضونا بمن خلف بنتا ولم يخلف غيرها فانها تأخذ جميع المال، ولو كان مكانها ابن لجرى في ذلك مجراها. فالجواب: ان الابن لا يجري مجرى البنت هنا، لانها تأخذ النصف بالتسمية والاخر بالرد، والابن يأخذ المال بسبب واحد من غير تسمية ولا رد. ومنها: ان البنت في الشرع وبظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت وللبنتين الثلثان، وهم يعطون بنت الابن وهي عندهم بنت المتوفى ومستحقة لهذه التسمية الجميع، وكذا في بنتي ابن فان لهما جميع المال من غير رد، وهذا بخلاف الكتاب والاجماع. فان قالوا: ما جعل الله للبنت الواحدة النصف وللبنتين الثلثين في كل موضع، وانما جعل لهن ذلك مع الابوين خاصة، وإذا انفردن عن الابوين لم يكن لهن ذلك. قلنا: قد ذهب الفضل بن شاذان الى هذا المذهب ومن تابعه عليه فرارا من مسألة العول، ونحن نبين فساد هذه الطريقة بعد أن نبين لزوم ما ألزمناهم اياه

[ 8 ]

على تسليم ما اقترحوه. فنقول: قد جعل الله تعالى للبنت الواحدة النصف، ومذهبكم هذا يقتضي ان للابوين السدسين وما بقي لبنت الابن، وهي عندكم بنت المتوفى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع الابوين أكثر من النصف بسبب واحد وجرت في ذلك مجرى الابوين. فأما القول: " بأن للبنت الواحدة النصف وللبنتين الثلثين " انما يختص باجتماع الابوين معهن، فمن بعيد القول عن الصواب، لقوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " وهذه جملة مستقلة بنفسها، وظاهر القرآن يقتضي ان للذكر مثل حظ الانثيين على كل حال ومع وجود كل أحد وفقد كل أحد، ثم عطف جملة مستقلة اخرى فقال تعالى: " فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك " ظاهر هذه الجملة ان ذلك لهن على كل حال ومع فقد كل أحد ووجوده، ثم عطف [ جملة ] اخرى مستقلة فقال تعالى: " وان كانت واحدة فلها النصف " ولم يجر للوالدين ذكر، فهذا يقتضي أن لها النصف مع كل أحد إلا أن يمنع دليل، ثم قال: " ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث " فبين تعالى حكم الوالدين في الميراث مع وجود الولد وفقده فكيف يجوز أن يعلق ايجاب النصف للبنت الواحدة والثلثين للبنتين بوجود الابوين؟! وقد تقدم ذكر حكم البنات مطلقا، وبعد الخروج عنه أتى ذكر الابوين مشروطا، وكيف يتوهم متأمل ذلك والله تعالى يقول: " إن كان له ولد " فشرط في ميراث الابوين الولد؟!. ولو كان المراد ان النصف للبنت والثلثين للبنتين مع وجود الابوين لكان اشتراط الولد لغوا واشتراطا لما هو موجود مذكور، ولو صرح تعالى بما ذكروه لكان الكلام قبيحا خارجا عن البلاغة، فانه لو قال تعالى: ولابويه مع البنت أو

[ 9 ]

البنتين لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد لقبح، وأجمع أهل العربية على ان الوقف التام عند قوله تعالى: " وإن كان واحدة فلها النصف " ولو كان المراد ما توهموه من ان لها النصف مع الابوين لما كان ذلك وقفا تاما، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم والمفسرين وأصحاب الاحكام في أن قوله تعالى: " ولابويه " كلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله. فأما اعتذارهم عند سماع هذا الكلام " بأن اشتراط الولد انما حسن ليدخل فيه الذكور وما زاد على البنتين، لانه لم يمض إلا ذكر البنت الواحدة والبنتين " فعجيب، لانه لو أراد ما ذكروا لقال تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين مع الابوين، فان كن نساء فوق اثنتين معهما فلهما ثلثا ما ترك، وان كانت واحدة معهما فلها النصف. فلو أراد هذا المعنى على الترتيب الذي رتبوه وعنى بقوله: إن ذلك لهما مع البنت أو البنتين وما زاد عليهما وأراد أن يبين أن السدس للابوين مع الاولاد لكان لا يحسن أن يقول تعالى: " إن كان له ولد " بل يقول: وان كان له أيضا ذكور، لانه قد تقدم ذكر البنت الواحدة وما زاد عليها، فلا معنى لاشتراط الولد، وانفراد قوله تعالى: " ولابويه " عن الجملة المتقدمة لا يذهب على متأمل، وانما فروا (1) بهذا التقدير الذي لا يتحصل عن نقصان البنت في مسألة العول عن النصف، وادعوا ان النصف جعل لها مع الابوين لا في كل موضع. وأحسن من ركوبهم هذه المعضلة أن يقولوا: إن الله تعالى جعل لها النصف بظاهر الكلام في كل موضع، وفي مسألة العول قام دليل على ان لها دون ذلك، فعلمنا ان الله تعالى لم يجعل لها النصف في هذا الموضع خاصة وان كان لها في سائر المواضع، وانما أحسن أن نخص بدليل بعض المواضع أو يحصل ما هو مطلق

(1) ق 2: قرروا، م 3: فسروا.

[ 10 ]

من القول مشروطا بغير دليل، ولا حجة على وجه يسمح به الكلام. ثم يقال لهم: خبرونا عمن خلف أولاد ابن وأولاد بنت ذكورا وإناثا كيف تقسمون الميراث بين هؤلاء الاولاد؟ فإذا قالوا: للذكر مثل حظ الانثيين، قلنا: فبأي حجة فعلتم ذلك؟ فلا وجه لهذه القسمة إلا قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم " والى الاية المفزع في ذلك. فيقال لهم: فقد سمى الله تعالى أولاد الاولاد أولادا، فاي فرق بين أن يكون الذكور والاناث أولاد ابن واحد أو بنت واحدة وبين أن يكون هؤلاء الذكور والاناث أولاد بنت وابن في تناول الاسم لهم؟ وإذا كان الاسم متناولا لهم في الحالين فيجب أن تكون القسمة في الحالين تتفق ولا تختلف، ويعطى أولاد البنات الذكور والاناث وأولاد البنين الذكور والاناث للذكر مثل حظ الانثيين، فلا يخالف حكم الاية في أحد الموضعين، وتناول الاية لهما تناولا واحدا. فان قالوا: يلزمكم أن تورثوا أولاد الاولاد مع الاولاد لتناول الاسم للجماعة. قلنا: لو تركنا وظاهر الاية فعلنا (1) ذلك، لكن اجماع الشيعة بل المسلمين منع من ذلك فخصصنا الظاهر وحملنا الاية على ان المراد يوصيكم الله في اولادكم بطنا بعد بطن. فان قالوا: فنحن أيضا نخصص الظاهر ونحمل قوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم " على أن المراد به أولاد الصلب بغير واسطة. قلنا: تحتاجون الى دليل قاطع على [ هذا ] التخصيص كما فعلنا.

(1) م 3: لفعلنا.

[ 11 ]

فان قالوا: أجمعت الامامية عليه. قلنا: ما نعرف هذا الاجماع. وفي المسألة خلاف بينهم، وان كان أكثرهم يقول بخلاف الصواب في هذه المسألة تقليدا وتعويلا على روايات رووها ان كل من تقرب بغيره أخذ سهام من تقرب به، وهذا الخبر انما هو في أولاد الاخوة والاخوات والاعمام والعمات والاخوال والخالات وبني الاعمام والاخوال، لانهم لا تسمية لهم في الميراث، وانما يتقربون بغيرهم، فأعطوا سهام من يتقربون به وليس كذلك أولاد الاولاد، لان هؤلاء وان نزلوا داخلون في اسم الولد واسم البنات والبنين على الحقيقة ممن هو مسمى في الكتاب ومنصوص على توريثه لا يحتاج في توريثه الى ذكر قرابته وان نعطيه نصيب من يتقرب به، كما لا يحتاج في توريث أولاد الصلب الى شئ من ذلك. فان قيل: فما دليلكم على صحة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الاولاد والقسمة للذكر مثل حظ الانثيين؟ قلنا: دليلنا: قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " ولا خلاف بين أصحابنا في أن ولد البنين وولد البنات وان سفلوا يقع عليهم هذه التسمية ويتناولهم على سبيل الحقيقة، ولهذا حجبوا الابوين الى السدسين بولد الولد وان هبطوا و [ حجبوا ] الزوج عن النصف الى الربع والزوجة الى الثمن، فمن سماه الله تعالى ولدا في حجب الابوين وحجب الزوجين يجب أن يكون هو الذي سماه ولدا في قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم " وكيف يخالف بين حكم الاولاد ويعطى بعضهم للذكر مثل حظ الانثيين والبعض الاخر نصيب آبائهم الذي يختلف ويزيد وينقص، ويقتضي تارة تفضيل الانثى على الذكر والقليل على الكثير وتارة المساواة بين الذكر

[ 12 ]

والانثى، وعلى أي شئ يعول في الرجوع عن الظاهر كتابه تعالى؟! فأما مخالفونا من العامة فانهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بأنه ولد على الحقيقة، وفيهم من يوافق على ذلك، ووافق جميعهم على أن ولد الولد وان هبط يسمى ولدا على الحقيقة، وقد حكي عن بعضهم انه كان يقول: إن ولد الولد انما يسمون بهذه التسمية إذا لم يحضر أولاد الصلب، فان حضروا لم يتناولهم، وهذا طريف، فان الاسم إن تناولهم لم يختلف ذلك بأن يحضر غيرهم أولا يحضر، وانما أحوجهم الى ذلك انهم وجدوا أولاد الابن لا يأخذون مع حضور الابن شيئا، ويأخذون مع فقده بالاية المتضمنة للقسمة على الاولاد، فظنوا ان الاسم يتناولهم في الحال التي يرثون فيها، وهو غلط، وقد أغناهم الله تعالى عن هذه البدعة في اجراء الاسم والخروج عن المعهود فيها بأن يقولوا: إن الظاهر يقتضي اشتراك الولد وولد الولد في الميراث، لولا ان الاجماع على خلاف ذلك فيخصصوا بالاجماع الظاهر. ومما يدل على أن ولد البنين والبنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى: " حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت " وبالاجماع، ان بظاهر هذه الاية حرمت بنات أولادنا، ولهذا لما قال تعالى: " وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت " ذكرهن في المحرمات، لانهن لم يدخلن تحت اسم الاخوات، ولما دخل بنات البنات تحت اسم البنات لم يحتج أن يقول: وبنات بناتكم، وهذه حجة قوية في ما قصدناه، وقوله تعالى: " وحلائل أبنائكم " وقوله تعالى: " ولا يبدين زينتهن - إلى قوله: - أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن " لا خلاف في عموم الحكم بجميع أولاد الاولاد من ذكور وإناث. ولان الاجماع واقع على تسمية الحسن والحسين - عليهما السلام - بأنهما ابنا رسول الله - صلى الله عليه وآله - وانهما يفضلان بذلك ويمدحان، ولا فضيلة ولا مدح في وصف مجاز مستعار. ولم

[ 13 ]

يزل العرب في الجاهلية تنسب الولد الى جدة، إما في موضع مدح أو ذم، ولا يتناكرون ذلك ولا يحتشمون منه. وقد كان يقال للصادق - عليه السلام - أبدا " أنت ابن الصديق " لان امه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. ولا خلاف في ان عيسى - عليه السلام - من بني آدم وولده، وانما ينسب إليه بالامومة دون الابوة. فان قيل: اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا وليس كل شئ استعمل في غيره يكون حقيقة. قلنا: الظاهر من الاستعمال الحقيقة، وعلى مدعي المجاز الدلالة. فان قالوا: لو حلف من لا ولد له وله ولد بنت: انه لا ولد له، لم يحنث. قلنا: بل يحنث مع الاطلاق، وانما لا يحنث إذا نوى ما يخرجه عن الحنث. وقد ناقض الفضل بن شاذان في مذهبه وقال في كتابه في الفرائض: في رجل خلف بنت ابن وابن بنت ان لبنت الابن الثلثين نصيب أبيها ولابن البنت الثلث نصيب امه في ولد الولد نصيب من يتقرب به وأعطاه ذلك. ثم قال في هذا الكتاب: في بنت ابن وابن ابن ان المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين، وهذه مناقضة لما قرره، لان بنت الابن تتقرب بأبيها وابن الابن يتقرب أيضا بأبيه فيجب أن يتساويا في النصيب، فكيف جعل هاهنا للذكر مثل حظ الانثيين مع ان كل واحد يتقرب بغيره؟! فله على مذهبه نصيب من يتقرب به، وإلا فعل مثل ذلك في بنت ابن وابن بنت وجعل للذكر مثل حظ الانثيين. ومن العجب انه قال في كتابه ما هذه حكاية لفظه: فان ترك ابن بنت وابنة ابن وأبوين فللابوين السدسان، وما بقي فلابنة الابن حق أبيها الثلثان،

[ 14 ]

ولابن البنت حق امه الثلث، لان ولد الابنة ولد كما ان ولد الابن ولد. وهذا التعليل ينقض الفتوى، لانه إذا كان ولد البنت ولدا كما ان ولد الابن كذلك فيجب أن يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين، لظاهر " يوصيكم الله " فكيف أعطى الانثى ضعف ما اعطى الذكر؟! وقد يوافق الحق مذهب ابن شاذان في بعض المسائل من هذا الباب وان خالف في التعليل مثل: من خلف بنت بنت وابن ابن فانه يعطي البنت نصيب امها وهو الثلث، ويعطي الابن نصيب أبيه وهو الثلثان، وهكذا نعطيهما نحن، لانا ننزلهما منزلة ابن وبنت بلا واسطة للذكر مثل حظ الانثيين (1). قال ابن ادريس: هذا آخر كلام السيد المرتضى - رضي الله عنه - وهو الذي يقوي في نفسي وافتي به وأعمل عليه، لان العدول الى ما سواه عدول الى غير دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع منعقد، بل ما ذهبنا إليه هو ظاهر الكتاب الحكيم، والاجماع حاصل على أن ولد الولد ولد حقيقة، ولا يعدل عن هذه الادلة القاطعة للاعذار إلا بأدلة مثلها توجب العلم، ولا يلتفت الى أخبار الاحاد في هذا الباب، لانها لا توجب علما ولا عملا ولا إلى كثرة القائلين به والمودعية (2) كتبهم وتصانيفهم، لان الكثرة لا دليل معها. والى ما اختاره السيد واخترناه ذهب الحسن بن أبي عقيل العماني - رحمه الله - في كتاب المتمسك، وهذا الرجل من جلة أصحابنا وفقهائنا، وكان شيخنا المفيد يكثر الثناء عليه (3). والمعتمد: المذهب المشهور. لنا: ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق

(1) حكاه عنه الكليني في الكافي 7: 88 و 89. (2) كذا في السرائر أيضا والظاهر: المودعة في.
(3) السرائر: ج 3 ص 232 - 240، مع اختلاف.

[ 15 ]

- عليه السلام - قال: بنات البنات يقمن مقام البنت إذا لم يكن للميت بنات ولا وارث غيرهن، وبنات الابن يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد حر ولا وارث غيرهن (1). وفي الصحيح عن سعد بن أبي خلف، عن الكاظم - عليه السلام - قال: بنات البنت يقمن مقام البنات إذا لم يكن للميت بنات ولا وارث غيرهن، وبنات الابن يقمن مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد ولا وارث غيرهن (2). وفي الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: بنات البنت يرثن إذا لم يكن بنات كن مكان البنات (3). والجواب عما ذكره السيد - رحمه الله -: فانه مع طوله يرجع الى شئ واحد وهو: أن ولد الولد هل هو ولد حقيقة أم لا؟ ونحن نمنع كونه ولدا حقيقة والتشنيعات التي ذكرها السيد لازمة له في أولاد الاخوة والاخوات والاعمام والعمات، وكما لا اعتبار به هنا فكذا هناك، وأي استبعاد في أن تأخذ بنت الابن ثلثي المال ويأخذ ابن البنت الثلث، فان المال لم ينتقل إليهم بالاصالة بل بالتبعية لابائهم كأولاد الاخوة وغيرهم، وكذا التشنيع بالمساواة فانه ليس في الشريعة ان الابن للصلب كالبنت، أما مع بعد الدرجة فان الامثلة فيه كثيرة، وكذا انما يأخذ النصف بنت الصلب، أما بنت الابن فالجميع، لانها تأخذ

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 316 ح 1136، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ميراث الابوين ح 4. ج 17 ص 450.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ح 1137 ص 316، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ميراث الابوين والاولاد. ح 3 ج 17 ص 449.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 1138 ص 317، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 1 ج 17 ص 449.

[ 16 ]

نصيب أبيها. واعتذار الفضل ليس بجيد. وأما ما ألزمه في كيفية القسمة فان بعض علمائنا يذهب الى أن القسمة بين أولاد البنات بالسوية كما حكى الشيخ عنهم في النهاية، وهذا القائل لا يرد عليه ما ذكره السيد - رحمه الله -: وأما على قول الشيخ - رحمه الله -: من أن القسمة بينهم " للذكر مثل حظ الانثيين ". فلان اسم الاولاد يتناولهم إما حقيقة واما مجازا، ولا يلزم من خروجهم عن حكم الاولاد في أن كل واحد يأخذ نصيب من يتقرب به، لما ورد من الاخبار الدالة عليه خروجهم عن كيفية القسمة لغير دليل، والقياس عندنا باطل. سلمنا ان الاسم يتناولهم حقيقة، لكن لفظ الاولاد عام بينهم وبين أولاد الصلب وقد اختصوا باسم أولاد الاولاد، فإذا اخرجوا بالادلة التي ذكرناها من الاحاديث المشهورة المنقولة عن حكم العام لم يلزم منه محال. ونمنع انتفاء المدح بالمجاز، بل هو الذي يحصل به المدح حقيقة، فان أحد أسباب المجاز ارادة التعظيم. وما ذكره من التناقض في كلام الفضل فجيد، لكن نحن لا نقول به، بل نقول: إنهما متساويان، ولا استبعاد في غلط القلم، حيث أراد أن يكتب للذكر مثل حظ الانثى فكتب الانثيين، ولعل الغلط من الناسخ. والتعجب من السيد في استدلال الفضل على إعطاء الابوين السدسين ليس في موضعه، لانه لا يلزم من اعطاء الابوين ذلك للاية مساواتهم لاولاد الصلب حيث خرجوا عن هذا الحكم بالاخبار المنقولة. والشيخ معين الدين المصري - رحمه الله - قوى مذهب السيد المرتضى (1). تذنيبان: الاول: كلام الفضل في أن للبنت النصف وللبنتين الثلثان مع

(1) في الطبعة الحجرية: الشيخ والمرتضى.

[ 17 ]

الاب خاصة ليس بجيد، بل لهما ذلك مطلقا، وإذا لم يكن غيرهما رد عليهما، لعموم القرآن. وقد لوح ابن أبي عقيل بما يوافق كلام الفضل فقال: وإذا حضر واحد منهم - يعني: من الاولاد - فله المال كله بلا سهام مسمى ذكرا كان أو انثى، فإذا ترك بنتا فالمال كله لها بلا سهام مسماة، وانما سمى الله عزوجل للبنت الواحدة النصف وللابنتين الثلثان مع الابوين فقط، وإذا لم يكن أبوان فالمال كله للواحد ذكرا كان أو انثى. قال: ولو ترك امه (1) فالمال كله لها بلا سهام مسماة، وانما سمى الله عزوجل للام السدس والثلث مع الولد والاب إذا اجتمعوا، فإذا لم يكن ولد ولا أب فليست بذي سهم بينهم. وكذا قال: انما سمى الله للاخت من الابوين أو من الاب أو من الام إذا اجتمعوا مع الاخوة أو الاخوات من الابوين أو من الاب أو مع الاجداد، فإذا انفردت الاخت من أي جهة كانت فالمال كله لها بلا سهام. والمعتمد: ما قلناه. الثاني: قول بعض علمائنا: أولاد البنات يقتسمون المال بالسوية - كما نقله الشيخ عنهم - ليس بجيد، لعموم القرآن أيضا، وقد تقدم. مسألة: قال الشيخان: إذا خلف الميت ولدين ذكرين أحدهما أكبر من الاخر اعطي الاكبر منهما ثياب بدنه وخاتمه الذي كان يلبسه وسيفه ومصحفه، وعلى هذا الاكبر أن يقضي عنه ما فاته من صيام أو صلاة (2). وتبعهما ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وهذا الكلام لا إشعار فيه بالوجوب تصريحا. وقال ابن الجنيد: يستحب أن يؤثر الولد الاكبر إذا كان ذكرا بالسيف

(1) في الطبعة الحجرية: ابنة.
(2) المقنعة: 684، النهاية ونكتها: ج 3 ص 196 - 197.
(3) المهذب: ج 2 ص 132.
(4) الوسيلة: 387.

[ 18 ]

وآلة السلاح والمصحف والخاتم وثياب الاب التي كانت لجسده بقيمة. وليس ذلك عندي بواجب إن تشاجرا عليه. وروي الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل فسيفه ومصحفه وخاتمه وكتبه ورحله وكسوته لاكبر ولده، فإن كان الاكبر انثى فللاكبر من الذكور (1). وعن حماد بن عيسى، عن شعيب بن يعقوب، عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: الميت إذا مات فان لابنه الاكبر السيف والرحل والثياب ثياب جلده (2). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية ان الولد الذكر الاكبر يفضل دون سائر الورثة بسيف أبيه وخاتمه ومصحفه، وباقي الفقهاء يخالف في ذلك، والذي يقوي في نفسي ان التفضيل للاكبر من الذكور بما ذكر انما هو بأن يخص بتسليمه إليه وتحصيله في يديه دون باقي الورثة وان احتسب بقيمته عليه، وهذا على كل حال انفراد من الامامية الفقهاء، لانهم لا يوجبون ذلك ولا يستحسنونه وان كانت القيمة محسوبة عليه (3). وقال أبو الصلاح: ومن السنة أن يحبى الاكبر من ولد الموروث بسيفه ومصحفه وخاتمه وثياب مصلاه دون سائر الورثة (4).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 346 ح 5746، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 1 ج 17 ص 439.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 347 ح 5747، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 5 ج 17 ص 440.
(3) الانتصار: 299 وفيه: " وتحصيله في يده ".
(4) الكافي في الفقه: 371.

[ 19 ]

وقال ابن ادريس: يخص الولد الاكبر من الذكور إذا لم يكن سفيها فاسد الرأي بسيف أبيه ومصحفه وخاتمه وثياب جلده إذا كان هناك تركة سوى ذلك، فان لم يخلف الميت غيره سقط هذا الحكم وقسم بين الجميع، فان كان له جماعة من هذه الاجناس خص بالذي كان يعتاد لبسه ويديمه دون ما سواه من غير احتساب به عليه. وذهب بعض أصحابنا الى أنه يحتسب عليه بقيمته من سهمه ليجمع بين ظواهر القرآن، وما أجمعت الطائفة عليه، وهو تخريج السيد المرتضى. وذهب بعض أصحابنا إلى أن ذلك مستحب تخصيصه به دون أن يكون ذلك مستحقا له على جهة الوجوب، وهو اختيار أبي الصلاح. والاول من الاقوال هو الظاهر المجمع عليه عند أصحابنا المعمول به وفتاويهم في عصرنا هذا - وهو سنة ثمان وثمانين وخمسمائة - عليه بغير خلاف بينهم (1). والبحث هنا يقع في مواضع: الاول: في ما يقع به التخصيص، والمشهور هذه الاربعة التي ذكرها الشيخ في النهاية وهو: ثياب بدنه وخاتمه وسيفه ومصحفه، عملا بالاصل. وقد روي الشيخ في الصحيح عن ربعي بن عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل فلاكبر ولده سيفه ومصحفه وخاتمه ودرعه (2). وفي الحسن عن حريز، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا هلك الرجل وترك بنين فللاكبر السيف والدرع والخاتم والمصحف، فان حدث به حدث فللاكبر منهم (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 258، وفيه: " يخص ولد الاكبر ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 275 ح 997، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 2 ج 17 ص 439.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 275 ح 994، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد =

[ 20 ]

وعن ابن اذينة، عن بعض أصحابه، عن أحدهما - عليهما السلام - ان الرجل إذا ترك سيفا وسلاحا فهو لابنة، وان كان له بنون فهو لاكبرهم (1). وعن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل فسيفه وخاتمه ومصحفه وكتبه ورحله وراحلته وكسوته لاكبر ولده، فان كان الاكبر بنتا فللاكبر من الذكور (2). وعن زرارة ومحمد بن مسلم وبكير وفضيل بن يسار، عن أحدهما - عليهما السلام - ان الرجل إذا ترك سيفا أو سلاحا فهو لابنه، فان كانوا اثنين فهو لاكبرهما (3). وعن شعيب العقرقوفي، عن الصادق - عليه السلام - قال سألته عن الرجل يموت ما له من متاع بيته؟ قال: السيف، وقال: الميت إذا مات فان لابنه السيف والرحل والثياب ثياب جلده (4). الثاني: هل هذا التخصيص على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ نص السيد المرتضى (5) وابن الجنيد، وهو ظاهر كلام أبي الصلاح (6) على الاستحباب.

= ح 3 ج 17 ص 440. (1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 275 ح 995، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 4 ج 17 ص 440.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 275 ح 997، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 1 ج 17 ص 439.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 276 ح 998، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 6 ج 17 ص 440.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 276 ح 999، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 7 ج 17 ص 440. (5) الانتصار: 299 - 300.
(6) الكافي في الفقه: 371.

[ 21 ]

وكلام الشيخين (1) يوهم الوجوب، من غير أن يدل عليه دلالة ظاهرة. ونص ابن ادريس (2) على الوجوب. وظاهر الاحاديث يحتمله (3). والاقوى الاستحباب، للاصل. الثالث: هل التخصيص بالقيمة أو مجانا؟ ظاهر كلام الشيخين (4). الثاني، وعليه نص ابن ادريس (5). وقال السيد المرتضى، وابن الجنيد بالقيمة. وقال السيد المرتضى: وانما قوينا ما بيناه وان لم يصرح به أصحابنا، لان الله تعالى يقول: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " وهذا الظاهر يقتضي مشاركة الانثى للذكر (6) في جميع ما يخلفه الميت من سيف ومصحف وغيرهما، وكذلك ظاهر آيات ميراث الابوين والزوجين يقتضي ان لهم السهام المذكورة من جميع تركة الميت، فإذا خصصنا الذكر الاكبر بشئ من ذلك من غير احتساب بقيمة (7) عليه تركنا هذه الظواهر، وأصحابنا لم يجمعوا على ان الذكر الاكبر مفضل بهذه الاشياء من غير احتساب بالقيمة، وانما عولوا على أخبار رووها تتضمن تخصيص الاكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب عليه بقيمته، وإذا خصصناه بذلك اتباعا لهذه الاخبار واحتسبنا بالقيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب مع العمل بما اجتمعت (8) عليه الطائفة

(1) المقنعة: ص 684، النهاية ونكتها: ج 3 ص 196 - 197.
(2) السرائر: ج 3 ص 258.
(3) في الطبعة الحجرية: والفاظ الاحاديث محتملة.
(4) المقنعة: ص 684، النهاية ونكتها: ج 3 ص 196 - 197.
(5) السرائر: ج 3 ص 258.
(6) في المصدر: الذكر.
(7) في المصدر: بقيمته.
(8) في المصدر: أجمعت.

[ 22 ]

من التخصيص له بهذه الاشياء، فذلك أولى. ووجه تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه انه القائم مقام أبيه والساد مسده فهو احق بهذه الامور من النسوان والاصاغر للمرتبة والجاه (1). وكلام السيد - رحمه الله - لا باس به، ويؤيده الروايات المتضمنة لتخصيصه بسلاحه ورحله وراحلته، ولولا الاحتساب بالقيمة لزم الاجحاف على الورثة. الرابع: قول الشيخين (2): " وعلى هذا الاكبر أن يقضي عنه ما فاته من صلاة أو صيام " لا يعطي اشتراط التخصيص بالقضاء. وقال ابن حمزة: يأخذ الابن الكبير ثياب بدن الوالد وخاتمه الذي يلبسه وسيفه ومصحفه بخمسة شروط: ثبات العقل، وسداد الرأي، وفقد آخر في سنه، وحصول تركة له سوى ما ذكرناه، وقيامه بقضاء ما فاته من صلاة وصيام (3). وفيه إشكال، فان ثبت فالاقوى دفعه إليه مجانا. مسالة: قال الشيخ في النهاية: فان خلف جدا من قبل أبيه أو جدته منه وجده من قبل امه أو جدته منها كان للجد أو الجدة من قبل الام الثلث نصيب الام والباقي للجد أو الجدة من قبل الاب نصيب الاب (4). وقال علي بن بابوية في رسالته: فان ترك جدا من قبل الاب وجدا من قبل الام فللجد من قبل الام الثلث وللجد من قبل الاب الثلثان. وهو قريب من كلام الشيخ، لان الشيخ جعل لاحد الجدين من الام مع احدهما من قبل الاب الثلث، وبه قال ابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن ادريس (7).

(1) الانتصار: ص 299 - 300 وفيه: " والاصاغر للرتبة ".
(2) المقنعة: ص 684، النهاية ونكتها: ج 3 ص 197.
(3) الوسيلة: ص 387.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 216.
(5) المهذب: ج 2 ص 143.
(6) الوسيلة: ص 392.
(7) السرائر: ج 3 ص 259.

[ 23 ]

وقال ابن أبي عقيل: لو ترك جدته ام امه وجدته أم ابيه فلام الام السدس ولام الاب النصف وما بقي رد عليهما على قدر سهامهما، لان هذا كأنه ترك اختا لاب وام واختا لام. وقال الصدوق في المقنع: فان ترك جدا لام وجدا لاب فللجد من الام السدس وما بقي فللجد من الاب، فان ترك جدا لام وأخا لاب أو لاب وام فللجد من الام السدس وما بقي فللاخ (1). وقال أبو الصلاح: فان تفرد بالارث اخوة للام والجد والجدة لها فلهم جميع الارث بينهم بالسوية وحكم الجد والجدة معهم كحكمهم في الاستحقاق وكيفيته، فان كان معهم أخ لاب وام أو أخت أو جماعة لهما أو للاب خاصة أو جد أو جدة لاب فللاثنين من كلالة الام، فما زاد عليهما الثلث بينهم بالسوية ولواحدهم السدس، أخا كان أم اختا أم جدا ام جدة أو جماعة (2). وقال ابن زهرة: ولواحد الاخوة أو الاخوات أو الاجداد أو الجدات إذا انفرد جميع المال من أي الجهات كان، وإذا اجتمع كلالة الام مع كلالة الاب والام كان للواحد من قبل الام أخا كان أو أختا جدا ام جدة السدس وللاثنين فصاعدا الثلث، والذكر والانثى فيه سواء. وروي أن لواحد الاجداد من قبل الام الثلث نصيب الام والباقي لكلالة الاب والام، أخا كان أم اختا، جدا ام جدة (3). وكذا قال قطب الدين الكيدري (4).

(1) المقنع: ص 175 وفيه: " فان ترك جدا من قبل الاب وجدا من قبل الام فللجد من قبل الاب الثلثان وللجد من قبل الام الثلث. " (2) الكافي في الفقه: 371 - 372، مع اختلاف.
(3) الغنية: (الجوامع الفقهية): ص 545 س 16.
(4) إصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 22 ص 298.

[ 24 ]

والاقرب ما قاله الشيخ. لنا: ان الجدة من قبل الام يصدق عليها اسم الام، ولانها تأخذ بسببها عند عدمها فلها نصيبها ونصيب الام الثلث. احتجوا بأن للواحد من كلالة الام السدس. والجواب: انه في حق الاخوة، أما الاجداد فلا. مسألة: لا خلاف في أن ابن العم للابوين أولى بالمال من العم من قبل الاب عند الامامية كافة ما دامت هذه الصورة، فلو كان عوض العم عمة أو خالا أو خالة فالمال للعمة والخال والخالة وسقط ابن العم. وهو اختيار ابن ادريس. (1) وقال الشيخ في الاستبصار في تأويل خبر رواه وهو: رجل مات ولم يخلف إلا بني عم وبنات عم وعم أب وعمتين لمن الميراث؟ فكتب: أهل العصبة وبنوا العم هم وارثون. قال الشيخ - رحمه الله -: الوجه في هذا الخبر الحمل على التقية، لان الاجماع من الطائفة على أن الاقرب أولى بالميراث، فالعمتان اولى. أو ان هذا الحكم يختص إذا كان بنو العم لاب وام والعم أو العمة للاب خاصة (2). وقال ابن ادريس: قوله: " أو العمة " غير صحيح، لان الاجماع منعقد على العم دون العمة، وقد رجع شيخنا عن هذا في المسائل الحلبية: " المسالة السادسة: ابن (3) العم للاب والام مع العم للاب المال لابن العم، فان كان معه إخوة كان بينهم، فان كان مكان العم (4) عمة للاب أو عم للام كان

(1) السرائر: ج 3 ص 241 و 262.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 170 ح 643 وذيله.
(3) في المصدر: المسألة السادسة ان ابن. (4) في المصدر: فان كان مكان ابن العم.

[ 25 ]

المال لمن كان من قبل الام أو الاب دون ابن العم للاب والام " ولا تحمل على تلك المسألة غيرها، لبطلان القياس، ولولا اجماع الفرقة عليها لما قلنا بها، لانها تخالف الاصول، فينبغي أن يكون الفتيا مقصورا عليها (1). وقال معين الدين المصري: واعلم ان هذه المسالة قد اختلف في بعض تفريعها بعض اصحابنا المتأخرين، والمسألة: متوفى ترك عمه لابيه وخاله وابن عمه لابيه وامه قال قطب الدين الراوندي: المال للخال وابن العم (2)، وقال العماد القمي - يعرف بالطوسي - المال للعم والخال، لان ابن العم محجوب بالخال، وقال السديد الحمصي: المال للخال، لان العم محجوب بابن العم وابن العم محجوب بالخال. ثم قال: والصحيح ما ذكره قطب الدين الراوندي، لان الخال انما يحجب ابن العم مع عدم كل من هو في درجته من ناحية العمومة، فأما مع وجود أحدهم لا يقال: إنه محجوب به، وانما هو محجوب بذلك الذي هو من قبل العم، فلا يصح أن يحجبه مع وجود العم أصلا محجوب بالخال، وانما هو محجوب بمن بقي من كلالة الاب أرفع منه بدرجة، فلا يصح أن يحجب مع وجود العم أصلا، لان العم صاحب المرتبة في الميراث، والذي يبقي بعد فرض الخال للعم دون الخال، والعم الذي له الحق لا يمكنه دفع هذا الذي كان غير مستحق لولا الاجماع فكيف يصح حجب هذا الابعد من الكلالة مع وجود من هو أولى منه بان يحجب؟! لانه لو كان ابن العم غير شقيق لم يحجبه الخال مع وجود العم، وانما الذي حجبه العم، لانه صاحب الباقي والمرتبة والخال لا حق له مع وجوده سوى فرضه إجماعا، ولم يرد الشرع ان الخال يحوز جميع الميراث مع وجود العم، والاحكام الشرعية لا يصح اثباتها عندنا

(1) السرائر: ج 3 ص 242.
(2) ق 2 وم 3: للعم والخال.

[ 26 ]

بالاستحسان والقياس، وانما تثبت بأدلة شرعية معلومة، وأما توريث العم للاب مع وجود ابن العم الشقيق فهو خلاف الاجماع أيضا بتأويل كان الاصل لو لا الاجماع، فإذا حصل الاجماع على خلاف الاصل بطل الاصل وصار كالمنسوخ والمنسوخ ليس بدليل. وبيان ذلك: ان الطائفة أجمعت على ان ابن العم الشقيق يحجب العم للاب ويرث ما كان يستحقه بلا خلاف بينهم، وانما كان يحجبه عما كان يستحقه خاصة دون ما يستحقه غيره، الا ترى انه يحجبه مع الزوج أو الزوجة وغيرهما، ولا ياخذ إلا ما كان يستحقه، قليلا كان أو كثيرا. والدليل على ما ذكرناه ان الاستثناء ورد مطلقا غير مقيد، والامر الشرعي يحمل على عمومه، والاجماع حاصل على استثناء هذه المسألة، وهي على العموم في كل موضع وجدنا فيه عما لاب وابن عم شقيق، فمن استثنى ميراث العم للاب مع وجود ابن العم الشقيق بغيره أو ورث العم للاب مع وجوده فعليه الدليل الذي تثبت به الاحكام الشرعية من نص معلوم أو كتاب أو اجماع، لانه تخصيص (1) للعموم، فلا يندفع إلا بمثله، وتاويل واحد أو أكثر منه إذا علم أعيانهم ليس بدليل تثبت به الاحكام الشرعية. وقد أجمعنا على ان الخال مع العم لا ياخذ اكثر من فرضه فكيف يجوز الجميع مع وجود عم مسلم مؤمن؟! وفي أي كتاب منزل أو خبر متواتر ورد ان ابن العم للاب والام يحجب العم للاب لكي يأخذ الخال؟! وقد ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي في النهاية: ولا يرث مع العمومة والعمات واحدا كان أو أثنين أحد من بني العم ولا بني العمة اختلفت اسبابهم أو اتفقت، إلا المسألة التي استثناها في صدر الباب، لانهم

(1) ق 2: يخصص.

[ 27 ]

أقرب ببطن. وهذا كأنه دافع لاحتجاجهم، واحتجاجهم من ان ابن العم محجوب بالخال ليس في موضعه، لانه موضع الخلاف، وهو غير مسلم لهم في هذا الموضع، ومحل النزاع لا يكون دليلا، وانما يكون محجوبا بالخال عند خصمهم إذا لم يكن عم ولا من في حكمه، وانما يكون محجوبا بالخال اجماعا إذا انفرد من جميع الكلالة المساوية له في الارث، فاما مع وجود احدهم فغير مسلم. وهذا القدر كاف، وهذا الكلام على طوله غير مفيد للقطع. ونحن في هذه المسألة من المتوقفين، فان كل واحد من هذه الاقوال ينقدح فيه الرجحان. اما قول قطب الدين - رحمه الله - وهو: " المشاركة بين الخال وابن العم " فلان الخال لا يمنع العم، فلئن لا يمنع ابن العم الذي يمنع العم اولى، وهو اقرب من ابن العم، وابن العم يرث مع العم فمع الخال المساوي يرث. واما قول عماد الدين - رحمه الله - وهو: " المشاركة بين الخال والعم " فلان ابن العم لا يرث مع الخال، لانه أقرب منه، وللروايات الدالة على ذلك، روى سلمة بن محرز، عن الصادق - عليه السلام - قال: في ابن عم وخالة، قال: المال للخالة وقال: في ابن عم وخال، قال: المال للخال (1). وإذا سقط اعتبار ابن العم بقي المال بين الخال والعم أثلاثا كما لو لم يكن هناك ابن عم. وأما قول سديد الدين الحمصي - رحمه الله - فلان ابن العم أولى من العم، فلا يرث العم مع وجود ابن العم، والخال أإلى من ابن العم فاختص الخال بالمال. وهذه الاحتمالات الثلاثة سمعناها مشافهة من الشيخ الاعظم السعيد

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 328 ح 1179، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب الاعمام والاخوال ح 4 ج 17 ص 509.

[ 28 ]

نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي - قدس الله روحه ونور ضريحه -. وأما قول الشيخ في الاستبصار فليس بعيدا من الصواب، إذ لا فرق بين العمة والعم. وقوله في المسائل الحلبيات أيضا قوي. والاولى في هذه المسائل كلها اتباع النصوص. مسألة: إذا اجتمع الخال والعم كان للخال الثلث وللعم الثلثان، ذهب إليه الشيخ في النهاية (1)، وبه قال أبو علي بن الجنيد، والشيخ علي بن بابوية، وابنه الصدوق في المقنع (2) وكتاب من لا يحضره الفقيه (3)، وهو قول ابن البراج (4)، وابي الصلاح (5)، وابن حمزة (6) وابن ادريس (7). وقال ابن ابي عقيل: إن ترك عما وخالا فللخال السدس، وقد روي ان له الثلث والباقي للعم. وقال قبل ذلك: فرض العم والعمة النصف وفرض الخال والخالة الثلث بينهم بالسوية، وإذا حضر احدهم كان له السدس، وقد نقل ان الواحد منهم له الثلث. فجعل للخال مع العم السدس، وهو الظاهر من كلام شيخنا المفيد، فانه قال في المقنعة: ويجري ذوو الارحام ممن سميناه - يعني: من العمومة والعمات والخؤولة والخالات وأبنائهم - في الزيادة والنقصان معهم مجرى ذوي الارحام من الكلالة المقدم ذكرهم من الاخوة والاخوات. ثم قال: والخامس: سهام من له سببان يستحق بهما الميراث مع من له

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 221.
(2) المقنع: ص 174.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 294.
(4) المهذب: ج 2 ص 146 و 149.
(5) الكافي في الفقه: 373.
(6) الوسيلة: 393.
(7) السرائر: ج 3 ص 261.

[ 29 ]

سبب واحد فيه على الاختصاص، كزوج هو ابن عم وابن خال فللزوج النصف بالتسمية والثلثان (1) مما يبقى بالرحم ولابن الخال الثلث الباقي برحمه على حسب فرائض من تقربا به من العمومة والخؤولة كما بيناه (2). فاعطى ابن الخال هنا السدس وساوى بينه وبين الخال. وكذا يظهر من كلام سلار فانه قال: ميراث العمومة والعمات كميراث الاخوة والاخوات من الاب والام أو من الاب، وميراث الخؤولة والخالات كميراث الاخوة والاخوات من الام، إلا في موضع واحد وهو ابن العم للاب والام أحق بالميراث من العم، وليس كذلك الاخوة (3). وقال قطب الدين الكيدري: ويجري الاخوال والخالات مجرى الاخوة والاخوات من قبل الام لواحدهم إذا اجتمع مع الاعمام والعمات السدس ولمن زاد عليه الثلث للذكر مثل الانثى والباقي للاعمام والعمات (4). وكذا قال ابن زهرة (5). وقال معين الدين المصري: للخال الواحد أو الخالة الواحدة السدس والباقي للعم أو العمة أو للعمومة والعمات بأجمعهم، وفي أصحابنا من قال: الثلث للخال الواحد أو الخالة الواحدة، وفيه خلاف. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته

(1) في المصدر: فللزوج النصف بالتسمية من جهة الزوجية والثلثان.
(2) المقنعة: ص 709.
(3) المراسم: ص 223 وفيه: " والام أحق بالميراث من العم للاب ".
(4) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 22 ص 299.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 545 س 25.

[ 30 ]

عن شئ من الفرائض، فقال لي: ألا أخرج لك كتاب علي - عليه السلام -؟ فقلت: كتاب علي - عليه السلام - لم يدرس! فقال: يا أبا محمد ان كتاب علي - عليه السلام - لا يدرس، فاخرجه فإذا كتاب جليل فإذا فيه رجل مات وترك عمه وخاله، قال: للعم الثلثان وللخال الثلث (1). وعن أبي مريم، عن الباقر - عليه السلام - في عمة وخالة، قال: الثلث والثلثان، يعني: للعمة الثلثان وللخالة الثلث (2). وعن ابي بصير عن الصادق - عليه السلام - في رجل ترك عمته وخالته، قال: للعمة الثلثان وللخالة الثلث (3). وفي الحسن عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اجتمعت العمة والخالة فللعمة الثلثان وللخالة الثلث (4). والاخبار في ذلك كثيرة فان حملوه على الاخوة منعنا المساواة من كل وجه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: فان خلف عما أو عمة أو عمومة أو عمات أو عمومة وعمات، متفرقين كانوا أو متفقين مع خال أو خالة أو خؤولة أو خالات أو خؤولة وخالات كان لمن يتقرب بالاب واحدا كان أو اكثر منه من العمومة والعمات الثلثان على ما رتبناه من الاستحقاق، والثلث لمن يتقرب من قبل

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 324 ح 1162، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الاعمام والاخوال ح 1 ج 17 ص 504.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 324 ح 1163، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الاعمام والاخوال ح 2 ج 17 ص 505.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 324 ح 1164، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الاعمام والاخوال ح 3 ج 17 ص 505. (4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 324 ح 1165، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الاعمام والاخوال ح 4 ج 17 ص 505.

[ 31 ]

الام واحدا كان أو أكثر من ذلك على ما بيناه من الاستحقاق (1). وكذا قال ابن البراج (2). وهو يعطي ان للخال أو الخالة مع العمة للاب الثلث والباقي للعمة للاب، وهو قول ابن ادريس (3)، وهو المشهور. وقال ابن أبي عقيل: وان ترك خالا وعمة فللخال السدس وللعمة النصف والباقي رد عليهما على قدر سهامهما، وكذلك إن ترك عمة وخالة فللخالة السدس وللعمة النصف والباقي رد عليهما على قدر سهامهما. والمعتمد ما قاله الشيخ، لما تقدم من الاخبار. ولان الرد مع التسمية، وهؤلاء لا مسمى لهم. احتج بأن للخالة السدس وللعمة النصف كالاخوات فيرد على قدر السهام. والجواب: منع حكم الاصل، والقول بالقياس عندنا باطل. مسالة: قال الشيخ في النهاية - وهو المشهور - ان أولاد العمومة والعمات والخؤولة والخالات كآبائهم (4) فعلى هذا لبنت الخال مع بنت العم الثلث والباقي لبنت العم. وقال ابن أبي عقيل: لبنت العم النصف ولبنت الخال السدس والباقي رد عليهما على قدر سهامهما. وبناه على أصله، وقد تقدم. مسالة: المشهور ما قاله الشيخ في النهاية: إن اولاد العمومة والعمات وان سفلوا واولاد الخؤولة والخالات وان نزلوا اولى من عمومة الاب وعماته

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 224 - 225.
(2) المهذب: ج 2 ص 149.
(3) السرائر: ج 3 ص 261.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 228 و 229.

[ 32 ]

وخؤولته وخالاته ومن عمومته الام وعماتها وخؤولتها وخالاتها (1). وقال ابن أبي عقيل: لو ترك عمة امه وابنة خالته فالمال بينهما نصفان، لانهما قد استوتا في البطون، وهما جميعا من طريق الام. والاول اولى، لان الاولاد أقرب ببطن. مسألة: لو ترك ابن عم وابنة عم وابن عمة وابن خال وابنة خالة وابن خالة (2) قال ابن ابي عقيل: كان لولد الخال والخالة الثلث بينهما بالسوية، والثلث لولد العمة بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، والثلث الباقي لولد العم للذكر مثل حظ الانثيين. والمشهور ان لاولاد الخال والخالة الثلث، وثلثا الثلثين الباقيين لاولاد العم، والثلث الباقي لاولاد العمة، لان كلا منهم يأخذ نصيب من يتقرب به، ولو كان الاباء موجودين كان حكمهم ما قلناه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: المرأة لا ترث من زوجها من الارضين والقرى والرباع من الدور والمنازل، بل يقوم الطوب (3) والخشب وغير ذلك من الالات، وتعطى حصتها منه ولا تعطى من نفس الارضين شيئا. وقال بعض أصحابنا: إن هذا الحكم مخصوص بالدور والمنازل دون الارضين والبساتين. والاول أكثر في الروايات وأظهر في المذهب، وهذا الحكم الذي ذكرناه انما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد اعطيت حقها من جميع ما ذكرناه من الضياع والعقار والدور والمساكن (4). وتبعه ابن البراج (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 228.
(2) ق 2: وابن عمة وبنت عمة وابن خال وبنت خال.
(3) الطوب: الاجر (مجمع البحرين: ج 2 ص 111 مادة طيب).
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 210، وفيه: " ولا تعطى من نفس الارض ".
(5) المهذب: ج 2 ص 140 - 141.

[ 33 ]

وقال أبو الصلاح: ولا ترث الزوجة من رقاب الرباع والارض شيئا وترث من قيمة الالات الرباع من خشب وآجر كسائر الارث (1). وهو مساو لقول الشيخ. وقال ابن حمزة: وان لم تكن ذات ولد منه لم يكن لها حق في الارضين والقرى والمنازل والدور والرباع، وروي روايات مختلفات بخلاف ذلك (2). وهو يناسب قول الشيخ أيضا. وقال المفيد: ولا ترث الزوجة شيئا مما يخلفه الزوج من الرباع، وتعطى قيمة الخشب والطوب والبناء والالات فيه، وهذا منصوص عليه عن نبي الهدى - عليه وآله السلام - وعن الائمة عن عترته - عليهم السلام - والرباع هي الدور والمساكن دون البساتين والضياع (3) وتبعه ابن ادريس (4). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية أن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئا، بل تعطى بقيمة حقها من البناء والالات دون قيمة العراص، وخالف باقي الفقهاء في ذلك ولم يفرقوا بين الرباع وغيرها في تعلق حق الزوجات، والذي يقوى في نفسي ان هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الاكبر من الذكور بالمصحف والسيف، وأن الرباع وان لم يسلم في (5) الزوجات فقيمتها محسوبة لها. ثم أحال بالبيان هنا على ما بينه هناك وقد تقدم، ثم قال: ويمكن أن يكون الوجه في صد الزوجة عن الرباع انها ربما

(1) الكافي في الفقه: ص 374، وفيه: " من رقاب الرباع والارضين ".
(2) الوسيلة: 391.
(3) المقنعة: ص 687، وفيه: " وهذا هو منصوص عليه ". (4) السرائر: ج 3 ص 258.
(5) في المصدر: لم تسلم الى.

[ 34 ]

تزوجت فأسكنت هذه الرباع من كان ينافس المتوفى أو يغيظه أو يحسده فينقل ذلك على أهله وعشيرته فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه (1). وقال ابن الجنيد: وإذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد والابوين كان للزوج الربع وللزوجة الثمن من جميع التركة عقارا أو اثاثا وصامتا ورقيقا غير ذلك وكذا إن كن أربع زوجات، ولمن حضر من الابوين السدس، وان حضرا جميعا السدسان وما بقي للولد. ولم يخصص الولد بأنه من الزوجة. احتج الشيخ على مذهبه في النهاية بما رواه زرارة وبكير وفضيل وبريد ومحمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - ومنهم من رواه عن الباقر - عليه السلام - ومنهم من رواه عن الصادق - عليه السلام - ومنهم من رواه عن أحدهما - عليهما السلام - ان المراة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض، إلا ان يقوم الطوب والخشب قيمة فتعطى ربعها أو ثمنها إن كان من قيمة الطوب والجذوع والخشب (2). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - ان المراة لا ترث مما ترك زوجها من القرى والدور والسلاح والدواب شيئا وترث من المال والفرش والثياب ومتاع البيت مما ترك ويقوم النقض والابواب والجذوع والقصب فتعطى حقها منه (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: النساء لا

(1) الانتصار: ص 301.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 151 ح 570، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الازواج ح 5 ج 17 ص 519.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 151 ح 571، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الازواج ح 1 ج 17 ص 517.

[ 35 ]

يرثن من الارض ولا من العقار شيئا (1). ثم ان الشيخ أورد غير ذلك من الاحاديث، وقال عقيبها: هذه الاخبار التي اوردناها عامة في أنه ليس للمراة من الرباع والارض (2) والقرايا شئ ولهن قيمة الطوب والخشب والبنيان، وما يتضمن بعض الاخبار من انهن لا يرثن شيئا من هذه الاشياء، فالمعنى: إنهن لايرثن من نفس تربة الارض وان كان لها من قيمة الخشب والطوب والبنيان، بدلالة ما فصل في غيرها من الاخبار التي اوردناها. وكان شيخنا - رحمه الله - يقول: " ليس لهن من الرباع شئ وانما هي المنازل والعقارات، ولهن من الارض سهم " والاخبار عامة، والعمل بعمومها اولى، لانا ان طرقنا على الارضين ما يخصها تطرق على الرباع والمنازل، لعدم الدليل على الكل. وما يتضمن بعض الاخبار من ان ليس لهن من الرباع والعقار شئ ولم يتضمن ذكر الارضين لا يدل على ان لهن من الارضين نصيبا، إلا من جهة دليل الخطاب، وذلك يترك لدليل. والاخبار الاخر دالة على ذلك، ولا يمتنع أن تدل هذه الاخبار على انه ليس لهن من الرباع والعقار شئ، والاخبار الثانية تدل على أنه ليس لهن من الارض والقرايا شئ. فالاولى العمل يجميعها (3). وقول السيد المرتضى - رحمه الله - حسن، لما فيه من الجمع بين عموم القرآن وخصوص الاخبار. ثم قول شيخنا المفيد - رحمه الله - جيد ايضا، لما فيه من تقليل التخصيص، فان القرآن دال على التوريث مطلقا، فالتخصيص

(1) الاستبصار: ج 4 ص 152 ح 572، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الازواج ح 4 ج 17 ص 518.
(2) في المصدر: الارضين.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 151 - 154 وذيل الحديث 580، وفيه: " والاخبار الباقية ".

[ 36 ]

مخالف (1)، وكل ما قل كان اولى، وبعد هذا كله فالفتوى على ما قاله الشيخ - رحمه الله -. تذنيب: قال الشيخ في النهاية: هذا الحكم الذي ذكرناه انما يكون إذا لم يكن للمرأة ولد من الميت، فان كان لها منه ولد اعطيت حقها من جميع ما ذكرناه من الضياع والعقار والدور والمساكن (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وشيخنا المفيد (5)، وأبو الصلاح (6)، والسيد المرتضى (7) أطلقوا القول كما حكيناه عنهم، ولم يقيدوا بعدم الولد. والصدوق - رحمه الله - لما روى في كتاب من لا يحضره الفقيه الاخبار (8) الدالة على ان المراة لا ترث من الرباع والمنازل والاراضي بل يقوم الاجذاع والقصب والابواب والطوب، روى عقيبها عن ابان، عن الفضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو ارضها من التربة شيئا أو يكون ذلك بمنزلة المراة فلا يرث من ذلك شيئا؟ فقال: يرثها وترثه من كل شئ ترك وتركت (9).

(1) في الطبعة الحجرية: يخالف.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 210.
(3) المهذب: ج 2 ص 141.
(4) الوسيلة: ص 391.
(5) المقنعة: ص 687.
(6) الكافي في الفقه: ص 374.
(7) الانتصار: ص 301. (8) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 347 - 348، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ميراث الازواج ج 17 ص 517.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 349 ح 5753، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الازواج ح 1 =

[ 37 ]

ثم قال - عقيب هذه الرواية -: قال مصنف هذا الكتاب: هذا إذا كان لها منه ولد، أما إذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الاصول إلا قيمتها (1). وتصديق ذلك: ما رواه محمد بن أبي عمير، عن ابن اذينة في النساء إذا كان لهن ولد اعطين من الرباع (2). والشيخ - رحمه الله - في الاستبصار لما اورد الاخبار الدالة على منع الزوجة من الارث في رقبة الارض اورد الحديث الذي رواه الفضل بن عبد الملك وابن ابي يعفور (3). ثم قال: انه لا تنافي الاخبار الاولة من وجهين: احدهما: ان نحمله على التقية، لان جميع من خالفنا يخالف في هذه المسالة، وليس يوافقنا عليها احد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه. والثاني (4): ان لهن ميراثهن من كل شئ ترك ما عدا تربة الارض من القرايا والارضين والرباع والمنازل، فنخص الخبر بالاخبار المتقدمة. وكان أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله - يتأول هذا الخبر ويقول: ليس لهن شئ مع عدم الاولاد من هذه الاشياء المذكور، فإذا كان هناك ولد فانه يرثن (5) من كل شئ (6).

= ج 17 ص 522. (1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 349 ذيل الحديث 5753.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 349 ح 5754، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الازواج ح 2 ج 17 ص 523.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 151 - 154 ح 581، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الازواج ج 17 ص 517 وب 7 من ابواب ميراث الازواج ح 1 ج 17 ص 522.
(4) في المصدر: والوجه الاخر.
(5) في المصدر: فانها ترث.
(6) الاستبصار: ج 4 ص 155 ذيل الحديث 581.

[ 38 ]

واستدل على ذلك بما رواه محمد بن أحمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن ابى عمير، عن ابن اذينة في النساء إذا كان لهم ولد اعطين من الرباع (1). وهذا القول من الشيخ في الاستبصار يشعر بانه لا يرتضيه، والا لكان يقول في وجه المتأول ثلاثة أوجه ثم يسند الثالث الى ابن بابويه، لكنه لما جمع بوجهين ثم قال: وكان ابن بابويه يجمع بكذا دل على انه غير قابل به. واما في التهذيب فانه قال: هذا الخبر محمول على انه إذا كان للمرأة ولد فانها ترث من كل شئ تركه الميت، عقارا كان أو غيره (2). ثم روى عقيبه دليلا عليه حديث ابن اذينة (3). ولم يذكر الوجهين الاخرين، وهو يدل على انه موافق للصدوق. وأما ابن ادريس فانه قال: فأما إذا كان لها منه ولد اعطيت سهمها من نفس جميع ذلك، على قول بعض اصحابنا، وهو اختيار محمد بن على بن الحسين بن بابويه تمسكا منه برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، والى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في نهايته، الا انه رجع عنه في استبصاره، وهو الذى يقوى عندي - اعني: ما اختاره في استبصاره - لان التخصيص يحتاج الى ادلة قوية واحكام شرعية، والاجماع على انها لا ترث من نفس تربة الرباع والمنازل شيئا، سواء كان لها من الزوج ولد أو لم يكن، وهو

(1) الاستبصار: ج 4 ص 155 ح 582، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الازواج ح 2 ج 17 ص 522.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 300 ذيل الحديث 1075.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 301 ح 1076، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الازواج ح 2 ج 17 ص 522.

[ 39 ]

ظاهر قول شيخنا المفيد في مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره (1). والوجه ما قاله الصدوق - رحمه الله -. لنا: عموم القرآن، خرج منه ما ورد من الاشياء المعينة، فيبقى الباقي على عمومه. ثم هذه الاشياء لما وردت عامة وورد ما ينافيها وأمكن الجمع بينهما بحال عدم الولد وورد به النقل وجب المصير إليه لتخرج الادلة عن التعارض. مسألة: لو لم يخلف كل من الزوجين سوى صاحبه قال الشيخ في النهاية: يرد على الزوج النصف الباقي بالصحيح من الاخبار عن أئمة آل محمد - عليهم السلام - وأما الزوجة فلها الربع بنص القرآن والباقى للامام، وقد روى ان الباقي يرد عليها كما يرد على الزوج، وقال بعض اصحابنا في الجمع بين الخبرين: ان هذا الحكم مخصوص بحال غيبة الامام وقصور يده. فاما إذا كان ظاهرا فليس للمرأة اكثر من الربع والباقى له على ما بيناه، وهذا وجه قريب من الصواب (2). وقال الصدوق في المقنع: فان تركت امراة زوجها ولم تترك وارثا غيره فللزوج النصف والباقي رد عليه، فان ترك رجل امراة ولم يترك وارثا غيرها فللمرأة الربع وما بقى فلامام المسلمين (3). وكذا قال ابوه في رسالته إليه. ولما روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبى بصير، عن الباقر - عليه السلام - عن امرأة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره، قال: إذا لم يكن غيره فالمال له والمرأة لها الربع وما بقى فللامام (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 259. (2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 210 - 211.
(3) المقنع: 170 - 171.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 262 ح 5612، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الازواج ح 8 =

[ 40 ]

ثم قال عقيبه: قال مصنف هذا الكتاب: هذا في حال ظهور الامام - عليه السلام - فأما في حال غيبته فمتى مات الرجل وترك امرأة لا وارث له غيرها فالمال لها (1). وتصديق ذلك ما رواه محمد بن أبى عمير، عن أبان عثمان، عن ابى بصير، عن ابى عبد الله - عليه السلام - في امراة ماتت وتركت زوجها، قال: فالمال له، قلت: الرجل يموت ويترك امرأته، قال المال لها (2). وهذا القول يوافق ما قربه الشيخ في النهاية من الصواب. وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية ان الزوج يرث المال كله إذا لم يكن له وارث سواه، فالنصف بالتسمية والنصف الاخر بالرد، وهو احق بذلك من بيت المال، وخالف باقى الفقهاء في ذلك وذهبوا الى ان النصف الاخر (3) لبيت المال. ثم احتج على ذلك باجماع الطائفة. ثم اعترض بأنه إذا قيل: كيف يرد على من لا قرابة له ولا نسب وانما يرث بسبب وانما يرد على ذوى الارحام، ولو جاز أن يرد على الزوج لجاز أن يرد على الزوجة حتى تورث (4) جميع المال إذا لم يكن سواها؟ ثم أجاب: بأن الشرع ليس يؤخذ قياسا وإنما يتبع فيه الادلة الشرعية، وليس يمتنع أن يرد على من لم يكن ذا رحم وقرابة إذا قام الدليل على ذلك، وأما الزوجة فقد وردت رواية شاذة بانها ترث المال كله إذا انفردت كالزوج، ولكن لا يعول (5) على هذه الرواية ولا تعمل

= ج 17 ص 516. (1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 262 ذيل الحديث 5612.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 263 ح 5613، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الازواج ح 6 ج 17 ص 515، وفيهما: " فالمال كله له ".
(3) في المصدر: وذهبوا كلهم الى ان النصف له والنصف الاخر.
(4) في المصدر: ترث.
(5) في المصدر: معول.

[ 41 ]

الطائفة بها، وليس يمتنع أن يكون للزوج مزية في هذا الحكم على الزوجة كما كانت له مزية عليها في تضاعف حقه على حقها (1). وشرط أبو الصلاح في ميراث الامام عدم ذوي الانساب والزوج ومولى النعمة، فان كانت هناك زوجة فلها الربع والباقي للامام (2). وقال سلار: وفي أصحابنا من قال: إنه إذا ماتت امرأة ولم تخلف غير زوجها فالمال كله له بالتسمية والرد، فاما الزوجة فلا رد لها، بل ما يفضل من سهمها لبيت المال، وروي انه يرد عليها كما يرد على الزوج (3). وهذا يدل على استضعاف الرد في حق الزوجين معا. وقال ابن البراج: فان ماتت امرأة وتركت زوجها ولم تخلف غيره كان له النصف بالتسمية والباقي يرد عليه، فان مات رجل وخلف زوجة (4) ولم يخلف غيرها كان لها الربع بالتسمية والباقي للامام - عليه السلام - وقد روي ان الباقي يرد عليها مثل الزوج، والظاهر ما ذكرناه. وذكر بعض أصحابنا في الجمع بين الخبرين ان ذلك مخصوص بحال الغيبة، فاما إذا كان الامام ظاهرا فليس للمراة اكثر من الربع والباقي له. وذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - ان هذا الوجه قريب في جواز العمل به. والاولى عندي الا يدفع إليها إلا الربع بغير زيادة عليه والباقي للامام - عليه السلام - لانا ان عملنا به - كما ذكرناه - (5) كنا قد عولنا في العمل به على خبر واحد لا يعضده قرينة، وهذا لا يجوز، وينبغي أن يفعل فيه في حال الغيبة مثل ما يفعل في غيره في ما يختص به من دفن أو وصية، والوصية احوط على كل حال (6).

(1) الانتصار: ص 300.
(2) الكافي في الفقه: ص 374.
(3) المراسم: ص 222.
(4) وفي المصدر: زوجته.
(5) في المصدر: إذا عملنا به كما ذكره.
(6) المهذب: ج 2 ص 141 - 142.

[ 42 ]

وقال ابن ادريس: ما قربه شيخنا - رحمه الله - أبعد مما بين المشرق والمغرب، لان تخصيص الجامع بين الخبرين بما قد ذهب إليه يحتاج فيه الى دلالة قاهرة وبراهين متظاهرة، لان اموال بني آدم ومستحقاتهم لا تحل بغيبتهم، لان التصرف في مال الغير بغير اذنه قبيح عقلا وسمعا. وشيخنا قد رجع عما قربه في ايجازه فقال: ذوو السهام ضربان: ذوو الاسباب وذوو الانساب، فذوو الاسباب الزوج والزوجة، فإذا انفردوا كان لهم سهمهم المسمى إن كان زوجا النصف والربع إن كانت زوجة والباقي لبيت المال، وقال أصحابنا: ان الزوج وحده يرد عليه الباقي باجماع الفرقة على ذلك. وقال شيخنا المفيد في آخر باب ميراث: الاخوة (والاخوات) من المقنعة إذا لم يوجد مع الازواج قريب ولا نسيب للميت رد باقي التركة على الازواج، إلا انه - رحمه الله - رجع عن ظاهر كلامه واجماله في كتابه كتاب الاعلام، فقال في باب ميراث الازواج: واتفقت الامامية على ان المرأة إذا توفيت وخلفت زوجا لم تخلف وارثا غيره من عصبة ولا ذي رحم ان المال كله للزوج، النصف منه بالتسمية والنصف الاخر مردود عليه بالسنة. والى ما اخترناه ذهب السيد المرتضى (1)، وهذا هو الاقوى عندي. لنا: في الرد على الزوج الاجماع، فان جلة أصحابنا نقلوه، ونقلهم حجة. وما رواه محمد بن قيس في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في امراة توفيت ولم يعلم لها احد ولها زوج، قال: الميراث لزوجها (2).

(1) السرائر: ج 3 ص 243 - 244.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 149 ح 559، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الازواج ح 1 ج 17 ص 511.

[ 43 ]

وفي الصحيح عن أبي بصير قال: قرأ علي أبو عبد الله - عليه السلام - فرائض علي - عليه السلام - فإذا فيها الزوج يجوز المال إذا لم يكن غيره (1). وفي الصحيح عن ابي بصير قال: كنت عند ابي عبد الله - عليه السلام - فدعا بالجامعة فنظر فيها فإذا امراة ماتت وتركت زوجها لا وارث لها غيره المال كله له (2). وعن ابي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن امراة تموت ولا تترك وارثا غير زوجها، قال: الميراث له كله (3). ثم إن الشيخ - رحمه الله - روى عن جميل بن دراج في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون الرد على زوج ولا زوجة (4). ثم قال - رحمه الله -: فلا ينافي الاخبار الاولة، لانا لا نعطي الزوج المال كله بالرد، بل نعطيه النصف بالتسمية والباقي باجماع الطائفة المحقة، ولا نعطيه برد يقتضيه ظاهر القرآن، كما يقتضي في كثير من ذوي الارحام (5). واما عدم الرد على الزوجة مطلقا فللاصل، لانه تعالى جعل لها الربع مع عدم الولد، ولا تأخذ ما زاد، لعدم دليل يقتضيه. ولما رواه أبو بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن امراة ماتت

(1) الاستبصار: ج 4 ص 149 ح 560، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الازواج ح 2 ج 17 ص 512، وفيهما: " المال له كله ".
(2) الاستبصار ج 4 ص 149 ح 561، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الازواج ح 3 ج 17 ص 512.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 149 ح 562، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الازواج ح 4 ج 17 ص 512.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 149 ح 563، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الازواج ح 8 ج 17 ص 513.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 149 ذيل الحديث 563.

[ 44 ]

وتركت زوجها لا وارث لها غيره، قال: إذا لم يكن غيره فله المال والمراة لها الربع وما بقي فللامام (1). وفي الصحيح عن علي بن مهزيار قال: كتب محمد بن حمزة العلوي الى ابي جعفر الثاني - عليه السلام - مولى لك أوصى الي بمائة درهم وكنت اسمعه يقول: كل شئ لي فهو لمولاي فمات وتركها ولم يأمر فيها بشئ وله امرأتان اما الواحدة فلا أعرف لها موضعا الساعة وأما الاخرى بقم ما الذي تأمرني في هذه المائة درهم؟ فكتب الي: انظر أن تدفع هذه الدراهم الى زوجتي الرجل وحقهما من ذلك الثمن إن كان له ولد، فان لم يكن له ولد فالربع وتصدق بالباقي على من تعرف أن له إليه حاجة إن شاء الله تعالى (2). ثم روى الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: رجل مات وترك امرأته، قال: المال لها، قال: قلت: امراة ماتت وتركت زوجها، قال: المال له (3). قال الشيخ: لا ينافي هذه الاخبار الاولة، لانه يحتمل وجهين: احدهما: ان نحمله على ما ذكره أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله - فانه قال: هذا الخبر يختص حال الغيبة، لان لها الربع إذا كان هناك امام ظاهر ياخذ الباقي، وإذا لم يكن ظاهرا كان الباقي لها. والثاني (4): أن نحمله على أنها إذا كانت قرابة (5) له فانها تأخذ الربع بالتسمية والباقي

(1) الاستبصار: ج 4 ص 150 ح 564، وسائل الشيعة: ب 4 من ميراث الازواج ح 8 ج 17 ص 516.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 150 ح 566، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الازواج ح 1 ج 17 ص 514.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 150 ح 568، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الازواج ح 9 ج 17 ص 516، وفيهما: " عن أبي عبد الله ". (4) في المصدر: والوجه الثاني.
(5) في المصدر: قريبة.

[ 45 ]

بالقرابة. لما رواه محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار البصري قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن رجل مات وترك امرأة قرابة ليس له قرابة غيرها، قال: يدفع المال كله إليها (1). مسألة: لو خلف اختا لام أو أخا أو اختا وأخا أو أخوة وأخوات مع اخت لاب لا غير قال الشيخ في النهاية: كان للاخ أو الاخت أو الاخوة والاخوات من قبل الام سهمهم المسمى السدس إن كان واحدا والثلث إن كانوا اكثر، وللاخت من الاب النصف بالتسمية والباقي رد عليها، لانه لو نقص من النصف كان النقصان داخلا عليها، فانه لو كان في الفريضة زوج أو زوجة كان له حقه النصف أو الربع، وللاخ أو الاخت أو الاخوة والاخوات من قبل الام السدس أو الثلث والباقي للاخت من الاب (2). وهو اختيار الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، وبه قال ابن البراج (3). وقال في الاستبصار - حيث روى عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن ابن اخت لاب وابن اخت لام، قال: لابن الاخت من الام السدس ولابن الاخت من الاب الباقي -: ان هذا الخبر يدل على انه إذا اجتمع اخت من ام واخت من اب ان يعطى الاخت من الام السدس بالتسمية، والاخت من الاب الباقي النصف بالتسمية ايضا والباقي يرد عليها، لان بنتها انما تأخذ ما كانت تأخذ هي لو كانت حية، لانها تتقرب بها وتاخذ نصيب من تتقرب به، وذلك خلاف ما يذهب إليه قوم من أصحابنا من وجوب الرد عليهما، لان ذلك خطأ على موجب هذا النص (4).

(1) الاستبصار: ج 4 ص 150 - 151 ذيل الحديث 568 و 569.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 205.
(3) المهذب: ج 2 ص 135.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 168 - 169 ذيل الحديث 63 و 637.

[ 46 ]

وقال المفيد في المقنعة: الرابع: سهم الاخ من الام مع الاخ من الاب أو الاخت أو الاخوة والاخوات محسوب من ستة، لان اقل عدد له سدس صحيح ستة، فيكون للاخ من الام السدس سهم واحد، وللاخ الباقي خمسة اسهم صحاح، فان كانا اخوين انكسرت الخمسة (1). وهذا يشعر بان للاخت من الاب الباقي ايضا. وابن البراج وافق شيخنا أبا جعفر - رحمه الله - وكذا أبو الصلاح (2). وقال ابن ابي عقيل: يرد عليهما على النسبة (3). وبه قال ابن الجنيد، واختاره ابن ادريس (4). لنا: ما تقدم من الرواية. ولانه لو كان ذكرا لكان الباقي له، فكذا الانثى احتج ابن ادريس بأنهم يتقربون الى الميت بسبب واحد، وكذلك اولئك. والجواب: انهما يفترقان باعتبار آخر، فان النقص يدخل عليها فكان الفاضل لها، بخلاف الاخرى. تذنيب: المشهور عند علمائنا ان للاخت من الابوين الباقي بعد سدس الاخت أو الاخ وثلث الاخوة من قبل الام، وادعى أكثر علمائنا عليه الاجماع، لانها تجمع السببين فتكون أولى. وقال ابن ابي عقيل قولا غريبا: ان الفاضل يقسم عليهما بالنسبة فيكون المال أرباعا بين الاختين واخماسا بين الاختين من الام مع الاخت من الابوين وبين الاخت من الام مع الاختين من قبلهما. والمشهور الاول. قال الصدوق: فان ترك ثلاثة بني ابنة اخت لاب وام وثلاثة بني ابنة

(1) المقنعة: ص 712.
(2) الكافي في الفقه: ص 371 - 372.
(3) السرائر: ج 3 ص 259.
(4) السرائر: ج 3 ص 260.

[ 47 ]

اخت لاب وثلاثة بني ابنة اخت لام فلبني ابنة الاخت من الام السدس وما بقي فلبني ابنة الاخت للاب والام وسقط بنو ابنة الاخت من الاب. وغلط الفضل بن شاذان في هذه المسالة واشباهها فقال: لبني ابنة الاخت للاب والام النصف، ولبني ابنة الاخت من الام السدس وما بقي رد عليهم على قدر انصبائهم (1). وهذا يناسب ما قاله ابن ابي عقيل. والمشهور الاول. مسالة: المشهور عند علمائنا ان ولد الولد يقوم مقام الولد في مقاسمة الابوين إذا لم يكن هناك ولد. قال الشيخ في النهاية: ولد الولد مع الابوين يقوم مقام الولد إذا لم يكن هناك ولد للصلب، فولد الابن ذكرا كان أو انثى ياخذ مع الابوين نصيب ابيه، وولد البنت معهما ذكرا كان أو انثى يقوم مقام البنت ياخذ نصيب امه على الكمال، وعند اجتماع ذوي السهام من الزوج والزوجة والابوين يجري حكم ولد الولد حكم الولد على السواء، وذكر بعض اصحابنا ان ولد الولد مع الابوين لا ياخذ شيئا من المال، وذلك خطا، لانه خلاف لظاهر التنزيل والمتواتر من الاخبار (2). وقال المفيد: ولا يحجب الابوان اولاد الولد وان هبطوا (3). وقال سلار: السدس فرض كل واحد من الابوين مع الولد وولد الولد وان سفل (4). ومذهب ابن ابي عقيل كمذهب الشيخين ايضا، وبه قال أبو الصلاح (5)، وابن البراج (6).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 295.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 191 - 192.
(3) المقنعة: ص 688.
(4) المراسم: 217.
(5) الكافي في الفقه: ص 368.
(6) المهذب: ج 2 ص 125.

[ 48 ]

وقال الصدوق في المقنع: فان ترك ابن ابن وابوين فللام الثلث وللاب الثلثان (1). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: اربعة لا يرث معهم أحد إلا زوج أو زوجة: الابوان والابن والابنة، هذا هو الاصل لنا في المواريث، فإذا ترك الرجل أبوين وابن ابن أو ابنة (2) ابنة فالمال للابوين للام الثلث وللاب الثلثان، لان ولد الولد انما يقومون مقام الولد إذا لم يكن هناك ولد ولا وارث غيره، والوارث هو الاب والام. قال: وقال الفضل بن شاذان خلاف قولنا في هذه المسألة وأخطا، قال: ان ترك ابن ابنة وابنة ابن وابوين فللابوين السدسان وما بقي فلابنة الابن من ذلك الثلثان، ولابن الابنة من ذلك الثلث تقوم ابنة الابن مقام ابيها وابن الابنة مقام امه. وهذا مما زل به قدمه عن الطريقة المستقيمة، وهذا سبيل من يقيس (3). والمعتمد ما قاله الشيخان. لنا: ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: بنات البنت يرثن إذا لم يكن بنات كن مكان البنات (4). وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: ابن الابن يقوم مقام ابيه (5). قال الشيخ - رحمه الله - في كتابي الاخبار: فاما ما ذكره بعض اصحابنا

(1) المقنع: ص 169.
(2) في المصدر: ابن.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 269 - 270. (4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 317 ح 1138، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ميراث الابوين والاولاد ح 1 ج 17 ص 449.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 317 ح 1139، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 2 ج 17 ص 449.

[ 49 ]

من ان ولد الولد لا يرث مع الابوين فاحتجاجه في ذلك بخبر سعد بن ابى خلف وعبد الرحمن بن الحجام في قوله: إن ابن الابن يقوم مقام الابن إذا لم يكن للميت ولد " ولا وارث غيره "، قال: " ولا وارث غيره " انما هو الوالدان لا غير فغلط، لان قوله - عليه السلام -: " ولا وارث غيره " المراد بذلك إذا لم يكن للميت الابن الذى يتقرب ابن الابن به أو البنت التى تتقرب بنت البنت بها ولا وارث له غيره من الاولاد للصلب. لما رواه عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: ابن الابن إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قام مقام الابن، قال: وابنة البنت إذا لم يكن من صلب الرجل أحد قامت مقام البنت (1). والظاهر إن قصد الشيخ بقوله: " بعض أصحابنا " الصدوق (2)، فانه قال بهذه المقالة الغريبة. مسألة: قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: لو خلفت المراة زوجها وامها واخوة واخوات لاب وام أو لاب أو لام فللزوج النصف وللام السدس وما بقى رد عليها (3). والمشهور أن للام الثلث والباقى رد عليها، ولا منازعة هنا في الحاصل لها بالرد والتسمية، لان الباقي كله لها، وانما النزاع في التقدير، فعندنا لها الثلث، لقوله تعالى: " وورثه أبواه فلامه الثلث " (4) فان اعترض بقوله تعالى: " فان كان له إخوة فلامه السدس " (5) أجبنا: بان شرط حجب الاخوة

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 317 - 318 ذيل الحديث 1140 وح 1141، الاستبصار: ج 4 ص 167 ذيل الحديث 632 وح 633.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 269 ذيل الحديث 5619.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 271، وفيه: " ان تركت المرأة زوجها ".
(4) و (5) النساء: 11.

[ 50 ]

وجود الاب والاب هنا مفقود. مسألة: المشهور انه إذا خلف أخا لام وابن اخ لاب وام فالمال للاخ للام، وسقط ابن الاخ للاب والام، لان الاخ اقرب بدرجة، وتكثر الاسباب انما يراعى مع قرب الدرج وتساويها، أما مع اختلافها فلا. وقال الصدوق بذلك أيضا، ثم قال في كتاب من لا يحضره الفقيه: وغلط الفضل بن شاذان في هذه المسألة فقال: للاخ من الام السدس سهمه المسمى له وما بقى فلابن الاخ للاب والام، واحتج في ذلك بحجة ضعيفة فقال: لان ابن الاخ للاب والام يقوم مقام الاخ الذى يستحق المال كله بالكتاب، فهو بمنزلة الاخ للاب والام وله فضل قرابة بسبب الام. قال الصدوق: وانما يكون ابن الاخ بمنزلة الاخ إذا لم يكن اخ، فإذا كان اخ (1) لم يكن بمنزلة الاخ، كولد الولد انما هو ولد إذا لم يكن للميت ولا ابوان، ولو جاز القياس في دين الله عزوجل لكان الرجل إذا ترك أخا لاب وابن اخ لاب وام كان المال كله لابن الاخ للاب والام، قياسا على عم لاب وابن عم لاب وام، لان المال كله لابن العم للاب والام، لانه قد جمع الكلالتين كلالة الاب وكلالة الام، وذلك بالخبر المأثور عن الائمة الذين يجب التسليم لهم - عليهم السلام - والفضل يقول في هذه المسالة: ان المال للاخ للاب وسقط ابن الاخ للاب والام، ويلزمه على قياسه ان المال بين ابن الاخ للاب والام وبين الاخ للاب، لان ابن الاخ له فضل قرابة بسبب الام وهو يتقرب بمن يستحق المال كله بالتسمية وبمن لا يرث الاخ للاب معه (2). ولا ريب في ان الحق ليس في طرف الفضل.

(1) في المصدر: إذا لم يكن له اخ فإذا كان له اخ.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 275 - 276.

[ 51 ]

مسالة: لو خلف ابن اخ لام وابن ابن اخ لاب وام فالمال كله لابن الاخ للام، قاله الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، وهو المشهور، لانه اقرب. ثم قال الصدوق: وليس كما قاله الفضل بن شاذان: ان لابن الاخ من الام السدس وما بقي فلابن ابن الاخ للاب والام، لانه خلاف الاصل الذي بنى الله عزوجل عليه فرائض المواريث (1). وقال في المقنع (2): وغلط الفضل في ذلك، والمال كله عندنا لابن الاخ للام، لانه أقرب، وهو أولى ممن سفل. مسالة: ولد الولد وان نزل اولى من الجد في المشهور، لانه بمنزلة الولد ولا شئ للجد مع الولد، وكذا مع من يقوم مقامه ويساويه عند عدمه. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: قال الفضل بن شاذان: إن الجد (3) بمنزلة الاخ ابدا يرث حيث يرث ويسقط حيث يسقط. قال: وغلط الفضل في ذلك، لان الجد يرث مع ولد الولد ولا يرث معه الاخ، ويرث الجد من قبل الاب مع الاب والجد من قبل الام مع الام ولا يرث الاخ مع الاب والام، وابن الاخ يرث مع الجد ولا يرث مع الاخ، فكيف يكون الجد بمنزلة الاخ ابدا؟! وكيف يرث حيث يرث الاخ ويسقط حيث يسقط؟! بل الجد مع الاخوة كواحد (4) منهم فأما ان يكون بمنزلتهم (5) يرث حيث يرث الاخ ويسقط حيث يسقط الاخ فلا. وذكر الفضل من الدليل على ذلك ما رواه

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 277. (2) المقنع: ص 173 ورد فيه: " فان الفضل بن شاذان قال: لان الاخ من الام السدس وما بقي فلابن ابن ابن الاخ للاب ولم أرو بهذا حديثا ولم اجده في غير كتابه ".
(3) في المصدر: اعلم ان الجد.
(4) في المصدر: بمنزلة واحد.
(5) في المصدر: يكون ابدا بمنزلتهم.

[ 52 ]

فراس، عن الشعبي، عن ابن عباس انه قال: كتب الي على بن ابي طالب - عليه السلام -: في ستة اخوة وجد ان اجعله كاحدهم وامح كتابي. فجعله علي - عليه السلام - سابعا معهم. وقوله - عليه السلام -: " امح كتابي " كره ان يشنع عليه بالخلاف على من تقدمه، وليس هذا بحجة للفضل بن شاذان، لان هذا الخبر انما يثبت ان الجد مع الاخوة بمنزلة أحدهم. قال: وليس يثبت كونه " ابدا " بمنزلة الاخ، ولا يثبت انه يرث حيث يرث الاخ ويسقط حيث يسقط الاخ (1). والمشهور ما قاله الفضل، لما تقدم. وقد احتج الصدوق على المشاركة بين الجد وولد الولد بما رواه سعد بن ابي خلف قال: سالت ابا الحسن موسى - عليه السلام - عن بنات بنت (2) وجد، قال: للجد السدس والباقي لبنات البنت (3) (4). قال الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - عقيب هذه الرواية: وقد ذكر علي بن الحسن بن فضال: إن هذا الخبر أجمعت العصابة على ترك العمل به. قال الشيخ: ورأيت بعض المتأخرين ذهب الى ما تضمنه الخبر، وهو غلط، لانه قد ثبت أن ولد الولد يقوم مقام الولد وبنت البنت تقوم مقام البنت إذا لم يكن هناك ولد، ومع وجود الولد لا يستحق واحد من الابوين ما يؤخذ من نصيب السدس فيعطى الجد على وجه الطعمة، وانما يؤخذ من فريضتهما السدس إذا كاناهما الوارثان دون الاولاد، وذلك يدل على ما قاله ابن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 287 - 288 ذيل الحديث 5650 وح 5651 وذيله.
(2) في المصدر: الابنة.
(3) في المصدر: الابنة.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 281 ح 5628، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 10 ج 17 ص 451.

[ 53 ]

فضال (1). وهذا الذي قاله الشيخ - رحمه الله - هو المشهور. وقوله: " إن الجد يرث مع الابوين " ممنوع، بل انما ياخذ معهما على سبيل الطعمة لا على وجه الميراث. تذنيب: لو تركت امرأة زوجها وابن ابنها وجدا واخوة واخوات لاب وام فللزوج الربع والباقي لابن الابن، ولا شئ للجد ولا للاخوة. وقال الصدوق: للزوج الربع وللجد السدس وما بقي فلابن الابن وسقط الاخوة والاخوات (2). وهو بناء على أصله من المشاركة بين الجد وولد الولد، وليس بمعتمد. مسالة: لو خلف خالا وجدة لام فالمال لجدة الام، وسقط الخال في المشهور، وبه قال الصدوق. وقال الصدوق: وغلط الفضل بن شاذان في قوله: المال بينهما نصفان بمنزلة ابن الاخ والجد (3). والحق ما قاله الصدوق، لان الجد وان علا اولى من العم والخال وأولادهم. مسالة: لو ترك عما وابن أخ فالمال لابن الاخ، وهو المشهور عند علمائنا، وبه قال الصدوق والفضل بن شاذان ايضا. قال الصدوق: قال يونس بن عبد الرحمن: المال بينهما نصفان، وذكر الفضل بن شاذان: ان يونس غلط في هذا. قال الصدوق: وانما دخلت عليه الشبهة في ذلك لانه لما راى ان بين العم وبين الميت ثلاثة بطون وكذلك بين ابن الاخ وبين الميت ثلاثة بطون وهما جميعا من طريق الاب قال: المال بينهما نصفان، وهذا غلط، لانهما وان كانا

(1) الاستبصار: ج 4 ص 164 ذيل الحديث 622.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 289.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 292 - 293.

[ 54 ]

جميعا كما وصف، فان ابن الاخ من ولد الاب والعم من ولد الجد وولد الاب أحق وأولى بالميراث من ولد الجد وان سفلوا، كما ان ابن الابن أحق من الاخ، لان ابن الابن من ولد الميت والاخ من ولد الاب وولد الميت أحق بالميراث من ولد الاب وان كانوا في البطون سواء. تذنيب: قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: لو ترك ابنة عم ابيه وابنة بنت عمه فالمال لابنة ابنة عمه وسقطت ابنة عم ابيه، لان هذا كانه ترك جد ابيه وعما، فالعم احق من جد الاب (1). والحكم صحيح، لكن التعليل باطل، فان الجد وان علا أحق من العم الادني. مسالة: قال المفيد - رحمه الله - في المقنعة: إذا أسلم الذمي وتولى رجلا مسلما على ان يضمن جريرته ويكون ناصره كان ميراثه له، وحكمه حكم السيد مع عبده إذا اعتقه، وكذا الحكم في من تولى غيره، وان كان مسلما إذا قبل ولاءه وجب عليه ضمان جريرته وكان له ميراثه (2). وقال ابن ادريس: إذا مات هذا - يعني: المضمون - ولا احد يرثه من قريب ولا بعيد فميراثه لمن ضمن جريرته وحدثه، فإذا مات بطل هذا الولاء ورجع الى ما كان، ولا ينتقل منه الى ورثته كانتقال ولاء العتق، وهو اختيار شيخنا في الايجاز، وهو الاظهر، لان انتقال الضمان بعد الموت والارث يحتاجان الى دليل شرعي، لان هذا حكم التزمه ضامن الجريرة على نفسه، ولا دليل على التزام ورثته له بعد موته، وذهب شيخنا في مقنعته الى انهما سواء في جميع الاحكام (3). وقول ابن ادريس لا باس به، لكن قول

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 293 و 300.
(2) المقنعة: ص 694، وفيه: " ويكون ناصرا له كان ميراثه ".
(3) السرائر: ج 3 ص 265.

[ 55 ]

شيخنا المفيد ليس صريحا في ما نقله ابن ادريس عنه. مسالة: إذا تعاقدا بينهما ولاء تضمن الجريرة قال الشيخ في مسائل الخلاف: كان له الفسخ، وان ينقل ولاءه الى غيره ما لم يعقل عنه أو عن احد من أولاده الذين كانوا صغارا عند عقد الولاء (1). وتبعه ابن حمزة (2). وقال ابن ادريس: ليس لاحدهما فسخ ذلك العقد، سواء عقل عنه بعد العقد أو لم يعقل، لانه الذي يقتضيه اصولنا، ولقوله تعالى: " اوفوا بالعقود " وهذا عقد يجب الوفاء به (3). وللشيخ - رحمه الله - ان يستدل باصالة براءة الذمة من الوجوب. مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا خلفت المراة زوجا مسلما وولدا أو والدا أو ذوي ارحام كفارا كان المال للزوج كله وسقط هؤلاء كلهم، وان أسلموا رد عليهم ما يفضل من سهم الزوج، وان خلف الرجل امراة مسلمة ولم يخلف وارثا غيرها مسلما وخلف وارثا كفارا كان ربع ما تركه لزوجته والباقي لامام المسلمين وسقط هؤلاء كلهم، فان أسلموا بعد ذلك قبل قسمة المال رد عليهم ما يفضل من سهم الزوجة، وان كان اسلامهم بعد ذلك لم يكن لهم شئ على حال (4). وتبعه ابن البراج (5). وقال ابن ادريس: قوله في طرف الزوج غير مستقيم، على الاصل الذي اصله وقرره في صدر الباب، واجماعنا مستقر عليه، وهو انه إذا كان الوارث المسلم واحدا استحق بنفس الموت الميراث، ولا يرد على من اسلم بعد الموت

(1) الخلاف: ج 6 ص 369 المسألة 9، وليس فيه: " أو عن احد من... ".
(2) الوسيلة: ص 398.
(3) السرائر: ج 3 ص 265. (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 234 - 235.
(5) المهذب: ج 2 ص 157.

[ 56 ]

من الميراث شئ على حال، لان هاهنا لا تتقدر القسمة، والزوج عندنا في هذه الحال وارث جميع المال النصف بالتسمية والنصف الاخر رد عليه باجماع اصحابنا على ما قدمناه، بل [ كان ] هذا يستقيم لشيخنا ابي جعفر لو كان الوارث زوجة لتعذر القسمة بينها وبين الامام - عليه السلام - لانها لا ترث جميع المال، بل (لها) الربع والباقي للامام (1). وهذا القول جيد ان جعلنا للزوج جميع المال كما اختاره الشيخ - رحمه الله -. مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا خلف الكافر اولادا صغارا واخوة واخوات من قبل الاب واخوة واخوات من قبل الام مسلمين كان للاخوة والاخوات من قبل الام الثلث وللاخوة والاخوات من قبل الاب الثلثان، وينفق الاخوة من قبل الام على الاولاد بحساب حقهم ثلث النفقة، وينفق الاخوة والاخوات من الاب بحساب حقهم ثلثى النفقة، فإذا بلغ الاولاد وأسلموا سلم الاخوة إليهم ما بقي من الميراث، وان اختاروا الكفر تصرفوا في باقي التركة ولم يعطوا الاولاد منها شيئا (2). وتبعه ابن البراج (3)، ورواه الصدوق - رحمه الله - (4) وهو قول شيخنا المفيد في المقنعة ايضا (5). وابن زهرة عمم الحكم فقال: إذا كان للكافر اولاد صغار وقرابة مسلم انفق عليهم من التركة حتى يبلغوا، فان أسلموا فالميراث لهم، وان لم يسلموا

(1) السرائر: ج 3 ص 268، مع اختلاف.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 236 - 238.
(3) المهذب: ج 2 ص 159 - 160.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 337 ح 5729، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب موانع الارث ح 1 ج 17 ص 379، وفيهما: " ابن اخ مسلم " بدل " اخوة واخوات من قبل الاب مسلمين " و " ابن اخت مسلم " بدل " اخوة واخوات من قبل الام مسلمين ".
(5) المقنعة: ص 701.

[ 57 ]

كان لقرابته المسلم (1). وبه قال أبو الصلاح (2). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصل مذهبنا ان الميراث يكون بين الاخوة من الاب والاخوة من الام للذين من قبل الاب الثلثان وللذين من قبل الام الثلث، يتصرفون فيه تصرف المالكين في املاكهم، لانه لا وارث مسلم لهذا الميت الكافر سواهم، لانهم استحقوا الميراث دون من عداهم من سائر الناس، لانه لا وارث له مسلم سواهم، ولو لم يكن كذلك ما جاز لهم قسمة الميراث بينهم ثلثين وثلثا، ولا سوغ لهم الشارع ذلك. فعلى هذا التحرير والتقدير إذا بلغ الاولاد واختاروا الاسلام لا يجب على الاخوة رد شئ من الميراث إليهم بحال، ولا يجب لهم النفقة أيضا قبل البلوغ، ولا يلزم الاخوة ذلك بحال، على الاصل الذي اصلناه، لان الاولاد حكمهم حكم آبائهم في ما يجري عليهم من الاحكام الشرعيات، لانهم لا يدفنون في مقابر المسلمين لو ماتوا قبل البلوغ (3). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه مالك بن اعين في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن نصراني مات وله ابن اخ مسلم وابن اخت مسلم وللنصراني اولاد وزوجة نصارى، قال: فقال: ارى ان يعطى ابن اخيه المسلم ثلثي ما ترك ويعطى ابن اخته ثلث ما ترك ان لم يكن له ولد صغار، فان كان له ولد صغار كان على الوارثين ان ينفقا على الصغار مما ورثا من ابيهم حتى يدركوا، قيل له: كيف ينفقان؟ قال: فقال: يخرج وارث الثلثين ثلثي النفقة ويخرج وارث الثلث ثلث النفقة، فإذا أدركوا

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 546 س 9، وفيه: " لقرابة المسلم ".
(2) الكافي في الفقه: ص 375.
(3) السرائر: ج 3 ص 269.

[ 58 ]

قطعا النفقة عنهم (1). والوجه ما قاله ابن ادريس، وحمل هذه الرواية على الاستحباب دون الوجوب. مسالة: قال الشيخ في النهاية: والمسلمون يتوارث بعضهم من بعض وان اختلفوا في الاراء والديانات، لان الذي به تثبت الموارثة اظهار الشهادتين والاقرار باركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحج دون فعل الايمان الذي يستحق به الثواب (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن ادريس (5). وقال شيخنا المفيد: ويرث المؤمنون اهل البدع من المعتزلة والمرجئة والخوارج والحشوية ولا يرث هذه الفرق احدا من اهل الايمان كما يرث المسلمون الكفار، ولا ترث الكفار اهل الاسلام. ويوجد في بعض نسخ المقنعة: ويتوارث المسلمون وان اختلفوا في الاهواء، ولا يمنع تباينهم في الاراء من توارثهم وان كان بالاسلام، وظاهر حكمه يجب التوارث، وتحل المناكحة دون الايمان الذي يستحق به الثواب وبتركه العقاب (6). وهذا النسخة موافقة لما قاله الشيخ في النهاية. وقال أبو الصلاح: ولا يرث الكافر المسلم وان اختلفت جهات كفره وقرب نسبه، ويرث المسلم الكافر وان بعد نسبه كابن خال مسلم والموروث مسلم أو كافر له ولد كافر بيهودية أو نصرانية أو جبرية أو تشبيه أو جحد (7) نبوة أو امامة، ميراثه لابن خاله المسلم دون ولده الكافر (8).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 368 ج 1315، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب موانع الارث ح 1 ج 17 ص 379. (2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 238.
(2) المهذب: ج 2 ص 160.
(4) الوسيلة: ص 394.
(5) السرائر: ج 3 ص 270.
(6) المقنعة: ص 701.
(7) في المطبوع الحجري: جحود.
(8) الكافي في الفقه: ص 374 - 375.

[ 59 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ، لان سبب التوارث الاسلام. مسالة: قال الشيخ في النهاية: المرتد من غير فطرة إذا لحق بدار الحرب ولم يقدر عليه اعتدت منه امرأته عدة المطلقة ثم يقسم ميراثه بين اهله (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادرس: لا تقسم تركته باعتبار لحوقه بدار الحرب، بل يوقف وهو على ملكه ما زال عنه بارتداده، وما ذكره في نهايته قد رجع عنه في مسائل خلافه ومبسوطه وذهب الى ما اخترناه، لان قسمة أموال بني آدم وانتقالها منهم حكم شرعي يحتاج في اثباته الى دليل شرعي (3). وقول ابن ادريس جيد. مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا لم يخلف الميت وارثا حرا على وجه وخلف وارثا مملوكا ولدا كان أو والدا أو اخا أو اخوة أو احدا من ذوي أرحامه وجب ان يشترى من تركته واعتق واعطي بقية المال، ولم يكن لمالكه الامتناع من بيعه، بل يقهر عليه، هذا إذا كان قدر ما خلفه بقيمة المملوك أو اكثر منه، فان كانت التركة اقل من قيمة المملوك لم يجب شراء الوارث على حال وكان المال لبيت مال المسلمين، وحكم الزوج والزوجة حكم ذوي الارحام في انه إذا لم يخلف غيرهما اشتريا واعتقا وورثا على ما بيناه، وقال بعض اصحابنا: انه إذا كانت التركة اقل من ثمن المملوك استسعي في باقية، ولست أعرف بذلك اثرا. وينبغي ان يكون العمل على ما قلناه (4). والبحث هنا يقع في مقامين: الاول: في من يجب شراؤه من الوارث، وكلام الشيخ هنا عام في كل وارث قرب أو بعد حتى الزوج والزوجة. وهو ظاهر كلام ابن زهرة فانه قال:

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 239.
(2) المهذب: ج 2 ص 161.
(3) السرائر: ج 3 ص 271 و 272 (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 241 - 242.

[ 60 ]

ومتى لم يكن للميت إلا وارث مملوك ابتيع من التركة وعتق وورث الباقي (1). وكذا قطب الدين الكيدري (2). وقال ابن الجنيد: فان مات أبو العبد أو قريبه وخلف مالا وارث له حرا ابتيع العبد مما خلف ابوه أو قريبه فيعتق ويرث الباقي، وان كان ما خلفه الميت لا يفي بثمن قريبه المملوك فقد قيل: يدفع الى السيد ويستسعى العبد في بقية قيمتة. وهذا الكلام يعطي اعتبار القرابة مطلقا، ويبقي حكم الزوجين على الاصل. وهو ايضا قول ابن البراج (3)، وابي الصلاح فانه قال: إذا لم يكن للموروث اقارب إلا مملوك ابتيع من الارث وعتق وورث الباقي (4). وقال المفيد: إذا مات الحر وخلف مالا وترك اباه وهو مملوك اشتري ابوه من تركته واعتق وورث ما بقي من الذي نقد في يده (5) من تركة ابنه، وكذلك إن ترك امه أو ولده لصلبه، وليس حكم الجد والجدة وولد الولد حكم (6) الوالدين الادنين (7) والولد للصلب في ما ذكرناه، ولا يجب ابتياع احد من ذوي ارحامه سوى الابوين والولد، الا (8) ان يتبرع المولى بعتق غيرهم (9) من القرابة، فان اعتقهم ورثوا (10). فاقتصر - رحمه الله - على الوالدين والولد للصلب دون من عداهم من

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 546 س 10.
(2) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 22 ص 300.
(3) المهذب: ج 2 ص 155.
(4) الكافي في الفقه: ص 375، وفيه: " للموروث إلا وارث مملوك ".
(5) في المصدر: ثمنه.
(6) في المصدر: كحكم.
(7) في المصدر: الادنيين. (8) في المصدر: ولولد للصلب الا ان.
(9) في المصدر: الولد.
(10) المقنعة: ص 695.

[ 61 ]

الاجداد واولاد الاولاد والاخوة والاعمام والاخوال واولادهم وغيرهم، وهو قول ابن حمزة (1). وقواه ابن ادريس (2) ونقله عن السيد المرتضى. والذي ذكره السيد هنا انه: مما انفردت به الامامية ان من مات وخلف مالا وابا مملوكا واما مملوكة فان الواجب ان يشترى ابوه أو امه من تركته ويعتق عليه ويورث باقي التركة (3). وهذا القول لا تصريح فيه بمنع من عداهم، ولا ذكر فيه الولد ايضا. وقال الصدوق في المقنع: إذا مات رجل حر وترك اما مملوكة (4) فان امير المؤمنين عليا - عليه السلام - امر ان تشترى الام من مال ابنها ثم تعتق فيورثها (5). وقال ابوه في الرسالة: وإذا مات رجل حر وترك اما مملوكة فان امير المؤمنين - عليه السلام - امر ان تشترى الام من مال ابنها ثم تعتق فيورثها. وقال سلار: والرق ضربان: احدهما: تجب ازالته للارث، وهو رق الابوين ورق باقي الاقارب لا يجب فيه ذلك فيه ذلك (6). وفي هذا دلالة على اختصاص الابوين بهذا الحكم دون الاولاد وغيرهم، اما الابوان والاولاد فانهم يشترون ويعتقون، لما رواه عبد الله بن سنان في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى امير المؤمنين - عليه السلام - في الرجل يموت وله ام مملوكة وله مال ان تشترى امه من ماله ويدفع إليها بقية المال إذا لم يكن له ذو قرابة لهم سهم في الكتاب (7).

(1) الوسيلة: ص 396 - 397.
(2) السرائر: ج 3 ص 272.
(3) الانتصار: ص 308.
(4) في الطبعة الحجرية: اما مملوكة أو ابا.
(5) المقنع: ص 178.
(6) المراسم: ص 219. (7) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 333 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب موانع الارث ح 6 ج 17 ص 405.

[ 62 ]

وفي الحسن عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يموت وله ابن مملوك، قال: يشترى ويعتق ثم يدفع إليه ما بقي (1). واما الاقارب غير هؤلاء فقد روى عبد الله بن طلحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل مات وترك مالا كثيرا وترك اما واختا مملوكة، قال: تشتريان من مال الميت ثم تعتقان وتورثان (2). والظاهر انه ليس المراد الجمع بين الام والاخت، لان الاخت عندنا لا ترث مع الام. وعن ابن بكير، عن بعض اصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل وترك أباه وهو مملوك وامه وهي مملوكة والميت حر يشترى مما ترك ابوه أو قرابته وورث الباقي من المال (3). وعن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا مات الرجل وترك اباه وهو مملوك أو امه وهي مملوكة أو اخاه أو اخته وترك مالا والميت حر اشترى مما ترك ابوه أو قرابته وورث ما بقي من المال (4). وهذه الطرق غير سليمة من الطعن، فنحن فيها من المتوقفين. واما الزوجة فقد روى الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد، عن

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 334 ح 1221، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب موانع الارث ح 4 ج 17 ص 405.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 333 ح 1198، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب موانع الارث ح 5 ج 17 ص 405، وفيهما: " وترك اما واختا ".
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 334 ح 1202، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب موانع الارث ح 3 ج 17 ص 404.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 335 ح 1203، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب موانع الارث ح 9 ج 17 ص 407.

[ 63 ]

الصادق - عليه السلام - قال: كان علي - عليه السلام - إذا مات الرجل وله امراة مملوكة اشتراها من ماله واعتقها ثم ورثها (1). قال الشيخ: الوجه في هذا الخبر ان امير المؤمنين - عليه السلام - كان يفعل ذلك على طريق التبرع (2)، لانا قد بينا ان الزوجة إذا كانت حرة ولم يكن هناك وارث لم يكن لها أكثر من الربع والباقي يكون للامام، وإذا كان المستحق للمال امير المؤمنين - عليه السلام - جاز ان يشتري الزوجة ويعتقها ويعطيها بقية المال تبرعا منه دون أن يكون فعل ذلك واجبا (3). والذي ذكره الشيخ محتمل، لكن تعليله ليس بجيد، لان كون الزوجة لها الربع لا غير لا ينافي ما تضمنته الرواية، لاحتمال أن يكون ثمنها اقل من الربع فيتشري ثم يعطي بقية الربع. نعم احتمال التبرع ظاهر، فالعمل بذلك في حق الزوجين مشكل. المقام الثاني: لو قصرت التركة عن القيمة نقل الشيخ عن بعض اصحابنا الشراء وانه يستسعى المملوك في ثمن باقية (4). وكذا نقله ابن الجنيد، وابن البراج (5). والشيخ المفيد - رحمه الله - قال: ان التركة لبيت المال (6)، وكذا سلار (7). وهذا هو المشهور، لاصالة عدم وجوب الشراء، خرج ما إذا وفت التركة، فيبقى الباقي على المنع، على ان القول الاخر ليس بعيدا من الصواب، لان عتق الجزء يشارك عتق الجميع في الامور المطلوبة شرعا فيساوية في الحكم. مسالة: قال الشيخ في النهاية: القاتل ضربان: قاتل عمد، ولا يرث المقتول

(1) الاستبصار: ج 4 ص 178 ح 674، وسائل الشيعة: ب 53 من ابواب العتق ح 1 ج 17 ص 56.
(2) في المصدر: التطوع.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 179.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 241 - 242.
(5) المهذب: ج 2 ص 155.
(6) المقنعة: ص 695.
(7) المراسم: ص 219.

[ 64 ]

لا من التركة ولا من الدية. وقاتل خطا، ويرث المقتول على كل حال، ولدا كان أو والدا أو ذا رحم أو زوج أو زوجة من نفس التركة ومن الدية. وقد رويت رواية بان القاتل لا يرث وان كان خطا، وهذه رواية شاذة لا عمل عليها، لان أكثر الروايات على ما قدمناه. وكان شيخنا - رحمه الله - يحمل هذه الرواية على انه إذا كان القاتل خطأ، فانه لا يرث من الدية ويرث من التركة بجمع (1) بين الاخبار، وعلى هذا اعمل، لانه احوط (2). وقال في الخلاف: القاتل إذا كان عمدا في معصية فانه لا يرث المقتول بلا خلاف، وان كان خطأ فانه لا يرث من ديته ويرث مما سواها (3). وكذا قال في المبسوط (4). وقال ابن الجنيد: القاتل عمدا لا يرث من الذي قتله، وكذا القاتل شبيه العمد، واما القاتل خطا فانه يرث من التركة ولا يرث من الدية. وقال المفيد: قاتل العمد لا يرث المقتول إذا كان بشبيه ويرثه إذا قتله خطا، وانما منع قاتل العمد من الميراث عقوبة له على جرمه وعظم ذنبه، وقاتل الخطا غير مذنب، لانه لم يتعمد لله تعالى خلافا ولا اوقع بقتله له معصية (5)، واطلق ولم يفصل الى التركة والدية. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: قال الفضل بن شاذان النيسابوري: لو ان رجلا ضرب ابنه ضربا غير مسرف في ذلك يريد (به) تأديبه فمات الابن من ذلك الضرب ورثه الاب ولم يلزمه الكفارة، لان للاب ان يفعل ذلك وهو مامور بتأديب ولده، لانه في ذلك بمنزلة الامام يقيم حدا على رجل فيموت الرجل من ذلك الضرب فلا دية على الامام ولا كفارة، ولا

(1) في المصدر: ليجمع،: وم 3: للجمع.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 247 و 248 - 249.
(3) الخلاف: ج 4 ص 28 المسالة 22.
(4) المبسوط: ج 4 ص 79 - 80.
(5) المقنعة: ص 703.

[ 65 ]

يسمى الامام قاتلا إذا أقام حدا لله عزوجل على رجل فمات من ذلك، وان ضرب الابن ضربا مسرفا لم يرثه (1) الاب وكانت عليه الكفارة، فان كان بالابن جرح فبطه الاب فمات الابن من ذلك فان هذا ليس بقاتل وهو يرثه ولا كفارة عليه ولا دية، لان هذا بمنزلة الادب والاستصلاح والحاجة من الولد الى ذلك والى شبهه من المعالجات، ولو ان رجلا كان راكبا على دابة فوطئت أباه أو أخاه ثم مات من ذلك لم يرثه وكانت الدية على العاقلة والكفارة عليه، ولو كان يسوق الدابة أو يقودها فوطئت اباه أو اخاه فمات ورثه وكانت الدية على العاقلة للورثة ولم تلزمه كفارة، ولو ان رجلا حفر بئرا في غير حقه أو اخرج كنيفا أو ظلة فاصاب شئ منها وارثا فقتله لم تلزمه الكفارة وكانت الدية على العاقلة وورثه، لان هذا ليس بقاتل، الا ترى انه ان فعل ذلك في حقه لم يكن بقاتل ولا وجب في ذلك دية ولا كفارة، فاخراجه ذلك الشئ في غير حقه ليس هو قتلا، لان ذلك بعينه يكون في حقه فلا يكون قتلا، وانما الزم العاقلة الدية في ذلك احتياطا للدماء (2)، ولئلا يبطل دم امرئ مسلم، ولئلا يتعدى الناس حقوقهم الى مالا حق لهم فيه، وكذلك الصبي إذا لم يدرك والمجنون لو قتلا لورثا وكانت الدية على عاقلتهما (3). وقال ابن ابي عقيل: لا يرث عند آل الرسول - عليه السلام - القاتل من المال شيئا، لانه إن قتل عمدا فقد أجمعوا على انه لا يرث، وان قتل خطا كيف يرث وهو يؤخذ منه الدية؟! وانما منع من (4) الميراث احتياطا لدماء المسلمين، لئلا يقتل اهل المواريث بعضهم بعضا طمعا في المواريث، وإذا اجتمعوا جميعا في الجملة ان القاتل لا يرث. ثم ادعى بعض الناس انه عني بذلك العمد

(1) في المصدر: مسرفا فمات لم يرثه.
(2) في المصدر: في الدماء.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 320 - 321.
(4) في الطبعة الحجرية: الدية، وليس في " ق 2 ".

[ 66 ]

دون الخطا فعليه الدليل والحجة الواضحة، ولن ياتي في ذلك بحجة ابدا. ولو ان رجلا ضرب ابنه ضربا غير مبرح يريد به تأديبه فمات من ذلك الضرب ورثه الاب ولا تلزمه الكفارة، لان ذلك للاب وهو مامور بتاديب ولده، فان ضربه ضربا مسرفا لم يرثه، فان كان بالابن قروح أو جراح فبطه الاب فمات من ذلك ورثه، لان هذا ليس بقاتل ولا كفارة عليه ولا دية وهو يرثه، لان هذا بمنزلة الادب والاستصلاح والحاجة من الولد الى ذلك والى أشباهه من المعالجات ماسة. ولو أن رجلا كان راكبا دابة فوطئ أباه أو أخاه فمات لم يرثه، ولو كان يسوق الدابة أو يقودها فوطئت الدابة اباه أو اخاه فمات لم يرثه وكانت الدية على عاقلته لغيره من الورثة ولم تلزمه الكفارة. ولو حفر بئرا في غير حقه أو اخرج كنيفا أو ظله فاصاب شئ منها وارثا له فقتله لم تلزمه الكفارة وكانت الدية على العاقلة وورثه، لان هذا ليس بقاتل، الا ترى انه لو فعل ذلك في حقه لم يكن قاتل ولم يجب عليه في ذلك دية ولا كفارة، فاخراجه ذلك في غير حقه ليس هو قتل، لان ذلك بعينه يكون في حقه فلا يكون قاتلا، وانما الزم الدية في ذلك إذا كان في غير حقة احتياطا للدماء، ولئلا يبطل دم امرئ مسلم، ولئلا يتعدى الناس حقوقهم الى ما لا حق لهم فيه. وكذلك الصبى والمجنون لو قتلا لورثا وكانت الدية على العاقلة. وقال السيد المرتضى: مما يظن انفراد الامامية به ولها فيه موافق قولها: بان القاتل خطا يرث المقتول لكنه لا يرث من الدية، واستدل عليه بالاجماع وبظاهر آيات المواريث، وإذا عورضنا بقاتل العمد فهو مخرج بدليل قاطع لم يثبت مثله في القاتل خطا (1). قال: ويمكن ان يقوى ذلك ايضا بان قاتل الخطا (2) معذور غير مذموم ولا مستحق للعقاب فلا يجب ان يحرم [ من ]

(1) في المصدر: قاتل الخطا.
(2) في المصدر: الخاطئ.

[ 67 ]

الميراث الذى يحرمه العامد على سبيل العقوبة. ثم عارض بقوله تعالى: " ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى اهله " فلو كان القاتل وارثا لما وجب عليه تسليم الدية. ثم اجاب: بان وجوب تسليم الدية على القاتل الى اهله لا يدل على انه لا يرث ما دون هذه الدية من تركته، لانه لا تنافي بين الميراث وبين تسليم الدية، وأكثر ما في ذلك ألا يرث من الدية التي يجب عليه تسليمها شيئا، والى هذا نذهب (1). وابن البراج (2)، وابو الصلاح (3) وافقا الشيخ على المنع من الدية دون التركة في الخطا، وابن زهرة (4)، وابن ادريس (5). وقال سلار: القتل ثلاثة: عمد وخطا وخطا شبيه العمد، ولا يمنع الارث إلا العمد خاصة (6). وقال ابن حمزة: القتل اما عمد عدوان ولا يستحق القاتل شيئا من ميراثه، أو عمد غير عدوان ولا يسقط حقه من الميراث، أو خطا ويرث من التركة دون الدية، وقيل: يرث من (7) الدية ايضا (8)، وقيل لم يرث من التركة ايضا وقد تلخص من هذه الاقوال الاجماع على منع القاتل عمدا والخلاف في القاتل خطأ، فابن ابي عقيل منع من ارثه مطلقا، والمفيد وسلار لم يمنعاه مطلقا، والشيخ وابن الجنيد والسيد المرتضى وابو الصلاح وابن البراج وابن حمزة وابن زهرة وابن ادريس منعوه من الدية دون التركة. واما القتل شبيه العمد فابن الجنيد ألحقه بالعمد في المنع، وسلار ألحقه بالخطأ. والمعتمد ما قاله الشيخ في الخطا، اما المنع من الدية فلانه يجب عليه دفعها

(1) الانتصار: ص 307 و 308.
(2) المهذب: ج 2 ص 162.
(3) الكافي في الفقه: ص 375.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 546 س 14.
(5) السرائر: ج 3 ص 274. (6) المراسم: ص 218.
(7) ليس في المصدر.
(8) الوسيلة: ص 395 - 396.

[ 68 ]

الى الوارث، ولو ورث منها لم يجب دفع الجميع. ولما رواه فضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يقتل الرجل بولده، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده، ولا يرث الرجل الرجل إذا قتله وان كان خطا (1). وانما حملناه على الدية جمعا بين الادلة (2). واما التوريث في الخطا فلما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قتل امه أيرثها؟ قال: إن كان خطا ورثها، وان كان عمدا لم يرثها (3) وفي الموثق عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى امير المؤمنين - عليه السلام - في رجل قتل امه، قال: ان كان خطا فان له ميراثه، وان كان قتلها متعمدا فلا يرثها (4). واما شبيه العمد فالاولى إلحاقه بالخطا، لان المقتضي للمنع في العمد - وهو المؤاخذة له بنقيض مقصوده - منتف (5) هنا كالخطأ فالحق به. احتج المانعون في الخطأ بما رواه هشام بن سالم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا ميراث للقاتل (6). وهذا عام، وبالحديث الاول الذي رواه فضيل بن يسار فانه عام

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 379 - 380 ح 1359، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب موانع الارث ح 3 ج 17 ص 392.
(2) ق 2: الاخبار.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 379 ح 1358، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب موانع الارث ح 2 ج 17 ص 392.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 379 ح 1357، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب موانع الارث ح 1 ج 17 ص 391 - 392.
(5) في الطبعة الحجرية: مفقود. (6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 378 ح 1352، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب موانع الارث ح 1 ج 17 ص 388.

[ 69 ]

في التركة والدية. والجواب عن الاول: الحمل على العمد جمعا بين الادلة، وعن الثاني: بالحمل على المنع من الدية لذلك. قال الشيخ: إنه خبر مرسل مقطوع الاسناد، لانه يرويه معلى بن محمد، عن بعض اصحابه، عن حماد بن عثمان، عن فضيل بن يسار، قال: ومع ذلك يحتمل ان يكون الوجه فيه ما كان يقوله شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان من انه: لا يرث الرجل الرجل إذا قتله خطا من ديته ويرثه مما عدا الدية، والمتعمد الا يرث شيئا لا من الدية ولا من غيرها، وكان بهذا التأويل يجمع بين الحديثين، وهذا وجه قريب (1) مسالة: قال الشيخ في النهاية: وكذلك ان كانت الاخوة والاخوات من قبل الاب أو الاب والام كفارا أو مماليك لم يحجبوا الام عن الثلث على حال (2). ولم يتعرض للقاتل. وكذا سلار (3). وقال في الخلاف: القاتل والمملوك والكافر لا يحجبون، واستدل باجماع الفرقة، بل باجماع الامة. وابن مسعود خالف فيه، وقد انقرض خلافة (4). وقال المفيد: ولا يحجب عن الميراث من لا يستحقه لرق أو كفر أو قتل على حال (5). وكذا قال ابن الجنيد، وابن البراج (6). وقال الصدوق: والقاتل يحجب وان لم يرث، الا ترى ان الاخوة يحجبون

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 380 ذيل الحديث 1359، وفيه: " والمعتمد الا يرثه ".
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 189.
(3) المراسم: ص 220.
(4) الخلاف: ج 4 ص 32 - 33 المسألة 24.
(5) المقنعة: ص 704.
(6) المهذب: ج 2 ص 128، وليس فيه: " الرق والقتل ".

[ 70 ]

الام ولا يرثون (1). وكذا قال ابن أبي عقيل. والوجه ما قاله الشيخ. لنا: انه المشهور بين علمائنا فيتعين العمل به. وما رواه الصدوق في الصحيح عن الفضيل بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المملوك والمملوكة هل يحجبان إذا لم يرثا؟ قال: لا (2). ولانه مشارك للكافر والمملوك في المنع من الارث فيشاركهما في منع الحجب. والصدوق، وابن ابي عقيل عولا على عموم قوله تعالى: " فان كان له اخوة " (3) خرج منه المماليك والكفار، للرواية الصحيحة عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المملوك والمشرك يحجبان إذا لم يرثا؟ قال: لا (4). فيبقى الباقي على العموم. ولا باس بهذا القول، فانه لم يبلغنا من الاحاديث في هذا الباب شئ يعتد به سوى هذا، ولا دلالة فيه على القاتل. مسالة: ميراث ولد الملاعنة لامه ومن يتقرب بها، فان لم يخلف سوى امه كان ميراثه لها اجمع، قاله الشيخ في النهاية، قال: وقد روي ان ميراث ولد الملاعنة ثلثه لامه والباقي لامام المسلمين، لان جنايته عليه، والعمل على ما

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 321.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 341 ح 5739، وفيه: " الفضل " بدل " الفضيل "، وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب موانع الارث ح 9 ج 17 ص 400.
(3) النساء: 11.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 284 ح 1027، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 1 ج 17 ص 459.

[ 71 ]

قدمناه (1). فجعل الشيخ ميراث ابن الملاعنة لامه خاصة دون بيت المال، وهو قول المفيد - رحمه الله - (2) وابن ابي عقيل، والصدوق في المقنع (3)، وابوه في الرسالة، وابي الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن ادريس (6). واستدل الشيخ عليه في الخلاف باجماع الفرقة (7). وقال ابن الجنيد: ان لاعن وانتفى من الولد ثم اكذب نفسه وادعاه ورث الولد الاب ولم يرثه الاب ولا احد من أقرباء الاب وكان ميراثه لامه ثم بعد امه لاخواله، وان اقام ابن الملاعنة على نفيه فخلف اما لها عصبة كان ميراثه لها، وان لم يكن لها عصبة كان لها ثلث ما خلف والباقي لبيت مال المسلمين، لان جنايته عليه. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: ابن الملاعنة لا وارث له من قبل ابيه، وانما ترثه امه واخوته لامه وولده واخواله وزوجته، فان ترك اباه وامه فالمال لامه، فان ترك امه وامراته فللمرأة الربع وما بقي فللام، فان ترك امه واخاه فالمال للام. ثم روى عن الباقر - عليه السلام - ان ميراث ولد الملاعنة لامه، فان كانت امه ليست بحية فلاقرب الناس من امه اخواله. ثم قال: قال: مصنف هذا الكتاب: متى كان الامام غائبا كان ميراث ابن الملاعنة لامه، ومتى كان ظاهرا كان لامه الثلث والباقي لامام المسلمين. وتصديق ذلك ما رواه الحسن بن محبوب، عن ابي ايوب، عن ابي عبيدة، عن ابي جعفر الباقر - عليه السلام - قال: ابن الملاعنة ترثه امه الثلث والباقي لامام المسلمين. وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى امير

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 261.
(2) المقنعة: ص 696.
(3) المقنع: ص 177.
(4) الكافي في الفقه: ص 375.
(5) المهذب: ج 2 ص 164.
(6) السرائر: ج 3 ص 274.
(7) الخلاف: ج 4 ص 104 المسالة 113.

[ 72 ]

المؤمنين - عليه السلام - في ابن الملاعنة انه ترثه امه الثلث والباقي للامام، لان جنايته على الامام (1). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: ان الام وارثه (2) له، وشرط ميراث الامام عدم المناسب فالمال باجمعه لها، والاخبار المتظافرة دالة عليه روى زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - ان ميراث ولد الملاعنة لامه، فان كانت امه ليست بحية فلاقرب الناس لامه اخواله (3). وغير ذلك من الاحاديث. والشيخ - رحمه الله - في التهذيب لما روى الحديثين اللذين ذكرهما الصدوق قال: هذان الخبران غير معمول عليهما، لانا قد بينا ان ميراث ولد الملاعنة لامه كله، والوجه فيهما التقية (4). واما في كتاب الاستبصار فقال عقيبهما، الوجه في هاتين الروايتين ان نقول: انما يكون لها الثلث من المال إذا لم يكن لها عصبة يعقلون عنه، فانه إذا كان كذلك كانت جنايته على الامام، وينبغي ان تأخذ الام الثلث والباقي يكون للامام، ومتى كان هناك عصبة لها يعقلون عنه فانه يكون جميع ميراثه لها أو لمن يتقرب بها إذا لم تكن موجودة (5). وهو كقول الصدوق. والمعتمد ما قلناه.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 321 و 322 و 323 ح 5692 وص 324 ح 5693 وح 5694، وليس فيه: " فان ترك امه واخاه فالمال للام ". (2) في نسخة: ق 2 الامام وارث.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 338 ح 1218، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ميراث ولد الملاعنة ح 2 ج 17 ص 556.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 343 ح 1230 و 1231 وذيله.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 182 ح 683 و 684 وذيله.

[ 73 ]

مسالة: قال الشيخ في النهاية: ولد الملاعنة لا يرثه ابوه، سواء اعترف به بعد اللعان أو لم يعترف به، ولا احد من جهته من جد وجدة واخوة واخوات وعمومة وعمات واولادهم، وهو لا يرث واحدا منهم ايضا على حال، اللهم الا ان يعترف به ابوه بعد اللعان، فان اعترف به ورث الابن الاب دون غيره ممن يتقرب إليه من جهته (1). وقال المفيد: ومتى جحد الرجل ولده من الحرة ولاعنها ثم رجع عن الجحد واقر بالولد ضرب حد المفتري ورد إليه نسب الولد، فان مات الاب وله مال ورثه الولد، وان مات الولد وله مال لم يرثه الاب، لانه قد كان انكره ويوشك ان يكون اقراره به طمعا في ميراثه فلا يمكن منه بل يحرمه. وترث الولد امه إن كانت باقية، وان مضت قبله ورثه اخوته من قبل امه، فان لم يكن له اخوة لام ورثه أخواله واقاربه من قبل امه ولا يرثه الاخوة من قبل الاب ولا قريب له من قبله (2). وقال أبو الصلاح: ولا يرث ولد الملاعنة ملاعن امه المصر على نفيه، ولا من يتعلق بنسبه، ولا يرثونه ومن يتعلق بنسبه، ويرثه بعد الاعتراف به والرجوع عن نفيه ومن يتعلق بنسبه، ولا يرثه الاب ولا من يتعلق بنسبه، وترثه امه ومن يتعلق بنسبها ويرثهم على كل حال (3). ونقل ابن ادريس قول الشيخ في النهاية، ثم نقل عقيبه قول ابي الصلاح، ثم قال: وهذا هو الاقوى عندي، لانه إذا اقر به حكم عليه بانه ابنه، الا ما اخرجه الدليل. ولان الاقرار بمنزلة البينة، بل اقوى، الا ان لقائل ان يقول: قد حكم الشارع في هذا الموضع انه ليس بولد له، كما لو اقر اللقيط

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 259 - 260، وفيه: " بعد انقضاء اللعان فان ".
(2) المقنعة: ص 542 - 543. (3) الكافي في الفقه: ص 375.

[ 74 ]

بأنه عبد لا يقبل اقراره بالعبودية، لان الشارع حكم بأنه حر فلا يقبل اقراره بالرق. ثم قال: والذي أعتمده في هذه الفتوى ان الولد يرثه بعد اقراره به دون غيره من قراباته فانه لا يرثهم ولا يرثونه، لاجماع أصحابنا على ذلك، ومن شذ منهم لا يلتفت الى خلافه، فانه معروف النسب والاسم، وهو أبو الصلاح صاحب كتاب الكافي الحلبي (1). وهذا يدل على اضطرابه وعدم تميز قوته المفكرة. والمشهور الاول، لانقطاع سبب الارث من جهة الاب وعوده من جهة الابن باعتبار الاقرار لا يتعدى حكم المقر. تذنيب: هذا المكذب نفسه بعد انقضاء اللعان هل يجب عليه الحد؟ قال الشيخ في النهاية: لا حد عليه، وقد روي ان عليه الحد. قال: والاظهر ما ذكرناه اولا، لانه لا حد عليه بعد مضي اللعان (2). وقال ابن ابي عقيل: يجب عليه الحد. والوجه ما قاله الشيخ: لان اللعان يسقط الحد فلا يعود بغير سبب. مسالة: روى الشيخ في الاستبصار ان ولد الملاعنة يرثه أخواله ولا يرثهم الولد روايات متعددة (3). ثم تأولها بانها لا تنافي الاخبار الاولى الدالة على انه يرثهم ويرثونه، بان ثبوت الموارثة بينهم انما يكون إذا اقربه الوالد بعد انقضاء الملاعنة، لان ذلك يبعد التهمة من المراة، ويقوى صحة نسبه فيرث اخواله ويرثونه، والاخبار الاخيرة متناولة لمن لا يقر والده به بعد الملاعنة، فان عند ذلك، التهمة باقية فلا تثبت الموارثة، بل يرثونه ولا يرثهم، لانه لم يصح نسبه، وقد فصل ما قلناه أبو عبد الله - عليه السلام - في رواية ابي بصير ومحمد بن مسلم

(1) السرائر: ج 3 ص 274 و 275.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 452 و 453.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 179 باب 104.

[ 75 ]

وأبي الصباح الكناني وزيد الشحام، وانه انما تثبت الموارثة إذا أكذب نفسه. وذكر في رواية ابي بصير الاخيرة والحلبي معا انه انما لم يثبت ذلك إذا لم يدعه ابوه، وكان ذلك دالا على ما قلناه من التفصيل، وعلى هذا الوجه لا تنافي بينهما على حال (1). وقال في التهذيب: قد روي ان الاخوال يرثونه ولا يرثهم، غير ان العمل على ثبوت الموارثة بينهم أحوط وأولى على ما يقتضيه شرع الاسلام (2). والوجه ما قاله الشيخ في التهذيب، وهو اختيار الاكثر. وبه قال ابن ادريس (3) لما رواه زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: وهو يرث أخواله (4). ولانهم يرثونه فيرثهم، لان نسبه من جهة الام باق. ولانهم كالاخوة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولد الزنا لا يرثه أحد إلا ولده أو زوجه أو زوجته، وهو ايضا لا يرث أحدا الا ولده أو زوجه أو زوجته، فان مات وليس له ولد ولا زوج ولا زوجة فميراثه لامام المسلمين، ولا يرثه ابواه ولا احد ممن يتقرب بهما إليه على حال. وقال بعض أصحابنا: ان ميراث ولد الزنا مثل ميراث ولد الملاعنة. والمعتمد ما قلناه (5). وقال في الخلاف: الظاهر من مذهب اصحابنا ان ولد الزنا لا يرث امه ولا

(1) الاستبصار: ج 4 ص 181 - 182 ذيل الحديث 682.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 341.
(3) السرائر: ج 3 ص 276.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 341 ح 1225، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث ولد الملاعنة ح 3 ج 17 ص 561.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 262 - 263.

[ 76 ]

ترثه امه ولا احد من جهتها. وقد ذهب قوم من اصحابنا الى ان ميراثه مثل ميراث ولد الملاعنة، وسواء كان ولدا واحدا أو ولدين، فان احدهما لا يرث الاخر الا على القول الثاني. ولو كان ولد الزنا توأما ثم مات احدهما فانه يرث الاخر منه من جهة الامومة دون الابوة على قول من قال من اصحابنا: أنه يجري مجرى ولد الملاعنة. واستدل بالاخبار وبأن الميراث تابع للنسب الشرعي. وليس هنا نسب شرعي بين ولد الزنا وبين الام (1). وقال ابن البراج: ميراث ولد الزنا يختلف أصحابنا فيه، فمنهم من يقول: ولد الزنا لا يرث أباه ولا امه ولا يرثه ابوه ولا امه، ومنهم من يقول: يرث امه ومن يتقرب بها وترثه امه ومن يتقرب بها. قال: والاقوى عندي الاول (2). وهو قول ابن حمزة (3)، وابن ادريس (4). وابو الصلاح اختار الثاني (5). وقال ابن الحنيد: لا يرث ولد الزنا ممن زنى بامه فولدته بمائه، ولا يرثه وان ادعاه، وميراثه لامه كولد الملاعنة. وقال الصدوق في كتاب المقنع: إذا ترك الرجل ابن الملاعنة فلا ميراث لولده منه وكان ميراثه لاقربائه، فان لم يكن فلامام المسلمين، الا ان يكون أكذب نفسه بعد اللعان فيرثه الابن، وان مات الابن لم يرثه الاب، وإذا ترك ابن الملاعنة امه وأخواله فميراثه كله لامه، فان لم يكن له ام فميراثه لاخواله. وإذا ترك ابنته واخته فميراثه كله لابنته، وإذا ترك خاله وخالته فالمال بينهما

(1) الخلاف: ج 4 ص 104 و 105 المسالة 114 و 115.
(2) المهذب: ج 2 ص 165، وفيه: " والاقوى عندي هو الاول ".
(3) الوسيلة: ص 403.
(4) السرائر: ج 3 ص 276. (5) الكافي في الفقه: ص 377.

[ 77 ]

سواء، فان ترك أخا لام وجده أبا امه فالمال بينهما سواء، وهكذا يكون مواريث ابن الملاعنة وولد الزنا (1). فأجرى ولد الزنا مجرى ولد الملاعنة. وجعله في كتاب من لا يحضره الفقيه رواية (2). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: ان سبب الميراث منقطع شرعا عن الابوين ولا يلحقهما، ولا يرث الاب ولا يرثه اجماعا، فكذا الام، لانها احدى الابوين، ولانقطاع النسب. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - قلت: فانه مات - يشير الى ولد الزنا - وله مال، من يرثه؟ قال: الامام (3). وعن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: أيما رجل وقع على جارية حراما ثم اشتراها وادعى ولدها فانه لا يورث منه فان رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يورث ولد الزنا إلا رجل يدعي ولد جاريته (4). احتج الاخرون بما رواه يونس، قال: ميراث ولد الزنا لقرابته من قبل امه على ميراث ابن الملاعنة (5). قال الشيخ: هذه رواية موقوفة لم يسندها يونس الى امام (6).

(1) المقنع: ص 177 - 178 مع اختلاف.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 317.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 343 ح 1234، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه ح 3 ج 17 ص 567.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 344 ح 1236، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه ح 4 ج 17 ص 568.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 344 ح 1238، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ميراث ابن الملاعنة وما أشبهه ح 6 ج 17 ص 568.
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 344 ذيل الحديث 1238.

[ 78 ]

ثم روى عن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - كان يقول: ولد الزنا وابن الملاعنة ترثه امه واخوته لامه أو عصبتها (1) وتأوله بانه يجوز ان يكون سمع الراوي هذا الحكم في ولد الملاعنة فظن ان حكم ولد الزنا حكمه (2). مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا خلف الميت وارثا له ما للرجل وما للنساء فانه يعتبر حاله بالبول، فايهما سبق منه البول ورث عليه، فان خرج من الموضعين سواء فايهما انقطع منه البول ورث عليه، فان انقطع منهما معا ورث ميراث الرجال والنساء نصف ميراث الرجال ونصف ميراث النساء. وقد روي انه تعد أضلاعه من الجانبين فان تساويا ورث ميراث المرأة، وان زاد احدهما على الاخر ورث ميراث الرجال. والاول احوط واكثر في الروايات (3). وقال في الخلاف: يعتبر بالمبال، فان خرج من احدهما أولا ورث عليه، وان خرج منهما اعتبر بالانقطاع فيورث على ما ينقطع أخيرا، فان اتفقا روى اصحابنا انه تعد اضلاعه، فان تساويا ورث ميراث النساء، وان نقص احدهما ورث ميراث الرجال، والمعمول عليه ان يرجع الى القرعة فيعمل عليها. ثم نقل عن الشافعي انه ينزل بأسوأ حالتيه فنعطيه نصف المال، لانه اليقين والباقي يكون موقوفا حتى يتبين حاله، فان بان انه ذكر اعطي ميراث الذكور، وان بان انه انثى فقد اخذ حقه ويعطى الباقي العصبة. وعن ابي حنيفة انه يعطي

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 345 ح 1239، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ميراث ابن الملاعنة وما اشبهه ح 9 ج 17 ص 569، وفيهما: " ترثه امه وأخواله لامه ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 345 ذيل الحديث 1239.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 258 و 259.

[ 79 ]

النصف يقينا والباقي للعصبة، وعن قوم من الحجازيين وقوم من البصريين انه يدفع إليه نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الانثى فيعطى ثلاثة ارباع المال. واستدل باجماع الفرقة واخبارهم (1)، وقال في المبسوط (2) كقوله في النهاية. وقال المفيد: يعتبر بالبول، فان بال من أحدهما دون الاخر قضي له بحكم ما بال منه، وان بال منهما جميعا نظر من أيهما ينقطع أخيرا فيحكم له بحكمه، فان بال منهما جميعا وقطع منهما جميعا ورث ميراث النساء والرجال فاعطي نصف سهم الانثى ونصف سهم الذكر (3). وقال ابن الجنيد: السنة أن ينظر الى المكان الذي يبول منه، فان خرج من الذكر دون غيره ورث ميراث الذكر، وان خرج من الفرج دون الذكر ورث ميراث الانثى، وان خرج منهما كان الحكم لما سبق منه البول، فان ورد معا عدت أضلاعه، فان للمراة ثمانية عشر ضلعا وللرجل سبعة عشر ضلعا من الجانب الايسر ثمانية ومن الجانب الايمن تسعة وضلع ناقص صغير من الجانب الايسر. وقال ابن ابي عقيل: الخنثى عند آل الرسول - عليهم السلام - فانه ينظر، فان كان هناك علامة يتبين به الذكر من الانثى من بول أو حيض أو احتلام أو لحية أو ما اشبه ذلك فانه يورث على ذلك، فان لم يكن هناك ما يتبين به وكان له ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج النساء فان له ميراث الذكر، لان ميراث النساء داخل في ميراث الرجل. هذا ما جاء عنهم - عليهم السلام - في

(1) الخلاف: ج 4 ص 106 المسالة 116، مع اختلاف.
(2) المبسوط: ج 4 ص 114. (3) المقنعة: ص 698.

[ 80 ]

بعض الاثار. وقد روي عن بعض علماء الشيعة انه سئل عن الخنثى فقال: روى بعض اصحابنا - من وجه ضعيف لم يصح عندي - ان حواء خلقت من ضلع آدم فصار للرجل من ناحية اليسار ضلعا أنقص، فللنساء ثمانية عشر ضلعا من كل جانب تسعة، وللرجال سبعة عشر ضلعا من جانب الايمن تسعة ومن جانب اليسار ثمانية، وهذه علامة جيدة واضحة إن صحت. وروي عنهم - عليهم السلام - انه يورث من المبال، فان سلسل البول على فخذه فهي امرأة، وان زرق البول كما يزرق من الرجل فهو رجل. وجميع ما ذكرناه كله من العلامات التي يعرف بها الرجال من النساء مثل: الحيض واللحية والجماع وغير ذلك. ولو ان رجلا مات وترك خنثى مشكلا وابوين فللابوين السدسان وما بقي فللخنثى. وقال علي بن بابوية: ينظر الى إحليله إذا بال فان خرج بوله مما يخرج من الرجال ورث ميراث الرجال، وان خرج البول مما يخرج من النساء ورث ميراث النساء، وان خرج البول منهما جميعا فمن ايهما سبق البول ورث عليه، فان خرج البول من الموضعين معا فله نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الانثى. وقال الصدوق: فانه ينظر الى إحليله فان خرج البول مما يخرج من الرجال ورث ميراث الرجال، وان خرج مما يخرج من النساء ورث ميراث النساء، وان خرج البول من الموضعين معا ورث نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الانثى، وروي في حديث آخر انه إذا مات ولم يبل فنصف ميراث الذكر ونصف ميراث الانثى (1).

(1) المقنع: ص 176 - 177. وليس فيه: " وروي.. ميراث الانثى ".

[ 81 ]

وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية ان من أشكلت حاله من الخناثى في كونه ذكرا أو انثى اعتبر حاله بخروج البول، فان خرج من الفرج الذي يكون للرجال خاصة ورث ميراث الرجال، وان كان خروجه مما يكون للنساء خاصة ورث ميراث النساء، وان بال منهما معا نظر الى الاغلب والاكثر منهما فعمل عليه وورث به، فان تساوى ما يخرج من الموضعين ولم يختلف اعتبر بعدد الاضلاع، فان اتفقت ورث ميراث الاناث، وان اختلفت ورث ميراث الرجال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا فيه اقوالا مختلفة كلها تخالف قول الشيعة في ذلك، لان أبا حنيفة وإن كان قد روي عنه اعتبار البول كما تعتبره الامامية فانه يذهب الى انه متى خرج البول من الفرجين جميعا ورثه بأحسن أحواله أن يكون ذكرا أعطاه ذلك، وان كان احسن احواله ان يكون انثى اعطاه ذلك، والشافعي يعطي الخنثى ميراث امرأة ويوقف بقية المال حتى يتضح امره. وأقوال الجميع إذا تأملت علم انها خارجة عن اقوال الامامية ومنفردة، والذي يدل على صحة ما ذهبنا الى الاجماع المتردد، وأيضا فان باقي الفقهاء عولوا عند اشكال الامر وتقابل الامارات على رأي وظن وحسبان، وعولت الامامية في ما تحكم به في الخنثى على نصوص وشرع محدود، فقولها على كل حال اولى (1). وقال سلار: إن بال من احدهما ورث عليه، وان بال منهما ورث على ما انقطع عليه أخيرا، فان قطع منهما ورث النصف من ميراث النساء والنصف من ميراث الرجال (2). وقال ابن البراج في كتابي المهذب والكامل: إن خرج البول مما هو

(1) الانتصار: ص 306 - 307.
(2) المراسم: ص 225.

[ 82 ]

للرجال ورث ميراث الذكور، وان خرج مما هو للنساء ورث ميراث الاناث، فان خرج منهما جميعا كان الاعتبار بما سبق منهما، فان سبق ما للرجال ورث ميراث الذكور، وان سبق ما للنساء ورث ميراثهن، فان لم يسبق احدهما الاخر كان الاعتبار بانقطاعه، فايهما انقطع منه قبل الاخر كان التوريث بحسبه، فان انقطعا جميعا دفعة اعطي نصف ميراث النساء ونصف ميراث الذكور (1). وقال ابن حمزة: من أي الالتين خرج البول ورث عليهما، فان خرج منهما اعتبر الاسبق، فان خرج منهما دفعة فأيهما انقطع اخيرا ورث عليه، فان انقطعا دفعة فهو مشكل، فان بان انثى كان ميراثها ميراث النساء، وان بان ذكرا كان ميراثه ميراث الرجال، وان اشكل امره ورث نصف ميراث الرجل ونصف ميراث الانثى، وقيل: يفرض بنتا ونصف بنت، فعلى الاول لو خلف الرجل ابنا وبنتا وخنثى فالفريضة من اربعين، وعلى الثاني من تسعة (2). وقال ابن ادريس: يحكم بالبول، فمن ايهما خرج ورث عليه، فان خرج منهما اعتبر بالاسبق، فمن ايهما سبق ورث عليه، فان خرج دفعة اعتبر بالذي ينقطع منه البول اخيرا فيورث عليه ويحكم به له، فان جاء سواء دفعة وانقطعا سواء في وقت واحد ففي هذه الحال يتصور مسالة الخلاف بين اصحابنا فحينئذ يجري (3) النزاع. واما في الاحوال الاول فلا خلاف بينهم فيها اجمع، بل الخلاف فيما صورناه، فذهب شيخنا في المبسوط والنهاية والايجاز الى أنه يورث نصف ميراث الرجال ونصف ميراث النساء، وذهب جماعة من اصحابنا والاكثرون منهم والمحصلون الى انه في هذه الحال المتنازع فيها يعتبر ويورث بعدد الاضلاع، فان

(1) المهذب: ج 2 ص 171، وليس فيه: " كان الاعتبار... ميراثهن " والعبارة موجودة في الهامش.
(2) الوسيلة: ص 401 - 402 مع اختلاف.
(3) كذا في مصححة (ق 2) وفي المطبوع: ينجر، في نسخة بدله: يتحرر: وقد اختلفت نسخ السرائر ايضا في هذه الكلمة.

[ 83 ]

نقص عدد احد الجانبين عن الاخر ورث ميراث الرجال وحكم عليه بحكمهم، وان تساوى الجانبان في عدد الاضلاع ورث ميراث النساء وحكم له بحكمهن. وهو مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان فانه قال في كتاب الاعلام وشرحه - محتجا على جميع متفقهة العامة فيه ومستدلا عليهم -: واتفقت الامامية في توريث الخنثى على اعتباره بالمبال، فان كان خروج البول مما يكون للرجال خاصة ورث ميراث الرجال، وان كان خروجه مما يكون للنساء حسب ورث ميراث النساء، وان بال منهما جميعا نظر الى الاغلب منهما بالكثرة فورث عليه، وان تساوى ما يخرج من الموضعين اعتبر باتفاق الاضلاع واختلافها، فان اتفقت ورث ميراث الاناث، وان اختلفت ورث ميراث الرجال، ولم أجد أحدا من العامة يعتبر في الخنثى ما ذكرناه على الترتيب الذي وصفناه، واستدل باجماع الفرقة، وورود الخبر بذلك عن امير المؤمنين - عليه السلام - بعزوه الى السنة الثابتة عن نبي الهدى - صلى الله عليه وآله - وبطلان مقال من خالفه وقطع على فساده من العامة، إذ لم يعتمد في ذلك على حجة في فساده، وقد ثبت ان الحق لا يخرج عن امه محمد - صلى الله عليه وآله - ولو كانت الامامية مبطلة في ما اعتقدته منه وكان من خالفها أيضا مبطلا في انكاره لما ذكرناه لخرج الحق عن امه محمد - صلى الله عليه وآله - وذلك باطل لما بيناه. قال ابن ادريس: فقد رجع شيخنا عما ذكره في مقنعته بغير شك ولا ارتياب، وهذا ايضا مذهب السيد المرتضى، واستدل عليه أيضا بالاجماع، الا ترى - ارشدك الله - استدلال هذين العالمين القدوتين باجماع الامامية على صحة القول في هذه المسألة وفساد قول من خالفهما، والى ما ذهبا إليه أذهب وعليه اعمل وبه افتي، إذ الدليل يعضده، وهو الاجماع والخبر المتفق عليه. وقد كان بعض اصحابنا الماضين يتعاطى معرفة مسائل الخناثى والضرب لها واستخراج سهامهم بغير

[ 84 ]

انكسار، وكنا نجيل في ذلك سهامنا مع سهامهم فيه متبعين كلامهم قبل اعمال نظرنا في المسألة، إذ الاذن البكر تقبل ما يرد عليها بلا روية ولا نظر، وهذا غير محمود عقلا وشرعا، فحيث تأملنا المسالة واعطينا النظر حقه، وسبرنا أقاويل اصحابنا وكتبهم وجدناها بخلاف ما كنا عليه، فكشفنا قناع صحتها وأوضحنا غياهب ظلمتها. ويدل على أيضا قوله تعالى - ممتنا على عباده -: " وبث منهما رجالا كثيرا ونساء "، " يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور "، " وما خلق الذكر والانثى " وما قال في امتنانه والخنثى. وقال: فجعل منه الزوجين الذكر والانثى، فلو كان المجعول قسما آخر لذكره في امتنانه، ثم ان الشيخ رجع عما ذكره في نهايته وايجازه ومبسوطه في مسائل خلافه، ورجع الى القرعة، والقرعة انما ترد في امر مشكل لم يرد فيه بيان شرعي. وقد اقر - رحمه الله - ان أصحابنا رووا عد الاضلاع، مع انه سئل في الحائريات عن الخبر الذي ورد: ان الله تعالى لما خلق آدم - عليه السلام - اخذ من جنبه الايسر ضلعه الاعوج فخلق منه حواء وان اضلاع الرجال تنقص واضلاع النساء تمام. فأجاب: بانه مشهور بين اهل النقل في اصحابنا والمخالفين، وهو جائز لا مانع منه، وهو في قضايا أمير المؤمنين - عليه السلام -. وهذا قول يدل على انه اجماع المسلمين فضلا عن طائفتنا (1). والمعتمد انه يرث نصف الميراثين. لنا: ما رواه هشام بن سالم في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى على - عليه السلام - في الخنثى له ما للرجال وله ما للنساء، قال: يورث من حيث يبول، فان خرج منهما جميعا فمن حيث سبق، فان خرج سواء فمن حيث

(1) السرائر: ج 3 ص 277 - 288، مع اختلاف.

[ 85 ]

ينبعث، فان كانا سواء ورث ميراث الرجال والنساء (1). ولان القضية المعهودة في الشرع قسمة ما يقع فيه التنازع بين الخصمين مع تساويهما في الحجة وعدمها. والامر كذلك هنا، فانه إذا خلف مع الخنثى ذكرا فهو يقول: انثى ذكر، والذكر ينكر (2) فله ما اتفقا عليه وهو سهم الانثى، ويقع التنازع في التفاوت بين السهمين فيقسم بينهما. ولانه ليس احد الاحتمالين اولى فتعين الاقتسام. وقد روى عد الاضلاع علي بن عبد الله بن معاوية بن ميسرة بن شريح، عن ابيه، عن جدة، عن أبي جده ميسرة قضية شريح وحكم علي - عليه السلام - (3) ولم يحضر عندي عدالة الرواة الان، فالاعتماد على الاول. واعلم ان عبارة ابن البراج فاسدة، لانه اعتبر السبق في الانقطاع وورث على السابق، وأخذه من عبارة شيخنا في النهاية فانها موهمة، فانه قال: فايهما انقطع منه البول ورث عليه. وقول ابن ابي عقيل: بأنه يورث ميراث الرجال لدخول ميراث النساء فيه، ليس بمعتمد، لان دخول ميراث النساء في ميراث الرجال لا يقتضي اعطاءه سهم الرجال، لجواز أن يكون امرأة فتاخذ اكثر من حقه. وكذا الفرض الذي ذكره في الابوين والخنثى إنه يكون للابوين السدسان والباقي للخنثى، ليس بجيد، بل للخنثى تسعة عشر من ثلثين وللابوين الباقي، ويصح من غير كسر

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 354 ح 1269، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الخنثى ذيل الحديث 1 ج 17 ص 575.
(2) كذا في النسخ والطبعة الحجرية، والصواب هكذا: " فانه إذا خلف مع الخنثى ذكرا فالخنثى يقول: انه ذكر، والذكر ينكر " كما في مفتاح الكرامة: ج 8 ص 219 س 18.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 354 ح 1271، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الخنثى ح 3 ج 17 ص 575.

[ 86 ]

عليهما من ستين. مسالة: الذي ليس له ما للرجال ولا ما للنساء يورث بالقرعة عند اكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد: فان كان في الموضع ثقبة لا تشبه الفرج ولا له ذكر ينظر (1). فان كان إذا بال نحى ببوله ناحية من حذاء مباله فهو ذكر، وان لم ينح وبال على مباله فهو انثى. والمشهور الاول، لما رواه عبد الله بن مسكان في الموثق (2)، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل - عليه السلام - وانا عنده عن مولود ليس بذكر ولا انثى ليس له الا دبر كيف يورث؟ قال: يجلس الامام ويجلس عنده اناس من المسلمين ويدعون الله ويجيل السهام عليه على أي ميراث يورثه (3) وكذا رواه ثعلبة عن بعض أصحابنا عن الصادق - عليه السلام - (4). احتج ابن الجنيد بما رواه عبد الله بن بكير، عن بعض اصحابنا عنهم - عليه السلام - في مولود ليس له ما للرجال ولا ما للنساء الا ثقب يخرج منه البول على اي ميراث يورث؟ قال: إن كان إذا بال ينتحى بوله ورث ميراث الذكر، وان كان لا ينتحى بوله ورث ميراث الانثى (5).

(1) في الطبعة الحجرية: نظر.
(2) في التهذيب: عبد الله بن مسكان عن اسحاق المرادي في الموثق، والوسائل: عن اسحاق العرزمي.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 357 ح 1276، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الخنثى ح 4 ج 17 ص 581.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 357 ح 1275، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الخنثى ح 3 ج 17 ص 580 - 581.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 187 ح 702، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الخنثى ح 5 ج 17 ص 581.

[ 87 ]

والجواب: ما ذكرناه اوضح طريقا وأشهر بين علمائنا، وقد رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مولود ليس له ما للرجال ولا ما للنساء، قال: يقرع الامام.. الحديث (1). قال الشيخ - لما ذكر رواية عبد الله بن بكير -: لا ينافي الاخبار المتقدمة، لانها محمولة على ما إذا لم يكن هناك طريق يعلم به انه ذكر ام انثى استعمل القرعة، فاما إذا امكن على ما تضمنته الرواية الاخيرة فلا يمتنع العمل عليها، وان كان الاخذ بالروايات الاولة احوط وأولى (2). مسالة: قال الشيخ في النهاية: طلاق المريض غير جائز، فان طلق ورثته المرأة ما بينه وبين سنة إذا لم يبرأ من مرضه ولا تتزوج المرأة، وان لم تتزوج ومضى لها سنة ويوم لم يكن لها بعد ذلك ميراث ويرث هو المراة ما دامت في العدة، فإذا خرجت من عدتها لم يكن له منها ميراث، ولا فرق بين ان تكون التطليقة أولة أو ثانية أو ثالثة وعلى كل حال (3). وهذه العبارة موهمة انه يرثها في التطليقة الثالثة، ونقله ابن ادريس عنه (4)، بمجرد ذلك. والحق انه لا يرثها مع البينونة، بل ترثه هي لانقطاع العصمة باعتباره على ان الشيخ لم يصرح بأنه يرثها في البائن، بل قال: ولا فرق بين أن تكون التطليقة أولة أو ثانية أو ثالثة بالنسبة الى ميراثها منه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: واما المشكوك فيه فهو أن يطأ الرجل امرأته أو

(1) الاستبصار: ج 4 ص 187 ح 701، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الخنثى ح 2 ج 17 ص 580.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 187 ذيل الحديث 702.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 177 - 178، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 283.

[ 88 ]

جاريته ثم يطأها غيره في تلك الحال وتجئ بالولد فانه لا ينبغي له أن يلحقه به لحوقا صحيحا، بل ينبغي أن يربيه وينفق عليه، فإذا حضرته الوفاة عزل له شيئا من ماله قدر ما يتقوى به على شأنه، فان مات هذا الولد لم يكن له شئ من تركته وكانت لبيت المال إن لم يخلف ولدا ولا زوجا ولا زوجة (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: ما ذكره الشيخ - رحمه الله - خلاف ما يقتضيه اصول مذهبنا، والصحيح ان هذا الولد الذي من زوجته ولده شرعا يرثه إذا مات، وكذلك الولد يرث الوالد إذا لم ينتف منه باللعان مع امه بغير خلاف بيننا، ولقوله - عليه السلام -: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " والفراش عبارة عن العقد وامكان الوطئ على ما جرت به العادة دون التمكين على ما في مقدور الله تعالى (3). والصدوق - رحمه الله - روى في الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: ان رجلا من الانصار أتى أبي - عليه السلام - فقال: إني ابتليت بأمر عظيم ان لي جارية كنت أطأها فوطأتها يوما وخرجت في حاجة لي بعد ما اغتسلت منها ونسيت نفقة لي فرجعت الى المنزل لاخذها فوجدت غلامي على بطنها فعددت لها من يومي ذلك تسعة أشهر فولدت جارية، فقال: لا ينبغي لك أن تقربها ولا تبيعها، ولكن أنفق عليها من مالك ما دمت حيا، ثم افرض عند موتك أن ينفق عليها من مالك حتى يجعل الله لك

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 264 - 266.
(2) المهذب: ج 2 ص 166 (3) السرائر: ج 3 ص 285.

[ 89 ]

ولها مخرجا (1) وروي نحو ذلك (2)، لكن كل ذلك في الجارية. واما في الزوجة فالاشكال الذي قاله ابن ادريس حق. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن تبرأ عند السلطان من جريرة ولده ومن ميراثه ثم مات الولد وله مال كان ميراثه لعصبة ابيه دون أبيه (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: هذا خلاف اجماع أصحابنا واجماع المسلمين، لان الوالد يضمن جريرة ابنه ويعقل عنه، ولا يصح التبري من المواريث على حال، وانما هذه رواية شاذة من أضعف أخبار الاحاد أوردها شيخنا ايرادا لا اعتقادا. وقد رجع عنها في الحائريات: وعن العاقلة إذا تبرأت من ميراث من تعقل عنه وجريرته أيكون ذلك بمنزلة الاب أو ما الحكم في ذلك؟ فأجاب - رحمه الله - وقال: والجواب: لا يصح له التبري، لان الشرع إذا حكم به لم ينفع (5) التبري وثبت حكمه، والرواية في تبري الاب من جريرة الابن رواية شاذة فيها نظر، فان صحت لا يقاس عليها غيرها (6). والوجه ما قاله الشيخ في المسائل الحائرية للاصل، والقرآن الدال على التوارث. والصدوق - رحمه الله - روى عن أبي بصير قال: سألته - عليه السلام - عن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 314 ح 5677، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب نكاح العبيد والاماء ح 1 ج 14 ص 563.
(2) تهذيب الاحكام: ج 8 ص 180 ح 629، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب نكاح العبيد والاماء ح 2 ج 14 ص 563.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 267.
(4) المهذب: ج 2 ص 167.
(5) ق 2 وم 3: يقع.
(6) السرائر: ج 3 ص 286..

[ 90 ]

المخلوع يتبرا منه ابوه عند السلطان ومن ميراثه وجريرته لمن ميراثه؟ فقال: قال علي - عليه السلام -: هو لاقرب الناس إليه (1). ولا دلالة صريحة في هذه الرواية، على ما ذكره الشيخ في النهاية، فلا يصح الاحتجاج بها. مسالة: قال الشيخ في النهاية: اختلف اصحابنا في ميراث المجوس، فقال قوم: انهم يورثون بالانساب والاسباب الصحيحة التي تجوز في شرع الاسلام ولا يورثون بما لا يجوز فيه على حال، وقال قوم: انهم يورثون بالانساب على كل حال ولا يورثون بالاسباب الا بما هو جائز في شريعة الاسلام، وقال قوم: انهم يورثون من الجهتين معا، سواء كان مما يجوز في شرع الاسلام أو لا يجوز. وهذا القول عندي هو المعتمد وبه تشهد الروايات، وايضا فان انسابهم واسبابهم وان لم تكن جائزة في شريعة الاسلام فهي جائزة عندهم وهي نكاح على رأيهم ومذهبهم، وقد أمرنا بان نقرهم على ما يرونه من المذاهب ونهينا عن قذفهم بالزنا. وقيل: أليس ذلك عندهم نكاحا؟! وإذا كان ذلك ثابتا فينبغي ان يكون العمل عليه، مع انه قد رويت الرواية الصريحة وقد اوردناها في كتاب تهذيب الاحكام: بانهم يورثون من الجهتين جميعاو ان كان ذلك باطلا في شريعة الاسلام (2). ونحوه قال في الخلاف (3). وقال ابن الجنيد: المشهور عن امير المؤمنين - عليه السلام - انه كان يورث المجوسي إذا تزوج بامه أو اخته أو ابنته من وجهين: يوجه القرابة وبوجه الزوجية.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 313 ح 5674، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ميراث ولد الملاعنة ح 3 ج 17 ص 566.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 269 - 271.
(3) الخلاف: ج 4 ص 108 المسألة 119.

[ 91 ]

وقال ابن ابي عقيل: والمجوس عند آل الرسول - عليهم السلام - يورثون بالنسب ولا يورثون بالنكاح، فان هلك مجوسي وترك امه وهي اخته وهي امراته فالمال لها من قبل انها ام، وليس لها من قبل انها زوجة شئ، وان ترك بنتا هي زوجة فلها النصف من قبل انها بنت والباقي رد عليها ولا ترث من قبل انها زوجة. ولو ان مجوسيا تزوج ابنته فأولدها ابنتين ثم مات فان ترك ثلاث بنات المال بينهن بالسوية، فان ماتت احدى الابنتين فانها تركت امها وهي اختها وتركت اختها لابيها وامها فالمال كله لامها التي هي اختها لابيها. وقال المفيد - رحمه الله -: إن ترك المجوسي امه وهي زوجته ورثت من جهة الامومة دون الزوجية، وكذلك إن كانت اخته أو ابنته فالحكم على ما ذكرناه يكون الميراث بالنسب دون السبب الفاسد (1). وقال الصدوق في المقنع: فاما مواريث اهل الكتاب والمجوس فانهم يورثون من جهة القرابة ويبطل ما سوى ذلك من ولاداتهم (2). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: المجوس يرثون بالنسب ولا يرثون بالنكاح الفاسد، فان مات مجوسي وترك امه وهي اخته وهي امرأته فالمال لها من قبل أنها ام وليس لها من قبل انها اخت وأنها زوجة شئ. وفي رواية السكوني ان عليا - عليه السلام - كان يورث المجوسي إذا تزوج بامه واخته وبابنته من وجهين: من وجه أنها امه ومن وجه انها زوجته، ولا افتي بما ينفرد به السكوني بروايته. وفرع على ذلك مسائل (3).

(1) المقنعة: ص 699، وعبارة: " من جهة الامومة.. الخ " في الهامش.
(2) المقنع: ص 179، وفيه: " ذلك من ولادتهم ".
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 343 - 346.

[ 92 ]

وابن البراج (1) وافق شيخنا في نهايته، وكذا سلار (2)، وابن حمزة (3). وقال أبو الصلاح: انهم يورثون بالنسب والسبب الصحيحين دون الفاسدين (4). وقال ابن ادريس: اختلف قول اصحابنا في ميراث المجوس إذا تحاكموا الى حكام الاسلام على ثلاثة اقوال: فقال قوم: انهم يورثون بالانساب والاسباب الصحيحة التى تجوز في شرع الاسلام [ ولا يورثون بما لا يجوز فيه على كل حال، وقال قوم: انهم يورثون بالانساب على كل حال ] ولا يورثون بالاسباب الا بما هو جائز في شريعة الاسلام، وقال قوم انهم يورثون من الجهتين معا، سواء كان مما يجوز في شريعة الاسلام أو لا يجوز. وهذا القول الاخير الذى هو ثالث الاقوال خيرة شيخنا في نهايته وسائر كتبه. واول الاقوال اختيار شيخنا المفيد فانه قال في كتاب الاعلام وشرحه، فاما ميراث المجوس فانه عند جمهور الامامية يكون من جهة النسب الصحيح دون النكاح الفاسد. قال: والى هذا القول أذهب، وعليه أعتمد، وبه افتى لان الله تعالى قال: " وان احكم بينهم بما انزل الله "، " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر "، " فان جاؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ". فإذا حكم الحاكم بما لا يجوز في شرع الاسلام فقد حكم بغير الحق وبغير ما انزل الله وبغير القسط، ولانه لا يحوز للحاكم الحكم بمذاهب أهل الخلاف. وقول الشيخ انه المعتمد، وبه تشهد الروايات. ثم قوله: " مع انه قد رويت الرواية الصريحة بانهم يورثون من

(1) المهذب: ج 2 ص 170 - 171.
(2) المراسم: ص 224.
(3) الوسيلة: ص 403.
(4) الكافي في الفقه: ص 377، نقلا بالمعنى.

[ 93 ]

الجهتين وان كان باطلا في شرع الاسلام " متناف، لان قوله: اولا يعطى تعدد الروايات، وثانيا: وحدتها، مع انه لم يوجد روايات متعددة، مع ان اكبر كتب الاحاديث تهذيب الاحكام ولم يورد فيه سوى رواية يرويها مخالفنا في المذهب، وهو اسماعيل بن ابى زياد السكوني، وهو عامى المذهب. ثم نقل بعد كلام طويل ما ذكره الشيخ في التهذيب، عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر، عن على - عليهما السلام - انه كان يورث المجوسى إذا تزوج بامه وبابنته من وجهين: من وجه انها امه ومن وجه انها زوجته. قال محمد بن الحسن: اختلف اصحابنا في ميراث المجوس إذا تزوج باحدى المحرمات من جهة النسب في شريعة الاسلام، فقال يونس بن عبد الرحمان وكثير ممن تبعه من المتأخرين: انه لا يورث الا من جهة النسب والسبب اللذين يجوز ان في شريعة الاسلام، فاما ما لا يجوز في شريعة الاسلام فانه لا يورث منه على حال، وقال الفضل بن شاذان وقوم من المتأخرين ممن تبعوه على قوله: انه يورث من جهة النسب على كل حال وان كان حاصلا عن سبب لا يحوز في شريعة الاسلام، واما السبب فلا يورث منه الا بما يجوز في شرع الاسلام. والصحيح عندي انه يورث المجوسى من جهة النسب والسبب معا، سواء كانا مما يجوز في شريعة الاسلام أو لا يجوز، لدلالة الخبر الذى قدمناه عن السكوني، وما ذكره اصحابنا من خلاف ذلك ليس به اثر عن الصادقين - عليهم السلام - ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل انما قالوه لضرب من الاعتبار، وذلك عندنا مطرح بالاجماع، وايضا فان هذه الاسباب والانساب وان كانا غير جائزين في شريعة الاسلام فهما جائزان عندهم، ويعتقدون انه مما يستحل به الفروج ولا يستباح بغيره، فجرى مجرى العقد في شريعة الاسلام. الا ترى الى ما روي ان رجلا سبب مجوسيا بحضرة ابي عبد الله - عليه السلام - فزبره ونهاه عن ذلك، فقال: إنه

[ 94 ]

تزوج بامه! فقال: أما علمت ان ذلك عندهم النكاح. وقد روى أيضا انه قال - عليه السلام - ان كل قوم دانوا بشئ يلزمهم حكمه، ولو كان غير جائز لوجب الا يجوز إذا عقد على غير المحرمات وجعل المهر خمرا أو خنزيرا، لانه غير جائز في الشرع، وأجمع أصحابنا عل جوازه. وقال ابن ادريس: وليس في ما ذكره الشيخ هنا دليل يعتمد عليه ويوجب العلم والعمل، بل معظمها عنده الرواية عن السكوني وقد بينا ما فيها، ثم انه حكى في التهذيب ان اصحابنا على مذهبين اثنين فحسب يونس (1) ومن تابعه ومذهب ابن شاذان ومن تبعه، فكيف يحدث هو - رحمه الله - قولا ثالثا وأصحابنا على ما حكاه عنهم على قولين؟! وطول ابن ادريس في مناقضاته للشيخ، ثم نقل عن السيد المرتضى انه اختار ايضا ما ذهب إليه في المسائل الموصليات الثانية فانه قال: المسالة التاسعة والمائة: فان ميراث المجوس من جهة النسب الصحيح دون النكاح الفاسد، والحجة في ذلك الاجماع المتكرر (2). والمعتمد انهم يورثون بالانساب والاسباب الصحيحة خاصة، لان ما عداهما باطل، فلا يتعلق به حكم التوارث. مسالة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): لا يقسم مال المفقود حتى يعلم موته أو يمضي مدة لا يعيش مثله إليها بمجرى العادة، فان مات له من يرثه المفقود دفع الى كل وارث اقل ما يصيبه ووقف الباقي حتى يعلم حاله. وتبعه ابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن ادريس (7).

(1) ق 2 وم 3: فحسب مذهب يونس.
(2) السرائر: ج 3 ص 287 - 297، مع اختلاف.
(3) الخلاف: ج 4 ص 119 المسالة 136.
(4) المبسوط: ج 4 ص 125. (5) المهذب: ج 2 ص 165 - 166.
(6) الوسيلة: ص 400.
(7) السرائر: ج 3 ص 298.

[ 95 ]

وقال ابن الجنيد: والنظرة في ميراث من فقد في عسكر قد شهدت هزيمته وقتل من كان فيه أو اكثرهم اربع سنين، وفي من لا يعرف مكانه في غيبته ولا خبر له عشر سنين، والماسور في يد العدو يوقف ماله ما جاء خبره ثم الى عشر سنين. وقال المفيد: إذا مات انسان وله ولد مفقود لا يعرف له موت ولا حياة عزل ميراثه حتى يعرف خبره، فان تطاولت المدة في ذلك وكان للميت ورثة سوى الولد ملا بحقه لم يكن باس باقتسامه وهم ضامنون له إن عرف للولد خبر بعد ذلك، ولا باس ان يبتاع الانسان عقار المفقود بعد شعر سنين من غيبته وفقده وانقطاع خبره ويكون البائع ضامنا للثمن والدرك، فان حضر المفقود خرج إليه من حقه (1). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بان المفقود يحبس ما له عن ورثته قدر ما يطلب في الارض كلها اربع سنين، فان لم يوجد بعد انقضاء هذه المدة قسم المال بين ورثته (2). وروى الصدوق، عن اسحاق بن عمار قال: قال أبو الحسن - عليه السلام -: في المفقود يتربص بماله اربع سنين ثم يقسم. قال - رحمه الله -: يعني: بعد ألا يعرف حياته من موته ولا يعلم في اي ارض هو وبعد ان يطلب من اربعة جوانب اربع سنين ولا يعرف له خبر حياة ولا موت فحينئذ تعتد امراته عدة المتوفى عنها زوجها، ويقسم ماله بين الورثة على سهام الله عزوجل وفرائضه (3).

(1) المقنعة: ص 706.
(2) الانتصار: ص 307.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 330 ح 5707 وذيله.

[ 96 ]

وقال أبو الصلاح: إذا فقد احد الورثة عزل سهمه حتى يكشف السلطان خبره اربع سنين، فان عرفت حياته فهو له، وإلا قسم بين الورثة، ان كان المفقود اولى بالميراث ممن وجد عزل [ سهمه ] (1) جملة الارث المدة المذكورة الى ان ينكشف الحال فيه فيحكم بما شرع في امره (2). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: الاصل البقاء وعصمة مال الغير حتى يثبت السبب الموجب لنقله. وما رواه معاوية بن وهب، عن الصادق - عليه السلام - في رجل كان له على رجل حق ففقده ولا يدري أين يطلبه ولا يدري احي هو ام ميت ولا يعرف له وارثا ولا نسبا له ولا بلدا، قال: اطلبه، قال: إن ذلك قد طال فاتصدق به؟ قال: اطلبه (3). وعن الهيثم قال: كتبت الى العبد الصالح - عليه السلام - اني اتقبل الفنادق فينزل عندي الرجل فيموت فجاة ولا اعرفه ولا اعرف بلاده ولا ورثته فيبقى المال عندي كيف اصنع به ولمن ذلك المال؟ فقال: اتركه على حاله (4). احتج الاخرون بان الزوجة تعتد للوفاة بعد مضي اربع سنين، وعصمة الفروج اشد في نظر الشرع من عصمة الاموال، وانما تصح العدة لو حكم الشرع بموته، والرواية التي رواها الصدوق. وهذا القول لا باس به مع طلبه في البلاد كما في الاعتداد.

(1) ليس في المصدر.
(2) الكافي في الفقه: ص 378.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 389 ح 1388، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الخنثى وما أشبهه ح 2 ج 17 ص 583.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 389 ح 1390، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ميراث الخنثى وما أشبهه ح 4 ج 17 ص 583.

[ 97 ]

مسالة: قال المفيد في مقنعته: ومن مات وخلف تركة في يد انسان لايعرف له وارثا جعلها في الفقراء والمساكين ولم يدفعها الى سلطان الجور والظلمة من الولاة (1). مع انه قال في الكتاب قبل ذلك: فان مات انسان لا يعرف له قرابة من العصبة ولا الموالي ولا ذوي الارحام كان ميراثه لامام المسلمين خاصة يضعه فيهم حيث يرى، وكان امير المؤمنين - عليه السلام - يعطي تركة من لا وارث له - من قريب ولا نسيب ولا مولى - فقراء اهل بلده وضعفاء جيرانه وخلطائه تبرعا عليهم بما يستحقه من ذلك، واستصلاحا للرعية حسب ما كان يراه في الحال من صواب الراي، لانه من الانفال، كما قدمناه في ذكر ما يستحقه الامام من الاموال، وله انفاقه في ما شاء ووضعه حيث شاء، ولا اعتراض عليه للامة في ذلك بحال (2). ثم عقبه بما ذكره اولا. وروى الصدوق، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: من مات وليس له وارث وقرابة ولا مولى عتاقة قد ضمن جريرته فماله من الانفال (3). قال: وقد روي في خبر آخر ان من مات وليس له وارث فميراثه لهمشهريجه يعني: اهل بلده. قال الصدوق: ومتى كان الامام ظاهرا فماله للامام، ومتى كان الامام غائبا فماله لاهل بلده متى ما لم يكن له وارث ولا قرابة اقرب إليه منهم بالبلدية (4).

(1) المقنعة: ص 706. (2) المقنعة: ص 705.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 333 ح 5714، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ولاء ضامن الجريرة والامامة ح 1 ج 17 ص 547 - 548.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 333 ح 5715 وذيله.

[ 98 ]

وقال ابن الجنيد: إذا لم يعرف للميت وارث من ذوي رحم أو عصبة أو مولى عتاقة أو علاقة انتظر بماله وميراثه طالب، فان حضر أو وكيله واقام البينة بما يوجب توريثه منه سلم إليه، وإلا فميراثه مردود الى بيت مال المسلمين و اختار أن يكون بشهادة، فمتى حضر من يستحقه سلم إليه. وقال الشيخ في الخلاف: ميراث من لا وارث له لا ينتقل الى بيت المال وهو للامام خاصة، وعند جميع الفقهاء ينتقل الى بيت المال ويكون للمسلمين، واستدل باجماع الفرقة. ثم قال: كل موضع وجب المال لبيت المال عند الفقهاء وعندنا للامام ان وجد الامام العادل سلم إليه بلا خلاف، وان لم يوجد وجب حفظه له عندنا كما يحفظ سائر امواله التي يستحقها (1). والمشهور ان ميراث من لا وارث له للامام خاصة، لما روا الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: " يسألونك عن الانفال "، قال: قال: من مات وليس له مولى فماله من الانفال (2). وعن محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر - عليه السلام - قال: من مات وليس له وارث من قبل قرابته ولا مولى عتاقة ضمن جريرته فماله من الانفال (3). ثم ان الشيخ روى عن داود بن فرقد، عمن ذكره، عن الصادق - عليه السلام - قال: مات رجل على عهد امير المؤمنين - عليه السلام - لم يكن له وارث

(1) الخلاف: ج 4 ص 22 و 23 المسالة 14 و 15.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 386 ح 1379، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ولاء ضامن الجريرة والامامة ح 3 ج 17 ص 548، وفيهما: " قال: من مات ".
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 387 ح 1381، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ولاء ضمان الجريرة والامامة ح 1 ج 17 ص 547 - 548.

[ 99 ]

فدفع امير المؤمنين - عليه السلام - ميراثه الى همشاريجه (1). وروى نحوه عن السري يرفعه الى امير المؤمنين - عليه السلام - (2). ثم قال: هاتان الروايتان مرسلتان شاذتان، وما هذا حكمه لا يعارض به الاخبار المسندة المجمع على صحتها، مع عدم منافاتهما لما تقدم، لانه - عليه السلام - فعل ذلك تبرعا منه - عليه السلام - (3). وما قاله الشيخ جيد. والمعتمد العمل على المشهور من كونه للامام، وبه قال ابن ادريس (4)، وتاويل الصدوق لا باس به، وكانه الذي اختاره المفيد - رحمه الله -. مسالة: اختلف علماؤنا في ميراث الغرقي فقال الشيخ - رحمه الله: انهم يتوارثون، يرث بعضهم من بعض من نفس تركته، لا مما يرث من الاخر (5). وهو الظاهر من كلام الشيخ علي بن بابوية وابنه الصدوق فانهما قالا: لو ان اخوين غرقا ولاحدهما مال وليس للاخر شئ كان المال لورثة الذي ليس له شئ إذا لم يكن لهما احد اقرب بعضهم من بعض (6). وبه قال ابن الجنيد فانه قال: القرابات إذا ماتوا معا وعدمت الدلائل التي يستدل بها على وفاة بعضهم قبل بعض ورث بعضهم من بعض من صلب مال كل واحد منهم قبل ميراثه من صاحبه، واضيف ما يحصل له من ميراث

(1) الاستبصار: ج 4 ص 196 ح 736، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ولاء ضمان الجريرة والامامة ح 3 ج 17 ص 552.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 196 ح 735، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ولاء ضمان الجريرة والامامة ح 2 ج 17 ص 552.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 196، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 299.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 253، وفيه: " لا مما يرثه ".
(6) المقنع: ص 178.

[ 100 ]

صاحبه الى ما يبقى من ماله بعد الذي ورث صاحبه منه، ثم قسم ميراث كل واحد منهم على ورثته الاحياء. وقال ابن ابي عقيل: يرث الغرقى والهدمي عند آل الرسول - عليهم السلام - من صلب أموالهم، ولا يرثون مما يورث بعضهم بعضا شيئا. وبه قال أبو الصلاح (1)، وابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقال المفيد (4)، وسلار (5): انه يرث مما ورث منه أيضا. والمعتمد الاول. لنا: ان ثبوت ذلك يستلزم المحال فيكون محالا. بيان الشرطية: ان توريثه مما ورث منه يستلزم فرض الميت حيا، وهو محال عادة، فثبوت القول بذلك يستلزم المحال فيكون محالا. وما رواه حمران بن اعين، عمن ذكره عن امير المؤمنين - عليه السلام - في قوم غرقوا جميعا اهل البيت، قال: يورث هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء. ولا يرث (6) هؤلاء مما ورثوا من هؤلاء شيئا، ولا يرث (7) هؤلاء مما ورثوا من هؤلاء شيئا (8). وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في أخوين ماتا لاحدهما مائة الف درهم والاخر ليس له شئ ركبا في السفينة

(1) الكافي في الفقه: ص 376.
(2) المهذب: ج 2 ص 168. (3) الوسيلة: ص 400.
(4) المقنعة: ص 698 - 699.
(5) المراسم: ص 225 - 226.
(6) في المصدر: يورث.
(7) في المصدر: يورث.
(8) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 362 ح 1294، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ح 2 ج 17 ص 592.

[ 101 ]

فغرقا فلم يدر أيهما مات أولا فان المال لورثة الذي ليس له شئ، ولم يكن لورثة الذي له المال شئ (1). قال الشيخ في المبسوط: لو ورث مما ورث من صاحبه لم تنقطع القسمة ابدا (2). احتج المفيد - رحمه الله -: بأنه قد ورد تقديم الاكثر نصيبا في الموت فيورث الاخر منه، ولو لم يكن التوارث مما ورث من صاحبه لم يكن للتقديم فائدة. والجواب: لا يجب في فوائد الشرع العلم بها. لنا: فان اكثر العلل (3) الشرعية خفية عنا والمصالح المعتبرة في نظره يعجز عن ادراكها، ويحكم بالانقياد لها ووجوب اتباعها وان خفيت عنا حكمها وغاياتها، على إنا نمنع وجوب التقديم، بل يحمل ذلك على الاستحباب. تذنيب: قال الشيخ في المبسوط: تقديم الاضعف في الميراث لا يتغير به حكم، لكنا نتبع الاثر في ذلك (4). وبه قال ابن ادريس (5). وقال في الايجاز: انه غير واجب (6). وهو المعتمد. وقال أبو الصلاح: الاولى تقديم الاضعف في التوريث (7). مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا غرق جماعة يتوارثون في وقت واحد أو انهدم عليهم حائط وما أشبه ذلك ولم يعلم أيهم مات قبل صاحبه ورث بعضهم

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 360 ح 1286، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ح 1 ج 17 ص 590 - 591.
(2) المبسوط: ج 4 ص 118.
(3) من هنا سقط من نسخة " ق 2 وم 3 " الى " مسالة قد تقدم ان القابلة ". (4) المبسوط: ج 4 ص 118.
(5) السرائر: ج 3 ص 300.
(6) الايجاز (الرسائل العشر): ص 276.
(7) الكافي في الفقه: ص 376.

[ 102 ]

من بعض (1) وفي اعادة ذلك إشكال، فان قصد به الحائط لم يعم الحكم، وان قصد به الهدم أو الغرق عم، فلفظه ليس صريحا في شئ، لكن الاول اقوى لقربه. لكنه قال في آخر كلامه في الغرقى: وإذا مات نفسان حتف أنفهما لم يورث بعضهما من بعض، ويكون ميراث كل واحد منهما لمن يرثه من الوراث الاحياء، لان هذا الحكم جعل في الموضع الذي يجوز فيه تقديم موت كل واحد منهما على صاحبه (2). وهذا التعليل يشعر بالتعميم، وليس نصا منه ايضا. وكذا في المبسوط (3) ذكر التعليل. والمفيد - رحمه الله - قال: إذا غرق جماعة يتوارثون أو انهدم عليهم جدار أو وقع عليهم سقف فماتوا ولم يعلم ايهم مات قبل صاحبه ورث بعضهم من بعض. ثم قال في آخر الباب: وإذا مات جماعة يتوارثون بغير غرق ولا هدم في وقت واحد لم يورث بعضهم من بعض، بل جعلت تركة كل واحد منهم لوراثه الاحياء خاصة (4). وهو يدل على تخصيص هذا الحكم بالهدم والغرق لا غير. وقال ابن الجنيد: القرابات إذا ماتوا معا وعدمت الدلائل التي يستدل بها على وفاة بعضهم قبل بعض ورث بعضهم من بعض. وهو يدل على تعميم الحكم. وقال أبو الصلاح: وان لم يعلم بوقت موتهم بهدم أو غرق أو قتل معركة أو غير ذلك ورث كلا بعضهم من بعض (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 253.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 258.
(3) المبسوط: ج 4 ص 119.
(4) المقنعة: ص 698 - 699، وفيه: " بل جعل تركة ".
(5) الكافي في الفقه: ص 376.

[ 103 ]

وقال ابن حمزة: إذا غرق اثنان أو اكثر دفعة أو احرقوا أو هدم عليهم أو قتلوا ولم يعلم تقدم موت احدهم ولا تأخر ورث كل منهما من صاحبه (1). وهو تصريح بالتعميم. والاقرب الاول. لنا: ان الاصل عدم توريث احدهما من صاحبه، لعدم العلم ببقائه بعده، خرج عنه الغرقى والمهدوم عليهم، للنصوص الدالة عليه، فيبقى الباقي على اصالة المنع. احتج بان العلة الاشتباه، وهي موجودة في القتل والحريق. والجواب: المنع من التعليل بمطلق الاشتباه فجاز ان يكون العلة الاشتباه المستند الى احدهما، على ان قول ابن حمزة لا يخلو من قوة. مسالة: المشهور عند اكثر علمائنا ان الواحد من الابوين مع البنتين يكون له السدس ولهما الثلثان والباقي رد عليهم على النسبة اخماسا. وقال ابن الجنيد: وان حضر احد الابوين والابنتان كان لمن حضر من الابوين السدس والباقي للابنتين. لنا: ان الفاضل لابد له عن مستحق، وليس غير هؤلاء، لان هؤلاء اقرب، ولا بعض هؤلاء، لعدم الاولوية، فتعين الجميع على النسبة. وما رواه بكير عن الباقر - عليه السلام - في رجل ترك ابنته وامه: ان الفريضة من اربعة، لان للبنت ثلاثة اسهم وللام السدس سهم وبقي سهمان، فهما احق بهما من العم ومن الاخ ومن العصبة، لان الله تعالى قد سمى لهما، ومن سمى لهما فيرد عليهما بقدر سهامهما (2). وهذه العلة موجودة في

(1) الوسيلة: ص 400 و 401.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 273 ح 988، وسائل الشيعة: ب 17 من ميراث الابوين والاولاد ح 6 ج 17 ص 464 مع تفاوت.

[ 104 ]

البنتين وأحد الابوين. احتج بدخول النقص على البنتين بدخول الزوجين فالفاضل لهما. وبما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - في رجل مات وترك ابنتيه واباه، قال: للاب السدس وللابنتين الباقي (1). والجواب: المنع من صلاحية ما ذكره أولا للعلية وصحة السند، فان في طريق الرواية الحسن بن محمد بن سماعة وهو ضعيف، أو يحمل ذلك على ما إذا كان مع البنتين ذكر، وعليه يحمل كلام ابن الجنيد على انه - رحمه الله - جعل للزوج الربع عطية وللاب السدس فرضا وللبنت النصف فرضا لو اجتمعوا، وجعل الباقي - وهو نصف السدس - ردا على الاب والبنت على قدر حصتهما، للاب سهم من اربعة وللبنت ثلاثة اسهم من اربعة مضافا الى سهميهما. مسالة: المشهور ان ذوي الارحام من قبل الاب يتقاسمون المال بالسوية وقال ابن الجنيد: ذوو ارحام الام ايضا، فالذي دل عليه الدليل انهم يتقاسمون ما أحرزوه بجهة الام الذكر مثل حظ الانثيين، لانه صار كميراثهم منها. لنا في هذا نظر، وهذا يدل على توقفه في ذلك وتردده، وهو جيد. مسالة: المشهور ان العم اولى من ابن الخال، فلا شئ لابن الخال مع العم، لانه اقرب، فيكون اولى. وقال ابن الجنيد: وإذا اجتمع ذوو أرحام الاب وذوو ارحام الام فكان احد

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 274 ح 990، وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 7 ج 17 ص 465.

[ 105 ]

الرحمين اقرب الى الميت - كعم وابن خال - اخذ العم الثلثين واخذ ابن الخال الثلث. والمعتمد الاول، لما رواه أبو أيوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: ان في كتاب على - عليه السلام - ان كل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجربه الا ان يكون وارث اقرب الى الميت منه فيحجبه (1). ولان العم اقوى من الخال، لانه اكثر منه نصيبا، والخالة تحجب ابن العم، فالعم اولى بان يحجب ابن الخال. ويدل على الاول ما رواه سلمة بن محرز، عن الصادق - عليه السلام - قال: في ابن عم وخالة، قال: المال للخالة، وقال: في ابن عم وخال، قال: المال للخال (2). مسالة: المشهور ان الاجداد انما يطعمون لو زاد نصيب اولادهم وهم الابوان عن السدس، فان كان سهم أحدهما السدس لم يستحب الطعمة، وان الطعمة هي السدس من اصل المال. وقال ابن الجنيد: وان كان ما ياخذه ولد الحاضر - يعني: من الاجداد - من الميراث بالتسمية ما يتجاوز السدس كان السدس للحاضر طعمة من سهم ولده الذي يقرب الى الميت به لا من اصل المال. والمعتمد الاول، للاصل. مسالة: المشهور لا ميراث للاجداد مع الابوين والبنت، بل يكون الفاضل

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 269 ح 976، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب ميراث الاخوة والاجداد ح 9 ج 17 ص 487.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 328 ح 1179، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب ميراث الاعمام والاخوال ح 4 ج 17 ص 509.

[ 106 ]

ردا على البنت والابوين أو أحدهما، لان هؤلاء أقرب فيكونون اولى. وقال ابن الجنيد: فان حضر جميع الابوين أو أحدهما مع الجد أو الجدة مع الولد للميت من لا يستوعب بما سمي له، وللوالدين جميع المال كابنة وابوين وجد كان ما يبقى بعد حق الابوين والابنة ميراثا لمن حضر من الجدين أو الجدتين، لمشاركتهم أحد الابوين في التسمية التي اخذوا بها الميراث الذي عين لهم. والمعتمد الاول، لما تقدم. ولما رواه الحسن بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن امراة مملكة لم يدخل بها زوجها ماتت وتركت امها واخوين لها من ابيها وامها وجدها أبا امها وزوجها، قال: يعطى الزوج النصف وتعطى الام الباقي، ولا يعطى الجد شيئا، لان ابنته حجبته عن الميراث، ولا يعطى الاخوة شيئا (1) ولا فرق بين الام والبنت في ذلك، لتساويهما في الرتبة، فإذا حجبت احداهما حجبت الاخرى. مسالة: ولد الولد والوالد اولى من الجد عند علمائنا، لانهم أقرب. وقال ابن الجنيد: إذا حضر مع الجد الوالد أو ولد الولد اخذ الجد السدس وكان الباقي للوالد أو لولد الولد. فان قصد في الوالد انه ياخذ معه السدس طعمة فهو صواب، وان قصد انه ياخذه ميراثا فهو ممنوع، واما مع ولد الوالد فلا شئ له طعمة ولا ميراثا (2). مسالة: قد تقدم ان القابلة تقبل شهادتها في ربع ميراث المستهل إذا شهدت بالحياة.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 310 ح 1111، وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 2 ج 17 ص 458.
(2) الى هنا انتهى السقط من نسخة " ق 2 وم 3 ".

[ 107 ]

وقال ابن الجنيد: ولو كانت القابلة وحدها شاهدت ذلك - يعني: ما يدل على الحياة (1) كالبكاء والصياح والعطاس - لعلة منعت من حضور غيرها قبلت شهادتها، ولو كان حاضر الولادة جماعة فشهد بعضهن بحال الحياة بعد الولادة وأنكر الباقيات قبلت شهادة الواحدة إذا كانت من أهل العدالة في ربع الميراث والاثنتين في النصف، وقد قيل: انه تقبل شهادتهما في جميع الميراث ويجعل كشهادة العدلين على الحقوق. قال: ولنا في ذلك نظر. والمعتمد ما تقدم. مسالة: المرتد عن غير فطرة إذا لم يكن له وارث مسلم وكان له ورثة كفار قال في النهاية: يكون ميراثه لبيت المال. وقد روي انه يكون ميراثه لورثته الكفار، وذلك محمول على ضرب من التقية، لانه مذهب العامة (2). وقال ابن الجنيد: ان كان المرتد ممن كان مشركا فاسلم ثم رجع الى الشرك ولا قرابة له مسلم كان ميراثه لقرابته المشركين كذلك، روى ابن فضال وابن يحيى، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: ولنا في ذلك نظر. وهو يعطي توقفه العمل بهذه الرواية كما اختاره الشيخ. وقال الصدوق في المقنع: والنصراني إذا أسلم ثم رجع الى النصرانية ثم مات فميراثه لولده النصراني (3). والحق ما قلناه اولا. مسالة: المشهور ان الوارث المسلم إذا كان واحدا لم يشاركه الكافر إذا اسلم، ولم يفصل علماؤنا الى كون التركة باقية أو تالفة، بل أطلقوا القول في ذلك.

(1) ق 2: ما يدل به على الحياة.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 239 - 240 (3) المقنع: ص 179.

[ 108 ]

وقال ابن الجنيد: فان كان الوارث واحدا فأسلم نظيره أو الذى يحجبه عن الميراث وكانت التركة عينا باقية في يد الوارث الاول شاركه إن كان نظيره أو حازه دونه إن كان حاجبا له، فأما ما كان الاول أتلفه ولا عين له في يده فلا يرجع على المسلم، وكذلك لو مات الوارث الاول وورثه ورثته ثم اسلم الثاني بعد ذلك لا حق له في التركة الاولى والثانية. وفى عبارة شيخنا المفيد إيهام فانه قال: فان ترك ولدين احدهما حر والاخر مملوك كانت تركته للحر منهما دون المملوك، فان اعتق المملوك قبل نفوذ الميراث كان بينهما جميعا. وكذلك ان ترك ولدين احدهما مسلم والاخر كافر كانت تركته للمسلم دون الكافر، فان اسلم الكافر قبل قسمة الميراث كان الميراث بينه وبين اخيه المسلم (1). وفى الثانية يحمل المسلم على الجنس حتى تتحقق القسمة، أما الاول فلا يجب فيه ذلك، لانه ذكر (2) النفوذ ويصدق في غير القسمة. والمعتمد الاول. لنا: انه حين الموت لابد للتركة من مالك، لاستحالة بقاء مال لا مالك له وليس غير المسلم، أما الكافر فلكفره لا يصح ان يكون مالكا، واما غيره فلبعده عن الميت فتعين المسلم فلا ينتقل عنه. ومقتضى هذا الدليل عدم المشاركة مع الجماعة، لكن صرنا الى اعتبار القسمة للنقل، ولعدم استقرار ملك كل واحد من الورثة على عين من التركة فكان في حكم مال الميت. ولانه لا يرث لو أتلفها، فكذا قبله. ولانه لا يرث لو مات وانتقلت التركة الى ورثته، فكذا مع بقائه، لوجود

(1) المقنعة: ص 695.
(2) في الطبعة الحجرية: ذاكر.

[ 109 ]

الانتقال إليه في هذه الاحوال. تذنيب: حكم العبد إذا اعتق حكم الكافر إذا اسلم فلا يرث لو اعتق بعد الموت وكان الوارث واحدا، لما تقدم. وقال ابن الجنيد - عقيب كلامه الاول -: والعتاقة للعبد كالاسلام للمشرك (1) في ذلك، وقد تقدم البحث في ذلك. مسالة: قال ابن الجنيد - في باب الولاء -: والذي نقول في تطوعه بالعتق: انت حر سائبة لا ولاء لي عليك، ويختار لهذا ان يشهد على ذلك ليبرا من جريرته. وهذا يعطي عدم وجوب اشتراط الاشهاد في التبري. وقال - في باب الميراث بالولاء -: والمعتق تطوعا إن لم يشهد على ان عتيقه سائبة كان ولاؤه وميراثه له. فان قصد بذلك في الظاهر فهو حق، وان قصد بذلك في نفس الامر منعناه، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال ابن الجنيد: فان كان أب الغلام، زوج ابنه بنته في حجره فمات الابن ورثته الصبية، وان ماتت الصبية لم يرثها الغلام، الا ان يكون ورثتها بالنسب والرحم رضوا بعقد نكاح الوصي عليها. وفى هذا الكلام اشكال، فانا نقول: إن كان للذى عقد على البنت ولاية شرعية عليها في النكاح لزم وتوارثا معا، وان لم يكن له ولاية النكاح كان النكاح جائزا من قبلها ولازما من قبل الولد حيث عقد عليه الاب، فإذا مات الولد لم ترثه الصبية، الا ان تبلغ وترضى بالعقد، وإذا ماتت الصبية لم يرثها الصبى، سواء رضى ورثتها بالنسب والرحم بعقده أولا، فان رضاءهم لا يصير الجائز لازما في حال الحياة ولا بعد الموت، لانتفاء سبب الميراث، وهو النكاح اللازم.

(1) في الطبعة الحجرية: للكافر.

[ 110 ]

مسألة: ألحق ابن الجنيد طلاق الاسير في يد عدو لا يأمنه على نفسه على الاغلب من حاله، وطلاق المأخوذ ليقاد منه أو ليقام عليه الحد المخوف مثله عليه بطلاق المريض في اعتبارات ارث الزوجة منه الى سنة، لاشتراكهما في السبب، وهو قصد نفى الارث منها عند ظهور امارة التلف بخلاف الصحيح. ولا بأس به، لكن المشهور اختصاص الحكم بالمريض اتباعا للنص، وتصحيحا لا يقاع الطلاق من العاقل، وجريا على الاصل في استلزامه توابعه من البينونة. مسألة: قال ابن الجنيد: وامرأة المفقود ترثه ويورث منها ما لم يطلقها أو وليه أو السلطان، وكذلك إن صحت وفاته وقد وقع بها الطلاق أوله أو ثانية من وليه ما لم تخرج من عدتها، فان كانت ثالثة برجعتين منه لم ترثه، ولو خرجت من عدتها بطلاق الوالي أو السلطان واعتدت ونكحت زوجا أخر فقدم الاول وقد ماتت كان الاول أحق بميراثها وان كان الثاني قد حازه. والمعتمد أن نقول: إنه يورث بعد اربع سنين مع طلبه وعدم ظهور خبره، اما مع طلاق السلطان أو بدونه على ما تقدم من البحث في ذلك فحينئذ لا يرث الاول، لان نكاحه سقط في نظر الشرع، ولهذا لا ينفسخ نكاحها من الثاني. مسألة: اختار ابن الجنيد في تداعى الورثة متاع المنزل ان ما كان فيه مما لا يصلح للرجال أو ما كان فيه مما لا يصلح للنساء - كالسلاح ونحوه - فالظاهر يوجب الحكم به لمن جرت العادة. والمشهور من أحوالهما أنه يختص به دون صاحبه، إلا أن يقيم بينة بأنه له خاصة أو بينهما مشترك، وما كان استعماله مشتركا فهو بينهما، إلا أن يكون هناك بينة تفرد أحدهما به، وقد تقدم البحث في ذلك على الاستقصاء. مسألة قال الشيخ في النهاية: ومتى سقط بيت على قوم فماتوا وبقى منهم

[ 111 ]

صبيان: أحدهما: مملوك والاخر: حر والمملوك عبد لذلك الحر ولم يتميز احدهما من الاخر اقرع بينهما، فمن خرج اسمه فهو الحر وكان الاخر مملوكا له (1). وهذا هو المشهور. وقال ابن ابى عقيل: ولو انهدمت دار على قوم يرث بعضهم بعضا فماتوا فنجا منهم صبيان: احدهما مملوك، والاخر حر، ولا يدرى الحر من المملوك: اقرع بينهما، فايهما خرج سهمه ورث المال والاخر يعتق، فان كان المملوك للحر منهما اعتق وجعل مولاه كذلك. وروى (2) عن أمير المؤمنين - عليه السلام - انه قضى بها باليمن في حياة النبي - صلى الله عليه وآله -. وروي ان أبا حنيفة دخل على أبي عبد الله - عليه السلام - فقال: له الصادق - عليه السلام - ما تقول في بيت سقط على قوم فنجا منهم صبيان: احدهما: حر والاخر: مملوك لصاحبه فلم يعرف الحر من المملوك؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ونصف هذا ويقسم المال بينهما، فقال الصادق - عليه السلام -: ليس كذلك، بل يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو الحر ويعتق الاخر فيجعل مولاه. والصدوق روى في كتابه حديث ابي حنيفة (3)، فان كانا قد ذهبا الى ما تضمنته الرواية صارت المسالة خلافية، والا فلا. وهذه الرواية ان صحت تعين العمل بمضمونها، والا فالاقوى ما ذكره الشيخ: أو يحمل العتق على الاستحباب. والشيخ - رحمه الله - روى احاديث كثيرة في التهذيب كلها تتضمن عتق الاخر بعد القرعة (4)، فحينئذ يتعين الحمل على الاستحباب، أو نقول: الاصل

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 76.
(2) كذا في المخطوطات، والعبارة في المطبوع هكذا، فان كان الاول للحر منهما اعتق وجعل مولاه، كذلك روي.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 308 ح 5660.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 362 و 363 ح 1292 و 1296، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ج 17 ص 592.

[ 112 ]

الحرية، فلا تثبت القرعة هنا باعتبارها، إذ لا اشكال مع وجود هذا الاصل، وانما تثمر القرعة تعين المستحق للمال، فإذا خرجت على أحدهما اخذ المال وبقى الاخر على الاصل، على ان المعتمد ما قلناه اولا. مسالة: قال الصدوق في المقنع: لو ترك بني اخ لام وبني اخ لاب وام وبني اخ لاب فلبني الاخ من الام الثلث بينهم بالسوية وما بقي فلبني الاخ للاب والام وسقط [ بنات الاخ و ] بنو الاخ للاب، فان ترك بنات وبني ابن اخ لام وبنات وبني ابن اخ لاب وام وبنات وبني ابن اخ للاب فللبنات وبني ابن الاخ للام الثلث بينهم بالسوية وما بقي فللبنات وبني ابن الاخ للاب والام وسقط بنات وبنو ابن الاخ للاب (1). وليس بجيد، بل لبني الاخ أو لبني وبنات الاخ للام السدس والباقي لبني الاخ أو لبني وبنات الاخ للابوين، وكذا في بني وبنات ابن اخ لام لهم السدس والباقي لبني وبنات ابن الاخ لابوية. والاصل في ذلك الاعتبار بالمنتسب به وهو الاخ، فان كان واحدا كان لاولاده أو لاولاد اولاده السدس، وان كان اكثر فلاولادهما أو لاولاد أولادهما الثلث لكل نصيب من يتقرب به. مسالة: قال الصدوق في المقنع: ان ترك اختا لاب وام أو لاب وجدا فللاخت النصف وما بقي فللجد (2). وكذا قال ابوه في رسالته. وفيه إشكال، فان الجد هنا ان كان من قبل الام كان له السدس أو الثلث على الخلاف والباقي رد عليهما، وان كان للاب كان له الثلثان وللاخت الثلث لما تقرر من ان الجد كالاخ، ولو كان هنا اخ لكان الحكم ذلك، وكذا الجد.

(1) المقنع: ص 173.
(2) المقنع: ص 173 - 174.

[ 113 ]

ثم قال: فان ترك اخوات لاب أو لاب وام وجدا فللاخوات الثلثان وما بقى فللجد (1). وكذا قال ابوه. وفيه اشكال ايضا، فان الجد ان كان من قبل الام كان له السدس على مذهبه، فانه قال - بعد ذلك بلا فصل - فان ترك جدا لام وأخا لاب أو لاب وام فللجد من الام السدس وما بقي فللاخ، وان كان من قبل الاب فانه يكون كالاخ مع الاخوات (2). مسالة: المشهور ان ام الولد تنعتق من نصيب ولدها إذا كان حيا بعد موت مولاها، فان لم يكن سواها عتق نصيب ولدها منها وسعت في الباقي لباقي الورثة. وقال الصدوق في المقنع: إذا ترك الرجل جارية ام ولده ولم يكن ولده منها باقيا فانها مملوكة للورثة، فان كان ولده منها باقيا فانها للولد وهم لا يملكونها، لان الانسان لا يملك ابوية ولا ولده، وان كان للميت ولد من غير هذه التي هي ام الولد فانها تجعل في نصيب ولدها إذا كانوا صغارا، فإذا ادركوا تولوا هم عتقها، فان ماتوا من قبل ان يدركوا رجعت ميراثا لورثة الميت، كذلك ذكره ابي - رحمه الله - في رسالته الي (3). وهذا القول قد اشتمل على حكمين. الاول: عتقها عند بلوغهم باعتافهم وايقاع لفظ ينعتق به، والحق انها تنعتق من حين موت المولى من غير احتياج الى مباشرة اعتاق. الثاني: ردها الى الرق لو ماتوا قبل البلوغ، وليس بمعتمد، لانها قد انعتق نصيب اولادها منها فلا تعود الى الرق ونصيب غيرهم فتستسعى فيه. وكان الصدوق استضعف هذا الكلام، فنسبه الى والده - رحمه الله - من غير أن يجزم هو به

(1) المقنع: ص 174.
(2) لم نعثر عليه.
(3) المقنع: ص 178.

[ 114 ]

مسالة: قال الصدوق في المقنع: إذا لم يكن للميت وارث حر ورث المملوك ماله على قسمة السهام التي سمى الله عزوجل لاصحاب المواريث (1). والظاهر ان مقصوده بذلك انه يشترى بتلك التركة على نسبة السهام، فالزوجة تشترى بثمن التركة، والولد يشترى بالباقي. ولم يقصد الارث الحقيقي، لان المملوك لا يرث ولا يورث. مسالة: قال ابن البراج: إذا مات انسان وترك ورثة بعضهم غائب وبعضهم حاضر والغائب أحق (بالميراث) من الحاضر وأولى بالميراث وقف الميراث الى حين حضور الغائب، فإذا حضر سلم إليه ويدفع إليه، فان لم يحضر وتطاولت المدة قسم على الحاضر وكان ضامنا له الى حين حضور الغائب، فإذا حضر سلمه إليه، وان مات الغائب بعد أن يسلم الحاضر الميراث وكان للغائب وارث كان على الحاضر تسليم الميراث الى ورثة الغائب، وان لم يكن له ورثة كان الميراث للحاضر (2). وهذا ليس بجيد، لان مال الغائب لا يجوز التصرف فيه لاحد، بل يحفظه الحاكم له، فلا يجوز دفعه الى الحاضر. ثم قوله: " ان لم يكن له ورثة كان الميراث للحاضر " ليس بجيد ايضا، بل يكون للامام، وانما يكون للحاضر لو كان الحاضر وارثا للغائب. مسألة: قال أبو الصلاح: حكم الاجداد والجدات وان علوا مع الاخوة حكم الاجداد الادنين بشرط فقدهم، ويترتبون في التوريث ترتب ولد الولد، فلا يرث من علا بدرجتين مع الجد الادنى، ولا ذو الثلاث درج مع ذي الدرجتين، هكذا أبدا إذا كانوا متساويين في الكلالة، فان اختلفوا لم يحجب

(1) المقنع: ص 179.
(2) المهذب: ج 2 ص 154 - 155.

[ 115 ]

بعضهم بعضا، كما لا يحجب الجد الادنى من قبل الاب أو الام الاعلى من قبل الاب أو الام (1). وهذا ليس بجيد، بل الجد الادنى يمنع الاعلى، سواء اتفقت درجتهم أو اختلفت كغيرهم من الوراث. مسالة: قال أبو الصلاح: ورابع المستحقين: مولى النعمة، وفرضهم مختص بوليها وعصبته من بعده بشرط فقد ذوي الانساب، فان كان معه زوج أو زوجة فللزوج النصف بالتسمية والباقي رد عليه دون مولى النعمة، وللزوجة الربع والباقي لمولى النعمة أو لعصبته (2). وهذا ليس بجيد، والمشهور ان الزوج كالزوجة هنا، وان لكل منهما نصيبه الاعلى والباقي لمولى النعمة، ولا رد على الزوج هنا. مسالة: المشهور ان الكفار يتوارثون وان اختلفوا في الملل. وقال أبو الصلاح: ويرث الكفار بعضهم بعضا وان اختلفت جهات كفرهم، ما عدا كفار ملتنا فانهم يرثون غيرهم من الكفار ولا يرثونهم (3). والتخصيص ممنوع، لعدم الدليل عليه. مسالة: المشهور ان الطعمة للاجداد مستحبة، سواء كانوا لاب أو لام. وقال أبو الصلاح: ولا طعمة لاجداد الام (4). والمعتمد الاول. لنا: تساويهما في الدرج والنسبة فيتساويان في الحكم. وما رواه جميل بن دراج في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - ان رسول الله - صلى الله عليه وآله - اطعم الجدة ام الاب السدس وابنها حي، واطعم

(1) الكافي في الفقه: ص 373.
(2) الكافي في الفقه: ص 374.
(3) الكافي في الفقه: ص 375.
(4) الكافي في الفقه: ص 378.

[ 116 ]

الجدة ام الام السدس وابنتها حية (1). وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في أبوين وجدة لام، قال: للام السدس وللجدة السدس وما بقي - وهو الثلثان - للاب (2). وعن علي بن الحسن بن رباط رفعه الى الصادق - عليه السلام - قال: الجدة لها السدس مع ابنها ومع ابنتها (3). مسالة: قال معين الدين المصري - رحمه الله -: وقد ذكرت مسالة في من ترك خنثى واحد ابوية اوهما وقيل: ان فيها ردا، ولا اعلم له وجها، لان الاصل ان لا رد، لانا لو تركنا وظاهر القرآن لما زدناهما مع البنت على السدس شيئا، لانه سبحانه يقول: " ولابوية لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد " (4) واسم الولد يقع على الانثى كما يقع على الذكر، وانما رجعنا عن هذا الظاهر في مواضع الرد بدليل وهو الاجماع، وهذا المشكل أمره ليس بانثى على الحقيقة فيثبت الرد، فان قيل: فالحكم بأن له ميراث نصف انثى فيثبت (5) الرد، قلنا: والحكم بأن له ميراث نصف ذكر يمنع منه، وإذا تقابلا سقطا وبقيا على الاصل. والوجه ثبوت الرد بانه اولو الارحام التي باعتبارها اوجبنا الرد ولم يتعد الى

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 311 - 312 ح 1118، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 9 ج 18 ص 471.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 312 ح 1119، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 10 ج 18 ص 472.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 312 ح 1120، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ميراث الابوين والاولاد ح 11 ج 18 ص 472.
(4) النساء: 11.
(5) ق 2 وم 3: يثبت.

[ 117 ]

العصبة فللخنثى حينئذ مع أحد الابوين تسعة عشر من ثلاثين، وكونه يرث نصف ميراث ذكر يقتضي منع الرد في نصف النصيب. مسالة: قال معين الدين المصري: في ما لو خلف ابوين وبنتا واخوة يحجبون ورد الاختصاص بالرد مجملا، وهو يقتضي أمرين: إما أن يكون للاب في الرد سهمان من خمسة وهما اللذان كانا له وللام، لان الاخوة انما يحجبون بوجود الاب، واما ان يكون له سهم من اربعة فيكون الرد عليه وعلى البنت بمجموعهما، والاول اقوى. وليس بجيد، بل الاقوى الثاني، لقوله تعالى: " فان كان له اخوة فلامه السدس " (1) وحينئذ يكون الباقي لباقي الورثة على نسبة سهامهم، ولا وجه لاختصاص الاب. مسالة: قال معين الدين المصري: لو كان في الورثة حمل اخر له نصيبان تامان هذا هو الاولى، وقد ذكر انه يؤخر نصيب ابن ونصيب بنت، والاول أقوى. وهذا الذي قواه هو الاقوى عندي، لانه أحوط. مسالة: قال معين الدين المصري: واما ولد الزنا فلا يرثه أحد إلا زوجة أو زوجته أو ولده خاصة، وكذلك هو لا يرث إلا زوجة أو زوجته أو ولده خاصة، فان لم يكن أحد فللامام، وميراث ولده بعده لامه (2) أو لمن يتقرب بها بعد موتها على الصحيح وبالعكس، لان هذا الولد ليس بولد زنى، وليس هو ممن لا ينسب الى أب وام كما حكم في أبيه أو امه أو فيهما. وهذا يشعر بالخلاف، وما اختاره هو الصحيح، لما ذكره من العلة. مسالة: قال معين الدين المصري: لو ترك ابن ابن أخ أو اخت من قبل أبوية أو من قبل أحدهما وجدا له من قبل الاب فان الجد لا يمنع ابن ابن الاخ

(1) النساء: 11.
(2) ق 2: وميراث ولد الملاعنة لامه.

[ 118 ]

وان كان أقرب منه بدرجتين، ولا يجوز الميراث دونه على قول بعض أصحابنا، بل يأخذ ابن ابن الاخ ميراث أبيه أو امه على حد سواء ويشارك الجد، وعلى قول بعضهم - وهو الاضعف - الجد يجوز الميراث دونه. احتج الاولون بان ولد الاخ ممن سمى الله تعالى لابيه فرضا في القرآن العزيز، وهو أقوى سببا ممن يرث بالرحم، وعليه الاجماع. وبه احتج السيد المرتضى (1)، وان كان قد ذكر في موضع آخر أن ولد ولد الاخ إذا نزل بدرجة لا يرث مع الجد، وليس له أصل، لان ولد الولد وان نزل فهو ولد على الحقيقة، وهو الذي استقر عليه المذهب، وعليه الاطباق الان. وهذا الذي اختاره معين الدين هو المعتمد. مسألة: المشهور أن المعتق (2) لا يرث المنعم عليه. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: إذا ترك الرجل مولى منعما أو منعما عليه ولم يترك وارثا غيره فالمال له (3). لنا: الاصل عدم الانتقال إليه، وانما صرنا الى المنعم لانه شابه الاب، فان الاب علة في ايجاد الولد والمنعم عليه في تمليكه نفسه، بخلاف العتيق الذي لا سبب يقتضي ميراثه.

(1) الانتصار: ص 302.
(2) في الطبعة الحجرية: العتيق.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 305.

[ 119 ]

كتاب الحدود

[ 121 ]

كتاب الحدود وفيه فصول: الاول في حد الزنا مسألة: قال الشيخ في النهاية في باب شهادة النساء: إذا شهد اربعة رجال على امراة بالزنا فادعت انها بكر امر النساء بأن ينظرن إليها، فان كانت كما قالت درى عنها الرجم والحد وجلد الاربعة حد الفرية (1). ولم يذكر جلد الشهود في كتاب الحدود. وابن ادريس (2) قال كما قال الشيخ في باب شهادة النساء، لكن قيد انهم شهدوا بالزنا قبلا. وهو جيد. وذكر هذه المسألة في كتاب الحدود أيضا ولم يذكر حد الشهود، بل قال: فاما الشهود الاربعة فلا يحدون حد القاذف، لانه لا دليل عليه، ولان شهادتهم ظاهرها الصحة، والى هذا القول ذهب شيخنا في المبسوط ولم يذكر في النهاية شيئا (3). ولعله نسي ما ذكره الشيخ في باب شهادة النساء. وقال ابن الجنيد: ولو ادعت المشهود عليها انها رتقاء أو عذراء أو المشهود عليه انه خصي ارتاهما اهل العدالة، فإذا شهد أربعة من النساء بما ادعت المراة

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 61.
(2) السرائر: ج 2 ص 137.
(3) السرائر: ج 3 ص 430.

[ 122 ]

ورجلان بما ادعاه الرجل أو بأحدهما بطلت الشهادة وصار الشهود قذفة. والعتمد ما ذكره الشيخ في المبسوط (1)، وبه قال ابن حمزة (2)، لانه ليس تصديق شهادة النساء اولى من تصديق شهادة الرجم، واقل ما يحصل به الشبهة فيدرأ بها الحد، لقوله - عليه السلام -: " ادرأوا الحدود بالشبهات " (3). مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد أربعة نفر على امراة بالزنا احدهم زوجها وجب عليها الحد، وقد روي ان الثلاثة يجلدون حد المفتري ويلاعنها زوجها. وهذه الرواية محمولة على انه إذا لم يعدل الشهود، أو اختلفوا في اقامة الشهادة، أو اختل بعض شرائطها، فأما مع اجتماع شرائط الشهادة كان الحكم ما قدمناه (4). وقال ابن الجنيد: إذا كان أحد الاربعة الشهود زوجا وكانت المراة غير مدخول بها صحت الشهادة ووجب الحد، وان كان قد دخل بها بطلت الشهادة وكان عليه اللعان وعلى الثلاثة الحد. وقال الصدوق في المقنع: وإذا شهد أربعة شهود على امرأة بالفجور أحدهم زوجها جلد الثلاثة الحد ولا عنها زوجها، ولا تحل له أبدا (5). وقال ابن البراج: إذا شهد أربعة نفر بالزنا وأحدهم زوجها كان عليها الحد، وقد ذكر ان الثلاثة يحدون حد المفتري ويلاعنها زوجها، وذكر بعض أصحابنا ان هذه الرواية محمولة على انه إذا لم يعدل الشهودا واختلفوا في اقامة

(1) المبسوط: ج 8 ص 10.
(2) الوسيلة: ص 410.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 74 ح 5146، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة ح 4 ج 18 ص 336.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 283 - 284.
(5) المقنع: ص 148.

[ 123 ]

الشهادة. وقد ذكرت في كتابي الكامل: ان الاقوى في نفسي في ذلك انهم يحدون، ولا يجب على المراة حد، لان زوجها في حكم الخصم لها، وشهادة الخصم على خصمه في الامر الذى هو خصمه فيه ليست مقبولة، وإذا كان الامر على ذلك لم يبق غير ثلاثة فيجب عليهم حد الفرية (1). وقال أبو الصلاح: فان كان أحد الشهود الزوج حد الثلاثة حد المفتري ولاعن الزوج (2). وقال ابن حمزة: إن كان زوجها أحد شهود البينة ولم يقذفها جاز، فان قذفها لم يجز ولزم الحد الثلاثة، وأسقط الحد الزوج باللعان إن شاء (3). وقال ابن ادريس: إن شهد الزوج ابتداء من غير أن يتقدم منه القذف لها مع الثلاثة المذكورة قبلت شهادتهم ووجب على المرأة الحد، فان كان قد رمى الزوج المراة بالزنا اولا ثم شهد مع الثلاثة المذكورة عليها به فلا تقبل شهادته، ثم نقل كلام الشيخ في النهاية. ثم قال - عقيبه -: إلا انه قيده في مسائل خلافه فقال: إذا شهد الزوج ابتداء من غير ان يتقدم منه القذف مع ثلاثة على المراة بالزنا قبلت شهادتهم ووجب على المراة الحد، وهو الظاهر من أحاديث أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة، وقد روي ايضا ان الثلاثة يحدون ويلاعن الزوج. وهذا الذي (4) حققه في مسائل خلافه هو الاصح والاظهر ويتناولها قوله تعالى: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " ولم يفرق بين أن يكون الزوج أحدهم أو لا يكون، وهذا خطاب للحكام (5). وقول ابن ادريس لا باس به.

(1) المهذب: ج 2 ص 525، مع اختلاف.
(2) الكافي في الفقه: ص 415.
(3) الوسيلة: ص 410.
(4) في الطبعة الحجرية: وهذا القدر الذي.
(5) السرائر: ج 3 ص 430 - 431.

[ 124 ]

والشيخ - رحمه الله - ذكر في الاستبصار حديث ابراهيم بن نعيم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن أربعة شهدوا على امراة بالزنا احدهم زوجها، قال: تجوز شهادتهم (1). ثم قال: وقد روي ان الزوج يلاعنها ويجلد الباقون جلد المفتري، روى ذلك زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - في أربعة شهدوا على امراة بالزنا أحدهم زوجها، قال: يلاعن ويجلد الاخرون (2). قال: والخبر الاول أولى بأن يعمل عليه، لانه موافق لكتاب الله تعالى، قال تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " بين انه انما يجوز اللعان إذا لم يكن للرجل من الشهود إلا نفسه فانه يلاعنها، فأما إذا اتى بالشهود الذين بهم يتم أربعة فلا يجب عليه اللعان (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شاهد الامام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم عليه الحد ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البينة ولا الاقرار، وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به، وغيره وان شاهد يحتاج أن يقيم له بينة أو اقرار من الفاعل على ما بيناه (4). وقال ابن ادريس: حكم النائب من قبل الامام حكمه في الحكم بعلمه (5). وهو الاقوى عندي، وقد تقدم البحث في ذلك. مسالة: إذا شهد اربعة على رجل بالزنا فشهد اثنان منهم انه اكرهها

(1) الاستبصار: ج 3 ص 35 ح 118، وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اللعان ح 1 ج 15 ص 606.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 36 ذيل الحديث 118 وح 119، وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اللعان ح 2 ج 15 ص 606، وفيهما: " ويجلد الاخرون ".
(3) الاستبصار: ج 3 ص 36 ذيل الحديث 119.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 285.
(5) السرائر: ج 3 ص 432.

[ 125 ]

والاخران انها طاوعته فلا حد على المراة، لانه لم يثبت المطاوعة. وأما الرجل فقال الشيخ في الخلاف: قال الشافعي: لا يجب عليه الحد، وهو الاقوى عندي، وقال أبو حنيفة: عليه الحد. ثم استدل بأصالة براءة الذمة، واحتاج ايجاب الحد الى دليل، ولان الشهادة لم تكمل بفعل واحد وانما هي شهادة على فعلين، لان الزنا طوعا غير الزنا كرها (1). وقال في المبسوط: لا حد على المرأة، لان الشهادة لم تكمل، والرجل لا حد عليه ايضا، وقال بعضهم: ان عليه الحد، وهو الاقوى عندي، لان الشهادة قد كملت في حقه على الزنا، لانه زان في الحالين، ومن قال بالاول قال: لان الشهادة لم تكمل على فعل واحد فان الاكراه غير المطاوعة (2). وهذا عكس ما قاله في الخلاف، فانه قوي هناك كلام الشافعي وقوي هنا كلام أبي حنيفة. وقال ابن الجنيد: لو شهد اثنان من الاربعة بان الرجل استكره المراة وشهد الاخران بأنها طاوعته وادعت المرأة الاكراه سقط الحد عن المراة ولزم الحد الرجل. وبه قال ابن حمزة (3)، وابن ادريس (4). وقوله في الخلاف أجود عندي. لنا: ان الزنا بقيد الاكراه مغاير له بقيد المطاوعة، كما ان الزنا في احد الزوايا مغاير له في الزاوية الاخرى وكما لم تسمع الثانية ان اتفقا على مطلق الزنا فكذا في الاول للتغاير. واحتجاج الشيخ بكونه زانيا ممنوع، لانه انما يثبت المطلق بشهادة الاربعة لو لم يختلف المشخصات له، أما مع اختلافها فلا. وابن ادريس لقصور فهمه وعدم قوته المميزة لم يتفطن لذلك، وتعجب من استدلال الشيخ بالمغايرة، وادعى ان الشهادة كملت بالزنا، لان من شهد

(1) الخلاف: ج 5 ص 383، المسالة 24.
(2) المبسوط: ج 8 ص 8.
(3) الوسيلة: ص 410. (4) السرائر: ج 3 ص 432.

[ 126 ]

بالاكراه فقد شهد بالزنا، ومن شهد بالمطاوعة فقد شهد ايضا بالزنا فالفعل واحد، وان اختلفت أسبابه وهو غلط ظاهر. مسألة: إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا فشهد واحد أو ثلاثة ولم يشهد الرابع لم يثبت على المشهود عليه الزنا، لان الشهادة ما تكاملت بلا خلاف ومن لم يشهد لا شئ عليه ايضا بلا خلاف، ومن شهد فعليه حد القذف. قاله الشيخ في الخلاف، ونقله عن ابي حنيفة وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه، وقال في الاخر: لا يجب الحد (1). وقال الشيخ في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا ان عليهم الحد، وعلى ما يحكمون أصحابنا في قصة المغيرة لاحد عليهم (2). والشيخ نقل قصة المغيرة في الخلاف، وجعله دليلا بعد استدلاله باجماع الفرقة، فقال: وقد روي ذلك عن علي - عليه السلام - وعمر ولا مخالف لهما. أما علي - عليه السلام - فروي أن اربعة اتوه ليشهدوا على رجل بالزنا فصرح ثلاثة وقال الرابع: رأيتهما تحت ثوب، فان كان ذلك زنى فهو ذلك. واما عمر فالقصة مشهورة، وهو: انه استخلف المغيرة بن شعبة على البصرة وكان نازلا في أسفل الدار ونافع وابو بكرة وشبل بن معبد وزياد في علوها، فهبت ريح ففتحت باب البيت ورفعت الستر فرأوا المغيرة بين رجلي امراة، فلما أصبحوا تقدم المغيرة ليصلي فقال أبو بكرة: تنح عن مصلانا فبلغ ذلك عمر فكتب: ان يرفعوا إليه، وكتب الى المغيرة: قد يحدث عنك بما إن كان صدقا لو كنت مت قبله كان خيرا لك، فاشخصوا (3) الى المدينة فشهد نافع وابو بكرة وشبل بن معبد، فقال عمر: أو دى المغيرة الاربعة، فجاء زياد ليشهد فقال عمر: هذا

(1) الخلاف: ج 5 ص 389، المسألة 32.
(2) المبسوط: ج 8 ص 9.
(3) في الطبعة الحجرية: فاشخص.

[ 127 ]

رجل لا يشهد إلا بالحق إن شاء الله تعالى، فقال: أما بالزنا فلا اشهد، ولكني رأيت أمرا قبيحا، فقال عمر: الله اكبر وجلد الثلاثة، فلما جلد أبو بكرة قال: اشهد ان المغيرة زنى، فهم عمر بجلده فقال له علي - عليه السلام -: ان جلدته فارجم صاحبك - يعني: ارجم المغيرة - فموضع الدلالة ان هذه قضية ظهرت واشتهرت ولم ينكر ذلك احد، وقيل في تأويل قول علي - عليه السلام - لعمر: - ان جلدت أبا بكرة ثانيا فارجم صاحبك - تأويلان، أصحهما ان معناه ان كانت هذه شهادة غير (1) الاولى فقد كملت الشهادة اربعة فارجم صاحبك، يعني: انما اعاد ما شهد به فلا تجلده باعادته (2). وقول الشيخ في المبسوط مشكل. وابن الجنيد قال: لو شهد ثلاثة وتأخر الرابع الى تصرم مجلس الحكم أو قدر ساعة صاروا كلهم بمعنى القذفة. قال الشيخ في الخلاف: ومن قال: لا حد عليهم استدل بقوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " فاخبر ان القاذف من إذا لم يات باربعة شهداء فاجلدوهم، وليس هذا منهم، فانه لا يحد إذا أتى باقل منهم، وهو إذا شهد معه ثلاثة فكل من خرج من قذفه باقل من اربعة شهود لم يكن قاذفا (3). وصاحب الكامل قال: إذا لم يتم عدد الشهود كان شهد ثلاثة أو شهد واحد فهل يكونون قذفة يجب عليهم حد القذف؟ فيه قولان: احدهما - وهو المنصوص المشهور - انهم يحدون، وبه قال مالك وابو حنيفة. والثاني: انهم لا يحدون، لانه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم فلم يجب عليه الحد،

(1) م 3: عين.
(2) الخلاف: 5: 389، المسالة 32.
(3) الخلاف: 5: 389 - 390 المسالة 32.

[ 128 ]

كما لو شهد الاربعة ثم رجع واحد منهم فلم يحد الباقين. وهذا القول عندي لا يخلو من قوة، وإلا لادى ذلك الى امتناع الشهود عن اقامتها، لان تجويز ان يترك احدهم الشهادة يقتضي تجويز ايقاع الحد عليه فيمتنع من أدائها، ولان أصحابنا نصوا على انه لو شهد أربعة فردت شهادة واحد منهم بامر خفي لا يقف عليه إلا الاحاد يقام (1) على المردود الشهاة الحد دون الثلاثة، لانهم غير مفرطين في أقامتها، فان أحدا لا يقف على بواطن الناس فكان عذرا في اقامتها، فلهذا لا حد، وما ذكرناه من الامور الباطنة. مسالة: إذا استكره امراة على الزنا فلا حد عليها اجماعا، وعليه الحد، ولها مهر المثل. وبه قال ابن إدريس قال: وقال أبو حنيفة: لا مهر لها، واختاره شيخنا أبو جعفر في كتاب الحدود من مسائل خلافه، إلا انه رجع عنه في مبسوطه، وفي موضع آخر من مسائل خلافه، واستدل شيخنا على سقوطه بقول النبي - صلى الله عليه وآله -: إنه نهى عن مهر البغي، وقال: البغي: الزانية. قال: وهذا الاستدلال يرغب عن ذكره هل هذه المكرهة بغي حتى يستشهد بهذا الحديث على نفي مهرها (2)؟!. وقول ابن ادريس جيد، والحديث غير متناول لها على ما قاله الشيخ. وقال في كتاب الصداق من الخلاف: إذا وطا امراته فأفضاها - بان صير مجرى البول ومدخل الذكر واحدا - فان كان قبل تسع سنين لزمه نفقتها ما دامت حية وعليه مهرها وديتها كاملة، وان كان بعد تسع سنين لم يكن عليه شئ غير المهر، هذا إذا كان في عقد صحيح أو عقد شبهة، فاما إذا كان

(1) في نسخة: ق 2 لقام. (2) السرائر: ج 3 ص 436.

[ 129 ]

مكرها لها فانه يلزمه ديتها على كل حال ولا مهر لها، وسواء كان البول مستمسكا أو مسترسلا، وقال الشافعي: عليه ديتها ومهرها، ولم يفصل قبل تسع سنين أو بعده (1) (2). وليس في هذا رجوع عما قاله اولا. وقال في المبسوط: إذا استكره امراة على الزنا فلاحد عليها، لانه ليست بزانية وعليه الحد، لان زان، وأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون: لا مهر لها، وهو مذهبنا، لان الاصل براءة الذمة. ثم قال: والاحكام التي تتعلق بالوطئ على ثلاثة أضرب: أحدها: معتبر بهما، وهو الغسل، فالغسل يجب على كل واحد منهما والحد (بكل واحد منهما)، فان كانا زانيين فعلى كل واحد منهما الحد، وان كان أحدهما زانيا فعليه الحد دون الاخر، واما المهر فمعتبر بها، فمتى حدت فلا مهر، وإذا سقط الحد وجب لها المهر (3). وهذا الكلام الاخير كالناقض للاول، حيث قال لاحد عليها، لانه ليست زانية ولا مهر لها. وقال في الصداق من المبسوط: وهكذا إن أكره امراة أو وطأها بشبهة فأفضاها وجب المهر والدية، وعندنا خاصة انه يلزم النفقة عليها (4). وهو موافق لما اخترناه. مسالة: قسم الشيخ الزناة في النهاية على خمسة اقسام: منهم من يجب عليه الحد بالقتل على كل حال، سواء كان مسلما أو كافرا، شيخا كان أو شابا، وعلى كل حال وهو كل من وطأ ذات محرم له اما أو بنتا أو اختا أو بنتها أو بنت أخيه أو عمته أو خالته فانه يجب عليه القتل على كل حال. وكذا الذمي إذا زنى بمسلمة، ومن غصب امراة على فرجها، ومن زنى بامراة ابيه فانه يقتل،

(1) في المصدر: ولم يفصل بين قبل تسع سنين أو بعده.
(2) الخلاف: ج 4 ص 395 المسالة 41.
(3) المبسوط: ج 8 ص 10 - 11.
(4) المبسوط: ج 4 ص 318.

[ 130 ]

سواء كان محصنا أو غير محصن (1). ولم يذكر جلدا ولا رجما. وكذا أبو الصلاح قال في الزاني بالمحرمات بالنسب (2)، وابن البراج تبع الشيخ (3). وشيخنا المفيد قال في المقنعة: وإذا زنى الذمي بمسلمة ضربت عنقه ومن زنى بذات محرم له - كعمته أو خالته أو بنت اخيه أو بنت اخته - ضربت عنقه، وكذا الحكم في من زنى بامه أو ابنته أو اخته، ومن عقد على واحدة ممن سميناه وهو يعرف رحمه منها ثم وطاها ضربت عنقه، ومن غصب امراة على نفسها ووطاها مكرها لها ضربت عنقه محصنا كان أو غير محصن (4). وقال ابن ادريس: الذي يجب تحصيله في هذا القسم - وهو الذي يجب عليه القتل، على كل حال - أن يقال: إن كان محصنا وجب عليه الجلد أولا ثم الرجم فيحصل امتثال الامر في الحدين معا ولا يسقط واحد منهما، ويحصل أيضا المبتغى الذي هو القتل، لاجل عموم أقوال أصحابنا وأخبارهم، لان الرجم ياتي على القتل ويحصل الامر بحد الرجم، وان كان غير محصن وجب عليه الجلد، لانه زان ثم القتل بغير الرجم (5). واحتج الشيخان بما رواه زرارة في الحسن، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل غصب امراة نفسها، قال: يقتل (6). وعن جميل بن دراج عن الصادق - عليه السلام. قال: قلت له: اين تضرب

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 286 - 287، مع اختلاف.
(2) الكافي في الفقه: ص 405.
(3) المهذب: ج 2 ص 519.
(4) المقنعة: ص 778.
(5) السرائر: ج 3 ص 438.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 17 ح 48، وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 381.

[ 131 ]

هذه الضربة - يعني: من أتى ذات محرم -؟ قال: يضرب عنقه، أو قال: رقبته (1). ثم ان الشيخ - رحمه الله - روى عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا زنى الرجل بذات محرم حد حد الزاني إلا انه اعظم ذنبا (2). قال الشيخ: وليس منافيا، لما تقدم من ضربه بالسيف، لان القصد قتله، وفي ما يجب على الزاني الرجم وهو ياتي على النفس فالامام مخير بين أن يضربه ضربة بالسيف أو يرجمه (3). وهذا قول الشيخ لا باس به عندي. مسالة: قسم الشيخ الزاني المحصن في النهاية الى شيخين وشابين، فان كانا شيخين جلدا مائة ثم رجما، وان كانا شابين رجما بغير جلد (4). وتبعه ابن البراج (5)، وابن حمزة (6). وأطلق الشيخ المفيد (7)، وابن الجنيد، وسلار (8) القول في المحصن: انه يجلد اولا ثم يرجم. وقال ابن ابي عقيل: وحد الزاني عند آل الرسول - عليهم السلام - إذا كانا بكرين جلدا مائة ونفيا سنة، وحد المحصن والمحصنة إذا زنيا الرجم. ولم يتعرض للجلد. وقال السيد المرتضى: مما ظن انفراد الامامية به وأهل الظاهر يوافقونهم فيه القول: بأنه يجمع على الزاني المحصن الجلد والرجم يبدا بالجلد ويثنى

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 23 ح 69، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب حد الزنا ح 7 ج 18 ص 386.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 23 - 24 ح 71، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد الزنا ح 8 ج 18 ص 386. (3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 24 ذيل الحديث 71.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 287.
(5) المهذب: ج 2 ص 519.
(6) الوسيلة: ص 411.
(7) المقنعة: ص 775 - 776.
(8) المراسم: ص 252.

[ 132 ]

بالرجم، وداود يوافقهم عليه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا: لا يجتمع الجلد والرجم، بل يقتصر في المحصن على الرجم، واحتج باجماع الطائفة، ولانه لا خلاف في استحقاقه الرجم، وانما الخلاف في استحقاقه الجلد، ويدل على استحقاقه اياه قوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا.. الاية " والمحصن داخل فيه، واستحقاقه الرجم غير مناف لاستحقاقه الجلد (1). وأطلق القول، ولم يفصل. وكذا الصدوق في المقنع (2). وتبعه ابن ادريس، لقوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا " قال: وما اخترناه مذهب السيد المرتضى، واختيار شيخنا المفيد والجلة من المشيخة الفقهاء من أصحابنا، وشيخنا قد رجع في التبيان فقال: يجلد الزاني والزانية إذا لم يكونا محصنين كل واحد منهما مائة جلدة، وإذا كانا محصنين أو أحدهما كان على المحصن الرجم بلا خلاف، وعندنا انه يجلد اولا مائة جلدة ثم يرجم، وفي أصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فأما إذا كانا شابين محصنين لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق، وفي ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف (3). والشيخ قال في الخلاف: المحصن إذا كان شيخا أو شيخة فعليهما الجلد ثم الرجم، وان كانا شابين فعليهما الرجم، وقال داود واهل الظاهر: عليهما الجلد ثم الرجم، ولم يفصلا، وبه قال جماعة من اصحابنا، وقال جميع الفقهاء: ليس عليهما الا الرجم دون الجلد. ثم استدل بقوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا " ولم يفصل. وروى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: " خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب

(1) الانتصار: ص 254، مع اختلاف. (2) المقنع: ص 144.
(3) السرائر: ج 3 ص 440 - 441.

[ 133 ]

عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم " وفيه اجماع الصحابة. وجلد علي - عليه السلام - شراحة (1) يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، فقيل له: اتحدها حدين؟ فقال: حددتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله - (2). وقال في المبسوط: حد الثيب - وهو المحصن - من أصحابنا من قال: يجب عليه الجلد ثم الرجم، ومنهم من قال: انما يجب ذلك إذا كانا شيخين، فان كانا شابين فعليهما الرجم لا غير، وعند المخالف يجب الرجم بلا تفصيل، وبعضهم يجمع بينهما، ولا يفصل (3). واحتج الشيخ بما رواه عبد الله بن طلحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا زنى الشيخ والعجوز جلدا ثم رجما عقوبة لهما، وإذا زنى النصف من الرجال رجم، ولم يجلد إذا كان قد أحصن (4). واحتج الباقون بعموم الاية (5). وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في المحصن والمحصنة جلد مائة ثم الرجم (6). وكذا رواه زرارة عنه - عليه السلام - (7) وهذا هو الاقوى عندي.

(1) في (م 3): سراجة.
(2) الخلاف: ج 5: 366 - 368، المسالة 2.
(3) المبسوط: ج 8 ص 2.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 ح 10، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 11 ج 18 ص 349.
(5) النور: 2.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 ح 13، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 8 ج 18 ص 348.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 5 ح 16، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 14 ج 18 ص 349.

[ 134 ]

مسالة: قسم الشيخ في النهاية الزاني غير المحصن على قسمين: البكر وغيره، وفسر البكر بانه المملك على المراة من غير دخول، وغيره من ليس بمملك، واوجب على البكر جلد مائة والتغريب سنة وجز الشعر إن كان رجلا، ولا جز على المراة ولا تغريب، وعلى غير البكر جلد مائة لا غير، رجلا كان أو امراة (1). وقال في الخلاف (2) والمبسوط (3): البكر عبارة عن غير المحصن، فإذا زنى بالبكر جلد مائة وغرب عاما إذا كان ذكرا، وان كان انثى لم يكن عليها تغريب. وقال المفيد - رحمه الله -: وإذا زنى الرجل وقد املك بامرأة وكان زناه قبل أن يدخل بها جزت ناصيته وجلد مائة جلدة ونفي عن المصر حولا كاملا (4). وقال ابن ابي عقيل: إذا كانا بكرين جلدا مائة ونفيا سنة، وحد المحصن والمحصنة إذا زنيا الرجم، ثم فسر المحصن بانه الذي يكون له زوجة حرة مسلمة يغدوا عليها ويروح. ولم يفسر البكر، والظاهر انه في مقابلته، لكنه لم يصرح بذلك. وقال الصدوق في المقنع: ان كانا محصنين ضربا مائة جلدة ثم رجما، وان كانا غير محصنين فعليه وعلى المراة جلد مائة، والذي قد أملك ولم يدخل بها جلد مائة وينفى (5) وقال ابن الجنيد: إذا زنى غير المحصن جلد مائة وغرب سنة من بلده إذا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 288، وليس فيه: " وغيره من ليس بمملك ".
(2) الخلاف: ج 5: 368، المسالة 3.
(3) المبسوط: ج 8 ص 2.
(4) المقنعة: ص 780.
(5) المقنع: ص 143 و 144 و 146.

[ 135 ]

كان حرا. ولم يشرط (1) الملاك. وقال أبو الصلاح: إن كان حرا مسلما محصنا وكان شيخا جلد مائة سوط وامهل حتى يبرأ الضرب ثم رجم حتى يموت، وان كان شابا رجم حسب، وان كان احدهما محصنا لغائبة عنه أو حاضرة لا يتمكن من الوصول إليها جلد مائة سوط وغرب عاما، وان لم يكن محصنا جلد مائة سوط (2). وابن البراج (3) تبع الشيخ - رحمه الله -، وكذا ابن حمزة (4). وقال ابن ادريس (5): البكر هو غير المحصن، سواء كان مملكا اولا، كما قاله الشيخ في الخلاف. والاقرب ما اختاره الشيخ في النهاية. لنا: الاصل براءة الذمة. وما رواه سماعة عن الصادق - عليه السلام - قال: الحر والحرة إذا زنيا جلدا كل واحد منهما مائة جلدة، فاما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم (6). احتج الاخرون بما رواه عبد الله بن طلحة، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا زنى الشاب الحدث السن جلد ونفي سنة من مصره (7). والجواب: المراد بذلك إذا كان مملكا لما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: ومن لم يحصن يجلد مائة ولا ينفى، والتي قد أملكت ولم يدخل بها

(1) م 3: يشترط.
(2) الكافي في الفقه: ص 405، وفيه: " محصنا بغائبه عنه ".
(3) المهذب: ج 2 ص 520.
(4) الوسيلة: ص 411. (5) السرائر: ج 3 ص 441 - 442.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 3 ح 6، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 347.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 ح 10، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 11 ج 18 ص 349.

[ 136 ]

تجلد مائة وتنفى (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - الشيخ والشيخة جلد مائة والرجم، والبكر والبكرة جلد مائة ونفي سنة (2). وعن عبد الرحمن، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان علي - عليه السلام - يجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة (3). والبكر هو المملك، لما رواه زرارة في الحديث السابق. وما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى امير المؤمنين - عليه السلام - في الشيخ والشيخة أن يجلدا مائة، وقضى في المحصن الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة ونفي سنة الى غير مصرهما وهما اللذان قد أملكا ولم يدخل بها (4). مسالة: المشهور ان المراة لا نفي عليها، قاله الشيخ - رحمه الله - وتبعه المتأخرون. واستدل في الخلاف باجماع الفرقة وأخبارهم وأصالة البراءة، ولقوله تعالى: " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " فلو كانت الحرة يجب عليها التغريب لكان على الامة نصفها، وقد بينا انه لا تغريب على الامة، لقوله - عليه السلام -: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، وكان هذا كل الواجب (5). وكلام ابن ابي عقيل يدل على انها تنفى سنة كالرجل، للاخبار السالفة في

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 ح 12، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 7 ج 18 ص 348.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 - 5 ح 14، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 9 ج 18 ص 348.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 4 ح 11، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 12 ج 18 ص 349.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 3 ح 9، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 347. (5) الخلاف: 5: 368 - 369 المسألة 3.

[ 137 ]

المسالة السابقة، لكن المشهور ما قاله الشيخ لما فيه من الصيانة ومنعها عن الاتيان بمثل ما فعلت. مسالة: قال الشيخ في النهاية: حد الاحصان في الرجل هو أن يكون له فرج متمكن من وطئه يكون مالكا له، سواء كان بالعقد أو ملك اليمين، ويراعى في العقد الدوام، فان المتعة لاتحصن، ولا فرق بين أن يكون الدائم على حرة أو امة أو يهودية أو نصرانية، فان جميع ذلك يحصن الرجل، وملك اليمين ايضا يحصن. والاحصان في المرأة مثل الاحصان في الرجل سواء، وهو: ان يكون لها زوج يغدوا إليها ويروح، مخلا بينها وبينه، غير غائب عنها، قد دخل بها، حرا كان أو عبدا وعلى كل حال (1). ومثله قال السيد المرتضى (2)، وشيخنا المفيد (3)، وابن البراج (4). وقال ابن الجنيد: والاحصان الذى يلزم صاحبه إذا زنى الرجم هو: ان يكون الزوجان حرين بالغين مسلمين وقد وقع الوطئ بينهما، والرجل غير ممنوع وقت زناه من وطئ زوجته بغيبته عنها ولا حبس ولا علة في محضرها. وقال ابن أبي عقيل: والمحصن الذي يكون له زوجة حرة مسلمة يغدو عليها ويروح، فقد اتفقا على اعتبار اسلام الزوجة وحريتها. وابن الجنيد زاد اعتبار حرية الرجل. وقال سلار: العاقل المحصن إذا شهد عليه أربعة رجال عدول ولا حائل بينه وبين وطئ زوجته وكان نكاحها للدوام، فان المتعة لا تحصن، فاما ملك اليمين فقد روي انه تحصن (5). وهذا يعطي انه لا يفتي بأن ملك اليمين يحصن.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 287 و 288.
(2) الانتصار: ص 258.
(3) المقنعة: ص 775 - 776.
(4) المهذب: ج 2 ص 519 - 520.
(5) المراسم: ص 252.

[ 138 ]

وابو الصلاح وافق شيخنا في ان الاحصان يحصل بالزوجة الحرة والامة وملك اليمين (1)، وكذا ابن ادريس (2). والمعتمد ما اختاره الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه اسحاق بن عمار في القوي، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل إذا هو زنى وعنده السرية والامة (3) يطأها تحصنه الامة تكون عنده؟ فقال: نعم انما ذاك، لان عنده ما يغنيه عن الزنا، قلت: فان كانت عنده أمة زعم انه لا يطأها؟ فقال: لا يصدق، قلت: فان كانت عنده امرأة متعة تحصنه؟ قال: لا، انما هو على الشئ الدائم عنده (4). وفي الصحيح عن حريز، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المحصن، قال: فقال: الذي يزني وعنده ما يغنيه (5). وفي الصحيح عن اسماعيل بن جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: ما المحصن رحمك الله؟ قال: كل (6) من كان له فرج يغدو عليه ويروح (7). احتج الاخرون بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام -

(1) الكافي في الفقه: ص 405 (2) السرائر: ج 3 ص 441. (3) في المصدر: أو الامة (4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 11 - 12 ح 26، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 352.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 12 ح 27، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب حد الزنا ح 4 ج 18 ص 352.
(6) ليس في المصدر.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 12 ح 28، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 351 - 352.

[ 139 ]

قال: قال: لا يحصن الحر المملوكة ولا المملوكة الحرة (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: وكما لا تحصنه الامة والنصرانية واليهودية إن زنى بحرة فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إن زنى بيهودية أو نصرانية أو أمة وتحته حرة (2). والجواب عن الاول: أنه لا دلالة فيه، لان مقتضاه ان الحر لا يحصن الامة حتى إذا زنت وجب عليها الرجم كما لو كانت تحته حرة، لان حد المملوك والمملوكة خمسون جلدة ولا رجم عليهما. وعن الثاني: قال الشيخ: يحتمل ان هؤلاء كانوا عنده على سبيل المتعة، فلهذا حكم بانهن لا يحصنه (3). مسالة: لما قسم الشيخ في النهاية الزناة خمسة اقسام وجعل الخامس من ليس بمحصن ولا مملك قال: ومن هذه صورته إذا زنى فجلد ثم زنى ثانية فجلد ثم زنى ثالثة فجلد ثم زنى رابعة كان عليه القتل (4). وكذا قال شيخنا المفيد: إن غير المحصن إذا زنى فجلد ثم عاد الى الزنا ثانية فجلد ثم عاد ثالثة فجلد فان عاد رابعة بعد جلده ثلاث مرات قتل، وكذا المرأة تقتل في الرابعة بعد جلدها ثلاث مرات (5). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بان الحر البكر إذا

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 12 ح 30، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب حد الزنا ح 7 ج 18 ص 353.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 13 ح 31، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب حد الزنا ح 9 ج 18 ص 354.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 13 ذيل الحديث 31.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 288 (5) المقنعة: ص 776.

[ 140 ]

زنى فجلد ثم عاد فجلد ثم عاد الثالثة فجلد انه إن عاد الرابعة قتله الامام (1). وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد، وبه قال سلار (2)، وابن البراج (3)، وابو الصلاح (4)، وابن حمزة (5). وقال الصدوق في المقنع وأبوه في الرسالة: يقتل في الثالثة بعد اقامة الحد مرتين (6). وبه قال ابن ادريس (7). وقال الصدوق: وروي انهما يقتلان في الرابعة (8). وللشيخ في الخلاف قول غريب: انه يقتل في الخامسة بعد جلد اربع مرات. قال فيه: وقد روي انه يقتل في الرابعة (9). والمعتمد ما قاله الشيخان. لنا: ما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: الزاني إذا جلد ثلاثا يقتل في الرابعة (10). يعني: إذا جلد ثلاث مرات. ولان فيه صيانة للنفس عن الاتلاف، وهو مطلوب للشارع. احتج ابن ادريس ان الاظهر من أقوال أصحابنا، والذي يقتضيه اصول مذهبنا انه يقتل في الثالثة، لاجماعنا أن أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة، وهذا منهم بغير خلاف (11).

(1) الانتصار: ص 256.
(2) المراسم: ص 251.
(3) المهذب: ج 2 ص 520.
(4) الكافي في الفقه: ص 407.
(5) الوسيلة: ص 411.
(6) المقنع: ص 148.
(7) السرائر: ج 3 ص 442.
(8) لم نعثر عليه. (9) الخلاف: ج 5: 408، المسالة 55.
(10) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 37 ح 129، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 387.
(11) السرائر: ج 3 ص 442.

[ 141 ]

وبما رواه يونس، عن الكاظم - عليه السلام - قال: أصحاب الكبائر كل ما اقيم عليهم الحد [ مرتين ] قتلوا في الثالثة (1). والجواب: انه كيف يصح ادعاؤه الاجماع مع ان جلة أصحابنا وأكثرهم ممن ذكرناه خالف فيه؟! وعن الحديث قال الشيخ: انه مخصوص بما عدا حد الزنا من شرب الخمر وغيره على ما نبينه (2). وهو حسن، لان ما ذكرناه خاص وحديثه عام فيقدم حديثنا. تذنيب: قال الشيخ في النهاية: المملوك والمملوكة يقتلان في التاسعة بعد اقامة الحد ثمان مرات (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال في الخلاف: يقتل المملوك في الثامنة (5). وبه قال السيد المرتضى (6)، وهو أيضا قول شيخنا المفيد (7)، وعلي بن بابوية وولده الصدوق في المقنع (8)، وسلار (9)، وابن حمزة (10)، وأبي الصلاح (11)، وابن ادريس (12). والاول أقوى. لنا: انه أصون للنفس عن التلف فيتعين العمل به. وما رواه زرارة (13) وبريد العجلي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 37 ح 130، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 388.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 37 ذيل الحديث 130، مع اختلاف.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 289.
(4) المهذب: ج 2 ص 520.
(5) الخلاف: ج 5: 408 المسالة 55.
(6) الانتصار: ص 256.
(7) المقنعة: ص 779.
(8) المقنع: ص 148. (9) المراسم: ص 253.
(10) الوسيلة: ص 411.
(11) الكافي في الفقه: ص 407.
(12) السرائر: 3: ص 442.
(13) في المصدر: عبيد بن زرارة.

[ 142 ]

له: أمة زنت، قال: تجلد خمسين جلدة، قلت: فانها عادت؟ قال: تجلد خمسين، قلت: فيجب عليها الرجم في شئ من الحالات؟ قال: إذا زنت ثماني مرات يجب عليها الرجم، قلت: كيف صار في ثماني مرات؟ قال: لان الحر إذا زنى اربع مرات فاقيم عليه الحد قتل، فإذا زنت الامة ثماني (1) مرات رجمت في التاسعة (2). احتج الاخرون بما رواه بريد في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا زنى العبد ضرب خمسين، فان عاد ضرب خمسين، فان عاد ضرب خمسين الى ثماني مرات، فان زنى ثماني مرات قتل (3). والجواب: لعل المراد: إذا زنى ثماني مرات واقيم الحد فيها قتل في التاسعة. مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا زنى الرجل بصبية لم تبلغ ولا مثلها قد بلغ لم يكن عليه أكثر من الجلد وليس عليه رجم، فان أفضاها أو أعابها كان ضامنا لعيبها، وكذلك المرأة إذا زنت بصبي لم يبلغ لم يكن عليها رجم وكان عليها جلد مائة ويجب على الصبي والصبية التأديب (4). وتبعه ابن البراج (5)، وهو قول الصدوق في المقنع (6). وقال المفيد: من زنى بصبية حد وتؤدب الصبية من غير حد، والمراة إذا مكنت الصبي من وطئها بغير نكاح اقيم عليها الحد ولم يقم على الصبي بل

(1) في المصدر: ثمانية.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 27 ح 86، وسائل الشيعة: ب 32 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 402 - 403.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 28 ح 87، وسائل الشيعة: ب 32 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 403.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 289 - 290. (5) المهذب: ج 2 ص 521.
(6) المقنع: ص 145.

[ 143 ]

يؤدب (1). ولم يذكر تفصيل الحد، بل أطلق. وقال ابن الجنيد: وإذا كان أحد المشهود عليهما غير بالغ رجم الرجل ان كان محصنا. وقال أبو الصلاح: فان كان حرا مسلما محصنا جلد مائة سوط وامهل حتى يبرأ الضرب ثم يرجم حتى يموت، وان كان شابا رجم حسب، وان كان احدهما محصنا بغائبة عنه أو حاضرة لا يتمكن من الوصول إليها جلد مائة سوط وغرب عاما، وان لم يكن محصنا جلد مائة سوط، سواء كانت المزني بها حرة أو امة، مسلمة أو ذمية، صغيرة أو كبيرة، أو معقودا عليها عقدا لا تحل معه بسبب أو رضاع أو نسب عاقلة أو مجنونة حية أو ميتة، وان كانت الزانية حرة مسلمة عاقلة مؤثرة فعليها إن كانت محصنة بزوج حاضر يصل إليها الرجم، وان كانت بكرا أو محصنة بزوج لا يصل إليها جلدت مائة ولا تغريب عليها، سواء كان الزاني بها حرا أو عبدا، مسلما أو كافرا، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا (3). وحكى ابن ادريس كلام شيخنا في النهاية وجعله رواية، وقال: إنه مذهب شيخنا في نهايته، وذهب شيخنا المفيد الى ان على الرجل وعلى المرأة الحد، وأطلق، وهو الصحيح عندي، لان الاحصان والزنا وجدا معا، وهما الموجبان للجلد والرجم (4). والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: ان اللذة فيه أنقص، فلا يجب فيه من العقوبة ما يجب في الاكمل. وما رواه أبو بصير في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - في غلام صغير لم

(1) المقنعة: ص 779، مع اختلاف.
(2) الكافي في الفقه: ص 405 مع اختلاف.
(3) السرائر: ج 3 ص 443.

[ 144 ]

يدرك ابن عشر سنين زنى بامراة، قال: يجلد الغلام دون الحد وتجلد المرأة الحد كاملا، قيل له: فان كانت محصنة؟ قال: لا ترجم، لان الذي نكحها ليس بمدرك، ولو كان مدركا رجمت (1). ورواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (2). وشيخنا المفيد - رحمه الله - لا ينافي كلامه ما قاله الشيخ، لان كمال الجلد يسمى حدا، كما قال الامام - عليه السلام - في هذا الحديث وغيره. مسالة: قال الشيخ في النهاية: الرجل إذا زنى بمجنونة لم يكن عليه رجم (3)، وتبعه ابن البراج (4). وجعله ابن ادريس رواية (5)، وهو يدل على استضعافه. وكلام ابي الصلاح يعطي وجوب الرجم عليه مع الاحصان (6). وقال ابن الجنيد: إذا كان أحد المشهود عليهما غير بالغ رجم الرجل إن كان محصنا، وإن كانت المرأة مجنونة حد الرجل دون المراة. ولم يذكر ما هو الحد، فيحمل ظاهرا على المعهود من الرجم في المحصن والجلد في غيره. والوجه ما قاله الشيخ، لنقص الزنا هنا كما قلنا في الصبية، ولاصالة البراءة. مسألة: قال الشيخان: المجنون إذا زنى وجب عليه الحد كاملا جلد مائة ان لم يكن محصنا، والرجم إن كان محصنا (7). وتبعهما ابن البراج (8).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 16 ح 44، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 362، وفيهما: " قلت فان كانت ".
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 27 ح 5005.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 290.
(4) المهذب: ج 2 ص 521.
(5) السرائر: ج 3 ص 444.
(6) الكافي في الفقه: ص 405.
(7) المقنعة: ص 779، النهاية ونكتها: ج 3 ص 290 - 291، مع اختلاف.
(8) المهذب: ج 2 ص 521.

[ 145 ]

وقال الشيخ في المبسوط: حد الاحصان عندنا هو كل حر بالغ كامل العقل كان له فرج يغدو إليه ويروح على جهة المداومة متمكنا من وطئه. ثم قال: وأصحابنا لم يراعوا كمال العقل، لانهم رووا ان المجنون إذا زنى وجب عليه الرجم أو الحد (1). وقال في الخلاف: ليس من شرط احصان الرجل (2) الاسلام، بل من شرطه الحرية والبلوغ وكمال العقل والوطء في نكاح صحيح، فإذا وجدت هذه الشرائط فقد احصن احصانا يرجم (3). وهو يعطي عدم الرجم على المجنون. وقال ابن الجنيد: والاحصان الذي يلزم صاحبه إذا زنى الرجم هو ان يكون الزوجان حرين بالغين مسلمين وقد وقع الوطء بينهما والرجل غير ممنوع وقت زناه من وطء زوجته. وهذا يعطي عدم اشتراط العقل. ونحوه قال السيد المرتضى (4). وقال الصدوق في المقنع: إذا زنت المجنونة لم تحد، وإذا زنى المجنون حد (5)، لان المجنون يأتي وهي تؤتى. وقال سلار: فنقول أن الزانيين على ضربين: محصن وغير محصن، فالمحصن على ضربين: عاقل ومجنون، فالمجنون يدرأ عنه الحد (6). وقال ابن ادريس: لا حد على المجنون والمجنونة، لانهما غير مخاطبين بالتكاليف والاحكام، ولا قام على ذلك دليل فيهما، والاصل براءة الذمة، فلا يرجع عنه الى اخبار الاحاد (7).

(1) المبسوط: ج 8 ص 3.
(2) في المصدر وفي الطبعة الحجرية: الرجم.
(3) الخلاف: ج 5: 402 المسالة 46.
(4) الانتصار: ج 258.
(5) المقنع: ص 146.
(6) المراسم: ص 252.
(7) السرائر: ج 3 ص 444، مع اختلاف.

[ 146 ]

وقسم أبو الصلاح المجنون: الى مطبق لا يفيق ولا يهتدي شيئا فلا شئ عليه، والى من يصح منه القصد الى الزنا فيجلد مائة محصنا كان أو غيره (1). والمعتمد اسقاط الحد عن المجنون والمجنونة. لنا: انه عقوبة تترتب على ثبوت التحريم في حق فاعل موجبها، وهو منتف هنا، لانتفاء أصل التكليف عنهما، فلا يثبت مقتضاه. احتج الشيخ بما رواه أبان بن تغلب، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال: إذا زنى المجنون أو المعتوه جلد الحد، فان كان محصنا رجم، قلت: وما الفرق بين المجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة؟ فقال: المراة انما تؤتى والرجل ياتي، وانما يأتي إذا عقل كيف ياتي اللذة، وان المراة تستكره ويفعل بها وهي لا تعقل ما يفعل بها (2). والجواب: بعد صحة السند الحمل على من يعتوره الجنون إذا زنى بعد تحصيله، لان العلة التي ذكرها الامام - عليه السلام - تدل عليه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن زنى وتاب قبل قيام البينة عليه بذلك درأت التوبة عنه الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليه وجب عليه الحد ولم يجز للامام العفو عنه، فان كان اقر على نفسه عند الامام ثم اظهر التوبة كان للامام الخيار في العفو عنه أو في اقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة، ومتى لم يتب لم يجز للامام العفو عنه على حال (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن

(1) الكافي في الفقه: ص 406.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 19 ح 56، وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 388.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 291.
(4) المهذب: ج 2 ص 521.

[ 147 ]

ادريس، لكن ابن ادريس قال: هذا إذا كان الحد رجما يوجب تلف نفسه، فاما إن كان الحد جلدا فلا يجوز العفو عنه، ولا يكون الحاكم بالخيار فيه، لانا أجمعنا على انه بالخيار في الموضع الذي ذكرناه، ولا اجماع على غيره، فمن ادعاه وجعله بالخيار وعطل حدا من حدود الله تعالى فعليه الدليل (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أن المقتضي لاسقاط الرجم عنه اعترافه بالذنب، وهو موجود في الجلد، لانه احدى العقوبتين. ولان التوبة يسقط تحتم اشد العقوبتين، فاسقاطها لتحتم الاخرى الاضعف أولى. تذنيب: قال شيخنا المفيد: من زنى وتاب قبل ان تقوم الشهادة عليه بالزنا أدرأت عنه التوبة الحد، فان تاب بعد قيام الشهادة عليه كان للامام الخيار في العفو عنه أو اقامة الحد عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له ولاهل الاسلام، فان لم يتب لم يجز العفو عنه في الحد بحال (2). ووافقه أبو الصلاح (3) والشيخ أبو جعفر وابن ادريس اوجبوا الحد إذا تاب بعد قيام الشهادة عليه، وانما خيروا الامام إذا تاب بعد الاقرار، وهو المشهور. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن عقد على امرأة في عدتها ودخل بها عالما بذلك وجب عليه الحد، وان كانت عدتها عدة الطلاق الذي يملك فيه رجعتها كان عليها الرجم، وان كانت التطليقة بائنة أو كانت عدة المتوفى عنها زوجها كان عليها جلد مائة لا غير، فان ادعيا انهما لم يعلما ان ذلك لا يجوز في شرع

(1) السرائر: ج 3 ص 444.
(2) المقنعة: ص 777.
(3) الكافي في الفقه: ص 407.

[ 148 ]

الاسلام لم يصدقا فيه واقيم عليهما الحد (1). ونحوه قال المفيد (2). وقال ابن ادريس: ان ادعيا انهما لم يعلما ان ذلك لا يجوز في شرع الاسلام وكانا قريبي العهد بالاسلام فانه يدرأ الحد عنهما، لقوله - عليه السلام -: " ادرأوا الحدود بالشبهات " وهذه شبهة بغير خلاف، فان كانا بخلاف ذلك لم يصدقا فيه واقيم الحد، لانه شائع ذائع بين المسلمين لا يختص بعالم دون عامي جاهل، فلا شبهة لهما في ذلك، فليلحظ الفرق بين الموضعين، وشيخنا أبو جعفر أطلق ذلك في نهايته إطلاقا، والاولى ما فصلناه (3). وهو جيد، وكأن مراد الشيخين - رحمهما الله - ذلك، فلامنازعة هنا في الحقيقة. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن وطا جارية من المغنم قبل ان يقسم قومت عليه واسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ عنه بمقدار ما كان له منها (4). وتبعه ابن البراج (5)، وهو قول ابن الجنيد ايضا. وقال المفيد - رحمه الله -: من وطا جارية في المغنم قبل ان يقسم عزره الامام بحسب ما يراه من تأديبه، وقومها عليه، وأسقط من قيمتها سهمه، وقسم الباقي بين المسلمين (6). وقال ابن ادريس: من وطا جارية من المغنم قبل أن يقسم وادعى الشبهة في ذلك فانه يدرا عنه الحد. وقد روي انها تقوم عليه، ويسقط عنه من قيمتها بمقدار ما يصيبه منها والباقي بين المسلمين، ويقام عليه الحد، ويدرأ عنه بمقدار

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 292.
(2) المقنعة: ص 780.
(3) السرائر: ج 3 ص 445، وفيه: " وأقيم عليهما الحد ".
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 292 - 293.
(5) المهذب: ج 2 ص 522.
(6) المقنعة: ص 781.

[ 149 ]

ما كان له منها. والاولى ما ذكرناه، لان الاشتباه حاصل في ذلك بلا خلاف، ولانه يظن ان سهمه أكثر منها، ولان الاصل براءة الذمة، والحد يحتاج الى دليل (1). والوجه أن نقول: ان وطأ مع الشبهة فلا حد ولا تعزير، وان وطا من علم التحريم عزر، لعدم علمه بقدر النصيب، وانما يتحصل بعد القسمة، وتجويز ان يكون له أقل أو اكثر شبهة في اسقاط الحد. واحتج الشيخ بما رواه عمرو بن عثمان، عن عدة من أصحابنا عن الصادق - عليه السلام - انه سئل عن رجل أصاب جارية من الفئ فوطأها قبل أن يقسم، قال: تقوم الجارية وتدفع إليه بالقيمة، ويحط له منها ما يصيب منها من الفئ ويجلد الحد، ويدرا عنه من الحد بقدر ما له فيها... الحديث (2). والجواب: انه محمول على ما إذا عينها الامام لجماعة هو احدهم. مسألة: قال الشيخان: والاعمى إذا زنى وجب عليه الحد كما يجب على البصير ولم يسقط عنه الحد بعماه (3)، فان ادعى أنه اشتبه على الامر فظن ان التي وطاها كانت زوجته أو امته لم يصدق في ذلك (4) واقيم عليه الحد. وقد روي ان امرأة تشبهت لرجل بجاريته واضطجعت على فراشه ليلا فظنها جاريته فوطأها من غير تحرز فرفع خبره الى امير المؤمنين - عليه السلام - فامر باقامة الحد على الرجل سرا واقامة الحد على المرأإ جهرا (5). وتبعهما ابن البراج،

(1) السرائر: ج 3 ص 446. (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 30 - 31 ح 100، وسائل الشيعة: ب 22 من ابواب حد الزنا ح 6 ج 18 ص 391.
(3) في المصدر: لعماه.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 294 - 296، المقنعة: ص 783 - 784.
(5) ليس " في ذلك " في المصدر.

[ 150 ]

الا انه لم يجعل رواية التشبه رواية بل فتوى، فقال: إذا اشتبهت امراة لرجل بجاريته ونامت على مرقده ليلا فظن انها جاريته فوطأها من غير تحرز كان عليه الحد سرا وعلى المرأة جهرا (1). وتبعهما سلار ايضا في الاعمى (2). وقال ابن ادريس: الاعمى إذا زنى كالبصير، فان ادعى انه اشتبه عليه الامر فظنها أو امته وكانت الحال شاهدة بما ادعاه - بان تكون على فراشه نائمة قد تشبهت بزوجته أو أمته - فانه يدرأ عنه الحد للشبهة، وان كان شاهد الحال بخلاف ذلك فانه لا يصدق واقيم عليه الحد. وقد روي ان امرأة تشبهت لرجل بجاريته واضطجعت على فراشه ليلا فظنها جاريته فوطأها من غير تحرز، فرفع خبره الى امير المؤمنين - عليه السلام - فامر باقامة الحد على الرجل سرا واقامته على المراة جهرا. اورد هذه الرواية شيخنا أبو جعفر في نهايته، ورجع عنها في مسائل خلافه فقال: إذا وجد الرجل امراة على فراشه فظنها زوجته فوطأها لم يكن عليه الحد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: عليه الحد، وقد روى ذلك ايضا اصحابنا، دليلنا: ان (3) الاصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج الى دليل. والوجه ان الاعمى إن ادعى الشبهة قبل منه، لانه مسلم، والاصل في اخباره المطابقة، وهو في مظنة ما اخبر به. واما الواجد على فراشه فانه لا حد عليه للشبهة. والشيخ - رحمه الله - لم يفت في النهاية بل ذكرها رواية فقال: وقد روي، وكذا شيخنا المفيد، فلا منافاة بين كلامه في النهاية وكلامه في الخلاف (4)،

(1) المهذب: ج 2 ص 524، وفيه: " وإذا تشابهت امراة لرجل ".
(2) المراسم: ص 254.
(3) السرائر: ج 3 س 447 - 448 مع اختلاف.
(4) الخلاف: ج 3 ص 180 المسالة 20.

[ 151 ]

بحيث يكون قوله فيه رجوعا عما ذكره. نعم الخلاف مع ابن البراج حيث ذكره فتوى لا رواية. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن افتض جارية باصبعه غرم عشر ثمنها وجلد من ثلاثين سوطا الى تسعة وتسعين سوطا عقوبة لما جناه، وإن كانت الجارية حرة غرم عقرها، وهو مهر مثل نسائها بلا نقصان (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال الصدوق في المقنع: فان افتضت جارية جارية باصبعها فعليها المهر وتضرب الحد (3). وقال المفيد: ومن افتض جارية باصبعه ضرب من ثلاثين سوطا الى ثمانين عقوبة على ما جناه، والزم صداق المرأة، لذهابه بعذرتها (4). وبه قال سلار (5). وقال ابن ادريس: ان كانت امة روي انه يغرم عشر قيمتها (6) ويجلد من ثلاثين سوطا الى تسعة وتسعين سوطا عقوبة، والاولى (7) انه يغرم ما بين قيمتها بكرا وثيبا، وان كانت حرة غرم عقرها، وهو مهر مثل نسائها (8). والشيخ - رحمه الله - روى في الصحيح عن ابن سنان وغيره، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة افتضت جارية بيدها، قال: عليها المهر وتضرب الحد (9). وفي الصحيح عن ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - ان امير المؤمنين

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 296 - 298.
(2) المهذب: ج 2 ص 523.
(3) المقنع: ص 145.
(4) المقنعة: ص 785.
(5) المراسم: ص 255.
(6) في المصدر: منها.
(7) في المصدر: عقوبة لما جناه والاولى.
(8) السرائر: ج 3 ص 449.
(9) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 47 ح 172، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 409.

[ 152 ]

قضى بذلك، وقال: تجلد ثمانين (1). والرواية يتعين العمل بها، والظاهر انهما واردتان في الحرة، اما الامة فالاقوى الارش. تذنيب: قال ابن ادريس: إذا زنى بامراة فإن كانت أمة ثيبا مطاوعة فلا شئ لمولاها، لنهي النبي - صلى الله عليه وآله - عن مهر البغي، فان كانت مكرهة فعلى الزاني لمولاها مهر أمثالها، وذهب بعض أصحابنا الى ان عليه نصف عشر ثمنها. قال: والاول (هو) الصحيح، لان هذا ورد في من اشترى جارية ووطاها وكانت حاملا واراد ردها فانه يردها ويرد معها نصف عشر ثمنها، والقياس عندنا باطل. وان كانت بكرا فان اكرهها فعليه مهر امثالها وعليه ما نقص من قيمتها قبل افتضاضها، وهو ارش البكارة يجمع بين الشيئين معا بين المهر وما نقص من القيمة، لان احدهما لا يدخل في الاخر الزمناه المهر، لانها مكرهة غير بغي، وما نقص من القيمة ياخذ بكارتها، لانها جناية على مال الغير، فيجب ان يلزمها بارش ما جناه واتلفه. وان كانت مطاوعة فلا مهر، لانها بغي، بل عليه ما نقص من قيمتها فحسب، وان كانت حرة ثيبا مطاوعة عاقلة فلا شئ لها، وان كانت مكرهة فعليه عقرها وهو مهر امثالها، لانها غير بغي وإن كانت بكرا مطاوعة فلا شئ لها، لانها زانية وبكارتها ذهبت باختيارها، وان كانت مكرهة فلها مهر نسائها فحسب دون ارش البكارة ولا يجمع بينهما (2). وقد سبق البحث في ذلك. مسالة: قال الشيخان: المحصن الذي يجب عليه الجلد ثم الرجم يجلد اولا ثم يترك حتى يبرا جلده، فإذا برأ رجم (3). وتبعهما ابن البراج (4)، وابو

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 47 ح 173، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 409 - 410.
(2) السرائر: ج 3 ص 449 - 450، مع اختلاف.
(3) المقنعة: ص 775، النهاية ونكتها: ج 3 ص 298 - 299.
(4) المهذب: ج 2 ص 527.

[ 153 ]

الصلاح (1). وقال سلار: يجلد الزاني اولا مائة جلدة ثم يرجم حتى يموت (2). وقال ابن الجنيد: ويجلد المحصن قبل رجمه بيوم. وقال ابن إدريس: وروى أصحابنا أنه لا يرجم حتى يبرا جلده، فإذا برئ رجم. والاولى حمل الرواية على جهة الاستحباب دون الفرض والايجاب، لان الغرض في الرجم اتلافه وهلاكه (3). ونمنع كون الغرض الاتلاف مطلقا، بل جاز ان يكون بعض الغرض ويكون البعض الاخر قصد التعذيب. مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان الرجم وجب عليهما باقرارهما على أنفسهما ثم فر أحدهما وكان قد أصابهما شئ من الحجر لم يردا ويتركا حتى يمضيا، فإن فرا قبل أن ينالهما شئ من الحجر ردا على كل حال، وإن كان قد وجب بالبينة رد حتى يستوفى منه الحد بالرجم (4). وتبعه ابن البراج (5)، ونحوه قال ابن الجنيد. وقال المفيد: إن فر من البئر وقت الرجم وكان عليه شهود بالزنا رد إليها ورجم حتى يموت، وإن فر منها ولم يكن عليه شهود وإنما اخذ باقراره ترك ولم يرد، لان فراره رجوع عن الاقرار وهو أعلم بنفسه (6). ولم يشرط في عدم الرد إصابة الحجر، وكذا سلار (7)، وأبو الصلاح (8). ولما نقل ابن ادريس كلام الشيخين قال: ولي في ذلك نظر (9). والصدوق قال في المقنع (10) كقول المفيد، ثم قال: وروي في المرجوم إذا فر

(1) الكافر في الفقه: ص 407.
(2) المراسم: ص 252.
(3) السرائر: ج 3 ص 451.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 299.
(5) المهذب: ج 2 ص 527.
(6) المقنعة: ص 775.
(7) المراسم: ص 252.
(8) الكافي في الفقه: ص 407.
(9) السرائر: ج 3 ص 452.
(10) المقنع: ص 144.

[ 154 ]

أنه إن كان اصابه الم الحجارة فلا يرد، وإن لم يكن اصابه الم الحجارة فليرد حتى يصيبه الم الحجارة (1). وقول المفيد عندي اقوى. وقد روى الشيخ عن الحسين بن خالد قال: قلت لابي الحسن - عليه السلام -: اخبرني عن المحصن إذا هو هرب من الحفرة هل يرد حتى يقام عليه الحد؟ فقال: يرد ولا يرد، قلت: كيف ذاك؟ فقال: إذا كان هو المقر على نفسه ثم هرب من الحفرة بعد ما يصيبه شئ من الحجارة لم يرد، وان كان انما قامت عليه البينة وهو يجحد ثم هرب يرد وهو صاغر حتى يقام عليه الحد (2). فان صحت هذه الرواية تعين المصير إليها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أراد الوالي ضرب الزانى أو رجمه ينبغى ان يشعر الناس بالحضور ثم يجلدهما بمحضر منهم لينزجروا عن مواقعة مثله، قال تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " واقل ما يحضر عذابهما واحد فصاعدا (3). والبحث هنا يقع في أمرين: الاول: في وجوب الحضور، وكلام الشيخ هنا لا يشعر به، لان لفظة " ينبغي " يستعملها الشيخ في هذا الكتاب تارة للوجوب، واخرى للاستحباب وهى أكثر. وقال في الخلاف: يستحب ان يحضر عند اقامة الحد على الزانى طائفة من المؤمنين بلا خلاف، لقوله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (4).

(1) لم نعثر عليه في المقنع ووجدناه في من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 34 ذيل الحديث 5020.
(2) الكافي: ج 7 ص 185 ح 5، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 376.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 300، وفيه: " ثم يجلده بمحضر ".
(4) الخلاف: ج 5: 374، المسألة 11.

[ 155 ]

ومثله قال في المبسوط (1)، وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: وإذا اراد الامام أو خليفته جلد الزانيين نادى بحضور جلدهما، وإذا اجتمع الناس جلدهما بممحضرمنهم لينزجر من يشاهدهما عن مثل ما اتياه ويكونا عبرة لغيرهما وموعظة لمن سواهما، قال تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (3). وقال أبو الصلاح: وإذا أراد ولى الامر اقامة الحد على الزانيين أو أحدهما فليكن ذلك بمحضر من جماعة من المسلمين (4). وقال ابن حمزة: يعتبر وقت اقامة الحد اربعة اشياء: احضار طائفة من خيار الناس (5). وقال ابن ادريس: الذى اذهب إليه ان الحضور واجب، لقوله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ولا خلاف انه أمر، والامر للوجوب (6). ولا بأس بقوله هنا. الثاني: في أقل عدد يحضر قال الشيخ في النهاية: واقل ما يحضر عذابهما واحد (7). وقال في الخلاف: اقل ذلك عشرة، قال: وبه قال الحسن البصري، وقال ابن عباس: أقله واحد، وروى ذلك أيضا أصحابنا، وقال عكرمة: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، وقال الشافعي: أربعة، ثم استدل بالاحتياط، لانه إذا حضر عشرة دخل الاقل فيه، ولو قلنا: باحد ما قالوه لكان قويا: لان لفظ الطائفة يقع على جميع ذلك (8).

(1) المبسوط: ج 8 ص 8.
(2) المهذب: ج 2 ص 528.
(3) المقنعة: ص 780 - 781.
(4) الكافي في الفقه: ص 406.
(5) الوسيلة: ص 412.
(6) السرائر: ج 3 ص 453.
(7) النهاية ونكتها: ج 3 ص 300.
(8) الخلاف: ج 5: 374 - 375، المسألة 11.

[ 156 ]

وقال ابن ادريس: الذى أقول في الاقل أنه ثلاثة نفر، لانه من حيث العرف دون الوضع، والعرف إذا طرا صار الحكم له دون الوضع الاصلي، وشاهد الحال يقتضي ذلك وألفاظ الاخبار، لان الحد إن كان قد وجب بالبينة فالبينة ترجمه وتحضره وهم أكثر من ثلاثة، وإن كان باعترافه (1) فاول من يرجمه الامام ثم الناس مع الامام، وإن كان المراد والمعنى حضور غير الشهود والامام، فالعرف والعادة اليوم ان اقل ما يقال: جئنا في طائفة من الناس أو جاءنا طائفة من الناس المراد به الجماعة عرفا وعادة، واقل الجمع ثلاثة، وشاهد الحال يقتضى انه اراد تعالى الجمع، وفيه الاحتياط، وخيرة شيخنا في الخلاف لا وجه له، فأما الرواية فمن أخبار الاحاد، وقد بينا ما في ذلك (2). والمعتمد في ذلك: المصير الى العرف، فمهما دل عليه لفظ " الطائفة " صرف إليه، وإلا فعلى الموضوع اللغوى، لانتفاء العرف الشرعي فيه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: وقضى امير المؤمنين - عليه السلام - في من اقر على نفسه بحد ولم يبينه أن يضرب حتى ينهى هو عن نفسه الحد (3). وأفتى به ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: ومن اقر على نفسه بحد ولم يبينه ضرب اعلى الحدود وهى المائة، الا ينهى هو عن نفسه من دونها، وبعد تجاوز الحد الذى هو الثمانون فإن نهى عن نفسه قبل بلوغ الثمانين سوطا - الذى هو حد شارب الخمر - فلا يقبل منه وضرب الى أن يبلغه. فهذا تحرير هذه الفتيا. وقد روى انه يضرب حتى ينهى هو عن نفسه الحد (5). والمعتمد: الاول، لما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - عن امير

(1) في المصدر: وان كان الحد باعترافه.
(2) السرائر: ج 3 ص 454.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 303 - 304.
(4) المهذب: ج 2 ص 529.
(5) السرائر: ج 3 ص 455 - 456.

[ 157 ]

المؤمنين - عليه السلام - في رجل اقر على نفسه بحد ولم يسم أي حد هو، قال: امر ان يجلد حتى يكون هو الذى ينهى عن نفسه الحد (1). ولان حد القواد أقل من ثمانين فكيف يتعين الثمانون؟!. ولان التعزير قد سمى حدا مجازا، والاصل براءة الذمة الذمة فجاز ارادته. مسألة قال الشيخ في النهاية (2)، وابن البراج (3)، وابن ادريس (4) إذا شهد الاربعة بوطء ما دون الفرج ولم يشهدوا بالزنا قبلت شهادتهم ووجب على فاعل ذلك التعزير، وأطلقوا. وقال المفيد: يجب التعزير بحسب ما يراه الامام من عشر جلدات الى تسعة وتسعين جلدة (5). وفى تقدير شيخنا اشكال. والاقرب انه بحسب ما يراه الامام، فجاز ان يقتضى المصلحة جلدة اقل من عشر جلدات. مسالة: قال المفيد - رحمه الله -: وان اختلفت الشهود في الرؤية بطلت شهادتهم، فان كانت وقعت بازنا جلدوا الحد، وإن كانت وقعت بغيره مما ذكرناه وجب عليهم التاديب (6). والمعتمد ان الاختلاف في القسم الثاني ان كان على وجه يمتنع الجمع بين شهاداتهم وجب التاديب، وان أمكن وجب التاديب على المشهود عليه، إذا لا يشترط الاربعة في الشهادة على ذلك.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 45 ح 160، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب مقدمات الحدود واحكامها العامة ح 1 ج 18 ص 318.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 283.
(3) المهذب: ج 2 ص 525. (4) السرائر: ج 3 ص 429.
(5) و (6) المقنعة: ص 774.

[ 158 ]

مسالة: قال المفيد: إذا اقر على نفسه بالزنا اربع مرات على اختيار منه للاقرار وجب عليه الحد (1)، واطلق. ولم يشترط تعدد المجالس. وكذا اطلق الشيخ في النهاية (2)، وابن البراج (3)، وابن ادريس (4). وقال الشيخ في الخلاف (5)، والمبسوط (6): لا يجب الحد بالزنا إلا بالاقرار أربع مرات في أربعة مجالس. والمعتمد الاول. لنا: الاصل عدم الاشتراط. ولان تعدد المجالس لا مدخل لها في قبول الاقرار وعدمه، إذ لا يثمر ظنا ولا علما بصدق المقر أو بكذبه. وما رواه جميل، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين ولا يرجم الزانى حتى يقر اربع مرات (7). احتج الشيخ بما رواه أبو العباس، عن الصادق - عليه السلام - قال: اتى النبي - صلى الله عليه وآله - رجل فقال: إني زنيت، فصرف النبي - صلى الله عليه وآله - وجهه عنه، فأتاه من جانبه الاخر ثم قال مثل ما قال، فصرف وجهه عنه، ثم جاء إليه الثالثة فقال: يارسول الله انى زنيت وعذاب الدنيا أهون على من عذاب الاخرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -:

(1) المقنعة: ص 775.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 281.
(3) المهذب: ص 524.
(4) السرائر: ج 3 ص 429.
(5) الخلاف: ج 5: 377، المسالة 16.
(6) المبسوط: ج 8 ص 4.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 8 ح 21، وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 380.

[ 159 ]

أبصاحبكم باس - يعني جنة -؟ قالوا: لا، فاقر على نفسه الرابعة، فامر رسول الله - صلى الله عليه وآله - أن يرجم (1). والجواب: انه لا حجة فيه، لانه وقع اتفاق لا انه شرط. مسالة: قال الشيخ في النهاية: فإذا اراد الامام ان يرجمه فان كان الذي وجب عليه ذلك قد قامت عليه به بينة امر أن يحفر له حفيرة ودفن فيها الى حقويه ثم يرجم، والمراة مثل ذلك تدفن الى صدرها ثم ترجم (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن ادريس (4). وقال المفيد: يحفر له حفيرة الى صدره ثم يرجم بعد ذلك، وإذا وجب على المراة رجم حفر لها بئرا الى صدرها كما يحفر للرجل ثم تدفن فيها الى وسطها وترجم، هذا ان كان عليها شهود بالزنا، وان كانت مقرة بلا شهود لم تدفن وتركت كما ترك الرجل، فان خرجت هاربة لم ترد (5). وقال الصدوق: والرجم ان يحفر له حفيرة مقدار ما يقوم فيها فيكون بطوله الى عنقه (6). وقال سلار: يحفر له حفيرة ويقام فيها الى صدره ثم يرجم، والمراة تقام الى وسطها (7).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 8 ح 22، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 376.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 299.
(3) المهذب: ج 2 ص 527.
(4) السرائر: ج 3 ص 451 - 452.
(5) المقنعة: ص 775، 780.
(6) المقنعة: ص 144.
(7) المراسم: ص 252.

[ 160 ]

وقال أبو الصلاح: فإن كان حدهما أو أحدهما رجما فليحفر زبية (1) ويجعل فيها المرجوم ويرد التراب عليه الى صدره إن كانت اقامة الحد بعلم الامام أو ببينة، وإن كانت باقرار لم يرد عليهما التراب (2). وفي رواية سماعة عن الصادق - عليه السلام - قال: تدفن المرأة الى وسطها ثم يرمي الامام ويرمي الناس بأحجار صغار، ولا يدفن الرجل إذا رجم الا الى حقويه (3). ولا باس بالعمل بمضمونها. مسألة: قال أبو الصلاح: أو يعلمه سلطان الحد (4) زانيا، وهو ممن يصح منه القصد، سواء كان مختارا له أو مكرها صاحيا أو (5) سكرانا (6). وفيه اشكال، فإن الاكراه يتحقق في طرف المرأة قطعا، وفي تحققه في الرجل اشكال: ينشأ من انه لا يحصل الا مع ميل وقصد، فان الخوف يقطع الشهوة ويمنع الانتشار، فإذا وطأ لم يكن مكرها. ومن ان الخوف من الا يفعل، والفعل لا يخاف منه، فلا يمنع ذلك قدرته عليه. وبالجملة فان قلنا: يتحقق الاكراه في طرف الرجل سقط الحد، وان قلنا:

(1) الزبية: حفرة تحفر للاسد، سميت بذلك لانهم كانوا يحفرونها في موضع عالى (الصحاح: ج 3 ص 2366).
(2) الكافي في الفقه: ص 406 - 407. (3) الكافي: ج 7 ص 184 - 185 ح 4، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 374 - 375، وفيهما: " حتى يقر باحجار ".
(4) في الطبعة الحجرية وق 2 وم 3: الحق - عليه السلام - وما اثبتناه من المصدر.
(5) في المصدر: ام.
(6) الكافي في الفقه: ص 404.

[ 161 ]

لا يتحقق بطل قوله: " أو مكرها ". وأما المراة فان الاكراه يسقط عنها الحد قطعا، مع ان الشيخين (1) قالا في باب الزنا - وتبعهما ابن البراج (2) وغيره -: انه لا حد مع اكراه واجبار، وانما يجب الحد بالافعال المحظورة على الاختيار. مسالة: قال الشيخان (3)، وابن البراج (4): حكم الزنا بالمراة في الدبر الحكم الزنا في القبل. وهو المشهور ايضا. وقال ابن حمزة: وفي الوطء في دبره المراة قولان: احدهما: ان يكون زنى - وهو الا ثبت - والثاني: وان يكون لواطا (5). والمشهور هو الاول، فتعين المصير إليه. مسالة: قال الشيخان: يجلد الزاني ويتقى وجهه ورأسه وفرجه (6)، وكذا قال ابن البراج (7). وقال الشيخ في الخلاف: يفرق حد الزاني على جميع البدن إلا الوجه والفرج، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إلا الوجه والفرج والراس. دليلنا: إجماع الفرقة (8). وقال في المبسوط: إذا اقيم الحد على الزاني فرق الضرب على بدنه، ويتقى

(1) المقنعة: ص 784، النهاية ونكتها: ج 3 ص 296.
(2) المهذب: ج 2 ص 524.
(3) المقنعة: ص 776، النهاية ونكتها: ج 3 ص 283.
(4) المهذب: ج 2 ص 525.
(5) الوسيلة: ص 409.
(6) المقنعة: ص 775، النهاية ونكتها: ج 3 ص 299.
(7) المهذب: ج 2 ص 527. (8) الخلاف: ج 3 ص 178 المسالة 12.

[ 162 ]

الوجه والفرج. وقال بعضهم: إلا الوجه والفرج والراس (1). وقال الصدوق في المقنع (2) وأبوه في الرسالة: والضرب يكون على جسديهما إلا الوجه والفرج. وقال ابن ابي عقيل: ويرجم سائر جسده إلا وجهه. ولم يذكر حكم الجلد. وقال أبو الصلاح: يضرب سائر بدنه أشد الضرب ما عدا رأسه وفرجه (3). والوجه الاول. لنا: ان الراس فيه مقتل ويخاف منه العمى وزوال العقل والمقصود الردع دون الاتلاف. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو زنى الزاني مرارا بامراة واحدة وجب حد واحد، فان زنى بجماعة نساء في ساعة واحدة حد لكل امرأإ حدا. وبه قال الصدوق في المقنع (4). ولم يفصل شيخنا ذلك، بل قال في النهاية: فان زنى اربع مرات أو أكثر من ذلك ولم يقم عليه فيها الحد فليس عليه أكثر من مائة جلدة (5). وهو المشهور بين علمائنا، فيتعين المصير إليه. احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يزني في اليوم الواحد مرات كثيرة، قال: فقال: إن زنى بامراة واحدة كذا وكذا مرة فانما عليه حد واحد، وان هو زنى بنسوة شتى في يوم واحد في ساعة واحدة فان عليه في كل امراة فجر بها حدا (6).

(1) المبسوط: ج 8 ص 8.
(2) المقنع: 143.
(3) الكافي في الفقه: ص 407.
(4) المقنع: ص 147.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 288، وفيه: " ولم يقم عليه الحد ".
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 37 ح 131، وسائل الشيعة: ب 23 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 392 - 393.

[ 163 ]

والجواب: المنع من صحة السند، فان في طريقه على بن ابي حمزة. مسالة: قال الشيخ في النهاية - وهو المشهور -: ان الرجل يجلد قائما على حالته التي وجد عليها إن وجد عريانا جلد كذلك، وان وجد وعليه ثياب ضرب وعليه ثيابه، والمراة إذا اريد جلدها ضربت مثل الرجل، غير أنها لا تضرب قائمة بل تضرب وهي جالسة عليها ثيابها قد ربطت عليها، لئلا تنهتك فتبدو عورتها (1). وقال الصدوق في المقنع: ويجلدان في ثيابهما التي كانت عليهما حين زنيا، وان وجدا مجردين ضربا مجردين (2). والمعتمد الاول. لنا: ان جسد المراة عورة، فلا يجوز تجريدها كعورة الرجل. مسالة: قال الصدوق في المقنع: وإذا وقع الرجل على مكاتبته فان كانت ادت الربع ضربت الحد، وان كان محصنا رجم، وان لم تكن ادت شيئا فليس عليه شئ (3). والوجه ان نقول: إن كانت الكتابة مطلقة جلد المولى بقدر ما تحرر منها وسقط بقدر ما بقي منها، لان شبهة الملك متمكنة فيه. ولما رواه الحسين بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن رجل كانت له امة فكاتبها فقالت الامة: ما اديت من مكاتبتي فانا به حرة على حساب ذلك فقال لها: نعم فادت بعض مكاتبتها وجامعها مولاها بعد ذلك، فقال: ان كان استكرهها على ذلك ضرب من الحد بقدر ما أدت من مكاتبتها وادرأ عنه من الحد بقدر ما بقي له من مكاتبتها، وإن كانت تابعته كانت

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 299 - 300.
(2) المقنع: ص 144، وليس فيه " وان وجدا مجردين ضربا مجردين ".
(3) المقنع: ص 145.

[ 164 ]

شريكته في الحد ضربت مثل ما يضرب (1). احتج بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - عن رجل وقع على مكاتبته، قال: إن كانت أدت الربع جلد، وإن كان محصنا رجم، وإن لم تكن أدت شيئا فليس عليه شئ (2). والجواب: القول بالموجب، فانه لم يذكر في الرواية كمية الجلد، واما الرجم فيحمل على ما إذا أدت جميع مال الكتابة. مسالة: قال الصدوق في المقنع: ولا يرجم إن زنى الرجل بيهودية أو نصرانية أو أمة (3). والوجه الرجم، لانه محصن زان فكان عليه الرجم كغيره، للعموم الشامل لهما معا. قال: فإن فجر بامرأة حرة وله امراة حرة فان عليه الرجم، وكما لا تحصنه الامة واليهودية والنصرانية إن زنى بحرة فكذلك لا يكون عليه حد المحصن إن زنى بيهودية أو نصرانية أو امة وتحته حرة (4). ونحن نمنع عدم الاحصان باليهودية والامة، ونمنع القياس ايضا. قال: والحر إذا زنى بغير محصنة ضرب مائة جلدة، فان عاد ضرب مائة جلدة، فان عاد الثالثة قتل (5). وفي تقييد زناه بغير المحصنة لا فائدة له، وانما الفائدة فيه فانه ان كان محصنا رجم وان كانت المرأة غير محصنة، وان لم يكن محصنا جلد وان كانت محصنة.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 29 ح 94، وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 406: وفيه: " وأدرأ عنه الحد ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 29 ح 95، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 406.
(3) و (4) و (5) المقنع: ص 148.

[ 165 ]

اللهم إلا أن يعتقد ان الرجم انما يجب لو كانا معا محصنين، وهو ممنوع. مسالة: قال الصدوق في المقنع: وإذا شهد اربعة عبيد على رجل بالزنا لم يجلد ولم يرجم (1). ولا أعرف على الشهود حدا، مع انه قال في باب القضايا والاحكام، وشهادة العبد إذا كان عدلا لا باس بها لغير سيده (2). وأول من رد شهادة المملوك عمر، فعلى هذا الاولى وجوب الحد. مسالة: المشهور عند علمائنا انه لا يقبل الاقرار بالزنا الا اربع مرات، ذهب إليه الشيخان (3)، وابن الجنيد وغيرهم. وقال ابن أبي عقيل: إذا اقر الرجل أو المراة بالزنا ثم حجدا جلدا، وقد قيل: إذا أقر المحصن بالزنا رد أربع مرات ثم رجم. وهذا يعطي قبول المرة الواحدة. والمعتمد الاول، لان التشديد في الشهادة يناسب التشديد في الاقرار. وما رواه جميل: عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يرجم الزاني حتى يقر اربع مرات (4). وحديث المقر عند النبي - صلى الله عليه وآله - (5) يدل عليه. فان احتج بما رواه الفضيل في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أقر على نفسه عند الامام بحق حد من حدود الله مرة واحدة حرا كان أو

(1) لم نعثر عليه.
(2) المقنع: ص 133.
(3) المقنعة: ص 775، النهاية ونكتها: ج 3 ص 281.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 8 ح 21، وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 380.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 8 ح 22، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 376.

[ 166 ]

عبدا أو حرة كانت أو أمة فعلى الامام أن يقيم الحد عليه للذي أقر به على نفسه كائنا من كان، إلا الزاني المحصن فانه لا يرجمه حتى يشهد عليه اربعة شهود (1). والجواب: المراد بذلك غير حد الزنا. واعلم ان كلام ابن أبي عقيل ليس بقاطع على المخالفة، فان قصدها صارت المسالة خلافية، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد الاربعة باجتماع الرجل مع المرأة في ازار واحد مجردين من ثيابهما أو شهدوا بوطء ما دون الفرج ولم يشهدوا بالزنا قبلت شهادتهم، ووجب على فاعل ذلك التعزير (2). وقال المفيد: فان شهدوا عليه بما عاينوه من اجتماع في إزار والتصاق جسم بجسم وما أشبه ذلك ولم يشهدوا عليه بالزنا قبلت شهادتهم، ووجب على الرجل والمراة التعزير حسب ما يراه الامام من عشر جلدات الى تسع وتسعين جلدة، ولا يبلغ التعزير في هذا الباب حد الزنا المختص به في شريعة الاسلام (3). وقال الشيخ في الخلاف: روى أصحابنا في الرجل إذا وجد مع امراة أجنبية يقبلها ويعانقها في فراش واحد ان عليهما مائة جلدة، وروي ذلك عن علي - عليه السلام - وقد روي ان عليهما أقل من الحد (4). والمعتمد الاول. لنا: انه لم يثبت الزنا فلا يثبت مقتضاه. وما رواه حريز في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - وجد رجلا وامرأة في لحاف فجلد كل واحد منهما مائة سوط الا

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 7 ح 20، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الحدود ح 1 ج 18 ص 343.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 283.
(3) المقنعة: ص 774.
(4) الخلاف: ج 5: 373 - 374 المسالة 9.

[ 167 ]

سوطا (1). وعن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل والمراة يوجدان في لحاف واحد، قال: فقال: يجلدان مائة غير سوط (2). وأما الرواية التي نقلها الشيخ في الخلاف فقد رواها في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: حد الجلد أن يوجدا في لحاف واحد (3). وعن عبد الرحمان الحذاء، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: إذا وجد الرجل والمرأة في لحاف واحد جلدا مائة (4). وغير ذلك من الاخبار. والجواب: قال الشيخ: إنه محمول على انه إذا انضاف الى ذلك وقوع الفعل منهما وعلم الامام ذلك، أو على انه إذا تكرر منه ذلك وعزره الامام مرتين أو ثلاثا (5). مسالة: قال الشيخ في النهاية: إن كان الذي وجب عليه الرجم قد قامت عليه به البينة كان أول من يرجمه الشهود ثم الامام ثم الناس، وإذا كان قد وجب عليه (6) ذلك بالاقرار كان أول من يرجمه الامام ثم الناس (7). ولم يصرح

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 41 ح 145، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 20 ج 18 ص 367.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 40 ح 141، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 364.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 42 ح 148، وفيه: " أن يؤخذا "، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 363.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 43 ح 153، وفيه: " جلدا مائة مائة " وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 5 ج 18 ص 364، فيه: " جلدا مائة جلدة ".
(5) الاستبصار: ج 4 ص 216 ذيل الحديث 808 - 810.
(6) في الطبعة الحجرية: عليهما.
(7) النهاية ونكتها: ج 3 ص 299.

[ 168 ]

في ذلك بوجوب ما فصله. وكذا قال شيخنا المفيد (1)، وعلي بن بابوية، والصدوق (2)، وابن البراج (3)، وابن ادريس (4). وقال ابن الجنيد: والوالي ان كان المرجوم مقرا يحتاج الى ان يحضر الرجم ويكون اول من يرمى، وان كانت البينة قامت بالزنا كان الشهود اول من يرجم بها إن احتيج إليه حتى يعرف منه. وقال ابن حمزة: يعتبر وقت اقامة الحد أربعة اشياء: احضار طائفة من خيار الناس، وأن لا يرميه من كان لله في جنبه حد مثله، وان يرميه الامام اولا إن ثبت بالاعتراف، والشهود إن ثبت بالبينة (5). وهذان القولان يشعران بالوجوب. وقال الشيخ في الخلاف: إذا ثبت الزنا بالبينة لم يجب على الشهود حضور موضع الرجم، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمهم ذلك. ثم استدل باصالة براءة الذمة، وايجاب الحضور يحتاج الى دليل. قال: وقد روى اصحابنا انه إذا وجب الرجم فاول من يرجمه الشهود ثم الامام، وإن كان مقرا على نفسه كان اول من يرجمه الامام، فعلى هذا يلزمهم الحضور. ثم قال: وإذا حضر الامام والشهود موضع الرجم فان كان الحد ثبت بالاقرار وجب على الامام البداة ثم يتبعه الناس، وان كان ثبت بالبينة بدا اولا الشهود ثم الامام ثم الناس (6). وقال في المبسوط: يجوز للامام ان يحضر عند من وجب عليه الرجم، وليس

(1) المقنعة: ص 775.
(2) لم نعثر عليه في المقنع والهداية وذكرها رواية في من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 28 ح 5009.
(3) المهذب: ج 2 ص 527.
(4) السرائر: ج 3 ص 452.
(5) الوسيلة: ص 412.
(6) الخلاف: ج 5: 376 - 377 المسالة 24 و 15.

[ 169 ]

من شرط استيفائه حضور شاهد الامام ولا الامام، لان النبي - صلى الله عليه وآله - رجم ما عزا والمشهودين (1) ولم يحضرهم، هذا إذا ثبت باعترافه، فأما إذا ثبت بالبينة فليس من شرطه حضور الشهود. وروى اصحابنا انه يبدا الشهود بالرجم إن ثبت بالبينة ثم الامام ثم الناس، وان ثبت باعترافه بدا برجمه الامام ثم الناس. وهذا يدل على ان من شرطه حضور الامام والشهود، وبه قال جماعة (2). وقال سلار: ان كان بالشهادة حد رجمه الشهود اولا ثم غيرهم، وان كان بالاقرار رجمه من يامر الامام بذلك (3). والمعتمد عدم الوجوب، لان النبي - صلى الله عليه وآله - امر برجم ما عز ولم يحضره، ولاصالة البراءة نعم يستحب الحضور، لان الامام اعرف بكيفية استيفاء الحد. ولان ماعزا هرب بعد ان مسته الحجارة فلقيه الزبير فضربه يساق بعير فعقله فادركه الناس فقتلوه، فاخبروا النبي - صلى الله عليه وآله - بذلك فقال: هلا تركتموه! (4). والشيخ - رحمه الله - روى عن صفوان، عمن رواه، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اقر الزاني المحصن كان اول من يرجمه الامام ثم الناس، فإذا قامت عليه البينة كان اول من يرجمه البينة ثم الامام ثم الناس (5). والحديث مرسل، وفي طريقه ابن فضال، ولا دلالة فيه على الوجوب.

(1) وفي المطبوع: والشهود به، وفي المصدر اليهوديين.
(2) المبسوط: ج 8 ص 4. (3) المراسم: ص 252.
(4) الكافي: ج 7 ص 185 ح 5، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد الزنا ح 1 ج 18 ص 376.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 34 ح 114، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 374.

[ 170 ]

تذنيب: قال الشيخ في الخلاف: إذا تكامل شهود الزنا اربعة شهدوا به ثم ماتوا أو غابوا جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم ويقيم الحد على المشهود عليه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: متى غابوا أو ماتوا لم يجز له ان يحكم بشهادتهم. واستدل بأنه إذا ثبت الحكم بها جاز تنفيذه مع غيبة الشهود كسائر الشهادات، ومن قال: يسقط فعليه الدلالة (1). وقال في المبسوط: إذا تكامل شهود الزنا أربعة شهدوا به ثم ماتوا أو غابوا جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم ويقيم الحد على المشهود عليه، وقال قوم: لا يجوز، وهذا الذي يقتضيه مذهبنا، لانا قد بينا ان البينة تبدأ برجمه وإن كان ما يوجب الحد. والاول اقوى (2). والوجه ما قاله في الخلاف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ردت شهادة بعض الاربعة بأمر خفي اقيم الحد على المردود الشهادة دون الثلاثة الباقية (3). وقال في المبسوط: المردود الشهادة قال قوم: لاحد عليه، وهو الاقوى عندي (4). والمعتمد ما قاله الشيخ في الخلاف. لنا: انه مردود الشهادة فيجب عليه الحد، كما لو ردت بامر ظاهر. احتج الشيخ بانه قد لا يعلم انه ترد شهادته بما ردت به فكان كالثلاثة. والجواب: الفرق، فانه يعلم انه على سبب ترد به الشهادة لو علم به، بخلاف الشهود. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان مرضه مما لا يرجى زواله وكان

(1) الخلاف: ج 5: 378 - 388، المسالة 30.
(2) المبسوط: ج 8 ص 9.
(3) الخلاف: ج 5: 391 المسالة 33. (4) المبسوط: ج 8 ص 9.

[ 171 ]

نضو الخلقة ضرب بأطراف الثياب واثكال النخل، وقال بعضهم: يضرب بالسياط ويجلد، وروى أصحابنا انه يضرب بضغث فيه مائة شمراخ. فان أفتى بالاول صارت المسألة خلافية، والظاهر انه قال ذلك نقلا عن غيره من فقهاء الجمهور. ثم قال: إذا وجب عليه الرجم وهناك مرض أو كان الزمان غير معتدل وثبت الرجم بالبينة اقيم في الحال وإن ثبت بالاقرار اخر الى اعتدال الزمان، لانه ربما مسته الحجارة فيرجع (1) فيعين الزمان على قتله. وروى اصحابنا ان الرجم يقام عليه، ولم يفصلوا (2). والبحث هنا كالاول، وابن حمزة وافقه (3)، ولا باس به. ثم قال: ان ثبت الحد بالاعتراف لم يحفر له، لان النبي - صلى الله عليه وآله - لم يحفر لماعز، وان ثبت بالبينة فان كان رجلا لم يحفر له، لانه ليس بعورة، وان كان امراة حفر لها، لان النبي - صلى الله عليه وآله - حفر للعامرية (4) الى الصدر. وروى اصحابنا انه يحفر لمن يجب عليه الرجم، ولم يفصلوا (5). والكلام هنا كما تقدم. وقال ايضا: إذا رجع احد الاربعة وقال: عمدت واخطا اصحابي فلا قود وعليه ربع الدية (6). والمعتمد ان عليه القود بعد ان يرد الولي عليه ثلاثة ارباع الدية. مسالة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تكامل شهود الزنا فقد ثبت الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا في مجلس أو مجالس، وشهادتهم متفرقين احوط (7). وقال ابن حمزة: وانما تقبل البينة مع ثبوت العدالة بستة شروط قيامها في

(1) كذا في (ق 2)، (م 3) وفاقا للمصدر، وفي المطبوع فيوجع.
(2) المبسوط: ج 8 ص 5.
(3) الوسيلة: ص 412.
(4) في المطبوع: الغامدية.
(5) المبسوط: ج 8 ص 6.
(6) المبسوط: ج 8 ص 10. (7) الخلاف: ج 5: 388 المسالة 31.

[ 172 ]

مجلس واحد (1). والمعتمد ما قاله الشيخ للعموم، ولاستحباب تفريق الشهود. وان قصد ابن حمزة اجتماعهم لاقامة الشهادة دفعة صح كلامه، لانه المذهب عندنا. وقال سلار: كل حدود الزنا على اختلافه لا تثبت إلا بشهادة أربعة رجال على الوجه الذي ذكرناه في مجلس واحد (2). مسالة: قال الشيخ في النهاية حين قسم الزناة الى من يجب عليه القتل على كل حال وعد من جملتهم: من زنى بامراة ابيه وجب عليه القتل (3). وتبعه ابن البراج (4). وكذا قال ابن حمزة، وأضاف إليه: من زنى بجارية أبيه التي وطأها (5). وأضاف ابن ادريس الى ما قاله الشيخ: من زنى بامرأة ابنه أيضا (6). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أصالة البراءة. ولان عصمة نفس الانسان أمر مطلوب للشارع، فلا يصار الى خلافه إلا بدليل، على ان الجارية ليس لها حرمة الحرة، فلا يثبت بها ما يثبت في الزنا بزوجة الاب. وسلار قال - ونعم ما قال -: ومن زنى بجارية ابيه جلد الحد، فان زنى الاب بجارية الابن عزر (7). وقول ابن ادريس أيضا ضعيف، لان حرمة الابن اقل من حرمة الاب، فلا يجب على الاب القتل بالزنا بزوجة الابن.

(1) الوسيلة: ص 409.
(2) المراسم: ص 252، وفيه: " على اختلافها ".
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 286 و 287.
(4) المهذب: ج 2 ص 519.
(5) الوسيلة: ص 410.
(6) السرائر: ج 3 ص 438.
(7) المراسم: ص 253.

[ 173 ]

مسالة: قال الصدوق في كتاب المقنع: وإذا جامع الرجل وليدة امراته فعليه جلد مائة (1). وروى في كتاب من لا يحضره الفقيه عن وهب بن وهب، عن الصادق - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - اتي برجل وقع على جارية امرأته فحملت فقال الرجل: وهبتها لي وانكرت المراة، فقال: لتأتيني بالشهود أو لارجمنك بالحجارة، فلما رات المراة ذلك اعترفت، فجلدها علي - عليه السلام - الحد. ثم قال الصدوق: قال مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الحديث هكذا: ورواه وهب بن وهب، وهو ضعيف. قال: والذي افتي به واعتمده في هذا المعنى ما رواه الحسن بن محبوب، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر - عليه السلام - في الذي ياتي وليدة امراته بغير اذنها عليه ما على الزاني يجلد مائة (2). وأما الشيخ فلما روى في التهذيب حديث محمد بن مسلم هذا قال: لا ينافي ان يجب معه أيضا الرجم، لانا قد بينا ان المحصن يجب عليه ان يجمع بين الشيئين إذا كان بالصفة التي ذكرناها، وليس فيه انه لا يجب عليه الرجم، والذي يدل على انه يجب عليه الرجم ما قد ثبت انه زان، وكل ما دل على ان الزاني يجب عليه الرجم يدل على وجوبه عليه، وقوله - عليه السلام -: " عليه مثل ما على الزاني " ايضا يؤكد ذلك. ويزيده بيانا ما رواه احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سهل، عن زكريا بن آدم قال: سالت الرضا - عليه السلام - عن رجل وطأ جارية امراته ولم تهبها له، قال: هوزان عليه الرجم. ثم روى عقيبه حديث وهب بن وهب (3).

(1) المقنع: ص 145.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 34 - 35 ح 5023 وذيله وح 5024.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 13 و 14 ح 31 وذيل الحديث 33 وح 34 وح 35.

[ 174 ]

وهذا يدل على ان الشيخ يذهب الى وجوب الرجم عليه، ولا باس به مع انتفاء الشبهة وعلم التحريم. مسالة: قال أبو الصلاح: وان كان الحد جلدا فقط وجب عن بينة تولى اقامته الشهود، فان كان اقرارا أو علما تولاه ولي الامر أو من ياذن له (1). ولم يذكر أكثر علمائنا ذلك في الجلد، وانما قالوا: ببدأة الشهود في الرجم.

(1) الكافي في الفقه: ص 407.

[ 175 ]

الفصل الثاني في اللواط والسحق والقيادة وشرب المسكر مسالة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان اللواط دون الايقاب فان كان الفاعل أو المفعول به محصنا وجب عليه الرجم، وإن كان غير محصن وجب عليه الحد مائة جلدة، ولا فرق بين الحر والعبد والمسلم والكافر (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقال المفيد: ايقاع الفعل في ما سوى الدبر من الفخذين وفيه جلد مائة للفاعل والمفعول به إذا كانا عاقلين حرين بالغين، ولا يراعي في جلدهما عدم احصان ولا وجوده - كما يراعى ذلك في الزنا - بل حدهما الجلد على هذا الفعل دون ما سواه (4). وبه قال السيد المرتضى (5)، وابن ابي عقيل، وسلار (6)، وابو

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 307.
(2) المهذب: ج 2 ص 530.
(3) الوسيلة: ص 413 - 414 وفيه اختلاف في الكافر حيث قال: " وان تلوط كافر بكافر أو مسلم بكافر اقيم على المسلم حد الاسلام، والحاكم بالخيار في الكافر ان شاء اقام عليه حد الاسلام، وان شاء دفعه الى اهل نحلته ليحكم فيه بحكمهم ".
(4) المقنعة: ص 785.
(5) الانتصار: ص 251.
(6) المراسم: 253.

[ 176 ]

الصلاح (1). وقال الصدوق (2) وابوه في رسالته: واما اللواط فهو ما بين الفخذين، فاما الدبر فهو الكفر بالله العظيم، ومن لاط بغلام فعقوبته ان يحرق بالنار أو يهدم عليه حائط أو يضرب ضربة بالسيف، ثم قال بعد ذلك ابوه: فإذا أوقب فهو الكفر بالله العظيم. وهذا يعطي ان القتل يجب بالتفخيذ، وكلام ابن الجنيد يدل عليه ايضا. وابن ادريس (3) اختار ما ذهب إليه المفيد، وهو الاقرب. لنا: اصالة البراءة. وما رواه سليمان بن هلال، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يفعل بالرجل، فقال: إن كان دون الثقب فالحد، وان كان ثقب اقيم قائما ثم ضرب بالسيف (4). احتج بما رواه العلاء بن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: حد اللوطي مثل حد الزاني. وقال: إن كان قد أحصن رجم، وإلا جلد (5). وعن حماد بن عثمان، عن الصادق - عليه السلام - قال: رجل اتى رجلا، قال: عليه ان كان محصنا القتل، وان لم يكن محصنا فعليه الجلد (6). قال الشيخ: يحتمل هذه الاخبار شيئين: احدهما: إذا كان الفعل دون

(1) الكافي في الفقه: ص 408.
(2) المقنع: ص 144.
(3) السرائر: ج 3 ص 458 - 459.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 52 ح 194، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد اللواط ج 18 ح 2 ص 416.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 54 ح 200، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد اللواط ح 3 ج 18 ص 417.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 55 ح 201، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد اللواط ح 4 ج 18 ص 417.

[ 177 ]

الايقاب فانه يعتبر فيه الاحصان وعدمه، أو يحمل على التقية، لان ذلك مذهب بعض العامة (1). وقول الشيخ لا باس به. واحتج الصدوق بما رواه حذيفة بن منصور، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن اللواط، فقال: بين الفخذين. قال: وسالته عن الذي يوقب، فقال: ذاك الكفر بما أنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وآله - (2). والجواب: انه محمول على المبالغة في الذنب. مسالة: قال الشيخان: إذا لاط المجنون اقيم عليه الحد على الكمال (3). وتبعهما ابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وهو قول أبي الصلاح (6) كما قسمه في الزاني. وقال ابن ادريس: لا يجب عليه شئ، وما ذكره شيخنا في نهايته ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة متواترة ولا اجماع، والاصل براءة الذمة، والاحكام الشرعية من الحدود وغيرها متوجهة الى العقلاء دون غيرهم (7). وقول ابن ادريس لا باس به. احتج الشيخ بانه يجب عليه الجلد في الزنا فكذا هنا. والجواب: المنع من الصغرى، وقد تقدم البحث فيه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: واللواط الذي يقام عليه الحد ثلاث مرات قتل في الرابعة مثل الزاني (8). وتبعه ابن البراج (9)، وأبو الصلاح (10)، وهو المعتمد.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 55 - 56 ذيل الحديث 203 و 204.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 53 ح 197، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب النكاح المحرم وما يناسبه ح 3 ج 14 ص 257.
(3) المقنعة: ص 786، النهاية ونكتها: ج 3 ص 307.
(4) المهذب: ج 2 ص 530 (5) الوسيلة: ص 413. (6) الكافي في الفقه: ص 406 و 408.
(7) السرائر: ج 3 ص 459 و 460، مع اختلاف.
(8) النهاية ونكتها: ج 3 ص 308.
(9) المهذب: ج 2 ص 531.
(10) الكافي في الفقه: ص 409.

[ 178 ]

وقال ابن ادريس: يقتل في الثالثة كالزاني (1). وقد تقدم البحث في الزاني من انه يقتل في الرابعة لا في الثالثة، وإلا لقتل العبد في السادسة، والتالي باطل اجماعا، فكذا المقدم. مسالة: قال الشيخ: إذا تاب اللائط قبل قيام البينة سقط عنه الحد، فإن تاب بعد قيامها لم يسقط عنه الحد ووجب على الامام اقامته عليه، وان كان قد أقر على نفسه ثم تاب وعلم الامام منه ذلك جاز له أن يعفو عنه، ويجوز له أيضا أن يقيم عليه الحد على حسب ما يراه من الصلاح (2). وبه قال ابن البراج (3)، وابن ادريس (4). وقال المفيد: إن تاب بعد قيام البينة عليه كان السلطان بالخيار في العفو عنه والعقاب له، وان تاب قبل قيام البينة سقط عنه الحد (5). وقال أبو الصلاح: وإذا تابا أو أحدهما قبل قيام البينة أو الاقرار توبة ظاهرة ظهر معها صلاح عملهما سقط عن التائب الحد، فان تاب بعد الاقرار أو العلم أو البينة فالامام العادل مخير في العفو والاقامة، ولا خيار لغيره في العفو (6). والمشهور الاول، وقد تقدم البحث في ذلك في الزنا. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومتى وجد رجلان في ازار واحد مجردين أو رجل وغلام وقامت عليهما بذلك بينة أو أقرا بفعله ضرب كل واحد منهما تعزيرا

(1) السرائر: ج 3 ص 461 - 462.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 308، وفيه: " وان كان اللائط قد اقر ".
(3) المهذب: ج 2 ص 531.
(4) السرائر: ج 3 ص 460 - 461.
(5) المقنعة: ص 787. (6) الكافي في الفقه: ص 409، مع اختلاف.

[ 179 ]

من ثلاثين سوطا الى تسعة وتسعين سوطا بحسب ما يراه الامام، فان عادا الى ذلك ظربا مثل ذلك، فإن عادا اقيم عليهما الحد على الكمال مائة جلدة (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن ادريس (3). وقال المفيد: فان شهد الاربعة على رؤيتهما في ازار واحد مجردين من الثياب ولم يشهدوا برؤية الفعال كان على الاثنين الجلد دون الحد تعزيرا وتاديبا من عشرة أسواط الى تسعة وتسعين سوطا بحسب ما يراه الحاكم من عقابهما في الحال، وبحسب التهمة لهما والظن بهما السيئات (4). وقال الصدوق: إذا وجد رجلان في لحاف واحد ضربا الحد مائة جلدة (5). وقال ابن الجنيد: فإن عثر على امراتين قد فعلتا ذلك - يعنى: نومهما في لحاف واحد وكانتا مجردتين - حدت كل واحدة منهما مائة جلدة، فان ادعتا الجهل بذلك درئ عنهما الحد وعرفتا وجوبه عليهما ان عادتا، فان عادتا حدتا، فان عادتا في الرابعة فقد روي عن ابى عبد الله - عليه السلام - انهما تقتلان. وكذلك ايضا حكم الرجلين، فان كان احدهما غير بالغ ادب، وان كان كونهم تحت اللحاف بينهم حاجز من ثوب أو غيره لم يبلغ بهما الحد في الضرب، وضرب الحر والحرة مائة سوط غير سوط أو سوطين. وقال ابن حمزة: وإن نام رجلان أو رجل وغلام وهما مجردان في ازار واحد من غير فعل عزر الرجل وادب الغلام، فان عادا ثلاثا وعزرا بعد كل مرة قتلا في الرابعة (6). والمعتمد الاول، لاصالة البراءة، ولانه دون الفعل فلا يجب فيه ما يجب في الفعل.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 308.
(2) المهذب: ص 531.
(3) السرائر: ص 460.
(4) المقنعة: ص 785.
(5) المقنع: ص 145.
(6) الوسيلة ص 414.

[ 180 ]

وما رواه ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - في رجلين يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان حدا غير سوط واحد (1). احتج الصدوق بما رواه عبد الله بن مسكان، عن الصادق - عليه السلام - قال سمعته يقول: حد الجلد في الزنا أن يوجدا في لحاف واحد (2). وفي الحسن عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: كان علي - عليه السلام - إذا أخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد، وإذا أخذ المرأتين في لحاف واحد ضربهما الحد (3). ولانه في مظنة اللواط، فيثبت له حكمه اقامة لمظنة الفعل مقام الفعل كالخلوة. والجواب: يحمل الحد على اقصى نهايات التعزير، وهي مائة سوط غير سوط جمعا بين الادلة، والحكم في الخلوة ممنوع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا ساحقت امراة امراة اخرى وقامت عليهما البينة بذلك كان على كل واحدة منهما الحد مائة جلدة إن لم تكونا محصنتين، فان كانتا محصنتين كان على كل واحدة منهما الرجم (4). وتبعه ابن البراج (5). وقال المفيد: تجلدان مائة جلدة، محصنتين كانتا أو غير محصنتين (6). وبه

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 40 ح 143، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 18 ج 18 ص 367.
(2) لم نعثر عليه في الفقيه ووجدناه في تهذيب الاحكام: ج 10 ص 42 ح 149، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 22 ج 18 ص 368.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 42 ح 151، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 6 ج 18 ص 365.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 309 (5) المهذب: ج 2 ص 531.
(6) المقنعة: ص 787 - 788.

[ 181 ]

قال السيد المرتضى (1)، وابو الصلاح (2)، وظاهر كلام سلار (3)، وبه قال ابن ادريس (4)، وهو الاقرب. لنا: أصالة براءة الذمة. وما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: السحاقة تجلد (5). احتج الشيخ بما رواه محمد بن أبي حمزة وهشام وحفص، عن الصادق - عليه السلام - انه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق، فقال: حدها حد الزاني، فقالت المراة: ما ذكر الله ذلك في القرآن؟ فقال: بلى، قالت: وأين؟ قال: هن اصحاب الرس (6). والجواب: يحمل على حد الزاني من الجلد. مسالة: قال الشيخان: إذا ساحقت المجنونة وجب عليها الحد إذا كانت فاعلة (7). وقال ابن ادريس: لا يجب الحد (8)، لسقوط التكليف في طرفها. وهو جيد، وقد تقدم في الزنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى وطأ الرجل امراته فقامت المراة

(1) الانتصار: ص 253.
(2) الكافي في الفقه: ص 409. (3) المراسم: ص 253.
(4) السرائر: ج 3 ص 463.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 58 ح 209، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب حد السحق والقيادة ح 2 ج 18 ص 425.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 58 ح 210، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب حد السحق والقيادة ح 1 ج 18 ص 424 - 425.
(7) المقنعة: ص 788 - 789، النهاية ونكتها: ج 3 ص 309.
(8) السرائر: ج 3 ص 464.

[ 182 ]

فساحقت بكرا فألقت ماء الرجل في رحمها وحملت الجارية وجب على المراة الرجم، وعلى الجارية إذا وضعت الجلد مائة، والحق الولد بالرجل، والزمت المراة المهر للجارية، لان الولد لا يخرج منها إلا بعد ذهاب عذرتها، بذلك قضى الحسن بن علي - عليهما السلام - (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: ان عضد هذه الرواية دليل من كتاب أو سنة متواترة أو اجماع، وإلا السلامة التوقف فيها وترك العمل بها، لانا قد بينا ان جل أصحابنا لا يرجمون المساحقة، سواء كانت محصنة أو غير محصنة، واستدللنا على (صحة) ذلك فكيف نوجب على هذه الرجم؟! والحاق الولد بالرجل فيه نظر يحتاج الى دليل قاطع، لانه غير مولود على فراشه، والرسول - صلى الله عليه وآله - قال: " الولد للفراش " وهذه ليست بفراش للرجل، لان الفراش عبارة في الخبر عن العقد وامكان الوطئ ولا هو من وطئ شبهة بعقد الشبهة، والزام المراة المهر ايضا فيه نظر، ولا دليل عليه، لانها مختارة غير مكرهة، وقد بينا ان الزاني إذا زنى بالبكر الحرة البالغة لا مهر عليه إذا كانت مطاوعة، والبكر المساحقة هنا مطاوعة قد اوجبنا عليها الحد، لانها بغي، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن مهر البغي، فهذا الذي يقال على هذه الرواية (3). والجواب: اما الرجم فقد سبق البحث فيه، وإن الاقرب عدمه. وأما الحاق الولد فلانه مخلوق من نطفته، وليست زنا، بل عن وطئ صحيح. واما المهر فلان المساحقة سبب في زوال العذرة، فلزمها عوضها وهو مهر نسائها، وقياسها على الزانية خطا، لان الزانية آذنة في الافتضاض واذهاب العذرة فلا عوض لها.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 309 - 310.
(2) المهذب: ج 2 ص 532.
(3) السرائر: ج 3 ص 465.

[ 183 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وجدت امرأتان في إزار واحد مجردتين من ثيابهما وليس بينهما رحم ولا أحوجهما الى ذلك ضرورة من برد وغيره كان على كل واحدة منهما التعزير من ثلاثين سوطا الى تسعة وتسعين، فان عادتا الى مثل ذلك نهيتا وادبتا، فان عادتا ثالثة اقيم عليهما الحد كاملا مائة جلدة، فان عادتا رابعة كان عليهما القتل (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: تجلد كل واحدة دون الحد من عشر جلدات الى تسع وتسعين جلدة (3). وقال الصدوق في المقنع: إذا وجد امرأتان في لحاف واحد ضربتا الحد مائة جلدة (4). وكذا قال ابن الجنيد. وقال ابن ادريس: يعزر كل واحدة منهما من ثلاثين سوطا الى تسعة وتسعين حسب ما يراه الامام، وقد يوجد في بعض المواضع التعزير من ثلاثين سوطا الى تسعة وسبعين، والوجه في ذلك انه إن كان الفعال مما يناسب الزنا واللواط والسحق فان الحد في هذه الفواحش مائة جلدة، فيكون التعزير دونها ولا يبلغها، فللحاكم أن يعزر من ثلاثين الى تسعة وتسعين فينقص عن المائة سوطا، وإن كان التعزير عما يناسب حد الثمانين - كالشرب والقذف - فالتعزير فيه لا يبلغه، بل من ثلاثين الى تسعة وسبعين، فهذا سبب اختلاف المواضع. وشيخنا قال في الاشربة من الخلاف ما ينبهك على ما قلناه وهو انه: لا يبلغ بالتعزير حد كامل بل يكون دونه، وأدنى الحدود في جنية الاحرار ثمانون، والتعزير فيهم تسعة وسبعون، هذا آخر كلامه. والذي يقتضيه اصول مذهبنا واخبارنا ان التعزير لا يبلغ الحد الكامل الذي هو المائة أي تعزير كان، سواء

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 310.
(2) المهذب: ج 2 ص 533.
(3) المقنعة: ص 787. (4) لم نعثر عليه.

[ 184 ]

ناسب الزنا أو القذف، وانما هذا الذي لوح به شيخنا من اقوال المخالفين وفرع من فروع بعضهم ومن اجتهاداتهم الباطلة وظنونهم العاطلة. وأما القتل فانه يثبت في الثالثة، لان اصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة (1). والوجه ما قاله الشيخ، لما رواه زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل والمراة يوجدان في لحاف واحد، فقال: يجلدان مائة مائة غير سوط (2). ونحوه عن ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام (3). ولان في السحق مائة، فلا يكون في النوم مائة، لانه أدون منه. وأما القتل في الرابعة فقد تقدم البحث فيه، وهو اختيار أبي الصلاح (4). ويؤيده أيضا ما رواه أبو خديجة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا ينبغي لامرأتين تنامان في لحاف واحد إلا وبينهما حاجز، فان فعلتا نهيتا عن ذلك فان وجدتا بعد النهي في لحاف واحد جلدتا كل واحدة منهما حدا حدا، فان وجدتا الثالثة (في لحاف) حدتا، فان وجدتا الرابعة قتلتا (5). وأما ما ذكره الشيخ من تقدير التعزير فهو جيد حسن، لانا لا نبلغ بما يناسب الفعل ويقرب منه، وليس به حد ذلك الفعل. وحاشى شيخنا أن يقلد غيره من علمائنا فكيف من لا يعتقد صحة مذهبه وهل هذا إلا جهل من ابن ادريس وقلة تحصيل؟

(1) السرائر: ج 3 ص 466 - 467.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 40 ح 141، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 3 ج 18 ص 364.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 40 ح 143، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 18 ج 18 ص 367.
(4) الكافي في الفقه: ص 410.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 44 ح 159 وفيه: " فان وجدتا بعد النهي "، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب حد الزنا ح 25 ج 18 ص 368 - 369.

[ 185 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا ساحقت المراة واقيم عليها الحد ثلاث مرات قتلت في الرابعة مثل الزانية سواء (1). وبه قال أبو الصلاح (2). وقال المفيد: فان قامت البينة عليهما بالسحق جدت كل واحدة منهما مائة جلدة حد الزانية، فان قامت البينة عليهما بتكرر هذا الفعال منهما ولم يكن منهما توبة منه وكانتا فيه على الاصرار كان للامام - عليه السلام - قتلهما، كما ان له ذلك في حد اللواط (3). ولم يذكر حد التكرير. وقال ابن ادريس: الصحيح انهما تقتلان في الثالثة (4). وقدم تقدم البحث فيه. مسالة قال الشيخ في النهاية: وإذا تابت المساحقة قبل أن ترفع الى الامام سقط عنها الحد، فان قامت عليها بعد ذلك البينة لم يقم عليها الحد، وان قامت البينة عليها ثم تابت بعد ذلك اقيم عليها الحد على كل حال، فان كانت أقرت بالفعل عند الامام أو من ينوب عنه ثم اظهرت التوبة كان للامام العفو عنها وله اقامة الحد عليها (5). وتبعه ابن البراج (6). وقال المفيد: إن تابتا قبل قيام البينة عليهما بذلك سقط عنهما الحد والعقاب، وان تابتا بعد قيام البينة عليهما كان الامام في العفو عنهما والعقاب لهما بالخيار، على ما قدمناه في باب الزنا واللواط (7). وقال ابن ادريس: - لما نقل كلام الشيخ في النهاية -: هكذا أورده شيخنا في نهايته، والاظهر انه لا يجوز له العفو، لان هذا الحد لا يوجب القتل، وانما ذلك في الاقرار الذى يوجب القتل (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 310.
(2) الكافي في الفقه: ص 410.
(3) المقنعة: ص 787 - 788، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 467.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 310.
(6) المهذب: ج 2 ص 532.
(7) المقنعة: ص 788.
(8) السرائر: ج 3 ص 467.

[ 186 ]

والوجه ما قاله الشيخ، لان الادلة ناهضة بسقوط تحتم الحد في مطلق الزنا واللواط، وقد سبق البحث في ذلك. مسالة: المشهور انه لا يثبت اللواط إلا بالاقرار أربع مرات أو أربعة عدول يشهدون به. وقال أبو الصلاح: إذا تزيا الذكر بزي المرأة واشتهر بالتمكين من نفسه - وهو المخنث في عرف العادة - قتل صبرا، وان فقدت البينة والاقرار بايقاع الفعل به لنيابة الشهرة منابهما (1). وفي ذلك اشكال. مسألة: قال الشيخان: يثبت الزنا بالميتة بشهادة عدلين (2). قال الشيخ في النهاية: وبالاقرار مرتين (3). وقال ابن ادريس: لا يثبت إلا بشهادة اربعة رجال أو اقرار الفاعل اربع مرات، لانه زنا (4). والوجه الاول. لنا: انها شهادة على فعل واحد، فلا يشترط فيه ما يكون شهادة على فعلين. وقد نبه شيخنا المفيد عليه فقال: والفرق بين ذلك وبين ما يوجب الحد في الزنا واللواط بالاحياء أن الحد في فعلهما يتوجه على نفسين، وهو حدان لكل واحد منهما حد، وليس في نكاح البهيمة والاموات أكثر من حد واحد لنفس واحدة (5). وقد وافقنا ابن ادريس على أن وطئ البهيمة يثبت بشهادة رجلين وبالاقرار مرتين (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 409.
(2) المقنعة: ص 790، النهاية ونكتها: ج 3 ص 311.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 311.
(4) السرائر: ج 3 ص 468.
(5) المقنعة: ص 790.
(6) السرائر: ج 3 ص 470.

[ 187 ]

مسالة: قال الشيخ في النهاية: من نكح بهيمة كان عليه التعزير بما دون الحد ويغرم ثمن البهيمة لصاحبها إن لم تكن له، فان كانت ملكه لم يكن عليه شئ، فان كانت البهيمة مما تقع عليه الذكاة ذبحت واحرقت، وإن كانت مما لا تقع عليها الذكاة اخرجت من البلد الذى فعل بها ما فعل الى بلد آخر وبيعت هناك (1). وقال المفيد: إن كانت البهيمة ملكا للفاعل ذبحت إن كانت مما تقع عليها الذكاة، وإن كانت مما لا تقع عليها (2) الذكاة اخرجت الى بلد آخر وبيعت هناك وتصدق بثمنها، ولم يعط صاحبها شيئا منها عقوبة له على ما جناه ورجاء لتكفير ذنبه بذلك بالصدقة عنه بثمنها على المساكين والفقراء، وإن كانت لغير الفاعل بها اغرم لصاحبها ثمنها وكان الحكم فيه ما ذكرناه من ذبح ما تقع عليه الذكاة وتحريقه بالنار، واخراج ما لا تقع عليه الذكاة الى بلد آخر ليباع فيه ويتصدق بثمنه على الفقراء (3). وقال ابن ادريس: إن لم تكن الدابة له غرم ثمنها وبيعت في غير البلد إن لم تكن مأكولة ويرد الثمن على الواطئ، وان كانت له بيعت ودفع ثمنها إليه (4). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: الاصل بقاء الملك على صاحبه، والتصدق به خارج عنه يفتقر الى الدليل. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومتى تكرر الفعل من واطئ البهيمة والميتة وكان قد أدب وحد وجب عليه القتل في الرابعة (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 311 و 313.
(2) في المصدر: عليه.
(3) المقنعة: ص 790.
(4) السرائر: ج 3 ص 468 و 469.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 313.

[ 188 ]

وقال ابن ادريس: في الثالثة (1). لما رواه يونس، عن أبي الحسن الماضي - عليه السلام - قال: أصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة (2). وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يجلد القواد خمسة وسبعين جلدة ويحلق راسه ويشهر في البلد ثم ينفى عن البلد الذي فعل فيه الى غيره من الامصار (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن ادريس (5). وقال المفيد: يجلد في المرة الاولى ويحلق رأسه ويشهر، فان عاد ثانية جلد ونفي (6). وتبعه أبو الصلاح (7)، وسلار (8). والمشهور الاول، لما رواه عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: يضرب ثلاثة ارباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطا وينفى من المصر الذي فيه (9). تذنيب: قال أبو الصلاح: فان عاد ثانية جلد ونفي عن المصر، فان عاد ثالثة

(1) السرائر: ج 3 ص 470.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 95 - 96 ح 369، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب مقدمات الحدود واحكامها ح 1 ج 18 ص 313 - 314.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 313 - 314.
(4) المهذب: ج 2 ص 534.
(5) السرائر: ج 3 ص 471. (6) المقنعة: ص 791.
(7) الكافي في الفقه: ص 410.
(8) المراسم: ص 257.
(9) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 64 ح 235، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب حد السحق والقيادة ح 1 ج 18 ص 429.

[ 189 ]

جلد، فان عاد رابعة استتيب، فان تاب قبلت توبته وجلد، وان أبى التوبة قتل، فإن تاب ثم أحدث بعد التوبة خامسة قتل على كل حال (1). ونحن في ذلك من المتوقفين. مسالة: للشيخ قولان في قتل شارب المسكر في الثالثة أو الرابعة. فقال في النهاية: يقتل في الثالثة بعد تكرر الحد عليه مرتين (2)، وبه قال شيخنا المفيد (3)، وابن ابي عقيل، وابو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن ادريس (7). الثاني: قال في الخلاف (8) والمبسوط (9): انه يقتل في الرابعة، وهو قول الصدوق في المقنع (10). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: شارب المسكر خمرا كان أو نبيذا يجلد ثمانين، فان عاد جلد، فان عاد قتل، وقد روي انه يقتل في الرابعة (11). والمعتمد الاول. لنا: ما رواه أبو عبيدة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد فاقتلوه (12). وفي الصحيح عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - انه قال في

(1) الكافي في الفقه: ص 410.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 317 - 318.
(3) المقنعة: ص 801.
(4) الكافي في الفقه: ص 413.
(5) المهذب: ج 2 ص 536.
(6) الوسيلة: ص 416.
(7) السرائر: ج 3 ص 473. (8) الخلاف: ج 5: 473 المسالة 1.
(9) المبسوط: ج 8 ص 59.
(10) المقنع: ص 153 - 154 وفيه: " في الثالثة ".
(11) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 56.
(12) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 95 ح 367، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب حد المسكر ح 3 ج 18 ص 476.

[ 190 ]

شارب الخمر: إذا شرب ضرب، فان عاد ضرب، فان عاد قتل (1). وفي الصحيح عن يونس، عن الكاظم - عليه السلام - قال: أصحاب الكبائر كلها إذا اقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة (2). وفي الصحيح عن أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان النبي - صلى الله عليه وآله - إذا اتي بشارب الخمر ضربه، فان اتي به ثانية ضربه، فان اتي به ثالثة ضرب عنقه، قلت: النبيذ؟ قال: إذا اخذ شاربه انتشى (3) ضرب ثمانين، قلت: أرأيت ان أخذته (4) ثانية؟ قال: اضربه، قلت: فان أخذته (5) ثالثة؟ قال: يقتل كما يقتل شارب الخمر (6). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من شرب فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد الثالثة فاقتلوه (7). وغير ذلك من الاحاديث. احتج الشيخ بقول الصدوق، وروي انه يقتل في الرابعة (8). وهو ثقة يعمل بمرسله كما يعمل بمسنده.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 95 ح 368، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب حد المسكر ح 6 ج 18 ص 477.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 95 ح 369، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب مقدمات الحدود واحكامها العامة ح 1 ج 18 ص 313 - 314.
(3) في المصدر: قد انتشى.
(4) (5) في التهذيب: اخذ به.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 96 ح 370، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب حد المسكر ح 11 ج 18 ص 478. (7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 95 ح 364، وسائل الشيعة: باب 11 من ابواب حد المسكر ج 18 ح 1 ص 476، وفيهما: " شرب الخمر فاجلدوه ".
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 56، ذيل الحديث 5089.

[ 191 ]

ولان الزنا اكثر منه ذنبا، مع انه لا يقتل في الثالثة. والجواب: المرسل ليس حجة عند المحققين، وقد بيناه في اصول الفقه. سلمنا، لكن إذا وجد ما يعارضه من الاحاديث المسنده كان العمل بها اولى، خصوصا مع تعددها وتعاضدها بعضا ببعض، ونمنع ان الزنا لا يقتل في الثالثة، فقد ذهب بعضهم الى ذلك. ولو سلمنا هو مذهبنا نحن، لكن القياس باطل، خصوصا في الحدود مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن شرب الخمر مستحلا لها حل دمه ووجب على الامام ان يستتيبه، فان تاب اقام عليه حد الشراب إن كان شربه، وان لم يتب قتله (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: فمن شرب الخمر ممن هو على ظاهر الملة مستحلا لشربها خرج عن ملة الاسلام وحل دمه بذلك، إلا أن يتوب قبل قيام الحد عليه ويراجع الايمان (3). وقال أبو الصلاح: وإن كان مستحلا فهو كافر قتله (4). وابن ادريس لما نقل كلام الشيخ في النهاية قال: والاولى والاظهر أنه يكون مرتدا، ويحكم فيه بحكم المرتدين، لانه قد استحل ما حرمه الله تعالى، ونص عليه في محكم كتابه (5). وهذا القول يناسب قول أبى الصلاح ولا باس به. مسالة: قال أبو الصلاح: وحكم شارب الفقاع محرما له صرفا لو ممتزجا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 316 - 317.
(2) المهذب: ج 2 ص 535.
(3) المقنعة: ص 799.
(4) الكافي في الفقه: ص 413.
(5) السرائر: ج 3 ص 476.

[ 192 ]

بغيره حكم شارب المسكر في الحد، وان كان مستحلا فهو كافر يجب قتله (1). والوجه انه لا يجب قتله، لانه ليس مجمعا على تحريمه عند المسلمين وان كان مجمعا عليه عند الامامية فلا يجب بفعله القتل، لدخول الشبهة في ذلك بسبب الاختلاف الواقع فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن تاب من شرب الخمر أو غيره مما يوجب الحد أو التاديب قبل قيام البينة عليه سقط عنه الحد، ومن تاب بعد قيام البينة عليه اقيم عليه الحد على كل حال، فان كان قد أقر على نفسه وتاب بعد الاقرار جاز للامام العفو عنه واقامة الحد عليه (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال أبو الصلاح: فان تاب شاربهما - يعني: الفقاع والخمر - أو أحدهما قبل الاقرار أو البينة توبة يظهر صلاح التائب معها درأت عنه الحد، وإن تاب بعد ذلك فالامام مخير بين الاستيفاء والعفو (5). وقال ابن ادريس: ومن تاب من شرب الخمر أو غيره من المسكرات التي توجب الحد أو الفقاع أو تاب مما يوجب التأديب قبل قيام البينة سقط عنه الحد، فان تاب بعد قيام البينة لم تسقط التوبة عنه الحد، وإن أقر على نفسه وتاب بعد الاقرار قبل أن يرفع الى الحاكم درأت التوبة عنه الحد، فان كان قد اقر عند الحاكم أو الامام ثم تاب بعد اقراره عندهما فانه يقام عليه الحد، ولا يجوز اسقاطه، لان هذا الحد لا يوجب القتل بل الجلد وقد ثبت، فمن أسقطه يحتاج الى دليل، وحمله على الاقرار بما يوجب القتل في الرجم قياس لا نقول به،

(1) الكافي في الفقه: ص 413، وفيه: " قبل الاقرار والبينة ".
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 319 - 320.
(3) المهذب: ج 2 ص 536.
(4) الوسيلة: ص 416.
(5) الكافي في الفقه: ص 413، مع اختلاف.

[ 193 ]

لانه عندنا باطل. والشيخ قد رجع عن قوله في نهايته في مسائل خلافه ومبسوطه وقال: كل حد لا يوجب القتل وأقربه من جناه فلا يجوز للامام العفو عنه ووجب عليه اقامته. وهذا هو الظاهر من أقوال أصحابنا، ما أظن أن أحدا خالف فيه، لان شيخنا رجع عما ذكره في نهايته (1). والمعتمد الاول: لان التوبة تسقط تحتم أقوى الذنبين، فاسقاطهما لتحتم أدناهما أولى. وظن ابن ادريس عدم المخالفة في ذلك باطل بما نقلناه من الخلاف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا عزر الامام من يجب تعزيره أو يجوز تعزيره وان لم يجب فمات منه لم يكن عليه شئ (2). وبه قال ابن ادريس (3)، لان الاصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج الى دليل، ولان التعزير حد من حدود الله. وقد روي عنهم - عليهم السلام - ان من حددناه حدا من حدود الله فمات فليس له شئ، ومن ضربناه حدا من حدود الادميين فمات كان علينا ضمانه (4). والتعزير من حدود الله تعالى. وقال في المبسوط: إذا عزر الامام رجلا فمات من الضرب فعليه كمال الدية، لانه ضرب تأديب، وأين تجب الدية؟ قال قوم: في بيت المال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال قوم: على عاقلته، وإن قلنا نحن: لا ضمان عليه أصلا كان قويا، لما روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - انه قال: من أقمنا عليه

(1) السرائر: ج 3 ص 478 - 479.
(2) الخلاف: 5: 493 - 494 المسألة 10.
(3) السرائر: ج 3 ص 479.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 س 72 ح 5139، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب مقدمات الحدود ح 4 ج 18 ص 312، وفيهما اختلاف.

[ 194 ]

حدا من حدود الله فمات فلا ضمان، وهذا حد وان كان غير معين. ثم قال: والذي قلناه احوط. وأما الكفارة فمنهم من قال: في ماله، لانه قاتل خطا، وقال آخرون: على بيت المال، لان خطأه يكثر فيذهب ماله بالكفارات، وهو الذي يقتضيه مذهبنا (1). وهذا يدل على تردده وهو في موضع التردد. مسالة: إذا ذكرت امراة عند الحاكم بسوء فأرسل إليها فأسقطت ما في بطنها فزعا منه فخرج الجنين منها فعلى الحاكم الضمان، لما روي من قصة المجهضة، وأين يكون الضمان؟ قال الشيخ في المبسوط: على ما مضى (2). وعنى به: انه على بيت المال، لانه من خطا الحاكم. وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه مذهبنا ان دية الجنين على عاقلة الامام و (3) الحاكم، لان هذا بعينه قتل الخطأ المحض، وهو أن يكون غير عامد في فعله ولا قصده، وكذلك هنا، لانه لم يقصد الجنين بفعل ولا قصد قتل، وانما قصد شيئا آخر وهي امه فالدية على عاقلته والكفارة في ماله، والمسألة منصوصة: لنا: قد وردت في فتوى امير المؤمنين - عليه السلام - لعمر - في قصة المجهضة، اوردها شيخنا المفيد في الارشاد في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام - حيث سال عمر جماعة من الصحابة عن ذلك فأخطاؤا وأمير المؤمنين - عليه السلام - جالس، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فتنصل من الجواب، فعزم عليه فقال: إنه إن كان القوم قد قاربوك فقد غشوك، وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا والدية على عاقلتك، لان قتل الصبي خطأ تعلق بك، فقال: أنت والله نصحتني من بينهم، والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي، ففعل ذلك امير المؤمنين - عليه السلام - وإنما نظر شيخنا ما ذكره المخالفون (4).

(1) المبسوط: ج 8 ص 63.
(2) المبسوط: ج 8 ص 64. (3) في الطبعة الحجرية وم 3: أو.
(4) السرائر: ج 3 ص 480.

[ 195 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ - رحمه الله - لانه خطأ الحاكم، وخطأ الحكام في الاحكام مضمون على بيت المال، وقضية عمر لا حجة فيها، لانه لم يرسل لها بعد ثبوت ما ذكر عنها، ولانه لم يكن حاكما عند علي - عليه السلام -. مسألة: ظاهر كلام ابن الجنيد يعطي المنع من شرب الخليطين وهو: ما ينبذ فيه ثمرة الكرم والنخل في اناء واحد قبل الغليان والشدة، إلا أن يكون عذقا واحدا فيه بسر ورطب. فلا باس بذلك. قال: ولو نبذ كل واحد مما لا يجوز الجمع بينهما في النبيذ ثم شرب نبيذ كل واحد منهما على حدته قبل حلول الشدة فيه جاز أيضا، وكذا لو خلطا عند الشرب. وقال الشيخ في المبسوط: كل ما يعمل من شيئين يسمى خليطين، والنهي عن ذلك نهي كراهة إذا كان حلوا عند قوم، وعند آخرين لا باس بشرب الخليطين، وهو الصحيح عندنا إذا كان حلوا (1). وقول الشيخ هو الاقوى. مسألة: النبيذ في الاوعية جائز في أي وعاء كان إذا كان زمانا لا يظهر فيه الشدة. وقال ابن الجنيد: لا أختار ان ينبذ الا في اشنية الادم التي تملا ثم توكا رؤوسها، فاما الحنتم (2) من الجرار والخوابي المزفت والمقير وغير المقير والمزفت والمغضر وغير المغضر فلا اختار ان ينبذ فيه. والنزاع في الحقيقة هنا لفظي، لان الحرام من ذلك ما بلغ الشدة في أي آنية كان، والحنتم (3): الجرة الصغيرة، والمزفت: ما قير بالزفت. مسالة: قال الشيخ في المبسوط: الذي يثبت به الشرب الموجب للحد وجوه:

(1) المبسوط: ج 8 ص 60.
(2) و (3) في الطبعة الحجرية: الخيتم.

[ 196 ]

احدها: ان يقر بذلك، والثاني: ان يقوم عليه به بينة أو يشرب شرابا يسكر غيره منه ان اعترف بذلك ثبت عليه بالاعتراف، غير ان عندنا يحتاج أن يعترف دفعتين، وإذا شرب شرابا يسكر غيره منه ثبت أيضا وحد، فأما إن لم يثبت شئ من هذا لكنه وجد وهو سكران أو تقيا خمرا أو شم منه رائحة الخمر فلا حد عليه عندهم، وعندنا إذا تقيأ ذلك اقيم عليه الحد (1). وهذا يشعر بانه لا يجب لو وجد سكرانا شئ. وقال المفيد: وسكره بينة عليه بشرب المحظور، ولا يرتقب مع ذلك اقرار منه في حال صحوه به، ولا شهادة من غيره عليه (2). ولا باس بذلك، لورود الحد مع القئ، وكذا السكر. والاقرب المنع، لاحتمال استناد السكر الى غير الشرب الاختياري. مسالة: المشهور أن حد الخمر ثمانون في الحر والعبد، وذهب إليه الشيخان (3)، وابن البراج (4)، وابن ادريس (5). وقال الصدوق في كتابي المقنع (6) ومن لا يحضره الفقيه (7): حد الحر ثمانون وحد المملوك اربعون. وقال ابن الجنيد: الحد ثمانون، فان كان السوط مثنيا فأربعون على الحر، مسلما كان أو ذميا إذا اظهر ذلك.

(1) المبسوط: ج 8 ص 61.
(2) المقنعة: ص 801.
(3) المقنعة: ص 799 و 800، النهاية ونكتها: ج 3 ص 314.
(4) المهذب: ج 2 ص 534 - 535.
(5) السرائر: ج 3 ص 475.
(6) المقنع: ص 153 - 154 (وليس فيه اربعون للعبد).
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 56 ذيل الحديث 5089.

[ 197 ]

والمعتمد الاول، لما رواه أبو بصير، عن احدهما - عليهما السلام - قال: كان امير المؤمنين - عليه السلام - يضرب في الخمر والنبيذ ثمانين، الحر والعبد واليهودي والنصراني (1). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: حد اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء (2). احتج الصدوق بما رواه حماد بن عثمان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: التعزير كم هو؟ قال: دون الحد، قال: قلت: دون ثمانين؟ قال: فقال: لا ولكنها دون الاربعين، فانها حد المملوك (3). وحمله الشيخ على التقية، لانه مذهب بعض العامة (4). وعن أبي بكر الحضرمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن عبد مملوك قذف حرا، قال: يجلد ثمانين هذا من حقوق المسلمين، فأما ما كان من حقوق الله عزوجل فانه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله ما هو؟ قال: إذا زنى أو شرب الخمر فهذا من الحقوق التي يضرب فيها نصف الحد (5). قال الشيخ: انه محمول على التقية أيضا (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 91 ح 353، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد المسكر ح 1 ج 18 ص 471.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 92 ح 355، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد المسكر ح 5 ج 18 ص 472.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 92 ح 356، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد المسكر ح 6 ج 18 ص 472. (4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 92 ذيل الحديث 356.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 92 ح 357، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد المسكر ح 7 ج 18 ص 473.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 93 ذيل الحديث 357.

[ 198 ]

وعن يحيى بن أبي العلا، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان أبي يقول: حد المملوك نصف حد الحر (1). قال الشيخ: إنه عام، فخصه بحد الزنا، بدلالة الاخبار الاولة (2). على ان قول ابن بابوية لا باس به. مسألة: قال الصدوق في كتابيه (3) وأبوه في الرسالة: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر، لان الله عزوجل حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته. وقد تقدم البحث في ذلك، والحق المنع منه. مع انه قال: لا يجوز الصلاة في بيت فيه خمر محصور في آنية، وشدد في أمرها حتى قال: من شربها حبست صلاته اربعين يوما (4). مسالة: قال الصدوق: وان صب في الخل خمر لم يجز أكله حتى يصير خلا، فإذا صار خلا أكل (5). ونحوه قال ابن الجنيد، وهو مذهب الشيخ - رحمه الله - (6) وخالف فيه ابن ادريس (7)، وقد تقدم.

(1) الاستبصار: ج 4 ص 238 ح 895، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد المسكر ح 9 ج 18 ص 473.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 238 ذيل الحديث 895.
(3) المقنع: ص 153، ومن لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 57 ذيل الحديث 5090.
(4) المقنع: 153.
(5) المقنع: ص 153، ومن لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 57 ذيل الحديث 5089.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 113.
(7) السرائر: ج 3 ص 133.

[ 199 ]

الفصل الثالث في حد السرقة والمحاربة مسالة: قال الشيخ في النهاية: الحرز: هو كل موضع لم يكن لغير المتصرف فيه الدخول إليه إلا باذنه أو يكون مقفلا عليه أو مدفونا (1). وقال في المبسوط: معرفة الحرز مأخوذة من العرف، فما كان حرزا لمثله في العرف ففيه القطع، وما لم يكن حرزا لمثله في العرف فلا قطع، لانه ليس بحرز فحرز البقل والخضراوات في دكاكين من وراء شريجة يغلق أو يقفل عليها وحرز الذهب والفضة والجوهر والثياب في الاماكن الحريزة في الدور الحريزة وتحت الاغلاق الوثيقة، وكذلك الدكاكين والخانات الحريزة، فمن جعل الجوهر في دكان البقل تحت شريجة قصب فقد ضيع ماله، والحرز يختلف باختلاف المحرز فيه، وقال قوم: إذا كان الموضع حرزا لشئ فهو حرز لسائر الاشياء، ولا يكون المكان حرزا لشئ دون شئ، وهو الذي يقوى في نفسي، لان أصحابنا قالوا: إن الحرز هو كل موضع ليس لغير المالك أو المتصرف فيه دخوله إلا باذنه، والطعام حرزه ان يجعل في غرائر ويخيط ويجمع ويشد بعضها الى بعض، وقال بعضهم: لابد من ان يكون وراء باب يغلق وقفل يغلق عليه، وهو الاقوى

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 320 - 321.

[ 200 ]

عندي. والابل ان كان راعية فحرزها ان ينظر الراعي إليها مراعيا لها، وان كان ينظر الى جميعها - مثل ان كان على نشز أو مستوى من الارض - فهي في حرز، لان الناس هكذا يحرزون اموالهم عند الراعي، وان كان لا ينظر إليها أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز، وان كانت باركة ينظر إليها فهي في حرز، وان كان لا ينظر إليها فهي في حرز بشرطين: ان تكون معقولة، وان يكون معها نائما أو غير نائم، لان الابل الباركة هكذا حرزها، وإن كانت مقطرة فان كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز، وإن كان قائدا فانما تكون في حرز بشرطين: أن يكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها، وأن يكثر الالتفات إليها مراعيا لها، وكذا البغال والحمير والخيل والغنم والبقر، فإذا آوت الى حضيرة كالمراح والمر بدو الاصطبل فان كان في البر دون البلد فما لم يكن صاحبها معها في المكان فليس بحرز، وان كان معها فيه فهو حرز، وان كان الباب مفتوحا فليس بحرز الا ان يكون معها مراعيا لها غير نائم، وان كان الباب مغلقا فهو حرز نائما كان أو غير نائم، وان كانت في جوف البلد فالحرز ان يغلق الباب سواء كان صحابها معها اولا، وإن كان معه ثوب ففرشه ونام عليه أو اتكأ عليه أو نام وتوسده فهو في حرز في اي موضع كان في البلد أو البادية، فان تدحرج عن الثوب زال الحرز، فان كان بين يديه متاع كالميزان بين يدي الخبازين والثياب بين يدي البزازين فحرز ذلك نظره (إليه) فان سرق من بين يديه وهو ينظر إليه ففيه القطع، وان سها أو نام عنه زال الحرز وسقط القطع (1). وقال في الخلاف: كل موضع حرز لشئ من الاشياء فهو حرز لجميع الاشياء، والابل إذا كانت مقطرة وكان سائقا لها فهي في حرز بلا خلاف،

(1) المبسوط: ج 8 ص 22 - 24. مع اختلاف.

[ 201 ]

وان كان قائدا لها فلا يكون في حرز الا الذي زمامه بيده، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: تكون في حرز بشرطين: أن تكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها، وان يكون مع الالتفات إليها مراعيا لها. دليلنا: ان كون ذلك حرزا يحتاج الى دليل، ولا دليل على ذلك (1). وقال ابن الجنيد: فاما السرقة من حيث لا يحجب السارق عن الدخول إليه أو من رفقاء الذين متاعهم مرمي بينهم فلا قطع في ذلك، وكذلك الحمامات والخانات، إلا أن يكون على الثياب حافظ. وقال ايضا: فاما القطار وما على ظهر الجمال فانه حرز يجب على سارقه القطع. وهو يعطي ان المراعاة حرز. وقال ابن ادريس: المراعاة - بالعين - ليست حرزا، والذي يقتضيه المذهب أن الحرز ما كان مقفلا أو مغلقا أو مدفونا دون ما عدا ذلك (2). ولا قطع في الابل، سواء كانت مقطرة أو غير مقطرة، راعاها بعينه أو ساقها أو غير ذلك، الا ان يكون في حرز. وهو الاقوى، لما رواه السكوني، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - قال: لا يقطع إلا من نقب بيتا أو كسر قفلا (3). ثم ان ابن ادريس نقض حد الشيخ في النهاية: بأن دار الغير المفتوحة أو التي لا باب لها ليس لغيره الدخول فيها، ولا يجب القطع بالسرقة منها (4). وهو حسن.

(1) الخلاف: ج 5: 419 و 420 المسالة 6 و 7.
(2) السرائر: ج 3 ص 483.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 109 ح 423، وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 509.
(4) السرائر: ج 3 ص 484.

[ 202 ]

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " ليس لغير المتصرف الدخول فيه " سلب القدرة لا الجواز الشرعي. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من سرق من مال الغنيمة قبل أن يقسم ما يزيد على قسمه بمقدار ما يجب عليه القطع أو زائدا عليه كان عليه القطع (1). وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج (2). وقال المفيد: لا يقطع المسلم إذا سرق من مال الغنيمة، لان له فيه قسطا (3)، وأطلق. وتبعه سلار (4). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول المذهب انه لا قطع عليه بحال إذا ادعى الاشتباه في ذلك وانه ظن ان نصيبه يبلغ ما اخذه، لان الشبهة بلا خلاف حاصلة في ما قال وادعى، ولان الاصل ألا قطع، فمن ادعاه فقد ادعى حكما شرعيا يحتاج في اثباته الى دليل شرعي، ولا دليل ولا اجماع (5). وهذا القول غير سديد، لان الشيخ - رحمه الله - لم يوجب القطع مع الشبهة، بل على تقدير العلم بالتحريم، فان جعل نفس شركة المغنم شبهة وإن كان السارق عالما بالتحريم ثبت الخلاف، لكنه ممنوع. وقد روى الشيخ عن محمد بن قيس، عن الباقر - عن علي - عليهما السلام - قال في رجل أخذ بيضة من المغنم وقالوا: قد سرق اقطعه، فقال: إني لم اقطع أحدا له في ما اخذ شركة (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 322 - 323، وفيه: " على قسمته بمقدار فيه القطع ".
(2) المهذب: ج 2 ص 542.
(3) المقنعة: ص 803.
(4) المراسم: ص 258.
(5) السرائر: ج 3 ص 485. (6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 104 ح 406، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 518 وفيهما: " في ما اخذ شرك ".

[ 203 ]

قال الشيخ: ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن البيضة التي قطع فيها امير المؤمنين - عليه السلام - فقال: كانت بيضة حديد سرقها رجل من المغنم فقطعه (1). قال الشيخ: لان الوجه في هذا الخبر ان يكون الحكم مقصورا على ما فعله امير المؤمنين - عليه السلام - وليس في هذا الخبر ان من سرق من المغنم يقطع فيكون منافيا للاول، بل هو صريح بحكاية فعل، ولا يمتنع أن يكون امير المؤمنين - عليه السلام - فعل ذلك لما اقتضته المصلحة (2) والشيخ احتج على ما ذكره في النهاية بما رواه عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: رجل سرق من المغنم أي شئ الذي يجب عليه أيقطع؟ قال: ينظر كم الذي يصيبه، فان كان الذي أخذ أقل من نصيبه عزر ودفع إليه تمام ماله، وان كان اخذ مثل الذي له فلا شئ عليه، وان كان اخذ فضلا بقدر ثمن مجن - وهو ربع دينار - قطع (3). مسالة: قال الشيخ في النهاية: ان كان السارق صبيا عفي عنه مرة، فان عاد ادب، فان عاد ثالثة حكت أصابعه حتى تدمى، فان عاد قعطت أنامله، فان عاد بعد ذلك قطع اسفل من ذلك كما يقطع الرجل سواء (4). وتبعه ابن حمزة (5). وقال الصدوق في المقنع: والصبي إذا سرق يعفى عنه، فان عاد قطعت

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 105 ح 408، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 518.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 105 ذيل الحديث 408.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 106 ح 410، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب حد السرقة ح 4 ج 18 ص 519.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 234 - 235.
(5) الوسيلة: ص 418.

[ 204 ]

أناملة أو حكت حتى تدمى، فان عاد قطعت أصابعه، فان عاد قطع اسفل من ذلك (1). وقال المفيد: وإذا سرق الصبي ادب ولم يقطع وعزره الامام بحسب ما يراه (2). وقال أبو الصلاح: يهدد في الاول وتحك أصابعه بالارض حتى تدمى في الثانية وقطعت اطراف انامله الاربع من المفصل الاول في الثالثة، ومن المفصل الثاني في الرابعة، ومن اصول الاصابع في الخامسة (3). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: اشتهاره بين علمائنا، وفتوى أكثرهم به، والاحاديث المتظافرة الدالة عليه. وروى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا سرق الصبي عفي عنه، فان عاد عزر، فان عاد قطع أطراف الاصابع، فان عاد قطع اسفل من ذلك. وقال: اتى أمير المؤمنين - عليه السلام - بغلام يشك في احتلامه فقطع أطراف الاصابع (4). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام قال: سألته عن الصبي يسرق، قال: يعفى عنه مرة ومرتين ويعزر في الثالثة، فان عاد قطعت أطراف أصابعه، فان عاد قطع أسفل من ذلك (5).

(1) المقنع: ص 150.
(2) المقنعة: ص 803.
(3) الكافي في الفقه: ص 411.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 118 - 119 ح 472، وسائل الشيعة: ب 28 من ابواب حد السرقة ح 2 و 3 ج 18 ص 523.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 119 ح 473، وسائل الشيعة: ب 28 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 522.

[ 205 ]

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الصبي يسرق، قال: إذا سرق مرة وهو صغير عفي عنه، فان عاد عفي عنه (1)، فان عاد قطع بنانه، فان عاد قطع أسفل من بنانه، فان عاد قطع اسفل من ذلك (2). وروى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الصبي يسرق، قال: ان كان له سبع سنين أو اقل رفع عنه، فان عاد بعد السبع قطعت بنانه أو حكت حتى تدمى، فان عاد قطع عنه أسفل من بنانه، فان عاد بعد ذلك وقد بلغ تسع سنين قطعت يده ولا يضيع حد من حدود الله عزوجل (3). والاخبار في ذلك كثيرة، ولا استبعاد في كون التاديب الواجب عليه بذلك، ولا يكون ذلك من باب التكليف، بل من باب اللطف. مسالة: قال الشيخ في النهاية: والاجير إذا سرق من مال المستاجر لم يكن عليه قطع، وكذلك الضيف إذا سرق من مال مضيفه لا يجب عليه قطع (4). وقال ابن الجنيد: وسرقة الاجير والضيف والزوج في ما اؤتمنوا عليه خيانة لا قطع عليهم فيه، فان سرقوا مما لم يؤتمنوا عليه قطعوا. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (5) والمقنع (6): ليس على

(1) ليس في المصدر " فان عاد عفي عنه ". (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 119 ح 474، وسائل الشيعة: ب 28 من ابواب حد السرقة ح 4 ج 18 ص 523.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 62 ح 5105، وسائل الشيعة: ب 28 من ابواب حد السرقة ح 12 ج 18 ص 525.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 326 - 327.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 65 ذيل الحديث 5117.
(6) المقنع: ص 151.

[ 206 ]

الاجير ولا على الضيف قطع، لانهما مؤتمنان. وقال ابن ادريس: روي ان الاجير إذا سرق من مال المستاجر لم يكن عليه قطع، وكذلك الضيف إذا سرق من مال مضيفه لا يجب عليه قطع على ما رواه أصحابنا. ويمكن حمل الرواية في الضيف والاجير على انهما لا قطع عليهما إذا لم يحرزه صاحبه من دونهما وادخلهما حرزه وأدخلهما بابه ثم سرقا فلا قطع عليهما، لانهما دخلا باذنه وسرقا من غير حرز، فأما ما قد أحرزه دونهما فنقباه وسرقاه أو فتحاه وسرقاه أو كسراه وسرقاه فعليهما القطع، لدخولهما تحت عموم قوله تعالى: " والسارق " فمن أسقط الحد عنهما في ما صورناه فقد أسقط حدا من حدود الله تعالى بغير دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع. فان قيل: فاي فرق بين الضيف وغيره؟ قلنا: غير الضيف لو سرق من الموضع الذي إذا سرقه الضيف الذي لم يوجب على الضيف بسرقته القطع قطعناه، لانه غير مأذون له في دخول الحرز الذي دخله، والضيف ماذون له في دخوله إليه، فلا قطع عليه، فافترق الامران. وشيخنا أطلق في النهاية انه: لا قط على الضيف، ولم يقيده. وقال في مسائل خلافه: مسالة: إذا سرق الضيف من بيت مقفل أو مغلق وجب قطعه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه. دليلنا: الاية، والخبر، ولم يفصلا. وقال في المبسوط: فان نزل برجل ضيف فسرق الضيف شيئا من مال صاحب المنزل فان كان من البيت الذي نزل فيه فلا قطع، وان كان من بيت غيره من دون غلق وقفل ونحوه فعليه القطع، وقال قوم: لا قطع على هذا الضيف، وروى أصحابنا انه لا قطع على الضيف، ولم يفصلوا، وينبغي ان يفصل مثل الاول، فان اضاف هذا الضيف ضيفا آخر بغير اذن صاحب الدار فسرق الثاني كان عليه القطع على كل حال، ولم يذكر هذه احد من الفقهاء. قال ابن ادريس: هذا آخر كلامه - ونعم ما قال وحقق - والذي ينبغي تحصيله في هذه المسألة ويجب الاعتماد عليه هو أن الضيف لا

[ 207 ]

قطع عليه سواء سرق من حرز أو غيره من غير تفصيل، لاجماع أصحابنا المنعقد من غير خلاف بينهم ولا تفصيل من أحد منهم، وأخبارهم المتواترة العامة في ان الضيف لا قطع عليه إذا سرق من مال مضيفه، فمن خصصها بانه إذا سرق من غير حرز يحتاج الى دليل، وأيضا فلا معنى إذا أراد ذلك، لاجماعهم، ولا لعموم أخبارهم، لان غير الضيف في ذلك الحكم مثل الضيف سواء، فلا معنى لقولهم - عليهم السلام -: إنه لا قطع على الضيف، لان من ليس بضيف إذا سرق من غير حرز لا قطع عليه، ولم يذهب الى تفصيل ذلك سوى شيخنا ابي جعفر في مبسوطه ومسائل خلافه، وهو موافق لباقي أصحابنا في نهايته، فاما الاجير فانه يقطع (1). وهذا يدل على اضطرابه وعدم تحقيقه، فلا يبالي بتناقض كلاميه. والشيخ - رحمه الله - احتج بما رواه سليمان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل استأجر أجيرا فسرق من بيته هل تقطع يده؟ قال: هذا مؤتمن ليس بسارق، وهذا خائن (2). وعن سماعة قال: سألته عمن استاجر أجيرا فأخذ الاجير متاعه فسرقه، قال: هذا مؤتمن. ثم قال: الاجير والضيف امناء ليس يقع عليهما حد السرقة (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - انه قال: في رجل استاجر اجيرا فأقعده على متاعه فسرقه، فقال: هو مؤتمن (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 486 - 488، مع اختلاف.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 109 ح 424، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 506.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 109 ح 425، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب حد السرقة ح 4 ج 18 ص 506.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 109 ح 426، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 507.

[ 208 ]

وفي الحسن عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: الضيف إذا سرق لم يقطع، وان اضاف الضيف ضيفا فسرق قطع ضيف الضيف (1). والتحقيق: القطع عليهم مع الاحراز دونهم بقفل أو غلق لا بدونه. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن سرق وليس له اليمنى فان كانت قطعت في القصاص أو غير ذلك وكانت له اليسرى قطعت يسراه، فان لم يكن له اليسرى أيضا قطعت رجله، فان لم يكن له رجل لم يكن عليه اكثر من الحبس (2). وقال في المسائل الحلبية: المقطوع اليدين والرجلين إذا سرق ما يوجب القطع وجب ان نقول: الامام مخير في تأديبه وتعزيره اي نوع اراد فعل، لانه لا دليل على شئ بعينه، وإن قلنا: يجب ان يحبس ابدا - لان القطع لا يمكن هاهنا ولا يمكن غير ما ذكرناه وتركه مخالفة اسقاط الحدود - كان قويا (3). وقال ابن الجنيد: وكذلك لو كانت يده اليسرى مقطوعة في قصاص فسرق لم يقطع يمينه، ويحبس في هذه الاحوال، وانفق عليه من بيت مال المسلمين ان كان لا مال له. وقال ابن البراج: إذا سرق ولم يكن له يمين قطعت رجله اليسرى، وذكر انه يقطع يساره، والاول هو الظاهر (4). وقال في الكامل: ومن كانت يده اليمنى قد قطعت وله اليسرى وسرق قطعت يسراه، فان لم يكن له يسرى قطعت رجله، فان لم يكن له رجل لم يكن

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 110 ح 428، وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 508.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 328.
(3) نقله عنه في السرائر: ج 3 ص 489 - 490.
(4) المهذب: ج 2 ص 544.

[ 209 ]

عليه غير الحبس. وقال ابن حمزة: ان قطعت يمينه قصاصا قطعت يساره، وان قطعت في السرقة قطعت رجله اليسرى (1). وقال ابن ادريس - لما نقل كلام الشيخ في المسائل الحلبية والنهاية -: الاقوى عندي ان من ذكر حاله لا يجوز حبسه ابدا إذا سرق اول دفعة بل يجب تعزيره، لان الحبس هو حد من سرق في الثالثة بعد تقدم دفعتين قد اقيم عليه الحد فيهما، فكيف يفعل به ما يفعل في حد الدفعة الثالثة في حد الدفعة الاولى؟ (2) ولا باس به. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فان أقر تحت الضرب بالسرقة وردها بعينها وجب عليه أيضا القطع (3). وقال ابن ادريس: والذي يقوى عندي انه لا يجب عليه القطع، لان من اقر تحت الضرب لا يعتد باقراره في وجوب القطع، وانما يثبت القطع بشهادة عدلين أو اقرار السارق مرتين مختارا، وهذا ليس كذلك، والاصل ألا قطع، وادخال الالم على الحيوان قبيح إلا ما قام عليه دليل (4). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: انه قد ثبت انه سارق، لوجود المال عنده، فوجب عليه القطع، لثبوت المقتضي، كما اوجبنا الحد على من قاء الخمر، لوجود سببه وهو الشرب. وما رواه سليمان بن خالد في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل سرق سرقة وكابر عليها فضرب فجاء بها بعينها هل يجب عليه القطع؟ قال: نعم، ولكن إذا اعترف ولم يجئ بالسرقة لم تقطع يده، لانه

(1) الوسيلة: ص 420.
(2) السرائر: ج 3 ص 490.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 329.
(4) السرائر: ج 3 ص 490، مع اختلاف.

[ 210 ]

اعترف على العذاب (1). مسالة: المشهور ان القطع لا يجب بالاقرار مرة واحدة، بل انما يجب بالاقرار مرتين. وقال الصدوق في المقنع: والحر إذا أقر على نفسه عند الامام مرة واحدة بالسرقة قطع (2). لنا: انه حد فلا يستوفى بالاقرار مرة واحدة كغيره. ولان الحدود مبناها على التخفيف. وما رواه جميل بن دراج، عن بعض اصحابنا، عن احدهما - عليهما السلام - قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة، ولم يقطع إذا لم يكن شهود (3). احتج الصدوق بما رواه الفضيل في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اقر الحر على نفسه بالسرقة مرة واحدة عند الامام قطع (4). والجواب: قال الشيخ: إنه محمول على التقية (5). ويحتمل أن يقال: الاقرار عند الامام يخالف الاقرار عند الناس، لان الانسان يتحرز عند الامام ويتحفظ من الاعتراف بما يوجب العقوبات، وفي الغالب انما يقر عنده إذا اقر عند غيره، فلهذا اوجب القطع عليه باقراره عنده

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 106 ح 411، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 497، وفيهما: " وكابر عنها فضرب ".
(2) المقنع: ص 151 وفيه: " والحر إذا اقر على نفسه لم يقطع ".
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 129 ح 515، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 487.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 126 ح 504، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 488.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 126 ذيل الحديث 504.

[ 211 ]

مرة واحدة، لانها في الغالب يقع عقيب اقرار آخر عند الناس. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن اقر بالسرقة مختارا ثم رجع عن ذلك الزم السرقة وسقط عنه القطع (1). وكذا قال في الخلاف (2)، وتبعه ابن البراج (3)، وابو الصلاح (4). وقال في المبسوط: متى رجع عن اعترافه سقط برجوعه عندهم، إلا ابن ابي ليلى فانه قال: لا يسقط برجوعه، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وحمله على الزنا قياس لا نقول به (5). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح، لانه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، بل مخالف لكتاب الله تعالى وتعطيل لحدوده، ولا يرجع في مثل ذلك الى خبر شاذ إن كان قد ورد (6). بل يجب عليه القطع. والوجه ما قاله الشيخ. لنا: ان رجوعه توبة منه وندامة فيسقط عنه الحد. وما رواه جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع ضمن السرقة ولم يقطع إذا لم يكن شهود (7). احتج بما رواه الحلبي ومحمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 329.
(2) الخلاف: ج 5: ص 444 المسالة 41.
(3) المهذب: ج 2 ص 544.
(4) الكافي في الفقه: ص 412.
(5) المبسوط: ج 8 ص 40، وفيه: " متى رجع من اعترافه ".
(6) السرائر: ج 3 ص 491.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 129 ح 515، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 487.

[ 212 ]

- عليه السلام - قال: إذا اقر الرجل على نفسه انه سرق ثم جحد فاقطعه وان رغم أنفه (1). والجواب: الحمل على ما إذا رجع عن اقراره بعد قيام البينة عليه بالفعل فانه لا يقبل رجوعه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا تاب بعد الاقرار جاز للامام العفو عنه واقامة الحد عليه حسب ما يراه أردع في الحال، ويجب عليه رد السرقة على كل حال (2). وقال أبو الصلاح: فان تاب السارق وظهر صلاحه قبل ان يرفع خبره الى السلطان سقط عنه القطع وعليه غرم ما سرق، وإن تاب بعد ما رفع إليه فالامام خاصة مخير بين قطعه والعفو عنه ولا خيار لغيره (3). وقال ابن ادريس: إذا أقر مرتين عند الحاكم ثم تاب بعد الاقرار وجب عليه القطع، ولم يجز للامام والحاكم العفو عنه بحال، لانه تعطيل لحدود الله تعالى وخلاف لكتابه وأوامره سبحانه. وحمل ذلك على الاقرار بالزنا الموجب للرجم قياس، والقياس عندنا باطل لا نقول به. وشيخنا في مبسوطه رجع عما قاله في نهايته ومسائل خلافه فقال: إذا ادعي على رجل انه سرق منه نصابا من حرز مثله وذكر النصاب فان اعترف بذلك مرتين ثبت اقراره وقطع، ومتى رجع عن اعترافه سقط برجوعه عندهم، إلا ابن أبي ليلى فانه قال: لا يسقط برجوعه، وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وحمله على الزنا قياس لا نقول به. وما ذكره في مبسوطه هو الصحيح الذي لا يجوز العدول عنه، وانما يورد شيخنا في نهايته اخبار آحاد ايرادا لا اعتقادا (4).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 126 ح 503، وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب مقدمات الحدود ح 1 ج 18 ص 318 - 319.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 330، وفيه: " العفو عنه أو اقامة ".
(3) الكافي في الفقه: ص 412.
(4) السرائر: ج 3 ص 491 - 492، مع اختلاف.

[ 213 ]

والمعتمد الاول. لنا: ان التوبة تسقط تحتم اعظم الذنبين، فتسقط تحتم أضعفهما. وما رواه أبو عبد الله البرقي، عن بعض اصحابه، عن بعض الصادقين - عليهم السلام - قال: جاء رجل الى امير المؤمنين - عليه السلام - فأقر بالسرقة، فقال له أمير المؤمنين - عليه السلام -: أتقرأ شيئا من كتاب الله؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة، قال: فقال الاشعث: أتعطل حدا من حدود الله تعالى؟! قال: وما يدريك ما هذا، إذا قامت البينة فليس للامام أن يعفو، وإذا أقر الرجل على نفسه فذلك الى الامام، ان شاء عفا وان شاء قطع (1). وابن ادريس توهم ان الشيخ أفتى بذلك عن قياس، وحاشاه عن ذلك، فان مذهبنا تحريم العمل بالقياس، والادلة لا تنحصر في الكتاب والسنة المتواترة والاجماع، فان اخبار الاحاد معمول عليها، وتخصيص الكتاب بها ليس إبطالا للكتاب كما توهمه، ونحن لم نثبت ذلك بالقياس بل بطريق الاولى، فان المسقط لاقوى الذنبين أولى بالاسقاط لادناهما، وإنما اقتضى هذه الاغلوطات عدم قوته المميزة ونسبة شيخنا - رحمه الله - الى ما لا يليق. مسألة: المشهور بين علمائنا ان النصاب الذي يجب به قطع السارق ربع دينار ذهبا خالصا أو ما قيمته ذلك، سواء كان منقوشا اولا، ذهب إليه الشيخان (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5) وابو الصلاح (6)،

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 129 ح 516، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب مقدمات الحدود ح 3 ج 18 ص 331.
(2) المقنعة: ص 802، النهاية ونكتها: ج 3 ص 320، وليس فيهما: " سواء كان منقوشا أولا ".
(3) الانتصار: ص 268، وليس فيه: " سواء كان منقوشا أولا ".
(4) المراسم: ص 258، وفيه: " ما قدره ربع دينار قطع ".
(5) المهذب: ج 2 ص 537.
(6) الكافي في الفقه: ص 411 وفيه: " ما مقداره ربع دينار فما زاد ".

[ 214 ]

وابن حمزة (1)، وابن زهرة (2)، واكثر علمائنا. وقال ابن ابي عقيل: والسارق عند آل الرسول - عليهم السلام - يقطع في كل شئ سرق إذا بلغ قيمة ما يسرق دينارا فصاعدا. وقال الصدوق في كتاب المقنع: سئل امير المؤمنين - عليه السلام - عن أدنى ما يقطع فيه السارق؟ فقال: ربع دينار، وروي انه يقطع في خمس دينار أو في قيمة ذلك، وروي انه يقطع في درهمين (3). وقد روي الجميع في كتاب من لا يحضره الفقيه (4). وقال ابن الجنيد: وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي وابي عبد الله جعفر بن محمد - عليهم السلام - ان القطع في خمس دينار وفي درهمين، وروى ايضا الدرهمين عن موسى بن جعفر - عليهما السلام -. والمعتمد الاول. لنا: ما رواه محمد بن مسلم بن الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: في كم يقطع السارق؟ قال: في ربع دينار، قال: قلت: في درهمين، فقال: في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ، قال: فقلت له: أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق وهل هو عند الله سارق في تلك الحال؟ فقال: كل من سرق من مسلم شيئا قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق وهو عند الله السارق، ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر، ولو قطعت يد السارق في ما هو أقل من ربع دينار لالفيت عامة الناس مقطعين (5)

(1) الوسيلة: ص 417 وليس فيه: " سواء كان منقوشا أولا ".
(2) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 561 ص 13، وليس فيه: " سواء كان منقوشا أولا ".
(3) المقنع: ص 150، وليس فيه: " وروي انه يقطع في درهمين ".
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 64 ح 5113 و 5114، وليس فيه: " وروي انه يقطع في درهمين ".
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 99 ح 384، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 482.

[ 215 ]

وتحمل الروايات الدالة على القطع في درهمين أو خمسة على مساواة الدرهمين لربع الدينار الذهب في بعض الاوقات وهو وقت السؤال، أو بخمسة دراهم بحسب اختلاف اسعار الفضة من الذهب. مسالة: قال الشيخان: إذا سرق اثنان فصاعدا ما قيمته ربع دينار وجب عليهما القطع، فان انفرد كل واحد منهما ببعض لم يجب عليهما القطع، لانه قد نقص من المقدار الذي يجب فيه القطع (1). وبه قال السيد المرتضى (2)، وابن البراج (3)، وابو الصلاح (4)، وابن حمزة (5). وللشيخ قول آخر في الخلاف (6) والمبسوط (7) انه: لا يجب القطع إلا أن يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابا، وبه قال ابن الجنيد، وابن ادريس (8). وهو المعتمد. لنا: أصالة البراءة. ولان كل واحد منهم لم يفعل الموجب، وإلا لزم استناد الفعل الواحد الى علل كثيرة وهو محال، فالصادر عن كل واحد بعضه وبعض الشئ ليس نفس ذلك الشئ، وإذا انتفى السبب انتفى الحكم. احتج الشيخ بأن موجب الحد ثابت، وهو سرقة النصاب، وقد صدرت عن الجميع، فثبت عليهم القطع. والجواب: المنع من صدوره عن كل واحد بخصوصه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين لم

(1) المقنعة: ص 804، النهاية ونكتها: ج 3 ص 331 - 332.
(2) الانتصار: ص 264.
(3) المهذب: ج 2 ص 540.
(4) الكافي في الفقه: ص 411. (5) الوسيلة: ص 419.
(6) الخلاف: ج 5 ص 420 المسألة 8.
(7) المبسوط: ج 8 ص 28.
(8) السرائر: ج 3 ص 492 - 493.

[ 216 ]

يكن عليه اكثر من قطع اليد، فان شهدوا عليه بالسرقة الاولى وامسكوا حتى يقطع ثم شهدوا عليه بالسرقة الاخيرة وجب عليه قطع رجله بالسرقة الاخيرة على ما بيناه (1). وبه قال الصدوق (2). وقال ابن الجنيد: لو سرق السارق مرارا ولم يقدر عليه ثم قدر عليه قطعت يمينه فقط، وأطلق. وقال الشيخ في الخلاف: إذا سرق دفعة بعد اخرى وطولب دفعة واحدة بالقطع لم يجب إلا قطع يده فحسب بلا خلاف، فان سبق بعضهم وطالب بالقطع فقطع ثم طالب الباقون روى أصحابنا انه يقطع للاخرين أيضا، وقال الشافعي وجميع الفقهاء: لا يقطع للاخرين، لانه إذا قطع بالسرقة فلا يقطع دفعة اخرى قبل أن يسرق حتى يسرق، وهذا أقوى، غير أن الرواية ما قلناه. دليلنا على ذلك: الاية والخبر واجماع الفرقة (3). وقال في المبسوط: إذا تكررت منه السرقة فسرق مرارا من واحد أو من جماعة ولم يقطع فالقطع مرة واحدة، لانه حد من حدود الله تعالى، فإذا ترادفت تداخلت كحد الزنا وشرب الخمر، فإذا ثبت أن القطع واحد نظرت، فان اجتمع المسروق منهم وطالبوه بأجمعهم قطعناه وغرم لهم، وان سبق واحد منهم فطالب بما سرق منه وكان نصابا غرم وقطع، ثم كل من جاء بعده من القوم فطالب بما سرق منه غرمناه ولم نقطعه، لانا قد قطعناه بالسرقة فلا يقطع قبل أن يسرق مرة اخرى (4). وتبعه ابن ادريس (5). وهو الاقوى. لنا: انه حد، فلا يتكرر بتكرر سببه. احتج الشيخ بما رواه بكير بن أعين، عن الباقر - عليه السلام - في رجل سرق

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 332 - 333.
(2) المقنع: ص 150 - 151.
(3) الخلاف: ج 5 ص 441 المسألة 36. (4) المبسوط: ج 8 ص 38.
(5) السرائر: ج 3 ص 494.

[ 217 ]

فلم يقدر عليه ثم سرق مرة اخرى فأخذ فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والسرقة الاخيرة، فقال: تقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة، فقلت: كيف ذاك؟ فقال: لان الشهود شهدوا جميعا في مقام واحد بالسرقة الاولى والاخيرة قبل ان يقطع بالسرقة الاولى، ولو أن الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثم أمسكوا حتى تقطع يده ثم شهدوا عليه بالسرقة الاخيرة قطعت رجله اليسرى (1). والجواب: في الطريق سهل بن زياد، وفيه ضعف، فيبقى المستند أصالة البراءة. تذنيب (2): قال الشيخ في النهاية: إذا سرق السارق فلم يقدر عليه ثم سرق ثانية فاخذ وجب عليه القطع بالسرقة الاخيرة ويطالب بالسرقتين معا، فان شهد الشهود على سارق بالسرقة دفعتين لم يكن عليه اكثر من قطع اليد، فان شهدوا عليه بالسرقة الاولى وأمسكوا حتى قطع ثم شهدوا عليه بالسرقة الاخيرة وجب عليه قطع رجله بالسرقة الاخيرة (3). وقال الصدوق: فان سرق رجل فلم يقدر عليه ثم سرق مرة اخرى فاخذ فجاءت البينة فشهدوا عليه بالسرقة الاولى والاخيرة فانه تقطع يده بالسرقة الاولى ولا تقطع رجله بالسرقة الاخيرة، ولو ان الشهود شهدوا عليه بالسرقة الاولى ثم امسكوا حتى تقطع يده ثم شهدوا بعد ذلك بالسرقة الاخيرة قطعت رجله اليسرى (4). وقال أبو الصلاح: وإذا أقر بسرقات كثيرة أو قامت بذلك بينة قطع لاولها

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 107 ح 418، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 499.
(2) في الطبعة الحجرية: مسألة.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 332.
(4) المقنع: ص 150.

[ 218 ]

واغرم جميعا (1). وقال ابن حمزة: وان توالى منه السرقة وشهدت البينة عليه بالجميع دفعة لم يجب عليه غير قطع اليد، فان شهدت عليه بسرقة واحدة وسكتت حتى قطعت يده ثم شهدت عليه باخرى قطعت ثانيا (2). والتحقيق أن نقول: إن شهدت البينات بالسرقات المتعددة قبل القطع قطع على أي واحد كان، بحيث لو عفي الاول قطع بالثاني وبالعكس، وان شهد بعضهم بعد قطعه لم يقطع، ويقطع هنا على أسبق الشهادات عند الحاكم، سواء كانت تلك السرقة متأخرة أو متقدمة. مسالة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نقبا معا ودخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب فأخذها الخارج قال قوم: لا قطع على واحد منهما، وقال آخرون: عليهما القطع، لانهما اشتركا في النقب والاخراج معا فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنهما لو نقبا معا ودخلا وأخرجا معا كان عليهما الحد كالواحد، ولانا لو قلنا: لا قطع كان ذريعة الى سقوط القطع بالسرقة، لانه لا يشاء شيئا (3) إلا شارك غيره فسرقا هكذا فلا قطع، والاول أصح، لان كل واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب فاجتاز مجتاز فأخذه من النقب فانه لا قطع على واحد منهما (4). وتبعه ابن البراج في جواهر الفقه (5) والمهذب (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 412.
(2) الوسيلة: ص 419.
(3) في الطبعة الحجرية: " لا فشاش " بدل " لانه لا يشاء شيئا ".
(4) المبسوط: ج 8 ص 26 - 27.
(5) جواهر الفقه: 227.
(6) المهذب: ج 2 ص 540 - 541.

[ 219 ]

وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول مذهبنا أن القطع على الاخذ الخارج، لانه نقب وهتك الحرز واخرج المال منه، بخلاف المجتاز فانه لم يهتك حرزا. وأيضا الداخل إما أن يكون قد اخرج المال من الحرز أولا، فان كان الاول وجب عليه القطع، ولم يقل به أحد. فلم يبق إلا انه لم يخرجه من الحرز واخرجه الخارج من الحرز الهاتك له فيجب عليه القطع، لانه نقب واخرج المال من الحرز، ولا ينبغي أن يعطل الحدود بحسن العبارات وتزويقاتها وصقلها، وهو قولهم: ما اخرجه من كمال الحرز أي شئ هذه المغلطة، بل الحق أن يقال: اخرجه من الحرز أو من غير الحرز لا عبارة عند التحقيق سوى ذلك، ومالنا حاجة الى المغالطات بعبارات كمال الحرز (1). وهذا التطويل من ابن ادريس غير مفيد. والتحقيق أن نقول: ان المقدور الواحد إن امتنع وقوعه من القادرين فالقطع عليهما معا، لانه لا فرق حينئذ بين أن يقطعا كمال المسافة دفعة وان يقطعاها على التعاقب، فان الصادر عن كل واحد منهما ليس هو الصادر عن الاخر، بل وجد المجموع منهما، وان سوغناه فالقطع على الخارج، لظهور الفرق حينئذ بين وقوع القطع منهما دفعة أو على التعاقب. مسالة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نقب وأخرج ثمن دينار وانصرف ثم عاد من ليلته فأخرج ثمن دينار وكمل نصابا قال بعضهم: لا قطع عليه، لانه لم يخرج في الاول نصابا وأخذ في الثاني من حرز مهتوك، وقال بعضهم: عليه القطع، لانه سرق نصابا من حرز هتكه، وهو الاقوى. فان اخرج اولا ثمن دينار ثم عاد في الليلة الثانية وأخذ ثمن دينار فتكامل نصابا قال قوم: لا قطع عليه، لانه لو عاد من ليلته لا قطع عليه، وقال قوم: عليه القطع كما لو عاد من

(1) السرائر: ج 3 ص 498.

[ 220 ]

ليلته، وهو الاقوى عندي (1). وقال في الخلاف: إذا نقب وحده ودخل فأخرج ثمن دينار ثم عاد من ليلته أو من الليلة الثانية فاخرج ثمن دينار آخر وكمل النصاب فلا قطع عليه، لاصالة البراءة، ولانه لما هتك الحرز أخرج أقل من النصاب فلم يجب عليه القطع، فلما عاد ثانيا لم يخرج من حرز، لانه كان مهتوكا، ولو لم نقل هذا للزم لو أخرجه حبة حبة في كل ليلة حتى كمل النصاب أن يجب (2) عليه القطع، وهو بعيد. ولو قلنا: يجب عليه القطع - لان النبي - عليه السلام - قال: من سرق ربع دينار فعليه القطع ولم يفصل - كان قويا (3). وهذا يدل على تردده - رحمه الله -. وشرط ابن حمزة في القطع اتحاد اخراج النصاب، فلو أخرجه في دفعتين لم يجب عليه القطع (4). وقال ابن البراج: عليه القطع، وقال بعض الناس: لا قطع عليه، وما ذكرناه هو الصحيح، لانه أخرج نصابا من حرز هتكه هو (5). وقال ابن ادريس: يجب عليه القطع، ولو قلنا: إنه لا قطع عليه كان قويا، لانه ما أخرج من الحرز في دفعة واحدة ربع دينار، ولا قطع على من سرق أقل منه، ودليل الاول أن النبي - عليه السلام - قال: " من سرق ربع دينار فعليه القطع " ولم يفصل، وقوله تعالى: " والسارق والسارقة " وهذا سارق لغة وشرعا، وبهذا افتي وعليه أعمل (6). وهذا اضطراب عظيم. والوجه القطع إن لم يشتهر بين الناس هتك الحرز وعدمه إن علم هتكه، لخروجه عن اسم الحرز حينئذ.

(1) المبسوط: ج 8 ص 29 - 30.
(2) م 3: إن لم يجب.
(3) الخلاف: ج 5 ص 423 - 424 المسألة 13، مع اختلاف. (4) الوسيلة: ص 417.
(5) المهذب: ج 2 ص 541.
(6) السرائر: ج 3 ص 498.

[ 221 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2) وتبعه ابن البراج (3): انه يجب القطع على من سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار إذا كانت محيطة بها. واستدل عليه الشيخ بعموم الاية والخبر، وروى أصحابنا " أن القائم - عليه السلام - إذا قام قطع أيدي بني شيبة وعلق ايديهم على البيت ونادى مناديه هؤلاء سراق الله " (4) لا يختلفون في ذلك. وقال ابن ادريس: لا يجب القطع، لان الحرز عندنا القفل والغلق والدفن، وليست هذه الاشياء في حرز، والاصل براءة الذمة (5). ولا بأس بقوله، والاية والخبر مخصوصان بالحرز اجماعا، وحديث أصحابنا لا يعطي قطع أيديهم على سرقة الستارة، بل جاز أن يكون على سرقة ما احرز بقفل أو غلق أو دفن. مسألة: قال ابن ادريس: إذا كان باب الدار مفتوحا وابواب الخزائن مفتوحة فليس شئ منها في حرز إذا لم يكن صاحبها فيها، فان كان فيها فليس شئ في حرز إلا ما يراعيه ببصره، مثل من كان بين يديه متاع كالميزان بين يدي الخبازين والثياب بين يدي البزازين فحرز ذلك نظره إليه، فان سرق من بين يديه وهو ينظر إليه ففيه القطع، وإن سها أو نام عنه زال الحرز وسقط القطع، وهذا الحكم إذا استحفظ انسان حماميا ثيابه فان راعاها الحمامي فهي في حرز، وإن سها عنها أو نام فليست في حرز، هذا على ما أورده شيخنا في مبسوطه، وقد قلنا ما عندنا في أمثال ذلك من ان الحرز القفل والغلق والدفن، وما عداه لا دليل عليه من كتاب ولا اجماع، وليس على من سرق من ذلك شيئا القطع، سواء راعاه ببصره أولا، نظر إليه أولا، بين يديه كان أو

(1) المبسوط: ج 8 ص 33.
(2) الخلاف: ج 5 ص 429 - 430 المسألة 22.
(3) المهذب: ج 2 ص 542.
(4) التهذيب ج 9: ص 213. (5) السرائر: ج 3 ص 501

[ 222 ]

لا، إلا ان يكون في حرز (1). وهذا القول لا بأس به، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إن دخل وأخذ جوهرة فابتلعها ثم خرج وهي في جوفه فان لم يخرج منه فعليه ضمانها ولا قطع عليه، لانه أتلفها في جوفه، كما لو كان مأكولا فأكله وخرج فانه لا قطع كذلك هنا. وان خرجت الجوهرة قال قوم: عليه القطع، لانه أخرجها في وعاء، فهو كما لو جعلها في جراب أو جيب. وقال آخرون: لا قطع عليه، لانه قد ضمنها بقيمتها بابتلاعها، فهو كما لو أتلف شيئا في جوف الحرز ثم خرج. ولانه أخرجها مكرها على اخراجها بدليل انه ما كان يمكنه تركها والخروج دونها، فهو كما لو نقب وأكره على اخراج المتاع. والاول أقوى، وان كان الثاني قويا ايضا (2). وهذا يدل على تردده. وقال ابن البراج: إذا دخل حرزا فأخذ منه جوهرة فابتلعها وخرج منه وهي باقية في جوفه كان عليه القطع، لانه أخرجها، كما لو جعلها في جراب أو ما أشبهه. وقد ذكر انه لا قطع عليه، وما ذكرناه أظهر (3). وقال ابن ادريس - لما نقل كلام الشيخ في المبسوط - وأما الذي يقوى في نفسي وجوب القطع عليه، لعموم الاية، ولانه نقب وأخرج النصاب ولم يستهلكه في الحرز ولا خارج الحرز (4). والوجه أن نقول: إن كان قادرا على اخراجها وجب عليه القطع كالوعاء، وإلا فلا وان خرجت اتفاقا، لانها كالمستهلكة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا اخرج المال من الحرز واخذ فادعى ان

(1) السرائر: ج 3 ص 502.
(2) المبسوط: ج 8 ص 28، مع اختلاف.
(3) المهذب: ج 2 ص 540، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 503.

[ 223 ]

صاحب المال أعطاه درئ عنه القطع، وكان على من ادعى عليه السرقة البينة بأنه سارق (1). وقال ابن أبي عقيل: ولو ان رجلا اخذ وهو حامل متاع من بيت فقال: صاحب البيت أعطانيه وقال صاحب البيت: بل سرقته لم يقطع، لان هذا شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. وقال الصدوق في المقنع (2) وكتاب من لا يحضره الفقيه (3): وإذا دخل السارق بيت رجل فجمع الثياب فيؤخذ في الدار ومعه المتاع فقال: إذا دفعه الي رب الدار فليس عليه القطع، فإذا خرج بالمتاع من باب الدار فعليه القطع أو يجئ بالمخرج منه. وهذا الفرق مشكل من الحيثية التي قالها - رحمه الله - نعم بينهما فرق من حيثية اخرى وهي: أن القطع انما يجب لو خرج بالقماش من المنزل لا يجمعه فيه، فإذا خرج به وجب عليه القطع، وإذا ادعى ان صاحب المنزل دفعه إليه سقط عنه القطع، لانه ادعى أمرا ممكنا فحصلت الشبهة فدرئت الحد عنه. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أخذوه وقد حمل كارة من ثياب فقال صاحب المنزل أعطانيها، قال: يدرأ عنه القطع، إلا أن يقوم عليه البينة، فان قامت عليه البينة قطع (4). وآنما حملناه على الخارج من المنزل لما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام - في السارق إذا اخذ وقد أخذ المتاع وهو في البيت لم يخرج بعد، قال: ليس عليه قطع حتى يخرج به من

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 323 - 324.
(2) المقنع: ص 150.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 64 ذيل الحديث 5114.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 107 ح 416، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 498.

[ 224 ]

الدار (1). مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن نبش قبرا وسلب الميت كفنه وجب عليه القطع كما يجب على السارق سواء، فان نبش ولم يأخذ شيئا ادب بغليظ العقوبة ولم يكن عليه قطع على حال، فان تكرر منه الفعل وفات الامام تأديبه، كان له قتله كي يرتدع غيره عن إيقاع مثله في مستقبل الاوقات (2). وقال المفيد: يقطع النباش إذا سرق من الاكفان ما قيمته ربع دينار كما يقطع غيره من السراق إذا سرقوا من الاحراز، وإذا عرف الانسان بنبش القبور وكان قد فات السلطان ثلاث مرات كان الحاكم فيه بالخيار إن شاء قتله وان شاء عاقبه وقطعه، والامر في ذلك إليه يعمل في ذلك بحسب ما يراه أزجر للعصاة وأردع للجناة (3). وقال الصدوق في المقنع: إذا وجد رجل ينبش قبرا فليس عليه القطع، إلا أن يؤخذ وقد نبش مرارا فان كان كذلك قطعت يمينه (4). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: النباش إذا كان معروفا بذلك قطع. وروي ان عليا - عليه السلام - قطع نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: إنا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا. وروي أن أمير المؤمنين - عليه السلام - اتي بنباش فأخذ بشعره وجلد به الارض، ثم قال: طئوا عباد الله عليه فوطئ (5) حتى مات (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 107 ح 417، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 498. (2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 336 - 337.
(3) المقنعة: ص 804.
(4) المقنع: ص 151، وفيه: " فليس عليه قتل ".
(5) في الفقيه: طئوا عليه عباد الله فوطئ. وفي الوسائل: طؤوا عباد الله فوطئ.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 67 ح 5118 - 5120، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 8 و 12 و 15 ج 18 ص 512 و 513.

[ 225 ]

وقال ابن الجنيد: النباش بمنزلة السارق إذا أخرج الكفن من القبر قطع، فان تعدى ذلك إلى أن وطأ وكان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد. وقال أبو الصلاح: يقطع النباش إذا أخذ من الاكفان ما يجب في مثله القطع (1). وقال سلار: القبر عندنا حرز فلاجل هذا يقطع النباش إذا سرق النصاب، فان ادمن ذلك وفات السلطان ثلاث مرات فان اختار قتله قتله، وان اختار قطعه قطعه أو عاقبه (2). وقال ابن البراج: النباش إذا نبش قبرا وأخذ كفن الميت كان عليه القطع كما يكون على السارق سواء، فان نبش القبر ولم يأخذ منه شيئا ادب وغلظت عقوبته ولم يكن عليه قطع (3) على حال، فان تكرر الفعل منه ولم يؤدبه الامام كان له قتله ليرتدع غيره في المستقبل عن مثل ذلك (4). وقال ابن حمزة: النباش من ينبش القبور، فان نبش قبرا ولم يأخذ شيئا عزر، اخرج الكفن الى ظاهر القبر أو لم يخرج، فان أخرج من القبر ما قيمته نصابا قطع، فان فعل ثلاث مرات وفات (5) فإذا ظفر به بعد الثلاث كان الامام فيه بالخيار بين العقوبة والقطع، وإن عزر ثلاث مرات قتل في الرابعة (6). وقال ابن ادريس: ومن نبش قبرا وسلب الميت كفنه واخرجه من القبر وكان قيمته ربع دينار فانه يجب عليه القطع ويكون المطالب بذلك الورثة، لانه على حكم ملكهم، بدلالة انه لو أكل الميت سبع أو أخذه سيل وبقي الكفن فانه يكون للورثة دون غيرهم، ويجب عليه مع القطع التأديب المردع (7). فان

(1) الكافي في الفقه: ص 412.
(2) المراسم: ص 258.
(3) في الطبعة الحجرية وق 2: القطع. (4) المهذب: ج 2 ص 554.
(5) في الطبعة الحجرية: وفات السلطان.
(6) الوسيلة: ص 423.
(7) في الطبعة الحجرية: للردع.

[ 226 ]

كان قد نبش القبر ولم يأخذ شيئا أو أخذ وكان الكفن دون ربع فانه لاقطع عليه، بل يجب عليه العقوبة المردعة. فان نبش ثانية فانه يجب عليه القطع إذا أخذ الكفن، سواء كانت قيمته ربع دينار أو أقل من ذلك، ولا يراعى في مقدار الكفن النصاب، إلا في الدفعة الاولى فحسب، لقولهم - عليهم السلام -: " سارق موتاكم كسارق أحيائكم " ولا خلاف أن من سرق من حي دون ربع دينار عندنا لا يجب عليه القطع. فان قيل: فلهذا يلزم في الدفعة الثانية، قلنا: لما تكرر منه الفعل صار مفسدا ساعيا (1) في الارض فسادا فقطعناه لاجل ذلك لا لاجل كونه سارقا ربع دينار. والاخبار مختلفة، فبعضها يوجب عليه القطع مطلقا، وبعضها يوجب عليه التعزير ولا يوجب عليه القطع. فحملنا ما يوجب القطع منها إذا سرق الكفن وأخرجه من القبر وكان قيمته ربع دينار قطع، لقولهم - عليهم السلام -: " سارق موتاكم كسارق أحيائكم " على ما قدمناه أو على من يتكرر منه ذلك وكان معتادا لفعل ذلك وإن لم يأخذ ما يبلغ قيمة الكفن ربع دينار وإن لم يأخذ كفنا أيضا على ما ذهب إليه شيخنا في استبصاره. وحملنا منها ما يوجب التعزير والعقوبة إذا نبش أول مرة ولم يكن له عادة بذلك ولم يكن قيمة الكفن تبلغ ربع دينار، أو انه لم يأخذ الكفن وقد عمل بجميعها وكان لكل منهما وجه يقتضيه الادلة. وقال شيخنا في استبصاره لما اختلفت عليه الاخبار - فانه أورد جملة منها بوجوب القطع ثم أورد جملة اخرى بالتعزير فحسب - فقال: فهذه الاخبار الاخيرة كلها تدل على أنه إنما يقطع النباش إذا كان ذلك له عادته، فاما إذا لم يكن ذلك عادته نظر، فان كان نبش واخذ الكفن وجب قطعه، وإن لم يأخذ لم يكن عليه أكثر من التعزير، قال: وعلى هذا تحمل الاخبار التي قدمناها. قال

(1) في الطبعة الحجرية وق 2: باغيا.

[ 227 ]

ابن ادريس: بقى عليه - رحمه الله - انه اسقط جميع الاخبار التي رويت في أن سارق موتاكم كسارق احيائكم، لانه - رحمه الله - لم يراع النصاب في شئ منها في وساطته بينها فقد سقطت جملة، وهذا بخلاف عادته وخرم لقاعدته في وساطته. ثم نقل كلام الشيخ في النهاية، ثم عقبه بنقل كلام المفيد، وقال عقيبه: ونعم ما قال، فانه الذي يقتضيه اصول المذهب ويحكم بصحته اعيان الاثار عن الائمة الاطهار، وأيضا الاصل براءة الذمة، فمن قطعه في غير المتفق عليه يحتاج الى دليل. ثم نقل كلام الشيخ في الخلاف: من ان النباش يقطع إذا أخرج الكفن من القبر الى وجه الارض، لعموم قوله تعالى: " السارق والسارقة ". وهذا سارق، ولان السارق هو من أخذ الشئ مستخفيا متفزعا، وقوله - عليه السلام -: " القطع في ربع دينار " ولم يفصل، فهذا الاستدلال بالخبر فيه مقدار النصاب. ثم قال عقيب ذلك: والذي اعتمد عليه وافتي به ويقوى في نفسي قطع النباش إذا اخرج الكفن من القبر الى وجه الارض وسلب الميت، سواء كان قيمة الكفن ربع دينار أو أقل من ذلك أو اكثر في الدفعة الاولى أو الثانية، لاجماع أصحابنا وتواتر أخبارهم بوجوب قطع النباش من غير تفصيل، وفتاويهم وعملهم على ذلك، وما ورد في بعض الاخبار واقوال بعض المصنفين بتقييد وتفصيل ذلك بالمقدار في الدفعة الاولى قبل ذلك (1) لا يخصص العموم، لان تخصيص العموم يكون دليلا قاهرا مثل العموم في الدلالة (2). وهذا يدل على اضطرابه في هذه المسالة: لتناقض كلامه. والمعتمد ان نقول: إن نبش واخرج من القبر الى وجه الارض الكفن الذي قدره ربع دينار وجب عليه القطع اول مرة، فان تكرر منه النبش مرات متعددة جاز قتله، سواء اخذ أولا. وان سرق غير الكفن لم يجب عليه القطع، سواء زاد

(1) السرائر: ج 3 ص 512 - 515، مع اختلاف.
(2) هكذا في النسخ، وفي المصدر: " فمثل ذلك " والصواب.

[ 228 ]

عن النصاب أولا، الا مع التكرر. وان كان الكفن اقل من النصاب فلا قطع عليه، إلا مع التكرر. لنا: انه سارق، فيثبت احكامه فيه من اعتبار النصاب وغيره وما رواه حفص بن البختري في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: حد النباش حد السارق (1). وعن أبي الجارود، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال امير المؤمنين - عليه السلام -: يقطع سارق الموتى كما يقطع سارق الاحياء (2). وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - قطع نباش القبر، فقيل له: أتقطع في الموتى؟ فقال: إنا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا (3). والتشبيه يستدعي الاشتراط في الاموات كما يشترط في الاحياء، أما غير الكفن فان القبر ليس حرزا له، للاصل، وأما القتل مع التكرر فلانه مفسد. وما روي أن عليا - عليه السلام - أمر بأن يطأه الرجال حتى يموت (4). وليس ذلك في أول مرة، لما تقدم من وجوب القطع كما يقطع في السرقة، فتعين أن يكون مع التكرار. احتج الصدوق بما رواه علي بن سعيد، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 115 ح 457، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 510. (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 115 ح 458، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 4 ج 18 ص 511.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 116 ح 464، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 12 ج 18 ص 513.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 118 ح 470، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 511.

[ 229 ]

سألته عن النباش، قال: إذا لم يكن النبش له بعادة لم يقطع ويعزر (1). وعن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - في النباش إذا اخذ أول مرة عزر، فان عاد قطع (2). والجواب: انها محمولة على النبش من غير أخذ جمعا بين الادلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وجب عليه قطع اليمين وكانت شلاء قطعت ولا تقطع يسراه، وكذلك من وجب عليه قطع رجله اليسرى وكانت كذلك قطعت ولا تقطع رجله اليمنى (3). ونحوه قال في الخلاف (4)، وكذا قال ابن الجنيد، والصدوق (5)، وابن ادريس (6). وقال في المبسوط: إن قال أهل العلم بالطب: إن الشلاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة كانت كالمعدومة، وان قال: تندمل قطعت الشلاء (7). وبه قال ابن البراج (8)، وابن حمزة (9)، وهو المعتمد. لنا: أن الحد إذا لم يشتمل على القتل يتعين فيه الاحتياط في الاحتفاظ، والتقدير حصول الحذر من القتل فيسقط احتياطا في بقاء النفس. احتج الشيخ بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أشل اليد اليمنى أو أشل الشمال سرق، قال: تقطع يده

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 117 ح 465، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 13 ج 18 ص 513. (1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 117 ح 468، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب حد السرقة ح 16 ج 18 ص 514.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 328. (4) الخلاف: ج 5 ص 441 المسألة 37.
(5) المقنع: ص 151.
(6) السرائر: ج 3 ص 489.
(7) المبسوط: ج 8 ص 38.
(8) المهذب: ج 2 ص 544.
(9) الوسيلة: ص 420.

[ 230 ]

اليمنى على كل حال (1). والجواب: أنه محمول على حالة عدم خوف التلف. تذنيب: قال ابن الجنيد: القطع على يمين السارق وان كانت شلاء، فإن كانت يساره شلاء لم تقطع يمينه ولا رجله، وكذلك لو كانت يده اليسرى مقطوعة في قصاص فسرق لم يقطع يمينه، وحبس في هذه الاحوال وانفق عليه من بيت مال المسلمين إن كان لا مال له وهو وجه، لان الشلاء كالمعدومة حيث لا انتفاع بها، ولو كانت يساره مقطوعة لم تقطع يمينه، وكذا لو كانت شلاء. ويؤيده ما رواه المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاء لم تقطع يمينه ولا رجله (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: المحتال على أموال الناس بالمكر والخديعة والرسالات الكاذبة وغير ذلك يجب عليه التأديب والعقاب وأن يغرم ما أخذ (3). وقال الصدوق: فإن اتى رجل رجلا فقال: أرسلني إليك فلان لترسل إليه بكذا وكذا فدفع إليه ذلك الشئ فلقي صاحبه فزعم انه لم يرسله إليه ولا أتاه بشئ وزعم الرسول انه قد ارسله إليه وقد دفعه إليه فان وجد عليه بينة أنه لم يرسله قطعت يده، فإن لم يجد بينة فيمينه بالله ما أرسله ويستوفي من الرسول

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 108 ح 419، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 501.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 108 ح 420، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 502.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 335.

[ 231 ]

المال، فان زعم انه حمله على ذلك الحاجة قطع، لانه سرق مال الرجل (1). واحتج عليه بما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن حماد، عن الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أتى رجلا فقال له: إن رسولك أتاني فبعثت معه بكذا وبكذا فقال: ما أرسلته إليك ولا أتاني أحد بشئ فزعم الرسول انه قد ارسله وقد دفعه إليه، قال: إن وجد عليه بينة انه لم يرسله قطعت يده، وإن لم يجد بينة فيمينه بالله ما أرسله ويستوفي الاخر من الرسول المال، قلت: فان زعم أنه حمله على ذلك الحاجة، قال: يقطع، لانه سرق مال الرجل (2). والجواب: أنه محمول على إذا اعتاد ذلك فان للامام أن يعزره ويؤدبه بما يراه رادعا له ولغيره، فجاز أن يكون للامام أن يقطعه جمعا بين الادلة. مسألة: قال الصدوق في المقنع: العبد إذا أبق من مواليه ثم سرق لم يقطع وهو آبق، لانه مرتد عن الاسلام، ولكن يدعى الى الرجوع الى مواليه والدخول في الاسلام، فان أبى أن يرجع إلى مواليه قطعت يده في السرقة ثم قتل، والمرتد إذا سرق بمنزلته (3). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: العبد الابق إذا سرق لم يقطع، وكذلك المرتد إذا سرق، ولكن يدعى العبد الى الرجوع الى مواليه، والمرتد يدعى الى الدخول في الاسلام، فان أبى واحد منهما قطعت يده في السرقة ثم قتل (4).

(1) المقنع: ص 151.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 61 ح 5102، وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 507.
(3) المقنع: ص 152.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 67 ذيل الحديث 5120.

[ 232 ]

وقال ابن الجنيد: إن سرق العبد وهو آبق لم يقطع في اباقه، وكذلك روي عن أبي عبد الله - عليه السلام -. والمشهور وجوب القطع على المرتد والعبد الابق لعموم الاية (1). وما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال امير المؤمنين - عليه السلام -: عبدي إذا سرقني لم أقطعه، وعبدي إذا سرق غيري قطعته، وعبد الامارة إذا سرق لم أقطعه، لانه فئ (2). وعن يوني، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: المملوك إذا سرق من مواليه لم يقطع، وإذا سرق من غير مواليه قطع (3). وهذه الاخبار عامة، فلتجر على عمومها، حيث لا معارض لها، ولان الابق والمرتد أولى بالزجر من غيرهما. قال الشيخ في الخلاف: إذا سرق العبد كان عليه قطع كالحر، آبقا كان أو غيره، وعليه اجماع الصحابة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع على الابق بناء على أصله في القضاء على الغائب، فقال: قطع الابق قضاء على سيده والسيد غائب فلا قطع. واستدل الشيخ بالاية والخبر، ولان عبدا لابن عمر أبق فسرق فبعث به الى سعيد (4) بن العاص وكان امير المدينة ليقطعه فأبى، فقال ابن عمر: في أي كتاب وجدت أن الابق لا يقطع؟! ثم امر به ابن عمر فقطع (5).

(1) المائدة: ص 38.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 111 ح 437، وسائل الشيعة: ب 29 من ابواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 527.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 111 ح 438، وسائل الشيعة: ب 29 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 527.
(4) في الطبعة الحجرية: سعد.
(5) ج 5 ص 431 - 432 المسألة 26، مع اختلاف.

[ 233 ]

مسألة: المشهور أن الام تقطع إذا سرقت من مال الولد دون الاب. وقال أبو الصلاح: يقطع أصابع السارق الاربع من اليد اليمنى حرا كان أو عبدا مسلما كان أو ذميا قريبا أو اجنبيا، إلا سرق الوالدين من ولدهما على كل حال (1). لنا: العموم، وقول أبي الصلاح لا بأس به، لانها احد الابوين، فيسقط القطع عنها كما يسقط عن الاب، لاشتراكهما في وجوب الاعظام. مسالة: قال أبو الصلاح: من باع حرة زوجة أو أجنبية قطع، لفساده في الارض، وفرق بين المبتاع وبينها. وان كان قد وطأها بعد (2) العلم بحالها حد حد الزاني وحدت إن طاوعته. وإن غصبها نفسها فلا شئ عليها، ولا يرجع على بائعها بشئ، بل يأخذ منه الثمن ويسلم الى المغلوبة على نفسها ويتصدق به عن المطاوعة. وإن لم يعلم بحالها فلا شئ عليه، ويرجع على البائع بما أخذه فيعطي للمغلوبة (3) ويتصدق به على المطاوعة (4). والوجه أن المشتري إن كان عالما فهو كالمشتري من الغاصب العالم، وقد تقدم أنه هل يرجع بالثمن مع وجوده أم لا؟ قولان، اما مع عدم الثمن فلا رجوع له قطعا، وكذا ينبغي أن يكون الحكم هنا، لانه قد أباحه اتلافه بغير عوض. وأما الوطء فيحد به وتحد هي أيضا إن طاوعته وكانت عالمة بالتحريم ولا مهر لها. وان غصبها فلا حد عليها ولها مهر المثل على الواطئ، ولا يرجع على بائعها بشئ على ما تقدم تفصيله، ولا يؤخذ منه الثمن، ويسلم إلى المغلوبة على نفسها ليتصدق به على المطاوعة، بل لها مهر المثل عليه. وإن كان المشتري جاهلا فلا حد عليه، ويرجع على البائع بالثمن الذي دفعه، وللمراة عليه مع الاكراه أو

(1) الكافي في الفقه: ص 411.
(2) في المصدر: مع.
(3) في الطبعة الحجرية: المغلوبة.
(4) الكافي في الفقه: ص 412.

[ 234 ]

الجهل المهر. مسألة: المشهور أنه لا قطع على من سرق من المساجد والاسواق. وقال ابن أبي عقيل: يقطع السارق من أي موضع سرق من بيت كان أو سوق أو مسجد أو غير ذلك، قال: وقد جاء عنهم - عليهم السلام - أن صفوان بن امية كان مضطجعا في المسجد الحرام فوضع رداءه وخرج ليهريق الماء فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه فقال: من ذهب بردائي؟ فانطلق فوجد صاحبه، فرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: اقطعوا يده، فقال صفوان: من أجل ردائي يا رسول الله؟! فقال: نعم، فقال: وأنا أهبه له، فقال: - عليه السلام -: هلا كان هذا قبل أن ترفعه إلي! فان قصد ابن أبي عقيل انه يقطع بالسرقة من الاسواق والمساجد مع الاحراز والمراعاة صح، وإلا كان في موضع المنع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من سرق شيئا من كم انسان أو جيبه وكانا باطنين وجب عليه القطع، فان كانا ظاهرين لم يجب (1). وكذا قال المفيد في المقنعة (2). وفي الخلاف: ومن سرق من جيب غيره وكان باطنا - بأن يكون فوقه قميص آخر أو من كمه وكان كذلك - كان على القطع، وان سرق من الكم الاعلى والجيب الاعلى فلا قطع عليه، سواء شده في الكم من داخل أو من خارج (3). وقال في المبسوط: جيب الانسان إن كان باطنا فهو حرز لما فيه، وكذلك الكم عندنا، وان كان ظاهرا فليس بحرز، وقال قوم: الجيب حرز. لما يوضع فيه في العادة، ولم يفصلوا، وان شده في كمه كالصرة ففيه القطع عند قوم،

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 330 - 331. (2) المقنعة: ص 803.
(3) الخلاف: ج 5 ص 451 المسألة 51.

[ 235 ]

سواء جعله في جوف كم وشده كالصرة من خارج الكم أو شده من داخل حتى صارت الصرة في جوف كمه، وقال قوم: إن جعلها في جوف الكم وشدها من خارج فعليه القطع، وان جعلها من خارج وشدها من داخل فلا قطع، وهو الذي يقتضيه مذهبنا (1). وقال ابن حمزة: إن طر جيب القميص الداخل وذهب بالمال كان سارقا، وإن طر جيب القميص الخارج وأخذ المال أو من الكم الخارج ولم يكن صاحب القميص اضطبعه (2) (3) لم يكن سارقا، وان اضطبعه (4) كان سارقا (5). والمشهور الاول، لما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: اتي امير المؤمنين - عليه السلام - بطرار قد طر دراهم من كم رجل، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم أقطعه، وان كان طر من قميصه الداخل قطعته (6). وعن مسمع أبي سيار، عن الصادق - عليه السلام - أن أمير المؤمنين - عليه السلام - اتي بطرار قد طر من رجل من ردائه دراهم، فقال: إن كان طر من قميصه الاعلى لم نقطع، وان كان طر من قميصه الاسفل قطعناه (7). مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: ولا يقطع السارق من الحمامات والخانات

(1) المبسوط: ج 8 ص 45.
(2) في الطبعة الحجرية: اصطنعه.
(3) الاضطباع: أن تدخل الرداء من تحت ابطك الايمن وترد طرفه على يسارك وتبدي منكبك الايمن وتغطى الايسر، وسمي بذلك لابداء أحد الضبعين. (الصحاح: ج 3 ص 1248).
(4) في الطبعة الحجرية: اصطنعه.
(5) الوسيلة: ص 419.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 115 ح 455، وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 504 - 505.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 115 ح 456، وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب حد السرقة ذيل الحديث 2 ج 18 ص 504 - 505.

[ 236 ]

والمساجد، لانها ليست باحراز، إلا أن يكون الشئ محرزا في الحمام والخان والمسجد بشد أو قفل أو دفن فيقطع إذا كان قدره ربع دينار (1). فان أراد بالشد وضعه في كارة (2) وشده فيها مع المراعاة كان كقول الشيخ من أن المراعاة بالعين حرز، لكن لا حاجة إلى الشد، لانه لو راعاه وكان ظاهرا من غير شد وجب القطع عند الشيخ (3). وان عنى بالشد شده على وسطه أو في بعض أعضائه - كيده أو رجله من دون المراعاة - فلا قطع. وبالجملة فهذا اللفظ مشكل. وقال ابن الجنيد: وكذلك لا يقطع في الحمامات والخانات، إلا أن يكون على الثياب حافظ، أو يكون المسروق قد أحرزها في وعاء، أو جعلها حيث يمتنع على الاخذ لها. مسالة: قال ابن الجنيد: لو سرق من المشرك خمرا حكم له بقيمة الخمر خلا على المسلم إذا سرقها واستهلكها، وعلى الذمي أيضا بالقيمة إن سرق مسلما ذلك وينهك ضربا، لدخوله حرز المسلم بغير اذنه. والوجه أن المسلم إذا سرق الخمر من ذمي مستتر بها وأتلفها وجب عليه قيمتها عند مستحليها، ولا ينحصر في الخل، بل يقوم بالذهب والفضة. واما الذمي إذا سرق الخمر من المسلم فلا شئ عليه، لانه لا قيمة له عنده فلا مطالبة له بشئ. نعم لو أمسكها للتخليل وجب عليه إعادتها مع بقائها، فان أتلفها فلا شئ عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن سرق حرا فباعه وجب عليه القطع، لانه

(1) المقنعة: ص 804.
(2) الكارة: ما يحمل على الظهر من الثياب (الصحاح: ج 2 ص 810).
(3) المبسوط: ج 8 ص 36.

[ 237 ]

من المفسدين في الارض (1). وقال في الخلاف: إذا سرق عبدا صغيرا لا يعقل انه لا ينبغي أن يقبل إلا من سيده وجب عليه القطع، وإن سرق حرا صغيرا فلا قطع عليه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك عليه القطع، وقد روى ذلك أصحابنا. دليلنا: اجماع الفرقة على ان السرقة لا تجب إلا في ربع دينار فصاعدا، والحر لا قيمة له بحال (2). وقال في المبسوط: إن سرق حرا صغيرا روى أصحابنا أن عليه القطع، وبه قال قوم: وقال أكثرهم: لا يقطع، ونصرة الاول قوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولم يفرق (3). والمشهور الاول، لان وجوب القطع في سرقة المال انما كان لصيانته وحراسته وحراسة النفس أولى، فوجوب القطع فيه أولى لا من حيث أنه سارق مال، بل من حيث أنه من المفسدين. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كانت يمينه ناقصة الاصابع ولم يبق إلا واحدة قطعت بلا خلاف، وإن لم يبق إصبع قطع الكف، وإن كانت شلاء روى أصحابنا انها تقطع، ولم يفصلوا وللشافعي قولان (4)، الاظهر مثل ما قلناه، وفي اصحابه من قال: لا تقطع، لانه لا منفعة فيها ولا كمال (5) ولا جمال، وان كانت شلاء رجع إلى أهل المعرفة بالطب فان قالوا: إذا اقطعت اندملت قطعت، وان قالوا: تبقى أفواه العروق مفتحة لم تقطع. دليلنا: قوله تعالى: " فاقطعوا ايديهما " أراد أيمانهما (6) بلا خلاف، ولم يفصل،

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 336.
(2) الخلاف: ج 5 ص 427 - 428 المسألة 18 و 19، وفيه: " ان القطع لا يجب " (3) المبسوط: ج 8 ص 31.
(4) في المصدر: وللشافعي فيها قولان.
(5) ليس في المصدر.
(6) في المصدر: وانما أراد ايمانهما.

[ 238 ]

والخبر مثل ذلك، واجماع الفرقة على ما قلناه دليل في هذه المسألة (1). وقال في المبسوط: إذا سرق وله يمين كاملة أو ناقصة قد (2) ذهبت أصابعها إلا واحدة قطعنا يمينه الكاملة أو الناقصة، للاية والخبر، وان لم يكن فيها إصبع وانما بقي منها الكف وحدها أو بعض الكف قال قوم: تقطع، وقال آخرون: لا تقطع وتكون كالمعدومة فيحول القطع الى رجله اليسرى، لانه لا منفعة في ما بقي ولا جمال (3)، ومن قال: يقطع للاية (4) والخبر، وعندنا لا تقطع، لان القطع عندنا لا يتعلق إلا بالاصابع، فمن ليس له أصابع لم يجب قطع غيرها إلا بدليل (5). وهو المعتمد، لما ذكره - رحمه الله -. واحتجاجه في الخلاف بالاية والخبر مدفوع بما قاله في المبسوط. مسألة: قد نقلنا في ما تقدم عن الشيخ ابن الجنيد - رحمه الله - ان السارق لو سرق وكانت يده اليسرى مقطوعة في قصاص أو شلاء لم تقطع يمينه وحبس. وقال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7): تقطع يمينه، واستدل بالظواهر كلها، ولم يفرق فيها (8). واحتج ابن الجنيد بما رواه المفضل بن الصالح، عن بعض اصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاء لم تقطع يمينه ولا رجله (9). وعن عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام -

(1) الخلاف: ج 5 ص 441 - 442 المسألة 37.
(2) في المصدر: وقد.
(3) في المصدر: بقى منها ولاجمال.
(4) في المصدر: قال للاية. (5) المبسوط: ج 8 ص 38.
(6) المبسوط: ج 8 ص 39.
(7) الخلاف: ج 5 ص 442 المسألة 38.
(8) الخلاف: ج 3 ص 203 المسألة 38.
(9) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 108 ح 420، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 502.

[ 239 ]

قال: قلت له: لو أن رجلا قطعت يده اليسرى في قصاص فسرق ما يصنع به؟ قال: فقال: لا يقطع (1). والجواب: المنع من صحة سند الاول، فانه مرسل. وعن الثاني: باحتمال إظهار التوبة منه جمعا بين الادلة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قامت عليه البينة بأنه سرق نصابا من حرز لغائب وليس للغائب وكيل بذلك لم يقطع حتى يحضر الغائب، وكذلك إن قامت عليه البينة بأنه زنى بأمة غائب لم يقم عليه الحد حتى يحضر، وان أقر بالسرقة أو بالزنا اقيم عليه الحد فيهما. واستدل بانه يجوز أن يكون الغائب أباح له العين المسروقة، أو ملكه إياها، أو وقفها عليه، أو كانت ملكا للسارق عنده غصبت من أبيه، أو وديعة أو غير ذلك أو اباح له وطء الامة أو متعه بها، وإذا احتمل ذلك لم يقطع ولم يحد، للشبهة. فاما مع الاقرار فانه يقام عليه الحد والقطع، لانه يثبت عليه الحد والقطع باقراره وهما من حقوق الله فلا يقف على حضور الغائب، والظاهر يوجب قطعه واقامة الحد عليه، وهو قوله تعالى: " فاقطعوا أيديهما " وقوله " فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (2). وقواه في المبسوط (3) أيضا. وقال ابن ادريس: الحقوق ثلاثة: حق لله تعالى محض - كالزنا والشرب - ويقيمه الامام من غير مطالبة آدمي، وحق الادمي محض ولا يطالب بها الامام إلا بعد مطالبتهم إياه باستيفائها، وحق لله تعالى ويتعلق به حق آدمي - كحد السارق - فلا يطالب به الامام ولا يستوفيه إلا بعد المطالبة من الادمي. فعلى

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 108 ح 421، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 502. (2) الخلاف: ج 5 ص 445 - 446.
(3) المبسوط: ج 8 ص 41.

[ 240 ]

هذا التحرير لو قامت البينة عليه بأنه سرق نصابا من حرز لغائب وليس للغائب وكيل يطالب بذلك لم يقطع حتى يحضر الغائب ويطالب، فأما إن قامت عليه البينة أو أقر بانه قد زنى بأمة غائب فان الحاكم يقيم عليه الحد ولا ينتظر مطالبة آدمي، لانه حق محض لله تعالى، ولهذا قال الشيخ في الخلاف: لو سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء، لم يسقط القطع عنه، سواء ملكها بعد أن ترافعا الى الحاكم أو قبله، بل إن ملكها قبل الترافع لم يقطع، لا لان القطع سقط، لكن لانه لا مطالب له بها، ولا قطع بغير مطالبة بالسرقة، ونعم ما قال (1). والمعتمد ان الزنا والسرقة إن ثبتا بالبينة فالوجه ما قاله الشيخ، للتجويز الذي ذكره إن ادعى في الامة التحليل أو الاتهاب، وإلا فلا. وبالجملة فان الشبهة حاصلة وهى دارئة للحدود، وان ثبتا بالاقرار حد في الزنا ولم يقطع في السرقة، لانه لا مطالب لها ولا حد في السرقة إلا بعد المطالبة، وهو اختيار ابن ادريس ايضا. مسالة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): من سرق باب دار رجل قلعه وأخذه أو هدم من حائطه آجرا وبلغ قيمته نصابا كان عليه القطع، لعموم الاية والخبر، وكذا يقطع لو قلع حلقة الباب المسمرة فيه، لان حرزها ذلك. وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: الذى يقتضيه اصول مذهبنا أنه لا قطع على من أخذ ذلك بحال، لان الحرز عندنا القفل والغلق والدفن، وليست هذه الاشياء في

(1) السرائر: ج 3 ص 495، مع اختلاف.
(2) الخلاف: ج 5 ص 452 المسألة 53، وليس فيه: " وكذا يقطع لو قلع... ".
(3) المبسوط: ج 8 ص 25 و 46.
(4) المهذب: ج 2 ص 538.

[ 241 ]

حرز، والاصل براءة الذمة، لا اجماع (1) من علمائنا عليه، بل ما ذهب منهم سوى شيخنا أبى جعفر ومن تابعه، ولم يرد عن الائمة - عليهم السلام - أخبار لا آحاد ولا متواترة (1). وما قاله ابن ادريس لا بأس به. مسالة: قال الشيخ في المبسوط (2)، وتبعه ابن البراج (3): بأن باب الدار متى نصب ودار (4) في مكانه فهو في حرز، سواء كان مغلقا أو مفتوحا. وأما أبواب الخزائن التى فيها فهي كالمتاع في الدار، فان كانت هذه الابواب مغلقة فهي في حرز، وان كانت غير مغلقة فان كان باب الدار مفتوحا فهي في غير حرز، وان كان باب الدار مغلقا فهي في حرز. والوجه أن نقول: نصب الباب إن كان احرازا كانت ابواب الخزائن المنصوبة في حرز وان لم تكن مغلقة ولا كان باب الدار مغلقا كباب الدار، بل هذا اولى للتخطي في الدار مع المنع منه، وان لم يكن احرازا لم يكن نصب الباب على الدار احرازا. مسألة: قال الشيخان (5): إذا سرق ثانيا بعد قطع يمينه قطعت رجله اليسرى من أصل الساق. قال في النهاية: ويترك عقبه يعتمد عليها في الصلاة (6). وقال في المقنعة - عقيب قوله: من اصل الساق -: ويترك له مؤخر القدم ليعتمد عليه عند قيامه في الصلاة (7).

(1) كذا في نسخة: م 3، وفي نسخة: ق 2 " والاجماع " والصواب ما اثبتناه كما يظهر بالمراجعة الى السرائر.
(2) السرائر: ج 3 ص 501، مع اختلاف.
(3) المبسوط: ج 8 ص 25.
(4) المهذب: ج 2 ص 538.
(5) كذا في النسخ، وفي المصدر: كان.
(6) المقنعة: ص 802، النهاية ونكتها: ج 3 ص 327.
(7) النهاية ونكتها: ج 3 ص 327، وفيه: " ليعتمد عليها ".
(8) المقنعة: ص 802.

[ 242 ]

وقال السيد المرتضى: وفي الرجل تقطع من صدر القدم ويبقى له العقب، وخالف باقي الفقهاء فذهبوا الى أنه تقطع الرجل من المفصل من غير تبقية قدم (1). وقال سلار: تقطع رجله اليسرى من أصل الساق ويترك له القدم (2). وهذه عبارة رديئة. وقال أبو الصلاح: فان سرق ثانية قطع مشط رجله اليسرى من المفصل دون مؤخر القدم والعقب (3). وقال ابن حمزة: ويلزم قطع رجله اليسرى من الناتئ في ظهر القدم ويترك العقب (4). وقال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): القطع عندنا في الرجل من عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم ويترك له ما يمشي عليه، وعندهم المفصل الذي بين الساق والقدم. وفي رواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - (7). واسحاق بن عمار، عن الكاظم - عليه السلام - (8) يقطع رجله ويترك عقبه يمشي عليها.

(1) الانتصار: ص 262.
(2) المراسم: ص 259، وفيه: " وترك له العقب ". (3) الكافي في الفقه: ص 411.
(4) الوسيلة: ص 420.
(5) المبسوط: ج 8 ص 35.
(6) الخلاف: ج 5 ص 437 - 438 مسألة 31.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 102 ح 398، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب حد السرقة ح 2 ج 18 ص 489.
(8) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 102 ح 399، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب حد السرقة ح 4 ج 18 ص 490.

[ 243 ]

وفي رواية سماعة، عن الصادق - عليه السلام - فان عاد قطعت رجله من وسط القدم (1). وفي رواية عبد الله بن هلال، عن الصادق - عليه السلام - انما تقطع الرجل من الكعب ويترك له من قدمه ما يقوم ويصلي ويعبد ربه (2). ورواية اسحاق أوضح طريقا فليعمل عليها. مسالة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وجب قطع يمين السارق فأخرج الى القاطع يساره فقطعها قال قوم: إن قطعها مع العلم بانها يساره وانه لا يجوز قطعها مكان يمينه لم يسقط قطع يمينه ويقاد منه، وان قال القاطع: دهشت وما علمت أنها يساره أو علمت أنها يساره وظننت أن قطعها يقوم مقام اليمين فلا قود وتقطع يمين السارق، وقال قوم: لا تقطع. والاول أقوى، لان يساره ذهبت بعد وجوب القطع في يمينه، كما لو ذهبت قصاصا (3). وقال ابن الجنيد: ومن اريد قطع يمينه فقدم شماله فحسبوها يمينه قطعت، فقد روي ان امير المؤمنين - عليه السلام - قال: لا تقطع يمينه، قد مضى الحكم. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإذا أمر الامام بقطع يمين السارق فتقطع يساره بالغلط فلا تقطع يمينه إذا قطعت يساره (4). وهو الاقوى. لنا: أنه قطع مساوي اليمين فيسقط القطع، لاستيفاء مساوي الحق منه. وما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى امير المؤمنين

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 103 ح 400، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب حد السرقة ح 3 ج 18 ص 489. (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 103 ح 401، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب حد السرقة ح 8 ج 18 ص 494.
(3) المبسوط: ج 8 ص 39، مع اختلاف. من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 64 ذيل الحديث 5114.

[ 244 ]

- عليه السلام - في رجل امر به ان تقطع يمينه فقدمت شماله فقطعوها وحسبوها يمينه وقالوا: انما قطعنا شماله اتقطع يمينه: فقال: لا تقطع وقد قطعت شماله (1). والجواب عما ذكره الشيخ في المبسوط: بالفرق، فان قطع اليسار في القصاص ليس استيفاء لحق السرقة ولا لمساويه، فيبقى في عهدة الاستحقاق، بخلاف قطعها في السرقة. مسالة: قال الشيخ في النهاية: المحارب هو الذي يجرد السلاح ويكون من اهل الريبة في مصر أو غير مصر، في بلاد الشرك كان أو في بلاد الاسلام، ليلا كان أو نهارا، فمتى فعل ذلك كان محاربا، ويجب عليه إن قتل ولم ياخذ المال ان يقتل على كل حال، وليس لاولياء الدم (2) العفو عنه، فان عفوا عنه وجب على الامام قتله، لانه محارب، وإن قتل وأخذ المال وجب عليه أولا ان يرد المال ثم يقطع بالسرقة ثم يقتل بعد ذلك ويصلب، وإن اخذ المال ولم يقتل ولم يجرح قطع ثم نفي عن البلد، وإن جرح ولم ياخذ المال ولم يقتل وجب ان (3) يقتص منه ثم ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل الى غيره، وكذلك إن لم يجرح ولم يأخذ المال وجب عليه ان ينفى من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل الى غيره، ثم يكتب الى اهل ذلك المصر بانه منفي محارب فلا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تبايعوه ولا تجالسوه، فان انتقل الى غير ذلك من البلدان كوتب أيضا اهلها بمثل ذلك فلا يزال يفعل به ذلك حتى يتوب، فان قصد بلاد الشرك لم يمكن من الدخول فيها وقوتلوا هم على تمكينهم من دخولها (4). وتبعه

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 104 ح 406، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب حد السرقة ح 1 ج 18 ص 496، مع اختلاف.
(2) في المصدر: المقتول.
(3) في المصدر: وجب عليه أن. (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 334.

[ 245 ]

ابن البراج (1). ونحوه قال في الخلاف وهو أنه: إذا شهر السلاح وأخاف السبيل بقطع الطريق كان حكمه متى ظفر به الامام التعزير، وتعزيره أن ينفيه من البلد، وان قتل ولم يأخذ المال قتل، والقتل متحتم عليه لا يجوز العفو عنه، وان قتل وأخذ المال قتل وصلب، وان أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وينفى من الارض متى ارتكب شيئا من هذا ويتبعهم أينما حلوا كان في طلبهم، فإذا قدر عليهم أقام عليهم هذه الحدود (2). وكذا في المبسوط (3). وقال المفيد: وأهل الدغارة (4) إذا جردوا السلاح في دار الاسلام وأخذوا الاموال كان الامام مخيرا فيهم، إن شاء قتلهم بالسيف، وإن شاء صلبهم حتى يموتوا، وإن شاء قطع أيديهم وارجلهم من خلاف، وان شاء نفاهم من المصر الى غيره ووكل بهم من ينفيهم عنه الى ما سواه حتى لا يستقربهم مكان الا وهم منفيون عنه مبعدون إلى أن تظهر منهم التوبة والصلاح. فان قتلوا النفوس مع اشهارهم السلاح وجب قتلهم على كل حال بالسيف أو الصلب حتى يموتوا ولم يتركوا على وجه الارض أحياء (5). فالخلاف بين الشيخين في موضعين: الاول: التخيير والترتيب، فالمفيد قال بالاول، والشيخ قال بالثاني. الثاني: الصلب يكون بعد القتل عند الشيخ، وكلام المفيد يعطي انه يصلب حيا. وقال ابن الجنيد: والاية على الترتيب، فمن قتل قتل أو فعل به ما يكون مؤديا له إلى تلف نفسه، مثل: أن يقطع ولا يحسم أو يصلب فلا ينزل (6) به حتى

(1) المهذب: ج 2 ص 553.
(2) الخلاف: ج 5 ص 458 المسألة 2.
(3) المبسوط: ج 8 ص 47 و 48.
(4) في نسخة: (م 3) الدعارة.
(5) المقنعة: ص 804 - 805.
(6) ق 2: فلا يزال.

[ 246 ]

يموت. وقد روى عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله الصادق - عليه السلام - انه قال: يحكم على المحارب بقدر ما يعمل، وينفى ويحمله (1) في البحر ثم يقذف به حتى يكون حدا يوافق القطع والصلب (2). وليس للوالي (3) أن يفعل به مالا يؤدي الى تلف نفسه إذا قتل، لان الله عزوجل قد حكم على القاتل بالقود. وان اخذ المال ولم يقتل قطع، وكان التخيير بعد ذلك الى الوالي، ليس أن يكون له أن يتخير ازالة حكم قد ثبت بآية اخرى، ولو قطع ثم قتل (4) من اخذ المال وقتل كان جائزا إذا كان المقتول غير المأخوذ ماله، فان كان فعله للحالين برجل واحد كان الامام مخيرا ان يفعل ذلك به، فان شاء قتله ودخل الحد الاصغر في الحد الاكبر وهو القتل. وقال سلار: المجرد للسلاح في ارض بلاد الاسلام الساعي فيها فسادا، إن شاء الامام قتله، وإن شاء صلبه، وان شاء قطع يده ورجله من خلاف، وإن شاء نفاه من الارض (5). فاختار التخيير، كما ذهب إليه المفيد، وبه قال ابن ادريس (6). وهو الاقوى. لنا: الاية، فان " أو " يقتضي التخيير. وما رواه جميل بن دراج في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قول الله عزوجل: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا.. إلى آخر الاية " فقلت: اي شئ عليهم من هذه الحدود التي سمى الله؟ قال: ذلك إلى الامام، إن شاء قطع، وان شاء صلب، وإن شاء نفى، وإن شاء قتل، قلت: النفي الى أين؟ قال: ينفى من مصر الى

(1) م 3 يحمل وفي المطبوع بحمل.
(2) الكافي: ج 7 ص 247 ج 10.
(3) م 3: للموالي.
(4) كذا في ق 2 ومصححة المطبوع، والعبارة في م 3 هكذا: ولو قطع ثم قتل بعد أخذ المال وقتل..
(5) المراسم: 251، وفيه: " في ارض الاسلام والساعي ".
(6) السرائر: ج 3 ص 505.

[ 247 ]

مصر آخر، وقال: إن عليا - عليه السلام - نفى رجلين من الكوفة الى البصرة (1). احتج الشيخ بما رواه عبد الله المدائني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن قول الله عزوجل: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) قال: فعقد بيده ثم قال: يا أبا عبد الله خذها أربعا بأربع، ثم قال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في الارض فسادا فقتل قتل، وان قتل واخذ المال قتل وصلب، وان اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وان حارب الله وسعى في الارض فسادا ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي من الارض، قال: قلت: وما حد نفيه؟ قال: سنة ينفى من الارض التي يفعل فيها الى غيرها، ثم يكتب الى ذلك المصر: بأنه منفي فلا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تناكحوه حتى يخرج الى غيره، فيكتب إليهم أيضا بمثل ذلك فلا يزال هذا حاله سنة، فإذا فعل به ذلك تاب وهو صاغر (2). والجواب: لا منافاة بين الخبرين، فجاز أن يكون الثاني منوطا بنظر الامام إذا أداه الى هذا التفصيل كان فعله أولى من غيره. تذنيب: إذا قتل تحتم القتل، قاله المفيد (3)، أما الصلب أو غيره، وكذا قال ابن الجنيد، وسواء قتل مكافئا أو لا، وسواء عفا ولي المقتول أو لا. وليس للامام نفيه هنا دون قتله، قاله ابن ادريس (4)، وهو جيد، قال:

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 133 ح 528، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد المحارب ح 3 ج 18 ص 533 وفيهما: " عبيد الله المدائني ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 131 ح 523، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد المحارب ذيل الحديث 4 ج 18 ص 534 وب 4 ذيل الحديث 4 ص 539.
(3) المقنعة: ص 805.
(4) السرائر: ج 3 ص 505.

[ 248 ]

وإن أخذ المال قطع، سواء اخذ ما يجب فيه قطع السارق أو اقل منه من حرز أو من غيره. مسالة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): احكام المحاربين تتعلق بالرجال والنساء سواء، على ما فصلناه في العقوبات، للاية وعموم الاخبار. وقال ابن الجنيد: وكذلك كل النساء، إلا أنهن لا يقتلن. وقال ابن ادريس: هذان الكتابان معظمهما فروع المخالفين، وهو قول بعضهم، اختاره - رحمه الله - ولم أجد لاصحابنا المصنفين قولا في قتل النساء في المحاربة، والذي يقتضيه أصول مذهبنا ألا يقتلن إلا بدليل قاطع، فأما تمسكه بالاية فضعيف، لانها خطاب للذكران دون الاناث، ومن قال: تدخل النساء في خطاب الرجال على طريق التبع، فذلك مجاز، والكلام في الحقائق والمواضع التي دخلن في خطاب الرجال فبالاجماع (3). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر اقتص منه... الحديث (4). ولفظة " من " يتناول المذكر والمؤنث بالحقيقة إجماعا. ولان تعليق هذه العقوبة على هذا الوصف يشعر بالعلية بالمناسبة والاقتران، والعلة أينما تحققت ثبت معلولها، ولا عبرة بخصوصيات الفاعلين كالعبد والحر والعالم والجاهل.

(1) المبسوط: ج 8 ص 56.
(2) الخلاف: ج 5 ص 470 المسألة 15.
(3) السرائر: ج 3 ص 508.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 132 ح 524، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب حد المحارب ح 1 ج 18 ص 532 وفيهما: " عن أبي جعفر ".

[ 249 ]

ثم ان ابن ادريس قال بعد ذلك: قد بينا أن أحكام المحاربين تتعلق بالرجال والنساء سواء، على ما فصلناه من العقوبات، للاية، ولم يفرق بين الرجال والنساء، فوجب حملها على عمومها (1). وهذا اضطراب منه، وقلة تأمل، وعدم مبالاة بتناقض كلاميه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): إنه يصلب بعد قتله ولا يكون قبله. وقال المفيد: إنه يصلب حيا (4)، وبه قال ابن ادريس (5): للاية (6)، والحديث الذي رواه جميل بن دراج (7). والشيخ عول على حديث عبد الله المدائني (8)، وقد سلف. قال ابن ادريس: قال شيخنا المفيد: يصلب حيا وينزل من خشبته بعد ثلاثة أيام ويغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه، لانه قتل حدا لا قودا، وشيخنا أبو جعفر قال في مبسوطه على ما قدمناه قتله قودا، فكان يلزمه أن يؤمر أولا بالاغتسال والتكفين ثم يصلب، وهو لا يرى غسله إلا بعد نزوله من خشبته. قال: والصحيح ما ذهب إليه شيخنا المفيد من التخيير (9)، وقد سبق. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان (10) المحارب ولدا أو عبدا أو كان

(1) السرائر: ج 3 ص 510.
(2) الخلاف: ج 5 ص 462 المسألة 5.
(3) المبسوط: ج 8 ص 48.
(4) المقنعة: ص 804.
(5) السرائر: ج 3 ص 509.
(6) المائدة: 33.
(7) الكافي: ج 7 ص 245 ح 3، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد المحارب ح 3 ج 18 ص 533. (8) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 131 ح 523، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب حد المحارب ذيل الحديث 4 ج 18 ص 534، وفيهما: " عبيد الله المدائني ".
(9) السرائر: ج 3 ص 508 - 509، وفيه: " يلزمه انه يؤمر ".
(10) في المصدر: قتل.

[ 250 ]

مسلما قتل ذميا فانه يقتل، وللشافعي قولان (1): أحدهما مثل ما قلناه، والثاني - وهو أصحهما عندهم -: لا يقتل. دليلنا: قوله تعالى: " أو يقتلوا " وقد بينا أن معناه أن يقتلوا، إن قتلوا ولم يفصل، وتخصيصه يحتاج الى دليل. والقول الثاني قوي أيضا، لقوله - عليه السلام -: " لا يقتل والد بولده، ولا يقتل مؤمن بكافر ". إلا أن المحارب يتحتم عليه القتل لكونه محاربا، ألا ترى انه لو عفا الولي عنه وجب (2) قتله، فلا يمتنع على هذا أن يجب قتله وان كان قتل ولده أو ذميا لكونه محاربا (3). وهذا يدل على تردده، لكن الاقوى الاول. قال في المبسوط: والاول يقتضيه عموم الاخبار (3)، وبه قال ابن ادريس (5) وقد تقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: قد بينا أن المحارب إذا أخذ المال قطع، ولا يجب قطعه حتى يأخذ نصابا يجب فيه القطع في السرقة، وللشافعي قولان: أحدهما مثل ما قلناه وعليه عامة أصحابه، وقال بعضهم: يقطع في قليل المال وكثيره، وهو قوي أيضا، لان الاخبار وردت أنه إذا أخذ المال وجب قطعه، ولم يقيدوا، فوجب حملها على عمومها. دلينا: أن ما اعتبرناه مجمع على وجوب القطع به، وما قالوه ليس عليه دليل، وأيضا قوله - عليه السلام -: " القطع في ربع دينار " (6). وقال ابن ادريس: لا يعتبر النصاب، بل يقطع في الاقل، ولا يعتبر الحرز أيضا (7). وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط (8)، وهو المعتمد.

(1) في المصدر: وللشافعي فيه قولان.
(2) في المصدر: لوجب.
(3) الخلاف: ج 5 ص 463 - 464 المسألة 6.
(4) المبسوط: ج 8 ص 49.
(5) السرائر: ج 3 ص 505 - 506. (6) الخلاف: ج 5 ص 464 المسالة 7، وفيه: " وللشافعي فيه قولان ".
(7) السرائر: ج 3 ص 506.
(8) المبسوط: ج 8 ص 49.

[ 251 ]

لنا: إن حكم المحاربة مغاير لحكم السرقة، ويجب فيه أحكام لا يجب في السرقة، فيتبع فيها النصوص (1) الدالة على أحكامها من غير التفات الى أحكام السرقة. مسالة: قال الشيخ في الخلاف: وإذا جرح المحارب جرحا يجب فيه القصاص في غير المحاربة - مثل قطع اليد أو الرجل أو قلع العين وغير ذلك - وجب عليه القصاص بلا خلاف ولا يتحتم، بل للمجروح العفو، وهو أحد قولي الشافعي، وفي الاخر: أنه يتحتم. دليلنا: أن الاصل جواز العفو وانحتامه يحتاج الى دليل (2). وقال في المبسوط: إن كان الجرح دون النفس نظرت، فان كان مما لا يوجب القود في غير المحاربة لم يجب به في المحاربة، وان كان مما يوجب القصاص في غير المحاربة - كاليد والرجل والاذن والعين - وجب القصاص في المحاربة، لكن هل يتحتم أم لا؟ قال قوم: لا يتحتم، وقال آخرون: يتحتم، وهو الاقوى (3). وما ذكره في المبسوط أقوى. لنا: أنه يتحتم القتل، فكذا الجرح، حسما لمادة الفساد، ومجازاة له على فعله بمثله.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 131 - 135 ح 523 و...، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب حد المحارب ج 18 ص 532.
(2) الخلاف: ج 5 ص 466 المسألة 10، مع اختلاف.
(3) المبسوط: ج 8 ص 51، وفيه في المواضع: " ينحتم ".

[ 252 ]

الفصل الرابع في حد الفرية مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال لغيره: يا ابن الزانية أو يا ابن الزاني أو قد زنت بك امك أو ولدت من الزنا وجب أيضا عليه الحد، وكان المطالبة في ذلك الى امه، فان عفت عنه جاز عفوها ولا يجوز عفو غيرها (1). وتبعه ابن البراج (2). وهذا حق في قوله: " يا ابن الزانية " أو " زنت بك امك "، أما قوله: " يا ابن الزاني " فان الحد لابيه، وقد ذكره الشيخ (3) بعد ذلك بقليل. بقي قوله: " ولدت من الزنا " قال ابن ادريس: هذا غير واضح، لاحتمال أن تكون الزانية هي الام أو الاب، وإذا كان مشتركا لم يختص المطالبة بالام (4). وهذا الاحتمال الذي ذكره ابن ادريس حسن. لكن شيخنا المفيد - رحمه الله - قال: وقول الرجل لغيره: يا ولد زنا مثل قوله: زنت بك امك في القذف سواء (5). وهو يؤيد ما ذكره الشيخ، وكان

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 339 - 340.
(2) المهذب: ج 2 ص 547 وفيه: " وكانت المطالبة بذلك الى أولياء المقول له ".
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 340.
(4) السرائر: ج 3 ص 517 نقلا بالمعنى.
(5) المقنعة: ص 793 - 794..

[ 253 ]

الظاهر في العرف ذلك، فلهذا اختصت المطالبة بالام. ولان أصل الولادة من الام، وهي مستندة إليها، فاختصت بالاضافة. ولهذا فانه لو قال: ولدتك امك من الزنا كان قذفا لها، وقد صرح به ابن ادريس (1) مع قيام الاحتمال المذكور. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فان قال له: ابنك زان أو لائط أو بنتك زانية أو قد زنت كان عليه الحد، وللمقذوف المطالبة باقامة الحد عليه، سواء كان ابنه أو بنته حيين أو ميتين، وكان إليه أيضا العفو، إلا أن يسبقه الابن أو البنت الى العفو، فان سبقا الى ذلك كان عفوهما جائزا (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال المفيد: فان قذف ابنته كان الحق له، سواء كانت البنت حية أو ميتة، إلا أن تسبقه بالعفو عنه وهي مالكة لامرها بالبلوغ وكمال العقل، فلا يكون له عليه حينئذ حق في حده (4). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه المذهب أنهما إن كانا حيين غير مولى عليهما فالحق لهما وهما المطالبان به، ولا يجوز لاحد العفو عنه دونهما ولهما العفو عنه، لان حد القذف حق من حقوق الادميين يستحقه صاحبه المقذوف به دون غيره (5). والوجه ما قاله ابن ادريس. احتج الشيخ بأن العار هنا لا حق للاب، فكان له المطالبة بالحد. والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اقيم عليه الحد في القذف ثلاث مرات

(1) السرائر: ج 3 ص 518.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 341.
(3) المهذب: ج 2 ص 547.
(4) المقنعة: ص 794.
(5) السرائر: ج 3 ص 519.

[ 254 ]

قتل في الرابعة (1). ونقله ابن ادريس وقال: الصحيح أنه يقتل في الثالثة، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في استبصاره (2). والوجه الاول، وقد تقدم البحث في ذلك في الزنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال لمسلم: امك زانية أو يا ابن الزانية وكانت امه كافرة أو أمة كان عليه الحد تاما، لحرمة ولدها المسلم الحر (3). وتبعه ابن البراج (4)، وهو قول ابن الجنيد. وقال ابن ادريس: الاصل مراعاة التكافؤ للقاذف أو علو المقذوف (5). وهو حسن، لاصالة البراءة، والمنع من كون الولد مسلما يقتضي ايجاب الحد. والشيخ عول على ما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: النصرانية واليهودية تكون تحت المسلم فيقذف ابنها يضرب القاذف، لان المسلم قد حصنها (6)، ولا بأس بالعمل بهذه الرواية، فانها واضحة الطريق. مسألة: قال في النهاية: إذا قال لغيره: قد زنيت بفلانة وكانت المرأة ممن يجب لها الحد كاملا وجب عليه حدان: حد للرجل وحد للمرأة، وكذلك إن قال: لطت بفلان كان عليه حدان: حد للمواجه وحد لمن نسبه إليه (7). وتبعه

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 342، وفيه: " ثلاث دفعات ".
(2) السرائر: ج 3 ص 519.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 344 - 345.
(4) المهذب: ج 2 ص 548.
(5) السرائر: ج 3 ص 520.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 75 ح 290، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب حد القذف ح 2 ج 18. ص 441.
(7) النهاية ونكتها: ج 3 ص 345 - 346.

[ 255 ]

ابن البراج (1)، وهو قول شيخنا المفيد (2) وأبي الصلاح (3). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه الادلة أنه لا يجب على قائل ذلك سوى حد واحد وان كان المقول لهما بالغين حرين، لانه إذا قال له: زنيت بفلانة أو لطت بفلان فقد قذفه بلا خلاف، وأما المرأة والرجل فليس بقاذف لهما، لانه قد لا تكون المرأة زانية بأن تكون مكرهة على الزنا، وكذلك الرجل قد لا يكون مختارا بل يكون مكرها على اللواط، فالزنا واللواط متحققان في جهة المقول لهما، وغير متحقق في جهة من فعل به ذلك، فالشبهة حينئذ حاصلة بغير خلاف، وبالشبهة لا يجد، لقوله - عليه السلام - المجمع عليه: " ادرأوا الحدود بالشبهات " وهذا القول الواقع (4) به النقل من أعظم الشبهات فليلحظ ذلك، وإنما أورد ذلك شيخنا في نهايته ايرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله (5). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه أضاف الزنا واللواط إليهما فيجب به الحد، لتحقق القذف، والشبهة التي ذكرها لم يعتد بها الشارع ولم يلتفت إليها، لحصول السبب به، ولهذا إذا قال له: يا منكوحا في دبره وجب عليه حد القذف اجماعا مع تطرق الاحتمال الذي ذكره. ولان الزنا واللواط إن تحققا مع حصول الكراهة من أحدهما تحققا مع حصولها منهما، فان من أكره غيره على فعل اللواط وأكره الصبي على الانفعال يتحقق اللواط مع اشتراك الكراهة، وكما تطرق الاحتمال الى المنسوب إليه كذا يتطرق الى المقدوف، ففرقه بينهما لا وجه له، ثم يحتمل أن يكون المنسوب

(1) المهذب: ج 2 ص 548.
(2) المقنعة: ص 793.
(3) الكافي في الفقه: ص 414.
(4) وفي نسخة: ق 2 للواقع به الفعل، وفي المصدر الواقع به الفعل.
(5) السرائر: ج 3 ص 520 وفيه: " متحقق في جنبة ".

[ 256 ]

إليه مختارا أو المقذوف مكرها، فلا يجب الحد قطعا بالنسبة الى المقذوف، وهو باطل قطعا، فاذن الاحتمال الاول لا أثر له هنا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا قذف جماعة واحدا بعد واحد كل واحد منهم بكلمة مفردة فعليه لكل واحد منهم حد القذف، سواء جاؤوا به متفرقين أو مجتمعين، وان قذفهم بكلمة واحدة فقال: زنيتم أو أنتم زناة فان جاؤوا به متفرقين كان لكل واحد منهم حد كامل، وان جاؤوا به مجتمعين كان عليه حد واحد لجماعتهم. ونحوه قال في النهاية (3)، وشيخنا المفيد في المقنعة (4)، وسلار (5)، وأبو الصلاح (6)، وابن البراج (7)، وابن ادريس وادعي عليه الاجماع (8). وقال الصدوق: إن قذف قوما مجتمعين بكلمة واحدة فعليه حد واحد إذا لم يسمهم، وإذا سماهم فعليه لكل رجل سماه حد. وروي في رجل قذف قوما أنهم إن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد منهم حدا، وان أتوا به مجتمعين ضرب حدا واحدا (9). وقال ابن الجنيد: ولو قذف جماعة بكلمة واحدة جلد حدا واحدا، فان سمى واحدا واحدا فأتوا به مجتمعين ضرب به حدا واحدا، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد منهم حدا. والمشهور الاول، لما رواه جميل في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل افترى على قوم جماعة فقال: إن أتوا به مجتمعين ضرب

(1) الخلاف: ج 5 ص 404 المسألة 48.
(2) المبسوط: ج 8 ص 16.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 342 - 344.
(4) المقنعة: ص 796 - 797. (5) المراسم: ص 256.
(6) الكافي في الفقه: ص 414.
(7) المهذب: ج 2 ص 548.
(8) السرائر: ج 3 ص 519.
(9) المقنع: ص 149.

[ 257 ]

حدا واحدا، وإن أتوا به متفرقين ضرب لكل واحد حدا (1). قال الشيخ: فأما ما رواه الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل افتري على نفر جميعا فجلده حدا واحدا. فالوجه فيه أحد شيئين: أحدهما: أن نحمله على التفصيل الذي تضمنه الخبر الاول من انه إنما وجب عليه حدا وادحا إذا أتوا به مجتمعين، ولو جاؤوا به متفرقين لكان عليه لكل انسان حد على الكمال. والثاني: أن نحمله على انه إذا قذفهم بكلمة واحدة كان عليه حدا واحدا، وان قذفهم بألفاظ مختلفة كان عليه لكل انسان حدا، لما رواه الحسن العطار، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل قذف قوما جميعا، فقال: بكلمة واحدة؟ قلت: نعم، قال: يضرب حدا واحدا، وان فرق بينهم في القذف ضرب لكل واحد منهم حدا (2). وابن بابويه، وابن الجنيد احتجا بالخبر الاول، ولا بأس به، فانه أوضح طريقا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وليس للامام أن يعفو عن القاذف على كل حال، بل ذلك الى المقذوف على ما بيناه، سواء كان أقر على نفسه أو قامت به عليه بينة أو تاب القاذف أو لم يتب فان العفو في جميع هذه الاحوال الى المقذوف (3). وتبعه ابن البراج (4)، وبه قال ابن ادريس (5).

(1) الاستبصار: ج 4 ص 227 ح 848، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب حد القذف ح 1 ج 18 ص 444.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 227 ح 850 وذيله وح 851.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 347.
(4) المهذب: ج 2 ص 549. (5) السرائر: ج 3 ص 521 - 522.

[ 258 ]

لما رواه سماعة قال: سألته عن الرجل يفتري على الرجل ثم يعفو عنه ثم يريد أن يجلده بعد التوبة، قال: ليس له ذلك بعد العفو (1). وقال الشيخ في الاستبصار: إذا رفعته (2) المقذوفة الى الامام أو الحاكم لم يكن لها بعد ذلك عفو، عقيب ما روى عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألته عن الرجل يقذف امرأته، قال: يجلد، قلت: أرأيت إن عفت عنه؟ قال: لا ولا كرامة (3). جامعا بين هذا الحديث وبين الحديث السابق. والوجه الاول. مسألة: قد تقدم في كتاب الشهادات كيفية التوبة من القذف. قال الشيخ في المبسوط: إذا كانت التوبة عن فعل - كالزنا والسرقة واللواط والغصب وشرب الخمر - الاتيان بالضد مما كان عليه وهو صلاح عمله، لقوله تعالى: " إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " فإذا ثبت أنها صلاح عمله فمدته التي يقبل بها شهادته سنة، ومن الناس من قال: يصلح عمله ستة أشهر، وان كانت عن قوله - كقذف السب - فصفة التوبة أن يقول: القذف باطل حرام ولا أعود الى ما قلت. وهل يفتقر عدالته التي يقبل بها شهادته الى صلاح العمل أم لا؟ قال قوم: مجرد التوبة مجزئة، وقال قوم: لابد من صلاح العمل، وهو الاقوى، للاية، وصلاح العمل عند من شرطه سنة على ما مضى. وأما قذف الشهادة فهو أن تشهد بالزنا دون أربعة فانهم فسقة فالتوبة هنا أن يقول: ندمت على ما كان مني ولا أعود الى ما اتهم فيه، ولا يقول: ولا أعود الى ما قلت، لان الذي قاله شهادة، فيجزئه أن يقول:

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 79 ح 308، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب حد القذف ح 1 ج 18 ص 455، وفيه: " أن يجلده بعد العفو ".
(2) في الطبعة الحجرية وم 3: رافعته.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 232 ح 874. وذيله.

[ 259 ]

لا أعود الى ما اتهم فيه، فان قال هذا زال فسقه وثبتت عدالته وقبلت شهادته ولا يراعي صلاح العلم (1). قال ابن ادريس: هذا الذي ذكره شيخنا في مبسوطه صحيح سديد، إلا في قوله: " وحده صلاح العمل سنة أو ستة أشهر " فان هذا مذهب الشافعي، فأما نحن معشر أهل البيت - عليهم السلام - فلا نعتبره بزمان ولا مدة، بل لو عرف ذلك منه في ساعة واحدة كان صلاح عمله. وقد رجع شيخنا عن ذلك في الخلاف فقال: إذا أكذب نفسه وتاب لا تقبل شهادته حتى يظهر منه العمل الصالح، وهو أحد قولي الشافعي، إلا أنه اعتبر ذلك سنة، ولم نعتبره نحن، لانه لا دليل عليه (2). والذي ذكره في الخلاف (3) هو المعتمد. وقال شيخنا المفيد: ومن قذف مسلما لم تقبل له شهادة بعد القذف، إلا أن يظهر توبته بتكذيبه نفسه في المقام الذي قذف فيه (4). ولم يعتبر غير ذلك، وهو حسن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال له: أنت ولد حرام أو حملت بك امك في حيضها لم يكن عليه حد الفرية، وكان عليه التعزير (5). وتبعه ابن البراج (6)، وبه قال شيخنا المفيد أيضا وزاد: أو قال له: أنت ولد خبث (7). وقال ابن ادريس: إذا قال له: أنت ولد حرام فهو كقوله: أنت ولد زنا، لعدم الفرق بينهما في العرف وعادة الناس وما يريدونه بذلك (8). والمعتمد ما قاله الشيخان، لاصالة البراءة، ونمنع العرف في ما قاله ابن ادريس.

(1) المبسوط: ج 8 ص 178 - 179، مع اختلاف.
(2) السرائر: ج 3 ص 527، مع اختلاف.
(3) الخلاف: ج 6 ص 264 المسألة 13.
(4) المقنعة: ص 792، مع اختلاف.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 351.
(6) المهذب: ج 2 ص 550.
(7) المقنعة: ص 795.
(8) السرائر: ج 3 ص 529.

[ 260 ]

مسألة: قال المفيد: إذا سب جماعة بغير الزنا واللواط مما يوجب السب به التعزير فجاؤوا به مجتمعين عزر لجماعتهم بتعزير واحد، وان جاؤوا به متفرقين عزر لكل واحد منهم تعزيرا على حدته (1). وتبعه سلار (2)، وأبو الصلاح (3). وقال ابن ادريس: الاولى عندي أن يعزر لكل واحد منهم، فانه قد آلمه، وحمل ذلك على القذف الصريح في الجماعة بكلمة واحدة قياس لا نقول به، وشيخنا أبو جعفر غير قائل بما قاله المفيد في هذه الفتيا (4) والمعتمد: ما قاله المفيد. لنا: أصالة البراءة. ولانه لا تصريح هنا بسب كل واحد بخصوصه، لان دلالة الخاص على مدلوله أقوى من دلالة العام عليه. ولان موجب الحد أقوى، فإذا وجب التداخل عند الاجتماع فالاضعف في السببية أولى. مسألة: قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: المرأة إذا قذفت زوجها وهو أصم يفرق بينهما ثم لا تحل له أبدا (5). وهو قول غريب لم أظفر به قولا لغيره. والمعتمد عدم التحريم المؤبد، عملا بالاصل. احتج بالحمل على المرأة. والجواب: القياس عندنا باطل. مسألة: المشهور أن اللعان يثبت بأمرين: القذف ونفي الولد.

(1) المقنعة. ص 797.
(2) المراسم: ص 256.
(3) الكافي في الفقه: ص 414 و 419.
(4) السرائر: ج 3 ص 535.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 50 ذيل الحديث 5072.

[ 261 ]

وقال الصدوق: إذا قذف امرأته ضرب ثمانين جلدة، فان قذفها وأنكر ولدها لاعنها وفرق بينهما ولم تحل له أبدا، وان أكذب نفسه قبل أن يلاعنها جلد الحد ولم يفرق بينهما والزم الولد، واللعان لا يكون إلا بنفي الولد (1). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: روي مسمع أبي سيار، عن الصادق - عليه السلام - في أربعة شهدوا على امرأة بالفجور أحدهم زوجها، قال: يجلدون الثلاثة ويلاعنها زوجها ويفرق بينهما، ولا تحل له أبدا. وقد روي ان الزوج أحد الشهود. ثم قال: هذان الحديثان متفقان، وذلك أنه متى شهد أربعة على امرأة بالفجور أحدهم زوجها ولم ينف ولدها فالزوج أحد الشهود، ومتى نفى ولدها مع إقامة الشهادة عليها بالزنا جلد الثلاثة الحد ولاعنها زوجها وفرق بينهما، ولم تحل له ابدا، لان اللعان لا يكون إلا بنفي الولد (2). لنا: قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم...) الاية (3). وما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح قال: سأل عباد البصري أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: أن رجلا من المسلمين أتى رسول الله صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فوجد مع امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع؟ قال: فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وآله - فانصرف الرجل وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك من امرأته، قال: فنزل الوحي من عند الله عزوجل بالحكم فيها، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وآله - الى ذلك الرجل فدعاه فقال له: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم،

(1) المقنع: ص 149، مع اختلاف.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 52 ح 5078 و 5079 وذيله.
(3) النور: 6.

[ 262 ]

فقال له: انطلق فأتني بامرأتك فان الله عزوجل قد أنزل الحكم فيك وفيها، فأحضرها، زوجها فأوقفها رسول الله - صلى الله عليه وآله - ثم قال للزوج... الحديث (1). احتج بما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا يكون لعان إلا بنفي ولد، وقال: إذا قذف الرجل امرأته لا عنها (2). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بأمرأته، ولا يكون اللعان إلا بنفي الولد (3). والجواب: ما قاله الشيخ أنهما محمولان على أنه لا يكون اللعان بمجرد القذف حتى يضيف إليه ادعاء المشاهدة، بخلاف نفي الولد فانه يصح اللعان فيه بمجرد النفي وإن لم يدع المشاهدة (4). أقول: ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون اللعان بنفي الولد إلا مع الدخول. مسألة: المشهور أن للمقذوف العفو مطلقا. وقال الصدوق في المقنع: إذا قذف الرجل امرأته فليس لها أن تعفو عنه ولا كرامة. وقد روي أن لها ذلك (5). لنا: أنه حق لها. فجاز لها تركه واسقاطه كغيره من الحقوق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال: زنت بك امك كان المطالبة في ذلك لامه (6). وهو المشهور.

(1) الاستبصار: ج 3 ص 370 ح 1322، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 586.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 371 ح 1323، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 604.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 371 ح 1324، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 604.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 372 ذيل الحديث 1324.
(5) المقنع: 149، وليس فيه: " عنه ولا كرامة، وقد روي أن لها ذلك ". (6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 339 - 340.

[ 263 ]

وقال المفيد: إذا قال لغيره: يا ابن الزانية وكانت الام المقذوفة حية فلها المطالبة بحقها في اقامة الحد عليه بقذفها ولها العفو، وان كانت ميتة كان لابنها المطالبة بحقها في اقامة الحد على قاذفها وكان إليه العفو عن ذلك، فان قال له: زنت بك امك كان له الحق في حده، سواء كانت امه حية أو ميتة (1). والمعتمد الاول. لنا: أنا الزنا هنا منسوب الى الام، فكان الحق لها في المطالبة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال الرجل أو المرأة - كافرين كانا أو مسلمين حرين أو عبدين بعد أن يكونا بالغين لغيره من المسلمين البالغين الاحرار -: يا زاني أو يا لائط أو يا منكوحا في دبره أو قد زنيت أو لطت أو نكحت أو ما معناه (2) وجب عليه الحد ثمانون (3). وبه قال ابن الجنيد. وقال المفيد: إذا قذف الذمي مسلما أو عرض به كان دمه بذلك هدرا. على كل حال (4). وتبعه سلار (5)، وابن ادريس فقال: إذا قذف ذمي مسلما قتل، لخروجه عن الذمة بسب أهل الايمان (6). وهو قول أبي الصلاح (7) أيضا. والمعتمد أن نقول: إن شرط عليه الكف خرق الذمة، وإلا فلا. ويؤيده ما رواه أبو بصير قال: قال: حد اليهودي والنصراني والمملوك في الخمر والفرية سواء (8).

(1) المقنعة: ص 793.
(2) في الطبعة الحجرية: أو ما في معناه.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 338.
(4) المقنعة: ص 792.
(5) المراسم: ص 256.
(6) السرائر: ج 3 ص 534.
(7) الكافي في الفقه: ص 414.
(8) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 74 ح 283، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب حد القذف ح 1 ج 18 =

[ 264 ]

وعن يونس قال: سألته - عليه السلام - عن اليهودي والنصراني يقذف صاحب ملة على ملته والمجوسي يقذف المسلم، قال: يجلد الحد (1). وعن عباد بن صهيب قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن نصراني قذف مسلما فقال له: يا زان، فقال - عليه السلام -: عليه ثمانون جلدة لحق المسلم وثمانون سوطا إلا سوطا لحرمة الاسلام، ويحلق رأسه ويطاف به في أهل دينه لكي ينكل غيره (2). مسألة: قال ابن الجنيد: ولو نفي رجل رجلا من ولاء عتاقه ضرب الحد (3). والوجه أنه إن تضمن هذا النفي نفي النسبة الى أحد الابوين صح كلامه، والا كان ممنوعا. مسألة: المشهور أن الرجل إذا قال لامرأته بعدما دخل بها: لم أجدك عذراء لم يكن عليه حد بل يعزر. وقال ابن الجنيد: ولو قال لها من غير حرد ولا سباب: لم أجدك عذراء لم يحد. وهو يشعر بأنه لو قال مع الحرد أو السباب كان عليه الحد من حيث المفهوم. وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا قال لامرأته: لم أجدك عذراء جلد الحد، ولم يكن له في هذا وأشباهه لعان. لنا: ما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: في رجل قال

= ص 449. (1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 74 ح 284، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب حد القذف ح 2 ج 18 ص 450.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 75 ح 285، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب حد القذف ح 3 ج 18 ص 450.
(3) في الطبعة الحجرية: الجلد.

[ 265 ]

لامرأته: لم أجدك عذراء، قال: يضرب، قلت: فانه عاد، قال: يضرب، فانه يوشك أن ينتهي (1). والضرب يصدق مع التعزير صدقه مع الحد، فأوجبنا الاقل عملا بأصالة البراءة. ولان هذا القول ليس تصريحا بالقذف بل ولا تلويحا لجواز ذهاب العذرة بغير جماع. ويؤيده ما رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس عليه شئ: لان العذرة تذهب بغير جماع (2). ومعنى قوله - عليه السلام -: " ليس عليه شئ " أي ليس عليه حد تام، لما رواه زياد بن سليمان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قال لامرأته بعد ما دخل بها: لم أجدك عذراء، قال: لا حد عليه (3). احتج ابن أبي عقيل بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا قال الرجل لامرأته: لم أجدك عذراء وليست له بينة يجلد الحد ويخلى بينه وبينهما (4). قال الشيخ: معنى " يجلد الحد " (5) يعني: حد التعزير، ولم يرد حدا تاما

(1) تهذيب الاحكام: ج 8 ص 196 ح 690، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 2 ح 15 ص 609، وفيهما: " فان عاد ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 8 ص 196 ح 689، وفيه: " زياد عن سليمان "، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 609. (3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 78 ح 301، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 4 ج 15 ص 610.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 231 - 232 ح 871، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 5 ج 15 ص 610.
(5) في الطبعة الحجرية: يجب عليه الحد.

[ 266 ]

للاخبار السابقة (1). وهو جيد. مسألة: إذا قذف رجلا ثم اختلفا فقال المقذوف: أنا حر فعليك الحد وقال القاذف: أنت عبد فعلي التعزير قال في الخلاف: القول قول القاذف، لاصالة البراءة (2). وقال في المبسوط: إن علم أنه حر أو عبد فاعتق قبل القذف فعليه الحد، وان علم أنه مملوك عزر، وان جهل قال قوم: القول قول القاذف، لاصالة البراءة، وقال آخرون: القول قول المقذوف، لاصالة الحرية، وهما جميعا قويان (3). وهذا يدل على تردده، وقوله في الخلاف أقوى. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: إذا قذف ذمي ذميا بالزنا واللواط وترافعا الى سلطان الاسلام ادب القاذف، ولم يجده كحد قاذف أهل الاسلام (4). وتبعه ابن ادريس (5). وقال أبو الصلاح: إن كان القاذف ذميا لذمي أو ذمية ترافعا الى حاكم المسلمين، فعليه أن يجلده كما يجلده المسلم للمسلم (6). وهو الاقوي. لنا: الاية وهي قوله تعالى: (فان جاؤوك فاحكم بينهم... الاية) (7). ولانهم إذا تحاكموا إلينا أجرينا عليهم أحكام المسلمين. وقول المفيد - رحمه الله - ليس بعيدا من الصواب، لان الذمي لا يجب بقذفه

(1) الاستبصار: ج 4 ص 232 ذيل الحديث 871.
(2) الخلاف: ج 5 ص 407 المسألة 52.
(3) المبسوط: ج 8 ص 17.
(4) المقنعة: ص 797 - 798.
(5) السرائر: ج 3 ص 530.
(6) الكافي في الفقه: ص 414. (7) المائدة: 42.

[ 267 ]

الحد بل التعزير، ولا فرق بين أن يكون القاذف مسلما أو كافرا. مسألة: إذا قال له: يا فاسق قال الشيخان: إنه يوجب التأديب لا الحد (1). وقال أبو الصلاح: والكناية المفيدة يا قحبة أو يا فاجرة أو يا عاهرة أو يا فاجر أو يا عاهر أو يا فاسق أو يا فاسقة أو يا مواجر أو يا علق أو يا مأبون أو يا قرنان أو يا كشخان أو يا ديوث أو غير ذلك من الالفاظ الموضوعة، لكون الموصوف بها زانيا أو لائطا أو ملوطا به (2). والاقرب ما ذهب إليه الشيخان، لاصالة البراءة، ولانه قد يستعمل دائما في غير الزنا، وكذا عندي الاقرب في يا فاجر أو يا فاجرة التعزير دون الحد. مع أنه قال بعد ذلك: إن قوله: يا فاسق يوجب التعزير (3). مسألة: قال الشيخان: إذا قال له: يا ابن الزانية أو يا أخا الزانية أو يا أبا الزانية فالمطالبة بالحد للمنسوب إليه الزنا إن كان حيا، وإلا فلو ارثه (4). وهو المشهور. وقال أبو الصلاح: إن كان القذف مقصودا به استخفاف المخاطب وسب غيره صريحا أو كناية - كقوله: يا ابن الزانية أو أخا الزانية أو أبا الزانية أو يا قرنان أو يا كشخان - في كون ذلك استخفافا بالمخاطب وسبا لامه أو بنته أو اخته أو زوجته فالولاية لهما، فان مات أحدهما قام وارثه في ذلك مقامه (5). لنا: أصالة البراءة.

(1) المقنعة: ص 796، النهاية ونكتها: ج 3 ص 351.
(2) الكافي في الفقه: ص 414.
(3) الكافي في الفقه: ص 418.
(4) المقنعة: ص 793 - 794، النهاية ونكتها: ج 3 ص 339 - 340.
(5) الكافي في الفقه: ص 415 - 416.

[ 268 ]

ولان جهة السب منسوبة إلى غير المخاطب، فلا يتعلق بالمخاطب ولاية الاستيفاء. مسألة: قال أبو الصلاح: إن مات المقذوف وليس له ولي فعلى سلطان الاسلام الاخذ بحقه، وليس له العفو (1). وعندي في ذلك اشكال، إذ ليس المطالبة هنا باعتبار الميراث، فان الزوجين لا ميراث لهما في الحد، وانما يرثه الاقارب، والمستحق قد مات فانقطعت تعلقاته. مسألة: قال أبو الصلاح: ويعزر مالك الامة إذا أكرهها على البغاء وتحد هي، وعد أيضا في ما يوجب التعزير: والامة إذا ادعت إكراه السيد لها على السحق، والعبد المفعول به إذا ادعي اكراه السيد له على التلوط به (2). والوجه عدم الحد في المكرهة على البغاة، وعدم التعزير للامة والعبد إذا ادعيا إكراه الموليين لهما للعذر المسقط للعقوبة وهو الاكراه. مسألة المشهور أن المولى إذا وطأ المكاتبة بعد ما تحرر بعضها سقط من الحد بقدر نصيبه وحد بنصيب الحرية، وإذا وطأ الامة المشتركة حد بقدر نصيب الشريك فيها. وقال أبو الصلاح: ويعزر واطئ الامة المشتركة بالابتياع أو الغنيمة، والامة المكاتبة إذا تحرر بعضها (3). لنا: أن المقتضى للحد موجود سقط نصيبه منها، لعدم تحقق المقتضي فيه، فيبقى الباقي على الاصل. مسألة: أوجب ابن الجنيد الحد في قول الرجل للمرأة: يا سحاقة، أو قال

(1) الكافي في الفقه: ص 416.
(2) الكافي في الفقه: ص 417.
(3) الكافي في الفقه: ص 417.

[ 269 ]

لرجل آخر: زنيت بشئ من الحيوان، أو يا لوطي بحمار. وقال أبو الصلاح: لو قال له أتيت بهيمة أو قال للمرأة: يا سحاقة وجب التعزير (1). وهو الاقرب، لاصالة البراءة. مسألة: قال أبو الصلاح: التعزير لما يناسب القذف من التعريض والنبز والتلقب من ثلاثة أسواط الى تسعة وسبعين، ولما عدا ذلك من ثلاثة الى تسعة وتسعين (2). وقال ابن حمزة: الحد في القذف ثمانون، والتعزير ما بين العشرة الى العشرين (3). والوجه ما قاله الشيخ - رحمه الله -: من أن تعزير كل صنف من موجبات الحد أقل من حد ذلك (4) الصنف، لورود النص (5) بأنه لا يبلغ بالتعزير الحد. مسألة: قال الشيخ: ومن قال لولد الزنا الذي اقيم على امه الحد بالزنا: يا ولد الزنا أو زنت بك امك لم يكن عليه الحد تاما وكان عليه التعزير، فان كانت امه قد تابت وأظهرت التوبة كان عليه الحد تاما (6)، وأطلق. وتبعه ابن البراج (7). وقال ابن الجنيد، وكذلك أي: يجب عليه الحد لكل نكاح دارئ فيه الحد، أو للقيط، أو لابن المحدودة إذا جاءت تائبة، أو مقرة فاقيم عليها الحد. وهو جيد، لان اقرارها واعترافها واقامة الحد عليها بسببه توبة منها وندم، فالحق بالتائبة، ولا منافاة في الحقيقة، ولا خلاف بين الكلامين.

(1) الكافي في الفقه: ص 418.
(2) الكافي في الفقه: ص 420. (3) الوسيلة: ص 424، مع اختلاف.
(4) المبسوط: ج 8 ص 69.
(5) الكافي: ج 7 ص 241 ح 5، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الحدود ح 1 ج 18 ص 584.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 346، مع اختلاف.
(7) المهذب: ج 2 ص 549.

[ 271 ]

كتاب القصاص والديات

[ 273 ]

كتاب القصاص والديات وفيه فصول: الاول: في أقسام القتل مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قتل مسلما في دار الحرب قاصدا لقتله ولم يعلمه بعينه وإنما ظنه كافرا فلا دية عليه، وليس عليه أكثر من الكفارة (1). وقال ابن ادريس: الذي يقوى في نفسي ويقتضيه اصول مذهبنا أن عليه الدية والكفارة معا (2). والوجه الاول. لنا: قوله تعالى: (فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) (3) دل الاقتصار بمفهومه على سقوط الدية وخصوصا مفهوم الشرط، فان الاقتصار في الجزاء يدل على الاكتفاء به، وقد تأكد ذلك بأنه تعالى ذكر الدية في موضعين قبل ذلك وبعده، وذكر الكفارة أيضا قبل ذلك وبعده، فلو وجبت الدية لتساوت الاحكام في مسائل الثلاث، لكنه تعالى خالف بينها، فجعل في

(1) الخلاف: ج 5 ص 320 المسألة 3.
(2) السرائر: ج 3 ص 320.
(3) النساء: 92.

[ 274 ]

قتل المؤمن خطأ دية وكفارة، وجعل في قتل المؤمن بين المعاهدين دية وكفارة، وذكر حكم المؤمن بين أهل الحرب متوسطا بين الحكمين واقتصر فيه على الكفارة، ولاصالة البراءة، وللحاجة الى قتله للاذن في قتل الكفار والمعول في ذلك على الظن، فلا يناسب العقوبة بايجاب الدية. احتج ابن ادريس بقوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " وقوله - عليه السلام -: " في النفس مائة من الابل " (1). والجواب: الاية أخص فتعين (2) العمل بها، وتخصيص أدلتهم العامة بها. مسألة: المشهور عند علمائنا أن الواجب بالاصالة في قتل العمد القود، والدية إنما تثبت صلحا، فان اختار ولي المقتول القود كان له ذلك، وان اختار الدية لم يكن له ذلك إلا برضى القاتل، فان دفع نفسه للقود لم يكن للولي غيره، اختاره الشيخان (3)، وأبو الصلاح (4)، وسلار (5)، وهو قول الاكثر. وقال ابن الجنيد: ولولي المقتول عمدا الخيار بين أن يستفيد أو يأخذ الدية أو يعفو عن الجناية، ولو شاء الولي أخذ الدية وامتنع القاتل من ذلك وبذل نفسه للقود كان الخيار الى الولي، ولو هرب القاتل فشاء الولي أخذ الدية من ماله حكم بها له، وكذلك القول في جراح العمد، وليس عفو الولي والمجني عليه من القود مسقطا حقه من الدية. وقال ابن أبي عقيل: فان عفا الاولياء عن القود لم يقتل وكانت عليه الدية لهم جميعا. لنا: قوله تعالى: (النفس بالنفس) (6) وقوله تعالى: (والجروح

(1) السرائر: ج 3 ص 320 - 321.
(2) في الطبعة الحجرية: فيتعين.
(3) المقنعة: ص 735، النهاية ونكتها: ج 3 ص 360.
(4) الكافي في الفقه: ص 391 - 392.
(5) المراسم: ص 236.
(6) المائدة: 45.

[ 275 ]

قصاص (1) وعموم قوله تعالى: (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم) (2) وقوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) (3). وما روه جميل بن دراج، عن بعض أصحابه، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: العمد كلما عمد به الضرب ففيه القود (4). وفي الصحيح عن الحلبي وعبد الله بن سنان جميعا، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد به، إلا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فان رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية إثنا عشرا ألفا... الحديث (5). ولانه متلف يجب به البدل من جنسه، فلم يجز العدول الى غير جنسه، إلا بالتراضي كسائر المتلفات. احتجوا بأن فيه إسقاط بعض الحق، فلم يكن لمن عليه الحق الامتناع كما في الدين. وما رواه الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: والعمد هو القود أو رضي ولي المقتول (6). والجواب: نمنع أنه اسقاط محض، بل هو نوع معاوضة، فافتقرت الى رضى

(1) المائدة: 45.
(2) البقرة: 194.
(3) البقرة: 178.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 155 - 156 ح 623، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب قصاص النفس ح 6 ج 19 ص 25، وفيهما: " قال قتل العمد ".
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 159 ح 638، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب قصاص النفس ح 3 ج 19 ص 37 - 38، وفيهما: " قيد منه إلا أن يرضى ".
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 247 ذيل الا حديث 977، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ديات النفس ذيل الحديث 13 ج 19 ص 145.

[ 276 ]

الغريمين كما في المعاوضات، ونقول: بالموجب في الحديث، فان الواجب له إما القود إن طلب الاصل أو رضاه إن طلب الدية مع موافقة الجاني. مسألة: لا خلاف في أنه يجب بالقتل خطأ الدية ومن أصنافها الابل وهي مائة اجماعا، وانما الخلاف في الاسنان. فقال الشيخان (1)، وابن الجنيد، والصدوق (2): إنها عشرون منها بنت مخاض وعشرون منها ابن لبون ذكر، وثلاثون منها بنت لبون انثى، وثلاثون منها حقة. قال في النهاية: وقد روي أن خمسا وعشرين منها بنت مخاض، وخمسا وعشرين منها بنت لبون، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين جذعة (3). وبقول الشيخين قال أبو الصلاح (4)، وسلار (5)، وابن البراج (6)، وابن زهرة (7)، ونقلا الرواية التي ذكرها الشيخ في النهاية. وقال ابن حمزة: يجب ارباعا من الجذاع والحقاق وبنات لبون وبنات مخاض (8). وقال ابن أبي عقيل: الدية في العمد والخطأ سواء، على أهل الورق عشرة آلاف قيمة كل عشرة دراهم دينار، وعلى أهل العين ألف دينار، وعلى أهل الابل والبقر والغنم من أي صنف كان قيمته عشرة آلاف درهم، وأطلق. وللشيخ قول آخر في المبسوط أنه يجب أخماسا: عشرون بنت مخاض، وعشرن ابن لبون ذكر، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون

(1) المقنعة: ص 735، والنهاية ونكتها: ج 3 ص 369.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 105.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 369.
(4) الكافي في الفقه: ص 392. (5) المراسم: ص 239.
(6) المهذب: ج 2 ص 458.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 558 س 27.
(8) الوسيلة: ص 441.

[ 277 ]

جذعة (1). وهي جميع أسنان الزكاة. وجعله في الخلاف (2) رواية، وهو اختيار ابن ادريس (3). والمعتمد الاول. لنا: ما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في الخطأ شبيه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر، أن دية ذلك تغلظ، وهي مائة من الابل، منها: أربعون خلفة بين ثنية الى بازل عامها، وثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون. والخطأ يكون فيه ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابن لبون ذكر، وقيمته كل بعير من الورق مائة وعشرون درهما أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كل ناب من الابل عشرون شاة (4). ولانه أشهر بين الاصحاب، فظن العمل به أقوى. احتج ابن حمزة بما رواه العلاء بن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: في قتل الخطأ مائة من الابل أو ألف من الغنم أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، فان كانت الابل فخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة (5). والجواب: روايتنا أصح طريقا وأشهر بين الاصحاب.

(1) المبسوط: ج 7 ص 115.
(2) الخلاف: ج 5 ص 225 المسألة 9.
(3) السرائر: ج 3 ص 322.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 159 ح 635 وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 146، وفيهما: " وثلاثون ابنة لبون ".
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 ح 634، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ديات النفس ح 13 ج 19 ص 145.

[ 278 ]

مسألة: المشهور بين علمائنا ان دية الخطأ تجب على العاقلة ابتداء، ولا يرجع بها على القاتل، سواء كان موسرا أو معسرا، اختاره الشيخ في كتبه، وابن البراج (1)، وأبو الصلاح (2). قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): الدية في قتل الخطأ تجب ابتداء على العاقلة، وفي أصحابنا من قال: ترجع العاقلة على القاتل بها، ولا أعرف به نصا. وقال ابن الجنيد: لا أعلام خلافا في ان دية المقتول خطأ إذا قامت بالقتل البينة على عاقلة القاتل، سواء كان القاتل ذا مال أو معدما. ثم قال: ولا يدخل الجاني في ضمان دية من قتله خطأ مع عاقلته. وقال ابن ادريس: دية الخطأ على العاقلة ولا يرجع العاقلة بها على القاتل، سواء كان في حال الاداء موسرا أو معسرا، وذهب شيخنا المفيد الى أن العاقلة ترجع بها على القاتل. قال: وهذا خلاف إجماع الامة (5). وهذا جهل من ابن ادريس وتخطئه لشيخنا الاعظم، مع أنه الاصل في انشاء المذهب وتقريره، والعارف بمذاهب الناس والمجمع عليه والمختلف فيه، القيم بالاصولين، المهذب لهما، الباحث مع الخصوم العالم بما يجوز له فيه المخالفة والموافقة. مع أن هذا القائل الجاهل إنما يعتد باجماع الطائفة، ويعتقد رئاسة شيخنا المفيد، وأنه رأس هذه الطائفة، وأول من أظهر علم الامامية وفقه آل محمد - عليه السلام - بعد السلف. وسلار (6) رحمه الله - ذهب الى ما ذهب إليه شيخنا (7) المفيد أيضا.

(1) المهذب: ج 2 ص 502.
(2) الكافي في الفقه: ص 392.
(3) الخلاف: ج 5 ص 285 المسألة 108.
(4) المبسوط: ج 7 ص 174 و 175.
(5) السرائر: ج 3 ص 322، مع اختلاف.
(6) المراسم: ص 239.
(7) المقنعة: ص 737.

[ 279 ]

ولا بعد فيه، بل فيه أيضا الجمع بين المعقول والمنقول، فان الاجماع لما دل على تضمين العاقلة والعقل لما دل على أن العقوبة إنما يجب على الجاني جمع شيخنا المفيد بذهنه الثاقب وفكره الصائب بين الدليلين، والزم العاقلة ضمان الدية لدلالة الاجماع عليه، وجعل لها الرجوع على الجاني تعويلا على دليل العقل. وشيخنا أبو جعفر الطوسي - رحمه الله - أصاب حيث قال: لست أعرف به نصا، فانه لا يقتضي نسبة شيخنا الى تخطئة وتغليظ ومخالفة للاجماع، فان عدم معرفته لا يستلزم عدم النص، فلعل شيخنا المفيد وقف عليه أو عول على دليل قاده العقل إليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: دية العمد مائة من مسان الابل، ودية شبيه العمد ثلاث وثلاثون منها بنت لبون وثلاث وثلاثون حقة وأربع وثلاثون منها خلفة، كلها طروقة الفحل. وقد روي انها يكون أثلاثا: ثلاثون منها بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وأربعون خلفة كلها طروقة الفحل (1). وكذا في الخلاف (2)، وهو قول ابن حمزة (3). وفي المبسوط: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة حوامل (4)، والمعتبر الحامل في الدية ولا يختص بسن، وقال بعضهم: يكون ثنايا (5). وقال المفيد: في الخطأ شبيه العمد مائة من الابل منها: ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية، كلها طروقة الفحل، وفي العمد مائة من مسان الابل (6). وبه قال سلار (7). وقال ابن الجنيد: أسنان دية الخطأ شبيه العمد أربعون خلفة بين ثنية الى

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 364 و 370، وفيه: " وثلاثون منها بنت لبون ".
(2) الخلاف: ج 5 ص 219 و 221 المسألة 3.
(3) الوسيلة: ص 441.
(4) ليس في المصدر.
(5) المبسوط: ج 7 ص 116.
(6) المقنعة: ص 735.
(7) المراسم: ص 239.

[ 280 ]

بازل عامها وثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون، ودية العمد ثلاث حقاق وثلاث جذاع وثلاث ما بين ثني الى بازل عامها حوامل. والصدوق نقل ما ذكره ابن الجنيد في دية شبيه العمد عن علي - عليه السلام - في المقنع (1). وقال أبو الصلاح: دية شبيه العمد (2) كقول المفيد، إلا أنه لم يذكر أنها طروقة الفحل. وقال ابن البراج: دية شبيه العمد ثلاث وثلاثون بنت لبون وثلاث وثلاثون حقة وأربع وثلاثون خلفة، كلها تتمخض بأولادها (3)، والكل متقارب لا خلاف طائل تحته، ومع ذلك فالرواية الصحيحة دلت على ما قاله ابن الجنيد. وروي ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام - في الخطأ شبه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر أن دية ذلك تغلظ وهي مائة من الابل منها: أربعون خلفة بين ثنية الى بازل عامها وثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون (4). وفي رواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: ودية المغلظة التي تشبه العمد وليست بعمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الابل: ثلاث (5) وثلاثون حقة وثلاث (6) وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية، كلها طروقة الفحل (7).

(1) المقنع: ص 182.
(2) الكافي في الفقه: ص 392.
(3) المهذب: ج 2 ص 458 - 459.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 - 159 ح 635، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 146. (5 و 6) في المصدر: ثلاثة.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 ح 633، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ديات النفس ح 4 ج 19 ص 147.

[ 281 ]

وفي رواية العلاء بن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون خلفة، كلها طروقة الفحل (1). وفي الاولى علي بن أبي حمزة، وفي الثانية محمد بن سنان، فالتعويل على ما روينا نحن أولا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يلزم دية العمد في مال القاتل خاصة ولا تؤخذ من غيره، فان لم يكن له مال فليس لاولياء المقتول إلا نفسه، فإما أن يقيدوه بصاحبهم أو يعفوا عنه أو يمهلوه الى أن يوسع الله عليه. ودية العمد تستأدى في سنة واحدة، ودية الخطأ في ثلاث سنين، ودية شبيه العمد يلزم القاتل نفسه في ماله، فان لم يكن له مال استسعى فيها أو يكون في ذمته الى أن يوسع الله عليه، وقال بعض أصحابنا: إنها تستأدى في سنتين (2). وهو يشعر بتردده في ذلك، وتبعه ابن البراج (3). وقال في الخلاف: تستأدى دية شبيه العمد في سنة، ودية العمد حالة (4). وفي المبسوط: عندنا تؤخذ في سنتين (5). وقال المفيد: تستأدى دية العمد في سنة، ودية الخطأ شبيه العمد في سنتين، ودية الخطأ المحض في ثلاث سنين (6). وتبعه سلار (7)، وأبو الصلاح (8)، وهو المشهور. وروي أبو ولاد، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان علي، عليه السلام -

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 ح 634، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ديات النفس ح 13 ج 19 ص 145.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 364 و 369 و 370.
(3) المهذب: ج 2 ص 457 و 458 و 459.
(4) الخلاف: ج 5 ص 220 المسألة 4 و 5.
(5) المبسوط: ج 7 ص 115.
(6) المقنعة: ص 735 و 736.
(7) المراسم: ص 236 و 239.
(8) الكافي في الفقه: ص 391 و 392.

[ 282 ]

يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، وتستأدى دية العمد في سنة (1). وكما ظهر التفاوت بين الخطأ والعمد في الاجل لتفاوت الجناية فيهما وجب أن يظهر التفاوت في الاجل بالنسبة إليهما والي الخطأ شبيه العمد، لوجود المقتضى، عملا بالمناسبة فتستأدى في سنتين، فان الجناية هنا أخف من العمد فكانت أخف في الاجل، وأثقل من الخطأ المحض فكانت أثقل في الاجل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى كان القاتل غير بالغ وحده عشر سنين فصاعدا أو يكون مع بلوغه زائل العقل فان قتلهما وان كان عمدا فحكمه حكم الخطأ المحض (2). وقال في المبسوط: الذي يقتضيه عموم أخبارنا أن المراهق إذا كان جاز عشر سنين فانه يجب عليه القود، وان عمده عمد (3). وقال الصدوق: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه وله (4). وقال المفيد: إذا بلغ الصبي خمسة أشبار اقتص منه (5). وقال ابن ادريس: قوله: " حده عشر سنين " رواية شاذة لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها، لانها مخالفة لاصول المذهب وظاهر القرآن والسنة، لقوله - عليه السلام -: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم " وقد رجع شيخنا عن ذلك في مبسوطه ومسائل خلافه (6). وقول ابن ادريس جيد، لان مناط القصاص انما هو البلوغ والعقل، والاول منفي، فلا يثبت الحكم به.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 162 ح 646، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 151.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 358 - 359، مع اختلاف.
(3) المبسوط: ج 7 ص 44.
(4) المقنع: ص 186.
(5) المقنعة: ص 748.
(6) السرائر: ج 3 ص 325.

[ 283 ]

والشيخ - رحمه الله - حيث روى عن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - أنه سئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلا خطأ، فقال: إن خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما ويردوا على أولياء الغلام خمسة الاف درهم، وان أحبوا أن يقتلوا الغلام قتلوه وترد المرأة على مولى الغلام ربع الدية، قال: وان أحب أولياء المقتول أن يأخذوا الدية كان على الغلام نصف الدية وعلى المرأة نصف الدية (1). وحمل هذه الرواية على أنه يكون خطأهما عمدا ما يعتقده بعض المخالفين أنه خطأ وان كان عمدا، لان فيهم من يقول: إن من قتل غيره بغير حديد كان ذلك خطأ ويسقط القود ويكون المعنى في قوله - عليه السلام - " لم يدرك " يعني: حد الكمال، لانه إذا بلغ خمسة أشبار اقتص منه أو بلغ عشر سنين (2). لما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قضي بالدية (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وأولياء المقتول هم الذين يرثون ديته، سوى الزوج والزوجة فقد ذكرناهم في باب المواريث، ويكون للجميع المطالبة بالقود، ولهم المطالبة بالدية، ولهم العفو على الاجتماع والانفراد، ذكرا كان أو انثى على الترتيب الذي رتبناه، وإذا مات ولي الدم قام ولده مقامه في المطالبة بالدم،

(1) الاستبصار: ج 4 ص 286 ح 1084، وليس فيه: " عن أبي بصير "، وسائل الشيعة: ب 34 في القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 64.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 286 و 287 ذيل الحديث 1084.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 287 ح 1085، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 66.

[ 284 ]

والزوج والزوجة ليس لهما غير سهمهما من الدية إن قبلها أولياء المقتول، أو العفو عنه بمقدار ما يصيبهما من الميراث، وليس لهما المطالبة بالقود. ومن ليس له من الدية شئ من الاخوة والاخوات من الام من يتقرب من جهتها فليس لهم المطالبة بالدم ولا الدية (1). وقال أبو الصلاح: أولياء المقتول من (2) عدا كلالة الام من الاخوة والاخوات (3) وأولادهم (4). وقال شيخنا المفيد: ويؤخذ دية الخطأ من عاقلة القاتل: وهم عصبة الرجال دون النساء، ولا يؤخذ من اخوته لامه منها شئ ولا من أخواله، لانه لو قتل واخذت ديته ما استحق اخوته لامه وأخواله منها شيئا، فلذلك لم يكن عليهم منها شئ (5). وقال في الخلاف: الدية يرثها الاولاد، ذكورا كانوا أو اناثا، للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك الوالدان، ولا يرث الاخوة والاخوات من قبل الام منها شيئا، ولا الاخوة والاخوات من قبل الاب، وإنما يرثها بعد الوالدين والاولاد الاخوة من قبل الاب والام أو العمومة، فإن لم يكن واحد منهم وكان هناك مولى كانت الدية له، فان لم يكن هناك مولى كان ميراثه للامام، والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكل من يرث الدية يرث القصاص، إلا الزوج والزوجة فإنه ليس لهما من القصاص شئ على حال (6). وقال في المبسوط: وأما الكلام في القصاص وهو إذا قتل عمدا محضا فانه كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 363.
(2) في المصدر: المقتول وهم من.
(3) في المصدر: الاخوال. (4) الكافي في الفقه: ص 389.
(5) المقنعة: ص 735.
(6) الخلاف: ج 5 ص 178 المسألة 41.

[ 285 ]

يرث الدية والمال معا، هذا مذهب الاكثر، وقال قوم: يرثه العصبات من الرجال دون النساء، وفيه خلاف، والاقوى عندي الاول، وان كان الثاني قد ذهب إليه جماعة من أصحابنا، وذكرناه نحن في النهاية ومختصر الفرائض. فأما الزوج والزوجة فلا خلاف بين أصحابنا أنه لا حظ لهما في القصاص، ولهما نصيبهما من الميراث من الدية (1). وقال ابن ادريس: الذي اعول عليه وافتي به القول الذي قواه شيخنا في مبسوطه دون ما ذكره في نهايته، لانه موافق لاصول مذهبنا، يعضده ظاهر القرآن من قوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فلا يرجع عن كتاب الله بأخبار آحاد التي لا توجب علما ولا عملا، وهي أيضا معارضة بأخبار مثلها، والاجماع فغير منعقد على ما ذكره في نهايته، فإذا لم يكن على المسألة إجماع فالتمسك فيها بكتاب الله تعالى هو الواجب، وذهب شيخنا في الجزء الثالث من الاستبصار الى أن النساء لا عفو لهن ولا قصاص، وما ذكره في نهايته ومبسوطه هو الصحيح (2). والمعتمد ما قاله الشيخ في المبسوط، لعموم الاية (3). واحتج الشيخ على قوله في المبسوط بما رواه أبو العباس، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس للنساء عفو ولا قود (4). والجواب: المنع من صحة السند. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى هرب القاتل عمدا ولم يقدر عليه الى أن

(1) المبسوط: ج 7 ص 54.
(2) السرائر: ج 3 ص 328.
(3) الانفال: 75.
(4) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 177 ح 692، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 87 - 88.

[ 286 ]

مات اخذت الدية من ماله، فان لم يكن له مال اخذت من الاقرب فالاقرب من أوليائه الذين يرثون ديته (1). وتبعه ابن البراج (2)، والسيد ابن زهرة وادعي عليه الاجماع (3)، ونحوه قال أبو الصلاح (4). وقال في الخلاف: إذا قتل رجل رجلا ووجب القود عليه فهلك القاتل قبل أن يستقاد منه سقط القصاص الى الدية، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يسقط القصاص لا الى بدل. دليلنا: قوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " فلو أسقطناه لا الى بدل لاطللنا دمه، ولو قلنا بقول أبي حنيفة لكان قويا، لان الدية لا تثبت عندنا إلا بالتراضي بينهما وقد فات ذلك (5). وهذا يدل على تردده في ذلك. وقال في المبسوط: قال قوم: يسقط القود الى غير مال، وهو الذي يقتضيه مذهبنا (6). وقال ابن ادريس: وقول الشيخ في النهاية غير واضح، لانه خلاف الاجماع وظاهر الكتاب والمتواتر من الاخبار واصول المذهب، وهو أن موجب قتل العمد القود دون الدية، فإذا فات محله وهو الرقبة فقد سقط لا الى بدل وانتقاله الى مال الميت أو مال أوليائه حكم شرعي يحتاج مثبته الى دليل شرعي، وقد رجع شيخنا في مسائل خلافه (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 364 - 365 - 366.
(2) المهذب: ج 2 ص 457.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 558 س 28 - 29.
(4) الكافي في الفقه: ص 395.
(5) الخلاف: ج 5 ص 184 المسألة 50.
(6) المبسوط: ج 7 ص 53.
(7) السرائر: ج 3 ص 330، وليس فيه: " وقول الشيخ في النهاية ".

[ 287 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية، وهو قول ابن الجنيد. لنا: قوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " (1) وعموم قوله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " (2). وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الباقر (3) - عليه السلام - في رجل قتل رجلا عمدا ثم فر فلم يقدر عليه حتى مات، قال: إن كان له مال اخذ منه، وإلا اخذ من الاقرب فالاقرب (4). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قتل رجلا متعمدا ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه، قال: إن كان له مال اخذت الدية من ماله، وإلا فمن الاقرب فالاقرب، فانه لا يبطل دم امرئ مسلم (5). ولانه أخل بدفع الواجب عليه حتى تعذر فكان عليه البدل، فإذا مات وجب أن يؤخذ من تركته، وإذا لم يكن له تركة اخذ من عاقلته الذين يرثون الدية، لانهم يأخذون ديته مع العفو على المال أو تعذر الاستيفاء بالقصاص فكانت ديته عليهم كما في الخطأ. ولانهم يضمنون دية الخطأ، ولم يبطلها الشارع، حراسة للنفوس وحفظا لها وزجرا عن القتل خطأ، فالعمد أولى بالحراسة والزجر عنه والمعاقبة عليه وأخذ العوض فيه.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 172 ذيل الحديث 675، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العاقلة ذيل الحديث 1 ج 19 ص 301. (2) الاسراء: 33.
(3) كذا في النسخ، وفي التهذيب ابي جعفر، والمراد به الامام الجواد ظاهرا. تهذيب الاحكام: ج 10 ص 170 ح 672، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العاقلة ح 3 ج 19 ص 303.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 170 ح 671، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 303.

[ 288 ]

وما ذكره ابن ادريس: " من أن قول شيخنا في النهاية مخالف للاجماع " جهل منه وخطأ في القول، وحاشا شيخنا عن مخالفة الاجماع، مع أنه أعرف بمواضعه منه، وأي أخبار تواترت له في ذلك حتى يخالفها شيخنا - رحمه الله - وأي منافاة بين ما قلناه وبين أن الواجب القود، فانا لو سلمنا له ذلك لم يلزم إبطال ما اخترناه، فان مفوت العوض مع مباشرة اتلاف المعوض ضامن للبدل. والشيخ لم يرجع في الخلاف عن قوله في النهاية، بل صدر المسألة بما أفتى به في الخلاف، ثم عقب في آخرها بقوله: ولو قلنا بقول أبي حنيفة كان قويا، وليس في ذلك افتاء بقوله، ثم مع ذلك كيف يدعي مخالفة الشيخ للاجماع وقد أفتى بقوله جماعة من علمائنا؟!. مسألة: تصح التوبة من قاتل العمد ويسقط بها حق الله تعالى دون حق المقتول، وهي الالام التي دخلت عليه بقتله، فان تلك لا تصح التوبة منها، سواء قتل مؤمنا متعمدا على ايمانه أو للامور الدنيوية، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (1)، لقوله تعالى: (إلا من تاب) (2) وقوله تعالى: (يغفر الذنوب جميعا) (3) وقوله تعالى: (غافر الذنب) (4). ونقل ابن ادريس عن بعض علمائنا أنه لا تقبل توبته ولا يختار التوبة ولا يوفق للتوبة، معتمدا على اخبار آحاد (5). فان قصد أنه لا يصح توبته مطلقا حتى من حق الله تعالى فليس بجيد، وإن قصد أنه لا يصح توبته من حق المقتول فحق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: في الناس من قال: قاتل العمد انما يجب

(1) المبسوط: ج 7 كتاب الجراح ص 4.
(2) مريم: 60. (3) الزمر: 53.
(4) غافر: 3.
(5) السرائر: ج 3 ص 331.

[ 289 ]

عليه الكفارة إذا اخذت منه الدية، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه، وهو الذي يقتضيه مذهبنا (1). وتبعه ابن ادريس، واستدل عليه بان من جملة الكفارة الصوم، فإذا قتل من يصوم عنه (2)؟ وقال ابن البراج: فان لم يقيدوه بصاحبهم كان عليه بعد التوبة الكفارة (3). وهو يشعر بموافقة الشيخ. والوجه عندي وجوب الكفارة، سواء قتل أولا، لوجود المقتضي، وقضاء الصوم هنا كقضاء الصوم الواجب على الميت. وقول المفيد: (وكفارة قتل العمد إذا أدى القاتل الدية عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكينا) (4) ليس صريحا في اشتراط أخذ الدية في وجوب الكفارة، بل هذا القيد للاغلبية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ودية الخطأ تلزم العاقلة الذين يرثون دية القاتل ان لو قتل، ولا يلزم من لا يرث من ديته شيئا على حال (5). وقال في المبسوط (6) والخلاف (7): العاقلة كل عصبة خرجت عن الوالدين والمولودين وهم: الاخوة وابناؤهم إن كانوا من جهة أب وام، أو من جهة أب والاعمام وأبناؤهم، وأعمام الاب وأبناؤهم والموالي. وتبعه ابن البراج (8). وقال المفيد: تؤخذ دية الخطأ من عاقلة القاتل، وهم عصبة الرجال دون النساء، ولا يؤخذ من اخوته لامه منها شئ ولا من أخواله، لانه لو قتل

(1) المبسوط: ج 7 ص 246.
(2) السرائر: ج 3 ص 331.
(3) المهذب: ج 2 ص 457.
(4) المقنعة: ص 746.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 366، وفيه: " وأما دية الخطأ فانها تلزم ".
(6) المبسوط: ج 7 ص 173. (7) الخلاف: ج 5 ص 227 المسألة 98.
(8) المهذب: ج 2 ص 503.

[ 290 ]

واخذت ديته ما استحق اخوته لامه وأخواله منها شيئا فلذلك لم يكن عليهم شئ (1). وقال ابن الجنيد: العاقلة هم المستحقون لميراث القاتل من الرجال العقلاء، سواء كانوا من قبل أبيه أو امه، فان تساوت القرابتان كالاخوة للاب والاخوة للام كان على الاخوة للاب الثلثان وعلى الاخوة للام الثلث، ولا يلزم ولد الابن (2) شيئا إلا بعد عدم الولد والاب، ولا يلزم ولد الجدين شيئا إلا بعد عدم الولد والابوين، وعلى هذا فان عدمت قرابة النسب كانت على الموالي عتاقة، فان عدموا كان على الموالي علاقة. وقال ابن ادريس: دية الخطأ تلزم العاقلة وهي تلزم العصبات من الرجال، سواء كان وارثا أو غير وارث الاقرب فالاقرب، ثم نقل كلام الشيخ في النهاية والخلاف، ونسب ما اختاره الشيخ في الخلاف الى أنه قول الشافعي، وما ذكره في النهاية هو أخبارنا وروايتنا (3). وقال أبو الصلاح: عاقلة الحر عصبته وعاقلة الرقيق مالكه (4). والمشهور بين الاصحاب خيرة المفيد وابن الجنيد احتج برواية سلمة بن كهيل، عن أمير المؤمنين - عليه السلام - لما اتي بقاتل من أهل الموصل فكتب الى عامله بها وقال في الكتاب: وسل عن قرابته من المسلمين فان كان من أصل الموصل ممن ولد بها واصبت له قرابة من المسلمين فأجمعهم إليك، ثم انظر فان كان هناك رجل يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدية

(1) المقنعة: ص 735، وفيه: " تؤخذ من اخوته ".
(2) في نسخة: م 3 الاب.
(3) السرائر: ج 3 ص 331 - 332.
(4) الكافي في الفقه: ص 392، وفيه: " عاقلة الحر المسلم عصبته ".

[ 291 ]

وخذه بها في ثلاث سنين وان لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب وكانوا قرابته سواء في النسب، ففض الدية على قرابته من قبل أبيه وعلى قرابته من قبل امه من الرجال المدركين المسلمين، ثم اجعل على قرابته من قبل أبيه ثلثي الدية واجعل على قرابته من قبل امه ثلث الدية... الحديث (1). وفي سلمة ضعف، فالاولى الاعتماد على الشهرة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا ألا يقدر ذلك - يعني: ما يتحمله العاقلة الغنى والمتجمل - بل يقسم الامام على ما يراه من حاله من الغنى والفقر، وان يفرقه على القريب والبعيد، وان قلنا: يقدم الاولى فالاولى كان قويا، لقوله تعالى: (واولو الارحام بعضهم أولى ببعض) (2). وقال أيضا في هذا الكتاب قبل ذلك بقليل: وأكثر ما يحمله كل رجل من العاقلة نصف دينار إن كان موسرا وربع دينار إن كان متجملا، لان هذا القدر لا خلاف فيه، وما زاد عليه ليس عليه دليل، والاصل براءة الذمة (3). وتبعه ابن البراج (4) في الاخير. وقال في الخلاف: مسألة: قال الشافعي: لا يحمل كل واحد من العاقلة أكثر من نصف دينار إن كان مؤسرا وربع دينار إن كان معسرا، ويؤخذ الاقرب فالاقرب، وكل ما اخذت من الاقرب وفضل من الدية شئ أخذت من الذين يلونهم على ترتيب الميراث، فإذا لم يبق أحد من العاقلة وبقي من الدية كانت من بيت المال، وعندنا أنها تؤخذ جميعها منهم، ويؤخذ منهم على قدر أحوالهم وما لا يجحف ببعضهم ويشترك البعيد والقريب في ذلك (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 171 ح 675، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 301.
(2) المبسوط: ج 7 ص 178، وفيه: " بل يقسمه ".
(3) المبسوط: ج 7 ص 174.
(4) المهذب: ج 2 ص 504.
(5) الخلاف: ج 5 ص 279 المسألة 100، وفيه: " ويستوى البعيد ".

[ 292 ]

ثم قال بعد ذلك بمسائل قليلة: مسألة الموسر عليه نصف دينار والمتوسط ربع دينار ويوزع على الاقرب فالاقرب حتى تنفذ العاقلة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: على كل واحد منهم من ثلاثة إلى أربعة والغني والمتوسط سواء ويقسم الواجب على العاقلة فلا يبدأ بالاقرب فالاقرب، فخالف الشافعي في ثلاثة فصول: في قدر الواجب والفرق بين الموسر والمتوسط، وهل يقسط على القريب والبعيد أم لا؟ فهذا التعليل مذهب الشافعي. والذي يقتضيه مذهبنا ما قدمنا ذكره من أنه لا يتعين في قدر الواجب، وانما يوجب عليهم بحسب ما يحتمله أحوالهم، ولابد أن يفرق بين الموسر والمتوسط ويشترك القريب والبعيد، لان عموم الاخبار يقتضي ذلك. دليلنا: على أن الاقرب فالاقرب أولى قوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) وهو عام، ولانه لا يخلو من أن يكون على الاقرب وحده، ولا خلاف في بطلانه أو على جميع القريب والبعيد وهو باطل، للاية، فوجب أن يكون على الاقرب فالاقرب كالميراث والولاية في النكاح، وأما المقدار فمقدار ربع دينار على المتوسط لا خلاف في انه يلزمه وما زاد عليه ليس عليه دليل، والموسر نصف دينار أيضا مثل ذلك حتى يكون فرقا بينه وبين المتوسط، ولانه يلزمه من النفقة مدان والمتسوط مد (1). وقال ابن ادريس: والذي يقتضيه مذهبنا انه لا تقدير ولا توظيف على أحد منهم، بل تؤخذ منهم على قدر أحوالهم حتى يستوفى النجم الذي هو ثلثها؟ لان تقدير ذلك يحتاج إلى دليل، وشيخنا قد رجع في مبسوطه عما ذكره في مسائل خلافه (2).

(1) الخلاف: ج 5 ص 282 المسألة 105 مع اختلاف، وعبارة: " والذي يقتضيه... يقتضي ذلك " في هامش الكتاب.
(2) السرائر: ج 3 ص 332.

[ 293 ]

والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط. لنا: انه دين عليهم، فيجب اداؤه بحسب ما وظفه الشارع من الاجل كغيره من الديون. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا تتحمل العاقلة في الجراح إلا الموضحة فصاعدا، فأما كان دون ذلك فانه على الجارح نفسه (1)، وبه قال ابن الجنيد، وأبو الصلاح (2). وقال في الخلاف: القدر الذي تحمله العاقلة عن الجاني هو قدر جنايته، قليلا كان أو كثيرا، وروي في بعض أخبارنا أنها لا تحمل إلا نصف العشر أرش الموضحة فما فوقها وما نقص عنه ففي مال الجاني (3). وقال في المبسوط: روي أصحابنا أنه لا تحمل على العاقلة إلا أرش الموضحة فصاعدا، فأما ما دونه ففي مال الجاني، وفي الناس من قال تحمل عليهم قليله وكثيره، وفيه خمس مذاهب ذكرناها في الخلاف (4). وقال ابن ادريس: ما ذهب إليه الشيخ في خلافه، هو الحق اليقين، والاجماع منعقد عليه، ولا يرجع عن ذلك الى رواية شاذة لا يوجب علما ولا عملا (5). والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أن الاصل ايجاب العقوبة على مباشر الجناية، والحوالة بها على غيره خلاف الاصل، صرنا إليه في ما بلغ الموضحة أو زاد للاجماع ولندوره فلا نتعداه الى غيره. ولان في ايجاب القاصر عن دية الموضحة على العاقلة اغراء بالخصومة،

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 368.
(2) الكافي في الفقه: ص 395 - 396. (3) الخلاف: ج 5 ص 283 المسألة 106.
(4) المبسوط: ج 7 ص 178.
(5) السرائر: ج 3 ص 334.

[ 294 ]

وتسليطا على الجنايات ومشقة على العاقلة بكثرة الجراحات القاصرة عن دية الموضحة وقوعا بين الناس. وما رواه الشيخ في الموثق، عن أبي مريم، عن الباقر - عليه السلام - قال قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - ألا تحمل على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا (1). احتج الشيخ في الخلاف بعموم الاخبار الواردة بايجاب الدية على العاقلة ولم يفصل، وإذا قلنا بالرواية الاخرى فالرجوع في ذلك الى تلك الرواية، وقد أوردناها (2). والجواب: المنع من عدم التفصيل، فان الرواية التي ذكرناها دالة عليه، وكلام ابن ادريس أنه اجماع خطأ، فان الشيخ أعرف بمواقع الاجماع، وقد أفتى بخلاف ما ذكره ابن ادريس. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى كان للقاتل مال ولم يكن للعاقلة شئ الزم في ماله خاصة الدية (3)، وبه قال سلار (4)، وأبو الصلاح (5). وقال في الخلاف: القاتل لا يدخل في العقل بحال مع وجود من يعقل عنه من العصبات وبيت المال، واستدل بأصالة البراءة، وعموم الاخبار (6)، وهو يشعر بأنه يضمن الدية مع عدمهم. وقال في المبسوط: قال قوم: يجب على القاتل إذا قتل (7) الدية تجب في الابتداء عليه، وانما العاقلة تحملها عنه، لانها عليه وجبت فإذا لم يكن هناك من ينوب عنه عاد الغرم عليه، ومن قال: يجب على العاقلة ابتداء فلا غرم عليه، لانه ما وجب عليه بالقتل غرم، فعلى هذا تتأخر الدية حتى يحدث من

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 170 ح 669، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 303 - 304.
(2) الخلاف: ج 5 ص 283 ذيل المسألة 106.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 367 (4) المراسم: ص 239. (5) الكافي في الفقه: ص 395.
(6) الخلاف: ج 5 ص 278 المسألة 99.
(7) هكذا في النسخ، وفي المصدر إذا قيل.

[ 295 ]

يحملها من بيت المال (1). والظاهر من كلام ابن البراج (2) الثاني. وقال ابن الجنيد: ولا يدخل الجاني في ضمان دية من قتله خطأ مع عاقلته، فان عدمت عاقتله وكان ذا مال قام مقامهم كما كانوا يؤدونها عنه. وقال ابن ادريس: قول الشيخ في النهاية غير مستقيم، لانه خلاف اجماع المسلمين، لان القاتل لا يدخل في العقل ولا يعقل عن نفسه (3). وهذا خطأ منه وجهل، وكيف يجوز أن ينسب الشيخ الى مخالفة اجماع المسلمين؟! وقد تقدم البحث في العمد وان عموم قوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " (4) دال عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى لم يكن للقاتل خطأ عاقلة ولا من يضمن جريرته من مولى نعمة أو مولى تضمن جريرته ولا له مال وجبت الدية على بيت مال المسلمين (5). وقال سلار: يؤديها عنه السلطان من بيت المال (6). وهو قول المفيد (7)، وابن البراج (8). وقال ابن ادريس: وهذا أيضا غير مستقيم، لانه خلاف اجماع أصحابنا، بل تجب الدية على مولاه الذي يرثه وهو امام المسلمين في ماله، وبيت ماله دون بيت مال المسلمين، لانه ضامن جريرته وحدثه ووارث تركته، وهذا اجماع منا لا خلاف فيه (9).

(1) المبسوط: ج 7 ص 179.
(2) المهذب: ج 2 ص 457 - 458.
(3) السرائر: ج 3 ص 335.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 172 ذيل الحديث 674، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العاقلة ذيل الحديث 1 ج 19 ص 301.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 367 - 368.
(6) المراسم: ص 239. (7) المقنعة: ص 743.
(8) المهذب: ج 2 ص 504.
(9) السرائر: ج 3 ص 335.

[ 296 ]

ورواية سلمة بن كهيل تدل على ما قاله ابن ادريس، حيث قال أمير المؤمنين عليه السلام - لعامله في الموصل - لما أنفذ إليه في استعلام عاقلة القاتل خطأ -: وإن لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل ولا يكون من أهلها وكان مبطلا فرده إلي مع رسولي فلان فأنا وليه والمؤدي عنه، ولا يطل دم امرئ مسلم (1). وعن يونس بن عبد الرحمان، عمن رواه، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه قال: في الرجل إذا قتل رجلا خطأ فمات قبل أن يخرج الى أولياء المقتول من الدية أن الدية على ورثته، فان لم يكن له عاقلة فعلى الوالي من بيت المال (2). وللشيخ أن يحتج بما رواه أبو ولاد، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يقتل وليس له ولي إلا الامام أنه ليس للامام أن يعفو وله أن يقتل أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، لانه جناية المقتول كانت على الامام، وكذلك يكون ديته لامام المسلمين (3). وعن أبي ولاد، عن الصادق - عليه السلام - فان لم يسلم أحد كان الامام ولي أمره، فإن شاء قتل، وان شاء أخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، قلت له: فإن عفا عنه الامام، قال: فقال: انما هو حق لجميع المسلمين، فانما على الامام أن يقتل أو يأخذ الدية وليس له أن يعفو (4).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 171 ح 675، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 301.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 172 ح 676، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 304.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 178 ح 696، وسائل الشيعة: ب 60 من أبواب القصاص في النفس ح 2 ج 19 ص 93.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 178 ح 697، وسائل الشيعة: ب 60 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 93، وفيهما اختلاف.

[ 297 ]

وهذا يعطي أن الدية على بيت مال المسلمين، كما أن ديته لهم، وبهذه الرواية أفتى الصدوق في المقنع (1)، وبالجملة فقول ابن ادريس لا يخلو من قولة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وأما دية قتل الخطأ شبيه العمد فانها تلزم القاتل نفسه في ماله خاصة، فان لم يكن له مال استسعي فيها أو يكون في ذمته الى أن يوسع الله عليه، فان مات أو هرب اخذ أولى الناس إليه بها، فان لم يكن له أحد أخذت من بيت المال (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح، لانه خلاف الاجماع، وضد ما يقتضيه اصول مذهبنا، لان الاصل براءة الذمة، فمن شغلها يحتاج الى دليل، والاجماع حاصل على أن الاولياء وبيت المال لا يعقل إلا قتل الخطأ المحض، فأما الخطأ شبيه العمد فعندنا بغير خلاف بيننا ألا تعقله العاقلة ولا تتحمله، بل تجب الدية على القاتل نفسه، فمن قال بموته أو هربه يصير على غيره يحتاج الى دليل قاهر، ولا يرجع في ذلك الى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا (4). والوجه ما قاله الشيخ وقد تقدم البحث في ذلك في العمد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من قتل عمدا وليس له ولي كان الامام ولي دمه، إن شاء قتل قاتله، وان شاء أخذ الدية وتركها في بيت المال، وليس له أن يعفو، لان ديته لبيت المال، كما أن جنايته على بيت المال (5). وتبعه ابن البراج (6)، وهو قول ابن الجنيد. والمفيد عمم الحكم في الخطأ أيضا فقال: وكذا ليس له العفو عن قتل

(1) المقنع: ص 192 - 193.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 369 - 370، وفيه: " أولى الناس إليه ممن يرث ديته بها ".
(3) المهذب: ج 2 ص 458.
(4) السرائر: ج 3 ص 335.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 371.
(6) المهذب: ج 2 ص 460.

[ 298 ]

الخطأ إذا لم يكن للمقتول أولياء (1). وكذا قال الشيخ (2). وقال ابن ادريس: هذا غير صحيح ولا مستقيم، بل الامام ولي المقتول المذكور، إن شاء قتل، وان شاء عفا، فان رضي هو والقاتل واصطلحا على الدية فانها تكون له دون بيت مال المسلمين، لان الدية عندنا يرثها من يرث المال والتركة سوى كلالة الام، فإن كلالة الام لا ترث الدية ولا القصاص ولا القود بغير خلاف، وتركته لو مات لامام (3) المسلمين بغير خلاف، ولان جنايته على الامام، لانه عاقلته. وشيخنا رجع في غير نهايته من كتبه عن هذه الرواية الشاذة إن كانت رويت، فقد أوردها في نهايته ايرادا لا اعتقادا، فإن روي ذلك فقد ورد للتقية، لانه مذهب بعض المخالفين (4). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية أبي ولاد الحناط، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يقتل وليس له ولي إلا الامام أنه ليس للامام أن يعفو، وله أن يقتل أو يأخذ الدية فيجعلها في بيت مال المسلمين، لان جناية المقتول كانت على الامام، وكذلك تكون ديته لامام المسلمين (5). وقول ابن ادريس لا بأس به، لكن العمل بالرواية أولى.

(1) المقنعة: ص 743.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 371. (3) في المصدر: كانت لامام.
(4) السرائر: ج 3 ص 336.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 178 ح 696، وسائل الشيعة: ب 60 من أبواب القصاص في النفس ح 2 ج 19 ص 93.

[ 299 ]

الفصل الثاني في ما يثبت به القتل مسألة: اختلف الشيخان في عدد القسامة في قتل الخطأ. فقال الشيخ في النهاية: وان كان خطأ فخمسة وعشرون رجلا يقسمون مثل ذلك (1). وكذا قال في المبسوط (2) والخلاف (3)، وادعي فيه إجماع الطائفة وأخبارهم، وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال المفيد - رحمه الله - إنه يثبت بخمسين يمينا (6). وتبعه سلار (7)، وهو اختيار ابن ادريس (8)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد. والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه أدون من قتل العمد فناسب تخفيف القسامة، ولان التهجم على

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 372.
(2) المبسوط: ج 7 ص 211.
(3) الخلاف: ج 5 ص 308 المسألة 4.
(4) المهذب: ج 2 ص 500.
(5) الوسيلة: ص 460.
(6) المقنعة: ص 736.
(7) المراسم: ص 232.
(8) السرائر: ج 3 ص 338.

[ 300 ]

الدم بالقود أضعف من التهجم على أخذ الدية، فكان التشديد في اثبات الاول أولى. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال القسامة خمسون رجلا في العمد وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلا وعليهم أن يحلفوا بالله (1). وفي الحسن عن يونس، عن الرضا - عليه السلام - أن أمير المؤمنين - عليه السلام - جعل القسامة في النفس على العمد خمسين رجلا، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلا (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فأما إذا كانت الدعوى دون النفس فعندنا فيه قسامة وعندهم لاقسامة فيها، ولا يراعى أن يكون معه لوث ولا شاهد (3). ومنع ابن ادريس ذلك وشرط اللوث (4)، وهو أقرب. لنا: أن الاصل براءة الذمة، وعموم قوله - عليه السلام -: " البينة على المدعي واليمين على من أنكر " (5) صرنا الى العكس في الجناية مع اللوث، لانه يصير كالاصل، فناسب تقديم قول المدعي مع اليمين التي هي القسامة، ويبقي (6) ما انتفى فيه اللوث على أصالة العدم. مسألة: القسامة في الاعضاء تجب فيها الدية كاملة كالعينين والسمع والانف والذكر واليدين والرجلين وغيرها قال الشيخ: تجب القسامة فيه ستة رجال يحلفون بالله تعالى أن المدعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادعوه عليه، فان

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 168 ح 667، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب دعوى القتل... ح ص 119.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 169 ح 668، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت له ح 2 ج 19 ص 120.
(3) المبسوط: ج 7 ص 223.
(4) السرائر: ج 3 ص 338.
(5) سنن البيهقي: ج 10 ص 252.
(6) في المطبوع ينتفي.

[ 301 ]

لم يكن للمدعي قسامة كررت عليه ستة أيمان، فان لم يكن له من يحلف ولا يحلف هو طولب المدعى عليه بقسامة ستة نفر يحلفون عنه انه برئ من ذلك، فان لم يكن له من يحلف حلف ستة مرات أنه برئ مما ادعى عليه. وفي ما نقص من الاعضاء القسامة منها على قدر ذلك إن كان سدس العضو فرجل واحد يحلف بذلك، وان كان ثلثه فاثنان، وان كان النصف فثلاثة ثم على هذا الحساب (1). وكذا في الخلاف (2) والمبسوط (3)، وتبعه ابن حمزة (4)، وابن البراج (5). وقال سلار: أنه كالنفس إن وجب فيها خمسون كالعمد، وكذا الطرف إذا بلغ أرشه الدية وإن وجب فيها خمس وعشرون كالخطأ وكذا الطرف (6)، ونقله ابن ادريس عن المفيد واختاره هو أيضا (7). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أن الجناية هنا أخف فكان الحلف فيها أخف والتشدد فيه أقل، عملا بالتناسب. وما رواه يونس في الحسن، عن الرضا - عليه السلام - وقال في الحديث عن أمير المؤمنين - عليه السلام -: وعلى ما بلغت ديته من الجوارح ألف دينار ستة نفر، فما كان دون ذلك فبحسابه من ستة نفر... الحديث (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 373 وفيه: " القسامة فيها على قدر ".
(2) الخلاف: ج 5 ص 312 ذيل المسألة 12.
(3) المبسوط: ج 7 ص 223. (4) الوسيلة: ص 460.
(5) المهذب: ج 2 ص 501.
(6) المراسم: ص 232 و 248، مع اختلاف.
(7) السرائر: ج 3 ص 338.
(8) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 169 ح 668، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 2 ج 19 ص 120.

[ 302 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى شهد نفسان على رجل بالقتل وشهد آخران على غير ذلك الشخص بأنه قتل ذلك المقتول بطل هاهنا القود إن كان عمدا وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين، وان كان القتل شبيه العمد فكمثل ذلك، وان كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما (1). وتبعه ابن البراج (2)، وهو مذهب شيخنا المفيد (3) - رحمه الله - أيضا. وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول المذهب ويحكم بصحته الاستدلال أن أولياء المقتول بالخيار في تصديق احدى البينتين وتكذيب الاخرى، فإذا صدقوا احداهما قتلوا ذلك المشهود عليه ولم يكن لهم على الاخر سبيل، ولا يبطل هاهنا القود، لانه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة متواترة، بل الكتاب قاض بالقود مع البينة في قوله تعالى: " فقد جعلنا لوليه سلطانا) فمن عمل بهذه الرواية أبطل حكم الاية رأسا، ولا وجه لاخذ الدية منهما جميعا، لانهما غير مشتركين في القتل، لان البينة عليهما، بخلاف ذلك، لانها تشهد بقتل كل واحد منهما على الانفراد دون الاجتماع والاشتراك ويؤيد هذه المسألة ما يأتي من أن من شهد عليه بالقتل ثم أقر آخر بالقتل فللاولياء أن يقتلوا من شاؤوا منهما بغير خلاف، ولا فرق بين الموضعين، لان الاقرار كالبينة، والبينة كالاقرار في ثبوت الحقوق الشرعية التي تتعلق بحقوق بني آدم (4). والوجه ما أفتى به الشيخان. لنا: أنهما بينتان تصادمتا، وليس قبول احداهما في نظر الشرع أولى من قبول الاخرى ولا يمكن العمل بهما فيوجب قتل الشخصين معا اجماعا، ولا العمل باحداهما دون الاخرى، لعدم الاولوية، فلم يبق إلا سقوطهما معا في ما

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 374 - 375. (2) المهذب: ج 2 ص 502.
(3) المقنعة: ص 737.
(4) السرائر: ج 3 ص 341، مع اختلاف.

[ 303 ]

يرجع الى القود، لانه تهجم على الدماء المحقونة في نظر الشرع بغير سبب معلوم ولا مظنون، إذ كل واحدة من الشهادتين تكذب الاخرى، فانتفى العلم والظن بصدق احداهما، والحدود - وهي أسهل وأهون - تسقط بالشبهة، فسقوط القود أولى، وأما ايجاب الدية عليهما فلئلا يطل دم امرئ مسلم قد ثبت ان قاتله أحدهما، لكن لجهلنا بالتعيين أسقطنا القود الذي هو أعلى العقوبتين، وأوجبنا الدية التي هي أخفهما، وتخيير الورثة تسلط على الدم بمجرد التشهي، والكتاب إنما يدل على القود مع علم القاتل وهو منتف هنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا قامت البينة على رجل بأنه قتل رجلا عمدا وأقر رجل آخر بأنه قتل ذلك المقتول بعينه عمدا كان أولياء المقتول مخيرين في أن يقتلوا أيهما شاؤوا، فان قتلوا المشهود عليه فليس لهم على الذي أقر سبيل ويرجع أولياء الذي شهد عليه على الذي أقر بنصف الدية، وان اختاروا قتل الذي أقر قتلوه وليس لهم على الاخر سبيل وليس لاولياء المقر على نفسه على الذي قامت عليه البينة سبيل، وان أراد أولياء المقتول قتلهما جميعا قتلوهما معا وردوا على أولياء المشهود عليه نصف الدية ليس لهم أكثر من ذلك، فان طلبوا الدية كانت عليهما نصفين على الذي أقر، وعلى الذي شهد عليه الشهود (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال أبو الصلاح: إن شاء الاولياء قبلوا الدية منهما نصفين، وان شاؤوا قتلوهما وردوا نصف الدية على ورثة المشهود عليه دون المقر ببراءة الاخر منهما، وان شاؤوا قتلوا المشهود عليه وأدى المقر الى ورثته نصف ديته، وان شاؤوا قتلوا المقر ولا شئ لورثته على المشهود عليه، هذا إذا أبرأ المقرد المشهود عليه من

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 375 - 376 - 377.
(2) المهذب: ج 2 ص 502.

[ 304 ]

قتله، وان لم يبرء فهما شريكان في القتل متساويان في ما يقتضيه (1). وقال ابن الجنيد: ولو قامت بينة على رجل بقتل عمدا فأقر غيره بأنه هو القاتل والمشهود عليه برئ، فان أراد الولي قتل الذي أقر، قتله ولا سبيل له ولا لورثة الذي أقر على المشهود عليه. وان أراد الولي أن يقتل المشهود عليه، قتله ولا سبيل له على الذي أقر، ولولي المشهود عليه - الذي قتل - أن يطالب الذي أقر على نفسه بنصف الدية. قال أبو جعفر - عليه السلام -: لان الذي أقر على نفسه قد أبرأ المشهود عليه من القتل، والمشهود عليه لم يبرء الذي أقر. وقال ابن ادريس: ولي في قتلهما جميعا نظر، لان الشهود ما شهدوا بأنهما اشتركا في قتل المقتول ولا المقر أيضا أقر باشتراكهما في قتله، وانما كل واحد منهما من الشهود أو الاقرار يؤذن بأنه قتله على الانفراد دون الاخر فكيف يقتلان معا وما تشاركا في القتل؟! وإنما لو تشاركا في قتله لاقدناهما، ولو كانوا ألفا بعد أن يرد ما فضل عن ديته وهنا رد نصف دية فلو اشتركا لكان يرد دية كاملة ألف دينار يتقاسم بها أولياؤهما معا. قال: الاولى عندي أن يرد الاولياء إذا قتلوهما معا دية كاملة فيكون بين ورثتهما نصفين، إذ قد ثبت أنهما قاتلان جميعا باقرار أحدهما على نفسه والبينة على الاخر، ولا يرجع في مثل هذا الى أخبار آحاد لا يوجب علما ولا عملا، هذا إذا أقر بالقتل مجتمعين مشتركين وتشهد البينة بذلك، فأما إذا كانا متفرقين فالعمل على ما حررناه في شهادة الشهود على الاثنين حرفا فحرفا (2). وقول ابن ادريس لا بأس به. لكن الشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قتل فحمل الى الوالي وجاء قوم فشهدوا عليه أنه قتله عمدا فدفع الوالي القاتل الى أولياء المقتول ليقاد به فلم

(1) الكافي في الفقه: ص 387.
(2) السرائر: ج 3 ص 342.

[ 305 ]

يرموا حتى أتاهم رجل فأقر عند الوالي أنه قتل صاحبهم عمدا وان هذا الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبهم فلا تقتلوه وخذوني بدمه، قال: فقال أبو جعفر - عليه السلام -: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقر على نفسه فليقتلوه ولا سبيل لهم على الاخر، ولا سبيل لورثة الذي أقر على نفسه على ورثة الذي شهد عليه، فان أرادوا أن يقتلوه الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقر ثم ليؤدي الذي اقر على نفسه الى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، قلت: إن أرادوا يقتلوهما جميعا، قال لهم (1) وعليهم أن يؤدوا الى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصة دون صاحبه ثم يقتلوهما (2) به، قلت: فان أرادوا أن يأخذوا الدية، قال: فقال: الدية بينهما نصفان، لان أحدهما أقر والاخر شهد عليه، قلت: كيف جعل لاولياء الذي شهد عليه على الذي أقر نصف الدية حين قتل ولم يجعل لاولياء الذي أقر على الذي شهد عليه ولم يقر؟ قال: فقال: لان الذي شهد عليه ليس مثل الذي أقر، الذي شهد عليه لم يقر ولم يبرء صاحبه والاخر أقر وأبرأ صاحبه فلزم الذي أقر وأبرأ صاحبه ما لم يلزم الذي شهد عليه ولم يقر ولم يبرء صاحبه (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: المتهم بالقتل ينبغي أن يحبس ستة أيام، فان جاء المدعي ببينة أو فصل الحكم معه، وإلا خلي سبيله (4)، وتبعه ابن البراج (5). وقال ابن حمزة: يحبس ثلاثة أيام (6).

(1) في المصدر: ذاك لهم.
(2) في الوسائل: يقتلونهما.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 172 ح 678، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 1 ج 19 ص 108.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 378 - 379.
(5) المهذب: ج 2 ص 503.
(6) الوسيلة: ص 461.

[ 306 ]

وقال ابن ادريس: ليس على هذه الرواية دليل يعضدها، بل هي مخالفة للادلة (1). والشيخ - رحمه الله - عول على رواية السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن النبي - صلى الله عليه وآله - كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام، فان جاء أولياء المقتول ببينة وإلا خلي سبيله (2). والتحقيق أن نقول: إن حصلت التهمة للحاكم بسبب لزم الحبس ستة أيام، عملا بالرواية وتحفظا للنفوس عن الاتلاف، وان حصلت لغيره فلا، عملا بالاصل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قتل رجلا ثم ادعى أنه وجده مع امرأته أو في داره قتل به أو يقيم البينة على ما قال (3). وقال ابن ادريس: الاولى أن يقيد ذلك بأن الموجود كان يزني بالمرأة وكان محصنا فحينئذ لا يجب على قاتله القود ولا الدية، لانه مباح الدم، فأما إن أقام البينة أنه وجده مع المرأة لا زانيا بها أو زانيا بها ولا يكون محصنا فانه يجب على من قتله القود ولا ينفعه بينة (4). وهذا النزاع لفظي، ومقصود الشيخ - رحمه الله - سقوط القود في القتل المستحق، أو نقول: جاز أن يكون وجدانه مع امرأته أو في داره شبهة مسوغة لقتله، فلهذا أسقط القود ولا يلزم منه سقوط الضمان. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قطع طرف غيره ثم اختلفنا فقال

(1) السرائر: ج 3 ص 343.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 174 ح 683، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 1 ج 19 ص 121، وفيهما: " فان جاء أولياء المقتول بثبت ".
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 379.
(4) السرائر: ج 3 ص 343 - 344، وفيه: " ولا ينفعه بينته ".

[ 307 ]

الجاني: كان الطرف أشل فلا قود ولا دية كاملة فيه، وقال المجني عليه: كان صحيحا ففيه القود والدية كاملة، فان كان الطرف ظاهرا مثل اليدين والرجلين والعينين والانف وما أشبهها فالقول قول الجاني مع يمينه أو يقيم المجني عليه البينة، وان كان الطرف باطنا فالقول قول المجني عليه، وقال أبو حنيفة: القول قول الجاني، وهو قوي (1). وقال في المبسوط: الصحيح عندي أن القول قول الجاني في الظاهرة والقول قول المجني عليه في الباطنة (2). وقال ابن ادريس: هذا قول الشافعي اختاره الشيخ، والذي يقتضيه اصول مذهبنا أن القول قول المجني عليه في الطرفين معا، سواء كانا ظاهرين أو باطنين، لاجماع أصحابنا على ذلك، وقول الرسول - عليه السلام - المتفق عليه على الجاحد اليمين وعلى المدعي البينة، والاصل سلامة الاعضاء، والجاني يدعي الشلل والعيب فعليه البينة، ومن فصل ذلك وخصص يحتاج الى دلالة (3). وهذا قلة انصاف منه في حق الشيخ، فان شيخنا - رحمه الله - أجل من أن يقلد فضلا عن أن يقلد من يخالف اصول مذهبه وفروعه، والشيخ - رحمه الله - انما عول في ذلك على الظاهر لان الواجب اتباعه متى حصل لقوله - عليه السلام -: " إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " (4). ولا شك في أن العضو إذا كان بارزا ينكشف للناس لا يخفى عنهم حاله ولا يشتبه عليهم صحته وسقمه، فإذا ادعي السلامة التي هي الاصل أمكنه إقامة البينة عليها،

(1) الخلاف: ج 3 ص 112 المسألة 76، وفيه: " كان الطرف فاسدا ".
(2) المبسوط: ج 7 ص 95، وفيه: وقول المجني عليه في الباطنة ".
(3) السرائر: ج 3 ص 344.
(4) احياء علوم الدين: 212 - 213.

[ 308 ]

وأصالة السلامة معارضة بأصالة براءة الذمة، فإذا أنكر الجاني السلامة أمكن المجني عليه اقامة البينة على دعواه، فكلف ذلك ليعضد أصالة السلامة ويقهر أصالة البراءة من غير تكلف مشقة. أما العضو الباطن فانه يعسر على المجني عليه اقامة البينة على صحته وسلامته فاكتفى بقوله، عملا بأصالة السلامة السالمة عن معارضة سهولة اقامة البينة.

[ 309 ]

الفصل الثالث في الاشتراك في الجنايات مسألة: قال الشيخ في النهاية: فان قتل رجل وامرأة رجلا كان لاولياء المقتول قتلهما جميعا ويؤدون الى أولياء الرجل نصف ديته خمسة آلاف درهم، فان اختاروا قتل المرأة كان لهم قتلها ويأخذون من الرجل خمسة آلاف درهم، وإن اختاروا قتل الرجل كان لهم قتله وتؤدى المرأة الى أولياء الرجل نصف ديتها ألفين وخمسمائة درهم، وان أراد أولياء المقتول الدية كان على الرجل نصفها وعلى المرأة نصفها، وان كان القتل خطأ كان على عاقلة المرأة النصف وعلى عاقلة الرجل النصف (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: إذا اجتمع رجل وامرأة على قتل رجل حر عمدا كان لاولياء الحر قتلهما جميعا ويؤدون الى ورثتهما خمسة الاف درهم يقتسمونها على ثلاثة أسهم لورثة الرجل الثلثان ولورثة المرأة الثلث (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 381.
(2) المهذب: ج 2 ص 468.
(3) المقنعة: ص 752.

[ 310 ]

وقال ابن ادريس: للاولياء قتلهما ويؤدون الى أولياء الرجل خمسة آلاف درهم، كما قاله شيخنا أبو جعفر الطوسي ليس للمرأة فيها شئ، وان قتلوا الرجل أدت المرأة الى أولياء نصف ديته خمسة آلاف درهم، خلافا للشيخ حيث قال: يؤدي نصف ديتها (1). وهو المعتمد. لنا: أنها جنت على نصف نفس رجل فكان عليها ضمانه، ومع قتلهما يكون الفاضل للرجل خاصة: لان القدر المستوفي منه أكثر من جنايته بقدر الضعف، والمستوفى من المرأة بقدر جنايتها فلا يرد عليها شئ. تذنيب: قال شيخنا المفيد - رحمه الله -: فان كان معهما خنثى لم يبين أمره ولا يعلم أذكر هو أم أنثى كان لهم قتل الثلاثة وعليهم أن يؤدوا اثنى عشر ألف درهم وخمسمائة درهم الى ورثتهم جميعا، يقسم (2) بينهم بحساب ما تقدم ذكره لورثة كل واحد منهم بحساب ديته في الاصل، فيكون للرجل ثلث وتسع من اثنى عشر ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وهو خمسة آلاف وخمسمائة درهم وخمسة وخمسون درهما ونصف وحبتان وثلثا حبة، وللخنثى الثلث وهو أربعة آلاف ومائة وستة وستون درهما وثلثا درهم، وللمرأة خمس وتسع خمس فيكون ألفى درهم وسبعمائة وسبعة وسبعين درهما وأربعة دوانيق وخمس حبات وثلث حبة، فذلك تكملة الاثني عشر ألف درهم وخمسمائة درهم (3). والمعتمد ما تقدم من أن الرد عليهم بحسب ما يفضل من دية كل واحد عن جنايته وقد صدر القتل عن ثلاثة فعلى كل واحد ثلث نفس، فيفضل للرجل ثلثا دية نفس ويسقط عنه الثلث الاخر في مقابلة جنايته، ويفضل للمرأة سدس دية نفس ويسقط منها الثلث في مقابلة جنايتها، ويفضل للخنثى ثلث دية

(1) السرائر: ج 3 ص 345، 346، مع اختلاف.
(2) ق 2 والطبعة الحجرية: فيقسم.
(3) المقنعة: ص 752.

[ 311 ]

نفس ونصف سدس دية نفس ويسقط منه الثلث في مقابلة جنايته. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فان قتل رجل حر ومملوك رجلا على العمد كان أولياء المقتول مخيرين بين أن يقتلوهما ويؤدوا الى سيد العبد ثمنه، أو يقتلوا الحر ويؤدي سيد العبد الى ورثته خمسة آلاف درهم، أو يسلم العبد إليهم فيكون رقا لهم، أو يقتلوا العبد بصاحبهم خاصة فذلك لهم، وليس لسيد العبد على الحر سبيل، فان اختاروا الدية كان على الحر النصف منها وعلى سيد العبد النصف الاخر، أو يسلم العبد إليهم فيكون رقا لهم، وان كان قتلهما له خطأ كان نصف ديته على عاقلة الرجل ونصفها على مولى العبد أو يسلمه الى أولياء المقتول يستر قونه، وليس لهم قتله على حال (1). وتبعه ابن البراج (2)، وهو قول شيخنا المفيد أيضا (3). وقال أبو الصلاح: إن اختار ولي الدم قتلهما رد قيمة العبد على سيده وورثة الحر، وان اختار قتل الحر فعلى سيد العبد نصف ديته لورثته، وان اختار قتل العبد قتله ويؤدي الحر الى سيده نصف قيمته (4). وقال السيد ابن زهرة: فان كان العبد شريكا للحر في القتل واختار الاولياء قتل الحر فعلي سيد العبد لورثته نصف ديته، أو تسليم العبد إليهم يكون رقا لهم بدليل الاجماع، وان اختاروا قتل العبد كان لهم ذلك، بلا خلاف بين أصحابنا، وليس لسيد العبد على الحر سبيل عند الاكثر منهم، وهو الظاهر في الروايات، ومنهم من قال: يؤدي الحر الى سيد العبد نصف قيمته، وان اختاروا قتلهما جميعا كان لهم ذلك، بلا خلاف بين أصحابنا، ومنهم من قال:

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 383 - 384.
(2) المهذب: ج 2 ص 468 - 469.
(3) المقنعة: ص 751.
(4) الكافي في الفقه: ص 386، وفيه: " ان اختار قتلهما ورد ".

[ 312 ]

بشرط أن يؤدوا قيمة العبد الى سيده خاصة، ومنهم من قال: والى ورثة الحر أيضا (1). وقال ابن ادريس: قال بعض أصحابنا في كتاب له: وإذا قتل الحر والعبد حرا فاختار وليه الدية فعلى الحر النصف وعلى سيد العبد النصف، وان اختار قتلهما رد قيمة العبد على سيده وورثة الحر، وان اختار قتل الحر فعلى سيد العبد نصف ديته لورثته، وان اختار قتل العبد قتله ويؤدي الحر الى سيده نصف قيمته، ثم قال: وهذا الذي يقتضيه اصول مذهبنا. قال: وذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره الى أنه إذا قتل الولي الحر يجب على سيد العبد أن يرد على ورثة المقتول الثاني نصف الدية، أو يسلم العبد إليهم، لانه لو كان حرا لكان عليه ذلك على ما بينا، فحكم العبد حكمه على السواء. قال: وهو رجوع عما ذكره في نهايته، ونعم الرجوع الى الحق (2). والوجه أن نقول: إما أن يزيد قيمة العبد على جنايته أولا، وعلى التقديرين فإما أن يختار الولي قتلهما أو قتل الحر أو قتل العبد أو الدية، فالاقسام ثمانية، أربعة في طرف الزيادة، وأربعة في طرف عدمها. أما الزيادة فالاول: أن يختار الولي قتلهما معا فله ذلك ويرد الولي على الحر نصف ديته، لانه الفاضل عن قدر جنايته، وعلى سيد العبد الزيادة ما لم يتجاوز القيمة دية الحر فيرد إليها، ويؤدي نصف دية الحر لا غير الى سيد العبد كما أدى الى الحر نصف ديته. الثاني: مقابله ان يختار الولي الدية منهما، فعلى الحر النصف، وعلى سيد العبد النصف، أو يسلم ما قابل النصف من العبد الى الولي ليسترقه. الثالث: أن يختار قتل الحر فيؤدي سيد العبد الى الحر نصف ديته، أو يسلم من العبد ما قابل نصف الدية ليسترقوه، وليس لهم قتله. الرابع:

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 557 س 34.
(2) السرائر: ج 3 ص 347.

[ 313 ]

أن يختار قتل العبد فيؤدي الحر الى سيد ما زاد عن نصف الدية، ثم إن قصرت الزيادة عن نصف دية الحر أدي الحر الى الولي تمام نصف الدية، وان لم يقصر لم يؤد الى الولي شيئا. وأما طرف العدم فالاول: أن يختار الولي قتلهما فله ذلك، ولا شئ له على سيد العبد، سواء قصرت قيمته عن نصف الدية أو لا، ولا شئ للحر أيضا على سيد العبد، ويؤدي الولي الى الحر نصف ديته، سواء قصرت قيمة العبد عن نصف الدية أو ساوته. الثاني: أن يختار الدية، فعلى الحر نصفها، وعلى سيد العبد النصف الاخر، أو يسلم العبد الى ولي المقتول إن شاء استرقه، وان شاء قتله أو باعه، وليس على سيد العبد ولا على الحر الشريك تكميل ما نقص عن نصف دية الحر لو كان هناك نقصان. الثالث: أن يختار قتل الحر فله ذلك، ويؤدي سيد العبد الى ورثة الحر نصف ديته، أو يسلم العبد إليهم ليسترقوه، وليس لهم قتله، فان كانت قيمته بقدر نصف الدية فلا بحث، وان نقصت كان على أولياء المقتول أن يؤدوا الى ورثة الحر قدر النقصان، لانهم استرقوا منه أكثر مما يجب عليه. الرابع: أن يختار قتل العبد، وليس لسيده على الحر سبيل، بل يؤدي الحر الى ولي المقتول نصف ديته، لانه قدر جناحيته، وليس للولي على سيد العبد سبيل، وان نقصت قيمة العبد عن نصف الدية ولا على الحر أيضا على ذلك التقدير. مسألة: قال المفيد إذا قتل العبد والمدبر رجلا حرا خطأ فديته على سيديهما، فان لم يؤدياه (1) دفع العبد والمدبر الى أولياء المقتول واسترقوا العبد واستخدموا المدبر حتى يموت سيده الذي دبره، فإذا مات سيده خرج عن الرق الى الحرية ولم يكن لاحد عليه سبيل (2).

(1) في نسخة: م 3 لم يرضياه، وفي نسخه ق 2 وفاقا للمصدر لم يداه.
(2) المقنعة: ص 751.

[ 314 ]

والاصل في ذلك أن المدبر إذا قتل خطأ ودفعه مولاه للرق أو قتل عمدا ودفعه مولاه الى الولي إذا طلب الدية واسترقه في الحالين هل يعتق بموت المولى أم لا؟ قال الشيخ في النهاية: إذا قتل مدبرا حرا كانت الدية على مولاه الذي دبره إن شاء أو يسلمه برمته الى أولياء المقتول، فان شاؤوا قتلوه إن كان قتل صاحبهم عمدا، وان شاؤوا استرقوه، وان كان قتله خطأ استرقوه وليس لهم قتله، وإذا مات الذي دبره استسعي في دية المقتول وصار حرا (1). وقال ابن ادريس - لما نقل كلام الشيخ في النهاية -: لا دليل على صحة هذه الرواية، لانها مناقضة للاصول، وهو أنه خرج من ملك من دبره وصار عبدا لاولياء المقتول، فمن أخرجه من ملكهم بعد دخوله فيه يحتاج الى دليل، ولا دليل على ذلك، ولا يرجع في ذلك الى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، ويمكن أن تحمل الرواية على أنه كان التدبير عن نذر واجب لا يجوز الرجوع فيه، فإذا كان كذلك وكان القتل خطأ فانه بعد موت من دبره يصير حرا أو يستسعى في الدية، فأما إذا كان التدبير لا عن نذر فهو على ما قررناه وحررناه فليلحظ ذلك ويتأمل. ثم قال: والاقوى عندي في الجميع أنه يسترق، سواء كان عن نذر أو لم يكن، لان السيد ما رجع عن النذر وإنما صار عبدا بحق (2). وهو الاقرب. لنا: أنه عبد قد انتقل بجنايته إلى ولي المقتول فأشبه البيع، وقد قلنا: إنه مع البيع يبطل التدبير فكذا هنا، لوجود المقتضي للابطال، وهو الانتقال. وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن مدبر قتل رجلا عمدا، قال: فقال - عليه السلام -: يقتل به قلت: وان قتله

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 391 - 392 - 393.
(2) السرائر: ج 3 ص 354.

[ 315 ]

خطأ، قال: فقال: يدفع الى أولياء المقتول فيكون لهم، فان شاؤوا استرقوه وليس لهم قتله، قال: ثم قال: يا أبا محمد أن المدبر مملوك (1). وهذا نص في الباب. احتج المفيد بما رواه جميل بن دراج في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: مدبر قتل رجلا خطأ من يضمن عنه؟ قال: يصالح عنه مولاه، فان أبى دفعه الى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبره ثم يرجع حرا لا سبيل عليه (2). قال الشيخ في كتابي الاخبار: هذه الروايات وردت مطلقة بأنه متى مات المدبر صار المدبر حرا، وليس فيها انه يستسعى في الدية، والاولى أن يشترط ذلك فيها فيقال: إذا مات المولى الذي دبره يستسعى في دية المقتول لئلا يطل دم امرئ مسلم، وذلك لا ينافي هذه الاخبار، لما رواه الخطاب بن سلمة، وما رواه هشام بن أحمد قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن مدبر قتل رجلا خطأ، قال: أي شئ رويتم في هذا الباب؟ قال: قلت: روينا عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: يتل برمته الى أولياء المقتول، فإذا مات الذي دبره اعتق، قال: سبحان الله فيبطل دم امرئ مسلم، قلت: هكذا روينا، قال: غلطتم على أبي، يتل برمته إلى أولياء المقتول، فإذا مات الذي دبره استسعي في قيمته (3).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 197 ح 782، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 75 وفيهما: " فإن شاؤوا باعوه وان شاؤوا استرقوه، وليس لهم أن يقتلوه ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 197 ح 783، وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 155.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 198 ذيل الحديث 784 وح 785، الاستبصار: ج 4 ص 275 ذيل الحديث 1043 وح 1044.

[ 316 ]

وهذا الذي اختاره الشيخ هو مذهب الصدوق في المقنع، إلا أنه في المقنع قال: يستسعى في قيمته (1). والشيخ قال: يستسعى في الدية، وليس بعيدا من الصواب، لما فيه من الجمع بين الاخبار بما يناسب المعقول. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أمر عبده بقتل غيره فقتله وجب على العبد القود دون سيده ويحبس المولى مادام حيا، ثم قال: وقد روي أنه يقتل السيد ويستودع العبد السجن، والمعتمد ما قلناه (2). وكذا في الاستبصار (3). وقال في الخلاف: اختلفت روايات أصحابنا في أن السيد إذا أمر عبده بقتل غيره فقتله فعلى من يجب القود؟ فرووا في بعضها أن على السيد القود وفي بعضها أن على العبد القود، ولم يفصلوا، والوجه في ذلك أنه إن كان العبد مميزا عاقلا يعلم أن ما أمره به معصية فان القود على العبد، وإن كان العبد صغيرا أو كبيرا لا يميز ويعتقد أن جميع ما يأمره سيده به واجب عليه فعله كان القود على السيد، ثم قال: والاقوى في نفسي أن نقول إن كان العبد عالما بأنه لا يستحق القتل أو متمكنا من العلم به فعليه القود، وإن كان صغيرا أو مجنونا فانه يسقط القود وتجب فيه الدية. ثم نقل كلام الشافعي وقال عقيبه: وسنبين ما يتعلق بهذه المسألة إن شاء الله تعالى، وجملة القول في هذه المسائل: أن المأمور إذا كان عاقلا مميزا فالضمان عليه، وإن لم يكن عاقلا ولا مميزا إما بصغر أو جنون فالضمان على الامر (4). وقال في المبسوط: إذا كان له عبد صغير لا يعقل أو يعتقد أن كل ما يأمره

(1) المقنع: ص 191.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 386.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 283 ح 1073.
(4) الخلاف: ج 5 ص 168 المسألة 30، من اختلاف.

[ 317 ]

سيده فعليه فعله أو كان كبيرا أعجميا يعتقد إطاعة مولاه ووجوبها في كل ما يأمره ولا يعلم أنه لا طاعة في معصية الله، فإذا كان كذلك فأمره بقتل رجل فقتله فعلى السيد القود، لان العبد يتصرف عن رأي مولاه وكان كالالة بمنزلة السكين والسيف وكان على السيد القود وحده، وإن كان العبد مملوكا لغيره وهو بهذه الصفة ويعتقد أن أمر هذا الامر طاعة في كل ما يأمره به فأمره بقتل غيره فقتله فالحكم فيه كما لو كان عبد نفسه والقود على الامر عندهم، ويقتضي مذهبنا أن القود على القاتل لو كان بالغا، وإن كان المأمور عاقلا مميزا فالحكم يتعلق بالمأمور وسقط الامر وحكمه، لانه إذا كان عاقلا مميزا فقد أقدم على ما يعلم أنه لا يجوز باختياره، فان كان عبدا كبيرا فعليه القود، وإن كان صغيرا مميزا فلا قود، ولكن الدية متعلقة برقبته (1). وقال ابن الجنيد: ولو أمر رجل رجلا عاقلا عالما بأن الامر ظالم بقتل رجل فقتله اقيد القاتل به وحبس الامر في السجن حتى يموت، فان كان المأمور عبدا أو جاهلا أو مكرها لا يأمن بمخالفته إتلاف نفسه أزلت القود عنه واقدت الامر وحبست القاتل حتى يموت بعد تعزير له وأمرته بالتكفير ليتولى (2) القتل بنفسه. وقال أبو الصلاح: من قتل أو جرح غيره بغير حق لامر آمر أو إكراه فالقود والقصاص مستحق عليه دون الامر والمكره، لما بيناه من عدم تأثير الامر والاكراه في الظلم، ويخلد الامر والمكره الحبس حتى يموت، فإذا كان الامر سيد العبد معتادا لذلك قتل السيد وخلد العبد الحبس، وإن كان نادرا قتل العبد وخلد السيد الحبس (3). وقال ابن حمزة: إن أمر حرا عاقلا بالغا أو أمر مراهقا فالقود على المباشر، وإن أمر صبيا أو مجنونا ولم يكرهه لزمت الدية عاقلته، وإن أكرهه كان نصف

(1) المبسوط: ج 7 ص 42 و 43.
(2) كذا في المطبوعة، وفي (ق 2): بالتكفين ليتولى، وفي (م 3) بالتكفين لمولى.
(3) الكافي في الفقه: ص 387.

[ 318 ]

الدية على الامر ونصفها على عاقلة القاتل، وإن أمر عبدا له صغيرا أو كبيرا غير مميز لزم الامر القود، وإن كان مميزا كان القصاص على المباشر (1). وقال ابن ادريس: إذا أمر إنسان آخر بقتل رجل فقتله المأمور وجب القود على القاتل المباشر للقتل دون الامر وكان على الامام حبس الامر مادام حيا، فان أكره رجل رجلا على قتل رجل فقتله كان على المكره الذي باشر القتل القود دون المكره، فان أمر عبده بقتل غيره فقتله فقد اختلفت روايات أصحابنا في ذلك، فروي أنه يقتل العبد ويستودع السيد السجن، وروي أنه يقتل السيد ويستودع العبد السجن. قال: والذي يقوى عندي في ذلك أنه إن كان العبد عالما بأنه لا يستحق القتل أو متمكنا من العلم فعليه القود دون السيد، وإن كان صغيرا أو مجنونا فانه يسقط القود وتجب فيه الدية على السيد دون القود، لانه غير قاتل حقيقة والزمناه الدية، لقوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " فلو لم يلزمه الدية لاطللنا دمه، ثم نقل ما ذكره في النهاية، ثم قال: وذهب في مسائل خلافه الى ما اخترناه نحن وقويناه، وهو الذي يقتضيه اصول مذهبنا، وذهب شيخنا في مبسوطه الى أن العبد المأمور إذا كان عاقلا مميزا وجب عليه القود دون السيد، وإن كان غير عاقل ولا مميز وجب على السيد الامر القود دون العبد، وهو قوي، إلا أن ما اخترناه أقوى وأوضح وأظهر في الاستدلال (2). والوجه ما فصله الشيخ في المبسوط من أنه: إن كان العبد كبيرا عاقلا مميزا فالقود عليه، وإن كان صغيرا أو مجنونا فعلى السيد. لنا: أن الكبير عامد في قتله فوجب عليه القصاص، وأمر السيد أو إكراهه

(1) الوسيلة: ص 437 و 438، وفيه: " رجل فقتله المكره ".
(2) السرائر: ج 3 ص 349.

[ 319 ]

عليه لا يخرجه عن كونه مباشرا في قتل العمد كالحر، وأما الصغير فانه كالالة. وما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: وهل عبد الرجل إلا كسيفه يقتل السيد ويستودع العبد السجن؟! (1). وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، فقال: يقتل السيد به (2). وحملنا الروايتين على صغر العبد، لانه المناسب للادلة العقلية. ولما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل أمر رجلا بقتل رجل فقتله، فقال: يقتل به الذي قتله، ويحبس الامر بقتله في الحبس حتى يموت (3). وهذا يشعر بأن المأمور رجل، وهو شامل للحر والعبد. والشيخ - رحمه الله - احتج في الاستبصار بهذا الحديث على وجوب القتل على المباشر، ثم ذكر عقيبه الحديثين السابقين (4). ثم قال: والوجه فيهما أن نحملهما على من يتعود أمر عبيده بقتل الناس ويلجئهم الى ذلك ويكرههم عليه، فان من هذه صورته وجب عليه القتل، لانه مفسد في الارض. قال: وانما قلنا لان الخبر الاول - يعني: الذي رواه زرارة - مطابق لظاهر القرآن، قال الله تعالى:

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 220 ح 866. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب قصاص النفس ح 2 ج 19 ص 33، وفيهما: " العبد في السجن ".
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 220 ح 865. وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب قصاص النفس ح 1 ج 19 ص 33.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 219 ح 864. وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب قصاص النفس: ح 1 ج 19 ص 32.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 283 ح 1071 و 1072 و 1073.

[ 320 ]

(النفس بالنفس) وقد علمنا أنه أراد النفس القاتلة دون غيرها بلا خلاف (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قتل الذمي مسلما عمدا دفع برمته هو وجميع ما يملكه الى أولياء المقتول، فان أرادوا قتله كان لهم ذلك ويتولى ذلك عنهم السلطان، وإن أرادوا استرقاقه كان رقا لهم، فان أسلم بعد القتل فليس لهم عليه إلا القود أو المطالبة بالدية كما يكون على المسلم سواء (2). وقال المفيد في المقنعة في باب القود بين النساء والرجال والمسلمين والكفار: وإذا قتل الذمي المسلم عمدا دفع برمته الى أولياء المقتول، فان اختاروا قتله كان السلطان يتولى ذلك منه، وإن اختاروا استعباده كان رقا لهم، وإن كان له مال فهو لهم كما يكون مال العبد لسيده (3). ثم قال في باب اشتراك الاحرار والعبيد والذمي: إذا قتل المسلم خطأ فديته على عاقلته، وإن قتله عمدا سلم بماله وولده إن كانوا صغارا الى ورثته على ما تقدم به القول في ما سلف (4). وتبعه سلار في الاخير (5)، وابن حمزة (6). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الذمي إذا قتل مسلما عمدا دفع الذمي الى أولياء المقتول، فإن اختاروا قتله تولى السلطان ذلك منه، وإن اختاروا استرقاقه كان رقا لهم، وإن كان له مال فهو لهم كما يكون مال العبد (7). وقال الصدوق في المقنع: إذا قطع الذمي يد رجل مسلم قطعت يده وأخذ

(1) الاستبصار: ج 4 ص 283 ذيل الحديث 1073. (2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 387 - 388.
(3) المقنعة: ص 740.
(4) المقنعة: ص 753، وفيه: " إذا قتل الذمي خطأ ".
(5) المراسم: ص 237.
(6) الوسيلة: ص 434 و 435.
(7) الانتصار: ص 275.

[ 321 ]

فضل ما بين اليدين، وان قتل قتلوه إن شاؤوا أولياؤه ويأخذوا من ماله أو من مال أوليائه فضل ما بين الديتين (1). وروي من كتاب من لا يحضره الفقيه عن ضريس الكناسي، عن الباقر - عليه السلام - في نصراني قتل مسلما فلما أخذه أسلم أقتله به؟ قال: نعم، قيل: فان لم يسلم؟ قال: يدفع الى أولياء المقتول، فان شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن شاؤوا استرقوا، وإن كان معه مال عين له دفع الى أولياء المقتول هو وماله (2). ولم يتعرض للاولاد الصغار كالشيخ. وقال أبو الصلاح: إذا قتل الذمي أو الذمية حرا مسلما أو عبدا أو حرة أو أمة مسلمة منفردين بذلك أو متشاركين فيه قتل (3) الذمي، لخروجه بقتل المسلم عن الذمة والرجوع على تركته أو أهله بدية الحر، أو (4) قيمة الرق، أو ما يلحقه من قسط ذلك - وقال في موضع آخر: ولا يجوز العفو عنه (5) وإن كان القاتل عبدا ذميا أو أمة قتلا ورجع على مولاهما بالدية، وإذا قتل الواحد من أهل الذمة جماعة من المسلمين قتل ورجع على تركته بدياتهم، وإن كان القاتلون جماعة والمقتول من المسلمين واحدا قتلوا جمعيا، لخروجهم عن الذمة ورجع على مواريثهم وأوليائهم بدية المسلم (6). وقال ابن حمزة: وإن قتل الكافر حرا مسلما أو كفارا وأسلموا قبل الاقتصاص كان حكمهم حكم المسلمين، وإن لم يسلموا دفعوا برمتهم مع أولادهم وجميع ما يملكونه الى ولي الدم، فان شاء قتل القاتل واسترق الاولاد

(1) المقنع: ص 191 وفيه: " مسلم قطعها وأخذ فضل ما بين الديتين ".
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 121 ح 5251. وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب القصاص ح 1 ج 19 ص 81. (3) في المصدر: فيه وجب قتل.
(4) في المصدر: و.
(5) الكافي في الفقه: ص 393.
(6) الكافي في الفقه: ص 385.

[ 322 ]

وتملك الاموال، وإن شاء استرق القاتل أيضا (1). والسيد ابن زهرة (2) تابع أبا الصلاح. وقال ابن ادريس: إذا قتل الذمي مسلما عمدا دفع برمته هو وجميع ما يملكه إلى أولياء المقتول، فان أرادوا قتله كان لهم ذلك ويتولى ذلك عنهم السلطان، وإن أرادوا استرقاقه كان رقا لهم، فان أسلم بعد القتل فليس عليه إلا القود ويكون إسلامه قبل خيرة الاولياء، لرقه ودفعه إليهم، فأما إن اختاروا استرقاقه وأخذ جميع ماله ثم بعد ذلك أسلم فهو عبد لهم مسلم وما أخذوه منه لهم، وذهب بعض أصحابنا الى أنه يدفع بجميع ماله وولده الصغار الى أولياء المقتول. والذي يقتضيه الادلة أن الاولاد الصغار لا تدفع إليهم، لان ماله إذا اختاروا استرقاقه فهو مال عبدهم ومال العبد لسيده وأولاده أحرار قبل القتل فكيف يسترق الحر بغير دليل؟! فأما استرقاقه هو فاجماعنا دليل عليه، وليس كذلك أولاده، فان لم يختاروا استرقاقه بل اختاروا قتله فليس لهم على ماله أيضا سبيل، لانه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه (3). والمشهور ما قاله الشيخ في النهاية، وعليه دلت رواية ضريس، وقد ذكرناها في ما تقدم، ورواها الشيخ أيضا في التهذيب (4). تذنيب: لو كان القتل خطأ قال المفيد: تكون الدية على عاقلته (5). وقال الشيخ في النهاية: إذا قتله خطأ كانت الدية عليه في ماله خاصة إن كان له مال، وان لم يكن له مال كانت ديته على إمام المسلمين، لانهم مماليك

(1) الوسيلة: ص 434 و 435، وفيه: " وان قتل كافر حرا ".
(2) الغنية: (الجوامع الفقهية): ص 557 س 33.
(3) السرائر: ج 3 ص 351.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 190 ح 750، وسائل الشيعة: ب 49 من ابواب القصاص ح 1 ج 19 ص 81. (5) المقنعة: ص 753.

[ 323 ]

له يؤدون الجزية إليه كما يؤدي العبد الضريبة الى سيده، وليس لهم عاقلة غير الامام (1). وقال ابن ادريس: الصحيح أن الامام عاقلته على كل حال، سواء كان له مال أو لم يكن (2). وعندي في ذلك تردد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قتل المسلم ذميا عمدا وجب عليه ديته، ولا يجب عليه القود، إلا أن يكون معتادا لقتل أهل الذمة، فان كان كذلك فطلب أولياء المقتول بالقود كان على الامام أن يقيده به بعد أن يأخذ من أولياء الذمي ما يفضل من دية المسلم فيرده على ورثته، فان لم يردوه أو لم يكن معتادا فلا يجوز قتله به على حال (3). ونحوه قال المفيد (4). والصدوق لم يشترط الاعتياد، بل أطلق القول، فقال في المقنع: وإن قطع المسلم يد المعاهد خير أولياء المعاهد، فان شاؤوا أخذوا دية يده، وإن شاؤوا قطعوا يد المسلم وأدوا إليه فضل ما بين الديتين، وإذا قتله المسلم صنع كذلك (5). وقال ابن الجنيد: والكافر الذي لم يحصل له ذمة قبل ملك رقبته عنوة لا يقاد لمسلم ولا يقاص من جرحه إياه وله ديته، وكذلك الحكم في أولادهم، فان جعل المسلم ذلك عادة قتل بهم لا من طريق القود، ولكن لافساده في الارض الذي أقام به مقام المحاربين. وقال ابن ادريس: لا يجوز قتل المسلم به مطلقا، سواء كان معتادا لقتل أهل الذمة أو لا (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 388.
(2) السرائر: ج 3 ص 352.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 389.
(4) المقنعة: ص 739.
(5) المقنع: ص 191.
(6) السرائر: ج 3 ص 352، نقلا بالمعنى.

[ 324 ]

والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه مفسد في الارض بارتكا به قتل من حرمه الله قتله، فجاز قتله حدا. وما رواه اسماعيل بن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن دماء اليهود والنصاري والمجوس هل عليهم وعلى من قتلهم شئ إذا غشوا المسلمين واظهروا العداوة لهم؟ قال: لا، إلا أن يكون متعودا لقتلهم، قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم؟ قال: لا، إلا أن يكون معتادا لذلك لا يدع قتلهم فيقتل وهو صاغر (1). احتج الصدوق بما رواه ابن مسكان، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا قتل المسلم يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا فأرادوا أن يقيدوا ردوا فضل دية المسلم وأقادوا به (2). والجواب: أنه محمول على التفصيل. احتج ابن ادريس بما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا يقاد مسلم بذمي لا في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من مسلم جنايته للذمي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم (3). والجواب: أنه مطلق فيحمل على الخبر المفصل، جمعا بين الادلة. مسألة: قال السيد المرتضى مما انفردت به الامامية القول: بأن دية ولد الزنا ثمانمائة درهم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، والحجة بعد الاجماع المتردد

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 189 ح 744، وسائل الشيعة: باب 47 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 79 في التهذيب: عن إسماعيل بن فضل.
(2) لم نعثر عليه في من لا يحضره الفقيه: ووجدناه في تهذيب الاحكام: ج 10 ص 189 ح 741. وسائل الشيعة: باب 47 من أبواب القصاص في النفس ح 2 ج 19 ص 79.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 188 ح 740، وسائل الشيعة: باب 47 من أبواب القصاص في النفس ح 5 ج 19 ص 80.

[ 325 ]

إنا قد بينا أن مذهب هذه الطائفة أن ولد الزنا لا يكون قط طاهرا ولا مؤمنا بايثاره واختياره وإن أظهر الايمان، وهم على ذلك قاطعون وبه عاملون، وإذا كانت هذه صورته عندهم فيجب أن تكون ديته دية الكفارة من أهل الذمة للحوقه في الباطن بهم (1). وقال ابن ادريس - لما نقل مذهب السيد المرتضى -: ولم أجد لباقي أصحابنا فيه قولا فأحكيه، والذي يقتضيه الادلة: التوقف في ذلك ولا دية له، لان الاصل براءة الذمة (2). والقولان عندي ضعيفان. والوجه عندي وجوب دية المسلم إن كان متظاهرا بالاسلام، بل ويجب القود لو قتله مسلم عمدا، لعموم الاية (3)، وقوله - عليه السلام -: " المسلمون بعضهم أكفاء لبعض " (4) والاصل الذي بناه السيد عليه من كفر ولد الزنا ممنوع. وقال الصدوق في كتاب المقنع: وقال أبو جعفر - عليه السلام - دية ولد الزنا دية العبد ثمانمائة درهم. وروي أن دية العبد ثمنه، ولا يتجاوز بقيمة عبد دية حر (5). وقال في موضع آخر منه: ودية اليهودي والنصراني والمجوسي وولد الزنا ثمانمائة درهم (6). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى قتل مكاتب حرا فان كان لم يؤد من مكاتبته شيئا أو كان مشروطا عليه وإن أدي من مكاتبته شيئا فحكمه حكم

(1) الانتصار: ص 273.
(2) السرائر: ج 3 ص 352.
(3) المائدة: 45.
(4) سنن ابي داود كتاب الديات: ج 4 ص 180 - 181 ح 4530، وفيه: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم... ".
(5) المقنع: ص 185.
(6) المقنع: ص 189.

[ 326 ]

المماليك سواء، وإن كان غير مشروط عليه وقد أدي من مكاتبته شيئا كان على مولاه من الدية بقدر ما بقي من كونه رقا وعلى إمام المسلمين من بيت المال بقدر ما تحرر منه، ومتى قتل حر مكاتبا وكان قد أدى من مكاتبته شيئا كان عليه بمقدار ما قد تحرر منه من دية الحر وبمقدار ما قد بقي منه من قيمة المماليك، وليس عليه أكثر من ذلك (1). وعليه دلت رواية محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - في قضاء أمير المؤمنين - عليه السلام - (2). ولما روي الشيخ هذه الرواية قال: ولا ينافي ذلك ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن مكاتب فقأ عين مكاتب أو كسر سنة، ما عليه؟ قال: إن كان أدى نصف مكاتبته فديته دية حر، وإن كان دون النصف فبقدر ما عتق، وكذلك إذا فقأ عين حر، وسألته عن حر فقأ عين مكاتب أو كسر سنة، قال: إذا أدى نصف مكاتبته تفقأ عين الحر أو ديته، فان كان خطأ فهو بمنزلة الحر، وإن كان لم يؤد النصف قوم فأدي بقدر ما عتق منه. وسألته عن المكاتب إذا أدي نصف ما عليه، قال: هو بمنزلة الحر في الحدود، وغير ذلك من قتل أو غيره، قال الشيخ: لان الوجه في الجمع أن يحمل الخبر الاول على التفصيل الذي تضمنه الخبر الاخير، فنقول: يحسب فيؤدي منه بحساب الحرية ما لم يكن أدي نصف ثمنه، فإذا أدي ذلك كان حكمه حكم الاحرار على ما تضمنه الخبر الاخير (3). وقال ابن ادريس: الصحيح ما ذهب إليه في نهايته، لانه يعضده اصول

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 393 - 394. (2) الاستبصار: ج 4 ص 276 - 277 ح 1048. وسائل الشيعة ب 10 من ابواب ديات النفس ح 2 ج 19 ص 157.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 277 ذيل الحديث 1048 وح 1049 وذيله.

[ 327 ]

مذهبنا (1). والوجه عندي أنه إن قتل حرا خطأ وكان قد عتق بعضه بالاداء، سواء كان أكثر من النصف أو أقل، فان نصيب الحرية على الامام، وأما نصيب الرق فانه يتعلق برقبته، فان فداه مولاه فهو باق على الكتابة، وإن دفعه استرقه أولياء المقتول. وقال الصدوق: إذا فقأ حر عين مكاتب أو كسر سنه فان كان أدى نصف مكاتبته فقأ عين الحر أو أخذ ديته إن كان خطأ فانه بمنزلة الحر، وإن كان لم يؤد النصف قوم فأدي بقدر ما عتق منه (2). وقال الصدوق أيضا: والمكاتب إذا قتل رجلا خطأ فعليه من الدية بقدر ما ادى من مكاتبته، وعلى مولاه ما بقي من قيمته (3). وقال أيضا: فان قتل المكاتب رجلا خطأ فان كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو رد في الرق، فهو بمنزلة المملوك يدفع الى أولياء المقتول فان شاؤوا استرقوا، وإن شاؤوا باعوا، وإن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه وكان قد أدى من مكاتبته شيئا فان على الامام أن يؤدي إلى أولياء المقتول من الدية بقدر ما اعتق من المكاتب، وأرى أن يكون على المكاتب ما بقي مما لم يؤد لاولياء المقتول عليه يستخدمونه حياته، وليس لهم بيعه (4). وقال المفيد: إن قتل المكاتب حرا عمدا وكان مشروطا عليه فداه السيد أو دفعه إلى أولياء المقتول ليسترقوه أو يبيعوه إن اختاروا ذلك، وإن كان مطلقا كان على الامام أن يؤدي عنه بقدر ما عتق منه بحساب أدائه من مكاتبته،

(1) السرائر: ج 3 ص 355.
(2) المقنع: ص 189، وفيه: " ففي عين الحر ".
(3) المقنع: ص 191.
(4) المقنع: ص 192 مع اختلاف.

[ 328 ]

ويستخدمه أولياء المقتول في باقي ما عليه حتى يوفيه أو يموت قبل ذلك (1). وتبعه سلار (2). لنا: ما دلت الرواية الاولى عليه. ولانه قبل الاداء مملوك، وإنما ينعتق به، فإذا لم يؤد شيئا بقي على محض الرق، ومع أداء البعض ينعتق بقدر ما يؤدي إجماعا فيلحقه حكم الاحرار في ذلك القدر خاصة دون نصيب الرقية. وقول المفيد لا بأس به. مسألة: لو قطع رجل يد عبد وآخر رجله كان للمولى مطالبة كل منهما بنصف قيمته ويكون العبد باقيا على ملكه. قال الشيخ في المبسوط: لو قطع يدي عبد كان عليه كمال قيمته ويسلم العبد عندنا، وإذا قطع رجل رجل عبد والاخر يده كان عليهما كمال قيمته على كل واحد منهما نصفه، ويمسك المولى العبد هنا بلا خلاف، وفي الاول خلاف، ومنهم من سوى بين المسألتين فجعل العبد بين الجانبين، وهو الاقوى (3). وقال ابن ادريس: ما قواه الشيخ أضعف من التمام (4)، بل الاول الصحيح (5). وهو المعتمد، وبه قال ابن البراج (6). لنا: أنه كان رقا للمولى فيستصحب إلى أن يظهر المزيل، ولم يثبت، ولو لا الاجماع في الواحد لكان الحكم فيه ذلك أيضا، لكن صرنا الى الانتقال مع أخذ الدية، للاجماع المنفي هنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى قتل عبد حرين أو أكثر منهما أو جرحهما جراحة تحيط بثمنه واحدا بعد الاخر كان العبد لاولياء الاخير، لانه إذا قتل واحدا فصار لاوليائه، فإذا قتل الثاني انتقل منهم إلى أولياء الثاني ثم هكذا

(1) المقنعة: ص 752، وفيه: " وإذا قتل المكاتب الحر خطأ...
(2) المراسم: ص 237.
(3) المبسوط: ج 7 ص 108.
(4) كذا في النسخ، والظاهر: الثمام بنت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص.
(5) السرائر: ج 3 ص 356.
(6) المهذب: ج 2 ص 486.

[ 329 ]

بالغا ما بلغ، ومتى قتلهم بضربة واحدة أو جناية واحدة كان بين أوليائهم بالسوية، وليس على مولاه أكثر منه (1). وقد روي الشيخ في الاستبصار عن علي بن عقبة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحدا بعد واحد، قال: فقال: هو لاهل الاخير من القتلى، إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقوه لانه إذا قتل الاول استحق أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحق من أولياء الاول فصار لاولياء الثاني: فإذا قتل الثالث استحق من أولياء الثاني فصار لاولياء الثالث، فإذا قتل الرابع استحق من أولياء الثالث فصار لاولياء الرابع، إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استرقوه (2). قال الشيخ: هذا الخبر ينبغي أن نحمله على أنه انما يصير لاولياء الاخير إذا حكم بذلك الحاكم، فأما قبل ذلك فانه يكون بين أولياء الجميع (3)، لما رواه محمد بن علي بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في عبد جرح رجلين قال: هو بينهما إن كانت تحيط بقيمته قيل له: فان جرح رجلا في أول النهار وجرح آخر في آخر النهار، قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالي للمجروح الاول، قال: فان جني بعد ذلك جناية فان جنايته على الاخير (4). وقال ابن الجنيد: ولو جرح العبد حرين كان ثمنه بينهما على رأس (5) جراحتهما، وإن فضل شئ كان للسيد، ولو جرح رجلا جراحة استحق بها

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 394 - 395.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 274 ح 1040، وسائل الشيعة: ب 45 من ابواب القصاص في النفس ح 3 ج 19 ص 77.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 274 ح 1040.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 274 ذيل الحديث 1040 و 1041.
(5) في نسخة: (ق 2) قدر، بدل رأس.

[ 330 ]

رقبته أول النهار ثم جرح آخر في النهار مثلها فان كان حكم للاول بالعبد قبل الجراحة الثانية قام مقام المولى الاول، وإن لم يكن حكم له بذلك حتى جرح الثاني كانا جميعا شريكين في قيمته بحسب جراحتهما. والصدوق روى في كتاب المقنع حديث علي بن عقبة (1). وقال ابن ادريس: إن كان أولياء الاول اختاروا استرقاقه ورضوا بذلك وعفوا من قتله صار مملوكا لهم، فإذا قتل الثاني صار مملوكا لاوليائه إن اختاروا ذلك، وإلا لهم قتله ولا يدخل في ملك واحد من القبيلتين بغير اختياره، فأما إذا لم يختر أولياء الاول استرقاقه ولا عفوا عن قتله ثم قتل الثاني فمن سبق الى قتله كان له ذلك، لقوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) وإلى ما اختاره ذهب شيخنا في الجزء الثالث من الاستبصار، وعاد عما أطلقه في نهايته وذهب إليه، إلا أنه لما أورد الرواية التي فيها أنه لاولياء الاخير من المقتولين قال: هذا الخبر ينبغي أن نحمله على أنه إنما يصير لاولياء الاخير إذا حكم بذلك الحاكم، فأما قبل ذلك فانه يكون بين أولياء الجميع، وأي فائدة وأثر في الحاكم وحكمه إن أراد - رحمه الله - بقوله: " حكم الحاكم " ثبت عنده، فما يكون الاحكام إلا بعد ثبوتها، وان أراد حكم الحاكم باسترقاق العبد القاتل فلا حكم للحاكم في ذلك ولا مدخل ولا قول، بل الاختيار في ذلك إلى الاولياء بين القتل والاسترقاق، ولا مدخل للحاكم في ذلك بلا خلاف، ومتى قتلهما بضربة واحدة أو جناية واحدة كان بين أوليائهما على ما حررناه، وليس على مولاه أكثر من تسليمه إليهما (2). والوجه ما قاله الشيخ في الاستبصار، ومراد الشيخ بحكم الحاكم ما يجب

(1) المقنع: ص 186.
(2) السرائر: ج 3 ص 357، مع اختلاف.

[ 331 ]

أن يحكم به، وهو الانتقال المستند الى اختيار أولياء الاول استرقاقه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا قتل عبد حرا خطأ فأعتقه مولاه جاز عتقه، ولزمه دية المقتول، لانه عاقلته على ما بيناه (1). وقال ابن ادريس: المولى لا يعقل عن عبده، وإنما مقصود شيخنا إذا أعتقه تبرعا فانه مولاه وله ولاؤه وهو يعقل عنه بعد ذلك، إلا أنه في حال ما قتل الحر لم يكن السيد عاقلته، ولا يجب على السيد سوى تسليمه الى أولياء المقتول حسب ما قدمناه فانه عبدهم وهم مستحقون له، إلا أن يتبرع المولى ويفديه بالدية، فإذا فداه وضمن عنه ما جناه جاز له حينئذ عتقه والتصرف فيه، وقبل ذلك لا يجوز له شئ من ذلك، لانه قد تعلق به حق الغير، فلا يجوز إبطاله إلا أن يضمن عنه، وكذلك لا يجوز بيعه قبل الضمان عنه ولا رهنه، وشيخنا أبو جعفر قائل بذلك موافق عليه، لانه قال في الخلاف في الرهن: إذا جنى العبد جناية ثم رهنه بطل الرهن، سواء كانت الجناية عمدا أو خطأ أو توجب القصاص أو لا توجبه. واستدل على بطلانه إذا كان عمدا بأنه إذا كان كذلك فقد استحق المجني عليه العبد، وإن كان خطأ تعلق الارش برقبته فلا يصح رهنه، فكيف يصح ما قاله في النهاية واطلاق كلامه بأنه عاقلته وأنه يجوز عتقه قبل ضمان الدية عنه؟! (2). والوجه ما اختاره الشيخ في النهاية. لنا: أن العبد إذا جنى خطأ كان الخيار الى مولاه، إن شاء فداه، وإن شاء سلمه الى أولياء المقتول ليسترقوه، فإذا باشر عتقه فقد باشر إتلافه فكان عليه ضمان ما تعلق به.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 396 - 397.
(2) السرائر: ج 3 ص 358.

[ 332 ]

ويؤيد ذلك ما رواه جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في عبد قتل حرا خطأ فلما قتله أعتقه مولاه، قال: فأجاز عتقه وضمنه الدية (1). والشيخ عنى بالعاقلة هنا الضامن، لا المعنى المتعارف. تذنيب: قال أبو الصلاح: وإذا قتل العبد أو الامة حرا مسلما أو حرة وجب تسليم كل منهم الى ولي الدم برمته، إن شاؤوا قتلوا، وان شاؤوا تملكوا ما معه من مال وولده، وإن شاؤوا استرقوه وولده وتصرفوا في ملكه (2). والوجه أن المال الذي بيد العبد وولده للمولى، ولو تجدد للعبد قبل تملك الاولياء كان أيضا للمولى. مسألة: قال المفيد: قتيل الزحام في أبواب الجوامع وعلى القناطر والجسور والاسواق وعلى الحجر الاسود وفي الكعبة وزيارات قبور الائمة - عليهم السلام - لا قود له، ويجب أن يدفع الدية الى أوليائه من بيت مال المسلمين، فان لم يكن له ولي يأخذ ديته فلا دية له على بيت المال، ومن وجد قتيلا في أرض بين قريتين ولم يعرف قاتله كانت ديته على أهل أقرب القريتين من الموضع الذي وجد فيه، فان كان الموضع وسطا ليس يقرب الى أحد القريتين إلا كما يقرب من الاخر كانت ديته على أهل القريتين بالسوية، وإذا وجد قتيل في قبيلة قوم أو دارهم لم يعرف له قاتل بعينه كانت ديته على أهل القبيلة أو الدار دون من بعد منهم، إلا أن يعفو أولياؤه عن الدية فسقط عن القوم، فإذا وجد قتيل في مواضع متفرقة قد فرق جسده فيها ولم يعرف قاتله كانت ديته على أهل الموضع

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 200 ح 794، وسائل الشيعة: باب 12 من أبواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 160.
(2) الكافي في الفقه: ص 385، وفيه: " وتصرفوا في ماله ".

[ 333 ]

الذي وجد فيه قلبه وصدره، إلا أن يتهم أولياء المقتول أهل موضع آخر فتكون الشبهة فيهم قائمة فيقسم على ذلك، ويكون الحكم في القسامة ما ذكرناه (1). وقال الشيخ في النهاية: من مات في زحام يوم الجمعة أو عرفة أو على جسر وما أشبه ذلك ولا يعرف قاتله كانت ديته على بيت المال إن كان له ولي يطلب ديته، فان لم يكن له ولي فلا دية له، وإذا وجد قتيل في باب دار قوم أو في قرية أو قبيلة ولا يدري من قتله كانت ديته على أهل تلك الدار أو القبيلة أو القرية التي وجد المقتول فيها إذا كانوا متهمين بقتله وامتنعوا من القسامة، فان لم يكونوا متهمين بذلك أو أجابوا الى القسامة لم يكن عليهم شئ وكانت ديته على بيت المال، فان وجد المقتول بين قريتين كانت ديته على أهل أقرب القريتين إليه، فان كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة كانت ديته على أهل القريتين، وإذا وجد قتيل في مواضع متفرقة كانت ديته على أهل الموضع الذي وجد فيه قلبه وصدره وليس على الباقين شئ، إلا أن يتهم؟؟ قوم آخرون فيكون حينئذ الحكم فيهم إما إقامة البينة أو القسامة على الشرح الذي قدمناه (2). وقال أبو الصلاح: ودية القتيل الموجود في القرية أو المحلة المتميزة أو الدرب أو الدار أو القبيلة ولا يعرف له قاتل باقرار أو بينة على أهل المحل الذي وجد فيه، فان وجد بين القريتين أو الدارين أو المحلتين أو القبيلتين فديته على أقربهما إليه، فان كان وسطا فالدية نصفان (3). وقال ابن ادريس: من مات في زحام على جسر أو زيارة قبور الائمة - عليهم السلام - أو في أبواب الجوامع أو المشاهد أيام الزيارات وعرفة وشبهها ولا يعرف

(1) المقنعة: ص 741 - 742.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 397 - 398، مع اختلاف.
(3) الكافي في الفقه: ص 393.

[ 334 ]

قاتله ولا واكزه فديته على بيت مال المسلمين إن كان له ولي يطلب ديته، وان لم يكن له ولي فلا دية له، ودية القتيل الموجود في القرية أو المحلة المتميزة أو الدرب أو الدار أو القبيلة ولا يعرف له قاتل باقرار أو بينة على أهل المحل الذي وجد فيه، فان وجد بين القريتين أو الدارين أو المحلتين أو القبيلتين فديته على أقربهما إليه، فان كان وسطا فالدية نصفان. وروى أصحابنا أنه إذا كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة كانت ديته على أهل الموضع الذي وجد فيه قبله وصدره، وليس على الباقيتين شئ، إلا أن يتهم آخرون فيكون الحكم فيهم إما اقامة البينة أو القسامة. وقال شيخنا أبو جعفر الطوسي في استبصاره وأورد ثلاثة أخبار: بأن على أهل القرية أو القبيلة الدية، ثم قال: قال محمد بن الحسن: الوجه في هذه الاخبار أنه إنما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم متى كانوا متهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة حسب ما بيناه في كتابنا الكبير، فان لم يكونوا متهمين أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم ويؤدي ديته من بيت المال. قال ابن ادريس: وإلى هذا القول أذهب وبه افتي، لان وجود القتيل بينهم لوث فيقسم أولياؤه مع اللوث وقد استحقوا ما يقسمون عليه، وهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا (1). وقول الشيخ لا بأس به، ولا خلاف طائل تحت هذه المسألة. والذي رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الرجل يوجد قتيلا في القرية أو بين قريتين، فقال: يقاس ما بينهما فأيهما كانت أقرب ضمنت (2).

(1) السرائر: ج 3 ص 359 - 360، مع اختلاف.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 277 - 278 ح 1051، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ذيل الحديث 4 ج 19 ص 112.

[ 335 ]

وفي الصحيح عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل قتل في قرية أو قريبا من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم يوجد بينة على أهل تلك القرية انهم ما قتلوه (1). ثم ذكر ما نقله ابن ادريس. ثم روى عن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعا ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا، فان أبوا غرموا الدية في ما بينهم في أموالهم سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا وقعت فزعة بالليل فوجد فيها قتيل أو جريح لم يكن فيه قصاص ولا أرش وكانت ديته على بيت المال (3). وجعله ابن ادريس رواية، ثم قال: هذا إذا لم يتهم قوم فيه ويكون ثم لوث (4). ولا بأس بهذا القيد. قال الشيخ في النهاية أيضا: وإذا وجد قتيل في معسكر أو في سوق من الاسواق ولم يعرف له قاتل كانت ديته على بيت المال (5). وجعله ابن ادريس رواية، ثم قال: إلا أن يكون هناك لوث على رجل بعينه أو قوم بأعيانهم فيجب على الاولياء القسامة حسب ما قدمناه. قال: والفرق بين القبيلة والقرية وبين المعسكر والسوق على هذه الرواية أن القرية متميزة، وكذلك القبيلة لا يختلط بهم سواهم، وليس كذلك السوق والمعسكر،

(1) الاستبصار: ج 4 ص 278 ح 1052، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 5 ج 19 ص 112.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 278 ح 1053، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب دعوى القتل وما يثبت به ح 5 ج 19 ص 115.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 398 - 399.
(4) السرائر: ج 3 ص 360.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 399.

[ 336 ]

ويمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية ما قدمناه (1). وهذا يشعر باستضعاف ذلك عنده. والوجه ما قال الشيخ مقيدا بما قاله ابن ادريس. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قتله القصاص أو الحد فلا قود له ولا دية (2)، وأطلق. وقال المفيد: ومن جلده إمام المسلمين حدا في حق من حقوق الله فمات لم يكن له دية، فان جلده حدا أو أدبا في حقوق الناس فمات كان ضامنا لديته، ومن قتله القصاص من غير تعد فيه فلا دية له (3). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية، وبه قال ابن ادريس (4). لنا: أنه حد مأمور به فلا يكون مضمونا كحد الله تعالى، بل حد الادميين أضيق من حد الله تعالى المالك للاشياء كلها. وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: أيما رجل قتله الحد أو القصاص فلا دية له (5). وعن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قتله القصاص هل له دية؟ فقال: لو كان ذلك لم يقتص من أحد، ومن قتله الحد فلا دية له (6). احتج المفيد - رحمه الله - بما رواه الحسن بن صالح الثوري، عن الصادق

(1) السرائر: ج 3 ص 360.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 399.
(3) المقنعة: ص 743.
(4) السرائر: ج 3 ص 361.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 206 ح 813، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب قصاص النفس ح 9 ج 19 ص 47.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 207 ح 815، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب قصاص النفس ح 1 ج 19 ص 46.

[ 337 ]

- عليه السلام - قال: كان علي - عليه السلام - يقول: من ضربناه حدا من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدا في شئ من حقوق الناس فمات قال ديته علينا (1). والشيخ في الاستبصار اختار مذهب المفيد، لهذه الرواية (2). والجواب: أحاديثنا أصح طريقا فتعين العمل بها. مسألة: روى الشيخ في النهاية عن الاصبغ بن نباتة قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في جارية ركبت جارية فنخستها جارية أخرى فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة، فقضى أن ديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة (3). وقال المفيد في المقنعة: قضى علي - عليه السلام - في جارية ركبت عنق أخرى فجاءت جارية ثالثة فقرصت المركوبة فقمصت لذلك فوقعت الراكبة فاندق عنقها، فألزم القارصة ثلث الدية، والقامصة ثلثها الاخر، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثا (4). وقال أبو الصلاح: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في امرأة ركبت عنق أخرى فجاءت أخرى فقرصت المركوبة فقمصت فوقعت الراكبة فاندق عنقها، على القارصة ثلث الدية، وعلى المركوبة الثلث، وأسقط الثلث لركوبها، ولو كانت راكبة بأجر لكانت الدية على القارصة القامصة كاملة وأنها كانت لاعبة (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 208 ح 822، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب قصاص النفس ح 3 ج 19 ص 46.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 279 ح 1057 وذيل حديث 1056.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 422 - 423.
(4) المقنعة: ص 750.
(5) الكافي في الفقه: ص 394.

[ 338 ]

وقال ابن البراج: إذا ركبت جارية جارية فنخستها أخرى فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت كانت الدية على الناخسة والقامصة نصفين، وروي أن عليهما ثلثي الدية، وسقط الثلث الباقي لركوب الميتة عبثا. والاول أظهر (1). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه الادلة أن الدية جميعا على الناخسة دون المنخوسة، لانها الجانية، والتي اضطرتها للمركوبة حتى قمصت، فأما إذا أمكنها ألا تقمص وقمصت لاملجأة فالدية عليها وحدها (2). وقول المفيد ليس بعيدا عن الصواب، لان هذا الوقوع في الحقيقة مستندا إلى فعل الثلاثة، والتقدير الالجاء. مسألة: روى الشيخ في النهاية عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في أربعة نفر اطلعوا في زبية الاسد فخر أحدهم فاستمسك بالثاني واستمسك الثاني بالثالث واستمسك الثالث بالرابع، فقضى بالاول فريسة الاسد وغرم أهله ثلث الدية لاهل الثاني، وغرم الثاني لاهل الثالث ثلثي الدية، وغرم الثالث لاهل الرابع الدية كاملة (3). وقال المفيد: - رحمه الله - إذا وقف جماعة على نهر أو بئر أو أشرفوا من علو فوقع أحدهم فتشبث بالذي يليه وتعلق الذي يليه بمن يليه كان الحكم فيه ما قضى به أمير المؤمنين - عليه السلام - في الذين سقطوا في زبية الاسد وكانوا أربعة نفر، ثم ذكر ما رواه الشيخ (4). وهو يعطي افتاؤه بهذه الرواية، وكذا ابن البراج (5). وقال ابن ادريس - عقيب الرواية -: وعلى من تجب؟ يعني دية الرابع قال

(1) المهذب: ج 2 ص 499.
(2) السرائر: ج 3 ص 374. (3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 425 - 426 - 427.
(4) المقنعة: ص 750.
(5) المهذب: ج 2 ص 498.

[ 339 ]

قوم: على الثالث وحده، لانه هو الذي باشر جذبه، وقال آخرون: على الثالث والثاني والاول، لانهم كلهم جذبوه، فعلى كل واحد منهم ثلث الدية، وعلى هذا ابدا وإن كثروا، وهذا الذي يطابق ما رواه أصحابنا. قال: وقد روى المخالف عن سماك بن حرب، عن حنبش الصنعاني أن قوما من اليمن حفروا زبية للاسد فوقع فيها الاسد واجتمع الناس على رأسها فهوى فيها واحد فجذب ثانيا وجذب الثاني ثالثا ثم جذب الثالث رابعا فقتلهم الاسد، فرفع ذلك إلى علي - عليه السلام - فقال: للاول ربع الدية، لانه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثا الدية، لانه هلك فوقه إثنان، والثالث نصف الدية، لانه هلك فوقه واحد، والرابع كمال الدية، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال: هو كما قال علي - عليه السلام - قالوا: وهذا حديث ضعيف، والفقه ما بيناه في الاربعة، وروايتنا خاصة مطابقة لما بيناه أولا بعينه، وفقهها على ما قلناه (1). ولا خلاف طائل تحت هذا. لكن يحتمل أن يقال: الاول هدر وعليه دية الثاني، وعلى الثاني دية الثالث، وعلى الثالث دية الرابع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: روى أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في حائط اشترك في هدمه ثلاثة نفر فوقع على واحد منهم فمات فضمن الباقين ديته، لان كل واحد منهم ضامن صاحبه (2). ورواها الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (3)، مع أنه قرر أنه يروي فيه ما يعتقدوه.

(1) السرائر: ج 3 ص 375.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 427 - 428.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 159 ح 5361.

[ 340 ]

وقال في المقنع - عقيب هذه الرواية -: وليس في ذلك إلا التسليم، مع أنه قال قبلها: والهدم جبار (1). وقال ابن ادريس: هذه الرواية من أخبار الاحاد أوردها شيخنا في نهايته على ما وجدها ايرادا، وقد أورد شيخنا ما يقتضي رجوعه عن هذه الرواية في مبسوطه من قوله: في رجال عشرة رموا بحجر المنجنيق فعاد الحجر على أحدهم فقتله فقال: يضمن التسعة ديته إلا قدر جنايته على نفسه، والذي يقتضيه الادلة ويحكم بصحته اصول المذهب انه مات بفعله وفعل الاخرين، فيسقط ثلث الدية الذي قابل فعله، ويستحق على الاثنين ثلثا الدية فحسب (2). وهذا الذي اختاره هو المعتمد، فان صحت الرواية تعين العمل بها. وقال ابن الجنيد بما اخترناه، فقال: والقوم إذا عملوا عملا واحدا فاصيب به بعضهم ضمن الاحياء دية الميت بعد وضع قسطه منها، فانهم إذا كانوا اربعة فمات واحد بالجناية المشتركة منهم اجمعين ضمن الثلاثة ثلاثة أرباع الدية. ثم قال بعد ذلك: والفارسان إذا تصادما فمات أحدهما ضمن الحى دية الميت. والوجه أنه يضمن النصف.

(1) لم نعثر عليه. (2) السرائر: ج 3 ص 377.

[ 341 ]

الفصل الرابع في ضمان النفوس وغيرها مسألة: قال الشيخ في النهاية: من دعا غيره ليلا فأخرجه من منزله فهو له ضامن الى أن يرده الى منزله أو يرجع هو بنفسه إليه، فان لم يرجع ولا يعرف له خبر كان ضامنا لديته، فان وجد قتيلا كان على الذي أخرجه القود أو يقيم البينة بأنه برئ من قتله، فان لم تقم بينة وادعى أن غيره قتله طولب باقامة البينة على القاتل أو احضاره ليحكم معه بما يقتضيه شريعة الاسلام، فان تعذر عليه ذلك كان عليه القود أو الدية يسلمها إلى أوليائه إذا رضوا بها عنه. وقد روي أنه إذا ادعى أنه برئ من قتله ولم تقم عليه بينة بالقتل كان عليه الدية دون القتل، وهذا هو المعتمد (1). ونحوه قال المفيد، إلا أنه قال عوض: " وهذا هو المعتمد " " وهذا أحوط في الحكم " (2)

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 406 - 407 - 408.
(2) المقنعة: ص 746.

[ 342 ]

وقال أبو الصلاح: من أخرج غيره من منزله ليلا ضمن في ماله دون عاقلته حيت يرده إليه، أو يقيم البينة بسلامته، أو موته حتف أنفه، أو قتل غير له (1) وقال سلار: من أخرج غيره من بيته فهو ضامن له حتى يرجع، فان لم يرجع فلا يخلو إما أن لايعرف له أبدا خبر فعليه الدية إذا لم يثبت انه قتله، وان وجد مقتولا فلا يخلو من أن يدعي ضامنه قتله على غيره أو لا يدعي، فان ادعى طولب باحضار قاتله واقامة البينة عليه، فان فعل ذلك فلا شئ عليه، وإن لم يفعل فعليه ديته، فان لم يدع فلا يخلو من أن يدعي أنه مات حتف أنفه أولا يدعي شيئا، فان ادعى موته لزمته الدية، وإن لم يدع شيئا فأولياء المقتول مخيرون بين قتله قودا وأخذ الدية منه (2). وقال ابن حمزة: من دعا غيره ليلا وأخرجه من منزله ولم يرده إليه ولا رجع هو ولم يعرف خبره حيا أو ميتا أو وجد قتيلا ولم يقم الداعي بينة على أنه مات حتف أنفه أو قتله غيره ضمن ديته في الموت، ولزمه القصاص في القتل إذا لم يدع البراءة من قتله (3). وقال ابن ادريس: روى أصحابنا أن من دعا غيره ليلا فأخرجه من منزله فهو له ضامن إلى أن يرده إلى منزله أو يرجع هو بنفسه إليه، فان لم يرجع إلى المنزل أو لايعرف له خبر كان ضامنا لديته، فان وجد قتيلا كان على الذي أخرجه القود بعد القسامة من أوليائه على ما مضى شرحه أو يقيم البينة بأنه برئ من قتله، فان لم يقم بينة وادعى أن غيره قتله ولم يقم بذلك بينة بقتل غيره له على ما ادعاه كان عليه الدية دون القود على الاظهر في الاقوال والروايات، وقد روي ان عليه القود. والاول هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا

(1) الكافي في الفقه: ص 392.
(2) المراسم: ص 241، مع اختلاف.
(3) الوسيلة: ص 454.

[ 343 ]

أبي جعفر في نهايته، ومتى أخرجه من البيت ثم وجد ميتا فادعى أنه مات حتف أنفه روي أنه عليه الدية أو البينة على ما ادعاه، والذي يقتضيه الادلة أنه إذا كان غير متهم عليه ولا يعلم بينهما إلا خير وصلح فلا دية عليه بحال، فأما إذا كان يعلم بينهما مخاصمة وعداوة فلاوليائه القسامة بما يدعونه من أنواع القتل، فان ادعوا قتله عمدا كان لهم القود، وإن ادعوا أنه خطأ كان لهم الدية، لان إخراجه والعداوة التي بينهما يقوم مقام اللوث المقدم ذكره (1). والوجه أن نقول: إن أخرجه ليلا ولم يعلم له خبر البتة كان عليه الدية في ماله، وإن وجد قتيلا فان ادعى قتله على أحد وصدقه أو قامت معه البينة فلا ضمان عليه بل على الجاني، وإن انتفى الامران كان ضامنا لديته في ماله، وإن كان هناك لوث كان عليه القود بعد قسامة أهله، وكذا إذا لم يدع على أحد. وإن وجد ميتا من غير قتل وادعى أنه مات حتف أنفه ولا لوث هناك ولا تهمة فالقول قوله، وإن كان هناك لوث أو تهمة ضمن الدية، أما تقييد الاخراج بالليل فلاصالة البراءة من غيره صرنا إلى خلافه، لثبوت التهمة فيبقى الباقي على الاصل. ولان الاخبار الواردة وردت مقيدة فتتبع: روى عبد الله بن ميمون، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا دعا الرجل أخاه بليل فهو ضامن له حتى يرجع إلى بيته (2). وروى عمرو بن ابى المقدام قال: كنت شاهدا عند البيت الحرام ورجل ينادي بأبى جعفر وهو يطوف وهو يقول: يا أمير المؤمنين إن هذين الرجلين طرقا

(1) السرائر: ج 3 ص 364 - 365.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 222 ح 869، وسائل الشيعة: باب 36 من أبواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 206.

[ 344 ]

أخي ليلا فأخرجاه من منزله فلم يرجع إلي والله ما أدري ما صنعا به، فقال لهما أبو جعفر: ما صنعتما به؟ فقالا: يا أمير المؤمنين كلمناه ثم رجع إلى منزله، فقال لهما: وافيانى غدا صلاة العصر في هذا المكان، فوافياه من الغد صلاة العصر وحضرته (1)، فقال لجعفر بن محمد - علهيما السلام - وهو قابض على يده: يا جعفر إقض بينهم أنت، فقال له: بحقي عليك إلا قضيت بينهم، قال: فخرج جعفر فطرح له مصلى قصب فجلس - عليه السلام - عليه ثم جاء الخصماء فجلسوا قدامه فقال: ما تقول؟ فقال: يا ابن رسول الله إن هذين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله فوالله ما رجع إلي والله ما أدري ما صنعا به، فقال: ما تقولان؟ فقالا: يا ابن رسول الله كلمناه ثم رجع إلى منزله، فقال جعفر - عليه السلام -: يا غلام اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: كل من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن، إلا أن يقيم البينة أنه قد رده إلى منزله، يا غلام نح هذا فاضرب عنقه، فقال: يا ابن رسول الله والله ما قتلت ولكني أمسكته ثم جاء هذا فوجأه فقتله، فقال: يا غلام نح هذا واضرب عنق الاخر، فقال: يابن رسول الله والله ما عذبته ولكني قتلته بضربة واحدة، فأمر أخاه فضرب عنقه ثم أمر بالاخر فضرب جبينه وحبسه في السجن، ووقع على رأسه: يحبس عمره ويضرب كل سنة خمسين جلدة (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: متى انقلبت الظئر على الصبي في منامها فقتلته فان كانت إنما طلبت المظائرة للفخر والعز كان عليها الدية في مالها خاصة، وإن كانت إنما فعلت ذلك للفقر والحاجة كانت الدية على عاقلتها، ومن نام

(1) كذا في نسخة ق 2 وفاقا لبعض نسخ المصدر، وفي المطبوع: خصومه. (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 221 ح 868، وسائل الشيعة: باب 18 من ابواب قصاص النفس ح 1 ج 19 ص 36.

[ 345 ]

فانقلب على غيره فقتله فان ذلك شبيه العمد تلزمه الدية في ماله خاصة، وليس عليه قود (1). وقال المفيد: إذا نام الصبي إلى جنب الظئر فانقلبت عليه في النوم فقتلته لم يجب عليها بذلك القود وكانت ضامنة لديته، وكذلك من انقلب في منامه على طفل فقتله على غير تعمد لم يقد به، لكنه يفديه بالدية المغلظة حسب ما بيناه (2). وقال سلار: وإن نومت الصبي إلى جنبها فانقلبت عليه فقتلته فعليها الدية (3). وابن حمزة (4) فصل الظئر إلى ما فصله الشيخ في النهاية، وهو الذي رواه الصدوق في كتابيه (5) معا. وابن ادريس اضطرب هنا فقال: فقد روي أنه متى انقلبت الظئر على الصبي في منامها فقتلته فان كانت إنما فعلت ذلك للفقر والحاجة كانت الدية على عاقلتها، وإن كانت إنما طلبت المظائرة للفخر والعز كان عليها الدية في مالها خاصة، وروي أن من نام فانقلب على غيره فقتله كان ذلك شبيه العمد يلزمه الدية في ماله خاصة وليس عليه قود، والذي يقتضيه اصول مذهبنا أن الدية في جميع هذا على العاقلة، لان النائم غير عامد في فعله ولا عامد في قصده، وهذا حد قتل الخطأ المحض، ولا خلاف أن دية قتل الخطأ المحض على العاقلة، وإنما هذه أخبار آحاد، ولا يرجع بها عن الادلة. والذي ينبغي تحصيله في هذا أن الدية على النائم نفسه، لان أصحابنا جميعهم يوردون ذلك في باب ضمان

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 410 - 411 - 412.
(2) المقنعة: ص 747.
(3) المراسم: ص 241.
(4) الوسيلة: ص 454.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 160 ح 5263، المقنع: ص 184.

[ 346 ]

النفوس، وذلك لا تحمله العاقلة بلا خلاف (1). وهذا يدل على اضطرابه واختلال فتواه. والذي رواه الشيخ والصدوق عن عبد الرحمان بن سالم، عن أبيه، عن الباقر - عليه السلام - قال: أيما ظئر قوم قتلت صبيا لهم وهي نائمة فانقلبت عليه فقتلته فانما عليها الدية من مالها خصاة إن كانت إنما ظائرت لطلب العز والفخر، وإن كانت إنما ظائرت من الفقر فان الدية على عاقلتها (2). والوجه أن نقول: إن صحت هذه الرواية تعين العمل بها، لكن في طريقها من لا يحضرني الان حاله، وإن لم يصح طريقها فالدية على العاقلة في الظئر وغيرها فان النائم لا قصد له، فيكون فعله خطأ محضا وطلب الظئر الفخر وعدمه لا يخرج الفعل عن كونه خطأ أو شبيه العمد، لان ذلك مستند إلى القصود والدواعي وعدمها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أعنف الرجل على امرأته أو المرأة على زوجها فقتل أحدهما صاحبه فان كانا متهمين الزما الدية، وإن كانا مأمونين لم يكن عليها شئ (3). وقال المفيد: الرجل إذا أعنف على امرأته فماتت من ذلك كان عليه ديتها مغلظة ولم يقد بها، فان أعنفت هي على زوجها فضمته إليها ونحو ذلك من الفعل الذي لا يقصد به فاعله إلى إتلاف النفس فمات الزوج من ذلك كان عليها دية مغلظة، ولم يكن عليها القود (4)، وأطلق. ولم يفصل إلى المتهم وغيره.

(1) السرائر: ج 3 ص 365 - 366.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 222 ح 873، من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 160 ح 5363، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 199.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 412 - 413.
(4) المقنعة: ص 747.

[ 347 ]

وروى الصدوق في المقنع عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن رجل أعنف على امرأته أو امراة أعنفت على زوجها فقتل أحدهما الاخر، قال: لا شئ عليهما إذا كانا مأمونين، فإذا اتهما لزمهما اليمين بالله أنهما لم يريدا القتل (1). وقال سلار: وإذا أعنف الرجل بالمرأة فماتت فعليه ديتها، وكذا لو ضمته فقتلته لكان عليها الدية (2). وقال ابن ادريس: الاولى وجوب الدية على المعنف منهما كيف ما دارت القضية، إلا أن الحكم إذا كانا متهمين فقد حصل لولي المقتول تهمة وهو اللوث، فله أن يقسم ويستحق القود إن ادعى أن القتل عمد، فأما إذا كانا مأمونين فالمستحق الدية على المعنف فحسب، ولا يستحق الولي القود هاهنا بحال (3). وهذا الذي اختاره يقتضيه قول شيخنا المفيد، إلا أن شيخنا المفيد لم يفصل إلى التهمة وادعاء العمد وعدمه، وهو الوجه. لنا: أن القتل مستند إليه فيكون مضمونا، وعدم التهمة لا ينفي القتل، لصدوره حقيقة منه، لكن ينفي العمد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: عمد الاعمى وخطأه سواء يجب فيه الدية على عاقلته (4)، وتبعه ابن البراج (5)، وهو قول ابن الجنيد، ورواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (6).

(1) المقنع: ص 190.
(2) المراسم: ص 241.
(3) السرائر: ج 3 ص 366. (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 415.
(5) المهذب: ج 2 ص 495.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 114 ح 5227، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 208.

[ 348 ]

وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول المذهب أن عمد الاعمى عمد يجب فيه عليه القود، لقوله تعالى: (النفس بالنفس) (ولكم في القصاص حيوة) فإذا لم يقتل الاعمى بمن قتله عمدا خرجت فائدة الاية، فلا يرجع عن الادلة القاهرة برواية شاذة وخبر واحد لا يوجب علما ولا عملا (1). والوجه ذلك. لنا: أن مناط القصاص - وهو القتل العمد - العدوان ثبت هنا فيثبت الحكم، عملا بالعلة وعموم الايات. احتج الشيخ - رحمه الله - بما رواه أبو عبيدة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن أعمى فقأ عين رجل صحيح متعمدا، قال: فقال: يا ابا عبيدة إن عمد الاعمى مثل الخطأ هذا فيه الدية من ماله، فان لم يكن له مال فان دية ذلك على الامام، ولا يبطل حق مسلم (2). وعن محمد الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه عى خديه فوثب المضروب على ضاربه فقتله، قال: فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: هذان متعديان جميعا، فلا أرى على الذي قتل الرجل قودا، لانه قتله حين قتله وهو أعمى، والاعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كل سنة نجما، فان لم يكن للاعمى عاقلة لزمته ديته ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين ويرجع الاعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 368.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 232 ح 917، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 65.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 232 - 232 ح 918، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب العاقلة ح 1 ج 19 ص 306.

[ 349 ]

والجواب: المنع من صحة الرواية، ويحمل على ما إذا لم يقصد القتل بل الدفع. تذنيب: قال ابن حمزة: ومن ضرب ضربة على رأس غيره فسالت عيناه وضربه المضروب فقتله فان ضربه دافعا لم يلزمه شئ وله الرجوع على تركة المقتول بدية عينيه، وإن ضربه مقتصا لم يلزمه القود، لانه أعمى وكان دية المقتول على عاقلة الاعمى ودية عيني الاعمى في تركة الضارب، فان لم يكن له عاقلة تقاصا (1). والوجه أن نقول: إن ضربه للدفع فلا شئ عليه، وإن ضربه قصاصا فمات فلا قود، لانه عمد الخطأ، بل تجب الدية عليه في ماله. مسألة: المشهور بين علمائنا أن القصاص تجب في قتل الصبي، اختاره الشيخ (2)، وابن حمزة (3)، وابن ادريس (4). وقال أبو الصلاح:، لا تجب به القصاص بل الدية (5). لنا: عموم قوله تعالى: (النفس بالنفس) (6) وقوله تعالى: (ولكم في القصاص حيوة) (7) وقوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) (8). احتج بأن عقله ناقص فأشبه المجنون. والجواب: المنع من المساواة، فان الفرق بينهما ظاهر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن أحدث في طريق المسلمين حدثا ليس له، أو في ملك لغيره بغير اذنه - من حفر بئر أو بناء حائط أو نصب خشبة أو اقامة جذع أو اخراج ميزاب أو كنيف وما أشبه ذلك فوقع فيه شئ أو زلق أو

(1) الوسيلة: ص 455.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 416.
(3) الوسيلة: ص 434.
(4) السرائر: ج 3 ص 369.
(5) الكافي في الفقه: ص 384.
(6) المائدة: 45.
(7) البقرة: 179.
(8) الاسراء: 33.

[ 350 ]

أصابه منه شئ من هلاك أو تلف شئ من الاعضاء أو كسر شئ من الامتعة - كان ضامنا لما يصيبه، قليلا كان أو كثيرا، فان أحدث في الطريق ماله إحداثه لم يكن عليه شئ (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال الشيخ في الخلاف: من أخرج ميزابا إلى شارع فوقع على انسان فقتله أو متاع فأتلفه كان ضامنا، وبه قال جميع الفقهاء، إلا بعض الشافعية فانه قال: لا ضمان عليه، لانه محتاج إليه، قال أصحابه: ليس بشئ. دليلنا إجماع الامة، وهذا القول شاذ لا يعتد به (3). وقال في المبسوط: وأما الميازيب (4) فلكل احد نصبها للخبر والاجماع. ولان به حاجة داعية الى ذلك، إلا أنه لو وقع على إنسان فقتله فالحكم فيه كخشب الجناح سواء، وقال بعضهم ها هنا: لا ضمان عليه، لانه يحتاج إلى فعله مضطر إليه، والاول هو الصحيح (5). مع أنه قال في الجناح: إذا سقط أنه يضمن النصف، لانه هلك عن فعل مباح ومحظور (6). وقال المفيد: من أحدث في طريق المسلمين شيئا لحق أحدا منهم به ضرر كان ضامنا لجناية ذلك عليه، فان أحدث فيه ما أباحه الله تعالى اياه وجعله وغيره من الناس فيه سواء فلا ضمان عليه، لانه لم يتعد واجبا بذلك (7)، وأطلق. ولم يذكر حكم الميازيب، وتبعه سلار (8). وقال أبو الصلاح: يضمن الحر العاقل قيمة ما أفسده وأرش ما جناه وما يحصل عند فعله، والثانى - يعنى ما يحصل عند فعله -: على ضروب: منها: أن

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 417.
(2) المهذب: ج 2 ص 496 - 497.
(3) الخلاف: ج 5 ص 290 المسألة 119.
(4) في المطبوع: الموازيب. (5 و 6) المبسوط: ج 7 ص 188.
(6) المقنعة: ص 749.
(7) المراسم: ص 242.

[ 351 ]

يحدث في طريق المسلمين، أو في الملك المشترك بغير اذن الشركاء، أو في ملك الغير بغير إذنه، فيضمن ما أثر ذلك من فساد أو حصل عنده من تلف أو نقص (1). وقال ابن حمزة: وإن نصب ميزابا جاز للمسلمين المنع، فان نصب ووقع على شئ ضمن (2). وقال ابن ادريس: ومن أحدث في الطريق ماله إحداثه وفعله ونصبه - مثل الميازيب والرواشن الغير المضرة بالمارة - لم يكن عليه شئ، لانه محسن بفعله وإحداثه غير مسئ، وقد قال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) فمن أوجب عليه شيئا خالف الاية، وأوجب عليه ما لم يوجبه الله عليه، وأيضا الاصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل، وشيخنا في نهايته ضمن صاحب الميزاب، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد، ثم نقل كلامه في المقنعة، ثم قال: ولا خلاف بين المسلمين في اباحة نصب الميازيب وجعلها لم ينكر أحد منهم ذلك بحال (3). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه سبب في الاتلاف فكان ضامنا، وإباحة السبب لا يسقط الضمان، كالطبيب والبيطار والمؤدب بالسائغ شرعا. وقد روى أبو الصباح الكناني في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن (4). وهذا عام يندرج فيه

(1) الكافي في الفقه: ص 401. الوسيلة: ص 426.
(3) السرائر: ج 3 ص 370.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 231 ح 911، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب موجبات الضمان ح 2 ج 19 ص 179 - 180.

[ 352 ]

صورة النزاع. وروى السكوني في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر بئرا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن (1). وهو نص في الباب. وقوله: " انه محسن " ليس بشئ، لان إحسانه في حق نفسه لا يستلزم إحسانه في حق المقتول، بل هو مسئ في حقه، إذ لولا نصب الميزاب لما سقط عليه، ولو سلم منعنا عموم الاية (2)، لانها مخصوصة بالطبيب والمؤدب وغيرهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن رمى في دار غيره متعمدا نارا فاحترقت وما فيها كان ضامنا لجميع ما يتلفه النار من النفوس والاثاث والامتعة وغير ذلك، ثم يجب عليه بعد ذلك القتل (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال المفيد: ومن أحرق دار قوم فهلك فيها مال وأنفس كان عليه القود بمن قتله وغرم ما أهلكته النار من متاع القوم، فان لم يتعمد الاحراق لكنه أضرم نارا لحاجة له فتعدت النار إلى الاحراق كان عليه دية الانفس على التغليظ وغرم ما هلك بالنار من المتاع، اللهم إلا أن يكون إضرامه النار في مكان له التصرف فيه بحق ملك أو إجارة فتعدت النار إلى ملك قوم فأصابتهم مضرتها فلا ضمان عليه (5). وقال ابن ادريس: ومن أحرق دار قوم فهلك فيها أنفس وأموال كان عليه القود بمن قتل وغرم ما أهلكه بالاحراق من الاموال، هذا إذا تعمد قتل

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 230 ح 908، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 182.
(2) التوبة: 91.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 418 - 419.
(4) المهذب: ج 2 ص 496.
(5) المقنعة: ص 748.

[ 353 ]

الانفس، فأما إذا لم يتعمد قتل الانفس لكن تعمد إحراق الاموال والدار فحسب فانه يجب عليه ضمان الاموال، فأما الانفس فدياتها على عاقلته، لانه غير عامد إلى القتل لا بالفعل ولا بالقصد فهو خطأ محض، لانه غير عامد في فعله الى القتل ولا عامد في قصده إلى تناول النفس المقتولة وتلفها، وذكر شيخنا في نهايته أن عليه ضمان ما أتلف من الانفس وبعد ذلك عليه القتل، وهذا غير واضح، لانه إن كان قتل العمد فليس عليه إلا القود فحسب، وإن كان قتل شبيه العمد أو الخطأ المحض فلا يجب عليه القود بحال (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه من المفسدين في الارض. وما رواه السكوني، عن الصادق - عن الباقر - عليهما السلام - عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم، قال: يغرم قيمة الدار وما فيها ثم يقتل (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا اغتلم البعير على صاحبه وجب عليه حبسه وحفظه، فان جنى قبل أن يعلم به لم يكن عليه شئ، فان علم به وفرط في حفظه كان ضامنا لجميع ما يصيبه من قتل نفس أو غيرها، فان كان الذي جنى عليه البعير ضرب البعير فقتله أو جرحه كان عليه بمقدار ما جنى عليه مما ينقص من ثمنه يطرح من دية ما كان جنى عليه البعير (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح، والذى يقتضيه اصول مذهبنا أنه لا

(1) السرائر: ج 3 ص 371.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 231 ح 912، وسائل الشيعة: ب 41 من ابواب موجبات الضمان ح 1 ج 19 ص 210.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 419.
(4) المهذب: ج 2 ص 497.

[ 354 ]

ضمان عليه بضرب البعير، لانه بفعله محسن، وقال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) (1). والوجه أن نقول: إن دفع بذلك عن نفسه من غير تعد فيه فلا ضمان عليه، كما قاله ابن ادريس، وإن لم يقصد الدفع بل جنى عليه بعد انفصاله وبعده عنه وأمنه منه فالحق ما قاله الشيخ. مسألة قال الشيخ في النهاية: ومن أركب غلاما له مملوكا دابة فجنت الدابة جناية كان ضمانها على مولاه، لانه ملكه (2). وقال ابن البراج: إذا أركب إنسان عبدا له دابة فجنت الدابة جناية كان ضمان ذلك على السيد (3)، وأطلق. وقال ابن ادريس: إن كان الغلام غير بالغ كان الضمان على مولاه، لانه فرط بركوبه له الدابة، وإن كان بالغا عاقلا فان كانت الجناية على بني آدم فيؤخذ المملوك إذا كانت الجناية بقدر قيمته أو يفديه السيد، وإن كانت على الاموال فلا يباع العبد في قيمة ذلك ولا يستسعى ولا يلزم مولاه ذلك (4). وهو تفصيل حسن، لكن في الاخير يتعلق الجناية برقبة العبد يتبع به بعد العتق. مسألة: قال ابن البراج: إذا دخل ستة غلمان الماء فغرق واحد منهم وشهد إثنان منهم على الثلاثة بأنهم غرقوه وشهد الثلاثة على الاثنين انهما غرقاه فيجب أن يفرض الدية أخماسا، على الاثنين ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسا الدية، وإذا شرب أربعة نفر خمرا فتباعجوا بالسكاكين أو غيرها فمات منهم إثنان وجرح إثنان فالحكم فيهم أن يضرب المجروحان كل واحد منهما

(1) السرائر: ج 3 ص 372.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 419.
(3) المهذب: ج 2 ص 497.
(4) السرائر: ج 3 ص 372: وفيه " وإن كانت الجناية على الاموال ".

[ 355 ]

ثمانين جلدة ويكون عليهما دية المقتولين ثم يقاس جراحتهما وتدفع من الدية، وإن مات واحد من المجروحين لم يكن على أولياء المقتولين شئ (1). والشيخ - رحمه الله - روى هذين الحكمين عن علي - عليه السلام - في النهاية (2). وقال ابن الجنيد: ولو تجارح إثنان فقتل أحدهما قضي بالدية على الباقي ووضع منها عنه أرش الجناية عليه. وقال ابن ادريس - لما روي الرواية الاولى -: إن كان الغلمان غير بالغين، وهذا هو الظاهر، فشهادة الصبيان لا تقبل عندنا، إلا في الجراح والشجاج فحسب دون ما عداه، وفي ما يقبل فيه أن يكونوا قد بلغوا عشر سنين، وقال - عقيب الرواية الثانية -: الذي يقتضيه اصول مذهبنا أن القاتلين يقتلان بالمقتولين، فان اصطلح الجميع على أخذ الدية اخذت كملا من غير نقصان، لان في إبطال القود ابطال القران، وأما نقصان الدية فذلك على مذهب من تخير بين القصاص وأخذ الدية، وذلك مخالف لمذهب أهل البيت - عليهم السلام - لان عندهم ليس يستحق غير القصاص فحسب (3).

(1) المهذب: ج 2 ص 499.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 424.
(3) السرائر: ج 3 ص 374 و 375.

[ 356 ]

الفصل الخامس في ديات الاعضاء مسألة: قال الشيخ في النهاية: من قلب على رأس إنسان ماء حارا فامتعط شعره فلم ينبت كان عليه الدية كاملة، فان نبت ورجع إلى ما كان كان عليه أرشه حسب ما يراه الامام، فان كان امرأة كان عليه ديتها إذا لم ينبت، فان نبت كان عليه مهر نسائها، وفي اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة، فان نبتت كان فيها ثلث الدية (1) ونحوه في الخلاف (2). وقال المفيد: وفي شعر الراس إذا اصيب فلم ينبت مائة دينار، وفي شعر اللحية كذلك إذا ذهب فلم ينبت (3). وقال سلار: في شعر اللحية أو الرأس إذا لم ينبت الدية، وروي أن فيهما إذا لم ينبتا مائة دينار (4). ونحوه ذهب ابن البراج (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 428 - 429 و 440، وفيه: " إذا لم ينبت الشعر فان نبت ".
(2) الخلاف: ج 5 ص 197 المسألة 67 وص 211 المسألة 91.
(3) المقنعة: ص 756.
(4) المراسم: ص 244 و 245، وفيه: " وروي أيضا أن قيمتها إذا ".
(5) المهذب: ج 2 ص 476.

[ 357 ]

وقال ابن الجنيد: واللحية إذا حلقت فلم ينبت ففيها الدية، فان نبتت فثلث الدية، وكذلك شعر المرأة، وقد روي في المرأة عن الصادق - عليه السلام - أن يضرب ضربا وجيعا ويحبس في سجن المسلمين حتى يستوي، فان نبت شعرها اخذ منه مهر نسائها وحكم لحية الخنثى إن كان رجلا كذلك، وإن كان امرأة ففيه حكومة. والصدوق روى في كتاب من لا يحضره الفقيه عن الصادق - عليه السلام - في شعر الرأس إذا لم ينبت الدية (1). وروي فيه عن علي - عليه السلام - في اللحية إذا لم تنبت الدية، فان نبتت فثلث الدية (2). وقال في المقنع: إذا حلق رجل لحية رجل فان لم تنبت فعليه دية كاملة، وإن نبتت فعليه ثلث الدية (3). وقال في موضع آخر: ومن حلق رأس رجل فلم ينبت فعليه مائة دينار، فان حلق لحيته فعليه الدية (4). وقال أبو الصلاح: في ذهاب شعر الرأس أو اللحية لا ينبت الدية كاملة، فان نبت ففي شعر رأس الرجل أو لحيته عشر ديته، وفي شعر المرأة مهر مثلها (5). وابن حمزة أوجب الدية في شعر رأس الرجل أو لحيته إذا لم تنبت، أو في شعر المرأة إذا لم تنبت ديتها (6).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 149، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 261.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 150 ح 5332، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 260. (3) المقنع: ص 188.
(4) المقنع: ص 190.
(5) الكافي في الفقه: ص 396.
(6) الوسيلة: ص 444.

[ 358 ]

وابن ادريس (1) اختار مذهب الشيخ في النهاية. واحتج الشيخ عليه بما رواه مسمع، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة، فإذا نبتت فثلث الدية (2). وعن يحيى بن حديد، عن بعض رجاله، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: الرجل يدخل الحمام فيصب عليه صاحب الحمام ماء حارا فيتمعط شعر رأسه فلا ينبت، فقال: عليه الدية كاملة (3). وعن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل دخل الحمام فيصب عليه ماء حار فامتعط شعر رأسه ولحيته فلا ينبت أبدا، قال: عليه الدية (4). وهذه الرواية عندي حسنة يتعين العمل بها، ولانه واحد في الانسان فيدخل تحت حكم ما في الانسان منه واحد، ويمكن منع الوحدة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في شفر العين الاعلى ثلث دية العين مائة وستة وستون دينارا وثلثا دينار، وفي شفر العين الاسفل نصف دية العين مائتان وخمسون دينارا (5). وبه قال ابن حمزة (6).

(1) السرائر: ج 3 ص 377.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 250 ح 990، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 260 - 261.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 250 ح 991، وفيه: " عن علي بن حديد "، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 261.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 250 ح 992، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 261.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 429. (6) الوسيلة: ص 447.

[ 359 ]

وقال في الخلاف: في الاربعة الاجفان الدية كاملة، وفي كل جفنين في عين واحدة خمسمائة دينار، وفي الاسفل منهما ثلث ديتها، وفي العليا ثلثا ديتها، واحتج عليه باجماع الفرقة وأخبارهم (1). وفي المبسوط: في الاربعة أجفان الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما مائتان وخمسون دينارا، وروى اصحابنا أن في السفلى ثلث ديتها، وفي العليا ثلثيها (2). والمفيد قال في المقنعة كما قال الشيخ في النهاية، ثم قال: وهذان العضوان يختصان بهذا الحكم (3). وقال سلار: في شفر العين الاعلى ثلث دية العين، وفي الاسفل نصف ديتها بالرسم النبوي العلوي (4). وقال ابن الجنيد: في جفون العينين الدية، وإن شتر الجفن الاعلى كان فيه ثلث دية العين، وإن شتر الجفن الاسفل ففيه نصف دية العين. وقال أبو الصلاح (5) بقول الشيخ في النهاية. وقال ابن ادريس: في شفر العين الاعلى ثلثا دية العين، وفي شفر العين الاسفل ثلث دية العين (6). والشيخ - رحمه الله - روى في التهذيب عن ظريف بن ناصح، عن الصادق - عليه السلام - قال: افتى امير المؤمنين - عليه السلام - فكتب الناس فتياه، فكتب امير المؤمنين - عليه السلام - إلى امرائه ورؤوس أجناده: فمما كان فيه إن اصيب شفر العين الاعلى فشتر فديته ثلث دية العين مائة دينار وست وستون دينارا وثلثا دينار، وان اصيب شفر العين الاسفل فشتر فديته نصف دية العين مائتان

(1) الخلاف: ج 5 ص 236 - 237 المسألة 24.
(2) المبسوط: ج 7 ص 130 (3) المقنعة: ص 755.
(4) المراسم: ص 245.
(5) الكافي في الفقه: ص 396.
(6) السرائر: ج 3 ص 378.

[ 360 ]

وخمسون دينارا (1). والمعتمد ما ذكره في المبسوط لما رواه هشام بن سالم في الصحيح قال: كل ما كان في الانسان إثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، وما كان واحدا ففيه الدية (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا جنى على أهداب العينين فأعدم انباتها ففيها الدية كاملة، واستدل عليه باجماع الفرقة وأخبارهم (3). وفي المبسوط: يقتضي مذهبنا أن في الاجفان والاهداب ديتين (4)، وتبعه ابن حمزة (5). وقال ابن البراج: فأما شعر الحاجبين فمضمون بنصف الدية، وكذلك شعر أشفار العينين (6). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه الادلة والاجماع أن الاهداب - وهو العشر النابت على الاجفان - لا دية فيه مقدرة، لان أصحابنا جميعهم لم يذكروا في الشعور مقدرا سوى شعر الرأس واللحية وشعر الحاجبين، فالحاق غير ذلك به قياس، والاصل براءة الذمة، فإذا أعدم ذلك جان مفردا عن الاجفان كان فيه حكومة، فإذا أعدمه مع الاجفان كان في الجميع دية الاجفان فحسب، لان الاهداب تبع للاجفان، فكان كما لو قطع اليد وعليها شعر (7). وهذا القول لا بأس به.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 258 ح 1019، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ديات الاعضاء ح 3 ج 19 ص 218.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 258 ح 1020 وفيه: " ففيهما الدية وفي أحدهما "، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 12 ج 19 ص 217.
(3) الخلاف: ج 5 ص 237 المسألة 25.
(4) المبسوط: ج 7 ص 130.
(5) الوسيلة: 442 و 447.
(6) المهذب: ج 2 ص 476.
(7) السرائر: ج 3 ص 378.

[ 361 ]

مسألة: لو ادعي نقصان ضوء احدى العينين قال في النهاية: اعتبر مدى ما يبصر بها من أربع جوانب بعد أن تشد الاخرى، فان تساوى صدق، وإن اختلف كذب، ثم يقاس ذلك إلى العين الصحيحة فما كان بينهما من النقصان اعطي بحساب ذلك بعد أن يستظهر عليه بالايمان حسب ما قدمناه في باب القسامة (1). وقال المفيد: واعتبار إحدى العينين إذا ادعى صاحبها نقصان نظر فيها بأن تشد عينه المصابة ويمد له حبل فينظر منتهى نظر عينه الصحيحة ويحقق ذلك بمد الحبل في الجهات الاربع، فإذا عرف صدقه باستواء المسافات الاربع المتساوية حلت عينه المصابة وشدت عينه الصحيحة ومد الحبل تلقاء وجهه واعلم مدى نظر عينه المصابة، ثم مد من جانب آخر ونظر منتهى نظره منه فان خالفه لم يصدق، وإن ساواه حقق ذلك باعتبار مد الحبل في الجهتين الاخراوين، فإذا استوى نظره في الاربع جهات نظر في ما بين مدى عينه الصحيحة وعينه المصابة واعطي من ديتها بحساب ذلك إن شاء الله (2). وهو قريب من قول الشيخ. وقال ابن الجنيد: ويستدل على ذلك إذا ادعاه في احدى العينين بالبيضة وقدر نظر العين المدعى فيها نقص زوال نظرها في نظر الصحيحة. وقال في المبسوط: فأما إذا نقص ضوء إحداهما أمكن اعتباره بالمسافة، وهو أن يعصب العليلة ويطلق الصحيحة وينصب له شخص على نشز أو تل أو ربوة في مستو من الارض، وكلما ذكر أنه يبصره فلا يزال يباعد عليه حتى ينتهي إلى مدى بصره، فإذا قال: قد انتهى غير ما عليه لون الشخص حتى يعلم صدقة من كذبه، لان قصده أن يبعد المدى، فانه كل ما بعد وقصر مدى بصر العليلة كان

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 430.
(2) المقنعة: ص 758.

[ 362 ]

أكثر لحقه فلهذا غيرنا الشخص، فإذا عرفنا قدر المسافة ذرعا عصبنا الصحيحة وأطلقنا العليلة ونصبنا له شخصا ولا يزال يباعد عليه حتى يقول: لا أبصره بعد هذا وقصده هاهنا تقليل المسافة ليكثر حقه، فإذا فعل هذا أدرنا بالشخص من ناحية الى ناحية وكلفناه أن ينظر إليه، فان اتفقت المسافتان علم صدقة، وان اختلفتا علم كذبه، فلا يزال معه حتى يسكن النفس إلى صدقه فيمسح المسافة هاهنا وينظر ما بين المسافتين فيؤخذ بالحصة من الدية (1). ولا خلاف طائل تحت هذه المسألة، والضابط فعل ما يحصل للحاكم معه صدق المدعى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وفي العين العوراء الدية كاملة إذا كانت خلقة أو قد ذهبت في آفة من جهة الله تعالى، فان كانت قد ذهبت وأخذ ديتها أو استحق الدية، وان لم يأخذها كان فيها نصف القيمة (2). وقال المفيد: وفي عين الاعور الدية كاملة، إلا أن تكون قد فقئت إحدى عينيه فاستحق ديتها، ففي عينه إذا فقئت نصف الدية (3). وقال الصدوق في المقنع: قضى أبو جعفر - عليه السلام - في عين الاعور إذا اصيبت عينه الصحيحة ففقئت تفقأ عين الذي فقأ عينه ويعقل له نصف الدية، وان شاء أخذ الدية كملا (4). وهو موافق للشيخ في أن فيها الدية إذا ذهبت خلقة، والنصف إذا ذهبت بجناية جان. ونحوه قال أبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وسلار (7). وقال ابن الجنيد: والاعور ولادة إذا فقئت عينه كانت له الدية كاملة، لان الجاني أذهب جميع بصره.

(1) المبسوط: ج 7 ص 128.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 433، وفيه: " نصف الدية ".
(3) المقنعة: ص 759.
(4) المقنع: ص 183 - 184.
(5) الكافي في الفقه: ص 396.
(6) الوسيلة: ص 446.
(7) المراسم: ص 244.

[ 363 ]

وقال ابن ادريس في العين العوراء الدية كاملة إذا كانت خلقة أو قد ذهبت بآفة من جهة الله تعالى، فان كانت قد ذهبت وأخذ ديتها أو استحق الدية، وإن لم يأخذها كان فيها ثلث الدية، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مبسوطه ومسائل خلافه، وذهب في نهايته إلى أن فيها نصف الدية. والاول الذي اخترناه هو الاظهر الذي يقتضيه اصول مذهبنا، ولان الاصل براءة الذمة فيما زاد على الثلث، فمن ادعى عليه زيادة يحتاج الى دليل، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا اجماع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار الاحاد (1). وفي هذا النقل نظر، فان الشيخ قال في الخلاف: إذا قلع عين أعور أو من ذهبت عينه بآفة من الله تعالى كان بالخيار بين أن يقتص من إحدى عينيه أو يأخذ تمام دية كاملة ألف دينار، فان كانت قلعت فأخذ ديتها أو استحقها، وإن لم يأخذها فليس له إلا نصف الدية (2). وقال في المبسوط: في عين الاعور إذا كانت خلقة الدية كاملة، أو يأخذ إحدى عيني الجاني ونصف الدية، وإن كانت قلعت فاستحق ديتها، أو اقتص منها كان فيها نصف الدية (3). فهذا ما قاله الشيخ في الكتابين، ولعل الخطأ نشأ لابن ادريس من دية العين إذا خسف بها بعد ذهاب ضوئها فانه ثلث دية العين، أما العين الصحيحة إذا فقئت فان فيها نصف الدية اجماعا، وأوجبنا الدية الكاملة في صحيحة الاعور خلقة، لاجماع علمائنا، وإذا كان العور غير خلقة صرنا الى الحكم المجمع عليه أولا وهو وجوب نصف الدية، وقول ابن ادريس خطأ لا دليل عليه.

(1) السرائر: ج 3 ص 380.
(2) الخلاف: ج 5 ص 251 المسألة 57.
(3) المبسوط: ج 7 ص 146.

[ 364 ]

وقد روى عبد الله بن أبي جعفر، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في العين العوراء تكون قائمة تخسف بها قال: قضى فيها علي - عليه السلام - بنصف الدية في العين الصحيحة (1). والظاهر أن ابن ادريس توهم أن الشيخ قصد بعين الاعور هنا العين السقيمة فتعجب من إيجاب نصف الدية، ولهذا قال في ما بعد: والاعور إذا فقأ عين صحيح قلعت عينه، وإن عمى فان الحق أعماه، فان قلعت عينه كان بالخيار بين أن يقتص من احدى عينيه أو يأخذ تمام دية كاملة الف دينار، هذا إذا كانت قد ذهبت بآفة من الله تعالى، فان كانت قلعت عينه فأخذ ديتها أو استحقها ولم يأخذها ففي العين الاخرى نصف الدية فحسب (2). مسالة: قال الشيخ في النهاية: الاعور إذا فقأ عين صحيح قلعت عينه، وإن عمى فان الحق اعماه، فان قلعت عينه كان مخيرا بين أن يأخذ الدية كاملة أو يقلع إحدى عيني صاحبه ويأخذ نصف الدية (3). وكذا في المبسوط (4). وفي الخلاف: إذا قلع عين اعور أو من ذهبت عينه بآفة من الله تعالى كان بالخيار بين أن يقتص من احدى عينه أو يأخذ تمام دية كاملة ألف دينار (5) ولم يتعرض للاخذ مع القصاص. والذي رواه الصدوق في كتاب المقنع (6) يدل على قول الشيخ في النهاية، وبه قال ابن حمزة (7). وقال المفيد: وإذا قلع صحيح عينه الباقية كان مخيرا بين ديتها - على ما

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 ح 1060، وسائل الشيعة: ب 29 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 254 - 255.
(2) السرائر: ج 3 ص 381.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 432.
(4) المبسوط: ج 7 ص 146.
(5) الخلاف: ج 5 ص 251 المسألة 57. (6) المقنع: ص 183 - 184.
(7) الوسيلة: ص 446 - 447.

[ 365 ]

قدمناه - أو يقلع احدى عيني صاحبه، وليس له مع قلعها شئ سواه (1). وقال ابن ادريس: الاعور إذا فقأ عين صحيح قلعت عينه (وإن فقئت عينه) (2) فان الحق اعماه، فان قلعت عينه كان بالخيار بين أن يقتص من إحدى عينه أو يأخذ تمام ديته كاملة ألف دينار إذا كانت قد ذهبت بآفة من الله تعالى، ثم نقل كلام الشيخ في النهاية. ثم قال: وما اخترناه هو اختياره في مسائل خلافه، فانه رجع عما ذكره في نهايته. وهو الذي يقتضيه الادلة ويحكم بصحته ظاهر التنزيل، لانه تعالى قال: (العين بالعين) ولم يقل: العين بالعين ونصف الدية، ولان الاصل براءة الذمة. فمن شغلها بنصف الدية يحتاج الى دليل (3). وقول الشيخ لا بأس به، لان دية عين الاعور خلقة ألف دينار، فلا يؤخذ عوضها ما قيمة النصف، إلا بعد رد التفاوت تحفظا من الظلم عليه. وما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى امير المؤمنين - عليه السلام - في رجل أعور اصيبت عينه الصحيحة ففقئت ان تفقأ احدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وان شاء اخذ دية كاملة ويعفو عن صاحبه (4). وعن عبد الله بن الحكم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين أعور، فقال: عليه الدية كاملة، فان شاء الذي فقئت عينه ان يقتص من صاحبه ويأخذ خمسة آلاف درهم فعل، لان له الدية كاملة وقد أخذ

(1) المقنعة: ص 761.
(2) في المصدر بدل ما بين المعقوفتين " وان عمي " وفي المطبوع من الكتاب وإن فقئت عينيه ". وعلى أي حال ما في نسخ المختلف لا يخلو عن إشكال لفظا ومعنى.
(3) السرائر: ج 3 ص 381.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 269 ح 1057، وسائل الشيعة: ب 27 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 252.

[ 366 ]

نصفها بالقصاص (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وفي العين القائمة إذا خسف بها ثلث ديتها صحيحة (2)، وكذا في الخلاف (3) والمبسوط (4)، ونحوه قال الصدوق في المقنع (5)، وابن الجنيد، وأبو الصلاح (6)، وابن حمزة (7). وقال المفيد: ومن كانت عينه ذاهبة وهي قائمة غير مخسوفة فلطمه انسان فانخسفت بذلك أو كانت مفتوحة فانطبقت أو كان سوادها باقيا فذهب فعليه ربع دية العين الصحيحة لذهابه بجمالها، وفي العينين إذا أصابهما ذلك ربع ديتهما إذا كانتا صحيحتين (8). وقال سلار: فأما من لا يبصر شيئا وعينه قائمة فذهبتا (9) ففيها ربع دية العينين الصحيحتين، وفي كل واحدة نصف ذلك (10). وقال ابن ادريس: وفي العين القائمة إذا خسف بها ثلث ديتها صحيحة، وكذا في العين العوراء التي اخذت ديتها أو استحقها صاحبها ولم يأخذها ثلث ديتها صحيحة على ما بيناه، وشيخنا أبو جعفر في نهايته فرق بينهما بأن قال: إذا قلع العين العوراء التي اخذت ديتها أو استحقت الدية ولم يؤخذ نصف الدية - يعني: ديتها - فان خسف بها ولم يقلعها ثلث ديتها، والاولى عندي أن في القلع والخسف ثلث ديتها، فأما إذا كانت عوراء والعور من الله فلا خلاف بين

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 269 ح 1058، وسائل الشيعة: ب 27 من ابواب ديات الاعضاء ح 4 ج 19 ص 253.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 433.
(3) الخلاف: ج 5 ص 260 المسألة 71.
(4) المبسوط: ج 7 ص 128 و 129 و 152.
(5) المقنع: ص 189.
(6) الكافي في الفقه: ص 396.
(7) الوسيلة: ص 446.
(8) المقنعة: ص 760.
(9) كذا في نسخة ق 2 وفاقا للمصدر، وفي نسخة م 3 فيهما بدل فيها.
(10) المراسم: ص 244.

[ 367 ]

أصحابنا أن فيها ديتها كاملة خمسمائة دينار (1). وهذا كله اضطراب وقلة تأمل وقلة تحصيل اقتضاه عدم قوته المميزة، وحمله كلام الشيخ في قوله: " وفي عين العوراء الدية كاملة " على العين التى ذهب ضوؤها. وليس مراد الشيخ ذلك ولا قصده، بل إنما قصد الصحيحة كما تضمنه الخبر السابق، بقى البحث بين الشيخين. أما المفيد فقد احتج بما رواه عبد الله بن أبي جعفر، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في العين العوراء تكون قائمة يخسف بها، قال: قضى فيها علي - عليه السلام - بنصف الدية في العين الصحيحة (2). وعن عبد الله بن سليمان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل فقأ عين رجل ذاهبة وهي قائمة، قال: عليه ربع دية العين (3). وأما الشيخ فانه احتج بما رواه بريد بن معاوية في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - أنه قال: في لسان الاخرس وعين الاعور وذكر الخصي الحر وانثييه ثلث الدية (4). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: سأله بعض آل زرارة عن رجل قطع لسان رجل أخرس، فقال: إن كان ولدته امه وهو أخرس فعليه ثلث الدية، وإن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعد ما كان يتكلم فان

(1) السرائر: ج 3 ص 381 - 382.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 ح 1060، وسائل الشيعة: ب 29 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 254 - 255.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 ح 1061، وسائل الشيعة: ب 29 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 255 وفيهما: " وعين الاعمى وذكر ".
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 ح 1062، وسائل الشيعة: ب 31 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 256.

[ 368 ]

على الذي قطع لسانه ثلث دية لسانه. قال: وكذلك القضاء في العينين والجوارح، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي - عليه السلام - (1) وهذه الروايات أصح طريقا فيتعين العمل بها. تذنيب: قال أبو الصلاح: وفي خسف العين الواقفة العمياء ثلث ديتها، وفي طبق المفتوحة أو ذهاب سوادها مع تقدم العماء ربع ديتها (2). وظاهر كلام المفيد التسوية كما حكيناه في المسألة، وهو أقرب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وفي شحمة الاذن ثلث دية الاذن، وكذلك في خرمها ثلث ديتها (3). وقال ابن ادريس: يعني: في خرم الشحمة ثلث دية الشحمة، وهو ثلث الثلث الذي هو دية الشحمة (4). وقال ابن حمزة: وفي شحمة الاذن القصاص أو ثلث الدية، وفي قطع بعضها كذلك والخرم ديتها ثلث دية الاذن إذا لم تبن، ولم يلزم فيه القصاص إلا بعد أن يندمل ولم يتصل، فان اتصل سقط القصاص وفيه حكومة، وإن سرى إلى السمع لم يدخل أرش الجناية في أرشه وغير القطع والخرم - وهو الثقب - فيه حكومة (5). وقال الشيخ في الخلاف: في شحمة الاذن ثلث دية الاذن، وكذلك في خرمها (6). وهذا يدل على أنه أراد في النهاية خرم الاذن وثلث دية الاذن لا كما قال ابن ادريس.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 ح 1063، وسائل الشيعة: ب 31 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 257.
(2) الكافي في الفقه: ص 396.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 433.
(4) السرائر: ج 3 ص 382.
(5) الوسيلة: ص 446.
(6) الخلاف: ج 5 ص 234 المسألة 19.

[ 369 ]

وقال في المبسوط: الاذنان فيهما الدية، ويجب بقطع اشرافهما وهو الاذن المعروف، والجلد القائم بين العذار والبياض التي حولها وفي كل واحدة منهما نصف الدية، فان قطع بعض الاذن ففيها بحساب ذلك من الدية، سواء قطع من أعلاها أو من أسفلها (1). وتأويل ابن ادريس لا دليل عليه. مسألة: في الشفتين معا الدية إجماعا، واختلفوا في التفضيل. فقال ابن أبي عقيل: إنهما بالسوية في كل واحدة نصف الدية. وقال ابن الجنيد: وإذا استوصلت الشفتان ففيهما الدية، وإذا استوصلت العليا ففيها نصف الدية، وفي السفلى ثلث الدية، وإنما فضلت السفلى لانها تمسك الطعام والشراب وترد اللعاب. وقال المفيد: في الشفة العليا ثلث الدية، وفي السفلى ثلثا الدية، لانها تمسك الطعام والشراب، وشينها أقبح من شين العليا، وبهذا ثبتت الاثار عن أئمة الهدى - عليهم السلام - (2) وهو اختيار الشيخ في المبسوط (3)، وسلار (4)، وأبي الصلاح (5). وللشيخ قول آخر: إن في العليا خمسي الدية، وفي السفلى ثلاثة أخماسها، اختاره في النهاية (6)، والخلاف (7)، وكتابي الاخبار (8)، وهو قول الصدوق في المقنع (9)، ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (10)، وبه قال ابن حمزة (11).

(1) المبسوط: ج 7 ص 125.
(2) المقنعة: ص 755.
(3) المبسوط: ج 7 ص 132.
(4) المراسم: ص 244.
(5) الكافي في الفقه: 398. (6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 434.
(7) الخلاف: ج 3 ص 125 المسألة 30.
(8) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 246 ح 974، الاستبصار: ج 4 ص 288 ح 1086.
(9) المقنع: ص 180.
(10) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 81.
(11) الوسيلة: ص 443.

[ 370 ]

وقال ابن ادريس قولا يدل على اضطرابه وهو: إن في العليا منهما ثلث الدية، وفي السفلى ثلثاها، ثم نقل كلام الشيخ في النهاية، ثم قال: إلا أنه رجع في مبسوطه الى ما اخترناه فانه قال: في السفلى عندنا ثلثاها، وفي العليا الثلث، وهذا هو الاظهر، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا، وما اخترناه مذهب شيخنا المفيد في مقنعته، وذهب بعض أصحابنا الى أنهما متساويتان في الدية فيهما جميعا الدية، وفي احداهما نصف الدية، وهو قول ابن أبي عقيل في كتابه، وهو قول قوي، إلا أن يكون على خلافه إجماع، ولا شك أن الاجماع منعقد على تفضيل السفلى، والاتفاق حاصل على الستمائة دينار، والاصل براءة الذمة في ما زاد عليه، وبهذا القول الاخير أعمل وافتى به، وهو خيرة شيخنا في الاستبصار (1). فانظر إلى اختياره أولا من إيجاب الثلثين في السفلى، ونسبة كلام الشيخ في النهاية إلى أنه من أخبار الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا، ثم تقوية كلام ابن أبي عقيل، مع أنه ذكر أنه مخالف للاجماع، ثم اختياره أخيرا لما ضعفه أولا، ونسبه الى أخبار الاحاد، وأنه الذي به يفتي وعليه نعمل، وهذا الرجل لا يبالي بتناقض أقواله واختلالها. والوجه ما اختاره الشيخ في النهاية. لنا: أن منفعة السفلى أكثر، فناسب ذلك كثرة ديتها وزيادتها على دية العليا. والتقدير مستند إلى رواية أبان بن تغلب، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الشفة السفلى ستة آلاف، وفي العليا أربعة آلاف، لان السفلى تمسك الماء (2). وفي طريقها أبو جميلة، وفيه قول، لكنها أوضح من غيرها.

(1) السرائر: ج 3 ص 382.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 246 ح 974، وسائل الشيعة: ب 5 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 222.

[ 371 ]

احتج ابن أبي عقيل بما رواه زرعة، عن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال: الشفتان العليا والسفلى سواء في الدية (1). قال الشيخ: المراد بالتسوية بينهما في وجوب الدية لا في مقداره فيكونان متساويتين من حيث يجب لكل واحدة منهما الدية وان تفاضلا في المقدار (2). مسألة: في اللسان الصحيح الدية كاملة، وكذا في النطق لو ذهب بالجناية على اللسان. قال الشيخ في النهاية: في اللسان إذا قطع فلم يفصح بشئ من الكلام الدية كاملة، فان أفصح ببعض ولم يفصح ببعض عرض عليه حروف المعجم وهي ثمانية وعشرون، فما أفصح منها طرح عنه، وما لم يفصح الزم الدية بحساب ذلك لكل حرف جزء من ثمانية وعشرين جزءا (3). وقال في المبسوط: في اللسان الدية، فان جني على لسانه فذهب نطقه ففيه كمال الدية، فان ذهب ذوقه ففيه الدية، وإذا جني على لسانه فذهب بعض كلامه فالصحيح عندنا وعندهم أنه يعتبر بحروف المعجم كلها وهي: ثمانية وعشرون حرفا، ولا يعد لا فيها فان كان النصف منها ففيه نصف الدية، وما زاد أو نقص فبحسابه، فان قطع بعض اللسان نظرت، فان قطع ربعه فذهب ربع الكلام أو نصفه فذهب نصف الكلام ففيه من الدية بحساب ذلك، لانه وافق القطع والكلام معا، وإذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أو نصف اللسان فذهب ربع الكلام كان فيه نصف الدية بلا خلاف، واختلفوا في تعليله، فمنهم من قال: الجناية إذا كانت على عضو ذي منفعة أوجبت الدية في

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 246 ح 975، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 10 ج 19 ص 216.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 246 ذيل الحديث 975، وفيه: " وإن تفاضلتا في المقدار ".
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 434 - 435.

[ 372 ]

أغلط الامرين، فان كانت دية المنفعة أكثر أوجبتها، وإن كانت دية ما أتلف أكثر أوجبتها، فان قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام أوجبت نصف الدية، لان دية المنفعة أكثر، ولو قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه أوجبت نصف الدية اعتبارا بالمقدار المقطوع، لان المنافع أقل، وقال بعضهم: إذا قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه أوجبت نصف الدية اعتبارا باللسان، وذلك أنه قد قطع الربع وشل ربع آخر بعد قطعه، لانا اعتبرنا ذلك بالحروف فوجدناها نصف الكلام فعلمنا أنه قطع الربع وشل الربع الاخر فأوجبنا نصف الدية ربعها بقطع ربعه وربعها بشل ربعه (1). وقال المفيد: في اللسان إذا قطع من أصله الدية كاملة، وفي قطع بعضه بحساب ذلك، والعبرة في ما ينقص من اللسان بحساب حروف المعجم وهي ثمانية وعشرون حرفا لكل حرف منها جزء من الدية بحسابها على السواء، فان أخل في كلامه بحرف واحد كان له جزء من ثمانية وعشرين جزء من أصل ألف دينار، وإن أخل باثنين كان له من ذلك جزءان، ثم على هذا الحساب في جميع ما أخل به من الاحرف على ما ذكرناه (2). وقال ابن الجنيد: وفي اللسان كله إذا قطع أو ذهب النطق بقطع بعضه الدية، وفي ما قطع منه أو نقص من النطق بحساب ذلك. وقال أبو الصلاح: وفي ذهاب النطق الدية كاملة، وفي بعضه بحساب حروف المعجم يلزم الجاني من أقساط الدية بعدد ما يختل النطق به منها، وفي اللسان الدية كاملة، وفي بعضه بحساب ذلك يقاس بالميل (3). وقال ابن ادريس - لما نقل كلام شيخنا في المبسوط: والذي يقتضيه الادلة

(1) المبسوط: ج 7 ص 133 - 134 - 135.
(2) المقنعة: ص 757.
(3) الكافي في الفقه: ص 397.

[ 373 ]

أن اللسان الصحيح الاعتبار فيه بحروف المعجم لا بقطع أبعاضه، فإذا قطع نصف اللسان فذهب ربع الكلام فعليه ربع الدية اعتبارا بالكلام دون نصف اللسان، وكذلك إذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام كان عليه نصف الدية اعتبارا بالكلام، فلو كان الاعتبار بالابعاض من اللسان لكان عليه ربع الدية، لانه ما قطع هاهنا سوى ربع اللسان (1). والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط، وهو الظاهر من كلام أبي الصلاح. لنا: أن في اللسان الصحيح الدية كاملة إذا استوصل قطعه، وفي النطق مع بقائه أيضا الدية كاملة، وكذا في بعض الحروف مع بقائه دية الذاهب من الحروف. روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ضرب الرجل على رأسه فثقل لسانه عرض عليه حروف المعجم، فما لم يفصح به كانت الدية بالقصاص من ذلك (2). مسألة: إذا جني على لسانه فذهب كلامه واللسان صحيح بحاله وحكم له بالدية ثم عاد فتكلم فللشيخ قولان: ففي المبسوط: أنه يرد الدية، لانه لما نطق بعد أن لم ينطق علمنا أن كلامه ما كان ذهب، إذ لو كان ذاهبا ما عاد، لان انقطاعه بالشلل والشلل لا يزول، وليس كذلك إذا قطع لسانه وأخذ الدية ثم نبت فانه لا يرد الدية هنا، لانا نعلم أنه هبة من الله تعالى مجددة فلهذا لم يرد الدية (3). وقال في الخلاف: لا يسترجع، لانه ايجابه يحتاج إلى دليل، لان الاصل

(1) السرائر: ج 3 ص 384.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 262 ح 1038، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات المنافع ح 3 ج 19 ص 274.
(3) المبسوط: ج 7 ص 136.

[ 374 ]

أخذه له بالاستحقاق (1). وقوله في المبسوط أقرب، لكن يجب عليه الارش. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في الاسنان كلها الدية كاملة، والتي يقسم عليها الدية ثمانية وعشرون سنا، ستة عشر في مواخير الفم واثنا عشر في مقاديمه، فالتي هي في مواخير الفم لكل سن منها خمسة وعشرون دينارا فذلك أربعمائة دينار، والتي في مقاديم الفم لكل سن منها خمسون دينارا فذلك ستمائة دينار الجميع ألف دينار وما زاده على ما ذكرناه في العدد فليس له دية مخصوصة، إلا إذا قلعت منفردة فان قطع السن الزائد مفردا كان فيه ثلث دية السن الاصلي (2). وقال المفيد: وما زاد على هذه الاسنان في العدد، فليس له دية موظفة، لكنه ينظر في ما نقص من قيمة صاحبه بذهابه منه ان لو كان عبدا ويعطي بحساب دية الحر منه (3). وسلار نقل المذهبين معا ولم يفت بشئ منهما (4). وقال الصدوق في المقنع: فان زاد على الاسنان واحد على الثمانية وعشرين التي هي الخلقة السوية فلا دية له، لانه قد زاد على الثمانية وعشرين، وما نقص فلا دية له (5). وفي كتاب من لا يحضره الفقيه - لما ذكر قضاء أمير المؤمنين - عليه السلام - في الاسنان وأنها ثمانية وعشرون وديتها ألف دينار - قال: فما نقص فلا دية له وما زاد فلا دية له، ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب: إذا اصيب الاسنان كلها فما زاد على الخلقة المستوية - وهي ثمانية وعشرون

(1) الخلاف: ج 5 ص 242 المسألة 36.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 435.
(3) المقنعة: ص 756.
(4) المراسم: ص 245 - 246.
(5) المقنع: ص 190.

[ 375 ]

سنا - فلا دية له، وإذا اصيب الزائدة منفردة عن جميعها ففيها ثلث دية التي تليها (1). وقال ابن البراج: السن الزائدة هي التي تكون خارجة عن صف الاسنان وعن سمتها إما من خارج الفم أو داخل الفم، فان جنى انسان على ما هذه صفته ولم يكن له سن زائدة فليس في ذلك قصاص وعليه ثلث دية السن الاصلي، وان كان له سن زائدة في غير محل المقلوعة فليس في ذلك أيضا قصاص وعليه ثلث دية السن الاصلي، وان كان للجاني سن زائدة في محلها كان المجني عليه مخيرا بين القصاص وبين العفو على مال (2). وقال أبو الصلاح: في الاسنان وهي ثمانية وعشرون سنا الدية، وفي ما زاد على هذا العدد من الزوائد الارش (3). وقال ابن حمزة: الاسنان إن كانت زائدة وللجاني مثلها ففيها القصاص أو الدية وديتها ثلث دية الاصلية، وان لم يكن له مثلها ففيه الارش، وإذا قلع جميع الاسنان ففيها القصاص أو دية النفس وما يقسم عليه الدية ثمانية وعشرون، وما زاد عليه زائد، وفي كل واحدة من مقاديم الاسنان - وهي اثنتا عشرة - خمسون دينارا، وفي كل واحدة من المواخير - وهي ستة عشر - ربع العشر، وإن نقص منها شئ نقص من الارش، وإن زاد عليها شئ كان في الزائد ثلث دية ما يجنيه (4). ونقل ابن ادريس كلام الشيخين، ثم قال عن كلام شيخنا في النهاية: انه قوي، وبه أخبار كثيرة معتمدة (5).

(1) من لا يحضره: ج 4 ص 136 ح 5300 وذيله.
(2) المهذب: ج 2 ص 484 - 485.
(3) الكافي في الفقه: ص 398.
(4) الوسيلة: ص 448.
(5) السرائر: ج 3 ص 386.

[ 376 ]

والوجه أن نقول: إن قلعت الزائدة منفردة كان فيها ثلث دية الاصلية، وإن قلعت منضمة ففيها الحكومة، لما رواه الحكم بن عتيبة، عن الباقر - عليه السلام - وذكر عدد الاسنان ثمانية وعشرون سنا وإنما وضعت الدية على هذا، قال: فما زاد على ثمانية وعشرين سنا فلا دية له، وما نقص فلا دية له، هكذا وجدناه في كتاب علي - عليه السلام - (1). وهذا محمول على الانضمام، وأنه لا دية منفردة له حينئذ، ولا يلزم منه نفي الارش، لان فيه ألما ونقصا في خلقته، على أن ايجاب الارش في الحالين لا بأس به. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في السن الاسود ربع دية السن الصحيح (2). وقال في الخلاف: ثلث دية الصحيحة (3). وفي المبسوط: إذا ضرب سن الرجل فلم يتغير منها إلا اللون فان كان التغير سوادا مع بقاء قوتها ومنافعها ففيها حكومة، وقد روى أصحابنا فيه مقدارا ذكرناه في النهاية، وإن كان خضره دون السواد ففيها حكومة، وإن صارت صفراء ففيها حكومة دون الخضرة، لان السن يصفر من غير علة، فان قلعها قالع بعد هذا فعليه الدية، لانها سن بحالها، وإنما لحقها شين فان ذهب مع هذا التغير بعض منافعها كأنها ضعفت عن القوة التى كانت عليه في عض المأكول ونحو ذلك ففيها حكومة لاجل الشين والضعف معا (4). وقال الصدوق في المقنع: في السن الاسود ثلث دية السن، فان كان مصدوعا فربع دية السن (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 254 ح 1005، وسائل الشيعة: ب 38 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 262.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 437.
(3) الخلاف: ج 5 ص 246 المسألة 46.
(4) المبسوط: ج 7 ص 141.
(5) المقنع: ص 180.

[ 377 ]

ولابن البراج قولان: ففي الكامل كقول الشيخ في النهاية، وفي المهذب (1) كقوله في الخلاف، وابن حمزة (2) وافق كلام الشيخ في الخلاف، وبه قال ابن ادريس (3)، وهو المعتمد. لنا: ان في قلع السن دية موظفة، وفي اسودادها ثلثي ذلك، ففي قلعها بعد الاسوداد الثلث لتكمل الدية ولا ينقص منها شئ. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن ضرب سن صبي فسقط انتظر به، فان نبتت كان فيها الارش ينظر في ما ينقص من قيمته بذلك أن لو كان مملوكا ويعطى بحساب دية الحر منها (4). ونحوه في الخلاف (5)، وهو قول الشيخ المفيد في المقنعة (6). وقال في المبسوط: الذي رواه أصحابنا في كل سن بعير، ولم يفصلوا (7). يعني: الى العود وعدمه. وقال ابن الجنيد: وفي أحد أسنان الصبي التي نبتت إذا ضرب فسقطت فان نبتت ففيها بعير، وإن لم تنبت ففيها ديتها وما كان منها لا يتغير كالضرس فان لم ينبت فديته، وإن نبتت ففيه ثلث الدية. وقال أبو الصلاح: وفي سن الصبى قبل ان ثيغر (8) عشر عشر الدية (9) وقال ابن البراج في الكامل كقول الشيخ في النهاية. وقال في المهذب: فان قلع سنا وكان سن متغير (10) لم يكن فيها قصاص في الحال ولا دية، لانها مما يرجى رجوعه، وينبغي للمجني عليه أن يصبر حتى

(1) المهذب: ج 2 ص 484.
(2) الوسيلة: ص 448.
(3) السرائر: ص 386.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 438 - 439، وفيه: " دية الحر منها ".
(5) الخلاف: ج 5 ص 244 المسألة 39.
(6) المقنعة: ص 757.
(7) المبسوط: ج 7 ص 138.
(8) في (م 3): أن يتغير (9) الكافي في الفقه: ص 398.
(10) كذا في المصدر أيضا، وفي المطبوع: مثغر.

[ 378 ]

يسقط أسنانه التي هي أسنان اللبن وتعود، فإذا سقطت وعادت ولم تعد المقلوعة سئل أهل الخبرة فان ذكروا أنها لا يؤيس من رجوعها الى وقت كذا فينبغي أن يصبر الى ذلك الوقت، فان لم تعد علم أنه قد أعدم انباتها وآيس من عودها، وكان حينئذ المجني عليه مخيرا بين القصاص وبين العفو على مال ويأخذ دية سن، كما لو قلع سن من قد أثغر، والمثغر هو الذي قد سقطت أسنان اللبن من ثغره ونبت موضعها غيرها، فان عادت في الوقت الذي ذكره أهل الخبرة أو مع عود الاسنان وكانت متغيرة سوداء أو خضراء أو صفراء فالظاهر أنه من فعله فيكون عليه حكومة، وإن رجعت كما كانت سالمة من التغير والنقصان لم يكن فيها قصاص ولا دية (1). وهذا أخذه من قول شيخنا في المبسوط، إلا أن الشيخ زاد فقال: واما إسالة الدم فان كان عن حرج في غير مغرزها وهو اللحم الذي حول السن ويحيط بها ففيه حكومة، لانها جناية على محل السن، وإن كان من نفس مغرزها قال قوم: فيها حكومة، وقال قوم: لا شئ عليه، والاول أقوى (2). وقال ابن حمزة: إن كانت أصلية وكانت سن صغير وجب لكل سن بعير (3). وقال ابن ادريس: الذي قاله الشيخ في نهايته هو مذهب جميع أصحابنا، وما قاله في مبسوطه لم يذهب أحد من أصحابنا إليه ولا أفتى به ولا وضعه في كتابه على ما أعلمه (4). وهذا جهل من ابن ادريس، وقلة تحصيل، ومن أجل من شيخنا - رحمه الله -

(1) المهذب: ج 2 ص 483.
(2) المبسوط: ج 7 ص 97، مع اختلاف.
(3) الوسيلة: ص 448.
(4) السرائر: ج 3 ص 387.

[ 379 ]

وقد وضعه في كتابه. وكذا ابن الجنيد، وأبو الصلاح (1)، وابن حمزة (2) كلهم أفتوا بقول شيخنا في المبسوط. وقد روى الشيخ عن مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن عليا - عليه السلام - قضى في سن الصبي قبل أن يثغر بعيرا بعيرا في كل سن (3). والاولى ذلك، لهذا النقل، وعمل أكثر الاصحاب. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قلع سن مثغر كان له قلع سنه، فإذا قلعه ثم عاد سن الجاني كان للمجني عليه أن يقلعه ثانيا أبدا (4)، ومثله قال ابن حمزة (5). وقال ابن ادريس: هذا قول الشافعي اختاره شيخنا، ثم استدل شيخنا بما يضحك الثكلى فقال: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، يا سبحان الله من أجمع معه على ذلك وأي اخبار لهم فيه! وإنما أجمعنا في الاذن لانها ميتة لا يجوز الصلاة له، لانه حامل نجاسة فيجب إزالتها ولا جماعنا عليه وتواتر أخبارنا، فالتعدية إلى السن قياس، وهو باطل عندنا، ولان السن هبة مجددة من الله تعالى خلقة ليست تلك المقلوعة فكيف تقلع أبدا!؟ وهذا منه - رحمه الله - اغفال في التصنيف، فانه قد رجع عن ذلك في مبسوطه (6). وهذا جهل من ابن ادريس وقلة تأمل وعدم تحصيل، وذلك لقصور قوته

(1) الكافي في الفقه: ص 398.
(2) الوسيلة: ص 448.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 256 ح 1010، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ديات الاعضاء ح 6 ج 19 ص 225.
(4) الخلاف: ج 5 ص 204 المسألة 77. (5) الوسيلة: ص 448.
(6) السرائر: ج 3 ص 387، مع اختلاف.

[ 380 ]

المميزة وشدة جرأته على شيخنا - رحمه الله - وكثرة سلاطته وسوء أدبه، مع قصوره عن أن يكون أقل تلامذة شيخنا - رحمه الله -. وقوله: " أن شيخنا - رحمه الله - قد رجع ذلك في مبسوطه " إفتراء عليه. فان الشيخ نقل عمن تقدمه ثلاثة أقوال: أحدها: إن له قلعها أبدا، لانه أعدم سن المجني عليه فله قلعها أبدا حتى يعدم إنباتها. ثم قال: وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقال آخرون: ليس له قلعها ولا دية، وقال آخرون: له الدية دون القلع ثانيا (1). وهذا لا رجوع فيه عما قاله في الخلاف، بل فيه تقوية لما اختاره في خلافه، حيث قال: " وهو الذي يقتضيه مذهبنا " وأي استبعاد في ذلك، فان الجناية توجب القصاص وهو المماثلة، فكما أعدم سن المجني عليه كذا يجب أن يعدم سن الجاني. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قلع سن مثغر وأخذ ديتها ثم نبت السن لم يجب عليه رد الدية، لعدم الدلالة (2). وقال ابن البراج: عليه الرد، لان السن التي قد أخذ الدية عنها قد عادت (3). والوجه ما قاله في الخلاف. لنا: أن العادة قاضية بعدم العود، فإذا عادت كانت هبة من الله تعالى مجددة، وإنما اخذ الدية عن المقلوعة لا عن المتجددة هبة. تذنيب: قال ابن البراج: لو اقتص المجني عليه ثم نبت سنه كان عليه دية سن الجاني التي أخذها قصاصا، وليس عليه هو قصاص في ذلك، وقد ذكر

(1) المبسوط: ج 7 ص 99.
(2) الخلاف: ج 5 ص 204 المسألة 78.
(3) المهذب: ج 2 ص 484.

[ 381 ]

خلاف قولنا هذا، والاحتياط يتناول ما ذكرناه (1). وقال في المبسوط: من قال: هذه هبة مجددة فقال: لا شئ عليه، لانه أخذ القصاص في سنه وقد وهب الله له سنا، ومن قال: هذه تلك قال: عليه دية سن الجاني، لانا بينا أنه أخذ القصاص بغير حق ولا قصاص عليه، لانه إنما أخذ سن الجاني قصاصا ولا قصاص عليه فيما أخذه قصاصا فيكون عليه الدية (2). والمعتمد ما قلناه في المسألة السابقة، لانه هبة مجددة من الله تعالى فلا تستعاد الدية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في أصابع اليدين الدية كاملة، وفي كل واحدة منها عشر الدية، وقد روي أن في الابهام ثلث دية اليد، وفي الاربع أصابع كلها ثلثا ديتها بينها بالسوية، وفي أصابع الرجلين الدية كاملة، وفي كل واحدة منها عشر الدية، وقد روي أن في الابهام منها ثلث دية الرجل والثلين في الاصابع الاربع، كما ذكرناه في اليدين سواء (3). وقال في المبسوط: الواجب فيها بالسوية كل اصبع عشر من الابل وروى أكثر أصحابنا أن في الابهام ثلث الدية، وفي الاربع ثلثي دية اليد. ثم قال: والخلاف في أصابع الرجلين كالخلاف في أصابع اليدين في كل واحدة عشر من الابل يتساوى فيه عندهم وعندنا في الابهام ثلث دية الرجل (4). وفي الخلاف: في الخمس الاصابع من يد واحدة خمسون من الابل بلا خلاف، وروى أصحابنا أن في الابهام منها ثلث ديتها، وفي الاربع أصابع

(1) المهذب: ج 2 ص 484.
(2) المبسوط: ج 7 ص 99، وفيه: " قال عليه رد الدية ".
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 440 و 443.
(4) المبسوط: ج 7 ص 143 و 144.

[ 382 ]

منها ثلثا ديتها بالسوية، وقال الشافعي: الخمسة متساوية في كل واحدة عشر من الابل، وقد روي ذلك أيضا في أخبارنا، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم. ثم قال: والخلاف في أصابع الرجلين كالخلاف في اصابع اليدين في تفضيل الابهام عندنا وعند الفقهاء متساوية، واستدل باجماع الفرقة (1). وقال الصدوق في المقنع: دية كل اصبع ألف درهم (2)، وهو موافق لقول شيخنا في النهاية وبه قال المفيد (3). وقال ابن الجنيد: وقد روي اختلاف دية الاصابع عن امير المؤمنين علي - عليه السلام - فانه جعل في إبهام اليد ثلث ديتها، وفي كل واحدة من الاربع ربع ما بقي من دية اليد. وسلار أفتى بالتسوية بين الاصابع، وجعل في كل اصبع عشر الدية من اليدين والرجلين (4)، كقول الشيخين، وبه قال ابن أبي عقيل، وهو قول ابن البراج (5). وقال أبو الصلاح: في كل اصبع عشر الدية إلا الابهام فديتها ثلث دية اليد، وفي مفصلها نصف ديتها، وفي مفصل الطرف من كل اصبع عدا الابهام ثلث ديتها وفي الباقي ثلثا ديتها، وفي الرجلين الدية كاملة، وفي احداهما نصف الدية، وفي كل اصبع من اصابعها عشر الدية، وفي مفصلها نصف ديتها (6). وقال ابن حمزة: في قطع أنملة الابهام القصاص أو نصف ديتها وديتها ثلث دية اليد، وفي قطع أنملة سواها ثلث ديتها وهي سدس دية اليد (7). وجعل أصابع الرجل كأصابع اليد.

(1) الخلاف: ج 5 ص 248 المسألة 50 وص 250 المسألة 54.
(2) المقنع: ص 180.
(3) المقنعة: ص 756.
(4) المراسم: ص 245.
(5) المهذب: ج 2 ص 487.
(6) الكافي في الفقه: ص 398.
(7) الوسيلة: ص 452.

[ 383 ]

والوجه ما قاله الشيخ في النهاية والمفيد في المقنعة، وهو قول ابن ادريس (1). لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الاصابع اسواء هن في الدية؟ قال: نعم (2). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: أصابع اليدين والرجلين سواء في الدية، وفي كل اصبع عشر من الابل، وفي الظفر خمسة دنانير (3). وعن سماعة قال: سألته عن الاصابع هل لبعضها على بعض فضل في الدية؟ فقال: هي سواء في الدية (4). وعن ابي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الاصابع في كل اصبع عشر من الابل (5). قال الشيخ في كتابي الاخبار: هذه الاخبار متفقة غير مختلفة، وقد روى ظريف بن ناصح في رواية: أن الاصابع متساوية إلا الابهام فان لها دية مفردة وهي ثلث دية اليد وثلثا الدية بين الاربع أصابع بالسواء، ويجوز أن تحمل هذه الروايات على هذا التفصيل. واما ما تضمن رواية أبي بصير وعبد الله بن سنان " أن في كل اصبع عشر من الابل يجوز ان يكون من كلام الراوي " وهو أنه لما

(1) السرائر: ج 3 ص 388.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 257 ح 1015، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب ديات الاعضاء ح 3 ج 19 ص 264.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 257 ح 1016، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب ديات الاعضاء ح 4 ج 19 ص 264. (4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 259 ح 1023، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب ديات الاعضاء ح 6 ج 19 ص 265.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 259 ح 1024، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب ديات الاعضاء ح 7 ج 19 ص 265.

[ 384 ]

سمع أن الاصابع سواء في الدية ففسر هو لكل اصبع عشرة من الابل، ولم يعلم أن هذا الحكم مختص بالاصابع الاربعة، وإنما قلنا هذا ليكون العمل على جميع الاخبار دون اطراح شئ منها (1). وهذا الذى ذكره الشيخ بعيد جدا، لان تطرق مثل ذلك إلى ما رواه يسقط الاحتجاج بها جملة، ومع ذلك فقد روى الحكم بن عيينة، عن الباقر - عليه السلام - قال: وفي كل اصبع من اصابع اليدين الف درهم، وفي كل اصبع من أصابع الرجلين ألف درهم (2). وقول أبى الصلاح مشكل، فانه جعل في الابهام ثلث دية اليد، وفي البواقي في كل واحدة عشر دية اليد، وهو يقتضي نقصا لا موجب له، ثم كلامه يقتضي الفرق بين أصابع اليدين والرجلين، مع أن احدا من علمائنا لم يفصل بينهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في الظفر إذا قلع ولم يخرج أو خرج أسود عشرة دنانير (3) وبه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال ابن الجنيد: في دية الظفر من ابهام اليد عشرة دنانير، وفي كل واحد من الاربع الباقية خمسة دنانير، وفي ظفر ابهام الرجل ثلاثون دينارا، وفي كل واحد من أظفار الباقية الاربع عشرة دنانير، فان قلع شئ من ذلك فلم ينبت أو نبت أسود معيبا ففيه الدية، وان خرج على ما كان نباته ففيه نصف ديته.

(1) الاستبصار: ج 4 ص 292 ذيل الحديث 1102، تهذيب الاحكام: ج 10 ص 259 ذيل الحديث 1024، مع اختلاف (2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 254 ح 1004، وسائل الشيعة: ب 39 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 263 وليس فيه: " وفي كل اصبع من أصابع اليدين ألف درهم. " (3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 440.
(4) لم نعثر عليه.
(5) الوسيلة: ص 454.

[ 385 ]

وقال ابن ادريس: وفي الظفر إذا قلع ولم يخرج عشرة دنانير، فان خرج أسود فثلثا ديته، وما ذكرناه أولى من قول الشيخ، لان الاصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل، وأيضا فليس خروجه أسود كلا خروجه بالكلية (1). وقوله ابن ادريس لا بأس به. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ويقتص للرجل من المرأة من الرجل ويتساوى جراحتهما ما لم يتجاوز ثلث الدية، فإذا بلغ ذلك ثلث الدية نقصت المرأة وزيد الرجل، وإذا جرح الرجل المرأة بما يزيد على الثلث وأرادت المرأة أن تقتص منه كان لها ذلك إذا ردت عليه فضل ما بين جراحتهما (2). وقال المفيد: وللمرأة أن تقاص الرجل في ما تساويه في ديته من الاعضاء والجوارح والاسنان، ولا قصاص بينها وبينه في ما زاد على ذلك، لكنها تستحق به الارش والديات (3). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه الادلة أن لها القصاص، في ما تساويه وفي ما تساويه، إلا أن ما تساويه لا يرد إذا اقتصت وفي ما لا تساويه ترد فاضل الدية تقتص حينئذ (4) والظاهر ان مراد الشيخ المفيد أنه لا قصاص بدون الرد وحينئذ ينتفي الخلاف، ولو قصد ظاهر ما يقتضيه لفظه صارت المسألة خلافية، وكان الحق ما ذهب إليه الشيخ في النهاية، لعموم الادلة الدالة على الاقتصاص والروايات الدالة عليه. روى عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: في رجل قتل امرأة متعمدا، فقال: إن شاء أهلها أن يقتلوه يردوا

(1) السرائر: ج 3 ص 388.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 449.
(3) المقنعة: ص 764.
(4) السرائر: ج 3 ص 391.

[ 386 ]

إلى أهله نصف الدية، وإن شاؤوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم (1). وقد روى اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - أن رجلا قتل امرأة فلم يجعل علي - عليه السلام - بينهما قصاصا والزم الدية. قال الشيخ: يحتمل انه لم يجعل بينهما قصاصا لا يحتاج معه الى رد فضل الدية (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الاسكتان والشفرتان عبارة عن شئ واحد (3). وقال ابن ادريس: الاسكتان بكسر الاول وتسكين السن غير المعجمة وفتح الكاف تثنية اسكت، وهما غير الشفرين عند أهل اللغة، وهما اللحم المحيط بشق الفرج، والشفران بضم الشين حاشية الاسكتين (4). وهذا النزاع لفطي، على أن الشيخ قال في المبسوط: الاسكتان والشفران عبارة عن شئ واحد، وهو اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وهما عند اهل اللغة عبارة عن شيئين، قال بعضهم: الاسكتان هو اللحم المحيط بشق الفرج، والشفران حاشية الاسكتين، كما أن للعين جفنين ينطبقان عليهما، وشفرهما هي الحاشية التي تنبت فيها أهداب العين، والاسكتان هنا كالاجفان، والشفران كشفري العين (5). والاولى في ذلك الرجوع إلى أهله اللغة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن أفضى جارية بأن يطأها قبل تسع سنين كان عليه ديتها كاملة يلزم نفقتها إلى أن تموت (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 181 ح 707، وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 59.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 266 ح 1002 وذيله.
(3) المبسوط: ج 7 ص 149.
(4) السرائر: ج 3 ص 392، مع اختلاف.
(5) المبسوط: ج 7 ص 149.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 442.

[ 387 ]

وقال في الخلاف: إذا وطأ زوجته فأفضاها فان كان لها دون تسع سنين كان عليه ضمانها بديتها مع المهر الواجب بالدخول، وإذا وطأ امرأة مكرهة فأفضاها وجب عليه الحد، لانه زان ووجب عليه مهرها ولوطئها ووجب عليه الدية، لانه أفضاها، وإن كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، وإن كان مسترسلا ففيه حكومة، وإذا وطأ بشبهة فأفضاها مثل أن كان النكاح فاسدا أو وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته فوطأها فأفضاها فالحد لا يجب للشبهة ويجب عليه الدية، فان أفضاها فان كان البول مسترسلا فعليه الدية مع الحكومة، وإن كان مستمسكا فالدية بلا حكومة (1). وقال في المبسوط: الافضاء أن يجعل مدخل الذكر وهو مخرج المني، والحيض والولد ومخرج البول واحدا، فان مدخل الذكر ومخرج الولد واحد وهو أسفل الفرج، ومخرج البول من ثقبه كالاحليل في أعلى الفرج وبين المسلكين حاجز رقيق، فالافضاء ازالة ذلك الحاجز، وقال كثير من اهل العلم: الافضاء أن يجعل مخرج الغائط ومدخل الذكر واحدا، وهذا غلط، لان ما بينهما حاجز عريض قوي. فان كانت زوجته استقر المسمى بالتقاء الختانين إن كان لها مسمى. فان كانت مفوضة استقر مهر المثل، فإذا أفضاها بعد هذا فعليه الدية بالافضاء إن وطأها قبل تسع سنين ويلزمه النفقة عليها حتى يموت احدهما، وان كان الافضاء بعد تسع سنين لم يكن مضمونا ولا فصل في ذلك بين أن تكون المرأة بكرا أو ثيبا. فان كانت ثيبا فالمهر والدية والحكومة على ما فصلناه، وكذا إن كانت بكرا ويسقط أرش ازالة البكارة، لان إزالتها مستحق. وإن كانت مكرهة فعليه الحد ولها المهر وعليه الدية بالافضاء، فان كان البول مستمسكا فلا زيادة على الدية، وإن كان مسترسلا ففيه حكومة وعليه الحد، وأما المهر

(1) الخلاف: ج 5 ص 257 - 258 المسألة 66 و 67 و 68.

[ 388 ]

فلا يجب لوجوب الحد. وأما الافضاء فينظر فان كان البول مستمسكا ففيه ثلث الدية، وإن ان مسترسلا فعليه الدية ولا حكومة. ومذهبنا الاول، غير أنه لا يجب به المهر، لانه زنى. فان كانت ثيبا فلا كلام، وإن كانت بكرا وجب المهر والدية، وقال قوم: لا يجب أرش البكارة فانه يدخل في دية الافضاء، ومنهم من قال: يجب، وهو مذهبنا (1). وقال ابن ادريس في تفسير الافضاء كقول الشيخ في المبسوط، ثم قال: وفي الافضاء الدية كاملة، فان كانت بكرا وجب المهر والدية معا، وقال قوم: لا يجب أرش البكارة فانه يدخل في دية الافضاء، ومنهم من قال: يجب أرش البكارة، وهو مذهبنا، لانه لا دليل على دخوله في أرش الافضاء (2). وقال ابن حمزة: وفي افضائها إذا كانت دون تسع سنين ديتها، سواء كان زوجا لها أو غير زوج أو جامعها بشبهة نكاح أو عقد (3). والوجه أن نقول: متى حصل الافضاء بأي المعنيين كان وجبت الدية كملا، ثم إن كانت بكرا دون البلوغ وجب أرش البكارة - وهو المسمى - إن كانت زوجة، ومهر المثل إن كان الوطئ إكراها مع البلوغ أو مطلقا مع عدمه أو شبهة، والنفقة عليها حتى تموت احدهما كما تقدم. تذنيب: لو أفضى الزوجة مع بلوغها لم يكن عليه شئ، ولو قيل: يجب عليه الضمان مع التفريط كان وجها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: في الانثيين معا الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وقد روي أن في اليسرى منهما ثلثي الدية، وفي اليمنى ثلث الدية، لان الولد يكون من اليسرى (4).

(1) المبسوط: ج 7 ص 149 و 150، مع اختلاف.
(2) السرائر: ج 3 ص 393.
(3) الوسيلة: ص 451.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 441 - 442.

[ 389 ]

وقال في الخلاف: في الخصيتين الدية بلا خلاف، وفي اليسرى منهما ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلثها، وبه قال سعيد بن المسيب، لان النسل منها كما رواه أصحابنا، وقال جميع الفقهاء: أنهما متساويان، دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (1). وقال في المبسوط: وفي الخصيتين الدية، وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وفي بعض رواياتنا في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى ثلثها (2). وقال المفيد: في كل واحدة منهما نصف الدية، وقد قيل: إن في اليسرى منهما ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلث الدية، واعتل من قال ذلك بأن اليسرى يكون منها الولد وبفسادها يكون العقم، ولم أتحقق ذلك برواية صحت عندي (3). وقال الصدوق: في المقنع: في الذكر وانثييه الدية. وروي في الانثيين الدية، لليمنى ثلث الدية، ولليسرى ثلثا الدية، لان اليسرى منها الولد (4). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي يحيى الواسطي رفعه الى أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الولد يكون من البيضة اليسرى، وإذا قطعت ففيها ثلثا الدية (5). وقال ابن الجنيد: في الانثيين الدية، وفي اليسرى منهما أيضا الدية، لان الولد منها، وفي اليمنى نصف الدية.

(1) الخلاف: ج 5 ص 259 المسألة 69.
(2) المبسوط: ج 7 ص 152، وفيه: " وفي اليمنى ثلثه ".
(3) المقنعة: ص 755.
(4) المقنع: ص 180، وليس فيه: " وروي في الانثيين... " وقد ذكرها في الهداية: ص 78 فتوى لا رواية.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 152 ح 5337 وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 237.

[ 390 ]

وقال أبو الصلاح: في الخصيتين الدية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية (1). وقال سلار: في الانثيين الدية، إلا أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى الثلث (2). وقال ابن البراج في المهذب: فان عفا على مال كان له نصف الدية إن كانت المقطوعة هي اليمنى، وإن كانت هي اليسرى كان فيها ثلثا الدية، لان منها يكون الولد (3). وقال في الكامل كقول الشيخ في النهاية، وروى الرواية التي رواها. وقال ابن حمزة: في اليسرى ثلثا الدية، وفي اليمنى ثلثها (4). وابن ادريس قال بالتسوية بينهما (5). والوجه أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى الثلث. لنا: أنهما متفاوتتان في المنفعة فتفاوتتا في الدية. وما رواه عبد الله بن سنان في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية مثل اليدين والعينين، قلت: فرجل فقئت عينه، قال: نصف الدية، قلت: رجل قطعت يده، قال: فيه نصف الدية، قلت: فرجل ذهبت إحدى بيضتيه، قال: إن كان اليسار ففيها ثلثا الدية، قلت: ولم، أليس قلت: ما كان في الجسد اثنان ففيه نصف الدية؟! قال: لان الولد من البيضة اليسرى (6).

(1) الكافي في الفقه: ص 399.
(2) المراسم: ص 244.
(3) المهذب: ج 2 ص 481.
(4) الوسيلة: ص 451.
(5) السرائر: ج 3 ص 393.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 250 ح 989، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 213.

[ 391 ]

احتج الشيخ بالرواية الدالة على أن ما في البدن منه اثنان ففيه الدية (1). والجواب: روايتنا أخص (2) فيتعين العمل بها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: في حلمتي الرجل ديته (3)، وكذا في المبسوط (4). وقال ابن الجنيد: في حلمة ثدي الرجل ربع دية الثدي. وقال ابن حمزة: في قطع حلمة ثدي الرجل ثمن الدية (5)، كما قال ابن الجنيد. وابن ادريس وافق (6) الشيخ في الخلاف، وهو الوجه. لنا: عموم قوله - عليه السلام -: " ما في البدن منه اثنان ففيه الدية " (7). مسألة: قال الشيخان: من داس بطن إنسان حتى أحدث كان عليه أن يداس بطنه حتى يحدث أو يفديه بثلث الدية (8). ورواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (9) والمقنع (10)، وهو قول ابن حمزة (11). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول مذهبنا خلاف هذه الرواية، لان

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 258 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 12 ج 19 ص 217، مع اختلاف.
(2) في المطبوع: أصح.
(3) الخلاف: ج 5 ص 257 المسألة 65.
(4) المبسوط: ج 7 ص 148.
(5) الوسيلة: ص 450. (6) السرائر: ج 3 ص 394.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 258 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 12 ج 19 ص 217 مع اختلاف.
(8) المقنعة: ص 761، النهاية ونكتها: ج 3 ص 444.
(9) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 147 ح 5326.
(10) المقنع: ص 187.
(11) الوسيلة: ص 450.

[ 392 ]

فيه تغريرا بالنفس، فلا قصاص في ذلك بحال (1). وقول ابن ادريس جيد. والشيخ روى هذه الرواية عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: رفع الى امير المؤمنين - عليه السلام - رجل داس بطن رجل حتى أحدث في ثيابه، فقضى على أن يداس بطنه حتى يحدث في ثيابه، كما أحدث أن يغرم ثلث الدية (2). وفي طريقها ضعف، فالاولى الحكومة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قطع أنف انسان وقلع اذنيه وعينيه ثم قتله اقتص منه أولا ثم يقاد به إذا كان قد فرق ذلك به، وإن كان قد ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة هذه الجنايات وأدت الى القتل لم يكن عليه أكثر من القود أو الدية على ما قدمناه (3). وبه قال ابن الجنيد. وقال الشيخ في المبسوط في فصل صفة قتل العمد وجراحته: الذي يقتضيه مذهبنا أنه يدخل كل واحد من القصاص والارش في بدل النفس، أما الارش فلا اشكال فيه، وأما القصاص فلان أصحابنا رووا أنه إذا مثل إنسان بغيره وقتله لم يكن عليه غير القتل، وليس له التمثيل بصاحبه (4). وقال في الخلاف: لا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، ويدخل دية الطرف في دية النفس (5).

(1) السرائر: ج 3 ص 395.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 251 ح 993، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب قصاص الطرف ح 1 ج 19 ص 137 - 138. (3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 445.
(4) المبسوط: ج 7 ص 22.
(5) الخلاف: ج 5 ص 163 المسألة 23 وفيه: " يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس.. "

[ 393 ]

وقال ابن ادريس: لا فرق بين أن يفرق ذلك في ضربات أو يكون في ضربة واحدة في أنه يجب أن يقتص له في ذلك ثم يقاد به. قال: وهو اختيار شيخنا في مسائل خلافه ومبسوطه، ويعضده ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى: (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وقوله تعالى: (والجروح قصاص) لانه لايدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، ويدخل دية الطرف في دية النفس، فهذا هو الفرق بين الموضعين (1). والشيخ - رحمه الله - احتج على قوله بما رواه محمد بن قيس، عن احدهما - عليهما السلام - في رجل فقأ عين رجل وقطع أنفه واذنيه ثم قتله، فقال: إن كان فرق ذلك اقتص منه ثم يقتل، وان كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه ولم يقتص منه (2). وفي الحسن عن حفص بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثم مات، فقال: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتص منه ثم قتل، وان كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتص منه (3). وفي الصحيح عن ابي عبيدة الحذاء، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله، فقال: إن كان المضروب لا يعقل معها أوقات الصلاة ولا يعقل ما قال ولا ما قيل له فانه ينتظر به سنة، فان

(1) السرائر: ج 3 ص 396، مع اختلاف.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 252 ح 1000، وسائل الشيعة: ب 51 من ابواب القصاص في النفس ح 1 ج 19 ص 82.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 253 ح 1002، وسائل الشيعة: ب 51 من ابواب القصاص في النفس ح 2 ج 19 ص 83.

[ 394 ]

مات فيما بينه وبين السنة اقيد به ضاربه، وإن لم يمت فيما بينه وبين سنة ولم يرجع إليه عقله اعزم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله، قلت: فما ترى عليه في الشجة شيئا؟ فقال: لا: لانه انما ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فالزمته أغلظ الجنايتين وهي الدية، ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لالزمته جناية ما جنى (1) كائنا ما كان، إلا أن يكون فيها الموت فيقاد به ضاربه واحدة (2) بعد واحدة وتطرح الاخرى، قال: وإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات ألزمته ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال: وقال: وإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت (3). وقول ابن ادريس لا بأس به، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسالة: قال الشيخ في النهاية: ومن قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فان لم يكن له يمين وكانت له يسار قطعت به، فان لم يكن له يدان قطعت رجله باليد، فان لم يكن له يدان ولا رجلان كان عليه الدية لا غير ويسقط القصاص، وكذلك إذا قطع أيدي جماعة قطعت يداه بالاول فالاول والرجل بالاخر فالاخر، ومن يبقى بعد ذلك كان له الدية لا غير (4). وهو مذهب ابن الجنيد، وتبعه ابن البراج في الكامل. وأبو الصلاح عمم الحكم فقال: وكذلك القول في أصابع اليدين والرجلين والاسنان (5).

(1) في المصدر ما جنتا كائنة ما كانت.
(2) في المصدر: بواحدة بدل واحدة بعد واحدة.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 253 ح 1003، وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب ديات المنافع ح 1 ج 19 ص 281.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 447.
(5) الكافي في الفقه: ص 389.

[ 395 ]

وقال ابن ادريس: ومن قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فان لم يكن له يمين وكانت له يسار قطعت به، فان لم يكن له يدان فلا يقطع رجله باليد، لانه لا دليل عليه وكان عليه الدية لما قطع. وقد روي أنه إذا لم يكن له يدان قطعت رجله، فان لم يكن له يدان ولا رجلان كان عليه الدية لاغير (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: انه استيفاء لمساوي الحق مع تعذر عين الحق فأجزأه كالقيمة في المتلف والدية مع تعذر القصاص. وما رواه حبيب السجستاني في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، فقال: يا حبيب تقطع يمينه للرجل الذي قطع يمينه أولا وتقطع يساره للذي قطع يمينه أخيرا، لانه إنما قطع يد الرجل الاخير ويمينه قصاص للرجل الاول. قال: فقلت: إن عليا - عليه السلام - انما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، قال: فقال: إنما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق الله تعالى، وأما ما يجب من حقوق المسلمين فانه يؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يدان والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان، فقلت له: أما توجب عليه الدية وتترك رجله، فقال: إنما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل، وليس للقاطع يدان ولا رجلان فثم يوجب عليه الدية، لانه ليست له جارحة فتقاص منها (2). والمساواة الحقيقة لو اعتبرت لما جاز التخطي من اليد اليمنى إلى اليسرى، كما لا يجوز لو كانت الجناية واحدة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا بنى حائطا مستويا في ملكه فمال إلى

(1) السرائر: ج 3 ص 396 - 397.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 259 ح 1022، وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب قصاص الطرف ح 2 ج 19 ص 131.

[ 396 ]

الطريق أو إلى دار جاره ثم وقع فأتلف أنفسا أو أموالا كان عليه الضمان، واستدل بأنه إذا مال الى طريق المسلمين أو دار جاره فقد حصل في ملك الغير فيلزمه ضمانه كما لو ترك في الطريق حجرا، ولانه قد استحق ازالته عليه، فإذا لم يفعل ضمن كما لو وضع حجرا في طريق المسلمين. ثم قال: ويقوى في نفسي أنه لا ضمان عليه، لان الاصل براءة الذمة، وليس هاهنا دليل على وجوب الضمان (1). وهذا يدل على تردده. وقال في المبسوط: قال قوم: لا ضمان عليه، وقال بعضهم: عليه الضمان، لانه استحق ازالته عليه بدليل أن للحاكم مطالبته وبنقضه، والاول أقوى، لانه بناه في ملكه ومال بغير فعله فوجب ألا يضمن، وقال بعضهم: إن وقع قبل المطالبة بنقضه وقبل الاشهاد عليه فلا ضمان، وإن كان قد طولب بنقضه وأشهد عليه فوقع بعد القدرة على نقضه فعليه الضمان، وإن كان قبل القدرة فلا ضمان، وهذا قوي (2). وهذا أيضا يدل على تردده. وابن البراج أفتى بما (3) قواه الشيخ في المبسوط. وقال ابن ادريس: لا يضمن، لان الاصل براءة الذمة (4). والوجه أن نقول: ان فرط المالك بأن علم بميله ولم يزله مع قدرته على الازالة كان ضامنا، وإلا فلا، لان الاتلاف صدر عنه تسبيبا فكان ضامنا. مسالة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أشرع جناحا إلى شارع المسلمين أو إلى درب نافذ أو غير نافذ وبابه فيه أو أراد إصلاح ساباط على وجه لا يضر بأحد من المارة فليس لاحد معارضته ولا منعه منه، وبه قال الشافعي، وقال أبو

(1) الخلاف: ج 5 ص 288 - 289 المسألة 116. (2) المبسوط: ج 7 ص 187 و 188.
(3) المهذب: ج 2 ص 507.
(4) السرائر: ج 3 ص 400.

[ 397 ]

حنيفة: له ذلك ما لم يمنع مانع، فان اعترضه معترض أو منعه كان عليه قلعه، واستدل بأصالة الجواز، واحتياج المنع إلى دليل، ولان عمر مر بباب العباس فقطر ماء من ميزاب فأمر عمر بقلعه فخرج العباس فقال: أو تقلع ميزابا نصبه رسول الله - صلى الله عليه وآله - بيده؟! فقال عمر: والله لا يحمل من ينصب هذا الميزاب إلى السطح إلا ظهري، فركب العباس ظهر عمر فصعد وأصلحه. وهذا اجماع، لان أحدا لم ينكره، والنبي - عليه السلام - أيضا فعله، ولان هذه الاجنحة والساباطات والسقائف - سقيفة بنى النجار وسقيفة بني ساعدة - وغير ذلك إلى يومنا هذا لم ينقل أن أحدا اعترض فيها ولا ازيلت باعتراض معترض عليها، فثبت أن إقرارها جائز المسلمين (1). وهو اختيار ابن ادريس (2). وقال في المبسوط: إذا فعله على حد لا يستضر به أحد فليس لاحد معارضته فيه ولا منعه منه، وقال قوم: إنما له ذلك ما لم يمنعه مانع، فأما ان اعترض عليه معترض أو منعه مانع كان عليه قلعه، وهو الاقوى عندي (3). وهذا خلاف ما قاله في الخلاف، وابن البراج وافق (4) كلام الشيخ في الخلاف، وهو الاقوى لما تقدم. تذنيب: قال الشيخ في الخلاف: من أخرج ميزابا إلى شارع فوقع على إنسان فقتله أو متاع فأتلفه كان ضامنا، وبه قال جميع الفقهاء، إلا بعض أصحاب الشافعي فانه قال: لا ضمان عليه، لانه محتاج إليه. دليلنا: إجماع الامة، وهذا القول شاذ لا يعتد به (5). وقال في المبسوط: عليه الضمان (6).

(1) الخلاف: ج 5 ص 290 المسألة 118، مع اختلاف.
(2) السرائر: ج 3 ص 400.
(3) المبسوط: ج 7 ص 188.
(4) المهذب: ج 2 ص 508.
(5) الخلاف: ج 5 ص 290 المسألة 119. (6) المبسوط: ج 7 ص 188 و 189.

[ 398 ]

وابن ادريس اختار عدم الضمان (1). والمعتمد ما قاله الشيخ وقد تقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان الرجل ملففا في كساء أو ثوب فشهد شاهدان على رجل أنه ضربه فقده باثنين ولم يشهدا بحياته عند الضرب واختلف الولي والجاني، فقال الولي: كان حيا حين الضرب وقد قتله الجاني، وقال الجاني: ما كان حيا حين الضرب، كان القول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل براءة الذمة وشغلها يحتاج إلى دليل، فان قالوا: الاصل كونه حيا وزواله يحتاج إلى دليل، قلنا: والاصل براءة ذمة الجاني فتقابلا وسقطا (2). ونحوه في المبسوط (3). وقال ابن ادريس: الذي يعول عليه ويعمل به ويسكن إليه قبول قول الشاهدين وقول الولي مع يمينه، ولا يلتفت إلى إنكار الجاني الحياة، لانه مدع للموت بغير جناية، والاصل الحياة، وانما هذا مذهب أبي حنيفة لا مذهب جعفر بن محمد الصادق - عليهما السلام - اختاره شيخنا هاهنا، ألا ترى ما استدل باجماع الفرقة ولا بأخبارنا، فلا حاجة بنا الى القول بمذهب أبي حنيفة وتصحيحه (4). وهذا جهل من ابن ادريس، وقلة انصاف، وقلة تحصيل، وشيخنا أعرف منه بمذهب جعفر بن محمد الصادق - عليهما السلام - وموافقة الفتوى لبعض المذاهب لا يستلزم استنادها الى التقليد، وحاش شيخنا - رحمه الله - من الافتاء بالتقليد، وكونه لم يستدل باجماع الفرقة لا يدل على بطلان الفتوى، لان النزاع في مسألة فرعية. نعم اصولها مجمع عليها، فان أصالة البراءة مجمع عليها وهي

(1) السرائر: ج 3 ص 371.
(2) الخلاف: ج 5 ص 326 المسألة 13.
(3) المبسوط: ج 7 ص 255.
(4) السرائر: ج 3 ص 402.

[ 399 ]

مقدمة قطعية، واستصحاب الحياة أمر ظني، والقطعي أقوى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن قطعت أصابعه فجاءه رجل فأطار كفه وأراد القصاص من قاطع الكف فليقطع يده من أصله، ويرد عليه دية الاصابع (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: هذه الرواية مخالفة لاصول المذهب، لانه لا خلاف بيننا أنه لا يقتص من العضو الكامل للناقص، والاولى الحكومة في ذلك وترك القصاص وأخذ الارش (3). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية رواها عن الحريش، عن أبي جعفر الثاني - عليه السلام - قال: قال أبو جعفر الاول - عليه السلام - لعبدالله بن العباس: يابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال: فما ترى في رجل ضربت أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهبت فأتى رجل آخر فأطار كف يده فاتى به اليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: اعطه دية كف وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت أو أبعث لهما ذوي عدل، قال: فقال له: جاء الاختلاف في حكم الله ونقضت القول الاول، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود، وليس تفسيره في الارض، اقطع يد قاطع الكف أصلا ثم اعطه دية الاصابع هذا حكم الله عزوجل (4). وفي طريق هذه الرواية سهل بن زياد. وقول ابن ادريس لا بأس به. وبالجملة فنحن في هذه المسألة من المتوقفين.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 449.
(2) لم نعثر عليه.
(3) السرائر: ج 3 ص 404.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 276 ح 1082، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب قصاص الطرف ح 1 ج 19 ص 129.

[ 400 ]

الفصل السادس في الجراحات مسألة: قال الشيخ في النهاية: الجراحات ثمانية: أولها الخارصة وهي الدامية وفيها بعير، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم وفيها بعيران، ثم المتلاحمة وهي التي تنفذ في اللحم وفيها ثلاثة أبعرة، ثم السمحاق وهي التي تبلغ القشرة التي بين اللحم والعظم وفيها أربعة أبعرة، ثم الموضحة وهي التي تبلغ العظم وتوضحه وفيها خمسة أبعرة، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم فتكسره من غير أن تفسده وفيها عشرة أبعرة، ثم المنقلة وهي التي تحوج إلى نقل العظم من موضعه وفيها خمسة عشر بعيرا، ثم المأمومة وهي التي تبلغ ام الرأس وفيها ثلث الدية ثلاث وثلاثون بعيرا (1). فجعل الدامية والحارصة واحدة، وتمايز بين الباضعة والمتلاحمة. وكذا قال في الخلاف (2) والمبسوط (3)، إلا أنه جعل

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 453، وفيه: " أبعر " بدل " أبعرة ".
(2) الخلاف: ج 5 ص 191 المسألة 57.
(3) المبسوط: ج 7 ص 119 - 124.

[ 401 ]

الجراحات فيهما عشرة. وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: قال الاصمعي: أول الشجاج الحارصة وهي التي تحرص الجلد يعني تشقه، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم أي تشق اللحم بعد الجلد، ثم المتلاحمة وهي التي اخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق، ثم السمحاق وهي التي بينها بين العظم قشرة رقيقة (1). وقال المفيد: الشجاج ثمانية: الحارصة وهي الخدش الذى يشق الجلد وفيها بعير، والدامية وهي التي تصل إلى اللحم ويسيل منها الدم وفيها بعيران، والباضعة وهي التي تقطع اللحم وتزيد في الجناية على الدامية وفيها ثلاثة أبعرة، والسمحاق وهي التي تقطع اللحم حتى تبلغ الى الجلدة الرقيقة المغشية للعظم وفيها أربعة أبعرة (2). فجعل الدامية والحارصة متغايرتين، والباضعة والمتلاحمة شيئا واحدا. وبه قال أيضا سلار (3)، وهو قول السيد المرتضى في المسائل الناصرية (4)، وابن ادريس (5). وقال أبو الصلاح: الشجاج ثمان: أولها: الدامية وهي الخدش الذي يقشر الجلد ويسيل الدم وفيها عشر عشر دية المشجوج، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم وفيها خمس عشر الدية، ثم النافذة وهي التي تنفذ في اللحم وتزيد على الباضعة وتسمى المتلاحمة وفيها خمس عشر وعشر عشر، ثم السمحاق التي تبلغ الى القشرة الرقيقة المغشية للعظم وفيها خمسا عشر الدية (6).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 باب الشجاج ص 166.
(2) المقنعة: ص 765.
(3) المراسم: ص 247.
(4) الناصريات: (الجوامع الفقهية): ص 255 س 4.
(5) السرائر: ج 3 ص 406.
(6) الكافي في الفقه: ص 399.

[ 402 ]

وقال ابن البراج في الكامل: الجراح ثمانية: أولها: الحارصة وهي الدامية وفيها بعير، وثانيها: الباضعة وهي التي تبضع اللحم وفيها بعيران، وثالثها: المتلاحمة وهي التي تنفذ في اللحم وفيها ثلاثة أبعرة، ورابعها: السمحاق وهي التي تبلغ القشرة التي بين اللحم والعظم وفيها أربعة أبعرة، وخامسها: الهاشمة وهي التي تهشم العظم فتكسره من غير أن يفسده وفيها عشرة أبعرة، وسادسها: المنقلة وهي التي تحوج الى نقل العظم من موضعه وفيها خمسة عشر بعيرا، وسابعها: المأمومة هي التي تبلغ ام الرأس وفيها ثلث الدية ثلاثة وثلاثون بعيرا، وثامنها: الجائفة وهي التي تبلغ الجوف بمثل المأمومة في الرأس وفيها ثلث الدية. وقال ابن الجنيد: أول الشجاج: الحارصة وهي التي تخدش الجلد ولا يخرج الدم وفيها نصف بعير، ثم الثانية: الدامية وهي التي تسيل منها الدم وفيها بعير، ثم الثالثة: الباضعة وهي التي تذهب بالبضعة من الجلد أو تبضع اللحم وتقطعه وفيها بعيران، ثم الرابعة: المتلاحمة وفيها ثلاثة أبعرة، ثم الخامسة: السمحاق وهي الملطاة، وقد روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أن فيها حقة وجذعة وابنة مخاض وابنة لبون، ثم السادسة: الموضحة وهي التي توضح عن العظم ولا يؤثر فيه وفيها خمس من الابل بلا خلاف ومكانها الرأس والوجه، فان كانت في الجسد فربع دية كسر ذلك العظم، ثم السابعة: الهاشمة وهي التي تؤثر في العظم هشما وفيها عشر من الابل، ثم الثامنة: المنقلة وهي التي تكسر العظم وتشطيه وفيها خمس عشرة من الابل والعود من الشجاج وهي التي تعود من العظم ولا تخرقه وفيها عشرون من الابل، والامة وهي التي تخرق عظم الرأس وتصل الى الدماغ وفيها ثلث الدية، وفي الجوف الجائفة وهي التي تصل الى جوف الرجل ولا تقتله وفيها أيضا ثلث الدية، وفيه النافذة وهي الجائفة إذا نفذت الى الجانب الاخر من البدن، وقال أمير المؤمنين - عليه السلام - في كتابه

[ 403 ]

في الديات: إن فيها أربعمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلث دينار. وابن حمزة (1) وابن زهرة (2) وافقا الشيخ في النهاية. والبحث في هذه المسألة يقع في مواضع: الاول: عددها، والشيخ المفيد على أنها ثمانية على ما تقدم، وان الحارصة مغايرة للدامية، وأما الباضعة فانها المتلاحمة. وشيخنا أبو جعفر على ان الدامية هي الحارصة، وأن الباضعة مغايرة للمتلاحمة. والسيد المرتضى في الانتصار وافق (3) المفيد - رحمه الله -. والنزاع هنا إما في التسمية ولا كثير فائدة تحته، وإما في المعنى وهو أن الشارع علق على كل واحدة منها دية مخالفة للاخرى، وهو الذي يقع البحث عنه. ففي رواية زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الموضحة خمس من الابل، وفي السمحاق أربع، وفي الباضعة ثلاث من الابل (4). وكذا في رواية الحلبي الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - (5). وهذا يعطي أن الباضعة هي المتلاحمة. وفي رواية مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - عن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - الى أن قال: - وفي

(1) الوسيلة: ص 444.
(2) الغنية: (الجوامع الفقهية): ص 559 س 34.
(3) الانتصار: ص 276.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1124، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الشجاج والجراح ح 11 ج 19 ص 292 - 293.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1125، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب الشجاج والجراح ح 4 ج 19 ص 291.

[ 404 ]

الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وقضى في المتلاحمة ثلاثة أبعرة (1). وكذا في رواية السكوني، عن الصادق - عليه السلام - أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قضى في الدامية بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة (2). والمعول فيه على الرواية الصحيحة. الثاني: المشهور أن في الحارصة بعيرا، وهي إما الدامية أو غيرها على ما تقدم. وقال ابن الجنيد: فيها نصف بعير، والاعتماد على الاشهر أولى. الثالث: أسقط الصدوق في نقله عن الاصمعي الدامية، وكذا نقل الشيخ عن الاصمعي في التهذيب (3)، ولا خلاف عندنا في أن لها تقديرا، وهو إما بعير على رأي الشيخ حيث جعلها الحارصة، أو بعيران على رأي المفيد وسلار حيث جعلاها مغايرة لها. وأبو الصلاح وابن زهرة أسقطا الحارصة لفظا وذكرا الدامية. والظاهر أن مرادهما بها الحارصة. وابن حمزة أسقط الدامية، وجعل الحارصة التي تشق الجلد دون اللحم، والباضعة التي تقطع اللحم، والمتلاحمة التي ينفذ فيه. الرابع: زاد ابن الجنيد على المشهور العود، وهي التي تعود في العظم فلا تخرقه، وجعل ديتها عشرين من الابل، ولم يصل إلينا في ذلك حديث يعتمد عليه.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1126، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 6 ج 19 ص 291.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1127، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 8 ج 19 ص 292.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 289.

[ 405 ]

الخامس: أسقط ابن البراج في كامله الموضحة في مراتب الجراحات الثمانية، وليس بجيد، فانه أمر مشهور، ومع ذلك فقد ذكر الموضحة في كتابيه (1) معا، وأثبت فيهما القصاص. والذي ذكره في الكامل غريب، مع أن الروايات دالة على أن في الموضحة خمسا من الابل. السادس: زاد ابن الجنيد في الجراحات وأثبت الحارصة مغايرة للدامية، وأثبت الباضعة مغايرة للمتلاحمة. والمشهور ما قدمناه من احدى الوحدتين بين الحارصة والدامية، أو بين المتلاحمة والباضعة. السابع: قال الشيخ في المبسوط: لو أراد المجني عليه في المأمومة القصاص في الموضحة وأخذ دية الزيادة وهي ثمانية وعشرون بعيرا وثلث بعير كان له ذلك (2). وهو يدل على أن في المأمومة ثلاثة وثلاثين بعيرا وثلث بعير. والروايات الدالة على أن فيها ثلث الدية تدل على ذلك، لكن الروايات الاخر دالة على أن الواجب ثلاثة وثلاثون بعيرا. روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - والمأمومة ثلاثة وثلاثون من الابل، والجائفة ثلاثة وثلاثون من الابل (3). قال ابن ادريس: وفي الثامنة - يعني المأمومة - ثلث دية النفس ثلاث وثلاثون بعيرا فحسب بلا زيادة ولا نقصان إن كان من أصحاب الابل، ولم يلزمه أصحابنا ثلث البعير الذي يتكمل به ثلث المائة بعير التي هي دية النفس، لان رواياتهم هكذا مطلقة وكذا تصنيفاتهم، وقول مشايخهم وفتاويهم وإجماعهم

(1) المهذب: ج 2 ص 471.
(2) المبسوط: ج 7 ص 122.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1125، وليس فيه: " والجائفة ثلاثة وثلاثون من الابل "، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 4 ج 19 ص 291.

[ 406 ]

منعقد على هذا الاطلاق أو ثلث الدية من العين أو الورق على السواء، لان ذلك يتحدد فيه الثلث، ولا يتحدد في الابل والبقر والغنم. قال: وما حررناه واخترناه اختيار السيد المرتضى، وتحريره في جواب المسائل الناصريات التي هي الطبريات، وكذا قال شيخنا المفيد في مقنعته: دية المأمومة ثلث دية النفس ثلاثة وثلاثون بعيرا ولم يقل وثلث بعير، وهكذا قول شيخنا أبي جعفر في نهايته (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا تحمل في الجراح على العاقلة إلا الموضحة فصاعدا (2). وتبعه ابن البراج في الكامل، وأبو الصلاح (3)، وهو قول ابن الجنيد أيضا. وقال في الخلاف: القدر الذي تحمله العاقلة على الجاني هو قدر جنايته قليلا كان أو كثيرا، وبه قال الشافعي. وروي في بعض أخبارنا أنها لاتحمل إلا نصف العشر أرش الموضحة فما فوقها، وما نقص عنه ففي مال الجاني، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (4). وقال في المبسوط: روى أصحابنا أنه لا تحمل على العاقلة إلا أرش الموضحة فصاعدا، فأما دونه ففي مال الجاني، وفي الناس من قال: يحمل عليهم قليله وكثيرة، وفيه خمس مذاهب ذكرناها في الخلاف (5). وقال ابن ادريس: جميع الجراحات تحمله العاقلة إن كان الفعل خطا محضا على الصحيح من المذهب، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه، وقال في نهايته: لا تحمل العاقلة إلا الموضحة فصاعدا. وما اخترناه هو الظاهر،

(1) السرائر: ج 3 ص 407.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 368.
(3) الكافي في الفقه: ص 396.
(4) الخلاف: ج 5 ص 283 المسألة 106. (5) المبسوط: ج 7 ص 178.

[ 407 ]

وتعضده الادلة، وجميع الظواهر تشهد بصحته (1). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أصالة براءة ذمة العاقلة، ومقابلة الجاني بالضمان دون غيره خرج عنه ما زاد على الموضحة، للاجماع منا، فيبقى الباقي على الاصل، ولاستلزامه الضرر الكثير، إذ الغالب وقوع التنازع وحصول الجنايات اليسيرة بين العامة، فلو أوجبنا دية كل جرح قل أو كثر على العاقلة لزم حصول المشقة لهم وتساهل الجناة في الجناية حيث ينتفي الضمان عنهم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: والقصاص ثابت في جميع هذه الجراح إلا في المأمومة خاصة، لان فيها تغريرا بالنفس، فليس فيها أكثر من ديتها (2). وكذا قال شيخنا المفيد في المقنعة (3). وقال سلار: ولا قصاص إلا في سبع منهن، ما عدا المأمومة والجائفة فان فيهما تغريرا بالنفس (4). واثبت ابن حمزة القصاص في الهاشمة والمنقلة (5). وقال ابن ادريس: إنما يثبت القصاص في خمس منهن دون الهاشمة والمنقلة، وشيخنا قد رجع إلى ما اخترناه في مسائل خلافه ومبسوطه (6). وقول ابن ادريس جيد، لتعذر التوصل إلى الاستيفاء، ولما فيه من التغرير أيضا. وكأن الشيخين - رحمهما الله - لم يصرحا بثبوت القصاص في الهاشمة والمنقلة، بل على تعميم القصاص في الجراح والهشم والنقل كأنهما خارجان عن الجراح.

(1) السرائر: ج 3 ص 408.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 453 - 454.
(3) المقنعة: ص 766.
(4) المراسم: ص 247.
(5) الوسيلة: ص 444 و 445.
(6) السرائر: ج 3 ص 408، مع اختلاف.

[ 408 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والخلاف (2): وفي اللطمة في الوجه إذا اسود أثرها ستة دنانير، فان اخضر فثلاثة دنانير، فان احمر فدينار ونصف. وكذا رواه الصدوق في المقنع عن قضاء علي - عليه السلام - (3). ورواه أيضا في كتاب من لا يحضره الفقيه (4)، وتبعه ابن البراج في الكامل، وابن حمزة (5). ورواه أيضا ابن الجنيد عن قضاء أمير المؤمنين - عليه السلام -. وقال المفيد: في لطمة الوجه إذا احمر موضعها دينار واحد ونصف، فان اخضر أو اسود ففيها ثلاثة دنانير (6). وبه قال أبو الصلاح (7)، وسلار (8)، وهو أيضا قول سيدنا المرتضى - رحمه الله - (9) وبه قال ابن ادريس (10). والمتعمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أن الجناية في الاسوداد أكثر منها في الاخضرار، فناسب كثرة الدية وزيادتها على دية الاخضرار والاحمرار. وما رواه اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في اللطمة يسود أثرها في الوجه أن أرشها ستة دنانير، وإن لم تسود واحضرت فان أرشها ثلاثة دنانير، فان احمرت ولم تخضر فان أرشها دينار ونصف.
(11).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 454.
(2) الخلاف: ج 5 ص 262 المسألة 74.
(3) المقنع: ص 186.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 158 ح 5359، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 1 ج 19 ص 295 - 296.
(5) الوسيلة: ص 445.
(6) المقنعة: ص 766.
(7) الكافي في الفقه: ص 400.
(8) المراسم: ص 248.
(9) الانتصار: ص 276.
(10) السرائر: ص 410.
(11) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 294 ح 1145، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 1 ج 19 ص 295.

[ 409 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو قتل اثنان رجلا وكان أحدهما لو انفرد بقتله قتل دون الاخر، فان كان عدم وجوب القود على الاخر لمعنى فيه - مثل أن يشارك الاب أجنبيا في قتل الولد أو المسلم نصرانيا في قتل نصراني أو الحر العبد في قتل عبد - فعلى شريكه القود دونه، وإن كان عدم القود لمعنى في فعله - مثل إن كان عمدا محضا شارك من قتله خطأ أو عمد الخطأ - فلا قود على واحد منهما، وبه قال الشافعي، وقال مالك: على القاتل القود سواء سقط عن شريكه لمعنى فيه أو في فعله، وقال أبو حنيفة: لا قود عليه سواء سقط القود عن شريكه لمعنى فيه أو في فعله، دليلنا: على مالك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - " ألا إن في قتل العمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها " فأوجب في عمد الخطأ الدية، وهذا عمد الخطأ، لانها روح خرجت عن عمد وخطأ، وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم. وعلى أبي حنيفة قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل) وهذا قتل مظلوما فلوليه سلطان، وقوله - عليه السلام -: " ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقلته، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وان أحبوا أخذوا الدية " ولم يفصل (1). وقوى في المبسوط وجوب القود على العامد، سواء سقط القود عن شريكه لمعنى فيه أو في فعله (2). وهو المعتمد، وبه قال ابن الجنيد، وابن ادريس (3). لنا: أن مناط القود موجود فيثبت مقتضاه، وبيان الصغرى أن القود إنما يجب مع العمد العدوان، سواء استقل به أولا، وهذا الفعل الصادر عنه لا يخرج عن كونه عمدا ظلما بالمشاركة للمخطي، فان الفعل تابع لقصد فاعله

(1) الخلاف: ج 5 ص 185 - 186 المسألة 51.
(2) المبسوط: ج 7 ص 68.
(3) السرائر: ج 3 ص 413.

[ 410 ]

وداعيه دون غيره. واحتجاج الشيخ على مالك ضعيف، لان العمد الصادر عن أحدهما لا ينقلب إلى عمد الخطأ باعتبار نية الشريك وقصده. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن ضرب انسانا على رأسه ضربة فذهب عقله انتظر به سنة، فان مات فيما بينه وبين سنة قيد به، وإن لم يمت ولم يرجع إليه عقله كان عليه أيضا الدية كاملة، فان رجع إليه عقله كان عليه أرش الضربة، وإن كان أصابه مع ذهاب العقل، شجة إما موضحة أو مأمومة أو غيرهما من الجراحات لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة، اللهم إلا أن يكون ضربه ضربتين أو ثلاثة فجنت كل ضربة منها جناية كان عليه حينئذ ديتها (1). وقال ابن ادريس: في العقل دية كاملة فان جنى جناية ذهب عقله فيها لم يدخل أرش الجناية في دية العقل، سواء كان مقدرا أو حكومة، وسواء كان أرش الجناية أقل من دية العقل أو أكثر منها أو مثله، سواء ضربه ضربة واحدة أو ضربتين، وقد كنا قلنا من قبل فان كان أصابه مع ذهاب العقل إما موضحة أو مأمومة أو غيرهما من الجراحات لم يكن فيه أكثر من الدية كاملة، اللهم إلا أن يكون ضربه ضربتين أو ثلاثة فجنت كل ضربة منها جناية كان عليه حينئذ ديتها، وأوردناه على ما أورده شيخنا في نهايته، إلا أن هذا أظهر من ذلك، وشيخنا قد رجع عما أورده في نهايته وقال بما اخترناه الان في مسائل خلافه، وهو الصحيح، لان تداخل الديات إذا لم يمت المجني عليه يحتاج إلى دليل (2). وهذا يدل على اضطراب هذا الرجل، وقد تقدم البحث في هذه المسألة. مسألة: قال الشيخان (3): دية الجنين مائة دينار إذا لم تلجه الروح بعد تمام

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 446 - 447.
(2) السرائر: ج 3 ص 414 و 415، وفيه: " بحيث كل ضربة منها جناية كان... " (3) المقنعة: ص 763، النهاية ونكتها: ج 3 ص 459.

[ 411 ]

خلقته. وبه قال الصدوق في المقنع (1)، ورواه في من لا يحضره الفقيه (2)، وهو قول السيد المرتضى (3)، وأبي الصلاح (4)، وسلار (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7)، وابن ادريس (8). وقال ابن الجنيد: وإذا القي الجنين ميتا من غير أن تبين جناية بعد الجناية على الام كان فيه غرة عبد أو أمة إذا كانت الام حرة مسلمة، وقدر قيمة الغرة قدر نصف عشر الدية. وقال ابن أبي عقيل: دية الجنين عند آل الرسول - عليهم السلام - إذا كانت مضغة ما لم ينبت له العظم أربعون دينارا أو غرة عبد أو أمة بقيمة ذلك، فان كان قد نبت له العظم وشق له السمع والبصر ففيه الدية كاملة. والمشهور الاول. لنا: ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: فإذا تم الجنين كان له مائة دينار (9). وعن سليمان بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي العظم ثمانون دينارا، فإذا كسي اللحم فمائة دينار ثم هي مائة حتى يستهل، فإذا

(1) المقنع: ص 180.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 143 ح 5316، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 2 ج 19 ص 238.
(3) الانتصار: ص 264.
(4) الكافي في الفقه: ص 393.
(5) المراسم: ص 242.
(6) المهذب: ج 2 ص 509.
(7) الوسيلة: ص 456. (8) السرائر: ج 3 ص 416.
(9) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 281 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 169، وفيهما: " عن عبد الله بن مسكان ".

[ 412 ]

استهل فالدية كاملة (1). وكذا في حديث أبى جرير القمي، عن الصادق - عليه السلام (2) وغيره من الاحاديث. احتج القائلون بالغرة بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن ضرب رجل إمراة حبلى فألقت ما في بطنها ميتا فان عليه غرة عبد أو أمة يدفعها إليها (3). وعن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في جنين الهلالية حيث رميت بالحجر فألقت ما في بطنها غرة عبد أو أمة (4). وغير ذلك من الاحاديث. والجواب: ما ذكرناه من الاحاديث أصح طريقا وأقوى متمسكا، لان الحوالة فيها على أمر مقدر معلوم، بخلاف هذه الاحاديث فان فيها حوالة على أمر مختلف لا يجوز أن يناط به الاحكام. وقد روى عبيد بن زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قلت: إن الغرة تكون بمائة دينار وتكون بعشرة دنانير، فقال: بخمسين (5). وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن الغرة تزيد

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 281 ح 1100، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 3 ج 19 ص 238.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 282 ح 1102، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 9 ج 19 ص 241.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 286 ح 1108، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ديات الاعضاء ح 5 ج 19 ص 243.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 286 ح 1109، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ديات الاعضاء ح 3 ج 19 ص 243. وفيهما: " ما في بطنها ميتا فان عليه غرة ".
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 287 ح 1114، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ديات الاعضاء ح 7 ج 19 ص 244.

[ 413 ]

وتنقص ولكن قيمتها أربعون دينارا (1). ويحتمل أن يجيب الامام - عليه السلام - بغرة قيمتها خمسون تارة وأربعون أخرى بحسب الجنايات التي وقعت وقت السؤال لا مطلقا، ولهذا اختلفت القيم، ولا يجوز التعويل في الحكم الكلي على ما هو متخلف. واحتج ابن أبى عقيل بما رواه أبو عبيدة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة شربت دواء لتطرح ولدها فألقت ولدها، قال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللحم وشق له السمع والبصر فإن عليها ديته تسلمها إلى أبيه، قال: وإن كان جنينا علقة أو مضغة فان عليها أربعين دينارا أو غرة تسلمها [ إلى أبيه ] (2). والجواب: ما تقدم أيضا. مسألة: للشيخ قولان في أن الجنين هل يختلف ديته باختلاف الذكورة والانوثة؟ ففي المبسوط: يختلف، فدية الذكر عشر ديته ودية الانثى عشر ديتها (3). وقال في الخلاف: ففيه مائة دينار سواء كان ذكرا أو أنثى (4)، وبه قال ابن ادريس (5). وهو الوجه، لعموم إطلاق الاحاديث الدالة على أن في الجنين مائة دينار من غير تفصيل.

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 287 ح 1115، وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ديات الاعضاء ح 8 ج 19 ص 244.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 287 ح 1113، وليس فيه: " أبو عبيدة " وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 242، وفيهما: " شربت دواء وهي حامل لتطرح ".
(3) المبسوط: ج 7 ص 194.
(4) الخلاف: ج 5 ص 293 المسألة 124.
(5) السرائر: ج 3 ص 416.

[ 414 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: في جنين الامة عشر قيمتها، ذكرا كان أو أنثى (1). وقال في المبسوط: إن كان الجنين عبدا ففيه عشر قيمته إن كان ذكرا، وكذلك عشر قيمتة إن كان انثى، وعندهم نصف عشر قيمة أمه (2). وقال في موضع آخر منه: إذا ضرب بطن أمة فألقت جنينا ميتا مملوكا ففيه عشر قيمة أمه، ذكرا كان أو أنثى، وعند قوم اعتباره بأبيه مثل جنين الحرة، وهو الذي رواه أصحابنا (3). وقال في النهاية: وجنين الامة إذا كانت حاملا بمملوك عشر ثمنها (4). وكذا قال المفيد في المقنعة (5)، وابن ادريس (6)، وهو المشهور. وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا ضرب أمة قوم وهي حامل فمات الجنين في بطنها فعليه نصف عشر قيمة الامة، فان ضربها فألقته حيا ثم مات فان عليه عشر قيمتها. وهو قول ابن الجنيد. لنا: ما رواه ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قتل جنين أمة لقوم في بطنها، فقال: إن كان مات في بطنها بعد ما ضربها فعليه نصف عشر قيمة الامة (7). ونقل ابن ادريس عن الشيخ الكلام الذي قلناه أخيرا في المبسوط وهو أنه: إذا ضرب بطن أمة فألقت جنينا ميتا مملوكا ففيه عشر قيمة أمه، ذكرا كان أو أنثى، وعند قوم غرة تامة مثل جنين الحرة، وهو الذي رواه أصحابنا. ثم قال

(1) الخلاف: ج 5 ص 298 المسألة 133.
(2) المبسوط: ج 7 ص 197.
(3) المبسوط: ج 7 ص 205.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 462.
(5) المقنعة: ص 763.
(6) السرائر: ج 3 ص 419.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 146 ح 5322 وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 245، وفيه: " عن أبي سيار ".

[ 415 ]

ابن ادريس: هاهنا يحسن قول: " إقلب تصب " بل رواية أصحابنا ما قدمه (1). وهذا تجاهل من ابن ادريس، فشيخنا أعرف بالروايات منه، وقد أورد منها طرفا صالحا، وتأولها في كتابه على جاري عادته. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الجنين أول ما يكون نطفة وفيه عشرون دينارا، ثم يصير علقة وفيه أربعون دينارا وفيما بينهما بحساب ذلك، ثم يصير مضغة وفيها ستون دينارا وفيما بين ذلك بحسابه، ثم يصير مكسوا عليه اللحم خلقا سويا شق له العينان والاذنان والانف قبل أن تلجه الروح وفيه مائة دينار وفيما بين ذلك بحسابه (2). وقال ابن ادريس: الجنين الولد مادام في البطن وأول ما يكون نطفة وفيها بعد وضعها في الرحم إلى عشرين يوما عشرون دينارا، ثم بعد العشرين يوما لكل يوم دينار إلى أربعين يوما أربعون دينارا وهي دية العلقة، فهذا معنى قولهم: وفيما بينهما بحساب ذلك (3). فجعل ما بين النطفة والعلقة عشرين يوما لكل يوم دينار، ولا نعرف مستنده في ذلك. والصدوق قال في المقنع: في النطفة عشرون دينارا، فان خرج في النطفة قطرة دم فهي عشر النطفة فيها اثنان وعشرون دينارا، فان قطرت قطرتين فأربعة وعشرون دينارا، فان قطرت ثلاث قطرات فستة وعشرون دينارا، فان قطرت أربع قطرات ففيها ثمانية وعشرون دينارا، فان قطرت خمس قطرات ففيها ثلاثون دينارا، وما زاد على النصف فعلى حساب ذلك حتى يصير علقة، فإذا كان علقة فأربعون دينارا، فان خرجت متخضخضة بالدم فان كان دما صافيا ففيها أربعون دينارا، وإن كان دما أسود فلا شئ عليه إلا التعزير، لانه ما

(1) السرائر: ج 3 ص 417.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 458 - 459.
(3) السرائر: ج 3 ص 416.

[ 416 ]

كان من دم صاف فهو للولد، وما كان من دم أسود فان ذلك من الجوف، فان كان في العلقة شبه العرق من اللحم ففي ذلك اثنان وأربعون دينارا، فان كان في المضغة شبه العقد عظما يابسا فذلك العظم أول ما يبتدئ ففيه أربعة دنانير، ومتى زاد يزيد أربعة حتى يتم الثمانين، فإذا كسى العظم لحما وسقط الصبي لا يدري أحيا كان أو ميتا فانه إذا مضت خمسة أشهر فقد صارت فيه حياة وقد استوجب الدية (1). ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2). ورواه ابن الجنيد أيضا عن أهل البيت - عليهم السلام -. ورواه الشيخ في التهذيب أيضا عن الصادق - عليه السلام - (3). وروي عن أبي جرير القمي، عن العبد الصالح - عليه السلام - قال: إنه يكون في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة أربعين يوما ثم مضغة أربعين يوما (4). ونحوه رواه سعيد بن المسيب، عن زين العابدين - عليه السلام - (5). وروى محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قلت: فما صفة النطفة التي تعرف بها؟ قال: النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما ثم تصير الى علقة، قلت: فما صفة خلقة العلقة التي تعرف بها؟ قال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة

(1) المقنع: ص 179 - 180.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 144 ح 5317 و 5318، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 5 وح 6 ج 19 ص 239 - 240.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 282 - 283 ح 1105.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 282 ح 1102، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 9 ج 19 ص 241 مع اختلاف فيهما.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 281 - 282 ح 1101، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 8 ج 19 ص 240.

[ 417 ]

تمكث في الرحم بعد تحولها عن النطفة أربعين يوما ثم تصير مضغة، قلت: فما صفة المضغة وخلقتها التي تعرف بها؟ قال: هي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشبكة ثم تصير إلى عظم، قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما؟ قال: إذا كان عظما شق له السمع والبصر ورتبت جوارحه، فإذا كان كذلك فان فيه الدية كاملة (1). وهذه الاخبار وغيرها تدل على أن مدة التنقل من حالة إلى أخرى من هذه الاحوال أربعون يوما، خلافا لما قاله ابن ادريس. مسألة: المشهور أنه إذا ضرب الحبلى فماتت ومات الحمل في جوفها بعد تيقن حياته وجب عليه دية الحبلى ونصف دية ذكر ونصف دية انثى للحمل، اختاره الشيخان (2)، وسلار (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وهو أيضا قول ابن الجنيد. وقال أبو الصلاح: وإن ألقت جنينا فاستهل أو تحرك تحركا يدل على الحياة ثم مات فدية كاملة، إن ذكرا فدية للذكر، وإن انثى فدية الانثى، وإن مات الجنين المعلوم كماله وحياته من الضرب في بطنها فنصف ديته (6). وقال ابن ادريس: الاولى استعمال القرعة في ذلك هل هو ذكر أو انثى، لان القرعة مجمع عليها في كل أمر مشكل، وهذا من ذلك (7). لنا: أنه قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - نقله الشيخ في الخلاف وادعى

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 281 - 282 ح 1103، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 4 ج 19 ص 238.
(2) المقنعة: ص 762، النهاية ونكتها: ج ص 459 - 460.
(3) المراسم: 242.
(4) المهذب: ج 2 ص 510.
(5) الوسيلة: ص 456.
(6) الكافي في الفقه: ص 393.
(7) السرائر: ج 3 ص 417.

[ 418 ]

عليه اجماع الفرقة وأخبارهم (1)، وأن أصحابنا لم يختلفوا فيه. وروى يونس في الصحيح قال: عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين - عليه السلام - على أبي الحسن - عليه السلام - فقال: هو صحيح، وكان مما فيه أن أمير المؤمنين - عليه السلام - جعل دية الجنين مائة دينار - إلى أن قال: - وإن قتلت امرأة وهي حبلى متم فلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أم انثى ولم يعلم أبعدها مات أو مات قبلها فديته نصفان نصف دية الذكر ونصف دية الانثى ودية المرأة كاملة بعد ذلك (2). ورواه في الصحيح عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - (3). وإذا كانت الروايات متطابقة على هذا الحكم وأكثر الاصحاب قد صاروا إليها فأي مشكل بعد ذلك في هذا الحكم حتى يرجع إليها ويعدل عن النقل وعمل الاصحاب، ولو استعملت القرعة في ذلك استعملت (4) في جميع الاحكام، لانا إذا تركنا النصوص بقيت مشكلة هل التحريم ثابت أم لا؟ وكذا باقي الاحكام، وهذا في غاية السقوط. وقول أبي الصلاح الظاهر أن مراده به ما أفتى به الاصحاب. مسألة: قد بينا أن دية الجنين بعد كمال خلقته وقبل ولوج الروح فيه مائة دينار، وإذا لم يتم فان كان نطفة كانت ديته عشرين دينارا، وإن كان علقة فأربعون، وإن كان مضغة فستون، وإن كان عظما فثمانون. وهو قول الشيخ (5).

(1) الخلاف: ج 5 ص 294 المسألة 125.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 285 ح 1107، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 237، وفيه: " عن محمد بن يعقوب بأسانيده الى كتاب ظريف عن أمير المؤمنين ".
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 281 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 169 وفيهما: " عن عبد الله بن مسكان ".
(4) م 3: استعملت القرعة.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 458 - 459.

[ 419 ]

وأكثر علمائنا. وقال أبو الصلاح: وأن ألقت عظما وهو أن يصير في المضغة سبع عقد فثمانون دينارا (1). وللشيخ قول آخر في الخلاف: إن دية الجنين إذا تم خلقه مائة دينار، وإذا لم يتم فغرة عبد أو أمة، ذكره في كتاب الفرائض منه (2). وقال في كتاب الديات منه (3) كما قال في النهاية وغيرها. وهو المعتمد، لدلالة الروايات عليه، وقد سلفت. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها كان عليه عشرة دنانير عشرة دية الجنين يسلمه إليها، على ماروي في الاخبار -. مع أنه قال في كتاب النكاح من هذا الكتاب: يكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرة، فان عزل لم يكن بذلك مأثوما غير أنه يكون تاركا فضلا (5). وقال في كتاب النكاح من الخلاف: العزل عن الحرة لا يجوز إلا برضاها، فمتى عزل بغير رضاها أثم وكان عليه عشر (6) دية الجنين عشرة دنانير، وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: انه محظور مثل ما قلناه غير أنه لا يوجب الدية، والمذهب أنه مستحب وليس بمحظور. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبار هم وطريقة الاحتياط (7). وقال في كتاب الديات منه: إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها فان عليه عشرة دنانير، وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع

(1) الكافي في الفقه: ص 393.
(2) الخلاف: ج 4 ص 113 المسألة 126.
(3) الخلاف: ج 5 ص 291 و 294 المسألة 120 و 125.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 463.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 354.
(6) في المصدر: نصف عشر.
(7) الخلاف: ج 4 ص 359 المسألة 143.

[ 420 ]

الفرقة وأخبارهم (1). وقال المفيد في كتاب النكاح من المقنعة: وليس لاحد أن يعزل الماء عن زوجة له حرة، إلا أن ترضى منه بذلك (2). وقال في كتاب الديات منها: إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها فان عليه عشر دية الجنين يسلمه إليها وهي عشرة دنانير (3). على ما جاء به بعض الحديث. وقال ابن الجنيد: وقد روى اباحة العزل عن الحرة عن علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد - عليهم السلام -. وقال ابن البراج: فان عزل زوجته الحرة كان عليه عشرة دنانير (4). وكذا قال أبو الصلاح (5). وقال ابن ادريس: قد روي أنه إذا عزل الرجل عن زوجته الحرة بغير اختيارها كان عليه عشر دية الجنين يسلمه إليها، وهذه رواية شاذة لا يعول عليها ولا يلتفت إليها، لان الاصل براءة الذمة، ولانا قد بينا أن العزل عن الحرة مكروه وليس بمحظور (6). والذي رواه الشيخ في الصحيح عن يونس، عن أبي الحسن - عليه السلام - في قضاء أمير المؤمنين - عليه السلام - وافتى في مني الرجل يفزع عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير (7). ولا امتناع في كراهة ذلك وايجاب الدية للزوجة.

(1) الخلاف: ج 5 ص 293 المسألة 123. (2) المقنعة: ص 516.
(3) المقنعة: ص 763.
(4) المهذب: ج 2 ص 510.
(5) الكافي في الفقه: 392.
(6) السرائر: ج 3 ص 418 - 419.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 285 ح 1107، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 237 وفيه: " عن كتاب ظريف. ".

[ 421 ]

والوجه الحمل على الاستحباب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: والفرق بين دية الجنين والميت: أن دية الجنين يستحقها ورثته، ودية الميت لا يستحقها أحد من ورثته بل تكون له خاصة يتصدق بها عنه (1). ونحوه قال المفيد في المقنعة (2)، وأبو الصلاح (3). وقال السيد المرتضى: يكون لبيت المال (4). وقال ابن ادريس: هو الذي يقوى في نفسي، لان ما ذهب إليه شيخنا في نهايته لا دليل عليه، وهذه جناية يأخذها الامام على طريق العقوبة والردع فيجعلها في بيت المال (5). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنها عوض لغير مالك في الحقيقة، فوجب صرفها إلى ما ينفعه وهو الصدقة. وما رواه محمد بن الصباح، عن بعض أصحابنا في قضية المنصور مع الصادق - عليه السلام - قال: ليس لورثته فيها شئ، إنما هذا شئ صار إليه في بدنه بعد موته يحج بها عنه أو يتصدق بها عنه أو يصرف في سبيل من سبل الخير (6). احتج الاخرون بما رواه اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قلت: فمن يأخذ ديته؟ قال: الامام هذا لله (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 463 - 464.
(2) المقنعة: ص 760 و 763.
(3) الكافي في الفقه: ص 393. (4) الانتصار: ص 272.
(5) السرائر: ج 3 ص 419.
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 270 - 271 ح 1065، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 247.
(7) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 272 - 273 ح 1069، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب ديات الاعضاء ح 3 ج 19 ص 248.

[ 422 ]

والجواب: لا منافاة بين الصدقة وبين كونها لله تعالى. مسألة: المشهور أن دية قطع رأس الميت مائة دينار مطلقا. وقد روى عبد الله بن مسكان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قطع رأس الميت، قال: عليه الدية، لان حرمته ميتا كحرمته وهو حي (1). قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: لا منافاة بينهما، لان كل واحد منهما في حال متى قطع رأس ميت وكان ممن أراد قتله في حياته فعليه الدية، ومتى لم يرد قتله في حياته فعليه مائة دينار (2). وفي هذا التأويل بعد، والاولى حمل الدية على دية الجنين - وهي مائة دينار - لا دية الحي. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أتلف حيوانا لغيره مما لا يقع عليه الذكاة كان عليه قيمته يوم أتلفه، وذلك مثل الفهد والبازي والصقر، فان أتلف ما يقع عليه الذكاة على وجه يمكنه الانتفاع به كان صاحبه مخيرا بين أن يلزمه قيمته يوم أتلفه ويسلم إليه ذلك الشئ أو يطالبه بقيمته ما بين كونه متلفا وكونه حيا (3). ونحوه قال المفيد (4)، وابن البراج (5)، وسلار (6). وقال ابن ادريس: الفهد يقع عليه الذكاة، وقد سبق، وإذا أتلف ما يقع عليه الذكاة بالذكاة - كما لو ذبح شاة غيره - وجب عليه ما بين قيمتها حية ومذبوحة، وشيخنا قد رجع عما ذكره في نهايته في مبسوطه (7).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 273 ح 1072، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب ديات الاعضاء ح 6 ج 19 ص 249.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 158 ذيل الحديث 5357.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 466. (4) المقنعة: ص 769.
(5) المهذب: ج 2 ص 511.
(6) المراسم: ص 243.
(7) السرائر: ج 3 ص 420 مع اختلاف.

[ 423 ]

والشيخ - رحمه الله - عول على أن الجاني أتلف معظم منافعه وصيره كالتالف فضمن قيمته. وقوله في المبسوط: " من الرجوع بالتفاوت " (1) هو المعتمد، لتحقق المالية بعد الجناية، فكان الواجب الارش. مسألة: قال الشيخ في النهاية: دية كلب السلوقي أربعون درهما لا يزاد عليه، ودية كلب الحائط والماشية عشرون درهما، وفي كلب الزرع قفيز من طعام، وليس في شئ من الكلاب غير هذه شئ على حال (2). وكذا قال ابن البراج، إلا أنه قال عوض: " قفيز طعام " " قفيز حنطة " (3) وقال المفيد: قد وظف في قيمة السلوقي المعلم للصيد أربعون درهما، وفي قيمة كلب الحائط والماشية عشرون درهما، وليس في شئ من الكلاب سوى ما سميناه غرم ولا لها قيمة (4). وكذا قال سلار (5). وهو يعطي إلا شئ في كلب الزرع. وقال ابن الجنيد: دية الكلب الذي للصيد قيمته ولا يتجاوز به أربعين درهما، ودية الكلب الاهلي زنبيل من تراب. وقال الصدوق: دية كلب الصيد أربعون درهما، ودية كلب الماشية عشرون درهما، ودية الكلب الذي ليس لصيد ولا ماشية زنبيل من تراب على القاتل أن يعطي وعلى صاحب الكلب أن يقبله (6). وقال ابن ادريس: دية كلب الصيد سواء كان سلوقيا أو غير ذلك إذا كان معلما للصيد أربعون درهما، وشيخنا أطلق في دية الكلب السلوقي، والاولى تقييده بكلب الصيد، لانه إذا كان غير معلم على الصيد ولا هو كلب

(1) المبسوط: ج 8 ص 30.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 466.
(3) المهذب: ج 2 ص 512، وفيه: " قفيز من طعام "، وليس: " قفيز من حنطة ".
(4) المقنعة: ص 796، وفيه: " في قيمة السلوقي منها ". (5) المراسم: ص 243.
(6) المقنع: ص 192.

[ 424 ]

ماشية ولا زرع ولا حائط فلا دية له وإن كان سلوقيا، وإنما أطلق ذلك لان العادة والعرف أن السلوقي الغالب عليه أنه يصطاد، والسلوقي منسوب إلى سلوق قرية باليمن. ودية كلب الحائط والماشية عشرون درهما، والمراد بالحائط البستان، لان في الحديث أن فاطمة - عليها السلام - وقفت حوائطها بالمدينة، والمراد، بذلك بساتينها. وفي كلب الزرع قفيز من طعام، وإطلاق الطعام في العرف يرجع إلى الحنطة. وليس في شئ من الكلاب غير هذه الاربعة دية على حال (1). وقول ابن الجنيد عندي حسن، وعليه دلت رواية السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في من قتل كلب الصيد، قال: يقومه، وكذلك البازي، وكلب الغنم، وكذلك كلب الحائط (2). وفي رواية الوليد بن صبيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: دية الكلب السلوقي أربعون درهما، أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله - بذلك أن يديه لبني خزيمة (3). وعن أبي بصير، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: دية الكلب السلوقي أربعون درهما، جعل له ذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله -، ودية كلب الغنم كبش، ودية كلب الزرع جريب من بر، ودية كلب الاهل قفيز من تراب (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 421.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 310 ح 1156، وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب ديات النفس ح 3 ج 19 ص 167.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 309 ح 1154، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 167.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 310 ح 1155، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ديات النفس ح 2 ج 19 ص 167.

[ 425 ]

مسألة: قال المفيد - رحمه الله - في المقنعة: ومن ذلك قتل ما لا يقع عليه الذكاة ولا يحل أكله مع الاختيار، كالبغال والحمير الاهلية والهجن من الدواب والسباع من الطير وغيره (1). قال ابن ادريس: هذا غير واضح ولا صحيح، أما البغال والحمير والخيل - سواء كانت عرابا أو هجانا - فانها على الاظهر والاصح من أقوال أصحابنا وفتاويهم ومناظراتهم مأكولة اللحم يقع عليها الذكاة، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر الطوسي في سائر كتبه، واختيار السيد المرتضى في انتصاره. وأما السباع من الطير وغيره فعندنا أن أسآرها طاهرة وهي طاهرة، وتقع عليها الذكاة عندنا بغير خلاف، وإنما لا يقع الذكاة على الكلب والخنزير (2) وهذا الذي اختاره هو المشهور المعتمد. وقال سلار: البهيمة إما لا تدخل تحت ملك المسلم وهو الخنزير والدب والقرد، أو يدخل وهو ضربان: أحدهما: لا يقع عليه ذكاة وهو ما لا يحل أكله (3). وهذا على إطلاقه ليس بجيد، وقد تقدم البحث في ذلك كله. تذنيب: قال المفيد: والمسلم لا يملك شيئا محرما عليه كالخمر والخنزير والقرد والدب (4). وكذا قال سلار (5). وقال ابن ادريس: لا أرى بأسا بتملك الدب، لانه سبع، ويجوز بيع جلده بعد ذكاته والانتفاع به بعد دباغه (6). وهو الاقوي عندي، وقد تقدم

(1) المقنعة: ص 768.
(2) السرائر: ج 3 ص 423.
(3) المراسم: ص 243، مع اختلاف.
(4) المقنعة: ص 769، وفيه: " كالخمور ".
(5) المراسم: ص 243.
(6) السرائر: ج 3 ص 242.

[ 426 ]

الفصل السابع في اللواحق مسألة: قال الصدوق في المقنع: في ذكر الخنثى وانثييه ثلث الدية (1). وقال ابن الجنيد: وسواء في ذلك ذكرا الصبي إذا لم يبلغ والعنين والخنثى المحكوم له بأنه رجل، فان كان محكوما بأنه امرأة كان فيه ثلث الدية. والوجه أن نقول: إن كان قد حكم له بالرجولية وجب عليه في كل واحد من ذكره وانثييه دية كاملة، وإن حكم له بالانوثة وجبت الحكومة، لانه زائد، وكذا إن اشتبه أمره، لاصالة البراءة. مسألة: قال الصدوق في المقنع: وفي السمحاق وهي التي دون الموضحة خمسمائة درهم، فإذا كانت في الوجه فالدية على قدر الشين (2). والمعتمد ما تقدم من أن في السمحاق سواء كانت في الرأس أو الوجه أربعة أبعرة قيمتها أربعون دينارا أو أربعمائة درهم، أما الموضحة فان فيها خمسمائة درهم، وقد تقدم.

(1) المقنع: ص 180.
(2) المقنع: ص 181.

[ 427 ]

مسألة: قال الصدوق في المقنع: إذا ادعى رجل على رجل قتيلا وليس له بينة فعليه أن يقسم خمسين يمينا بالله، فإذا أقسم دفع إليه صاحبه فقتله، فان أبى أن يقسم قيل للمدعى عليه أقسم فان أقسم خمسين يمينا بالله أنه ما قتل ولا يعلم قاتلا اغرم الدية إذا وجد القتل بين ظهرانيهم (1). وكذا قال في من لا يحضره الفقيه. وهذه رواية رواها الشيخ عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - (2). وفي الطريق علي بن أبي حمزة، وهو ضعيف. والمعتمد أن نقول: وجود القتيل بين القبيلة أو في القرية إن كان موجبا للدية عليهم وأراد الولي الحلف على اثبات القصاص كان له ذلك، وإن لم يفعل ورد اليمين على المنكر فإذا حلفوا القسامة سقطت الدعوى عنهم، وإن طلبوا اثبات الدية كان لهم ذلك بغير قسامة وإن لم يوجب الدية إلا بالقسامة، فإذا لم يحلف أولياء المقتول وحلف المدعى عليه سقطت الدعوى عنهم ولا دية. مسألة: قال الصدوق في المقنع: في ذكر العنين الدية (3). وكذا قال ابن الجنيد. والمشهور أن فيه ثلث الدية، لانه أشل فيكون فيه ثلث دية الصحيح كغيره من الاعضاء. وقال في المقنع: إذا أسلم الرجل ثم قتل خطأ قسمت الدية على نحوه من الناس ممن أسلم وليس له موال (4). والمشهور أنه إن كان قاتلا خطأ كانت ديته عليه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال كانت الدية على الامام، وإن كان مقتولا فديته للامام إذا لم يمكن

(1) المقنع: ص 185.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 100 و 101 ح 5179، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب دعوى القتل ح 5 ج 19 ص 118.
(3) المقنع: ص 186.
(4) المقنع: ص 188.

[ 428 ]

له وارث. وقال في المقنع: فان قتل المكاتب رجلا خطأ فان كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو رد في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول، فان شاؤوا استرقوا، وإن شاؤوا باعوا. وإن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه وقد كان أدى من مكاتبته شيئا، فان على الامام أن يؤدي بقدر ما أعتق من المكاتب، ولا يبطل دم امرئ مسلم، وأرى أن يكون ما بقي على المكاتب ما لم يؤد لاولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما بقي، وليس لهم أن يبيعوه (1). وهذا القول عندي أجود من قول شيخنا (2)، إن النصيب من الرقية يكون على مولاه. نعم قوله: " وليس لهم أن يبيعوه " ممنوع، لان الكتابة في نصيب الرقية قد بطلت باسترقاقه. مسألة: المشهور أن في المنقلة خمسة عشر بعيرا. وقال ابن أبي عقيل: وقد جاء بالتوقيف عنهم - عليهم السلام - أن في الباضعة ثلاثة من الابل، وفي المأمومة ثلاثة وثلاثون (3) من الابل، وفي السمحاق أربعة من الابل، وفي المنقلة عشرين من الابل. والاول أقوى وأشهر بين الاصحاب. وعليه دلت رواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: وفي المنقلة خمسة عشر من الابل (4). وكذا في رواية زرارة (5)، عن الصادق - عليه السلام -.

(1) المقنع: ص 192.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 393. (3) في نسخة م 3 ثلاثين بدل ثلاثون.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 289 ح 1123، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 10 ج 19 ص 292.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1124، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 11 ج 19 ص 292.

[ 429 ]

ورواية مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام - قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمسة عشر من الابل (1). مسألة: المشهور أنه إذا كان القاتل من أهل الحلل وأراد دفعها وجب عليه مائتا حلة، كل حلة ثوبان من برود اليمن. وقال الصدوق في المقنع: وعلى أهل اليمن الحلل مائة حلة (2). ورواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الابل فأقرها - رسول الله - صلى الله عليه وآله - ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وفرض على أهل الشاة ألف شاة، وعلى أهل الحلل مائة حلة. قال عبد الرحمان: فسألت أبا عبد الله - عليه السلام - عما رواه ابن أبي ليلى، فقال: كان علي - عليه السلام - يقول: الدية ألف دينار وقيمة الدينار عشرة دراهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعشرة آلاف لاهل الامصار، ولاهل البوادي الدية مائة من الابل، ولاهل السواد مائتي بقرة أو ألف شاة (3). والذي ذكرناه أولا اختيار الشيخين (4)، وسلار (5)، وأبي الصلاح (6)، وابن البراج. وقال ابن البراج: قيمة كل حلة خمسة دنانير (7).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 290 ح 1126، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات الشجاج والجراح ح 6 ج 19 ص 291.
(2) المقنع: ص 182.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 107 ح 5201. (4) المقنعة: ص 735، النهاية ونكتها: ج 3 ص 364.
(5) المراسم: ص 236.
(6) الكافي في الفقه: ص 391.
(7) المهذب: ج 2 ص 457.

[ 430 ]

وكذا ظاهر كلام ابن أبي عقيل فانه قال: وعلى أهل الابل والبقر والغنم من أي صنف كان قيمة عشرة آلاف درهم، وإذا كان الضابط اعتبار القيمة فلا مشاحة في العدد مع حفظ قدر القيمة وهي عشرة آلاف درهم أو ألف دينار. مسألة: قال سلار: وإذا ذهب بحاجبه فنبت ففيه ربع الدية، وقد روي أن فيهما إذا لم ينبتا مائة دينار (1). والوجه عندي الحكومة في ما إذا أنبت. وهو قول أبي الصلاح (2)، للاصل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى ادعى ذهاب بصره وعيناه مفتوحتان صحيحتان ولا يعلم صدق قوله حلف حسب ما قدمناه، وقد روي أنه يستقبل بعينه عين الشمس فان كان كما قال بقيتا مفتوحين في عين الشمس وان لم تكونا كما قال غمضهما (3). وقال سلار: فان ادعى ذهاب بصره ولم يظهر أمره يقام مواجها لعين الشمس فان أطبقهما فقد كذب، وإن لم يطبقهما فقد صدق (4). فأفتى بما جعله الشيخ رواية، وكذا أبو الصلاح (5). والشيخ - رحمه الله - عول على ما رواه سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن العين يدعي صاحبها أنه لا يبصر، قال: يؤجل سنة ثم يستحلف بعد السنة أنه لا يبصر ثم يعطي الدية، قال: قلت: فان هو أبصر بعده؟ قال: هو شئ أعطاه الله إياه (6).

(1) المراسم: ص 245.
(2) الكافي في الفقه: ص 397.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 431، وفيه: " انه يستقبل بعينه في عين ".
(4) المراسم: ص 245.
(5) الكافي في الفقه: ص 396. (6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 266 ح 1048، وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب ديات المنافع ح 5 ج 19 ص 283.

[ 431 ]

واحتج سلار بما رواه الاصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: وأما ما ادعاه في عينه فانه يقابل بعينه عين الشمس فان كان كاذبا لم يتمالك حتى يغمض عينيه، وإن كان صادقا بقيتا مفتوحتين (1). ولا بأس عندي بذلك إذا استفاد الحكم منه ظنا. مسألة: قال المفيد: وليس في كسر اليد وشئ من العظام وقطع شئ من الاعضاء التي تصلح بالعلاج قصاص، وإنما القصاص في ما لا يصلح من ذلك بشئ من العلاج (2). وقال الشيخ في النهاية: من قطع شيئا من جوارح الانسان وجب ان يقتص منه إن أراد ذلك المقطوع، وإن جرحه جراحة فمثل ذلك، إلا أن يكون جراحة يخاف في القود منها على هلاك النفس فانه لا يحكم فيها بالقصاص، بل يحكم بالارش كالمأمومة والجائفة وما أشبههما، وكسر الاعضاء التي يرجى انصلاحها (3) بالعلاج فلا قصاص أيضا فيها، بل يراعى حتى ينجبر الموضع إما مستقيما أو على عثم فيحكم حينئذ بالارش، فان كان شيئا لا يرجى صلاحه فانه يقتص من جانبه على كل حال (4). وقال سلار: الجناية إن خيف من القصاص فيها تلف نفس المقتص منه في الاغلب لاقصاص فيها بل الدية، وإن لم يخف فصاحب الجناية مخير بين القصاص والدية، ولا قصاص فيما يبرأ ويصلح، وإنما فيه الارش والقصاص فيما لا يبرأ (5). والوجه أن نقول: إنه لا قصاص في كسر الاعضاء والعظام، إما لما فيه من

(1) (1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 268 ح 1053، وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب ديات المنافع ح 1 ج 19 ص 279.
(2) المقنعة: ص 761.
(3) م 3: اصلاحها.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 447. (5) المراسم: ص 246، مع اختلاف.

[ 432 ]

التغرير، أو لعدم التوصل إلى قدر الحق. وأما غير الكسر فان خيف منه التلف فلا قصاص أيضا، وإن لم يخف منه التلف وجب فيه القصاص، سواء برأ أو لا، لعموم قوله تعالى: " والجروح قصاص " (1). مع أن سلار قال - لما عد الجراحات -: فلا قصاص إلا في سبع منهن ما عدا المأمومة والجائفة (2). مع غلبة الظن ببرء أكثرها. فان قصد من الجنايات التي يشتمل على الكسر فقد وافق الشيخين. وأبو الصلاح: قال: إنما يكون جارحا بما يوجب القصاص مع تكامل الشروط المذكورة في القود إذا كان ما قصده مما لا يرجى صلاحه كقطع اليد والرجل والاصبع إلى غير ذلك، ولا يخاف معه تلف المقتص منه. فأما الكسر والفك المنجبر والجرح الملتئم والمأمومة في الشجاج والجائفة في الجوف وما يجري مجراه فلا قصاص في شئ منه (3). وفيه الاشكال السابق أولا. مسألة: قال أبو الصلاح: وإذا قتل العبد أو الامة حرا مسلما أو حرة وجب تسليم كل منهم الى ولي الدم برمته، إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا تملكوا ما معه من مال وولد، وإن شاؤوا استرقوه وولده وتصرفوا في ملكه (4). وهذا ليس بجيد على إطلاقه، فان الصحيح عندنا أن العبد لا يملك شيئا فجميع ما بيده لمولاه، ولا يجب دفعه إلى أولياء المقتول، بل الواجب دفع العبد لا غير، ولو قلنا: إن العبد يملك فإن ملكه ناقص، فالاقوى أنه لا يجب دفعة أيضا، وأما الاولاد فلا يجب دفعهم أيضا، سواء ولدوا بعد القتل، قبل الدفع أو قبله، لان الاولياء لا يملكون بنفس القتل بل باختيار الاسترقاق، ولو كانت

(1) المائدة: 45.
(2) المراسم: ص 247.
(3) الكافي في الفقه: ص 382.
(4) الكافي في الفقه: ص 385.

[ 433 ]

الامة حاملا وقت القتل ودفعت لم يملك الاولياء ولدها، بل يكون للمولي سواء وضعته قبل الدفع أو بعده، عملا بالاستصحاب السالم عن معارضة ما ينافيه، وليس هذا الدفع بأقوى من الدفع بالبيع، مع أنه لا يجب دفع الولد هناك فهنا أولى. مسألة: قال الشيخان (1): إذا أقر واحد بقتله عمدا وأقر آخر بأنه قتله خطأ تخير أولياؤه بين قتل المقر بالعمد وليس لهم على الاخر سبيل، وبين أخذ الدية من المخطئ وليس لهم على العامد سبيل. وقال أبو الصلاح: وإذا أقر من يعتد باقراره بقتل يوجب القود وأقر آخر بقتله إياه خطأ (2) فأولياء المقتول بالخيار إن شاؤوا قتلوا المقر بالعمد ولا سبيل لهم على المقر بالخطأ، وإن شاؤوا طالبوهما بالدية نصفين، فان كان المقر بالعمد ممن لا يقاد بالمقتول لكونه صغيرا أو مؤوفا أو ذميا أو عبدا فعليهما جميعا الدية (3). والوجه ما قاله الشيخان. لنا: أن كل واحد منهما أقر بالتفرد بالقتل فأيهما صدق كذب الاخر، وتصديقهما معا ممتنع. مسألة: قال أبو الصلاح: وإذا قتل الصغير أو المؤوف العقل - حرا أو عبدا مسلما أو ذميا ذكرا كان أو أنثى - فعلى وليهما الدية (4). ثم قال في موضع آخر: ودية قتل العبد على سيده والصغير والمحجور عليه على وليه، فان كان خطأ فعلى عاقلتهما (5).

(1) المقنعة: ص 744، النهاية ونكتها: ج 3 ص 378، مع اختلاف فيهما.
(2) ق 2: وأقر آخر بقتله أيضا خطأ. وم 3: وأقر آخر بأنه قتله خطأ وفي المصدر: وأقر آخر بأنه أتاه خطأ.
(3) الكافي في الفقه: ص 386.
(4) الكافي في الفقه: ص 384.
(5) الكافي في الفقه: ص 391، وفيه: " على سيده والصغير أو مأوفا ".

[ 434 ]

وقال في موضع آخر: وعاقلة الرقيق مالكه (1). وهذه العبارة رديئة. والوجه أن جناية الصغير والمؤوف على عاقلتهما لا على وليهما، وأما العبد فان اختار مولاه الفداء فداه، وإلا دفعه إلى المجني عليه، وقد تقدم أن السيد لا يعقل العبد. والظاهر أن مراد أبي الصلاح ذلك أيضا، لانه قال - بعد ذلك -: وإذا جنى العبد على حر جناية توفي بقيمته فعلى سيده تسليمه أو فداؤه، وإن كانت أقل من قيمته فعليه فداؤه أو تسليمه وأخذ الفاضل من قيمته عن أرش الجناية (2). وعبارة ابن الجنيد هنا حسنة فانه قال: ولو جنى عبد لرجل على رجل كانت جنايته في رقبته، ولو مات الجاني قبل القصاص منه لم يجب على سيده قود ولا دية ولا قيمة. مع أنه قال: وإذا كان أرش جناية العبد لا يحيط برقبته كان الخيار إلى سيده، إن شاء فداه، وإلا كان المجني عليه شريكا في رقبة العبد بقدر أرش الجناية، ولو كان أرش جنايته يحيط برقبة العبد كان الخيار إلى المجني عليه أو وليه، فان شاء ملك الرقبة، وإن شاء أخذ من سيده قيمته. مسألة: قال أبو الصلاح: فعلى هذا التحرير يتنوع القتل ستة أنواع: عمد يوجب القود، وخطأ محض، وخطأ شبيه العمد يوجبان الدية على العاقلة (3). وهذا ليس بجيد، فان المشهور أن دية شبيه العمد على القاتل (4)، وأن العاقلة إنما يضمن الخطأ المحض. مسألة: اعتبر أبو الصلاح دعوى ذهاب السمع بالصوت الرفيع من حيث لا يعلم، فان ارتاع فهو سميع، وان لم يرتع فهو أصم، واعتبر ذهاب الشم بتقريب

(1) الكافي في الفقه: ص 392.
(2) الكافي في الفقه: ص 395.
(3) الكافي في الفقه: ص 396.
(4) في الطبعة الحجرية: شبيه العمد والعمد يوجبان الدية على القاتل.

[ 435 ]

الحراق إلى الانف، فان دمعت عيناه (1) فهو سليم، وإن لم تدفع فقد ذهبت حاسة شمه (2). وكذا ابن الجنيد اعتبر في الشم. والشيخ جعله في النهاية رواية، واعتبر بالايمان والاستظهار بها (3). واعتبر أبو الصلاح أيضا دعوى عدم النطق بالابرة، فان خرج الدم أسود أو لم يخرج دم فهو أخرس، وإن خرج أحمر فهو سليم (4). والوجه أن نقول: إن أفادت العلامة للحاكم ما يوجب الحكم اعتبرها، وإلا فالايمان. مسألة: قال أبو الصلاح: ويضمن الحر قيمة ما أفسده وأرش ما جناه من عمد أو خطأ عن قصد أو سهو وما يحصل عند فعله أو ممن يلي عليه. ثم قال: والثالث: ما يقع من الرقيق أو المضمون الجريرة (5) أو المحجور عليه من قتل خطأ أو فساد عن مقصود (6) أو عمد ممن لا يعقل، فيلزم الولي دية النفس وقيمة المتلف وأرش الجناية (7). وهذا على إطلاقه ليس بجيد، فانا قد بينا أن المولى لا يضمن جناية عبده، بل له أن يدفعه، ولا ضمان أيضا على ولي الطفل والمجنون بل على العاقلة، ولا ضمان على العاقلة في ما يتلف من الاموال بل النفوس خاصة. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا أركب السيد عبده فجنى العبد كان الضمان على السيد، وإن ركب العبد بغير اذنه فجنى كانت جنايته في عنقه. والوجه أن نقول: إن كان العبد صغيرا فكذلك، وإن كان كبيرا كان الضمان عليه مطلقا يتعلق برقبته.

(1) في المصدر: عينه.
(2) الكافي في الفقه: ص 397.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 433 - 434، جعله فتوى ولم يجعله رواية.
(4) الكافي في الفقه: ص 3 97. (5) في الطبعة الحجرية: بالجريرة.
(6) في الطبعة الحجرية وق: غير مقصود.
(7) الكافي في الفقه: ص 401 و 402.

[ 436 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: القسامة تثبت إذا كان القتيل به أثر القتل من جراحة أو شدخ أو خنق أو نحو ذلك، فان لم يكن به أثر فلا قسامة. وقال الشيخ - رحمه الله - في الخلاف: كل موضع قلنا قد حصل اللوث على ما فسرناه فللولي أن يقسم، سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لم يكن له أثر (1). وهو الاقرب، للعموم. وكأن ابن الجنيد نظر إلى انتفاء الظن بالقتل عند فقد العلامة والاثر. ونحن نقول إن انتفى الظن فلا قسامة، لانتفاء اللوث حينئذ، والتقدير خلافه. وقال في المبسوط: كل موضع حصل اللوث فللولي أن يقسم، سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لا. وقال قوم: إن كان به أثر القتل فكذلك، وإن لم يكن أثر فلا قسامة. قال: وهذا أقوى (2). وهو يوافق قول ابن الجنيد. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا قسامة في بهيمة ولا في شئ من العروض ولا في عبد مقتول. وقال الشيخ في الخلاف: إذا قتل عبد وهناك لوث فلسيده القسامة، لعموم الاخبار الواردة في وجوب القسامة في القتل (3). مسألة: المشهور أن دية الذمي ثمانمائة درهم. وقال ابن الجنيد: فأما أهل الكتاب الذين كانت لهم ذمة من رسول الله - صلى الله عليه وآله - ولم يغيروا ما شرط عليهم رسول الله - صلى الله عليه وآله - فدية الرجل منهم أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم، وأما الذين ملكهم المسلمون عنوة ومنوا عليهم باستحيائهم - كمجوس السواد وغيرهم من أهل

(1) الخلاف: ج 5 ص 310 المسألة 8.
(2) المبسوط: ج 7 ص 215.
(3) الخلاف: ج 5 ص 312 المسألة 11.

[ 437 ]

الكتاب بالجبال وأرض الشام - فدية الرجل منهم ثمانمائة درهم والمرأة من كلا الصنفين ديتها نصف دية نظيرها من الرجال. والمشهور الاول، للروايات الدالة عليه من غير تفصيل. وروى ابن مسكان في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: دية اليهودي والنصراني والمجوسي ثمانمائة درهم (1). وفي الصحيح عن أبان بن تغلب، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: ابراهيم بن عمر يقول: إن دية اليهودي والنصراني والمجوسي سواء، قال: نعم قال الحق (2). وفي الصحيح عن ليث المرادي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن دية النصراني والمجوسي واليهودي، فقال: ديتهم جميعا سواء ثمانمائة درهم (3). وغير ذلك من الروايات. احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم (4). وأجاب الشيخ بأنه محمول على المعتاد لقتل أهل الذمة، ولا بأس بذلك (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 186، وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب ديات النفس ح 2 ج 19 ص 160.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 186 ح 729، وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 160، مع اختلاف فيهما.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 186 ح 730، وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب ديات النفس ح 5 ج 19 ص 161.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 187 ح 737، وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب ديات النفس ح 4 ج 19 ص 163.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 187 ذيل الحديث 737.

[ 438 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: وإن حكم عليه بديات لاجنة قتلهم كان عليه من الكفارة لكل جنين رقبة مؤمنة. وقال الشيخ في الخلاف: وأما الكفارة فلا تجب بالقاء الجنين على ضاربها (1). وفي المبسوط: كل موضع تجب فيه الغرة تجب فيه الكفارة عند قوم، وقال قوم: لا كفارة، وهو الاقوى، لان الاصل براءة الذمة (2). وقول الشيخ جيد، عملا بالاصل وعدم ما ينافيه. مسألة: قال ابن الجنيد: وما كان من الاعضاء معيبا ولادة وقد جرت العادة بعدم المنفعة بالعضو، ففي الجناية على العضو ثلث دية العضو لو كان صحيحا فجنى عليه بتلك الجناية، وذلك كاليد الاعسم واليد الشلاء والرجل العرجاء ولسان الاخرس. وكذلك ما كان منها حادثا وقد جرت العادة بأنه لا يعود الى السلامة، مثل: ذكر الخصي وانثييه وعين الاعمى. وان كان العارض مما يجوز مزايلته ويجوز رجوع العضو إلى حال السلامة فالجناية عليه كالجناية على العضو الصحيح، كاللسان إذا خرس من علة، والعنين إذا حدث بالذكر. وإذا حدث الشلل من الجناية وأزالت النفع من العضو وان بقي العضو ففيه دية العضو، وهذا يعطي أن في ذكر الخصي ثلث الدية. والمشهور أن فيه الدية كاملة، لان العيب ليس في الذكر بل في غيره، وتجويز الرجوع إلى حال السلامة لا يكفي في ايجاب الدية بكمالها بل ظن الرجوع، والعضو الاشل وإن ذهبت منفعته لا يجب فيه كمال الدية بل ثلثاها على المشهور.

(1) الخلاف: ج 5 ص 292 ذيل المسألة 122.
(2) المبسوط: ج 7 ص 195.

[ 439 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا انشقت الشفتان حتى بدت الاسنان منها ولم تبرأ فدية شقها ثلث دية النفس، فان عولجت فبرأت والتأمت فديتها خمس دية النفس، وفي شق احداهما بحساب ذلك، فان التأمت وصلحت ففيها خمس ديتها (1). وكذا قال المفيد (2). وقال ابن الجنيد: فأما الشفتان ففي العليا إذا شقت ثلث ديتها، وفي السفلى نصف ديتها. والمشهور الاول. مسألة: قال ابن الجنيد: وفي الحيوان إذا فقئت عينه ربع ديته. وقال في النهاية: وفي عين البهيمة إذا فقئت ربع قيمتها على ما جاءت به الاثار (3). ونحوه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). والمفيد - رحمه الله -: أوجب الارش في جرح الحيوان وكسر أعضائه (6)، وأطلق. وهو الاقوى في النظر، لانه مال فاعتبر أرشه كغيره من الاموال، لكن الروايات متظافرة على ما قاله الشيخ - رحمه الله -. وقال سلار: فأما الجناية في أعضائها فبحسب قيمتها (7). مسألة: قال ابن الجنيد: وإن نفذت في الانف نافذة لا تنسد فديتها ثلث دية الانف، فان انسدت فخمس دية الارنبة مائة دينار، فان كانت نافذة في أحد المنخرين إلى الحاجز بين المنخرين فديته عشر دية الارنبة خمسون دينارا. والشيخان قالا: إن نفذت في الانف نافذة لا تنسد فديتها ثلث الدية فان عولجت فبرأت على غير عثم فديتها خمس دية الانف مائتا دينار فان كانت

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 456.
(2) المقنعة: ص 767.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 468. (4) المهذب: ج 2 ص 512.
(5) الوسيلة: ص 428.
(6) المقنعة: ص 769.
(7) المراسم: ص 243..

[ 440 ]

النافذة في أحد المنخرين إلى الخيشوم - وهي الحاجز بين المنخرين - فعولجت فبرأت فديتها عشر دية الانف مائة دينار (1). وكذا قال ابن البراج (2)، وابن ادريس (3)، ونحوه قال سلار (4). وقال أبو الصلاح: وفي الارنبة نصف الدية، وفي احدى المنخرين ربع الدية، وفي النافذة فيهما نصف الدية فان صلحت والتأمت فخمس الدية، وفي النافذة في احدى المنخرين سدس الدية فان التأمت فعشر الدية (5). وفي كتاب ظريف: فان قطعت روثة الانف فديتها خمسمائة دينار، وإن نفذت فيه نافذة لا تنسد بسهم أو رمح فديته ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث، وإن كانت نافذة فبرأت والتأمت فديتها خمس دية روثة الانف مائة دينار فما اصيب فعلى حساب ذلك، وإن كانت النافذة في احدى المنخرين إلى الخيشوم - وهو الحاجز بين المنخرين فديته عشر دية روثة الانف - خمسون دينارا وإن كانت الرمية نفذت في احدى المنخرين والخيشوم إلى المنخر الاخر فديتها ستة وستون دينارا وثلثا دينار (6). وهو قريب مما قاله ابن الجنيد، لكن المشهور بين الاصحاب ما قاله الشيخان. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فان قطع احدى المنخرين قال قوم: فيه ثلث الدية، لان هاهنا حاجزا ومنخرين، فإذا قطع منخرا واحدا ففيه ثلث الدية، وقال بعضهم: فيه نصف الدية، وهو مذهبنا، لانه ذهب بنصف المنفعة ونصف الجمال (7).

(1) المقنعة: ص 767، والنهاية ونكتها: ج 3 ص 455.
(2) المهذب: ج 2 ص 482.
(3) السرائر: ج 3 ص 411.
(4) المراسم: ص 244.
(5) الكافي في الفقه: ص 397. (6) الفروع من الكافي: ج 7 ص 331 ذيل الحديث 2، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 221.
(7) المبسوط: ج 7 ص 131.

[ 441 ]

وقال ابن الجنيد: وإذا قطعت الارنبة فديتها خمسمائة دينار، وفي كل واحدة من جانبي الانف ثلث دية الانف إذا قطعت دون الارنبة والحاجز. وقال أبو الصلاح: وفي أحد المنخرين ربع الدية (1). وقول ابن الجنيد حسن. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا تضمن العاقلة قيم العبيد إذا قتلهم أقرباءهم خطأ ولا أرش جراحتهم، لان النبي - صلى الله عليه وآله - ألزم العاقلة الديات، وإنما يؤخذ عن العبيد قيم لا دية، لا خلاف في ذلك، ولانهم كأموال ملاكهم. وقال الشيخ في المبسوط: إن قتله خطأ محضا فالقيمة على عاقلته عندنا، وكذلك في أطرافه (2). وفي الخلاف (3) كذلك. وكلام أبي الصلاح يشعر بأن العاقلة تضمنها (4)، وقد سبق. وقال ابن البراج: إذا قتل حر عبدا وجبت قيمته في ذمته، وكذلك إن قطع يده أو قتله عمد الخطأ، وإن كان قد قتله خطأ محضا فالقيمة على عاقلته، وكذلك في أطرافه (5). وقول ابن الجنيد حسن. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو جنى العبد خطأ فبادر مولاه فأعتقه جاز عتقه وضمن الدية كملا لاولياء المجني عليه، ولو دبره متطوعا أو كاتبه أو باعه والجناية تحيط برقبته بطل فعل السيد في ذلك كله إن لم يجز ولي المقتول أو المجروح فانه يستحق رقبة العبد بما فعله السيد ورضي بالدية. والوجه التسوية بين العتق وغيره من التصرفات في أنها تصح، ويضمن السيد الدية أو الاقل من الدية وقيمة العبد على الخلاف. نعم لو كان السيد.

(1) الكافي في الفقه: ص 397.
(2) المبسوط: ج 7 ص 158.
(3) الخلاف: ج 5 ص 269 المسألة 85.
(4) الكافي في الفقه: ص 392.
(5) المهذب: ج 2 ص 487.

[ 442 ]

معسرا فالوجه ما قاله ابن الجنيد، ويمكن المصير إلى قول ابن الجنيد، لانها رقبة تعلقت بها الجناية، فلا يمضى تصرف المولى فيها كالمرهون ويفارق العتق غيره، لانه مبني على التغليب والسراية. مسألة: المشهور أن الام تقتل بالولد لو قتلته عمدا، وكذا الاجداد من قبلها. وقال ابن الجنيد: ولا يقاد والد ولا والدة ولا جد ولا جدة لاب ولا لام بولد، ولا ولد ولد إذا قتله عمدا. لنا: عموم قوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) (1) خرج عنه الاب، للاحاديث (2) الدالة عليه والجد من قبله، لانه أب، فيبقى الام والاجداد من قبلها على الاصل. احتج بأن الام يصدق عليها أنها أحد الوالدين فساوت الاخر. والجواب: المنع من المساواة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قتل رجل رجلين أو أكثر منهما وأراد أولياء المقتولين القود فليس لهم إلا نفسه، ولا سبيل لهم على ماله ولا ورثته ولا عاقلته، وإن أرادوا الدية كان لهم عليه عن كل مقتول دية كاملة على الوفاء (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن ادريس (5). وقال في الخلاف: إذا قتل واحدعشرة فلكل واحد القود، إذ لا يتعلق حقه بحق غيره، فان قتل الاول سقط حق الباقين، وإن بادر أحدهم فقتله سقط حق كل واحد من الباقين، وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: يسقط إلى بدل، وهو كمال الدية في ماله. واستدل باجماع الفرقة، والاصل براءة الذمة من

(1) الاسراء: 33.
(2) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 234 في باب قتل السيد عبده والوالد ولده، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب القصاص في النفس ج 19 ص 56.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 385.
(4) المهذب: ج 2 ص 469 - 470.
(5) السرائر: ج 3 ص 348.

[ 443 ]

اثبات البدل، على أنا قد بينا أن الدية لا تثبت إلا بالتراضي (1). وهو اختياره في المبسوط (2). وقال ابن الجنيد: ولو قتل جماعة عمدا فحضر أولياؤهم يطالبون بالقود اقيد بالاول وكان لمن بعده الدية في ماله، ولو عفا الاول سلم إلى الثاني، ولو لم يقم بينة بأنه الاول وأقر القاتل بمن قتله أولا قبل قوله، ولو طلب جميعهم الدية كان عفوا عن القود وكانت الديات في ماله. وقول ابن الجنيد هو الوجه عندي، لقوله - عليه السلام -: " لا يطل دم امرئ مسلم " (3). وقول المفيد في المقنعة: " إنه إذا كان له مال فاختار أولياء المقتولين الديات كان عليه ديات الجماعة، وإن لم يكن له مال فليس لهم إلا نفسه، فإذا قتل كان مستقادا بجميع من قتل، ولم يكن لاولياء المقتولين رجوع على ورثته بشئ " (4) لا ينافي ما قلناه. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا شهد الشهود عند الحاكم بالفتل حبس المدعى عليه القتل إلى أن تبين حال الشهود، ولو ادعى الولي البينة حبس إلى سنة، وإن أقامها وإلا خلي سبيله، ولو شهد شاهدان أن عمروا قتل زيدا عمدا وشهد ثلاثة شهود أن بكرا قتل زيدا عمدا نظر إلى دعوى ولي زيد فان كانت على بكر طولب الولي بأن يقسم مع الشهود على الذي يدعى، فان أقسم استحق الدم، وإن لم يقسم الولي أو كان القتل خطأ عرض على الشهود اليمين،

(1) الخلاف: ج 5 ص 182 - 183 المسألة 47، مع اختلاف. المبسوط: ج 7 ص 60.
(3) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 167، ذيل الحديث 663، وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب دعوى القتل وما يثبت به ذيل الحديث 5 ج 19 ص 118، وفيه: " لا يبطل ".
(4) المقنعة: ص 745.

[ 444 ]

فان هم حلفوا استحق الولي الدية على المحلوف عليه أو على عاقلته، فان تشاح الشهود في اليمين اقرع بينهم فأيهم حلف اخذ بقوله، وإن نكلوا جميعا عن اليمين كانت الدية على القاتلين على الذي شهد عليه ثلاثة ثلاثة أخماس من الدية، وعلى الذي شهد عليه اثنان خمسا الدية، فان كان الثلاثة الشهود يشهدون على الاثنين أنهما قتلا والشاهدان يشهدان على الثلاثة الذين شهدوا عليهما أنهم القتله فان أقسم الولي على إحدى الطائفتين كان له الخيار فيهم في القود أو الدية، وإن لم يقسم الولي على أحدهما كانت الدية بينهم على الشاهدين ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمساها. وفي هذا الكلام إشكال، أما حبس المدعى عليه قبل اثبات الحق فقد سبق البحث فيه مع الشيخ. والوجه أنه لا يحبس، لانه تعجيل للعقوبة قبل ثبوت سببها، وكذا لو ادعى الولي البينة، وأما تعارض البينات فالوجه أن الولي على أيهما ادعى سقط حقه عن الاخر وثبت دعواه بالبينة، ولا يحتاج إلى القسامة، بل يثبت القود مع الدعوى والشهادة بدون القسامة واحلاف الشهود لا سبيل إليه إذا لم يعهد ذلك في الشرع، ولا يقسم الدية أخماسا، بل يثبت على من يتوجه الدعوى عليه، وإذا شهد كل من المشهود عليه والشاهد على صاحبه سقطت الشهادة مع حصول الشبهة وقيام التهمة. مسألة: قال ابن الجنيد: وللولي أن يقتل قاتل قريبه بمثل القتلة التي قتله بها إن وثق بأنه لا يتعدى، والاختيار ألا يقع القود إلا بالسيف. والمشهور عند علمائنا أنه لا يمكن من ذلك، بل يقتل بالسيف، لما رواه موسى بن بكر عن العبد الصالح - عليه السلام - في رجل ضرب رجلا بعصا فلم يرفع العصا حتى مات، قال: يدفع الى أولياء المقتول، ولكن لا يترك يتلذذ به،

[ 445 ]

ولكن يجاز عليه بالسيف (1). احتج بعموم قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (2) وهو وجه قريب من الصواب. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا أقر رجل بقتل رجل خطأ فادعى الولي بانه قتله عمدا فان أقسم الولي استحق القود، وإن لم يقسم كانت الدية في مال المقر. وهذا يعطي تقديم قول الوارث لو اختلف هو والجاني في صفة القتل. وقال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى على رجل أنه أقر بقتل وليه عمدا فأقام شاهدين فشهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا وشهد الاخر على إقراره بالقتل فقط فقد ثبت القتل بشاهدين فيطالب بالبيان، فان قال: قتلته عمدا قتلناه باعترافه، وإن قال: قتلته خطأ فان صدقه الولي تثبت دية الخطأ عليه مؤجلة في ماله، وإن كذبه الولي فالقول قول المدعى عليه (3). وهو يشعر بتقديم قول الجاني في صفة القتل. وقول ابن الجنيد جيد، لان إقراره بالقتل لوث، فكان للولي اثباته بالقسامة. مسألة: قال ابن الجنيد: لو جرح مسلم مسلما فارتد المجروح ثم أسلم فمات مسلما كان القود عندي للاولياء إن أحبوا، لان توسط الحال بالردة لا حكم لها مع وجوب القود في ابتداء الجناية، ولو كانت نفسا وانتهاءها لما آلت إلى النفس، ولان حكم الردة غير مسقط حق المسلم إذا أسلم بعدها. والشيخ - رحمه الله - فصل في المبسوط فقال: إن أقام على الردة مدة يسري

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 130 ح 5278، وسائل الشيعة: ب 62 من ابواب القصاص في النفس ح 3 ج 19 ص 95 - 96.
(2) البقرة: 194.
(3) المبسوط: ج 7 ص 253.

[ 446 ]

فيها الجراح ثم عاد الى الاسلام فلا قود، لان القصاص إنما يجب بالقطع وكل السراية، بدليل أنه لو قطع مسلم يد مسلم فارتد المقطوع ومات على ردته لا قود عليه، ولو قطع يد مرتد فأسلم المرتد ومات مسلما لا قود فيه، فإذا كان وجوبه بالقطع وكل السراية فان بعض السراية هنا هدر، لانها حال الردة، فقد مات من أمرين مضمون وغير مضمون فسقط القود، لان القصاص لا يتبعض، وإن عاد إلى الاسلام قبل أن يكون لها سراية حال الردة ثم مات قال قوم: لا قود، لانه حصل حال السراية حال لو مات فيها لا قود فوجب أن يسقط القود رأسا، وقال آخرون: عليه القود، لان الجناية وكل السراية حصلت حال التكافؤ فكان عليه القود، وهو الاقوى عندي (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال في الخلاف: الاقوى عندي أنه يجب عليه القود، لان الاسلام وجد في الطرفين حال الاصابة وحال استقرار الدية فتجب الدية كاملة أو القود، وهذا عندي أقوى (3). لنا: أنه لو قتله قاتل حال رجوعه إلى الاسلام لوجب عليه القود، وإن سرت جراحة الاول مدة مديدة والقتل هنا مستند إلى الجناية فكان على فاعلها القود كغيره. مسألة: قال ابن الجنيد: وعفو المقتول خطأ عن جنايته كوصيته يصح منها ما يصح من وصاياه، فأما عفوه عن القاتل عمدا فباطل لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه عفا عما لا يملك، والثاني: أنه وصية لقاتل عمد (4)، وهي لا تصح عندنا، ولو شاء ولي المقتول عمدا العفو لم يكن له ذلك إذا كان على المقتول

(1) المبسوط: ج 7 ص 26.
(2) المهذب: ج 2 ص 465 - 466.
(3) الخلاف: ج 5 ص 165 ذيل المسألة 25، وليس فيه: " أو القود وهذا عندي أقوى ".
(4) ق 2: انه وصيته لقاتله عمدا.

[ 447 ]

دين لا وفاء له إلا إذا ضمن الولي الديون، ولو كانت الجناية جراحة خطأ فآلت إلى التلف وكان المجني عليه قد عفى عن الجرح كان على عاقلة الجاني الدية إلا قدر دية الجرح الذي عفى له عنه، فان كان عفى عن الجرح وما يتولد منه كان ذلك كالوصية إن كانت الجناية عمدا فآلت إلى التلف وقد عفى عن الجراح وما يتولد منه من قصاص أو دية، فان قال: وإن كانت نفسا لم يصح العفو عن النفس، لان ذلك حق يجب لغيره فنزيل القود، للخلاف والشبهة، ونوجب الدية على القاتل في ماله. وقال الشيخ في المبسوط: إذا قطع إصبعه عمدا ثم عفى المجني عليه فإن سرت إلى الكف فلا قود في الاصبع، لانه قد عفى عنه، وأما الكف بعد الاصبع فلا قود فيها، لانه لا قصاص في الاطراف بالسراية، ويجب على الجاني دية ما بعد الاصبع وهو أربع أصابع، وسواء قال: وعما يحدث منها أو لم يقل (1)، لان الحادث هنا وجوب دية ما بعد الاصبع فهو عفو وابراء عما لم يجب، وإن سري إلى النفس فالقود في النفس لا يجب، لانه عفى عن القود في الاصبع، وإذا سقط فيها سقط في الكل، لان القصاص لا يتبعض، وهذا القصاص يسقط عن النفس، سواء قلنا: يصح الوصية من القاتل أو لا نقول، لان القولين معا في ما كان مالا، فأما القصاص فانه يصح، لانه ليس بمال بدليل أنه قد يعفو عن القود من لا يصح أن يعفو عن المال كالمحجور عليه للسفه. والذي رواه أصحابنا أنه إذا جني عليه فعفى المجني عليه عنها ثم سرى إلى نفسه أن لاوليائه القود إذا ردوا دية ما عفى عنه على أولياء المقتص منه، فان لم يردوا لم يكن لهم القود. فأما دية النفس فان قال: عفوت عنها وعما يحدث من عقلها فان كان بلفظ الوصية فهو وصية لقاتل، وهل تصح؟ قال قوم: لا، لقوله

(1) في المصدر: وسواء قال عفوت عن عقلها وقودها وما يحدث فيها أو لم يقل.

[ 448 ]

- عليه السلام -: " ليس للقاتل شئ " وقال آخرون: تصح، وهو الذي يقتضيه. مذهبنا، لانه لا مانع منه، فمن قال: لا يصح قال: تكون الدية ميراثا، ومن قال: تصح اخرجت من الثلث. وإن كان بلفظ العفو والابراء فهل العفو والابراء من المريض وصية أم لا؟ قال قوم: هو وصية، لانه يعتبر من الثلث. قال آخرون: هو اسقاط وابراء وليس بوصية، لان الوصية نقل ملك في ما يأتي والابراء اسقاط في الحال فلهذا لم يكن العفو كالوصية، وعندنا أنه ليس وصية. وهل يعتبر من الثلث؟ فيه لاصحابنا روايتان، فمن قال: إنه كالوصية فالحكم فيه كما لو كان بلفظ الوصية وقد مضى، ومن قال: هو ابراء وليس بوصية صح عما وجب وهو دية الاصابع، ولم يصح في ما عداه، لانه ابراء عما لم يجب (1). والوجه أن نقول العفو كالوصية في أنه يخرج من الثلث وأنه يصح مما وجب لا مما يتجدد، والوصية تجوز للقاتل عمدا على التفصيل الذى سبق منا في كتاب الوصية، ويصح العفو عن القود من الولي وإن كان على المقتول دين، لان الواجب عندنا إنما هو القود والدية تثبت بدلا فليس للغرماء الاعتراض، وإذا قال: عفوت عن الجناية وعما يتجدد منها لم يتناول ما يتجدد، لانه إبراء مما لم يجب بخلاف الوصية، ولا يسقط القود باعتبار العفو الباطل. وقول الشيخ في المبسوط: " لا قصاص في الاطراف بالسراية " ممنوع، لانه كما يجب في النفس بالسراية ففي الاطراف أولى، وسقوط القصاص في الاصبع لا يستلزم سقوطه في النفس تذنيب: قال ابن الجنيد: ولو وصى المجني عليه بأن يعفى عن قاتله وكانت الجناية خطأ كانت كالوصية المتطوع بها، وإن كان عمدا ادرئ القتل والزم

(1) المبسوط: ج 7 ص 109 - 111.

[ 449 ]

الدية في ماله. والوجه عندي التسوية بينهما في إسقاط الدية في العمد كما يسقط القود. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا قطعت اليد من نصف الذراع كان الخيار إلى المجني عليه، إن شاء قطع الكف وأخذ قدر أرش ما قطع من ذراعة زائدا على كفه بحكومة ذوى عدل، وإن شاء اقتص من مفصل المرفق وأعطي قدر أرش ما أخذه من ذراع الجاني زائدا على حقه بحكومة ذوى عدل. وقال الشيخ في المبسوط: وإن قطع يده من بعض الذراع فلا قصاص فيها من بعض الذراع، لان نصف الذراع لا يمكن قطعه خوفا على اتلافه أو أخذ أكثر من حقه فيكون المجني عليه بالخيار بين العفو على مال وله دية يد وحكومة في ما زاد عليها من الذراع، وبين القصاص فيقتص في اليد من الكوع (1) ويأخذ حكومة في ما بقى من الذراع (2). وقول الشيخ هو الاشهر، فتعين العمل به، وبه قال ابن البراج (3). تذنيب: قول الشيخ وابن البراج يعطي في الزائد على الكف حكومة. وقال ابن ادريس: يعتبر بالمساحة فيثبت في اليد القود، لان لها مفصلا، وعليه نصف دية الذراع لو قطع نصفه (4). مسألة قال الشيخ في النهاية: الاعور إذا فقأ عين صحيح قلعت عينه، وإن عمي فان الحق أعماه، فان قلعت عينه كان مخيرا بين أن يأخذ الدية كاملة أو يقلع احدى عيني صاحبه ويأخذ نصف الدية (5). وقال ابن الجنيد: الاعور إذا فقأ عين صحيح فقئت عينه، لان الحق أعماه

(1) الكوع: طرف الزند الذي يلي أصل الابهام.
(2) المبسوط: ج 7 ص 79.
(3) المهذب: ج 2 ص 473 - 474.
(4) السرائر: ج 3 ص 395.
(5) النهاية ونكتها، ج 3 ص 433.

[ 450 ]

إن شاء الولي، فان فقأ صحيح عين أعور ولادة أو بمرض أو في سبيل الله كان الخيار إلى المجني عليه، فان شاء أخذ الدية كاملة للبصر، وإن شاء فقأ احدى عيني الجاني وأخذ منه نصف الدية، وإن شاء أعطى نصف دية وفقأ عين الجاني. والوجه ما قاله الشيخ في النهاية، وقد تقدم البحث في ذلك، ولا وجه لقلع العينين، فان جعلهما بمثابة العين الواحدة فلا وجه لدفع نصف الدية حينئذ. والاولى ما قاله الشيخ وعليه الرويات (1). مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كانت لرجل اصبع زائدة في غير منبت الاصابع فقطعت لم يكن فيها قصاص وكان فيها ثلث الدية، وإن كان منبتهما واحدا وقطعتا جميعا وقع بهما قصاص باصبع واحدة. والوجه أن له القصاص وأخذ دية الزائدة وهو ثلث دية الاصلية، لانهما عضوان قطعا، فلا يسقط أحدهما بالاجتماع. مسألة: قال ابن الجنيد: لو قطع رجل اذن رجل فاقيد فأخذ المستقاد منه اذنه فألصقها فالتصقت كان للمجني عليه أن يقطعها ثانيا، فان كان الاول أعاد اذنه فالتصقت ثم طلب القود لم يكن له أولا ولا ثانيا. والوجه أن له القصاص، لان هذا الالتصاق لا يقر عليه بل يجب ازالته، فلا يسقط القصاص بما لا إستقرار له في نظر الشرع. مسألة: قال ابن الجنيد: والاولى عندنا بالقصاص من الجراح دون النفس أن يكون بعد أن يبرأ المجني عليه لئلا يتعدى الجراح إلى التلف أو زيادة على ما يجب به وقت وقوعه،، وإذا أخر ذلك عرف ما يمكن أن يقع به القصاص وقت

(1) راجع تهذيب الاحكام: ج 10 ص 276 ح 1078، ح 1079 وص 269 ح 1058. وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب قصاص الطرف ج 19 ص 134.

[ 451 ]

برئه، وإن اختار المجني عليه أن يقتص قبل البرء كان ذلك له فان زاد الجراح لم يكن على الذي يستقاد منه زيادة في اقتصاص ولا دية، ولو برئ المجني عليه فاقتص ثم انتقضت جراحة المجني عليه فآلت إلى تلف لم يكن فيها قود، وعلى الجاني الدية بعد أرش ما اقتص منه للشبهة. وقال الشيخ في المبسوط: القصاص يجوز من الموضحة عند قوم وقال قوم: لا يجوز إلا بعد الاندمال، وهو الاحوط عندنا، لانها ربما صارت نفسا (1). وقول ابن الجنيد قوي في جواز المبادرة إلى القصاص، لانه حق ثبت له فيندرج تحت قوله تعالى: (والجروح قصاص) (2)، لكن قوله: " فان زاد الجرح " لم يكن على الذي يستقاد منه زيادة في اقتصاص ولا دية، بل يجب عليه دية الزيادة والقصاص إن كان مما يقتص منه. وكذا قوله: " لو برئ المجني عليه فاقتص ثم انتقضت جراحة المجني عليه فآلت إلى تلف لم يكن فيها قود " بل الوجه وجوب القود لحصول السبب وهو الجناية عمدا. مسألة: قال المفيد في المقنعة: ومن سب رسول الله - صلى الله عليه وآله - أو أحدا من أئمة الهدى - عليهم السلام - فهو مرتد عن الاسلام، ودمه هدر يتولى ذلك منه الامام - عليه السلام -، فان سمعه منه غير الامام فبدر الى قتله عصى الله ولم يكن عليه قود ولا دية، لا ستحقاقه القتل على ما ذكرناه، لكنه يكون مخطئا بتقدمه على السلطان (3). وقال الشيخ في النهاية: ومن سب رسول الله - صلى الله عليه وآله - أو واحدا من الائمة - عليهم السلام - كان دمه هدرا وحل لمن سمع ذلك منه قتله ما لم يخف في قتله على نفسه أو على غيره (4).

(1) المبسوط: ج 7 ص 75. (2) المائدة: 45.
(3) المقنعة: ص 743.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 352.

[ 452 ]

والوجه ما قاله المفيد، لانه حد، والمستوفي للحدود هو الامام، ورواية أبي عاصم السجستاني (1) دالة عليه. مسألة: قال المفيد: السيد إذا قتل عبده عمدا كان عليه كفارة صنيعه عتق رقبة مؤمنة، وإن أضاف إليه صيام شهرين متتابعين واطعام ستين مسكينا، فهو أفضل وأحوط له في كفارة ذنبه (2). وهذا يشعر باكتفاء العتق. والشيخ - رحمه الله - قال في النهاية: ومن قتل عبده متعمدا كان عليه كفارة قتل العمد (3). وعليه المشهور، وهو الاقوى، لدلالة الروايات عليه. روى أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة وأن يطعم ستين مسكينا ويصوم شهرين (4). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يقتل عبده متعمدا أي شئ عليه من الكفارة؟ قال: عتق رقبة وصيام شهرين وصدقة على ستين مسكينا (5). مسألة: قال الشيخ في المبسوط - وتبعه ابن البراج -: إذا قطع انسان يد غيره وقطع آخر رجله وأوضحه ثالث فسرى إلى نفسه كان جميعهم قتلة له، وكان وليه مخيرا بين أن يقتص أو يعفو، فان اقتص كان له أن يقتص في الجراح

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 213 - 214 ح 844، وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب حكم ضمان الناصب وديته ح 1 ج 19 ص 204 - 205.
(2) المقنعة: ص 749.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 394.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 234 ح 929، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب القصاص في النفس ح 3 ج 19 ص 67.
(5) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 235 ح 934، وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب القصاص في النفس ح 6 ج 19 ص 68.

[ 453 ]

فيقطع القاطع ثم يقتله، ويوضح الذي أوضحه ثم يقتله (1). وقال في الخلاف: إن أراد ولي الدم قتلهم قتلهم وليس له أن يقتص منهم ثم يقتلهم، وقال الشافعي: له أن يقطع قاطع اليد ويقتله، وكذلك يقطع رجل قاطع الرجل ثم يقتله، وكذلك يوضح الذي أوضحه ثم يقتله، دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). وقول الشيخ في الخلاف هو المشهور، وفي قوله في المبسوط بعض القوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قطع كفا زائدا إصبعا ويده غير زائدة فان عفي المجني عليه على مال ثبت له دية يد كاملة وحكومة في الاصبع الزائدة، فان اختار القصاص اقتص وكان له حكومة في الاصبع الزائدة، ولا تبلغ تلك الحكومة دية إصبع الاصلية بحال، لانا لا نأخذ في الخلقة الزائدة ما نأخذ في الاصلية (3). وتبعه ابن البراج (4). والوجه أن في الزائدة ثلث دية الاصلية على ما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وفي الانف إذا استؤصلت الدية كاملة، وكذلك إذا قطع مارنها كان فيه الدية (5). وتبعه ابن ادريس فقال: وفي الانف إذا استؤصلت واستوعبت جدعا (6) الدية كاملة، وكذلك إذا قطع مارنها فحسب كان فيه الدية أيضا، والمارن ما لان منها ونزل عن الخياشيم (7). وقال في المبسوط: الذي يؤخذ قصاصا ويجب فيه كمال الدية هو المارن من

(1) المبسوط: ج 7 ص 14، مع اختلاف.
(2) الخلاف: ج 5 ص 158 المسألة 16.
(3) المبسوط: ج 7 ص 87.
(4) المهذب: ج 2 ص 479.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 434.
(6) الجدع: قطع الانف والاذن والشفة (مجمع البحرين: ج 4 ص 310 مادة جدع).
(7) السرائر: ج 3 ص 382.

[ 454 ]

الانف، والمارن مالان منه وهو ما نزل عن قصبة الخياشيم التي هي العظم، لان له حدا ينتهي إليه، فهو من قصبة الانف كاليد من الساعد والرجل من الساق، ثم ينظر فان قطعه كله فالمجني عليه بالخيار بين القود أو كمال الدية، لان في الانف الدية، فان قطعه مع قصبة الانف فهو كما لو قطع اليد من بعض الساعد المجني عليه بالخيار بين أن يعفو وله كمال الدية في المارن، وحكومة في القصبة كما لو قطع يده من نصف الساعد فان له أن يعفو أو يأخذ كمال الدية، وحكومة في الساعد وإن اختار أخذ القصاص في المارن، وحكومة في القصبة كالساعد سواء (1). وتبعه ابن البراج (2). والوجه ما قاله الشيخ، لما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: في الانف إذا استؤصل جدعة الدية (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال وفي الانف إذا قطع المارن الدية (4). وقد ظهر من هاتين الروايتين وجوب الدية في الانف جميعه وفي مارنه. مسألة: إذا جنت أم الولد قال الشيخ في المبسوط: كان أرش جنايتها على سيدها بلا خلاف، إلا أبا ثور فانه قال: أرش جنايتها في ذمتها تتبع به بعد العتق (5).

(1) المبسوط: ج 7 ص 95 - 96.
(2) المهذب: ج 2 ص 481 - 482.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 246 ح 972، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 5 ج 19 ص 215.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 245 ح 970، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 4 ج 19 ص 214 - 215.
(5) المبسوط: ج 7 ص 160.

[ 455 ]

وقال في الخلاف: إذا جنت أم الولد كان أرش جنايتها في ذمتها تتبع به بعد العتق، وهو اختيار المزني، وعندنا أن جنايتها مثل جناية المملوك سواء، على ما مضى القول فيه من أن السيد بالخيار بين أن يؤدي أرش جنايتها أو يسلمها. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم على أنها مملوكة يجوز بيعها (1). وقال ابن البراج: إذا جنت أم الولد جناية كان على سيدها أرش جنايتها (2). وهو موافق لقول الشيخ في المبسوط. والوجه ما قاله في الخلاف، لعموم الادلة الدالة على أن السيد لا يعقل عبده. وقوله في المبسوط ليس بعيدا من الصواب، لان المولى باستيلاده منع من بيع رقبتها، فأشبه ما لو أعتق الجاني عمدا. مسألة: قول المقتول قبل موته: قاتلي فلان، لا يعد لوثا، قاله الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4)، وتبعه ابن ادريس (5). وقال ابن البراج (6) في كتابيه معا: إنه لوث يثبت معه القسامة. والوجه الاول، لقوله - عليه السلام -: " البينة على المدعي " (7) وهذا مدع. احتج بأن الظن يحصل بصدقه، لانه إخبار مسلم عند وفاته وقربه من الاخرة، فيغلب على الظن صدقه. والجواب: العمل بالنص أولى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: دية العبد قيمته يوم قتله، إلا أن تزيد على دية

(1) الخلاف: ج 5 ص 271 المسألة 88.
(2) المهذب: ج 2 ص 488.
(3) المبسوط: ج 7 ص 215. (4) الخلاف: ج 5 ص 310 المسألة 9.
(5) السرائر: ج 3 س 401.
(6) المهذب: ج 2 ص 500.
(7) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 229 ح 553، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب كيفية الحكم ح 1 ج 18 ص 170.

[ 456 ]

الحر، فان زاد على ذلك رد الى دية الحر (1). وكذا قال المفيد في المقنعة (2). وهو المشهور بين علمائنا. وقال ابن حمزة: وان قتل عبد غيره لزمه قيمته ما لم يتجاوز دية الحر، فان تجاوزت ردت الى أقل من دية الحر ولو بدينار (3). والروايات على الاول. روى ابن مسكان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: دية العبد قيمته، وإن كان نفيسا فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، ولا يتجاوز به دية الحر (4). وكذا غيره من الروايات. وقول ابن حمزة لا وجه له. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قتل العبيد بعضهم بعضا أو تجارحوا أقيد بينهم واقتص لبعضهم من بعض (5)، وأطلق. وكذا قال ابن ادريس (6). وقال في المبسوط (7) والخلاف (8): إذا قتل عشرة أعبد عبدا دفعة فالقود عليهم، فان اقتص فلا كلام، غير أن عندنا إن زادت أثمانهم على قيمة عبده وجب عليه رد ما فضل، وإن كان ثمنهم وفقا لقيمته أو دونها فلا شئ عليه، ولم يعتبر ذلك أحد. وقال ابن حمزة: وإن قتل عبد عبدا لزم القود مع تفاوت القيمتين من غير تراد (9). وليس بمعتمد. والوجه التراد إن كان الجاني أكثر قيمة، كما في المرأة والرجل. مسألة: قال ابن حمزة: وإن قتل حران آخر وكان قتل أحدهما عمدا والاخر

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 390.
(2) المقنعة: ص 740.
(3) الوسيلة: ص 433.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 192 - 193 ح 760، وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب ديات النفس ح 2 ج 19 ص 152. (5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 391.
(6) السرائر: ج 3 ص 354.
(7) المبسوط: ج 7 ص 7.
(8) الخلاف: ج 5 ص 150 المسألة 6.
(9) الوسيلة: ص 435.

[ 457 ]

خطأ أو قتل عاقل وصبي أو مجنون حرا لم يلزم القصاص ولزم الدية، وكان ما يصيب من الدية الحر العاقل العامد في ماله مغلظا ونصيب المخطئ أو الصبي أو المجنون على عاقلته (1). والمشهور أنه يجب القود على العامد بعد رد الفاضل عن جنايته، وقد تقدم البحث في ذلك مع الشيخ. مسألة: المشهور أن دية عمد الخطأ تستأدى في سنتين. وقال ابن حمزة: تستأدى في سنة إذا كان القاتل في غنى ويسار، في سنتين. إذا لم يكن (2). والاعتماد على المشهور أقوى. مسألة: قال ابن حمزة: وان ذهب السمع من احدى الاذنين بسبب من الله تعالى ففي الاخرى الدية كاملة، وإن ذهب بسبب من الناس لم يتغير حكم الاخر (3). ونحن نمنع ذلك، فان حمله على الاعور منعنا القياس، لبطلانه عندنا، وإن قاله لدليل طالبناه به. مسألة: قال ابن حمزة: ودية العمشاوين ثلث دية النفس (4). وقال الشيخ في المبسوط: وفي العينين الدية، وفي ضوئهما الدية، ولا فصل بين أن يكونا صغيرين أو كبيرين، مليحتين أو قبيحتين، عمشاوين أو صحيحتين (5). وهو الاقرب، للعموم. قال صاحب الصحاح: العمش في العين ضعف الرؤية مع سيلان دمعها

(1) الوسيلة: ص 435.
(2) الوسيلة: ص 441.
(3) الوسيلة: ص 445، وفيه: " وفي الاخر الدية ". (4) الوسيلة: 446.
(5) المبسوط: ج 7 ص 127.

[ 458 ]

في أكثر أوقاتها (1). مسألة: قال ابن حمزة: وإن شق ما بين المنخرين ففيه خمسون دينارا، فان بقي منفرجا ففيه زيادة حكومة (2). وقال الشيخ في المبسوط: فان شق الحاجز بين المنخرين ففيه حكومة، سواء اندمل أو بقي منفرجا، غير أنه إذا كان منفرجا فالحكومة فيه أكثر منه إذا كان ملتحما (3). وهو الاقرب، وبه قال ابن ادريس (4)، عملا بالاصل من عدم التقدير بالخمسين. مسألة: قال ابن حمزة: فان رض أحد خمسة أعضاء: المنكب والعضد والمرفق والرسغ والكف وانجبر على عثم ففيه ثلث دية اليد، فان انجبر على غير عثم ففيه مائة دينار، وقيل: مائة وثلاثون دينارا وثلث (5). وفي كتاب ظريف: فان رض المرفق فعثم فديته ثلث دية النفس ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث دينار، فان كان فك فديته ثلاثون دينارا، وفي المرفق الاخر مثل ذلك سواء، ودية الرسغ إذا رض فجبر على غير عثم ولا عيب ثلث دية اليد مائة دينار وستة وستون دينارا وثلثا دينار (6). مسألة: قال ابن حمزة: فان كانت الجناية على النفس عمدا محضا كانت القسامة خمسين يمينا، وان كان معه شاهد واحد كان عليه خمسة وعشرون يمينا (7).

(1) الصحاح: ج 3 ص 1112 (مادة عمش).
(2) الوسيلة: ص 447.
(3) المبسوط: ج 7 ص 131.
(4) السرائر: ج 3 ص 398.
(5) الوسيلة: ص 453، وفيه: " وقيل، مائة وثلاثة وثلاثون دينارا وثلث ".
(6) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 301 و 302 قطعة من حديث 1148، وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب ديات الاعضاء ح 1 ج 19 ص 227 و 228.
(7) الوسيلة: ص 460.

[ 459 ]

وقال الشيخ في المبسوط: وان كانت الدعوى عمدا محضا يوجب القود، حلف المدعي خمسين يمينا مع اللوث، سواء كان اللوث شاهدا أو غير شاهد (1). وهو الاحوط، فيتعين العمل. مسألة: قال ابن حمزة: وإن كان من يحلف ثلاثة حلف كل واحد سبعة عشر يمينا (2). وهو قول الشيخ في المبسوط (3). والاقرب أنه لا حاجة إلى اليمين الزائدة، بل يتولى الولي اليمين المتكررة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط في كتاب الجراح: إذا قتل مسلم كافرا لم يقتل به، سواء كان معاهدا أو مستأمنا أو حربيا، وعليه التعزير والدية والكفارة (4). وقال في كتاب كفارة القتل فيه: إن كان المقتول مسلما في دار الاسلام ففيه الدية والكفارة بلا خلاف: وإن كان معاهدا قتل في دار الاسلام ففيه الدية بلا خلاف والكفارة عند الفقهاء (5). وقال في الخلاف: لا تجب الكفارة بقتل الذمي والمعاهد، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، فأجبوا فيه الكفارة. واستدل بأصالة البراءة، وقوله تعالى: " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق " الضمير في كان يرجع إلى المؤمن (6). وهذا هو الاصح، والظاهر أن قوله الاول في المبسوط كلام المخالفين دون أن يكون ذلك اعتقاده. مسألة: إذا جنى العبد تعلق أرش الجناية برقبته، فان أراد سيده أن يفديه قال في المبسوط: يفديه عند قوم بأقل الامرين من قيمته أو أرش جنايته، لانه إن كانت قيمته أقل فليس عليه غير قيمة عبده، وإن كانت الجناية أقل فليس

(1) المبسوط: ج 7 ص 212.
(2) الوسيلة: ص 460.
(3) المبسوط: ج 7 ص 231.
(4) المبسوط: ج 7 ص 6 و 7.
(5) المبسوط: ج 7 ص 245.
(6) الخلاف: ج 5 ص 319 المسألة 1.

[ 460 ]

عليه غيرها، وعند آخرين بالخيار بين أن يفديه بأرش الجناية بالغا ما بلغ أو يسلمه للبيع، لانه قد يرغب فيه راغب فيشتريه بذلك القدر أو أكثر، وهذا أظهر في رواياتنا (1) والاول أقوى. وقال في الخلاف: إذا جنى العبد تعلق أرش الجناية برقبته، فان أراد السيد أن يفديه كان بالخيار بين أن يسلمه برقبته أو يفديه بمقدار أرش جنايته، ونقل عن الشافعي وجهين هذا أحدهما، ثم استدل باجماع الفرقة وأخبارهم (2). وهو المعتمد لما قاله في المبسوط. مسألة: قال الشيخ المبسوط: إذا ألقاه في البحر فقبل وصوله إلى الماء التقمه الحوت قال قوم: عليه القود، لانه أهلكه بنفس الالقاء، بدليل أنه لو لم يأخذه الحوت كان هلاكه فيه، فكأن الحوت أتلفه بعد أن حصل منه ما فيه هلاكه، كما لو قتله ثم ألقاه. وقال آخرون: لا قود، لانه ما هلك بنفس الالقاء ولا بما قصد إهلاكه به وإنما هلك بشئ آخر، كما لو رمي به من شاهق فاستقبله غيره بالسيف فقده بنصفين فان القود على الثاني، لان هلاكه به، ولا قود على الدافع، والقولان قويان، غير أن الاول أقواهما (3). وهذا يدل على تردده. وقال في الخلاف: للشافعي قولان: أحدهما: عليه القود، لانه أهلكه بنفس الالقاء، وهو الصحيح الذي نذهب إليه، والثاني: لا قود عليه، لان الهلاك حصل بغيره (4). وهنا جزم بما قواه في المبسوط، وهو الوجه، لما ذكره - رحمه الله -. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قطع حر يد عبد ثم اعتق ثم قطع آخر

(1) المبسوط: ج 7 ص 7.
(2) الخلاف: ج 5 ص 149 المسألة 5.
(3) المبسوط: ج 7 ص 19.
(4) الخلاف: ج 5 ص 162 المسألة 22.

[ 461 ]

رجله ثم عاد الاول فذبحه قبل الاندمال فان اختار الوارث القود سقط حق السيد، لانه لا يجتمع القصاص وأخذ دية اليد قبل الاندمال بحال، وإن عفى على مال وجب دية حر مسلم اعتبارا بحال الاستقرار، يكون للسيد منها أقل الامرين من نصف قيمته أو نصف الدية (1). وهذا بناء منه على دخول أرش الطرف في أرش النفس وقصاصه في قصاصها، وقد تقدم البحث فيه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قطع حر يد عبد ثم اعتق ثم قطع آخر يده وثالث رجله ثم سرى الجميع فلا قود على الاول وعليه ثلث الدية وما للسيد منه؟ قال قوم: له أقل الامرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، وقال آخرون: له أقل الامرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية، والاول أصح عندنا، لان الاول لما جنى عليه وهو ملك للسيد، فلما جنى عليه آخران بعد العتق وليس ذلك للسيد وكانت جنايتهما حال الحرية في حكم المعدومة في حق السيد، إذ لا فرق بين عدمها وبين وجودها ولا حق له فيها، فإذا كانت كالمعدومة كان الجاني حال الرق كالمنفرد بالجناية، فلو انفرد بها ثم اعتق العبد ثم سرى إلى نفسه كان على الجاني أقل الامرين من أرش الجناية أو كمال الدية، فإذا شارك من لا حق للسيد فيه صار عليه الثلث وكان هذا الثلث مع الاخرين ككل الدية معه فأوجبنا عليه أقل الامرين من أرش الجناية أو ثلث الدية، لانه إن كان الارش أقل من ثلثها فلا شئ له في الزائدة، وإن كان أكثر من ثلثها فما وجب على الجاني في ملكه إلا ثلثها فلا يستحق عليه أكثر منها. واحتج الاخرون (2) بأنه جنى عليه جان وهو ملك للسيد فلما اعتق جنى عليه آخران في غير ملكه، ولو جنى عليه جان في ملكه وآخران في غير ملكه ثم مات عبدا بأن يبيعه السيد بعد

(1) المبسوط: ج 7 ص 36.
(2) ليس " واحتج الاخرون " في المصدر.

[ 462 ]

جناية الاول فجنى الاخران عليه في ملك المشتري ثم مات كان عليهم قيمته على كل واحد ثلثها، وهكذا لو جنى عليه الاول ثم ارتد ثم جنى عليه آخران وهو مرتد ثم مات كان على الجاني قبل الردة ثلث قيمته، وثبت أن على الجاني حال الرق ثلث قيمته إذا مات عبدا، فلو اعتق بعد جناية الاول وجنى عليه آخران حال الحرية كان الواجب على الجاني حال الرق ثلث الدية وكان عليه ثلث القيمة إذا مات عبدا وثلث الدية إذا مات حرا فأوجب للسيد من ذلك أقل الامرين من ثلث قيمته أو ثلث الدية، لانه إن كان ثلث القيمة أقل فلا شئ للسيد فيما زاد على ثلثه بالسراية حال الحرية، وإن كان ثلث الدية أقل فلا يلزمه أكثر مما وجب عليه بالجناية في ملكه (1). وقال في الخلاف: إذا جنى جان على عبد غيره في حال الرق فقطع يده ثم اعتق فجنى عليه آخران حال الحرية فقطع أحدهما يده والاخر رجله ثم مات فانه يجب على الجاني في حال الرق ثلث قيمة العبد وقت جنايته ما لم يتجاوز ثلث الدية، فان تجاوز وجب عليه ثلث الدية، واستدل بما ذكره في المبسوط أخيرا (2). ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال في المبسوط: إذا أمر خليفة الامام رجلا بقتل رجل بغير حق فان علم المأمور بذلك لم يجز له قتله، فان أطاعه فعليه القود والكفارة، وإن اعتقد المأمور أن قتله حق وان خليفة الامام لا يقتل إلا بحق وأن طاعته فيما امر به من هذا واجبة. فالذي يقتضيه مذهبنا أن على المأمور القتل لانه المباشر للظواهر كلها (3). وقال في الخلاف: وإن لم يعلم إلا أنه اعتقد أن الامام لا يأمر بقتل من لا

(1) المبسوط: ج 7 ص 37 و 38 و 39 و 40، مع اختلاف.
(2) الخلاف: ج 5 ص 165 المسألة 27. (3) المبسوط: ج 7 ص 41.

[ 463 ]

يجب قتله فقتله قال الشافعي: لا قود على القاتل بل على الامام، والذي يقتضيه مذهبنا أن هذا المأمور إن كان له طريق يعلم أن قتله محرم فأقدم عليه من غير توصل إليه فان عليه القود، وإن لم يكن من أهل ذلك فلا شئ عليه وعلى الامر القود، لانه إذا تمكن من العلم بذلك ولم يفعله فقد أتى من قبل نفسه وباشر قتلا لم يجز له فوجب عليه القود، وإذا لم يكن متمكنا فلا قود عليه بلا خلاف وان القود على الامر (1). وهذا التفصيل عندي جيد. مسألة: قال في المبسوط: إذا وجب له على غيره قصاص فان كان نفسا فلولي الدم أن يقتص بنفسه، لقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) (2). وقال بعض علمائنا: ليس له ذلك إلا باذن الحاكم، حذرا من التجاوز والتخطي. وقال في موضع آخر منه: إذا وجب لرجل على غيره قود في نفس أو طرف لم يكن له أن يستوفيه بنفسه بغير سلطان، لانه من فروض الائمة، فان خالفه وبادر واستوفى حقه وقع موقعه ولا ضمان عليه وعليه التعزير، وقال بعضهم: لا تعزير عليه. والاول أصح، لان للامام حقا في استيفائه (3). وقال في الخلاف: إذا وجب لانسان قصاص في نفس أو طرف فلا ينبغي أن يقتص بنفسه فان ذلك للامام أو من يأمره الامام بلا خلاف، فان بادر واستوفاه بنفسه وقع موقعه ولا شئ عليه، لاصالة البراءة، ومن أوجب التعزير فعليه الدلالة (4). والوجه ما ذكره الشيخ أولا، للاية (5)، والتجاوز حرام ليس له فعله.

(1) الخلاف: ج 5 ص 166 المسألة 28.
(2) المبسوط: ج 7 ص 56.
(3) المبسوط: ج 7 ص 100.
(4) الخلاف: ج 5 ص 205 المسألة 80.
(5) الاسراء: 33.

[ 464 ]

مسألة: قال ابن الجنيد وأبو الصلاح (1) وغيرهما: في الساعدين والعضدين الدية. وكلام الشيخ في المبسوط (2) يشعر بأن فيهما حكومة. وفي الاول قوة، لعموم قولهم - عليهم السلام - " كل ما في البدن اثنان ففيه الدية " (3). مسألة قال الشيخ في الخلاف: إذا قطع يد رجل كان للمجني عليه أن يقتص من الجاني في الحال والدم جار، ولكنه يستحب أن يصبر لينظر ما يكون منها من اندمال أو سراية الى النفس (4). وقال في المبسوط كذلك، ثم قال: وفيه خلاف، ويقتضي مذهبنا التوقف، لانه إن سرى الى النفس دخل قصاص الطرف في النفس عندنا (5). والاول أقوى، لعموم قوله تعالى: (والجروح قصاص) (6). مسألة: قال الشيخ في كتابي المبسوط (7) والخلاف (8): دية الخطأ شبيه العمد تغلظ في الشهر الحرام وإذا قتل ذا محرم محرم مثل الابوين والاخوة والاخوات وأولادهم، والتغليظ في هذه هو أن يلزم دية وثلث من أي أجناس الديات كان. وفي النهاية لم يذكر التغليظ في قتل الاقارب ولا المفيد في المقنعة. والرواية التي وصلت إلينا في التغليظ رواية كليب بن معاوية، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: من قتل في شهر حرام فعليه دية

(1) الكافي في الفقه: ص 398.
(2) المبسوط: ج 7 ص 143.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 258 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات الاعضاء ح 12 ج 19 ص 217.
(4) الخلاف: ج 5 ص 196 المسألة 65.
(5) المبسوط: ج 7 ص 81.
(6) المائدة: 45.
(7) المبسوط: ج 7 ص 116 مع اختلاف.
(8) الخلاف: ج 5 ص 222 و 223 المسألة 6 و 7.

[ 465 ]

وثلث (1) والاولى الاقتصار في التغليظ على المتفق عليه. مسألة: قال الشيخان (2) دية العمد ألف دينار جيادا إن كان القتل من أصحاب الذهب، أو عشرة آلاف درهم إن كان من أصحاب الورق جيادا، أو مائة من مسان الابل إن كان من أصحاب الابل مائتا بقر مسنة إن كان من أصحاب البقر، أو ألف كبش إن كان من أصحاب الغنم، أو مائتا حلة إن كان من أصحاب الحلل. والكلام هنا يقع في أمرين. الاول: هل هذا التوزيع واجب أو مستحب؟ على معنى أن صاحب الذهب هل يجوز له العدول عنه إلى باقي الاجناس من غيره وكذا صاحب الابل يعدل عنها الى غيرها من الاجناس أم لا؟ ظاهر هذا الكلام يقتضي المنع. وفي رواية ابن الفضيل، عن الصادق - عليه السلام - قال: في قتل الخطأ مائة من الابل، أو ألف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار... الحديث (3). وهذا يقتضي التخيير. وفي حديث (4) آخر كما ذكره الشيخان. والوجه التخيير، كما في زكاة الفطرة خصص كل قوم بشئ على جهة الاستحباب. الثاني: هل يعتبر في الاجناس غير النقدين مساواة قيمتها لاحدهما؟ قال

(1) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 215 ح 848، وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 149.
(2) المقنعة: ص 735، النهاية ونكتها: ج 3 ص 364.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 ح 634، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات النفس ح 8 ج 19 ص 144.
(4) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 160 ح 640، وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 141.

[ 466 ]

الشيخ في المبسوط: قلنا: إن عندنا ستة اصول، كل واحد أصل في نفسه، وليس بعضها بدلا عن بعض، بل كل واحد منها بدل عن النفس، وهي مائة من الابل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو مائتا بقرة أو ألف من الغنم أو مائتا حلة، وكل من كان من أهل واحد من ذلك أخذ ذلك منه مع الوجود، فان لم يوجد اخذ أحد الاجناس الاخر، سواء كانت بقيمة الابل أو دونها أو فوقها (1). وقال ابن البراج: إن كان القاتل من أصحاب الذهب ألف دينار جيادا، وإن كان من أصحاب الفضة فعشرة آلاف درهم جيادا، وإن كان من أصحاب الابل فمائة مسنة قيمة كل واحدة منها عشرة دنانير، أو مائتا مسنة من البقر إن كان من أصحاب البقر قيمة كل واحدة منها خمسة دنانير، أو ألف شاة إن كان من أصحاب الغنم قيمة كل واحدة منها دينار واحد، أو مائتا حلة إن كان من أصحاب البزقيمة كل حلة منها خمسة دنانير (2). وهو ظاهر كلام ابن أبي عقيل، وقد تقدم البحث في ذلك. وفي رواية ابن سنان الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - عن أمير المؤمنين - عليه السلام - إلى أن قال: - وقيمة كل بعير مائة وعشرون درهما أو عشرة دنانير، ومن الغنم قيمة كل ناب من الابل عشرون شاة (3). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا جرحه فأجافه وأطلعها من ظهره قال قوم: هما جائفتان، ومنهم من قال: جائفة واحدة، وهو الاقوى، لان الجائفة ما نفذت إلى الجوف من ظاهر (4).

(1) المبسوط: ج 7 ص 119.
(2) المهذب: ج 2 ص 457.
(3) تهذيب الاحكام: ج 10 ص 158 ح 635، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب ديات النفس ح 1 ج 19 ص 146.
(4) المبسوط: ج 7 ص 125.

[ 467 ]

وقال في الخلاف: هما جائفتان، لانه تسمى كل واحدة منهما بأنها جائفة ما في بطنه وما في ظهره، فيجب أن تكونا جائفتين (1). وقوله في الخلاف جيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا جنى على سنه فسقطت ثم أعادها في مغرزها بحرارة دمها ثم ثبتت ثم قلعها بعد هذا قالع فعليه حكومة، والاول عليه ديتها، لانه قلعها (2). وقال في الخلاف: إذا جنى على سنه فسقطت ثم أعادها في مغزرها بحرارة دمها فثبتت ثم قلعها بعد هذا قالع كان عليه الدية، لعموم الاخبار (3). والتحقيق أن نقول: إن ثبتت صحيحة فعليه الدية، وإلا فالارش. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كانت الدية أقل من عدد العاقلة قال قوم: يوزع على الكل بالحصة حتى يكونوا في العقل سواء، وقال آخرون: للامام أن يخص بالعقل من شاء منهم على الغني نصف دينار وعلى المتجمل ربع دينار، ولا شئ على الباقين، لان في توزيعها على الكل بالحصص مشقة، وربما لزم على جنايتها أكثر منها. وهذا أقوى (4). وقال في الخلاف: يوزع على الجميع، لان الدية وجبت على العاقلة كلهم، فمن خص بها قوما دون قوم فعليه الدلالة (5). وقوله في الخلاف حسن. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان المقتول مشركا والمدعى عليه مسلما قال قوم: يقسم وليه ويثبت القتل على المسلم، وقال قوم: لا قسامة لمشرك على مسلم، والاول أقوى عندنا، لعموم الاخبار، غير أنه لا يثبت به القود، وإنما يثبت به المال (6).

(1) الخلاف: ج 5 ص 232 المسألة 15.
(2) المبسوط: ج 7 ص 140.
(3) الخلاف: ج 5 ص 245 المسألة 42. (4) المبسوط: ج 7 ص 180.
(5) الخلاف: ج 5 ص 286 المسألة 110.
(6) المبسوط: ج 7 ص 216.

[ 468 ]

وقال في الخلاف: إذا كان المقتول مشركا والمدعى عليه مسلما لم يثبت القسامة، وبه قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنه يثبت القسامة، فإذا حلفوا ثبت القتل على المسلم بيمين المشرك. دليلنا: أن الاصل براءة الذمة، وإثبات القتل على المسلم بيمين المشرك يحتاج إلى دليل، وأيضا فلو أوجبنا القتل بيمينهم لوجب أن يقاد به، وقد بينا أنه لا يقاد مسلم بكافر، ولو أوجبنا عليه الدية لاوجبنا بيمين الكافر إبتداء على مسلم مالا، مع العلم بأنهم يستحلون أموال المسلمين ودماءهم (1). والوجه ما قاله في المبسوط، وأصالة البراءة إنما يعمل بها ما لم يظهر المتضاد، وقد ظهر، لان ثبوت اللوث ينفي ظن إستصحاب أصالة البراءة، ودليل إثبات القتل على المسلم عمومات الاخبار الدالة على إثبات القتل بالقسامة كما في الاموال، وكما لا يجوز تخصيص عموم قوله - عليه السلام -: " اليمين على المنكر " (2) بالمسلم كذا هنا. والملازمة الاولى - وهو وجوب القود لو ثبت بيمينهم القتل - ممنوع، فان القتل قد يثبت بالبينة إجماعا، ولا يثبت به القود، بل المال. والملازمة الثانية منقوضة بدعوى المال مع الشاهد الواحد. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان المدعي واحدا فعليه خمسون يمينا بلا خلاف، وكذلك المدعى عليه إن كان واحدا فعليه خمسون يمينا، فان كان المدعون جماعة فعليهم خمسون يمينا عندنا، ولا يلزم كل واحد خمسون يمينا، وكذا في المدعى عليه إن كان واحدا لزمه خمسون يمينا، وإن كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يمينا. وللشافعي فيه قولان في الموضعين: أحدهما مثل ما قلناه في

(1) الخلاف: ج 5 ص 311 المسألة 10.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 229 ح 4، وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب كيفية الحكم...، ح 1 ج 18 ص 170، وفيهما: " اليمين على المدعى عليه ".

[ 469 ]

الموضعين، والثاني: يلزم كل واحد خمسون يمينا في الموضعين، إلا أنه قال: أصحهما أن في جنبة المدعي خمسين يمينا بالحصص من الدية، للذكر مثل حظ الانثيين، فان تبعض في كل واحد كمل يمينا تامة، وأصحهما في جنبة المدعى عليه أن يلزم كل واحد خمسين يمينا. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا الاصل براءة الذمة، وما قلناه مجمع على لزومه، وما قالوه ليس عليه دليل (1). وقال في المبسوط: فان كان المدعى عليه واحدا حلف خمسين يمينا، وإن كانوا جماعة قال قوم: يحلف كل واحد خمسين يمينا، وقال آخرون: يحلف الكل خمسين يمينا، وهو مذهبنا، ولكن على عدد الرؤوس الذكر والانثى فيه سواء، والاقوى في المدعي عليه أن يحلف كل واحد خمسين يمينا، وفي المدعي أن على الكل خمسين يمينا، والفرق بينهما أن كل واحد من المدعى عليهم ينفي عن نفسه ما ينفيه الواحد إذا انفرد وهو القود، فلهذا حلف كل واحد ما يحلف الواحد إذا انفرد، وليس كذلك المدعي، لان الكل سواء، يثبتون ما يثبته الواحد إذا انفرد (2). فان قصد بقوله: " والاقوى في المدعى عليه " عنده صارت المسألة خلافية، وإلا فلا. والوجه ما قاله في الخلاف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فان ادعى رجل على رجل أنه قتل وليا له وهناك لوث فحلف المدعي واستوفى منه الدية ثم جاء رجل آخر فقال: ما قتله المحلوف عليه وأنا الذي قتلته فالضمان علي فهل للحالف أن يدعي على المقر؟ قال قوم: ليس له أن يدعي عليه، لان قول الولي في الابتداء ما قتله إلا فلان وحده إقرار منه أن هذا المقر ما قتله ولا يقبل منه دعواه عليه، وقال آخرون، له

(1) الخلاف: ج 5 ص 314 المسألة 13.
(2) المبسوط: ج 7 ص 222.

[ 470 ]

أن يدعي عليه لان قول الولي: " قتله فلان وحده " لم يقطع به، وإنما قاله بغالب ظنه، وهذا المعترف يخبر عن قطع ويقين فكان أعرف بما اعترف به، فلهذا كان له مطالبته به. والاقوى عندي الاول، لانا بينا أنه لا يجوز له أن يحلف إلا على علم، وإذا ثبت ذلك فكأنه قال: أنا أعلم أن الثاني ما قتله فيكون مكذبا له، على أنا قد بينا قضية الحسن - عليه السلام - في مثل هذا، وأن الدية من بيت المال (1). وقال في الخلاف: إذا ادعى رجل على رجل أنه قتل وليا له وهناك لوث وحلف المدعي القسامة واستوفى الدية فجاء آخر وقال: أنا قتلته وما قتله ذلك كان الولي بالخيار بين أن يصدقه ويكذب نفسه ويرد الدية ويستوفي منه حقه، وبين أن يكذب المقر ويثبت على ما هو عليه. وللشافعي قولان: أحدهما: ليس له أن يدعي على المقر، لان قوله في الاول: " ما قتله إلا فلان " اقرار منه أن هذا المقر ما قتله فلا يقبل منه دعواه عليه، والقول الثاني: له أن يدعي عليه، لان قول الولي: " قتله فلان " إنما هو إخبار عن غالب ظنه، والمخبر يخبر عن قطع ويقين فكان أعرف بما قال. دليلنا: قول النبي - صلى الله عليه وآله -: " إن إقرار العاقل جائز على نفسه " وهو إذا قبل من الثاني فقد كذب نفسه في الاول فقبل ذلك منه، واقرار الثاني مقبول على نفسه، لعموم الخبر (2). والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط، لما علل به فيه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا سحر رجلا فمات من سحره سئل، فان قال: سحري يقتل غالبا وقد سحرته وقتلته عمدا فعليه القود كما لو أقر أنه قتله بالسيف عمدا، وقال قوم: لا قود عليه بناء على أصله أنه لا يقتل إلا إذا قتل

(1) المبسوط: ج 7 ص 242.
(2) الخلاف: ج 5 ص 315 المسألة 16.

[ 471 ]

بالسيف، وإذا قتل بالمثقل فلا قود. والاول الذي يقتضيه مذهبنا (1). وقال في الخلاف: إذا أقر أنه سحر فقتل بسحره متعمدا لا يجب به القود، لاصالة براءة الذمة، وأن هذا مما يقتل به يحتاج إلى دليل، ولانا قد بينا أن الواحد منا لا يصح أن يقتل غيره بما لا يباشر به، إلا أن يسقيه ما يقتله به على العادة مثل السم، وليس السحر بشئ من ذلك، وقد روى أصحابنا أن الساحر يقتل. والوجه في هذه الرواية أن هذا من الساحر إفساد في الارض والسعي فيها به فلذلك وجب فيه القتل - (2). والوجه ان نقول: ان كان للسحر حقيقة يصح باعتبارها التأثير وجب القود، وإلا فلا. الواحد منا لا يصح أن يقتل غيره بما لا يباشر به، إلا أن يسقيه ما يقتله به على العادة مثل السم، وليس السحر بشئ من ذلك، وقد روى أصحابنا أن الساحر يقتل. والوجه في هذه الرواية أن هذا من الساحر إفساد في الارض والسعي فيها به فلذلك وجب فيه القتل - (2). والوجه ان نقول: ان كان للسحر حقيقة يصح باعتبارها التأثير وجب القود، وإلا فلا. وليكن هذا آخر ما أردنا إثباته في هذا الكتاب، مقتصرين عليه، حامدين لله تعالى على آلائة، شاكرين له على فواضل نعمائة، مصلين على سيد أنبيائه محمد المصطفى وعلى المعصومين من أبنائه - عليهم السلام - فرغت من تسويد نسخ هذا من مختلف الشيعة في احكام الشريعة، وبه تم الكتاب من تسويده في خامس عشر ذي القعدة من سنة ثمان وسبعمائة، والحمد لله وحده وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين.

(1) المبسوط: ج 7 ص 260.
(2) الخلاف: ج 5 ص 330 المسألة 16.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية