الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 7

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 7


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء السابع تحقيق موسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

شابك 7 - 157 - 470 - 946 مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج 7) المؤلف أبو منصور الحسين بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) الموضوع: فقه تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي عدد الأجزاء: 9 الطبعة: الأولى الكمية: 1000 نسخة التاريخ: 1418 ه‍. ق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

كتاب النكاح

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كناب النكاح وفيه فصول: الفصل الأول في المحرمات وفيه مطالب: الأول: في الرضاع مسألة: ذهب المفيد (1) وسلار (2) وابن الجراح (3) وأبو الصلاح (4) وابن حمز ة (5) إلى أن المحرم من الرضاع باعتبار العدد عشر رضعات متواليات، وهو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا. وقال الشيخ في النهاية (6) والمبسوط (7) وكتابي الأخبار (8): لا يحرم أقل من خمسة عشر رضعة. وقال ابن إدريس - في أول كتاب النكاح -: المحرم عشر رضعات متواليات على الصحيح من المذهب، وذهب بعض أصحابنا إلى خمسة عشر

(1) المقنعة: ص 502.
(2) المراسم: 149. (3) المهذب: ج 2 ص 190.
(4) الكافي في الفقه: ص 285.
(5) الوسيلة: ص 301.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 303.
(7) المبسوط: ج 4 ص 204.
(8) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 315 ذيل الحديث 1304، والاستبصار: ج 3 ص 194 ذيل الحديث 700.

[ 6 ]

رضعة، معتمدا على خبر واحد رواه عمار بن موسى الساباطي، وهو فطحي المذهب مخالف للحق، مع إنا قدمنا أن أخبار الاحاد لا يعمل بها ولو رواها العدل. فالأول: مذهب السيد المرتضى وخيرة شيخنا المفيد. والثاني: خيرة شيخنا أبو جعفر الطوسي. والأول هو الأظهر الذي يقتضيه أصول المذهب، ولأن بعض أصحابنا يحرم بالقليل من الرضاع والكثير ويتعلق بالعموم، فالأظهر ما اخترناه، ففيه الاحتياط (1). ثم قال - في أول باب الرضاع -: الذي يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وشد العظم - على ما قدمناه - فإن علم ذلك وإلا كان الاعتبار بخمس عشرة رضعة، على الأظهر من الأقوال، وقد حكينا الخلاف فيما مضى، إلا أنا اخترنا هناك التحريم بعشر رضعات وقويناه، والذي أفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة، لأن العموم قد خصصه جميع أصحابنا المحصلين، والأصل الإباحة، والتحريم طارئ، فبالاجماع من الكل يحرم الخمس عشرة رضعة، فالتمسك بالاجماع أولى وأظهر، فإن الحق أحق أن يتبع (2). وهذا يدل على اضطرابه وقلة مبالاته بما يقول، ونسبة المشائخ إلى الخطأ في الفتوى والاسناد إلى غير دليل، ثم أي تواتر حصل بين فتواه بالعشر وفتواه بخمسة عشر حتى نسب الثاني أولا إلى أنه خبر واحد رواه غير الثقة ثم اعتمد عليه وأفتى به؟! وقال ابن الجنيد: وقد اختلفت الرواية من الوجهين جميعا في قدر الرضاع المحرم، إلا أن الذي أوجبه الفقه عندي واحتياط المرء لنفسه أن كل ما وقع عليه اسم الرضعة (3) - وهو ما ملأت بطن الصبي إما بالمص أو بالوجور - يحرم النكاح (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 520.
(2) السرائر: ج 2 ص 551.
(3) في المطبوع رضعة. (4) في المطبوع محرم للنكاح

[ 7 ]

وقال الصدوق في المقنع: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وشد العظم، قال: وروي أنه لا يحرم من الرضاع إلا رضاع خمسة عشر يوما ولياليهن ليس بينهن رضاع، قال: وبه كان يفتي شيخنا محمد بن الحسن - رحمه الله -، قال: وروي أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان حولين كاملين، وروي أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة (1). والوجه التحريم بالعشر لوجوه: الأول: عموم قوله تعالى: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) (2) وهو يصدق على القليل والكثير، ترك العمل به فيما دون العشر، فيبقى في العشر على اطلاقه. الثاني: قوله - عليه السلام -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (3) والتقريب ما تقدم. الثالث: والروايات الدالة على العدد: روى الفضيل بن يسار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحرم من الرضاع إلا المجبور، قال: قلت: وما المجبور (4)؟ قال: أم تربي أو ظئر تستأجر أو أمة تشترى، ثم ترضع عشر رضعات تروي الصبي وينام (5).

(1) المقنع: ص 11، عبارة: (قال: وروي أنه لا يحرم من الرضاع.... ارتضع من ثدي واحد سنة) غير موجودة، إلا أنه نقل عنه في وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع 15 و 16. 17 ج 14 ص 286.
(2) النساء: 23.
(3) سنن البيهقي: ج 7 ص 453، ومن لا يحضره الفقيه: ج 3 ح 4665 ص 475.
(4) في الوسائل (وما المخبور).
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 324، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 7 ج 14 ص 284 وليس فيهما: (ثم ترضع.... وينام).

[ 8 ]

لا يقال: في طريقه محمد بن سنان، وفيه قول، ولأن الرواية اختلفت، فإن كلا من الشيخ الصدوق روى هذا الخبر بصيغة مخالفة لصيغة الرواية الأخرى فيتعارضان. لأنا نقول: قد بينا رجحان العمل برواية محمد بن سنان في كتاب الرجال، ولا مدخل لاختلاف الصيغتين في الاستدلال وعدمه، لأنا نستدل بقوله: (ثم يرضع عشر رضعات) وهذه زيادة رواها الشيخ، ولا يلزم من ترك رواية الصدوق لها الطعن فيها. وفي الحسن عن حماد بن عثمان (1). ونحوه عن أبي الحسن - عليه السلام - (2) ونحوه عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - (3) إذا تقرر هذا فنقول: الذي ينبت اللحم والعظم عشر رضعات لما رواه عبيد بن زرارة في الصحيح، عن الصادق عليه السلام - إلى أن قال -: فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: كان يقال: عشر رضعات (4). وفي الموثق عن عمر بن يزيد قال: سألت الصادق - عليه السلام - عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين، فقال: لا يحرم، فعددت عليه حتى أكملت

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 312 ح 1294، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1 ج 14 ص 289.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 312 ح 1295، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح‍ 23 ج 14 ص 288.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 312 ح 1293، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 2 ج 14 ص 289.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 313 ح 1269، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 18 ج 14 ص 287.

[ 9 ]

عشر رضعات، قال: إذا كانت متفرقة فلا (1). دل بمفهومه على التحريم مع عدم التفريق. الرابع: الاحتياط، فإن التحريم المستند إلى عموم الكتاب والروايات لما عارضه الإباحة المستندة إلى الأصل والروايات، غلب جانب التحريم، لتيقن البراءة معه، بخلاف إلى الطرف الآخر. وقد روي عنه - عليه السلام -: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام على الحلال) (2). الخامس: عمل أكثر الأصحاب عليه فيكون راجحا، فيتعين العمل به، لامتناع العمل بالمرجوح. احتج الشيخ بوجوه: الأول: أصالة الإباحة. الثاني: الاستصحاب، فإن الحكم كان فيها أولا الإباحة فيستصحب. الثالث: الروايات، قال في التهذيب: والذي أعتمده في هذا الباب وينبغي أن يكون العمل عليه الخبر الذي رواه محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار بن موسى، عن جميل بن صالح، عن زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: هل للرضاع حد يؤخذ به؟ فقال: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، ولو أن امرأة أرضعت غلاما أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتها امرأة أخرى من لبن فحل آخر عشر رضعات لم يحرم

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 314 ح 1302، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 5 ج 14 ص 283.
(2) سنن البيهقي: ج 7 ص 169.

[ 10 ]

نكاحهما (1). الرابع: العشر لا يحرم، فيحرم ما قلناه، لعدم القائل من المحققين بالفرق. وبيان المقدم ما رواه علي بن رئاب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبت اللحم وشد العطم، قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا لأنها لا تنبت اللحم ولا تشد العظم عشر رضعات (2). وفي الموثق عن عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام قال: سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرمن شيئا (3). وفي الموثق عن عبد الله بن بكير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: عشر رضعات لا تحرم (4) والجواب عن الأول: المنع من بقاء الأصل، مع الروايات الدالة على التحريم، وكذا الآيات. وهو الجواب عن الثاني. وعن الثالث: إن في طريقه ضعفا. وعن الرابع: ما تقدم من أنه إذا تعارضت أدلة التحريم والتحليل كان العمل بالتحريم أولى. احتج ابن الجنيد بعموم الآية (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 314 - 315 ذيل الحديث 1303 و 1304.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 313 ح 12398، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع ح 2 ج 14 ص 283.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 313 ح 1299، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم الرضاع ح 3 ج 14 ص 283.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 313 ح 1300، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 4 ج 14 ص 283.
(5) النساء: 23.

[ 11 ]

وما رواه علي بن مهزيار في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - أنه كتب إليه يسأله عن ما يحرم من الرضاع، فكتب - عليه السلام -: قليله وكثيره حرام (1). وعن زياد بن علي، عن آبائه، عن علي - عليه السلام - أنه قال: الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لا تحل له أبدا (2). والجواب: قال الشيخ: الخبر الأول على أن قليله وكثيره حرام بعد ما يبلغ الحد الذي يحرم، أو إنه خرج مخرج التقية لموافقته لمذاهب بعض العوام. وكذا الخبر الثاني، لأن طريق هذا الخبر رجال العامة والزيدية ولم يره غيرهم، وما هذا سبيله لا يجب العمل به (3). وقد روى زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين (4). قال الشيخ: المراد به أن يكون الرضاع في حولين كاملين لأنه بعد الحولين لا يحرم (5) وقد روى العلاء بن رزين، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحرم من الرضاع إلا ما ارتضع من ثدي واحد سنة (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 316 ح 1308، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 10 ج 14 ص 285.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 317 ح 1309، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 12 ج 14 ص 285.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 317 ذيل الحديث 1309.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 317 ح 1310، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 8 ج 14 ص 292.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 317 ذيل الحديث ص 317 ذيل الحديث 1310.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ح 1315، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 13 ج 14 ص 286.

[ 12 ]

قال الشيخ: إنه خبر نادر مخالف للأحاديث كلها، وما هذا سبيله لا يعترض به الأخبار الكثيرة (1). مسألة: شري علماؤنا أجمع إلا ابن الجنيد أن يكون الرضاع قبل أن يبلغ سن المرتضع كمال الحولين، فلو ارتضع في مدة الحولين العدد المشترط نشر الحرمة، ولو خرج الحولان وقد بقي بعض الرضعة الأخيرة لم ينشر الحرمة. وقال ابن الجنيد: إذا كان بعد الحولين ولم يتوسط بين الرضاعين فطام بعد الحولين حرم. لنا: أصالة الإباحة. وما رواه حماد بن عثمان في الموثق قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا رضاع بعد فطام، قال: الرضاع بعد الحولين اللذين ذكرهما الله عز وجل (2). احتج ابن الجنيد بما رواه ابن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم يحرم (3). والجواب: قال الشيخ - رحمه الله -: إنه خبر شاذ لا يعارض ما قدمناه من الأخبار، ولكثرتها، ويجوز أن يكون خرج مخرج التقية، لأنه مذهب لبعض العامة (4). مسألة: المشهور إن الرضاع في الحولين ينشر الحرمة، سواء كان قد فطم قبل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 319 ذيل الحديث 1315.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ح 1313، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 5 ج 14 ص 291.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ح 1314، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 7 ج 14 ص 292.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ذيل الحديث 1314.

[ 13 ]

الحولين أو لا. وقال ابن أبي عقيل: الرضاع الذي يحرم عشر رضعات قبل الطعام، فمن شرب بعد الطعام لم يحرم ذلك الشرب. لنا: ما تقدم من الرواية من تحديد الفطام بالحولين. احتج بما رواه الفضل بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم (1). والجواب: المراد بذلك الفطام الشرعي - أي قبل أن يستحق الفطام - وبالجملة فكلام ابن أبي عقيل ليس بصريح في مخالفة علمائنا. مسألة: قال الشيخ: ينبغي أن يكون الرضاع في مدة الحولين، فإن حصل الرضاع بعد الحولين سواء كان قبل الفطام أو بعده قليلا كان أو كثيرا فإنه لا يحرم (2). وكذا قال المفيد: ليس يحرم النكاح من الرضاع إلا ما كان في الحولين قبل الكمال، فأما ما حصل بعد الحولين فإنه ما حصل بعد الحولين فإنه ليس برضاع يحرم به النكاح، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا رضاع بعد فطام (3). وأطلقنا القول، ولم يتعرضا لولد المرضعة الذي رضع الطفل من لبنه، وكذا أكثر علمائنا المتقدمين. أما أبو الصلاح فإنه جعل من شرائط الرضاع أن يكون الراضع والمرتضع من لبنه ينقص سنهما عن الحولين (4)، وكذا قال السيد ابن زهرة (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ح 1312، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 4 ج 14 ص 291. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 304.
(3) المقنعة: ص 503.
(4) الكافي في الفقه: ص 285.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 547 س 15.

[ 14 ]

وقال ابن حمزة: من شرائط الرضاع أن يكون الصبي المرتضع دون سنتين، وأن تكون المرضعة في مدة السنتين من وقت الولادة (1). وقال ابن إدريس: وقد ذهب بعض أصحابنا المتأخرين في تصنيف له - إلى أن قال منها: - أن يكون سن الراضع والمرتضع من لبنه دون الحولين، وهذا خطأ من قائله، لأن الاعتبار بسن الراضع، لأن المرأة إذا كان لها لبن ولادة حلال ومضى لها أكثر من حولين ثم أرضعت من له أقل من حولين الرضاع المحرم انتشرت الحرمة وتعلق عليه وعليها أحكام الرضاع بغير خلاف من محصل، واعتبارنا الحولين في المرتضع لدليل إجماع الطائفة، وأيضا قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) لأن المراد إثبات الرضاع الشرعي الذي يتعلق به الحرمة بدليل أنه تعالى لا يجوز أن يريد الرضاع اللغوي، لأنه يطلق على ما يحصل بعد الحولين وقبل تمامهما، ولا يريد نفي جوازه دونهما أو بعدهما، لأن ذلك جائز بغير خلاف، ولا نفي الكفاية بدونهما، لأن الكفاية قبل تمامهما قد تحصل بلا شبهة، فلم يبق إلا ما قلناه (2). وهذا الكلام على طوله خال عن التحصيل، بل هو عن التحقيق بمعزل، لأنه حكم بالخطأ مستدلا بالاجماع في المختلف، وهو أولى بالخطأ، والآية سيقت لبيان مدة الرضاع - الذي يستحق به الأجرة - ولا تعرض فيها للتحريم، مع أنه لو كان لكانت دالة على نقيض مطلوبه. مع أن الشيخ نقل عن ابن بكير حيث سأله ابن فضال في المسجد في امرأة أرضعت غلاما سنتين ثم أرضعت صبية لها أقل من سنتين حتى تمت السنتان أيفسد ذلك بينهما؟ قال: لا يفسد ذلك بينهما، لأنه رضاع بعد فطام، وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا

(1) الوسيلة: ص 301.
(2) السرائر: ج 2 ص 519 - 520 مع اختلاف.

[ 15 ]

رضاع بعد فطام، أي إنه إذا تم للغلام سنتان أو الجارية فقد خرج من حد اللبن، فلا يفسد بينه وبين من يشرب منه، قال: وأصحابنا يقولون: إنه لا يفسد إلا أن يكون الصبي والصبية يشربان شربة شربة (1). وهذا وإن لم يكن حجة حيث لم يسنده ابن بكير إلى إمام، إلا أن ادعاء الاجماع على خلافه ممنوع، وبالجملة فلابن إدريس أن يحتج بالعموم. احتج أبو الصلاح بأن الرضاع المعتبر شرعا ما حصل قبل الفطام، وكما ثبت في أحد المرتضعين ثبت في الآخر، وبعموم قوله - عليه السلام -: (الارتفاع بعد فطام) (2). والجواب: المنع من المقدمة الأولى، ومن القياس فإنه باطل عندنا، والحديث يعمل بموجبه، لتناوله المرتضع، بمعنى: انتفاء أحكام الرضاع في الحاصل بعد فطام المرتضع بالنسبة إليه. وقول أبي الصلاح لا يخلو من قوة، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: المشهور إن الرضاع إنما يؤثر في نشر الحرمة لو امتص الصبي من الثدي، فلو وجر في حلقه لم ينشر حرمة. خلافا لابن الجنيد فإنه حرمه بالوجور. وللشيخ في المبسوط حيث قال: إذا كانت الرضعات التي يتعلق بها التحريم بعضها إرضاعا وبعضها وجورا نشر الحرمة عندنا (3). مع أنه قال قبل ذلك: الوجور كالرضاع عند الفقهاء، وقال

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 316 ح 1311، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 6 ج 14 ص 291.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 318 ح 1313، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 5 ج 14 ص 291.
(3) المبسوط: ج 5 ص 295، وفيه: (وبعضها وجورا نشر الحرمة عندهم، وعندنا لا ينشر).

[ 16 ]

عطا وداود: لا ينشر الحرمة، وهو الأقوى عندي (1). وهو يدل على عدم حرمته. لنا: قول الصادق - عليه السلام -: (لا يحرم الرضاع إلا ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين) (2). لا يقال: إنه متروك الظاهر فلا يجوز التمسك به. النا نقول: قد بينا أن المراد حصول الرضاع في الحولين، ولا ينافي هذا التأويل ولا عدمه الاستدلال بقوله: (إلا ما ارتضعا من ثدي واحد) ومسمى الارتضاع إنما يتحقق بالمص خاصة. وقول الباقر - عليه السلام -: لا يحرم الرضاع أقل من رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة) (3) جعل الرضاع المحرم مبدأه من المرأة، ولأصالة الإباحة. احتج ابن الجنيد بما رواه جميل بن دراج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا رضع الرجل من لبن امرأة حرم عليه كل شئ من ولدها (4). وهو يصدق مع الوجور. والجواب: المنع من صدق الرضاع معه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: من وطأ امرأة وطء يلحق به النسب بنكاح صحيح أو فاسد أو وطئ شبهة أو ملك يمين فخلق الولد بينهما فهو ابنهما معا. فإذا نزل له لبن كان لهما، فإذا أرضعت به مولودا - العدد الذي يحرم - فإن المرتضع

(1) المبسوط: ج 5 ص 295.
(2) تهذيب الأحكام، ج 7 ص 317 ح 1310، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 8 ج 14 ص 292. (3) تهذيب الأحكام ج 7 ص 315 ح 1304، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1 ج 14 ص 282.
(4) تهذيب الحكام: ج 7 ص 321 ح 1325، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 3 ج 14 ص 306.

[ 17 ]

ولدهما معا من الرضاعة (1). وقال ابن الجنيد: ولو أرضعت بلبن حمل من زنى حرمت وأهلها على المرتضع، وكان تجنبه أهل الزاني أحوط وأولى. وقال ابن إدريس: وإنما التأثير للبن الولادة من النكاح المباح المشروع فحسب دون النكاح الحرام والفاسد ووطئ الشبهة، لأن نكاح الشبهة عند أصحابنا لا يفصلون بينه وبين الفاسد إلا في إلحاق الولد ورفع الحد فحسب. ثم قال: وإن قلنا: في وطئ الشبهة بالتحريم كان قويا، لأن نسبه عندنا صحيح شرعي، وقد قال الرسول - صل الله عليه وآله -: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فجعله أصلا للرضاع. ثم قال: ولي فيه نظر وتأمل (2). وهو يدل على تردده في ذلك. والوجه ما قاله الشيخ، عملا بالعموم. وقول ابن إدريس ممنوع، ولا حجة عليه سوى الإباحة الأصلية، وهي لا تخلوا من منع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يجوز للفحل أن يتزوج بأم المرتضع وأخته وجدته، ويجوز لوالد هذا المرتضع أن يتزوج بالتي أرضعته، لأنه لا نسب بينهما ولا رضاع، ولأنه لما جاز أن يتزوج أم ولده من النسب بأن يجوز أن يتزوج أم ولده من الرضاع أولى. قالوا: أليس لا يجوز له أن يتزوج أم أم ولده من النسب ويجوز أن يتزوج بأم أم ولده من الرضاع فكيف جاز ذلك وقد قلتم: إنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟ قلنا: أم أم ولده من النسب ما حرمت بالنسب بل بالمصاهرة قبل وجود النسب، والنبي - صلى الله عليه وآله - قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، ولم يقل يحرم من الرضاع ما يحرم من

(1) المبسوط ج 5 ص 291 و 310.
(2) السرائر: ج 2 ص 552، وفيه: (لأن نسبه عندنا نسب صحيح).

[ 18 ]

المصاهرة (1). وقال ابن الجنيد: ولا يجمع أيضا بين أختين من الرضاعة بنكاح ولا بملك. وقال محمد بن إدريس: أما تزويجه بأخته وبجدته فلا يجوز بحال، فإنا لا نجوز له في النسب أن يتزوج الانسان بأخت ابنه ولا بأم امرأته بحال، وإنما الشافعي علل ذلك بالمصاهرة وليس هاهنا مصاهرة، وكذا في قوله وسؤاله نفسه: أليس لا يجوز له أن يتزوج أم أم ولده من النسب ويجوز أن يتزوج أم أم ولده من الرضاع؟ وأجاب: بأن أم أم ولده من النسب ما حرمت بالنسب وإنما حرمت بالمصاهرة قبل وجود النسب، وعلل ذلك بالمصاهرة، فلا يظن ظان بأن ما قلناه كلام شيخنا أبي جعفر. والذي يقتضيه مذهبنا أن أم أم ولده من الرضاع محرمة عليه، كما أنها محرمة عليه من النسب، لأنه أصل في التحريم من غير تعليل (2). وقال ابن حمزة: يحرم الصبي على كل من يحرم عليه أولاد الفحل نسبا ورضاعا وعلى الفحل وعلى جميع أولاده نسبا ورضاعا، ويحرم على الصبي كل من يحرم الصبي عليه، ويحرم أولاد الفحل على أب الصبي واخوته المنتسبة إلى أبيه نسبا ورضاعا، ويحرم أولاد والد الصبي على الفحل وأولاده نسبا ورضاعا وجميع أولاد أمه نسبا ورضاعا من والد الصبي دون غيره على الفحل وعلى جميع أولاده نسبا ورضاعا، ويحرم الصبي أيضا على جميع أولاد المرضعة من جهة الولادة وجميع أولادها من الرضاع من لبن هذا الفحل دون غيره، وهم يحرمون على الصبي وعلى أبيه واخوته المنتسبة إلى أبيه نسبا ورضاعا (ويحرم جميع أولاد الصبي نسبا ورضاعا) من أبيه دون غيره على أولاد المرضعة نسبا ورضاعا من

(1) المبسوط: ج 5 ص 305.
(2) السرائر: ج 2 ص 555.

[ 19 ]

لبن الفحل، ويجوز للفحل التزويج بأم الصبي وجداته، ولوالد الصبي التزويج بالمرضعة وبأمها وبجداتها (1). وهذا الكلام لا يخلو من اضطراب. والمعتمد تحريم أم الأم من الرضاع. وقول الشيخ - رحمه الله - في المبسوط وإن كان قويا لكن الرواية الصحيحة على خلافه، فإن علي بن مهزيار روى في الصحيح قال: سأل عيسى بن جعفر أبا جعفر الثاني - عليه السلام - عن امرأة أرضعت لي صبيا فهل يحل لي أن أتزوج بنت زوجها؟ فقال لي: ما أجود ما سألت، من ها هنا يؤتى أن يقول الناس: حرمت عليه امرأته من قبل لبن الفحل، هذا هو لبن الفحل لا غيره، فقلت له: إن الجارية ليست بنت المرأة التي أرضعت لي هي بنت غيرها، فقال: لو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شئ وكن في موضع بناتك (2). فقد حكم هنا - عليه السلام - بتحريم أخت الإبن من الرضاع وجعلها بمنزلة البنت، ولا ريب أن أخت البنت إنما تحرم بالنسب لو كان بنتا أو بالسبب لو كانت بنت الزوجة، فالتحريم هنا باعتبار المصاهرة، وجعل الرضاع كالنسب في ذلك. وقول الشيخ في غاية القوة، ولولا هذه الرواية الصحيحة لاعتمدت على قول الشيخ. ونسبة ابن إدريس هذا القول إلى الشافعي غير ضائر للشيخ، وقوله: (لا يجوز أن يتزوج بأخت ابنه ولا بأم امرأته وليس هنا مصاهرة) غلي، لأنهما حرمتا باعتبار المصاهرة.

(1) الوسيلة: ص 301 - 302.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 320 ح 1320، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 10 ج 14 ص 296.

[ 20 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا حصل الرضاع المحرم لم يحل للفحل نكاح أخت هذا المولود المرتضع بلبنه ولا لأحد من أولاده من غير المرضعة ومنها لأن إخوته وأخواته صاروا بمنزلة أولاده (1). ونحوه قال في النهاية حيث قال: وكذلك يحرم جميع إخوة المرتضع على هذا البعل، وعلى جميع أولاده من جهة الوالدة والرضاع (2). وقال ابن إدريس: قول شيخنا - رحمه الله - في ذلك غير واضح، وأي تحريم حصل بين أخت هذا المولود المرتضع وبين أولاد الفحل، وليس هي أختهم لا من أمهم ولا من أبيهم، والنبي - صلى الله عليه وآله - جعل النسب أصلا للرضاع في التحريم فقال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وفي النسب لا يحرم على الانسان (نكاح) أخت أخيه التي لا من أمه ولا من أبيه، ثم أمر بالتأمل والملاحظة (3). وهذا قول ابن إدريس لا بأس به، فإن النظر يقتضيه، لكنه لا يجامع ما قاله أولا في المسألة السابقة التي حكم فيها بتحريم أم أم الولد وأخته كما حرمتا في النسب، وقد عرفت هناك أن التحريم ليس من جهة النسب بل من جهة المصاهرة. ثم إن الأئمة - عليهم السلام - حكموا بالتحريم في الرضاع وإن اختلفت العلة، وقد قال أبو جعفر الثاني - عليه السلام -: ولو كن عشرا متفرقات ما حل لك منهن شئ وكن في موضع بناتك (4).

(1) الخلاف: ج 5 ص 93 المسألة 1. 1 (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 306.
(3) السرائر: ج 2 ص 557.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 320 ح 1320، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 10 ج 14 ص 296.

[ 21 ]

وكذا ما رواه أيوب بن نوح في الصحيح قال: كتب علي بن شعيب إلى أبي الحسن - عليه السلام -: امرأة أرضعت بعض ولدي هل يجوز لي أن أتزوج بعض ولدها؟ فكتب - عليه السلام -: لا يجوز لك ذلك، لأن ولدها صاروا بمنزلة ولدك (1). وهذا التعليل يعطي صيرورة أولادها أخوة لأولاده فينشر الحرمة، ونحن في ذلك من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان له أربع زوجات إحديهن صغيرة لها دون الحولين وثلاث كبائر بهن لبن فأرضعت إحدى الكبائر هذه الصغيرة انفسخ نكاحهما معا، فإذا أرضعتها الثانية من الكبائر انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته، فإن أرضعتها الثالثة انفسخ نكاحها، لأنها أم من كانت زوجته. وروى أصحابنا في هذه أنها لا تحرم، لأنها ليست زوجة في هذه الحال وإنما هي بنت، والذي قالوه قوي (2). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصولنا التحريم، لأنها من أمهات نسائه، وقد حرم الله تعالى أمهات النساء، وهذه كانت زوجة بلا خلاف (3). وقوله جيد، فإن الرضاع كالنسب، وكما أن فكذا ما ساواه. مسألة (4): لو تزوج صغيرتين فأرضعتهما امرأتاه حرم الجميع وعليه مهر الصغيرتين ويرجع به على الكبيرتين، قال ابن إدريس: قول بعض أصحابنا بالرجوع لا أرى له وجها (5)، وسيأتي.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 321 ح 1324، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1 ج 14 ص 306.
(2) المبسوط: ج 5 ص 300.
(4) ز: تنبيه، ق (2): تذنيب.
(3) السرائر: ج 2 ص 556.
(5) السرائر: ج 2 ص 540..

[ 22 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط وابن إدريس: الرضاع لا يقبل فيه شهادة النساء، على الصحيح من أقوال أصحابنا، وسوغ جماعة من أصحابنا قبول شهادتهن فيه (1). وهو قول ابن حمزة (2)، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله في كتاب الشهادات. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا كان له زوجتان فأرضعت إحداهما زوجته الصبية ثم أرضعتها امرأته الأخرى لم تحرم عليه المرضعة الأخيرة من زوجته وحرمت عليه الأولى وزوجته الصغرى. وهذا اختيار الشيخ في النهاية (3)، لما رواه علي بن مهزيار، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: قيل له: إن رجلا تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة أخرى، فقال له ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولا، فأما الأخيرة لم تحرم عليه، لأنها أرضعت ابنته (4). وقد بينا فيما تقدم تحريم الجميع، لأن الكبيرة الأولى أم زوجته والثانية أم من كانت زوجته، ونمنع صحة سند الرواية. مسألة: اختلف علماؤنا في الرضاع هل يساوي النسب في كونه سببا في العتق؟ قال الشيخ: نعم (5). وكل مملوك أو مملوكة ينعتق على المالك بالملك في النسب ينعتق عليه مثله في الرضاع، فلو ملك أحد الأبوين رضاعا أو أحد

(1) المبسوط: ج 5 ص 311 السرائر 2: 556.
(2) الوسيلة: ص 222.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 298 - 299.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 293 ح 1232، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما يحرم بالرضاع ح 1 ج 14 ص 305.
(5) المبسوط: ج 6 ص 68.

[ 23 ]

أولاده الذكور والإناث رضاعا أو إحدى المحرمات عليه في النكاح كالاخت وبناتها وبنات الأخ والعمة والخالة كل ذلك من الرضاع انعتق عليه كما في النسب. ورواه الصدوق في كتابه (1)، وبه قال ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وقال ابن أبي عقيل: لا بأس بملك الأم والأخت من الرضاعة وبيعهن، إنما يحرم منهن ما يحرم من النسب في وجه النكاح فقط فلم يجعل الرضاع سببا في العتق. وقال ابن الجنيد: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه عند ملكه إياه أو عتق منه ما يملكه عليه، وذلك مثل الوالدين ومن ولدهما والوالد وما ولدوا، وكذلك كل من حرم عليه نكاحها بالنسب يعتق عليه، والذي يوجبه الفقه ألا يختار الانسان أن يمتلك ذا رحم منه قرب أو بعد، ولا من يقوم مقام من يحرم عليه بالنسب ملكه من جهة الرضاع بملك العبيد، فإن ملكهم لم يبعهم إلا عند الضرورة إلى أثمانهم وجعلوا آخر ما يباع في الدين عليه. وهو يعطي جواز الملك على كراهة، وإن الرضاع ليس سببا في العتق، وهو اختيار المفيد (4) وسلار (5)، وابن إدريس (6). والمعتمد الأول. لنا: قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم - إلى قوله -: وأخوانكم من الرضاعة) (7) والتحريم لا يتناول الأعيان، فيصرف إلى المنافع المتعلقة بتلك الأعيان صونا للفظ عن الاجمال، والمنافع هنا مشتركة بين الاستمتاع والاستخدام والتملك فيعمها التحريم، إذ تحريم العين يقتضي تحريمها جميعا.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 113 ح 3435. (2) المهذب: ج 2 ص 356.
(3) الوسيلة: ص 341.
(4) المقنعة: ص 599.
(5) المراسم: ص 176.
(6) السرائر: ج 3 ص 8.
(7) النساء: 23.

[ 24 ]

وقوله - عليه السلام -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (1) ولفظة (ما) للعموم فيتناول الاستخدام والتملك كما يتناول الاستمتاع. وما رواه أبو بصير وأبو العباس وعبيد بن زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: ولا يملك أمه من الرضاعة ولا عمته ولا خالته إذا ملكن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع، وقال: يملك الذكور ما خلا والدا وولدا، ولا يملك من النساء ذات رحم محرم، قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم يجري من الرضاع مثل ذلك (2). وفي الصحيح عن الحلبي وابن سنان، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: تعتقه (3). وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - أنه سأله عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى تفطمه يحل لها بيعه؟ قال: لا حرم عليها ثمنه، أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله -: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) أليس قد صار ابنها (4) ولأنه لو ملكت المحرمات من الرضاع لساغ له الاستمتاع بهن، والثاني باطل إجماعا، فكذا المقدم. وبيان الملازمة قوله - عليه السلام -: (الناس مسلطون على أموالهم) وقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (5).

(1) سنن البيهقي: ج 7 ص 453، ومن لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 475 ح 4665.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 243 ح 877، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 1 ج 13 ص 29.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 243 ح 878، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العتق ح 1 ج 16 ص 11. (4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 880، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العتق ح 3 ج 16 ص 12.
(5) المؤمنون: 6.

[ 25 ]

احتج المانعون بما رواه أبو عيينة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: غلام بيني وبينه رضاع يحل لي بيعه؟ قال: إنما هو مملوك إن شئت بعته وإن شئت أمسكته (1). وعن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: يملك الرجل أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرضاعة (2). وعن إسحاق بن عمار، عن العبد الصالح - عليه السلام - قال سألته عن رجل كانت له خادم فولدت جارية فأرضعت خادمه ابنا له وأرضعت أم ولده ابنة خادمه فصار الرجل أبا ابنة الخادم من الرضاع أيبيعها؟ قال: نعم إن شاء باعها فانتفع بثمنها، قلت: فإنه قد وهبها لبعض أهله حين ولدت وابنه اليوم غلام شاب فيبيعها ويأخذ ثمنها ولا يستأمر ابنه أو يبعها ابنه؟ قال: يبيعها هو ويأخذ ثمنها ابنه ومال ابنه له، قلت: فيبيع الخادم وقد أرضعت ابنا له؟! قال: نعم وما أحب له أن يبيعها، قلت: فإن احتاج إلى ثمنها؟ قال: يبيعها (3). وعن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في بيع الأم من الرضاعة، قال: لا بأس بذلك إذا احتاج (4). وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اشترى الرجل أباه وأخاه فملكه فهو حر، إلا ما كان من قبل الرضاع (5). ولأصالة استصحاب الملك.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 881، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب بيع الحيوان ح 4 ج 13 ص 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 882، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب العتق ح 3 ج 16 ص 16.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 244 ح 844، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العتق ح 4 ج 16 ص 12.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ح 886.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ح 885.

[ 26 ]

والجواب عن الأحاديث: من حيث الاجمال ومن حيث التفصيل. أما الاجمال فهو الطعن في السند فإن في طريق الجميع الحسن بن محمد بن سماعة، وهو واقفي لم يوثقه علماؤنا، إلا حديث الحلبي، فإن في طريقه ابن فضال، وفيه قول، ولأن أحاديثنا مزيلة عن حكم الأصل فيكون راجحة على أحاديثكم. وأما التفصيل فالجواب عن الأول: إنا نقول بموجبه، لدلالته على تملك الأخ، وهو جائز في النسب والرضاع، وهو الجواب عن الثاني، لأن قوله: (يملك الرجل أخاه) صريح في ذلك، وقوله: (وغيره من ذوي قرابته) كذلك، لأن (ذوي) جمع مذكر. وعن الثالث: إن قوله - عليه السلام - في أول الخبر: (إن شاء باعها فانتفع بثمنها) قال الشيخ: إنه راجع إلى الخادم المرضعة دون ابنتها، ويؤيده التفسير في آخر الخبر حيث قال له السائل: (فيبيع الخادم وقد أرضعت ابنا له؟!) متعجبا من ذلك بقوله: (نعم) وإن كان ذلك مكروها، إلا عند الحاجة حسب ما قاله: (وما أحب له أن يبيعها) ولو كانت الخادم أم ولده من جهة النسب لجاز له بيعها (1). وعن الآخرين الحمل على الرضاع الفاقد لشرائي التحريم، قاله الشيخ قال: ويحتمل أن يكون (إلا) في الخبر الأخير بمعنى الواو، ويصير التقدير: وما كان من قبل الرضاع، قال الشيخ: ويحتمل قوله في بيع الأم من الرضاعة: (لا بأس بذلك) لأب الغلام، كما تقدم في خبر إسحاق بن عمار، ولا يكون المراد إنه يجوز ذلك للولد المرتضع، فليس في الخبر تصريح بذلك (2). والأصالة معارضة بالاحتياط.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ذيل الحديث 884.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 245 ذيل الحديث 886.

[ 27 ]

المطلب الثاني: في تحريم المصاهرة مسألة: المشهور عند علمائنا أجمع - إلا ابن أبي عقيل والصدوق - تحريم أم الزوجة مؤبدا، سواء دخل بالبنت أو لا، ذهب إليه الشيخان (1)، وسلار (2)، وأبو الصلاح (3) وغيرهم. وقال ابن أبي عقيل: قال الله تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) (4) ثم شرط في الآية شرطا فقال: (اللاتي دخلتم بهن - إلى قوله: - فلا جناح عليكم) (5) فالشرط عند آل الرسول في الأمهات والربائب جميعا الدخول، وإذا تزوج الرجل المرأة ثم ماتت عنه أو طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج بأمها وابنتها. وأما الصدوق، عن الصادق - عليه السلام - إنه سئل عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها هل له أن يتزوج ابنتها؟ قال: الأم والابنة في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلت له الأخرى (6). وقال في المقنع: إذا تزوج البنت فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الأم. وقد روي أن الأم والبنت في هذا سواء إذا لم يدخل بإحداهما حلت له

(1) المقنعة: ص 502، والنهاية ونكتها: ج 2 ص 290.
(2) المراسم: ص 145.
(3) الكافي في الفقه: ص 286.
(4) النساء: 23.
(5) النساء 23.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 414 ح 4447.

[ 28 ]

الأخرى (1). فجعله هنا رواية. وقال ابن الجنيد: كل من وقع عليه اسم أم امرأة دخل بها الرجل من قبل ابنتها أو أمهاتهم رحما ونسبا ورضاعا فهي محرمة على الرجل الداخل بالمرأة، لقول الله عز وجل: (وأمهات نسائكم) (2) وكذلك أيضا بناتها وبنات ولدها، لقوله عز وجل: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) وسواء كن في الحجور أو غير الحجور ولقول النبي - صلى الله عليه وآله -: (أيما رجل نكح امرأة ودخل بها بطلاق أو موت في تحريم امهاتها، لأن التحريم أتى منهما فأما بنات النساء فلا بأس بالعقد عليهن إذا لم يكن الزوج دخل بالأم، لقوله تعالى: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم). وليس في هذا القول تصريح بتحليل الأم مع عدم الدخول بالبنت ولا بتحريمه، لكن تقييد المرأة بالدخول بها يشعر بالاباحة. والمعتمد التحريم. لنا: عموم قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) ولم يشرط الدخول فيجري على العموم، قال ابن عباس في هذه الآية: أبهموا ما أبهم الله سبحانه (3). وما رواه إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاتي قد دخل بهن من في الحجور وغير الحجور سواء، والأمهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن فحرموا وأبهموا ما أبهم الله (4).

(1) المقنع: ص 103 - 104.
(2) النساء: 23.
(3) الكشاف: ج 1 ص 495.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 273 ح 1165، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 351.

[ 29 ]

وعنه - عليه السلام - قال: إذا تزوج البنت فدخل بها أو لم يدخل فقد حرمت عليه الأم (1). وعن أبي بصير قال: سألته عن رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها قال: تحل له ابنتها ولا تحل له أمها (2). وللاحتياط. احتج المانعون بقوله: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) فشرك الدخول في تحريمها، قضية للعطف. وما رواه جميل بن دراج وحماد بن عثمان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الأم والبنت سواء إذا لم يدخل بها - يعني: إذا تزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فإنه إن شاء تزوج أمها وإن شاء ابنتها - (3). وفي الصحيح عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج بأمها؟ فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، فقلت: جعلت فداك ما تفخر الشيعة إلا بقضاء علي - عليه السلام - في هذه السمجية التي أفتاها ابن مسعود أنه لا بأس بذلك، ثم إن عليا - عليه السلام - سأله فقال له علي - عليه السلام - من أين أخذتها؟ فقال: من قول الله عز وجل: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) فقال علي - عليه السلام -: إن هذه

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 273 ح 1166، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ج 14 ص 351.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 273 ح 1167، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4 ج 14 ص 351 - 352.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 273 ح 1168، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 355.

[ 30 ]

مستثناة وهذه مرسلة وأمهات نسائكم، فقال أبو عبد الله - عليه السلام - للرجل: أما تسمع ما يروي هذا عن علي - عليه السلام - فلما قمت ندمت وقلت: أي شئ صنعت يقول هو: قد فعله رجل منا فلم نر به بأسا، فأقول: أنا قضى علي - عليه السلام - فيها، فلقيته بعد ذلك فقلت: جعلت فداك مسألة الرجل إنما كان الذي كنت تقول: كان زلة مني فما تقول فيها؟ فقال: يا شيخ تخبرني إن عليا - عليه السلام - قضى فيها وتسألني ما تقول فيها (1). وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت له: رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم ماتت أيحل له أن يتزوج أمها؟ قال: سبحان الله كيف يحل له أمها وقد دخل بها، قال: قلت له: فرجل تزوج امرأة فهلكت قبل أن يدخل بها تحل له أمها؟ قال: وما الذي يحرم عليه منها ولم يدخل بها (2). وللأصل. والجواب: بمنع عود الوصف إلى الجملتين معا، فإنا قد بينا في أصول الفقه أولوية رجوع الوصف والشرط والاستثناء إلى الأخيرة من الجمل المتعاقبة (3). ولأن شري الدخول هنا عائد إلى الربائب خاصة، فإنه قال: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) (4) والربائب من النساء لا محالة، فيصح أن يرجع إليهن، لأنه شرط أن يكن من نسائنا وأمهات النساء ليس من نسائنا بل نساؤنا منهن، وإذا تعذر رجوع الشرط إلى الأولى وجب اختصاصه بالاخيرة، لأن شرط رجوعه إليهما لو قلنا به إمكان رجوعه إليهما.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 274 ح 1169، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 354.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 275 ح 1170، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5 ج 14 ص 356.
(3) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 141 و 143 و 144.
(4) النساء: 23.

[ 31 ]

وأما الحديثان الصحيحان فقد أجاب الشيخ عنهما بأنهما شاذان مخالفان لظاهر كتاب الله (قال الله تعالى: (وأمهات نسائكم) ولم يشترط الدخول بالبنت كما شرط في الأم، فينبغي أن تكون الآية على إطلاقها، ولا يلتفت إلى ما يخالفه ويضاده) (1) لما روي عنهم - عليهم السلام - ما أتاكم عنا فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق كتاب الله فخذوا به وما خالفه فاطرحوه (2). أو إنهما وردا على ضرب من التقية، لأن ذلك مذهب بعض العامة (3). وأجاب عن الثالث بما تقدم، وبأن محمد بن إسحاق بن عمار قال: (قلت له) ولم يذكر من هو، فجاز أن يكون المسؤول غير الإمام الذي يجب المصير إلى قوله (4). وفي جواب الشيخ عن الحديثين الأولين نظر، فإنا نمنع معارضتهما للكتاب، فإن الأصل في الوصف والشرط وإن كان الرجوع إلى الأخيرة إلا أنه يمكن عودهما إلى الجملتين معا، وهذان الحديثان قويان لا يبعد عندي العمل بهما، وما ذكره من تعذر الرجوع إلى الجملتين ضعيف، وبالجملة فنحن في هذه المسألة من المتوقفين، إلا أن الترجيح للتحريم، عملا بالاحتياط، وبفتوى الأكثر من الأصحاب. مسألة: اختلف علماؤنا بالزنا بالمرأة هل ينشر حرمة التزويج بأمها أو بنتها؟ فأثبته الشيخ (5)، وأبو الصلاح (6)، وابن البراج (7)، وابن زهرة (8)، وابن

(1) ما بين القوسين غير موجود في التهذيب، والظاهر أنه توضيح من العلامة.
(2) تهذيب الحكام: ج 7 ص 275 ذيل الحديث 1169.
(3) المغني لابن قدامة: ج 7 ص 473، المجموع: ج 16 ص 217 - 218.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 275 ذيل الحديث 1170.
(5) الخلاف: ج 4 ص 310 المسألة 83.
(6) الكافي في الفقه: ص 286.
(7) المهذب: ج 2 ص 188. (8) الغنية (الجوامع الفقهية): 547.

[ 32 ]

حمزة (1). وقال المفيد (2)، والسيد المرتضى (3)، والصدوق في المقنع (4)، وسلار (5)، وابن إدريس (6): إنه لا ينشر، فيحل للرجل نكاح أم المزني بها وابنتها، سواء تقدم العقد على الزنا أو تأخر. والمعتمد الأول. لنا: عموم قوله تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن (7)) والمزني بها يصدق عليها أنها من النساء، إذ الاضافة إلى الشئ يكفي فيها أدنى ملابسة، كقولك لأحد حاملي الخشبة: خذ ي رفك، وقوله: (إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة) فأضاف الكوكب إليها لشدة سيرها فيه. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه سئل عن رجل يفجر بالمرأة أيتزوج ابنتها؟ قال: لا ولكن إن كانت عنده امرأة ثم فجر بأمها أو أختها لم تحرم عليه التي عنده (8). وفي الصحيح عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل باشر امرأة وقبل غير أنه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها، فقال: إذا لم

(1) الوسيلة: ص 292.
(2) المقنعة: ص 504.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 245 المسألة 149.
(4) المقنع: ص 108.
(5) المراسم: ص 149.
(6) السرائر: ج 2 ص 526.
(7) النساء 23.
(8) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 329 ح 1352، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالصاهرة ح 1 ج 14 ص 322.

[ 33 ]

يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، وإن كان أفضى إليها فلا يتزوج ابنتها (1). وفي الصحيح عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - في رجل كان بينه وبين امرأة فجور هل يتزوج ابنتها؟ قال: إن كان قبلة أو شبهها فليتزوج ابنتها، وإن كان جماعا فلا يتزوج ابنتها وليتزوجها هي (2). ولأن التحريم إن ثبت من جهة الرضاع ثبت من جهة النسب، فالمقدم ثابت فالتالي مثله. وبيان الشرطية: إن الحكم إذا ثبت في الأعلى كان ثبوته في الأدنى أولى. وبيان صدق المقدم ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل فجر بامرأة أيتزوج أمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام - في رجل فجر بامرأة أيتزوج أمها من الرضاعة أو ابنتها؟ قال: لا (4). ولأنه أحوط، ولأن ما تعلق من التحريم بالوطئ المباح يتعلق بالمحظور كوطئ المحرمة والحائض. احتج الاخرون بقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (5) وبقوله

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 330 ح 1365، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح ج 14 ص 322.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 330 ح 1357، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4 ج 14 ص 323.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 331 ح 1360، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 325.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 33 ح 1361، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 325.
(5) النساء: 24.

[ 34 ]

تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) (1). وبما رواه هشام بن المثنى قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - جالسا فدخل عليه رجل فسأله عن الرجل يأتي المرأة حراما أيتزوجها؟ قال: نعم وأمها وابنتها (2). وعن هشام بن المثنى قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فقال له رجل: رجل فجر بامرأة أيحل له ابنتها؟ قال: نعم إن الحرام لا يفسد الحلال (3). وعن حنان بن سدير قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - إذ سأله سعيد عن رجل تزوج امرأة سفاحا أيحل له ابنتها؟ قال: نعم إن الحرام لا يحرم الحلال (4). وللأصل، ولأنه وطء لا حرمة له فلا يوجب تحريما. والجواب: إنا نقول بموجب الآية الأولى، فإن المتنازع عندنا داخل في المنصوص على تحريمه قبل ذلك، وكذا نقول بموجب الآية الثانية، فإن الإباحة تناولت ما طاب - أي ما أبيح - لا ما توهمه ابن إدريس (5) من الشهوة البهيمية. وعن الأحاديث بالقول بالموجب أيضا، والمراد من الفجور ما يكون دون الوطئ والافضاء، أما مع الافضاء فلا يجوز، ويؤيد هذا التأويل رواية عيص ومنصور بن حازم، والأصل إنما يعمل به مع عدم دليل مخرج عنه، أما مع

(1) النساء: 3.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 326 ح 1343، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب المصاهرة ح 7 ج 14 ص 324.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 328 ح 1350، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 10 ج 14 ص 324.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 328 ح 1351، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 11 ج 14 ص 325.
(5) السرائر: ج 2 ص 524.

[ 35 ]

وجود دليل فلا، ونمنع الملازمة. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله -: تحرم الزانية على أب الزاني وابنه (1)، وهو مذهب أبي الصلاح (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن زهرة (5). ونقل ابن إدريس عن المفيد والسيد المرتضى الإباحة وأفتى به (6). والمعتمد الأول. لنا قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) (7) والاستدلال على تعميم التحريم بهذه الآية يتوقف على مقامين: الأول: إن النكاح يراد به الوطئ كما يراد به العقد، ويدل عليه أنه حقيقة في اللغة للوطئ إجماعا فيكون كذلك في الشرع، لأصالة البقاء وعدم النسخ والتغيير، وقد استعمل فيه كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم) (8) وغير ذلك من الآيات والآثار، بل نقول: إنه لما كان حقيقة في الوطئ لم يكن حقيقة في غيره وإلا لزم الاشتراك، والأصل عدمه، واستعماله في العقد في نحو قوله تعالى: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) (9) مجاز، لأنه خير من الاشتراك. ووجه حسن المجاز إن العقد يؤدي إلى الوطئ فأشبه العلة فحسن التجوز، ولو سلم أنه حقيقة فيه لكن حقيقة شرعية، فلا يمنع من استعماله في حقيقته اللغوية، بل قد استعمل كما بيناه. إذا تقرر هذا فنقول: النهي يتناول النكاح - بمعنى الوطئ - لأنه حقيقة فيه، إذا تقرر هذا فنقول: النهي يتناول النكاح - بمعنى الوطئ - لأنه حقيقة فيه،

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 290.
(2) الكافي في الفقه: ص 286. (3) المهذب: ج 2 ص 183.
(4) الوسيلة: ص 293.
(5) الغنية (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 18 ص 270.
(6) السرائر: ج 2 ص 524.
(7) النساء: 22.
(8) النساء: 3.
(9) الاحزاب: 49..

[ 36 ]

ولأنه لما كان العقد المؤدي إلى الوطئ لا دائما يثمر انتشار الحرمة كان الوطئ الذي هو أبلغ منه أولى. المقام الثاني: إنه لما ثبت تحريم منكوحة الأب بالزنا ثبت تحريم منكوحة الإبن بالزنا أيضا، إذ لا قائل بالفرق. وما رواه أبو بصير في الصحيح قال: سألته عن الرجل يفجر بالمرأة أتحل لابنه أو يفجر بها الإبن أتحل لأبيه؟ قال: إن كان الأب أو الإبن مسها واحد منهما فلا تحل (1). والظاهر أن أبا بصير أسند ذلك إلى الإمام، لأن عدالته تقتضي ذلك. وفي الحسن عن علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل زنى بامرأة هل يحل لابنه أن يتزوجها؟ قال: لا (2). وفي الموثق عن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد أو الرجل يزني بالمرأة هل يحل لابنه أن يتزوجها؟ قال: لا إنما ذلك إذا تزوجها فوطأها ثم زنى بها ابنه لم يضره، لأن الحرام لا يفسد الحلال، وكذلك الجارية (3). ولفظة (إنما) للحصر. واحتج الاخرون بالأصل، وبقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (4) وهذه قد طابت.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282، ح 1194، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 328. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282 ح 1195، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 328.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 320.
(4) النساء: 3.

[ 37 ]

وبما رواه محمد بن منصور الكوفي قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن الغلام يعبث بجارية لا يملكها ولم يدرك أيحل لأبيه أن يشتريها ويمسها؟ قال: لا يحرم الحرام الحلال (1). والجواب: الأصل يعدل عنه عند وجود المعارض، والآية غير دالة على المطلوب، لما تقدم من أن المراد ب (طاب) أبيح وحلل لا متعلق الشهوة، والرواية بعد سلامة سندها عن المطاعن لا تدل على المطلوب أيضا، فإن العبث لا يستلزم الجماع. قال ابن إدريس: الاستدلال بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) تمسك ببيت العنكبوت، لأنه لا خلاف أنه إذا كان في الكلمة عرفان لغوي وشرعي كان الحكم لعرف الشرع دون عرف اللغة، ولا خلاف أن النكاح في عرف الشرع هو العقد حقيقة، وهو الطارئ على عرف اللغة وكالناسخ له، والوطئ الحرام لا يطلق عليه في عرف الشرع اسم النكاح بلا خلاف. قال الشيخ أبو جعفر في كتاب العدة: أن النكاح اسم للوطئ حقيقة ومجاز في العقد، لأنه موصل إليه، وإن كان بعرف الشرع قد اختص بالعقد - كلفظ الصلاة وغيرها - فقد اعترف أنه قد اختص بعرف الشرع بالعقد، وأيضا قوله تعالى: (من قبل أن تمسوهن) سمي العقد نكاحا بمجرده، وقول الرسول - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) دليل على صحة ما قلناه واخترناه (2). وهذا الكلام في غاية السقوط، أما نسبة الاستدلال بالاية إلى الضعف

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 283 ح 1198، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5 ج 14 ص 320. (2) السرائر: ج 2 ص 524..

[ 38 ]

فجهل منه بمواقع الالفاظ، فإن كون النكاح مستعملا في عرف الشرع في العقد لا ينافي الحقيقة الأصلية ولا الاستعمال الشرعي فيها، وقد بينا وروده في الوطئ شرعا في قوله تعالى: (فانكحوا) (1) وقوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (2) وقوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن) (3). وقوله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) (4) والتعليل يدل على إرادة الوطئ، وقوله تعالى: (إن أراد النبي أن يستنكحها) (5) وقوله - عليه السلام -: (تناكحوا تناسلوا) (6) وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. وأما قوله: (والوطئ الحرام لا يطلق عليه في عرف الشرع اسم النكاح) وادعاء الاجماع عليه خطأ، ولهذا يقسم النكاح إلى محلل ومحرم في الشرع، ومورد القسمة مشترك بين الأقسام وصادق عليها، وإلا فليست الأقسام أقساما له، إذ مقتضى القسمة انضياف مشخصات أو مميزات متعاندة إلى طبيعة كلية، بحيث تكون تلك الطبيعة مع ذلك المميز أو المشخص نوعا أو صنفا أو شخصا معاندا للمركب من مقابله مع تلك الطبيعة الكلية المقسومة. وقوله تعالى: (من قبل أن تمسوهن) (7) نقول بموجبه، فإنا قد بينا استعمال النكاح في العقد شرعا إما حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا. وأما استدلاله بقوله - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) (8) فغير دال على مطلوبه، فإن الحلال حقيقة هو المتصف بما رفع عنه الحرج في الحال، والمزني بها قبل عقد الأب والابن ليست حلالا لأحدهما وإنما تحل بالعقد، ونحن نقول: إنها لو كانت حلالا ثم زنى بها لم تحرم.

(1) النساء: 3.
(2) البقرة: 230.
(3) النساء: 25.
(4) النور: 32.
(5) الاحزاب: 50.
(6) عوالي اللئالي: ج 3 ص 288 ح 38.
(7) الاحزاب: 49. (8) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 649 ح 2015.

[ 39 ]

مسألة: لو سبق العقد من الأب أو الإبن علي امرأة ثم زنى بها الآخر لم تحرم على العاقد، سواء دخل العاقد قبل الزنا من الآخر أو لم يدخل، ذهب إليه أكثر علمائنا. وشرط ابن الجنيد في الإباحة الوطئ فلو عقد ولم يدخل فزنى الآخر حرمت على العاقد أبدا، ولو دخل لم تحرم. لنا: الأصل الإباحة. ولأنها ثابتة قبل الزنا بمجرد العقد فيستصحب. ولقوله - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) (1) وهي حلال بالعقد، فلا يقتضي الوطئ الحرام تحريما. احتج بعموم قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) (2) ولا فرق بين الأب والابن عند أحد. وما رواه عمار، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد أو الرجل يزني بالمرأة هل يحل لابنه أن يتزوجها؟ قال: لا إنما ذلك إذا تزوجها فوطأها ثم زنى بها ابنه لم يضره، لأن الحرام لا يفسد الحلال، وكذلك الجارية (3). والجواب: التخصيص بما بعد الوطئ، وكذا بما بعد العقد، لاشتراكهما في سبب التحليل، بل الثاني أولى، فإن المقتضي للتحريم على الغير إنما هو العقد دون الوطئ، والتقييد بالوطئ في الحديث استدلال بالمفهوم، وهو ضعيف، والسند أيضا ضعيف.

(1) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 649 ح 2015.
(2) النساء: 22.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 214 ص 320.

[ 40 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا ملك الرجل جارية فوطأها ابنه قبل أن يطأها حرم على الأب وطئها، فإن وطأها بعد وطئ الأب لم يحرم ذلك على الأب وطئها (1). وبه قال ابن الجنيد، وأبو الصلاح (2). وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإن زنى رجل بامرأة ابنه أو بامرأة أبيه أو بجارية أبيه فإن ذلك لا يحرمها على زوجها، ولا تحرم الجارية على سيدها، وإنما يحرم ذلك إذا كان منه بالجارية وهي حلال فلا تحل تلك الجارية أبدا لابنه ولا لأبيه (3). وقال ابن إدريس: لا فرق بين أن يطأ الولد جارية الأب قبل وطئ الأب أو بعده في عدم التحريم (4). احتج الشيخ بما رواه عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل تكون له الجارية فيقع عليها ابن ابنه قبل أن يطأها الجد أو الرجل يزني بالمرأة هل يحل لابنه أن يتزوجها؟ قال: لا إنما ذلك إذا تزوجها فوطأها ثم زنى بها ابنه لم يضره، لأن الحرام لا يفسد الحلال، وكذلك الجارية (5). احتج ابن إدريس بقوله - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) وبقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم) وقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) وهذه ملك يمين، والأصل الإباحة، فلا يرجع عن هذه الأدلة القاهرة بأخبار الاحاد (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 290 - 291.
(2) الكافي في الفقه: ص 286.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 418 ذيل الحديث 4456.
(4) السرائر: ج 2 ص 529.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 320.
(6) السرائر: ج 2 ص 529.

[ 41 ]

ونحن في هذه المسألة من المتوقفين، ورواية الشيخ ضعيفة السند، لكن يعضدها ما تقدم من الروايات الدالة على التحريم لو زنى الإبن بامرأة الأب، والملك وإن أثمر الإباحة لكن يظهر أثره بالوطئ، إذ قد يملك من لا يباح له وطؤها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو نظر الأب أو الإبن أو قبل بشهوة جارية قد ملكها حرم على الآخر وطؤها (1)، وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3). وعد أبو الصلاح في المحرمات أمة الأب المنظور إليها بشهوة (4). وقال سلار: وقد روي أن الأب إذا نظر من أمته إلى ما يحرم على غيره النظر إليه بشهوة لم تحل لابنه أبدا (5). وقال شيخنا المفيد: من ابتاع جارية فنظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبله ابتياعها بشهوة فضلا عن لمسها لم تحل لابنه بملك يمين ولا عقد نكاح أبدا، وليس كذلك حكم الإبن إذا نظر من أمة يملكها إلى ما وصفناه (6). وقال في باب السراري: إذا نظر الأب إلى جارية قد ملكها نظرا بشهوة حرمت على ابنه، ولا تحرم على الأب بنظر الإبن ذلك دون غيره (7). ففرق بين الأب والابن في ذلك. وقال ابن إدريس: لا يحرم على أحدهما لو نظر الآخر، أو قبل وإن كانا بشهوة، بل المقتضي للتحريم الوطئ، لأصالة الإباحة، وقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) ثم قال: وهذا مذهب شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان، والفقيه أبي يعلى سلار، قال: وبه أفتي (8). وفي نقله عن الشيخين نظر.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 290.
(2) المهذب: ج 2 ص 246.
(3) الوسيلة: ص 293.
(4) الكافي في الفقه: ص 286.
(6) المراسم: ص 149.
(6) المقنعة: ص 502.
(7) المقنعة: ص 543.
(8) السرائر: ج 2 ص 528.

[ 42 ]

والأقرب قول الشيخ. لنا: قوله تعالى: (وحلائل أبنائكم) (1) مقتضاه التحريم بمجرد الملك، خرج عنه ما إذا تجرد عن الجماع والنظر اللمس، لانتفاء الثمرة المؤكدة لتمامية التحريم، فبقي غير المجرد على العموم. وأيضا قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) (2) وشراء الأمة مع النظر أو اللمس بشهوة أقوى في نشر الحرمة من العقد المجرد عن الوطئ. وما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - وقد سأله عن الرجل يكون له الجارية فيقبلها هل تحل لولده؟ فقال: بشهوة؟ قلت: نعم، قال: ما ترك شيئا إذا قبلها بشهوة، ثم قال ابتداء منه: إن جردها فنظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه، قلت: إذا نظر إلى جسدها؟ فقال: إذا نظر إلى فرجها وجسدها بشهوة حرمت عليه (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا جرد الرجل الجارية ووضع يده عليها فلا تحل لابنه (4). والجواب عما قاله ابن إدريس ما تقدم مرارا: من أن الأصل متروك مع وجود دليل مخرج عنه، والآية مخصوصة بالاجماع في صور، فليخص هنا جمعا بين الأدلة. مسألة: قال الشيخان (5)، والسيد المرتضى (6): من فجر بعمته أو خالته

(1) النساء: 23.
(2) النساء: 22. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 281 ح 1192، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 317.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 282 ح 1193، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4 ج 14 ص 317.
(5) المقنعة: ص 501، والنهاية ونكتها: ج 2 ص 291.
(6) الانتصار: ص 108.

[ 43 ]

حرمت عليه بناتهما أبدا. وهو قول سلار (1)، وابن حمزة (2). وقال ابن إدريس: وقد روي أن من فجر بعمته أو خالته لم تحل له ابنتاهما أبدا، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته وشيخنا المفيد في مقنعته والسيد المرتضى في انتصاره، فإن كان على المسألة إجماع فهو الدليل عليها، ونحن قائلون وعاملون بذلك، وإن لم يكن إجماع فلا دليل على تحريم البنتين المذكورتين من كتاب ولا سنة ولا دليل عقل، وليس دليل الاجماع في قول رجلين ولا ثلاثة ولا من عرف اسمه ونسبه، لأن وجه كون الاجماع حجة عندنا دخول قول معصوم من الخطأ في جملة القائلين بذلك، فإذا علمنا في جماعة قائلين بقول إن المعصوم ليس هو في جملتهم لا نقطع على صحة قولهم إلا بدليل غير قولهم، وإذا تعين المخالف من أصحابنا باسمه ونسبه لم يؤثر خلافه على دلالة الاجماع، لأنه إنما كان حجة لدخول قول المعصوم فيه لا لأجل الاجماع، ولما ذكرناه يستدل المحصل من أصحابنا على المسألة بالاجماع وإن كان فيها خلاف من بعض أصحابنا المعروفين بالأسامي والأنساب (3). وهذا يشعر بعدم جزمه بالتحريم وتوقفه فيه، ولا بأس بالوقف في هذه المسألة، فإن عموم قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (4) يقتضي الإباحة. وأما التحريم فمستنده ما رواه أبو أيوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سأله محمد بن مسلم - وأنا جالس - عن رجل نال من خالته وهو شاب ثم ارتدع أيتزوج ابنتها؟ قال: لا، قال: إنه لم يكن أفضى إليها إنما كان شئ

(1) المراسم: ص 149.
(2) الوسيلة: ص 292. (3) السرائر: ج 2 ص 529 - 530.
(4) النساء: 24.

[ 44 ]

دون ذلك، قال: كذب (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا تزوج الرجل بصبية لم تبلغ تسع سنين فوطأها فرق بينهما، ولم تحل له أبدا (2). وقال المفيد: الرجل إذا جامع الصبية ولها دون تسع سنين فأفضاها كان عليه دية نفسها والقيام بها حتى يفرق الموت بينهما (3). وقال ابن الجنيد: فإن أولج عليها فأفضاها قبل تسع سنين فعليه ألا يطلقها حتى تموت وينفق عليها ويقوم بأمرها، فإن أحب طلاقها أغرم ديتها ولزمه مع ذلك مهرها. وقال ابن حمزة - لما عد المحرمات وذكر من جملتها -: والتي أفضاها بالوطئ وهي في حباله ولها دون تسع سنين، وتبين منه بغير طلاق (4). وكلام المفيد ظاهر في عدم البينونة، وكلام الشيخ ظاهر فيها، وكلام ابن حمزة صريح فيها. وقال ابن إدريس: إنها تحرم مؤبدا لكن لا تبين منه، ولا ينفسخ عقدها بمجرد ذلك، بل هو بالخيار بين أن يطلقها أو يمسكها، ولا يحل له وطؤها أبدا، وليس بمجرد الوطئ تبين منه وينفسخ عقدها، وكما يظن ذلك من لا يحصل شيئا من هذا الفن، ولا يفهم معنى ما يقف عليه من سواد الكتب. ومعنى قول الشيخ: (فرق بينهما) أي في الوطئ دون بينونة العقد وانفساخه لاجماع أصحابنا على أن من دخل بامرأة ووطأها ولها دون تسع سنين وأراد طلاقها

تهذيب الأحكام: ج 7 ص 311 ح 1291، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 329.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 292 - 293.
(3) المقنعة: ص 747.
(4) الوسيلة: ص 292.

[ 45 ]

طلقها على كل حال ولا عدة عليها بعد الطلاق، فإذا كانت قد بانت بوطئه لها قبل بلوغ التسع فلا حاجة إلى طلاقها (1). والشيخ رحمه الله - روى في الاستبصار عن بريد العجلي، عن الباقر - عليه السلام - في رجل افتض جارية - يعني: امرأته - فأفضاها، قال: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين، قال: فإن أمسكها ولم يطلقها فلا شئ عليه، وإن كان دخل بها ولها تسع سنين فلا شئ عليه، إن شاء أمسك وإن شاء طلق (2). ثم قال: وأما ما رواه ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج جارية فوقع بها فأفضاها قال: عليه الاجراء عليها ما دامت حية، فلا ينافي الأول، لأنا نحمل هذا الخبر على من وطأها بعد تسع سنين، فإنه لا يكون عليه الدية، وإنما يلزمه الاجراء عليها ما دامت حية، لأنها لا تصلح للرجل، ثم قال: ولا ينافي هذا قوله في الخبر الأول: (إن شاء طلق وإن شاء أمسك) إذا كان الدخول بعد تسع سنين، لأنه قد ثبت له الخيارين إمساكها أو طلاقها، ولا يجب عليه واحد منهما وإن كان يلزمه النفقة عليها على كل حال (3). ثم قال: وأما الخبر الذي رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فرق بينهما ولم تحل له أبدا. فلا ينافي ما تضمنه خبر بريد من قوله: (فإن أمسكها

(1) السرائر: ج 2 ص 530.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 294 ح 1109، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 381.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 294 ح 1110 وذيله.

[ 46 ]

ولم يطلقها فلا شئ عليه) لأن الوجه أن نحمله على أن المرأة إذا اختارت المقام معه واختار هو أيضا ذلك ورضيت بذلك عن الدية كان ذلك جائزا، ولا يجوز له وطؤها على حال على ما تضمنه الخبر الأخير حتى نعمل بالأخبار كلها (1). ثم قال: وأما ما رواه الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليه السلام - إن رجلا أفضى امرأة فقومها قيمة الأمة الصحيحة وقيمتها مفضاة ثم نظر ما بين ذلك فجعلها من ديتها وجبر الرجل على إمساكها. قال: فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من التقية، لأن ذلك مذهب كثير من العامة (2). ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. تنبيه: التحريم منوط بالافضاء واطلاق الشيخ في النهاية مشكل، والظاهر أن مراده ذلك. تذنيب: إذا أفضاها وجب عليه المهر والنفقة ما داما حيين، فإذا مات أحدهما سقطت النفقة، قال في الخلاف: هذا إذا كان في عقد صحيح أو شبهة، فأما إذا كان مكرها لها فإنه يلزمه ديتها ولا مهر (3). وقال ابن إدريس: عقد الشبهة لا يلزمه النفقة، لأصالة البراءة، وقوله: (لا مهر لها مع الاكراه) غير واضح، لأنا نجمع عليه الأمرين الدية والمهر، لأنها ليست بغيا، والنهي إنما هو عن مهر البغي (4). وقول ابن إدريس جيد. مسألة: قد بينا فيما سلف أن الزنا ينشر حرمة المصاهرة على قول كثير من أصحابنا، ومنع آخرون منه، ويلزم القائل بذلك في الزنا القول به في عقد

(1) الاستبصار: ج 4 ص 295 ح 1111 وذيله.
(2) الاستبصار: ج 4 ص 295 ح 1112 وذيله.
(3) الخلاف: ج 4 ص 395 المسألة 41.
(4) السرائر: ج 2 ص 605..

[ 47 ]

الشبهة ووطئ الشبهة. وقال ابن إدريس: فأما عقد الشبهة ووطئ الشبهة فعندنا لا ينشر الحرمة، ولا يثبت به تحريم المصاهرة (1) بحال. والوجه الأول، وقد تقدم. مسألة: قد بينا الخلاف في أن نظر الأب أو الإبن بشهوة أو تقبيلهما كذلك ينشر حرمة المصاهرة. بقي هنا بحث آخر وهو: إن النظر والتقبيل واللمس بشهوة هل ينشر الحرمة في غير الأب والابن أم لا؟ قال ابن الجنية: وإذا أتى الرجل من زوجته أو أمته محرما على غيره - كالقبلة والملامسة أو النظر إلى عورة عمدا - فقد حرمت عليه ابنتها من نسب كانت أو رضاع بكل معنى من عقد النكاح، ويفرق للاجتماع أو يفرق في عقد. وجمع الاستحلال في زمان واحد، فحكم بتحريم البنت بمجرد النظر إلى عورة الأم. وقال الشيخ في الخلاف: اللمس بشهوة - مثل القبلة واللمس - إذا كان مباحا أو بشبهة ينشر التحريم، وتحرم الأم وإن علت والبنت وإن نزلت، واستدل عليه بإجماع الفرقة وأخبارهم (2). ثم قال في مسألة أخرى: إذا نظر إلى فرجها تعلق به تحريم المصاهرة، واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم وطريقة الاحتياط، وروي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها، وقال - عليه السلام -: من كشف قناع امرأة حرم عليه أمها وبنتها (3) واستدلاله يدل على فتواه بالتحريم، والوجه الإباحة. لنا: قوله تعالى: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح) (4) والنظر واللمس

(1) السرائر: ج 2 ص 535.
(2) الخلاف: ج 4 ص 308 المسألة 81. (3) الخلاف: ج 4 ص 309 المسألة 82.
(4) النساء: 23.

[ 48 ]

والتقبيل بشهوة ليس شئ منها دخولا. والتقريب بعد ذلك أن نقول: لم يفرق أحد بين البنت وأم الأمة، وقد ثبت في البنت الإباحة وكذا أم الأمة. وما رواه عيص بن القاسم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل باشر امرأته وقبل غير أنه لم يفض إليها ثم تزوج ابنتها، قال: إن لم يكن أفضى إلى الأم فلا بأس، وإن كان أفضى فلا يتزوج (1). احتج الاخرون بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فنظر إلى رأسها وإلى بعض جسدها أيتزوج ابنتها؟ قال: لا إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوج ابنتها (2). وعن أبي الربيع قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن رجل تزوج امرأة فمكث معها أياما لا يستطيعها غير أنه قد رأى منها ما يحرم على غيره ثم طلقها أيصلح له أن يتزوج ابنتها؟ فقال: لا يصلح له وقد رأى من أمها ما رأى (3). ومثله رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - (4). والجواب: ما قاله الشيخ في الاستبصار من الحمل على الكراهة دون التحريم، لأنه تعالى علق التحريم على الدخول حسب ما تضمنه الخبر الأول (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 280 ح 1186، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 35.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 280 ح 1187، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 353.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 280 ح 1188، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 353.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 280 ح 1187، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ذيل الحديث 2 ج 14 ص 353.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 163 ذيل الحديث 592.

[ 49 ]

مسألة: لا يجوز الجمع بين الأختين في العقد ولا بين الخمس ولا بين الإثنين وعنده ثلاث إجماعا، فإن فعل دفعة قال الشيخ في النهاية: يتخير في الأختين إن شاء (1). وكذا في الزائد على الأربع، وهو قول ابن الجنيد، وابن البراج (2). وقال ابن إدريس: يبطل العقد (3)، وبه قال ابن حمزة (4). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل تزوج أختين في عقد واحد، قال: هو بالخيار أن يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأخرى (5). وفي الحسن بن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - في رجل تزوج خمسا في عقد، قال: يخلي سبيل أيتهن شاء ويمسك الأربع (6). ولأن المقتضي للاباحة ثابت، والمانع لا يصلح للمعارضة فيجب ثبوت الحكم. أما وجود المقتضي فلأن المقتضي للاباحة - وهو العقد - ثابت، إذ العقد عليهما عقد على كل واحدة منهما، وأما انتفاء المعارض فلأنه ليس إلا انضمام العقد على الأخت الأخرى إليه، لكنه لا يقتضي تحريم المباح، كما لو جمع بين محرمة عينا ومحللة عينا في عقد واحد، وكما لو جمع بين المحلل والمحرم في البيع، ولا فرق إلا الإطلاق والتعيين، ولا أثر له في التحريم، إذ في التعيين تحرم واحدة معينة فيبطل العقد عليها، وتحل أخرى معينة فيحل العقد عليها، وفي

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 296.
(2) المهذب: ج 2 ص 185.
(3) السرائر: ج 2 ص 539.
(4) الوسيلة: ص 294.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 285 ح 1203، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 368.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 295 ح 1237، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ح 1 ج 14 ص 403..

[ 50 ]

الإطلاق يحل واحدة مطلقة وتحرم أخرى مطلقة وقد عقد عليهما معا فيدخلان في العقد، إذ لا وجود للكلي إلا في جزئياته. واعلم أن الرواية في طريقها علي بن السندي، ولا يحضرني الان حاله، غير أن طريق الشيخ إلى ابن أبي عمير جيد، وهو الراوي، ولا يضر الإرسال، لأن مراسيل ابن أبي عمير معمول عليها. احتج ابن إدريس بأنه عقد منهي عنه (1)، والنهي يدل على الفساد. مسألة: الاعتبار في التقارن والترتيب في العقد لا بالخطبة عند أكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد: ولا يجوز لمسلم أن يجمع في عقد واحد على أكثر من أربع نسوة، ولا أن يفرق العقود ويجمعهن بالملك لفروجهن في وقت واحد، ولا أن يعقد على أختين كذلك، فإن فعل ذلك في العقد على خمس صح العقد على أربع وبطل عن واحدة وكذلك في الأختين، ويبطل العقد على المذكورة آخرهن أما في الخطبة أو في إجابة الولي، فإن لم يقع هناك تسمية ولا إشارة كان الزوج مخيرا في التي تحل منهن. لنا: إن المقتضي للاباحة والتحريم إنما هو العقد دون الخطبة وإجابة الولي. مسألة: لو عقد على الأختين مرتبا صح عقد الأولى وبطل الثاني، فإن وطأ الثانية فرق بينهما. قال الشيخ في النهاية: ولا يرجع إلى نكاح الأولة حتى تخرج التي وطأها من عدتها (2)، وبه قال ابن البراج (3)، وابن حمزة (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 539.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 296.
(3) المهذب: ج 2 ص 184.
(4) الوسيلة: ص 293..

[ 51 ]

وقال ابن إدريس: لا دليل على صحة هذه الرواية، والذي يقتضيه أصول المذهب أنه لا يمنع من وطئ امرأته الأولى (1). وقال ابن الجنيد: لو تزوج بأخت امرأته وهو لا يعلم فرق بينهما إن كان لم يدخل بالثانية، فإن دخل بالاخيرة خير أيتهما شاء، ولا يقرب التي يختار حتى ينقضي عدة التي فارق، فإن أحب العود إلى التي فارقها لم يجز له أن يعقد حتى يفارق التي كانت في حباله، إما بطلاق بين أو خلع تبين به عصمتها، ثم لا يكون له عليها رجعة أو تموت والمعتمد الأول. لنا: إن الأولى زوجة ثبت نكاحها والعقد عليها، فلا يؤثر فيه العقد المتجدد، ويختص البطلان بالمتجدد، لأنه المنهي عنه الواقع باطلا، لأن الجمع يتحقق به، فلا وجه للتخير. وما رواه زرارة في الصحيح قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل تزوج امرأة بالعراق ثم خرج إلى الشام فتزوج امرأة أخري فإذا هي أخت امرأته التي بالعراق، قال: يفرق بينه وبين التي تزوجها بالشام، ولا يقرب المرأة حتى تنقضي عدة الشامية، قلت: فإن تزوج امرأة ثم تزوج أمها وهو لا يعلم أنها أمها، قال: قد وضع الله تعالى عنه جهالته بذلك، ثم قال: إذا علم أنها أمها فلا يقربها ولا يقرب البنت حتى تنقضي عدة الأم منه، فإذا انقضت عدة الأم حل له النكاح البنت، قلت: فإن جاءت الأم بولد، قال: هو ولده ويكون ابنه أخا لامرأته (2). لا يقال: في طريق الرواية ابن بكير وهو فطحي فكيف جعلتم الرواية في

(1) السرائر: ج 2 ص 536.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 285 ح 1204، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 368.

[ 52 ]

الصحيح؟ لأنا نقول: قال الكشي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن ابن بكير (1). احتج ابن الجنيد بما رواه أبو بكر الحضرمي في الصحيح قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل نكح امرأة ثم أتى أرضا فنكح أختها وهو لا يعلم، قال: يمسك أيتهما شاء ويخلي سبيل الأخرى (2). ولأنهما عقدان استباح بهما ظاهرا وطأهما فيتخير، لامتناع الجمع وعدم الأولوية، كما في التقارن. والجواب: إنا نقول بموجب الرواية، والمراد إمساك الأولى بالعقد الثابت المستقر، وإن أراد إمساك الثانية طلق الأولى وابتدأ العقد على الثانية. بقي هنا بحث وهو: إنه هل تحرم الأولى مدة عدة الثانية؟ ظاهر كلام الشيخ في النهاية ذلك (3). والوجه الحمل على الكراهية، عملا بأصالة الإباحة، ولوجود المقتضي لها، وهو العقد السابق السالم عن المعارض، وهو تجدد على الأخت، فإنه لا يقتضي تحريما مع العلم، لقوله - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) (4) وكذا مع الجهل، والعدة غير مانعة، لأنها بائنة، والجمع بين الأختين منتف. مسألة: لو ملك الأختين جاز له نكاح أيتهما شاء، فإذا وطأ إحديهما حرم عليه وطئ الأخرى حتى تخرج الأولى عن ملكه ببيع أو هبة أو غيرهما، فإن وطأ

(1) رجال الكشي: ص 375.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 285 ح 1205، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 369.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 296.
(4) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 649 ح 2015. .

[ 53 ]

الثانية بعد وطئه للأولى وكان عالما بتحريم ذلك عليه قال الشيخ في النهاية: حرمت عليه الأولى حتى تموت الثانية، فإن أخرج الثانية من ملكه ليرجع إلى الأولى لم يجز له الرجوع إليها، وإن أخرجها من ملكه لا لذلك جاز له الرجوع إلى الأولى، وإن لم يعلم تحريم ذلك عليه جاز له الرجوع إلى الأولى على كل حال إذا أخرج الثانية عن ملكه ببيع أو هبة (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن حمزة (3) على ذلك كله. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب ويقوى في نفسي أنه إذا أخرج أحدهما من ملكه حلت الأخرى، سواء أخرجها ليعود إلى من هي باقية في ملكه أو لا ليعود، عالما بالتحريم كان أو جاهلا (4). والمعتمد الأول، لما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن رجل كان عنده اختان مملوكتان فوطأ أحدهما ثم وطأ الأخرى، قال: إذا وطأ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى حتى تموت الأخرى، قلت: أرأيت إن باعها أتحل له الأولى؟ قال: إن كان يبيعها بحاجة ولا يخطر على قلبه من الأخرى شئ فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان إنما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا ولا كرامة (5). ونحوه روى أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - (6). وعن علي بن أبي حمزة، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ملك أختين أيطأهما جميعا؟ فقال: يطأ إحداهما، فإذا وطأ الثانية حرمت عليه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 297.
(2) المهذب: ج 2 ص 185.
(3) الوسيلة: ص 294.
(4) السرائر: ج 2 ص 538.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 290 ح 1217، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ذيل الحديث 9 ج 14 ص 374.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 290 ح 1216، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 9 ج 14 ص 373..

[ 54 ]

الأولى التي وطأها حتى تموت الثانية أو يفارقها، وليس له أن يبيع الثانية من أجل الأولى ليرجع إليها، إلا أن يبيع لحاجة أو يتصدق بها أو تموت (1). أما مع الجهل فلا تحرم عليه الأولى، للأصل، ولأن الجهل عذر بخلاف العلم، فجاز أن يقابل بنقيض مقصوده، كالقاتل يمنع من الإرث. ولما رواه الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يشتري الأختين فيطأ إحداهما ثم يطأ الأخرى بجهالة، قال: إذا وطأ الأخيرة بجهالة لم تحرم عليه الأولى، فإن وطأ الأخيرة وهو يعلم أنها عليه حرام حرمتا جميعا (2). قال الشيخ: معنى (حرمتا جميعا) أي ما دامتا في ملكه، فأما إذا زال ملك إحداهما فقد حلت له الأخرى (3). وقال ابن إدريس: إذا أخرج إحداهما لم يبق جامعا بين الأختين بلا خلاف، فأما تحريم الأولى إذا وطأ الثانية ففيه نظر، فإن كان على ذلك إجماع منعقد أو كتاب أو سنة متواترة رجع إليه، وإلا فلا يعرج عليه، لأن الأصل الإباحة للأولى، وإنما التحريم متعلق بوطئ الثانية بعد وطئه للأولى، لأنه بوطئه للثانية يكون جامعا بين الأختين، فكيف تحرم الأولى وهي المباحة للوطئ وتحل المحرمة الوطئ؟ وقد قلنا: إنها رواية أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا مثل ما أورد كثيرا من الأخبار في كتابه المشار إليه إيرادا لا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 290 ح 1218، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 10 ج 14 ص 374.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 290 ح 1219، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5 ج 14 ص 372.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 291 ذيل الحديث 1220، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ذيل الحديث 6 ج 14 ص 373..

[ 55 ]

اعتقادا (1). والجواب: الأدلة غير منحصرة فيما ذكره، وقل أن يوجد شئ منها في الفروع، والأصل إنما يصار إليه مع عدم دليل يخرج عنه، ولا امتناع في اقتضاء وطئ الثانية تحريم الأولى، فإذا وجدت الروايات الخالية عن المعارض وجب الحكم به، وما ذكره استحسان لا يجوز العمل به. مسألة: لو جمع بين الأم والبنت انفسخ عقدهما وحرمت البنت إن دخل بالأم مؤبدا، وإلا استأنف العقد، سواء كانت بنت نسب أو رضاع. إذا تقرر هذا فإذا تزوج بامرأتين ثم (2) بصغيرتين وأرضعتهما الكبيرتان قبل الدخول قال ابن إدريس: سقط مهر الكبيرتين؟ لأن الفسخ جاء من قبلهن قبل الدخول فبطل المهر، فأما الصغيرتان فإنهن لا يحرمن عليه، فمهورهن ثابتة في ذمته لا تسقط (3). وفيه نظر، لأن العقد قد انفسخ فيجب المهر أو نصفه، ويرجع به على الكبيرتين. قال: ولو تزوج صغيرة فأرضعتها امرأته حرمتا جميعا إن كان دخل بالكبيرة، وإلا فالكبيرة، وتحل الصغيرة، لعدم الدخول بأمها، قال: وشيخنا أطلق ذلك في نهايته من غير تفصيل، فإنه قال: حرمتا عليه (4). وقول الشيخ هو الحق، لأنه جامع بين الأم والبنت فحرمتا معا، لكن الأم مؤبدا والبنت جمعا، فلا بد من عقد مستأنف. مسألة: قال سلار: وإن زنت امرأته لم يحرم عليه إلا أن تصر (5) والاستثناء

(1) السرائر: ج 2 ص 538.
(2) ق 2: بامرأتين كبيرتين ثم.
(3) السرائر: ج 2 ص 541.
(4) السرائر: ج 2 ص 540.
(5) المراسم: ص 149..

[ 56 ]

يقتضي التحريم مع الاصرار. وهذا قد أخذه من الشيخ المفيد، فإنه قال: إذا كان للرجل امرأة ففجرت وهي في بيته وعلم ذلك من حالها كان بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها، ولم يجب عليه لذلك فراقها، ولا يجوز له إمساكها وهي مصرة على الفجور، فإن أظهرت التوبة جاز له المقام عليها، وينبغي له أن يعتزلها بعد ما وقع من فجورها حتى يستبرئها (1). وقال ابن حمزة: فإذا أصرت المرأة عند زوجها على الزنا انفسخ نكاحها على قول بعض الأصحاب (2). والوجه عدم التحريم، لقوله - عليه السلام -: (لا يحرم الحرام الحلال) (3). وما رواه عباد بن صهيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يمسك الرجل امرأته إن رآها تزني إذا كانت تزني، وإن لم يقم عليها الحد فليس عليه من إثمها شئ (4). وللأصل. احتج سلار بأن أعظم فوائد النكاح التناسل، وأعظم حكم الحد والزجر عن الزنا اختلاط الانساب، فلو أبيح له نكاح المصرة على الزنا لزم اختلاط الانساب، وهو محذور عنه شرعا. والجواب: إنه لا نسب للزاني. مسألة: يكره العقد على الفاجرة وإن كان يزني هو العاقد إذا لم يزن بها في حرمة عقد وعدة وإن لم تتب، وليس ذلك محظورا، اختاره الشيخ في

(1) المقنعة: ص 504.
(2) الوسيلة: ص 294. (3) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 649 ح 2015.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 331 ح 1362، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 333..

[ 57 ]

الخلاف (1) والاستبصار (2)، وبه قال ابن إدريس (3). وقال المفيد: فإن فجر بها وهي غير ذات بعل ثم تاب من بعد ذلك وأراد أن ينكحها بعقد صحيح جاز له ذلك بعد أن تظهر منها هي التوبة أيضا والاقلاع (4). وقال الشيخ في النهاية: إذا فجر بامرأة غير ذات فلا يجوز له العقد عليها ما دامت مصرة على مثل ذلك الفعل، فإن ظهر له منها التوبة جاز له العقد عليها ويعتبر توبتها بأن يدعوها إلى ما كان منه، فإن أجابت امتنع من العقد عليها، وإن امتنعت عرف بذلك توبتها (5). وتبعه ابن البراج (6). وعد أبو الصلاح في المحرمات الزانية حتى تتوب (7)، وأطلق. لنا: أصالة الإباحة. ولأن الزنا لا حرمة له فأشبه الأجنبي. ولأن الزنا لو منع حكم العقد من الدخول في الوجود لكان رفعه بعد وجوده أولى، والتالي باطل، لما تقدم من المسألة السابقة، فالمقدم مثله. وبيان الشرطية: إن الحادث أقوى من الباقي، لأنه متعلق السبب قطعا، بخلاف الباقي عند جماعة. وما رواه الحلبي في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: أيما رجل فجر بامرأة حراما ثم بدا له أن يتزوجها حلالا فإذا أوله سفاح وآخره نكاح، فمثله كمثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها ثم اشتراها بعد فكانت له

(1) الخلاف: ج 4 ص 300 المسألة 71.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 168 ذيل الحديث 616.
(3) السرائر: ج 2 ص 544.
(4) المقنعة: ص 504.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 300. (6) المهذب: ج 2 ص 188.
(7) الكافي في الفقه: ص 286..

[ 58 ]

حلالا (1). احتج الشيخ بما رواه أبو بصير قال: سألته عن رجل فجر بامرأة ثم أراد بعد أن يتزوجها، فقال: إذا تابت حل له نكاحها، قلت: كيف تعرف توبتها؟ قال: يدعوها إلى ما كانا عليه من الحرام، فإن امتنعت واستغفرت ربها عرف توبتها (2). وعن عمار بن موسى الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يحل له أن يتزوج امرأة كان يفجر بها؟ فقال: إن أنس منها رشدا فنعم، وإلا فليراودها على الحرام فإن تابعته فهي عليه حرام، وإن أبت فليتزوجها (3). والجواب: إن في طريق الروايتين ضعفا، مع أن أبا بصير في الأولى لم يسندها إلى إمام، وبحملها على الكراهة، مع أن في مضمونها إشكالا. مسألة: المشهور تحريم نكاح بنت الأخ والأخت على نكاح العمة والخالة إلا برضائهما، فإن رضيت العمة والخالة صح الجمع، وله أن يدخل العمة والخالة على بنت الأخ وبنت الأخت وإن لم ترض البنتان، ذهب إليه الشيخان (4)، والسيد المرتضى (5)، وابن البراج (6)، وأبو الصلاح (7)، وسلار (8) وأكثر علمائنا (9).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 327 ح 1345، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 331.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 327 ح 1348، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 7 ج 14 ص 332.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 328 ح 1349، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 331.
(4) المقنعة: ص 505، والنهاية ونكتها: ج 2 ص 301.
(5) الانتصار: ص 116.
(6) المهذب: ج 2 ص 188.
(7) الكافي في الفقه: ص 286. (8) المراسم: ص 150.
(9) منهم السيد ابن زهرة في الغنية (ضمن سلسلة الينابيع الفقهية) 18: 271، ويحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 429، والمحقق في شرائع الاسلام 2: 228..

[ 59 ]

وقال ابن أبي عقيل لما عد المحرمات في الآية قال: فهذه جملة النساء اللاتي حرم الله عز وجل نكاحهن وأحل نكاح ما سواهن، ألا تسمعه يقول - بعد هذه الاصناف الستة -: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (1) فمن ادعى أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حرم عليه غير هذه الاصناف وهو يسمع الله يقول: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وقد أعظم القول على رسول الله - صلى الله عليه وآله - وقد قال: ألا لا يتعلقن على أحد بشئ، فإني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، وكيف أقول ما يخالف القرآن وبه هداني الله عز وجل. وقد روي عن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى - عليه السلام - عن الرجل يتزوج المرأة على عمتها أو خالتها؟ قال: لا بأس، لأن الله عز وجل قال: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (2). وقال ابن الجنيد: وقول الله عز وجل: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (3) غير حاظر الجمع بين العمة وابنة الأخ والخالة وابنة الأخت، والحديث الذي روي فيها فإنما هو نهي احتياط لا تحريم، وقد روي جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر وموسى بن جعفر - عليهما السلام - (4). وقال يحيى بن الحسن وعثمان البتي: والاحتياط عندي ترك ذلك، ومن عقده لم ينفسخ كما ينفسخ نكاح الأخت على الأخت والأم على البنت. وأما الصدوق فإنه قال في المقنع: ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها

(1) النساء: 24 (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 333 ح 1368، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 11 ج 14 ص 377.
(3) النساء: 24.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 333 ح 1368، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 11 ج 14 ص 377. .

[ 60 ]

ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها (1). فعمم النهي، ولم يفرق بين دخول العمة والخالة على بنت الأخ وبنت الأخت وبين العكس. والمعتمد الأول. لنا: على التحريم من دون الرضا، ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا تزوج ابنة الأخت على خالتها إلا بإذنها، وتزوج الخالة على ابنة الأخت بغير أذنها (2). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا تزوج الخالة والعمة على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما (3)، والتقييد بعد الإذن يعطي التسويغ معه. وفي الصحيح عن أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها (4). وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أختها من الرضاعة (5). وهذه الأخبار المطلقة محمولة على المقيدة بعدم الرضا جمعا بين الأدلة، ولا استبعاد في تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد، ورواية علي بن جعفر، عن

(1) المقنع: ص 110.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 332، ح 1365، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 6 ج 14 ص 376.
(3) كذا في النسخ التي بأيدينا ولكن في المجاميع الروائي، تزوج، تهذيب الأحكام: ج 7 ص 332 ح 1364، وسائل الشيعة ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5 ج 14 ص 376.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 332 ح 1366، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 7 ج 14 ص 376.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 333 ح 1369، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 8 ج 14 ص 376..

[ 61 ]

الكاظم - عليه السلام - نقول بموجبها، إذ لا بأس بالجمع مع الرضا، ويكفي في الإطلاق الصدق في صورة خاصة، وتحريم ابن بابويه الجمع من الطرف الآخر محمول على ما إذا لم ترض العمة ولا الخالة (1). مسألة: لو تزوج بنت الأخ أو بنت الأخت من غير سبق الإذن من العمة والخالة قال الشيخان: تتخير العمة والخالة بين إمضاء العقد وفسخه وبين فسخ عقد أنفسهما السابق والاعتزال، ويكون اعتزالهما بمنزلة الطلاق، وإن أمضيا العقد كان ماضيا ولم يكن لهما بعد ذلك فسخه (2). وبه قال سلار (3). وكذا قال ابن البراج، إلا أن في عبارته إشكالا، فإنه قال: لا يجوز لرجل أن يعقد على امرأة زوجته عمتها أو خالتها، من جهة النسب كانت أو من جهة الرضاع إلا برضاهما، فإن رضيتا بذلك مضى العقد ولم ينفسخ، لكراهتهما له بعد الرضا، فإن لم ترض العمة والخالة بذلك ولم يفسخ، الزوج العقد كان لهما اعتزاله، فإذا اعتزلته كل واحدة منهما واعتدت منه بثلاثة أقراء كان ذلك فراقا وأغنى عن الطلاق، كذا قال في كتابيه (4) معا. وهذا يعطي أن العمة والخالة ليس لهما فسخ عقد الداخلة عليهما حيث علق بقوله: (ولم يفسخ الزوج العقد). وهذه العبارة التي ذكرها يدل عليها كلام ابن حمزة فإنه قال: فإن عقد عليها برضاها جاز ولم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن لم ترض كانت مخيرة بين الرضا وفسخ عقدها والاعتزال عن الزوج، وتبين منه بغير طلاق، ويفرق بينهما

(1) زوم 3: أو الخالة.
(2) المقنعة: ص 505، والنهاية ونكتها، ج 2 ص 301.
(3) المراسم: ص 150.
(4) المهذب: ج 2 ص 188، ولا يوجد لدينا كتاب الكامل.

[ 62 ]

حتى تخرج العمة أو الخالة من العدة إلا أن ترضى العمة أو الخالة بذلك (1). وقال ابن إدريس: قد قلنا: إنه لا يجوز العقد على امرأة وعند الرجل عمتها أو خالتها إلا برضاء منهما، فإن عقد عليها كانت العمة أو الخالة مخيرة بين إمضاء العقد وبين الاعتزال، فإن أمضت كان ماضيا على ما روي، أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته، والذي يقتضيه أصول مذهبنا إنه يحتاج إلى عقد ثان إذا عقد من غير إذنها ثم رضيت لا يكفي رضاها، بل يحتاج إلى عقد مستأنف، لأن العقد الأول منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فإن اعتزلت واعتدت كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج ومغنيا عن الطلاق، ولا تستحق في هذه العدة عليه نفقة، لأنها (عدة) فسخ، له أن يتزوج بأختها في الحال، ولا يجوز أن يستبيح وطئ بنت الأخ أو بنت الأخت إلا بعقد مستأنف، لأن العقد الأول وقع فاسدا (2). والكلام هنا يقع في مقامات: المقام الأول: هل للعمة أو الخالة إذا أدخل (3) عليهما بنت الأخ أو بنت الأخت بغير إذنهما فسخ نكاح أنفسهما والاعتزال أم لا؟ نص أكثر الأصحاب على ذلك. ويحتمل أن يقال: إنه ليس لهما فسخ نكاحهما بل فسخ نكاح الداخلة، وهو اختيار شيخنا أبي القاسم جعفر بن سعيد (4)، لأن المنهي عنه إنما هو العقد الثاني فيختص الحكم به، ولأن التحريم بسببه حصل. ولأنهما زوجتان قبل تجدد عقد الداخلة وبعده، قبل الاعتزال إجماعا وكذا بعده، عملا بالاستصحاب. ولأن كل واحدة منهما زوجة فيدخل تحت عموم (إلا على

(1) الوسيلة: ص 293.
(2) السرائر: ج 2 ص 455 - 544.
(3) ق 2 و 3: دخل.
(4) شرائع الاسلام: ج 2 ص 288..

[ 63 ]

أزواجهم) (1). ولأنهما إما أن ترضيا بالعقد فيصح الجمع عندنا وأما ألا ترضيا فيبطل، إذ كل عقد موقوف على رضى الغير يبطل بعدمه. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة تتزوج على عمتها وخالتها؟ قال: لا بأس، وقال: تزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وبنت الأخت، ولا تزوج بنت الأخ والأخت على العمة والخالة إلا برضى منهما، فمن فعل فنكاحه باطل (2). لكن كلام الأصحاب ليس فيه استبعاد، لأن عقد الداخلة صحيح في نفسه، لصدوره عن أهله في محله جامعا لشرائطه، ولا يؤثر تجدد البطلان بفسخ العمة أو الخالة له (3) في صحته الأصلية كغيره من العقود الموقوفة على رضى الغير، وإذا وقع صحيحا تساوت نسبته ونسبة عقد المدخول عليها، فكما كان لها فسخ عقد الداخلة كان لها فسخ عقدها. المقام الثاني: هل للعمة والخالة فسخ نكاح الداخلة؟ نص الشيخان (4) عليه، وهو المعتمد. لنا: إنه بغير رضاهما منهي عنه فيقع باطلا، ولما تقدم من حديث علي بن جعفر. وما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - عن علي - عليه السلام - إنه أتي برجل تزوج امرأة على خالتها فجلده وفرق بينهما (5).

(1) المؤمنون: 6.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 333 ح 1368، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 375.
(3) ليس في ق 2. (4) تقدم في أول المسألة، وقد ذكرا التخيير.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 332 ح 1376، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4 ج 14 ص 376.

[ 64 ]

ولا يجوز أن يكون ذلك مع إذن الخالة إجماعا منا، فبقي أن يكون مع عدم الإذن، لكن عبارة ابن البراج هنا مشكلة، وقد تقدم. المقام الثالث: في قول ابن البراج إشكال آخر وهو: قوله: (ولم يفسخ الزوج) وهذا يعطي أن للزوج الفسخ من غير طلاق، وفيه نظر، فإنه بالنسبة إليه عقد صحيح خصوصا عنده، حيث علق فسخ نكاح بنت الأخ وبنت الأخت على فسخه، فلا يزول إلا بالطلاق لحصر أسباب الفسخ وإن كان يمكن حمل كلامه على الطلاق على بعد. المقام الرابع: لو قلنا: إن لهما فسخ نكاحهما ففسختاه لم يجب الارتقاب حتى تخرج العمة أو الخالة من العدة، لأنه فسخ فيقع بائنا كغيره من الفسوخ. وقول ابن حمزة: (ويفرق بينهما حتى تخرج العمة أو الخالة من العدة) لا وجه له. المقام الخامس: في قول ابن إدريس: (ببطلان العقد مع الرضاع وافتقار الإباحة إلى عقد ثان) إشكال، لأصالة الصحة، وتجدد البطلان بتجدد الفسخ لا يدل على وقوعه فاسدا، وإلا لما توقف على الفسخ، ولما كان للمدخول عليها فسخ عقد نفسها مع أنه جعل لها ذلك، إذ المقتضي للفسخ الجمع، وهو غير متحقق، إذ كل عقد يوقعه يكون باطلا، لتحقق النهي الدال عنده على الفساد، واحتجاجه بأن النهي يدل على الفساد قد بينا بطلانه في المعاملات. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل أن يعقد على أمة وعنده حرة إلا برضاها، فإن عقد عليها بغير رضاها كان العقد باطلا، فإن أمضت الحرة العقد مضى ولم يكن لها بعد ذلك اختيار، وإن أبت واعتزلت وصبرت ثلاثة أقراء كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج، فإن عقد في حالة واحدة على حرة وأمة كان العقد على الحرة ماضيا والعقد على الأمة باطلا، فإن عقد على حرة وعنده أمه وهي لا تعلم ذلك فإذا علمت أن له امرأة أمة كانت مخيرة بين الصبر على

[ 65 ]

ذلك وبين الاعتزال وينتظر مدة انقضاء عدتها، فإذا مضت العدة كان ذلك فراقا بينها وبين الزوج، ومتى رضيت بذلك لم يكن لها بعد ذلك اختيار (1). وبه قال ابن البراج (2). وهذا الكلام يشتمل على مسائل: المسألة الأولى: إذا تزوج الأمة على الحرة ولم تعلم الحرة فالأقرب أن نكاح الأمة لا يقع باطلا في أصله، بل إذا فسخت الحرة نكاحها بطل، وإلا صح وبه قال الشيخان (3)، وابن البراج (4)، وسلار (5)، وابن حمزة (6). وقال ابن أبي عقيل، وابن الجنية: إنه يقع باطلا، واختاره ابن إدريس (7)، وعبارات الشيخ بالبطلان وكذا الأكثر من علمائنا موهمة، ومرادهم إنه لا يقع منجزا لازما، بل يكون قابلا للفسخ، وكذا في الروايات. لنا: ما تقدم من نفوذه وصحته مع رضى الحرة، ولو كان باطلا في أصله لما صح بالمتجدد من الرضا، فإن الفاسد من العقود لا يتجدد له الصحة، والملازمة ظاهرة. وأما بطلان التالي فلما رواه سماعة، عن الصادق - عليه السلام - عن رجل تزوج أمة (على حرة) فقال: إن شاءت الحرة أن تقيم مع الأمة أقامت، وإن شاءت ذهبت إلى أهلها... الحديث (8). احتج الاخرون بما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: تزوج الحرة على الأمة ولا تزوج الأمة على الحرة، ومن تزوج أمة على حرة

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 301 - 302.
(2) المهذب: ج 2 ص 188.
(3) المقنعة: ص 506، النهاية ونكتها: ج 2 ص 302.
(4) المهذب: ج 2 ص 188.
(8) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 345 ح 1412، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 3 ج 14 ص 394..

[ 66 ]

فنكاحه باطل (1). وعن حذيفة بن منصور قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل تزوج أمة على حرة لم يستأذنها، قال: يفرق بينهما، قلت: عليه أدب؟ قال: نعم اثني عشر سوطا ونصف، ثمن حد الزاني وهو صاغر (2). والجواب: الحمل على أنه آيل إلى البطلان بتقدير إعراض (3) الحرة، وإن كان ما قالوه ليس بعيدا من الصواب. المسألة الثانية: إذا أمضت الحرة العقد مضى، ولم يكن لها بعد ذلك اختيار، ولا يحتاج إلى تجديد عقد على الأمة، اختاره أكثر الأصحاب. خلافا لابن إدريس (4)، وقد تقدم مثله في العمة والخالة. المسألة الثالثة: هل للحرة أن تفسخ عقد نفسها لو دخلت الأمة عليها؟ قال الشيخان (5): نعم، وبه قال ابن البراج (6)، وسلار (7)، وابن حمزة (8)، وابن إدريس (9) ثم رجع عنه. ويحتمل المنع على قول ابن أبي عقيل، والتقريب من الطرفين كما تقدم في العمة والخالة. المسألة الرابعة: إذا فسخت الحرة عقد نفسها وأبت واعتزلت وصبرت إلى انقضاء عدتها قال ابن إدريس: إنه يكون ذلك فراقا بينها وبين الزوج، ولا تحل له الأمة بالعقد الأول، بل لا بد لها من عقد ثان، لأن الأول وقع باطلا،

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 344 ح 1408، وسائل الشيعة: ب 46 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ج 14 ص 392.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 344 ح 1411، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2 ج 14 ص 394.
(3) ق 2: اعتراض.
(4) السرائر: ج 2 ص 545.
(5) المقنعة: ص 506، النهاية ونكتها: ج 2 ص 302.
(6) المهذب: ج 2 ص 188.
(7) المراسم: ص 150.
(8) الوسيلة: ص 294.
(9) السرائر: ج 2 ص 546..

[ 67 ]

لأنه قبل الرضا والإذن، وذلك منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. وقال شيخنا في التبيان، من شرط صحة العقد على الأمة عند أكثر الفقهاء ألا يكون عنده حرة، وهكذا عندنا، إلا أن ترضى الحرة بأن يتزوج عليها أمة، فإن أذنت كان العقد صحيحا عندنا ومتى عقد عليها بغير إذن الحرة كان العقد على الأمة باطلا. وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الأمة أو تفسخ عقد نفسها، والأول أظهر، لأنه إذا كان العقد باطلا لا يحتاج إلى فسخه (1). قال ابن إدريس: ونعم ما قال الشيخ وحقق هاهنا - رحمه الله -. وقد تقدم البحث في أن النهي إنما يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات. المسألة الخامسة: لو اقترن العقد عليهما ولم تعلم الحرة ولم تأذن كان لها الخيار في فسخ عقد الأمة وامضائه، والأقرب أن لها فسخ عقد نفسها هنا، لأن العقد واحد وقع متزلزلا ولا أولوية. وقول الشيخ: (إن العقد على الحرة ماض والعقد على الأمة باطل) الظاهر إنه يريد به ما قلناه، ولما كان اختيار الحرة مبدأ الامضاء والفسخ حكم بمضي عقدها وفساد عقد الأمة على ما ذكرناه من التفسير. وفي رواية أبي عبيدة الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - في رجل تزوج حرة وأمتين مملوكتين في عقد واحد، قال: أما الحرة فنكاحها جائز، وإن كان قد سمى لها مهرا فهو لها، وأما المملوكتان فإن نكاحهما في عقد مع الحرة باطل يفرق بينه وبينهما (2).

(1) السرائر: ج 2 ص 545 - 546.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 345 ح 1414، وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 395..

[ 68 ]

المسألة السادسة: لو عقد على الحرة وعنده زوجة هي أمة قال في النهاية: إن الحرة مخيرة بين الصبر وبين الاعتزال (1)، وهو اختياره في باقي كتبه (2)، عدا التبيان فإنه جعل للحرة الخيار أيضا في فسخ عقد الأمة (3). ومنعه ابن إدريس كل المنع، بل لها الخيار في فسخ عقد نفسها وامضائه، لأن فسخه يحتاج إلى دليل. ثم قال ابن إدريس - بعد ذلك -: والذي اعتمد عليه وأفتي به أن الحرة إذا كان عقدها متقدما فالعقد على الأمة باطل، ولا تكون الحرة بين ثلاث اختيارات، على ما روي في بعض الروايات، وهو خبر واحد ضعيف عن زرعة عن سماعة، وهما فطحيان، أورده شيخنا في نهايته، ورجع عنه في تبيانه. وقال في مبسوطه: ونكاح الأمة باطل إجماعا، فإن عقد عليهما دفعة واحدة كان العقد على الحرة ماضيا والعقد على الأمة باطلا، على ما روي في الأخبار، فإن عقد على حرة وعنده أمة زوجة والحرة غير عالمة بذلك فإذا علمت كانت مخيرة في فسخ نكاحها دون فسخ نكاح الأمة على ما قدمناه (4)، وابن البراج تابع كلام الشيخ في النهاية (5). وقال في الخلاف: إذا تزوج حرة على أمة من غير علم الحرة ورضاها كانت الحرة بالخيار بين الرضا بذلك وبين فسخ عقد نفسها، وقال جميع الفقهاء: إن عقد الحرة عليها صحيح، ولا يبطل واحد منهما إلا أحمد بن حنبل فإنه قال: من تزوج حرة على أمة بطل نكاح الأمة، ثم استدل بإجماع الفرقة وأخبارهم، وما روي عن علي - عليه السلام - وابن عباس أنهما قالا: إذا تزوج بأمة ثم تزوج بحرة بعد ذلك فلا يبطل نكاح الأمة، ولا مخالف لهما، وأما دليلنا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 302.
(2) المبسوط: ج 5 ص 215.
(3) التبيان: ج 3 ص 170.
(4) السرائر: ج 2 ص 546 و 547.
(5) المهذب: ج 2 ص 188..

[ 69 ]

على أن لها الفسخ في نكاح نفسها فليس إلا إجماع الفرقة وأخبارهم (1). ولم يتعرض هنا لفسخ نكاح الأمة. وقال ابن حمزة: للحرة الخيار بين الرضا وفسخ عقد نفسها، وروي وبين فسخ نكاح الأمة (2). وفي رواية يحيى بن الأزرق قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل كانت له امرأة وليدة فتزوج حرة ولم يعلمها بأن له امرأة وليدة، فقال: إن شاءت الحرة أقامت وإن شاءت لم تقم، قلت: قد أخذت المهر فتذهب به؟ قال: نعم بما استحل من فرجها (3). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا جمع بين العقد على الأم والبنت في حال الشرك بلفظ واحد ثم أسلم كان له إمساك أيتهما شاء ويفارق الأخرى (4). وفي المبسوط: إن لم يدخل بهما قيل: يتخير في إمساك أيتهما شاء، وقيل يثبت نكاح البنت، ويقوى في نفسي الأول (5). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن الأم قد حرمت عليه أبدا، لأنها من أمهات نسائه، فأما البنت فله أن يختارها ويمسكها زوجة، لأنها بنت من لم يدخل بها، وإنما اختار شيخنا قول بعض المخالفين وإن كان لهم فيه قول آخر (6).

(1) الخلاف: ج 4 ص 318 المسألة 92.
(2) الوسيلة: ص 294.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 345 ح 1413، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 394. (4) الخلاف: ج 4 ص 331 المسألة 108.
(5) المبسوط: ج 4 ص 221.
(6) السرائر: ج 2 ص 547..

[ 70 ]

والوجه أن نقول: إن أسلم بعد الدخول بالأم حرمتا معا، وإن لم يكن قد دخل بها لم تحرم البنت بل الأم خاصة، ولا اختيار. لنا: عموم قوله تعالى: (وأمهات نسائكم) (1). ولأن المقتضي للتحريم موجود، والمانع لا يصلح للمانعية. وأما وجود المقتضي فالأدلة المانعة من الجمع بين الأم والبنت من الكتاب والسنة المتواترة والاجماع. وأما عدم صلاحية المانع فلما تقرر في الأصول من أن الكفار مخاطبون بفروع العبادات. احتج الشيخ بأن المشرك إذا جمع بين من لا يجوز الجمع بينهما في نكاح فإنما يحكم بصحة نكاح من ينضم الاختيار إلى عقدها، ألا ترى أنه إذا عقد على عشرة دفعة واحدة وأسلم اختار منهن أربعا، فإذا فعل حكمنا بأن نكاح الأربع وقع صحيحا ونكاح البواقي وقع باطلا، بدليل أن نكاح البواقي يزول، ولا يجب عليه نصف المهر إن كان قبل الدخول، فإذا كان كذلك فمتى اختار إحداهما حكمنا بأنه هو الصحيح والآخر باطل. ولأنه إذا جمع بين من لا يجوز الجمع بينهما واختار في حال الاسلام لكان اختياره بمنزلة ابتداء عقد، بدليل أنه لا يجوز أن يختار إلا من يجوز أن يستأنف نكاحها حين الاختيار، وإذا كان الاختيار كابتداء العقد كان كأنه الان يتزوج بها وحدها، فوجب أن يكون له اختيار كل واحدة منهما (2). والجواب: إن الذي ذكره إنما يتم في صورة الاختيار في حال الاسلام وهنا لا يمكن الاختيار في حال الاسلام، فإن الأم حرمت بمجرد العقد على البنت. مسألة: لو وطأ الأب زوجة الإبن لشبهة لم تحرم على الولد، وقيل: تحرم (3).

(1) النساء: 23.
(2) الخلاف: ج 4 ص 390 المسألة 108.
(3) نقل القيل في شرائع الاسلام: ج 2 ص 288. .

[ 71 ]

لنا عموم قوله - عليه السلام -: لا يحرم الحرام الحلال (1). احتجوا بأنها منكوحة الأب، وهو ممنوع، وقد تقدم البحث فيما يناسب ذلك. المطلب الثالث: في التحريم بسبب الكفر مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على المشركات على اختلاف أصنافهن يهودية كانت أو نصرانية أو عابدة وثن، فإن اضطر إلى العقد عليهن عقد على اليهودية والنصرانية، وذلك جائز عند الضرورة، ولا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار (2). وقال في الخلاف: المحصلون من أصحابنا يقولون: لا يحل نكاح من خالف الاسلام لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم، وقال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك (3). واختار في كتابي الأخبار (4) التحريم أيضا. وقسم في المبسوط المشركين أقساما ثلاثة: من لهم كتاب وهم اليهود والنصارى وأهل التوراة وأهل الانجيل، فهؤلاء عند المحصلين من أصحابنا لا يحل أكل ذبائحهم ولا تزويج حرائرهم بل يقرون على أديانهم إذا بذلوا الجزية، وفيه خلاف بين أصحابنا، وقال جميع الفقهاء: يجوز أكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم. فأما السامرية والصابئون فقد قيل: إن السامرة قوم من اليهود

(1) سنن ابن ماجة: ج 1 كتاب النكاح ب 63 ح 2015 ص 649.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 299.
(3) الخلاف: ج 4 ص 311 المسألة 84.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 296 - 297 ب 26، الاستبصار: ج 3 ص 179 و 180 ذيل ح 652.

[ 72 ]

والصابئون قوم من النصارى، فعلى هذا يحل جميع ذلك، والصحيح في الصابئة أنهم غير النصارى، لأنهم يعبدون الكواكب، فعلى هذا لا يحل جميع ذلك بلا خلاف. فأما غير هذين الكتابين من الكتب - كصحف إبراهيم وزبور داود عليهما السلام - فلا يحل نكاح حرائر من كان من أهلها ولا أكل ذبائحهم. ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب - كعبدة الاوثان - فلا يحل نكاحهم ولا أكل ذبائحهم ولا يقرون على أديانهم بلا خلاف، ومن لهم شبهة كتاب وهم المجوس قال قوم: هم أهل الكتاب كان لهم كتاب ثم نسخ ورفع من بين أظهرهم، وقال آخرون: ما كان لهم كتاب أصلا وغلب التحريم فقيل: على القولين يحقن دماؤهم ببذل الجزية وتحريم مناكحتهم وذبائحهم بلا خلاف، إلا أبا ثور فإنه قال: يحل مناكحتهم وقد أجاز أصحابنا كلهم التمتع بالكتابية ووطئها بملك اليمين، ورووا رخصة في التمتع بالمجوسية (1). وقال المفيد: نكاح الكافرة محرم بسبب كفرها، سواء كانت عابدة وثن أو مجوسية أو يهودية أو نصرانية، قال الله عز وجل: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (2). وقال في باب العقد على الإماء: وينكح بملك اليمين اليهودية والنصرانية، ولا يجوز له ذلك بعقد صحيح، ولا يجوز وطئ المجوسية والصابئة والوثنية على حال (3). وقال في باب السراري: لا بأس أن يطأ اليهودية والنصرانية بملك اليمين، ولا يجوز له وطئ المجوسية على كل حال، وكذا الصابئيات والوثنيات حرام وطئهن بالعقود وملك الأيمان (4).

(1) المبسوط: ج 4 ص 209.
(2) المقنعة: ص 500.
(3) المقنعة: ص 508.
(4) المقنعة: ص 543.

[ 73 ]

وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية حظر نكاح الكتابيات (1). وقال علي بن بابويه: وإن تزوجت يهودية أو نصرانية فامنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير واعلم أن عليك في دينك في تزويجك إياها غضاضة. وكذا ابنه في المقنع، وزاد قوله: وتزويج المجوسية حرام، ولكن إذا كان للرجل أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها ويعزل عنها ولا يطلب ولدها (2). وقال ابن أبي عقيل: وأما المشركات فقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (3) إلا ما استثني من عفائف أهل الكتاب، فقال: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم. ثم قال في موضع آخر: قال الله عز وجل: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن - إلى قوله: - أولئك يدعون إلى النار) وذكر مشركي أهل الكتاب فقال: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم - إلى قوله تعالى: - (ولا متخذي أخدان) (4) فأهل الشرك عند آل الرسول - صلى الله عليه وآله - صنفان: صنف أهل الكتاب وصنف مجوس وعبدة أوثان وأصنام ونيران. فأما الصنف الذي بدأنا بذكره فقد حرم الله تعالى نكاح نسائهم حتى يسلموا. وأما أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا بأس بنكاح نسائهم متعة واعلانا، ولا يجمع في نكاح الاعلان منهن إلا أربع فما دونهن، فإذا نكحهن الرجل متعة جمع بين ما شاء منهن وطلاقهن واعتدادهن كطلاق الحرائر المسلمات واعتدادهن سواء، ويجب لهن من القسمة والنفقات ما يجب للمسلمات إلا الميراث. وقال في نكاح الإماء: لا يحل تزويج أمة كتابية ولا مشركة بحال، لقوله

(1) الانتصار: ص 117. (2) المقنع: ص 102.
(3) البقرة: 221.
(4) المائدة: 5.

[ 74 ]

تعالى: (من فتياتكم المؤمنات) (1). وقال ابن الجنيد: واختار لمن وجد الغنا عن نكاح أهل الكتابين ترك مناكحتهن بالعقد في دار السلام، فأما في دار حربهم فلا يجوز ذلك، فإن دعت إلى ضرورة في دار الاسلام أن يكون بالابكار منهن، وأن يمنعن من أكل وشرب ما هو محرم في الاسلام. ولا يحل نكاح من كان من نصارى بني تغلب وذمة العرب ومشركيهم، ومن لم يصح لهم كتاب من الصابئين، وغيرهم، واجتناب مناكحتهن أحب إلي. والسامرة يجرون مجرى اليهود إن كانوا من بني إسرائيل ولا بأس بوطئ من ملك من هذه الاصناف كلها بملك اليمين، ولكن لا يطلب الولد من غير الكتابية. وقال في نكاح الحر للاماء: لا يحل عقد المسلم التزويج على إماء أهل الكتاب. وقال سلار: ومن الشرائط أن تكون المرأة مؤمنة أو مستضعفة، فإن كانت ذمية أو مجوسية أو معاندة لم يحل نكاحها غبطة، لأن الكفاءة في الدين مراعاة عندنا في صحة هذا العقد، فأما في عقد المتعة والإماء فجائز في الذميات خاصة دون المجوسية (2). ومنع أبو الصلاح من نكاح الكافرة حتى تسلم وإن اختلفت جهات كفرها، وسوغ التمتع باليهودية والنصرانية دون من عداها من ضروب الكفار (3). وقال ابن البراج: يحرم على المسلم العقد على المشركة عابدة وثن أو يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غير ذلك على اختلافهم في الشرك، إلا عند الضرورة

(1) النساء: 25.
(2) المراسم: ص 148.
(3) الكافي في الفقه: ص 286 و 299..

[ 75 ]

الشديدة فإنه إن كان كذلك جاز أن يعقد على اليهودية والنصرانية دون الباقين فإن العقد عليهن يحرم على كل حال، ويجوز عقد المتعة على اليهودية والنصرانية أيضا دون غيرهما من المشركات، ويمنعهما من عقد عليهما من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ويجوز وطئ اليهودية والنصرانية بملك اليمين، أيضا، وقد ذكر جواز وطئ المجوسية بالملك، وقيل: إنه مكروه، وترك ذلك أفضل له على كل حال (1). وقال ابن حمزة: لا يصح العقد لمؤمن على كافرة، ويجوز للمؤمن من أن يتمتع باليهودية والنصرانية مختارا وعقد نكاح غبطة مضطرا. ويكره وطئ المجوسية بملك اليمين وعقد المتعة عليها (2). وقال ابن إدريس: قد بينا أنه لا يجوز للرجل المسلم أن يعقد على الكافرات على اختلافهن، فإن اضطر إلى العقد عليهن عقد على اليهودية والنصرانية، وذلك جائز عند الضرورة، على ما روي في بعض الأخبار، ولا بأس أن يعقد على هذين الجنسين عقد المتعة مع الاختيار، لكنه يمنعهن من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وقال بعض أصحابنا: إنه لا يجوز العقد على هذين الجنسين عقد متعة ولا عقد دوام، وتمسك بظاهر الآية، وهو قوي يمكن الاعتماد عليه والركون إليه. ثم قال: ولا بأس بوطئ الجنسين أيضا في حال الاختيار بملك اليمين، ولا يجوز وطئ ما عدا الجنسين بملك اليمين ولا بأحد العقود، سواء كان العقد دائما أو مؤجلا. وقد روي رواية شاذة أنه يكره وطئ المجوسية بملك اليمين وعقد المتعة، وليس ذلك بمحظور، أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا، ورجع عن ذلك في كتاب التبيان في قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) فإنه قال: وأما المجوسية فلا يجوز نكاحها إجماعا.

(1) المهذب: ج 2 ص 187.
(2) الوسيلة: ص 290 و 295.

[ 76 ]

وقال شيخنا المفيد في المقنعة: يحرم ذلك ولا يجوزه، وهو الصحيح الذي لا خلاف فيه، ويقتضيه أصول المذهب، وقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) وقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (1). والمعتمد تحريم أصناف الكفار في الدوام، وكراهية أهل الكتاب في المتعة وملك اليمين، وتحريم من عداهن فيهما. لنا: وجوه: الأول: قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (2) وتقرير هذا الدليل يتوقف على مقدمات: الأولى: إن النهي للتحريم، وقد ثبت ذلك في أصول الفقه (3). الثانية: إن لفظ المشركات للعموم، وقد تبين في أصول الفقه إن الجمع المحلى بلام الجنس للعموم (4). الثالثة: إن الآية تتناول أهل الكتاب، لأنهم مشركون، أما النصارى فظاهر حيث قالوا: بالأقانيم (5) الثلاثة، وأما اليهود والنصارى فلقوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله - إلى قوله سبحانه - عما يشركون) (6) فسماهم مشركين، وقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم) (7) والاشراك كما يتحقق باثبات إله آخر مع الله تعالى يتحقق باثبات إله غير الله تعالى ونفيه تعالى. الثاني: قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (8) وبين الزوجين عصمة لا محالة فيدخل النكاح تحت النهي.

(1) السرائر: ج 2 ص 541 - 542.
(2) البقرة: 221.
(3) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 121.
(4) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 129.
(5) كذا في زوق 2، وفي م 3 (الاقاليم).
(6) التوبة: 30 و 31.
(7) التوبة: 31.
(8) الممتحنة: 10..

[ 77 ]

الثالث: قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) (1) والاستواء أعم من الاستواء من بعض الوجوه ومن كل الوجوه، ونفي العام إنما يصح بنفي جميع جزئياته، وإذا انتفى التساوي في جميع الأحكام التي من جملتها المناكحة لزم اندراجها تحت التحريم. الرابع: الروايات روى الحسن بن الجهم قال: لي أبو الحسن الرضا - عليه السلام -: يا أبا محمد ما تقول في رجل تزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك وما قولي بين يديك، قال: لتقولن فإن ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على المسلمة ولا غير المسلمة، قال: لم؟ قلت: لقول الله عز وجل: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت (2). وعن زرارة بن أعين، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك وأين تحريمه؟ قال: قوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (3). الخامس: الكافرة ليس لها مودة والزوجة لها مودة، فالكافرة ليست زوجة. أما الصغرى فلقوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله... الآية) (4). وأما الكبرى فلقوله تعالى: (ومن آياته أن

(1) الحشر: 20.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 297 ح 1234، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 3 ج 14 ص 410.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 297 ح 1244، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 4 ج 14 ص 411.
(4) المجادلة: 22..

[ 78 ]

خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (1). احتج الاخرون بقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (2) وبقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (3). وما رواه أبو مريم الأنصاري، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن طعام أهل الكتاب ونكاحهم، فقال: نعم قد كانت تحت طلحة يهودية (4). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، قال: لا بأس به، أما علمت إنه كان تحت طلحة بن عبيد الله يهودية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - (5). وفي الصحيح عن معاوية بن وهب وغيره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل المؤمن يتزوج اليهودية والنصرانية؟ فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له: يكون فيها الهوى؟ فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه في دينه غضاضة (6). وهذا الحديث من صحاح الأحاديث الواصلة إلينا في هذا الباب. والجواب عن الأول: أنها منسوخة، لأن زرارة بن أعين روى في الحسن قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن قول الله عز وجل: (والمحصنات من

(1) الروم: 21.
(2) المائدة: 5.
(3) النساء: 24.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 298 ح 1246، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 3 ج 14 ص 416.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 298 ح 1247، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 4 ج 14 ص 416 - 417. (6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 298 ح 1248، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 1 ج 14 ص 412..

[ 79 ]

الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) فقال: هي منسوخة بقوله تعالى تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (1). ولا حجة في المنسوخ إجماعا، على أنا نخصصها، والآية التي بعدها بالمتعة وملك اليمين، وطريق الروايات عدا الأخيرة ضعيفة، مع إمكان حملها على ما قلناه جمعا بين الأدلة، لما رواه زرارة في الموثق قال: سمعته يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة (2) أو يحمل على حال الضرورة وفقد المسلمة، ويجري مجرى إباحة الميتة عند الخوف على التلف، لما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد مسلمة حرة أو أمة (3). وعن حفص بن غياث قال: كتب بعض أخواني أن أسأل أبا عبد الله - عليه السلام - عن مسائل، فسألته عن الاسير هل يتزوج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك، فإن فعل في بلاد الروم فليس هو بحرام وهو نكاح، وأما في الترك والديلم والخزر فلا يحل له ذلك (4). مسألة: سوغ الشيخ في النهاية وطئ المجوسية بالمتعة وملك اليمين (5). ومنعه ابن إدريس (6) وقد تقدم البحث في ذلك والخلاف فيه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 298 ح 1245، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 1 ج 14 ص 410.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 300 ح 1252، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة: ح 3 ج 14 ص 462.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 299 ح 1250، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 2 ج 14 ص 412.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 299 ح 1251، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 4 ج 14 ص 413. (5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 299.
(6) السرائر: ج 2 ص 542..

[ 80 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم الرجل وكان الرجل على شرائط الذمة فإنه يملك عقدها، غير أنه لا يمكن من الدخول إليها ليلا ولا من الخلوة بها ولا من إخراجها من دار الهجرة إلى دار الحرب، وإن لم يكن بشرائط الذمة انتظر به عدتها، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فإنه يملك عقدها، وإن أسلم بعد انقضاء العدة فلا سبيل له عليها (1). ونحوه قال في كتابي الأخبار (2). وقال في الخلاف: إذا كانا وثنيين أو مجوسيين أو أحدهما مجوسيا والآخر وثنيا فأيهما أسلم قبل الدخول وقع الفسخ في الحال، وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة، فإن أسلما قبل انقضائها فهما على النكاح، وإن انقضت العدة انفسخ النكاح، وهكذا إذا كان كتابيين فأسلمت الزوجة (3). وهو يعطي أنه لا فرق بين إسلام الزوجة وزوجها كتابي وبين إسلامها وزوجها غير كتابي في الفسخ بعد العدة، وبه قال ابن البراج (4)، وابن إدريس (5) وهو المعتمد. لنا: إن للزوج على الزوجة نوع سلطنة وسبيل، لقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) (6) والكافر لا سبيل له على المسلم، لقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (7). وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم فهل تحل لها أن تقيم معه؟ قال: إذا أسلمت لم تحل له، قلت: جعلت فداك فإن الزوج أسلم بعد

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 300.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 300 ذيل الحديث 1253، الاستبصار: ج 3 ص 182 ذيل الحديث 660.
(3) الخلاف: ج 4 ص 325 المسألة 105.
(4) المهذب: ج 2 ص 251.
(5) السرائر: ج 2 ص 543.
(6) النساء: 34. (7) النساء: 141..

[ 81 ]

ذلك أيكونان على النكاح؟ قال: لا يتزوج بتزويج جديد (1). والشيخ استدل في الخلاف بإجماع الفرقة وأخبارهم (2). واحتج على ما قاله في النهاية بما رواه جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه قال في اليهودي والنصراني والمجوسي إذا أسلمت امرأته ولم يسلم قال: هما على نكاحهما ولا يفرق بينهما، ولا يترك (أن) يخرج بها من دار الاسلام إلى دار الهجرة (3). وما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن أهل الكتاب وجميع من له ذمة إذا أسلم أحد الزوجين فهما على نكاحهما، وليس له أن يخرجها من دار الاسلام إلى غيرها ولا يبيت معها ولكنه يأتيها بالنهار، وإنما المشركون مثل مشركي العرب وغيرهم فهم على نكاحهم إلى انقضاء العدة، فإن أسلمت المرأة ثم أسلم الرجل قبل انقضاء عدتها فهي امرأته، وإن لم يسلم إلا بعد انقضاء العدة فقد بانت منه ولا سبيل له عليها، وكذلك جميع من لا ذمة له، ولا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية ولا نصرانية وهو يجد حرة أو أمة (4). والجواب عن الأول: بضعف سند الرواية وإرسالها. وعن الثاني: بالمعارضة بالرواية الأولى من طرقنا، وبما رواه السكوني، عن جعفر - عليه السلام -

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 300 ح 1255، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 5 ج 14 ص 417.
(2) الخلاف: ج 4 ص 326 ذيل المسألة 105.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 300 ح 1254، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 1 ج 14 ص 420.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 302 ح ح 1259، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر ح 5 ج 14 ص 421..

[ 82 ]

عن أبيه الباقر - عليه السلام - عن علي - عليه السلام - إن امرأة مجوسية أسلمت قبل زوجها، قال علي - عليه السلام -: أتسلم؟ قال: لا، ففرق بينهما (1) ثم قال: إن أسلمت قبل انقضاء عدتها فهي امرأتك وإن انقضت عدتها قبل أن تسلم ثم أسلمت فأنت خاطب من الخطاب. قال ابن إدريس: قول الشيخ: (إذا كان الرجل بشرائط الذمة فإنه يملك عقدها، غير أنه لا يمكن من الدخول إليها ليلا ولا الخلوة بها) مما يضحك الثكلى إن كانت زوجته فلا يحل أن يمنع منها، ثم إن منع منها ومن الدخول إليها فإن نفقتها تسقط، لأن النفقة عندنا في مقابلة الاستمتاع، وهذا لا يتمكن من ذلك فتسقط النفقة عنه (2). وهذا جهل منه وجرأة عظيمة على شيخنا المقدم في جميع العلوم وتسلطه بمثل هذا الكلام العظيم، خصوصا وقد ذكر في عدة مواضع أن النهاية كتاب خبر، فأي غضاضة على الشيخ في الرواية التي ينقلها، وأي دليل قاده إلى التلازم بين الزوجية وعدم المنع منها، فكثير من الزوجات يمنع الزوج عن زوجته، وأمر النفقة ظاهر، فإن الامتناع حصل منه أو من الشارع حيث حكم به، فأشبه المرتد أو صاحب الحائض، وكما في زمان العدة للانتظار. مسألة: قال ابن أبي عقيل: ولا يجمع في نكاح الاعلان من اليهود والنصارى إلا أربع فما دونهن وهذا هو المشهور عند باقي علمائنا. وقال علي بن بابويه في رسالته وابنه الصدوق في مقنعه: ولا يجوز أن يتزوج من أهل الكتاب ولا من الإماء إلا اثنتين، ولك أن تتزوج من الحرائر المسلمات أربعا (3).

(1) كذا في (م 3) وفاقا لما في التهذيب، وفي المطبوع و (ق 2) العبارة هكذا: (فقال علي عليه السلام: لا يفرق بينهما) وفاقا لما في الوسائل، انظر التهذيب 7: 301 / 1257، والوسائل 14: 421، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر، ح 2.
(2) السرائر: ج 2 ص 543.
(3) المقنع: ص 102..

[ 83 ]

وقال ابن أبي عقيل: وقد قيل: إن أهل الكتابين مماليك للامام فطلاقهن واعدادهن كطلاق الإماء وعددهن سواء، وهذا خبر لا يصححه أكثر علماء الشيعة عن آل محمد - عليه وعليهم السلام -. والمعتمة قول الأكثر، لعموم قوله تعالى: (ورباع) (1) وحجة ابن بابويه ضعيفة. المطلب الرابع: في بقايا أسباب التحريم مسألة: المخلوقة من ماء الزاني تحرم عليه، قاله الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3). واستدل عليه في الخلاف بوجهين: الأول: إنه إذا زنى بامرأة حرم عليه بنتها وانتشرت الحرمة وهذه بنتها، وطريقة الاحتياط يقتضي تجنب هذه. الثاني: قوله تعالى: (وبناتكم) وهذه بنته لغة وإن لم تكن شرعا (4). وقال ابن إدريس: بالتحريم أيضا، لكن لا من هذه الحيثية بل من حيث إن بنت الزنا كافرة، ولا يحل على المسلم نكاحها وليس بنتا له شرعا، وعرف الشرع هو الطارئ على عرف اللغة (5). وهذا الكلام خطأ، أما أولا: فللمنع من كفر ولد الزنا وأي دليل ظهر له على ذلك، وأما ثانيا: فللمنع من طريان عرف شرعي في ذلك، لقوله تعالى: (إن امهاتهم إلا اللائي ولدنهم) (6) فجعل المولدة مطلقا أما فتكون المتولدة بنتا على حسب القانون اللغوي.

(1) النساء: 3.
(2) الخلاف: ج 4 ص 310 المسألة 83.
(3) المبسوط: ج 4 ص 209.
(4) الخلاف: ج 4 ص 311 ذيل المسألة 83.
(5) السرائر: ج 2 ص 526.
(6) المجادلة: 2..

[ 84 ]

نعم الأحكام الشرعية المتعلقة بالنسب منفية هنا لحكمة شرعية، أما حقيقة البنتية والأمومية والأختية فلا. وهذه المسألة وإن اتفقا على الحكم فيها لكن الخلاف في العلة، وقد يترتب عليه اختلاف في أحكام أخر، فعلى قول الشيخ لا يحل على الكافر، ويلزم ابن إدريس الحل عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقد المحرم على امرأة وهو عالم بأن ذلك محرم عليه فرق بينهما ولم تحل له أبدا، فإن لم يكن عالما بذلك فرق بينهما، فإذا أحلا وأرادا أن يستأنفا العقد فعلا وليس عليهما شئ (1). ولم يفصل إلى الدخول وعدمه، فمقتضى التحريم مع العلم بالنهي وإن لم يدخل، والاباحة مع الدخول والجهل. وتبعه ابن البراج (2). وقال المفيد: من عقد على امرأة وهو محرم مع العلم بالنهي عن ذلك فرق بينهما ولم تحل له أبدا (3). ولم يتعرض للجهل ولا للدخول، لكن يدل من حيث المفهوم على ما قاله الشيخ. وقال سلار: وأن لا يكون عقد عليها في إحرام فإنه لا يصح ويحرم عليه أبدا (4). وأطلق في الجهل وعدم الدخول. وقال في الخلاف: إذا تزوجها في حال إحرامها جاهلا فدخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا، وإن كان عالما ولم يدخل بها فرق أيضا بينهما ولم تحل له أبدا (5). وقال الصدوق في المقنع: ولا يجوز للمحرم أن يتزوج ولا يزوج المحل، وإذا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 291.
(2) المهذب: ج 2 ص 183.
(3) المقنعة: ص 501.
(4) المراسم: 149.
(5) الخلاف: ج 4 ص 322 المسألة 99..

[ 85 ]

تزوج فرق بينهما ولم تحل له أبدا (1). وعد ابن حمزة في المحرمات على التأييد المعقود عليها في حال الاحرام من الرجل وهو عالم بتحريمه، دخل بها أو لم يدخل (2). ولو عقد جاهلا بالتحريم ولم يدخل بها فإذا علم بذلك فرق بينهما، فإذا خرج من الاحرام جاهلا عقد عليها إن شاء. وقال أبو الصلاح: والمعقود عليها في إحرام معلوم والمدخول بها فيه على كل حال (3)، وتبعه ابن إدريس (4). والذي بلغنا في هذا الباب ما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لا تحل له أبدا (5). ومقتضى هذه الرواية التحريم مع العلم سواء دخل بها أو لا، وعدمه مع الجهل سواء دخل أو لا، عملا بالمفهوم. مسألة: قد بينا فيما تقدم إن وطئ الشبهة ينشر حرمة المصاهرة. وقال ابن إدريس: إن عقد الشبهة ووطئ الشبهة لا ينشر الحرمة ولا يثبت به تحريم المصاهرة بحال، وإنما أصحابنا رووا أنه يلحق به الوالد ولا يحد فاعله، وما سوى هذين الحكمين فحكمه حكم وطئ الحرام، وعند الشافعي ينشر تحريم المصاهرة ولا يثبت به حرمة المحرم، وإن كان شيخنا قد أورد ذلك في مبسوطه فهو رأي الشافعي لا رأي الامامي (6). وليس بجيد، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: المشهور كراهة القابلة وابنتها.

(1) المقنع: ص 75 - 76.
(2) الوسيلة: ص 292.
(3) الكافي في الفقه: ص 286.
(4) السرائر: ج 1 ص 553.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 305 ح 1272، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 378.
(6) السرائر: ج 2 ص 535 - 536..

[ 86 ]

وقال الصدوق في مقنعه: ولا تحل القابلة للمولود ولا ابنتها وهي كبعض أمهاته، وفي حديث إن قبلت ومرت فالقوابل أكثر من ذلك، وإن قبلت وربت حرمت عليه (1). لنا: الأصل الإباحة. وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: قلت للرضا - عليه السلام -: يتزوج الرجل المرأة التي قبلته، فقال: سبحان الله ما حرم الله عليه من ذلك (2). احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يتزوج المرأة التي قبلته ولا ابنتها (3). وعن جابر، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن القابلة أيحل للمولود أن ينكحها؟ قال: لا ولا ابنتها وهي من بعض أمهاته (4). والجواب: ضعف السند والحمل على الكراهة، لما رواه إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن القابلة تقبل الرجل أله أن يتزوجها؟ فقال: إن كانت قد قبلته المرة والمرتين والثلاثة فلا بأس، وإن كانت قبلته وربته وكفلته فإني أنهى نفسي عنها وولدي، وفي خبر آخر: وصديقي (5)

(1) المقنع: ص 109.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 455 ح 1821، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 6 ج 14 ص 387. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 455 ح 1822، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 8 ج 14 ص 387.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 455 ح 1823، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 386.
(5) تهذيب الأحكام ج 7 ص 455 ح 1824، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 7 ج 14 ص 387..

[ 87 ]

الفصل الثاني في العقد وأوليائه وفيه مطالب: الأول: في العقد وصيغته مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا ينعقد عقد الدوام إلا بلفظين: زوجتك وأنكحتك (1)، وبه قال ابن الجنيد، والسيد المرتضى (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن حمزة (4)، وابن إدريس ( أيضا. والوجه الأول. لنا: الأصل عصمة الفرج وصيانته عن الغير، خرج عنه ما أجمعوا عليه من الصيغ، فيبقى الباقي على المنع الاصلي. ولأن المتعة حقيقة في النكاح المنقطع في العرف الشرعي فيكون مجازا في الدائم، لأصالة عدم الاشتراك، ولا يكفي في صيغ العقود ما يدل بالمجاز، وإلا لم ينحصر الالفاظ، وهو باطل إجماعا.

(1) المبسوط: ج 4 ص 193.
(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 246 المسألة 152 س 33.
(3) الكافي في الفقه: ص 293.
(4) الوسيلة: ص 291.
(5) السرائر: ج 2 ص 574..

[ 88 ]

احتجوا بانقلاب المنقطع بلفظ التمتع مع الاخلال بالاجل دائما، فلو لم يكن من صيغه لم ينعقد. والجواب: المنع من الصغرى وسيأتي. مسألة: المشهور إن النكاح المتعة ينعقد بألفاظ ثلاثة: زوجتك وأنكحتك ومتعتك. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: فأما نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبد من الالفاظ، وبقوله: أمتعيني نفسك وأجريني أيضا (1). والوجه ما تقدم أولا لما ذكرناه في المسألة السابقة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان لا يحسن العربية صح العقد بلفظ التزويج بالفارسية، وإن كان يحسنها لم ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج، لأنه لا دلالة عليه، وادعى عليه الاجماع (2). وقال ابن حمزة: وإن قدر المتعاقدان على القبول والايجاب بالعربية عقدا بها استحبابا (3). والمعتمد الأول. لنا: إنها عبارات أفادت إباحة ما هو حرام قلبها، وذلك حكم شرعي فيقف على الإذن، ولم يثبت الإذن في غير العربي فيبقى على الأصل. احتج بأن الفارسية بالنسبة إلى اللفظ العربية من قبيل المترادف فيصح أن يقام مقامها، لأن التركيب من عوارض المعاني بالذات وبالعرض للفظ، وليست الالفاظ مقصودة لذاتها، وإنما هي آلات يتوصل بها إلى فهم المعاني، فأي لفظ أدى المعنى إليه حصل به الغرض ولا تعلق لنظر الحكيم بخصوصية لفظ دون لفظ.

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 246 المسألة 152 س 33.
(2) المبسوط: ج 4 ص 193 و 194.
(3) الوسيلة: ص 291..

[ 89 ]

والجواب: المنع من عدم تعلق الغرض بخصوصيات الالفاظ. مسألة: لو أتى بلفظ الأمر وقصد الانشاء - مثل زوجني - قيل: يصح (1). قال الشيخ في المبسوط: لو تقدم القبول في النكاح فقال الزوج زوجنيها فقال: زوجتكها صح، وإن لم يعد الزوج القبول بلا خلاف، لخبر سهل الساعدي، قال الرجل: زوجنيها يا رسول الله، فقال: زوجتكها بما معك من القرآن (2). والوجه المنع لبعده عن الانشاء الموضوع له لفظ الماضي، لدلالته مطلقا على المطلوب. قال ابن إدريس: لا بد أن يأتي بلفظ الأخبار في الايجاب، ولا يجوز أن يأتي به بلفظ الأمر أو الاستفهام (3). وهو مناسب لما قلناه. مسألة: الأقوى إنه لا ينعقد بلفظ الاستقبال، وبه قال ابن حمزة (4)، مثل أتزوجك، لبعده عن الانشاء، واحتماله الوعد. وقيل: يجوز (5)، لما دل عليه رواية أبان بن تغلب في المتعة، فإذا قالت: نعم فهي امرأتك (6). المطلب الثاني: في لواحقه مسألة: النكاح مستحب مع الشهوة والقدرة إجماعا، ولو لم تتق النفس ففيه

(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 273. (2) المبسوط: ج 4 ص 194.
(3) السرائر: ج 2 ص 574.
(4) الوسيلة: ص 291.
(5) شرائع الاسلام: ج 2 ص 273.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 265 - 266 ح 1145، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 466..

[ 90 ]

خلاف، والمشهور استحبابه. وأطلق الأصحاب الاستحباب، إلا الشيخ في المبسوط فإنه قسم الرجل والمرأة إلى مشته للنكاح قادر عليه فيستحب، وإلى غير مشته فلا يستحب (1). وقسم ابن حمزة الرجل والمرأة إلى أربعة: أما أن يشتهي كل واحد النكاح ويقدر عليه فيستحب له أو لا يشتهي ولا يقدر عليه فيكره له، أو يشتهي ولا يقدر عليه، أو يقدر عليه ولا يشتهي فلا يكره ولا يستحب (2). والمشهور الأول لعموم قوله - عليه السلام -: (تناكحوا تناسلوا) (3) وقوله - عليه السلام -: (شرار موتاكم العزاب) (4). وما رواه ابن فضال، عن الصادق - عليه السلام - قال: ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليها أعزب (5). وعن عبد الله بن ميمون القداح، عن الصادق - عليه السلام - عن آبائه - عليهم السلام - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله -: ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله (6). وقيل: إنه غير مستحب على هذا التقدير، وهو اختيار الشيخ في المبسوط (7)،

(1) المبسوط: ج 4 ص 160.
(2) الوسيلة: ص 289.
(3) الجامع الصغير: ج 1 ص 133 س 18.
(4) مسند أحمد بن حنبل: ج 5 ص 163.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 239 ح 1044، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب مقدمات وآداب النكاح ح 1 ج 14 ص 6.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 240 ح 1047، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب مقدمات وآداب النكاح ح 10 ج 14 ص 23.
(7) المبسوط: ج 4 ص 160..

[ 91 ]

لأن الله تعالى وصف يحيى - عليه السلام - بكونه حصورا، ولولا أفضلية هذا الوصف امتنع وصفه تعالى بذلك، ولا يحمل على اطلاقه إجماعا فيحمل على ما إذا انتفت الشهوة. والجواب: إن للانبياء اختصاصا بأمور فلعل ذلك من جملتها. سلمنا، لكن وصف ذلك في شرع من قبلنا لا يستلزم ثبوته في شرعنا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نثر السكر واللوز في الولائم وغير ذلك جائز، غير أنه لا يجوز لأحد أخذه إلا بإذن صاحبه، إما قولا أو بشاهد حال أنه أباحه، وينبغي أن لا ينتهب، وتركه أولى على كل حال، ويملك النثار كما يملك الطعام إذا قدم إلى قوم، وقيل: فيه ثلاثة أوجه ذكرناها في كتاب الأطعمة، وأقواها أنه يملك بالأخذ والحيازة (1). وقال في الخلاف: نثر السكر واللوز في الولائم وأخذه مكروه (2)، وأطلق. والوجه ما قاله في المبسوط من كراهة الانتهاب. بقي الاشكال في ملكه، والوجه عندي أنه لا يملك إلا بالتناول كالطعام لا بالأخذ بمجرده، عملا بأصالة الاستصحاب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا فهل يكون محرما لها حتى تجوز له أن يخلو بها ويسافر معها؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما - وهو الظاهر -: أنه يكون محرما، لقول تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن - إلى قوله: - أو ما ملكت أيمانهن) فنهاهن عن إظهار زينتهن لأحد إلا من استثنى، واستثنى ملك اليمين. والثاني - وهو الأشبه بالمذهب -: إنه لا يكون محرما، وهو الذي يقوى في نفسي، وروى أصحابنا في تفسير الآية أن المراد به الإماء دون الذكور (3). وهذا الكلام يدل على تردده.

(1) المبسوط: ج 4 ص 323. (2) الخلاف: ج 4 ص 407 المسألة 5.
(3) المبسوط: ج 4 ص 161..

[ 92 ]

وقال في الخلاف إذا ملكت المرأة فحلا أو خصيا أو مجبورا لا يكون محرما لها، فلا يجوز أن يخلو بها ولا يسافر معها، واستدل بإجماع الفرقة وطريقة الاحتياط. قال: وأما الآية فقد روي أصحابنا أن المراد بها الإماء دون العبيد الذكران (1). وهو اختيار ابن إدريس (2). فقد روي في التهذيب عن أحمد بن إسحاق، عن أبي إبراهيم - عليه السلام - قال: قلت له: يكون للرجل الخصي يدخل على نسائه فيناولهن الوضوء فيرى شعورهن؟ فقال: لا (3). وعن محمد بن إسماعيل في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن قناع النساء الحرائر من الخصيان، فقال: كانوا يدخلون على بنات أبي الحسن - عليه السلام - ولا يتقنعن (4). قال الشيخ: هذا الخبر خرج مخرج التقية والعمل على الخبر الأول، وإنما أجازوا في الخبر الثاني تقية من سلطان الوقت. وقد روي في حديث آخر أنه لما سئل - عليه السلام - عن ذلك فقال: أمسك عن هذا ولم يجبه. وهذا يدل على ما ذكرناه من التقية (5). والحق عندي أن الفحل لا يجوز له النظر إلى مالكته، أما الخصي ففيه احتمال، أقربه الجواز على كراهية، للآية، والتخصيص بالاماء لا وجه له،

(1) الخلاف: ج 4 ص 249 المسألة 5.
(2) السرائر: ج 2 ص 609.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 480 ح 1925، وسائل الشيعة: ب 125 من أبواب مقدمات النكاح ح 2 ج 14 ص 166.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 480 ح 1926، وسائل الشيعة: ب 125 من أبواب مقدمات النكاح ج 14 ص 166.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 480 ذيل الحديث 1926 وح 1927 وذيله، وسائل الشيعة: ب 125 من أبواب مقدمات النكاح ح 6 ج 14 ص 166. .

[ 93 ]

لاشتراك الإماء والحرائر في الجواز. مع أن ابن الجنيد قال في كتابه: وقد روي عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى - عليهما السلام - كراهية رؤية الخصيان الحرة من النساء، حرا كان أو مملوكا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن، لأنهن بمنزلة الإماء إذا لم يكن النظر لريبة أو تلذذ، فأما إذا كان لذلك فلا يجوز النظر إليهن على حال (1). وقال المفيد في المقنعة: لا بأس بالنظر إلى وجوه نساء أهل الكتاب وشعورهن، لأنهن بمنزلة الإماء، ولا يجوز النظر إلى ذلك منهن لريبة (2). وقال ابن إدريس: الذي يقوي في نفسي هذه الرواية والعدول عنها والتمسك بقوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وقوله تعالى: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) والشيخ أوردها في نهايته على جهة الايراد لا الاعتقاد (3). وقال ابن البراج: ولا بأس أن ينظر إلى شعور النساء الكتابيات، فإن نظر الرجل إليهن للتلذذ لم يجز له ذلك (4). والأقرب المنع، كقول ابن إدريس. مسألة: المشهور كراهة الوطئ في الدبر من غير تحريم، اختاره الشيخ (5)، والسيد المرتضى (6) وأكثر علمائنا. وقال ابن حمزة: أنه محرم (7). لنا: قوله تعالى: (فاتوا حرثكم أنى شئتم) (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 355 - 356.
(2) المقنعة: ص 521.
(3) السرائر: ج 2 ص 610.
(4) لم نعثر عليه.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 353.
(6) الانتصار: ص 125.
(7) الوسيلة: ص 313.
(8) البقرة: 223..

[ 94 ]

لا يقال: إنه مختص بموضع الحرث، وهو القبل. لأنا نقول: إنه مدفوع بالاجماع، للاتفاق على إباحة الاتيان بين الفخذين والسرة وغيرها. وما رواه عبد الله بن أبي يعفور في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: لا بأس به (1). وللأصل. واحتج المانع بما رواه سدير قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله -: محاش النساء على أمتي حرام (2). والجواب: الحمل على شدة الكراهة جمعا بين الأدلة، أو على التقية، لأن أكثر العامة منعوه، مع أن مالكا قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أن وطئ المرأة في دبرها حلال، ثم قرأ: (نساؤكم حرث لكم) (3). ولأن روايتنا أصح سندا، فيتعين العمل بها. مسألة: المشهور كراهة العزل عن الحرة إلا مع الإذن، وليس محرما، قاله الشيخ في النهاية (4)، وابن البراج (5)، وابن إدريس (6)، وعده ابن حمزة في المحرمات (7). وقال شيخنا المفيد عبارة موهمة، فقال: وليس لأحد أن يعزل الماء عن

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 415 ح 1662، وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب مقدمات النكاح ح 5 ج 14 ص 103.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 416 ح 1664، وسائل الشيعة: ب 72 من أبواب مقدمات النكاح ح 2 ج 14 ص 101.
(3) أحكام القرآن للجصاص: ج 1 ص 351 - 352.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 354.
(5) المهذب: ج 2 ص 243.
(6) السرائر: ج 2 ص 607.
(7) الوسيلة: ص 314..

[ 95 ]

زوجة له حرة، إلا أن ترضى منه بذلك (1). لنا: أصالة الإباحة. وما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن العزل، فقال: ذلك إلى الرجل يصرفه حيث شاء (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه سئل عن العزل فقال: أما الأمة فلا بأس، وأما الحرة فإني أكره ذلك، إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها (3). احتج المانع بأن حكمة النكاح الاستيلاد، ولا يحصل غالبا مع العزل، فيكون منافيا لغرض الشارع. والجواب: المنع. تذنيب: أوجب الشيخ على الرجل دية ضياع النطفة عشرة دنانير (4)، ومنعه ابن إدريس (5) وسيأتي. مسألة: المشهور كراهة النظر إلى فرج المرأة حال الجماع، وعده ابن حمزة من المحرمات (6). لنا: الأصل. وما رواه سماعة قال: سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة وهو يجامعها،

(1) المقنعة: ص 516.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 417 ح 1669، وسائل الشيعة: ب 75 من أبواب مقدمات النكاح ح 1 ج 14 ص 105.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 417 ح 1671، وسائل الشيعة: ب 76 من أبواب مقدمات النكاح ح 1 ج 14 ص 106.
(4) الخلاف: ج 4 ص 359 المسألة 143.
(5) السرائر: ج 2 ص 607.
(6) الوسيلة: ص 314..

[ 96 ]

قال: لا بأس به، إلا أنه يورث العمى (1). مسألة: المشهور كراهة أن يجامع زوجته الحرة والأخرى تنظر إليه. وقال المفيد: لا يجوز (2). فإن أراد التحريم صارت المسألة خلافية، وإلا فلا، والظاهر أن مراده بذلك شدة الكراهة، لأنه عد بعدها أشياء مكروهة. ثم قال: ولو أن انسانا تعدى ما رسمناه في جميع ما عددناه لم يكن بذلك فاسقا ولا تاركا فرضا، لكنه يكون مخطئا مخالفا للسنة تاركا فضلا (3). وفي هذا الكلام نظر. المطلب الثالث في الاولياء مسألة: اختلف علماؤنا في البكر البالغة الرشيدة هل لها أن تعقد على نفسها من غير ولي وتزول ولاية الأب والجد عنها أم لا؟ فالذي اختاره المفيد في أحكام النساء الجواز، وزوال ولاية الأب والجد عنها في النكاح (4). وبه قال ابن الجنيد، والسيد المرتضى (5)، وسلار (6). وقال في المقنعة: المرأة البالغة تعقد على نفسها النكاح، وذوات الآباء من

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 414 ح 1656، وسائل الشيعة: ب 59 من أبواب مقدمات النكاح ح 2 ج 14 ص 85.
(2) المقنعة: ص 515. (3) المقنعة: ص 516.
(4) أحكام النساء (مصنفات الشيخ المفيد): ج 9 ص 36.
(5) الانتصار: ص 119.
(6) المراسم: ص 148..

[ 97 ]

الابكار ينبغي لهن ألا يعقدن إلا بإذن آبائهن، وإن عقد الأب على ابنته البكر البالغ بغير إذنها أخطأ السنة ولم يكن لها خلافه، فإن أنكرت عقده ولم ترض به لم يكن للأب إكراهها على النكاح ولم يمض العقد مع كراهتها، وإن عقد عليها وهي صغيرة لم يكن لها عند البلوغ خيار، وإن عقدت على نفسها بعد البلوغ بغير إذن أبيها خالفت السنة وبطل العقد إلا أن يجيزه الأب (1). وقال الشيخ في النهاية: لا يجوز للبكر البالغ أن تعقد على نفسها نكاح الدوام إلا بإذن أبيها، فإن عقدت على نفسها بغير إذن أبيها كان العقد موقوفا على رضى الأب، فإن أمضاه مضى، وإن لم يمضه وفسخ كان مفسوخا، ولو عقد الأب عليها من غير استئذان لها مضى العقد ولم يكن لها خلافه، وإن أبت التزويج وأظهرت كراهيته لم يلتفت إلى كراهيتها (2). فجعل عليها الولاية، ولم يسوغ لها التفرد بالعقد. وبه قال ابن أبي عقيل، والصدوق (3)، وابن البراج (4). وهنا مذهب آخر التشريك بين المرأة والولي، وهو إما الأب أو الجد، فليس لها التفرد بالعقد من دون إذن أحدهما، وليس لأحدهما التفرد به من دون إذنها، وهو مذهب أبي الصلاح (5). وللشيخ قول آخر في التبيان في تفسير قوله تعالى: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) لا ولاية لأحد عندنا إلا الأب والجد على البكر غير البالغ، فأما من عداهما فلا ولاية له (6). وقال في المبسوط - في فصل أولياء المرأة والمماليك -: إذا بلغت الحرة رشيدة ملكت كل عقد من النكاح والبيع وغير ذلك، وفي أصحابنا من قال:

(1) المقنعة: ص 510 - 511.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 310 - 311. (3) الهداية: ص 68.
(4) المهذب: ج 2 ص 194 - 195.
(5) الكافي في الفقه: ص 292.
(6) التبيان: ج 2 ص 273..

[ 98 ]

إذا كانت بكرا لا يجوز لها العقد على نفسها إلا بإذن أبيها، ثم قال: وأما الابكار فإن كانت كبيرة فالظاهر في الروايات أن للأب والجد أن يجبرها على النكاح ويستحب له أن يستأذنها، وفي أصحابنا من قال: ليس له اجبارها على النكاح، ولست أعرف به نصا (1). والمعتمد الأول. لنا: قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره) (2) جعل النكاح إليها، وهو على اطلاقه شامل للمدخول بها وغيرها. وما رواه في الحسن الفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وزرارة وبريد بن معاوية، عن الباقر - عليه السلام - قال: المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها إن تزويجها بغير ولي جائز (3). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت فإن أمرها جائز، تزوج نفسها إن شاءت بغير إذن وليها، فإن لم يكن ذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليها (4). وعن منصور بن حازم في الصحيح، عن الصادق عليه السلام قال: تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلا بأمرها (5). ولأن ولاية المال قد زالت فتزول ولاية النكاح عنها، لأنها إحدى الولايتين المنوطتين بالبلوغ والرشد.

(1) المبسوط: ج 4 ص 162.
(2) البقرة: 230.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 377 ح 1525، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 21 ج 14 ص 1 20.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 378 ح 1530، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 6 ج 14 ص 215.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 380 ح 1535 وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 1 ج 14 ص 214..

[ 99 ]

احتج الشيخ بما رواه ابن أبي يعفور في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - لا تزوج ذوات الآباء من الابكار إلا بإذن أبيها (1). وعن إبراهيم بن ميمون، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، وإذا كانت قد تزوجت لم يزوجها إلا برضاء منها (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا يستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر، وقال: لا يستأمرها كل أحد ما عدا الأب (3). ولأن الحكمة تقتضي ذلك، فإن البكر لا معرفة لها بأحوال الرجال، فلو لم يجعل أمرها منوطا بنظر الأب لزم إدخال الضرر عليها، ومنفي بالأصل. والجواب: بحمل الروايات على الكراهة بالتفرد وأولوية استئذان الأب، جمعا بين الأدلة، والحكمة لا تصلح للتعليل، لعدم انضباطها، ونقضها باستلزام إثبات الولاية للاقارب عند عدم الأب. احتج أبو الصلاح بما رواه صفوان في الموثق قال: استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر - عليه السلام - في تزويج ابنته لابن أخته وقال: أفعل ويكون ذلك برضاها، فإن لها في نفسها نصيبا. قال: واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر - عليهما السلام - في تزويج ابنته علي بن جعفر قال: أفعل ويكون ذلك

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 379 ح 1531، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 5 ج 14 ص 208.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 380 ح 1536، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 3 ج 14 ص 215.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 380 ح 1537، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 3 ج 14 ص 205..

[ 100 ]

برضاها، فإن لها في نفسها حظا (1). والجواب: وتحمل على الأولوية كما تقدم. مسألة: الجد للأب كالأب في ولاية النكاح، سواء كان الأب حيا أو ميتا، وسواء كانت البكر بالغة رشيدة. أو لا. وأثبتناه ولاية الأب عليها إن كانت صغيرة، وهو الظاهر من كلام المفيد (2)، والسيد المرتضى (3)، وسلار (4) حيث أطلقوا الولاية للجد من غير اشتراط وجود الأب. وبه قال ابن إدريس (5). وقال الشيخ في النهاية: إن حياة الأب شرط في ولاية الجد على البكر البالغة والصغيرة، وموته مسقط لولايته عليهما (6). وبه قال ابن الجنيد، وأبو الصلاح (7)، وابن البراج (8)، والصدوق (9). وأما ابن أبي عقيل فإنه قال: الولي الذي هو أولى بنكاحهن هو الأب دون غيره من الاولياء، ولم يذكر للجد ولاية. والمعتمد الأول. لنا: إنه أب في الحقيقة له ولاية المال، فيثبت له ولاية النكاح كالأب الأقرب. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها (10). ولا خلاف في أن الجد ولي أمر الصغيرة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 379 ح 1534، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 2 ج 14 ص 214.
(2) المقنعة: ص 511.
(3) الانتصار: ص 121.
(4) المراسم: ص 148.
(5) السرائر: ج 2 ص 561.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 312.
(7) الكافي في الفقه: ص 292.
(8) المهذب: ج 2 ص 197.
(9) الهداية: ص 68.
(10) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1570، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد النكاح ح 2 ج 14 ص 212. .

[ 101 ]

وفي الموثق عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها برجل فقال: الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا إن لم يكن الأب زوجها قبله، ويجوز عليها تزويج الأب والجد (1). وإذا كانت ولاية الجد أقوى لم يؤثر فيها موت الاضعف كالعكس، بل هو أولى. احتج الشيخ بما رواه الفضل بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز، قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوى وهوى الجد وهما سواء في العدل والرضا، قال: أحب إلي أن يرضى الجد (2). والجواب: المنع من سلامة السند أولا، ومن دلالته على المطلوب ثانيا، فإن دلالة المفهوم ضعيفة. مسألة: المشهور عند علمائنا أنه لا يشترط في العقد الولي ولا الشهود. وقال ابن أبي عقيل: نكاح الاعلان نكاح الدائم الذي لا شرط فيه ولا أجل، ولا يجوز إلا بولي مرشد وشاهدي عدل، وإنما وضعت الشهود في نكاح الاعلان لعلة الميراث وإيجاب القسم والنفقات، وهذا لا (3) يلزم الاشهاد في نكاح المتعة، لعدم هذه الخصال بينهما. لنا: الأصل عدم الاشتراط. ولأنهما ليسا شرطين في شئ من العقود، فلا يكونان شرطين هنا. احتج بما رواه المهلب الدلال أنه كتب إلى أبي الحسن - عليه السلام -: إن

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 390 ح 1560، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب عقد النكاح ح 2 ج 14 ص 218.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 391 ح 1564، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 218.
(3) ز: لم..

[ 102 ]

امرأة كانت معي في الدار ثم إنها زوجتني نفسها وأشهدت الله وملائكته على ذلك ثم إن أباها زوجها من رجل آخر فما تقول؟ فكتب: التزويج الدائم لا يكون إلا بولي وشاهدين، ولا يكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك واكتم رحمك الله (1). والجواب: المنع من صحة السند أولا، وثانيا: من اشتمالها على الكتابة وهي ضعيفة، وثالثا: من حملها على الثيوب، ورابعة: من حملها على الاستحباب. وتحقيقه: إن نفي الأعيان غير ممكن، فليس الحمل على الجواز أولى من الحمل على الاستحباب. مسألة: المشهور إن عقد النكاح قد يقع موقوفا على الاجازة كعقد الفضولي في البيع، فلو عقد غير من له الولاية وقف على إجازة مالك الولاية، فإن أجازه مضى، وإن فسخه كان مفسوخا، واختاره السيد المرتضى (2) مطلقا. ونص المفيد على أن الصغيرة لو زوجها غير أبيها وجدها لابيها كان العقد موقوفا على رضاها به بعد البلوغ، فإذا بلغت فرضيت به وأجازته ثبت، وإن أبته بطل (3). وكذا قال الشيخ في النهاية، وقال فيها أيضا: لو زوجت البكر البالغ نفسها بغير إذن أبيها كان العقد موقوفا على رضى الأب، فإن أمضاه مضى، وإن لم يمضه وفسخ كان مفسوخا (4). فجعل عقد النكاح موقوفا. وكذا قال ابن أبي عقيل: والصغيرة إن زوجها غير الأب من سائر أوليائها

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 255 ح 1101، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 11 ج 14 ص 459.
(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 247 س 23.
(3) المقنعة: ص 511.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 310 - 311..

[ 103 ]

دون البلوغ فبلغت وأبت فالنكاح باطل، وإن رضيت فالنكاح جائز. وكذا جعل ابن الجنيد: نكاح الصغيرين موقوفا على رضاهما بعد البلوغ لو زوجهما غير الولي، وكذا قال سلار (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن البراج (3). وابن إدريس فإنه قال: النكاح عندنا يقف على الاجازة، مثل: أن يزوج رجل امرأة من غير أمر وليها لرجل لم يأذن له في ذلك فإن العقد موقوف على إجازة الزوج والولي، وكذا لو زوج بنت غيره فقبل الزوج وقف على إجازة الولي، وكذا لو زوج العبد بغير إذن سيده والأمة بغير إذن سيدها وقف على إجازتهما بغير خلاف في ذلك كله عند أصحابنا ما خلا العبد والأمة، فإن بعضهم يوقف العقد على إجازة الموليين وبعضهم يبطله، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على الفساد، وما عداهما لا خلاف بينهم فيه، إلا ما ذهب إليه شيخنا في مسائل خلافه (4). وقال الشيخ في الخلاف: النكاح لا يقف على الاجازة، مثل: أن يزوج رجل امرأة من غير أمر وليها ولم يأذن له في ذلك لم يقف العقد على إجازة الزوج، وكذلك لو زوج رجل بنت غيره وهي بالغة من رجل فقبل الزوج لم يقف العقد على إجازة الولي ولا إجازتها، وكذلك لو زوج الرجل ابنته الثيب الكبيرة الرشيدة أو أخته الكبيرة الرشيدة لم يقف على إجازتها، وكذلك لو تزوج العبد بغير إذن سيده بالأمة بغير إذن سيدها، كل هذا باطل لا يقف على إجازة أحد، وكذلك لو اشترى لغيره بغير إذن لم يقف على إجازته وكان باطلا، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وزاد الشافعي تزويج البالغة الرشيدة نفسها من غير ولي والبيع بغير إذن صاحبه. وعندنا إن تزويج البالغة الرشيدة نفسها

(1) المراسم: ص 148.
(2) الكافي في الفقه: ص 292.
(3) المهذب: ج 2 ص. 197.
(4) السرائر: ج 2 ص 564 - 565..

[ 104 ]

صحيح، والبيع يقف على إجازة مالكه. وقال أبو حنيفة: يقف جميع ذلك على إجازة الزوج والزوجة والولي وكذلك البيع، إلا أنه يقول في النكاح يقف في الطرفين على إجازة الزوج والزوجة، وفي البيع يقف على إجازة البائع دون المشتري. وقال أبو يوسف و محمد هاهنا: يقف ذلك على إجازة الولي، فإن امتنع وكانت وضعت نفسها في كفو، أجازه السلطان، ووافقنا في مسألة وهو: أن الشراء لا يقف على إجازة المشتري ويلزم المشتري (1). وقال في المبسوط (2) كما قال في الخلاف. وقال ابن حمزة: التزويج لا يقف على الاجازة إلا في تسعة مواضع وهي: عقد البكر الرشيدة مع حضور الولي على نفسها، وعقد الأب على ابنه الصغير، وعقد الأم عليه، وعقد الجد مع عدم الأب، وعقد الأخ والأم والعم على صبية وتزويج الرجل عبد غيره بغير إذنه، وتزويج العبد بغير إذن سيده، فإن أجاز الولي والمعقود له أو عليه أو سيده صح، وإلا انفسخ (3). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي - صلى الله عليه وآله - فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي - صلى الله عليه وآله - (4). وفي خبر آخر: إن رجلا زوج ابنته وهي كارهة فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقالت: زوجني أبي - ونعم الأب - من ابن أخيه يريد أن يرفع بي خسيسته، فجعل النبي - صلى الله عليه وآله - أمرها إليها، فقالت: أجزت ما صنع أبي، وإنما أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من أمر النساء شئ (5).

(1) الخلاف: ج 4 ص 257 - 258 المسألة 11.
(2) المبسوط: ج 4 ص 163.
(3) الوسيلة: ص 300.
(4) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 12 من كتاب النكاح ح 1875 ص 603.
(5) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 603 ح 1874..

[ 105 ]

وما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - أنه سأله عن رجل زوجته أمه وهو غائب، فقال: النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل وإن شاء ترك، فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر لازم لأمه (1). وفي الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين، فقال: النكاح جائز وأيهما أدرك كان له الخيار، وإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا (2). والمراد بالولي هنا غير الأب والجد له، كالأخ والعم والخال. وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه، قال: ذلك لمولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما (3). وفي الحسن عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذلك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما، فقلت: أصحلك الله إن الحكم بن عيينة وابراهيم النخعي وأصحابهم يقولون: إن أصل النكاح فاسد فلا يحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: إنه لم يعص الله إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 376 ح 1523، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب عقد النكاح ح 3 ج 14 ص 211.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 382 ح 1366، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب ميراث الازواج ح 1 ج 17 ص 527.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 351 ح 1431، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 523. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 351 ح 1432، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 523..

[ 106 ]

وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر - عليهما السلام - عن أبيه، عن آبائه، عن علي - عليهم السلام - إنه أتاه رجل بعبده فقال: إن عبدي تزوج بغير إذني، فقال علي - عليه السلام - لسيده: فرق بينهما، فقال السيد لعبده: يا عدو الله طلق، فقال: علي - عليه السلام -: كيف؟ قلت له: قال: قلت له: طلق، فقال علي - عليه السلام - للعبد: أما الان فإن شئت فطلق وإن شئت فأمسك، فقال السيد: يا أمير المؤمنين أمر كان بيدي ثم جعلته بيد غيري، قال: ذلك، لانك حيث قلت له: طلق أقررت له النكاح (1). احتج الشيخ بأن العقود الشرعية تحتاج إلى أدلة شرعية، ولا دليل على أن هذه العقود واقفة على الاجازة، فوجب القضاء بفسادها. وأيضا روت عائشة إن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، وهذه نكحت بغير إذن وليها. وروى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: لا نكاح إلا بولي، فنفاه بغير ولي. وروى جابر، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر. وروى ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فنكاحه باطل. وروى أبو العباس الفضل البقباق قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يتزوج الأمة بغير إذن أهلها، قال: هو زنى، إن الله تعالى يقول: (فانكحوهن بإذن أهلهن). ثم قال: وقد روى أصحابنا أن تزويج العبد خاصة يقف على إجازة مولاه وله فسخه، ورووا أنهم - عليهم السلام - قالوا: إنما عصى مولاه ولم يعص الله (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 352 ح 1433، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 526.
(2) الخلاف: ج 4 ص 259 - 260 ذيل المسألة 11..

[ 107 ]

والجواب: قد بينا الأدلة الشرعية الدالة على صحة هذه العقود، ولا يلزم من عدم العلم بدليل الوجود الحكم بالفساد، بل ولا من عدم الدليل نفسه. وعن الروايات أنها غير منقولة من طرقنا، فلا تكون حجة له، على أن قوله - عليه السلام -: (فنكاحها باطل) أي يؤول إلى البطلان، أو أنه مع إجازة الولي لم يكن قد نكحت بغير إذن وليها، ولم يرد - عليه السلام - إن العقد إذا تجرد في حال وقوعه من إذن الولي يكون باطلا، إنما أراد تجرده على كل حال، والمرأة إذا عقدت ثم أجاز الولي فهو عقد بإذن الولي، وعليه تحمل رواية البقباق. مسألة: المشهور عند علمائنا أجمع إلا ابن الجنيد أن الأم والجد لها لا ولاية لهما في النكاح. وقال ابن الجنيد: فأما الصبية غير البالغ فإذا عقد عليها أبوها فبلغت لم يكن لها اختيار، وليس ذلك لغير الأب وآبائه في حياته، والأم وأبوها يقومان مقام الأب وآبائه في ذلك، لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أمر نعيم بن النجاح أن يستأمر أم ابنته في أمرها، وقال: وآمروهن في بناتهن. والحق الأول. لنا: أصالة عدم ولاية الأم. وما رواه زرارة في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا ينقض النكاح إلا الأب (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الصبي تزوج الصبية، قال: إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 379 ح 1532، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب عقد النكاح ح 5 ج 14 ص 214.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 382 ح 1543، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب عقد النكاح ح 8 ج 14 ص 209..

[ 108 ]

وهو يدل من حيث المفهوم على عدم الجواز لو زوجهما غير الأبوين. وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال: إذا كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم، قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: لا (1). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: هو الأب والأخ والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري، فأي هؤلاء عفى جاز (2). والظاهر أن الأخ إنما يكون وليا مع التوكيل، وحجة ابن الجنيد ضعيفة، لأنها محمولة على الأولوية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان لها أخوان فجعلت الأمر إليهما ثم عقد كل واحد منهما عليها لرجل كان الذي عقد له عليها أخوها الأكبر أولى بها من الآخر (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: إن أراد بذلك أنهما عقدا في حالة واحدة معا وحصل الإيجابان والقبولان في دفعة واحدة فالعقدان باطلان، لأن ذلك منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وحمل ذلك على الأب والجد قياس، ونحن لا نقول به، وإن أراد أنه تقدم عقد الأخ الصغير عليها فكيف يكون الذي عقد له

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 388 ح 1556، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب عقد النكاح ح 1 ج 14 ص 220. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 393 ح 1573، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 213.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 312 - 313.
(4) المهذب: ج 2 ص 195.
(5) الوسيلة: ص 300..

[ 109 ]

عليها أخوها الأكبر أولى؟ وإن أراد أن الأكبر كان عقده مقدما فالعقد صحيح، ولا معنى للأولوية هاهنا. ثم قال الشيخ - رحمه الله -: فإن دخل الذي عقد عليها أخوها الصغير كان العقد ماضيا، ولم يكن للأخ الكبير أمر مع الدخول بها (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن إدريس: إذا كان الصغير قد سبق بالعقد فسواء دخل بها المعقود له عليها أو لم يدخل لا أمر للكبير، فإن كان الأخ الكبير سبق بالعقد ودخل الذي عقد له الأخ الصغير بها فإنها ترد إلى الأول وكان لها الصداق بما استحل من فرجها وعليها العدة. قال: وذهب شيخنا في نهايته إلى أنه إن كان قد دخل بها الذي عقد له عليها أخوها الأصغر فإن كان عقده بعد عقد أخيها الأكبر عليها فهي زوجته مع الدخول، إلا أنه رجع في مسائل خلافه وفي مبسوطه عن ذلك. وقال: روي في بعض أخبارنا ذلك، ورجوعه هو الصحيح (3). والتحقيق أن نقول: إن علم وقوع النكاحين دفعة واحدة بطلا معا، وبه قال الشيخ في الخلاف فإنه قال: إذا كان للمرأة وليان في درجة واحدة وأذنت لهما في التزويج إذنا مطلقا ولم تعين الزوج فزوجاها معا، نظر فإن كان أحدهما متقدما والآخر متأخرا كان المتأخر باطلا، دخل بها الزوج أو لم يدخل (4). وقال في المبسوط: إن علم وقوع النكاحين دفعة بطلا، لأنه لا يصح أن يكون زوجة لهما معا (5). وهذا التعليل جيد، لعدم أولوية أحدهما، فإما أن يبطلا معا وهو المطلوب، أو يصحا معا وهو محال. وليس ببعيد عندي من الصواب أن يجعل لها الخيار في إمضاء عقد أيهما كان، إذ عقد كل واحد منهما قد قارن زوال ولايته، لأنها حالة عقد الآخر،

(1) السرائر: ج 2 ص 567. (2) المهذب: ج 2 ص 195.
(3) السرائر: ج 2 ص 195.
(4) الخلاف: ج 4 ص 280 المسألة 42.
(5) المبسوط: ج 4 ص 181..

[ 110 ]

فبطلت هيئة عقد كل واحد منهما - وهي اللزوم - ويبقى كل منهما كأنه فضول في العقد، وإن علم تقدم أحدهما كان عقده صحيحا وبطل الثاني، دخل بها الثاني أو لم يدخل. وبه قال الشيخ في المبسوط قال فيه: وقد روى أصحابنا أنه إن دخل بها الثاني كان العقد له، والأول أحوط (1). وفي النهاية: فإن كان الأخ الكبير سبق العقد ودخل الذي عقد له الأخ الصغير بها فإنها ترد إلى الأول وكان لها الصداق بما استحل من فرجها (2). وهذا ينافي ما نقله ابن إدريس عنه، لأن العقد الثاني وقع باطلا، لمصادفته محلا مشغولا، والدخول لا يؤثر في صحته. وما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في امرأة أنكحها أخوها رجلا ثم أنكحتها أمها بعد ذلك وخالها وأخ لها صغير فدخل بها فحبلت فاختلفا فيها فأقام الأول الشهود فألحقها بالأول وجعل لها الصداقين جميعا، ومنع زوجها الذي حقت له أن يدخل بها حتى تضع حملها ثم ألحق الولد بأبيه (3). وقد روى وليد بياع الأسفاط قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - وأنا عنده عن جارية كان لها أخوان زوجها الأكبر بالكوفة وزوجها الأصغر بأرض أخرى، قال: الأول أحق بها إلا أن يكون الآخر قد دخل بها، فإن دخل بها فهي امرأته ونكاحه جائز (4). فإن يكن وليد هو ابن صبيح أو غيره من الثقات

(1) المبسوط: ج 4 ص 182.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 314 - 315.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 386 ح 1552، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب عقد النكاح ح 2 ج 14 ص 211.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 387 ح 1553، ب 7 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 211..

[ 111 ]

فالخبر صحيح. وقد تأوله الشيخ في كتابي الأخبار بأن الجارية إذا جعلت أمرها إلى أخويها معا كان الأكبر أولى بالعقد، فإن اتفق العقدان في حالة واحدة كان العقد الذي عقده الأكبر أولى ما لم يدخل الذي عقد عليه الأخ الصغير، فإن دخل بها مضى العقد، ولم يكن للأخ الكبير فسخه (1). وهذا الوجه من التأويل حسن، ولا استبعاد في أولوية الأكبر، لاختصاصه بمزيد الفضيلة وقوة النظر والاجتهاد في الاصلح. مسألة: قال الشيخ في النهاية: متى كانت البكر بالغا استحب للأب ألا يعقد عليها إلا بعد استئذانها، ويكفي في إذنها أن يعرض عليها التزويج، فإذا سكتت كان ذلك رضى منها (2). وقال في المبسوط (3) والخلاف (4): البكر إذا كانت كبيرة فالظاهر في الروايات أن للأب والجد أن يجبراها على النكاح، ويستحب لهما أن يستأذناها، وإذنها صماتها، فإن لم يفعلا فلا حاجة بهما إليه. وقال في موضع آخر من المبسوط: لا يصح نكاح الثيب إلا بإذنها، وإذنها نطقها بلا خلاف، وأما البكر فإن كان لها ولي له الاجبار - مثل الأب والجد - فلا يفتقر نكاحها إلى إذنها ولا إلى نطقها، وإن لم يكن له الاجبار - كالأخ وابن الأخ والعم - فلا بد من إذنها، والأحوط أن يراعى نطقها، وهو الأقوى عند الجميع، وقال قوم: يكفي سكوتها، لعموم الخبر، وهو قوي (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 387 ذيل الحديث 1553، الاستبصار: ج 3 ص 240 ذيل الحديث 3.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 310.
(3) المبسوط: ج 4 ص 162.
(4) الخلاف: ج 4 ص 255 المسألة 10.
(5) المبسوط: ج 4 ص 183.

[ 112 ]

وقال ابن الجنيد: روى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: لا تنكح الايم (1) حتى تستأمر (2)، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، فإن سكوتها إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها. فلا نرى إنكاح أحد من الاولياء أبا كان أو غيره لبالغة بكر أو ثيب يجوز اختيارها لنفسها إلا من بعد إذنها، وأن يعرف عند استئذانها ما قاله النبي - صلى الله عليه وآله -: في أن إذنها هو سكوتها، ويجعل أيضا لكراهتها علامة من قيام ونحوه ليتبين عن مرادها بالفعل منها. وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا استأمر أختا له بكرا في تزويجها برجل سماه لها فسكتت كان ذلك إذنا له في التزويج واقرارا منها، فإن زوجها الأخ ثم أنكرت لم يكن لها ذلك ولزمها النكاح بالسكوت. وقال ابن حمزة: وإذا استأذن الأخ أخته البكر الرشيدة في تزويجها كان سكوتها رضاها (3). وقال ابن البراج في كتاب المهذب والكامل: إذا أراد أبوها العقد عليها - يعني: البكر البالغ - فيستحب له ألا يعقد عليها حتى يستأذنها، فإن سكتت أو ضحكت أو بكت كان ذلك رضى منها بالتزويج (4). وقال ابن إدريس - لما حكى قول الشيخ في النهاية -: إن الأخ إذا أراد العقد على أخته البكر استأمرها، فإن سكتت كان ذلك رضى منها، المراد بذلك أنها تكون قد وكلته في العقد، فإن قيل: إذا وكلته في العقد فلا حاجة به إلى استئمارها، قلنا: بل يستحب أن يستأمرها عند العقد بعد ذلك، وكذا الأب إذا لم يكن وليا عليها ولا له اجبارها على النكاح وولت أمرها إليه فإنه

(1) أي الثيب.
(2) أي تستشار.
(3) الوسيلة: ص 300.
(4) المهذب: ج 2 ص 194..

[ 113 ]

يستحب له أن يستأمرها إذا أراد العقد عليها، وهذا معنى ما روي أن إذنها صماتها، وأما السكوت لا يدل في موضع من المواضع على الرضا، إلا إذا لم يكن له وجه إلا الرضا فحينئذ يدل عليه (1). وليس بجيد، فإن العادة قاضية بكون السكوت هنا رضى إذ حياء المرأة البكر يمنعها عن النطق، فلو لم يجعل السكوت دلالة على الرضا مع أنه دال عرفا فيه وفي كثير من المواضع انتفت الدلالة على الرضا مطلقا، مع أن النقل عن النبي - صلى الله عليه وآله - (في أن الثيب يعرب عنها لسانها والبكر إذنها صماتها) (2) مشهور. وما رواه داود بن سرحان، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يريد أن يزوج أخته، قال: يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها (3). وكلام ابن البراج من إن البكاء دلالة عليه مشكل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقدت الأم لابن لها على امرأة كان مخيرا في قبول العقد والامتناع منه، فإن قبل لزمه المهر، وإن أبى لزمها هي المهر (4) وتبعه البراج (5). وقال ابن إدريس: حمل ذلك على الأب قياس، فإن الأم غير والية على الإبن، وإنما هذا النكاح موقوف على الاجازة والفسخ، فإن بلغ الإبن ورضي لزمه المهر، وإن أبى انفسخ النكاح، ولا يلزم الأم من المهر شئ، إذ هي

(1) السرائر: ج 2 ص 568 - 569.
(2) سنن أبي داود: ج 2 ص 232 ح 2098 مع اختلاف.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 386 ح 1550، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب عقد النكاح ح 3 ج 14 ص 201.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 310.
(5) المهذب: ج 2 ص 196..

[ 114 ]

والاجانب سواء، ولو عقد عليه أجنبي كان الحكم ما ذكرناه بغير خلاف، ولا دليل على لزوم المهر، لأن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - إنه سأله رجل زوجته أمه وهو غائب، قال: النكاح جائز إن شاء المتزوج قبل وإن شاء ترك، فإن ترك المتزوج تزويجه فالمهر لازم لأمه (2). والرواية وقول الشيخ كلامهما لا يطابقان ما توهمه ابن إدريس - من أن الأم زوجت الصغير - فضمنت حملا على الأب، لأن الباقر - عليه السلام - جعل له الخيار، وإنما يتم مع بلوغه. ويمكن حمل الرواية على ما إذا ادعت الأم الوكالة، ولم يثبت، فإنها تضمن المهر، لأنها قد فوتت البضع على الزوجة فضمنت عوضه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا عقدت المرأة على نفسها وهي سكرى كان العقد باطلا، فإن أفاقت ورضيت بفعلها كان العقد ماضيا، فإن دخل بها الرجل في حال السكر ثم أفاقت الجارية فإن أقرته على ذلك كان ذلك ماضيا (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن إدريس: الذي يقوى عندي أن هذا العقد باطل، وإذا كان باطلا فلا يقف على الرضا والاجازة، لأنه لو كان موقوفا وقف على الفسخ والاجازة، وشيخنا قال: كان العقد باطلا، فإذا كان باطلا كيف يكون في نفسه بعد الافاقة والرضا ماضيا؟! وأيضا العقد حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى

(1) السرائر: ج 2 ص 570.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1569، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 3 ج 14 ص 211.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 317.
(4) المهذب: ج 2 ص 196..

[ 115 ]

دليل شرعي، ولا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة متواترة ولا إجماع، ولا يرجع في مثل ذلك إلى أخبار الاحاد (1). وقول ابن إدريس لا بأس به، لكن الشيخ عول في ذلك على رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت وزوجت نفسها رجلا في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضى منها، قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ قال: نعم (2). والتحقيق أن نقول: إن بلغ السكر بها إلى حد عدم التحصيل كان العقد باطلا، ولا يتقرر بإقرارها، لأن مناط صحة العقود - وهو العقل - منفي، وإن لم يبلغ السكر إلى ذلك الحد صح العقد مع تقريرها إياه، وعليه تحمل الرواية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الذي بيده عقدة النكاح الأب أو الأخ إذا جعلت الأخت أمرها إليه أو من وكلته في أمرها، فأي هؤلاء كان جاز له أن يعفو عن بعض المهر، وليس له أن يعفو عن جميعه (3). وقال الشيخ في الخلاف: الذي بيده عقدة النكاح عندنا هو الولي الذي هو الأب أو الجد إلا أن عندنا له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 517.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1571، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب عقد النكاح ح 1 ج 14 ص 221.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 317.
(4) الخلاف: ج 4 ص 389 المسألة 34..

[ 116 ]

وقال في كتاب التبيان: قوله تعالى: (إلا أن يعفون) معناه من يصح عفوها من الحرائر البالغات غير المولى عليها لفساد عقلها، فيترك ما يجب لها من نصف الصداق. وقوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) قال مجاهد والحسن وعلقمة: إنه الولي، وهو المروي عن الباقر والصادق - عليهما السلام - غير أنه لا ولاية لأحد عندنا إلا الأب والجد على البكر غير البالغ، فأما ما عداهما. فلا ولاية له إلا بتولية منها، وروي عن علي - عليه السلام - وسعيد بن المسيب وشريح أنه الزوج، وروي ذلك أيضا في أخبارنا - غير أن الأول أظهر وهو المذهب، ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع نصفه، ومن جعله للولي قال أصحابنا: له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه، وإن امتنعت المرأة من ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة ذلك - عن أبي عبد الله عليه السلام. واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة (1). وقال ابن البراج: الذي بيده عقدة النكاح من الأب أو غيره ممن يجعل المرأة إليه ذلك، وتوليه إياه يجوز له العفو عن بعض المهر ولا يجوز له العفو عن جميعه (2). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول المذهب ويشهد بصحته النظر والاعتبار والأدلة القاهرة والآثار أنه الأب أو الجد من قبله مع حياته أو موته إذا عقد على غير البالغ، فلهما أن يعفو عما يستحقه من نصف المهر بعد الطلاق إذا رأيا ذلك مصلحة لها، وتكون المرأة وقت عفوهما غير بالغ، فأما من عداهما أو هما مع بلوغها ورشدها فلا يجوز لهما العفو عن النصف وصارا

(1) التبيان في تفسير القرآن: ج 2 ص 273 - 274.
(2) المهذب: ج 2 ص 196..

[ 117 ]

كالاجانب، لأنهما لا ولاية لهما في هذه الحال، ولا يجوز لأحد التصرف في مالها بالهبة والعفو وغير ذلك إلا بإذنها، للمنع من التصرف في مال الغير عقلا وسمعا إلا بإذنه، وليس في الآية متعلق سوى ما ذكرناه، لأنه تعالى قال: (إلا أن يعفون) فدل هذا القول إنهن ممن لهن العفو وهن الحرائر البالغات الواليات على أنفسهن في العقد والبيع والشراء غير ذلك. ثم قال: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) معناه: إن لم يكن بالغات ولا واليات على أنفسهن فعند هذه الحال لا يلي عليهن عندنا سوى الأب والجد بغير خلاف، فلهما العفو بعد الطلاق عما يستحقه، ولولا إجماع أصحابنا على أن الذي بيده عقدة النكاح الأب والجد على غير البالغ لكان قول الجبائي قويا، مع أنه قد روي في بعض أخبارنا أنه الزوج (1). والتحقيق أن نقول: إن الزوجة إن كانت صغيرة كان ولي أمرها الأب أو الجد، ولهما العفو عن جميع النصف وبعضه مع المصلحة في ذلك، وإن كانت بالغة رشيدة فالأمر إليها، لأنه تعالى قال: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضته فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) (2) والاستثناء من إيجاب النصف على الزوج إنما يتم لو كان الذي بيده عقدة النكاح ولي المرأة. ويؤيد ذلك أيضا ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها (3). وفي الصحيح عن رفاعة قال: سألت الصادق - عليه السلام - عن الذي

(1) السرائر: ج 2 ص 572 - 573.
(2) البقرة: 237.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1570، وسائل الشيعة: من أبواب عقد النكاح ح 2 ج 14 ص 213..

[ 118 ]

بيده عقدة النكاح، فقال: الولي الذي يأخذ بعضا ويترك بعضا، وليس له أن يدع كله (1). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: هو الأب والأخ، والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري، فأي هؤلاء عفى فقد جاز (2). وهذه الرواية التي عول عليها الشيخ، وهي مرسلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية إذا كان لرجل عدة بنات فعقد لرجل على واحدة منهن ولم يسمها بعينها لا للزوج ولا للشهود فإن كان الزوج قد رآهن كلهن كان القول قول الأب وعلى الأب أن يسلم إليه التي نوى العقد عليها عند عقدة النكاح، وإن كان الزوج لم يرهن كلهن كان العقد باطلا (3). وتبعه ابن البراج (4). وقال ابن إدريس: الشيخ عاد عن ذلك في مبسوطه وضعفه وقال: النكاح باطل في الموضعين، قال: وهو الذي يقوى في نفسي، لأن العقد حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ومن شرط صحته تميز المعقود عليها، ولأنه إذا ميزها عن غيرها صح العقد بلا خلاف، وإذا لم يميزها ليس على صحته دليل، وفيه خلاف، والاحتياط يقتضي ما قلناه، وإنما أورد شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثاله مما لا يعمل به، رواها أبو عبيدة فحسب. وقال

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 392 ح 1572، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد النكاح ح 3 ج 14 ص 213.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 393 ح 1573، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 213. (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 317 - 318.
(4) المهذب: ج 2 ص 196..

[ 119 ]

شيخنا في مبسوطه - في فصل ما ينعقد به النكاح -: لا يصح النكاح حتى تكون المنكوحة معروفة بعينها على صفة تكون مميزة عن غيرها، وذلك بالاشارة إليها أو التسمية أو الصفة (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه أبو عبيدة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كان له ثلاث بنات فزوج إحداهن رجلا ولم يسم التي زوج للزوج ولا للشهود وقد كان الزوج فرض لها صداقها فلما بلغ أن يدخل بها على الزوج وبلغ أنها الكبرى فقال الزوج لابيها: إنما تزوجت منك الصغيرة من بناتك، قال: فقال أبو جعفر - عليه السلام -: إن كان الزوج رآهن ولم يسم له واحدة منهن فالقول في ذلك قول الأب وعلى الأب فيما بينه وبين الله أن يدفع إلى الزوج الجارية التي نوى أن يزوجها إياه عند عقدة النكاح، قال: وإن كان الزوج لم يرهن كلهن ولم يسم له واحدة منهن عند عقدة النكاح فالنكاح باطل (2). والتخريج لهذه الرواية أن الزوج إذا كان رآهن كلهن فقد رضي بما يعقد عليه الأب منهن ورضي باختياره ووكل الأمر إليه، فكان في الحقيقة وكيله، وقد نوى الأب واحدة معينة فصرف العقد إليها. وإن لم يكن قد رآهن كان العقد باطلا، لعدم رضى الزوج بما يسميه الأب ويعينه في ضميره، والأصل في ذلك أن نقول: إن كان الأب قد نوى واحدة بعينها وكانت رؤية الزوج لهن دليلا على الرضا بما يعينه صح العقد وكان القول قول الأب فيما عينه، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو شرط خيار الثلاث في النكاح بطل

(1) السرائر: ج 2 ص 573.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 393 ح 1574، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب عقد النكاح ح 1 ج 14 ص 222..

[ 120 ]

النكاح، وقال قوم: يبطل الشرط دون النكاح، والأول أقوى (1). وفي الخلاف: متى شرط خيار الثلاث في عقد النكاح كان العقد باطلا، واستدل بأن العقد حكم شرعي يحتاج إلى دلالة شرعية، ولا دلالة على ثبوت هذا العقد (2). وقال ابن إدريس: لا دليل على بطلان العقد من كتاب ولا سنة ولا إجماع لأن العقود الشرعية إذا ضامتها شروط غير شرعية بطلت الشروط وصحت العقود، وهذا شرط غير شرعي، والذي يدل على صحة العقد قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وهذا عقد يجب الوفاء به، والذي اختاره شيخنا تخريجات المخالفين وفروعهم، وهو مذهب الشافعي، وأحد من أصحابنا لم يذهب إلى ذلك، ولا ذكر المسألة في مسطور له، ولا وردت بها رواية من جهة أصحابنا لا آحادا ولا تواترا، وشيخنا لما استدل على ما اختاره لم يتعرض بالاجماع ولا بالأخبار بل بشئ أوهن من بيت العنكبوت، ولم يتعرض لها في سائر تصنيفه إلا في هذين الكتابين، لأنهما فروعهم وتخريجاتهم (3). وهذا جهل من ابن إدريس، وتسرع في حق شيخنا الأقدم البالغ في العلوم العقلية إلى أقصاها، والمرتقى في المعارف النقلية إلى غايتها ومنتهاها، وارتفع عن تقليد من سبقه من موافقيه فكيف من مخالفيه، ولا يلزم من تطابق المذهبين نسبة أحدهما إلى تقليد الآخر وإن تأخر عنه زمانا، والشيخ - رحمه الله - إنما اتبع في ذلك ما قاده النظر إليه، ولا يلزم من استدلاله في بعض مطالبه بالاجماع والأخبار انسحاب ذلك في جميع المسائل، ولا يلزم من عدم ذكر الأصحاب لهذه المسألة ألا ينبه عليها ويسطر ما في كتبه، فإن أكثر المسائل وضعها الشيخ

(1) المبسوط: ج 4 ص 194.
(2) الخلاف: ج 4 ص 292 المسألة 59.
(3) السرائر: ج 2 ص 575..

[ 121 ]

وبرهن عليها بدلائل عقلية أو نقلية حسب ما أداه اجتهاده إليه. وأما نسبة استدلاله إلى الضعف فخطأ، أما أولا: فلأن الحق فيما قاله من أن العقود أمور شرعية تقف على موردها، ومن العجائب أنه استدل بغير هذا الدليل قبل ذلك بلا فصل في أن العقد لا يصح بلفظ الأمر، لكن لجهله بالادلة واستنباط الأحكام منها نسب الشيخ إلى ما قاله عنه وهو برئ منه. والحق ما قاله الشيخ في ذلك، لأن من أعظم شرائط العقود التراضي، ولا ينعقد بدونه إجماعا. إذا تقرر هذا فنقول: العقد الخالي عن الشرط الذي شرطاه فاسد لم يقع بينهما التراضي فيه فلا يكون منعقدا، والمقترن به غير واقع على الوجه المشروط، وإذا كان باطلا على كلا التقديرين كان باطلا في نفس الأمر: إذ ما في نفس الأمر منحصر فيهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى عقد الرجل لابنه على جارية وهو غير بالغ كان له الخيار إذا بلغ (1). وتابعه ابن إدريس (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4). تعويلا على رواية يزيد الكناسي، عن الباقر عليه السلام - إلى قوله: - قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: يا أبا خالد إن الغلام إذا زوجه أبوه ولم يدرك كان له الخيار إذا أدرك، أو بلغ خمس عشرة سنة، أو يشعر في وجهه، أو ينبت في عانته قبل ذلك (5). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 316.
(2) السرائر: ج 2 ص 568.
(3) المهذب: ج 2 ص 197.
(4) الوسيلة: ص 300.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 382 - 383 ح 1544، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب عقد النكاح ح 9 ج 14 ص 209..

[ 122 ]

عن الصبي يتزوج الصبية، قال: إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا، فإن رضيا بعد فإن المهر على الأب (1). قال الشيخ: قوله - عليه السلام -: (لكن لهما الخيار إذا أدركا) يجوز أن يكون أراد أن لهما ذلك بفسخ العقد إما بالطلاق من جهة الزوج واختياره، أو مطالبة المرأة له بالطلاق وما يجري مجرى ذلك مما يفسخ العقد ولم يرد بالخيار هاهنا إمضاء العقد، وأن العقد موقوف على خيارهما (2). فإن كان مراد الشيخ في النهاية كما يأول به الحديث الثاني فجيد، وإلا كان ممنوعا، ذ لا خيار للصغير مع الأب كما تقدم. مسألة: قال ابن حمزة أيضا: إذا عقد الأبوان على صبيهما كان عقد الصبي موقوفا على إجازته إذا بلغ دون الصبية، فإذا بلغ الصبي ورضي به استقر، وإن أبى انفسخ ولزم العاقد مهرها إذا عين، وإذا مات أحدهما قبل البلوغ توارثا، وإن عقد عليهما غير الأبوين ممن يكون عقده موقوفا على الاجازة ومات أحدهما قبل أن يبلغا لم يتوارثا، فإن بلغ أحدهما ورضي به ومات أحدهما قبل أن يبلغا لم يتوارثا (3) (4). وقال الشيخ في النهاية: إذا عقد الأبوان على وليديهما قبل أن يبلغا ثم ماتا فإنهما يتوارثان، ترث الجارية الصبي والصبي الجارية، ومتى عقد عليهما غير أبويهما ثم مات واحد منهما فإن كان الذي مات الجارية فلا يرث الصبي، سواء بلغ أو

تهذيب الأحكام: ج 7 ص 382 ح 1543، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب عقد النكاح ح 8 ج 14 ص 208.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 382 ذيل الحديث 1543.
(3) كذا في جميع النسخ، والذي ورد في المصدر هكذا: (فإن بلغ أحدهما ورضي ومات قبل بلوغ الآخر عزل عن تركته...).
(4) الوسيلة: ص 300..

[ 123 ]

لم يبلغ، لأن لها الاختيار عند البلوغ، وإن كان الذي مات الزوج قبل أن يبلغ فلا ميراث لها أيضا، لأن له الخيار عند البلوغ (1). وهذا التعليل من الشيخ يعطي أن من له الخيار عند البلوغ لو مات قبله ولا ميراث، وهو يدل على نفي الخيار في صورة الأبوين. وابن حمزة احتج بما رواه محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في الرواية التي تلوناها في المسألة السابقة 7، وقد تأولها الشيخ بما سبق. وقول ابن حمزة: (إذا أبى انفسخ ولزم العاقد مهرها إذا عين) مشكل. مسألة: قال ابن حمزة: لو عقد على الصبيين غير الأبوين ممن يكون عقده موقوفا على الاجازة ومات أحدهما قبل أن يبلغا لم يتوارثها، فإن بلغ أحدهما ورضي به ومات قبل بلوغ الآخر عزل من تركته نصيب ميراث الطفل حتى يبلغ، فإذا بلغ ورضي به وحلف على الرضا بغير طمع في الميراث سلم منه، وإن نكل عن اليمين أو لم يرض به سقط سهمه، وإن مات من لم يبلغ لم يرثه البالغ الراضي، فإن بلغا ورضيا صح العقد ولزم المهر، وإن لم يرضيا وعين المهر لزم العاقد، وإن لم يعين سقط (2). وفي إلزام المهر عدم الرضا إشكال، وعلى تقديره في (3) سقوطه مع عدم التعين إشكال أيضا. والوجه سقوط المهر مع عدم الرضا، سواء عين أو لا لأنه فضولي، فلا يضمن كغيره. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وقد روي أنه يجوز للبكر أن تعقد على نفسها نكاح المتعة من غير إذن أبيها، غير أن الذي يعقد عليها لا يطأها في الفرج، هذا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 315.
(2) الوسيلة: ص 300 - 301. (3) ق 2: ففي..

[ 124 ]

إذا كانت البكر بالغا، فإن كانت دون البالغ لم يجز العقد عليها من غير إذن أبيها وكان حكم المتعة في هذا الباب حكم نكاح الدوام (1). وقال ابن أبي عقيل: كل امرأة كان وليها أولى بنكاحها منها لم يجز نكاحها متعة إلا بأمر وليها، وكل من كانت أولى بنفسها من وليها فهي التي يجوز نكاحها متعة. وقال ابن حمزة: ويجوز للبكر عقد نكاح المتعة بغير إذن الولي، إلا أنه لا يجوز للرجل وطؤها في الفرج (2). وقال ابن البراج: ولا يجوز لها إذا كانت بكرا أن تعقد على نفسها نكاح دوام، ولا متعة إلا بإذن أبيها ورضاه، فإن فعلت كان ذلك العقد موقوفا على رضاه، فإن رضيه مضى، وإن كرهه كان مفسوخا (3). وقد روي أنه يجوز لها أن تعقد على نفسها نكاح المتعة بغير إذن أبيها، وإن الزوج مع هذا الوجه لا يطأها في الفرج (4). والأولى ما قدمناه. والوجه عندي الجواز على كراهية في العقد من دون إذن أبيها وفي الافضاء لما رواه سعدان بن مسلم، عن رجل، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها (5). وعن أبي سعيد القماط، عمن رواه قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -:

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 311.
(2) الوسيلة: ص 300.
(3) المهذب: ج 2 ص 194 - 195.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 254 ح 1098، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة: ح 9 ج 14 ص 459.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 425 ح 1095، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 8 ج 14 ص 459..

[ 125 ]

جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها أفأفعل ذلك؟ قال: نعم واتق موضع الفرج، قال: قلت: فإن رضيت بذلك؟ قال: وإن رضيت فإنه عار على الابكار (1). احتج المانع بما رواه أبو مريم، عن الصادق - عليه السلام - قال: العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها (2). وأجاب الشيخ في التهذيب بوجوه: أحدها: أن تكون صبية لم تبلغ، لما رواه محمد بن مسلم قال: سألته عن الجارية يتمتع منها الرجل؟ قال: نعم إلا أن تكون صبية تخدع، قال: قلت: أصلحك الله فكم الحد الذي إذا بلغته لم تخدع؟ قال: بنت عشر سنين (3). وثانيها: أن يكون قد خرج مخرج التقية، ومنها أن يكون أراد الكراهة دون التحريم، لما رواه حفص البختري في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها (4). مسألة: قال أبو الصلاح: وإذا وضعت نفسها في غير موضعها أو عقدت على غير كفو فلأبيها وجدها فسخ العقد وإن كانت ثيبا (5). وهذا الكلام مشكل، فإنه إن قصد بغير كفو غير الموافق في الايمان كان العقد

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 254 ح 1096 وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 7 ج 14 ص 458 - 459.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 254 ح 1098 وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 12 ج 14 ص 459.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 255 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المتعة ح 4 ج 14 ص 461.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 255 ح 1101، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 10 ج 14 ص 459.
(5) الكافي في الفقه: ص 293..

[ 126 ]

باطلا ولا حاجة إلى فسخ الأب والجد، وإن عني في الشرف والمال والحسب فلا نسلم أن لها الفسخ. وقوله: (وإذا وضعت نفسها في غير موضعها) إن أراد به التزويج لمن لا يجوز لها ذلك كان العقد باطلا من غير احتياج إلى فسخ، وإن أراد التزويج لمن لا ينبغي لها باعتبار علو نسبها وشرفها وانخفاض نسب الرجل فيمنع الاعتراض لهما (1) فيه. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا بلغ - يعني: الصبي - إذا زوجه غير الولي وقت الاختيار فلم يختر الفسخ بإظهاره والشهادة على ذلك لزمه إذا لم يكن ممنوعا من ذلك. فإن أراد جعل الاظهار والشهادة عليه شرطين في الفسخ فهو ممنوع، وإن أراد جعلهما شرطين في الثبوت فهو حق، ويحمل اللزوم حينئذ على اللزوم ظاهرا لا في نفس الأمر. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا كان أبو الصبية كافرا أو عبدا وهي حرة أو مسلمة لم يكن لهما أن يعقدا عليه حتى تبلغ وتختار لنفسها. وقوله: في (الكافر) جيد، لقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (2). وأما (العبد) فالأقوى صحة ولايته، لأنه بالغ رشيد لبيب فأشبه الحر، وكونه مولى عليه لا ينافي ولايته. مسألة: جعل الشيخ في المبسوط للوصي ولاية النكاح على الصغيرة (3).

(1) ليس في (ق 2 وم 3).
(2) النساء: 141.
(3) المبسوط: ج 4 ص 59، ولم يذكر أن للوصي ولاية النكاح..

[ 127 ]

وقال في الخلاف: إذا أوصى إلى غيره بأن يزوج بنته الصغيرة صحت الوصية، وكان له تزويجها، وكان صحيحا، سواء عين الزوج أو لا، وإن كانت كبيرة لم تصح الوصية (1). ومنع منه بعض الأصحاب، وهو قول الشيخ أيضا في المبسوط (2)، لرواية محمد بن إسماعيل بن بزيع الصحيحة قال: سأله رجل عن رجل مات وترك أخوين وابنة والابنة صغيرة فعمد أحد الأخوين الوصي فزوج الابنة من ابنه ثم مات أب الإبن المزوج فلما أن مات قال الآخر: أخي لم يزوج ابنه فزوج الجارية من ابنه فقيل للجارية: أي الزوجين أحب إليك الأول أو الأخير؟ قالت: الزوج الأخير، ثم إن الأخ الثاني مات وللاخ الأول ابن أكبر من الإبن المزوج فقيل للجارية: اختاري أيهما أحب إليك الزوج الأول أو الزوج الأخير؟ فقال: الرواية فيها أنها للزوج الأخير، وذلك أنها قد كانت أدركت، حين زوجها، وليس لها أن تنقض ما عقدته بعد إدراكها (3). والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف، لرواية أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح، قال: هو الأب والأخ، والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري، فأي هؤلاء عفى فقد جاز (4). لا يقال: الأخ لا ولاية له عندنا.

(1) الخلاف: ج 4 ص 254 المسألة 9.
(2) المبسوط: ج 4 ص 59.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 387 ح 1554، وسائل الشيعة، ب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 1 ج 14 ص 212.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 393 ح 1573، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 213..

[ 128 ]

لأنا نقول: نحمل على ما إذا أوصي إليه. لنا: إن الحاجة قد تدعوا إلى ذلك، لتعذر تحصيل الكفء دائما، فاقتضت الحكمة إثبات الولاية تحصيلا للمصلحة. ولأنه لا مانع منه، والأصل جوازه، وقوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه) (1). ولأنه لا خلاف في أن له أن يوصي بالنظر في مالها، فكذلك التزويج. مسألة: لو وكلت المرأة رجلا في تزويجها من نفسه فالوجه الجواز، وبه قال ابن الجنيد، عملا بالأصل. ولأنه عقد صدر من أهله في محله فكان لازما كغيره، ومنع منه بعض علمائنا، لئلا يكون موجبا قابلا. ولما رواه عمار الساباطي قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره أن يعلم بها أهل بيتها أيحل لها أن توكل رجلا يريد أن يتزوجها تقول له: قد وكلتك فاشهد على تزويجي؟ قال: لا، قلت له: جعلت فداك وإن كانت أيما؟ قال: وإن كانت أيما، قلت: فإن وكلت غيره بتزويجها منه؟ قال: نعم (2). والجواب: لا امتناع في كون الواحد موجبا قابلا كما تقدم في البيع، والرواية ضعيفة.

(1) البقرة: 181.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 378 ح 1529، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب عقد النكاح ح 4 ج 14 ص 217..

[ 129 ]

الفصل الثالث في الصداق مسألة: المشهور عند علمائنا إن المهر لا يتقدر كثرة ولا قلة، فيجوز العقد على أكثر من مهر السنة أضعافا مضاعفة، ذهب إليه الشيخان (1)، وابن أبي عقيل، والظاهر من كلام الصدوق في المقنع (2)، ونص عليه سلار (3)، وأبو الصلاح (4) وابن البراج (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن الجنيد: وكل ما صح التملك له والتمول من قليل أو كثير ينتفع به في دين أو دنيا من عين وعروض، أو يكون له عوض من أجرة دار، أو عمل، إذا وقع التراضي بين (7) الزوجين فالفرج يحل به وطؤه بعد العقد عليه. وسأل المفضل بن عمر أبا عبد الله - عليه السلام - عن مهر المرأة التي لا يجوز للمؤمنين أن يجوزوه، فقال: السنة المحمدية خمسمائة درهم، فمن زاد على ذلك رد إلى السنة، ولا شئ عليه أكثر من خمسمائة درهم. وقال السيد المرتضى في انتصاره: ومما انفردت به الامامية أنه لا يجاوز

(1) المقنعة: ص 508، النهاية ونكتها: ج 2 ص 320 - 321.
(2) المقنع: ص 99. (3) المراسم: ص 152.
(4) الكافي في الفقه: 293.
(5) المهذب: ج 2 ص 201.
(6) السرائر: ج 2 ص 581.
(7) في الطبعة الحجرية: من..

[ 130 ]

بالمهر خمسمائة درهم جيادا قيمتها خمسون دينارا، فما زاد على ذلك رد إلى هذه السنة. والحجة بعد إجماع الطائفة أن قولنا: (مهرا) تتبعه أحكام شرعية، وقد أجمعنا على أن الأحكام الشرعية تتبع ما قلنا به إذا وقع العقد عليه، وما زاد عليه لا إجماع على أنه يكون مهرا، ولا دليلا شرعيا فيجب نفي الزيادة (1). وروى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه إذا تجاوز السنة رد إليها (2). والمعتمد الأول. لنا: قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) (3) وعموم (فنصف ما فرضتم) (4) (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) (5). وما رواه الوشا في الصحيح، عن الرضا - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لو أن رجلا تزوج امرأة وجعل مهرها عشرين ألفا وجعل لابيها عشرة آلاف كان المهر جائزا، والذي جعله لابيها كان فاسدا (6). ولأنه نوع معاوضة، فكانت تابعة لاختيار المتعاوضين في القدر، كالمعاوضات الباقية. واحتجاج السيد ضعيف، لمنع عدم الاجماع عليه. سلمنا، لكن لا يلزم من نفي الاجماع نفي باقي الأدلة. فإن احتج بما رواه المفضل بن عمر - قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: أخبرني عن مهر المرأة الذي لا يجوز للمؤمن أن يجوزه، قال: فقال: السنة المحمدية خمسمائة درهم، فمن زاد على ذلك رد إلى السنة، ولا

(1) الانتصار: ص 124 - 125.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 399.
(3) النساء: 20. (4) البقرة: 237.
(5) النساء: 4.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 361 ح 1465، وسائل الشيعة: باب 9 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 19..

[ 131 ]

شئ عليه أكثر من الخمسمائة درهم (1) - فالجواب ضعف الرواية، فإن في طريقها محمد بن سنان. قال الشيخ: إنه مطعون عليه ضعيف جدا، وما يختص بروايته ولا يشركه فيه غيره لا يعمل عليه (2). أقول: ويحتمل أن يكون المراد بذلك الاستحباب، ومع الزيادة يستحب الرد بالابراء إلى مهر السنة، وبعد الرد بالابراء لا يلزمه أكثر. مسألة: شرط المهر أن يكون مملوكا للمسلم إن كان العاقد مسلما إجماعا، فلو سمى خمرا أو خنزيرا أو كلب هراش بطل المسمى إجماعا، وهل يبطل العقد؟ للشيخ قولان، ففي النهاية يبطل (3)، وبه قال المفيد في المقنعة (4)، وابن البراج (5)، وأبو الصلاح (6)، ونقل سلار الخلاف (7). وقال الشيخ في المبسوط (8) والخلاف (9): يصح العقد، وبه قال ابن حمزة (10)، وابن إدريس (11)، وابن زهرة (12)، وقال: إنه لا يصح (المسمى) بغير خلاف، إلا من مالك وبعض أصحابنا (13). وقال ابن الجنيد: لا يفسد العقد بفساد المهر، ولا يصح بصحته، لأن لكل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 361 ح 1464، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب المهور ح 14 ج 15 ص 17.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 361 ذيل الحديث 1464.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 319.
(4) المقنعة: ص 508.
(5) المهذب: ج 2 ص 200.
(6) الكافي في الفقه: ص 293.
(7) المراسم: ص 153. (8) المبسوط: ج 4 ص 272.
(9) الخلاف: ج 4 ص 363 المسألة 1.
(10) الوسيلة: ص 296.
(11) السرائر: ج 2 ص 576.
(12) الغنية: (الجوامع الفقهية): ص 548 س 22.
(13) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 548 س 22..

[ 132 ]

واحد منهما معنى وحكما. واحتج الفريق الأول بقول الباقر - عليه السلام -: المهر ما تراضيا عليه قل أو كثر (1). ويلزم بطريق عكس النقيض إن ما لم يتراضيا عليه لا يكون مهرا إذا تقرر هذا فنقول: غير المسمى لم يتراضيا عليه فلا يكون مهرا، والمسمى أيضا لا يكون مهرا، والعقد لا بد له من مهر مقارن أو لاحق، فإذا لم يستعقب مهرا كان باطلا. ولأن الرضا بالنكاح شرط في العقد، وإنما وقع على المسمى وهو باطل فيبطل الرضا فيبطل المشروط. ولأنه عقد معاوضة فيفسد بفساد العوض كالبيع واحتج الشيخ بأن ذكر المهر ليس شرطا في العقد، فإذا ذكر ما هو فاسد لم يكن أكثر مما لم يذكر أصلا، فلا يؤثر ذلك في فساد العقد. وأيضا قوله - عليه السلام -: (لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل) فنفاه، لعدم الولي والشاهدين، فأثبته بهم، وهذا نكاح قد عقد بهم، فوجب أن يكون ثابتا. وأيضا فإنهما عقدان يصح أن يتفرد كل منهما عن صاحبه، ألا ترى أنه لو عقد بغير مهر صح النكاح بلا خلاف، فإذا أثبت بعد ذلك المهر صح أيضا، فإذا كان عقدين ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر إلا بدليل (2). والجواب: الفرق بين عدم التسمية وتسمية الفاسد ظاهر، فإن في الصورة الأولى قد تراضيا بعدم المهر، فصح العقد للرضا به خاليا عن العوض ويثبت مهر المثل، لأن العوض إذا لم يثبت وجب العوض (3)، فإذا تعذر العوض بصحة النكاح وجب مهر المثل. وأما في الصورة الثانية فلم يقع تراض بالخلو عن العوض، والمسمى باطل في نظر الشرع فلا يقع عوضا، وغيره غير مرضي به فلا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 353 ح 1438، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المهور ج 9 ج 15 ص 3.
(2) الخلاف: ج 4 ص 363 ذيل المسألة 1.
(3) كذا في جميع النسخ..

[ 133 ]

يصلح للعوضية، والخبر ليس من طرقنا، فلا يجوز الاستدلال به. سلمنا، لكنه محمول على الاستحباب. سلمنا، لكنه مجمل. سلمنا، لكن يمتنع (1) الاثبات هنا، كما في قوله - عليه السلام -: (لا صلاة إلا بطهور) (2) وبمنع تعدد العقد مع التسمية، ومع ذلك كله فقول الشيخ - رحمه الله - لا يخلو من قوة، فنحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يجوز العقد على تعليم آية من القرآن أو شئ من الحكم والآداب، لأن ذلك له أجر معين وقيمة مقدرة، ولا يجوز العقد على إجارة وهو: أن يعقد الرجل على امرأة أن يعمل لها أو لوليها أياما معلومة أو سنين معينة (3). وقال في الخلاف: يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم القرآن أو شعر مباح أو بناء أو خياطة ثوب وغير ذلك مما له أجرة، واستثنى أصحابنا من جملة ذلك الإجارة وقالوا: لا يجوز، لأنه كان يختص موسى - عليه السلام - (4) ونحوه قال في المبسوط (5). وقال ابن البراج في الكامل، كقول الشيخ في النهاية. وقال في المهذب يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل أن يخدمها شهرا أو على خياطة ثوب أو على أن يخيط لها شهرا، وكذلك البناء وما أشبهه، وكذلك تعليم القرآن والمباح من الشعر، وروى أصحابنا أن الإجارة مدة لا تصح أن تكون صداقا، لأن ذلك مخصوص بموسى - عليه السلام - (6). وقال في الفصل

(1) ق 2 وم 3: يمنع.
(2) سنن أبي داود: ج 1 ص 16 ح 59 وفيه: (لا صلاة بغير طهور).
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 319 - 320.
(4) الخلاف: ج 4 ص 366 المسألة 3.
(5) المبسوط: ج 4 ص 272. (6) المهذب: ج 2 ص 198..

[ 134 ]

بعد ذلك (1) كقوله في الكامل، وبه قال قطب الدين الكيدري (2). وقال ابن الجنيد: كل ما يصح الملك له والتمول من قليل وكثير وينتفع به في دين أو دنيا من عين وعروض أو يكون له عوض من أجرة دار أو عمل إذا وقع التراضي بين الزوجين فالفرج به يحل وطؤه بعد العقد عليه، ولم يستثن شيئا. وكذا المفيد (3)، وسلار (4). وقال ابن حمزة: كل ما يصح تملكه في الشريعة مما له قيمة وما يصح أن يكون ثمنا لمبيع أو أجرة لمستكري أو منفعة لحر من تعليم القرآن والأدب وتعليم الصنائع المباحة سوى الإجارة يصح أن يكون مهرا (5). وقال ابن إدريس: يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم القرآن أو شعر مباح أو بناء أو خياطة ثوب وغير ذلك مما له أجرة، لأن كل ذلك له أجر معين وقيمة مقدرة، واستثنى بعض أصحابنا من جملة ذلك الإجارة إذا كانت معينة يعملها الزوج بنفسه، قال: لأن ذلك كان مخصوصا بموسى - عليه السلام - قال: والوجه في ذلك أن الإجارة إذا كانت معينة لا تكون مضمونة، بل إذا مات المستأجر لا يؤخذ من تركته ويستأجر لتمام العمل، وإذا كانت في الذمة يؤخذ من تركته ويستأجر لتمام العمل. قال: والذي اعتمد واعمل عليه وأفتي به أن منافع الحر تنعقد بها عقود النكاح وتصح الإجارة والأجرة على ذلك، سواء كانت الإجارة في الذمة أو معينة، لعموم الأخبار، وما ذكره بعض أصحابنا من استثناء الإجارة وأنها مخصوصة بموسى - عليه السلام - فكلام في غير موضعه

(1) المهذب: ج 2 ص 198.
(2) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 338.
(3) المقنعة: ص 509.
(4) المراسم: ص 152.
(5) الوسيلة: ص 295، وليس فيه: (يصح أن يكون مهرا)..

[ 135 ]

واعتماد على خبر شاذ نادر، فإذا تؤمل حق التأمل بان ووضح أن شعيبا - عليه السلام - استأجر موسى - عليه السلام - ليرعى له لا ليرعى لبنته، وذلك كان في شرعه وملته أن المهر للأب دون البنت، فإذا كان كذلك فإنه لا يجوز في شرعنا ما جاز في شرع شعيب - عليه السلام - فأما إذا عقد على إجارة ليعمل بها فالعقد صحيح، سواء كانت الإجارة معينة أو في الذمة. وقد أورد شيخنا في التهذيب خبرا عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحل النكاح اليوم في الاسلام بإجارة بأن يقول: أعمل عندك كذا وكذا سنة على أن تزوجني أختك أو ابنتك، قال: حرام، لأنه ثمن رقبتها، وهي أحق بمهرها. فهذا يدل على ما حررناه وبيناه، فمن استثنى من أصحابنا الإجارة التي فعلها شعيب مع موسى - عليه السلام - فصحيح، وإن أراد غير ذلك فباطل. وقال الشيخ في مسائل خلافه: يجوز أن يكون منافع الحر مهرا كتعليم قرآن أو شعر مباح أو خياطة ثوب وغير ذلك، احتج بالاجماع وبرواية سهل بن سعد الساعدي إن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وآله - فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال النبي - صلى الله عليه وآله -: إن أعطيتها إياه جليت ولا ازار لك فالتمس شيئا، فقال: ما أجد شيئا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وآله -: هل معك من القرآن شئ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - وسماهما - فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: وقد زوجتكها بما معك من القرآن. وظاهره أنه جعل القرآن الذي معه صداقا، وهو غير ممكن، فيكون الصداق تعليمها إياه. قال ابن إدريس: وليس بين قوله في النهاية والخلاف تضاد ولا تناف، لأنه قال في النهاية: (لا يجوز العقد على الإجارة وهو: أن يعقد الرجل على امرأة

[ 136 ]

على أن يعمل لها أو لوليها أياما معلومة أو سنين معينة) فأضاف العمل إليه بعينه، وقوله في الخلاف: (يجوز أن يكون منافع الحر مهرا، مثل تعليم قرآن أو شعر مباح أو غير ذلك مما له أجرة) يريد ألا تكون الإجارة معينة بنفس الرجل بل تكون في ذمته يحصلها إما بنفسه أو بغيره، وذلك جائز على ما بيناه (1). والمعتمد عندنا الجواز في الجميع، للأصل، ودلالة الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله - والأخبار عن الأئمة - عليهم السلام -. روى محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقالت: زوجني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: مالي شئ، فقال: لا، فأعادت فأعاد رسول الله - صلى الله عليه وآله - فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله - في المرة الثالثة: أتحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، فقال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه (2). ولا فرق بين الإجارة وغيرها، ولا بين أن تكون الإجارة معينة أو مطلقة وإن كان فيه احتمال لتعذر الرجوع إلى العوض مع التعيين، ويلزم خلو البضع عن العوض. ويؤيده ما رواه أحمد بن محمد في الموثق، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط إجارة شهرين، فقال: إن موسى - عليه السلام - قد علم أنه سيتم له شرطا فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى حتى

(1) السرائر: ج 2 ص 577 - 579.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 354 ح 1444، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 3..

[ 137 ]

يفي؟! وقد كان الرجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - يتزوج المرأة على السورة من القرآن وعلى الدرهم وعلى القبضة من الحنطة (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: يستحب للرجل ألا يدخل بامرأته حتى يقدم لها مهرها، فإن لم يفعل قدم لها شيئا من ذلك أو من غيره من الهدية يستبيح به فرجها ويجعل الباقي دينا عليه (2). وقال ابن إدريس: قوله: (يستبيح به فرجها) غير واضح، إنما الذي يستبيح به الفرج هو العقد من الايجاب والقبول دون ما تقدمه من المال المذكور، فإن تقديمه كتأخيره بلا خلاف (3). وهذه المنازعة لفظية، فإن الشيخ - رحمه الله - قصد بذلك التأكيد في الاستحباب، ولهذا قال - عقيب ذلك -: فإن لم يفعل ودخل بها وجعل المهر في ذمته لم يكن به بأس (4). والشيخ تابع الرواية التي رواها أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا تزوج الرجل المرأة فلا يحل له فرجها حتى يسوق إليها شيئا درهما فما فوقه أو هدية من سويق أو غيره. قال الشيخ: وهذه الرواية وردت على جهة الأفضل، فإما أن يكون ذلك واجبا أو تركه محظورا فلا، لما رواه عبد الحميد الطائي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أتزوج المرأة وأدخل بها ولا أعطيها شيئا؟ فقال: نعم يكون دينا عليك (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 366 ح 1483، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 33.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 581.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 321.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 357 ح 1452 وذيله وح 1453..

[ 138 ]

هذا كله تصريح بما قلناه، أو تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم يعزم على أداء العوض، فإن الفرج يكون حراما حينئذ. وقال ابن الجنيد: لا يستحب لأحد أن يدخل بزوجته قبل أن يعطيها مهرها أو جزء منه أو شيئا من غير الصداق يقع به استحلال الفرج، ولا بأس أن يدخل بزوجته من له مال وعوض يفي بالمهر إن رضيت بأن يكون ذلك دينا عليه، ويستحب أن يشهد لها بذلك، فإن لم يكن له مال لم يجز أن يستحل فرجها بغير شئ يعجله من مهرها قل أو كثر، لئلا يتلف فيكون الفرج موطوء بغير عوض، ولا سيما إن كان والي البلد يرى أن الدخول إبراء من المهر، فإن اشترطت على أن المهر دين عليه وعلمت حاله فرضيت بذلك جاز. والأحوط ما قلناه أولا من إعطائها ما يجوز أن يستحل به الفرج. مسألة: إذا لم يسم مهرا وقدم لها شيئا قبل الدخول ودخل بها بعد ذلك لم تستحق عليه شيئا من المهر سوى ما أخذته، قليلا كان ما وصلى إليها أو كثيرا، ذهب إليه الشيخان (1)، وابن البراج (2)، وابن إدريس، وسلار (3). وقال ابن إدريس: إنه مجمع عليه عند أصحابنا، ودليل هذه المسألة هو الاجماع المنعقد منهم بغير خلاف، وفيه الحجة، لا وجه لذلك إلا الاجماع، فإن لم يعطها شيئا ودخل من غير تسمية لزمه مهر المثل ولم يعوض بشئ (4). وعندي في هذه المسألة إشكال. قال المفيد: لأنها لو لم ترض به مهرا ما مكنته من نفسها حتى تستوفي تمامه

(1) المقنعة: ص 509، النهاية ونكتها: ج 2 ص 321.
(2) المهذب: ج 2 ص 202.
(3) المراسم: ص 152.
(4) السرائر: ج 2 ص 581 وليس فيه: (ولم يعوض بشئ)..

[ 139 ]

أو توافقه على ذلك، وتجعله دينا عليه في ذمته (1). وفي رواية أبي عبيدة والفضيل في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل تزوج امرأة فدخل بها وأولدها ثم مات عنها فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها فجاءت تطلبه منهم وتطلب الميراث، قال: فقال: أما الميراث فلها أن تطلبه، وأما الصداق فإن الذي أخذت من الزوج قبل أن تدخل عليه، فهو الذي حل للزوج به فرجها قليلا كان أو كثيرا إذا هي قبضته منه وقبلته ودخلت عليه فلا شئ لها بعد ذلك (2). وهذه الرواية عول عليها علماؤنا. والوجه عندي التفصيل وهو: أنها إن رضيت بالمدفوع إليها لم يكن لها المطالبة بشئ، وإن لم ترض به مهرا كان لها ذلك. بقي هاهنا شئ وهو أن نقول: قد كان في الزمن الأول لا يدخل الرجل حتى يقدم المهر، والعادة الان بخلاف ذلك، فلعل منشأ الحكم العادة، فنقول: إن كانت العادة في بعض الازمان أو الأصقاع كالعادة القديمة كان الحكم ما تقدم، وإن كانت العادة كالعادة الان كان القول قولها. وقال ابن حمزة: إذا دخل بها قبل الفرض وبعث إليها قبل الدخول بشئ وأخذت فإن ردت عليه أو أبت قبوله من جهة المهر لزمه مهر المثل، وإن لم ترد وقالت المرأة - بعد ذلك -: إنها هدية والرجل يقول: إنها مهر كان القول قول الرجل مع اليمين، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكل لزم لها مهر المثل، وإن رد اليمين كان له ذلك (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى خلا الرجل بامرأته فأرخى الستر ثم

(1) المقنعة: ص 509 - 510.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 359 ح 1459، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب المهور ح 13 ج 15 ص 17.
(3) الوسيلة: ص 296..

[ 140 ]

طلقها وجب عليه المهر على ظاهر الحال، وكان على الحاكم أن يحكم بذلك وإن لم يكن قد دخل بها، إلا أنه لا يحل للمرأة أن تأخذ أكثر من نصف المهر ما لم يدخل بها، فإن أمكن الزوج إقامة البينة على أنه لم يدخل بها - مثلا أن تكون بكرا فتوجد على هيئتها - لم يلزمه أكثر من نصف المهر (1). وقال في الخلاف: إذا طلقها بعد أن خلا بها وقبل أن يمسها اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب: فذهبت طائفة إلى أن وجود هذه الخلوة وعدمها سواء، وترجع عليه بنصف الصداق، ولا عدة عليها، وهو الظاهر من روايات أصحابنا. وذهبت طائفة أخرى إلى أن الخلوة كالدخول يستقر لها المهر ويجب عليها العدة، وبه قال قوم من أصحابنا (2). وكذا قال في المبسوط (3). وقال ابن الجنيد: الذي يوجبه العقد من المهر المسمى النصف، والذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب بالعقد منه هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك، فإن وقعت الخلوة بحيث لا مانع ظهر من علة ولا غيرها فالحكم بالأغلب يقع بوجوب المهر من الحاكم، ولا يحل للمرأة أخذه إذا علمت أنه لم يقع جماع ولا ما يقوم مقام ذلك من إنزال الماء بغير إيلاج أو لمس عورة أو نظر إليها أو قبلة، فإن تلذذ بشئ من ذلك خصيا كان أو عنينا أو فحلا لزمه المهر. وقال ابن أبي عقيل: وقد اختلفت الأخبار عنهم - عليهم السلام - في الرجل يطلق المرأة قبل أن يجامعها وقد دخل بها وقد مس كل شئ منها إلا أنه لم يصبها، فروي عنهم في بعض الأخبار أنهم قالوا: إذا أغلق الباب وأرخيت الستور وجب لها المهر كاملا ووجبت العدة، وفي بعض الأخبار: إن لها نصف

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 322 - 323.
(2) الخلاف: ج 4 ص 396 المسألة 42. (3) المبسوط: ج 4 ص 318..

[ 141 ]

المهر، وهذا أدل الخبرين بدلالة الكتاب وأشبه بقولهم، لأن الله عز وجل يقول: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فأخبر أنه إذا طلقها قبل أن يجامعها فإن لها نصف المهر، وقد جاء عنهم - عليهم السلام - ما يخص هذا في قضائهم في العنين أن الرجل إذا تزوج المرأة فدخل بها فادعت المرأة أنه لم يصبها وخلا بها أجله الإمام سنة، فإذا مضت السنة ولم يصبها فرق بينهما وأعطيت نصف الصداق ولا عدة عليها منه (1). وفي هذا إبطال رواية من روى عنهم - عليهم السلام - أنه إذا أغلق الباب وأرخى الستور وجب المهر كاملا (2). وهذا العنين قد أغلق الباب وأرخى الستور وأقام معها سنة لا يجب عليه إلا نصف الصداق، والمسألتان واحدة لا فرق بينهما. وابن البراج (3) وقطب الدين الكيدري (4) وافقا الشيخ في النهاية. وقال الصدوق في المقنع: إذا تزوج الرجل المرأة وأرخى الستر وأغلق الباب ثم أنكرا جميعا المجامعة فلا يصدقان، لأنها تدفع عن نفسها العدة ويدفع عن نفسه المهر (5). وقال ابن حمزة - ونعم ما قال -: وإذا خلا بها وأرخى الستر عليها وادعى الرجل أنه لم يواقعها وأمكنه إقامة البينة وأقامها قبلت منه، وإن لم يمكنه كان له أن يستحلفها، فإن استحلفها وإلا لزمه توفية المهر (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 429 ح 1709، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 613.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1863 و 1864.
(3) المهذب: ج 2 ص 204.
(4) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 339.
(5) المقنع: ص 109.
(6) الوسيلة: ص 298..

[ 142 ]

والمعتمد أن الخلوة بمجردها لا توجب المهر. لنا: قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) (1). وما رواه يونس بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا توجب المهر إلا الوقاع في الفرج (2). وسأل محمد بن مسلم الباقر - عليه السلام - متى يجب المهر؟ قال: إذا دخل بها (3). وعن حفص بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - في رجل دخل بامرأة، قال: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدة (4). احتج الاخرون بما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا تزوج الرجل المرأة ثم خلا بها فأغلق عليها بابا وأرخى سترا ثم طلقها فقد وجب (عليه) الصداق، وخلاؤه بها دخول (5). وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يقول: من أجاف من الرجال على أهله بابا وأرخى سترا فقد وجب عليه الصداق (6).

(1) البقرة: 237.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1859، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 6 ج 15 ص 66.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1860، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 7 ج 15 ص 66.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1861، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 8 ج 15.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1863، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 67.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1864، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 67..

[ 143 ]

ولأن المرأة سلمت نفسها المعقود عليه تسليما صحيحا، فوجب أن يستقر العوض الذي في مقابلته كالمستأجر إذا قبض العين جمع المدة ولم ينتفع. والجواب: المنع من صحة سند الخبرين. قال الشيخ: والوجه فيهما أن يحملا على أنه إذا كانا متهمين بعد خلوتهما وأنكرا المواقعة فلا يصدقان على ذلك، ويلزم الرجل المهر كاملا والمرأة العدة بظاهر الحال، ومتى كانا صادقين أو كان هناك طريق يمكن أن يعرف به صدقهما فلا يوجب المهر إلا المواقعة (1). واستدل بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يتزوج المرأة فيرخي عليها وعليه الستر أو يغلق الباب ثم يطلقها فقيل للمرأة: هل أتاك؟ فتقول: ما أتاني، ويسأل هو هل أتيتها؟ فيقول: لم آتها، قال: فقال: لا يصدقان، وذلك أنها تريد أن تدفع العدة عن نفسها ويريد هو أن يدفع المهر (2). والفرق بينهما وبين الإجارة ظاهر، فإن المنفعة في الإجارة مقدرة بالزمان، فإذا فات الزمان تلفت، وهنا المنفعة تتلف بالاستبقاء دون مضي الزمان فافترقا. قال الشيخ: كان ابن أبي عمير - رحمه الله - يقول: إن الأحاديث قد اختلفت في ذلك، والوجه في الجمع بينهما إن على الحاكم أن يحكم بالظاهر ويلزم الرجل المهر كله إذا أرخى الستر، غير أن المرأة لا يحل لها فيما بينها وبين الله تعالى أن تأخذ إلا نصف المهر، واستحسنه الشيخ. ثم قال: ولا ينافي ما

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 465 ذيل الحديث 1864.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 465 ح 1865، وسائل الشيعة: ب 56 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 69..

[ 144 ]

قدمناه، لأنا إنما أوجبنا نصف المهر مع العلم بعدم الدخول ومع التمكن من معرفة ذلك، فأما مع ارتفاع العلم وارتفاع التمكن فالقول ما قاله ابن أبي عمير (1). ثم استدل بما رواه يونس بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فأدخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر وقبل ولمس من غير أن يكون وصل إليها بعد ثم طلقها على تلك الحال، قال: ليس عليه إلا نصف المهر (2). واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن نقول: إنما يجب كمال المهر بالدخول لا بإرخاء الستر والخلوة، لكن لما كانت الخلوة مطنة له بحيث لا ينفك عنه غالبا وجب ألا ينفك عن إيجاب كمال المهر المستند إلى الدخول غالبا، فمدعيه حينئذ يدعي الظاهر ومنكره يدعي خلافه، فيحكم للمدعى به مع اليمين قضاء للظاهر. أما مع تصديق المرأة بعدمه فلا يجب الكمال قطعا، وهذا المعنى هو الذي حاوله الشيخ وابن أبي عمير معا في التأويل السابق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها وجب على ورثته أن يعطوا المرأة المهر كاملا، ويستحب لها أن تترك نصف المهر، فإن لم تفعل كان لها المهر كله، وإن ماتت المرأة قبل الدخول بها كان لأوليائها نصف المهر (3). وتبعه ابن البراج في الكامل. وقال في المهذب: لورثتها المطالبة بالمهر (4). وقطب الدين الكيدري (5)

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 467 ذيل الحديث 1869. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 467 ح 1870، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب المهور ح 5 ج 15 ص 68.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 323.
(4) المهذب: ج 2 ص 204.
(5) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 337 - 338.

[ 145 ]

تابع الشيخ أيضا. وقال ابن حمزة: يلزم المهر المعين بنفس العقد، ويستقر بأحد ثلاثة أشياء: بالدخول والموت وارتداد الزوج (1). وقال ابن إدريس: متى مات أحد الزوجين قبل الدخول استقر جميع المهر كاملا، لأن الموت عند محصلي أصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار المهر جميعه، وهو اختيار شيخنا المفيد في أحكام النساء، وهو الصحيح، لأنا قد بينا بغير خلاف بيننا أن بالعقد تستحق المرأة جميع المهر المسمى ويسقط بالطلاق قبل الدخول نصفه، والطلاق غير حاصل إذا مات، فبقينا على ما كنا عليه من استحقاقه، فمن ادعى سقوط شئ منه يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك من إجماع، لأن أصحابنا يختلفون في ذلك، ولا من كتاب الله تعالى ولا تواتر أخبار ولا دليل عقل، بل الكتاب قاض بما قلناه، والعقل حاكم بما اخترناه. ثم نسب كلام الشيخ في النهاية إلى أنها أخبار آحاد أوردها إيرادا لا اعتقادا، فلا يرجع عن الأدلة القاهرة اللائحة والبراهين الواضحة بأخبار الاحاد التي لا توجب علما ولا عملا (2). وادعاء الاجماع في موضع الخلاف جهل وكذا ادعاء أن خبر الواحد لا يوجب العمل. وابن الجنيد قال: الذي يوجبه العقد من المهر المسمى النصف، والذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب بالعقد منه هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك. احتج الشيخ بما رواه يونس بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) الوسيلة: ص 237.
(2) السرائر: ج 2 ص 585 - 587..

[ 146 ]

سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج (1). ولأن الفرقة لو وقعت منه قبل الدخول باختياره - كالطلاق - لم يجب أكثر من النصف، فالمواقعة بغير اختياره أولى بالاسقاط. وقول ابن إدريس قوي. بالجملة فالمسألة مبنية على أن المقتضي لكمال المهر ما هو؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى. تذنيب: لو مات الزوج قبل الدخول وجب لها المهر كملا، كما نقلناه في صدر المسألة. وقال الصدوق في المقنع: وفي حديث آخر إن لم يكن دخل بها وقد فرض لها مهرا فلها نصفه ولها الميراث وعليها العدة، وهو الذي أعتمده وأفتي به (2). والوجه الأول، لما تقدم، وسيأتي تتمة الكلام في ذلك في باب العدد إن شاء الله تعالى. مسألة: مفوضة البضع وهي: التي يتزوجها بحكمه أو حكمها لو مات أحدهما قبل الدخول وقبل الحكم قال الشيخ في النهاية: لا مهر لها، وكان لها المتعة (3). وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5) وهو أيضا قول الصدوق في المقنع (6). وقال في المبسوط لو مات أحدهما فقولان: أحدهما: لها مهر مثلها، والثاني: لا مهر لها، وهو الصحيح عندنا، وفيه خلاف (7). وفي مسائل الخلاف: كل فرقة تحصل بين الزوجين - سواء كان من قبله

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1859، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 6 ج 15 ص 66.
(2) المقنع: ص 121.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 324 - 325.
(4) المهذب: ج 2 ص 206.
(5) الوسيلة: ص 296.
(6) المقنع: ص 108.
(7) المبسوط: ج 4 ص 296..

[ 147 ]

أو من قبلها أو من أجنبي أو من قبلهما - فلا يجب به المتعة، إلا الطلاق فحسب، لأن الله تعالى أوجبها في المطلقات، فمن أوجبه في غيرهن فعليه الدلالة، والحاق غير الطلاق بالطلاق قياس، ونحن لا نقول به (1). وقال ابن الجنيد: لو مات أحدهما قبل تقرر الحكم لم يكن لها مهر. ولم يذكر المتعة. وقال ابن إدريس: وقول الشيخ في النهاية: (إن لها المتعة) رواية شاذة أوردها في نهايته إيرادا لا اعتقادا، والصحيح ما ذهب إليه في مسائل خلافه، والأولى القول بأنه لا يلزم الزوج شئ بعد موت المرأة إذا كان قد تزوجها على حكمها، وإن كان قد تزوجها على حكمه لزمه جميع ما يحكم به، فترثه هي وهو يرثها على كتاب الله تعالى (2). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: إنه عقد معاوضة شرط فيه عوض مجهول، فيثبت فيه المتعة قبل الدخول كالطلاق. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل تزوج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها، فقال: لها المتعة والميراث، ولا مهر لها (3). احتج ابن إدريس بأن إلحاق غير المطلقة بالمطلقة قياس لا نقول به، ولا إجماع ولا سنة متواترة ولا كتاب الله تعالى يدل على ذلك، والأصل براءة الذمة (4).

(1) الخلاف: ج 4 ص 400 المسألة 46.
(2) السرائر: ج 2 ص 587.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 365 ح 1481، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المهور ح 2 ج 15 ص 32.
(4) السرائر: ج 2 ص 587..

[ 148 ]

والجواب: لا يلزم من نفي الأدلة الخاصة نفي مطلق الدليل، وقد ذكرنا الرواية الصحيحة، وفرقه بين الرجل والمرأة لم يقل به أحد. فإن قال: إن حكمها قد بطل بموتها، قلنا: يحتمل جعل ذلك للوارث، لأنه حق مالي. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقد لها على جارية له مدبرة ورضيت المرأة به ثم طلقها قبل الدخول بها كان لها يوم من خدمتها وله يوم، فإذا مات المدبر صارت حرة ولم يكن لها عليها سبيل، وإن ماتت المدبرة وكان لها مال كان نصفه للرجل ونصفه للمرأة (1). وقال ابن البراج في المهذب: إذا تزوج امرأة وجعل مهرها جارية مدبرة ورضيت الزوجة بذلك وطلقها قبل الدخول بها كان لها من خدمتها يوم وله من خدمتها يوم، فإذا مات المدبر انعتقت المدبرة ولم يكن للزوجة عليها سبيل (2). وفي الكامل ومن عقد نكاحا وجعل المهر جارية له مدبرة ورضيت زوجته بذلك ثم طلقها قبل الدخول بها كان لها من خدمتها يوم وله يوم من خدمتها، فإن مات المدبر انعتقت المدبرة ولم يكن للزوجة عليها سبيل، وإن طلقها بعد الدخول بها كان له (3) خدمتها، فإذا مات المدبر انعتقت ولم يكن للزوجة عليها سبيل. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن العقد على هذه المدبرة صحيح وتخرج من كونها مدبرة وتستحقها المرأة، لأن التدبير وصية، ولو أوصى ببعض أملاكه ثم أخرجه عن ملكه قبل موته بطلت وصيته، والمدبرة هنا قد أخرجها بجعلها مهرا، ويضعف هذه الرواية قوله: (وإذا مات المدبر صارت حرة) وأطلق ذلك، وإنما تصير حرة لو خرجت من الثلث إجماعا، ويزيدها (1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 326 - 327.
(2) المهذب: ج 2 ص 206.
(3) في ق 2: لها..

[ 149 ]

ضعفا قوله: (وإن ماتت المدبرة وكان لها مال كان نصفه للرجل ونصفه للمرأة) ولا خلاف عند المحصلين من أصحابنا أن العبد والمدبر لا يملك شيئا، إلا أن يكون التدبير المذكور واجبا على وجه النذر لا رجوع للمدبر فيه فحينئذ يصح ما قاله شيخنا (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية معلى بن خنيس قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على جارية له مدبرة قد عرفتها المرأة وتقدمت على ذلك فطلقها قبل أن يدخل بها، قال: فقال: أرى للمرأة نصف خدمة المدبرة، ويكون للمدبرة يوم في الخدمة، ويكون لسيدها الذي كان دبرها يوم في الخدمة، قيل له: فإن ماتت المدبرة قبل المرأة والسيد لمن يكون الميراث؟ قال: يكون نصف ما تركت للمرأة والنصف الآخر لسيدها الذي دبرها (2). وفي الطريق قول. والمعتمد بطلان التدبير بالاصداق، وتأويل ابن إدريس بالنذر ليس بجيد، لبطلان جعلها مهرا حينئذ. نعم لو أصدقها المدبرة وشرط إبقاء التدبير فالوجه ما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: قال الشيخ في النهاية لو شرطت عليه في حال العقد ألا يفتضها لم يكن له افتضاضها، فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض جاز له بعد ذلك (3). وقال ابن البراج في كتابيه معا: فإن شرط لها أن يكون الوطئ بيدها لم يكن أيضا صحيحا، وقد ذكر أنها إن شرطت عليه ألا يفتضها لم يكن له

(1) السرائر: ج 2 ص 588.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 367 ح 1486، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 34.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 327 - 328..

[ 150 ]

افتضاضها إلا بأمرها، والأولى ما ذكرناه (1). وقال ابن حمزة: الشرط الذي لا يقتضيه العقد ويخالف الكتاب والسنة يبطل الشرط دون العقد وهو تسعة: اشتراطها عليه ألا يتزوج عليها في حياتها أو بعد وفاتها، ولا يتسرى ولا يجامعها إلا في نكاح المتعة (2). وقال الشيخ في المبسوط: إن كان الشرط يعود بفساد العقد - مثل أن تشترط الزوجة عليه ألا يطأها - فالنكاح باطل، لأنه شرط يمنع المقصود بالعقد، وقد روى أصحابنا أن العقد صحيح والشرط صحيح ولا يكون له وطؤها، فإن أذنت فيما كان بعد كان له ذلك. قال: وعندي أن هذا يختص عقد المتعة دون عقد الدوام (3). ومثله قال قطب الدين الكيدري (4). وقال ابن إدريس: إن شرط ما يخالف الكتاب والسنة كان العقد صحيحا، والشرط باطلا، وقد روي أنه إن شرطت عليه في حال العقد ألا يفتضها لم يكن له افتضاضها، فإن أذنت له بعد ذلك في الافتضاض جاز له ذلك، أورد هذا شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا، إلا أنه رجع عنه في مبسوطه وقال: ينبغي أن يخص هذه الرواية بالنكاح المؤجل دون الدائم، لأن المقصود من ذلك الافتضاض، والذي يقتضيه المذهب أن الشرط باطل، لأنه مخالف لموضوع الكتاب والسنة، لأن الأصل براءة الذمة من لزوم هذا الشرط، والاجماع غير منعقد عليه بل ما يورد ذلك إلا في شواذ الأخبار (5). والوجه عندي ما قاله الشيخ في المبسوط من بطلان العقد والشرط معا، أما

(1) المهذب: ج 2 ص 207.
(2) الوسيلة: ص 297.
(3) المبسوط: ج 4 ص 303 - 304. (4) اصباح الشيعة: (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 341.
(5) السرائر: ج 2 ص 589..

[ 151 ]

الشرط فلأنه مناف لمقتضى العقد، وأما العقد فلعدم الرضا به بدون الشرط. احتج الشيخ بما رواه سماعة بن مهران، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من نظر أو التماس وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتتلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة، قال: ليس لها منها إلا ما اشترط (1). وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل تزوج بجارية عاتق على ألا يفتضها ثم أذنت له بعد ذلك، قال: إذا أذنت له فلا بأس (2). وعن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى علي - عليه السلام - في رجل تزوج امرأة وأصدقها واشترطت أن بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنة وولت الحق من ليس بأهله. قال: فقضى أن على الرجل النفقة وبيده الجماع والطلاق وذلك السنة (3). ولقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (4). والجواب: الطعن في السند، والحديث مختص بالشروط السائغة، فهذا الشرط إن كان سائغا لم يحل له الافتضاض بعد العقد إلا بإذنها، لعدم تناول

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 369 ح 1495، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 45.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 369 ح 1496، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب المهور ح 2 ج 15 ص 45.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 369 ح 1497، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 40.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30..

[ 152 ]

العقد له. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى شرط الرجل لامرأة في حال العقد ألا يخرجها من بلدها لم يكن له أن يخرجها إلا برضاها، فإن شرط عليها أنه إن أخرجها إلى بلده كان عليه المهر مائة دينار، وإن لم يخرج كان مهرها خمسين دينارا، فمتى أراد إخراجها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها ولزمه المهر كملا وليس عليها الخروج معه، وإن أراد إخراجها إلى بلاد الاسلام كان له ما اشترط عليها (1). وقال ابن البراج: لو شرط لها في حال العقد ألا يخرجها من بلدها كان الشرط صحيحا ولم يكن له إخراجها إلا باختيارها، وإن شرط لها أنه متى أخرجها إلى بلده كان مهرها عليه مائة دينار وإن لم يخرجها كان مهرها خمسين دينارا فإن أراد إخراجها إلى بلده فعلى قسمين: إما أن يكون بلده في ديار الاسلام أو في ديار الشرك، فإن كان في ديار الاسلام كان الشرط صحيحا، وإن كان في ديار الشرك لم يلزمها الخروج إليه وكان عليه المهر كاملا (2). وعد ابن حمزة في الشروط الصحيحة اللازمة أن يشترط عليها ألا يخرجها من البلد، أو شرط المهر مائة إن أخرجها وخمسين إن لم يخرجها ما لم يرد إخراجها إلى دار الكفر فإن أراد إخراجها ألزم، أو في المهرين دون الخروج (3). وقال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): لو أصدقها ألفا وشرط ألا يسافر بها أو لا يتزوج عليها أو لا يتسرى كان النكاح والصداق صحيحين والشرط باطلا. وقال ابن إدريس عن قول شيخنا في النهاية: إنها رواية شاذة، لأنها مخالفة

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 329 - 330.
(2) المهذب: ج 2 ص 212 - 213.
(3) الوسيلة: ص 297.
(4) المبسوط: ج 4 ص 303.
(5) الخلاف: ج 4 ص 388 المسألة 32..

[ 153 ]

لما يقتضيه أصول المذهب، لأنها تجب عليها مطاوعة زوجها والخروج معه إلى حيث شاء، فإن لم تجبه إلى ذلك كانت عاصية لله تعالى وسقطت عنه نفقتها، وإن كان قد ذكرها وأوردها شيخنا أبو جعفر في نهايته فقد رجع عنها في مسائل خلافه (1). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: إن الاغراض تتعلق باللبث في المنازل والاستيطان في البلدان التي حصل النشؤ والانس بها، وهو أمر مطلوب للعقلاء سائغ، فجاز جعله شرطا في النكاح توصلا إلى تحصيل الاغراض المباحة والمطالب السائغة الظاهرة حكمها. وما رواه أبو العباس في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج المرأة وشرط لها ألا يخرجها من بلدها، قال: يفي لها بذلك، أو قال: يلزمه ذلك (2). وفي الحسن عن علي بن رئاب، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سئل - وأنا حاضر - عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده فإن لم تخرج معه فمهرها خمسون دينارا أرأيت إن لم تخرج معه إلى بلاده؟ قال: فقال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاد الشرك فلا شرط له عليها في ذلك ولها مائة دينار التي أصدقها إياها، وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسلمين ودار الاسلام فله ما اشترط عليها والمسلمون عند شروطهم وليس له أن يخرج إلى بلاده حتى يؤدي لها صداقها أو يرضى من ذلك بما رضيت وهو جائز له (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 590.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 372 - 373 ح 1506، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 49.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 373 ح 1507، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب المهور ح 2 ج 15 ص 49..

[ 154 ]

ونمنع وجوب خروجها معه، فإنه المتنازع، وليس وجوب الخروج مع عدم الشرط مقتضيا لوجوبه معه، ولم يزد ابن إدريس على الدعوى شيئا، وكل شرط فإنه يمنع مباح الأصل ولا يكون باعتبار ذلك منافيا للكتاب والسنة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للمرأة أن تبرئ زوجها من صداقها في حال مرضها إذا لم تملك غيره، فإن أبرأته سقط عن الزوج ثلث المهر وكان الباقي لورثتها (1). وتبعه ابن البراج. وبالجملة البحث في هذه المسألة متعلق بمنجزات المريض، وقد سبق في باب الوصايا (2). ومنع ابن إدريس فأوجب سقوط جميع المهر، لأنه ليس بوصية (3). والمعتمد اختيار الشيخ، لما قدمناه. وما رواه الحلبي في الصحيح قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن امرأة تبرئ زوجها من صداقها في مرضها؟ قال: لا (4). مسألة: قال الشيخ في النهاية: متى تزوج بامرأة على أنها بكر فوجدها ثيبا جاز أن ينقص من مهرها شيئا (5). وقال قطب الدين الراوندي في شرح مشكلات النهاية: إنه ينقص السدس. وقال ابن البراج: إذا تزوجها على أنها بكر فوجدها ثيبا جاز له أن ينقص

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 331 - 333. (2) راجع: ج 6 ص 412.
(3) السرائر: ج 2 ص 590.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 201 ح 802، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 15 ج 13 ص 384.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 332 - 333..

[ 155 ]

من مهرها شيئا، وليس ذلك بواجب (1). وقال أبو الصلاح: إذا تزوج بكرا فوجدها ثيبا فأقرت الزوجة بذلك حسب أو قامت به البينة فليس بعيب يوجب الرد ولا نقصانا في المهر (2). وقال ابن إدريس: الصحيح أنه ينقص من المسمى مقدار مثل ما بين مهر البكر إلى مهر الثيب، وذلك يختلف باختلاف الجمال والسن والشرف وغير ذلك، فلأجل هذا قيل: ينقص من مهرها شئ منكر غير معرف (3) والشيخ - رحمه الله - استند في ذلك إلى رواية محمد بن جزك قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام -: رجل تزوج جارية بكرا فوجدها ثيبا هل يجب لها الصداق وافيا أم ينتقص؟ قال: ينتقص (4). وقول ابن إدريس حسن، وهو غير مناف لما قاله الشيخ، أما من قال: السدس فإنه احتج بأن (الشئ) في عرف الشرع السدس، ولهذا حمل عليه في الوصية فكذا هنا. والجواب: المنع من العرف الشرعي في ذلك، ولهذا لا يحمل عليه في الاقرار وغيره، ولا يلزم من تقديره في الوصية تقديره في غيرها، إذ ليس في الرواية لفظة (شئ). لا يقال: لا بد من اضمار مفعول فيضمر الأعم، وهو الشئ. لأنا نقول: إذا جعل (الشئ) السدس لم يجز إضماره هنا، بل الأعم لا يتقدر بالسدس.

(1) المهذب: ج 2 ص 213.
(2) الكافي في الفقه: ص 296.
(3) السرائر: ج 2 ص 591. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 363 ح 1472، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 605.

[ 156 ]

وأبو الصلاح إن قصد التزويج بالبكر مع عدم شرط البكارة فهو مسلم، وإن قصد ذلك مع اشتراط البكارة فهو ممنوع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وللمرأة أن تمتنع من زوجها حتى تقبض منه المهر، فإذا قبضته لم لها الامتناع، فإن امتنعت بعد استيفاء المهر كانت ناشزا ولم يكن لها عليه نفقة (1)، وأطلق ولم يفصل إلى ما قبل الدخول وبعده. وتابعه على الإطلاق ابن البراج (2) في كتابيه معا، وهو قول المفيد (3) - رحمه الله -. وقال في الخلاف: إذا سمى الصداق ودخل بها قبل أن يعطيها شيئا لم يكن لها الامتناع من تسليم نفسها حتى تستوفي، بل لها المطالبة بالمهر، ويجب عليها تسليم نفسها (4). وقال في المبسوط: إذا كان المهر معجلا فلها أن تمنع نفسها منه حتى يقبضها الصداق، فإن سلم المهر سلمت نفسها، وإن امتنع فاختارت تسليم نفسها إليه قبل قبض المهر فهل لها أن تمتنع أم لا؟ نظرت، فإن لم يكن دخل بها كان لها الامتناع عليه، لأن التسليم هو القبض، والقبض في النكاح الوطء، فإذا لم يطأ فما قبض فكان لها الامتناع بلا خلاف فيه وأما إن دخل بها فليس لها أن تمتنع بعد ذلك وإنما لها المطالبة بالمهر فقط. وقال قوم: لها أن تمتنع حتى تقبض المهر، وهو الذي يقوى في نفسي (5). وهو نص على تسوية جزئيات المطلق في هذا الحكم. وأبو الصلاح (6) وافق الشيخ في الخلاف، وهو قول السيد المرتضى في الانتصار (7). وكذا ابن حمزة، إلا أنه زاد: إنه إن أفضى إليها كرها كان لها

النهاية ونكتها: ج 2 ص 334.
(2) المهذب: ج 2 ص 214.
(3) المقنعة: ص 510.
(4) الخلاف: ج 4 ص 393 المسألة 39.
(5) المبسوط: ج 4 ص 313.
(6) الكافي في الفقه: ص 294. (7) الانتصار: ص 122..

[ 157 ]

الامتناع أيضا (1). وقال ابن إدريس: ليس لها الامتناع بعد الدخول، بل لها المطالبة بالمهر، ويجب عليها التمكين (2). والأقرب ما قاله في الخلاف. لنا: إن التسليم الأول تسليم استقر به العوض برضى المسلم، فلم يكن لها الامتناع بعد ذلك، كما لو سلم المبيع قبل قبض الثمن ثم أراد منعه. ولأن البضع حقه والمهر حق عليه، وليس إذا كان عليه حق جاز أن يمنع حقه. واحتج الشيخ على الإطلاق بأنه تسليم يجب عليها بعقد النكاح، فكان لها أن تمتنع منه حتى تقبض صداقها كالتسليم الأول. ولأن المهر في مقابلة كل وطء في النكاح. والجواب: الفرق، فإن التسليم الأول لم يوجد قبله تسليم يستقر به العوض بخلاف الثاني، ونمنع كون المهر في مقابلة كل وطء، بل في مقابلة العقد أو الوطء الأول. واعلم أن الخلاف إنما هو في المهر الحال، أما المؤجل فلا. مسألة: إذا أعسر الرجل بنفقة زوجته وجب عليها الصبر، وبه قال ابن إدريس (3). ونقل عن بعض أصحابنا إن للحاكم أن يبينها منه. والمعتمد الأول، لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (4) وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أصدقها هذا الخل فبان خمرا كان لها

(1) الوسيلة: ص 299.
(2) السرائر: ج 2 ص 591.
(3) السرائر: ج 2 ص 592.
(4) البقرة: 280..

[ 158 ]

قيمته عند مستحليه (1). وقال في المبسوط: الخمر لا مثل لها فيلزم بمثلها، ولا يقال: لو كان الخمر خلالكم قيمته، فإن مثله لا يكون خلا، والذي يقتضيه مذهبنا أن لها قيمته عند مستحليه (2). وقال ابن الجنيد: لها ملؤه خل (3) خمر. وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه يجب عليه مثل الخل، لأن الخل له مثل، فمن نقله إلى قيمة الخمر يحتاج إلى دليل، ولا يجب لها أيضا مهر المثل، لأنه عقد على مهر مسمى مما يحل للمسلمين تملكه وهو الخل (4). والشيخ احتج في الخلاف بأنه عقد على معين، فنقله إلى مهر المثل يحتاج إلى دليل (5). وهذا الدليل ينفي مذهب الشافعي القائل: بوجوب مهر المثل (6). وقول الشيخ لا يخلو من قوة، لأن الاغراض تتعلق بالأشخاص كما تتعلق بكلياتها، لكن الشخص هنا لا يمكن المعاوضة عليه، فوجب الانتقال إلى قيمته عند مستحليه. وقول ابن إدريس أقوى، لأن الاغراض إذا لم يصح تعلقها بالمشخصات لغت في نظر الشرع، وقد تعاقدا على هذا الشئ على أن يكون خلا فوقع التراضي بخل بقدر هذا، وإذا تعذر الشخص وجب مثله، لأنه أقرب الأشياء إليه، كما لو انقلب خمرا بعد العقد على كونه خلا.

(1) الخلاف: ج 4 ص 371 المسألة 10.
(2) المبسوط: ج 4 ص 290.
(3) في المطبوع: خلا.
(4) السرائر: ج 2 ص 593.
(5) الخلاف: ج 4 ص 371 ذيل المسألة 10.
(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا ونقله عنه في الخلاف: ج 4 ص 371 المسألة 10.

[ 159 ]

وإيجاب مهر المثل لا يخلو من قوة، لأن الكلي غير مرضي به إلا في الجزئي المشترط ولم يسلم فقد شرطا عوضا لم يسلم لهما، فوجب الانتقال إلى مهر المثل، كما لو تعاقدا على الخمر مع العلم بكونه خمرا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول وقبل التعليم جاز له أن يلقنها النصف الذي استقر عليه، لأن الذي ثبت لها فاستقر تعليم نصف ما سمى، وإيجاب غير ذلك يحتاج إلى دليل. والوجه عندي وجوب نصف أجرة المثل، فإن التنصيف في التعليم غير ممكن، لاختلاف الآيات في السهولة والصعوبة، والتعليم يختلف باختلاف ذلك، ولا ضابط فيتعين نصف البدل، وهو نصف أجرة المثل. مسألة: المشهور عند علمائنا إن المرأة تملك الصداق بالعقد وتستقر بالدخول، فإذا طلقها قبل الدخول رجع عليها بالنصف لو كانت قبضته. وقال ابن الجنيد: الذي يوجبه العقد من المهر المسمى النصف، والذي يوجب النصف الثاني من المهر بعد الذي وجب بالعقد منه هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك. لنا: قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) (3) أضاف الصداق إليهن، والظاهر أنه لهن، ولم يفرق قبل الدخول وبعده، وأمر أيضا بإتيانهن ذلك كله، فثبت أن الكل لهن. وما رواه عبيد بن زرارة في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل تزوج امرأة ومهرها مهرا فساق إليها غنما ورقيقا فولدت عندها فطلقها

(1) الخلاف: ج 4 ص 368 المسألة 5.
(2) المبسوط: ج 4 ص 275.
(3) النساء 4..

[ 160 ]

قبل أن يدخل بها، قال: إن كان قد ساق إليها ما ساق وقد حملن عنده فله نصفها ونصف ولدها وإن كن حملن عندها ولا شئ له من الأولاد (1). ولأن الصداق بدل البضع، فإذا ملك الزوج البضع بنفس العقد وجب أن تملك المرأة العوض كالمتبايعين. احتج ابن الجنيد بأنه لو ملكته بالعقد لاستقر، عملا بالأصل، ولم يزل عن ملكها إلا بسبب ناقل - كبيع وهبة وغيرهما - ولم يوجد السبب فلا يتحقق الملك. وما رواه يونس بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: لا يوجب المهر إلا الوقاع في الفرج (3). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته متى يجب المهر؟ قال: إذا دخل بها (3). وهو يقتضي عدم الوجوب مع عدم الدخول. والجواب: المنع من الملازمة، فإن الوجوب أعم من الاستقرار، والعام لا يستلزم الخاص، والسقوط لا يمنع الوجوب كالارتداد، والسبب للزوال ثابت - وهو الطلاق - بنص القرآن في قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) (4) والروايات محمولة على الاستقرار، جمعا بين الأدلة. ولأنه المفهوم من الوجوب في الأغلب، والفائدة تظهر فيما لو نما المهر قبل الدخول والطلاق ثم طلق. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: ليس للمرأة التصرف في الصداق قبل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 368 ح 1491، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 43. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1859، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 6 ج 15 ص 66.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 464 ح 1860، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 7 ج 15 ص 66.
(4) البقرة: 237..

[ 161 ]

القبض، للاجماع على جواز تصرفها بعد القبض، ولا دليل على جوازه قبله. وروي عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وقد روى أصحابنا ذلك، ولم يفصل (1). والأقرب عندي الجواز، لأنه مملوك لها، وقد اعترف الشيخ قبل هذه المسألة في الكتاب: بأن المرأة تملك الصداق بالعقد، وهو من ضمان الزوج إن تلف قبل القبض (2). وقد قال - عليه السلام -: (الناس مسلطون على أموالهم) فصح لها التصرف فيه قبل القبض تحقيقا لمسمى التسلط، ولا تنحصر الدلالة في الاجماع، وعدم الدليل ليس دليلا على المنع مع قيام ما ذكرنا من الأدلة وموافقته لحكم الأصل. والرواية إن سلمناها حملناها على الكراهة وأيضا النهي لا يدل على الفساد في المعاملات، وأيضا النهي عن البيع لا يستلزم نفي مطلق التصرف، فإن نفي الاخص لا يستلزم شيئا فلا يصح ما ذكره للاستدلال. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يجوز للأب أن يقبض مهر ابنته البكر البالغة الرشيدة، واستدل بالاجماع على أن له أن يعفو عن المهر، ومن له العفو له المطالبة والقبض (3). وقال في المبسوط: الكبيرة إن كانت بكرا فالصحيح أنه ليس له قبض مهرها، وقال بعضهم: له قبض مهرها، والذي نقوله: إن له قبض مهرها ما لم تنهه عن ذلك (4). والظاهر أن مراده بقوله: (الصحيح) عند المخالفين، لأنه عقب بقوله: (والذي نقوله).

(1) الخلاف: ج 4 ص 370 المسألة 7.
(2) الخلاف: ج 4 ص 369 المسألة 6. (3) الخلاف: ج 4 ص 387 المسألة 29.
(4) المبسوط: ج 4 ص 302..

[ 162 ]

وقال في النهاية: ليس للرجل أن يأكل من مهر ابنته ولا أن يتصرف فيه إلا بإذنها (1). ومثله قال ابن البراج في الكامل، وقال في المهذب (2) كقوله في الخلاف. وقال ابن الجنيد: لا يبرأ الزوج من الصداق إلا بأن يعطيه لمستحقه، وهو ممن يصح قبضه ويجوز أمره، أو إلى وكيله أو إلى أب الصغيرة أو ولي المحجور عليها، وهو الوجه عندي لانتفاء الولاية عنها ببلوغها ورشدها فكان مهرها كغيره، ونمنع أن له العفو عن شئ من المهر بغير إذنها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): إذا وجب لها مهر المثل فأبرأته منه، فإن كانت عالمة بمقداره صح الابراء وإن لم تكن عالمة لم يصح، وكذا ضمان المجهول لا يصح، واستدل بأن صحته يحتاج إلى دليل، والأصل بقاء الحق في الذمة، واسقاطه يحتاج إلى دليل. وقال ابن الجنيد: فإن لم يكن معينا أو ما لا يجوز أن يكون صداقا لم يصح الهبة ولا البراءة، وهو موافق للشيخ. وقال ابن حمزة: وإن أبرأت المفوضة ذمته عن المهر لم يصح، وإن عقد نكاحا فاسدا وأبرأت ذمته لم يصح وإن أبرأته عما استحقت عليه صح (5). والوجه عندي جواز الابراء والضمان معا، لأن الابراء إسقاط للحق، فلا يؤثر فيه الجهالة، للاجماع على صحة الصلح على المجهول، فإذا صح وهو يتضمن الابراء بعوض كانت صحته مع عدم العوض أولى، والضمان قد تقدم جوازه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو كانا أو أحدهما صغيرين منهم من قال: يجب تسليم الصداق، والأقوى أنه لا يجب كما لا يجب النفقة، لأن الاستمتاع

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 333.
(2) المهذب: ج 2 ص 196.
(3) الخلاف: ج 4 ص 393 المسألة 38.
(4) المبسوط: ج 4 ص 312. (5) الوسيلة: ص 298..

[ 163 ]

غير ممكن، وإن كانا كبيرين واختلفا في تقديم التسليم فقولان: أحدهما: يقطع الخصومة بينهما، وأيهما بذل ما عليه أجبر الآخر على إقباض ما عليه. والثاني: ينصب عدلا ويأمر الزوج بتسليم الصداق إليه، فإذا فعل أمرها بتسليم نفسها إليه، فإذا فعلت أعطاها العدل الصداق (1). وقال أبو الصلاح: إذا انعقد النكاح استحقت الزوجة الصداق والزوج التسليم إن كانت ممن يصح الدخول بها ببلوغها تسع سنين فما زاد، وإن نقصت سنها عن هذا وقف استحقاق الأمرين إلى حين بلوغ المذكور (2). مع أن الشيخ - رحمه الله - وجماعة الأصحاب قالوا: للمرأة الامتناع من تسليم نفسها حتى تقبض مهرها (3). والوجه عندي أنها إن كانت أو صغيرة كان لها أو لوليها المطالبة بالمهر عاجلا، لأنها قد استحقته عاجلا فللولي المطالبة به كالدين. مسألة: قال أبو الصلاح: وإذا سلمت نفسها وقد قبضت شيئا لم يكن لها غيره، إلا أن يوافقه على الباقي ويشهد عليه، به، فإذا ادعت باقيا ولم يكن لها بينة فعليه اليمين (4). فإن قصد مع عدم التسمية فقد سبق البحث فيه، وإن قصد معها منعناه. ونقل الشيخ في التهذيب عن بعض أصحابنا أنه إذا دخل بها هدم الصداق (5). وقال ابن الجنيد: وعليه إقامة البينة إن جحده ما لم يكن دخول، فإن ثبت الدخول كان الدخول براءة في الحكم ما لم يكن المهر دينا مؤجلا، والمرأة بعد الدخول مدعية للمهر كما أن الرجل قبله مدع للوفاء.

(1) المبسوط: ج 4 ص 315 و 316.
(2) الكافي في الفقه: ص 294.
(3) المبسوط: ج 4 ص 313.
(4) الكافي في الفقه: ص 294.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 360 ذيل الحديث 1463. .

[ 164 ]

والحق عندي عدم سقوط شئ من المهر مطلقا، لأنها استحقته بالعقد واستقر بالدخول، وأما البحث في الدعوى فنقول: المرأة إن ادعت قدرا معينا وأنكر الزوج وادعى الأقل فالقول قوله مع اليمين، لأنه منكر، وإن ادعت مهرا مطلقا من غير تعيين فإن ادعى الزوج الايفاء فالقول قول المرأة مطلقا، وكذا لو كان معينا، لأصالة عدم الاقباض، وقد سلف البحث في الدعوى بعد الدخول، فإن ادعى عدم الاستحقاق فالوجه تقديم قول المرأة، لأن ثبوت البضع يستلزم ثبوت عوضه. وقال ابن البراج: إذا دخل الرجل بامرأته وادعت عليه المهر بعد الدخول وكانت تدعي أنها جعلت ذلك دينا عليه كان عليها البينة، فإن لم يكن لها بينة كان عليه اليمين، وإن لم تدع ذلك لم يلتفت إلى قولها (1). وليس بجيد، لأن المهر قد ثبت بالعقد أو الدخول، وادعاء الرجل البراءة منه لا يسمع إلا بالبينة. احتج القائلون بالهدم بما رواه عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يدخل بالمرأة ثم تدعي عليه مهرها، فقال: إذا دخل بها فقد هدم العاجل (2). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في الرجل يتزوج المرأة ويدخل بها ثم تدعي عليه مهرها، قال: إذا دخل عليها فقد هدم العاجل (3). قال الشيخ: هذه الأخبار تتضمن أن المرأة تدعي المهر، ونحن لم نقل أن بدعواها تعطى المهر، بل يحتاج إلى بينة، ومتى لم يكن معها غير دعواها فليس لها شئ، لما رواه الحسن بن زياد، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا دخل

(1) المهذب: ج 2 ص 202.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 360 ح 1462، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 14.
(3) تهذيب الأحكام ج 7 ص 360 ح 1462، وسائل الشيعة ب 8 من أبواب المهور ح 6 ج 15 ص 14 - 15..

[ 165 ]

الرجل بامرأته ثم ادعت المهر وقال: قد أعطيتك وقال: قد أعطيتك فعليها البينة وعليه اليمين (1). ولو كان الأمر على ما ذهب إليه بعض أصحابنا: (من أنه إذا دخل بها هدم الصداق) لم يكن لقوله - عليه السلام -: (عليها البينة وعليه اليمين) معنى، لأن الدخول قد أسقط الحق، فلا وجه لاقامة البينة ولا اليمين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: عندنا إن مهر المثل يعتبر بنسائها من الأم والأخت والعمة والخالة ومن يجري مجراهن ما لم يتجاوز خمسمائة درهم، فإن زاد عليها لم يجب أكثر من خمسمائة درهم، وقال قوم: يعتبر بنساء عصبتها دون أمها ونساء أرحامها ونساء بلدها، وفيه خلاف، ويعتبر النساء اللواتي في بلدها، ويعتبر بمن هو في سنها، لأن المهر يختلف باختلاف السن، ويعتبر ذلك بعقلها وحمقها، لأنه يختلف بذلك، ويعتبر بجمالها وقبحها، لأنه يختلف بذلك ويعتبر بحال يسارها وإعسارها وبأدبها وبالبكارة والثيبوبة وبصراحة نسبها من الطرفين، لأن المهر يختلف بجميع ذلك، وجملته أن كل أمر يختلف المهر لاجله فإنه يعتبر به (2). وقال ابن الخلاف: مهر المثل في الموضع الذي يجب يعتبر بنساء أهلها من أمها وأختها وعمتها وخالتها وغير ذلك (3). وقال ابن الجنيد: وإذا حكم على الرجل بمهر المثل طلب ذلك من ذوات نسبها ورحمها من قبل الأب والأم في الدين والجمال والحال من غير تجاوز السنة في ذلك. وقال المفيد: من عقد (نكاحا) ولم يسم مهرا ثم دخل قبل أن يدفع

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 360 ذيل الحديث 1461 - 1462.
(2) المبسوط: ج 4 ص 299.
(3) الخلاف: ج 4 ص 382 المسألة 24..

[ 166 ]

شيئا كان عليه مثلها في الشرف والجمال (1). وقال أبو الصلاح: مهر المثل يعتبر فيه السن والجمال والتحصين، فإن نقص عن مهر السنة لم يكن لها غيره، وإن زاد رد إليه وهو خمسمائة درهم فضة، أو قيمتها خمسون دينارا (2). وقال ابن البراج: المعتبر من مهر المثل بنساء المرأة هو من كان منهن من عصبتها كالاخت من جهة الأب أو من جهة الأب والأم وبناتها والعمة وبناتها وما أشبة ذلك، وأما الأم وما هو من جهتها فلا يعتبر به في ذلك، وقد كان الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي - رحمه الله - وغيره من أصحابنا يعتبر ذلك. والأقوى عندي ما ذكرته، لأن المرأة أم الولد تكون من عرض المسلمين تحت الشريف النسب، مثل الرجل يكون من ولد الحسن والحسين - عليهما السلام - فيتزوج بالمرأة من العامة ليس لها نسب ولا حسب، فالمعتبر في نسائها من كان من عصبتها، لما ذكرناه، ولا يتجاوز بالمهر على ما ذكرناه خمسمائة درهم، وإن زاد عليها لم يجب أكثر من ذلك، ويعتبر في ذلك أيضا بالنساء اللواتي في بلدها ومن هو في سنها أيضا، لأن المهر يختلف باختلاف السن، ويعتبر أيضا بعقلها وحمقها وجمالها وقبحها ويسارها وإعسارها وأدبها والبكارة والثيبوبة وكل ما يختلف المهر لاجله، والاعتبار في النساء بما ذكرناه ينبغي أن يكون بالاقرب منهن إلى المرأة المستحقة لمهر المثل، لأنهن أشبه بها، فإن فقدت العصبة اعتبر بذوي الأرحام، فإن فقد ذلك اعتبر بنساء أقرب البلدان إلى بلدها، فإن كان الذي يجب عليه مهر المثل من عشيرتها خفف عنه، وإن لم يكن ثقل عليه، لأن الاعتبار يكون هكذا (3). وقال ابن حمزة: يعتبر مهر المثل بنساء أهلها من كلا الطرفين الأقرب

(1) المقنعة: ص 509.
(2) الكافي في الفقه: ص 293.
(3) المهذب: ج 2 ص 210 و 211..

[ 167 ]

فالأقرب وبكل ما يختلف المهر لاجله من العقل والحمق والجمال والذمامة واليسار والاعسار والبكارة والثيبوبة وصراحة النسب وهجنتها، ولا يتجاوز بذلك مهر السنة (1). وقال ابن إدريس: وإن لم يكن سمى المهر وجب مهر أمثالها من عماتها وخالاتها وأخواتها، سواء كن من عصبات الرجال أو من عصبات النساء (2). والوجه ما قاله الشيخ، لاختلاف المهور باختلاف الأحوال من الطرفين. وما رواه عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقها ثم دخل بها، قال: لها صداق نسائها (3). وفي الموثق عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: في رجل يتزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، قال: قال: لا شئ لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها (4). وفي الصحيح عن الحلبي قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فدخل بها ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها، فقال: لها مهر مثل مهور نسائها ويمتعها (5). والنساء شامل للعصبات وغيرها. وقول ابن البراج ممنوع، لاختلاف المهر بحسبه، ولهذا اعتبره مع عدم

(1) الوسيلة: ص 295 - 296.
(2) السرائر: ج 2 ص 583.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 326 ح 1466، وسائل الشيعة: باب 12 من أبواب المهور ح 3 ج 15 ص 24.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 362 ح 1467، وسائل الشيعة: باب 12 من أبواب المهور ح 2 ج 15 ص 24.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 362 ح 1468، وسائل الشيعة: باب 12 من أبواب المهور ح 1 ج 15 ص 24..

[ 168 ]

العصبات. بقي هنا بحثان: الأول: هل يعتبر البلد؟ قال بعض علمائنا به، ويحتمل العدم. الثاني: أكثر الأصحاب على أنه لا يزيد على مهر السنة - وهو خمسمائة درهم - لما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فوهم أن يسمي صداقها حتى دخل بها، قال: السنة، والسنة خمسمائة درهم (1). وهو غير دال صريحا على المطلوب. وقال بعض علمائنا: لا يتقدر بقدر، لما دلت عليه الأخبار المطلقة عليه. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا وقع العقد على شئ معين من ذوات غلة أو نتاج ثم طلق الزوج قبل تسليم ذلك أعطاها نصفه ونصف غلة ونتاج حصلا بعد العقد وبعد وضع المؤونة (2). وهو جيد على أصله، حيث حكم بأن المقتضي لوجوب نصف المهر العقد ولوجوب النصف الآخر الدخول، لكنه قال: لو كانت غنما حوامل ثم ساقها ردت النصف من الغنم والأولاد، وإن كانت حملت عندها ردت نصف الأمهات فقط (3). أما على ما اختاره الشيخ وأكثر علمائنا (4) - من أنها تستحق الصداق بأجمعه بمجرد العقد ويستقر بالدخول - فإن النماء بأجمعه للزوجة، لسبق استحقاقها على النكاح. مسألة: قال ابن الجنيد: لو تلف الصداق في يده قبل دفعه إليها لزمه نصف القيمة على أوفر ما كان منه من الوقت الذي عقد عليها به إلى وقت تلفه. وقال الشيخ في المبسوط: إن كان المتلف الزوج أو أمرا سماويا فإن كان

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 326 - 363 ح 1469، وسائل الشيعة: باب 13 من أبواب المهور ح 2 ج 15 ص 25. (2 و 3) المهذب: ج 2 ص 207، 204.
(4) منهم: القاضي ابن البراج في المهذب 2: 200، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: 294 وابن إدريس في السرائر 2: 585 والمحقق في شرائع الاسلام 2: 330..

[ 169 ]

مثليا كان لها مثله، وإن لم يكن له مثل فالقيمة، فإن كانت قد طالبت به فمنعها فعليه أكثر ما كانت قيمته من يوم المطالبة إلى يوم التلف، لأنه كالغاصب، وإن تلف في يده من غير مطالبة قيل: عليه قيمته يوم التلف، وهو الأقوى، وقيل: الأكثر، لأنه كالغاصب، إلا في المأثم (1). والوجه أن لها القيمة يوم التلف، وقد سلف في باب الغصب (2). مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان الصداق أمة فاستحق نصفها دون ولدها كان له نصف قيمتها، لئلا يفرق بينها وبين ولدها يوم يستخدمها فيه. والوجه كراهة التفريق فيستحق نصف العين. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان الذي ساقه شيئين فتلف أحدهما دون الآخر فإن كان ساقهما بقيمة كان له نصف القيمة في رقبة الباقي، وإن كان الصداق عين الشيئين كان له نصف الباقي منهما إذا لم يكن تلفه بجنايتها عليه. والبحث يقع منه في موضعين: الأول: حصره نصف القيمة في رقبة الباقي. والوجه أنه تستحق نصف القيمة التي وقع عليها العقد في ذمتها دون تعلقها بالعين الموجودة، لأنها قد ملكتها بالمعاوضة دون العقد. الثاني: تخصيص حقه بنصف الباقي، حيث قال: كان له نصف الباقي منهما إذا لم يكن تلفه بجنايتها، فخصه بالذكر وقيد بالشرط، وهو عدم التلف بجنايتها، وهو قول بعض الجمهور: من أن المهر في يد الزوجة أمانة، وهو آت على مذهبه أيضا، حيث حكم بأن استحقاق النصف الآخر إنما هو بالدخول أو الخلوة أو اللمس أو النظر على ما اختاره أكثر علمائنا، فإنه مضمون عليها

(1) المبسوط: ج 4 ص 285.
(2) راجع ج 6، ص: 116..

[ 170 ]

حيث قبضته على أنه ملكها لتسليم العوض للزوج، فحيث لم يسلم كانت ضامنة له. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان دفع إليها المهر سلعة من غير مماكسة فيها كان قيمتها يوم عطية نصف المهر لم يكن عليها وقت طلاقه شئ، فإن ماكسته ووقع التغابن بينهما كان له نصف المهر لا نصف السلعة. والوجه التسوية بين الأمرين، لأنها رضيت بالعين عوضا، فكان له المطالبة بنصف المسمى فيهما. نعم لو لم تعلم القيمة كان لها الفسخ. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا يلزم الزوج غير المهر من جعالة جعلها لولي أو واسطة، ولو وفى الزوج بذلك تطوعا كان أحوط، فإن طلقها قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف الصداق دون غيره، فإن كان قد دفع ذلك رجع (1) بنصف المهر وكل الجعالة على الواسطة، فإن كانت المرأة اشترطت رجع عليها بنصف صداقها وبنصف ما أخذه من شرطت ذلك له، لأن ذلك كله بعض الصداق الذي لم يرض بنكاحها إلا به. وقال الشيخ في النهاية: لو عقد على امرأة وسمى لها مهرا ولأبيها أيضا شيئا كان المهر لازما له، وما سماه لابيها لم يكن عليه منه شي أ (2). والوجه أن نقول: إن كان قد جعل للواسطة شيئا على فعل مباح وفعله لزمه، ولم يسقط منه شئ بالطلاق، لأنها جعالة على عمل محلل مطلوب في نظر العقلاء فكان واجبا بالفعل كغيره، وإن لم يكن على جهة الجعالة بل ذكره في العقد لم يكن عليه منه شئ، سواء طلق أو لا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا عقد لامرأة على مملوك جعله مهرها وأعطاها إياه فزاد في ثمن المملوك ثم طلقها قبل الدخول بها كان له أن يرجع

(1) ق 2 وم 3: يرجع.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 327..

[ 171 ]

عليها بنصف ثمن المملوك يوم أعطاها إياه، وليس له من الزيادة شئ (1)، وأطلق الكلام. وتبعه ابن البراج (2). وقال في المبسوط: إن طلقها قبل الدخول بعد قبض المهر والزيادة، فإن كانت متميزة كالنتاج والثمرة فالنماء لها دونه، لأنه نما في ملكها، وإن كانت غير متميزة كالسمن وتعلم القرآن تخيرت بين اعطاء النصف بزيادته وبين أن يمسكه فيكون له نصف القيمة، فإن اختارت أن تعطيه النصف بحاله لزمه القبول، لأنه حقه وزيادة، وإن اختارت الامساك كان لها، لأن الزيادة لها غير متميزة، فلا تجبر على تسليم مالها في حقها، وليس هاهنا نماء غير متميز لا يتبع الأصل، ويمنع الرجوع إلا في هذه المسألة، ويقوى في نفسي أن له الرجوع بنصفه مع الزيادة التي لا تتميز، لقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) وإن كان الأول قويا أيضا (3). قال ابن إدريس: إن كانت الزيادة منفصلة رجع في نصف العين دون نصف النماء، إلا أن تكون العين حاملة وقت التسليم فإنه يرجع إليه بنصف الجميع الحامل والمحمول، إلا أن يكون قد حمل عندها فلا يرجع إلا بالعين دون الحمل (4). والاستثناء الأول لا معنى له. قال: وكذا إن كانت قد زاد ثمنه بنماء متصل وكان حدوث النماء عندها فالأولى ألا يرجع عليها إلا بمثل قيمة العين وقت التسليم، لأن هذا النماء حدث على ملكها دون ملكه، لأن ملكه ما تجدد إلا بعد الطلاق، وإن كان الزائد في ثمنه لزيادة السوق فإنه يرجع في العين بغير خلاف، لأنه لا أثر لهذه الزيادة إلا العين (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 327.
(2) المهذب: ج 2 ص 206. (3) المبسوط: ج 4 ص 277 و 278.
(4) السرائر: ج 2 ص 581 - 582.
(5) السرائر: ج 2 ص 582..

[ 172 ]

وقول ابن إدريس جيد. وقول الشيخ: ب‍ (استحقاق العين مع الزيادة، لقول الله تعالى: فنصف ما فرضتم) (1) ممنوع، فإن المفروض قد زاد، فلا يمكن أخذ نصفه منفردا عن الزيادة التي ملكها بالعقد. مسألة: قال ابن الجنيد: وإذا أذنت المرأة لوليها في العقد عليها بمبلغ معين فعقد بدونه، فإن كان الزوج قد علم بذلك لزمه ما أجابت المرأة إليه، فإن أبى لم تجبر المرأة على قبوله دونه، وإن اختار الفرقة لزمه نصف المهر الاوفر، فإن أبى أحلف عليه، وإن اعترف الولي وأنكر الزوج كان على الزوج ما اعترف به من العقد وعلى الولي الفضل، وإن وقع العقد على أزيد مما أجابت إليه المرأة كان ذلك للمرأة على الزوج إن لم يكن اشترط إظهار ذلك، والتراضي منهما هو ما أجابت إليه فقط. وفي إلزام الزوج على تقدير علمه بما أجابت المرأة إليه إشكال، لأن العقد لم يقع عليه، فلا وجه لوجوبه، نعم تتخير المرأة بين الامضاء بالمسمى في العقد وبين الفسخ، فحينئذ يحتمل إيجاب المهر على الوكيل، لأنه فوت البضع، ويحتمل مع الامضاء الزامه بما أذنت إذا كان بقدر مهر المثل. وكذا في إيجاب الاوفر على الزوج لو اختار الفرقة إشكال. مسألة: المشهور إنه لو شرط في العقد ألا يتزوج عليها أو لا يتسرى كان الشرط باطلا، وبه قال ابن حمزة أيضا، لكنه قال: إن أعتق عبده وشرط عليه حال عتقه أن يتزوج جاريته منه على ألا يتزوج عليها ولا يتسرى لزم (2). وفي لزومه هنا إشكال، ينشأ من عدم لزومه لو شرطه في العقد، ولو كان سائغا لكان لازما، فكذا في العتق.

(1) البقرة: 237.
(2) الوسيلة: ص 297 و 298..

[ 173 ]

مسألة: قال ابن حمزة: لو عقد عليها على عبد آبق منفردا صح العقد دون الصداق، ولزامه مهر المثل، وإن كان مع شئ آخر صح الصداق أيضا (1). وفيه إشكال، ينشأ من أنه مال يصح نقله والمعاوضة عليه فجاز جعله مهرا، والمنع من البيع، لانتفاء الشرط الذي هو القدرة على التسليم لا يقتضي منع الاصداق به. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أصدقها تعليم سورة بعينها وهو لا يحفظها فإن قال: على أن أحصل ذلك لك صح، لأنه أوجبها على نفسه في ذمته، وإن قال: على أن ألقنك أنا إياها قيل: فيه وجها: أحدهما: يصح، لأن الحق وجب في ذمته فلا يلزم أن يكون مالكا له، والثاني: لا يصح، لأنه لا يصح أن يصدقها منفعة شئ بعينه وهو لا يقدر عليها، كما لو أصدقها منفعة عبد لا يملكه فإنه لا يصح (2). والظاهر أنه حكى عن المخالفين ولم يختر من الوجهين شيئا. وقال ابن البراج: فإن أصدقها تعليم سورة بعينها وهو لا يحفظها فإن قال: علي أن أحصل لك ذلك كان صحيحا، لأنه أوجبه على نفسه في ذمته، وإن قال: علي أن ألقنك أنا إياها صح ذلك، لأنه وجب في ذمته، فليس يلزمه أن يكون مالكا له، وذكر أنه لا يصح، وهو الأحوط (3). والوجه عندي الجواز، لأنه عقد على ما يصح العقد عليه، ولا يشترط ملكه في الحال كالأعيان، ولأصالة الجواز. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أصدقها أن يجيئها بعبدها الآبق كان باطلا عند أكثرهم، وقال بعضهم: إنه جائز، والأول أقوى، فمن قال: باطلا كان لها مهر المثل وله عليها أجرة مثل المجئ بالآبق، وإن كان موضع الآبق

(1) الوسيلة: ص 298.
(2) المبسوط: ج 4 ص 273 - 274.
(3) المهذب: ج 2 ص 199..

[ 174 ]

معروفا صح الصداق (1). وقال ابن البراج: إذا جعل صداقها أن يجيئها بعبدها الآبق فالأحوط أنه لا يصح، لأنه يجوز أن يجده ويجوز ألا يجده. ولها هاهنا مهر المثل (2). وأطلق، سواء كان الموضع معينا أو لا. وقال ابن الجنيد: كل ما يصح (3) الملك له والتمول من قليل وكثير ينتفع به في دين أو دنيا من عين وعروض أو يكون له عوض من أجرة دار أو عمل إذا وقع التراضي بين الزوجين فالفرج يحل به وطؤه بعد العقد عليه. وأطلق، ويندرج فيه صورة الفرض. والمعتمد ما فصله الشيخ - رحمه الله - فإن كان الموضع معلوما صح أن يكون مهرا، لأنه عمل محلل مقصود معلوم فصح العقد عليه كغيره من الأعمال كتعليم القرآن وغيره، أما مع الجهالة فإنه يفسد، لعدم العلم به فكان كما لو تزوجها على شئ، وفارق الجعالة، لأنها عقد جائز ولا يؤثر فيها الجهالة، بخلاف الصداق اللازم، وبخلاف ما لو أصدقها عبدا مطلقا أو دارا مطلقة إن قلنا: بجوازهما، لورود النقل فيهما. ولأن الجهالة هناك أقل، وامكان التخلص بالاوسط، لما في الطرفين من الاضرار بأحدهما، واعتبار الوسط هنا غير ممكن. واحتجاج ابن البراج ضعيف، لأنه إذا لم يجده في الموضع المعين كان عليه أجرة المثل. مسألة: إذا طلقها قبل الدخول بعد القبض وقد نقص المهر بنقصان عين كعور أو نسيان صنعة في يدها لا نقصان قيمة قال الشيخ في المبسوط: تخير الزوج بين أخذ نصف العين أو نصف القيمة، لقوله تعالى: (فنصف ما

(1) المبسوط: ج 4 ص 267.
(2) المهذب: ج 2 ص 199.
(3) ق 2 وم 3: صح..

[ 175 ]

فرضتم) وهذا ليس هو المفروض، وكان حقه في القيمة، وإن كان النقص قبل الاقباض تخيرت بين قبض نصفه ناقصا وبين الترك فيكون كالتالف في يده قبل القبض، وإن زاد قبل القبض زيادة متصلة تخيرت بين أخذ الكل بزيادته وبين أن تترك وتأخذ نصفه (1). وقال ابن البراج: متى حدث بالمهر عند الزوج عيب من غير فعله وطلقها قبل الدخول تخيرت بين أخذ ناقصا وبين أخذ نصف قيمته يوم تزوجها، وإن كان الحادث من فعله تخيرت بين أخذ نصفه ناقصا وتضمينه نصف النقصان وبين تركه وتضمينه نصف القيمة، وإن كان من فعل أجنبي تخيرت إن أرادت أخذت نصفه ناقصا واتبعت الجاني بنصف النقص وإن أرادت أخذت من الزوج نصف القيمة، ولو كان النقص بعد القبض وكان العيب من فعلها أو من أمر سماوي قبل طلاقه تخير الزوج بين أخذ نصفه ناقصا وبين تضمينها نصف القيمة يوم قبضه، وإن كان العيب من فعل أجنبي لم يكن له سبيل على المهر وتضمينها نصف القيمة يوم قبضه (2). والوجه أن نقول: إن كان النقص بعد القبض أجبر الزوج على أخذ نصف العين مع الأرش، وليس له المطالبة بنصف القيمة إلا برضاء الزوجة، لانحصار حقه في العين مع وجودها، لقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) (3) والعيب لا يخرج العين عن حقيقتها وينجبر النقص بدفع الأرش، وإن كان قبل القبض أجبرت المرأة على أخذ نصف العين مع الأرش، لأنه أقرب من القيمة إلى الحقيقة، ولأنها استحقت العين بالعقد، ولا خيار هنا، لأنه أقرب إلى المسمى من مهر المثل.

(1) المبسوط: ج 4 ص 277 و 278.
(2) المهذب: ج 2 ص 208.
(3) البقرة: 237..

[ 176 ]

وتفصيل ابن البراج لا وجه له، وأي فرق بين أن يكون العيب من فعل الزوج وفعل الأجنبي، وكما أوجب الضمان على الأجنبي كذا ينبغي إيجابه على الزوج، وإذا كان العيب من فعلها كان مضمونا عليها، لأنه تلف إما لبعضه أو لوصفه في يد ضامن فكان الأرش لازما له، كما لو تلفت العين بكمالها. ثم منع الزوج من أخذ العين لو كان العيب من أجنبي لا وجه له أيضا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أصدقها نخلا حائلا فطلقها قبل الدخول والنخل مطلعة لها إمساكها بحملها ومنعه من الرجوع في النصف، ويكون حقه في القيمة، لأن الصداق قد زاد زيادة غير متميزة فهو كالسمن، فإن بذلت رد النصف إليه بزيادته قبل التأبير أجبر، لأنها زيادة غير متميزة فكانت كالسمن، وإن كان بعد التأبير المذهب أنه يجبر عليه، لأنها زيادة متصلة بالنخيل فهي كالطلع قبل أن يؤبر، ومن الناس من قال: لا يجبر، لأن الطلع بعد التأبير كالنماء المتميز فأشبهت ولد الشاة لا يجب عليه قبولها لو ردت نصفها عليه لو ولدت عندها، وقال قوم: هذا غلط، لأن النخل وإن كان بعد التأبير كالنماء المتميز فإنه متصل بالنخل غير منفصل عنه كغير المؤبر، ولو رضى بتأخير الرجوع إلى الجذاذ ثم يرجع لم يجبرها على هذا، لأن الصداق إذا كان زائدا زيادة غير متميزة فحقه في القيمة، وليس له الرجوع في العين (1). والوجه أن له الرجوع في نصف العين، سواء كان الطلع مؤبرا أو غيره، وتختص المرأة مطلقا، لأنه تجدد على ملكها، وعلى الزوج الصبر إلى وقت الجذاذ، لأن الثمرة في الأصل بحق، فليس له قطعها ولا الرجوع بالقيمة ولا يجبر عليها. مسألة: لو تزوج امرأتين وأكثر بمهر واحد قال الشيخ في المبسوط: يكون

(1) المبسوط: ج 4 ص 279 - 280..

[ 177 ]

بالسوية بينهما (1)، وتبعه ابن البراج (2)، عملا بالأصل. وقيل: يقسط على مهور الأمثال كما لو تزوج وباع (3)، وهو الأقوى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أقامت بينة بعقدين في وقتين فادعى الزوج التكرار وادعت صحة العقدين وتعدد النكاح قدم قولها باليمين، والأولى أن نقول: إنه يلزمه المهران معا، وقال بعض: يلزمه مهر ونصف، لأنه يقول: طلقتها بعد الأول قبل الدخول فعلي نصف المهر ثم تزوجت بها ثانيا، وهذا قوي (4). وهو يدل على تردده في ذلك، وكان والدي - رحمه الله - يقوي الثاني، وشيخنا أبو القاسم جعفر بن سعيد يقوي الأول (5)، وهو الأقوى عندي، لاعتراف الزوج بثبوت الأول في ذمته وقيام البينة عليه بالثاني. وتعليل الشيخ ليس بجيد، لأن دعواه الطلاق المتخلل بين العقدين ينافي دعوى التكرار، ولو ادعى تخلل الطلاق كان القول قوله مع اليمين. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو تزوج المولى عليه لسفه أو صغر بغير إذن وليه كان النكاح باطلا بلا خلاف، فإن دخل بها لم يلزمه المهر، لأصالة البراءة (6). وفي المبسوط: لو تزوج المولى عليه بغير إذن وليه كالمحجور عليه لسفه أو مراهق لصغر أو مجنون فالنكاح باطل، فإن كان قبل الدخول فلا شئ عليه، وإن كان بعد الدخول فعليه مهر مثلها، وقال قوم: لا شئ لها، لأنها رضيت بتسليم نفسها فقد أتلفت بضعها على نفسها، وهذا قوي (7). وهذا يدل على تردده.

(1) (1) المبسوط: ج 4 ص 291.
(2) المهذب: ج 2 ص 209.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 324.
(5) شرائع الاسلام: ج 2 ص 324.
(6) الخلاف: ج 4 ص 373 المسألة 14.
(7) المبسوط: ج 4 ص 293..

[ 178 ]

وقال ابن البراج: إذا تزوج المولى عليه كالمحجور عليه لسفه أو لجنون أو مراهق بمهر كان النكاح باطلا، فإن كان قبل الدخول لم يكن عليه شئ، وإن كان بعد الدخول وكانت عالمة بحاله لم يكن لها شئ، لأنها رضيت بتسليم نفسها مع علمها بحاله فقد أتلفت بضعها على نفسها بذلك، وإن لم تكن عالمة بحاله كان عليه لها مهر المثل (1). وهذا التفصيل وإن كان جيدا لكن يعوزه تفصيل آخر وهو: أن يقال: مع علمها بحاله إن كانت جاهلة بالحكم كان لها المهر أيضا، لأنها إنما رضيت بتسليم نفسها في مقابلة العوض فلم تكن راضية على الإطلاق، أما مع علمها بحاله وبالحكم فالوجه أنه لا مهر لها، لأنه أتلفه برضاها وبذلها، فلا يجري مجرى الاتلاف، ولا يجب بحكم العقد، لأنا لو ألزمناه حكم العقد أبطلنا معنى الحجر، فإنا حكمنا عليه بالحجر لئلا يتلف ماله بتصرفه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا اختلفا بعد تسليم نفسها في قبض المهر أو النفقة فالذي رواه أصحابنا أن القول قول الزوج وعليها البينة (2). وفي ثاني الخلاف: القول قولها مع اليمين في الصداق (3)، وهو المعتمد، لأنها منكرة فعليها اليمين مع عدم البينة. مسألة: المشهور إن الاعتبار في المتعة بحال الزوج. وقال الشيخ في المبسوط: وأما قدر الواجب فعلى ما يفرضه السلطان والاعتبار بهما جميعا عندنا، وقال قوم: الاعتبار به لقوله تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) وهو الأقوى (4). وهذا يدل على تردده. ثم إنه

(1) المهذب: ج 2 ص 210.
(2) الخلاف: ج 5 ص 116 المسألة 12.
(3) الخلاف ج 4 ص 385 المسألة 27.
(4) المبسوط: ج 4 ص 295..

[ 179 ]

قوى المذهب المشهور عندنا، وهو المعتمد، للآية. مسألة: لو كان المهر دينا على الزوج فطلق قبل الدخول كان لها العفو عن الباقي قال الشيخ في المبسوط: بألفاظ ستة: العفو والتمليك والهبة والاسقاط والترك والابراء، وهل يفتقر إلى قبوله؟ قال: قيل: فيه وجهان: الأول: أن نقول يفتقر إلى قبوله (1). والوجه عندي عدم الافتقار، لأنه إسقاط وإبراء فأشبه الطلاق والعتاق، ولأنه تعالى علق بقوله: (إلا أن يعفون) (2) التمليك للزوج، ولا يقف على غيره. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: كل فرقة تحصل بين الزوجين سواء كان من قبله أو من قبلها أو من قبل أجنبي أو من قبلهما فلا تجب به المتعة إلا الطلاق فحسب (3)، وبه قال ابن إدريس (4). وفي المبسوط: الفراق أربعة أضرب: إما أن يكون من جهته بطلاق ولعان وردة وإسلام، فإن كانت بالطلاق فلها المتعة، لعموم الآية، وإن كان باللعان أو الارتداد أو الاسلام قال قوم: يجب المتعة، لأن الفراق من قبله، وهو الذي يقوى في نفسي، ولو قلنا: لا تلزمه متعة، لأنه لا دليل عليه لكان قويا. وإما من جهتها بارتداد أو باسلام أو بعتق تحت عبد فتختار نفسها، أو تجد به عيبا فتفسخ، أو يجد هو بها عيبا، فإنه وإن كان الفاسخ هو فهي المدلسة فالكل من جهتها فلا متعة لها في ذلك كله. وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه، فقال قوم: لها متعة، وقال آخرون: لا متعة لها، وهو الصحيح. وإما من جهتهما

(1) المبسوط: ج 4 ص 306، وفيه: (فيه وجهان الأولى أن نقول).
(2) البقرة: 237.
(3) الخلاف: ج 4 ص 400 المسألة 46.
(4) السرائر: ج 2 ص 584..

[ 180 ]

معا كالخلع فهو كالطلاق تجب به المتعة. وإما من جهة أجنبي بأن ترضعها أمة فهو كالخلع المغلب فيها حكم الزوج، لأنه يعود إليه بها قبل الدخول نصف المهر فكأنه طلقها هو فعليه المتعة (1). وهذا الكلام يدل على تردد الشيخ في إيجاب المتعة باللعان وشبهه. والوجه عندي الوجوب، وكذا في زوجة العنين، لما تقدم في الأول، ولوجوب نصف المهر في الثاني، فهكذا تجب المتعة.

(1) المبسوط: ج 4 ص 319 - 320. .

[ 181 ]

الفصل الرابع في العيوب والتدليس مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): الرجل يفسخ بستة أشياء: الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والافضاء، وفي أصحابنا من ألحق به العمى وكونها محدودة في الزنا. وقد عد في النهاية العمى من عيوب المرأة (3)، وكذا المفيد (4)، والسيد المرتضى (5)، وابن الجنيد، وابن البراج (6)، وأبو الصلاح (7)، وسلار (8)، وابن إدريس (9)، وابن حمزة (10). وقال الصدوق في المقنع: واعلم أن النكاح يرد من أربعة أشياء: من البرص والجذام والجنون والعفل، إلا أنه روي في الحديث أن العمياء والعرجاء ترد (11).

(1) الخلاف: ج 4 ص 346 المسألة 124. (2) المبسوط: ج 4 ص 249.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 360.
(4) المقنعة: ص 519.
(5) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 248 المسألة 158 س 23.
(6) المهذب: ج 2 ص 231.
(7) الكافي في الفقه: ص 295.
(8) المراسم: ص 150.
(9) السرائر: ج 2 ص 612.
(10) الوسيلة: ص 311.
(11) المقنع: ص 104..

[ 182 ]

وقال قبل ذلك فيه: فإن تزوج الرجل امرأة فوجدها قرناء أو عفلاء أو برصاء أو مجنونة أو كان بها زمانة ظاهرة كان له أن يردها على أهلها بغير طلاق (1). ولم يذكر هنا العمى. والوجه أن العمى ترد به المرأة. لنا: إن منفعة الالتذاذ بها ناقصة، فكان له خيار الرد كما في العيوب. وما رواه داود بن سرحان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو جذماء، قال: ترد على وليها ويكون لها المهر على وليها، وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال أجيز شهادة النساء عليها (2). ورواه ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: ترد العمياء والبرصاء والجذماء والعرجاء (3). احتج المانعون بأصالة صحة العقد. وبما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل (4). ولفظة (إنما) يدل على الحصر. وبما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) المقنع: ص 103.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1694، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 597.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 433 ح 4497، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 7 ج 14 ص 594.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1693، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 5 ج 14 ص 597..

[ 183 ]

وترد المرأة من العفل والبرص والجذام والجنون، فأما ما سوى ذلك فلا (1). والجواب: نحن نقول بصحة العقد لا بلزومه، والأصل يدل على الأول لا الثاني، ورواية الحلبي دالة من حيث المفهوم فلا يعارض المنطوق، ورواية عبد الرحمن تدل من حيث العموم فلا يعارض الخصوص، مع أن طريق روايتنا أصح. مسألة: المشهور أن العمى عيب يختص بالنساء، فلا يرد الرجل به عند أكثر علمائنا. وبه قال ابن البراج في الكامل حيث قال: ولا يرد الرجل من شئ من العيوب، إلا أن يكون مجنونا أو به عنه أو يكون خصيا. وقال في المهذب: عقد النكاح ينفسخ بعيوب: منها ما يختص الرجل، ومنها ما يختص المرأة، ومنها ما يصح اشتراك الرجل والمرأة فيه. فأما ما يختص الرجل الجب والعنة، وأما ما يختص المرأة فهو الرتق والقرن والافضاء وكونها محدودة في الزنا، وأما ما يصح اشتراك الرجل والمرأة فيه فهو الجنون والجذام والبرص والعمى (2). فإن قصد الاشتراك في الحكم فهو ممنوع وتصير المسألة خلافية، وإن قصد صحة الوجود فهو مسلم، لكنه موهم، ومع ذلك ففيه بعد، لأنه جعل من المختص كونها محدودة في الزنا، ولا يصح على تقدير أن يكون مورد القسمة صحة الوجود، بل الاشتراك في الحكم، وكلام ابن الجنيد يشعر بمثل ذلك أيضا. والمعتمد المشهور، لأصالة صحة العقد، والروايات. روى غياث الضبي، عن الصادق - عليه السلام إلى أن قال: - والرجل لا

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 425 ح 1698، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 13 ج 14 ص 595.
(2) المهذب: ج 2 ص 231..

[ 184 ]

يرد من عيب (1). وهو وإن دل بعمومه على انتفاء رده مطلقا لكن العيوب المجمع عليها أخص من هذا العموم، فيجمع بينهما بالعمل بها في صورها وبالعام في باقي الصور. مسألة: المشهور اختصاص البرص والجذام بالمرأة، فلا يرد الزوج بهما. وبه قال ابن البراج في الكامل. وقال في المهذب: إنه مشترك بين الرجل والمرأة، فإن اختلف الزوجان فقال أحدهما: هذا جذام أو برص، وقال الآخر: هو مرار كان القول قول الزوج مع يمينه إن كان ذلك به، أو القول قول الزوجة مع يمينها إن كان ذلك بها حتى تقوم البينة بشاهدين من أهل الطب بأنه جذام أو برص، ثم يكون الخيار بعد ذلك في الفسخ أو الرضا أو الصبر عليه (2). وابن الجنيد يوهم كلامه ذلك فإنه قال: الذي يرد به النكاح من العيوب: الجنون والبرص والجذام والداء يمنع من الوطء، وسواء كان كذلك بالرجل أو المرأة ما لم يعلم البرئ منهما فيمسك عن المطالبة. واحتج ابن البراج بعموم قول الصادق - عليه السلام -: (إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل) (3). ولأنه يؤدي إلى الضرر، إذ ذلك من الأمراض المعدية، ولانتفاء شهوة الجماع حينئذ، وكما كان عيبا في المرأة كذلك فهو في الرجل أولى، إذ لو لم يجعل لها الخيار لم يكن لها سبيل إلى التخلص منه، بخلاف الرجل فإن له باب

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 430 ح 1714، وسائل الشيعة: من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 610.
(2) المهذب: ج 2 ص 231 و 232.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1693، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 10 ج 14 ص 594. .

[ 185 ]

التخلص وهو الطلاق. واحتج الأصحاب بأصالة صحة العقد، وبعموم قوله: (ولا يرد الرجل من عيب وكلام ابن البراج حسن لا بأس به. مسألة: اختلف الشيخان، فقال المفيد: ترد المحدودة في الفجور (1)، وبه قال سلار (2)، وابن البراج (3)، واختاره ابن الجنيد، وأبو الصلاح (4) أيضا، وقطب الدين الكيدري (5). وقال في النهاية: المحدودة في الزنا لا ترد، وكذلك التي كانت قد زنت قبل العقد، فليس للرجل ردها، إلا أن له أن يرجع على وليها بالمهر، وليس له فراقها إلا بالطلاق (6). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أن المحدودة لا ترد، بل يرجع على وليها بالمهر إذا كان عالما بدخيلة أمرها، فإن أراد فراقها طلقها (7). والأقرب عندي عدم الرد به، للأصل. ولما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل (8). وعن رفاعة بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المحدود

(1) المقنعة: ص 519.
(2) المراسم: ص 150.
(3) المهذب: ج 2 ص 231.
(4) الكافي في الفقه: ص 295.
(5) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 333.
(6) النهاية: ج 2 ص 360.
(7) السرائر: ج 2 ص 613.
(8) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1693، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 10 ج 14 ص 594..

[ 186 ]

والمحدودة هل ترد من النكاح؟ قال: لا (1). احتج المفيد باشتماله على العار فكان موجبا للتسلط على الفسخ. وبما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة فعلم بعد ما تزوجها أنها قد كانت زنت، قال: إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوجها ولها الصداق بما استحل من فرجها، وإن شاء تركها. قال: وترد المرأة من العفل والبرص والجذام والجنون، فأما ما سوى ذلك فلا. قال الشيخ: هذا لا ينافي ما قدمناه من أنه ليس له بمجرد الفسق، لأنه قال: إذا علم أنها كانت قد زنت كان له الرجوع على وليها بالصداق، ولم يقل: إن له ردها، ولا يمنع أن يكون له استرجاع الصداق وإن لم يكن له رد العقد، لأن أحد الحكمين منفصل عن الآخر. وقوله - عليه السلام -: (فأما ما سوى ذلك فلا) فإنه أيضا غير مناف لما قلناه من الرد بالعرج والافضاء والعمى، لأن هذه الأربعة له الرد معها على كل حال، وهذه الثلاثة وإن كان له الرد فالأفضل له إمساكهن (3). إذا ثبت هذا ففي إيجاب المهر على الولي مع عدم كونه عيبا - كما اختاره الشيخ وابن إدريس - إشكال، ينشأ من أن التضمين إنما هو باعتبار تدليس العيب على الزوج، فإذا كان عيبا كان له الفسخ، وإن لم يكن فلا. مسألة: قال المفيد (4) والشيخ في النهاية (5): ترد العرجاء، وبه قال

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1697، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 600.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 425 ح 1698، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العيوب والتدليس ح 4 ج 14 ص 601.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 425 ذيل الحديث 1698.
(4) المقنعة: ص 519.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 360..

[ 187 ]

ابن الجنيد، وسلار (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن البراج في الكامل، وابن حمزة (3). وقال الصدوق في المقنع: واعلم أن النكاح يرد من أربعة أشياء من البرص والجذام والجنون والعفل، إلا أنه روي في الحديث أن العمياء والعرجاء ترد (4). وقال قبل ذلك فيه: فإن تزوج الرجل بامرأة فوجدها قرناء أو عفلاء أو برصاء أو مجنونة أو كان بها زمانة ظاهرة كان له أن يردها إلى أهلها بغير طلاق، ويرجع الرجل على وليها بما أصدقها إن كان أعطاها، فإن لم يكن أعطاها فلا شئ له (5). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه الرد (6). وعد في الخلاف (7) والمبسوط (8) أسباب الفسخ في المرأة ستة: الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والافضاء، قال: وفي أصحابنا من ألحق به العمى وكونها محدودة. ولم يذكر العرج، وكذا ابن البراج في المهذب (9). وعد ابن إدريس عيوب المرأة سبعة، ثم قال: وألحق أصحابنا عيبا ثامنا وهو العرج البين، ذهب إليه شيخنا في نهايته، ولم يذهب إليه في مسائل خلافه (10). والأقوى الرد بالعرج البين، لما فيه من الشين. ولما رواه داود بن سرحان في الصحيح عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: ترد على وليها

(1) المراسم: ص 150.
(2) الكافي في الفقه: ص 295.
(3) الوسيلة: ص 311.
(4) المقنع: ص 104.
(5) المقنع: ص 103.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 433 ح 4497.
(7) الخلاف: ج 4 ص 346 المسألة 124.
(8) المبسوط: ج 4 ص 249.
(9) المهذب: ج 2 ص 231.
(10) السرائر: ج 2 ص 612 - 613..

[ 188 ]

ويكون لها المهر على وليها، وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال أجيز شهادة النساء عليها (1). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: ترد البرصاء والعمياء والعرجاء (2). احتج المانع بأصالة صحة العقد ولزومه. وبما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إنما يرد النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل (3). والجواب: الأصل يعدل عنه، للدليل، وقد بيناه، وحديثنا أخص ومنطوق، وحديثهم إما عام أو مفهوم. مسألة: قال الصدوق في المقنع: إذا زنت المرأة قبل دخول الزوج بها فرق بينهما ولا صداق لها، لأن الحدث كان من قبلها (4)، لقول علي - عليه السلام - في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها، قال: يفرق بينهما ولا صداق لها، لأن الحدث كان من قبلها (5). والطريق ضعيف. والوجه أن الزنا لا يوجب الرد، وقد سلف في المحدودة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن حدث بالرجل جنة يعقل معها أوقات

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1696، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 597.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1696، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 12 ج 14 ص 594 - 595.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1693، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 594.
(4) المقنع: ص 109.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 490 ح 1968، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب العيوب والتدليس ح 3 ج 14 ص 601..

[ 189 ]

الصلوات لم يكن لها اختيار، وإن لم يعقل أوقات الصلوات كان لها الخيار، فإن اختارت فراقه كان على وليه أن يطلقها (1). وكذا قال ابن البراج في المهذب (2)، وابن زهرة (3)، وابن إدريس (4). والكلام في هذه المسألة يقع في مواضع خمسة: الأول: حكم الجنون المتجدد بعد العقد وقبل الدخول قال في النهاية: يثبت لها الخيار إن لم يعقل أوقات الصلوات، وإن عقل فلا خيار. ونحوه في الخلاف فإنه قال: إذا حدث بالرجل جب أو جنون أو جذام أو برص لم يكن به في حال العقد، فإنه لا يرد إلا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلوات فإنه يرد به (5). ويفهم من القيد عدم الرد مع التعفل. ونحوه قال في المبسوط (6). وقال المفيد: وإن حدث بالرجل جنة وكان يعقل معها أوقات الصلاة لم يكن للمرأة خيار مع ذلك، وإن كان لا يعقل أوقات الصلاة كانت بالخيار (7). وقد روي أنه لا خيار لها مع ذلك، إلا ألا يعقل بأوقات الصلاة (8). وقال ابن البراج في الكامل: فإن حدث بالرجل جنة لا (9) يعقل معها أوقات الصلوات كانت مخيرة بين فراقه والصبر عليه، فإن اختارت فراقه كان

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 362 - 364.
(2) المهذب: ج 2 ص 232 - 233.
(3) الغنية (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 282.
(4) السرائر: ج 2 ص 611.
(5) الخلاف: ج 4 ص 349 المسألة 127.
(6) المبسوط: ج 4 ص 252.
(7) المقنعة: ص 520.
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 522 ح 4819، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب العيوب والتدليس ح 3 ج 14 ص 607.
(9) ليس في (م 3)..

[ 190 ]

على وليه أن يطلقها عنه. والوجه التسلط على الفسخ، سواء عقل أوقات الصلوات أو لا، لما فيه من التضرر المنفي بالأصل، ولفوات ثمرة منافع العقد من كمال الاستمتاع. ولما رواه علي بن أبي حمزة قال: سئل أبو إبراهيم - عليه السلام - عن امرأة يكون لها زوج قد أصيب في عقله بعد ما تزوجها أو عرض له جنون، قال: لها أن تنزع نفسها منه إذا شاءت (1). الثاني: ظاهر كلام ابن حمزة أن الجنون المقتضي للفسخ هو الذي لا يعرف معه أوقات الصلاة، سواء كان متقدما أو متأخرا عن العقد (2). وهو قول ابن البراج فإنه قال في المهذب: عندنا إن الجنون إذا كان بالرجل يعقل معه أوقات الصلوات فليس يتعلق به خيار (3). والأصحاب فصلوا فقالوا: إن كان سابقا على العقد كان لها الخيار، وإن كان متأخرا كان لها الخيار إن لم يعقل أوقات الصلوات. الثالث: ظاهر كلام ابن حمزة أن الجنة الموجبة للخيار في الرجل والمرأة معا هو الذي لا يعقل معها أوقات الصلوات، وفيه إشكال. والأقرب ثبوت الخيار للرجل مطلقا. الرابع: لو تجدد بعد الدخول فالأقرب أن لها التسلط أيضا، لما مر، وكلام الشيخ في النهاية: نعم لها ذلك أيضا (4)، وهو الأقوى. وبه قال ابن الجنيد فإنه قال: لو حدث ما يوجب الرد بعد العقد قبل الدخول لم يفرق بينهما إلا الجنون فقط، وهو اختيار ابن زهرة (5) أيضا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 428 - 429 ح 1708، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 607.
(2) الوسيلة: ص 311.
(3) المهذب: ج 2 ص 233.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 362 - 363.
(5) الغنية (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 282..

[ 191 ]

وظاهر كلام علي بن بابويه فإنه قال: وإذا تزوج رجل وأصابه بعد ذلك جنون فبلغ به مبلغا لا يعرف به أوقات الصلاة فرق بينهما، وإن عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه فقد بليت. الخامس: هل يفتقر فسخ المرأة في المتجدد إلى طلاق، ظاهر كلام الشيخ في النهاية ذلك (1) وكذا من وافقه على كلامه، إلا ابن إدريس فإنه لم يذكر الطلاق (2). والوجه أنه لا يفتقر إلى طلاق، سواء تجدد بعد الدخول أو قبله كغيره من العيوب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حدث بالمرأة العيب بعد العقد فهل له الخيار؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: لا خيار له، والثاني: له الخيار، وهو الأظهر، لعموم الأخبار (3). وفي الخلاف: إذا حدث بالمرأة أحد العيوب التي ترد به ولم تكن في حال العقد فإنه يثبت به الفسخ، وهو أحد قولي الشافعي، لعموم الأخبار التي وردت في أن له الرد بهذه العيوب، ولم يفصلوا بين عيب كان في حال العقد وبين ما يحدث فيما بعد، وخبر الغفارية يدل على ذلك، لأن النبي - عليه السلام - لم يفصل (4). وقال ابن البراج في المهذب: إذا حدث بالرجل أو المرأة شئ من هذه العيوب بعد ثبوت العقد واستقراره ولم يكن حاصلا قبل العقد لم يجب الرد منه، إلا ما ذكره أصحابنا من الجنون - الذي لا يعقل معه صاحبه أوقات الصلوات - والجب والخصاء والعنة (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 362 - 364.
(2) راجع السرائر: ج 2 ص 611.
(3) المبسوط: ج 4 ص 252.
(4) الخلاف: ج 4 ص 349 - 350 المسألة 128.
(5) المهذب: ج 2 ص 234 - 235..

[ 192 ]

وقال ابن إدريس: الصحيح أن كل عيب حادث بعد العقد من عيوب النساء لا يرد به النكاح، والذي ذهب إليه شيخنا مذهب الشافعي في أحد قوليه اختاره شيخنا (1). وكلام ابن حمزة (2) يشعر بما ذهب إليه ابن إدريس، وهو الأقرب. لنا إنه عقد وقع صحيحا خاليا عن التدليس، وما يثبت به الخيار فيكون لازما، كما لو تجدد العيب بعد الدخول. ولأنه لم يوجد منها تدليس ويمكنه التخلص منها بالطلاق فلا يثبت له الخيار، كما لو أعتق وتحته أمة لم يثبت له الخيار، ولو كان قد شرط حريتها في الابتداء ثبت له الخيار. احتج الشيخ - رحمه الله - بالعموم (3). روى داود بن سرحان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: ترد على وليها... الحديث (4). وهو شامل لصورة النزاع. ولأنه عيب لو كان موجودا حال العقد لثبت به الخيار، فإذا حدث بعد ذلك ثبت به الخيار كالعيب بالزوج والعين المستأجرة. والجواب: العمل بالعموم في غير صورة النزاع، وتخصيصه به أولى من العمل به في صورة النزاع، لما فيه من الجمع بين الأدلة فيكون أولى، والقياس على الرجل باطل، لمنع الحكم في الأصل وعلى العين المستأجرة، لأن القياس لا نقول به.

(1) السرائر: ج 2 ص 613.
(2) الوسيلة: ص 311.
(3) الخلاف: ج 4 ص 350 المسألة 128.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1694، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 597..

[ 193 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: العيب الحادث بالزوج بعد العقد، وكل العيوب تحدث به إلا العنة، فإنه لا يكون فحلا ثم يصير عنينا في نكاح واحد، وعندنا لا يرد الرجل من عيب يحدث به إلا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلوات، وقال المخالف: إذا حدث واحد من الأربعة: الجنون والجذام والبرص والجب فلها الخيار، وعندنا أنه لا خيار له في ذلك (1). وقال في موضع آخر: إذا تزوج امرأة ودخل بها ثم عجز عن جماعها لم يحكم بأنه عنين ولا يضرب له مدة بلا خلاف، فأما إذا كان صحيحا ثم جب كان لها الخيار عندنا وعندهم بلا خلاف، لعموم الأخبار (2). وفي الخلاف: إذا حدث بالرجل جب أو جنون أو جذام أو برص لم يكن به في حال العقد فإنه لا يرد، إلا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلوات فإنه ترد به (3). وقال ابن البراج: إذا حدث بالرجل أو المرأة شئ من هذه العيوب بعد ثبوت العقد واستقراره لم يكن حاصلا قبل العقد لم يجب الرد منه، إلا بما ذكره أصحابنا من الجنون الذي لا يعقل معه صاحبه أوقات الصلوات والجب والخصاء والعنة (4). وابن إدريس فصل فسوغ الفسخ بالجنون المتجدد بالرجل بعد العقد إذا لم يعقل أوقات الصلوات، وإن حدث الجب أو الخصاء بعد العقد فلا خيار للمرأة في فسخ النكاح، فإن حدثت العنة بد وطئها فلا خيار، وإن حدثت قبله وبعد العقد ولم يطأ غيرها في السنة فلها الخيار (5). والمعتمد قول ابن البراج، فإن الجب والخصاء مساويان للعنة، بل هما أبلغ

(1) المبسوط: ج 4 ص 252. (2) المبسوط: ج 4 ص 264.
(3) الخلاف: ج 4 ص 349 المسألة 127.
(4) المهذب: ج 2 ص 234 - 235.
(5) السرائر: ج 2 ص 611 و 612..

[ 194 ]

منها في فوات الاستمتاع معها، فإثبات الخيار بها أرجع. احتج ابن إدريس بالأصل. والجواب: الأصل يعدل عنه، للدليل. مسألة: المشهور إن العنة الحادثة بعد الدخول لا يثبت بها للمرأة خيار الفسخ، اختاره الشيخ (1)، وابن الجنيد، وابن البراج (2)، وابن إدريس (3)، وابن حمزة (4). وقال المفيد: وإن تزوجت به على أنه سليم فظهر لها أنه عنين انتظرت به سنة، فإن وصل إليها فيها ولو مرة واحدة فهو أملك بها، وإن لم يصل إليها في مدة السنة كان لها الخيار، فإن اختارت المقام معه على أنه عنين لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن حدث بالرجل عنة بعد صحته كان الحكم في ذلك - كما وصفناه - ينتظر به سنة، فإن تعالج فيها وصلح وإلا كانت المرأة بالخيار (5). قال الشيخ في التهذيب: فأما الذي ذكره - يعني: المفيد رحمه الله - من التسوية بين العنة إذا حدثت بعد الدخول وبينه إذا كان قبل الدخول إنما حمله على ذلك عموم الأخبار التي رويت في ذلك مثل ما رواه: الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: العنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوجت وإن شاءت أقامت (6). وعنه عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أبدا أتفارقه؟

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 366.
(2) المهذب: ج 2 ص 236.
(3) السرائر: ج 2 ص 612.
(4) الوسيلة: ص 311.
(5) المقنعة: ص 520. (6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ذيل الحديث 1715 وح 1716..

[ 195 ]

قال: نعم إن شاءت (1). وعن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يقول: يؤخر العنين سنة من يوم ترافعه امرأته، فإن خلص إليها وإلا فرق بينهما، فإن رضيت أن تقيم معه ثم طلبت بعد ذلك فقد سقط الخيار ولا خيار لها (2). ثم قال: والأولى عندي الأخذ بالخبر الذي رويناه عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - كان يقول: إذا تزوج الرجل امرأة فوقع عليها مرة ثم أعرض عنها فليس لها الخيار لتصبر فقد ابتليت، وليس لامهات الأولاد ولا للاماء ما لم يمسها من الدهر إلا مرة واحدة. خيار (3). وعن غياث الضبي، عن الصادق - عليه السلام - قال في العنين إذا علم أنه عنين لا يأتي النساء: فرق بينهما، فإذا وقع عليها دفعة واحدة لم يفرق بينهما، والرجل لا يرد من عيب (4). وقال ابن زهرة: العنين يجب الصبر عليه سنة، فإن تعالج ووصل إليها فيها ولو مرة واحدة فلا خيرا لها في ردها، وإن لم يصل إليها في هذه المدة فلها الخيار (5). وهذا حكم العنة الحادثة بعد الدخول والصحة بدليل إجماع الطائفة.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ح 1717، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 611.
(2) تهذيب الأحكام: چ 7 ص 431 ح 1719، وسائل الشيعة: باب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 9 ج 14 ص 612.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 430 و 431 ذيل الحديث 1715 وح 1719.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 430 ح 1714، وسائل الشيعة: باب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 610.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 549 س 22، مع اختلاف..

[ 196 ]

والأشهر قول الشيخ، عملا بالتمسك بمقتضى العقد اللازم، وبما تقدم من الرواية، وإن كان قول المفيد لا يخلو أيضا من قوة، لما فيه من دفع الضرر بفوات فائدة النكاح، فنحن في ذلك من المتوقفين. مسألة: المشهور أن العنين يؤجل سنة، فإن وصل إليها فيها فلا خيار لها، وإلا ثبت لها الخيار، ذهب إليه الشيخان (1)، والصدوق (2)، والسيد المرتضى (3). وقال ابن الجنيد: العنن بالرجل قبل الدخول يوجب الفسخ إن اختارت المرأة، فإن ادعى حدوث ذلك به بعد العقد أجل سنة من يوم ترافعهما، فإن صح وطؤه وإلا كانت مخيرة في الإقامة معه، وإلا يفسخ النكاح بغير طلاق. احتج الأصحاب بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: العنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوجت وإن شاءت أقامت (4). وعن أبي الصباح قال: إذا تزوج الرجل المرأة وهو لا يقدر على النساء أجل سنة حتى يعالج نفسه (5). واحتج ابن الجنيد بما رواه غياث الضبي، عن الصادق - عليه السلام - في العنين إذا علم أنه عنين لا يأتي النساء فرق بينهما، وإذا وقع عليها وقعة واحدة لم

(1) المقنعة: ص 520، النهاية ونكتها: ج 2 ص 364.
(2) المقنع: ص 105.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 248 المسألة 158.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ح 1716، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 5 ج 14 ص 611.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ح 1718، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 7 ج 14 ص 611 - 612..

[ 197 ]

يفرق بينهما، والرجل لا يرد من عيب (1). وعن أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أبدا أتفارقه؟ قال: نعم إن شاءت (2). والجواب: العلم إنما يحصل بعد السنة، ولو قدر حصوله قبلها فالأقوى عندي ما قاله ابن الجنيد. مسألة: المشهور إن العنين يجب عليه نصف المهر مع فسخ المرأة النكاح، وقد نص عليه الصدوق في المقنع (3) وأبوه، والشيخ في النهاية (4) وغيرها. وليس هنا فسخ من قبل الزوجة يستعقب شيئا من المهر سوى هذا، والأصل فيه إشرافه على محارمها وخلوته بها سنة. وقال ابن الجنيد: إذا اختارت الفرقة بعد تمكينها إياه من نفسها وجب لها المهر وإن لم يولج. وهو بناء على أصله من أن المهر يجب كملا بالخلوة كما يجب بالدخول، وقد سبق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا انتمى الرجل إلى قبيلة وتزوج فوجد على خلاف ذلك أبطل التزويج (5)، واختاره ابن الجنيد، وابن حمزة (6). وجعله ابن البراج في كتابيه معا رواية (7). ومثله في المبسوط قال فيه: إن كان الغرور بالنسب فهل لها الخيار أم لا؟ فالأقوى أنه لا خيار لها، وفي الناس من قال: لها الخيار، وقد روي ذلك في

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 430 ح 1714، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 610.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ح 1717، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 611.
(3) المقنع: ص 105.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 365.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 372.
(6) الوسيلة: ص 311.
(7) المهذب: ج 2 ص 239..

[ 198 ]

أخبارنا (1). واختار ابن إدريس المنع، قال: وقد روي أن الرجل إذا انتسب إلى قبيلة فخرج من غيرها سواء كان أرذل أو أعلى منها يكون للمرأة الخيار في فسخ النكاح، والأظهر أنه لا يفسخ بذلك النكاح، لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) ونسب ما قاله الشيخ في النهاية إلى أنه خبر واحد، ثم قال: إلا أن هذا وإن لم يكن عيبا فإنه يرد به، لأنه تدليس، فرددناه من حيث التدليس بالاشتراط لا من حيث أنه عيب يرد به من غير اشتراط، لأن العيوب هي في الخلقة يرد بها النكاح وإن لم يشترط السلامة في حال العقد، بل بمجرد العقد يرد النكاح بعيب الخلقة، فأما التدليس فإنه إذا شرط أنه حر فخرج عبدا أو انتسب إلى قبيلة فخرج بخلافها سواء كان أعلى منها أو أدنى وكذلك السواد والبياض إذا شرطه فخرج بخلافه وما أشبه ذلك فلا ترد به النكاح، إلا إذا اشترط خلافه، فأما بمجرد العقد دون تقدم الشرط فلا يرد به النكاح، فهذا الفرق بين عيب الخلقة وبين التدليس (2). وابن البراج قال: وقد روي أن الرجل إذا ادعى أنه من قبيلة معينة وعقد له على امرأة على أنه من تلك القبيلة ثم ظهر إنه من غيرها إن عقده فاسد (3). والأقرب أنه إذا انتسب إلى قبيلة فبان أدنى منها بحيث لا يلائم شرف المرأة كان لها الخيار في الفسخ، لما فيه من الغضاضة والنقص والتضرر بذلك. وما رواه الحلبي في الصحيح قال: في رجل يتزوج المرأة فيقول: أنا من بني فلان فلا يكون كذلك، قال: تفسخ النكاح، أو قال: ترد (4).

(1) المبسوط: ج 4 ص 189.
(2) السرائر: ج 2 ص 611 و 612.
(3) المهذب: ج 2 ص 239.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 432 ح 1724، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 614..

[ 199 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: ولو انتسب أحد الزوجين إلى نسب أو صناعة ولم يكن كذلك كان النكاح منفسخا إن لم يرضه الآخر بعد علمه به، فإن تأول تأويلا يكون به صادقا لم يبطل النكاح، وقد روي أن رجلا تزوج على أنه يبيع الدواب فوجد بائعا للسنانير لم يفسخ أمير المؤمنين - عليه السلام - نكاحه، وقال: السنانير دواب. والبحث هنا يقع في مقامين: الأول: هل حكم الصنعة حكم القبيلة؟ نص ابن الجنيد عليه في كلامه هذا، وفي الرواية دلالة ما من حيث المفهوم عليه. الثاني: هل الانتساب إلى القبيلة مشترك بين الرجل والمرأة؟ نص ابن الجنيد عليه وهو قول ابن حمزة (1). ولم يتعرض الشيخ في النهاية لانتساب المرأة. مسألة: المشهور إن المرأة إذا ادعت عنة الرجل وادعى هو الصحة كان القول قوله مع اليمين، لأصالة الصحة. وقال الصدوق في المقنع وأبوه في الرسالة: يقعد الرجل في ماء بارد فإن استرخى ذكره فهو عنين، وإن تشنج فليس بعنين (2). وقال ابن حمزة: تعرف العنة بأحد ثلاثة أشياء: باعتراف الرجل، والعجز عن الايلاج، وباسترخاء الذكر إذا جلس في الماء البارد (3). وأنكر ابن إدريس ذلك وقال: لا يعلم إلا بإقرار الرجل (4). مسألة: المشهور إن الخصاء - وهو سل الخصيتين - عيب يوجب الفسخ. وقال ابن البراج: فإن بان أن الزوج خصي - وهو مسلول الخصيتين - فلا خيار لها في ذلك، فإن الخصي أكثر من الفحل، وإنما لا ينزل، وقد قيل، إن لها الخيار، لأن عليها فيه نقيصة، وهو الأظهر، لأن عقدها عليه عقد يتناول رجلا

(1) الوسيلة: ص 311.
(2) المقنع: 107.
(3) الوسيلة: ص 311.
(4) السرائر: ج 2 ص 615..

[ 200 ]

سالما من العيب في هذا الشأن (1). وقال علي بن بابويه: وإن تزوجها خصي قد دلس نفسه لها وهي لا تعلم فرق بينهما، ويوجع ظهره، كما لو دلس نفسه، وعليه نصف الصداق، ولا عدة عليها منه. وكذا قال الصدوق في المقنع (2). وقال الشيخ في الخلاف: إذا كان الرجل مسلولا لكنه يقدر على الجماع غير أنه لا ينزل أو كان خنثى حكم له بالرجل لم يرد بالعيب، وإن كانت المرأة خنثى وحكم لها بالمرأة مثل ذلك، لثبوت العقد بالاجماع، واثبات الخيار يحتاج إلى دليل (3). والرواية تدل على أنه عيب، روى بكير بن أعين في الموثق، عن أحدهما - عليهما السلام - في خصي دلس نفسه لامرأة مسلمة فتزوجها، قال: يفرق بينهما إن شاءت، ويوجع رأسه، وإن رضيت وأقامت معه لم يكن لها بعد رضاها به أن تأباه (4). وعن ابن مسكان في الصحيح قال: بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصي دلس نفسه لامرأة ودخل بها فوجدته خصيا، قال: يفرق بينهما، ويوجع ظهره، ويكون لها المهر بدخوله عليها (5). وعن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - إن خصيا دلس نفسه لامرأة،

(1) المهذب: ج 2 ص 233.
(2) المقنع: ص 104، وفيه: (تأخذ منه صداقها).
(3) الخلاف: ج 4 ص 348 المسألة 125.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 432 ح 1720، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 608. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 432 ح 1722، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب العيوب والتدليس ح 3 ج 14 ص 608..

[ 201 ]

قال: يفرق بينهما، وتأخذ المرأة منه صداقها، ويوجع ظهره كما دلس نفسه (1). ولأن فوات فائدة العقد - وهو التناسل - ثابت هنا، كما في العنين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقد الرجل على بنت رجل على أنها بنت مهيرة فوجدها بنت أمة كان له ردها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن لها عليه شئ وكان المهر على أبيها، وإن كان قد دخل بها كان المهر عليه بما استحل من فرجها (2). وقال ابن البراج: إذا تزوج من رجل ابنته على أنها بنت مهيرة فوجدها بنت أمة كان مخيرا بين ردها وبين إقرارها على العقد، فإن ردها فعلى قسمين: إما أن يكون قد دخل بها أو لا يكون دخل بها، فإن كان دخل بها كان عليه المهر بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها لم يكن عليه شئ. وقد ذكر أن المهر يجب لها على أبيها إذا لم يدخل بها، والأولى أن ذلك لا يجب (3). وقال الكيدري: إن لم يدخل بها فلا شئ عليه، والمهر على أبيها على ما روي، والأصل أنه غير واجب (4). وقال ابن إدريس: إن لم يكن دخل بها لم يكن عليه شئ، وروي إن المهر على أبيها، وليس عليه دليل من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، فمن شغل ذمة الأب بالمهر يحتاج إلى دليل، وإن دخل بها كان المهر عليه لها بما استحل من فرجها ويرجع على أبيها به، فإن رضي بعد ذلك بالعقد لم يكن له بعد رضاه الرجوع بالمهر ولا خيار (5) الرد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 432 ح 1721، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 8 60.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 357 - 358.
(3) المهذب: ج 2 ص 237.
(4) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 335.
(5) السرائر: ج 2 ص 614. .

[ 202 ]

والوجه عندي أنه لا خيار إلا مع الشرط. والشيخ عول على رواية محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل خطب إلى رجل بنتا له من مهيرة فلما كانت ليلة دخولها على زوجها أدخل عليه بنتا له أخرى من أمة، قال: ترد على أبيها، وترد عليه امرأته، ويكون مهرها على أبيها (1). وإذا كان ضامنا في هذه الصورة فكذا في المتنازع، لعدم التفاوت. وفي إيجاب المهر على الأب إشكال. ويحتمل أن يقال: إذا كان الأب هو المدلس كان ضامنا للمهر مع الدخول ومع عدمه لها، حيث فوت عليها البضع كالوكيل. مسألة: إذا اختلفا في الاصابة فادعاها وأنكرت وكانت ثيبا قال الشيخ في النهاية: كان القول قول الرجل مع يمينه، وقد روي أنها تؤمر بأن تحشو قبلها خلوقا ثم يأمر الحاكم الرجل بوطئها، فإن وطأها فخرج وعلى ذكره أثر الخلوق صدق وكذبت، وإن لم يكن الأثر موجودا صدقت وكذب الرجل (2). وكذا قال ابن البراج (3)، وهو قول ابن أبي عقيل، إلا أنه لم يذكر الرواية. وكذا قال الصدوق في المقنع (4)، وابن إدريس (5). وقال علي بن بابويه: عليه اليمين وعليها البينة، لأنها المدعية. وقال الشيخ في الخلاف: إذا اختلفا في الاصابة وكانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه عند أبي حنيفة، ثم قال - بعد نقل مذاهب الجمهور -: وقد روى أصحابنا أنه تؤمر المرأة أن تحشو قبلها خلوقا، فإذا وطأها وكان على ذكره أثر

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 423 ح 1692، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 603.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 367.
(3) المهذب: ج 2 ص 236.
(4) المقنع: ص 104.
(5) السرائر: ج 2 ص 616..

[ 203 ]

الخلوق علم إنه أصابها وإن لم يكن لم يصبها، وهذا هو المعول عليه، ثم استدل بإجماع الفرقة وأخبارهم (1). وبه قال الكيدري (2). والمعتمد ما اختاره في النهاية. لنا: عموم الحكم بالبينة واليمين في سائر الدعاوي، وإنما أوجبنا اليمين على الزوج عملا بالظاهر من أصالة السلامة وعدم تمكنه من إقامة البينة على ذلك. وما رواه أبو حمزة في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: إذا تزوج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوجت زوجا غيره فزعمت أنه لا يقربها منذ دخل بها فإن القول في ذلك قول الزوج وعليه أن يحلف بالله لقد جامعها، لأنها المدعية (3). ورواية الشيخ في ذلك ضعيفة مرسلة عن أبي عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن بعض مشيخته قال: قالت امرأة لأبي عبد الله - عليه السلام - أو سأله رجل عن رجل تدعي عليه امرأته أنه عنين وينكر الرجل، قال: تحشوها القابلة بالخلوق ولا تعلم الرجل ويدخل عليها الرجل فإن خرج على ذكره الخلوق صدق وكذبت وإلا صدقت وكذب (4). وليس بعيدا من الصواب الجمع بين الخبرين، بأن يحمل الأول على ما إذا ادعى الرجل الاصابة فيما تقدم قبل الدعوى وأنكرت المرأة، والثاني على ادعاء

(1) الخلاف: ج 4 ص 357 المسألة 140.
(2) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 334.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 429 ح 1709، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 613.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 429 ح 1710، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 613..

[ 204 ]

المرأة العنة وأنكر الرجل، وهذا أقرب ما حمل الجمع عليه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن تزوجت المرأة برجل على أنه صحيح فوجدته خصيا كانت بالخيار بين الرضا بالمقام معه وبين مفارقته، فإن رضيت بالمقام معه لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن أبت فرق بينهما، وإن كان قد خلا بها كان للمرأة صداقها منه، وعلى الإمام أن يعزره لئلا يعود إلى مثل ذلك (1). وتبعه ابن البراج (2)، لما تقدم من الروايات. وقال ابن إدريس: إن رضيت به لم يكن لها بعد ذلك خيار، وإن أبت فرق بينهما. وقد روي أنه إن كان خلا بها كان للمرأة صداقها منه، وعلى الإمام أن يعزره لئلا يعود إلى مثل ذلك، ولا دليل على صحة هذه الرواية من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وإن كان قد أورد ذلك شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا (3). وفي إيجاب المهر إشكال، والشيخ بناه على أصله من ثبوته بالخلوة، وكذا في إيجاب تعزيره. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقد الرجلان على امرأتين فأدخلت امرأة هذا على هذا والأخرى على الآخر ثم علم بعد ذلك فإن كانا قد دخلا بهما فإن لكل واحدة منهما الصداق، فإن كان الولي تعمد ذلك أغرم الصداق، ولا يقرب كل واحد منهما امرأته حتى تنقضي عدتها، فإن ماتتا قبل انقضاء العدة فليرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما ويرثانهما الزوجان، وإن مات الرجلان وهما في العدة فإنهما يرثانهما ولهما المسمى (4). وقال ابن إدريس: والصحيح من الأقوال أن بموت أحد الزوجين إما المرأة

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 367.
(2) المهذب: ج 2 ص 235.
(3) السرائر: ج 2 ص 617.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 367 - 370..

[ 205 ]

أو الرجل يستقر جميع المهر كملا، سواء دخل بها الرجل أو لا (1). والشيخ عول في ذلك على رواية جميل بن صالح، عن بعض أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام - في أختين أهديتا إلى أخوين في ليلة فأدخلت امرأة هذا على هذا وأدخلت امرأة هذا على هذا، قال: لكل واحدة منهما الصداق بالغشيان، وإن كان وليهما تعمد ذلك أغرم الصداق، ولا يقرب واحد منهما امرأته حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت العدة صارت كل واحدة منهما إلى زوجها بالنكاح الأول، قيل له: فإن ماتتا قبل انقضاء العدة؟ قال: فقال: يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما ويرثانهما الرجلان (2). والوجه إيجاب المهر كملا، والرواية ضعيفة مرسلة، وتحمل على أن المرأتين ليس لهما ولد فيرجع الزوجان بالنصف مما دفعاه مهرا على سبيل الميراث، وقد سبق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى كان للرجل بنتان إحداهما بنت مهيرة والأخرى بنت أمع فعقد لرجل على بنته من المهيرة ثم أدخلت عليه بنته من الأمة كان له ردها، وإن كان قد دخل بها وأعطاه المهر كان المهر لها بما استحل من فرجها، وإن لم يكن دخل بها فليس لها عليه مهر، وعلى الأب أن يسوق إليه ابنته الأولى، فإن لم يكن وصل إليها ولا يكون قد دخل بها كان المهر في ذمة الزوج (3)، لرواية محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن رجل خطب إلى رجل بنتا له من مهيرة فلما كانت ليلة دخولها على زوجها

(1) السرائر: ج 2 ص 617.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 434 ح 1730، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ج 15 ح 2 ص 396.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 358 - 360..

[ 206 ]

أدخل عليه بنتا له أخرى من أمة، قال: ترد على أبيها ويرد إليه امرأته، ويكون مهرها على أبيها (1). وقال ابن البراج: وإن كان الرجل قد دفع الصداق إلى الأولى لم يكن لهذه عليه شئ، ووجب على أبيها في ماله صداقها دون الزوج (2). والحق أن نقول: إن كانت الأولى عالمة بأنها ليست الزوجة ودخل بها مع علمها بالتحريم لم يكن لها مهر، لأنها زانية وأن لم تكن عالمة أو جهلت التحريم كان لها مهر مثلها. والأقرب أنه لا يتقدر في مثل هذه بمهر السنة، فإن كان المدفوع بقدره وإلا رجع بالفاضل أو دفعه. وأما الأولى فلها مهرها على الزوج لا يسقط بدفع الزوج إلى الثانية، ثم الزوج يطالب الأب الدافع بما دفعه الزوج إلى الثانية، لأنه غره. مسألة: قال ابن الجنيد: الزنا قبل العقد وبعده يرد به النكاح، فلو زنت المرأة قبل دخول الرجل بها فرق بينهما، وكذلك إن كان الزاني رجلا فلم ترض المرأة فرق بينهما. والأقرب أن ذلك ليس عيبا يفسخ به النكاح في الرجل والمرأة، وقد تقدم. مسألة: إذا كانت هي المدلسة بعد الدخول وتسليم المهر فالمشهور أنه يرجع الزوج عليها بما دفعه، وإن كان الولي هو المدلس رجع الزوج عليه، وكان لها المهر كملا. وقال ابن الجنيد: وإن حكم بالفسخ لأجل العيب وهو به رجع على المولى، وإلا قدر أقل مهر مثلها، إلا أن يكون مما لا يظهر وقد خفي على الولي فيكون لها

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 423 ح 1692، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 603.
(2) المهذب: ج 2 ص 238. .

[ 207 ]

أقل صداق مثلها والباقي مردود من مالها على زوجها، وحكمها حكم وليها إن كانت هي العاقدة على نفسها. والوجه عندي أنه يرجع عليها بما دفعه إلا بأقل ما يكون مهرا، لئلا يخلو البضع عن عوض، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط (1) أيضا. مسألة: لا يفتقر الفسخ إلى حكم الحاكم، بل لكل من الزوج والمرأة التفرد بالفسخ في موضع يجب له الخيار، قاله الشيخ (2)، وتبعه ابن البراج (3). وهو المعتمد، لأنه حق لهما، فلا يتوقف استيفاؤه على الحاكم. وقال ابن الجنيد: وإذا أريدت الفرقة لم يكن إلا عند من يجوز حكمه من والي المسلمين، أو خليفته، أو بمحضر من المسلمين إن كانا في بلد هدنة، أو سلطان متغلب. وهو ممنوع. وقال في المبسوط: وإن اختار الفسخ أتى التحاكم ليفسخ النكاح، وليس له أن يتفرد به، لأنها مسألة خلاف، هذا عند المخالف، ولا يمتنع عندنا أن يفسخ الرجل ذلك بنفسه أو المرأة، لأن الأخبار مطلقة في هذا الباب (4). ثم قال - بعد كلام طويل -: فأما الفسخ فإلى الحاكم، لأنه مختلف فيه، ولو قلنا على مذهبنا: إن له الفسخ بنفسه كان قويا، والأول أحوط، لقطع الخصومة (5). وهو يدل على تردده. وقال - بعد ذلك -: لا يجوز أن تفسخ - يعني: امرأة العنين بغير حاكم، لأنه مختلف فيه (6). مسألة: المشهور إنه لو دخل وفسخ بعيب كان عليه المسمى. وقال الشيخ في المبسوط: يسقط المسمى ويجب مهر المثل، سواء كان

(1) المبسوط: ج 4 ص 252.
(2) المبسوط: ج 4 ص 249.
(3) المهذب: ج 2 ص 232.
(4) المبسوط: ج 4 ص 249.
(5) المبسوط: ج 4 ص 253.
(6) المبسوط: ج 4 ص 263، وفيه: (لا يجوز أن يفسخ)..

[ 208 ]

الفاسخ المرأة أو الرجل. ثم قال: نكاح فسخ بعيب كان موجودا حال العقد فإن حكمه حكم النكاح الذي وقع فاسدا في الأصل يتعلق به جميع أحكام النكاح الفاسد، إن كان قبل الدخول سقط المسمى ولا يجب شئ منه ولا المتعة أيضا ولا نفقة العدة، وإن كان بعد الدخول فقد قلنا: لها مهر المثل (1). لنا: إنه عقد وقع صحيحا، ولهذا لو رضي الفاسخ به لزم فيثبت المسمى. احتج بأن أحكام العقد الفاسد يترتب عليه، فكذا المهر. والجواب: المنع من المقدمتين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تزوج الحر امرأة على أنها حرة فبانت أمة كان النكاح فاسدا، وقال قوم: يصح العقد. وإن كان الزوج عبدا فتزوج على أنها حرة فبانت أمة فهل يصح النكاح قيل: فيه قولان: أحدهما: باطل، وهو الأقوى. والثاني: صحيح بشرط أن يكون العبد مأذونا له في التزويج، فإن كان غير مأذون كان باطلا، وعند بعض أصحابنا يكون موقوفا على إذن السيد، فمن قال: إنه باطل أو صحيح وله الخيار فاختار الفسخ فكأنه كان فاسدا من أصله، فإن كان قبل الدخول فرق بينهما ولا مهر ولا نفقة، وإن كان بعد الدخول وجب لها مهر المثل للسيد، وأين يجب؟ قيل: في كسبه، وقيل: يتعلق برقبته، وقيل: في ذمته يتبع به بعد العتق. والأول أقوى على هذا القول، وهذه الأقوال تبنى على أصلين: أحدهما: إن العبد إذا نكح بإذن سيده فالمهر في كسبه، وإن كان بغير إذنه فإن وطأ فقد وطأ في نكاح فاسد ووجب المهر، وأين يجب؟ قيل: في ذمته، وقيل: في رقبته. الثاني: إذا أذن له سيده في النكاح فهل يتضمن إذنه الصحيح والفاسد؟ على قولين، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى أصل المسألة فوجدنا قد نكح بإذن سيده نكاحا فاسدا، فمن قال: إذن

(1) المبسوط: ج 4 ص 251..

[ 209 ]

السيد يتناول الصحيح والفاسد فكأنه قد نكح صحيحا يكون المهر في كسبه، ومن قال: لا يتناول الفاسد - وهو الصحيح - فقد نكح نكاحا فاسدا بغير إذنه، فأين يجب المهر؟ على قولين: أحدهما: في رقبته، والثاني - وهو الأقوى -: في ذمته يتبع به (1). والمعتمد أن نقول: إذا بانت أمة يكون النكاح موقوفا لا فاسدا، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، فإن أجاز الزوج أو المولى صح العقد، وإلا بطل، وكذا لو تزوج العبد فإنه يكون موقوفا على إذن مولاه، وإذا كان مأذونا وفسخ بعد الدخول كان المهر على المولى، لأن الإذن في العقد التزام بتوابعه، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: لو بان الزوج خنثى قال في المبسوط - في أوائل فصل العيوب -: فإنه يجامع كالرجل، وإنما هناك خلقة زائدة، فهو كما لو كان له إصبع زائدة، وهذا الوجه أقوى (2). ثم قال - بعد كلام طويل ومسائل متبددة -: لو أصابته خنثى وقد ثبت أنه رجل فهل لها الخيار؟ على قولين: أحدهما: لها الخيار، وهو الأقوى (3). وقال في الخلاف: لو كان الرجل مسلولا لكنه يقدر على الجماع غير أنه لا ينزل أو كان خنثى حكم له بالرجل مسلولا لكنه يقدر على الجماع غير أنه لا ينزل أو كان خنثى حكم له بالرجل لم يرد بالعيب، وكانت المرأة خنثى وحكم لها بالمرأة مثل ذلك (4). واختار ابن البراج الأول (5)، وهو المعتمد، لما ذكره الشيخ في التعليل، ولا وجه للخيار مع إمكان الوطء وثبوت الرجولية. قال الشيخ في المبسوط - أيضا -: لو حكم بأنوثية الخنثى فتزوجت برجل

(1) المبسوط: ج 4 ص 254 - 256.
(2) المبسوط: ج 4 ص 250.
(3) المبسوط: ج 4 ص 263.
(4) الخلاف: ج 4 ص 348 المسألة 125.
(5) المهذب: ج 2 ص 233..

[ 210 ]

فلا خيار له مع العلم، ومع الجهل قولان، أقواهما إن له الخيار (1). والأقوى عندي المنع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تزوج الحر امرأة على الإطلاق يعتقدها حرة فإذا هي أمة وكان الرجل ممن يحل له (نكاح) أمة بحصول الشرطين - عدم الطول وخوف العنت - فالنكاح صحيح، فإن وطأها قبل العلم فالولد حر، لأنه على هذا دخل وعليه قيمته لسيدها يوم وضعته، وإن أحبلها بعد أن علم أنها أمة فالولد مملوك عندهم، لأنه يتبع أمه، وعندنا يتبع الحرية (2). والتحقيق أن نقول: إن كان المولى قد أذن لها كان الولد حرا ولا قيمة هنا، وإن لم يكن قد أذن كان الولد رقا لمولاها إذا كان الوطء بعد العلم بأنها أمة، لأنه وطأ بغير سبب مبيح له وتصرف في مال الغير فيكون زانيا، ولا يؤثر الجهل السابق حال العقد في إباحة الوطئ بعد العلم بالرقية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا عقد الرجل على امرأة على أنها حرة فوجدها أمة كان له ردها، فإن كان قد دخل بها كان لها المهر بما استحل من فرجها، وللرجل أن يرجع على وليها الذي دلسها بالمهر، فإن كان الولي لم يعلم دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ (3). وقال المفيد: إذا تزوجها على أنها حرة فوجدها أمة كان له ردها على من زوجه بها واسترجاع ما نقدها من المهر، إلا أن يكون قد دخل بها ولا يرجع عليها به، ولكن يرجع من دلسها عليه. فإن كانت هي المتولية لانكاحه نفسها فإنه يرجع عليها به قبل الدخول، ولا يأخذ منها شيئا منه بعد الدخول (4). وقال ابن الجنيد: فإن كانت الامه هي المدلسة

(1) المبسوط: ج 4 ص 266.
(2) المبسوط: ج 4 ص 267.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 356 - 357.
(4) المقنعة: ص 519..

[ 211 ]

ردت إلى سيدها، وإن وجد الحر من مهره شيئا بعينه أخذه، وإن لم يجد فلا شئ له عليها، وإن كانت قد ولدت من الحر ثم اغترمها المولى كان ولدها عبدا، وإن كان لها ولي غرم صداقها وكان ولدها لاحقين بأبيهم، وعلى الولي غرم أثمانهم للمولى، وعلى الزوج إن كانت بكرا فافتضها عشر قيمتها أو نصف عشرها إن كانت ثيبا. وقال الصدوق في المقنع: إذا تزوج بأمة على أنها حرة فوجدها قد دلست نفسها فإن الذي زوجها إياه أولياؤها (1) ارتجع على وليها بما أخذت منه ولمولاها عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها (2). وقال في موضع آخر: إن أبقت مملوكة من مولاها فأتت قبيلة وادعت أنها حرة فتزوجها رجل فظفر بها مواليها بعد ذلك وقد ولدت أولادا فإن أقام الرجل البينة على أنه تزوجها على أنها حرة أعتق ولدها وذهب القوم بأمتهم، وإن لم يقم البينة أوجع ظهره واسترق ولده (3). وقال سلار: فإن تزوج بامرأة على أنها حرة فخرجت أمة ردها واسترجع المهر إن لم يكن دخل بها، فإن كان دخل بها فالمهر لها، ويرجع به على من دلسها، فإن كانت هي المدلسة فلا مهر لها (4). وقال ابن البراج: فإن كان قد دخل بها وكانت هي المتولية لنكاحها منه كان له ردها ولها المهر بما استحل من فرجها، وإن كان غيرها هو الذي تولى العقد عليها وكان عالما بذلك كان له الرجوع عليه بالمهر، وإن لم يكن عالما بذلك لم يلزمه شئ (5).

(1) في المصدر: وليا لها. (2) المقنع: ص 104.
(3) المقنع: ص 104.
(4) المراسم: ص ص 150.
(5) المهذب: ج 2 ص 236..

[ 212 ]

وقال ابن حمزة: إن دلسها عليه أحد بالحرية رجع على المدلس بالمهر، وكان الولد حرا، ولسيدها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا ونصف العشر إن كانت ثيبا، وأرش العيب إن عابت بالولادة. وإن دلسها مولاها سقط المهر المسمى، ولزمه (1) مهر المثل، ورجع بالمهر على سيدها، وحرر الولد. ولو شهد لها بالحرية شاهدان كان الرجوع بالمهر على الشاهدين وباقي الحكم على ما ذكرنا. فإن تزوجها بظاهر الحال على الحرية كان النسب لاحقا، والولد رقا، وله الرجوع عليها بالمهر وعليه للسيد ما ذكر (2) من عشر القيمة أو نصفه والأرش، ويجب على السيد أن يبيع الولد من أبيه، ولزم الأب قيمته. فإن عجز استسعى فيها، وإن لم يسع دفع الإمام قيمته إليه من سهم الرقاب، فإن انقطع تصرفه أدى ثمنه من حساب الزكاة، فإن فقد هذه بقي الولد رقا حتى يبلغ ويسعى في فكاك رقبته. ولو علم الرقية دون التحريم كان الولد رقا، ولزمه المسمى، ولحق النسب، ويضمن أرش العيب، ويفرق بينهما. ولو علم بالتحريم أيضا كان زانيا إن لم يرض السيد بالعقد، ويكون الولد رقا، والنسب غير لاحق، والمهر غير لازم، والأرش مضمونا، وعشر القيمة إن كانت بكرا ونصف العشر إن كانت ثيبا. ولو رضي السيد بالعقد صح النكاح (3). وقال الكيدري: إن كان العقد من السيد كان ذلك إقرارا لها بالحرية، وسقط الخيار (4). والتحقيق أن نقول: إذا تزوجها على أنها حرة فخرجت أمة ودخل قبل العلم كان عليه المهر، لأنه عوض بضع وقع صحيحا وتطرق الفسخ إليه

(1) في المصدر: لزم.
(2) في المصدر: ما ذكرناه.
(3) الوسيلة: ص 303. (4) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 330..

[ 213 ]

لا يقتضي فساده في أصله، وإلا لما صح بعد الرضا، فايجاب مهر المثل وابطال المسمى على ما ذهب إليه الشيخ وابن حمزة ليس بجيد، على أن قولهما محتمل هنا، لأنه تصرف في مال الغير، فإذا لم يرض به قدر فساده من أصله فوجب مهر المثل، بخلاف ذات العيب أو صاحبه. ثم إن كان السيد هو المدلس رجع عليه بما دفعه إليها أو إليه، وإن لم يكن قد دفع شيئا لم يجب عليه شئ، لأن مولاها أباحه الوطئ بعوض يعود ضمانه عليه فلا يرجع بشئ، وإن كانت هي المدلسة فإن كان قد دفعه إليها استعاده منها إن كان باقيا، وإن كان تالفا تبعها به بعد العتق وكان عليه المهر للسيد، لأنه تصرف في ملكه بغير إذنه فكان عوضه عليه للمالك. مسألة: قال ابن حمزة: ويسقط المهر بالفسخ قبل الدخول وبعده إن كان الفاسخ المرأة، فإن كان الرجل لزمه مهر المثل ورجع به على المدلس (1). وليس بجيد، أما في طرف الزوجة فإنها إذا فسخت بعد الدخول وجب لها المسمى، لأنه قبض المعوض فوجب عليه دفع العوض ويرجع به على المدلس، فإن كانت هي رجع عليها، إلا بما يمكن أن يكون أقل مهر. وأما في طرف الزوج فإنه يجب المسمى أيضا، ومهر المثل إنما يجب في عقد فاسد، وقد بينا أنه صحيح. مسألة: عد قطب الدين الكيدري عيوب الرجل ثلاثة: الجب والعنة والجنون، وجعل من عيوب الزوجة كونها محدودة في الزنا، قال: وروى أصحابنا إن جنون الرجل إذا عقل معه أوقات الصلاة فلا خيار لها، ثم قال - بعد ذلك -: ومن بان أنه خصي أو خنثى فلها الخيار. وجعل للرجل الخيار لو ظهر أن المرأة خنثى، وأثبت للمرأة الخيار لو كان صحيحا ثم جب، وأوجب

(1) الوسيلة: ص 312..

[ 214 ]

مهر المثل في فسخ المرأة بعد الدخول بعيب الرجل، وكذا بفسخ الرجل بعده دون المسمى، وجعل للزوج الفسخ بالعيوب المتجددة بالمرأة بعد العقد (1). وقد تقدم البحث في هذه المسائل. مسألة: قال أبو الصلاح: فإن وطأها قبل العلم بحالها فلها ما أخذته ويرجع به على من دلسها، فإن كانت هي المدلسة نفسها لم يرجع عليها بشئ مما أخذت بعد الوطئ (2). وقال ابن إدريس: إذا كانت هي المدلسة نفسها كان له الرجوع عليها بما أعطاها مهرا (3). وفي المبسوط: إن كان الفسخ بعد الدخول فلها مهر المثل، وهل يستقر أو يرجع به على من غره ودلس عليه بالعيب؟ قولان: أحدهما: يرجع به على الغار، وهو المروي في أحاديثنا. والثاني: يستقر عليه، فإذا قيل: بالرجوع فإن كان الولي يعرف أمرها فالرجوع عليه، لأنه الغار، وإن لم يعرف كان الرجوع عليها، لأنها الغارة، وكل موضع قلنا: الرجوع عليها فبكم يرجع؟ قيل: بالكل، إلا القدر الذي يجوز أن يكون مهرا، لئلا يعرى الوطئ عن البدل، وقيل: بالكل. والأول أقوى (4). وقال ابن البراج: إذا لم يكن الولي عالما لم يلزمه شئ، فإن كان الرجل قبل دخوله بها دفع الصداق إليها كان له الرجوع عليها، وإن لم يكن دفعه إليها لم يكن عليه شئ (5).

(1) إصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 333 - 334.
(2) الكافي في الفقه: ص 295.
(3) السرائر: ج 2 ص 613.
(4) المبسوط: ج 4 ص 251 - 252.
(5) المهذب: ج 2 ص 237..

[ 215 ]

والوجه عندي ما قاله في المبسوط، لأنها الغارة، فكانت ضامنة كالاجنبي (1). وما رواه أبو عبيدة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في رجل تزوج امرأة من وليها فوجد بها عيبا بعد ما دخل بها، قال: فقال: إذا دلست العفلاء نفسها والبرصاء والمجذومة والمفضاة وما كان بها من زمانة ظاهرة فإنها ترد على أهلها من غير طلاق ويأخذ الزوج المهر من وليها الذي كان يدلسها، فإن لم يكن وليها علم بشئ من ذلك فلا شئ عليه وترد إلى أهلها. قال: وإن أصاب الزوج شيئا مما أخذت منه فهو له، وإن لم يصب شيئا فلا شئ له (2). وعن رفاعة بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - وسألته عن البرصاء، قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في امرأة زوجها وليها وهي برصاء أن لها المهر بما استحل من فرجها، وإن المهر على الذي تزوجها، وإنما صار المهر عليه لأنه دلسها، ولو أن رجلا تزوج امرأة أو زوجها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ وكان المهر يأخذه منها (3). وأما عدم الرجوع بالأقل فلئلا يخلو البضع عن عوض، والأصل فيه هو: أن الرجوع إنما هو بما فيه الغرور ولا عوض هناك، وهذا المعنى إنما يتحقق في الزائد على الأقل. أما الأقل فإنه عوض ما استوفاه من البضع، فلا يرجع به على أحد. احتج أبو الصلاح بأن الصدا ق عوض البضع وقد استوفاه.

(1) ق 2: كالخنثى.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 425 ح 1699، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 1 ج 14 ص 596.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 424 ح 1697، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العيوب والتدليس ح 2 ج 14 ص 596..

[ 216 ]

والجواب: المنع. مسألة: قال الصدوق: فإن ابتلى رجل فلم يقدر على جماع امرأته فرق بينهما إن شاءت، وروي أنه ينتظر به سنة، فإن أتاها وإلا فارقته. ثم قال - بعد ذلك -: وإذا تزوج الرجل امرأة وابتلى فلم يقدر على الجماع فارقته إن شاءت، والعنين يتربص به سنة، ثم إن شاءت زوجته تزوجت وإن شاءت أقامت (1)، لرواية أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة ابتلى زوجها فلا يقدر على الجماع أبدا أتفارقه؟ قال: نعم إن شاءت (2).

(1) المقنع: ص 103 و 105.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 431 ح 1717، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العيوب والتدليس ح 6 ج 14 ص 611..

[ 217 ]

الفصل الخامس في نكاح المتعة مسألة: يشترط في عقد المتعة ذكر المهر والأجل، فلو أخل بالأول بطل العقد إجماعا، ولو أخل بالثاني خاصة قال الشيخ: ينعقد دائما (1)، وتبعه ابن البراج (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن زهرة (4). وقال ابن إدريس: يبطل العقد (5) وهو الذي كان يفتي به والدي - رحمه الله - وهو المعتمد. لنا: إن المتعة شرطها الأجل، فإذا فات بطل العقد، لبطلان الشرط. أما المقدمة الأولى: فاجماعية. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون متعة إلا بأمرين: أجل مسمى وأجر مسمى (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 372 - 373.
(2) المهذب: ج 2 ص 241.
(3) الكافي في الفقه: ص 298.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 549 س 27.
(5) السرائر: ج 2 ص 550.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 262 ج 1132، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 465.

[ 218 ]

وعن إسماعيل بن الفضل الهاشمي في الصحيح: قال سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المتعة، فقال: مهر معلوم إلى أجل معلوم (1). وأما المقدمة الثانية: فظاهرة قضية للشرط. احتج الشيخ بأن لفظ المتعة من صيغ إيجاب العقد الدائم، وإنما يتميز المنقطع عنه بذكر الأجل، فإذا لم يذكره صرف إلى الدوام، لأصالة الصحة. وما رواه عبد الله بن بكير في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن سمي الأجل فهو متعة، وإن لم يسم الأجل فهو نكاح باب (2). والجواب: بأنه إنما يحمل على الدوام مع إرادته، والتقدير عدمها، إذ البحث أنه إذا عقد نكاحا منقطعا بلفظ عرى عن المدة فالدوام غير مقصود فلا يقع، لعدم إرادته، والمنقطع قد فات شرطه فلا يقع أيضا. والرواية محمولة على ما إذا لم يرد المنقطع وعقد بلفظ التمتع جمعا بين الأدلة. تنبيه: قال ابن إدريس: إذا لم يذكر الأجل كان النكاح دائما إذا كان الايجاب بلفظ التزويج أو النكاح، وإن كان بلفظ التمتع بطل العقد (3). والوجه عندي التسوية بين الجميع في إبطال النكاح، فإنا لم نبطل النكاح باعتبار الصيغة، بل باعتبار إخلال ذكر الشرط في المنقطع وعدم إرادة الدوام فلا يقعان معا، ولو عقد المنقطع بلفظتي النكاح أو التزويج ولم يذكر أجلا كان العقد (4) باطلا. مسألة: يشترط في الأجل التعيين، فلو ذكر مدة مجهولة بطل العقد، وبه قال

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 262 ح 1135، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 465. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 262 ح 1134، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 469.
(3) السرائر: ج 2 ص 550.
(4) م 3: ذلك..

[ 219 ]

الشيخ - رحمه الله - في الخلاف، مع أنه قال فيه: لو لم يذكر أجلا انعقد دائما (1). وكذا قال قطب الدين الكيدري (2). وفي النهاية: فإن ذكر المرة والمرتين جاز ذلك إذا أسنده إلى يوم معلوم، فإن ذكر المرة مبهمة ولم يقرنها بالوقت كان العقد دائما لا يزول إلا بالطلاق (3). والحق البطلان في الجميع كما تقدم، بل هنا أكد، لأنه ذكر أجلا، فلا يكون الدوام مرادا، بل يكون عدمه المراد باعتبار قيد الأجل، والمنقطع غير صحيح، لجهالة مدة الانتفاع. احتج المجوزون بأنه أجل مجهول فبطل فساوى غير المذكور. والجواب: المنع من المساواة. سلمنا، لكن نمنع الحكم في الأصل بما تقدم. تذنيب: لا يشترط في الأجل قدرا معينا، بل يجوز إلى شهر وسنة وأقل وأكثر، بشرط أن يكون معينا محروسا من الزيادة والنقصان. هذا هو المشهور. وقال ابن حمزة: وقدر المدة من طلوع الشمس إلى نصف النهار وإلى سنين متطاولة (4). فإن قصد تمثيل الأجل المعلوم من غير حصر أقله فيه كان حقا، وإن قصد بيان الأقل فهو في موضع المنع. مسألة: اختلف علماؤنا في تسويغ التمتع بالكتابية. قال المفيد - رحمه الله -: نكاح الكافرة محرم، سواء اليهود والنصارى والمجوس، وأطلق النكاح، مع أنه قسمه أولا: إلى نكاح المتعة والدائم وملك

(1) الخلاف: ج 2 ص 340 المسألة 119.
(2) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 336.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 378 - 379.
(4) الوسيلة: ص 310..

[ 220 ]

اليمين (1). ومقتضى هذا تحريم الجميع. وقال الصدوق في المقنع: ولا يتزوج اليهودية والنصرانية على حرة متعة وغير متعة (2). وروي هذا اللفظ في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - ثم روي عن الحسن التفليسي، عن الرضا - عليه السلام - إنه سأله يتمتع الرجل من اليهودية والنصرانية؟ قال: يتمتع (3). وسوغ الشيخ في النهاية التمتع باليهودية والنصرانية حالة الاختيار، وجعل التمتع بالمجوسية مكروها لا محرما (4). وقال أبو الصلاح: يجوز التمتع باليهودية والنصرانية دون من عداهما من ضروب الكفار (5). ومقتضاه تحريم المجوسية. وقال سلار: يجوز نكاح الكتابيات متعة (6). وقال ابن إدريس: لا بأس أن يعقد على اليهودية والنصرانية هذا النكاح في حال الاختيار، فأما من عدا هذين الجنسين من سائر أصناف الكفار - سواء كانت مجوسية أو غيرها كافرة أصل أو مرتدة أو كافرة ملة - فلا يجوز العقد عليها ولا وطأها حتى تتوب من كفرها، وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: يكره التمتع بالمجوسية، وليس ذلك بمحظور، وهذا خبر أورده إيرادا لا اعتقادا، لأن إجماع أصحابنا بخلافه. وشيخنا المفيد في مقنعته يقول: لا يجوز العقد على المجوسية،

(1) المقنعة: ص 497 و 500.
(2) المقنع: ص 113.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 460 ح 4589، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 6 ج 14 ص 462.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 375.
(5) الكافي في الفقه: ص 299.
(6) المراسم: ص 155..

[ 221 ]

وقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) وقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وهذا عام، وخصصنا اليهودية والنصرانية بدليل الاجماع، وبقي الباقي على عمومه. ورجع شيخنا عما ذكره في نهايته في تبيانه. وبعض أصحابنا يحظر العقد على اليهودية والنصرانية، سواء كان العقد مؤجلا أو دائما، وهو الأظهر عندي، لعموم الايتين، فمن خصصهما يحتاج إلى دليل من إجماع أو تواتر، وكلاهما غير موجودين (1). وهذا يدل على اضطرابه وعدم وقوفه على حكم معين. والمعتمد ما قاله في النهاية. لنا: الأصل. وما رواه زرارة قال: سمعته - عليه السلام - يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة (2). وعن محمد بن سنان، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، فقال: لا بأس، فقلت: فمجوسية؟ فقال: لا بأس به - يعني: متعة - (3). وعن منصور الصيقل، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 620 - 621.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1103، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة: ح 3 ج 14 ص 462.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1105، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 4 ج 14 ص 462.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1106، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 5 ج 14 ص 462..

[ 222 ]

وعن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - مثله (1). احتج المانعون بما رواه إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألته - عليه السلام - عن الرجل يتمتع من اليهودية والنصرانية؟ قال: لا أرى بذلك بأسا، قلت: المجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا (2). والجواب: المنع من صحة السنة والاسناد إلى إمام والحمل على الكراهية جمعا بين الأدلة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا بأس أن يتمتع الرجل بأمة غيره بإذنه، فإن كان الأمة لامرأة جاز له التمتع بها من غير إذنها، والأفضل ألا يتمتع بها إلا بإذنها (3). وقال ابن البراج في كتابيه معا: يجوز العقد على الأمة بإذن سيدها، وقد ذكر جواز العقد على أمة امرأة وإن لم تأذن سيدتها في ذلك، والأحوط خلاف ذلك (4). وقال ابن إدريس: لا يجوز له نكاحها ولا العقد عليها إلا بإذن مولاتها بغير خلاف، إلا رواية شاذة رواها سيف بن عميرة، أورده شيخنا في نهايته. ورجع عنها في جواب المسائل الحائريات، وقد سئل الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان - رحمه الله - في جملة المسائل التي سأله عنها محمد بن محمد بن الرملي

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1107، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ذيل الحديث 5 ج 14 ص 462.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1104، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 461.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 376. (4) المهذب: ج 2 ص 241 - 242..

[ 223 ]

الحائري عن الرجل يتمتع بجارية غيره بغير علم منه هل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب: لا يجوز له ذلك، وإن فعله كان عاصيا آثما ووجب عليه بذلك الحد، وقد ظن قوم لا بصيرة لهم ممن يعتزى إلى الشيعة ويميل إلى الامامية أن ذلك جائز، لحديث رووه: (أنه لا بأس أن يستمتع الرجل من جارية امرأة بغير إذنها) وهذا حديث شاذ، والوجه أنه يطأها بعد العقد عليها بغير إذنها من غير أن يستأذنها في الوطئ لموضع الاستبراء، فأما جارية الرجل فلم يأت فيه بحديث، ومن جوزه فقد خالف حكم الشرع وفارق الحق، وقال: ما يرده عليه كافة العلماء ويضلله جماعة الفقهاء. قال محمد بن إدريس: فانظر أرشدك الله إلى فتوى هذا الشيخ المجمع على رئاسته ومعرفته و فضله، وقد رجع إلى حديث يخالف الكتاب والسنة واجماع الأمة، فكيف يجعل ما يورد ويوجد في سواد الكتب دليلا ويفتي به من غير حجة تعضده؟ وهل هذا إلا تغفيل من قائله (1)؟ والوجه ما قاله الشيخ المفيد - رحمه الله -. لنا: قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) (2). وما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح قال: سألت الرضا - عليه السلام - يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم: إن الله عز وجل يقول: (فانكحوهن بإذن أهلهن) (3). وفي الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا - عليه السلام - هل يجوز للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حرة؟

(1) السرائر: ج 2 ص 621 - 622.
(2) النساء: 25.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 257 ح 1109، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 464..

[ 224 ]

فقال: نعم إذا كان بإذن أهلها إذا رضيت الحرة، قلت: فإن أذنت له الحرة يتمتع منها؟ قال: نعم (1). والأهل عام في الرجال والنساء. ولأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه فيكون محرما. احتج الشيخ بما رواه سيف بن عميرة، عن علي بن المغيرة في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يتمتع بأمة امرأة بغير إذنها؟ قال: لا بأس به (2). وفي الصحيح عن سيف بن عميرة، عن داود بن فرقد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج بأمة امرأة بغير إذن مواليها؟ فقال: إن كانت لامرأة فنعم، وإن كانت لرجل فلا (3). وفي الصحيح عن سيف بن عميرة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بأن يتمتع الرجل بأمة المرأة، فأما أمة الرجل فلا يتمتع بها إلا بأمره (4). والشيخ جعل هذه الأخبار الثلاثة دالة على دعواه في التهذيب (5). وقال في الاستبصار - بعد أن صدر الباب بالأخبار الدالة على أنه لا يجوز نكاح الأمة إلا بإذن الموالي -: فأما ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 257 ح 1111، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 464.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 257 ح 1113، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 463.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 258 ح 1114، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 463.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 258 ح 1115، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 463.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 257 ذيل الحديث 1112..

[ 225 ]

بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن علي بن المغيرة، ثم ذكر هذه الأخبار الثلاثة، ثم قال: لا تنافي بين هذه الأخبار والأخبار الأولة، لأن الأصل في هذه الأخبار واحد وهو: سيف بن عميرة. فتارة يرويه عن علي بن المغيرة، عن الصادق - عليه السلام - وتارة عن داود بن فرقد، وتارة عن الصادق - عليه السلام - بغير واسطة. ومع ذلك فالأخبار الأولة مطابقة لقوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) وهو عام في النساء والرجال. وهذه الأخبار مخالفة لتلك، فينبغي أن يكون العمل بها، ويمكن مع تسليمها أن تخص الأخبار الأولة بهذه الأخبار، فنحمل هذه الأخبار على جواز تلك في عقد المتعة دون الدوام، والأخبار الأولة نخصها بذلك، لئلا تتناقض الأخبار (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى عقد عليها شهرا ولم يذكر الشهر بعينه ومضى عليها شهر ثم طالبها بعد ذلك بما عقد عليها لم يكن له عليها سبيل (2). وقال ابن إدريس: الصحيح ترك هذه الرواية، لأن هذا أجل مجهول، إلا أن يقول: شهرا من هذا الوقت فيصح، لأنه معلوم (3). والتحقيق أن نقول: إن شرط شهرا من جملة الشهور من غير تعيين كان العقد باطلا، وإن شرط معينا تعين، وإن أطلق فالأقرب انصرافه إلى المعجل، عملا بالعرف. وكما لو أجله إلى الخميس أو إلى ربيع فإنه يحمل على الأقرب قضية للعرف. وقول الشيخ - رحمه الله - صحيح لا يرد عليه ما قاله ابن إدريس، لأنه قال: (إذا عقد عليها شهرا ولم يذكر الشهر بعينه ومضى عليها شهر ثم طالبها بعد ذلك بما عقد عليها لم يكن له عليها سبيل) وهو حق، وإن كان الظاهر ما

(1) الاستبصار: ج 3 ص 219 - 220 ح 795 و 796 و 797 وذيله.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 379.
(3) السرائر: ج 2 ص 623..

[ 226 ]

حمله ابن إدريس عليه. قال الشيخ في التهذيب: ومتى تمتع بالمرأة شهرا غير معين كان العقد باطلا، لما رواه بكار بن كردم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يلقى المرأة فيقول لها: زوجيني نفسك شهرا ولا يسم الشهر بعينه ثم يمضي فيلقاها بعد سنين، قال: فقال: له شهره إن كان سماه، وإن لم يكن سماه فلا سبيل له عليها (1). وهذا الكلام كما أنه يحتمل نفي السبيل لبطلان العقد يحتمل نفيه، لخروج المدة، ويكون المطلق حينئذ محمولا على المتصل بالعقد. مسألة: اختلف علماؤنا في التوارث بهذا العقد. فقال ابن أبي عقيل: نكاح المتعة: أن يتزوج الرجل المرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى على ألا ميراث بينهما ولا نفقة لها، ثم قال - بعد كلام طويل -: وإذا خلا الرجل بالمرأة فقال لها: أتزوجك متعة إلى أجل معلوم بكذا من الأجر ويذكر شرط الميراث، فإن لم يشترط ألا ميراث بينهما فمات أحدهما قبل صاحبه ورثه الآخر، وقد روي ألا ميراث بينهما اشتراطا أو لم يشترطا. وقال المفيد: ولا يجب به ميراث (2). وقال السيد المرتضى في الانتصار - في جواب استدلال الجمهور على التحريم بأنها -: لو كانت زوجة لورثت لكنها لا ترث ولا تورث، والله تعالى يقول: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم) فقال: ليس فقد الميراث علامة على فقد الزوجية، لأن الزوجة الذمية والقاتلة لا يرثن ولا يورثن وهن زوجات، على أن من مذهبنا إن الميراث قد ثبت بالمتعة إذا لم يحصل شرط

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 266 - 267 ذيل الحديث 1149 - وح 1150. (2) المقنعة: ص 498..

[ 227 ]

في أصل العقد بانتفائه، ونستثني المتمتع بها مع شرط نفي الميراث من ظواهر آيات الميراث، كما استثنيتم الذمية والقاتلة (1). وقال الصدوق في المقنع: ولا ميراث بينهما إذا مات واحد منهما في ذلك الأجل (2). وقال الشيخ في النهاية: وليس في نكاح المتعة توارث، شرط نفي التوارث أو لم يشترط، اللهم إلا أن يشترط بينهما التوارث، فإن شرط ذلك ثبت بينهما الموارثة، وإنما لا يحتاج نفي التوارث إلى شرط (3). وقال ابن البراج في الكامل والمهذب معا: الواجب من الشروط تعيين الأجل والأجر، والمستحب غير الواجب سؤالها هل لها زوج أو لا، وأن يضع الماء حيث شاء، وألا نفقة ولا سكنى، وإن عليها العدة، وأما نفي التوارث فلا يثبت بينهما ولو اشترطه. ثم قال: وقد ذكرنا إن نفي التوارث لا يصح اشتراطه، وأما إن اشترط التوارث ثبت ذلك بينهما (4). وقال أبو الصلاح: ولا توارث بينهما وإن شرط ذلك (5). وقال ابن حمزة: ولا يثبت بهذا العقد النفقة والتوارث إلا بالشرط (6). وكذا قال الكيدري (7). وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في توارث نكاح المؤجل فقال قوم منهم: ترث وتورث إذا لم يشترطا نفي التوارث، مثل نكاح الدوام. وقال آخرون منهم: لا ترث ولا تورث إلا أن يشترطا التوارث، فإن شرطا ذلك توارثا. وقال الباقون المحصلون: لا توارث في هذا النكاح، شرطا التوارث أو لم يشترطا،

(1) الانتصار: ص 114.
(2) المقنع: ص 114.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 381.
(4) المهذب: ج 2 ص 240 وص 243.
(5) الكافي في الفقه: ص 298. (6) الوسيلة ص 309.
(7) اصباح الشيعة (الينابيع الفقهية) ج 18 ص 337..

[ 228 ]

لأنهما إن شرطا كان الشرط باطلا، لأنه شرط يخالف السنة. قال: وهذا الذي أفتي به وأعمل عليه، لأن التوارث حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وقد أجمعنا على تخصيص عموم آيات مواريث الازواج في النكاح الدائم، واختلف أصحابنا في توريث الازواج في النكاح المؤجل، والأصل براءة الذمة (1). والوجه ما قاله أبو الصلاح، وهو اختيار ابن إدريس. لنا: إن المقتضي لعدم التوارث ثابت، والمعارض لا يصلح للمانعية. أما المقتضي فلأن الأصل عدمه. وأما عدم المعارض فلأنه ليس إلا سبب الزوجية لانتفاء غيره قطعا، إذ التقدير ذلك، وهي منتفية هنا، لأن الزوجية التي هي سبب الزوجية المقرونة بالدوام، إذ لو كان مطلق الزوجية مقتضيا للتوارث لما انتفى الميراث هنا باشتراط نفيه، والتالي باطل إجماعا فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة كاشتراط نفي الميراث في الزوجية في الدائم. وما رواه سعيد بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة متعة ولم يشترط الميراث، قال: ليس بينهما ميراث اشتراط أو لم يشترط (2). وعن جميل بن صالح، عن عبد الله بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المتعة، فقال: حلال من الله ورسوله، قلت: فما حدها؟ قال: من حدودها ألا ترثك ولا ترثها (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 623 - 624.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 264 - 265 ح 1141، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب المتعة ح 7 ج 14 ص 487.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 265 ح 1143، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب المتعة ح 8 ج 14 ص 487..

[ 229 ]

احتج الشيخ بما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الحسن، عن الرضا - عليه السلام - قال: تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث إن اشترطت الميراث كان، وإن لم تشترط لم يكن (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال: - وإن اشترطت الميراث فهما على شرطهما (2). ولأنه شرط سائغ فيصح كغيره. احتج السيد المرتضى بالاية (3)، فإن الزوجية تصدق عليهما. وما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: سمعته يقول في الرجل يتزوج المرأة متعة: إنهما يتوارثان إذا لم يشترطا، وإنما الشرط بعد النكاح (4). قال الشيخ: المراد بهذا الخبر إذا لم يشترطا الأجل فإنهما يتوارثان دون أن يكون المراد به شرط الميراث (5). مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يقع بالمتمتع بها لعان ولا إيلاء (6). وقال السيد المرتضى في الانتصار - في جواب المخالف لما استدل على أن المتمتع بها لو كانت زوجة لوقع بها اللعان والظهار -: إنهما يقعان بها (7).

تهذيب الأحكام: ج 7 ص 264 ح 1139، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 485، وفي التهذيب: (إن اشترط).
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 264 ح 1140، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب المتعة ح 5 ج 14 ص 486، وفيه (وإن اشترطا).
(3) الانتصار: ص 114.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 265 ح 1144، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 486.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 265 ذيل الحديث 1144.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 455 و 468.
(7) الانتصار: ص 115..

[ 230 ]

وقال أبو الصلاح: ولا يقع بينهما إيلاء ولا طلاق، ولا يصح بينهما لعان ويصح الظهار (1). وقال ابن إدريس: ولا يصح بينها وبين الزوج لعان، ويصح الظهار منها عند بعض أصحابنا، وكذلك اللعان عند السيد المرتضى، والأظهر أنه لا يصح ذلك بينهما (2). وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: المشهور أنه لا ينحصر عدد المتعة، فله أن يزيد على أربع على كراهية، ونقله ابن إدريس إجماعا (3). وقال ابن البراج في كتابيه معا: ولا يجوز للمتزوج متعة أن يزيد على أربع من النساء، وقد ذكر أن له أن يتزوج ما شاء، والأحوط ما ذكرناه (4). لنا: الأصل. وما رواه زرارة في الصحيح قال: قلت: ما يحل من المتعة؟ قال: كم شئت (5). وعن أبي بصير قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن المتعة أهي من الأربع؟ فقال: لا، ولا من السبعين (6). وعن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: ذكر له المتعة أهي من الأربع؟ قال: يتزوج منهن ألفا فإنهن مستأجرات (7).

(1) الكافي في الفقه: ص 298.
(2) السرائر: ج 2 ص 624.
(3) السرائر: ج 2 ص 624.
(4) المهذب: ج 2 ص 243.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 258 ح 1118، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 446.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 258 ح 1119، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 7 ج 14 ص 447.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 258 - 259 ح 1120، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 446..

[ 231 ]

احتج ابن البراج بعموم: مثنى وثلاث ورباع. وبما رواه عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - عن المتعة، قال: هي أحد الأربعة (1). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال سألته عن الرجل يكون عنده المرأة أيحل له أن يتزوج باختها متعة؟ قال: لا، قلت: حكى زرارة، عن أبي جعفر - عليه السلام - إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء؟ قال: لا، هي من الأربع (2). قال الشيخ: إنهما وردا احتياطا لا حظرا، لما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال: قال أبو جعفر - عليه السلام - اجعلوهن من الأربع، فقال له صفوان بن يحيى: على الاحتياط؟ قال: نعم (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: عدة المتمتعة إذا انقضى أجلها أو وهب لها زوجها أيامها حيضتان، أو خمسة وأربعون يوما إذا كانت لا تحيض وفي سنها من تحيض (4). وتبعه ابن البراج (5) في كتابيه معا، وسلار (6). وكذا قال أبو الصلاح (7) وابن حمزة، إلا أنهما جعلا عوض

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 259 ح 1122، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 10 ج 14 ص 448.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 258 ح 1123، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المتعة ح 11 ج 14 ص 448.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 259 ذيل الحديث 1122 وح 1123.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 382 - 383.
(5) المهذب: ج 2 ص 243 وص 244.
(6) المراسم: ص 166.
(7) الكافي في الفقه: ص 312.
(8) الوسيلة: ص 327..

[ 232 ]

الحيضتين قرءين. وقال المفيد: عدة المتمتع بها من الفراق قرءان، وهما طهران (1). وقال ابن إدريس: عدتها طهران للمستقيمة الحيض، وخمسة وأربعون يوما إذا كانت لا تحيض ومثلها تحيض (2). وقال الصدوق: في المقنع: وإذا انقضى أيامها وهو حي فعدتها حيضة ونصف (3). وقال ابن أبي عقيل: إن كانت ممن تحيض فحيضة مستقيمة، وإن كانت ممن لا تحيض فخمسة وأربعون يوما. والمعتمد قول المفيد. لنا: ما رواه المفضل بن صالح، عن ليث بن البختري المرادي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: كم تعتد الأمة من ماء العبد؟ قال: حيضة (4). والاعتبار بالقرء - الذي هو الطهر - فبحيضة واحدة تحصل قرءان: القرء الذي طلقها فيه والقرء الذي بعد الحيضة، والمتمتع بها كالأمة. وما رواه عبد الله بن عمرو، عن الصادق - عليه السلام - قلت: فكم عدتها - يعني: المتمتعة؟ قال: خمسة وأربعون يوما، أو حيضة مستقيمة (5). والتقريب ما قلناه.

(1) المقنعة: ص 536.
(2) السرائر: ج 2 ص 625.
(3) المقنع: ص 114.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 135 ح 468، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب العدد ح 6 ج 15 ص 470.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 265 ح 1143، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب المتعة ح 4 ج 14، ص 473..

[ 233 ]

ولأن القرء الطهر، وعدة المتمتع بها كالأمة، وعدة الأمة قرءان، لما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - إلى أن قال: - وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان وعدتها قرءان (1). والشيخ - رحمه الله - عول على رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي - عليه السلام - قال: طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان (3). واحتج ابن بابويه بما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - عن المرأة يتزوجها الرجل متعة - إلى أن قال: - وإذا انقضت أيامها وهو حي اعتدت بحيضة ونصف مثل ما يجب على الأمة (4). والجواب: ما ذكرناه أشهر بين الأصحاب، على أن قوله: (حيضتان) معناه: أنها لا تخرج من العدة حتى تدخل في الحيضة الثانية، فكأنها معتبرة في العدة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا مات عنها زوجها قبل انقضاء أجلها كانت عدتها مثل عدة المعقود عليها عقد الدوام أربعة أشهر وعشرة أيام (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 134 ح 466، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 469.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 157 ح 545، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 484.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 135 ح 467، وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب العدد ح 5 ج 15 ص 470. (4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 464 ح 4606، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب المتعة ح 5 ج 14 ص 474.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 383..

[ 234 ]

وتبعه ابن البراج (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن إدريس (3)، وهو أيضا قول الصدوق في المقنع (4). وقال المفيد (5)، وسلار (6): عدتها شهران وخمسة أيام، وهو أيضا قول ابن أبي عقيل. والسيد المرتضى لما أجاب عن حجة الجمهور - على أن المتمتع بها ليست زوجة، بأنها لو كانت زوجة لوجب أن تعتد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشرة أيام، لقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) - قال: فأما ما ذكروه من الاعتداد فهم يخصون الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، لأن الأمة عندهم زوجة، وعدتها شهران وخمسة أيام، وإذا جاز تخصيص ذلك بالدليل خصصنا المستمتع بها بمثله (7). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: عموم قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) (8). وما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المرأة يتزوجها الرجل متعة ثم يتوفى عنها (زوجها) هل عليها العدة؟ فقال: تعتد أربعة أشهر وعشرا... الحديث (9). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته ما عدة المتمتعة إذا مات عنها الذي تمتع بها؟ قال: أربعة أشهر وعشرا، قال: ثم قال: يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة على أي

(1) المهذب: ج 2 ص 244.
(2) الكافي في الفقه: ص 313.
(3) السرائر: ج 2 ص 625.
(4) المقنع: ص 114.
(5) المقنعة: ص 536.
(6) المراسم: ص 165 (7) الانتصار: ص 114.
(8) البقرة: 234.
(9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 157 ح 544، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 484..

[ 235 ]

وجه كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا، وعدة المطلقة ثلاثة أشهر، والأمة المطلقة عليها نصف ما على الحرة، و كذلك المتمتعة عليها مثل ما على الأمة (1). ولأنه أحوط. احتج المفيد بما رواه علي بن عبد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، عن أبيه، عن رجل، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدتها؟ قال: خمسة وستون يوما (2). ولأنها كالأمة في الحياة فكذا في الموت. والجواب: إنه منقطع، وأخبارنا متصلة. قال الشيخ: ويحتمل أن يكون المراد به إذا كانت الزوجة أمة قوم يتمتع بها الرجل بإذنهم فعدتها عدة الإماء خمسة وستون يوما إذا لم تكن أمهات أولاد (3). ونمنع المساواة، وثبوت الحكم، للأصل. تذنيب: قول الشيخ هنا يعطي إن عدة الأمة المستمتع بها شهران وخمسة أيام. وابن إدريس قال: عدتها - يعني: المستمتع بها - أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حرة أو أمة (4). وحديث زرارة، عن الباقر - عليه السلام - يدل عليه، ولا يخلو من قوة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: كل شرط يشترطه الرجل على المرأة أنما يكون

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 157 ح 545، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 484.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 158 ح 547، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب العدد ح 4 ج 15 ص 485.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 158 ذيل الحديث 547. (4) السرائر: ج 2 ص 625.

[ 236 ]

له تأثير بعد ذكر العقد، فإن ذكر الشروط وذكر بعدها العقد كانت الشروط التي قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها، فإن كررها بعد العقد ثبت على ما شرط (1). وقال ابن إدريس: لا شرط يجب ذكره ويلزمه إلا شرطان: ذكر الأجل المحروس من الزيادة والنقصان، والمهر المعلوم بالكيل أو الوزن أو المشاهدة، وما عداهما من الشروط لا يلزم ولا تأثير له في صحة هذا النكاح، وأيضا فالمؤثر إنما يؤثر إذا قارن وصاحب فكيف يؤثر المذكور بعد العقد؟! فكان الأولى إن كانت الشروط مؤثرة ولازمة أن يكون ما يلزم منها مصاحبا للعقد لا متقدما عليه ولا متأخرا عنه (2). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه عبد الله بن بكير في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، وما كان بعد النكاح فهو جائز (3). إذا ثبت هذا فالبحث مع ابن إدريس يقع في مقامين: الأول: حصر الشرط اللازم في أمرين: الأجل والمهر، وهو ممنوع، فإن شرط الميراث عند الشيخ يثبته ويلزمه على ما سبق. الثاني: حمل كلام الشيخ على ظاهرة، وهو ممنوع، فإن الشرط السابق كما لا يلزم لتجرده من العقد كذلك المتأخر لا يلزم لوقوعه بعد لزومه فلا يلحق، وإنما المراد المتخلل بين الايجاب والقبول، لما رواه بكير بن أعين، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت بها وأوجبت التزويج فاردد عليها شرطك الأول بعد النكاح فإن أجازته جاز، وإن لم تجزه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 383 - 384.
(2) السرائر: ج 2 ص 626.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 262 ح 1133، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 468 - 469..

[ 237 ]

فلا يجوز عليها عليها ما كان من الشروط قبل النكاح (1). فقوله - عليه السلام -: (فإن أجازته) يشير إلى القبول المتأخر عن الشروط المذكورة بعد الايجاب. وسمى الشيخ الايجاب ب (العقد)، لأنه أقوى وأسبق، فكان الحكم له غالبا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس أن يتمتع الرجل بالفاجرة، إلا أنه يمنعها بعد العقد من الفجور (2). والمشهور الكراهية. وقال الصدوق في المقنع: واعلم أن من تمتع بزانية فهو زان، لأن الله تعالى يقول: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (3). وقال ابن البراج: ولا يعقد متعة على فاجرة، إلا أن يمنعها من الفجور، فإن لم تمتنع من الفجور فلا يعقد عليها (4). والوجه الكراهة كالدائم، عملا بالأصل. وما رواه زرارة قال: سأله عمار وأنا عنده عن الرجل يتزوج الفاجرة متعة؟ قال: لا بأس، وإن كان التزويج الآخر فليحصن بابه (5). وعن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: نساء أهل المدينة، قال: فواسق، قلت: فأتزوج منهن؟ قال: نعم (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 264 ح 1138، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 468.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 375.
(3) المقنع: ص 113.
(4) المهذب: ج 2 ص 241.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 253 ح 1090، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 455.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 253 ح 1091، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 455..

[ 238 ]

احتج الصدوق بما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح، عن الرضا عليه السلام - إلى أن قال: - فإن اتهمها؟ قال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مأمونة، إن الله يقول: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (1). والجواب: إنه يدل على الكراهية، والآية متأولة بأن النكاح يريد به الوطء مطلقا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن كانت بالغا أو قد بلغت حد البلوغ - وهو تسع سنين إلى عشر - جاز له العقد عليها من غير إذن أبيها، إلا أنه لا يجوز له أن يفضي إليها، والأفضل ألا يتزوجها إلا بإذن أبيها على كل حال (2). وقال ابن البراج: وإن كان لها أب جاز العقد عليها بإذنه، والأحوط ألا يعقد عليها إذا لم يأذن في ذلك (3). وقال أبو الصلاح: لا يجوز التمتع بالبكر إلا بإذن أبيها (4). وقال الصدوق: ولا يتمتع بذوات الآباء من الابكار إلا بإذن آبائهن (5). والوجه الجواز، وهو قول ابن إدريس (6). لنا: إنها بالغة يجوز العقد عليها دائما فيجوز منقطعا، لأنه أحد النكاحين. وما رواه سعدان بن مسلم، عن رجل، عن الصادق - عليه السلام - قال:

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 459 - 460 ح 4587، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب المتعة ح ج 14 ص 451.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 375 - 376.
(3) المهذب: ج 2 ص 241.
(4) الكافي في الفقه: ص 299.
(5) المقنع: ص 113.
(6) السرائر: ج 2 ص 621..

[ 239 ]

لا بأس بتزويج البكر إذا رضيت من غير إذن أبيها (1). احتج المانع بما رواه أبو مريم، عن الصادق - عليه السلام - قال: العذراء التي لها أب لا تتزوج متعة إلا بإذن أبيها (2). والجواب: إنه محمول على الكراهية، لما رواه حفص بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يتزوج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها (3). وأما الافضاء فإنه مكروه جدا، لما رواه أبو سعيد القماط، عمن رواه، عن الصادق - عليه السلام - قال: واتق موضع الفرج (4). ولأن فيه عارا، فلهذا كره. مسألة: المشهور أن المهر لا يتقدر قلة ولا كثرة، بل ما تراضيا عليه مما يصح تملكه. وقال الصدوق: وأدنى ما يجزئ في المتعة درهم فما فوقه، وروي كفا من بر (5). لنا: الأصل. وما رواه محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته كم المهر

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 254 ح 1095، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 8 ج 14 ص 459.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 255 ح 1098، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 12 ج 14 ص 459. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 255 ح 1101، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 10 ج 14 ص 459.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 254 ح 1096، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المتعة ح 7 ج 14 ص 458.
(5) المقنع: ص 113 - 114، وفيه: (وروي كفين من بر)..

[ 240 ]

- يعني: في المتعة -؟ قال: ما تراضيا عليه إلى ما شاء من الأجل (1). ورواية سعيد الاحول، عن الصادق - عليه السلام - وقد سأله عن أدنى ما يتزوج به المتعة؟ قال: كف من بر (2). وروى أبو بصير في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن متعة النساء، قال: حلال، فإنه يجزئ الدرهم فما فوقه (3). والتقدير في هذين للاغلب، لا أنه شرط. مسألة: قال الصدوق: ولا تتزوج اليهودية والنصرانية على حرة متعة وغير متعة (4). والوجه الكراهية، لما رواه زرارة قال: سمعته - عليه السلام - يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة (5). وعن الحسن بن علي بن فضال، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة (6). احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يتزوج اليهودية

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 260 ح 1126، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 471.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 260 ح 1124، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 471.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 260 ح 1125، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 470.
(4) المقنع: ص 113.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1104، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 3 ج 14 ص 462.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 256 ح 1103، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 2 ج 14 ص 462..

[ 241 ]

ولا النصرانية على حرة متعة وغير متعة (1). وما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن نكاح اليهودية والنصرانية، قال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية ولا نصرانية، إنما يحل منهن البله (3). وهو محمول على الاستحباب والنكاح الدائم. مسألة: يجوز للرجل بعد انقضاء أجل المتعة التزويج بأختها وإن لم تنقض عدتها، على الأشهر بين علمائنا. وقال الصدوق: فإذا انقضى أجلها فهي فرقة بغير طلاق، فإذا أحببت أن تتزوج أختها فلا تحل لك حتى تنقضي عدتها (3). وتبعه الكيدري (4). لنا: إنها فرقة بائن، فأشبهت المطلقة ثلاثا وغيرها من البوائن، ولا تحل له حتى يعقد عليها عقدا مستأنفا، فساغ التزويج بالاخت، كالنكاح الدائم. احتج الصدوق بما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن علي بن أبي حمزة قال: قرأت في كتاب رجل إلى أبي الحسن - عليه السلام - رجل تزوج بامرأة متعة إلى أجل مسمى فإذا انقضى الأجل بينهما هل يحل له أن يتزوج بأختها؟ فقال: لا حتى تنقضي عدتها (5). والجواب: السند ضعيف، وأيضا هو مكاتبة فازداد ضعفا. مسألة: قال الصدوق في المقنع: وإذا مكثت عنده أياما فعليها أن تحد، وأن

(1) الفقيه: ج 3 ص 460 ح 4588، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب المتعة ح 7 ج 14 ص 462.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 299 ح 1249، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر... ح 1 ج 14 ص 414.
(3) المقنع: ص 114.
(4) إصباح الشيعة (الينابيع الفقهية): ج 18 ص 337.
(5) الفقيه: ج 3 ص 463 ح 4603، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 370..

[ 242 ]

كانت عنده أو يومين أو ساعة من النهار فتعتد ولا تحد (1). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - إلى أن قال - قلت: أفتحد؟ قال: نعم إن مكثت عنده أياما فعليها العدة وتحد، وإذا مكثت عنده يوما أو يومين أو ساعة من النهار فقد وجبت العدة ولا تحد (2). ورواه الشيخ في الاستبصار في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - (3). وفي التفصيل إشكال. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن بان بعد الدخول بها أن لها زوجا كان لها ما أخذت منه، ولا يلزمه أن يعطيها ما بقي عليه (4). والتحقيق أن نقول: إن كانت عالمة بأن لها زوجا لم يكن لها مهر ووجب عليها دفع ما أخذت منه، وإن كانت جاهلة كان لها الباقي عليه. واحتج الشيخ بما رواه حفص بن البختري في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا بقي عليه شئ من المهر وعلم أن لها زوجا فما أخذته فلها بما استحل من فرجها، ويحبس عنها ما بقي عنده (5). والجواب: إنه محمول على الجهل، ويحمل قوله - عليه السلام -: (ويحبس عنها ما بقي عنده) على ما إذا ما كان قد بقي عليها من الأيام بقدره. وقد نبه على ذلك ابن حمزة حيث قال: وإن ظهر أنها ذات زوج فارقها

(1) المقنع: ص 114.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 464 - 465 ح 4606، وليس فيه: (إن مكثت... وتحد).
(3) الاستبصار: ج 3 ص 350 ح 1251، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 484.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 378.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 261 ح 1128، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 482..

[ 243 ]

واسترد المهر منها بحسب ما بقي من الأيام (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اشترط الرجل في حال العقد ألا يطأها في فرجها لم يكن له وطؤها فيه، فإن رضيت بعد العقد بذلك كان ذلك جائزا (2). وجعله ابن حمزة وابن البراج وابن إدريس (3) رواية. والشيخ عول على رواية عمار بن مروان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: رجل جاء إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلمس مني ما شئت من نظر أو التماس وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلا أنك لا تدخل فرجك في فرجي وتتلذذ بما شئت فإني أخاف الفضيحة، قال: لا بأس، ليس له إلا ما اشترط (4). والجواب: نحن نقول بموجب الرواية، وإنها لو شرطت عليه عدم الاتيان في الفرج لزم، ونمنع تسويغه بعد ذلك بالإذن. مسألة: قال ابن البراج إذا اختلف الزوجان بعد اتفاقهما على العقد فادعى أحدهما أنه متعة كان على مدعي المتعة البينة وعلى المنكر اليمين، لأن الزوج إن ادعى المتعة كان مدعيا لما يسقط عنه حقوقا من نفقة وميراث وغير ذلك، وإن ادعت المرأة ذلك كانت مدعية لما تملك نفسها معه بغير طلاق أو ما أشبهه (5). والمعتمد أن نقول: إن كان اهمال الأجل يقتضي الدوام فالقول قول

(1) الوسيلة: ص 311.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 383.
(3) السرائر: ج 2 ص 625 - 626، الوسيلة: 410 المهذب 2: 244.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 270 - 271 ح 1160، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 491.
(5) المهذب: ج 2 ص 244..

[ 244 ]

مدعي الدوام، لأن الآخر يدعي زيادة فالقول قول من ينكرها، وإن كان الاهمال يقتضي الابطال - كما اخترناه نحن - فالوجه أنهما يتحالفان ويفسخ (1) النكاح، لأن كلا منهما مدع فالقول قول المنكر مع يمينه. مسألة: قال أبو الصلاح (2)، وابن البراج (3): العقد أن يقول (4): متعيني نفسك بكذا وكذا مدة كذا على الشروط التي تقدمت فإذا (5) قالت: قبلت أو رضيت فالأولى أن تقول: هي: متعتك نفسي والوجه أن الايجاب قول المرأة أو وليها: متعتك نفسي أو موليتي، والقبول أن يقول الرجل: قبلت، ويجوز تقديم القبول بصيغة الماضي فيقول الرجل: تمتعت بك مدة كذا بكذا وتقول المرأة: قبلت أو متعتك، لأنه إنشاء، بخلاف ما ذكراه، وقد تقدم. مسألة: المشهور كراهة التمتع باليهودية والنصرانية، وتحريم التمتع بغير اليهودية والنصرانية والمجوسية، سواء الضرورة والاختيار. وجعل ابن حمزة التمتع باليهودية والنصرانية جائزا من غير كراهة، والكافرة غير الذمية والناصبية حراما، إلا عند الضرورة (6). والأحاديث تدل على ما ذكره في الأول. وقال ابن حمزة أيضا: إن التمتع بالبغية التي تدعو إلى نفسها حرام، وجعل التمتع بالفاجرة مكروها (7). والأقرب تساويهما في الحكم. مسألة: المشهور أنه إذا كان قد بقي من الأجل شئ لم يجز له الزيادة عليه

(1) م 3: وينفسخ.
(2) الكافي في الفقه: ص 298.
(3) المهذب: ج 2 ص 240.
(4) ق 2: المعتمد أن نقول.
(5) كذا في جميع النسخ وفي المصدر: فإذا أنهى قوله فلتقل: (قبلت ورضيت) والأولى.....
(6) الوسيلة: ص 310.
(7) الوسيلة: ص 310..

[ 245 ]

بعقد وغيره، إلا بأن يهب لها أيامها الباقية ثم يعقد عليها عقدا جديدا بمهر آخر، اختاره الشيخ (1)، وابن البراج (2)، وابن إدريس (3). وقال ابن حمزة: وإن أراد أن يزيد في الأجل جاز وزاد في المهر، وروي أنه يهب منها مدته ثم يستأنف، والأصح (4) ما ذكرناه أولا (5). والمعتمد الأول. لنا: إنها زوجة يستحق بضعها بعقد، فلا يستباح بآخر حتى ينقضي الأول. وما رواه أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيتزوجها على شهر ثم تقع في قلبه فيحب أن يكون شرطه أكثر من شهر فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الأيام قبل أن تنقضي أيامه التي شرط عليها؟ فقال: لا يجوز شرطان في شرط، قلت: فكيف يصنع؟ قال: يتصدق عليها بما بقي من الأيام ثم يستأنف شرطا جديدا (6). احتج بأصالة الجواز السالم عن معارضة شغلها بعقد غيره، وكونها مشغولة بعقده لا يمنع من العقد عليها مدة أخرى، كما لو كانت مشغولة بعدته. ولا بأس به عندي. وقال ابن أبي عقيل: لو نكح متعة إلى أيام مسماة فإن أراد أن ينكحها نكاح الدائم قبل أن تنقضي أيامه منها لم يجز له ذلك، لأنها لم تملك نفسها وهو أملك بها منها ما لم تنقض أيامها، وإذا انقضت أيامها فشاءت المرأة أن تنكحه من ساعته جاز، ولو وهب لها أيامه ثم نكحها نكاح إعلان جاز ذلك. وهو يعضد قول ابن حمزة، لأنه قيد بالاعلان.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 382.
(2) المهذب: ج 2 ص 243. (3) السرائر: ج 2 ص 625.
(4) في النسخ بدل (والأصح): وأنه لا يصح. والصواب ما أثبتناه من المصدر.
(5) الوسيلة: ص 310.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 268 ح 1153، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب المتعة ح 1 ج 14 ص 478..

[ 246 ]

الفصل السادس في نكاح الإماء والمماليك مسألة: ويستباح وطء الأمة بأمور ثلاثة: الملك ولا خلاف فيه مطلقا، والعقد، والتحليل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: يجوز للرجل الحر أن يعقد على أمة غيره إذا لم يجد طولا، ويكره له العقد عليها مع وجود الطول، فإن عقد مع وجود الطول كان العقد ماضيا، غير أنه يكون تاركا للافضل (1). وتبعه ابن حمزة (2)، وابن إدريس (3). وقال في الخلاف: لا يجوز للحر المسلم تزويج الأمة إلا بثلاثة شروط: أن تكون مسلمة أولا، ولا يجد طولا، ويخاف العنت. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تحل إلا بشرط واحد وهو: ألا تكون عنده حرة، فإن كانت تحته حرة لم يحل، وبه قال قوم من أصحابنا (4). وقال في المبسوط: لا يحل للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: عدم الطول وخوف العنت إن لم ينكحها، فالطول: السعة والفضل لنكاح الحرة: والعنت:

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 335.
(2) الوسيلة: ص 302.
(3) السرائر: ج 2 ص 547.
(4) الخلاف: ج 4 ص 313 - 314 المسألة 86..

[ 247 ]

الزنا، فإن وجد طولا لحرة مسلمة لم يجز له نكاح الأمة أصلا، وفي أصحابنا من قال: ذلك مستحب لا شرط (1). وقال ابن أبي عقيل: لا يحل للحر المسلم عند آل الرسول - عليهم السلام - أن يتزوج الأمة متعة ولا نكاح إعلان إلا عند الضرورة، وهو إذا لم يجد مهر حرة وضرت به العزبة وخاف على نفسه منها الفجور فإذا كان كذلك حل له نكاح الأمة، وإذا كان يجد السبيل إلى تزويج الحرة ولم يخش (2) على نفسه الزنا لم يجز أن يتزوج الأمة متعة ولا إعلانا، فإن تزوجها على هذه الحالة فالنكاح باطل، قال الله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات - يعني: الحرائر - فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) يعني: الإماء. ثم قال: ذلك لمن خشي العنت منكم، والعنت: الزنا، فأحل تزويج الإماء لمن لا يجد طولا أن ينكح الحرائر، وحرم نكاحهن على واجدي الطول. وقد أجاز قوم من العامة تزويج الإماء في حال الضرورة وغير الضرورة، لواجدي الطول ولغير واجدي الطول، وكفى بكتاب الله عز وجل ردا عليهم دون ما سواه. وقال ابن الجنيد: لا يحل عقد المسلم التزويج على إماء أهل الكتاب، ولا تزويج الحر بالأمة المسلمة، إلا إذا اضطر، وخشي العنت، ولا يجد الطول لنكاح حرة مهيرة مسلمة. وقال المفيد: ولا يجوز لمن وجد طولا لنكاح الحرائر أن ينكح الإماء، لأن الله تعالى اشترط في إباحة نكاحهن عدم الطول لنكاح الحرائر من النساء. ثم قال - بعد كلام طويل -: ومن تزوج أمة وهو يجد طولا لنكاح الحرائر خالف أمر

(1) المبسوط: ج 4 ص 214.
(2) ق 2: يخف..

[ 248 ]

الله عز وجل وشرطه عليه، إلا أنه لا ينفسخ بذلك نكاحه (1). وقال ابن البراج: أباح الله تعالى من تضمنت الآية بشرط عدم الطول لنكاح الحرائر، والآخر أن يخشى العنت، وذكر أن العنت الزنا. فإذا كان لانسان أمة لم يجز لغيره أن ينكحها، إلا ألا يجد الطول إلى نكاح الحرة أو يخشى العنت. فإن تزوج بأمة وهو يجد الطول إلى نكاح الحرة فقد خالف أمر الله تعالى وما شرط عليه، ولا يبطل عقده على الأمة، بل يكون العقد ماضيا (2). والمعتمد اختيار الشيخ في النهاية. لنا: أصالة الإباحة. وقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم) (3) وهو شامل للمتنازع، وقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (4) وقوله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) (5) وقوله تعالى: (ولامة مؤمنة خير من مشركة) (6). وما رواه ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا ينبغي أن يتزوج الرجل المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عز وجل: (ومن لم يستطع منكم طولا) والطول: المهر، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة وأقل (7). احتج الاخرون بقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح

(1) المقنعة: ص 506. (2) المهذب: ج 2 ص 215.
(3) المؤمنون: 5 - 6.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 334 ح 1372، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 5 ج 14 ص 391 - 392 وفيهما: - أو أقل)..

[ 249 ]

المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) (1) شرط في الإباحة عدم الطول. وما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن الرجل يتزوج المملوكة؟ قال: إذا اضطر إليها فلا بأس (2). وهو يدل على ثبوت البأس مع انتفاء الاضطرار. ولأن الأصل عصمة البضع، خرج عدم الطول بالنص والاجماع والمناسبة لدفع الحاجة، فيبقى الباقي على المنع. والجواب: الآية تدل من حيث المفهوم، وهو ضعيف. وإذا عارضه المنطوق خرج عن الدلالة، على أن المعلق الأمر بالنكاح، إما إيجابا أو استحبابا. فإذا انتفى المعلق عليه انتفى الوصف الزائد على الجواز. وأيضا أنه خرج مخرج الأغلب، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه. وكذا الجواب عن الخير، والأصل معارض بالأصل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن أعتقها مولاها كانت مخيرة بين الرضاء بالعقد وبين فسخه، سواء كان زوجها حرا أو عبدا (3). وتبعه ابن البراج (4)، وهو أيضا قول المفيد (5) - رحمه الله - وقول ابن الجنيد أيضا، وقول ابن إدريس (6).

النساء: 25.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 334 ح 1371، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 6 ج 14 ص 392.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 338 - 339.
(4) المهذب: ج 2 ص 216.
(5) المقنعة: ص 506. (6) السرائر: ج 2 ص 596..

[ 250 ]

وقال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا أعتقت الأمة تحت حر فالظاهر من روايات أصحابنا أن لها الخيار، وروي في بعض أخبارنا أنه ليس لها الخيار. واستدل على الأول بأخبار أصحابنا ورواياتهم، وروى إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خير رسول الله - صلى الله عليه وآله - بريرة وكان زوجها حرا، وهذا نص، وقد روى مثل ذلك أصحابنا، والرواية الأخرى رواها أصحابنا إن زوج بريرة كان عبدا. قال والذي يقوى في نفسي أنه لا خيار لها، لأن العقد قد ثبت، ووجوب الخيار لها يحتاج إلى دليل. وروى ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود يقال له: (مغيث) كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تجري على لحيته، فقال النبي - صلى الله عليه وآله - للعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال لها النبي - صلى الله عليه وآله -: لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، فقالت: يا رسول الله أتأمرني بأمرك؟ فقال: لا إنما أنا أشفع، فقالت: لا حاجة لي فيه. قال في الخلاف: وروي عن عائشة في خبر بريرة أنه كان زوجها عبدا، وانها قالت: لو كان حرا لم يخيرها (3). والمعتمد ما قاله في النهاية. لنا: إن المقتضي للخيار مع العبودية ثابت مع الحرية، والأول ثابت إجماعا. ولما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه كان لبريرة زوج عبد فلما أعتقت قال لها النبي - عليه السلام -: اختاري (4).

(1) الخلاف: ج 4 ص 353 - 354 المسألة 134، وليس فيه رواية ابن عباس.
(2) المبسوط: ج 4 ص 257، وليس فيه رواية عائشة.
(3) الخلاف: ج 4 ص 354 المسألة 134، وفيه: (ووجود الخيار لها يحتاج).
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 341 ح 1395، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 9 ج 14 ص 561..

[ 251 ]

وبيان وجود المقتضي فيهما أنه ليس إلا ملك المرأة نفسها، فخرجت بذلك عن قهرها في النكاح، فلو لم يجعل لها الخيار لزم الاضرار بها. ولأن الحرية في الابتداء يقتضي تخيير المرأة في الازواج دون الاولياء فكذا في الأثناء، وأيضا إن ثبت الخيار للمشتري ثبت للمعتقة، والتالي كالمقدم في الثبوت. أما المقدم فللإجماع، وأما الشرطية فلأنها ملكت نفسها كما ملك المشتري، وإنما ثبت للمشتري الخيار تحقيقا للملك المقتضي للتصرف بسائر وجوهه، فكان لها الخيار تحقيقا للمساواة في العلة. وما رواه أبو الصباح الكناني في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: أيما امرأة أعتقت فأمرها بيدها، إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته (1). وهو عام، سواء كانت تحت حر أو عبد. وعن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - في رجل حر نكح أمة مملوكة ثم أعتقت قبل أن يطلقها، قال: هي أملك ببضعها (2). وعن محمد بن آدم، عن الرضا - عليه السلام - أنه قال: إذا أعتقت الأمة ولها زوج خيرت إن كانت تحت عبد أو حر (3). وعن زيد الشحام، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أعتقت الأمة ولها زوج خيرت وإن كانت تحت حر أو عبد (4)

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 341 ح 1394، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 8 ج 14 ص 561.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 342 ح 1399، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 11 ج 14 ص 561.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 342 ح 1400، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 12 ج 14 ص 561.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 342 ح 1401، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 13 ج 14 ص 561..

[ 252 ]

احتج الشيخ بأصالة صحة النكاح وثبوته. وما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه كان لبريرة زوج عبد فلما أعتقت قال لها النبي - صلى الله عليه وآله -: اختاري (1). والجواب: القول بالموجب، فإن صحة النكاح لا ينافي الخيار فيه، والروايات كلها تدل من حيث المفهوم، وهو ضعيف خصوصا وقد عورض بالمنطوق. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى عقد على أمة غيره بغير إذن مولاها كان العقد باطلا، فإن رضي المولى بذلك العقد كان رضاه به، كالعقد المستأنف يستباح به الفرج (2). وقال ابن إدريس: يكون العقد موقوفا على رضاه، فإن رضي المولى بذلك كان العقد ماضيا، وإن لم يرض انفسخ العقد. و قول شيخنا بناء على مذهب له: في أن العقد لا يقف على الاجازة، وقد بينا فساد ذلك فيما مضى. ثم قال: والذي ينبغي تحصيله في ذلك أن يكون العقد باطلا، وحينئذ سواء رضي المولى بذلك أو لم يرض، ولا يكون رضاه كالعقد المستأنف، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه (3). وهذا يدل على اضطرابه، لأنه تارة جعله موقوفا وأخرى باطلا، والحق ما قدمناه (4) نحن قبل ذلك: من أنه يقع موقوفا، فإن أجازه المولى لزم، وإلا بطل.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 341 ح 1395، وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 9 ج 14 ص 561.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 339 - 340.
(3) السرائر: ج 2 ص 596.
(4) ق 2: قد بيناه..

[ 253 ]

وقول الشيخ: (إنه باطل) يريد به أنه يؤول إلى البطلان، إذ ما يقع باطلا في نفسه لا يصح بإجازة المولى. والبحث والخلاف في هذه المسألة قد سبق فيما مضى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن عقد عليها على ظاهر الأمر بشهادة الشاهدين لها بالحرية ورزق منها أولادا كان أولادها أحرارا، وإن عقد عليها على ظاهر الحال ولم تقم عنده بينة بحريتها ثم تبين أنها كانت رقا كان أولادها رقا لمولاها، ويجب عليه أن يعطيهم إياه بالقيمة، وعلى الأب أن يعطيه قيمتهم، فإن لم يكن له مال استسعى في قيمتهم، فإن أبى كان على الإمام أن يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب ولا يسترق ولد حر، وإن كان قد أعطاها مهرا فلا سبيل عليه عليها، وكان له أن يرجع على وليها بالمهر كله، وكان عليه لمولى الجارية عشر قيمتها إن كانت بكرا، وإن لم تكن بكرا فنصف عشر قيمتها (1). وتبعه ابن البراج في كتابيه (2) معا. وقال أبو الصلاح: إذا تزوج الحر بأمة يعلم رقها والحرة بعبد تعلم عبوديته بغير إذن السيد فولدهما رق لسيد العبد أو الأمة، وإذا تزوج الحر بامرأة على أنها حرة فخرجت أمة فولدها لاحقون به في الحرية، ويرجع بقيمة الولد والصداق على من تولى أمرها، وإن كانت هي التي عقدت على نفسها لم يرجع على أحد بشئ، وكذا القول في الحرة إذا تزوجت بحر فخرج عبدا (3). وقال ابن حمزة: وإن تزوجها بغير إذن مولاها فأقسامه خمسة: الأول: دلسها أحد عليه بالحرية فيرجع بالمهر على المدلس ويكون الولد حرا ولسيدها عليه عشر قيمتها إن كانت بكرا ونصف العشر إن كانت ثيبا وأرش العيب إن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 340 - 342.
(2) المهذب: ج 2 ص 216 - 217.
(3) الكافي في الفقه: ص 296 - 297..

[ 254 ]

عابت بالولادة، وإن دلسها مولاها سقط المهر المسمى ولزم مهر المثل ورجع بالمهر على سيدها وحرر (1) الولد. الثاني: شهد شاهدان لها بالحرية فيرجع بالمهر على الشاهدين، وباقي الحكم على ما ذكرنا. الثالث: تزوجها بظاهر الحال على الحرية فيكون النسب لاحقا والولد رقا وله الرجوع عليها بالمهر، وعليه للسيد ما ذكرناه من عشر القيمة أو نصفه والأرش، ويجب على سيدها أن يبيع الولد من أبيه، ولزم الأب قيمته، فإن عجز استسعى فيها، وإن لم يسع دفع الإمام قيمته إليه من سهم الرقاب، فإن انقطع تصرفه أدى ثمنه من حساب الزكاة، فإن فقد هذه بقي الولد رقا حتى يبلغ ويسعى في فكاك رقبته. الرابع: علم الرقية ولم يعلم التحريم فيكون الولد رقا ويلزم المسمى يلتحق النسب ويضمن أرش العيب ويفرق بينهما. الخامس: أن يعلم الرق والتحريم، فيكون زانيا إن لم يرض الشيد بالعقد ويكون الولد رقا والنسب غير لاحق والمهر غير لازم والأرش مضمونا وعشر القيمة إن كانت بكرا ونصف العشر إن كانت ثيبا، وإن رضي السيد بالعقد صح النكاح (2). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن الإمام لا يعطي مولى الجارية قيمتهم من سهم الرقاب، ولا يجوز أن يشتروا من سهم الرقاب من الزكاة، لأن ذلك السهم مخصوص بالعبيد والمكاتبين، وهؤلاء غير عبيد ولا مكاتبين، بل هم أحرار في الأصل انعقدوا كذلك ما مسهم رق، وقد وصفه بأنه ولد حر فكيف يشتري الحر من سهم الرقاب؟! وإنما أثمانهم في ذمة أبيهم، لأن من حقهم أن يكونوا رقا لمولى الأم، فلما حال الأب بينه وبينهم بالحرية وجب عليه قيمتهم يوم وضعهم أحياء، وهو وقت الحيلولة (3).

(1) م 3: حر.
(2) الوسيلة: ص 303 - 404.
(3) السرائر: ج 2 ص 597 - 598.

[ 255 ]

والتحقيق أن نقول: إن شهد اثنان لها بالحرية فإن رجعا لم يلتفت إلى رجوعهما وضمنا لمولاها قيمة الجارية والولد والمهر، وإن ثبت تزويرهما نقض الحكم وكان الولد حرا، وعلى الأب دفع قيمته يوم سقط حيا، فإن عجز فالوجه الانتظار به إلى اليسار، ولا يجب الاستسعاء ولا الأخذ من بيت المال وإن كان جائزا، لكنه غير واجب، لأنه من المصالح. وكذا الحكم لو تزوجها على ظاهر الحال بالحرية من غير أن يشهد لها أحد به، لأنه مال ثبت في ذمته وهو عاجز عنه فينظر، للآية. احتج الشيخ بما رواه سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مملوكة أتت قوما وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولدا ثم إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة وأقرت الجارية بذلك، فقال: تدفع إلى مولاها هي وولدها وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم تصير إليه، قلت: فإن لم يكن لأبيه ما يأخذ ابنه به، قال: يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده، قلت: فإن أبى الأب أن يسعى في ثمن ابنه قال: فعلى الإمام أن يفديه ولا يملك ولد حر (1). والجواب: الطعن في السند، وحمل الأمر بالسعي على الاستحباب، وليس في الرواية تقييد الافتداء بسهم الرقاب مع عدم بعده، فإن المدفوع إلى المولى إنما هو عوض عن رقبة من شأنها أن تقوم وتزال يد المولى عنها فدخلت تحت الآية، فالذي استبعده ابن إدريس هنا غير بعيد على تقدير الاستسعاء. مسألة: لو تزوج العبد حرة بإذن مولاه صح النكاح، فإن باعه قال الشيخ في النهاية: كان الذي يشتريه بالخيار بين الاقرار على العقد وبين فسخه (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 1429 ص 350، وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 579.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 343..

[ 256 ]

وتبعه ابن البراج (1) في كتابيه معا، وابن حمزة (2). وقال ابن إدريس: هذه رواية شاذة، أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا، والذي تقتضيه الأدلة أن العقد ثابت، ولم يكن للمشتري الخيار، لأن قياسه على بيع الأمة باطل، لأن القياس باطل. وقد رجع شيخنا في مبسوطه فقال: وإن كان للعبد زوجة فباعه مولاه فالنكاح باق بالاجماع (3). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أن تجدد ملك المشتري إما أن يقتضي ثبوت الخيار أو لا، فإن كان الأول كان لمشتري العبد الخيار، عملا بالمقتضي. وإن كان الثاني لم يكن لمشتري الأمة الخيار، عملا بالأصل السالم عن معارضة الاقتضاء، والتالي هنا باطل بالاجماع فيبطل المقدم، فيثبت الأول. ولأنه أحد المالكين فيثبت له الخيار كالآخر. ولأن الخيار تابع للملك، ولا تأثير لخصوصية الانوثية فيه. وما رواه محمد بن علي، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: إذا تزوج المملوك حرة فللمولى أن يفرق بينهما، وإن زوجه المولى حرة فله أن يفرق بينهما (4). وليس له التفريق بالطلاق إجماعا، لأن الطلاق بيد العبد فيكون بالبيع. ولأنه لو ثبت له الخيار لو كانت الزوجة أمة ثبت له الخيار في الحرة، والمقدم حق، فالتالي مثله.

(1) المهذب: ج 2 ص 217.
(2) الوسيلة: ص 306.
(3) السرائر: ج 2 ص 598.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 339 ح 1387، وسائل الشيعة: ب 64 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 4 ج 14 ص 574..

[ 257 ]

وبيان الشرطية: المساواة بينهما، لأنه زوج في الصورتين. وبيان صدق المقدم ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: طلاق الأمة بيعها أو بيع زوجها (1). ونسبة ابن إدريس كلام الشيخ إلى القياس جهل منه، وقلة تأمل، وسوء نظر في الأدلة واستخراجها، فإنه لو فقدت النصوص لكان الحكم في العبد مساويا له في الأمة، لأن الشارع لم يفرق بينهما في مثل هذه الأحكام، كما لم يفرق بين التقويم وغيره. وقول الشيخ في المبسوط ليس رجوعا عما قاله في النهاية كما توهمه ابن إدريس، لقصور فهمه، فإنا نقول: بقاء النكاح لا ينافي الخيار للمشتري. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا زوج الرجل جاريته عبده فعليه أن يعطيها شيئا من ماله مهرا لها، وكان الفراق بينهما بيده، وليس للزوج طلاق على حال، فمتى شاء المولى أن يفرق بينهما أمره باعتزالها وأمرها باعتزاله ويقول: قد فرقت بينكما، وإن كان قد وطأها العبد استبرأها بحيضة إن كانت مستقيمة الحيض، وإن كانت مسترابة في سن من تحيض استبرأها بخمسة وأربعين يوما (2). وتبعه ابن البراج (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن حمزة (5). والمفيد - رحمه الله - بالغ فقال: وإذا زوج الرجل عبده أمته كان المهر عليه في ماله دون العبد، وينبغي له أن يعطي عبده شيئا قل أم كثر، ليكون مهرا لامته يتسلمه من العبد قبل العقد أو في حاله أو بعده، لتحل له بذلك، ومتى كان العقد من السيد بين عبده وأمته كان الفراق بينهما بيده أي وقت شاء أمرها

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 337 - 338، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 553.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 345 - 347.
(3) المهذب: ج 2 ص 218.
(4) الكافي في الفقه: ص 297.
(5) الوسيلة ص 305..

[ 258 ]

باعتزاله أو أمره باعتزالها، ولم يكن لأحدهما خلافه فيما يأمره به من ذلك، فإن خالفاه سقط خلافهما وكان تفريقه بينهما كافيا في التحريم ونائبا مناب لفظ الطلاق الموجب للافتراق (1). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه إذا زوج الرجل عبده أمته فإن السيد لا يجب عليه أن يعطيها شيئا، وأن هذا الفعال من المولى إباحة للعبد فرج جاريته دون أن يكون ذلك عقد نكاح، وإن سمي تزويجا وعقدا فعلى طريق الاستعارة والمجاز، وكذلك تفريق المولى بينهما بأمر العبد باعتزالها أو يأمرها باعتزاله سمي طلاقا مجازا، لأنه لو كان طلاقا حقيقيا لروعي فيه أحكام الطلاق وألفاظه وشروطه، ولا كان يقع إلا أن يتلفظ به الزوج، لأن الرسول - عليه السلام - قال: (الطلاق بيد من أخذ بالساق) وهذا قد وقع ممن لم يأخذ بالساق وهو المولى، وهذا أدل دليل وأصدق قيل على أن هذا العقد والفعال من المولى إباحة للعبد وطء جاريته، لأنه لو كان عقد نكاح لروعي فيه الايجاب والقبول من موجب وقابل، وكان يراعى ألفاظ ما ينعقد به النكاح ولأن العقد حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي (2). والتحقيق أن نقول: أما إعطاؤه (3) الأمة فلا شك في استحبابه، لأنها ملك له فلا تستحق به على مالكها شيئا، وأما كون ذلك إباحة ففي مقام المنع، بل هو نكاح صريح، لأن العبد والأمة كلاهما محل قابل له. ويؤيده ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في المملوك يكون لمولاه أو مولاته أمة فيريد أن يجمع بينهما أينكحه نكاحا أو يجزئه أن يقول: قد أنكحتك فلانا (4) ويعطي

(1) المقنعة: ص 507.
(2) السرائر: ج 2 ص 600 - 601.
(3) في م 3: اعطاء.
(4) في المصدر: فلانة..

[ 259 ]

من قبله شيئا أو من قبل العبد؟ قال: نعم، ولو مدا وقد رأيته يعطي الدراهم (1). وروى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل كيف ينكح عبده أمته؟ قال: يجزئه أن يقول: قد أنكحتك فلانة، ويعطيها ما شاء من قبله أو من مولاه ولا بد (2) من طعام أو درهم أو نحو ذلك، ولا بأس بأن يأذن له فيشتري من ماله إن كان له جارية أو جواري يطأهن (3). وروى الشيخ في التهذيب قريب ذلك في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - (4). لا يقال: النكاح يفتقر إلى القبول، ولا يفتقر هذا إلى القبول، فلا يكون نكاحا. لأنا نقول: القبول إنما يشترط في حق من يملكه، والعبد هنا لا يملك القبول، لأن للمولى إجباره على النكاح، فله هنا ولاية طرفي العقد. ويدل على أنه ليس إباحة ما رواه علي بن يقطين، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن المملوك يحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟ قال: لا يحل له (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 346 ح 1416، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 548.
(2) ق 2: ولو مد.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 449 ح 4553، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 548.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 346 ح 1415، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 548.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 244 ح 1062، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 536..

[ 260 ]

وأما تسمية هذا الفراق طلاقا فإنه على سبيل المجاز، لكن الاجماع منا على إن الفراق هنا بيد السيد. ويؤيده ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن قول الله عز وجل: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) قال: هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى عقد الرجل لعبده على أمة غيره جاز العقد وكان الطلاق بيد العبد، فمتى طلق جاز طلاقه، وليس لمولاه أن يطلق امرأته، فإن باعه كان ذلك فراقا بينه وبينها، إلا أن يشاء المشتري إقراره على العقد ويرضى بذلك مولى الجارية، فإن أبى واحد منهما ذلك لم يثبت العقد على حال، وكذلك لو باع مولى الجارية جاريته كان ذلك فراقا بينهما، إلا أن يشاء الذي اشتراها إقرارها إقرارها على العقد ويرضى بذلك مولى العبد، فإن أبى واحد منهما كان العقد مفسوخا (2). وتبعه ابن البراج (3). والمفيد - رحمه الله - قال: يكون للمشتري الخيار (4). ولم يذكر حكم الآخر، وكذا ابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: لا أرى لرضى الذي لم يبع وجها، لأن الخيار في إقرار العقد وفسخه للمشتري في جميع أصول هذا الباب، وإنما الشارع جعل لمن لم يحضر العقد ولا كان مالكا لأحدهما، وإنما انتقل إليه الملك الخيار، لأنه لم يرض بشئ من ذلك الفعال، لا الايجاب ولا القبول، ولا كان له حكم

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 346 ح 1417، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 550.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 348.
(3) المهذب: ج 2 ص 218 - 219.
(4) المقنعة: ص 506. (5) الوسيلة: ص 305..

[ 261 ]

فيهما. والموجب والقابل، - أعني: السيدين المالكين الأولين - رضيا وأوجبا وقبلا، فمن جعل لهما الخيار أو لأحدهما يحتاج إلى دليل، لأنه حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل، وإنما أوجبنا الخيار للمشتري لأنه انتقل الملك إليه، وليس هو واحدا (1) منهما، وإن كان المخالف لأصحابنا من العامة لا يجعل للمشتري الخيار في فسخ العقد، بل العقد ثابت عندهم لا يصح للمشتري فسخه. ويمكن أن يقال: المراد بذلك إن من باع من السيدين - الموجب والقابل - كان للمشتري الخيار، وإن باع سيد العبد عبده كان لمشتريه منه الخيار، وإن باع سيد الجارية جاريته كان لمشتريها منه الخيار، وليس المراد أن في مسألة واحدة وبيع أحدهما يكون الخيار للاثنين: للمشتري ولمن بقي عنده أحدهما، كما قال شيخنا في نهايته في الدلال، قال: فإن كان ممن يبيع ويشتري للناس فأجرة على من يبيع له وأجرة على من يشتري له، والمقصود أنه يستحق أجرتين على مبيع واحد (2). وقول الشيخ عندي ليس بعيدا من الصواب، لأن الذي لم يبع إنما رضي بالعقد مع المالك الأول، والاغراض تختلف باختلاف الملاك، وأيضا البائع أوجد سبب الفسخ - وهو الخيار للمشتري - فيكون للآخر ذلك أيضا، لأنه مالك كالبائع مساو له في الحكم، فيثبت له ما يثبت له. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا تزوج الرجل جارية بين شريكين ثم اشترى نصيب أحدهما حرمت عليه، إلا أن يشتري النصف الآخر أو يرضى مالك نصفها بالعقد فيكون ذلك عقدا مستأنفا (3). وتبعه ابن البراج (4). قال ابن إدريس: الأولى أن يقال: أو يرضى مالك نصفها بأن يبيحه

(1) ق 2 وم 3: واحد.
(2) السرائر: ج 2 ص 601 - 602.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 349 - 350.
(4) المهذب: ج 2 ص 219 - 220..

[ 262 ]

وطء ما يملكه منها فيطأها بالملكية وبالاباحة دون العقد، لأن الفرج لا يتبعض فيكون بعضه بالملك وبعضه بالعقد، بل لا يجتمع الملك والعقد هنا معا في نكاح ووطء واحد (1). واعلم أن كلا من الكلامين لا يخلو عن (2) إشكال. أما قول الشيخ: (أو يرضى مالك نصفها بالعقد) فمشكل، لأن العقد الأول قد بطل بالشراء، والشراء لا أثر لرضى الشريك فيه. وأما قول ابن إدريس: (أو يرضى مالك نصفها بأن يبيحه وطء ما يملكه منها فيطأها بالملكية والاباحة) فمشكل، لتعدد السبب، وقد منع منه. والوجه عندي أن الإشارة بذلك إلى العقد الأول وبطلانه في حق الشريك ممنوع، وبالجملة لا تخلو هذه المسألة عن تعسف ما. وقال ابن الجنيد: ولو ملك الزوج بعض السهام بطل النكاح، ولم يكن له أن يطأ حتى يملك الجميع، ولا يصح وطء فرج واحد بملك بعضه وعقد على بعضه. وقال ابن حمزة: لا يجوز له وطؤها بالملك ولا العقد، إلا أن يكون خدمتها مهاياة بينهما فيجوز له العقد متعة عليها في يوم سيدها بإذنه (3). مسألة: المشهور: إباحة الامتين بالعقد للحر. وقال ابن الجنية: ولا يتزوج أكثر من أمة واحدة، وهو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل. وحجته زوال خوف العنت بها، فالزائد حرام، لفقدان الشرط، وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: المشهور أن الأمة إذا تزوجت بالحر بإذن سيدها فإن الأولاد أحرار، ما

(1) السرائر: ج 2 ص 603.
(2) م 3: من.
(3) الوسيلة: ص 204..

[ 263 ]

لم يشترط مولاها رقية الأولاد، وكذا العبد لو تزوج بحرة بإذن مولاها. وقال ابن الجنيد: إذا زوج الأمة سيدها ومولاتها فولدت فهو بمنزلتها رق، إلا أن يشترط الزوج عتقهم، ولو تزوجت بعده فولدت كان المولى بالخيار في الولد أن شاء أعتق وإن شاء رق (1)، ما لم يشترط الثاني كما اشترط الأول. لنا: الأصل عدم التسلط على الغير، خرج المعلوم رقه بالاجماع، فيبقى ما عداه على الأصل. وما رواه جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا تزوج العبد الحرة فولده أحرار، وإذا تزوج الحر الأمة فولده أحرار (2). وفي الحسن عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج بأمة قوم الولد مماليك أو أحرار؟ قال: إذا كان أحد أبويه حرا فالولد أحرار (3). وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - في مملوك تزوج حرة، قال: الولد للحرة. وفي حر تزوج مملوكة، قال: الولد للأب (4). واحتج الشيخ بأنه نماء مملوك فتبعه، وإذا اجتمع حقان غلب حق العبد على حقه تعالى. وما رواه أبو بصير قال: لو أن رجلا دبر جارية ثم زوجها من رجل فوطأها

(1) ق 2: ارق.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 336 ح 1375، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 529.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 336 ح 1376، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 529.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 336 ح 1377، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 9 ج 14 ص 530..

[ 264 ]

كانت جارية جاريته وولدها منه مدبرين، كما لو أن رجلا أتى قوما فتزوج إليهم مملوكتهم كان ما ولد لهم مماليك (1). والجواب: حق الحرية أقوى، لأنه مبني على التغليب والسراية، والرواية مقطوعة ومحمولة على ما إذا شرط المولى الرقية، جمعا بين الأدلة. تذنيب: حكم ابن الجنيد بأن العبد إذا تزوج حرة كان ولده أحرارا أيضا. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو فقد المالك فبيع إماؤه وزوج أمهات أولاده ثم قدم السيد كن مردودات عليه وما ولدن، إلا أن يشاء يأخذ رضى من أمهاتهن (2) وأثمان أولادهن. والوجه إن أولاد الإماء أحرار، وعلى الواطئ قيمتهن للمالك، ويرجع بذلك على البائع، لأنهم أولاد شبهة فلحقوا بالأب في الحرية، وكان على الأب القيمة، للحيلولة بين المالك وبينهم، و يضمن البائع، لظهور فساد البيع. مسألة: قال ابن الجنية: لو كان السيد علم بعقد العبد والأمة على نفسه فلم ينكر ذلك ولا فرق بينهما جرى ذلك مجرى الرضا به والامضاء له، فإن قال المولى لعبده: طلق كان ذلك (3) إمضاء لنكاحه. وفي حكمه الأول نظر، والأقرب ذلك، لما رواه الحسن بن زياد الطائي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني كنت رجلا مملوكا فتزوجت بغير إذن مولاي ثم أعتقني الله بعد فأجدد النكاح؟ قال: فقال: أعلموا أنك تزوجت؟ قلت: نعم قد علموا فسكتوا ولم يقولوا لي شيئا، قال: ذلك إقرار

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 336 ح 1378، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 10 ج 14 ص 530.
(2) في الطبعة الحجرية: أثمانهن. (3) ليس في (ق 2)..

[ 265 ]

منهم، أنت على نكاحك (1). مسألة: قال ابن الجنيد: لو أعتقت الأمة المزوجة صار مهرها بيدها، سواء كان زوجها حرا أو عبدا، ولو اختارت رجعته بعد أن اختارت مفارقته كان ذلك لها ما لم تنكح زوجا غيره. وفي هذا الإطلاق نظر، بل إنما يصح ذلك بعقد جديد ومهر جديد، لأن باختيار الفراق بانت منه، فليس لها عود إليه (2) إلا بالعقد. مسألة: المشهور إن العبد إذا أعتق لم يكن له الخيار، سواء كانت الزوجة أمة أو حرة. وقال ابن الجنيد: فإن أعتق العبد وبقيت الزوجة أمة كان له الخيار دونها. وقال ابن حمزة: إذا كانا لمالكين وأعتق أحدهما كان له الخيار دون السيد الآخر، فإن أعتقا معا كان للمرأة الخيار. ثم قال - بعد ذلك -: إن أعتق العبد سيده ولم يكرهه على النكاح لم يكن له الخيار، وإن أكرهه كان له ذلك (3). وهو الوجه عندي. لنا أصالة صحة العقد. ولأن له سبيلا إلى فسخ النكاح بالطلاق بخلاف الزوجة، فلهذا فرقنا بينهما. احتج ابن الجنيد بأنه أحد العبدين أعتق فثبت له الخيار كالآخر. والجواب: المنع من الملازمة، والقياس عندنا باطل، أما لو أكرهه مولاه فالوجه ثبوت الخيار له كالحر المكره.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 343 ح 1406، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 526.
(2) ق 2: لها إليه عود.
(3) الوسيلة: ص 305 - 306..

[ 266 ]

مسألة: المشهور إن العبد إذا تزوج بإذن مولاه بأمة كان الطلاق بيده، وليس للمولى أن يطلق عنه ولا أن يجبره عليه. وقال ابن أبي عقيل: إذا زوج السيد عبده فالطلاق بيد (1) السيد دون عبده، متى شاء السيد فرق بينهما. وقال أبو الصلاح: لسيده أن يجبره على طلاقها (2). لنا: إنه عقد لزم بالإذن فلا ينفسخ إلا بسبب شرعي، والأصل عدم وقوع ما أكره عليه. وما رواه ليث المرادي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن العبد هل يجوز طلاقه؟ فقال: إن كانت أمتك فلا، إن الله يقول: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) فإن كانت أمة قوم آخرين أو حرة جاز طلاقه (3). وفي الحسن عن علي بن جعفر، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - عن علي - عليه السلام - إنه أتاه رجل بعبده فقال: إن عبدي تزوج بغير إذني، فقال علي - عليه السلام - لسيده: فرق بينهما، فقال السيد لعبده: يا عدو الله طلق، فقال علي - عليه السلام -: كيف قلت له؟ قال: قلت له: طلق، فقال علي - عليه السلام - للعبد: الان فإن شئت فطلق وإن شئت فامسك، فقال السيد: يا أمير المؤمنين أمر كان بيدي ثم جعلته بيد غيري؟! قال: ذلك، لانك حيث قلت له: (طلق) أقررت له بالنكاح (4).

(1) ق 2: إلى.
(2) الكافي في الفقه: ص 297.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 348 ح 1423، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب مقدمات الطلاق ح 2 ج 15 ص 341.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 352 ح 1433، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 526..

[ 267 ]

احتج أبو الصلاح بأن للسيد إجباره على النكاح فكان له إجباره على فسخه. وما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - والصادق - عليه السلام - قالا: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده، قلت: فإن السيد كان زوجه بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيد (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) الشئ: الطلاق (1). وعن شعيب العقرقوفي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل وأنا عنده أسمع عن طلاق العبد، قال: ليس له طلاق ولا نكاح، أما تسمع الله تعالى يقول: (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) قال: لا يقدر على طلاق ولا نكاح إلا بإذن مولاه (2). والجواب: المنع من الملازمة، وحمل الأحاديث على التفصيل الذي سبق في الحديث الذي تلوناه من طرقنا. مسألة: المشهور إن الولد الحاصل من العبد المأذون له في التزويج والأمة كذلك بين الموليين إذا لم يكن بينهما شرط. وقال أبو الصلاح: إذا زوج السيد عبده بأمة غيره فالطلاق بيده، ولسيده أن يجبره على طلاقها. فإن مات سيد الأمة أو باعها فالوارث والمبتاع بالخيار في إمضاء العقد وفسخه. وإن أعتقها فهي بالخيار في الإقامة على نكاح العبد واعتزاله والاعتداد منه، وولدها رق لسيدها، إلا أن يشترط رق الولد سيد العبد فيكون له (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 347 ح 1419، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب مقدمات الطلاق ح 1 ج 15 ص 343.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 347 ح 1421، وسائل الشيعة: ب 66 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 576.
(3) الكافي في الفقه: ص 297..

[ 268 ]

وظاهر هذا الكلام إذن السيد للجارية في النكاح واختصاص مولاها بالأولاد، إلا مع شرط سيد العبد. والحق الأول، لأنه نماء ملكهما، فكان الولد لهما. مسألة: قد بينا (1) فيما تقدم أن العبد والأمة ممنوعان من عقد النكاح إلا بإذن المولى، فإن بادر أحدهما من غير إذنه وقف على إجازته سواء العبد والأمة، وهو أحد قولي الشيخ (2). وله قول آخر: بأنه باطل، فإن أجازه المولى كان كالعقد المستأنف (3). وقال ابن إدريس: يبطل وتلغى الاجازة، لأنه منهي عنه، والنهي يدل على الفساد (4). وقيل: تختص الاجازة بعقد العبد دون الأمة (5). لنا: إنه عقد صدر من أهله في محله فكان صحيحا، ومعارضة ملك السيد لا يصلح للمانعية من الصحة، لأن العبد أو الأمة كالاجنبي الفضولي. وما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده، فقال: ذلك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما، فقلت: أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة وابراهيم النخعي وأصحابهم يقولون: إن أصل النكاح فاسد فلا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: أنه لم يعص الله وإنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز (6). ومن طريق آخر عن زرارة، عن الباقر عليه السلام - إلى أن قال: - فإن

(1) ق 2: ثبت.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 335.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 339 - 340.
(4) السرائر: ج 2 ص 596.
(5) شرائع الاسلام: ج 2 ص 309. (6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 351 ح 1432، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 523..

[ 269 ]

أجاز - يعني: مولاه - نكاحه فهما على نكاحهما الأول، فقلت لأبي جعفر - عليه السلام -: فإن أصل النكاح كان عاصيا، فقال أبو جعفر - عليه السلام -: إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص لله تعالى، إنما عصى سيده ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه (1). مسألة: لو زوج عبده أمته ثم باع أحدهما قال الشيخ: كان ذلك فراقا بينهما، ولا يثبت العقد إلا بأن يريد هو ثباته على الذي بقي عنده، ويريد الذي اشترى أحدهما ثباته على الذي اشتراه، فإن أبى واحد منهما ذلك لم يثبت العقد بينهما، وإن رزق بينهما أولادا كانوا رقا لمواليهما (2). وقال ابن البراج: فإن جاء بينهما ولد كان رقا لسيد الأمة (3). والمعتمد الأول. لنا: إنه نماء الأبوين (4)، فيكون بينهما كالأصل. مسألة: المشهور عند علمائنا إباحة وطء الإماء بتحليل المولى للغير. وقال ابن إدريس: إنه جائز عند أكثر أصحابنا المحصلين، وبه تواترت الأخبار، وهو الأظهر بين الطائفة والعمل عليه والفتوى به، وفيهم من منع منه (5). والحق الأول. لنا: قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) (6) وهو يصدق بملك (7) المنفعة كما يصدق بملك (8) الرقبة. وما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 351 ح 1431، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 523.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 347.
(3) المهذب: ج 2 ص 218.
(4) ق 2: إنه كالأبوين.
(5) السرائر: ج 2 ص 627. (6) النساء: 3.
(7) و (8) ق 2: بتمليلك..

[ 270 ]

يحل لأخيه فرج جاريته، قال: هي له حلال ما أحل منها (1). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة أحلت لابنها فرج جاريتها، قال: هو له حلال، قلت: أفيحل له ثمنها؟ قال: لا، إنما يحل له ما أحلت له (2). وفي الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن امرأة أحلت لي جاريتها، فقال: ذلك لك، قلت: فأنها كانت تمزح، فقال: كيف لك بما في قلبها؟ فإن علمت أنها تمزح فلا (3). ولأنها منفعة خالية عن إمارات المفسدة فتكون مشروعة. ولأنه يباح غيره من المنافع، فكذا هو. احتج المانع بقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (4) وهذا خارج عن القسمين، فيدخل تحت العدوان. وما رواه الحسين بن علي بن يقطين في الصحيح قال: سألته عن الرجل يحل فرج جاريته، قال: لا أحب ذلك (5). وعن عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - في المرأة تقول لزوجها:

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 241 ح 1052، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 538.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 242 ح 1056، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 534.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 242 ح 1058، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 534.
(4) المؤمنون: 5 - 7.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 243 ح 1059، وسائل الشيعة: ب 31 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 7 ج 14 ص 533..

[ 271 ]

جاريتي لك، قال: لا يحل له فرجها إلا أن تبيعه أو تهب له (1). والجواب عن الآية: ما تقدم من اندراج المتنازع تحت ملك اليمين، والحديث الأول يدل على الاستحباب، والثاني ضعيف السند، مع أن الصيغة - وهي التحليل - لم توجد. مسألة: نقل ابن إدريس عن السيد المرتضى في الانتصار: إن تحليل المالك جاريته لغيره عقد والتحليل والاباحة عبارة عنه، وعن الباقين الاكثرين أنه تمليك منفعة مع بقاء الأصل. ونقله عن الشيخين أبي جعفر والمفيد وغيرهما من المشيخة، وقواه وأفتى به (2). والشيخ - رحمه الله - قال في المبسوط: وأما تحليل الانسان جاريته لغيره من غير عقد مدة فهو جائز عند أكثر أصحابنا، وفيهم من منع منه، والأول أظهر في الروايات. ومن أجازه اختلفوا، فمنهم من قال: هو عقد والتحليل عبارة عنه، ومنهم من قال: هو تمليك منفعة مع بقاء الأصل، وهو الذي يقوى في نفسي، ويجري ذلك مجرى إسكان الدار وإعمارها، ولأجل هذا يحتاج إلى أن تكون المدة معلومة (3). والذي قواه الشيخ في المبسوط هو المعتمد، إلا في شئ واحد وهو: الافتقار إلى تعيين المدة. وقال في النهاية: ويحل له منها مقدار ما يحلله مالكها، إن يوما فيوما وإن شهرا فشهرا على حسب ما يريد (4). ولم يذكر حكم الإطلاق. وكلام ابن إدريس يشعر بجوازه، وهو الأقوى، لأنه نوع تحليل وتمليك

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 243 ح 1061، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 535.
(2) السرائر: ج 2 ص 627.
(3) المبسوط: ج 4 ص 246.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 387..

[ 272 ]

خال عن المعارضة فأشبه العارية، مع أن الأصل الإباحة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى جعله في حل من وطئها وأتت بولد كان لمولاها، وعلى أبيه أن يشتريه بماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استسعى في ثمنه، فإن شرط أن يكون الولد حرا كان على ما شرط (1). وقال في المبسوط: ويكون الولد لاحقا بأمه ويكون رقا، إلا أن يشترط الحرية، ولو كان عقدا - يعني: التحليل - ألحق بالحرية على كل حال، لأن الولد عندنا يلحق بالحرية من أي جهة كان (2). ذكر ذلك في معرض استدلاله على أن التحليل نوع تمليك لا عقد. وقال في الخلاف في كتاب الرهن. إذا أتت الجارية الموطوءة بإذن الراهن بولد كان حرا لاحقا بالمرتهن بالاجماع، ولا يلزمه عندنا قيمته. وللشافعي قولان هذا أحدهما، والثاني: إن عليه قيمته. ثم استدل بأصالة براءة الذمة، ووجوب القيمة يحتاج إلى دليل (3). وقد ذكر السيد المرتضى - رحمه الله - في مباحثه في خبر الواحد، وتمثل في اثباتها: بأن من خالف من أصحابنا وقال: إن ولد الحر من المملوكة مملوك إذا لم يشترط لم يكن بذلك كافرا، وكان هذا القول باطلا (4). وذكر ذلك مطلقا من غير تقييد بعقد أو إباحة، وابن إدريس اختار ذلك (5)، وهو المعتمد. لنا: إنه لا ينفك عن التمليك والعقد، وولد كل واحد منهما حر إجماعا. أما المقدمة الأولى: فاجماعية، وللكتاب، قال الله تعالى: (والذين هم

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 386.
(2) المبسوط: ج 4 ص 246.
(3) الخلاف: ج 3 ص 232 المسألة 23.
(4) رسائل الشريف المرتضى: المجموعة الثالثة ص 271 - 272.
(5) السرائر: ج 2 ص 628..

[ 273 ]

لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم). (1) وما رواه الحسن بن زيد قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فدخل عليه عبد الملك بن جريح المكي فقال له أبو عبد الله - عليه السلام -: ما عندك في المتعة؟ قال: حدثني أبوك محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - خطب الناس فقال: أيها الناس إن الله تعالى أحل لكم الفروج على ثلاثة معان: فروج موروث وهو البتات (2) وفرج غير موروث وهو المتعة، وملك أيمانكم (3). وأما الثانية: فللإجماع. وما رواه إسحاق بن عمار في القوي قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يحلل جاريته لأخيه أو حرة حللت جاريتها لاخيها، قال: يحل له من ذلك ما أحل له، قلت: فجاءت بولد، قال: يلحق بالحر من أبويه (4). وعن عبد الله بن محمد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يقول لأخيه: جاريتي لك حلال، قال: قد حلت له، قلت: فإنها ولدت، قال: الولد له والأم للمولى، وإني لاحب الرجل إذا فعل ذا بأخيه إن يمن عليه فيهبها له (5). وفي الحسن عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: الرجل يحل

(1) المؤمنون: 5 - 6.
(2) البتات: الدائم. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 241 ح 1051، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب مقدمات النكاح ح 2 ج 14 ص 58.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 247 ح 1017، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 7 ج 14 ص 541.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 247 ح 1072، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 541..

[ 274 ]

جاريته لأخيه؟ قال: لا بأس، قال: قلت: فإنه جاءت بولد، قال: يضم إليه ولده ويرد الجارية على صاحبها، قلت له: إنه لم يأذن في ذلك، قال: إنه قد أذن له وهو لا يأمن أن يكون ذلك (1). ولأن مبني الحرية على التغليب والسراية، ولهذا يسري العتق، بعتق جزء من مائة ألف جزء من الرقبة، ولا ريب في أن تكون الولد من نطفة الرجل والمرأة على ما دل عليه القرآن العزيز فيغلب جانب الحرية. احتج الشيخ بما رواه ضريس بن عبد الملك قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يحل لأخيه فرج جاريته، قال: هو له حلال، قلت: فإن جاءت بولد منه، فقال: هو لمولى الجارية، إلا أن يكون اشترط على مولى الجارية حين أحلها له إن جاءت بولد فهو حر (2). وعن الحسن العطار قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن عارية الفرج، قال: لا بأس به، قلت: فإن كان منه ولد، فقال لصاحب الجارية: إلا أن يشترط عليه (3). والجواب: رواياتنا أكثر وأوضح (4) طريقا فيتعين العمل بها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل أن يجعل عبده في حل من وطئ جاريته، فإن أراد ذلك عقد له عليها عقدا (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 247 ح 1073، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 4 ج 14 ص 540.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 246 ح 1068، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 540. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 246 ح 1069، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 540.
(4) م 3: وأصح.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 387..

[ 275 ]

وقال ابن إدريس: لا مانع من تحليل عبده وطء جاريته من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والأصل الإباحة، ولقوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) وقوله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: إنه نوع تمليك على ما تقدم، فيستدعى محلا قابلا، فإن الأثر كما يعتبر في تحققه وإيجاده حصول الفاعل كذا يعتبر حصول القابل، والعبد ليس محلا قابلا للتمليك على ما تقدم. وما رواه علي بن يقطين في الصحيح، عن أبي الحسن الماضي - عليه السلام - إنه سئل عن المملوك أيحل له أن يطأ الأمة من غير تزويج إذا أحل له مولاه؟ قال: لا يحل له (2). وادعاء ابن إدريس نفي المانع من الكتاب والسنة والاجماع لا يستلزم نفي المانع المطلق، لما بينا من الدلالة العقلية والخبر الصحيح، ونقول بموجب الايتين، لكن لا بد في النكاح من لفظ، إما عقد كما اخترناه، أو إباحة كما قاله. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3) والتهذيب (4): وينبغي أن يراعى فيما ذكرناه لفظ (5) التحليل، وهو أن يقول الرجل المالك للامة لمن يحللها له: قد جعلتك في حل من وطء هذه الجارية أو أحللت لك وطؤها، ولا يجوز لفظ

(1) السرائر: ج 2 ص 633.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 244 ح 1064، وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 536.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 387 - 388.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 244 ذيل الحديث 1062. (5) في الطبعة الحجرية: ذكرناه من لفظ..

[ 276 ]

العارية في ذلك. وقال السيد المرتضى: مما شنع على الامامية تجويزهم إعارة الفروج، وأن الفرج يستباح بلفظ العارية. وتحقيق هذه المسألة: إنا ما وجدنا فقيها منهم أفتى بذلك ولا أودعه مصنفا ولا كتابا، وإنما يوجد في أحاديثهم أخبار نادرة تتضمن لإعارة الفروج في المماليك، وقد يجوز إذا صحت تلك الأخبار وسلمت من القدح والتضعيف أن يكون قد عبر بلفظ العارية عن النكاح، لأن فيه معنى العارية من حيث كان إباحة للمنافع مع بقاء العين على ملك مالكها، ونكاح الأمة يجري هذا المجرى، لأن الرجل إذا أنكح أمته غيره فإنما أباحه الانتفاع بها مع بقاء ملك الجارية عليه، فإن قيل: أفيجوزون استباحة الفروج بلفظ العارية؟ قلنا: ليس في الأخبار التي أشرنا إليها أن لفظ العارية من الالفاظ التي ينعقد بها النكاح، وإنما تضمنت أنه يجوز للرجل أن يعير فرج مملوكته لغيره، فيحمل لفظ العارية هاهنا على أن المراد بها النكاح من حيث الاشتراك في المعنى، كما قال: يجوز للرجل أن يبيح مملوكته لغيره على معنى أنه يعقد عليها عقد النكاح الذي فيه معنى الإباحة، ولا يقتضي ذلك أن النكاح ينعقد بلفظ الإباحة (1). وابن زهرة شرط لفظ التحليل (2). وقال ابن إدريس: ليس قول الشيخ ينبغي أن يراعى فيما ذكرناه لفظ التحليل بمانع من غيره من الالفاظ وهو قوله: أبحتك وطؤها، ولا منع منه. وإنما قال: (ولا يجوز لفظ العارية في ذلك) لشناعة المخالف علينا، فإنهم يقولون: (هؤلاء يعيرون الفروج) يريدون بذلك الحرائر، ومعاذ الله أن نقول ذلك،

(1) الانتصار: ص 118.
(2) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 550 س 22..

[ 277 ]

وإنما يتخرصون علينا بما لا نقوله ولا نذهب بحمد الله إليه، فتحرر أصحابنا خوفا من الشناعة فقالوا: (ولا يجوز لفظ العارية في ذلك) حراسة من التشنيع، وقد قلنا فيما مضى أن ذلك تمليك منافع كتمليك منافع الدار والفرس وغير ذلك، وقد ذهب شيخنا في مبسوطه في باب العارية إلى ما اخترناه فقال: ولا يجوز إعارة الجارية للاستمتاع بها، لأن البضع لا يستباح بالاعارة، وحكي عن مالك جواز ذلك، وعندنا يجوز ذلك بلفظ الإباحة، ولا يجوز بلفظ العارية (1). والوجه الانعقاد بلفظ التحليل والاباحة دون العارية والتمليك وشبههما. لنا: على منع العارية (2) أصالة عصمة الفروج، خرج ما اشتمل على لفظ التحليل بالنقل، وكذا الإباحة للمشاركة لفظا ومعنى، فيبقى الباقي على المنع. وما رواه أبو العباس البقباق قال: سأل رجل أبا عبد الله - عليه السلام - ونحن عنده عن عارية الفرج، فقال: حرام ثم مكث قليلا وقال: لكن لا بأس بأن يحل الرجل جاريته لأخيه (3) وعلى جواز الإباحة ما تقدم من المشاركة لفظا ومعنى، فسببية أحدهما يقتضي سببية الآخر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أخبر البائع الثقة الذي كان يطأ جاريته باستبرائها جاز للمشتري وطؤها من غير استبراء، والأفضل استبراؤها قبل الوطء على كل حال، وإذا كانت الجارية لامرأة جاز للذي يشتريها أن يطأها من غير استبراء، والأفضل استبراؤها قبل الوطء مثل الذي يكون للرجل، ومتى اشترى الرجل جارية وهي حائض تركها حتى تطهر ثم حل له وطؤها، وكان

(1) السرائر: ج 2 ص 633.
(2) م 3: منع لفظ العارية.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 244 ح 1063، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 536..

[ 278 ]

ذلك كافيا في استبراء رحمها (1). وقال المفيد: قد روي أنه لا بأس للانسان أن يطأ الجارية من غير استبراء لها إذا كان بائعها قد أخبره باستبرائها وكان صادقا في ظاهره مأمونا، والاستبراء لها على كل حال أحوط في الدين. قال ذلك عقيب قوله: لا يحل لأحد أن يطأ جارية قد ابتاعها أو ورثها من سيدها حتى يستبرئها بحيضة، فإن لم تكن ممن تحيض استبرأها بخمسة وأربعين يوما (2). ونازع ابن إدريس في هذه الأحكام، وأوجب في الأول الاستبراء، ونقل عن شيخنا رجوعه عن ذلك في مسائل الخلاف، لأن فعل البائع لا يسقط عن المشتري ما يجب عليه من الاستبراء، وأوجب في أمة المرأة الاستبراء أيضا، وأوجب في الحائض الاستبراء بقرءين (3). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: إن الغاية بالاستبراء معرفة فراغ الرحم، وإذا أخبر الثقة بذلك حصل ظن الفراغ، والحكم بالظن واجب، وكذا إذا كانت للمرأة، إذ لا وطء للمالك هنا، وكذا الحائض، لبعد مجامعته للحمل. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: وسألته عن رجل اشترى جارية وهي حائض، قال: إذا طهرت فليمسها إن شاء (4). وفي الموثق عن سماعة بن مهران قال: سألته - عليه السلام - عن رجل

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 388 - 390.
(2) المقنعة: ص 538.
(3) السرائر: ج 2 ص 634 - 635.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 171 ح 595، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 498..

[ 279 ]

اشترى جارية وهي طامث أيستبرئ رحمها بحيضة أخرى أم تكفيه هذه الحيضة؟ فقال: لا بل تكفيه هذه الحيضة، فإن استبرأها بأخرى فلا بأس هي بمنزلة فضل (1). وفي الصحيح عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يشتري الجارية لم تحض، قال: يعتزلها شهرا إن كانت قد مست، قلت: أفرأيت إن ابتاعها وهي طاهرة زعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت، فقال: أن كان عندك أمينا فمسها، وقال: إن ذا الأمر شديد، فإن كنت لا بد فاعلا فتحفظ لا تنزل عليها (2). وقد روى عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: اشتري الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها منذ طمثت عنده وطهرت، قال: ليس بجائز أن تأتيها حتى تستبرئها بحيضة، ولكن يجوز لك ما دون الفرج، إن الذين يشترون الإماء ثم يأتوهن قبل أن يستبرؤهن فأولئك الزناة بأموالهم (3). ويحمل على الكراهة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى اشترى جارية حاملا لم يجز له وطؤها، إلا بعد وضعها الحمل أو يمضي عليها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن أراد وطأها قبل ذلك وطأها فيما دون الفرج (4). وقال المفيد: وإذا ابتاع الرجل جارية حبلى لم يحل له وطؤها حتى يمضي

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 174 ح 606، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 508.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 172 ح 601، وفيه: (يئست) بدل (مست)، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 503. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 212 - 213 ح 759، وسائل الشيعة، ب 11 من أبواب بيع الحيوان ح 5 ج 13 ص 39.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 390 - 391..

[ 280 ]

عليها أربعة أشهر، فإذا مضى عليها أربعة أشهر وطأها إن أحب دون الفرج، فإن وطأها فيه فليعزل عنها، واجتناب وطؤها أحوط حتى تضع ما في بطنها، فإن وطأها قبل مضي أربعة أشهر أو بعد ذلك ولم يعزل عنها لم يحل له بيع الولد، لأنه قد غذاه وأنماه بنطفته، وينبغي أن يجعل له من ماله بعد وفاته قسطا ويعوله في حياته، ولا ينسب إليه بالبنوة (1). وقال أبو الصلاح: ولا يحل وطء الحامل من غيره حتى تمضي لها أربعة أشهر (إلا) دون الفرج، وفيه يشترط عزل الماء، واجتنابها حتى تضع أولى. وإذا وطأ الحامل لم يحل له بيع ولدها ولا الاعتراف به ولدا، ولكن يجعل له قسطا من ماله، لأنه غذاه بنطفته (2). وسلار اقتصر على أربعة أشهر أيضا (3). وقال ابن إدريس: ومتى اشترى جارية حاملا كره له وطؤها في القبل دون أن يكون ذلك محظورا، على الأظهر من أقوال أصحابنا، وهو الذي يقتضيه أصول المذهب، سواء مضى عليها أربعة أشهر أو أقل منها، وشيخنا رجع في مسائل خلافه عما ذكره في نهايته فقال: مسألة: إذا اشترى أمة حاملا كره له وطؤها قبل أن يمضي لها أربعة أشهر، فإذا مضى لها ذلك لم يكره له وطؤها حتى تضع، وقال الشافعي وغيره: لا يجوز له وطؤها في الفرج، دليلنا: إجماع الفرقة، والأصل الإباحة وعدم المانع. ثم قال ابن إدريس: ودليلنا نحن على صحة ما اخترناه قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) فأباحنا تعالى وطء ما ملكت أيماننا بمجرد الملكية، والآية عامة، فمن خصصها يحتاج إلى دليل، وأيضا الأصل الإباحة، ولا مانع من ذلك من كتاب أو سنة مقطوع بها أو إجماع (4).

(1) المقنعة: ص 544.
(2) الكافي في الفقه: ص 300 - 301.
(3) المراسم: ص 156. (4) السرائر: ج 2 ص 635..

[ 281 ]

والمعتمد أن نقول: إن كان الوطء من زنى كره له وطؤها قبلا قبل مضي أربعة أشهر وعشرة من غير تحريم، وإن كان حلالا أو لشبهة حرم وطؤها حتى تضع. أما الأول: فلما رواه رفاعة بن موسى النخاس، عن أبي الحسن - عليه السلام - قلت: إن كان حاملا فما لي منها؟ قال: لك منها ما دون الفرج (1). وأما المنع في غيره فللنقل المستفيض عنهم - عليه السلام - رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - (2). وإسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - (3). ولأن الوطء إن كان عن نكاح محلل اندرج تحت قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (4). إذا تقرر هذا فالأقوى إنه لا يحرم بيع ولدها وإنما يكره للتغذية. مسألة: قال ابن إدريس: إذا طلقت الأمة المزوجة بعد الدخول بها وأخذت في العدة ثم باعها مولاها فالواجب عليها تمام العدة، ولم يجز للمشتري وطؤها إلا بعد الاستبراء بعد العدة، لأنهما حكمان لمكلفين لا يتداخلان، فإسقاط أحدهما بالآخر يحتاج إلى دليل. قال: وهذا القول مذهب شيخنا أبي جعفر في مبسوطه، وهو الصحيح الحق اليقين (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 469 ح 1878، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 506.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 176 ح 617، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 505.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 176 - 177 ح 619، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 506.
(4) الطلاق: 4.
(5) السرائر: ج 2 ص 636..

[ 282 ]

والوجه سقوط الاستبراء، لأنه يجوز للمشتري إذا استبرأها البائع وطؤها، فكذا بعد العدة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كان للرجل جارية وأراد أن يعتقها ويجعل عتقها مهرها جاز له ذلك، إلا أنه متى أراده ينبغي أن يقدم لفظ العقد على لفظ العتق بأن يقول: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك، فإن قدم العتق على التزويج بأن يقول: أعتقتك وزوجتك وجعلت مهرك عتقك مضى العتق وكانت مخيرة بين الرضا بالعقد والامتناع من قبوله، وإن طلق التي جعل عتقها مهرها قبل الدخول بها رجع نصفها رقا واستسعيت في ذلك النصف، فإن لم تسع فيه كان له منها يوم ولها من نفسها يوم في الخدمة، وإن كان لها ولد له مال ألزم أن يؤدي عنها النصف الباقي وتنعتق حينئذ، وإن جعل عتقها صداقها ولم يكن أدى ثمنها ثم مات فإن كان له مال يحيط بثمن رقبتها أدى عنه وكان العتق والنكاح ماضيين، وإن لم يترك غيرها كان العتق والعقد فاسدين وترجع الأمة إلى مولاها الأول، وإن كانت قد علقت منه كان حكم ولدها حكمها في كونه رقا (1). والبحث في هذه المسألة يقع في مواضع: الأول: في تسويغ (2) هذا العقد، وهو مشهور مستفيض بين علمائنا، ولا نعرف فيه مخالفا، والأصل فيه أن النبي - صلى الله عليه وآله - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها (3). ولم ينقل أنه عقد معها عقد نكاح غير ذلك، والنقل المستفيض عن أهل البيت - عليهم السلام - بجوازه. روى محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: أيما رجل شاء أن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 392 - 398.
(2) ق 2: الأول تسويغ، م 3: الأول وإن كانت قد علقت منه في تسويغ.
(3) سنن أبي داود: ج 2 ح 2054 ص 221..

[ 283 ]

يعتق جاريته ويتزوجها ويجعل صداقها عتقها فعل (1). وعن عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: رجل قال لجاريته: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك، قال: فقال: جائز (2). وعن الباقر - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - كان يقول: إن شاء الرجل أعتق أم ولده وجعل مهرها عتقها (3). والآثار في ذلك كثيرة، ولا استبعاد في ذلك إذا كان العتق يحصل مع العقد، وإنما يمتنع (4) لو كانت الرقية باقية، ولا بعد في العقد وهي مملوكة، لأن له إيقاع العقد على مملوكته لغيره، لعدم ملك ذلك الغير، وإذا كان مع استقراره تصير حرة أمكن إيقاع العقد لنفسه، لعدم استقرار الملكية معه، والعقد على الأمة جائز في نفسه وهي صالحة، لأن تكون صداقا لغيرها وقابلة للتملك مطلقا عند قوم وبعد العتق عندنا فجاز أن يكون مهرا لنفسها. وبالجملة فلو كانت هذه المسألة منافية للأصول لكن بعد ورود النقل فيه يجب المصير إليها متابعة للنقل، وتصير أصلا بنفسها كما صار (5) ضرب الدية في العاقلة أصلا. الثاني: ألفاظ علمائنا وما ورد في الأخبار يدل على الاكتفاء بقوله: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك وإن لم يقل: أعتقتك أو أنت حرة، بل يقع العتق بقوله: وجعلت عتقك مهرك، كما لو أمهر امرأة ثوبا وقال لها: قد

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201 ح 706، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 5 ج 14 ص 510.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201 ح 707، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب العبيد والإماء ح 6 ج 14 ص 510.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201 ح 708، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 7 ج 14 ص 510.
(4) ق 2: يمنع.
(5) م 3: جاز..

[ 284 ]

تزوجتك وجعلت مهرك هذا الثوب، فإذا قبلت ملكته بالقبول، وكذا لو جعل العتق مهرا فإنها تملك نفسها بالقبول، ولا حاجة إلى النطق بالعتق غير ذلك. وقال أبو الصلاح: ويجوز عتق الأمة مطلقا، ويصح أن يجعل عتقها صداقها، وصفته مع تكامل الشروط أن يقول سيدها: قد أعتقتك وتزوجتك وجعلت عتقك صداقك لوجه الله تعالى (1). وهو المعتمد، وهو قول: شيخنا المفيد في المقنعة (2) أيضا. الثالث: قوله: (ينبغي أن يقدم لفظ العقد على لفظ العتق بأن يقول: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك، فإن قدم العتق على التزويج بأن يقول: تزوجتك وجعلت مهرك عتقك، فإن قدم العتق على التزويج بأن يقول: أعتقتك وتزوجتك وجعلت مهرك عتقك مضى العتق وكانت مخيرة بين الرضا بالعقد والامتناع من قبوله). وقال في الخلاف: إذا قال لامته: (أعتقتك على أن أتزوج بك وعتقك صداقك) أو استدعت هي ذلك فقالت: (أعتقني على أن أتزوج بك وصداقي عتقي) ففعل فإنه يقع العتق ويثبت التزويج، واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وآله - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها وكانت زوجته، ولم نعلمها صارت زوجته بغير الذي نقل من عتقها على هذا الشرط (3). وقال في المبسوط: إذا قال لامته: (أعتقتك على أن أتزوج بك وعتقك مهرك) أو استدعت هي ذلك فقالت له: (أعتقني على أن أتزوج بك وصداقي عتقي) ففعل وقع العتق وثبت العقد، وفيه خلاف، فقال بعضهم: إنه ينفذ العتق ولا يثبت النكاح ولا يجب عليها الوفاء بما شرطت، فإن رضيت به

(1) الكافي في الفقه: ص 317.
(2) المقنعة: ص 549.
(3) الخلاف: ج 4 ص 268 - 269 المسألة 22..

[ 285 ]

واختارته لم يجب عليه القبول، لأن ما كان من سبيل المعاوضة إذا لم يلزم من أحد الطرفين لم يلزم من الآخر. فيجب عليها قيمتها لسيدها، لأن أصول العقد على هذا، لأن كل من بذل عين ماله في مقابلة عوض، فإذا لم يسلم العوض وتعذر عليه الرجوع في المعوض عاد إلى بدل المعوض، ويعتبر قيمتها حين العتق، لأنه وقت التلف، فإن لم يتفقا على النكاح فله عليها قيمتها إن كانت موسرة استوفاه، وإلا أنظرها إلى اليسار، وإن اتفقا عليه فإن أمهرها غير قيمتها صح وكان لها عليه المسمى من المهر وله عليها قيمتها، فإن اتحد الجنس من الأثمان تقاصا، وإن أمهرها ماله في ذمتها من قيمتها فإن علما قدر القيمة صح، وإن جهلاها أو أحدهما بطل عند قوم، وهو الأقوى، لأن المهر قيمتها، وهو مجهول فلم يصح. وقال قوم: يصح كما لو أصدقها عبدا يجهلانه، وهذا الفرع لا يصح على أصلنا، لأنا حكمنا بصحة العقد، غير أنه إذا بدأ بالعتق وعقبه بلفظ التزويج لم يصح وتعلق به هذه الأحكام سواء، مثل أن يقول: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك فإنه ينفذ العتق ولا ينعقد العقد، وإنما ينعقد إذا قال: تزوجتك وجعلت عتقك مهرك فيصح العقد وينفذ العتق (1). وهذا الكلام يدل على اشتراط تقديم التزويج وإن كان قد صدر كلامه بتقديم العتق، فيحتمل أن يكون في الخلاف أيضا أراد ذلك. ورواية عبيد بن زرارة المتقدمة تدل على تسويغ تقديم العتق. وفي رواية محمد بن آدم، عن الرضا - عليه السلام - في الرجل يقول لجاريته: قد أعتقتك وجعلت صداقك عتقك، قال: جاز العتق، والأمر إليها إن شاءت زوجته نفسها وإن شاءت لم تفعل، فإن زوجته نفسها فأحب له أن يعطيها شيئا (2).

(1) المبسوط: ج 4 ص 174 - 175.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201 ح 709، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 511..

[ 286 ]

وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل قال لامته: أعتقتك وجعلت مهرك عتقك، فقال: أعتقت، وهي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت فلا، فإن تزوجته فليعطها شيئا، وإن قال: قد تزوجتك وجعلت مهرك عتقك فإن النكاح واقع ولا يعطيها شيئا (1). والوجه عندي تقديم العتق فيقول: أعتقتك وتزوجتك وجعلت مهرك عتقك، ولا يجعل لها هنا الخيار، لأن الكلام إنما يتم بآخره، فكما لو قال: أعتقتك وعليك خدمة سنة لزمته الخدمة، كذا يلزمها هنا التزويج، ويكون عقد النكاح قد صادف امرأة وجد فيها سبب التحرير فكأنه صدف حرة قابلة له، ولا يعتبر هنا قبولها العقد، لأنها إنما تتحرر بتمام العقد. والروايتان السابقتان لا ينافيان ما قلناه، لأنه لم يذكر فيهما لفظ عقد النكاح بل قال: أعتقتك وجعلت صداقك عتقك، وهذا لا ينعقد به النكاح. والشيخ - رحمه الله - (2) والصدوق وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن إدريس (5) اشترطوا تقديم العقد. قال الصدوق في المقنع: إذا قال الرجل لامته: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك فقد عتقت، وهي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تزوجه، فإن قال: قد تزوجتك وجعلت مهرك عتقك فإن النكاح واقع ولا يعطيها شيئا وقد عتقت (6). وقال ابن إدريس: لو قدم العتق على العقد فقال: أعتقتك وتزوجتك

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 511.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 393 - 394.
(3) المهذب: ج 2 ص 247.
(4) الوسيلة: ص 304.
(5) السرائر: ج 2 ص 638. (6) المقنع: ص 103..

[ 287 ]

وجعلت مهرك عتقك مضى العتق، وكانت مخيرة بين الرضا بالعقد والامتناع من قبوله، فإن قبلته مضى وكان لها عليه إذا دخل بها مهر المثل. ثم قال: وهذا كله حكم شرعي دليل صحته انعقاد الاجماع من أصحابنا عليه (1). الرابع: لو طلق قبل الدخول قال الشيخ: رجع نصفها رقا واستسعيت في ذلك النصف، فإن لم تسع فيه كان له منها يوم ولها من نفسها يوم في الخدمة (2). وتبعه ابن حمزة (3). وقال الصدوق: في المقنع - ونعم ما قال -: إذا طلقها قبل الدخول فقد مضى عتقها، ويرجع عليها سيدها بنصف قيمة ثمنها (4). وبه قال ابن الجنيد، وتبعه ابن البراج (5)، وابن إدريس (6). وهو المعتمد. لنا: إنها ملكت نفسها بالاصداق وعتقت فلا ترجع مملوكة بعد العتق، وكلام الشيخ إنما يتم لو قلنا: إن المرأة لا تملك جميع المهر بالعقد، بل تملك نصفه به والنصف الآخر بالدخول. احتج الشيخ بما رواه يونس بن يعقوب، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أعتق أمة له وجعل عتقها صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: يستسعيها في نصف قيمتها، فإن أبت كان لها يوم وله يوم في الخدمة، قال: وإن كان لها ولد فأدى عنها نصف قيمتها وعتقت (7). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يعتق جاريته ويقول لها: عتقك مهرك ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: يرجع نصفها مملوكا

(1) السرائر: ج 2 ص 638.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 397.
(3) الوسيلة: ص 304.
(4) المقنع: ص 103.
(5) المهذب: ج 2 ص 248.
(6) السرائر: ج 2 ص 639.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 201 - 202 ح 711، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 2 ج 14 ص 513..

[ 288 ]

ويستسعيها في النصف الآخر (1). وعن عباد بن كثير البصري قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل أعتق أم ولد له وجعل عتقها صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: يعرض عليها أن تستسعي في نصف قيمتها، فإن أبت هي فنصفها رق ونصفها حر (2). وفي هذه الروايات نظر من حيث السند، فإن يونس بن يعقوب كان فطحيا، قيل: وقد رجع، ورواية أبي بصير مرسلة، وعباد عامي. والوجه أن يقال كما قال الصدوق: فتسعى في نصف قيمتها (3)، لأن نصفها يجري مجرى التالف من المهر المعين أو ينظر إلى أن يوسع الله تعالى. ويؤيده ما رواه عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل أعتق مملوكته وجعل عتقها صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: مضى عتقها وترد على السيد نصف قيمتها تسعى فيه ولا عدة عليها (4). الخامس: إلزام الولد بأداء ثمنها ليس بجيد، لأصالة براءة الذمة. نعم لو تبرع الولد بالاداء عتقت، وبه قال ابن الجنيد حيث قال: ولو طلقها قبل دخوله بها أمضى عتقها واستسعيت في نصف قيمتها، وإن كان لها ولد فأدى

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 202 ح 712، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 3 ج 14 ص 513.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 202 ح 713، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 4 ج 14 ص 513 - 514.
(3) المقنع: ص 103.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 482 ح 1938، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 513..

[ 289 ]

نصف قيمتها عتقت، وهي رواية يونس بن يعقوب، وقد تقدمت. وابن إدريس منع قول الشيخ أيضا. السادس: قوله: وإن جعل عتقها صداقها ولم يكن أدى ثمنها ثم مات فإن كان له مال يحيط بثمن رقبتها أدى عنه وكان العتق والنكاح ماضيين، وإن لم يترك غيرها كان العتق والعقد فاسدين وترجع الأمة إلى مولاها الأول، وإن كانت قد علقت منه كان حكم ولدها حكمها في كونه رقا. وقال ابن الجنيد: وإن مات وثمن الأمة التي تزوجها دين عليه وليس له ما يحيط به بطل العتق والنكاح، وهي وما في بطنها رق لمولاها الأول. وليس بجيد. وابن إدريس منع من ذلك كل المنع (1)، وهو الحق، فإن العتق والنكاح صادفا ملكا صحيحا، والولد انعقد حرا، فلا وجه لبطلان ذلك. والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية هشام بن سالم، عن أبي بصير الصحيحة قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر عن رجل باع من رجل جارية بكرا إلى سنة فلما قبض المشتري أعتقها من الغد وتزوجها وجعل مهرها عتقها ثم مات بعد ذلك بشهر، فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: إن كان الذي اشتراها إلى سنة له مال أو عقدة يحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه ونكاحه جائز، وإن لم يملك مالا أو عقدة يحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه ونكاحه باطل، لأنه أعتق ما لا يملك، وأرى أنها رق لمولاها الأول. قيل له: فإن كانت قد علقت من الذي أعتقها وتزوجها ما حال ما في بطنها؟ فقال: الذي في بطنها مع أمه كهيئتها (2).

(1) السرائر: ج 2 ص 639.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 202 ح 714، وسائل الشيعة: ب 71 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 582..

[ 290 ]

والجواب: إن هذه الرواية لما نافت الأصول وجب تأويلها بالمحتمل، وهو: أن يكون المشتري مريضا وصادف عتقه نكاحه وشراؤه مرض الوفاة وحينئذ نقول بموجبه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أذن الرجل لعبده في التزويج فتزوج ثم أبق لم يكن لها على مولاه نفقة وقد بانت من الزوج وكان عليها العدة منه، فإن رجع العبد قبل خروجها من العدة كان أملك برجعتها، وإن عاد بعد انقضاء عدتها لم يكن له عليها سبيل (1). وبه قال ابن حمزة، إلا أنه قال: إذا تزوج عبد بأمة غيره بإذن السيدين ثم أبق العبد (2). وساق الكلام. وقال ابن إدريس: هذه رواية أوردها الشيخ في نهايته ولم يوردها غيره، والذي يقتضيه أصول الأدلة أن النفقة ثابتة على السيد، وإنها لا تبين من الزوج، والزوجية بينهما باقية، لأنها الأصل، والبينونة تحتاج إلى دليل قاطع من طلاق الزوج أو موته أو بيع سيده له وفسخ المشتري أو لعان أو ارتداد، وليس الاباق واحد من ذلك (3). والوجه إن الاباق لا يقتضي فسخ العقد، لأصالة البقاء. احتج الشيخ - رحمه الله - بما رواه عمار الساباطي، الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أذن لعبده في تزويج امرأة فتزوجها ثم إن العبد أبق، فقال: ليس لها على مولاه نفقة وقد بانت عصمتها منه، فإن إباق العبد طلاق امرأته وهي بمنزلة المرتد عن الاسلام، قلت: فإن رجع إلى مواليه ترجع إليه امرأته؟ قال: إن كانت قد انقضت عدتها منه ثم تزوجت غيره فلا سبيل

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 398 - 399.
(2) الوسيلة: ص 307.
(3) السرائر: ج 2 ص 641..

[ 291 ]

له عليها، وإن لم تتزوج ولم تنقض العدة فهي امرأته على النكاح الأول (1). ولأنه لما كان الارتداد - وهو الخروج عن طاعة الله تعالى الواجبة على المكلف - موجبا لفسخ النكاح فكذا الاباق - الذي هو خروج عن طاعة المولى الواجبة على العبد - يجب أن يكون موجبا لفسخ النكاح. والجواب: الطعن في السند، فإن عمارا فطحي لا يعول على ما ينفرد به، ونمنع المساواة في الحكم بين الارتداد والاباق وظاهر عدمه، فإن الأول موجب للقتل، بخلاف الثاني. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا زوج الرجل أمته من غيره وسمى لها مهرا معينا وقدم الرجل من جملة المهر شيئا معينا ثم باع الرجل الجارية لم يكن له المطالبة بباقي المهر ولا لمن يشتريها، إلا أن يرضى بالعقد (2). وتبعه ابن البراج (3). وقال في المبسوط: فإذا باعها كان بيعها طلاقها عندنا، وخالف الجميع في ذلك، وقالوا: العقد باق بحاله. ثم قال: فأما المهر فإن كان الزوج قد دخل بها فقد استقر المهر، فإن كان السيد الأول قبضه فذلك له، وإلا كان للثاني مطالبة الزوج به، وإن لم يكن دخل بها لم يجب على الزوج تسليم المهر، فإن كان الزوج قد أقبضه استرده، وإن لم يكن أقبضه لم يكن عليه إقباضه. ثم قال: وأما المهر فإن كان صحيحا - وهو المسمى بالعقد - كان للسيد الأول، لأنه وجب في ملكه، وإن كان فاسدا لزمه مهر المثل بالعقد - وكان للسيد الأول، لأنه وجب بالعقد وكانت حين العقد في ملكه، وإن كانت مفوضة - وهو أن

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 207 ح 731، وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 582 - 583.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 400 - 401. (3) المهذب: ج 2 ص 250..

[ 292 ]

يكون نكاح بلا مهر أو يقول: زوجتكها على ألا مهر لها - فالمهر لا يجب بالعقد، لكن السيد يفرض مهرا، فإذا فرض لها المهر فإن كان قبل البيع فهو للأول، لأنه وجب والملك له، وإن كان الفرض بعد البيع قيل فيه: وجهان: أحدهما: أنه للثاني، والثاني: إنه للأول. وهكذا إذا زوج أمته مفوضة ثم أعتقها ثم فرض المهر فيه وجهان: أحدهما: لها وكان لسيدها على ما قلناه. وعلى ما قدمناه من أن بيعها طلاقها فالمهر إن كان قد قبضه الأول فهو له، وإن كان بعد الدخول فقد استقر، وإن كان قبل الدخول فعليه أن يرد نصفه، وإن كان لم يقبضه فلا مهر لها لا للأول ولا للثاني، وإن اختار المشتري إمضاء العقد ولم يكن قد قبض الأول المهر كان للثاني، لأنه يحدث في ملكه، فإن دخل بها بعد الشراء استقر له الكل، وإن طلقها قبل الدخول كان عليه نصف المهر الثاني، وإن كان الأول قد قبض المهر ورضي الثاني بالعقد لم يكن له شئ، لأنه لا يكون مهران في عقد واحد (1). وقال ابن إدريس: إذا زوج أمته من غيره وسمى لها مهرا معينا ثم باع المولى الجارية قبل الدخول بها لم يكن له المطالبة بشئ من المهر، لأن الفسخ جاء من قبل مولى الجارية، وكل فسخ جاء من قبل النساء قبل الدخول بهن فإنه يبطل مهورهن، وكذلك ليس لمن يشتريها أيضا المطالبة بالمهر، إلا أن يرضى بالعقد، فإن رضي المشتري بالعقد كان رضاه كالعقد المستأنف وله حينئذ المطالبة بالمهر كملا، فإن طلقها الزوج قبل الدخول استحق المشتري نصفه، وإن طلقها بعد الدخول استحقه كله، فإن كان الزوج قد دخل بها قبل أن يبيعها مولاه الأول فإن المهر للأول يستحقه جميعه، لأن بالدخول يستقر جميع المهر وله المطالبة به، فإن رضي المولى الثاني - الذي هو المشتري - بالعقد الأول لم يكن له مهر على الزوج، لأن عقدا واحدا

(1) المبسوط: ج 4 ص 197 - 198..

[ 293 ]

لا يستحق عليه مهران، وإن لم يرض بالعقد الأول انفسخ النكاح وكان للمولى الأول المطالبة بكمال المهر إن لم يكن استوفاه ولا قبضه (1). وقول ابن إدريس هو المعتمد، لكن الشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل زوج مملوكته من رجل على أربعمائة درهم فعجل له مائتي درهم ثم أخر عنه مائتي درهم فدخل بها زوجها ثم إن سيدها باعها بعد من رجل لمن يكون المائتان المؤخرة عنه؟ فقال: إن لم يكن أوفاها بقية المهر حتى باعها فلا شئ عليه له ولا لغيره (2). والجواب: بحمل الدخول على الخلوة دون الايلاج. وقوله: (إن لم يكن أوفاها بقية المهر) معناه: إن لم يكن فعل (3) الدخول الذي باعتباره يجب أن يوفيها المهر ثم باعها لم يكن له شئ للفسخ بالبيع من قبله قبل الدخول ولا لغيره إذا لم يجز العقد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا زوج الرجل مملوكا له بامرأة حرة كان المهر لازما في ذمته، فإن باع العبد قبل الدخول بها وجب على المولى نصف المهر (4). وتبعه ابن البراج (5)، وابن حمزة (6). وقال ابن إدريس: يجب على المولى كمال المهر، لأن المهر عندنا يجب بمجرد العقد، ويسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، وما عدا الطلاق لا يسقط منه شيئا، وهذا لم يطلق، وحمل ذلك على الطلاق قياس. وأيضا حقوق

(1) السرائر: ج 2 ص 641 - 642.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 209 ح 744، وسائل الشيعة: ب 87 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 590.
(3) م 3: قبل.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 401.
(5) المهذب: ج 2 ص 250.
(6) الوسيلة: ص 306..

[ 294 ]

الادميين إذا وجبت لا تسقط إلا بدليل، وقد أجمعنا على سقوط نصفه بالطلاق، فأما غيره فلا إجماع عليه (1). والوجه ما قاله الشيخ، لأن البيع سبب التفريق من جهة البائع، فإذا انضم إليه فسخ المشتري كمل السبب فأسقط نصف المهر كالطلاق، ونمنع المصير في ذلك إلى القياس بل إلى النقل. وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن - عليه السلام - في رجل زوج مملوكا له امرأة حرة على مائة درهم ثم إنه باعه قبل أن يدخل عليها، فقال: يعطيها سيده من ثمنه نصف ما فرض لها، إنما هو بمنزلة دين له استدانه بأمر سيده (2). ونمنع انحصار الأدلة في الاجماع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا زوج جاريته من حر ثم أعتقها فإن مات زوجها ورثته ولزمها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها، وإن علق عتقها بموت زوجها ثم مات الزوج لم يكن لها ميراث، وكان عليها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها (3). وتبعه ابن البراج على (4) ذلك في المهذب (5). وقال ابن إدريس: هذه رواية شاذة أوردها شيخنا إيرادا لا اعتقادا، والذي يقتضيه أصول مذهبنا أن العتق باطل، لأن العتق بشرط بإجماعنا غير صحيح، وليس هذا تدبيرا، لأن حقيقة التدبير تعليق عتق المملوك بموت سيده

(1) السرائر: ج 2 ص 643 - 644.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 210 ح 745، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 585 - 586.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 401 - 402.
(4) ق 2: في.
(5) المهذب: ج 2 ص 250..

[ 295 ]

دون موت غيره، لأنه بغير خلاف عندنا بمنزلة الوصية، وإلا ما كان يصح ذلك أيضا لولا الاجماع المنعقد عليه، فإذا لم ينعتق كان يلزمه على مذهبه أن تكون عدتها شهرين وخمسة أيام على ما ذهب إليه في نهايته. قال: والأظهر أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها عدة الحرة سواء على ما سنبينه (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام - عن رجل زوج أمته من رجل آخر ثم قال لها: إذا مات الزوج فهي حرة فمات الزوج، فقال: إذا مات الزوج فهي حرة تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، ولا ميراث لها منه، لأنها إنما صارت حرة بعد موت الزوج (2). والتحقيق في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى في باب التدبير. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن أعتق الرجل أم ولده فارتدت بعد ذلك وتزوجت رجلا ذميا ورزقت منه أولادا كان أولادها من الذمي رقا للذي أعتقها، فإن لم يكن حيا كانوا رقا لأولاده، ويعرض عليها الاسلام فإن رجعت وإلا وجب عليها ما يجب على المرتدة عن الاسلام (3). وقال ابن إدريس: الذي يقتضي مذهبنا إن أولادها لا يكونون رقا، لأنه لا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل الاجماع بخلافه، لأن ولد الحرين حر بلا خلاف، وإنما هذه رواية شاذة أوردها شيخنا إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثالها مما لا يعمل عليه ولا يلتفت إليه (4). وقول ابن إدريس جيد.

(1) السرائر: ج 2 ص 644.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 213 ح 760، وسائل الشيعة: ب 65 من أبواب نكاح العبيد والإماء ح 1 ج 14 ص 576.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 402 - 404.
(4) السرائر: ج 2 ص 644..

[ 296 ]

والشيخ عول في ذلك على رواية محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى علي - عليه السلام - في وليدة كانت نصرانية فأسلمت عند رجل فولدت لسيدها غلاما ثم إن سيدها مات فأصابها عتاق السرية فنكحت رجلا نصرانيا داريا - وهو العطار - فتنصرت ثم ولدت ولدين وحملت آخر فقضي فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، فقال: أما ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، واحبسها حتى تضع ما في بطنها فإذا ولدت فاقتلها (1). ويمكن أن يقال: ما ذكره الشيخ يتوقف على مباحث فروعية وأصولية: منها: إن الايمان لا يتعقبه الكفر، وهو شئ ذهب إليه بعض العلماء، للتنافي بين الاستحقاق للثواب الدائم والعقاب الدائم، وبطلان القول بالاحباط والموافاة عندهم، ونحن قد بينا الحق في ذلك في كتبنا الكلامية. ومنها: إن عتق الكافر باطل. ومنها: إن تزويج المرتدة بالذمي باطل، وهو مشهور. وإذا تمهدت هذه المباحث فنقول: الارتداد كاشف عن بطلان الايمان السابق فيكون العتق باطلا، حيث لم يصادف محلا قابلا، ويكون التزويج باطلا، والأولاد نماء الجارية لمولاها أو لورثته. مسألة: جعل ابن حمزة استبراء التي لم تبلغ المحيض ومثلها من تحيض والايسة من المحيض ومثلها من تحيض مستحبا (2). وظاهر كلام الأصحاب الوجوب، وهو المشهور، لأن الاستبراء هنا كالعدة، وكما يجب عليهما الاعتداد لو كانتا حرتين كذا يجب عليهما الاستبراء حال العبودية. مسألة: قال ابن الجنيد: وليس يحل للأب وطء أمة ابنه، إلا بعد أن يعلم

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 213 ح 761، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب حكم أم الولد... ح 1 ج 16 ص 109.
(2) الوسيلة: ص 308..

[ 297 ]

إن الإبن لم يطأها، ولا وطئ من يحرم عليه بوطئه لها وله وطأها بعد أن يقومها على نفسه قيمة عادلة، ويشهد على نفسه بذلك إن كان الإبن في حجره صغيرا أو كبيرا غائبا، وتجنب مال الإبن البالغ أحوط، إلا بعد إذنه في ذلك. وفي هذا الكلام نظر من وجهين: الأول: اشتراط الاشهاد، وهو ممنوع، فإن الولاية له، نعم يستحب له ذلك، وإن وجب لكنه ليس بشرط في النكاح. الثاني: إباحة التقويم إذا كان البالغ غائبا، فإن ولايته عنه سقطت، فليس له التصرف في ملكه بغير إذنه..

[ 298 ]

الفصل السابع في لواحق النكاح مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): الكفاءة معتبرة في النكاح، وهي عندنا شيئان: الايمان وامكان القيام بالنفقة. واليسار المراعى ما يمكنه (معه) القيام بمؤونة المرأة وكفايتها لا أكثر من ذلك. وفي النهاية: المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض في عقد النكاح، كما أنهم متكافئون في الدماء وإن اختلفوا في النسب والشرف (3). وقال المفيد: المسلمون الأحرار يتكافؤون بالاسلام والحرية في النكاح، وإن تفاضلوا في الشرف والنسب كما يتكافؤون في الدماء والقصاص، فالمسلم إذا كان واجدا طولا للانفاق بحسب الحاجة إلى الازواج مستطيعا للنكاح مأمونا على الانفس والأموال ولم يكن به آفة في عقله ولا سفه في رأيه فهو كفؤ في النكاح (4). وقال ابن الجنيد: الاسلام جامع وأهلوه تتكافأ دماؤهم، إلا أن لمن

(1) المبسوط: ج 4 ص 178 و 179.
(2) الخلاف: ج 4 ص 271 المسألة 27. (3) النهاية ونكتها ج 2 ص 307.
(4) المقنعة: ص 512..

[ 299 ]

حرمت عليه الصدقة فضلا على غيرهم فوجب ألا يتزوج فيهم إلا منهم، لئلا يستحل بذلك الصدقة من حرمت عليه إذا كان الولد منسوبا إلى من تحل له الصدقة. وقال ابن البراج: المؤمنون الأحرار يتكافؤون في النكاح وإن تفاضلوا في النسب والشرف كما يتكافؤون في الدماء (1). وقال ابن حمزة: الكفاءة معتبرة في نكاح الدوام، وهي الأيمان (2). وقال ابن إدريس: عندنا إن الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران: الأيمان واليسار بقدر ما يقوم بأمرها والانفاق عليها، ولا يراعى ما وراء ذلك من الانساب والصنائع. والأولى أن يقال: إن اليسار ليس بشرط في صحة العقد، وإنما للمرأة الخيار إذا لم يكن موسرا بنفقتها ولا يكون العقد باطلا، بل الخيار إليها، وليس كذلك خلاف الأيمان الذي هو الكفر إذا بان كافرا، فإن العقد باطل، ولا يكون للمرأة الخيار كما كان لها في اليسار. ثم أمر بأن يلحظ ذلك ويتأمل (3). وهو الوجه عندي. أما اعتبار الايمان فقد تقدم. وأما اعتبار اليسار فلو نكحت المرأة ابتداء بفقير عالمة بذلك صح نكاحها إجماعا، ولو كانت الكفاءة شرطا لم يصح، وإذا صح مع العلم وجب أن يصح مع الجهل، لوجود المقتضي السالم عن معارضة كون الفقر مانعا. نعم أثبتنا لها الخيار دفعا للضرر عنها ورفعا للمشقة اللاحقة بها بسبب احتياجها مع فقره إلى مؤونة يعجز عنها ولا يمكنها التزوج بغيره، فلو لم يجعل لها الخيار كان ذلك من أعظم الضرر عليها، وهو منفي إجماعا.

(1) المهذب: ج 2 ص 179.
(2) الوسيلة: ص 290.
(3) السرائر: ج 2 ص 557..

[ 300 ]

ويؤيده ما رواه عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - يوما ونحن عنده: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، قال: قلت: يا رسول الله وإن كان دنيا في نسبه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (1). وروى محمد بن يعقوب - مرسلا - عن الصادق - عليه السلام - قال: إن الله عز وجل لم يترك شيئا مما يحتاج إليه إلا علمه نبيه - صلى الله عليه وآله - فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الابكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الابكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر. قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله فمن أتزوج؟ قال: الاكفاء قال: يا رسول الله من الاكفاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض، المؤمنون بعضهم أكفاء بعض (2). احتج من اعتبر اليسار بما رواه محمد بن الفضل الهاشمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: الكفوء: أن يكون عفيفا ويكون عنده يسار (3). واحتج ابن الجنيد بما رواه علي بن هلال - إلى أن قال: - فخرج الخارجي

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 394 ح 1578، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب النكاح ومقدماته ح 6 ج 14 ص 52.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 397 ح 1588، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب النكاح ومقدماته ح 2 ج 14 ص 39.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 394 ح 1579، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب النكاح ومقدماته ح 7 ج 14 ص 52..

[ 301 ]

حتى أتى الصادق - عليه السلام - فقال: إني لقيت هشاما فسألته عن كذا فأخبرني بكذا فذكر أنه سمعه منك، فقال: نعم قد قلت ذلك، فقال الخارجي: فها أنا قد جئتك خاطبا، فقال له الصادق - عليه السلام - إنك لكفوء في كرمك وحسبك في قومك، ولكن الله عز وجل صاننا عن الصدقة، وهي أوساخ أيدي الناس، فكره أن نشرك فيما فضلنا الله به من لم يجعل الله له مثل ما جعل لنا. فقام الخارجي وهو يقول: تا الله ما رأيت رجلا قط مثله ردني والله أقبح رد وما خرج من قول صاحبه (1). والجواب: الحمل على الأولوية، لما رواه معاوية بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - زوج صفية بنت الزبير بن عبد المطلب من مقداد بن الأسود فتكلمت في ذلك بنو هاشم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إنما أردت أن تتضع المناكح (2). مسألة: المشهور اشتراط ايمان الزوج في نكاح المؤمنة. وقال ابن حمزة: يكره أن يزوج كريمته من خمسة: من المستضعف المخالف إلا مضطرا (3). لنا: قوله - عليه السلام -: (المؤمنون بعضهم أكفاء بعض) (4) دل بمفهومه على أن غير المؤمن ليس كفوء للمؤمن.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 395 - 396 ح 1583، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب النكاح ومقدماته ح 3 ج 14 ص 46، وفيهما: (علي بن بلال).
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 395 ح 1581، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب النكاح ومقدماته ح 5 ج 14 ص 47.
(3) الوسيلة: ص 291.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 398 ذيل الحديث 1588، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ذيل الحديث 2 ص 61 - 62..

[ 302 ]

ولأنها ربما انتقلت عن دينها بكثرة المعاشرة. مسألة: قال المفيد: وليس لأحد أن يعزل الماء عن زوجة له حرة، إلا أن ترضى منه بذلك، وله أن يعزل عن الأمة بغير رضاها واختيارها (1). وهو مشعر بالمنع في الحرة. وقال الشيخ في النهاية: يكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرة، فإن عزل لم يكن بذلك مأثوما، غير أنه يكون تاركا فضلا، اللهم إلا أن يشترط عليها في حال العقد أو يستأذنها في حال الوطء فإنه لا بأس بالعزل عنها عند ذلك. وأما الأمة فلا بأس بالعزل عنها على كل حال (2). وقال ابن البراج: إنه مكروه أيضا (3). وقال ابن إدريس: يكره للرجل أن يعزل عن امرأته الحرة، فإن عزل لم يكن بذلك مأثوما، غير أنه يكون تاركا فضلا، على الصحيح من أقوال أصحابنا والأظهر في رواياتهم، لأنه روى أن ذلك محظور وعليه دية ضياع النطفة عشرة دنانير، والأصل براءة الذمة من شغلها بواجب، ولا يرجع في مثل هذا إلى أخبار الاحاد (4). والوجه الكراهية. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - إنه سئل عن العزل، فقال: أما الأمة فلا بأس، وأما الحرة فإني أكره ذلك، إلا أن يشترط عليها حين يتزوجها (5). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته

(1) المقنعة: ص 516.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 354.
(3) المهذب: ج 2 ص 223.
(4) السرائر: ج 2 ص 607.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 417 ح 1671، وسائل الشيعة: ب 76 من أبواب النكاح ومقدماته ح 1 ج 14 ص 106..

[ 303 ]

عن العزل، فقال: ذاك إلى الرجل (1). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن العزل، فقال: ذاك إلى الرجل يصرفه حيث شاء (2). مسألة: المشهور إن العقيقة مستحبة وليست واجبة. وقال السيد المرتضى (3)، وابن الجنيد: إنها واجبة. لنا: أصالة البراءة. احتج السيد المرتضى بما رواه علي بن أبي حمزة، عن العبد الصالح - عليه السلام - قال: العقيقة واجبة إذا ولد للرجل ولد، فإن أحب أن يسميه من يومه فعل (4). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن العقيقة واجبة هي؟ قال: نعم واجبة (5). وعن أبي خديجة، عن الصادق - عليه السلام - قال: كل مولود مرتهن بالعقيقة (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 416 ح 1667، وسائل الشيعة: ب 75 من أبواب النكاح ومقدماته ح 2 ج 14 ص 105.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 417 ح 1669، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النكاح ح 1 ج 14 ص 105.
(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 440 ح 1759، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب أحكام الأولاد ح 5 ج 15 ص 144.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 440 - 441 ح 1760، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب أحكام الأولاد ح 4 ج 15 ص 144.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 441 ح 1762، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب أحكام الأولاد ح 6 ج 15 ص 144..

[ 304 ]

والجواب، المراد شدة الاستحباب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن كانت الأم حرة واختارت رضاعه كان لها ذلك، وإن لم تختر لم تجبر على رضاع ولدها، وإن كانت أمة جاز أن تجبر على رضاع ولدها، وإن طلبت الحرة أجرة الرضاع كان لها ذلك على أب الولد، وإن كان أبوه مات كان أجرها من مال الصبي (1). وقال في الخلاف: ليس للرجل أن يجبر زوجته على الرضاع لولدها شريفة كانت أو مشروفة، موسرة أو معسرة، دنية أو نبيلة، لأصالة البراءة، وعليه إجماع الفرقة وأخبارهم (2). ثم قال - بعد هذه المسألة -: البائن إذا كان لها ولد يرضع ووجد الزوج من يرضعه تطوعا وقالت الأم: أريد أجرة المثل كان له نقل الولد عنها، وقال أبو حامد من الشافعية: ليس له نقله عنها ويلزمه أجرة المثل. واستدل بقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فاتوهن أجورهن) فأوجب لها الأجرة إذا أرضعته، ولم يفصل. وأجاب الشيخ عنه: بأنها تفيد لزوم الأجرة إن أرضعت، وذلك لا خلاف فيه، وإنما الكلام في أنه هل يجب دفع المولود إليها لترضعه أم لا؟ وليس كذلك في الآية. ثم استدل الشيخ بقوله تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) وهذه إذا طلبت الأجرة وغيرها تتطوع فقد تعاسرا (3). وقال ابن إدريس بعد ما نقل كلام الشيخ في النهاية والخلاف وبعد ما نقل كلام الشيخ في المبسوط - وهو: إن الحرة إذا اختارت رضاعه كان لها ذلك، وإن لم تختر فلا تجبر على رضاع ولدها، فإن طلبت الأجر على رضاعه وكانت في حبال أبيه غير مطلقة منه طلاقا لا رجعة فيه فلا تستحق أجرا، ولا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 408 - 409.
(2) الخلاف: ج 5 ص 129 المسألة 33.
(3) الخلاف: ج 5 ص 130 المسألة 34. .

[ 305 ]

ينعقد بينها وبين زوجها عقد إجارة، لأن منافعها في كل وقت مستحقة للزوج بعقد النكاح فيما يرجع إلى أحكام الوطء وتوابعه، وإذا ملك جميع المنافع لم تنعقد الإجارة، كما لو استأجر غيره لعمل شهرا ثم استأجره للعمل ذلك الشهر بعينه فإن الثاني باطل على ما قدمناه في باب الإجارة، وإن كانت مطلقة طلاقا لا يملك الزوج الرجعة فيه فلها أن تعقد على نفسها لرضاع ولدها -: إن كلام أبي حامد قوي، وبه أفتي، وعليه أعمل، لقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فأوجب لها الأجرة إذا أرضعته، ولم يفصل بين من هي في حباله أو بائن عنه، وهو الظاهر من أقوال أصحابنا، أعني: استحقاقها الأجرة، وصحة العقد عليها للرضاع، سواء كانت بائنا عنه أو في حبال زوجها، إلا أنه لا يجبرها على الرضاع. وهذا اختيار السيد المرتضى. والذي اخترناه مذهبه في نهايته، وهو المنصوص عن الأئمة الأطهار - عليهم السلام - (1). والوجه صحة الاستئجار، سواء كانت الزوجة في حباله أو لا، وأن الزوجة أحق برضاع الولد إذا طلبت ما يطلبه الغير من الأجرة، سواء كانت زوجة أو مطلقة بائنا أو رجعيا، ولو تبرع الغير كان للأب نقله عنها إذا لم ترض بالتبرع. وكلام أبي حامد ليس بجيد، والذي اختاره ابن إدريس ليس هو كلام أبي حامد، لأن أبا حامد أوجب لها الأجرة مع وجود المتبرع، ومنع من النقل عنها. واستدلال الشيخ في المبسوط (من تملك الزوج منافعها) (2) ممنوع، وتملك وجوه الاستمتاع لا يقتضي تملك الاسترضاع، والمنع جائز إذا اختاره.

(1) السرائر: ج 2 ص 649 - 650 وليس فيه عبارة: (وإذا ملك جميع المنافع... فإن الثاني باطل).
(2) المبسوط: ج 2 ص 36 - 37..

[ 306 ]

مسألة: إذا بانت المرأة من الزوج كانت أحق بالحضانة في الذكر مدة الحولين، وفي الأنثى مدة سبع سنين، اختاره الشيخ في النهاية (1). وقال المفيد: الأم أحق بالولد الذكر مدة الحولين، وبالأنثى مدة تسع سنين (2). وقال الشيخ في المبسوط: إن كان الولد طفلا لا يميز ولا يعقل فالأم أحق به، وإن كان بالغا رشيدا فالخيار إليه ذكرا كان أو أنثى، وإن كان طفلا مميزا - وهو إذا بلغ سبع سنين أو ثمان فما فوقها إلى البلوغ - فالذي رواه أصحابنا أنه إن كان ذكرا فالاب أحق به، وإن كانت أنثى فالأم أحق به إلى أن يبلغ ما لم تتزوج (3). وفي الخلاف: إذا بانت المرأة من الرجل ولها ولد منه فإن كان طفلا يميز - وهو إذا بلغ سبع سنين أو ثمان سنين فما فوقها إلى حد البلوغ - فإن كان ذكرا فالاب أحق به، وإن كان أنثى فالأم أحق به ما لم تتزوج، فإن تزوجت فالاب أحق بها، لا جماع الفرقة وأخبارهم (4). وقال الصدوق في المقنع: إذا طلق الرجل امرأته وبينهما ولد فالمرأة أحق بالولد ما لم تتزوج (5). وقال ابن الجنيد: الأم أحق بالصبي إلى سبع سنين، فإذا جاز سبع سنين وهو معتوه كان حكمه حكم الطفل في استحقاق الأم إياه، وأما البنت فالأم أولى بها ما لم تتزوج الأم.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 409.
(2) المقنعة: ص 531.
(3) المبسوط: ج 6 ص 39.
(4) الخلاف: ج 5 ص 131 المسألة 36.
(5) لم نعثر عليه..

[ 307 ]

وابن البراج في الكامل، وابن حمزة (1)، وابن إدريس (2) تبعوا شيخنا في النهاية. وسلار (3) تابع شيخنا المفيد. وقال ابن البراج في المهذب: إذا بانت المرأة وله منها ولد طفل لا يعقل ولا يميز كانت هي أولى بحضانته من أبيه، وإن كان صغيرا وقد ميز ولم يبلغ وكان ذكرا كانت أمه أولى به إلى سبع سنين من عمره، وإن كانت أنثى كانت الأم أحق بها إلى تسع سنين، وقيل: إلى بلوغها ما لم تتزوج (4). والوجه ما قاله (5) الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه داود بن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: والوالدات يرضعن أولادهن، قال: ما دام الولد في الرضاع هو بين الأبوين بالسوية، فإذا فطم فالاب أحق به من الأم، فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة، وإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم وقالت الأم، لا أرضعه إلا بخمسة دراهم فإن له أن ينزعه منها، إلا أن (رأى) ذلك خيرا له وأرفق به يتركه مع أمه (6). وما رواه فضل أبي العباس قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل أحق بولده أم المرأة؟ فقال: لا بل الرجل، وإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحق به (7).

(1) الوسيلة: ص 288.
(2) السرائر: ج 2 ص 651.
(3) المراسم: ص 164. (4) المهذب: ج 2 ص 352.
(5) م 3: والوجه قول.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 104 - 105 ح 352، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب أحكام الأولاد ح 1 ج 15 ص 190 - 191.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 105 ح 353، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب أحكام الأولاد ح 3 ج 15 ص 191..

[ 308 ]

وما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أيوب بن نوح قال: كتب إليه بعض أصحابه كانت لي امرأة ولي منها ولد وخليت سبيلها، فكتب - عليه السلام -: المرأة أحق بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين إلا أن تشاء المرأة (1). وإنما حملناه على الأنثى جمعا بين الأخبار. واحتج الصدوق على قوله في المقنع بما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه عن حفص بن غياث أو غيره قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طلق امرأته وبينهما ولد أيهما أحق به؟ قال: المرأة ما لم تتزوج (2). ورواه الشيخ عن المنقري، عمن ذكره (3). وتأوله بوجهين: أحدهما: إنها أحق إذا رضيت بمثل الأجرة التي أخذها الغير في رضاع الولد وتربيته، لرواية أبي العباس، وقد تقدمت. والثاني: حمله على أن يكون الأب عبدا، لما رواه داود الرقي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة حرة نكحت عبدا فأولدها وقال: أنا أحق بهم منك إن تزوجت، فقال: ليس للعبد أن يأخذ منها ولدها، وإن تزوجت حتى يعتق هي أحق بولدها منه ما دام مملوكا، فإذا أعتق فهو أحق بهم منها (4). قال ابن إدريس: ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه بعضه قول بعض

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 435، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب أحكام الأولاد ح 6 ج 15 ص 192.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 435 ح 4502، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب أحكام الأولاد ذيل الحديث 4 ج 15 ص 191.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 105 ح 354، وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب أحكام الأولاد ذيل الحديث 4 ج 15 ص 191. (4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 107 ح 361، وسائل الشيعة: ب 73 من أبواب أحكام الأولاد ح 2 ج 15 ص 181..

[ 309 ]

المخالفين، والعجب قوله في آخر المسألة: (دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم) وهذا مما يضحك الثكلى، من أجمع منهم معه وأي أخبار لهم في ذلك؟!، بل أخبارنا بخلافه واردة، وإجماعنا بضد ما قال (1). وهذا القول جهل منه، لتضمنه الجرأة العظيمة على الشيخ وعلى غيره من متقدمي علمائنا ونسبة الشيخ إلى قول غير الحق، وما يدريه (2) بالاجماع والخلاف وما ورد من الأخبار. ولعل هذه المسألة كانت إجماعية في زمن الشيخ - رحمه الله - أفتى بها من كان في زمانه من المعتبرين، والصدوق ابن بابويه وابن الجنيد من أكابر علمائنا قالا بذلك، وقد تلونا الخبر الدال عليه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا تزوجت الأم سقط حقها من حضانة الولد، فإن طلقها زوجها بائنا عاد حقها من الحضانة. ومنع ابن إدريس من العود (5). واحتج الشيخ بما رواه أبو هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: الأم أحق بحضانة ابنها ما لم تتزوج (6). علق حقها بالتزويج فإذا زال التزويج فالحق باق على ما كان. وعن عبد الله بن عمر أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني لها وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال لها النبي - عليه السلام - أنت أحق به ما لم تنكحي (7).

(1) السرائر: ج 2 ص 653، وفيه (بضد ما قاله).
(2) م 3: وما يدرئ به.
(3) المبسوط: ج 6 ص 41.
(4) الخلاف: ج 3 ص 83 المسألة 38 و 39، طبعة اسماعيليان.
(5) السرائر: ج 2 ص 651.
(6) الخلاف: ج 5 ص 132 المسألة 38.
(7) الخلاف: ج 5 ص 132 المسألة 38. .

[ 310 ]

احتج ابن إدريس بأن الحق خرج عنها بالنكاح، وعوده يحتاج إلى دليل، والرسول - عليه السلام - جعل غاية الاستحقاق للحضانة التي تستحقها الأم تزويجها، وهذه قد تزوجت، فخرج الحق منها (1). والوجه ما قاله الشيخ، لأن الحضانة جعلت إرفاقا بالصبي، فإذا تزوجت الأم خرجت باشتغالها بزوجها، وحقوقه عن الحضانة للطفل، وربما منعت الزوج بعض حقوقه لو حضنته فلهذا سقطت، فإذا طلقت زال المانع، فبقي المقتضي سليما عن المعارض، فثبت حكمه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الأخت للأب أولى بالحضانة من الأخت للأم، لأنه لها النصف، ولهذه السدس، فكانت أولى بالميراث، فكانت أولى بالحضانة، لقوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) (2). وقال في المبسوط: الأقوى أن الأخت للأب أولى من الأخت للأم، ثم قال: وإن قلنا: إنهما سواء ويقرع بينهما كان قويا (3). وقال ابن الجنيد: قرابة الأم أحق بالأنثى من قرابة الأب، لحكم النبي - صلى الله عليه وآله - بابنة حمزة لخالتها دون أمير المؤمنين - عليه السلام - وجعفر وقد طالبا بها، لأنها ابنة عمهما جميعا. وقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: إن عندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله - وهي أحق بها، فقال النبي - عليه السلام: - ادفعوها إلى خالتها، فإن الخالة أم. وقال ابن إدريس عن استدلال الشيخ: ليس بمعتمد، لأنهما جميعا مسميتان كل واحدة بنفسها يتقرب إليه (4). ونحن في هذه المسألة من المتوقفين.

(1) السرائر: ج 2 ص 651.
(2) الخلاف: ج 5 ص 134 المسألة 41.
(3) المبسوط: ج 6 ص 42.
(4) السرائر: ج 2 ص 653..

[ 311 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الجدات أولى بالولد من الأخوات، لما ثبت من أن الأم أولى، واسم الأم يقع على الجدة. ثم قال: وأم الأب أولى من الخالة، ولأب الأم وأم أب الأم حضانة، لأن اسم الأب يتناولهما، فقد دخلا في ظاهر الأخبار. وأيضا قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) وهو عام في كل شئ إلا ما خصه الدليل، وإذا لم تكن أم وهناك أم أم أو جدة أم أم وهناك أب فالاب أولى، لأنه أقرب بلا شك، لأنه يدلي بنفسه، وإن كان مع الأب أخت من أم أو خالة أسقطهما، وإذا اجتمعت العمة والخالة تساويتا وأقرع بينهما، لتساويهما في الدرج فلا ترجيح لاحداهما على الأخرى، وإذا اجتمع جد وخالة وأخت لأم فالجد أولى، وأم الأب والجد متساويان، لتساويهما في الدرج، والعم وابن العم وابن عم الأب والعصبات يقومون مقام الأب في الحضانة، لعموم الآية في جميع الأحكام، والأخت للأب والجد متساويان، لتساويهما في الدرج، ولا حضانة لأحد من العصبة مع الأم، لقوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) والأم أقرب من العصبة، وإذا اجتمع مع العصبة ذكر من ذوي الأرحام كالأخ والخال والجد وأب الأم كان الأقرب أولى، لقوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) والمراد به الأقرب فالأقرب، وذلك عام، وإذا لم يكن عصبة وهناك خال وأخ لأم وأب أم كان لهم الحضانة، للآية (1). وقال في المبسوط: إذا كان نساء القرابة ولا رجل معهن فالذي عندي أن الأم أولى من كل أحد، فإن لم يكن فكل امرأة كانت أولى بميراثه، فهي أولى به، فإن اجتمعا في درجة واحدة ولا مزية فهو بينهما، لقوله تعالى: (وأولوا الأرحام) وهو عام، وعلى هذا فالأخت للأب والأم أولى من الأخت

(1) الخلاف: ج 5 ص 135 - 139 المسألة 42 - 54..

[ 312 ]

لأحدهما، لأنها تدلي بسببين. فإذا لم تكن فالأخت للأب أولى، وقال بعضهم: الأخت للأم أولى، والأول أقوى. فإن لم تكن أخت من أب فالأخت للأم أولى، والخالة والعمة عندنا في درجة، وعندهم الخالة مقدمة، وعندنا إذا اجتمعتا أقرع بينهما. فإذا ثبت هذا فالخلاف في ثلاثة مواضع: في من هو أولى بعد أمهات الأم، الأخوات أو الجدات، فعندي أنهما سواء، ويقرع بينهما. الثاني: هل الخالة أولى من أم الأب؟ فعندهم على قولين، عندي أن أم الأب أولى. والثالث: في الأخت للأب مع الأخت للأم عندهم على قولين، وعندي أن الأخت من قبل الأب أولى. وإن قلنا: أنهما سواء ويقرع بينهما كان قويا، والعمة مؤخرة عن هؤلاء كلهن. وكل موضع قلنا: إنها أحق فإنها مع الولد كالأم هي أحق حتى يبلغ، فإذا بلغ (1) نظرت، فإن كان ذكرا فالمستحب له أن يفارقها، وإن كان أنثى فإن كانت ثيبا فكالذكر، وإن كانت بكرا كره له مفارقتها حتى تتزوج ويدخل بها. وكل موضع اجتمع اثنتان أختان أو خالتان وكان المولود طفلا لا يعقل أقرع بينهما، فإذا بلغ حد التخيير خيرناه بينهما، وأب الأم (2) له حق في الحضانة بوجه، وكذلك أم أبي الأم، لأنهما يرثان عندنا، فأما إذا كان هناك رجال ونساء فالأم أولى من الأب ومن كل أحد ما لم تتزوج أو يكون الولد ذكرا ويبلغ سبع سنين (3) فيكون الأب أولى، فأما غير الأب فهي أولى به على كل حال، وإن لم تكن أم فالاب أولى من أمهات الأم وإن علون، وعندهم أمهات الأم وإن علون أولى. فإن لم يكن أحد من أمهات الأم فالاب أولى من كل من يتقرب به من الأخوة والأخوات والجد والجدة بلا خلاف، وإن كان معه من يدلي بالأم أخت لأم أو خالة وليس معه غيرهما فالاب أولى

(1) في المصدر: بلغت.
(2) في المصدر: أم الأب.
(3) ق 2: تسع سنين، وفي المصدر: سنتين...

[ 313 ]

عندنا، وعندهم على وجهين. فإذا ثبت أن الأب أولى منهما فما دام هو باقيا فهو أولى، ثم أمه وأبوه في درجة، ثم جده وجدته في درجة مثل الميراث عندنا سواء، للآية، وعلى مذهب القوم إذا قالوا بما قلناه، وفيه خلاف، هذا إذا كان الأب موجودا. فأما إذا كان مفقودا ميتا أو هالكا فعندنا أن كل من كان أولى بميراثه فهو أولى به، فإن تساووا أقرع بينهم، فمن خرج اسمه سلم إليه، وفيه خلاف. وكل أب خرج من أهل الحضانة بفسق أو كفر أو رق فهو بمنزلة الميت سواء، ويكون الجد أولى، فإن كان الأب غائبا انتقلت حضانته إلى الجد، لأن القصد حفظه وصيانته فكان أحق من غيره، وكل من عدا الأب والجد ممن يتقرب بهما من الذكور له حظ في الحضانة عندنا ويقومون مقام الأب والجد إذا كانوا أولى بميراثه، وإن تساووا فالقرعة (1). وقال ابن البراج في المهذب: إذا بانت المرأة من زوجها وله منها ولد طفل لا يعقل ولا يميز كانت هي أولى بحضانته من أبيه، وإن كان بالغا عاقلا تخير بين أن يكون مع أبيه أو أمه، وإن كان صغيرا وقد ميز ولم يبلغ وكان ذكرا كانت أمه أولى به إلى سبع سنين من عمره، وإن كانت أنثى كانت الأم أحق بها إلى تسع سنين، وقيل: إلى بلوغها ما لم تتزوج. فإن تزوجت كان الأب أحق بولده، ذكرا كان أو أنثى، طفلا غير مميز ولا عاقل أو طفلا مميزا وإن كان لم يبلغ سبع سنين أو أكثر منها. فإن تزوجت وكان لها أم كانت أمها أحق به إن لم يكن لها زوج أو كان لها زوج وهو جد الطفل، وإن كان غيره جده كان الأب أحق به، فإن كان لجدة الطفل أم لا زوج لها كانت أحق به من الأب، فإن كان لها زوج وهو أب (2) لجد الطفل كانت أولى به من الأب. وكذلك

(1) المبسوط: ج 6 ص 41 - 43.
(2) عبارة: (لجدة الطفل أم لا زوج... وهو أب) ليس في المصدر. .

[ 314 ]

الحكم فيما زاد على ما ذكرناه من الآباء والأمهات. فإن لم تكن أمهات الأم على ما ذكرناه كان الأب أحق من كل أحد من أمهاته وآباؤه يجرون في كونهم أحق به مجرى أحقهم بميراثه، فمن كان منهم أحق بميراثه كان أحق بحضانته، وإن كان من يستحق ميراثه أكثر من واحد وتنازعوا في حضانته أقرع بينهم فيه، فمن خرج اسمه كان أولى به. وكذلك القول في إخوته وأخواته إذا لم يكن له أب ولا أم ولا أحد ممن تقدم ذكره (1). وقال ابن حمزة: إذا لم يكن له أحد الأبوين فإن كانت القرابة رجالا ونساء فالنساء أولى إذا كانت أقرب من الرجال أو كانت في درجتهم (2). وقال ابن إدريس: ما ذكره الشيخ في الخلاف من تخريجات المخالفين، ومعظمه قول الشافعي وبناؤهم على القول بالعصبة، وذلك عندنا باطل، ولا حضانة عندنا إلا للأم نفسها وللأب، فأما غيرهما فليس لأحد عليه ولاية سوى الجد من قبل الأب خاصة (3). وهذا القول جهل منه وقلة تأمل لفتاوي الأصحاب، فقد ذكرنا فتاوى من تقدمنا كالشيخ وابن الجنيد وغيرهما. وقد نص شيخنا المفيد أيضا على خلاف ما اختاره، فقال: وإن مات الأب قامت أمه مقامه في كفالة الولد، فإن لم يكن له أم وكان له أب قام مقامه في ذلك، فإن لم يكن له أب ولا أم كانت الأم - التي هي الجدة - أحق به من البعداء (4). وبالجملة فالحاجة ماسة إلى تربيته وحضانته، فلو لم يكن القريب أولى

(1) المهذب: ج 2 ص 352 - 353.
(2) الوسيلة: ص 288.
(3) السرائر: ج 2 ص 654.
(4) المقنعة: ص 531..

[ 315 ]

بكفالته لزم تضييعه. وولاية الجد للأب في المال لا يستلزم أولويته في الحضانة، فإنه لو اعتبر ولاية المال كان الأب أحق من الأم والجد مع عدم الأب أولى منها (1)، وليس كذلك بالاجماع. مسألة: قد سبق الحكم في وطئ الجارية إذا اشتراها حاملا، وقد تقدم قول بعض علمائنا أنه: ليس له بيع الولد، وبعضهم حرمه، وبعضهم جعله مكروها، وقد تقدم. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن له بيعه على كل حال: لأنه ليس بولد له بغير خلاف (2). والذي قاله جيد. مسألة: جعل الشيخ في النهاية أكثر الحمل تسعة أشهر، حيث قال: إن جاءت به لأكثر من تسعة أشهر كان له نفيه (3). وقال المفيد في المقنعة: لا يكون زمان الحمل أكثر من تسعة أشهر، وإنما يلتبس مدة الحمل على كثير من الناس، لأن من النساء من يرتفع حيضهن قبل حملهن لعارض مدة من الزمان فيظن أن ذلك من أيام الحمل، وليس ذلك إلا لما ذكرناه، ولو أن رجلا تزوج بامرأة ودخل بها ثم اعتزلها بعد الدخول فجاءت بولد لأكثر من تسعة أشهر من يوم دخل بها لم يكن الولد منه، وكان له نفيه (4). وقال الشيخ في الخلاف: أكثره عندنا تسعة أشهر، وقد روي سنة في بعض الأخبار (5). وفي المبسوط: أكثر الحمل عندنا تسعة أشهر، وقال بعض أصحابنا:

(1) ق 2: منهما.
(2) السرائر: ج 2 ص 660.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 412.
(4) المقنعة: ص 539.
(5) الخلاف: ج 5 ص 88 المسألة 52..

[ 316 ]

سنة (1). وقال ابن الجنيد: أقل الحمل عندنا ستة أشهر وأكثره تسعة. وقال السيد المرتضى في الانتصار: مما انفردت به الامامية القول: بأن أكثر مدة الحمل سنة واحدة (2). وقال في جواب المسائل الموصليات الأولى: إنه لا يجوز أن يتجاوز الحمل أكثر من تسعة أشهر (3). وقال ابن البراج في كتابيه معا: أكثر مدة الحمل تسعة أشهر (4). وقال سلار: أكثر الحمل تسعة أشهر، وقيل: عشرة أشهر (5). وقال ابن حمزة: أكثر مدة الحمل فيه روايات ثلاث: تسعة أشهر، وعشرة، وسنة (6). وقال أبو الصلاح: أكثره تسعة أشهر، والريب ثلاثة أشهر، فتصير الغاية في الحمل سنة كاملة، فإذا طلق الرجل زوجته أو مات عناه فتزوجت وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر فإن كان لمدة طلاقها أو الوفاة عنها سنة فما دونها فهو لاحق بالأول (7). وابن إدريس (8) وافق الشيخ في النهاية. وقول السيد المرتضى لا بأس به، واعتذار أبي الصلاح جيد. مسألة: قال المفيد: وإن ولدت زوجته على فراشه حيا تاما لأقل من ستة أشهر من يوم لامسها فليس بولد له في حكم العادة، وهو بالخيار إن شاء أقر به وإن شاء نفاه عنه (9).

(1) المبسوط: ج 5 ص 290.
(2) الانتصار: ص 154.
(3) لم نعثر على هذه المسائل.
(4) المهذب: ج 2 ص 341.
(5) المراسم: ص 155.
(6) الوسيلة: ص 318.
(7) الكافي في الفقه: ص 314.
(8) السرائر: ج 2 ص 657.
(9) المقنعة: ص 538..

[ 317 ]

والشيخ في النهاية قال: فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر حيا سليما جاز له نفيه عن نفسه (1). وقال ابن إدريس: يجب عليه نفيه (2). وهو المعتمد. لنا: إنه ليس ولدا له، فسكوته عن نفيه يوجب الحاقه به واعترافه بنسبه، وهو حرام إجماعا. مسألة: المشهور إن الأمة إذا كانت زوجة كان لها ليلة وللحرة ليلتان في القسم، وبه قال ابن أبي عقيل. وظاهر كلام المفيد المنع، فإنه قال: وهذا الحكم - يعني: القسمة - في حرائر النساء، فأما الإماء وملك اليمين منهن فله أن يقسم عليهن كيف شاء ويقيم عند كل واحدة منهن ما شاء، وليس للأخرى عليه اعتراض في ذلك بحال (3). وهذا يوهم إنه لا حق للأمة المزوجة في القسم، فإن قصد شيخنا المفيد عدم القسم (4) صارت المسألة خلافية، وإلا فلا. لنا: إنها زوجة فلها حق الاستمتاع والاستئناس، وكما نصفت في العدات (5) عن الحرة كذا تنصف في الالتذاذ (6). وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج المملوكة على الحرة؟ قال: لا، فإذا كانت تحته امرأة مملوكة فتزوج عليها حرة قسم للحرة مثلي ما يقسم للمملوكة (7). مسألة: المشهور إن القسم يتناول الليل دون النهار.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 412.
(2) السرائر: ج 2 ص 657.
(3) المقنعة: ص 518.
(4) في الطبعة الحجرية: القسمة.
(5) ق 2: العدة. وفي المطبوع: العذاب.
(6) م 3: تنصف في الاستئناس.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 421 ح 1686، وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب القسم النشوز ح 1 ج 15 ص 87..

[ 318 ]

وقال ابن الجنيد: العدل بين النساء هو: إذا كن حرائر مسلمات لم يفضل إحداهن على الأخرى في الواجب لهن من مبيت بالليل وقيلولة صبيحة تلك الليلة (1)، سواء (2) كان ممنوعا من الوطء أو لا. لنا: الأصل براءة الذمة. احتج بما رواه إبراهيم الكرخي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل له أربع نسوة فهو يبيت عند ثلاث منهن في لياليهن ويمسهن فإذا نام عند الرابعة في ليلتها لم يمسها فهل عليه في هذا أثم؟ فقال: إنما عليه أن يكون عندها في ليلتها ويظل عندها صبيحتها، وليس عليه أن يجامعها إذا لم يرد ذلك (3). مسألة: المشهور وجوب القسمة بين الازواج، لأن كلام الأصحاب يعطي ذلك. وقال الشيخ في المبسوط: لا يجب عليه القسمة ابتداء، لكن الذي يجب عليه النفقة والكسوة والمهر والسكنى، فمتى تكفل بهذا فلا يلزمه القسم، لأنه حق له، فإذا أسقطه لا يجبر عليه، ويجوز له تركه، وأن يبيت في المساجد أو عند أصدقائه. فأما إن أراد أن يبتدئ بواحدة منهن فيجب عليه القسم، لأنه ليس واحدة منهن أولى بالتقديم من الأخرى (4). ونمنع أن حقه المختص به بحيث يكون له تركه، فإنه حق مشترك، فللمرأة المطالبة بحقها منه.

(1) ق 2: صبحة تلك الليل، م 3: صحبة تلك الليلة.
(2) ليس في (ق 2 وم 3).
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 422 ح 1689، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب القسم والنشوز ح 1 ج 15 ص 84.
(4) المبسوط: ج 4 ص 325 - 326..

[ 319 ]

والأخبار وردت مطلقة بالامر بالقسمة، قال الباقر - عليه السلام -: قسم للحرة الثلثين من ماله ونفسه - يعني: نفقته - وللأمة الثلث من ماله ونفسه (1). قال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا له امرأتان إحداهما مسلمة والأخرى ذمية كانت في القسم بها (2)، ولو كانت إحداهن متعة والأخرى إعلان لم يكن للمتعة قسم ولا نفقة يأتيها متى شاء، وقد قيل: إذا كانت له امرأتان متعة وإعلان فله أن يقسم لاحداهن ليلة وللأخرى ثلاث ليال، لأن له أن يتزوج منهن أربعا. أما الذمية فقد قال ابن الجنيد فيها: والحرة الذمية إذا تقدم نكاحها (3) نكاح الحرة المسلمة نظيره الأمة لغيره المنكوحة بالعقد، مع أنه قد ذكر أن للامة ليلة وللحرة ليلتان. وبه قال الشيخ في المبسوط (4). والمفيد - رحمه الله - أطلق لما ذكر أحكام القسمة قال: هذا حكم حرائر النساء (5). وهو يتناول المسلمات والكفار. وأما المتعة فالمشهور أنه لا قسمة فيها، والقائل الذي نقل ابن أبي عقيل عنه ما أظنه أحدا من أصحابنا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 421 ح 1684، وسائل الشيعة: باب 8 من أبواب القسم والنشوز ح 2 ج 15 ص 87 - 88.
(2) م 3: بهن. (3) م 3: تقدم النكاح نكاحها.
(4) المبسوط: ج 4 ص 327.
(5) المقنعة: ص 518..

[ 320 ]

الفصل الثامن في النفقات مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نفقة الزوجات معتبرة بحال الزوج لا بحالها، فإن كان موسرا فعليه مدان في كل يوم، وإن كان متوسطا متجملا فمد ونصف، وإن كان معسرا فقدر المد، فالنفقات ثلاثة: نفقة الموسر والمتوسط والمعسر (1). وقال في الخلاف: نفقة الزوجات مقدرة وهي: مد قدره رطلان وربع، واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم (2). وقال ابن البراج: نفقات الزوجات تعتبر بحال الزوج ولا تعتبر بحال الزوجة، وقد ذكر في ذلك أنه إن كان موسرا كان عليه في كل يوم مدان، وإن كان متوسطا متجملا فمد ونصف، وإن كان معسرا فقدر المد (3). وابن الجنيد لم يقدر بل قال: وحق المرأة على زوجها ما يسد جوعتها ويستر عورتها، هذا في الاقتار، والمتوسط أن يكون يطعمها اللحم في كل ثلاثة أيام. وقال ابن إدريس: نفقة الزوجات عندنا غير مقدرة بلا خلاف، إلا من

(1) المبسوط: ج 6 ص 6 - 7.
(2) الخلاف: ج 5 ص 112 المسألة 3.
(3) المهذب: ج 2 ص 345..

[ 321 ]

شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه فإنه ذهب إلى أنها مقدرة، ومبلغها مد وقدره رطلان وربع، واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم. وهذا عجيب منه - رضي الله عنه - والسبر بيننا وبينه، فإن أخبارنا لم يرد منها خبر بتقدير نفقة. وأما أصحابنا المصنفون فما يوجد لأحد منهم في تصنيف له تقدير النفقة إلا من قلده وتابعه، والدليل على أصل المسألة قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) أي بما يتعارف الناس، وأيضا الأصل براءة الذمة من التقدير، فمن ادعى شيئا بعينه فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والأصل براءة الذمة (1). وقول ابن إدريس وإن كان جيدا لكن نسبة الشيخ إلى قول ما ليس بحق في غاية الجهل والحمق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): إذا كان الزوج كبيرا والمرأة صغيرة أو بالعكس فلا نفقة. وتبعه ابن البراج في المهذب (4). وقال ابن الجنيد: والتي لم يمكن وطؤها لصغرها وزوجها كبير أو صغير لا نفقة عليه ولا على وليه، إلا أن يشترط ذلك عليه. والتي يمكن وطؤها لبلوغها فلها النفقة سواء كان الزوج غير بالغ أو بالغا ممتنعا من الوطء إلا أن يكون وليها شرط ألا نفقة عليه حتى يبلغ إلى حال يصح وطؤه. وقال ابن إدريس: الأولى عندي أن على الكبير النفقة لزوجته الصغيرة، لعموم وجوب النفقة على الزوجة ودخوله مع العلم بحالها، وهذه ليست ناشزة، والاجماع منعقد على وجوب نفقة الزوجات، ثم أمر بتأمل ذلك (5).

*. (1) السرائر: ج 2 ص 655.
(2) المبسوط: ج 6 ص 12 - 13.
(3) الخلاف: ج 5 ص 113 المسألة 4 و 5.
(4) المهذب: ج 2 ص 347.
(5) السرائر: ج 2 ص 655..

[ 322 ]

والمعتمد أن الزوج الكبير لا نفقة عليه للزوجة الصغيرة، لأن المناط في وجوب الانفاق على الزوجات التمكين التام المستند إلى العقد الصحيح، وهو غير معلوم الثبوت هنا، فإذا لم يعلم وجود السبب لم يعلم وجود مسببه. وأما الزوجة الكبيرة فإن لها النفقة إذا كانت ممكنة من نفسها وبذلت التمكين عند الحاكم. وإن كان الزوج صغيرا لوجود المقتضي السالم عن المعارض فإن المقتضي - وهو التمكين المستند إلى العقد الصحيح - ثابت هنا، والمانع - وهو الصغير - لا يصلح للمانعية، كما في نفقة الأقارب وهي أضعف، وإذا لم يمنع مع ضعف السبب فأولى ألا يمنع مع قوته. احتجاج الشيخ بأصالة براءة الذمة حق مع صغر الزوجة وممنوع مع كبرها، فإن مع وجود السبب التام يعلم شغل الذمة. مسألة: قال الشيخ في الجزء الثالث من الخلاف: إذا اختلف الزوجان بعد أن سلمت نفسها إليه في قبض المهر أو النفقة فالذي رواه أصحابنا أن القول قول الزوج وعليها البينة، واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا العادة جارية بأنها لا تمكن من الدخول بها إلا بعد أن تستوفي المهر، ولا تقيم معه إلا وتقبض النفقة، فإذا ادعت خلاف العرف والعادة فعليها البينة (1). وقال في الجزء الثاني منه، إذا اختلف الزوجان في قبض المهر فقال الزوج: قد أقبضتك المهر وقالت: ما قبضته فالقول قولها، سواء كان قبل الزفاف أو بعده قبل الدخول بها أو بعده، لاجماع الفرقة وأخبارهم، وقول النبي - عليه السلام -: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) والزوج قد اعترف بالمهر وادعى أنه أقبض فعليه البينة، وإلا فعليها اليمين (2).

(1) الخلاف: ج 5 ص 116 المسألة 12.
(2) الخلاف: ج 3 ص 385 - 386 المسألة 27..

[ 323 ]

وقال في المبسوط: إذا اختلف الزوجان في قبض المهر والنفقة فإن كان قبل الزفاف وقبل تسليم نفسها إليه فإنما يتصور الخلاف في قبض المهر، وأما النفقة فلا، لأنها ما وجبت بعد، لعدم التمكين، فإذا قال: قد قبضت المهر وأنكرت فالقول قولها، لأن الأصل إنها ما قبضت، وإن كان الاختلاف بعد تسليم نفسها وحصولها في منزله وتحت قبضه فإنه يتصور هنا اختلافهما في الأمرين معا، وإذا اختلفا فالقول قولها فيهما عند بعضهم، وقال بعضهم: القول قول الزوج، لأن الظاهر يشهد له بأن العرف إنها ما سلمت نفسها حتى قبضت المهر، وبهذا تشهد روايات أصحابنا (1). والوجه عندي أن القول قول المرأة مطلقا فيهما معا، لأصالة عدم الاقباض، والروايات في الصداق محمولة على العادة في الزمن الأول من أن المرأة إنما تدخل بعد قبض المهر. وابن إدريس (2) اختار ما قلناه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أحرمت بغير إذنه فإن كان في حجة الاسلام لم تسقط نفقتها، وإن كانت تطوعا سقطت (3). وقال في المبسوط: إذا أحرمت ففي إحرامها ثلاث مسائل: احداها: أحرمت بإذنه وأحرم معها فلها النفقة، لأنها ما خرجت من يده وقبضه. الثانية: أحرمت بغير إذنه، فإن كان إحرامها لحجة الاسلام أو كان تطوعا فأذن لها فيه لم تسقط نفقتها عندنا، وإن كان تطوعا بغير إذنه فلا تنعقد عندنا إحرامها ولا تسقط نفقتها. الثالثة: أحرمت وحدها بإذنه فعندنا لها النفقة، وبه قال قوم، وقال آخرون، لا نفقة لها، لأنها سافرت وحدها (4).

(1) المبسوط: ج 6 ص 16.
(2) السرائر: ج 2 ص 655 - 656.
(3) الخلاف: ج 5 ص 114 المسألة 7.
(4) المبسوط: ج 6 ص 13 - 14..

[ 324 ]

وقوله في المبسوط جيد، وقوله في الخلاف ممنوع، إلا أن يجعل المقتضي لسقوط النفقة سفرها وبعدها عنه، فحينئذ لا فائدة في قيد الاحرام، بل بمجرد السفر وغيبتها عنه بغير إذنه يسقط نفقتها، والظاهر أن الشيخ في الخلاف قصد ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: العبد إذا تزوج بإذن مولاه وكان مكتسبا فالنفقة في كسبه، ويكون إذن السيد في التزويج إذنا في تعلق نفقة الزوجة بكسبه. وإن لم يكن مكتسبا قال قوم: يتعلق برقبته، لأن الوطء في النكاح بمنزلة الجناية، وفيهم من قال: يتعلق بذمته، لأنه حق لزمه باختيار من له الحق، فكان في ذمته كالقرض، والأول أليق بمذهبنا. فمن قال: يتعلق برقبته على ما اخترناه قال: إن أمكن أن يباع منه كل يوم بقدر ما يجب عليه من النفقة فعل، وإن لم يمكن بيع كله، كما قيل في الجناية ووقف ثمنه ينفق عليها منه، وقد انتقل ملك سيده عنه إلى ملك سيد آخر (1). وقال ابن الجنيد: إذا أذن السيد لعبده في التزويج فيتزوج حرة أو كتابية أو أمة مسلمة فعليه نفقاتهن كلهن كنفقة المعسر لا أكثر، إلا أن يكون السيد قد اشترط عليه في ماله أو كسب العبد قدرا معلوما، ولو أبق العبد لم يكن على السيد نفقة المرأة. وقال ابن حمزة: إن تزوج بإذنه أو زوج هو حرة أو أمة ولم يكن العبد مكتسبا لزمت السيد النفقة، وإن كان العبد مكتسبا تخير سيده بين جعل النفقة في كسبه والانفاق من خالص ماله (2). وقال ابن إدريس: النفقة لازمة للسيد، لأنه أذن في شئ فلزمه توابعه (3).

(1) المبسوط: ج 6 ص 20.
(2) الوسيلة: ص 286.
(3) السرائر: ج 2 ص 598..

[ 325 ]

وقول ابن حمزة هو الأقوى عندي، لأن للسيد الخيار في جهات القضاء كالدين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو طلقها العبد بائنا وكانت حاملا فإن قلنا: النفقة للحمل فلا نفقة عليه، لأن العبد لا يجب عليه نفقة ذوي أرحامه. وإن قلنا: للحامل وجبت، وقد مضي إن على مذهبنا إن النفقة للحمل، فعلى هذا لا نفقة عليه. وإن قلنا: إن عليه النفقة - لعموم الأخبار في أن الحامل لها النفقة - كان قويا (1). وهذا يدل على تردده في هذا الحكم. والوجه عندي الأول، لأن النفقة للحمل بالدوران. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان النكاح مفسوخا كنكاح الشغار فإن دخل وجب المسمى، ولو لم يسم وجب مهر المثل، ثم إن كانت حاملا فلها النفقة عندنا، لعموم الأخبار، ومن قال: إن النفقة للحمل فهاهنا لها النفقة، لأنه ولده، ومن قال: النفقة للحامل قال: لا نفقة لها، لأن النفقة تستند إلى نكاح له حرمة، ولا حرمة هاهنا إذا وقع فاسدا (2). والبحث يقع في مقامين: الأول: إيجاب المسمى، وليس بمعتمد بل الواجب مهر المثل، لأن العقد وقع فاسدا من أصله، فلا أثر لما تضمنه من التسمية وقد تقدم. وأما النفقة فإن قلنا: إنها للحمل وجبت، وإن قلنا: للحامل لم تجب. مسألة: لو لاعن الحامل في نفي النسب سقطت النفقة، فإن أكذب نفسه قال الشيخ في المبسوط: عاد النسب، والنفقة في المستقبل حتى تضع، ولها أن ترجع بقدر ما انقطعت النفقة عنها، لأنها إنما انقطعت لانقطاع النسب، فإذا عاد النسب عادت النفقة، ولو طلقها بائنا ثم ظهر بها حمل فنفاه قيل: صح

(1) المبسوط: ج 6 ص 21.
(2) المبسوط: ج 6 ص 24..

[ 326 ]

اللعان على نفي الحمل بعد البينونة، وهو الصحيح عندنا. فإذا لاعن سقطت نفقتها، فإن أكذب نفسه عاد النسب وعادت النفقة التي قطعها عن نفسه من حين اللعان إلى حين التكذيب، وهكذا إن وضعته وأرضعته ثم أكذب نفسه فعليه نفقتها زمان (1) العدة وأجرة حضانتها، لأنه قد بان إنه كان واجبا عليه، وجملته: إن كل ما سقط باللعان يعود بإكذاب نفسه (2). وفي الرجوع بما بين اللعان والتكذيب نظر، لأن نفقة الأقارب لا تقتضي. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا طلق الحامل بائنا وجبت النفقة، ولمن تجب؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: النفقة لها، لأجل الحمل، وهو أصحهما عند المخالف. والثاني: النفقة للحمل، وهو أقواهما عندي، بدليل أنه لو كانت حائلا لا نفقة لها، وإذا كانت حاملا وجبت النفقة، فلما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه ثبت إن النفقة له لا لها كالزوجة لها النفقة ما دامت زوجة، فإذا زالت الزوجية فلا نفقة لها، فكانت النفقة لأجل الزوجية. ولأنه لما كانت النفقة له إذا كان منفصلا فكذا إذا كان متصلا. ولأن أصحابنا رووا أنه ينفق عليها من مال الحمل، فدل على أنه لا يجب لها، ومن خالف قال: لو كانت النفقة لأجل الحمل لوجبت نفقته دون نفقتها، ولما كان نفقتها مقدرة بحال الزوج فيجب عليه مقدرة (3)، ونفقة الأقارب غير مقدرة دل على أنه لها، لأن نفقة الأقارب على الكفاية. وأيضا فلو كان لأجل الحمل لوجبت على الجد، كما لو كان منفصلا، فلما ثبت أنه لا يجب عليه ثبت ما قلناه. وأيضا فلو كانت نفقة الولد لوجب أن تسقط بيسار الولد، وهو إذا ورث أو أوصى له بشئ فقبله أبوه، فلما لم تسقي بيساره ثبت أنها ليس نفقة الولد، وعندنا

(1) م 3: في زمان.
(2) المبسوط: ج 6 ص 25 - 26.
(3) في المصدر: بقدره..

[ 327 ]

تسقط بيساره، ويقتضي المذهب أنها تجب على الجد فيخالف في جميع ما قالوه. وفائدة الخلاف أشياء: منها: إذا تزوج حر بأمة فأبانها وهي حامل فمن قال: للحمل لم تجب على والده بل وجبت على سيده وهو سيد الأمة، ومن قال: لها لاجله كانت على زوجها. ومنها: إذا تزوج عبد بأمة فأبانها وهي حامل فمن قال: النفقة للحمل كانت على سيد الولد دون والده، لأن العبد لا يجب عليه نفقة أقاربه، ومن قال: لها لاجله قال: النفقة عليه في كسبه. ومنها: إذا تزوج عبد بحرة فأبانها وكانت حاملا فمن قال: النفقة للحمل قال: تجب على الزوجة، لأنه ولد حرة وأبوه مملوك، ومن قال: لها لاجله قال: يكون (1) في كسبه. ومنها: إذا كان النكاح فاسدا والزوج حر فمن قال: لها قال: لا نفقة، لأن النفقة لمن كانت معتدة عن نكاح له حرمة ولا حرمة له، ومن قال: للحمل فعليه النفقة، لأنها نفقة ولده، ولا فصل بين النكاح الصحيح والفاسد في باب لحوق النسب وثبوته (2). وتبعه ابن البراج (3) على ذلك، وقد تقدم البحث فيه. مسألة: قال ابن الجنيد: ومن ضمن أبوه صداقه لزمه نفقة زوجة ابنه، لأن النفقة تابعة للصداق. والوجه المنع، فإنه لا تجب نفقة زوجة الولد على الأب، لأصالة البراءة. مسألة: المشهور إنه لا خيار للزوجة في الفسخ بالاعسار من النفقة، اختاره الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5)، وأوجب عليها الصبر. وبه قال ابن حمزة (6)، وابن إدريس (7)، عملا باستصحاب لزوم العقد.

(1) في المصدر: لا يكون.
(2) المبسوط: ج 6 ص 28 - 29.
(3) المهذب: ج 2 ص 348. (4) المبسوط: ج 6 ص 21.
(5) الخلاف: ج 5 ص 117 المسألة 15.
(6) الوسيلة: ص 286.
(7) السرائر: ج 2 ص 656..

[ 328 ]

وقال ابن الجنيد: بالخيار، لرواية عن الصادق - عليه السلام - ولاشتماله على الضرر، إذ لا يمكنها الانفاق، لعسرها، فلو لم يجعل لها الخيار لزم الحرج المنفي بالاجماع. وهو معارض بما روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - إن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا، فأبى أمير المؤمنين - عليه السلام - أن يحبسه وقال: إن مع العسر يسرا (1). والجواب: نحن لا نوجب الحبس بل نقول: بالخيار في الفسخ والصبر، ونحن في ذلك من المتوقفين. مسألة: لا يجب على الولد الغني الانفاق على زوجة والده المعسر، ولا على الوالد وجوب الانفاق على زوجة ولده المعسر، لأصالة البراءة. وأوجب الشيخ في المبسوط النفقة فيهما، لأنها من مؤونة والده (2). وأوجب أيضا الفطرة، لأنها بمنزلة النفقة (3). والكل ممنوع. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا أباح السيد عبده فضل كسبه لزمه النفقة على والديه وولده، وكذلك ما فضل عن ضريبته لو جعلها عليه (4). والوجه المنع، لأنا نمنع الملك مطلقا، ولو ثبت لم يكن مستقرا، بل للسيد المطالبة به متى شاء، فلا يناط به وجوب الانفاق عليه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 299 - 300 ح 837، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الحجر ح 2 ج 13 ص 148.
(2) المبسوط: ج 6 ص 35.
(3) المبسوط: ج 1 ص 239.
(4) ق 2: عليها..

[ 329 ]

كتاب الطلاق وتوابعه

[ 331 ]

كتاب الطلاق وتوابعه وفيه فصول: الأول في الطلاق مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن طلق الرجل امرأته وهو زائل العقل بالسكر أو الجنون أو المرة وما أشبهها كان طلاقه غير واقع، فإن احتاج من هذه صورته - إلا السكران - إلى الطلاق طلق عنه وليه، فإن لم يكن له ولي طلق عنه الإمام - عليه السلام - أو من نصبه الإمام - عليه السلام - (1). وقال في الخلاف في كتاب الخلع: ليس للولي أن يطلق عمن له عليه ولاية، لا بعوض ولا بغير عوض، لاجماع الفرقة، ولأصالة بقاء العقد وصحته، وقوله - عليه السلام -: (الطلاق لمن أخذ بالساق)، والزوج هو الذي له ذلك دون غيره (2). وقال ابن إدريس: الأولى أن يكون غير السكران مثل السكران، وألا يلي غير الزوج الطلاق، لقوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فأضاف الطلاق إلى الزوج، فمن جعل لغيره الطلاق فيحتاج إلى دليل. وأيضا الرسول - عليه السلام - قال: (الطلاق بيد من أخذ بالساق) والذي أخذ بالساق هو الزوج، فإن قيل: هذا وال عليه ناظر في مصالحه فله فعل ما يشاء

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 423.
(2) الخلاف: ج 4 ص 442 المسألة 29..

[ 332 ]

مما هو راجع إلى مصالحه، قلنا: لا خلاف أن الصبي لا يطلق عنه وليه وهو ناظر في أموره. وأيضا الطلاق من شرطه مقارنة نية المطلق الذي هو الزوج له، وهو غير موجود في هؤلاء. ولنا في هذه المسألة نظر، والذي وقع التحقيق لنا من ذلك أنه لا يجوز طلقا غيره عليه بحال، لما قدمناه من الأخبار، وبقاء الزوجية بينهما، فمن أبانها منه بطلاق غيره يحتاج إلى دليل (1). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أن مصلحة المجنون منوطة بتصرف الولي عنه، لتعذر كون أفعاله مناطا لها، وعدم توقع زوال عذره، ولأنه لو لم يجعل للولي هذا التصرف لزم تضرر المجنون بتقدير استغنائه عن الزوجة، وكون مصلحته في مفارقته لها وإلزامه بالنفقة. والنبي - عليه السلام - نفى الضرر مطلقا (2)، بخلاف الطفل، لأن نكاحه منوط بالمصلحة، وعذره متوقع الزوال. وقد روى الصدوق، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن طلاق المعتوه الزائل العقل أيجوز؟ فقال: لا، وعن المرأة إذا كانت كذلك يجوز بيعها وصدقتها؟ فقال: لا (3). وعن حماد بن عيسى، عن شعيب، عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن المعتوه يجوز طلاقه؟ فقال: ما هو؟ فقلت: الاحمق الذاهب العقل، فقال: نعم (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 673، وفيه: (هو الزوج به وهذا غير موجود). (2) سنن ابن ماجه: ج 2 ص 784 ح 2340.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 504 ح 4770، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 4 ج 15 ص 327.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 505 ح 4771، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 8 ج 15 ص 328..

[ 333 ]

قال ابن بابويه: يعني: إذا طلق عنه وليه، فإما أن يطلق هو فلا. قال: وتصديق ذلك ما رواه صفوان بن يحيى الجمال، عن أبي خالد القماط قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل يعرف رأيه مرة وينكره أخرى يجوز طلاق وليه عليه؟ فقال: ماله هو لا يطلق؟ قال: قلت: لا يعرف حد الطلاق ولا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا: لم أطلق، فقال: ما أراه إلا بمنزلة الإمام - يعني: الولي - (1). واحتجاج الشيخ بالاجماع ممنوع، وأصالة بقاء العقد وصحته إنما يتم قبل إيقاع الطلاق، أما بعده فممنوع. والخبر لو ثبت قلنا بموجبه، فإن الولي كالوكيل، فكما يصح طلاق الوكيل كذا يصح (2) طلاق الولي، ولم يوجب أحد إيقاع الزوج مباشرة. وكلام ابن إدريس في غاية السقوط، فإن الآية تدل على التحريم مع الطلاق المستند إلى الزوج، والمباشرة والتسبيب سواء، ولو ثبت الفرق لكن لا تدل الآية (3) على حكم التسبيب بنفي ولا إثبات، فلا يجوز جعله دليلا على النفي، كما لا يجعل دليلا على الثبوت، واشتراط نية المطلق ثابت كالوكيل. والتحقيق الذي ظهر له بعد النظر فاسد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض فإنهما يتوارثان ما دامت في العدة، فإذا انقضت عدتها ورثته ما بينها وبين سنة ما لم تتزوج، فإن تزوجت فلا ميراث لها، وإن زاد على السنة يوم واحد لم يكن لها ميراث. ولا فرق في جميع هذه الأحكام بين أن تكون التطليقة هي الأولة أو الثانية أو الثالثة، وسواء كان له عليها رجعة أو لم يكن، فإن الموارثة ثابتة بينهما

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 505 ذيل الحديث 4771 وح 4772. (2) ليس في (ق 2 وم 3).
(3) م 3: الآية لا تدل..

[ 334 ]

على ما قدمناه. هذا إذا كان المرض يستمر به إلى أن يتوفى، فإن صح من مرضه ذلك ثم مات لم يكن لها ميراث، إلا إذا كان طلاقا يملك فيه رجعتها، فإنها ترثه ما لم تخرج من العدة (1). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن الطلاق إذا كان رجعيا ورثها الرجل ما دامت في العدة، فإذا خرجت من العدة لا يرثها، وهي ترثه بعد خروجها من العدة إلى سنة ما لم تتزوج أو يبرأ من مرضه ذلك. فأما إذا كان الطلاق غير رجعي - وهو الطلاق البائن - فإنه لا يرثها ساعة طلقها وإن كانت في العدة وهي ترثه مدة السنة على ما قدمناه، لأنها بعد الطلاق البائن غير زوجة له، والعصمة بينهما انقطعت، ولولا الاجماع لما ورثته، ولا إجماع معنا على أنه يرثها بعد الطلاق البائن (2). وقد رجع شيخنا عما قاله في نهايته في مسائل خلافه فقال: المطلقة التطليقة الثالثة في حال المرض ترث ما بينها وبين سنة إذا لم يصح من ذلك المرض ما لم تتزوج، فإن تزوجت فلا ميراث لها، والرجل يرثها ما دامت في العدة الرجعية، فأما في البائنة فلا يرثها على كل حال، لاجماع الفرقة وأخبارهم (3). وقال أيضا في الخلاف: المريض إذا طلقها طلقة لا يملك رجعتها، فإن ماتت لم يرثها بلا خلاف، وإن مات هو من ذلك المرض ورثته ما بينها وبين سنة ما لم تتزوج، فإن تزوجت بعد انقضاء مدتها لم ترثه، وأن زاد على السنة يوم واحد لم ترثه (4). ومثله قال في المبسوط (5). وقال ابن البراج: فإن طلق المريض ورثته (6) الزوجة ما بينه وبين سنة إن لم يبرأ من مرضه ولا تتزوج المرأة، فإن برأ المريض ثم مرض بعد ذلك ومات لم

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 424.
(2) ليس في المصدر.
(3) السرائر: ج 2 ص 674.
(4) الخلاف: ج 4 ص 484 المسألة 54. (5) المبسوط: ج 5 ص 68.
(6) في المصدر: وورثته..

[ 335 ]

ترثه المرأة. وكذلك إن تزوجت المرأة بعد خروجها من عدتها لم يكن لها منه ميراث، فإن لم تتزوج ومضى لها سنة ويوم لم يكن لها بعد ذلك ميراث، وهو يرث المرأة ما دامت في العدة، فإذا خرجت منها لم يكن له منها ميراث. ولا فرق في ذلك بين أن يكون تطليقة أولة أو ثانية أو ثالثة (1). والشيخ المفيد (2)، وابن الجنيد معا ذكرا: أن الزوجة ترثه إلى سنة، ولم يذكرا حكم الزوج. وكذا السيد المرتضى (3)، وأبو الصلاح (4). وقال ابن حمزة: إذا طلق المريض زوجته بائنا أو رجعيا ومات أحدهما وهي في العدة توارثا، فإن خرجت من العدة لم يرثها الرجل، وورثته هي إلى مضي سنة كاملة ما لم تتزوج قبل انقضائها (5). والمعتمد ما ذكره الشيخ في الخلاف. لنا: أن المقتضي لانتفاء الميراث ثابت، والمعارض منتف، فيثبت الحكم. أما ثبوت المقتضي فلأن الطلاق البائن قاطع للعصمة مناف للميراث بالاجماع، وقد حصل بالفرض. وأما انتفاء المعارض فليس إلا التهمة في نفي إرثها، ومعارضة المطلق بنقيض قصده، كما عورض القاتل بنقيض مطلوبه في منع الإرث، والتهمة منفية في طرف الزوج إذا لم يقصد ميراثا. وما رواه زرارة في الموثق قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل يطلق امرأته، قال: ترثه ويرثها ما دامت له عليها رجعة (6). والقيد لا يصلح في ميراثها إجماعا فيبقى في ميراثه، وللقرب. وإذا انتفى (1) المهذب: ج 2 ص 289.
(2) المقنعة: ص 672.
(3) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الأولى): ص 14.
(4) الكافي في الفقه: ص 377.
(5) الوسيلة: ص 324.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 383 ح 1368، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب ميراث الازواج ح 4 ج 17 ص 530 - 531..

[ 336 ]

القيد انتفى الحكم تحقيقا لثبوت فائدته. وما رواه الحلبي في الحسن أنه سئل عن الرجل يحضره الموت فيطلق امرأته هل يجوز طلاقه؟ قال: نعم، وإن مات ورثته، وإن ماتت لم يرثها (1). وليس ذلك في الرجعي، لاتفاقهما في الحكم، فهو في البائن. احتج الشيخ بما رواه عبد الرحمن، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يطلق امرأته آخر طلاقها؟ قال: نعم، يتوارثان في العدة (2). والجواب: بحمل التوارث على المجاز، وهو ثبوته من طرف دون آخر. ثم يعارض بما رواه محمد بن مسلم في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته تطليقتين ثم يطلقها ثالثة وهو مريض، قال: هي ترثه (3). والتخصيص يدل على نفي الحكم ظاهرا. وقد روى الشيخ عن محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - في المرأة إذا طلقها ثم توفي عنها زوجها وهي في عدة منه ما لم تحرم عليه فإنها ترثه ويرثها ما دامت في الدم من حيضتها الثالثة في التطليقتين الأولتين، فإن طلقها ثلاثا فإنها لا ترث من زوجها ولا يرث منها، وأن قتلت ورث من ديتها، وإن قتل ورثت من ديته ما لم يقتل أحدهما صاحبه (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 79 ح 268، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 2 ج 15 ص 385.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 80 ح 272، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 12 ج 15 ص 388.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 80 ح 273، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 4 ج 15 ص 388.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 80 - 81 ح 275، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب العدد ح 8 ج 15 ص 465..

[ 337 ]

قال الشيخ: وهذا الخبر محمول على أنه يطلقها في حال الصحة ثم يموت بعد ذلك، لأن من طلق امرأته وهو صحيح فإنما تثبت الموارثة بينهما ما دام له عليها رجعة، وإن لم يكن له عليها رجعة فلا توارث بينهما، والمريض مخصوص من ذلك بثبوت الموارثة بينهما وإن انقطعت العصمة وانتفت المراجعة، كما أنه مخصوص بأنها ترثه ما بينها وبين سنة، وليس ذلك في غيره (1). مسألة: لو انتفت التهمة - كما لو سألته الطلاق ثلاثا فطلق - قال في المبسوط (2) والخلاف (3): قال بعضهم: لم ترثه، لأنه لا يتهم في طلاقها. وقال بعضهم: ترث، وهو الصحيح عندنا إذا أوقع الثالثة، لعموم الأخبار. وقال في الاستبصار: الذي أختاره هو: أنه إنما ترثه بعد انقضاء العدة إذا طلقها للاضرار بها، لما رواه زرعة عن سماعة قال: سألته - عليه السلام - من رجل طلق امرأته وهو مريض، قال: ترثه ما دامت في عدتها، وإن طلقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوم واحد لم ترثه، وتعتد أربعة أشهر وعشرا عدة المتوفى عنها زوجها (4). ثم روي عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: لا ترث المختلعة والمبارئة والمستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان منهن في مرض الزوج وإن مات، لأن العصمة قد انقطعت منهن ومنه (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 81 ذيل الحديث 275.
(2) المبسوط: ج 5 ص 69.
(3) الخلاف: ج 4 ص 486 المسألة 55.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 306 ذيل حديث 1089 وص 307 ح 1090.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 308 ح 1096، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الخلع والمباراة ح 4 ج 15 ص 496...

[ 338 ]

ثم قال: فالوجه فيه أن نخصه بمن تضمن الخبر اسمهن من المختلعة والمبارئة والمستأمرة، لأن العلة في ذلك من جهتها من المطالبة بالطلاق دون المطلقة التي لا تطلب ذلك، بل ربما تكون كارهة له، وعلى هذا لا تنافي بين الأخبار (1). واختار ابن إدريس قول الشيخ في الخلاف، ونازع في اختياره في الاستبصار، وتعجب من تخصيص الأخبار بما رواه زرعة عن سماعة (2). والمعتمد قول الشيخ في الاستبصار. لنا: إن المقتضي للتوارث منتف - وهو التهمة - فينتفي معلوله. تذنيب: كل أسباب التهمة مقتضية لنفي التوارث، فلو طلق الكتابية أو الأمة فلا ميراث لهما لو أسلمت أو أعتقت بعد الطلاق. وقد نص على ذلك ابن الجنيد فقال: فإن كانت كتابية أو مملوكة في هذه الحال فأسلمت أو أعتقت قبل أن يموت في مرضه فلا ميراث لها. ثم قال: وإن كانت عنده على هذه الحال وكانت الكتابية قد أسلمت وأعتقت الأمة ولم يعلم الزوج ذلك من حالها فطلقها في مرضه الذي مات فيه - بأن يقول: امرأتي الذمية أو زوجتي فلانة الأمة المملوكة لبني فلان طالق - فإنهما لا يرثانه، فإن قال زوجتي فلانة ولم يقل: الذمية ولا المملوكة وقد كانت الذمية أسلمت وأعتقت الأمة ورثاه، وكذا إن ابتدأ طلاقه في المرض بالتي لم يدخل بها فإنها ترثه. وهذا هو الوجه عندي، ويجئ على كلام ابن إدريس الإرث مطلقا. وليس بجيد. مسألة: إذا خيرها واختارت نفسها قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4)

(1) الاستبصار: ج 3 ص 308 ذيل الحديث 1096.
(2) السرائر: ج 2 ص 675 - 676.
(3) المبسوط: ج 5 ص 30.
(4) الخلاف: ج 4 ص 470 المسألة 31..

[ 339 ]

والنهاية (1): لا يقع به طلاق، سواء نويا أو لم ينويا أو نوى أحدهما. وقال في الخلاف (2) والمبسوط (3): وقال قوم من أصحابنا: إذا نويا وقع الطلاق. قال في الخلاف: ثم اختلفوا، فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية، ومنهم من قال: بائنة. ثم استدل بإجماع الفرقة وأخبارهم، ومن خالف في ذلك لا يعتد به لأنه شاذ منهم (4). وقال ابن الجنيد: إذا أراد الرجل أن يخير امرأته اعتزلها شهرا وكانت على طهر من غير جماع، في مثل الحال التي لو أراد أن يطلقها فيه طلقها ثم خيرها فقال لها: قد خيرتك أو قد جعلت أمرك إليك، ويجب أن يكون ذلك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل - كأن يمكنها ألا تفعله - صح اختيارها وإن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا، وإن اختارت في جواب قوله لها ذلك وكانت مدخولا بها وكان تخييره إياها عن غير عوض أخذه منها كان كالتطليقة الواحدة التي هو أحق برجعتها في عدتها، وإن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، وإن كان تخييره عن عوض أخذه فهي بائن وهي أملك بنفسها، وإن جعل الاختيار إلى وقت بعينه فاختارت قبله جاز اختيارها، وإن اختارت بعده لم يجز. وقال ابن أبي عقيل: والخيار عند آل الرسول - عليهم السلام - أن يخير الرجل امرأته ويجعل أمرها إليها في أن تختار نفسها أو تختاره بشهادة شاهدين في قبل عدتها، فإن اختارت المرأة نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة، وهو

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 427.
(2) الخلاف: ج 4 ص 470 ذيل المسألة 31.
(3) المبسوط: ج 5 ص 30.
(4) الخلاف: ج 4 ص 470 - 471 المسألة 31..

[ 340 ]

أملك برجعتها ما لم تنقض عدتها، وإن اختارت زوجها فليس بطلاق، ولو تفرقا ثم اختارت المرأة نفسها لم يقع شئ. ولو قال لها: قد جعلت أمرك بيدك فاختاري نفسك في مجلس فسكتت أو تحولت من مجلسها بطل اختيارها لترك ذلك، وإن سمى الرجل في الاختيار وقتا معلوما ثم رجع عنه قبل بلوغ الوقت كان ذلك له، وليس يجوز للزوج أن يخيرها أكثر من واحدة بعد واحدة وخيار بعد خيار بطهر وشاهدين، فإن خيرها أكثر من واحدة أو خيرها أن تخير نفسها في عدتها كان ذلك ساقطا غير جائز، وإن خير الرجل أباها أو أخاها أو واحدا من أوليائها كان كاختيارها. وقال علي بن بابويه: ولا يقع الطلاق بإجبار ولا إكراه ولا على سكر (1) فيه، فمنه (2) طلاق السنة وطلاق العدة - إلى أن قال -: ومنه التخيير. ولما بحث عن تلك الأقسام إلى أن وصل إلى التخيير فقال: وأما التخيير فأصل ذلك أن الله عز وجل أنف لنبيه - صلى الله عليه وآله - لمقالة قالها بعض نسائه: أيرى محمد أنه لو طلقنا لا نجد أكفاءنا من قريش يتزوجونا، فأمر الله عز وجل، نبيه - صلى الله عليه وآله - أن يعتزل نساءه تسعة وعشرين يوما، فاعتزلهن النبي - صلى الله عليه وآله - في مشربة أم إبراهيم، ثم نزلت هذه الآية: (يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) فاخترن الله ورسوله، فلم يقع الطلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن (3). ورواه ابنه في المقنع، إلا أنه عين المرأة، قال: وهي حفصة. ثم قال بعد

(1) في الطبعة الحجرية: شك.
(2) ليس في (ق 2 وم 3).
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 517، وليس فيه: (ولا يقع الطلاق إلى... ومنه التخيير). .

[ 341 ]

قوله: فلم يقع الطلاق، ولو اخترن أنفسهن لبن. قال: وروي (ما للناس والتخيير، إنما ذلك شئ خص الله عز وجل به نبيه - صلى الله عليه وآله -) (1). وابن البراج في الكامل وافق الشيخ في النهاية. وقال ابن إدريس: ومتى جعل إليها الخيار فاختارت نفسها فقد اختلف قول أصحابنا في ذلك، فبعض يوقع الفرقة بذلك، وبعض لا يوقعها، ولا يعتد بهذا القول، ويخص هذا الحكم بالرسول - عليه السلام - وهذا هو الأظهر الأكثر المعمول عليه بين الطائفة، وهو خيرة شيخنا أبي جعفر، والأول خيرة السيد المرتضى. دليلنا: الأصل بقاء العقد (2). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أصالة بقاء العقد، والتمسك بالزوجية الثابتة قبله، وأصالة عدم تأثير هذا في البينونة. وما رواه عيص بن القاسم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت منه، قال: لا، إنما هذا شئ كان لرسول الله - صلى الله عليه وآله - خاصة، أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقن، وهو قول الله تعالى: (قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) قال الحسن بن سماعة: وبهذا الخبر نأخذ في الخيار (3). وعن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني سمعت أباك يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - خير نساءه فاخترن الله

(1) المقنع: ص 116 - 117.
(2) السرائر: ج 2 ص 676.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 87 - 88 ح 299، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 4 ج 15 ص 336..

[ 342 ]

ورسوله فلم يمسكهن على طلاق، لو اخترن لبن، فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبي عن عائشة، وما للناس والخيار، إنما هذا شئ خص الله به رسول الله - صلى الله عليه وآله - (1). احتج الاخرون بما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: رجل خير امرأته، فقال: إنما الخيار لهما ما داما في مجلسهما، فإذا تفرقا فلا خيار لهما (2). وفي الموثق عن جميل، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: لا خيار إلا على طهر من غير جماع بشهود (3). وفي الصحيح عن حمران قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام - يقول: المخيرة تبين من ساعتها من غير طلاق ولا ميراث بينهما، لأن العصمة بينهما قد زالت ساعة كان ذلك منها ومن الزوج (4). وهذا الحديث أصح ما بلغنا في هذا الباب. قال الشيخ في الجواب: الحمل على التقية، لأنها موافقة لمذهب العامة. ولو لم نحمل هذه الأخبار على ما قلنا لاحتجنا أن نحذف الأخبار التي تضمنت أن ذلك غير واقع، وأن ذلك كان يخص النبي - عليه السلام - وأن ذلك شئ كان يرويه أبي عن عائشة وما جرى مجرى ذلك من الالفاظ، ولم يمكننا أن نعمل بها

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 88 ح 400، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 3 ج 15 ص 336.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 90 ح 308، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 7 ج 15 ص 337.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 89 - 90 ح 304، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 8 ج 15 ص 337.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 314 ح 1119، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 11 ج 15 ص 338، وفيهما: (قد بانت ساعة كان)..

[ 343 ]

على وجه، وذلك لا يجوز على حال (1). وليس بعيدا من الصواب حمل الروايات على ما إذا طلقت بعد التخيير. تذنيب: اختلف القائلون بوقوعه، فقال بعضهم: إنه يقع طلقة واحدة رجعية. وقال آخرون: إنه يقع واحدة بائنة. احتج الاولون بأصالة بقاء الرجعة. وما رواه زرارة في الموثق، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: رجل خير امرأته، فقال: الخيار لها ما داما لي مجلسهما، فإذا تفرقا فلا خيار لها، فقلت: أصلحك الله فإن طلقت نفسها ثلاثا قبل أن يتفرقا من مجلسهما؟ قال: لا يكون أكثر من واحدة، وهو أحق برجعتها قبل أن تنقضي عدتها، فقد خير رسول الله - صلى الله عليه وآله - نساءه فاخترنه فكان ذلك طلاقا، قال: فقلت له: لو اخترن أنفسهن لبن، قال: فقال لي: ما ظنك برسول الله - صلى الله عليه - وآله - لو اخترن أنفسهن أكان يمسكهن؟! (2) احتج الاخرون بما رواه زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب، وأن اختارت زوجها فلا شئ (3). وعن يزيد الكناسي، عن الباقر - عليه السلام - قال: لا ترث المخيرة من زوجها شيئا في عدتها، لأن العصمة قد انقطعت فيما بينها وبين زوجها من

(1) الاستبصار: ج 3 ص 314 - 315 ذيل الحديث 1120.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 90 ح 308، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 12 ج 15 ص 337.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 90 ح 305، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 9 ج 15 ص 337..

[ 344 ]

ساعتها، فلا رجعة له عليها، ولا ميراث بينهما (1). إذا عرفت هذا فإن ابن أبي عقيل جعله طلقة رجعية. وكذا ابن الجنيد، إلا أن ابن الجنيد قال: إن كان عن عوض كان بائنا، وإلا كان رجعيا. مسألة: المشهور أنه لا يقع الطلاق بقوله: اعتدي. وقال ابن الجنيد: الطلاق لا يقع إلا بلفظ الطلاق أو قوله: اعتدي، فأما ما عدا ذلك فلا يقع به. لنا: أصالة بقاء العقد، وعدم تأثير هذا اللفظ في فسخه. احتج ابن الجنيد بما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - أنه سأله عن رجل قال لامرأته: أنت علي حرام أو طلقها بائنة أو بتة، أو برية أو خلية، قال: هذا كله ليس بشئ، إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدة بعد ما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها: (أنت طالق) أو (اعتدي) يريد بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين (2). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: الطلاق: أن يقول لها: اعتدي، أو يقول لها: أنت طالق (3). وعن علي بن الحسن الطاطري قال: الذي أجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق، أو اعتدي. وذكر أنه قال لمحمد بن أبي حمزة: كيف يشهد على

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 90 ح 306، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 10 ج 15 ص 337 - 338.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 36 ح 108، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 3 ج 15 ص 295. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 37 ح 109، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب مقدمات الطلاق ح 4 ج 15 ص 295 - 296..

[ 345 ]

قوله: اعتدي؟ قال: يقول: اشهدوا اعتدي. قال الحسن بن محمد بن سماعة: هذا غلط، ليس الطلاق إلا كما روى بكير بن أعين: أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدين عدلين، وكل ما سوى ذلك فهو ملغى. قال الشيخ: ما تضمنت الأحاديث التي قدمناها من قوله (1): (اعتدي) يمكن حملها على وجه لا ينافي الصحيح على ما قال (2) ابن سماعة: لأن قولهم: (اعتدي) إنما يكون به اعتبار إذا تقدمه قول الرجل: أنت طالق، ثم يقول: اعتدي، لأن قوله لها: (اعتدي) ليس له معنى، لأن لها أن تقول: من أي شئ أعتد؟ فلا بد من أن يقول لها: اعتدي، لاني (قد) طلقتك، فالاعتبار إذن بالطلاق لا بهذا القول، إلا أن يكون هذا القول كالكاشف لها عن أنه لزمها حكم الطلاق، وكالموجب لها ذلك ولو تجرد ذلك من غير أن يتقدمه لفظ الطلاق، لما كان به اعتبار على ما قاله ابن سماعة (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن قيل للرجل: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم كان الطلاق واقعا (4). وقال ابن حمزة: وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء، وعد من جملتها قوله: نعم إذا قيل له: طلقت فلانة؟ (5). وقال ابن إدريس: فإن قيل للرجل: هل طلقت فلانة؟ فقال: نعم كان ذلك إقرارا منه بطلاق شرعي (6). وابن البراج قال: إذا قيل للرجل: هل طلقت زوجتك فلانة؟ فقال: نعم

(1) في المصدر: فولهم.
(2) كذا في النسخ والمصدر.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 37 - 38 ذيل الحديث 110.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 427 - 428.
(5) الوسيلة: ص 323 و 324.
(6) السرائر: ج 2 ص 676. .

[ 346 ]

كان طلاقه واقعا (1). والتحقيق أن نقول: إن قصد بذلك الاقرار بطلاق سابق حكم عليه به ظاهرا ودين بنيته في نفس الأمر، وإن قصد بذلك الانشاء فهل يصح؟ ظاهر كلام النهاية (نعم) وظاهر كلام ابن إدريس (المنع). والشيخ - رحمه الله - عول على رواية السكوني، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - في الرجل يقال له: طلقت امرأتك؟ فيقول: نعم، قال: قد طلقها حينئذ (2). وهو صريح بأنه إيقاع، ولأن قوله: (نعم) يتضمن إعادة السؤال. والسكوني عندي ضعيف لا يعول على ما ينفرد به. مع أن الشيخ قال في المبسوط: يلزم الطلاق، فإن كان صادقا لزمه باطنا وظاهرا، وإن كان كاذبا لزمه في الحكم (3). وهذا دليل على أنه جعله إقرارا بالطلاق لا إنشاء. وتحمل الرواية في قوله - عليه السلام -: (قد طلقها حينئذ) على أنه أتى بالسبب الموجب للحكم عليه بالطلاق. وقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر في كتاب الجامع، عن محمد بن سماعة، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - في رجل قال لامرأته: أنت حرام أو بائنة أو بتة أو خلية أو برية، فقال: هذا ليس بشئ، إنما الطلاق أن يقول لها في قبل عدتها قبل أن يجامعها: أنت طالق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين.

(1) المهذب: ج 2 ص 278.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 38 ح 111، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 6 ج 15 ص 296.
(3) المبسوط: ج 5 ص 112..

[ 347 ]

والشيخ أيضا روى ذلك، لكن زاد قوله: (أو اعتدي) (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وما ينوب مناب قوله: (أنت طالق) بغير العربية بأي لسان كان فإنه يحصل به الفرقة (2). وأطلق. وقال ابن حمزة: وما يكون في حكم الطلاق أربعة، وعد منها: تطليقها بما يفيد مفاد العربية من اللغات (3). وأطلق أيضا. وقال ابن البراج: ومن لم يحسن الكلام بالعربية من الاعاجم وغيرهم إذا تلفظوا بما ينوب في لغتهم عما يعبر به عن الطلاق في العربية كان الطلاق صحيحا، ولا يقع الطلاق إلا باللسان بأي لغة كان - كما ذكرناه - مع القدرة على ذلك، أو الإشارة مع عدم القدرة (4). وظاهره يعطي موافقة إطلاق الشيخ وإن لم يكن ناصا. وقال ابن إدريس، وما ينوب مناب قوله: (أنت طالق) بغير العربية بأي لسان كان فإنه يحصل به الفرقة إذا تعذر عليه لفظ العربية. فأما إذا كان قادرا على التلفظ بالطلاق بالعربية وطلق بلسان غيرها فلا تقع الفرقة بذلك، لأنه ليس عليه دليل، والأصل بقاء العقد (5). احتج الشيخ بأن المقصود في المحاورات بالذات إنما هو المعاني دون الالفاظ، لأنها دلائل، ونسبة الالفاظ إليها متساوية. وبما رواه جعفر، عن أبيه * عن علي - عليه السلام - قال: كل طلاق بكل

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 36 و 37 ح 108، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 3 ج 15 ص 295.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 429.
(3) الوسيلة: ص 323 و 324.
(4) لم نعثر عليه في المهذب وجواهر الفقه.
(5) السرائر: ج 2 ص 676..

[ 348 ]

لسان فهو طلاق (1). واحتج ابن إدريس بأن الأصل عصمة الفروج، والاستصحاب يدل على بقاء العقد، والفرقة أمر شرعي ولم يثبت. ونحن في هذه المسألة من المتوقفين. مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن كتب بيده أنه طلق امرأته وهو حاضر ليس بغائب لم يقع الطلاق، وإن كان غائبا وكتب بخطه أن فلانة طالق وقع الطلاق، وإن قال لغيره: أكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها لم يقع الطلاق، فإن طلقها بالقول ثم قال لغيره: أكتب إليها بالطلاق كان الطلاق واقعا بالقول دون الأمر (2). وقال في الخلاف: إذا كتب بالطلاق زوجته ولم يقصد الطلاق لا يقع بلا خلاف، وإن قصد به الطلاق فعندنا أنه لا يقع به شئ. واستدل بإجماع الفرقة، وأصالة بقاء العقد، وعدم دليل على وقوع الطلاق بالكتابة (3). وقال في المبسوط: إذا كتب بطلاقها ولا يتلفظ به ولا ينويه فلا يقع به شئ بلا خلاف، فإذا تلفظ به وكتبه وقع باللفظ، فإذا كتب ونوى ولم يتلفظ به فعندنا لا يقع به شئ إذا كان قادرا على اللفظ، فإن لم يكن قادرا وقع واحدة إذا نواها لا أكثر منه. ولهم فيه قولان: أحدهما: يقع، والثاني: أنه لا يقع. وروى أصحابنا أنه إن كان مع الغيبة فإنه يقع، وإن كان مع الحضور فلا يقع (4). وقال ابن الجنيد: وإن قال لغيره بحضرة الشهود: أكتب إلى فلانة

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 38 ح 112، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب مقدمات الطلاق ح 1 ج 15 ص 297.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 429 - 431.
(3) الخلاف: ج 4 ص 469 المسألة 29.
(4) المبسوط: ج 5 ص 28..

[ 349 ]

بطلاقها، أو كتب هو بخطه والشهود يرونه ولم يلفظ بالطلاق لم يكن طلاقا. وقال ابن البراج في الكامل بمثل قول الشيخ في النهاية. وقال في المهذب: إذا كتب بطلاقها ولم يتلفظ به ولم ينوه لم يقع طلاقه، فإن تلفظ به وكتبه وقع باللفظ إذا كان معه النية للفرقة، فإن كتب ونوى ولم يتلفظ بذلك لم يقع به طلاق. هذا إذا كان قادرا على اللفظ، فإن لم يكن قادرا على ذلك ونوى الطلاق وقع طلقة واحدة بغير زيادة عليها (1). وقال ابن حمزة: وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء: الكتابة من الأخرس. ومن الغائب بأربعة شروط: أن يكتب بخطه، ويشهد عليه، ويسلم من الشاهدين، ولا يفارقهما حتى يقرأ الشهادة ويعلما المطلقة (2). وقال ابن إدريس: لا يقع الطلاق إذا كتب بخطه: أن فلانة طالق وإن كان غائبا بغير خلاف من محصل: لأنا نراعي لفظا مخصوصا يتلفظ به المطلق، ومن كتب فما تلفظ بغير خلاف، والأصل بقاء العقد وثبوته، فمن أوقع بالكتابة طلاقا وفرقة يحتاج إلى دليل، وشيخنا قد رجع عما قاله في نهايته في مسائل خلافه (3). والمعتمد ما قاله الشيخ في الخلاف. لنا: أن الطلاق إزالة لقيد (4) النكاح الثابت شرعا، فيقف على دلالة الشرع عليه، لأصالة بقاء ما كان على ما كان. ولأن الكنايات اللفظية غير مؤثرة في الازالة، وإن قصد بها ذلك فالكتابة أولى بعدم الازالة، فإن نسبة اللفظ إلى لفظ يدل على ما دل عليه أقوى من نسبة الكتابة إلى اللفظ.

(1) المهذب: ج 2 ص 277.
(2) الوسيلة: ص 323، وفيه: (حتى يقيما الشهادة).
(3) السرائر: ج 2 ص 677.
(4) ق 2: لعقد..

[ 350 ]

ولأن النكاح لا يثبت بالكتابة فكذا ضده. ولأن للأشياء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة، والوجود الذهني يدل على الوجود الخارجي دلالة طبيعية، والعبارة تدل على الوجود الذهني دلالة وضعية، والكتابة تدل على العبارة دلالة وضعية أيضا. والمناط في زوال قيد النكاح إنما هو اللفظ، ولا يلزم من اقتضاء المدلول أمرا اقتضاء دليله ذلك الأمر، للمغايرة بين الدال والمدلول. وما رواه زرارة في الحسن قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل كتب بطلاق امرأته أو يعتق غلامه ثم بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق ولا عتاق حتى يتكلم به (1). احتج الشيخ بما رواه أبو حمزة الثمالي في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه يكون ذلك طلاقا أو عتقا؟ فقال: لا يكون طلاق ولا عتق حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده وهو يريد به الطلاق أو العتق، ويكون ذلك منه بالاهلة والشهود، ويكون غائبا عن أهله (2). والجواب: إنه محمول على حالة الاضطرار، وتكون لفظة (أو) للتفصيل لا للتخيير (3). لا يقال: هذه الرواية مختصة بالغائب، والرواية الأولى مطلقة، والمقيد مقدم..

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 38 ح 113، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 2 ج 15 ص 291.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 38 ح 114، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 3 ج 15 ص 291، وفيهما: (عن أبي جعفر عليه السلام).
(3) ق 2: التخير..

[ 351 ]

لأنا نقول: الغيبة والحضور لا تأثير لهما في السببية، فإنا نعلم أن اللفظ لما كان سببا في البينونة استوى إيقاعه من الغائب والحاضر. وكذا الكتابة لو كان سببا لتساوي الحالان فيها، مع أن في روايتنا ترجيحا بسبب موافقة الأصل وتأييدها (1) بالنظر والشهرة في العمل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وكل الرجل غيره بأنه يطلق عنه لم يقع طلاقه إذا كان حاضرا في البلد، فإن كان غائبا جاز توكيله في الطلاق (2). وتبعه ابن حمزة (3)، وابن البراج (4). وأطلق ابن الجنيد فقال: ولا بأس بتوكيل الرجل غيره في طلاق زوجته ومخالعتها، وإذا أوقع الوكيل ذلك على ما رسمه له الزوج من السنة وقع. وقال ابن إدريس: يقع الطلاق سواء كان الزوج حاضرا أو غائبا (5). وهو المعتمد. لنا: أصالة صحة الوكالة وصحة الايقاع، للصيغة المشترطة في نظر الشرع، ووجود المقتضي وهو الصيغة، وانتفاء المعارض وهو عدم اشتراط المباشرة، إذ لا تعلق لغرض الشرع (6) في إيقاع هذا الفعل من مباشر دون غيره. وما رواه سعيد الاعرج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يجعل أمر امرأته إلى رجل، فقال: اشهدوا إني قد جعلت أمر فلانة إلى فلان فيطلقها أيجوز ذلك للرجل؟ قال نعم (7). وترك الاستفصال في الحال يدل على عموم المقال.

(1) ق 2: تأيدها.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 431.
(3) الوسيلة: ص 323.
(4) المهذب: ج 2 ص 277.
(5) السرائر: ج 2 ص 677.
(6) ق 2: الشارع. (7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 38 ح 115، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 333..

[ 352 ]

احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا تجوز الوكالة في الطلاق (1). قال في التهذيب: وهذا الحديث لا ينافي الأخبار الأولة، لأنا نحمل هذا الخبر على الحال التي يكون الرجل فيها حاضرا غير غائب عن بلده، فإنه متى كان الأمر على ما وصفناه لم تجز وكالته في الطلاق. والأخبار الأولة في تجويز الوكالة مختصة بحال الغيبة، ولا تنافي بين الأخبار. وقال ابن سماعة: إن العمل على الذي ذكر فيه أنه لا تجوز الوكالة في الطلاق ولم يفصل. قال الشيخ: وينبغي أن يكون العمل على الأخبار كلها حسب ما قدمناه (2). والجواب: رواياتنا أصح وأكثر فيكون أولى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن شرائط الطلاق العامة: أن يطلقها تطليقة واحدة، فإن طلقها أكثر من ذلك أو ثلاثا أو ما زاد عليه لم يقع أكثر من واحدة إذا اجتمعت الشرائط كلها (3). وكذا في المبسوط (4). وفي الخلاف: إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد كان مبدعا، ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا. وفيهم من قال: لا يقع شيئا أصلا (5). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك. وقد روي أن ابن عباس

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 39 ح 120، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 5 ج 15 ص 334.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 40 ذيل الحديث 120.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 433.
(4) المبسوط: ج 5 ص 13.
(5) الخلاف: ج 4 ص 450 المسألة 3. .

[ 353 ]

وطاووسا يذهبان إلى ما تقوله الامامية. وحكى الطحاوي في كتاب الاختلاف، عن محمد بن إسحاق: إن الطلاق الثالث يرد إلى واحدة (1). وهو يشعر ببطلانه أصلا ورأسا. وقال في المسائل الناصرية: إنها تطلق واحدة، وهو الذي يذهب إليه أصحابنا. وقال الشاذ منهم: إن الطلاق الثلاث لا يقع شئ منه، والمعول على ما قدمناه. واستدل عليه بوجود المقتضي، والايقاع بالثلاث غير مؤثر، كما لو قال عقيب أنت طالق: إن دخلت الدار وأكلت الخبز (2). وقال ابن أبي عقيل: لو طلقها ثلاثا بلفظ واحد وهي طاهر لم يقع عليها شئ. وشرط سلار في الطلاق أن يقع موحدا (3). وابن البراج (4) وافق الشيخ في النهاية في كتابيه معا. وقال ابن حمزة: وبدعة في القول وهو الطلاق المعلق بشرط، وايقاع الطلاق ثلاثا بلفظة واحدة، ولا يقع كلاهما، وقال بعض أصحابنا: يقع واحدة من ثلاث. والأول هو الصحيح.
(5). وابن زهرة (6) وابن إدريس (7) وافقا الشيخ في النهاية أيضا. وهو المعتمد. لنا: أن المقتضي للواحدة ثابت، والمانع لا يصلح للمانعية، فيثبت الحكم. أما وجود المقتضي فو لفظ الطلاق، وقوله: (أنت طالق) للاجماع على سببيته مع وجود شرائطه، والتقدير حصول ذلك. وأما عدم صلاحية

(1) الانتصار: ص 134.
(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 249 - 250 المسألة 163.
(3) المراسم: ص 161.
(4) المهذب: ج 2 ص 277.
(5) الوسيلة: ص 322.
(6) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 553 س 1.
(7) السرائر: ج 2 ص 678..

[ 354 ]

المعارض للمانعية فلأنه ليس إلا قوله: ثلاثا، وهو غير معارض، لأنه مؤكد لكثرة الطلاق وإيقاعه وتكثير سبب البينونة، والواحدة موجودة في الثلاثة، لتركبها عنها وعن وحدتين أخريين، ولا منافاة بين الكل وجزئه، فيكون المقتضي - وهو الجزء - خاليا عن المعارض. وما رواه جميل بن دراج في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الذي يطلق في حال طهر في مجلس ثلاثا، قال: هي واحد (1). وفي الصحيح، عن بكير بن أعين، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن طلقها للعدة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق (2). احتج السيد المرتضى وابن أبي عقيل بما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من طلق ثلاثا في مجلس فليس بشئ، ومن خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله، وذكر طلاق ابن عمر (3). ولأن الواحدة المنفرة المقيدة بقيد الوحدة غير مرادة فلا يقع، لاشتراط القصد في الطلاق، والثلاث غير واقعة إجماعا. والجواب: أنا نقول بموجب الخبر، فإن الثلاث لا يقع، فكأنه ليس بشئ يوجب ما قصده، والفعل الاختياري الصادر عن الحيوان إذا لم تحصل غايته يسمى باطلا فلا يكون شيئا. قال الشيخ: ويحتمل أن يكون المراد أنه طلقها وهي حائض، لأنه ذكر

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 52 ح 168، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 3 ج 15 ص 312.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 53 ح 172، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 12 ج 15 ص 314.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 54 ح 177، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 8 ج 15 ص 313..

[ 355 ]

حديث ابن عمر، وابن عمر طلق في الحيض ثلاثا (1). روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: من طلق امرأته ثلاثا في مجلس وهي حائض فليس بشئ، وقد رد رسول الله - صلى الله عليه وآله - طلاق عبد الله بن عمر، إذ طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وآله - ذلك الطلاق، وقال: كل شئ خالف كتاب الله فهو رد إلى كتاب الله (2). ونمنع المنافاة بين الواحدة المطلقة وبين الثلاث، والأولى هي الشرط. لا يقال: قد روى علي بن إسماعيل قال: كتب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن - عليه السلام -: جعلت فداك، روى أصحابنا، عن أبي عبد الله - عليه السلام - في الرجل يطلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزمه تطليقة واحدة، فوقع بخطه - عليه السلام -: أخطئ على أبي عبد الله - عليه السلام - أنه لا يلزمه الطلاق ويرد إلى الكتاب والسنة إن شاء الله (3). وعن الحسن بن زياد الصيقل قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: لا تشهد لمن طلق ثلاثا في مجلس (4). وعن عمر بن حنظلة، عن الصادق - عليه السلام - قال: إياكم والمطلقات

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 54 و 55 ذيل الحديث 55.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 55 ح 179، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق ح 9 ج 15 ص 313 - 314.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 56 ح 182، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق ح 19 ج 15 ص 316.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 56 ح 181، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب مقدمات الطلاق ح 17 ج 15 ص 315..

[ 356 ]

ثلاثا في مجلس فإنهن ذوات أزواج (1). لأنا نجيب عن الأول: بأنه خبر مخالف للاخبار الكثيرة، مع أنه مشتمل على الكتابة. وعن الثاني: إنه نهى عن الشهادة للطلاق ثلاثا، ونحن نقول بموجبه، إذ الواقع واحدة. وعن الثالث: القول بالموجب أيضا، فإن ذات العدة الرجعية كذات الزوج. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى لم يكن دخل بالمرأة وطلقها وقع الطلاق وإن كانت حائضا، وكذلك إن كان غائبا عنها شهرا فصاعدا وقع طلاقه إذا طلقها وإن كانت حائضا (2). وقال في موضع آخر منها: إذا خرج إلى السفر وقد كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها أي وقت شاء، ومتى كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها بعد ذلك أي وقت شاء (3). وقال المفيد - رحمه الله -: ومن كان غائبا عن زوجته فليس يحتاج في طلاقها إلى ما يحتاج إليه الحاضر من الاستبراء، لكنه لا بد له من الاشهاد، فإذا أشهد رجلين من المسلمين على طلاقه لها وقع بها الطلاق إن كانت طاهرا أو حائضا وعلى كل حال (4). ونحوه قال سلار (5). وقال ابن أبي عقيل: وقد توالت الأخبار عن الصادقين - عليهما السلام -:

(1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 56 ح 183، وسائل الشيعة: باب 29 من أبواب مقدماته وشرائطه ح 20 ج 15 ص 316.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 434.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 445.
(4) المقنعة: ص 526 (427.
(5) المراسم: ص 161..

[ 357 ]

في أن خمسا يطلقن على كل حال إذا شاء أزواجهن في أي وقت شاؤا - وأولهن: التي قد يئست من المحيض، والتي لم تبلغ الحيض، والتي لم يدخل بها زوجها، والحامل، والغائب عنها زوجها - تطليقة واحدة لا غير. ولم يقيد مدة الغيبة بقدر معين. وقال علي بن بابويه: واعلم يا بني: إن خمسا يطلقن على كل حال، ولا يحتاج الرجل أن ينتظر طهرهن. وعد هؤلاء. وقال ابن البراج: إن كان خرج كانت طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، طلقها أي وقت أراد، وإن كانت طاهرا طهرا قد قربها فيه بجماع فلا يطلقها حتى يمضي لها ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، ويطلقها بعد ذلك أي وقت أراد (1). وقال أبو الصلاح: ومن شروط صحة الطلاق: إيقاعه في طهر لا مساس فيه بحيث يمكن اعتباره. واحترزنا (2) به عمن لا يمكن ذلك فيها وهي: التي لم يدخل بها، والتي لم تبلغ، والايسة، والحامل، والغائبة، لتعذر العلم به فيهن، وقبح التكليف مع التعذر (3). وابن حمزة قدر بشهر (4) فصاعدا (5). وقال ابن الجنيد - ونعم ما قال -: والغائب لا يطلق حتى يعلم أن المرأة بريئة من الحمل أو هي حامل، فإذا علم ذلك فأوقع الطلاق على شرائطه وقع. ثم قال: وينتظر الغائب بزوجته من آخر جماع أوقعه ثلاثة أشهر إذا كانت ممن تحمل، وإن كانت آيسة أو لم تبلغ إلى حال الحمل طلقها إذا شاء.

(1) المهذب: ج 2 ص 286 - 287. (2) في المصدر: وقلنا بحيث يمكن لصحته ممن لا يمكن.
(3) الكافي في الفقه: ص 305.
(4) ق 2: شهرا.
(5) الوسيلة: ص 323..

[ 358 ]

وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: وإذا أراد الغائب أن يطلق امرأته فحد غيبته التي إذا غابها كان له أن يطلق متى شاء أقصاه خمسة أشهر أو ستة أشهر، وأوسطه ثلاثة أشهر، وأدناه شهر. فقد روى صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: الغائب الذي يطلق كم غيبته؟ قال: خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حد دون ذا؟ قال: ثلاثة أشهر. وروى محمد بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: الغائب إذا أراد أن يطلق امرأته تركها شهرا (1). وقال ابن إدريس: وكذلك إن كان غائبا بمقدار ما يعرف من حالها وعادتها وقع طلاقه. قال: وليس الاعتبار بالشهر الذي اعتبره في النهاية، بل بما يعرفه من حال امرأته إما شهرا أو شهرين أو ثلاثة على قدر عادتها، وقد حقق هذا في استبصاره، ورجع عن إطلاق ما في نهايته (2). والمعتمد ما قاله ابن الجنيد، لما رواه جميل بن دراج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الرجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلق حتى يمضي ثلاثة أشهر (3). ولأن هذا قد اعتبره الشارع في عدة غير الحائض إذا كان مثلها تحيض، ليعلم بذلك فراغ رحمها، فكذا هنا. وقد روى محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته وهو غائب؟ قال: يجوز طلاقه على كل حال،

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 503 ذيل الحديث 4766 وح 4767 وح 4768.
(2) السرائر: ج 2 ص 686.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 62 ح 203، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 7 ج 15 ص 308. .

[ 359 ]

وتعتد امرأته من يوم طلقها (1). وفي الصحيح عن إسماعيل الجعفي، عن الباقر - عليه السلام - قال: (خمس يطلقهن الرجل على كل حال: الحامل، والتي لم يدخل بها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي قد يئست من المحيض (2). وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يطلق امرأته وهو غائب فيعلم أنه يوم طلقها كانت طامثا، قال: يجوز (3). وعن إسحاق بن عمار، عن الصادق - عليه السلام - قال: الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا (4). وعن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: الغائب الذي يطلق (أهله) كم غيبته؟ قال، خمسة أشهر أو ستة أشهر، قلت: حد دون ذلك؟ قال ثلاثة أشهر (5). وقد جمع الشيخ بين الأخبار بالحوالة على اختلاف عادة النساء في الحيض، فمن علم من حال امرأته أنها تحيض في كل شهر حيضة جاز له أن يطلق بعد شهر، ومن يعلم أنها لا تحيض إلا في أزيد انتظر تلك الزيادة، فالمراعى في

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 60 ح 195، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 307.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 61 ح 198، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 305.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 295 ح 1041، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 6 ج 15 ص 308.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 295 ح 1042، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 3 ج 15 ص 305.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 259 ح 1043، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 8 ج 15 ص 308..

[ 360 ]

جواز ذلك مضي حيضة وانتقالها إلى طهر لم يقربها فيه بجماع (1). وقد علم بتلاوة هذه الأخبار احتجاج كل من خالف ما اخترناه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى كان للرجل زوجة معه في البلد غير أنه لا يصل إليها فهو بمنزلة الغائب عن زوجته، فإذا أراد طلاقها فليصبر إلى أن يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثم يطلقها إن شاء (2). وتبعه ابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا وإجماعنا منعقد عليه أنه لا يجوز للحاضر أن يطلق زوجته المدخول بها وهي حائض بغير خلاف، وحمل الحاضرة في البلد على تلك قياس، وهو باطل عندنا، والأصل الزوجية، فمن أوقع الطلاق يحتاج إلى دليل قاهر، وما ذكره شيخنا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله مما لا يعمل عليه ولا يعرج إليه، ولولا إجماعنا على طلاق الغائب وإن كانت زوجته حائضا لما صح، فلا نتعداه ونتخطاه (5). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أن المقتضي معلوم الثبوت، والمعارض لا يظن ثبوته، بل يظن عدمه، فيثبت الحكم. أما وجود المقتضي فلأن لفظ الطلاق موضوع شرعا للبينونة، وسبب تام فيها وقد وجد. وأما انتفاء المعارض فلأنه ليس إلا الحيض، وهو غير معلوم الثبوت، بل مظنون العدم، إذ التقدير ذلك. وأما ثبوت الحكم عند

(1) الاستبصار: ج 3 ص 295 ذيل الحديث 1043.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 447.
(3) المهذب: ج 2 ص 287.
(4) الوسيلة: ص 323.
(5) السرائر: ج 2 ص 686، وفيه: (وهي حائض بغير خلاف بيننا على ما قدمناه... وفي سنها من تحيض على ما بينا وحمل الحاضر والحاضرة)..

[ 361 ]

ذلك فهو ظاهر. ولأن المقتضي لجواز تطليق الغائب - وهو خفاء حالها عنه مع غلبة ظنه بالانتقال من طهر المواقعة إلى غيره - موجود هنا، وثبوت العلة يستلزم ثبوت الحكم، ولا يرجع في ذلك إلى القياس، بل إلى وجود ما جعله الشارع علة. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل تزوج امرأة سرا من أهلها وهي في منزل أهلها وقد أراد أن يطلقها وليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت ولا يعلم طهرها إذا طهرت، قال: فقال: هذا مثل الغائب عن أهله يطلقها بالاهلة والشهود، قلت: أرأيت إن كان يصل إليها الأحيان والأحيان لا يصل إليها فيعلم حالها كيف يطلقها؟ فقال: إذا مضى شهر لا يصل إليها فيه يطلقها إذا نظر إلى غرة الشهر الآخر بشهود ويكتب الشهر الذي يطلقها فيه ويشهد على طلاقها رجلين، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب، وعليه نفقتها في تلك الثلاثة الأشهر التي تعتد فيها (1). وهذا نص في الباب، وإذا وافق المعنى المعقول الحديث الصحيح المنقول واشتهر بين الجماعة العمل به كان (2) متعينا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا أراد أن يطلق امرأته وهي حبلى مستبين حملها فيطلقها أي وقت شاء، فإذا طلقها واحدة كان أملك برجعتها ما لم تضع ما في بطنها، فإذا راجعها وأراد طلاقها للسنة لم يجز له ذلك حتى تضع ما في بطنها، فإذا أراد طلاقها للعدة واقعها ثم طلقها بعد المواقعة (3). وتبعه ابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 69 ح 299، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 310 - 311.
(2) ق 2: كان العمل به.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 441 - 442..

[ 362 ]

البراج (1)، وابن حمزة (2). وقال الشيخ علي بن بابويه في رسالته: فإن راجعها - يعني: الحبلى - قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها وتطهر ثم يطلقها، ولم يفصل. وكذا قال ابنه في المقنع (3). وقال ابن الجنيد: والحبلى إذا طلقها زوجها وقع عليها الطلاق، وله أن يرتجعها، فإن أراد طلاقها تركها شهرا من حال جماعه في الرجعة ثم طلقها، فإن ارتجعها الثانية وأراد طلاقها طلقها كذلك، فإذا ارتجعها ثم طلقها كذلك لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. ومنع ابن إدريس ذلك، وجوز طلاقها للسنة كما يجوز للعدة، إذ لا مانع من إجماع ولا كتاب ولا سنة متواترة. والأصل الصحة مع عموم (فإن طلقها) (الطلاق مرتان) وإنما هو خبر واحد أورده في نهايته إيرادا لا اعتقادا (4). والشيخ - رحمه الله - احتج بما رواه إسماعيل الجعفي في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه (5). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: الحبلى تطلق تطليقة واحدة (6). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: طلاق الحبلى

(1) المهذب: ج 2 ص 285.
(2) الوسيلة: ص 322.
(3) المقنع: ص 116. (4) السرائر: ج 2 ص 689.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 70 - 71 ح 234، وسائل الشيعة: ب 20، من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 1 ج 15 ص 380.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 70 ح 233، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 2 ج 15 ص 309..

[ 363 ]

واحدة، وإن شاء راجعها قبل أن تضع، فإن وضعت قبل أن يراجعها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطاب (1). ثم روي عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم - عليه السلام -: الحامل يطلقها زوجها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة، فقال: تبين منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثم قال: هذا الحديث لا ينافي ما تقدم من أن طلاق الحامل واحدة، لأن ذلك في طلاق السنة، فأما طلاق العدة فإنه يجوز أن يطلقها في مدة حملها إذا راجعها ووطأها (2). ثم روي عن منصور الصيقل، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى؟ قال: يطلقها، قلت: فيراجعها؟ قال: نعم يراجعها، قلت: فإنه بدا له بهد ما راجعها أن يطلقها؟ قال: لا، حتى تضع. ثم قال: المراد أنه ليس له أن يطلقها إذا راجعها حتى تضع طلاق السنة (3). أما للعدة فيجوز، لما رواه إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: سألته عن الحبلى تطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؟ قال: نعم، قلت: ألست قلت لي: إذا جامع لم يكن له أن يطلق؟! قال: إن الطلاق لا يكون إلا على طهر قد بان وحمل قد بان، وهذه قد بان حملها (4). وعن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن طلاق الحبلى، فقال: يطلقها واحدة للعدة بالشهور والشهود، قلت: فله أن يراجعها؟

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 71 ح 236، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب العدد ح 8 ج 15 ص 419.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 71 ح 237 وذيله. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 71 ح 238 وذيله.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 72 ح 239، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الطلاق ومقدماته ح 8 ج 15 ص 382..

[ 364 ]

قال: نعم، وهي امرأته، قلت: فإن راجعها ومسها وأراد أن يطلقها تطليقة أخرى؟ قال: لا يطلقها حتى يمضي لها بعد ما ما مسها شهر، قلت: فإن طلقها ثانية وأشهد ثم راجعها وأشهد على رجعتها ومسها ثم طلقها التطليقة الثالثة وأشهد على طلاقها لكل عدة شهر هل تبين كما تبين المطلقة على العدة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره؟ قال: نعم، قلت: فما عدتها؟ قال: عدتها أن تضع ما في بطنها، ثم قد حلت للأزواج (1). والتحقيق في هذا الباب أن نقول: طلاق العدة والسنة واحد (2)، وإنما يصير للسنة بترك الرجعة (3) وترك المواقعة، وللعدة بالرجعة في العدة والمواقعة، فإذا طلقها لم يظهر أنه للسنة أو للعدة إلا بعد وضع الحمل، لأنه إن راجع قبله كان طلاق العدة، وإن تركها حتى تضع كان طلاق السنة، فإن قصد الشيخ ذلك فهو حق، وتحمل الأخبار عليه. مسألة: إذا طلق الغائب واحدة من نسائه الأربع لم يجز له العقد على الأخرى إلا بعد مضي تسعة أشهر، لأن في ذلك مدة الأجلين: فساد الحيض ووضع الحمل، قاله الشيخ في النهاية (4)، وأطلق. وقيده (5) ابن إدريس بالرجعي (6)، وهو حسن. ثم قال ابن إدريس: فأما إذا كانت واحدة وطلقها (طلاقا) شرعيا وأراد أن يعقد على أختها في حال سفره فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على أختها، ولا يلزمه أن يصبر تسعة أشهر، لأن القياس عندنا باطل، وكذا التعليل. ثم أمر باللحظ

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 72 ح 240، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب أقسام الطلاق ومقدماته ح 11 ج 15 ص 382.
(2) م 3: واحدة.
(3) ق 2: المراجعة.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 446. (5) ق 2: وقيد.
(6) في الطبعة الحجرية: بالرجعة..

[ 365 ]

- للفرق بين المسألتين - والتأمل (1). وهو خطأ، إذ لا فرق بين الأمرين. وكما تحرم الخامسة كذا تحرم الأخت في العدة. وكما أوجبنا الصبر تسعة أشهر في الخامسة استظهارا كذا يجب في الأخت. وقوله: (فإذا انقضت عدتها على ما يعلمه من عادتها فله العقد على أختها) يوهم أنه مع علمه بخروج العدة لا يجوز في الخامسة، وليس بجيد، بل الصبر إنما يجب في الخامسة مع الاشتباه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الغلام إذا طلق وكان ممن يحسن الطلاق وقد أتى عليه عشر سنين فصاعدا جاز طلاقه، وكذلك عتقه وصدقته، ومتى كان سنه أقل من ذلك أو لا يكون ممن يحسن الطلاق فإنه لا يجوز طلاقه، ولا يجوز لوليه أن يطلق عنه. اللهم إلا أن يكون قد بلغ وكان فاسد العقل فإنه والحال على ما ذكرناه جاز طلاق الولي عنه (2). والبحث هنا يقع (3) في مقامين: الأول: طلاق الصبي المميز - وهو الذي بلغ عشر سنين فصاعدا - جوزه الشيخ هنا، وتبعه ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). ورواه الصدوق في كتابه عن زرعة عن سماعة، قال: سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته، فقال: إذا طلق للسنة ووضع الصدقة في موضعها وحقها فلا بأس، وهو جائز (6).

(1) السرائر: ج 2 ص 692.
(2) ليس في ق 2.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 447 - 449.
(4) المهذب: ج 2 ص 288.
(5) الوسيلة: ص 323.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 504 ح 4769، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 7 ج 15 ص 325. .

[ 366 ]

وسوغ ابن الجنيد أيضا طلاق الصبي إذا كان يعقل الطلاق ويضع الأمور في مواضعها، ومن كان بغير هذه المنزلة منهم (1) لا طلاق له. وقال الشيخ علي بن بابويه في رسالته: والغلام إذا طلق للسنة فطلاقه (2) جائز. وقال أبو الصلاح: واشترطنا صحة التصرف احترازا من الصبي والمجنون والسكران وفاقد التحصيل بإحدى الافات (3)، وأطلق. وقال سلار: من شرط المطلق أن يكون مالكا أمره (4). وهذه الاقاويل كلها تعطي المنع من طلاق الصبي. وقال ابن إدريس لما نقل كلام الشيخ في النهاية: الأولى ترك العمل بهذه الرواية، لأنها مخالفة لأصول المذهب والأدلة المتظاهرة، ولقول الرسول - عليه السلام -: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) ورفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لافعاله، وقد بينا أن أخبار الاحاد لا يعمل عليها ولا يلتفت إليها، لأنها لا توجب علما ولا عملا، وإن كان شيخنا أبو جعفر قد أوردها في نهايته فعلى جهة الايراد دون الاعتقاد (5). والمعتمد أنه لا يصح طلاق الغلام حتى يبلغ، لأنه محجور عليه في تصرفاته، وللنص (6) الوارد برفع التكليف عنه، إذ مناط التصرفات مسلوب عنه. ولما رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس طلاق الصبي بشئ (7).

(1) ق 2: فلا.
(2) ق 2: فتطليقه.
(3) الكافي في الفقه: ص 305.
(4) المراسم: ص 161.
(5) السرائر: ج 2 ص 693.
(6) ق 2: والنص.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 76 ح 256، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 324. .

[ 367 ]

احتج الشيخ بما رواه ابن بكير، عن الصادق - عليه السلام - قال: يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين (1). وعن ابن بكير، عن الصادق - عليه السلام - قال: يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل، ووصيته وصدقته وإن لم يحتلم (2). والجواب: الطعن في السند، مع المخالفة للأصل. المقام الثاني: طلاق المجنون، وقد نص الشيخ في النهاية على أن للولي أن يطلق عنه حيث قال: ولا يجوز لوليه أن يطلق عنه، اللهم إلا أن يكون قد بلغ (وكان) فاسد العقل، فإنه والحال ما ذكرناه جاز طلاق الولي عنه (3). وتبعه ابن البراج (4). وهو اختيار ابن الجنيد فإنه قال: ومن كان عقله يثيب إليه أحيانا ويذهب أحيانا فطلق في حال إثابة (5) عقله على السنة صح طلاقه، ومن كان لا يثيب عقله إليه (6) لم يكن طلاقه طلاقا، وإن طالبته الزوجة بفراقه وكان عند عقد النكاح قد رضيت بحاله لم يكن لها ذلك، وإن كانت الحال حادثة أو متزايدة طلق عنه (7) الإمام أو خليفته أو ولي المعتوه. وقال علي بن بابويه: وأما المعتوه فإذا أراد الطلاق طلق عنه وليه. وقال ابن إدريس - وبئس ما قال -: لا يجوز للولي أن يطلق عنه (8).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 75 - 76 ح 254، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 6 ج 15 ص 325.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 76 ح 257، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 5 ج 15 ص 325.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 288.
(5) ق 2: ابانة، م 3: انابة.
(6) ق 2: البتة.
(7) م 3: عليه.
(8) السرائر: ج 2 ص 693..

[ 368 ]

والحق ما قاله الشيخ. لنا: أن الحاجة قد تشتد (1) إليه وتدعو الضرورة إلى إيقاعه، وهو غير ممكن من المجنون لسلب أهلية التصرفات عنه. فلو لم يشرع للولي ذلك لزم الضرر الدائم على المجنون، وعلى الزوجة أيضا، وهو منفي بالاجماع، وبقوله - عليه السلام -: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) (2). وما رواه أبو خالد القماط في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل الاحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه؟ قال: ولم لا يطلق هو؟ قلت: لا يؤمن إن هو طلق أن يقول غدا: لم أطلق أو لا يحسن أن يطلق، قال: ما أرى وليه إلا بمنزلة السلطان (3). وروى الصدوق عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن المعتوه يجوز طلاقه؟ فقال: ما هو؟ فقلت: الاحمق الذاهب العقل، فقال: نعم (5). ثم قال ابن بابويه: يعني: أنه طلق عنه وليه، فأما أن يطلق هو فلا، لما رواه صفوان بن يحيى الجمال، عن أبي خالد القماط قال: قلت لأبي عبد الله

(1) م 3: تستند.
(2) مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 313.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 75 ح 253، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 329.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 504 ح 4770، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 4 ج 15 ص 327 - 328.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 505 ح 4771، وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 8 ج 15 ص 328..

[ 369 ]

- عليه السلام -: رجل يعرف رأيه مرة وينكره أخرى يجوز طلاق وليه عليه؟ فقال: ما له هو لا يطلق؟ قال: قلت: لا يعرف حد الطلاق: ولا يؤمن عليه إن طلق اليوم أن يقول غدا: لم أطلق، فقال: ما أراه إلا بمنزلة الإمام - يعني: الولي - (1). احتج ابن إدريس بقول النبي - صلى الله عليه وآله -: (الطلاق بيد من أخذ بالساق) (2). والجواب: لو سلمنا ثبوت النقل كان مخصوصا بما قلناه من الأحاديث، والخاص مقدم. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): الاستثناء بمشيئة الله تعالى يدخل في الطلاق والعتاق، سواء كانا مباشرين مثل: (أنت طالق إن شاء الله) (أنت حر إن شاء الله) أو معلقين بصفة مثل: (إذا دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله): أو (إذا دخلت الدار فأنت حر إن شاء الله) - وإن كان الطلاق والعتق بصفة لا يصح عندنا - وفي اليمين بهما وفي الاقرار، وفي اليمين بالله فيوقف الكلام، ومن خالفه لم يلزمه حكم ذلك، لأصالة البراءة، وثبوت العقد. وإذا عقب كلامه بلفظة (إن شاء الله) في هذه المواضع فلا دليل على زوال العقد في النكاح أو العتق، ولا على تعلق حكم بذمته، فمن ادعى خلافه فعليه الدلالة. وروى ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: من حلف على يمين وقال في أثرها: (إن شاء الله) لم يحنث فيما حلف عليه، وهو على العموم في كل الأيمان بالله وغيره.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 505 ذيل الحديث 4771، وح 4772.
(2) السرائر: ج 2 ص 673.
(3) الخلاف: ج 4 ص 483 المسألة 53، وليس فيه المثالين للمباشر والمعلق.
(4) المبسوط: ج 5 ص 66..

[ 370 ]

وقال في كتاب الأيمان من الخلاف: لا يدخل الاستثناء بمشيئة الله إلا في اليمين فحسب، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: يدخل في اليمين بالله وبالطلاق والعتاق وفي النذور وفي الاقرار. دليلنا: إن ما ذكرناه مجمع على دخوله فيه، وما قالوه ليس عليه دليل (1). وقال ابن إدريس: لا يدخل الاستثناء بمشيئة الله تعالى عندنا، بغير خلاف بين أصحابنا معشر الامامية، إلا في اليمين بالله حسب، لأنه لا أحد من أصحابنا قديما وحديثا يتجاير ويقدم على أن رجلا أقر عند الحاكم بمال لرجل آخر وقال بعد إقراره: (إن شاء الله) لا يلزمه ما أقر به. فأما شيخنا أبو جعفر فهو محجوج بقوله، فإنه رجع عما قاله في كتاب الطلاق من الخلاف بما قاله في كتاب الأيمان، ففي المسألة الأولى اختار مذهب أبي حنيفة، وفي الثانية مذهب مالك، ثم استدل على صحة المسألتين، ولعمري أن الأدلة لا تتناقض (2). والتحقيق أن نقول: إن مقصود الشيخ في المسألة الأولى قبول الطلاق والعتق، للايقاف بالمشيئة فيبطل الايقاع، ولو لم يقبلاه كان الاستثناء باطلا، ويكون الطلاق والعتق ماضيين، وهو باطل إجماعنا منا. ومقصوده في المسألة الثانية بعدم دخوله فيهما أنه يوقف (3) حكم الطلاق والعتاق ويبطلان معه، فلا يبقى للدخول مع صحتهما إمكان. وقال ابن الجنيد: وإذا قال الرجل لامرأته: (أنت طالق إن شاء الله) وكان قوله ذلك في الوقت والشرائط التي يصح بمثلها الطلاق سئل عن نيته وقوله، وأجيز منه (4) ما تجيزه السنة ورد ما ردته.

(1) الخلاف: ج 6 ص 132 المسألة 26.
(2) السرائر: ج 2 ص 695 و 696. (3) م 3: توقف، وفي الطبعة الحجرية: يتوقف.
(4) ليس في ق 2، وفي م 3: عنه..

[ 371 ]

والظاهر أن قصده أنه متى قصد بذلك الشرط لم يقع، وإن قصد التبرك والمبالغة في الايقاع صح، وليس بعيدا من الصواب حينئذ. مسألة: لو طلقها واحدة أو اثنتين ثم تزوجت بغيره ودخل بها وكان التزويج دائما هدم الطلاق الأول عند الشيخ، اختاره في النهاية (1) والخلاف (2) والمبسوط (3). وبه قال ابن البراج (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6)، ونقلا عن بعض أصحابنا: إنه لا يهدم، كما نقله الشيخ في الخلاف. إذا تقرر هذا فمعنى الهدم: إن الزوج إذا طلق زوجته - مثلا - طلقة واحدة ثم خرجت من عدته فتزوجت (7) ببالغ تزويجا دائما ودخل ثم طلقها أو مات عنها ورجعت إلى الأول بعقد جديد بقيت معه على ثلاث طلقات، ولم تعد الطلقة السابقة في الثلاث. ومن (8) منع الهدم هنا عد الطلقة السابقة على نكاح الثاني من الثلاث وبقيت معه بعد تزويجه ثانيا بها على طلقتين. ولو كان قد طلقها طلقتين ثم تزوج (9) الثاني ثم رجعت إلى الأول بقيت معه على طلقة على المذهب الثاني، حتى أنه لو طلقها واحدة حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. وعلى المذهب الأول لا اعتبار بالطلقتين السابقتين، ولا تحرم عليه إلا بعد طلاق ثلاث مستأنفات. والجمهور نقلوا عدم الهدم عن علي - عليه السلام - (10). قال الشيخ في الخلاف: والظاهر من روايات أصحابنا والأكثر أن الزوج

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 436.
(2) الخلاف: ج 4 ص 488 - 489 المسألة 59.
(3) المبسوط: ج 5 ص 81.
(4) المهذب: ج 2 ص 282.
(5) الوسيلة: ص 321.
(6) السرائر: ج 2 ص 668.
(7) ق 2: فزوجت. (8) م 3: وفي.
(9) كذا في النسخ، والأنسب (تزوجت بالثاني).
(10) سنن البيهقي: ج 7 ص 365، المجموع: ج 17 ص 287..

[ 372 ]

الثاني إذا دخل بها يهدم ما دون الثلاث من الطلقة والطلقتين. وقد روى أصحابنا في بعض الروايات أنه لا يهدم، ثم نقل خلاف الجمهور. ثم قال: دليلنا: على الأول: قوله تعالى: (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فأخبر أن من طلق طلقتين كان له إمساكها، فالظاهر أن له إمساكها بعد هاتين الطلقتين، إلا ما قام عليه الدليل. والمعتمد في ذلك الأخبار التي ذكرناها في الكتاب الكبير من طلق أصحابنا صريحة بذلك، فمن أرادها وقف عليها من هناك. ونصرة الرواية الأخرى: قوله تعالى: (الطلاق مرتان - إلى قوله -: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) فأخبر تعالى أن من طلق طلقة بعد طلقتين لم تحل له إلا بعد زوج، ولم يفرق بين أن تكون هذه الثالثة بعد طلقتين وزوج، أو بعد الطلقتين بلا زوج. فمن قال: إذا طلقها واحدة حلت له قبل زوج غيره فقد ترك الآية (1). هذا آخر كلامه - رحمه الله -. وأصح ما بلغنا في هذا الباب من الروايات ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طلق امرأته تطليقة واحدة ثم تركها حتى مضت عدتها فتزوجت زوجا غيره ثم مات الرجل أو طلقها فراجعها زوجها الأول، قال: هي على تطليقتين باقيتين (2). وفي الصحيح عن منصور، عن الصادق - عليه السلام - في امرأة طلقها زوجها واحدة أو اثنتين ثم تركها حتى تمضي عدتها فتزوجها غيره فيموت أو يطلقها فيتزوجها الأول، قال: هي عنده على ما هي عليه من الطلاق (3).

(1) الخلاف: ج 4 ص 488 - 490 المسألة 59.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 32 ح 93، وسائل الشيعة: باب 5 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 6 ج 15 ص 364.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 32 ح 94، وسائل الشيعة: باب 5 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 9 ج 15 ص 365، وفيهما: (على ما بقي عليه). .

[ 373 ]

ومثله في الصحيح عن الحلبي (1). وفي الصحيح عن جميل، عن الصادق - عليه السلام - وابراهيم بن عبد الحميد، عن الكاظم - عليه السلام - قال: إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلقها زوجها فتزوجها الأول ثم طلقها فتزوجت رجلا ثم طلقها فتزوجها الأول ثم طلقها الزوج الأول هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا (2). وهذه الروايات كلها تدل على عدم الهدم. ولأن وطء الزوجة لم (3) يؤثر في إباحتها للزوج الأول فلا يؤثر في الطلاق كالزوج الثالث، بخلاف الثلاث فإنه أثر في إباحة العقد. ولأنه لا يمكن بناء العقد الثاني على الأول. وهنا يمكن بناؤه عليه، فيبنى كما لو عادت قبل أن يتزوج. وأما الهدم فقد رواه رفاعة بن موسى النخاس قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل طلق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه ثم يتزوجها آخر فيطلقها على السنة فتبين منه ثم يتزوجها الأول على كم هي عنده؟ قال: على غير شئ، ثم قال: يا رفاعة كيف إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجها ثانية استقبل الطلاق فإذا طلقها واحدة كانت على اثنتين (4). وما رواه عبد الله بن عقيل بن أبي طالب قال: اختلف رجلان في قضية

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 32 ح 95، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ذيل حديث 9 ج 15 ص 365.
(2) الكافي: ج 5 ص 824 ح 7، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ذيل الحديث 2 ج 14 ص 409.
(3) ق 2: لا.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 31 ح 92، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الطلاق ح 4 ج 15 ص 363..

[ 374 ]

علي - عليه السلام - وعمر في امرأة طلقها زوجها تطليقة أو اثنتين فتزوجها آخر فطلقها أو مات عنها فلما انقضت عدتها تزوجها الأول، فقال عمر: هي على ما بقي من الطلاق، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: سبحان الله أيهدم ثلاثا ولا يهدم واحدة! (1). وحمل الشيخ الروايات الأولى على أحد أمور ثلاثة: أن يكون الزوج لم يدخل بها، أو يكون غير بالغ، أو يكون متعة (2). فإن الثلاثة لا يحلل، ولا يهدم الأقل (3) من الثلاث، ولا بأس بهذا الجمع، لاعتضاده بأصالة الإباحة، فإنها بعد الزوج الثاني بالنسبة إليه وإلى غيره على السواء 7، وكما أبيحت (4) لغيره بعد طلقتين كذا له. ولأنه قد وردت أخبار صحاح في أن الخروج من العدة يهدم طلاق الزوج نفسه، فالأولى غيره وإن كنا لا نعمل بتلك الأخبار، فالأقوى ما اختاره الشيخ. مسألة: المشهور إن طلاق الأخرس بالاشارة المفيدة أو الكتابة إن عرفها، ذهب إليه الشيخ (5) وابن الجنيد، وتبعهما ابن البراج، وابن إدريس (6). وقال الصدوق في المقنع (7) وأبوه في رسالته (8): والأخرس إذا أراد أن

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 34 ح 106، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الطلاق ح 3 ج 15 ص 363.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 32 ذيل الحديث 97.
(3) م 3: الأولى.
(4) م 3: وكما أنه لا يجب.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 433.
(6) السرائر: ج 2 ص 678.
(7) المقنع: ص 119.
(8) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 515 باب طلاق الأخرس..

[ 375 ]

يطلق ألقى على امرأته قناعا يرى أنها قد حرمت عليه، فإذا أراد مراجعتها رفع القناع عنها يرى أنها قد حلت له. وجعله الشيخ (1) وابن البراج رواية. وقال ابن حمزة: ما يكون في حكم النكاح أربعة، وعد منها: الايماء من الأخرس على وجه يفهم منه الطلاق، أو القاء مقنعة على رأسها مع التنحي عنها، وإذا أراد الرجعة كشف المقنعة عن رأسها (2). لنا: ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا - عليه السلام - عن الرجل يكون عنده المرأة فصمت (3) فلا يتكلم، قال: أخرس؟ قلت: نعم، قال: فيعلم منه بغض لامرأته وكراهته (4) لها؟ قلت: نعم، أيجوز له أن يطلق عنه وليه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: أصلحك الله لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟ قال: بالذي يعرف به من فعله (5) مثل ما ذكرت من كراهته لها أو بغضه لها (6). احتج الصدوق بما رواه السكوني، عن الصادق - عليه السلام - قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ثم يعتزلها (7). وكذا روى أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - (8).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 433.
(2) الوسيلة: ص 323 و 324.
(3) في التهذيب: فيصمت والوسائل: يصمت. (4) في التهذيب والوسائل: كراهة.
(5) في التهذيب: فعاله والوسائل: أفعاله.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 74 ح 247، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 299 - 300.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 74 ح 249، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 3 ج 15 ص 300.
(8) الاستبصار: ج 3 ص 301 ح 1067، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 5 ج 15 ص 301..

[ 376 ]

والجواب: المنع من صحة السند أولا، والحمل على ما إذا علم بذلك إشارته ثانيا. مسألة: لا حكم للتحريم على ما تقدم ولا يقع به الطلاق إجماعا منا. ووافق ابن الجنيد على أنه لا يوقع بينونة، لكنه قال: فأما قوله: (حرام) فإن كان أراد الأخبار عن تحريم ما أحل الله فقد كذب ولا شئ عليه إلا الاستغفار، وإن أخرج القول مخرج اليمين بأن يقول: والله لاحرمنك على نفسي إن كان كذا، وأنت والله علي حرام كان عليه كفارة اليمين. والوجه أنه لا كفارة عليه، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: إذا طلق الأمة طلقة واحدة ثم أعتقت قال الشيخ في النهاية: بقيت معه على تطليقة واحدة، فإن تزوجها بعد ذلك وطلقها الثانية لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره (1). وتبعه ابن البراج (2). وهو المشهور عند علمائنا. وقال ابن الجنيد: فإن عتقت الأمة قبل وقوع الطلاق الثاني بها انتقل حكم طلاقها إلى حال الحرائر، وكان على زوجها إن أراد إبانتها بطلاق العدة أن يطلق تتمة الثالثة. وقال في كتاب الرجعة: وإذا طلق العبد زوجته الأمة طلاقا وقد وطأها في النكاح فعتقت أو عتقا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و (3) تبين منه بطلاق بعد جماع. وإن أوقع عليها طلاقا واحدا بعد الدخول فعتقت أو عتقا قبل انقضاء عدتها وايقاع الطلاق الثاني بها وراجعها كانت عنده على طلقتين باقيتين. لنا: أنه بعد الطلاق الأول قد تعلق بها حكم التحريم بعد طلقة أخرى،

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 449 - 450.
(2) المهذب: ج 2 ص 296.
(3) ليس في (م 3)..

[ 377 ]

فلا يسقط هذا الاعتبار بالاعتاق المتجدد. ولأنه أحوط، بخلاف الحرية السابقة على التطليقة الأولى. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: المملوك إذا كانت تحته مملوكة فطلقها ثم أعتقها صاحبها كانت عنده على واحدة (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - في العبد تكون تحته الأمة فطلقها تطليقة ثم أعتقا جميعا: كانت عنده على تطليقة واحدة (2). وغير ذلك من الروايات. احتج ابن الجنيد بأنها قبل الطلاق الثاني حرة طلقت واحدة فبقيت على اثنتين كالحرة الأصلية. وما رواه العيص في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن مملوك طلق امرأته ثم أعتقا جميعا هل يحل له مراجعتها قبل أن تتزوج غيره؟ قال: نعم (3). والجواب: المنع من المساواة، فإنها حال الرق قد وجد نصف سبب التحريم، ولا دلالة في الرواية، لأنه ليس في الآية أنه طلقها واحدة أو اثنتين، فيحمل على أنه طلقها واحدة، فإنه حينئذ يجوز له مراجعتها قبل أن تتزوج. مسألة: المشهور إن السيد إذا زوج عبده بحرة أو أمة غيره كان الطلاق بيد

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 86 ح 292، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 2 ج 15 ص 398.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 86 ح 293، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 3 ج 15 ص 398 وفيهما: (قال: قال أبو عبد الله (ع) في العبد). (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 86 ح 296، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 5 ج 15 ص 398 وفيهما: (سألت أبا عبد الله - عليه السلام -)..

[ 378 ]

العبد، فإذا طلق جاز. وقال ابن أبي عقيل، وابن الجنيد: لا يجوز طلاق مملوك، لأن طلاق المملوك إلى سيده. وقال ابن الجنيد: طلاق العبد إلى مولاه، سواء كانت زوجته أمة المولى أو أمة غيره أو حرة، بإذنه تزوج أم بغير إذنه. لنا: عموم قوله عليه السلام: (الطلاق بيد من أخذ بالساق) (1). وما رواه الصدوق عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: طلاق العبد إذا تزوج امرأة حرة أو تزوج وليدة قوم آخرين إلى العبد، وإن تزوج وليدة مولاه كان له أن يفرق بينهما، أو يجمع بينهما إن شاء، وإن شاء نزعها منه بغير طلاق (2). احتجوا بما رواه الصدوق عن ابن أذينة، عن زرارة، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - قالا: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلا بإذن سيده، قلت: فإن السيد كان زوجه بيد من الطلاق؟ قال: بيد السيد (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) والشئ، الطلاق (3). والجواب: إنه محمول على ما إذا تزوج بأمة مولاه جمعا بين الأدلة. وقول ابن أبي عقيل، وابن الجنيد ليس عندي بعيدا من الصواب. مسألة المشهور عند علمائنا أن الأمة إذا طلقها الزوج طلقتين ثم اشتراها لم يحل له وطؤها إلا بعد المحلل غيره. قال الشيخ في المبسوط: ولا يجوز له وطؤها إلا بعد زوج وإصابة، وقال

(1) سنن ابن ماجة: ج 1 ص 672 ح 2081.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 540 - 541 ح 4859.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 541 ح 4860، وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 1 ج 15 ص 343..

[ 379 ]

بعضهم: يحل له ذلك، لأنها حرمت عليه بالطلاق بحق الزوجية، وهنا يحل وطؤها بالملك، وروي ذلك في أحاديثنا. قال: والأول هو الصحيح عندنا وعندهم (1). وقال ابن الجنيد: ولا بأس عندي بالأمة إذا عقد عليها نكاح ووقع بها طلاق من الزوج ثم اشتراها أن يطأها بملك اليمين إذا لم يكن قد دخل بها، فإن كان قد دخل بها لم أختر ذلك، لما روي عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أنه قال: إني أنهى عنها نفسي وولدي، وقال: إن (2) آية أحلتها، وآية حرمتها. فإن قصد جواز وطئها بعد طلقتين صارت المسألة خلافية، وإلا فلا. لنا: عموم قوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (3). وفي الدلالة على محل النزاع إشكال. وما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل كانت تحته أمة فطلقها على السنة فبانت منه ثم اشتراها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجا غيره، قال: أليس قد قضى علي - عليه السلام - في هذا: أحلتها آية وحرمتها أخرى؟! وأنا أنهى عنها نفسي وولدي (4). وعن بريد بن معاوية العجلي، عن الصادق - عليه السلام - في الأمة يطلقها تطليقتين ثم يشتريها؟ قال: لا حتى تنكح زوجا غيره (5). والأخبار في ذلك كثيرة. احتج بما رواه أبو بصير في الصحيح قالت: قلت لأبي عبد الله - عليه

(1) المبسوط: ج 5 ص 112.
(2) ليس في م 3.
(3) القرة: 230.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 83 - 84، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 1 ج 15 ص 394 - 395.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 84 ح 285، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 3 ج 15 ص 395..

[ 380 ]

السلام -: رجل كانت تحته أمة فطلقها طلاقا بائنا ثم اشتراها بعد، قال: يحل له فرجها من أجل شرائها، والحر والعبد في هذه المنزلة سواء (1). والجواب: الطلاق البائن يصدق في الواحدة كالخلع (2) والمبارات. مسألة: إذا طلق المدخول بها ثم راجعها في العدة جاز له طلاقها ثانيا من غير جماع، لكن لا يسمى طلاق العدة، وهو قول أكثر علمائنا. وقال ابن أبي عقيل: فلو طلقها من غير جماع بتدنيس مواقعة بعد المراجعة (3) لم يجز ذلك، لأنه طلقها من غير أن ينقضي الطهر الأول، ولا ينقضي الطهر الأول إلا بتدنيس المواقعة بعد المراجعة. فإذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية بلا طهر جاز أن يطلق كل تطليقة بلا طهر، ولو جاز ذلك لما وضع الله الطهر. ولو طلقها ثم خرج إلى سفر فأشهد على رجعتها شاهدي عدل وهو غائب عنها في سفره ثم طلقها وهو في سفره لم يجز ذلك. لنا: أنها بعد الرجعة تصير زوجة فصح طلاقها. وما رواه عبد الحميد بن عواض ومحمد بن مسلم في الصحيح قالا: سألنا أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل طلق امرأته وأشهد على الرجعة ولم يجامع ثم طلق في طهر آخر على السنة أتثبت التطليقة الثانية بغير جماع؟ قال: نعم إذا هو أشهد على الرجعة ولم يجامع كانت التطليقة ثانية (4). وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا - عليه

*. (1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 85 ح 291، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 4 ج 15 ص 395.
(2) ق 2: في الخلع.
(3) ق 2: الرجعة.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 45 ح 139، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب أقسام الطلاق ح 1 ج 15 ص 378..

[ 381 ]

السلام - عن رجل طلق امرأته بشاهدين ثم راجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها ثم طلقها على طهر بشاهدين أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها؟ قال: نعم (1). احتج بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: المراجعة في الجماع، وإلا فإنما هي واحدة (2). والجواب: المراد بذلك في طلاق العدة، لما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجعة بغير جماع تكون رجعة؟ قال: نعم (3). مسألة: قال ابن حمزة: ما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء: الكتابة من الأخرس، ومن الغائب بأربعة شروط: أن يكتب بخطه، ويشهد عليه، ويسلم من الشاهدين، ولا يفارقهما حتى يقيما الشهادة ويعلما المطلقة (4). والشيخ لم يشرط ذلك كله. وهذا البحث ساقط عنا (5)، لأنا لا نجوز الطلاق بالكتابة في الغائب والحاضر معا. مسألة: قال الشيخان: المفقود إذا بعث السلطان في طلبه أربع سنين ولم يعرف له خبر البتة ولا ولي ينفق عليها أمرها السلطان بعدة الوفات، ثم تتزوج

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 45 ح 140، وسائل الشيعة: ب 19 من أبواب أقسام الطلاق ح 2 ج 15 ص 378. (2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 44 ح 135، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الطلاق ح 1 ج 15 ص 376.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 45 ح 138، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب أقسام الطلاق ح 2 ج 15 ص 378.
(4) الوسيلة: ص 323.
(5) ق 2: عندنا..

[ 382 ]

إن شاءت بعدها (1). ولم يذكرا طلاقا. وكذا قال ابن البراج (2)، وابن إدريس (3). وقال ابن الجنيد: وإن لم يأت خبره بعد أربع سنين وكان له ولي أحضره السلطان وأمره بالنفقة عليها من مال المفقود أو من مال وليه، فإن أنفق وإلا أمره السلطان بأن يطلق، فإن طلقها (4) وقع طلاقه موقع طلاق زوجها، وإن لم يطلق أمرها ولي المسلمين أن تعتد عدة الوفاة (5)، فإذا خرجت من العدة حلت للأزواج، فإن جاء الزوج وهي في العدة فهو أحق بها وكانت عنده على تطليقتين باقيتين، فإن انقضت عدتها قبل أن يجئ أو يراجع فقد حلت للأزواج. وكذا قال الصدوق في المقنع، إلا أنه قال: إذا امتنع الولي أن يطلق أجبره الوالي على أن يطلقها فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن لم يكن له ولي طلقها السلطان، واعتدت أربعة أشهر وعشرة أيام (6). وقال ابن حمزة: وإن لم يجد له خبرا بموت ولا حياة أمر الحاكم بعد انقضاء أربع سنين ولي الغائب بتطليقها، فإن لم يكن له ولي طلقها الحاكم، فإذا طلقتها اعتدت عنه عدة الوفاة، فإن رجع قبل انقضاء العدة كان أملك بها، وإن رجع بعد انقضائها لم يكن له عليها سبيل (7). وهو المعتمد. لنا: ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عمر ابن أذينة، عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها،

(1) المقنعة: ص 537، النهاية ونكتها: ج 2 ص 494. (2) المهذب: ج 2 ص 338.
(3) السرائر: ج 2 ص 736.
(4) ق 2: طلق.
(5) ليس في م 3.
(6) المقنع: ص 119.
(7) الوسيلة: ص 324.

[ 383 ]

وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فيسأل عنه، فإن خبر عنه بحياة صبرت، وإن لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الأربع سنين دعا ولي الزوج المفقود فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان له مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته، وإن لم يكن له مال أنفق عليها، فإن فعل فلا سبيل لها إلى أن تتزوج ما أنفق عليها، وإن أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدة وهي طاهر فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلقها الولي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين، وإن انقضت العدة قبل أن يجئ ويراجع فقد حلت للأزواج، ولا سبيل للأول عليها (1). ورواه ابن يعقوب في الحسن، عن بريد بن معاوية، عن الصادق - عليه السلام - (2). وروى محمد بن يعقوب في الحسن، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن المفقود، فقال: المفقود إذا مضى له أربع سنين بعث الوالي، أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها، فإن لم يوجد له أثر، أمر الوالي وليه أن ينفق عليها، فما أنفق عليها فهي امرأته، قال: فقلت: إنها تقول: (فإني) أريد ما تريد النساء، قال: ليس لها ذلك ولا كرامة، فإن لم ينفق عليها وليه أو وكيله أمره أن يطلقها وكان ذلك عليها طلاقا (3).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 547 ح 4883، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 1 ج 15 ص 398.
(2) الكافي: ج 6 ص 147 ح 1. (3) الكافي: ج 6 ص 147 ح 1، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ح 4 ج 15 ص 390، وفيهما: (طلاقا واجبا)..

[ 384 ]

ولأن الموت لم يثبت، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وعصمة الزوجية قد كانت ثابتة، فلا تزول إلا بمزيل شرعي من موت أو طلاق. احتج الاخرون بما رواه محمد بن يعقوب - في كتابه - عن سماعة قال: سألته - عليه السلام - عن المفقود - وذكر ما يدل على أنها تعتد بعد طلبه (1) من الإمام أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا إذا لم يوجد له خبر - فإن قدم زوجها بعد انقضاء عدتها فليس له عليها رجعة، وإن قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشرا فهو أملك برجعتها (2). ولأنها تعتد عدة الوفاة فلا يجامع الطلاق. والجواب: الطعن في السند، فإن المسؤول مجهول، وفي الطريق عثمان بن عيسى وزرعة وسماعة، وفيهم قول. ولا حجة بعد ذلك فيها، فإن الأمر بالاعتداد لا ينافي الطلاق. وعدة الوفاة جعلت احتياطا للظن بالموت، ولا منافاة حينئذ. مسألة: قال الشيخان: إن جاء زوجها وهي في العدة أو قصد قضتها، ولم تتزوج كان أملك بها من غير نكاح يستأنفه، بل بالعقد الأول (3) عليها. وتبعهما ابن البراج (4)، وهو قول الشيخ في الخلاف أيضا (5). وللشيخ قول آخر في المبسوط: إنه جاء وقد خرجت من العدة فقد ملكت نفسها، ولا سبيل للأول إن جاء عليها (6). وهو اختيار ابن حمزة (7)،

(1) م 3: تطليقة، وفي المطبوع تطلبه.
(2) الكافي: ج 6 ص 148 ح 4، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 1 ج 14 ص 390.
(3) المقنعة: ص 537، النهاية ونكتها: ج 2 ص 495.
(4) المهذب: ج 2 ص 338.
(5) الخلاف: ج 5 ص 78 المسألة 34.
(6) المبسوط: ج 5 ص 279.
(7) الوسيلة: ص 324. .

[ 385 ]

وابن إدريس (1). وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد فإنه قال: فإذا خرجت من العدة حلت (2) للأزواج، فإن جاء الزوج وهي في العدة فهو أحق (3) بها وكانت عنده على تطليقتين باقيتين، فإن انقضت عدتها قبل أن تجئ أو يراجع فقد حلت للأزواج. وكذا قال الصدوق في المقنع (4). واختار ابن حمزة (5) وابن إدريس (6) قول الشيخ في المبسوط. والوجه أن نقول: إن طلقها الولي ثم حضر الزوج بعد خروج العدة فلا سبيل له عليها، وإن اعتدت بأمر الإمام من غير طلاق ثم حضر الزوج بعد انقضاء العدة كان أملك بها. لنا: على الأول: إنه طلاق شرعي تعقبه العدة وقد خرجت فلا سبيل للزوج إلى الرجعة عليها بعدها، وعليه دلت الروايات. وعلى الثاني: أنه أمرها بالاعتداد بناء على الظن بوفاته، وقد ظهر بطلان الظن فلا أثر لتلك العدة، والزوجية باقية لبطلان الحكم بالوفاة، ولولا صحة النكاح الثاني ظاهرا في نظر الشرع وعدم التفات الشارع (7) إلى فسخ النكاح الثاني. احتج الشيخ بأنها معتدة في الظاهر، وقد ظهر بطلان الحكم بالعدة فكان الزوج أحق بها. وعلى الثاني: إن الشارع حكم بالبيونة، ولهذا أمرها بالعدة، فإذا خرجت سقط اعتبار نكاح الأول في نظر الشرع، ولهذا يجوز لها العقد على من شاءت بلا خلاف، فلو بقي للأول اعتبار لم يسغ العقد الثاني. والجواب: إنما يظهر (8) بطلان الحكم على تقدير عدم الطلاق، أما على

(1) السرائر: ج 2 ص 736 - 737.
(2) م 3: فقد حلت.
(3) ق 2: أملك.
(4) المقنع: ص 119.
(5) الوسيلة: ص 324.
(6) السرائر: ج 2 ص 736 - 737.
(7) ق 2: الشرع. (8) م 3: ظهر..

[ 386 ]

تقديره فلا، ولهذا حكم الشارع بأن الطلاق من الولي كطلاق الزوج، ولو راجع الزوج بعد الخروج من العدة لم يلتفت إليه فكذا هنا. وأما حكم الشارع بالبينونة فإنما هو في الظاهر، وقد تبين بطلانه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها في طهر لم يجامعها فيه: أنت طالق للبدعة وقع طلاقه في الحال، وقوله: (للبدعة) لغو، إلا أن ينوي أنها طالق إذا حاضت، فإنه لا يقع أصلا، لأنه علقه بشرط (1). ثم قال بعد ذلك: لو قال لها: أنت طالق طلاق الحرج فإنه لا يقع به فرقة، لأن قوله: (حرج) يعني: إثما، والطلاق المسنون لا يكون فيه إثم، فإذا ثبت أن فيه إثما كان مبدعا، وطلاق البدعة لا يقع عندنا على ما مضى (2). والجمع بين الحكمين مشكل. والوجه في الأول: عدم الوقوع، لأن البدعي لا يقع، بل و (3) لا يتصور ثبوته هنا، وغير البدعي غير مراد فلا يقع أيضا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة لم يقع (4). والوجه عندي: وقوع الواحدة، لأن الإذن في الثلاث يستلزم إذن الواحدة (5) قطعا. وإذا فعل الوكيل بعض المأمور به لا يجب عليه فعل باقي الفعل، كما لو وكل أجنبيا. احتج بأنها قد خالفته فلا يقع. والجواب: المنع من المخالفة، بل فعلت بعض ما أمرها به، وبعض المأمور به مأمور به (6)، فقد امتثلت ما أمرت.

(1) الخلاف: ج 4 ص 455 المسألة 8.
(2) الخلاف: ج 4 ص 458 - 459 المسألة 15.
(3) ليس في م 3.
(4) الخلاف: ج 4 ص 472 المسألة 33.
(5) م 3: الإذن في الواحدة. (6) ليس في م 3.

[ 387 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثا وقعت عند الشافعي واحدة، وعند مالك لا يقع، وهو مذهبنا (1). والوجه وقوع الواحدة، فإنها إذا طلقت ثلاثا فقد طلقت واحدة، فيقع الامتثال. مسألة: قال ابن الجنيد: فإذا صح الوطء في وقت محلل من زوج حر أو عبد بالغ أو مراهق وإن لم يبلغ مسلم أو ذمي ثم بانت المرأة منه بطلاق أو مات عنها حل للزوج الأول أن يراجعها، وهو يشعر بإباحة وطء المحلل. وقال الشيخ في الخلاف: إذا وطأها الزوج الثاني في حلا يحرم وطؤها - بأن يكون هو محرما أو هي محرمة أو كان صائما أو هي صائمة أو كانت حائضا أو نفساء - فإنها لا تحل للأول، وبه قال مالك، وقال الشافعي وجميع الفقهاء: إنها تحل للأول، وهو قوي. ثم استدل بأن التحريم معلوم، ولا دليل على أن هذا الوطء محلل. وقول النبي - عليه السلام -: (حتى يذوق عسيلتها) يدل عليه، لأنه إنما أراد بذلك ذوقا مباحا، لأن النبي - صلى الله عليه وآله - لا يبيح المحرم. وأيضا فإنه محرم عليه هذا الوطء ومنهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه. ولأن الإباحة تعلقت بشرطين بالنكاح والوطء، ثم إن النكاح إذا كان محرما لا تحل للأول فكذلك الوطء (2). وقال في المبسوط: إذا أصابها الزوج الثاني في حال هي محرمة عليه لعارض - مثل: أن يكون أحدهما محرما أو صائما أو تكون حائضا أو نفساء - فقد حلت للأول. وقال بعضهم: لا يبيحها للأول، وهو قوي عندي، لكونه منهيا عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (3). وهذا يدل على تردده في ذلك.

(1) الخلاف: ج 4 ص 472 المسألة 33.
(2) الخلاف: ج 4 ص 504 - 505 المسألة 9.
(3) المبسوط: ج 5 ص 110..

[ 388 ]

والوجه عندي الإباحة. لنا: قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره) (1) جعل نهاية التحريم نكاح الغير وقد حصل، ومطلق النكاح أعم في وقت يباح فيه أو يحرم، والحكم معلق على المطلق. ولأنه وطء في نكاح صحيح قبلا، فوجب أن يحصل به الاحلال، كما لو وطأها وقد ضاق عليه وقت الصلاة. ونمنع علم التحريم بعد النكاح الثاني. وإرادة المباح هو المتنازع. وتعليق الرجعة على مطلق النكاح الشامل للمحرم لا يقتضي إباحة المحرم. والنهي إنما يدل على الفساد في العبادات. والفرق بين تحريم النكاح وتحريم الوطء ظاهر، للاجماع على اشتراط النكاح الصحيح، بخلاف المتنازع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها: أنت مطلقة لم يكن ذلك صريحا في الطلاق، وإن قصد بذلك أنها مطلقة الان وإن لم ينو (لم يكن) شيئا (2). وقال في المبسوط: عندنا أن قوله: أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط، فإن نوى به الايقاع في الحال فالأقوى أن نقول: إنه يقع به (3). والوجه ما قاله في الخلاف. لنا: الأصل بقاء النكاح، فلا يزول إلا بما يثبت شرعا تأثيره فيه. مسألة: يجوز أن يجعل الأمر إليها في طلاق نفسها. وقال الشيخ في المبسوط: وإن أراد أن يجعل الأمر إليها فعندنا لا يجوز، على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازه (4).

(1) البقرة: 230.
(2) الخلاف: ج 4 ص 461 المسألة 18.
(3) المبسوط: ج 5 ص 25.
(4) المبسوط: ج 5 ص 29..

[ 389 ]

لنا: أنه فعل يقبل النيابة والمحل قابل فجاز، كما لو وكل غيرها من النساء، أو توكلت في طلاق غيرها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال لها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة فعندنا تقع واحدة (1). والوجه عندي أنه لا تقع بها (2) شئ، لأنه إن (3) قصد طلقة بعد طلقة لم تقع، فلا تقع المشروطة (4) بها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال لها: أنت طالق نصفي (5) طلقة لم تقع (6). وتوقف بعض متأخري علمائنا من حيث أن الضميمة ليست رافعة للقصد، وليس بجيد. والوجه ما قاله الشيخ، لأنه قصد طلاقا ينتصف، ولا يصح ذلك في الطلاق. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال لأربع زوجاته: أوقعت بينكن أربع طلقات طلقن (7). وليس بمعتمد، لبعده عن شبه الانشاء المنقول، وهو قول: أنت طالق. مسألة: المشهور أن تعيين المطلقة شرط في صحة الطلاق، فلو كان له أكثر من زوجة (8) فقال: إحداكن طالق أو إحدى زوجاتي طالق كان باطلا، اختاره السيد المرتضى (9)، والشيخان (10)، وغيرهما.

(1) المبسوط: ج 5 ص 42.
(2) ق 2: لها.
(3) ليس في م 3.
(4) ق 2: المشروط.
(5) في المصدر: نصف.
(6) المبسوط: ج 5 ص 57.
(7) المبسوط: ج 5 ص 58.
(8) م 3: من زوجة واحدة.
(9) الانتصار: ص 139.
(10) المقنعة: ص 525 النهاية ونكتها: ج 2 ص 427..

[ 390 ]

وللشيخ قول آخر في المبسوط: إنه يصح (1)، واختاره ابن البراج (2) أيضا. لنا: أصالة بقاء عصمة النكاح، فلا يزول إلا بسبب شرعي، ولم يثبت الإطلاق سببا، فيبقى على الأصل. إذا عرفت هذا فلو قلنا: بالصحة فابتداء العدة قال الشيخ في المبسوط: قال قوم: من حين البيان، لا من حين اللفظ، لأنه إنما علق الطلاق تعليقا، فإذا عينه حكمنا بوقوعه حين التعيين. وقال آخرون من حين التلفظ (3) بالطلاق، قال: وهو الأقوى عندنا، لأن الايقاع وقع حينئذ، وإنما بقي البيان عنها، وقال بعضهم: الطلاق من حين اللفظ، والعدة من حين التعيين (4). والوجه عندي الأول، لأن إيجاب العدة يفتقر إلى محل، والمطلق غير ثابت في الخارج إلا مع مشخص. مسألة: قوى الشيخ في المبسوط أن المراهق يحصل بوطئه التحليل (5)، وكذا في الخلاف (6)، وبه قال ابن الجنيد، لعموم قوله - عليه السلام -: (حتى يذوق عسيلتها) (7) والتقدير إمكان ذلك فيه. والوجه أنه لا يحلل، لنقص النكاح فيه. وشرط ابن زهرة البلوغ (8) أيضا.

(1) المبسوط: ج 5 ص 32.
(2) المهذب: ج 2 ص 279.
(3) في المصدر: تلفظ، وفي ق 2: تلفظه، وفي م 3: اللفظ.
(4) المبسوط: ج 5 ص 78.
(5) المبسوط: ج 5 ص 109 - 110.
(6) الخلاف: ج 4 ص 504 المسألة 8.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 33 ح 98 و 99، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أقسام الطلاق ح 9 و 10 ج 15 ص 352 - 353.
(8) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 552 س 21.

[ 391 ]

الفصل الثاني في الخلع مسألة: الخلع ليس واجبا على الأشهر بين الأصحاب. وقال الشيخ في النهاية: وإنما يجب الخلع إذا قالت المرأة لزوجها: إني لا أطيع لك أمرا ولا أقيم لك حدا ولا اغتسل لك من جنابة ولأوطئن فراشك من تكرهه إن لم تطلقني، فمتى سمع منها هذا القول أو علم من حالها عصيانه في شئ من ذلك وإن لم تنطق به وجب عليه خلعها (1). وتبعه أبو الصلاح (2)، وابن البراج في الكامل، وابن زهرة (3). لنا: الأصل براءة الذمة من وجوب الخلع. احتج بأن النهي عن المنكر واجب، وإنما يتم بهذا الخلع فيجب. والجواب: المنع من المقدمة الثانية، والظاهر أن مراد الشيخ بذلك شدة الاستحباب. مسألة: واختلف علماؤنا في الخلع هل يقع بمجرده أم يشترط إتباعه بالطلاق.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 469 - 470.
(2) الكافي في الفقه: ص 370.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 522 س 30. .

[ 392 ]

قال ابن الجنيد بالأول، قال: وليس عليه أن يقول لها: قد طلقتك إذا قال لها: قد خلعتك، أو أجبتك إلى مخالعتك. وهو الظاهر من كلام ابن أبي عقيل، وشيخنا المفيد (1)، والصدوق (2)، وسلار (3)، وابن حمزة (4). ونص السيد المرتضى على وقوعه مجردا عن لفظ (5) الطلاق (6). وقال الشيخ في المبسوط: والخلع بمجرده لا يقع، ولا بد من التلفظ بالطلاق على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من قال: لا يحتاج إلى ذلك (7). وفي الاستبصار (8) والتهذيب (9): الذي أعتقده في الباب وأفتي به أن المختلعة لا بد فيها من أن تتبع بالطلاق، وهو مذهب جعفر بن سماعة، والحسن بن سماعة، وعلي بن رباط، وابن حذيفة من المتقدمين، ومذهب علي بن الحسين من المتأخرين. وأما الباقون من فقهاء أصحابنا المتقدمين فلست أعرف لهم فتيا في العمل به، ولم ينقل منهم أكثر من الروايات التي ذكرناها وأمثالها. ويجوز أن يكونوا رووها على الوجه الذي نذكره فيما بعد، وإن كان فتياهم وعملهم على ما قلناه. وتبعه ابن البراج في المهذب (10)، وابن إدريس (11)،

(1) المقنعة: ص 528.
(2) المقنع: ص 117.
(3) المراسم: ص 162.
(4) الوسيلة: ص 331.
(5) ليس في ق 2.
(6) الناصريات: (الجوامع الفقهية): ص 250 المسألة 166 س 23.
(7) المبسوط: ج 4 ص 344.
(8) الاستبصار: ج 3 ص 317 ذيل الحديث 1128.
(9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 97 ذيل الحديث 328، وفيه: (الذي أعتمده).
(10) المهذب: ج 2 ص 267.
(11) السرائر: ج 2 ص 726..

[ 393 ]

وهو الظاهر من كلام أبي الصلاح (1). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يحل خلعها حتى تقول لزوجها: والله لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولأوطئن فراشك، ولأوذنن عليك بغير إذنك، وقد كان الناس يرخصون فيما دون هذا، فإذا قالت المرأة ذلك لزوجها حل له ما أخذ منها، وكانت عنده على تطليقتين باقيتين، وكان الخلع تطليقة. وقال: يكون الكلام من عندها، وقال: لو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقا إلا للعدة (2). وفي الحسن عن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني وأنا أعطيك ما أخذت منك، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا حتى تقول: والله لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولأوذنن في بيتك بغير إذنك ولأوطئن فراشك غيرك، فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها حل له ما أخذ منها، وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، وكانت بائنا بذلك، وكان خاطبا من الخطاب (3). وعن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام - إلى أن قال: - فإذا قالت لزوجها (ذلك) حل خلعها، وحل لزوجها ما أخذ منها، وكانت على تطليقتين باقيتين، وكان الخلع تطليقة (4). وعن زرارة ومحمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: الخلع

(1) الكافي في الفقه: ص 307.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 95 ح 322، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الخلع والمباراة ح 3 ج 15 ص 487.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 95 - 96 ح 324، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الخلع ح 4 ج 15 ص 488.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 96 ح 326، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الخلع ح 7 ج 15 ص 489..

[ 394 ]

تطليقة بائنة (1). وعن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - إلى أن قال: - فإذا فعلت ذلك فهي أملك بنفسها من غير أن يسمي طلاقا (2). وفي الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن المرأة تبارئ زوجها أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك أو هي امرأته ما لم يتبعها بالطلاق؟ فقال: تبين منه، فإن شاء أن يرد إليها ما أخذ منها وتكون امرأته، فقال: قلت له: قد روي أنها لا تبين حتى يتبعها بالطلاق، قال: ليس ذلك إذن خلع، فقلت: تبين منه؟ فقال: نعم (3). وروى الصدوق في الصحيح عن حماد، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: عدة المختلعة عدة المطلقة، وخلعها طلاقها، وهي تجزئ من غير أن يسمي طلاقا (4). احتج الشيخ بما رواه موسى بن بكر، عن أبي الحسن الأول - عليه السلام - قال: المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في عدتها. ثم تأول الأخبار التي تلوناها من جانبنا بالحمل على التقية، لأنها موافقة لمذهب العامة. قال: واستدل محمد بن الحسن بن سماعة وغيره بأن قالوا: قد تقرر أنه لا يقع الطلاق بشرط،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 100 ح 338، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الخلع ح 6 ج 15 ص 498.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 98 ح 331، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخلع ح 10 ج 15 ص 493.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 98 - 99 ح 332، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخلع ح 9 ج 15 ص 492 - 493.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 523 ح 4821، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخلع ح 4 ج 15 ص 491 - 492..

[ 395 ]

والخلع من شرطه أن يقول الرجل: إن رجعت فيما بذلت فأنا أملك ببضعك، وهذا شرط، فينبغي ألا يقع به فرقة (1). قال: واستدل أيضا ابن سماعة بما رواه عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه. والقول بأن الخلع يقع به بينونة يشبه قول الناس، فينبغي أن يكون محمولا على التقية (2). ثم استدل على إرادة التقية بما رواه سليمان بن خالد قال: قلت: أرأيت إن هو طلقها أيجوز عليها؟ قال: ولم يطلقها وقد كفاه الخلع، ولو كان الأمر إلينا لم نجز طلاقا (3). والجواب عن الأول: أن في طريق الحديث طعنا، فإن موسى بن بكر واقفي. وفي الطريق أيضا علي بن فضال، وفيه أيضا قول، ومع ذلك فلا تصريح (4) للرواية على مطلوبه. والحمل على التقية ممنوع، والموافقة لمذهب العامة لا يوجب ذلك، وعدم وقوع الطلاق بشرط لا ينافي وقوع الخلع به، إلا عند جزء من الخلع، فإن مقتضى الخلع ذلك. ورواية ابن خالد لا دلالة فيها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): الصحيح من مذهب أصحابنا أن الخلع بمجرده لا يقع، ولا بد معه من التلفظ بالطلاق. وفي أصحابنا من قال: لا يحتاج معه إلى ذلك، بل نفس الخلع كاف فيه، إلا أنهم لم يبينوا أنه طلاق أو فسخ.

(1) الاستبصار: ج 3 ص 317 - 318 ح 1129 وذيله.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 318 ح 1130 وذيله.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 318 - 319 ح 1133.
(4) م 3: صريح.
(5) المبسوط: ج 4 ص 344.
(6) الخلاف: ج 4 ص 422 المسألة 3..

[ 396 ]

وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: إن الخلع إذا تجرد عن لفظ الطلاق بانت به المرأة، وجرى مجرى الطلاق في أنه ينقص من عدد الطلاق، وهذه فائدة اختلاف الفقهاء في أنه طلاق أو فسخ، لأن من جعله فسخا لا ينقص به من عدد الطلاق شيئا فيحل وإن خالعها ثلاثا (1). وهو قول ابن الجنيد أيضا. وقال الشيخ - تفريعا على القول بوقوعه مجردا -: الأولى أنه فسخ لا طلاق (2). والمعتمد ما ذهب إليه السيد المرتضى، وابن الجنيد. لنا: ما روي أن ثابت بن قيس لما خلع زوجته بين يدي النبي صلى الله عليه (وآله) لم يأمره بلفظ الطلاق، فلما خالعها (3) قال لها رسول الله صلى الله عليه (وآله): اعتدي، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هي واحدة (4). ومن طريق الخاصة ما تقدم من الروايات في قول الصادق - عليه السلام -: (وكانت عنده على تطليقتين باقيتين) وقوله - عليه السلام -: (وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها) وقوله عليه السلام: (وخلعها طلاقها). إلى غير ذلك من الأخبار. ولأن الزوج إنما يملك الطلاق دون الفسخ، وليس عقد النكاح قابلا للتقابل. احتجوا بأنها فرقة عريت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخا كسائر الفسوخ.

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 250 المسألة 165 س 18. (2) الخلاف: ج 4 ص 424 ذيل المسألة 3.
(3) ق 2: خلعها.
(4) سنن النسائي: ج 6 باب ما جاء في الخلع ص 169 مع اختلاف..

[ 397 ]

والجواب: لا استبعاد في مساواته للطلاق، وقد دل الحديث عليه فيجب المصير إليه. مسألة: المشهور عند علمائنا أن الخلع لا يفتقر إلى السلطان، بل يجوز بغيره (1). وقال ابن الجنيد: ولا يكون ذلك إلا عند سلطان قيم بأمر المسلمين. لنا: أنه عقد معاوضة، فلم يكن من شرطه الحاكم كسائر العقود. ولأنه طلاق على ما تقدم، فلا يشترط فيه السلطان. احتج بما رواه زرارة، عن الباقر عليه السلام، - إلى أن قال: - ولا يكون ذلك إلا عند سلطان (2) (3). ولأنه تعالى قال: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (4). وهذا خطاب للحاكم. والجواب عن الأول: بالحمل (5) على الاستحباب، وعن الثاني: أن الخطاب مع الازواج، وعلى إنه يجوز التخصيص للدليل وقد تقدم. مسألة: المشهور أن للمرأة الرجوع في البذل ما دامت في العدة، فإذا رجعت كان للزوج الرجوع في النكاح. وقال (6) الشيخ في النهاية: ويكون تطليقة بائنة لا يملك رجعتها، اللهم إلا أن ترجع المرأة فيما بذلته من مالها، فإن رجعت في شئ من ذلك كان له الرجوع أيضا في بضعها ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت من العدة ثم رجعت

(1) ق 2: لغيره.
(2) ق 2 وم 3: السلطان.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 98 ح 331، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الخلع والمباراة ح 10 ج 15 ص 493.
(4) البقرة: 229. (5) ق 2: الحمل.
(6) ق 2: قال..

[ 398 ]

في شئ مما بذلته لم يلتفت إليها، ولم يكن له أيضا عليها رجعة، فإن أراد مراجعتها قبل انقضاء عدتها إذا لم ترجع هي فيما بذلته أو بعد انقضائها كان ذلك بعقد مستأنف ومهر جديد (1). وهذا القول يعطي جواز رجوع المرأة في البذل، سواء اختار الرجل أو لا، وهو على إطلاقه. وقال ابن حمزة: يجوز أن يطلقا الخلع، وأن يقيد المرأة بالرجوع فيما افتدت به، والرجل بالرجوع في بضعها، فإن أطلقا لم يكن لأحدهما الرجوع بحال إلا برضى الآخر، وإن قيدا لم يخل إما لزمتها العدة أو لم تلزم، فإن لزمتها جاز الرجوع ما لم تخرج من العدة، فإن خرجت منها أو لم تلزم العدة لم يكن لهما الرجوع بحال، إلا بعقد جديد ومهر مستأنف (2). والمفيد - رحمه الله - فسر الخلع - إلى أن قال - فإذا أجابته إلى ملتمسه قال لها: قد خلعتك على كذا وكذا درهم أو دينار أو كيت وكيت فإن رجعت في شئ من ذلك فأنا أملك ببضعك، فإذا قال لها ذلك بمحضر من رجلين مسلمين عدلين وهي طاهر من الحيض طهرا لم يقربها فيه بجماع فقد بانت منه وليس له عليها رجعة، فإن اختارت الرجوع إليه واختار هو ذلك جاز بعقد مستأنف ومهر جديد، وإن لم تؤثر الرجوع إليه لم يكن له عليها سبيل، فإن رجعت عليه بشئ مما تقرر بينه وبينها قبل خروجها من العدة كان له رجعتها وإن كرهت ذلك (3). وليس في هذا دلالة على جواز رجوعها مطلقا، إلا فيما إذا وقع الشرط في الخلع.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 470.
(2) الوسيلة: ص 332.
(3) المقنعة: ص 528 - 529..

[ 399 ]

احتج الأصحاب بعموم قولهم - عليهم السلام -: (وليس له فيها رجعة) (1). واحتج ابن حمزة بأنها معاوضة فيعتبر رضاهما. ولا بأس به. مسألة: لو خالع المريض لم ترثه الزوجة في العدة، سواء قلنا: إنه طلاق أو إنه مفتقر إليه لانتفاء التهمة. قال ابن إدريس: وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، قال: ولنا في ذلك نظر (2). وهو يدل على تردده. لنا: ما تقدم من انتفاء سبب التوارث وهي (3) التهمة. وما رواه محمد بن القاسم الهاشمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: (لا ترث المختلعة والمبارئة والمستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج وإن مات في مرضه، لأن العصمة قد انقطعت منهن ومنه (4). مسألة: قال سلار: وشروط الخلع والمباراة شروط الطلاق، إلا أنهما يقعان بكل زوجة (5). وقال ابن إدريس: معنى قوله: (يقعان بكل زوجة) يريد أنه بائن لا رجعة مع واحد منهما، سواء كان الخلع أو المباراة مصاحبا للطلقة الأولة أو الثانية، لأنه لما عدد البوائن ذكر ذلك. قال: وقال الراوندي من أصحابنا: أراد المتمتع بها. قال: وهذا خطأ محض، لأن المباراة لا بد فيها من طلاق، والمتمتع

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 97 ذيل الحديث 328، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الخلع والمباراة ح 3 ج 15 ص 496 وفيهما: (وليس له عليها رجعة).
(2) السرائر: ج 2 ص 726.
(3) م 3: وهو.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 100 ح 335، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الخلع والمباراة ح 4 ج 15 ص 496.
(5) المراسم: ص 162..

[ 400 ]

بها لا يقع بها طلاق (1). وكلام ابن إدريس في تفسيره لا يعطي معنى. وقول الراوندي مشكل، ولو صح حمله على ما ذكره صارت المسألة خلافية، وإلا فلا. مسألة: قال الصدوق في المقنع: ولا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها، وإذا طلقها فليس لها متعة ولا سكنى ولا نفقة (2). والجمع بين الكلامين مشكل. والوجه أن لها الخروج، لأنه طلاق بائن. مسألة: قال الشيخ علي بن بابويه في رسالته في المباراة (3): وله أن يأخذ منها دون الصداق الذي أعطاها، وليس له أن يأخذ الكل. وقال ابنه في المقنع: ولا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر من مهرها (4). وهو الظاهر من كلام الشيخ في النهاية (5)، وابن أبي عقيل، وبه قال ابن حمزة (6). وسوغ المفيد (7)، وسلار (8) أخذ المهر كملا، وهو اختيار ابن إدريس (9). وهو الوجه، لعموم (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (10). وما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: المباراة: تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك واتركني، أو تجعل له من قبلها شيئا فيتركها، إلا أنه يقول: فإن ارتجعت في شئ فأنا أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه (11).

(1) السرائر: ج 2 ص 731.
(2) المقنع: ص 117.
(3) ق 2: المبارئة.
(4) المقنع: ص 117.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 472.
(6) الوسيلة: ص 332.
(7) المقنعة: ص 530.
(8) المراسم: ص 162.
(9) السرائر: ج 2 ص 724.
(10) البقرة: 229.
(11) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 101 ح 339، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الخلع والمباراة ح 4 ج 15 ص 500. .

[ 401 ]

وللأصل، وإنما منعناه من الزائد للاشتراك في الكراهة. احتجوا بما رواه زرارة في الحسن قال: المبارئة يؤخذ منها دون الصداق، والمختلعة يؤخذ منها ما شئت، أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر. وإنما صارت المبارئة يؤخذ منها دون المهر والمختلعة يؤخذ منها ما شاء لأن المختلعة تتعدى في الكلام وتتكلم بما لا يحل لها (1). والجواب: أن زرارة لم يسند الرواية إلى إمام (2)، ومع ذلك فلا دلالة فيها، لأن تسويغ أخذ ما دون المهر لا يمنع من (3) تسويغ أخذ المهر. مسألة: المشهور أن للمرأة أن ترجع في البذل في العدة وإن لم يرجع الزوج في البضع. وقال ابن حمزة: ويجوز رجوعها فيما بذلت بشرطين: الرجوع قبل انقضاء العدة، وإرادة الزوج الرجوع في البضع (4)، وقد سبق مثله في الخلع. مسألة: قال الشيخ في التهذيب (5) والاستبصار (6): الذي أعمل عليه في المباراة أنه لا يقع بها فرقة ما لم يتبعها بطلاق، وهو مذهب جميع أصحابنا المحصلين من تقدم منهم ومن تأخر. وقال في المبسوط: فرق أصحابنا بين الخلع والمباراة، فلم يختلفوا في أن المباراة لا تقع إلا بلفظ الطلاق، واختلفوا في الخلع فقال المحصلون منهم فيه

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 101 ح 340، وفيه: (يؤخذ ما شاءت)، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الخلع والمباراة ح 1 ج 15 ص 494، وفيهما: (عن أبي جعفر - عليه السلام -).
(2) بل أسند إلى الإمام الباقر (ع).
(3) ليس في ق 2.
(4) الوسيلة: ص 332.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 102 ذيل الحديث 346.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 319 ذيل الحديث 1137..

[ 402 ]

مثل ذلك، وقال قوم منهم: يقع بلفظ الخلع (1). وقال نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد في مختصره: ويشترط إتباعها بالطلاق على قول الأكثر (2). وهو يشعر بوجود خلاف. مع أنه قال في الشرائع: وتقف الفرقة في المباراة على التلفظ بالطلاق اتفاقا منا، وفي الخلع على الخلاف (3). لنا: الاجماع، وقد نقله الشيخ، ونقله حجة. ولأن الأصل بقاء النكاح. وقد روى الشيخ حديثين عن الباقر والصادق - عليهما السلام - إنها تقع من غير طلاق، وحملهما على التقية (4). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: خالعتك على ألف في ذمتك فقالت: بل على ألف في ذمة زيد كان عليه البينة وعليها اليمين (5). وقال ابن البراج: عليها البينة وعليه اليمين (6). والوجه الأول. لنا: أنه مدع وهي منكرة، فكانت البينة عليه واليمين عليها كغيرها من الدعاوى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: والذي يقتضي مذهبنا أن نقول: إن تزوج أربعة بمهر مسمى أن المهر صحيح، وينقسم بينهن بالسوية، وكذلك في الخلع، ويكون الفداء صحيحا، ويلزم كل واحدة منهن حصتها بالسوية. فأما الكتابة

(1) المبسوط: ج 4 ص 373.
(2) المختصر النافع: ص 204.
(3) شرائع الاسلام: ج 3 ص 58.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 102 ح 345 و 346 وذيله.
(5) المبسوط: ج 4 ص 349 - 350.
(6) المهذب: ج 2 ص 269 وفيه: (عليه البينة وعليها اليمين)..

[ 403 ]

والبيع فينبغي أن نقول: إنه يتقسط على قدر أثمانها، أو نقول: الكتابة فاسدة وكذا (1) البيع، لأن العوض في كل واحد مجهول (2). وقال ابن البراج: إذا كان للرجل امرأتان فخالعهما على ألف قسمت الألف بينهما على قدر ما تزوجهما به من المهر (3). والمعتمد أن نقول: إذا تزوج أربعا بمهر واحد قسم على قدر مهور الامثال (4)، لأنه كعوض العين في البيع، وكذا الكتابة والبيع. وقول الشيخ بالبطلان للجهالة ضعيف، لأنه جعل الجملة المعلومة في مقابلة الجملة المعلومة، ولا جهالة هنا، كما لو اشترى ما ظهر استحقاق البعض. وقول ابن البراج ضعيف جدا، إذ لا اعتبار بالمسمى في التقسيط، إلا أن يكون على وفق مهر المثل، ونحن في الخلع، وهل يقسط على السوية أو على نسبة مهور الامثال من المتوقفين؟. وابن إدريس وافق الشيخ في المبسوط في الصداق وفداء الخلع (5). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وأما النشوز: فهو أن يكره الرجل المرأة وتريد المرأة المقام معه، وتكره مفارقته ويريد الرجل طلاقها (6). وقال علي بن بابويه في رسالته: وقد يكون النشوز من قبل المرأة لقوله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع). قال ابن إدريس: وهذا القول أقوى من الأول، لظاهر القرآن (7). والظاهر أن الشيخ لم يقصد تفسير النشوز مطلقا، بل ما يتعلق بالمرأة حتى

(1) ليس في المصدر، وفي م 3: (البيع صحيحا).
(2) المبسوط: ج 4 ص 363، وفيه: (والذي يقتضيه).
(3) المهذب: ج 2 ص 272.
(4) م 3: أمثالهن.
(5) السرائر: ج 2 ص 728.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 472 - 473.
(7) السرائر: ج 2 ص 728..

[ 404 ]

تبين (1) إباحة أخذ العوض على المقام معها، لأن القرآن قد نطق بالنشوز فيهما معا، فلا يرد قول ابن إدريس. مسألة: الحكمان اللذان يبعثهما الحاكم في الشقاق قال في المبسوط (2)، وتبعه ابن البراج (3): يجوز أن يكونا أجنبيين من الزوجين، ويستحب أن يكون حكم الزوج من أهله وحكم المرأة من أهلها. وبه قال ابن حمزة (4). وقال ابن إدريس: بل يجب أن يكونا من أهلهما، لظاهر القرآن (5). احتج الشيخ بالأصل. وبأن المقصود استفراغ النظر في حالهما، وفصله بحسب ما يرياه صلاحا لهما (6)، وهو معنى مشترك بين الأجنبي والأهل. والتخصيص في الآية خرج مخرج الأغلب، إذا الأغلب شدة حرص الاهل على الشفقة، بخلاف الأجنبي، فلا يدل على نفيه عما عداه. ولأنه يجوز لو لم يكن لهما أهل، فكذا إذا كان لوجود المقتضي. ولأن القرابة ليست شرطا في الحكم، ولا في الوكالة، وكان الأمر بذلك إرشادا واستحبابا. وقول ابن إدريس لا يخلو من قوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الهجران في المضجع أن يعتزل فراشها (7). وقال الشيخ علي بن بابويه في رسالته، وابنه الصدوق في مقنعه (8)، وابن البراج (9): الهجران يحول إليها ظهره.

(1) في المطبوع الحجري: تتبين. (2) المبسوط: ج 4 ص 340.
(3) المهذب: ج 2 ص 266.
(4) الوسيلة: ص 333.
(5) السرائر: ج 2 ص 730.
(6) م 3: صلاحهما.
(7) المبسوط: ج 4 ص 338، وفيه: (في المضاجع).
(8) المبسوط: ج 4 ص 338، وفيه: (في المضاجع).
(8) المقنع: ص 118.
(9) المهذب: ج 2 ص 264..

[ 405 ]

وابن إدريس قال بالأول، وجعل الثاني رواية (1). وكلاهما عندي جائز، ويختلف ذلك باختلاف الحال في السهولة والطاعة وعدمهما. مسألة: الظاهر من قول أصحابنا أن الباعث للحكمين الحاكم. وقال الصدوق في المقنع (2) وأبوه في الرسالة: يختار الرجل رجلا والمرأة رجلا، والأصل في ذلك أن البعث إن كان على سبيل التحكيم تولاه الحاكم، وإن كان على سبيل التوكيل تولاه الزوجان. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: والذي يقتضيه مذهبنا أن ذلك حكم، لأنهم رووا أن لهما الاصلاح من غير استئذان، وليس لهما الفرقة بالطلاق وغيره، إلا بعد أن يستأذناهما. ولو كان توكيلا لكان ذلك تابعا للوكالة، وبحسب شرطها (3). وبه قال ابن إدريس (4). وقال ابن البراج في المهذب: وقد ذكرنا في كتابنا الكامل في الفقه في هذا الموضع: أنه على طريق التوكيل، والصحيح أنه على طريق الحكم، لأنه لو كان توكيلا لكان ذلك تابعا للوكالة، وبحسب شرطها (5). والظاهر أنه تحكيم كما قاله الشيخ، وابن البراج، لما تقدم ولقوله تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) (6) فخاطب الحكام بذلك دون الزوجين، وجعل ذلك إلى رأيهما وسماهما حكمين. احتج ابن البراج بأن البضع حق الزوج والمال حق المرأة، فليس لأحد الحكمين أن يتصرف فيه إلا بولاية عليهما، أو وكالة منهما (7) وهما رشيدان

(1) السرائر: ج 2 ص 729.
(2) المقنع: ص 118.
(3) المبسوط: ج 4 ص 340، وفيه: (وبحسب شرطهما).
(4) السرائر: ج 2 ص 730.
(5) المهذب: ج 2 ص 266.
(6) النساء: 35.
(7) م 3: عنهما..

[ 406 ]

فلم يكونا إلا وكيلين. والجواب: لا امتناع (1) في إثبات الولاية (2) على الرشيد عند امتناعه من أداء الحقوق، كما يقضي الديون عنه إذا مطل. مسألة: المشهور أنه ليس للحكمين التفريق، إلا بإذن الزوجين. وقال ابن حمزة: ينفذ الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ليدبر الأمر، فإن جعل إليهما الاصلاح والطلاق أنفذا ما رأياه صلاحا من غير مراجعة، وإن أطلق (3) لهما القول وحضر كلا الزوجين ولم يكن أحدهما مغلوبا على عقله ورأياهما الاصلاح أصلحا من غير مراجعة، وإن رأيا (4) التفريق بينهما بطلاق أو خلع لم يمضيا إلا بعد المراجعة، فإن رضيا فذاك، وإن أبيا ألزمهما (5) الحاكم القيام بالواجب (6). لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس للحكمين أن يفرقا حتى يستأمرا الرجل والمرأة، ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا وإن شئنا فرقنا، فإن جمعا فجائز، وإن فرقا فجائز (7). احتج ابن حمزة بما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن قول الله عز وجل: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) أرأيت إن استأذن الحكمان فقالا للرجل والمرأة: أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الاصلاح والتفريق؟ فقال الرجل والمرأة: نعم فاشهدوا بذلك شهودا عليهما أيجوز تفريقهما عليهما؟ قال: نعم، ولكن لا يكون إلا على طهر من المرأة من غير جماع من

(1) م 3: الامتناع.
(2) م 3: ثبوت الوكالة.
(3) في المصدر: اطلقا.
(4) م 3: رأياهما.
(5) في المصدر: ألزمها.
(6) الوسيلة: ص 333.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 103 ح 350، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب القسم والنشوز والشقاق ح 1 ج 15 ص 89، مع اختلاف في الوسائل..

[ 407 ]

الزوج (1). ولأنهما حكمان (2)، فيمضي حكمهما في الطلاق كالصلح. والجواب: منع صحة السنة، وعدم دلالته على محل النزاع، لأنا نسلم مقتضى الحديث حيث استأذن الحكمان الرجل والمرأة في الصلح والتفريق، ونمنع مساواة الطلاق للصلح. مسألة: قال ابن الجنيد: وإن كان النشوز منهما ولم يرجعا بالوعظ من الوالي ولا الذي تحاكما إليه أمر الرجل بأن يختار من أهله من لا يتهم على المرأة ولا عليه، وكذلك تؤخذ (3) المرأة بأن تختار من أهلها ويشترط الوالي أو (4) المرضي بحكمه على الزوجين أن للمختارين جميعا أن يفرقا بينهما أو يجمعا إن رأيا ذلك صوابا، وكذلك إن رأيا إيقاع شروط بينهما لا يردها كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا على كل واحد من الزوجين إنفاذ ذلك والرضا به، وأنهما قد وكلاهما في ذلك، ومهما فعلاه فهو جائز عليهما، ثم يخلو كل واحد من المختارين بصاحبه فيعلم ذات نفسه ويشترط (5) عليه بالصواب، ثم يجتمعان فيحكمان عليهما، وعلى الوالي إن كان التحاكم إلى غيره أن يأخذ الزوجين بالعمل بذلك، إلا أن يكون المختاران أو أحدهما قد تجاوز شيئا وسماه أو رسمه صاحبه له. وهذا الكلام يعطي أنه توكيل، وأن لهما أن يفرقا، وقد تقدم البحث فيهما.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 104 ح 351، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب القسم والنشوز والشقاق ح 1 ج 15 ص 93.
(2) في الطبعة الحجرية: حاكمان.
(3) كذا في النسخ، والظاهر (تؤمر).
(4) في الطبعة الحجرية: و.
(5) في الطبعة الحجرية: ويشير..

[ 408 ]

الفصل الثالث في الظهار مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): لا يصح الظهار من الكافر ولا التكفير. وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد، فإنه (3) قال: وكل مسلم من الأحرار وغيرهم إذا كان بالغا مالكا (4) للفرج ممنوعا من نكاح غيره بملكه إياه إذا ظاهر من زوجته في حال صحة عقله لزمه الظهار. فالتقييد يشعر باختياره لهذا المذهب. وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أن الظهار يصح من الكافر (5). وهو الأقوى عندي. لنا: عموم الآية (6). ولأن المقتضي موجود، والمعارض - وهو عدم تمكنه من التكفير - لا يصلح للمانعية. أما وجود المقتضي فهو اللفظ الصادر من أهله في محله. وأما انتفاء المعارض فللمنع من كون التكفير غير ممكن، بل يمكنه أن يكفر بأن يقدم

(1) الخلاف: ج 4 ص 525 المسألة 2.
(2) المبسوط: ج 5 ص 145.
(3) م 3: إنه.
(4) في الطبعة الحجرية: مملكا.
(5) السرائر: ج 2 ص 708.
(6) المجادلة: 3..

[ 409 ]

إسلامه، كما نقول في فروع العبادات. ولأنه يصح طلاقه، فيصح ظهاره كالمسلم. احتج الشيخ بأن الكفارة لا تصح منه، لأنها عبادة تفتقر إلى النية، فلا تصح من الكافر كسائر العبادات، وإذا لم يصح منه التكفير الرافع للتحريم لم يصح التحريم (1). والجواب: المنع من المقدمتين معا، ولو لم يصح منه العبادات لم يصح التكليف بها. نعم الصحة لا من حيث هو كافر، بل من حيث هو مكلف. بالفروع. مسألة: لو شبهها بعضو، من الأم غير الظهر كقوله: أنت علي كيد أمي أو رجلها ونوى الظهار قال في الخلاف: يكون مظاهرا (2). وعمم في المبسوط فقال: الظهار الحقيقي الذي ورد الشرع به أن يشبه الرجل جملة زوجته بظهر أمه فيقول: أنت علي كظهر أمي، بلا خلاف، وللآية. فأما إذا شبه زوجته بعضو من أعضاء الأم غير الظهر مثل: أن يقول: أنت علي كبطن أمي، أو كرأس أمي أو كفرج أمي، أو شبه عضوا من أعضاء زوجته بظهر أمه مثل: أن يقول: فرجك أو رأسك أو رجلك وما أشبه هذا، وكذلك في قوله: رجلك علي كرجل أمي، أو بطنك علي كبطن أمي أو فرجك علي كفرج أمي وما أشبه ذلك ونوى الظهار كان بجميع ذلك مظاهرا (3). وتبعه ابن البراج في المهذب (4)، وابن حمزة (5).

(1) المبسوط: ج 5 ص 145.
(2) الخلاف: ج 4 ص 530 المسألة 9، وفيه: (كان مظاهرا).
(3) المبسوط: ج 5 ص 148 و 149.
(4) المهذب: ج 2 ص 298.
(5) الوسيلة: ص 334..

[ 410 ]

وفي النهاية: إذا قال الرجل: أنت علي كيد أمي أو كرجلها أو كشعرها أو شئ من أعضائها وقصد بذلك الظهار لزمه حكمه (1). وهو قول الصدوق في المقنع (2). وقال السيد المرتضى: ومما انفردت به الامامية القول بأن الظهار لا يقع إلا بلفظ الظهر، ولا يقوم مقامها تعليقه بجزء من أجزاء الأم، أو عضو أي عضو كان (3). وبه قال ابن إدريس (4)، وابن زهرة (5). وهو الظاهر من كلام المفيد (6)، وابن أبي عقيل، وأبي الصلاح (7)، وسلار (8)، لأنهم فسروا الظهار بقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو أحد (9) المحرمات. وقال ابن الجنيد: فإن قال لها: أنت على كأمي لم يكن مظاهرا إذا لم يذكر ظهر أمه المنصوص أو جزء من أجزائها يريد به التحريم للوطء، فإن قال: أنت علي كفرج أمي لزمه الظهار. والمعتمد ما قاله السيد المرتضى. لنا: الأصل الإباحة وعدم التحريم بشئ من الأقوال، خرج عنه ما وجد فيه لفظ الظهر، للاجماع وللآية، فيبقى الباقي على الأصل، لسلامته عن المعارض، فإن الظهار مشتق من لفظ الظهر، وإذا علق باليد وشبهها بطل الاسم المشتق من الظهر، لعدم المشتق منه. وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 465، وفيه: (أو شعرها).
(2) المقنع: ص 118.
(3) الانتصار: ص 142، وفيه: (أو عضو منها أي).
(4) السرائر: ج 2 ص 709.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 13.
(6) المقنعة: ص 523.
(7) الكافي في الفقه: ص 303.
(8) المراسم: ص 160.
(9) م 3: إحدى..

[ 411 ]

الظهار، فقال: هو من كل ذي محرم أما أو أختا (1) أو عمة أو خالة، ولا يكون إلا في يمين (2)، قلت: فكيف؟ قال: يقول الرجل لامرأته وهي طاهر في غير جماع: أنت علي حرام مثل ظهر أمي أو أختي وهو يريد بذلك الظهار (3). وفي الصحيح عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر عمتي أو خالتي، وقال: هو الظهار (4). وهو يعطي المساواة، وكذا الجواب في الأول بعد السؤال يعطي أن المعنى ذلك لا غير. ولأن اللفظ الصريح الظهار المشتق من الظهر، وصدق المشتق يستدعي صدق المشتق منه، وكنا لا يقع في الطلاق غير صريحة عملا بأصالة النكاح وعدم المزيل كذا هنا، لاشتراكهما في العلة. احتج الشيخ بإجماع الفرقة (5). وبأنه إذا قال ما قلناه وفعل ما يجب على المظاهر كان أحوط في استباحة الوطء، وإذا لم يفعل كان مفرطا. وبما رواه سدير، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: الرجل يقول لامرأته: أنت علي كشعر أمي أو ككفها أو كبطنها أو كرجلها، قال: ما عني؟ إن أراد به الظهار فهو الظهار (6). والجواب: منع الجماع، وقد سبق ذكر الخلاف. والاحتياط معارض بأصالة البراءة. والحديث ضعيف السند جدا، فإن في طريقه سهل بن زياد

(1) في التهذيب: أم أو أخت.
(2) في التهذيب والوسائل: ولا يكون الظهار في يمين.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 9 ح 26، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 511.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 9 ح 28، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 511.
(5) الخلاف: ج 4 ص 530 ذيل المسألة 9.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 10 ح 29، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 517..

[ 412 ]

وهو ضعيف، وغياث بن إبراهيم وهو بتري، ومحمد بن سليمان وهو مشترك بين الديلمي - وهو ضعيف - وبين محمد بن سليمان بن الجهم وهو مشكور. واشتباه الرواي تطرق الضعف إلى الرواية، على أن الظاهر أن المراد هو الأول، لأن الثاني من أصحاب سيدنا أبي محمد العسكري - عليه السلام - فإن بينه (1) وبين الصادق - عليه السلام - بعدا. وأما الديلمي فإن بينه وبين الصادق - عليه السلام - رجلين أبوه سليمان وسدير، والأقرب أن يكون هو الراوي، وإن يكن كذلك ففي الطريق أيضا أبوه سليمان. وقال ابن الغضائري: إنه كذاب غال، روى عن الصادق - عليه السلام - (2). ومع تطرق هذه الوجوه من الضعف إلى الرواية كيف يجوز التعويل عليها ولا نص في المسألة يدل على ما قالوه؟. مسألة: لو شبهها بظهر غير الأم من المحرمات فقال: أنت علي كظهر أختي أو بنتي أو عمتي أو خالتي أو بعض المحرمات عليه قال الشيخ في النهاية: يكون مظاهرا (3). وقال في الخلاف: اختلفت روايات أصحابنا في ذلك، فالظاهر الأشهر الأكثر أنه يكون مظاهرا، وبه قال الشافعي في الجديد، وقد رووا أنه لا يكون مظاهرا إلا إذا شبهها بأمه (4). وهو اختيار ابن إدريس (5). وابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق (6)، والمفيد (7) قالوا كما قال

(1) م 3: فبينه.
(2) نقله عنه في مجمع الرجال: ج 3 ص 165.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 459.
(4) الخلاف: ج 4 ص 530 - 531 المسألة 10.
(5) السرائر: ج 2 ص 709.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 528.
(7) المقنعة: ص 523..

[ 413 ]

الشيخ في النهاية. وهو أيضا قول أبي الصلاح (1)، وسلار (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن زهرة (5). وهو المعتمد. لنا: ما تقدم في المسألة السابقة من الحديثين الصحيحين، عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - وعن جميل، عن الصادق - عليه السلام -. ولأنه شبهها بمحرمة عليه على التأبيد فكان مظاهرا، كما لو شبهها بأمه، لاشتراكهما في قول المنكر والزور. احتج الشيخ على القول الثاني (6) بقوله تعالى: (ما هن أمهاتهم) (7) ومقتضاه انصراف اللفظ إلى التشبيه بظهر الأم، وهو يقتضي الاختصاص بها، فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه. وما رواه سيف التمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: إن الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي، قال: فقال: إنما ذكر الله تعالى الأمهات وإن هذا لحرام (8). والجواب عن الآية: المنع من الاختصاص بالامهات، لأنه تعالى قال: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) (9) وهو موجود في صورة النزاع فيجزي (10) مجراه. والخبر لا يدل على المنع من وقوعه، أقصى ما يدل عليه أنه تعالى إنما ذكر الأمهات، وهذا لا يدل على انتفاء وقوع غيره.

(1) الكافي في الفقه: ص 303.
(2) المراسم: ص 160. (3) المهذب: ج 2 ص 297.
(4) الوسيلة: ص 334.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 12.
(6) في المطبوع الحجري: الثالث.
(7) المجادلة: 2.
(8) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 10 ح 30، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الظهار ح 3 ج 15 ص 511 - 512 وفيه: (عن سيف التمار قال قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -).
(9) المجادلة: 2.
(10) م 3: فجرى..

[ 414 ]

مسألة: أطلق الشيخ في النهاية (1)، وشيخنا المفيد (2)، في المحرمات، فقالا: إذا قال: أنت علي كظهر أمي أو أختي أو بنتي أو عمتي أو خالتي وذكر واحدة من المحرمات كان مظاهرا. وكذا أطلق الصدوق في المقنع (3)، وابن أبي عقيل، وابن الجنيد، وابن البراج في الكامل، وسلار (4)، وأبو الصلاح (5)، وابن حمزة (6)، وابن زهرة (7). وقال ابن إدريس: لا يقع إلا بالتشبيه في الظهر بالأم خاصة دون باقي المحرمات (8). وقال الشيخ في المبسوط: إذا شبهها بامرأة محرمة لا على التأبيد - كالمطلقة ثلاثا أو أخت امرأته أو عمتها أو خالتها - لم يكن مظاهرا بلا خلاف، وإن شبهها بمحرمة على التأبيد غير الأمهات والجدات - كالبنات وبنات الأولاد والأخوات وبناتهن والعمات والخالات - فروى أصحابنا: إنهن يجرين مجرى الأمهات، فأما النساء المحرمات عليه بالرضاع أو المصاهرة فالذي يقتضيه مذهبنا أن من يحرم عليه بالرضاع حكمه حكم من يحرم بالنسب، لقوله عليه السلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وأما من يحرم عليه بالمصاهرة فينبغي ألا يكون به مظاهرا، لأنه لا دليل عليه (9). وقال ابن حمزة: لو شبهها بواحدة من المحرمات نسبا أو رضاعا وقع (10). * (النهاية ونكتها): ج 2 ص 459.
(2) المقنعة: ص 523.
(3) المقنع: ص 118.
(4) المراسم: 160 (5) الكافي في الفقه: 303.
(6) الوسيلة: 334.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية) ص 55 س 12.
(8) السرائر: ج 2 ص 709.
(9) المبسوط: ج 5 ص 149، وفيه: (وأما من يحرم من جهة المصاهرة).
(10) الوسيلة: ص 334..

[ 415 ]

وقال ابن الجنيد: والظهار بكل ما حرم الله وطأها بالنسب والرضاع واقع، كقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو بنتي أو مرضعتي وابنتهما (1). وقال ابن البراج في المهذب: فإن شبهها بامرأة محرمة عليه على التأبيد غير الأمهات - كالبنات وبنات الأولاد والأخوات وبناتهن والعمات والخالات - فعندنا أنهن يجرين مجرى الأمهات، فأما النساء المحرمات عليه بالرضاع والمصاهرة فالظاهر أنه لا يكون بهن مظاهرا (2). والوجه عندي الوقوع إذا شبهها بالمحرمات على التأبيد، سواء النسب والرضاع والمصاهرة، للاشتراك في العلة، وقد تقدم. مسألة: لو شبهها بإحدى المحرمات من غير الأم بغير لفظ الظهر - كقوله: أنت علي كيد أختي أو بنتي - قال بعض علمائنا: لا يقع، وقال آخرون: بالوقوع. ونقلهما ابن إدريس (3)، وقد تقدم التقريب فيهما. مسألة: سوغ الشيخ في النهاية (4) والمبسوط (5) والخلاف (6) وقوع الظهار مع الشرط. ونقل في الكتابين الخلاف عن بعض علمائنا أنه كالطلاق لا يقع مشروطا. والصدوق اختار في المقنع وقوعه مشروطا أيضا (7). وبه قال ابن حمزة (8). وقال السيد المرتضى في انتصاره (9)، وابن البراج (10) في كتابيه معا،

(1) ليس في الطبعة الحجرية.
(2) المهذب: ج 2 ص 299.
(3) السرائر: ج 2 ص 709.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 462.
(5) المبسوط: ج 5 ص 152.
(6) الخلاف: ج 4 ص 535 المسألة 20.
(7) المقنع: ص 118.
(8) الوسيلة: ص 334.
(9) الانتصار: ص 141.
(10) المهذب: ج 2 ص 298..

[ 416 ]

وسلار (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن زهرة (3): لا يقع الظهار بشرط. وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد. وقال ابن إدريس: وهو الأظهر بين أصحابنا الذي يقتضيه أصول المذهب، لأنه لا خلاف بينهم أن حكمه حكم الطلاق، ولا خلاف بينهم أن الطلاق لا يقع إذا كان مشروطا. قال: وهو اختيار السيد المرتضى، وشيخنا المفيد، وجلة أصحابنا (4). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: عموم القرآن: فإنه كما يتناول المطلق يتناول المشروط. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: الظهار لا يقع إلا على الحنث، فإذا حنث فليس له أن يواقعها حتى يكفر، فإن جهل وفعل كان عليه كفارة واحدة (5). وفي الصحيح عن حريز، عن الصادق - عليه السلام - قال: الظهار ظهاران: فأحدهما: أن يقول: أنت علي كظهر أمي ثم يسكت فذلك الذي يكفر قبل أن يواقع، فإن قال: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا ففعل وجبت عليه الكفارة حين يحنث (6). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - قال: الظهار على ضربين: أحدهما: الكفارة فيه قبل المواقعة، والآخر: بعده،

(1) المراسم: ص 160.
(2) الكافي في الفقه: ص 303.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 13.
(4) السرائر: ج 2 ص 709، وفيه: (وجلة المشيخة من أصحابنا).
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 11 ح 37، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الظهار ح 8 ج 15 ص 528.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 12 ح 39، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 7 ج 15 ص 530 - 531، وفيه: (ففعل وحنث فعليه)..

[ 417 ]

فالذي يكفر قبل أن يواقع فهو الذي يقول: أنت علي كظهر أمي ولا يقول: إن فعلت بك كذا وكذا، والذي يكفر بعد المواقعة هو الذي يقول: أنت علي كظهر أمي إن قربتك (1). احتج المانعون بما رواه القاسم بن محمد الزيات، قال: قلت لأبي الحسن الرضا - عليه السلام -: إني ظاهرت من امرأتي، فقال لي: كيف قلت؟ قال: قلت: أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا وكذا، فقال: لا شئ عليك ولا تعد (2). وعن ابن بكير، عن رجل من أصحابنا، عن رجل قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: إني قلت لامرأتي: أنت علي كظهر أمي إن خرجت من باب الحجرة فخرجت، فقال: ليس عليك شئ، فقلت: إني قوي على أن أكفر، فقال ليس عليك شئ، فقلت: إني قوي على أن أكفر رقبة ورقبتين، فقال: ليس عليك شئ قويت أو لم تقو (3). وعن ابن فضال، عمن أخبره، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون الظهار إلا على مثل موضع الطلاق (4). والجواب: الطعن في سند الأحاديث، فإن في طريق الأولى (5) أبا سعيد الادمي يروي عن القاسم بن محمد الزيات، ولا عبرة به، مع احتمال اختلال

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 12 - 13 ح 40، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 529. (2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 13 ص 42، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 4 ج 15 ص 530.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 13 ح 43، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 3 ج 15 ص 529.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 13 ح 44، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 13 ج 15 ص 532.
(5) م 3: الأول..

[ 418 ]

بعض شرائط الظهار، فإنه - عليه السلام - لما سأله (كيف قلت) ذكر اللفظ مجردا عن باقي الشرائط كحضور شاهدي عدل وغيره، وكذا عن باقي الأخبار. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو شبه عضوا من أعضائها بعضو من أعضاء أمه فقال: رجلك علي كرجل أمي أو بطنك علي كبطن أمي أو فرجك علي كفرج أمي وما أشبه ذلك ونوى الظهار كان بجميع ذلك مظاهرا (1). وقال ابن الجنيد: إن قال لها: فرجك أو جزء منها علي كظهر أمي لم يكن مظاهرا منها، لأنه إنما ظاهر من بعضها، كالمطلق بعض امرأته لا يلزمه الطلاق. وقول ابن الجنيد لا بأس به. احتج الشيخ بالاشتراك مع الظهار في العلة. والجواب: المنع. مسألة: قال الصدوق (2)، وابن الجنيد: لا يقع الظهار إلا على موقع الطلاق. وهذا يدل على إنه لا يصح الظهار من المتمتع بها. واختاره ابن إدريس (3). وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا تزوج امرأة متعة فظاهر منها لم يقربها حتى يكفر كفارة، كما يكفر إذا ظاهر من أمته وامرأته في نكاح الاعلان. وقال السيد المرتضى في جواب اعتراضاتهم على إباحة نكاح المتعة ومن جملتها: أنها ليست زوجة، وإلا للحقها حكم الظهار، وأجاب: بالتزام لحوق الظهار بها (4). واختاره أبو الصلاح (5)، وابن زهرة (6). والوجه قول السيد المرتضى.

(1) المبسوط: ج 5 ص 149. (2) الهداية: ص 71.
(3) السرائر: ج 2 ص 709.
(4) الانتصار: ص 114 - 115.
(5) الكافي في الفقه: ص 303.
(6) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 14..

[ 419 ]

لنا: عموم قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم) (1) والأحاديث الدالة على تعليق الظهار بالمرأة. لا يقال: إطلاق النساء والمرأة إنما ينصرف إلى المتعارف المعهود بين الناس، وهو الدائم دون المنقطع. لأنا نقول: نمنع انصراف الإطلاق إلى ما ذكرتم، ولهذا يصح التقسيم إليهما، وهو يستلزم صدق المقسوم عليهما. ولأن الاضافة قد تصدق مع أدنى ملابسة، كما يقال لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك، وقولهم: (إذا كوكب الخرقاء) أضافه إليها لحدة سيرها فيه. احتج الاخرون بأن الظهار حكم شرعي يقف على مورده، ولم يثبت في نكاح المتعة حكمه، مع أصالة الإباحة. والجواب المنع من عدم الثبوت، وقد بينا العمومات. لا يقال: قد روى ابن فضال، عمن أخبره، عن الصادق - عليه السلام - أن الظهار مثل الطلاق (2). لأنا نقول: إنه ضعيف مرسل. مسألة: اختلف الشيخان في صحة ظهار الموطوءة بملك اليمين. فقال الشيخ في النهاية: (3)، والخلاف (4): إنه يقع، سواء كانت أمة مملوكة أو مدبرة أو أم ولد. ونقله في الخلاف عن علي - عليه السلام -. وفي المبسوط: روى أصحابنا أن الظهار يقع بالأمة والمدبرة وأم الولد (5).

(1) المجادلة: آيه 3.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 12 ح 44، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الظهار ح 3 ج 15 ص 509 - 510، وفيهما: (مثل موضع الطلاق). (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 467.
(4) الخلاف: ج 4 ص 529 المسألة 8.
(5) المبسوط: ج 5 ص 148..

[ 420 ]

وقال المفيد: بعدم وقوعه (1). والأول اختيار شيخنا ابن أبي عقيل، وابن حمزة (2). والثاني قول أبي الصلاح (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5) في كتابيه معا. وهو الظاهر من كلام الصدوق (6)، وابن الجنيد حيث قالا: لا يقع الظهار إلا على موقع الطلاق. واختاره ابن إدريس، ونقله عن السيد المرتضى (7). والمعتمد الأول. لنا: عموم الآية، والأمة يصدق عليها أنها من نسائه. وما رواه إسحاق بن عمار في الموثق، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يظاهر من جاريته، فقال: الحرة والأمة في هذا سواء (8). وعن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل ظاهر من جاريته، قال: هي مثل ظهار الحرة (9). وروى محمد بن يعقوب في الصحيح بإسناده، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الظهار من الحرة والأمة؟ فقال: نعم (10). ولأنه فرج محلل له يصح منه ظهاره كالزوجة.

(1) المقنعة: ص 524.
(2) الوسيلة: ص 335.
(3) الكافي في الفقه: ص 303.
(4) المراسم: ص 160.
(5) المهذب: ج 2 ص 298.
(6) الهداية: ص 71.
(7) السرائر: ج 1 ص 710.
(8) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 24 ح 76، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الظهار ح 5 ج 15 ص 521. (9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 24 ح 77، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الظهار ح 4 ج 15 ص 521.
(10) الكافي: ج 6 ص 156 ح 12، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 520، وليس فيه: محمد بن يعقوب..

[ 421 ]

قال ابن أبي عقيل: وقد زعم قوم من العامة: أن الظهار لا يقع على الأمة (1)، وقد جعل الله تعالى أمة الرجل من نسائه، فقال في آية التحريم: (وأمهات نسائكم) (2) فأم أمته كأم امرأته، لأنها من أمهات النساء، كما حرم أم الحرة والأمة المنكوحة، وقد قال تعالى: (الذين يظاهرون من نسائهم) (3) فلم كان إحداهن أولى بإيجاب حكم الظهار فيها من الأخرى إلا التحكم في دين الله عز وجل والخروج عن حكم كتابه. قال: وقد أغفل (4) قوم منهم في ذلك فزعموا أن الظهار كان طلاق العرب في الجاهلية، والطلاق يقع على المرأة الحرة دون الأمة، فكذلك يقع الظهار على الحرة دون الأمة. وأجاب: بأن الذين أوجبوا حكم الظهار في الأمة كما أوجبوا في الحرة هم سادات العرب وفصحاؤهم، وأعلم الناس بطلاق الجاهلية والاسلام وشرائع الدين، ولفظ القرآن عامه وخاصه وحظره وإباحته ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وندبه وفرضه، إلا أن يزعموا أن عليا وأولاده - عليهم السلام - من العجم. ولو قلتم ذلك لم يكن بأكثر من بغضكم لهم، وتكفيركم لشيعتهم، وقد طلق الأعشى، وكانوا يوقعون الظهار على الأمة والحرة، فكان أحدهم إذا ظاهر من أمته اعتزل فراشها وحرمها على نفسه، كما إذا ظاهر من امرأته حرمها على نفسه، فكانت الأمة والحرة سواء. وفي تحريم النبي - صلى الله عليه وآله - مارية على نفسه دليل أنهم كانوا يوقعون الظهار على الأمة. احتجوا بأن المهود انصراف لفظ النساء إلى الزوجة، ولأصالة الإباحة. ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة، فلا تحرم به الأمة كالطلاق. وما رواه حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل

(1) م 3: مع أمة.
(2) النساء: 23.
(3) المجادلة: 2. (4) م 3: اعتل..

[ 422 ]

جعل جاريته عليه كظهر أمه، قال: يأتيها وليس عليه شئ (1). والجواب: المنع من حمل المطلق على الزوجة، ومنع الرجوع إلى أصالة الإباحة بعد ما ذكرناه من الدليل، ولا يلزم من تحريم الزوجة به عدم تحريم الأمة كالايلاء. والرواية ضعيفة السند، فإن في طريقها الحسن بن علي بن فضال وابن بكير وهما ضعيفان، وحمزة بن حمران لا أعرف حاله. مسألة: اختلف الشيخان في كون الدخول شرطا في الظهار أم لا، فمنعه المفيد وجوز الظهار من الزوجة قبل الدخول بها (2). وهو مذهب سلار (3)، وابن زهرة (4)، وابن إدريس ونقله عن السيد المرتضى والمفيد (5). وجعله الشيخ أبو جعفر شرطا، فمنع من ظهار غير المدخول بها في النهاية (6) والمبسوط (7) والخلاف (8). وهو قول الصدوق (9)، والظاهر من كلام ابن الجنيد، وابن البراج (10) في كتابيه. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: الأصل (11) بقاء عصمة النكاح، وانتفاء التحريم بذلك، خرج ما لو صدر مع الدخول، للاجماع، فيبقى الباقي على الأصل. وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - أو الصادق - عليه السلام - قال: في المرأة التي لم يدخل بها زوجها، قال: لا يقع

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 24 ح 78، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الظهار ح 6 ج 15 ص 521.
(2) المقنعة: ص 524.
(3) المراسم: ص 160.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 16.
(5) السرائر: ج 2 ص 710.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 465.
(7) المبسوط: ج 5 ص 146.
(8) الخلاف: ج 4 ص 526 المسألة 3. (9) الهداية: ج 2 ص 71.
(10) المهذب: ج 2 ص 298.
(11) م 3: أصالة..

[ 423 ]

عليها إيلاء ولا ظهار (1). وفي الصحيح، عن الفضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل مملك ظاهر من امرأته، قال: لا يلزمه، وقال لي: لا يكون ظهار ولا إيلاء حتى يدخل بها (2). وروى محمد بن يعقوب في الصحيح بإسناده عن الفضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل مملك ظاهر من امرأته، فقال: لا يكون ظهار ولا إيلاء حتى يدخل بها (3). احتجوا بعموم القرآن. والجواب: الخاص مقدم، وخبر الواحد قد بينا أنه حجة في كتبنا الأصولية (4)، وأنه يجوز تخصيص الكتاب العزيز به. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5)، وتبعه ابن البراج (6): إذا قال لزوجته: أنت علي كأمي أو مثل أمي فهذا كناية يحتمل مثل: أمي في الكرامة، ويحتمل مثلها في التحريم فيرجع إليه، فإن قال: أردت مثلها في التحريم كان ظهارا، وإن أطلق لم يكن ظهارا، لأنها كناية لم يتعلق الحكم بمجردها إلا بنية بلا خلاف. وقال ابن الجنيد: وإن قال لها: أنت كأمي لم يكن مظاهرا إذا لم يذكر ظهر أمه المنصوص (7) أو جزء من أجزائها يريد به التحريم للوطء فيها، والأصل

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 21 ح 65، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 516.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 21 ح 66، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 516.
(3) الكافي: ج 6 ص 158 ح 21، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 516.
(4) مبادي الوصول إلى علم الأصول: ص 205.
(5) المبسوط: ج 5 ص 149.
(6) المهذب: ج 2 ص 298. (7) في الطبعة الحجرية: المعهود..

[ 424 ]

في ذلك أن لفظ (1) الظهر إن وجب اعتباره في الظهار لم يكن مظاهرا، وإلا فهو مظاهر، وقد قدمنا الحق في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: أنت طالق كظهر أمي وقصد إيقاع الطلاق بقوله: أنت طالق والظهار بقوله: كظهر أمي طلقت بقوله: أنت طالق: ويصير مظاهرا عنها (2) بقوله: كظهر أمي إن كان الطلاق رجعيا، ويكون تقديره أنت طالق وأنت علي كظهر أمي (3). وقال ابن البراج: لا يقع بذلك ظهار، نوى ذلك أو لم ينو (4). وهو الأقوى. لنا: أنه لم يأت بالصيغة، ولا يقع الظهار بمجرد القصد الخالي عنها، وقوله: (كظهر أمي) لغو، لأنه لم يقل: أنت مني ولا معي ولا عندي، فصار كما لو قال ابتداء: كظهر أمي. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): إذا ثبت الظهار وحرم الوطء حرم الوطء فيما دون الفرج، وكذلك القبلة والتلذذ. وقال ابن إدريس: لا يحرم عليه تقبيلها ولا ضمها ولا عناقها (7). احتج الشيخ - رحمه الله - بقوله تعالى: (من قبل أن يتماسا) (8) فأوجب الكفارة قبل التماس، واسم المسيس يقع على الوطء، وما دونه يتناوله الظاهر. وقال ابن إدريس: لا دلالة فيه، لأن المسيس يراد به هنا: الوطء بلا خلاف (9). وقول ابن إدريس لا يخلو من قوة.

(1) م 3: لفظة.
(2) في المصدر: منها.
(3) المبسوط: ج 5 ص 151.
(4) المهذب: ج 2 ص 300.
(5) المبسوط: ج 5 ص 154.
(6) الخلاف: ج 4 ص 539 المسألة 22.
(7) السرائر: ج 2 ص 711. (8) المجادلة: 3.
(9) السرائر: ج 2 ص 711..

[ 425 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2)، وتبعه ابن البراج (3): لو قال: أنت علي حرام كظهر أمي لم يكن مظاهرا، سواء نواه أو لا. وهو مشكل على قوله في المبسوط: (لو نوى) بقوله: (أنت طالق كظهر أمي) وقع الظهار، ويصير التقدير: أنت عندي، أو مني، أو علي كظهر أمي. والوجه عندي الوقوع، لرواية زرارة الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - وقد سأله عن الظهار، فقال: يقول الرجل لامرأته وهي طاهر في غير جماع: أنت علي حرام مثل ظهر أمي أو أختي وهو يريد الظهار (4). وهو نص في الباب. ولأن قوله: (حرام) تأكيد لغرضه فلا ينافيه. ولأن قوله: (أنت علي كظهر أمي) لا بد وأن ينوي به التحريم، فإذا نطق به كان أولى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): لا تجب الكفارة إلا إذا ظاهر ثم أراد الوطء إن كان الظهار مطلقا، وبعد حصول الشرط وإرادة الوطء إن كان مشروطا. وهو يعطي أن العود هو إرادة الوطء. وقال ابن أبي عقيل: والظهار عند آل الرسول - عليهم السلام: أن يقول الرجل لامرأته أو لامته: هي علي كظهر أمه أو كظهر خالته أو كظهر ذات محرم ثم يريد أن يعود بعد هذا (7) القول إلى مجامعتها فعليه الكفارة المغلظة قبل

(1) المبسوط: ج 5 ص 149.
(2) الخلاف: ج 4 ص 533 المسألة 16.
(3) المهذب: ج 2 ص 300.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 9 ح 26، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 509، وفيهما: (يريد بذلك الظهار).
(5) المبسوط: ج 5 ص 154، وفيه (إلا إذا تظاهر).
(6) الخلاف: ج 4 ص 535 - 536 المسألة 20.
(7) م 3: بهذا. .

[ 426 ]

المجامعة. وهو يدل على ذلك أيضا. وقال ابن الجنيد: والمظاهر إذا قام على إمساك زوجته بعد الظهار بالعقد الأول زمانا وإن قل فقد عاد لما قال، ولم يجز (1) له أن يطأ حتى يكفر. وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية، ليس لأصحابنا نص صريح في تعيين ما (2) به العود في الظهار، والذي يقوى في نفسي: إن العود هو: إرادة استباحة ما حرمه الظهار من الوطء، وإذا كان الظهار يقتضي تحريما وأراد المظاهر رفعه فقد عاد. ونقل عن مالك وأحمد: أن العود هو العزم على الوطء، وأبطله بأن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، فيجب أن يكون العود هو الاستباحة لا العزيمة، على أن العزيمة لا تأثير لها في سائر الأصول، ولا تتعلق بها الأحكام ولا وجوب الكفارات. ولأن النبي - عليه السلام - قال: إن الله تعالى عفا لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم يكلموا به ويعملوا به) وأبطل مذهب الشافعي وهو: أن العود هو إمساكها زوجة بعد الظهار مع قدرته على الطلاق (3). وهو اختيار ابن الجنيد: بأن الظهار لا يوجب تحريم العقد والفرقة وترك إمساك المرأة، فيكون العود إمساكها على النكاح، لأن العود إنما يقتضي الرجوع إلى أمر يخالف موجب الظهار، فدل ذلك على أن العود هو استباحة الوطء ورفع (4) ما حرمه المظاهر منه. وأيضا فإنه تعالى قال: (ثم يعودون لما قالوا) (5) ولفظ (ثم) يقتضي التراخي، فمن جعل العود هو البقاء على

(1) م 3: يستحق.
(2) في المصدر: ماهية.
(3) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 251 المسألة 169.
(4) م 3: ودفع.
(5) المجادلة: 3..

[ 427 ]

النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، وذلك بخلاف مقتضى الآية. قال: ومن حمله على ما ذكرناه فقد فعل الأولى، لأن الظهار إذا اقتضى تحريم الوطء فمن أين رفع هذا التحريم واستباحة الوطء؟ فقد عاد فيما قاله، لأنه اقتضى تحريمه وعاد فرفع تحريمه، فمعنى (يعودون لما قالوا) أي: يعودون للمقول فيه. وما اختاره السيد هو المشهور عند علمائنا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا طلق المظاهر (امرأته) قبل أن يكفر سقطت عنه الكفارة، فإن راجعها قبل أن تخرج من العدة لم يجز له وطؤها حتى يكفر، فإن خرجت من العدة ثم عقد عليها عقدا مستأنفا لم يكن عليه كفارة، وجاز له وطؤها (1). ونحوه قال المفيد: إلا أنه قال: فإن طلقها سقطت عنه الكفارة، فإن راجعها وجبت عليه، فإن نكحت زوجا غيره وطلقها الزوج فقضت العدة وعادت إلى زوجها الأول بنكاح مستقبل حلت له، ولم تلزمه كفارة على ما كان منه في الظهار (2). وكذا قال الصدوق (3) وأبوه. وابن البراج (4) وافق شيخنا أبا جعفر. والظاهر أن المفيد وابني بابويه لم يقصدوا اشتراط التزويج بآخر في إسقاط الكفارة، بل خروج العدة لا غير، مع احتمال الأول. وقال ابن أبي عقيل: فإن طلق المظاهر امرأته وأخرج جاريته من ملكه فليس عليه كفارة الظهار، إلا أن يراجع امرأته ويرد مملوكته يوما إلى ملكه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 463 - 464.
(2) المقنعة: ص 524.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 530 ذيل الحديث 4832.
(4) المهذب: ج 2 ص 300..

[ 428 ]

بشراء أو غير ذلك، فإنه إذا كان لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار. وفي كلامه هنا إشكال، لأن الشراء تجديد عقد، فأشبه تجديد عقد النكاح في الحرة. وقال سلار (1)، وأبو الصلاح (2): إذا طلق المظاهر قبل التكفير فتزوجت المرأة ثم طلقها الثاني أو مات عنها وتزوج بها الأول لم يحل له وطؤها حتى يكفر. وقال ابن حمزة: فإن راجع لزمه حكم الظهار، فإن خرجت من العدة واستأنف عليها العقد لم يلزم، وإن ظاهر ثم طلق بائنا وجدد العقد قبل الخروج من العدة لزم الحكم، وبعد الخروج لم يلزم (3). وفيه أيضا إشكال. وقال ابن زهرة: وإذا طلق قبل التكفير سقطت عنه الكفارة، فإن راجع في العدة لم يجز له الوطء حتى يكفر، وإن خرجت من العدة واستأنف العقد عليها جاز له الوطء من غير تكفير. قال: ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الوطء حتى يكفر على كل حال، وظاهر القرآن معه، لأنه يوجب الكفارة بالعود من غير فصل (4). وقال ابن إدريس: إذا طلق قبل التكفير سقطت عنه، فإن راجع في العدة لم يجز له الوطء حتى يكفر، وإن خرجت من العدة واستأنف العقد عليها جاز له الوطء من غير تكفير. قال: ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الوطء حتى يكفر على كل حال، وظاهر القرآن معه، لأنه يوجب الكفارة بالعود من غير فصل. والأكثر بين الطائفة الأول (5). والوجه ما قاله الشيخ.

(1) المراسم: ص 160.
(2) الكافي في الفقه: 303 - 304.
(3) الوسيلة: ص 335.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 30.
(5) السرائر: ج 2 ص 712..

[ 429 ]

لنا: أصالة البراءة، والخروج عن العهدة بالطلاق، وصيرورته كالاجنبي بعد خروج العدة، واستباحة الوطء هنا ليس مستندا إلى العقد الأول الذي لحقه حكم التحريم بالظهار، بل إلى عقد ثان لم يلحقه حكم الظهار. ولأن بعد الخروج من العقد الأول صارت أجنبية، وكما لا يصح توجيه ابتداء الظهار إليها كذا لا يصح الحكم ببقائه واستدامته في حقها. وما رواه يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - إلى أن قال: - فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا، قلت: فإن تركها حتى يخلوا أجلها وتملك نفسها ثم تزوجها بعد هل يلزمه الظهار قبل أن يمسها؟ قال: لا، قد بانت منه وملكت نفسها (1). وروى الصدوق في الصحيح، عن بريد بن معاوية قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها تطليقة، فقال: إذا هو طلقها تطليقة فقد بطل الظهار وهدم الطلاق الظهار، فقلت له: فله أن يراجعها؟ قال: نعم هي امرأته، فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا، قلت: فإن تركها حتى يحل أجلها وتملك نفسها ثم تزوجها بعد ذلك هل يلزمه الظهار من قبل أن يتماسا؟ قال: (لا) قد بانت منه وملكت نفسها (2). احتج سلار بعموم القرآن. وبما رواه علي بن جعفر في الحسن، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - أنه سأل عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها بعد ذلك بشهر أو شهرين فتزوجت ثم طلقها الذي تزوجها فراجعها الأول هل عليه فيها الكفارة للظهار الأول؟

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 16 ح 51، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 518.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 529 ح 4831..

[ 430 ]

قال: نعم، عتق أو صوم أو صدقة (1). وللاحتياط. والجواب: المنع من تناول القرآن صورة النزاع، لأن العود إلى استباحة ما حرمه الظهار في عقد إنما يكون بإرادة الوطء في ذلك العقد. والحديث حمله الشيخ على التقية، لأنه مذهب جماعة من العامة (2). وليس بعيدا من الصواب حمل النكاح الثاني على الفاسد، لأنه عقب تزويجها بعد طلاقها بعد الظهار بشهر أو شهرين، فيكون قد وقع في العدة فيكون باطلا. والاحتياط معارض بأصالة البراءة. مسألة: ذهب الشيخان إلى أن كفارة العبد في الظهار صوم شهر واحد (3). وتبعهما ابن البراج (4). وقال أبو الصلاح: فرضه في الصوم كالحر (5). وبه قال ابن زهرة (6)، وابن إدريس (7). والمعتمد الأول. لنا: أن كفارته على النصف فيما عداه فكذا هنا. وما رواه محمد بن حمران في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المملوك أعليه ظهار؟ فقال: نصف ما على الحر صوم شهر، وليس عليه

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 17 ح 52، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الظهار ح 9 ج 15 ص 519، وفيهما: (عتاق أو صيام).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 17 ذيل الحديث 52.
(3) المقنعة: ص 524، النهاية ونكتها: ج 2 ص 467.
(4) المهذب: ج 2 ص 300.
(5) الكافي في الفقه: ص 304، وفيه: (كفرض الحر).
(6) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 32، وفيه: (وفرضه فيه كفرض الحر). (7) السرائر: ج 2 ص 713.

[ 431 ]

كفارة من صدقة ولا عتق (1). احتجوا بعموم القرآن. والجواب: الآية مختصة بالاحرار، لعدم توجه الأمر بالعتق والصدقة إلى المملوك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى ظاهر الرجل من امرأته مرة بعد أخرى كان عليه بعدد كل مرة كفارة، فإن عجز عن ذلك لكثرته فرق الحاكم بينه وبين امرأته (2). والبحث هنا يقع في مقامين: الأول: في حكم تكرير الظهار. وتبعه ابن البراج (3)، وابن إدريس (4). وقال ابن الجنيد: إن ظاهر بأمه ثم ظاهر بأخته لزمته كفارتان: واحدة عن ظهاره بالأم والأخرى عن ظهاره بالاخت، لأنهما حرمتان انتهكهما، وإن كرر ظهاره بأمه قبل التكفير لزمه كفارة واحدة. وقال الشيخ في المبسوط (5)، وتبعه ابن حمزة (6): وإن تكرر منه لفظ الظهار لم يخل إما تكرر منه متواليا أو متراخيا، والأول: لا يخلو إما أراد به التأكيد أو الظهار، فإن أراد به التأكيد لم يلزمه غير واحد بلا خلاف، وإن أراد به الظهار كان الجميع ظهارا. والثاني: يكون الجميع ظهارا. وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا تكلم بلفظ الظهار مرتين أو ثلاثا أو أكثر من ذلك في وقت واحد أو في أوقات مختلفة كان عليه لكل مرة كفارة. وهو موافق المذهب الشيخ، إلا أنه أكثر تفصيلا منه وتنصيصا. وهو المعتمد.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 24 ح 54، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 522.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 464 - 465.
(3) المهذب: ج 2 ص 299.
(4) السرائر: ج 2 ص 713.
(5) المبسوط: ج 5 ص 152.
(6) الوسيلة: ص 334. .

[ 432 ]

لنا: أن كل ظهار سبب مستقل بالتكفير، ووجوبه لمفهوم الآية، فإن تعليق الحكم على الوصف مشعر (1) بالعلية. وما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله ظاهرت من امرأتي، فقال: اذهب فاعتق رقبة (2). ومفهومه لأجل الظهار، ووجود السبب يستلزم وجود مسببه، وإلا لم يكن السبب سببا، هذا خلف،. والظهار كما وجد في الأولى (3) وجد في الثانية، فلو اتحدت الكفارة لزم إما تخلف المعلول عن علته التامة أو اجتماع العلل على معلول واحد، وكلاهما محال. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر، قال: قال علي - عليه السلام -: مكان كل مرة كفارة (4). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: بكفر ثلاث مرات (5). احتجوا بأصالة البراءة مع إرادة التأكيد، وبأنه واحد وبتعليق الكفارة على مطلق الظهار، وهو يتناول الواحد والكثير.

(1) ق 2: تشعر.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 15 ص 48، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 550.
(3) في المطبوع الحجري: في المرة الأولى.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 17 ح 53، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 523.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 19 ح 58 - 59، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 523..

[ 433 ]

وبما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل ظهر من امرأته أربع مرات في مجلس واحد، قال: عليه كفارة واحدة (1). والجواب: الأصالة معارضة بالاحتياط، وبمنع (2) الوحدة، فإن التأكيد غير المؤكد، والمطلق موجود في كل فرد، وهو يستلزم تعدد المعلول بحسب تعدد العلة. وحمل الشيخ الخبر على أن عليه كفارة واحدة في الجنس لا يختلف كما تختلف الكفارات فيما عدا الظهار، وليس المراد أن عليه كفارة واحدة عن المرات الكثير (3). وقول المبسوط (4): لا بأس به، وقد نبه عليه الشيخ في الخلاف فقال: إذا قال: أنت علي كظهر أمي أنت علي كظهر أمي أنت علي كظهر أمي ونوى بكل واحدة من الالفاظ ظهارا مستأنفا لزمته عن كل واحدة كفارة (5). والظاهر أنه غير مخالف لقوله في النهاية، لأن قوله في النهاية: ومتى ظاهر من امرأته مرة بعد أخرى (6). وتأكيد الظهار ليس ظهارا. المقام الثاني: في حكم العاجز عن التكفير. قال الشيخ: هنا يفرق الحاكم بينهما (7). ثم قال بعد ذلك في النهاية: ومتى تجز عن إطعام ستين مسكينا صام

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 23 ح 73، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب الظهار ح 6 ج 15 ص 524.
(2) في الطبعة الحجرية: ونمنع.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 23 ذيل الحديث 73، مع اختلاف.
(4) م 3: وقوله في المبسوط.
(5) الخلاف: ج 4 ص 535 المسألة 19.
(6) النهاية و نكتها: ج 2 ص 464.
(7) النهاية ونكتها: ج 2 ص 465..

[ 434 ]

ثمانية عشر يوما، فإن عجز عن ذلك أيضا كان حكمه ما قدمناه من أنها (1) يحرم عليه وطؤها إلى أن يكفر (2). وقال المفيد - رحمه الله -: والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر على الصيام أطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد الاطعام كان في ذمته إلى أن يخرج منه، ولم يجز له أن يطأ زوجته حتى يؤدي الواجب عليه في ذلك (3). وهو اختيار ابن الجنيد (4). وقال ابن بابويه في رسالته: والكفارة تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد من طعام، فإن لم يجد تصدق بما يطيق. وكذا قال ابنه في المقنع. ثم قال فيه: وروي في حديث آخر: أنه إذا لم يطق إطعام ستين مسكينا صام ثمانية عشر يوما (5). وقال ابن البراج: فإن كان غير قادر على الكفارة لم يلزمه الطلاق، وإذا عجز عن الاطعام صام ثمانية عشر يوما، وإذا عجز عن ذلك أيضا لم يجز له وطء زوجته التي ظاهر منها وبقي على ذلك إلى أن يكفر (6). وقال ابن حمزة: إذا عجز عن فرضه صام شهرين متتابعين، فإن عجز صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز تصدق عن كل يوم بمدين من طعام، فإن عجز استغفر الله ولم يعد. ذكر ذلك في أصناف الكفارات (7). والظاهر من

(1) م 3: أنه. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 467.
(3) المقنعة: ص 524.
(4) في المطبوع الحجري: وهو حسن، وهو اختيار ابن الجنيد.
(5) المقنع: ص 108 وليس فيه: (ثم قال فيه....).
(6) المهذب: ج 2 ص 300.
(7) الوسيلة: ص 354، وفيه: (فإن عجز تصدق عن كل يوم مد)..

[ 435 ]

كلامه: إدراج حكم الظهار فيه. وقال ابن إدريس: الأولى أنه يستغفر الله تعالى بدلا عن الكفارة، ولا يفرق الحاكم بينه وبين زوجته، لأن التفريق بينهما يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، إلا أن شيخنا رجع في استبصاره وقال: يستغفر الله ويطأ زوجته، وتكون الكفارة في ذمته إذا قدر عليها كفر. قال: والصحيح أن الاستغفار كفارة لمن لا يقدر على الكفارة رأسا (1). والوجه ما قاله ابن إدريس. لنا: أصالة براءة الذمة، وإباحة الوطء، وإيجاب الكفارة مع العجز تكليف بغير المقدور فيكون مرفوعا. وما رواه إسحاق بن عمار في الموثق، عن الصادق - عليه السلام -: أن الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفره ربه ولينو ألا يعود قبل أن يواقع ثم ليواقع وقد أجزأ ذلك عنه عن الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر به يوما من الأيام فليكفر، وإن تصدق بكفه فأطعم نفسه وعياله فإنه يجزئه إذا كان محتاجا وأن لا يجد ذلك فليستغفر الله ربه، وينوي ألا يعود، فحسبه بذلك والله كفارة (2). احتج الشيخ على التفريق بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فإنه إذا لم يحد ما يكفر به حرمت عليه أن يجامعها

(1) السرائر: ج 2 ص 713. (2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 320 ح 1190، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الكفارات ح 4 ج 15 ص 555..

[ 436 ]

وفرق بينهما، إلا أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها (1). وعلى إيجاب ثمانية عشر يوما بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام، قال: يصوم ثمانية عشر يوما، لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام (2). والجواب: المنع من صحة السنة، والتمسك بالبراءة الأصلية. مسألة إذا كان له أربع نسوة أو ثلاث فظاهر منهن بلفظ واحد فقال: أنتن علي كظهر أمي، أو بالتفريق بأن واجه كل واحدة بالظهار تعدد الظهار بعدد النساء على قول أكثر علمائنا، قاله الشيخان (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن الجنيد: وإن ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة كان عليه كفارة واحدة. وجعله ابن البراج رواية (7). لنا: أن لكل (8) واحدة منهن قد تعلق بها حكم الظهار من التحريم، ووجوب الترافع لو رافعته دون الباقيات، فيتعلق به حكم الكفارة، لوجود السبب التام. وما رواه حفص بن البختري في الحسن، عن الصادق والكاظم - عليهما

(1) الاستبصار: ج 4 ص 56 ح 195، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 554.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 23 ح 74، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 558.
(3) المقنعة: ص 524، المبسوط: ج 5 ص 152.
(4) الكافي في الفقه: ص 304.
(5) المهذب: ج 2 ص 299. (6) السرائر: ج 2 ص 712 - 713.
(7) المهذب: ج 2 ص 299.
(8) ق 2 وفي المطبوع الحجري: كل..

[ 437 ]

السلام - في رجل كان له عشر جوار فظاهر منهن كلهن جميعا بكلام واحد، فقال: عليه عشر كفارات (1). احتج بما رواه غياث بن إبراهيم، عن الصادق، عن الباقر، عن علي - عليهم السلام - في رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: عليه كفارة واحدة (2). والجواب: الطعن في السند، والحمل على الوحدة في الجنس، وهو إما عتق أو صوم أو صدقة على الترتيب. ولا يجب للبعض عتق وللآخر صوم وللباقي صدقة. مسألة: المشهور أن المظاهر إذا جامع قبل التكفير عامدا لزمه كفارتان، ذهب إليه الشيخان (3)، والسيد المرتضى (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وسلار (7)، وابن وقال ابن الجنيد: والمظاهر إذا أقام على إمساك زوجته بعد الظهار بالعقد الأول زمانا وإن قل فقد عاد لما قال: ولم يستحل (9) له أن يطأ حتى يكفر، فإن وطأ لم يعاود الوطء ثانيا حتى يكفر، فإن فعل وجب عليه لكل وطء كفارة، إلا أن يكون ممن لا يجد العتق ولا يقدر على الصيام، وكفارته هي الاطعام، فإنه إن عاود إلى جماع ثان قبل الاطعام فالفقيه لا يوجب عليه كفارة أخرى، لأن الله تعالى شرط في العتق والصيام أن يكون قبل العود، ولم يشترط ذلك في الاطعام، والاختيار ألا يعاود إلى جماع ثان حتى يتصدق.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 21 ح 67، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 525.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 21 ح 68، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الظهار ح 3 ج 15 ص 525.
(3) المقنعة: ص 525، النهاية ونكتها: ج 2 ص 461 - 462.
(4) الانتصار: ص 142.
(5) المهذب: ج 2 ص 299. (6) الوسيلة: ص 335.
(6) الوسيلة: ص 335.
(7) المراسم: ص 160.
(8) السرائر: ج 2 ص 713.
(9) ق 2 وفي المطبوع الحجري: ولم يستحب..

[ 438 ]

لنا: ما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت: إن أراد أن يمسها؟ قال: لا يمسها حتى يكفر، قلت: فإن فعل فعليه شئ؟ قال: إي والله إنه لاثم ظالم، قلت: عليه كفارة غير الأولى؟ قال: نعم، يعتق أيضا رقبة (1). وعن الحسن الصيقل، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل ظاهر من امرأته فل يف، قال: عليه الكفارة من قبل أن يتماسا، قلت: فإنه أتاها قبل أن يكفر، قال: بئس ما صنع! قلت: عليه، شئ؟ قال: أساء وظلم، قلت: فيلزمه شئ؟ قال: رقبة أيضا (2). احتج بما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: يكفر ثلاث مرات، قلت: فإن واقع قبل أن يكفر؟ قال: يستغفر الله ويمسك حتى يكفر (3). والجواب: لا دلالة في قوله: (حتى يكفر) أنها واحدة أو أكثر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): فإن كان مطلقا لزمته الكفارة قبل الوطء، فإن وطأ قبل أن يكفر لزمته كفارتان، وكل ما وطأ لزمته كفارة أخرى. ومثله ابن البراج حيث قال: فإن واقعها أكثر من مرة واحدة كان عليه لكل مرة كفارة (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 18 ح 56، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الظهار ح 4 ج 15 ص 527.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 18 ح 57، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الظهار ح 5 ج 15 ص 527. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 19 ح 59، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الظهار ح 2 ج 15 ص 526.
(4) المبسوط: ج 5 ص 154.
(5) الخلاف: ج 4 ص 536 المسألة 20.
(6) المهذب: ج 2 ص 299..

[ 439 ]

وقال ابن حمزة: فإن ظاهر مطلقا وعزم على الرجوع لزمته كفارة، فإن وطأها عمدا قبل أن يكفر لزمته كفارتان، وإن وطأها ناسيا لم يلزمه غير واحدة، وإن تكرر منه الوطء قبل التكفير عن الأول لم يلزمه غير واحدة، وإن كفر عن الوطء الأول لزمته عن الثانية، وعلى هذا. والمشروط إذا وقع الشرط كان في حكم المطلق (1). والوجه الأول. لنا: ما تقدم من الأحاديث الدالة على تعدد الكفارة قبل الوطء، وهو شامل لصورة النزاع. وما رواه أبو بصير في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا واقع المرة الثانية قبل أن يكفر فعليه كفارة أخرى، ليس في هذا اختلاف (2). ولأنه سبب الكفارة (3) بعد التكفير فكذا قبله، لاتحاد حقيقته فيهما. والتكفير الأول ليس سببا لثبوت الثاني، وإنما المستقل بثبوت الثاني المواقعة قبل التكفير. احتج بأصالة البراءة، وبأن الجماع يصدق في الواحد والمتعدد. والجواب: أصالة البراءة معارضة بالاحتياط، والخبر الذي تلوناه يقتضي تعدد الكفارة بتعدد الجماع مطلقا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): المكفر بالصوم إذا وطأ زوجته التي ظاهر منها في حال الصوم عامدا نهارا كان أو ليلا بطل صومه ولزمه استئناف الكفارتين، فإن كان وطؤه ناسيا مضى في صومه ولم يلزمه شئ.

(1) الوسيلة: ص 335.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 18 ح 58، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب الظهار ح 1 ج 15 ص 526.
(3) ق 2: للكفارة.
(4) المبسوط: ج 5 ص 155. (5) الخلاف: ج 4 ص 540 - 541 المسألة 24..

[ 440 ]

واستدل بإجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، وبقوله تعالى: (فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) وهذا قد وطأ قبل الشهرين فيلزمه كفارتان. وقال ابن إدريس: أما وجوب الكفارة الأخرى فصحيح، وأما استئناف الكفارة المأخوذ فيها بالصوم إذا وطأ ليلا فبعيد لا وجه له، ولا دليل على استئناف الصيام، لأن الاستئناف ما جاء (1) إلا في المواضع المعروفة المجمع عليها، وهي: إن وطأ بالنهار عامدا من غير عذر المرض قبل أن يصوم من الشهر الثاني شيئا فيجب عليه الاستئناف، للكفارة التي توجبها (2) الظهار، وكفارة أخرى للوطء عقوبة على ما قدمناه فأما إذا وطأ ليلا فعليه كفارة الوطء، ولا يجب عليه استئناف ما أخذ فيه، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والأصل براءة الذمة. فأما إذا وطأ بالنهار عامدا بعد أن صام من الشهر الثاني شيئا فعليه كفارة الوطء فحسب، وبنى (3) على ما صام، ولا يجب عليه الاستئناف. فهذا الذي يقتضيه أصول مذهبنا (4). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: أنه تعالى أوجب عليه صوما موصوفا بكونه قبل المسيس فلا يجزئ غيره. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6): يجزئ في جميع الكفارات التي يجب فيها العتق عتق الكافر إلا القتل، لأنه تعالى أوجب عتق رقبة مطلقة، والاطلاق يتناول المؤمنة والكافرة. وقال ابن إدريس: لا يجزئ في جميع الكفارات إلا المؤمنة أو بحكمها دون

(1) في المصدر: ما جاءنا.
(2) في المصدر: موجبها.
(3) في المصدر: ويبني.
(4) السرائر: ج 2 ص 714.
(5) الخلاف: ج 4 ص 542 المسألة 27.
(6) المبسوط: ج 5 ص 158. .

[ 441 ]

الكافرة، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) والكافر خبيث إجماعا (1)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، والاعتاق يسمى إنفاقا. وللاحتياط، فإن الذمة مشغولة بالكفارة إجماعا (2)، ولا يبرأ بيقين إلا إذا كفر بالمؤمنة، لأن غيرها فيه خلاف. قال: وهذا اختيار السيد المرتضى وغيره من المشيخة، والأول اختيار أبي جعفر الطوسي، إلا أنه رجع عنه في كتاب التبيان، فقال في تفسير قوله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون): وفي الفقهاء من استدل بهذه الآية على أن الرقبة الكافرة لا تجزئ في الكفارة، ومنعه قوم، وقالوا: العتق ليس بإنفاق، والأولى أن يكون ذلك صحيحا، لأن الانفاق يقع على كل ما يخرج لوجه الله تعالى، عتقا كان أو غيره (3). وسيأتي البحث في عتق الكافر إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): لا يجزئ عتق المكاتب في الكفارة، سواء أدى من مكاتبته شيئا أو لم يؤد. وفي النهاية: ولا أن يعتق مكاتبا وقد أدى من مكاتبته شيئا (6). وتبعه ابن البراج (7). وقال ابن إدريس: الصحيح أنه إذا لم يؤد شيئا من مكاتبته يجوز عتقه، ويجزئ في الكفارة، لأنه بعد عبد لم يتحرر منه شئ بغير خلاف، وبهذا قال في نهايته. هذا إذا كانت المكاتبة مطلقة، فأما إذا كانت مشروطة فإنه يجوز إعتاقه، سواء أدى من مال مكاتبته شيئا أو لم يؤد، لأنه عندنا رق وأحكامه

(1) و (2) في المصدر: بغير خلاف.
(3) السرائر: ج 2 ص 714 - 715.
(4) الخلاف: ج 4 ص 544 المسألة 29.
(5) المبسوط: ج 5 ص 160.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 63.
(7) المهذب: ج 2 ص 414..

[ 442 ]

أحكام الرق في جميع الأشياء، إلا ما خرج بالدليل (1). واستدل الشيخ في الخلاف بإجزاء عتق غير المكاتب إجماعا، ولا دلالة على أن عتق المكاتب مجز، والأصل شغل الذمة بكفارة الرقبة. ولأن المكاتب عندنا على ضربين: مشروط عليه، وغير مشروط، فالمشروط عليه (وإن كان) بحكم العبيد فليس له رده قبل العجز، وإذا لم يرده لم يصح عتقه في الكفارة، وإن كان مطلقا فليس له رده في الرق على حال (2) وقول الشيخ لا بأس به، لنقصان الرق في الكتابة، خصوصا المطلقة. مسألة: للشيخ في عتق المدبر عن الكفارة قولان، فمنع منه في النهاية، إلا أن ينقض تدبيره (3). وتبعه ابن البراج (4)، وبه قال ابن الجنيد أيضا. وسوغه في المبسوط (5) والخلاف (6). وبه قال ابن إدريس (7)، وابن حمزة (8)، وهو المعتمد. لنا: أنه لم يتعلق به سوى وصية العتق، لأن التدبير في الحقيقة وصية، وكما يصح عتقه لو أوصى به لأجنبي كذا يصح لو أوصى بعتقه أو دبره. احتج بنقصان الرق. والجواب: المنع. مسألة: جوز الشيخ في المبسوط (9) والخلاف (10) عتق العبد المرهون مع يسار الراهن، لا مع اعساره. وتبعه ابن حمزة (11).

(1) السرائر: ج 2 ص 715.
(2) الخلاف: ج 4 ص 544 المسألة 29.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 63.
(4) المهذب: ج 2 ص 414.
(5) المبسوط: ج 6 ص 213.
(6) الخلاف: ج 4 ص 545 المسألة 31.
(7) السرائر: ج 2 ص 716.
(8) الوسيلة: ص 353.
(9) المبسوط: ج 5 ص 160.
(10) الخلاف: ج 4 ص 545 المسألة 32. (11) الوسيلة: ص 353..

[ 443 ]

وقال ابن إدريس: لا يجوز عتق (العبد) المرهون قبل فكه، سواء كان الراهن موسرا أو معسرا، لأن العتق تصرف، والاجماع على أن تصرف الراهن في الرهن غير صحيح ولا ماض، وأنه لا يجوز التصرف فيه بغير خلاف، وأنه منهي عن التصرف، والنهي يدل على فساد المنهي عنه (1). واستدل الشيخ على جواز عتق الموسر بقوله تعالى: (فتحرير رقبة) ولم يفصل، وعلى أن عتق المعسر لا يجزئ بأن ذلك يؤدي إلى إبطال حق الغير فلا يجوز، وعليه إجماع الفرقة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز من الراهن التصرف في الرهن، وذلك عام في الجميع (2). والوجه الإجزاء إن أجاز المرتهن، وعدمه إن لم يجز. لنا: على المنع مع عدم الاجازة قوله - عليه السلام -: (الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف في الرهن) (3) وعلى الجواز مع الاجازة أنه تصرف صادف محله من أهله، فينفذ كغيره من التصرفات. ولأن المنع إنما هو لحق المرتهن، فإذا أجاز لم يبق للمنع موجب. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان له عبد قد جنى جناية عمد فإنه لا يجزئ إعتاقه في الكفارة، وإن كان خطأ جاز ذلك. واستدل بإجماع الفرقة، لأنه لا خلاف بينهم أنه إذا كانت جنايته عمدا أنه ينتقل ملكه إلى المجني عليه، وإن كان خطأ فدية ما جناه على مولاه، لأنه عاقلته، وعلى هذا لا شك فيما قلناه (4). وعكس في المبسوط فقال: الذي يقتضيه مذهبنا أنه إن كان عامدا نفذ

(1) السرائر: ج 2 ص 716.
(2) الخلاف: ج 4 ص 545 المسألة 32، وفيه: (وذلك عام في جميع ذلك).
(3) درر اللالئ: ج 1 ص 368.
(4) الخلاف: ج 4 ص 546 المسألة 33..

[ 444 ]

العتق، لأن القود لا يبطل بكونه حرا، وإن كان خطأ لا ينفذ، لأنه يتعلق برقبته. والسيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه (1). وقال في النهاية: إذا قتل عبد حرا خطأ فأعتقه مولاه جاز عتقه ولزمه دية المقتول، لأنه عاقلته (2). وقال ابن حمزة: إذا اختار ولي الدم الدية في الجاني عمدا جاز عتقه في الكفارة (3). وقال ابن إدريس: ما قاله الشيخ في الخلاف في صدر المسألة غير واضح، وكذا ما قاله في استدلاله، لأنه قال: وإن كان خطأ جاز، وأطلق الكلام. والصحيح أنه لا يجزئ إلا إذا ضمن دية الجناية، فأما قبل التزامه وضمانه فلا يجوز، لأنه قد تعلق برقبة العبد الجاني حق الغير فلا يجوز إبطاله. وما قاله في استدلاله: (إن مولاه عاقلته) فغير صحيح، لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن السيد غير عاقلة العبد، واجماعهم منعقد على هذا، وشيخنا قائل به أيضا في غير كتابه هذا في هذا الموضع. ثم نقل كلام الشيخ في المبسوط وقواه، وقال: يمكن القول به والاعتماد عليه (4). والمعتمد أن نقول: إن كانت الجناية عمدا لم يصح عتقه إلا أن يجيز أولياء المجني عليه، وإن كانت خطأ وكان موسرا جاز، وإلا فلا. لنا: أنه مع العمد يكون الخيار إلى أولياء المقتول إن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا استعبدوه، وعتقه إبطال لهذا الحق فلا يصح. وأما الخطأ فالخيار إلى المولى إن شاء افتكه بالأرش أو بالقيمة (5) على الخلاف، وإن شاء دفعه إلى أولياء المقتول للرق، وبعتقه يكون قد اختار الافتكاك فإن كان موسرا طولب

(1) المبسوط: ج 5 ص 161.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 396 - 397.
(3) الوسيلة: ص 353.
(4) السرائر: ج 2 ص 717 - 718.
(5) م 3: بالقود..

[ 445 ]

بالجنابة، وإن كان معسرا لم ينفذ عتقه، لتضرر أولياء المقتول به وإسقاط حقهم منه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان له عبد غائب يعرف خبره وحياته، فإن اعتاقه جائز في الكفارة بلا خلاف، وإن لم يعرف خبره ولا حياته لا يجزئه. واستدل بأن الكفارة متيقن وجوبها، وحياة العبد مشكوك فيه فلم يسقط المتيقن بالك (1). وقال في المبسوط: إذا كان له عبد غائب فأعتقه عن كفارة فالغيبة غيبتان: غيبة منقطعة وغيبة غير منقطعة، فالتي ليست منقطعة أن يكون العبد بحيث يسمع خبره ويعرف حاله، فإذا أعتقه أجزأه عتقه، لأنه يتيقن حياته. والغيبة المنقطعة: أن يكون غاب وفقد وانقطع خبره فلا يعلم أنه حي أو ميت. قال قوم: يجزئ، وقال قوم: لا يجزئ، والذي رواه أصحابنا: أنه يجزئ عنه ما لم يعرف منه موتا، ولم يفصلوا (2). وفي النهاية: ولا بأس أن يعتق مملوكا قد أبق منه إذا لم يعرف منه الموت (3). وقال ابن إدريس: أخبار أصحابنا المتواترة عن الأئمة الأطهار - عليهم السلام - واجماعهم منعقد على أن العبد الغائب يجوز عتقه في الكفارة إذا لم يعلم منه موت، لأن الأصل بقاء الحياة (4). والشيخ - رحمه الله - عول على الرواية التي رواها أبو هاشم الجعفري في الحسن، قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل قد أبق منه مملوكه أيجوز

(1) الخلاف: ج 4 ص 546 و 547 المسألة 34، وفيه: (فلم يسقط المتيقن بالمشكوك).
(2) المبسوط: ج 5 ص 161 - 162.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 23.
(4) السرائر: ج 2 ص 718..

[ 446 ]

أن يعتقه في كفارة الظهار؟ قال: لا بأس به ما لم يعرف منه موتا (1). والوجه أن نقول: الأحكام الشرعية والفروع العملية منوطة بالظن وقد كلفنا فيها باتباعه، وإذا تقرر هذا: فإن ظن الحياة أجزأ، وإن ظن الموت لم يجزئ عنه، وإن شك لم يجزئ أيضا، لأصالة بقاء تحريم الظهار حتى يثبت المزيل ظنا أو علما. والمزيل هو: العتق المصادف للمحل القابل له، ولم يحصل الظن بذلك ولا العلم، فيبقى في عهدة التحريم. والاجماع الذي ادعاه ابن إدريس إن كان على ما قلناه فهو مسلم، وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): إذا ظاهر من زوجته مدة مثل: أن يقول: أنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا أو سنة لم يكن (ذلك) ظهارا. وتبعه ابن البراج (4)، وابن إدريس (5). وقال ابن الجنيد: يلزمه الظهار. احتج الشيخ بما رواه سعيد الاعرج في الصحيح، عن الكاظم - عليه السلام - في رجل ظاهر من امرأته يوما، قال: ليس عليه شئ (6). واحتج ابن الجنيد بالعموم. ويحتمل القول بالصحة إن زاد عن مدة التربص، وإلا فلا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 247 ح 890، وسائل الشيعة: ب 48 جواز عتق الآبق... ح 1 ج 16 ص 53. (2) المبسوط: ج 5 ص 156.
(3) الخلاف: ج 4 ص 542 المسألة 26.
(4) المهذب: ج 2 ص 301.
(5) السرائر: ج 2 ص 709.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 14 ح 45، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الظهار ح 10 ج 15 ص 531، وفيهما: (في رجل ظاهر من امرأته فوفى)..

[ 447 ]

مسألة: إذا عدم المكفر الرقبة فدخل في الصوم ثم قدر على الرقبة قال الشيخ: لا يلزمه الاعتاق، ويستحب له ذلك (1). وقال ابن الجنيد: إذا صام المظاهر لعدم العتق أكثر من شهر ثم أيسر تمم ما بدأ به، وإن كان قبل الشهر أعتق. والوجه الأول. لنا: أنه بالعجز انتقل فرضه إلى الصوم، فإذا شرع فيه وجب عليه إكماله، لقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (2). وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سئل عمن ظاهر في شعبان ولم يجد ما يعتق، قال: ينتظر حتى يصوم (3) شهرين متتابعين، فإن ظاهر وهو مسافر انتظر حتى يقدم، وإن صام وأصاب مالا فليمض الذي ابتدأ فيه (4). احتج ابن الجنيد بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل صام شهرا من كفارة الظهار ثم وجد نسمة، قال: يعتقها ولا يعتد بالصوم (5). ولأنه الان واجد للعتق ولم يخرج عن عهدة التكفير فيتعين عليه. والجواب عن الأول: بالحمل على الاستحباب، وبالمنع من الملازمة في الثاني.

(1) الخلاف: ج 4 ص 558 المسألة 57.
(2) محمد (ص): 33.
(3) في التهذيب والوسائل: ينتظر حتى يصوم شهر رمضان ثم يصوم.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 17 ح 53، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الكفارات ح 1 ج 15 ص 552.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 17 ح 54، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الكفارات ح 2 ج 15 ص 553..

[ 448 ]

الفصل الرابع في الايلاء مسألة: قال في الخلاف: إذا قال: والله لا جامعتك لا أصبتك لا وطئتك وقصد به الايلاء كان إيلاء، وإن لم يقصد لم يكن موليا (1)، وهي حقيقة في العرف في الكناية عن الجماع. ولو قال: والله لا باشرتك لا لامستك لا باضعتك وقصد بها الايلاء - والعبارة عن الوطء - كان موليا، وإن لم يقصد لم يكن موليا (2). ولو قال: والله لا جمع رأسي ورأسك شئ لا ساقف رأسي ورأسك، لا جمع رأسي ورأسك مخدة، والله لأسوءنك، والله لأطيلن غيبتي عنك، كل هذا لا ينعقد بها إيلاء (3) (4). وقسم في المبسوط الالفاظ أربعة، وجعل الرابع ما هو كناية في الحكم كناية في ما بينه وبين الله، وهو قوله: والله لا جمع رأسي ورأسك شئ، لا ساقف رأسي ورأسك، لا جمع رأسي ورأسك مخدة، وكذلك لأسوءنك، لأطيلن غيبتي عنك، فكل هذه كناية، فإن كان له نية فهو على ما نواه (5)، وإن لم يكن

(1 و 2) في المصدر: لم يكن بها موليا.
(3) في المصدر: بها الايلاء.
(4) الخلاف: ج 4 ص 514 و 515 المسألة 5 و 6 و 7.
(5) في المصدر: ما نوى..

[ 449 ]

له نية سقط قوله ولم يتعلق به حكم (1). وقال ابن أبي عقيل: الايلاء عند آل الرسول - عليهم السلام - أن يقول الرجل لامرأته: والله لأغيظنك والله لأسوءنك ثم يسكت عنها ويعتزل فراشها. وقال الصدوق: الايلاء أن يقول الرجل لامرأته: والله لأغيظنك ولأسوءنك ولا أجامعك إلى كذا وكذا (2). وقال ابن إدريس: إذا قال: والله لا جامعتك ولا أصبتك ولا وطئتك وقصد به الايلاء كان إيلاء، وإن لم يقصد لم يكن موليا. وكذا إذا قال: والله لا باشرتك لا لامستك لا باضعتك وقصد بها الايلاء كان موليا، وإن لم يقصد لم يكن موليا. فإن قال: والله لا جمع رأسي ورأسك مخدة، كل هذه لا ينعقد بها الايلاء ولا حكم لها، لأن الأصل براءة الذمة، وثبوت الايلاء، وحكمه بهذه الالفاظ يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك (3). والروايات تدل على قول الصدوق، وابن أبي عقيل. روى حماد في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - والايلاء أن يقول (الرجل): والله لا أجامعك كذا وكذا، أو يقول: والله لأغيظنك ثم يغاضبها (4). وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا آلى الرجل من امرأته،

(1) المبسوط: ج 5 ص 116 - 117. (2) المقنع: 118، وفيه: ولأسوءنك ولا أقربك ولا أجامعك.
(3) السرائر: ج 2 ص 721 - 722، وفيه: (لم يكن بها موليا) (وقصد بها الايلاء والعبارة عن الوطء كان موليا).
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 2 ح 1، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 535..

[ 450 ]

وهو أن يقول: والله لا جامعتك كذا وكذا، أو يقول: والله لأغيظنك ثم يغاضبها (1). وفي الحسن عن بريد بن معاوية، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول في الايلاء: إذا آلى الرجل ألا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجمع رأسه ورأسها فهو في سعة ما لم تمض الأربعة أشهر... الحديث (2). وفي الصحيح عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الايلاء ما هو؟ فقال: هو أن يقول الرجل لامرأته: والله لا أجامعك كذا وكذا، أو يقول: والله لأغيظنك (3). والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط. لنا: أنه لفظ يستعمل عرفا فيما نواه وقصده، فيحمل عليه كغيره من الالفاظ والأخبار الدالة عليه. مسألة: اختلف قول الشيخ في الايلاء هل يقع بشرط؟ قال في الخلاف: الايلاء لا يقع بشرط، وخالف جميع الفقهاء في ذلك. واستدل بإجماع الفرقة وأخبارهم، والأصل براءة الذمة، وثبوت الايلاء بشرط يحتاج إلى دليل (4). وقال في المبسوط: إذا قال: والله لا أصبتك خمسة أشهر فإذا انقضت فوالله - لا أصبتك سنة فهما إيلاءان ويمينان مختلفان: إحداهما: خمسة أشهر، والأخرى: سنة، فالأولى: مطلقة معجلة، والثانية: معلقة بصفة. فإذا وجدت

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 2 - 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الايلاء ح 2 ج 15 ص 542 وفيهما: (والله لا أجامعك).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 3 ح 3، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 543.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 3 ح 4، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 541 - 542.
(4) الخلاف: ج 4 ص 517 المسألة 12، وفيه: (يحتاج إلى دلالة شرعية ولا دليل في الشرع).

[ 451 ]

الصفة انعقدت، كقوله: إذا قدم زيد فوالله لا وطئتك سنة، فمتى قدم زيد انعقد (1) الايلاء، وليس يجري هذا مجرى الطلاق والعتاق اللذين قلنا: لا يقعان بصفة، لأن هناك منعنا فيه إجماع الفرقة، وليس هاهنا ما يمنع منه، و الظواهر يتناوله (2). وابن حمزة (3)، وابن زهرة (4)، وابن إدريس (5) وافقوا الشيخ في الخلاف. والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط. لنا: عموم القرآن السالم عن المعارض. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الايلاء أن يحلف بالله تعالى ألا يجامع زوجته ثم أقام على يمينه، فإذا فعل ذلك كانت المرأة بالخيار إن شاءت صبرت عليه أبدا وإن شاءت خاصمته إلى الحاكم، فإن استعدت عليه أنظره الحاكم بعد رفعها إليه أربعة أشهر ليراجع نفسه ويرتأي في أمره، فإن كفر عن يمينه وراجع زوجته فلا حق لها عليه (6). وهذا تصريح بأن مدة التربص - وهي أربعة أشهر - من حين المرافعة. وكذا في المبسوط، فإنه قال: إذا آلى منها وهو غائب صح الايلاء، لعموم الآية، وتكون المدة محسوبة عليه. وكذا لو آلى وهو حاضر ثم غاب، لأن العذر من جهته. وعلى مذهبنا لا يمكن أن تحسب المدة عليه، لأنا بينا أن المدة تكون من حين الترافع، وهذا لا يتم مع الغيبة، إلا إذا بلغ المرأة فارتفعت إلى الحاكم وضرب لها المدة فإنه يصح ذلك (7). ونحوه في الخلاف (8).

(1) في المصدر: انعقدت.
(2) المبسوط: ج 5 ص 117.
(3) الوسيلة: ص 335.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 551 س 13.
(5) السرائر: ج 2 ص 722.
(6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 467 - 468.
(7) المبسوط: ج 5 ص 137.
(8) الخلاف: ج 4 ص 520 المسألة 17. .

[ 452 ]

وقال ابن أبي عقيل: والحد الذي يجب للمرأة (1) أن تسكت أربعة أشهر، فإذا مضت فالامر إلى المرأة، إن شاءت سكتت وأقامت على غضبه ما بدا لها حتى يرضى، وإن شاءت رافعته، فإذا هي رافعته واقف الحاكم الزوج فإما أن يفئ ويرجع إلى حاله الأولى من الرضا، وإن شاء أن يعزم الطلاق (2) منذ يوم يخيره الحاكم بين الايفاء والطلاق. وهذا الكلام يشعر بأن ابتداء مدة التربص من حين الايلاء. وكذا قال ابن الجنيد، فإنه قال: وإذا كان موليا فمضت أربعة أشهر وهو قادر على الجماع فلم يجامعها ولم تطالب هي بالفئ لم يلزمه شئ، فإن تجاوزت وطالبت أوقفه الإمام فإما أن يفئ إلى الجماع أو يطلق. والمشهور الأول، اختاره المفيد (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). والأقرب الأول. لنا: قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) (8) جعل لهم المدة أربعة أشهر من حين الايلاء. وما رواه بريد بن معاوية في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يكون الايلاء إلا إذا آلى الرجل ألا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجمع رأسه ورأسها فهو في سعة ما لم تمض الأربعة أشهر وقف، فإما أن يفئ (فيمسها) وإما أن يعزم على الطلاق (9).

(1) م 3: في المرأة، وفي المطبوع الحجري: المرأة.
(2) في المطبوع الحجري: يعزم على الطلاق.
(3) المقنعة: ص 522 - 523.
(4) الكافي في الفقه: ص 302.
(5) المهذب: ج 2 ص 302.
(6) الوسيلة: ص 336.
(7) السرائر: ج 2 ص 720.
(8) البقرة: آيه 226.
(9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 3 ح 3، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 543، وفيهما: (يقول الايلاء إذا...)..

[ 453 ]

ونحوه رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق عليه السلام (1). ونحوه رواه ابن بكير وبريد بن معاوية، عن الباقر والصادق - عليهما السلام - (2). ونحوه رواه في الصحيح أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - (3) والأخبار في ذلك كثيرة، لكن الأشهر في العمل بين الأصحاب الثاني. مسألة: إذا وطئ في مدة التربص وجبت عليه الكفارة إجماعا، وإن وطئ بعدها للشيخ قولان: أحدهما في الخلاف: أنه يجب عليه الكفارة، واستدل بإجماع الفرقة، وبقوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) ولم يفصل، وعن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليأت التي هي خير وليكفر عن يمينه) ولم يفصل (4). وقال في المبسوط: إذا آلى منها ثم وطأها عندنا عليه الكفارة، سواء كان في المدة أو بعدها. وقال قوم: إن وطأها قبل المدة فعليه الكفارة، وإن وطأها بعدها فلا كفارة عليه، وهو الأقوى (5). وهذا يدل على رجوعه. وفي رواية منصور، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل آلى من امرأته، فمرت به أربعة أشهر، قال: يوقف، فإن عزم الطلاق بانت منه

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 2 ح 1، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 539 - 540.
(2) الكافي: ج 6 ص 131 ح 4، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الايلاء ح 1 ج 15 ص 536 وفيهما: (بكر بن أعين).
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 2 - 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الايلاء ح 2 ج 15 ص 542.
(4) الخلاف: ج 5 ص 502 المسألة 18.
(5) المبسوط: ج 5 ص 135..

[ 454 ]

وعليها عدة المطلقة، وإلا كفر عن يمينه وأمسكها (1). وهذا هو الأقرب عندي. وهو ظاهر كلام الشيخ في النهاية (2)، وابن البراج (3) حيث قالا (4): فإن استعدت عليه أنظره الحاكم بعد رفعها إليه أربعة أشهر ليراجع نفسه ويرتأي في أمره، فإن كفر عن يمينه وراجع زوجته فلا حق لها عليه، وإن أقام على عضلها والامتناع من وطئها خيره الحاكم بين أن يكفر ويعود إلى زوجته أو يطلق (5)، فإن أبى الرجوع والطلاق جميعا وأقام على الاضرار بها حبسه الحاكم، وهذا إنما يكون بعد طلوع مدة التربص. مسألة: قوى الشيخ في المبسوط صحة إيلاء المجبوب، إذا استوعب القطع للذكر (6)، لعموم الآية (7). والوجه عندي المنع، لأنها يمين على ممتنع فلا يقع، كما لو حلف ليصعدن السماء.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 8 ح 21، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الايلاء ح 3 ج 15 ص 547 وفيهما: (فمرت أربعة).
(2) النهاية: ج 2 ص 467 - 468.
(3) المهذب: ج 2 ص 302. (4) في جميع النسخ والحجري: قال.
(5) في المصدر: أو يطلقها.
(6) م 3 والمطبوع الحجري: الذكر.
(7) المبسوط: ج 5 ص 142 - 143..

[ 455 ]

الفصل الخامس في اللعان مسألة: اختلف الشيخان في ثبوت اللعان بين المسلم والذمية والحر والأمة، فنفاه المفيد في مقنعته (1) عنهما معا. واثبته الطوسي في نهايته (2) ومبسوطه (3) وخلافه (4) فيهما معا. وقال ابن الجنيد: واللعان واجب بين كل زوجين مسلمين بالغين قد كان بينهما دخول، سواء كانا حرين أو أحدهما مملوك، فإن كانت الزوجة ذمية لم يكن بينهما لعان. وقال الصدوق في المقنع: والعبد إذا قذف امرأته لاعنها (5) كما يلاعن الحر، ويكون اللعان بين الحر والمملوك، وبين العبد والأمة، وبين المسلم واليهودية والنصرانية (6).

(1) المقنعة: ص 542.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 454 - 455.
(3) المبسوط: ج 5 ص 182.
(4) الخلاف: ج 5 ص 6 المسألة 2.
(5) ق 2: يلاعنها.
(6) المقنع: ص 120..

[ 456 ]

وقال في كتاب نت لا يحضره الفقيه: والعبد إذا قذف امرأته تلاعنا كما يتلاعن الحران، ويكون اللعان بين الحر والحرة، وبين المملوك والحرة، وبين الحر والمملوكة، وبين العبد والأمة، وبين المسلم واليهودية والنصرانية (1). قال: وروى العلاء، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن الحر يلاعن المملوكة؟ قال: نعم، إذا كان مولاها الذي زوجها إياه (2). قال: فأما خبر الحسن بن محبوب (عن عبد الله بن سنان) عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: لا يلاعن الرجل الحر الأمة، ولا الذمية، ولا التي يتمتع منها (3). قال: يعني: بالأمة التي يطؤها بملك اليمين، والذمية التي هي مملوكة له ولم تسلم. والحديث المفسر يحكم على المجمل (4). وقال أبو الصلاح: اللعان أن يقذف الرجل - حرا كان أو عبدا - زوجته بنكاح الغبطة، حرة كانت أو أمة، بمعاينة الزنا أو ينكر حملها (5). وقال ابن البراج: فإن كانت له زوجة يهودية أو نصرانية ثبت اللعان بينهما، وقد ذكر أنه لا لعان بينهما، والأقوى (6) ثبوته بينهما (7).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 538 ذيل الحديث 4853. (2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 538 ح 4854، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 5 ج 15 ص 597.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 538 ح 4855، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 4 ج 15 ص 596.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 538 ذيل الحديث 4855.
(5) الكافي في الفقه: ص 309.
(6) في المصدر: والصحيح.
(7) المهذب: ج 2 ص 309..

[ 457 ]

وسلار (1) وافق شيخه المفيد. وقال ابن إدريس: إن كان اللعان بنفي الولد صح، سواء كانا أو أحدهما من أهل الشهادة أو الجزية (2) أو لا، فأما إذا كان اللعان للزنا (3) أضافه الزوج القاذف إلى مشاهدة ومعاينة فلا يثبت إلا بين الحر والحرة، والمسلم والمسلمة، لأن بين أصحابنا خلافا في ذلك. قال: وهو الذي اختاره شيخنا في استبصاره. قال: وبهذا القول أفتي وأعمل، لأن اللعان حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، والأصل براءة الذمة في الموضع الذي نفيناه، ولا معنا إجماع من طائفتنا على ذلك (4). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: عموم قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم) (5). وما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك، قال: يلاعنها (6). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - أنه سئل عن عبد قذف امرأته، قال: يتلاعنان كما يتلاعن الأحرار (7). وفي الحسن عن جميل بن دراج، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الحر بينه وبين المملوكة لعان؟ فقال: نعم، وبين المملوك والحرة وبين

(1) المراسم: ص 164.
(2) في المصدر: الحرية. (3) في المصدر: بزني.
(4) السرائر: ج 2 ص 697 - 698.
(5) النور: 6.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 187 ح 650، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 595.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 188 ح 651، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللمعان ح 3 ج 15 ص 596..

[ 458 ]

العبد وبين الأمة وبين المسلم واليهودية والنصرانية، ولا يتوارثان ولا يتوارث الحر والمملوكة (1). احتجوا بما رواه ابن سنان في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يلاعن الحر الأمة، ولا الذمية، ولا التي يتمتع بها (2). ولأن اللعان شهادة، لقوله تعالى: (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) (3) فاستثنى ذلك من الشهادة. ولأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة، فيشترط فيه الحرية والاسلام. والجواب عن الأول: أنه محمول على الأمة المملوكة له، وكذا الذمية إذا كانت جارية مملوكة له، أو أنه يتزوج الأمة بغير إذن مولاها. ويدل عليه مفهوم رواية محمد بن مسلم الصحيحة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الحر يلاعن المملوكة؟ قال: نعم، إذا كان مولاها (4) زوجه إياها لاعنها بأمر مولاها كان ذلك، وقال: بين الحر والأمة والمسلم والذمية لعان. وعن الثاني: بالمنع من أنها شهادات، بل أيمان، لأنه يفتقر إلى ذكر اسم الله، ويستوي فيه الذكر والانثى، والعدل والفاسق، والبصير والأعمى. وقد سمي اليمين شهادة في قوله: (قالوا نشهد إنك لرسول الله) (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 188 ح 652، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 596.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 188 ح 653، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 4 ج 15 ص 596.
(3) النور: 6.
(4) إلى هنا تنتهي رواية محمد بن مسلم وما بعدها رواية حريز، راجع تهذيب الأحكام: ج 8 ص 188 - 189 ح 654 و 655، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللعان ح 5 و 6 ج 15 ص 596 - 597.
(5) المنافقون: 1..

[ 459 ]

والعجب أن ابن إدريس خالف عموم القرآن، والأحاديث الصحاح والحسان التي تلوناها في هذا الكتاب وغيره من كتبنا (1) الدالة على جواز اللعان بين الزوجين مطلقا. واعتمد على تأويل رواية رواها الشيخ في آخر باب اللعان بين الحر والمملوكة في الاستبصار، رواها عن إسماعيل ابن أبي زياد، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر - عليه السلام - أن عليا - عليه السلام - قال: ليس بين خمس نساء وبين أزواجهن ملاعنة، اليهودية تكون تحت المسلم فيقذفها، والنصرانية، والأمة تكون تحت الحر فيقذفها، والحرة تكون تحت العبد فيقذفها، والمجلود في الفرية، لأن الله تعالى يقول: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) والخرساء ليس بينها وبين زوجها لعان، إنما اللعان باللسان. قال الشيخ: الوجه فيه أحد شيئين: أحدهما: الحمل على التقية، لأنه مذهب بعض العامة. والآخر: أن نقول (2) بمجرد القذف لا يثبت اللعان بين اليهودية والمسلم، ولا بينه وبين الأمة، وإنما يثبت بمجرد القذف اللعان في الموضع الذي إن لم يلاعن وجب عليه حد الفرية، وذلك غير موجود في المسلم مع اليهودية ولا مع الأمة، لأنه يعزر، فكأن اللعان يثبت بين هؤلاء بنفي الولد لا غير (3). ومع ذلك فالحديث ضعيف السند. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (4) والخلاف (5): اللعان يصح بين كل زوجين مكلفين من أهل الطلاق، سواء كانا من أهل الشهادة أو لم يكونا من أهلها، فيصح القذف واللعان في حق الزوجين المسلمين والكافرين، وأحدهما

(1) تحرير الأحكام: ج 2 ص 65.
(2) في المصدر: أن يكون. (3) الاستبصار: ج 3 ص 375 ح ح 1338 وذيله.
(4) المبسوط: ج 5 ص 182.
(5) الخلاف: ج 5 ص 6 المسألة 2..

[ 460 ]

مسلم والآخر كافر. وكذلك بين الحرين والمملوكين، واحدهما حر والآخر مملوك. وكذلك إذا كانا محدودين في قذف أو أحدهما كذلك. وقال ابن الجنيد: وإن كان القاذف محدودا بقذفه بالزنا لم يكن بينه وبين زوجته لعان، لأن الله تعالى سماه كاذبا، والكاذب لا تقبل شهادته حتى يجب بها حق تحتاج زوجته إلى إسقاطه بالتعانها. والمعتمد الأول، لما تقدم من عمومات القرآن والأخبار السابقة. احتج برواية إسماعيل بن أبي زياد وقد تقدمت، وبأنها شهادة. والجواب: ما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) والخلاف (2): لا يثبت اللعان بين الزوجين قبل الدخول. واستدل في الخلاف بإجماع الفرقة وأخبارهم. قال في الخلاف: إلا أنه إن حصل هناك إمكان وطء وتمكين منه يثبت بينهما اللعان (3). وقال ابن الجنيد: واللعان واجب بين كل زوجين مسلمين بالغين قد كان بينهما دخول. وهذا يشعر باشتراط الدخول وإن لم يكن صريحا فيه. وابن البراج (4) وافق شيخه أبا جعفر الطوسي، وكذا ابن حمزة (5)، وابن زهرة (6). وقال ابن إدريس: من شرط اللعان أن تكون الزوجة مدخولا بها عند بعض أصحابنا، والأظهر الأصح أن اللعان يقع بالمدخول بها وغير المدخول بها، لقوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم... الآية) هذا إذا كان بقذف يدعي

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 454.
(2) الخلاف: ج 5 ص 49 المسألة 69.
(3) الخلاف: ج 5 ص 49 المسألة: 69.
(4) المهذب: ج 2 ص 309. (5) الوسيلة: ص 336.
(6) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 553 س 19..

[ 461 ]

فيه (1) المشاهدة، فأما إذا كان بنفي الولد والحمل فلا يقع اللعان بينهما بذلك، لأن قبل الدخول القول الزوج مع يمينه، ولا يلحق الولد به بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولا يحتاج في نفيه إلى لعان. قال: فعلى هذا التحرير من قال من أصحابنا: لا يصح اللعان إلا بعد الدخول يريد بنفي الولد. ومن قال: يصح اللعان قبل الدخول يريد بالقذف وادعاء المشاهدة له، فليلحظ ذلك ويتأمل (2). والشيخ - رحمه الله - استدل على ما اختاره بما رواه أبو بصير في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته، ولا يكون اللعان إلا بنفي الولد (3). ورواه ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه أيضا (4)، وفي طريقه عبد الكريم بن عمرو وهو واقفي، وقد وثقه النجاشي (5). وما رواه محمد بن مصادف (6) قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في رجل لاعن امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال: لا يكون ملاعنا حتى يدخل بها، يضرب حدا وهي امرأته ويكون قاذفا (7). احتج المجوزون مطلقا بعموم القرآن. والتفصيل الذي ذكره ابن إدريس

(1) في المصدر: فيها.
(2) السرائر: ج 2 ص 698.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 185 - 186 ح 646، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 604.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 535 ح 4851.
(5) رجال النجاشي: ص 245.
(6) في التهذيب والوسائل: محمد بن مضارب.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 197 - ح 692، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللعان ح 8 ج 15 ص 592..

[ 462 ]

حسن لا بأس به. مسألة: اختلف علماؤنا في المرأة حال تلفظ الرجل بالشهادات واللعن هل تكون قائمة أو قاعدة؟ قال الشيخ في المبسوط (1) بالثاني، وهو الظاهر من كلام الصدوق وأبيه - رحمهما الله - (2). وقال في النهاية: صفة اللعان: أن يجلس الإمام أو من نصبه الإمام مستدبر القبلة ويوقف الرجل بين يديه والمرأة عن يمينه قائمين ولا يقعدان ويقول له: قل أشهد بالله... إلى آخره (3) وهذا يشعر بأنها تكون قائمة حال التعانه. وكذا قال ابن أبي عقيل، ونحوه قال المفيد (4)، وأبو الصلاح (5)، وسلار (6)، وابن البراج (7)، وابن حمزة (8)، وابن زهرة (9). وقال ابن إدريس: الأظهر هو اختيار شيخنا في مبسوطه، وهو أن تكون المرأة قاعدة عند لعان زوجها (10). والوجه ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان؟ قال: يجلس الإمام مستدبر القبلة فيقيمهما بين يديه مستقبلا (11) بحذائه، ويبدأ بالرجل، ثم بالمرأة، رواه ابن يعقوب (12).

(1) المبسوط: ج 5 ص 198.
(2) المقنع: ص 120.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 451.
(4) المقنعة: ص 540.
(5) الكافي في الفقه: 309.
(6) المراسم: ص 163.
(7) المهذب: ج 2 ص 306.
(8) الوسيلة: ص 338.
(9) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 553 ص 22.
(10) السرائر: ج 2 ص 699. (11) في الكافي: مستقبلا القبلة، والوسائل: مستقبل القبلة.
(12) الكافي: ج 6 ص 165 ح 10، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللعان ح 4 ج 15 ص 587..

[ 463 ]

وروى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: إن عباد البصري سأل أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال: أبو عبد الله عليه السلام - إلى أن قال: - فأوقفهما (1) رسول الله - صلى الله عليه وآله - ثم قال للزوج: إشهد أربع شهادات... الحديث (2). وروى الصدوق قال: سأل البزنطي أبا الحسن الرضا - عليه السلام - فقال له: أصلحك الله كيف الملاعنة؟ قال: يقعد الإمام ويجعل ظهره إلى القبلة، ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة والصبي عن يساره. قال: وفي خبر آخر: ثم يقوم الرجل فيحلف أربع مرات - إلى أن قال: - ثم تقوم المرأة فتحلف أربع مرات (3). وهذا الأخير يدل على قول الشيخ في المبسوط، لكن الأول أشهر وأظهر. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): الأخرس إذا كانت له إشارة معقولة أو كتابة (6) مفهومة صح قذفه ولعانه. واستدل بعموم (والذين يرمون أزواجهم) وبإجماع الفرقة وأخبارهم. قال ابن إدريس: لا أقدم على أن الأخرس المذكور يصح لعانه، لأن أحدا من أصحابنا - غير من ذكرنا - (7) لم يوردها في كتابه، ولا وقفت على

(1) في المصدر: فأوقفها.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 184 - 185 ح 644، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 568.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 536 ح 4852 و 4853، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللعان ح 2 و 3 ص 587.
(4) الخلاف: ج 5 ص 12 المسألة 8.
(5) المبسوط: ج 5 ص 187.
(6) م (3) وفي المبسوط: كناية.
(7) في المصدر: ذكرناه. .

[ 464 ]

خبر بذلك، ولا إجماع عليه، والقائل بهذا غير معلوم، والتمسك (1) بالاية بعيد، لأنه لا خلاف أنه غير قاذف ولا رام على الحقيقة، فالنطق منه بالشهادات في حال اللعان متعذر، والأصل براءة الذمة، واللعان حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي. وأيضا لو رجع عن اللعان عند من جوزه له وجب عليه الحد، والرسول - عليه السلام - قال: (ادرأوا الحدود بالشبهات) ومن المعلوم أن في إيمائه وإشارته بالقذف شبهة هل أراد به القذف أو غيره؟ وهو غير معلوم يقينا، كالناطق (2) بلا خلاف. ثم قال: فإن قلنا: يصح منه اللعان كان قويا معتمدا، لأنه يصح منه الاقرار والايمان وأداء الشهادات وغير ذلك من الأحكام (3). وهذا يدل على اضطرابه وتردده في هذه المسألة. ولو أنه التزم بالتوقف كما حكم به أولا كان أجود، فإن الفرق بين الاقرار وأداء الشهادة (4) وبين اللعان ظاهر، لاشتراط خصوصية اللفظ هنا دون الاقرار وأداء الشهادة، إذ القصد فيهما المعنى بأي عبارة كان. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها فادعت عليه أنها حامل منه فإن أقامت البينة أنه أرخى سترا وخلا بها ثم أنكر الولد لاعنها، ثم بانت منه وعليه المهر كملا. وإن لم تقم بذلك بينة كان عليه نصف المهر، ووجب عليها مائة سوط بعد أن يحلف بالله أنه ما دخل بها (5). وقال ابن إدريس: ما ذكره - رحمه الله - ذهابا إلى قول من يذهب إلى أن الخلوة بمنزلة الدخول، والأظهر والأصح عند المحصلين من أصحابنا أن الخلوة

(1) في المصدر: فأما الآية التي استشهد شيخنا بها فالتمسك.
(2) في المصدر: كالناطق.
(3) السرائر: ج 2 ص 701 - 702.
(4) م 3: الشهادات.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 455 - 456..

[ 465 ]

وإرخاء الستر لا تأثير لهما، والقول قول الزوج، ولا يلزمه سوى نصف المهر، ولا لعان بينهما. قال: وإلى هذا ذهب (1) شيخنا في كتاب الصداق من الخلاف، فإنه قال: إذا طلقها بعد أن خلا بها وقبل أن يمسها اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب: فذهبت طائفة إلى أن وجود هذه الخلوة وعدمها سواء، وترجع عليه بنصف الصداق، ولا عدة عليها، وهو الظاهر من روايات أصحابنا (2). والمعتمد أن نقول: لا يجب بالخلوة الصداق، ولا يثبت اللعان. وإذا حلف على عدم الدخول وجب نصف المهر ولا يجب عليها الحد، لما تقدم من أن المقتضي لثبوت الصداق الدخول لا الخلوة، وعدم وجوب (3) الحد عليها لعدم ثبوت الزنا، وقولها شبهة، والنبي - عليه السلام - أسقط الحد بالشبهة (4). والشيخ - رحمه الله - عول على إيجاب المهر كملا، وثبوت اللعان بمجرد الخلوة، لما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فادعت أنها حامل، قال: إن أقامت البينة على أنه أرخى سترا ثم أنكر الولد لاعنها، ثم بانت منه وعليه المهر كملا (5). ولأن الخلوة مع الصحيح بالحليلة في مظنة الوقاع، فمدعيه يدعي الظاهر فيكون القول قولها، فإذا أنكر لم ينتف الولد إلا باللعان، لأن الظاهر أنها صارت فراشا، والمهر يجب، لمكان الحكم بالتحاق الولد (6) المستلزم للوطء.

في المصدر: يذهب.
(2) السرائر: ج 2 ص 702.
(3) ق 2: وعدم الحد.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 74 ح 5146، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة ح 4 ج 18 ص 336.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 193 ح 677 وفيه: (أو عليه المهر كملا)، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 590.
(6) في الطبعة الحجرية: المولد..

[ 466 ]

ولو قيل بهذه الرواية كان وجها لصحتها واعتضادها بالظاهر من وطء الصحيح مع الخلوة وصحة تصرف المسلم، بخلاف ما لو خلت عن الحمل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا قذف الرجل امرأته فترافعا إلى الحاكم فماتت المرأة قبل أن يتلاعنا فإن قام رجل من أهلها مقامها فلاعنه فلا ميراث له، وأن أب أحد من أوليائها أن يقوم مقامها أخذ الزوج الميراث، وكان عليه الحد ثمانين سوطا (1). وتبعه ابن البراج في كتابيه معا (2)، وابن حمزة (3). وقال ابن إدريس: هذه رواية أوردها شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا كما أورد أمثالها، ولم يوردها غيره من أصحابنا ولا أودعها كتابه، مع أن الشيخ قد لوح بالرجوع، بل صرح في مبسوطه وخلافه فقال: الأحكام المتعلقة باللعان أربعة: سقوط الحد عن الزوج وانتفاء النسب وزوال الفراش والتحريم المؤبد، فهذه الأحكام عند قوم تتعلق بلعان الزوج، فإذا وجد منه اللعان بكماله سقط الحد وانتفى النسب وزال الفراش وحرمت المرأة على التأبيد، ويتعلق به أيضا وجوب الحد على المرأة. فأما لعان المرأة فإنه لا يتعلق به أكثر من سقوط حد الزنا عنها. وحكم الحاكم لا تأثير له في إيجاب شئ من هذه الأحكام، فإذا حكم بالفرقة فإنما تنفذ (4) الفرقة التي كانت وقعت بلعان الزوج، لا أنه يبتدئ إيقاع فرقة. وقال قوم - وهو الذي يقتضيه مذهبنا -: إن هذه الأحكام لا تتعلق إلا بلعان الزوجين معا، فما لم يحصل اللعان بينهما فإنه لا يثبت شئ من ذلك (5). والوجه: أنه لا لعان بعد موتها، لوروده بين الزوجين. احتج الشيخ بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن قام

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 456 - 457.
(2) المهذب: ج 2 ص 310.
(3) الوسيلة: ص 337 - 338.
(4) في المصدر: تنعقد.
(5) السرائر: ج 2 ص 703 مع اختلاف..

[ 467 ]

رجل من أهلها فلاعنه فلا ميراث له، وإن أبى أحد من أوليائها أن يقوم مقامهما أخذ الميراث زوجها (1). وعن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي - عليهم السلام - في رجل قذف امرأته ثم خرج وجاء وقد توفيت، قال: يخير واحدة من ثنتين، يقال له: إن شئت ألزمت نفسك الذنب، فيقام فيك (2) الحد وتعطى الميراث، وأن شئت أقررت فلاعنت أدنى قرابتها (3) ولا ميراث لك (4). والجواب: الرواية الأولى مقطوعة السنة، والثانية ضعيفة الرجال، لأنهم زيدية لا يلتفت إلى ما يروونه. مسألة: اختلف الشيخان، فقال المفيد: لا تلاعن المرأة وهي حامل حتى تضع حملها (5). وتبعه سلار (6)، وأبو الصلاح (7). وقال الشيخ: إذا انتفى الرجل من ولد امرأة حامل (منه) جاز أن يلاعنها (8)، إلا أنها إن اعترفت أو نكلت عن الشهادات لم يقم عليها الحد إلا بعد وضع ما في بطنها (9). وهو المعتمد. لنا: عموم الآية، والمعارض - وهو الحمل - غير صالحة للمانعية، إذ لا مدخل له في إيجاب الحد، ولو نكلت لا يستلزم إقامته، كما لو أقرت فإنها تؤخر فكذا هنا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 190 (191 ح 664، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 608.
(2) في المصدر: عليك.
(3) في المصدر: قرابتها إليها.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 194 ح 679، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 608 - 609.
(5) المقنعة: ص 542.
(6) المراسم: ص 164.
(7) الكافي في الفقه: ص 310.
(8) في المصدر: يتلاعنا.
(9) النهاية ونكتها: ج 2 ص 455..

[ 468 ]

وشيخنا المفيد إن قصد بنفي اللعان نفي ما يجب عليه لو نكلت من إقامة الحد فهو حق. ويحتمل أن يقال: لا لعان لو نفي الحمل (1) حتى تضع، لاحتمال اشتباه. الحمل بغيره، وحينئذ يصح كلامه. مسألة: المشهور أن الرجل إذا قال لامرأته: لم أجدك عذراء لم يجب عليه الحد تاما بل يعزر تأديبا، ذهب إليه الشيخان (2) وأتباعهما. وقال ابن أبي عقيل: ولو أن رجلا قال لامرأته: لم أجدك عذراء جلد الحد. لنا: أصالة البراءة. وما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس بشئ، لأن العذرة تذهب بغير جماع (3). احتج بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا قال الرجل لامرأته: لم أجدك عذراء وليس له بينة قال (4): يجلد الحد، ويخلى بينه وبين امرأته (5). والجواب: يحمل (6) على التعزير، لما رواه أبو بصير في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: في رجل قال لامرأته: لم أجدك عذراء، قال: يضرب،

(1) ق 2: الولد.
(2) المقنعة: ص 542، والنهاية ونكتها: ج 2 ص 458.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 196 ح 689، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 609.
(4) ليس في المصدر.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 195 ح 684، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 3 ج 15 ص 610.
(6) ق 2: بالحمل، م 3: بحمل..

[ 469 ]

قلت: فإنه (1) عاد، قال: يضرب، فإنه يوشك أن ينتهي. قال يونس: يضرب ضرب أدب ليس بضرب الحدود، لئلا يؤذي امرأة مؤمنة بالتعريض (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو من يقوم مقامه من خلفائه (3). وقال ابن الجنيد: لا يكون اللعان إلا بحضرة الإمام أو خلفائه. وقال ابن حمزة: اللعان يصح عند الحاكم وخليفته ومن يرضى به الزوجان (4). وهو قول الشيخ في موضع آخر من المبسوط (5). والوجه الأول. لنا: أنه حكم شرعي تتعلق به كيفيات وأحكام وهيئات فيناط بالامام أو خليفته، لأنه منصوب لذلك. مسألة: المشهور أن سبب اللعان اثنان: قذف الزوجة بالزنا مع ادعاء المشاهدة، ونفي الولد. وقال الصدوق في المقنع: لا يكون اللعان إلا بنفي الولد. فلو أن رجلا قذف امرأته ولم ينكر ولدها لم يلاعنها، ولكنه يضرب حد القاذف ثمانين جلدة (6). والمعتمد الأول، وهو مذهب الشيخين (7)، والشيخ علي بن بابويه، وابن

(1) في المصدر: فإن.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 196 ح 690، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 609 - 610.
(3) المبسوط: ج 5 ص 197.
(4) الوسيلة: ص 338 (5) المبسوط: ج 5 ص 223.
(6) راجع المقنع: ص 120، وفيه: (فهو أن يرمي الرجل امرأته بالفجور وينكر ولدها...).
(7) المقنعة: ص 542، والخلاف: ج 3 ص 32 المسألة 5..

[ 470 ]

الجنيد، وباقي علمائنا. لنا: قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء) (1) وهو صريح في الباب (2) وبالخصوص. وسبب نزولها ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سأل عباد البصري أبا عبد الله - عليه السلام - وأنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال أبو عبد الله - عليه السلام -: إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله - صلى الله عليه وآله - فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فوجد مع امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع؟ (قال:) فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وآله - فانصرف الرجل، وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلي بذلك من امرأته، قال: فنزل الوحي من عند الله عز وجل بالحكم فيها، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وآله - إلى ذلك الرجل فدعاه فقال له: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا؟ فقال: نعم، فقال له: انطلق فأتني بامرأتك فإن الله عز وجل قد أنزل فيك وفيها... الحديث (3). احتج الصدوق بما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته، ولا يكون اللعان إلا بنفي الولد (4). وعن محمد بن مسلم عن أحدهما - عليه السلام - قال: لا يكون لعان إلا بنفي الولد (5) (6).

(1) النور: 6.
(2) م 3: بالباب.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 184 - 185 ح 644، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 586. (4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 185 - 186 ح 646، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 2 ج 15 ص 604.
(5) في المصدر: ولد.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 185 ح 645، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 604..

[ 471 ]

والجواب: الطعن في السند، فإن في طريق الأولى عبد الكريم بن عمرو، وهو واقفي. وفي طريق الثانية علي بن حديد، وهو ضعيف جدا. وفي تتمة الحديث الثاني: وقال: (إذا قذف الرجل امرأته لاعنها) (1) وهو صريح في إيجاب اللعان بالقذف، فلم يبق المراد إلا أنه لا يثبت بالقذف إلا مع ادعاء المشاهدة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان مع الرجل بينة كان له أن يلاعن أيضا ويعدل عن البينة، وبه قال كافة أهل العلم. وقال بعضهم: لا يجوز أن يلاعن مع قدرته على البينة بشرط الآية. دليلنا: أن النبي - صلى الله عليه وآله - لاعن بن الجلاني وزوجته، ولم يسأل هل لهما بينة أم لا؟ (2). وقال في المبسوط: إذا قذف زوجته ولم يكن له بينة فله أن يلاعن بلا خلاف، وللآية. وإذا كان له بينة فله أيضا أن يلاعن. وقال بعضهم: ليس له أن يلاعن مع قدرته على البينة، وهو قوي، لقوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم) فشرط أن يلاعن ألا يكون له شاهد إلا نفسه (3). والوجه الأول، للعموم المستفاد من الأخبار. والآية لا تدل على الاشتراط بل على الأغلب، إذ الظاهر الغالب أن المدعي لمثل هذه الفاحشة لا يعدل إلى اللعان، ويخفى تصديقه مع حصول البينة، والتقييد إذا خرج مخرج الأغلب لا يدل على نفي الحكم عما عداه. مسألة: قال الشيخ في النهاية في باب حد الفرية: إذا قال لغيره: يا زان

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 185 ح 645، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللعان ح 1 ج 15 ص 604. (2) الخلاف: ج 5 ص 8 المسألة 3.
(3) المبسوط: ج 5 ص 183..

[ 472 ]

فأقيم عليه الحد ثم قال له ثانيا: يا زان كان عليه حدان، وإن قال لغيره: يا زان دفعة بعد أخرى مرات كثيرة ولم يقم عليه فيما بينهما الحد بشئ من ذلك لم يكن عليه أكثر من حد واحد (1). وقال في المبسوط: إذا قذف أجنبي أجنبية ولم يقم البينة فحد ثم عاد أعاد ذلك القذف بذلك الزنا فإنه لا يلزمه حد أخر عند أكثر الفقهاء، وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يلزمه حد آخر: وإذا لم يجب فيه حد وجب فيه تعزير لأجل السب لا القذف. والأول أصح، لقصة أبي بكرة مع المغيرة (2). وكذا قال في الخلاف، واستدل بإجماع الفرقة واجماع الصحابة، فإن أبا بكرة ونافعا ونفيعا (3) شهدوا على المغيرة بالزنا وصرحوا بالشهادة، وشهد عليه زياد ولم يصرح بل كنا في شهادته، فجلد عمر الثلاثة وجعلهم بمنزلة القذف (4)، فقال أبو بكرة بعد ما جلده عمر: إنه (5) زنا، فهم عمر بجلده، فقال له علي عليه السلام: إن جلدته فارجم صاحبك - يعني: المغيرة - وأراد بذلك أنه إن كان هذا شهادة مجددة فقد كملت الشهادة أربعا فارجم صاحبك، وإن كان ذلك إعادة لتلك الشهادة فقد جلدته فيها دفعة، فلا معنى لجلده ثانيا، فتركه عمر، وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكروه، فعلم أنهم أجمعوا على أن من جلد في قذف أو ما جرى مجراه ثم أعاد ثانيا لم يجلد دفعة أخرى (6). وقال في موضع آخر من المبسوط: إذا قذف أجنبيا أو أجنبية ثم قذف دفعة أخرى قان كان الثاني بعد الحد عن الأول فإن كان (7) بذلك الزنا الذي حد

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص، وفيه (يا زاني) (فيما بينها الحد).
(2) المبسوط: ج 5 ص 193.
(3) في المصدر: نقيعا.
(4) في المصدر: القذفة.
(5) في المصدر: أشهد أنه.
(6) الخلاف: ج 5 ص 15 المسألة 14. (7) في المصدر: قذفها..

[ 473 ]

به (1) فالثاني ليس بقذف، لأنه ثبت أنه كذبه بإقامة الحد عليه، فإذا كرره ثانيا لم يكن ذلك قذفا، بل شيئا يجب به التعزير (2)، وإن قذفها بزنى آخر قيل (3): لا يقام الحد ثانيا، وقيل: بل يحد (4)، وهو الذي رواه أصحابنا (5). والشيخ أطلق في النهاية (6). وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوج امرأة وقذفها بزنى أضافه إلى ما قبل الزوجية وجب عليه الحد، وليس له أن يلاعن لاسقاطه (7). وقال في المبسوط: يجب عليه الحد، وليس له إسقاطه باللعان. وقال بعضهم: له ذلك، وهو الأقوى، لعموم الآية، والاعتبار عند من قال بالأول بالحالة التي يضاف إليها القذف، وعلى ما قلناه بالحالة التي يوجد فيها القذف (8). واستدل على قوله في الخلاف بعموم (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) قال: فإن عارضونا بقوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم) وخصوا به آيتنا قال: لا نسلم أن الآية التي ذكروها تناولت هذا القاذف، فإنها واردة في من قذف زوجته، وهذا لا يقال: إنه قذف زوجته وإنه أضاف القذف إلى حال كونها أجنبية، فالاعتبار بحالة إضافة القذف، ألا ترى أن من قذف حرا ومن قذف مسلمة بزنى أضافه إلى كونها كافرة لا يقال: إنه

(1) في المصدر: حد له.
(2) في المصدر: بل سبا وشتما وجب عليه التعزير.
(3) في المصدر: قيل فيه وجهان.
(4) في المصدر: والثاني يلزمه حد (5) المبسوط: ج 5 ص 216.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 342.
(7) الخلاف: ج 5 ص 16 المسألة 15.
(8) المبسوط: ج 5 ص 193..

[ 474 ]

قذف مسلمة، فكذا هنا (1). والوجه ما اختاره في المبسوط: ونمنع أنه لا يقال: إنه قذف زوجته والاعتبار إنما هو بحال القذف لا بحالة النسبة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أتت المرأة بولدين من زنى فإن نسبهما ثابت من جهة الأم وغير ثابت من جهة الزاني (2) والارث يجري بين الولدين وبين الأم (3). هذا على قول من أجرى ولد الزنا على مجرى ولد الملاعنة من أصحابنا. فأما على الصحيح الذي ذكرناه في النهاية وأنه لا يثبت نسبهما فإنه لا توارث بينهما وبين الأم، ولا بينهما أنفسهما بحال (4). والوجه ما ذكره في النهاية (5)، وسيأتي. مسألة: لو طلق الأمة مرتين حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإن ملكها فهل يحل له وطؤها بملك اليمين؟ قال في المبسوط: قيل: فيه وجهان: الصحيح عندنا وعندهم: أنها لا تحل له، والثاني: أنها تحل، وبه قال شاذ من أصحابنا (6). والحق الأول، لقوله تعالى: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) (7). مسألة: قال في المبسوط: إذا قال لزوجته (8): يا زانية فقالت: زنيت بك

(1) الخلاف: ج 5 ص 16 المسألة 15.
(2) في المصدر: من جهة الأب لقوله - عليه السلام -: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
(3) في المصدر: وبين الأم ولا يجري بينهما... من خالف في المسألة الأولى.
(4) المبسوط: ج 5 ص 210 - 211.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 262.
(6) المبسوط: ج 5 ص 211.
(7) البقرة: 230.
(8) في المصدر: إذا قال الرجل لزوجته..

[ 475 ]

فالزوج قاذف. وقولها: زنيت بك ليس (1) بصريح في القذف، بل هو محتمل له ولغيره، لأنه يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها: القذف، وهو أنها أرادت أنك زنيت بي قبل الزوجية فأنت زان وأنا زانية، وهو أقواها عندي. ويحتمل أنها أقرت على نفسها بالزنا ولم تقذف الزوج، فتريد بذلك أنك وطئتني وأنت تظنني زوجتك وأنا عالمة بأنك أجنبي فكنت أنا زانية وأنت لست بزان. ويحتمل ألا تكون أقرت بالزنا ولا قذفته، بل أرادت النفي والجحود، وإذا احتمل لم يكن (2) صريحا في القذف. فإن قالت: أردت الأول فقد أقرت على نفسها بالزنا، فيسقط عن الزوج حد القذف، ويلزمها حد الزنا بإقرارها، ويلزمها حد القذف للزوج برميها. وإن قالت: أردت الثاني (3) لم تقذف الزوج، وقد أقرت على نفسها، فيسقط عن الزوج حد القذف، ويلزمها حد الزنا بإقرارها، ولم يجب عليها حد القذف، فإنها ما قذفته، فإن ادعى الزوج أنها أرادت قذفه فالقول قولها، فإن حلفت سقطت دعواه، وإن نكلت رددنا اليمين عليه فيحلف، ويحقق عليها القذف ولزمها الحد. وإن أرادت الثالث (4) وجب على الزوج الحد بقذفه، وليس على المرأة حد الزنا، ولا القذف. ولو قال: أرادت القذف فإن حلفت سقطت دعواه، وإن نكلت رددنا اليمين عليه فيحلف، ويحقق عليها بيمينه الاقرار بالزنا وقذفها له، ويسقط عنه حد القذف، ويلزمها حد القذف دون حد الزنا، لأنه لا يلزم بالنكول واليمين (5). وقال ابن الجنيد: لو قال لزوجته: يا زانية فقالت: زنيت بك سألناها عما

(1) في المصدر: فأما الزوج فقد قذفها بقوله يا زانية... وأما قولها زنيت فليس.
(2) في المصدر: فإذا كان محتملا لهذه الأشياء لم يكن.
(3) في المصدر: الاحتمال الثاني.
(4) في المصدر: الاحتمال الثالث.
(5) المبسوط: ج 5 ص 211 - 213..

[ 476 ]

أرادت فإن كانت أرادت أن نكاحه إياها بعد العقد الصحيح عليها زنى لم يكن ذلك قذفا منها، وإن قالت: أردت أنه زنى بي قبل ذلك كانت قاذفة له ومعترفة بالزنا، ولا لعان بينهما. والوجه أنه لا يكون قذفا، للاحتمال، فيسقط الحد، للشبهة المحتملة. مسألة: قال في المبسوط: إذا قال لزوجته: يا زانية فقالت: أنت أزنى مني فقد قذفها الزوج، وقولها ليس صريحا في القذف، بل يحتمل أنها أرادت أنت زنيت بي قبل الزوجية فيكون إقرارا وقذفا (1). ويحتمل الجحود والنفي، ولا يحتمل الثالث (2) وهو: أنها تقر بالزنا ولا تقذفه، لأنها قد أضافت الزنا إليه بقولها: أنت أزنى مني، فيبقى الاحتمالان الآخران المذكوران في المسألة السابقة، والحكم فيهما ما تقدم (3). وقال ابن الجنيد: إنه لا يكون ذلك اعترافا منها بالزنا، ولا قذفا له. مسألة: إذا قال لامرأته: أنت أزنى من فلانة قال في المبسوط: لا يكون قذفا بظاهره، لأن ما كان في وزن (أفعل) موضوع في الحقيقة للاشتراك، وأن يكون لأحد الأمرين مزية، فيحتاج أن يثبت أن فلانة زانية، وإن هذه أزنى منها حتى يكون قاذفا، ولا يجب أن يكون قاذفا لهما، لأن هذه اللفظة وإن كان حقيقتها الاشتراك فقد ترد بمعنى: السلب، كقوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) وليس في النار خير، وكما يقال: الجار أحق بالشفعة من غيره وليس لغير الجار (4) حق في الشفعة فلا يكون قذفا بظاهره ويرجع إليه. فإن قال: أردت أن فلانة زانية وأنك أزنى منها فقد قذفهما، ولزمه

(1) في المصدر: فيكون ذلك إقرارا بالزنا وقذفا.
(2) في المصدر: والنفي يعني: ما زنيت ولا يحتمل القسم الأخير.
(3) المبسوط: ج 5 ص 213.
(4) في المصدر: الشفيع..

[ 477 ]

الحد لزوجته، وله الخروج منه باللعان أو البينة، ويلزمه الحد للأجنبية، وله الخروج منه بالبينة فحسب. وإن قال: أردت الجحود: فإن صدقته فلا شئ عليه، وإن كذبته فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها، وإن نكل رددنا اليمين عليها، فتحلف ويثبت عليه القذف ويلزمه الحد، إلا أن يسقط باللعان، وقال بعضهم: لا يكون قاذفا بذلك وإن فسر ذلك بالقذف، وليس بشئ. قال: ويقوى في نفسي أنه يكون قذفا لهما بظاهرة، لأنه هو الحقيقة، وما مثلوا به كله مجاز (1). وقال ابن الجنيد: إذا قال لها: أنت أزنى من فلانة لم يكن قذفا، إلا أن تكون فلانة محدودة في الزنا أو ممن قامت (2) عليها البينة بالزنا وإن لم تحد بموت أو غيره. وما قواه الشيخ - رحمه الله - قوي. مسألة: قال في المبسوط: إذا قال لزوجته أو أجنبية: يا زان كان قاذفا عند جميع الفقهاء إلا داود. ويقوى في نفسي أنه لا يكون قذفا إن كان من أهل الاعراب، وإن لم يكن من أهله فالامر على ما قاله الفقهاء. ولو قالت لزوجها أو لأجنبي: يا زانية كانت قاذفة عند الأكثر، وقال بعضهم: لا تكون قاذفة، وهو الأقوى عندي (3). وقال في الخلاف: إذا قال لامرأته: يا زان بغير هاء (4) التأنيث كان قاذفا عند جميع الفقهاء إلا داود، وإن قالت المرأة للرجل: يا زانية كانت قاذفة عند محمد والشافعي، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، ليس ذلك بقذف ولا حد فيه. والذي يقتضيه مذهبنا أن نقول: إن علم من قصدهما القذف كانا قاذفين، وإن

(1) المبسوط: ج 5 ص 213.
(2) في الطبعة الحجرية: قد قامت. (3) المبسوط: ج 5 ص 214.
(4) في المصدر: بلا هاء..

[ 478 ]

لم يعلم رجع في ذلك إليهما. واستدل بأصالة براءة الذمة، وإيجاب حد القذف عليهما يحتاج إلى دليل (1). والوجه عندي الاستفسار، فإن قال في الأول: أردت الترخيم كان قاذفا، واللحن لا يمنع من القذف، وإلا فلا. وإن قالت المرأة: أردت تأكيد المعنى بزيادة الهاء كانت قاذفة * وإلا فلا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر فأقام شاهدين لم يعرف عدالتهما فطلب من الحاكم حبس المدعي عليه حتى تثبت عنده العدالة حبسه، لأن الأصل في الشهود العدالة، والفسق طار. ولأن المدعي أتى بما عليه من البينة، وتعين على الحاكم البحث عن عدالة الشهود، وذلك ليس إلى الخصم ولا عليه (2). والمعتمد أنه لا يجوز حبسه حتى تثبت العدالة، لأن الحبس عقوبة لم يثبت موجبها، فلا يجوز فعلها قبل الثبوت. قال: ولو أقام شاهدين بالمال ولم يعرف الحاكم العدالة كان للحاكم حبسه، ولو أقام شاهدا واحدا قال بعضهم: يحبس، وهو الأقوى، لأنه حجة في المال، لأنه لو أراد أن يحلف معه لكان له (3). والحق ما قلنا نحن أولا.

(1) الخلاف: ج 5 ص 34 المسألة 41.
(2) المبسوط: ج 5 ص 221.
(3) المبسوط: ج 5 ص 221..

[ 479 ]

الفصل السادس في العدد مسألة: ذهب الشيخان إلى أن الصبية التي لا تبلغ تسع سنين والايسة من المحيض ومثلها لا تحيض - وهي التي بلغت خمسين سنة، وفي القرشية والنبطية ستين - لا عدة عليهما من الطلاق بعد الدخول (1). وهو اختيار الشيخ علي بن بابويه، وابنه الصدوق في المقنع (2)، وسلار (3)، وأبي الصلاح (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). وقال السيد المرتضى: والذي أذهب أنا إليه أن على الآيسة من المحيض والتي لم تبلغه العدة على كل حال، من غير مراعاة الشرط الذي حكيناه عن بعض أصحابنا (8). يعني بذلك: ألا يكونا في سن من تحيض. واختاره ابن زهرة (9). والمعتمد الأول.

(1) المقنعة: ص 532 - 533، النهاية ونكتها: ج 2 ص 467.
(2) المقنع: ص 116.
(3) المراسم: ص 166.
(4) الكافي في الفقه: ص 312.
(5) المهذب: ج 2 ص 284 و 286.
(6) الوسيلة: ص 325.
(7) السرائر: ج 2 ص 732 - 733.
(8) الانتصار: ص 146. .

[ 480 ]

لنا: أن المقتضي للاعتداد زائل فيزول، والملازمة ظاهرة. وبيان صدق المقدم أن العدة إنما شرعت لاستعلام فراغ الرحم من الحمل غالبا، وهذه الحكمة منفية هنا قطعا، فلا وجه لوجوب العدة. ولأن غير المدخول بها لا عدة عليها إجماعا، فكذا الآيسة والصغيرة، إذ الدخول هنا لا اعتبار به. وما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: ثلاث يتزوجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لا تحيض، قال: قلت: وما حدها؟ قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قلت: وما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة (1). وفي الحسن عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - في الصبية التي لا تحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض، قال: ليس عليهما عدة وإن دخل بهما (2). وعن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: التي لا تحبل مثلها لا عدة عليها (3). وفي هذا الحديث إشارة إلى العلة التي أومأنا إليها في وجوب الاعتداد. احتج السيد المرتضى بقوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) قال: وهذا صريح في أن الآيسات من المحيض واللائي لم يبلغن عدتهن الأشهر على كل حال. ثم اعترض على نفسه بأن في الآية شرطا، وهو قوله تعالى: (إن ارتبتم). وأجاب: بأن الشرط لا ينفع أصحابنا، لأنه غير مطابق لما يشترطونه، وإنما

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 137 ح 478، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العدد ح 4 ج 15 ص 406.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 137 - 138 ح 479، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 409.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 138 ح 480، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 409..

[ 481 ]

يكون نافعا لهم لو قال تعالى: إن كان مثلهن تحيض في الآيسات، وفي اللاتي لم يبلغن المحيض إذا كان مثلهن تحيض، وإذا لم يقل تعالى ذلك وقال تعالى: (إن ارتبتم) وهو غير الشرط الذي شرطه أصحابنا فلا منفعة لهم به، ولا يخلو قوله: (إن ارتبتم) من أن يراد به ما قاله جمهور المفسرين وأهل العلم بالتأويل: من أنه تعالى أراد به إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء، وغير عالمين بمبلغها. وقد رووا ما يقوي ذلك من أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من فقد العلم، روى مطرف، عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب: يا رسول الله إن عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الاحمال، فأنزل الله تعالى: (واللائي يئسن - إلى قوله: - وأولات الحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وكان سبب نزول هذه الآية الارتياب الذي ذكرناه، ولا يجوز أن يكون الارتياب بأنها آيسة أو غير آيسة، لأنه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض بقوله سبحانه: (واللائي يئسن من المحيض) والمشكوك في حالها والمرتاب في أنها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة، والمرجع في وقوع الحيض منها أو ارتفاعه إليها وهي المصدقة على ما تخبر به فيه، ومعرفة الرجال به مبنية على إخبار النساء: فإذا أخبرت بأن حيضها قد ارتفع قطع عليه، ولا معنى للارتياب مع ذلك إذا (1) كان الحيض المرجع فيه إلى النساء، ومعرفة الرجال به مبنية على إخبار النساء، وكانت الريبة المذكورة في الآية منصرفة إلى اليأس من الحيض، فكان يجب أن يقول تعالى: إن ارتبتن (2)، لأنه حكم يرجع إلى النساء ويتعلق بهن، فهن المخاطبات به، فلما قال تعالى: (إن ارتبتم) فخاطب به الرجال دون النساء علم أن المراد هو الارتياب في العدة ومبلغها. ثم اعترض بإمكان أن يكون الارتياب هاهنا إنما هو ممن (3) تحيض أو لا

(1) في المصدر: وإذا.
(2) في المصدر: إن ارتبتن أو أو إن ارتبن.
(3) في بعض النسخ: بمن، وفي المصدر: لمن..

[ 482 ]

تحيض في من (1) هو في سنها على ما يشترطه بعض أصحابكم. وأجاب: بأنه يبطل، لأنه لا ريب في سن من تحيض مثلها من النساء أو لا تحيض، لأن المرجع فيه إلى العادة. ثم إذا كان الكلام مشروطا فالأولى أن يعلق الشرط بما لا خلاف فيه دون ما فيه الخلاف، وقد علمنا أن من شرط وجوب الاعلام بالشئ والاطلاع عليه فقد العلم، ووقوع الريب ممن يعلم بذلك ويطلع عليه، ولا بد إذن من أن يكون ما علقنا نحن الشرط به وجعلنا الريبة واقعة فيه مرادا، وإذا ثبت ذلك لم يجز أن يعلق الشرط بشئ آخر مما ذكروه أو غيره، لأن الكلام يستقل بتعلق الشرط بما ذكرنا أنه لا خلاف فيه ولا حاجة بعد الاستقلال إلى أمر آخر، ألا ترى أنه لو استقل بنفسه لما جاز اشتراطه، فكذلك إذا استقل مشروطا بشئ لا خلاف فيه، فلا يجب تجاوزه ولا تخطيه إلى غيره (2). وما رواه أبو بصير قال: عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، والتي قد قعدت عن المحيض ثلاثة أشهر (3). والجواب عن الأول، أن الآية لا دلالة فيها على ما ذكره - رحمه الله - لاشتراطها بالريبة، وهي عائدة إلى اليأس من المحيض وعدم الحيض والقطع في علمه تعالى باليأس لا يستلزم انتفاء الريبة عندنا، لأنه تعالى علام الغيوب: على أنا نمنع القطع باليأس. وأيضا اليأس المقطوع به لا ينافي الريبة، وسبب النزول لا يجب أن يكون عاما في الجميع، والكبار الذين لم يحضن أو أيسن، مع أن مثلهن يحضن، فإنه لا يمكن الحوالة في عدتهن على الأقراء، فوجب السؤال. وصرف الريبة إلى العدة والعلم بقدرها غير

(1) في المصدر: ممن.
(2) الانتصار: ص 146 - 148.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 138 ح 481، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب العدد ح 6 ج 15 ص 407.

[ 483 ]

مناسب، لأن الأحكام الشرعية قبل ورود الشرع بها غير معلومة فلا يكون التعليم في هذه الصورة مشروطا بالريبة دون غيرها، لعدم الأولوية. والرواية ضعيفة السند، لأن ابن سماعة وابن جبلة وعلي بن أبي حمزة كلهم منحرفون عن الحق، وأبو بصير أيضا لم يسندها إلى إمام، ومع ذلك فهي محمولة على ما إذا كانتا في سن من تحيض. قال الشيخ: وهذا الذي ذكرناه مذهب معاوية بن حكيم من متقدمي فقهاء أصحابنا وجميع فقهائنا المتأخرين المذكورين، وهو مطابق لظاهر القرآن (1). ونعم ما قال - رحمه الله -. مسألة: قال أبو الصلاح: عدة أم الولد لوفاة سيدها أربعة أشهر وعشرة أيام (2)، وهو ظاهر كلام ابن حمزة (3). وقال ابن إدريس: لا عدة عليها من (4) موت مولاها، لأنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة مقطوع بها، ولا إجماع، والأصل براءة الذمة، وهذه ليست زوجة، بل باقية على الملك والعبودية إلى حين وفاته (5). ولا بأس بقول ابن إدريس. احتج أبو الصلاح بما رواه إسحاق بن عمار في الموثق، قال: سألت أبا إبراهيم - عليه السلام - عن الأمة يموت سيدها. قال: تعتد عدة المتوفى عنها زوجها (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 138 ذيل الحديث 481.
(2) الكافي في الفقه: ص 313.
(3) الوسيلة: ص 328.
(4) في المصدر: في. (5) السرائر: ج 2 ص 735.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 155 ح 539، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 4 ج 15 ص 472..

[ 484 ]

والجواب: الحمل على ما إذا أعتقها، للروايات. مسألة: قال ابن حمزة: إن عدة الأمة إذا كانت عند سيدها ومات عنها أو زوجها من غيره ومات عنها وهي في عدة له عليها فيها رجعة كان عدتها عدة الحرائر (1). فإن قصد بذلك أم الولد فقد سبق حكمها، وأن قصد الإطلاق فهو ممنوع. مسألة: قال المفيد: وإن كانت الزوجة أمة اعتدت من زوجها إذا مات عنها بشهرين وخمسة أيام على النصف من عدة الحرة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولا بها أو لا (2) وتبعه تلميذه سلار (3)، وأبو الصلاح (4)، وهو قول ابن أبي عقيل من متقدمي علمائنا. وقال الصدوق في المقنع: وعدة الأمة إذا توفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام. وروي أن عدتها شهران وخمسة أيام (5) وأطلقها (6). وقال الشيخ في النهاية: إن كانت أم ولد لمولاها فعدتها مثل عدة الحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن كانت مملوكة ليست أم ولد فعدتها شهران وخمسة أيام (7). وقال ابن الجنيد: وعدة الأمة في وفاة زوجها شهران وخمسة أيام، وإن زوج السيد أم ولده أو مدبرته التي دخل بها رجلا فدخل بها الزوج ثم طلقها أو توفي عنها زوجها (8) فعدتها عدة الأمة إذا كان السيد باقيا، فإن مات السيد وكل واحدة في عدة من الزوج وكان لأم الولد ولد من سيدها باقيا عتقت واعتدت

(1) الوسيلة: ص 328 - 329.
(2) المقنعة ص 534 - 535 وفيه: (مدخولا بها أو لم يدخل بها).
(3) المراسم: ص 165.
(4) الكافي في الفقه: ص 33.
(5) المقنع: ص 121.
(6) في ق 2: وأطلقا. (7) النهاية ونكتها: ج 2 ص 486 - 487.
(8) ليس في م 3.

[ 485 ]

عدة الحرائر. وكذلك المدبرة لا تعتق بموت سيدها، فإن مات السيد تعتد شهرين وخمسة أيام من يوم مات زوج أم الولد والمدبرة فلا عدة عليها سوى ما اعتدت، لأن الحرية وردت عليهما وقد خرجتا من عدتهما. وإن كان لا ولد لأم الولد باقيا بعد وفاة السيد فعدتها عدة الأمة، لا ينتقل حكمها بموت سيدها من حكم الإماء إلى الحرائر. وإن مات السيد والزوج ولا يدري أيهما مات أولا فعلى أم الولد إن لم يكن لها ولد من السيد (1) باقيا عدة الإماء وإن كان لها ولد باقيا عدة الحرائر احتياطا. وقال ابن إدريس: يجب عليها بوفاة زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت أم ولد لمولاها أو لا. وقد رجع شيخنا في كتاب التبيان عما قاله في نهايته (2). وقال ابن البراج: عدة الأمة المتوفى عنها زوجها وليست أم ولد شهران وخمسة أيام، سواء كانت زوجة دوام أو متعة. ثم قال بعد ذلك: إذا كان (3) لرجل زوجة مملوكة وهي أم ولد منه ومات عنها كان عليها أن تعتد منه مثل عدة الحرة، وإن لم تكن أم ولد كانت عدتها شهرين وخمسة أيام، فإن طلقها رجعيا وكانت أم ولد لسيدها ثم مات عنها كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا كما تقدم، وإن لم تكن أم ولد كانت عدتها شهرين وخمسة أيام (4). والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: الأمة إذا توفي عنها زوجها فعدتها شهران وخمسة أيام (5).

(1) م 3: من سيدها.
(2) السرائر: ج 2 ص 735.
(3) في المصدر: كانت.
(4) المهذب: ج 2 ص 315 - 316.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 154 ح 536، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 9 ج 15 ص 473.

[ 486 ]

وفي الصحيح عن محمد بن قيس، عن الباقر عليه السلام - إلى أن قال: - وإن مات عنها زوجها فأجلها نصف أجل الحرة شهران وخمسة أيام (1). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: عدة الأمة إذا توفي عنها زوجها شهران وخمسة أيام (2). وغير ذلك من الأخبار. ولأن الرقية مناط التصنيف في مطلق العقوبة كالحد، وفي خصوصية الاعتداد كما في الطلاق فكذا هنا، عملا بالعلة. احتج المخالف بعموم قوله تعالى: (والذين يتوفون) (3). وما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن الأمة والحرة كلتيهما إذا مات عنهما زوجاهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد والأمة لا تحد (4). وعن سليمان بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: عدة المملوكة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا (5). والجواب: الآية عامة، وما ذكرناه خاص فيقدم في العمل. وعن الأحاديث بالحمل على أم الولد فإنها تساوي الحرة في العدة، لما رواه سليمان بن خالد في الصحيح، قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الأمة إذا

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 154 - 155 ح 537، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 10 ج 15 ص 473 - 474.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 154 ح 535، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 8 ج 15 ص 473.
(3) البقرة: 234.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 153 ح 529، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 472.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 153 ح 532، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 5 ج 15 ص 473.

[ 487 ]

طلقت ما عدتها؟ قال: حيضتان أو شهران، قلت: فإن توفي عنها زوجها؟ فقال: إن عليا - عليه السلام - قال في أمهات الأولاد: لا يتزوجن حتى يعتددن أربعة أشهر وعشرا وهن إماء (1). وفي الصحيح عن وهب بن عبد ربه، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل كانت له أم ولد فزوجها من رجل فأولدها غلاما، ثم إن الرجل مات فرجعت إلى سيدها أله أن يطأها؟ قال: تعتد من الزوج أربعة أشهر وعشرا ثم يطؤها بالملك بغير نكاح (2). تذنيب: قد سبق الخلاف في باب الصداق في الواجب منه لو مات أحد الزوجين قبل الدخول، ونحن نورد هنا الأخبار الصحاح الواردة في هذا المعنى. فنقول: قد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - في الرجل يموت وتحته امرأة لم يدخل بها، قال: لها نصف المهر ولها الميراث كاملا وعليها العدة كاملة (3). وفي الصحيح عن عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل تزوج امرأة ولم يدخل بها، فقال: إن هلكت أو هلك أو طلقها فلها النصف وعليها العدة كاملة ولها الميراث (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن لم يدخل بها

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 153 ح 530، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 472.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 153 ح 531، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 472.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 144 ح 499، وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 462.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 144 ح 500، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 3 ج 15 ص 72، وفيه: (وعليها العدة كملا).

[ 488 ]

وقد فرض لها مهرا نصف ما فرض لها ولها الميراث وعليها العدة (1). وهذه الأحاديث تدل على ما اختاره الصدوق في المقنع (2). واستدل الشيخ على إيجاب كمال المهر بما رواه سليمان بن خالد في القوي قال: سألته - عليه السلام - عن المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها، فقال: إن كان فرض لها مهرا فلها مهرها وعليها العدة ولها الميراث وعدتها أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن فرض لها مهرا فليس لها مهر ولها الميراث وعليها العدة (3). وعن أبي الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا توفي الرجل عن امرأته ولم يدخل بها فلها المهر كله إن كان سمى لها مهرا ومهرها من الميراث، وإن لم يكن سمى لها مرها لم يكن لها مهر وكان لها الميراث (4). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: في المتوفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها، قال: إن كان فرض لها مهرا فلها مهرها الذي فرض لها ولها الميراث وعدتها أربعة أشهر وعشرا كعدة التي دخل بها، وإن لم يكن فرض لها مهرا فلا مهر لها وعليها العدة ولها الميراث (5). وفي الصحيح عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يدخل بها، قال: لها

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 144 - 145 ح 501، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 6 ج 15 ص 72 - 73 وفيهما: (إن لم يكن قد دخل).
(2) المقنع: ص 116. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 145 ح 502، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 20 ج 15 ص 75 - 76.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 145 ح 503، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 21 ج 15 ص 76 وفيهما: (وسهمها من الميراث).
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 146 ح 505، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 22 ج 15 ص 76..

[ 489 ]

صداقها كاملا وترثه، وتعتد أربعة أشهر وعشرا كعدة المتوفى عنها زوجها (1). وأما الأخبار الدالة على حكم المهر لو ماتت المرأة: فقد روى الشيخ في الصحيح عن زرارة قال: سألته - عليه السلام - عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها، قال: أيهما مات فللمرأة نصف ما فرض لها، وإن لم يكن فرض لها فلا مهر لها (2). وفي الصحيح عن ابن أبي يعفور، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في امرأة توفيت قبل أن يدخل بها زوجها مالها من المهر وكيف ميراثها؟ قال: إذا كان قد مهرها صداقا (3) فلها نصف المهر وهو يرثها، وإن لم يكن فرض لها صداقا فهي ترثه (4) ولا صداق لها (5). وفي الصحيح عن عبيد بن زرارة والفضل أبي العباس قالا: قلنا لأبي عبد الله - عليه السلام -: ما تقول في رجل تزوج امرأة ثم مات عنها وقد فرض لها الصداق؟ قال لها نصف الصداق وترثه من كل شئ، وإن مات فهي كذلك (6). وقد روى منصور بن حازم في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: رجل تزوج امرأة وسمى لها صداقا ثم مات عنها ولم يدخل بها،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 146 ح 508، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 23 ج 15 ص 76 وفيه: (إذا كان قد فرض لها صداقا).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 146 ح 509، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 7 ج 15 ص 73. (3) في الوسائل: (إذا كان قد فرض لها صداقا).
(4) ليس في الوسائل: (فهي ترثه).
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 147 ح 510، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 8 ج 15 ص 73.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 147 ح 510، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 8 ج 15 ص 73.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 147 ح 511، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 9 ج 15 ص 73..

[ 490 ]

قال: لها المهر كاملا ولها الميراث، قلت: فإنهم رووا عنك أن لها نصف المهر قال: لا يحفظون عني، إنما ذلك للمطلقة (1). قال الشيخ - عقيب ذكر هذه الأخبار وغيرها -: على إن الذي أختاره وأفتي به هو أن أقول: إذا مات الرجل عن زوجته قبل الدخول بها كان لها المهر كله، وإن ماتت هي كان لأوليائها نصف المهر. قال: وإنما فصلت هذا التفصيل لأن جميع الأخبار التي قدمناها في وجوب جميع المهر فإنها تتضمن إذا مات الرجل، وليس في شئ منها أنه إذا ماتت هي كان لأوليائها المهر كاملا، فأنا لا أتعدى الأخبار. فأما ما عارضها من الأخبار في التسوية بين موت كل واحد منهما في وجوب نصف المهر فمحمول على الاستحباب، فإنه يستحب لها ألا تطلب أكثر من النصف. وأما الأخبار التي تتضمن أنه إذا ماتت كان لأوليائها نصف المهر فمحمولة على ظاهرها، ولست أحتاج إلى تأويلها. قال: وهذا المذهب أسلم لتأويل الأخبار (2). وهذه المسألة موضعها كتاب الصداق، وإنما ذكرناها هنا اقتداء بالشيخ. تذنيب آخر: قد ذكرنا في باب المتعة (3) اختلاف علمائنا في عدتها من الوفاة، فليطلب من هناك. مسألة: قال أبو الصلاح: المطلقة الرجعية حكم عدتها ملازمة منزل مطلقها، ولا تخرج منه إلا بإذنه، ولا يخرجها إلا أن تؤذيه، أو تأتي في منزله ما يوجب الحد فيخرجها لاقامته ويردها إليه، ولا تبيت إلا فيه، ويخرجها

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 147 - 148 ح 513، وسائل الشيعة: ب 58 من أبواب المهور ح 24 ج 15 ص 77.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 148 ذيل الحديث 513.
(3) تقدم في ص..

[ 491 ]

للأذى من غير رد (1). ولم يذكر الشيخ في النهاية، ولا المفيد في المقنعة ردها بعد إخراجها لاقامة الحد. قال ابن إدريس: لا يجب عليه ردها إليه. وقال بعض أصحابنا: يخرجها لاقامته ويردها، ولا تبيت إلا فيه، ولا يردها إذا أخرجها للأذى. قال: والأظهر ألا يردها في الموضعين، لأن ردها يحتاج إلى دليل (2). وابن حمزة (3) وابن زهرة (4) وافقا أبا الصلاح في ذلك، ولا بأس به. وقول ابن إدريس قوي، عملا بالاستثناء. مسألة: قال المفيد في المقنعة: ولا يجوز أن يخرج الرجل امرأته من منزله بعد طلاقها حتى تخرج من عدتها، قال الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فإن أتت في منزله بفاحشة تستحق عليها الحد أخرجها منه ليقام عليها حد الله عز وجل، وإن لم تأت بشئ من ذلك كان عليه إقرارها فيه حتى تقضي العدة (5). وقال الشيخ في النهاية: والفاحشة أن تفعل ما يجب فيه عليها الحد، فإذا فعلت ذلك أخرجت وأقيم عليها الحد. وقد روي أن أدنى ما يجوز له معه إخراجها أن تؤذي أهل الرجل، فإنها متى فعلت ذلك جاز له إخراجها (6). وكذا قال ابن البراج (7). وقال الشيخ في الخلاف: الفاحشة التي تحل إخراج المطلقة من بيت زوجها أن تشتم أهل الرجل وتؤذيهم وتبذو (8) عليهم (9). وهذا الذي جعله

(1) الكافي في الفقه: ص 312.
(2) السرائر: ج 2 ص 737 - 738.
(3) الوسيلة: ص 328.
(4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 554 س 20.
(5) المقنعة: ص 532 - 533. (6) النهاية ونكتها: ج 2 ص 484.
(7) المهذب: ج 2 ص 318.
(8) في المصدر وم 3: وتبدو.
(9) الخلاف: ج 5 ص 70 المسألة 23.

[ 492 ]

في النهاية رواية. وقال ابن الجنيد: ولا تخرج من منزل زوجها إلا أن تأتي بالفاحشة المبينة، وهو الزنا ونحوه. وقال أبو الصلاح: ولا يخرجها إلا أن تؤذيه أو تأتي في منزله ما يوجب الحد (1). واحتج الشيخ في الخلاف بعموم الآية واجماع الفرقة، وبأن النبي - صلى الله عليه وآله - أخرج فاطمة بنت قيس لما بذت (2) على بنت أحمائها وشتمتهم. قال: فثبت أن الآية وردت (3) في هذا (4). وما رواه إبراهيم بن هاشم، عن بعض أصحابه، عن الرضا - عليه السلام - في قول الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال: أذاها لأهل الرجل وسوء خلقها (5). وعن علي بن أسباط، عن محمد بن علي بن جعفر، قال: سأل المأمون الرضا - عليه السلام - عن قول الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قال: يعني بالفاحشة المبينة: أن تؤذي أهل زوجها، فإذا فعلت فإن شاء أخرجها من قبل أن تنقضي عدتها فعل (6). والاحتجاج بالاية ضعيف، وكذا بالروايتين، لأنهما مقطوعتان، فنحن في هذا من المتوقفين.

(1) الكافي في الفقه: ص 312.
(2) في المصدر وم 3: بدت.
(3) في المصدر: واردة.
(4) الخلاف: ج 5 ص 70 المسألة 23.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 131 - 132 ح 455، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 439. (6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 132 ح 456، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 439..

[ 493 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا نفقة للتي مات عنها زوجها من تركة الرجل، فإن كانت حاملا أنفق عليها من نصيب ولدها الذي في بطنها (1). وبه قال ابن الجنيد، والصدوق في المقنع (2)، وأبو الصلاح (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي ويقتضيه أصول مذهبنا ألا ينفق عليها من المال المعزول، لأن الانفاق حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، والأصل عدم الانفاق. وأيضا النفقة لا تجب للوالدة الموسرة، وهذه الأم لها مال فكيف تجب النفقة عليها؟ فإن كان على المسألة إجماع منعقد من أصحابنا قلنا به، وإلا بقينا على نفي الأحكام الشرعية إلا بأدلة شرعية. قال: وما اخترناه وحررناه مذهب شيخنا محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتابه التمهيد، فإنه قال: إن الولد إنما يكون له مال عند خروجه إلى الأرض حيا، فأما وهو جنين لا يعرف له موت من حياة فلا ميراث له ولا مال على الانفاق، فكيف ينفق على الحبلى من مال من لا مال له؟ لولا السهو (6) في الرواية أو الادغال (7) فيها (8). والتحقيق أن نقول: إن جعلنا النفقة للحمل فالحق ما قاله الشيخ، وإن جعلناها للحامل فالحق ما قاله المفيد. وقال ابن أبي عقيل: لا نفقة للمتوفى عنها زوجها، سواء كانت حبلى أو غير حبلى. وهو الذي صدر به الشيخ الباب في كتاب الاستبصار وادعاه

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 490.
(2) لم نعثر عليه.
(3) الكافي في الفقه: ص 313.
(4) المهذب: ج 2 ص 319.
(5) الوسيلة: ص 329.
(6) ق 2: لولا المشهور. (7) ق 2 وم 3: الاذعان.
(8) السرائر: ج 2 ص 738.

[ 494 ]

واستدل عليه (1)، وكذا في التهذيب (2). واحتج الشيخ على ذلك بما رواه أبو الصلاح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - في المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال في الحبلى المتوفى عنها زوجها: إنه لا نفقة لها (4). ثم عارض هذين الخبرين وغيرهما (5) بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله (6). ثم قال: إنه لا ينافي ما قلناه (7)، لأن قوله - عليه السلام -: (ينفق عليها من ماله) نحمله على أنه ينفق عليها من مال الولد إذا كانت حاملا، والولد وإن لم يجر له ذكر جاز لنا أن نقدره، لقيام الدليل، كما في كثير (8) من القرآن (9).

(1) الاستبصار: 200 ج 3 ص 344 ح 1228.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 150 ذيل الحديث 520.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 151 ح 521، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النفقات ح 2 ج 15 ص 234.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 151 ح 522، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النفقات ح 1 ج 15 ص 234.
(5) ق 2: وعمومها.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 151 ح 525، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النفقات ح 4 ج 15 ص 235.
(7) في المصدر: فلا ينافي ما قدمناه.
(8) في المصدر: كما يقدر في مواضع كثيرة.
(9) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 151 ذيل الحديث 525.

[ 495 ]

ثم استدل عليه بما رواه أبو الصباح الكناني، عن الصادق - عليه السلام - قال: المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها. على أن محمد بن مسلم الراوي لهذا الحديث قد روى موافقا لما قدمناه (1). روى العلاء في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن المتوفى عنها زوجها ألها نفقة؟ قال: لا، ينفق عليها من مالها (2). والوجه ما فصلناه أولا. مسألة: قوى الشيخ في المبسوط: أن النفقة في المطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا للحمل (3)، وهو ظاهر كلام ابن حمزة (4). وقال ابن زهرة: إنها للحامل (5). والوجه ما قاله الشيخ، عملا بالدوران. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (6) والمبسوط (7): المتوفى عنها زوجها إذا كانت صغيرة عليها الحداد بلا خلاف، وينبغي لوليها أن يجنبها ما يجب على الكبيرة اجتنابه من الاحداد (8). واستدل بعموم الخبر وطريقة الاحتياط. وما روي أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وآله - فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفأكحلها؟ فقال:

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 152 ح 526 وذيله.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 152 ح 527، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب النفقات ح 6 ج 15 ص 235.
(3) المبسوط: ج 5 ص 275.
(4) الوسيلة: ص 328.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): هامش ص 554.
(6) الخلاف: ج 5 ص 73 المسألة 28.
(7) المبسوط: ج 5 ص 265.
(8) م 3: الحداد..

[ 496 ]

لا، ولم يسأل هل هي كبيرة أو صغيرة، فدل على أن الحكم لا يختلف. وتبعه ابن البراج (1). وقال ابن إدريس: ولي في الصغيرة نظر، لأن لزوم الحداد حكم شرعي وتكليف سمعي، والتكاليف لا تتوجه إلا على العقلاء، وإنما ذهب شيخنا في مسائل خلافه إلى أن الصغيرة يلزمها الحداد، ولم يدل بإجماع الفرقة ولا بالأخبار، وهذه المسألة لا نص لأصحابنا عليها ولا إجماع (2). وقول ابن إدريس لا بأس به، لأن الحداد هو ترك ما يحصل به الجمال والزينة ولبس الثياب المزعفرات والملونات التي تدعو النفس إليها ويميل الطباع نحوها، وهو إنما يؤثر في البالغ دون الصبية غالبا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة لا حداد عليها (3). وقال في المبسوط: عليها الحداد (4). وابن البراج اختار الأول في كتابيه (5) معا. وهو أيضا مذهب ابن الجنيد من متقدمي علمائنا. وشيخنا المفيد (6)، وابن أبي عقيل من المتقدمين، وأبو الصلاح (7)، وسلار (8) لم يفصلوا، بل أوجبوا الحداد على المعتدة للوفاة. وقال ابن حمزة: وتلزم الحداد كل زوجة صحيحة الزوجية تعتد عن الوفاة (9). وهو يدل على وجوبه على الأمة.

(1) المهذب: ج 2 ص 331.
(2) السرائر: ج 2 ص 739.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 491.
(5) المهذب: ج 2 ص 319.
(6) المقنعة: ص 535.
(7) الكافي في الفقه: ص 313.
(8) المراسم: ص 165.
(9) الوسيلة: ص 329..

[ 497 ]

واختار ابن إدريس (1) مذهب الشيخ في المبسوط. والمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أصالة البراءة. وما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن الحرة والأمة كلتيهما إذا مات عنهما زوجهما سواء في العدة، إلا أن الحرة تحد، والأمة لا تحد (2). احتج الشيخ (3)، وابن إدريس (4) بقوله - عليه السلام -: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على الزوج أربعة أشهر وعشرا) ولم يفرق. والجواب: أن هذه الرواية لم تصل إلينا مسندة (5) إلى النبي - صلى الله عليه وآله - وإنما رواها الشيخ مرسلة لا حجة فيها. والعجب أن ابن إدريس ترك مقتضى العقل، وهو أصالة البراءة من التكليف بالحداد، وما تضمنته الرواية الصحيحة التي قدمناها. وعول على هذا الخبر المقطوع السند مع ادعائه أن خبر الواحد المتصل لا يعمل به فكيف المرسل؟ وهذا يدل على قصور قريحته وعدم تفطنه لوجوه الاستدلال. مسألة: قال الشيخان: عدة الطلاق من حين وقوعه، وعدة الوفاة من حين يبلغ المرأة الخبر (6). قال المفيد: فلو (7) طلق الغائب ثم ورد الخبر عليها وقد حاضت من يوم

(1) السرائر: ج 2 ص 745.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 153 ح 529، وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 472.
(3) الخلاف: ج 5 ص 72 المسألة 26.
(4) السرائر: ج 2 ص 745.
(5) م 3: مستندة.
(6) المبسوط: ج 5 ص 248 - 249.
(7) ق 2: لو، م 3: ولو.

[ 498 ]

طلقها إلى ذلك الوقت ثلاث حيض فقد خرجت من عدتها، ولا عدة عليها بعد ذلك، فإن كانت حاضت أقل من ثلاث حيض احتسبت به من العدة وثبت عليها تمامها، ولو مات عنها في غيبته ووصل خبر وفاته إليها بعد سنة أو أقل أو أكثر اعتدت لوفاته من يوم يبلغها الخبر بذلك ولم تحتسب بما مضى من الأيام. والفرق: أن المعتدة (من الوفاة يجب) عليها الحداد، فإذا لم تعلم بموته لم تحتد، والمطلقة لا حداد عليها، وإنما يجب أن تمتنع من الازواج، وهي وإن لم تعلم بطلاق زوجها ممتنعة من العقود عليها والأزواج (1). وبه قال سلار (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال ابن الجنيد: والتي يطلقها زوجها أو يموت وهو غائب عنها إن علمت الوقت، وإلا حين بلغها، فإن كان قد خرج وقت العدة عنها فلا عدة عليها إن كان مسيرة بين البلاد (5) من كان يمكن علمها بذلك قبل الوقت الذي علمت، وإن كانت المسافة لا يحتمل أن يعلم الحال في الوقت الذي علمت به اعتدت من يوم يبلغها عدة كاملة، وكانت كالتي يبلغها طلاق أو وفاة زوجها وهي معه في البلد. وقال أبو الصلاح: وإذا طلق الغائب أو مات فعليها أن تعتد لكل منهما من يوم بلغها الطلاق أو الوفاة، لكون العدة من عبادات النساء، وافتقار العبادة إلى نية تتعلق بابتدائها (6). لنا: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (7) دل

(1) المقنعة: ص 535 - 536 مع اختلاف.
(2) المراسم: ص 165 و 166.
(3) المهذب: ج 2 ص 319.
(4) الوسيلة: ص 327 و 328.
(5) ق 2: سيره إلى البلاد.
(6) الكافي في الفقه: ص 313.
(7) البقرة: 228..

[ 499 ]

بمفهومه على أن ابتداء التربص من حين الطلاق، لأنه وصف صالح للعلية علق عليه الحكم ظاهرا، وعقب بالفاء الدالة على السببية فتثبت العلية. وما رواه محمد بن مسلم وبريد بن معاوية، عن الباقر - عليه السلام - أنه قال في الغائب: إذا طلق امرأته أنها تعتد من اليوم الذي طلقها (1). وعن محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا طلق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها (2). وفي الحسن عن ابن أبي بصير، عن أبي الحسن الرضا - عليه السلام - قال: المتوفى عنها زوجها تعتد حين يبلغها، لأنها تريد أن تحد له (3). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إن مات عنها - يعني: زوجها - وهو غائب فقامت البينة على موته فعدتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر وعشرا، لأن عليها أن تحد عليه في الموت أربعة أشهر وعشرا، فتمسك عن الكحل والطيب والأصباغ (4). وفي الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا طلق الرجل المرأة وهو غائب فلا تعلم إلا بعد ذلك بسنة أو أكثر أو أقل فإذا علمت تزوجت ولم تعتد، والمتوفى عنها زوجها وهو غائب تعتد يوم يبلغها ولو كان قد

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 161 - 162 ح 560، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 444.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 162 ح 561، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 444، وفيهما: (إذا طلق الرجل امرأته).
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 163 ح 565، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب العدد ح 4 ج 15 ص 447.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 163 ح 566، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 450.

[ 500 ]

مات قبل ذلك بسنة أو بسنتين (1). احتج ابن الجنيد بما رواه الحسن بن زياد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المطلقة يطلقها زوجها ولا تعلم إلا بعد سنة، والمتوفى عنها زوجها فلا تعلم بموته إلا بعد سنة، قال: إن جاء شاهدان عدلان فلا تعتدان، وإلا تعتدان (2). وعن عبد الله، (عن) الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: امرأة بلغها نعي زوجها بعد سنة أو نحو ذلك، قال: فقال: إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها، فإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدتها إذا قامت لها البينة أنه مات في يوم كذا وكذا، وإن لم يكن لها بينة فلتعتد من يوم سمعت (3). وعن منصور قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول في المرأة الحرة (4) يموت زوجها أو يطلقها وهو غائب، قال: إن كان مسيرة أيام فمن يوم يموت زوجها تعتد، وإن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر، لأنها لا بد من أن تحد له (5). قال الشيخ: الخبران الأولان نادران، مخالفان للأحاديث كلها (6)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 164 ح 469، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 445 وب 28 من أبواب العدد ح 8 ج 15 ص 448، وفيهما: (تعتد من يوم يبلغها).
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 164 ح 570، وفيه: (الحسين بن زياد)، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب العدد ح 9 ج 15 ص 448. (3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 164 ح 571، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب العدد ح 10 ج 15 ص 448.
(4) ليس في التهذيب والوسائل.
(5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 165 ح 572، وسائل الشيعة: ب 28 من أبواب العدد ح 12 ج 15 ص 449.
(6) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 164 ذيل الحديث 571.

[ 501 ]

فالعمل على الأحاديث السابقة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كانت المرأة مسترابة فإنها تراعي الشهور والحيض، فإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما فقد بانت منه بالشهور، وإن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما ثم رأت الدم كان عليها أن تعتد بالاقراء، فإن تأخرت عنها الحيضة الثانية فلتصبر من يوم طلقها إلى تمام التسعة أشهر، فإن لم تر دما فلتعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر وقد بانت منه، وإن رأت الدم فيما بينها وبين التسعة أشهر ثانيا واحتبس عنها الدم الثالث فلتصبر تمام السنة، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر تمام الخمسة عشر شهرا وقد بانت منه، وأيهما مات ما بينه وبين الخمسة عشر شهرا ورثه صاحبه (1). وتبعه ابن البراج، وابن حمزة (2). قال ابن البراج: إذا كانت المرأة ممن تحيض وتطهر وتعتد بالاقراء إذا انقطع عنها الدم لعارض من مرض أو رضاع لم تعتد بالشهور، بل تتربص حتى تأتي بثلاثة أقراء وإن طالت مدتها، وإن انقطع لغير عارض ومضى لها ثلاثة أشهر بيض لم تر فيها دما فقد انقضت عدتها، وإن رأت الدم قبل ذلك ثم ارتفع حيضها لغير عذر أضافت إليها شهرين، وإن كان لعذر صبرت تمام تسعة أشهر ثم اعتدت بعدها بثلاثة أشهر، فإن ارتفع الدم الثالث صبرت تمام سنة ثم اعتدت بثلاثة أشهر بعد ذلك (3). وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنها إذا احتبس عنها الدم الثالث بعد مضي تسعة أشهر اعتدت بعدها بثلاثة أشهر تمام السنة، لأنها تستبرئ بتسعة أشهر، وهو (4) أقصى مدة الحمل فيعلم أنها ليست حاملا، ثم تعتد بعد

(1) النهاية: ج 2 ص 477 - 481. (2) الوسيلة: ص 326.
(3) المهذب: ج 2 ص 320، وفيه: (اعتدت ثلاثة أشهر).
(4) في المصدر: وهي..

[ 502 ]

ذلك عدتها وهي ثلاثة أشهر. قال: وقد رجع شيخنا عما ذكره في نهايته في الاستبصار وقال بما اخترناه (1). والشيخ - رحمه الله - استدل على ما ذكره في النهاية بما رواه عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن رجل عنده امرأة شابة وهي تحيض في كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة كيف يطلقها زوجها؟ فقال: أمر هذه شديد، هذه تطلق طلاق السنة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود ثم تترك حتى تحيض ثلاث حيض متى ما حاضتها فقد انقضت عدتها، قلت له: فإن مضت سنة ولم تحض فيها ثلاث حيض؟ فقال: تتربص بها بعد السنة ثلاثة أشهر ثم قد انقضت عدتها، قلت: فإن ماتت أو مات زوجها؟ قال: فأيهما مات ورثه صاحبه ما بينه وبين خمسة عشر شهرا (2). ثم روي عن سورة بن كليب قال: سئل أبو عبد الله - عليه السلام - عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع بشهود طلاق السنة وهي ممن تحيض فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض إلا حيضة واحدة ثم ارتفعت حيضتها حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى ولم تدر ما رفع حيضتها، قال: إن كانت شابة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلا حيضة ثم ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعها فإنها تتربص (3) من يوم طلقها، ثم تعتد بعد كل ثلاثة أشهر، ثم تتزوج إن شاءت (4). قال الشيخ: هذا الخبر ينبغي أن يكون العمل عليه، لأنها تستبرئ بتسعة أشهر، وهو أقصى مدة الحمل، فيعلم أنها ليست حاملا، ثم تعتد بعد ذلك عدتها، وهي ثلاثة أشهر. والخبر الأول نحمله على ضرب من الفضل

(1) السرائر: ج 2 ص 740.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 322 ح 1148.
(3) في المصدر: تتربص تسعة أشهر. (4) الاستبصار: ج 3 ص 323 ح 1149، مع اختلاف.

[ 503 ]

والاحتياط، بأن تعتد إلى خمسة عشر شهرا (1). ثم روي في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستة أو سبعة أشهر، والمستحاضة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي تحيض مرة وترتفع مرة، والتي لا تطمع في الولد، والتي قد ارتفع حيضها وزعمت أنها لم تيأس، والتي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم، فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر (2). وعن أبي بصير في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في المرأة يطلقها زوجها وهي تحيض كل ثلاثة أشهر حيضة، فقال: إذا انقضت ثلاثة أشهر انقضت عدتها يحسب لها كل شهر حيضة (3). قال: فالوجه في هذين الخبرين أنهما إنما تعتد بثلاثة أشهر إذا مرت بها لا ترى فيها الدم أصلا فإنها تبين، فأما إذا رأت الدم قبل انقضاء الثلاثة أشهر ولو بيوم كان عدتها بالاقراء وإن بلغ ذلك إلى خمسة عشر شهرا (4). لما رواه زرارة في الحسن، عن الباقر - عليه السلام - قال: أمران أيهما سبق بانت المطلقة المسترابة: تستريب الحيض إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت منه، وإن مرت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض. قال ابن أبي عمير: قال جميل: وتفسير ذلك: إن مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلا يوما فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر فحاضت فهذه تعتد بالحيض على هذا الوجه ولا تعتد بالشهور، وإن

(1) الاستبصار: ج 3 ص 323 ذيل الحديث 1149، وفيه: (وهي أقصى مدة الحمل).
(2) الاستبصار: ج 3 ص 323 ح 1150، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 410.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 323 ح 1151، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 410.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 324 ذيل الحديث 1151..

[ 504 ]

مرت ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت منه (1). وقد روى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن قول الله عز وجل: (إن ارتبتم) ما الريبة؟ فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة، فلتعتد ثلاثة أشهر، ولتترك الحيض، وما كان في الشهر لم تزد في الحيض على ثلاثة حيض فعدتها ثلاث حيض (2). قال الشيخ: فالوجه في هذا الخبر أنه إذا تأخر الدم عن عادتها أقل من شهر فذلك ليس لريبة الحبل، بل ربما كان لعلة، فلتعتد بالاقراء بالغا ما بلغ. فإن تأخر عنها الدم شهرا فما زاد فإنه يجوز أن يكون للحمل ولغيره، فيحصل هناك ريبة، فلتعتد ثلاثة أشهر ما لم تر فيها دما. فإن رأت قبل انقضاء الثلاثة أشهر الدم كان حكمها ما تقدم في الأخبار الأولة (3). وكأنه عني من الاعتداد بالحول أو خمسة عشر شهرا. إذا عرفت هذا فالوجه ما قاله الشيخ في الاستبصار، فإن فيه جمعا بين الأخبار. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كانت المطلقة مستحاضة وتعرف أيام حيضها فلتعتد بالاقراء، وإن لم تعرف أيام حيضها اعتبرت صفة الدم واعتدت أيضا بالاقراء، وإن اشتبه عليها دم الحيض بدم الاستحاضة ولم يكن لها سبيل إلى الفرق بينهما اعتبرت عادة نسائها في الحيض فتعتد على عادتهن في الأقراء (4). وقال ابن إدريس: هكذا ذكره شيخنا في نهايته، والأولى تقديم العادة على

(1) الاستبصار: ج 3 ص 324 ح 1154، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 5 ج 15 ص 411.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 325 ح 1157، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 7 ج 15 ص 412.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 325 - 326 ذيل الحديث 1157.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 482..

[ 505 ]

اعتبار صفة الدم، لأن العادة أقوى، فإن لم يكن لها نساء لهن عادة رجعت إلى اعتبار صفة الدم، وهذا مذهبه في جمله وعقوده. فإن لم يكن لها نساء أو كن مختلفات العادة اعتدت بثلاثة أشهر وقد بانت منه. هذا على قول من يقول: يكون حيض هذه في كل شهر ثلاثة أيام أو عشرة أيام أو سبعة (1)، ففي ثلاثة أشهر (2) تحصل لها ثلاثة أطهار. فأما على قول من يجعل عشرة أيام طهرا وعشرة أيام حيضا فتكون عدتها أربعين يوما ولحظتين (3). وكلام الشيخ سديد في موضعه لا يرد عليه ما ذكره، لأنه حكم عليها بالرجوع في العدة إلى العادة فقال: وتعرف أيام حيضها فلتعتد بالاقراء، وإنما انتقل إلى التمييز على تقدير جهلها بعادتها فقال: وإن لم تعرف أيام حيضتها اعتبرت صفة الدم، ثم انتقل عند اشتباه العادة وصفة الدم إلى عادة نسائها. فإن قصد ابن إدريس انتقالها إلى عادة نسائها عند اشتباه عادتها ووجود التمييز فهو ممنوع، وأولوية العادة إنما هو في طرفها. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى كانت المرأة لها عادة بالحيض في حال الاستقامة ثم اضطربت عليها (4) فصارت مثلا بعد أن كانت تحيض كل شهر لا تحيض إلا في شهرين أو في ثلاثة أو ما زاد عليه فلتعتد بالاقراء على ما جرت به عادتها في حال الاستقامة، وقد بانت منه (5). وقال ابن إدريس: إذا صار ذلك عادة لها فلتعتد بالاقراء التي قد صارت عادة لها، لا بالعادة الأولى، وقد بانت منه. وقول شيخنا في النهاية: (فلتعتد بالاقراء على ما جرت به عادتها في حال الاستقامة) إن أراد بذلك في الشهر والشهرين والثلاثة من غير تجاوز للثلاثة أشهر (6) ولم يصر ذلك عادة لها بل

(1) في المصدر: أو سبعة أيام.
(2) في المصدر: ففي الثلاثة الأشهر.
(3) السرائر: ج 2 ص 741.
(4) في المصدر: أيامها.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 482 - 483.
(6) في المصدر: للثلاثة الأشهر.

[ 506 ]

هي عارفة بعادتها الأولى فلتعتد بما قال من عادتها الأولى في حال استقامة اقرائها، وإن أراد أن العادة الأولى اضطربت واختلفت وصارت ناسية لأوقاتها وأيامها غير عالمة بها ثم صار حيضها في الشهرين والثلاثة عادة لها ثابتة مستمرة توالت عليها شهران متتابعان ترى الدم فيهما أياما سواء في أوقات سواء فليجعل ذلك عادة لها وتعتد بذلك لا بالعادة الأولى التي نسيتها واضطربت عليها، وأما ما زاد على الثلاثة الأشهر فصارت لا ترى الدم إلا بعد ثلاثة أشهر فإن هذه تعتد بالأشهر البيض بغير خلاف، لقولهم عليهم السلام: (أمران أيهما سبق فقد بانت به) وكان ذلك عدة لها وقد سبقت الثلاثة الأشهر البيض. قال: فهذا تحرير الحديث وفقهه (1). وقول الشيخ وتأويل ابن إدريس مشكلان. والمعتمد أنه إن صارت عادتها في الحيض في كل شهرين أو ثلاثة فإنها تعتد بالعادة المتجددة لا السابقة، وإن اضطربت عادتها تحيضت بثلاثة أقراء كيف كان ما لم تمض ثلاثة أشهر بيض فإنها تخرج حينئذ من العدة. لنا: على الأول: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (2) وهو عام في المضطربة العادة وغيرها. وعلى الثاني: قوله - عليه السلام: (أمران أيهما سبق كان الحكم له) (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن ارتابت بالحمل بعد أن طلقها أو ادعت ذلك صبر عليها تسعة أشهر ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر وقد بانت منه، فإن ادعت بعد انقضاء هذه المدة حملا لم يلتفت إلى دعواها وكانت باطلة (4). وقال ابن إدريس: الأولى عندي أنها تبين وتنقضي عدتها بعد التسعة الأشهر، ولا يحتاج إلى استئناف عدة أخرى بثلاثة أشهر، لأنه لا دليل عليه،

(1) السرائر: ج 2 ص 742.
(2) البقرة: 228.
(3) لم نعثر عليه.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 484..

[ 507 ]

لأن في ذلك المطلوب من سبق الأشهر البيض الثلاثة أو وضع الحمل، وإنما ذلك خبر واحد أورده شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا (1). والمعتمد ما قاله الشيخ - رحمه الله -. لنا: أن الأشهر التسعة مدة الاستبراء، فتجب العدة بعد ذلك. ولأن الحمل قد يلبث سنة، فوجب الصبر إلى أن يتيقن الخروج. وما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سمعت أبا إبراهيم - عليه السلام - يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادعت حملا انتظرت تسعة أشهر، فإن ولدت وإلا اعتدت ثلاثة أشهر ثم قد بانت منه (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: الأمة إذا مات عنها زوجها ثم عتقت كان عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وكذلك إن كانت الأمة يطؤها بملك اليمين وأعتقها بعد وفاته كان علها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن أعتقها في حال حياته كان عدتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر (3). ونحوه قال ابن البراج (4). وقال أبو الصلاح: عدة الأمة الموطوءة إذا أعتقت عدة الحرة (5). وقال ابن حمزة: والمدبرة إذا مات عنها سيدها وقد وطأها بملك اليمين أو أعتقها قبل وفاته فعدتها عدة الحرائر، وإن كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين (6). وقال ابن إدريس: وقد ورد حديث بما ذكره الشيخ - رحمه الله - فإن كان مجمعا عليه فالاجماع هو الحجة، وإن لم يكن مجمعا عليه فلا دلالة على ذلك،

(1) السرائر: ج 2 ص 743.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 129 ح 444، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 442 وفيهما: (انتظر بها). (3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 487 - 489.
(4) المهذب: ج 2 ص 317.
(5) الكافي في الفقه: ص 312.
(6) الوسيلة: ص 329.

[ 508 ]

والأصل براءة ذمتها (1) من العدة، لأن إحداهما غير متوفى عنها زوجها - أعني: من جعل عتقها بعد موته فلا يلزمها عدة الوفاة - والأخرى غير مطلقة - أعني: من أعتقها في حياته فلا يلزمها عدة المطلقة - ولزوم العدة حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة مقطوع بها ولا إجماع منعقد، والأصل براءة الذمة (2). والمعتمد ما قاله الشيخ - رحمه الله -. لنا: ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت له: يكون الرجل تحته السرية فيعتقها، فقال: لا يصلح لها أن تنكح حتى تنقضي عدتها ثلاثة أشهر، فإن توفي عنها مولاها فعدتها أربعة أشهر وعشرا (3). وفي رواية داود الرقي، عن الصادق - عليه السلام - في الأمة المدبرة إذا مات مولاها: أن عدتها أربعة أشهر وعشرا من يوم يموت سيدها إذا كان سيدها يطؤها، قيل له: فالرجل يعتق مملوكته قبل موته بساعة أو بيوم ثم يموت، فقال: هذه تعتد ثلاث حيض أو ثلاثة قروء من يوم أعتقها سيدها (4). وداود وإن كان ابن الغضائري قد طعن فيه (5)، إلا أن شيخنا - رحمه الله - وثقه. وقال الكشي يذكر الغلاة: إنه كان من أركانهم، ويروي عنه المناكير من الغلو، وينسب إليه أقاويلهم، ولم أسمع من أحد من مشايخ العصابة يطعن

(1) في المصدر: ذمتهما.
(2) السرائر: ج 2 ص 744.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 156 ح 540، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 474، وفيهما: (في المدبرة).
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 156 ح 542، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب العدد ح 7 ج 15 ص 475 - 476. (5) نقله عنه في مجمع الرجال: ج 2 ص 290.

[ 509 ]

فيه (1). والوجه قبول روايته، لأن قول الغلاة عليه ليس حجة. مع أن هذه لا يمكنها أن تتزوج في الحال، فلا بد لها من مدة للامتناع (2). وليست أمة حتى يلحقها حكم الاستبراء، بل هي حرة فألحقت بالحرائر، وعدتهن ما ذكرناه. وانحصار الأدلة في الاجماع والسنة المتواترة والكتاب غير واجب. وقد روى أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أعتق وليدته عند الموت، فقال: عدتها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، قال: سألته عن رجل أعتق وليدته وهو حي وقد كان يطؤها، فقال: عدتها عدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء (3). قال الشيخ: والوجه في هذا الخبر أنه إذا أعتقها عند الموت على وجه التدبير لها فإنها إذا كانت كذلك يثبت (4) عتقها عند (5) الموت ويلزمها عدة الحرة، فأما إذا أثبت عتقها في الحال كان عليها عدة المطلقة ثلاثة قروء ولو كان قبل ذلك (6) بساعة. واستدل على هذا التفصيل برواية داود الرقي (7)، وقد سلفت (8). وروى زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في الأمة إذا غشيها

(1) رجال الكشي: ص 408 تسلسل 766.
(2) ق 2: الامتناع.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 156 ح 541، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب العدد ح 6 ج 15 ص 475.
(4) في المصدر: ثبت.
(5) في المصدر: بعد.
(6) في المصدر: ولو كان ذلك قبل الموت.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 349 ذيل ح 1247.
(8) في الطبعة الحجرية: سبقت.

[ 510 ]

سيدها ثم أعتقها فإن عدتها ثلاث حيض، فإن مات عنها فأربعة أشهر وعشرا (1). مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): أقل ما تنقضي به عدة الحرة في الطلاق ستة وعشرون يوما ولحظتان. بأن يبقى الطهر بعد الطلاق لحظة ثم ترى الحيض ثلاثة أيام ثم الطهر عشرة ثم الحيض ثلاثة ثم الطهر عشرة ثم الحيض لحظة. وأقل ما تنقضي به عدة الأمة ثلاثة عشر يوما ولحظتان. وقال ابن الجنيد: أقل ما يجوز أن تنقضي به العدة ما زاد على ستة وعشرين يوما بساعة أو ما دونها، وذلك أن يكون ممن طلقها زوجها وهي طاهر فحاضت بعد طلاقه إياها، والشهادة عليه بذلك بساعة، فتلك الساعة قد جعلت لها كالطهر ثم وقع بها حيض ثلاثة أيام وطهر من بعده عشرة أيام وحيض ثلاثة أيام وطهر بعده عشرة أيام ثم حيض، فعند أول ما ترى الدم قد بانت من الزوج المطلق. وكذا قال السيد المرتضى (4). وقال ابن إدريس: والذي يجب تحصيله وتحقيقه أن يقال: أقل ما تنقضي به عدة المطلقة في ستة وعشرين يوما ولحظة في الحرة (5)، فأما الأمة المطلقة والحرة المتمتع (6) بها فثلاثة عشر يوما ولحظة (7)، وما بنا حاجة إلى اللحظتين،

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 155 ح 538، وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب العدد ح 5 ج 15 ص 475.
(2) الخلاف: ج 5 ص 56 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 5 ص 236.
(4) الانتصار: ص 149 - 150 مع اختلاف.
(5) في المصدر: الحرة المطلقة.
(6) في المصدر: المستمتع.
(7) في المصدر: ولحظة فحسب في الموضعين.

[ 511 ]

لأن اللحظة التي رأت (1) فيها الدم (2) غير داخلة في جملة العدة، فلا حاجة بنا إلى دخولها (3). قال: وإلى هذا ذهب السيد المرتضى في انتصاره (4). وقوله لا بأس به، ولا مشاحة كثيرة فيه، وإن كان لا يخلو من فائدة. مسألة: إذا طلقها في أول جزء من الشهر وهي تعتد بالأشهر أكملت الأشهر الثلاثة بالاهلة، وإن طلقت في أثناء الشهر للشيخ قولان: قال في الخلاف: سقط اعتبار الهلال في هذا الشهر واحتسبت بالعدد، فتنظر قدر ما بقي من الشهر وتعتبر بعده هلالين، ثم تتمم من الشهر الرابع ثلاثين وتلفق الساعات والانصاف، وقال أبو حنيفة: تقضي ما فاتها من الشهر. قال: فيحصل الخلاف بيننا وبينه إذا كان الشهر ناقصا ومضى عشرون يوما عندنا أنها تحتسب ما بقي وهي تسعة وتضم إليها أحد وعشرون، وعنده تقضي ما مضى وهو عشرون يوما. وقال بعض الشافعية: إذا مضى بعض الشهر سقط اعتبار الاهلة بالشهور كلها، وتحتسب جميع العدة بالعدد تسعون يوما. ثم استدل بقوله تعالى: (يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) قال: وهذا يدل على بطلان قول من اعتبر العدد في الجميع، فأما من اعتبر الهلال في الأول فقوله قوي، لظاهر الآية، ولكن اعتبرنا في الشهر الأول العدد لطريقة الاحتياط والخروج من العدة بيقين (5). وهذا يدل على تردده.

(1) في المصدر: ترى. (2) في المصدر: فيها الدم الثالث ليست من جملة العدة التي هي الأطهار بلا خلاف بيننا فإذا ثبت ذلك فاللحظة التي رأت الدم.
(3) في المصدر: إلى دخولها في جملة العدة.
(4) السرائر: ج 2 ص 746 - 747.
(5) الخلاف: ج 5 ص 59 المسألة 7.

[ 512 ]

وقال في المبسوط: إن كان قد مضى بعض الشهر سقط (1). اعتبار الهلال في هذا الشهر ويحتسب بالعدد، فينظر قدر ما بقي من الشهر، وتعتد بشهرين هلاليين ثم تتم من الشهر الرابع ثلاثين وتلفق الساعات والانصاف وقال بعضهم: تقضي ما فاتها من الشهر، وفيه خلاف. قال: والأقوى عندي أنها تقضي ما فاتها (2). ووجه قوة ما قاله الشيخ أنه لو كان الطلاق من أول الهلال كانت العدة بالاهلة، وإذا كان من بعض الشهر وجب قضاء ما فات منه. والوجه ما قاله في الخلاف، وبه قال ابن إدريس (3)، لأن اسم الشهر يقع على ما بين الهلالين، على الثلاثين بالاشتراك، ولهذا إذا غم الهلال حسب الشهر بثلاثين، فإذا أمكن اعتبار الهلال اعتبر، وإذا تعذر رجع إلى العدد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا طلقها في آخر الطهر وبقي بعد التلفظ بالطلاق جزء وقع فيه الطلاق، وهو مباح، وتعتد بالجزء الذي بقي طهرا إذا كان طهرا لم يجامعها فيه. وإن قال لها: أنت طالق ثم حاضت عقيب هذا اللفظ فهذا عند بعضهم طلاق محرم، ولا تعتد بما بعده قرء، لأنه يصادف الطلاق حالة الحيض. وقال بعضهم: يكون مباحا، لأنه وقع في حال الطهر. ويقوى في نفسي أن الطلاق يقع، لأنه وقع في حال الطهر، إلا أنها لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض، لأنه ما بقي هناك جزء تعتد به (4). وقال ابن إدريس: قوله: إلا أنها لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض). عجيب، وكيف لا تعتد بالطهر الذي يتعقب هذا الحيض؟! بل هذا الطهر الذي يأتي بعد حيضها هو أول اقرائها. وقوله - رحمه الله -: (لأنه ما بقي هناك

(1) في المصدر: فإنه يسقط.
(2) المبسوط: ج 5 ص 239. (3) السرائر: ج 2 ص 747.
(4) المبسوط: ج 5 ص 235.

[ 513 ]

جزء تعتد به) مناقضة لما قاله، لأنه قال: (لا تعتد بالطهر الذي يلي الحيض) فأي طهر بقي؟ وأي جزء من الطهر الذي طلقها فيه؟ لأنه قال: (إنه بعد التلفظ بالطلاق بل فصل حاضت) فلا يتقدر جزء من ذلك الطهر يلي حيضها، بل طهر غير ذلك، وإذا كان طهر غير ذلك فإنها تعتد به بلا خلاف (1). وقول ابن إدريس جيد، لكن الظاهر أن مقصود الشيخ - رحمه الله - نفي الاعتداد بذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق وحذف الضمير في (يلي)، وتقديره: الذي يليه الحيض. مسألة: أطلق الشيخ في الخلاف (2) والنهاية (3) أنها إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها. وقال في المبسوط: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة قد انقضت عدتها، وقال قوم: لا تنقضي حتى يمضي أقل أيام الحيض كان لها عادة مستقيمة: فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وإن كان قد تقدم رؤية دمها على ما جرت به العادة لم ينقض حتى يمضي أقل أيام الحيض. وعلى القولين هل تكون الزيادة من العدة (4)؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: أنه (5) من العدة، لأن بها تكمل العدة، والثاني: لا تكون من جملتها، لأنه تعالى أوجب ثلاثة أقراء، والفائدة (6): أنه إذا قيل: ذلك من جملة العدة

(1) السرائر: ج 2 ص 748 - 749.
(2) الخلاف: ج 5 ص 56 المسألة 3.
(3) النهاية: ج 2 ص 467 - 477.
(4) في المصدر: من العدة أم لا.
(5) في المصدر: أنها.
(6) في المصدر: أقراء فلو قلنا: إن الزيادة منها لزدنا فيه وفائدة الوجهين..

[ 514 ]

فإنه إذا أراد رجعتها صحت الرجعة، ومن قال: ليس منها لم يصح. والأول أقوى (1). وقال ابن إدريس: ونعم ما قال في مبسوطه وحرره، فإن فيه الاحتياط واليقين، لأن أخبارنا مختلفة في ذلك، فيحمل ما ورد منها بأنها تنقضي برؤية الدم من الحيضة الثالثة على من تكون لها عادة مستقيمة. وما ورد منها بأن لا تنقضي حتى يمضي أقل أيام الحيض على من رأت الدم قبل عادتها، لأن ذلك دم غير متيقن بأنه دم الحيضة الثالثة، لأنه ربما انقطع لدون ثلاثة أيام فيكون من باقي الطهر الأخير. فأما المستقيمة الحيض فتجعل المعتاد كالمتيقن. فتحريره - رحمه الله - مستقيم واضح، بخلاف ما ذهب إليه وناظر عليه في مسائل خلافه، لأنه ذهب فيها إلى أن انقضاء العدة برؤية الدم، سواء كان لها عادة أو لم تكن (2). والمعتمد أن نقول: إن علمت المرأة أن الدم دم حيض حين رؤيته خرجت من العدة، وإن اشتبه فإذا مضت أقل أيام الحيض وحكم بأنه حيض فإنا نعلم بانقضاء العدة بعد مضي ثلاثة أيام من حين رؤية الدم أيضا. والاشتباه لا يخرج الحقائق عن ذواتها، فالحيض في نفسه حيض، والعدة بابتداء وجوده تنقضي، سواء علمناه أو لا. وتظهر الفائدة فيما لو أوقعت نكاحا في ثلاثة أيام (3). فعند الشيخ وابن إدريس يلزم بطلانه، حيث جعلاها مع الاشتباه من العدة. وعندنا يقع صحيحا، وغير ذلك من الفوائد. وقد ظهر من هذا التحقيق أن الحق ما قاله الشيخ في النهاية والخلاف. وقد روى الشيخ في الحسن عن زرارة، عن الباقر عليه السلام - قال: قلت

(1) المبسوط: ج 5 ص 235 - 236.
(2) السرائر: ج 2 ص 749 - 750، وفيه: (سواء كانت لها).
(3) م 3: الأيام..

[ 515 ]

له: أصلحك الله رجل طلق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين، فقال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج، قلت له: أصلحك الله إن أهل العراق يروون عن علي - عليه السلام - أنه أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: كذبوا (1). وفي الصحيح عن زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: المطلقة ترث وتورث حتى ترى الدم الثالث، فإذا رأته فقد انقطع (2). وفي الموثق عن إسماعيل الجعفي، عن الباقر - عليه السلام - قال: قلت له: رجل طلق امرأته، قال: هو أملك برجعتها ما لم تقع في الدم من الحيضة الثالثة (3). قال الشيخ - رحمه الله -: ما تضمنت هذه الأخبار هو الذي أعمل به، وهو: أنها (4) إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة ملكت نفسها وحلت للأزواج، وجاز لها أن تعقد على نفسها، والأفضل أن تترك التزويج إلى أن تغتسل، فإن عقدت فلا تمكن من نفسها إلا بعد الغسل، وهو مذهب الحسن بن محمد بن سماعة، وعلي بن إبراهيم بن هاشم. وكان جعفر بن سماعة يقول: تبين عند رؤية الدم، غير أنه لا يحل لها أن تعقد على نفسها إلا بعد الغسل. والذي اخترناه أولى، وبه كان يفتي شيخنا - رحمه الله - وقد صرح بذلك أبو جعفر - عليه السلام - في رواية زرارة التي رواها عنه عمر بن أذينة في (5) قوله:

(1) الاستبصار: ج 3 ص 327 ح 1163، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 426. وفيهما: (أنه قال: هو أحق برجعتها).
(2) الاستبصار: ج 3 ص 327 ح 1165، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 427.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 327 ح 1164، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 427 وفيهما: (هو أحق برجعتها).
(4) في المصدر: إنه.
(5) في المصدر: من.

[ 516 ]

(وحلت للأزواج) فأما رواية موسى بن بكير، عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في (1) قوله: (وليس لها أن تتزوج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة) فمحمولة على الكراهية (2). ثم إنه - رحمه الله - روى عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق، عن الباقر - عليهما السلام - قال: قال علي - عليه السلام - إذا طلق الرجل المرأة فهو أحق بها ما لم تغتسل من (الحيضة) (3) الثالثة (4). وعن إسحاق بن عمار، عمن حدثه، عن الصادق - عليه السلام - قال: جاءت امرأة إلى عمر تسأله عن طلاقها، قال: اذهبي إلى هذا فاسأليه - يعني: علينا - عليه السلام - فقالت لعلي - عليه السلام -: إن زوجي طلقني، قال: غسلت فرجك؟ قال: فرجعت إلى عمر فقالت: أرسلتني إلى رجل يلعب! قال: فردها إليه مرتين كل ذلك ترجع فتقول يلعب، قال: فقال لها: انطلقي إليه فإنه أعلمنا، قال: فقال لها علي - عليه السلام -: غسلت فرجك؟ قالت: لا، قال: زوجك (5) أحق ببضعك ما لم تغسلي فرجك (6). قال الشيخ - رحمه الله -: إنه محمول على التقية، أو على وجه إضافة المذهب إليهم، فيكون قول الصادق - عليه السلام -: (قال علي - عليه السلام -: إن (7) هؤلاء يقولون) لا أن يكون مخبرا في الحقيقة عن مذهب أمير المؤمنين - عليه السلام -.

(1) في المصدر: من.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 328 - 329 ذيل الحديث 1168.
(3) ليس في المصدر. (4) الاستبصار: ج 3 ص 329 ح 1169، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العدد ح 12 ج 15 ص 429.
(5) في المصدر: فزوجك.
(6) الاستبصار: ج 3 ص 329 ح 1170، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب العدد ح 13 ج 15 ص 429.
(7) في المصدر: أي هؤلاء يقولون ذلك، لا أن يكون مخبرا في الحقيقة بذلك....

[ 517 ]

وقد صرح أبو جعفر - عليه السلام - في رواية زرارة وغيره بما هو تكذيب له، وقوله: إنهم كذبوا على علي - عليه السلام - (1). ثم إنه - رحمه الله - روى في الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة أقراء، وهي ثلاث حيض (2). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة أقراء، هي ثلاث حيض (3). ثم قال إنهما محمولان على التقية أيضا، لأن (4) الأقراء عندنا الأطهار، وهو جمع ما بين الحيضتين (5). لما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: القرء ما بين الحيضتين (6). ومثله في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن الباقر - عليه السلام - (7). وفي الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: الأقراء هي الأطهار (8).

(1) الاستبصار: ج 3 ص 329 - 330 ذيل الحديث 1170.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 330 ح 1171، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العدد ح 7 ج 15 ص 425.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 330 ح 1172، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العدد ذيل الحديث 7 ج 15 ص 425.
(4) في المصدر: لأنهما تضمنا تفسير الأقراء بالحيض و...
(5) الاستبصار: ج 3 ص 330 ذيل الحديث 1172. (6) الاستبصار: ج 3 ص 330 ح 1173 وليس فيه: (زرارة)، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 424.
(7) الاستبصار: ج 3 ص 330 ح 1174، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العدد ح 2 ج 15 ص 424.
(8) الاستبصار: ج 3 ص 330 ح 1175، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب العدد ح 3 ج 15 ص 424..

[ 518 ]

ثم قال: والوجه في الخبرين وأنهم عبروا (1) بذلك عن ثلاث حيض من حيث إنها لا تبين إلا عند رؤية الدم من الحيضة الثالثة، فعبروا (2) عن أول رؤية الدم بأنها حيضة أخرى مجازا وأن لم يكن من شرط ذلك استيفاء الحيضة الثالثة (3). والأخبار كثيرة. تذنيب: قال ابن الجنيد: فعند أول ما ترى الدم قد بانت من الزوج المطلق، ولكن لا تحل للأزواج إلا بعد خروجها من الحيض. وفي النهاية: فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد ملكت نفسها، ولم يكن له عليها سبيل، إلا أنه لا يجوز لها أن تتزوج إلا بعد أن تطهر من حيضها وتغتسل، فإن عقدت على نفسها قبل الغسل كان العقد ماضيا، غير أنها تكون تاركة فضلا، ولا يجوز لها أن تمكن الزوج من نفسها إلا بعد الغسل (4). والمعتمد ما اختاره الشيخ في الاستبصار من أن ذلك على سبيل الكراهة. نعم، لو اشتبه الدم أو علمت (5) أنه دم حيض وجوزت انقطاعه قبل الثلاثة فإنه لا يجوز لها العقد على نفسها حتى تمضي أقل الحيض، بحيث يحصل يقين براءة الذمة وخروجها عن عهدة العدة. وما اخترناه قول ابن أبي عقيل، فإنه قال: والأقراء عند آل الرسول - عليهم السلام - الطهر لا الحيض. ومعنى القرء: أن الدم مقرا في الرحم فيجتمع، فإذا بلغ آخر القرء دفعته، فإذا مضت لها ثلاثة أطهار فأول ما ترى الدم في (6) الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو آخر الأقراء. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإن كانت حاملا باثنين ووضعت واحدا فقد ملكت نفسها * غير أنه لا يجوز لها أن تعقد على نفسها إلا بعد وضع جميع ما

(1) في المصدر: أنه إنما عبر.
(2) في المصدر: فعبر. (3) الاستبصار: ج 3 ص 330 ذيل الحديث 1175.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 476 - 477.
(5) في الطبعة الحجرية: غلبت.
(6) ق 2: من.

[ 519 ]

في بطنها (1). وقال في الخلاف: إذا طلقها وهي حامل فولدت توأمين بينهما أقل من ستة أشهر فإن عدتها لا تنقطع (2) حتى تضع الثاني منهما. وبه قال عامة أهل العلم، وقال عكرمة: تنقضي عدتها بوضع الأول. وروى (3) أصحابنا: أنها تبين بوضع الأول، غير أنها لا تحل للأزواج حتى تضع الثاني. قال: والمعتمد الأول، لقوله (4) تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وهذه ما وضعت حملها (5). وفي المبسوط: لا تنقضي عدتها حتى تضع الثاني منهما إجماعا، إلا عكرمة فإنه قال: تنقضي بوضع الأول (6). وابن البراج (7) في كتابيه معا وافق ما اختاره الشيخ في النهاية، وكذا ابن حمزة (8). وقال ابن الجنيد: وانقضاء عدة الحبلى المطلقة وضعها حملها، وإن كان ولدان كان انقضاء العدة بوضع أحدهما. وابن إدريس (9) وافق ما اختاره الشيخ في الخلاف، وهو الأقرب، لما ذكره الشيخ في الخلاف، ولأنه أحوط. مسألة: المشهور أن عدة الحامل وضع الحمل في الطلاق. وقال الصدوق: واعلم أن أولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن، وهو أقرب الأجلين، فإذا وضعت أو سقطت يوم طلقها أو بعده متى كان (10) فقد

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 484.
(2) في المصدر: تنقضي.
(3) في المصدر: قد روى.
(4) والمعتقد الأول دليلنا.
(5) الخلاف: ج 5 ص 60 المسألة 8. (6) المبسوط: ج 5 ص 241.
(7) المهذب: ج 2 ص 286.
(8) الوسيلة: ص 325.
(9) السرائر: ج 2 ص 690.
(10) في المصدر: ما كان..

[ 520 ]

بانت منه وحلت للأزواج، فإذا مضى بها ثلاثة أشهر من قبل أن تضع فقد بانت منه، ولا تحل للأزواج حتى تضع (1). وقال السيد المرتضى: مما يظن أن الامامية مجمعة عليه، ومنفردة به القول: بأن عدة الحامل المطلقة أقرب الأجلين، بمعنى: أن المطلقة إذا كانت حاملا ووضعت قبل مضي الأقراء الثلاثة فقد بانت بذلك، وإن مضت الأقراء الثلاثة قبل أن تضع حملها بانت بذلك أيضا. وقد بينا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل الفقهية: أنه ما ذهب جميع أصحابنا إلى هذا المذهب، ولا أجمع العلماء منا عليه، وأكثر أصحابنا يفتي بخلافه، وإنما عول من خالف من أصحابنا على خبر يرويه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - وقد بينا أنه ليس حجة، ثم سلمناه وتأولناه (2). وقال ابن إدريس: وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن الحامل عدتها أقرب الأجلين، من جملتهم ابن بابويه. ومعنى ذلك: أنها إن مرت بها ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها، ولا تحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها، وإن وضعت الحمل بعد طلاقه بلا فصل بانت منه وحلت للأزواج، وتعجب منه (3). لنا: قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (4). مسألة: قال ابن إدريس: ومتى أراد الغائب أن يطلق امرأته وراعى ما قلناه فليطلقها تطليقة واحدة، ويكون هو أملك برجعتها ما لم تخرج من عدتها، إما بالاقراء إن كانت مستقيمة الحيض، أو بالشهور إن كانت مسترابة وفي سنها من تحيض، وهي ثلاثة أشهر. وقال شيخنا أبو جعفر في نهايته: ويكون هو أملك برجعتها ما لم يمض لها ثلاثة أشهر، وهي عدتها إذا كانت من ذوات

(1) المقنع: ص 116. (2) الانتصار: ص 148 مع اختلاف.
(3) السرائر: ج 2 ص 690.
(4) الطلاق: 4..

[ 521 ]

الحيض. قال: ولا أرى لقوله هذا وجها يستند إليه، ولا دليلا يعول عليه، وكيف صارت هذه على كل حال تعتد بالأشهر الثلاثة مع قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (1)؟!. وأقول: مقصود الشيخ إنما هو جعل ثلاثة الأشهر عدة لمن لا ترى الحيض، وهي من ذوات الحيض كما قرره مرارا. ومعنى قوله: (إذا كانت من ذوات الحيض) إذا كانت في سن من تحيض، ولم يرد أنها تكون ممن لها عادة في الحيض. ولقوله - رحمه الله - محمل آخر وهو: أن الغالب أن المرأة تحيض في الشهر مرة واحدة لا أزيد، فإذا كان غائبا لم يكن له الرجوع بعد ثلاثة أشهر، لأنا نعلم خروجها من العدة غالبا. مسألة: قال ابن أبي عقيل: ذوات العدد عند آل الرسول - عليهم السلام - ضربان: ضرب مختلعات، وضرب مطلقات، فأما المختلعات فلهن أجلان، فمن كان منهن من ذوات الاحمال لم يحل نكاحهن حتى يضعن حملهن، فإذا وضعن حملهن حل نكاحهن، وإن كن من غير ذوات الاحمال فأجلهن أربعة أشهر وعشرا، فإذا مضت أربعة أشهر وعشرا حل نكاحهن. والأمة إذا توفي عنها زوجها فعدتها شهران وخمس ليال، وفي الطلاق إن كانت تحيض فطهران وحيضة مستقيمة، فإذا رأت الدم في الحيضة الثانية حلت للأزواج، وإن كانت ممن لا تحيض أو ممن قد أيست من الحيض أو من المشكلة عليها أيام حيضها من أيام طهرها فعدتها خمسة وأربعون ليلة نصف عدة الحرة. وفي الحمل في الوجهين جميعا - أعني: في الوفاة والطلاق - فعدتها أن تضع حملها، فإذا وضعت حملها حل نكاحها. وهذا الكلام يشعر بأن عدة الوفاة في الحرة والأمة الحاملتين بوضع الحمل،

(1) السرائر: ج 2 ص 691.

[ 522 ]

من غير اعتبار الأشهر، والمشهور أن عدتهما أبعد الأجلين. مسألة: قال ابن الجنيد: الأغلب في من خلا بزوجته ولا مانع له عنها وقوع الوطء إن كانت ثيبا، أو الالتذاذ بما ينزل به الماء إن كانت بكرا إذا كان زمان اجتماعهما يمكن ذلك فيه، وبذلك يحكم عليه بالمهر، وعليها بالعدة إن وقع الطلاق، إلا أنه ربما عرضت أمور لا يكون معها ذلك، ولا يمكن الشهادة على إيقاعه، والانسان على نفسه بصيرة. وهذا يدل على أنه أوجب العدة بالخلوة، وقد سبق الخلاف في ذلك في باب الصداق. تذنيب: لو اختلفا في الاصابة، وقد سبق في كتاب الصداق (1) الخلاف فيه. وقال ابن الجنيد: وإذا ادعى أحدهما في الاصابة دعوى وهناك ما يحقق دعواه من شهادة أو غيرها فالحكم بما قامت به البينة والدليل، فإن لم يكن هناك بينة كان القول قول من يدعي الاصابة إذا حلف على وقوعها ولم يكن ما يوجب تكذيبه، وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال ابن الجنيد: وأقل ما يجوز أن تنقضي به العدة ما زاد على ستة وعشرين يوما وساعة أو ما دونها. ثم قال: فعند أول ما ترى الدم قد بانت من الزوج المطلق، ولكن لا تحل للأزواج إلا بعد خروجها من الحيض، وذلك ثلاثة، فتصير المدة التي تحل بعدها للأزواج تسعة وعشرين يوما، ولا تصدق من ادعت ذلك إلا بأن يشهد من أهلها من يوثق به أن عادتها قد جرت في الحيض، والطهر كذلك. وإن علمت ذلك من نفسها جاز لها أن تعقد على نفسها.

(1) في (م 3): باب الصداق..

[ 523 ]

والوجه قبول قولها مطلقا ما لم يحصل تهمة. لما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: العدة والحيض للنساء إذا ادعت صدقت (1). ثم روى الشيخ في الموثق، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أن عليا - عليه السلام - قال: في امرأة أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، قال: كلفوا نسوة من بطانتها أن حيضها كان فيما مضى على ما ادعت، فإن شهدن صدقت، وإلا فهي كاذبة (2). وحملها الشيخ على التهمة لقلته (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا طلق الرجل زوجته الحرة ثم مات عنها، فإن كان طلاقا يملك فيه الرجعة فعدتها أبعد الأجلين أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن لم يملك رجعتها كان عدتها عدة المطلقة (4). وهو المشهور. وقال ابن الجنيد: والمطلقة إذا مات زوجها قبل خروجها من عدتها اعتدت أبعد الأجلين من يوم مات إما بقية عدتها، أو أربعة أشهر وعشرا، أو وضعها حملا إن كان بها، وسواء كان ذلك يملك فيه الرجعة أو لا. واحتج بما رواه هشام بن سالم، عن الصادق - عليه السلام - في رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثم مات عنها قبل أن تنقضي عدتها، قال: تعتد أبعد الأجلين عدة المتوفى عنها زوجها (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 165 ح 575، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 441.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 166 ح 576، وسائل الشيعة: ب 47 من أبواب الحيض ح 3 ج 2 ص 596.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 167 ذيل الحديث 576.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 489.
(5) الاستبصار: ج 3 ص 343 ح 1224، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب العدد ح 1 ج 15 ص 463..

[ 524 ]

قال الشيخ عقيب هذا الخبر وغيره: هذه الأخبار عامة في إيجاب عدة المتوفى عنها زوجها على المطلقة (1)، وينبغي أن يقيد ذلك (2) بأن نقول: إنما يثبت ذلك (3) إذا كان طلاقا يملك معه رجعتها، فحينئذ يجب عليها عدة المتوفى عنها زوجها (4). لما رواه جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل طلق امرأته طلاقا يملك (5) الرجعة ثم مات عنها، قال: تعتد أبعد الأجلين أربعة أشهر وعشرا (6). وفي الاستدلال بهذه الرواية إشكال، لأنه استدلال بالمفهوم، وليس حجة عند المحققين. والوجه أن نقول: إذا كان الطلاق بائنا فقد انقطعت العصمة بينهما وصار كالاجنبي، فلا ينتقل حكم عدة الوفاة إليها، لخروجها عن الزوجية، فالمقتضي لبراءة الذمة ثابت مع سلامته عن المعارضة، لقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم) (7). مسألة: قال ابن الجنيد: عدة الأمة إذا طلقها - حرا أو عبدا - حيضتان إن كانت ممن تحيض، أو شهر ونصف إن كانت ممن لا تحيض. ولو اعتدت شهران كان عندي أحوط، فإن استرابت (8) بالحمل انتظرت ثلاثة أشهر.

(1) في المصدر: على المطلقة وثبوت الموارثة بينهما.
(2) في المصدر: أن نقيدها.
(3) في المصدر: يثبت ذلك ويجب.
(4) الاستبصار: ج 3 ص 344 ذيل الحديث 1226.
(5) في الوسائل: يملك فيه. (6) الاستبصار: ج 3 ص 344 ح 1227، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب العدد ح 5 ج 15 ص 464.
(7) البقرة: 234.
(8) م 3: استبرأت.

[ 525 ]

والوجه عندي أنها مع الريبة تنتظر تسعة أشهر كالحرة، لتساويهما في زمان الحمل. مسألة: قال أبو الصلاح البائنة تسكن حيث شاءت، ولا تبيت خارجة عن بيت سكناها (1). والأخير ممنوع، لأصالة الجواز. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2)، وتبعه ابن إدريس (3): كل موضع تجتمع على المرأة عدتان فإنهما لا تتداخلان، بل تأتي بكل واحدة منهما على الكمال. وقال الصدوق في المقنع: إذا نعي إلى امرأة زوجها فاعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها فطلقها وطلقها الآخر فإنها تعتد عدة واحدة ثلاثة (4) قروء. وقال ابن الجنيد: إذا نعي إلى المرأة زوجها أو أخبرت بطلاقه فاعتدت ثم تزوجت بعد العدة فجاء الأول وأنكر الطلاق ولم تقم به بينة فهو أحق بها من هذا الزوج الثاني، ودخل بها أو لا، فإن كان دخل بها استبرأت منه بثلاث حيض أو ثلاثة أشهر وإن كان نكاحها منفسخا، وإن مات الثاني قبل خروجها من العدة التي تعتد منه لم يكن عليها عدة الوفاة من الأول من يوم مات، فإذا انقضت استتمت ما كان ابتدأت به من العدة من الثاني، وإن كان الثاني لم يدخل بها فلا عدة عليها، وللأول أن يقربها ساعة دخوله، وإن طلقها الزوج بعد دخول الثاني فإن عدتها واحدة منهما جميعا. واحتج الشيخ - رحمه الله - في الخلاف على قوله بإجماع الفرقة، وبأنه قد

(1) الكافي في الفقه: ص 313.
(2) الخلاف: ج 5 ص 75 المسألة 31.
(3) السرائر: ج 2 ص 748.
(4) المقنع: ص 120..

[ 526 ]

ثبت وجوب العدتين عليها، وتداخلهما يحتاج إلى دليل. وروى سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة (1) كانت تحت رشيد الثقفي (2)، فطلقها البتة، فنكحت في آخر عدتها، ففرق عمر بينهما فضربها بالمخفقة ضربات وزوجها، ثم قال: أيما رجل يتزوج امرأة في عدتها فإن لم يكن دخل بها زوجها الذي تزوجها فرق بينهما وتأتي ببقية عدة الأول، فإن شاء تزوجها، وإن كان قد دخل بها فرق بينهما وتأتي ببقية عدة الأول ثم تستأنف عدة الثاني ثم لا تحل له أبدا. وعن علي - علي السلام - مثل ذلك، ولا مخالف لهما في الصحابة (3). وما رواه محمد بن مسلم قال: قلت له: المرأة الحبلى يتوفى عنها زوجها فتضع (وتتزوج) قبل أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، فقال: إن كان الذي تزوجها دخل بها فرق بينهما ولم تحل له أبدا واعتدت بما بقي من عدة الأول واستقبلت عدة أخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما وأتمت ما بقي من عدتها وهو خاطب من الخطاب (4). احتج الصدوق بما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في امرأة تزوجت قبل أن تنقضي عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا (5). وعن زرارة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - في امرأة فقد زوجها أو

(1) في المصدر: طلحة.
(2) في المصدر: النخعي.
(3) الخلاف: ج 5 ص 75 المسألة 31.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 307 ح 1277، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة. ونحوها ح 2 ج 14 ص 344.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 308 ح 1278، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها ح 11 ج 14 ص 347..

[ 527 ]

نعي إليها فتزوجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلقها، قال: تعتد منهما جميعا ثلاثة أشهر عدة واحدة، وليس للأخير أن يتزوجها أبدا (1). وفي الصحيح عن ابن بكير، وأبي العباس، عن الصادق - عليه السلام - في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا (2). وأجاب الشيخ: بالحمل على أن الثاني لم يكن دخل بها (3). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوج امرأة ثم خالعها ثم تزوجها وطلقها قبل الدخول بها لا عدة عليها (4). وقال في المبسوط: إذا خالعها ثم تزوجها ثم طلقها ثم راجعها ثم خالعها (5) قبل الدخول قال قوم: تبني (6)، وقال آخرون: تستأنف، وهو الصحيح عندنا. وقال بعضهم: لا عدة عليها هاهنا، وهو الأقوى عندنا. والأول أحوط (7). وقال ابن البراج في المهذب: فإن خالعها ثم تزوجها ثم طلقها استأنفت أيضا العدة، ولم يجز لها أن تبني على ما تقدم (8). والوجه ما قاله الشيخ في الخلاف، لقوله تعالى: (ثم طلقتموهن من قبل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 308 ح 1279، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها ح 2 ج 14 ص 341.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 308 ح 1280، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها ح 12 ج 14 ص 308 ذيل الحديث: 1280. (4) الخلاف: ج 5 ص 81 المسألة 40.
(5) عبارة: (ثم راجعها ثم خالعها) ليس في المصدر.
(6) في المصدر: تبني على العدة الأولة.
(7) المبسوط: ج 5 ص 250.
(8) المهذب: ج 2 ص 322..

[ 528 ]

أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) (1). مسألة: قال ابن الجنيد: فإن أسقطت مضغة فما زاد عليها من الخلق فقد انقضت عدتها. وهو يدل بمفهومه على عدم الانقضاء بدونها. وقال ابن حمزة: لو أسقطت علقة خرجت من العدة (2). وهو الوجه، لقوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (3). وقال الشيخ في المبسوط: ولو ألقت نطفة أو علقة يقوى في نفسي تعلق ذلك به (4). وأشار إلى انقضاء العدة وغيرها، وعندي في إلقاء النطفة نظر. مسألة: المشهور أن عدة الحامل من الطلاق وضع الحمل. وقال ابن حمزة: فالحامل عدتها أقرب الأجلين، ومعنى ذلك: أن الرجل إذا طلق امرأته حاملا ووضعت حملها عقيب الطلاق بلحظة بانت منه بوضع الأول، ولم يجز لها أن تتزوج إلا بعد وضع جميع ما في بطنها، والسقط وغير السقط وإن كان علقة في ذلك سواء. وإن مضت على ذلك ثلاثة أشهر ولم تضع الحمل بانت منه، ولم يجز لها التزويج إلا بعد وضع الحمل (5). لنا: قوله تعالى: (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (6). وقول الباقر - عليه السلام - في الصحيح: الحامل أجلها أن تضع حملها، وعليه نفقتها بالمعروف حتى تضع حملها (7). وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يطلق امرأته وهي حبلى، قال: أجلها أن تضع حملها، وعليه نفقتها حتى تضع

(1) الاحزاب: 49.
(2) الوسيلة: ص 325.
(3) الطلاق: 4. (4) المبسوط: ج 5 ص 240.
(5) الوسيلة: ص 325.
(6) الطلاق: 4.
(7) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 133 - 134 ح 463، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب النفقات ح 3 ج 15 ص 231..

[ 529 ]

حملها (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كانت المرأة لا تحيض إلا في ثلاث سنين أو أربع سنين مرة واحدة وكان ذلك لها عادة فلتعتد بثلاثة أشهر وقد بانت منه (2). وتبعه ابن إدريس، ثم قال: ليس عليها أكثر من ذلك، لما قدمناه من سبق الأشهر الثلاثة البيض (3). وهذا يشعر بأن المقتضي للاعتداد بالأشهر الثلاثة حصول ثلاثة أشهر بيض لا دم فيها، فعلى هذا لو كانت لا تحيض في السنة إلا مرة كانت عدتها بالأشهر لسبق ثلاثة أشهر بيض، وإذا وجدت العلة وجد الحكم. وقال ابن حمزة: والحائض المستقيمة الحيض إن كانت تحيض في كل ثلاث سنين مرة اعتدت بالشهور، وإن حاضت لأقل من ذلك اعتدت بالاقراء (4). والأجود الأول، لما تقدم من الأحاديث الدالة على اعتبار السابق. وقد روى الشيخ في الحسن عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن التي لا تحيض إلا في كل ثلاث سنين أو أربع سنين مرة، قال: تعتد ثلاثة أشهر (5). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن التي

(1) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 134 ح 464، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب النفقات ح 1 ج 15 ص 230.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 484.
(3) السرائر: ج 2 ص 742. (4) الوسيلة: ص 325، وفيه: والحائل المستقيمة الحيض وإن كانت (5) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 121 ح 417، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 11 ج 15 ص 413..

[ 530 ]

لا تحيض كل ثلاث سنين إلا مرة واحدة كيف تعتد؟ قال: تنتظر مثل قرئها التي كانت تحيض في حال (1) استقامتها، ولتعتد ثلاثة قروء، ولتتزوج إن شاءت (2). وهذه الأحاديث لا دلالة فيها على مطلوبه. مسألة: قد بينا أن الشيخ قال في النهاية: إنه يجوز للرجل وطء الجارية قبل استبرائها إذا اشتراها من امرأة أو من بائع ثقة وأخبر باستبرائها بعد وطئه لها، وإذا اشترى جارية وأعتقها قبل أن يستبرئها جاز له العقد عليها وحل له وطؤها، والأفضل ألا يطأها إلا بعد الاستبراء (3). وقال في الخلاف: لو اشترى أمة ممن لم يطأها - إما من امرأة أو من صبي لا يجامع مثله أو عنين أو رجل وطأها ثم استبرأها - روى أصحابنا جواز وطئها قبل الاستبراء، ورووا أنه لا يجوز ذلك إلا بعد الاستبراء، وهو الأحوط (4). وكذا قال في المبسوط (5). وقد تقدم البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا طلقت الأمة وشرعت في العدة فباعها سيدها صح البيع، ولا يحل للمشتري وطأها حتى تنقضي عدتها، فإذا انقضت لم تحل له حتى يستبرئها، ولا يدخل الاستبراء في العدة، لأنهما حقان مقصودان لآدميين (6). وتبعه ابن البراج (7). ثم قال الشيخ في المبسوط: إذا كاتب أمته زال ملكه عن استمتاعها، فإن فسخ الكتابة للعجز عادت إلى ملكه، ولا تحل له إلا بعد الاستبراء، وكذلك

(1) ليس في المصدر.
(2) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 122 ح 421، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب العدد ح 15 ج 15 ص 414.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 388 - 398.
(4) الخلاف: ج 5 ص 65 المسألة 16.
(5) المبسوط: ج 5 ص 286. (6) المبسوط: ج 5 ص 269 - 270.
(7) المهذب: ج 2 ص 333..

[ 531 ]

إذا زوج أمته ثم طلقت، وكذلك إذا ارتد السيد أو الأمة فإنها تحرم عليه، فإذا عاد المرتد إلى الاسلام لم تحل له إلا بعد الاستبراء، وقال بعضهم: تحل في هذه المواضع بلا استبراء. قال: وهو الأقوى عندي، إلا المطلقة فإنه يحتاج أن يمضي عليها مدة عدتها إن كان دخل بها الزوج، وإلا فلا عدة، ولا يلزمه استبراؤها، ومتى خرجت من العدة إن كانت مدخولا بها لا يلزمها استبراء آخر، وقال بعضهم: يلزمها. قال: والأول هو الصحيح عندنا، لأن استبراء الرحم قد حصل بهذه العدة (1). والوجه ما اختاره الشيخ هنا، لما ذكره من العلة. وابن البراج (2) اختار الأول، وليس بجيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ابتاع أمة ولم يقبضها فاستبرأت بحيضة ثم قبضها فإنه لا يعتد بذلك الاستبراء، فأما إذا القبض فإنه يعتد بذلك، لأن الموروث في حكم المقبوض، بدلالة جواز بيعه و التصرف فيه، بخلاف المبيع (3). وتبعه ابن البراج (4). والوجه الاعتداد بذلك الاستبراء، كما لو أخبر البائع الثقة به، لأن التقدير حصوله. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ابتاع جارية حاملا فإن استبراءها بوضع الحمل، فإن وضعت بعد لزوم العقد وانقضاء الخيار وقع الاستبراء به، وإن وضعت في مدة الخيار فمن قال: يملك بالبيع وانقضاء الخيار قال: لم يقع الاستبراء بالحمل، لأنها وضعته في غير ملكه. ثم قال: والذي نقوله: من أن المبتاع يملك بنفس العقد، فإنه يقع الاستبراء بوضع الحمل، لأنها وضعته في ملكه (5).

(1) المبسوط: ج 5 ص 288.
(2) المهذب: 2: 333.
(3) المبسوط: ج 5 ص 287.
(4) المهذب: ج 2 ص 335. (5) المبسوط: ج 5 ص 287..

[ 532 ]

والأخير عندي هو الحق، لما تقدم من انتقال المبيع بالعقد. وابن البراج اختار الأول (1)، وليس بجيد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط في عدة الوضع: أقل ما يمكن أن تضع فيه الحمل عند المخالف ثمانون يوما، لأنه يحتمل أن يتزوجها فتحبل، فتبقى النطفة أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة، فإن ادعت وضع الحمل في دون ذلك فإنه لا يقبل قولها، لأنه غير ممكن. قال: وليس لنا نص في هذا، فالاحتياط أن نقول كذلك، لأنها تخرج من العدة بذلك إجماعا (2). وقال ابن البراج: وإن كانت عدتها بالوضع فأقل ما يمكن أن تضع فيه ثمانون يوما، لأنه يحتمل أن يتزوجها (3) الرجل فتحبل، فتبقى النطفة أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة، فإن ادعت وضع الحمل دون ذلك لم يقبل قولها، لأنه غير ممكن. قال: وهذا وإن كان قول للمخالفين فالاحتياط يقتضي أن نقول به، لأنها تخرج من العدة بذلك إجماعا. ولأنه ليس في ذلك نص معين فنقول بما يتضمنه فيه (4). وقال ابن حمزة - ونعم ما قال -: أقل ما تنقضي به عدة الحامل أربعون يوما، لأن في هذه المدة تصير النطفة علقة (5). وهو حسن، لأنا قد بينا انقضاء العدة بوضع العلقة إذا ظن أنها مبدأ خلق آدمي. واعلم أن ابن إدريس قال في باب الجناية على الجنين: إن النطفة تمكث عشرين يوما ثم تصير علقة ثم تمكث العلقة عشرين يوما فتصير مضغة (6). فعلى هذا تنقضي العدة بعشرين يوما، وسيأتي البحث إن شاء الله تعالى.

(1) المهذب: ج 2 ص 335 - 336.
(2) المبسوط: ج 5 ص 101.
(3) في المصدر: يتزوجها فيدخل بها.
(4) المهذب: ج 2 ص 291 - 292.
(5) الوسيلة: ص 325.
(6) السرائر: ج 3 ص 416. ليس في ذلك نص معين فنقول بما يتضمنه فيه (4). وقال ابن حمزة - ونعم ما قال -: أقل ما تنقضي به عدة الحامل أربعون يوما، لأن في هذه المدة تصير النطفة علقة (5). وهو حسن، لأنا قد بينا انقضاء العدة بوضع العلقة إذا ظن أنها مبدأ خلق آدمي. واعلم أن ابن إدريس قال في باب الجناية على الجنين: إن النطفة تمكث عشرين يوما ثم تصير علقة ثم تمكث العلقة عشرين يوما فتصير مضغة (6). فعلى هذا تنقضي العدة بعشرين يوما، وسيأتي البحث إن شاء الله تعالى.

(1) المهذب: ج 2 ص 335 - 336.
(2) المبسوط: ج 5 ص 101.
(3) في المصدر: يتزوجها فيدخل بها.
(4) المهذب: ج 2 ص 291 - 292.
(5) الوسيلة: ص 325.
(6) السرائر: ج 3 ص 416..

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية