الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 8

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 8


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف ابي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الاسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء الثامن تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم القدسة

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1418 ه‍. ق

[ 3 ]

كتاب العتق وتوابعه

[ 5 ]

كتاب العتق وتوابعه وفيه فصول: الفصل الأول في العتق مسألة: قال السيد المرتضى: ومما انفردت به الإمامية: أن من اعتق عبدا كافرا لا يقع عتقه، وخالف باقي الفقهاء في ذلك. واستدل عليه بالإجماع، وبأن العتاق حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل على وقوعه مع نفي القربة (1). وقال المفيد: ولا يعتق عبدا كافرا فاجرا فيتسلط بالحرية على أهل الدين. ويقوى بذلك على معاصي الله عز وجل (2). وليس في هذا اللفظ نص قاطع على عدم الوقوع. وقال ابن الجنيد: لا يجوز للمسلم أن يعتق مشركا. وقال أبو الصلاح ولا يجوز عتق الكافر (3). وقال سلار: ولا يعتق إلا عبدا ظاهره الإسلام، ولا يسلط بالعتق كافر على أذية أهل الدين ومعاصي الله سبحانه (4).

(1) الانتصار: ص 169. (2) المقنعة: ص 548 (3) الكافي في الفقه: ص 318.
(4) المراسم: ص 191.

[ 6 ]

وقال ابن حمزة: عتق الكافر محظور (1). وقال الشيخ في الخلاف: إذا أعتق مسلم عبدا كافرا عتق، ويثبت له عليه الولاء (2). وكذا في المبسوط (3). وقال في النهاية: وإذا نذر الإنسان أن يعتق مملوكا بعينه لم يجز له أن يعتق غيره، وإن كان لو لا النذر ما كان يجوز له عتقه، أو كأن يكون مكروها مثل: أن يكون كافرا أو مخالفا (4). وظاهر هذا يقتضي تحريم عتق الكافر، وتسويغه مع النذر. وقال ابن إدريس: لا يصح عتق الكافر، ولا يقع على الصحيح من أقوال المحصلين من أصحابنا، وهو الذي يقتضيه اصول مذهبنا، لأن العتق قربة الى الله تعالى، ولا يتقرب إليه بالمعاصي متقرب به الى الله تعالى (5). واختار الشيخ في كتابي الأخبار المنع، لما رواه سيف بن عميرة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟ قال: لا (6). ثم عارض بما رواه الحسن بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن عليا - عليه السلام - أعتق عبدا له نصرانيا فأسلم حين أعتقه (7).

(1) الوسيلة: ص 340.
(2) الخلاف: ج 6 ص 370 المسألة 11.
(3) المبسوط: ج 6 ص 70.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 16.
(5) السرائر: ج 3 ص 4.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 218 ح 782، الاستبصار: ج 4 ص 2 ح 1، وسائل الشيعة: ب 17 جواز عتق المستضعف... ح 5 ج 16 ص 20.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 219 ح 783، الاستبصار: ج 4 ص 2 ح 2، وسائل الشيعة: ب 17 جواز عتق المستضعف... ح 2 ج 16 ص 19.

[ 7 ]

قال الشيخ: فلا ينافي الخبر الأول، لأنه - عليه السلام - إنما أعتقه لعلمه بأنه يسلم حين يعتقه، فأما من لا يعلم ذلك فلا يجوز له عتق الكافر حسب ما تضمنه الخبر الأول. قال: ويجوز أن يكون ذلك إنما فعل لأنه نذر أن يعتقه فلزمه الوفاء به، ولم يجز له عتق غيره وإن كان كافرا (1). واحتج من منع من عتقه أيضا بقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (2) وفيه قوة. ولقولهم - عليهم السلام -: (لا عتق إلا ما أريد به وجه الله) (3). ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: سوغ الشيخ عتق ولد الزنا (4). وبه قال ابن حمزة (5). وقال ابن الجنيد: لا يجوز للمسلم أن يعتق مشركا، ولا أختار (6) له عتق ولد الزنا. وقال ابن إدريس: لا يصح (7). والحق الأول. لنا: الأصل، وعمومات الأوامر بالإعتاق. وما رواه سعيد بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بأن يعتق ولد الزنا (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 219 ذيل الحديث 783، الاستبصار: ج 4 ص 3 ذيل الحديث 2.
(2) البقرة: 267.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 217 ح 772، وسائل الشيعة: ب 4 اشتراط صحة العتق... ح 1 ج 16 ص 6.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 8.
(5) الوسيلة: ص 341.
(6) في الطبعة الحجرية: نختار.
(7) السرائر: ج 3 ص 10.
(8) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 218 ح 780، وسائل الشيعة: ب 16 جواز عتق ولد الزنا... ح 1 ج 16 ص 19.

[ 8 ]

احتج بأنه كافر. والجواب: المنع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان العبد بين شريكين وأعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر الزم أن يشتري ما بقي ويعتقه إذا كان موسرا، وإن لم يكن موسرا ولا يملك غير ما أعتقه كان العتق باطلا، وإذا لم يقصد بذلك مضارته بل قصد بذلك (1) وجه الله تعالى لم يلزم شراء الباقي وعتقه بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعل استسعى العبد في الباقي، ولم يكن لصاحبه الذي يملك ما بقي منه استخدامه ولا له عليه ضريبة بل له أن يستسعيه فيما بقي من ثمنه، فان امتنع العبد من السعي في فك رقبته كان له من نفسه قدر ما اعتق، ولمولاه قدر ما بقي (2). وقال في الخلاف: إذا أعتق شركا له من عبد لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون موسرا أو معسرا، فإن كان معسرا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يقصد به مضارة شريكه أو لا يقصد بل يقصد به وجه الله تعالى، فإن قصد مضارة شريكه كان العتق باطلا، وإن قصد به وجه الله تعالى مضى في نصيبه (3)، وكان شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه الآخر أو يستسعي العبد في قيمته، وإن كان موسرا الزم قيمته، فإذا أدى انعتق عليه ولشريكه أن يعتق نصيبه ولا يأخذ القيمة، فإن عتق (4) كان عتقه ماضيا (5). وقال في المبسوط: إذا أعتق شركا له من عبد لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون موسرا أو معسرا، فإن كان معسرا عتق نصفه واستقر الرق في نصف

(1) في المصدر: به.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 8 - 9.
(3) في المصدر: مضى العتق في نصيبه.
(4) في المصدر: فعل.
(5) الخلاف: ج 6 ص 359 المسألة.

[ 9 ]

شريكه، وروى أصحابنا أنه قصد بذلك الاضرار أقره (1) على ملكه. وإن كان موسرا قوم عليه نصيب شريكه، ومتى يعتق نصيب شريكه؟ قيل (2): إنه يعتق كله باللفظ، وكانت القيمة في ذمته، وعليه تسليمها الى شريكه. والثاني: أنه يعتق نصيبه باللفظ ودفع القيمة، فإن دفع القيمة الى شريكه عتق نصيب شريكه، وإن لم يدفع إليه القيمة لم يعتق. والثالث: يكون مراعى، فإن دفع القيمة (3) إليه تبينا أنه عتق وقت العتق، وإن لم يدفع (4) تبينا أن العتق في نصيب شريكه لم يقع. قال: وهذا هو الأقوى عندي (5). وقال المفيد: إذا كان العبد بين شريكين أو أكثر من ذلك فاعتق أحد الشريكين أو الشركاء (6) حصته من العبد انعتق ملكه خاصة والزم ابتياع حصص الشركاء، فإذا ابتاعها انعتق العبد بذلك ولم يبق فيه رق، وإن كان معسرا استسعى العبد في باقي قيمته، فإذا أداه الى أصحابه انعتق. والمعنى في ذلك: أنه يؤمر بالتكسب حسب ما يتمكن منه، فيؤدي الى باقي الشركاء ما لهم من قيمته أو بعضها مما يوافقونه عليه ثم يعتق بعد ذلك، فإن لم يكن له صناعة يكتسب بها مالا خدم ملاكه بحساب رقة، وتصرف (7) في نفسه بحساب ما اعتق منها إن شاء الله (8). وقال الصدوق في المقنع: ومن كان له شركاء في جارية أو عبد فأعتق حصته وله سعة فليشتر حصة صاحبه وليعتقه كله، وإن لم يكن له سعة في مال

(1) في المصدر: بذلك الاضرار بشريكه انه يبطل عتقه فان اختار شريكه ان يعتق نصيبه منه فعل وإلا أقره.
(2) في المصدر: قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها. (3) في المصدر: القيمة الى شريكه عتق نصيب شريكه وان لم يدفع إليه القيمة لم يعتق فان أدى.
(4) في المصدر: يؤد.
(5) المبسوط: ج 6 ص 51 - 52.
(6) في المصدر: أحد الشركاء.
(7) في المصدر: ويتصرف.
(8) المقنعة:: ص 550.

[ 10 ]

فلينظر (1) الى قيمة العبد كم كانت يوم أعتق نصفه، ثم يستسعي (2) العبد في حساب ما بقي حتى يعتق كله (3). وسلار (4) وافق شيخنا المفيد - رحمه الله -. وقال أبو الصلاح: إذا أعتق (5) أحد الشركاء لوجه الله تعالى تحرر منه بمقدرا حصته واستسعى في الباقي (6). ولم يفصل الى الموسر والمعسر. وقال ابن البراج: إذا كان عبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه إضرارا لشريكه (7) الآخر وكان موسرا كان عليه أن يبتاع ما بقي من العبد ويعتقه، وإن كان معسرا لا يملك إلا ما أعتقه كان العتق باطلا، وإن لم يكن قصده بما أعتقه من نصيبه الإضرار بشريكه وإنما قصد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى لم يجب عليه ابتياع نصيب شريكه ولا عتقه بل يستحب له ذلك، فإن لم يفعله استسعي العبد في الباقي (8)، ولم يكن لصاحبه الذي يملك فيه (9) ما بقي استخدامه ولا له عليه ضريبة بل له أن يستسعيه في الباقي من ثمنه، فإن امتنع العبد من السعي في فك رقبته كان له من نفسه قدر ما اعتق ولمولاه الباقي (10). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الإمامية أن العبد إذا كان بين شريكين أو أكثر من ذلك فأعتق أحد الشركاء نصيبه انعتق ملكه من العبد خاصة، فإن كان هذا المعتق موسرا طولب بابتياع حصص شركائه، فإذا ابتاعها انعتق جميع العبد، وإن كان المعتق معسرا وجب أن يستسعى العبد في باقي ثمنه، فإذا أداه عتق جميعه، فإن عجز العبد عن التكسب والسعاية كان

(1) في المصدر: ينظر.
(2) في المصدر: يسعى.
(3) المقنع: ص 156. (4) المراسم: 191.
(5) في المصدر: وان كان مشتركا فعتق.
(6) الكافي في الفقه: ص 317 - 318.
(7) في المصدر: بشريكه.
(8) في المصدر: الباقي: من ثمنه.
(9) في المصدر: يملك منه ولا عليه ضرر به.
(10) المهذب: ج 2 ص 358.

[ 11 ]

بعضه رقيقا وبعضه عتيقا وخدم ملاكه بحساب رقه، وتصرف في نفسه بحساب ما انعتق منه (1). وقال ابن الجنيد: إذا أعتق البالغ الرشيد نصيبا له من عبد أو أمة وهو في عتقه متبرع وطالب ثواب الله تعالى غير مضار عتق نصيبه، وكان شركاؤه على ملكهم، وكان بعقته جانيا على شركائه، لأنهم ممن لا يحكم لهم بالمقام على حقهم حتى يكون بعض العبد حرا وبعضه عبدا، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أن رجلا أعتق شقصا من مملوك له فأجاز النبي - صلى الله عليه وآله - عتقه، وقال: ليس لله شريك، والشريك في حقه مخير بين إلزام المعتق قيمة حقه بجنايته عليه إن كان موسرا، وبين أن يعتق أو يستسعي العبد في قيمة حقه. ولو اختار إلزام المعتق حصته فيحكم بها عليه كان للمعتق أن يرجع على العبد فيستسعيه فيما غرمه من حصه شريكه إن لم يقصد بذلك العتق الضرر به (2)، لأنه إنما غرم ذلك عن العبد وقام مقامه. ولو اختار الشريك استسعاءه فيه، فإن كان المعتق شقصه معسرا وتنحى الشريك عن حقه استسعى العبد في قيمته. وقال ابن إدريس: قول شيخنا في النهاية متناقض، لأنه قال: إذا أعتق (3) مضارة لشريكه الآخر الزم شراء الباقي وعتقه (4) إذا كان موسرا، وقال: لا عتق إلا ما اريد به وجه الله تعالى. ثم قوله: (وان لم يقصد به (5) مضارته بل قصد به (6) وجه الله تعالى لم يلزم شراء الباقي وعتقه بل يستحب) غير

(1) الانتصار: ص 169.
(2) ق 2 وم 3: التبرد به. (3) في المصدر: وإذا كان العبد بين شريكين واعتق أحدهما نصيبه.
(4) في المصدر: أن يشتري ما بقي ويعتقه.
(5) و (6) في المصدر: بذلك.

[ 12 ]

واضح (1) ولا مستقيم، لأنه إذا كان (2) موسرا الزم شراء الباقي وأجبره السلطان على ذلك، وإن كان معسرا استسعي العبد في الباقي. ثم قال: إذا أعتق أحد الشركاء نصيبه لا للإضرار بالشركاء انعتق ملكه خاصة، إلا أنه إن كان موسرا انعتق الباقي واجبر على قيمته لشريكه، وإن كان معسرا استسعي العبد في قيمة باقيه، فإذا أداها عتق جميعه، فإن عجز عن ذلك فكه سلطان الإسلام من سهم الرقاب من الزكاة، وإلا خدم مولاه بما فيه من العبودية (3). واحتج الشيخ على عدم وجوب الشراء بما رواه الحسن بن زياد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل أعتق شركة له في غلام مملوك عليه شئ؟ قال: لا (4). وعن يعقوب بن شعيب، عن الصادق - عليه السلام - مثله (5). وعن القاسم بن محمد، عن علي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مملوك بين اناس فأعتق أحدهم نصيبه، قال: يقوم قيمة ثم يستسعى فيما بقي ليس للباقي أن يستخدمه، ولا يأخذ منه الضريبة (6). ثم قال: فأما ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته من قوم ورثوا عبدا جميعا فأعتق بعضهم نصيبه منه كيف

(1) في المصدر: بل يستحب له ذلك، وهذا غير واضح.
(2) في المصدر: لأنا قد بينا انه ان كان.
(3) السرائر: ج 3 ص 5 و 10 و 11.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 2 ح 3، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 8 ج 16 ص 22، وفيه: (رجل أعتق شركاء).
(5) الاستبصار: ج 4 ص 2 ح 4، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 8 ج 16 ص 22.
(6) الاستبصار: ج 4 ص 2 - 3 ح 5، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 10 ج 16 ص 23.

[ 13 ]

يصنع بالذي أعتق نصيبه منه هل يؤخذ بما بقي؟ قال: يؤخذ بما بقي (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، قال: إن كان موسرا كلف أن يضمن، وإن كان معسرا خدمت بالحصص (2). وعن سماعة قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: يقوم قيمته (3) ويضمن الذي أعتقه، لأنه أفسده على أصحابه (4). وعن حماد، عمن أخبره، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجل أعتق غلاما بينه وبين صاحبه، قال: قد أفسد على صاحبه، فإن كان له مال أعطى صاحبه نصف المال، وإن لم يكن له مال عومل الغلام يوم له ويوم (5) للمولى يستخدمه، وكذلك إن كانوا شركاء (6). قال: فلا تنافي هذه الأخبار الأخبار الاولى (7)، لأن الوجه في هذه: الحمل (8) على أنه إذا كان قد قصد بذلك الإضرار بشريكه (9) فإنه يلزمه العتق فيما بقي ويؤخذ بما بقي لشريكه (10). لما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجلين.

(1) الاستبصار: ج 4 ص 3 ح 6، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 6 ج 16 ص 22.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 3 ح 7، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 7 ج 16 ص 22.
(3) في المصدر: قيمة.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 3 ح 8، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 5 ج 16 ص 22.
(5) في المصدر: عومل الغلام يوما ويوما.
(6) الاستبصار: ج 4 ص 3 ح 9، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 11 ج 16 ص 23.
(7) في المصدر: الاولة.
(8) في المصدر: في هذه الأخبار أحد شيئين: أحدهما: أن نحملها.
(9) في المصدر: لشريكه.
(10) الاستبصار: ج 4 ص 3 - 4 ذيل الحديث 9.

[ 14 ]

كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه، فقال: إن كان مضارا كلف أن يعتقه كله، وإلا استسعي العبد في النصف الآخر (1). وفي الصحيح عن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: إن ذلك فساد (2) على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولامو أجرته، قال: يقوم قيمة فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك لما أفسده (3). وفي الصحيح عن محمد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل ورث غلاما وله فيه شركاء فأعتق لوجه الله نصيبه، فقال: إذا أعتق نصيبه مضارة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه الله كان الغلام قد اعتق من حصة من أعتق فيستعلمونه على قدر ما اعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوما وله يوما، وإن أعتق الشريك (4) مضارا وهو معسر فلا عتق له، لأنه أراد أن يفسد على القوم فيرجع القوم على حصتهم (5). والآخر الحمل للأخبار الأخيرة على الاستحباب (6)، لما رواه محمد بن قيس في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: من كان شريكا في عبد أو أمة قليل (7) أو كثير فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق ثم يسعى (8) العبد في

(1) الاستبصار: ج 4 ص 4 ح 10، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 2 ج 16 ص 21.
(2) في م 3 والاستبصار: إن كان ذلك فسادا.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 4 ح 11، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 9 ج 16 ص 23.
(4) ليس في المصدر.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 4 ح 12، وسائل الشيعة: ب 18 إن من أعتق مملوكا... ح 12 ج 16 ص 23.
(6) في المصدر: والآخر أن نحمل الأخبار على ضرب من الاستحباب.
(7) في المصدر: قليلا كان.
(8) في المصدر: يستسعى.

[ 15 ]

حساب ما بقي حتى يعتق (1). والمعتمد أن نقول: إن أعتق الشريك لمجرد الاضطرار لا للتقرب الى الله تعالى بطل العتق، لانتفاء وجه التقرب الى الله تعالى الذي هو شرط في صحته. ويؤيده رواية محمد الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - حيث قال: (وإن أعتق الشريك مضارا وهو معسر فلا عتق له). وإن أعتق متقربا الى الله تعالى فإن كان موسرا قوم عليه، لرواية الحلبي الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - وإن كان معسرا استسعي العبد إن لم يكن فكه، للروايات. وقول ابن إدريس في الرد على الشيخ ضعيف، لأن الشيخ لم يقصد أنه أعتق لمجرد الإضرار من غير قصد التقرب، بل إن المعتق قصد التقرب، وهو لا ينافي إرادة منع الشريك من التصرف في حصته، ومعنى الإضرار هو هذا. ومعلوم أنه لو قصد التقرب لا غير لحصل هذا النوع من الضرر (2)، فلما كان تضرر الشريك حاصلا على التقديرين لم يكن قصد الاضرار مانعا إرادة التقرب، فإنه لا يريد بالإضرار شيئا زائدا على المقدر (3) في الشرع، وإذا كان ذلك القدر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن مانعا من العتق، قصده أولا. ويؤيده رواية محمد الصحيحة، عن الصادق - عليه السلام - حيث قال له السائل: فأعتق لوجه الله، فقال: إذا أعتق نصيبه مضاره، وهو يدل على مجامعة الإضرار للتقرب. مسألة: لو أوصى بعتق عبده: فإن كانت قيمته تساوي الثلث عتق جميعه. وإن كانت أقل عتق أيضا، وإن زادت عتق منه بقدر الثلث، واستسعي فيما زاد

(1) الاستبصار: ج 4 ص 4 - 5 ح 13، وسائل الشيعة: ب 18 ان من أعتق مملوكا... ح 3 ج 16 ص 21.
(2) في الطبعة الحجرية: التضرر.
(3) في الطبعة الحجرية: المقرر.

[ 16 ]

على الثلث، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث أو أقل أو أكثر، وعلى كل حال. وهو اختيار ابن ادريس، ونقله عن شيخنا في مبسوطه، وعن علي بن بابويه في رسالته. ثم قال: وقال بعض أصحابنا: إن كانت القيمة على الضعف من الثلث بطلت الوصية، ولم ينفذ عتق شئ منه. قال: وقد أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا (1). وفي هذا النقل نظر، فإن الشيخ قال في النهاية: إذا أوصى الإنسان لعبده بثلث ماله نظر في قيمته قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أقل من الثلث اعتق واعطي الباقي، وإن كانت مثله، أعتق وليس له شئ ولا عليه (2)، وإن كانت (3) أكثر من الثلث بمقدار السدس أو الربع أو الثلث أعتق بمقدار ذلك واستسعي في الباقي لورثته، وإن كانت قيمته على الضعف من ثلثه كانت الوصية باطلة (4). وقد تقدم البحث في هذه المسألة في كتاب الوصايا، وذكرها ابن إدريس، ثم ذكرها عقيب نقله عن الشيخ (5). ثم إن الشيخ ذكر مسألة اخرى عقيب هذه، فقال: إذا أوصى الإنسان بعتق مملوك له وعليه (6) دين فإن كانت قيمة العبد ضعفي الدين استسعي العبد في خمسة أسداس قيمته: ثلاثة أسهم للديان وسهمان للورثة وسهم له، وإن كانت قيمته أقل من ذلك بطلت الوصية (7). والمسألة التي نقلها عن الشيخ لم أظفر بها. والذي قاله شيخنا علي بن بابويه في رسالته هو المسألة الاولى التي نقلناها

(1) السرائر: ج 3 ص 5 - 6.
(2) في المصدر: ولا عليه شئ.
(3) في المصدر: وإن كان كانت القيمة. (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 148 - 149.
(5) السرائر: ج 3 ص 198 - 199.
(6) في المصدر: وكان عليه.
(7) النهاية ونكتها: ج 3 ص 149 - 150.

[ 17 ]

عن الشيخ في النهاية. إذا تقرر هذا فالمسألة الاولى قد تقدمت. وأما المسألة الثانية - وهي ما إذا أوصى بعتق مملوكه وعليه دين - فقد ذكرها في باب الوصية على ما ذكرناه. وقال في باب العتق: إذا أعتق الرجل مملوكه عند موته وعليه دين فإن كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين مضى العتق واستسعي العبد في قضاء دين مولاه، وان كان ثمنه أقل من ضعفي الدين كان العتق باطلا (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن الجنيد: ولو أعتق الرجل عبدا أو أعبدا له في مرضه الذي مات فيه وعليه دين يحيط برقابهم ولا مال له غيرهم كان العتق باطلا، ولو كان واحدا والدين نصف قيمة العبد استسعي للغرماء والورثة في نصف وثلث قيمته وعتق، فإن لم يكن له ورثة استسعي في دين مولاه إن كان دون قيمته وعتق إذا وفاه. وقال الصدوق: فإن أعتق رجل مملوكه عند موته وعليه دين وقيمة العبد ستمائة درهم ودينه خمسمائة درهم فإنه يباع العبد، ويأخذه الغرماء خمسمائة درهم، ويأخذ الورثة مائة درهم. وإن كان قيمة العبد ستمائة درهم ودينه أربعمائة درهم فكذلك يباع العبد، ويأخذه الغرماء أربعمائة درهم والورثة مائتين. وإن كان قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم واستوى مال الغرماء ومال الورثة أو كان مال الورثة أكثر من مال الغرماء لم يتهم الرجل على وصيته واجيزت على وجهها فيوقف العبد، فيكون نصفه للغرماء وثلثه للورثة، ويكون له السدس من نفسه (3).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 18 - 19.
(2) المهذب: ج 2 ص 361.
(4) المقنع: ص 155 - 156، مع اختلاف.

[ 18 ]

وقال ابن حمزة: إذا أعتق نصف عبد وعليه دين فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين نفذ العتق ولزم العبد السعي في دين مولاه، وإن كان قيمته أقل من ذلك بطل العتق (1). ثم نقل ابن إدريس بعد ذلك المسألة الثانية، ثم قال: إن أراد بقوله عند موته: أنه نجز عتقه قبل موته فإن العتق صحيح ماض، ولا سبيل للديان عليه، لأنه تصرف في ملك الإنسان قبل الحجر عليه، وللإنسان أن يتصرف في ملكه كيف شاء، وإن أخر عتقه الى بعد موته فهذا تدبير ووصية، لأن التدبير عند أصحابنا بمنزلة الوصية، والوصية لا تصح إلا بعد قضاء جميع الديون، وإنما الذي أورده شيخنا في نهايته خبر واحد على قول من يقول من أصحابنا: إن منجزات المريض من الثلث (2). واحتج الشيخ بما رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، قال: إن كان قيمة العبد مثل الدين الذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلا لم يجز (3). وعن الحسن بن الجهم قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول في رجل أعتق مملوكا له وقد حضره الموت وأشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئا غيره، قال: يعتق منه سدسه، لأنه إنما له منه ثلاثمائة وله السدس من الجميع (4).

(1) الوسيلة: ص 342، وفيه: (وان أعتق مريض عبدا).
(2) السرائر: ج 3 ص 14، مع اختلاف.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 232 ح 840، وسائل الشيعة: ب 39 في احكام الوصايا ح 6 ج 13 ص 425، وفيهما: (مثل الذي عليه).
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 169 ح 690، وسائل الشيعة: ب 39 في أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 423.

[ 19 ]

والوجه أن نقول: إن الدين مقدم على العتق: لأنا قد بينا أن تصرفات المريض تخرج من الثلث، ولا بأس بحمل الروايات على ما قاله ابن حمزة: (بأنه أعتق نصفه) لكن يبنى على أن تصرفات المريض تخرج من الأصل. ويؤيد ما اخترناه من بطلان العتق ما رواه الحلبي أنه قال في الرجل يقول: إن مت فعبدي حر وعلى الرجل دين، قال: إن توفي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعي العبد في قضاء دين مولاه، وهو حر أذا وفاه (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان العبد معه مال فأعتقه صاحبه فإن كان عالما بأن له مالا كان المال للعبد، وإن لم يكن عالما بأن له مالا كان ماله له دون العبد، فإن علم أن له مالا وأراد أن يستثنيه كان له ذلك، إلا أنه لا يبدأ بالحرية أولا بل يبدأ فيقول: لي مالك وأنت حر، فإن قال: أنت حر ولي مالك لم يكن له على المال سبيل، وإذا باع العبد وعلم أن له مالا كان ماله لمن ابتاعه، وإن لم يكن عالما بذلك كان المال له دون المبتاع. والعبد المملوك لا يملك شيئا من الأموال ما دام رقا، فإن ملكه مولاه شيئا ملك التصرف فيه بجميع ما يريده. وكذلك إذا فرض عليه ضريبة يؤديها إليه، وما يفضل بعد ذلك يكون له جاز ذلك، وإذا أدى الى مولاه ضريبته كان له التصرف فيما بقي من المال. وكذلك إذا اصيب العبد في نفسه بما يستحق به الأرش كان له ذلك وحل له التصرف فيه، وليس له رقبة المال على وجه من الوجوه، فإن تزوج من هذا المال أو تسترى كان ذلك جائزا. وكذلك إن اشترى مملوكا فأعتقه كان العتق ماضيا، إلا أن يكون سائبة لا يكون ولاؤه له، ولا يجوز له أن يتوالى إليه،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 232 ح 839، وسائل الشيعة: ب 39 في أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 423.

[ 20 ]

لأنه عبد لا يملك جريرة غيره (1). وتبعه ابن البراج (2) في ذلك كله. وقال الصدوق في المقنع: فإن أعتق الرجل (3) عبده وله مال فإن كان حين أعتقه علم أن له مالا تبعه ماله، وإلا فهو للمعتق، فان (4) لم يعلم أن له مالا فأعتقه ومات فماله لولد سيده. وروي أن من اشترى مملوكا له مال فإن كان اشترط ماله فهو له، وإن لم يشترط فهو للبائع (5). وقال ابن الجنيد: وإذا حرر السيد عبده ومعه مال جاء به ولم يعلم به سيده وقت تحريره كان للسيد، فإن علم به فلم يستثنه كان للمعتق. وقال أبو الصلاح: وإذا أعتق عبدا أو أمة وله مال يعلم به فهو للمعتق يملكه بإباحته، وإن لم يعلم أو علم به فاشترطه فهو له دون المعتق (6). وقال ابن إدريس: إذا أعتق مملوكا وله مال فماله لمولاه، سواء علم مولاه بالمال في حال إعتاقه أو لم يعلم، لأن العبد عندنا لا يملك شيئا. وذهب بعض أصحابنا الى أنه إن علم [ ان له مالا في حال اعتاقه ] فالمال للعبد، وإن لم يعلم أو علم فاشترطه [ لنفسه ] فهو لمولاه: وقد بينا أن العبد لا يملك شيئا، لقوله تعالى: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (7). والبحث في هذه المسألة يقع في مقامات. المقام الأول: هل يتحقق (8) للعبد ملك ويثبت هذا المعنى في حقه؟ الوجه عدم تحققه. لنا: انه ملك محض، فلا يكون له أهلية التملك كغيره من المملوكات.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 11 - 13.
(2) المهذب: ج 2 ص 359 - 360.
(3) في المصدر: رجل.
(4) في المصدر: وإلا فهو له وان.
(5) المقنع: ص 157، وليس فيه: (وروي... الخ). (6) الكافي في الفقه: ص 318.
(7) السرائر: ج 3 ص 6، مع اختلاف.
(8) في الطبعة الحجرية: هل يصح أن يتحقق.

[ 21 ]

ولقوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (1) وقال تعالى: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء... الآية) (2) وهو تقريع وتوبيخ في صيغة الاستفهام. وما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال وهو يعلم أن له مالا فتوفي الذي، أعتق (3)، لمن يكون مال العبد؟ أيكون للذي أعتق العبد أو للعبد؟ قال: إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالا كان له (4)، وإن لم يعلم فماله لولد سيده (5). ولأنه لو ملك لدخل المال في ملكه بالأسباب الموجبة للدخول من غير اختيار كالميراث وشبهه، والتالي باطل إجماعا، فكذا المقدم. ولأنه لو ملك لما جاز له أخذه منه قهرا، والتالي باطل إجماعا. ولما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يأخذ من أم ولده شيئا وهبه لها بغير طيب نفسها من خدم أو متاع أيجوز ذلك له؟ قال: نعم إذا كانت أم ولده (6). احتج الشيخ بالأحاديث الدالة على إضافة الملك إليه. والجواب: الإضافة تصدق بأدنى ملابسة. المقام الثاني: لو فرضنا أن العبد يملك فإنه لا يملك ملكا تاما، إذ لمولاه انتزاعه منه إجماعا، إذا ثبت هذا، فلو أعتقه مع العلم بأن له مالا كان المال

(1) النحل: 75.
(2) الروم: 28.
(3) في التهذيب: أعتق العبد.
(4) في التهذيب: ان له مالا فماله.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 223 - 224 ح 805، وسائل الشيعة: ب 24 حكم مال المملوك إذا عتق ح 6 ج 16 ص 29.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 206 ح 729، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام الهبات ح 2 ج 13 ص 342 - 343.

[ 22 ]

للمولى، لما تقدم في حديث عبد الرحمن بن أبي عبد الله، وقد تقدم. والشيخ - رحمه الله - قال: إن علم كان المال للعبد، إلا أن يستثنيه قبل العتق (1). لما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال لمن المال؟ فقال: إن كان يعلم أن له مالا تبعه ماله، وإلا فهو له (2). المقام الثالث: لو استثناه على تقدير الثبوت بعد الحرية فالأولى الجواز، لأن الكلام إنما يتم بآخره، كما لو قال: أنت حر وعليك خدمة سنة. وقال الشيخ: يقدم الاستثناء، لما رواه حريز في الصحيح، قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول له: لي مالك وأنت حر برضى المملوك (3). المقام الرابع: في باقي الأحكام التي ذكرها الشيخ من جواز عتق المملوك، وثبوت الولاء لضامن الجريرة إن كان دون المعتق. لما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك المولى ورضي بذلك المملوك (4) فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطيه (5) مولاه من الضريبة، قال فقال:

(1) الاستبصار: ج 4 ص 11 ذيل الحديث 32، مع اختلاف.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 10 ح 30، وسائل الشيعة: ب 24 حكم مال المملوك إذا اعتق ح 4 ج 16 ص 29.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 11 ذيل الحديث 33 وح 13.
(4) في المصدر: المولى.
(5) في المصدر: يعطي.

[ 23 ]

إذا أدى الى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك. ثم قال أبو عبد الله - عليه السلام -: و (1) قد فرض الله عز وجل على العبيد (2) فرائض فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها، قلت: فما ترى للمملوك أن (3). يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها الى سيده؟ قال: نعم، وأجر ذلك له، قلت: فإن أعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ فقال: يذهب فيتوالى الى من أحب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه، قلت: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: الولاء لمن أعتق؟ قال: فقال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله، قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه أيلزم (4) ذلك ويكون مولاه ويرثه؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك، ولا يرث عبد حرا (5). ورواه ابن بابويه (6) في الصحيح. واعلم أن قول الشيخ قوي باعتبار الأحاديث الصحيحة الدالة عليه، لكنه مشكل من حيث النظر، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى ملك الإنسان أحد والديه أو ولده ذكرا كان أو انثى أو اخته أو عمته أو خالته أو واحدة من المحرمات عليه في النكاح من ذوي أرحامه انعتقوا في الحال، ولم يثبت لهم معه استرقاق على

(1) في المصدر: أليس.
(2) في المصدر: على العباد.
(3) في المصدر: قلت له: فللمملوك أن.
(4) في المصدر: أيلزمه.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 224 ح 807، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 34 - 35.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 126 - 127 ح 3474.

[ 24 ]

حال (1). ونحوه قال المفيد (2). وقال أبو الصلاح: لا يصح أن يبتاع المرء من تحرم عليه مناكحته من ذوي نسبه، ومتى يفعل ينعتقوا عليه عند مضي عقد ابتياعهم (3). وقال ابن الجنيد: ومن ملك ذا رحم محرم عتق عليه عند ملكه إياه. وقال الشيخ في المبسوط في عتق الشريك: وكيف يعتق عليه نصيبه مع الملك أو بعده؟ قيل: فيه قولان. وهكذا إذا اشترى أباه عتق عليه. ومتى يقع؟ على وجهين: أحدهما: يقع العتق والملك معا في زمان واحد، والثاني: أن العتق بعد الملك، وهو الأقوى عندي (4). وقال ابن إدريس: وقد قيل: في أنه متى يكون العتق؟ أقوال، الأصح من ذلك أنه مع تمام البيع معا، لأن الإنسان لا يملك من ذكرناه (5). والوجه: أنهم يدخلون في الملك آنا واحدا، ثم في ثانيه ينعتقون عليه. كما قواه الشيخ، لقوله - عليه السلام -: (لا عتق إلا في (6) ملك) (7). ولتحقق قولهم - عليهم السلام -: (من ملك أحد هؤلاء عتق عليه) (8). ولأن العقد لو اقتضى زوال الملك من البائع من غير أن يثبت الملك

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 5.
(2) المقنعة: ص 599.
(3) الكافي في الفقه: ص 356.
(4) المبسوط: ج 6 ص 55.
(5) السرائر: ج 3 ص 7.
(6) في المصدر: بعد. (7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 217 ح 774 وسائل الشيعة: ب 5 انه لا يصح العتق قبل الملك... ح 2 ج 16 ص 7.
(8) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 240 ح 866 - 871، وسائل الشيعة: ب 7 إن الرجل إذا ملك احد الآباء... ج 16 ص 10.

[ 25 ]

للمشتري لما قوم عليه لو اشترى بعضه، ولما تبعه أحكام البيع من وجوب الأرش وغيره. مسألة: قال الشيخ في النهاية: والمملوك إذا عمي أو جذم أو اقعد أو نكل به صاحبه أو مثل به انعتق في الحال، ولا سبيل لصاحبه عليه (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال أبو الصلاح: إذا عجز المرقوق عن الخدمة بعمى أو زمانة أو مرض سقط عنه فرضها.
(3). وقال الصدوق في المقنع: واعلم أن المملوك إذا عمي فقد عتق، وإذا جذم فلا رق (4) عليه (5). وقال ابن الجنيد: في الحديث أهل البيت - عليهم السلام - أن الرسول - صلى الله عليه وآله - قال: (إذا عمي المملوك أو جذم فلا رق عليه) وعن أمير المؤمنين - عليه السلام -: (إذا أصابه زمانة في جوارحه وبدنه ومن نكل بمملوكه فهو حر لا سبيل عليه سائبة). وقال ابن حمزة: إذا ملك مملوكا فإما أن يعتق عليه في الحال، وهم تسعة: الوالدان وإن علوا، والولد وإن نزلوا، وجميع المحرمات عليه نسبا ورضاعا، ومن نكل به أو برص أو عمي أو جذم أو اقعد (6). فزاد البرص، وليس بمشهور. وقال ابن إدريس: والمملوك إذا عمي من قبل الله تعالى أو جذم أو اقعد بزمانة من قبل الله تعالى انعتق بغير اختيار مالكه، ولا يكون له ولاؤه. وقد روي أنه إذا نكل به صاحبه أو مثل به انعتق في الحال، ولا سبيل لصاحبه

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 5.
(2) المهذب: ج 2 ص 357.
(3) الكافي في الفقه: ص 318.
(4) المقنع: ص 157 و 160. (5) في المصدر: وإذا جذم العبد فلا رق.
(6) الوسيلة: ص 340.

[ 26 ]

عليه. أورد هذه الرواية شيخنا في نهايته إيرادا (1). وهذا يدل على ضعف هذا القول عنده. والوجه ما قاله الشيخ. لنا: ما رواه ابن محبوب، عمن ذكره، عن الصادق - عليه السلام - قال: كل عبد مثل به فهو حر (2). وما رواه الصدوق في الصحيح، عن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في من نكل بمملوكه أنه حر لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيتولى الى من أحب، فإذا ضمن حدثه فهو يرثه (3). وقول ابن حمزة بعتق الأبرص ضعيف. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أعتق مملوكه وشرط عليه شرطا وجب عليه الوفاء به ولم يكن له خلافه، فإن شرط عليه أنه متى خالفه في فعل من الأفعال كان ردا في الرق فخالفه كان له رده في الرق (4). وقال ابن البراج: إذا كان له مملوك فأعتقه وشرط عليه أنه متى خالفه في فعل من الأفعال كان ردا في الرق، أو كان عليه مال معلوم كان الشرط صحيحا (5). وقال ابن إدريس: قول الشيخ غير واضح، لأن الحر لا يجوز أن يعود رقا، والشرط إذا كان مخالفا للكتاب والسنة كان باطلا، وهذا شرط يخالف

(1) السرائر: ج 3 ص 8 - 9.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 223 ح 801، وسائل الشيعة: ب 22 إن المملوك إذا مثل به... ح 1 ج 16 ص 26.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 142 ح 3519، وسائل الشيعة: ب 22 إن المملوك إذا مثل به... ح 2 ج 16 ص 26.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 9 - 10.
(5) المهذب: ج 2 ص 359.

[ 27 ]

السنة (1). والمعتمد: أنه إذا شرط عليه شيئا معينا (2) لزمه، ويكون ذلك عتقا وشرطا لا عتقا معلقا على شرط، مثل أن يقول: أنت حر وعليك كذا. أما لو علق العتق بشرط فإنه يبطل، كقوله: أنت حر إن فعلت كذا، ولو شرط عليه أنه متى خالفه في الأول كان ردا في الرق بطل العتق، لما تقرر من عدم قبوله للشرط (3). احتج الشيخ بما رواه إسحاق بن عمار وغيره، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يعتق مملوكه ويزوجه ابنته ويشترط عليه إن هو أغارها (4) أن يرده في الرق، قال: له شرطه (5). والجواب: الطعن في السند أولا، فإن في إسحاق قولا. والقول بالموجب ثانيا، فإن إثبات أن له شرطه يقتضي رده في الرق، ومع بطلان العتق يكون هذا الحكم ثابتا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن شرط عليه خدمة سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك لزمه ذلك، فان مات المعتق كانت خدمته لورثته، فإن أبق العبد ولم يوجد إلا بعد انقضاء المدة التي شرط عليه المعتق لم يكن للورثة عليه سبيل (6). وتبعه ابن البراج (7). وقال ابن الجنيد: ولا بأس بأن يشترط على المعتق عملا معينا أو مدة معلومة، ويجعل له في تلك المدة ما ينفق منه ويكتسي به لقطعه بشرطه عليه من

(1) السرائر: ج 3 ص 11.
(2) ليس في م (3) والطبعة الحجرية.
(3) م 3: الشرط.
(4) في التهذيب: أغلظها.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 222 ح 795، وسائل الشيعة: ب 12 حكم من أعتق عبده... ح 2 ج 16 ص 15.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 10.
(7) المهذب: ص 359.

[ 28 ]

التكسب، ولو فات الفعل أو منع (1) منه لم يلزم المعتق العوض عنه. وقال الصدوق: وإذا أعتق الرجل جاريته وشرط عليها أن تخدمه خمس سنين فأبقت ثم مات الرجل فوجدها ورثته فليس لهم أن يستخدموها (2). وقال ابن إدريس: ليس للورثة عليه سبيل في الخدمة، والأولى أن يكون لهم الرجوع بمثل اجرة تلك المدة، لأنها مستحقة عليه وقد فاتت أوقاتها فيرجع عليه باجرة مثلها. فأما الخدمة فليس لهم سبيل عليه، فلأجل هذا قال شيخنا في نهايته: لم يكن للورثة عليه سبيل - يعني: في الخدمة - (3). وهذا تأويل حسن، ويؤيده قول الصدوق: (وليس لهم أن يستخدموها) وهو عين الرواية التي رواها الشيخ في الصحيح، عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - (عن رجل أعتق جاريته وشرط عليها أن تخدمه خمس سنين فأبقت ثم مات الرجل فوجدها ورثته ألهم أن يستخدموها؟ قال: لا (4). ونفي الاستخدام لا يستلزم نفي الاجرة الثابتة لهم عوضا عما أتلفته عليهم من الخدمة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا نذر الإنسان أن يعتق أول مملوك يملكه فملك جماعة من العبيد في حالة واحدة اقرع بينهم، فمن خرج اسمه أعتقه. وقد روي أنه مخير في عتق أيهم شاء. والأول أحوط (5). وتبعه ابن البراج على القرعة (6).

(1) في الطبعة الحجرية: امتنع.
(2) المقنع: ص 156 - 157.
(3) السرائر: ج 3 ص 11.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 222 ح 797، وسائل الشيعة: ب 11 إن من أعتق مملوكا وشرط عليه ح 1 ج 16 ص 14.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 13 - 14.
(6) المهذب: ج 2 ص 360.

[ 29 ]

وقال ابن الجنيد: ومن نذر أن يعتق أول مملوك يملكه فملك جماعة في وقت واحد اختار أيهم شاء فأعتقه، فإن مات أو منع عن بيان إرادته اقرع بينهم. وقال الصدوق: فإن قال: أول مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة مماليك فإنه يقرع بينهم، ويعتق الذي خرج في القرعة (1). وقال ابن إدريس: الأولى عندي أنه لا يعتق شئ من العبيد، لأن شرط النذر ما وجد، لأنه نذر عتق أول مملوك يملكه، وليس لمن ملك في حالة واحدة من المماليك أول، فما وجد شرط النذر. ولأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج الى دليل ولا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا (2). وما اختاره الشيخ في النهاية هو المعتمد. لنا: ما رواه الشيخ والصدوق معا في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم، ويعتق الذي خرج اسمه (3) (4). وعن عبد الله بن سليمان قال: سألته عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فلم يلبث أن ملك ستة، قال: يقرع بينهم ثم يعتق واحدا (5). ولأنه يملك الجماعة يصدق عليه أنه قد ملك مملوكا واحدا قطعا، فذلك

(1) المقنع: ص 157.
(2) السرائر: ج 3 ص 12. (3) في الطبعة الحجرية: سهمه.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 225 - 226 ح 811، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 94 ح 3395، وسائل الشيعة: ب 57 إن من نذر عتق أول... ح 1 ج 16 ص 58 - 59.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 225 ح 810، وسائل الشيعة: ب 57 إن من نذر عتق أول مملوك يملكه... ح 2 ج 16 ص 59 وفيهما: (إن ملك ستة ايهم يعتق).

[ 30 ]

الواحد إن لم يسبقه ملك مملوك غيره فهو أول، إذ لا يشترط في الأول وجود ثان بالفعل، بل الشرط إمكان وجوده، ولهذا لو ملك واحدا لا غير وجب عتقه من غير ترقب ملك ثان، وإن سبقه ملك مملوك، فذلك هو الأول فيتعين للنذر، ولا يستلزم من عدم صدق الأولوية على كل واحد بالنسبة الى الآخرين عدم صدقها على كل واحد مطلقا، فإذن كل واحد يصدق عليه أنه أول فإما أن يقرع أو يتخير، فيبطل قول ابن إدريس. وأصالة البراءة بعد وجود النص (1). وعموم الدليل الدال على وجوب الوفاء به ممنوع ومعارض بالاحتياط. وأي دليل أقامه على مطلوبه بحيث لا يرجع عنها الى أخبار الآحاد؟ احتج ابن الجنيد بما رواه الشيخ، عن الحسن الصيقل، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر فأصاب ستة. قال: إنما كان نيته على واحد فليتخير أيهم شاء فليعتقه. ولأن كل واحد منهم أول بالنسبة الى من يتجدد ملكه عليه وقد كان مخيرا في إيجاد السبب فيه، بأن يشتريه منفردا إن شاء فيثبت له الخيار كما كان. والجواب عن الأول: أن روايتنا أصح طريقا، فإن الحسن الصيقل لا أعرفه، وفي الطريق أيضا إسماعيل بن يسار الهاشمي. وقال النجاشي: إن إسماعيل بن يسار الهاشمي بن علي بن عبد الله بن العباس ذكره أصحابنا بالضعف (2). وعن الثاني: أن إيجاد الوصف في كل واحد يستلزم إيجاب عتقه، ولا أولوية، ولا يجب الجميع، فيتعين القرعة، لإشكاله وإبهامه، على أني لا أستبعد قول ابن الجنيد، لكن الأقوى الأول.

(1) م 3 والطبعة الحجرية: الندر. (2) رجال النجاشي: ص 29.

[ 31 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كان للرجل جارية فنذر أنه متى وطأها كانت معتقة، فإن وطأها قبل أن يخرجها من ملكه انعتقت، وإن أخرجها ثم اشتراها بعد ذلك ووطأها لم يقع بها عتق (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال الصدوق في المقنع: إذا كانت للرجل أمة فيقول يوم يأتيها (3): فهي حرة ثم يبيعها من رجل ثم يشتريها بعد ذلك فلا بأس أن يأتيها قد خرجت من ملكه (4). وقال ابن إدريس: قد روي: أنه إذا كان للرجل جارية فنذر أنه متى وطأها كانت معتقة فإن وطأها قبل أن يخرجها من ملكه انعتقت، وإن أخرجها ثم اشتراها بعد ذلك و (5) وطأها لم يقع بذلك عتق. وفقه هذه الرواية إن صحت أنه إذا أخرجها من ملكه انحل نذره، لأنه نذر في ملكه، فإذا زال ملكه عنها انحل نذره، ولا يصح في ملك الغير، فيحتاج إذا عادت الى ملكه الى دليل على عتقها (6). وهذا يدل على عدم قوله بهذه الرواية، وهي صحيحة السند، رواها الشيخ في الصحيح، عن محمد، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الرجل يكون له الأمة فيقول يوم يأتيها: فهي حرة ثم يبيعها من رجل ثم يشتريها بعد ذلك، قال: لا بأس أن يأتيها، قد خرجت من ملكه (7). ووجه ذلك أن يقال: الوطئ شرط النذر، وهو يستتبع الملك، فإذا خرجت عن ملكه فقد انحل النذر، لزوال الشرط الذي باعتباره يتحقق النذر،

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 14 - 15.
(2) المهذب: ج 2 ص 360.
(3) في المصدر: يوما أن يأتيها.
(4) المقنع: ص 157.
(5) ليس في المصدر.
(6) السرائر: ج 3 ص 12 - 13.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 226 ح 814، وسائل الشيعة: ب 59 إن من نذر عتق أمته ان وطأها... ح 1 ج 16 ص 60.

[ 32 ]

فإذا عاد الملك لم يعد النذر بعد زواله. وليس بعيدا من الصواب أن يقال: إنه ليس بنذر لازم، لأن قوله في السؤال: (يوم يأتيها فهي حرة) ليست صيغة تقتضي إيجاب العتق، فلهذا ساغ له الوطء بعد رد الملك إليه. وبالجملة: فالمسألة مشكلة. وقول ابن إدريس بانحلال النذر لأنه (لا يصح في ملك الغير) ممنوع، فإنه لو نذر أنه لو وطأ هذه الجارية أن يعتقها ثم ملكها وجب عتقها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا زوج الرجل جاريته وشرط أن أول ما تلده يكون حرا فولدت توأما كانا جميعا معتقين (1). وتبعه ابن البراج، لكن غير لفظة (ما تلده)، فقال: شرط أن أول ولد تلده يكون حرا (2). وقال ابن إدريس: إن أراد بالشرط المذكور أول حمل كان على ما ذكر، وإن أراد بذلك أول ولد تلده كان الأول حرا والذي يخرج ثانيا مملوكا (3). واعلم أن الشيخ - رحمه الله - قال في المبسوط: إذا قال: أول من يدخل الدار من عبيدي حر (4) فدخل اثنان لم يعتق أحدهما (5)، لأنه لا أول منهما. ثم قال: وقد روي في أحاديثنا أن الاثنين يعتقان، لأنهم رووا أنه إذا قال: أول ما تلده الجارية فهو حر فولدت توأمين أنهما يعتقان (6). والشيخ روي هذه الرواية عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، رفعه قال:

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 16 - 17.
(2) المهذب: ج 2 ص 360.
(3) السرائر: ج 3 ص 13.
(4) في المصدر: احرار.
(5) في المصدر: فدخل اثنان معا ودخل ثالث لم يعتق الاثنان.
(6) المبسوط: ج 6 ص 248 - 249.

[ 33 ]

قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربها أول ولد تلده، فولدت توأما، فقال: اعتق كلاهما (1). واعلم أنه فرق بين أول مملوك وبين أول ما تلده، لأن أول هنا أفعل، وهي بعض ما يضاف إليه، وإذا اضيفت الى النكرة لم تعم، وإذا اضيفت الى (ما) - وهي للعموم - عمت. وبالجملة: فقول ابن إدريس هنا حسن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا اشترى رجل جارية ولم ينقد ثمنها فأعتقها وتزوجها ثم مات بعد ذلك ولم يخلف غيرها فإن عتقه ونكاحه باطل وترد في الرق لمولاها الأول، فإن كانت قد حملت كان أولادها رقا كهيئتها، وإن خلف ما يحيط برقبتها فعلى الورثة أن يؤدوا ثمنها لمولاها وقد مضى العتق والتزويج، ولا سبيل لأحد عليها (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه اصول مذهب أصحابنا (4) أن العتق المذكور صحيح، لأنه أعتق ملكه بغير خلاف، والحر لا يعود رقا، والنكاح صحيح، والولد حر، والحر لا يصير عبدا، لأنه انعقد حرا، سواء خلف غيرها من الأموال أو لم يخلف، والثمن في ذمته. وما ذكره - رحمه الله - من بطلان العتق والتزويج وصيرورة أولادها إن حملت كهيئتها رقا غير مستقيم ولا واضح، لأنه مخالف للأدلة القاهرة ومضاد للكتاب والإجماع والسنة المتواترة، ولأنه لا إجماع عليه ولا كتاب ولا سنة. وما ذكر شيخنا خبر واحد لا يوجب علما ولا

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 231 ح 834، وسائل الشيعة: ب 31 إن من نذر عتق أول ولد تلده... ح 1 ج 16 ص 35.
(2) النهاية: ج 3 ص 17 - 18 وفيه: (بثمن رقبتها).
(3) المهذب: ج 2 ص 361.
(4) ق 2 وم 3: اصول مذهبنا.

[ 34 ]

عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا (1). ونحن قد بينا في فصل كتاب نكاح الإماء الوجه في هذه الرواية وحملها على أن يكون المعتق قد أعتق في مرض الموت وتزوجها ولا مال له سواها فإن العتق يكون باطلا على ما اخترناه في منجزات المريض. مسألة: قد بينا أن الشيخ اختار في المبسوط بعد أن نقل في عتق الشقص خلافا في وقت عتقه. فعن بعضهم يعتق كله باللفظ، فيكون عليه القيمة في ذمته، وعليه تسليمها الى شريكه. وعن بعضهم أنه ينعتق باللفظ ودفع القيمة، فان دفعها عتق نصيب شريكه، وإلا لم يعتق. وعن بعضهم أنه يكون مراعى، فإن دفع القيمة تبينا أنه عتق وقت العتق، وإن لم يدفع تبينا عدم العتق في نصيب الشريك وقواه (2) هذا القول (3). وقال ابن إدريس: الأظهر أن حصة الشريك تنعتق بنفس اللفظ (4). وفي رواية محمد بن قيس الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - (قال: من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم يكن له سعة من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق (5) ثم يسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق) (6) دلالة على عدم إعتاقه (7) بمجرد اللفظ.

(1) السرائر: ج 3 ص 14، وفيه: (وما أورد شيخنا).
(2) كذا في الطبعة الحجرية، وفي (ق 2 وم 3) هذا القول وقواه، والصواب: وقوى هذا القول.
(3) المبسوط: ج 6 ص 51 - 52، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 16.
(5) في التهذيب: ما عتق. (6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 221 ح 791، وسائل الشيعة: ب 18 إن من عتق مملوكا.... ح 3 ج 16 ص 21.
(7) ق 2: انعتاقه.

[ 35 ]

وفي رواية الحلبي الحسنة، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه فقال: إن كان مضارا كلف أن يعتقه كله، وإلا استسعي العبد في النصف الآخر (1). وفي رواية سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - (2) وغيره (3) عنه - عليه السلام - أنه قد أفسد على صاحبه. وفيه دلالة على أنه ينعتق بالإعتاق حيث أفسد (4)، وإنما أفسد (5) باعتبار الإعتاق. وفي رواية غياث بن ابراهيم الرازي، عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - أن رجلا أعتق بعض غلامه، فقال علي - عليه السلام -: هو حر ليس لله شريك (6). وكذا في رواية طلحة بن زيد، عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - (7). ونفي الشركة مشترك بين أن يكون العبد له أو مشتركا. وكلام شيخنا المفيد - رحمه الله - يقتضي أنه ينعتق بالأداء، قال: إذا كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 220 ح 788، وسائل الشيعة: ب 18 إن من عتق مملوكا... ح 2 ج 16 ص 21.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 220 ح 790، وسائل الشيعة: ب 18 ان من عتق مملوكا... ح 9 ج 16 ص 23.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 220 ح 789، وسائل الشيعة: ب 18 ان من عتق مملوكا... ح 5 ج 16 ص 22.
(4) و (5) ق 2: فسد.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 228 ح 834، وسائل الشيعة: ب 64 إن من اعتق بعض مملوكه... ح 1 ج 16 ص 63.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 228 ح 825، وسائل الشيعة: ب 64 إن من اعتق بعض مملوكه... ح 2 ج 16 ص 63.

[ 36 ]

العبد بين شريكين أو أكثر فأعتق أحدهم (1) حصته من العبد انعتق ملكه خاصة والزم ابتياع حصص الشركاء، فإذا ابتاعها انعتق العبد بذلك ولم يبق فيه رق، وإن كان معسرا استسعي العبد في باقي قيمته، فإذا أداه الى أصحابه انعتق، والمعنى في ذلك: أنه يؤمر بالتكسب حسب ما يتمكن منه فيؤدي الى باقي الشركاء مالهم من قيمته أو بعضها مما يوافقونه عليه ثم ينعتق بعد ذلك (2). وهذا تصريح (3) بأنه ينعتق بالأداء لا بالإعتاق، ولا بأس به عندي، وقد ظهر (4) من ذلك أن المفيد اختار أنه ينعتق بالأداء، وابن إدريس بالإعتاق، والشيخ أنه مراعى. مسألة: لو أعتق ثلث عبيده وكانوا ستة و (5) أعتقهم وهو مريض ومات احتيج الى القرعة قال الشيخ: أقسامها ستة: الأول: أن يكونوا على صفة يمكن تعديلهم أثلاثا بالقيمة والعدد، بأن يكونوا ستة قيمة كل واحد ألف فإنا نجزئهم ثلاثة أجزاء، كل عبدين جزء، وتقرع بينهم بأن يكتب الرقاع، ويمكن إخراج الأسماء على الرق والحرية وإخراج الرق والحرية على الأسماء، فإن أردت أن تخرج الأسماء على الرق والحرية كتبت في كل رقعة اسم اثنين فيكون ثلاث رقاع وتقول: اخرج رقعة على الحرية، فإذا أخرجتها قضيت برق (6) من اسمه فيها، ولا بد من إخراج أخرى، فيقول: اخرج أخرى على الرق، فإذا أخرج رق من فيها وعتق الآخران (7) فمتى أخرج القرعة (8) على الحرية أجزأه دفعة، و متى أخرجها على الرق فلا بد من مرتين. الثاني: أن يختلفوا قيمة،

(1) في المصدر: أو أكثر من ذلك فاعتق أحد الشركاء.
(2) المقنعة: ص 550.
(3) ق 2: صريح.
(4) في الطبعة الحجرية: يظهر.
(5) م 3: أو.
(6) سقط من جميع النسخ ما يلي: بعتق من اسمه فيها، ورق الباقون،... فان قلت: أخرج رقعة على الرق، فإذا أخرجتها قضيت.
(7) في المصدر: الآخر. (8) ق 2: الرقعة.

[ 37 ]

ويمكن التعديل بالقيمة دون العدد، وبالعكس، بأن يكونوا ستة قيمة عبد ألف وقيمة عبدين ألف وقيمة ثلاثة ألف، فإن اعتبرت القيمة كانت التركة أثلاثا، لكن العدد مختلف، ومتى اعتبرت العدد وجعلت كل عبدين سهما صح، لكن اختلفت القيمة، فقال قوم: يعتبر القيمة ويترك العدد، وهو أصح عندنا، وقال آخرون: يعتبر العدد (1). والوجه عندي أنه يكتب رقاع بعدد العبيد، ويخرج إما على الحرية والرقية أو على الأسماء، لأنه أحوط وأعدل، فقد يكون أحد العبدين اللذين كتبا (2) في رقعة واحدة حرا والآخر رقا، فلا يجوز جمعهما في رقعة واحدة. ويحتمل في الثاني اعتبار العدد، لأن الثلث وغيره من الأجزاء إنما يلحق المقدار أو العدد لذاته، ويلحق ما عداه باعتبار لحوق الكم المتصل أو المنفصل به وقد أضاف الثلث الى العبيد أنفسهم، وإنما عرض (3) لهم الكم المنفصل لا غير، فكان انضياف الثلث إليهم أولى من انضيافه الى القيمة التي لم تكن ملفوظة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أعتق الرجل مملوك ابنه كان العتق ماضيا (4). وقال ابن إدريس: هذه الرواية لا يصح العمل بها، إلا أن يكون الابن صغيرا ويكون الأب قد قوم العبد على نفسه، وإلا فلا يصح ذلك (5). والظاهر أن مراد الشيخ ب‍ (الابن) هنا (الصغير) لما علم من انقطاع تصرفات الأب عن مال الكبير، فالصغير لا بد من اشتراطه. وأما التقويم فليس شرطا بعينه، لأنه لو كان عتقه مصلحة للصغير جاز للأب عتقه عنه بحكم الولاية، وإن لم يقومه على نفسه فالشرط حينئذ أحد الأمرين: إما الصغر أو المصلحة.

(1) المبسوط: ج 6 ص 58 - 59 (2) ق 2: كتبتا.
(3) ق 2: عورض.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 21.
(5) السرائر: ج 3 ص 17.

[ 38 ]

والشيخ - رحمه الله - احتج بما رواه الحسين بن علوان، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي - عليهم السلام - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وآله - رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد الى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: أنت ومالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولا من بدنه شيئا إلا بإذنه (1) والجواب: لعل السائل صبي (2)، وسماه أمير المؤمنين - عليه السلام - رجلا بالمجاز، لأنه يؤول إليه. أو نقول: إن الولد أضاف المملوك إليه من حيث أنه وارث والده فكأنه له. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن أعتق الرجل جارية حبلى من غيره صار ما في بطنها حرا كهيئتها، وإن استثناه من الحرية لم يثبت رقه مع نفوذ الحرية في أمه (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وهو ظاهر كلام ابن الجنيد. وقال ابن إدريس: هذه الرواية أوردها شيخنا في نهايته، ولا دليل على صحتها من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، والأصل ألا عتق، وثبوت العبودية في حملها، فمن حرره (6) يحتاج الى دليل، ولا دليل له على ما بيناه، وإنما يصح هذا على مذهب الشافعي، لأنه يجري الحمل مجرى بعض أعضائها، ولهذا يقول: إنه إذا باعها واستثنى الحمل لا يصح استثناؤه، وتحمل الرواية على

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 35 ح 849، وسائل الشيعة: ب 67 ما لو اعتق الوالد... ح 1 ج 16 ص 66.
(2) ق 2: كان صبيا.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 21 - 22.
(4) المهذب: ج 2 ص 361.
(5) الوسيلة: ص 342.
(6) ق 2 وم 3: جوزه.

[ 39 ]

التقية (1). والوجه ما قاله ابن إدريس. والشيخ - رحمه الله - عول على ما رواه السكوني، عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - في رجل أعتق أمة وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها، قال: الأمة حرة وما في بطنها حر، لأن ما في بطنها منها (2). وفي سندها ضعف، فلا تعويل عليها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أتى على الغلام عشر سنين جاز عتقه وصدقته إذا كان على جهة المعروف (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن الجنيد: ولما كان العتق نقل ملك واخراجه عن يد المالك لم يجز إلا من نافذ الأمر. وهو يعطي منع عتق الصبي. وقال ابن إدريس: قول الشيخ في النهاية رواية أوردها ايرادا لا اعتقادا، لأنه لا دليل على صحة العمل بها، لأنها مخالفة لاصول المذهب وقول الرسول - عليه السلام -: رفع القلم عن ثلاث، وذكر الصبي من جملتهم يدل عليه (5). وقول ابن إدريس هو الوجه، لثبوت الحجر على الصبي حتى يبلغ. والشيخ - رحمه الله - عول على رواية رواها زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له من ماله ما اعتق وتصدق على وجه المعروف فهو جائز (6)

(1) السرائر: ج 3 ص 17.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 236 ح 851، وسائل الشيعة: ب 69 من أعتق امة حبلى... ح 1 ج 16 ص 67 - 68.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 23 - 24.
(4) المهذب: ج 2 ص 362.
(5) السرائر: ج 3 ص 18.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 248 ح 898، وسائل الشيعة: ب 56 عتق الصبي مملوكه... ح 1 ج 16 ص 57 - 58.

[ 40 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ورث شقصا من أبيه أو امه قوم عليه ما بقي إن كان موسرا، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم (1). وفصل في المبسوط جيدا فقال: إن كان معسرا لم يقوم عليه كما لو باشر عتقه، وان كان موسرا (2) فان كان قد ملكه باختياره بعوض كالشراء والصلح أو بغير عوض كالهبة والوصية قوم عليه نصيب شريكه، وان ملكه بغير اختياره كالارث فانه لا يقوم عليه باقيه (3). وقال ابن الجنيد: ولو ملك رجل حصة من والديه بميراث فعتقت عليه فان كان حقه من الميراث مستغرقا لقيمة جميع ملك شركائه فيعتق عليه، أو كان موسرا كذالك لم يكن لباقي الورثة أن يستسعوه في بقية حقهم، ولا للولد أن يمتنع من اعطائهم قيمة حقوقهم في والديه وعتق جميعه من ماله، وليس له أن يرجع على أحد والديه فيستسعيه فيما أداه من حقوق شركائه، ولو كان ما وصل الى الولد (4) من الحق في أحد الوالدين بهبة أو وصية لم يعتق جميعه عليه، وكان لشرائه أن يعتقوا حصصهم، ويكون لهم من الولاية بقدرها. وليس لهم عندي أن يمتنعوا من قبول قيمة حقوقهم طلبا للسعاية، لأن في ذلك ضرارا وغبنا (5) على المستسعي. وابن البراج (6) تبع الشيخ في المبسوط. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه اصول مذهبنا أنه لا يقوم عليه ما بقي، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، والأصل براءة

(1) الخلاف: ج 6 ص 368 المسألة 7. (2) في المصدر: وان كان الموسر لم يخل من أحد أمرين.
(3) المبسوط: ج 6 ص 68.
(4) م 3: الوالدين.
(5) ق 2: ضرارا وعبثا، م 3: ضرار وعيبا.
(6) المهذب: ح 2 ص 363.

[ 41 ]

الذمة، والاجماع انما وقع على انه أعتق شريكا له (1) في عبد وكان مسرا قوم عليه حصة شريكه، وكذلك الأخبار انما وردت على ذلك، ولم يجمع أصحابنا على ان من ورث شقصا له من عبد يعتق عليه يقوم عليه ما بقي إذا كان موسرا (2). والمعتمد ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط، لأنه إذا ملك باختياره وكان موسرا فقد اختار عتق الجميع حيث كان العتق يسري، وأشبه ذلك الجارح إذا مات المجروح بالسراية فانه يجعل قاصدا الى قتل النفس، لأن الجرح يسري. ولأن في بقاء العتق مبعضا اضرارا لشريكه، فازيل عنه الضرر بدفع القيمة، ويصدق عليه انه أفسد على الشريك فضمن (3)، بخلاف ما لو دخل في ملكه بغير اختياره كالارث فإنه لم يختر اعتاقه، وانما هو عتق قهري من قبل الشرع فلا يستعقب العقوبة بتضمين الحصة. ويؤيده ما رواه الشيخ عن محمد بن قيس، عن الصادق - عليه السلام - في الحسن قال: قلت له: رجل دفع الى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم، فقال: يقوم، فإن كان (4) درهما واحدا اعتق واستسعى من مال الرجل (5). وهذا الحديث يشعر بما قلناه، حيث انه لم يعلم ان العبد أبوه فلم يقصد الاضرار بل دخل في ملكه بغير اختياره، وفي الحاقه بالارث نظر.

(1) ق 2: شركاء له، وم 3: شركاءه وفي المصدر: شركا له.
(2) السرائر: ج 3 ص 20.
(3) ق 2: فيضمن، م 3: يضمن.
(4) في المصدر: زاد.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 190 ح 841، وسائل الشيعة: ب 8 في أحكام المضاربة ح 1 ج 13 ص 188.

[ 42 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا اعتق كافر مسلما ثبت له عليه الولاء، إلا أنه لا يرثه ما دام كافرا، فإذا أسلم ورثه. واستدل بقوله - عليه السلام -: (الولاء لمن أعتق) ولمن يفصل. فأما قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) لا يدل على ان الكافر لا يكون وليا إلا من حيث دليل الخطاب، وليس بصحيح عند الأكثر، على ان المراد به النصرة والولاية، وذلك لا يثبت هاهنا. وقال ابن إدريس: هذا لا يتقدر على ما قررناه من أن العتق لا يقع، إلا أن يقصد به وجه الله تعالى، والكافر لا يعرف الله تعالى ولا يقع منه نية القربة (3). والتحقيق أن يقال: إن كان الكفر باعتبار جهله بالله تعالى وقلنا: إنه لا بد في القاصد بفعله وجه الله تعالى من علمه به من غير اكتفاء بالتقليد فالوجه ما قاله ابن إدريس، وان كان الكفر بهذا الاعتبار بل اعتبار جحد، بالنبوة أو بعض اصول الاسلام كالصلاة مثلا. أو اكتفينا في القصد بالتقليد فالحق ما قاله الشيخ، فإن جاحد النبوة قد يعرف الله تعالى، وكذا الجاهل بالله تعالى إذا قلد العارف به صح أن يقصد بالفعل وجهه تعالى، وإن شرط في صحة العتق (4) صحة إيقاع النية المتقرب بها الى الله تعالى بحيث يستحق بها الثواب منعنا ذلك وطالبناه بالدليل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اعتق عبد نفسه عن الغير لم يخل إما أن يكون في حياته باذن المعتق فيقع (5) عن الآذن والولاء له أيضا سواء (6) كان

(1) المبسوط: ج 6 ص 70.
(2) الخلاف: ج 6 ص 371 المسألة 12.
(3) السرائر: ج 3 ص 20.
(4) في الطبعة في الحجرية: العقد.
(5) في المصدر: لم يخل عن أمرين: اما أن يكون في حال حياته بعد وفاته باذن الغير وقع العتق.
(6) ليس في المصدر.

[ 43 ]

بعوض أولا (1)، وان كان بغير اذنه فالعتق عن المباشر دون المعتق عنه، وقال بعضهم: عن المعتق عنه، وهو قوي. والأول أقوى، لقوله - عليه السلام -: (الولاء لمن أعتق) وان كان بعد وفاته فان كان باذنه وقع عن الآذن، وان كان بغير اذنه فان كان تطوعا وقع عن المعتق، وان كان عن كفارة فعندنا تكون سائبة لا ولاء لأحد عليه، وعندهم يقع عن المعتق عنه (2). وقال في الخلاف: إذا أعتق عن غيره عبدا باذنه وقع العتق عن الاذن دون المعتق سواء كان بعوض أو لا، وان كان بغير اذنه وقع عن المعتق دون المعتق عنه. واستدل على الأول: بأن الآذن في الحقيقة هو المعتق، لأنه لو لم يأمره بذلك لم يعتقه، فهو كما لو أمره ببيع شئ منه من نفسه أو بشرائه له. وعلى الثاني: بقوله - عليه السلام -: (الولاء لمن أعتق) وهو الذي باشر العتق (3). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه اصول مذهبنا ان العتق لا يقع إلا عن المالك للعبد دون الآذن الذي ليس بمالك، لأنه لا خلاف في قوله - عليه السلام -: (لا عتق قبل ملك ولا طلاق قبل نكاح) والآذن لم يملك العبد، وانما هو على ملك المباشر للعتق الى حين اعتاقه، وانما هذا الذي ذكره شيخنا - رحمه الله - قول المخالفين دون أن يكون ورد في أخبارنا أو أجمع أصحابنا عليه، لأنه لو أجمع عليه أصحابنا أو وردت عليه أخبارنا لما قال في استدلاله: إن الآذن في الحقيقة هو المعتق، ولكان يقول: دليلنا اجماع الفرقة (4). وما اختاره الشيخ هو المعتمد. لنا: أنه أوجد سبب التحرير فيقع، ولم يقع عن المباشر، لأنه انما اعتق عن

(1) في المصدر: أو بغير عوض.
(2) المبسوط: ج 6 ص 71.
(3) الخلاف: ج 6 ص 373 و 374 المسألة 16 - 17.
(4) السرائر: ج 3 ص 21.

[ 44 ]

الاذن إما تقربا الى الله تعالى أو تحصيلا للثمن، ولولا هذا ما أعتق ولا تقرب الى الله تعالى بالعتق فلا يقع عنه بل عن الآذن، لانحصار القول فيهما. ولأنه لم يقصد العتق عن نفسه ولا نواه، وانما نوى العتق عن الآمر فيقع عنه، لقوله - عليه السلام -: (الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى) (1). وما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل أن يعتق فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه فأعتقه عن أبيه وأن المعتق أصاب بعد ذلك مالا ثم مات وتركه لمن يكون ميراثه؟ قال: فقال: إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو نسك (2) أو واجبة عليه فان المعتق سائبة لا سبيل لأحد عليه. قال: وان كان قد توالى قبل أن يموت الى أحد من المسلمين يضمن جنايته وحدثه كان مولاه ووارثه إن لم يكن له قريب يرثه. قال: وإن لم يكن توالى الى أحد حتى مات فان ميراثه لامام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه من المسلمين. قال: وان كانت الرقبة التي على أبيه تطوعا وقد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فان ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال. قال: ويكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه. قال: وان كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوعا منه من غير أن يكون أمره أبوه بذلك فان ولاءه وميراثه للذي اشتراه من ماله، وأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابة (3).

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 331.
(2) في المصدر: شكر.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 254 - 255 ح 925، وسائل الشيعة: ب 40 إن المعتق إذا مات... ح 2 ج 16 ص 45.

[ 45 ]

فجعله - عليه السلام - ولاؤه لجميع أولاد الآمر دليل على انتقاله إليه بالأمر والاعتاق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يستحب ألا يعتق الانسان إلا من أغنى نفسه ويقدر على اكتساب ما يحتاج إليه، ومن أعتق صبيا أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه فالأفضل له أن يجعل له شيئا يعينه به على معيشته، وليس ذلك بفرض (1). وبه قال ابن البراج (2)، وابن إدريس (3)، وهو المشهور بين علمائنا. وقال ابن الجنيد: ومن أعتق طفلا ومن لا قدرة له على التكسب كان عليه أن يعوله حتى يكبر ويستغني. وقال الصدوق: ومن أعتق مملوكا لا حيلة له فان عليه أن يعوله حتى يستغني (4). والمعتمد الأول، لأصالة البراءة. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان العتق في المرض ثم تغيرت حالهم بزيادة أو نقصان كان التقويم يوم يقع العتق في الحكم، وان كن مدبرات أو بوصية كان يوم يموت، لأنه في ذلك وقع العتق، ولو كن حبالى قومن حبالى، وأيتهن عتقت تبعها ولدها، لأنه جزء منها وقت وقوع العتق. والوجه التسوية بين العتق المنجز والمؤخر كالتدبير والوصية، في ان الاعتبار بالقيمة انما هو وقت الوفاة إن نقصت قيمة المنجز، لأنه لو بقى عبدا لم يتحفظ على الورثة سوى قيمة الناقصة فلم يتلف عليهم أكثر منها، وأما إن زادت القيمة كانت بمنزلة التكسب للعلم بعتق شئ منه وقت الاعتاق، فإذا زادت قيمة

(1) النهاية ونكتها ج 3 ص 7 - 8. (2) المهذب: ج 2 ص 358.
(3) السرائر: ج 3 ص 9.
(4) المقنع: ص 160.

[ 46 ]

المعتق لم تحتسب من التركة ولا عليه، وأما الرق فيحسب زيادته منها، فان خلف ضعف قيمته الاولى (1) من غيره عتق كله، وان خلف أقل أو لم يخلف شيئا دخلها الدور. فلو كانت قيمته مائة وقته العتق ثم مات ولا شئ له سواه بعد أن بلغت قيمته ثلاثمائة فنقول: عتق منه شئ وله من زيادة القيمة شيئان وللورثة شيئان منه ضعف ما عتق، فيصير العبد في تقدير خمسة أشياء: ثلاثة له واثنان للورثة فيعتق منه مائة وثمانون وللورثة مائة وعشرون. ولو صارت قيمته مائتين وخلف السيد ماءة غيره فنقول: عتق منه شئ وله من نفسه باعتبار زيادة القيمة شئ آخر وللمولى منه ومن المائة شيئان بازاء ما انعتق، فالمجموع في تقدير أربعة أشياء: شيئان للعبد من نفسه وشيئان للورثة، فالشئ خمسة وسبعون، فيعتق منه ثلاثة أرباعه وتسلم المائة والربع الآخر للورثة. ولو بلغت قيمته ثلاثمائة وخلف مائة عتق منه شئ وتبعه من نفسه باعتبار زيادة القيمة شيئان وللورثة من نفسه وباقي التركة شيئان بازاء ما انعتق، فالمجموع في تقدير خمسة أشياء: ثلاثة له من نفسه وهي أربعة أخماس نفسه وللورثة اثنان من نفسه وباقي التركة، فيعتق منه أربعة أخماسه وهي مائتان وأربعون، ويسترق الورثة خمسه ستون ولهم مائة، فيكمل لهم مائة وستون ضعف ما انعتق منه. ولو أعتق وقيمته مائة ثم مات وهي ألف عتق منه شئ وتبعه تسعة أشياء وللورثة شيئان بازاء ما عتق، فالعبد في تقدير اثنى عشر شيئا: للورثة سدسه فيعتق خمسة أسداسه. وعلى هذا المنهاج ولو زادت قيمته قبل الموت ثم نقصت بعده فان كان بعد حصوله في يد الورثة فكما لو لم ينقص، وان كان قبله فكما لو لم يزد. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو مات المعتق بعضه قبل أن يستتم عتقه بعتق

(1) في الطبعة الحجرية: قيمة الأولى، م 3: قيمة الأول.

[ 47 ]

الشريك أو السعاية أو ضمان العتق وكان له مال أدى ما بقي عليه من السعاية وكان باقي ماله لورثته، وان لم يكن له ورثة أحرار ورث المعتق بحق الولاء بقدر حصته التي أعتقها إن لم يكن عتقه سائبة وورث الشريك بقدر حصته التي بقيت رقا فيه، ولو كان مقدار ذلك من ميراثه أكثر من مقدار حقه من قيمته فحكم الحاكم للذي لم يعتق حقه بقدر قيمة حقه ورد الباقي على المعتق بحق الولاء كان وجها. والوجه على تقدير القول بعتقه بالأداء إذا مات العبد قبله وله مال كان نصيب الحرية لورثة العبد إن كان له ورثة، وإلا فلمعتقه المتبرع به. وأما نصيب الرقية (1) فانه للشريك حيث مات على ملكه (2)، ولا يؤدي شئ من المال لا عتقاقة كله. والوجه الذي قدره على تقدير حكم الحاكم فليس بجيد، وهذا انما يتأتى لو قلنا: إنه ينعتق بالاعتاق وإن العبد يضمن. وكلام ابن الجنيد بعد ذلك يقتضيه حيث قال: ولو مات السيد عند عتقه حقه من العبد لم يك للشريك غير استسعاء العبد، ولو أراد الزام الورثة قيمة حقه لم يكن له، لأن الجناية على حقه لم يكن من جهتهم إن لم يكن للمعتق مال، فإن كان له مال يحيط ثلثه بقدر ما بقي من حق الشريك في العبد فشاء (3) الشريك أن يأخذ قيمة حقه من ثلث الميت كان ذلك له. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو شهد بعض الورثة على الميت بعتقه عبدا له أو أمة وكان الشاهد مرضيا لم يضمن حصة شركائه وجازت شهادته واستسعي العبد فيما بقي للورثة إن لم يصدقوا الشاهد، فان شهد معه عدل بذلك على الميت عتق من الثلث وكان ولاؤه له، وان لم يكن الشاهد مرضيا لم يلزم الشركاء

(1) م 3: الرقبة.
(2) م 3: ملكيته.
(3) م 3: فجاء.

[ 48 ]

استسعاء العبد في حقوقهم وبقي على أصل العبدوية ومنعنا الشاهد من تملك العبد والشيخ - رحمه الله - قال في النهاية: إذا (1) شهد بعض الورثة أنه أعتقه فإن كان مرضيا جائز الشهادة وكان اثنين أعتق (2) المملوك، وان لم يكن مرضيا مضى العتق في حصته واستسعي العبد في الباقي (3). والوجه أن نقول: إنه يمضى الاقرار في حق المقر، سواء كان مرضيا أو لا، ولا يجب السعاية. وبالجملة فلا فرق بين المرضي وغيره. والرواية التي وردت هنا رواها محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحد هما - عليهما السلام - قال: سألته (4) عن رجل ترك مملوكا بين نفر (5) فشهد أحد هم ان الميت أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيا لم يضمن وجازت شهادته واستسعي (6) العبد فيما كان للورثة (7). وبهذه الرواية أفتى الصدوق في المقنع (8). ويمكن أن يقال: أن عدالته تنفي التهمة في تطرق (9) الكذب عليه، فيمضى الاقرار في حقه خاصة. وأما في حق الشركاء فيستسعى العبد، كمن أعتق حصة من عبد ولم يقصد الاضرار مع إعساره. وأما إذا لم يكن الشاهد مرضيا فانه لا يلتفت الى قوله، إلا في حقه خاصة، فلا يستسعى العبد، بل يبقي حصص الشركاء فيه على العبودية ويحكم في حصته بالحرية. وهذا عندي

(1) في المصدر: وإذا خلف الرجل مملوكا وشهد.
(2) في المصدر: عتق.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 20. (4) في التهذيب: سألت أبا جعفر (ع).
(5) في التهذيب: جماعة.
(6) في التهذيب: ويستسعى.
(7) تذهيب الأحكام: ج 8 ص 246 ص 888، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 401.
(8) المقنع: ص 156.
(9) في المصدر: من تطرق.

[ 49 ]

محمول على الاستحباب، عملا بالرواية. مسألة: من كان له وارث مملوك اشتري من تركة الميت وأعتق وأعطي بقية المال، فان لم تكن التركة وافية بقيمته كملا لم يجب شراؤه عند الشيخ (1) وجماعة من علمائنا. وقال ابن أبي عقيل: يشتري بحساب ذلك، وصاحبه فيه بالخيار إن شاء استسعاه فيما بقي من قيمته، وان شاء يخدمه بحساب ما بقي منه. وسيأتي البحث في ذلك في باب المواريث إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الصدوق في المقنع: فان قال رجل لغلامه: أعتقتك على أن ازوجك جاريتي فان نكحت عليها أو تسريت (2) فعليك مائة دينار فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرى فعليه ذلك الشرط (3) (4). وعليه دلت الرواية الصحيحة عن محمد بن مسلم، عن أحد هما - عليهما السلام - في الرجل يقول لعبده: أعتقتك على أن أزوجك ابنتي فان تزوجت عليها أو تسريت [ عليها ] فعليك مائة دينار فأعتقه على ذلك فيتسرى أو يتزوج، قال: عليه مائة دينار (5). والرواية وان كانت صحيحة لكن في العمل بها نظر. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: العتق لا يقع إلا بقوله: أنت حر مع القصد الى ذلك والنية، ولا يقع بشئ من الكنايات مثل: أنت سائبة ولا سبيل لي

(1) المبسوط: ج 4 ص 79.
(2) في المصدر: اشتريت جارية.
(3) في المصدر: واعتقه على هذا فنكح أو اشترى فعليه الشرط. (4) المقنع: ص 156.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 222 ح 796، وسائل الشيعة: ب 12 حكم من أعتق عبده على ان يزوجه ابنته... ح 3 ج 16 ص 15.

[ 50 ]

عليك (1). وقال أبو الصلاح: العتق يفتقر الى لفظ مخصوص وقصد، ثم قال: فاللفظ به قوله: أنت حر لوجه الله تعالى (2). وهو يعطي الحصر في هذه اللفظة. مع انه قال: يجوز أن يجعل عتقها صداقها، وصفته أن يقول سيدها: قد أعتقتك وتزوجتك وجعلت عتقك صداقك (3). وقال ابن البراج: صحة العتق يفتقر الى شروط وهي: أن يكون المعتق كامل العقل ويتلفظ فيه بالحرية فيقول: أنت حر، فان لم يتلفظ باللفظ الذي قدمناه لم يقع عتقه، وكان عتقه باطلا (4). والوجه انه ينعتق بلفظ التحرير والاعتاق أيضا، لأنه حقيقة فيه، وهو اللفظ الموضوع للعتق. مسألة: لو اختلف المعتق والشريك في قيمة العبد قال ابن الجنيد: كان على المدعي زيادة البينة، فان لم تكن له كان القول قول المعتق مع يمينه وقال الشيخ في المبسوط: إن كان العبد حاضرا عقيب العتق فلا نزاع، لأن قيمته تعرف في الحال، وان غاب أو مات أو مضت مدة بين العتق والاختلاف يتغير قيمته فيها، فقال قوم: القول قول المعتق، وقال آخرون: القول قول الشريك، فمن قال: يعتق باللفظ قال: القول المعتق لأنه غارم، ومن قال: بشرطين أو مراعى (5) قال: القول قول الشريك، لأن ملك ينتزع عنه بعوض، كالشفعة إذا اختلفا في قدر الثمن كان القول قول المشتري، لأن الشفيع

(1) الخلاف: ج 6 ص 372 المسألة 14.
(2) الكافي في الفقه: ص 317، مع اختلاف.
(3) الكافي في الفقه: ص 317، مع اختلاف.
(4) المهذب: ج 2 ص 357، مع اختلاف.
(5) في المصدر: أو قال مراعى.

[ 51 ]

ينتزع الملك منه بعوض (1). ويلزم من هذا أن يكون مذهب الشيخ تقديم قول الشريك مع يمينه، لأنه يذهب الى أن العتق مراعى. مسألة: قال الشيخ المبسوط: إذا أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث ثم مات كان على الوارث أن يعتقه، فان فعل (2) وإلا أعتقه السلطان، لأنه حق لله تعالى تعلق بماله، فإذا أعتقه السلطان أو الوارث كان حرا حين (3) الاعتاق لا حين الوفاة، فإن كان له كسب فكل ما اكتسبه (4) قبل وفاة الموصي فهو للموصي في حياته ولورثته بعد وفاته، وكل ما اكتسبه بعد الوفاة وبعد العتق فهو له، لأنه حر اكتسب مالا، وكل ما اكتسبه بعد الوفاة وقبل العتق فهو له أيضا، لأنه مال اكتسبه بعد استقرار سبب العتق بالوفاة وكان أحق به، فإذا ثبت انه يرجع إليه فانما يملكه بعد العتق، لأنه قبله رقيق لا يملك، وانما كان أحق به (5). وليس بجيد، لأن سبب العتق إن كان تاما جامعا لشرائطه وجب أن يثبت معلوله، وهو لم يقل به، حيث حكم برقه، وانه انما يتحرر بالإعتاق. وان لم يكن تاما لم يثبت معلوله ولا أحكام معلوله، فكان الكسب لمالك الرقبة، لوجود السبب التام فيه وهو الملك. وهذا بخلاف المكاتب، لأنه عاوض على منافعه كما عاوض على نفسه، فكان كسبه تابعا له. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: قيمة من أعتقه في مرضه يعتبر حين

(1) المبسوط: ج 6 ص 62 - 63.
(2) في المصدر: ان يعتقه كما لو أوصى بتفرقه ثلثه فان فعل الوارث ذلك.
(3) في المصدر: من حين.
(4) في المصدر: ما كسبه.
(5) المبسوط: ج 6 ص 62 - 63.

[ 52 ]

الإعتاق، لأنه وقت إتلافه، وقيمة من أوصى بعتقه يعتبر حين الوفاة، لأنه وقت استحقاق العتق (1). وهذا يوافق قول ابن الجنيد الذي نقلناه أولا، وبينا الوجه في ذلك. والأصل في هذه المسألة أن نقول: إن العبد إذا أعتقه مولاه المريض ولا شئ له سواه ثم مات قبله هل يكون حرا كله أو رقا كله أو يعتق ثلثه؟ يحتمل الأوجه الثلاثة، فان قلنا: إنه يتحرر كله فالوجه ما قدمناه أولا حين نقلنا كلام ابن الجنيد في هذه المسألة، وان قلناه بالثاني جاء ما قاله الشيخ وابن الجنيد. وطريق استخراج معرفة القدر المعتق منه على قولهما: أن نفرض قيمته مائة - مثلا - حال الإعتاق ثم رجع الى خمسين فنقول: عتق منه شئ ورجع الى نصف شئ فبقي خمسون ناقصة نصف شئ يعدل ضعف ما عتق وذلك شيئان، فإذا جبرت وقابلت صارت خمسين كاملة يعدل شيئين ونصفا، فالشئ عشرون. ولما حكمنا برجوع الشئ الى نصف شئ تبينا (2) ان المعتق منه خمسه، لأن نصف شئ هو خمس شيئين ونصف، وكان قيمة النصف وهو خمس العبد عشرين يوم الاعتاق وعاد الى عشرة (3) وبقي للورثة أربعة أخماسه، وقيمته يوم الموت أربعون وهو ضعف ما عتق، فان خلف الميت مائة اخرى فعلى ما اخترناه ينعتق بأجمعه، لأنه الآن ثلث التركة. وعلى قولهما نقول: عتق منه شئ ورجع الى نصف شئ بقي منه خمسون إلا نصف شئ ويكون للورثة المائة وخمسون إلا نصف شئ يعدل شيئين، فبعد الجبر والمقابلة يكون مائة وخمسين يعدل شيئين ونصفا، فالشئ ستون فيعتق منه ثلاثة أخماسه هي الآن ثلاثون وللورثة مائة وعشرون ضعف ما عتق منه أولا، ولو أعتق

(1) المبسوط: ج 6 ص 64.
(2) في الطبعة الحجرية وم 3: بينا.
(3) ق 2: العشرة.

[ 53 ]

ثلاثة أعبد قيمة كل واحد مائة فعادت قيمة أحد هم الى خمسين فان خرجت القرعة للذي انتقص قيمته عتق ويعتق ثلث الآخر بالقرعة أيضا عندنا. وعلى ما اختاراه - رحمهما الله - لا يعتق من الآخرين شئ، لأنه قد كانت قيمته يوم الاعتاق مائة وينبغي أن يبقى للورثة ضعفها، وان خرجت لأحد الآخرين فعلى قولنا وقولهما ينعتق منه خمسة أسداسه وقيمتها ثلاثة وثمانون وثلث ويبقى للورثة سدسه والآخران، وجملة قيمتهما مائة وستة وستون وثلثان وهي ضعف ما عتق، لأن المحسوب على الورثة الباقي بعد النقصان وهو مائتان وخمسون، ولو أعتق عبدين لا مال له سوا هما قيمة كل واحد مائة ثم عادت قيمة أحد هما الى خمسين فان خرجت القرعة للذي لم ينتقص قيمته عتق نصفه وبقي للورثة نصفه والآخر وهما ضعف ما عتق عندنا وعند هما، وان خرجت للذي انتقص عتق كله على ما اخترناه وعلى قولهما يقع الدور، لأنا نحتاج الى إعتاق بعضه معتبرا بيوم الاعتاق والى إبقاء بعضه للورثة معتبرا بيوم الموت. وطريقه أن نقول: عتق منه شئ وعاد الى نصفه فبقي للورثة مائة وخمسون إلا نصف شئ يعدل ضعف ما عتق وهو شيئان، فإذا جبرت وقابلت صار مائة وخمسون يعدل شيئين ونصفا، فالشئ خمساه ستون، فعرف ان المعتق من العبد يوم الاعتاق ستون وعاد هذا المبلغ الى ثلاثين يبقى للورثة خمسا هذا العبد وهو عشرون، والعبد الآخر وهو مائة وذلك ضعف ما عتق أولا. وانما طولنا في مثل هذه المسائل في هذا الكتاب وكثرنا الأمثلة لخلو كتب علمائنا عنها، وبكثرة الشواهد يحصل التميز فيما يرد على الفقيه من هذا الباب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أوصي بعتق مملوك وبشئ لقرابته ولم يبلغ الثلث ذلك بدئ بعتق المملوك، وما فضل بعد ذلك كان لمن أوصى له به (1).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 160.

[ 54 ]

وقال في المبسوط: وان كانت العطايا مؤخرة فان لم يكن فيها عتق قالوا - يعني المخالفين -: الكل بالسوية، وان كان فيها عتق قال بعضهم: قدم العتق على غيره، وهكذا رواه أصحابنا (1). وقال في باب الوصية بالكتابة: لو أوصى بوصايا في جملتها عتق، فهل يسوى بين الكل أو يقدم العتق فعندنا العتق يقدم، وقال بعضهم: يسوى، فأما إذا أوصى بالكتابة وغيرها فعندنا انها يقدم، وقال بعضهم: يسوى، لأن الكتابة معاوضة فجرت مجرى المعاوضات (2). والوجه عندي تقديم الأول فالأول، وقد تقدم البحث في ذلك في الوصايا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ملك بعض من ينعتق عليه باختياره كالهبة والوصية قوم عليه، ثم قال: ولو أوصى للصبي أو المجنون ببعض من ينعتق عليه يبنى على قولين هل يقوم عليه نصيب شريكه أم لا؟ فان قلنا: يقوم لم يقبله، وان قلنا: يقوم فعليه قبوله، لأنه لا ضرر عليه، وهو أقوى عندي (3). وبين الكلامين منافاة.

(1) المبسوط: ج 6 ص 67.
(2) المبسوط: ج 6 ص 152.
(3) المبسوط: ج 6 ص 68 - 69.

[ 55 ]

الفصل الثاني في الولاء مسألة: لو مات المعتق قال الشيخ في النهاية: لا يخلو إما أن يكون المعتق رجلا أو امرأة، فإن كان رجلا ورث ولاء مواليه أولاده الذكور منهم دون الاناث، فان لم يكن له ولد ذكور وكان له بنات كان ولاء مواليه لعصبته دون غيرهم، لأنهم الذين يضمنون جريرته، وان كان امرأة ولها موال ولها ولد ذكور وأناث ولها عصبة فإذا ماتت كان ولاء مواليها لعصبتها دون أولادها (1). وقال في المبسوط: الولاء لحمة كلحمة النسب يثبت به الميراث، إلا انه لا يرث المولى مع وجود واحد من ذوي الأنساب، سواء كان ذا فرض أو لا، وسواء كان قريبا أو بعيدا، من أب كان أو من أم (2). وعلى كل حال وإذا لم يكن له أحد كان ميراثه لمولاه الذي أعتقه أو من يتقرب من جهته من الولد والوالدين أو إخوته من قبل أبيه وأمه أو من قبل أبيه، وفي أصحابنا من قال: والأخوات من جهتهما أو من يتقرب بأبيه من الجد والعمومة وأولادهم، ولا يرث أحد ممن يتقرب من جهة أمه من الاخوة والأخوات ومن يتقرب بهما ولا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 27، وفيه: (وكانت له بنات) (وان كان المعتق امرأة ولها أموال).
(2) في المصدر: ذا فرض أو لم يكن، وسواء كان قريبا أو بعيدا، من قبل أب كان أو من قبل أم.

[ 56 ]

الجد ولا الجدة من قبلهما ولا من يتقرب بهما، فان لم يكن أحد ممن ذكرناه كان ميراثه للامام، والمرأة إذا أعتقت فالولاء لها وترث بالولاء بلا خلاف، ولا ترث المرأة بالولاء إلا في موضعين: أحد هما: إذا باشرت العتق فيكون مولى لها أو يكون مولى لمولى لها، وإذا خلف المولى اخوة وأخوات من الأب والام أو من الأب أو أخا واختا كان ميراث مولاه بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وقال المخالف (1): للذكور دون الاناث، وفي أصحابنا من قال بذلك (2). وقال في الخلاف: الولاء يجري مجرى النسب ويرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد إلا الاخوة والأخوات من الام أو من يتقرب بها من الجد والجدة والخال والخالة وأولاد هما، وفي أصحابنا من قال: إنه لا ترث النساء من الولاء شيئا، وانما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة، وإذا كان المعتق امرأة فولاء مواليها (3) لعصبتها دون ولدها، سواء كانوا ذكورا أو اناثا. واستدل باجماع الفرقة وأخبار هم (4). وقال شيخنا المفيد: وان مات المعتق قبل المعتق ثم مات المعتق بعده ولم يترك ولدا ولا ذا قرابة كان ميراثه وولاؤه (5) لولد مولاه الذي أعتقه إن كانوا ذكورا، فان لم يكن له ولد ذكور كان لعصبة مولاه دون الاناث من الولد، وإذا أعتقت المرأة العبد ثم مات وخلف مالا ولم يترك ولدا ولا ذا قرابة فما له لسيدته التي أعتقته، فان ماتت قبله وخلفت ولدا ذكرا كان ميراثه له، فان لم يكن لها ولد ذكر فميراثه لعصبة سيدته على ما بيناه (6). وقال ابن الجنيد: والنساء لا يرثن من الولاء شيئا. وقال ابن أبي عقيل: ومن أعتق غلاما له فولاؤه ما دام حيا له، فإذا مات

(1) في المصدر: المخالفون.
(2) المبسوط: ج 4 ص 93 و 95.
(3) في المصدر: مولاها.
(4) الخلاف: ج 4 ص 79 و 81 المسألة 84 و 86.
(5) ليس في المصدر.
(6) المقنعة: ص 694.

[ 57 ]

مولاه فلعاقلته الذين يكون عليهم الدية إذا جنى جناية بخطأ، فان مات المعتق وترك وارثا من اولي أرحامه فلا ميراث للمولى معه، لقوله تعالى: (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) واختلف الشيعة في العاقلة، فقال الأكثرون: العاقلة هم ورثة الرجل يقسم عليهم الدية ويكون لهم الولاء. وروى عن أمير المؤمنين والأئمة من ولده - عليهم السلام - قالوا: تقسم الدية على من أحرز الميراث، ومن أحرز الميراث أحرز الولاء. وهذا مشهور متعالم. وقال الباقون: العاقلة هم العصبة دون الورثة. ورووا عن الأئمة - عليهم السلام - ان أمير المؤمنين قضى في امرأة العاقلة عتقت رجلا واشترطت ولاءه فاختصم في ولائه من بعدها أولادها وعصبتها فحكم بالولاء لعصبتها دون أولادها. قال: والقول الأول عندي أشبه بقولهم وأولى، لأن الثاني يجوز أن يكون قالوه تقية، لاجماع العامة على ذلك، ولما قد سبق من الأقاويل فيه من الأحكام المشهورة. ولم يختلف الشيعة في أن العقل على من له الولاء. وقد زعم بعض العامة ان الولاء لذكور (1) الورثة والعقل على العصبة، واحتجوا بأن عليا - عليه السلام - والزبير اختصما الى عمر في معتق صفية (2) - وهي ام الزبير وعمة علي عليه السلام - فحكم عمر بالميراث للزبير والعقل على علي - عليه السلام - وهذا من الأحكام التي أنكرها عليه أمير المؤمنين - عليه السلام - لأنه إن كان الولاء للزبير فيجب أن يكون عليه العقل، وان كان العقل على علي - عليه السلام - فيجب أن يكون الولاء له، إذ قد حكم الله عز وجل والرسول - عليه السلام - بالولاء لمن عليه العقل. وقال الصدوق: فان ترك بني وبنات مولاه المنعم أو المنعم عليه ولم يترك

(1) في الطبعة الحجرية: الولاء كله لذكور. (2) م 3 وفي الطبعة الحجرية: معتق وهي صفية.

[ 58 ]

وارثا غير هم فالمال لبني وبنات مولاه، للذكر مثل حظ الانثيين، لأن الولاء لحمة كلحمة النسب (1). وقال أبو الصلاح: ورابع المستحقين - يعني: الارث - مولى النعمة، وفرضهم يختص بوليها وعصبته من بعده بشرط فقد ذوي الأنساب، فان كان معه زوج أو زوجة فللزوج النصف بالتسمية والباقي رد عليه دون مولى النعمة، وللزوجة الربع والباقي لمولى النعمة أو لعصبته، وأولاد هم الولد ثم الإخوة ثم الأعمام ثم بنو العم الذكور منهم دون الاناث (2). وابن البراج (3) تبع كلام الشيخ في النهاية. وقال ابن حمزة: والولاء للمعتق ما دام حيا، رجلا كان أو امرأة، فإذا مات وكان رجلا كان ذلك لولده الذكور دون الاناث، والأب يقاسمه على رواية، وولد الولد يقوم مقام أبيه في مقاسمته، والام لا ترث الولاء على الصحيح، والأخ من الأب والام أو الأب وحده يرث دون الأخ من الأم على ترتيب سائر المواريث، وان كان المعتق امرأة وماتت كان ولاء عتيقها لعصبتها دون ولدها (4). وقال ابن إدريس: إذا كان المباشر للعتق رجلا فولاء مولاه له، فان مات المنعم فولاء مولاه يجري مجرى النسب ويرثه من يرث من ذوي الانساب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الام أو من يتقرب بها من الجد والجدة والخال والخالة وأولاد هما. وفي أصحابنا من قال: إنه لا ترث النساء من الولاء شيئا، وانما يرثه الذكور من الأولاد والعصبة. وهذا مذهب شيخنا في نهايته وايجازه، والأول مذهبه في استبصاره فانه قال: ان البنت ترث من ميراث المولى

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 306.
(2) الكافي في الفقه: ص 374.
(3) المهذب: ج 2 ص 364.
(4) الوسيلة ص 344.

[ 59 ]

كما يرث الابن. قال: وهو الأظهر من مذهب أصحابنا، وهو مذهبه في مسائل خلافه، واستدل عليه باجماع الفرقة وبقوله - عليه السلام -: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب) قال: وهذا الذي يقوى في نفسي وبه افتي، لأن هذا الخبر مجمع عليه متلقى بالقبول عند الخاصة والعامة، فلا معدل عنه ولا اجماع منعقد لاصحابنا على المسألة فيخصص العموم به، وان كان المعتق (1) امرأة فانها ترث ولاء مواليها ما دامت حية، فإذا ماتت ورث ولاء مواليها عصبتها من الرجال دون أولادها، سواء كان الأولاد ذكورا أو اناثا، لأن اجماع أصحابنا منعقد على ذلك، فهو المخصص، لعموم الخبر المقدم ذكره. إلا ما ذهب إليه شيخنا المفيد في مقنعته، فانه قال: يرث الولاء أولادها الذكور دون الاناث. وابن أبي عقيل ذهب الى أن الولاء يرثه أولاد المرأة، سواء كانوا ذكورا أو اناثا، وهو يجري مجرى النسب على حد واحد، إلا الإخوة والأخوات من الام ومن يتقرب بها، وهو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه. وهذا قوي يجب أن يعتمد عليه، للخبر المقدم ذكره. وما قلناه من تخصيصه بالاجماع فراجعنا النظر في أقوال أصحابنا وتصانيفهم فرأيناها مختلفة غير متفقة، فالأولى التمسك بالعموم الى أن يقوم دليل الخصوص (2). والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات قبل أن يعتق فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه (3) فأعتقه عن أبيه وان المعتق أصاب بعد ذلك مالا ثم مات وتركه لمن يكون تركته؟ فقال: إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في ظهار أو واجبة عليه فان المعتق سائبة لا سبيل لاحد عليه، وان

(1) في المصدر: وان كان المنعم بالعتق.
(2) السرائر: ج 3 ص 23 - 24 - 25.
(3) في الوسائل: كيسه.

[ 60 ]

كان توالى قبل أن يموت الى احد من المسلمين يضمن جنايته وحدثه فكان مولاه ووارثه إن لم يكن له قريب يرثه، فان لم يكن توالى إلى أحد حتى مات كان ميراثه لامام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه من المسلمين، وان كانت الرقبة التي على أبيه تطوعا وقد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فان ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال. قال: ويكون الذي اشتراه فأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه. قال: وإن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فاعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوعا منه من غير أن يكون أمره أبوه بذلك فإن ولاءه وميراثه للذي اشتراه من ماله فأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته (1). وفي الصحيح عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى في رجل حرر رجلا فاشترط ولاءه فتوفي الذي اعتق وليس له ولد إلا النساء ثم توفي المولى وترك مالا وله عصبة فاحتق في ميراثه بنات مولاه والعصبة فقضى بميراثه للعصبة الذين يعقلون عنه إذا أحدث حدثا يكون فيه عقل (2). اما إذا كان المنعم امرأة فان ولاءها لعصبتها دون ولدها، لما رواه عاصم بن حميد في الصحيح، عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - على امرأة اعتقت رجلا واشترطت ولاءه ولها ابن فألحق ولاءه بعصبتها الذين يعقلون عنه دون ولدها (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 254 - 255 ح 925، وسائل الشيعة: ب 40 ان المعتق إذا مات... ج 16 ص 45، وفيهما اختلاف.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 254 ح 923، وسائل الشيعة: ب 40 إن المعتق إذا مات... ح 2 ج 16 ص 45.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 254 ح 921، وسائل الشيعة: ب 39 إن المرأة إذا اعتقت... ح 1 ج 16 ص 14.

[ 61 ]

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة أعتقت مملوكا ثم ماتت، قال: يرجع الولاء الى بني أبيها (1). وفي الصحيح عن حفص بن سالم أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أعتق جارية صغيرة لم تدركت وكانت امه قبل أن تموت سألته أن يعتق عنها رقبة من مالها فأعتقها بعد ما ماتت امه لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: فقال: يكون ولاؤها لأقرباء امه من قبل أبيها وتكون نفقتها عليهم حتى تدرك تستغني، قال: ولا يكون للذي أعتقها عن امه شئ من ولائها (2). قال الشيخ في الاستبصار: فأما ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - قال: قال النبي - صلى الله عليه وآله -: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب) فلا ينافي الأخبار السابقة، لأنه يحتمل أن يكون المراد المنع من جواز بيعه كما لا يجوز بين النسب، وقد بينه بقوله: (لا يباع ولا يوهب) (3). أو انه مثل النسب في انه يرثه الأولاد الذكور دون الاناث للأخبار السابقة. وقال في كتاب الميراث روى عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: مات مولى لحمزة بن عبد المطلب فدفع رسول الله - صلى الله عليه وآله - ميراثه الى بنت حمزة. وفي طريقها الحسن بن سماعة، قال الحسن بن

(1) تذهيب الأحكام: ج 8 ص 254 ح 922، وسائل الشيعة: ب 39 أن المرأة إذا... ح 2 ج 16 ص 44.
(2) تذهيب الأحكام: ج 8 ص 254 ح 924، وسائل الشيعة: ب 39 أن المرأة إذا... ح 3 ج 16 ص 44، مع اختلاف.
(3) استبصار: ج 4 ص 24 ح 78 وذيله مع اختلاف.

[ 62 ]

سماعة: هذه الرواية تدل عن ان المرأة ترث الولاء ليست كما تروي العامة (1). قال الشيخ - رحمه الله -: هذا الخبر يدل على ان البنت ترث من ميراث المولى كما يرث الابن، وهو الأظهر من مذهب أصحابنا، وذلك خلاف ما قدمناه في كتاب العتق: من ان الميراث لأولاد المولى للذكور منهم دون الاناث، فان لم يكونوا ذكورا كان للعصبة، لأن في هذا الخبر مع وجود العصبة اعطاء المال للبنت. والوجه في الأخبار التي ذكرناها هناك أن نحملها على التقية، لأنها موافقة للعامة، هذا إذا كان المعتق رجلا، فأما إذا كان المعتق امرأة فلا خلاف بين الطائفة ان الميراث للعصبة دون الأولاد، ذكورا كانوا أو اناثا، وقد دللنا عليه فيما تقدم (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ملك من يعتق عليه بعوض أو بغير عوض عتق عليه وكان ولاؤه له، لعموم الخبر (3). ولما رواه صدق عن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يملك ذا رحمه هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده؟ قال: لا يصلح له بيعه ولا يتخذه عبدا وهو مولاه وأخوه في الدين، وأيهما مات ورثه صاحبه، إلا أن يكون له وارث أقرب إليه منه (4). وتبعه ابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح ولا مستقيم، لأنا قد بينا انه لا خلاف بين أصحابنا في ان الولاء يستحقه المتبرع بالعتق دون غيره، وأيضا قول الرسول

(1) الاستبصار: ج 4 ص 172 - 173 ح 652 مع اختلاف.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 172 ذيل الحديث 652.
(3) المبسوط: ج 6 ص 71.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 135 ح 3500، وسائل الشيعة: ب 13 كراهة تملك ذوي الارحام... ح 5 ج 16 ص 16.
(5) الوسيلة: ص 343.

[ 63 ]

- صلى الله عليه وآله - المجمع عليه: (ان الولاء لمن أعتق) وهذا ما اعتق بغير خلاف، لأنه انعتق عليه بغير اختياره، فان أراد شيخنا بقوله: (لعموم الخبر) هذا الخبر الذي ذكرناه فهو بالضد من مراده واستشهاده (1). وقول ابن إدريس لا بأس به، وهو المعتمد، وهو قول ابن الجنيد، فانه جعل من أقسام السائبة الذي لا ولاء للمعتق عليه، كل ذي رحم عتق على قريبه فيحكم الله انه اعتق، وهو نظير العتق في الواجب لا ولاء لقريبه عليه. مسألة: قال الشيخ وفي المبسوط: المدبر يثبت عليه الولاء بلا خلاف، وكذلك أم الولد (2). وتبعه ابن حمزة (3). وقال ابن إدريس: قوله: (في المدبر) صحيح لا خلاف عندنا فيه، وأما أم الولد فلا ولاء عليها لأحد من جهة مولاها، لما قدمناه من الأدلة وبيناه (4). والذي قاله ابن إدريس هو المعتمد، لأنها تعتق من نصيب ولدها عندنا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: قد ذكرنا في النسب ان من يتفرع منه العصبة نفسان أب وابن كذلك ها هنا في الولاء الذي يتفرع منه العصبة أب المولى وابن المولى، فابن المولى والأب يرثان معا من الولاء، لأنهما في درجة واحدة، وعند المخالفين ان الابن أولى (5). وقال ابن الجنيد: وابن المعتق إذا كان رجلا أحق بولاء من أعتقه أبوه من أبي المعتق وولده. وقال ابن حمزة: والولاء للمعتق مادام حيا، رجلا كان أو امرأة، فإذا

(1) السرائر: ج 3 ص 25.
(2) المبسوط: ج 6 ص 71 و (3) الوسيلة: ص 343 - 344.
(4) السرائر: ج 3 ص 26.
(5) المبسوط: ج 4 ص 94.

[ 64 ]

مات وكان رجلا كان ذلك لولده الذكور دون الاناث، والأب يقاسمه على رواية (1). والحق ما قاله الشيخ. لنا: ان الولاء لحمة كلحمة النسب فتشاركا في الحكم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): الجد والأخ يستويان، وهما بمنزلة أخوين في الولاء يتقاسمان المال. وهو المشهور عند علمائنا. وقال ابن الجنيد: الجد من قبل الأب أولى بالولاء من الأخ، وهو قول الزهري، وأبي ثور. والحق ما قاله الشيخ، لقوله - عليه السلام - (الولاء لحمة كلحمة النسب) (4) ولأنهما يدليان بالاب فتساويا (5) في الحكم. مسألة: المشهور بين علمائنا ان المعتق لا يرث المعتق، قاله الشيخ وادعى عليه الاجماع من الفرقة، واستدل عليه أيضا بقوله - عليه السلام -: (الولاء لمن أعتق) وهذا ما أعتق (6). وقال الصدوق: إذا ترك الرجل مولى منعما [ أو منعما ] عليه ولم يترك وارثا غيره فالمال له، فان ترك موالي منعمين أو منعما عليهم رجالا ونساء فالمال بينهم، للذكر مثل حظ الانثيين، فان ترك بني وبنات مولاه المنعم أو المنعم عليه ولم يترك وارثا غير هم فالمال لبني وبنات مولاه، للذكر مثل حظ الانثيين،

(1) الوسيلة: ص 344.
(2) المبسوط: ج 6 ص 71. (3) الخلاف: ج 4 ص 81 المسألة 87.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 255 ح 926، وسائل الشيعة: ب 42 انه لا يصح بيع الولاء... ح 2 ج 16 ص 47.
(5) ق 2: فيتساويا.
(6) الخلاف: ج 4 ص 84 المسألة 91.

[ 65 ]

لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، ومتى خلف وارثا من ذوي الأرحام من قرب نسبة أو بعد وترك مولاه المنعم أو المنعم عليه فالمال للوارث من ذوي الأرحام، وليس للمولي شئ (1). وقال ابن الجنيد: والمولى الأسفل يرث عتقه إذا لم يخلف الذي عتقه وارثا غيره. والوجه ما قاله الشيخ، والدليل ما تقدم. مسألة: في عبارات بعض أصحابنا ان الولاء موروث كالمال، ونص ابن الجنيد على خلافه، فانه قال: وإذا مات المعتق وكان رجلا وخلف ابنين والمعتوق حيا كان ولاؤه للابنين، فان مات أحد هما وخلف ابنا ثم مات المعتوق لم يكن لابن ابن معتقه من الولاء والميراث شئ، وكان لابن المعتق الباقي وحده. وقال الشيخ في الايجاز: الولاء لا يورث مع بقاء من يرثه في درجته، مثل أن يكون للمعتق ولدان ذكران فما داما حيين كان الولاء لهما، فان مات أحد هما وخلف أولادا كان الباقي للباقي من الولدين دون ولد الولد، لأنه لا يرث مع الولد للصلب ولد الولد (2). والأقرب عندي ان الولاء غير موروث بل يحصل الارث به، وانه لا ينتقل كالنسب، لقوله - عليه السلام -: (الولاء لحمة كلحمة النسب) (3) وكما لا ينتقل النسب ولا يورث بل يورث به كذا الولاء. والفائدة تظهر فيما صوره ابن الجنيد، فمن قال: الولاء يورث به ولا يورث كان الميراث للابن دون ابن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 305 - 306.
(2) الايجاز (الرسائل العشر): ص 278، وفيه: (كان الولاء للباقي من الوالدين).
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 255 ح 926، وسائل الشيعة: ب 42 انه لا يصح بيع الولاء... ح 2 ج 16 ص 47.

[ 66 ]

الابن، ومن قال: إنه موروث كان ميراث المعتق نصفين بين الابن وابن الابن، لأن المنعم مات وله ابنان فورثا الولاء بالسوية، فإذا مات احد هما وخلف ابنا انتقل ما يستحقه أبوه من الولاء، وهو نصفه الى ابنه، وكان الولاء مشتركا بين العم وابن الأخ، وباقي مباحث الولاء تذكر في الميراث إن شاء الله تعالى. مسألة: ظاهر كلام الشيخ (1)، والصدوق (2)، وجماعة من علمائنا يقتضي اشتراط الشهادة في التبري من ولاء المعتق تبرعا. وظاهر كلام ابن الجنيد يقتضي المنع، وهو المعتمد. لنا: ان المراد بالشهادة في جميع العقود والأحكام ثبوتها عند الحاكم، لا وقوعها في أنفسها، عدا الطلاق عندنا، فكذا هنا. والشيخ عول على ما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من أعتق رجلا سائبة فليس عليه من جريرته شئ، وليس له من الميراث شئ، وليشهد على ذلك (3). وعن أبي الربيع قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن السائبة، فقال: الرجل يعتق غلامه ويقول له: اذهب حيث شئت، وليس لي في ميراثك شئ، ولا علي من جريرتك شئ، ويشهد على ذلك شاهدين (4). والجواب: ليس في الحديثين دلالة على الاشتراط.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 26.
(2) المقنع: ص 160.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 256 ح 928، وسائل الشيعة: ب 43 ان المعتق واجبا سائبة... ح 4 ج 16 ص 49.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 256 ح 929، وسائل الشيعة: ب 43 إن المعتق واجبا سائبة... ح 2 ج 16 ص 48.

[ 67 ]

الفصل الثالث في التدبير مسألة: قال الشيخ في النهاية (1)، وشيخنا المفيد في المقنعة (2): التدبير أن يقول الرجل لعبده أو أمته: أنت رق في حياتي حر أو حرة بعد وفاتي. وقال ابن أبي عقيل: التدبير أن يقول الرجل لعبده أو لأمته: أنت مدبرة في حياتي وحرة بعد وفاتي. وقال ابن الجنيد: والذي نختار للسيد إذا أراد تدبير عبده بعد موته أن يقول بمشهد من يجب الحقوق بشهادته: إني قد اعتقت فلانا أو حررته عن دبر مني أو هو حر إذا مت أو عند موتي أو متى ما مت أو إذا حدث في حدث الموت ليكون مصرحا بعتاقه، وذلك احوط من أن يقول: قد دبرت عبدي أو هو مدبر، لأن ذلك يحتمل غير العتق. وقال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): التدبير أن يعلق عتق عبده بوفاته فيقول: متى مت أو إذا مت فأنت حر. وكذا قال أبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 32.
(2) المقنعة: ص 550. (3) الخلاف: ج 6 ص 409 المسألة 1.
(4) المبسوط: ج 6 ص 167.
(5) الكافي في الفقه: ص 319.
(6) الوسيلة: ص 345 - 346.

[ 68 ]

وقال ابن إدريس: لا حاجة بنا الى أن نقول: أنت رق في حياتي، لأنه لو لم يقل ذلك وقال: أنت حر بعد وفاتي كان ذلك كافيا (1). والشيخ - رحمه الله - لم يقصد هو ولا شيخنا المفيد اشتراط ذلك في قوله كما توهمه ابن إدريس، ولهذا قال في المبسوط والخلاف ما نقلناه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: أنت مدبر أو مكاتب لا يتعلق به كتابة ولا تدبير، وان نوى ذلك، بل لا بد أن يقول في التدبير: فإذا مت فانت حر أو أنت حر إذا مت، وفي الكتابة: إذا أديت الي مالي فأنت حر، فمتى لم يقل ذلك لم يكن شيئا (2). وقال في المبسوط: صريح التدبير أن يقول: إذا مت فأنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق، غير انه لا بد من النية عندنا، فأما إن قال: أنت مدبر، فقال بعضهم: هو كناية، و كذلك لقول إذا قال: كاتبتك على كذا قال قوم: هو صريح، وقال آخرون: هو كناية. والأول أقوى، وان كان عندنا يحتاج الى نية (3). وظاهر كلام ابن الجنيد انعقاده بقوله: أنت مدبر مع النية. وقال ابن البراج: صفته أن يقول الانسان لمملوكه: أنت رق في حياتي وحر لوجه الله تعالى بعد وفاتي، فإذا قال هذا القول صح التدبير. وكذا لو قال له: أنت حر لوجه الله تعالى إذا أنا مت أو إن حدث بي حدث الموت أو أنت محرر أو أنت عتيق بعد موتي أو أنت مدبر و يريد بذلك عتقه بعد موته أو ما أشبه ذلك من الألفاظ كان ذلك جاريا مجرى الأول (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 31.
(2) الخلاف: ج 6 ص 409 المسألة 2.
(3) المبسوط: ج 6 ص 167.
(4) المهذب: ج 2 ص 365 - 366.

[ 69 ]

وهذا يدل على ان قوله: أنت مدبر صريح في التدبير، وهو المعتمد. لنا: انه اللفظ الموضوع له المختص به فكان صريحا فيه. وقول الشيخ في الخلاف ليس بجيد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى أراد المدبر بيعه من غير أن ينقض تدبيره لم يجز له، إلا أن يعلم المبتاع انه يبيعه خدمته، وانه متى مات هو كان حرا لا سبيل له عليه (1). وقال ابن أبي عقيل: وليس للمدبر أن يبيع، إلا أن يشترط على المشتري عتقه، وإذا أعتقه المشتري فالولاء لمن أعتق وله أن يبيع خدمته، فإذا مات المدبر فالمدبر حر. وقال الصدوق: وإذا أعتق الرجل غلامه أو جاريته على دبر منه ثم يحتاج الى ثمنه فليس له أن يبيعه، إلا أن يشترط على الذي يبيعه اياه أن يعتقه عند موته (2). وقال ابن الجنيد: وعن أمير المؤمنين - عليه السلام - ان رسول الله - صلى الله عليه وآله - باع خدمة المدبر ولم يبع رقبته، ولا بأس عندنا ببيع رقبة المتطوع بتدبيره إذا احتاج السيد الى ثمنه، لحديث جابر. فأما المدبر عن نذر قد كان ما نذر فيه ووجب على السيد تدبيره، فلا يجوز بيع رقبته، وانما يباع من هذا خدمته مدة حياة سيده، والأحوط أن يبتاع ذلك منه بمكاتبة أو غير ها. ولا أختار بيع المتطوع بتدبيره وخدمته، والواجب تدبيره في دين أو غيره، إلا إذا لم يف ملك السيد بدينه ولم يكن به غنى عن بيعه. ولو باع خدمة مدبره من نفسه لم يسقط ما وافقه عليه بموت السيد، فان كان مال حال وجب عند موته، وان

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 33 - 34.
(2) المقنع: ص 157.

[ 70 ]

كان منجما كان للورثة على نجومه كالكتابة. وقال المفيد: ولمالك العبد أن يبيعه بعد التدبير له، غير انه متى مات البائع صار حرا لا سبيل للذي ابتاعه عليه (1). وقال ابن البراج في المهذب: يجوز لسيد المدبر أن يبيع خدمته، [ و ] إذا ثبت على تدبيره ولم يرجع عنه فيشتري المشتري كذلك فيخدمه أيام حياته الذي دبره، فإذا مات عتق من الثلث (2). وقال في الكامل: ومن دبر مملوكه وأراد بيعه لم يجز له ذلك، إلا أن ينقض تدبيره، أو يعلم المشتري انه يبيع خدمته، وانه متى مات هو كان حرا لا سبيل له عليه. وقال أبو الصلاح: ويجوز بيعه في حال تدبيره، فإذا مات مدبره تحرر على مبتاعه، فان كان عالما بتدبيره حال ابتياعه والى ان مات مدبره فلا شئ [ له ]، وان لم يعلم رجع الى التركة بما نقد فيه، وان كان باعه بعد ما رجع في تدبيره لم يتحرر بموت مدبره (3). وقال ابن حمزة: وليس له التصرف فيه بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك رجوعا، وإذا أراد ذلك رجع ثم باع أو فعل ما شاء (4). وللشيخ قول آخر في الخلاف (5) والمبسوط (6): إن بيع المدبر وهبته ووقفه ناقض للتدبير، ولو وهبه كانت الهبة رجوعا في الدبير، سواء أقبضه أولا، وكذا لو أوصى به. ثم قال في الخلاف: إذا دبر عبدا ثم أراد بيعه والتصرف فيه كان له ذلك إذا نقض تدبيره، فان لم ينقض تدبيره لم يجز بيع رقبته، وانما يجوز له بيع خدمته

(1) المقنعة: ص 551.
(2) المهذب: ج 2 ص 366.
(3) الكافي في الفقه: ص 319 مع اختلاف.
(4) الوسيلة: ص 346.
(5) الخلاف: ج 6 ص 410 و 412 المسألة 4 و 6 و 7 (6) المبسوط: ج 6 ص 171.

[ 71 ]

مدة حياته (1). وقال في المبسوط أيضا: لو جني المدبر فان اختار سيده تسليمه للبيع فان استغرق الأرش قيمته بيع فيها وبطل التدبير، وان كان الأرش لا يستغرق قيمته ولم يمكن بيع بعضه بيع كله والفضل لسيده، وان بيع بعضه كان الباقي مدبرا، وكل موضع زال ملكه عنه زال التدبير. وروى أصحابنا ان التدبير باق إذا مات السيد يعتق في ملك المشتري، وينبغي أن يبيعه بهذا الشرط، ومتى عاد إليه ملكه بعد ذلك بميراث أو غيره فهل يعود حكم التدبير أو لا؟ قال قوم: يعود تدبيره، وان كان لم ينقص تدبيره فالتدبير باق، لأن عندنا يصح بيع خدمته دون رقبته مدة حياته (2). وقال ابن إدريس: حقيقة البيع في عرف الشرع يقتضي بيع الرقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللفظ عن حقيقته بلا دلالة، بل شروعه في بيعه يقتضي الرجوع عن التدبير الذي هو عندنا بمنزلة الوصية، وهذا الذي يقتضيه اصول مذهبنا، وهو مقالة السيد المرتضى ذكره في مسائل الناصريات. فأما إن كان التدبير غير واجب فيمكن بيعه على جهة الصلح، فيكون الصلح على منافعه مدة حياة من دبره، ولا يمتنع أن يسمى هذا الصلح على المنافع في هذا الموضع بيعا (3). والمعتمد جواز بيعه، وانه مع البيع يبطل التدبير. لنا: انه وصية بالعتق في الحقيقة، وكل وصية يجوز الرجوع فيها اجماعا وينقض بالاخراج عن ملك الموصي اجماعا. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - وقد سئل

(1) الخلاف: ج 6 ص 411 المسألة 5.
(2) المبسوط: ج 6 ص 172، مع اختلاف.
(3) السرائر: ج 3 ص 31 - 32.

[ 72 ]

عن رجل مملوكا له ثم احتاج الى ثمنه، قال: فقال: هو مملوكه إن شاء باعه، وان شاء أعتقه، وان شاء أمسكه حتى يموت، فإذا مات السيد فهو حر من ثلثه (1). وفي الحسن عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المدبر، قال: هو بمنزلة الوصية يرجع فيها متى شاء (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: رجل دبر مملوكه ثم يحتاج الى الثمن، قال: إذا احتاج الى المثن فهو له يبيع إن شاء، وان أعتق فذلك من الثلث (3). احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحد هما - عليهما السلام - في الرجل يعتق غلامه وجاريته عن دبر منه ثم يحتاج الى ثمنه أيبيعه؟ فقال: لا إلا أن يشترط على الذي يبيعه اياه أن يعتقه عند موته (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - مثله (5). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن العبد والأمة يعتقان عن دبر، فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء، وليس له أن

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 259 ح 943، وسائل الشيعة: ب 1 جواز بيع المدبر... ح 1 ج 16 ص 71.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 258 ح 939، وسائل الشيعة: ب 2 انه يجوز الرجوع... ح 1 ج 16 ص 73 وفيهما: (عن التدبير، فقال: هو بمنزلة الوصية يرجع فيما شاء منها).
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 263 ح 958، وسائل الشيعة: ب 1 جواز بيع المدبر... ح 7 ج 16 ص 72.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 263 ح 959، وسائل الشيعة: ب 1 جواز بيع المدبر... ح 6 ج 16 ص 72.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 263 ح 960، وسائل الشيعة: ب 1 جواز بيع المدبر... ذيل الحديث 6 ج 16 ص 72.

[ 73 ]

يبيعه، إلا أن يشاء العبد أن يبيعه قدر حياته، وله أن يأخذ ماله إن كان له مال (1). وعن القاسم بن محمد، عن علي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته، قال: إن أراد بيعها باع خدمتها مدة حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، وان ولدت أولادا فهم بمنزلتها (2). وعن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - قال: باع رسول الله - صلى الله عليه وآله - خدمة المدبر ولم يبع رقبته (3). قال الشيخ: الوجه في الجمع بين الأخبار السابقة، وهذه ان المولى إن أراد بيع رقبة المدبر احتاج الى أن ينقض تدبيره، كما أنه إذا أوصى بوصية ثم أراد تغييرها احتاج أن ينقض وصيته، لأنه بمنزلة الوصية، فإذا نقض التدبير جاز له بيع المدبر على كل حال، ومتى لم يرد أن ينقض تدبيره وآثر تركه على حاله جاز له أن يبيع خدمته طول حياته ويشترط ذلك على المشتري، فإذا مات الذي دبره صار حرا (4). وقال في التهذيب: الأخبار الدالة على جواز بيع المدبر انما هو بيع خدمته دون الرقبة، لأنا قد بينا انه ما دام مدبرا لا يملك منه إلا تصرفه مدة حياته، وإذا لم يملك غير ذلك فلا يصح منه بيع سواه، والأخبار الدالة على ان المدبر بمنزلة الوصية، فالمراد ان المدبر أن ينقض التدبير كما له أن ينقض الوصية، فمتى نقضه عاد المدبر الى كونه رقا خالصا فحينئذ يجوز له بيع رقبته كما يجوز له بيع من عداه من المماليك، ومتى لم ينقض التدبير وأراد بيعه لم يجز له أن يبيع إلا

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 264 ح 962، وسائل الشيعة: ب 3 جواز اجارة المدبر ح 2 ج 16 ص 74.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 264 ح 963، وسائل الشيعة: ب 3 جواز اجارة المدبر ح 3 ج 16 ص 74.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 260 ح 945، وسائل الشيعة: ب 3 جواز اجارة المدبر ح 4 ج 16 ص 74.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 29 ذيل الحديث 100، مع اختلاف.

[ 74 ]

الخدمة (1). وهذا الذي ذكره الشيخ ليس بجيد، لما بيناه من ان التدبير وصية، وانها تبطل بالخروج عن ملكه، وبيع المنافع لا يصح، لعدم كونها أعيانا، وعدم العلم بها وبمقدارها، بل الوجه في الجمع أن يحمل المنع من بيع المدبر على ما إذا كان التدبير واجبا فهنا لا يجوز بيعه، لما فيه من مخالفة النذر. ويحمل بيع الخدمة على الاجارة، فانها في الحقيقة بيع المنافع مدة معينة، ويريد ببيع الخدمة مدة حياته ان له أن يؤجره مدة معينة، فإذا انقضت المدة جاز له أن يؤجره اخرى، وهكذا مدة حياته. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا دبر الرجل جارية وهي حبلى فان علم بذلك كان ما في بطنها بمنزلتها يكون مدبرا، فان لم يعلم بحبلها كان الولد رقا ويكون التدبير ماضيا في الجارية، فان حملت بعد التدبير وولدت أولادا كان أولادها بمنزلتها مدبرين (2)، فمتى مات الذي دبر أمهم صاروا أحرارا من الثلث، فان زاد الثلث (3) استسعوا في الباقي، فإذا أدوا انعتقوا، وليس للمولى أن ينقض تدبير الأولاد وانما له نقض تدبير الام فحسب (4). وتبعه ابن البراج (5). والبحث هنا يقع في موضعين: الأول: لو دبر الحبلي هل يسري الى الحمل؟ نص في النهاية عليه مع علمه بالحبل، وإلا فلا. وتبعه ابن البراج على ذلك.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 263 ذيل الحديث 958، مع اختلاف.
(2) في المصدر: بمنزلتها يكونون مدبرين.
(3) في المصدر: فان زاد ثمنهم على الثلث.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 34 - 35.
(5) المهذب: ج 2 ص 367، وفيه: (فان لم يعلم بحبلها كان التدبير لهما...).

[ 75 ]

وقال ابن الجنيد: لو دبرها وهو لا يعلم انها حامل ولم يذكر تدبيره ما في بطنها لم يتعدها التدبير، وهو يشعر بموافقته للشيخ، وكذا ابن حمزة (1) وافق الشيخ أيضا وللشيخ - رحمه الله - قول في المبسوط والخلاف. قال في المبسوط: إذا دبرها وهي حامل بولد مملوك فهي مدبرة، وحملها مدبر يتبعها عند المخالف. وروى أصحابنا ان الولد لا يكون مدبرا (2). وفي موضع آخر منه: إذا دبر حمل جاريته صح ويكون مدبرا دون امه، ولو دبرها كانت مدبرة هي وولدها عند المخالفين، وقد بينا أن عندنا في الطرفين على حد واحد لا يتبعها ولا تتبعه (3). وقال في الخلاف: إذا دبرها وهي حامل بمملوك لم يدخل الولد في التدبير (4). وأطلق في الكتابين ولم يفصل الى العالم وغيره. وقال ابن البراج: وإذا دبر أمته وهو لا يعلم انها حامل ولم يذكر في تدبيره ما في بطنها كان التبدير لهما، وكذلك إن حدث الحمل بعد التدبير كانا جميعا مدبرين، ويعتقان معا من الثلث (5). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا ان ما في بطنها لا يكون مدبرا مثلها، لأنه ما دبره والتدبير حكم شرعي يحتاج في اثباته الى دليل شرعي، ولا يرجع في مثل هذا الى أخبار الآحاد (6). والمعتمد ان الأولاد رق، سواء علم المدبر أو لا، إلا أن يدبرهم بالمباشرة. لنا: الأصل بقاء الملك، واستصحاب الحال فيه السالم عن معارضة التدبير، لأنه يتناول الام، وهو لا يدل على تناوله للولد، لعدم صدق اسمها

(1) الوسيلة: ص 346. (2) المبسوط: ج 6 ص 176.
(3) المبسوط: ج 6 ص 178.
(4) الخلاف: ج 6 ص 416 المسألة 15.
(5) المهذب: ج 2 ص 367.
(6) السرائر: ج 3 ص 32.

[ 76 ]

عليه، وعدم دلالته عليه بشئ من الدلالات الثلاث. وما رواه الشيخ في الموثق عن عثمان بن عيسى الكلابي، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدر المرأة المولود مدبر أو غير مدبر (1)، فقال لي: متى كان الحمل بالمدبرة أقبل إن دبرت أو بعد ما دبرت؟ فقلت: لست أدري، ولكن أجبني فيهما جميعا، فقال: إن كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وان كان انما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير امه (2). احتج الشيخ بما رواه الحسن بن علي، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن رجل دبر جارية وهي حبلى، فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وان كان لم يعلم فما في بطنها رق (3). ورواه الصدوق في الصحيح عن الحسن بن علي الوشا، عن الرضا - عليه السلام - (4). والجواب: الحمل على ما إذا دبر الحمل مع الام. الثاني: لو حملت بعد التدبير ثم رجع في تدبير الام قال الشيخ: لم يكن له نقض التدبير في الأولاد (5).

(1) في المصدر: المولودة مدبرة أو غير مدبرة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 260 ح 947، وسائل الشيعة: ب 5 أن أولاد المدبرة... ح 2 ج 16 ص 76.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 260 ح 946، وسائل الشيعة: ب 5 أن أولاد المدبرة... ح 3 ج 16 ص 76.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 121 ح 3460، وسائل الشيعة: ب 5 أن أولاد المدبرة... ذيل الحديث 3 ج 16 ص 76.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 34.

[ 77 ]

وكذا قال في الخلاف: لو دبر أمته ثم حملت بمملوك من غيره بعد التدبير كان الولد مثل امه ينعتقون بموت سيدها، وليس له نقض تدبير هم، وانما له نقض تدبير الام. واستدل عليه باجماع الفرقة (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقال ابن الجنيد: ولو أراد السيد فسخ التدبير عن الأب لم يكن فسخه ذلك عنه اخراجا لولده من التدبير. وهو جيد. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا ان له الرجوع في تدبير هم أيضا كالأم (4). وهو المعتمد. لنا: ان التدبير وصية، وكل وصية يصح الرجوع فيها، والمقدمتان اجماعيتان. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا دبر عبده وعليه دين فرارا به من الدين ثم مات كان التدبير باطلا وبيع العبد في الدين، وان دبر العبد في حال السلامة ثم حصل عليه دين ومات لم يكن للديان على المدبر سبيل (5). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: هذا غير واضح، لأن التدبير (6) بمنزلة الوصية يخرج من الثلث، ولا يصح إلا بعد قضاء الديون، فعلى هذا التحرير يباع (7) العبد في

(1) الخلاف: ج 6 ص 416 المسألة 14.
(2) المهذب: ج 2 ص 366 - 367.
(3) الوسيلة: ص 346 وفيه: (وإذا ابتاع المدبر جارية باذن مولاه فأولدها ورجع في التدبير صح في المدبر دون ولده).
(4) السرائر: ج 3 ص 33.
(5) النهاية: ص 553.
(6) في المصدر: لأنه لا خلاف بيننا ان التدبير.
(7) في المصدر: هذا التحرير والتقرير يباع.

[ 78 ]

الدين، ويبطل التدبير على كل حال، سواء دبره في حال السلامة أو فرارا من الدين، وانما هذا خبر واحد أورده ايرادا لا اعتقادا (1). والمعتمد ان التدبير إن كان واجبا بنذر وشبهه لم يكن للديان عليه سبيل، وان كان تبرعا بطل مع استغراق الدين التركة. لنا: على الأول: انه عتق واجب بعد الموت فأشبه المتقدم عليه كسائر الديون، وعلى الثاني: انه وصية فيقدم الدين عليها. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - عن رجل دبر غلامه وعليه دين فرارا من الدين، قال: لا تدبير له، وان كان دبره في صحة منه وسلامة فلا سبيل للديان عليه (2). وفي الصحيح عن الحسين بن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن بيع المدبر، قال: إذا أذن في ذلك فلا بأس به، وان كان على مولى العبد دين فدبره فرارا من الدين فلا تدبير له، وان كان دبره في صحة وسلامة فلا سبيل للديان عليه ويمضي تدبير (3). والجواب: الحمل على ما قلناه: من انه واجب بنذر وشبهه، فإذا كان من سلامة من الدين لم يكن للديان عليه سبيل، وان لم يكن في سلامة ونذر أن يدبر فرارا من الدين لم ينعقد نذره، لأنه لم يقصد به الطاعة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا جعل الانسان خدمة عبده لغيره وقال: متى مات من جعل له تلك الخدمة يكون حرا كان ذلك صحيحا، فمتى مات

(1) السرائر: ج 3 ص 33.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 261 ح 949، وسائل الشيعة: ب 9 ان من دبر مملوكه... ح 2 ج 16 ص 79.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 261 ح 950، وسائل الشيعة: ب 9 ان من دبر مملوكه... ح 1 ج 16 ص 79.

[ 79 ]

المجعول له ذلك صار حرا، فان أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته لم يكن لأحد عليه سبيل وصار حرا (1). وتبعه ابن البراج (2)، وهو يدل على جواز التدبير معلقا بحياة غير المالك، وهو ظاهر كلام ابن الجنيد. وصرح ابن حمزة على جوازه فقال: التدبير عتق معلق بموت المعتق أو بموت من جعل سيده خدمته له مدة حياته، ثم قال: فان أبق المدبر بطل التدبير، فان رزق بعد الاباق مالا وأولادا كان الجميع لمولاه، فان مات المولى كان الجميع لورثته، وان دبره وجعل خدمته مدة حياته لنفسه (3) ولغيره وأبق المدبر ولم يرجع إلا بعد وفاة سيده لم يكن عليه سبيل لأحد (4). والظاهر ان الضمير في قوله: (لنفسه) راجع الى العبد. وقال ابن إدريس: قد روي انه إذا جعل الانسان خدمة عبده لغيره وقال: متى مات من جعل له تلك الخدمة يكون حرا كان ذلك صحيحا، فمتى مات المجعول له ذلك صار حرا، وان أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته لم يكن لأحد عليه سبيل وصار حرا، ولا دليل على هذه الرواية وصحتها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، لأن التدبير في عرف الشريعة عتق العبد بعد موت مولاه، والمجعول له الخدمة غير مولاه. وأيضا لو كان التدبير صحيحا لكان إذا أبق أبطل التدبير، لأن عندنا إباق المدبر يبطل التدبير، وفي هذه الرواية انه إن أبق العبد ولم يرجع إلا بعد موت من جعل له خدمته لم يكن لأحد عليه سبيل وصار حرا، وهذا مخالف لحقيقة التدبير. وأيضا فهذا حكم شرعي يحتاج في اثباته الى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك إلا هذه الرواية الشاذة (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 37 - 38.
(2) المهذب: ج 2 ص 373.
(3) في المصدر: حياة لنفسه.
(4) الوسيلة: ص 345 و 346.
(5) السرائر: ج 3 ص 33 - 34.

[ 80 ]

والحق ما اختاره الشيخ. لنا: ان العتق قابل للتأخير كما هو قابل للتنجيز، ومعلوم انه لا تفاوت بين الأشخاص في ذلك، فان العتق إذا قبل التعليق بحياة المعتق الصادر عنه كان قابلا لذلك التعليق أيضا إذا صدر عن غيره، وعدم التفاوت في ذلك معلوم قطعا. وما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يكون له الخادم فقال: هي لفلان تخدمه ما عاش، فإذا مات فهي حرة وتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست سنين ثم يجدها ورثته لهم أن يستخدموها بعد ما أبقت؟ فقال: لا إذا مات الرجل فقد عتقت (1). وقول ابن إدريس: (التدبير في عرف الشرع عتق العبد بعد موت مولاه) ممنوع، بل هو العتق المؤخر، وهو شامل للصورتين، واستدلاله بالملازمة بين صحته وبطلانه على تقدير الاباق ممنوع، والقياس على جعل الخدمة للمدبر باطل، لأنا لا نقول نحن واياه بالقياس، فلا يجوز التمسك به. سلمنا، لكن الفارق موجود، فان الخدمة إذا جعلت للمدبر ثم أبق فقد قابل النعمة بالكفر والاباق فقوبل بنقيض ذلك كالقاتل في العمد في منع التوريث، بخلاف ما إذا جعلت الخدمة للغير. وهذه الرواية دليل شرعي، مع انها صحيحة السند متلقاة بالقبول عمل بها الأكثر من علمائنا، ولم نر لها مخالفها سواه، واعتضادها بالحكمة المناط بها الأحكام الشرعية فلا وجه لردها.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 264 ح 965، وسائل الشيعة: ب 11 انه يجوز تعليق... ح 1 ج 16 ص 81.

[ 81 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: والمدبر لا يجوز أن يعتق في كفارة ظهار ولا في شئ من الواجبات التي على الانسان فيه (1) العتق ما لم ينقض تدبيره، فان نقض تدبيره ورده الى محض الرق جاز له بعد ذلك عتقه فيما وجب عليه (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن إدريس: الحق ان التصرف فيه وإخراجه عن ملكه رجوع عن التدبير، ولا يحتاج الى قوله بأنه نقض تدبيره، والى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه فانه قال: إذا دبره ثم وهبه كان هبته رجوعا في التدبير، سواء أقبضه أو لا (4). والشيخ - رحمه الله - عول على ما رواه عبد الرحمن في الموثق قال: سألته - عليه السلام - عن رجل قال لعبده: إن حدث بي حدث فهو حر وعلى الرجل تحرير رقبة في كفارة يمين أو ظهار أله أن يعتق عبده الذي جعل له العتق إن حدث به حدث في كفارة تلك اليمين؟ قال: لا يجوز للذي جعل له ذلك (5). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل جعل لعبده العتق إن حدث به حدث وعلى الرجل تحرير رقبة واجبة في كفارة يمين أو ظهار أيجزئ عنه أن يعتق عبده ذلك في تلك الرقبة الواجبة عليه؟ قال: لا (6). ولأنه ملك ناقص فلا يجزئ قبل اكماله، وانما يكمل بنقض التدبير.

(1) في المصدر: فيها.
(2) النهاية: ونكتها: ج 3 ص 38.
(3) المهذب: ج 2 ص 373.
(4) السرائر: ج 3 ص 34.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 265 ح 967، وسائل الشيعة: ب 12 حكم عتق المدبر... ح 1 ج 16 ص 82.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 248 ص 900، وسائل الشيعة: ب 9 من كتاب الايلاء والكفارات ح 2 ج 15 ص 558.

[ 82 ]

سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية ان من دبر نصيبه من عبده ثم مات انعتق نصيبه، والقول في نصيب شريكه كالقول في من أعتق عتقا منجزا حقه من عبد، وتلك القسمة التي ذكرناها في عتق الشقص هي ثابتة هنا، والدلالة على المسألتين واحدة (1). وقال الشيخ في الخلاف: إذا كان العبد (2) بين شريكين فدبر أحد هما نصيبه لم يقوم عليه نصيب شريكه (3). وقال أيضا: لو كان للانسان مملوك فدبر نصفه كان صحيحا، ولا يسري الى النصف الآخر (4). وقال ابن البراج: ويجوز له تدبير حصته من مملوكه، فإذا مات الذي دبر حصته في مملوك كان بمنزلة الذي يعتق الحصة (5). وقال ابن إدريس: إذا كان عبد بين شريكين فدبر أحد هما نصيبه لم يقوم عليه نصيب شريكه. وقال السيد المرتضى: حكم التدبير بين الشريكين حكم العتق، سواء من التقويم والسعاية (6). والأول اختيار شيخنا أبي جعفر، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دليل على التقويم، وإلحاقه بحكم العتق يحتاج الى دليل، وهو ضرب من القياس،

(1) الانتصار: ص 173.
(2) في المصدر: عبد.
(3) الخلاف: ج 6 ص 417 المسألة 16.
(4) الخلاف: ج 3 ص 386 المسألة 18.
(5) المهذب: ج 12 ص 368، وفيه: (يعتق الحصة في العبد).
(6) السرائر: ج 3 ص 34.

[ 83 ]

ونحن لا نقول به، والأصل براءة الذمة. وقول الشيخ هنا هو الأجود، عملا بالأصل. مسألة: قد تقدم الخلاف بين علمائنا في ان تصرفات المولى في التدبير من البيع والهبة وغير ذلك إبطال للتدبير، وذكرنا قول الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2) واختياره فيهما ان ذلك إبطال له، وهو اختيار ابن إدريس (3). وقال ابن حمزة: لا يكون ذلك رجوعا (4). والحق الأول: لما تقدم. وقال ابن الجنيد: وللمدبر عبده أن يرجع في تدبيره الذي تطوع به ببيع وهبة، وأن يجعله مهرا لزوجته. وهو يشعر بما قلناه أيضا. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو قال السيد لعبده: أنت حر يوم أموت وقال: أردت إن مت نهارا دون الليل كان ذلك بالنذر أشبه منه بالتدبير، لأنه لا يوجب له العتق عند موت سيده بكل حال، وكذلك لو قال له: أنت حر بعد موت فلان. ولو جعل له العتق بعد وقت من موت سيده كان ذلك وصية بعتقه في معنى التدبير. والوجه ان الأول تدبير، فان مات نهارا صح، وإلا فلا. ولو جعل له العتق بعد وقت من موت سيده كان باطلا، لأنه عتق معلق على وصف. قال: ولو قال: إذا بنيت الدار أو قدم فلان فأنت حر مني كان نذرا للتدبير لا تدبير، فإذا كان ذلك الشئ صار العبد مدبرا. والوجه بطلان ذلك إن علق العتق بالشرط أو التدبير به، وقد أجمع علماؤنا على بطلان التدبير المعلق على الشرط ونص الشيخ على بطلان التدبير المعلق بالشرط (5) أيضا.

(1) الخلاف: ج 6 ص 410 و 412 المسألة 4 و 6 و 7.
(2) المبسوط: ج 6 ص 171.
(3) السراسر: ج 3 ص 30 و 31 و 32.
(4) الوسيلة: ص 346.
(5) الخلاف: ج 6 ص 410 المسألة 3.

[ 84 ]

ثم قال: ولو قال السيد: إن شاء الله فلان وفلان فعبدي حر بتا أو تدبيرا لم يكن حرا إن شاء أحد هما دون الآخر أو مات ولم تكن منهما جميعا المشيئة لذلك، وكذلك لو قال لعبديه: أنتما حران أو مدبران إن قدم فلان أو بعد موتي فمات أحد هما بطل التدبير عن الآخر. والوجه ما قدمناه من بطلان ذلك كله، لأنه معلق على شرط، وأما قوله في الثانية وهي: (ما لو قال لعبديه: أنتما حران أو مدبران بعد موتي فمات أحد هما بطل التدبير) فليس بجيد، إذ لا يبطل التدبير في أحد هما ببطلانه في الآخر، لأنه لم يجعله شرطا. قال: وأما المدبر عن نذر قد كان ما نذر فيه ووجب على السيد تدبيره فلا يجوز بيع رقبته، وانما يباع من هذا خدمته مدة حياة سيده. والأحوط أن يباع ذلك منه بمكاتبة أو غيرها. ولا أختار بيع المتطوع بتدبيره وخدمة الواجب تدبيره في دين أو غيره إلا إذا لم يف ملك السيد بدينه ولم يكن به غنى عن بيعه، وقد بينا فيما تقدم انه لا يصح بيع الخدمة، فان أراد بذلك الاجارة صح الكلام، وإلا فلا. قال: ولو باع جاريته التي دبرها ما في بطنها من غير أن يستثني ولدها كان بيعه رجوعا من تدبير الحمل. وتبعه ابن البراج (1). وليس بمعتمد، لأن الحمل لا يدخل في بيع الام، إلا أن يشترط المشتري وحينئذ يبطل تدبيره، والا فلا. قال: وإذا قتل المدبر خطأ صالح عنه مولاه، فان أبى دفع الى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبره ثم استسعي في قيمته. والوجه بطلان التدبير بالدفع للاسترقاق.

(1) المهذب: ج 2 ص 367.

[ 85 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وإذا ارتد المدبر فالتدبير بحاله، فان مات أو قتل بطل التدبير، وان لحق بدار الحرب بطل تدبيره عندنا، لما رواه أصحابنا من ان إباق المدبر يبطل تدبيره (1). وفي الخلاف: إذا ارتد المدبر ارتدادا يستتاب لم يبطل تدبيره، فان رجع الى الاسلام كان تدبيره تاما بلا خلاف، وان لحق بدار الحرب بطل تدبيره، لاجماع الفرقة على ان المدبر متى أبق بطل تدبيره، وهذا قد أبق زيادة على ارتداده (2). وقال ابن الجنيد: ولو ارتد المدبر أو لحق بدار الحرب فأسره المسلمون بطل التدبير. وهذا يوهم ان مجرد ارتداده يقتضي بطلان تدبيره، وليس بجيد، عملا بالاستصحاب، ويقتضي أيضا من حيث دلالة المفهوم، وان كانت ضعيفة اشتراط الأسر في اللاحق بدار الحرب فان أراده فهو ممنوع، لأن مجرد الاباق مستقل بالبطلان. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ارتد المسلم ثم دبر مملوكا فان كان ممن يستتاب لم يزل ملكه على ماله وصح تدبيره، وان كان ممن لا يستتاب فانه (3) يجب عليه القتل على كل حال (4). وقال في المبسوط: إذا ارتد أولا ثم دبر عبده فالكلام في ملكه (5) ثم في تصرفه، وفيهما ثلاثة أقوال: أحد ها: باطل، والثاني: صحيح، والثالث: مراعى. قال: ويقوى في نفسي ان ملكه باق، لأنه لا دليل على زواله، وأما تصرفه فانه باطل، لأنه محجور عليه بالردة، فعلى هذا تدبيره باطل (6).

(1) المبسوط: ج 6 ص 173.
(2) الخلاف: ج 6 ص 413 المسألة 8.
(3) في المصدر: زال ملكه و...
(4) الخلاف: ج 6 ص 413 المسألة 10.
(5) في المصدر: فالكلام أولا في ملكه.
(6) المبسوط: ج 6 ص 173 - 174.

[ 86 ]

وقال في كتاب المرتد من الخلاف: إن المرتد عن غير فطرة (1) لا يزول ملكه، وتصرفه صحيح، عملا بالأصل (2). وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يعتبر المدبر من الثلث، فان احتمله عتق (3)، فان لم يكن له مال سواه عتق ثلثه ورق باقيه ولا يقوم عليه ولا على وارثة، وان كان عليه دين فان أبرأه صاحب الدين عتق كله، فان امتنع من ذلك بيع في الدين ويبطل التدبير (4). وفي عتق الجميع إشكال، لأنا إن قلنا: إن الورثة يملكون التركة بالموت ويتعلق الدين بها كتعلقه بالرهن أو لم نقل بذلك بل جعلناها على حكم مال الميت فانه لا يصح التدبير من الجميع، لأن الوصية هنا سلمت من مزاحمة الدين، فلا يمضي منها شئ إلا وللوارث ضعفه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو ادعى الوارث أن أباه كان رجع في التدبير قبل الوفاة فالقول قول المدبر، فان أقام الوارث بينة على الرجوع لم يقبل إلا ذكرين (5). وفيه إشكال. والأقوى قبول رجل وامرأتين، لأنه يدعي مالا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو دبر حمل جارية صح ويكون مدبرا دون امه، فان باع الام وقصد بالبيع الرجوع في التدبير صح البيع، وان لم يقصد بطل البيع عند بعضهم، وقال بعضهم: لا يبطل، وعندنا إن شرط انه يبيع مدبرا صح، فإذا مات السيد عتق، وان باعه عبدا قنا ولم يقصد الرجوع بطل البيع. ولو دبر ما في بطنها أو أعتقه ثم باعها فولدت قبل ستة أشهر من حين التدبير

(1) في المصدر: ان كان عن اسلام قبله كان كافرا.
(2) الخلاف: ج 5 ص 358 المسألة 7.
(3) في المصدر: فان احتمله الثلث عتق.
(4) المبسوط: ج 6 ص 174.
(5) المبسوط: ج 6 ص 175.

[ 87 ]

فالبيع باطل والولد حر أو مدبر، وان ولدت بعد ستة أشهر ففيها قولان: أحد هما: البيع مردود، لأنه باع في وقت هو ممنوع من بيعها فيه ليعرف حال الحمل فوقع باطلا، والثاني: جائز. والأول أصح (1). وهذه الأحكام مشكلة، أما أولا: فلأن البيع يقتضي بطلان التدبير، وقد سلف. وأما ثانيا: فلأنه إذا باعه عبدا قنا ولم يقصد الرجوع لم يبطل البيع، بل يصح إذا قصده وكان مقتضيا لبطلان التدبير. وأما ثالثا: فلان بيعها لا يستلزم بيع ولدها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان العبد بين شريكين فدبر أحد هما نصيبه وأعتق الآخر نصيبه لم يقوم عليه حصة شريكه، لأن لها جهة يعتق بها (2). والأقوى التقويم، لأنه عبد لم يخرج بالتدبير عن الرقية. مسألة: قال ابن البراج: إذا قال له: أنت حر إذا جاءت سنة كذا أو شهر كذا أو شهر كذا أو يوم كذا فحضر الوقت الذي ذكره وهو في ملكه كان حرا، وله أن يرجع في ذلك كله بأن يخرجه من ملكه ببيع أو هبة أو غير ذلك، كما له الرجوع في تدبيره. [ و ] إذا قال له: متى ما قدم زيد فأنت حر أو متى ما صح عمرو من مرضه فأنت حر كان له بيعه قبل قدوم زيد أو أن يبرأ عمرو فان قدم هذا أو برئ هذا من مرضه وهو في ملكه عتق عليه (3). والحق خلاف هذا كله، للاجماع المنعقد بيننا على أن العتق بشرط باطل. مسألة: قال ابن البراج: إذا ارتد المدبر ولحق بدار الحرب ثم عاد الى سيده بالملك الأول فتاب كان على تدبيره، ولو اخذ أسيرا فأخذه سيده قبل القسم أو

(1) المبسوط: ج 6 ص 178، مع اختلاف.
(2) راجع المبسوط: ج 6 ص 180.
(3) المهذب: ج 2 ص 368.

[ 88 ]

بعده كان على تدبيره (1). والوجه بطلان التدبير، لأنه بالإباق يبطل، ولحوقه بدار الحرب إباق وزيادة، فإذا عاد بعد بطلان التدبير لم يعد التدبير. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا دبر مملوكا (2) ثم كاتبه كان ذلك إبطالا للتدبير. وللشافعي (3) قولان: إذا قال: إنه وصية قال مثل ما قلناه، وإذا قال: عتق بصفة لم يبطل، ثم استدل بأنا قد دللنا على انه وصية، وإذا ثبت ذلك ثبت (4)، لأن أحدا لا يخالف فيه مع ثبوته (5). وقال في المبسوط: إذا دبره أولا ثم كاتبه فمن قال: التدبير وصية قال: يكون رجوعا فيه، لأنه وصية، فهو كما لو أوصى بعبده ثم كاتبه، ومن قال: هو عتق بصفة قال: يصير مكاتبا مدبرا (6). وقال ابن الجنيد: ولا بأس بكتابة المدبر، وأي الأمرين سبق عتق بأداء الكتابة أو موت السيد، وإذا مات السيد كان ما بقي عليه من الكتابة دينا لورثته، فان كان السيد أبطل التدبير وجعل الكتابة بدلا منه وشرط عليه بأنه رق إن عجز فعجز كان للورثة، وليس يكون الفسخ للتدبير بالكتابة ما لم يشهد بالفسخ، لأنه قد تصح الكتابة على مدبر. وقال ابن البراج: إذا كاتب السيد مدبره لم يبطل التدبير بالكتابة (7)، فان أدى الكتابة قبل موت سيده عتق وبطل التدبير، وان مات سيده (8) وكان يخرج من الثلث عتق وبطل عنه (9) السعاية، وان لم يخرج من الثلث عتق منه ما خرج

(1) المهذب: ج 2 ص 368.
(2) في المصدر: مملوكه.
(3) في المصدر: لتدبيره وللشافعي فيه. (4) في المصدر: فإذا ثبت ذلك ثبت ما قلناه.
(5) الخلاف: ج 6 ص 415 المسألة 12.
(6) المبسوط: ج 6 ص 175.
(7) في المصدر: بالمكاتبة.
(8) في المصدر: سيده قبل.
(9) في المصدر: وبطلت منه.

[ 89 ]

منه ويبطل (1) من مال الكتابة بقدر ما عتق منه ويسعى فيما (2) بقي، فان مات السيد وليس له من المال غيره ولم يكن أدى من مال (3) الكتابة شيئا عتق منه الثلث وسعى في ثلثي القيمة إن شاء أو ثلثي الكتابة (4). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أن الكتابة والتدبير متنافيان، وقد بينا أن الوصية تبطل بفعل ما ينافيها وأن التدبير وصية وقد تعقبه الكتابة فيبطل. لا يقال: لو تنافيا لم يجتمعا على تقدير تقديم الكتابة، والتالي باطل، لصحته عندكم، فيبطل المقدم. لأنا نقول: الفرق ظاهر، فان الوصية تصح للأجنبي، وأقصى ما تقتضيه الكتابة العتق. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان له عبدان فكاتبهما مكاتبة واحدة على ألف درهم وكل منهما (5) كفيل عن صاحبه ثم دبر أحد هما ومات السيد عتق المدبر ورفعت حصته من المكاتبة وأخذ الوارث بحصة الآخر أيهما شاء، فان أخذ بها المدبر رجع بها على صاحبه (6). وهذا يشعر بجواز كفالة كل من الغريمين لصاحبه بما عليه من المال، وأن المالك يتخير في إلزام أيهما شاء. والمعتمد أن نقول: إن رضي بكفالة كل منهما لصاحبه فلا فائدة في الكفالة، لأن الكفالة بالمال عندنا ناقلة، وإن لم يرض بكفالتهما بل بكفالة أحد هما خاصة كان له مطالبته بجميع الدين وبرئ الآخر منه. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان العبد بين اثنين فدبر أحد هما نصيبه كان نصيبه مدبرا وليس عليه لشريكه قيمة، فان مات فعتق العبد كانت

(1) في المصدر: ويبطل عنه. (2) في المصدر: ما بقي فان.
(3) ليس في المصدر.
(4) المهذب: ج 2 ص 370.
(5) في المصدر: وكل واحد منهما.
(6) المهذب: ج 2 ص 370.

[ 90 ]

بقية القيمة من الثلث، فان لم يكن في الثلث فضل كان مخيرا بين أن يعتق أو يستسعى (1). وليس بجيد، لأن المراد إن كان هو ايجاب التقويم على المدبر إذا انعتق المدبر بعد موته فهو خطأ، لأنه لا يملك بعد موته شيئا، وان كان هو ايجابها على الورثة فليس بصحيح أيضا، لأنهم لم يباشروا العتق. مسألة: قال الشيخ: تدبير الكفار جائز، ذميا كان السيد أو حربيا، كتابيا كان أو وثنيا (2). وقال ابن ادريس: لا يقع التدبير على غضب، ويكون القربة الى الله تعالى هي المقصودة به دون سائر الأغراض، فعلى هذا تدبير الكافر غير جائز (3). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: انا قد بينا فيما سلف صحة عتق الكافر، فتدبيره أولى، لأنه كالوصية. احتج بأن نية القربة شرط، ولا يصح من الكافر. والكبرى ممنوعة. مسألة: جوز الشيخ تدبير العبد الكافر (4). وقال السيد المرتضى: مما انفردت الامامية به ان تدبير الكافر لا يجوز، وقد مضى الكلام في نظير هذه المسألة، لما دللنا على أن عتق الكافر لا يجوز، فان التدبير ضرب من العتق (5). والوجه ما قاله الشيخ، وقد تقدم في العتق. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا دبر الكافر عبده فأسلم العبد فان رجع في تدبيره بيع عليه بلا خلاف، وان لم يرجع في تدبيره بيع عليه، وهو أحد قولي

(1) المهذب: ج 2 ص 370 - 371.
(2) المبسوط: ج 6 ص 182.
(3) السرائر: ج 3 ص 30. (4) المبسوط: ج 6 ص 182.
(5) الانتصار: ص 172.

[ 91 ]

الشافعي: والآخر لا يباع. واحتج باجماع الفرقة على ان العبد إذا أسلم في يد الكافر اعطي ثمنه، وقوله - عليه السلام -: (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه) ولو لم يبع عليه وكان لمولاه عليه طاعة لكان قد علاه وهو كافر، وذلك ينافي الخبر (1). وقال في المبسوط أيضا: إذا دبر الكافر عبده ثم أسلم نظرت، فان رجع السيد في تدبيره بعناه عليه، وان أقام على التدبير قال قوم: يباع عليه، وهو الصحيح عندنا، وقال آخرون: لا يباع (2). وقال ابن البراج: إذا دبر ذمي مملوكة فأسلم المملوك قيل له: إن أردت الرجوع في التدبير بعناه عليك، وان لم ترده حيل بينك وبينه وادي خراجه إليك حتى تموت فيعتق أو تستسعيه ان اتفق معك على ذلك أو ترجع فنبيعه (3). والمعتمد الأول، لما تقدم. مسألة: قال ابن البراج: الحربي إذا دخل دار الاسلام بأمان فدبر عبدا له كان جائزا، وان أراد الرجوع الى دار الحرب لم يمنعه (4) من ذلك، فان أسلم المدبر قيل للحربي: إن رجعت في التدبير بيع عليك ولم يمنع من ذلك، وان لم ترجع خارجناه لك ومنعناك خدمته، وان أردت العود (5) الى بلدك وكلت بخراجه إن شئت من يقبضه، فإذا مت كان حرا، وان اتفقت معه على السعاية سعى لك في قيمته، فان كان التدبير حصل في دار الحرب وخرج مستأمنا والعبد معه فأسلم العبد بيع عليه على كل حال (6). والوجه ما تقدم من انه يباع عليه، ولا فرق بين أن يقع التدبير في دار

(1) الخلاف: ج 6 ص 418 المسألة 20.
(2) المبسوط: ج 6 ص 183.
(3) المهذب: ج 2 ص 371.
(4) في المصدر: لم يمتنعا.
(5) في المصدر: العودة.
(6) المهذب: ج 2 ص 371.

[ 92 ]

الحرب أو دار الاسلام. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ارتد المسلم ثم دبر مملوكا فان كان ممن يستتاب لم يزل ملكه عن ماله وصح تدبيره، وان كان ممن لا يستتاب زال ملكه، فانه يجب عليه القتل على كل حال (1). وقال في المبسوط: إذا ارتد ثم دبر فالكلام أولا في ملكه ثم في تصرفه، وفيهما ثلاثة أقوال: أحدها: باطل، والثاني: صحيح، والثالث: مراعى. ويقوي في نفسي ان ملكه باق، وأما تصرفه فانه باطل، لأنه محجور عليه بالردة، فعلى هذا تدبيره باطل (2). وقد تقدمت هذا المسألة. وقال ابن البراج: وان دبر المرتد مملوكه وتاب قبل أن يحكم الحاكم في ماله جاز تدبيره، وان لحق بدار الحرب أو قتل وقسم ماله كان تدبيره باطلا (3). والوجه أن نقول: إن دبر قبل حجر الحاكم صح، وإلا فلا.

(1) الخلاف: ج 6 ص 413 المسألة 10. (2) المبسوط: ج 6 ص 173 - 174.
(3) المهذب: ج 2 ص 371 - 372.

[ 93 ]

الفصل الرابع في المكاتبة مسألة: قال الشيخ في النهاية: حد العجز في المكاتب المشروط أن يؤخر نجما الى نجم أو يعلم من حاله انه لا يقدر على فك رقبته (1) وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: فان اشترط في الكتاب انك إن عجزت عن الأداء أو ألطت به رجعت عبدا فعجز عن الأداء بعد حلول الأجل أو ألط بالأداء وقد حل الأجل كان عبدا على حاله قبل المكاتبة (3). وهذا يقتضي أن يكون العجز تأخير النجم عن وقته. وقال ابن الجنيد: ولو قال: وعلي انه إن عجز بشئ من مال كتابته (4) ونجومه فهو رق رجع رقا متى عجز عن أداء نجم في وقته أو بعضه إن شاء سيده، فان قال: فان عجز عن نجم من نجومه فبقي عليه بعض النجم الأخير لم يرجع رقا، وكذلك إن تأخر عنه بعض نجم الى أن يؤديه مع الذي يليه. وقال الصدوق: وان كاتب رجل عبدا وشرط عليه إن عجز فهو رد في

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 30.
(2) المهذب: ج 2 ص 376.
(3) المقنعة: ص 551، وفيه: (الططت).
(4) ق 2: المكاتبة، م 3: الكتابة.

[ 94 ]

الرق فله شرطه ينتظر المكاتب ثلاثة أنجم، فان هو عجز رد رقا (1). وقال ابن ادريس: وحد العجز هو: أن يؤخر نجما الى نجم، والأولى أن نقول: أن يؤخر النجم بعد محله، فأما تأخير النجم الى النجم الآخر فعلى جهة الاستحباب الصبر عليه الى ذلك الوقت (2). وهو موافق لما ذكره شيخنا المفيد، وهو أيضا خيرة الشيخ في الاستبصار (3)، وهو المعتمد. لنا: أنه إخلال بالشرط فكان للمولى الفسخ قضية للاشتراط. وما رواه معاوية بن وهب في الصحيح، عن الصادق عليه السلام - الى أن قال: - فقلت له: ما حد العجز؟ فقال: إن قضاتنا يقولون: إن عجز المكاتب أن يؤخر النجم الى النجم الآخر حتى يحول عليه الحول، قلت: فما تقول أنت؟ فقال: لا ولا كرامة، ليس له أن يؤخر نجما عن أجله إذا كان ذلك في شرطه (4). وفي الصحيح عن معاوية بن وهب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مكاتبة أدث ثلثي مكاتبتها وقد شرط عليها إن عجزت فهي رد في الرق ونحن في حل مما أخذنا منها وقد اجتمع عليها نجمان، قال: يرد ويطيب لهم ما أخذوا، وقال: ليس لها أن تؤخر النجم بعد حلة شهرا واحدا إلا باذنهم (5).

(1) المقنع: ص 158.
(2) السرائر: ج 3 ص 27.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 35 ذيل الحديث 117.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 265 - 266 ح 968، وسائل الشيعة: ب 5 ان حد عجز المكاتب... ح 1 ج 16 ص 88 - 89.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 266 ح 971، وسائل الشيعة: ب 5 ان حد عجز المكاتب... ح 2 ج 16 ص 89.

[ 95 ]

احتج الشيخ بما رواه اسحاق بن عمار، عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - ان عليا - عليه السلام - كان يقول: إذا عجز المكاتب لم ترد مكاتبته في الرق، ولكن ينتظر عاما أو عامين فان قام بمكاتبته وإلا رد مملوكا (1). واحتج الصدوق بما رواه جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن المكاتب يشترط عليه إن عجز فهو رد في الرق فعجز قبل أن يؤدي شيئا، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: لا يرده في الرق حتى يمضي له ثلاث سنين ويعتق منه مقدار ما أدى، فأما إذا صبروا (2) فليس لهم يردوه في الرق (3). وقد روى القاسم بن سليمان، عن الصادق - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - كان يستسعي المكاتب انهم (4) لم يكونوا يشترطون إن عجز فهو رقيق، وقال أبو عبد الله - عليه السلام -: لهم شرطهم، وقال: ينتظر بالمكاتب ثلاثة أنجم، فان هو عجز رد رقيقا (5). والجواب: الحمل على الاستحباب وضعف السند. مسألة: منع السيد المرتضى في الانتصار (6). وقواه الشيخ في المبسوط (7) من كتابة العبد الكافر، واستدل عليه بمثل ما استدل على منع عتقه وتدبيره من

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 66 ح 972، وسائل الشيعة: ب 4 ان المكاتب المطلق... ح 13 ج 16 ص 87 - 88.
(2) في المصدر: ما أدى صدرا فإذا ادى صدرا فليس.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 125 ح 3470، وسائل الشيعة: ب 4 ان المكاتب المطلق... ح 14 ج 16 ص 88.
(4) في التهذيب: يستسعي المكاتب لأنهم.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 267 ح 974، وسائل الشيعة: ب 4 إن المكاتب المطلق... ح 9 ج 16 ص 86 - 87.
(6) الانتصار: ص 174. (7) المبسوط: ج 6 ص 130.

[ 96 ]

ان في تحريره تسليطا على مكاره أهل الدين والايمان، وبقوله تعالى: (فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا) (1)، وليس المراد المال أو حسن التكسب فانه لا يسمى الكافر والمرتد إذا كانا موسرين بأن فيهما خيرا ويسمى ذو الايمان خيرا، وان لم يكن موسرا فالحمل على ما ذكرناه أولى. ولو تساوت المعاني في الاحتمال لوجب الحمل على الجميع. والوجه الجواز، وقد تقدم في عتق الكافر. الخير لو حمل على الدين لم يكن منافيا للجواز، لأن الأمر بكتابته مع الصلاح، والايتاء من مال الله لا يمنع من كتابة الكافر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مات هذا المكاتب - يعني: المشروط عليه - وخلف مالا وأولادا كان ما تركه لمولاه دون غيره وكان أولاده مماليك له. وان مات المكاتب المطلق وترك مالا وأولادا ورثه مولاه بقدر ما بقي من العبودية وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا، فان كان المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من أمة له كان حكم ولده حكمه في انه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه، فان أدى الابن ما كان قد بقي على أبيه صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، وان لم يكن له مال استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه فمتى أداه صار حرا (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال المفيد وان مات المكاتب المطلق وله مال وولد أحرار ورثوا منه بحساب الحرية فيه، وكذلك إن مات وله قرابة حر ورث منه بحساب الحرية فيه (4).

(1) النور: 33.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 30 - 31.
(3) المهذب: ج 2 ص 375 - 376.
(4) المقنعة: ص 551.

[ 97 ]

وقال الشيخ في الخلاف: إذا مات المكاتب المشروط عليه وخلف تركة فان كان فيها وفاء لما عليه وفي منه (1) ما عليه وكان الباقي لورثته، وان لم يكن فيه (2) وفاء كان ما خلفه لمولاه، لأن ذلك عجز عن الأداء، وان كان له أولاد من مملوكة له كان حكمهم حكمه، وان وفى ما عليه انعتقوا، وان عجزوا (3) عن ذلك كانوا مماليك لسيد أبيهم، وان كانت المطلقة (4) ورث بحساب ما أدى منه ورثته وبحساب ما بقي للسيد (5). وقال في المبسوط: إذا كان مشروطا عليه انفسخت الكتابة (6) وما خلفه لسيده، وان كانت مطلقة وقد أدى بعضه كان لسيده بحساب ما بقي من الرق وللورثة بحساب ما تحرر منه، وقد روي انهم يؤدون ما بقي عليه وتحرر كله وما يبقى فلهم (7). وقال الصدوق: فان مات مكاتب وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جارية وترك مالا فان ابنه يؤدي ما بقي من (8) مكاتبة أبيه ويعتق ويورث (9) ما بقي (10). ولم يفصل الى المشروط والمطلق هنا. وقال ابن الجنيد: ولو مات هذا المكاتب لم يكن للسيد إلا بقية مكاتبته وكان الباقي في ديونه ووصاياه ولورثته. ولم يفصل أيضا. ثم قال بعد ذلك: ولو أدى المكاتب بعض كتابته ثم مات وترك مالا كثيرا وولدا أدى عنه بقية مكاتبته وما بقي ميراث لولده، فان عجز ما خلفه عن قدر ما بقي عليه ولم يكن شرط عليه الرق إن عجز كان ما خلفه بين المولى

(1) في المصدر: منها.
(2) في المصدر: منها.
(3) في المصدر: عجز.
(4) في المصدر: مطلقة.
(5) الخلاف: ج 6 ص 394 المسألة 18.
(6) في المصدر: المكاتبة.
(7) المبسوط: ج 6 ص 91.
(8) في المصدر: يؤدي عنه ما بقي.
(9) في المصدر: ويرث.
(10) المقنع: ص 159.

[ 98 ]

والولد يأخذ السيد قدر ما بقي على المكاتب ويأخذ الولد بقدر ما أدى المكاتب والولد بمنزلة أبيه، فإذا أدى ما بقي على أبيه عتق، وان لم يكن خلف شيئا وقد شرط عليه الرق رجع ولده مماليك، وان لم يكن شرط عليه سعى ولده في مكاتبة أبيهم، فإذا أدوا عتقوا، وان كانوا صغارا انتظر بهم حتى يكبروا إن كان قد أدى أبوهم بعض مكاتبته. ولم يشرط رده في الرق إن عجز. وقال ابن ادريس: فان مات المشروط وخلف مالا وأولادا كان ما ترك لمولاه دون غيره وكان أولاده مماليك إذا كان أولاده من مملوكة اشتراها، فأما إن كانوا من حرة فلا يكونون مماليك لسيده، وان مات المطلق وترك مالا وأولادا ورثه مولاه بقدر ما بقي له من العبودية، وكان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا في الأصل بعد اخراج ما بقي من مال الكتابة قبل ذلك أجمع، لأنه دين وما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا على ما بيناه. والذي ينبغي تحصيله في ذلك أن نقول: يرث السيد بمقدار ما فيه من العبودية وابنه أو وارثه بقدر ما تحرر منه ويؤخذ بقية مال الكتابة من نصيب وارث المكاتب إذا صار إليه نصيبه، لأن الدين الذي هو مال الكتابة يخرج من نصيب الوارث للأجزاء الحرية دون جميع ما خلفه وتركه الميت، لأن الأجزاء الباقية على العبودية لا يملك شيئا، لأنه مال سيده دونه، وانما الدين يتعلق بما فيه من الحرية ونصيبها دون جميع التركة، وهذا مذهب شيخنا أبي جعفر في استبصاره، وهو الصحيح دون ما أوردناه أولا، فان كان هذا المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من أمة له كان حكم ولده حكمه في انه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه، فان ادى الابن ما كان قد بقي على أبيه صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، فان لم يكن له مال استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه فمتى أداه صار حرا (1).

(1) السرائر ج 3 ص 27 - 28.

[ 99 ]

والوجه أن نقول: المكاتب إن كان مشروطا بطلت كتابته بموته، ولو بقي عليه درهم واحد وكان جميع ما خلفه من مال وولد من أمته للمولى، وان كان مطلقا وقد أدى بعض مكاتبته فان كان وارثه مكاتبا بالتبعية بأن يكون ولدا له تجدد بعد الكتابة من أمة له ورث مولاه بقدر ما بقي فيه من الرقية وورث ولده بقدر ما فيه من الحرية ويؤدي من نصيب الحرية بقدر ما بقي على أبيه من مال الكتابة ويتحرر هو بالتبعية، فان فضل من نصيبه شئ كان له، وان أعوز استسعي، وان كان الوارث حرا في الأصل بأن يكون ولده من حرة أو غيره كان للمولى بقدر ما فيه من نصيب الرقية والباقي لوارثه الحر ولا يؤدي ما تخلف من مال الكتابة، ولو خلف ولدا من أمته وولدا من حرة وقد انعتق نصفه - مثلا - كان نصف ما خلفه لمولاه نصيب الرقية والنصف الآخر يقسم بين ولده الحر وولده المكاتب على قدر الحرية ونسبتها إليهما، فنصيب الحر لا يؤدي منه شيئا البتة، وأما نصيب المكاتب فيؤدي منه جميع ما تخلف على أبيه من مال الكتابة، فان اعوز استسعي فيه. لنا: ما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في مكاتب (1) يموت وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جاريته، قال: إن اشترط (2) عليه إن عجز فهو مملوك رجع ابنه مملوكا، والجارية وان لم يكن اشترط عليه ادى ابنه ما بقي من مكاتبته وورث ما بقى (3). وفي الصحيح عن جميل ابن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مكاتب يؤدي بعض مكاتبته ثم يموت ويترك ابنا له من جارية له، فقال

(1) في التهذيب: في رجل مكاتب. (2) في التهذيب: إن كان اشترط (3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 349 - 350 ح 1296، وسائل الشيعة: ب 19 ان المكاتب إذا... ح 3 ج 16 ص 100.

[ 100 ]

إن كان اشترط عليه انه إن عجز فهو رق رجع ابنه مملوكا، والجارية وان لم يشترط عليه صار ابنه حرا ورد على المولى بقية المكاتبة وورث (1) ابنه ما بقي (2) وغيرهما من الأحاديث الدالة على بطلان الكتابة المشروطة. وأما المطلق فقد روى بريد بن معاوية العجلي في الصحيح قال: سألته عن رجل كاتب عبدا له على ألف درهم ولم يشترط عليه حين كاتبه إن هو عجز عن مكاتبته فهو رد في الرق وان المكاتب أدى الى مولاه خمسمائة درهم ثم مات المكاتب وترك مالا وترك (3) إبنا له مدركا، قال: نصف ما ترك المكاتب من شئ فانه لمولاه الذي كاتبه والنصف الباقي لابن المكاتب الذي (4) مات ونصفه حر ونصفه عبد للذي كاتبه، وابن المكاتب كهيئة أبيه نصفه حر ونصفه عبد للذي كاتب أباه، فان أدى الى الذي كاتب أباه ما بقي على أبيه فهو حر لا سبيل لأحد من الناس عليه (5). وفي الصحيح عن محمد بن قيس، عن الباقر (6) - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في مكاتب توفي وله مال، قال: يقسم ماله على قدر ما أعتق منه لورثته، وما لم يعتق يحسب (7) منه لأربابه الذين كاتبوه هو ماله (8).

(1) في التهذيب: وورثه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 272 ح 992، وسائل الشيعة: ب 7 ان المكاتب المطلق... ح 3 ج 16 ص 92.
(3) ليس (مالا وترك) في التهذيب.
(4) في التهذيب: لأن المكاتب.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 350 ح 1259، وسائل الشيعة: ب 7 ان المكاتب المطلق... ح 1 ج 16 ص 91.
(6) في التهذيب: عن أبي عبد الله.
(7) في التهذيب: يحتسب.
(8) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 274 ح 999، وسائل الشيعة: ب 19 ان المكاتب إذا... ح 1 ج 16 ص 99.

[ 101 ]

قال الشيخ في التهذيب: هاتان الروايتان هما الذي أفتي به وأعمل عليه (1)، وهو ان المولى يرث من تركه مكاتبه بقدر ما بقي عليه من العبودية ويكون الباقي لولده، ويلزمه أن يؤدي الى مولى أبيه ما كان قد بقي على أبيه ليصير حرا ويستحق ما بقي من المال. ولا ينافي ذلك ما تقدم من الروايات من أنه إذا أدى ما بقي على أبيه كان ما يبقى له، لأنه ليس في هذه الأخبار انه إذا أدى ما بقى على أبيه من أصل المال أو من نصيبه، وإذا احتمل ذلك حملناه على انه إذا ادى ما بقي على أبيه من الذي يخصه ثم يبقى بعد ذلك منه شئ كان له، و على هذا الوجه تسلم الأخبار كلها (2). وابن الجنيد احتج بما تقدم من الأحاديث. والجواب: المعارضة بما تلوناه من الأخبار، والجمع ما تقدم. مسألة: كلام السيد المرتضى يشعر بأن الخير المراد به في الآية الدين والأمانة (3). وقال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): إنه الكسب والأمانة، للاجماع على انه يتناوله الاسم، وبه قال ابن الجنيد. والمعتمد أن نقول: ان الخير قد ورد في القرآن بمعنى العمل الصالح، وهو يناسب الدين في قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) (6) وبمعنى المال في قوله تعالى: (ان ترك خيرا) (7) (وانه لحب الخير لشديد) (8) وبمعنى

(1) في المصدر: الذي أفتي وعليه أعمل.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 274 ذيل الحديث 999، وفيه: (الأخبار كلها من المنافاة).
(3) الانتصار: ص 174، وفيه: (الدين والايمان).
(4) الخلاف: ج 6 ص 380 المسألة 3.
(5) المبسوط: ج 6 ص 72.
(6) الزلزلة: 7.
(7) البقرة: 180.
(8) العاديات: 8.

[ 102 ]

الثواب: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير) (1) يعني: ثوابا. فأما أن يجعل مشتركا أو للقدر المشترك أو حقيقة في أحدهما ومجازا في الآخر، وليس في القرآن العزيز ما يدل على أحد الثلاثة. مسألة: الكتابة عقد مستقل بنفسه، وليست بيعا للعبد من نفسه. وقال أبو الصلاح (2)، وتبعه ابن إدريس (3): انها بيع العبد من نفسه. وليس بمعتمد، لبعدها عن شبه البيع. قال الشيخ: إنها تفارق البيع من وجوه: الأول: الكتابة لا بد فيها من أجل، والبيع لا يفتقر إليه. الثاني: الكتابة (4) يمتد فيها خيار العقد (5)، والبيع لا يمتد فيه خيار الشرط. الثالث: البائع يشترط لنفسه الخيار، والسيد لا يشترطه في عقد الكتابة، ويتفقان في ان الأجل فيهما (6) لا يكون إلا معلوما، ولا يصح كل واحد منهما إلا بعوض معلوم (7). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الكتابة لا تنعقد إلا بأجل، ومتى كانت بغير أجل كانت باطلة (8). وتبعه ابن حمزة (9). وقال ابن إدريس: الكتابة تصح حالة ومؤجلة، وليس الأجل شرطا في صحتها (10). احتج الشيخ بأن ما في يد العبد لمولاه لا يصح المعاملة عليه، وانما يقع على ما يتوقع حصوله بالتكسب فلا بد له من ضرب الأجل تحفظا من تطرق الجهالة.

(1) الحج: 36.
(2) الكافي في الفقه: ص 318.
(3) السرائر: ج 3 ص 26.
(4) في المصدر: المكاتبة.
(5) في المصدر: العبد.
(6) في المصدر: منهما.
(7) المبسوط: ج 6 ص 73.
(8) المبسوط: ج 6 ص 73.
(9) الوسيلة: ص 344.
(10) السرائر: ج 3 ص 30.

[ 103 ]

احتج ابن إدريس بأصالة الجواز. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الكتابة لازمة من جهة السيد جائزة من جهة العبد، ومعناه: ان له الامتناع من أداء ما عليه وتعجيزه، فإذا امتنع منه كان سيده بالخيار بين البقاء على العقد وبين الفسخ، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم على ان المكاتب متى عجز كان لمولاه رده في الرق إذا كانت الكتابة مشروطة (1). والظاهر انه يريد المشروطة. وقال في المبسوط: الكتابة لازمة من جهة السيد جائزة من جهة العبد، ولسنا نريد بقولنا: جائزة من جهته ان له الفسخ كالعامل في القراض، بل نريد ان له الامتناع من أداء ما عليه مع القدرة عليه، فإذا امتنع منه كان سيده بالخيار بين البقاء على العقد وبين الفسخ. وقال قوم: هي لازمة من الطرفين، فان (2) كان معه مال أجبرناه على الأداء ليعتق، وان لم يكن معه مال قال بعضهم: أجبره على الكسب، وقال آخرون: لا يجبره (3) والذي يقتضيه مذهبنا ان الكتابة إن كانت مطلقة فهي لازمة من الطرفين، وليس لأحدهما فسخ (4)، وان كانت مقيدة فهي لازمة من جهة السيد وجائزة من جهة العبد، فان عجز لم يجبر على الاكتساب، وان لم يعجز وكان معه مال وامتنع اجبر على الأداء كمن عليه دين وهو موسر (5). وقال ابن حمزة: المشروطة عقد جائز من الطرفين، والمطلقة عقد لازم من جهة السيد جائز من جهة المكاتب (6).

(1) الخلاف: ج 6 ص 393 المسألة 17.
(2) في المصدر: من الطرفين معا فان.
(3) في المصدر والطبعة الحجرية: لا اجبره.
(4) في المصدر: فسخها.
(5) المبسوط: ج 6 ص 91.
(6) الوسيلة: ص 345.

[ 104 ]

وقال ابن إدريس: المشروطة لازمة من جهة السيد جائزة من جهة العبد، والمطلقة لازمة من الطرفين (1). والوجه أن نقول: الكتابة بنوعيها لازمة من الطرفين، لأنها عقد فيجب الوفاء به، لقوله تعالى: (اوفوا بالعقود) (2) ونمنع ان للعبد تعجيز نفسه، بل يجب عليه أداء المال مع الامكان والقدرة عليه أو التكسب له، فان عجز كان للمولى حينئذ خيار الفسخ في المشروطة، ولو لم يختر المولى الفسخ عند العجز لم تنفسخ الكتابة بمجرد العجز. مسألة: قال الشيخ في المبسوط الايتاء واجب عندنا، وهو أن يحط السيد عن مكتابه شيئا من مال الكتابة أو يؤتيه شيئا يستعين به على الأداء، لقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) وهذا أمر. وقال قوم: هو مستحب، وبه قال قوم من أصحابنا (3). وقال في الخلاف: إذا كاتب عبده وكان السيد يجب عليه الزكاة وجب عليه أن يعطيه شيئا من زكاته يحتسب به من مال مكاتبته، وان لم يكن ممن وجب عليه الزكاة كان ذلك مستحبا غير واجب، وأوجبه الشافعي، ولم يفصل، واستحبه أبو حنيفة، ولم يفصل. واستدل بقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) وقوله تعالى في آية الزكاة: (وفي الرقاب) وهم المكاتبون، وهذا منهم. وأما إذا لم يجب عليه الزكاة فالأصل براءة الذمة، وايجاب شئ عليها يحتاج الى دليل، وقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله) نحمله على من يجب عليه الزكاة أو على وجه الاستحباب، ولو كان الايتاء واجبا لعتق إذا بقي عليه من مكاتبته درهم، لأنه يستحق على سيده هذا القدر، فلما لم

(1) السرائر: ج 3 ص 29.
(2) المائدة: 1.
(3) المبسوط: ج 6 ص 93 - 94.

[ 105 ]

يعتق دل على انه ليس بواجب، ويجوز أن يكون قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله) متوجها الى غير سيد المكاتب ممن يجب عليه الزكاة، ألا ترى الى قوله تعالى: (من مال الله الذي آتاكم) تنبيها على ما تجب فيه الزكاة، وعلى المسألة اجماع الفرقة وأخبارهم (1). وقال ابن الجنيد: وأما قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) فيحتمل أن يكون ذلك أمرا بأن يدفع الى المكاتبين من سهم الرقاب من الصدقات إن عجزوا، ويحتمل أن يكون ندبا للسيد أن يضع عنه جزاء من مكاتبته. وهو يشعر بالاستحباب. وقال ابن البراج: ويستحب لسيده أن يعينه على فك رقبته بشئ من ماله من سهم الرقاب (2). وقال ابن حمزة: يستحب للسيد الايتاء، وهو أن يعطيه شيئا من سهم الرقاب ليعينه على فك رقبته (3). وقال ابن إدريس: إذا كان المكاتب غير مشروط عليه وعجز عن توفية ثمنه فان كان مولاه ممن تجب عليه زكاة فانه يجب عليه أن يعطيه شيئا من ذلك قل أم كثر، لقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) وان لم يكن ممن يجب عليه زكاة فلا يجب عليه الايتاء المذكور في الآية، لأنه لا مال لله تعالى واجب عليه، وكان على الامام أن يفك رقبته من سهم الرقاب (4). والوجه الاستحباب، لأصالة البراءة، والآية محمولة على الندب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ليس لولي اليتيم والمولى عليه لسفه أن

(1) الخلاف: ج 6 ص 396 المسألة 21.
(2) المهذب: ج ص 377. (3) الوسيلة: ص 345.
(4) السرائر: ج 3 ص 29.

[ 106 ]

يكاتب عبدا له، سواء كان المولى هو الأب أو الجد أو الوصي أو الحاكم أو ولي الحاكم. وقال بعضهم: له ذلك، لأنه كالبيع، فإذا ثبت هذا وخالفه وكاتبه فالكتابة باطلة، فان أدى المال كان لسيده ولا يعتق العبد به (1). وقال في الخلاف: لولي المولى عليه من يتيم وغيره أن يكاتب عبد المولى عليه إذا كان في ذلك حظ للمولى عليه، وقال أبو حنيفة: له ذلك، ولم يقيد، وقال الشافعي: ليس له ذلك. واستدل بأنه لا خلاف أن لولي المولى عليه أن يبيع مال المولى عليه، وهذا بيع إلا انه من نفسه (2). والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف، لأن له ولاية المصلحة، وجاز أن تكون الكتابة مصلحة. وقد روى معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - إني كاتبت جارية لأيتام لنا واشترطت عليها إن عجزت فهي رد في الرق وأنا في حل مما اخذت منك، قال: فقال: لك شرطك (3). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب ثلاثة أعبد له صفقة واحدة فالكتابة (4) صحيحة، وكل واحد منهم مكاتب بحصة قيمته من المسمى فان شرط ان كل واحد منهم كفيل ضامن عن صاحبه فان الشرط باطل، وقال بعضهم: صحيح، فإذا ثبت أن الشرط باطل بطلت الكتابة أيضا. قال: وعندي ان الشرط صحيح والكتابة صحيحة (5).

(1) المبسوط: ج 6 ص 95.
(2) الخلاف: ج 6 ص 398 المسألة 22.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 265 ح 968، وسائل الشيعة: ب 4 ان المكاتب المطلق... ح 1 ج 16 ص 85 وفيهما: (ان هي عجرت).
(4) في المصدر: واحدة فقد قلنا ان الكتابة.
(5) المبسوط: ج 6 ص 81.

[ 107 ]

وقال في الخلاف: إن وقع شرط ان كل واحد منهم كفيل عن صاحبه ضامن، فالشرط صحيح للأصل، ولقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (1) وتبعه ابن البراج (2). وفيه اشكال، من حيث ان الضمان عندنا ناقل، فان رضي المولى بضمانهم كلهم فهو كما لو لم يقع ضمان، وان رضي بضمان أحدهم تعلق المال كله بذمته وبرئ الباقون منه. وقد سلف البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان له مكاتبان كاتبهما بقيمة واحدة فأدى أحدهما ألفا ثم اشكل عليه من (3) المؤدي منهما أقرع بينهما، فمن خرج (4) قرعته حكم له بالأداء وعتق وبقي الآخر مكاتبا، فان مات اقرع بينهما، وقال الشافعي: لا يجوز أن يقرع بينهما ما دام حيا، بل يلزم التذكر أبدا، فان مات اقرع بينهما. واستدل باجماع الفرقة على ان كل مشكل فيه القرعة (5)، وهذا من جملة ذلك (6). وقال في المبسوط (7)، وتبعه ابن البراج (8): إذا أشكل المؤدى لزمه أن يكرر الذكر لعله أن يذكر ذلك طول حياته، وليس له فرض القبض في أحدهما بل عليه التذكر فقط، فان لم يتبين حتى مات قبل البيان اقرع بينهما. والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف، لما ذكره. مسألة: قال ابن البراج: إذا كاتب اثنان عبدا لهما مكاتبة واحدة وغاب أحدهما وقدم الآخر العبد الى الحاكم وقد عجز لم يرده في الرق حتى يجتمع

(1) الخلاف: ج 6 ص 387 المسألة 10.
(2) المهذب: ج 2 ص 381.
(3) في المصدر: عين.
(4) في المصدر: خرجت.
(5) في المصدر: قرعة.
(6) الخلاف: ج 6 ص 399 المسألة 24.
(7) المبسوط: ج 6 ص 96.
(8) المهذب: ج 3 ص 378.

[ 108 ]

السيدان (1). وليس بجيد، لأنه مناف للشرط ومقتضى عقد الكتابة المشروطة والوجه ان له رد حصته في الرق. مسألة: قال ابن البراج: إذا كاتب انسان عبدين كتابة واحدة فمات أحدهما قيل للثاني: اما أن تختار أن تؤدي باقي الكتابة عنك وعن صاحبك، واما أن تكاتب عن نفسك كتابة جديدة فأيهما اختار كان له ذلك، وان كان المتروك مالا فيه وفاء بقسطه من الكتابة أخذه السيد من الكتابة وكان على الباقي ما بقي من قسطه منها. وكذلك إن ارتد احدهما ولحق بدار الحرب فحكم بلحاقه أو قتل على ردته، فان كان ما ترك الميت فيه وفاء لجميع (2) الكتابة، فان السيد يأخذ من ذلك جميع الكتابة ويعتقان معا ويرجع (3) ورثته على الحي بحصته وبقية ذلك ميراث لهم، فان كسب مالا في دار الحرب وظهر المسلمون عليه لم يرجع المؤدي في ذلك بشئ، لأنه فئ (4). والوجه أن نقول: إذا مات أحدهما بطلت الكتابة فيه، سواء كانت مشروطة أو مطلقة لم يؤد من المال شيئا، وحينئذ يسقط قد نصيبه من مال الكتابة، إذ لا ينحصر المال في أحدهما، لأنه عوض عنهما معا فيقسط عليهما كالمبيع، فحينئذ يؤدي الحي قدر ما يصيبه من مال الكتابة وينعتق. قال الشيخ في الخلاف: إذا كاتب ثلاثة أعبد صفقة كان كل واحد مكاتب بحصة قيمته من المسمى كأنه كاتبه بذلك مفردا (5) لا يتعلق به حكم غيره، فان أدى ما عليه من مال الكتابة عتق، سواء أدى صاحباه وعتقا أو

(1) المهذب: ج 2 ص 381.
(2) في المصدر: بجميع.
(3) في المصدر: وترجع.
(4) المهذب: ج 2 ص 381 - 382.
(5) في المصدر: منفردا من غيره.

[ 109 ]

عجزا ورقا، ولا يكون كل واحد كفيلا عن صاحبه، إلا إذا شرط في عقد الكتابة ان كلا منهم كفيل ضامن فالشرط صحيح، للأصل، ولقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (1) وهو يناسب ما اخترناه إلا في الضمان. وقال في المبسوط: الرجل إذا كاتب عبيدا له في عقد واحد، فان كل واحد منهم يكون مكاتبا على ما يخصه من العوض، ولا يتحمل بعضهم ما يلزم البعض، وفيه خلاف (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا كاتب اثنان عبدا صحت الكتابة، ولم يجز له أن يخص أحدهما بمال الكتابة بلا خلاف إذا كان بغير اذنه، فان أذن الشريك له أن يعطي الآخر نصيبه كان اذنه صحيحا، ومتى أعطاه وقبضه كان القبض صحيحا. وقال ابن البراج: إذا كاتباه ولم يشترطا عليه أن يكون أداء الكتابة لهما جميعا جاز له أن يدفع حق (5) كل واحد منهما الى صاحبه على الانفراد وكان لكل واحد منهما جائزا ما اخذ منه (6) لا يشركه فيه غيره (7). احتج الشيخ في المبسوط بأن الدفع الى أحدهما بغير اذن شريكه يفضى (8) الى أن ينتفع أحدهما بمال شريكه مدة بغير حق، لأن المكاتب إذا قدم لأحدهما ربما عجز ورق فيرجعان معا في ماله نصفين، فيحتاج أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه بعد أن انتفع به تلك المدة.

(1) الخلاف: ج 6 ص 384 - 387 المسألة 8، 9، 10. (2) المبسوط: ج 6 ص 141.
(3) المبسوط: ج 6 ص 105.
(4) الخلاف: ج 6 ص 402 المسألة 30.
(5) في المصدر: حق.
(6) في المصدر: منهما ما أخذ منه ولا يشركه.
(7) المهذب: ج 2 ص 382.
(8) ق 2 وم 3: يقضي.

[ 110 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا عدم العبد الأمرين الثقة والكسب كانت كتابته مباحة غير مستحبة، وقال أحمد واسحاق: إذا عدم فيه الأمران كره مكاتبته. واستدل بأصالة الاباحة، والمنع يحتاج الى دليل (1). وقال في المبسوط: إذا عدم الأمران كرهت مكاتبته. قال: وهو قوي (2). وقوله في الخلاف جيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فأما إن قال: كاتبتك الى عشر سنين فانه يصح عندنا وان كان أجلا واحدا، وعند من اعتبر الزيادة لا تصح، فان قال: تؤدي الي في هذه العشر سنين قالوا: لا يصح، لأنه أجل واحد، ولأنه مجهول، لأنه لا يعرف وقت الأداء، كما لو قال: بعتك بمائة تحل عليك في رجب لم يصح، لأن كل شهر جعله وقتا لمحله (3)، وهذا غير صحيح عندنا أيضا، من حيث كان مجهولا لا من حيث كان أجلا واحدا (4). وقال في الخلاف: إذا كاتب الكتابة مؤجلة صحت بأجل واحد وبأجلين بأن يقول: كاتبتك الى عشر سنين تؤدي ذلك في هذه المدة كان ذلك جائزا، وقال الشافعي: كل ذلك باطل. دليلنا: ان الأصل جوازه، وبطلانه يحتاج الى دليل، وقولهم: ان وقت الأداء مجهول ليس كذلك، لأنه إذا جعل هذه المدة مدة الأداء كانت معلومة، فأي وقت أدى هذه المدة فهو وقت الأداء (5). وقال ابن الجنيد: ولو قال: كاتبتك على مائة تؤديها في عشر سنين جاز ذلك، وتأديته اياها في أوقات قبل خروج العشر سنين جائز.

(1) الخلاف: ج 6 ص 382 المسألة 4.
(2) المبسوط: ج 6 ص 73. (3) في المصدر: محله.
(4) المبسوط: ج 6 ص 74.
(5) الخلاف: ج 6 ص 383 المسألة 6.

[ 111 ]

والوجه ما قاله في المبسوط، لحصول الجهالة في وقت الأداء مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتبه على مال معلوم وذكر الاجل والنجوم فهو كتابة (1)، ولا يعتق بالأداء عند بعضهم حتى يقول: فإذا أديت إلي هذا فأنت حر وينوي هذا، فان عدما أو أحدهما لم يعتق أصلا، وقال آخرون: هو صريح فيه لا يفتقر (2) الى نية ولا قول. والذي يقتضيه مذهبنا انه لا بد من نية، ولا يحتاج الى القول (3). وقال في الخلاف: إذا كاتبه على مال معلوم وآجال معلومة ونجوم معلومة وقال: إذا أديت إلي هذا المال فأنت حر ونوى بذلك العتق انعتق، وان عدما أو أحدهما لم ينعتق، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: هو صريح فيه لا يفتقر الى نية ولا قول. واستدل بأن ما اعتبرناه مجمع على وقوع العتق عنده، وما قاله ليس عليه دليل، وأيضا قوله: كاتبتك اسم مشترك يصلح للمكاتبة التي هي المراسلة والمكاتبة التي هي المخارجة - أعني: مخارجة العبد - ويصلح للكاتبة الشرعية، وإذا كان مشتركا (4) لم يكن بد من نية أو نطق يزول به الاشتراك (5) (6). وقوله في المبسوط أجود، واستدلاله الثاني يطابق ما قاله في المبسوط من الاكتفاء بالنية لا ما قاله هنا من الافتقار إليهما معا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتبه على خدمة شهر عقيب هذا الشهر ودينار عقيب شهر الخدمة فالكتابة باطلة، كما لو آجره دارا (7) شهرا عقيب هذا الشهر (8).

(1) في المصدر: كناية.
(2) في المصدر: ولا يفتقر.
(3) المبسوط: ج 6 ص 74.
(4) في المصدر: وإذا اشتركا.
(5) في المصدر: هذا الاشتراك. (6) الخلاف: ج 6 ص 384 المسألة 7.
(7) في المصدر: دابة.
(8) المبسوط: ج 3 ص 75.

[ 112 ]

وليس بجيد، لوجود شرائط الصحة من ضبط الأجل والمال وايقاع الصيغة المشترطة، وما ذكره في الاجارة باطل أيضا عندنا، لأنه يصح العقد على مدة متأخرة عن وقت العقد، وقد تقدم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب عبدا على مال ثم ان السيد باع المال الذي في ذمة المكاتب قال قوم: البيع صحيح، وقال آخرون: لا يصح، وهو الأقوى عندي، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - انه نهى عن بيع ما لم يقبض (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن الجنيد: لا يجوز عندي بيع ما على المكاتب الذي يعتق بقدر ما يؤدي ولا الذي شرط عليه الرق إن عجز دون رقبته، لجواز بطلان ذلك. وهو نظير بيع حبل الحبلة ولقاح الفحل. وقال في الخلاف: يجوز بيع المال الذي على المكاتب، فان أدى المكاتب مال الكتابة انعتق على سيده، وان عجز رجع بها على سيده وكان للمشتري الدرك بما اشتراه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع ذلك. واستدل بأصالة الجواز، والمنع يحتاج الى دليل، وقوله تعالى: (وأحل الله البيع) يدل عليه، فان قيل: نهى النبي - صلى الله عليه وآله - عن بيع ما لم يقبض، قلنا: نحمله على انه إذا لم يكن مضمونا، وأما إذا ضمنه فلا بأس (3). والوجه ما قاله في الخلاف: لنا: انه مال مملوك وقعت عليه المعاوضة من أهله فصحت كبيع الدين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان في يد المكاتب مال يجب فيه الزكاة فزكاته على سيده، وقال بعضهم: لا زكاة فيه أصلا، وهو قوي (4). وهو

(1) المبسوط: ج 6 ص 126.
(2) المهذب: ج 2 ص 378.
(3) الخلاف: ج 6 ص 404 المسألة 33.
(4) المبسوط: ج 6 ص 92.

[ 113 ]

يدل على تردده. والوجه أن نقول: إن كان المكاتب مطلقا وقد أدى بعض الكتابة وجبت عليه الزكاة في نصيب الحرية إذا بلغ نصابا، لأنه مالك لما تجب فيه الزكاة ملكا تاما مستقرا فوجب عليه الزكاة، وان كان مشروطا أو مطلقا غير مؤد أو قد أدى البعض ولم يبلغ نصيب الحرية نصابا فلا زكاة هنا. أما على السيد فلا نقطاع تصرفاته عنه، وانما يتمكن من التصرف بعد الرد في الرق. وأما المكاتب فلأنه ممنوع أيضا من التصرف بغير الاكتساب، وهو في معرض التزلزل، فلا يكون ملكه تاما. مسألة: للشيخ قولان في كتابة أحد الشريكين نصيبه دون صاحبه، فجوزه في الخلاف (1)، ومنع منه في المبسوط قال فيه: إذا كاتب نصف عبده فان كان باقيه حرا صحت الكتابة (2)، وان كان مملوكا له فالصحيح ان الكتابة باطلة، لأن المقصود بالكتابة وقوع العتق بالأداء، وهو مفقود (3) هنا، لأنه لا يتمكن من التصرف، لأن السيد يمنعه من السفر (4) بما فيه من الرق، ولا يأخذ من الصدقات، وإذا اخذ اقتضى أن يقاسمه السيد عليها. وقال بعضهم: يصح، كما لو كان النصف لغيره وكاتبه (5) باذنه. والأول أقوى عندي، وان كان هذا أيضا قويا. وان كان (6) الباقي لغيره وكاتب نصيبه منه فان كان بغير اذن شريكه فالكتابة فاسدة عندنا وعند جماعة، لأنه يؤدي الى الاضرار بشريكه ويفارق البيع، لأنه لا يضر بشريكه (7). والمعتمد ما قاله الشيخ في الخلاف.

(1) الخلاف: ج 6 ص 401 المسألة 28.
(2) في المصدر: فالكتابة صحيحة.
(3) في المصدر: بالاداء والمقصود. ها هنا مفقود.
(4) في نسخة ق 2 بدل (السفر) التصرف.
(5) في المصدر: فكاتبه.
(6) في المصدر: قويا فأما ان كان.
(7) المبسوط: ج 6 ص 98 - 99.

[ 114 ]

لنا قوله - عليه السلام -: (الناس مسلطون على أموالهم). ولأنه يجوز بيع نصيبه وعتقه فجازت كتابته، لأنها لا ينفك عنهما، ونمنع تضرر الشريك بالكتابة، فإن السعي الثابت قبل الكتابة يثبت بعدها، أقصى ما في الباب ان الشريك يقاسم شريكه، وهنا يقاسم العبد. مسألة: سوغ الشيخ في المبسوط في كتاب المكاتب أن يبيع المولى عبده من نفسه، فان أطلق كان الثمن حالا ويعتق العبد، وولاؤه للامام، لأنه سائبة لاولاء لمولاه عليه، إلا أن يشترط ذلك كالكتابة عندنا، وان كان الثمن الى أجل كان على ما وقع عليه العقد (1). ومنع جماعة من علمائنا في ذلك. احتج الشيخ بأصالة الجواز، وبأنه عقد وقع من أهله في محله فكان صحيحا. احتج المانعون بأن البيع يستدعي انتقال الملك من البائع الى المشتري ومقتضاه ذلك، والملك من الامور النسبية، وهي لا شك تستدعي تغاير المنتسبين، ولا مغايرة هنا فلا ملك ولا بيع. ويشكل الأول: بأن الأصل يعدل عنه عند قيام الدليل على خلافه. والثاني: بمنع كون المحل محلا قابلا لما يحله هنا، فان الملك يستدعي كون المحل قابلا له، وانما يكون قابلا لو كان أهلا للتملك، والعبد قد بينا انه لا يملك شيئا. والثالث: بمنع حصر مقتضى البيع في ذلك، بل قد يكون شيئا آخر وهو خروج الملك عن البائع، وان لم يدخل في ملك المشتري كشراء القريب إن أحلنا ملكه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب عبده على ألف الى أجلين (2)

(1) المبسوط: ج 6 ص 120.
(2) في المصدر: على الف درهم الى أجلين.

[ 115 ]

فجاء بخمسمائة قبل الأجل وقال: خذ هذه على أن تبرئني من الباقي لم يصح، لأنه (1) مضارع لربا الجاهلية، لأنه ينقص من الحق لينقصه من الأجل، وربا الجاهلية كان يزيده في الحق ليزيده في الأجل، فان قبض المال لم يصح قبضه، لأنه انما دفعه بشرط أن يبرئه (2) من مال الكتابة، فأما إذا قال له: خذ هذه (3) وأبرئني من الباقي إن شئت ففعل ذلك وأبرأه صح القبض والإبراء (4)، لأنه دفع مطلقا من غير شرط (5) (6). والوجه التسوية بين المسألتين في الجواز ولا ربا هنا، لأن حقيقة الربا بيع أحد المتجانسين بجنسه مع زيادة عينية أو حكمية، وذلك منتف هنا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان للمكاتب على سيده ما وحل للسيد شئ من النجوم فان كان الحقان من جنس واحد من النقود تقاصا، وان اختلف الجنس أو كانا من غير النقود فان أحدهما لا يصير قصاصا عن الآخر، ثم (7) إن كان المالان نقدين لم يحتج (8) الى قبض الحقين معا، بل قبض أحدهما ما عليه من صاحبه ثم يرده عليه عوضا عن ماله في ذمته، لأن دفع العرض (9) عن الدراهم والدنانير التي في الذمة يجوز، وان كانا عرضين فلا بد أن يقبض كل واحد منهما ماله على صاحبه، ولا يجوز أن يقبض أحدهما ثم يرد ما قبضه عليه الآخر عوضا عما له عليه، لأن هذا العرض (10) الذي في الذمة ثابت في أحد الجنسين (11) عن سلم، فان المكاتب لا يجوز له أن يعوض ما في يده

(1) في المصدر: فانه. (2) في المصدر: يبرئ.
(3) في المصدر: هذه الخمسمائة.
(4) في المصدر: وصح الابراء.
(5) في المصدر: عن شرط.
(6) المبسوط: ج 6 ص 121 - 122.
(7) في المصدر: عن الاخر بلا خلاف ثم.
(8) في المصدر: فلا يحتاج.
(9) م 3: العوض.
(10) م 3: العوض.
(11) في المصدر: الحقين.

[ 116 ]

من المال وأخذ المال عن العوض الثابت في الذمة عن كتابة أو سلم غير جائز، وان كان أحدهما نقدا والآخر عرضا (1) فانه إن قبض صاحب النقد حقه لم يجز أن يدفعه عوضا عن العرض (2) الذي في ذمته بل عليه تسليمه واقباضه، وان قبض صاحب العرض حقه جاز أن يدفعه بدلا عن النقد وعوضا عنه (3). والوجه أن نقول: إن كان المالان من جنس واحد تقاصا من غير اختيارهما، ولا حاجة الى أن يقبض أحدهما ماله على الآخر أو يقبضا معا، سواء كان المالان نقدا أو أحدهما أو كانا من العروض، وأما إن كانا من جنسين مختلفين فانه لا بد فيه من التراضي، فإذا رضي كل واحد منهما بإسقاط حقه على صاحبه عوضا عما له في ذمته صح وسقط الحقان عنهما وبرئا معا من غير حاجة الى التقابض أيضا، لأنه نوع من الابراء فلا يفتقر الى القبض. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: المسلم إذا كان له عبد كافر وكاتبه يقوى عندي انه لا تصح الكتابة، لقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) وهذا لا خير فيه، ولقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) وهذا ليس من أهله، لأن ذلك من الصدقة، وليس الكافر من أهلها (4). وهذا موافق (5) لما اختاره السيد المرتضى (6)، وقد تقدم. ثم قال الشيخ: إذا كان للمسلم عبد فارتد ثم كاتبه السيد بعد ردته صح، لأنه عقد معاوضة، والمرتد يصح منه ذلك (7). وتبعه ابن البراج (8). وهذان القولان من الشيخ متنافيان، إذ لا فرق بين المرتد والكافر في المنع

(1) م 3: عوضا.
(2) م 3: عرضا عن العرض.
(3) م 3: العوض.
(4) المبسوط: ج 6 ص 130.
(5) م 3: يوافق.
(6) الانتصار: ص 174.
(7) المبسوط: ج 6 ص 135.
(8) المهذب: ج 2 ص 380.

[ 117 ]

والجواز، ودليلاه في الكافر آتيان في المرتد، فان صحا هناك صحا هنا، وان بطلا هناك بطلا هنا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب المسلم عبدا ثم ظهر المشركون على الدار فأسروا المكاتب وحملوه الى دار الحرب لم يملكوا (1) بذلك، فان انفلت المكاتب منهم أو ظهر المسلمون على الدار فأخذوه فهو على كتابته، وكذا لو دخل (2) الكافر دار الاسلام بأمان كاتب عبدا له (3) ثم ظهر المشركون على الدار فقهروا المكاتب على نفسه وأخذوه الى دار الحرب ثم انفلت منهم أو غلبهم المسلمون عليه فانه يكون على كتابته، وهل يجب عليه أن يخليه مثل تلك المدة التي حبسه فيها المشركون ليكتسب مالا [ أم لا ]؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: يجب، والآخر: لا يجب. قال: والأول أقوى عندي، وهكذا لو كاتب عبده ثم حبسه مدة من الزمان قال قوم: يجب عليه أن يتركه مدة مثل تلك المدة. قال: وهو الأقوى عندي، وقال آخرون: لا يجب عليه، غير انه يلزمه ضمان مثل أجرة تلك المدة، وهو قوي أيضا (4). وهذا يدل على تردده. والوجه أن نقول في المسألة الاولى: لا يجب عليه التخلية ولا الاجرة، لأن التعدي من غيره. وفي المسألة الثانية: يجب عليه اجرة المثل عن تلك المدة، لأنه القدر الذي يستحقه عوضا عما ثبت في ذمته، ومنافع الأيام انما تضمن بالقيمة لا بالمثل، إذ لا مثل لها. احتج الشيخ على الأول: بأن التمكين مستحق على السيد، فإذا تعذر لم يفرق (5) الحال بين أن يكون جهته أو من جهة غيره، كما أن تسليم المبيع إذا

(1) في المصدر: فانهم يملكونه، وفي الطبعة الحجرية: لم يملكوه.
(2) في المصدر: وهكذا ان دخل.
(3) في المصدر: بامان عبدا له.
(4) المبسوط: ج 6 ص 132.
(5) م 3: يفترق.

[ 118 ]

تعذر على البائع لم يستحق تسليم الثمن، سواء كان تعذر من جهته أو من جهة غيره. والجواب: استمرار التمكين ليس واجبا على المولى بل التخلية وقد حصلت. مسألة: قال ابن البراج: إذا كاتبها وهي حامل واستثنى ما في بطنها لم يجز ذلك (1). والوجه الجواز، لأن الحمل عندنا لا يدخل في كتابة أمة وان لم يستثنه، لأنه ليس جزء من المسمى، فمع الاستثناء أولى. مسألة: إذا أوصى فقال: كاتبوا عبدا من عبيدي قال في المبسوط: تخير الوارث في عتق أي عبد من عبيدة شاؤوا، والأقوى عندي أن يستعمل القرعة في ذلك (2). وتبعه ابن البراج (3) في الأول، وهو الوجه. لنا: انه أوصى بما ينطلق على المتعدد فكان الخيار للوارث، كما لو أوصى له بقوس وله عدة من القسي، والقرعة عندي على سبيل الاستحباب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: كاتبوا أحد رقيقي جاز أن يكاتبوا عبدا أو أمة، وهل يجوز أن يكاتبوا خنثى مشكلا؟ قال بعضهم: يجوز، وهو الأقوى عندي، وقال قوم: لا يجوز (4). وقال ابن البراج: إذا قال: كاتبوا واحدا من رقيقي جاز أن يكاتب عبدا أو أمة، لأن اسم الرقيق يجري عليهما، وان كان له خنثى مشكل لم يكاتبها حتى يتبين أمرها (5).

(1) المهذب: ج 2 ص 386.
(2) المبسوط: ج 6 ص 153. (3) المهذب: ج 2 ص 395.
(4) المبسوط: ج 6 ص 153.
(5) المهذب: ج 2 ص 395.

[ 119 ]

والحق ما قواه الشيخ. لنا: انه ينطلق عليه اسم الرقيق فانصرفت الوصية إليه. احتج ابن البراج بأن الخنثى لا ينصرف إليه اسم الرقيق في الاطلاق العرفي، وانما يعتبر في الوصية ما ينطلق عليه الاسم العرفي. والجواب: المنع من عدم الاطلاق. مسألة: إذا قال: ضعوا عنه أوسط نجومه وكان فيها أوسط في العدد كالثاني من الثلاثة، وفي الأجل كما لو كاتبه على نجم الى شهر ونجم الى شهرين ونجم الى ثلاثة فالشهران أوسط، وفي القدر مثل أن يكاتبه على نجم الى مائة ونجم الى مائتين ونجم الى ثلاثمائة، فالمائتان أوسط كان الخيار الى الورثة يدفعون إليه ما شاؤوا من ذلك. وان قلنا: يستعمل القرعة على مذهبنا كان قويا. وقال ابن البراج: يستعمل القرعة في ذلك (1). والوجه الأول لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز عتق المكاتب في الكفارة، سواء كانت الكتابة مطلقة أو مشروطة (2). وقال ابن ادريس: يجوز عتقه في الكفارة، سواء كان مشروطا عليه أو مطلقا لم يؤد (3). والوجه ما قاله الشيخ وسيأتي. مسألة: قال ابن الجنيد: فإذا أراد الكتابة فلا يقول فيها: وأنت حر بقدر ما تؤدي من كتابتك، فان ذلك يوجب متى أدى شيئا أن يعتق منه بقدر ذلك ويسري العتق في جميعه ويصير بمنزلة من عتق سيده بعضه، ولكن يقول: وأنت

(1) المهذب: ج 2 ص 399.
(2) الخلاف: ج 4 ص 544 المسألة 29.
(3) السرائر: ج 3 ص 30.

[ 120 ]

عبد بقدر ما بقي عليك. والوجه التسوية بين الأمرين، لأن الأول ليس عتقا منجزا بل معلقا على الأداء، وانما يسري العتق المنجز. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال للعبد: أنت مدبر أو مكاتب لا ينعقد به كتابة ولا تدبير وان نوى ذلك، بل لا بد أن يقول في التدبير: فإذا مت فأنت حر أو أنت حر إذا مت، وفي الكتابة إذا أديت إلي مالي فأنت حر، فمتى لم يقل ذلك لم يكن شيئا (1). وقال ابن الجنيد: والاختيار أن يقول السيد لعبده: إذا أديت ما كاتبتك عليه فأنت حر. أو ذكر ذلك في كتاب المكاتبة. ولو ترك ذلك لعتق عليه إذا أدى ما كاتبه عليه على نجومه، لأن المفهوم عند الناس ان الكتابة عند السيد لعبده العتق متى أدى ما وافقه عليه. وقول ابن الجنيد جيد، وهو ظاهر كلام ابن أبي عقيل أيضا فانه قال في الكتابة: هو أن يقول الرجل لعبده أو أمته. قد كاتبتك على كذا وكذا دينارا الى وقت كذا وكذا ونجوما في كل نجم كذا وكذا. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كان السيد ممن لا تحل له الصدقة حل له ما يأخذه من مكاتبته إذا تصدق عليه، فان رده لعجزه رد ما أخذه من الصدقة على صاحبه إن عرفه أو على أهل الصدقات إن لم يعرفه. والوجه انه لا يجب عليه ذلك، لأن العبد قد ملكه بالأخذ والسيد بالدفع إليه، فلا يجب إخراجه عنه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا خرج العوض الذي وقعت الكتابة عليه مستحقا سلم الى صاحبه وارتفع العتق، لأن الكتابة عقد معاوضة، فإذا دفع

(1) الخلاف: ج 6 ص 409 المسألة 2.

[ 121 ]

عوضا مستحقا كان ذلك الدفع كلا دفع كالبيع. ثم يقال للمكاتب: إن جئت بعوض آخر على الصفة التي شرط عليك عتقت، وإلا فقد ظهر عجزك، فللسيد أن يفسخ الكتابة ويرده الى ملكه (1). وقال ابن الجنيد: ولو استحق ما دفعه المكاتب الى السيد أو بعضه بعد التحرير فان كان المكاتب فعل ذلك على علم به كان الأداء باطلا وهو على الكتابة، وان كان جميع الكتابة حالا يوم يستحق السلعة كان لسيده إن لم يكن عند العبد وفاء ذلك أو لم يؤديه إليه أن يعجزه ويرده مملوكا إن كان شرط ذلك عليه، وان كان المكاتب غير عالم بحال السلعة المستحقة لم يبطل عتقه ورجع عليه السيد بقيمتها. والمعتمد ما قاله الشيخ، لظهور بطلان المعاوضة باستحقاق أحد العوضين وعجز المكاتب عن دفع العوض. احتج ابن الجنيد بان المكاتب معذور بجهله وقد عتق بالدفع الواجب عليه - وهو المملوك - ظاهرا، ولا يجب عليه تتبع ما في نفس الأمر. والجواب: المنع من العتق في نفس الأمر بل في الظاهر، وبظهور فساد العوض يظهر بطلان العتق. مسألة: لو دفع المكاتب مال الكتابة قبل حلول النجوم لم يجب على المولى قبوله على قول أكثر علمائنا مطلقا. وقال ابن الجنيد بذلك، لكنه قال بعد ذلك: لو كان المكاتب مريضا فسام سيده أخذ باقي كتابته ووصى بوصايا وأقر بديون عليه لم يكن للسيد الامتناع من الأخذ، لأن في امتناعه من ذلك بطلان اقراره بدين غرمائه وما يتقرر (2) به من وصيته عند بعض المسلمين.

(1) المبسوط: ج 6 ص 158 - 159 مع اختلاف.
(2) في الطبعة الحجرية: وما تقرر.

[ 122 ]

والوجه الأول، لأصالة عدم الوجوب. وقال ابن الجنيد: وللسيد أن يمتنع من أخذ مال الكتابة، إلا في النجوم خاصة إن كان المكاتب بذلها حيث يخاف عليها أو كانت السلعة تفسد على السيد الى وقته الذي شرط. وهو يعطى انه ليس له الامتناع لو انتفى الأمران. والمعتمد إن له ذلك مطلقا، لأنه أداء للحق قبل وقته فلا يجب قبوله. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا باس بأن يشتري المكاتب أباه أو أمه وذوات (1) المحارم عليه ويستعين بهم في كتابته ويكون حكمهم حكمه، فان عتق عتقوا ويرق ويعتق ما يرق منه، ولو عجز وقد شرط عليه الرق لم يكن له بيع أحد من هؤلاء ورجعوا جميعا في الرق. وقال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى المكاتب من يعتق عليه بحق القرابة كالآباء والامهات وغيرهم فان اشتراه بغير اذن سيده بطل الشراء، وقال بعضهم: يصح الشراء ولا يصح التصرف فيه استحبابا (2). والأول أصح عندنا، لأن في ابتياعهم اتلاف المال فانه يخرج من يده شيئا ينتفع به ويمكنه التصرف فيه، ويستبدل مكانه ما لا ينتفع به ولا يمكنه التصرف فيه فهو اتلاف في الحقيقة (3). وتبعه ابن البراج (4)، وهو جيد، لما قرره الشيخ. مسألة: قال ابن الجنيد: لا بأس بكفالة الكفيل للسيد بما كاتب عليه عبده الذي شرط له أن يعتق منه بقدر ما يؤدي، وقد قال ابن أبي ليلى: بجواز أخذ الكفيل في الكتابة. فاما من شرط عليه رجوعه في الرق إن عجز فلا يصح أخذ الكفيل بكتابته، فان أخذه على ذلك وأوجب ضمانه إذا ما عجز عنه العبد فأداه كان الكفيل مخيرا بين أن يكون ولاؤه له ولا يرجع عليه بما أداه، وبين أن

(1) ق 2: أو ذوات.
(2) في المصدر: استحسانا.
(3) المبسوط: ج 6 ص 127. (4) المهذب: ج 2 ص 379.

[ 123 ]

يرجع به عليه إذا عتق (1). والوجه صحة الكفالة في الموضعين، لأنه حق واجب عليه فصحت كفالته كغيره من الديون، ولا فرق بين المطلق والمشروط فيه، وإذا أدى عن المشروط ما ضمنه فان كان باذن العبد رجع عليه بما أداه، وان كان ضمانه بغير اذنه لم يرجع عليه ولا ولاء له عليه على التقديرات كلها. مسألة: قال ابن البراج: وإذا كاتب رجل أمتين له على ألف درهم تؤديانها إليه لم أختر له ولا لهما إلا أن يفصلها بينهما، فان لم يفصلها وجعل من أداها منهما عتقا كان جائزا، فان أدتا عتقتا، وان تشاحتا وفصلاها بينهما فقبل السيد تفصيلهما لها جاز، وان لم يقبل قلنا لهما: تراضيا بينكما حتى يكون الأداء بينكما معا، فان تبرعت احداهما بالأداء من غير تضمين لصاحبتها لم تلزم الاخرى غرم وعتقتا، وان ماتت احداهما قبل التأدية لشئ بطلت الكتابة، إلا أن ترضى الباقية بأداء جميع الكتابة، وان ادتا جزء من المال أو مال بنجم مفصلا وماتت احدى الأمتين لزم الباقية منهما من بقية المكاتبة بقسطها من الأداء الذي قبله السيد منهما على التفصيل، إلا أن يقيم السيد البينة انه لم يقبل التفصيل لما أدى على رضاء منه بالقسط للأصل الذي عليه، فان كان ما ادتاه غير مفصل قيل للثانية: إما أن تختاري أن توفي باقي الكتابة وتعتقي، وإما أن تكاتبي عن نفسك كتابة جديدة، فان اختارت تجديد المكاتبة كاتبها السيد ولم يكن له أن يمتنع ولا أن يسومها الباقي من الكتابة. وكان الأولى عندي تقسيط الباقي على قدر كسب الأمتين، لأن الكتابة انما وقعت على أن يؤخذ من مكسبهما لا على القيم، فان كان قد شرط عليهما إن عجزتا رجعتا في الرق فموت احداهما كالعجز، إلا أن يضمن الاخرى أداء جميع الباقي.

(1) في الطبعة الحجرية: بما اداه إذا عتق.

[ 124 ]

والوجه التقسيط إذا كاتبهما دفعة، فمن ادى من مكاتبته شيئا برئ، ولا اعتبار بعجز الآخر. وقد سلف البحث فيه. مسألة: قال الشيخ: إذا كان العبد بين شريكين فكاتباه فليس له (1) أن يخص أحدهما بالأداء دون شريكه بغير اذن شريكه، لأنه يفضي الى أن ينتفع أحدهما بمال شريكه مدة بغير حق، وذلك ان المكاتب إذا قدم لأحدهما ربما عجز ورق فيرجعان معا في ماله نصفين، فيحتاج أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه بعد أن انتفع به تلك المدة، فان أذن له في ذلك صح (2) (3). وقال ابن الجنيد: إذا كاتب المملوك سيدان له فهو في حال كتابته لهما - كالغريم - فإذا لم يشترطا عليه أن يكون أداء الكتابة لهما جميعا معا كان جائزا له دفع حق كل واحد منهما على الانفراد إليه، وكان لكل واحد منهما جائز ما أخذ منه لا يشركه فيه غيره. وهذه المسألة قد سلفت، وبينا موافقة ابن البراج لابن الجنيد. والوجه أن نقول: إن كاتباه بعقد واحد وعوض واحد فالقول ما قاله الشيخ، وان تعدد حق كل منهما فالقول ما قاله ابن الجنيد، لأنه على التقدير الأول يكون المال مشتركا، وليس لأحد الشريكين التصرف في المشترك إلا باذن شريكه، فما قبضه بغير اذنه يكون بينهما. وأما على التقدير الثاني فظاهر. ويحتمل على الأول ما قاله ابن الجنيد أيضا، لأن لمن عليه الحق التخيير في جهة القضاء وتعيين ما يشاء فيه من أمواله، فإذا دفع الى أحدهما حقه فقد اختار دفع ما يستحقه المدفوع إليه في المدفوع واختار منع الآخر منه فلا

(1) في المصدر: فكاتباه صحت الكتابة على ما مضى فإذا صحت فليس له.
(2) في المصدر: في ذلك ودفع باذنه صح.
(3) المبسوط: ج 6 ص 105.

[ 125 ]

شركة (1) فيه، كما لو منعه من الاستيفاء من بعض أمواله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب عبده ثم زوجه من ابنته لرضاها أو لصغرها ثم مات السيد لم تنفسخ الكتابة، فان لم ترث البنت أباها بأن كان بينهما اختلاف دين أو كانت قاتلة فالنكاح على حاله، لأنها لم تملك من زوجها شيئا، وانما انتقل ملكه من مالك فلم يؤثر ذلك في النكاح، وان ورثته فانها تملك جزء منه فينفسخ النكاح بينهما، وقال بعضهم: لا ينفسخ. والأول أقوى عندنا (2). وقال في الخلاف: إذا زوج الرجل بنته من مكاتبه فورثته بنته انفسخ عقد النكاح بينهما، لأن المكاتب يورث فينتقل الى الزوجة ملكه فينفسخ النكاح بذلك، وانما قلنا: إنه يورث، لأنه لا خلاف (3) ان الرجل إذا مات وله مكاتب فورثته ابنته وغيرها ثم أراد المكاتب أن يتزوج الابنة لم يكن له ذلك، ولولا أن ملكه قد انتقل الى ورثته والبنت من جملتهم لما امتنع من تزويجه بها، ألا ترى ان في حال الحياة لم يكن لها فيه ملك بوجه جاز له التزويج بها، فلما امتنع في هذه الحال (4) علم انه حدث لها عليه ملك فامتنع التزويج لأجله (5). وقال ابن الجنيد: ولو مات السيد وابنته تحت المكاتب الذي شرط عليه الرق عند عجزه منع من الوطء، فان أدى كانا على النكاح، لأنها لم ترث من رقبته شيئا، وان عجز بطل النكاح، فان كان ممن يعتق بما أدى بطل النكاح إذا حصل له أداء بعض الكتابة.

(1) ق 2: يشركه.
(2) المبسوط: ج 6 ص 154.
(3) في المصدر: فينفسخ النكاح بذلك، والدليل على انه يورث هو انه لا خلاف.
(4) في المصدر: الحالة. (5) الخلاف: ج 6 ص 405 المسألة 45.

[ 126 ]

والوجه ما قاله الشيخ. لنا: ان المكاتب مملوك لم يخرج بالكتابة عن الرق، وإذا مات مالكه انتقل الى ورثته، لامتناع انتقاله الى غيرهم وبقاء ملك بغير مالك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان للكافر عبد وكاتبه ثم أسلم فانه لا يباع عليه، لأن القصد إزالة سلطان وقد حصل (1). وقال ابن الجنيد: الذمي إذا كاتب عبدا ذميا جاز ذلك وعتق عند الأداء، ولو أسلم وهو يؤدي الكتابة لم تبطل الكتابة، وان وجد من يرغب في ابتياعه على ما قلناه ليخرج من أن يكون للذمي عليه سبيل بيع على الذمي، وإذا أدى المكاتبة عتق ولم يكن للذي يشتريه فسخ مكاتبته ولا أن يزيد عليه بسبب ما عجله، لأن ذلك ربا. والوجه ما قاله الشيخ، لأن سلطانه انقطع عنه، ومال الكتابة دين عليه، والدين قد يثبت للكافر على المسلم. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كاتب الذمي المسلم عند اسلامه لم تصح الكتابة، وان ترافعا إلينا حكمنا على الذمي بالعتق ورد فضل ما أخذه بالكتابة على قيمته يوم أسلم. والوجه ان المال للمولى، لأنه لم يخرج عن ملكه بالاسلام، والكتابة باطلة على ما قرره. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب الذمي مثله على خمر ثم أسلما قبل القبض كان عليه قيمة ما وقع عليه العقد (2). وقال ابن الجنيد: لو أعتق الذمي عبده الذمي أو كاتبه على خمر ثم أسلم العبد كان عليه قيمة نفسه إن كانت أقل من قيمة الخمر.

(1) المبسوط: ج 6 ص 129.
(2) المبسوط: ج 6 ص 128 - 129.

[ 127 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ، لأنه دين قد وجب عليه، وحكم الشرع باتلافه فيضمن قيمته، لأنه الواجب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب الذمي مثله على خمر أو خنزير ثم أسلما وترافعا قبل التقابض فالذي يقتضيه مذهبنا ان عليه قيمة ما وقع عليه العقد، ولا تبطل الكتابة (1). وقال ابن الجنيد: ولو أسلما جميعا كان على المسلم تجديد الكتابة له على ما يحل أن يتموله المسلمون، ولا يختار له أن يزيد على قيمة ما كان كاتبه عليه بين مستحلية من أهل الملة التي انتقلا عنها بالبلد الذي كاتبه فيه. والوجه ما قاله الشيخ، لأنه عقد أمرنا باقراره، والحكم فيه بما عقداه عليه مع التقابض قبل الاسلام وبالقيمة مع عدمه، ولا يجب تجديد الكتابة. قال ابن الجنيد: ولو أسلم السيد وحده كان مخيرا بين اتمام الكتابة وقبض قيمة ما كاتبه عليه، وبين الفسخ عليه. والوجه انه ليس له الفسخ، لأنه عقد وقع لازما فلا يتطرق الفسخ إليه. مسألة: قال الشيخ: الكافر الحربي إذا كاتب عبده ثم دخل دار الاسلام بأمان أو دخل (2) دار الاسلام ثم كاتبه فقد انقطع سلطانه عنه، وانما بقي له في ذمته المال (3) فلم يكن له منعه من السفر ولا اجباره عليه فيقال له: إن اخترت أن تقيم معه في دار الاسلام حتى تقبض المال منه فافعل واعقد لنفسك عقد الذمة، وان اخترت فالتحق (4) بدار الحرب ووكل من يقبض لك المال (5). وقال ابن الجنيد: ولو كاتب حربي مستأمن أو معاهد عبدا له مثله في الملة في دار الاسلام لم يكن له اخراجه من دار الاسلام إن أبي العبد، وخاصة إن

(1) المبسوط: ج 6 ص 128.
(2) في المصدر: دخلا.
(3) في المصدر: دين.
(4) في المصدر: فألحق.
(5) المبسوط: ج 6 ص 130.

[ 128 ]

كان قد استجدد ملكه في دار الاسلام وقيل له: إما أن توكل من يقبض نجومك وإما أن تبيعه مكاتبا وإما أن تفسخ. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: ان الكتابة عقد لازم فلا سبيل الى فسخها، وبيع المكاتب غير جائز، لانقطاع ولاية السيد عنه ما دام يؤدي النجوم. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كاتب الجماعة كتابة واحدة فجنى أحدهم كان القول فيهم كالقول في الواحد، وكذلك ولد المكاتب من أمته وولد المكاتبة لو جنى أحدهم فان عجزوا ولم يشأ السيد أداء قيمة الأرش سلم الجاني ورجع الباقون رقا، فان كاتب على جماعة وهي مقسطة بينهم لم يلزم غير الجاني حكم جناية الجاني. والوجه عندي التسوية بين المسألتين، وقد تقدم ان كتابة الجماعة مقسطة وان اتحد العقد. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا جنى على المكاتب الذي قد عتق بعضه بأدائه أو على ولده بالكتابة أدى كذلك، فان كان قد شرط عليه الرق إن عجز أخذ قدر أرش جناية العبد وضمن الجاني تتمة جناية الحر، فان عتق بالأداء رجع على الجاني بالفضل. وفيه اشكال، من حيث ان المشروط رقه عند العجز لا يعتق منه شئ. قال: وليس للمكاتب المشترط عليه الرق القصاص إن اختار السيد الأرش، إلا بعد أن يؤدي كتابته. وهو مشكل أيضا، لأن الواجب عندنا انما هو القصاص.

[ 129 ]

الفصل الخامس في الاستيلاد مسألة: جوز الشيخان (1) بيع امهات الأولاد في ثمن رقبتهن إذا كان الثمن دينا على مولاهن ولا مال له سوى ذلك، وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج (2)، وابن حمزة (3)، وابن ادريس (4)، ونقل ابن ادريس عن المرتضى انه لا يجوز بيعها ما دام الولد باقيا لا في الثمن ولا في غيره (5). والمعتمد الأول. لنا: انها لم تخرج بالاستيلاد عن الملك. وقد احتج السيد المرتضى (6) على الجمهور على ذلك بوجوه من الاحتجاجات، والأصل صحة تصرف الانسان في ملكه بالبيع وغيره، منع منه ما إذا كان الثمن دينا على المولى ولا شئ له سواه، فيبقى الباقي على أصالة الجواز

(1) المقنعة: ص 601، النهاية ونكتها: ج 3 ص 24.
(2) المهذب 2: 250.
(3) الوسيلة: ص 343.
(4) السرائر: ج 3 ص 21.
(5) السرائر: ج 3 ص 21.
(6) الانتصار: ص 175 - 176.

[ 130 ]

وما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن ام الولد، قال: إنه تباع وتورث (1) (2). وعن عمر بن يزيد، عن الكاظم - عليه السلام - قال: قلت له: أسألك، قال: سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين - عليه السلام - امهات الأولاد؟ قال: في فكاك رقابهن، قلت: وكيف ذلك؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدي عنه أخذ ولدها منها وبيعت فأدى ثمنها، قلت: فيبعن فيما سوى ذلك من دين؟ قال: لا (3). وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن ام الولد تباع في الدين؟ قال: نعم في ثمن رقبتها (4). مسألة: الأقرب انه لا فرق في ذلك بين أن يكون السيد حيا أو ميتا. ونص عليه ابن الجنيد فقال: وكذلك حالها في حياة سيدها، وهو الظاهر من كلام الشيخين (5). وقال ابن حمزة: فان مات سيدها ولم يكن له مال سواها وكان ثمنها في ذمة سيدها عادت بولدها رقا (6). وليس بجيد، لأنه ولد حر. مسألة: إذا مات السيد جعلت في نصيب ولدها وعتقت عليه، فان لم يكن

(1) في التهذيب: أمة تباع وتورث وتوهب وحدها حد الأمة.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 237 ح 858، وسائل الشيعة: ب 1 ان ام الولد مملوكة... ح 1 ج 16 ص 103.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 238 ح 862، وسائل الشيعة: ب 2 انه يجوز بيع ام الولد... ح 1 ج 16 ص 104.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 238 ح 859، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب بيع الحيوان ح 2 ج 13 ص 51 وفيه: (نعم تباع).
(5) المقنعة: ص 601، النهاية ونكتها: ج 3 ص 24.
(6) الوسيلة: ص 343.

[ 131 ]

هناك مال سواها قال الشيخ في النهاية: كان نصيب ولدها منها حرا واستسعت (1) في الباقي لمن عدا ولدها من الورثة، فان لم يخلف غيرها وكان ثمنها دينا على مولاها قومت على ولدها وترك الى أن يبلغ، فإذا بلغ اجبر على ثمنها، فان مات قبل البلوغ بيعت في ثمنها وقضى به الدين (2). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح، لأنا نبيعها في ثمن رقبتها في حياة مولاها فكيف بعد موته، ولأي شئ يجبر الولد بعد بلوغه على ثمنها، ولأي شئ يؤخر الدين، إلا ان شيخنا قد رجع عن هذا في عدة مواضع، ولا شك ان هذا خبر واحد أورده ها هنا ايرادا لا اعتقادا (3). وقول ابن إدريس جيد، لكن الشيخ عول في ذلك على ما رواه وهب بن حفص في الموثق، عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - انه سأله عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال: إن شاء يبيعها (4) باعها، وان مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها، فان كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فان مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة (5). وقال ابن الجنيد: ولو مات السيد وخلف مالا يستحق ولدها بنصيبه منها امه ولا كان له من المال ما يؤدي عنها قيمة ذلك وكان الولد صغيرا انتظر بها الى أن يكبر، فان أدى حقوق باقي الورثة من قيمتها أو أدته هي بكدها عتقت،

(1) في المصدر: واستعيت.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 24 - 26.
(3) السرائر: ج 3 ص 23.
(4) في المصدر: أن يبيعها.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 239 - 240 ح 865، وسائل الشيعة: باب 6 ان ام الولد إذا كان ولدها... ذيل الحديث 4 ج 16 ص 108.

[ 132 ]

وان مات ابنها قبل ذلك كان نصيب ابنها منها حرا، وما بقي للورثة إن شاؤوا أعتقوا وان شاؤوا رقوا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا استولد الذمي أمة ثم أسلمت لم يقر في يده ولا يمكن من وطئها واستخدامها ويكون عند امرأة مسلمة يتولى القيام بها ويؤمر بالانفاق عليها ما دام ولدها باقيا، فإذا مات الولد قومت عليه واعطي ثمنها، وان مات هو قومت على ولدها على ما قلناه. واستدل باجماع الفرقة على ان المملوك إذا أسلم في يد كافر قوم عليه، وهذه قد ولدت منه فلا يمكن تقويمها ما دام ولدها باقيا، فأخرنا تقويمها الى بعد موت واحد منهما (1). وقال في المبسوط: إذا كان لذمي ام ولد منه فأسلمت فانها لا تعتق عليه، وتباع عليه عندنا، لأنها مملوكة (2). واختاره ابن ادريس، واستدل بقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وإذا أسلمت الذمية وجب بيعها عليه، وقوله في الخلاف مذهب بعض المخالفين اختاره، والذي ذكره في المبسوط هو الذي يقتضيه اصول مذهبنا (3). والوجه عندي انها تستسعى في قيمتها، فإذا أدت القيمة عتقت. لنا: ان البيع مع وجود الولد منهي عنه لا سبيل إليه، وابقاؤها في يد المولى لا سبيل إليه أيضا: للآية، وعتقها مجانا اضرار بالمولى، وكذا الحيلولة بينه وبينها، كما اختاره الشيخ فتعين ما اخترناه. مسألة: إذا مات السيد عتقت من نصيب ولدها وتنعتق عليه، فان لم يكن

(1) الخلاف: ج 6 ص 425 المسألة 2.
(2) المبسوط: ج 6 ص 188.
(3) السرائر: ج 3 ص 22.

[ 133 ]

هناك غيرها انعتق نصيب ولدها واستسعيت في الباقي، اختاره الشيخان (1)، وابن ادريس وقال: وروي انه ان كان لولدها مال أدى بقية ثمنها منه، ولا دليل على هذه الرواية (2). وقال في المبسوط: وإذا مات السيد جعلت من نصيب ولدها وتنعتق عليه، فان لم يكن هناك غيرها انعتق نصيب ولدها واستسعيت في الباقي، وان كان لولدها مال أدى بقية ثمنها منه، فان لم يكن ولدها باقيا جاز للورثة بيعها (3). وقال ابن الجنيد: انما ينعتق عندنا إذا كان لها ولد فمات سيدها وقد خلف ما يستحقه ولدها بنصيبه من ميراث والده أو يستحق بعضها فيؤدي بقية قيمتها، لقول النبي - صلى الله عليه وآله: (من ملك ذا رحم فهو حر). والوجه ما قاله الشيخان، وقد تقدم البحث في انه لا يجب على القريب شراء قريبه إذا ملك بعضه بغير اختياره. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: في الاستيلاد ثلاث مسائل: الاولى: ان تعلق الجارية بولد في ملك الوطء فتصير ام ولده بلا خلاف. الثانية: ان تعلق بمملوك في غير ملكه بأن تزوج امه فأحبلها فأتت بولد مملوك (4) شرط المالك رقة لا يثبت للام حكم الحرية لا في الحال ولا إذا ملكها فيما بعد، سواء ملكها بعد انفصال الولد أو قبله عندنا وعند جماعة. الثالثة: ان تعلق الأمة بحر في غير ملكه بأن يطأ أمة غيره بشبهة فتعلق منه بولد حر فلا تصير ام ولد في الحال، فان ملكها قال قوم: لا تصير ام ولده، وقال بعضهم: تصير ام ولده. قال: وهو الأقوى عندي (5).

(1) المقنعة: ص 601، النهاية ونكتها: ج 3 ص 24 - 25.
(2) السرائر: ج 3 ص 22.
(3) المبسوط: ج 6 ص 185.
(4) في المصدر: بولد فانه مملوك عندنا بشرط وعندهم بلا شرط ولا.
(5) المبسوط: ج 6 ص 185 - 186.

[ 134 ]

وقال في الخلاف: إذا نكح الرجل أمة غيره فأولدها ولدا كان (1) حرا تابعا له، وان شرط الرق كان مملوكا، فان ملكها وملك ولدها بعد ذلك عتق الولد عليه بحق النسب وتكون هي ام ولده. واستدل على كونها ام ولد بأن طريقة الاشتقاق يقتضيه، وهذه قد ولدت منه، فينبغي أن تسمى بذلك (2). وقال ابن حمزة: كل وطء يحصل منه ولد يلتحق بالواطئ صارت الأمة أم ولد ألا في ثلاثة مواضع ذكرناها في أحكام السراري، سواء كان الولد حرا أو مملوكا، وذلك في خمسة مواضع: وطأ بملك يمين وبعقد على جارية غيره وبتحليل الأمة وبشبهة عقد أو نكاح، وسواء ولدت الولد حيا أو ميتا، أو سقط منها تاما، أو غير تام، ظهر فيه تخطيط أو لم يظهر (3) والمواضع المستثناة في أحكام السراري موضعان: الأول: إذا وطأ الأب جارية ابنه الكبير من غير اذنه أو الصغير من غير تقويم كان الولد حرا، ولم تصر الجارية ام ولد. وهذا يمكن جعله قسمين. الثاني أن يطأ الولد جارية الأب من غير اذنه عالما بالتحريم لم تصر الجارية ام ولد ورق الولد إن أحبلها ولم يلحق نسبه، وان كان جاهلا التحق نسبه، ولم تصر الجارية ام ولد. وهذا يمكن جعله أيضا قسمين، وهذا يوافق اختيار الشيخ في الخلاف. والأقوى ان الاستيلاد انما يتحقق لو وطأ أمة في ملكه لا غير، عملا بالأصل، وفي كلام ابن حمزة دلالة على ان ولد الزنا لا ينعتق على الأب. ثم قال الشيخ في المبسوط: لو اشترى امرأته وهي حامل (4) فأولدها ولدا

(1) ليس في المصدر: ولدا كان.
(2) الخلاف: ج 6 ص 427 المسألة 3.
(3) الوسيلة: ص 342 - 343. (4) في المصدر: لو تزوج أمة وهي حائل.

[ 135 ]

فان الولد يكون مملوكا لسيد الأمة عندنا بالشرط، فان ملك الزوج زوجته وولدها فالولد يعتق عليه، لأن الابن يعتق عليه (1) والام تصير عندنا ام ولد. لأن الاشتقاق يقتضي ذلك (2). وهو يوافق ما قاله في الخلاف. وفي رواية ابن مارد (لا تصير ام ولد له) (3) وهي موافقة لما قويناه. مسألة: المشهور انه لا يجوز بيع أم الولد إلا في ثمن رقبتها إذا كان دينا على مولاها وليس له سواها. وقال ابن حمزة: وان مات سيدها وعليه دين في غير ثمن رقبتها قومت على ولدها، فإذا بلغ الزم أداءها، فان لم يكن له مال استسعي فيه، فان مات قبل البلوغ بيعت في الدين (4). احتج الأولون بما رواه عمر بن يزيد، عن الكاظم - عليه السلام - قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدي عنه اخذ ولدها منها وبيعت فادي ثمنها، قلت: فيبعن فيما سوى ذلك من دين؟ قال: لا (5). احتج ابن حمزة بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال سألته عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال: إن شاء يبيعها باعها، وان مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها، فان كان ابنها صغيرا انتظر به

(1) ليس في المصدر: لان الابن يعتق عليه.
(2) المبسوط: ج 6 ص 187.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 482 - 483، وسائل الشيعة: ب 4 ان من تزوج أمة فأولدها... ح 1 ج 16 ص 105.
(4) الوسيلة: ص 343.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 238 ح 862، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 51.

[ 136 ]

حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فان مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الله الورثة (1). ولأنها مملوكة فيجب صرف ثمنها في الدين، كما لو كان الدين ثمنها. ونحن في هذه المسألة من المتوقفين.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 240 ح 865، وسائل الشيعة: ب 6 أن ام الولد إذا كان ولدها... ح 4 ج 16 ص 108 وفيهما: (ان شاء ان يبيعها).

[ 137 ]

كتاب الأيمان وتوابعها

[ 139 ]

كتاب الأيمان وتوابعها وفيه فصول: الأول في الأيمان مسألة: قال المفيد: لا يمين عند آل محمد - عليهم السلام - إلا بالله عز وجل وبأسمائه الحسنى، ومن حلف بغير اسم من أسماء الله تعالى فقد خالف السنة، ويمينه باطلة لا توجب حنثا ولا كفارة. ثم قال: ولا يجوز اليمين بالبراءة من الله تعالى ومن رسوله ومن أحد من الأئمة - عليهم السلام - ومتى حلف بشئ من ذلك ثم حنث كان عليه كفارة ظهار (1). وقال الصدوق: إن قال رجل: إن كلم ذا قرابة (2) فعليه المشي الى بيت الله عز وجل وكل ما يملكه في سبيل الله وهو برئ من دين محمد - صلى الله عليه وآله - فانه يصوم ثلاثة أيام ويتصدق على عشرة مساكين (3).

(1) المقنعة: ص 554 و 558.
(2) في المصدر: ان قال الرجل ان لكم ذا قرابة له.
(3) المقنع: ص 136.

[ 140 ]

وقال الشيخ في النهاية: اليمين المنعقدة عند آل محمد - عليهم السلام - هي أن يحلف الانسان بالله تعالى أو بشئ من أسمائه أي اسم كان، وكل يمين بغير الله أو بغير اسم من أسمائه فلا حكم له، ولا يجوز أن يحلف أحد بالبراءة من الله تعالى ولا من كتابه ولا من نبيه ولا من شريعة نبيه ولا من أحد من الأئمة - عليهم السلام - (1). ثم قال في باب الكفارات: ومن حلف بالبراءة من الله تعالى أو من رسوله أو من أحد من الأئمة - عليهم السلام - كان عليه كفارة ظهار، فان لم يقدر على ذلك كان عليه كفارة اليمين (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال سلار: اليمين بغير الله تعالى على ضربين: أحدهما: يلزم بالحنث فيه كفارة ظهار، وهي اليمين بالبراءة من الله تعالى ورسوله والأئمة - عليهم السلام - (4). وقال أبو الصلاح: وقول القائل: هو برئ من الله أو رسوله أو أحد الأئمة - عليهم السلام - مطلقا مختارا يقتضي كونه مأثوما يجب عليه التوبة وكفارة ظهار، وان كان مكرها فلا شئ عليه، وان علق ذلك بشرط أثم، فان خالف ما علق عليه البراءة به فعليه الكفارة المذكورة (5). وقال ابن حمزة: وان حلف بالبراءة من الله تعالى أو من رسوله أو من أحد الأئمة - عليهم السلام - ولم يكن يمينا، فان كذب أثم ولزمته كفارة النذر (6). وقال ابن ادريس: رجع شيخنا عما ذكره في نهايته في مبسوطه فقال: إذا قال: أنها يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئت من الله أو من القرآن أو من

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 40 و 42.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 65 - 66.
(3) المهذب: ج 2 ص 421.
(4) المراسم: ص 184 - 185.
(5) الكافي في الفقه: ص 229.
(6) الوسيلة: ص 349.

[ 141 ]

الاسلام لا فعلت كذا ففعل لم يكن يمينا، ولا يحنث بخلافه، ولا يلزمه كفارة، وفيه خلاف. ورجع أيضا في مسائل خلافه فقال: إذا قال: أنا يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برئت من الاسلام أو من الله أو من القرآن لا فعلت كذا ففعل لم يكن يمينا ولا المخالفة حنثا. ولا يجب به كفارة، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم وأصالة البراءة. قال: وما ذكره في مبسوطه ومسائل خلافه هو الذي يقوى في نفسي، وإليه أذهب وبه افتي، لأنا قد بينا انه لا يمين إلا بالله تعالى وبأسمائه وصفاته (1)، وهذا ليس كذلك، ولأن الأصل براءة الذمة، ولأن اليمين حكم شرعي يحتاج في ثبوته الى دليل شرعي، والاجماع غير (2) منعقد عليه، وكتاب الله تعالى خال من ذلك، ولا يرجع في ذلك الى الأخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا (3). والمعتمد أن نقول: لا يجوز الحلف بذلك، فان فعل أثم، وان حنث في يمينه بذلك وجب عليه اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر الله تعالى، لما رواه محمد بن يحيى في الصحيح قال: كتب محمد بن الحسن الصفار الى أبي محمد العسكري - عليه السلام - رجل حلف بالبراءة من الله ورسوله - صلى الله عليه وآله - فحنث ما توبته وكفارته؟ فوقع: عليه السلام -: يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر الله عز وجل (4). ولا منافاة بين ايجاب الكفارة لارتكاب اليمين المنهي عنها شرعا معاقبة له ومؤاخذة على فعل ما نهاه الشرع عنه ومقابلة لحنثه فيها، وبين تحريم الحلف بها.

(1) في المصدر: وبصفاته.
(2) في المصدر: فغير.
(3) السرائر: ج 3 ص 39 - 40. (4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 299 ح 1108، وسائل الشيعة: ب 7 تحريم الحلف بالبراءة... ح 3 ج 16 ص 126.

[ 142 ]

مسألة: المشهور بين علمائنا انه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه من الرسل المشرفة والأماكن المقدسة والكتب المعظمة، كقوله: وحق رسول الله وحق الكعبة والقرآن. وقال ابن الجنيد: الأيمان الموجبة للكفارة لا ينعقد إلا أن يكون الحالف حالفا بالله أو باسم من أسمائه التي لا يسمي بها أحد سواه، وان يريد الحالف الله عز وجل بالاسم الذي لا يجوز به غير الله تعالى كالسميع والبصير. ثم قال - بعد كلام طويل -: ولا بأس أن يحلف الانسان بما عظم الله تعالى من الحقوق، لأن ذلك من حقوق الله عز وجل، كقوله: وحق رسول الله - صلى الله عليه وآله - وحق القرآن. ونهى النبي - عليه السلام - عن الحلف بغير الله أو أن يحلفوا بآبائهم، فيحتمل أن يكون لأن آباءهم كانوا يشترطون فيها من تعظيم ما كانوا يحلفون به ويشركون به كاللات والعزى، وما كان شركا، لأنه لا يعظم الشرك إلا مشرك. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: قول الله عز وجل: (والليل إذا يغشى) (والنجم إذا هوى) وما أشبه ذلك، فقال: إن الله عز وجل يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به (1). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله (2). احتج بما رواه عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 277 ح 1009، وسائل الشيعة: ب 30 انه لا يجوز الحلف... ح 3 ج 16 ص 160.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 278 ح 1010، وسائل الشيعة: ب 30 انه لا يجوز الحلف... ح 4 ج 16 ص 160.

[ 143 ]

حلف الرجل بالعتق بغير ضمير على ذلك، فقال: من حلف بذلك فقد رضي فهو لازم له فيما بينه وبين الله تعالى، وليس ذلك على المستكره (1). والجواب: القول بالموجب، وصرف ذلك الى أن ينذر عتق عبده إن فعل شيئا أو إن لم يفعل لا على وجه اليمين، وسمي حلفا بالمجاز، أو يحمل على ما قاله الشيخ من الاستحباب. مسألة: قال الشيخ في الخلاف في كتاب الأيمان: لا يدخل الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلا في اليمين فحسب، وقال أبو حنيفة: يدخل في اليمين بالله وبالطلاق والعتاق وفي النذور وفي الاقرار. دليلنا: ان ما ذكرناه مجمع على دخوله فيه، وما قالوه ليس عليه دليل (2). وقال أولا في كتاب الطلاق من الخلاف: الاستثناء بمشيئة الله تعالى يدخل في الطلاق والعتاق، سواء كانا مباشرين أو معلقين بصفة، وفي اليمين بهما وفي الاقرار وفي اليمين بالله فيوقف الكلام، ومن خالفه لم يلزمه حكم ذلك. واستدل بأصالة براءة الذمة وثبوث العقد، وإذا عقب كلامه بلفظة (ان شاء الله) في هذه المواضع فلا دليل على زوال العقد في النكاح أو العتق، ولا على تعلق حكم بذمته، فمن ادعى خلافه فعليه الدلالة (3). وكذا قال في المبسوط (4). وقال ابن ادريس: الصحيح الذي لا خلاف فيه بين أصحابنا ما قاله في الخلاف في كتاب الأيمان وما ذكره في المبسوط، وفي كتاب الطلاق من

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 299 ح 1109. وسائل الشيعة: ب 14 انه لا تنعقد اليمين... ح 8 ج 16 ص 140، وفيه: (بذلك ولله فيه رضي فهو له لازم فيما).
(2) الخلاف: ج 6 ص 132 المسألة 26.
(3) الخلاف: ج 4 ص 483 المسألة 53.
(4) المبسوط: ج 5 ص 66.

[ 144 ]

الخلاف مذهب بعض المخالفين (1). والمعتمد ما قاله الشيخ في المبسوط: وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الطلاق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا حلف الانسان غيره على مال له وجب عليه الرضا بيمينه، وليس له أن يأخذ من ماله شيئا، فان جاء الحالف تائبا مقلعا وأعطاه المال الذي حلف عليه جاز له قبضه، فان جاء بالمال ومعه ربحه فليأخذ رأس المال ونصف الربح ويعطيه النصف الآخر، وان كان له المال عنده فغصبه عليه وجحده غير انه لم يحلفه ثم ظفر بشئ من ماله جاز له أن يأخذ منه القدر الذي له من غير زيادة عليه، وان كان المال الذي ظفر به وديعة عنده لم يجز له جحده ولا يدخل فيما دخل معه فيه (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن ادريس: الذي نقول في هذا كله: إنه يجوز له أن يأخذ بمقدار ماله فيما بينه وبين الله تعالى، سواء حلفه أو لم يحلفه، وسواء كان المال المجحود غصبه منه أو لم يغصبه، وسواء كان ما ظفر به وديعة أو غير وديعة، لأنه لا دليل على المنع من ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع منعقد، فلا يجوز تضييع المال، لأن الرسول - عليه السلام - نهى عن قيل وقال واضاعة المال، فأما الربح المذكور وأخذ نصفه فلا وجه له، إلا أن يكون مال المجحود مضاربة وكان الربح قبل الجحود والمطالبة والحكومة فحينئذ يصح ما ذكره - رحمه الله - (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 42.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 43 - 44 وفيه: (فان جاء الحالف ثانيا).
(3) لم نعثر عليه.
(4) السرائر: ج 3 ص 42 - 43.

[ 145 ]

والمعتمد هنا أن نقول كما ذهب إليه الشيخ في الاستبصار من انه: إذا لم يحلف كره أن يأخذ من الوديعة ويجوز الاقتصاص من غيرها، وان حلف لم يجز له ذلك، لما رواه جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم (1). وهذا يدل على جواز الاقتصاص مطلقا. وعلى جواز الاقتصاص من الوديعة ما رواه أبو العباس البقباق أن شهابا ما راه (2) في رجل ذهب له ألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله - عليه السلام - فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحب الي أن تأخذ وتحلف (3). ولقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (4). وأما المنع مع الحلف فلما رواه عبد الله بن وضاح قال: كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم فقدمته الى الوالي فأحلفه فحلف (5) وقد علمت انه حلف يمينا فاجرة فوقع له بعد ذلك عندي أرباح (6) ودراهم

(1) الاستبصار: ج 3 ص 51 ذيل الحديث 167 وح 172، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 10 ج 12 ص 205.
(2) ماراه: جادله ونازعه.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 53 ح 174، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 202. (4) البقرة: 194.
(5) في المصدر: فاحلفته فحلف لي.
(6) في المصدر: حلف لي يمينا فاجرة فوقع بعد ذلك له أرباح.

[ 146 ]

كثيرة فأردت أن أقبض (1) الألف درهم التي كانت لي عنده وأحلف (2) عليها، فكتبت الى أبي الحسن - عليه السلام - فأخبرته اني قد أحلفته فحلف وقد وقع له عندي مال فان أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت، فكتب [ عليه السلام لي ]: لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولو لا انك رضيت بيمينه فحلفته (3) لأمرتك أن تأخذ (4) من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، فقد مضت اليمين بما فيها فلم آخذ منه شيئا، وانتهيت الى كتاب أبي الحسن - عليه السلام - (5). ولقول رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (من حلف فليصدق، ومن حلف له [ بالله ] فليرض، ومن لم يرض فليس من الله في شئ) (6). احتج الشيخ على المنع من الاقتصاص من الوديعة بما رواه ابن أبي عمير في الصحيح، عن ابن أخي الفضيل بن يسار قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها فقالت لي: اسأله، فقلت: عماذا؟ فقالت: إن أبي مات وترك مالا كان في يد أخي فأتلفه ثم أفاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شئ؟ فأخبرته بذلك فقال: لا، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: أد الأمانة الى من ائتمنك ولا تخن من

(1) في المصدر: اقتص.
(2) في المصدر: وحلف.
(3) في المصدر: فاحلفته.
(4) في المصدر: تأخذها.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 53 ح 175، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كيفية الحكم... ح 2 ج 18 ص 180.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 349 ح 987، وسائل الشيعة: ب 6 وجوب الرضا باليمين الشرعية ح 1 ج 16 ص 124 مع اختلاف.

[ 147 ]

خانك (1). والجواب: الحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة. ولما رواه علي بن سليمان قال: كتب إليه - عليه السلام - رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحل له حبسه عليه أم لا؟ فكتب: نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه، وان كان أكثر فليأخذ منه ما كان عليه ويسلم الباقي إليه إن شاء الله تعالى (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن وهب له أحد والديه شيئا ثم مات الواهب فطالبه الورثة بذلك الشئ جاز له أن يحلف انه كان اشتراه وأعطى ثمنه، ولم يكن عليه كفارة ولا اثم (3). وتبعه ابن البراج في الكامل. وقال ابن ادريس: هذا غير واضح، اما إذا طالبه الورثة بذلك الشئ فأقر لهم به أو قامت لهم بينة بأنه للميت فلهم انتزاعه وعوده تركة، فان ادعى انه اشتراه من والده فقوله غير مقبول، والقول قول الورثة، إلا أن يردوا عليه اليمين، لأن اليمين في جنبهم، ولا يجوز له أن يدعي انه اشتراه ولا أن يحلف انه اشتراه، فان حلف على ذلك كان كاذبا معاقبا على كذبه، وأما إن ادعي انه له ورضي الورثة بيمينه فيجوز حينئذ أن يحلف انه له ولا يكون كاذبا في يمينه بل يكون صادقا، وانما هذا خبر واحد أورده شيخنا ايرادا لا اعتقادا (4). وقول ابن ادريس جيد، وقول شيخنا - رحمه الله - له محمل وهو: ان يكون

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 348 ح 981، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 202.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 349 ح 985، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ص 205.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 47 - 48.
(4) السرائر: ج 3 ص 44 - 45.

[ 148 ]

قد كتب له الواهب كتاب ابتياع يتضمن البيع وقبض الثمن فالملك حصل له بالهبة، وإذا ادعى الشراء وبيده حجة بقبض الثمن فقد ثبت مدعاه، فإذا ادعى الخصم ان ذلك على وجه الحيلة جاز له الحلف ويوري ما يخرجه عن الكذب، لما رواه محمد بن أبي الصباح قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: إن امي تصدقت علي بنصيب لها في دار فقلت لها: إن القضاة لا يجيزون هذا لكن اكتبيه شراء، فقالت: إصنع من ذلك ما بدا لك وكل (1) ما ترى انه يسوغ لك فتوثقت فأراد بعض الورثة أن يستحلفني اني نقدتها الثمن ولم أنقد شيئا، قال: فاحلف له (2) (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن حلف ألا يشرب من لبن عنز له ولا يأكل من لحمها وليس به حاجة الى ذلك لم يجز له شرب لبنها ولا لبن أولاد ها ولا يأكل لحومهن، فان أكل أو شرب مع ارتفاع الحاجة كانت عليه الكفارة، وان كان قد شرب ذلك لحاجة لم يكن عليه شئ (4). وقال ابن الجنيد: وان حلف ألا يأكل لحم عنز ولا يشرب من لبنها لم يأكل لحم ما أنتجت ولا يشرب من لبنه. وتبعهما ابن البراج في الكامل. وقال ابن ادريس: لا بأس بشرب لبن أولاد ها وأكل لحومهن، لأن اليمين تعلقت بعين العنز دون أولاد ها، وانما ذلك خبر واحدا أورده ايرادا لا اعتقادا، فهذا تحرير الفتيا (5).

(1) في المصدر: في كل.
(2) في المصدر: انقدها شيئا فما ترى قال: احلف له.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 287 ح 1056، وسائل الشيعة: ب 43 جواز الحلف في... ح 1 ج 16 ص 175.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 49 - 50.
(5) السرائر: ج 3 ص 46.

[ 149 ]

وقول ابن ادريس جيد. لنا: الأصل براءة الذمة واباحة لحوم الأولاد ولبنهن، لعدم تعلق اليمين بهن، وعدم تناول لفظ الامهات لهن بالمطابقة والتضمن والالتزام. احتج الشيخ بما رواه عيسى بن عطية قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: إني آليت ألا أشرب من لبن عنزي ولا آكل من لحمها فبعتها وعندي من أولاد ها، فقال: لا تشرب من لبنها ولا تأكل من لحمها فإنها منها (1). والجواب: الطريق ضعيف، فان في طريقه عبد الله بن الحكم وهو ضعيف، وسهل بن الحسن ويعقوب بن اسحاق وعيسى بن عطية، ولا أعرف حالهم، فلا تعويل على هذه الرواية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن أودع عند انسان مالا وذكر انه لانسان بعينه ثم مات فجاء ورثته يطالبونه بالوديعة فان كان الموصي ثقة عنده جاز له أن يحلف بأن ليس عنده شئ ويوصل الوديعة الى صاحبها، وان لم يكن ثقة عنده وجب عليه أن يرد الوديعة الى ورثته (2). وقال ابن ادريس: يجوز أن يحلف انه ليس عنده شئ ويوصل الوديعة الى صاحبها الذي أقر المودع بأنها له، سواء كان المودع ثقة أو غير ثقة، لأن اقرار العقلاء جائز على أنفسهم، سواء كانوا أتقياء أو غير أتقياء، وقول شيخنا خبر واحد أورده ايرادا كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 293 ح 1082، وسائل الشيعة: ب 37 حكم من حلف... ح 1 ج 16 ص 171.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 50 - 51. (3) السرائر: ج 3 ص 46.

[ 150 ]

والحق ما قاله الشيخ، لأن قوله الموصي يعطي ان القول على سبيل الوصية أو الاقرار في المرض، وقد بينا فيما تقدم الحق في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الكافر يصح يمينه بالله في حال كفره، فان حنث فعليه الكفارة، سواء حنث في حال كفره أو بعد أن يسلم، وقال بعضهم: لا ينعقد يمينه بالله، ولا تجب عليه الكفارة، ولا يصح منه التكفير. قال: والأقوى عندي الأول، إلا انه لا تصح منه الكفارة في حال كفره، لأنها تحتاج الى نية القربة وهي لا تصح من كافر، لأنه غير عارف بالله (1). وقال في الخلاف: لا تنعقد يمين الكافر بالله تعالى، ولا يجب عليه الكفارة بالحنث، ولا يصح منه التكفير بوجه، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: تنعقد يمينه ويلزمه الكفارة بحنثه، سواء حنث حال كفره أو بعد اسلامه. دليلنا: اليمين انما تصح بالله ممن كان عارفا بالله، والكافر غير عارف بالله عندنا أصلا فلا تصح يمينه، وأيضا الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل وأيضا قوله - عليه السلام -: (الاسلام يجب ما قبله) وأما الكفارة فتحتاج الى نية، ومن لا يعرف الله لا يصح أن ينوي ويتقرب إليه، واستدل الشافعي بظواهر الأخبار وحملها على عمومها. قال: وهو قوي يمكن اعتماده (2). وقال ابن البراج: إذا حلف الانسان بالله تعالى وهو كافر صحت يمينه، ولم تصح منه الكفارة إذا حنث، لأنها تفتقر الى نية القربة، والقربة لا تصح من الكافر، لأنه لا يعرف الله تعالى. وإذا لم يعرفه لم يصح أن يتقرب إليه بذلك (3). وقال ابن إدريس: لا تنعقد يمين الكافر بالله، ولا يجب عليه الكفارة

(1) المبسوط: ج 6 ص 194 - 195.
(2) الخلاف: ج 6 ص 116 المسألة 9.
(3) المهذب: ج 2 ص 406.

[ 151 ]

بالحنث، ولا تصح منه التكفير بوجه (1). والمعتمد أن نقول: إن كان الكفر باعتبار جهله بالله تعالى وعدم علمه به اما بأن يجحد الرب تعالى أو يشبهه بغيره كالمجوس فهذا لا ينعقد يمينه، لأنه يحلف بغير الله تعالى، وان كان باعتبار جحده نبوة أو فريضة معلومة الثبوت من دين الاسلام انعقدت يمينه بالله تعالى، لوجود المقتضي للانعقاد وهو الحلف بالله تعالى من عارف به عاقل لا ولاية لأحد عليه، وإذا انعقدت وجب عليه الفعل المحلوف عليه، فان كان من الطاعات وقصد ايقاعه على وجه التقرب الى الله تعالى وجب عليه تقديم الاسلام وفعله، إذ لا طاعة من الكافر، لأن استحقاق الثواب مشروط بالايمان، وان كان غير طاعة وجب عليه فعله مطلقا، ومتى حنث وجبت عليه الكفارة، لوجود المقتضي، ولكن لا يصح منه أداؤها إلا بتقديم الاسلام عليه، فان أسلم بعد الحنث سقطت الكفارة عنه، لوجود المقتضي للازالة وهو الاسلام. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا دخلت بيتا، فدخل بيتا من شعر أو وبر أو بيتا من حجر أو مدر فانه يحنث، وقال بعض الشافعية: إن كان بدويا حنث بدخول بيت البادية أو البلدان، وان كان قرويا حنث بدخول بيت البلدان، وفي بيوت البادية وجهان. ثم قال: دليلنا: ان الاسم يتناول هذه الأبيات، قال تعالى: (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا) فسماها بيوتا (2). وقال في المبسوط: إذا حلف لا دخلت بيتا فدخل بيتا من شعر أو أدم أو وبر أو من حجر أو طين أو مدر قال قوم: يحنث على كل حال، بدويا كان أو قرويا إذا كان يعرف عادة البادية والحاضرة، وقال بعضهم: إن كان بدويا لا

(1) السرائر: ج 3 ص 48.
(2) الخلاف: ج 6 ص 148 المسألة 45.

[ 152 ]

يعرف بيوت الحاضر فمتى دخل بيوت الحاضرة لا يحنث، وان كان قرويا لا يعرف بيوت البادية فمتى دخل بيوت البادية من الشعر فانه لا يحنث. قال: والذي يقوى في نفسي أن يرجع في ذلك الى العادة، فان كان بدويا حنث، سواء دخل بيوت البادية أو الحاضرة، وان كان قرويا فدخل بيوت البلدان حنث، وان دخل بيوت البادية فان كان يعرفها حنث بدخولها، وان لم يعرفها لا يحنث (1). وقال ابن البراج: إن كان بدويا حنث، سواء دخل بيوت البادية أو الحاضرة، وان كان قرويا فدخل بيوت البلدان حنث، وان دخل بيوت البادية وكان يعرفها حنث، وان لم يعرفها لم يحنث (2). وقال ابن إدريس: إذا حلف لا دخلت بيتا فدخل بيتا من شعر أو وبر أو بيتا مبنيا من حجر أو مدر فانه يحنث (3). والوجه أن نقول: مبني الأيمان على المقاصد والعرف العام أو اللغوي، فإن كان الحالف قصد بيتا من هذه البيوت انصرفت اليمين إليه، لأنه المحلوف عليه دون غيره، وان قصد ما يسمى بيتا في عرفه انطلق (4) الى عرفه، فمهما سمي بيتا في عرفه انصرفت اليمين إليه، وان قصد مها يسمى بيتا على الاطلاق سواء كان في عرفه أو غير عرفه عم المنع الجميع، لاندراج كل فرد تحت عموم المقصود. مسألة: قال الشيخ في المبسوط إذا حلف لا أدخل بيتا فان دخل الكعبة أو المسجد أو البيعة أو الكنيسة لم يحنث عند قوم. لأن البيت إذا اطلق يتناول ما بني للايواء والسكنى، وكل هذا بني للعبادة والصلاة، وعلى هذا إذا دخل

(1) المبسوط: ج 6 ص 222، مع اختلاف.
(2) المهذب: ج 2 ص 417. (3) السرائر: ج 3 ص 48.
(4) في الطبعة الحجرية: انطلق اليمين.

[ 153 ]

الحمام لم يحنث، لأنه بني للاغتسال والتنظيف (1). ونقله ابن ادريس قولا للشيخ في المبسوط وقال: هو انه يحنث، لأن الله تعالى سماه بيتا، فبعرف الشرع يسمى بيتا وان كان بعرف الاستعمال والعادة لا يسمى بيتا، فإذا طرأ عرف الشرع على عرف اللغة أو الاستعمال كان الحكم له والمرجع إليه دون العرفين (2). ولهذا قال الشيخ في الخلاف: لو حلف لا يأكل لحما حنث بلحم السمك، لأن اسم اللحم يتناوله، قال تعالى: (ومن كل تأكلون لحما طريا) وإذا كان اسم اللحم ينطلق عليه وجب أن يطلق الأيمان عليه (3). وقال ابن ادريس: إذا كان العرف الشرعي - وهو القرآن - هو الذي سماه لحما وان كان في عرف الاستعمال والعادة لا يسمى لحما فيلزمه في البيت والكعبة ما الزم خصمه من الاستشهاد بالقرآن، ويحنث من دخل الكعبة، لتساويهما (4). والوجه عندي في المسألتين البناء على المقصد، فان قصد المسمى انصرف الى العرف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا دخل بيتا لم يحنث بالدهليز، لأنه بنى للدخول منه الى الدار والاستطراق لا للايواء والسكنى، فان دخل بيتا في جوف الدار حنث، لأنه بنى للايواء والسكنى، وان دخل صفة في الدار لم يحنث، وقال بعضهم: يحنث. والأول أقوى، لأن الصفة لا تسمى بيتا (5).

(1) المبسوط: ج 6 ص 249.
(2) السرائر: ج 3 ص 48.
(3) الخلاف: ج 6 ص 167 المسألة 73، مع اختلاف.
(4) السرائر: ج 3 ص 49، مع اختلاف.
(5) المبسوط: ج 6 ص 249.

[ 154 ]

وقال في الخلاف: إذا حلف لا يدخل بيتا فدخل صفة في الدار لم يحنث، لأصالة البراءة، ولأن الصفة لا تسمى بيتا في اللغة (1). وقال ابن الجنيد: لو حلف ألا يظله سقف بيت فدخل صفته حنث، ولو مشى تحت ساباط على طريق مسلوك لم يحنث. وهو يشعر بالحنث في الصفة. والوجه الحوالة في ذلك على العرف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا دخلت على زيد بيتا فدخل على عمرو بيتا وزيد في ذلك البيت فان علمه هناك فدخله واستثناه بقلبه فدخل عليه معتقدا انه داخل على عمرو دون زيد فهل يحنث أم لا؟ مبنية على أصل وهو: إذا حلف لا كلم زيدا فسلم على قوم فيهم زيد فان كان مع العلم بحاله من غير استثناء حنث، وان كان جاهلا أو ناسيا فعلى قولين أصحهما عندنا انه لا يحنث، وان كان عالما فاستثناه بقلبه واعتقد ان السلام عليهم دونه فهل يصح الاستثناء فلا يحنث؟ قال: قوم يصح، وهو الأقوى عندي، ومنهم من قال: لا يصح (2). وقال في الخلاف: إذا حلف لا دخلت على زيد بيتا فدخل على عمرو بيتا وفيه زيد فاستثناه بقلبه كأنه قصد الدخول على عمرو دون زيد لم يصح، وإن حلف لا كلم زيدا فسلم على جماعة واستثناه بقلبه لم يحنث. دليلنا في السلام: ان السلام لفظ عام، ويجوز أن يخصه بقلبه، والفعل فعل الواحد لا يصح تخصيصه بزيد دون عمرو، وإذا لم يصح تخصيصه فقد حنث بالدخول، ولا يحنث بالسلام (3). وابن ادريس (4) وافق شيخنا في مسائل خلافه.

(1) الخلاف: ج 6 ص 184 المسألة 99.
(2) المبسوط: ج 6 ص 226 - 227.
(3) الخلاف: ج 6 ص 157 المسألة 56.
(4) السرائر: ج 3 ص 50.

[ 155 ]

وقال ابن البراج: إذا حلف ألا يدخل على زيد بيتا فدخل بيت عمرو وزيد فيه وهو عالم بذلك حنث، ولم يفصل، وفصل في السلام (1). وقول الشيخ في الخلاف جيد، لصدق الدخول عل زيد مع الاستثناء، لأنه حقيقة واحدة لا تختلف باختلاف المقاصد والدواعي، بخلاف السلام المفتقر في تحقق كونه خطابا الى قصد توجهه الى المخاطب، فلا يصح تعلقه بالغير بدون قصد توجهه الى ذلك الغير، بخلاف الدخول فانه ماهية حقيقية كالضرب، فلو حلف لا ضربت زيدا فضرب زيدا وعمروا بقصد ضرب عمرو حنث. لا يقال: لو لم يفتقر الدخول الى القصد لحنث الساهي والمكره. لأنا نقول: عدم الحنث فيهما ليس باعتبار عدم تحقق المحلوف عليه بل باعتبار اشتراط القصد في فعل المحلوف عليه وتعمد المخالفة لليمين فتحقق الحنث. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا يفعل فعلا فأمر غيره بفعله عنه بأمره مثل: أن يحلف لا تزوجت ولا طلقت ولا بعت ولا اشتريت ولا ضربت عبدي فإذا فعله غيره بأمره فان كان الحالف يلي اموره بنفسه - كأفناء الناس - لم يحنث، لأنه لم يفعله، والايمان تتعلق بحقائق الأسماء والأفعال، فإذا فعله عنه غيره باذنه فهو وان اضيف إليه لكنه لم يفعله هو حقيقة، لصحة نفي الفعل عنه، وان كان لا يلي هذه الأشياء بنفسه - كالخليفة والسلطان العظيم - فوكل غيره بفعله عنه نظر، فان حلف لا تزوجت ولا طلقت لم يحنث، لأن هذا مما يليه بنفسه فهو فيهما كالعامة، وان كان حلف لا بعت ولا اشتريت ولا ضربت عبدي ففعله غيره باذنه قال قوم: لا يحنث، وقال آخرون في الضرب: انه يحنث، لأنه يقال: باع الخليفة وان كان البائع وكيله، كما روي زنى ما عز

(1) المهذب: ج 2 ص 418.

[ 156 ]

فرجمه رسول الله - صلى الله عليه وآله - وانما أمر برجمه، وهذا الأقوى عندي. ومن قال لا يحنث قال: هذا مجاز، والأيمان تتعلق بالحقائق، وهو قوي أيضا، ويقويه ان الأصل براءة الذمة (1). وقال في الخلاف: إذا قال الخليفة أو الملك: والله لا ضربت (2) عبدي ثم أمر عبده فضربه لم يحنث، لأن حقيقة هذه الاضافة أن يفعل الفعل بنفسه، وانما ينسب بما يفعله غيره بأمره إليه على ضرب من المجاز، ولهذا يحسن أن يقال: ما ضربه وانما ضربه غلامه أو من أمره به، فلو كان حقيقة لما جاز ذلك، وإذا قال: والله لا تزوجت ولا بعت فوكل فيهما لم يحنث (3). لما تقدم. وقال ابن الجنيد: ولو حلف ألا يبيع شيئا ولا يشتريه فأمر من باعه واشتراه لم يحنث، إلا أن يكون له نية في العين. وقال ابن ادريس: إذا قال الخليفة أو الملك: والله لا ضربت عبدي لم يحنث بالأمر، وكذا لو قال: لا تزوجت ولا بعت فوكل فيهما (4) (5). والتحقيق أن نقول: إن نوى الحالف ألا يفعله بنفسه فلا يحنث بفعل غيره بأمره اعتبارا بنيته، سواء جل قدره أولا، وان نوى انه لا يكون منه ما يقتضي ذلك الفعل ولا ما يكون باعثا عليه حنث بالأمر كما يحنث بالفعل مباشرة، لأنه قد كان باعثا عليه، سواء جل قدره أو قل. وان لم يقترن باليمين نية بل أطلق فان كان العرف جاريا باسناد الفعل الى المباشر والآمر على حد سواء حنث بالأمر كما لو حلف لا احتجمت ولا افتصدت ولا حلقت رأسي ولا

(1) المبسوط: ج 6، ص 230 - 231، مع اختلاف.
(2) ق 2 وم 3: لأضربن.
(3) الخلاف: ج 6 ص 162 المسألة - 64 - 65.
(4) في المصدر: لا ضربت عبدي ثم أمر فضربه لم يحنث إذا قال الخليفة... فيهما لم يحنث.
(5) السرائر: ج 3 ص 50.

[ 157 ]

بنيت داري سواء جل قدر الحالف أو قل إذا لم يجر في العرف من جليل أو حقير أن يباشر هذه الأفعال في نفسه فصار العرف صارفا عن حقيقة اللفظ الى مجازه فيصير اعتبار المجاز حيث اقترن بالعرف أولى من اعتبار الحقيقة إذا فارق (1) العرف، وان كان العرف جاريا في فعله بالمباشرة دون الأمر من جميع الناس كقوله: لا قرأت ولا كتبت ولا حججت ولا اعتمرت لم يحنث بالأمر، سواء جل قدر الحالف أو قل، لأن العرف جار بمباشرة ذلك من كل جليل وحقير فصار العرف مقترنا بالحقيقة فيتعين الحمل عليها دون المجاز، وان كان العرف مختلفا في مباشرة فعله فيفعله مباشرة الحقير دون الجليل فان اقترن بعرف الاستعمال في الاختلاف بينهما عرف الشرع - كاقامة الحدود التي لا يقيمها في الشرع والعرف إلا الولاة والحكام - فيحنث الآمر بها إذا كان من الولاة، وان لم يباشرها كما قيل: جلد رسول الله - صلى الله عليه وآله - زانيا ورجم ماعزا وقطع سارقا ولا يحنث بها غير الولاة إلا بالمباشرة، لأنه غير نافذ الأمر فيها، وان انفرد الاختلاف بينهما بعرف الاستعمال دون عرف الشرع فيباشره الأدنى دون الأعلى تنزها وترفعا - كعقود البيع وتأديب العبيد والخدم - فان كان عرف الحالف جاريا بمباشرته كرجل من عوام السوقة حلف لا باع ولا اشترى ولا ضرب عبدا حنث بالمباشرة دون الأمر، لأن الأيمان تحمل على حقائق الأسماء والأفعال ما لم (2) ينقلها عرف، والحقيقة في هذه الأفعال مباشرتها والعرف مقترن بها، وان كان عرفه جاريا بالاستنابة فيه دون مباشرته - كالسلطان إذا حلف لا باع ولا اشترى ولا ضرب عبدا - فالأقرب الحنث اعتبارا بالعرف، والعرف هنا قد اقترن بالمجاز فيحمل عليه، ويحتمل عدمه، عملا بالحمل على الحقيقة، وهي انما تتناول المباشرة لها دون الأمر بها، والحقيقة انما تنتقل بعرف

(1) م 3: قارنت، والطبعة الحجرية: فارقت.
(2) ق 2: إذا.

[ 158 ]

عام كما لو حلف لا آكل رؤوسا فانه لا يحنث بأكل رؤوس الطير والجراد وان وجد حقيقة الاسم فيها لأن العرف العام نقل عما عداها حقيقة الاسم، وهذا عرف خاص فلا ينتقل به الحقيقة، كما لو حلف السلطان لا أكلت خبزا ولا لبست ثوبا فانه يحنث بخبز الذرة ولبس العباءة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا يأكل الرؤوس حنث بأكل رؤوس النعم الابل والبقر والغنم، ولا يحنث بأكل رؤوس سواها كرؤوس الحيتان والعصافير والطيور والجراد، وان كان في بلد له صيد كثير وتكون رؤوس الصيد يؤكل مفردة عنها (1) حنث فيها، وان حلف لا يأكل الرؤوس وهو في غيرها من البلاد فأكل منها هل يحنث أم لا؟ قال قوم: يحنث، لأنه إذا ثبت عرف في مكان تعلق بها حكم اليمين في كل مكان كخبز الارز له عرف بطبرستان فيتعلق به الأيمان في كل مكان، وقال آخرون: لا يحنث، لأن هذا الحالف لا علم له بذلك ولا عرف له بهذا البلد، وهكذا القول في رؤوس الحيتان إذا ثبت لها من العرف ما ثبت لرؤوس الصيود، هذا إذا لم يكن له نية، فأما إذا كان له نية حنث وبر عليه نيته، والورع أن يحنث بأي رأس كان ليخرج من الخلاف، لأن فيه خلافا. والأقوى عندي ألا يحنث بما لا يعرفه، لأن الأصل براءة الذمة (2). وفي الخلاف إذا حلف لا يأكل رؤوسا حنث بأكل رؤوس الابل والبقر والغنم دون الطيور والعصافير والجراد والحيتان (3). وقال ابن ادريس: إذا حلف لا يأكل الرؤوس فأكل رؤوس الغنم

(1) في المصدر: عندنا.
(2) المبسوط: ج 6 ص 238 - 239.
(3) الخلاف: ج 6 ص 167 المسألة 72، مع اختلاف.

[ 159 ]

والابل والبقر حنث ولا يحنث بأكل رؤوس العصافير والطيور والحيتان والجراد، وقال بعض الفقهاء: لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم فحسب، وهو قوي، لعرف العادة، هذا إذا لم يكن له نية، فان كان له نية حنث وبر على نيته، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في مبسوطه، وهو من فروع المخالفين وتخريجاتهم، والذي يقتضيه اصولنا انه يحنث بأكل جميع الرؤوس، لأن ذلك هو الحقيقة فلا يعدل عنها الى المجاز، لأنا ننظر الى مخرج اليمين، ويحنث صاحبها ويبر على مخرجها وحقائقها دون أسبابها ومعانيها ومجازاتها وفحوى خطابها (1). والمعتمد أن نقول: إن نوى الحالف صرف الحلف إليه، وان لم ينو فان كان هناك عرف خاص يعهده الحالف وينصرف اطلاق لفظه إليه حمل عليه، وإلا حمل على الحقيقة اللغوية. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا يأكل بيضا، حقيقة هذا كل بيض، سواء زايل بايضه وهو حي كالدجاج والنعام والأوز والعصافير، أو لا يزايل بايضه وهو حي كبيض السمك والجراد والبيض الموجود في جوف الدجاجة يطبخ ويشوي معها، غير انا نحمله على ما يزايل بايضه حيا بالعرف القائم في الاسم، ألا تراه إذا قال: أكلت البيض لم يفهم منه بيض السمك والجراد، وكذلك إذا حلف لا أكلت الرؤوس فهذا حقيقته كل رأس وحملناه على النعم بالعرف القائم في الاسم (2). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه مذهبنا انه يحنث بأكل جميع ما ينطلق عليه اسم البيض، لأن اسم البيض يقع حقيقة على جميع ذلك، والأيمان عندنا يتعلق بحقائق الأشياء ومخارج الأفعال والأسماء ولا يرجع الى المعاني، وانما هذه تخريجات المخالفين وقياساتهم، فإذا كان اسم البيض ينطلق على بيض السمك

(1) السرائر: ج 3 ص 50 - 51.
(2) المبسوط: ج 6 ص 255.

[ 160 ]

حقيقة وجب أن يتعلق به الأيمان ويطلق عليه، والاحتياط أيضا يقتضيه (1). والمعتمد في ذلك أن نقول: إن كان عرف الحالف يقتضي صرف اطلاق البيض الى ما يعم الجميع انصرف إليه جمعا بين الحقيقة اللغوية والعرفية، وان كان لا ينطلق إلا على نوع خاص انصرف إليه، عملا بالحقيقة العرفية عند التعارض بينها وبين اللغوية. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): إذا حلف لا يأكل لحما فأكل قلبا لم يحنث، لأن اسم اللحم لا يقع عليه، ولا يقال لمن أكله أكل لحما. وقال ابن ادريس: الأولى انه يحنث، لأن اسم اللحم يطلق عليه حقيقة (4). والوجه ما قلناه أولا: إن كان اسم اللحم يطلق عليه حقيقة أو عرفا حمل عليه أيضا، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا يأكل لحما لم يحنث بأكل لحم الحيتان، وقال بعضهم: يحنث. والأول أقوى (5). وقال في الخلاف: يحنث، لأن اسم اللحم يطلق عليه، قال الله تعالى: ((ومن كل تأكلون لحما طريا) وإذا كان اسم اللحم مطلقا عليه وجب أن يطلق الأيمان عليه (6).

(1) السرائر: ج 3 ص 51.
(2) المبسوط: ج 6 ص 241.
(3) الخلاف: ج 6 ص 170 ج 6 المسألة 79.
(4) السرائر: ج 3 ص 51.
(5) المبسوط: ج 6 ص 239.
(6) الخلاف: ج 6 ص 167 المسألة 73، وفيه: (لحم السمك وقال بعضهم).

[ 161 ]

وقال ابن ادريس: ما ذكره الشيخ في مبسوطه قوي، لعرف العادة، وما ذكره في الخلاف أقوى، للآية، لأن عرف الشرع إذا طرأ على عرف العادة كان الحكم لعرف الشرع (1). والمعتمد ما قلناه في المسائل السابقة من البناء على العرف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا شربت من نهر لا شربت من دجلة فمتى شرب من مائها سواء غرف بيده أو في كوز أو غيره أو كرع فيها كالبهيمة حنث (2). وقال في المبسوط: إذا حلف لا شربت من النهر لا شربت من دجلة فمتى شرب من مائها حنث، سواء غرف بيده أو في كوز أو غيره على أي وجه شرب منها أو كرع فيها كالبهيمة، وقال بعضهم: لا يحنث حتى يكرع منها كالبهيمة، لأنه إذا شرب غرفا بيده فما شرب منها وانما شرب من يده، وهو الأقوى عندي (3). وقال ابن ادريس: ما ذكره في المبسوط هو الذي يقوى في نفسي، لأن الأصل براءة الذمة، والكلام في الحقائق دون المجاز، وهذا هو الحقيقة وما عداه مجاز (4). واحتج الشيخ على قوله في الخلاف بأن معنى هذا الكلام لا شربت من مائها، فبهذا جرت العادة، لأن دجلة عبارة عن قرارها ومكان جري الماء فيه، والقرار لا يمكن الشرب منه، فلو لزم ما قالوه للزم إذا شرب بفيه كالبهيمة لا يحنث أيضا، لأنه انما شرب من فيه فانه يأخذ الماء بفيه أولا فيصير فيه، ولا يحنث حتى يزدرده، بدليل انه لو أخذه بفيه ومجه من فيه لم يحنث، ثبت ان

(1) السرائر: ج 3 ص 52.
(2) الخلاف: ج 6 ص 163 المسألة 67.
(3) المبسوط: ج 6 ص 232.
(4) السرائر: ج 3 ص 52.

[ 162 ]

الفم آلة يشرب منه كالكوز والقدح لم يثبت انه يحنث إذا شرب من فيه، وكذلك إذا شرب من قدح (1). والمعتمد اتباع العرف إن كان أو الحقيقة اللغوية إن لم يكن، واحتجاج الشيخ في الخلاف ضعيف، لأن كون الفم آلة لا يقتضي مساواته للاناء لانصراف الشرب من الكوز - مثلا - الى أخذ الماء بالفم من الكوز. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا وهبت له فان الهبة عبارة عن كل عين يملكه اياها متبرعا بها بغير عوض، فان وهب له أو أهدى أو نحله أو أعمره أو تصدق عليه بصدقة تطوع بها حنث، وقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وآله - العمرى هبة، فقال: العمرى هبة لمن وهبت له (2). وكذا قال في المبسوط، وزاد: فان حلف لا أعمرته فتصدق عليه أو لا أتصدق عليه فأهدى له لم يحنث، لأن اليمين تعلقت بنوع فلا يحنث بنوع آخر، فان حلف لا وهبت له فأعاره لم يحنث، لأن الهبة تمليك الأعيان، والعارية لا يملك بها العين، فان وقف عليه فمن قال: إنه ينتقل الى الله تعالى لا الى ملك (3) لم يحنث، لأنه ما ملكه، ومن قال: ينتقل (4) الى الموقوف عليه حنث. قال: والثاني أقوى، فان أوصى له بشئ وقبله لم يحنث، لأنه سبب تمليك وليس بتمليك (5). وقال ابن إدريس: قوله الهبة عبارة عن كل عين يملكه اياها متبرعا بغير عوض فغير واضح، أن الوقف كذلك، ولا يسمى هبة بغير خلاف، وصدقة

(1) الخلاف: ج 6 ص 163 المسألة 67.
(2) الخلاف: ج 6 ص 177 المسألة 91. (3) في المصدر: مالك.
(4) في المصدر: انه ينتقل.
(5) المبسوط: ج 6 ص 244.

[ 163 ]

التطوع عندنا لا تسمى هبة، بل بينها وبين الهبة فرق كثير، لأن صدقة التطوع بعد القبض لا يجوز الرجوع فيها والهبة يجوز الرجوع فيها فلا يحنث بصدقة التطوع، لأنه ما وهب (1). والمعتمد ما قاله الشيخ، لأن الوقف على تقدير انتقاله الى الموقوف عليه والصدقة المتطوع بها يندرجان تحت اسم الهبة وحدها فيكونان نوعين منها. وادعاء ابن ادريس الاجماع على خلافه غلط، وحجته بأن الصدقة لازمة والهبة غير لازمة ينتقض بهبة ذي الرحم بأنها لازمة والهبة غير لازمة فلا يكون هبة ذي الرحم هبة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا وهبت عبدي ثم وهبه من رجل حنث بوجود الايجاب، قبل الموهوب له أو لم يقبل، وبه قال أبو حنيفة وابن شريح (2)، وقال الاسفرائيني: لا يحنث، لأن الهبة عبارة عن الايجاب والقبول كالبيع، وهو قوي. دليلنا على الأول: انه إذا قال: وهبت فقد فعل ما حلف انه لا يفعله، وانما حلف ألا يفعل هذه الصيغة بعينها وقد فعلها فيجب أن يحنث، وليس كذلك البيع، لأنه لا يقال: باع بلفظة (3) قوله: (بعت) حتى يحصل القبول (4). وقال في المبسوط: إذا حلف لا وهبت عبدي هذا أو قال له: إن وهبتك فأنت حر وجعله نذرا عندنا فان وهبه من رجل حنث بوجود الايجاب، قبل الموهوب له أو لم يقبل عند قوم، وقال آخرون - وهو الأقوى -: انه لا يحنث حتى يحصل القبول، لأن الهبة عبارة عن الايجاب والقبول معا كالبيع، بدليل انه لو حلف لا بعت لم يحنث بالايجاب، فالهبة مثله. والأول أيضا قوي (5). وهذا

(1) السرائر: ج 3 ص 55.
(2) في المصدر: سريج.
(3) في المصدر: بلفظ.
(4) الخلاف: ج 6 ص 186 المسألة 103.
(5) المبسوط: ج 6 ص 250.

[ 164 ]

يدل على تردد الشيخ في الكتابين معا. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه اصول أصحابنا انه لا يحنث إلا بوجود الايجاب والقبول، لأن الهبة عقد عندنا بلا خلاف، والعقود لا يكون إلا بين اثنين، وهو مثل البيع سواء. وقد فرق شيخنا بغير فرق وهو انه قال: لا يقال: باع بلفظ قوله: بعت حتى يحصل القبول، وكذلك نحن نقول في الهبة، لأنها باقية على ملكه بلا خلاف، فإذا وجد القبول انتقلت من ملكه، وكذلك البيع سواء، وقد رجع شيخنا في مبسوطه الى ما اخترناه وحررناه (1). وقول الشيخ في المبسوط هو الأقوى. لنا: ان الهبة والبيع عقدان، فان تناولت اليمين فعل الحالف فهو الايجاب لا غير، وان تناولت كمال العقد فهو الايجاب إذا اقترن به القبول. نعم يمكن أن يقال: قبول الهبة قد يحصل بالفعل وقد يحصل بالقبول، والفعل ليس جزء من مسمى الهبة، فيبقى الجزء الأعظم فيها الايجاب فينصرف اليمين فيها إليه، إلا أن الجواب ان القبول لا بد منه، سواء كان فعلا أو قولا، وكون الفعل لا يتعين للجزئية لا يخرجه عن كونه أحد الجزئين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا يأكل شحما - فالشحم هو الذي يكون في الجوف من شحم الكلى أو غيره - فان أكل منه حنث، وان أكل غيره من كل شئ في الشاة من لحمها الأحمر والأبيض والالية والكبد والطحال والقلب لم يحنث بشئ من هذا، لأن اسم الشحم لا يقع عليه، وقال بعضهم: إن أكل من لحم الظهر حنث. والأول أقوى عندي. ولو حلف لا يأكل لحما نظرت فان أكل من اللحم الأحمر أو من الأبيض الذي يكون على الظهر حنث، وان أكل من القلب لم يحنث، وان أكل من شحم البطن لم

(1) السرائر: ج 3 ص 55.

[ 165 ]

يحنث عندنا، وقال بعضهم: يحنث (1). وقال في الخلاف: إذا حلف لا أكلت شحما فأكل شحم الظهر لم يحنث، لأن اسم الشحم يختص بما يكون في الجوف، ولو حلف لا يأكل لحما وأكل من شحم الجوف لم يحنث (2). وقال ابن الجنيد: ومن حلف ألا يأكل شحما من غير نية إفراده من اللحم كان الاحتياط له تركهما جميعا من غير حيوان واحد أو اثنين. وقال ابن البراج: إذا حلف لا يأكل شحما فأكل ما يجري عليه اسم شحم حنث (3). وقال ابن إدريس: الصحيح الذي يقتضيه اصول المذهب انه يحنث بشحم الظهر، لأن الشحم عبارة من غير اللحم من أي موضع كان، سواء كان شحم الالية أو الظهر أو البطن بغير خلاف بين أهل اللسان (4). وهو المعتمد. لنا: ان اللحم والشحم جسمان قد اشتمل عليها الدابة يفترقان في الاسم والحقيقة. اما افتراقهما في الاسم فظاهر. واما افتراقهما في الحقيقة فلأن اللحم أحمر كثيف ذو طعم خاص، والشحم أبيض رخو الجسم ذو طعم آخر، سواء كان في الجوف أو على الجنب في الظهر والزور (5). ولقوله تعالى: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ((6) والاستثناء اخراج. ولأنه بصفة الشحم أشبه منه بصفة اللحم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا يأكل رطبا فأكل المنصف

(1) المبسوط: ج 6 ص 241.
(2) الخلاف: ج 6 ص 170 المسألة 78 - 79، مع اختلاف.
(3) المهذب: ج 2 ص 420.
(4) السرائر: ج 3 ص 56.
(5) الزور: وسط الصدر أو ما ارتفع الى الكتفين.
(6) الانعام: 146.

[ 166 ]

- وهو الذي نصفه رطب ونصفه بسر - أو حلف لا يأكل بسرا فأكل المنصف حنث، لأنه قد أكل الرطب وأكل معه شيئا آخر (1). وقال ابن الجنيد: ولو حلف ألا يأكل بسرا أو ألا يأكل رطبا فأكل مذنبا لم يبر. وقال في المبسوط: فان حلف لا يأكل رطبا فأكل من المنصف - وهو ما نصفه رطب ونصفه بسر - نظرت، فان أكل منه الرطب حنث، وان أكل منه البسر لم يحنث، وان أكله على ما هو به حنث، لأنه أكل الرطب، وقال بعضهم: لا يحنث. والأول أصح عندنا. وهكذا إذا حلف لا يأكل بسرا فأكل المنصف فعلى ما فصلناه (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي انه لا يحنث للعرف، لأن الانسان إذا قال لغلامه: اشتر لنا رطبا فاشترى له منصفا لم يمتثل أمره، وكذلك إن أمره أن يشتري البسر (4) فاشترى له المنصف لم يكن ممتثلا، لأن عرف العادة (5) الرطب - هو الذي جميعه قد نضج - وكذلك في البسر - الذي جميعه لم ينضج منه شئ - هذا (6) هو المتعارف (7). والوجه عندي أن نقول: إن أكل البسر من المنصف حنث به في البسر ولم يحنث به في الرطب، وان أكل الرطب منه حنث به في الرطب ولم يحنث به في

(1) الخلاف: ج 6 ص 171 المسألة 82.
(2) المبسوط: ج 6 ص 241، وفيه: (لأنه قد أكل الرطب).
(3) المهذب: ج 2 ص 420.
(4) في المصدر: وكذلك إن أمره يشتري البسر.
(5) في المصدر: ممتثلا أمره لأن في عرف العادة. (6) في المصدر: وهذا.
(7) السرائر: ج 3 ص 56.

[ 167 ]

البصر، وان أكل الجميع فان كل أحدهما أغلب وأكثر - مثلا يكون مذنبا - فانه يجري عليه حكم الغالب، فالبسر يشمل المذنب فيحنث به فيه، اما ما رطب أكثره فانه يحنث به في الرطب دون البسر، ولو تساويا حنث به في الرطب، لأنه يطلق على المنصف اسم الرطب، ولا يحنث به في البسر، لأنه لا يطلق عليه اسم البسر عرفا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا تسرى فمتى تسرى حنث، وما هو التسري؟ الأولى أن يقال: إنه عبارة عن الوطء والتخدير فيه، لأن الجارية ضربان: سرية وخادمة، فإذا خدرها ووطأ فقد تسرى وترك الاستخدام (1). وقال في المبسوط: قال قوم: التسري الوطء والتخدير، أنزل أو لم ينزل، لأن الجارية ضربان: سرية وخادمة، فإذا خدرها ووطأ فقد تسرى وترك الاستخدام. وقال آخرون: التسري مجرد الوطء، أنزل أولا، حصنها أولا، لأن السيد إذا جامع فقد تسرى. وقال آخرون: إذا جامع وأنزل فقد تسرى، سواء حصنها أو لم يحصنها. وهذا هو الأقوى، وبعده الأول (2). وابن ادريس (3) وافق الشيخ في الخلاف. والمعتمد البناء على العرف، وهو يختلف باختلاف الأزمان والأصقاع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): إذا حلف لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، لأن الأصل براءة الذمة، وأيضا فلا يطلق على من قرأ القرآن انه تكلم، ولو كان كاملا خارج

(1) الخلاف: ج 6 ص 187 المسألة 106 مع اختلاف.
(2) المبسوط: ج 6 ص 251، مع اختلاف.
(3) السرائر: ج 3 ص 56.
(4) المبسوط: ج 6 ص 250.
(5) الخلاف: ج 6 ص 185 المسألة 102.

[ 168 ]

الصلاة لكان كلاما داخل الصلاة وكان يجب أن يقطع الصلاة، وأجمعنا على خلافه. وقال ابن الجنيد: ومن حلف ألا يتكلم فقرأ أو سبح الله أو سأله رغبة إليه أو استعاذ به خوفا من عقابه أو أذن أو أقام لفرضه لم يحنث. وقال ابن إدريس: هذا - يعني: قول الشيخ - غير واضح، والذي يقتضيه اصول المذهب ولغة العرب انه إذا قرأ القرآن فقد تكلم، وان القرآن كلام بغير خلاف، فعلى هذا التقرير يحنث (1). وهو المعتمد. لنا: ان الكلام اسم للمنتظم من الحروف المسموعة الدالة بالوضع إذا صدرت من قادر واحد، وهذا المعنى موجود في القرآن، ولقوله تعالى: (حتى يسمع كلام الله) (2) والملازمة التي ذكرها الشيخ ممنوعة، فان مطلق الكلام غير مبطل، بل المبطل الكلام الذي ليس قرآنا، ولهذا يصدق التكبير والتسبيح والتحميد والدعاء اسم الكلام اجماعا، وليس مبطلا بلا خلاف. نعم إن قصد الشيخ ان هذا الكلام طاعة فلا ينعقد اليمين بتركه كان حقا، لكن لا من هذه الحيثية، وقد يحرم أو يكره كالعزائم وغيرها، للحنث، فلا يصح التعميم. مسألة: المشهور انه لا ينعقد اليمين بقول الرجل: يا هناه، ونص عليه الشيخ (3). وقال ابن الجنيد: وكل ما كان معروفا عند العرب انه يراد به الله كقولهم: وأيم الله ولعمر الله ولاه الله فجائز الحلف بذلك، وكذلك قولهم: يا هناه ويا هناه، فانما هو طلب الاسم. وفي حديث أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام - انه لا بأس به.

(1) السرائر: ج 3 ص 57.
(2) التوبة: 6.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 40.

[ 169 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أصالة براءة الذمة. وقد روى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله، فأما قول الرجل: لا بل شانئك فانه من قول الجاهلية، ولو حلف الناس بهذا وأشباهه لترك الحلف بالله، فأما قول الرجل: يا هناه ويا هناه فانما ذلك طلب الاسم ولا أرى به بأسا، وأما قوله: لعمر الله وقوله: لاها الله فانما ذلك بالله (1). مسألة: إذا حلف ألا يضربه فألمه بخنق أو قرص أو عض قال ابن الجنيد: حنث. والوجه انه لا يحنث. لنا: انهما فعلان متغايران، فان الضرب امساس عنيف لجسم بآخر ومصاكة له، والاشتراك في اللازم - وهو الألم - لا يستلزم الاشتراك في الماهية. مسألة: قال ابن الجنيد: لو حلف ألا يشرب خمرا فشرب مسكرا أو فقاعا حنث. والوجه عدمه، للتغاير. قال: ولو حلفت المرأة ألا تلبس حليا حنثت بكل ما يصنع من الذهب والفضة مفردا ومرصعا بجوهر، ولو لبست الجوهر مفردا لم تحنث. والوجه ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3) وهو الحنث، لقوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 278 ح 1010، وسائل الشيعة: ب 30 انه لا يجوز... ح 4 ج 16 ص 160.
(2) المبسوط: ج 6 ص 199.
(3) الخلاف: ج 6 ص 131 المسألة 25.
(4) النحل: 14.

[ 170 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: وحق الله كانت يمينا إذا أراد يمينا، فان لم يرد لم يكن يمينا (1). وقال في الخلاف: إذا قال: وحق الله لا يكون يمينا قصد أو لم يقصد، لأن اليمين حكم شرعي، ولا دليل في الشرع على ان هذا يمين، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب هذا يمينا فعليه الدلالة، وأيضا فان حقوق الله هو الأمر والنهي والعبادات كلها، فإذا حلف بذلك كانت يمينا بالمخلوقات ولم يكن يمينا بالله (2). وتابعه ابن ادريس (3). والوجه عندي اعتبار عرف الحالف في ذلك، فان قصد به الحلف بالله تعالى كانت يمينا، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: (الله) بالكسر من غير حرف قسم لا يكون يمينا (4). وتبعه ابن ادريس (5). وقال في المبسوط: إذا قال: الله لأفعلن كذا فان أطلق أو لم يرد يمينا لم يكن يمينا عندنا وعند هم، اما عندنا فلأن اليمين يحتاج الى نية، وعند هم لأن حرف القسم ليس فيه، وقال بعضهم: يكون يمينا (6). وهذا يدل بمفهومه على انه لو قصد اليمين كان يمينا، وهو المعتمد. لنا: انه يمين لغة وعرفا، لأن أهل اللغة سوغوا حذف حرف القسم، ولو بطل القسم حينئذ لم يجز ذلك في اللغة، والأصل في هذا الباب اللغات.

(1) المبسوط: ج 6 ص 197.
(2) الخلاف: ج 6 ص 125 المسألة 16.
(3) السرائر: ج 3 ص 48.
(4) الخلاف: ج 6 ص 127 المسألة 18.
(5) السرائر: ج 3 ص 48.
(6) المبسوط: ج 6 ص 197.

[ 171 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: أشهد بالله لم يكن يمينا، لأن هذا لفظ الشهادة، ولفظ الشهادة لا يسمى يمينا (1). وتبعه ابن ادريس (2). وقال في المبسوط: إن أراد به اليمين كان يمينا، وان أطلق أو لم يرد لم يكن يمينا، وفيه خلاف (3). وتبعه ابن البراج (4). والوجه ما قاله في المبسوط: عملا بالعرف، وضع لفظ الشهادة لمعناها لا يمنع من التجوز بها في غيره، فمع اقتران العرف يحمل على المجاز. مسألة: شرط الاستثناء الاتصال، فان قطع لتنفس أو سعال أو ابتلاع لقمة ثم استثنى بحيث لا يخرج عن الاتصال جاز، ولو مكث ساعة ثم استثنى لا لعارض لم يقبل الاستثناء في المشهور، ذهب إليه الشيخ وجماعة من علمائنا. لنا: ان عادة اللغة وعرف أهل اللسان ذلك، فلا يلحقون الاستثناء المنفصل بالكلام الأول، بل يعدونه لاغيا. ولأنه - عليه السلام - قال: (من حلف على شئ ورأى غيره خيرا منه فليكفر وليأت الذي هو خير منه) (5) رواه الجمهور، ولو جاز الاستثناء المنفصل لارشد إليه. وروى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق - عليه السلام - قال: للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوما إذا نسي ان رسول الله - صلى الله عليه وآله - أتاه ناس من اليهود فسألوه عن أشياء فقال لهم: تعالوا غدا أحدثكم ولم يستثن، فاحتبس جبرئيل - عليه السلام - أربعين يوما ثم أتاه

(1) الخلاف: ج 6 ص 128 المسألة 19.
(2) السرائر: ج 3 ص 48.
(3) المبسوط: ج 6 ص 197.
(4) المهذب: ج 2 ص 407.
(5) سنن البيهقي: ج 10 ص 32 كتاب الأيمان باب من حلف على يمين فرأى خيرا منها.

[ 172 ]

فقال: ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت (1). والجواب: القول بالموجب، فانا قد بينا ان الأيمان معتبرة بالضمير دون النطق اللساني، فالحالف إذا حلف على شئ وفي ضميره الاستثناء لم يقصد العموم في يمينه بل ما عدا المستثنى فانصرفت اليمين إليه، فإذا لم يستثن في اللفظ لم تصر اليمين عامة بهذا الاعتبار، بل هي متناولة لما حلف عليه في ضميره ونيته، وجاز أن يستثني بعد ذلك في النطق متى شاء، والتقييد بالأربعين للمبالغة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الاستثناء انما يصح قولا ونطقا، ولا يصح اعتقادا ونية (2). وتبعه ابن ادريس (3). وقال في النهاية: ومن حلف علانية فليستثن مثل ذلك علانية، ومن حلف سرا فليستثن مثل ذلك سرا (4). ورواه الصدوق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من حلف سرا فليستثن سرا، ومن حلف علانية فليستثن علانية (5). والوجه صحة الاستثناء ضميرا وسرا وان حلف علانية، لما تقدم بيانه: من أن المعتبر في الأيمان انما هو النية والضمير، فإذا استثنى سرا لم ينو شمول اليمين لما

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 362 ح 4284، وسائل الشيعة: ب 29 استحباب استثناء... ح 6 و 7 ج 16 ص 158.
(2) المبسوط: ج 6 ص 200.
(3) السرائر: ج 3 ص 41.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 43.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 371 ح 4301، وسائل الشيعة: باب 25 استحباب استثناء... ح 2 ج 16 ص 155.

[ 173 ]

استثناه فلا يندرج في الحلف، وانما أمر - عليه السلام - بالاستثناء علانية مع الحلف كذلك على سبيل الارشاد، لئلا يتهم بمخالفة اليمين، ويحكم عليه بارتكاب المحرم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان في الدار فحلف لاسكنت هذه الدار وانتقل بنفسه بر في يمينه وان لم ينقل (1) المال والعيال، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: السكنى بنفسه وبالعيال وبالمال (2) معا. دليلنا: انه أضاف السكنى الى نفسه فلما خرج منها خرج من أن يكون ساكنا فيها، ومن ادعى أن يكون عياله أو ماله يكون سكنى فعليه الدلالة، والأصل براءة الذمة، وأيضا قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم) فاخبر (3) أن من ترك المتاع وخرج منها يقال: غير مسكونة، وقال تعالى: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم) وفيه دليلان أحد هما: انه أسكن زوجته وولده في المكان (4) فقال: أسكنتهم وان لم يكن ساكنا معهم، والثاني: قال: أسكنت ولم يسكن هو معهم ثبت انه ساكن في مكان آخر، وان كان ولده وعياله في غير ذلك المكان فالأول أوضح (5). وقال في المبسوط: إن أقام عقيب يمينه لا للسكنى بل لنقل الرحل والمتاع والعيال والمال قال بعضهم: يحنث، وقال آخرون: لا يحنث، وبناءه على أصله ان السكنى ما كان بالبدن والمال والعيال معا، فإذا أقام لنقل هذا لم يكن ساكنا، وهو الذي يقوى في نفسي. ثم قال فيه: السكنى بالبدن دون المال والعيال، فمن سكن ببدنه حنث وان نقل العيال والمال، وان انتقل بنفسه بر في

(1) في المصدر: ينتقل. (2) في المصدر: والمال.
(3) في المصدر: فقد أخبر.
(4) في المصدر: اسكنتهم في المكان.
(5) الخلاف: ج 6 ص 142 المسألة 42.

[ 174 ]

يمينه وان لم ينقل العيال والمال، وقال آخرون: ببدنه وبالعيال والمال. قال: والأول أقوى عندي (1). وهذا يدل على تردده. والوجه ما قاله في الخلاف والمبسوط: من ان الاعتبار بالسكنى انما هو بالبدن لا غير، لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة فأكل منه لم يحنث عندنا، لأن الكناية راجعة الى طعام انفرد زيد بشرائه، وليس فيه جزء يشار إليه ان زيدا انفرد بشرائه، وكل حبة يشار إليها يقال: هذه اشتراها زيد وعمرو، فهو كما لو حلف لا لبست ثوب زيد فلبس ثوبا لزيد وعمرو أو قال: لا دخلت دار زيد فدخل دارا لزيد ولعمرو (2). وتبعه ابن إدريس (3). وقال في المبسوط: لا يحنث، وقال قوم: يحنث، وجميعهما قويان (4). وهو يدل على تردده. والمعتمد ما قاله في الخلاف، لأن الشراء عقد واحد، فإذا اشترك فيه اثنان ولم ينفرد أحد هما به اختص كل واحد منهما في العرف بنصفه فلم يكمل الصفقة لأحد هما فلا يقع الحنث، لأن الأسماء في الايمان يتبع العرف. احتج الشيخ بأنهما لما اشترياه معا فكل واحد منهما قد اشترى نصفه، لأن لكل واحد منهما ثمن نصفه، فإذا كان لزيد نصفه فقد أكل من طعام اشتراه زيد.

(1) المبسوط: ج 6 ص 220.
(2) الخلاف: ج 6 ص 149 المسألة 46.
(3) السرائر: ج 3 ص 49.
(4) المبسوط: ج 6 ص 223.

[ 175 ]

والجواب: المنع، بل كل واحد منهما نصف مشتر لجميعه ولا مشتر تام لنصفه. تذنيب: قال الشيخ في المبسوط: إذا ثبت انه لا يحنث إذا كان مشاعا بينهما فان اقتسماه وأفرد كل واحد نصيبه منه فان أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث أيضا، وقال بعضهم: إن أكل من نصيب زيد حنث، وان أكل من نصيب عمرو لم يحنث، وهما قويان (1). وهو يدل على تردده. وفي الخلاف نقل المذهب الأول عن الشافعي، والثاني عن أبي حنيفة (2). ولم يحكم فيهما بشئ. وابن إدريس قال: لا يحنث مطلقا (3). وهو الوجه، لما تقدم. مسألة: لو اشترى زيد طعاما في صفقة بانفراده واشترى عمرو طعاما آخر بانفراده ثم اختلطا فأكل منه الحالف قال الشيخ في الخلاف: فيها ثلاثة أوجه، قال أبو سعيد الاصطخري: إن أكل النصف فما دونه لم يحنث، وان زاد على النصف حنث، لأنه لا يقطع على انه أكل من طعام انفرد زيد بشرائه حتى يزيد على النصف، وقال ابن أبي هريرة: لا يحنث وان أكله كله، وقال أبو اسحاق: إن أكل حبة أو حبتين ونحوها لم يحنث، وان أكل كفا منه حنث. قال: والأقوى عندي الأول: لأصالة البراءة (4). ونقل في المبسوط: الأوجه الثلاثة، واستدل على الثاني منها بأنه: إذا اختلط فليس هناك حبة يشار إليها انها من شراء زيد أو عمرو، فهو كما لو اشترياه معا. وعلى الثالث: ان الطعامين إذا اختلطا فلا يكاد أن ينفرد من أحد هما فيعلم قطعا انه قد أكل منهما، فإذا أكل منهما فقد أكل من طعام انفرد

(1) المبسوط: ج 6 ص 223.
(2) الخلاف: ج 6 ص 150 المسألة 47.
(3) السرائر: ج 3 ص 49.
(4) الخلاف: ج 6 ص 150 المسألة 48.

[ 176 ]

زيد بشرائه. ثم قال: والأول أقوى عندي، ثم الثالث، وأما الثاني فبعيد جدا (1). وقال ابن البراج: إذا حلف لا يأكل من طعام يشتريه زيد فاشترى زيد طعاما واشترى عمرو طعاما وخلطاه فأكل منه حنث، لأنه لا يقطع على انه لم يأكل من طعام زيد، وقد ذكر انه لا يحنث، والأحوط ما ذكرناه (2). ولم يعتبر تجاوز النصف. والوجه أن نقول: إن كان الطعام معائعا - كاللبن والعسل أو ما يشبه الممتزج كالدقيق - حنث بأكل قليله وكثيره، لامتزاجه واختلاط جميع أجزائه بعضها ببعض، فأي شئ أكل منه يعلم ان فيه أجزاء مما اشتراه زيد، فان كان متميزا - كالتمر والرطب والخبز وشبهها - لم يحنث حتى يأكل أزيد مما اشتراه عمرو، لدخول الاحتمال في المتميز وانتفائه عن الممتزج. وقول ابن البراج ضعيف، وحجته رديئة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا دخلت دار زيد هذه أولا كلمت عبد زيد هذا أولا كلمت زوجته هذه لم يتعلق اليمين بغير من علق اليمين به، فان دخلها وملكها لزيد حنث بلا خلاف، وان زال ملكه عنها فدخل بعد ذلك لم يحنث عندنا، لأصالة البراءة وأيضا فإذا دخل هذه الدار بعد خروجها عن ملك زيد لا يقال: دخل دار زيد، فيجب ألا يحنث، لأن اليمين متعلقة بالاسم، فان زال الاسم وجب أن يزول الحنث (3). وقال في المبسوط: إن زال ملك زيد عنها فدخلها بعد ذلك حنث عند

(1) المبسوط: ج 6 ص 223.
(2) المهذب: ج 2 ص 417.
(3) الخلاف: ج 6 ص 151 المسألة 49.

[ 177 ]

بعضهم ولم ينحل اليمين بزوال المضاف إليه، وقال بعضهم: إذا زال ملكه عنها انحلت اليمين، فان دخلها بعد ذلك لم يحنث، وهذا الذي يدل عليه اخبار أصحابنا. والأول أقوى (1). وقوى في موضع آخر منه الثاني (2). وقال ابن البراج: يحنث، سواء كان ملك زيد زال عنها أو لم يزل (3). والوجه أن نقول: إن قصد بهذه اليمين قطع الموالاة واظهار المباينة والعداوة للمضاف إليه اختصت اليمين بالاضافة، فإذا قصد بقوله: لا دخلت دار زيد هذه مباينته واظهار عداوته لم يحنث بدخولها بعد انتقالها عن زيد، وان لم يقصد ذلك ولا قصد الاضافة ولا التعيين نصا بل أطلق وقصد ما يصدق عليه هذا اللفظ لم يحنث أيضا، وان قصد بالاضافة التعريف والتخصيص حنث، لأنه لم يقصد النسبة. وفي رواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أعجبته جارية عمته فخاف الاثم وخاف أن يصيبها حراما وأعتق كل مملوك له وحلف بالأيمان ألا يمسها أبدا فماتت عمته فورث الجارية أعليه جناح أن يطأها؟ فقال: انما حلف على الحرام، ولعل الله أن يكون رحمه فورثها إياه لما علم من عفته (4). وهو يدل ما قلناه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: والله لا شربت لك ماء من عطش عقيب تعديد أنعامه عليه - كقوله: أحسنت إليك أو وهبتك كذا أو

(1) المبسوط: ج 6 ص 223.
(2) المبسوط: ج 6 ص 224.
(3) المهذب: ج 2 ص 418. (4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 301 ح 1118، وسائل الشيعة: ب 49 ان من أعجبته... ح 1 ج 16 ص 180.

[ 178 ]

أعطيتك كذا وكذا - تعلق الحكم بشرب مائه من عطش، فان انتفع بغير الماء من ماله فأكل طعامه ولبس ثيابه وركب دوابه لم يحنث، لأنه انما ينظر الى مخرج اليمين، ويحنث صاحبها ويبر على مخرجها دون أسبابها، وقال بعضهم: يحنث بكل حال. والأول أقوى عندي، لأن الأصل براءة الذمة، والثاني قوي، لفحوى الخطاب (1). وهذا يدل على تردده. والوجه المصير الى العرف في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف ليأكل الطعام غدا فهلك الطعام غدا بعد أن قدر على أكله، منهم من قال: يحنث، لأنه ترك البر مع القدرة عليه، ومنهم من قال: لا يحنث، كما لو ملك اليوم، لأنه فاته البر بغير اختياره، وهو الأقوى عندي. ثم قال: ولو حلف ليأكلنه اليوم فان هلك في اليوم بعد القدرة على أكله فعلى قولين أيضا، أصحهما انه يحنث، والثاني: لا يحنث، وهو قوي. ثم قال: ولو حلف ليقضينه حقه غدا فمات من له الدين من غد بعد القدرة على القضاء، منهم من قال: يحنث، ومنهم من قال: لا يحنث، وهو الأقوى على ما مضى، ولو حلف ليقضينه غدا إلا أن يشاء التأخير ثم مات من له الحق في غد بعد القدرة على القولين، أصحهما عندنا انه لا يحنث (2). وقال في الخلاف: إذا حلف ليأكلنه غدا فهلك الطعام في الغد بعد القدرة على أكله فلم يأكله حنث، وان كان قبله لم يحنث، لأنه في الأول قد فرط فلزمته الكفارة (3). وهو يدل على تردد الشيخ في انه لو تجدد العجز بعد القدرة على الفعل هل يحنث أم لا؟ وقال ابن الجنيد: من حلف أن يفعل فعلا لا يمكنه إما بأنه لا يستطيعة أو

(1) المبسوط: ج 6 ص 225.
(2) المبسوط: ج 6 ص 228.
(3) الخلاف: ج 6 ص 158 المسألة 59.

[ 179 ]

لأنه في الأصل ممتنع أو لأنه حدث فيه أو في الحالف من غير اختياره بعد اليمين ما يمنع من وجود الفعل لم يحنث في يمينه، ولو وقت للفعل وقتا فخرج آخر الوقت ولم يفعله وقد كان أمكنه قبل حدوث ما وقع كونه كان الاحتياط له أن يكفر عن يمينه، وليس بواجب. وكذلك لو لم يجعل للفعل وقتا يفعله إليه إلا انه قد أمكنه فلم يفعله الى أن تعذر ذلك الفعل. وهذا القول يقتضي عدم الحنث، وكلاهما عندي قوي، فنحن في ذلك من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف ليقضين حقه الى حين أو الى زمان الذي يقتضيه مذهبنا انه إذا كان الى حين كان ذلك الى ستة أشهر، وان كان الى زمان كان الى خمسة أشهر، ونص عليه أصحابنا في من نذر أن يصوم حينا أو زمانا (1). وقد نازع بعض متأخري علمائنا فيه وجعل ذلك مخصوصا بصورة المنقول، وهو النذر في الصوم خاصة. والذي قاله الشيخ لا يخلو من قوة، لأن العرف الشرعي ناقل عن الوضع اللغوي، ويجب المصير إليه، ولما ورد النقل بأن الحين في الصوم ستة أشهر (2)، استدلالا بقوله تعالى: (تؤتي أكلها كل حين) (3) استقر العرف في ذلك. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حلف لا فارقتك حتى أستوفي حقي فان استوفى نفس حقه بر بلا خلاف، وان استوفى بدل حقه - مثل إن كان حقه دنانير فأخذ دراهم أو ثيابا أو غير ذلك بقيمتها - بر في يمينه، واستدل بأصالة براءة الذمة وتحنيثه بهذا يحتاج الى دليل، وللعرف، فان من استوفى من عيره بدل

(1) المبسوط: ج 6 ص 230.
(2) راجع تهذيب الأحكام: ج 4 ص 309 - 310 ح 933 و 934، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب بقية الصوم الواجب: ج 7 ص 284 - 285.
(3) ابراهيم: 25.

[ 180 ]

حقه يقال: استوفى حقه (1). وقال في المبسوط: إن استوفى بدل حقه حنث في يمينه، سواء كان البدل وفاء حقه أو أقل، لأنه ما استوفى حقه، بل بدل حقه (2). وهو الأقوى. لنا: ان بدل الحق مغاير له، فان ثبت عرف طارئ ناقل عن الحقيقة الى المجاز وجب العدول إليه، وإلا فلا، لكن ثبوت العرف يحتاج الى دليل. مسألة: قال في المبسوط: لو حلف لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك فاليمين تعلقت بفعل الغريم وحده، فان قضاه الحق قبل المفارقة بر، وان انصرف الغريم باختيار نفسه حنث الحالف (3). وفيه اشكال، ينشأ من ان اليمين انما يتعلق بفعل الحالف نفسه لا بفعل الغير عندنا، خلافا للجمهور (4). وقال في المبسوط: لو حلف الغريم لا فارقتك حتى أقضيك حقك فأبرأه من الحق فمن قال: الابراء يحتاج الى قبول فقبل حنث، ومن قال: يبرأ من غير قبول فهل يحنث أم لا؟ على قولين، أقواهما عندي انه يحنث، لأنه ما أقبضه (5). والوجه انه لا يحنث، لأنه تعذر عليه فعل المحلوف عليه وعجز عنه فسقط اعتبار اليمين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7): إذا حلف لا أكلت هذه

(1) الخلاف: ج 6 ص 164 المسألة 68.
(2) المبسوط: ج 6 ص 234.
(3) المبسوط: ج 6 ص 233. (4) المغني لابن قدامة: ج 11 ص 308.
(5) المبسوط: ج 6 ص 234.
(6) المبسوط: ج 6 ص 240.
(7) الخلاف: ج 6 ص 169 المسألة 76 - 77.

[ 181 ]

الحنطة أو من هذه الحنطة فان أكلها على جهتها حنث، وان غيرها بأن طحنها وجعلها دقيقا أو قلاها فجعلها سويقا فأكل منه لم يحنث عندنا، وان حلف لا يأكل من هذا الدقيق فخبزه وأكل منه لم يحنث. والوجه عندي الحنث في ذلك كله، لما بينا من ان مبني الأيمان على العرف، واضافة الأكل الى الحنطة انما يكون على هذا الوجه، وكذا الدقيق. وبه قال ابن البراج، قال: لأن العين التي تعلقت بها اليمين واحدة، قال: وكان الشيخ أو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - رحمه الله - قد قال لي يوما في الدرس: إن أكلها على جهتها حنث، وان أكلها دقيقا أو سويقا لم يحنث، فقلت له: ولم ذلك وعين الدقيق هي عين الحنطة وانما تغيرت بالتقطيع الذي هو الطحن؟ فقال: قد تغيرت عما كانت عليه، وان كانت العين واحدة فقد حلف على ألا يأكل ما هو مسمى حنطة لا ما يسمى دقيقا، فقلت له: هذا لم يجر في اليمين، فلو حلف لا أكلت هذه الحنطة ما كان يسمى حنطة لكان الأمر على ما ذكرت، وانما حلف ألا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة، فقال: على كل حال قد حلف ألا يأكلها وهي على صفة وقد تغيرت عن تلك الصفة لم يحنث، فقلت له: الجواب هاهنا مثل ما ذكرناه أولا، وذلك إن كنت تريد انه حلف ألا يأكلها وهي على صفة انه أراد وهي على تلك الصفة فقد تقدم ما فيه، وان كنت لم ترد ذلك فلا حجة فيه ثم يلزم على ما ذكرته انه لو حلف ألا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح ثم قشره وقطعه وأكله ألا يحنث ولا شبهة في انه يحنث، فقال: من قال في الحنطة ما تقدم فقوله في الخيار والتفاح مثله، قلت له: إذا قال: هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله، لما ذكرته: من ان العين واحدة، اللهم إلا أن يشترط في يمينه انه لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو على ما هو عليه فان الأمر يكون على ما ذكرته، وقد قلنا: إن اليمين لم يتناول ذلك، ثم قلت له: على ان الاحتياط يتناول ما ذكرته

[ 182 ]

فأمسك (1). وهذه المباحثة بين الشيخين غير مبينة. والتحقيق أن نقول: الأيمان قد تتبع الأعيان وقد تتبع الأسماء إذا انفرد كل واحد منهما عن صاحبه، كما لو حلف لا أكلت هذا أو لا لبست هذا فان اليمين تتعلق بتلك العين فلا يحل له أكل ذلك الشئ ولا لبسه على أي حال كان، ولو حلف لا أكلت حنطة ولا لبست قميصا تعلقت اليمين بالأسماء هنا، فلو أكل خبزا أو دقيقا أو سويقا أو لبس غير القميص إن كان ما يصلح اتخاذه قميصا أو لا لم يحنث، فإذا اجتمعا كما في صورة النزاع احتمل انصراف اليمين الى العين والى الاسم، وإذا احتمل كل منهما وأصالة البراءة تقتضي عدم الحنث وجب المصير إليه، وانما قلنا نحن بالحنث لا من هذه الحيثية بل من حيثية اسم الأكل، فانه لا ينصرف الى الحنطة إلا على الصفة التي انتقلت إليها من كونها خبزا أو سويقا أو دقيقا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حلف لا ركبت دابة العبد وللعبد دابة جعلها سيده في رسمه فركبها لم يحنث، وقال بعضهم: يحنث، لأنها تضاف إليه، والأول أقوى، لأنه الحقيقة، والثاني مجاز. فأما إن ملكه سيده الدابة فمن قال: إنه لا يملك لا يحنث، ومن قال: يملك حنث، لأنها ملك العبد، والأول أقوى (2). والوجه في الأول الحنث، لأن الحقيقة إذا تعذرت وجب الحمل على المجاز، على ان الاضافة لا تستدعي التملك، بل قد يرد للاستحقاق - مثل: سرج الدابة وثوب العبد - وحينئذ يتحقق المسمى هنا حقيقة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: أول من يدخل من عبيدي أحرار فدخل اثنان معا ودخل ثالث بعد هما لم يعتق الاثنان، لأنه لا أول بينهما ولا

(1) المهذب: ج 2 ص 419.
(2) المبسوط: ج 6 ص 244.

[ 183 ]

الثالث: لأنه ليس بأول، فان قال: أول من يدخل من عبيدي وحده فهو حر فدخلها اثنان معا وثالث بعد هما عتق الثالث وحده، لأنه أول داخل وحده. وقد روى في أحاديثنا ان الاثنين يعتقان، لأنهم رووا انه إذا قال: أول ما تلده الجارية فهو حر فولدت توأما اثنين انهما يعتقان (1). وقد تقدم البحث في ذلك في العتق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر المشي الى بيت الله الحرام فخرج راكبا وقد نذر المشي مع القدرة لزمه دم، لأنه ترك المشي، وروى أصحابنا انه يعيد الحج ويمشي ما ركب، ورووا مثل الأول (2). وقال في الخلاف: إذا نذر المشي وجب عليه ذلك، ولا يجوز له أن يركب، فان ركب وجب عليه اعادة المشي، فان عجز عن ذلك لزمه دم، لاجماع الفرقة و أخبارهم (3). والمعتمد أن نقول: إن كان النذر موقتا فركب مع القدرة وجب عليه كفارة خلف النذر، وان لم يكن موقتا وجب عليه الحج ماشيا ولا كفارة ولا دم، وان ركب مع العجز فان كان موقتا فلا دم ولا كفارة وأجزأه، وان لم يكن موقتا توقع المكنة ولا دم ولا كفارة.

(1) المبسوط: ج 6 ص 248.
(2) المبسوط: ج 6 ص 250. (3) الخلاف: ج 6 ص 187 المسألة 105.

[ 184 ]

الفصل الثاني في النذر مسألة: اختلف علماؤنا في النذر المطلق الذي لم يعلق على شرط هل يقع أم لا كقوله: لله علي أن أصوم يوما؟ فالأكثر على وقوعه وصحته، واختاره الشيخ (1) - رحمه الله - وهو مذهب ابن ادريس (2) أيضا. وقال السيد المرتضى: لا ينعقد النذر حتى يكون معقودا بشرط متعلق به، كأن يقول: لله علي إن قدم فلان أو كان كذا أن أصوم أو أتصدق، ولو قال: لله علي أن أصوم أو أتصدق من غير شرط يتعلق به لم ينعقد نذره (3). والمعتمد الأول. لنا: ان النذر المطلق يصدق عليه انه نذر، ويمكن تقسيمه الى المشروط وغيره، ومورد التقسيم يكون مشتركا بين الأقسام فيجب الوفاء به، لعموم (يوفون بالنذر) (4) (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) (5) (وأوفوا بالعقود) (6). وما رواه أبو الصباح الكناني في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام -

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 56.
(2) السرائر: ج 3 ص 58.
(3) الانتصار: ص 163 - 164.
(4) الانسان: 7.
(5) النحل: 91.
(6) المائدة: 1.

[ 185 ]

قال: سألته عن رجل قال: علي نذر، انه قال: ليس النذر بشئ حتى يسمى شيئا لله صياما أو صدقة أو هديا أو حجا (1). احتج المرتضى بالاجماع. ولأن معنى النذر في القرآن (2) أن يكون متعلقا بشرط، ومتى لم يتعلق بشرط لم يستحق هذا الاسم، وإذا لم يكن ناذرا إذا لم يشترط لم يلزمه الوفاء، لأن الوفاء انما يلزم (3) متى ثبت الاسم والمعنى (4). والجواب: المنع من الاجماع، ومن ان معنى النذر أن يكون معلقا بشرط فانه المتنازع. مسألة: لو نذر أن يصوم يوما معينا فاتفق انه كان يوم العيد أفطر ذلك اليوم اجماعا، لأن صوم العيد باطل محرم، وهل يجب عليه القضا؟ قال الشيخ في النهاية (5): نعم، وكذا قال في المبسوط (6)، وتبعه ابن حمزة (7)، وهو قول الصدوق (8) أيضا. وقال ابن البراج: لا قضاء فيه ولا كفارة (9). وتبعه ابن ادريس (10)، وهو المعتمد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 303 ح 1125، وسائل الشيعة: ب 1 انه لا ينعقد النذر... ح 2 ج 16 ص 182.
(2) في المصدر: اللغة.
(3) في المصدر: ولم يلزمه الوفاء، لأن الوفاء انما لم يلزم.
(4) الانتصار: ص 164.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 56.
(6) المبسوط: ج 1 ص 281. (7) الوسيلة: ص 350.
(8) المقنع: ص 137.
(9) المهذب: ج 2 ح 411.
(10) السرائر: ج 3 ص 60.

[ 186 ]

لنا: انه نذر ما لا يصح صومه فلا ينعقد، كما لو نذر صوم الليل، والجهل بكونه يوم العيد لا يخرج المحل عن عدم قبوله للصوم، كما لو جهل الليل ونذر أن يصوم من ساعة فوافق أول جزء من الليل. احتج الشيخ بما رواه علي بن مهزيار قال: كتبت الى أبي الحسن - عليه السلام - رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيام التشريق أو سفرا أو مرضا هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله الصيام في هذه الأيام كلها ويصوم يوما بدل يوم إن شاء الله (1). والجواب: انه محمول على الاستحباب في يوم العيد والأضحى، وعلى الوجوب في غير هما. لا يقال: لا يجوز ارادة المعنيين من اللفظ المشترك. لأنا نقول: نمنع الاشتراك، فان الأمر وضع للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن نذر أن يتصدق من ماله بمال كثير ولم يسم تصدق بثمانين درهما فما زاد (2)، وأطلق. وكذا قال شيخنا المفيد (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5). وقال الصدوق وأبوه: من نذر أن يتصدق بمال كثير ولم يسم مبلغه فان الكثير ثمانون (6). ولم يقيدا بالدرهم.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 305 ح 1135، وسائل الشيعة: ب 10 ان من نذر صوم... ح 1 ج 16 ص 194.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 57.
(3) المقنعة: ص 564. (4) المراسم: ص 186.
(5) المهذب: ج 2 ص 411.
(6) المقنع: ص 137.

[ 187 ]

وقال ابن ادريس: من نذر أن يتصدق بمال كثير وأطلق ذلك من غير نية بمقدار وجب عليه أن يتصدق بثمانين درهما إن كانت الدراهم يتعاملون بها وعرفهم في بلادهم (1)، وان كانت الدنانير هي التي يتعاملون بها وهي عرفهم في بلادهم وجب عليه التصدق بثمانين دينارا (2). والرواية الدالة على قول الصدوق وابنه هنا مرسلة رواها الشيخ عن محمد ابن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه ذكره قال: لما سم المتوكل نذر إن عوفي أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: مائة ألف، وقال بعضهم: عشرة آلاف، وقالوا فيه أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر، فقال له رجل من ندمائه - يقال له: صفعان -: ألا تبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه، فقال له المتوكل: من تعني ويحك؟! فقال: ابن الرضا، فقال له: هل يحسن من هذا شيئا؟ فقال يا أمير المؤمنين: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا وإلا فاضربني مائة مقرعة، فقال المتوكل: قد رضيت يا جعفر بن محمد سر إليه واسأله عن حد المال الكثير، فصار جعفر الى أبي الحسن علي بن محمد - عليهما السلام - فسأله عن حد المال الكثير، فقال له: الكثير ثمانون، فقال له جعفر: يا سيدي أرى انه يسألني عن العلة فيه: فقال أبو الحسن - عليه السلام -: إن الله عز وجل يقول: (لقد نصر كم الله في مواطن كثيرة) فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين موطنا (3). وأما الشيخ - رحمه الله - فانه عول هو وشيخه المفيد على ما رواه أبو بكر

(1) في المصدر: بلد هم.
(2) السرائر: ج 3 ص 61.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 309 ح 1147، وسائل الشيعة: ب 3 ان من نذر الصدقة... ح 1 ج 16. ص 186.

[ 188 ]

الحضرمي قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فسأله رجل عن رجل مرض فنذر لله شكرا إن عافاه الله أن يتصدق من ماله بشئ كثير ولم يسم شيئا فما تقول؟ قال: يتصدق بثمانين درهما فانه يجزئه، وذلك بين في كتاب الله، إذ يقول لنبيه: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) والكثير في كتاب الله ثمانون (1). والمعتمد أن نقول: الكثير ثمانون لهذه الرواية الصحيحة، فان أضيف الى المال المطلق أو الدراهم تعينت الدارهم لهذه الرواية، وان أضيف الى نوع مغاير للدراهم وجب من ذلك المعين هذا النوع من العدد. مسألة: قال شيخنا المفيد: من نذر أن يحج ماشيا أو يزور كذلك فعجز عن المشي فليركب ولا كفارة عليه، فان ركب من غير عجز كان عليه اعادة الحج، والزيارة يمشي ما ركب منه ويركب ما مشى (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال الشيخ في النهاية: من نذر أن يحج ماشيا أو يزور أحد المشاهد كذلك فعجز عن المشي فليركب ولا كفارة عليه، وان ركب من غير عجز كان عليه إعادة الحج أو الزيارة يمشي ما ركب منه ويركب ما مشى (4). وقال في الخلاف: إذا نذر المشي وجب عليه ذلك، ولا يجوز له أن يركب، فان ركب وجب عليه إعادة المشي، فان عجز عن ذلك لزمه دم (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 317 ح 1180، وسائل الشيعة: ب 3 ان من نذر الصدقة... ح 2 ج 16 ص 187.
(2) المقنعة: ص 565.
(3) المهذب: ج 2 ص 411.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 57.
(5) الخلاف: ج 6 ص 187 المسألة 105.

[ 189 ]

وقال في المبسوط: لو نذر المشي الى بيت الله الحرام انعقد نذره، وعليه أن يأتيه ماشيا كما نذر، لأن المشي عبادة وقربة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وآله - ما ركب في عيد ولا جنازة قط طلبا للفضل، فان مشى فلا كلام، وان ركب فان كان مع القدرة على المشي فقد أساء، وروى أصحابنا انه يعيد الحج ويركب ما مشى ويمشي ما ركب، وقال بعضهم: عليه دم. وان مشى مع العجز كان له ذلك وعليه دم عندنا متى ركب، وقال بعضهم: لا شئ عليه (1). وقال ابن الجنيد: ولو جعل النذر لله أن يحج ماشيا مشى من حيث نذر الى أن يطوف طواف الفريضة الأخير، ولو زار راكبا مشى إذا نفر، ولو بلغ جهده من المشي فركب أو كان نذره حافيا فتعب لم يكن عليه شئ، وقد أمر النبي - عليه السلام - رجلا نذر أن يمشي في حج أن يركب وقال: الله عز وجل غني عن تعذيب هذا نفسه، ولم يأمره بكفارة. وقال ابن ادريس: ومن نذر أن يحج ماشيا أو يزور أحد المشاهد كذلك فعجز عن المشي فليركب ولا كفارة عليه ولا سياق بدنة، هذا رأي شيخنا المفيد - رحمه الله - وهو الصحيح. وقال شيخنا أبو جعفر: فليسق بدنة، ومتى ركب من غير عجز كان عليه اعادة الحج والزيارة، يمشي في الدفعة الثانية ما ركب من الطريق الأولة (2) ويركب منها ما مشى، هكذا رواه أصحابنا من طريق الأخبار. قال: والذي ينبغي تحصيله في هذه الفتيا ان النذر المذكور للحج إذا كان في سنة معينة ونذر أن يحج فيها بشرط أن يقدر على الحج ماشيا ولم يقدر أن يمشي مارا تلك السنة فلا يجب عليه المضي ولا القضاء في السنة الثانية إذا قدر على المشي فيها، لأن ايجاب ذلك في السنة الثانية يحتاج الى

(1) المبسوط: ج 6 ص 250.
(2) في المصدر: الطريق في الأولة.

[ 190 ]

دليل، والقضاء فرض ثان يحتاج مثبته الى شرع، والأصل براءة الذمة من التكاليف. وأيضا فشرط النذر ما حصل فلا يجب مشروطه بغير خلاف في هذا، فان كان النذر مطلقا لا في سنة بعينها فيجب عليه الحج إذا قدر على المشي أي سنة قدر على المشي، فان كان قد ركب بعضا ومشى بعضا فلا يجزئه الحج تلك السنة، لأن شرط النذر ما وجد، فان حج بالسنة الثانية ومشى ما ركب من السنة الأولة وركب ما مشى منها فلا يجزئه أيضا الحج، لأن شرط نذره ما حصل، وإذا لم يحصل الشرط فلا يجب المشروط، سواء كان ذلك عن عذر أو لم يكن، ساق بدنة أو لم يسق، على مقالتي شيخنا جميعا. فهذا الذي تقتضيه الأدلة واصول مذهبنا، ولا نرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد على ما حررناه (1). والمعتمد أن نقول: الحج في نفسه عبادة مستقلة بنفسها، والمشي هيئة في قطع المسافة، وليس جزء من ماهية الحج، وهو أيضا عبادة، والناذر إما أن يقصد ايجاب الحج وايجاب ايقاعه على هيئة المشي في قطع المسافة لا بمعنى أن يكون المشي شرطا في الحج، أو يقصد جعل الهيئة المذكورة شرطا في الحج، فان كان الأول فان كان النذر موقتا بسنة معينة وجب عليه ايقاعه على الهيئة المنذورة مع القدرة، فان عجز عن المشي ركب وكفارة عليه، ولو عجز عن الحج ماشيا وراكبا سقط النذر ولا كفارة عليه، ولو ركب والحال وهذه مع القدرة على المشي وجبت عليه كفارة خلف النذر، وان لم يكن موقتا وتجدد العجز توقع المكنة فان أيس منها حج راكبا ولا كفارة عليه، إلا أن يعجز بعد تمكنه من الايتان بالحج ماشيا، ولو ركب مع القدرة وجب عليه الاعادة ماشيا. وان كان الثاني وكان النذر موقتا وعجز سقط عنه النذر ولم يجب عليه

(1) السرائر: ج 3 ص 61.

[ 191 ]

الحج ماشيا ولا راكبا ولا كفارة عليه، وان لم يعجز وركب وجب عليه كفارة خلف النذر، وان لم يكن موقتا وعجز توقع المكنة فان أيس سقط ولا يجب الحج راكبا. والشيخ - رحمه الله - احتج على الكفارة بسياق بدنة مع العجز بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - انه قال: أيما رجل نذر نذرا أن يمشي الى بيت الله ثم عجز عن أن يمشي فليركب وليسق بدنة إذا عرف الله منه الجهد (1). وعلى الركوب مع العجز بما رواه رفاعة وحفص في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل نذر أن يمشي الى بيت حافيا، قال: فليمش، فإذا تعب فليركب (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحد هما - عليهما السلام - قال سألته عن رجل جعل عليه مشيا الى بيت الله فلم يستطع، قال: يحج راكبا (3). وقد روى عنبسة بن مصعب قال: نذرت في ابن لي إن عافاه الله أن أحج ماشيا فمشيت حتى بلغت العقبة فاشتكيت فركبت ثم وجدت راحة فمشيت فسألت أبا عبد الله - عليه السلام - فقال: إني احب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة ولو شئت أن أذبح لفعلت وعلي دين، فقال: إني احب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: أشئ واجب أفعله؟ فقال: لا،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 315 ح 1171، وسائل الشيعة: ب 20 ان من نذر الحج ماشيا... ح 1 ج 16 ص 203.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 304 ح 1130، وسائل الشيعة: ب 8 ان من نذر الحج ماشيا... ح 2 ج 16 ص 192.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 304 ح 1131، وسائل الشيعة ب 8 ان من نذر الحج ماشيا... ح 1 ج 16 ص 193.

[ 192 ]

من جعل لله شيئا فبلغ جهدة فليس عليه شئ (1). وهذا يدل على استحباب الدم. وعن ابراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سأله عباد بن عبد الله البصري عن رجل جعل لله نذرا على نفسه المشي الى بيت الله الحرام فمشى نصف الطريق أقل أو أكثر، قال: ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به (2). وأما انه يركب ما مشي ويمشي ما ركب فليحصل منهما حجة ملفقة ماشيا ولا استبعاد فيه، فان الماشي إذا عرض له في أثناء مشيه قصد موضع بعينه فمشى إليه راكبا ثم عاد الى مكانه الذي فارقه أولا ثم أكمل مشيه أجزأه ذلك، وكذا لو كان العارض في أثناء مشيه قصد البيت راكبا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من نذر أن لا يبيع مملوكا له أبدا فلا يجوز له بيعه وان احتاج الى ثمنه (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح ولا مستقيم على اصول المذهب، لأنه لا خلاف بين أصحابنا ان الناذر إذا كان في خلاف ما نذره صلاح له ديني أو دنياوي فليفعل ما هو أصلح له ولا كفارة عليه، وما ذكره شيخنا وأورده خبر واحد لا يرجع بمثله عن الأدلة، لأن أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 313 ح 1163، وسائل الشيعة: ب 8 من نذر الحج ماشيا... ح 5 ج 16 ص 193.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 316 ح 1176، وسائل الشيعة: ب 21 حكم من نذر الحج ماشيا... ح 2 ج 16 ص 204.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 60.
(4) المهذب ج 2 ص 412.
(5) السرائر: ح 3 ص 63.

[ 193 ]

والمعتمد أن نقول: إن كان الأصلح له بيعها جاز له البيع، سواء احتاج الى ثمنها أولا، وان كان الأصلح ترك البيع لم يجز له بيعها، سواء احتاج الى ثمنها أو لا، لما تقرر من اعتبار الأصلح في الأيمان والنذور وقد روى الشيخ عن الحسن بن علي في الضعيف، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: قلت له: إن لي جارية ليس لها مني مكان ولا ناحية وهي تحتمل الثمن إلا اني كنت حلفت منها بيمين، فقلت: لله علي ألا أبيعها أبدا وبي الى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤونة، فقال: ف لله بقولك (1). ولا دلالة فيه على خلاف ما اخترناه، لأن اخباره بأنه لا مكان لها مع خفة المؤونة يعطي ضعف الحاجة، وانه لا ضرر في ترك البيع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن نذر أن يحرم بحجة أو عمرة من موضع بعينه وان كان قبل الميقات وجب عليه الوفاء به (2). وتبعه ابن البراج (3)، وهو قول ابن الجنيد أيضا. وقال ابن ادريس: إن كان على هذه الرواية اجماع منعقد وإلا فالنذر غير صحيح، لأنه خلاف المشروع، لأنه لا خلاف بين أصحابنا في أن الاحرام لا يجوز ولا ينعقد إلا من الميقات، وبينهم خلاف في انه إن نذر أن يحرم قبل الميقات فهل يلزمه وينعقد نذره أم لا، فبعض يجيزه على هذه الرواية، وبعض لا يجيزه ويتمسك بالأصل والاجماع المنعقد (4). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على حديثين ضعيفين في طريق أحد هما:

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 310 ح 1149، وسائل الشيعة: ب 17 انه لا ينعقد النذر... ح 11 ج ص 201، وفيهما: (بقولك له).
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 61.
(3) المهذب: ج 2 ص 412.
(4) السرائر: ج 3 ص 63.

[ 194 ]

سماعة، عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لو ان عبدا أنعم الله عليه نعمة إما أن يكون مريضا أو مبتلى ببلية فعافاه الله من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان فان عليه أن يتم (1). وفي طريق الآخر: علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل جعل لله عليه شكرا من بلاء ابتلي به إن عافاه الله أن يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من الكوفة (2). ولأن الاحرام في نفسه عبادة وقد أوجبها الشارع فجاز تعلق النذر بتقديمها، لما فيه من المبادرة الى الطاعة، وكون الاحرام لا يجوز تقديمه بغير نذر لا يمنع من جوازه معه، على أنا في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: متى اعتقد انه متى كان شئ فلله عليه كذا وكذا وجب عليه الوفاء به عند حصول ذلك الشئ، وجرى ذلك مجرى أن يقول: لله علي كذا وكذا (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). والمفيد - رحمه الله - فسر النذر فقال: وأما نذر الطاعة فهو: أن يعتقد الانسان انه إن عوفي من مرضه أو رجع من سفره أو ربح في تجارته أو كفي شر عدوه كان لله عليه صيام يوم أو شهر أو سنة أو صدقة درهم أو دينار أو حج أو زيارة وما أشبه ذلك من أفعال الخير، أو نذر ذلك في فعل لله بولد له أو والد أو أخ من

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 310 ح 1152، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المواقيت ح 3 ج 8 ص 237.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 314 ح 1166، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المواقيت ذيل الحديث 2 ج 8 ص 237 (مع نقصان).
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 53.
(4) المهذب: ج 2 ص 409. (5) الوسيلة: ص 350.

[ 195 ]

اخوانه شيئا مما عددناه فعليه الوفاء به (1). وهذا التفسير يعطى انعقاده بالضمير دون اللفظ. وقال ابن ادريس: لا ينعقد إلا أن يتلفظ به وينطق مع النية أيضا (2). وهو اختيار ابن الجنيد فانه قال: ولا يصح النذر حتى يكون الناذر لافظا بقصده لله على نفسه، بأن يقول: لله علي ويكون معتقدا له مختارا من غير اكراه ولا اجبار. احتج الشيخ بقوله - عليه السلام -: (انما الأعمال بالنيات) (3) و (انما) للحصر، والباء للسببية، فهو يدل على حصر السببية في النية، فلا يتوقف على غيرها. [ فإذا انتفى العمل بدون النية، وجب أن يتحقق عند تحققها ] (4). ولأن الأصل في العبادات اللفظية الاعتقاد والضمير وقد تحقق هنا، وأما اللفظ فان غايته اعلام الغير ما في الضمير والله تعالى عالم بالسرائر فيتحقق عقد النذر بعقد الضمير عليه وان لم يوجد لفظ دال عليه، ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا لزمه صوم الاثنين بالنذر أبدا ثم وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن كفارة القتل أو الظهار أو الجماع فانه يصوم الشهرين عن كفارته وما فيهما من الأثانين عن كفارته أيضا دون نذره، لأنه إذا صامها عن كفارته صحت الكفارة وقضى ما فيهما من الأثانين، ولو صامها عن نذره بطل تتابعه وكان عليه الاستئناف ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا. والذي يقتضيه مذهبنا ان في الشهر الأول يفعل هذا الذي قلناه، وفي

(1) المقنعة: ص 562، وليس فيه: (شيئا مما عددناه).
(2) السرائر: ج 3 ص 58.
(3) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 25.
(4) لم يرد في نسخة: ق 2.

[ 196 ]

الشهر الثاني إذا زاد عليه شيئا فانه يصح أن يصومها عن الكفارة وعن النذر معا، لأن الافطار فيه لا يبطل التتابع، فان صام الكل عن الكفارة قضى كل اثنين كان في الشهرين، هذا إذا سبق النذر الكفارة، فأما إن سبقت الكفارة النذر وهو أن وجب عليه صوم شهرين متتابعين عن كفارته ثم نذر أن يصوم كل اثنين كان عندنا مثل الأول سواء وعند بعضهم أيضا، وقال بعضهم: لا يقضي ما فيهما من الأثانين، لأن كل اثنين في الشهرين يستحق (1) للكفارة وهو غير نذره فلهذا لم ينعقد نذره لها كأثانين رمضان. والأقوى ما قلناه من ان عليه قضاؤه والفصل بينهما: إن كل اثنين في رمضان لا يصح صومه عن نذره فلهذا لم ينعقد نذره، وليس كذلك هاهنا، لأن كل اثنين في الشهر (2) يصح صومه عن نذره فلهذا كان عليه قضاؤه، فخرج من هذا إن سبق النذر الكفارة وقضى كل اثنين في الشهرين، وان سبقت الكفارة النذر فالصحيح انه يقضي، وقال بعضهم: لا يقضي (3). وقال ابن ادريس: الأقوى عندي ان يوم النذر لا يجوز صيامه عن الكفارة لا في الشهر الأول ولا في الشهر الثاني. وقول الشيخ: (ولو صامها عن نذره بطل تتابعه وكان عليه الاستئناف ولم يمكنه الكفارة بالصيام أبدا) فتمسك غير واضح. وأنا ألتزم (4) انه لا يصح له الكفارة بالصيام ويكون فرضه الاطعام، لأنه غير قادر على الصيام، وأي مانع يمنع من الانتقال عن الصيام الى الاطعام، لأنه ليس في مقدوره الكفارة بالصيام، فليلحظ ذلك بعين الفكر والله الموفق للصواب (4).

(1) م 3: مستحق.
(2) ق 2: الشهرين.
(3) لم نعثر عليه في المبسوط ونقله عنه في السرائر: ج 3 ص 68.
(4) في النسخ: وأما التزام، والصواب ما اثبتناه من المصدر.
(5) السرائر: ج 3 ص 68.

[ 197 ]

والمعتمد أن نقول: إنه يصوم الاثنين عن نذره دائما إلا في رمضان وأيام العيدين والتشريق لمن كان بمنى، ولا ينقطع بذلك: لأنه عذر كالمرض والسفر الضروري والحيض، ولا فرق بين أن يتقدم النذر على ايجاب الشهرين ويتأخر، ولا بين أثانين الشهر الأول والثاني. مسألة: قال الشيخان (1) وابنا بابويه (2): من نذر شيئا ولم يسمه كان بالخيار إن شاء تصدق بشئ وان قل، وان شاء صام يوما، وان شاء صلى ركعتين أو فعل قربة من القربات. ونص في الخلاف (3) والمبسوط (4) على انه يجب عليه صلاة ركعتين لو نذر أن يصلي، وأطلق، ونقل عن بعض الجمهور وجوب ركعة لا غير، واستدل بالاحتياط. وهو اختيار ابن البراج (5). وقال سلار: وما ليس بمعين إن شاء صام، وإن شاء تصدق، وإن شاء صلى أو فعل شيئا من القرب (6). ولم يذكر عدد الصلاة. والشيخ - رحمه الله - عول على رواية مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - ان أمير المؤمنين - عليه السلام - سئل عن رجل نذر ولم يسم شيئا، قال: إن شاء صلى ركعتين، وان شاء صام يوما، وان شاء تصدق برغيف (7). ولأن المعهود في الشرع انما هو صلاة ركعتين، والركعة نادرة.

(1) المقنعة: ص 564، النهاية ونكتها: ج 3 ص 60.
(2) المقنع: ص 137.
(3) الخلاف: ج 6 ص 201 المسألة 17. (4) لم نعثر عليه.
(5) لم نعثر عليه.
(6) المراسم: ص 185.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 308 ح 1146، وسائل الشيعة: ب 2 ان من نذر ولم يسم... ح 3 ج 16 ص 185.

[ 198 ]

احتج ابن ادريس بأصالة البراءة (1). ولأنها عبادة فأجزأت كغيرها ولا بأس به، والرواية ضعيفة السند. مسألة: لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه زيد فقدم ليلا لم ينعقد نذره اجماعا، وان قدم نهارا قال الشيخ في الخلاف: لا نص لأصحابنا فيه، والذي يقتضيه المذهب انه لا ينعقد نذره ولا يلزمه صومه، ولا صوم يوم بدله (2). وفي المبسوط: قال بعضهم: لا ينعقد نذره، وهو الأقوى عندي (3). وابن ادريس (4) وافق الشيخ على عدم الانعقاد. وقال ابن الجنيد: ومن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم في بعض أجزائه صام ذلك اليوم وان لم يكن بيت الصيام من الليل، والاحتياط له صيام يوم مكانه فيقدم فيه نيته على كل حال، ولا يختار له فطر ذلك اليوم إذا لم يكن أحدث في أوله ما يفطر الصائم، وان قدم ليلا لم يلزمه النذر. احتج الشيخ بأصالة البراءة. ولأن ايجاب صوم يوم بدل هذا اليوم يحتاج الى دليل، ويدل على ان نذره لا ينعقد انه نذر صوما لا يمكنه الوفاء به، لأن بعض اليوم لا يكون صوما، وجرى ذلك مجرى أن يقول: يوم يقدم أصوم أمسه فانه لا يكون نذرا صحيحا، لاستحالته (5). واحتج ابن الجنيد بأنه يوم يمكنه صومه، بأن يعلم أن فلانا يقدم فيه قبل قدومه فينوي صومه من الليل فانعقد نذره فيه، كما لو نذر يوما مطلقا. ولأنه قد يوجد سبب وجوب الصوم في زمان لا يمكنه فعله فيه، كالحائض والمريض. ولأنه إذا برئ المريض في أثناء النهار قبل الزوال أو قدم المسافر كذلك ولم

(1) السرائر: ج 3 ص 69.
(2) الخلاف: ج 6 ص 200 المسألة 13.
(3) لم نعثر عليه. (4) السرائر: ج 3 ص 67.
(5) الخلاف: ج 6 ص 200 المسألة 13.

[ 199 ]

يتناولا المفطر فانه يجب عليهما اكمال الصوم وينويان حينئذ ويجزئهما، وتكون نيتهما مؤثرة في الزمان المتقدم عليها (1). وكذا لو أصبح بنية الافطار يوم الشك ثم ثبت الهلال قبل الزوال. وكذا صيام النافلة مع تجدد النية قبل الزوال، وإذا كان محل النية هو ما قبل الزوال أمكن صوم اليوم فصح انعقاده. وهو الأقوى عندي. والجواب عما ذكره الشيخ: المعارضة بالاحتياط، وأيضا الأصل قد يعدل عنه لدليل، وهو ثابت هنا، وهو العمومات الدالة على وجوب الوفاء بالنذر. وايجاب يوم بدل هذا مبني على وجوبه وقد بيناه، ونمنع عدم امكان الوفاء به، ولا يشترط في النذر امكان الأداء دائما، فان الناذر لليوم المعين لو اتفق له عذر فيه انعقد نذره ووجب عليه قضاؤه، ونمنع مساواته لنذر أمسه، لاستحالة وقوعه على كل تقدير. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر أن يمشي الى بيت الله ولم يقل: الحرام فانه يلزمه ذلك لفظا وينعقد نذره، كما لو قال: بيت الله، لأن اطلاق قوله: بيت الله ينصرف الى البيت الحرام، وقال قوم: يستحب ذلك، ولا يجب عليه ذلك إلا أن ينويه، لأن المساجد بيوت الله. والأول أحوط. وقال في الخلاف: إذا نذر أن يمشي الى بيت الله ولم يقل: الحرام فان كان نيته بيت الله الحرام لزمه الوفاء به، وان لم ينو شيئا لم يلزمه شئ (2). والقولان عندي ضعيفان. أما الأول: فان ثبت الانصراف الى الحرام عند الاطلاق انصرف النذر إليه، وإلا وجب عليه المشي الى أي مسجد اختار. وأما الثاني: فلأن القصد الى المساجد طاعة فينعقد نذر المشي إليها.

(1) في الطبعة الحجرية: عليهما.
(2) الخلاف: ج 6 ص 194 المسألة 3.

[ 200 ]

وقال ابن حمزة: وان نذر أن يأتي مسجدا من المساجد غير المسجد الحرام أو مسجد النبي - عليه السلام - لم يلزمه، فإذا نذر اتيان أحد المسجدين لزمه أن يأتيه حاجا أو معتمرا إن كان مخصوصا بالحرام وزائرا للنبي - صلى الله عليه وآله - إن كان مخصوصا بمسجده، وان نذر ايتان مسجد الكوفة أو البصرة ليعتكف فيه لزمه لأجل الاعتكاف دون المسجد (1). والوجه ما قلناه. تذنيب: ظهر من هذا اختلاف قولي الشيخ في صحة انعقاد نذر المشئ الى المساجد، فظاهر كلامه في المبسوط الانعقاد، وظاهر كلامه في الخلاف عدمه. ثم قال في الخلاف: إذا نذر أن يمشي الى مسجد النبي - صلى الله عليه وآله - أو المسجد الأقصى أو بعض المشاهد التي فيها قبور الأئمة - عليهم السلام - وجب عليه الوفاء به (2). وقال في المبسوط: لو نذر أن يمشي الى مسجد الله لا ينعقد نذره عند هم، و الأقوى عندي انه ينعقد، لأنه طاعة. وهذا الذي قواه - رحمه الله - هو الصحيح عندي لأنه قال في المبسوط: إذا نذر المشي وأطلق لم ينعقد نذره، لأن المشي في نفسه ليس طاعة، وان نذر المشي الى بيت الله الحرام أو مسجد النبي - عليه السلام - أو المسجد الأقصى انعقد نذره، وان نذر اتيان مسجد غير هذه - كمسجد الكوفة أو البصرة ونحو هذا - فلا ينعقد نذره. آخر: قال في المبسوط: إذا نذر المشي الى مسجد النبي - عليه السلام - أو المسجد الأقصى انعقد عندنا نذره و لزمه الوفاء به ويلزمه المشي، فإذا وصل لزمه أن يصلي فيه ركعتين، لأن الطاعة والمقصود القربة، والقربة بالصلاة فيه

(1) الوسيلة: ص 350.
(2) الخلاف: ج 6 ص 195 المسألة 5.

[ 201 ]

لا بقصده لغير طاعة. والوجه عندي عدم لزوم الصلاة، لأن القصد في نفسه طاعة، لقوله - عليه السلام -: (من مشى الى مسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبحت له [ الأرض ] الى الأرضين السابعة) (1). ولأنا نقول: إن كان القصد طاعة انعقد ولم يجب عليه صلاة، وان لم يكن طاعة لم ينعقد فلا يجب عليه الصلاة أيضا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر أن ينحر بمكة ولم يزد على هذا قال قوم: يلزمه النحر والتفرقة معا بها، وفيهم من قال: يلزمه النحر بها فقط ويفرق اللحم حيث شاء، والأول أقوى عندنا وأحوط. فأما إن نذر بغير مكة - كالبصرة والكوفة وغيرهما - فان نذر أن ينحر ويفرق اللحم بها لزمه ذلك، لأنه نذره لمساكين تلك البقعة، وان أطلق ولم يذكر تفرقة اللحم قال قوم: إنه يلزمه النحر وتفرقة اللحم بها، ومنهم من قال: لا ينعقد نذره أصلا، وهو الأقوى عندي، لأن الأصل براءة الذمة. وقال في الخلاف: إذا نذر أن ينحر بدنة أو يذبح بقرة ولم يعين المكان لزمه أن ينحر بمكة، فان نذر نحره بالبصرة أو الكوفة لزمه الوفاء به ويفرق اللحم في الموضع الذي ذكره (2). وقال ابن حمزة: إن نذر أن يأتي منى لم يلزمه، وان نذر أن يأتيه وينحر فيه فكذلك، وإن نذر أن يأتيه وينحر فيه ويفرق على المساكين لزم (3). وقال ابن الجنيد: ومن نذر هديا لله فالهدي من الثمانية الأزواج، فان سماه

(1) تهذيب الأحكام: ج 3 ص 255 ح 706، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام المساجد ح 1 ج 3 ص 483.
(2) الخلاف: ج 6 ص 196 المسألة 7.
(3) الوسيلة: ص 350.

[ 202 ]

لزمه هديه ونحره، وإن سمى المكان الذي ينحر أو يذبح أجزأه (1) أن يفعل ذلك فيه. والتحقيق أن نقول: إن نذر الهدي الى مكة والذبح بها لزمه ذلك ويجوز التفرقة بغيرها، لأصالة البراءة، إلا أن يفهم من النحر في الموضع: التفرقة فيه عرفا أو ينويه ضميرا فيلزمه ذلك، وان نذر الذبح بغير مكة من البلاد وعينه صح نذره ولزمه التفرقة أين شاء. ويحتمل وجوب التفرقة بذلك المكان قضية للعرف، وعدم تعيين المكان فيلزمه النحر مطلقا والتفرقة مطلقا، لأن المكان لا مزية له في النحر والذبح. والتقدير عدم تعيين التفريق بها، فيسقط التعيين في مكان الذبح حينئذ. وقد روى الشيخ في الصحيح عن محمد، عن الباقر - عليه السلام - في رجل قال: عليه بدنة ولم يسم أين ينحر، قال: انما النحر بمنى يقسمونها بين المساكين، وقال: في رجل قال: عليه بدنة ينحرها بالكوفة قال: إذا سمى مكانا فلينحر فيه فانه يجزئ عنه (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر أن يهدي انعقد نذره ويهدي الى الحرم ويفرقه في مساكين الحرم، لأنه الذي يحمل الاطلاق عليه والهدي المشروع ما كان الى الحرم، قال تعالى: (ثم محلها الى البيت العتيق) وقال تعالى: ((هديا بالغ الكعبة) فإذا ثبت انعقاد نذره فاما أن يعين أو يطلق، فإن عين فان كان مما ينقل ويحول كالنعم والدراهم والدنانير والثياب وغيرها انعقد نذره ولزمه نقله الى الحرم وتفرقته في مساكين الحرم، إلا أن يعين الجهة التي نذر لها كالثياب لستارة الكعبة وطيبها ونحوهما فيكون على ما نذره، وإن

(1) في الطبعة الحجرية: ويذبح فيه أجزأه.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 314 ح 1167، وسائل الشيعة: ب 11 حكم من نذر هديا... ح 1 ج 16 ص 194.

[ 203 ]

كان مما لا ينقل ولا يحول - مثل أن يقول: لله علي أن اهدي داري هذه وضيعتي هذه وهذه الشجرة - لزمته قيمته لمساكين الحرم يباع ويبعث بالثمن الى مساكين الحرم، وإن أطلق - فان قال: لله علي أن اهدي الهدي - لزمه ما يجزئ اضحية، الثني من الابل والبقر والمعز والجذع من الضأن، لأنه المعهود، وإن قال: لله علي أن اهدي أو قال: لله علي أن اهدي هديا قال قوم: يلزمه ما يجزئ اضحية، وهو ما قلناه، وقال آخرون: يلزمه ما يقع عليه الاسم من تمرة وبيضة فما فوقها: لأن اسم الهدي يقع عليه لغة وشرعا يقال: أهدى بيضة وتمرة، وقال تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) وقد يحكمان بقيمة عصفورا وجرادة. وسمى النبي - صلى الله عليه وآله - البيضة هديا، فقال في التبكير الى الجمعة: ومن راح في الساعة الخامسة فكانما أهدى بيضة. والأول عندنا أحوط، والثاني قوي: لأن الأصل براءة الذمة. وهو يدل على تردده - رحمه الله -. وقال في الخلاف: إذا قال: لله علي أن اهدي أو قال: ان اهدي هديا لزمه ما يجزئ في الاضحية، الثني من الابل والبقر والغنم والجذع من الضأن، وكذلك إذا قال: اهدي الهدي بألف ولام. واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم، فانهم رووا ان الهدي لا يقع إلا على النعم، فأما التمر وغيره فلا يسمى هديا، وطريقة الاحتياط يقتضي ما قلناه (1). وقال ابن الجنيد: ومن نذر هديا لله فالهدي من الثمانية الأزواج، ولو قال: غلامي أو جاريتي هدي فلم يقدر على أن يحج به باعه واشترى به بثمنه طيبا للكعبة، ولو كان من الحيوان غير الانسي أو الثمانية الأزواج فلم يلزمه شئ، ولو قال: الثني من الثمانية الأزواج بعد ما ذبح هو هدي لم يكن هديا، لأن

(1) الخلاف: ج 6 ص 197 المسألة 8.

[ 204 ]

الهدي هو ما يكون حيا منها فيذبح بمنى، وكذلك لو قال: الطعام أو نحوه. وقال ابن البراج: إذا قال: إن كان كذا فلله علي أن اهدي الى بيته طعاما لم يجب عليه الوفاء به، لأن الهدي لا يكون إلا من الابل والبقر والغنم، وإذا نذر أن يهدي الى البيت هديا ولم يسم كان عليه أن يهدي من الإبل أو البقر أو الغنم، لأن الهدي لا يكون إلا من ذلك كما قدمناه. ثم قال بعد ذلك: وإذا جعل دابته أو ثوبه أو مملوكه هديا للكعبة أو بعض المشاهد كان عليه أن يبيع الدابة أو الثوب أو المملوك، ويصرف ثمنه في بعض مصالح الكعبة أو المشهد وفي معونة الحاج والزوار (1). وقال ابن ادريس: إذا قال: متى كان كذا فلله علي أن اهدي هذا الطعام الى بيته لم يلزمه ذلك أبدا، لأن الاهداء لا يكون إلا في النعم خاصة ولا يكون بالطعام (2). والكلام في هذه المسألة يقع في موضعين: الأول: جزم الشيخ في الخلاف بأن اطلاق الهدي منكرا كان أو معرفا ينصرف الى الإبل أو البقر أو الغنم (3)، وتردد في المبسوط وذكر احتمال انصرافه الى أقل كالتمرة والبيضة، وهو الأقرب، لأصالة البراءة، ونمنع تخصيص اطلاق الهدي بالنعم. الثاني: لو عين الطعام لم ينعقد نذره عند ابن الجنيد، وابن البراج (4)، وابن ادريس (5). وبه قال ابن أبي عقيل فانه قال: ولو ان رجلا يجعل طعاما له هديا لبيت الله لم يكن بشئ، لأن الطعام لا يهدى الى البيت، وكذا لو

(1) المهذب: ج 3 ص 409 و 411.
(2) السرائر: ج 3 ص 66.
(3) الخلاف: ج 6 ص 197 المسألة 8.
(4) المهذب: ج 3 ص 409.
(5) السرائر: ج 3 ص 66.

[ 205 ]

قال: لجزور بعد ما نحرها هذه هدي لبيت الله لم يكن بشئ، لأن هذه البدن انما تهدى أحياء وليست تهدى حين صارت لحما، وظاهر كلامه في المبسوط يقتضي الجواز، وكذا غير الطعام مما ليس بحيوان كالدراهم والدنانير. وهو الأقوى عندي. لنا: انه طاعة وقربة ونفع فقراء تلك البقعة فيصح كالأنعام. وقد روى أبو بصير في طريق ضعيف، عن الصادق - عليه السلام - قال: فإن قال الرجل: أنا اهدي هذا الطعام فليس هذا بشئ انما تهدى البدن (1). ولا اعتبار بهذه الرواية، لضعفها. وروى علي بن جعفر، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يقول: هو يهدي الى الكعبة كذا وكذا ما عليه إذا كان لا يقدر على ما يهديه، قال: إن كان جعله نذرا ولا يملكه فلا شئ عليه، وإن كان مما يملك غلام أو جارية أو شبهه باعه واشترى بثمنه طيبا فيطيب به الكعبة، وان كانت دابة فليس عليه شئ (2). وفي طريقها محمد بن عبد الله بن مهران فلا اعتبار بها أيضا. وقد روى الشيخ في باب الزيادات من كتاب الحج عن علي بن جعفر - عليه السلام - في الصحيح قال: سألته عن رجل جعل ثمن جاريته هديا للكعبة كيف يصنع؟ قال: إن أبي - عليه السلام - أتاه رجل قد جعل جاريته هديا للكعبة، فقال: مر مناديا يقم على الحجر فينادي ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفذ طعامه فليأت فلان بن فلان، وأمره أن يعطي أولا

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 303 ذيل ح 1126، وسائل الشيعة: ب 1 انه لا ينعقد النذر... ح 3 ج 16 ص 183.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 310 ح 1150، وسائل الشيعة: ب 18 ان من نذر هديا... ح 1 ج 16 ص 202.

[ 206 ]

فأولا حتى يتصدق بثمن الجارية (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر صوم سنة لا بعينها ولم يشترط التتابع صامها كيف شاء، فان صام منها شهرا بين هلالين اعتد به شهرا تاما كان أو ناقصا، وإن صام بالعدد صام كل ثلاثين يوما شهرا، فان صام شوال فان كان تاما صام يوما آخر مكان الفطر، وإن كان ناقصا صام يومين، لأنه إذا أفطر يوما منه كان الاعتبار بالعدد ويقوى في نفسي انه لا يلزمه أكثر من يوم واحد، وإن صام ذا الحجة أفطر الأضحى والتشريق، فان كان تاما قضاها، وان كان ناقصا قضى خمسة أيام، وعلى ما قلناه مثلها، وان اختار أن يصومها متتابعة فانه يصوم رمضان عن رمضان ويفطر العيدين والتشريق وعليه أن يقضي ما لم يصم عن نذره، فان كان شوال وذو الحجة تامين قضى خمسة أيام وثلاثين يوما عن رمضان والعيدان وأيام التشريق خمسة أيام، وان كانا ناقصين قضى عندهم سبعة وثلاثين يوما وعندنا خمسة وثلاثين يوما. وهذا يدل على تردده في اليوم الناقص. وقال في فصل الظهار منه: إذا ابتدأ بصوم الشهرين من أول يوم الفطر وصام شوال وذا القعدة فيوم الفطر لا يصح صومه ويصح صوم ما بعده، فأما ذو القعدة فانه يصح ويجزئ تاما كان أو ناقصا، فان الشهرين اسم لما بين الهلالين. وأما شوال فانه انقطع يوم من أوله ولا يمكن اعتباره بالهلال ويعتبر بالعدد فيحتاج أن يتمه ثلاثين يوما، فان كان شوال تاما فقد حصل له تسعة وعشرون يوما فيصوم يوما واحدا من ذي الحجة، وان كان ناقصا صام يومين، وان قلنا: يقضي يوما، لأنه ما أفطر من الشهر الهلالي إلا يوما كان قويا. وهو يدل على تردده أيضا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 483 ح 1719، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب مقدمات الطواف وما يتبعها ح 7 ج 9 ص 354.

[ 207 ]

والمعتمد وجوب قضاء اليوم الناقص، لأن الشهر إما عدة بين هلالين أو ثلاثون يوما. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وتبعه ابن ادريس (1): لو نذر أن يصوم أول يوم من رمضان لم ينعقد، لأنه يستحق صيامه لغيره، لأنه لا يمكن أن يقع فيه على حال صيام غير رمضان. والوجه عندي الانعقاد، للاجماع منا على ان النذر انما ينعقد إذا كان المنذور طاعة بأن يكون واجبا أو مندوبا، وايجاب صومه بأصل الشرع لا ينافي تأكيد الوجوب، وفائدته وجوب الكفارتين. مسألة: قال ابن الجنيد: لو نذر عتق عبده إن قدم فلان غدا لم يكن ذلك مانعا من بيع عبده اليوم ولا يلزمه البدل منه إذا قدم فلان غدا ولا يختار له فسخ نذره الذي جعله لله بذلك. ولا بأس بهذا القول، لأنه قبل مجئ الغد مالك للعبد ملكا تاما، ولم يوجد مانع من التصرف فيه، لعدم الشرط حينئذ فكان له بيعه، فإذا قدم فلان غدا بطل النذر، لأنه لم يصادف محلا قابلا. لكن يمكن أن يقال: إن لا يصح له بيعه، لتعلق النذر به، ولهذا قال علماؤنا: لو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فأتلفه اليوم باختياره كان عليه الكفارة، فاقتضى ذلك تعلق النذر بهذه العين قبل مجئ الغد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر عتق رقبة فانه يجزئه أي رقبة كانت، صغيرة كانت أو كبيرة، معيبة أو سليمة، مؤمنة كانت أو كافرة، لأن الاسم يقع عليها، وقال بعضهم: لا يجزئ إلا رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، والأول مذهبنا. وكذا قال في الخلاف (2).

(1) السرائر: ج 3 ص 68.
(2) الخلاف: ج 6 ص 202 المسألة 18.

[ 208 ]

وقال ابن البراج: إذا نذر عتق رقبة معينة أعتقها على كل حال، سواء كانت مؤمنة أو كافرة، وان كانت غير معينة أعتق أي رقبة شاء بعد ألا تكون كافرة (1). وهو قول الشيخ في النهاية (2). ومنع ابن ادريس من عتق الكافرة مطلقا، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (3) وقد تقدم البحث في عتق الكافر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن نذر أن يحج ولم يكن له مال فحج عن غيره أجزأ عمن حج عنه وعما نذر فيه (4). وقال ابن البراج - ونعم ما قال -: إذا نذر حجا ولم يكن له مال يحج به ثم حج عن غيره كانت حجته مجزئة عن ذلك الغير وعليه الحج إذا تمكن منه، وقد ذكر ان ذلك يجزئه عن حجة النذر، والصحيح ما ذكرناه (5). وهو المعتمد عندي. لنا: انه وجد سببان مستقلان في وجوب حجين فلا يتداخلان كغيرهما من الأسباب. احتج الشيخ بما رواه رفاعة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل حج عن غيره ولم يكن له مال وعليه نذر أن يحج ماشيا أيجزئ عنه عن نذره؟ قال: نعم (6). والجواب: الحمل على ما إذا عجز عن أداء ما نذره واستمر عجزه.

(1) المهذب: ج 2 ص 411.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 57.
(3) السرائر: ج 3 ص 60. (4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 61 - 62.
(5) المهذب: ج 2 ص 412.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 315 ح 1173، وسائل الشيعة: ب 21 حكم من نذر الحج ماشيا... ح 1 ج 16 ص 204.

[ 209 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نذر أن يحج في هذا العام فحصر حصرا عاما أو خاصا سقط نذره كالمفروضة سواء، ولا فرق بين المفروضة والمنذورة إلا في فصل واحد، وهو ان المفروضة إذا سقطت في هذا العام وجبت لوجوب شرائطها بعده، والمنذورة إذا سقطت في هذا العام لم يجب بعده وان وجدت الشرائط، لأن النذر تعلق بهذه السنة، فإذا فات فلا يجب بعدها إلا بتجديد نذر. وهذا تصريح بأنه إذا عجز عن المنذور فيه سقط. ونحوه قال ابن حمزة فانه قال: إذا عين الوقت ولم يمكنه الوفاء به لم يلزمه (1). وقال أبو الصلاح: إذا علق نذره بوقت معين له مثل - كيوم خميس أو شهر محرم - فليفعله في أول الأزمنة من تمكنه، وان كان متعينا لا مثل له - كشهر معين من سنة معينة أو من كل سنة أو كل خميس - فعليه فعله فيه، فان حضر الزمان وهو غير متمكن من فعله فهو في ذمته الى حين إمكانه (2). وهو يدل على عدم السقوط عنه. والمعتمد انه إن كان صوما وجب القضاء، لأن أصحابنا أوجبوا على الحائض القضاء لو نذرت صوم يوم معين فاتفق حيضها فيه، وكذا المريض، فإن كان غير صوم فالوجه ما قاله الشيخ، لأصالة البراءة وعدم التكليف، لعدم المناط - وهو القدرة - فلم ينعقد نذره، كما لو نذر الصلاة في السماء. مسألة: قال ابن حمزة: وان لم يعين بوقت وحصل الشرط لزمه ما نذر على الفور، فإن لم يفعل لم تلزمه الكفارة إلا بموته (3). فإن قصد بذلك الوجوب على الفور بمعنى: انه يستحق العقاب لو أخل به في

(1) الوسيلة: ص 349 - 350.
(2) الكافي في الفقه: ص 225.
(3) الوسيلة: ص 350.

[ 210 ]

أول أوقات الامكان فهو ممنوع، وان أراد به تعلق الوجوب الموسع به في أول أوقات الامكان فهو حق. مسألة: قال ابن حمزة: وإن قال: علي كذا إن كان كذا ولم يقل: (لله) لزمه الوفاء به ولم تلزمه الكفارة بفواته، وان قال: علي كذا فحسب إن شاء وفي وان شاء لم يف، والوفاء أفضل (1). والمعتمد عدم الوجوب في الجميع، لما تواتر من ان مناط الوجوب تعليق وجوب النذر بقوله: (لله) وقد تقدم.

(1) الوسيلة: ص 350.

[ 211 ]

الفصل الثالث في الكفارات مسألة: كفارة قتل الخطأ مرتبة عند أكثر علمائنا وقال سلار: إنها على التخيير (1). وللمفيد - رحمه الله - قول يوهم انها على التخيير، لأنه قال: من قتل خطأ فعليه ديته وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان (2). مع انه نص على التخيير في كفارة رمضان (3). لنا: قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) ثم قال: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) (4) وهذا نص في الترتيب. وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - وإذا قتل خطأ أدى ديته الى أوليائه ثم أعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدا مدا، وكذلك إذا وهبت له دية المقتول فالكفارة عليه فيما بينه وبين ربه لازمة (5).

(1) المراسم: ص 187.
(2) المقنعة: ص 570 - 571.
(3) المقنعة: ص 569.
(4) النساء: 92.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 323 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 559.

[ 212 ]

احتج بأصالة البراءة. والجواب: الأصل يبطل مع وجود دليل يعدل عنه، وقد بيناه. مسألة: كفارات الصيد في الحج ذهب بعض علمائنا كالمفيد (1) - رحمه الله - وابن ادريس (2) الى انها على التخيير، وذهب الشيخ الى انها مرتبة (3). والمعتمد الأول، لدلالة القرآن العزيز عليه، حيث ورد بلفظة (أو) الدالة على التخيير، وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: ذهب الشيخان (4) الى أن كفارة خلف النذر والعهد كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا في ذلك، سواء كان النذر صوما أو غيره من الأفعال. وبه قال أبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وابن البراج (7). إلا ان شيخنا المفيد قال: ومن نكث عهدا لله تعالى وجب عليه من الكفارة ما قدمناه، وهي كفارة قتل الخطأ (8). وقال سلار: كفارة خلف النذر كفارة الظهار (9). وهي تعطي الكمية والكيفية من الترتيب. وقال شيخنا علي بن بابويه، في رسالته: كفارة خلف النذر صيام شهرين

(1) المقنعة: ص 435. وفيه الترتيب.
(2) السرائر: ج 3 ص 70.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 480.
(4) المقنعة: ص 562 و 565، النهاية ونكتها: ج 3 ص 66.
(5) الكافي في الفقه: ص 225 و 226.
(6) الوسيلة: ص 351 و 353.
(7) المهذب: ج 2 ص 421.
(8) المقنعة: ص 569.
(9) المراسم: 187.

[ 213 ]

متتابعين، وروى كفارة يمين. وقال ابنه الصدوق في المقنع،، كفارة النذر كفارة يمين، فإن نذر أن يصوم كل سبت فليس له أن يتركه إلا من علة، فان أفطر من غير علة تصدق مكان كل يوم على عشرة مساكين (1). ونقل ابن ادريس عن السيد المرتضى في المسائل الموصلية وعن الصدوق ان النذر إن كان لصوم يوم فأفطره وجب عليه كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وان كان لغير صوم فكفارة يمين (2). والمعتمد اختيار الشيخين. لنا: ما رواه عبد الملك بن عمرو في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من جعل لله عليه ألا يركب محرما سماه فركبه قال: ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا (3). وعن أبي بصير، عن أحدهما - عليهما السلام - من جعل عليه عهدا لله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا (4). وعن علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل عاهد الله في غير معصية ما عليه إن لم يف بعهده؟ قال: يعتق رقبة أو يتصدق بصدقه أو يصوم شهرين متتابعين (5).

(1) المقنع: ص 137 مع اختلاف.
(2) السرائر: ج 3 ص 74 - 75.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 314 ح 1165 وفيه: (قال: ولا اعلم)، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الكفارات ح 7 ج 15 ص 575.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 315 ح 1170، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 577.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 309 ح 1148، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 576.

[ 214 ]

احتج ابن بابويه بما رواه حفص بن غياث، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن كفارة النذور، فقال: كفارة النذور كفارة اليمين (1). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن قلت: لله علي فكفارة يمين (2). والجواب: الحمل على العجز، لما رواه جميل بن صالح في الصحيح، عن الكاظم - عليه السلام - انه قال: كل من عجز من نذر نذره فكفارته كفارة يمين (3). تنبيه: قال المفيد: من نكث عهدا لله تعالى كان عليه من الكفارة ما قدمناه، وهي كفارة قتل الخطأ (4). وهو يعطي وجوب الترتيب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من كان عليه صيام يوم نذر صومه فعجز عن صيامه أطعم مسكينا مدين من طعام كفارة لذلك اليوم وقد أجزأه (5). وقال المفيد: والذي ينذر لله أن يصوم يوما بعينه فيفطره بغير عذر فعليه الكفارة وصيامه على سبيل القضاء، فان عرض له في ذلك مرض فليفطره ثم ليقظه ولا كفارة عليه (6). وقال ابن ادريس: قول الشيخ في النهاية ليس على ظاهره، بل إن كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 307 ح 1141، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الكفارات ح 4 ج 15 ص 575. (2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 306 ح 1136، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 574.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 306 ح 1137، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الكفارات ح 5 ج 15 ص 575.
(4) المقنعة: ص 569.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 66.
(6) المقنعة: ص 565 - 566.

[ 215 ]

عجزه لكبر أو مرض لا يرجمى برؤه بمجرى العادة - مثل العطاش الذي لا يرجي برؤه - فما ذكره - رحمه الله - صحيح، وان كان لمرض يرجى برؤه - مثل الحمى وغير ذلك - فالواجب عليه الافطار والقضاء لما أفطر فيه من غير اطعام مدين ولا كفارة بحال (1). والوجه ما قاله المفيد لنا: أصالة البراءة. احتج الشيخ بما رواه اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يجعل عليه صياما في نذر ولا يقوى، قال: يعطي من يصوم عنه في كل يوم مدين (2). والجواب: الطعن في السند، والحمل على الاستحباب، وعدم الدلالة على المدعى. مسألة: المشهور بين علمائنا ان كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان مخيرة بين العتق والصيام والاطعام، ذهب إليه الشيخان (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5). وقال الشيخ في المبسوط: الكفارة على ضربين: مرتبة ومخيرة، فالمرتبة كفارة الجماع والظهار والقتل بلا خلاف، وفي أصحابنا من قال: كفارة الجماع مخير فيها (6).

(1) السرائر: ج 3 ص 75، وفيه: (ليس هو على ظاهره).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 306 ح 1138، وسائل الشيعة: ب 12 حكم من نذر صياما فعجز ح 1 ج 16 ص 195. (3) المقنعة: ص 345، النهاية ونكتها: ج 1 ص 397.
(4) المراسم: ص 187.
(5) المهذب: ج 2 ص 422.
(6) المبسوط: ج 5 ص 171.

[ 216 ]

وقال ابن أبي عقيل قولا يوهم الترتيب فقال: والكفارات مغلظة وغير مغلظة، فأما المغلظة فصيام شهرين متتابعين فرض لازم لمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من غير مرض ولا سفر إذا لم يجد عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين في الظهار لمن لا يجد العتق، وقتل المؤمن خطأ إذا لم يجد العتق، فهذه المغلظات من الكفارات. وأما دون المغلظة فصيام عشرة أيام للمتمتع بالعمرة الى الحج. وهذا القول يعطي المساواة بين كفارة إفطار يوم من شهر رمضان وبين كفارة الظهار. وقال في كتاب الصوم: الكفارة عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. وهو تصريح بالترتيب. وقال ابن ادريس: وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا إما عتق رقبة أو اطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين متتابعين مخير في ذلك على الصحيح من المذهب (1). وهذا يعطي الخلاف فيه. لنا: أصالة البراءة. احتج ابن أبي عقيل بما رواه الصدوق ان رجلا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: هلكت وأهلكت، فقال: وما أهلكك؟ قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله -: أعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا اطيق، قال: تصدق على ستين مسكينا، قال: لا أجد، قال: فاتي النبي - صلى الله عليه وآله - بعذق ثمانية عشر صاعا من تمر، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله -: خذها فتصدق بها، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا ما بين لابتيها أهل

(1) السرائر: ج 1 ص 378 - 379، وفيه: (مخير في ذلك وهو الأقوى والأظهر).

[ 217 ]

بيت أحوج منا إليها، فقال: خذه وكله وأطعم عيالك فانه كفارة لك (1). والجواب: لا دلالة قاطعة فيه على الترتيب، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: المشهور عند علمائنا ان كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال مختارا كفارة يمين ذهب إليه الشيخان (2)، وسلار (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن ادريس (5). وقال الصدوق في المقنع وأبوه: يجب عليه كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، قالا: وقد روي ان عليه اطعام عشرة مساكين (6). وهو اختيار ابن البراج (7). والمعتمد الأول. لنا: انه يوم لا يتعين صومه في القضاء قبل الزوال إجماعا فكذا بعده، ومقتضاه عدم وجوب الكفارة، لكن أوجبنا الصغرى للنصوص. ولأنه هتك صوما مضى أكثره فكان له حكم الجميع، لما عهد في مواضع للشرع متعددة من اعطاء الأكثر حكم الكل. وما رواه الصدوق عن بريد العجلي، عن الباقر - عليه السلام - في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان [ قال: إن كان أتى أهله ] قبل الزوال فلا شئ عليه إلا يوما مكان يوم، فان أتى أهله بعد زوال الشمس فان عليه أن

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 116 ح 1885، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك ح 5 ج 7 ص 30 مع اختلاف فيهما.
(2) المقنعة: ص 570، المبسوط: ج 1 ص 287.
(3) المراسم: ص 187.
(4) الكافي في الفقه: ص 184.
(5) السرائر: ج 1 ص 410.
(6) المقنع: ص 63.
(7) المهذب: ج 2 ص 422.

[ 218 ]

يتصدق على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فان لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع (1). قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عقيب هذه الرواية: وقد روي انه إن أفطر قبل الزوال فلا شئ عليه، وان أفطر بعد الزوال فعليه الكفارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان (2). وهذا القول منه يدل على اختياره الأول، وإن كان في المقنع (3) عكس الحال فجعل الأول رواية. ولأنه قبل الزوال لا شئ عليه فلا يكون بعد الزوال كرمضان، بل كما انحطت رتبته قبل الزوال فلم يوجب فيه شيئا، كان المناسب انحطاط رتبته عنه بعد الزوال فلا يوجب فيه مثل الواجب فيه. ولأنهم - عليهم السلام - استبعدوا في القضاء مساواته لرمضان فقالوا: وأنى له بمثله يعني: بمثل اليوم المقضي، ولو وجبت الكفارة فيه بعد الزوال - كرمضان - لساواه. تذنيب: اختلفت عبارات علمائنا هنا فقال بعضهم: يجب كفارة يمين، وقال آخرون: اطعام عشرة مساكين، فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وقال الشيخ في النهاية في كتاب الصوم: عليه اطعام عشرة مساكين، فان لم يتمكن كان عليه صيام ثلاثة أيام (4). وكذا قال المفيد في كتاب الصوم (5). وقال في باب الكفارات: عليه كفارة يمين أو اطعام عشرة مساكين، فان لم

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 149 ح 2000، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1 ج 7 ص 254.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 149 ذيل الحديث 2000.
(3) المقنع: ص 63.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 407.
(5) المقنعة: ص 360.

[ 219 ]

يجد صام ثلاثة أيام متتابعات (1). وقال الشيخ في النهاية في كتاب الكفارات: ومن أفطر يوما قد نوى صومه قضاء لشهر رمضان بعد الزوال كان عليه كفارة يمين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام (2). وقال سلار: عليه كفارة يمين (3). آخر: ذهب أكثر علمائنا الى وجوب الكفارة لو أفطر بعد الزوال قال الشيخ في النهاية: وروي عليه كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، قال: ويمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية من أفطر في هذا اليوم بعد الزوال استخفافا بالفرض وتهاونا به فلزمته هذه الكفارة عقوبة وتغليظا، قال: وقد رويت رواية اخرى انه ليس عليه شئ، ويمكن أن يكون الوجه فيها من لم يتمكن من الاطعام ولا من صيام ثلاثة أيام فليس عليه شئ (4). وقال ابن أبي عقيل: ومن جامع أو أكل أو شرب في قضاء من شهر رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أثم وعليه القضاء ولا كفارة عليه. ولم يفصل بين أن يقع الافطار قبل الزوال أو بعده، وهذا يدل على اختياره، لرواية (5) الاسقاط. والمشهور الأول. آخر: المشهور انه لا ينتقل الى صوم ثلاثة أيام إلا بعد العجز عن الاطعام، اختاره الشيخان (6) وأكثر علمائنا (7).

(1) المقنعة: ص 570.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 68.
(3) المراسم: ص 187.
(4) النهاية ونكتها: ج 1 ص 407 مع اختلاف. (5) تهذيب الأحكام: ج 4 ص 280 ح 847، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 4 ج 7 ص 255.
(6) المقنعة: ص 360، النهاية ونكتها: ج 3 ص 68.
(7) منهم: السيد المرتضى في الانتصار: 69 وابن ادريس في السرائر 3: 76.

[ 220 ]

وقال أبو الصلاح: وان كان بعد الزوال تعاظم وزره ولزمته الكفارة صيام ثلاثة أيام أو اطعام عشرة مساكين (1). والرواية التي ذكرناها أولا تدل على المذهب المشهور، وهو المعتمد. مسألة: ذهب السيد المرتضى الى ان من تزوج امرأة ولها زوج وهو لا يعلم بذلك ان عليه أن يفارقها ويتصدق بخمسة دراهم (2). ورواه ابن الجنيد عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - (3). قال ابن ادريس: لم أجد أحدا من أصحابنا موافقا له على هذا القول، والأصل براءة الذمة، وشغلها بهذه الكفارة يحتاج الى دليل، ولا دليل عليها من كتاب ولا اجماع ولا تواتر أخبار (4). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يشق ثوبه على أبيه وفي موت أخيه (5). وكذا قال المفيد (6). قالا: ولا يجوز شقه في موت الابن ولا الزوجة، فان فعل كان عليه كفارة يمين (7). وأوجب سلار (8)، وابن البراج (9) كفارة اليمين في موت الابن والزوجة،

(1) الكافي في الفقه: ص 184.
(2) الانتصار: ص 166.
(3) كذا، والموجود في تهذيب الأحكام: ج 7 ص 481 ح 1934 عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن ابي عمير عن رجل عن أبى بصير عن الصادق عليه السلام.
(4) السرائر: ج 3 ص 77.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 69.
(6) المقنعة: ص 573.
(7) المقنعة ص 573، النهاية ونكتها: ج 3 ص 69.
(8) المراسم: 187. (9) المهذب: ج 2 ص 424.

[ 221 ]

ولم يوجبا كفارة في موت الأب والأخ. وقال ابن ادريس: لا يجوز أن يشق الرجل ثوبه في موت أحد من الأهل والقرابات، فان فعل فقد روي ان عليه كفارة يمين، والأولى أن يحمل ذلك على المندوب دون الفرض، لأن الأصل براءة الذمة، وهذه الرواية قليلة الورود شاذة تورد في أبواب الزيادات عن رجل واحد، و [ قد بينا ان ] أخبار الآحاد لا توجب علما ولا عملا، إلا أن أصحابنا مجمعون عليها في تصانيفهم وفتاويهم فصار الاجماع هو الحجة على العمل بها، وبهذا افتي. وروي انه لا بأس بأن يشق ثوبه على أبيه وفي موت أخيه، والأولى ترك ذلك واجتنابه بل الواجب، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، والأصل حفاظ (1) المال وتضييعه سفه، لأنه ادخال ضرر، والعقل يقبح ذلك. فأما المرأة فلا يجوز لها أن تشق ثوبها على موت أحد من الناس، فان شقته أخطأت ولا كفارة عليها بلا خلاف (2). والذي قاله الشيخان هو المعتمد. لنا: ان أصالة البراءة ترك العمل به في موت الابن والزوجة للتعويض عنها بامكان غيرهما، بقي الباقي على الأصل. وما رواه حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل شق ثوبه على أبيه وعلى امه أو على أخيه أو على قريب له، فقال: لا بأس بشق الجيوب، قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون - عليهما السلام - ولا يشق الوالد على ولده ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها (3).

(1) م 3: حفظ.
(2) السرائر: ج 3 ص 78.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 325 ح 1207، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 583.

[ 222 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن ضرب مملوكا له فوق الحد كانت كفارته أن يعتقه (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: لا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، والأصل براءة الذمة من العتق وبقاء الرق، فمن ادعى سوى ذلك يحتاج الى دليل (3). والمعتمد الاستحباب، لأنه فعل محرم، والعتق مسقط لذنب القتل، وهو أعظم من الضرب فاستحق (4) العتق. وأما عدم الوجوب فبالأصل السالم عن المعارض. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فان قتل مملوكه كان عليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، وعليه التوبة مما فعل (5). وقال ابن البراج: كفارة قتل السيد مملوكه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا مخيرا في ذلك، وعليه مع ذلك التوبة (6). وهو نص في تخيير هذه الكفارة. وقال ابن ادريس: ما ذكره شيخنا غير واضح ولا مستمر على أصل مذهبنا، لأنه إن كان القتل عمدا محضا فالصحيح انه يجب على السيد القاتل كفارة قتل العمد المحض، وهي الثلاثة الأجناس على الجمع، وان كان قتله له خطأ فالواجب في قتل الخطأ المرتبة دون المخيرة فيها (7). وقول ابن ادريس هو المعتمد. لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - انه قال: في

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 71.
(2) المهذب: ج 2 ص 424.
(3) السرائر: ج 3 ص 79.
(4) في الطبعة الحجرية: فاستحب.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 71.
(6) المهذب: ج 2 ص 424.
(7) السرائر: ج 3 ص 79.

[ 223 ]

رجل قتل مملوكه، قال: يعجبني أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا (1). وليس ذلك في كفارة قتل الخطأ لأن ذلك لا يجب في قتل الحر، فقتل العبد أولى فيجب الحمل على العمد. ولأنه الأصل في اطلاق الأفعال الصادرة عن المختار، إذ السهو فيها خلاف الأصل. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - انه سمعه يقول: من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا (2). والجواب حمل (أو) على (الواو) كقوله تعالى: (أو يزيدون) (3) وقوله تعالى (أو كفورا) (4) ويكون القتل خطأ، وأراد به التفصيل دون التخيير. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أراد أن يطعم المساكين فليطعم لكل مسكين مدين من طعام، فان لم يقدر على ذلك أطعم لكل واحد منهم مدا من طعام (5). وكذا قال في المبسوط (6) والخلاف، ونص على التعميم في الخلاف فقال: يجب أن يدفع الى كل مسكين مدين في سائر الكفارات (7). وقال الصدوق وأبوه: لكل مسكين مد (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 324 ح 1201، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 581.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 324 ح 1202، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 581.
(3) الصافات: 147.
(4) الانسان: 24.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 64.
(6) المبسوط: ج 6 ص 207.
(7) الخلاف: ج 3 ص 26 المسألة 62.
(8) المقنع: ص 137.

[ 224 ]

وقال المفيد: لكل مسكين شبعه في يومه، وأدنى ما يطعم لكل واحد منهم مد من طعام وهو رطلان وربع (1). وتبعه تلميذه سلار (2). وقال ابن الجنيد: وهو مخير بين أن يطعم المساكين ولا يملكهم، وبين أن يعطيهم ما يأكلونه، فإذا أراد أن يطعمهم دون التمليك غداهم وعشاهم في ذلك اليوم، وإذا أراد تمليك المساكين الطعام أعطى كل انسان منهم مدا، وبزيادة (3) عليه بقدر ما يكون لطحنه وخبزه وادمه. وقال ابن البراج: فليطعم كل واحد منهم شبعه في يوم، فان لم يقدر أطعمه مدا من طعام (4). وقال ابن حمزة مقدار الاطعام ما يشبع، فان لم يشبع أو شك فيه أعاد، وان أطعمهم دون ما يكفيهم أثم، وان زاد على الكفاية فهو بالخيار بين أخذ الفاضل وتركه لهم، وان أعطاهم الطعام لزمه لكل مسكين مدان حال السعة والاختيار ومد حال الاضطرار (5). وقال أبو الصلاح: والاطعام شبع المسكين في يومه (6). واختار ابن إدريس (7) مذهب الصدوق، وهو المعتمد. لنا: أصالة براءة الذمة، وخروج المكلف عن عهدة التكليف، لاتيانه بالمسمى. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - وإذا قتل خطأ أدى ديته الى أوليائه ثم أعتق رقبة، فان لم يجد صام شهرين

(1) المقنعة: ص 568.
(2) المراسم: ص 186.
(3) في الطبعة الحجرية: زيادة. (4) المهذب: ج 2 ص 415.
(5) الوسيلة: ص 353.
(6) الكافي في الفقه: ص 227.
(7) السرائر: ج 3 ص 70.

[ 225 ]

متتابعين، فان لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدا مدا (1). احتج الشيخ في الخلاف باجماع الفرقة وطريقة الاحتياط (2). والجواب: الاجماع ممنوع، فقد نقلنا الخلاف، والاحتياط معارض بأصالة البراءة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى أراد كسوتهم فليعط كل واحد منهم ثوبين يواري بهما جسده، فان لم يقدر عليهما جاز أن يقتصر على ثوب واحد (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال في المبسوط: إذا اختار أن يكفر بكسوة فعليه أن يكسو عشرة مساكين، وأقل الكسوة ثوب واحد، وقد روى أصحابنا ثوبين (5). وقال الصدوق: لكل رجل ثوبان، وروي ثوب (6). وقال أبوه: لكل رجل ثوب. وقال المفيد: لكل رجل ثوبان (7). وكذا قال سلار (8). وقال أبو الصلاح: الكسوة على الموسر ثوبان، وعلى المعسر ثوب واحد (9).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 323 ذيل الحديث 1196، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الكفارات ذيل الحديث 1 ج 15 ص 559.
(2) الخلاف: ج 4 ص 560 المسألة 62.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 64.
(4) المهذب: ج 2 ص 415.
(5) المبسوط: ج 6 ص 211.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 368 ح 4298.
(7) المقنعة: ص 568.
(8) المراسم: ص 186. (9) الكافي في الفقه: ص 227.

[ 226 ]

وقال ابن الجنيد: وإذا أراد أن يكفر بالكسوة كان الأحوط عندي أن يكسو المرأة ثوبين: درعا وخمارا، وهو ما يجزئها فيها الصلاة، ولا بأس أن يكون للرجل ثوب يجزئه في مثله الصلاة، ولا يجزئ ما دون ذلك - كمئزر أو خمار مفرد - للمرأة. وقال ابن حمزة: والكسوة إزار ورداء من الثياب الجديدة، فإن لم يجد جاز الغسيل إذا بقيت منافعه (1). وقال ابن ادريس: الواجب ثوب واحد (2). والشيخ - رحمه الله - روى في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن رجاله، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: في كفارة اليمين ثوب يواري عورته، وقال: ثوبان (3). وهذا يدل على وجوب الثوب واستحباب الثوبين، أو على التفصيل الذي ذكره ابن الجنيد، وبالجملة فهو مرسل. والمعتمد ما قاله ابن بابويه: لكل مسكين ثوب واحد، عملا بأصالة البراءة السالم (4) عن المعارض. تذنيب: ظاهر كلام علمائنا عدم الفصل بين الرجل والمرأة، وابن الجنيد فصل وأوجب للمرأة درعا وخمارا. وقال الشيخ في المبسوط: واقل الكسوة ثوب واحد، وروى أصحابنا ثوبين، فمن قال: ثوب واحد قال: للرجل منديل أو قميص أو سراويل أو مئزر،

(1) الوسيلة: ص 354.
(2) السرائر: ج 3 ص 70.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 320 ح 1187، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الكفارات ح 3 ج 15 ص 568.
(4) م 3: السالمة.

[ 227 ]

وكذلك للمرأة مقنعة أو قميص أو سراويل أو مئزر، وقال بعضهم: السراويل لا يجزئ، وقال بعضهم: لا يجزئ للمرأة غير ما تجوز لها الصلاة فيه من ثوبين قميص ومقنعة، وهو الذي رواه أصحابنا مع الاختيار، فان لم يجد فثوب واحد على ما ذكرناه (1). والمعتمد المشهور، للأصل. آخر: قال الشيخ: وأما صفته فالمستحب أن يكون جديدا، فإن لم يكن فغسيلا قد بقيت منافعه أو معظمها، فان لم يفعل وأعطى سحيقا لم يجزئه، لأن منافعها قد بطلت (2). وجوز ابن ادريس أيضا أن يكون غسيلا (3). وقال ابن حمزة: الكسوة إزار ورداء من الثياب الجديدة، فإن لم يجد جاز الغسيل إذا بقيت منافعه (4). والوجه ما قاله الشيخ، لأصالة البراءة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان عليه كفارات من جنس واحد فأعتق عنها أو صام بنية التكفير دون التعيين أجزأه بلا خلاف، وان كانت من أجناس مختلفة مثل كفارة الظهار وكفارة القتل فلا بد فيهما من نية التعيين عن كل كفارة، فان لم يعين لم يجزئه، لقوله - عليه السلام -: (الأعمال بالنيات) فوجب ما لم يحصل فيه النية ألا يجزئ. ولأن الأصل شغل الذمة، فلا خلاف إذا عين النية انه يجزئه، ولم يدل دليل على اجزائه إذا لم يعين، فالاحتياط يقتضي ما قلناه (5). وقال في المبسوط: إن كانت من جنس واحد فإن أبهم [ النية ] ولم يعين

(1) المبسوط: ج 6 ص 211 - 212.
(2) المبسوط: ج 6 ص 212.
(3) السرائر: ج 3 ص 70.
(4) الوسيلة: ص 254.
(5) الخلاف: ج 3 ص 549 المسألة 39.

[ 228 ]

بل نوى كفارة مطلقة أجزأه، وإن كانت أجناسا مختلفة - كالحنث والقتل والظهار والوطء في رمضان - فالحكم فيها كلها كما لو كان الجنس واحدا وانه لا يفتقر الى تعيين النية، وقال بعضهم: التعيين شرط، والأول أقوى عندنا (1). واختار ابن ادريس (2) قوله في الخلاف. والمعتمد التفصيل فنقول: اما أن تكون الكفارات من جنس واحد كالحنث في اليمين إذا تكرر منه واختار العتق عن الكفارة أجزأه، ولا يفتقر الى تعيين اليمين التي حنث فيها. وإن كانت من أجناس مختلفة فإن اتفقت في الحكم كقتل الخطأ والظهار فانهما وان تعددت أجناسهما لكن حكمهما واحد وهو وجوب العتق عينا، فان عجز فالصوم، وحكم هذا كالأول. وكذا كفارة إفطار رمضان وخلف النذر إن أوجبنا فيه الكبرى فان حكمهما متفق وهو التخيير بين العتق والصيام والاطعام، وان اختلف الحكم مثل: كفارة الظهار والافطار فلا بد من تعيين السبب، لأنه إذا أعتق ونوى مطلق التكفير لم يكن صرفه الى أحدهما أولى من صرفه الى الآخر، لكن لو صرف الى الظهار بقي التخيير بين العتق والصوم والاطعام في كفارة الافطار، وإن صرف الى الافطار تعين العتق ثانيا، وليس أحدهما أولى من الآخر، فأما أن يصرف إليهما معا أو الى واحد منهما، والكل باطل. لا يقال: ينتقض بما لو تعدد الجنس واتفق الحكم لأنا نقول: انه لما وجب عليه كفارتان فقد وجب عليه واحدة، فإذا نوى التكفير المطلق فقد ارتفعت واحدة مطلقة وتعين العتق في الاخرى، اما مع اختلاف الحكم فانه لا يدري حينئذ الواجب عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى أراد أن يعتق رقبة فليعتق من ظاهره

(1) المبسوط: ج 6 ص 209.
(2) السرائر: ج 3 ص 71.

[ 229 ]

ظاهر الاسلام أو بحكم الاسلام، ذكرا كان أو انثى، صغيرا كان أو كبيرا (1). وقال في الخلاف: إذا وجبت عليه الكفارة بعتق رقبة في كفارة ظهار أو قتل أو جماع أو يمين أو يكون نذر عتق رقبة فانه يجزئ في جميع ذلك ألا تكون مؤمنة إلا في القتل خاصة، وبه قال عطا والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، إلا انهم أجازوا أن تكون كافرة، وعندنا ان ذلك مكروه وإن أجزأ. وقال الشافعي: لا يجوز في جميع ذلك إلا المؤمنة، وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد واسحاق. ثم استدل بأن الله تعالى ذكر هذه الكفارات ولم يشترط فيها الايمان بل أطلق الرقبة، وانما قيدها بالايمان في قتل الخطأ خاصة، فحمل غيرها عليها يحتاج الى دليل، ولا دليل في الشرع يوجب ذلك (2). واختار في المبسوط (3) ما اختاره في الخلاف. وقال في الخلاف أيضا: الموضع الذي يعتبر فيه الايمان في الرقبة فانه يجزئ إذا كان محكوما بايمانه وان كان صغيرا، لأنه يطلق عليه المؤمن، لأنه محكوم بايمانه (4). وقال ابن الجنيد: وإذا أراد التكفير بالعتق فالذي يستحب له أن يعتق رقبة بالغة مؤمنة سليمة من العيوب في البدن والعقل، وأما في كفارة القتل فلا يجوز غير المؤمنة المقرة لنص الله عز وجل، وأما في غير كفارة القتل فيجزئ الرضيع المولود إذا قام به المعتق الى أن يستغني بنفسه. وقال في باب الكفارات: لا يجزئ الذمي.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 63.
(2) الخلاف: ج 4 ص 542 المسألة 27.
(3) المبسوط: ج 6 ص 212. (4) الخلاف: ج 4 ص 543 المسألة 28.

[ 230 ]

وقال ابن البراج: وإذا أراد عتق الرقبة فينبغي أن يعتق من يكون على ظاهر الاسلام أو من يكون بحكم ذلك، ذكرا كان أو انثى، صغيرا كان أو كبيرا (1). وابن ادريس لما نقل كلام الشيخ قال: وقال المرتضى وباقي أصحابنا باعتبار الايمان في جميعها، قال: وهو الذي أعتمده وافتي به، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) والكافر خبيث بلا خلاف، ولأن دليل الاحتياط يقتضيه (2). والمعتمد ما اختاره السيد المرتضى. لنا: ما تقدم من منع عتق الكافر، ففي الكفارة أولى. ولأن الذمة مشغولة بالعتق، وبدون المؤمن لا يخرج عن عهدة التكليف بيقين. ولأنه تعالى قيد في كفارة قتل الخطأ بالايمان فيتقيد في باقي الكفارات عند بعض الاصوليين. وما رواه معمر بن يحيى في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يظاهر من امرأته يجوز عتق المولود في الكفارة، فقال: كل العتق يجوز فيه المولود إلا في كفارة القتل، فإن الله تعالى يقول: (فتحرير رقبة مؤمنة) يعني بذلك: مقرة قد بلغت الحنث (3). وعن سيف بن عميرة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟ قال: لا (4).

(1) المهذب: ج 2 ص 414.
(2) السرائر: ج 3 ص 72.
(3) الكافي: ج 7 ص 462 ح 15، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الكفارات ذيل الحديث 6 ج 15 ص 556.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 218 ح 782، وسائل الشيعة: ب 17 جواز عتق المستضعف... ح 5 ج 16 ص 20.

[ 231 ]

احتج الشيخ بأصالة الجواز، وبامتثال الأمر الوارد بمطلق العتق في غير كفارة القتل، فوجب أن يخرج عن العهدة. وما رواه الحسين بن سعيد، عن رجاله، عن الصادق - عليه السلام - قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: كل العتق يجوز له المولود إلا في كفارة القتل، فان الله تعالى يقول: (فتحرير رقبة مؤمنة) يعني بذلك: مقرة قد بلغت الحنث، ويجزئ في الظهار صبي ممن ولد في الاسلام (1). وعن الحسن بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن عليا - عليه السلام - أعتق عبدا نصرانيا فأسلم حين أعتقه (2). والجواب: أصالة الجواز معارضة بالاحتياط، ونمنع امتثال الأمر، لوروده بالمؤمن كما تقدم، ونحن نقول بموجب الحديث الأول، لأن الصغير من أولاد المؤمنين في حكم أبيه فأجزأ، والآخر ضعيف السند، مع أنه ورد لا في الكفارة، لأن عليا - عليه السلام - لا يقع منه ذنب لا عمدا ولا خطأ، فلا يتحقق في طرفه تكفير البتة، فيكون قد أعتقه متبرعا، لفائدة اسلامه. وقول ابن الجنيد: (انه إذا أعتق صغيرا كان عليه القيام به) إن قصد الوجوب فهو ممنوع، وان قصد الاستحباب فمسلم. احتج بأن النفقة قبل العتق واجبة عليه، وباعتاقه أسقط وجوب النفقة عنه، وذلك يؤدي الى تضرر العبد، لعجزه عن القيام بنفسه. وما رواه ابن محبوب في الصحيح قال: كتبت الى أبي الحسن الرضا - عليه السلام - وسألته عن رجل يعتق غلاما صغيرا أو شيخا كبيرا أو من به زمانة

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 320 ح 1187 وفيه: (كل عتق يجوز)، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الكفارات ح 6 ج 15 ص 557.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 219 ح 783، وسائل الشيعة: ب 17 جواز عتق المستضعف... ح 2 ج 16 ص 19.

[ 232 ]

لا حيلة له، فقال: من أعتق مملوكا لا حيلة له فان عليه أن يعوله حتى يستغني عنه، وكذلك كان علي - عليه السلام - يفعل إذا أعتق الصغار ومن لا حيلة له (1). والجواب: المنع من التضرر بالعتق، بل هو عين النفع، لإزالة قيد الرق عنه، فالمؤونة تجب على المسلمين بذلها على الكفاية، فان تعذر المنفق تعين على المعتق، والحديث نقول بموجبه، فإن من لا حيلة له يندرج فيه من لا يجد من المسلمين من يعينه على الانفاق، ولا وجه لبيت مال المسلمين ولا زكاة فيتعين حينئذ على المعتق الإنفاق عليه كالملقوط. مسألة: تتضمن اختلافا في مسائل من كفارات الحج قد سبق بعضها أو جميعها:. الأول: المشهور في كفارة قتل النعامة إذا لم يجد البدنة إطعام ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع. وقال ابن أبي عقيل: لكل مسكين مد من طعام، وكذا قال علي بن بابويه. الثاني: المشهور انه إذا أفاض من عرفات قبل الغروب وجب عليه بدنة. وقال علي بن بابويه: واياك أن تفيض منها قبل طلوع الشمس ولا من عرفات قبل غروبها فيلزمك دم شاة. الثالث: المشهور ان من كسر بيض النعام فإن كان قد تحرك فيه الفرخ فعليه عن كل بيضة بكارة من الإبل، وإن لم يكن قد تحرك فعليه أن يرسل فحولة الابل على اناثها بعدد البيض، فما خرج كان هديا لبيت الله تعالى، فان

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 218 ح 778، وسائل الشيعة: ب 14 وجوب نفقة المملوك... ح 1 ج 16 ص 17.

[ 233 ]

لم يقدر على ذلك كان عليه عن كل بيضة شاة، ذكره الشيخ في النهاية (1). وقال علي بن بابويه: فان أكلت بيضها - يعني: النعامة - فعليك دم شاة، وكذلك إن وطئتها، فان وطئتها وكان فيها فرخ يتحرك فعليك أن ترسل فحولة من الإبل على الاناث بقدر عدد البيض، فما نتج منها فهو هدي لبيت الله تعالى. الرابع: قال الشيخ في النهاية: ومن حلق رأسه لأذى كان عليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين مد من طعام، أي الثلاثة فعل فقد أجزأه، وقد روي ان الإطعام يكون على عشرة مساكين، وهو الأحوط (2). وقال ابن أبي عقيل: من كان به أذى من رأسه فهو بالخيار إن شاء صام ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام أو نسك شاة. الخامس: المشهور ان من ظلل على نفسه كان عليه دم يهريقه، واختاره الشيخ في النهاية (3). وقال ابن أبي عقيل: وكذلك من ظلل على نفسه وهو محرم فعليه نسك شاة أو عدل ذلك صيام أو صدقة. مسألة: قال ابن ادريس: إذا مات وعليه حق لله - مثل الزكوات والكفارات - وحق الآدميين - مثل الديون - قيل: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: حق الله هو (4) المقدم، والثاني: حقوق الآدميين، والثالث: هما سواء، وهو الأقوى عندي، لأن تقدم أحدهما على الآخر يحتاج الى دليل (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 484.
(2) النهاية ونكتها: ج 1 ص 498.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 498. (4) ليس في المصدر.
(5) السرائر: ج 3 ص 73.

[ 234 ]

وقول ابن ادريس لا بأس به، ويؤيد تقوية قول من قدم حق الله تعالى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - حيث سألته الخثعمية عن قضاء الحج عن أبيها فقال لها - عليه السلام -: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟ فقالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى (1). ويؤيد القول الآخر أن حق ابن ادم مبني على التضيق وحق الله تعالى مبني على التوسعة فكان الأول أولى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى لم يجد أحدا من المؤمنين أصلا ولا من أولادهم أطعم المستضعفين ممن خالفهم (2). وقال ابن البراج: ولا يجوز أن يكون (3) إلا من فقراء المؤمنين أو من هو بحكمهم، فان لم يجد أحدا من هولاء بقي ذلك في ذمته الى أن يجدهم فيطعمهم، وقد ذكر انه إذا لم يجد (4) أطعم المستضعفين من المخالفين. والأول أحوط (5). وقال ابن ادريس: وهذا غير مستقيم ولا واضح، لأنه خبر واحد أورده ايرادا لا اعتقادا، لأن مستحق الكفارات مستحق الزكوات على ما قدمناه، فلا يجوز اعطاؤها لغيرهم على حال (6). وهذا القول يقتضي اعتبار العدالة. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: انه يصدق مع ذلك اطعام المساكين فيخرج عن عهدة الأمر بحصول الامتثال. مسألة: قال شيخنا المفيد: ولا يكون في جملتهم صبي صغير ولا شيخ كبير ولا

(1) سنن البيهقي: ج 5 ص 179، مع اختلاف.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 64.
(3) في المصدر: يكونوا.
(4) في المصدر: يجدهم.
(5) المهذب: ج 2 ص 415.
(6) السرائر: ج 3 ص 74.

[ 235 ]

مريض (1). وقال الشيخ في النهاية: ويجوز أن يكون في جملتهم صغير، ولا يجوز أن يكونوا كلهم صغارا، ومتى كانوا كلهم صغارا احتسب كل اثنين منهم بواحد (2). وقال ابن الجنيد: ولا يكون في العشرة مساكين مريض ولا صبي ولا كبير يضعف عن الأكل، وان كان أطعمه وزوده قدر ما يأكل الرجل الصحيح جاز، وفي بعض الحديث يطعم صغيرين بكبير. وقال ابن البراج: ولا يجوز أن يكون جميع العشرة صغارا، وقد ذكر انه إذا لم يجد إلا الصغار جعل كل اثنين منهم بواحد (3). وقال الصدوق في المقنع: ولا يجوز اطعام الصغير في كفارة اليمين، ولكن صغيرين بكبير (4). وقال ابن حمزة: وإذا حضر الصبيان عد مكان كل واحد اثنين (5). وقال الشيخ في الخلاف: يجوز صرف الكفارة الى الصغار والكبار إذا كانوا فقراء بلا خلاف، وعندنا انه يجوز أن يطعمهم اياه ويعد صغيرين بكبير (6). وقال في المبسوط: يجوز صرف الكفارة الى الصغير إذا كان فقيرا بلا خلاف، إلا أن أصحابنا رووا انه إن أطعم الصغار عد صغيرين بواحد وخالفوا في ذلك (7).

(1) المقنعة: ص 568.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 64.
(3) المهذب: ج 2 ص 415.
(4) المقنع: ص 136.
(5) الوسيلة: ص 353.
(6) الخلاف: ج 4 ص 564 المسألة 68.
(7) المبسوط: ج 5 ص 178.

[ 236 ]

والأقرب انه ان أطعمهم احتسب الصغيرين بواحد، وان أعطاهم أعطى كان صغيرين بما يعطى الكبير، وقد روى الشيخ عن يونس، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل عليه كفارة إطعام عشرة مساكين أيعطي الصغار والكبار سواء والنساء والرجال أو يفضل الكبار على الصغار والرجال على النساء؟ فقال: كلهم سواء ويتمم إذا لم يقدر من المسلمين وعيالاتهم تمام العدة التي يلزمه أهل الضعف ممن لا ينصب (1). ثم روى عن غياث، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يجوز إطعام الصغير في كفارة اليمين، ولكن صغيرين بكبير (2). قال الشيخ: انه لا ينافي الخبر الأول، لأنه انما لا يجوز إطعام الصغير إذا أفرد، فأما إذا كان مختلطا بالكبار فلا بأس بذلك (3). لما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عز وجل: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: هو كما يكون انه يكون في البيت من يأكل أكثر من المد، ومنهم من يأكل أقل من المد، وان شئت جعلت لهم أدما، والأدم أدناه الملح وأوسطه الزيت وأرفعه اللحم (4). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الكفارة لا تدفع الى الصغير، لأنه لا يصح منه القبض، لكن يدفع الى وليه ليصرفها في مصالحه، مثل ما لو كان له دين لم

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 297 ح 1101، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الكفارات ح 3 ج 15 ص 570.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 297 ح 1100، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 570.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 297 ذيل الحديث 1101.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 297 ح 1098، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الكفارات ح 3 ج 15 ص 565.

[ 237 ]

يصح منه قبضه (1). وقال في الخلاف: يجوز صرف الكفارة الى الصغار والكبار إذا كانوا فقراء بلا خلاف، وعندنا انه يجوز أن يطعمهم اياه يعد صغيرين بكبير، ووافقنا مالك في عد صغيرين بكبير، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يصح أن يقبضهم اياه بل يحتاج أن يعطي وليه ليصرفه في مؤنته. دليلنا: اجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: (فاطعام ستين مسكينا) ولم يشرط تقبيض الولي (2). والمعتمد أن نقول: إن أطعمهم اياه جاز بدون اذن الولي وتقبيضه، وإن دفعه إليهم لم يجز إلا باذن الولي. اما الأول: فلأن غاية فعل الولي الاطعام، وهو ثابت مع مباشرته، فيكون قد امتثل المأمور به، وهو إطعام المساكين، فوجب أن يخرج عن عهدة التكليف. وأما الثاني: فلأن الصغير محجور عليه في أمواله، وقبضها والتصرف فيها إلا باذن الولي. لا يقال: ينتقض بالاطعام حيث جوزتموه من غير اذن الولي وتقبيضه، مع انه تصرف ممن هو محجور عليه فلا يكون سائغا. لأنا نقول: الحجر انما يتناول أمواله المملوكة له، وانما يملك الكفارة بالاعطاء والتسليم، ولا تصح إلا مع اذن الولي وتقبيضه، فلا يصح أن يملك بدون ذلك، والاطعام انما يكون تمليكا إذا تجاوز الحلق أو الفم، فلا يصادف التصرف هناك ملكا فكان سائغا ويخرج به عن العهدة، والواجب في التكفير أحد الأمرين، إما التمليك أو الاطعام، ولا يتعين واحد منهما عينا.

(1) المبسوط: ج 5 ص 178.
(2) الخلاف: ج 4 ص 564 المسألة 68.

[ 238 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الواجب في الاطعام في الكفارة من غالب قوت البلد، وكذلك في زكاة الفطرة، وقال قوم: يجب مما يطعم أهله، وهو قوي (1)، للظاهر، فان أخرج من غالب قوت البلد وهو مما يجب فيه الزكاة أجزأه، فان أخرج فوقه فهو أفضل، وان أخرج دونه فان كان مما لا يجب فيه الزكاة لم يجزئه، وان كان مما يجب فيه الزكاة فعلى قولين، وان كان قوت البلد مما لا يجب فيه الزكاة فان كان فيه غير الأقط لم يجزئه (2)، وان كان أقطا قيل: فيه قولان: أحدهما: يجزئه، والثانى: لا يجزئه، لأنه مما لا تجب فيه الزكاة، والذي ورد نص أصحابنا به أن أفضله الخبز واللحم وأوسطه الخبز والخل والزيت وأدونه الخبز والملح (3). وقال في الخلاف: كل ما يسمى طعاما يجوز اخراجه في الكفارة، وروى أصحابنا ان أفضله الخبز واللحم وأوسطه الخبز والزيت وأدونه الخبز والملح، واستدل باجماع الفرقة، وبقوله تعالى: (فاطعام ستين مسكينا) وكل ذلك يسمى طعاما في اللغة، فوجب أن يجزئ بالحكم الظاهر (4). وقال المفيد: وينبغي أن يطعم المسكين من أوسط ما يطعم أهله، وان أطعمه أعلى من ذلك كان أفضل، ولا يطعمه من أدون ما يأكل هو وأهله من الأقوات (5). وقال ابن حمزة: وفرضه غالب قوته، فان أطعم خيرا منه فقد أحسن،

(1) في المصدر: وهو الأقوى.
(2) في المصدر: لم يجز.
(3) المبسوط: ج 5 ص 177.
(4) الخلاف: ج 4 ص 563 المسألة 66.
(5) المقنعة: ص 568.

[ 239 ]

وان أطعم دونه جاز إذا كان مما تجب فيه الزكاة (1). وقال ابن ادريس: ويجوز أن يخرج حبا ودقيقا وخبزا، وكل ما يسمى طعاما إلا كفارة اليمين فانه يجب عليه أن يخرج من الطعام الذي يطعم أهله، لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) فقيد تعالى ذلك وأطلق باقي الكفارات، ولأن الأصل براءة الذمة (2). والأقرب ايجاب الحنطة أو الدقيق أو الخبز، لقوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) (3). وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في كفارة اليمين يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة أو مد من دقيق وحفنة أو كسوتهم لكل انسان ثوبان، أو عتق رقبة، وهو في ذلك بالخيار أي الثلاثة صنع، فان لم يقدر على واحد من الثلاثة فالصيام ثلاثة (4) أيام (5). وفي رواية أبي جميلة عن الصادق - عليه السلام - قال: في كفارة اليمين عتق رقبة، أو اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، والوسط الخل والزيت وأرفعه اللحم والخبز، والصدقة مد مد من حنطة لكل مسكين... الحديث (6). مسألة: قال المفيد: أدنى ما يطعم كل واحد منهم مد من طعام، وهو

(1) الوسيلة: ص 353.
(2) السرائر: ج 3 ص 70.
(3) المائدة: 89.
(4) في التهذيب: فالصيام عليه ثلاثة.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 295 ح 1091، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 560.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 296 ح 1097، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الكفارات ح 3 ج 15 ص 561.

[ 240 ]

رطلان وربع بما تيسر من الادم، وأعلاه اللحم وأدناه الملح وأوسطه ما بين ذلك من الادم (1). وهذا يعطي وجوب الادم، وكذا قال سلار (2). والمعتمد الاستحباب. لنا: أصالة البراءة. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في كفارة اليمين يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة أو مد من دقيق وحفنة، أو كسوتهم لكل انسان ثوبان، أو عتق رقبة (3). وغيره من الأخبار العرية عن الادم. وقد روى أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن أوسط ما تطعمون أهليكم؟ قال: ما تعولون (4) به عيالكم من أوسط ذلك، قال: وما أوسط (5) ذلك؟ فقال: الخل والزيت والتمر والخبز تشبعهم به مرة واحدة (6). وفي حديث أبي جميلة، عن الصادق - عليه السلام - والوسط الخل والزيت وأرفعه اللحم والخبز (7). وهما محمولان على الاستحباب جميعا بين الأدلة.

(1) المقنعة: ص 568.
(2) المراسم: ص 186.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 295 ح 1091، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 560.
(4) في التهذيب: فقال: ما تقوتون. (5) في التهذيب: قلت: وما أوسط.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 296 ح 1095، وسائل الشيعة، ب 14 من أبواب الكفارات ح 5 ج 15 ص 566.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 295 ح 1097، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 565.

[ 241 ]

مسألة: قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية ان (1) من وطأ أمته وهي حائض ان عليه أن يتصدق بثلاثة أمداد من طعام على ثلاثة (2) مساكين، واستدل بعد الاجماع بأنا قد علمنا ان الصدقة بر وقربة وطاعة لله تعالى، فهي داخلة تحت قوله تعالى: (وافعلوا الخير) وأمره بالطاعة مما لا يحصى من الكتاب، فظاهر الأمر يقتضي الايجاب في الشريعة، فينبغي أن تكون هذه الصدقة واجبة بظاهر القرآن، وانما يخرج بعض ما يتناوله هذه الظواهر عن الوجوب، ويثبت له حكم الندب (3) بدليل قاد الى ذلك، ولا دليل هنا (4) يوجب العدول عن الظواهر (5). والمعتمد الاستحباب: لأصالة براءة الذمة، وقد تقدم. مسألة: قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن من نام عن صلاة العشاء الآخرة حتى يمضي النصف الأول من الليل وجب عليه أن يقضيها إذا استيقظ، وان يصبح صائما كفارة عن تفريطه، واستدل بعد الاجماع بقوله تعالى: (وافعلوا الخير) (6). وهذا تصريح منه بالوجوب، وعلماؤنا وان قالوا: بأن من نام عن العشاء حتى يتجاوز نصف الليل فكفارته أن يصبح صائما، لكن لم ينصوا على الوجوب. والوجه عندي الاستحباب، عملا بأصالة البراءة، والاجماع ممنوع على الوجوب، والأمر لا دلالة فيه على هذا المعنى. وقد روى الشيخ عن عبد الله بن المغيرة، عمن حدثه، عن الصادق - عليه

(1) في المصدر: بأن.
(2) في المصدر: على ثلاث.
(3) في المصدر: النذر. (4) في المصدر: ها هنا.
(5) الانتصار: ص 165.
(6) الانتصار: ص 165.

[ 242 ]

السلام - في رجل نام عن العتمة ولم يقم إلا بعد انتصاف الليل، قال: يصليها ويصبح صائما (1). والرواية مقطوعة السند، ولا تدل على الوجوب. مسألة: يجوز عتق ولد الزنا في الكفارة، وهو المشهور بين علمائنا. وقال السيد المرتضى - رحمه الله -: ومما يظن ان الامامية انفردت به القول بأن ولد الزنا لا يعتق في شئ من الكفارات. ثم احتج بعد اجماع الطائفة بقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وولد الزنا يطلق عليه هذا الاسم، وقد رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - انه قال: لا خير في ولد الزنا لا في لحمه ولا في دمه ولا في جلده ولا في عظمه ولا في شعره ولا في بشره ولا في شئ منه، وإجزاؤه في الكفارة (2) واسقاط الحكم به عن الجاني (3) ضرب كثير من الخير، وقد نفاه الرسول - صلى الله عليه وآله - فان تعلقوا بظاهر قوله تعالى: (فتحرير رقبة) قلنا: نخص (4) ذلك بدليل كما خصصنا كلنا أمثاله (5). وقال ابن الجنيد: لا يجزئ عتق ولد الزنا قصدا، لقول الله عز وجل: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وقال: الشيخ: إنه يجزئ اجماعا إلا الزهري والأوزاعي (6). وهو المعتمد. لنا: الأصل الجواز.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 323 ح 1200، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب المواقيت ح 8 ج 3 ص 157.
(2) في المصدر: الكفارات.
(3) في المصدر: على الجاني.
(4) في المصدر: تخصص.
(5) الانتصار: ص 166.
(6) المبسوط: ج 5 ص 170.

[ 243 ]

ولأنه قد امتثل فيخرج عن العهدة. وما رواه سعيد بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بأن يعتق ولد الزنا (1). وهو عام في الكفارة وغيرها، لأنها نكرة منفية، ونمنع دلالة الآية على المتنازع. مسألة: المشهور انه يجزئ إعتاق ناقص الخلقة في الكفارة إذا لم يوجب النقص العتق كالعمى والإقعاد. وقال الصدوق في المقنع: يجزئ الأقطع والأشل والأعرج والأعور (2). وقال الشيخ في الخلاف: الأعمى لا يجزئ بلا خلاف، والأعور يجزئ بلا خلاف، والمقطوع اليدين والرجلين أو اليدين أو الرجلين أو يد واحدة ورجل واحدة من خلاف عند الشافعي لا يجزئ، وعند أبي حنيفة يجزئ، وبه نقول. دليلنا: قوله تعالى: (فتحرير رقبة) ولم يفصل (3). وقال في المبسوط: وعندنا ان الأعمى لا يجزئ والأعور يجزئ كما قالوه، فأما مقطوع اليدين والرجلين أو اليد والرجل من جانب واحد فانه لا يجزئ بلا خلاف، فأما إذا كان مقطوع احدى اليدين أو احدى الرجلين أو يد ورجل من خلاف فانه لا يجزئ عند قوم، وعند قوم: يجزئ، وهو الأقوى، للآية. ثم فصل العيوب ونقل مذهب المخالف (4). ثم قال - عقيب ذلك -: والذي نقوله في هذا الباب: ان الآفات التي ينعتق بها لا يجزئ معها مثل: الأعمى والمقعد والزمن ومن نكل به صاحبه، فأما من

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 218 ح 780، وسائل الشيعة، ب 16 جواز عتق ولد الزنا وولده ح 1 ج 16 ص 19 (2) المقنع: ص 138، وليس فيه: (والأعرج).
(3) الخلاف: ج 4 ص 551 المسألة 44.
(4) المبسوط: ج 5 ص 169.

[ 244 ]

عدا هؤلاء فالظاهر انه يجزئه، لتناول الظاهر لهم، وليس على جميع ما ذكروه دليل مقطوع به (1). وقال ابن الجنيد: ولا يجزئ عتق ولد الزنا قصدا، ولا الناقص في خلقته (2) ببطلان الجارحة إذا لم يكن في البدن سواها كالخصي والأصم والأخرس، وان كان أشل من يد واحدة أو أقطع منها جاز. والمعتمد ما قاله الشيخ في المبسوط من عدم إجزاء المعيب الذي يقع به العتق، لتقدم العتق وحصوله قبل الاعتاق فيكون الاعتاق قد صادف حرا، واجزاء كل معيب لا يقع به العتق، للأصل، واندراجه تحت الأمر باعتاق الرقبة. وما رواه غياث بن ابراهيم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه - عليهما السلام - قال: لا يجزئ الأعمى في الرقبة، ويجزئ ما كان منه مثل: الأقطع والأشل والأعرج والأعور، ولا يجوز المقعد (3). احتج بأن اطلاق الأمر يقتضي السليم. والجواب: المنع. مسألة: قال الشيخ في النهاية (4) والخلاف (5): عتق ام الولد جائز في الكفارات، واستدل بأنه قد ثبت جواز بيعها عندنا فيثبت جواز عتقها، لأن أحدا لم يفرق. وبه قال ابن الجنيد.

(1) المبسوط: ج 5 ص 170. (2) في الطبعة الحجرية: ولا الناقص خلقة.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 319 ح 1186، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 578.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 64، وفيه: (جواز عتقها في الكفارة لان أحدا).
(5) الخلاف ج 4 ص 554 المسألة 30، مع اختلاف.

[ 245 ]

وقال ابن البراج: ولا ينبغي للحانث أن يعتق ام ولده في الكفارة أيضا، وقد ذكر جواز ذلك. والأحوط ما ذكرناه (1). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أصالة الجواز، وحصول الامتثال فيخرج عن العهدة. وما رواه السكوني، عن الصادق، عن الباقر، عن زين العابدين - عليهم السلام - قال: ام الولد تجزئ في الظهار (2). احتج بنقصان الرق، لمنع البيع. والجواب: المنع من تأثير الوصف في المنع. مسألة: المشهور انه لا ولاء في العتق الواجب، كالنذر والكفارة وقال ابن الجنيد: لو وجد غيره يعتق عنه إما بعوض أو بغير عوض متطوعا بذلك أجزأه فيما وجب عليه من الكفارة، وان كان بعوض كان ولاؤه له. والمعتمد ما قلناه، وسيأتي. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فرض العبد في الكفارات الصوم، سواء كانت الكفارة مرتبة - مثل: كفارة الظهار والوطء والقتل - أو كانت مخيرة - مثل: كفارة اليمين - لأن العبد لا يملك فهو غير واجد، فان أراد أن يكفر بالمال فان كان بغير اذن السيد (3) لم يكن له، لأنه لا ملك له ولا اذن منه، وإن ملكه سيده مالا فأراد التكفير بالمال بأن أراد بالاطعام والكسوة فعندنا انه إن أذن له فكفر عن نفسه أو كفر عنه سيده فان يجزئه، وقال بعضهم: لا يجزئه في الحالين، وهو قوي، لأنه وان ملكه مولاه لا يملك عندنا، والأول أظهر في

(1) المهذب: ج 2 ص 415.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 319 ح 1185، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 578، وفيهما: (علي) بدل (زين العابدين). (3) في المصدر: بالمال نظرت فان كفر بغير اذن سيده.

[ 246 ]

رواياتنا. فأما المال الذي ملكه فلا زكاة على أحد فيه لا المولى ولا المملوك (1). وهذا يدل على تردده. وابن ادريس قال: فرضه الصوم (2)، وأطلق. ولم يذكر في باب الكفارات حكم المأذون له في التكفير بغير الصوم، ولا من كفر عنه مولاه. والمعتمد انه إن أذن له مولاه أو كفر عنه أجزأه، لأنه كالمعسر، ولو فعل ذلك الغير عنه باذنه صح اجماعا، فكذا العبد، إذ لا مانع سوى عدم الوجدان، وهو كما يصدق بالإعسار يصدق بالإرفاق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط إذا ابتاع عبدا بشرط أن يعتقه صح البيع والشرط، فإذا أعتقه عن الكفارة لم يجزه، لأنه انما يجزئ عنها إذا وقع خالصا عنها، وهذا العتق يقع مشتركا بين التكفير وبين الوفاء بالشرط (3). وفيه نظر. والأقرب الإجزاء، لأنا لا نوجب العتق بالشرط، بل إن وقع وإلا تخير البائع بين فسخ البيع وإمضائه، وإذا لم يوجب العتق صار كغيره من العبيد، ولو أوجبناه لم يقتض سوى وجوب العتق، وهو مستفاد من وجوب الكفارة فلا منافاة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان العبد بين شريكين فأعتقه أحدهما فان كان موسرا نفذ عتقه (4) في نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه وإعتاقه في حقه، ومتى يحكم نفود العتق في نصيب شريكه قال قوم: يعتق بنفس اللفظ، فعلى هذا إن اعسر (5) أو تلف ماله لم يبطل العتق في نصيب شريكه بل يكون نافذا فيه، ويجب قيمته لنفسه (6) في ذمته الى أن يجد المال. وقال قوم: إنه يعتق

(1) المبسوط: ج 6 ص 217.
(2) السرائر: ج 3 ص 74.
(3) المبسوط: ج 5 ص 160.
(4) في المصدر: فان عتقه ينفد.
(5) في المصدر: إن كان معسرا.
(6) في المصدر: لنصيبه.

[ 247 ]

بشرطين: باللفظ ودفع القيمة، وقبل دفع القيمة يكون نصيب شريكه على الرق، فعلى هذا إذا تعذر دفع المال من جهته إما بفلس أو تلف ماله أو غيبة أو امتنع من الدفع مع القدرة عليه فانه لا يعتق عليه نصيب شريكه الى أن يوجد منه الأداء ثم يعتق، وقال آخرون: انه مراعى، فان دفع القيمة تبينا انه كان عتق باللفظ، وان لم يدفع تبينا انه ما كان عتق. والقول الأول أقوى، فعلى هذا قال قوم: ينفذ العتق في نصيبه باللفظ، وفي نصيب شريكه بالسراية، وهو الصحيح، وقال قوم: ينفذ في جميعه باللفظ. فأما وقوعه عن الكفارة فانه إن كان موسرا ونوى عتقه عن الكفارة أجزأ (1) على الأقوال كلها. فأما النية فمن قال: إنه يقع العتق باللفظ أو قال: يقع مراعى فيحتاج أن ينوي حال الإعتاق، ومن قال: بشرطين فلا بد أن ينوي إعتاق نصيبه حال اللفظ ونصيب شريكه قال بعضهم: هو بالخيار بين أن ينويه عند التلفظ بالعتق وبين أن ينويه عند دفع القيمة، والأقوى أن ينويه عند التلفظ بالعتق. فأما المعسر فان عتقه يوجد في نصيبه ولا يسري الى نصيب شريكه، لأنه ليس له مال يدفع إليه حق صاحبه، فان ملك بعد ذلك مالا وأيسر لم (2) ينفذ العتق فيه، لأن الرق قد استقر فيه للشريك، فلا يجوز إزالته بعد استقراره، لكن ان ملكه وأعتقه ابتداء جاز، فأما وقوع ذلك عن الكفارة فانه إذا نوى إعتاق نصيبه عن كفارته أجزأ ذلك القدر، فان ملك باقي العبد وأعتقه اجزأه، لأن عتق الرقبة قد حصل وان كان متفرقا (3). وقال ابن الجنيد: ولا يجزئ عندي أن يعتق الشقص، وان كان مأخوذا بأداء قيمة حق شريكه، لأن ذلك عتق بغير قصد منه، بل بالسنة عليه.

(1) في المصدر: أجزأه.
(2) في المصدر: لا.
(3) المبسوط: ج 5 ص 162 - 163.

[ 248 ]

والوجه ما قاله الشيخ. لنا: انه امتثل الأمر بالاعتاق فيخرج عن العهدة. واعلم ان الشيخ قال - بعد ذلك -: إذا ملك الرجل نصف عبدين وباقيهما مملوك لغيره فأعتقهما عن كفارته فهل يجزئه قيل: لا يجزئه، لأنه يحتاج أن يعتق عبدا كاملا، وقيل: يجزئه. والأول أصح (1). فان قصد بذلك عدم الاجزاء مطلقا باعتبار الشركة فهو ممنوع، وان قصد انه لا بد له من دفع القيمة عن نصيب (2) أحدهما ليقع عن الكفارة فلا يجزئه النصف من الآخر فهو حق، ولا منافاة حينئذ بين كلاميه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال له: أعتق عبدك عن كفارتك على ان علي عشرة دنانير فأعتقه (3) فلا فرق بين أن يقول: أعتقت عبدي عن كفارتي على ان لي عليك عشرة أو يقول: أعتقته على أن عليك عشرة عن كفارتي سواء في ذلك تقديم ذكر الكفارة وتقديم ذكر العوض فلا يجزئ ذلك عن الكفارة، لأن العتق وقع مشتركا بين الكفارة والعوض الذي شرطه فلم يجز عن الكفارة، فإذا لم يقع عن الكفارة فإنه يقع عن العوض الذي شرطه، لأنه أوقعه عن أمرين، فإذا لم يقع عن أحدهما وقع عن الآخر، ويستحق عليه العوض الذي شرط، ويقع العتق عن الباذل، ويكون ولاؤه له. ولو قال: أعتق عبدك عن كفارتك على ان علي عشرة فأعتقه على ذلك وأخذ العشرة ثم ردها إليه أو لم يأخذها لكن قال: أبرأتك منها فان العتق لا يقع عن الكفارة، لأنه حال ما أوقعه وقع مشتركا، فلم يصر بعد ذلك خالصا عن الكفارة برد العوض، ويكون الحكم على ما قلناه. ولو قال: أعتق عبدك عن كفارتك على

(1) المبسوط: ج 5 ص 166.
(2) في المصدر: نصف.
(3) في المصدر: علي عشر فإذا أعتقه.

[ 249 ]

ان علي عشرة فقال: لست أختار العشرة وقد أعتقته عن كفارتي فيجزئه عن الكفارة، لأنه لا يقبل العوض. ويتفرع على هذا مسألة اخرى وهي: انه إذا قال له: أعتق عبدك عن كفارتك على أن علي عشرة فقال: أعتقته ولم يقل: عن كفارتي ولا قال: علي العشرة (1) فالظاهر انه أوقعه على الأمرين معا، لأنه خرج جوابا عن كلامه، وهو استدعاء منه العتق عن الكفارة على العوض، فالظاهر ان الجواب انصرف إليه (2). والوجه أن نقول: الحكم بعدم الاجزاء عن الكفارة مع وجوب العوض حكمان متنافيان. بيانه: ان الجاعل انما جعل له العوض في مقابلة العتق عن الكفارة فاما أن يقع أولا، فان وقع نافى قوله، لعدم الوقوع، وان لم يقع لم يستحق العوض، لعدم الفعل الذي وقع الجعل له، وكما لا يستحق مع عدم الاعتاق فكذا مع الاعتاق الذي لا يجزئ، وأيضا في صحة العتق لا عن الكفارة نظر، لأن العتق لم يقصد إلا بهذا الوجه، فإذا لم يحصل وجب الحكم بفساد الايقاع وبقاء الرق في العبد، وأيضا اثبات الولاء للباذل مشكل، لأنه - عليه السلام - جعل الولاء لمن أعتق (3)، والمعتق هنا المالك لا الباذل. والتحقيق في هذه المسألة أن نقول: إن قصد بالاعتاق أخذ العوض كان باطلا، لأنه لم يقع عن الكفارة، لعدم تخصيص الارادة بهذا الوجه فلا يستحق العوض، وغيره غير مراد فلا يقع، لانتفاء شرط العتق، وهو القصد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وها هنا مسألة تشبه هذه المسألة وهي: ان الرجل إذا قدم الى غيره طعاما وقال: كله فإذا أكله يأكله مملوكا، لكن متى يملكه قيل: فيه ثلاثا أقوال: أحدهما: بالتناول، والثاني: بوضعه في فيه،

(1) في المصدر: ان عليك العشرة. (2) المبسوط: ج 5 ص 163 - 164.
(3) سنن البيهقي: ج 10 ص 339.

[ 250 ]

والثالث: بالابتلاع، فمن قال: يملكه بالتناول جاز أن يلقم غيره، ومن قال بغير ذلك لم يجز. والأقوى أن يقال ها هنا: يملكه بالتناول (1). والوجه انه انما يملكه بالابتلاع، لأصالة بقاء ملك المالك قبله وعدم المزيل عنه، ولأنه لو منعه قبل وضعه في فيه حرم عليه وضعه، وكذا لو منعه من الابتلاع بعد وضعه فيه وكان ملكه باقيا، ويحتمل قويا عدم الملك هنا، ويقال: إنه اباحة محضة من غير تمليك، كما لو أذن له في اتلافه فأتلفه. مسألة: لو أفطرت الحامل أو المرضع في أثناء الشهر الأول قال الشيخ في المبسوط: إن أفطرتا خوفا على أنفسهما فحكمهما حكم المريض بلا خلاف، وان أفطرتا خوفا على الولد منهم من قال: هو مثل المريض، ومنهم من قال: يقطع التتابع على كل حال، وهو الذي يقوى في نفسي (2). والوجه عندي خلاف ذلك، وانه عذر لا يقطع التتابع. لنا: ان فيه فقط نفس الغير، وهو واجب، فلا يوجب عقوبة الاستئناف، وهو الذي اختاره الشيخ في الخلاف فقال: الحامل والمرضع إذا أفطرتا في الشهر الأول فحكمهما حكم المريض بلا خلاف، وان أفطرتا خوفا على ولديهما (3) لم يقطع التتابع عندنا وجاز البناء. واستدل بأنه عذر أوجب الله تعالى فيه الإفطار، وما يكون كذلك لا يوجب الاستئناف كالحيض والمرض (4). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: ولو أكرهه الغير على الفطر بأن صب الماء في حلقه أو وجر الطعام بغير اختياره لم يفطر بلا خلاف، وان ضرب حتى أكل أو شرب قال قوم: يفطر، وقال آخرون: لا يفطر، والأول أقوى. فمن قال: لا يفطر

(1) المبسوط: ج 5 ص 165.
(2) المبسوط: ج 5 ص 172.
(3) في المصدر: ولدهما.
(4) الخلاف: ج 4 ص 555 المسألة: 50.

[ 251 ]

لا يقطع التتابع، ومن قال: يفطر قطع التتابع، وهو الصحيح (1). والمعتمد انه لا ينقطع به التتابع وان أفطر، لأنه من أقوى الأعذار. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: كفارة العبد الصوم، فإذا أراد الصوم فهل لسيده منعه؟ نظر، فان حلف وحنث باذن سيده لم يكن له منعه منه، لأنه صوم لزمه باذنه، فكان كما لو أذن في النكاح فنكح كان له الانفاق من كسبه بغير اذنه، لأن سبب وجوبه عليه باذنه، وان كان الحلف بغير اذنه والحنث باذنه فكذلك أيضا، لأن التكفير بالحنث والوجوب عقيب الحنث، وان كان العقد والحنث معا بغير اذنه لم يكن له الصيام بغير اذنه، لأنه ألزم نفسه صوما بغير اذنه، فهو كما لو نذر بغير اذنه (2). وأما إن كان العقد باذنه والحنث بغير اذنه قال قوم: له الصيام، لأن سبب الوجوب كان باذنه، وقال آخرون: وهو الصحيح عندنا انه ليس له الصيام بغير اذنه، لأنه إذا أذن له في اليمين فقد منعه من الحنث بها، وكل موضع قلنا: له منعه فان خالف (3) وصام وقع موقعه، ويقوى في نفسي انه لا يقع موقعه، وكذلك نقول: إذا حج بغير اذنه لا يقع موقعها، وان كان الزمان معتدلا لا يضر به الصيام كزمان الشتاء، وما جاوزه (4) فليس له منعه منه، لأنه لا ضرر على سيده فيه. قال قوم: وعلى هذا لو صام العبد تطوعا في هذه الأوقات لم يكن لمولاه منعه، لأنه لا ضرر عليه، وعموم أخبارنا يمنع منه (5).

(1) المبسوط: ج 5 ص 172.
(2) ليس في المصدر: فهو كما لو نذر بغير اذنه.
(3) في المصدر: قلنا: له منعه فإذا أراد أن يصوم في وقت يضعف فيه في بدنه وعمله وهو نهار الصيف كان له منعه منه، فان خالف.
(4) في المصدر: وما جاوره.
(5) المبسوط: ح 6 ص 217 - 218.

[ 252 ]

وقال ابن البراج: إذا وجب على العبد كفارة كان فرضه فيها الصوم، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الكفارة مخيرا فيها - مثل كفارة اليمين - أو مرتبة - مثل كفارة (1) الظهار والقتل - فإذا أراد العبد الصوم وكان قد حلف وحنث باذن سيده وأراد سيده منعه من ذلك لم يجز له منعه، لأنه صوم لزمه باذنه، و ان كان الحلف والحنث باذنه فليس له أيضا منعه منه، وكذلك لو كان الحلف باذن سيده والحنث بغير اذنه، وإذا لزمه الصوم - على ما ذكرنا - وأراده في وقت يضعف فيه بدنه منه كان لسيده منعه منه، وإذا لم يكن كذلك لم يجز (2) له منعه منه (3). والمعتمد أن نقول: إذا حلف باذن سيده وحنث وجب عليه الكفارة، سواء حنث باذن سيده أو بغير اذنه، لأنه اذن له في سبب الكفارة فيكون اذنا فيها تقديرا، وان حلف بغير اذن سيده لم يكن له أن يكفر بغير اذن سيده، سواء حنث باذنه أو لا، لأنه لا يمين للعبد مع المولى، فإذا حلف بغير اذن مولاه كان للمولى منعه منها فلا كفارة، لأنه فعل سائغ لا يوجب عقوبة التكفير.

(1) في المصدر: مثل كفارة اليمين وبين أن تكون مرتبة مثل كفارة.
(2) في المصدر: لم يكن.
(3) المهذب: ج 2 ص 416.

[ 253 ]

كتاب الصيد وتوابعه

[ 254 ]

[.... ]

[ 255 ]

كتاب الصيد وتوابعه وفيه فصول: الأول في أحكام الصيد مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا عض الكلب الصيد لم ينجس به، ولا يجب غسله. واستدل بقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن) ولم يأمر بغسله، والأخبار كلها دالة على ذلك، لأنه لم يأمر فيها بغسل الموضع (1). وقال في المبسوط: فان اصطاد بالكلب صيدا فعضه الكلب وجرح موضعا منه كان موضع العضة نجسا، وقال قوم: لا يجب غسله، لقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بالغسل، وقال قوم: يجب غسله، لأنه نجسه. والأول أقوى، والثاني أحوط (2). وقال ابن ادريس: موضع العضة نجس، لأن سؤر الكلب ولعابه نجس، وما ماسه نجس، بغير خلاف منا. وأما قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بالغسل مرجوع عن ظاهره بالاجماع المقدم ذكره (3). والمعتمد قول ابن ادريس.

(1) الخلاف: ج 6 ص 12 المسألة 8.
(2) المبسوط: ج 6 ص 259.
(3) السرائر: ج 3 ص 84.

[ 256 ]

لنا: أن الكلب نجس قد لاقي الصيد برطوبة فتعدت نجاسته إليه كغيره، وعدم الأمر بالغسل لا ينافي وجوبه بدليل خارجي. وقول ابن ادريس في الجواب إنه (مرجوع عن ظاهره) ليس بجيد. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قطع الصيد بنصفين حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكبر حل الذي مع الرأس دون الباقي، للإحتياط، فان أكل ما مع الرأس مجمع على اباحته، وما قالوه ليس عليه دليل (1). وقال في المبسوط: إذا رمى صيدا فقطعه بنصفين فيه مسائل: الاولى: ان قطعه باثنين نصفين حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكبر حل أكل الكل عند قوم، وقال بعضهم: حل ما مع الرأس دون ما عداه، وهو مذهبنا. الثانية: عقره ولم يبن منه شيئا فمات قبل أن يدركه حل أكله. الثالثة: أبان بعضه وكان الباقي على الامتناع فرماه ثانيا فقتله حل أكله، دون ما أبان منه كالأول. الرابعة: أبان بعضه فأدركه وفيه حياة مستقرة فذكاه أو تركه حتى مات لم يحل أكل ما أبان منه. الخامسة: عقره فأثبته وقد أبان بعضه ثم رماه فقتله لم يحل أكل ما أبان منه، لأن الذي مع الرأس غير ممتنع فلا يكون عقره ذكاته، والبائن بذلك العقر لما لم يحل به ما بقي مع الرأس فكذلك ما بقي (2). وقال في النهاية: فإن قده بنصفين ولم يتحرك واحد منهما جاز له أكلهما إذا خرج منه الدم، فإن تحرك أحد النصفين ولم يتحرك الآخرة أكل الذي تحرك

(1) الخلاف: ج 6 ص 18 المسألة 17.
(2) المبسوط: ج 6 ص 261،

[ 257 ]

ورمى بما لم يتحرك (1). وقال ابن البراج: وكذلك - أي الحلال - إن ضربه فقطعه بنصفين وتحرك كل واحد منهما وخرج منه دم، فان تحرك أحد هما وخرج منه دم دون الآخر فالمتحرك هو الحلال دون الذي لم يتحرك ولم يخرج منه دم. ثم عد في المحرم كل صيد ضرب بسيف وانقطع نصفين ولم يتحرك واحد منهما ولا خرج منه دم، فان تحرك أحد هما فقد تقدم ذكره، وكل ما قطع من الصيد وهو حي (2). وقال ابن حمزة: وإن قطعه بنصفين وكانا سواء وخرج منهما الدم حل، وإن لم يخرج حرم (3)، وإن كان أحد الشقين أكبر ومعه الرأس حل ذلك الشق، وإن تحرك أحد هما حل المتحرك، وإن أبان بعضه حرم ذلك البعض (4). وقال ابن ادريس: إذا قطع الصيد بنصفين وخرج منهما الدم حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكبر حل الذي مع الرأس دون الباقي، وإن كان الذي مع الوركين أكبر حل الجميع أيضا، هكذا ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه ومبسوطه، وهو قول بعض المخالفين. والذي ينبغي تحصيله في ذلك أن الجميع يحل، سواء كان الذي مع الرأس أكثر أو أقل إذا لم يكن قد بقي مع الذي مع الرأس حياة مستقرة، لأنهما جميعا مذبوحان ميتان مقتولان، فأما إذا كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة فلا يجوز أكل الباقي، لأنه أبين من حي فهو ميتة، لأن كل ما ابين من حي وقطع منه والحي على حياته فهو ميتة، فأما إذا لم يقطع من حي بل كلاهما غير حي بل صيد مقتول

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 88.
(2) المهذب: ج 2 ص 436 و 437.
(3) في الطبعة الحجرية: وإن لم يخرج دم حرم.
(4) الوسيلة: 357.

[ 258 ]

فلا يحرمان (1). والمعتمد أن نقول: إن مات الصيد بهذا الفعل حل أكله، سواء خرج الدم أو لا، وسواء كان الأكبر مع الرأس أو لا، وسواء تحركا أو لا. لنا: أنه مقتول بالسهم فكان حلالا، كما لو لم يبن منه بعضه. وما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه برمح أو يرميه بسهم فيقتله وقد سمى حين فعل ذلك: قال: كل لا بأس به (2). وهو عام فيما ابين بعضه أو لا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): لا تحل التذكية بالسن ولا بالظفر، سواء كان منفصلا أو متصلا بلا خلاف، فان خالف وذبح (5) لم يحل أكله، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط، وأطلق القول. وقال ابن الجنيد: ولا ذكاة إلا بالحديد إذا أمكن، فإذا لم يقدر على الحديد أجزأه إذا فري الأوداج وقطع الحلقوم أو أنهر الدم من لبة البعير، ولو فعل ذلك بالحجر والمروة والقصب والعود ونحو ذلك مما ليس من الحيوان كالسن والعظم والظفر والقرن. وقال ابن ادريس: الذي ينبغي تحصيله جواز ذلك في حال الاضطرار، أما حال الاختيار فالحق ما ذهب إليه شيخنا، لأنه لا خلاف بيننا أنه يجوز

(1) السرائر: ج 3 ص 85 - 86، وفيه: (أكثر) بدل ((أكبر).
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 33 ح 133، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 228.
(3) المبسوط: ج 6 ص 263.
(4) الخلاف: ج 6 ص 22 المسألة 22.
(5) في المصدر: وذبح به.

[ 259 ]

الذباحة في حال الاضطرار، وعند تعذر الحديد بكل شئ يفري الأوداج، سواء كان ذلك عظما أو حجرا أو عودا أو غير ذلك، وانما بعض المخالفين يذهب إلى أن ذلك لا يجوز الذبح بالسن والظفر في حال الاضطرار والاختيار. واستدل بخبر رواه المخالف من طريقهم، وما رواه أحد من أصحابنا، فليلحظ ذلك، ولا يظن أنه قولنا (1). وهذا الذي ذكره ابن ادريس هو مذهب شيخنا - رحمه الله - وانما أطلق في الكتابين المنع بناء على الغالب، وهو الاختيار. وقد نص في التهذيب على التفصيل الذي ذكره ابن ادريس، حيث روى في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال - عليه السلام -: لا يصلح إلا الحديد (2). وفي الحسن عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الذبيحة بالليطة، فقال: لا ذكاة إلا بحديدة (3). ثم قال الشيخ: فأما حال الضرورة فقد روي جواز ذلك (4). ثم روى في الصحيح عن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل لم يكن بحضرته سكين أيذبح بقصبة؟ فقال: إذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود إذا لم تصب الحديد إذا قطع الحلقوم وخرج الدم

(1) السرائر: ج 3 ص 86 مع اختلاف.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 51 ح 212، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 253.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 51 ح 211، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 252.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 51 ذيل الحديث 212.

[ 260 ]

فلا بأس (1). وفي الحسن عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن المروة والقصبة والعود يذبح بها (2) إذا لم يجدوا (3) سكينا؟ قال: إذا فري الأوداج فلا بأس بذلك (4). وإذا كان الشيخ قد فصل ذلك كان ما نسبه ابن إدريس من الافتاء بمذهب المخالفين جهلا محضا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: صيد السمك أخذه واخراجه من الماء حيا على أي وجه كان سواء كان من أخرجه مسلما أو كافرا من أي أجناس الكفار كان إلا أن ما يصيده غير المسلم لا يجوز أكله، إلا إذا شوهد اخراجه من الماء حيا ولا يوثق بقوله في ذلك (5). و كذا قال في المبسوط (6). وروى الشيخ في الاستبصار أحاديث صحيحة تدل على ذلك: منها: في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن صيد الحيتان وإن لم يسم، فقال: لا بأس، وسألته عن صيد المجوس للسمك أيحل أكله (7)؟ فقال: ما كنت آكلة حتى انظر إليه (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 51 ح 213، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 254.
(2) في المصدر: بهن.
(3) في الوسائل: لم يجد.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 52 ح 214، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 253.
(5) النهاية ونكتها: ح 3 ص 82 - 83، مع اختلاف.
(6) المبسوط: ج 6 ص 276.
(7) في الاسبتصار: السمك آكلة، في الوسائل: للسمك فقال.
(8) الاستبصار: ج 4 ص 62 ح 219، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 298.

[ 261 ]

ثم روى الشيخ في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - انه سئل عن صيد المجوس حين يضربون بالشبك (1) ويسمون بالشرك، فقال: لا بأس بصيدهم، إنما صيد الحيتان أخذه (2) (3)، ثم روى أحاديث، (4) كذلك. وقال: والوجه في هذه الأخبار أن نحملها على أنه لا بأس بصيد المجوس إذا أخذه الانسان منهم حيا قبل أن يموت ولا يقبل قولهم في إخراج السمك من الماء حيا، لأنهم لا يؤمنون على ذلك (5). لما روى عيسى بن عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن صيد المجوس، فقال: لا بأس إذا أعطوكاه (6) أحياء والسمك أيضا، وإلا فلا تجز شهادتهم إلا أن تشهده (7) (8). فتوهم ابن ادريس التنافي بين كلامي الشيخ، أعني: الجمع الذي جمع بين الأحاديث به وكلامه في النهاية والمبسوط، وتوهم انه شرط الأخذ منهم حيا دون الاكتفاء بالمشاهدة (9)، وليس كذلك، ثم طول بما لا فائدة فيه.

(1) في الاستبصار: حين يضربون، بالسباك، في الوسائل: حين يضربون عليها بالسباك.
(2) في الاستبصار: صيد الحيتان أخذه.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 63 ح 223، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الصيد والذباحة ج 16 ص 299.
(4) الاستبصار: ج 4 ح 224 و 225 و 226، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الصيد والذباحة ج 16 ص 298.
(5) الاستبصار: ج 4 ص 64 ذيل ح 228.
(6) في المصدر: أعطوكه.
(7) في المصدر: إلا أن تشهده أنت.
(8) الاستبصار: ج 4 ص 64 ح 229، وسائل الشيعة: ب 32 من ابواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 298.
(9) السرائر: ج 3 ص 88.

[ 262 ]

وليس مقصود الشيخ هنا اشتراط الأخذ منهم، بل ذكر ذلك على سبيل الأغلب، وانما المذهب معروف، وهو الذي ذكره في النهاية والمبسوط. مسألة: المشهور عند علمائنا إباحة ما يصيده الكفار من السمك إذا شوهد حيا في أيديهم ويموت في غير الماء. وقال السيد ابن زهرة: وذكاة السمك والجراد صيد المسلم لهما فقط، ومن أصحابنا من قال: يجوز صيد الكافر لهما، لأنه ليس من شرط ذلك التسمية وإن كانت أولى، إلا أنه لا يحل أكل شئ من ذلك إذا لم يشاهد المسلم أخذ الكافر له حيا. والقول الأول أحوط (1). وقال ابن ادريس: فأما من تمسك وذهب إلى تحريم أكل السمك والجراد إذا صادهما الذمي والمسلم غير المحق يعول على أن صيدهما هي ذكاتهما، وإن العذر قد انقطع بأن غير المحق لا ذكاة له ولا تؤكل ذبيحته. فأقول: إن أخذ السمك وإخراجه من الماء حيا ليس بذكاة على الحقيقة، وانما أجرى مجرى الذكاة في الحكم لا في وقوع الاسم، وإذا وقع التحريم بتذكية غير المحق وانه لا ذكاة له وانما يدخل في ذلك ما يكون حقيقة من الذبح وفري الأوداج وما لا يكون حقيقة ويسمى بهذه التسمية جاز ألا يدخل في الظاهر إلا بدليل، فعلى من ادعى دخول صيد غير المحق السمك والجراد تحت تحريم ذكاة المبطل الدليل. وأيضا لو كان صيد السمك ذكاة حقيقة لما قال الرسول - صلى الله عليه وآله - لما سئل عن ماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فاحل ميتته، فلو كان صيده ذكاة حقيقة لما أطلق عليه اسم الميتة، لأن الحيوان المذكى لا يسمى ميتة في عرف الشرع. ولما قال أمير المؤمنين - عليه السلام -

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 556 س 22.

[ 263 ]

عند سؤال السائل له عن دم السمك فقال: لا بأس بدم ما لم يذك. ولأن إجماع أصحابنا على تحريم أربعة عشر شيئا من الشاة المذكاة، وعلى أن السمك لا يحرم منه شئ، فلو كان صيده ذكاة حقيقة لحرم منه ما حرم من الشاة المذكاة ذكاة حقيقة، وأحد لا يقول به (1). وهذا كله تطويل من ابن ادريس لا حاجة له إليه، مع أنه غير ناهض له بما يريده، لمنع عدم اطلاق التذكية عليه حقيقة أولا. سلمنا، لكن نمنع ان المراد هنا الحقيقة لا غير، وتحريم الأشياء المعدودة في الشاة لا باعتبار التسمية في الذكاة حتى يلحق بها كل ما يذكى من السمك والجراد وغيرهما، ولو انه عول في الرد على إجماع أصحابنا فان أحدا ممن سبق لم يمنع من أكل السمك الذي صاده الكافر إذا شاهده حيا في يده ومات في غير الماء، وبالأخبار الدالة على ذلك كان أولى. وشيخنا المفيد - رحمه الله - وإن قال في المقنعة: (إنه لا يؤكل ما صاده المجوس وأصناف الكفار) (2) فالظاهر أنه يريد ما قلناه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا نصب الانسان شبكة في الماء يوما وليلة وما زاد على ذلك ثم قلعها وقد إجتمع فيها سمك كثير جاز له أكل جميعه وإن كان يغلب على ظنه ان بعضه مات في الماء، لأنه لا طريق له إلى تمييزه من غيره، فان كان له طريق الى تمييز ما مات في الماء مما لم يمت فيه لم يجز له أكل ما مات فيه، وكذلك ما يصاد في الحظائر ويجتمع فيه جاز أكل جميعه مع فقد الطريق إلى تمييز الميت من الحي (3). وتبعه ابن البراج (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 89 - 90.
(2) المقنعة: 577.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 83 - 84.
(4) المهذب: ج 2 ص 438.

[ 264 ]

وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا عمل حظيرة قصب في الماء ليصاد (1) بها السمك فدخلها السمك فمات فيها أو جزر عنها الماء فبقي فيها فمات كان حلالا أكله، لأن هكذا يكون صيد السمك، وكذلك ما أشبه الحظيرة إذا عمل ليصاد (2) به السمك. وقال ابن حمزة (3)، وابن إدريس (4) - ونعم ما قالا -: أنه يحرم الجميع. لنا: أنه مات في الماء فكان حراما. وما رواه عبد المؤمن قال: أمرت رجلا يسأل لي أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل صاد سمكا وهن أحياء ثم أخرجهن بعد ما مات بعضهن، فقال: ما مات فلا تأكله، فانه مات فيما فيه حياته (5). احتج الشيخ بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل نصب شبكة في الماء ثم رجع الى بيته فتركها منصوبة فأتاها بعد ذلك وقد وقع فيها سمك فيمتن، فقال: ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها (6). وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألته عن الحظيرة من القصب تجعل في الماء للحيتان فيدخل فيها الحيتان فيموت فيها بعضها (7)، فقال: لا بأس به، إن تلك

(1) ق 2 وم 3: ليصطاد.
(2) ق 2 وم 3: ليصطاد.
(3) الوسيلة: ص 355.
(4) السرائر: ج 3 ص 90.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ح 12 ح 44، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 303.
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 11 ح 42، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 303.
(7) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 12 ح 43، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 303.

[ 265 ]

الحظيرة انها جعلت ليصاد فيها (1) (2). وما رواه مسعدة بن صدقة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعت أبي - عليه السلام - يقول: إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فما أصاب فيها من حي أو ميت فهو (3) حلال ما خلا ما ليس له قشر، ولا يؤكل الطافي من السمك (4). والجواب: لا دلالة في الأحاديث المذكورة على أنه مات في الماء فجاز أن يموت في الشبكة أو الحظيرة بعد خروجه من الماء حيا، أو يحمل على ما إذا مات ولم يعلم ولا ظن موته بل شاهد الأكثر حيا ولم يتمكن من مشاهدة الباقي، فانه يكون حلالا، بناء على إستصحاب الحياة وأصالة البقاء والإباحة، ولهذا حكم - عليه السلام - بأن ما يميز فيه الميت يكون حراما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أخذ الكلب المعلم صيدا فأدركه صاحبه حيا وجب أن يذكيه، فان لم يكن معه ما يذكيه فليتركه حتى يقتله ثم ليأكل إن شاء (5)، ونحوه قال ابن الجنيد والصدوق (6). وقال ابن ادريس: الأولى عندي انه يجب عليه أن يذكيه، فان لم يكن معه ما يذكيه فلا يحل أكله إذا قتله الكلب بعد ذلك (7). وقال ابن حمزة: إن صاده الكلب وأدركه صاحبه لم يخل: إما أدركه وفيه

(1 و 2) في المصدر: فيموت بعضها فيها. وفي المصدر: جعلت ليصاد بها. (3) في المصدر: فهي.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 12 ح 45، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الصيد والذباحة ح 4 ج 16 ص 303.
(5) النهاية ونكتها: ص 86 - 87.
(6) المقنع: ص 138.
(7) السرائر: ج 3 ص 93.

[ 266 ]

حياة مستقرة، أو غير مستقرة، أو أدركه ممتنعا. فالأول: ان اتسع الزمان لذبحه لم تحل إلا بعد الذكاة، ويعرف ذلك بأن يحرك ذنبه أو تركض رجله أو تطرف عينه، وان لم يتسع الزمان لذبحه حل من غير ذكاة. والثاني: لم يحتج الى الذكاة، والذكاة أفضل. والثالث: إن أخذه ذبحه، وإن هرب عدوا وأخذ يعدو خلفه فان وقف وفيه حياة مستقرة أو غير مستقرة فحكمه حكم ما ذكرناه (1). احتج ابن ادريس: بأنه غير ممتنع (2) حينئذ، فلا يحل بغير التذكية، كالشاة إذا لم يكن مع الانسان ما يذكيها، فانها لا تحل بقتل الكلب المعلم لها اجماعا، لأنها ليست صيدا، وهذا مثله. والوجه ما قاله الشيخ. لنا: قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) (3) وهو عام في المتنازع. وما رواه جميل بن دراج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يرسل الكلب على الصيد فيأخذه ولا يكون معه سكين فيذكيه بها أيدعه حتى يقتله ويأكل منه؟ قال: لا بأس، قال الله عز وجل: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولا ينبغي أن يؤكل مما قتل الفهد (4). والجواب: عما ذكره المنع من مساواة الصيد الشاة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: صيد الكلب إذا غاب عن العين ثم وجد مقتولا لا يجوز أكله (5).

(1) الوسيلة: ص 356.
(2) السرائر: ج 3 ص 93.
(3) المائدة: 4.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 23 - 24 ح 93، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 218 - 219.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 87.

[ 267 ]

وقال ابن إدريس: الذي تقتضيه الأدلة أن يقال: هذا يكون إذا عقره عقرا لم يصيره في حكم المذبوح، فأما إذا عقره عقرا صيره في حكم المذبوح، فان أخرج حشوته أو فلق قلبه أو قطع الحلقوم والمرئ والودجين ثم غاب عن العين بعد ذلك فانه يحل أكله، والى هذا التحرير والتفصيل كان يذهب - رحمه الله - في مسائل خلافه (1). وهذه المؤاخذة ليست جيدة، لأن قصد الشيخ - رحمه الله - في النهاية ما ذكره في الخلاف، لظهوره. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن أصاب الصيد سهم فتدهده من جبل أو وقع في الماء ثم مات لم يجز أكله، لأنه لا يأمن أن يكون قد مات في الماء أو من وقوعه من الجبل (2). وقال ابن إدريس: إن صيره السهم في حكم المذبوح بأن قطع الحلقوم والمرئ والودجين أو جميع الرقبة ما خلا الجلد أو أبان السهم حشوته وما أشبه ذلك فلا بأس بأكله (3). وهذا أيضا غير مناف لما قصده الشيخ في النهاية، لأنه مراده. وقد نبه شيخنا على ذلك في المبسوط فقال: إذا رمى طائرا فجرحه فسقط على الأرض فوجد ميتا حل أكله، سواء مات قبل أن يسقط أو بعد ما سقط (4)، وقال بعضهم: إذا مات بعد ما سقط لم يحل أكله، لأن سقوطه على الأرض قبل موته فقد أعانت السقطة على قتله فقد مات عن مبيح (5) وحاظر فغلبنا حكم الحظر، كما لو سقط في الماء، وهذا أليق بمذهبنا. فأما إن سقط عن الاصابة في ماء أو تردى من جبل أو وقع على شجرة فتردى منها إلى الأرض لم يحل أكله،

(1) السرائر: ج 3 ص 93.
(2) النهاية: ونكتها: ج 3 ص 88.
(3) السرائر: ج 3 ص 94.
(4) في المصدر: أو بعد ما يسقط.
(5) في المصدر: من مبيح.

[ 268 ]

لقوله تعالى: (والمنخنقة والموقوذة والمتردية) هذا إذا كان الجرح غير موح، فأما إن كان الجرح قاتلا موحيا مثل: ان وقع السلاح في حلقه فذبحه أو في قلبه أو في كبده فقتله حل أكله بكل حال، لأنه صار مذكى، فلا يقدح فيه ما وراء ذلك، كما لو ذبح شاة ثم وقعت في الماء فماتت فانه يحل أكلها (1). وهذا تصريح (2) بما قلناه. وابن الجنيد أيضا نبه على ذلك فقال: إذا جرح الصائد الصيد بسهم أو غيره واليقين (3) أو الأغلب بأنه لا بقاء له بعد ما أصابه وكان قد سمى الله عز وجل عند فعله ذلك فتحامل الصيد إلى أن يغيب عن صاحبه ثم وجده الصائد ميتا ولا أثر عليه من حال يتلف مثلها غير فعله ووجده غير مأكول منه آكل سبع ولا في وهدة حل له أكله. فظهر أن هذا التفصيل متعارف بينهم، فاطلاق الشيخ في النهاية يحمل عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا طعن الصيد برمح أو ضربه بسيف فقتله ويكون قد سمى جاز له أكله، فان قده بنصفين ولم يتحرك واحد منهما جاز له أكلهما إذا خرج منهما الدم، وإن تحرك أحد النصفين ولم يتحرك الآخر أكل الذي تحرك ورمى بما لم يتحرك (4). وتبعه ابن البراج فعده في المحلل فقال: وكذلك إن ضربه فقطعه بنصفين ويتحرك كل واحد منهما وخرج منه دم فان تحرك أحدهما وخرج منه دم دون الآخر فالمتحرك هو الحلال أكله دون الذي لم يتحرك ولم يخرج منه دم (5).

(1) المبسوط: ج 6 ص 272 - 273.
(2) ق 2: صريح.
(3) ق 2: والمتيقن.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 88.
(5) المهذب: ج 2 ص 436.

[ 269 ]

وقال في الخلاف: إذا قطع الصيد بنصفين حل أكل الكل بلا خلاف، وإن كان الذي مع الرأس أكبر أكل (1) الذي مع الرأس دون الباقي، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يحل الجميع. دليلنا: طريقة الاحتياط، فان أكل ما مع الرأس مجمع على اباحته، وما قالوه ليس عليه دليل، وأيضا روي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: (ما ابين من حي فهو ميت) وهذا الأقل ابين من حي (2) فيجب كونه ميتا، وهذا أيضا رواه أصحابنا لا يختلفون فيه (3). وقال ابن حمزة: فان قتله بحدة (4) لم يخل: إما قطعه نصفين أو لم يقطعه، فان قطعه نصفين وكانا سواء وخرج منهما الدم حل، وإن لم يخرج حرم، وإن كان أحد الشقين أكبر ومعه الرأس حل ذلك الشق، وإن تحرك أحدهما حل المتحرك، وإن أبان بعضه حرم ذلك البعض، فان كان الباقي ممتنعا ورماه ثانيا فقتله حل، وإن كان غير ممتنع وادركه وفيه حياة مستقرة فذبحه أو تركه أذا لم يتسع الزمان لذبحه حتى يبرد (5) أو كان فيه حياة غير مستقرة (6) وتركه حل من غير ذكاة (7). وقال ابن ادريس: إذا سأل الدم منهما أكلهما جميعا ما يتحرك وما لم يتحرك، والاعتبار (8) بما مع الرأس إذا لم يكن فيه حياة مستقرة، فإذا كان كذلك حل الجميع، وإن كان الذي مع الرأس فيه حياة مستقرة فلا يؤكل ما عداه مما ابين منه، لأنه ابين من حي، وما ابين من حي فهو ميتة. فأما إذا لم

(1) في المصدر: حل.
(2) في المصدر: وهذا القليل البين من حي.
(3) الخلاف: ج 6 ص 18 المسألة 17.
(4) في المصدر: بالحدة.
(5) في المصدر: برد.
(6) في المصدر: حياة مستقرة.
(7) الوسيلة: ص 357.
(8) ق 2 والطبعة الحجرية: ولا اعتبار.

[ 270 ]

يكن فيه حياة مستقرة فما هو مما ابين من حي فيؤكل الجميع، وشيخنا استدل على تحريمه بأنه ابين من حي، ولم يفصل ما فصلناه ولا حرر ما حررناه (1). وهذا هو المعتمد عندي. لنا: ان مع وجود الحياة المستقرة يكون المقطوع ميتة، لأنه ابين من حي، ومع فقد الحياة يكون مصيدا وقد قتل بالصيد، فلو لم يقطع كان حلالا، فمع القطع لا يزول الحكم عنه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا وجد الصيد جماعة فتناهبوه وتوزعوه قطعة قطعة جاز أكله (2). وفصل ابن ادريس جيدا فقال: يجوز أكله بشرط انهم جميعا صيروه في حكم المذبوح أو أولهم، فان كان الأول منهم لم يصيره في حكم المذبوح بل أدرك وفيه حياة مستقرة يعيش اليوم واليومين ولم يذكوه في موضع ذكاته الشرعية بل تناهبوه وتوزعوه من قبل ذكاته فلا يجوز لهم أكله، لأنه صار مقدورا على ذكاته ولم يصر في حكم الصيد الذي لا يعتبر في قتله، وتحليله موضع ذكاته، لأنه غير مقدور عليه، فيذكى في أي موضع كان من جسده (3). مسألة: عد ابن البراج في أقسام المكروه: الصيد الذي لم يسم الصائد له عند أخذه والارسال عليه ناسيا مع اعتقاده وجوب التسمية، وكل صيد أكل منه كلب معلم ولم يكن معتادا لأكل الصيد، وكل جراد لم يسم الصائد له عند أخذه، وكل سمك أخذ مجتمعا في شبكة أو حظيرة أو ما جرى مجرى ذلك وغلب في الظن موت بعضه في الماء ولم يتميز الميت منه في الماء مما لم يمت فيه، لأنه ان تميز ذلك لحق بباب المحرم، وكل ما لم يسم الصائد له عند صيده (4).

(1) السرائر: ج 3 ص 95.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 88.
(3) السرائر: ج 3 ص 96.
(4) المهذب: ج 2 ص 438، مع اختلاف.

[ 271 ]

ولم يذكر الشيخ في النهاية كراهة ذلك، للأصل. مسألة: أطلق علماؤنا اباحة أكل ما يقتله الكلب المعلم. وقال ابن الجنيد: وسواء كانت الكلاب سلوقية أو غيرها إذا كانت مما علمها المسلمون ما لم يكن أسود بهيما فان الرواية عن أمير المؤمنين - عليه السلام - انه قال: لا يؤكل صيده. وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أمر بقتله، وهو قول ابن النخعي. لنا: عموم إطلاق الأحاديث، والرواية التي نقلها لم تثبت عندنا. مسألة: المشهور ان الكلب يصير معلما بما قاله الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2) وهو ثلاث شرائط: أحدها: إذا أرسله استرسل، وثانيها: إذا زجره انزجر، وثالثها: ألا يأكل ما يمسكه ويتكرر هذا منه دفعات حتى يقال في العادة: انه قد تعلم. وقال ابن الجنيد: والتعليم الذي يحل به ذلك أن يكون الكلب يفعل ما يريد صاحبه، فيطلب الصيد إذا أشلاه، وينعطف عليه إذا راغ من بين يديه ويمسكه له، وإذا جاءه ليأخذه منه لم يحمل (3) الصيد ويهرب منه، أو يحميه عنه بالهرير (4) عليه، فإذا كان كذلك فقد حل أكل ما مات في يده من الصيد بقبضه عليه بفيه أو بيده، فان أكل منه قبل أن يخرج نفس الصيد لم يحل أكل باقية، وإن كان أكل منه بعد ان خرجت نفس الصيد جاز أكل ما بقي منه من قليل أو كثير. والمشهور الأول. والشيخ - رحمه الله - لما أورد الأخبار الدالة على إباحة الأكل مما يقتله الكلب المعلم وان أكل منه أورد خبرين:

(1) المبسوط: ج 6 ص 257.
(2) الخلاف: ج 6 ص 6 المسألة 2. (3) ق 2: يخل، م 3: يحل.
(4) ق 2: بالهرب.

[ 272 ]

أحدهما: في الصحيح عن رفاعة بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الكلب يقتل، فقال: كله، فقلت: أكل منه! فقال: إذا أكل منه فلم يمسك عليك، إنما أمسك على نفسه (1). قال الشيخ: انه محمول على ما إذا كان معتادا للأكل، أو انه خرج مخرج التقية، لأن في العامة من يقول: لا يجوز أكل الصيد إذا أكل منه، لأنه يكون قد أمسك على نفسه، فلا يكون قد أمسك عليك (2). مسألة: عد ابن البراج في قسم المباح كل ما أخذ بباز أو جرى مجراه من الجوارح وأدركت ذكاته مع التسمية عند الارسال (3). وهذه العبارة رديئة، فانه لا يشترط التسمية عند الارسال بل عند التذكية، إذ لا عبرة بمقتول هذه الجوارح، سواء سمى صاحبها أولا، وانما العبرة بالتذكية وهناك يشترط التسمية. مسألة: قال سلار: الصيد على ضربين: أحدهما: يؤخذ بمعلم الكلاب أو الفهد أو الصقر أو الباز أو النبل أو النشاب أو الرمح أو السيف أو المعراض أو الحبالة أو الشبكة (4)، والآخر: ما يصاد بالبندق والحجارة والخشب (5). فالأول: كله - إذا لحق منه (6) ذكاته - حل، إلا ما يقتله معلم الكلاب فانه حل أيضا، فان أكل منه الكلب نادرا حل، وإن اعتاد الأكل لم يحل منه إلا ما

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 27 ح 111، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصيد والذباحة ح 17 ج 16 ص 212.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 28 ذيل الحديث 111.
(3) المهذب: ج 2 ص 437.
(4) في المصدر: والنبل والنشاب والرمح والسيف والمعراض والحبالة والشبك.
(5) في المصدر: وبالحجارة وبالخشب.
(6) ليس في المصدر.

[ 273 ]

يذكى. والثاني: لا يؤكل منه إلا ما يلحق ذكاته، وهو بخلاف الأول، لأنه يكره. وقد روي تحريم ما يصاد بقسي (1) البندق. وقد روي جواز أكل ما قتل بسهم أو سيف (2) أو رمح إذا سمى القاتل (3). والبحث هنا يقع في مقامين: الأول: كلامه يقتضي تحريم ما قتله النشاب أو النبل أو الرمح أو السيف أو المعراض، حيث عد هذه الأشياء في قسم (4) وقال: (فالأول كله إذا لحق منه ذكاته حل إلا ما يقتله معلم الكلاب فانه حل أيضا) والاستثناء دليل عليه. وقوله بعد ذلك: (وقد روي جواز أكل ما قتل بسهم أو سيف أو رمح) دليل أيضا. والمشهور اباحة ما يقتله السهم أو السيف أو الرمح أو النشاب أو النبل أو المعراض إذا كان فيه حديدة أو قتل بخرقه ونفوذه في الصيد، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الصيد يرميه الرجل بسهم (5) فيصيبه معترضا فيقتله وقد سمى حين رماه ولم تصبه الحديدة، فقال: إن كان السهم الذي أصابه هو قتله فان أراده (6) فليأكله (7). وفي الصحيح عن محمد الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الصيد يضربه الرجل بالسيف أو يطعنه برمح أو يرميه بسهم فيقتله وقد سمى

(1) في المصدر: بقس.
(2) في المصدر: بسيف.
(3) المراسم: ص 208 - 209.
(4) م 3: قسمه.
(5) ليس في المصدر.
(6) ق 2: ارداه، م 3 وفي التهذيب: رآه.
(7) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 33 ح 132، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 233.

[ 274 ]

حين فعل ذلك، قال: كله لا بأس به (1). وفي الصحيح عن حريز قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن الرمية يجدها صاحبها من الغد أتؤكل؟ فقال: إن كان يعلم إن رميته هي قتلته فليأكل، وذلك إذا كان قد سمى (2). والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة. احتج سلار بأصالة المنع، خرج ما يقتله معلم الكلاب بالآية (3)، فيبقى الباقي على الأصل. والجواب: المنع من أصالة المنع. الثاني: تحريم ما يصاد بقسي البندق، فان أراد تحريمه مع قتله بالبندق فهو حق، وإن كان مع التذكية فهو ممنوع. والمفيد - رحمه الله - قال عبارة موهمة وهي انه: لا يجوز أكل الثعلب والضب، ولا يؤكل ما قتله البندق من الطير وغيره. ثم قال: ورمى الجلاهق - وهو قسي البندق - حرام (4). والوجه ما قلناه نحن أولا من اباحة الصيد بالبندق وغيره، وتحريم ما قتله البندق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أرسل آلته كلبا كان أو سلاحا فعقر الصيد ثم أدركه وفيه حياة مستقرة ففيه ثلاث مسائل، ثم قال: الثالثة: أدركه وفيه حياة مستقرة لكنه في زمان لم يتسع لذبحه فانه يحل أكله، وهكذا لو أدركه

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 33 ح 133، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 228.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 34 ح 135، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 230.
(3) المائدة: 4.
(4) المقنعة: ص 578.

[ 275 ]

ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له وقد بقي من حياته زمان لا يتسع لذبحه حل أكله وإن لم يذبحه، وقال بعضهم: لا يحل أكله، والأول أقوى. وقال أصحابنا: إن أقل ما يلحق معه الذكاة أن يجده تطرف عينه أو تركض رجله أو يحرك ذنبه فان إذا وجده كذلك ولم يذكه لم يحل أكله، وهذا ينبغي أن يكون محمولا على انه إذا كان الزمان يتسع لتذكيته (1). وقال في الخلاف: إذا أدركه وفيه حياة مستقرة لكنه في زمان لم يتسع لذبحه أو كان ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له وقد بقي من حياته زمان لا يتسع لذبحه لا يحل أكله. واستدل بأن ما اعتبرناه مجمع على جواز أكله وهو إذا أدركه فذبحه، فأما إذا لم يذبحه فليس على اباحته دليل. وايضا روى أصحابنا ان أقل ما يلحق معه الذكاة أن يجد ذنبه يتحرك أو رجله تركض، وهذا أكثر من ذلك (2). وقال ابن الجنيد: ولو لحق البهيمة بما مثله تموت لو تركت (3) فلحق ذكاتها وخرج الدم مستويا وتحركت أو بعض أعضائها بعد خروج الدم حل أكلها، وكذلك لو قطعها السبع فان كان بعض أعضائها قد أبانه من موضعه فتعلق بجلد أو نحوه كرهت أكله. وقال ابن ادريس: إذا أدركه وفيه حياة مستقرة لكنه في زمان لم يتسع لذبحه أو كان ممتنعا فجعل يعدو خلفه فوقف له وقد بقي من حياته زمان لا يتسع لذبحه لا يحل أكله (4). وهو كما قاله الشيخ في الخلاف، وهو المعتمد. لنا: انه أدركه (5) مستقر الحياة فتعلقت اباحته بتذكيته، كما لو اتسع الزمان.

(1) المبسوط: ج 6 ص 259 و 260. (2) الخلاف: ج 6 ص 14 المسألة 10.
(3) في الطبعة الحجرية: أو تركت.
(4) السرائر: ج 3 ص 85.
(5) في الطبعة الحجرية: أدرك.

[ 276 ]

احتج الشيخ على الأول بأنه لم يقدر على التذكية بوجه فكان عقره ذكاة، كما لو لم يكن حيا. والجواب: الفرق بين ما إذا أدركه حيا غير مستقر الحياة وبين ما إذا كان مستقر الحياة وعدم القدرة على التذكية لا يقتضي الاباحة. تذنيب: قال الشيخ في المبسوط: مستقر الحياة هو ما يمكن أن يعيش يوما أو نصف يوم (1) وقال ابن حمزة: أدناه أن يطرف عينه أو يتحرك ذنبه (2). والمعتمد الأول. مسألة: المشهور عند علمائنا ان الاعتبار بالمرسل لا المعلم، فلو علم الكلب مجوسي وأرسله المسلم حل ما قتله دون العكس. واختاره الشيخ في الخلاف، واستدل عليه باجماع الفرقة وأخبارهم (3). وقال في المبسوط: وإن علمه مجوسي فاستعاره المسلم أو غصبه فاصطاد به حل أكله، وقال بعضهم: لا يحل، وهو الأقوى عندي (4). وابن الجنيد قال أولا كلاما يوهم ما قاله الشيخ في المبسوط، ثم صرح بما قاله في الخلاف، قال: وقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) (5) مبيح (6) أكل ما قتله الكلب الذي تولى المسلمون تعليمه، وسواء كانت الكلاب سلوقية أو غيرها إذا كانت مما علمها المسلمون ما لم يكن أسود بهيما. وهذا إشعار بتخصيص الاباحة بما علمه المسلم. ثم قال: وإذا وجد المسلم كلبا تولى تعليمه غير مسلم فتولى المسلم ارساله

(1) المبسوط: ج 6 ص 260.
(2) الوسيلة: ص 356.
(3) الخلاف: ج 6 ص 19 المسألة 18.
(4) المبسوط: ج 6 ص 262. (5) المائدة: 4.
(6) في الطبعة الحجرية: يبيح.

[ 277 ]

والتسمية عليه حل أكل ما قتله من الصيد، وهو المعتمد عندي. لنا: ان الكلب آلة فلا يختلف الحال بين كونها للمسلم أو للمجوسي، كالقوس والسهم. وما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال سألته عن كلب المجوس يأخذه الرجل المسلم فيسمي حين يرسله أيأكل مما أمسك عليه؟ فقال: نعم، لأنه مكلب وذكر اسم عليه (1). احتج الشيخ بقوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله)) (2) وهذا لم يعلمه المسلم. وما رواه عبد الرحمان بن سيابة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام فقلت: كلب مجوسي أستعيره أفأصيد به؟ قال: لا تأكل من صيده، إلا أن يكون علمه مسلم (3). والجواب: الآية خرجت مخرج الغالب لا على وجه الاشتراط، وعن الثاني: الحمل على ما إذا لم يسم المرسل، قاله الشيخ (4). والوجه الحمل على الكراهة.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 30 ح 118، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 227.
(2) المائدة: 4.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 30 ح 119، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 227.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 30 ذيل الحديث 119.

[ 278 ]

الفصل الثاني في ما يباح أكله من الحيوان وما يحرم مسألة: قال الشيخ في النهاية: استبراء الجلال من البقر بعشرين يوما، والشاة بعشرة أيام، والسمك بيوم وليلة، والبطة بخمسة أيام، والدجاجة وشبهها بثلاثة أيام (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3)، وابن ادريس (4). وقال الصدوق في المقنع (5): تربط البقرة ثلاثين يوما، والشاة عشرين يوما وروي تربط عشرة أيام، والبطة تربط ثلاثة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام. وروي يوما إلى الليل، والسمك الجلال يربط يوما إلى الليل. وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: البقرة تربط ثلاثين يوما. وفي رواية القسم بن محمد الجوهري ان البقرة تربط عشرين يوما، والشاة تربط عشرة أيام، والبطة تربط ثلاثة أيام - وروي ستة أيام - والدجاجة تربط ثلاثة أيام، والسمك الجلال يربط يوما إلى الليل في الماء (6).

(1) النهاية ونكتها: ص 75 و 79 و 82.
(2) المهذب: ج 2 ص 427 و 428.
(3) الوسيلة: ص 359.
(4) السرائر: ج 3 ص 97.
(5) المقنع: ص 421 (جديد). (6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 338 - 339 ذيل الحديث 4199 وح 4200.

[ 279 ]

وقال ابن الجنيد: والجلال من سائر الحيوان مكروه أكله، وكذلك شرب ألبانها والركوب عليها، وهي التي تأكل العذرة، فان نظفت بأن حبس عن ذلك وتعلف المحلل من الأغذية رجعت إلى التحليل. وقد روي ان رجوع الابل بعد أربعين يوما، والبقرة بعد ثلاثين يوما، والشاة بعد أربعة عشر يوما، والبطة بعد خمسة أيام، والدجاجة بعد ثلاثة أيام، وما يأكل منها المحرم كذلك، وقد قيل: إن بالبصرة سمكا يرعى العذرة. وقال يونس في حديث الرضا - عليه السلام -: بعد يوم وليلة، أي: إذا اخذ حيا جعل في الماء يوما وليلة ثم يخرج، فإذا مات أكل. وقال الشيخ في الخلاف: البقرة عشرين، والشاة عشرة أيام أو سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام (1). وقال في المبسوط: فان كان بدنة أو بقرة أربعين يوما، وإن كانت شاة فسبعة أيام، وإن كانت دجاجة ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وقيل: في البقرة عشرين يوما، وبه قال قوم (2). وقال أبو الصلاح: الابل والبقر أربعين يوما، والشاة سبعة أيام، والبطة والدجاجة خمسة أيام. وروي في الدجاجة خاصة ثلاثة أيام (3). وابن زهرة جعل للبقر عشرين، وللشاة عشرة، قال: وروي سبعة، والبط والدجاج خمسة، قال: وروي في الدجاج ثلاثة (4). والمشهور ما قاله الشيخ في النهاية. والروايات في هذا الباب لا تخلو من

(1) الخلاف: ج 6 ص 85 المسألة 16.
(2) المبسوط: ج 6 ص 282.
(3) الكافي في الفقه: ص 277.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 556 س 29.

[ 280 ]

ضعف في السند. فإحداها: رواية مسمع، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى أربعين يوما، والبقرة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى عشرين يوما، والشاة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذى خمسة أيام، والبطة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تربط خمسة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام، (1). وعن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد (2) ثلاثة أيام، والبطة الجلالة خمسة أيام، والشاة الجلالة عشرة أيام، والبقرة الجلالة عشرين يوما، والناقة أربعين يوما (3). وبالجملة فهذه تقديرات شرعية فيقف على مورده، فان ثبت النقل اتبع، وإلا فالأولى: المشهور وقد تقدم. تذنيب: في بعض عبارات علمائنا أن السمك يستبرئ يوما إلى الليل، وفي بعض عبارات آخرين انه يستبرئ بيوم وليلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرب شئ من هذه الأجناس - يعني: الابل والبقر والغنم - خمرا ثم ذبح جاز أكل لحمه بعد أن يغسل بالماء، ولا يجوز أكل شئ مما في بطنه ولا استعماله (4). وتبعه ابن حمزة وزاد: أو مسكرا (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 45 ح 189، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 356.
(2) في المصدر: تغذي.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 46 ح 192، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 356.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 75 - 76.
(5) الوسيلة: ص 360.

[ 281 ]

وقال ابن ادريس: الأولى حمل هذه الرواية على الكراهة دون الحظر، لأنه لا دليل على تحريم ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، والأصل الاباحة (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: ان تحريم تناول الخمر عام في قليله وكثيره، وإذا شرب شئ من هذا الخمر ونزل إلى الأمعاء توزع منه أجزاء لطيفة ولا يعلم إزالتها عنها بالغسل، فالإقدام على تناوله إقدام على ما لا يعلم إباحته، بل يظن تحريمه فيكون حراما. وما رواه زيد الشحام في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - انه قال في شاة شربت خمرا حتى سكرت ثم ذبحت على تلك الحال: لا يؤكل ما في بطنها (2). وأصالة الاباحة معارضة بالاحتياط. مسألة: ذهب الشيخ - رحمه الله - إلى ان لحم البغال أشد كراهية من لحم الحمير عندنا، وليس بمحرم (3). وهذا هو المشهور لتركبه من الخيل والحمير، فجمع الكراهتين (4) معا. وقال ابن ادريس: قال بعض أصحابنا: لحم الحمار أشد كراهة (5). وكأنه الأليق في النظر عندي، لأن المتولد من قوي الكراهة وضعيفها أخف كراهة من المتولد من قوي الكراهة.

(1) السرائر: ج 3 ص 97.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 43 ح 181، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 352. (3) المبسوط: ج 6 ص 281.
(4) في الطبعة الحجرية: فجمع بين الكراهتين.
(5) السرائر: ج 3 ص 98.

[ 282 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: وأما حيوان البحر فلا يستباح أكل شئ منه إلا السمك خاصة، والسمك يؤكل منه ما كان له فلس ويجتنب ما ليس له فلس، وأما المار ماهي والزمار والزهو فانه مكروه شديد الكراهية وان لم يكن محظورا (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال أيضا فيها في باب الحد من شرب الخمر: ويعزر آكل الجري والمارماهي ومسوخ السمك وغير ذلك من المحرمات، فان عاد ادب ثانية، فان استحل شيئا من ذلك وجب عليه القتل (3). وقال في باب المكاسب المحظورة: وبيع الجري والمارماهي والطافي وكل سمك لا يحل أكله حرام (4). وقال المفيد: ويجتنب الجري والزمار والمارماهي من جملة السموك (5). وقال السيد المرتضى: ومما انفردت به الامامية تحريم أكل الثعلب والأرنب والضب، ومن مصيد البحر السمك الجري والمارماهي والزمار، وكل ما لا فلس له من السمك (6). وقال ابن الجنيد: ولا يؤكل من السمك الجري ولا المارماهي والزمار، وما لا قشر له، وما ليس ذنبه مستويا (7). وقال ابن أبي عقيل: وحرام بيع شئ من الجري والمارماهي والزمار. وقال الصدوق: ولا يؤكل الجري ولا المارماهي ولا الزمار ولا الطافي (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 77 - 78.
(2) المهذب: ج 2 ص 438 - 439.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 319.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 99.
(5) المقنعة: ص 576.
(6) الانتصار: ص 186 (7) ق 2، مشقوقا، م 3: مسفوفا. (8) المقنع: ص 142، وفيه (الزمير).

[ 283 ]

ورواه عن الصادق - عليه السلام - في كتاب من لا يحضره الفقيه (1)، وكذا قال أبوه في رسالته إليه. وقال سلار: والسمك على ضروب: الجري والزمار (2) والمارماهي والطافي وغير ذلك، فالأول أكله (3) كله محرم. وما عداه على ضربين: ما له فلس من السموك وما لا فلس له، فالأول: حل، والثاني: محرم (4) (5). والظاهر ان مراده بالأول: الجري والزمار والمارماهي والطافي وبما عداه قوله: وغير ذلك، إذ الطافي لا يعتبر فيه الفلس، فلو كان مراده بالأول: الجري خاصة لم يتم. وقال الشيخ في الخلاف: لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، ولا يؤكل من أنواع السمك إلا ما كان له قشر، فأما غيره مثل: المارماهي والزمار وغيره، وغير السمك من الحيوان مثل: الخنزير والكلب والفارة والانسان والسلحفاة والضفادع فانه قيل: ما من شئ في البر إلا ومثله في الماء، فان جميع ذلك لا يحل أكله بحال (6). وقال ابن ادريس: وقول الشيخ في النهاية: (إن المارماهي والزمار والزهو مكروه شديد الكراهة وليس بمحظور) غير مستقيم ولا واضح، لأنه مخالف لاصول مذهبنا، ولأن اجماع أصحابنا بغير خلاف بينهم انه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك، والسمك لا يؤكل منه إلا ما كان له فلس، وهذه الأجناس

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 325 ج 4161، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 6 ج 16 ص 332.
(2) في المصدر: الزمر.
(3) ليس في المصدر.
(4) في المصدر: حرام.
(5) المراسم: 207.
(6) الخلاف: ج 6 ص 29 المسألة 31.

[ 284 ]

التي ذكرها لا تسمي سمكا، لا لغة ولا عرفا، وليس لها أيضا فلس، وانما هو خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله، مع انه قال: (إذا استحل شيئا من ذلك ومن جملته المارماهي وجب عليه القتل) فمن يوجب عليه القتل باستحلاله كيف يجعله مكروها؟! (1). واعلم ان هذا القول من ابن ادريس في غاية التحريف، وكيف يخالف الشيخ اصول مذهبنا، مع انه الممهد لها،!؟ لكنه - رحمه الله - اتبع في ذلك الروايات. وقد روى زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الجريث، فقال: وما الجريث؟ فنعته له، فقال: (لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون... إلى آخر الآية) ثم قال: لم يحرم الله شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شئ من البحر وليس له قشر - مثل: الورق - وليس بحرام انما هو مكروه (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الجري والمارماهي والزمير وما ليس له قشر من السمك حرام هو؟ فقال لي: يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الأنعام: (قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما) قال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: انما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 599.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 5 - 6 ح 15، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 19 ج 16 ص 334.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 6 ح 16، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 20 ج 16 ص 335.

[ 285 ]

واعلم أن هذه الأخبار وإن كانت صحيحة لكنها دلت على كراهية الجري، والحق تحريمه، فهي إذن قد خرجت مخرج التقية. والأولى في الزمار والمارماهي والزهو التحريم، لأنه قول أكثر علمائنا، حتى أن الشيخ الذي أفتى باباحتها أفتى بتحريمها أيضا، وقد ورد على ذلك أخبار: روى سمرة بن أبي سعيد قال: خرج أمير المؤمنين - عليه السلام - على بغلة رسول الله - صلى الله عليه وآله - فخرجنا معه نمشي حتى انتهينا (1) إلى موضع أصحاب السمك فجمعهم فقال: تدرون لأي شئ جمعتكم؟ قالوا: لا، قال: لا تشتروا الجريث ولا المارماهي ولا الطافي على الماء، ولا تبيعوه (2). وروى ابن فضال، عن غير واحد من أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: الجري والمارماهي والطافي حرام في كتاب علي - عليه السلام - (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شق جوف سمكة فوجد فيها سمكة جاز أكلها إن كانت من جنس ما يحل أكلها، فان شق جوف حية فوجد فيها سمكة فان كانت على هيئتها لم تتسلخ لم يكن بأس بأكلها، وإن كانت تسلخت لم يجز أكلها على حال (4). وقال الشيخ علي بن بابويه، والمفيد (5): إذا صيدت سمكة فشق جوفها

(1) في المصدر: انتهى.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 5 ح 11، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأطعمة والأشربة ج 14 ج 16 ص 333 - 334. (3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 5 ح 12، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 15 ج 16 ص 334.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 79.
(5) المقنعة: ص 576.

[ 286 ]

ووجد فيها سمكة قد كانت ابتلعتها فان كانت ذات فلوس أكلت، وإن لم يكن لها فلوس لم تؤكل. ومنع ابن ادريس (1) أكل المخرجة من جوف السمكة أو الحية، إلا إذا خرجت حية. وقول الشيخ - رحمه الله - ليس بعيدا من الصواب، لعموم قوله تعالى: (احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم) (2). وما رواه السكوني في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - سئل عن سمكة شق بطنها فوجد فيها سمكة، قال: كلهما جميعا (3). وعن أبان، عن بعض أصحابه، عن الصادق - عليه السلام - قال: يؤكلان جميعا (4). وللاستصحاب الدال على بقاء الحياة واستمرارها إلى حين إخراجها. أما ما ابتلعته الحية فقد روى أيوب بن أعين، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول في حية ابتلعت سمكة ثم طرحتها وهي حية تضطرب آكلها؟ فقال: إن كان فلوسها قد تسلخت فلا تأكلها، وإن لم تكن تسلخت فكلها (5).

(1) السرائر: ج 3 ص 100.
(2) المائدة: 96.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 8 ص 25، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الصيد والذباحة ذيل الحديث 1 ج 16 ص 304.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 8 ح 26، وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب الصيد والذباحة صدر الحديث 1 ج 16 ص 304.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 8 ح 27، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 342.

[ 287 ]

ونحن نقول بموجب هذه الرواية، أما الرواية الاولى فالأقرب ما قاله ابن ادريس فيها، لعدم يقين الاخراج من الماء حية، مع انه مناط التحليل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أكل الغربان (1)، وأطلق، وتبعه ابن البراج (2). وقال في الخلاف: الغراب كله حرام على الظاهر في الروايات، وقد روي في بعضها رخص وهو الزاغ - وهو: غراب الزرع - والغداف - وهو: أصغر منه أغبر اللون كالرماد - وقال الشافعي: الأسود والأبقع حرام. والزاغ والغداف على وجهين: أحدهما: حرام، والثاني: حلال، وبه قال أبو حنيفة. دليلنا: إجماع الفرقة وعموم الأخبار في تحريم الغراب، وطريقة الاحتياط يقتضي ذلك أيضا (3). وقال في المبسوط: ما لا مخلب له - يعني: من الطير - مستخبث وغير مستخبث، فالمستخبث ما يأكل الخبائث كالميتة ونحوها فكلها حرام - وهو (4): النسر والرخم (5) والبغاث والغراب ونحو ذلك - عندنا وعند جماعة، فروي ان النبي - صلى الله عليه وآله - أتى بغراب فسماه فاسقا فقال: ما هو والله من الطيبات. والغراب على أربعة أضرب: الكبير الأسود الذي يسكن الجبال ويأكل الجيف، والثاني: الأبقع، فهذان حرامان (6)، والثالث: الزاغ وهو: غراب الزرع، والرابع: الغداف وهو: أصغر منه أغبر اللون كالرماد قال قوم: هو حرام: لظاهر الأخبار وقال آخرون: هو مباح، وهو الذي ورد في روايتنا (7).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 82.
(2) المهذب: ج 2 ص 329.
(3) الخلاف: ج 6 ص 85 المسألة 15.
(4) في المصدر: وهي.
(5) في المصدر: والزحم.
(6) في المصدر: حرام.
(7) المبسوط: ج 6 ص 281.

[ 288 ]

وقال ابن حمزة: المكروه لا يتميز بالصفات بل بالأسماء، كالصرد والصوام والقنابر والهداهد والحبارى والشقراق وغربان الكرم (1). وقال ابن ادريس: الغربان على أربعة أضرب: ثلاثة منها لا يجوز أكل لحمها وهو (2): الغداف الذي يأكل الجيف ويفرس ويسكن الخرابات وهو الكبير من الغربان السود، وكذلك الأغبر الكبير، لأنه يفرس ويصيد الدراج فهو من جملة سباع الطير، وكذلك لا يجوز أكل لحم الأبقع الذي يسمى العقعق طويل الذنب. فأما الرابع وهو: غراب الزرع الصغير من الغربان السود الذي يسمى الزاغ، فان الأظهر من المذهب انه يؤكل لحمه على كراهية دون أن يكون لحمه محظورا، والى هذا يذهب شيخنا في نهايته، وإن كان قد ذهب إلى خلافه في مبسوطه ومسائل خلافه فانه قال بتحريم الجميع، وذهب في استبصاره إلى تحليل الجميع. والصحيح ما اخترناه، لأن التحريم يحتاج إلى دلالة شرعية، لأن الأصل في الأشياء الاباحة، و لا اجماع على حظره، ولا أخبار متواترة، ولا كتاب الله تعالى (3). و المعتمد تحريم الجميع. لنا: ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن الغراب الأبقع والأسود أيحل أكله؟ فقال: لا يحل شئ من الغربان زاغ ولا غيره (4).

(1) الوسيلة: ص 358.
(2) في المصدر: وهي.
(3) السرائر: ج 3 ص 103 - 104، مع اختلاف.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 18 - 19 ح 73، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 3 ج 16 ص 329.

[ 289 ]

وعن علي بن الحسين الواسطي قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن الغراب الأبقع، قال: فقال: إنه لا يؤكل، فقال: ومن أحل لك الأسود! (1). احتج الشيخ على الاباحة في الجميع بما رواه زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - انه قال: إن أكل الغراب ليس بحرام، انما الحرام ما حرمه الله في كتابه، ولكن الأنفس تتنزه عن كثير من ذلك تقززا (2) (3). وجمع الشيخ بحمل الخبر الأول على انه ليس حلالا طلقا، وانما يحل مع ضرب من الكراهية، لما رواه غياث بن ابراهيم، عن الصادق - عليه السلام - انه كره أكل الغراب، لأنه فاسق (4). والثاني على ذلك أيضا، وليس بعيدا من الصواب حمل ما رواه الشيخ على نفي التحريم المستند إلى كتاب الله تعالى، ولهذا قال - عليه السلام -: (إنما الحرام ما حرم الله تعالى في كتابه) على انا نمنع صحة سند الخبرين. مسألة: قال شيخنا المفيد - رحمه الله - ويحرم من الطير ما يصف ويحل منه ما يدف، فان كان يصف ويدف اعتبر، فان كان دفيفه أكثر أكل، وإن كان صفيفه أكثر اجتنب (5). وجعله ضابطا، ولم يتعرض لمحرمات (6) الطيور، وهو يقتضي اباحة أكل الخطاب عنده، لأن دفيفه أكثر، بل هو مما يدف ولا يصف.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 18 ح 71، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 4 ج 16 ص 329.
(2) التقزز: التباعد من الدنس (مجمع البحرين: ج 4 ص 31 مادة قزز). (3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 18 ح 72، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 328.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 19 ذيل الحديث 73 و 74.
(5) المقنعة: ص 577، مع اختلاف.
(6) ق 2: لجزئيات.

[ 290 ]

وقال الشيخ في النهاية: لا يجوز أكل الخطاف والخشاف (1). وعده ابن البراج في المحرم (2)، وكذا ابن ادريس (3) وادعى الاجماع عليه. والمعتمد الجواز على كراهية. لنا: الأصل الاباحة. وما رواه زرارة في الصحيح قال: والله ما رأيت مثل أبي جعفر - عليه السلام - قط قال: سألته قلت: أصلحك الله ما يؤكل من الطير؟ قال: كل ما دف ولا تأكل ما صف (4). وعن سماعة بن مهران، عن الرضا - عليه السلام - قال: وكل ما دف فهو حلال (5). وهذا الخطاب مما يدف فدخل تحت العموم. وفي الموثق عن عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يصيب خطافا في الصحراء أو يصيده أيأكله؟ فقال: هو مما يؤكل. وعن الوبر يؤكل؟ قال: لا هو حرام (6). وما رواه جميل بن دراج في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قتل الخطاف وايذائهن في الحرم، فقال: لا يقتلن، فاني كنت مع

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 82.
(2) المهذب: ج 2 ص 428.
(3) السرائر: ج 3 ص 104.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 16 ح 63، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الأطعة والأشربة ح 1 ج 16 ص 346.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 17 ح 65، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب الأطعمة والأشربة ذيل الحديث 2 ج 16 ص 347 وفيهما: (عن أبي عبد الله - عليه السلام -).
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 21 ح 84، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 343.

[ 291 ]

علي بن الحسين - عليهما السلام - فرآني (1) اوذيهن فقال: يا بني لا تقتلهن ولا تؤذيهن فانهن لا يؤذين شيئا (2). فحكمه - عليه السلام - (بأنهن لا يؤذين شيئا) دال على طهارة ذرقهن، وإلا لحصل الأذى، لعموم البلوى بهن (3)، وعدم الانفكاك عن ذرقهن، وطهارة ذرقهن يدل على اباحة أكلهن. وقد روى عمار بن موسى - في كتابه يرويه - عن الصادق - عليه السلام - قال: خرؤ الخطاف لا بأس به، هو مما يحل أكله، ولكن كره أكله لأنه استجار بك ووافى في منزلك، وكل طير يستجير بك فأجره (4). احتج الشيخ بما رواه الحسن بن داود الرقي قال: بينا نحن قعود عند أبي عبد الله - عليه السلام - إذ مر رجل بيده خطاف مذبوح فوثب إليه أبو عبد الله - عليه السلام - حتى أخذه من يده ثم رمى به ثم قال: أعالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم؟! لقد أخبرني أبي عن جدي ان رسول الله - صلى الله عليه وآله - نهى عن قتل الستة: النحلة والنملة والضفدع والصرد والهدهد والخطاف (5). والجواب: المنع من القتل إما على سبيل الكراهة أو التحريم لا يدل على تحريم الأكل. مسألة: المشهور بين علمائنا كراهية لحم البغل دون التحريم وقال أبو الصلاح: انه محرم (6).

(1) في الكافي: فرآني وأنا.
(2) الكافي: ج 6 ص 224 ح 3، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 247.
(3) في الطبعة الحجرية: وم 3: بهم.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 81 ح 345 وليس فيه: (خرؤ الخطاف)، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الصيد والذباحة ح 5 ج 16 ص 248.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 20 ح 78، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 343.
(6) الكافي في الفقه: ص 277.

[ 292 ]

لنا: الأصل، وعموم قوله تعالى: (قل لا أجد) (1). وما رواه محمد بن مسلم وزرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - أنهما سألاه عن لحم الحمر الأهلية، فقال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن أكلها يوم خيبر، وانما نهى عن أكلها لأنها كانت حمولة الناس، وانما الحرام ما حرم الله عز وجل في القرآن (2). والحصر يدل على اباحة المتنازع، لعدم تحريمه في القرآن. وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن لحوم الخيل والبغال، فقال: حلال، ولكن الناس يعافونها (3). احتج أبو الصلاح بما رواه ابن مسكان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن لحوم الحمر، فقال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن أكلها يوم خيبر، قال: وسألته من أكل لحم (4) الخيل والبغال، فقال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عنها، فلا تأكلها إلا أن تضطر إليه (5) (6). والنهي للتحريم. وعن سعد بن سعد، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن لحوم

(1) الانعام: 145. (2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 41 ح 171، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 323.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 41 ج 174، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 3 ج 16 ص 326.
(4) ليس في المصدر.
(5) في المصدر: تضطر إليها.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 40 ح 168، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 4 ج 16 ص 323.

[ 293 ]

البراذين والخيل والبغال، فقال: لا تأكلها (1). والجواب: الحمل على الكراهة، والنهي كما يرد للتحريم فقد يرد للكراهة فيحمل عليها، للأصل، وجمعا بين الأخبار. ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - انه سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ والوطواط والحمير والبغال والخيل، فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - عن أكل لحوم الحمير، وانما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوه، وليست الحمير بحرام. ثم قال: اقرأ هذه الآية: (قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به) (2) وهذا تصريح بالاباحة. مسألة: المشهور عند علمائنا ان الجلال من الدواب هو الذي يأكل عذرة الانسان، فان لم يخلطها بغيرها حرم وإلا كره. وعد أبو الصلاح في المحرمات ما أدمن شرب النجاسات حتى يمنع منها عشرا، قال: وجلالة الغائط حتى تحبس الابل والبقر أربعين يوما، والشاة سبعة أيام، والبط والدجاج خمسة أيام. وروي في الدجاج خاصة ثلاثة أيام، وجلالة ما عدا العذرة من النجاسات حتى تحبس الأنعام سبعا، والطير يوما وليلة (3). والذي ورد في ذلك ما رواه موسى بن أكيل، عن بعض أصحابه، عن

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 42 ح 175، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 5 ج 16 ص 326. (2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 42 ح 176، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 6 ج 16 ص 327، وفيهما: (وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوم خيبر عن اكل).
(3) الكافي في الفقه: ص 277 - 278.

[ 294 ]

الباقر - عليه السلام - في شاة شربت بولا ثم ذبحت، فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به، وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة، والجلالة التي يكون ذلك غذاؤها (1). وقول أبي الصلاح لم يقم عليه دلالة عندي.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 47 ح 194، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 352.

[ 295 ]

الفصل الثالث في الذبح وكيفيته مسألة: المشهور عند علمائنا تحريم ذبائح الكفار مطلقا، سواء كانوا أهل ملة - كاليهود والنصارى والمجوس - أو لا - كعباد الأوثان والنيران وغيرهما - ذهب إليه الشيخان (1)، والسيد المرتضى (2)، وسلار (3)، وابن البراج (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وابن ادريس (7). وقال الصدوق في المقنع: ولا تأكل ذبيحة من ليس على دينك في الاسلام، ولا تأكل ذبيحة اليهودي والنصاري والمجوسي، إلا أن تسمعهم يذكرون اسم الله عز وجل عليها، فإذا ذكروا اسم الله عز وجل عليها فلا بأس بأكلها، فان الله عز وجل يقول: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إن كنتم باياته مؤمنين) ولا بأس بذبيحة نسائهم إذا ذكروا اسم الله عز وجل. وقد سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن ذبائح النصارى، فقال: لا بأس بها، فقيل: إنهم

(1) المقنعة: ص 579، النهاية ونكتها: ج 3 ص 81.
(2) الانتصار: ص 188.
(3) المراسم: ص 209 - 210.
(4) المهذب: ج 2 ص 439.
(5) الكافي في الفقه: ص 277. (6) الوسيلة: ص 361.
(7) السرائر: ج 3 ص 105 - 106.

[ 296 ]

يذكرون عليها المسيح، فقال: إنما أرادوا بالمسيح الله عز وجل. وقد نهى في خبر عن أكل ذبيحة المجوسي (1). والأصل ألا يؤكل ذبائحهم كيف كانت ما وجدت ذبائح المسلمين، ولا يستعان بهم إلا فيما لم يجد مسلما يستعان به عليه، فإذا لم يوجد ذبائح المسلمين فحينئذ جائز أن يؤكل ذبائح أهل الكتاب إذا ذكروا اسم الله عز وجل عليها. وقال ابن أبي عقيل: ولا بأس بصيد اليهود والنصارى وذبائحهم، ولا يؤكل صيد المجوس وذبائحهم. وقال ابن الجنيد: ولو تجنب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم وفي آنيتهم، وكذلك ما صنع في أواني مستحل الميتة ومواكيلهم ما لم يتيقن طهارة أوانيهم وأيديهم كان أحوط. وهذه العبارة لا تعطي التحريم. لنا: قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق) (2) والكافر لا يعرف الله تعالى، فلا يذكره على ذبيحته، ولا يرى (3) التسمية على الذبيحة فرضا ولا سنة. وما رواه سماعة في الموثق، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن ذبيحة اليهودي والنصراني قال: لا تقربها (4). وعن قتيبة الأعشى عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن ذبائح اليهود والنصارى، فقال: الذبيحة اسم، ولا يؤمن على الاسم إلا المسلم (5).

(1) المقنع: ص 140، وفيه: (ولا بأس بذبيحة النساء إذا ذكرن).
(2) الانعام: 121.
(3) م 3: نوى.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 63 ح 266 وفيه: (لا تقربنها)، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 9 ج 16 ص 284.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 63 ح 267، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 8 ج 16 ص 284.

[ 297 ]

وفي الموثق عن اسماعيل بن جابر، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم - يعني: أهل الكتاب - (1). وعن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا عنده فقال: الغنم ترسل ففيها اليهودي والنصراني فيعرض فيها العارضة فيذبح أنأكل ذبيحته؟ فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: لا تدخل ثمنها مالك ولا تأكلها فانما هو الاسم، ولا يؤمن عليها إلا مسلم، فقال له الرجل: [ قال الله تعالى: (اليوم ] احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) فقال: كان أبي يقول: انما هي الحبوب وأشباهها (2). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا يذبح أضحيتك يهودي ولا نصراني ولا المجوسي، وإن كانت امرأة فلتذبح لنفسها (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن نصارى العرب أتؤكل ذبائحهم؟ فقال: كان علي - عليه السلام - ينهى عن ذبائحهم وعن صيدهم وعن مناكحتهم (4). وفي الموثق عن زيد الشحام قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن ذبيحة

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 64 ح 269، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 10 ج 16 ص 284.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 64 ح 270، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 279.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 64 ح 273، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 276.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 65 ح 278، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 6 ج 16 ص 283.

[ 298 ]

الذمي، فقال: لا تأكله إن سمى وإن لم يسم (1). والأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة. ولأن الإخلاد إلى الكفار في الذبح ركون إلى الظالم، فيندرج تحت النهي في قوله تعالى: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) (2). ولأنه نوع استئمان، والكافر ليس محلا للأمانة. ولأن لها شرائط، فلا يستند حصولها إلى قوله. احتجوا بقوله تعالى: (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) (3). وبما رواه حمران في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول في ذبيحة الناصب واليهودي والنصراني: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله (4)، قلت: المجوسي؟ فقال: نعم إذا سمعته يذكر اسم الله [ عليه ]، أما سمعت قول الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) (5). وفي الصحيح عن جميل ومحمد بن حمران انهما سألا أبا عبد الله - عليه السلام - عن ذبائح اليهود والنصارى والمجوس، فقال: كل، فقال بعضهم: إنهم لا يسمون! فقال: فان حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا، وقال: إذا غاب فكل (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 65 ح 276، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 5 ج 16 ص 283. (2) هود: 113.
(3) المائدة: 5.
(4) في الطبعة الحجرية وق 2: إسم الله عليه.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 68 ص 287، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 31 ج 16 ص 288.
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 68 ح 289، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 33 ج 16 ص 289.

[ 299 ]

وفي الصحيح عن محمد الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن ذبيحة أهل الكتاب ونسائهم، فقال: لا بأس به (1). وعن عبد الملك بن عمرو قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام - ما تقول في ذبائح النصارى؟ فقال: لا بأس بها، قلت: فانهم يذكرون عليها المسيح! فقال: إنما أرادوا بالمسيح الله (2). ولأن الأصل الاباحة. والجواب: حمل الطعام على الحبوب، لأنه المتعارف، ولدلالة الحديث عليه. سلمنا، لكن (طعام الذين اوتوا الكتاب) ليس للعموم، ونحن نقول بموجبه، فيصدق في فرد من أفراده. ولأنه يصدق عليه مع ذبح المسلم انه طعام الذين اوتوا الكتاب. ولأن (3) الحكم معلق على الطعام، وليس الذبح جزء من مسماه، والأحاديث معارضة بأمثالها، ومحمولة على الضرورة دون الاختيار، لما رواه زكريا بن آدم قال: قال أبو الحسن - عليه السلام -: اني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على خلاف الذي أنت عليه وأصحابك إلا في وقت الضرورة إليه (4). أو على التقية، لأن مذهب العامة اباحة ذلك (5)، والأصل معارض بالاحتياط.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 68 ح 290، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 34 ج 16 ص 289.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 68 ح 291، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الصيد والذباحة ح 35 ج 16 ص 289.
(3) في الطبعة الحجرية: انه طعام الذين اتوا الكتاب ولأنه يصدق عليه قبل الذبح انه طعام الذين اوتوا الكتاب ولأن.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 70 ح 298، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الصيد والذباحة ح 9 ج 16 ص 281.
(5) المجموع: ج 9 ص 78.

[ 300 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: الذباحة لا يجوز أن يتولاها غير المسلمين، ومن المسلمين لا يتولاها إلا أهل الحق، فان تولاها غير أهل الحق ويكون ممن لا يعرف بعداوة لآل محمد - عليهم السلام - لم يكن بأس بأكل ذبيحته، وإن كان ممن ينصب لهم العداوة والشنئآن لم يجز أكل ذبيحته (1). وهذا الكلام يعطي اباحة أكل ذبيحة المخالف إذا لم يكن ناصبا. وقال ابن ادريس: المراد بقوله: (وغيرهم) يعني: المستضعفين الذين لا منا ولا من مخالفينا، وصحيح انهم غيرنا، فلا يظن ظان انه أراد بغيرهم من مخالفينا (2). ومنع أبو الصلاح من ذباحة الكافر وجاحد النص (3). وقال ابن حمزة: والذابح يجب أن يكون مؤمنا أو في حكمه (4). وقال ابن البراج: لا يجوز أن يتولى الذبح إلا من كان مسلما من أهل الحق، فان تولاه غير من ذكرناه من الكفار المخالفين لدين الاسلام أو من كفار أهل الملة على اختلافهم في جهات كفرهم لم يصح ذكاته ولم يؤكل ذبيحته (5). والمعتمد جواز أكل ذبيحتهم إذا اعتقدوا وجوب التسمية. لنا: عموم قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) (6) والصيد كالذبائح (7). وما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: ذبيحة من دان بكلمة الاسلام وصام وصلى لكم حلال إذا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 89.
(2) السرائر: ج 3 ص 106.
(3) الكافي في الفقه: ص 277.
(4) الوسيلة: ص 361.
(5) المهذب ج 2 ص 439. (6) المائدة: 4.
(7) في الطبعة الحجرية: كالذبح.

[ 301 ]

ذكر اسم الله عليه (1). وللأصل. نعم الناصب لا يجوز أكل ذبيحته، لأنه ارتكب ما هو معلوم البطلان من دين النبي صلى الله عليه وآله. وما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: ذبيحة الناصب لا تحل (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن السنة ألا ينخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد، وهو ألا يبين الرأس من الجسد ويقطع النخاع، فان سبقته السكين وأبان الرأس جاز أكله إذا خرج منه الدم، فان لم يخرج الدم لم يجز أكله، ومتى تعمد ذلك لم يجز أكله (3): وتبعه ابن زهرة (4) في تحريم الأكل. وقال في الخلاف: يكره ابانة الرأس من الجسد وقطع النخاع قبل أن تبرد الذبيحة، فان خالف وأبان لم يجز (5) أكله، وبه قال جميع الفقهاء، وقال سعيد بن المسيب: يحرم أكلها. ثم استدل بأن الأصل الاباحة، وقوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) وهذا ذكر اسم الله عليه، وعليه اجماع الصحابة. يروي (6) عن علي - عليه السلام - انه سئل عن بعير ضربت عنقه بالسيف، فقال: يؤكل. وعن عمران بن حصين قيل له: في رجل ذبح بطة فأبان رأسها،

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 71 ح 300 وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 28 ص 292.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 71 ح 301، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 6 ص 192.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 90 - 91.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 556 س 20 - 21.
(5) في الصمدر: يحرم.
(6) في المصدر: روي.

[ 302 ]

فقال: يؤكل. وعن ابن عمر نحوه، ولا مخالف لهم (1). وقال المفيد: ولا يفصل الرأس من العنق حتى تبرد الذبيحة (2). ولم يبين التحريم والكراهة. وقال ابن الجنيد: وليس للذابح أن يتعمد قطع رأس البهيمة إلا بعد خروج نفسها، فان سبقته شفرته وخرج الدم لم يكن بها بأس، وليس له أيضا أن ينخع الذبيحة، وهو كسر رقبتها أو ركلها برجله لتعجيل (3) خروج نفسها ويسلخها حتى تبرد. وقال الصدوق: فإذا ذبحت فسبقت الحديدة وأبانت الرأس فكله إذا خرج الدم (4). ولم يتعرض للتعمد. وقال ابن البراج: لا يجوز أن ينخع الذبيحة حتى تبرد بالموت، وذلك ألا يفصل رأسها من جسدها ويقطع نخاعها، وهو عظم في العنق، فان سبقته السكين فأبانت الرأس من الجسد لم يكن بأكل ذلك بأس (5). وقال ابن حمزة: فان نخع عمدا أو سهوا ولم يخرج الدم حرم، وان خرج الدم وفعل سهوا أو سبقته السكين لم يحرم (6). وقال ابن ادريس: يكره أن ينخع الذبيحة إلا بعد أن تبرد بالموت، وهو ألا يبين الرأس من الجسد. ويقطع النخاع، وهو الخيط الأبيض الذي الخزر منظومة فيه، وهو من الرقبة ممدود الى عجب الذنب. وأكله عند أصحابنا حرام من جملة المحرمات التي في الذبيحة، فان سبقته السكين وأبان الرأس جاز أكله، ولم يكن ذلك الفعل مكروها، وانما المكروه تعمد ذلك دون أن يكون محظورا،

(1) الخلاف: ج 6 ص 53 المسألة 13.
(2) المقنعة: ص 580.
(3) في الطبعة الحجرية: ليعجل.
(4) المقنع: ص 139.
(5) المهذب: ج 2 ص 440.
(6) الوسيلة: ص 360.

[ 303 ]

على الأظهر من أقوال أصحابنا، بل لا خلاف بين المحصلين في ذلك. وقول الشيخ في النهاية: (انه لا يجوز) قد رجع عنه في مسائل خلافه، ولا دليل على ما أورده في نهايته من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، وانما أورده ايرادا لا اعتقادا (1). والمعتمد تحريم الفعل لا المذبوح. لنا: على الأول ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: ولا ينخع ولا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: ولا ينخع ولا يقطع الرقبة بعد ما يذبح (3). والنهي يدل على التحريم. وأما على الثاني فما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - انه سئل عن رجل ذبح طيرا فقطع رأسه أيؤكل منه؟ قال: نعم، ولكن لا يتعمد قطع رأسه (4). وقول ابن ادريس ليس بشئ يعول عليه، لأن الأدلة غير منحصرة فيما ذكره، وما يدريه أن ما ذكره الشيخ في النهاية لم يصدر عن اعتقاده، وهذا يدل على جهله وقلة انصافه مع الشيخ - رحمه الله - لأن في ذلك نسبته إلى التهمة، وحاش شيخنا - رحمه الله - عن ذلك.

(1) السرائر: ج 3 ص 107 - 108. (2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 60 ذيل حديث 251، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 267.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 60 ذيل حديث 252، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 267.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 328 ح 4172، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الصيد والذباحة ح 5 ج 16 ص 259.

[ 304 ]

مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: ولا يجوز أن يقلب السكين فيذبح إلى فوق، بل ينبغي أن يبتدئ من فوق إلى أن يقطع الحلقوم (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: هذه رواية أوردها ايرادا، فان صحت حملت على الكراهية دون الحظر، لأنه لا دليل على حظر ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع منعقد، والأصل الاباحة (3). والشيخ عول في ذلك على رواية حمران بن أعين، عن الصادق - عليه السلام - قال: ولا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق (4). وقول ابن ادريس قوي، لأن في الطريق أبا هاشم الجعفري، ولا أعرف حاله. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا يجوز ذبح شئ من الحيوان صبرا، وهو أن يذبح شيئا وينظر إليه حيوان آخر (5). وقال ابن ادريس: هذه رواية أوردها ايرادا، فان صحت حملت على الكراهة دون الحظر، لأنه لا دليل على حظر ذلك وتحريمه من كتاب ولا سنة ولا اجماع، والأصل الاباحة (6). وقول ابن ادريس لا بأس به، لقصور الخبر في التحريم مع ضعفه، لأن في

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 92.
(2) المهذب: ج 2 ص 440.
(3) السرائر: ج 3 ص 109.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 55 ح 227، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 255. (5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 93.
(6) السرائر: ج 3 ص 109.

[ 305 ]

طريقه غياث بن ابراهيم، عن الصادق - عليه السلام قال ان أمير المؤمنين - عليه السلام -: كان لا يذبح الشاة عند الشاة ولا الجزور عند الجزور وهو ينظر إليه (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز سلخ الذبيحة إلا بعد بردها، فان سلخت قبل أن تبرد أو سلخ شئ منها لم يحل أكله (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال ابن ادريس: هذه رواية أوردها شيخنا في نهايته ايرادا لا اعتقادا، لأنه لا دليل على حظر ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع منعقد، وأخبار الآحاد لا يرجع بها على الاصول المقررة الممهدة، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وكتاب الله تعالى أحق بأن يتمسك به، ولا يلتفت إلى هذه الرواية الشاذة المخالفة لاصول المذهب، وهو قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) وهذا قد ذكر اسم الله عليه وذبح ذباحة شرعية وحصلت جميع الشرائط المعتبرة في تحليل الذباحة، فمن ادعى بعد ذلك حظرها يحتاج إلى دلالة شرعية (5). وقول ابن ادريس قوي. والشيخ - رحمه الله - ذكر هنا رواية مرسلة عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى رفعه قال: قال أبو الحسن الرضا - عليه السلام -: الشاة إذا ذبحت وسلخت أو سلخ شئ منها قبل أن تموت فليس يحل أكلها (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 56 ح 232، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 258.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 93 - 94.
(3) المهذب: ج 2 ص 440.
(4) الوسيلة: ص 360.
(5) السرائر: ج 3 ص 110.
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 56 ح 233، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 258 - 259.

[ 306 ]

مسألة: قال شيخنا المفيد في المقنعة: وإذا ذبح الحيوان فتحرك عن الذبح وخرج منه الدم فهو ذكي، وإن لم يكن منه حركة فهو منخنق وفي حكم الميتة، وكذلك إن لم يسل منه دم (1). وهذا يدل على اعتبار الشيئين معا الحركة وخروج الدم في اباحة الذبيحة. وقال الشيخ في النهاية: وإذا ذبحت الذبيحة فلم يخرج الدم أو لم يتحرك شئ منه لم يجز أكله، وإن خرج الدم أو تحرك شئ من أعضائه - يده أو رجله أو غير ذلك - جاز أكله (2). وهذا يدل على الاكتفاء بأحد الأمرين. وقال ابن الجنيد: ولو لحق البهيمة ما بمثله تموت لو تركت فلحق ذكاتها وخرج الدم مستويا وتحركت أو بعض أعضائها بعد خروج الدم حل أكلها، وكذا لو قطعها السبع. وهو يوافق كلام المفيد. وقال ابن البراج: وإذا ذبحت ذبيحة ولم يتحرك منها شئ لم يجز أكلها، وإن تحرك شئ منها مثل يدها أو رجلها أو ذنبها أو جفنها (3) أو اذنها جاز أكلها (4). فاعتبر الحركة. وعد في موضع آخر في المحرمات، وكل ما لم يتحرك منه شئ بعد الذبح وإن سال منه دم وكل ما لم يسل منه دم (5). وهذا يدل على اعتبارهما معا. وسلار وافق شيخنا المفيد فقال: فان تحرك - إذا ذبح المذبوح - وخرج منه الدم وإلا لم يؤكل لحمه (6). وقال أبو الصلاح: الضرب الثاني - يعني: من المحرمات لوقوعه على وجه التصرف -: ذوات الأنفس السائلة ابتداء أو منخنقة بماء أو حبل أو غيرهما أو

(1) المقنعة: ص 580.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 94.
(3) في المصدر: خفيها، ق 2 وم 3: جنبها.
(4) المهذب: ج 2 ص 440.
(5) المهذب: ج 2 ص 428.
(6) المراسم: ص 209.

[ 307 ]

غير متحركة بعد الذبح أو لم يسل منها الدم (1). وقال الصدوق: إذا ذبحت فسبقت الحديدة وأبانت الرأس فكله إذا خرج الدم، والشاة إذا طرفت عينها أو ركضت رجلها أو حركت ذنبها فهي ذكية، وإن ذبحت شاة فلم تتحرك وخرج منها دم كثير عبيط فلا تأكل إلا أن يتحرك منها شئ كما ذكرناه (2). وهو يعطي اعتبار الحركة وحدها. وقال ابن ادريس: وإذا ذبحت الذبيحة فلم يخرج الدم أو لم يتحرك شئ منها لم يجز أكله، فان خرج الدم أو تحرك شئ من أعضائها يدها أو رجلها أو غير ذلك جاز أكله، فالمعتبر على الصحيح من المذهب أحد الشيئين في تحليل أكلها: إما خروج الدم الذي له دفع أو الحركة القوية، أيهما كان جاز أكلها، وشيخنا المفيد اعتبر في جواز الأكل بعد الذبح مجموع الشيئين معا. والأول هو الأظهر، لأنه يعضده ظواهر القرآن والأخبار المتواترة (3). والمعتمد اعتبار الحركة، لما رواه محمد الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الذبيحة، فقال: إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الاذن فهو ذكي (4). وعن رفاعة، عن الصادق - عليه السلام - انه قال في الشاة: إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية (5).

(1) الكافي في الفقه: ص 277.
(2) المقنع: ص 139.
(3) السرائر: ج 3 ص 110.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 56 ح 235، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 263.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 56 ح 234، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الصيد والذباحة ح 4 ج 16 ص 263.

[ 308 ]

وقد روى الحسين بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: ان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا وأطعموا، وإن خرج خروجا متثاقلا فلا تقربوه (1). وهذه الرواية لم يثبت عندي عدالة رجالها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا ذبح شاة أو غيرها ثم وجد في بطنها جنين فان كان قد اشعر أو أوبر ولم تلجه الروح فذكاته ذكاة أمه، وإن لم يكن تاما لم يجز أكله على حال، وإن كان فيه روح وجبت تذكيته، وإلا فلا يجوز أكله (2). وقال في الخلاف: إذا نحرت البدنة أو ذبحت البقرة أو الشاة فخرج من جوفها ولد فان كان تاما - وحده أن يكون قد أشعر وأوبر - نظر فيه، فان خرج ميتا حل أكله، وإن خرج حيا ثم مات لم يحل أكله وإن خرج قبل أن يتكامل لم يحل أكله بحال (3). وقال المفيد: وجنين الحيوان حلال إذا اشعر أو اوبر (4) وذكاته ذكاة امة، ولا يجوز أكله قبل أن يشعر أو يوبر (5) مع الاختيار (6). وقال ابن أبي عقيل: وإذا ذبح ذبيحة فوجد في بطنها ولدا تاما فانه يؤكل، لأنه ذكاة الام ذكاته، وإن لم يكن تاما فلا يؤكل. وقال ابن الجنيد: والجنين من الأنعام الذي لم يكمل خلقه وكماله أن يوبر أو يشعر لا يحل أكله، فإذا بلغ هذه الخصال كان ذكاته ذكاة امه إذا خرج من

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 57 ح 236، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الصيد والذباحة ح 2 ج 16 ص 264. (2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 94 - 95.
(3) الخلاف: ج 6 ص 88 المسألة 18، مع اختلاف.
(4) في المصدر: وأوبر.
(5) في المصدر: ويوبر.
(6) المقنعة: ص 583.

[ 309 ]

بطنها وهو ميتة، فان خرج وفيه حياة فأدركت ذكاته وإلا لم يؤكل. وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الجنين الذي يوجد في بطن أمه بعد ذكاتها على ضربين: إن كان كاملا - وعلامة ذلك أن ينبث شعره إن كان من ذوات الشعر، أو يظهر وبره إن كان من ذوات الأوبار - فانه يحل أكله، وذكاة امه ذكاته، وإن لم يبلغ الحد الذي ذكرناه وجب أن يذكى ذكاة منفردة إن خرج حيا، وإن لم يخرج حيا فلا يؤكل (1). وقال الصدوق في المقنع: وإذا ذبحت ذبيحة في بطنها ولد فان كان تاما فكله، فان ذكاته ذكاة امه، وإن لم يكن تاما فلا تأكله. وروي إذا أشعر أو أوبر فذكاته ذكاة امه (2). وقال ابن البراج: ومن ذبح شاة أو غيرها ووجد في بطنها جنينا فعلى قسمين: إما أن يكون أشعر أو أوبر أو لا يكون كذلك، فان كان أشعر أو أوبر ولم يلجه روح فذكاته ذكاة امه، وإن لم يكن كذلك أو لم يكن تاما لم يجز أكله، وكل جنين كان قد أشعر أو أوبر وولجته الروح وأدرك كذلك لم يكن بد من ذكاته، فان لم يذك لم يجز أكله على كل حال (3). وقال ابن حمزة: الجنين لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أشعر ولم تلجه الروح، أو أشعر وولجته الروح، أو لم يتم خلقته. فالأول يحصل ذكاته بذكاة أمه، والثاني يلزم تذكيته، والثالث يحرم أكله (4). وقال سلار: فأما أجنة ما يؤكل لحمه إذا وجدت في جوفه بعد ذبحه أو موته فان ما اشعر أو اوبر وامه مذكاة فذكاته ذكاة امه. إذا لم تلجه الروح، فان ولجته الروح فلا بد من تذكية، وإذا لم يكن أشعر

(1) الانتصار: ص 195.
(2) المقنع: ص 139. (3) المهذب: ج 2 ص 440 - 441، مع اختلاف.
(4) الوسيلة: ص 361.

[ 310 ]

وتمت خلقته فلا يحل أكله، ولا يؤكل ما يوجد في بطون الميتة إلا ما يلحقه الذكاة (1). وقال ابن ادريس: وإذا ذبح شاة أو غيرها ثم وجد في بطنها جنين فان كان قد اشعر أو اوبر ولم تلجه الروح فذكاته ذكاة امه، فان لم يكن أشعر أو أوبر لم يجز أكله على حال، إلا أن يكون فيه روح، فان كانت فيه روح وإن لم يشعر ولا يوبر وجبت تذكيته، وإلا فلا يجوز أكله إذا لم تدرك ذكاته (2). والمعتمد أن نقول: إن خرج تاما قد أشعر أو أوبر فان كان حيا حياة مستقرة وجبت تذكيته، وإن خرج ميتا حل أكله، سواء كانت الحياة قد ولجته أو لا، وإن لم يكن تاما لم يحل أكله، إلا أن يخرج حيا مستقر الحياة ويذكى، ولا يشترط عدم ولوج الحياة في اباحته. لنا: قوله تعالى: (احلت لكم بهيمة الأنعام) (3) وروي عن ابن عباس وغيره انها الأجنة (4). وما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن قول الله عز وجل: (احلت لكم بهيمة الأنعام)، قال: الجنين في بطن امه إذا أشعر أو أوبر فذكاته ذكاة امه، فذلك الذي عنى الله عز وجل (5). وقد رواه الصدوق (6) في الصحيح.

(1) المراسم: ص 210.
(2) السرائر: ج 3 ص 110.
(3) المائدة: 1.
(4) مجمع البيان: ج 3 - 4 ص 152.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 58 ح 244، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 270.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 328 ح 4175، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 270.

[ 311 ]

وكذا الشيخ في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ذبحت الذبيحة فوجدت في بطنها ولدا تاما فكل، وإن لم يكن تاما فلا تأكل (1). وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الحوار تذكى امه أيؤكل بذكاتها؟ فقال: إذا كان تاما ونبت عليه الشعر فكل (2). وروى الصدوق عن أبان، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - انه قال: في الذبيحة تذبح وفي بطنها ولد، قال: إن كان تاما فكله فان ذكاته ذكاة امه، وإن لم يكن تاما فلا تأكله (3). وروى الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ذبحت الذبيحة فوجدت في بطنها ولدا تاما فكل، وإن لم يكن تاما فلا تأكل (4). وفي الصحيح عن ابن مسكان، عن الباقر - عليه السلام - انه قال: في الذبيحة تذبح وفي بطنها ولد، قال: إن كان تاما فكله فان ذكاته ذكاة امه، وإن لم يكن تاما فلا تأكل (5).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 58 ح 242، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 4 ج 16 ص 270.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 59 ح 246، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 269.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 328 ح 4174، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 6 ج 16 ص 270.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 58 ح 242، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 4 ج 16 ص 270.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 58 ح 243، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 6 ج 16 ص 270، وفيهما: (عن ابن سنان).

[ 312 ]

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الحوار تذكى امه أيؤكل بذكاتها؟ فقال: إن كان تاما ونبت عليه الشعر فكل (1). وعمومات هذه الأخبار ينافي ما اشترطه الشيخ وابن ادريس من عدم ولوج الروح، ومع ذلك فانه لم يجز في العادة أن يكون قد أشعر أو أوبر ولم تلجه الروح.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 59 ح 246، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 269.

[ 313 ]

الفصل الرابع في ما يحل من الميتة ويحرم (1) من الذبيحة وحكم البيض والجلود مسألة: قال الشيخ في النهاية: يحرم من الابل والبقر والغنم وغيرها مما يحل أكله وإن كانت مذكاة: الدم والفرث والطحال والمرارة والمشيمة والفرج ظاهره وباطنه والقضيب والانثيان والنخاع والعلباء والغدد وذات (2) الأشاجع والحدق والخرزة تكون في الدماغ (3). وكذا قال ابن ادريس، وزاد فيه: المثانة، وهي موضع البول ومحقنه (4). وشيخنا المفيد - رحمه الله - قال: ولا يؤكل من الأنعام والوحوش الطحال، لأنه مجمع الدم الفاسد، ولا يؤكل القضيب والانثيان (5). ولم يتعرض لغيرها. وقال الصدوق: واعلم أن في الشاة عشرة أشياء (6) لا تؤكل: الفرث والدم والنخاع والطحال والغدد والقضيب والانثيان والرحم والحيا والأوداج، وروي

(1) في الطبعة الحجرية: وما يحرم.
(2) في الطبعة الحجرية وق 2: وذوات.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 95.
(4) السرائر: ج 3 ص 111.
(5) المقنعة: ص 582.
(6) في المصدر: ولا تأكل من الشاة عشرة أشياء.

[ 314 ]

العروق، وفي حديث آخر مكان (الحيا) ((الجلد) (1) (2). وقال سلار: ولا يؤكل الطحال ولا القضيب ولا الانثيان (3). ولم يتعرض لغيرها كشيخه المفيد. وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية تحريم أكل الطحال والقضيب والخصيتين والرحم والمثانة (4). وابن البراج (5) تابع شيخنا أبا جعفر، إلا أنه أسقط الدم لظهوره، فان تحريمه مستفاد من نص القرآن. وقال ابن الجنيد: ويكره من الشاة أكل الطحال والمثانة والغدد والنخاع والرحم والقضيب والانثيين. ولم ينص على التحريم، وإن كانت لفظة (يكره) قد يستعمل في المحرم أحيانا. وابن حمزة (6) تابع الشيخ في النهاية. وقال الشيخ في الخلاف: الطحال والقضيب (7) والخصيتان والرحم والمثانة والغدد والعلباء والخرزة تكون في الدماغ عندنا محرم (8) (9). ولم يتعرض فيه لغيرها. وجعل أبو الصلاح النخاع والعروق والمرارة وحبة الحدقة وخرزة الدماغ مكروها (10). والمشهور ما قاله الشيخ في النهاية، لاستخباثها، فتكون محرمة. ولما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث والدم والطحال والنخاع والعلباء

(1) وعبارة (وفي حديث آخر مكان الحيا الجلد) غير موجودة في المصدر.
(2) الهداية: ص 79.
(3) المراسم: ص 210.
(4) الانتصار: ص 197.
(5) المهذب: ج 2 ص 441.
(6) الوسيلة: ص 361.
(7) في المصدر: الطحال عندنا محرم والقضيب.
(8) في المصدر: يحرم.
(9) الخلاف: ج 6 ص 29 المسألة 30.
(10) الكافي في الفقه: ص 279.

[ 315 ]

والغدد والقضيب والانثيان والحيا والمرارة (1). وعن اسماعيل بن مرار عنهم - عليهم السلام - قال: لا يؤكل مما يكون في الابل والبقر والغنم وغير ذلك مما لحمه حلال الفرج بما فيه ظاهره وباطنه والقضيب والبيضتان والمشيمة - وهي موضع الولد والطحال، لأنه دم - والغدد مع العروق والنخع الذي يكون في الصلب والمرارة والحدق والخرزة التي تكون في الدماغ والدم (2). وهذه الأخبار لم يثبت عندي صحة رجالها، فالأقوى الاقتصار في التحريم على الطحال والدم والقضيب والفرث والانثيين والفرج والمثانة والمرارة والمشيمة والكراهة في الباقي، عملا بأصالة الاباحة، وبعمومات (قل لا أجد) (3) (احلت لكم بهيمة الأنعام)) (4) (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) (5). مسألة: سوغ الشيخ في النهاية (6) أكل اللبن إذا حلب بعد موت الدابة، وهو أيضا اختياره في كتابي الأخبار (7)، واختاره الصدوق في المقنع (8)، وشيخنا المفيد في المقنعة (9)، وابن حمزة (10).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 74 ح 316، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 4 ج 16 ص 360.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 75 ح 317 - 318، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 3 ج 16 ص 360، وفيهما: (والنخيع الذيي يكون). (3) الانعام: 145.
(4) المائدة: 1.
(5) الانعام: 118.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 96.
(7) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 77 ذيل الحديث 325، الاستبصار: ج 4 ص 89 ذيل الحديث 340.
(8) لم نعثر عليه في المقنع وعثرنا عليه في الهداية: ص 79.
(9) المقنعة: ص 583.
(10) الوسيلة: ص 362.

[ 316 ]

وجعله ابن البراج (1) مكروها. وقال ابن الجنيد: ولا خير في ما يعصر من حلمة الديس من اللبن بعد الموت. وقال سلار: ولا يؤكل ألبان الميتة التي توجد في ضروعها بعد الموت (2). وقال ابن ادريس: اللبن نجس بغير خلاف عند المحصلين من أصحابنا، لأنه مائع في ميتة ملامس لها. وما أورده شيخنا في نهايته رواية شاذة، مخالفة لاصول المذهب، لا يعضدها كتاب الله تعالى ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع (3). والمعتمد التحريم. لنا: انه نجس، لانفصاله رطبا عن محل نجس العين فانفعل بنجاسته، وكل نجس حرام. وما رواه الشيخ عن وهب بن وهب، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - انه سئل عن شاة ماتت فحلب منهالبن، فقال علي - عليه السلام - ذلك الحرام محضا (4). احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت، قال: لا بأس به، قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت، قال: لا بأس به (5).

(1) المهذب: ج 2 ص 441، ولم يذكر فيه الكراهية.
(2) المراسم: ص 211.
(3) السرائر: ج 3 ص 112. (4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 76 - 77 ح 325، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 11 ج 16 ص 367.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 76، ح 324، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب والأطعمة والأشربة ح 10 ج 16 ص 366.

[ 317 ]

وعن الحسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - وأبي يسأله عن السن (1) من الميتة والأنفحة من الميتة والبيضة من الميتة (2)، فقال: كل هذا ذكي (3). قال الشيخ: الخبر الأول رواه وهب بن وهب وهو ضعيف، وجاز أن يكون قد خرج مخرج التقية، لأنه مذهب العامة (4). والجواب: الحمل على ما إذا قاربت الشاة الموت جمعا بين الأدلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا جعل طحال في سفود مع اللحم ثم جعل في التنور فان كان مثقوبا وكان فوق اللحم لم يؤكل اللحم ولا ما كان تحته، وإن كان تحته أكل اللحم ولم يؤكل ما تحته، وإن لم يكن مثقوبا حل أكل جميع ما كان تحته (5). وكذا قال ابن البراج (6)، وابن ادريس (7). وقال الصدوق وأبوه: وإذا كان اللحم مع الطحال في سفود أكل اللحم إذا كان فوق الطحال، وإذا كان أسفل من الطحال لم يؤكل ويؤكل جوذابه (8)، لأن الطحال في حجاب ولا ينزل إلا أن يثقب، فان ثقب وسال منه لم يؤكل ما تحته من الجوذاب (9).

(1) في التهذيب: اللبن.
(2) ق 2 وم 3: والبيضة من الميتة واللبن من الميتة، وفي الطبعة الحجرية: واللبن من الميتة والبيضة.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 75 ح 320، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 4 ج 16 ص 365.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 77 ذيل الحديث 325.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 97.
(6) المهذب: ج 2 ص 442.
(7) السرائر: ج 3 ص 112.
(8) الجوذاب: طعام من سكر وارز ولحم (مجمع البحرين ج 2 ص 22). (9) المقنع: ص 143، وفيه: (ولا ينزل منه إلا أن).

[ 318 ]

وقال ابن حمزة: وإن جعل سمكة مما يؤكل مع اخرى مما لا يؤكل في سفود وما يؤكل فوق ما لا يؤكل حل، وان كان تحته لم يحل، وحكم اللحم والطحال كذلك، وإن جعل تحت الطحال مثقوبا جوذاب حرم وغير مثقوب لم يحرم. وروي ان حكم اللحم والطحال كذلك (1). والمعتمد اختيار الشيخ. والرواية التي وردت في ذلك عن عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - سئل عن الطحال أيحل أكله؟ قال: لا تأكله فهو دم، قلت: فان كان الطحال في سفود مع لحم وتحته خبز - وهو الجوذاب - أيؤكل ما تحته؟ قال: نعم يؤكل اللحم والجوذاب ويرمى الطحال، لأن الطحال في حجاب لا يسيل منه، فان كان الطحال مشقوقا أو مثقوبا فلا تأكل مما يسيل عليه الطحال (2). وهذه الرواية لا بأس بالعمل بها، لتضمنها الأصل. تذنيب: قال شيخنا علي بن بابويه وولده الصدوق: وإن جعلت سمكة يجوز أكلها مع جري أو غيره مما لا يجوز أكله في سفود أكلت التي لها فلس إذا كانت في السفود فوق الجري وفوق الذي لا يؤكل، فان كانت السمكة أسفل من الجري لم يؤكل (3). وكذا قال ابن حمزة (4)، لما رواه عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - وسئل عن الجري يكون في السفود مع السمك، قال: يؤكل ما كان فوق الجري ويرمى بما سال عليه الجري (5). وهذه الرواية ضعيفة

(1) الوسيلة: ص 362.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 81 ص 345، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 379 - 380.
(3) المقنع: ص 143، وفيه: (وفوق التي لا تؤكل).
(4) الوسيلة: ص 362.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 81 ذيل الحديث 345، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 379.

[ 319 ]

السند، ولم يعتبر باقي علمائنا ذلك. والوجه الاباحة مطلقا، إلا أن يكون الفوقاني مما ينفعل السمكة عنه بالنجاسة بأن يكون ذا نفس سائلة غير مذكى، أما الجري وشبهه مما لا نفس له سائله فالوجه عندي الجواز، عملا بالأصل السالم عن المعارض. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اختلط اللحم الذكي (1) بالميتة ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها لم يحل له أكل شئ منه وبيع على مستحل الميتة (2). وتبعه ابن حمزة (3). وقال ابن البراج: إذا اختلط لحم ذكي بميتة ولم يمكن تمييزه لم يحل أكل (4) شئ منه، وقد قيل: إنه يجوز بيعه على مستحلي الميتة. والأحوط ترك بيعه (5). و قال ابن ادريس: لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به، وقد روى انه يباع على مستحل الميتة، والأولى اطراح هذه الرواية وترك العمل بها، لأنها مخالفة لاصول مذهبنا، ولأن الرسول - عليه السلام - قال: (ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) (6). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: انه في الحقيقة ليس بيعا، بل هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه فكان سائغا.

(1) في الطبعة الحجرية، ق 2: المذكى.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 97 - 98.
(3) الوسيلة: ص 362.
(4) في الطبعة الحجرية: ولم يمكن تمييزه منها لم يحل له أكل.
(5) المهذب: ج 2 ص 441 - 442.
(6) السرائر: ج 3 ص 113.

[ 320 ]

وما رواه محمد بن يعقوب، عن الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر فكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة ثم إن الميتة والمذكى (1) اختلطا كيف يصنع به؟ قال: يبيعه ممن يستحل الميتة فانه لا بأس به (2) (3). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة (4). والجواب عن قول ابن ادريس ما تقدم من انه: ليس بيعا محققا بل اطلق عليه اسم البيع، لمشابهته له في بذل مال في مقابله عوض. سلمنا، لكن يصرف فيه البيع إلى المذكى (5). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك رمقه ولا يتملأ منه، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا والعادي الذي يخرج لقطع الطريق لا يحل لهما أكل الميتة وإن اضطرا إليه (6). وتبعه ابن البراج (7). وقال في المبسوط: انها حلال للمضطر ولمن (8) هو في معناه، وهو من يخاف

(1) في الوسائل: ان الميتة والذكي، ق 2 وم 3: ان الميت والذكي.
(2) في المصدر: يستحل الميتة ويأكل ثمنه فلا بأس به.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 47 ح 198، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 370.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 48 ح 199، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 370، وفيهما: (يستحل الميتة وأكل ثمنه). (5) في الطبعة الحجرية: يصرف فيه البيع الى بيع المذكى.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 98 - 99.
(7) المهذب: ج 2 ص 442.
(8) في المصدر: للمضطر فانها حلال له ولمن.

[ 321 ]

المرض إن ترك أكلها أو كان ماشيا في سفر متى لم يأكل ضعف وانقطع عن الرفقة أو كان راكبا متى لم يأكل ضعف عن الركوب وانقطع عن الرفقة (1) فانه يحل له (2) أكلها (3). وقال ابن حمزة: المضطر من يخاف التلف وما هو في حكم التلف وهو أربعة أشياء: المرض بترك الأكل، والضعف عن المشي للمسافر ماشيا وعن الركوب للمسافر راكبا، والتبقية (4) بالأكل فابيح له قدر ما يمسك (5) به الرمق دون الشبع ما لم يكن باغيا ولا عاديا، فالباغي على ثلاثة أوجه (6): من خرج على إمام عادل (7) أو طلب الصيد لهوا وبطرا، والعادي من يقطع الطريق (8). وقال ابن ادريس: لا يجوز أن يأكل الميتة إلا إذا خاف تلف النفس، فإذا خاف ذلك أكل منها ما يمسك به رمقه وهو بقية الحياة، ولا يجوز له الامتلاء منها، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا، وقال بعض أصحابنا: الباغي هو الذي يبغي على امام المسلمين والعادي الذي يقطع الطريق لم يحل لهما أكل الميتة وإن اضطرا إليها، لقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (9). والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية: لدلالة الآية (10) عليه. وقد روى الشيخ عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعفر الجواد - عليه السلام - إلى أن قال: - فقلت: يا ابن رسول الله متى تحل للمضطر الميتة؟ فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - ان رسول الله - صلى الله

(1) عبارة (وانقطع عن الرفقة) غير موجودة في المصدر.
(2) ليس في المصدر.
(3) المبسوط: ج 6 ص 284 - 285.
(4) في المصدر: و التقية.
(5) في المصدر: ما يسد.
(6) في المصدر: أضرب. (7) في المصدر: عدل.
(8) الوسيلة: ج 2 ص 363 - 364.
(9) السرائر: ج 3 ص 113.
(10) البقرة: 173.

[ 322 ]

عليه وآله - سئل فقيل: يا رسول الله انا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفوا بقلا فشأنكم بهذا. قال عبد العظيم: فقلت له: يا ابن رسول الله فما معنى قوله عز وجل: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد)؟ قال: العادي السارق والباغي الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا لا ليعود به على عياله ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما [ في حال الاضطرار، كما هي حرام عليهما في حال الاختيار ]، وليس لهما أن يقصرا في الصوم ولا صلاة في سفر (1). مسألة: قال شيخنا المفيد: ويؤكل من بيض السمك ما كان خشنا ويجتنب منه الأملس والمنماع (2). وقال سلار: بيض السمك على ضربين: خشن وأملس، فالأول حل، والثاني حرام (3). وكذا قال ابن حمزة (4). وقال ابن ادريس: وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن بيض السمك ما كان منه خشنا فانه يؤكل ويجتنب الأملس والمنماع، ولا دليل على صحة هذا القول من كتاب ولا سنة ولا اجماع، ولا خلاف ان جميع ما في بطن السمك طاهر، ولو كان ذلك صحيحا لما حلت الضجباة (5) (6). والمعتمد الاباحة، لعموم قوله تعالى: ((احل لكم صيد البحر وطعامه) (7) ولم يبلغنا في الأحاديث المعول عليها ما ينافي هذا العموم فوجب المصير إليه.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 83 - 84 ح 354، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 388.
(2) المقنعة: ص 576.
(3) المراسم: ص 207، وفيه: (والثاني، محرم).
(4) الوسيلة: ص 355.
(5) ق 2، م 3: الصحناة، وفي الطبعة الحجرية: الضجناة. (6) السرائر: ج 3 ص 113.
(7) المائدة: 96.

[ 323 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: شعر الخنزير لا يجوز استعماله مع الاختيار، فان اضطر إلى استعماله فليستعمل منه ما لم يكن بقي فيه دسم، ويغسل يده عنده حضور الصلاة (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس شعر الخنزير لا يجوز للانسان استعماله مع الاختيار، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وإن كان قد ذهب منهم قوم إلى جواز استعماله وتمسك بأنه لا تحله الحياة إلا أن أخبارنا متواترة عن الأئمة الأطهار بتحريم استعماله، والاحتياط يقتضي ذلك، فان اضطر إلى استعماله فليستعمل منه ما لم يكن فيه دسم بأن يتركه في فخار ويجعله في النار، فإذا ذهب دسمه استعمله عند الضرورة والحاجة إليه، ويغسل يده عند حضور الصلاة على ما وردت الأخبار بذلك (3). وهو موافق لما أفتى به شيخنا - رحمه الله -. والمعتمد جواز استعماله مطلقا، ونجاسته لا تعارض الانتفاع به، لما فيه من المنفعة العاجلة الخالية من ضرر عاجل أو آجل فيكون سائغا. عملا بالأصل السالم عن معارضة دليل عقلي أو نقلي في ذلك. فقد روى الشيخ - رحمه الله - عن برد الأسكاف، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: إني رجل خزاز لا يستقيم عملنا إلا بشعر الخنزير لنخزز به، قال: خذ منه وبرة فاجعلها في فخارة ثم أوقد تحتها حتى يذهب دسمه ثم أعمل به (4).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 101.
(2) المهذب: ج 2 ص 443.
(3) السرائر: ج 3 ص 114 - 115.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 84 - 85 ح 355، وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 404.

[ 324 ]

وعن برد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: جعلت فداك إنا نعمل بشعر الخنزير فربما نسى الرجل فصلى وفي يده شئ منه، قال: لا ينبغي له أن يصلي وفي يده منه شئ، وقال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به، وما لم يكن له دسم فاعملوا به واغسلوا أيديكم منه (1). وعن سليمان الأسكاف، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شعر الخنزير يخزز به، قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلي (2). وأما القول بطهارته فشئ ذهب إليه سيدنا المرتضى (3) وقد تقدم البحث فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ويجوز أن يعمل من جلود الميتة دلو يستقى به الماء لغير الوضوء والصلاة والشرب، وتجنبه أفصل (4). وجعله ابن ادريس رواية (5). وقال ابن حمزة: جلود ميتة لا يجوز استعمالها ولا التصرف فيها (6). وقال ابن البراج: وإن كان جلد ميتة لم يجز استعماله على وجه من الوجوه، لا قبل الدباغ ولا بعده (7). ثم قال: ولا يجوز أن يعمل دلو من جلود الميتة ولا استعماله في الماء، وقد ذكر جواز ذلك فيما عدا الشرب والطهارة، والأحوط ترك استعماله في ذلك

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 85 ح 356، وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 404.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 85 ح 257، وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 3 ج 16 ص 404.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 218 المسألة 9 س 16.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 101.
(5) السرائر: ج 3 ص 115.
(6) الوسيلة: ص 362.
(7) المهذب: ج 2 ص 443.

[ 325 ]

وفي غيره (1). وهو الأقرب. لنا: قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (2) وتحريم الأعيان غير ممكن، وأقرب مجازاتها جميع المنافع والتصرفات فيحمل عليه، والأخبار (3) الدالة على المنع من استعماله جلد الميتة. واحتج الشيخ بالأصل، وهو ممنوع، للخروج عنه بالآية. تذنيب: قال الصدوق في المقنع: ولا بأس أن تجعل جلد الخنزير دلوا يستقى به الماء (4). وهو مشكل، لأنه لا يقع عليه الذكاة، فهو جلد ميتة فيندرج تحت النهي. مسألة: قال الشيخ في النهاية: جلد ما يؤكل لحمه مع التذكية يجوز استعماله قبل الدباغ وبعده وما لم يذك لا يجوز استعماله قبل الدباغ ولا بعده، وما لا يؤكل لحمه ضربان: ضرب منه لا يجوز استعماله لا قبل الذكاة ولا بعدها، دبغ أو لم يدبغ، وهو جلد الكلب والخنزير. والثاني يجوز استعماله إذا ذكي ودبغ إلا في الصلاة، وهي جلود السباع كلها مثل: النمر والذئب والفهد والسبع والسمور والسنجاب والأرنب وما أشبه ذلك من السباع والبهائم، وقد رويت رخصة في جواز الصلاة في السمور والسنجاب والفنك، والأصل ما قدمناه (5). وقال المفيد: ولا يؤكل الأرنب فانه مسخ نجس (6). وهو يعطي نجاسة المسوخ.

(1) المهذب: ج 2 ص 442. (2) المائدة: 3.
(3) ق 2: وللاخبار.
(4) المقنع: ص 141 وفيه: (واياك ان تجعل).
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 99 - 101، مع اختلاف.
(6) المقنعة: ص 578.

[ 326 ]

وقال الشيخ في الخلاف: الحيوان ضربان: طاهر ونجس، فالطاهر: النعم بلا خلاف وما جرى مجراها من البهائم (1) والصيد، والنجس: الكلب والخنزير والمسوخ كلها (2). ثم قال أيضا: القرد نجس حرام أكله (3). وهو يدل على انه حكم بنجاسة المسوخ أيضا. وقال ابن البراج: وأما الجلود فان كان (4) منها مما يؤكل لحمه وكان مذكى فانه يجوز استعماله في اللباس والصلاة وغير ذلك قبل الدباغ وبعده إذا لم يكن عليه نجاسة ولا أثر دم، وإن كان ميتة لم يجز استعماله على وجه من الوجوه لا قبل الدباغ ولا بعده، وإن كان مما لا يؤكل لحمه وكان كلبا أو خنزيرا فلا يجوز استعماله لا قبل الذكاة ولا بعدها دبغ أو لم يدبغ على كل حال، وإن كان جلد فهو أو نمر أو ذئب أو أرنب أو سبع أو ثعلب أو سنجاب أو سمور أو غير ذلك من السباع والبهائم فانه يجوز استعماله إذا كان مذكى ودبغ إلا في الصلاة، وما كان من هذه الجلود غير مذكى فانه لا يجوز استعماله (5). وقال ابن حمزة: الجلود ثلاثة: فجلود الميتة لا يجوز استعمالها ولا التصرف فيها. وجلود المأكول لحمه المذكى ويجوز استعمالها والصلاة فيها. والجلود المذكاة من السباع يجوز استعمالها والتصرف فيها بالبيع والشراء دون الصلاة

(1) في الطبعة الحجرية وم 3: بلا خلاف من البهائم.
(2) الخلاف: ج 6 ص 73 المسألة 2.
(3) الخلاف: ج 6 ص 82 المسألة 12.
(4) في المصدر: فان ما كان.
(5) المهذب: ج 2 ص 442 - 443، وليس فيه: (وما كان من هذه الجلود غير مذكى).

[ 327 ]

إذا كانت مدبوغة، وجلود غير السباع مما لا يؤكل لحمه وهي في حكم الميتة على كل حال (1). والمعتمد ان جلد كل نجس العين لا يجوز استعماله ولا يقبل الذكاة، وكذا جلد الانسان وما عداه من السباع وغيرها فانه لا يجوز استعماله في غير الصلاة مع التذكية والدباغ، ومأكول اللحم يجوز الصلاة في جلده مع التذكية، هذا هو المشهور الذي استقر المذهب عليه وقد سلف.

(1) الوسيلة: ص 362، مع اختلاف.

[ 328 ]

الفصل الخامس في الأطعمة والأشربة مسألة: قال الشيخ في النهاية: القدر إذا كانت تغلى على النار فان حصل فيها شئ من الدم وكان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم، وإن كان كثيرا لم يجز أكل ما وقع فيه (1). فاعتبر الشيخ القلة. وأما شيخنا المفيد قال: وإن وقع دم في قدر تغلى على النار جاز أكل ما فيها بعد زوال عين الدم وتفرقها بالنار، وإن لم تزل عين الدم منها حرم ما خالطه الدم وحل منها ما أمكن غسله بالماء (2). ولم يعتبر القلة، وكذا سلار (3). وأبو الصلاح أطلق القول بتحريم كل طعام شيب بشئ من المحرمات أو النجاسات (4). وقال ابن البراج: فان وقع فيها دم وكان قليلا وغلى جاز أكل ما فيها بعد أن يغلى، فان كان كثيرا لم يجز أكل شئ منها، وقيل: إن هذا انما جاز في الدم بغير غسل اللحم، لأن النار تحيل (5) الدم، ولأن اللحم لا يكاد يعرى منه وقد

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 104 - 105.
(2) المقنعة: ص 582.
(3) المراسم: ص 210.
(4) الكافي في الفقه - ص 278.
(5) في المصدر: تحمل.

[ 329 ]

جاز أكله بعد الغسل، مع انه كذلك قال: والأحوط عندي في الوجهين جميعا ألا يؤكل من ذلك شئ (1). وقال ابن ادريس: ما ذكره شيخنا في نهايته رواية شاذة مخالفة لاصول المذهب أوردها في كتابه ايرادا، ولا يرجع عن الأدلة القاهرة بمثلها (2). قوله: (إن كان قليلا ثم غلى جاز أكل ما فيها، لأن النار تحيل الدم). قول عجيب، هب ان النار أحالته، المائع الذي وقع فيه أليس قد نجسه وقت وقوعه فيه؟! والنار لعمري ما أذهبت جميع المرق، وما عهدنا ولا ذهب أحد من أصحابنا إلى أن المائع النجس بالغليان يطهر، إلا ما خرج بالدليل من العصير إذا ذهب بالنار والغيلان ثلثاه فقد طهر وحل الثلث الباقي (3). والمعتمد انه لا يحل أكل اللحم والتوابل حتى يغسل. لنا: انه نجس بملاقاة النجاسة له، فلا يطهر بدون الغسل، كغيره من الأعيان النجسة بالمجاورة. احتج الشيخ بما رواه سعيد الأعرج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قدر فيها جزور (4) وقع فيها قدر (5) أوقية من دم أيؤكل (6)؟ قال: نعم فان النار تأكل الدم (7).

(1) المهذب: ج 2 ص 431 - 432.
(2) في المصدر: إلا بمثلها.
(3) السرائر: ج 3 ص 120 - 121.
(4) في المصدر: لحم جزور.
(5) ليس في الفقية.
(6) في المصدر: أيؤكل منها.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 342 ح 4211، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 376.

[ 330 ]

وعن زكريا بن آدم قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم. ومرق كثير، قال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب واللحم اغسله وكله، قلت: فان قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار إن شاء الله (1). والجواب: حمل الدم على ما ليس بنجس كدم السمك وشبهه، ومنع صحة السند، فان سعيد الأعرج لا أعرف حاله، والاحتجاج به يتوقف على معرفة عدالته. وفي طريق الثاني محمد بن موسى، فان كان هو ابن عيسى أبو جعفر السمان فقد طعن القميون فيه وتكلموا فأكثروا (2)، قاله ابن الغضائري (3). وقال النجاشي: محمد بن موسى بن عيسى أبو جعفر الهمداني السمان ضعفه القميون بالغلو، وكان ابن الوليد يقول: إنه كان يضع الحديث (4). فسقط الاستدلال بالخبرين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كانت القدر تغلى على النار فوقع فيها شئ من الخمر اهريق ما فيها من المرق وغسل اللحم واكل بعد ذلك (5). وقال ابن البراج: إذا كانت قدر على نار وهي تغلى فوقع فيها خمر وكان قليلا فانه يهراق ما فيها، ويجوز غسل اللحم وأكله بعد ذلك وإن كان كثيرا. فانه يهراق ما فيها ولا يؤكل شئ منه. والأحوط في الوجهين جميعا ألا يؤكل من ذلك شئ على وجه (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 119 ح 512، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب النجاسات ح 8 ج 2 ص 1056.
(2) في الطبعة الحجرية: فأكثروا فيه.
(3) مجمع الرجال: ج 6 ص 59.
(4) رجال النجاشي: ص 338.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 104.
(6) المهذب: ح 2 ص 431.

[ 331 ]

والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: انه محل قابل للتطهير بالغسل فيطهر بغسله، ويزول المانع من تناوله حينئذ، وما تقدم في الخبر الثاني الذي ذكرناه في المسألة السابقة. احتج بمفهوم قول السائل عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر. والجواب: دلالة المفهوم ضعيفة. مسألة: الدهن إذا وقعت فيه نجاسة جاز الاستصباح به تحت السماء ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، قاله الشيخان (1)، وابن البراج (2). وقال الشيخ في الخلاف: إذا جاز الاستصباح به فان دخانه يكون طاهرا ولا يكون نجسا، لأن الأصل الطهارة وبراءة الذمة والحكم بالنجاسة، وشغل الذمة يحتاج إلى دليل (3). وقال في المبسوط: الأدهان إذا ماتت فيها فارة نجس ويجوز عندنا وعند جماعة الاستصباح به في السراج، ولا يؤكل ولا ينتفع به إلا في الاستصباح، وفيه خلاف. وروى أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدل على ان دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه. فأما دخانه ودخان كل نجس من العذرة وجلود الميتة - كالسرجين والبعر وعظام الميتة - عندنا ليس بنجس. وأما ما يقطع بنجاسته قال قوم: دخانه نجس، وهو الذي دل عليه الخبر الذي قدمناه من رواية أصحابنا، وقال آخرون - وهو الأقوى -: انه ليس بنجس (4).

(1) المقنعة: ص 582، النهاية ونكتها: ج 3 ص 105.
(2) المهذب: ج 2 ص 432.
(3) الخلاف: ج 6 ص 93 المسألة 20، مع اختلاف. (4) المبسوط: ج 6 ص 283، مع اختلاف.

[ 332 ]

وابن الجنيد أطلق وقال: وإن مات في مائع لم يؤكل وانتفع به في استصباح. وقال ابن ادريس: يجوز الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لأن دخانه نجس، بل تعبد تعبدنا به، لأن دخان الأعيان النجسة ورمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا. ثم نقل كلام شيخنا في المبسوط ثم قال: ما ذهب أحد من أصحابنا إلى أن الاستصباح به تحت الظلال مكروه بل محظور بغير خلاف بينهم، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه إلا ما ذكره هنا، فالآخذ بقوله وقول أصحابه، أولى من الأخذ بقوله المفرد عن أقوال أصحابنا (1). وهذا الرد على شيخنا جهل منه وسخف، فان الشيخ - رحمه الله - أعرف بأقوال علمائنا، والمسائل الاجماعية والخلافية والروايات الواردة هنا في التهذيب مطلقة غير مقيدة بالسماء. روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، فقال: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، وأما زيت فيستصبح به، وقال في بيع ذلك الزيت: تبيعه وتبينه لمن اشتراه ليستصبح به (2). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي، وإن كان ذائبا

(1) السرائر: ج 3 ص 121 و 122.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 85 ح 359، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 و 2 ج 16 ص 374، مع اختلاف.

[ 333 ]

فلا تأكله واستصبح به: والزيت مثل ذلك (1). وكذا باقي الأحاديث (2). إذا عرفت هذا فنقول: لا استبعاد فيها قاله شيخنا في المبسوط من نجاسة دخان الدهن النجس، لبعد استحالته كله، بل ولا بد وإن يتصاعد من أجزائه قبل إحالة النار لها بسبب السخونة المكتسبة من النار إلى أن يلقى الظلال فيتأثر بنجاسته، ولهذا منعوا من الاستصباح به تحت الظلال، فإن ثبوت هذا القيد مع طهارته مما لا يجتمعان، لكن الأولى الجواز مطلقا، للأحاديث، ما لم يعلم أو يظن بقاء شئ من أعيان الدهن، فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز استعمال أواني شرب المسكر إلا بعد أن يغسل بالماء ثلاث مرات وتجفف (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: ليس على وجوب التجفيف دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأما غسلها ثلاث مرات فبعض أصحابنا يوجبه، وبعض منهم لا يرى ولا يراعي عددا في المغسول إلا في الولوغ خاصة. وروي رواية انها تغسل سبع مرات (5). وقول الشيخ ليس بعيدا من الصواب، لأن الماء الذي يغسل به النجاسة نجس بعد انفصاله عن المحل، فاعتبر التجفيف، وأن كان الوجه ما قاله ابن ادريس.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 85 - 86 ح 360، وسائل الشيعة: ب 43، من أبواب الأطعمة والأشربة ح 3 ج 16 ص 374 - 375.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 86 ح 361 و 362، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب الأطعمة والأشربة ج 16 ص 374 - 375.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 106.
(4) المهذب: ج 2 ص 432.
(5) السرائر: ج 3 ص 122 - 123.

[ 334 ]

مسألة: أواني الذهب والفضة تحرم الأكل والشرب فيها اجماعا للرجال والنساء، ولا يحرم المأكول. ونقل ابن ادريس (1) عن شيخنا المفيد في بعض كلامه انه حرم المأكول، ولم أظفر به. نعم كلام أبي الصلاح (2) يوهمه. والمعتمد الأول: للأصل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أن يدعو الانسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، فإذا دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء (3). وقال شيخنا المفيد: لا يجوز موآكلة المجوس (4). وقال ابن البراج الأكل والشرب مع الكفار (5). وقال ابن ادريس: قول شيخنا في النهاية رواية شاذة أوردها شيخنا في نهايته ايرادا لا اعتقادا، وهذه الرواية لا يلتفت إليها ولا يعرج عليها، لأنها مخالفة لاصول المذهب، لأنا قد بينا بغير خلاف بيننا ان سؤر الكفار نجس ينجس المائع بمباشرته، وأيضا الاجماع على خلافها. قال السيد المرتضى في انتصاره: مما انفردت به الامامية ان كل طعام عالجه الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ممن ثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، وخالفنا باقي الفقهاء في ذلك (6). والمعتمد ما اختاره ابن ادريس. لنا: انهم أنجاس فينفعل ما باشروه برطوبة من الأطعمة. وما رواه علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن

(1) السرائر: ج 3 ص 123.
(2) الكافي في الفقه: ص 278.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 107. (4) المقنعة: ص 581.
(5) المهذب: ج 2 ص 432.
(6) السرائر: ج 3 ص 123 - 124.

[ 335 ]

مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة وأرقد معه على فراش واحد واصافحه؟ فقال: لا (1). وسأل هارون بن خارجة الصادق - عليه السلام - فقال: اني اخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ قال: لا (2). احتج الشيخ بما رواه عيص بن القاسم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن موآكلة اليهودي والنصراني، فقال: لا بأس إذا كان من طعامك، وسألته عن موآكلة المجوسي، فقال: إذا توضأ فلا بأس (3). والجواب: الحمل على ما إذا كان الطعام مما لا ينفعل بالملاقاة، كالفواكة اليابسة والثمار كذلك والحبوب، لما رواه سماعة انه سأل الصادق - عليه السلام - عن طعام أهل الكتاب ما يحل منه؟ قال: الحبوب (4). مسألة: أكل الطين حرام إلا اليسير من طين قبر الحسين - عليه السلام - للاستشفاء به. قال ابن ادريس: ولا يجوز الاكثار منه ولا الافطار عليه يوم عيد الفطر، على ما ذهب إليه شيخنا في مصباحه، إلا أنه عاد عنه في نهايته فانه قال: ولا يجوز أكل شئ من الطين على اختلاف أجناسه إلا طين قبر الحسين - عليه

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 87 ح 366، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 382.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 87 ح 367، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 2 ج 16 ص 382.
(3) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 88 ح 373، وسائل الشيعة: ب 53 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 4 ج 16 ص 384.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 88 ح 375، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب الأطعمة والأشربة ح 1 ج 16 ص 381.

[ 336 ]

السلام - فانه يجوز أن يؤكل منه اليسير، للاستشفاء به (1). وقول ابن ادريس لا بأس به، لعموم النهي عن أكل الطين مطلقا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يأكل من بيت من ذكره الله تعالى في قوله: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا... الآية) بغير اذنه، ولا يجوز أن يحمل منه شئ ولا إفساده (2). وقال ابن ادريس: ولا بأس أن يأكل الانسان من بيت من ذكره الله تعالى في قوله: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا... الآية) بغير اذنه إذا دخل البيت باذنه، سواء كان المأكول مما يخشى عليه الفساد أو لا يخشى ذلك عليه ما لم ينهه عن الأكل، وذهب بعض أصحابنا إلى انه لا يأكل إلا ما يخشى عليه الفساد. قال: والأول هو الظاهر (3). والمعتمد قول الشيخ: لا طلاق الروايات الدالة على جواز الأكل من غير اشتراط اذن الدخول، نعم يكفي البناء على الظاهر من حسن ظنه به، ولا يشترط الاذن نطقا حينئذ. وأما تخصيص ما يخشى عليه الفساد بالجواز - كما نقله عن بعض أصحابنا - فلا دليل عليه، فالأولى العمل بالاطلاق في الاذن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا بأس بان يستشفى بأبوال الابل (4). وقال السيد المرتضى: مما ظن انفراد الامامية به القول: بتحليل شرب أبوال الابل وكل ما أكل لحمه من البهائم إما للتداوي أو غيره، واستدل بالاجماع وبأصالة اباحة ما يؤكل أو يشرب (5).

(1) السرائر: ج 3 ص 124.
(2) النها ية ونكتها: ج 3 ص 107 - 108.
(3) السرائر: ج 3 ص 124.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 108.
(5) الانتصار: ص 201.

[ 337 ]

وقال ابن الجنيد: ولا بأس بشرب بول ما أكل لحمه وما يتولد منه من غير لقاح. وقال ابن ادريس: لا بأس بشرب أبوال الابل، وكل ما أكل لحمه من البهائم إما للتداوي أو غيره، وذكر الشيخ للابل ليس دليلا (1) على أن غيرها لا يجوز (2) الاستشفاء به ولا يجوز شربه، لأنا بلا خلاف بيننا ان أبوال ما يؤكل لحمه طاهرة غير نجسة (3). وهذا الكلام يعطي تجويز شرب أبوال كل مأكول اللحم للاستشفاء وغيره. وقال ابن حمزة: لا يجوز: شرب دماء الحيوانات ولا أبوالها مختارا، إلا أبوال الابل فانه يجوز شربه للاستشفاء (4) وهو المعتمد. لنا: انها مستخبثة، فلا يجوز تناولها كغيرها من الأشياء المستخبثة المحرمة، وطهارتها لا يدل على جواز شربها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا اضطر إلى طعام الغير لم يجب على الغير إعطاؤه، لأصالة براءة الذمة (5). وتبعه ابن ادريس (6). وقال في المبسوط: يجب على صاحب الطعام بذله، لقوله - عليه السلام -: " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله " (7). وقوله في المبسوط أقوى عندي، لما فيه من حفظ نفس الغير مع القدرة عليه وانتفاء الضرر.

(1) في المصدر: أو غيره وليس ذكره لها دليلا.
(2) في المصدر: ولا يجوز.
(3) السرائر: ج 3 ص 125.
(4) الوسيلة: ص 364.
(5) الخلاف: ج 6 ص 95 المسألة 24.
(6) السرائر: ج 3 ص 126.
(7) المبسوط: ج 6 ص 285.

[ 338 ]

تذنيب: قال في المبسوط: إذا امتنع صاحب الطعام من بذله إلا بأزيد من ثمن مثله فان كان المضطر قادرا على قتاله قاتله، فان قتل المضطر كان مظلوما مضمونا، وإن قتل المالك كان هدرا، وإن لم يكن قادرا على قتاله أو قدر فتركه حذرا من إراقة الدماء فان قدر على أن يحتال عليه ويشتريه منه بعقد فاسد حتى لا يلزمه إلا ثمن مثله فعله، فان لم يقدر إلا على العقد الصحيح فاشتراه بأكثر من ثمن مثله قال قوم: يلزمه الثمن، لأنه باختياره بذل، وقال آخرون: لا يلزمه الزيادة على ثمن المثل، لأنه مضطر إلى بذلها فكان كالمكره عليها، وهو الأقوى عندنا (1). والمعتمد أن نقول: إن تمكن المضطر من شرائه بثمن يقدر عليه وجب عليه الشراء، سواء كان من ثمن المثل (2) أو لا: لاندفاع الضرورة حينئذ بالقدرة على الثمن، وإن لم يتمكن كان له القتال، كما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اضطر المحرم إلى أكل الميتة والصيد أكل الصيد وفداه ولا يأكل الميتة، فان لم يتمكن من الفداء جاز له أن يأكل الميتة (3)، وأطلق. وقال في المبسوط: إذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم فعندنا يأكل الميتة، لأنه إن ذبح الصيد كان حكمه حكم الميتة، وإن وجده مذبوحا أكل الصيد وفداه ولا يأكل الميتة، وقال بعضهم: يأكل الميتة بكل حال، وقال آخرون: يأكل الصيد ويذبحه ويفديه (4). وقال في الخلاف: إذا وجد المضطر ميتة (5) وصيدا حيا وهو محرم اختلفت

(1) المبسوط: ج 6 ص 286 مع اختلاف. (2) في الطبعة الحجرية: سواء كان أكثر عن ثمن المثل.
(3) النهاية ونكتها: ج 1 ص 494.
(4) المبسوط: ج 6 ص 287.
(5) في المصدر: ميتا.

[ 339 ]

أحاديث أصحابنا فيها على وجهين: أحدهما: أنه يأكل الصيد ويفدي ولا يأكل الميتة، والوجه الآخر: يأكل الميتة. ثم قال: دليلنا على ذلك: ان الصيد إذا قتله وأكله فيكون (1) أكل ماله طيبا، وأيضا أكثر أصحابنا على ذلك وأكثر رواياتهم. وإذا قلنا: بالرواية الاخرى - وهو الأصح عندي - (ان الصيد إن كان حيا فذبحه المحرم كان حكمه حكم الميتة ويلزمه الفداء) فان أكل (2) الميتة أولى من غير أن يلزمه فداء. والرواية الاخرى نحملها على من وجد الصيد مذبوحا (3)، فان الأولى أن يأكله ويفدي ولا يأكل الميتة (4). وابن ادريس (5) اختار التفصيل الذي ذكره في الخلاف، ولا بأس به، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا اضطر الى شرب الخمر للعطش أو الجوع أو التداوي فالظاهر انه لا يبيحها أصلا، وقد روي انه يجوز عند الاضطرار إلى الشرب أن يشرب فأما الأكل والتداوي فلا، وبهذا التفصيل قال أصحاب الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة يحل للمضطر إلى الطعام والشراب ويحل للتداوي به. ثم استدل باجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا طريقة الاحتياط يقتضي ذلك، وأيضا تحريم الخمر معلوم ضرورة واباحتها في موضع يحتاج إلى دليل، وما قلناه مجمع عليه، وليس على ما قالوه دليل (6). وقال في المبسوط: إن وجد المضطر بولا وخمرا شرب البول دون الخمر، لأن البول لا يكسر ولا حد في شربه، فان لم يجد إلا الخمر فالمنصوص لأصحابنا انه لا سبيل لأحد إلى شربها، سواء كان مضطرا إلى الأكل والشرب أو التداوي،

(1) في المصدر: وأكله فداه فيكون.
(2) في المصدر: يأكل.
(3) في المصدر: وجد لحم مذبوحا.
(4) الخلاف: ج 6 ص 95 المسألة 25. (5) السرائر: ج 3 ص 126.
(6) الخلاف: ج 6 ص 97 المسألة 27.

[ 340 ]

وبه قال جماعة، وقال بعضهم: إن كانت الضرورة العطش حل له شربها ليدفع العطش عن نفسه، وقال بعضهم: يحل للمضطر إلى الطعام والشراب ويحل التداوي بها، ويجوز على ما روي في بعض أخبارنا عند الضرورة التداوي به للعين دون الشرب (1). وقال ابن البراج: ومن خاف على نفسه من العطش جاز له أن يشرب من الخمر أو المسكر مقدار ما يمسك رمقه، وإذا كان في الدواء شئ من المسكر لم يجز التداوي به، إلا ألا يكون له عنه مندوحة، والأحوط تركه (2). وقال ابن ادريس. إذا اضطر إلى شرب الخمر للعطش فله شربه، فان اضطر إليه للتداوي أو الجوع فلا يجوز له تناوله بحال لا للتداوي ولا لغيرها (3)، لما روي انه ما جعل شفاء في محرم (4). ثم قال في باب الأشربة: قال شيخنا في نهايته: لا يجوز أن يتداوي بشئ من الأدوية وفيها شئ مسكر (5) وله عنه مندوحة، فان اضطر إلى ذلك جاز أن يتداوى به للعين، ولا يجوز شربه (6) إلا عند خوفه من العطش. قال: وقد قلنا: إنه لا يجوز له التداوي للعين ولا لغيرها (7)، وانما هذا خبر واحد من شواذ أخبار الآحاد أورده ايرادا لا اعتقادا، ورجع عنه في مسائل خلافه، حتى انه حرم شربها عند الضرورة للعطش، وكذا في مبسوطه. ثم قال: والذي يقوى في نفسي ما ذكره في النهاية، ولا أدفع جوازه للمضطر إلى أكل ما يكون فيه الخمر خوفا من تلف نفسه، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فأدلة المعقول

(1) المبسوط: ج 6 ص 288، وليس فيه: (ويجوز على ما روي... دون الشرب).
(2) المهذب: ج 2 ص 433.
(3) في المصدر: لا للتداوي للعين ولا لغيرها.
(4) السرائر: ج 3 ص 126.
(5) في المصدر: المسكر.
(6) في المصدر: أن يشربه.
(7) في المصدر: لا يجوز له التداوي به للعين ولا غيرها.

[ 341 ]

توجبه (1) (2). وهذا يدل على اضطرابه. والمعتمد جواز شربه عند خوف التلف من العطش والمرض إذا اندفعا به، كما اختاره ابن البراج (3). لنا: ان إباحة الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير للمضطر يستلزم إباحة كل ما حرم تناوله، لأن تحريمها أفحش، فإباحته يستلزم إباحة الأدون. احتج الشيخ بما رواه عمر بن اذينة في الحسن قال: كتبت إلى الصادق - عليه السلام - أسأله عن رجل ينعت له الدواء من ريح البواسير فيشربه بقدر سكرجة من نبيذ صلب ليس يريد به اللذة انما يريد به الدواء؟ فقال: لا ولا جرعة، وقال: إن الله عز وجل لم يجعل في شئ مما حرم دواء ولا شفاء (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن دواء عجن بالخمر، فقال: لا والله ما احب أن أنظر إليه، فكيف أتداوى به؟! انه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير وترون أناسا يتداوون به (5). وعن معاوية بن عمار قال: سأل رجل الصادق - عليه السلام - عن الخمر يكتحل منها؟ فقال أبو عبد الله الصادق - عليه السلام -: ما جعل الله في حرام شفاء (6).

(1) في المصدر: وأيضا فأدلة العقول تجوز وتوجبه.
(2) السرائر: ج 3 ص 131 - 132.
(3) المهذب: ج 2 ص 433.
(4) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 113 ح 488، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1 ج 17 ص 274 - 275.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 113 ح 490، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الأشربة المحرمة ح 4 ج 17 ص 276.
(6) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 113 - 114 ح 491، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1 ج 17 ص 278.

[ 342 ]

وعن الصادق - عليه السلام - قال: من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل من نار (1). والجواب: الحمل على طلب الصحة لا على طلب السلامة، ونحن انما نسوغ شربه في طلب السلامة بحيث لو لم يشربه أو يتداوى به حصل التلف، أما في طلب العافية فلا. وأما الاكتحال فانه يجوز عند الضرورة، لما رواه هارون بن حمزة الغنوي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل اشتكى عينيه فنعت له كحل يعجن بالخمر، فقال: هو خبيث بمنزلة الميتة، فان كان مضطرا فليكتحل به (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا مر الرجل بحائط غيره وبثمرته جاز له أن يأكل منها، ولا يتخذ (3) منها شيئا يحمله معه، لاجماع الفرقة (4). وفي المبسوط: إذا مر الرجل بحائط غيره حل له الأكل من غير ضرورة ولا يجوز له حمله، وعند المخالف لا يجوز من غير ضرورة وقال بعض أصحاب الحديث: ينادي ثلاثا فان أجابوه وإلا دخل وأكل ولم يتخذ حبة، وهذا قريب مما قلناه (5). وفي النهاية: إذا مر الانسان بشئ من الفواكه جاز له أن يأكل منها مقدار كفايته من غير إفساد، ولا يجوز له أن يحمل منها شيئا معه إلا باذن صاحبه (6).

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 114 ح 492، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الأشربة المحرمة ح 2 ج 17 ص 279.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 114 ح 493، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الأشربة المحرمة ح 5 ج 17 ص 279.
(3) في المصدر: يأخذ.
(4) الخلاف: ج 6 ص 98 المسألة 28.
(5) المبسوط: ج 6 ص 288.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 212 - 213.

[ 343 ]

وقال الصدوق: وإذا مررت ببساتين فلا بأس بأن تأكل من ثمارها ولا تحمل معك منها شيئا (1). وقال ابن الجنيد: وإذا اجتاز الرجل بالبستان والماشية فلينادي ثلاثا صاحبها ويستأذنه فان أجابه وإلا فليجني (2) وليأكل وليحلب وليشرب، ولا يحمل ولا يفعل ذلك إلا عند الضرورة أحوط، وإن أمكنه رد قيمة ما أكله على صاحب الثمرة واللبن كان أحوط أيضا، وهذا إذا كانت الثمار في شجرها وعلى سوقها واللبن في ضروع الماشية، فان جناها أو حلبها مالكها أو أصراها لم يستحب لأحد تناول شئ منها إلا بعد اذن مالكها أو يكون الحال ملتبسة إن لم يتناول ذلك. وقال ابن البراج: وإذا اجتاز الانسان بشجر الفواكه جاز له أن يأكل منها من غير إفساد بشئ من ذلك، ولا يجوز له أن يحمل منها شيئا إلا بأمر صاحبها. وقال ابن ادريس: إذا مر الانسان بحائط غيره - يعني: بستانه وثمرته - جاز له أن يأكل منها، سواء كان في حال ضرورة أو حال اختيار، ولا يأخذ منها شيئا يحمله معه ما لم ينهه صاحبها (3) عن الدخول والأكل، فان نهاه عن الأكل والدخول فلا يجوز له الأكل والدخول (4). واستدل الشيخ - رحمه الله - على الجواز بحديثين مرسلين: أحدهما: رواه الحسين بن سعيد، عن داود (5) عن بعض أصحابنا، عن محمد بن مروان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: أمر بالثمرة فآكل

(1) المقنع: ص 124.
(2) م 3: فليجئ.
(3) في المصدر: صاحبه.
(4) السرائر: ج 3 ص 126.
(5) في المصدر: عن أبي داود.

[ 344 ]

منها؟ قال: كل ولا تحمل، قلت: جعلت فداك أن التجار قد اشتروها ونقدوا أموالهم؟ (1) قال: اشتروا ما ليس لهم (2). والثاني: رواه الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل والبستان (3) والثمرة أفيجوز (4) له أن يأكل منها من غير اذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: لا بأس (5). وهذه الرواية الثانية وإن كانت مرسلة إلا أن مراسيل ابن أبي عمير يعمل عليها، حيث لم يسند إلا عن ثقة. وأما المنع فقد رواه الحسن بن علي بن يقطين في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر أيحل له أن يتناول منه شيئا ويأكل بغير اذن صاحبه؟ وكيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره القيم (6) وليس له؟ (7) وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال: لا يحل له أن يأخذ شيئا (8). قال الشيخ: هذا يحمل ارادة الكراهة بالنهي، لأن الأولى والأفضل تجنب

(1) في المصدر: ونقد من أموالهم.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 383 ح 1134، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 4 ج 13 ص 14 - 15.
(3) في المصدر: السنبل.
(4) في المصدر: فيجوز.
(5) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 93 ح 393، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 3 ج 13 ص 14.
(6) في الاستبصار: المقيم.
(7) في الاستبصار: أو ليس له، وفي الوسائل: فليس له. (8) الاستبصار: ج 3 ص 90 ح 307، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 7 ج 13 ص 15.

[ 345 ]

ذلك وإن لم يكن محظورا، أو الحمل على ما يحمل معه فان ذلك لا يجوز على حال، انما ابيح له أن يأكل منه في الحال (1). وقد روى الشيخ - في كتاب المكاسب - عن مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يمر على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة؟ قال: لا، قلت: أي شئ سنبلة؟ قال: لو كان كل من يمر يأخذ سنبلة كان لا يبقي شئ (2). وهذا الحديث أيضا مرسل. وبالجملة فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره الاستسلاف في العصير، فانه لا يؤمن أن يطلبه صاحبه ويكون قد تغير إلى حال الخمر، بل ينبغي أن يبيعه يدا بيد، وإن كان لو فعل ذلك لم يكن محظورا (3). وقال ابن ادريس: ما ذكره شيخنا فيه نظر، لأن السلف لا يكون إلا في الذمة ولا يكون في العين (4)، فإذا كان في الذمة فسواء تغير ما عنده إلا حال الخمر أو لم يتغير فانه يلزمه تسليم ماله في ذمته إليه من أي موضع كان، فلا أرى للكراهية وجها، وانما هذا لفظ خبر واحد أورده ايرادا (5). وكلام الشيخ جيد، لا مكان أن يريد بيع عين مشخصة (6) يسلمها إليه في وقت معين، واطلق عليه اسم السلف مجازا، أو يحمل على الحقيقة، وجاز أن يتعذر عليه عند الأجل

(1) الاستبصار: ج 3 ص ذيل حديث 307.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 385 ح 1140، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الثمار ح 6 ج 13 ص 15 وفيهما: (من يمر به يأخذ).
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 110.
(4) م 3: ولا يكون إلا في العين.
(5) السرائر: ج 3 ص 131.
(6) م 3: شخصية.

[ 346 ]

لانقلابه أو أكثره خمرا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أن يسقى شئ من الدواب والبهائم الخمر أو المسكر (1)، وكذا قال ابن ادريس (2). وقال ابن البراج: لا يجوز أن يسقى شئ (3) من البهائم والأطفال شيئا من الخمر أو المسكر (4) (5). والمعتمد قول الشيخ. لنا: الأصل عدم التحريم، إذ لا تكليف على الدواب والبهائم، فلا تحريم يتعلق (6) بها ولا بصاحبها حيث لم يشربها، وانما كان مكروها، لما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن البهيمة البقرة وغيرها تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال: نعم يكره ذلك (7). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وأواني الخمر ما كان من الخشب أو القرع وما أشبههما لم يجز استعمالها في شئ من المائعات حسب ما قدمناه، وما كان من صفر أو زجاج أو جرار خضر أو خزف جاز استعمالها إذا غسلت بالماء ثلاث مرات حسب ما قدمناه، وينبغي أن يدلك في حال الغسل (8). وقال في المبسوط: أواني الخمر ما كان قرعا أو خشبا منقورا روى أصحابنا انه لا يجوز استعماله بحال وانه لا يطهر، وما كان مقيرا أو مدهونا من الجرار

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 111.
(2) السرائر: ج 3 ص 132.
(3) في المصدر: بشئ.
(4) في المصدر: والمسكر.
(5) المهذب: ج 2 ص 433.
(6) في الطبعة الحجرية وم 3: فلا تحريم تناول يتعلق.
(7) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 114 - 115 ح 497، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الأشربة المحرمة ح 5 ج 17 ص 246 - 247.
(8) النهاية ونكتها: ج 3 ص 111 - 112.

[ 347 ]

الخضر أو خزفا فانه يطهر إذا غسل سبع مرات حسب ما قدمناه، وعندي ان الأول محمول على ضرب من التغليظ والكراهية دون الحظر (1). وقال ابن ادريس: الذي قواه الشيخ هو الذي يقوى عندي (2). والمعتمد عندنا أيضا ذلك وقد سبق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا وقع شئ من الخمر في الخل لم يجز استعماله إلا بعد أن يصير ذلك الخمر خلأ (3). وقال ابن ادريس: الذي يقتضيه اصول المذهب ترك العمل بهذه الرواية الشاذة ولا يلتفت إليها، لأنها مخالفة للأدلة مضادة للاجماع، لأن الخل بعد وقوع قليل الخمر في الخل صار الخل نجسا بالاجماع، ولا دلالة على طهارته بعد ذلك ولا اجماع، لأنه ليس له حال ينقلب إليها، ولا يتعدى طهارة ذلك الخمر المنفرد واستحالته وانقلابه إلى الخل الواقع فيه قليل الخمر المختلط به الذي حصل والاجماع على نجاسته. وهذه الرواية الشاذة موافقة لمذهب أبي حنيفة، فان صحت حملت على التقية. ويدل عليه قول السيد المرتضى في انتصاره: عند الامامية إذا انقلبت الخمر خلأ بنفسها أو بفعل آدمي إذا طرح فيها ما ينقلب به إن الخل حلت، وخالف الشافعي ومالك في ذلك، وأبو حنيفة يوافق الامامية فيما حكيناه، إلا انه يزيد عليهم فيقول: في من ألقى خمرا في خل فغلب عليها حتى لا يوجد طعم الخمر انه بذلك يحل، وعند الامامية أن ذلك لا يجوز، ومتى لم ينقلب الخمر إلى الخل لم يحل، فكأنهم انفردوا من أبي حنيفة بأنهم امتنعوا مما أجازه على بعض الوجوه وإن وافقوه على انقلاب الخمر الى الخل، فجاز لذلك ذكر هذه المسألة في الانفرادات. دليلنا: بعد الاجماع أن التحريم انما يتناول ما

(1) المبسوط: ج 1 ص 15.
(2) السرائر: ج 3 ص 133، مع اختلاف.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 113.

[ 348 ]

هو خمر، وما انقلب خلا فقد خرج من أن يكون خمرا، وانه لا خلاف في اباحة الخل، واسم الخل بتناول ما هو على صفة مخصوصة، ولا فرق بين أسباب حصوله عليها، ويقال لأصحاب أبي حنيفة: أي فرق بين غلبة الخل على الخمر في تحليلها وبين غلبة الماء عليها أو غيره من المائعات أو الجامدات حتى لا يوجد لها طعم ولا رائحة. فان فرقوا بأن الخمر ينقلب إلى الخل ولا ينقلب إلى غيره من المائعات والجامدات، قلنا: كلامنا فيها على الانقلاب والخمر إذا القيت في الخل الكثير، فما انقلبت في الحال إلى الخل بل عينها باقية وكذلك هي في الماء فما الفرق بين أن يلقى فيما يجوز أن ينقلب إليه وبين ما لا ينقلب إليه إذا كانت في الحال موجودة لم ينقلب، وهذا الكلام من السيد يدل على ما قلنا (1). واعلم ان قول الشيخ ليس بعيدا من الصواب، لأن انقلاب الخمر إلى الخل يدل على تمامية استعداد انقلاب ذلك الخمر إلى الخل، والمزاج واحد. بل استعداد الملقى في الخل لصيرورته خلا أتم، ولكن لا يعلم، لامتزاجه بغيره، فإذا انقلب الأصل المأخوذ منه علم انقلابه أيضا، ونجاسة الخل تابعة للخمرية وقد زالت فتزول النجاسة عنه، كما في الخمر إذا انقلبت. وقد نبه شيخنا أبو علي بن الجنيد فقال: فأما إن أخذ انسان خمرا ثم صب عليه خلا فانه محرم عليه شربه والاصطباغ به في الوقت، ما لم يمض عليه وقت ينتقل في مثله العين من التحليل إلى التحريم أو من التحريم إلى التحليل. وقول السيد المرتضى (2) لا ينافي ما قاله الشيخ: لأنه أنكر قول أبي حنيفة في طهارة الخمر في حالة الإلقاء، وهذا لا ينافي طهارته بعد انقلاب الأصل

(1) السرائر: ج 3 ص 133 - 134، مع اختلاف.
(2) الانتصار: ص 200 - 201.

[ 349 ]

الفصل السادس في اللواحق مسألة: المشهور عند علمائنا ان ما يقتله غير الكلب من السباع لا يحل، سواء كان معلما أو لا، سمى مرسله أو لا. وقال ابن أبي عقيل: ما يصطاد مما أحل الله عز وجل فانه يصطاد بأربعة اشياء: سباع معلمة مثل: الكلب وما أشبهه من الفهد والنمر وغير ذلك، وطير مكلب كالبازي والصقر وما أشبههما، وسهم يرسل، وحجر يرمى كالبندق وغيره من الحجارة. فأما ما اصطاده الكلب وما أشكله من السباع فانه يؤكل قتيل صيده وأدرك صاحبه ذكاته أكل منه أو لم يأكل منه إذا كان المرسل قد سمى عند إرساله قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية الآن وإن وافقها في ذلك قول أقوام حكي قديما القول: بأن الصيد لا يصح إلا بالكلاب المعلمة دون الجوارح كلها من الطيور وذوات الأربع - كالصقر والبازي والشاهين - وما أشبههن من ذوات الأربع - كعناق الأرض والفهد - وما جرى مجراهما، ولا يحل عندهم أكل ما قتله غير الكلب المعلم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك واجروا كل ما علم من الجوارح من الطيور وذوات الأربع مجرى الكلاب في هذا الحكم. قال: وذكر أبو بكر أحمد بن علي الرازي الفقيه في كتابه المعروف

[ 350 ]

ب‍ (أحكام القرآن) عن نافع قال: وجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب - عليه السلام - قال: لا يصلح أكل ما قتلته البزاة. وروى أيضا ابن جريح، عن نافع قال: قال عبد الله: ما أمسك من الطير البزاة وغيرها، فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك، وإلا فلا تطعمه. وروى سلمة بن علقمة، عن نافع أن عليا - عليه السلام - كره ما قتلته الصقور. وعن مجاهد انه كان يكره صيد الطير ويقول: مكلبين، انما هي الكلاب خاصة. وذكر أبو بكر الرازي ان بعض العلماء حمل مكلبين على الكلاب خاصة، وبعضهم حمل ذلك على الكلاب وغيرها. ثم استدل السيد بعد اجماع الطائفة بقوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين) وهذا نص صريح على انه لا يقوم مقام الكلاب في الحكم وغيرها، لأنه تعالى لو قال: (وما علمتم من الجوارح) ولم يقل: (مكلبين) لدخل في الكلام كل جارح من ذي ناب أو ظفر، ولما أتى بلفظة (مكلبين) وهي تخص الكلاب، لأن المكلب هو صاحب الكلاب بلا خلاف بين أهل اللغة، علمنا انه لم يرد بالجوارح جميع ما يستحق هذا الاسم بل الكلاب خاصة، ويجري ذلك مجرى قوله: ركب القوم بهائمهم * مبقرين أو محمرين فانه يختص بالقبر والحمير. لا يقال: نمنع انحصار مكلبين في صاحب الكلاب فجاز أن يكون المراد به المضري الجارح المغري له فيدخل فيه المكلب وغيره. لأنا نقول: لا نعرف عن أحد من أهل اللغة ان المكلب هو المغري والمضري، بل يقولون: المكلب هو صاحب الكلاب، وقد نص عليه صاحب الجمهرة (1). وأطال السيد - رحمه الله - الكلام في ذلك.

(1) الانتصار: ص 182 - 183.

[ 351 ]

وقد روى الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: في كتاب علي - عليه السلام - أنه ((وما علمتم من الجوارح المكلبين) فهي الكلاب (1). وفي الصحيح عن أبي بكر الحضرمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن صيد البزاة والصقور والكلب والفهد، فقال: لا تأكل صيد شئ من هذه إلا ما ذكيت إلا الكلب، قلت: إن قتله؟ قال: كل، فان الله تعالى يقول: (وما علمتم من الجوارح مكلبين... فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) (2) والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى. احتج ابن أبي عقيل بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن أصبت معلما (3) أو فهدا بعد أن تسمي فكل مما أمسك عليك، قتل أو لم يقتل، أكل أو لم يأكل، وإن ادركت صيده وكان في يدك حيا فذكه، فان عجل عليك فمات قبل أن تدركه (4) فكل (5). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عما قتله الكلب والفهد، قال: فقال أبو جعفر - عليه السلام -: الكلب والفهد سواء، فإذا هو أخذه فأمسكه فمات وهو معه فكل فانه أمسك عليك، فإذا أمسكه

(1) الكافي: ج 6 ص 202 ح 1، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 207.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 24 ح 94، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 208.
(3) في المصدر: ان أصبت كلبا معلما.
(4) في المصدر: تذكيه.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 28 ح 112، وسائل الشيعة: ب 4 أن صيد الكلب المعلم إذا... ح 4 ج 16 ص 214.

[ 352 ]

وأكل منه فلا تأكل فانه أمسك على نفسه (1). والجواب: انه محمول على التقية أو الضرورة، قاله الشيخ (2)، وهو حسن. تذنيب: قول ابن أبي عقيل وابني (3) بابويه: إنه يؤكل صيده، أكل منه أو لم يأكل، ليس مشهورا على إطلاقه، لأن عند علمائنا انه إن كان يعتاد أكل الصيد لم يجز أكل ما يقتله، وإن كان نادرا جاز، لما تقدم. ولما رواه رفاعة بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الكلب يقتل، فقال: كل (4)، فقلت: أكل منه، فقال: إذا أكل منه فلم يمسك عليك انما أمسك على نفسه (5). وقول ابن أبي عقيل، وابني بابويه محمول على ما إذا أكل نادرا، أما مع الاعتياد فلا. مسألة: عد أبو الصلاح في المحرمات ما قطع من الحيوان قبل الذكاة وبعدها قبل أن تجب جنوبها وتبرد بالموت وجعله ميتة (6). والذي ذكره في المقطوع قبل الذكاة جيد، أما المقطوع بعدها فهو في موضع المنع. لنا: انه امتثل الأمر بالتذكية وقد وجدت.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 28 ح 113، وسائل الشيعة: ب 2 انه يجوز أكل صيد الكلب... ح 18 ج 16 ص 212.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 28 ذيل حديث 113.
(3) المقنع: ص 138. (4) في التهذيب: كله.
(5) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 27 ح 111، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصيد والذباحة ح 17 ج 16 ص 212.
(6) الكافي في الفقه: ص 277.

[ 353 ]

احتج بقوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) (1). والجواب: انه مفهوم خرج مخرج الأغلب فلا يكون حجة. مسألة: قال الشيخ: يكره أخذ الفراخ من أعشاشهن (2). وقال الصدوق وأبوه: ولا يجوز أخذ الفراخ من أو كارها في جبل أو بئر أو أجمة حتى ينهض (3). فان قصد التحريم صارت المسألة خلافية. لنا: الأصل عدم التحريم. مسألة: المشهور ان الصيد إذا جرح ووقع في الماء لم يؤكل، لجواز استناد موته إلى الماء لا إلى الجرح. وقال الصدوق وأبوه: وإن رميته وأصابه سهمك ووقع في الماء فمات فكله إذا كان رأسه خارجا من الماء، وإن كان رأسه في الماء فلا تأكله (4). ولا بأس بهذا التفضيل، لأنه في الحقيقة عائد إلى ما فصله باقي أصحابنا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الذكاة لا تقع مجزئة إلا بقطع أشياء أربعة: الحلقوم وهو مجرى النفس، والمرئ وهو تحت الحلقوم وهو مجرى الطعام والشراب، والودجين وهما عرقان محيطان بالحلقوم (5). وقال ابن الجنيد: الذي يستحب في الذكاة قطع الحلقوم وما اكتنفه من الأوداج وإيصال القطع إلى العظم من غير أن يفريه، ولو أتى على الحلقوم اجزأه، لأنه قد أتى من الذكاة بما لا حياة للحيوان بعده، والأخبار الصحاح دلت على قطع الحلقوم والأوداج.

(1) الحج 36.
(2) النهاية ونكتها ج 3 ص 84.
(3) المقنع: ص 142.
(4) المقنع: ص 139. (5) الخلاف: ج 6 ص 47 المسألة 7.

[ 354 ]

وروى زيد الشحام في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل لم يكن بحضرته سكين أيذبح بقصبة؟ فقال: اذبح بالحجر وبالعظم والقصبة والعود إذا لم تصب الحديد، إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس (1). وفي الحسن عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن المروة والقصبة والعود يذبح بها إذا لم يجدوا سكينا؟ قال: إذا فري الأوداج فلا بأس بذلك (2). هذا أصح ما وصل إلينا في هذا الباب، ولا دلالة فيه على قطع ما زاد على الحلقوم والأوداج.

(1) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 51 ح 213، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصيد والذباحة ح 3 ج 16 ص 254.
(2) تهذيب الاحكام: ج 9 ص 52 ح 214، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصيد والذباحة ح 1 ج 16 ص 253.

[ 355 ]

كتاب القضاء وتوابعه

[ 357 ]

كتاب القضاء وتوابعه وفيه فصول: الأول في الآداب مسألة: للشيخ قولان في هيئة جلوس القاضي: ففي النهاية: يجلس مستدبر القبلة ليكون وجوه الخصوم إذا وقفوا بين يديه مستقبل القبلة (1). وهو اختيار المفيد (2) - رحمه الله - وأبي الصلاح (3)، وسلار (4)، وابن حمزة (5)، وابن ادريس (6). وقال في المبسوط: يكون متوجها إلى القبلة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - انه قال: (خير المجالس ما استقبل به القبلة) (7). وتبعه ابن البراج قال: وقد ذكر انه يكون ظهره إليها ليكون وجوه الخصوم في الاستحلاف إليها، والأول أظهر (8). وكلا القولين عندي جائز. مسألة: قال الشيخان: انه يخرج إلى المسجد الأعظم ويحكم فيه (9)، وبه قال

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 69.
(2) المقنعة: ص 722.
(3) الكافي في الفقه: ص 444.
(4) المراسم: ص 230.
(5) الوسيلة: ص 209.
(6) السرائر: ج 2 ص 156.
(7) المبسوط: ج 8 ص 90.
(8) المهذب: ج 2 ص 595.
(9) المقنعة: ص 722، النهاية ونكتها: ج 2 ص 69.

[ 358 ]

أبو الصلاح (1)، وسلار (2)، وابن البراج في الكامل، وابن ادريس (3). ولم يذكر في المهذب استحباب ذلك، بل قال: فان كان مجلسه في المسجد صلى حين يدخله ركعتين (4). وقال في موضع آخر منه: وينبغي للحاكم أن يجلس للحاكم في مكان بارز للناس - مثل: صحراء أو رحبة - أو مكان واسع، إلا من ضرورة من مطر أو غيره فيجلس في بيته أو في المسجد (5). وقال الشيخ في المبسوط: وأما الحكم في المساجد فقد كرهه قوم إذا قصد الجلوس فيه للحكم، فانه كان جالسا واتفقت حكومته جاز أن يقضي بينهما، سواء كان المسجد صغيرا أو كبيرا، لما روى أن النبي - صلى الله عليه وآله - سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: لا وجدتها، انما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة. وروي عنه - عليه السلام - انه قال: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم، والحكومة بيت الخصومة، وهذا موجود في أحاديثنا أيضا مثله. وروي ان أمير المؤمنين - عليه السلام - كان يقضي في المسجد، ودكة القضاء معروفة إلى يومنا هذا، فالأولى جوازه، وفيه خلاف (6). وهذا يشعر بعدم الاستحباب. مسألة: قال المفيد (7)، والشيخ في النهاية (8): إذا أنكر المدعى عليه الدعوى سأل الحاكم ألك بينة؟ فان قال: نعم هي حاضرة نظر في بينته، وإن قال:

(1) الكافي في الفقه: ص 444، وفيه: (مسجد الجامع أو مسجد المحلة).
(2) المراسم ص 230.
(3) السرائر: ج 2 ص 156.
(4) المهذب: ج 2 ص 594 (5) المهذب: ج 2 ص 582.
(6) المبسوط: ج 8 ص 87.
(7) المقنعة: ص 723، مع اختلاف.
(8) النهاية ونكتها: ج 2 ص 70، مع اختلاف.

[ 359 ]

نعم غير انها ليست حاضرة قال له: احظرها. وكذا قال سلار (1)، وأبو الصلاح (2). وابن البراج في الكامل قال: يقول الحاكم: ألك بينة؟ فان قال: نعم قال له: أهي حاضرة أم غائبة؟ فان قال: هي حاضرة أمره باحضارها ونظر فيها، وإن قال: ليست حاضرة قال له: احضرها. وفي المهذب: فان أنكر فان كان المدعي لا يعرف موضع البينة كان للحاكم أن يقول له: ألك بينة؟ فان كان عارفا فالحاكم مخير بين أن يسكت أو يقول له: ألك بينة؟ فإذا قال: ألك بينة؟ فان لم يكن له بينة عرفه [ الحاكم ] ان له يمينه، وإن كانت له بينة وكانت حاضرة لم يقل الحاكم: أحضرها، لأنه حق له، فله أن يفعل ما يرى (3). وهذا القول أخذه من قول الشيخ في المبسوط فانه قال: وإن أنكر فان كان له بين فالحاكم أولا يسأله ألك بينة؟ ولا يقول: أحضر بينتك بل يسأله، فإذا قال: نعم يقول له: إن شئت أقمتها، ولا يقول له أقمها، لأنه أمر (4). واختاره ابن ادريس (5). وقال ابن الجنيد: فإذا ادعى المدعي البينة بصحة دعواه لم يأمر القاضي الشهود بالحضور ولكنه يقول للمدعي: أحضر بينتك. والوجه التفضيل، وهو أن نقول: إن عرف الحاكم ان المدعي يعلم ذلك لم يأمره، وإلا قال له ذلك، لئلا يضيع حقه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن قال المدعي: لست أتمكن من إحضارها

(1) المراسم: ص 231.
(2) الكافي في الفقه: ص 446.
(3) المهذب: ج 2 ص 585، مع اختلاف.
(4) المبسوط: ج 8 ص 115.
(5) السرائر: ج 2 ص 158.

[ 360 ]

- يعني: البينة - جعل معه مدة من الزمان ليحضر فيه بينته ويكفل بخصمه، فان أحضرها نظر فيها، وإن لم يحضرها عند انقضاء الأجل خرج خصمه عن حد الكفالة (1). وشيخنا المفيد قال: وإذا بعدت بينة المدعي كان له تكفيل المدعى عليه إلى أن يحضر بينته، ولم يكن له حبسه ولا ملازمته، وليس له تكفيل المدعى عليه ما لم يجعل لحضور بينته أجلا معلوما (2). وللشيخ قول آخر في الخلاف قال: إذا ادعى على غيره حقا فأنكره المدعى عليه فقال المدعي لي بينة غير انها غائبة لم يجز له ملازمة المدعى عليه، ولا مطالبته له بكفيل إلى أن تحضر البينة (3). وقال ابن الجنيد: ولو سأل المدعي القاضي مطالبة المدعي عليه بكفيل قبل ثبوت حقه عليه لم يكن ذلك واجبا عليه، ولا للقاضي تكليفه بذلك، ولكن يقول له: لا آمرك بتخليته ولا آمره بالاحتباس لك. وأبو الصلاح (4) وافق الشيخ في النهاية. ولابن البراج قولان: ففي الكامل وافق الشيخ أيضا. وقال في المهذب: فان كانت غائبة قال الحاكم له: ليس لك ملازمته ولا مطالبته بكفيل ولك يمينه أو تتركه حتى تحضر البينة، وذكر ان له مطالبته وملازمته حتى تحضر البينة، وما ذكرناه أولا هو الأظهر والأصح، والثاني أحوط لصاحب الحق. قال: ولا بأس به (5). وهذا يدل على تردده في ذلك وترجيح ما

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 70 - 71.
(2) المقنعة: ص 733.
(3) الخلاف: ج 6 ص 237 المسألة 36. (4) الكافي في الفقه: ص 446.
(5) المهذب: ج 2 ص 586.

[ 361 ]

قال الشيخ في الخلاف، وهو اختيار ابن ادريس (1) أيضا. والشيخ في المبسوط (2) قال كما قال ابن البراج في المهذب، إلا انه لم يقل في آخره: ولا بأس به. وقال ابن حمزة: وإن ادعى غيبة بينته أخذ منه كفيل حتى يحضر البينة ما لم تزد المدة على ثلاثة أيام، فان زادت لم يلزمه الكفيل، فان أحضرها قبل انقضاء المدة فذاك، وإن لم يحضرها برئت ذمة الكفيل (3). واحتج الشيخ في الخلاف بأصالة البراءة، وبما روي أن رجلا من كندة ورجلا من حضر موت أتيا النبي - صلى الله عليه وآله - فقال الحضرمي: هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي وقال الكندي: في يدي أزرعها لا حق له فيها، فقال النبي - صلى الله عليه وآله - للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله - ليس لك منه إلا ذاك. فمن قال: له الملازمة والمطالبة والكفيل فقد ترك الخبر (4). واحتج الشيخ على ما ذكره في النهاية: بأن الكفالة تصح على كل من عليه حق مالي أو غيره، وهذا الغريم يجب عليه الحضور في مجلس الحكم. والجواب: المنع من صحة الكفالة على مثل هذا. ولو سلمنا، لكن نمنع وجوب الحضور الآن. مسألة: قال الشيخان: وإذا أقر انسان لانسان بمال عند حاكم فسأل المقر له الحاكم أن يثبت اقراره عنده لم يجز له ذلك، إلا أن يكون عارفا بالمقر بعينه واسمه ونسبه، أو يأتي المقر له ببينة عادلة على أن الذي أقر هو فلان بن فلان بعينه واسمه ونسبه، وذلك ان الحيلة تتم فيما هذا سبيله فيحضر نفسان قد تواطيا

(1) السرائر: ج 2 ص 158.
(2) المبسوط: ج 8 ص 159 - 160.
(3) الوسيلة: ص 212.
(4) الخلاف: ج 6 ص 237 المسألة 36.

[ 362 ]

على انتحال اسم انسان غائب واسم أبيه والانتساب إلى آبائه ليقر أحدهما لصاحبه بمال ليس له أصل، فإذا أثبت الحاكم ذلك على غير بصيرة كان مخطئا مغررا جاهلا (1). وتبعهما سلار (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن البراج (4). وقال الشيخ في الخلاف: إذا حضر خصمان عند القاضي فادعى أحدهما على الآخر مالا فأقر له بذلك فسأل المقر له القاضي أن يكتب له بذلك محضرا والقاضي لا يعرفهما ذكر بعض أصحابنا انه لا يجوز أن يكتب، لأنه يجوز أن يكونا استعارا نسبا باطلا وتواطيا على ذلك، وبه قال ابن جرير الطبري. وقال جميع الفقهاء: انه يكتب ويحليهما بحلاهما التامة ويضبط ذلك، ولا يمتنع ما قاله الفقهاء، فان الضبط بالحلية يمنع من استعارة النسب، فانه لا يكاد يتفق ذلك. والذي قاله أصحابنا يحمل على انه لا يجوز أن يكتب ويقتصر على ذكر نسبهما فان ذلك يمكن استعارته، وليس في ذلك نص مسند عن أصحابنا نرجع إليه (5). وفي المبسوط: الاعتماد إذا لم يكن يعرفه (6) على الحلية فيذكر الطول والقصر ويضبط حلية الوجه من سمرة وشقرة وصفة الأنف والفم والحاجبين والشعر سبطا أو جعدا، وقال ابن جرير: إذا لم يعرفهما الحاكم لم يكتب محضرا، لأنه قد يستعير النسب، وبه قال بعض أصحابنا. والأول أقوى، لأن المعول على الحلية، ولا يمكن استعارتها (7). قال ابن ادريس: الذي ذكره شيخنا في مسائل خلافه هو الذي أقول به

(1) المقنعة: ص 724 - 725، النهاية ونكتها: ج 2 ص 73، مع اختلاف.
(2) المراسم: ص 231.
(3) الكافي في الفقه: ص 445.
(4) لم نعثر عليه.
(5) الخلاف: ج 6 ص 221 المسألة 16، مع اختلاف.
(6) في المصدر: يعرفهما.
(7) المبسوط: ج 8 ص 115.

[ 363 ]

وأعمل عليه ويقوى في نفسي، وهذا يبين لك (1) انه يذكر في نهايته شيئا لا يعمل عليه ولا يرجع فيه إلى خبر مسند فيعتمد عليه ويرجع إليه، وأيضا هذا مصير إلى أن للانسان أن يعمل ويشهد بما يجد به خطه مكتوبا من غير ذكر الشهادة وقطع على من شهد عليه، وهذا عندنا لا يجوز، أو رجوع إلى العمل بكتاب قاض إلى قاض، وجميع ذلك باطل عندنا. فإذا أتاه بكتابه ولم يعلم بالمقر بعينه ويتحققه ويتقنه فلا يجوز له أن يقضي عليه فيأمن الغرر من هذا الوجه، وكذلك إن أخذ كتابه الذي في يثبت اقراره إلى غيره من الحكام لا يحل للحاكم الثاني أن يعمل به بغير خلاف بيننا (2). والتحقيق: انه لا مشاحة هنا، لأن القصد تخصيص الغريم (3) وتمييزه عن غيره وازالة الاشتباه، فان حصل ذلك بالتحلية جاز، واللوازم التي ذكرها ابن ادريس غير لازمة للشيخ، لأن الخط جعل مذكرا ومنبها على القضية، فإذا وقف الانسان على خطه فان ذكر القضية أقام الشهادة، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن كان يتساكت عن خصمه وهو صحيح قادر على الكلام وانما يعاند السكوت أمر بحبسه حتى يقر أو ينكر، إلا أن يعفو الخصم عن حقه عليه، وكذلك إن أقر بشئ كأنه يقول له: علي شئ ولا يذكر ما هو ألزمه الحاكم بيان ما أقر به، فان لم يفعل حبسه حتى يبين (4). وكذا قال المفيد في المقنعة (5)، وبه قال في الخلاف (6)، واختاره ابن حمزة (7)،

(1) في المصدر: وهو يبين لك أيها المسترشد انه.
(2) السرائر: ج 2 ص 162.
(3) ق 2: تحقيق الغير.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 73، وفيه: (وانما يعاند بالسكوت) (أقر بشئ ولم يبينه).
(5) المقنعة: ص 725.
(6) الخلاف: ج 6 ص 238 المسألة 38.
(7) الوسيلة ص: 211 - 212.

[ 364 ]

وسلار (1). وقال الشيخ في المبسوط: إذا سكت أو قال: لا أقر ولا انكر قال له الحاكم ثلاثا: إما أجبت عن الدعوى وإلا جعلناك ناكلا ورددنا اليمين على خصمك، وقال قوم: يحبسه حتى يجيبه باقرار أو بانكار ولا يجعله ناكلا فيقضي بالنكول والسكوت، وقوله: (لا اقر ولا انكر) ليس بنكول. والأول يقتضيه مذهبنا، الثاني أيضا قوي (2). وهذا يدل على تردد الشيخ. وابن البراج في المهذب قال: فان سكت أو قال: لا أقر ولا أنكر قال له الحاكم: إن أجبت عن الدعوى وإلا جعلتك ناكلا ورددت اليمين على خصمك، وذكر انه يحبسه حتى يجيب اما باقرار أو بانكار ولا يجعله ناكلا، وما ذكرناه أولا هو الظاهر من مذهبنا، ولا بأس بالعمل بالثاني (3). وقال ابن الجنيد: ولو سكت المدعى عليه عند سؤاله ولم يكن القاضي يعرفه بالنطق أمهله قليلا ثم أعاد السؤال له عما ادعى عليه، فان أمسك فقال المدعي: انه يتمرد بسكوته استحلفه على ذلك وأمر من ينادي في اذن المدعى عليه بصوت عال بأمر موجود يجري عليه ثم وصف ما يقضي به عليه، وان أنكر وما يفعله إن جرح بينة خصمه (4) فان أقام على ذلك أمهله قليلا ثم فعل به مثل ذلك، فان أقام على أمره سأل الحاكم المدعي عن بينته إن كانت وسمعها واستحلفه على ان شهوده شهدوا بحق، فان حلف حكم له وجعل المحكوم عليه

(1) المراسم: ص 231.
(2) المبسوط: ج 8 ص 160. (3) المهذب: ج 2 ص 586.
(4) كذا في الطبعة الحجرية وم 3، وفي ق 2: (وان أنكر ولم يفعله إن خرج عنه خصمه) فعبارته مغلظة كما في مفتاح الكرامة: ج 10 ص 87.

[ 365 ]

على حجته إن ادعاها أو من يجوز له دعواها. وقال ابن ادريس: الصحيح من مذهبنا وأقوال أصحابنا وما يقتضيه المذهب ان في المسألتين معا يجعله الحاكم ناكلا ويرد اليمين على خصمه (1). وعنى بالمسألتين: لو سكت عنادا أو أقر بشئ ولم يبينه. والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أن الواجب عليه الجواب، وهو كما يحتمل الاقرار يحتمل الانكار فيجب الحبس عليه، لأن غيره ليس بواجب عليه. ولأن الأصل براءة الذمة، ورد اليمين في هذا الموضع وجعله ناكلا يحتاج إلى دليل، ولا دليل في الشرع عليه. احتجوا بأن السكوت عنادا كالنكول. والجواب: المنع.

(1) السرائر: ج 2 ص 163.

[ 366 ]

الفصل الثاني في تعارض البينات مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن شهد عنده شاهدان عدلان على ان حقا ما لزيد وجاء آخران فشهدا أن ذلك الحق لعمرو فان كانت أيديهما خارجتين منه فينبغي للحاكم أن يحكم لأعدلهما شهودا، فان تساويا في العدالة كان الحكم لأكثرهم (1) شهودا مع يمينه بالله تعالى ان الحق له، فان تساويا في العدد اقرع بينهم فمن خرج عليه حلف وكان الحكم له، فان امتنع من خرج اسمه في القرعة من اليمين حلف الآخر وكان الحكم له، فان امتنعا جميعا من اليمين كان الحق بينهما نصفين، ومتى كان مع واحد منهما يد متصرفة فان كانت البينة تشهد بأن الحق ملك له فقط وتشهد للآخر بالملك أيضا انتزع الحق من اليد المتصرفة واعطي اليد الخارجة، وإن شهدت البينة لليد المتصرفة بسبب الملك من بيع أو هبة أو معاوضة كانت أولى من اليد الخارجة (2). ونحوه قال في التهذيب (3) والاستبصار (4) وقال فيهما: إنهما لو شهدتا بالسبب

(1) في المصدر: لأكثرهما.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 75.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 237 - 238 ذيل الحديث 583.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 42 - 43 ذيل الحديث 142.

[ 367 ]

لهما كانت البينة بينة الداخل. وقال في الخلاف: إذا ادعيا ملكا مطلقا ويد أحدهما عليه (1) كانت بينته أولى، وكذلك إذا أضافاه إلى سبب فان ادعى صاحب اليد الملك مطلقا والخارج أضافه إلى سبب كانت بينة الخارج أولى، وبه قال الشافعي، ثم نقل عن أبي حنيفة وأصحابه. وإن كان التداعي (2) ملكا مطلقا أو ما يتكرر سببه لم تسمع بينة المدعي عليه وهو صاحب اليد، وإن كان ملكا لا يتكرر سببه سمعنا بينة الداخل. قال: وهو الذي يقتضيه مذهبنا، وقد ذكرناه في النهاية والمبسوط والكتابين في الأخبار، وقال أحمد بن حنبل: لا أسمع (3) بينة صاحب اليد بحال في أي مكان كان، وقد روى ذلك أصحابنا. قال (4): وتحقيق الخلاف مع أبي حنيفة هل تسمع بينة الداخل أم لا؟ وعند الشافعي (5) تسمع وعنده لا تسمع. ثم قال: إذا شهدت البينة للداخل مضافا قبلناه (6) بلا خلاف بيننا وبين الشافعي وقد حكيناه، وإن كانت (7) بالملك المطلق فانا لا نقبلها، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: قاله في القديم مثل ما قلناه، وقال في الجديد: مسموعة. وإذا تنازعا عينا لا يد لأحدهما عليها (8) فأقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة شهود فالظاهر من مذهب أصحابنا أن يرجح بكثرة الشهود ويحلف ويحكم له بالحق. وهكذا لو تساويا في العدد وتفاضلا في العدالة يرجع (9) بالعدالة، وهو إذا كانت احداهما أقوى (10) عدالة (11).

(1) في المصدر: على العين.
(2) في المصدر: المدعى.
(3) ق 2 وم 3: لا تسمع.
(4) في المصدر: وأيضا قال. (5) ق 2 وم 3: عندنا وعند الشافعي.
(6) في المصدر: قبلناها.
(7) في المصدر: كان (8) في الصمدر: لواحد منهما عليها.
(9) في المصدر: فيرجح.
(10) في المصدر: أوفى.
(11) الخلاف: ج 6 ص 329 - 333 المسألة 2 و 3 و 4.

[ 368 ]

وقال في موضع آخر: إذا تعارضت البينتان على وجه لا ترجيح لاحداهما على الاخرى اقرع بينهما فمن خرج اسمه حلف واعطي الحق، هذا هو المعلول عليه عند أصحابنا، وقد روي انه يقسم بينهما نصفين. واستدل على قوله باجماع الفرقة على استعمال القرعة (1) في كل أمر مجهول مشتبه، وهذا داخل فيه (2). وقال في المبسوط: مذهبنا الذي يدل عليه أخبارنا ما ذكرناه في النهاية وهو: انه إذا شهدا بالملك المطلق ويد أحدهما عليها حكم لليد، وكذلك إن شهدتا (3) بالملك المقيد لكل واحد منهما ويد أحدهما عليها حكم لمن هو في يده، وقد روى أنه يحكم لليد الخارجة، وإن كانت يدهما عليها فهو بينهما نصفين (4)، وإن كانت أيديهما خارجتين اقرع بينهما فمن خرج اسمه حكم له به مع يمينه إن كانت الشهادة بالملك مطلقا، وإن كان مقيدا قسم بينهما نصفين، وإن كان لأحدهما بالملك المطلق وللآخر بالملك المقيد حكم للذي شهدا له بالتقييد، وإذا (5) ثبت ان بينة الداخل تسمع في الجملة فالكلام فيه كيف تسمع، اما بينة الخارج فإذا شهدت بالملك المطلق سمعت. وإن شهدت بالملك المضاف إلى سببه أولى أن يقبل، فأما بينة الداخل فان كانت بالملك مضافا (6) إلى سببه قبلناها، وإن كانت بالملك المطلق قال قوم: لا يسمعها، وقال آخرون: مسموعة. والأول مذهبنا، لأنه يجوز أن يكون شهدت بالملك لأجل اليد، واليد قد زالت ببينة المدعي (7). وقال المفيد: وإذا تنازع نفسان في شئ وأقام كل واحد منهما بينة على

(1) الخلاف: ج 6 ص 337 المسألة 10.
(2) في المصدر: على أن القرعة تستعمل. (3) في المصدر: حكم لمن هو في يده لليد ان شهدا.
(4) في المصدر: نصفان.
(5) في المصدر: بالمقيد فإذا.
(6) في المصدر: المضاف.
(7) المبسوط: ج 8 ص 258.

[ 369 ]

دعواه بشاهدين عدلين لا يرجح بعضهم على بعض في العدالة (1) حكم لكل واحد من النفسين بنصف الشئ وكان بينهما جميعا نصفين، وإن رجح بعضهم على بعض في العدالة حكم لأعدلهما شهودا، وان كان الشئ في يد أحدهما واستوى شهودهما في العدالة حكم للخارج اليد منه ونزعت يد المتشبث به منه، وإن كان لأحدهما شهود أكثر عددا من شهود صاحبه مع تساويهم في العدالة حكم لأكثرهما شهودا مع يمينه على صحة دعواه (2) (3). وقال الشيخ علي بن بابويه: إذا ادعى رجل على رجل عقارا أو حيوانا أو غيره وأقام بذلك شاهدين وأقام الذي في يده شاهدين فان كان الحكم فيه أن يخرج الشئ من يدي مالكه إلى المدعي، لأن البينة عليه، وإن لم يكن الملك في يد أحد وادعى فيه الخصمان جميعا فكل من أقام عليه شاهدين فهو أحق به، وإن أقام كل واحد منهما شاهدين فان أحق المدعيين من عدل شاهداه، فان استوى الشهود في العدالة فأكثرهما شهودا يحلف بالله ويدفع المال إليه. وقال الصدوق في المقنع مثل ذلك، ثم قال في آخر كلامه: كذا ذكره أبي - رحمه الله - في رسالته إلي (4). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه - عقيب رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام انه ذكر أن عليا عليه السلام أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البينة لهؤلاء انهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا وقامت البينة لهؤلاء أنهم أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا فقضي بها لأكثرهم بينة

(1) في المصدر: لا ترجيح لبعضهم على بعض في العدالة.
(2) في المصدر: مع يمينه بالله على دعواه.
(3) المقنعة: ص 730 - 731.
(4) المقنع: ص 133 - 134.

[ 370 ]

واستحلفهم -: قال أبو بصير: وسألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يأتي القوم فيدعي دارا في أيديهم ويقيم البينة ويقيم الذي في يده الدار البينة أنها ورثها عن أبيه ولا يدري كيف أمرها، فقال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه. قال الصدوق: لو قال الذي في يده الدار: إنها لي وهي ملكي وأقام على ذلك بينة وأقام المدعي على دعواه بينة كان الحق أن يحكم بها للمدعي، لأن الله عز وجل انما أوجب البينة على المدعي ولم يوجبها على المدعي عليه، ولكن هذا المدعى عليه ذكر أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف أمرها، فلهذا أوجب الحكم باستحلاف أكثرهم بينة ودفع الدار إليه. ولو أن رجلا ادعى على رجل عقارا أو حيوانا أو غيره وأقام شاهدين وأقام الذي في يده شاهدين واستوى الشهود في العدالة لكان الحكم أن يخرج الشئ من يدي مالكه إلى المدعي، لأن البينة عليه، فان لم يكن الشئ في يدي أحد وادعى فيه الخصمان جميعا فمن أقام البينة فهو أحق به، فان أقام كل واحد منهما البينة فان أحق المدعيين من عدل شاهداه، فان استوى الشهود في العدالة فأكثرهما شهودا يحلف بالله ويدفع إليه الشئ، هكذا ذكره أبي رضي الله عنه في رسالته إلي (1). وقال ابن أبي عقيل: لو (2) ان رجلين تداعيا شيئا وأقام كل واحد منهما شاهدين عدلين انه له دون الآخر أقرع الحاكم بينهما فأيهما خرج اسمه حلفه بالله لقد شهد شهوده بالحق ثم أعطاه دعواه، وتواترت الأخبار عنهم - عليهم السلام - انهم قالوا: اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في أمر فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم رسول الله - صلى الله عليه وآله - بينهما فأعطاه للذي خرج اسمه، وقال: اللهم انك تقضي بينهما

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 64 - 66 ح 3344 و 3345 وذيل الحديث 3345.
(2) في الطبعة الحجرية: ولو.

[ 371 ]

وزعمت بعض العامة ان المدعيين إذا أقام كل واحد منهما شاهدي عدل على شئ واحد أنه له دون غيره حكم بينهما نصفين يقال لهم: أكتاب الله حكم بذلك أم بسنة رسول الله أم باجماع؟ فإن ادعوا الكتاب فالكتاب ناطق بالرد عليهم، وإن ادعوا السنة فالسنة في القرعة مشهورة بالرد عليهم، وإن ادعوا الاجماع كفوا الخصم مؤونتهم. يقال لهم: أليس إذا أقام كل واحد منهما شاهدي عدل في دار أنها له فشهود كل واحد منهما يكون شهود الآخر، والعلم محيط بأن إحدى الشهداء كاذبة والاخرى صادقة، فإذا حكمنا بالدار بينهما نصفين فقد أكذبنا شهودهما جميعا، لأن كل واحد منهما تشهد شهوده بالدار كلها دون الآخر، فإذا كانت أحد (1) الشهود كاذبة والاخرى صادقة فيجب أن يسقط أحدهما، لأنه لا سبيل إلى الحكم فيما شهدوا، إلا بالقاء أحدهما ولم يوجد إلى القاء واحد منهما سبيلا إلا بالقرعة. وقال ابن الجنيد: ولو تداعى رجلان عينا موجودة وكانت في يد أحدهما وأقام كل واحد من المتداعيين البينة على ما ادعاه منهما ولم يكن في شهادة احدى البينتين ما يدل على وجوب الحكم بها دون صاحبه بل كانتا متساويتين (2) متدافعتين وأعداد البينتين متساويتين عرض عليهما جميعا أن يحلفا على صدق ما شهدت به لهما بينتاهما ووجوب العين للحالف دون خصمه، فان حلفا جميعا أو أبيا أو حلف الذي هي في يده دون الآخر كان محكوما للذي هي في يده بها، فان حلف الذي ليست في يده وأبى الذي هي في يده أن يحلف حكم بها للحالف. ولو اختلفت أعداد الشهود وكان الذي في يده أكثر شهودا كان أولى باليمين إن بذلها، فان حلف حكم له بها. ولو كان الأكثر شهودا

(1) في الطبعة الحجرية: احدى.
(2) ق 2: بل كانتا منهما متساويتين، م 3: بل كانتا شهادتين.

[ 372 ]

الذي ليست في يده فحلف وأبى الذي هي في يده أن يحلف اخرجت من يد من كانت في يده وسلمت إلى الحالف مع شهوده الأكثرين من شهود من كانت في يده. ولو كانت العين في أيديها جميعا أو لم يكن في يد واحد وتساوى عدد البينتين عرضت اليمين على المدعيين فأيهما حلف استحقها إن أبى الآخر، وإن حلفا جميعا كانت بينهما نصفين. ولو اختلفت أعداد البينتين فتشاحا على اليمين اقرع بينهما سهام على أعداد الشهود لكل واحد منهما، فأيهما خرج سهمه كانت اليمين عليه، فإذا حلف دفعت العين التي قد ادعيت إليه، وكذلك روي ان أمير المؤمنين - عليه السلام - فعل. ولو كان الشئ في أيديهما وكل واحد يدعي جميعه وليس الواحد (1) منهما بينة وأبيا أن يحلفا كان في أيديهما على رسمه. ولو شهدت احدى البينتين بما يوجب تقدم ملك من شهدت له على ما يوجبه وقت ملك من شهدت له البينة الاخرى كان محكوما لمن أوجبت بينته له تقدم (2) ملكه، إلا أن تشهد البينة الاخرى بانتقال الملك من يد الأول ملكا إلى الثاني، فيكون محكوما بذلك لمن انتقل إليه الملك. وقال سلار: وإذا تعارضت البينتان فان كانت احداهما أرجح حكم بها، وإلا قسم الشئ بين من قامت لهما البينتان (3)، فان كان المدعى في يد أحد المدعيين مع تعارض البينة (4) حكم لمن يده خارجة منها دون المتشبث (5). وقال ابن البراج: فان شهد عنده شاهدان غيرهما بأن ذلك الحق لغير المشهود له أولا نظر في ذلك، فان كانت أيديهما خارجتين من ذلك الشئ كان على الحكام أن يحكم لأعدلهما شهودا، فان تساويا في العدالة حكم لأكثرهما في العدد مع يمينه بالله تعالى بأن الحق له، فان امتنع من اليمين من خرج اسمه

(1) م 3: لكل واحد.
(2) م 3: تقديم.
(3) في المصدر: البينات. (4) في المصدر: البينتين.
(5) المراسم: ص 234.

[ 373 ]

في القرعة استحلف الآخر، فإذا حلف كان الحكم له، فان امتنعا من اليمين قسم الحق نصفين، فان كان مع واحد منهما يد متصرفة فان شهدت البينة بأن الحق ملك له فقط وتشهد لآخر بالملك أيضا أخذ الحق من اليد التي هي متصرفة فيه وسلم إلى الذي يده خارجة، فان شهدت البينة لليد المتصرفة بسبب الملك من معاوضة أو هبة أو بيع أو ما أشبه ذلك كانت أولى من اليد الخارجة (1). وقال أبو الصلاح: فان كان للمدعى عليه بينة (2) ولا يد لأحدهما عليه حكم لأعدلهما شهودا، فان تساووا في العدالة حكم لأكثرهما شهودا مع يمينه، فان تساووا في العدد والعدالة اقرع بينهما واحلف من خرج سهمه وحكم له بالملك، فان كان لأحدهما يد وبينة تشهد باليد وللآخر تشهد بالملك حكم للخارج اليد بالملك، وإن كانت البينتان تشهدان بالملك حكم به لذي اليد (3). وقال ابن حمزة: إذا تداعيا عينا قائمة فان كانت في أيديهما وتساوت البينتان كانت بينهما نصفين، وإن اختلفتا بأن يكون احداهما مطلقة والآخري مقيدة فالحكم للمقيدة، أو احداهما عادلة والاخرى غير عادلة فالحكم للعدالة، أو تكون احداهما أكثر مع التساوي عدالة فالحكم للأكثر عددا. وإن كانت في يد أحدهما فان تكرر ملكها - كالأواني المصوغة من الذهب والفضة وشبههما - وكان لكل واحد منهما بينة على سواء فهي لصاحب اليد، وإن كانت مما لا يتكرر. فأما أن يكون لكل منهما بينة مطلقة فيحكم به لليد الخارجة، أو مقيدة بالتاريخ فيحكم للسابق، أو احداهما مقيدة بالتاريخ والاخرى مطلقة فيحكم

(1) المهذب: ج 2 ص 578، مع اختلاف.
(2) في المصدر: فان كان للمدعي بينة وللمدعى عليه بينة.
(3) الكافي في الفقه: ص 439 - 440.

[ 374 ]

للمقيدة، أو كانتا مقيدتين بالاضافة إلى ابتياع أو هبة أو معاوضة من واحد فيحكم لصاحب اليد، أو من اثنين فان كان الملك وقت الانتقال لمن انتقل منه إلى صاحب اليد حكم له، وإن كان لمن انتقل منه إلى اليد الخارجة كان له، وإن كانت في يد ثالث لا يدعيها وأقام كل منهما بينة مؤرخة على سواء تعارضتا، وإن اختلفتا تاريخا حكم للسابق، وإن اختلفتا بالتقييد والاطلاق حكم للمقيدة، فان اختلفتا بالانتقال فحكمه ما تقدم، وإن انتقل إليهما من واحد وكان بعد في يد من انتقل منه وأقام كل منهما بينة مؤرخة على سواء اقرع بينهما ولا تأثير لاقرار البائع في ذلك، وكذا إن كانت كل منهما غير مؤرخة أو كانت احداهما مؤرخة والاخرى مطلقة، وإن قبضها واحد ولا تاريخ للبينة أو اتفق التاريخان حكم لصاحب اليد، وإن تفاوت التاريخ فالحكم للسابق. وإن لم يكن في يد أحد فان كان لكل واحد منهما بينة على سواء حكم فيه بالقرعة، فمن خرجت قرعته وحلف فهي له، وإن امتنع من اليمين وحلف الآخر فهي له، وإن امتنعا معا كانت بينهما نصفين، وإن كانت البينة على اختلاف فالحكم للعادلة، فان تساويا عدالة حكم للأكثر عددا إذا حلف صاحبها (1). وقال ابن ادريس: إذا شهد عدلان ان حقا ما لزيد وآخران انه لعمرو فان كانت أيديهما خارجتين حكم لأعدلهما شهودا، فان تساويا فللأكثر مع يمينه بالله تعالى أن الحق له، فان تساويا عدالة وعددا اقرع بينهما، فمن خرج عليه حلف، فان امتنع حلف الآخر، فان امتنعا فهو بينهما نصفان. ومتى كان مع واحد منهما يد متصرفة قال شيخنا في النهاية: فان كانت البينة تشهد بأن الحق ملك له فقط وتشهد للآخر بالملك أيضا انتزع الحق من اليد المتصرفة وأعطى اليد الخارجة، وإن شهدت البينة لليد المتصرفة بسبب الملك من بيع أو هبة أو

(1) الوسيلة: ص 218 - 221، مع اختلاف.

[ 375 ]

معاوضة كانت أولى من اليد الخارجة. قال: والذي يقوى في نفسي وأعمل عليه وافتي به ان اليد الخارجة في المسألتين معا يسلم الشئ إليها، وهي أحق من اليد المتصرفة، والبينة بينتها كيف ما دارت القضية، هذا الذي يقتضيه اصول مذهب أصحابنا بغير خلاف بين المحققين، ولقوله - عليه السلام -: (البينة على المدعي وعلى الجاحد اليمين) وهذا مذهب شيخنا في كتاب البيوع من مسائل خلافه، وعقد الباب أن نقول: إذا تنازعا عينا وهي في يد أحدهما وأقام كل منهما بينة بما يدعيه من الملكية انتزعت العين من يد الداخل واعطيت الخارج، وكانت بينة الخارج أولى وهي المسموعة، سواء شهدت بينة الداخل بالملك بالاطلاق أو بالأسباب أو بقديمه أو بحديثه فان بينة الخارج أولى على الصحيح من المذهب وأقوال أصحابنا، وإن كانت العين خارجة منهما وأقاما بينة رجح أصحابنا بكثرة الشهود، فان استويا رجح بالتفاضل في العدالة، فان استويا فان الحكم عند المحصلين من أصحابنا القرعة على أيهما خرجت أعطي وحلف الآخر انه يستحقه، فان لم يكن ترجيح وهي في يد ثالث وأقام أحدهما بينة بقديم الملك والآخر بحديثه وكل منهما يدعي انه ملكي الآن وبينة كل واحد منهما تشهد بأنه ملكه الآن غير ان احدى البينتين تشهد بالملكية الآن وبقديم الملك والآخري تشهد بالملكية الآن وبحديث الملك سمعت بينة القديم، لأن حديث الملك لا يملكه إلا عن يد قديمة فهو مدعي الملكية عنه، ولا خلاف انا لا نحكم بأنه ملك عنه، لأنه لو كان ملك عنه لوجب أن يكون الرجوع عليه بالدرك، فإذا لم يحكم بأنه ملكه عنه بقي الملك على صاحبه حتى يعلم زواله عنه، وكذلك تكون بينة صاحب السبب أولى في هذه المسألة إذا كانت العين في يد ثالث عند بعض أصحابنا. والأقوى عندي استعمال القرعة ها هنا، وألا يجعل لصاحب السبب ترجيح، لأن الترجيح عندنا ما ورد إلا بكثرة الشهود، فان تساووا فالأعدل وبقديم الملك، ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا،

[ 376 ]

والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا، فلم يبق إلا القرعة. ولو قلنا: نرجح بالسبب إذا كان في يد ثالث لكان قويا، وبه افتي، لأن فيه جمعا بين الأحاديث، وعليه الاجماع، فان المحصلين من الأصحاب مجمعون عليه قائلون به، ولأن السبب أولى من قديم الملك، وقد رجحنا بقديم الملك. ثم قال بعد ذلك: والذي أعتمده وأعتقده وأعمل عليه بعد هذه التفاصيل جميعا ألا ترجيح إلا بالعدد، وبالتفاضل في عدالة البينتين فحسب دون الأسباب وقدم الاملاك، لان القياس عندنا باطل، وانما فصلنا ما فصلناه على وضع شيخنا في مسائل خلافه وهي فروع المخالفين ومذاهبهم، فحكاها واختارها دون أن يكون مذهبا لنا أو لبعض مشيختنا، ولا وردت به أخبارنا، ولم يذهب إليه أحد من أصحابنا سوى شيخنا أبي جعفر في كتابيه الفروع مبسوطه ومسائل خلافه، وعادته في هذين الكتابين وضع أقوال المخالفين واختيار بعضها (1). والمعتمد أن نقول: إن كان هناك يد متصرفة واخرى خارجة وشهدت بينة المتشبث بالسبب وأطلقت الاخرى فان البينة بينة الداخل مع يمينه. لنا: ما رواه الجمهور، عن جابر أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في دابة أو بعير فأقام كل واحد منهما البينة أنها له أنتجها، فقضي بها رسول الله - صلى الله عليه وآله - لمن هي في يده (2). ومن طريق الخاصة ما رواه غياث بن ابراهيم، عن الصادق - عليه السلام - ان أمير المؤمنين - عليه السلام - اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما أقام البينة أنه أنتجها فقضى بها للذي هي في يده، وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 167 - 171، مع اختلاف.
(2) سنن الدار قطني: ج 4 ص 209 ح 21.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 234 ح 573، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 3 ج 18 ص 182.

[ 377 ]

وعن اسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - ان رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - فحلف أحدهما وأبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف فقيل له: لو لم يكن في يد واحد منهما وأقاما البينة، فقال: احلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعا جعلتها بينهما نصفين، قيل له: فان كانت في يد واحد منهما وأقاما جميعا البينة، قال: أقضي بها للحالف الذي في يده (1). ولأن جانب الداخل أقوى، ولهذا قدمت يمينه على يمين المدعي فيكون بينته أقوى. ولأن له يدا وسببا بخلاف الاخرى. ولأنهما تعارضتا فتسلم اليد مع السبب، وإن كانتا مطلقتين أو مقيدتين بالسبب فالبينة بينة الخارج، لما رواه محمد بن حفص، عن منصور، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها وأقام البينة العدول انها ولدت عنده ولم يهب ولم يبع وجاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول انها ولدت عنده ولم يبع ولم يهب، قال: قال أبو عبد الله الصادق - عليه السلام -: حقها للمدعي، ولا أقبل من الذي في يده بينة: لأن الله عز وجل انما أمر أن يطلب البينة من المدعي، فان كانت له بينة وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر الله عز وجل (2). وإن كانت يدهما عليها قسم بينهما نصفين، لأن كل واحد خارج في النصف داخل في الآخر فتسمع بينته فيما هو خارج عنه، وإن كانت يدهما

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 233 ح 570، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 3 ج 18 ص 182.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 240 ح 594، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 14 ج 18 ص 186.

[ 378 ]

خارجتين حكم بترجيح احدى البينتين في العدالة والعدد فيقضي للراجح، فان تساويا فيها فالقرعة والاحلاف لمن خرج اسمه، فان امتنع احلف الآخر وحكم له، فان امتنعا قسم بينهما بالسوية، ولو كانت احدى البينتين أقدم تاريخا وشهدت بقديم الملك واستمراره الى حين الشهادة فهي أولى من المتأخرة، ولو تساويا في التاريخ أو كانتا مطلقتين فيه أو إحداهما مطلقة والاخرى مقيدة تعارضتا. واحتج الشيخ على قوله في الخلاف بما تقدم من الأخبار، وبأنهما تداعيا وأقاما بينة فلا ترجيح، وتبقى اليد مختصة بأحدهما فيترجح بها (1). وهو حسن، لكن حديث منصور يدل على خلافه، ولولاه لصرت إلى قول الشيخ في الخلاف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال لعبده: إن قتلت فأنت حر فهلك السيد واختلف الوارث والعبد فأقام الوارث البينة انه مات حتف أنفه (2) وأقام العبد البينة انه مات بالقتل قال قوم: يتعارضان ويسقطان ويسترق العبد، وقال قوم: بينة العبد أولى، لأن موته قتلا يزيد على موت (3) حتف أنفه، لأن كل مقتول ميت، وليس كل ميت مقتولا، فكان الزائد أولى ويعتق العبد، وعندنا يستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه حكم ببينته (4). وقال في الخلاف: هذا يسقط عنا، لانه عتق بشرط، ولا يصح العتق بالشرط عندنا ومتى قلنا: إن التدبير وصية وليس هو عتقا بصفة قلنا: يستعمل القرعة (5). وقال ابن ادريس: الأظهر الذي يقتضيه اصول مذهبنا انه يعتق العبد،

(1) الخلاف: ج 6 ص 337 ذيل المسألة 10.
(2) في المصدر: الأنف.
(3) في المصدر: موته.
(4) المبسوط: ج 8 ص 173.
(5) الخلاف: ج 6 ص 253 المسألة 5.

[ 379 ]

لأن هذا ليس بأمر مشكل، لأن بينة العبد شهدت بأمر زائد قد يخفى على بينة الوارث (1). وأقول: الشيخ - رحمه الله. - انما حكم بالقرعة في الموضع الذي يحصل الاشتباه فيه، وهو أن تشهد بينة القتل بأمر لا يخفى عن بينة الموت وتشهد بينة الموت بأمر لا يمكن أن يجامع بينة القتل فحينئذ يتحقق التعارض، فأما أن تتساقطا - كما ذهب إليه قوم من الجمهور (2) - وليس بجيد، وإما أن يحكم بالقرعة وعليه النقل (3)، لأنه مشكل، لعدم الترجيح لاحداهما. والذى قاله ابن ادريس: (ان بينة القتل شهدت بأمر قد يخفى عن بينة الموت) ليس محل النزاع، لأنه حينئذ يحكم ببينة القتل. وقول ابن ادريس ليس بردئ لا باعتبار ما قال، بل من حيث ان العبد خارج مدعي فالحكم لبينته. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال لعبد له: إن مت في رمضان فأنت حر وقال لعبد آخر: إن مت في شوال فأنت حر فمات السيد واختلف العبدان وأقام كل واحد منهما البينة على ما ادعاه حكم بالقرعة (4). وقال ابن ادريس: الصحيح أنه تقبل بينة رمضان، لأن معها زيادة، وهو أن يخفى على بينة شوال موته في رمضان، ولا يخفى على بينة رمضان موته في شوال، فكان صاحب رمضان أولى، وليس هذا من الامور المشكلة بقبيل (5). والمعتمد ما قاله الشيخ، لأن بينة شوال انما تشهد بموته فيه لو عرفت حياته في رمضان، وهو لا يجمع شهادة موته فيه.

(1) السرائر: ج 2 ص 174. (2) المبسوط للسرخسي: ج 17 ص 62 ص 23.
(3) في الطبعة الحجرية: العمل.
(4) المبسوط: ج 8 ص 173.
(5) السرائر: ج 2 ص 174.

[ 380 ]

الفصل الثالث في لواحق القضاء مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن نكل عن اليمين ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه (1). وهو يعطي القضاء بالنكول من غير احلاف المدعي، وهو قول شيخه المفيد (2) - رحمه الله - وسلار (3)، وأبي الصلاح (4)، وبه قال في القدماء من علمائنا ابنا بابويه (5). وقال ابن الجنيد: ترد اليمين على المدعي ويحلف ويقضى له. وهو اختيار ابن حمزة (6)، وابن ادريس، ونقله ابن ادريس عن الشيخ في المبسوط والخلاف وقال: إنه قد رجع عن قوله في النهاية (7). ولابن البراج قولان: في الكامل كقول النهاية، وفي المهذب (8) كالمبسوط والخلاف. والمعتمد انه لا يحكم بالنكول بل بيمين المدعي. لنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - انه رد اليمين على طالب الحق (9).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 71.
(2) المقنعة: ص 724.
(3) المراسم: ص 231.
(4) الكافي في الفقه: ص 447.
(5) المقنع: ص 132.
(6) الوسيلة: ص 213.
(7) السرائر: ج 2 ص 180.
(8) المهذب: ج 2 ص 585.
(9) كنز العمال: ج 5 ص 850 ح 14545.

[ 381 ]

ومن طريق الخاصة ما رواه عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي، قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حق له (1). وفي الحسن عن هشام، عن الصادق - عليه السلام - قال: ترد اليمين عن المدعي (2). وهو عام. ولأن المدعي مع رد اليمين عليه يجب عليه الحلف، فان نكل بطل حقه، وإذا جاز أن يبطل حقه على تقدير جواز النكول وجب على الحاكم التماس اليمين منه لئلا يثبت المسقط للحق. ولأن الأصل براءة الذمة وعدم شغلها بالمال، ولم يثبت المزيل لحكم الأصل، والنكول جاز استناده إلى تعظيم حال اليمين، فلا يثبت بمجرده ما يخالف حكم الأصل المعلوم، لأنه غير مظنون المعارضة فكيف يكون معلومها؟! ولأنه أحوط. وقد احتج الشيخ في الخلاف باجماع الفرقة على رد اليمين وبقوله تعالى: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) فأثبت تعالى يمينا مردودة بعد يمين أي: بعد وجوب يمين، وبقوله - عليه السلام -: (المطلوب أولى باليمين من المطالب)) ولفظة (أولى) من وزن (أفعل) وحقيقتها الاشتراك في الحقيقة وتفضيل أحدهما على الآخر فاشتركا في اليمين، لكن المطلوب أولى. ولأن الأصل براءة الذمة، وايجاب الحكم بالنكول يحتاج إلى دليل (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 230 ح 556، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 2 ج 18 ص 176.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 230 ح 560، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 3 ج 18 ص 176.
(3) الخلاف: ج 6 ص 290 المسألة 38.

[ 382 ]

احتجوا بما رواه الحلبي وجميل وهشام في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه) (1) فجعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الأخرس كيف يحلف إذا ادعى عليه دين ولم يكن للمدعي بينة؟ فقال: ان أمير المؤمنين - عليه السلام - اتي بأخرس وادعي عليه دين فأنكر ولم يكن للمدعي بينة، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للامة جميع ما تحتاج إليه، ثم قال: ائتوني بمصحف، فاتي به فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنه كتاب الله عز وجل، ثم قال: ائتوني بوليه، فاتي بأخ له فأقعده إلى جنبه، ثم قال: يا قنبر علي بدواة وصحيفة: فأتاه بهما، ثم قال لأخي الأخرس: قل لأخيك: هذا بينك وبينه انه علي (2)، فتقدم إليه بذلك ثم كتب أمير المؤمنين - عليه السلام -: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السر والعلانية أن فلان بن فلان المدعي ليس له قبل فلان بن فلان - أعني: الأخرس - حق، ولا طلبة بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، ثمه غسله وأمر الأخرس أن يشربه، فامتنع فألزمه الدين (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 229 ح 553 وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 3 ج 18 ص 178.
(2) ليس (انه علي) في التهذيب.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 319 ح 879، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1 ج 18 ص 222.

[ 383 ]

والجواب عن الأول: انه لا حجة فيه. لأنه حكم بالابتداء. وعن الثاني: باحتمال إلزامه بالدين عقيب إحلاف المدعي، جمعا بين الأدلة خصوصا، والجمهور (1) نقلوا ما اخترناه مذهبا لعلي - عليه السلام -. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام من الأموال والحدود والقصاص وغير ذلك، سواء كان من حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين فالحكم فيه سواء، وكلا فرق بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته أو قبل التولية أو بعدها قبل عزله وفي غير موضع ولايته الباب الواحد (2). وقال في المبسوط: إذا أنكر وعلم الحاكم صدق ما يدعيه المدعي - مثل أن علم (3) إن كان عليه دين يعلمه الحاكم أو قصاص ونحو ذلك - فهل له أن يقضي بعلمه أم لا؟ قال قوم: لا يقضي بعلمه، وقال آخرون: له أن يحكم بعلمه، وفيه خلاف، ولا خلاف انه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل، بدليل انه لو علم الجرح وشهدوا عنده بالتعديل (4) ترك الشهادة وعمل بعلمه، ولأنه لو لم يقض بعلمه أفضى إلى أيقاف الأحكام أو فسق الحكام، لأنه إذا طلق الرجل زوجته بحضرته ثلاثا ثم جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه، فان حكم بغير علمه - وهو اسحتلاف الزوج وتسليمها إليه - فسفق، وإن لم يحكم له وقف الحكم، وهكذا إذا أعتق الرجل عبده بحضرته ثم جحد، وإذا غصب من رجل ماله ثم جحده يفضي إلى ما قلناه. والذي يقتضيه مذهبنا ورواياتنا ان للامام أن يحكم بعلمه، وأما من عداه من الحكام فالأظهر ان لهم أن يحكموا

(1) المحلى: ج 9 ص 377. (2) الخلاف: ج 6 ص 242 المسألة 41.
(3) ليس في المصدر: (إن علم).
(4) ليس في المصدر: (بالتعدليل).

[ 384 ]

بعلمهم، وقد روي في بعضها انه ليس أن يحكم بعلمه، لما فيه من التهمة (1). وقال أبو الصلاح: له أن يحكم بعلمه (2). وقال ابن حمزة: يجوز للحاكم المأمون الحكم (3) بعلمه في حقوق الناس، و للامام في جميع الحقوق (4). وقال السيد المرتضى: مما ظن انفراد الامامية به وأهل الظاهر يوافقونها فيه القول بأن للامام والحكام من قبله أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق والحدود من غير استثناء، وسواء علم الحاكم ما علمه وهو حاكم أو علمه قبل ذلك ثم نقل تفصيل مذاهب الجمهور. ثم اعترض فقال: كيف تستجيزون ادعاء الاجماع من الامامية في هذه المسألة وأبو علي بن الجنيد يصرح بالخلاف فيها ويذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شئ من الحقوق ولا الحدود؟! وأجاب: بأنه لا خلاف بين الامامية في هذه المسألة، وقد تقدم اجماعهم ابن الجنيد وتأخر عنه، وانما عول ابن الجنيد فيها على ضرب من الرأي والاجتهاد، وخطأه ظاهر، فكيف يخفى إطباق الامامية على وجوب الحكم بالعلم وهم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمة - عليها السلام - بفدك لما ادعت انه نحلها أبوها؟! ويقولون: إذا كان عالما بعصمتها وطهارتها وانها لا تدعي إلا الحق فلا وجه لمطالبتها باقامة البينة، لأن البينة لا وجه لها مع القطع بالصدق، وكيف يخفى على ابن الجنيد هذا الذي لا يخفى على أحد؟! أو ليس قد روت الشيعة الامامية كلها ما هو موجود في كتبها مشهور في رواياتها ان النبي - عليه السلام - ادعى عليه أعرابي سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال - عليه السلام -: قد أو فيتك، فقال الأعرابي: إجعل بيني وبينكم رجلا يحكم

(1) المبسوط: ج 8 ص 165 - 166.
(2) الكافي في الفقه: ص 445.
(3) ق 2 وم 3: أن يحكم.
(4) الوسيلة: ص 218.

[ 385 ]

بيننا، فاقبل رجل من قريش فقال له - صلى الله عليه وآله -: احكم بيننا، فقال للأعرابي: ما تدعي على رسول الله - صلى الله عليه وآله -؟ فقال: سبعون درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول؟ فقال: لم يوفني، فقال لرسول الله: ألك بينة على انك قد أوفيته؟ قال: لا، فقال للأعرابي: أتحلف انك لم تستوف حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله: لأحاكمن هذ الرجل إلى رجل يحكم فينا بحكم الله تعالى، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وآله - علي بن أبي طالب - عليه السلام - ومعه الأعرابي، فقال علي - عليه السلام - مالك يا رسول الله؟ فقال: يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي، فقال علي - عليه السلام -: ما تدعي على رسول الله؟ فقال: سبعون درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيته ثمنها، فقال علي - عليه السلام - يا أعرابي أصدق رسول الله فيما قال؟ قال: لا ما أوفاني، فأخرج علي - عليه السلام - سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله: لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول الله نحن نصدقك على أمر الله ونهيه وأمر الجنة والنار والثواب والعقاب ووحي الله تعالى ولا نصدقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي، فاني قتلته، لأنه كذبك لما قلت له: أصدق رسول الله فيما قال: فقال: لا ما أوفاني شيئا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: أصبت يا علي فلا تعد إلى مثلها، ثم التفت إلى القرشي وكان قد تبعه فقال: هذا حكم الله لا ما حكمت به. وروت الشيعة أيضا عن ابن جريح، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وآله - من منزل عائشة فاستقبله أعرابي ومعه ناقة فقال: يا محمد أتشتري هذه الناقة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: نعم، بكم تبيعها يا أعرابي؟ فقال: بمائتي درهم، قال النبي - صلى الله عليه وآله -: ناقتك خير من هذا، قال: فما زال النبي - صلى الله عليه وآله - يزيد حتى اشترى الناقة

[ 386 ]

بأربعمائة درهم، قال: فلما دفع النبي - صلى الله عليه وآله - الدراهم الى الأعرابي ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة وقال: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، قال: فأقبل رجل فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ فقال: نعم يا محمد، فلما دنا قال: اقض في ما بيني وبين هذا الأعرابي، قال: تكلم يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابي: بل الدراهم دراهمي والناقة ناقتي فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول الله وذلك ان الأعرابي طلب البينة، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله -: إجلس فجلس، ثم أقبل رجل آخر فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: أترضى يا أعرابي بالشيخ المقبل؟ قال: نعم، فلما دنا قال النبي - صلى الله عليه وآله -: اقض في ما بيني وبين هذا الأعرابي، قال: تكلم يا رسول الله، قال النبي - صلى الله عليه وآله -: الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي: لا بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فقال الرجل: القضية فيها واضحة يا رسول الله، لأن الأعرابي يطلب البينة، فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: اجلس حتى يأتي الله بمن يقضي بيني وبين الأعرابي بالحق، قال: فأقبل علي - عليه السلام - فقال النبي - صلى الله عليه و آله -: أترضى بالشاب المقبل؟ قال: نعم، فلما دنا قال: يا أبا الحسن اقض بيني وبين الأعرابي، فقال: تكلم يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: الناقة ناقتي والدراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي فان كان لمحمد شئ فليقم البينة، فقال علي - عليه السلام -: خل بين الناقة وبين رسول الله، فقال الأعرابي: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة، فدخل علي - عليه السلام - منزله فاشتمل على قائم سيفه ثم أتى الرجل

[ 387 ]

فقال: خل بين الناقة وبين رسول الله، فقال: ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البينة، قال: فضربه علي - عليه السلام - ضربة فأجمع أهل الحجاز على انه رمى برأسه، وقال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضوا، فقال النبي - صلى الله عليه وآله: ما حملك يا علي على هذا؟! فقال: يا رسول الله نصدقك على الوحي من السماء ولا نصدقك على أربعمائة درهم. قال السيد المرتضى: وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي - رحمه الله - وقد روى هذين الخبرين في كتابه المعروف ب‍ (كتاب من لا يحضره الفقيه): هذان الخبران غير مختلفين، لأنهما في قضيتين، وكانت هذه القضية قبل القضية التي ذكرناها قبلها. وقد روت الشيعة أيضا في كتبها خبر أمير المؤمنين - عليه السلام - مع شريح قاضيه في درع طلحة بن عبيد الله لما قال - عليه السلام -: هذه درع طلحة اخذت غلولا يوم البصرة ومطالبة شريح له بالبينة على ذلك وإحضاره - عليه السلام - الحسن ابنه - عليه السلام - وقنبرا غلامه، وقوله - عليه السلام - لشريح: أخطأت ثلاث مرات. ورووا أيضا حديث خزيمة بن ثابت - ذي الشهادتين - لما شهد للنبي - صلى الله عليه وآله - على الأعرابي، فقال له النبي - صلى الله عليه وآله: كيف شهدت بذلك وعلمته؟ قال: من حيث علمت انك رسول الله. فمن يروي هذه الأخبار مستحسنا لها معولا عليها كيف يجوز أن يشك في انه كان يذهب إلى ان الحاكم يحكم بعلمه؟! لو لا قلة التأمل من ابن الجنيد. ثم قال السيد: والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه زائدا على الاجماع المتردد قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا) وقوله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فمن علمه الامام سارقا أو زانيا قبل القضاء أو بعده فواجب عليه أن يقضي فيه ما أوجبته الآية من إقامة الحدود، وإذا ثبت في الحدود ثبت في الأموال، لعدم القائل بالفرق (1).

(1) الانتصار: ص 236 - 241، مع اختلاف.

[ 388 ]

والحق ما ذهب إليه السيد المرتضى والشيخ في الخلاف، لما تقدم، ولأن العلم أقوى دلالة من الظن، وإذا جاز الحكم مع الظن جاز مع العلم على طريق الاولى. احتج ابن الجنيد بأن في الحكم بعلمه تزكية نفسه، ولأنه إذا حكم بعلمه فقد عرض نفسه للتهمة وسوء الظن به. والجواب: التزكية حاصلة للحاكم بتولية الحكم له، وليس ذلك بتابع لإمضاء الحكم في ما علمه، والتهمة حاصلة في الحكم بالبينة والاقرار مع عدم الالتفات إليها. قال السيد المرتضى ووجدت لابن الجنيد كلاما في هذه المسألة غير محصل لأنه لم يكن في (1) هذا [ دلالة ] ولا إليه، ورأيته يفرق بين علم النبي - صلى الله عليه وآله - بالشئ وبين علم خلفائه وحكامه، وهذا غلط منه، لأن علم العالمين بالمعلومات لا يختلف، فعلم كل واحد معلوم بعينه كعلم كل عالم به، وكما ان الامام أو النبي إذا شاهدا رجلا يزني أو يسرق فهما عالمان بذلك علما صحيحا، وكذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما. قال: ووجدته يستدل على بطلان الحكم بالعلم بأن يقول: وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم وبين الكفار والمرتدين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح، ووجدنا الله تعالى أطلع رسوله - صلى الله عليه وآله - على من كان يبطن الكفر ويظهر الاسلام، وكان يعلمه ولم يبين - عليه السلام - أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وهذا غير معتمد، لأنا أولا، لا نسلم له ان الله تعالى قد أطلع نبيه - صلى الله عليه وآله - على معائب المنافقين وكل من كان يظهر الايمان ويبطن الكفر من امته.

(1) في الطبعة الحجرية م 3: من.

[ 389 ]

قال السيد المرتضى: فان استدل على ذلك بقوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) فهذا لا يدل على وقوع التعريف، وانما يدل على القدرة عليه، ومعنى قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول) أي ليستيقن ظنك أو وهمك من غير قطع ولا يقين، ثم لو سلمنا على غاية مقترحة انه - صلى الله عليه وآله - قد أطلع على البواطن لم يلزم ما ذكره، لأنه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة والموارثة وأكل الذبائح، انما يختص بمن أظهر كفره وردته دون من أبطنها، وأن تكون المصلحة التي يتعلق بها التحريم والتحليل اقتضت ما ذكرناه، ولا يجب على النبي - صلى الله عليه وآله - أن يبين أحوال من أبطن الردة والكفر لأجل هذه الأحكام التي ذكرناها، لأنها لا تتعلق بالمبطن وانما تتعلق بالمظهر، وليس كذلك الزنا وشرب الخمر والسرقة، لأن الحد في هذه الامور تتعلق بالمظهر والمبطن على سواء، وانما يستحق بالفعلية التي يشترك فيها المعلن والمستر (1). مسألة: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت للشيخ ثلاثة اقوال: الاول: قال في المبسوط: إن كان مع أحدهما بينة قضى له بها، لأن بينته أولى من يد الآخر، وإن لم يكن مع أحدهما بينة فيد كل واحد منهما على نصفه، يحلف كل واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما نصفين، وسواء كانت يدهما من حيث المشاهدة أو من حيث الحكم، وسواء كان مما يصلح للرجال دون النساء - كالعمائم والطيالسة والدراريع والسلاح - أو يصلح للنساء دون الرجال - كالحلي والمقانع وقمص النساء - أو يصلح لكل واحد منهما - كالفرش والأواني - وسواء كانت الدار لهما أو لأحدهما أو لغيرهما، وسواء كانت الزوجية باقية بينهما أو بعد زوال الزوجية، وسواء كان التنازع بينهما أو بين ورثتهما أو بين أحدهما

(1) الانتصار: ص 242 - 243.

[ 390 ]

وورثة الآخر (1) وقد روى أصحابنا ان ما يصلح للرجال للرجل وما يصلح للنساء فللمرأة وما يصلح لهما يجعل بينهما، وفي بعض الروايات ان الكل للمرأة وعلى الرجل البينة، لأن من المعلوم ان الجهاز ينقل من بيت المرأة الى بيت الرجل. والأول أحوط (2). الثاني: قال في الخلاف: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فقال كل واحد منهما: كله لي ولم يكن مع أحدهما بينة نظر فيه، فما يصلح للرجال القول قوله مع يمينه، وما يصلح للنساء فالقول قولها مع يمينها، وما يصلح لهما كان بينهما. وقد روي ان القول في جميع ذلك قول المرأة من يمينها. والأول أحوط (3). الثالث: قال في الاستبصار: القول قول المرأة (4) وقال ابن البراج في كتابيه معا: إذا طلق الرجل زوجته وفي بيتها ما للرجال وما للنساء ولم يكن لأحدهما بينة على شئ منه كان بينهما نصفين، فان طلقها وادعى ان متاع البيت له وادعت المرأة انه لها دونه حكم للرجل بما للرجال وللمرأة بما للنساء (5). وقال ابن حمزة: إذا اختلف الزوجان أو من يرثهما في متاع البيت لم يخل إما كان في أيديهما معا أو في يد أحدهما، فان كان في أيديهما وكان لكل واحد منهما بينة تحالفا وقسم بينهما، وإن لم يكن لواحد منهما بينة ويصلح لأحدهما كان له، وإن صلح لهما معا كان بينهما، وإن كان لأحدهما بينة حكم له، وإن كان في يد أحدهما كانت البينة على اليد الخارجة واليمين على المتشبثة (6).

(1) في المصدر: وورثة الآخر وفيه خلاف.
(2) المبسوط: ج 8 ص 310.
(3) الخلاف: ج 6 ص 352 المسألة 27. (4) الاستبصار: ج 3 ص 47 ذيل الحديث 153.
(5) المهذب: ج 2 ص 579.
(6) الوسيلة: ص 227.

[ 391 ]

وقال ابن ادريس: الذي يقوى عندي ما ذهب إليه في مسائل خلافه، لأن عليه الاجماع وتعضده الأدلة، لأن ما يصلح للنساء الظاهر انه لهن وكذلك ما يصلح للرجال، فأما ما يصلح للجميع فيداهما معا عليه فيقسم بينهما، لأنه ليس أحدهما أولى به من الآخر ولا يترجح أحدهما على الآخر ولا يقرع ها هنا، لأنه ليس بخارج عن أيديهما، وانما لو كانت في يد ثالث وأقام كل واحد منهما البينة وتساوت البينتان في جميع الوجوه كان الحكم فيه القرعة، لأنه ليس هو في أيديهما (1). والمعتمد أن نقول: إن كان هناك قضاء عرفي رجع إليه وحكم به بعد اليمين، وإلا كان الحكم فيه كما في غيره من الدعاوي. لنا: أن عادة الشرع في باب الدعاوي بعد الاعتبار والنظر راجعة إلى ما ذكرناه، ولهذا حكم بقول المنكر مع اليمين بناء على الأصل، وبأن المتشبث أولى من الخارج لقضاء العادة بملكية ما في يد الانسان غالبا، فحكم بايجاب البينة على من يدعي خلاف الظاهر والرجوع إلى من يدعي الظاهر وأما مع انتفاء العرف فلتصادم الدعويين مع عدم الترجيح لأحدهما فتساويا فيها. واحتج الشيخ - رحمه الله - على قوله في الاستبصار بما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألني كيف قضى ابن أبي ليلى؟ قال: قلت: قد قضى في مسألة واحدة بأربعة وجوه: في التي يتوفى عنها زوجها فيختلف (2) أهله وأهلها في متاع البيت، فقضى فيه بقول ابراهيم النخعي ما كان في متاع لا يكون للرجل للمرأة، ومتاع الرجل الذي لا يكون للمرأة للرجل، وما للرجل والمرأة قسمه بينهما نصفين. ثم ترك هذا القول فقال: المرأة بمنزلة الضيف في منزل الرجل، لو أن رجلا أضاف رجلا فادعى متاع

(1) السرائر: ج 2 ص 194.
(2) في الطبعة الحجرية: فبحثوا.

[ 392 ]

بيته كلفه (1) البينة، وكذلك المرأة تكلف البينة، وإلا فالمتاع للرجل ورجع إلى قول آخر فقال: إن القضاء أن المتاع للمرأة، إلا أن يقيم الرجل البينة على ما أحدث في بيته ثم ترك هذا القول ورجع إلى قول ابراهيم الأول فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: القضاء الأخير وإن كان قد رجع عنه: المتاع متاع المرأة، إلا أن يقيم الرجل البينة، قد علم من بين لابتيها - يعني: - بين جبلي منى - ان المرأة تزف إلى بيت زوجها بمتاع ونحن يومئذ بمنى (2). ونحوه روى عبد الرحمان بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلا انه قال: إلا الميزان فانه من متاع الرجل (3). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألني هل يقضي ابن أبي ليلى بقضاء يرجع عنه؟ فقلت له: بلغني انه قضى في متاع الرجل والمرأة إذا مات أحدهما فادعى ورثة الحي وورثة الميت، أو طلقها الرجل فادعاه الرجل وادعته المرأة اربع قضيات، فقال: ما هن؟ قلت اما اول ذلك فقضى فيه بقضاء ابراهيم النخعي أن يجعل متاع المرأة الذي لا يكون [ للرجل للمرأة، ومتاع الرجل الذي لا يكون ] للمرأة للرجل، وما يكون للرجال والنساء بينهما نصفين. ثم بلغني انه قال: انهما مدعيان جميعا والذي بأيديهما جميعا مما يتركان بينهما نصفين. ثم قال: الرجل صاحب البيت والمرأة الداخلة عليه وهي المدعية فالمتاع كله للرجل، إلا متاع النساء الذي لا يكون للرجال فهو للمرأة. ثم قضى بعد ذلك بقضاء [ الاولى ] لو لا إني شهدته لم أروه عليه، ماتت امرأة منا ولها زوج وتركت متاعا فرفعته إليه فقال: اكتبوا لي المتاع، فلما

(1) في الطبعة الحجرية: كلفته.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 44 - 45 ح 149، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 1 ج 17 ص 524، مع اختلاف فيهما.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 45 ح 150، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 1 ج 17 ص 523 - 524.

[ 393 ]

قرأه قال: هذا يكون للمرأة وللرجل وقد جعلته للمرأة إلا الميزان، فانه من متاع الرجل فهو لك. قال: فقال: على أي شئ هو اليوم؟ قلت: رجع إلى أن جعل البيت للرجل، ثم سألته عن ذلك فقلت له: ما تقول فيه أنت؟ قال: القول الذي أخبرتني انك شهدته منه وإن كان قد رجع عنه قلت له: يكون المتاع للمرأة، فقال: لو سألت من بينهما - يعني: الجبلين، ونحن يومئذ بمكة - لأخبروك ان الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت الرجل فيعطي التي جاءت به وهو المدعي، فان زعم انه أحدث منه شيئا فليأت البينة (1). واحتج على ما قاله في الخلاف بما رواه رفاعة النخاس في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرجل والنساء قسم بينهما، وإذا طلق المرأة فادعت ان المتاع لها وادعى الرجل ان المتاع له كان له ما للرجال ولها ما للنساء (2). ثم قال في الاستبصار - عقيب هذا الخبر -: انه يحتمل أحمد شيئين: الحمل على التقية، لأن ما أفتى به - عليه السلام - في الأخبار السابقة (3) لا يوافق عليه أحد من العامة، وما هذا حكمه يجوز أن يتقى فيه. أو على (4) أن يكون ذلك على جهة الوساطة والصلح دون (5) مر الحكم (6). واعلم ان ما رواه الشيخ - رحمه الله - من الأحاديث يعطي ما فصلناه نحن

(1) الاستبصار: ج 3 ص 45 ح 151، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 1 ج 17 ص 523، مع اختلاف فيهما.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 46 ح 153، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ميراث الأزواج ح 4 ج 17 ص 525.
(3) في المصدر: الأولة.
(4) في المصدر: يتقى فيه والوجه الاخر نحمله على.
(5) في المصدر: والصلح بينهما دون.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 47 ذيل الحديث 153.

[ 394 ]

أولا ويدل عليه بحكمه - عليه السلام - فان العادة قاضية بأن المرأة تأتي بالجهاز من بيتها فحكم لها به، وإن العادة قاضية أيضا بأن ما يصلح للرجال خاصة فانه يكون من مقتنياته دون مقتنيات المرأة، وكذا ما يصلح للمرأة خاصة يكون من مقتنياتها دون مقتنيات الرجل، والمشترك يكون للمرأة قضاء لحق العادة السابقة، ولو فرض خلاف هذه العادة في وقت من الأوقات أو صقع من الأصقاع لحكم لها. مسألة: نقل ابن ادريس عن بعض أصحابنا وهو صاحب كتاب الفاخر، قال: من دبر عبدا لا مال له غيره وعليه دين فدبره في صحته ومات فلا سبيل للديان عليه، فان كان دبره في مرضه بيع العبد في الدين، فان لم يحط الدين بثمن العبد استعسي في قضاء دين مواليه وهو حر إذا تممه (1). والوجه تقديم الدين ما لم يكن التدبير عن نذر في صحة وسلامة. مسألة: المشهور عند علمائنا انه إذا حضر خصمان عند الحاكم وتداعيا مع كل منهما على صاحبه يقدم دعوى من يكون على يمين صاحبه، قاله الشيخ في النهاية (2)، والمفيد في المقنعة (3)، والشيخ علي بن بابويه في رسالته. حتى ان السيد المرتضى لشهرة هذا القول عند الامامية قال: ومما انفردت به الامامية القول: بأن الخصمين إذا ابتدأا في الدعوى (4) بين يدي الحاكم وتشاحا في الابتداء بها وجب على الحاكم أن يسمع من الذي عن (5) يمين خصمه ثم ينظر في دعوى الآخر (6). قال الشيخ في الخلاف: إذا حضر اثنان عند الحاكم معا في حالة واحدة

(1) السرائر: ج 2 ص 199 - 200. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 69.
(3) المقنعة ص 725.
(4) في الطبعة الحجرية: ابتدرا بالدعوى.
(5) في المصدر: على.
(6) الانتصار: ص 243.

[ 395 ]

وادعيا معا في حالة واحدة كل منهما (1) على صاحبه من غير سبق روى أصحابنا انه يقدم من هو على يمين صاحبه، واختلف الناس في ذلك على ما حكاه ابن المنذر، فقال: منهم من قال: يقرع بينهما، وهو الذي اختاره أصحاب الشافعي وقالوا: لا نص فيها عن الشافعي، ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء، ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من قال: يستحلف كل منهما لصاحبه. دليلنا: اجماع الفرقة و أخبارهم، ولو قلنا: بالقرعة - على ما ذهب إليه أصحاب الشافعي - كان قويا، لأنه مذهبنا في كل أمر مجهول (2). وهذا يدل على تردده في ذلك. وقال في المبسوط: الذي رواه أصحابنا انه يقدم من يكون على يمين صاحبه، وقال قوم: يقرع بينهما، ومنهم من قال: يقدم الحاكم من شاء، ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من قال: يستحلف كل واحد منهما لصاحبه، وبعد ما رويناه القرعة أولى (3). وهذا يعطى ترجيح ما رواه أصحابنا. قال السيد المرتضى: دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه إطباق الطائفة عليه، ولأن من خالف ما ذكرناه انما اعتمد على الرأي والاجتهاد دون النص والتوقيف، ومثل ذلك الرجوع فيه إلى التوقيف أولى واحرى قال: ووجدت ابن الجنيد لما روى عن ابن محبوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام - ان رسول الله - صلى الله عليه وآله - قضى أن يقدم صاحب اليمين في المجلس بالكلام، قال ابن الجنيد: يحتمل أن يكون أراد بذلك المدعي، لأن صاحب اليمين هو واليمين مردودة إليه (4). قال ابن الجنيد: إلا ان ابن محبوب فسر ذلك في حديث رواه عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله - عليه السلام -

(1) في الطبعة الحجرية وق 2: في حالة واحدة كل منهما.
(2) الخلاف: ج 6 ص 234 المسألة 32، مع اختلاف.
(3) المبسوط: ج 8 ص 154. (4) كذا في الطبعة الحجرية والنسخ، والموجود في المصدر: لأن اليمين المردودة عليه.

[ 396 ]

انه قال: إذا تقدمت مع خصم إلى وال أو قاض فكن عن يمينه - يعني: يمين الخصم - قال السيد: وهذا تخليط من ابن الجنيد: لأن التأويلات انما تدخل بحيث تشكل الامور، ولا خلاف بين القوم انه انما أراد يمين الخصم دون اليمين التي هي القسم، وإذا فرضنا المسألة في نفسين تبادرا الكلام بين يدي القاضي وتناهباه وأراد كل واحد منهما أن يدعي على صاحبه فهما جميعا مدعيان، كما أنهما جميعا مدعى عليهما، فبطلت المزية والتفرقة التي توهمها ابن الجنيد (1). والمعتمد الأول، لأنه الأشهر (2) فيكون القول به أرجح. مسألة: اختلف الشيخان، فقال المفيد - رحمه الله -: إذا التمس المدعي يمين المنكر فحلف له وافترقا فجاء بعد ذلك ببينة تشهد له بحقه الذي حلف له عليه خصمه ألزمه الحاكم الخروج منه إليه، اللهم إلا أن يكون المدعي قد اشترط للمدعى عليه أن يمحو عنه كتابه عليه أو يرضى بيمينه في اسقاط دعواه، فان اشترط له ذلك لم تسمع بينته من بعد، وإن لم يشترط له ذلك سمعت على ما ذكرناه (3). وقال الشيخ في الخلاف: إذا حلف المدعى عليه ثم أقام المدعي البينة بالحق لم يحكم له بها (4). وبه قال في النهاية (5) والمبسوط (6)، وهو قول ابن الجنيد، ونقله عن الباقر والصادق - عليهما السلام -. وللشيخ في المبسوط قول آخر: أنه إن كان أقام البينة على حقه غيره وتولى ذلك الغير الاشهاد عليه ولم يعلم هو أو تولى هو اقامة الببنة ونسى فانه يقوى في نفسي انه تقبل بينته فأما مع علمه ببينة فلا تقبل بحال (7). وبه قال

(1) الانتصار: ص 243 و 244، مع اختلاف.
(2) ق 2 وم 3 اشهر.
(3) المقنعة: ص 733.
(4) الخلاف: ج 6 ص 293 المسألة 40.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 72.
(6) المبسوط: ج 8 ص 210.
(7) المبسوط: ج 8 ص 210.

[ 397 ]

أبو الصلاح، وابن ادريس (1). وقال ابن البراج في الكامل بما (2) ذهب إليه المفيد، وبه قال ابن حمزة (3) أيضا. والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه الصدوق عن عبد الله بن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه. فحلف ألا حق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعي ولا دعوى له، قلت له: وإن كانت له بينة عادلة؟ قال: نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامة ما كان له حق، فان اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبلت مما قد استحلفه عليه. قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من حلف لكم فصدقوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدعي ولا دعوى له (4). وروى الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد [ عن خضر ] النخعي، عن الصادق - عليه السلام - في الحسن في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده، قال: ان استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا، وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقه (5). ولأن اليمين حجة المدعى عليه، كما ان البينة حجة المدعي، فكما لا يسمع

(1) لم نعثر عليه في الكافي والسرائر كما ورد في مفتاح الكرامة: ج 10 ص 77، حيث قال: (ونسب إلى الحلبي، وقد علمت ما وجدناه في الكافي والسرائر وانه خلاف ما نسب إليهما ولعلهم عثروا على ذلك للحلبي من غير الكافي أو وجدوا ذلك في السرائر ولم نعثر عليه).
(2) ق 2 وم 3: كما.
(3) الوسيلة: ص 229.
(4) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 61 - 62 ح 3340 و 3341، وسائل الشيعة ب 9 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى ح 1 و 2 ج 18 ص 179 وفيهما: (حلف لكم بالله على حق فصدقوه).
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 231 ح 566، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1 ج 18 ص 179.

[ 398 ]

يمين المدعى عليه بعد حجة المدعى كذلك لا يسمع حجة المدعي بعد حجة المدعى عليه. واستدل الشيخ عليه أيضا في الخلاف باجماع الفرقة وأخبارهم، وبقوله - صلى الله عليه وآله -: من حلف فليصدق، ومن حلف له فليرض، ومن لم يفعل فليس من الله شئ (1). وروى الشيخ أيضا عن عبد الله بن وضاح قال: كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم فقدمته إلى الوالي فأن حلفته فحلف وقد علمت انه حلف يمينا فاجرة، فوقع له بعد ذلك أرباح ودراهم كثيرة فأردت أن أقبض الألف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها، فكتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - فأخبرته اني قد حلفته فحلف وقد وقع له عندي مال، فان أمرتني أن آخذ من ألف درهم التي حلف عليها فعلت، فكتب - عليه السلام -: لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولو لا انك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه فقد مضت اليمين بما فيها، فلم آخذ منه شيئا وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن - عليه السلام - (2). وهو ترك (3) الاستفصال كالعام في المقال. احتج المفيد بأن كل حال يجب عليه الحق باقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين. والجواب: الفرق، فان الاقرار أقوى من البينة، فلا تلزم التسوية بينهما في الحكم. ويحتمل عندي قويا سماع بينته إن خفي عنه أن له بينة، بأن يتولي

(1) الخلاف: ج 6 ص 294 ذيل المسألة 40.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 289 - 290 ح 802، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كيفية الحكم (3) في الطبعة الحجرية: بترك.

[ 399 ]

الاشهاد وكيله أو اتفق أنهما شهدا من غير شعور منه بذلك. لأنه طلب الاحلاف لظن عجزه عن استخلاص حقه باليمين. وما قواه الشيخ في المبسوط لا يخلو من وجه حسن. مسألة: قال ابن أبي عقيل: لو أن ثلاثة تنازعوا في دار فادعى أحدهم لدار كلها وادعى الآخر ثلثي الدار وادعى الآخر ثلث الدار وأقام كل واحد منهم بينة عادلة على دعواه أقرع الحاكم بين الذي أقام البينة بالكل وبين الآخرين، فان خرج سهم صاحب الكل أحلفه بالله وكان أولى بالحق، وإن خرج سهم الآخرين أحلفهما بالله لقد شهد شهودهما بالحق، وكانت الدار بينهما على ثلاثة أسهم: لصاحب الثلثين سهم وسهم لصاحب الثلث، لأن شهودهم ليس يكذب بعضهم بعضا، وشهود صاحب الكل يكذب شهود هذين، فلذلك أقر عنا بينهما وبين الذي أقام البينة بالكل ولم يقرع بين هذين، لأن شهودهما يصدق بعضهم بعضا. و لم يفصل هل كانت الدار في أيديهم أو كانت في يد رابع؟ والذي يجئ على قواعد الشيخ في المبسوط (1) - في مثل هذه المسألة من اعتماد القرعة وتقديم الداخل - أن نقول: لا يخلو إما أن يكون أيديهم داخلة أو خارجة، فان كانت داخلة فيد كل واحد منهم على الثلث، لكن صاحب الثلث لا يدعي زيادة على ما في يده، و صاحب الثلثين يده على الثلث ويدعي ثلثا آخر في يد صاحب الكل نصفه، وفي يد صاحب الثلث نصفه، وصاحب الكل يده على الثلث ويدعي ثلثين آخرين: أحدهما في يد صاحب الثلثين والآخر في يد صاحب الثلث. إذا تقرر هذا فان حكمنا لصاحب اليد فصاحب الثلث يده على الثلث ومعه بينة فيقضى له به، وكذا الآخران ويستقر الدار بينهما أثلاثا، وإن حكمنا

(1) المبسوط: ج 8 ص 292 و 293 و 294.

[ 400 ]

للخارج على ما هو المشهور انتزع الثلث يد صاحبه، لأولوية بينة الخارج، فنصفه لصاحب الكل، لعدم من ينازعه فيه، ويبقى النصف الآخر يدعيه كل من صاحب الكل وصاحب الثلثين ولهما بينتان، فأما أن يقسم بينهما أو يعتمد القرعة، فيعطي للخارج بها بعد اليمين، وصاحب الثلثين في يده الثلث يدعيه صاحب الكل فيقضى له به عملا ببينة الخارج، وصاحب الكل في يده الثلث وقد ادعى صاحب الثلثين نصفه وله به بينة فيعطى صاحب الثلثين والنصف الآخر يستقر لصاحب الكل. وإن كانت أيديهم خارجة و تساوت البينات في العدالة والعدد خلص لصاحب الكل الثلث، لأن أحدا لا يدعيه، فإن صاحب الثلث لا يدعي زيادة، وكذا صاحب الثلثين، فيبقى الثلث له بغير منازع، ثم يتنازع صاحب الكل وصاحب (1) الثلثين في ثلث آخر لا ينازعهما فيه صاحب الثلث وقد أقاما بينة فيقرع بينهما ويحكم به للخارج بالقرعة بعد اليمين، فان نكل حلف الآخر، فان نكلا قسم بينهم نصفين، ثم يتنازع الثلاثة في الثلث الآخر فيقرع بينهم ويحكم به للخارج بها بعد اليمين، فان نكل احلف الآخر، فان نكل الجميع قسم بينهم أثلاثا. مسألة: قال أبو الصلاح: وإن أقام على الانكار عرض عليهما الصلح، فان أجابا إليه رفعهما إلى من يتوسط بينهما، ولا يتولى ذلك بنفسه، لأن الحاكم نصب للقطع بالحكم وبت الحكم (2) والوسيط شافع، ويجوز له في الاصطلاح ما يخرج عن الحكم (3) (4). وقال ابن البراج في الكامل: وإن امتنع - يعني: من انظاره - لم يجز للحاكم أن يشفع فيه إليه، ولا يشير عليه بنظرة ولا غيرها، بل يبت الحكم بينهما.

(1) ق 2: ثم ينازع صاحب الكل صاحب.
(2) في المصدر: الحق.
(3) في المصدر: في الاصطلاح ما يحرم عن الحاكم.
(4) الكافي في الفقه: ص 447.

[ 401 ]

وهذا أخذه من كلام شيخنا المفيد فانه قال: وإن أبى لم يكن للحاكم أن يشفع إليه فيه - يعني: الانظار - ولا يشير عليه بانظاره ولا غيره، ولكن يبت الحكم فيما بينهما (1). وكذا قال الشيخ في النهاية (2). وقال ابن ادريس: وإن قال: انظره فذلك له، وإن أبى لم يكن للحاكم أن يشفع إليه فيه، ولا يشير عليه بالانظار، وله أن يأمرهما بالصلح ويشير بذلك، لقوله تعالى: (والصلح خير) وما هو خير فللانسان فعله (3) بغير خلاف من محصل، وقد يشتبه هذا الموضع على كثير من المتفقهة، فيظن انه لا يجوز للحاكم أن يأمر بالصلح ولا يشير به، وهذا خطأ من قائله. وشيخنا أبو جعفر في مبسوطه قد أفصح عن ذلك وحققه وذهب إليه فقال: إذا ترافع إليه نفسان وكان الحكم بينهما واضحا لا إشكال فيه لزمه أن يقضي بينهما، ويستحب أن يأمرهما بالمصالحة، وإن كان حكمهما مشكلا اخره إلى البيان (4). والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط (5)، لعموم قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) (6). مسألة: قال الشيخان: فان ابتدأ أحدهما بالدعوى على صاحبه سمعها ثم أقبل على الآخر فسأله عما عنده فيما ادعاه خصمه (7). وبه قال ابن ادريس (8). وقال في المبسوط: كل موضع تحررت الدعوى فهل للحاكم مطالبة المدعى عليه بالجواب من غير مسألة المدعي أم لا؟ قال قوم: لا يطالبه بالجواب بغير

(1) المقنعة: ص 724، ولكن في المطبوع والمصدر (يثبت).
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 72 - 73.
(3) في الطبعة الحجرية: إن يفعله.
(4) السرائر: ج 2 ص 160.
(5) المبسوط: ج 8 ص 170.
(6) النساء: 114.
(7) المقنعة: ص 723، النهاية ونكتها: ج 2 ص 70.
(8) السرائر: ج 2 ص 157.

[ 402 ]

مسألة المدعي، لأن الجواب حق المدعي، فليس للحاكم المطالبة به من غير مسألة كنفس الحق، وهو الصحيح عندنا، وقال قوم: له مطالبته من غير مسألة المدعي، لأن شاهد الحال يدل عليه، لأن الانسان لا يحضر خصم إلى الحاكم ليدعي عليه وينصرف من غير جواب، وهو قوي أيضا (1). وهذا يدل على تردده. ومنع ابن البراج في المهذب من طلب الحاكم الجواب (2). وفي الكامل: وافق الشيخين على طلب الجواب. وسلار قال: ومن الواجب سماع الدعوى وسؤال المدعى عليه عما عنده فيها (3). وهو الأقوى عندي، لأن الحاكم منصوب لذلك، وربما خفي على المدعي أن ذلك حق له وهاب (4) الحاكم فضاع حقه. مسألة: قال أبو الصلاح: فان قال: يحلف ويأخذ ما ادعاه فان حلف ألزم خصمه الخروج إليه مما حلف عليه، وإن قال: لا أحلف حتى يحضر حقي ألزم الحاكم خصمه بذلك (5). ولم يحضرني الآن قول لأصحابنا يوافقه على ذلك. والوجه المنع، لأن تكليف الاحضار قبل الثبوت تسلط على مال المسلم بغير حق، فليس للحاكم مطالبته بذلك، وانما يستحق الاحضار بعد الثبوت. مسألة: منع أبو الصلاح (6) من التوصل بحكم المخالف للحق إلى الحق إذا كان الغريمان من أهل الحق، فان كان أحدهما مخالفا جاز. وهو في موضع المنع، لأن للانسان أن يأخذ حقه كيف أمكن، وكما جاز الترافع مع المخالف إلى

(1) المبسوط: ج 8 ص 157 - 158.
(2) المهذب: ج 2 ص 581.
(3) المراسم: ص 230.
(4) ق 2: أو هاب، م 3: فهاب.
(5) الكافي في الفقه: ص 447.
(6) الكافي في الفقه: ص 425.

[ 403 ]

المخالف توصلا إلى استيفاء الحق فليجز مع المؤمن الظالم يمنع الحق. مسألة: قال أبو الصلاح: ويلزم الحاكم اخراج المحبسين إلى الجمعة والعيدين، فإذا قضيت الصلاة ردهم إلى الحبس (1). وهو جيد، لأنهم مكلفون بهذه الصلاة، فلا يجوز للحاكم حبسهم عنها، ويبعثهم مع رقيب يحفظهم إلى أن يؤدوا الفرض الذي عليهم. وقد رواه الشيخ - في النهاية - عن الصادق - عليه السلام - انه قال: على الامام أن يخرج المحبسين في الدين يوم الجمعة إلى الجمعة ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاة والعيد ردهم إلى السجن (2). وقال ابن ادريس: هذا الحديث غير متواتر، فان كان عليه اجماع منعقد رجع إليه، أو دليل سوى الاجماع عول عليه، ولا يرجع إلى أخبار الآحاد في مثل هذا (3). وهذا القول يدل على توقفه في هذا الحكم، وليس بجيد، والدليل ما قلناه من عموم الخطاب بهذا الصلوات. مسألة: ذهب الصدوق وأبوه إلى انه يجب على الحاكم التسوية بين الخصمين حتى بالنظر إليهما، لا يكون نظره إلى أحدهما أكثر من نظر إلى آخر (4). وجعله سلار (5) مستحبا، وهو الأقرب. لنا: أصالة البراءة. احتجا بما روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: من ابتلي بالقضاء

(1) الكافي في الفقه: ص 448.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 87 - 88 رقم 25.
(3) السرائر: ج 2 ص 200.
(4) المقنع: ص 133، مع اختلاف.
(5) المراسم: ص 230.

[ 404 ]

فليواس بينهم بالاشارة وفي النظر وفي المجلس (1). والجواب: بمنع صحة السند، فان في طريقه النوفلي والسكوني. سلمنا، لكن لا يدل على الوجوب. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو ادعى انسان نصف سلعة ادعى آخر جميعها وهي في أيديهما جميعا قسمت على ثلاثة أسهم: لمدعي الجميع سهمان، ولمدعي النصف سهم، وكذلك لو أقاما البينة على دعواهما. ولو ادعى واحد جميعها وادعى آخر ثلثيها وادعى آخر نصفها وحلفوا من غير بينة لأحد منهم كان لصاحب الجميع ستة أسهم من ثلاثة عشر سهما، ولمدعي الثلثين أربعة أسهم من ثلاثة عشر سهما، ولمدعي النصف ثلاثة أسهم، وسواء كان الشئ في أيديهم أو غير أيديهم. وكذلك أيضا لو أقاموا البينات وتحالفوا ولم يكن في بينة أحدهم زيادة في الشهادة توجب الحكم بها. وقال الشيخ في المبسوط: إذا كانت دار في يد رجل لا يدعيها لنفسه فتنازع فيها نفسان فقال أحدهما: كلها لي وقال الآخر: نصفها لي وأقام كل بينة خلص لمدعي الجميع نصفها، لأن له بينة به ولا يدعيه أحد وتعارضت البينتان في النصف الآخر فعندنا انه يقرع، فمن خرجت قرعته قدمناه مع اليمين، ومن قال: يقسم قسم النصف بينهما نصفين: فلمدعي الكل ثلاثة أرباعها، ولمدعي النصف ربعها. ولو كانت الدار في أيديهما فادعى أحدهما الثلث وأقام بذلك بينة وادعى الآخر الجميع وأقام به بينة قضي لمدعي الثلث بما ادعاه، لأن له بقدر ما ادعاه يدا وبينة، وقضينا لمدعي الكل بالثلثين، لأن يده على النصف وله به بينة، ويدعي السدس الذي هو تمام الثلثين في يد صاحب الثلث وله به

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 226 ح 543، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب آداب القاضي ح 1 ج 18 ص 157.

[ 405 ]

بينة، ولصاحب الثلث على السدس يد فكانت البينة أولى من يده هو فلا يدعيه وانما يده عليه. فلو كانت يده [ عليه ] وهو يدعيه كانت البينة أولى من يده ودعواه، بأن يكون أولى من يده أولى. ولو كانت في يد أربعة [ أنفس ] فادعى أحدهم الجميع والآخر الثلثين والثلث النصف والرابع الثلث فان لم يكن بينة فلكل واحد ربعها - وهو الذي يده عليه - وما زاد [ عليه مما يدعيه ] يد غيره عليه، فيكون القول قوله مع اليمين. ولو كان لكل بينة فلكل الربع، لأن له يدا وبينة، وبينته ويده أولى من بينة غيره بلا يد فالحكم كالأول. ولو كانت في يد خامس وأقام كل [ واحد ] بينة خلص لمدعي الكل الثلث بلا منازع، لأن له بينة وأحد لا يدعيه عليه، لأن أكثر من يدعى الثلثين، فلهذا كان له الثلث. وبقي الكلام في الثلثين فيقع التعارض في ثلاثة مواضع: فيتعارض بينة مدعي الكل ومدعي الثلثين في السدس الذي بين النصف والثلثين فصاحب الثلث لا يدعيه ولا صاحب النصف، ويتعارض مدعي الكل ومدعي الثلثين ومدعي النصف في السدس الذي بين الثلث والنصف، لأن صاحب الثلث لا يدعيه، ويتعارض كل البينات - وهي أربع - في الثلث الذي ادعاه صاحب الثلث فان كل واحد من الأربعة يدعيه وقد أقام به بينة وتحقيق هذا: أن التعارض فيما يقع الاجتماع على تداعيه والغير لا يدعيه، فان تعارضت البينتان فمن قال: يسقطان قال كأنه لا بينة، فيسلم لمدعي الكل الثلث، لأن أحدا لا ينازعه فيه وبقي الثلثان، يقال لمن هو في يده: ما تقول؟ فان ادعاه لنفسه فالقول قوله مع يمينه، وإن أقر بها لواحد منهم فهل يحلف للباقين؟ على قولين، ومن قال: يقسم قسم، وتصح من ستة وثلاثين: لمدعي الكل اثنى عشر بغير منازع، ويقسم السدس الذي بين النصف والثلثين بين مدعي الكل ومدعي الثلثين نصفين لكل واحد ثلثه، ثم يقسم السدس الذي بين النصف والثلث

[ 406 ]

بين مدعي الكل والثلثين والنصف لكل واحد سهمان، ثم يقسم الثلث الباقي بين الأربعة أرباعا لكل واحد ثلاثة: فلمدعي الكل عشرون، ولمدعي الثلثين ثمانية، ولمدعي النصف خمسة، ولمدعي الثلث ثلاثة [ أسهم ] ومن قال: بالقرعة على ما يذهب إليه أقرع في ثلاثة مواضع: في السدس الذي بين النصف والثلثين بين مدعي الكل والثلثين، وفي السدس الذي بين النصف والثلث بين مدعي الكل والثلثين والنصف، وفي الثلث الباقي بين الأربعة، فمن خرجت قرعته هل يحلف مع قرعته؟ على قولين، أصحهما عندنا أن يحلف (1). واعلم ان الشيخ - رحمه الله - عول في هذا القول على قاعدتين: احداهما: ان العين تقسم بينهم على طريق المنازعة، والثانية: ان البينة بينة الداخل. وأما ابن الجنيد فانه قسم العين بينهم على طريق العول والمضاربة، وهو الأقوى عندي لو زاد المدعون على اثنين. لنا: ان المنازعة وقعت في أجزاء غير معينة ولا يشار (2) إليها فيقسم على طريقة العول، كما لو مات انسان وعليه لآخر ألف درهم ولثان ألفان وخلف ألفا لا غير فانها تقسم بينهم أثلاثا بطريق العول، وكما لو كان لأحد الشريكين ضعف ما للآخر ثم تلف بعض المال فان الباقي يقسم على نسبة رأس المالين. أما لو كان المدعي اثنين ادعى أحدهما الجميع والآخر النصف أو الثلث أو الثلثين فالحكم على ما قاله الشيخ - رحمه الله -. احتج الشيخ بأن التنازع وقع في العين والعين قط لا يعول، فتقسم على طريق المنازعة، كما لو تنازع ثلاثة في ثلاثة أعبد فادعى أحدهم الجميع والثاني اثنين والثالث واحدا وأقاموا البينة فالخالي عن المنازعة لمدعي الجميع،

(1) المبسوط: ج 8 ص 290 - 294، مع اختلاف.
(2) في الطبعة الحجرية: وقعت على أجزاء غير معينة ولا مشار.

[ 407 ]

والخالي عن منازعة مدعي الواحد بين مدعي الاثنين ومدعي الكل، والثالث بينهم أثلاثا فكذا هنا، بخلاف تركة الميت فان التنازع فيه ابتداء هو الدين في ذمة الميت دون العين. وكلام الشيخ لا يخلو من قوة، خصوصا إذا كان التداعي بين اثنين (1) خاصة، أما لو زاد على اثنين فالوجه ما قاله ابن الجنيد. مسألة: قال ابن الجنيد في تداعي الجدار بين الدارين: ولا يحكم بالحائط من أجل أن فيه خشب أحدهما دون الآخر. والوجه انه يحكم به لصاحب الخشب من حيث انه متصرف فيه. مسألة: قال ابن الجنيد: الحائط المشترك والبيت الذي سفله لواحد وعلوه لآخر ليس لأحدهما هدمه إلا باذن صاحبه، ولو انهدم السفل من غير حادثة أحدثها صاحب السفل والعلو لم يجبر صاحب السفل على بناء سفلة، ولصاحب العلو أن يبني السفل ويبني العلو فوقه، ولا يدع صاحب السفل ينتفع بسفله حتى يؤدي إلى صاحب العلو قيمة البناء، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما، وزعم أبو ثور انه يجبر صاحب السفل على البناء. واحتج بقول البني - صلى الله عليه وآله -: (لا ضرر ولا اضرار) (2). والوجه أن لصاحب السفل الانتفاع بسفله وإن لم يؤد شيئا، لأن تبرع صاحب العلو بالبناء لا يوجب منع المالك من تصرفه في ملكه، لعموم تسلط الناس على ما يملكونه. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو تداعاه (3) - يعني: الولد - رجلان حران أو أكثر دينهم واحد وحالهم واحدة في الكف ءأقرع بينهم، وكذلك لو كان الطفل

(1) م 3: الاثنين.
(2) سنن البيهقي: ج 6 ص 157.
(3) ق 2: ولو تداعياه.

[ 408 ]

مع امه، فان كانت الام أمة لجميعهم وهي في أيديهم كلهم أو قد خرجت من أيديهم، ويرد من ألحق نسبه على الباقين قدر حصصهم من قيمة الولد، فان كانت في يد أحدهم (1) ووطئه اياها في وقت يصح أن يكون الحمل منه الحق به دون غيره، لأنها فراش له دون غيره، ولو كان أحدهما مسلما والآخر كافرا والأمة مسلمة الحق بالمسلم، وإن كانت ذمية كانت القرعة بينهم كما قلنا (2)، ولو كان الشهود للمسلم بأنه ولد مسلم وللذمي بأنه ولد ذمية الحق بالمسلم، وكذلك لو كانت البينتان مسلمين (3)، ولو كانت بينة الذمي بأنه ولده مسلمين وبينة المسلم بأنه ولده ذميين الحق بالذمي، ولو ادعى اللقيط امرأتان مسلمة وذمية حكم للمسلمة، إلا أن يكون للذمية بينة. وقال الشيخ في المبسوط: لا فصل بين أن يكون المتنازعان حرين مسلمين أو عبدين أو كافرين أو مختلفين حر وعبد أو مسلم وكافر أو أب وابن (4)، فان جميع هذه المسائل يقتضي مذهبنا القرعة، ولا ترجيح (5). وهو المعتمد، لأن كل واحد سبب مستقل، فمع الاجتماع لا بد من القرعة. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كانت دار في يد أخوين أحدهما مسلم والآخر ذمي فأقرا جميعا ان أباهما مات وتركها ميراثا بينهما وقال المسلم: مات أبي مسلما وقال الآخر: مات أبي كافرا وليس لهما بينة فالمسلم مستحق للنصف إن كان الأب مات كافرا، وجميعا له إن كان الأب مات مسلما، فيقسم للمسلم ثلاثة أسهم وللذمي سهم. وهذا بناء منه على ان الكافر يشارك المسلم في الميراث من الكافر، وسيأتي بيان اختصاص المسلم بالميراث عند باقي علمائنا.

(1) في الطبعة الحجرية: أحدهما.
(2) في الطبعة الحجرية: قلناه.
(3) في الطبعة الحجرية: مسلمتين.
(4) في المصدر: حرا وعبدا أو مسلما وكافرا أو أبا وابنا.
(5) المبسوط: ج 8 ص 306.

[ 409 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: ولو اشترى الرجل عبدا واشترى ابوه أخا ذلك العبد وكانا توأما (1) فادعى الابن العبد الذي له عتق عليه وثبت نسبه وعتق منه العبد (2) الذي في يد الأب ولحق به جميعا، لأنهما توأم، والرجل لا يملك ابن ابنه. وهذا على الاطلاق غير جيد، لأن اقرار الولد لا يمضي في حق والده. نعم ولو انتقل الآخر إليه كان الحكم ما ذكره، فان قصد هذا صح، وإلا فلا. مسألة: قال ابن الجنيد: لو ابتاع رجل من رجل رطبا فقبض المشتري ثلاثة أمداد ثم قال: انما اشتريت منك اربعة أمداد بدينار وقال البائع: لم أبعك إلا ثلاثة أمداد بدينار كان البائع فيما قبضه المشتري مدعيا زيادة الثمن، فان أقام بينة وإلا حلف المشتري لقد اشترى هذا التمر أربعة أمداد بدينار ودفع إلى البائع ثلاثة أرباع الدينار، والمشتري فيما بقي من الثمن مدع على البائع زيادة في القدر فان أقامها وإلا حلف البائع ما باعه إلا ثلاثة أمداد بدينار ويبرأ من المد. ولو ادعى رجل انه اشترى من رجل عبدا وأمة بألف درهم ونقده الثمن وقال البائع: انما بعتك العبد وحده بألف درهم وهما في يد البائع كان المشتري مدعيا زيادة في المبيع على البائع، فان أقام بذلك بينة وإلا تفاسخا إن لم يرض بيمين البائع. وقد كنا نقلنا في كتاب البيع في باب اختلاف المتبايعين قول الشيخ في المبسوط ان القول قول البائع لو قال: بعتك هذا العبد وحده بألف فقال المشتري: بل بعتني هذين العبدين بألف (3).

(1) كذا في النسخ والظاهر أنه (توأمين).
(2) في الطبعة الحجرية: وثبت نسبه منه وعتق معه العبد.
(3) المبسوط: ج 2 ص 146، وفيه: (قول البائع مع يمينه).

[ 410 ]

والوجه ما قاله ابن الجنيد في المسألة الثانية من التفاسخ، وكذا في الاولى أيضا، مع احتمال ما ذكره فيها. وقوله الشيخ في الثانية ليس بعيدا من الصواب أيضا، لأن القول قول البائع مع يمينه في قدر الثمن مع بقاء العين كما (1) قررناه أولا في كتاب البيع انه مذهبه، فالبائع هنا يدعي ان ثمن أحد العبدين ألف فالقول قوله مع يمينه والمشتري يدعي نقص الثمن عن ذلك فلا يتلفت إليه، ويدعي ابتياع العبد الآخر بتكملة الألف فلا يقبل قوله إلا بالبينة. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا ادعى رجل عبودية لقيط في دار الاسلام فان أقام بينة، وإلا فاللقيط حر على أصل الولادة بالدار ولا يمين عليه، وكذلك القول في الولاء، إلا أن تكون الخلقة واللسان تشهدان بعبودية الأصل، فان المدعي إذا لم يكن له بينة أحلف المدعي عليه، فان حلف برئ. والوجه انه لا فرق بين المسألتين في توجه اليمين على اللقيط، لأنه منكر دعوى صحيحة مسموعة خالية عن البينة، فتجب فيها اليمين كغيرها من الدعاوي. مسألة: قال ابن الجنيد: لو دفع بعض الخصوم إلى القاضي رقعة أقر فيها بشئ لم يلزمه حكم الاقرار بما تضمنت حتى يسأله عن الرقعة بخطه، فان قال: نعم الزمه بذلك. والوجه انه لا يلزمه بمجرد اعترافه بأنها خطه إلا بعد اقراره بأن مضمونها حق عليه، فان الكتابة قد تصدر عن الساهي والمكره وكاتب القبالة قبل الأخذ.

(1) في الطبعة الحجرية: على ما.

[ 411 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: إذا استعدى الخصم على رجل كان للحاكم أن يسأله عن خصمه، فإذا أخبره بأنه بالمصر أو حيث يمكنه الخروج من منزله والرجوع إليه من يومه وانه رجل يتمكن من الحضور عنده أو امرأة برزة ولم يبين للوالي ظلم المستعدي فعلى الحاكم أن يعديه، فان كان المستعدى عليه من أهل الشرف والمحل عند السلطان وجه الحاكم إليه من يعرفه الحال ليحضر أو وكيل له أو ينصف خصمه ويعينه عن معاودة الاستعداء عليه، ولو خبره بأنه خارج عن المصر بحيث يلزم الخارج إليه والداخل منه اسم مسافر لم يجب إلا بعد أن يثبت المستعدى حقه عند الحاكم. وقال الشيخ في المبسوط: إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل حاضر أعدى عليه وأحضره، سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وهو الأقوى عندنا، وليس في ذلك ابتذال لأهل الصيانات والمروات، فان عليا - عليه السلام - حضر مع يهودي عند شريح، وحضر عمر مع ابي عند زيد بن ثابت ليحكم بينهما في داره، وحج المنصور فحضر مع جمالين مجلس الحكم لحلف كان بينهما. وقال بعضهم: إذا كان من أهل الصيانات لم يحضره الحاكم مجلس الحكم بل يستدعيه إلى منزله ويقضي بينه وبين خصمه فيه، وإن لم يكن من أهل الصيانات أحضره مجلس الحكم، وإن كان غائبا في غير ولايته فانه يقضي على الغائب، وإن كان في ولايته فان كان له خليفة بعث لخصمه إليه ليحكم بينهما، وإلا فان كان من يصلح للحكم بينهما هناك كتب إليه وجعل إليه النظر بينهما، وإن لم يكن قال لخصمه: حرر دعواك عليه، فإذا حررها أعدى عليه وأحضره وإن بعدت المسافة، وقال قوم: إن كان من مسافة يرجع فيها إلى وطنه ليلا أحضره وإلا لم يحضره، وقال قوم: إن كان على مسيرة يوم وليلة أحضره وإلا تركه، وقال قوم: إن كان على مسافة لا يقصر فيها الصلاة أحضره

[ 412 ]

وإلا لم يحضره، والأول أقوى (1). وتبعها ابن البراج (2)، ونحوه قال في الخلاف (3). والوجه ما قال ابن الجنيد، لما فيه من المشقة باحضار الغائب، مع تحرير الدعوى قبل ثبوتها، من غير أن يثبت سبب يوجبها فكانت منفية، لاشتمالها على الضرر الذي لم يثبت استحقاقه. احتج الشيخ: بأن الحاكم منصوب لاستيفاء الحقوق وحفظها وترك تضييعها، فلو قلنا: إنه لا يحضره ضاع الحق وبطل، لأن الرجل ربما تسلط على مال الغير فأخذه وجلس في موضع لا حاكم فيه، وما أفضى إلى هذا بطل في نفسه (4). والجواب: المنع من الملازمة، فان الحكام يطلب المدعي باثبات حقه، فإذا ثبت فان حضر وإلا باع ماله ودفعه إلى المدعي، اما لو لم يتمكن من الاثبات وطلب غريمه لا حلافه أو لم يكن له مال وكان بيد الغائب ما يقضى به الحق الثابت عند الحاكم فان الحاكم هنا يبعث في طلبه، على ما قاله الشيخ. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا بأس بان يشاور الحاكم غيره فيما اشتبه عليه من الأحكام، فان خبروه بنص أو سنة أو اجماع خفي عليه عمل به. وقال الشيخ في المبسوط: متى حدثت حادثة فأراد أن يحكم فيها فان كان عليها دليل من نص كتاب أو سنة أو اجماع عمل عليه، وكذلك عندهم إن كان عليه قياس لا يحتمل إلا معنى واحدا كالشفعة للجار (5)، ونحوه حكم به

(1) المبسوط: ج 8 ص 154 - 155 - 156، وفيه اختلاف.
(2) المهذب: ج 2 ص 583.
(3) الخلاف: ج 6 ص 235 المسألة 34.
(4) الخلاف: ج 6 ص 235 ذيل المسألة 34.
(5) في المصدر: للشريك.

[ 413 ]

من غير مشورة. وعندنا ان جميع الحوادث هذا حكمها فلا يخرج عنها شئ، فان شذت (1) كانت مبناه (2) على الأصل. وعندهم إن كانت مسألة اجتهاد استحب له أن يشاور فيها، لقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) ولم (3) يرد تعالى المشاورة في أحكام الدين وما يتعلق بالشريعة، وانما أراد فيما يتعلق بتدبير الحرب ونحوه بلا خلاف، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله - غنيا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستن به الحاكم بعده، وقال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) وشاور النبي - صلى الله عليه وآله - أصحابه في قصة أهل بدر واساراه، وشاور أهل المدينة يوم الخندق وعليه الاجماع عندهم، وقد قلنا ما عندنا وعندهم إذا شاور فينبغي أن يشاور الموافق والمخالف من أهل العلم، ولا يشاور إلا ثقة عالما (4) بالكتاب والسنة وأقاويل الناس ولسان العرب والقياس، فإذا شاورهم واجتهد (5) فيها وغلب على ظنه الحكم فذاك (6) فرضه، ولا يرجع فيه إلى قول غيره وإن كان غيره أعلم منه حتى يعلم كعلمه، لأنه لا يصح أن يلي الحاكم حتى يكون ثقة من أهل الاجتهاد، فان لم يكن كذلك لم يكن حاكما ولم ينفذ له حكم، وكل ما حكم به باطل، وكذلك لا يجوز أن يقلد ويفتي، وقد قلنا: إن عندنا انه لا يتولى الحكم إلا من كان عالما بما وليه، ولا يجوز أن يقلد غيره ولا يستفتيه فيحكم به، فان اشتبه عليه بعض الأحكام ذاكر أهل العلم

(1) في المصدر: اشتبهت.
(2) في المصدر: مبقاة.
(3) في المصدر: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ولم.
(4) في المصدر: ولا يشاور إلا من كان امينا عالما.
(5) في المصدر: فإذا شاورهم في ذلك واجتهد.
(6) في المصدر: الحكم فيها فذاك.

[ 414 ]

لينبهوه على دليله، فإذا علم صحته حكم به، وإلا فلا (1). وكلام الشيخ هذا يعطى المنع من المشاورة، لكنه سوغ له السؤال لمن عنده من أهل العلم لا على معنى انه يقلدهم ولكن بمعنى انه ينبهوه على ما خفي عنه من الأدلة أو غفل أوسها فيه، وشرط أن يكون من أهل الاجتهاد والمعرفة. وكلام ابن الجنيد لا ينافيه، لأنه قال: يشاورهم لينبهوه على ما خفي عليه من الأحكام، فان خبروه بنص أو اجماع أو سنة خفي عليه عمل به. وهذا يحتمل أن يقصد به ما قاله الشيخ احتمالا قويا، وان يكون مقلدا لهم، وحينئذ يظهر المنافاة بين الكلامين، لكن لما أجمعنا على انه لا يجوز أن يلي القضاء المقلد وجب حمل كلامه على الأول. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا يقنع من المجيب بالتعدليل حتى يقول: علي ولي. والوجه ان ذلك ليس شرطا، عملا بالأصل. والشيخ قال في المبسوط: إذا قال المزكي: هو عدل كفى ذلك في التزكية، لقوله تعالى: (واشهدوا ذوى عدل منكم) فاقتصر على العدالة فقط، ومنهم من قال: لا بد أن يقول: عدل علي ولي. قال: والأول أقوى، والثاني (2) أحوط (3). مسألة: قال ابن الجنيد: ولا يفعل الوصي باليتيم والسفيه في مالهما شيئا إلا بأمر الحاكم، فان قصد بذلك التحريم كان ممنوعا، فان الولاية ثابتة للوصي على اليتيم من غير اعتبار اذن الحاكم، وإن قصد الاستحباب أمكن. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: فان دعا الامام واحدا منهم إليه - يعني - إلى القضاء - قال بعضهم: يجب عليه، وقال آخرون: لا يجب عليه، وهو الصحيح (4).

(1) المبسوط: ج 8 ص 97 - 98.
(2) في المصدر: وهذا.
(3) المبوسط: ج 8 ص 110.
(4) المبسوط: ج 8 ص 84.

[ 415 ]

وقال في الخلاف: لذا كان هناك جماعة يعلمون القضاء على حد واحد فعين الامام واحدا منهم وولاه لم يكن له الامتناع من قبوله (1). والوجه عندي الوجوب كما قال في الخلاف. لنا قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (3) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) (3) والامام عندنا مفروض الطاعة كالنبي - صلى الله عليه وآله - في وجوب الانقياد، لما يأمر به. احتج الشيخ بالأصل. والجواب: الأصل قد يخرج عنه بدليل وقد بيناه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال المحبوس: حبست على تعديل البينة، لأن المدعي أقام شاهدين فلم يعرف الحاكم عدالتهما فحبسني حتى يعرف ذلك من حالهما، فالكلام في أصل المسألة هل يحبس بهذا (4) أم لا؟ قال قوم: يحبس، لأن الذي عليه أن يقيم البينة، والذي بقى ما على الحاكم من معرفته العدالة، فلأن (5) الأصل العدالة حتى يعرف غيرها. وقال بعضهم: لا يحبس، لجواز أن يكون فاسقا وحبسه بغير حق أو يكون عادلة وحبسه بحق، وإذا انقسم إلى هذا لم يحسبه بالشك. والأول أصح عندنا، فعلى هذا لم يطلقه، ومن قال بالثاني أطلقه (6).

(1) الخلاف: ج 6 ص 209 المسألة 2.
(2) الاحزاب: 36.
(3) النساء: 59.
(4) في المصدر: لهذا.
(5) في المصدر: والذي بقي على الحاكم من معرفة العدالة ولأن.
(6) المبسوط: ج 8 ص 93 - 94.

[ 416 ]

والوجه عندي الثاني. لنا: ان شرط قبول البينة و الحكم بها العدالة فالجهل بها جهل بالشرط فلا يجوز الحكم، وأصالة العدالة ممنوع في مثل هذا، لاشتماله على التسلط على الغير بسبب لم يثبت. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: القضاء لا ينعقد لأحد إلا بثلاث شرائط: أن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، ولا يكون عالما حتى يكون عارفا بالكتاب والسنة و الاجماع والخلاف ولسان العرب، فأما الكتاب فيحتاج أن يعرف من علومه خمسة أصناف: العام والخاص، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. أما العموم والخصوص لئلا يتعلق بعموم قد دخله التخصيص كقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وهذا عام في كل مشركة حرة كانت أو أمة، وقوله تعالى: (والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم) خاص في الحرائر فقط (1). وفي هذا القول اشكال. ثم قال: وأما السنة فيحتاج إلى أن يعرف منها خمسة أصناف: المتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، والمسند والمنقطع، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، ويحتاج أن يعرف لسان العرب، لأن صاحب الشريعة خاطبنا به. وقال قوم: لا يلزمه أن يكون عارفا بجميع الكتاب، بل يكفي أن يعرف من ذلك الآيات المحكمة. وقيل: إن جميع ذلك خمسمائة آية، وذلك يمكن معرفته، والسنة يكفي أن يعرف ما يتعلق بالأحكام من سنته - عليه السلام - دون آثاره وأخباره، فان جميع ذلك لا يحيط به أحد علما، وما قلناه مدون في الكتب في

(1) المبسوط: ج 8 ص 99، مع اختلاف.

[ 417 ]

أحاديث محصورة، وأما الخلاف فهو متداول بين الفقهاء يعرفونه حتى أصاغرهم، وأما لغة العرب فيكفي أن يعرف به ما ذكرناه دون أن يكون عالما بجميع اللغات، وفي الناس من أجاز أن يكون القاضي عاميا ويستفتي العلماء ويقضي به. والأول هو الصحيح عندنا (1). وقد سبق ثلاثة أقاويل، وكلام الشيخ يحتمل أن يكون أراد ب‍ (الأول) الأول من الثلاثة، وإن يكون أراد به الثاني، لأنه في مقابلة قسم التقليد، فان عنى الأول فهو ممنوع، وإن عنى الثاني فهو حق، لأن الواجب على الحاكم معرفته، انما هو ما يدل على الأحكام لا ما يدل على القصص والأمثال. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا عزل حاكم فادعى عليه انسان انه حكم عليه بشهادة فاسقين وأخذ منه مالا ودفعه إلى من ادعاه سئل فان اعترف به لزمه الضمان بلا خلاف، وإن أنكر كان على المدعي البينة، وإن لم يكن معه بينة كان القول قوله مع يمينه، ولم يكن عليه بينة، لأن الظاهر من الحاكم انه أمين كالمودع فلا يطالب بالبينة، ويكون القول قوله مع يمينه (2). وقال في المبسوط: وإن أنكر فقال: ما قضيت إلا بعدلين فالقول قوله، ولا يجب عليه اقامة البينة على صفة الحكم. وقال بعضهم: يجب عليه اقامة البينة انه حكم بعدلين، وهو الأقوى عندي، لأنه اعترف بالحكم، ونقل المال عنه إلى غيره، وهو يدعي ما يزيل الضمان عنه فلا يقبل منه (3). والمعتمد ما قاله في الخلاف. لنا: ان الظاهر استظهار الحكام في الأحكام والاستقصاء فيها والتحفظ والحكم بالصواب فكان القول قوله مع اليمين.

(1) المبسوط: ج 8 ص 100 - 101.
(2) الخلاف: ج 6 ص 216 المسألة 8.
(3) المبسوط: ج 8 ص 103.

[ 418 ]

مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: وإذا شهد عند الحاكم من لا يخبر حاله ولم يتقدم معرفته به وكان الشاهد على ظاهر العدالة تقدم (1) يكتب شهادته ثم ختم عليها، ولم ينفذ الحكم بها حتى يستثبت أمره ويتعرف أحواله من جيرانه ومعامليه، ولا يؤخر ذلك، فان عرف له ما يوجب جرحه أو التوقف في شهادته لم يمض الحكم بها، وإن لم يعرف شيئا ينافي عدالته وايجاب الحكم بها أنفذ الحكم ولم يتوقف (2). وهو يعطي وجوب الاستزكاء في جميع الأحكام. وقال الشيخ في الخلاف: إذا شهد عند الحاكم شاهدان يعرف اسلامهما ولا يعرف فيهما جرح حكم بشهادتهما، ولا يقف على البحث إلا أن يجرح المحكوم عليه بأن يقول: هما فاسقان فحينئذ يجب عليه البحث، وبه قال أبو حنيفة في الأموال والنكاح والطلاق والنسب، وإن كانت في قصاص أو حد لا يحكم حتى يبحث عن عدالتهما، ومنع الشافعي وأبو يوسف ومحمد عن الحكم حتى يبحث عنهما، فان عرفهما عدلين حكم، وإلا توقف في جميع الأشياء. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا الأصل في الاسلام العدالة، والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، وأيضا نحن نعلم انه ما كان البحث في أيام النبي - صلى الله عليه وآله - ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين، وانما هو شئ أحدثه شريك بن عبد الله القاضي، فلو كان شرطا ما أجمع أهل الأعصار على تركه (3). وقال في المبسوط: إن عرف عدالتهما حكم بشهادتهما، وإن عرفهما فاسقين ظاهرا أو باطنا لم يحكم بشهادتهما، وإن لم يعرفهما بل جهل حالهما - والجهل على ضربين: أحدهما: ألا يعرفهما أصلا، و الثاني: أن يعرف اسلامهما دون عدالتهما - لم يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما، وسواء كان ذلك في حد أو

(1) ليس في المصدر.
(2) المقنعة: ص 730.
(3) الخلاف: ج 6 ص 217 المسألة 10.

[ 419 ]

قصاص أو غير ذلك من الحقوق، وقال قوم: إن كان في قصاص أو حد وإن كان غير ذلك - كالأموال والنكاح والطلاق والنسب - حكم بشهادتهما بظاهر الحال، ولم يبحث عن عدالتهما بعد أن يعرف اسلامهما، فإذا عرفهما مسلمين حكم، إلا أن يقول المحكوم عليه: هما فاسقان فحينئذ لا يحكم حتى يبحث عن حال الشهود، فإذا عرف العدالة حكم، وإذا حكم بشهادتهما بظاهر العدالة عنده نفد حكمه، فلو ثبت انهما كانا فاسقين حين الحكم بشهادتهما لم ينقض الحكم، والأول أحوط عندنا، والثاني يدل عليه رواياتنا، غير انه إذا علم انهما كان فاسقين حين الحكم (1) نقض حكمه (2). وهو يعطي ترجيح ما قاله المفيد. وقال في النهاية: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم هو: أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان، ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أو عد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك الساتر لجميع عيوبه، ويكون متعاهدا للصلوات الخمس، مواظبا عليهن، حافظا لمواقيتهن، متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم، إلا لمرض أو علة أو عذر، ويعتبر في شهادة النساء الإيمان والستر والعفاف وطاعة الأزواج وترك البذاء والتبرج إلى أندية الرجال. وإذا شهد عند الحاكم شاهدان وكانا عدلين وشهدا في مكان واحد على وجه واحد ووافق شهادتهما لدعوى المدعي وجب على الحاكم الحكم بشهادتهما. وإذا شهد عنده من لا يعرفهما بعدالة ولا جرح سمع شهادتهما وأثبتها عنده ثم استكشف أحوالهما واستثبتهما فان وجدهما مرضيين جائزي الشهادة حكم بشهادتهما، وإن وجدهما

(1) في المصدر: الشهادة.
(2) المبسوط: ج 8 ص 104 - 105.

[ 420 ]

على غير ذلك طرح شهادتهما (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن ادريس (3) وقال ابن أبي عقيل: لا يجوز إلا شهادة العدل كما ذكر الله تعالى. وقال سلار: لا بد في البينة من العدالة (4). وقال ابن الجنيد: ولو كانت بينة المدعي من لا يعرف الحاكم عدالتهما فرق بينهما وسمع منهما من غير محضر المدعى عليه، ثم سأله عنها فان زكاها المدعي عليه أنفذ القاضي الشهادة عليه، وإن جرح المطلوب الشاهدين سأل القاضي عنهما في السر والعلانية، وقال لمدعي الجرح: تثبت جرحك، وأنفذ القاضي نفسين بالمسألة فان عدلت البينة ولم يثبت المدعى عليه جرحه أنفذ الحكم عليه، وإن رجع اللذين وجه بهما الحاكم بجرح وتعديل كانت الشهادة ساقطة. وقد روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن عبد الله بن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن يعرف (5) بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أو عد الله عز وجل عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس، ويكون منه (6) التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وألا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 52 و 74.
(2) المهذب: ج 2 ص 577.
(3) السرائر: ج 2 ص 164.
(4) المراسم: ص 232.
(5) في المصدر: تعرفوه.
(6) في الفقيه: معه.

[ 421 ]

يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة، فإذا كان ذلك (1) لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سأل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين، وذلك ان الصلاة ستر وكفارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه ويتعاهد جماعة المسلمين، وانما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع، ولو لا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأن من لا يصلي لاصلاح له بين المسلمين، فان رسول الله - صلى الله عليه وآله - هم بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين وقد كان فيهم (2) من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف يقبل شهادته وعدالته (3) بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عز وجل ومن رسوله - صلى الله عليه وآله - قضية (4) الحرق في جوف بيته بالنار وقد كان يقول - صلى الله عليه وآله -: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة (5). والشيخ - رحمه الله - لما صدر باب العدالة المعتبرة في الشهادة في كتاب الاستبصار بهذا الخبر (6)، إلا ألفاظا يسيرة مخالفة له عقبه بحديث (7) عدالة

(1) في الوسائل: كذلك.
(2) في المصدر منهم.
(3) في المصدر: أو عدالة (4) في المصدر: فيه.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 38 - 39 ح 3280، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 288 - 289، مع اختلاف فيهما.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 12 - 13 ح 33، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 1 و 2 ج 18 ص 288 - 289.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 13 ح 34، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 20 ج 18 ص 294.

[ 422 ]

النساء، كما ذكره في النهاية (1). ثم عقب ذلك بقوله، فأما ما رواه علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: سألته عن البينة إذا أقيمت علي أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا بها بظاهر الحال: الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه (2). ثم قال: فلا ينالي الخبرين الأولين من وجهين: أحدهما: إنه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس، وانما يجوز له أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الاسلام والأمانة، وألا يعرفهم بما يقدح فيهم ويوجب تفسيقهم، فمن تكلف التفتيش عن أحوالهم يحتاج أن يعلم ان جميع الصفات المذكورة في الخبر الأول منتفية عنهم، لأن جميعها يوجب التفسيق ويقدح (3) في قبول الشهادة. والثاني: أن يكون المقصود بالصفات المذكورة في الخبر الأول الأخبار عن كونها قادحة في الشهادة وإن لم يلزم التفتيش عنها والمسألة والبحث عن حصولها وانتفائها، وتكون الفائدة في ذكرها انه ينبغي قبول الشهادة من كان ظاهره الاسلام، ولا يعرف فيه شئ من هذه الأشياء، فانه متى عرف فيه أحدها قدح ذلك (4) في شهادته (5). واستدل بما رواه حريز الصادق - عليه السلام -

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 52.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 12 ح 35، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 290.
(3) في المصدر: التفسيق والتضليل ويقدح.
(4) في المصدر: فيه أحد هذه الأوصاف المذكورة فانه يقدح ذلك.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 13 - 14 ذيل الحديث 35.

[ 423 ]

في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران، قال: فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا، واقيم الحد على الذي شهدوا عليه، انما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم، إلا أن يكونوا معروفين بالفسق (1). وعن عبد الله بن المغيرة، عن الرضا - عليه السلام - قال: من ولد على الاسلام وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته (2). وقال أبو الصلاح: العدالة شرط قبول (3) الشهادة على المسلم، ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والايمان واجتناب القبائح أجمع وانتفاء الظنة بالعداوة والحسد والمناقشة (4) أو المملكة أو الشركة، فان اختل شرط لم تقبل الشهاة (5). والمعتمد اشتراط العدالة. لنا: ان الظن انما يحصل بأخبار العدل دون الفاسق، ومع انتفاء الظن لا يجوز الحكم بشهادته. ولما تقدم في الحديث الذي رواه ابن أبي يعفور، والحديث الذي ذكره في معارضته مرسل مع عدم دلالته على انتفاء اشتراط العدالة، بل هو أدل عليها، لأن قوله - عليه السلام - فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته، انما يتم مع كونه عدلا، وعدم السؤال عن باطنه لا

(1) الاستبصار: ج 3 ص 14 ح 36، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 18 ج 18 ص 293 - 294. (2) الاستبصار: ج 3 ص 14 ح 37، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 290.
(3) في المصدر: شرط في صحة قبول.
(4) في المصدر: أو الحسد أو المناقشة.
(5) الكافي في الفقه: ص 435.

[ 424 ]

ينافيه، لأن الباطن انما يعلمه الله تعالى، وكذا الأخير، لأن قوله - عليه السلام -: (وعرف بالصلاح) انما يتم مع العدالة. مسألة: اختلف قول الشيخ في مسألة الجرح والتعديل إذا عدل الشاهد اثنان وجرحه اثنان فقال في المبسوط: يقدم الجرح على التعديل (1). وقال في الخلاف إذا شهد اثنان بالجرح وشهد آخران بالتعديل وجب على الحاكم أن يتوقف (2). وابن ادريس (3)، وابن حمزة (4) ذهبا إلى ما قاله الشيخ في المبسوط. والحق عندي التفصيل، وهو أن نقول: إن جاز الجميع بين الشهادتين حكم بالجرح، لجواز خفاء سببه عن المعدل، وإن لم يجز وقف الحاكم ولم يحكم بالشهادة بل تتساقط بينة التزكية والجرح، وذلك مثل أن يشهد الجارح بسبب ينفيه المعدل، كما لو شهد بأنه في الوقف الفلاني في المكان الفلاني شرب خمرا وشهد المعدل بأنه في ذلك الوقت بعينه كان في مكان آخر لا يمكن أن يجامع كونه في ذلك الأول في ذلك الوقت، لعدم أولوية القبول، بخلاف الأول فان قبول الجرح أولى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): لا يقبل الجرح إلا مفسرا، ويقبل التعديل المطلق من (7) غير تفسير. واستدل في الخلاف بأن الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح، فيجب أن يفسر، لأنه ربما اعتقد فيما ليس بجرح انه جرح، فإذا فسره عمل

(1) المبسوط: ج 8 ص 108.
(2) الخلاف: ج 6 ص 219 المسألة 12.
(3) السرائر: ج 2 ص 174.
(4) الوسيلة: ص 211.
(5) المبسوط: ج 8 ص 109. (6) الخلاف: ج 6 ص 213 المسألة 13.
(7) في المصدر: ويقبل التزكية من.

[ 425 ]

القاضي بما يقتضي الشرع فيه من جرح أو تعديل (1). وفرق في المبسوط بأن التزكية اقرار صفة على الأصل فلهذا قبلت من غير تفسير، والجرح إخبار عما حدث من عيوبه وتجدد من معاصيه، فبان الفرق بينهما (2). وتبعه ابن ادريس (3)، وابن حمزة (4). وقال ابن الجنيد: فقد ينبغي للقاضي ألا يقبل قول الذي وجهه بالمسألة، ولا يقبل هو ممن يسأله التعديل والجرح مختصرا، فرب شئ يكون عند الشاهد جرحا ولا يكون عند المشهود عنده جرحا حتى يبين ما الشئ الذي استحق المسؤول عنه أن يكون مجروحا من أقواله وأفعاله، ولا يقنع من المجيب بالتعديل حتى يقول: عدل (5) علي ولي. والوجه التسوية بينهما. لنا: ان المقتضي لتفصيل الجرح ثابت في التزكية، فان الشئ قد لا يكون سببا للجرح عند الشاهد ويكون جارحا عند الحاكم، فإذا أطلق الشاهد التعديل تعويلا منه على عدم تأثير ذلك الشئ فيه كان تغريرا للحاكم، بل الأحوط انه يسمع الجرح مطلقا، ويستفصل عن سبب العدالة، لأنه أحفظ للحقوق. مسألة: إذا أقر انسان عند الحاكم بحق وطلب المدعي أن يكتب عليه محضرا باقراره ولم يكن يعرفه قال الشيخ في المبسوط: كتب بالحلية، ثم نقل عن ابن جرير انه إذا لم يعرفه لا يكتب المحضر، لأنه قد يستعير النسب، قال: وبه قال

(1) الخلاف: ج 6 ص 220 ذيل المسألة 13.
(2) المبسوط: ج 8 ص 109.
(3) السرائر: ج 2 ص 174.
(4) الوسيلة: ص 211.
(5) في الطبعة الحجرية: حتى يقول: هذا عدل.

[ 426 ]

بعض أصحابنا، والأول أقوى (1). والذي قواه الشيخ هو المعتمد. لنا: انه بعد تساوي الأشخاص في الصفات المميزة في الصورة أكثر من بعد تساويهم في الأسماء وقد أوجبنا الكتاب لو عرفهم بالاسم، فمع المعرفة بالصفة يكون أولى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال المدعي أنت حكمت لي (2) عليه فان ذكر الحاكم ذلك أمضاه، وليس هذا من القضاء بعلمه، لكنه إمضاء قضاء قضى به بعمله وحكم قد كان حكم به قبل هذا فتذكره (3) الآن فأمضاه، وإن لم يذكره فقامت البينة عنده انه قد كان حكم به لم تقبل الشهادة على فعل نفسه عندنا وعند جماعة، وقال قوم: تسمع الشهادة على فعل نفسه ويميضه. والأول أقوى، لأنه لو شهد بشئ ثم نسيه فقامت البينة عنده انه شهد به لم يشهد ما لم (4) يذكره، فإذا ثبت هذا فالحاكم إذا لحقه مثل هذا لا يمضيه، لأنه لا يعلمه ولا ينقضه، لجواز أن يكون حكم به، بل يؤخره حتى يذكر، فان مات أو عزل فقامت البينة عنده غيره بأنه حكم به أمضاه الغير، لأنها شهادة على حكم غيره. وأما إن علم انهما شهدا بالزور قطعا إن أمكن ذلك أبطله ونقضه، فان مات أو عزل فشهد به شاهدان عند حاكم غيره لم يكن له أن يمضيه، وقال بعضهم: بل يقبله ويعمل عليه. والأول أقوى، لأن الحاكم كشاهد الأصل، والشهادة بحكمه كشاهد الفرع، ثم ثبت إن شاهد الفرع لا تقبل شهادته على شهادة الأصل إذا كان الأصل منكرا للشهادة وكذلك ها هنا (5).

(1) المبسوط: ج 8 ص 115، وفيه: (إذا لم يعرفهما الحاكم لم يكتب محضرا).
(2) في المصدر: وإن قال: أنت حكمت به لي.
(3) في المصدر: فذكره.
(4) في المصدر: لم يشهد كذلك ما لم.
(5) المبسوط: ج 8 ص 121.

[ 427 ]

وقال في الخلاف: إذا شهد شاهدان على الحاكم بأنه حكم بما ادعاه المدعي وأنفذه وعلم الحاكم انهما شهدا بالزور نقض ذلك الحكم وأبطله، فان مات بعد ذلك أو عزل فشهدا بانفاذه عند حاكم آخر لم يكن له أن يمضيه عند الشافعي، وقال مالك: بل يقبله ويعمل عليه، وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الشرع قد قرر قبول شهادة الشاهدين إذا كان ظاهرهما العدالة وعلم الحاكم الأول بأنهما شهدا بالزور ولا يوجب على الحاكم الآخر رد شهادتهما فيجب عليه أن يقبلهما ويمضي شهادتهما، وقاس الشافعي ذلك على شهادة الأصل والفرع، فانه متى أنكر الأصل شهادة الفرع سقط شهادة الفرع والحاكم كالأصل وهؤلاء كالفرع فيجب أن يسقطا. وعندنا أن شهادة الفرع ] (1) لا تسقط بل تقبل شهادة أعدلهما، وفي أصحابنا من قال: بل تقبل شهادة الفرع دون الأصل، لأن الأصل منكر (2)، والذي قواه الشيخ في الخلاف في غاية الضعف. والمعتمد ما اختاره في المبسوط. وسيأتي إن شاء الله تعالى أصل ذلك في مخالفة شاهد الأصل للفرع.

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.
(2) الخلاف: ج 6 ص 224 المسألة 19، مع اختلاف.

[ 428 ]

الفصل الرابع في كتاب قاض إلى قاض مسألة: المشهور عند علمائنا المنع من العمل بكتاب قاض إلى قاض مطلقا، ذهب إليه الشيخ (1) والجماعة، إلا من شذ. وقال ابن الجنيد: لا يجوز عندنا كتاب قاض إلى قاض في حد لله تعالى وجب على أحد من بلد المكتوب إليه، فان كتب القاضي بذلك لم يكن للمكتوب إليه أن يقيمه. فأما ما كان من حقوق الناس بعضهم على بعض في الأموال وما يجري مجراها دون الحدود في الأبدان فجائز كتاب القضاة من قبل امام المسلمين بعضهم إلى بعض. وقال ابن حمزة: لا يجوز للحاكم أن يقبل كتاب حاكم آخر ويحكم به إلا بالبينة، فان شهدت البينة على التفصيل حكم به (2). لنا: النقل المستفيض عن أهل البيت - عليهم السلام - فقد روى مشهورا عن طلحة بن زيد والسكوني، عن الصادق - عليه السلام - ان عليا - عليه السلام - كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنو

(1) الخلاف: ج 6 ص 224 المسألة 20.
(2) الوسيلة: ص 214.

[ 429 ]

امية فأجازوا بالبينات (1). وهذان الراويان وإن كان ضعيفين إلا ان الرواية من المشاهير، فلا اعتبار حينئذ بالطعن في الراوي، وللاجماع على الحكم بالبينة، واليمين من النبي - صلى الله عليه وآله - وليس هذا أحدهما. احتج بالحاجة إلى ذلك، فلو لم يكن مشروعا لزم الضيق والحرج والجواب: المنع من الملازمة. إذا عرفت هذا فلا اعتبار بالكتاب عندنا، سواء كان مختوما أو مفتوحا، وسواء شهد به على الحاكم الكاتب شهودا أم لا. أما إذا حكم الحاكم بأمر فان الثاني ينفذه على ما يأتي. مسألة: إذا حكم الحاكم بحكم بين خصمين إما بشهادة شاهدين أو اقرار فأشهد على حكمه شاهدين قال الشيخ في الخلاف: يقبل وينفذ الحاكم الثاني ما حكم به الأول، بشرط أن تقوم البينة بالشاهدين المذكورين على حكمه وبما حكم به (2). وهو الوجه، وربما منع ذلك جماعة من علمائنا. لنا: ان الحاجة تدعو إلى ذلك، فان الضرورة إلى اثبات الأحكام في البلاد المتباعدة ثابتة، وشهود الأصل ربما لم يوافقوا على الانتقال، ولو وافقوا ربما يتعذر على الحاكم الثاني تزكيتهم، فلو لا قبول ما قلنا لتعطلت الأحكام وتعذر إثبات الحقوق، والشهادة على الشهادة لا يفيد ذلك أما أولا: فلأنها ليست عامة، وأما ثانيا: فلأن شهود الفرع قد لا يتفق لهم الانتقال، والشهادة الثالثة لا تسمع، وأيضا لو لم يشرع ذلك لبطلت الحجج على تطاول الزمان بموت شهود الأصل والفرع، وأيضا لو لا ذلك لدامت الخصومات في القضية الواحدة

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 300 ح 840 و 841، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1 ج 18 ص 218 - 219، وفيهما: (انه كان لا يجيز).
(2) الخلاف: ج 6 ص 245 المسألة 42.

[ 430 ]

بأن يرافعه المحكوم عليه إلى حاكم آخر غير الأول، فان لم ينفذ الثاني ما حكم به الأول ابتدأ الخصومة واستمرت المنازعة في ذلك، وهو ضرر عظيم، ومناف لقصد نصب الحكام الذين وضعوا لفصل الخصومات وقطع المنازعات، وأيضا البينة تثبت ما يثبت بالاقرار مع الجحود، ولو اعترف الغريمان ان حاكما حكم عليهما بكذا فان الحاكم الثاني يلزمهما حكم الأول، وكذا لو قامت البينة به. احتجوا بما ورد من المنع (1) من كتاب قاض إلى قاض، وبأنه حكم بالظن المنهي عن العمل به. والجواب: ما ذكرناه ليس عملا بكتاب قاض إلى قاض، والظن متبع في الشهادة والفتوى وحكم الحاكم، وما نحن فيه من هذا القبيل. إذا عرفت هذا فهذا الحكم انما يثبت في حقوق الناس من الأموال دون الحدود ودون حقوق الله تعالى، بشرط أن يحضر الشاهدان اللذان شهدا بإنهاء الحكم إلى الحاكم الثاني خصومة المتنازعين ويسمعا الدعوى وحكم الحاكم ويشهدهما الحاكم على حكمه، فحينئذ إذا شهدا عند الحاكم الثاني بما شهداه من الواقعة وحكم (2) ما سمعاه من لفظ الحاكم وحكمه أنفذ ما حكم به، لا بمعنى انه يحكم بصحة الحكم في نفس الأمر.

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 300 ح 840، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 1 ج 18 ص 218 - 219.
(2) ليس في ق 2 وم 3.

[ 431 ]

الفصل الخامس في ذكر القاسم مسألة: قال الشيخ في الخلاف: كل قسمة فيها ضرر على الكل - في مثل الدور والعقارات والدكاكين الضيقة - لم يجبر الممتنع على القسمة والضرر، لأن هذا لا يمكنه الانتفاع بما تفرد له، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو حامد: الضرر يكون بذلك وبنقصان القيمة، وإذا قسم نقص من قيمته لم يجبر على القسمة، وقال مالك: يجبر على ذلك. دليلنا: قوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا اضرار) وذلك عام وهذا اضرار، ولأنه لا يمكنه الانتفاع، وبهذا الخبر استدل من راعى نقصان القيمة، ثم قال: ولي فيه نظر (1). وقال في المبسوط: والضرر عند قوم ألا ينتفع بما تفرد له ولا يراعى نقصان قيمته، وهو قول الأكثر، وهو الأقوى عندي، وقال بعض المتأخرين: إن الضرر نقصان قيمة سهمه بالقسمة فمتى نقص بالقسمة فهو الضرر، وهو قوي أيضا (2). وهذا يدل على تردده. والمعتمد ما قواه الشيخ أخيرا من قول بعض المتأخرين، وهو قول أبي حامد

(1) الخلاف: ج 6 ص 229 المسألة 27.
(2) المبسوط: ج 8 ص 135.

[ 432 ]

من الشافعية (1)، لعموم قوله - عليه السلام -: (لا ضرار ولا اضرار) (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تضرر بالقسمة أحد الشركاء دون الباقين - كما لو كان لأحدهما عشر الدار وباقيها للآخر - فان كان الطالب هو المتضرر بالقسمة قال قوم: يجبر الممتنع عليها، لأنها قسمة فيها من لا يستضر بها، فوجب أن يجبر الممتنع عليها، كما لو كان الطالب (3) هو الذي لا يتضرر بها، وقال آخرون: لا يجبر، لأنها قسمة يستضر بها طالبها، فهو كما لو استضر بها الكل، وهو الصحيح عندنا (4). وقال في الخلاف: إن كان الطالب مستضرا اجبر الممتنع عليها، وبه قال أهل العراق، وقال ابن أبي ليلى: تباع لهما ويعطى كل واحد منهما بحصته من الثمن، وقال أبو ثور: لا يقسم كالجوهرة، وهذا مثل ما قلناه، وقال الشافعي: إن كان الطالب يستضر بها فهل يجبر الممتنع أم لا؟ على وجهين: أحدهما: انه يجبر، والآخر: انه لا يجبر، وهو المذهب، لأنها قسمة يستضر بها طالبها، فأشبه ما إذا استضر بها الاثنان. دليلنا: قوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا اضرار) وفي ذلك ضرر إما على الطالب أو الممتنع، فلا يجوز ذلك، لعموم الخبر، وانما اجبرنا إذا كان الممتنع غير مستضر، لأنه لا ضرر على الممتنع، والطالب قد رضي بدخول الضرر عليه فيجب أن يجبر عليه (5). والمعتمد أن نقول: إن فسرنا الضرر ببطلان الانتفاع بالكلية لم يجبر الممتنع عليها ولا يجاب الطالب إليها، لما فيه من اضاعة ماله، وقد نهى النبي - عليه السلام - عنه - وإن فسرناه بما اخترناه من نقصان القيمة فالوجه اجبار الممتنع،

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا ونقله عنه في الخلاف ج 6 ص 229 المسألة 27.
(2) سنن البيهقي: ج 6 ص 157.
(3) في المصدر: المطالب.
(4) المبسوط: ج 8 ص 135 - 136، مع اختلاف.
(5) الخلاف: ج 6 ص 230 المسألة 28.

[ 433 ]

لانتفاء الضرر في حقه. لا يقال: ما ذكرتم من الدليل في بطلان الانتفاع عائد في نقصه. لأنا نقول: نمنع عوده، لأن للانسان التصرف في ماله بما يعود نفعه إليه (1) وإن اشتمل على نقص قيمته، بل على ابطالهما، لما اشتملت عليه من النفع، وافراز حق كل واحد من الشريكين وتفرده عن صاحبه أعظم نفعا له من الشركة، فجاز تحمل النقص لأجله. مسألة: إذا كانت السهام متفاوتة والقيمة متفقة بأن كان لأحدهم السدس مثلا وللآخر الثلث وللثالث النصف واخرج القاسم الأسماء على السهام قال الشيخ في المبسوط: كتب ست رقاع: لصاحب السدس رقعة ولصاحب الثلث رقعتان (2) ولصاحب النصف ثلاث (3)، وقال بعضهم يجزئ ثلاث رقاع، لأنه انما يخرج القرعة مرتين ويكتفي بها عن الثالث، فإذا أمكن الاختصار (4) فلا معنى للتطويل. والأول أقوى، لأن كل من كان سهمه أكثر كان حظه أوفر وله مزية على صاحب الأقل، فإذا كتب لصاحب النصف ثلاث رقاع كان خروج قرعته أسرع وأقرب، فإذا كتب له واحدة كان خروج قرعته وقرعة صاحب السدس سواء، فلهذا قيل: يكون له أكثر من رقاع غيره. والثاني أيضا قوي، لأنا فرضنا ان القيمة متساوية فلا فائدة في ذلك غير التقديم والتأخير، وذلك لا فائدة فيه (5). وهذا يدل على تردده، والأخير عندي أقوى، لقلة المؤونة فيه وحصول الفائدة بكمالها فكانت أولى، ولا فائدة طائلة تحت هذا. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من قسمة الزرع وحده وقال: لو طلب قسمة

(1) ليس في ق 2 وم 3.
(2) في المصدر: رقعتين.
(3) في المصدر: ثلاث رقاع.
(4) في المصدر: الاقتصار.
(5) المبسوط: ج 8 ص 137 و 138.

[ 434 ]

الزرع وحده لم يجبر الآخر عليه، لأن تعديل الزرع بالسهام لا يمكن، قال: ولو كان الزرع قد اشتد سنبله وقوى حبه فالحكم فيه، كما لو كان بذرا، ولو كان قصيلا اجبر الممتنع عليها (1). والوجه عندي الجواز في الجميع وتعديل الزرع يمكن (2) بالتقويم، وكذا إذا اشتد حبه، لأنه يجوز بيعه. قال ابن البراج: إذا كان البقل (3) بين قوم وأرادوا قسمته لم يصح ذلك، إلا ببيعه وقسمة ثمنة بينهم، أو بأن يقطع (4) من الأرض ويقسمونه (5) كما يقسم (6) مثله، أو يكون مما يمكن قسمته بالعدل فيقسم (7). وهو جيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى أحد المتقاسمين انه غلط عليه في القسمة وأعطى دون حقه فان كانت قسمة اجبار - وهو أن يكون الحاكم نصب قاسما فقسم بينهما - لم يقبل دعواه، لأن القاسم أمين، فان طلب الاحلاف على انه لا استحق في يده فضل كذا أحلفناه، لأنه يحتمل ما يدعيه، وإن جاء بالبينة سمعها الحاكم وحكم بالبطلان، وإن كانت قسمة تراض كالعلو لأحدهما والسفل للآخر أو كان فيها ردفان اقتسما بأنفسهما لم يلتفت إليه، لأنه إن كان مبطلا سقط قوله، وإن كان محقا فقد رضي بترك هذه الفضلة فلا معنى لرجوعه فيها (8)، وهذه الملازمة الأخيرة ممنوعة، لجواز أن يكون محقا، ولم يعلم بالزيادة وقت القسمة بل بعدها. وقال ابن الجنيد: لو وقعت القسمة وتفارق الشركاء بالوفاء أو قامت به

(1) المبسوط: ج 8 ص 141.
(2) في الطبعة الحجرية: ممكن.
(3) في المصدر: النحل.
(4) في المصدر: يقلع.
(5) في الطبعة الحجرية وق 2: يقتسمونه.
(6) في المصدر: قسم.
(7) المهذب: ج 2 ص 574.
(8) المبسوط: ج 8 ص 141 - 142، مع اختلاف.

[ 435 ]

بينة عند الحاكم وأنفذ الحاكم القسمة وادعى أحد الشركاء غلطا لم تنقض القسمة حتى يقيم المدعي البينة بالغلط. وهذا الكلام جيد على اطلاقه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وإذا كان بينهما ضيعة نصفين فاقتسماها فبان ثلثها مستحقا فان كان معينا وحصل بينهما بالسوية لم يبطل القسمة، وإلا بطلت، وإن كان مشاعا بطلت في قدر المستحق ولم يبطل فيما بقي، وقال قوم: يبطل فيما بقي أيضا. والأول مذهبنا، والثاني أيضا قوي، لأمن القسمة تميز حق كل واحد منهما عن صاحبه وقد بان انه على الاشاعة. ثم قال: والعلة الجيدة في ذلك انهما اقتسماها نصفين وثلثها لغائب، ومن قسم ما هو شركة بينه وبين غيره بغيرحضور كانت القسمة باطلة ويفارق البيع، لأن لكل واحد من الشريكين أن يبيع نصيبه بغير اذن شريكه (1). وهذا يدل على تردده في ذلك. والوجه ما قواه ثانيا، لما قدره - رحمه الله -. مسألة: الشيخ في المبسوط: ومتى كان لهما ملك أقرحة كل قراح مفرد (2) عن صاحبه ولكل واحد منهما طريق ينفرد به فطلب أحدهما قسمة كل قراح على حدته وقال الآخر: بل (3) بعضها في بعض كالقراح الواحد قسمنا كل قراح على حدته ولم يقسم بعضها في بعض، سواء كان الجنس واحد - مثل: ان كان الكل نخلا أو الكل كرما - أو أجناسا مختلفة الباب واحد، وسواء كانت متجاورة أو متفرقة، وكذلك الدور والمنازل، هذا عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم: إن كانت متجاورة قسم بعضها في بعض، وإن كانت متفرقة كقولنا، وقال بعضهم (4): إن كان الجنس واحدا قسم بعضه في بعض، وإن كانت

(1) المبسوط: ج 8 ص 142 - 143، مع اختلاف.
(2) في المصدر: منفرد.
(3) في المصدر: وقال الآخر: لا بل.
(4) في المصدر: وقال قوم.

[ 436 ]

أجناسا كقولنا، فان تراضيا عليه جاز، لأنه بمنزلة البيع (1). وقال ابن البراج: إذا كان بين جماعة من الناس دور فقال أحدهم: اريد أن آخذ حقي في ذلك في كل دار وقال بعض آخر منهم: يجمع لكل (2) واحد نصيبه في موضع واحد وكانت الدور معتدلة في بقاعها وأحوالها ورغبة الناس فيها قسم لكل انسان حقه في مكان واحد، وإن كانت مختلفة اختلافا بينا قسمت لكل دار منها ناحية وأخذ كل واحد منهم حقه منها، وإذا كان قوم مشتركون (3) في حوائط وأرض في نواحي (4) متفرقة وبعض ذلك يقرب (5) من بعض وأراد كل واحد منهم أن يأخذ نصيبه في ناحية واحدة بقيمة عادلة كان ذلك جائزا، فان كان كل شئ من ذلك لا ينقسم على الانصباء وإذا قسم كان فيه ضرر يدخل على بعض (6) الشركاء وكان حقه فيه (7) ما لا يكاد أن ينتفع به على الانفراد وجب أن يجمع حصة كل واحد منهم في ناحية بقيمة عادلة (8). والمعتمد ما قاله الشيخ في المبسوط. لنا: انها أملاك متعددة فكان لكل ملك حكم بانفراده، ولا اعتبار بالتساوي في الصف لولا (9) الاختلاف فيه، والرغبات قد تختلف، فربما يريد انسان (10) حصته في كل موضع فإذا انتفى الضرر فيه وجب تسليمها منفردة إليه، كما لو لم يكن شريكا في غيره.

(1) المبسوط: ج 8 ص 144.
(2) في المصدر: كل.
(3) في المصدر: شركاء.
(4) في المصدر: ارض في نواحي.
(5) في المصدر: قريب. (6) في المصدر: يلحق بعض.
(7) في المصدر: منه.
(8) المهذب: ج 2 ص 573 - 574.
(9) ق 2 وم 3: أو.
(10) في الطبعة الحجرية: كل انسان.

[ 437 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كانت يد رجلين على ملك فسألا الحاكم أن يقسمه بينهما فان أقاما عنده البينة انه ملكهما قسمه بينهما، وإن لم يكن لهما بينة غير اليد ولا منازع هناك قال قوم: يقسمه بينهما، وقال آخرون: لا يقسمه بينهما، وسواء كان ذلك مما ينقل ويحول أو لا ينقل ولا يحول، وسواء قالا: ملكنا ارثا أو بغير ارث، وقال بعضهم: إن كان مما ينقل ويحول قسمه بينهما، وإن كان مما لا ينقل فان قالا: الميراث بيننا لم يقسم، وإن قالا: غير ميراث قسمه بينهما. والأول أقوى عندنا (1). وهذا يعطي تسويغ القسمة من غير أن يثبت الملكية لهما، بل بمجرد اليد. وبه قال في الخلاف أيضا، واستدل عليه بأن ظاهر اليد عندنا يدل على ذلك، فجاز أن يقسم بذلك كالبينة. ثم اعترض على الخصم بأن قوله (2): (قسمه الحاكم) حكم بالملك. فالجواب عنه: إنا نحترز من هذا وهو: ان القاسم يقسم ويكتب بالصورة وقصته، وانه قسمه بينهما بقولهما، فإذا قال هذا امر أن يكون حكما بينهما بالملك (3) (4). ونقل بعض متأخري (5) علمائنا عن الشيخ في المبسوط المنع من القسمة، خلاف ما قاله في الخلاف، والذي ذكره هنا لا يدل على النقل، ولا يحضرني الآن قول الشيخ في المبسوط في الموضع آخر غير هذا. وقال ابن الجنيد: ولو تنازع المدعون للأرض على سهامهم ثم سألوا الحاكم

(1) المبسوط: ج 8 ص 147 - 148.
(2) في المصدر: قولهم.
(3) في المصدر: فإذا كان هذا احترز من أن يكون حكما منه بالملك لهما (4) الخلاف: ج 6 ص 232 المسألة 30.
(5) شرائع الإسلام: ج 4 ص 102.

[ 438 ]

القسمة بينهم لم أختر للحاكم ذلك، إلا أن يثبت عنده البينة بملكهم أو ميراثهم اياها عن مالكها، وإن رأى الحاكم أن يقسمها بينهم لم يفعل ذلك حتى يشيع أمرها بين جيرانها وينتظر مدة يمكن معها أن يحضر مدع لها أو بعضها إن كان مالكا لها، وإذا قسمها لم يستحل بالقسمة، إلا أن يذكر الحال، وانه لم يثبت عنده تملكهم اياها، ولا أعلم منازعا منهم (1)، لئلا يكون ذلك حكما منه بالملك لهم يلزم من بعده انفاذه. والوجه جواز القسمة، كما قاله في الخلاف، لأنه لا (2) يتضمن الحكم بالملك، وكان الأقوال هنا متوافقة في ذلك. مسألة: قال ابن البراج في كتابيه معا: إذا قسم العلو والسفل قوم كان سقف السفل على صاحب السفل ويكون كالأرض لصاحب العلو، ولا يجوز لصاحب السفل هدمه، والزام صاحب العلو تسقيفه، بل إذا استهدم ولم يكن صاحب العلو قد جنى عليه كان عمله لازما لصاحب السفل (3). والوجه المنع، وبه قال ابن الجنيد. فان السقف إن كان موجودا وقت القسمة كان لصاحب العلو إن شرط (4) له أو لصاحب السفل إن شرط له (5)، وإن لم يكن موجودا كان عمله على صاحب العلو، لأنه رضي بأخذ العلو على هذه الهيئة، وإذا استهدم لم يجب على صاحب السفل عمله، إذ لا يجب على الانسان عمارة مال غيره. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان الحائط بين دارين وكان ملكا لصاحب الدار الواحدة فانهدم وامتنع مالكه من بنيانه وطالبه (6) مالك الدار الاخرى

(1) ق 2: ولا أعلم لهم منازعا.
(2) ق 2: لم.
(3) المهذب: ج 2 ص 574.
(4) ق 2 أن يشترطه.
(5) (إن شرط له) ليس في ق 2.
(6) في المصدر: طلبه.

[ 439 ]

بنيانه وقال له: قد كشفت أهلي فاستر بيني وبينك كان عليه أن يستر بينهما، إما ببناء أو غيره مما لا يتم معه كشف أهل صاحب الدار الاخرى، فان كان الحائط بينهما وليس (1) هو ملكا لأحدهما وطلب أحدهما من الآخر بناءه (2) وامتنع من ذلك فعلى قسمين: إما أن يكون مما ينقسم أو يكون مما لا ينقسم، فان كان مما ينقسم [ قسم ] بينهما وبنى كل واحد منهما حقه منه أو تركه إن لم يكن في ذلك ضرر على الآخر، وإن كان مما لا ينقسم الزم (3) البناء أو البيع أو تسليمه الى الآخر ليبنيه ويكون له دونه إن رضي بذلك، فان تراضيا على أن يبنيه الطالب وينتفع به فان أراد الآخر الانتفاع به معه دفع إليه نصف نفقته جاز ذلك (4). والوجه انه لا يجب على الجار بناء جداره المختص به إذا كان ساترا على جاره، للأصل، ولو كان مشتركا وأمكن قسمته لم يجب على الجار عمارة حصته، وإن تضرر الآخر بترك العمارة بل الذي (5) يطلب العمارة يعمر من نفسه. مسألة: قال ابن البراج: إذا كانت له دار وأراد تحويل بابها عن المكان الذي هو فيه أو أراد فتح باب آخر مع بابها [ كان ذلك جائزا ] فان كان في أزقة (6) غير نافذة لم يكن له فتح باب فيها ولا تحويل بابها عن مكانه إلا بعد أن يرضى أهل تلك الأزقة (7). وأطلق القول في ذلك، وليس بجيد، بل الحق التفصيل وهو: إن له فتح باب متقدم إلى رأس الدرب وتحويل الباب إليه دون التأخر.

(1) في المصدر: ولم يكن.
(2) في المصدر: ان يبنيه.
(3) في المصدر: لزم.
(4) المهذب: ج 2 ص 575.
(5) ق 2: فالذي.
(6) في المصدر: رائعة.
(7) المهذب: ج 2 ص 575، مع اختلاف.

[ 440 ]

مسألة: قال ابن البراج: إذا اقتسم قوم دارا أو أرضا وشرطوا ألا يكون لواحد منهم طريق إلى ذلك كان الشرط باطلا (1). والوجه المنع، بل يجوز الشرط، لأن أقصى ما فيه أن يتضرر بالقسمة وينقص حقه، فإذا رضي به جاز.

(1) المهذب: ج 2 ص 573.

[ 441 ]

الفصل السادس في بقايا مسائل تتعلق بالقضاء مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعية فرضيا به حكما بينهما وسألاه أن يحكم بينهما جاز، وانما يجوز أن يرضيا ممن يصلح أن يلي القضاء، وهو أن يكون من أهل العدالة والاجتهاد والكمال على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنه رضي به قاضيا فأشبه قاضي الامام، فإذا نظر بينهما فمتى يلزم حكمه، في حقهما؟ قال قوم: بالرضا بما حكم به بعد حكمه، وقال آخرون: يلزم حكمه بما يلزم به حكم الحاكم، وهو إذا أمضاه هو عليهما، فمن قال: لا يلزم بمجرد الحكم كان لكل واحد منهما الخيار ما لم يتراضيا به بعد حكمه، فإذا تراضيا في ذلك الوقت لزم حكمه، وهو الأقوى عندي، لأن عليه اجماعا (1). وقال في الخلاف: إذا تراضى نفسان برجل من الرعية يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما كان جائزا بلا خلاف، فإذا حكم بينهما لزم الحكم، وليس لهما بعد ذلك خيار، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: يقف بعد انفاذ حكمه على تراضيهما، فان تراضيا بعد الحكم لزم. واستدل باجماع لفرقة

(1) المبسوط: ج 8 ص 164 - 165.

[ 442 ]

على أخبار رووها إذا كان بين أحدكم وبين غيره خصومة فلينظر إلى من روى أحاديثنا وعلم أحكامنا فليتحاكم (1) إليه، ولأن الواحد منا إذا دعى غيره إلى ذلك فامتنع منه كان مأثوما، فعلى هذا اجماعهم. وأيضا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - انه قال: من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله، فلو لا ان حكمه بينهما جائز لازم لما توعده (2) باللعن. وأيضا لو كان الحكم لا يلزمه بنفس الالزام (3) والانقياد لما كان للترافع إليه معنى، فان اعتبر التراضي كان ذلك موجودا قبل الترافع إليه (4). وما قاله الشيخ في الخلاف جيد، وكون الاجماع على لزوم الحكم بعد الرضا لا ينافي لزومه قبله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا نكل المدعي عليه عن اليمين وثبت للمدعي حق الاستحلاف فلم يحلف وأسقطه عن جنبته ثم جاء بعد هذا بشاهد واحد وأراد أن يحلف معه قال قوم: له ذلك، وقال آخرون: ليس له ذلك، كما لو أقام ابتداء شاهدا [ واحدا ] ولم يحلف معه فردت اليمين على المدعى عليه فنكل فيها ولم يحلف فهل يرد اليمين يرد على المدعي فيحلف مع الشاهد ثانيا؟ على قولين، والأقوى عندي انه ليس له ذلك، لأنه أسقط حق نفسه من الاستحلاف، فلا يعود إليه إلا بدليل (5). وقال في الخلاف: إذا كان مع المدعي شاهدا واحدا واختار يمين المدعي عليه كان له ذلك، فان حلف المدعى عليه سقط (6) دعواه، وإن نكل لم يحكم عليه فيكون له الشاهد مع اليمين، وإذا كان معه شاهد وأراد أن يحلف المدعى

(1) في المصدر: فليتحاكما.
(2) في المصدر: تواعده.
(3) في المصدر: الالتزام. (4) الخلاف: ج 6 ص 241 المسألة 40.
(5) المبسوط:: ج 8 ص 210 - 211.
(6) في المصدر: اسقط.

[ 443 ]

عليه فنكل عن اليمين فانها ترد على المدعى، فان حلف حكم بها، وإن لم يحلف انصرف (1) (2). وقوله في الخلاف جيد، ونمنع ما قاله في المبسوط من سقوط حقه بالكلية. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو وقع غلام من المشركين في الأسر فوجد وقد أنبت فادعى انه عالج نفسه حتى أنبتت وانه لم يبلغ فالقول قوله، فان حلف حكم له انه لم يبلغ ويكون في الذراري، وإن نكل حكمنا بنكوله وانه بالغ فيجعل في المقاتلة. وعندنا ان الذي يقتضيه مذهبنا أن يحكم فيه بالبلوغ بلا يمين، لأن عموم الأخبار ان الانبات بلوغ يقتضي ذلك، وما ذكروه قوي (3) وهذا يدل على تردده. والوجه عندي ما قواه أخيرا، لأنه حق الله تعالى: فيبني على التخفيف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ثبت ان بينة الداخل تسمع في الجملة، فكل موضع سمعنا بينة الداخل قضينا للداخل بلا خلاف وقال قوم: يستحلف مع ذلك، وقال آخرون: لا يستحلف، وهو الأقوى. قال: وأصل ذلك تعارض البينتين، فان فيهم من قال: يسقطان، ومنهم من قال: يستعملان. فمن قال: يسقطان لم يحكم له إلا باليمين، لأنهما إذا تعارضتا سقطتا، فيكونان كأنه لا بينة لواحد منهما ولأحدهما اليد فكان القول قوله مع اليمين. ومن قال: يستعملان فلا شئ عليه، لأنا نقضي له بالبينة، وذلك انهما تعارضتا وانفرد أحدهما باليد فقدمناها على بينة الخارج باليد فقضينا له بها، فلهذا قلنا: لا شئ عليه (4).

(1) في المصدر: حكم له بها وإن نكل ولم يحلف.
(2) الخلاف: ج 6 ص 227 - 228 المسألة 24 و 26.
(3) المبسوط: ج 8 ص 213.
(4) المبسوط: ج 8 ص 258، وفيه: (قوله مع يمينه).

[ 444 ]

والمعتمد وجوب اليمين، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: نص الشيخ في المبسوط (1) على احلاف الغريم للغائب كغريم الميت، وبه قال ابن الجنيد، وأبو الصلاح (2). وقال بعض علمائنا: لا يجب اليمين (3). لنا: ان المقتضي لا يجاب اليمين هناك - وهو جهل حال المدعى عليه - ثابت هنا فيثبت الحكم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى دارا في يد رجل فقال المدعى عليه: ليست بملك لي وانما هي لفلان فقال المدعي: احلفوا المقر الذي ادعيت عليه أولا انه لا يعلم انها ملكي قال قوم: يجب عليه اليمين، وقال آخرون: لا يجب عليه بناء على مسألة وهي: إذا قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو سلمت إلى زيد وهل يغرمها لعمرو؟ على قولين، كذلك ها هنا لو اعترف بها للمدعي بعد أن أقربها لغيره هل عليه الغرم أم لا؟ على قولين، فمن قال: لو اعترف لزمه الضمان، فان عليه اليمين، لأنه لما لزمه الغرم مع الاقرار لزمه اليمين مع الانكار، وقال قوم: لا يحلف، لأنه لا فائدة فيها، لأن أكثر ما فيه أن يعترف خوفا من اليمين، ولو اعترف لا شئ عليه فلما لم يلزمه الغرم مع الاقرار لم يلزمه اليمين مع الانكار، وهذا الذي يقوى في نفسي (4). وهذا يدل على أنه لا يجب عليه الضمان للثاني. وقال في المبسوط في كتاب الاقرار: إذا أقر بأن العبد الذي في تركة أبيه لفلان لا بل لفلان كان بمنزلة قوله: غصبته من فلان لا بل من فلان، وفيها قولان، ولا فرق بين أن يسلم بنفسه إلى الأول وبين أن يسلمه إلى الحاكم، وفي

(1) المبسوط: ج 8 ص 162.
(2) الكافي في الفقه: ص 447.
(3) شرائع الاسلام: ج 4 ص 85.
(4) المبسوط: ج 8 ص 265 - 266.

[ 445 ]

الناس من قال في هذه: انه لا يغرم للثاني قولا واحدا، لأنه غير مفرط، لأن الاحاطة لم يؤخذ عليه بما يتعلق بتركة أبيه فجاز أن يعتقد شيئا فيها، فربما (1) يكون الأمر بخلافه وقد أخذت عليه الاحاطة بما يتعلق بأفعاله ويجب في ماله، فان أقر ثم رجع كان مفرطا في اقراره الأول. والأقوى في هذه أيضا أن يغرم على ما قلناه في مسألة الغصب (2). والمعتمد ما قواه الشيخ في كتاب الاقرار، ولأنه أتلف مال غيره وحال بينه وبينه باقراره فكان غارما لوجود السبب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو كان مع مدعي الدار بينة انها له وقد كان الذي في يده قال: انها لزيد وزيد غائب ولا بينة مع المقر قضي للمدعي بالبينة، وهل يحلف معها؟ قال قوم يحلف معها، لأنه قضاء على الغائب بدلالة ان المقر أقر بها له، والقضاء عليه بعد الاعتراف بها للغائب لا يصح، ثبت (3) انه قضاء على غائب. وقال قوم: يقضي له بالبينة بغير يمين، لأن هذا قضاء على حاضر، لأن الشئ في يده فالظاهر انها ملكه، وهو الأقوى (4). والوجه عندي الأول، لأنه قضاء على الغائب، لاندفاع الخصومة عن المقر باقراره، وقد سبق ان الغائب يقضي عليه مع البينة باليمين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تداعيا دارا في يد غيرهما وأقام كل واحد منهما بينة انها له تركت في يد الذي هي في يده فالقول قوله مع يمينه. قالوا (5): هلا زالت يده عنها بهذه البينة، لأنهما وإن تعارضتا في عين الملك (6) فقد اجتمعتا على انها ليست ملكا لمن هي في يده. قلنا: إذا لم يعين البينة طالب

(1) ليس في المصدر.
(2) المبسوط: ج 3 ص 23.
(3) في الطبعة الحجرية: فثبت.
(4) المبسوط: ج 8 ص 267.
(5) في المصدر: فان قالوا.
(6) في المصدر: في غير عين الملك.

[ 446 ]

الحق سقط، كما لو شهدت ان هذه الدار لأحد هذين الرجلين فانها تسقط، لأنها ما عينت المشهود له، فان أقر بها من هي في يديه لأحدهما سلمت إليه، لأن الظاهر أن ما في يديه ملكه، وهل يحلف أم لا؟ على قولين، بناء على غرمه [ و ] لو قال: هي لهذا لابل لهذا فانه على قولين، فمن قال: يلزم الغرم مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار، ومن قال: لا يلزمه الغرم مع الاقرار لم يلزمه اليمين مع الانكار، فأما إن أقر بها لأحدهما ثم رجع فقال: بل لهذا فهل يغرم؟ على قولين، كما لو قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو هل يغرمها لعمرو؟ على قولين، وإن قال: هي لهما معا فقد أقر لكل واحد منهما بالنصف وهل يلزمه اليمين لكل واحد منهما في النصف أم لا؟ على ما مضى من القولين، ويقوى في نفسي انه لا يمين عليه ولا غرم في المسائل كلها، لأن الأصل براءة الذمة (1). والبحث هنا يقع في مقامين: الأول: في انتزاعها من يد المشهود عليه. والوجه انتزاعها، بخلاف ما صوره الشيخ من شهادة الشاهدين لأحدهما لا بعينه، لأنها لا تسمع. وأما هنا فان كل واحدة من البينتين قد عينت المشهود له فكانت مسموعة، وقد اتفقتا على حكم واحد وهو عدم استحقاق القابض للامساك. الثاني: في غرم الراجع عن اقراره، وقد سبق ان المعتمد الغرم، خلافا له هنا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ادعى دارا في يد رجل فقال: هذه الدار التي (2) كانت لأبي وقد ورثتها أنا وأخي الغائب منه وأقام بذلك بينة من أهل

(1) المبسوط: ج 8 ص 272 - 273.
(2) ليس في المصدر.

[ 447 ]

الخبرة الباطنة والمعرفة انهما ورثاه (1) ولا يعرف (2) له وارثا سواهما انتزعت ممن هي في يديه ويسلم إلى الحاضر نصفها والباقي يجعل في يد أمين حتى يعود الغائب، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يؤخذ من المدعى عليه نصيب الحاضر ويقر الباقي في يد من هو في يده حتى يحضر الغائب. ثم استدل بأن الدعوى للميت والبينة بالحق له، بدليل انه إذا حكم بالدار يقضى منها ديونه وينفذ وصاياه، فإذا كانت الدعوى للميت والبينة له حكم له الحاكم، لأنه لا يعبر عن نفسه فحكم له بالبينة التي لا يقيمها كالصبي والجنون، وإذا ثبت الدار للميت ثبت ميراثا عنه بين ولديه (3). وقال في المبسوط: انتزعت ممن هي في يديه وسلم الى الحاضر نصفها والباقي في يد أمين حتى يعود الغائب، وقال قوم: يؤخذ من المدعى عليه نصيب الحاضر ويقر الباقي في يدي من هو في يده حتى يحضر الغائب، وهو الأقوى عندي. وكذا إن كانت الدعوى عينا ينقل ويحول كالثياب والحيوان، وإن كانت الدعوى دينا قضي به للآخرين ودفع إلى الحاضر حقه منه والباقي قال قوم: يقبض كالعين، وقال آخرون: لا يقبض منه، وهو الصحيح عندنا (4). والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف. لنا: ان العين في ثبتت لغير من هي في يده، وانها لغائب فنتزع منه، لأن الحاكم ولي الغائب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو ادعى أخ الميت انه أخوه ولا وارث له سواه وأقام بينة غير كاملة لم يعط شيئا حتى يبحث في البلدان التي طرقها على صفة لو كان له وارث ما خفي فحينئذ يدفع التركة إلى الأخ. ثم قال: ولو كان

(1) ق 2: ورثاها.
(2) في المصدر: نعرف.
(3) الخلاف: ج 6 ص 340 المسألة 12.
(4) المبسوط: ج 8 ص 274 - 275، مع اختلاف.

[ 448 ]

المدعي هو الابن فانه وارثه فقامت البينة بأنه ابنه وما زادت عليه بحث الحاكم عن وارث سواه فإذا لم يجد ذلك سلم التركة إليه، ولو كان مكانه أخ فشهدت البينة بأنه أخوه ولم تزد فبحث الحاكم فلم يقف له على وارث قال بعضهم: لا يعطي شيئا حتى تشهد البينة الكاملة بأنه لا وارث سواه. والفصل بين الأخ والابن ان البنوة إذا حصلت فلابد من الميراث مع سلامة الحال، والأخ قد يسقط مع سلامة الحال فلهذا لم يسقط، وهذا قوي (1). والوجه التسوية بينهما، لأن الاخوة سبب الميراث مع عدم الولد، والأصل العدم وقد حصل البحث بحيث لو كان لعلم، فيكون السبب خاليا عن المانع فيثبت الحكم، ولو كان التجويز ينفي الميراث ويمنع السبب عن السببية لتطرق في الابن، لجواز أن يكون هناك آخر فما زاد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كانت الدار في يد أحد المتداعيين وأقام بينة بأنها له منذ سنة فأقام الآخر بينة انها له منذ سنتين قال قوم: لصاحب اليد، ولا أنظر إلى قديم الملك وحديثه، وقال آخرون: قديم الملك أولى من اليد، وهو الذي يدل عليه أخبارنا، لأن البينة أقوى من اليد، وكذلك ما رجح بالبينة أقوى مما رجح باليد، ولأن صاحب اليد مدعى عليه، والمدعي من له البينة بقديم الملك فكان أولى، للخبر (2) وهذا يعطي ترجيح بينة الخارج، لشهادته بالقديم وكونه خارجا. وقال في الخلاف: إذا كانت في يد حديث الملك فصاحب اليد أولى، واستدل عليه باجماع الفرقة وأخبارهم. وخبر جابر، عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - ان رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في دابة أو بعير

(1) المبسوط: ج 8 ص 276 و 277.
(2) المبسوط: ج 8 ص 280، مع اختلاف.

[ 449 ]

فأقام كل واحد منهما البينة انها له نتجها، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وآله - لمن (1) هي في يده. وروى غياث بن إبراهيم، عن الصادق - عليه السلام - ان أمير المؤمنين - عليه السلام - اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما أقام البينة انه نتجها، فقضى بها للذي هي في يده، وقال لو لم تكن في يده، جعلتها بينهما نصفين (2). والوجه ما قاله في المبسوط: لأن قديم الملك أولى من حديثه وبينة الخارج أيضا أولى، فإذا اجتمع وجهان (3) قضى لما نسبا إليه، لاستقلال كل منهما بالقضاء، فاجتماعهما أولى، ولا دلالة في الحديثين على خلاف ما قلناه، لأن احداهما لم تشهد بالسبق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى دارا في يد زيد فأنكر وأقام المدعي البينة انه اشتراها من عمرو فان شهدت بأن عمرا باعه اياها وفي ملك عمرو يومئذ أو شهدت بأن عمرا باعها من المدعي ويسلمها إليه أو شهدت بأنها ملك المدعي اشتراها من عمرو قضينا بها للمدعي وأسقطنا يد زيد من هذه الأقسام الثلاثة، لأنها ان شهدت بأن عمرا باعها اياها وهي ملكه فقد ثبت ملكها للمدعي حتى يعلم زواله، وهكذا لو شهدت بأنه تسلمها منه، لأن الظاهر أنها حصلت في يد المدعي حتى يعلم كيف زالت (4). وفي المسألة الثانية اشكال، فانه قد نص على انه لو شهدت البينة للخارج بأن الدار كانت في يده منذ أمس لم يزل يد المنكر عنها، ونص على انه لو

(1) في المصدر: للذي.
(2) راجع الخلاف: ج 6 ص 342 - 343 المسألة 15، وقد ذكر الروايتين في ص 329 ذيل المسألة 2.
(3) في الطبعة الحجرية وم 3: وجها رجحان.
(4) المبسوط: ج 8 ص 295، مع اختلاف.

[ 450 ]

شهدت بينة المدعي بأن عمرا باعها منه أو وقفها لم يحكم له بالملك بذلك، لأن الانسان قد يفعل فيما ليس بملك له، فلا يزيل الملك عن يد المدعى عليه بأمر متوهم، فكيف يحكم بعد ذلك بانتزاعها من يد المالك ظاهرا بشهادة انها كانت في يد البائع. والوجه انه لا يلتفت إلى هذه البينة إن قلنا: بعدم الالتفات لو شهدت باليد القديمة فانها هي الحقيقة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى دارا في يد رجل فقال: هذه الدار التي في يدك لي وملكي فأنكر المدعي عليه فأقام المدعي بينة انها كانت في يده أمس أو منذ سنة سواء فهل تسمع هذه البينة أم لا؟ قال قوم: هي غير مسموعة، وقال آخرون: مسموعة ويقضي بها للمدعي، ولا فصل بين أن تشهد البينة له بالملك أمس وبين أن تشهد له باليد أمس. والصحيح عندنا ان هذه الدعوى غير مسموعة، فمن قال: هي مسموعة حكم بالدار للمدعي، ومن قال: غير مسموعة فلا بينة مع المدعي فيكون القول قول المدعى عليه مع يمينه (1). وكذا قال في الخلاف فانه قال: إذا ادعى دارا في يد رجل فقال: هذه الدار التي في يدك لي وملكي فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي البينة انها كانت في يده أمس أو منذ سنة لم تسمع هذه البينة، وهو أحد قولي الشافعي، والثاني له انها تسمع. دليلنا: ان المدعي يدعي الملك في الحال والبينة تشهد له بالأمس فقد شهدت له بغير ما يدعيه فلم تقبل، فان قالوا: إنها شهدت له بالملك أمس والملك مستدام إلى أن يعلم زواله، قلنا: لا يعلم ان الملك ثبت بها حتى يكون مستداما على ان زوال الأول موجود فلا يزال الثابت بأمر محتمل (2).

(1) المبسوط: ج 8 ص 269.
(2) الخلاف: ج 6 ص 339 المسألة 11.

[ 451 ]

ثم قال في الخلاف: لو ادعى زيد عبدا في يد رجل فأنكر المدعى عليه فأقام زيد البينة ان هذا العبد كان في يديه بالأمس أو كان ملكا له بالأمس حكمنا بهذه البينة، وللشافعية طريقان: أحدهما: قال أبو اسحاق: لا يقضى بها قولا واحدا، وقال أبو العباس على قولين: أحدهما: يقضى له بها، والثاني: لا يقضى. دليلنا: انا بينا ان البينة بقديم الملك أولى من البينة بحديث الملك، وإذا ثبت ذلك فهذه بينة بقديم الملك، سواء شهد بالملك أو باليد، لأن اليد تدل على الملك، ومن خالف يحتاج إلى دليل (1). وقال في المبسوط: إذا ادعى زيد عبدا في يد رجل فأنكر المدعى عليه فأقام زيد البينة ان هذا العبد كان في يديه بالأمس أو كان ملكا له أمس (2) فهل يقضى له بهذه البينة أم لا؟ قال قوم: لا يقضى بها، وقال قوم: يقضى بها، وهو الأقوى، كما قلناه في قديم الملك سواء (3). وقال ابن الجنيد: لو كان العبد في يد رجل وادعاه آخر وأقام البينة بأنه كان أمس في يده لم يخرج من يد من هو في يده ولم يحكم بملكها لمن ليست في يده. وقد ظهر من كلام الشيخ في الكتابين الحكم بأولوية قديم اليد في طرف العبد وعدمه في طرف الدار، ولا معنى للتخصيص. وليس أيضا مرادا للشيخ. إذ لا فرق بين التداعي في الدار والعبد، وانما الحكم فيهما واحد، لكن اختلف قول الشيخ فتارة حكم بتقديم بينة من يشهد بسبق اليد، وتارة لم يحكم. والوجه الأول. (1) الخلاف: ج 6 ص 347 المسألة 22، مع اختلاف.
(2) في المصدر: بالأمس.
(3) المبسوط: ج 8 ص 303.

[ 452 ]

لنا: ان القول بعدم الحكم بسبق اليد مع الحكم بسبق الملك مما لا يجتمعان، والثاني ثابت على ما تقدم فينتفي الأول. وبيان التنافي: ان اليد دليل ظاهر على الملكية، فإذا ثبت بالبينة أو الاقرار سبقها فقد ثبت دليل الملك، وثبوت دليل الملك يقتضي ثبوت مدلوله، وإلا لم يكن دليلا. احتج الشيخ بأن اليد تنقسم إلى ما يقتضي التملك وإلى ما لا يقتضيه كالعارية والاجارة والغصب وغيرها، وثبوت المطلق لا يستلزم ثبوت الخاص المعين. والجواب: المنع من الاطلاق، فان اليد مع عدم دليل ينافي الملكية دليل على (1) الملكية. ولأن الانقسام ثابت أيضا في ذي اليد المتأخرة، فان نافي الملكية كان منافيا هنا. مسألة: قال ابن حمزة: إذا ثبت إعساره خلى سبيله إن لم يكن ذا حرفة يكتسب بها وأمره بالتمحل، وإن كان ذا حرفة دفعة إليه ليستعمله، فما فضل عن قوته وقوت عياله بالمعروف أخذ بحقه (2). واحتج بالحديث المشهور الذي رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر - عليه السلام - عن علي - عليه السلام - انه كان يحبس في الدين ثم ينظر إن كان له مال اعطي الغرماء، وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم آجروه، وإن شئتم استعملوه (3). وقال ابن ادريس: هذا الخبر غير صحيح ولا مستقيم، لأنه مخالف لاصول

(1) ليس في م 3. (2) الوسيلة: ص 212.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 300 ح 838، وسائل الشيعة: ب 7 في حبس. المديون وحكم المعسر ح 1 ج 13 ص 148.

[ 453 ]

مذهبنا ومضاد لتنزيل الكتاب، قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) ولم يذكر أستعملوه ولا واجروه، وانما أورده شيخنا في نهايته ايرادا لا اعتقادا، وقد رجع في مسائل الخلاف فقال: إذا افلس من عليه الدين وكان ما في يده لا يفي بقضاء ديونه فانه لا يؤاجر ليكتسب ويدفع الى الغرماء لاصالة براءة الذمة، ولقوله تعالى: (فنظرة إلى ميسرة) ولم يأمره بالتكسب (1). وما قال ابن حمزة ليس بعيدا من الصواب، لأنه متمكن من أداء ما وجب عليه، وايفاء صاحب الدين حقه فيجب عليه. أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فلأن الفرض انه متمكن من الكسب والتحصيل، وكما يجب السعي في المؤونة كذا يجب في أداء الدين، ونمنع اعساره، لأنه متمكن. ولا فرق بين القدرة على المال وعلى تحصيله، ولهذا منعنا القادر على التكسب بالصنعة والحرفة من أخذ الزكاة باعتبار الحاقة بالغني القادر على المال، وأي منافاة في هذا لاصول المذهب، بل المنافي لها منع القادر من دفع الحق الذي عليه لغيره مع المطالبة به. والآية متأولة بالعاجز عن التكسب والتحصيل، وكذا ما ورد من الأخبار في هذا الباب. مسألة: قال ابن حمزة: فإذا قبض الحق من له رد (2) الكتاب إن كان الحق دينا، ولم يلزمه إن كان عينا (3). والوجه التسوية في عدم وجوب الرد، لاحتمال خروج استحقاق ما دفعه (4) إليه.

(1) السرائر: ج 2 ص 196، مع اختلاف.
(2) في الطبعة الحجرية وق 2: من هو له رد.
(3) الوسيلة: ص 215.
(4) في الطبعة: الحجرية: ما دفع.

[ 454 ]

الفصل السابع في الشهادات مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يثبت النكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والقتل الموجب للقود والوكالة والوصية إليه والوديعة عنده والعتق والنسب والكتابة (1) ونحو ذلك، ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال إلا بشهادة رجلين، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين. واستدل بأن (2) ما اعتبرناه مجمع على ثبوت هذه الأحكام به، وما ادعوه ليس عليه دليل، وقياس ذلك على المداينة لا يصح، لأنا لا نقول بالقياس (3). وقال في المبسوط: الحقوق ضربان: حق لله تعالى وحق الآدمي، فأما حق الآدمي فانه ينقسم في باب الشهادات ثلاثة أقسام: أحدها: لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وهو ما لم يكن مالا، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والتوكيل والوصية إليه والوديعة والجناية الموجبة للقود والعتق والنسب والكتابة. وقال بعضهم: يثبت جميع ذلك بشاهد وامرأتين، وهو الأقوى إلا القصاص (4). وقال المفيد - رحمه الله - ولا تقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق

(1) في المصدر: والكفالة.
(2) في المصدر: ان.
(3) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.
(4) المبسوط: ج 8 ص 172.

[ 455 ]

والحدود، ولا تقبل شهادتهن في رؤية الهلال. (1) وقسم في النهاية شهادة النساء أقساما ثلاثة: ضرب لا يجوز قبولها مطلقا، سواء كان معهن رجال أو لا، وهو رؤية الهلال والطلاق. وضرب يراعى فيه مع شهادة النساء شهادة الرجال كالرجم. ثم قال: وتجوز شهادة النساء في القتل والقصاص إذا كان معهن رجل أو رجال بأن يشهد رجل وامرأتان على رجل بالقتل أو الجراح، فأما شهادتهن على الانفراد فانها لا تقبل على حال (2). وقال الشيخ علي بن بابويه: وتقبل شهادة النساء في النكاح والدين، وفي كل مالا يتهيأ للرجل أن ينظروا إليه، ولا تقبل في الطلاق، ولا في رؤية الهلال. وكذا قال ابنه في المقنع (3). وقال ابن أبي عقيل: شهادة النساء مع الرجال جائزة في كل شئ إذا كن ثقات، ولا تجوز شهادتهن وحدهن، إلا في مواضع أنا ذاكرها لك في ما بعد هذا الباب. ثم قال في الباب الذي وعد بذكره فيه: يجوز عند آل الرسول - عليهم السلام - شهادة النساء وحدهن فيما لا ينظر إليه الرجال. ثم قال: وقد روي عنهم - عليهم السلام - ان شهادة النساء إذا كن أربع نسوة في الدين جائز، وكذلك روي عنهم - عليهم السلام - ان شهادة رجل واحد وامرأتين مع يمين الطالب جائز. وقد اشتبه علي في ذلك، ولم أقف على حقيقة هذين الخبرين عن الأئمة - عليهم السلام - فرددت الأمر فيهما إليهم، لأن ذلك لم يصح عندي فيه رواية من طريق المؤمنين. وقال ابن الجنيد: وشهادة النساء في الدين جائزة بالنص، والمرأتان مقام رجل، وكل أمر لا يحضره الرجال ولا يطلعون عليه فشهادة النساء فيه جائزة

(1) المقنعة: ص 727.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 60 - 61، مع اختلاف.
(3) المقنع: ص 135.

[ 456 ]

كالعذرة والاستهلال والحيض، ولا يقضى به بالحق إلا بأربع منهن، فان شهد بعضهن فبحساب ذلك، وكذلك الوصية التي لم يحضرها الرجال. وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله - للمرأة التي سألته عن حال نقصهن: اما ما نقص عن عقولكن (1) فشهادة امرأتين بشهادة رجل، ولم يخص بذلك في دين ولا غيره وقد أجاز عمر بن الخطاب شهادة رجل وامرأتين في قتل، وأقاد بالمقتول أربعة، وأجاز شهادتهن مع الرجال في الطلاق أيضا. وكذلك لا بأس عندنا بشهادتهن مع الرجال في الحدود والأنساب والطلاق، ولا يوجب القود إلا بشهادة الرجال حقنا للدماء، فان لم تتم الشهادة على القتل بالرجال وشاركهم (2) النساء أوجبنا بها الدية. وقال سلار: الأحكام تنقسم: فمنها: ما لا يقبل فيه إلا شهادة الرجال، وهو النكاح والطلاق والحدود ورؤية الأهلة. ومنها: ما لا يقبل فيه شهادة النساء إلا إذا انضممن إلى الرجال، وهو الديون والأموال تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، وما تقبل فيه شهادة النساء فكل ما لا يراه الرجال كالعذرة وعيوب النساء والنفاس والحيض والولادة والاستهلال والرضاع، وتقبل فيه شهادة امرأة واحدة إذا كانت مأمونة (3). وقال أبو الصلاح: لا تقبل شهادة النساء في ما يوجب الحد، إلا شهادة امرأتين مع ثلاثة رجال في الزنا خاصة، ولا الطلاق ولا رؤية الهلال، وتقبل في ما عدا ذلك امرأتان برجل، ولا يقتص بشهادتهن، ويؤخذ بها الدية. وتنوب شهادة امرأتين بحيث تصح شهادة النساء مناب الرجل الواحد، ويحكم بشهادتهما منفردين، في ما لا يعاينه الرجال من أحوالهن، وتقبل شهادة القابلة

(1) م 3: من عقولهن.
(2) م 3: وشاركتهم.
(3) المراسم: ص 233، مع اختلاف.

[ 457 ]

المأمونة في الولادة والاستهلال، ويحكم بربع الوصية (1) أو الميراث، وتقبل شهادة امرأتين في نصف دية النفس والعضو أو الجراح، والمرأة الواحدة في الربع، وتجوز شهادتهن في النكاح مع الرجال، ولا يجوز في الطلاق على حال (2). وقال ابن البراج: شهادة النساء ثلاثة اضرب: أولها: لا يجوز قبولها على حال، وهو رؤية الأهلة والطلاق والحدود إلا الزنا. وثانيها: ما يجوز إذا كان معهن غيرهن من الرجال، وهو رجم المحصن بأن يشهد ثلاثة رجال وامرأتان فتقبل شهادتهن ويرجم المشهود عليه بذلك، وتقبل شهادتهن في القتل والقصاص ولا يقاد بها ولا يقتص وانما يجب بها الدية وحدها بأن يشهد رجل وامرأتان على انسان بالقتل أو الجراح، وتقبل شهادتهن في الديون مع الرجال وعلى الانفراد بأن يشهد رجل وامرأتان بدين لرجل فتقبل شهادتهم، فان شهد امرأتان قبلت شهادتهما وكانت كشهادة رجل واحد يجب معها اليمين على المشهود له. وثالثها: ما يجوز [ قبول شهادتهن فيه ] ولا يجوز أن يكون معهن رجال، وهو جميع ما لا يجوز للرجال النظر إليه مثل: العذرة، وامور الباطنة في النساء، وشهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي في ربع ميراثه، وشهادة امرأة واحدة في ربع الوصية وامرأتين في النصف، وذلك لا يجوز التعويل عليه والحكم به إلا مع عدم الرجال (3). وقال ابن حمزة: البينة ستة أنواع، ثم قال: وثالثها: شهادة رجلين، وذلك في أربعة مواضع: في الحدود سوى ما ذكرناه - يعني: الزنا واللواط والسحق -

(1) ق 2 وم 3: ويحكم به مع الوصية، وفي المصدر: بربع الدية.
(2) الكافي في الفقه: ص 436 و 439، مع اختلاف.
(3) المهذب: ج 2 ص 558 - 559، مع اختلاف.

[ 458 ]

وفي الطلاق والنكاح ورؤية الهلال إذا كان في السماء علة. ورابعها: شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين، وذلك في المال وما كان وصلة إليه. وخامسها: شهادة أربع نسوة، وذلك في ستة مواضع: الرضاع والولادة والعذرة والحيض والنفاس وعيوب النساء التي تكون تحت الثياب مثل: البرص والرتق والقرن. وسادسها: شهادة أربع نسوة أو ثلاث نسوة أو امرأتين أو واحدة في الوصية واستهلال الصبي، وتقبل شهادة النساء مع الرجال ومع اليمين إذا لم يكن رجال في المال وما كان وصلة إليه، وتقبل شهادتهن مع الرجال، ولا يقوم فيه اليمين مقام شهادة - بأن تشهد امرأتان مع رجل بالقتل - وتجب الدية دون القود وفي الزنا والسحق، فان شهد ثلاثة رجال وامرأتان ثبت الرجم على المحصن، وإن شهد رجلان وأربع نسوة ثبت الجلد دون الرجم، ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في رؤية الهلال والنكاح والطلاق والحدود سوى ما ذكرناه (1). وقال ابن ادريس: الحقوق ضربان: حق الآدمي، وهو ثلاثة أقسام: الأول: لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، وهو ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والتوكيل له والوصية إليه والجناية الموجبة للقود والعتق والنسب. الثاني: ما يثبت بشاهدين وشاهد امرأتين وشاهد ويمين، وهو كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، فالمال القرض والغصب، والمقصود منه المال عقود المعاوضات البيع والصرف والسلم والصلح والاجارات والمساقاة والضمانات والحوالات والقراض والرهن والوقف والوصية له لا إليه، والجناية الموجبة للمال كالجائفة والمأمومة والخطأ

(1) الوسيلة: ص 221 - 222 مع اختلاف.

[ 459 ]

وقتل الحر عبدا. الثالث: ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وأربع نسوة، وهو الولادة والرضاع عند بعض أصحابنا، وإن كان الأكثر منهم لا يقبل في الرضاع شهادة النساء والاستهلال والعيوب تحت الثياب. فأما حقوق الله تعالى فجميعها لا مدخل لشهادة النساء ولا للشاهد مع اليمين فيها، فمنها: ما لا يثبت إلا بأربعة وهو: الزنا واللواط والسحق، وروى أصحابنا ان الزنا يثبت بثلاثة رجال وامرأتين وبرجلين وأربع نسوة، ويحكم بالشاهد واليمين في الأموال عندنا، سواء كان المال دينا أو عينا، وكذلك يحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي في ذلك عند بعض أصحابنا. والذي تقتضيه الأدلة ويحكم بصحة النظر الصحيح انه لا تقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي، وجعلهما بمنزلة الرجل في هذا الموضع يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل ألا شرع، وحملها على الرجل قياس، وهو عندنا باطل، والاجماع غير منعقد والأخبار غير متواترة، والأصل براءة الذمة (1). ثم قال في باب شهادة النساء: شهادة النساء على ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز قبولها على وجه، وهو رؤية الأهلة والطلاق والرضاع، وضرب يجوز قبولها إذا انضم إليهن شهادة الرجال كالرجم، فانه إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان بالزنا قبلت شهادتهم ووجب [ على المشهود عليه ] الرجم إن كان محصنا، وإن شهد رجلان وأربع نسوة بذلك قبلت أيضا، إلا انه لا يجب الرجم بل الجلد، ويجوز شهادتهن منضمات إلى الرجال في القتل والقصاص إذا كان معهن رجال. فأما إن كان رجل واحد معهن - بأن يشهد رجل وامرأتان على رجل بالقتل أو الجراح - فقد ذهب شيخنا أبو جعفر في نهاية إلى قبولها والذي يقوى

(1) السرائر: ج 2 ص 115 - 116.

[ 460 ]

في الخلاف ذلك، وانها غير مقبولة، لأنه لا دليل عليه من اجماع ولا كتاب ولا سنة مقطوع بها. فأما شهادتهن على ذلك على الانفراد فانها لا تقبل على حال. فأما قول شيخنا في نهايته: إذا كان معهن رجال فلا وجه لانضمامهن إلهيم في ذلك، لأن الرجال يكفون، وتقبل شهادتهن في الديون مع الرجال بغير خلاف على ما نطق به القرآن، وعلى الانفراد عند بعض أصحابنا، فان شهد رجل وامرأتان بدين قبلت شهادتهم، فان شهد امرأتان قبلت شهادتهما ووجب على الذي يشهد أن له اليمين، كما تجب اليمين إذا شهد له رجل واحد عند بعض أصحابنا. فأما ما يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد فكل ما لا يستطيع الرجال النظر إليه مثل: العذرة والامور الباطنة بالنساء، وتقبل شهادة القابلة وحدها إذا كانت بشرائط العدالة في استهلال الصبي في ربع ميراثه بغير يمين، وتقبل شهادة امرأة واحدة في ربع الوصية وشهادة امرأتين في نصف ميراث المستهل ونصف الوصية، وذلك لا يجوز إلا عند عدم الرجال. على المسألتين اجماع أصحابنا، فلأجله قلنا بذلك. ولا تقبل شهادة النساء في عقد النكاح، وإليه ذهب شيخنا المفيد في مقنعته، وذهب شيخنا في الاستبصار إلى قبول شهادتهن في عقود النكاح. والذي قلناه هو الذي يقتضيه اصول مذهبنا، لأنه أمر شرعي يحتاج إلى أدلة شرعية على ثبوته (1). والبحث هنا يقع في مواضع: الأول: النكاح، منع في الخلاف (2) من قبول شهادة النساء فيه مطلقا. وقوى في المبسوط القبول إذا انضمت امرأتان إلى رجل (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 137 - 139. (2) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 8 ص 172.

[ 461 ]

والمفيد (1) - رحمه الله - منع أيضا، وكذا سلار (2)، وابن حمزة (3)، وابن ادريس (4). وأما ابنا (5) بابويه، وابن الجنيد، وأبو الصلاح (6) فانهم قبلوا شهادتهن فيه. وهو الذي اختاره الشيخ في الاستبصار (7) والتهذيب (8)، وهو الأقوى. لنا: ان الظن قد حصل بشهادتهن مع انضمام الرجل إليهن فيجب العمل عليه، لأصالة العمل بالراجح، وقبح العمل بالمرجوح وترك الراجح. لا يقال: مطلق الظن غير كاف، وإلا لثبتت الحقوق بشهادة الواحد والفساق والصبيان مع حصول الظن. لأنا نقول: لا يكتفي بمطلق الظن، بل المستند إلى سبب ثبت اعتباره في نظر الشرع، وقد ثبت اعتبار شهادة امرأتين مع رجل في أكثر الحقوق، بخلاف ما ذكرتم. وما رواه محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - قال: قلت له: تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو في رجم؟ قال: تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه وليس معهن رجل، وتجوز شهادتهن في النكاح إذا كان معهن رجل (9). وعن ابراهيم الخارقي قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع الرجال أن ينظروا إليه ويشهدوا عليه، وتجوز

(1) المقنعة: ص 727.
(2) المراسم: ص 233.
(3) الوسيلة: ص 222.
(4) السرائر: ج 2 ص 139.
(5) المقنع: ص 135.
(6) الكافي في الفقه: ص 439.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 25 ذيل الحديث 79.
(8) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 280 ذيل الحديث 769 وص 281 ذيل الحديث 773.
(9) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 705، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 7 ج 18 ص 259.

[ 462 ]

شهادتهن في النكاح، ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم (1). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم، ولا تجوز في الطلاق (2). واحتج المانعون بما رواه اسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا - عليه السلام - هل تجوز شهادة النساء في التزويج من غير أن يكون معهن رجل؟ قال: لا، هذا لا يستقيم (3). وعن السكوني، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - انه كان يقول: شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا في حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه (4). والجواب: القول بالموجب، فانا نمنع من قبول شهادتهن على الانفراد، بل يوجب انضمام الرجل إليهن. قال الشيخ: ويحتمل أن يخرج هذان الحديثان مخرج التقية (5). واستدل عليه بما رواه داود بن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة النساء في النكاح بلا رجل معهن إذا كانت المرأة منكرة،

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 707، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 259.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 706، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 11 ج 18 ص 260.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 280 ح 769، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 39 ج 18 ص 266.
(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 281 ح 773، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 42 ج 18 ص 267.
(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 281 ذيل الحديث 773.

[ 463 ]

فقال، لا بأس به، ثم قال لي: ما يقول في ذلك فقهاؤكم؟ قلت: يقولون لا يجوز إلا شهادة رجلين عدلين، فقال: كذبوا لعنهم الله، هونوا واستخفوا بعزائم الله وفرائضه وشددوا وعظموا ما هون الله، ان الله أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين وأجازوا والطلاق بلا شاهد واحد، والنكاح لم يجئ عن الله في تحريمه. فبين رسول الله - صلى الله عليه وآله - في ذلك الشاهدين تأديبا ونظرا، لئلا ينكر الولد والميراث، وقد ثبت عقدة النكاح، ويستحل الفرج ولا يستشهد. وكان أمير المؤمنين - عليه السلام - يجيز شهادة امرأتين في النكاح عند الانكار، ولا يجيز في الطلاق إلا شاهدين عدلين، قلت: فأنى ذكر الله تعالى (فرجل وامرأتان) فقال: ذلك في الدين، إذا لم يكن رجلان فرجل وامرأتان، ورجل واحد ويمين المدعي إذا لم تكن امرأتان، قضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأمير المؤمنين - عليه السلام - بعده عندكم (1). الثاني: الطلاق والخلع وما في معناه، وقد نص في الخلاف (2) والنهاية (3) على المنع من قبول شهادتهن فيه منفردات ومنضمات. وكذا الشيخ المفيد (4)، وابنا بابويه (5)، وسلار (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9)، وابن ادريس (10). وقوى في المبسوط (11) قبول شهادتهن فيه مع الرجال، وهو ظاهر كلام

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 281 ح 774، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 35 ج 18 ص 265، مع اختلاف فيهما.
(2) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 61.
(4) المقنعة: ص 727.
(5) المقنع: ص 135.
(6) المراسم: ص 233.
(7) الكافي في الفقه: ص 436.
(8) المهذب: ج 2 ص 558.
(9) الوسية: ص 222 - 223.
(10) السرائر: ج 2 ص 137.
(11) المبسوط: ج 8 ص 172.

[ 464 ]

القديمين ابن أبي عقيل، وابن الجنيد. والمعتمد المنع. لنا: قوله تعالى: (واشهدوا ذوى عدل منكم) (1) والاقتصار في الذكر في معرض الارشاد يدل على الاقتصار في الحكم، ولأصالة بقاء عصمة النكاح. وما رواه محمد بن الفضيل، عن الرضا - عليه السلام - قال: لا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم (2). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: ولا تجوز في الطلاق (3). وعن ابراهيم الخارقي، عن الصادق - عليه السلام -: ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم (4). وعن الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال علي - عليه السلام -: شهادة النساء تجوز في النكاح، ولا تجوز في الطلاق (5). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - انه سئل عن شهادة النساء في النكاح، قال: تجوز إذا كان معهن رجل، وكان علي - عليه السلام - يقول: لا اجيزها في الطلاق (6).

(1) الطلاق: 2. (2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ذيل الحديث 705، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 7 ج 18 ص 259.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 706، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 11 ج 18 ص 260.
(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 707، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 259.
(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 267 ح 713، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 25 ج 18 ص 263.
(6) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 269 ح 723. وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 258.

[ 465 ]

احتجوا بأنه ازالة قيد النكاح فأشبه اثباته. والجواب: المنع، والقياس لا نقول به. الثالث: الجنايات، وقد منع في الخلاف (1) من قبول شهادتهن في القتل الموجب للقود ونحو ذلك ما لم يكن مالا ولا المقصود منه المال. وقوى في المبسوط (2) قبول شهادتهن مع الرجال في الجناية الموجبة للقود. وقال في النهاية: يجوز شهادة النساء في القتل والقصاص إذا كان معهن رجل، لئلا يبطل دم امرئ مسلم، غير انه لا يثبت بشهادتهن القود، وتجب بها الدية على الكمال (3). ومنع ابن ادريس (4) من قبول شهادتهن مع الرجال. والظاهر من كلام ابن أبي عقيل القبول. وابن الجنيد وافق كلام الشيخ في النهاية، وكذا أبو الصلاح (5)، وابن البراج (6)، وهو المعتمد، لما رواه جميل بن دراج وابن حمران في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قالا: قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ قال: في القتل وحده، ان عليا - عليه السلام - كان يقول: لا يبطل دم امرئ المسلم (7). وعن زيد الشحام قال: سألته - عليه السلام - عن شهادة النساء - إلى أن قال -: قلت: أفتجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ فقال: نعم (8).

(1) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.
(2) المبسوط: ج 8 ص 172. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 59 و 60.
(4) السرائر: ج 2 ص 138 - 139.
(5) الكافي في الفقه: ص 436.
(6) المهذب: ج 2 ص 558.
(7) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 266 ح 711، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 258.
(8) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 266 - 267 ح 712، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 33 ج 18 ص 264.

[ 466 ]

وعن الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال (1). احتج المانع: بما رواه ربعي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تجوز شهادة النساء في القتل (2). وعن محمد بن الفضيل عن الرضا - عليه السلام - قال: لا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم (3). والجواب: الحمل على شهادتهن منفردات، أو نقول بالموجب، فأنا لا نثبت القود بشهادتهن، بل نوجب الدية. تذنيب: المشهور اعتبار شهادة الرجال معهن، فلا تقبل شهادتهن في الجنايات على الانفراد. وقال أبو الصلاح: وتقبل شهادة امرأتين في نصف دية النفس والعضو أو الجراح، والمرأة الواحدة في الربع (4). وهو غريب. والمعتمد الأول، عملا بأصالة البراءة. الرابع: الحدود، قال الشيخ في النهاية: وأما ما يراعى فيه مع شهادة النساء شهادة الرجال كالرجم، فانه إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان على رجل بالزنا قبلت شهادتهم، ووجب على الرجل الرجم إن كان محصنا، وان شهد رجلان

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 267 ذيل الحديث 713 وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادت ذيل الحديث 25 ج 18 ص 263.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 267 ح 716، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 27 ج 18 ص 263.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ذيل الحديث 705، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 7 ج 18 ص 260.
(4) الكافي في الفقه: ص 439.

[ 467 ]

وأربع نسوة بذلك قبلت أيضا شهادتهن، ولا يرجم المشهود عليه بل يحد حد الزاني، فان شهد رجل وست نساء أو أكثر من ذلك لم يجز قبول شهادتهم وجلدوا كلهم حد الفرية، ولا يجوز شهادة النساء في شئ من الحدود سوى ما قدمناه من الرجم وحد الزنا والدم خاصة (1). وقبل في الخلاف (2) شهادة النساء في الزنا مع الرجال، وجعله في المبسوط مما رواه أصحابنا (3). وقال المفيد: ولا تقبل في الزنا واللواط، ولا شئ مما يوجب الحدود شهادات النساء ولا يقبل في ذلك إلا شهادة الرجال العدول البالغين، ولا يجب الحد إلا باقرار من الفاعل أو بينة عادلة بشهادة أربعة رجال، ولا تقبل في الزنا واللواط والسحق شهادة أقل من أربعة رجال مسلمين عدول، ولا تقبل شهادة النساء في النكاح والطلاق والحدود (4). وقال ابن أبي عقيل: الأصل في الشهادات عند آل الرسول - عليهم السلام - أصلان: أحدهما: لا يجوز فيه إلا شهادة أربعة شهداء عدول، وهي الشهادة في الزنا. والأصل الآخر: جائز فيه شاهدا عدل، وهي الشهادة في ما سوي الزنا، وشهادة النساء مع الرجال جائزه في كل شئ إذا كن ثقات. وهذا يعطي منع قبول شهادتهن في الزنا منفردات ومنضمات. وقال ابن الجنيد: ولا تجيز أيضا شهادتهن في الرجم إذا انفردن، إلا إذا كان معهن رجال، وكان الأغلب في الشهادة الرجال كثلاثة رجال وامرأتين. وكذلك الرواية عن أمير المؤمنين وأهله - عليهم السلام - وسلار (5) وافق شيخنا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 61 و 62.
(2) الخلاف: ج 6 ص 251 المسألة 2.
(3) المبسوط: ج 8 ص 172.
(4) المقنعة: ص 727 و 774 و 775، وفيه: (الا شهادات الرجال العدول).
(5) المراسم: 233.

[ 468 ]

المفيد في المنع من قبول شهادة النساء مطلقا في الحدود. وقال ابن البراج: يثبت رجم المحصن بشهادة ثلاثة رجال وأمرأتين، ويرجم المشهود عليه بذلك (1). وقال أبو الصلاح: ولا تقبل شهادة النساء في ما يوجبه الحد إلا شهادة امرأتين مع ثلاثة رجال في الزنا خاصة (2). وقال شيخنا علي بن بابويه في رسالته: وتقبل في الحدود إذا شهد امرأتان وثلاثة رجال. وكذا قال الصدوق وابنه (3) - رحمهما الله - في الزنا. وابن حمزة (4) وافق كلام الشيخ في النهاية، وكذا ابن ادريس (5). احتج الشيخ بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أجاز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا يجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة، ويجوز في ذلك شهادة ثلاثة رجال وامرأتان (6). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة النساء في الرجم، فقال: إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان (7).

(1) المهذب ج 2 ص 558.
(2) الكافي في الفقه: ص 436.
(3) المقنع: ص 135.
(4) الوسيلة: ص 222.
(5) السرائر: ج 2 ص 137.
(6) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 702، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 10 ج 18 ص 260، وفيهما: (عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا تجوز شهادة...).
(7) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 703، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 258.

[ 469 ]

وعن محمد بن الفضيل، عن الرضا - عليه السلام - وتجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز شهادة رجلين وأربع نسوة في الزنا (1) والرجم (2). وعن ابراهيم الخارقي، عن الصادق - عليه السلام - وتجوز في حد الزنا إذا كانوا ثلاثة رجال وامرأتان، ولا تجوز إذا كان رجلان وأربع نسوة في الرجم (3). احتج المفيد بقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) (4) وبقوله تعالى: (لو لا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون) (5). وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز في الرجم (6). وعن غياث بن ابراهيم، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - قال: لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا القود (7).

(1) في التهذيب والطبعة الحجرية: في حد الزنا.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 705، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 7 ج 18. ص 259. (3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 707، وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 259.
(4) النور: 4.
(5) النور: 13.
(6) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 265 ح 708، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 28 ج 18 ص 264.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 24 ح 77، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 29 ج 18 ص 264.

[ 470 ]

وحمله الشيخ على التقية (1)، ونحن في ذلك من المتوقفين. وهنا فوائد: الاولى: كلام الشيخ في النهاية يقتضي اختصاص هذا بالزنا، أما غيره من اللواط والسحق فانه أوجب قبول أربعة رجال خاصة. وكذا نص على ان حقوق الله تعالى لا تثبت كلها بشهادة النساء، إلا الشهادة بالزنا في الخلاف (2). وقال علي بن بابويه: تقبل في الحدود إذا شهد امرأتان وثلاثة رجال. وهو لا يقتضي التخصيص بالزنا. أما الصدوق فقال: لا بأس بشهادة النساء في الزنا إذا شهد امرأتان وثلاثة رجال (3). وكلام ابن الجنيد يقتضي التعميم. وقال ابن البراج: لا يجوز قبول شهادة النساء في رؤية الأهلة والطلاق والحدود إلا الزنا (4). وقال أبو الصلاح: يثبت الزنا واللواط والسحق بأربعة (5) رجال عدول بمعاينة الفرج في الفرج بلفظ واحد في وقت واحد، أو ثلاثة رجال وامرأتين (6) في الزنا خاصة (7). وقال في موضع آخر: ولا تقبل شهادة النساء في ما يوجبه الحد، إلا شهادة المرأتين مع ثلاثة رجال في الزنا خاصة (8). وقال ابن حمزة: تقبل شهادة النساء مع الرجال في الزنا والسحق دون

(1) الاستبصار: ج 3 ص 25 ذيل الحديث 12.
(2) الخلاف: ج 6 ص 251 المسألة 2.
(3) المقنع: ص 135، وفيه: (في الحدود إذا شهد). (4) المهذب: ج 2 ص 558.
(5) في المصدر: بينة الزنا واللواط والسحق أربعة.
(6) في المصدر: وامرأتان.
(7) الكافي في الفقه: ص 438.
(8) الكافي في الفقه: ص 436، وفيه: (امرأتين مع ثلاثة).

[ 471 ]

ما عدا ذلك (1). والمعتمد ما اختاره الشيخ في النهاية من الاقتصار في ذلك على الزنا خاصة. لنا: عموم المنع من قبول شهادتهن في الحدود، خرج الزنا بالأدلة المخصصة، فيبقي الباقي على عموم المنع. الثانية: قال الشيخ في النهاية: لو شهد رجلان وأربع نسوة بالزنا قبلت أيضا شهادتهن، ولا يرجم المشهود عليه بل يحد حد الزاني (2). وظاهر كلامه في الخلاف (3) ثبوت الرجم بذلك. وقال علي بن بابويه: وتقبل في الحدود إذا شهد امرأتان وثلاثة رجال، ولا تقبل شهادتهن إذا كن أربع نسوة ورجلان. وكذا قال ابنه في المقنع (4). وهو يعطي انه لا يثبت بذلك رجم ولا جلد. وظاهر كلام ابن الجنيد يعطي اختيار ما ذهب إليه الشيخ في النهاية. وقال ابن البراج: لو شهد رجلان وأربع نسوة أو رجل وست نساء بالزنا لم تقبل شهادتهم وحدوا حد الفرية (5). وقال في باب ما يثبت به الزنا (6) كما قاله الشيخ. وظاهر كلام أبي الصلاح المنع من قبول هذه الشهادة. وابن حمزة (7)، وابن ادريس (8) وافقا الشيخ في النهاية. احتج الشيخ بما رواه أبان، عن عبد الرحمان، عن الصادق - عليه السلام -

(1) الوسيلة: ص 222.
(2) النهاية ونكتها: ح 2 ص 61.
(3) الخلاف: ج 6 ص 251 المسألة 2.
(4) المقنع: ص 135.
(5) المهذب: ج 2 ص 558. (6) المهذب: ج 2 ص 526.
(7) الوسيلة: ص 222.
(8) السرائر: ج 2 ص 137.

[ 472 ]

قال: تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال (1). وانما أوجب الجلد لأن الرجم لا يثبت بشهادة رجلين وأربع نسوة، لما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أجاز شهادة النساء في رؤية الهلال، ولا تجوز في الرجم شهادة رجلين وأربع نسوة (2). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: فإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في الرجم (3). فالوجه عندي المنع، لأنه لو ثبت الزنا بشهادتهم لثبت الرجم، والتالي باطل - للأخبار الدالة على عدم سماع رجلين وأربع نسوة في الرجم وهي كثيرة - فالمقدم مثله. وبيان الملازمة دلالة الاجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فان ثبت هذا الوصف ثبت الحكم، وإلا فلا. الثالثة: لو شهد رجل وست نساء أو أكثر منهن قال في النهاية: لا يثبت بذلك حد ولا رجم، بل يحد الشهود حد الفرية (4). وهو قول ابن ادريس (5)،

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 270 ذيل الحديث 728، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 21 ج 18 ص 262.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 702، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 10 ج 18 ص 260، وفيهما: (عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا تجوز شهادة...).
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 264 ح 703، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 3 ج 18 ص 258.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 61، وفيه: (لم يجز قبول شهادتهم وجلدوا كلهم حد الفرية).
(5) السرائر: ج 2 ص 137.

[ 473 ]

وكل من لم يقبل شهادة رجلين وأربع نسوة، لأولوية المنع هنا. وقال في الخلاف: يجب الحد دون الرجم بشهادة رجل واحد وست نساء (1). وليس بمعتمد. الرابعة: قال الشيخ في الخلاف: لا تقبل شهادة النساء في الرضاع لا منفردات ولا منضمات إلى الرجال (2). وقال في المبسوط: الثالث: ما يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وأربع نسوة وهو: الولادة والرضاع والاستهلال والعيوب تحت الثياب، وأصحابنا رووا انه لا تقبل شهادة النساء في الرضاع أصلا و، وليس ها هنا ما تقبل فيه شهادة النساء على الانفراد إلا هذه (3). وقال في كتاب الرضاع من المبسوط: شهادة النساء لا تقبل في الرضاع عندنا، وتقبل في الاستهلال والعيوب تحت الثياب والولادة، وقال بعضهم: تقبل في جميع ذلك (4). وقال شيخنا المفيد: تقبل شهادة النساء منفردات في الرضاع (5). وبه قال سلار (6)، وابن حمزة (7)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد، وابن أبي عقيل. وابن ادريس (8) وافق شيخنا في النهاية (9). والوجه عندي القبول.

(1) الخلاف: ج 6 ص 251 ذيل المسألة 2.
(2) الخلاف: ج 5 ص 107 المسألة 20.
(3) المبسوط: ج 8 ص 172.
(4) المبسوط: ج 5 ص 311.
(5) المقنعة: ص 727.
(6) المراسم: ص 233.
(7) الوسيلة: ص 222.
(8) السرائر: ج 2 ص 137.
(9) لم يذكر الرضاع، بل قال: (فرؤية الهلال والطلاق فانه لا يجوز قبول شهادة النساء) راجع النهاية ونكتها: ج 2 ص 61.

[ 474 ]

لنا: انه من الامور الخفية عن الرجال، وانما تعاينه النساء غالبا، فوجب قبول قولهن فيه كغيره من الامور الخفية عن الرجال. وما رواه عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة أرضعت غلاما وجارية، قال: يعلم ذلك غيرها؟ قلت: لا، قال: لا تصدق إن لم يكن غيرها (1). يدل بمفهومه (2) على الحكم بصدقها لو كان غيرها، وهو أعم من الرجال والنساء. ومفهوم قوله - عليه السلام - في بيان نقص دينهن، وقد سلف في استدلال ابن الجنيد. احتج المانعون بأصالة الاباحة. والجواب: المنع، والمعارضة بالاحتياط. تذنيب: (3) الظاهر انه لا تقبل في الرضاع إلا شهادة أربع، ولا يكفي اثنتان إلا مع رجل، كالوصية والاستهلال والعيوب. قال ابن الجنيد: وكل أمر لا يحضره الرجال ولا يطلعون عليه فشهادة النساء في جائزة، كالعذرة والاستهلال والحيض، ولا يقضى به بالحق إلا بأربع منهن، فان شهد بعضهن فبحساب ذلك. وقال شيخنا المفيد: وتقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين في ما لا يراه الرجال، كالعذرة وعيوب النساء والنفاس والحيض والولادة والاستهلال والرضاع، وإذا لم يوجد على ذلك إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبل شهادتها فيه. ثم قال بعد ذلك: وتقبل شهادة امرأة واحدة في ربع الوصية، ولا تقبل في جميعها (4). وتبعه سلار (5) في قبول المرأة الواحدة في ما تقدم من الامور الباطنة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 323 ح 1330، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 3 ج 14 ص 304.
(2) ق 2 وم 3: مفهومه.
(3) في الطبعة الحجرية: تنبيه.
(4) المقنعة: ص 727.
(5) المراسم: ج 2 ص 233.

[ 475 ]

وقال ابن أبي عقيل: إذا شهدت القابلة وحدها في الولادة وفي الصبي - صاح أو لم يصح - فشهادتها جائزة إذا كانت حرة مسلمة عدلة. لنا: ان عادة الشرع في باب الشهادات اعتبار المرأتين بالرجل، وان أكثر الحقوق انما يثبت غالبا بشهادة رجلين، فيثبت ما لا يطلع عليه الرجال بما يساوي الرجلين اعتبارا بباقي الحقوق. وما رواه عمر بن يزيد في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل فوضعت بعد موته غلاما ثم مات الغلام بعد ما وقع الى الأرض فشهدت المرأة التي قبلتها انه استهل وصاح حين وقع الى الأرض ثم مات، قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام (1). وعن سماعة قال: قال: القابلة تجوز شهادتها في الولد على قدر شهادة امرأة واحدة (2). وعن ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: تجوز شهادة القابلة في المولود إذا استهل وصاح في الميراث، ويورث الربع من الميراث بقدر شهادة امرأة، قلت: فان كانتا امرأتين؟ قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث (3). احتج المفيد بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 268 ح 720، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 6 ج 18 ص 259.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 270 ح 730، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 23 ج 18 ص 263.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 271 ح 736، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 45 ج 18 ص 267.

[ 476 ]

تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - وسألته عن شهادة القابلة في الولادة، فقال: تجوز شهادة الواحدة (2). وعن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال (3). والجواب: القول بالموجب، فانا نقبل شهادة الواحدة في ذلك، لكن لا يثبت جميع الحق، بل الربع. الخامسة: قوى الشيخ في المبسوط قبول شهادة النساء مع الرجال في التوكيل والوصية إليه والعتق والنسب والكتابة (4). ومنع في الخلاف (5) من القبول. وهو المشهور عند الأكثر، فيتعين العمل به، إلا العتق والكتابة فان الأقرب القبول. السادسة: قوى في المبسوط قبول شهاة امرأتين مع رجل في الوديعة والجناية الموجب للقود (6). ومنع في الخلاف (7) من ذلك، لأنهما ليسا مالا ولا المقصود منه المال. والوجه القبول، لأن الوديعة مال إن ادعاها المالك، وان ادعى الايداع المستودع كان الحق ما قاله الشيخ، والجناية الموجبة للقود يثبت بها الدية خاصة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 264 ذيل الحديث 702، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 10 ج 18 ص 260، وفيهما: (عن عبد الله بن سنان).
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 269 ح 723، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 258.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 284 ح 782، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 41 ج 18 ص 267. (4) المبسوط: ج 8 ص 172.
(5) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.
(6) المبسوط: ج 8 ص 172.
(7) الخلاف: ج 6 ص 252 المسألة 4.

[ 477 ]

السابعة: المال سواء كان دينا - كالقرض - أو عينا يثبت بشاهد وامرأتين اجماعا، وكذا بشاهد ويمين، وهل يثبت بشهادة امرأتين ويمين المدعي؟ نص في النهاية (1) والخلاف (2) والمبسوط (3) على قبوله، وبه قال ابن الجنيد. وقال شيخنا المفيد: تقبل شهادة رجل وامرأتين في الديون والأموال خاصة (4). وليس فيه تصريح بالمنع في صورة النزاع أو القبول. وقال سلار: وما لا تقبل فيه شهادة النساء إلا إذا انضممن الى الرجال، فالديون والأموال يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين (5). وابن البراج (6)، وابن حمزة (7) وافقا الشيخ - رحمه الله -. وقال ابن ادريس: الذي تقتضيه الأدلة ويحكم بصحته النظر الصحيح انه لا يقبل شهادة امرأتين مع يمين المدعي، وجعلهما بمنزلة الرجل في هذا الموضع يحتاج الى دليل شرعي، والأصل ألا شرع، وحملها (8) على الرجال (9) قياس، وهو عندنا باطل، والاجماع غير منعقد، والأخبار غير متواترة، فان وجدت فهي نوادر شواذ، والأصل براءة الذمم، فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا فانه يحتاج الى أدلة قاهرة، إما اجماع أو تواتر أخبار أو قرآن، وجميع ذلك خال منه، فيبقى دليل العقل، وهو ما اخترناه وحققناه (10). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: ان شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد، وقد ثبت الحق بشهادة الواحد مع اليمين فكذا مساويه.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 61.
(2) الخلاف ج 6 ص 254 المسألة 7.
(3) المبسوط: ج 8 ص 172.
(4) المقنعة: ص 727.
(5) المراسم: ص 233. (6) المهذب: ج 2 ص 558 - 559.
(7) الوسيلة: ص 222.
(8) في الطبعة الحجرية وق 2: حملهما.
(9) في المصدر: الرجل.
(10) السرائر: ج 2 ص 116.

[ 478 ]

أما المقدمة الاولى: فلأنه لو شهد رجل وامرأتان بدين ثبت كما ثبت بشهادة رجلين، ويقع التعارض بين شهادة رجلين وشهادة رجل وامرأتين، ولو لا التساوي لم يكن كذلك. وأما الثانية: فلقضاء العقل بتساوي حكم المتساويين، وأي دليل منع من ذلك، والأدلة لا تنحصر في الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فقول ابن ادريس لا اعتبار به ألبتة. تنبيه: قال الشيخ في المبسوط: تثبت الامور الباطنة - كالعيوب والعذرة - بشهادة رجلين ورجل وامرأتين وأربع نسوة (1). وقال ابن البراج: الثالث: ما يجوز فيه قبول شهادة النساء، ولا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال، فهو جميع ما لا يجوز للرجال النظر إليه مثل: العذرة والامور الباطنة في النساء (2). وهو يعطي المنع من قبول شهادة الرجال فيه. والوجه ما قاله الشيخ، وقد يفرض اطلاع الرجال عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بشهادة القاذف إذا تاب وعرفت توبته، وحد توبته من القذف أن يكذب نفسه في ما كان قذف به، فإذا فعل ذلك جاز قبول شهادته بعد ذلك (3). وقال في المبسوط: اختلفوا في كيفية اكذابه نفسه، قال قوم: ان يقول: القذف باطل حرام ولا أعود الى ما قلت، وقال بعضهم: التوبة اكذابه نفسه، وحقيقة ذلك أن يقول: كذبت في ما قلت، وروي ذلك في أخبارنا. والأول أقوى، لأنه إذا قال: كذبت في ما قلت ربما كان كاذبا في هذا، لجواز

(1) المبسوط: ج 8 ص 172، مع اختلاف.
(2) المهذب: ج 2 ص 559. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 53.

[ 479 ]

أن يكون صادقا في الباطن وقد تعذر عليه تحقيقه، فإذا قال: القذف باطل حرام فقد أكذب نفسه (1). وقال في الخلاف: من شرط التوبة من القذف أن يكذب نفسه، وحقيقة ذلك أن يقول: كذبت في ما قلت، هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا، لأنه لا خلاف بين الفرقة، ان من شرط ذلك أن يكذب نفسه، وحقيقة الا كذاب أن يقول: كذبت في ما قلت، ثم قوى ما قاله المروزي، لأنه إذا أكذب نفسه ربما كان صادقا في الأول في ما بينه وبين الله تعالى فيكون هذا الا كذاب كذبا، وذلك قبيح (2). وقال ابن أبي عقيل: وتوبته أن يرجع عما قال ويكذب نفسه عند الامام الذي جلده وعند جماعة المسلمين. وقال علي بن بابويه وابنه: وتوبته أن يقف في الموضع الذي قال فيه ما قال فيكذب نفسه (3). وقال ابن حمزة: إن كان صادقا قال: الكذب حرام ولا أعود الى مثل ما قلت وأصلح العمل بالضد مما قال، وان كان كاذبا قال: كذبت في ما قلت وأصلح العمل (4). وقال ابن ادريس: كيفية توبته من القذف هو: أن يقول: القذف باطل حرام ولا أعود الى ما قلت، وقال بعضهم: التوبة إكذابه نفسه، وحقيقة ذلك أن يقول: كذبت في ما قلت، روى ذلك في بعض أخبارنا، والذي قدمناه هو الصحيح، لاحتمال أن يكون صادقا (5).

(1) المبسوط: ج 8 ص 179.
(2) الخلاف: ج 6 ص 363 المسألة 12.
(3) المقنع: ص 133.
(4) الوسيلة: ص 231.
(5) السرائر: ج 2 ص 116.

[ 480 ]

احتج الشيخ على ما اختاره في النهاية بما رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال: يكذب نفسه، قلت: أرأيت إن أكذب نفسه وتاب أتقبل شهادته؟ قال: نعم (1). وعن ابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المحدود إن تاب أتقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب وتوبته أن يرجع مما قال ويكذب نفسه عند الامام وعند المسلمين، فإذا فعل فان على الامام أن يقبل شهادته بعد ذلك (2). والوجه عندي التفصيل، فان كان كاذبا كانت توبته التصريح بالكذب والاعتراف به حقيقة، وان كان صادقا اعترف بتحريم ما قاله، وأظهر الاستغفار منه من غير أن يصرح بالكذب، وتحمل الأخبار على هذا التفصيل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بشهادة القاذف إذا تاب وعرفت توبته وحد توبته من القذف أن يكذب نفسه في ما كان قذف به، فإذا فعل ذلك جاز قبول شهادته بعد ذلك (3). وقسم في المبسوط القذف الى شيئين: قذف سب ويفتقر عدالته التي يقبل بها شهادته الى صلاح العمل عند قوم، وهو الأقوى، لقوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) وقال آخرون: مجرد التوبة يجزئه وقذف شهادة، وهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة فانهم فسقة. والتوبة هنا أن يقول: قد ندمت على ما كان مني ولا أعود الى ما اتهم فيه، ولا يقول: ولا أعود الى ما

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 245 ح 615، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 282.
(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 245 ح 616، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 283.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 53.

[ 481 ]

قلت، لأن الذي قاله شهادة، فيجزئه أن يقول: لا أعود الى ما اتهم فيه، فإذا قال هذا زال فسقه وقبلت شهادته ولا يراعى صلاح العمل (1). وتبعه ابن ادريس (2). وقال في الخلاف: إذا أكذب نفسه وتاب لا تقبل شهادته حتى يظهر منه العمل الصالح، لقوله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) فاعتبر التوبة واصلاح العمل (3). وابن حمزة اعتبر اصلاح العمل في الصادق والكاذب (4). والتحقيق: ان النزاع هنا لفظي، فان البقاء على التوبة شرط في قبول الشهادة، وهو كاف في اصلاح العمل لصدقه عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين وعليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الايمان، ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف والكف عن البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التي أو عد الله تعالى عليه النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك الساتر لجميع عيوبه، ويكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر (5). وقال المفيد: العدل من كان معروفا بالدين والورع عن محارم الله

(1) المبسوط: ج 8 ص 179.
(2) السرائر: ج 2 ص 116 - 117. (3) الخلاف: ج 6 ص 264 المسألة 13.
(4) الوسيلة: ص 231.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 52.

[ 482 ]

تعالى (1). وقال ابن البراج: العدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم، وتثبت في الانسان بشروط وهي: البلوغ وكمال العقل والحصول على ظاهر الايمان والستر والعفاف واجتناب القبائح ونفي التهمة والظنة والحسد والعداوة (2). وقال أبو الصلاح: العدالة شرط قبول الشهادة (3) على المسلم، ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والايمان واجتناب القبائح أجمع، وانتفاء الظنة بالعداوة أو الحسد أو المنافسة (4) أو المملكة أو الشركة (5). وقال الشيخ في المبسوط: العدالة في اللغة أن يكون الانسان متعادل الأحوال متساويا، وأما في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شئ من أسباب الفسق، وفي المروة أن يكون مجتنبا للامور التي تسقط المروة مثل: الأكل في الطرقات ومد الأرجل بين الناس ولبس الثياب المصبغة، والعدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا، فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته، ومن لم يكن عدلا لم يقبل، فان (6) ارتكب شيئا من الكبائر وهي: الشرك والقتل والزنا واللواط والغصب والسرقة وشرب الخمر والقذف وما أشبه ذلك فإذا فعل واحدة من هذه الأشياء سقطت شهادته، فأما ان كان مجتنبا للكبائر ومواقعا للصغائر فانه يعتبر الأغلب من حاله، فان كان الأغلب من حاله مجانبة المعاصي وكان يواقع ذلك نادرا قبلت شهادته، وان كان الأغلب مواقعته للمعاصي واجتنابه لذلك نادرا لم تقبل شهادته، وانما اعتبرنا الأغلب

(1) المقنعة: ص 725.
(2) المهذب: ج 2 ص 556.
(3) في المصدر: شرط في صحة الشهادة.
(4) في المصدر: المناقشة.
(5) الكافي في الفقه: ص 435. (6) في المصدر: لم يقبل ذلك فان.

[ 483 ]

في الصغائر لأنا لو قلنا: إنه لا تقبل شهادة من واقع (1) اليسير من الصغائر أدى ذلك الى ألا تقبل شهادة أحد، لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي (2). وقال ابن الجنيد: فإذا كان الشاهد حرا بالغا، مؤمنا (3) بصيرا، معروف النسب، مرضيا غير مشهور بكذب في شهادة، ولا بارتكاب كبيرة، ولا مقام على صغيرة، حسن التيقظ، عالما بمعالي الأقوال، عارفا بأحكام الشهادة، غير معروف بحيف على معامل، ولا متهاون بواجب من علم أو عمل، ولا معروف بمعاشرة (4) أهل الباطل، ولا الدخول في جملتهم، ولا بالحرص على الدنيا، ولا بساقط المروة برياء من أهواء أهل البدع التي توجب على المؤمنين البراءة من أهلها، فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم. وظاهر كلامه موافقة الشيخ في المبسوط. وقال ابن ادريس: هذا القول - يعني: كلام شيخنا في المبسوط - لم يذهب إليه إلا في هذا الكتاب - أعني: المبسوط - ولا ذهب إليه أحد من أصحابنا، لأنه لا صغائر عندنا في المعاصي إلا بالاضافة الى غيرها، وما خرجه واستدل به (من انه يؤدي ذلك الى ألا تقبل شهادة أحد، لأنه لا أحد ينفك من مواقعة بعض المعاصي) فغير واضح، لأنه قادر على التوبة من ذلك الصغير، فإذا تاب قبلت شهادته، وليس التوبة مما يتعذر على انسان دون انسان، ولا شك ان هذا القول تخريج لبعض المخالفين، فاختاره شيخنا ها هنا ونصره وأورده على جهته، ولم يقل عليه شيئا، لأن هذا عادته في كثير مما يورده في هذا الكتاب (5).

(1) في المصدر: يقبل شهادة من أوقع.
(2) المبسوط: ج 8 ص 217.
(3) في الطبعة الحجرية: بالغا عاقلا مؤمنا.
(4) ق 2 وم 3: بمباشرة.
(5) السرائر: ج 2 ص 118.

[ 484 ]

والوجه ما قاله الشيخ - رحمه الله - في المبسوط. لنا: ان اعتبار اجتناب جميع القبائح في الشهادة مما يعسر ويشق، ويؤدي الى بطلان الشهادة وعدم مشروعيتها، وذلك مناف لمقتضى الحكمة، وورود النص (1) بقبولها. وقول ابن ادريس ليس بشئ، لأن مع التوبة لا فرق بين الصغيرة والكبيرة في سقوطهما بها، على ان التوبة من شرطها العزم على ترك المعاودة، ولا شك ان الصغائر لا ينفك منها الانسان، فلا يصح هذا العزم منه غالبا، فلا يمكن التوبة في أغلب الأحوال. وفي رواية (2) ابن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - ما يوافق كلام الشيخ في النهاية: من عد اجتناب الكبائر في العدالة، ولو كان اجتناب الصغائر شرطا في العدالة لنص - عليه السلام - على ذلك، نعم يشترط ترك الاصرار على الصغائر. والتحقيق: ان العدالة كيفية نفسانية راسخة تبعث المتصف بها على ملازمة التقوى والمروة، ويتحقق باجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا تقبل شهادة الأجير (3)، وبه قال ابنا بابويه (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن البراج (6)، وابن حمزة (7).

(1) أمالي الصدوق: ح 3 ص 91، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 13 ج 18 ص 292.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 241 ح 596، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب الشهادات ح 1 و 2 ج 18 ص 288 - 289.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 52.
(4) المقنع: 113.
(5) الكافي في الفقه: ص 436.
(6) المهذب: ج 2 ص 558.
(7) الوسيلة: ص 230.

[ 485 ]

وقال ابن ادريس: هذا خبر واحد لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، بل شهادة الأجير مقبولة، سواء كانت على من استأجره أو له، وسواء فارقه أو لا، لأن اصول المذهب يقتضي قبول هذه الشهادة، وهو قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) وقوله تعالى: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) ولا مانع يمنع من قبول شهادته، وهذا عدل فينبغي أن تقبل شهادته، فلأنه لا يجر بشهادته إليه نفعا، ولا يدفع عنه ضررا، ولا يعرف بشئ من أسباب الفسق، ولا دليل على رد شهادته من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع (1). احتج الشيخ - رحمه الله - بما رواه زرعة (2) قال: سألته - عليه السلام - عما يرد من الشهود، فقال: المريب والخصم والشريك ودافع مغرم (3) والأجير (4). وعن العلا بن سيابة، عن الصادق - عليه السلام - قال: كان أمير المؤمنين - عليه السلام - لا يجيز شهادة الأجير (5). قال الشيخ في الاستبصار: هذا الخبر وان كان عاما في أن شهادة الأجير لا تقبل على سائر الأحوال مطلقا فينبغي أن يخص ويقيد بحال كونه أجيرا لمن هو أجير له فاما لغيره أو له بعد مفارقته له فانه لا بأس بها على كل حال (6). لما رواه صفوان في الصحيح، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثم فارقه أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال:

(1) السرائر: ج 2 ص 121.
(2) في المصدر: عن زرعة عن سماعة.
(3) في المصدر: المغرم.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 242 ح 599، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 278.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 21 ح 62، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 274.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 21 ذيل ح 62.

[ 486 ]

نعم، وكذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته (1). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا، قال: ويكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره، ولا بأس به له بعد مفارقته (2). والوجه عندي ان شهادته إن تضمنت تهمة أو جر نفع أو دفع ضرر لم تقبل، وإلا قبلت، وعليه تحمل الروايات المطلقة المانعة من القبول، كما لو شهد لصاحب الثوب به إذا استأجره لقصارته أو خياطته أو غيرهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا تقبل شهادة السائلين على أبواب الدور وفي الأسواق (3)، وأطلق. وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن ادريس: قد روي انه لا يجوز شهادة السائلين على أبواب الدور وفي الأسواق، وان كانت شرائط العدالة فيهم حاصلة، وإلا أن ذلك يختص بمن يكون ذلك عادته وصناعته ويتخذ ذلك حرفة وصناعة وبضاعة، فأما من أحوجته ضرورة مجحفة في بعض الأحوال فلا ترد شهادته بحال، لأنه لا دليل على ذلك، وقد أعطينا الرواية الواردة بذلك حقها (5). والوجه المنع، لما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - شهادة السائل الذي يسأل في كفه لا تقبل، قال: قال أبو جعفر الباقر - عليه السلام - لأنه لا يؤمن على الشهادة، وذلك لأنه إن اعطي رضي وان منع سخط (6).

(1) الاستبصار: ج 3 ص 21 ح 63، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 273.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 21 ح 64، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 374.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 53.
(4) المهذب: ج 2 ص 558.
(5) السرائر: ج 2 ص 122.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 243 ح 608، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 281.

[ 487 ]

وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن السائل في كفه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي - عليه السلام - لا تقبل شهادته إذا سأل في كفه (1). ولأنه متهم، لأن من هذا شأنه لا يوثق بقوله، لاستهانة نفسه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا تجوز الشهادة ولد الزنا، فان عرفت منه عدالة قبلت شهادته في الشئ الدون (2). وقال في الخلاف: شهادة ولد الزنا لا تقبل وان كان عدلا (3). وقال في المبسوط: شهادة ولد الزنا مقبولة عند قوم في الزنا وغيره، وهو قوي، لكن أخبار أصحابنا تدل على انه لا تقبل شهادته (4). وقال ابن الجنيد: ولد الزنا قال النبي - صلى الله عليه وآله -: (إنه شر الثلاثة) ولا خلاف ان الاثنين غير مقبول شهادتهما وهو شرهم، فهو أيضا غير مقبول شهادته، ولأنه شرهم ما (5) تقبل شهادة أبويه إذا تابا، وشهادته غير مقبولة وان استقامت طريقته، وبذلك قال أمير المؤمنين وأبو جعفر وأبو عبد الله - عليهم السلام - وعمر بن عبد العزيز، وحكي عن يحيى بن سعيد ومالك نحو ذلك. وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن شهادة ولد الزنا لا تقبل وان كان على ظاهر العدالة (6). وأطلق ابن البراج (7) المنع من قبول

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 609، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 281.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 53. (3) الخلاف: ج 6 ص 309 المسألة 57.
(4) المبسوط: ج 8 ص 228، وفيه: (ولد الزنا مقبولة إذا كان عدلا).
(5) ق 2: إذ.
(6) الانتصار: ص 247.
(7) المهذب: ج 2 ص 557.

[ 488 ]

شهادة ولد الزنا. وابن حمزة (1) وافق الشيخ في النهاية. وقال ابن ادريس: لا تجوز شهادة ولد الزنا، لأنه عند أصحابنا كافر باجماعهم عليه (2). والوجه المنع من قبول شهادته مطلقا. لنا: ان شهادة من المناصب الجليلة وهو ناقص فلا يليق به كالامامة، فكما لا يشرع له أن يكون اماما فكذا هنا. وما رواه أبو بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ قال: لا، قلت: إن الحكم يزعم انها تجوز، قال: اللهم لا تغفر ذنبه (3). وهذا الدعاء يدل على ان الافتاء بقبول شهادته من الذنوب العظيمة. وعن محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تجوز شهادة ولد الزنا (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة ولد الزنا، قال: لا، ولا عبد (5). وعن عبيد بن زرارة عن الباقر - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لو ان أربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا وفيهم ولد زنا لحددتهم جميعا، لأنه لا تجوز

(1) الوسيلة: ص 230.
(2) السرائر: ج 2 ص 122.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 610، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 275.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 613، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 276. (5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 612، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الشهادات ح 6 ج 18 ص 277.

[ 489 ]

شهادته ولا يؤم الناس (1). وقد احتج السيد المرتضى باجماع الطائفة عليه، ثم اعترض على نفسه: بأن ظواهر الآيات تقتضي قبول شهادة ولد الزنا إذا كان عدلا، ثم أجاب: بأنه موضع لطيف لا بد من تحقيقه، قال: وقد حققناه في مسألة أمليناها قديما في الخبر الذي يروى (بأن ولد الزنا لا يدخل الجنة) وبسطنا القول فيها، لأن ولد الزنا لا يتعدى إليه ذنب من خلق من نطفته وله حكم نفسه، فما المانع من أن يكون عدلا مرضيا عند الله تعالى، ومعنى ذلك: أن يكون الله تعالى قد علم في من خلق من نطفة زنى ألا يختار هو الخير والصلاح، فإذا علمنا بدليل قاطع عدم نجابة ولد الزنا وعدالته وشهد وهو يظهر العدالة (2) مع غيره لم يلتفت الى ظاهر المقتضي لظن العدالة به ونحن قاطعون على خبث باطنة وقبح سريرته فلا تقبل شهادته، لأنه عندنا غير عدل ولا مرضي، فعلى هذا الوجه يجب أن يقع الاعتماد دون ما تعلق به أبو علي ابن الجنيد - رحمه الله - لأنه قال: إذا كنا لا نقبل شهادة الزاني والزانية كان ردنا لشهادة من هو شر منهما أولى. وروي عن النبي - صلى الله عليه وآله - انه قال في ولد الزنا: (إنه شر الثلاثة) وهذا خبر غير معتمد، لأن الخبر الذي رواه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا، ولا يرجع بمثله عن ظواهر الكتابة الموجبة للعلم، وإذا كان معنى قوله - عليه السلام -: (إنه شر الثلاثة) من حيث لم تقبل شهادته أبدا وقبلت شهادة الزانيين إذا تابا فقد كان يجب على ابن الجنيد أن يبين من أي وجه لا تقبل شهادته بعد التوبة من الكفر والرجوع الى الايمان، ويبين كيف لم تقبل شهادته مع اظهار العدالة والصلاح والنسك والعبادة، وانه بذلك داخل في ظواهر

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 614، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الشهادات ح 4 ج 18 ص 276 وفيهما: (عبيد بن زرارة عن أبيه).
(2) في المصدر: مظهر للعدالة.

[ 490 ]

آيات قبول الشهادة وما شرع في ذلك، ولا أهتدي له. والوجه هو ما نبهنا عليه الموافق للقول بالعمل بالعدل (1). وهذا الذي ذكره السيد على طوله ليس دليلا إذ لا أولوية في تواتر الخبر الذي رواه عن النبي - عليه السلام - في (ان ولد الزنا لا يدخل الجنة) (2) دون الخبر الذي نقله ابن الجنيد، وكلاهما خبر واحد، ولعله قد كان الخبر الذي رواه متواترا في زمانه، وليس رد شهادته لكفره كما ذهب إليه ابن ادريس، بل لنقصه المنافي للمناصب الجليلة. واحتج الشيخ بما رواه عيسى بن عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال: لا تجوز إلا في الشئ اليسير إذا رأيت منه صلاحا (3). والجواب: القول بالموجب، فان قبول شهادته في الشئ اليسير يعطي المنع من قبول الكثير من حيث المفهوم، ولا يسير إلا وهو كثير بالنسبة الى ما دونه، فاذن لا تقبل شهادته إلا في أقل الأشياء الذي ليس بكثير بالنسبة الى ما دونه، إذ لا دون له، ومثله لا يتملك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بشهادة الأصم، غير انه يؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بثانيه (4). وتبعه ابن البراج (5)، وابن حمزة (6). وقال أبو الصلاح: تقبل شهادة الأعمى والخصي والخنثى والأصم إذا

(1) الانتصار: ص 247 - 248 - 249 مع اختلاف.
(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 203.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 244 ح 611، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 276.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 55.
(5) المهذب: ج 2 ص 556.
(6) الوسيلة: ص 230.

[ 491 ]

تكاملت شروط العدالة فيهم (1). ولم يشترط الأخذ بأول قولهم. وقال ابن ادريس: لا بأس بشهادة الأصم، وقد روي انه يؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بثانيه (2). وهو يدل على استضعاف ذلك. والوجه القبول مطلقا، كما قاله أبو الصلاح. لنا: عموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) (3). ولأن المناط العدالة، لأنها (4) المثمرة للظن المناسب للقبول الشهادة. احتج الشيخ بما رواه جميل، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة الأصم في القتل، قال: يؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بالثاني (5). والجواب: في الطريق سهل بن زياد، وهو ضعيف. وأيضا القول بالموجب، فان الثاني إن كان منافيا للأول ردت شهادته فيه، لأنه رجوع عما شهد به أولا فلا تقبل، وان لم يكن منافيا كان شهادة اخرى مستأنفة لا ثانيا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الفاسق إذا شهد على غيره في حال فسقه ثم أقام الشهادة وهو عدل قبلت شهادته (6)، وأطلق. وقال ابن ادريس: الفاسق إذا شهد على غيره في أمر من الامور ما خلا الطلاق ثم أقام الشهادة وهو عدل قبلت شهادته، وكذلك الكافر. واستثنينا

(1) الكافي في الفقه: ص 436، وليس فيه: (الأصم).
(2) السرائر: ج 2 ص 123. (3) الطلاق: 2.
(4) في الطبعة الحجرية: ولانها.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 255 ح 664، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 296.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 56.

[ 492 ]

الطلاق، لأن جميع ما يشهد به الشاهد المراعى في العدالة والقبول، الشهادة وقت الأداء دون وقت (1) التحمل، إلا الطلاق فانه يحتاج الى العدالة وقت التحمل ووقت الأداء (2). وهذا الاستثناء من ابن ادريس خطأ. والتحقيق: يقتضي خلافه، لأنه لا فرق بين الطلاق وغيره في ذلك، فان الطلاق لا يشترط فيه العدالة وقت التحمل كغيره، وانما نشأ غلطه (3) هذا من توهمه ان الطلاق من شرط صحته ايقاعه بحضور عدلين، وهذا لا يقتضي تغيير حكمه عن حكم أمثاله من الايقاعات والعقود وغيرهما، لأن التقدير ان الشاهد شهد بطلاق صحيح، وانما يصح الطلاق إذا جمع شرائطه التي من جملتها سماع عدلين نطقه، فلو كان الفاسق قد سمع الطلاق مع الشاهدين العدلين ثم شهد به بعد التوبة قبلت شهادته. مسألة: قال الشيخ في النهاية: تقبل شهادة من يلعب بالحمام إذا لم يعرف منه فسق (4). وتبعه ابن البراج (5). وقال في المبسوط: وأما اللعب بالحمام فان اقتناها للانس بها وطلب فائدتها من فراخ ونقل الكتب من بلد الى بلد لم يكره ذلك، لما روي أن رجلا شكى الى رسول الله - صلى الله عليه وآله - الوحدة، فقال: اتخذ زوجا من حمام (6)، وان اقتناها للعب بها - وهو أن يطيرها تتقلب في السماء (7) ونحو هذا - فانه مكروه عندنا (8).

(1) ليس في ق 2 وم 3.
(2) السرائر: ج 2 ص 123 - 124 وفيه: (والقبول للشهادة وقت).
(3) في الطبعة الحجرية: خلطه.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 56.
(5) المهذب: ج 2 ص 557. (6) في المصدر: الحمام.
(7) في المصدر: ان يطيرها في السماء.
(8) المبسوط: ج 8 ص 221 - 222.

[ 493 ]

وقال ابن ادريس: تقبل شهادة المتخذ للحمام غير اللاعب بها والمسابق والمراهن عليها إذا لم يعرف منه فسق، وقول شيخنا في نهايته: (وتقبل شهادة من يلعب بالحمام) غير واضح، سماه لا عبا واللعب بجميع الاشياء قبيح فقد صار فاسقا بلعبه فكيف تقبل شهادته؟! وانما أورد لفظ الحديث ايرادا لا اعتقادا وان كان المقصود باللعب ما ذكرناه وهو: اتخاذها للانس وحمل الكتب دون اللعب (1). فالوجه ان اللعب بذلك مكروه. لنا: الأصل الجواز. وما رواه العلا بن سيابة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق (2). ولو كان اللعب فسقا استحال التقييد بذلك. وبهذا الاسناد قال: سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام (3). مسألة: قال الشيخان: لا تقبل شهادة الابن على الأب (4)، وبه قال ابنا بابويه (5)، وسلار (6)، وابن البراج (7)، وابن حمزة (8)، وابن ادريس (9).

(1) السرائر: ج 2 ص 124.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 284 ح 784، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 305.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 284 ح 785، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 305.
(4) المقنعة: ص 726، النهاية ونكتها: ج 2 ص 59.
(5) المقنع: ص 133.
(6) المراسم: ص 232.
(7) المهذب: ج 2 ص 558.
(8) الوسيلة: ص 231. (9) السرائر: ج 2 ص 134.

[ 494 ]

وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية في هذه الأعصار وان روي لها وفاق قديم القول: بجواز شهادة ذوي الأرحام والقرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا من غير استثناء لأحد، إلا ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدا على خبر يرويه من أنه: لا يجوز شهادة الولد على الوالد وان جازت شهادته له (1). وهذا الكلام يشعر بقبول شهادة الولد على الوالد لا تصريحا. ونقل ابن ادريس (2) عنه القبول، ولم أقف لابن الجنيد، ولا لابن أبي عقيل على شئ في ذلك بالنصوصية. والوجه عندي الأول. لنا: قوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) (3) وليس من المعروف الشهادة عليه والرد لقوله واظهار تكذيبه، فيكون ارتكاب ذلك معصية، فلا تكون الشهادة مقبولة. ولأنه نوع عقوق. ولأن أكثر علمائنا على ذلك فيكون العمل به أرجح. واحتج الشيخ في الخلاف (4) عليه باجماع الطائفة، وقول الشيخ حجة. احتج السيد المرتضى بعموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)) (5) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (6). وما رواه داود بن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته

(1) الانتصار: ص 244.
(2) السرائر: ج 2 ص 134.
(3) لقمان: 15.
(4) الخلاف: ج 6 ص 297 المسألة 45.
(5) الانتصار: ص 245.
(6) النساء: 135.

[ 495 ]

يقول: أقيموا الشهادة على الوالدين والولد (1). وما رواه علي بن سويد السائي، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: كتب الي أبي في رسالته [ إلي ] وسألته عن الشهادات لهم [ قال: ] فأقم الشهادة لله عز وجل ولو على نفسك والوالدين (2) والأقربين (3). في ما بينك وبينهم، فان خفت على أخيك ضيما فلا (4). والجواب: الأمر بالاقامة لا يستلزم قبولها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بشهادة الوالد لولده وعليه إذا كان معه غيره (5) من أهل الشهادة، ولا بأس بشهادة الاخ لأخيه وعليه إذا كان معه غيره من أهل الشهادة (6)، ولا بأس بشهادة الرجل لامرأته وعليها إذا كان معه غيره من أهل الشهادة (7)، ولا بأس بشهادتها له وعليه في ما يجوز قبول شهادة النساء فيه إذا كان معها غيرها من أهل الشهادة (8). والمفيد - رحمه الله - لم يقيد بل أطلق، وقال في شهادة الزوج: وتقبل شهادة الرجل لامرأته إذا كان عدلا وشهد معه آخر من العدول، أو حلفت المرأة مع الشهادة لها في الديون و الأموال (9). ونعم ما قال.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 257 ح 675، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب كتاب الشهادات ح 3 ج 18 ص 250. (2) في المصدر: أو الوالدين.
(3) في المصدر: أو الاقربين.
(4) تهذيب الأحكام ج 6 ص 276 ح 757، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 229.
(5) في المصدر: وعليه مع غيره.
(6) في المصدر: الشهادات.
(7) في المصدر: العدالة.
(8) النهاية ونكتها: ج 2 ص 59.
(9) المقنعة: ص 726.

[ 496 ]

ولم يقيد الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2) أيضا، وكذا أبو الصلاح (3). وأما ابن البراج (4)، وابن حمزة (5) فانهما قيدا أيضا كالشيخ. وقال ابن ادريس (6) بالاطلاق أيضا، وبه قال ابن أبي عقيل. وهو المعتمد، للأصل. وما رواه عمار بن مروان، عن الصادق - عليه السلام - قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لامرأته، قال: إذا كان خيرا جازت شهادته لامرأته (7). وفي الصحيح عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: تجوز شهادة الولد لوالده والوالد لولده والأخ لأخيه (8). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة الولد لوالده والوالد لولده والأخ لأخيه، فقال: تجوز (9). والشيخ - رحمه الله - تبع الرواية التي رواها الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام قال: تجوز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها إذا كان

(1) الخلاف: ج 6 ص 299 المسألة 49.
(2) المبسوط: ج 8 ص 220.
(3) الكافي في الفقه: ص 436.
(4) المهذب: ج 2 ص 557.
(5) الوسيلة: ص 231.
(6) السرائر: ج 2 ص 134. (7) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 247 ح 628، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 269.
(8) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 247 ح 630، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 270.
(9) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 248 ح 632، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الشهادات ذيل الحديث 3 ج 18 ص 271.

[ 497 ]

معها غيرها (1). وعن سماعة قال: سألته عن شهادة الوالد لولده والولد لوالده والأخ لأخيه؟ قال: نعم، وعن شهادة الرجل لامرأته؟ قال: نعم: والمرأة لزوجها؟ قال: لا، إلا أن يكون معها غيرها (2). والجواب: المراد بذلك كمال البينة من غير يمين. مسألة: اختلف علماؤنا في شهادة العبد (3) على طرفين وواسطة. أما أحد الطرفين: فهو المنع من قبول شهادتهم على حر من المؤمنين مطلقا وهو قول أبي علي ابن الجنيد، واحترزنا بالحر عن العبد فانه قبل شهادة العبد على مثله، وبالمؤمنين عن الكفار فانه قبل شهادة العبد على سائر أهل الملل. وأطلق ابن أبي عقيل المنع فقال: لا تجوز شهادة العبيد والاماء في شئ من الشهادات. وهذا أعم اطلاقا في المنع من ابن الجنيد. الثاني: القبول مطلقا، وقد نقل شيخنا نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد - رحمه الله - عن بعض علمائنا ذلك (4). وأما الواسطة: فقد اختلف علماؤنا فقال الشيخ في النهاية: تقبل شهادة العبيد لساداتهم وعلى غير ساداتهم ولهم، ولا يجوز قبول شهادتهم على ساداتهم (5). وهو قول شيخنا المفيد (6) - رحمه الله - و السيد المرتضى (7) وسلار (8)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 247 ح 627، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 269.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 247 ح 629، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب الشهادات ح 4 ج 18 ص 271 وب 25 ح 3 ج 18 ص 270.
(3) في الطبعة الحجرية: العبيد. (4) الشرائع الاسلام: ج 4 ص 131.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 59، مع اختلاف.
(6) المقنعة: ص 726.
(7) الانتصار: ص 246.
(8) المراسم: ص 232.

[ 498 ]

وابن البراج (1)، وابن حمزة (2)، وابن زهرة (3)، وابن ادريس (4). وقال أبو الصلاح: لا تقبل على سيده ولا لسيده، وتقبل على غيره من المسلمين (5). وقال الصدوق وأبوه: لا بأس بشهادة العبد إذا كان عدلا لغير سيده (6). وهو يعطي المنع مما عدا ذلك من حيث المفهوم لا المنطوق. وقد روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن الصادق - عليه السلام - العبد إذا شهد على شهادة ثم اعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق، وقال - عليه السلام -: إن اعتق العبد لموضع الشهادة لم تجز شهادته (7). وقال - رحمه الله - أما قوله: ((إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق) فانه يعنى به: أن يردها لفسق أو حال (8) يجرح عدالته لا لأنه عبد، لأن شهادة العبد جائزة، وأول من رد شهادة المملوك عمر. وأما قوله - عليه السلام -: (أن أعتق المملوك (9) لموضع الشهادة لم تجز شهادته) كأنه يعني: إذا كان شاهدا لسيده،

(1) المهذب: ج 2 ص 557.
(2) الوسيلة: ص 230.
(3) لم نعثر عليه في الغنية (الجوامع الفقهية)، حيث قال فيه (ص 562 س 34): (وتقبل شهادة العبيد لكل واحد عليه إلا في موضع نذكره) ولم يذكره.
(4) السرائر: ج 2 ص 135.
(5) الكافي في الفقه: ص 435.
(6) المقنع: ص 133.
(7) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 45 ح 3295، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 13 ج 18 ص 257. (8) في المصدر: لفسق ظاهر أو حال.
(9) في المصدر: العبد.

[ 499 ]

فأما إذا كان شاهدا لغير سيده جازت شهادته، عبدا كان أو معتقا إذا كان عدلا (1). وروي أيضا عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام -: قال: لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم (2). ثم قال: يعني: لغير سيده (3). والشيخ - رحمه الله - في الاستبصار صدر باب الشهادة المملوك بأخبار مطلقة تدل على قبول شهادته، ثم روى المنع من قبول شهادته على الحر المسلم. ثم تأول بأمرين: الحمل على التقية، وعلى ان شهادة المماليك لا تقبل لمواليهم وتقبل لمن عداهم لموضع التهمة وجرهم الى مواليهم (4). وهذا التأويل يعطي انه لا تقبل شهادته لمولاه. ثم روي في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما (5) أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق ان مولاهما كان اشهدهما انه كان يقع على الجارية وان الحبل منه، قال: تجوز شهادتهما ويردا عبدين كما كانا (6). ثم قال: فلا ينافي ما قدمناه من ان شهادة المماليك لا تقبل لمولاه ولا عليه - لأن الشهادة انما جازت في الوصية خاصة، وجرى ذلك مجرى شهادة

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 45 ذيل الحديث 3295.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 41 ح 3284 وفيه: (تجوز)، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 12 ج 18 ص 256.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 41 ذيل الحديث 3284.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 15 - 17 ح 41 - 47 وذيل الحديث 47.
(5) في الاستبصار: فورثها.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 17 ح 50، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 7 ج 18 ص 255.

[ 500 ]

أهل الكتاب في الوصية من أنها تقبل ولا تقبل في ما عداها، وذلك عند عدم المسلمين (1). ثم تأول قوله - عليه السلام: (إن أعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته) بالحمل على انه إذا كان أعتقه مولاه ليشهد له لم يجز شهادته (2). وهذا تصريح منه في هذا الكتاب بالمنع من قبول شهادة العبد لمولاه وعليه، وكذا قال في التهذيب (3). واستدل السيد المرتضى باجماع الطائفة، ثم قال: ولا اعتبار بمن شذ أخيرا عنها (4)، وظواهر الآيات الشاهدة في الكتاب مثل قوله تعالى: (وأشهدوا ذوى عدل منكم) وهو عام في العبيد إذا كانوا عدولا وغيرهم، ولا يلتفت الى ما يروى مما يخالف هذه الظواهر من الطرق الشيعية ولا الطرق العامية وان كثرت، لأنها تقتضي الظن ولا تنتهي الى العلم، وهذه الظواهر التي ذكرناها توجب العلم ولا يرجع عنها بما يقتضي الظن، وهذه الطريقة هي التي يجب الرجوع إليها والتعويل عليه، وهي مزيلة لكل شعب في هذه المسألة. ولو كنا ممن يثبت الأحكام بالاستدلالات كان لنا أن نقول: إذا كان العبد العدل بلا خلاف تقبل شهادته [ على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في روايته عنه فلأن تقبل في شهادته ] على غيره أولى، وكان أبو علي ابن الجنيد - من جملة أصحابنا - يمنع من شهادة العبد وان كان عدلا، ولما تكلم على ظواهر الآيات في الكتاب التي تعم العبد والحر ادعي تخصيص الآيات بغير دليل، وزعم ان

(1) الاستبصار: ج 3 ص 17 ذيل الحديث 50.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 18 ذيل الحديث 51.
(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 251 ذيل الحديث 643.
(4) في المصدر: عنهم.

[ 501 ]

العبد من حيث لم يكن كفوا للحر في دمه وكان ناقصا عنه في أحكامه لم يدخل تحت الظواهر. وقال أيضا: ان النساء قد يكن أقوى عدالة من الرجال، ولم تكن شهادتهن مقبولة في كل ما يقبل فيه شهادة الرجال. قال: وهذا منه غلط فاحش، لأنه إذا ادعى ان الظواهر اختصت بمن تتساوي أحكامه في الأحرار كان عليه الدليل، لأنه ادعى ما يخالف فيه، ولا يجوز رجوعه في ذلك الى أخبار الآحاد، لما بينا في ذلك، فأما النساء فغير داخلات في مثل قوله تعالى: (ذوي عدل منكم)) وقوله تعالى: (شهيدين من رجالكم) فانما أخرجنا النساء من هذه الظواهر لأنهن ما دخلن فيه، والعبيد العدول داخلون فيها بلا خلاف، ويحتاج في اخراجهم الى دليل (1). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: على القبول ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم (3). وغيرهما من الأخبار - (4) الدالة على القبول مطلقا. وأما لساداتهم فلما يأتي في التهذيب من الحديث.

(1) الانتصار: ص 246 - 247، مع اختلاف.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 248 ح 634، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 253.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 249 ح 636، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 254.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 248 ح 633 و 635، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 2 و 3 ج 18 ص 254.

[ 502 ]

احتج الشيخ على المنع من قبولها لساداتهم بما رواه اسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق، عن الباقر عن علي - عليهم السلام - ان العبد إذا شهد ثم اعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق، وقال علي - عليه السلام -: وإن اعتق العبد للشهادة لم تجز شهادته (1). والذي تأوله الشيخ جيد، ولاشتماله على تهمة وجر نفع ودفع ضرر، فان المملوك غالبا محكوم عليه. احتج ابن الجنيد بما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام -: قال لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم (2). وبما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب، وقال: العبد المملوك لا تجوز شهادته (3). والجواب: والتأويل بما ذكره الشيخ - رحمه الله - واحتج من قبلها مطلقا بالأخبار الدالة على القبول، والجواب المطلق قد يقيد والعام قد يخصص لدليل، وقد ذكرناه. تذنيب: قال الشيخ في النهاية: لو (4) أشهد رجل عبدين له على نفسه بالاقرار بوارث فردت شهادتهما وحاز الميراث غير المقر له فأعتقهما بعد ذلك ثم شهدا

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 250 ح 643، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 13 ج 18 ص 257.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 249 ح 637، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 12 ج 18 ص 256.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 249 ح 638، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 10 ج 18 ص 256.
(4) في المصدر: إذا.

[ 503 ]

للمقر قبلت شهادتهما له ورجع بالميراث على من كان أخذه ورجعا عبدين، فان ذكرا أن مولاهما كان أعتقهما في حال ما كان أشهدهما لم يجز للمقر له أن يردهما في الرق وتقبل شهادتهما في ذلك، لأنهما أحييا حقه (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن ادريس: هذا غير واضح ولا مستقيم، لأن هذه الشهادة الأخيرة تكون شهادة على سيدهما، وقد بينا أنه لا يجوز شهادة العبيد على ساداتهم (3). والشيخ - رحمه الله - استدل على الحكم الأول بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل مات وترك جارية ومملوكين فورثهما أخ له فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما انه كان يقع على الجارية وان الحبل (4) منه، قال: تجوز شهادتهما ويردا (5) عبدين كما كانا (6). وهذا يدل على ما اخترناه من قبول شهادة العبد لسيده والمنع من شهادته على سيده، وإلا لم يكن لقيد العتق فائدة. وما ذكره الشيخ في النهاية من انه: (لا يجوز له تملكهما إذا شهدا بأن مولاهما أعتقهما) فمبني على ان شهادته لمولاه لا تقبل، فانه حينئذ لا تقبل شهادتهما له، وإلا دار. مسألة: تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية خاصة عند عدم المسلمين، ولا تجوز شهادتهم ولا شهادة غيرهم من الكفار في غير ذلك

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 59 - 60.
(2) المهذب: ج 2 ص 557.
(3) السرائر: ج 2 ص 136.
(4) في المصدر: الحمل.
(5) في المصدر: ويردان.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 250 ح 642، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الشهادات ح 7 ج 18 ص 255.

[ 504 ]

للمسلمين ولا للكفار ولا على الفريقين، سواء اتفقت ملتهم أو اختلفت. وهو الظاهر من اطلاق كلام شيخنا المفيد - رحمه الله - حيث قال: ولا تقبل شهادة بدعي على محق، ولا شهادة الفاسق، وتقبل شهادة رجلين من أهل الذمة على الوصية خاصة إذا لم يكن حضر الميت أحد من المسلمين وكان الذميان من عدول قومهما، ولا تقبل شهادتهما مع وجود المسلمين (1). وكذا قال ابن أبي عقيل. وقال الشيخ في النهاية: تجوز شهادة بعضهم على بعضهم ولهم [ و ] كل ملة على أهل ملته خاصة ولهم، ولا تقبل شهادة أهل ملة منهم لغير أهل ملتهم ولا عليهم (2). وقال في الخلاف: قال قوم: لا تجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، سواء اتفقت مللهم أو اختلفت - مثل: شهادة اليهود على اليهود أو على النصارى - وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقال آخرون: تقبل شهادة بعضهم على بعض، سواء اتفقت مللهم أو اختلفت، وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وذهب الشعبي والزهري وقتادة الى انه إن كانت الملة واحدة - كاليهود على اليهود - قبلت، وان اختلفت ملتهم لم تقبل - كاليهود على النصارى - وهذا الذي ذهب إليه أصحابنا. دليلنا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فأمر بالتثبت في نبأ الفاسق، والكافر فاسق. وروى ابن عثمان قال: سألت معاذ بن جبل عن شهادة اليهودي على النصراني، فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وآله - يقول: لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم، إلا المسلمين فانهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم، وهو الذي اخترناه.

(1) المقنعة: ص 726 و 727.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 62.

[ 505 ]

والوجه فيه إذا اختاروا الترافع إلينا فأما إذا لم يختاروا فلا يلزمهم ذلك (1). وقال في المبسوط: لا خلاف ان شهادة أهل الذمة لا تقبل على المسلم، إلا ما ينفرد به أصحابنا في الوصية خاصة في حال السفر عند عدم المسلم. فأما قبول شهادة بعضهم على بعض فقال قوم: لا تقبل بحال لا على مسلم ولا على مشرك اتفقت ملتهم أو اختلفت، وفيه خلاف، ويقوى في نفسي انه لا تقبل بحال، لأنهم كفار فساق، ومن شرط الشاهد أن يكون عدلا (2). وتبعه ابن ادريس (3). وقال ابن البراج: لا تجوز قبول شهادة أهل الملل المختلفة بعضها على بعض، بل تقبل شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض، إلا المسلمون فان شهادتهم مقبولة على الجميع، وقد ذكر أن شهادة الكافر على مثله وعلى غيره غير مقبولة، وهو الأقوى، لأن العدالة معتبرة في الشهادة، والكافر غير عدل (4). وقال ابن الجنيد: لا تجوز شهادة أهل الملل على أحد من المسلمين، إلا في الوصية في السفر وعند عدم المسلمين، وشهادة أهل العدالة في دينهم جائزة من بعضهم على بعض وان اختلفت الملتان. وقال أبو الصلاح: ولا تقبل شهادة ذمي على مسلم ولا غيره (5). لنا: قوله تعالى: (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (6) أمر بالتثبت (7) عند إخبار الفاسق، والكافر فاسق.

(1) الخلاف: ج 6 ص 272 المسألة 22، مع اختلاف.
(2) المبسوط: ج 8 ص 187.
(3) السرائر: ج 2 ص 140.
(4) المهذب: ج 2 ص 557.
(5) الكافي في الفقه: ص 436، وليس فيه: (ولا غيره). (6) الحجرات: 6.
(7) ق 2 وم 3: بالتبيين.

[ 506 ]

ولأنه أولى بالرد، خرج منه الشهادة بالوصية عند عدم المسلمين، للنص. ولأنه محل الحاجة، ولا يمكن استدراكه، فيبقى الباقي على المنع. وما رواه ضريس الكناسي، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة أهل ملة هل تجوز على رجل من غير أهل ملتهم؟ فقال: لا، إلا ألا يوجد في تلك الحال غيرهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية، لأنه لا يصلح ذهاب حق امرئ مسلم ولا تبطل وصيته (1). احتج الشيخ بما رواه سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن شهادة أهل الملة، قال: فقال: لا تجوز إلا على أهل ملتهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادته على الوصية، لأنه لا يصح ذهاب حق أحد (2). والجواب: المنع من صحة السند، والقول بالموجب، كما اختاره الشيخ في الخلاف، وهو انه إذا ترافعوا إلينا وعدلوا الشهود عندهم، فان الأولى هنا القبول. تذنيب: أطلق الشيخ في النهاية (3) والمبسوط (4) والخلاف (5) قبول شهادة أهل الذمة في الوصية عند عدم المسلمين ولم يقيد بالسفر، وكذا المفيد في المقنعة (6)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 253 ح 654، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 390.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 252 ح 652، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الشهادات ح 4 ج 18 ص 287 وفيهما: (لأنه لا يصلح).
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 62.
(4) المبسوط: ج 8 ص 187 وفيه: لا خلاف ان شهادة أهل الذمة لا تقبل على المسلم الا بما يتفرد به اصحابنا في الوصية خاصة في حال السفر عند عدم المسلم).
(5) الخلاف: ج 6 ص 272 المسألة 21.
(6) المقنعة: ص 727.

[ 507 ]

وابن أبي عقيل، وسلار (1)، وابن ادريس (2)، وابن البراج (3). وقال أبو الصلاح: لا تقبل شهادة أحد من أهل الضلال على مسلم، إلا عدول الذمة في الوصية في السفر خاصة، بشرط عدم أهل الايمان (4). وهو قول ابن الجنيد أيضا فانه قال: لا تجوز شهادة أهل الملل على أحد من المسلمين، إلا في الوصية في السفر وعند عدم المسلمين. لنا: ان المناط في القبول عدم المسلمين، إذ لا تأثير للأرض في القبول وعدمه. وحديث ضريس الكناسي، وقد تقدم. احتج الآخرون بقوله تعالى: (أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض) (5) شرط في القبول الضرب في الأرض، وهو السفر. وما رواه هشام بن الحكم في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عز وجل: (أو آخران من غيركم) فقال: إذا كان الرجل في أرض غربة ولا يوجد فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصية (6). في الصحيح عن حمزة بن حمران، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ذوي عدل منكم أو آخران من غيركم) فقال: اللذان منكم مسلمان، واللذان من غيركم من أهل الكتاب، قال: وانما ذلك إذا مات الرجل المسلم في أرض غربة فيطلب رجلين مسلمين ليشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين أشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند

(1) المراسم: ص 233.
(2) السرائر: ج 2 ص 139.
(3) المهذب: ج 2 ص 557.
(4) الكافي في الفقه: ص 436.
(5) المائدة: 106.
(6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 252 ح 653، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 287.

[ 508 ]

أصحابهم (1). والجواب: التقييد في الآية والأخبار: لأنه خرج مخرج الأغلب لا من حيث انه شرط، لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يمتنع الانسان من الشهادة إذا دعي إليها ليشهد إذا كان من أهلها (2). فأوجب التحمل. ونص أيضا في المبسوط على وجوب التحمل، وانه من فروض الكفايات، وقد يتعين إذا لم يكن هناك غيره (3). وقال ابن الجنيد: ولا أختار للشاهد أن يمتنع من الشهادة إذا دعي إليها ولم يحضر بالمكان من يقوم بها سواه، فان حضر وسعه أن يتجاحد، فإذا شهد لم يكن له أن يتأخر إن دعي الى اقامتها، إلا أن يعلم بها حدث. وقال المفيد: لا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل، ولا يجوز له كتمان الشهادة إذا سئل، إلا أن تكون شهادته تبطل حقا، وليس لأحد أن يدعى الى شئ ليشهد به أو عليه فيمتنع من الاجابة الى ذلك، إلا أن يكون حضوره يضر بالدين أو بأحد من المسلمين ضررا لا يستحقه في الحكم فله الامتناع من الحضور (4). وهو نص أيضا في وجوب التحمل. وقال أبو الصلاح: يلزم من دعي من أهل الشهادة الى تحملها أو اقامة ما تحمله منها الاجابة الى ذلك إذا كان تحمله عن إشهاد (5). وقال سلار: لا يجوز له أن يمتنع من تحمل الشهادة، إلا أن يضر بالدين أو

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 253 ح 655، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أحكام الوصايا ح 7 ج 13 ص 392.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 56.
(3) المبسوط: ج 8 ص 186.
(4) المقنعة: ص 728، مع اختلاف.
(5) الكافي في الفقه: ص 436.

[ 509 ]

بأحد من المؤمنين (1). وقال ابن البراج: لا يجوز لأحد الامتناع من الشهادة إذا دعي إليها إذا كان من أهل الشهادة والعدالة، إلا أن يكون في حضوره لذلك وشهادته ضرر بشئ يتعلق بدين أو فيه مضرة لأحد من المؤمنين (2). وقال ابن زهرة: واعلم أن من دعي الى تحمل الشهادة وهو من أهلها فعليه الاجابة، لقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (3). وقال ابن ادريس: وقد يستشهد بعض أصحابنا بهذه الآية - يعني: ولا يأب الشهداء - على وجوب التحمل، والذي يقوى في نفسي أنه لا يجب التحمل، وللانسان أن يمتنع من الشهادة إذا دعي إليها ليتحملها، إذ لا دليل على وجوب ذلك عليه، وما ورد في ذلك فهو أخبار آحاد، والاستدلال بالآية ضعيف، لأنه سماهم شهداء، وانما يسمى بعد التحمل، والى هذا القول ذهب شيخنا في مبسوطه (4). والوجه الأول: لنا: قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (5) وقول ابن ادريس انه بعد التحمل، وإلا لزم المجاز خطأ، لأن الآية وردت في معرض الارشاد بالاشهاد، لأنه تعالى أمر بالكتابة حال المداينة، ونهي الكاتب عن الاباء، ثم أمر بالاشهاد، ونهى الشهداء عن الاباء. وأيضا فقد روي هشام بن سالم، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عز وجل: ولا يأب الشهداء قال: قبل الشهادة، وقوله تعالى: (ومن يكتمها فانه

(1) المراسم: ص 234. (2) المهذب: ج 2 ص 560.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 563 س 16.
(4) السرائر: ج 2 ص 125 - 126، مع اختلاف.
(5) البقرة: 282.

[ 510 ]

آثم قلبه)) قال: بعد الشهادة (1). وهو نص في الباب، وتصريح بحمل الآية على التحمل لا الأداء. وما رواه أبو الصباح في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في قوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) قال: لا ينبغي لأحد إذا دعي الى شهادة ليشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم عليها (2). وعن جراح المدائني، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا دعيت الى الشهادة فأجب (3). وعن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - في قول الله عز وجل: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) فقال: لا ينبغي لأحد إذا دعي الى شهادة يشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم (4). وعن محمد بن الفضيل في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - في قول الله عز وجل: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) فقال: إذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو حق لم ينبغ لك أن تقاعس عنه (5). وعن داود بن سرحان، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يأب الشاهد

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 275 ح 750، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 225.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 275 ح 751، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 225.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 275 ح 752، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 225.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 275 ح 753، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 5 ج 18 ص 226.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 276 ح 754، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 7 ج 18 ص 226.

[ 511 ]

أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب (1). ولأنه من الامور الضرورية التي لا ينفك الانسان عنها، لوقوع الحاجة الى المعاملات والمناكحات والطلاق وغير ذلك من الامور الاضطرارية، فلو لم يجب تحمل الشهادة أدى ذلك إلى التنازع غالبا وعدم التخلص منه، وذلك مناف للحكمة فوجب أن يكون واجبا. ونسبة ذلك الى أنه من أخبار الآحاد مع دلالة القرآن العزيز عليه واستفاضة الأخبار به وفتوى متقدمي علمائنا به جهل منه وقلة تأمل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن شهد على شهادة آخر وأنكر ذلك الشاهد الأول قبلت شهادة أعدلهما، فان كانت عدالتهما سواء طرحت شهادة الشاهد الثاني (2). وقال في المبسوط: إن سمع الحاكم من الفرع والأصل مريض أو غائب ثم قدم الغائب وبرئ المريض [ لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون بعد حكم الحاكم أو قبله ] فان كان بعد حكم الحاكم لم يقدح ذلك في حكمه، لأن حكمه قد نفذ قبل حضور الأصل، وان كان قبله لم يحكم بشهادة الفرع، لأنه إنما يحكم بالفرع لتعذر الأصل (3). وقال علي بن بابويه في رسالته: ولو انهما حضرا فشهد أحد هما على شهادة الآخر وأنكر صاحبه أن يكون أشهده على شهادته فانه يقبل قول أعدلهما، فان استويا في العدالة بطلت الشهادة. وكذا قال ابنه الصدوق في المقنع (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 276 ح 755، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الشهادات ح 6 ج 18 ص 226.
(2) النهاية: ونكتها: ج 2 ص 57.
(3) المبسوط: ج 8 ص 233.
(4) المقنع: ص 133 وليس فيه: (فان استويا في العدالة بطلت الشهادة).

[ 512 ]

وروى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: إني لم أشهده، قال: تجوز شهادة أعدلهما، وإن كانت عدالتهما واحدة لم تجز شهادته (1). وقال ابن الجنيد: ولو كان عدلا - يعني: شاهد الأصل - ولم يكن يعترف بعد ذلك فأنكر الشهادة عليه لم يقبل قول شاهد واحد عليه حتى يكونا شاهدين، فحينئذ لا يلتفت الى جحوده. وابن البراج (2) اختار مذهب شيخنا في النهاية. وقال ابن حمزة: إذا شهد الفرع ثم حصل الأصل لم يخل من وجهين: إما حكم الحاكم بشهادة الفرع أو لم يحكم، فان حكم وصدقه الأصل وكان عدلا نفذ حكمه، وان كذبه وتساويا في العدالة نقض الحكم، وان تفاوتا اخذ بقول أعدلهما، وان لم يحكم بقوله سمع من الأصل وحكم به (3). وقال ابن ادريس: من شهد على شهادة آخر وأنكر الشاهد (4) الأول الأصل روي انه تقبل شهادة أعدلهما، أورد ذلك شيخنا في نهايته، فان كانت عدالتهما سواء طرحت شهادة الشاهد الثاني. وقال علي بن بابويه في رسالته: (تقبل في هذه الحال شهادة الثاني وتطرح شهادة الأول) وهذا غير مستقيم ولا واضح، بل الخلاف والنظر في انه تقبل شهادة أعدلهما فكيف تقبل من الثاني وهو فرع الأول الأصل (5)؟! فإذا رجع عن شهادته فالأولى أن تبطل شهادة

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 70 ح 3353، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 299.
(2) المهذب: ج 2 ص 561.
(3) الوسيلة: ص 233 - 234.
(4) في المصدر: وأنكر الشهادة الشاهد.
(5) في المصدر: الاصلي.

[ 513 ]

الفرع، ولأن الفرع يشهد على شئ لا يحققه - أعني: نفس الحق المشهود به - فكيف ينتزع الحاكم المال بهذه الشهادة وهو ما شهد عنده على نفس الحق المشهود به من علمه ولا قطع عليه يقينا - أعني: الشاهد الذي هو الفرع -؟! ولا خلاف أن الفرع يثبت بشهادة الأصل (1). والوجه أن نقول: إن كان تكذيب الأصل بعد حكم الحاكم نفذ الحكم ولم يلتفت الى التكذيب ولا غرم هنا، وان كان قبل الحكم بطلت شهادة الفرع. احتج الشيخ بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل شهد على شهادة رجل فجاء الرجل فقال: لم أشهده، قال: فقال: تجوز شهادة أعدلهما، ولو كان أعدلهما واحدا لم تجز شهادته (2). والجواب: الحمل على ما إذا أنكر بعد الحكم فانه لا بعد (3) في الحكم حينئذ بشهادة أعدلهما أعتبارا بقوة الظن، أما قبل الحكم فان شهادة الفرع تبطل قطعا. وفي نقل ابن ادريس عن ابن بابويه نظر، نعم قد نقل الشيخ في الخلاف (4) هذا القول عن بعض أصحابنا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الظاهر من المذهب انه لا تقبل شهادة الفرع مع تمكن حضور شاهد الأصل، وانما يجوز ذلك مع تعذره إما بالموت أو المرض المانع من الحضور أو الغيبة، وبه قال الفقهاء، وفي أصحابنا من قال:

(1) السرائر: ج 2 ص 127.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 256 ح 670، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 300.
(3) في الطبعة الحجرية: يقدح.
(4) الخلاف: ج 6 ص 314 المسألة 65.

[ 514 ]

يجوز أن يحكم بذلك مع الامكان. ثم قال دليلنا على الأول: انه اجماع، والدليل على جوازه أن الأصل جواز قبول الشهادة على الشهادة وتخصيصها بوقت دون وقت أو على وجه دون وجه يحتاج الى دليل. وأيضا روى أصحابنا أنه إذا اجتمع شاهد الأصل و شاهد الفرع واختلفا فانه تقبل شهادة أعدلهما، حتى ان في أصحابنا من قال تقبل شهادة الفرع وتسقط شهادة الأصل، لأنه يصير الأصل مدعى عليه والفرع بينة المدعي الشهادة على الأصل (1). وقال في المبسوط: لا يقضى بشهادة الفرع حتى يتعذر على الأصل اقامتها. فأما إن كان شاهد الأصل موجودا قادرا على شهادة نفسه فالحاكم لا يقضى بشاهد الفرع، لأنه إذا كان الأصل حاضرا بحث عن حاله وحده، فلو سمع الفرع افتقر الى البحث عن حاله وحال الأصل، فلا معنى للبحث عن حال اثنين مع الاقتصار على واحد (2). وقال ابن الجنيد: ولا بأس باقامتها وان كان المشهود على شهادة حاضرا في البلد أو غائبا إذا كان له علة تمنعه من الحضور للقيام بها. وهو يشعر باشتراط عذر الأصل. وكذا قال الشيخ في النهاية (3)، وابن البراج (4). وقال ابن حمزة: ولا تسمع الشهادة من الفرع مع حضور الأصل، فإذا غاب الأصل أو كان في حكم الغائب جاز، وهو إذا كان مريضا أو ممنوعا أو تعذر عليه الحضور (5). وقد روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في الشهادة على شهادة الرجل وهو بالحضرة في البلد؟

(1) الخلاف: ج 6 ص 314 المسألة 65، وفيه: (للشهادة على الأصل).
(2) المبسوط: ج 8 ص 232.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 57.
(4) المهذب: ج 2 ص 561.
(5) الوسيلة: ص 233.

[ 515 ]

قال: نعم ولو كان خلف سارية، ويجوز ذلك إذا كان لا يمكنه أن يقيمها لعلة تمنعه من أن يحضر ويقيمها فلا بأس باقامة الشهادة على شهادته (1). ورواه الشيخ في التهذيب (2). وقال ابن ادريس: الصحيح من أقوال أصحابنا المحصلين: إن شهادة الفرع ما يجوز إلا بعد تعذر حضور شاهد الأصل (3). والوجه المشهور. لنا: الحديث الذي رواه الصدوق فانه يدل بمفهومه على المنع من القبول مع امكان حضور الأصل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا تقبل شهادة النساء على الشهادة إلا في الديون والأملاك والعقود، فأما الحدود فلا يجوز أن تقبل فيها شهادة على شهادة، وقال: قوم: لا تقبل شهادة النساء على الشهادة بحال في جميع الأشياء، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كان الحق مما يثبت بشهادة النساء أو لهن مدخل فيه قبلت شهادتهن على الشهادة، وان كان [ مما ] لا مدخل لهن فيه لم تقبل. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم (4). وقال في المبسوط: قال قوم: لا مدخل للنساء في الشهادة على الشهادة، سواء كان الحق مما يشهد في النساء - كالأموال ونحوها - أو يثبت بالنساء على الانفراد - كالولادة - أو لا (5) مدخل للنساء فيها - كالنكاح والخلع - وقال

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 71 ح 3357، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 297.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 256 ح 672.
(3) السرائر: ج 2 ص 128.
(4) الخلاف: ج 6 س ص 316 المسألة 66 (5) في المصدر: كالولادة والاستهلال أو لا.

[ 516 ]

آخرون: إن كان الحق مما لشهادة النساء فيه مدخل - كالأموال و نحوها - كان للنساء مدخل في شهادة على الشهادة، وان لم يكن للنساء فيه مدخل - وهو القصاص وحد القذف - لم يكن لهن فيه مدخل. والأول عندنا أحوط، والثاني قوي (1) (2). وقال ابن الجنيد: وإذا شهد شاهدان على شهادة رجل قاما مقامه في الشهادة، وكذلك في شهادتهما على شهادة المرأة، وكذلك لو شهد رجل وامرأتان على شهادتهما أو أربع نسوة فمن في مقامها لا يجزئ غير ذلك. وقال ابن ادريس: لا مدخل للنساء في الشهادة على الشهادة سواء كان الحق مما يشهد فيه النساء أو لا يشهدن فيه (3). والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف. لنا: عموم قول علي - عليه السلام -: (شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح ولا في حدود، إلا في الديون وما لا يستطيع الرجال النظر إليه) (4) فان ذلك شامل للشهادة بالأصالة والفرعية، ولأنا قد بينا ان شهادة امرأتين تساوي شهادة الرجل، فإذا شهد رجلان على رجل جاز أن يشهد أربع نساء على ذلك الرجل قضية للتساوي. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا يجوز أن يقيم إلا على ما يعلم ولا يعول على ما يجد خطه به مكتوبا، فان وجد خطه مكتوبا ولم يذكر الشهادة لم يجز له

(1) في المصدر: أقوى.
(2) المبسوط: ج 8 ص 233 - 234.
(3) السرائر: ج 2 ص 128 - 129.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 281 ح 773، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الشهادات ح 42 ج 18 ص 267.

[ 517 ]

اقامتها، فان لم يذكر وشهد معه آخر ثقة جاز له حينئذ اقامة الشهادة (1). وقال شيخنا المفيد: إذا نسى الشاهد الشهادة أو شك فيها لم يجز له اقامتها، وان احضر كتاب فيه خط يعتقد انه خطه ولم يذكر الشهادة لم يشهد بذلك، إلا أن يكون معه رجل عدل يقيم الشهادة فلا بأس أن يشهد معه (2). وقال ابن الجنيد: ولا أختار لأحد أن يشهد بشهادة في حق لله تعالى ولا لخلقه إلا بعد التيقن وارتفاع الشكوك عنه في ذلك، ومما يتحرز به الشاهد على الآدميين أن يكون لشهادته عنده ثبت يرجع إليه، فان لم يفعل ذلك وتشكك في خطه إذا أحضره صاحب الحق لم يقم الشهادة، وان عرف خطه ونسى الشهادة وكان معه عدل يثق به فذكره وعرفه انه يشهد معه على الحق كان له أن يشهد. وقال علي بن بابويه: وإذا أتى الرجل بكتاب فيه خطه وعلامته ولم يذكر الشهادة فلا يشهد فان الخط يتشابه، إلا أن يكون صاحبه ثقة ومعه شاهد آخر ثقة فليشهد له حينئذ. وروى الصدوق ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه، عن عمر بن يزيد، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل يشهدني على الشهادة فأعرف خطي وخاتمي ولا أذكر من الباقي قليلا ولا كثيرا، فقال: إذا كان صاحبك ثقة ومعك رجل ثقة فاشهد له (3). وروي انه لا تكون الشهادة إلا بعلم، من شاء كتب كتابا ونقش

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 58.
(2) المقنعة: ص 728.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 72 ح 3361، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الشهادات ح 1 ج 18 ص 234.

[ 518 ]

خاتما (1). وقال ابن البراج: إذا أراد اقامة شهادة لم يجز له اقامتها إلا على ما يعلم، ولا يعتمد على خطه وان لم يكن ذاكرا للشهادة، فان لم يذكرها وشهد معه آخر جاز أن يقيمها والأحوط الأول (2). وقال سلار: وإن نسي الشهادة أو شك فيها فلا يقيمها، وإذا أحضروا له كتابا فيه خطه فلا يشهد إلا مع الذكر، اللهم إلا أن يقيم معه عدل آخر الشهادة فيجوز له حينئذ أن يشهد معه (3). وهذه الأقوال كلها متفقة في جواز اقامة الشهادة إذا عرف انه خطه وشهد معه آخر ثقة. وقال أبو الصلاح: ولا يجوز له أن يتحمل، ولا يقيم شهادة لا (4) يعلم مقتضاها من أحد طرق العلم، وإن رأي خطه (5). وهذا الاطلاق يقتضي المنع. وقال ابن ادريس: لا يجوز له اقامة الشهادة، وقول شيخنا في النهاية غير واضح ولا مستقيم، لقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقول الرسول - صلى الله عليه وآله - لما سئل عن الشهادة: (هل ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع) (6). وقال الشيخ في الاستبصار: باب انه لا يجوز اقامة الشهادة إلا مع الذكر (7).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 73 ذيل الحديث 3361.
(2) المهذب: ج 2 ص 561.
(3) المراسم: ص 234.
(4) في الطبعة الحجرية: ألا.
(5) الكافي في الفقه: ص 436.
(6) السرائر: ج 2 ص 131.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 21.

[ 519 ]

ثم صدر الباب بما رواه ادريس بن الحسن، عن علي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تشهدوا بشهادة حتى تعرفوها كما تعرف كفك (1). وروى السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال: لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فانه من شاء كتب كتابا ونقش خاتما (2). وعن الحسين بن سعيد قال: كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا انهم اشهدوني على ما فيه وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته ولست اذكر الشهادة وقد دعوني إليها فأشهد لهم على معرفتي ان اسمي في الكتاب ولست أذكر الشهادة أو لا يجب لهم الشهادة حتى أذكرها كان اسمي في الكتاب بخطي أو لم يكن؟ فكتب - عليه السلام - لا تشهد (3). مع انه - رحمه الله - انما يصدر الباب في الكتاب من الأخبار المختلفة بما يعتقده مذهبا، ثم قال: فأما ما رواه أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن حماد بن عثمان، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يشهدني على الشهادة فأعرف خطي وخاتمي ولا أذكر قليلا (4) ولا كثيرا، قال: فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له. فهذا الخبر ضعيف مخالف للاصول كلها، لأنا قد بينا ان الشهادة لا تجوز اقامتها إلا مع العلم، وقد قدمنا أيضا الأخبار التي تقدمت من انه لا تجوز اقامة الشهادة مع وجود الخط والختم إذا لم يذكرها. والوجه في هذه الرواية انه إذا كان الشاهد الآخر يشهد وهو ثقة مأمون جاز له أن يشهد إذا غلب على ظنه.

(1) الاستبصار: ج 3 ص 21 ح 65، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الشهادات ح 3 ج 18 ص 235.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 22 ح 66، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الشهادات ح 4 ج 18 ص 235.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 22 ح 67، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الشهادات ح 2 ج 18 ص 235.
(4) في المصدر: ولا أذكر من الباقي قليلا.

[ 520 ]

خطه، لانضمام شهادته إليه، وان كان الأحوط ما تضمنته الأخبار الأولة (1). والمعتمد ما قاله الشيخ في الاستبصار، ويحمل قول علمائنا المشهور بينهم وهذه الرواية على ما إذا حصل من القرائن الحالية أو المقالية للشاهد ما استفاد به العلم، فحينئذ يشهد مستندا الى العلم الحاصل له، لا باعتبار الوقوف على خطه ومعرفته به. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن علم شيئا من الأشياء ولم يكن قد اشهد عليه ثم دعي الى أن يشهد كان بالخيار في اقامتها، وفي الامتناع منها، اللهم إلا أن يعلم انه إن لم يقمها (2) بطل حق مؤمن فحينئذ يجب عليه اقامة الشهادة (3). وقال ابن الجنيد: وإذا حضر الانسان حساب اثنين فأقر أحدهما لآخر بشئ ثم جحده اياه فاحتيج الى شهادة الحاضر كان ذلك الى الشاهد، إن شاء حكى ما حضر من غير أن يثبت الشهادة، وان شاء تأخر، لأن صاحب الحق لم يستدعه (4) للشهادة وقال أبو الصلاح: يلزم من دعي من أهل الشهادة الى تحملها أو اقامة ما تحمله منها الاجابة الى ذلك إذا كان تحمله عن إشهاد، ولا يجوز له أن يشهد حتى يستشهد، وهو مخير فيما يسمعه ويشاهده بين تحمله واقامته وتركهما (5). وهذا يوافق كلام شيخنا - رحمه الله -. وابن البراج (6) وافق كلام الشيخ في النهاية، وهو الظاهر من كلام ابن

(1) الاستبصار: ج 3 ص 22 ذيل الحديث 68.
(2) في الطبعة الحجرية وم 3: يقيمها.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 58. (4) في الطبعة الحجرية: يستر عنه.
(5) الكافي في الفقه: ص 436.
(6) المهذب: ج 2 ص 561.

[ 521 ]

حمزة (1) وقال ابن ادريس: يجب عليه الأداء، لقوله تعالى: (ومن يكتمها فانه آثم قلبه) ولا يكون بالخيار في اقامتها (2). والتحقيق: انه لا نزاع في المعنى هنا، لأن الشيخ قصد بالجواز، والخيار من حيث انه فرض كفاية يجوز له تركه إذا قام غيره مقامه، ولهذا إذا لم يقم غيره مقامه وخاف لحوق ضرر بابطال الحق وجب عليه اقامة الشهادة، فان قصد ابن ادريس الوجوب هنا عينا فهو ممنوع. نعم في الحقيقة لا يبقى فرق بين أن يشهد من غير استدعاء وبين أن يشهد معه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد لصاحب الدين شاهد واحد قبلت شهادته وحلف مع ذلك وقضي له به وذلك في الدين خاصة، ولا يجوز قبول شهادة واحد والحكم بها في الهلال والطلاق والحدود والقصاص وغير ذلك من الأحكام (3). وظاهر هذا الكلام يقتضى تخصيص القبول بالدين خاصة. وقال الشيخ في الخلاف: يحكم بالشاهد واليمين في الأموال، فلو ادعى جارية وولدها بأنها ام ولده وولدها منه استولدها منه في ملكه وأقام شاهدا واحدا وحلف حكم له بالجارية وسلمت إليه، وكانت ام ولده باعترافه، ولا يحكم له بالولد أصلا، ويبقى في يد من هو في يده. ولو ادعى أن العبد الذي في يد زيد غصبه منه وأنه كان قد أعتقه لم يحكم له بالشاهد واليمين (4). وقال في المبسوط: يجوز القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدعي في ما كان مالا كالقرض والغصب والدين وقضائه وأداء مال الكتابة، أو المقصود منه

(1) الوسيلة: ص 232.
(2) السرائر: ج 2 ص 132.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 63.
(4) الخلاف: ج 6 ص 254 المسألة 7 وص 283، 284 المسألة 29، 30.

[ 522 ]

المال كعقود المعاوضات كالبيع والصرف والسلم والصلح والاجارة والقراض والمساقاة والهبة والوصية له، والجناية التي توجب المال كالخطأ وعمد الخطأ، وعمد يوجب المال كقتل ولده أو عبد غيره أو اجافة أو قطع يده من وسط الساعد. وما لا يكون مالا ولا المقصود منه المال لا يثبت بالشاهد واليمين كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والقصاص والقتل الموجب للقود والنسب والعتق والولاء والتدبير والوكالة والتوكيل والوصية إليه والوديعة عنده، كل هذا لا يثبت بالشاهد واليمين، وكذا الرضاع والولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب (1). وقال سلار: تقبل شهادة رجل واحد في هلال رمضان وفي الديون مع يمين المدعي (2). وقال المفيد: يجب الحكم بشهادة الواحد مع يمين المدعي في الأموال، بذلك قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - (3). وقال ابن الجنيد: وقد روي ان النبي - صلى الله عليه وآله - قضى بشاهد واحد ويمين المدعي، وألزم الحق المدعى عليه، وذلك في الأموال وما جرى مجراها دون الحدود. وقال أبو الصلاح: تقوم شهادة الواحد ويمين المدعي في الديون خاصة مقام الشهادة الكاملة (4). وقال ابن ادريس: يقبل الشاهد الواحد مع يمين المدعي في كل ما كان مالا أو المقصود منه المال، وقد رجع الشيخ عن قوله في النهاية في استبصاره ومسائل خلافه ومبسوطه، وهو الصحيح الحق اليقين، لأنه مذهب جميع

(1) المبسوط: ج 8 ص 189، مع اختلاف.
(2) المراسم: ص 233.
(3) المقنعة: ص 727.
(4) الكافي في الفقه: ص 438.

[ 523 ]

أصحابنا (1). واعلم أنه لا منافاة بين كلام شيخنا في النهاية وغيرها، لأن مقصوده من الدين المال، وإذا قبل في المال قبل في ما كان المقصود منه المال، وكان ذريعة الى تحصيله. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يثبت الوقف بشهادة واحد مع يمين المدعي، لأن الوقف ليس بمال للموقوف عليه، بل الانتفاع به فقط دون رقبته (2). وقال في المبسوط: فأما الوقف قال قوم: يثبت بالشاهد واليمين، وقال آخرون: لا يثبت، بناء على من ينتقل الوقف إليه، فمن قال: ينتقل الى الله تعالى قال: لا يثبت إلا بشاهدين كالعتق، ومن قال: ينتقل الى الموقوف عليه قال: هذا يثبت بشاهدين وشاهد وامرأتين وشاهد ويمين المدعي، وهو الذي يقتضيه مذهبنا (3). وقد رجح هنا القبول. وقال ابن البراج: الوقف يصح بشاهد ويمين، لأنه عندنا ينتقل الى الموقوف (4). وبه قال ابن ادريس (5). وهو المعتمد. لنا: انه مال لا بد له من مالك واختصاص الموقوف عليه بالانتفاع به دون غيره دليل على انه المالك، وكذا جميع أحكام الملك، والامتناع من نقله لا يخرجه عن الملكية كام الولد. ولأنه قد يجوز بيعه في بعض الأحوال عند علمائنا، وانما يجوز لو كان ملكا له.

(1) السرائر: ج 2 ص 140.
(2) الخلاف: ج 6 ص 280 المسألة 25.
(3) المبسوط: ج 8 ص 189 - 190.
(4) المهذب: ج 2 ص 562.
(5) السرائر: ج 2 ص 142.

[ 524 ]

ولأنه يضمن باليد والقيمة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا لم يوجد في الدم عدلان يشهدان بالقتل فأحضر ولي المقتول خمسين رجلا من قومه يقسمون بالله تعالى على انه قتل صاحبهم، فإذا حلفوا قضي لهم بالدية، فان حضر دون الخمسين حلف ولي الدم بالله من الأيمان ما يتم بها الخمسين وكان له الدية، فان لم يكن له أحد يشهد له حلف هو خمسين يمينا ووجبت له الدية (1). وهو قول المفيد (2) - رحمه الله -. وقال ابن ادريس: الصحيح ان له القود، وقد رجع شيخنا عن هذا القول الى ما اخترناه في الجزء الثاني من كتاب النهاية، وقال بما قلناه، وكذلك في مسائل خلافه ومبسوطه (3). وأقول: لا منافاة بين كلامي الشيخ، لأنه قصد هنا اثبات ما توجبه الدعوى، وهو اما الدية إن كان القتل خطأ أو عمد الخطأ أو القصاص في العمد، ولما كان الأصل عدم العمدية اقتصر على ذكر الدية، لا على معنى انه الواجب في الجميع لا غير. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ذا شهد أربعة رجال بالزنا (4) وكان محصنا فرجم ثم رجع أحدهم فقال: تعمدت ذلك قتل وأدى الى ورثته الثلاثة ثلاثة (5) أرباع الدية، وان قال: أو همت الزم ربع الدية، وان رجع اثنان وقالا: تعمدنا وأراد أولياء المقتول بالرجم قتلهما قتلوهما وأدوا الى ورثتهما دية كاملة يتقاسمان بينهما على السواء ويؤدي الشاهدان الآخران على ورثتهما نصف الدية

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 63.
(2) المقنعة: ص 728.
(3) السرائر: ج 2 ص 144. (4) في المصدر: رجال على رجل بالزنا.
(5) في المصدر: الثلاثة الباقون الثلاثة.

[ 525 ]

يتقاسمان بينهما بالسوية، وان اختار أولياء المقتول قتل واحد منهما قتلوه وأدى الآخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع ديته، ولو رجع شاهدا السرقة وقالا: تعمدنا قطع يد واحد منهما بيد المقطوع وأدى الآخر نصف ديته على المقطوع الثاني (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن الجنيد: وان قالوا: تعمدنا في الرجم وكان قائل ذلك واحدا قتل به إن شاء ولى المقتول وغرم الثلاثة لأوليائه ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن ادريس: إقرار الراجع جائز على نفسه، ولا يتعداه الى غيره ولا ينقض الحكم، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا اجماع، وانما ذلك ورد من طريق أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا (3). وهو المعتمد. لنا: ان إقرار العقلاء انما ينفذ على أنفسهم خاصة، فقوله: قد تعمدت الكذب لا يستلزم تعمد غيره، ولو قال: تعمدت أنا وباقي الشهود لم يلتفت إليه في حق باقي الشهود، والحكم لا ينقض بعد نفوذه خصوصا وقد تلف المشهود به. ويحمل قول الشيخ وابن الجنيد على أنهم رجعوا بأجمعهم، لكن قال بعضهم: تعمدت وقال الباقون: أخطأنا فهنا الغرم على الشهود دون أولياء الدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إن شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدت وتزوجت ودخل بها ثم رجعا وجب عليهما الحد وضمنا المهر للزوج الثاني، وترجع المرأة الى الأول بعد الاستبراء بعدة من الثاني (4).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 64 و 65.
(2) المهذب: ج 2 ص 563 و 564.
(3) السرائر: ج 2 ص 144.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 65.

[ 526 ]

وقال في الخلاف: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول فرق (1) الحاكم بينهما ثم رجعا غرما نصف المهر، وان رجعا عن طلاق امرأة بعد الدخول بها وحكم الحاكم بذلك ثم رجعا عن الشهادة لم يلزمهما مهر مثلها ولا شئ منه، لأن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليهما (2) شيئا فعليه الدلالة. وأيضا ليس خروج البضع عن ملك الزوج له قيمة، بدلالة انه لو طلق زوجته في مرضه لم يلزم مهر مثلها من الثلث كما لو أعتق عبدا (3) أو وهبه، فلما بطل ذلك ثبت انه لا قيمة له، وكان يجب أيضا أن (4) لو كان عليه دين يحيط بالتركة وطلق زوجته في مرضه ألا ينفذ الطلاق - كما لا ينفذ العتق والعطاء - فلما نفذ طلاقه (5) ثبت انه لا قيمة لخروجه عن ملكه، فإذا ثبت انه لا دية (6) له لم يلزمه ضمان كما لو أتلفا عليه ما لا قيمة له (7). وقال في المبسوط: إن شهدا بالطلاق ثم رجعا قبل الدخول قال قوم: ضمنا نصف مهر المثل، وقال قوم: نصف المسمى، وهو الأقوى عندنا. ومنهم من قال: إن كان مقبوضا لزمهما كمال المهر، لأنه لا يسترد منه شيئا، لأنه معترف لها به لبقاء الزوجية بينهما، فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، وان لم يكن مقبوضا رجع بالنصف، لأنه لا يزمه إلا اقباض نصفه، فلهذا رجع بالنصف، وهذا قوي. وان رجعا بعد الدخول فعليهما مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون: لا ضمان عليهما، وهو الأقوى عندي، لأن الأصل براءة ذمتهما (8). وقال أبو الصلاح: إذا قامت البينة بطلاق وتزوجت المرأة ورجع الشاهدان

(1) في المصدر: قبل الدخول بها فرق.
(2) في المصدر: عليهما.
(3) في المصدر: عبده.
(4) ليس في المصدر (ان).
(5) في المصدر: طلاقها.
(6) في المصدر: قيمة.
(7) الخلاف: ج 6 ص 322 و 323 المسألة 77 و 78.
(8) المبسوط: ج 8 ص 247 - 248.

[ 527 ]

أو أحدهما اغرما أو أحدهما المهر للزوج الثاني أن كان دخل بها وردت الى الأول، ولا يقر بها حتى تعتد من الثاني، وان لم يقر بها فرق بينهما ولا شئ لها وهي زوجة الأول ولا عدة عليها (1). واختار ابن ادريس قول الشيخ في المبسوط، ونسب ما قاله الشيخ في النهاية الى أخبار الآحاد (2) والوجه ان المرأة لا ترد الى الأول ولا ينقض الحكم بالطلاق، وأما غرامة المهر فليس قول الشيخ فيه بعيدا من الصواب، لأنهما فوتا عليه البضع وقيمة المهر لكن الغرم للأول، وقوله في الخلاف قوي أيضا، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين، ولا بأس بحمل قول الشيخ في النهاية بالرد الى الأول بعد العدة على انها تزوجت بمجرد الشهادة من غير حكم حاكم بذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهدا على رجل بدين ثم رجعا الزما بمقدار ما شهدا به، وان رجع أحدهما الزم بمقدار نصيبه (3) من الشهادة - وهو النصف - ومتى شهدا على رجل ثم (4) رجعا قبل ان يحكم الحاكم طرحت شهادتهما ولم يلزما شيئا بل يتوقف الحاكم عن انفاذ الحكم، وان كان رجوعهما بعد حكم الحاكم غرما ما شهدا به إذا لم يكن الشئ قائما بعينه، فانه كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه ولم يلزما شيئا (5). وقال في المبسوط: إن رجعا قبل الحكم لم يحكم بلا خلاف، إلا أبا ثور فانه قال: يحكم به، وان رجعوا بعد الحكم وقبل القبض فان كان [ الحق ] حدا لله كالزنا والسرقة لم يحكم، لأن الرجوع شبهة، وان كان حقا لآدمي سقط بالشبهة كالقصاص وحد القذف، وان رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء لم ينقض

(1) الكافي في الفقه: ص 441.
(2) السرائر: ج 2 ص 146 - 147.
(3) في المصدر: بمقدار ما يصيبه.
(4) في المصدر: على رجل بدين ثم.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 65 - 66.

[ 528 ]

حكمه بلا خلاف، إلا سعيد بن المسيب والاوزاعي فانهما قالا: ينقض [ والأول أصح ]، فإذا ثبت انه لا ينقض فان المستوفي قد قبض الحق فلا اعتراض عليه، وما الذي يجب على الشهود؟ لا يخلو: إما أن يكون إتلافا مشاهدة كالقتل والقطع، أو حكما كالطلاق والعتق، أو لا مشاهدة ولا حكما كنقل المال من رجل الى آخر، وإن شئت قلت: لا يخلو: إما أن يكون إتلافا أو في حكم الاتلاف أو خارجا عنهما، ثم ذكر الاتلاف، ثم قال: وان شهدوا بما هو في حكم الاتلاف - وهو العتق والطلاق - فان رجعوا بعد حكم الحاكم بالعتق غرما قيمة العبد لسيده، لأنهما أتلفا ماله بغير حق. وان شهدا بالطلاق ثم رجعا بعد الدخول فعليهما مهر مثلها عند قوم، وقال آخرون: لا ضمان عليهما، وهو الأقوى عندي، لأصالة البراءة. وان رجعا قبله لم ينقض وعليهما الضمان عند قوم، وكم يضمنان؟ قال قوم: كمال المهر مهر المثل، وقال آخرون: نصف المهر، وهو الأقوى. ومنهم من قال: نصف مهر المثل ومنهم من قال: نصف المسمى، وهو الأقوى عندنا. ومنهم من قال: إن كان مقبوضا لزمهما كمال المهر، وان لم يكن مقبوضا لزمهما النصف، لأنه مع القبض غرمه كله لا يسترد شيئا، لاعترافه لها به لبقاء الزوجية بينهما، فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، وليس كذلك إذا كان قبل القبض، لأنه لا يلزمه إلا اقباض نصفه، فلهذا رجع بالنصف عليهما، وهو قوي. وان لم يكن اتلافا مشاهدة ولا حكما وهو إن شهدا بدين وحكم بذلك عليه ثم رجعا قال قوم: لا ضمان عليهما، وقال آخرون: عليهما الضمان، والأقوى عندي ان عليهما الضمان للمشهود عليه (1). وقال في الخلاف: إذا رجعا قبل الحكم لم يحكم، وان (2) رجعا بعد الحكم

(1) المبسوط: ج 8 ص 246 و 247 - 248، مع اختلاف.
(2) في المصدر: لم يحكم بها وان.

[ 529 ]

والاستيفاء لم ينقض، فإذا (1) شهدا بدين أو عتق (2) وحكم بذلك ثم (3) رجعا ضمنا (4) (5). وقال أبو الصلاح: إذا انكشف ان الشهاهد شهد بالزور باقراره أو بينة أو علم عزر وشهر في المصر، فان كان الحاكم حكم بها أبطل حكمه ورجع على المحكوم له بما أخذه، فان لم يقدر على ذلك رجع به على الشاهد بالزور، فان كان قتلا أو جراحا أو حدا قتل (6) بالقتل واقتص (7) بالجراح والحد (8). وقال ابن البراج: إذا رجعا عن ذلك بعد أن حكم الحاكم بشهادتهما وكان ما شهدا به قائم العين وجب رده على صاحبه ولم يكن عليهما شئ، وإن لم يكن قائم العين كان عليهما غرم ذلك (9). وقال ابن الجنيد: وإذا علم الحاكم ببطلان الشهادة فان كان الشئ الذي حكم به قائما رده الى صاحبه، وحاله قبل ما كان حكم به كحاله قبل الشهادة التي علم بطلانها (10)، وان لم يكن قائما ضمن الشاهد بقدر ما أتلفه من مال الشهود عليه. وهذا الكلام حق، لأن العلم ببطلان الشهادة غير الرجوع، لجوز أن يكون الرجوع باطلا. وقال ابن حمزة: إن رجعوا قبل الحكم بطلت شهادتهم، وان رجعوا بعده قبل استيفاء الحق نقض الحاكم حكمه، وان رجعوا بعد الاستيفاء وكان الحق مالا وقد بقي، رد على صاحبه، وان تلف غرمه الشهود (11).

(1) في المصدر: لم ينقص حكمه فإذا.
(2) في المصدر: بعتق.
(3) في المصدر: بذلك عليه ثم.
(4) في المصدر: كان عليهما الضمان.
(5) الخلاف: ج 6 ص 320 و 321 المسألة 74 و 75 و 79.
(6) في المصدر: قيد.
(7) في المصدر: واقتص منه. (8) الكافي في الفقه: ص 440.
(9) المهذب: ج 2 ص 564.
(10) ق 2: ببطلانها.
(11) الوسيلة: ص 234.

[ 530 ]

وقال ابن ادريس: إذا رجعا بعد الحكم غرما ما شهدا به، سواء كان الشئ قائما بعينه أولا (1). وهو اختيار الشيخ في المبسوط (2)، وهو المعتمد. ولا فرق إذا رجعا بعد الحكم بين أن يرجعا قبل الاستيفاء أو بعده. لنا: ان الحكم قد نفذ بالاجتهاد، وهو تغليب صدقهم في الشهادة، فلا ينقض بالاحتمال، وهو جواز كذبهم في الرجوع. ولأن شهادتهم اثبات حق يجري مجرى الاقرار، وفي رجوعهم نفي ذلك الحق الجاري مجرى الانكار، ولما لم يبطل الحكم بالاقرار بحدوث الانكار لم يبطل الحكم بالشهادة، لحدوث الرجوع. ولأن رجوعهما ليس شهادة (3) منهما، ولهذا لا يفتقر الى لفظ الشهادة، فلا يسقط حقه بما ليس بشهادة ولا اقرار منه. ولأن اثبتت الحق، فلا يزول بالطارئ كالفسق والموت احتجوا بأن الحق ثبت بشهادتهما، فإذا رجعا سقط، كما لو كان قصاصا. والجواب: الفرق ظاهر، فان القصاص يسقط بالشبهة، بخلاف الحق المالي. مسألة: قال ابن الجنيد: لا يجوز شهادة بدوي على حضري، إلا في ما كان بالبادية ولم يحضره حضري، أو في القتل الذي لم يحضره أهل الحضر، وباقي علمائنا لم يمنعوا من شهادة البدوي على الحضري مع استجماع الشرائط وهو المعتمد، لعموم: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (4). مسألة: المشهور عند علمائنا أن شهادة المختبئ جائزة. وقال ابن الجنيد: وانما يجوز له الحكاية لما شهده من الاقرار إذا كان المقر

(1) السرائر: ج 2 ص 147.
(2) المبسوط: ج 8 ص 247. (3) في الطبعة الحجرية: بشهادة.
(4) الطلاق: 2.

[ 531 ]

عالما بمكان الشاهد وقت اقراره، ولم يشترط عليه ألا يشهد به عليه، فان كان ممن شرط عليه ذلك أو كان ممن قد خدع فتستر عنه لم يكن له أن يشهد عليه. لنا: ان شرط العلم، فيندرج تحت عموم: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (1). مسألة: قال ابن الجنيد: شهادة الوصي جائزة لليتيم في حجره وان كان هو المخاصم عن الطفل ولم يكن بينه وبين المشهود عليه ما ترد شهادته عليه. وليس بجيد، لأنه يجر بشهادته نفعا هو الولاية على ذلك المال. قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): يثبت الاقرار بالزنا بشهادة اثنين. واحتج عليه بأن سائر الاقرارات تثبت بشهادة اثنين بلا خلاف، فمن اعتبر في هذا وحده أربعة شهود يحتاج الى دلالة، وتبعه ابن ادريس (4). والمعتمد انه لا يثبت إلا بشهادة أربعة عدول كالزنا. لنا: ان الغرض من التشديد صيانة نفس المكلف عن الاتلاف وعرض المسلم عن الأخذ، وهذا المعنى ثابت هنا، فيجب به التشديد رعاية لهذه المصلحة وتحصيلا لها، وثبوت باقي الاقرارات بالشاهدين لا يستلزم ثبوته هنا بهما، لافتراقهما في المعنى، وكما ان المقر به لا يثبت هنا بشاهدين ويثبت في غيره بهما كذا الاقرار يختلف باختلافهما. مسألة: جزم الشيخ في الخلاف ان التركة لا تنتقل الى الورثة إذا استوعبها الدين على الميت، وان يستوعبها انتقل الى الورثة فاضل الدين (5). وقواه في

(1) البقرة: 282.
(2) المبسوط: ج 8 ص 172.
(3) الخلاف: ج 6 ص 251 المسألة 3.
(4) السرائر: ج 2 ص 115 - 116.
(5) الخلاف: ج 6 ص 282 المسألة 28.

[ 532 ]

المبسوط (1). والوجه الانتقال. لنا: انه مال فلابد له من مالك، وليس للميت (2)، لخروجه عن أهلية التملك، ولا الغرماء لسقوط الملك عنهم بالابراء فتعين الورثة إذ لا رابع للأقسام. ولأنه لو لم تنتقل إلى الورثة لم يشارك ابن الابن عمه لو مات أبوه بعد جده وحصل الابراء حينئذ، والتالي باطل اجماعا فالمقدم مثله. بيان الشرطية: ان المال لو انتقل الآن لكان الابن أقرب من ابن الابن، والأقرب أولى بالميراث، ولما شاركه ولد الولد علمنا الانتقال من حين الموت. ولأن للوارث الخيار في جهة القضاء كالمالك. ولأن الحالف مع الشاهد هو الوارث دون الغريم، فلو لا الانتقال لساوى الغريم، بل كان الغريم أولى بالحلف لتعلق حقه به حينئذ، واشتراكهما في أنهما يحلفان لاثبات الملك للميت. احتج بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (3). والجواب: المراد تمامية الملك والاستقلال بالتصرف كالمرهون. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حكم بشهادة نفسين في قتل وقتل المشهود عليه ثم بان ان الشهود كانوا فساقا قبل الحكم بالقتل سقط القود وكان دية المقتول المشهود عليه من بيت المال، وقال أبو حنيفة: الدية على المزكين، وقال الشافعي: الدية تجب على الحاكم (4)، وأين تجب؟ على قولين: أحدهما: على عاقلته، والآخر: في بيت المال. ثم استدل باجماع الفرقة

(1) المبسوط: ج 8 ص 193.
(2) في الطبعة الحجرية وم 3: الميت.
(3) النساء: 11.
(4) في المصدر: الدية على الحاكم.

[ 533 ]

وأخبارهم، فانهم رووا ان ما أخطأت القضاة من الأحكام فعلى بيت المال (1). ونحوه قال في المبسوط (2). وقال أبو الصلاح: إذا أورد عليه ما لا يعلم وجه الحق فيه أوقفه الى أن يتضح له (3) ذلك، فان حكم بما يظنه أثم، فان انكشف خطأه عن (4) الصواب بطل ما حكم به، فان لم يتمكن من استدراكه فهو ضامن لما أخذ من مال ومطالب بما أنفذ بقضائه من قتل أو جراح أو حد أو تأديب، فان انكشف له ان المقر كان عبدا أو أمة أو مؤوفا (5) أو مكرها رجع في القضية ورد ما أخذ من المحكوم له إن تمكن منه والا من ماله على سيد العبد والأمة وولي المحجور عليه أو المكره، وإذا انكشف له كذب الشهود أو فسقهم أو شهادتهم بما لا يعلمون أو رجوعهم عن الشهادة أبطل الحكم ورجع بما أخذ بشهادتهم حسب ما تقدم بيانه (6). وقال ابن ادريس: إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين ثم بان له انه حكم بشهادة من لا يجوز الحكم بشهادته نقض الحكم بلا خلاف، فان كان حكم باتلاف كالقصاص والقتل والرجم فلا قود هنا، لأنه على خطأ الحاكم. وأما الدية فانها على الحاكم عند قوم، وعند آخرين على المزكين. وروى أصحابنا ان ما أخطأت الحكام فعلى بيت المال. فان حكم بالمال وكانت عينه باقية استردها، وان كانت تالفة فان كان المشهود له هو القابض وكان موسرا غرم

(1) الخلاف: ج 6 ص 289 المسألة 36.
(2) المبسوط: ج 8 ص 249 - 250.
(3) في المصدر: الى ان يصح له.
(4) في المصدر: بما يظنه حقا أثم، فان انكشف له انه حق فهو ماض، وان انكشف خطأه منه عن.
(5) ق 2: محجورا، م 3: محررا.
(6) الكافي في الفقه: ص 448، مع اختلاف.

[ 534 ]

ذلك، وان كان معسرا ضمن الامام حتى إذا أيسر رجع الامام عليه، والفرق بين هذا وبين الدية أن الحكم إذا كان بالمال حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد فلهذا كان الضمان عليه وليس كذلك القتل، لأنه ما حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، لأن ضمان الاتلاف ليس بضمان اليد فلهذا كان الضمان على الامام في بيت المال (1). والوجه أن نقول: إن فرط الحاكم في البحث عن الشهود ضمن في ماله، وإلا كان في (2) بيت المال، لانه مقتول بالشرع وقد ظهر الخلل فيكون في بيت المال، لأنه من المصالح، ولأنه لو لا ذلك لأدى الى ترك الحكم بشهادة تحرزا من ضرر الدرك. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا شهد عدلان عند الحاكم بحق ثم فسقا قبل أن يحكم بشهادتهما حكم بشهادتهما ولم يرده، واستدل بأن الاعتبار بالعدالة حين الشهادة لا حين الحكم، فإذا كان عدلين عند الشهادة وجب الحكم بشهادتهما. وأيضا فإذا شهدا وهما عدلان وجب الحكم بشهادتهما، فمن قال: إذا فسقا بطل هذا الوجوب فعليه الدلالة (3). وتبعه ابن ادريس (4). وقال في المبسوط: فإن فسقا قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بتلك الشهادة، وقال قوم: يحكم بشهادتهما وهو الأقوى عندي (5). وقال فيه - قبل ذلك - فان سمع الحاكم من الفرع في الموضع الذي يسوغ له أن يسمع ويحكم بشهادته ثم تغيرت حال الأصل كان الحكم فيه كما لو سمع من الأصل نفسه ثم تغيرت حاله، فإن فسق الأصل لم يحكم بشهادة الفرع، لأنه

(1) السرائر: ج 2 ص 149 - 150.
(2) في الطبعة الحجرية: من. (3) الخلاف: ج 6 ص 320 المسألة 73.
(4) السرائر: ج 2 ص 179.
(5) المبسوط: ج 8 ص 244.

[ 535 ]

لو سمع من الأصل ثم فسق لم يحكم بشهادته، لأن الفرع يثبت بشهادة الأصل، فإذا فسق الأصل لم يكن هناك ما يثبته (1). والأقرب عندي عدم الحكم. لنا: انهما فاسقان حال الحكم، فلا يجوز الحكم بشهادتهما كما لو رجعا، وكما لو كانا وارثين ومات المشهود له قبل الحكم. ولأن تطرق الفسق يضعف ظن العدالة السابقة الخفية، فكان الاحتياط ترك الشهادة. واستدلال الشيخ مصادرة، لأنه ادعى ان الاعتبار بالعدالة حين الشهادة لا حين الحكم، وهو عين المتنازع. وقوله: (إذا شهدا وهما عدلان وجب الحكم بشهادتهما) ليس على اطلاقه، فانه المتنازع. بل إذا استمرت العدالة الى وقت الحكم، أما إذا خرج عن هذا الوصف فانه المتنازع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى على سيده أنه أعتقه وأقام شاهدين لم يعرف الحاكم عدالتهما فطلب أن يفرق بينه وبين مولاه حتى يبحث عن العدالة قال قوم: يفرق بينهما، وقال قوم: لا يفرق. والأول أقوى، لأن العبد فعل ما يجب عليه من اقامة بينة كاملة، وانما بقي ما ليس عليه من البحث عن حال الشهود، ولأن الظاهر العدالة حتى يثبت الجرح، ولأن المدعي قد يكون أمة، فإذا لم يفرق بينهما لم يؤمن أن يواقعها، وان جاء بشاهد واحد وقال: أنا آتيك بآخر قال قوم: يفرق بينهما، وقال آخرون: لا يفرق، لأنه لم يأت بالبينة التامة. وكذا كل حق لا يثبت إلا بشاهدين كالنكاح والطلاق والقصاص إن أتى بشاهدين حبسنا له خصمه، وان أتى بشاهد واحد، فهل يحبس حتى يأتي بآخر؟ على القولين، وان كان يثبت بشاهد ويمين، منهم من قال: على قولين

(1) المبسوط: ج 8 ص 233.

[ 536 ]

كالقصاص والنكاح، ومنهم من قال: يحبس لا محالة، وهو الأقوى عندي، لأن الشاهد مع اليمين حجة في الأموال، لأنه يحلف ويستحق، وليس كذلك في العتق والقصاص، لأن الشاهد الواحد ليس حجة فلهذا لم نحبسه، فكل موضع حبسناه بشاهدين فلا يزال في الحبس حتى يتبين عدالتهما وجرحهما، وكل موضع حبس بشاهد واحد لم يحبس أبدا ويقال للمشهود له: إن جئت بعد ثلاثة وإلا أطلقناه (1). والوجه انه لا يحبس في شئ من هذه الفروض إلا بعد ثبوت الحق والتمكن من اقامة المزكي إذ الحلف لا يقتضي ثبوت الحق، بل الاقامة والحلف بالفعل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: من كان في يده شئ يتصرف فيه بلا دافع ولا منازع بسائر أنواع التصرف جاز أن يشهد له بالملك، طالت المدة أم قصرت. واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم، ولأنه لا خلاف انه يجوز أن يشتري منه، فإذا حصل في يده يدعي انه ملكه، فلو لا أن ظاهر تصرفه يدل على ملكه لم يجز له أن يدعي انه ملكه إذا انتقل إليه بالبيع (2). وتبعه ابن البراج (3)، وأبو الصلاح (4). وقال في المبسوط: فاما إن كان في يده دار يتصرف فيها مطلقا من غير منازع بالهدم والبناء والإجارة والإعارة وغير ذلك فيسوغ للشاهد أن يشهد له باليد بلا إشكال، وأما بالملك المطلق فلا تخلو المدة من أحد أمرين: إما أن تكون طويلة أو قصيرة، فان كانت طويلة مرت عليه السنون على صورة واحدة

(1) المبسوط: ج 8 ص 254، 255، مع اختلاف.
(2) الخلاف: ج 6 ص 264 المسألة 14.
(3) المهذب: ج 2 ص 561.
(4) الكافي في الفقه: ص 437.

[ 537 ]

من غير منازعة قال بعضهم: يشهد له بذلك، لأن عرف العادلة قد تقرر أن من تصرف مطلقا من غير منازع كان متصرفا في ملكه، وقال غيره: إن البينة تشهد له باليد والتصرف، فأما بالملك مطلقا فلا، لأن اليد تختلف فيكون يد مستعير ومستأجر ومالك ووكيل وأمين ووصي والتصرف واحد، فإذا اختلفت الأيدي وأحكامهما لم يجز أن يشهد له بالملك المطلق. ولأن اليد لو كانت ملكا لوجب إذا حضر عند الحاكم فقال المدعي: ادعي دارا في يد هذا ألا يسمع دعواه، لأنه قد اعترف بالملك له، فلما سمعت دعواه ثبت ان اليد لا تدل على ملك ولا يكون ملكا له، وان كانت [ المدة ] قصيرة كالشهر والشهرين ونحو ذلك فانه لا يشهد له بالملك، لأن الزمان قصير، وعلى هذه الصورة يتفق كثيرا فلا يدل على ملك، ويفارق الطويل، لأنه في العرف انه في ملك. فأما الشهادة باليد فلا شبهة في جوازها، وقال بعضهم: يشهد له بالملك، وقال: لأنه لما صح أن يشهد له على بيعه ما في يديه صح أن يشهد له بالمك، وروى أصحابنا أن يجوز له أن يشهد له بالملك كما يجوز أن يشتريه ثم يدعيه ملكا له (1). وهو يشعر بقوة الأول عنده. وقوله في المبسوط جيد، وادعاء الملك لوجود سببه، وهو الشراء ممن يظن انه مالك باعتبار اليد، ومثل هذا مما يتساهل فيه، بخلاف الشهادة التي لا تجوز إلا على القطع والبت، ولا يجوز التعويل فيها على الظن. وقد روى الصدوق عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال له رجل: أرأيت أن رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز أن أشهد انه له فقال: نعم، قلت: فلعله لغيره؟ فقال: ومن أين جاز

(1) المبسوط: ج 8 ص 181 - 182.

[ 538 ]

لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه الى من صار ملكه إليك قبله؟ ثم قال الصادق - عليه السلام لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق (1). ولا بأس بهذا القول عندي. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: تجوز الشهادة على الوقف والولاء والعتق والنكاح بالاستفاضة، كالملك المطلق والنسب (2). وقال ابن الجنيد: لا تصح الشهادة بالشائع من الامور، إلا أن تتصل الشهادة على الشهادة إلى إقرار أو رؤية، إلا في النسب وحده، وما لا يجب به على عين حاضرة حكم في اخراج ملك أو ايجاب حد. والشيخ - رحمه الله - استدل بأنه يجوز لنا الشهادة على ازواج النبي - صلى الله عليه وآله - ولم يثبت ذلك إلا بالاستفاضة، لأنا ما شهدناهم. وأما الوقف فمبني على التأبيد، فان لم تجز الشهادة بالاستفاضة ادى الى بطلان الوقف، لأن شهود الوقف لا يبقون أبدا، والشهادة الثالثة لا تسمع (3). وقول الشيخ لا يخلو من نظر فان النكاح في حق أزواج النبي - صلى الله عليه وآله - ثبت بالتواتر، فلهذا جاز لنا الشهادة عليه، وليس تخصيص النهي عن الشهادة بدون العلم بالوقت تحصيلا لمصلحة ثبوته أولى من تخصيص النهي عن سماع الشهادة الثالثة به لهذه المصلحة، مع أن هذا التخصيص أولى، إذ لا مانع عقلا منه، بخلاف الشهادة بمجرد الظن. مسألة: قال: الشيخ في المبسوط: تحمل الشهادة يصح بأسباب ثلاثة:

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 51 ح 3307، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ح 2 ج 18 ص 215.
(2) الخلاف: ج 6 ص 265 المسألة 15.
(3) الخلاف: ج 6 ص 266 المسألة 15، مع اختلاف.

[ 539 ]

الأول: الاسترعاء: وهو أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع: أشهد أن لفلان ابن فلان على فلان بن فلان ألف درهم، فاشهد على شهادتي، الثاني: أن يسمع شاهد الأصل يشهد بالحق عند الحاكم، فإذا سمعه يشهد به عند الحاكم صار متحملا لشهادته، الثالث: أن يشهد الأصل بالحق ويعزيه الى سبب وجوبه فيقول: اشهد ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم من ثمن ثوب أو عبد، فيصير متحملا للشهادة (1). وقال ابن الجنيد: ليس للشهود أذا أخبرهم المشهود على شهادته حال شهادته، دون أن يسترعيهم إياها، ويقول لهم بعد وصفه حال شهادته: فاشهودا على شهادتي على فلان لفلان بذلك. فان قصد - رحمه الله - بذلك حصر السبب في ذلك صارت المسألة خلافية، والا فلا. وقول الشيخ جيد، لكن في صورة الاسترعاء يقول: أشهدني على شهادته، وفي الصورتين الأخيرتين يقول: شهدت على شهادته قال أبو الصلاح: وإذا كان الشاهد عالما بتمليك (2) غيره دارا أو أرضا أو غير ذلك ثم رأى غيره متصرفا من غير منازعة من الأول ولا علم باذن ولا مقتضي (3) اباحة التصرف من اجارة أو غير ذلك لم يجز له أن يشهد بملكها لواحد منهما حتى يعلم ما يقتضي ذلك في المستقبل (4). وليس بجيد، لأن العلم السابق يستصحب حكمه الى أن يظهر المزيل، والتصرف مع السكوت لا يدل على الخروج عن الملكية، بخلاف ما لو شاهد غيره يتصرف في ملك بغير منازع ولم يعرف سبق ملك لأحد عليه، فان جماعة من

(1) المبسوط: ج 8 ص 231، مع اختلاف.
(2) في المصدر: بتملك.
(3) في المصدر: وما يقتضى.
(4) الكافي في الفقه: ص 438.

[ 540 ]

أصحابنا جوزوا له أن يشهد بالملك المطلق، أما مع سبق العلم بالملك للغير فلا. قال: وإذا غاب العبد أو الأمة عن مالكه لم يجز له أن يشهد بما كان يعلمه من تملكه لهما، إلا أن يعلم غيبته لإباق أو اذن المالك (1). وليس بجيد، الأول، نعم ان اعترضه شك في بقاء الملك لم يجز له أن يشهد بأنه الآن ملكه، بل أنه كان ملكه في الزمان الماضي وكان مقصوده ذلك، وحينئذ يصح ما قاله - رحمه الله -. إلى هنا انتهى الجزء الثامن - حسب تجزئتنا - ويتلوه الجزء التاسع إن شاء الله تعالى، وأوله: كتاب الفرائض

(1) الكافي في الفقه: ص 438.

[ 541 ]

فهرس الآيات (2) سورة البقرة 173 فمن اضطر غير باغ ولا عاد... 321 و 322 177 وفي الرقاب 104 180 إن ترك خيرا 101 194 فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى... 145 195 ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة 340 221 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن 416 267 ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون 7 و 208 و 230 و 242 275 وأحل الله البيع 112 280 وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة 453 282 واستشهدوا شهيدين من رجالكم 485 و 501 282 فرجل وامرأتان 463 282 ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا 509 و 510 و 531 283 ومن يكتمها فإنه آثم قلبه 509 و 521

[ 542 ]

(3) سورة آل عمران 89 إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا 480 و 481 159 وشاورهم في الأمر 413 (4) سورة النساء 11 من بعد وصية يوصي بها أو دين 532 59 يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا... 415 92 ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة... 211 و 230 و 231 و 242 و 243 114 لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر... 401 128 والصلح خير 401 135 يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين... 494 141 ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا 132 (5) سورة المائدة 1 أوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام 104 و 184 و 310 و 315 3 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... 268 و 325 4 وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم... 255 و 266 و 276 و 277 و 300 و 350 و 351 5 وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم... 298 و 299 و 416 38 السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما 387 898 من أوسط تطعمون أهليكم 236 و 239 95 يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة 202 و 203 96 احل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم 286 و 322 106 ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض 507 108 ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها... 381

[ 543 ]

(6) سورة الانعام 118 فكلوا مما ذكر اسم الله عليه 301 و 305 و 315 121 ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إن... 295 و 296 و 298 145 قل لا أجد فيما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه... 284 و 292 و 293 و 315 و 321 و 322 146 ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما... 165 (8) سورة الانفال 75 واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض 57 (9) سورة التوبة 6 حتى يسمع كلام الله 168 25 لقد نصركم الله في مواطن كثيرة 187 60 وفي الرقاب 104 71 والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض 42 (11) سورة هود 113 ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار 298 (14) سورة ابراهيم 25 تؤتي اكلها كل حين 179 37 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع... 173 (16) سورة النحل 14 وتستخرجوا منه حلية تلبسونها 169 75 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ 20 و 21 80 وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا 151 91 وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم 184

[ 544 ]

115 فمن اضطر غير باغ ولا عاد 321 و 322 (17) سورة الاسراء 36 ولا تقف ما ليس لك به علم 518 (22) سورة الحج 33 ثم محلها الى البيت العتيق 202 36 والبدن جعلناها لكم من شعائر الله... 102 و 353 77 وافعلوا الخير 241 (24) سورة النور 2 الزانية والزاني فاجلدوا 387 4 والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة 469 13 لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء... 469 29 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير... 173 33 فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من... 96 و 104 و 105 و 116 61 ليس عليكم جناج أن تأكلوا 336 (30) سورة الروم 28 ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت... 21 (31) سورة لقمان 15 وصاحبهما في الدنيا معروفا 494 (33) سورة الأحزاب 6 واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض 57 36 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله... 415 (35) سورة فاطر 12 ومن كل تأكلون لحما طريا 153 و 160

[ 545 ]

(42) سورة الشورى 38 وأمرهم شورى بينهم 413 (47) سورة محمد 30 ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم... 389 (49) سورة الحجرات 6 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا 504 و 505 (58) سورة المجادلة 4 فاطعام ستين مسكينا 237 و 238 (65) سورة الطلاق 2 وأشهدوا ذوي عدل منكم 414 و 464 و 485 و 491 و 494 و 500 و 501 و 530 (76) سورة الانسان 7 يوفون بالنذر 184 (99) سورة الزلزلة 7 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره 101 (100) سورة العاديات 8 وانه لحب الخير لشديد 101

[ 546 ]

فهرس الأحاديث أحاديث النبي صلى الله عليه وآله اتخذ زوجا من حمام 492 أد الأمامة الى من ائتمنك ولا تخن من... 146 إذا عمي المملوك أو جذم فلا رق عليه 25 أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه... 234 ألك بينة؟... 361 أما ما نقص عن عقولكن فشهادة امرأتين... 456 إن الولاء لمن أعتق 63 إن ولد الزنا لا يدخل الجنة 489 و 490 إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه 319 أنت ومالك من هبة الله لأبيك أنت... 38 إنه شر الثلاثة 487 و 489 البينة على من ادعى واليمين على من... 382 خير المجالس ما استقبل به القبلة 357

[ 547 ]

شهادة السائل الذي يسأل في كفه لا تقبل 486 العمرى هبة لمن وهبت له 162 في كفارة اليمين ثوب يواري عورته... 226 قد أوفيتك... 384 كل العتق يجوز له المولود إلا في كفارة القتل... 231 لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم... 504 لا خير في ولد الزنا لا في لحمه ولا في دمه و... 242 لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين... 421 لا ضرر ولا ضرار 407 و 431 و 432 ما ابين من حي فهو ميت 269 ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفوا بقلا... 322 ما هو والله من الطيبات 287 من حلف سرا فليستثن سرا ومن حلف... 172 من حلف فليصدق ومن حلف له فليرض و... 146 و 398 من حلف لكم فصدقوه ومن سألكم بالله... 397 من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل... 442 من ملك ذا رحم فهو حر 133 هل ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع 518 هو الطهور ماؤه الحل ميتته 262 الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب 59 و 61 و 64 و 65 وما أهلكك؟... 216 أحاديث الامام علي عليه السلام أتى النبي (ص) رجل فقال يا رسول الله... 38

[ 548 ]

إذا أصابه زمانة في جوارحه وبدنه ومن نكل... 25 إذا عجز المكاتب لم ترد مكاتبته في... 95 إن رسول الله (ص) باع خدمة المدبر ولم يبع... 69 إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صام يوما... 197 إن العبد إذا شهد ثم اعتق جازت شهادته... 502 باع رسول الله (ص) خدمة المدبر ولم يبع رقبته 73 تدرون لأي شئ جمعتكم؟.. 285 ذلك الحرام محضا 316 ذبيحة من دان بكلمة الاسلام وصام وصلى... 300 شهادة النساء تجوز في النكاح ولا تجوز... 464 شهادة النساء لا تجوز في طلاق ولا نكاح... 462 و 516 لا بأس بدم ما لم يذك 263 لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا القود 469 كلهما جميعا 286 من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم بالاشارة... 403 الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها... 280 هو حر ليس لله شريك 35 يؤكل 301 أحاديث الامام زين العابدين عليه السلام ام الولد تجزئ في الظهار 245 أحاديث الامام الباقر عليه السلام الأمة حرة وما في بطنها حر لأن ما في... 39

[ 549 ]

إذا أتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز... 39 إذا ضرب صاحب الشبكة بالشبكة فما... 265 إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فإن كان... 332 أن رجلا أعتق بعض غلامه فقال علي (ع)... 35 إن عليا (ع) كان يقول إذا عجز... 95 إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شئ عليه... 217 إن كان تاما فكله فإن ذكاته ذكاة... 311 إن كان يعلم أن له مالا تبعه ماله و... 22 إن كانت الرقبة التي كانت عليه أبيه في... 44 إن الله عز وجل يقسم من خلقه بما شاء وليس... 142 إنما النحر بمنى يقسمونها بين المساكين... 202 إنه تباع وتورث 130 تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال 476 تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم 501 حلال ولكن الناس يعافونها 292 قال أمير المؤمنين (ع) ذبيحة من دان بكلمة... 300 قال رسول الله (ص) شهادة السائل الذي... 486 قضى أمير المؤمنين (ع) على امرأة اعتقت رجلا... 60 قضى أمير المؤمنين (ع) في مكاتب توفي و... 100 قضى أمير المؤمنين (ع) في من نكل بمملوكه... 26 كان علي (ع) ينهى عن ذبائحهم وعن صيدهم... 297 كل ما دف ولا تأكل ما صف 290 الكلب والفهد سواء فإذا هو أخذه فأمسكه... 351

[ 550 ]

لا إلا ألا يوجد في تلك الحال غيرهم فإن... 506 لا... اللهم لا تغفر ذنبه 488 لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله 298 لا تشرب من لبنها ولا تأكل من لحمها فإنها... 149 لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم 499 لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم 502 لا ذكاة إلا بحديدة 259 لا يجزئ الأعمى في الرقبة ويجزئ ما كان... 244 لا يرده في الرق حتى يمضي له ثلاث... 95 لو أن أربعة شهدوا عندي على رجل بالزنا... 488 ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه وقد... 293 ما تعولون به عيالكم من أوسط ذلك... 240 ما عملت يده فلا بأس بأكل ما وقع فيها 264 مر مناديا يقم على الحجر فينادي ألا من قصرت... 205 من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير... 14 و 34 نعم ولا تجوز في الطلاق 462 نعم ولو كان خلف سارية ويجوز ذلك إذا... 514 نهى رسول الله (ص) عن أكلها يوم خيبر وإنما... 292 هو مملوكه إن شاء باعه وإن شاء... 71 ولا تجوز في الطلاق 464 ولا ينخع ولا يقطع الرقبة بعد ما يذبح 303 وما الجريث؟... 284 يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به... 294

[ 551 ]

أحاديث الامام الصادق عليه السلام إذا احتاج الى الثمن فهو له يبيع إن شاء... 72 إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة 320 إذا أدى الى سيده ما كان فرض عليه... 23 إذا أعتق نصيبه مضارة وهو موسر... 14 و 15 إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالا كان له... 21 إذا تاب وتوبته أن يرجع مما قال ويكذب... 480 إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الاذن فهو ذكي... 307 إذا ذبحت الذبيحة فوجدت في بطنها ولدا... 311 إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقه... 397 إذا شهد ثلاثة رجال وامرأتان لم يجز... 469 إذا طرفت عينها أو حركت ذنبها فهي ذكية 307 إذا طلق الرجل امرأته وفي بيتها متاع فلها... 383 إذا كان تاما ونبت عليه الشعر فكل 311 إذا كان ثلاثة رجال وامرأتان 468 إذا كان خيرا جازت شهادته لامرأته 496 إذا كان الرجل في أرض غربة ولا يوجد... 507 إذا كان صاحبك ثقة ومعك رجل ثقة... 517 إذا كان صاحبك ثقة ومعه رجل ثقة فاشهد له 519 إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون... 423 إذبح بالحجر وبالعظم وبالقصبة والعود... 259 و 354 أعالمكم أمركم بهذا أم فقيهكم؟ لقد أخبرني... 291 أقيموا الشهادة على الوالدين والولد 494

[ 552 ]

أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه 370 إلا الميزان فإنه من متاع رجل 392 اللذان منكم مسلمان واللذان من غيركم... 507 أما أنا فأحب إلي أن تأخذ وتحلف 145 أما السمن والعسل فيؤخذ وما حوله وأما... 332 أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله... 332 إن أراد بيعها باع خدمتها مدة حياته... 73 إن استحلفه فليس له أن يأخذ منه شيئا... 397 إن اشترط عليه إن عجز فهو مملوك رجع ابنه... 99 إن أصبت معلما أو فهدا بعد أن تسمي فكل... 351 إن أمير المؤمنين (ع) اتي بأخرس وادعى عليه... 382 إن أمير المؤمنين (ع) اختصم إليه رجلان في... 376 و 449 إن أمير المؤمنين (ع) سئل عن رجل نذر ولم... 197 إن أمير المؤمنين (ع) كان لا يذبح الشاة عند الشاة... 305 إن ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون... 14 إن رجلا أعتق بعض غلامه فقال علي (ع)... 35 إن رجلين اختصما الى أمير المؤمنين (ع) فحلف... 377 إن رسول الله (ص) أجاز شهادة النساء... 468 و 472 إن شاء يبيعها باعها وإن مات... 131 و 135 إن عليا (ع) أتاه قوم يختصمون في بغلة... 369 إن عليا (ع) أعتق عبدا نصرانيا فأسلم... 231 إن عليا (ع) أعتق عبدا له نصرانيا فأسلم... 6 إن عليا (ع) سئل عن سمكة شق بطنها... 286

[ 553 ]

إن عليا (ع) كان لا يجيز كتاب قاض الى... 428 إن عليا (ع) كان يستسعي المكاتب أنهم... 95 إن قضاتنا يقولون إن عجز المكاتب أن... 94 إن قلت لله علي فكفارة يمين 214 إن كان اشترط عليه أنه إن عجز فهو... 99 إن كان تاما ونبت عليه الشعر فكله 312 إن كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم... 308 إن كان السهم الذي أصابه هو قتله فإن... 273 إن كان فلوسها قد تسلخت فلا تأكلها وإن... 286 إن كان قيمة العبد مثل الدين الذي عليه... 18 إن كان مضارا كلف أن يعتقه كله وإلا... 13 و 35 إن كان موسرا كلف أن يضمن وإن كان معسرا... 13 إن كان يعلم إن رميته هي قتلته فليأكل... 274 إن كانت الرقبة التي كانت على أبيه في... 59 إنما حلف على الحرام ولعل الله أن يكون رحمه... 177 إنما كان نيته على واحد فليتخير أيهم شاء... 30 إنه قد أفسد على صاحبه 35 أن يعرف بالستر والعفاف وكف البطن... 420 إني احب إن كنت موسرا أن تذبح... 191 إني لم أشهده... 512 أيما رجل نذر نذرا أن يمشي الى بيت الله... 191 تجوز. (سألته عن شهادة الولد لوالده...) 496 تجوز إذا كان معهن رجل وكان علي (ع) يقول... 464

[ 554 ]

تجوز شهادة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها... 496 تجوز شهادة القابلة في المولود إذا استهل وصاح... 475 تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس 475 تجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال 471 تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال 466 تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع... 461 تجوز شهادة الواحدة 476 تجوز شهادة الولد لوالده والوالد لولده... 496 تجوز شهادتهما ويراد عبدين كما كانا 499 و 503 ترد اليمين عن المدعي 381 الجري والمارماهي والطافي حرام في... 285 الحبوب 335 حقها للمدعي ولا أقبل من الذي في يده... 377 خذ منه وبرة فاجعلها في فخارة ثم أوقد... 323 خرء الخطاف لا بأس به هو مما يحل أكله... 291 خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا... 422 الذبيحة اسم ولا يؤمن على الاسم إلا المسلم 296 ذبيحة الناصب لا تحل 301 الرجل يعتق غلامه ويقول له اذهب حيث... 66 سمعت أبي (ع) يقول إذا ضرب صاحب... 265 العبد إذا شهد على شهادة ثم اعتق جازت... 498 على الامام أن يجيز شهادتها في ربع... 475 على الامام أن يخرج المحبسين في الدين يوم... 403

[ 555 ]

فإذا كان رجلان وأربع نسوة لم تجز في... 472 فإن قال الرجل أنا اهدي هذا الطعام فليس... 205 فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو... 213 فليمش فإذا تعب فليركب 191 في القتل وحده إن عليا (ع) كان يقول... 465 في كتاب علي (ع) أنه (ما علمتم من الجوارح مكلبين)... 351 في كفارة اليمين عتق رقبة أو اطعام عشرة... 239 في كفارة اليمين يطعم عشرة مساكين لكل... 239 و 240 قال أمير المؤمنين (ع) الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها... 280 قال أمير المؤمنين (ع) لا بأس بشهادة المملوك... 501 قال أمير المؤمنين (ع) الناقة الجلالة لا يؤكل.... 280 قال رسول الله (ص) البينة على من ادعى... 382 قال رسول الله (ص) في كفارة اليمين ثوب يواري... 226 قال رسول الله (ص) كل العتق يجوز له المولود... 231 قبل الشهادة... 509 قد أفسد على صاحبه فإن كان له مال أعطى... 13 كان أمير المؤمنين (ع) لا يجيز شهادة الأجير 485 كفارة النذور كفارة اليمين 214 كل... إذا أكل منه فلم يمسك... 352 كل... فإن حضرتموهم فلم يسموا فلا تأكلوا... 298 كل عبد مثل به فهو حر 26 كل العتق يجوز فيه المولود إلا في كفارة القتل... 230 كل لا بأس به 258

[ 556 ]

كل هذا ذكي 317 كل ولا تحمل... 343 كله... 272 كل لا بأس به 273 لا. (إني اخالط المجوس فآكل من طعامهم؟) 335 لا. (في رجل جعل لعبده العتق إن حدث...) 81 لا. (رجل أعتق شركة له في غلام...) 12 لا. (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أعتق...) 28 لا. (سألته أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟) 230 لا. (سألته أيجوز للمسلم أن يعتق...) 6 لا... لو كان كل من يمر يأخذ سنبلة... 345 لا إذا مات الرجل فقد عتقت 80 لا أرى أن يحلف الرجل إلا بالله 142 و 169 لا بأس 260 و 344 لا بأس إذا أعطوكاه أحياء والسمك... 261 لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق 493 لا بأس إذا كان من طعامك... 335 لا بأس بأن يعتق ولد الزنا 7 و 243 لا بأس بشق الجيوب قد شق موسى بن عمران... 221 لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا... 486 لا بأس بصيدهم إنما صيد الحيتان أخذه 261 لا بأس به 299 و 316 و 462 لا بأس به ولكن يغسل يده إذا أراد... 324

[ 557 ]

لا بأس بها... 299 لا بأس قال الله عز وجل فكلوا... 266 لا تأكل ذبائحهم ولا تأكل في آنيتهم... 297 لا تأكل صيد شئ من هذه إلا ما ذكيت إلا... 351 لا تأكل من صيده إلا أن يكون علمه مسلم 277 لا تأكل إن سمى وإن لم يسم 297 لا تأكله فهو دم... 318 لا تجوز إلا على أهل ملتهم فإن لم يوجد... 506 لا تجوز إلا في الشئ اليسير إذا رأيت... 490 لا تجوز شهادة النساء في القتل 466 لا تجوز شهادة ولد الزنا 488 لا تدبير له وإن كان دبره في صحة منه... 78 لا تدخل ثمنها مالك ولا تأكلها فإنما هو... 297 لا تشهد بشهادة لا تذكر فإنه من شاء... 519 لا تشهدوا بشهادة حتى تعرفوها كما تعرف كفك 519 لا، قال رسول الله (ص) أد الأمانة الى... 146 لا والله ما احب أن أنظر إليه فكيف... 341 لا ولا جرعة... 341 لا ولا عبد 488 لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب 510 لا يذبح اضحيتك يهودي ولا نصراني ولا المجوسي... 297 لا يجوز إطعام الصغير في كفارة اليمين و... 236 لا يصلح إلا الحديد 259

[ 558 ]

لا يصلح له بيعه ولا يتخذه عبدا وهو... 62 لا يقتلن فإني كنت مع علي بن الحسين (ع) فرآني... 290 لا ينبغي لأحد إذا دعي الى شهادة ليشهد... 510 لا ينبغي له أن يصلي وفي يده منه شئ... 324 لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء الفرث والدم... 314 لك شرطك 106 للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوما... 171 لم أشهده... 513 لمولاه أن يكاتبه إن شاء وليس له أن... 72 له شرطه 27 لو أن عبدا أنعم الله عليه نعمة إما... 194 ليس النذر بشئ حتى يسمى شيئا لله... 184 مات مولى لحمزة بن عبد المطلب فدفع رسول الله... 61 ما جعل الله في حرام شفاء 341 ما مات فلا تأكله فإنه مات فيما فيه حياته 364 ما هن؟... 392 ما أعتق رجلا سائبة فليس عليه من... 66 من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل... 342 من حلف بذلك فقد رضي فهو لازم له فيما... 142 من قتل عبده متعمدا فعليه أن يعتق رقبة أو... 223 نعم. (سألته عن رجل حج عن غيره...) 208 نعم. (سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدين...) 145 نعم. (سألته (ع) عن شهادة النساء...) 465

[ 559 ]

نعم... ومن أين جاز لك أن تشتريه... 537 نعم فإن النار تأكل الدم 329 نعم لأنه مكلب وذكر اسم الله عليه 277 نعم ولكن لا يتعمد قطع رأسه 303 نعم يكره ذلك 346 نهى رسول الله (ص) عن أكلها يوم خيبر... 292 هو بمنزلة الوصية يرجع فيها متى شاء 72 هو خبيث بمنزلة الميتة فإن كان مضطرا... 342 هو كما يكون أنه يكون في البيت من يأكل... 236 هو مما يأكل 290 وإذا قتل خطأ أدى ديته الى أوليائه ثم أعتق... 211 و 224 وإن أعتق الشريك مضارا وهو معسر فلا... 15 وتجوز في حد الزنا إذا كانوا ثلاثة... 469 وقد فرض الله عز وجل على العبيد فرائض فإذا... 23 ولا تجوز في الطلاق ولا في الدم 464 ولا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم وتقطعه... 304 ولا ينخع ولا يكسر الرقبة حتى تبرد الذبيحة 303 والوسط الخل والزيت وأرفعه اللحم والخبز 240 يا محمد اقرأ هذه الآية التي في الأنعام... 284 يبيعه ممن يستحل الميتة فإنه لا بأس به 320 يتصدق بثمانين درهما فإنه يجزئه و... 188 يرجع الولاء الى بني أبيها 61 يرد ويطيب لهم ما أخذوا... 94

[ 560 ]

يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق... 381 يصليها ويصبح صائما 242 يعجبني أن يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين... 222 يعطي من يصوم عنه في كل يوم مدين 215 يعلم ذلك غيرها؟... 474 يقرع بينهم ثمن يعتق واحدا 29 يقرع بينهم ويعتق الذي خرج اسمه 29 يقوم فإن كان درهما واحدا أعتق واستسقي... 41 يقوم قيمة ثم يستسعي فيما بقي ليس... 12 يقوم قيمته ويضمن الذي أعتقه لأنه... 13 يكذب نفسه... 480 يكون ولاؤها لأقرباء امه من قبل أبيها... 61 يؤخذ بأول قوله ولا يؤخذ بالثاني 491 يؤخذ بما بقي 12 يؤكلان جميعا 286 يؤكل ما كان فوق الجري ويرمى بما سال... 318 الأحاديث المروية عن أحدهما (الباقر والصادق) عليه السلام إن أكل الغراب ليس بحرام إنما... 289 ان كان الشاهد مرضيا لم يضمن وجازت... 48 تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على... 502 الجنين في بطن امه إذا أشعر أو أوبر... 310 عليه مائة دينار 49

[ 561 ]

لا إلا أن يشترط على الذي يبيعه إياه... 72 لا بأس أن يأتيها قد خرجت من ملكه 31 من جعل عليه عهدا لله وميثاقه في أمر لله... 213 يحج راكبا 191 أحاديث الامام الكاظم عليه السلام إذا أذن في ذلك فلا بأس به وإن كان... 78 إذا دعاك الرجل لتشهد له على دين أو... 510 إذا فري الأوداج فلا بأس بذلك 260 و 354 إن كان جعله نذرا ولا يملكه فلا شئ عليه... 205 إني أنهاك عن ذبيحة كل من كان على... 299 أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم... 135 سل... في فكاك رقابهن... 130 ف لله بقولك 193 فاحلف له 148 فقال أبو جعفر (ع) الكلب والفهد سواء فإذا هو... 351 فليحرم من الكوفة 194 قد وضع الله الصيام في هذه الأيام كلها... 186 كان أبي (ع) لا يقبل شهادته إذا سأل... 487 كتب الي أبي في رسالته وسألته عن... 495 كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين 214 كلهم سواء والنساء والرجال أو يفضل الكبار... 236 لا. (سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة...) 334

[ 562 ]

لا تأخذ منه شيئا إن كان ظلمك فلا تظلمه... 146 و 398 لا تقربها 296 لا يبدأ بالحرية قبل المال يقول له... 23 لا يحل شئ من الغربان زاغ ولا غيره 288 لا يحل له أن يأخذ شيئا 344 متى كان الحمل بالمدبرة أقبل إن دبرت... 76 نعم في ثمن رقبتها 130 نعم وكذلك العبد إذا اعتق جازت شهادته 485 يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم... 213 ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فيتصدق به 192 يعتق منه سدسه لأنه إنما... 18 أحاديث الامام الرضا عليه السلام إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها.. 76 إنه لا يؤكل... 289 تجوز شهادة النساء في ما لا يستطيع... 461 الشاة إذا ذبحت وسلخت أو سلخ شئ... 305 لا تأكلها 292 لا تجوز شهادتهن في الطلاق ولا في الدم 464 و 466 لا هذا لا يستقيم 462 من أعتق مملوكا لا حيلة له فان عليه أن... 231 من ولد على الاسلام وعرف بالصلاح في نفسه... 423 نعم إذا كانت ام ولده 21

[ 563 ]

وتجوز شهادتهن في حد الزنا إذا... 469 وكل ما دف فهو حلال 290 يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلاب... 330 أحاديث الامام الجواد عليه السلام حدثني أبي عن أبيه عن آبائه (ع) أن رسول... 321 أحاديث الامام الهادي عليه السلام الكثير ثمانون... 187 أحاديث الامام العسكري عليه السلام يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر... 141 الأحاديث التي لم يصرح بقائلها من المعصومين (عليه السلام) الاسلام يجب ما قبله 150 الاسلام يعلو ولا يعلى عليه 91 الأعمال بالنيات وانما لامرئ ما نوى 44 إن توفي وعليه دين قد أحاط بثمن العبد... 19 انما الأعمال بالنيات 195 و 227 انما الحرام ما حرم الله تعالى في كتابه 289 البينة على المدعي وعلى الجاحد اليمين 375 تقسم الدية على من أحرز الميراث ومن... 57 القابلة تجوز شهادتها في الولد على قدر شهادة... 475

[ 564 ]

لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام 493 لا بأس به إن تلك الحظيرة أنها جعلت... 264 لا تشهد 519 لا تصير ام ولد له 135 لا عتق إلا في ملك 24 لا عتق إلا ما اريد به وجه الله 7 لا عتق قبل ملك ولا طلاق قبل نكاح 43 لا يجوز للذي جعل له ذلك 81 لا يؤكل مما يكون في الابل والبقر والغنم وغير... 315 من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة... 337 من حلف على شئ ورأى غيره خيرا منه فليكفر... 171 المريب والخصم والشريك ودافع مغرم... 485 المطلوب أولى باليمين من الطالب 381 من مشى الى مسجد لم يضع رجله على رطب و... 201 المؤمنون عند شروطهم 107 و 109 من ملك أحد هؤلاء عتق عليه 24 الناس مسلطون على أموالهم 114 نعم... نعم... لا إلا أن يكون معها غيرها 497 نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه وإن... 147 الولاء لمن أعتق 42 و 43 و 64 لا يجوز للذي جعل له ذلك 81 لا يؤكل مما يكون في الابل والبقر والغنم وغير... 315 من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة... 337 من حلف على شئ ورأى غيره خيرا منه فليكفر... 171 المريب والخصم والشريك ودافع مغرم... 485 المطلوب أولى باليمين من الطالب 381 من مشى الى مسجد لم يضع رجله على رطب و... 201 المؤمنون عند شروطهم 107 و 109 من ملك أحد هؤلاء عتق عليه 24 الناس مسلطون على أموالهم 114 نعم... نعم... لا إلا أن يكون معها غيرها 497 نعم يحل له ذلك إن كان بقدر حقه وإن... 147 الولاء لمن أعتق 42 و 43 و 64 يؤكل 302

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية