الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مختلف الشيعة - العلامة الحلي ج 6

مختلف الشيعة

العلامة الحلي ج 6


[ 1 ]

مختلف الشيعة تأليف أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) 648 - 726 ه‍ الجزء السادس تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة

[ 2 ]

مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (ج 6) * المؤلف: أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (العلامة الحلي) * الموضوع: فقه * تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي * عدد الأجزاء: 12 * الطبعة: الأولى * الكمية: 1000 نسخة * التاريخ: ربيع الثاني 1415 ه‍ - ق * مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الفصل السابع في الحوالة مسألة: المشهور بين علمائنا اعتبار رضى المحال عليه في الحوالة. وقال ابن حمزة: تصح الحوالة بشروط عشرة - إلى أن قال: - ورضى المحال عليه على الصحيح (1)، وهو يشعر بوجود قول فيه لبعض أصحابنا ينافيه، وأنه لا يعتبر رضاه. واحتج الشيخ على ما اختاره بأن الاجماع واقع على صحة الحوالة مع رضى المحال عليه، ولا دليل على صحتها من غير رضاه (2). ولأن إثبات المال في ذمة الغير مع اختلاف الغرماء في شدة الاقتضاء، وسهولته تابع لرضاه. ويمكن أن يجاب: بأن نفي الاجماع نفي دليل خاص، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام، مع أن الأصل يقتضي الصحة، لقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (3) ونمنع اعتبار رضاه كما لو باعه. ولم نقف على حديث يتضمن ما ادعاه علماؤنا في هذا الباب، مع أن

(1) الوسيلة: ص 283.
(2) الخلاف: ج 3 ص 306 ذيل المسألة 2.
(3) المائدة: 1.

[ 4 ]

الشيخ المفيد لم يذكر اعتبار رضى المحال عليه، بل عبارته تشعر بعدم اعتبار رضاه، فإنه قال: إذا كان لانسان على غيره مال فأحاله به على رجل ملي به فقبل الحوالة وأبرأه منه لم يكن له رجوع، ضمن ذلك المال المحال به عليه أو لم يضمن، فإن لم يقبل الحوالة إلا بعد ضمان المحال عليه ولم يضمن من أحيل عليه ذلك كان له مطالبة المديون، ولم تبرأ ذمته بالحوالة (1). وكذا قال الشيخ في النهاية (2). وكأنه يشير بضمان المال إلى قبول الحوالة والتزامها، وانتقال الحق منه إلى ذمته. وقال ابن إدريس: لا أرى لقول الشيخ وجها، لأنه بعد أن يقبل الحوالة فقد تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، سواء ضمن ذلك أو لم يضمن، لأن الضمان به ينتقل المال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وكذلك الحوالة بها يتحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا فائدة في الضمان بعد عقد الحوالة وانتقال المال وتحويله (3). وعلى ما حققناه نحن يظهر فائدة كلام الشيخين، وأنها لم يتفطن ابن إدريس لذلك، لتوهمه أولا إلى أن الحوالة إنما تصح مع رضى الثلاثة، فإذا تمت لم يبق للضمان فائدة، وكلام الشيخين لا يعطي هنا ذلك. مسألة: شرط الشيخ في النهاية في براءة ذمة المحيل إبراء المحتال المحيل، فإن احتال ولم يبرئ المحتال المحيل كان له الرجوع عليه أي وقت شاء (4). وبه قال ابن الجنيد، فإنه قال: ليس له الرجوع على المحيل، إلا أن يكون

(1) المقنعة: ص 814 - 815.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 39 - 40.
(3) السرائر: ج 2 ص 80.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 40.

[ 5 ]

المحتال لم يبرئ المحيل من المال وقت الحوالة وجعله كالكفيل للمحال عليه فيكون له إذا أعسر أو مات معدما الرجوع بحقه على المحيل. وهو الظاهر من كلام المفيد، فإنه قال: إذا كان لانسان على غيره مال فأحال به على رجل ملي به فقبل الحوالة وأبرأ ذمته لم يكن له رجوع (1). وبه قال ابن البراج، وابن حمزة (2). وقال أبو الصلاح: وإذا لم يبرأ الغريم إلى المحتال من مال الحوالة ورضي المحتال أو المحال عليه بذلك لم تبرأ ذمته منه، ويحتسب بما قبضه من المحال عليه، ويرجع على غريمه الأول بالباقي، وإن برأ إليه ورضي كل منهما بذلك لم يرجع عليه بشئ من مال الحوالة (3). وهو يوافق قول الشيخ، ولم يتعرض في الخلاف والمبسوط لذلك. وقال ابن إدريس: لا يشترط (4)، وهو الأقرب. لنا: إن الابراء إسقاط لما في الذمة، ولا يمكن ثبوته هنا فلا يعد شرطا. أما المقدمة الأولى فظاهرة. وأما الثانية: فلأن الاسقاط إما أن يتحقق قبل الانتقال من ذمة المحيل أو بعده، والقسمان باطلان. أما الأول: فلأنه يستلزم بطلان الحوالة، إذ لا يبقى للانتقال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وجه، لخلو ذمة المحيل حينئذ من حق ينتقل عنها. وأما الثاني: فلأن ذمة المحيل بعد الحوالة، وتحويل الحق منها إلى ذمة المحال عليه تكون خالية من الحق فلا يتحقق الاسقاط. ولأنها عقد قائم بنفسه مأخوذة من تحويل الحق من ذمة إلى أخرى، فإذا تحققت وجب أن

(1) المقنعة: ص 814 - 815.
(2) الوسيلة: ص 282.
(3) الكافي في الفقه: ص 340 وفيه: إذا لم يبرأ الغريم إلى المحال.
(4) السرائر: ج 2 ص 80.

[ 6 ]

يتحقق المعنى المشتق منه. وما رواه عقبة بن جعفر، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يحيل الرجل بمال على الصيرفي ثم يتغير حال الصيرفي أيرجع على صاحبه إذا احتال ورضي؟ قال: لا (1). وهو يدل بعمومه على صورة النزاع. احتج الشيخ بما رواه زرارة في الحسن، عن أحدهما - عليهما السلام - في الرجل يحيل الرجل بمال كان له على رجل آخر فيقول له الذي احتال: برئت من مالي عليك، فقال: إذا أبرأه فليس له أن يرجع عليه، وإن لم يبرأه فله أن يرجع على الذي أحاله (2). ولأن الحوالة نوع من البيع، ومع تعذر العوض في البيع يرجع إلى عوضه فكذا هنا. والجواب عن الأول: إن قول المحتال: (برئت من مالي عليك) هو القبول، لأن السؤال وقع في الرجل يحيل الرجل بمال فيقول الذي احتال: برئت من مالي عليك، وهو إشارة إلى قبول الحوالة، وذلك معتبر بالاجماع، ونمنع كون الحوالة بيعا، فإنها عقد مستقل بنفسه. مسألة: قال سلار: إذا كان المحتال قد أخذ بعض الحوالة لم يجز له الرجوع، وإن لم يأخذ فله الرجوع (3). ولم يعتبر باقي علمائنا ذلك، وهو الحق. لنا: الأصل لزوم العقد، وعدم اشتراط القبض، فلا يرجع عن الأصلين إلا بدليل.

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 212 ح 501، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الضمان ح 4 ج 13 ص 159.
(2) تهذيب الحكام: ج 6 ص 211 - 212 ح 496، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الضمان ح 2 ج 13 ص 158.
(3) المراسم: ص 201.

[ 7 ]

احتج بأن القبول يتم بذلك. والجواب: المنع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إنما تصح الحوالة في الأموال التي هي ذوات أمثال (1). وقال في الخلاف: لا يجوز الحوالة بما لا مثل له من الثياب والحيوان إذا ثبت في الذمة بالقرض، ويجوز إذا كان في ذمته حيوان وجب عليه بالجناية - مثل أرش الموضحة وغيرها - تصح الحوالة فيها، وكذلك يصح أن يجعلها صداقا لامرأة (2). وقال ابن الجنيد: الحوالة جائزة بسائر ما يصح السلم فيه من الامتعة مع من يجوز ذلك معه. وقال ابن حمزة: يشترط كون المحال به من ذوات الامثال (3). ولم يذكر المفيد ولا سلار ولا ابن إدريس ذلك. والمعتمد عدم الاشتراط، كما قاله ابن الجنيد. لنا: عموم إلزام المحال عليه بالحق والمال، وهو شامل لذوات الامثال وغيرها، وأصالة صحة العقد، وعدم اشتراط كونه مثليا. واحتج المانعون بأنه مجهول. والجواب: المنع من الجهالة، بل يوصف بما يوصف به السلم. قال الشيخ في الخلاف: يمنع كونه مجهولا، لأنه لا بد أن يكون معلوما - يعني الحيوان - بوصفه وسنه وجنسه، فإن لم يكن كذلك لم تصح الحوالة (4).

(1) المبسوط: ج 2 ص 312.
(2) الخلاف: ج 3 ص 310 المسألة 10 وفيه: (لا يجوز الحوالة بما لا مثل له).
(3) الوسيلة: ص 282.
(4) الخلاف: ج 3 ص 310 ذيل المسألة 10.

[ 8 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا تصح الحوالة إلا بشرطين: اتفاق الحقين في الجنس والنوع والصفة، وكون الحق مما يصح فيه أخذ البدل قبل قبضه، لأنه لا يجوز الحوالة بالمسلم فيه، لأنه لا يجوز المعاوضة عليه قبل قبضه، لأنا لو لم نراع اتفاق الحقين أدى إلى أن يلزم المحال عليه أداء الحق من غير الجنس الذي عليه ومن غير نوعه وعلى غير صفته، وذلك لا يجوز، وإنما شرطنا أن يكون الحق مما يقبل أخذ البدل فيه قبل قبضه، لأن الحوالة ضرب من المعاوضة، فلم تصح إلا حيث تصح المعاوضة (1). وكذا قال ابن البراج وابن حمزة (2). والمعتمد عدم اشتراط ذلك، عملا بالأصل. ولأنه تجوز الحوالة على من ليس عليه حق، فعلى من عليه حق مخالف أولى، وإذا رضي المحال عليه بالحوالة تسلط المحتال، عملا بالعقد، والشناعة إنما تلزم لو لم يعتبر رضاه هنا، ونحن هنا نعتبر رضاه، لأنها نوع معاوضة، بخلاف ما اتفق الحقان في الجنس. واعلم أن الشيخ قال بعد ذلك: قال قوم: الحوالة بيع، إلا أنه غير مبني على المكايسة والمغابنة وطلب الفضل والربح، وإنما هو مبني على الارفاق والقرض، فلا يجوز إلا في دينين متفقين في الجنس والصفة، ولا يجوز إذا كانا في جنسين مختلفين ولا في جنس واحد مع اختلاف الصفة، فيجب أن يكونا حالين أو مؤجلين أجلا واحدا، ولا يجوز أن يكون أحدهما حالا والآخر مؤجلا، ولا أن يكون أحدهما صحاحا والآخر مكسورا، ولا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، لأن المقصود منه الرفق دون المكايسة والمغابنة، وعلى هذا لا يجوز أن يحيل بالطعام

(1) المبسوط: ج 2 ص 313.
(2) الوسيلة: ص 282.

[ 9 ]

الذي يحل عليه من السلم، لأن بيعه لا يجوز قبل قبضه. ثم قال: ويقوى في نفسي أنها ليست ببيع بل هي عقد منفرد، ويجوز خلاف جميع ذلك، إلا زيادة أحد النقدين على صاحبه، لأنه ربا، ولا يمتنع أن نقول: إن الحوالة تجوز فيما له مثل وفيما يثبت في الذمة بعد أن يكون معلوما، فإذا كان في ذمته حيوان وجب عليه بالجناية - مثل أرش الموضحة وما أشبهها - صح فيها الحوالة (1). وهذا يوافق ما اخترناه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان له على اثنين ألف درهم وكل منهما كفيل ضامن عن صاحبه فطالب أحدهما بألف فم أحاله بها على آخر برئ المحيل وصاحبه من الألف، لأن الحوالة بمنزلة البيع المقبوض، وإذا قضى دينه برئ ضامنه، وإذا قضى ما ضمنه برئ من عليه الدين - وهو المضمون عنه - فيجب أن يبرئ صاحبه من الخمسمائة التي عليه، لأنه قضاها من خمسمائة الضمان، لأنه قضاها عن المضمون عنه، ويرجع عليه بخمسمائة الضمان بمن ضمن بإذنه، وإلا فلا، ولو كان له على رجلين ألف ولرجل عليه ألف فأحاله بها على الرجلين وقبل الحوالة كان جائزا، فإن كان كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه فأحاله عليهما لم تصح الحوالة، لأنه يستفيد بها مطالبة الإثنين كل واحد منهما بألف، وهذه زيادة في حق المطالبة بالحوالة، وذلك لا يجوز، وليس له أن يطالب كل واحد منهما بألف، وإنما يقبض الألف من أحدهما دون الآخر، وقيل: إنه يجوز له أن يطالب كل واحد منهما بألف، فإذا أخذه برئ الآخر، وهذا أقرب (2). وفي هذه المسألة موضع بحث ونظر، وذلك أن الضمان عندنا ناقل، فإذا

(1) المبسوط: ج 2 ص 316 - 317.
(2) المبسوط: ج 2 ص 317 - 318.

[ 10 ]

ضمن كل واحد منهما نصف الألف عن صاحبه فلا يخلو المضمون له إما أن يرضى بضمانهما معا أو بضمان أحدهما خاصة أو لا يرضى بشئ منهما، فإذا رضي بهما معا ولم يرض بشئ منهما لم يكن له مطالبة كل واحد منهما بأكثر من النصف. أما على تقدير عدم الرضى فظاهر. وأما على تقديره فلانتقال ما في ذمة كل واحد منهما إلى الآخر فينتفي، كما لو لم يكن ضمان، وليس له على تقدير الرضى مطالبة كل واحد منهما بالالف، لأن الضمان عندنا ناقل، وإنما يتأتى المطالبة على قول المخالفين، لأن الضمان عندهم غير ناقل. وأما إذا رضي بضمان أحدهما خاصة فإنه يطالبه بالالف خاصة، وليس له على الآخر سبيل. إذا تقرر هذا، فإذا أحاله عليهما وكان قد رضي بالضمان صحت الحوالة، وكان له مطالبة كل واحد منهما بالنصف لا غير. مسألة: قوى الشيخ في المبسوط هبة الدين إلى أجنبي (1). وتبعه ابن البراج. والوجه المنع، لأنه غير مقدور على تسليمه، ولأنه غير معين. احتج الشيخ بأنه لا ماخ منه فصخت هبته، كما صح بيعه (2). والجواب: ما بيناه من ثبوت المانع. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من حوالة المولى على مكاتبه بمال الكتابة، لأن للمكاتب أن يعجز نفسه (3). وتبعه ابن البراج.

(1) المبسوط: ج 2 ص 320.
(2) المبسوط: ج 2 ص 320.
(3) المبسوط: ج 2 ص 321.

[ 11 ]

والوجه الجواز، وقد تقدم بيانه. مسألة: قوى الشيخ في المبسوط في أول كتاب الحوالة جوازها على من ليس عليه شئ للمحيل (1). ثم قوى في موضع آخر المنع (2). والأول أقوى، عملا بالأصلين الجواز وعدم الاشتراط.

(1) المبسوط: ج 2 ص 313.
(2) المبسوط: ج 2 ص 321.

[ 12 ]

الفصل الثامن في الكفالة مسألة: منع الشيخ في النهاية (1) والمفيد (2) الكفالة الحالة، كما لا يصح ضمان مال ولا نفس إلا بأجل معلوم. وتبعهما ابن حمزة (3)، وهو الظاهر من كلام سلار (4). ولابن البراج قولان، وسوغ في المبسوط الحالة (5)، وبه قال ابن إدريس (6)، وهو المعتمد. لنا: الأصل الدال على الجواز وعدم الاشتراط. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل رجل ببدن غيره صح، إلا أنه لا يصح إلا بإذن من تكفل عنه (7). وتبعه ابن البراج، وابن حمزة (8)، وابن إدريس (9) ولم يشترط باقي علمائنا ذلك، وهو المعتمد. لنا: الأصل. ولأنه لا يشترط رضاه في كفالة المال فكذا البدن.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 38.
(2) المقنعة: ص 815.
(3) الوسيلة: ص 280.
(4) المراسم: ص 200.
(5) المبسوط: ج 2 ص 337.
(6) السرائر: ج 2 ص 77.
(7) المبسوط: ج 2 ص 337.
(8) الوسيلة: ص 281.
(9) السرائر: ج 2 ص 77.

[ 13 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: الكفالة والحوالة في معنى واحد، وليس تبرأ بها ذمة المكفول عنه كما تبرأ بالحوالة التي يتحول بها الحق من ذمة المحيل إلى المحال عليه، فإذا كفل زيد بحق لعبد الله على عمرو فليس لعبد الله مطالبة زيد بما كفل له به عن عمرو، إلا بعد إفلاس عمرو بحق زيد أو موته ولم يخلف ما يأخذ منه عبد الله حقه. وهذا القول ليس بجيد، لأن الكفالة إن كانت بالمال نقلت وكانت ضمانا، وإن كانت بالنفس لم يلزم الكفيل سوى الاحضار، فإن أفلس المكفول أو مات بطلت ولم يلزم الكفيل المال. وكان الشيخ أبا علي يختار مذهب المخالفين من أن الضمان غير ناقل، لأنه قال فيما بعد: إذا مات المكفول لم يجب على الكفيل شئ. وفيه بعض القوة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل مؤجلا صح، فإن أحضره قبل الأجل وسأله تسليمه نظر، فإن كان لا ضرر عليه فيه لزم تسلمه، وإن كان عليه ضرر لم يجب (1). وتبعه ابن البراج على ذلك. والحق إنه لا يجب تسلمه قبل الأجل، لأنه حقه في الأجل، فلا يجب أن يقبض غير حقه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل على أن يسلمه إليه في موضع فسلمه في موضع آخر فإن كان عليه مؤونة في حمله إلى موضع التسليم لم يلزمه قبوله ولا يبرأ الكفيل، وإن لم يكن عليه مؤونة فيه ولا ضرر لزمه قبوله في الأجل، كما ذكرنا في الأجل سواء (2). وتبعه ابن البراج. والحق إنه لا يجب عليه أخذه في غير الموضع المشترط، لأنه ليس حقه، كما قلنا في الأجل.

(1) المبسوط: ج 2 ص 337 - 338.
(2) المبسوط: ج 2 ص 338.

[ 14 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: كفلت ببدن فلان على أن يبرئه فلان الكفيل أو على أن يبرئه من الكفالة لا تصح الكفالة، لأنه لا يصح أن يبرئه، فهذا شرط فاسد (1). والوجه عندي صحة ذلك إذ إبراء الغير أمر سائغ مطلوب للعقلاء، فصح اشتراطه في العقود القابلة للشرط، والكفالة عقد قابل للشرط، فصح اشتراطه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل رجلان ببدن رجل فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، لأنه لا دليل عليه (2). وتابعه ابن حمزة (3)، وابن البراج (4). والأجود الابراء، لأن المكفول له لو سلم نفسه برئ الكفيل، فكذا لو سلمه أحد الكفيلين. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا تكفل، ببدن المكاتب لسيده لم تصح، لأن الدين الذي في ذمته لا تصح الكفالة به فلم تصخ ببدنه (5). وهو مبني على اختياره في أن مال الكتابة ليس بلازم، ونحن لما طعنا في هذه المقدمة ساغت عندنا الكفالة. مسألة: إذا مات المكفول برئ الكفيل على الأشهر. إذا ثبت هذا فنقول: قال أبو الصلاح: إذا ظن المكفول له أو المحتال كون الكفيل مليا وانكشف الخلاف في حال الكفالة أو الحوالة رجع على غريمه الأول، وإن كان في الحال مليا ثم أفلس فيما بعد أو كان معلوم الحال ورضي به

(1) المبسوط: ج 2 ص 338.
(2) المبسوط: ج 2 ص 339.
(3) الوسيلة: ص 281.
(4) جواهر الفقه: ص 71 - 72 المسألة 269.
(5) المبسوط: ج 2 ص 340.

[ 15 ]

لم يكن له رجوع على الأول بشئ، وصار إحضار الغريم في وقت معين أو أي وقت شاء المضمون له مدة معلومة بشرط البقاء صحيحا يلزم معه إحضاره، فإن طلبه ولم يحضره وهو حي فعليه الخروج مما ثبت عليه، وإن مات قبل ذلك فلا شئ عليه، إلا أن يشترط على نفسه أنه إن لم يأت [ به ] فعليه ما عليه، فيلزمه متى لم يحضره القيام بما يثبت عليه حيا كان أم ميتا (1). والتحقيق أن نقول: إن كانت هذه الكفالة بالمال لزمه المال، ولا يجب عليه إحضار الغريم، لانتقال الحق إلى ذمته، ولا يسقط بالموت. وإن كانت بالبدن بطلت بالموت، سواء شرط القيام بما يثبت عليه أولا، لأن هذا مقتضى الكفالة، وإن لم يشترط مع أنها تبطل بالموت فكذا إذا شرطه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أطلق موضع التسليم وجب التسليم في موضع الكفالة (2). وقال ابن حمزة: يلزمه التسليم في دار الحاكم أو في موضع لا يقدر على الامتناع (3). والوجه الأول. لنا: إنه إطلاق لموضع التسليم فتعين موضع العقد كالسلم، ولعدم أولوية بعض الامكنة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومن ضمن غيره إلى أجل وقال: إن لم آت به كان علي كذا وحضر الأجل لم يلزمه إلا إحضار الرجل، فإن قال: علي كذا إن لم أحضر فلانا ثم لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال (4)، لما رواه أبو العباس، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يكفل بنفس

(1) الكافي في الفقه: ص 339 - 340 وفيه: " وضمان إحضار ".
(2) المبسوط: ج 2 ص 238.
(3) الوسيلة: ص 281. (4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 38.

[ 16 ]

الرجل إلى أجل فإن لم يأت به فعليه كذا وكذا درهما، قال: إن جاء به إلى أجل فليس عليه مال وهو كفيل بنفسه أبدأ، إلا أن يبدأ بالدراهم، فإن بدأ بالدراهم فهو له ضامن إن لم يأت إلى الأجل الذي أجله (1). وعن أبان بن عثمان، عن أبي العباس قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل كفل لرجل بنفس رجل فقال: إن جئت به وإلا فعلي خمسمائة درهم، فقال: عليه نفسه ولا شئ عليه من الدراهم، فإن قال: علي خمسمائة درهم إن لم أدفعه إليه، فقال: يلزمه الدراهم إن لم يدفعه إليه (2). وقال ابن حمزة: إن قدم ضمان المال على الكفالة وعجز عن التسليم يلزمه المال، فإن قدم الكفالة على ضمان المال لزمه إحضاره دون المال (3). وقال ابن البراج: إن قال: إن لم احضره إلى وقت كذا فعلي كذا فقدم ذكر الوقت وأخر ذكر المال لم يجب عليه إذا حضر الأجل إلا إحضاره دون المال، وإن كان قال: علي كذا إن لم احضره في وقت كذا فقدم ذكر المال وأخر ذكر الوقت وجب عليه إذا حضره الأجل ولم يحضره المال الذي ذكره. وابن إدريس قال: الفرق أنه إن بدأ بضمان المال فقال: علي المال المعين إلى كذا إن لم أحضره ثم لم يحضره وجب عليه ما ذكره من المال، وإن بدأ بضمان النفس فقال: إن لم احضره عند حلول الأجل كان علي كذا وحضر الأجل لم يلزمه إلا إحضار الرجل دون ما ذكر من المال، لأنه بدأ بضمان النفس قبل المال فافترق الأمران (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 209 ح 488، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الضمان ح 2 ج 13 ص 157.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 210 ح 493، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الضمان ح 1 ج 13 ص 157.
(3) الوسيلة: ص 281.
(4) السرائر: ج 2 ص 75.

[ 17 ]

وعندي في هذه المسألة نظر. وقال ابن الجنيد: إذا قال الكفيل لصاحب الحق: مالك على فلان فهو علي دونه إلى يوم كذا وأنا كفيل لك بنفسه صح الضمان على الكفيل بالنفس وبالمال إن لم يؤد المطلوب إلى الطالب إلى ذلك الأجل، وسواء قال له عند الضمان إن لم يأتك به أو لم يقل له ذلك، فإن قدم الكفالة بالنفس وقال: أنا كفيل لك بنفس فلان إلى يوم كذا فإن جاء بمالك عليه - وهو ألف درهم - وإلا فأنا ضامن للألف صحت الكفالة بالنفس وبطل الضمان للمال، لأن ذلك كالقمار والمخاطرة، وهو كقول القائل: إذا طلعت الشمس غدا فمالك على فلان غريمك - وهو ألف درهم - على الذي قد أجمع على أن الضمان كذلك باطل. وقول ابن الجنيد أنسب. مسألة: المشهور إنه لا تصح الكفالة في الحدود. وقال ابن الجنيد: والكفالة عندي جائزة بنفس من عليه الحد، وليس جائزة بالحد. لنا: إن الواجب في الكفالة الحد مع تعذر الاحضار، وهو غير ممكن هنا. لا يقال: ينتقض بالقابل. لأنا نقول: إن هناك عوضا وهو الدية، بخلاف صورة النزاع. احتج بعموم الجواز، وإنه حق فجازت الكفالة عليه كالمال. والجواب: العموم قد يخص، والفرق إمكان الاستيفاء في المال دون الحد.

[ 18 ]

الفصل التاسع في الوكالة مسألة: تصح الوكالة من أهل السهمان في قبض الزكاة، قاله الشيخ في المبسوط (1). وقال ابن البراج: لا تصح الوكالة في الزكاة إلا في إخراجها. وقال ابن إدريس: قال بعض أصحابنا: يجوز من أهل السهمان التوكيل في قبضها (2). وقال ابن البراج: لا يجوز، وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا دلالة عليه، فن ادعاه فقد أثبت حكما شرعيا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، ولا دلالة، وأيضا فالذمة مرتهنة بالزكاة، ولا خلاف بين الأمة أن تسليمها إلى مستحقها يبرئ الذمة بتعين، وليس كذلك إذا سلمت إلى الوكيل، لأن الوكيل ليس هو من الثمانية أصناف بغير خلاف. ولأن الزكاة والخمس لا يستحقها واحد بعينه، ولا يملكها إلا بعد قبضه لها فتعين له ملكها، والوكيل لا يستحق إلا ما يتعين ملكه للموكل واستحق المطالبة به، وكل واحد من أهل الزكاة والخمس لا يستحق المطالبة بالمال، لأن الانسان مخير في وضعه فيه أو في غيره، فلا يجبر

(1) المبسوط: ج 2 ص 361.
(2) السرائر: ج 2 ص 82.

[ 19 ]

على تسليمه إليه. والحق الجواز. لنا: إنه عمل مباح يقبل النيابة فصحت الوكالة فيه، أما إباحته فلا شك فيها، وأما قبوله النيابة فظاهر، ولهذا وضع الشارع نصيبا للعامل، ولا خلاف أنه يجب دفع الزكاة إلى الإمام والعامل، وتبرأ ذمة الدافع وإن تلفت، لأنهما كالوكيلين لأهل السهمان. وأي استبعاد في أن يقول الفقير: وكلتك في قبض ما يدفعه المالك إلي عن زكاته، ولا يستلزم ذلك استحقاق المطالبة، بل إذا اختار المالك الدفع إلى ذلك الفقير جاز الدفع إلى وكيله. مسألة: قال الشيخ: الطهارة لا يصح التوكيل فيها، وإنما يستعين بغيره في صب الماء عليه على كراهية فيه (1). وقال ابن البراج: وأما النيابة في صب الماء على المتطهر القادر على الطهارة فعندي لا يجوز، وقد أجازه بعض أصحابنا على كراهية، والظاهر من المذهب ما ذهبنا إليه. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: الأصل الإباحة. واحتج بالنهي. والجواب: إنه محمول على الكراهية. وقوله: " الظاهر من المذهب ما ذهبنا إليه " ممنوع، بل الأظهر بين علمائنا الكراهية دون التحريم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وكل غيره في أن يطلق عنه امرأته وكان غائبا جاز طلاق الوكيل، وإن كان شاهدا لم يجز طلاق الوكيل (2). وتبعه ابن البراج، وأبو الصلاح (3).

(1) المبسوط: ج 2 ص 360. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 44.
(3) الكافي في الفقه: ص 337.

[ 20 ]

وقال ابن إدريس: يصح في الحاضر كالغائب (1) وهو الأقوى. لنا: إنه فعل يقبل النيابة فيصح دخولها فيه. أما المقدمة الأولى فظاهرة، إذ يجوز مع الغيبة. وأما بالنيابة فظاهرة، كغيرها أيضا من الأفعال. وقال ابن إدريس: لا خلاف إن خاف الشقاق وبعث الحكمين، أن الرجل إذا وكله للحكم الذي هو من أهله في الطلاق وطلق مضى طلاقه وجاز وإن كان الموكل حاضرا في البلد (2). احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يجوز الوكالة في الطلاق (3). قال الشيخ: وهذا الإطلاق محمول على أنه إذا كان حاضرا في البلد، والأخبار التي وردت بجواز التوكيل في الطلاق محمولة على الغيبة (4). والجواب: الرواية ضعيفة السند، مع قصورها عن إفادة المطلوب، لأنها تدل على المنع مطلقا، فما تدل الرواية عليه لا نقول به، وما ذهب إليه لا تدل الرواية عليه. وقوى الشيخ المنع من التوكيل في الاحتطاب والاحتشاش، وسوغ التوكيل في إحياء الموات (5). وتبعه ابن إدريس (6).

(1) السرائر: ج 2 ص 83.
(2) السرائر: ج 2 ص 84.
(3) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 39 ح 120، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الطلاق ح 4 ج 15 ص 334.
(4) تهذيب الأحكام: ج 8 ص 40 ذيل الحديث 120.
(5) المبسوط: ج 2 ص 363 وفيه: " لا يصح التوكيل في إحياء الموات ".
(6) السرائر: ج 2 ص 85.

[ 21 ]

وفي الجمع بين الحكمين نظر. مسألة: منع الشيخ (1)، وابن إدريس (2) من التوكيل في تثبيت الحد وجوازه في القذف، قالا: لأنها لا تسمع الدعوى فيها. وفيه نظر، لإمكان استتباع حقوق غير الحد كالمهر والأرش وغيرهما وفسخ النكاح. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وأما الجهاد فلا تصح النيابة فيه بحال، لأن كل من حضر الصف توجه فرض القتال إليه وكيلا كان أو موكلا، وقد روي أنه يدخله النيابة (3). والمعتمد دخول النيابة فيه، ولهذا يصح الاستئجار عليه، وهذا اختيار ابن البراج (4). مسألة: الصناع إذا قبضوا شيئا للعمل كالقصار والصباغ والحائك وغيرهم وتلف من غير تعد قال الشيخ في المبسوط (5)، وتبعه ابن إدريس (6): فيه قولان: أحدهما: أن عليهم الضمان، والآخر: لا ضمان عليهم. وكلا الوجهين رواه الأصحاب، والأصح الثاني، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وأما المرأة فإنها تتوكل لزوجها في طلاق نفسها عند الفقهاء، وفيه خلاف بين أصحابنا، والأظهر أنه لا يصح ذلك (7)، وتبعه ابن إدريس (8). والوجه عندي الجواز. لنا: إنه فعل تدخله النيابة صدر من أهله في محله فكان واقعا، عملا بالأصل.

(1) المبسوط: ج 2 ص 362.
(2) السرائر: ج 2 ص 84.
(3) المبسوط: ج 2 ص 363.
(4) المهذب: ج 2 ص 298.
(5) المبسوط: ج 2 ص 364.
(6) السرائر: ج 2 ص 86.
(7) المبسوط: ج 2 ص 365.
(8) السرائر: ج 2 ص 87.

[ 22 ]

مسألة: منع الشيخ في المبسوط جواز أن يتوكل الكافر في تزويج المسلمة (1)، وجوزه ابن إدريس (2). والأول أجود. لنا: إنه نوع سلطنة وثبوت ولاية وسبيل على المسلم فلا يصح، لقوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " (3). احتج بالأصل. والجواب: المنع من التمسك به مع قيام منافيه. مسألة: عقد السبق والرماية قال الشيخ: إنه جعالة فيكون جائزا من الطرفين (4). وقال ابن إدريس: إنه إجارة فيكون لازما من الطرفين بعد تردده واضطرابه (5). والوجه الأول. لنا: الأصل عدم اللزوم وبراءة الذمة. احتج بقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (6) وهذا عقد. والجواب: المنع من العموم، بل المراد العقود اللازمة، وفيه النزاع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرط الموكل أن تكون الوكالة عامة قام الوكيل مقام الموكل على العموم (7). وبه قال ابن إدريس (8)، وهو قول المفيد (9)، وسلار (10)، وابن البراج. وقال الشيخ في الخلاف: إذا وكله في كل قليل وكثير لم يصح، لأن فيه

(1) المبسوط: ج 2 ص 365.
(7) النهاية ونكتها: ج 2 ص 41.
(2) السرائر: ج 2 ص 86.
(8) السرائر: ج 2 ص 89.
(3) النساء: 141.
(9) المقنعة: ص 816.
(4) المبسوط: ج 2 ص 367.
(10) المراسم: ص 201.
(5) السرائر: ج 2 ص 88 وفيه: (إنه جعالة) بدل (إنه إجارة).
(6) المائدة: 1.

[ 23 ]

غررا عظيما، لأنه ربما التزمه بالعقود ما لا يمكنه الوفاء به وما يؤدي إلى ذهاب ماله، مثل أن يزوجه بأربع حرائر ثم يطلقهن قبل الدخول فيلزمه نصف مهورهن ثم يتزوج بأربع حرائر أخرى وعلى هذا أبدا، ويشتري له من الأرضين والعقارات وغيرها مما لا يحتاج إليه، وفي ذلك غرر عظيم، فما يؤدي إليه فهو باطل. وأيضا فإنه لا دليل على صحة هذه الوكالة في الشرع (1). والمعتمد الأول. لنا: إن كل فعل من الأفعال التي تدخله النيابة يصح التوكيل فيه بالنصوصية والاندراج تحت أشخاص معينة، فجاز أن يندرج تحت العموم، لتناوله الجزئيات بالسواء. وما ذكره الشيخ فالجواب عنه أن تصرف الوكيل منوط بالمصلحة وكل فعل يفعله ويكون فيه مصلحة الموكل كان صحيحا، وما لا فلا. مسألة: المشهور بين علمائنا أنه يجوز للحاضر أن يوكل في الخصومة، ولا يلزمه الحضور، سواء رضي خصمه بذلك أو لا. وقال ابن الجنيد: ولا أختار جوازها للحاضر فيما فيه بينة منازعة بينه وبين غيره، فإن رضي الخصم بمخاصمة وكيل خصمه وهو حاضر جاز إذا ألزم الموكل نفسه ما لم يلزمه وكيله، ولم يكن له أن يخرج منه خصومة، ولا أن يدعي غير ما ادعاه له وكيله. لنا: الأصل الجواز. ولأنه فعل يقبل النيابة في الغيبة فيقبلها مع الحضور. مسألة: نقل ابن إدريس عن شيخنا في النهاية أنه: لا يجوز أن يتوكل المسلم للذمي على المسلم (2).

(1) الخلاف: ج 3 ص 350 المسألة 14.
(2) السرائر: ج 2 ص 90.

[ 24 ]

والشيخ - رحمه الله - قال في النهاية: وللمسلم أن يتوكل المسلم على أهل الاسلام وأهل الذمة، ولأهل الذمة على أهل الذمة خاصة (1). وليس ذلك صريحا في المنع على أنه قال في الخلاف: يكره أن يتوكل مسلم لكافر على المسلم، ولم ينكره ذلك أحد من الفقهاء، دليلنا: إجماع الفرقة، ولأنه لا دليل على جوازه (2). وهذا يدل على المنع. وقال في المبسوط: يكره أن يتوكل المسلم الكافر على المسلم، وليس بمفسد للوكالة (3). والشيخ المفيد صرح فقال: وللمسلم أن يتوكل للمسلمين على أهل الاسلام، وأهل الذمة على أهل الذمة خاصة (4). ومنع أبو الصلاح من ذلك (5). وقال سلار: الوكلاء على ضربين: مسلم وذمي، فالمسلم يتوكل للمسلم على المسلم وعلى الذمي، وللذمي على الذمي (6). وهو يشعر بالمنع أيضا. والأقرب الجواز على كراهية، وبه قال ابن إدريس (7). لنا: الأصل الدال على الجواز السالم عن معارضة إثبات السبيل للكافر على المسلم فيثبت الجواز. مسألة: المشهور أنه لا يشترط في الوكيل الاسلام إلا على الخصم المسلم.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 41.
(2) الخلاف: ج 3 ص 350 المسألة 15.
(3) المبسوط: ج 2 ص 392.
(4) المقنعة: ص 817. (5) الكافي في الفقه: ص 338.
(6) المراسم: ص 201. (1) السرائر: ج 2 ص 90.

[ 25 ]

وقال أبو الصلاح: لا يجوز للمسلم أن يوكل إلا للمسلم العاقل، الامين الجازم، البصير بلحن الحجة، العالم بمواقع الحكم، العارف باللغة التي يحاور بها (1). والظاهر أن مراده ما قلناه من المنع على المسلم، ولهذا قال: ويجوز أن يوكل المسلم والكافر على الكافر (2). وقال ابن الجنيد: ولا نختار توكيل غير ذي الدين من البالغين، ولا يستحب وكالة. المسلم لمن يوجب الدين البراءة منه ولا توكيله. لنا: الأصل الجواز. احتج بقوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا " (3) إذ الكافر ظالم، والوكالة ركون. والجواب: النهي راجع إلى الأمور الدينية، إذ لا خلاف في جواز إيداعهم وقبول قولهم في بيع المرابحة. مسألة: المشهور استحباب الصفات التي ذكرها أبو الصلاح من العفة والبصارة والمعرفة باللغة وغيرها، وقول أبي الصلاح يشعر بالوجوب. وكذا قال ابن البراج: لا يجوز للمسلم أن يوكل على المسلم، إلا المسلم الثقة العاقل الامين، البصير بالمناظرة، المطلع بالاحتجاج، العالم بمواقع الحكم، العارف باللغة التي يحاور بها. وله قول آخر بالكراهة. لنا: الأصل الجواز. مسألة: اختلف علماؤنا في انعزال الوكيل بعزل الموكل له.

(1) الكافي في الفقه: ص 337.
(2) الكافي في الفقه: ص 338.
(3) هود: 113.

[ 26 ]

فقال ابن الجنيد: لا يصح عزل الموكل لوكيله إلا أن يعلمه بالعزل، وله ما لم يعلمه بالعزل أن يعمل الموكل فيه، ويلزم الموكل فعله وإن كان قد عزله ولم يعلم. وكذلك الرواية عن أمير المؤمنين - عليه السلام - وأبي عبد الله - عليه السلام -. وقال الشيخ في النهاية: ومن وكل وكيلا وأشهد على وكالته ثم أراد عزله فليشهد على عزله علانية بمحضر من الوكيل أو يعلمه بذلك كما أشهد على وكالته، وإذا أعلمه عزله أو أشهد على عزله إذا لم يمكنه إعلامه بعد العزل فقد انعزل الوكيل عن وكالته، وكل أمر ينفذه بعد ذلك يكون باطلا لا يلزم الموكل منه قليلا ولا كثيرا، وإن عزله ولم يشهد على عزله أو لم يعلمه ذلك مع إمكان ذلك لم ينعزل الوكيل، وكل أمر ينفذه بعد ذلك كان ماضيا على موكله إلى أن يعلم بعزله (1). وبهذا القول قال أبو الصلاح (2)، وابن البراج، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4). وقال الشيخ في الخلاف: إذا عزل الموكل وكيله عن الوكالة في غيبة من الوكيل، لأصحابنا فيه روايتان: إحداهما: إنه ينعزل في الحال وإن لم يعلم الوكيل، وكل تصرف يتصرف فيه الوكيل بعد ذلك يكون باطلا، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني: إنه لا ينعزل حتى يعلم الوكيل ذلك، وكل ما يتصرف فيه يكون واقعا موقعه إلى أن يعلم، وهو قول الشافعي الآخر، وبه قال أبو حنيفة. دليلنا على ذلك: أخبار الطائفة، وهي مختلفة، وقد ذكرناها في الكتابين، ومن راعى العلم استدل على ذلك بأن قال: إن النهي لا يتعلق به حكم في حق (1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 42.
(2) الكافي في الفقه: ص 338.
(3) الوسيلة: ص 283.
(4) السرائر: ج 2 ص 93.

[ 27 ]

المنهي إلا بعد حصول علمه به، وهكذا أبواب نواهي الشرع كلها، ولهذا لما بلغ أهل قبا أن القبلة قد حولت إلى الكعبة وهم في الصلاة داروا وبنوا على صلاتهم ولم يؤمروا بالاعادة، وكذلك نهي الموكل وكيله عن التصرف ينبغي أن لا يتعلق به حكم في حق الوكيل إلا بعد العلم. ثم قال: وهذا القول أقوى من الأول، وقد رجحناه في الكتابين (1). وأصح ما بلغنا في هذا الباب ما رواه هشام بن سالم، عن الصادق - عليه السلام - عن رجل وكل آخر في إمضاء أمر من الأمور وأشهد له بذلك شاهدين فقام الوكيل فخرج لامضاء الأمر فقال: اشهدوا إني قد عزلت فلانا عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل قد أمضى الأمر الذي وكل عليه قبل أن يعزله عن الوكالة فإن الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل، كره الموكل أم رضي، قلت: فإن الوكيل قد أمضى الأمر قبل أن يعلم العزل أو يبلغه أنه قد عزله عن الوكالة فالامر واقع ماض على ما أمضاه؟ قال: نعم، قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ثم ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشئ؟ قال: نعم إن الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض أبدا، إذ الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بنفسه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة (2). وقد روى جابر بن يزيد ومعاوية بن وهب، عن الصادق عليه السلام - في خبر ضعيف السند - قال: من وكل رجلا على إمضاء أمر من الأمور فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها (3).

(1) الخلاف: ج 3 ص 342 - 343 المسألة 3. (2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 213 ح 503، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 286.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 213 ح 502، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 285.

[ 28 ]

وكذا في حديث أبي هلال الرازي، عن الصادق - عليه السلام - (1). وفي حديث العلا بن سيابة، عن الصادق - عليه السلام - إن عليا - عليه السلام - قضى بمثل ذلك (2). ولم نظفر بالرواية الأخرى التي نقلها الشيخ في الخلاف، ولم يتوسط بين الروايات في التهذيب، وبأن الوكالة لم يذكرها في الاستبصار البتة. فإذا الظاهر عدم عزل الوكيل إلا أن يعلم العزل، لهذه الروايات. ولأنه لو انعزل قبل علمه كان فيه ضرر، لأنه قد يتصرف تصرفات تقع باطلة، وربما باع الجارية فيطؤها المشتري، والطعام فيأكله وغير ذلك فيتصرف فيه المشتري ويجب ضمانه ويتصرف المشتري والوكيل. والقول الآخر ليس بردئ، لأن الوكالة من العقود الجائزة، فللموكل الفسخ وإن لم يعلم الوكيل، وإلا كانت لازمة حينئذ، هذا خلف. ولأن العزل رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق والعتق. وقول الشيخ في النهاية لا بأس به، لأنه توسط بين الأقوال. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وكله في تزويج امرأة بعينها فزوجه غيرها لم يثبت النكاح ولزم الوكيل مهرها، لأنه غرها، وإن عقد له على المرأة التي أمر بالعقد عليها ثم أنكر الموكل أن يكون أمره بذلك ولم يقم للوكيل بينة بوكالته لزم الوكيل أيضا مهر المرأة ولم يلزم الموكل شئ، وجاز للمرأة أن تتزوج بعد ذلك، غير أنه لا يحل للموكل فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يطلقها، لأن العقد قد

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 214 ح 505، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 288.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 214 - 215 506، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الوكالة ح 2 ج 13 ص 286 - 287.

[ 29 ]

ثبت عليه (1). وبه قال ابن البراج. وقال في المبسوط: ثبت نصف المهر (2). وبه قال ابن إدريس (3)، ثم قوى بعد ذلك ما قاله الشيخ في النهاية. احتج الشيخ على الأول: بأن المهر ثبت بالعقد، ولا ينتصف إلا بالطلاق، ولم يحصل فيجب الجميع. وعلى الثاني: بما رواه عمر بن حنظلة، عن الصادق - عليه السلام - في رجل قال لآخر: اخطب لي فلانة فما فعلت من شئ مما قاولت من صداق أو ضمنت من شئ أو شرطت فذلك رضى لي وهو لازم لي ولم يشهد على ذلك فذهب فخطب له وبذل عنه الصداق وغير ذلك مما طالبوه وسألوه فلما رجع إليه أنكر ذلك كله، قال: يلزم لها نصف الصداق، وذلك أنه هو الذي ضيع حقها، فلما إن لم يشهد لها عليه بذلك الذي قال له، حل لها أن تتزوج، ولا تحل للأول فيما بينه وبين الله تعالى إلا أن يطلقها، لأن الله تعالى يقول: " فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فإن لم يفعل فإنه مأثوم فيما بينه وبين الله تعالى، وكان الحكم الظاهر حكم الاسلام قد أباح الله تعالى لها أن تتزوج (4). ولأنه فسخ قبل الدخول فيجب معه نصف المهر كالطلاق. وقال بعض علمائنا: إذا أنكر الموكل الوكالة كان القول قوله مع اليمين، فإذا حلف بطل العقد ظاهرا ولا مهر، ثم الوكيل إن كان صادقا وجب على

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 43 - 44.
(2) المبسوط: ج 2 ص 386.
(3) السرائر: ج 2 ص 93.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 213 - 214 ح 504، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الوكالة ح 1 ج 13 ص 288 - 289.

[ 30 ]

الموكل طلاقها ونصف المهر. وفيه قوة. مسألة: إذا كانت البكر بالغة رشيدة لم يكن للأب قبض مهرها إلا بإذنها، وبه قال ابن إدريس (1). وقال الشيخ في الخلاف: يجوز له ذلك ما لم تنهه (2). لنا: إنه قد زالت الولاية عنها ببلوغها ورشدها، فليس لأحد قبض حقها إلا بإذنها كغير البكر وكالبالغ. احتج الشيخ بإجماع الفرقة على أن له أن يعفو عن المهر، ومن له العفو، له المطالبة والقبض (3). والجواب: المنع من الصغرى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا كان لرجل على غيره دين فجاء آخر فادعى أنه وكيله في المطالبة وأنكر ذلك الذي عليه الدين فإن كان مع الوكيل بينة حكم له بها، وإن لم يكن معه بينة فطالب من عليه الدين باليمين لا يجب عليه، فإن ادعى علمه بذلك لم يلزمه أيضا اليمين، ولو صدقه من عليه الدين في توكيله لم يجبر على التسليم إليه (4). وقال ابن إدريس: إن ادعى علمه لزمه اليمين، فإن نكل ردت على المدعي، فإن حلف ثبتت وكالته، لأن عندنا اليمين مع النكول بمنزلة البينة، وإذا صدقه من عليه الدين في دعواه الوكالة يجبره الحاكم على التسليم إليه، لأنه صار وكيلا عليه بتصديقه إياه فيما عليه، لأن إقرار العقلاء جائز على نفوسهم (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 97.
(2) الخلاف: ج 4 ص 387 المسألة 29.
(3) الخلاف: ج 4 ص 387 ذيل، المسألة 29.
(4) الخلاف: ج 3 ص 349 المسألة 12.
(5) السرائر: ج 2 ص 98.

[ 31 ]

وقال في المبسوط: إذا كان لرجل على غيره مال في ذمته من قرض أو غيره أو كان في يده مال وديعة أو غصب أو غير ذلك فجاءه رجل فقال [ له ]: أنا وكيل الغائب في قبض ماله فالقول قول من عليه الحق بغير يمين، فإن ادعى علمه لم يحلف ويتخير في التسليم وعدمه (1). والوجه عندي أن الدعوى إن كانت دينا واعترف الغريم بالوكالة الزم بالدفع إلى الوكيل، وإن أنكر حلف مع عدم البينة على نفي العلم، فإن نكل حلف الوكيل وطالب، وإن كانت عينا كان الحق ما قاله الشيخ، لأن تصادق الوكيل والغريم في الوكالة لا ينفذ في حق الغير، فلا يؤمر بالتسليم إليه. مسألة: قال الشيخ: جميع من يبيع مال غيره ستة أنفس: الأب والجد ووصيهما والحاكم وأمينه والوكيل، لا يصح لاحدهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه إلا لإثنين، الأب والجد، ولا يصح لغيرهما (2). وتبعه ابن إدريس (3). وكذا منع ابن الجنيد من بيع الوكيل من نفسه أو شرائه أو على عبده. واستدل الشيخ بإجماع الفرقة وأخبارهم على أنه يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه ويبيح وطأها بعد ذلك (4). ثم اعترض بأن البيع من صحة انعقاده التفرق بالأبدان، ولا يتصور ذلك بين الانسان ونفسه. وأجاب بوجهين: أحدهما: أن البيع يلزم من حين التفرق وهو أن يقول بعد العقد: أجزت هذا البيع أو أمضيته، والثاني: أن يقوم من موضعه حتى يلزم العقد ويمضي فيكون ذلك بمنزلة افتراق المتبايعين (5).

(1) المبسوط: ج 2 ص 386 - 387.
(2) الخلاف: ج 3 ص 346 المسألة 9.
(3) السرائر: ج 2 ص 97 - 98.
(4) الخلاف: ج 3 ص 347 ذيل المسألة 9. (5) الخلاف: ج 3 ص 347 ذيل المسألة 9.

[ 32 ]

والوجه عندي أنه لا فرق بين الأب والجد وغيرهما في ذلك، وقد تقدم البحث فيه. ثم قوله: " إنه يلزم بقيامه من موضعه " ليس بجيد، لأن المتبايعين لو قاما من موضعهما مصطحبين لم يبطل خيارهما، بل الوجه الأول أحق. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا اختلف الخياط وصاحب الثوب فقا صاحب الثوب: أذنت لك في قطعه قميصا وقال الخياط: أذنت لي في قطعه قباء فالقول قول الخياط، لأن صاحب الثوب مدع بذلك أرش القطع على الخياط وعليه البينة، لأن الأصل براءة الذمة، فعلى الخياط اليمين. والمعتمد عندي أن القول قول المالك، لأن الأصل عدم الإذن وعدم عمومه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: للوكيل أن يفسخ الوكالة ويعزل نفسه، سواء حضر الموكل أو غاب، وإذا فسخها لم يكن له بعد ذلك أن يتصرف فيما وكل فيه (3). والوجه عندي أنه يجوز للوكيل التصرف بالإذن السابق ما لم يمنعه الموكل. مسألة: المشهور إن إطلاق الوكالة يقتضي تعميم الوكالة في جميع الأشياء، إلا ما يوجب الاقرار. والظاهر أن المراد من الإطلاق هنا التعميم، لا مفهوم المطلق من حيث هو مطلق. إذا عرفت هذا فإن الشيخ قال: من وكل غيره في الخصومة عنه والمطالبة والمحاكمة والبيع والشراء وجميع أنواع ما يتصرف فيه بنفسه فقد صار وكيله،

(1) الخلاف: ج 3 ص 348 - 349 المسألة 11.
(2) المبسوط: ج 2 ص 383.
(3) المبسوط: ج 2 ص 367.

[ 33 ]

يجب له ما يجب لموكله، ويجب عليه ما يجب على موكله، إلا ما يقتضيه الاقرار من الحدود والآداب والايمان (1). وقال أبو الصلاح: إلا ما يوجب حدا (2). وعندي أنه لا يدخل الاقرار في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى الوكيل الرد قبل قوله مع اليمين إن كان بغير جعل، لأنه قبض المال لمنفعة غيره دون منفعته، فهو كالمودع يدعي رد الوديعة على صاحبها، وإن كان [ وكيلا ] بجعل، فيه وجهان: أحدهما: إن القول قول الموكل، لأن الوكيل قبض المال لمنفعة نفسه وهو الجعل، فهو كالمرتهن يدعي رد الرهن، والمستعير يدعي رد العارية، والمستأجر يدعي رد العين المستأجرة. والثاني: إن القول قول الوكيل، لأنه أخذ العين لمنفعة الموكل لأنه لا ينتفع بعين المال، والجعل لا يتعلق بقبض العين ولا يتعلق بها، فقبضه لهذا المال مثل قبض المودع للعين المودعة، وقبض الوكيل بغير جعل، بخلاف المستعير والمرتهن، لأن حقوقهما متعلقة بالعين. وقد حصل من جملة ذلك ثلاثة أقسام: أحدها: القول قول من يدعي الرد وهو الوكيل - بغير جعل - والمودع، والثاني: القول قول من يدعي عليه الرد وهو المرتهن والمستأجر والمستعير، والثالث: على وجهين: وهو الوكيل والمضارب والشريك والأجير المشترك عند من يجعل قبضه قبض أمانة، وكل هذا فيه وجهان، والوجه الأول أقواها (3). وكذا قال ابن البراج. وقال ابن إدريس: القول في ذلك ليس قول أحد من هؤلاء إلا الودعي،

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 41.
(2) الكافي في الفقه: ص 336.
(3) المبسوط: ج 2 ص 372 - 373.

[ 34 ]

للاجماع على أن القول قوله في الرد، وأما ما عداه فليس القول قوله، لأن المدعي عليه البينة (1). وهو عندي أقوى، وفي الودعي إشكال. مسألة: إذا طالب الموكل الوكيل بالرد فقال: غدا أرده عليك مع تمكنه منه كان ضامنا، فإن ادعى بعد ذلك التلف وذكر أنه كان قد تلف قبل المطالبة أو ادعى الرد قبلها لم يقبل قوله، لأنه صار ضامنا بتأخيره الرد مع الامكان، فإن أقام بينة قال الشيخ: فيه وجهان: أحدهما - وهو الصحيح -: إنها تسمع منه، لأنه يقيمها على تلف أو رد لو صدقه عليه لم يلزمه الضمان، وكذا إذا قامت عليه البينة (2). قال الشيخ: وإذا قال الرجل لرجل: قد وكلتك في بيع متاع وقد سلمته إليك [ وقبضه ] فقال: ما أعطيتني شيئا كان القول قوله مع اليمين، فإن أقام [ عليه ] البينة بالتسليم فقال: صدقت غير أن ذلك المال قد تلف أو رددته إليك لم يقبل، لأنه صار خائنا بجحوده التسليم، فإن أقام البينة على التلف قبل الجحود قيل: فيه وجهان في سماع البينة على ما مضى (3). وتبعه ابن البراج على سماع البينة. والوجه عندي أنه لا تسمع بينته، لأنه كذبها بقوله: " رددته عليك " أو " ما تسلمت منك شيئا " فلا تسمع منه، بخلاف ما لو صدقه المدعي على التلف، لأنه أقر ببراءته، فلا يجوز له مطالبته، وليس كذلك إذا قامت البينة، لأنه لم يبرئه صاحب المال بل هو مكذب لها، فكأنه لم يقم بينة ولم يبرئه صاحب المال فيلزمه الضمان.

(1) السرائر: ج 2 ص 87.
(2) المبسوط: ج 2 ص 374 - 375.
(3) المبسوط: ج 2 ص 376.

[ 35 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وكل رجل عبدا في شراء نفسه من سيده قيل: فيه وجهان: أحدهما: يصح، كما لو وكله في شراء عبد آخر بإذن سيده. والثاني: لا يصح، لأن يد العبد كيد السيد، وايجابه وقبوله بإذنه بمنزلة إيجاب سيده وقبوله، فإذا كان أوجب له سيده وقبله هو صار كأن السيد هو الموجب والقابل للبيع، وذلك لا يصح فكذلك ها هنا. قال: والأول أقوى (1). وقال ابن البراج: الأقوى عندي أنه لا يصح، إلا أن يأذن له سيده في ذلك، فإن لم يأذن له فيه لم يصح. والحق ما قواه الشيخ، لأن بيع مولاه رضى منه بالتوكيل. مسألة:. قال الشيخ في المبسوط: إذا وكله في الشراء فاشتراه له وذكر له حال العقد أنه يشتري لموكله كان للبائع أن يطالب أيهما شاء من الوكيل والموكل بالثمن، ويكون دخول الوكيل في هذا التصرف بمنزلة دخول الضامن في الضمان، فإن أعطاه كان له الرجوع على الموكل بما وزن عنه (2). والوجه عندي أن للبائع مطالبة الموكل لا غير، لأن الملك له فلا يطالب غيره بالثمن. مسألة: إذا شهد أحد الشاهدين بأنه قال: جعلتك وكيلا وشهد الآخر بأنه قال: جعلت جريا - بالجيم المفتوحة والراء غير المعجمة المكسورة والياء المنقطعة تحتها نقطتين المشددة، وهو الوكيل، لأنه يجري مجرى موكله - لم تثبت الوكالة، وكذا لو شهد أحدهما بأنه قال: وكلتك وقال الآخر: استنبتك، قاله الشيخ (3).

(1) المبسوط: ج 2 ص 393 - 394.
(2) المبسوط: ج 2 ص 395.
(3) المبسوط: ج 2 ص 400.

[ 36 ]

وقال ابن الجنيد: يثبت. والتحقيق: أنهما إن شهدا بالانشاء فالحق ما قاله الشيخ، لأن كل واحد منهما شهد بعقد فلم يثبت الواحد بهما، وأيضا إن شهدا بالاقرار فالحق ما قاله ابن الجنيد، وقد نص الشيخ على ذلك أيضا (1). مسألة: قال ابن الجنيد: لو شهد أحدهما على وكالته في الخصومة إلى قاضي بغداد في دار بعينها وشهد الآخر على وكالته في الخصومة إلى قاضي مصر كان وكيلا في الخصومة فيها إلى قاضي كل بلد. وليس بجيد، لأن الوكالة إنما تثبت على حد ما أمره الموكل، وقد قصر تصرفه على شئ بعينه فلا يجوز أن يتعداه. مسألة: قال الشيخ: إذا أمره بالبيع في سوق فباع في غيرها صح (2). وقال ابن الجنيد: إذا قال: بعه في مدينة بغداد فباعه في سوادها ضمن، وإن قال: بعه في بغداد فبايعه في موضع لا يقصر فيه أهل مدينة بغداد الصلاة إذا خرجوا إليه لم يضمن، وإن تجاوز ذلك ضمن. والوجه عندي اعتبار الاسم، فإن كان السواد القاصر عن طريقهم من غير مسافة التقصير يطلق عليه اسم بغداد لم يضمن، وإلا كان ضامنا. مسألة: قال الشيخ: لا تبطل الوكالة بردة الوكيل والموكل (3). وتبعه ابن البراج. وقال ابن الجنيد: إن ردة الموكل والوكيل أو لحوق الذمي بدار الحرب واستيطانه بها مبطل للوكالة.

(1) المبسوط: ج 2 ص 400.
(2) المبسوط: ج 2 ص 380.
(3) المبسوط: ج 2 ص 392.

[ 37 ]

لنا: إنها لا تمنع من ابتداء الوكالة فلا يمنع من الاستدامة. مسألة: قال ابن الجنيد: تعدي الوكيل فيما وكل فيه بما يلزمه الضمان والغرم مبطل للوكالة. والوجه أنه لا يبطلها وإن أوجب الضمان، عملا بالأصل. مسألة: قال الشيخ: ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل (1)، وأطلق. وقال ابن الجنيد: ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل فيه إذا كان حاضرا غير ممنوع من القيام، إلا إذا أراد غيبة والموكل حاضرا، إلا أن يجعل ذلك الموكل إليه، وإن لم يكن الموكل حاضرا جاز إن أراد الوكيل الغيبة. لنا: إنها نيابة يتبع اختيار المنوب، ولم ينص له على المتعدي إلى غيره فلا يجوز. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إطلاق الوكالة في البيع يقتضي البيع بثمن المثل (2). وقال ابن الجنيد: ولو فوض المالك إلى الوكيل العمل بما يرى كان ما عمله الوكيل مما لا تعدي فيه للعرف ماضيا، ولو لم يجعل ذلك إليه وإنما وكله في البيع ولم يقل: بما رأيت لم يجز البيع إلا بعده وأمره المالك، ولو قال: بما رأيت ولم يقل له: وكيف رأيت لم يكن له أن يحتال بالثمن ولا يؤخذ به كفيلا ولا رهنا. والوجه في الحكم الأول ما قاله الشيخ، عملا بالعرف. وأما الثاني فالأقرب جواز قبول الحوالة والكفيل والرهن، لأنه جعل له أن يبيع بما شاء،

(1) المبسوط: ج 2 ص 364.
(2) الخلاف: ج 3 ص 348 المسألة 10.

[ 38 ]

فالثمن المحال به أو المقام به كفيلا أو رهنا مما شاءه الوكيل، فيصح مع المصلحة. مسألة: قال ابن الجنيد: الوكيل في شئ وكيل في تصحيحه. ونقل الشيخ في المبسوط وجهين (1)، ولم ينص على اختيار أحدهما. والوجه المنع. لنا: إنه قد يكون أمينا لسائر الحكومة، ولأنهما متغايران فلا يندرج أحدهما في إذن الآخر. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا وكله في بيع العبد فباعه من نفسه لم يصح، لأن بيع العبد من نفسه على عناية على عرض وهو لم يوكله في ذلك، ولو باعه ممن يعتق عليه بملكه جاز البيع. ويحتمل في الأول الصحة إن سوغنا البيع من نفسه، لأنه نقل ما وكل فيه، وكونه عتقا ممنوع، بل هو مستلزم له. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وكله في شراء عبد وجب وصفه، ولو أطلق لم يصح، لما فيه من الغرر (2)، والوجه الجواز، ويصرف الإطلاق إلى شراء الصحيح بثمن المثل. مسألة: لو ادعى الوكيل الإذن بالبيع بثمن فأنكر المالك الإذن في ذلك القدر، للشيخ قولان: أحدهما في المبسوط: القول قول الموكل مع يمينه، ثم تستعاد العين إن كانت باقية، ومثلها أو قيمتها إن كانت تالفة (3). وقال في النهاية: يلزم الدلال إتمام ما حلف عليه المالك (4). والوجه الأول.

(1) المبسوط: ج 2 ص 390.
(2) المبسوط: ج 2 ص 391.
(3) المبسوط: ج 2 ص 387.
(4) لم نعثر عليه في النهاية، كما تنبه عليه صاحب مفتاح الكرامة (ج 7 ص 637) حيت قال: " ولم نجد ذلك في نسختين من نسخ النهاية ".

[ 39 ]

لنا: أنه عقد ثبت بطلانه فكان للمالك العين. ويحتمل قول الشيخ على تعذر استعادة العين من المشتري والقيمة، وتكون القيمة مساوية لما ادعاه المالك. مسألة: إذا وكله في شراء عبد فقال: اشتريته بمائة وقال الموكل: بثمانين قال الشيخ في المبسوط: القول قول الوكيل، كما يقبل قوله في التسليم والتلف (1). والوجه أن القول قول الموكل، لأنه غارم.

(1) المبسوط: ج 2 ص 392.

[ 40 ]

الفصل العاشر في الاقرار مسألة: إذا أقر المحجور عليه للمفلس قال الشيخ في المبسوط: يصح، سواء كان بعين أو دين (1). وقال ابن إدريس: الأقوى إنه يقبل بالدين ويشارك المقر له الغرماء دون العين، لتعلق حق الغرماء بها (2)، وقد سلف. مسألة: إذا أقر بمال كثير قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): يلزمه ثمانون درهما. وتبعه ابن البراج (5). وقال ابن إدريس: يرجع في تفسيره (6)، وهو الأقوى. لنا: إنه مجهول فيرجع في تفسيره إليه. احتج الشيخ بأنه قد ثبت في عرف الشرع هذا المقدار في النذر فكذا في غيره، وإلا لزم الاشتراك، والأصل عدمه. ولأن المقتضي قوله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " (7) وهو يتحقق هنا.

(1) المبسوط: ج 2 ص 259.
(2) السرائر: ج 2 ص 499 نقلا بالمعنى.
(5) المهذب: ج 1 ص 405.
(3) المبسوط: ج 3 ص 6.
(6) السرائر: ج 2 ص 500.
(4) الخلاف: ج 3 ص 359 المسألة 1.
(7) التوبة: 25.

[ 41 ]

والجواب: إنه تقدير لا يساعد اللغة عليه ولا العرف فيثبت في موضع الوفاق، ولا يصح التخطية، لأنه مجرد قياس. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا قال: له علي كذا درهم بالرفع لزمه درهم، وإن خفض لزمه مائة، وإن نصب لزمه عشرون، لأن أقل عدد يخض بعد التمييز المائة، وأقل عدد ينتصب بعده العشرون. وإن قال: كذا كذا درهما لزمه أحد عشر درهما، لأنه أقل عددين ركبا وانتصب ما بعدهما. ولو قال: كذا وكذا درهما لزمه أحد وعشرون درهما، لأنه أقل عددين عطف أحدهما على الآخر وانتصب الدرهم بعدهما. وقال ابن إدريس: الأولى في هذه المسائل جميعها الرجوع إلى تفسير المقر، لأن " كذا " لفظ مبهم محتمل، ولا نعلق على الذمم شيئا بأمر محتمل، والأصل براءة الذمة (3). والتحقيق أن نقول: إن كان القائل من أهل اللسان الزم بما قاله الشيخ، وإلا رجع إلى تفسيره، كما اختاره ابن إدريس. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: ل علي ألف وثلاثة دراهم أو مائة وخمسون درهما فالكل دراهم (4). وتبعه ابن إدريس (5). والوجه عندي الرجوع إليه في تفسير الألف والمائة، لأن الدراهم والدرهم ليس تميزا للألف ولا للمائة، وكما يحتمل أن يكون تميزا للمجموع احتمل أن يكون تميزا للأخير، فلا يثبت في الذمة شئ بمجرد الاحتمال.

(1) المبسوط: ج 3 ص 13.
(2) الخلاف: ج 3 ص 364 - 366 المسألة 6 و 8 و 9 و 10.
(3) السرائر: ج 2 ص 503.
(4) الخلاف: ج 3 ص 363 - 363 المسألة 4.
(5) السرائر: ج 2 ص 501.

[ 42 ]

مسألة: إذا قال: له علي درهم ودرهم إلا درهما قال الشيخ: فعلى ما يذهب إليه أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفا بعضها على بعض بالواو أنه يرجع إلى الجميع يجب أن نقول: يصح، ويكون إقرارا بدرهم. ومن قال: يرجع إلى ما يليه - وهو درهم - لا يجوز أن يستثنى درهم من درهم، لأن ذلك استثناء الجميع، وهو فاسد، فيبطل الاستثناء (1). وتبعه ابن إدريس (2). ونص في الخلاف على أنه يلزمه درهم واحد، لأن الجملتين إذا كان بينهما حرف عطف كأنهما بمنزلة الجملة الواحدة، فهو بمنزلة أن يقول لفلان: علي درهمان (3). والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: الأول: إن الاستثناء عقيب الجمل يرجع إلى الأخيرة منها، لأنه على خلاف الأصل فيجب رجوعه إلى البعض، لدفع محذور الهذرية، وتخصصت الأخيرة للقرب. الثاني: إنه لو رجع إلى الجملتين لم يصح هنا الاستثناء، لأنه يكون نقصا ورجوعا بعد اعتراف فلا يصح، ولهذا لو قال: جاءني زيد وعمرو وخالد إلا زيدا لم يصح، لاشتماله على النقص، ويصح لو قال: عندي درهمان إلا درهما، لأنه يكون قد تجوز في الدرهمين فلا يكون نقصا، ولهذا يصح لو قال: جاءني المسلمون إلا زيدا. والحق بطلان هذا الاستثناء، وإن صح مع البينة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): إذا قال: لفلان علي

(1) المبسوط: ج 3 ص 10. (2) السرائر: ج 2 ص 502.
(3) الخلاف: ج 3 ص 364 - 365 المسألة 6.
(4) الخلاف: ج 3 ص 372 المسألة 19.
(5) المبسوط: ج 3 ص 19.

[ 43 ]

ألف درهم فجاء بألف وقال: هذه التي أقررت بها لك كانت وديعة عندي كان القول قوله. وقال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنه إذا قال: له علي ألف درهم وديعة، ولا يقبل منه (1). احتج الشيخ بأصالة براءة الذمة، ولا تعلق عليها بشئ إلا بدليل، وقوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه ". ثم اعترض الشيخ بما احتج به ابن إدريس وهو: إن لفظة (علي) تقتضي الايجاب في الذمة، بدلالة أنه لو قال: الألف التي على فلان علي كان ذلك ضمانا، فدل على أنها تقتضي الايجاب في الذمة، وإذا كان كذلك فقد ألزم نفسه مالا وجاء بمال آخر فلم يسقط ما لزم في الذمة، كما لو أقر بثوب فأتاه بعبد يكون له وله المطالبة بالثوب. ثم أجاب: بأن لفظة (علي) وإن اقتضت الايجاب فقد يكون الحق في الذمة فيجب عليه تسليمه بإقراره، وقد يكون في يده فيجب عليه رده وتسليمه إلى المقر له بإقراره، فبأيهما فسره كان مقبولا، كما لو قال: علي ثوب لفلان كان عليه أن يعينه من أي نوع شاء، فإذا عينه قال: القول قول فيه. ألا ترى إنا أجمعنا على أنه إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة قبل منه ذلك، فلو كان قوله: لفلان علي ألف يقتضي الذمة لوجب أن لا يقبل تفسيره بالوديعة، لأنه أقر بألف، ثم عقبه بما يسقطه، فلما أجمعنا على قبول تفسيره بذلك دل على ما ذكرناه على أن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض بدلالة قوله تعالى: (ولهم علي ذنب) يعني عندي (ولأصلبنكم في جذوع النخل) يعني على [ جذوع النخل ]، فيجوز أن يكون قوله (علي) يريد به عندي، وإنما جعلنا قوله: الألف التي على فلان علي ضمانا في الذمة، لأنه يقصد به إثبات المال في

(1) السرائر: ج 2 ص 508.

[ 44 ]

ذمته على نفسه، وذلك لا يثبت إلا على وجه الضمان، فكان ذلك دليلا على أنه قصد به الالتزام في الذمة، وليس في مسألتنا قرينة تدل على ذلك (1). وقول الشيخ أجود. مسألة: قال الشيخ: إذا قال: له علي في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي ألف درهم، كان هبة لا إقرارا، لأنه أضاف إلى نفسه (2). وتبعه ابن إدريس (3). وكذا لو قال: داري هذه لفلان لم يكن إقرارا. وقال ابن إدريس: لأنه يكون مناقضة، وكيف يكون داره لفلان في حال ما هي له؟ ولو قال في ذلك: بأمر حق ثابت كان إقرارا صحيحا، لأن قوله: بأمر حق ثابت يجوز أن يكون له حق وجعل داره في مقابلة ذلك الحق وإن كان قد أضافها إلى نفسه (4). وقال ابن الجنيد: لو قال: له من مالي ألف درهم احتمل أن يكون دينا وأن يكون هبة، وإن قال: له من مالي بحق عرف له أو نحو ذلك كان دينا. والوجه عندي التسوية بينهما وصحة الاقرار فيهما، والاضافة تصح إلى الشئ بأدنى ملابسة، كقوله لأحد حاملي الخشبة: خذ طرفك، وقال الشاعر: (إذا كوكب الخرقا) أضاف الكوكب إليها، لأجل حدها في السير، وكما لو قال: بأمر حق ثابت. ولأن الاضافة قد تكون للملك وقد تكون للتخصيص، ولا يمكن الحمل على الأول، لإسناد الملك المصرح به باللام إلى غيره فيحمل على الثاني، إذ

(1) الخلاف: ج 3 ص 372 - 373 ذيل المسألة 19.
(2) المبسوط: ج 3 ص 21.
(3) السرائر: ج 2 ص 505.
(4) السرائر: ج 2 ص 506.

[ 45 ]

القرينة صارفة للفظ عن أحد محامله إلى غيره مما دلت عليه، ولا يحكم ببطلان الثاني المصرح به للاحتمال في الأول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: له عندي من واحد إلى عشرة لزمه تسعة، لأن الأول داخل فيه، ولأن (من) لابتداء الغاية، والابتداء يدخل فيه (1). وقال ابن إدريس: يلزمه ثمانية، لأنه المتيقن، وما عداه محتمل، فلا يجب في الذمة شئ به (2). والوجه ما قاله الشيخ مع احتمال الزامه بعشرة، والأصل في ذلك أن الغاية هل تدخل في المغيى أم لا، والوجه الدخول إن لم يفصل بفصل حسي، كما لو قال له: من الخشبة الطرف إلى الطرف، وإلا لم يدخل. مسألة: إذا قال: له علي ألف وسكت ثم قال: من ثمن مبيع لم أقبضه لزمه الألف، ولو قال: له علي ألف من ثمن المبيع ثم سكت ثم قال: لم أقبضه قال الشيخ في المبسوط: قبل منه، لأن قوله: (لم أقبضه) لا ينافي إقراره الأول، لأنه قد يكون عليه ألف درهم ثمنا، ولم يجب عليه التسليم قبل قبض المبيع، ولأن الأصل عدم القبض، ولأن الأصل براءة الذمة (3). وقال ابن إدريس: الأقوى أنه لا فرق بين المسألتين، ويجب عليه الألف، ولا يقبل تفسيره، لأنه إقرار بالمسقط بعد الاعتراف (4). وابن البراج (5) تبع الشيخ، وليس ذلك بعيدا من الصواب، لأن للانسان

(1) المبسوط: ج 3 ص 27 - 28.
(2) السرائر: ج 2 ص 509 - 510.
(3) المبسوط: ج 3 ص 34.
(4) السرائر: ج 2 ص 511، نقلا بالمعنى.
(5) المهذب: ج 1 ص 413.

[ 46 ]

أن يخبر بما في ذمته على حد ما هو ثابت في الذمة، وقد يشتري الانسان ولا يقبض المبيع فكان له أن يخبر بذلك، فلو الزم بغير ما أقربه كان ذريعة إلى سد باب الاقرار، وهو مناف لحكمة الشارع. مسألة: إذا أقر بشئ مؤجل للشيخ قولان: أحدهما: إنه يثبت التأجيل (1)، وبه قال ابن البراج (2). والثاني: لا يثبت، ويلزمه في الحال (3)، وبه قال ابن الجنيد، وابن إدريس (4). والأقوى الأول. لنا: إن حكم الاقرار إلزام المقر بما أقر به، والحق المؤجل غير الحال، وإذا أقر بالمؤجل لم يلزمه غيره، كما لو أقر بنقد معين أو وزن ناقص أو مال معيب. ولأن الحق قد يثبت في الذمة مؤجلا كما يثبت حالا، وإذا أراد المقر الأخبار بما في ذمته وجب أن يجعل الشارع له وسيلة إليه، ولا وسيلة لو لم يقبل إقراره. إحتج الشيخ بأن الأصل الحلول فلا يقبل خلافه. والجواب: المنع. مسألة: المشهور إن إقرار العبد بما يوجب قصاصا أو حدا غير مقبول كالمال. وقال ابن الجنيد: لو أقر العبد بجناية فيها إدخال الألم على نفسه قبل وأقيم عليه ما يوجبه. لنا: إنه إقرار على المولى، لأنه مال لمولاه فلا يقبل كالمال، نعم يتبع به بعد العتق كالمال.

(1) الخلاف: ج 3 ص 378 ذيل المسألة 28.
(2) المهذب: ج 1 ص 414.
(3) الخلاف: ج 3 ص 377 المسألة 28. (4) السرائر: ج 2 ص 513.

[ 47 ]

مسألة: المشهور إن السكران لا ينفذ إقراره مطلقا، سواء كان من شرب محرم أو لا. وقال ابن الجنيد: السكران إن كان من علة لم يكن منه سبب إدخالها على نفسه كالمجنون، وأما السكران من شرب محرم واختيار شربه فاقراره لازم له لزوم الفرائض له، وهو مؤاخذ به في حد كان ذلك أو مال. لنا: إن مناط الحكم العقل وهو منتف حالة السكران، فلا ينفذ الاقرار كما لو كان من علمه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: يسمع الاقرار المجهول، ولا تسمع الدعوى المجهولة (1). والأحوط الاستماع، لجواز استنادهما إلى الاقرار المجهول، ولأنه لو اعترف بهذه الدعوى نفعه، لأن الشيخ اختار أنه إذا لم يفسر ما أقر به صار ناكلا فيحلف المقر له ويثبت ما يدعيه (2). والوجه حبسه حتى يبين، لأنه قد عبر بالامتناع من حق ثبت عليه فوجب أن يحبس. مسألة: إذا أقر بالمجمل وفسره بالسبب الفاسد، كما لو قال: أقرضني إياها، قال بعض علمائنا: يبطل إقراره، وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج (3). والحق أنه يبطل تفسيره، لأنه إبطال لما أقر به فلا يسمع. مسألة: قال الشيخ: إذا أقر لزيد بعبد وكذبه زيد وأقر العبد بنفسه لعمرو وصدقه على إقراره فالأقوى أنه يعتق، لاقرار صاحب اليد بأنه ليس له والمقر له

(1) المبسوط: ج 3 ص 4.
(2) المبسوط: ج 3 ص 4.
(3) المهذب: ج 1 ص 405.

[ 48 ]

قد أنكر، واقرار العبد ما صح، فاثبت عليه ملك لأحد (1). وتبعه ابن البراج (2). والوجه عندي أنه يقبل إقرار العبد، لانتفاء ملك المقر والمقر له عنه، فيبقى إقراره صادرا من عاقل فينفذ، إذ لا مزاحم له، ولو لم يقر العبد لأحد بقي على الرقية المجهولة المالك، وكذا إن قلنا: ببطلان إقرار العبد. مسألة: إذا أعتق عبديه فادعى آخر أنه غصبهما منه فأنكر فشهد له العبدان قال الشيخ في المبسوط: لم تسمع، لأنا لو قبلناها لرجعا رقين، وتكون شهادتهما على المولى، وشهادة العبد لا تقبل على مولاه (3). والوجه السماع، وهو قول ابن إدريس (4). وفي النهاية (5) ما يناسب ما اخترناه، لأنه سمعها لو شهد العبدان - أعتقهما أخو الميت - بابن له. أما أولا: فلأنه في الحقيقة إقرار على أنفسهما فيمضي، وليس ذلك على حد الشهادة، بل على حد الاقرار فينفذ ولو كانا فاسقين. وأما ثانيا: فلأنها ليست شهادة على المولى لا على زعمهما ولا على زعم المعتق ولا في نفس الأمر، لأنهما إن كانا صادقين فالشهادة للمولى، وإن كانا كاذبين صح العتق، ولم يبق مولى لهما وكانت الشهادة عليهما لا عليه، لخروجهما من ملكه بالعتق. مسألة: قال أبو الصلاح: الاقرار مقتض لسقوط حق المقر فيما أقر به لغيره إذا كان من حر كامل العقل سليم الرأي، مريضا كان أو صحيحا، فإن كان مفيدا فيمن وصفناه حاله - كقوله: هذه الدار لفلان أو هذا الثوب أو المال

(1) المبسوط: ج 3 ص 22 - 33.
(2) المهذب: ج 1 ص 411.
(3) المبسوط: ج 3 ص 42 - 43.
(4) السرائر: ج 2 ص 516.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 59.

[ 49 ]

لفلان أو لفلان علي كذا - وكان غير مأمون لم يمض إقراره، ولو كان مأمونا مضى إقراره واستحق المقر له تسليم ما أقر به ما لم يمنع مانع من يد أو بينة أو وثيقة أو رهن أو دين فيبطل الاقرار (1). وفي هذا الكلام بحثان: الأول: إنه اعتبر في المقر الأمانة إذا كان مفيدا، يعني: إذا لم يسبقه دعوى، لأنه قال بعد ذلك: وإن كان الاقرار بعد تقدم دعوى (2). وليس بجيد، فإن إقرار غير المأمون ماض، إلا أن يكون مريضا فإنه ماض من الثلث على الخلاف الآتي إن شاء الله تعالى. الثاني: إنه حكم ببطلان الوقف إذا كان المقر به مرهونا أو تعلقت به يد الغير. وليس بجيد، والأولى الصحة، فإن انفك انتقل الملك إلى المقر له، وإلا كان ضامنا للقيمة. مسألة: إقرار العبد إقرار للسيد، وإن كان مأذونا له في التجارة وجب عليه التسليم إلى المولى. وقال ابن الجنيد: وإن كان العبد مأذونا له في التجارة وهو غائب فليس لسيده أخذ ما أقر به. لنا: إنه ملك للمولى، فكان له التسلط على أخذه، بل لو كان العبد حاضرا ومنع من التسليم إلى المولى لم يكن له ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أقر الانسان بولد الحق به، سواء كان إقراره به في صحة أو مرض وتوارثا، سواء صدقه الولد أو كذبه (3).

(1 و 2) الكافي في الفقه: ص 433.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 272.

[ 50 ]

وقال في المبسوط: إن كان صغيرا لم يشترط فيه التصديق، وإن كان كبيرا اشترط (1)، وبه قال ابن إدريس (2). وهو الأقوى. لنا: الأصل عدم الاثبات، لأنه إقرار في حق الغير فلا ينفذ. وادعى ابن الجنيد أنه لا يعلم فيه خلاف. احتج الشيخ بأنه ينفذ مع الصغر والجنون، ولا يشترط التصديق، فكذا حاله في الكبر. والجواب: الفرق بأن الصغير لا اعتداد بتصديقه، فلا يكون شرطا. قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا كان الوارث جماعة فأقر اثنان - رجلان أو رجل وامرأتان - [ بابن ] ثبت نسبه إذا كانا مرضي الشهادة، وإن لم يكونوا عدولا لم يثبت نسبه ولزمهما بمقدار حصتهما، فإن أقر بنسب على غيره مثل أن يقر بابن فإن كان كبيرا فبأربعة شروط، ويراعى في ذلك إقرار رجلين عدلين أو رجل وامرأتين من الورثة، فإن لم يكن كذلك لم يثبت النسب. وقال ابن إدريس: لا يثبت النسب إلا بشهادة عدلين ذكرين، ولا يثبت بشهادة النساء (5). وهو المعتمد. وكذا قال الشيخ في المبسوط أيضا في آخر هذا الباب بأنه قال: إذا مات رجل فجاء رجل آخر وقال: أنا أبوه أو أخوه سمع منه، ولا يحكم له به حتى تقوم البينة، ولا يسمع إلا شاهدان ذكران، ولا يسمع شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين (6). مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أقر بوارثين فصاعدا متساويين في الميراث

(1) المبسوط: ج 3 ص 38.
(2) السرائر: ج 2 ص 514.
(3) المبسوط: ج 3 ص 38 و 39.
(4) الخلاف: ج 3 ص 379 المسألة 30.
(5) السرائر: ج 2 ص 115.
(6) المبسوط: ج 3 ص 47.

[ 51 ]

تناكروا ذلك النسب بينهم لم يلتفت إلى إنكارهم وقبل إقرارهم، وإذا أنكروا أيضا إقراره لم يكن لهم شئ من المال، وإن أقروا له بمثل ما أقر لهم به توارثوا بينهم إذا كان المقر له ولدا أو والدا، فإن كان غيرهما من ذوي الأرحام لم يتوارثوا وإن صدقوا بعضهم بعضا، ولا يتعدى الحكم فيه مال الميت على حال (1). وتبعه ابن البراج (2)، وابن إدريس (3). والوجه أنهم يتوارثون مع التصديق، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: لفلان علي ألف درهم أو عندي ألف درهم أو قبلي ثم فسر ذلك بالوديعة فإن وصل التفسير بالاقرار قبل منه، وكذا إن فصله، لأنه أوجب على نفسه بإقراره مالا، وقد يكون الايجاب تارة دينا وتارة عينا، لأن ذلك كله حق لصاحبه ويجب عليه (4). وقال ابن الجنيد: الاقرار بلفظة (علي) يوجب الشئ في ذمة المقر، كالذي يقول: لفلان علي ألف درهم، فإن ادعى ما يخرجه من الذمة إلى أن يكون أمانة كان القول قول المقر له مع يمينه، ولو وصل إقراره فقال: لفلان علي ألف درهم وديعة لم يخرجه ذلك من أن يكون في ذمته، لأن من الوديعة ما ينتقل حكمه إلى أن يصير في ذمة المودع. وهو يعطي الفرق بين الفصل والوصل. قال: ولو قال: له علي ألف درهم كانت في ذمته الألف، فإن وصل إقراره بأن قال: له في مالي وديعة وادعى المقر له في ذمته كان القول قول المقر مع يمينه، وإن قطع الاقرار وادعى بعد ذلك الأمانة كان القول قول المقر له مع يمينه.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 275 - 276.
(2) المهذب: ج 1 ص 417.
(3) السرائر: ج 3 ص 312.
(4) المبسوط: ج 3 ص 28.

[ 52 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: لفلان عندي ثوب في منديل أو تمر في جراب لم يكن إقرارا بالمنديل وبالجراب، وكذا لو قال: غصبتك زيتا في حب أو حنطة في سفينة أو عسلا في عكة (1). وقال ابن الجنيد: إذا أقر بغصب شئ في ظرف ولا يكون ذلك الشئ موجودا بغير ظرف - كالذي يقول: غصبت فلانا مائة رطل سمن في جرة - كان على الغاصب ما أقر بغصبه مع ظرفه إن ادعاه المقر له وحلف على ذلك، وكذلك إن كان المغصوب مما يجوز كونه بغير ما ذكره المغصوب فيه، لأن ذكره إياه مع ما غصبه غير مبرئ له من الغصب لهما جميعا، كالذي يقول: غصبت فلانا ثوبا في منديل أو حنطة في سفينة. والوجه فيه ما قاله الشيخ من احتمال أن يكون في منديل أو في سفينة لي. مسألة: لو قال: غصبت دابة عليها سرج لم يكن إقرارا بالسرج، قاله الشيخ في المبسوط (2). وقال ابن الجنيد: يكون إقرارا به. والوجه ما قاله الشيخ، لاحتمال أن يكون مراده دابة عليها سرج لي كما تقدم. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أقر بأن لفلان في هذا العبد شئ كان له جزء من ستة، ولو قال: له فيه جزء كان جزء من سبعة، فإن قال: له فيه سهم كان واحدا من ثمانية، ولو قال: له علي دراهم كثيرة أو عظيمة كانت ثمانين. والوجه أنه يرجع إليه في التفسير في ذلك كله، ولا يلزم من إثبات حكم لهذه الالفاظ في الوصايا أو النذر ثبوته في غيرهما، إذ ذلك على خلاف الأصل (1) المبسوط: ج 3 ص 11 - 12، وعكة - بالضم -: رقيق صغير للسمن وغيره.
(2) المبسوط: ج 3 ص 12.

[ 53 ]

تبعا للنقل مختص بموضعه. احتج بأن عرف الشرع في هذه الالفاظ هذه المعاني فيحمل عليها. والجواب: الأصل عدم النقل. مسألة: الاستثناء من غير الجنس جائز على الأقوى بشرط بقاء شئ بعد إسقاط قيمة المستثنى من المستثنى منه، فإن فسر بما يستوعب القيمة قال ابن الجنيد: بطل الاستثناء ووجب ما أقر به أولا. والوجه بطلان التفسير فيطالب بتفسير غيره. لنا: إنه يصح إخراج البعض، وقد أخرجه حيث ضمه إلى غيره. احتج بأنه استثناء مستوعب فيبطل. والجواب: المنع من بطلان الاستثناء، بل التفسير. مسألة: لو قال زيد لعمرو: علينا ألف درهم ثم قال بعد انقضاء الكلام: معي جماعة، لم يقبل منه، وكان الألف عليه لعمرو إن ادعاه عليه، قاله ابن الجنيد. والوجه عندي القبول. لنا: إنه أتى بصيغة يحتمل التعظيم والشركة على السواء، فيحتمل على ما يفسره كالمشترك. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أقر مولى قد أعتقه زيد بعد العتق أنه عبد لعمرو كان إقراره باطلا، للولاء الذي ثبت لزيد عليه، وكذلك لو كان عتقه سائبة في واجب، لأن ذلك موجب على زيد غير (1) ما في ماله. والوجه عندي نفوذ الاقرار في طرف العبد خاصة، فللمقر له التسلط عليه بالاسترقاق وحق الولاء للمعتق، ولا غرم عليه في الواجب.

(1) في ط الحجري (بمن).

[ 54 ]

مسألة: إذا قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو قال الشيخ: يحكم بها للأول ويغرمها للثاني، فإنه حال بينه وبينهما بإقراره الأول (1). وقال ابن الجنيد: إن كان حيا سئل عن مراده، وإن كان ميتا كان زيد وعمرو بمنزلة متداعيين لشئ هو في يد غيرهما، فمن أقام البينة يستحقه، فإن لم يكن لهما بينة وحلف أحدهما وأبى الآخر كانت للحالف، فإن حلفا جميعا جعلت بينهما. والمعتمد الأول. لنا: إنه رجوع عن إقرار فلا يصح. ولأنه إقرار في حق الغير، إذ قد ثبت لزيد بالاقرار الأول فلا ينفذ عليه. مسألة: لو قال: له علي مائة درهم، وكذا إذا كان المقر به الثاني من جنس الأول وزائدا عليه فإن قال: له علي دينار لابل قفيز حنطة فإن ادعيا عليه كان القول قوله مع يمينه (2)، قال ذلك ابن الجنيد. والحق ما قاله الشيخ، وهو: إن الثاني إن دخل تحت الأول حكم بالثاني خاصة، وإلا حكم بهما معا (3). لنا: إنه إنكار بعد اعتراف فلا يسمع. مسألة: لو قال: هو بري من كل شئ لي عليه أو قبله برئ من كل شئ الدين والأمانة فإن شهد عليه بسرقة توجب القطع قبل البراءة قطع بها، لأن ذلك ليس بحق للمشتري، فيصح إبراؤه منه، قاله ابن الجنيد. وفيه إشكال، من حيث لو كان القطع يتوقف على المرافعة ويسقط بالابراء.

(1) المبسوط: ج 3 ص 17.
(2) كذا في النسخة، وفي المسألة سقط وخلط.
(3) المبسوط: ج 3 ص 26 - 27.

[ 55 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان لرجل عشرة دراهم بيض وعشرة دراهم سود على رجل فأقر الطالب بأنه قد قبض درهما أبيض بل درهما أسود وادعى المطلوب أنه قد قبض درهمين حكم على الطالب بأجود الدرهمين وحلف على الآخر. والوجه أنه يحكم عليه بالدرهمين مع طبق الغريم. مسألة: قال ابن الجنيد: لو ادعى زيد على عمرو عبدا له فأنكر عمرو استحلف، فإن أبى أن يحلف فحلف زيد فقضي له بالعبد، فجاء خالد فادعى غصب عمرو إياه على العبد لم يستحلف له عمرو، وكان خالد خصما لزيد في العبد. وليس بجيد. والمعتمد أن له إحلافه، لأنه لو اعترف لزمه الغرم. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أقر رجل بأنه قتل عمرا عمدا وإن آخر بأنه قتله خطأ فقد روى الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله - عليه السلام - " إن للولي أن يأخذ بقول العمد، ورجع أولياء المقتول على المقر بالقتل) ثم قال ابن الجنيد: ولو قال قائل: إن للولي إن أخذ بقول صاحب العمد ورجع أولياء المقتول على المقر بالقتل خطأ بديته، وإن أخذ بقول المقر بالقتل خطأ وألزمه الدية كان له أن يرجع على المقر بالعمد بنصف الدية، كان وجها. وأفتى الشيخ في النهاية (1) بما تضمنته الرواية، وهو المعتمد. ثم قال ابن الجنيد: ولو قامت بينة على رجل بقتله عمدا زيدا فلما أريد القود منه حضر رجل وأقر بأنه هو القاتل لزيد عمدا وأن المشهود عليه بري واستسلم للقود كان أولياء الدم مخيرين، فإن قتلوا المقر لهم لم يكن لهم ولا لورثة المقتول أيضا سبيل على المشهود عليه، وأن قتل المشهود عليه لم يكن لهم

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 378.

[ 56 ]

سبيل على المقر وأدى الذي أقر على نفسه إلى أولياء المقتص منه نصف الدية، ولو أراد الاولياء أخذ الدية كانت بينهما. وقال: وكذلك روى زرارة، عن أبي عبد الله - عليه السلام -. وكذلك أفتى الشيخ في النهاية وزاد: وإن أراد أولياء المقتول قتلهما جميعا قتلوهما معا، وعلى أولياء المشهود عليه نصف الدية، وليس لهم عليهم أكثر من ذلك (1). والوجه عندي تخيير الولي في قتل أيهما شاء، وليس لأحدهما على الآخر سبيل، وليس لهم قتلهما معا، ولا أخذ الدية منهما. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: قال ابن البراج: إذا أقر اللقيط بالعبودية لم يسمع، لأن الظاهر في اللقيط الحرية (2). وليس بجيد، لعموم قوله - عليه السلام -: " إقرار العقلاء على أنفسهم جائز " وهذا عاقل أقر بمحتمل، فينفذ كغيره من العقلاء وكل إقرار، فإنه بخلاف الظاهر.

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 375 - 377.
(2) المهذب: ج 1 ص 412.

[ 57 ]

كتاب الامانات وتوابعها

[ 59 ]

كتاب الامانات وتوابعها وفيه فصول: الفصل الأول في الوديعة مسألة: المشهور أنه إذا سلم الوديعة بيده إلى الظالم خوفا على نفسه من قتل أو ضرب لم يكن عليه ضمان. وقال أبو الصلاح: يضمن إذا سلمها بيده وإن خاف التلف (1). لنا: الأصل براءة الذمة. ولأن ترك التسليم إليه ضرر وهو منفي فساغ التسليم، فلا يستعقب الضمان. احتج بأنه متلف بالتسليم إلى الظالم فكان ضامنا. والجواب: القهر أسقط الضمان. مسألة: إذا أودعه الظالم شيئا يعلم أنه غصب ولا يعرف المالك قال الشيخ في النهاية: يعرفها حولا كما يعرف اللقطة، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها عنه (2). وتبعه ابن البراج (3)، وبه قال ابن الجنيد. وقال المفيد: فإن كانت الوديعة من أموال المسلمين وغصوبهم فعرف المودع

(1) الكافي في الفقه: ص 230.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 257. (3) المهذب: ج 1 ص 348.

[ 60 ]

أربابها بأعيانهم كان له رد كل مال إلى صاحبه، ولم يجز له ردها إلى الظالم، إلا أن يخاف على نفسه من ذلك. وإن لم يعرف أربابها أخرج منها الخمس إلى فقراء آل محمد - عليهم السلام - وأيتامهم وأبناء سبيلهم، وصرف منها الباقي إلى فقراء المؤمنين (1). وقال أبو الصلاح: ويرد المغصوب إلى مستحقه، فإن لم يتعين له ولا من ينوب منابه حملها إلى الإمام العادل، فإن تعذر ذلك في المسلمين فعلى المودع حفظ الوديعة إلى حين التمكن من إيصالها إلى مستحق ذلك، والوصية بها إلى من يقوم مقامه فيها، ولا يجوز ردها إلى المودع مع الاختيار (2). وقال سلار: وإن لم يعرف أربابها جعل خمسها لفقراء أهل البيت والباقي لفقراء المؤمنين (3). وهو يناسب قول المفيد. وقال ابن إدريس: إن لم يتعين له حملها إلى الإمام العادل، فإن لم يتمكن لزمه الحفظ بنفسه في حياته وبمن يثق إليه في ذلك بعد وفاته إلى حين التمكن من المستحق (4). وهو الأقوى. لنا: إنه أحوط. احتج الشيخ بما رواه حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرده عليه؟ قال: لا يرده، فإن أمكنه رده على صاحبه فعل، وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا، فإن أصاب صاحبها ردها عليه، وإلا تصدق بها، فإن جاء [ صاحبها ] بعد ذلك خيره بين الأجر

(1) المقنعة: ص 626 - 627.
(2) الكافي في الفقه: ص 231 - 232.
(3) المراسم: ص 194.
(4) السرائر: ج 2 ص 436.

[ 61 ]

والغرم، فإن اختار الأجر فله، وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له (1). ولأنه مال في يده، ولا مالك معروف عنده، فكان حكمه حكم اللقطة. والجواب: الطعن في السند، ولا نسلم مساواته للقطة، على أن قول الشيخ لا يخلو من قوة. مسألة: إذا ادعى الودعي أن الوديعة سرقت أو ضاعت قال الصدوق في المقنع: يقبل قوله بغير يمين. قال: وسئل الصادق - عليه السلام - عن المودع إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله؟ قال: نعم ولا يمين عليه. قال: وروي في حديث آخر أنه قال: لم يخنك الامين ولكنك ائتمنت الخائن (2). وقال في كتاب من لا يحضره الفقيه: قضى مشايخنا - رضي الله عنهم - على أن قول المودع مقبول، فإنه مؤتمن ولا يمين عليه (3). وقال الشيخ في النهاية: ولا يمين على المودع، بل قوله مقبول، فإن ادعى المستودع أن المودع قد فرط أو ضيع كان عليه البينة، فإن لم يكن له بينة كان على المودع اليمين (4). والأشهر التسوية بين الحكمين في وجوب اليمين، لأن قول المودع: " إنها سرقت أو ضاعت " دعوى، فلا بد فيها من اليمين، ولم يوجب البينة، لأنه أمين. وقال ابن الجنيد: وإذا قال: قد ضاعت أو تلفت فالقول قوله، فإن اتهم أحلف. وكذا قال أبو الصلاح (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 396 ح 1191، وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 368.
(2) لم نعثر عليه.
(3) من لا يحضره الفقه: ج 4 ص 305 ذيل الحديث 4092.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 256.
(5) الكافي في الفقه: ص 231.

[ 62 ]

مسألة: لو اختلفا في القيمة بعد ثبوت التفريط فالقول قول الودعي مع اليمين إذا لم يكن هناك بينة. وبه قال أبو الصلاح قال: وقد روي في الصحيح أن اليمين في القيمة على المودع (1). وفي هذا نظر. وابن حمزة (2)، وابن إدريس (3) قالا بما قلناه. وقال الشيخان: القول قول المالك مع اليمين (4). لنا: إن الودعي غارم ومنكر فالقول قوله مع اليمين. احتج المخالف ببطلان الأمانة بالخيانة، فلا يكون قوله مسموعا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا اختلف نفسان في مال فقال الذي عنده المال: إنه وديعة وقال الآخر: إنه دين عليك كان القول قول صاحب المال، وعلى الذي عنده المال البينة أنه وديعة، فإن لم يكن معه بينة وجب عليه رد المال، فإن هلك كان ضامنا، وإن طالب صاحب المال باليمين أنه لم يودعه ذلك المال كان له (5). وقال ابن الجنيد: إذا أقر الرجل لرجل بمال وادعى فيه عليه بما يزيل به حقا وجب لصاحب المال من أنه كان وديعة فهلك أو مضاربة فخسر لم يصدق إلا ببينة، وكان القول قول صاحب المال مع يمينه. وقال ابن إدريس: الوجه عندي أن يكون المدعى عليه قد وافق المدعي على صيرورة المال إليه وكونه في يده، ثم بعد ذلك ادعى أنه وديعة لك عندي

(1) الكافي في الفقه: ص 231.
(2) الوسيلة: ص 275. (3) السرائر: ج 2 ص 436.
(4) المقنعة: ص 626، النهاية ونكتها: ج 2 ص 259 - 260.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 257 - 258.

[ 63 ]

فلا يقبل قوله، فكان القول قول من ادعى أنه دين، لأنه قد أقر بأن الشئ في يده أولا وادعى كونه وديعة، والرسول - عليه السلام - قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وهذا قد اعترف بالأخذ والقبض وادعى الوديعة وهي تسقط الحق الذي أقر به لصاحب المال فلا يقبل قوله في ذلك. فأما إذا لم يقر بقبض المال أولا بل ما صدق المدعي على دعواه بأن له عنده مالا دينا بل قال: لك وديعة عندي كذا وكذا فيكون حينئذ القول قوله مع يمينه، لأنه ما صدقه على دعواه ولا أقر أولا بصيرورة المال إليه بل قال: لك عندي وديعة، فليس الاقرار بالوديعة إقرار بالتزام شئ في الذمة. ثم أقر بأن يلحظ ذلك، وزعم أن فيه غموضا (1). والحق ما قاله الشيخ في النهاية، وهو قول ابن الجنيد. وفرق ابن إدريس ضعيف جدا، إذ البحث وقع في مال في يد المقر ادعى أنه وديعة، وادعى صاحبه أنه دين. لنا: إنه اعترف بثبوت يده على مال الغير وهو يقتضي ظاهرا بالضمان، فيكون القول قول من يدعي الدين قضاء بالظاهر. وما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن الرجل استودع رجلا ألف درهم فضاعت فقال الرجل: كانت عندي وديعة وقال الآخر: إنما كانت قرضا، قال: المال لازم له، إلا أن يقيم البينة أنها كانت وديعة (2). مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان في يد رجل سلعة ادعى أنها رهن وقال

(1) السرائر: ج 2 ص 437.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 179 ح 788، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أحكام الوديعة ح 1 ج 13 ص 232.

[ 64 ]

صاحبها: هي وديعة كانت البينة على المدعي أنها وديعة، لأن خصمه مقر بأن يده لم تكن غاصبة، ولا يجوز إزالة يده عما ليست غاصبة إلا ببينة أو اختيار لذلك. وكذا قال الصدوق في المقنع: إن القول قول من يدعي الرهن مع اليمين إذا لم يقم مدعي الوديعة البينة (1). والوجه أن القول قول المالك، عملا بالأصل، وهو الأشهر. وللشيخ قولان: ففي النهاية (2) كما قلناه، وفي الاستبصار (3) كما قاله ابن الجنيد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مات المستودع وله ورثة جماعة لم يسلمها إلا إلى جماعتهم، أو واحد يتفقون عليه، أو يعطي كل ذي حق حقه (4). وقال ابن إدريس: إن لم يتفقوا على أحد فالأولى دفعها إلى الحاكم، لأن الودعي لا يجوز له قسمتها (5). وهذا القول ليس واردا على الشيخ، لأن الشيخ قال: " أو يسلم إلى كل ذي حق حقه " وذلك إنما يكون بالتسليم مشاعا، أو بأن يرضى كل واحد منهم بما يدفعه إلى صاحبه، وإلا لم يكن حقا له، لكنه لقصور فهمه يعترض بمثل هذه الايرادات الفاسدة. مسألة: إذا أتجر الودعي بالوديعة من غير إذن المالك كان ضامنا والربح للمالك بأجمعه، قاله الشيخان (6)، وسلار (7)، وأبو الصلاح (8)، وابن البراج

(1) المقنع: ص 129.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 247.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 123 ذيل الحديث 2.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 261.
(5) السرائر: ج 2 ص 438.
(6) المقنعة: ص 626، النهاية ونكتها: ج 2 ص 260.
(7) المراسم: ص 193.
(8) الكافي في الفقه: ص 230.

[ 65 ]

وغيرهم، وكذا قال ابن الجنيد، إلا أن أصحابنا أطلقوا القول. وابن الجنيد قال: ولو تعدى فيها بالتجارة كان الربح لصاحب المال، إلا أن يكون صاحبها خيره على أن ضمنه إياها، ولو خيره على ذلك ولم يتجر فيها ولا انتفع بها ولا تعدى لم يلزمه ضمانه إياها. ولا بأس بهذا القول، لأن التضمين وإن لم يكن لازما إلا أنه يفيد الإذن في التصرف، وحينئذ يكون الربح للودعي، لأنه في الحقيقة استدانة. والذي رواه مسمع قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه فيه وحلف لي عليه ثم إنه جاءني بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حل، فأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه، وأوقفته المال الذي كنت استودعته وأتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى؟ قال: فقال: خذ نصف الربح واعطه النصف، وحله أن هذا رجل تائب والله يحب التوابين (1). والظاهر أن ذلك على وجه الاستحباب، والشيخ - رحمه الله - أفتى بما تضمنته الرواية في الدين (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أودعها في قرية فنقلها إلى قرية أخرى لغير عذر وليس بينهما مسافة والمنقول إليها مثل المنقول عنها في الكبر وكثرة الناس وكثرة الحصون لم يضمنها، لأن صاحبها رضي بأن يكون في تلك القرية وفي مثل تلك وهذه مثلها، فكأنها حرز له (3).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 180 ح 793، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام الوديعة ح 1 ج 13 ص 235.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 25 - 26.
(3) المبسوط: ج 4 ص 139 - 140.

[ 66 ]

والوجه عندي الضمان، لأنه نقل عن حرز إلى غيره في غير البلد فأوجب الضمان، كما لو كان بينهما مسافة. نعم لو اتصل البناء والعمران فالوجه ما قاله الشيخ. وقد أشار ابن إدريس إلى ما قلناه حيث قال: لا يجوز السفر بها، سواء كانت المسافة قريبة أو بعيدة (1). بل والشيخ نفسه نص على ذلك في الخلاف (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: أودعتك على أن تحفظها في هذا الموضع لزمه حفظها فيه، فإن نقلها إلى مماثل لم يضمن، لأن صاحبها قد رضي بأن يكون في ذلك الموضع، وما يكون مثل ذلك الموضع، فصار كما لو استأجر أرضا ليزرعها طعاما فله أن يزرع [ فيها ] ما يكون ضرره مثل ضرر الطعام أو دونه، ولو قال: لا تخرجها منه فأخرجها لغير عذر إلى مثله فالأقوى الضمان، بخلاف الإطلاق، لأنه مع الإطلاق يحتمل أن يكون أراد ذلك الموضع بعينه ومثله وفوض إلى اجتهاده، بخلاف ما إذا قال لا تخرجها فإنه قطع اجتهاده (3). والوجه عندي التسوية بين المسألتين، لأن الأمر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، والأكوان متضادة، فأمره بالكون في موضع معين يستلزم النهي عن الكون في غير ذلك الموضع فتساويا. مسألة: فرع الشيخ في المبسوط على الحكم الأول على مذهبه: إن الودعي لو ادعى النقل للحريق أو الغرق أو النهب فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة، لأن مثل ذلك لا يخفى. قال: وجملته أن كل موضع يدعي الحريق أو النهب أو الغرق فإنه لا يقبل قوله إلا بالبينة، وكل موضع يدعي السرقة أو الغصب أو يقول:

(1) السرائر: ج 2 ص 438.
(2) الخلاف: ج 4 ص 171 المسألة 1.
(3) المبسوط: ج 4 ص 140 - 141.

[ 67 ]

تلف في يده فإن القول قوله مع يمينه بلا بينة، والفرق أن الحريق والغرق لا يخفى ويمكن إقامة البينة عليه (1). والوجه تفريعا على قوله قبول قوله مع اليمين في الموضعين، سواء ادعى شيئا ظاهرا أو خفيا، وهو الأشهر، لما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان (2). مسألة: قال في المبسوط: لو ادعى الرد كان القول قوله مع اليمين، لأنه أمينه ولا بدل له على حفظها، بخلاف المرتهن، لأنه يمسكه على نفسه طلبا لمنفعة نفسه وهو بنفسه يأخذ الحق من رقبة الرهن، والمودع ممسك على غيره حافظ لغيره من غير فائدة (3). ويحتمل أن يكون القول قول المالك، لأنه منكر فيقدم قوله مع اليمين، لكن الأشهر الأول. مسألة: إذا أمره بالايداع فلم يشهد عليه قوى الشيخ عدم الضمان (4). ولو أمره بقضاء الدين قال: يضمن بترك الاشهاد وإن صدقه عليه، لأنه فرط حيث دفع دفعا غير مبرئ (5). ولو قيل بالتسوية في الموضعين في عدم الضمان كان وجها، لأنه امتثل ما أمره به، وجحود القابض لا يوجب الضمان على الدافع والبراءة في نفس الأمر قد وقعت.

(1) المبسوط: ج 4 ص 141.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 179 ح 790، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الوديعة ح 4 ج 13 ص 227.
(3) المبسوط: ج 4 ص 141.
(4) المبسوط: ج 4 ص 142.
(5) المبسوط: ج 4 ص 142.

[ 68 ]

مسألة: قال في المبسوط: إذا أمره أن يكريها للركوب بسرج فأكراها عريانة رجع إلى أهل الخبرة فإن قالوا: ركوبها بسرج أخف لزمه الضمان، وإن قالوا: عريانة أخف لم يلزمه الضمان، لأن له أن يؤجرها لما ضرره أقل، ثم قال: ويقوى عندي أنه يضمن على كل حال، لأنه خالف المأذون فيه (1). والوجه الأول. لنا: إن المخالفة إنما تتحقق على تقدير عدم الإذن، وهذا التقدير منتف، إذ الإذن في الشئ إذن فيما هو أقل ضررا منه ولا مخالفة حينئذ، مع أن الشيخ جوز الخالفة في كثير من المواضع المناسبة لما قلناه. مسألة: قال ابن الجنيد: لو قال المودع: ما أودعتني شيئا ثم اعترف بالوديعة وادعى هلاكها لم يضمن إذا حلف، لأن إنكاره يجوز أن يكون عن سهو ونسيان لها. وقال الشيخ: لو أنكر الايداع فأقام المدعي البينة فادعى التلف قبل ذلك لم يسمع منه، وإن أقام بينة على التلف فالأقوى أنه لا يلتفت إلى بينته (2). وهو الوجه. لنا: إنه بإنكار الوديعة مكذب لدعواه الهلاك فلا تسمع، نعم لو طلب إحلاف الغريم كان له ذلك. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو كانت عنده وديعة فادعاها اثنان فقال المودع: هي لأحدهما ولا أعلم صاحبها بعينه وادعى كل واحد منهما علمه بذلك حلف يمينا واحدة، فإذا حلف وأخرجت الوديعة من عنده وبذل كل واحد من المتداعيين اليمين أنها له، استخرج واحد منهما بالقرعة، فمن خرج

(1) المبسوط: ج 4 ص 148 - 149.
(2) المبسوط: ج 4 ص 144 - 145.

[ 69 ]

اسمه وحلف سلمت إليه، أو يقسم بينهما نصفين (1). وقال ابن الجنيد: يوقف حتى يصطلحا أو تقوم بينة بها لأحدهما. ونقله الشيخ عن الشافعي (2). وتردد الشيخ في المبسوط، فتارة حكم بالايقاف حتى يصطلحا، وتارة قوى القرعة (3). وادعى في الخلاف الاجماع على أن كل أمر مشكل فيه القرعة (4). تذنيب: قال في الخلاف: يحلف يمينا واحدة (5)، وهو ظاهر كلام ابن الجنيد. وقوى في المبسوط أنه يحلف بيمين لكل واحد يمينا، كما لو أنكرهما معا وقال: هي لي ولا حق لأحدهما فيه (6). والوجه الأول. لنا: إنه يحلف على أنه لا يعرف لأيهما هي، وذلك حلف لكل منهما، بخلاف صورة الانكار، لأنه أنكر كل واحد منهما، فإذا حلف لم يكن ذلك اليمين يمينا للآخر. تذنيب: قوي في المبسوط إبقاءها في يده (7). ويشعر قوله في الخلاف أنها تنتزع (8).

(1) الخلاف: ج 4 ص 178 المسألة 14 و 15.
(2) الخلاف: ج 4 ص 178 المسألة 15.
(3) المبسوط: ج 4 ص 149 - 151.
(4) الخلاف: ج 4 ص 178 ذيل المسألة 15. (5) الخلاف: ج 4 ص 178 ذيل المسألة 14.
(6) المبسوط: ج 4 ص 149.
(7) المبسوط: ج 4 ص 151.
(8) الخلاف: ج 4 ص 171 المسألة 15.

[ 70 ]

والوجه أن الأمر في ذلك للحاكم. مسألة: المشهور إن الوديعة يجب ردها على المسلم والكافر، وأطلق الأصحاب ذلك. وقال أبو الصلاح: إذا كان المودع حربيا وجب على المودع أن يحمل ما أودعه إلى سلطان الاسلام العادل (1). وقد روى فضيل قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل استودع رجلا من مواليك مالا له قيمة والرجل الذي عليه المال رجل من العرب ويقدر على أن لا يعطيه شيئا والمستودع رجل خبيث خارجي شيطان فلم أدع شيئا، فقال لي: قل له: رده عليه فإنه ائتمنه بأمانة الله تعالى (2).

(1) الكافي في الفقه: ص 231.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 351 ح 996، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوديعة ح 9 ج 13 ص 223 - 224، وفيهما: " محمد بن القاسم ".

[ 71 ]

الفصل الثاني في العارية مسألة: المشهور أن العارية إذا لم تكن ذهبا ولا فضة لا تضمن إلا بالتفريط أو التعدي، سواء كان حيوانا أو غيره. وقال ابن الجنيد: وليس يضمن المعار تلف ما تلف منها إذا كانت السلعة متاعا إلا أن يتعدى، وما كان منها عينا أو ورقا أو حيوانا ضمن المعار تلف ذلك، إلا أن يشترط المال سقوط الضمان عنه. لنا: الأصل عدم الضمان، وأنها أوجبناه في الذهب والفضة لقصور النفع بالعارية فيها فكأنها في معنى الدين، إذ الحكمة التامة فيها أنها تحصل بإتلافها على أنه قد رويت أحاديث صحيحة تدل على ما قلناه. روى الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن (1). وفي الحسن عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: العارية مضمونة؟ قال: فقال: جميع ما استعرته فتوى (2)، فلا يلزمك تواه إلا الذهب

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 182 ح 798، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب أحكام العارية ح 6 ج 13 ص 237.
(2) التوى: هلاك المال (مجمع البحرين: ج 1 ص 71).

[ 72 ]

والفضة فإنهما يلزمان، إلا أن يشترط أنه متى توى لم يلزمك تواه. وكذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لزمك، والذهب والفضة لازم لك وإن لم يشترط عليك (1). وغير ذلك من الأحاديث. احتج بقوله - عليه السلام -: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (2). وبما رواه وهب، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - إن عليا - عليه السلام - قال: من استعار عبدا مملوكا لقوم فعيب فهو ضامن، ومن استعار حرا صغيرا فعيب فهو ضامن (3). والجواب عن الأول: إن أحاديثنا أخص فتقدم. وعن الثاني: بضعف السند، والحمل على التفريط أو على أنه لغير المالك. مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: إذا اختلفا في التفريط كان القول قول المستعير مع اليمين وعدم البينة (4). وتبعه ابن البراج (5)، وأبو الصلاح (6)، وابن حمزة (7)، وابن إدريس (8). وقال المفيد: وإن تعدى المستعير في العارية ضمنها، وإن لم يكن صاحبها قد اشترط ضمانها، والقول في الخلف بين المستعير وصاحب العارية كالقول في

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 183 ح 806، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام العارية ح 2 ج 13 ص 239 - 240.
(2) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 802 ح 2400.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 185 ح 814، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب أحكام العارية ح 11 ج 13 ص 238.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 263. (5) لم نعثر عليه في المهذب ولعله في كتاب الكامل.
(6) الكافي في الفقه: ص 329.
(7) الوسيلة: ص 276.
(8) السرائر: ج 2 ص 430.

[ 73 ]

الوديعة والرهن سواء، إن كانت لأحدهما بينة حكم له بها، وإن لم تكن له بينة فالقول قول صاحب العارية مع يمينه بالله عز وجل (1). مع أنه لم يذكر في الرهن ولا الوديعة الحلف في التفريط بل في القيمة معه، وجعل القول قول المالك. وقال سلار: ما يضمن يلزم ضمانه على كل حال، وما لم يضمن لا يلزم ذلك فيه إلا بالتفريط خاصة، فإن اختلفا في شئ من ذلك فالقول قول المعير مع يمينه إذا عدما البينة (2). فإن قصد الحلف في التفريط صارت المسألة خلافية. لنا: إنه منكر فالقول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة. مسألة: ولو اختلفا في القيمة بعد التفريط قال الشيخان: القول قول المالك مع يمينه. وبه قال سلار (4)، وابن حمزة (5)، وابن البراج. وقال أبو الصلاح: فإن اختلفا في مبلغها أو قيمتها أخذ ما أقر به المستعير ووقف ما زاد عليه على بينة أو يمين المعير (6). فإن قصد يمين المعير برد المستعير صار قوله مخالفا لما تقدم، وإلا فلا. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول الأدلة والمذهب أن القول قول المدعى عليه، وهو المستعير مع يمينه (7). وهو الوجه عندي.

(1) المقنعة: ص 630.
(2) المراسم: ص 194.
(3) المقنعة: ص 630، النهاية ونكتها: ج 2 ص 262 - 263.
(4) المراسم: ص 194.
(5) الوسيلة: ص 276.
(6) الكافي في الفقه: ص 329.
(7) السرائر: ج 2 ص 431.

[ 74 ]

لنا: إنه منكر فالقول قوله مع اليمين، لقوله - عليه السلام -: (البينة على المدعي واليمين على المنكر " (1). احتجوا ببطلان الأمانة بالخيانة فلم يكن قوله مقبولا في القيمة. والجواب: لازم من بطلان الأمانة خروجهم عن حكم المنكر. مسألة: قال ابن حمزة: إن هلك مضمون لزم قيمته يوم القبض، وإن هلك غير مضمون بالتفريط لزم قيمته يوم التلف (2). والمعتمد أن نقول: إن كان من ذوات الامثال ضمنه بالمثل، وإن كان من ذوات القيمة ضمنه بقيمة يوم التلف إن كان مضمونا، وبأعلى القيمة من حين التفريط إلى حين التلف إن هلك بالتفريط إن قلنا: إن الغاصب يضمن بأعلى القيم، وإلا فالقيمة يوم التلف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): إذا اختلف صاحب الدابة والراكب فقال الراكب: أعرتنيها وقال صاحب الدابة: أكريتكها بكذا كان القول قول الراكب مع يمينه وعلى صاحبها البينة. إلا أنه قال في المبسوط: قال: أعرتنيها مضمونة، وأطلق في الخلاف. وقال في المبسوط (5) والخلاف (6): وكذا إذا اختلف الزارع وصاحب الأرض فادعى الزارع العارية وادعى صاحب الأرض الكرى فالقول قول الزارع.

(1) سن البيهقي: ج 1 ص 252 وفيه: " واليمين على المدعى عليه ".
(2) الوسيلة: ص 276.
(3) الخلاف: ج 3 ص 388 المسألة 3.
(4) المبسوط: ج 3 ص 52.
(5) المبسوط: ج 3 ص 50.
(6) الخلاف: ج 3 ص 389 المسألة 4.

[ 75 ]

وقال في كتاب المزارعة من الخلاف: إذا اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها وقال رب الأرض: بل أكريتكها وليس مع واحد منهما بينة حكم بالقرعة، وللشافعي قولان: أحدهما - وعليه أكثر أصحابه -: إن القول قول الزارع. وكذلك في الراكب إذا ادعى أن صاحب الدابة أعاره إياها، وهذا الذي يقوى في نفسي. دليلنا على الأول: إجماع الفرقة على أن كل مجهول مشتبه فيه القرعة، وهذا من ذلك. وأما على ما قلناه ثانيا هو: أن الأصل براءة الذمة، وصاحب الدابة والأرض يدعي الأجرة فعليه البينة، فإذا عدمها كان على الراكب والزارع اليمين (1). وقال في باب المزارعة من المبسوط: القول قول رب الأرض مع يمينه لو ادعى الإجارة وادعى الزارع العارية، لجريان العادة بإكراء الأرض، ثم قال: والأحوط أن تستعمل القرعة (2). وقال ابن إدريس: لا يقبل قول المالك في قدر ما ادعاه من الأجرة ولا قول الراكب في العارية فالواجب أجرة المثل عوضا عن منافع الدابة، وكذا البحث في الأرض إذا اختلف المالك والزارع، ثم نقل كلام شيخنا في الخلاف. واستقرب الرجوع إلى القرعة، لأنها في المشتبه، وهذا بين من أن على المدعي البينة. وما اختاره الشيخ ثانيا قال: إنه خيرة الرأي، ولا أستجمل من الشيخ هذين القولين، وأمر بأن يلحظ ذلك (3). والشيخ - رحمه الله - إنما التجأ إلى القرعة، لأن المالك يدعي عقدا والمستعير يدعي استيفاء منفعته بغير عوض، ولا ترجيح لأحدهما ولا بينة فحصل

(1) الخلاف: ج 3 ص 521 - 522 المسألة 11.
(2) المبسوط: ج 3 ص 266.
(3) السرائر: ج 2 ص 431 - 432.

[ 76 ]

الاشتباه ولزمت القرعة، وترجيحه لقول الراكب ثانيا، لأن المالك وافقه على أن يده ليست يد عارية، وإن له أن يستوفي المنافع وإنه مستحق لها ويدعي عليه عوضا والمراكب منكر العوض فكان القول قوله مع اليمين، عملا بأصالة البراءة واثبات اليمين على المنكر. وقول ابن إدريس: " بوجوب أجرة المثل " ليس بجيد، بل الحق أن نقول: يتحالفان، فيحلف المالك على نفي العارية ويحلف المستعير على نفي الأجرة ويثبت أقل الأمرين من أجرة المثل والقدر المدعى. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا اختلفا فقال المالك: غصبتها وقال الراكب: أعرتنيها قدم قول الراكب، لأصالة براءة الذمة والمالك يدعي الضمان للدابة، ولزوم الأجرة إن كان ركبها. والوجه ما قاله ابن إدريس، وهو: إن القول قول المالك مع يمينه (3)، لما تقدم، وهو قول الشيخ في المزارعة من المبسوط (4). إلا أنه بقي هنا بحث وهو: إن الدابة إن كانت باقية ردها والأجرة، وإن كانت تالفة رد الأجرة، وهل ترد أعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف - إن أوجبناه على الغاصب - أو القيمة يوم التلف؟ والوجه هنا التحالف وتثبت القيمة يوم التلف خاصة، وإن لم توجب أعلى القيم على الغاصب فلا بحث. مسألة: قال أبو الصلاح: العارية المضمونة العين والورق على كل حال وما عداهما من الأعيان بشرط التضمين أو التعدي فمتى هلكت أو نقصت والحال هذه فعلى المستعير ضمان مثل ما هلك من المال وقيمة ما تلف من الأعيان

(1) الخلاف: ج 3 ص 389 المسألة 5.
(2) المبسوط: ج 3 ص 52.
(3) السرائر: ج 2 ص 430. (4) المبسوط: ج 3 ص 267.

[ 77 ]

وأرش ما نقص (1)، وأطلق. وكذا قال ابن الجنيد. والشيخ قال في المبسوط: إن نقصت بالاستعمال ثم تلفت العين لم يضمن إلا مع التعدي أو شرط تضمين ما نقص، لأن الذاهب من الأجزاء مأذون في إذهابها بمجرى العادة (2). وهو الوجه، لما قاله الشيخ. مسألة: إذا ادعى الراكب الإجارة والمالك العارية المضمونة بعد تلفها قبل مضي مدة لمثلها أجرة قال الشيخ في المبسوط: القول قول الراكب مع يمينه، لأن صاحبها يدعي ضمانا في العارية فعليه البينة، والأصل براءة ذمة الراكب (3). والأقرب أن القول قول المالك، لأن الأصل تضمين مال الغير، لقوله - عليه السلام -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أذن له في الغرس ولم يعين مدة فغرس كان للمالك المطالبة بالقلع إذا دفع الأرش، بأن يغرم له ما ينقص فيقوم قائمة ومقلوعة ويغرم ما بين القيمتين، وإن قال المعير: أنا أغرم لك قيمتها أجبر المستعير على قبضها، لأنه لا ضرر عليه فيه، ولو قال المستعير: أنا أضمن قيمة الأرض لم يكن له ذلك (5). والوجه عندي أنه لا يجبر المستعير على أخذ قيمة غرسه، بل له المطالبة بعينه والأرش. قال الشيخ: وللغارس بيعها على المالك، والأقوى أنه ليس له بيعها على

(1) الكافي في الفقه: ص 329.
(2) المبسوط: ج 3 ص 50.
(3) المبسوط: ج 3 ص 52 وفيه: (القول قول صاحبها).
(4) سنن ابن ماجة: ج 802 ح 2400.
(5) المبسوط: ج 3 ص 53 - 55.

[ 78 ]

غيره، لعدم إمكان التسليم (1). وفيه إشكال. مسألة: لو أذن له في الزرع فزرع قال الشيخ: ليس له المطالبة بقلعه قبل إدراكه وإن دفع الأرش، لأن له وقتا ينتهي إليه (2). وتبعه ابن إدريس (3). ولو قيل له ذلك كان وجها، لأنه عارية فلا تجب. مسألة: لو أذن له في وضع جذع على حائطه ليبني عليه وطرفه الآخر على حائط المستعير قال الشيخ: لم يكن له بعد الوضع الازالة وإن ضمن الأرش، لأنه يؤدي إلى قلع جذوعه من ملكه مجبرا، بخلاف الغرس، لأنه في ملك غيره (4). وتبعه ابن إدريس (5). والوجه عندي جواز ذلك، لأنه عارية، فللمالك الرجوع فيها وإن أدى إلى تخريب مال الغير لانجباره بالأرش. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أعاره براحا (6) ليبني فيه أو يغرس مدة معلومة لم يكن لصاحب الأرض أن يخرجه عن بنائه وغرسه كرها قبل انقضاء المدة، فإن فعل ذلك كان كالغاصب وعليه أعلى قيمة بنائه وغرسه قائما ومنفردا، ولو كانت الاعارة غير مؤقتة كان لصاحب الأرض اخراجه إذا أعطاه قيمة بنائه وغرسه ثم يخرجه وهو بحاله. أما الحكم الثاني فقد وافق فيه الشيخ (7) على ما تقدم، وبينا ما عندنا فيه.

(1) المبسوط: ج 3 ص 56.
(2) المبسوط: ج 3 ص 56.
(3) السرائر: ج 2 ص 433.
(4) المبسوط: ج 3 ص 56.
(5) السرائر: ج 2 ص 433 - 434.
(6) الأرض البراح: واسعة ظاهرة لا نبات فيها ولا عمران (لسان العرب: ج 2 ص 409 مادة برح).
(7) المبسوط: ج 3 ص 53 - 54.

[ 79 ]

وأما الحكم الأول فالوجه أن للمالك المطالبة بالقلع مع دفع الأرش كما قلناه في المطلق، ولا موجب الشراء لو طلبه الغارس، ونمنع مساواته للغاصب. مسألة: إذا حمل السيل حبا لرجل فنبت في أرض إنسان بغير علمه قال الشيخ في المبسوط: من الناس من قال: لا يجبر على قلعه، لأنه غير متعد فيه فهو كالمستعير، ومنهم من قال: يجبر على قلعه من غير أرش، لأنه لم يأذن له في ذلك (1). وهذا أقرب إلى الصواب. وقال ابن البراج: لا يجوز لصاحب الأرض مطالبته بقلعه، لأنه لم يتعد في ذلك (2). والوجه ما قاله الشيخ، لأن الأرض لمالكها فله الانتفاع بها على أي وجه كان، وتفريعها من مال الغير الحاصل فيها بغير إذنه، لأن الناس مسلطون على أموالهم، وعدم الإثم والتعدي لا يقتضي منع المالك عن التسليط على ملكه.

(1) المبسوط: ج 3 ص 56.
(2) المهذب: ج 1 ص 233.

[ 80 ]

الفصل الثالث في اللقطة مسألة: لا يجوز تملك لقطة الحرم إجماعا، بل يجب تعريفها حولا، ثم يتخير بعده بين الاحتفاظ والصدقة، فإن تصدق بها بعد الحول ففي الضمان قولان للشيخ: أحدهما: ثبوته، قاله في النهاية في باب آخر من فقه الحج (1)، وكذا قال في المبسوط (2) والخلاف (3)، وبه قال ابن الجنيد، وابن إدريس (4). والقول الثاني في باب اللقطة من النهاية: إنه لا ضمان عليه (5)، وهو قول المفيد (6)، وابن البراج (7)، وسلار (8)، وابن حمزة (9)، ووالدي - رحمه الله - والأقوى الأول. لنا: إنه تصرف في مال الغير بغير إذنه وأتلفه عليه بغير قوله فكان ضامنا. وما رواه علي بن أيي حمزة، عن العبد الصالح موسى بن جعفر الكاظم - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل وجد دينارا في الحرم فأخذه فقال: بئس ما

(1) النهاية ونكتها: ج 1 ص 558.
(2) المبسوط: ج 3 ص 32.
(3) الخلاف: ج 3 ص 58 المسألة 12.
(4) السرائر: ج 2 ص 101.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 46.
(6) المقنعة: ص 646.
(7) المهذب: ج 2 ص 567. (8) المراسم: ص 206.
(9) الوسيلة: ص 278.

[ 81 ]

صنع ما كان ينبغي له أن يأخذه، قال: قلت: ابتلي بذلك، قال: يعرفه، قلت: فإنه قد عرفه فلم يجد له باغيا، فقال: يرجع إلى بلده فيتصدق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن (1). احتج الشيخ بأنه فعل المأمور به من الصدقة فلا يجب عليه عقوبة الضمان. والجواب: لا منافاة بين الضمان والأمر بالصدقة، كلقطة غير الحرم إجماعا. مسألة: قال ابن الجنيد: لقطة الحرم خاصة، فلا أستحب لملتقطها إخلاطها بماله قبل السنة ولا بعدها، بل يتصدق بها بعد السنة، فإن جاء صاحبها خيره بين أجرها أو غرمها إن عرفها، وإن كانت به حاجة إليها تصدق بثلثها وكان الثلثان في ذمته لصاحبها إن جاء، والقول في الثلث الذي تصدق به كالقول فيها كلها لو تصدق بها. ولم يقل أحد من أصحابنا ذلك، بل منعوا كل المنع من التصرف فيها، للنهي عن التصرف في مال الغير بغير إذنه، للأحاديث الدالة عليه. احتج بما رواه محمد بن رجاء الخياط قال: كتبت إليه إني كنت في المسجد الحرام فرأيت دينارا فأهويت إليه لاخذه فإذا أنا بآخر ثم نحيت الحصا فإذا أنا بثالث فأخذتها فعرفتها فلم يعرفها أحد فما تأمرني في ذلك جعلت فداك؟ قال: فكتب إلي: قد فهمت ما ذكرت من أمر الدينارين - تحت ذكري موضع الدينارين، ثم كتب تحت قصة الثالث - فإن كنت محتاجا فتصدق بالثالث، وإن كنت غنيا فتصدق بالكل (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 395 - 396 ح 1190، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 368.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 395 ح 1188، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 367.

[ 82 ]

والجواب: الحمل على الضرورة. مسألة: قال علي بن بابويه: وإن وجدت في الحرم دينارا مطلسا فهو لك لا تعرفه. وكذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه (1). والمشهور التحريم، للعموم الدال على المنع من أخذ لقطة الحرم. احتج بما رواه الفضل بن غزوان قال: كنت عند أبي عبد الله - عليه السلام - فقال له الطيار: إن ابني حمزة وجد دينارا في الطواف قد انسحق كتابته، قال: هو له (2). والجواب: المعارضة بما تقدم من الأحاديث. مسألة: قال الشيخ في النهاية: اللقطة ضربان: ضرب يجوز أخذه ولا يكون على من أخذه ضمانه ولا تعريفه وهو ما كان دون الدرهم، أو يكون قد وجده في موضع خرب قد باد أهله واستنكر رسمه. وضرب لا يجوز أخذه، فإن أخذه لزمه حفظه وتعريفه، وهو على ضربين: ضرب يجده في الحرم فيجب تعريفه سنة ثم يتصدق به، وضرب يجده في غير الحرم فيلزمه أيضا تعريفه سنة، فإن جاء صاحبه رد عليه، وإن لم يجئ كان كسبيل ماله (3). والكلام في هذه المسألة يقع في مقامات أربعة: المقام الأول: ما يجده في الحرم مما يقل قيمته عن درهم هل يجوز أخذه؟ هذا الكلام يشعر بذلك، وكذا عبارة ابن البراج في الكامل، وابن إدريس (4). وقال علي بن بابويه: اللقطة لقطتان: لقطة الحرم ولقطة غيره، فأما لقطة

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 297 ذيل الحديث 4064.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 394 - 395 ح 1187، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 368 ص 368، وفيه: (قد انسحقت).
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 44 - 46.
(4) السرائر: ج 2 ص 101.

[ 83 ]

الحرم فإنها تعرف سنة، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها. ولقطة غير الحرم تعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فهي كسبيل مالك، وإن كان دون الدرهم فهي لك. وهذا يشعر بأن المأخوذ في الحرم يجب تعريفه مطلقا، وكذا عبارة ابنه في المقنع (1). والمفيد - رحمه الله - قال: من وجد شيئا في الحرم فليعرفه سنة كاملة، فإن وجد صاحبه دفعه إليه، وإن لم يجده فليتصدق به، وإن كان الموجود في غير الحرم عرف سنة، فإن جاء صاحبه وإلا تصرف فيه الذي وجده وهو ضامن له. ثم ذكر بعد كلام طويل: ولا بأس أن ينتفع الانسان بما يجده مما لم يبلغ قيمته درهما واحدا ولا يعرفه (2). واحتمال عوده إلى غير الحرم أظهر، لأنه ذكر حكم لقطة الحرم ثم انتقل إلى لقطة غيره وفرع عليه ثم ذكر هذا الكلام. وقال سلار: غير الحيوان ضربان: ما لا يبلغ قيمته أكثر من درهم واحد وما يزيد، فالأول يأخذه وينتفع به بلا تعريف، والآخر طعام وغيره، إما موجود تحت الأرض أو فوقها، وما يوجد على ظهرها ضربان: موجود في الحرم وموجود في غيره، فما يوجد في الحرم يعرف سنة ثم يتصدق به، وما يوجد في غيره يعرف سنة، فإن وجد مالكه وإلا تصرف فيه (3). وهو يشعر بإباحة ما نقص عن الدرهم في الحرم. والوجه ما قال علي بن بابويه. لنا: الأصل عصمة مال الغير، وقوله تعالى: " أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا " (4).

(1) المقنع: ص 127 - 128.
(2) المقنعة: ص 646 - 647.
(3) المراسم: ص 206.
(4) العنكبوت: 67.

[ 84 ]

وما رواه إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن الماضي - عليه السلام - قال: لقطة الحرم لا تمس بيد ولا رجل، ولو أن الناس تركوها لجاء صاحبها فأخذها (1). المقام الثاني: هل يجب تعريف الدرهم أو الزائد عليه؟ الظاهر من كلام الشيخين (2)، وابن إدريس (3)، وابن البراج (4)، وعلي بن بابويه وولده (5) وجوبه. وقال سلار: وما لا يبلغ قيمته أكثر من درهم يأخذه وينتفع به بلا تعريف، وما يزيد على الدرهم يعرفه (6)، وهو قول ابن حمزة (7). والوجه الأول. لنا: إن الأصل عصمة مال الغير. وما رواه علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى الكاظم - عليه السلام - وسألته عن رجل يصيب درهما أو ثوبا أو دابة كيف يصنع؟ قال: يعرفها سنة (8)، الحديث. وما رواه محمد بن أبي حمزة، عن بعض أصحابنا، عن الصادق - عليه

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 390 ح 1166، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللقطة ح 3 ج 17 ص 348.
(2) المقنعة: ص 647، النهاية ونكتها: ج 2 ص 44.
(3) السرائر: ج 2 ص 101.
(4) المهذب: ج 2 ص 567.
(5) المقنع: 127.
(6) المراسم: ص 206.
(7) الوسيلة: ص 278. (8) قرب الاسناد: باب اللقطة وما يحل فيها ص 115، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 13 ج 17 ص 352.

[ 85 ]

السلام - قال: وما كان دون الدرهم فلا يعرف (1). وهو يدل من حيث المفهوم على تعريف الدرهم. المقام الثالث: كلام الشيخ يشعر بمنع أخذ ما زاد على الدرهم من اللقطتين (2). وكذا قال ابن البراج (3). وقال علي بن بابويه: أفضل ما تستعمله في اللقطة إذا وجدتها في الحرم أو غير الحرم أن تتركها ولا تمسها. وهو يدل على أولوية الترك. وقال ابنه: وإذا وجدت لقطة فلا تمسها ولا تأخذها (4). والأشهر لكراهية. لنا: الأصل الدال على الإباحة والأحاديث المسوغة للأخذ مع التعريف. احتج المانعون بأن الأصل عصمة مال الغير. وما رواه الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرنا لأبي عبد الله - عليه السلام - اللقطة، فقال: لا تعرض لها، فإن الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتى يأخذها (5). والجواب: لا منافاة بين عصمة مال الغير والالتقاط، فإنا لا نملكه إياها بمجرده، بل نأمره بالتعريف والانشاد، وذلك حفظ لها. وقد روى زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن اللقطة فأراني

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 389 ح 1161، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 354.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 44.
(3) المهذب: ج 2 ص 570.
(4) المقنع: ص 127.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 390 ح 1166، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 348.

[ 86 ]

خاتما في يده من فضة، قال: إن هذا مما جاء به السيل وأنا أريد أن أتصدق به (1). وذلك يدل على التسويغ. المقام الرابع: إذا عرف لقطة غير الحرم سنة هل تدخل في ملكه بغير اختياره أو باختياره؟ ظاهر كلام الشيخ في النهاية الأول فإنه قال: يعرفها سنة، فإن لم يجئ صاحبها كانت كسبيل ماله (2). وكذا قال ابنا بابويه (3)، وبه قال ابن إدريس (4). وقال المفيد (5)، وسلار (6): وإن كان الموجود في غير الحرم عرف سنة، فإن جاء صاحبه وإلا تصرف فيه الذي وجده وهو ضامن له. وليس فيه دلالة قاطعة على أحد القولين. وقال الشيخ في الخلاف (7) والمبسوط (8): إذا عرفها سنة لا تدخل في ملكه إلا باختياره، بأن يقول: قد اخترت ملكها. وكذا قال ابن حمزة (9)، وأبو الصلاح (10). وقال ابن إدريس: الصحيح أنه يملكها بغير اختياره، وهو مذهب أصحابنا أجمع، وبه تواترت أخبارهم. وقول الشيخ في الخلاف إنه: " يتخير بين حفظها على صاحبها، وبين أن يتصدق بها عنه ويكون ضامنا، وبين أن يتملكها " فمذهب الشافعي وأبو حنيفة اختاره هنا. والصحيح الحق اليقين إجماع أصحابنا

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 391 ح 1172، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب اللقطة ح 3 ج 17 ص 358.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 46.
(3) المقنع: ص 127.
(7) الخلاف: ج 3 ص 584 المسألة 10.
(4) السرائر: ج 2 ص 102.
(8) المبسوط: ج 3 ص 323.
(5) المقنعة: ص 646.
(9) الوسيلة: ص 278.
(6) المراسم: ص 206.
(10) الكافي في الفقه: ص 350 - 351.

[ 87 ]

على أنه بعد السنة يكون كسبيل ماله، أو يتصدق بها بشرط الضمان، ولم يقولوا هو بالخيار بعد السنة في حفظها على صاحبها. وشيخنا أبو جعفر في الجزء الأول من الخلاف والمبسوط قال: (إذا وجد نصابا من الأثمان أو غيرها من المواشي عرفها سنة ثم هو كسبيل ماله وملكه، فإذا حال بعد ذلك حول أو أحوال لزمته زكاته، لأنه مالك وإن كان ضامنا له ولا زكاة على صاحبها، وقال الشافعي: إذا كان بعد سنة هل تدخل في ملكه بغير اختياره؟ على قولين: أحدهما - وهو المذهب - أنه: لا يملكها إلا باختياره، والثاني: تدخل بغير اختياره، فإذا قال: لا يملكها إلا باختياره فإذا ملكها فإن كان من الأثمان يجب مثلها في ذمته، وإن كانت ماشية وجب قيمتها، وأما الزكاة فإذا حال الحول من حين التقط فلا زكاة فيها، لأنه أمين، وأما الحول الثاني فإن لم يملكها فهي أمانة أبدا في يده. دليلنا: ما روي عنهم - عليهم السلام - أنهم قالوا: لقطة غير الحرم يعرفها سنة ثم هي لسبيل ماله وسبيل ماله أن يجب فيه الزكاة، وبهذا الظاهر يجب الزكاة) قال ابن إدريس: فلو لا دخولها في ملكه بغير اختياره لما وجبت عليه الزكاة بعد السنة والتعريف وحؤول الحول (1). والمعتمد ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف والمبسوط. لنا: قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (2) خرج عنها ما إذا تملكها بعد الحول، للاجماع، ولوجوب دفع العوض المساوي للعين من كل وجه، فيبقى الباقي على العموم، وقوله - عليه السلام -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (3) أوجب دفع العين. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليه السلام - قال:

(1) السرائر: ج 2 ص 103 - 104.
(2) النساء: 58.
(3) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 802 ح 2400.

[ 88 ]

سألته عن اللقطة؟ قال: لا تقربوها، فإن ابتليت فعرفها سنة، فإن جاء طالبها وإلا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك إلى أن يجئ طالب لها (1). فأمر - عليه السلام - بجعلها في عرض ماله ويجري عليها ما يجري على ماله، ولم يصرح بجعلها مالا له. وعن أبي بصير، عن الباقر - عليه السلام - قال: من وجد شيئا فهو له فليتمتع به حتى يأتيه طالبه، فإذا جاء طالبه رده إليه (2). أوجب رد العين، وليس ذلك قبل الحول إجماعا - لتحريم التصرف فيه - بل بعد الحول. ولأن الأصل بقاء الملك على صاحبه، وعدم نقله عنه إلا لسبب موجب للنقل، وليس مضي الزمان موجبا له إذا لم يعهد في الشرع جعله سببا. ولورود النص: بأنه إذا تصدق بها بعد الحول خير المالك بين الغرم وكون الأجر له، وبين عدمه وكون الأجر للمالك (3). ولو كان ملكا له كان ثواب الصدقة له لا ينتقل عنه بالغرم. احتج بما روى داود بن سرحان، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في اللقطة يعرفها سنة تم هي كسائر ماله (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 390 ح 1165، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 3 ج 17 ص 350.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 392 ح 1175، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 354. (3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 389 ح 1164، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 349 - 350.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 389 ح 1161، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 11 ج 17 ص 352.

[ 89 ]

وبما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في اللقطة يجدها الرجل الفقير أهو فيها بمنزلة الغني؟ قال: نعم، واللقطة يجدها الرجل ويأخذها، قال: يعرفها سنة فإن جاء لها طالب وإلا فهي كسبيل ماله (1). والجواب: إن التشبيه يدل على المغايرة، وإلا لكان اتحادا لا تشبيها، وهو يدل على نفي المالية. وادعاؤه الاجماع وتواتر الأخبار خطأ، فإن أكثر الأصحاب قالوا: إنه لا يملك إلا بالبينة، بل أبو الصلاح جعل نية الاحتفاظ وعدم التملك أولى (2)، والأخبار إنما تنطق بما قلناه، وقد بينا الخلاف فيه، ولا تواترها هنا. ونسبة الشيخ إلى اختيار مذهب الشافعي وأبي حنيفة جهل منه وقلة تحصيل، لأنه إن قصد أنه اختار مذهبهما لدليل فهو الواجب عليه وعلى كل أحد، وإن كان لا دليل فقد نسب الشيخ إلى الخطأ، إذ التقليد لمثله لا يجوز، ولعدم تحصيل هذا الرجل لا يعرف ما يدل كلامه عليه. مسألة: المشهور كراهة أخذ اللقطة مطلقا، والشيخ فصل في المبسوط فقال: إن كان أمينا وهي في العمران والناس غير أمناء استحب له أخذها (3). وهو الوجه. وقال ابن الجنيد: فإن قصد الأخذ لها حفظها على صاحبها خوف أخذها من لا أمانة له فتتلف على صاحبها، وجوز أن يؤجر إذا أدى الأمانة فيها. لنا: إن فيه حفظا لها على مالكها. ولأن الباقر - عليه السلام - أخذ خاتما من السيل (4)، فهو منزه عن فعل

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 389 ج 1163، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 349.
(2) الكافي في الفقه: ص 350.
(3) المبسوط: ج 3 ص 321، وفيه: " والناس غير أمناء وجب له أخذها ".
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 391 ح 1172، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب اللقطة ح 3 ج 17 ص 358.

[ 90 ]

المكروه. مسألة: المشهور إنه يجب تعريف اللقطة، سواء نوى الحفظ أو التملك بعد الحول. وقال الشيخ في المبسوط: إذا أراد حفظها على صاحبها لم يلزمه أن يعرف، لأن التعريف إنما يكون ليتملك، وإن أراد التملك وجب التعريف سنة (1). والمعتمد الأول. لنا: الأحاديث مطابقة على وجوب التعريف حولا، وقول الشيخ: " العلة التملك " ممنوع، بل وجدان المالك. مسألة: حرم أبو الصلاح التقاط الاداوة والقربة وغيرهما من أوعية الماء والحذاء والسوط (2). وقال علي بن بابويه: وإن وجدت أداوة أو نعلا أو سوطا فلا تأخذه، وإن وجدت مسلة أو مخيطا أو سيرا فخذه وانتفع به. وقال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه: وسأله داود بن أبي يزيد عن الاداوة والنعلين والسوط يجده الرجل في الطريق أينتفع به، قال: لا يمسه، وقال - عليه السلام -: لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه (3). وقال المفيد: يكره أخذ السوط والأداوة والحذاء، لأن فقدها قد يؤدي إلى هلاك صاحبها، لأن الاداوة يحفظ ما يقوم به الرمق من الماء، والحذاء يحفظ به رجل الماشي من الزمانة والآفات والسوط يسير البعير، فإذا فقده خيف عليه

(1) المبسوط: ج 3 ص 322.
(2) الكافي في الفقه: ص 350.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 295 ح 4055 و 4056، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب اللقطة ح 2 و 3 ج 17 ص 394.

[ 91 ]

العطب (1). وقال سلار: إلا أن يكون أداوة أو محصورة فلا يأخذهما بل يتركهما (2). وقال الشيخ في النهاية: يكره أخذ ماله قيمة يسيرة كالعصا والشظاظ والحبل والوتد والعقال وأشباه ذلك، وليس بمحظور (3). والمعتمد الكراهة، كما قاله الشيخ. لنا: الأصل عدم التحريم. وما رواه حريز في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا بأس بلقطة العصا والشظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه، وقال أبو جعفر - عليه السلام -: ليس لهذا طالب (4). احتج المانع بما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن النعلين والأداوة والسوط يجده الرجل في الطريق أينتفع به؟ قال: لا تمسه (5). والجواب: إنه محمول على الكراهة، ولأن طريق روايتنا أصح. تذنيب: قال ابن الجنيد: وما لا مقدار لقيمته كالوتد والعقال والشظاظ فلا بأس لذي الحاجة إليه يأخذه ويغرمه إذا تلف على صاحبه. ولم يذكر ذلك غيره من علمائنا، وهو وجه، لأنه أتلف مال الغير فكان عليه ضمانه.

(1) المقنعة: ص 647 - 648. (2) المراسم: ص 206.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 48.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 393 ح 1179، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 362.
(5) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 394 ح 1183، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 363.

[ 92 ]

مسألة: المشهور إن لقطة ما نقص عن درهم لا يجب ضمانه ولا تعريفه، قاله الشيخ في النهاية (1)، وبه قال أبو الصلاح (2). وقال ابن إدريس: اللقطة ضربان: ضرب منه يجوز أخذه ولا يكون على من أخذه ضمانه ولا تعريفه، بل يجوز له التصرف فيه قبل التعريف، ومتى أقام صاحبه بينة وجب رده عليه، لأنه ملك الغير، وإنما أباح الشارع التصرف فيه قبل التعريف، كما أباح التصرف فيه بعد السنة فيما يجب تعريفه، وهو ما كان دون الدرهم (3). وفي هذا الكلام مناقضة ظاهرة، لأن عدم الضمان يقتضي عدم الرد عليه لو أقام صاحبه البينة، وإلا فأي معنى له. واعلم أن قول المفيد في هذا الباب جيد، فإنه قال: ما يجده في الحرم يعرفه سنة كاملة ثم يتصدق به، وما يجده في غيره يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا تصرف فيه. ثم قال بعد كلام طويل: ولا بأس أن ينتفع الانسان بما يجده مما لا يبلغ قيمته درهما واحدا ولا يعرفه (4)، وكذا قال الشيخ في الخلاف (5) والمبسوط (6) وسلار (7). وليس في هذا حكم بعدم الضمان ولا بوجوبه. فالمعتمد إذا أن نقول: يجوز الانتفاع من غير تعريف للعموم، ويجب الضمان لو ظهر المالك، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه فكان عليه الضمان.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 44.
(2) الكافي في الفقه: ص 10.
(3) السرائر: ج 2 ص 101.
(4) المقنعة: ص 646 - 647. (5) الخلاف: ج 3 ص 582 المسألة 7.
(6) المبسوط: ج 3 ص 324.
(7) المراسم: ص 206.

[ 93 ]

مسألة: قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: ومتى اشترى بمال اللقطة جارية ثم جاء صاحبها فوجدها بنته لم يلزمه أخذها، وكان له أن يطالبه بالمال الذي اشترى به ابنته، ولا تحصل هذه البنت في ملكه فتكون قد انعتقت به، بل هي حاصلة في ملك الغير، وهو ضامن لماله الذي وجده، فإن أجاز شراءه لها انعتقت بعد ذلك ولم يجز له بيعها (1). وقال ابن إدريس: هذا غير واضح ولا مستقيم، لأن البيع على الصحيح من المذهب لا يقف عندنا على الاجازة كما ذهب إليه الشيخ في الخلاف، فإذا أراد الأب عتقها وملكها فيحتاج أن يشتركا منه بماله في ذمته، فعند الشراء تنعتق على الأب بغير خلاف (2). والذي ورد في ذلك ما رواه أبو العلا قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل وجد مالا فعرفه حتى إذا مضت السنة اشترى به خادما فجاء صاحب المال فوجد الجارية التي اشتريت بالدراهم هي ابنته، قال: ليس له أن يأخذ إلا دراهمه وليس له البنت، إنما له رأس ماله، إنما كانت ابنته مملوكة قوم (3) وليس فيه دلالة على شئ من صورة النزاع إلا من حيث المفهوم، لأنه حكم بأنها دراهمه، فإذا اشترى بها الملتقط وأجاز المالك صح. وقول ابن إدريس: " العقد لا يقف على الاجازة " خطأ. والتحقيق أن نقول: إن تملك بعد الحول الدراهم ثم اشترى الجارية وقعت له ولم تؤثر الاجازة في العتق، وإن لم يتملك الدراهم واشترى بالعين

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 46 - 47.
(2) السرائر: ج 2 ص 105.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 391 - 392 ح 1173، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 358.

[ 94 ]

لمالكها بعد الحول أو قبله وقف على الاجازة. بقي هنا إشكال، وهو أنه إذا اشترى بالعين قبل الحول لنفسه فالوجه بطلان العقد، ولا يقع له ولا لمالكه وإن أجاز، وكذا الغاصب. ويحتمل الصحة معها، وفيه بحث لا يحتمل هذا المختصر. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من ابتاع بعيرا أو بقرة أو شاة فذبح شيئا من ذلك فوجد في جوفه شيئا له قيمة، عرفه من ابتاع ذلك الحيوان منه، فإن عرفه أعطاه، وإن لم يعرفه أخرج منه الخمس وكان له الباقي. فإن ابتاع سمكة فوجد في جوفها درة أو سبيكة وما أشبه ذلك أخرج منه الخمس وكان له الباقي (1). وكذا قال المفيد (2)، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4). وقال سلار: اللقطة ضربان: موجود تحت الأرض وفي بطون ما يذبح للأكل والسموك، والآخر يوجد على ظهر الأرض، فما وجده في بطن شئ فإن كان انتقل إليه بميراث أو من بحر وماء أخرج خمسه والباقي ملكه، وإن انتقل إليه بالشراء عرف ذلك إلى البائع، فإن عرفه رده إليه، وإلا أخرج خمسه والباقي له (5). وقال ابن إدريس: لا فرق بين الحيوان المذبوح والسمكة إذا وجد في جوفها شيئا، فإنه يجب تعريفه للبائع قل عن الدرهم أو كثر، فإن عرفه وإلا أخرج خمسه وكان له الباقي، لأن البائع باع هذه الأشياء ولم يبع ما وجده المشتري، فلذلك وجب عليه تعريف البائع. قال: وشيخنا أبو جعفر لم يعرف

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 47.
(2) المقنعة: ص 647.
(3) المهذب: ج 2 ص 568 - 569.
(4) الوسيلة: ص 279.
(5) المراسم: ص 206.

[ 95 ]

بائع السمكة الدرة بل ملكها المشتري من دون تعريف البائع، ولم يرد بهذا خبر عن أصحابنا، ولا رواه عن الأئمة - عليهم السلام - آخذ منهم. والفقيه سلار في رسالته يذهب إلى ما اخترناه، وهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا (1). وقال علي بن بابويه: وإن وجدت في جوف بقرة أو بعير أو شاة أو غير ذلك صرة فعرفها صاحبها الذي اشتريتها منه، فإن عرفها وإلا فهي كسبيل مالك. فإن كان أشار بذلك إلى ما رواه ابنه، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: سألته - عليه السلام - في كتاب عن رجل اشترى جزورا أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك وكيف يعمل به؟ فوقع - عليه السلام -: عرفها البائع، فإن لم يعرفها فالشئ لك رزقك الله إياه (2). ولم يتناول السمك، وإلا تناوله. والتحقيق أن نقول: الموجود إما أن يكون عليه أثر الاسلام أو لا، فإن كان وجب تعريفه من البائع وغيره، لسبق ملك المسلم عليه، ويكون حكمه حكم اللقطة، لأنه مال مسلم ضائع فوجب التعريف حولا، إذ الحيوان هنا كالآلة. وإن لم يكن عليه أثر فحينئذ نقول: لا يخلو إما أن يشترط في تملك المباح النية والقصد أو لا، فإن شرطناه ففي تملك البائع لما في بطن السمكة إشكال، من حيث أنه لم يعرفه ولا قصده ولا نوى تملكه، فلهذا لم يجب تعريفه إياه وكان ملكا للمشتري، لأنه الواجد، مع احتمال أنه يملكه، لأنه قصد ملك هذه الجملة وما في بطنها كأنه جز منها. وإن لم يشترطه فإن البائع قد ملكه بحصوله

(1) السرائر: ج 2 ص 106.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 296 ح 4062، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 358.

[ 96 ]

في يده فلا ينتقل عنه، سواء عرفه أو لا، إلا أن أصحابنا لما لم يفتوا بالتملك له مع عدم المعرفة دل على بطلان هذا القسم عندهم، وبقي الوجه هو الأول، ولم يعتدوا بتملكه السمكة في تملك ما في بطنها أيضا، ولما كانت الأحكام الشرعية غالبا منوطة بالغالب دون النادر، وكان الغالب فيما تبتلعه الدابة أنه من دار البائع، وفيما تبتلعه السمكة أنه من البحر، أوجب الشارع التعريف في الأول للبائع دون الثاني، حتى أنا لو عرفنا مضاد الحال في البابين حكمنا بضد الحكمين. فلو أن البائع كان قد اشترى الدابة ثم في ذلك الان بعينه باعها لم يجب تعريفه وعرف البائع قبله، ولو أن السمكة محصورة في بركة في دار إنسان وجب أن يعرف بما وجد في بطنها. فقول ابن إدريس لا وجه له البتة، وليس عندي بعيدا من الصواب القول: بوجوب التعريف لما يجده في بطن الدابة مطلقا، سواء كان عليه أثر الاسلام أو لا، وكذا ما يجده في بطن السمكة مما ليس أصله البحر، أما إذا كان أصله البحر فلا. تذنيبان: الأول: هل الخمس واجب أم لا؟ لم يتعرض علي بن بابويه له بل قال: إن لم يعرفه البائع كان كسبيل ماله. وكذا قال ابنه في المقنع (1)، وعليه دل الحديث، وقد رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن جعفر (2)، وقد سبق.

(1) المقنع: ص 127 - 128.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 392 ح 1174، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 358.

[ 97 ]

وأما الشيخان (1)، وسلار (2) فإنهم قالوا: أخرج خمسه وملك الباقي. وقال ابن إدريس: أخرج خمسه، لأنه من جملة الغنائم والفوائد (3). والوجه أن نقول: إن كان من البحر كان كالغوص يخرج خمسه، وإلا فلا، لأن الأقوى أنه لقطة يجب تعريفه حولا على ما تقدم. الثاني: قال ابن إدريس: يخرج منه الخمس بعد مؤونته طول سنته (4) وباقي الأصحاب أطلقوه. والأقوى ما فصلناه نحن أولا، وهو أنه إن كان من البحر اعتبر فيه ما يعتبر في الغوص، وإلا فلا شئ فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وجد الشاة حبسها عنده ثلاثة أيام، فإن جاء صاحبها ردها، وإلا تصدق بها (5). والظاهر أن مراده بذلك إذا وجدها في العمران، لأنه قد مر قبل ذلك حكم الشاة المأخوذ في البرية. وقال في المبسوط: إذا وجد الشاة في العمران وما يتصل بالعمران على نصف فرسخ وأقل فإن له أخذها، وهو بالخيار بين أن ينفق عليها تطوعا أو يرفع خبرها إلى الإمام أو الحاكم ولا يأكلها (6). وقال ابن إدريس: يحبسها ثلاثة أيام، فإن لم يجد صاحبها وإلا تصدق بها بشرط الضمان، أو تصرف فيها وكان ضامنا لقيمتها (7). والوجه الأول. لنا: الأصل عصمة مال الغير.

(1) المقنعة: ص 647، النهاية ونكتها: ج 2 ص 47.
(2) المراسم: ص 206.
(3) السرائر: ج 2 ص 106.
(4) السرائر: ج 2 ص 106.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 48.
(6) المبسوط: ج 3 ص 320.
(7) السرائر: ج 2 ص 107.

[ 98 ]

وما رواه جراح المدائني، عن الصادق - عليه السلام - قال: الضوال لا يأكلها إلا الضالون إذا لم يعرفونها (1). وعن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: جاءني رجل من أهل المدينة فسألني عن رجل أصاب شاة، قال: فأمرته أن يحبسها عنده ثلاثة أيام ويسأل عن صاحبها، فإن جاء صاحبها وإلا باعها وتصدق بثمنها (2). احتج بجواز التصدق فجاز الأخذ، والضمان واحد فيهما. والجواب: المنع من الملازمة، وإنما سوغنا له الصدقة لئلا يتضرر ببقائها عنده، ولم يسوغ له التملك، لأنه الذي أدخل على نفسه الضرر بالالتقاط. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وجد شيئا مما يحتاج إلى النفقة عليه فسبيله أن يرفع خبره إلى السلطان لينفق عليه من بيت المال، فإن لم يجد وأنفق هو عليه كان له الرجوع على صاحبه بما أنفقه هو عليه، وإن كان ما أنفق عليه قد انتفع بشئ من جهته - إما بخدمته أو ركوبه أو لبنه - كان ذلك بازاء ما أنفق عليه، ولم يكن له الرجوع على صاحبه (3). وقال ابن إدريس: إن لم يجد السلطان وأنفق هو عليه وأشهد كان له الرجوع على صاحبه بما أنفقه [ عليه ]، وإن كان قد انتفع منه - إما بخدمته أو ركوب أو لبن أو غير ذلك - فالذي ينبغي تحصيله في ذلك أنه إن كان انتفع بذلك قبل التعريف والحول فيجب عليه أجرة ذلك، وإن كان انتفع بلبن وجب عليه رد مثله، والذي أنفقه عليه يذهب ضياعا، لأنه بغير إذن من

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 394 ح 1182، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اللقطة ح 4 ج 17 ص 350.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 397 ح 1195، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب اللقطة ح 6 ج 17 ص 365.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 50.

[ 99 ]

صاحبه، والأصل براءة الذمة. وإن كان بعد التعريف والحول فإنه لا يجب عليه أجرة ولا رد شئ من الالبان والأصواف، لأنه ماله، بل هو ضامن للعين الموجودة فحسب (1). والوجه أن ما أنفقه مع نية الرجوع يرجع به وإن لم يشهد، لعدم التبرع وحصول الضرورة إليه، وإنه كان قد انتفع قاص بما أنفق ويترادان الفضل إن كان الانتفاع قبل الحول. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): إذا وصفها رجل وذكر عقاصها - وهو الجلدة التي فوق صمام القارورة - ووكائها - وهو شدادها - ووزنها وعدد جنسها وحليتها وغلب في ظنه أنه صادق جاز أن يعطيها، ولا يجب عليه ذلك. وقال ابن إدريس: الأقوى أنه إذا لم يقم بينة لا يعطيه إياها، سواء غلب في ظنه صدقه أو لا، لعدم الدليل، والذمة مشغولة بحفاظها وتعريفها، وأن لا يسلمها إلا إلى صاحبها، وهذا الواصف لها ليس بصاحبها على ظاهر الشرع والأدلة (4). والوجه ما قاله الشيخ، إذ الأمور الشرعية منوطة بالظاهر، ولهذا قال - عليه السلام -: " أنا أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر " (5) والغالب على الظن صدور هذه الأوصاف من المالك لا غير، والبينة لا تقضي بالقطع وإن كان

(1) السرائر: ج 2 ص 110.
(2) الخلاف: ج 3 ص 587 المسألة 15.
(3) المبسوط: ج 3 ص 329. (4) السرائر: ج 2 ص 111.
(5) لم نعثر عليه في المصادر الروائية، ووجدناه في شرح سنن النسائي بالمعنى ولم ينسبه إلى أحد، سنن النسائي: ج 8 ص 234.

[ 100 ]

الحكم بها قطعيا، بل إنما تفيد الظن، فإذا وجد جاز العمل به ولم يجب، لأن الضابط للظن الذي يجب العمل به يجعل الشارع البينة. ولأنه لولا ذلك لأفضي إلى خفائها عن المالك وتسلط غيره عليها، إذ من المستبعد إقامة البينات على ما يستصحبه الانسان من أمواله، فايجاب البينة سد لباب أخذ المالك لها وذلك ضد الحكمة، فوجب أن لا يكون مشروعا، لانتفاء الحكمة فيه. مسألة: المشهور إن الحيوان الممتنع إذا تركه صاحبه من جهد في غير كلاء ولا ماء يجوز أخذه. وقال ابن حمزة: وإن تركه صاحبه من جهد وكلال في كلاء وماء لم يجز له أخذه بحال، وإن تركه في غير كلاء ولا ماء فكذلك (1). لنا: إنه كالتالف. وما رواه مسمع، عن الصادق - عليه السلام - قال: قض أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل ترك دابته، فقال: إن كان تركها في كلاء وماء وأمن فهي له أن يأخذها متى شاء، وإن تركها في غير كلاء ولا ماء فهي لمن أحياها (2). احتج بما رواه الحلبي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وآله - فقال: إني وجدت بعيرا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وآله -: خفه حذاؤه وكرشه سقاؤه فلا تهجه (3).

(1) الوسيلة: ص 278.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 393 ح 1181، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب اللقطة ح 3 ج 17 ص 364.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 394 ح 1184، وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 363.

[ 101 ]

والجواب: القول بالموجب، فإنا نحمله على الواجد في كلاء وماء، أو على ما إذا تركه من غير جهد. مسألة: قال ابن حمزة: وإن ادعاها أحد استحقها بشاهدين أو شاهد ويمين بعد ما وصفها بالوكاء والوعاء والوزن والعدد والحلية (1). وهذا الكلام يشعر باشتراط ذلك في الأخذ مع إقامة الشاهدين أو الشاهد واليمين، وليس بجيد، فإن الحكم يثبت بالشاهدين أو الشاهد واليمين وإن لم يصفها كغيرها من الدعاوى. مسألة: قال في الخلاف: إذا عرفها سنة لا تدخل في ملكه إلا باختياره، بأن يقول: قد اخترت ملكها لأنه قد ثبت إنه ملك الغير، وما قلناه مجمع على تملكه به، وغيره ليس عليه دليل (2). وهذا يشعر باشتراط القول في التملك. وقال في المبسوط: إذا عرفها سنة فإن اختار تملكها ملكها باختياره لا بحلول الحول، ومتى شاء حفظها على صاحبها أو يتملكها فإنه يكفي في ذلك النية وإن لم يتلفظ، ومنهم من قال: لا بد من التلفظ، والأول أصح (3). وما قواه في المبسوط أولى. مسألة: قال في المبسوط: إذا اختار تملكها بعد الحول فجاء صاحبها قبل أن يتصرف فيها بعد اختياره كان أحق بها، وإن كان بعد التصرف كان له المثل أو القيمة، وإن كان زائدا [ نظرت ] فإن كانت غير متميزة ردها مع الزيادة، وإن كانت متميزة رد الأصل دون الزيادة، لأنها حصلت في ملكه، وإن كان ناقصا ردها ورد الأرش (4).

(1) الوسيلة: ص 279.
(2) الخلاف: ج 3 ص 584 - 585 المسألة 10.
(3) المبسوط: ج 3 ص 323.
(4) المبسوط: ج 3 ص 323.

[ 102 ]

وفي هذا الكلام إشكال، من حيث أن الملتقط ملك اللقطة، ووجب عليه المثل أو القيمة، فلا يجب دفع العين، ولا يتسلط المالك على أخذها، لانتقال حقه إلى المثل أو القيمة، وكذا الزيادة المتصلة. وفي المعيب إشكال من هذه الحيثية، فإن حقه قد تعلق بغير العين فلم يجب عليه أخذها معيبة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا التقط العبد جاز، فإن لم يكن أمينا وعرف سيده بذلك ولم ينتزعها منه كان الضمان على السيد لا في رقبة العبد، لأن السيد كان قادرا على انتزاعها من يده، فلما تركه في يده تعدى بتركه فصار كما لو وجدها وسلمها إلى فاسق (1). وفيه نظر، من حيث أن للعبد التسلط على اللقطة، ولا يجب على السيد الانتزاع، إذ لا يجب عليه حفظ مال الغير، وفرق بين ذلك وبين الدفع إلى الفاسق، لأنه يكون التفريط منه بالدفع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: عبد وجد لقطة ولم يعلم به سيده فأعتقه ما الذي يفعل باللقطة؟ يبنى على القولين، فمن قال: للعبد أخذها فإن السيد يأخذها منه، لأن هذا من كسبه كالصيد، وأطلق، مع أنه سوغ له الأخذ. والأجود أن نقول: إن مضت مدة التعريف كان للسيد ذلك، لما قاله الشيخ وإن لم تمض مدة التعريف لم يكن للمولى الأخذ، لأنها أمانة في يد العبد، وقد تحرر فليس للمولى انتزاع الأمانة من يده، وليست كسبا الان فليس له أخذها، فينبغي حمل ما قاله الشيخ على التقدير الأول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: قال قوم: يلزم الملتقط الضمان وقت

(1) المبسوط: ج 3 ص 325.
(2) المبسوط: ج 3 ص 326.

[ 103 ]

مطالبة صاحبها، لقوله - عليه السلام -: " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل ولا شتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها فليردها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء " وقال آخرون: اللقطة بعد الحول تجري مجرى القرض، والقرض يلزم بنفس القرض لا بمطالبة المقرض. والأول أقوى (1). وفيه نظر، من حيث أن المطالبة تتوقف على ثبوت الحق فلا يكون بدونه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: يكره للفاسق أخذ اللقطة، فإن أخذها فعل ما يفعله الامين (2). وفي المبسوط: يكره للفاسق أن يأخذ اللقطة، لأنه ربما تشره نفسه ويتملكها قبل التعريف وقبل الحول، فإن أخذها قيل: فيه وجهان: أحدهما: يترك في يده ويضم إليه آخر، والثاني: ينتزع من يده ويدفع إلى أمين الحاكم، ويقوى في نفسي أن يترك في يده، لأنه لا دليل على وجوب نزعه منه.
(3) وقال ابن الجنيد: ولو وقف والي المسلمين على لقطة في يد غير موضع لها كان له إخراجها من يده إلى من يثق به عليها. والوجه عندي أن يقال: لقطة الحرم تنتزع من يده، لأنها أمانة محضة وليس هو محلا لها، وأما لقطة غيره فإنها تقر في يده لأنها اكتساب وهو أهل له. مسألة: المشهور جواز لقطة العبد. وقال ابن الجنيد: لا يجوز للعبد أن يلتقط لقطة، فإن أخذها وعلم سيده

(1) المبسوط: ج 3 ص 330 - 331.
(2) الخلاف: ج 3 ص 585 المسألة 11.
(3) المبسوط: ج 3 ص 326.

[ 104 ]

بها فأقرها ثم أتلفها كانت في رقبته ومال سيده، فإن لم يعلم سيده كانت في رقبته فقط. لنا: الأصل الجواز. احتج بما رواه أبو خديجة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سأله ذريح عن المملوك يأخذ اللقطة؟ فقال: وما للمملوك واللقطة، والمملوك لا يملك من نفسه شيئا، فلا يعرض لها المملوك (1). والجواب: الحمل على الكراهة، لقصوره عن العدالة، على أن في أبي خديجة قولا. تذنيب: قال ابن الجنيد: المكاتب والذي يسعى في فكاك ما بقي منه في الرق فأرى أن يمنعا من كونها في أيديهما حتى تمضي السنة، فإذا مضت سنة وقد عرفت ولم يجئ لهما طالب أن يفكا بها رقبتهما وتكون في ذمتهما، وهو بناء على قاعدته من منع العبد من حفظها. مسألة: قال الشيخان: إذا وجد المسلم لقيطا فهو حر غير مملوك، وينبغي له أن يرفع خبره إلى سلطان الاسلام لينفق عليه من بيت المال، فإن لم يوجد السلطان استعان بالمسلمين في النفقة عليه، فإن لم يجد من يعينه على ذلك أنفق عليه، وكان له الرجوع بنفقته عليه إذا بلغ وأيسر، إلا أن يتبرع بما أنفقه عليه (3). وكذا قال سلار (3)، وابن الجنيد، وابن حمزة (4)، وابن البراج (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 397 ح 1196، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب اللقطة ح 1 ج 17 ص 370.
(2) المقنعة: ص 648، النهاية ونكتها: ج 2 ص 48.
(3) المراسم: ص 205.
(4) الوسيلة: ص 277.
(5) المهذب: ج 2 ص 569.

[ 105 ]

وقال ابن إدريس: فإن لم يجد من يعينه على ذلك أنفق عليه بعد ما يشهد أنه يرجع عليه، وكان له حينئذ الرجوع عليه بنفقته إذا بلغ وأيسر، على ما روي في بعض الأخبار. قال: والأقوى عندي أنه لا يرجع به عليه، لأنه لا دليل على ذلك، والأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى أدلة ظاهرة (1). والوجه الأول. لنا: إنه لولا ذلك لزم الاضرار بالملتقط واللقيط، وهو منفي بالاجماع، وبقوله - عليه السلام -: " لا ضرر ولا ضرار " (2). بيان الملازمة: إنه إما أن تجب النفقة على الملتقط أو لا، والأول: باطل، لأنه ضرر به، وهو خرق الاجماع أيضا، إذ لم يوجبه أحد مجانا. والثاني: باطل أيضا، لأنه ضرر على الصبي، إذ للملتقط ترك ما ليس بواجب عليه فيؤدي إلى تلف الصبي، وذلك باطل بالاجماع. مسألة: المشهور إن الملتقط لا ولاء له على الصبي، وله أن يوالي بعد بلوغه من شاء، فإن لم يوال أحدا قال الشيخ: كان ولاؤه للمسلمين ولم يكن للذي أنفق عليه ولاؤه، وإن ترك مالا ولم يترك ولدا ولا قرابة له من المسلمين كان ما تركه لبيت المال (3). وكذا قال المفيد، إلا أنه قال: كان ما تركه لبيت مال المسلمين (4)، والشيخ أطلق. وقال ابن إدريس: يكون ولاؤه لامام المسلمين، لأنه داخل في ميراث من لا وارث له (5)، وقول شيخنا في نهايته: " إن ولاءه للمسلمين "، غير مستقيم على

(1) السرائر: ج 2 ص 107.
(2) سنن البيهقي: ج 10 ص 133.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 49.
(4) المقنعة: ص 648.
(5) السرائر: ج 2 ص 108.

[ 106 ]

إطلاقه، وكذا اطلاقه لبيت المال غير واضح، وإنما مقصوده هنا بيت مال الإمام دون بيت مال المسلمين، فإذا ورد لفظ بأنه للمسلمين أو لبيت المال فالمراد به بيت مال الإمام، وإنما أطلق القول بذلك لما فيه من التقية، لأن بعض المخالفين لا يوافق عليه. قال: هكذا أورده شيخنا في آخر الجزء الأول من مبسوطه، وهو الحق اليقين (1). وقال ابن الجنيد: ولو شاء الذي وجده ولا مال معه أن تكون نفقته عليه كالدين تقدم به إلى حاكم المسلمين ليأمره بذلك ويشهد به فيكون له إذا كبر وأيسر أن يطالبه به، فإن شاء اللقيط أن يوالي غير الذي رباه رد عليه نفقته، وإن لم يفعل كان له. ولاؤه وميراثه. ووجه الجمع بين القولين: إن المنفق لم يتبرع بالنفقة فكان له المطالبة بها، فإذا منعه ومات كان له أخذ قدر النفقة من التركة، لأنه دين في ذمته. ويحمل الولاء والميراث على ذلك، وقصور التركة عن النفقة لا زيادتها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: الحر والعبد والمسلم والكافر في دعوى النسب سواء لا مزية لاحدهم على الآخر، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: الحر أولى من العبد، والمسلم من الكافر. دليلنا: عموم الأخبار فيمن ادعى النسب، ولم يخصوا كافرا من مسلم ولا عبدا من حر (2). وقال في المبسوط: الحر والعبد والمسلم والكافر في دعوى النسب سواء لا مزية لاحدهم على صاحبه، وقال قوم: الحر أولى من العبد والمسلم أولى من الكافر، وهذا أقوى (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 108.
(2) الخلاف: ج 3 ص 596 المسألة 25. (3) المبسوط: ج 3 ص 350.

[ 107 ]

وقال ابن الجنيد: لو ادعاه عبد وحر ألحقناه بالحر، فإن قامت البينة بأنه ولد العبد ألحقنا نسبه به وأقررناه على الحرية، إلا أن تكون البينة قامت بأنه ولد من أمة. وقول الشيخ في الخلاف هو المشهور، نعم يفرق بينه وبين الذمي لو ألحقناه بالقرعة. تذنيب: قال الشيخ في المبسوط: الذمي إذا ادعى النسب الحق به، وهل يحكم باسلام هذا الصبي - يعني الملقوط -؟ من الناس من قال: اجعله مسلما، ومنهم من قال: إن كان معه بينة فإنه يحكم بكفره، لأن البينة أثبتت فراشه، والمولود على فراش الكافر يكون كافرا، وإن لم يكن معه بينة حكم بإسلامه، لأنه وجد في دار الاسلام تابعا للدار. وقال: هذا هو الأقوى والأولى، لأنه أقر بما له وعليه، ولا يقبل فيما له وهو الاسلام، ويقبل فيما عليه وهو النسب (1). وفي الخلاف: يجوز ذلك إذا ادعى ذمي لقيطا وقال: هذا ولدي قبل إقراره، فإن أقام بينة على قوله الحق به وحكم بكفره، وإن لم يقم بينة قبل دعواه الحق أيضا به (2). فقال ابن الجنيد: ولو ادعاه إنسان الحق نسبه به وإن كان ذميا وكان دينه الاسلام إلى أن تقوم البينة العادلة بأبوة الكافر له. والأقوال متفقة، إلا أن في قول الشيخ في الخلاف احتمالا، لأنه نقل للشافعي قولين: إذا أقام أحدهما البينة يقبل في النسب ولا يحكم بكفره، والثاني: يحكم بكفره وإن لم تقم البينة الحق النسب وهل يحكم بكفره؟ على قولين، ثم قال: دليلنا: قوله تعالى: " وألحقنا بهم ذريتهم " وإذا ثبت نسبه

(1) المبسوط: ج 3 ص 379.
(2) الخلاف: ج 3 ص 596 المسألة 24.

[ 108 ]

حكمنا بكفره، لأن ولد الكافر كافر، والحكم بإسلامه يحتاج إلى شرع (1). وهذا الدليل عام في صورة البينة وعدمها، فإن قصد الشيخ الحكم بالكفر مع الالحاق بالدعوى صارت المسألة خلافية وإلا فلا. وقال بعض المتأخرين: لا يحكم بكفره مطلقا وإن أقام بينة إذا وجد في دار الاسلام لمكان الدار (2). والأقرب ما قاله الشيخ في المبسوط. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الصبي إذا كان مراهقا مميزا فأسلم فإن عند قوم لا يحكم بإسلامه ولا بارتداده ويكون تبعا للوالدين، غير أنه يفرق بينه وبينهما لئلا يفتناه، ومنهم من قال: يحكم بإسلامه ظاهرا، فإذا بلغ ووصف الاسلام كان مسلما من هذا الوقت، وقال قوم: يحكم بإسلامه وبارتداده غير أنه لا يقتل، لأن هذا الوقت ليس بوقت التعذيب حتى يبلغ، ولا يكون تبعا للوالدين. والأول أقوى (3). وقال في الخلاف: المراهق إذا أسلم حكم بإسلامه، فإن ارتد بعد ذلك حكم بارتداده، وإن لم يتب قتل ولا يعتبر إسلامه باسلام أبويه، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، غير أنه قال: لا يقتل إذا ارتد، لأنه ليس وقت التعذيب حتى يبلغ. ثم استدل بما رواه أصحابنا من أن الصبي إذا بلغ عشر سنين أقيمت عليه الحدود التامة واقتص منه ونفذت وصيته وعتقه، وذلك عام في جميع الحدود، وأيضا قوله - عليه السلام -: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى يعرب عنه لسانه فإما شاكرا وإما كفورا " وهذا عام، إلا ما أخرجه الدليل (4).

(1) الخلاف: ج 3 ص 596 ذيل المسألة 24.
(2) شرائع الاسلام: ج 3 ص 287.
(3) المبسوط: ج 3 ص 345.
(4) الخلاف: ج 3 ص 591 - 592 المسألة 20.

[ 109 ]

والذي قواه الشيخ في المبسوط هو الأقوى، لأن التكاليف منوطة بالبلوغ وقبله لا تكليف. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الأقوى أن ما يوجد بين يديه قريبا منه يحكم بأن يده عليه (1). والوجه المنع، لانتفاء اليد الحكمية وهي التصرف والوجدان في بيته، واليد الشاهدة وهو ما كان في يده أو مشدودا به. احتج بقضاء العادة ثبوت اليد على ما بين يديه، كالميزان وغيرها للبقال (2). والجواب: العادة قضت هناك، لثبوت اليد الشاهدة عليه في أكثر الأحوال. مسألة: قال الشيخ في النهاية (3)، وتبعه ابن إدريس (4): ما يجده في موضع خرب قد باد واستنكر رسمه لا يجب تعريفه، وأطلقا ذلك. وفصل في المبسوط جيدا فقال: إن كان مدفونا عليه سكة الاسلام فلقطة، وإلا أخرج خمسه والباقي له (5). وهو حسن، لأن أثر الاسلام يدل على سبق تملك المسلم له. احتج بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: وسألته عن الورق يوجد في دار، فقال: إن كانت الدار معمورة فهي لاهلها، وإن كانت خربة فأنت أحق بما وجدت (6).

(1) المبسوط: ج 3 ص 337.
(2) المبسوط: ج 3 ص 337.
(4) السرائر: ج 2 ص 101.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 44.
(5) المبسوط: ج 3 ص 337 - 338. (6) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 390 ذيل الحديث، 1165، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب اللقطة ح 2 ج 17 ص 354 - 355.

[ 110 ]

والجواب: إنه محمول على انتفاء سكة الاسلام أو بعد التعريف جمعا بين الأدلة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الطفل إذا سبي وحده تبع السابي في الاسلام - وفيه إشكال - قال: وإذا أسلم أحد أبويه أو هما كان مسلما ظاهرا وباطنا، فإذا بلغ فإن وصف الاسلام صح، وإن وصف الكفر كان مرتدا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن بلغ ولم يصف اسلاما ولا كفرا فسكت فقتله إنسان فالأقوى إنه ليس على قاتله قود، وفي الناس من قال: يقتل قاتله، لأنا حكمنا بإسلامه، والظاهر إنه مسلم حتى يظهر منه شئ آخر. قال: وهذا ليس بشئ، لأنه يجوز أن يكون سكت لأنه ما سئل أو إنه سكت لاعتقاده الكفر، فإذا احتمل هذا وغيره فالقتل يسقط بالشبهة. قال: وهو قوي عندي (1). وهذا يدل على تردده، وما تردد فيه فإنه في موضع التردد. قال: ولو بلغ فقذفه قاذف فادعى الرقية والمقذوف ادعى الحرية فيه قولان: أحدهما: القول قول المقذوف، لأنا حكمنا بحريته وإسلامه وأجري عليه أحكام الحر في القصاص، وهو الأقوى. والثاني: إنا حكمنا بإسلامه ظاهرا، ويجوز أن يكون مملوكا، والأصل براءة الذمة، وهذا أيضا قوي (2). وهذا يدل على تردده أيضا، والأقوى الأول، لما تقدم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا ادعت امرأة أن هذا اللقيط ابنها قبلت دعواها والحق النسب بهما، كما لو أقر الأب. والوجه التصديق أو إقامة البينة، أما بمجرد الدعوى فلا، بخلاف الأب.

(1) المبسوط: ج 3 ص 342 - 344.
(2) المبسوط: ج 3 ص 346 - 347.
(3) المبسوط: ج 3 ص 350.
(4) الخلاف: ج 3 ص 597 المسألة 26.

[ 111 ]

الفصل الرابع في الجعالة مسألة: قال الشيخ في النهاية: ولا بأس للانسان أن يأخذ الجعل على ما يجده من الآبق والضوال، فإن جرت هناك موافقة كان على حسب ما اتفقا عليه، وإن لم تجر موافقة وكان وجد عبدا أو بعيرا في المصر كان جعله دينارا قيمته عشرة دراهم، وإن كان خارجا عن المصر فأربعة دنانير قيمتها أربعون درهما فضة، وفيما عدا العبد والبعير ليس فيه شئ موظف، بل يرجع فيه إلى العادة حسب ما جرت في أمثاله فأعطى إياه (1). وقال المفيد: وإذا وجد الانسان عبدا آبقا أو بعيرا شاردا فرده على صاحبه كان له على ذلك جعل إن كان وجده في المصر فدينار قيمته عشرة دراهم جيادا، وإن كان وجده في غير المصر فأربعة دنانير قيمتها أربعون درهما جيادا، بذلك ثبتت السنة عن النبي - صلى الله عليه وآله - (2). وقال الشيخ في الخلاف: لم ينص أصحابنا على شئ من جعل اللقط والضوال إلا على إباق العبد، فإنهم رووا أنه إن رده من خارج البلد استحق الأجرة أربعين درهما قيمتها أربعة دنانير، وإن كان من البلد فعشرة دراهم

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 49.
(2) المقنعة: ص 648 - 649.

[ 112 ]

قيمتها دينار، وما عدا ذلك يستحق الأجرة بحسب العادة (1). وقال في المبسوط: من جاء بضالة إنسان أو بآبق أو بلقطة من غير جعل ولم يشترط فيه فإنه لا يستحق شيئا، سواء كان ضالة أو آبقا أو لقطة قليلا كان ثمنه أو كثيرا، سواء كان معروفا برد الضوال أو لم يكن، وسواء جاء به من طريق بعيد يقصر الصلاة فيه أو جاء به من طريق دون ذلك. وقد روى أصحابنا فيمن رد عبدا أربعين درهما قيمتها أربعة دنانير، ولم يفصلوا، ولم يذكروا في غيره شيئا، وهذا على جهة الأفضل لا الوجوب (2). وقال ابن البراج: وأخذ الجعل على ما يجده الانسان جائز له، فإذا وجد وكان مستأجرا فيه وقد جرت بينه وبين صاحب الضالة موافقة كان للواجد ما اتفقا عليه، وإن لم يكن جرى في ذلك موافقة وكان ما وجده عبدا أو بعيرا في البلد كان جعله عليه دينارا واحدا قيمته عشرة دراهم جيادا، وإن كان خارج البلد كان جعله أربعة دنانير، وإن كان من وجد العبد أو الضالة غير مستأجر لم يكن له شئ، لأن المسلم يرد على المسلم (3). وقال ابن إدريس: فإن جعل له جعلا على رده ولم يقدر الجعل بتقدير وأطلق ذلك عاد إطلاقه إلى عرف الشرع، فإن كان عبدا أو بعيرا في المصر كان جعله دينارا بجعل صاحبه واطلاقه، وإن كان خارجا من المصر فأربعة دنانير قيمتها أربعون درهما فإن لم يجعل صاحبه جعلا لمن رده لا مطلقا ولا مقيدا لم يستحق واجده شيئا، ويجب عليه رده إلى صاحبه من غير استحقاق. فلا يظن ظان أن من رد شيئا من الضوال والآبق واللقط يستحق على صاحبه جعلا

(1) الخلاف: ج 3 ص 589 المسألة 17.
(2) المبسوط: ج 3 ص 332 - 333.
(3) المهذب: ج 2 ص 570.

[ 113 ]

من غير أن يجعله له، فإنه خطأ فاحش (1). والكلام في هذه المسألة يقع في ثلاثة مواضع: الأول: قول الشيخ في النهاية والمفيد يقتضي الاستحقاق في البعير والعبد وإن لم يجعل المالك. وكذا قال ابن حمزة، لأنه قال: وإن لم يجعل وجرت في البلد عادة بشئ يستحقه وإن لم تجر ووجده في المصر كان له دينار، وإن وجده خارج المصر كان له أربعة دنانير (2). وقول الباقي يدل على عدم الاستحقاق، إلا أن يجعل جعلا مطلقا أو معينا، وهو الوجه. الثاني: هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ نص في المبسوط على الاستحباب (3). وظاهر كلام الباقين يعطي الوجوب، وهو الأشهر. الثالث: هل هذا مختص بالعبد والبعير أو بالعبد خاصة؟ المشهور الأول. ورواية أبي سيار، عن الصادق عليه السلام - قال: إن النبي صلى الله عليه وآله جعل في جعل الآبق دينارا إذا أخذه من مصره، وإن أخذه في غير مصره فأربعة دنانير (4) - يدل على الثاني. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو جعل عاما لمن جاء بالآبق فخرج الناس عند عمومهم بما جعل من الجعل فأشهد المولى على نفسه بأنه قد فسخ ما كان جعله لم ينفسخ ذلك. وقال في المبسوط: الجعالة قبل الشروع جائز من الطرفين، ومتى تلبس بها

(1) السرائر: ج 2 ص 109.
(2) الوسيلة: ص 277.
(3) المبسوط: ج 3 ص 333.
(4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 398 - 399 ح 1203.

[ 114 ]

لم يكن للجاعل الرجوع، إلا أن يبذل أجرة ما قد عمل (1). وهو المعتمد. لنا: الأصل عدم الوجوب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): لو اختلفا فقال صاحب العبد: شارطتك على نصف دينار وقال الراد: شارطتني على دينار فالقول قول الجاعل مع يمينه، إنه لم يجعل له دينارا، ثم يستحق عليه أجرة المثل. وتبعه ابن البراج (4). والوجه أن الجاعل يحلف على نفي ما ادعاه الراد، فإذا حلف بطلت دعوى الراد، ثم نقول: أجرة المثل إن كانت أزيد مقا ادعاه الراد كان له ما ادعاه خاصة، وإن كانت أقل مما ادعاه الجاعل وجب على الجاعل ما ادعاه، وإلا فالاجرة. والحاصل إن الراد يأخذ أقل الأمرين مما ادعاه ومن الأجرة، والجاعل يدفع أكثر الأمرين مما ادعاه ومن الأجرة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إن قال لواحد: إن جئتني بعبدي فلك دينار فجاء به هو وغيره فإن هذا الذي عينه يستحق نصف الدينار، ولا يستحق الآخر شيئا، لأنه تطوع به، وعلى ما قلناه يستحق نصف أجرة المثل (5). وفيه نظر، فإن الثاني متبرع فلا يستحق شيئا، إلا أن يحمل قوله: " وعلى ما قلناه " على أن من رد العبد فله ما عين، ويجعل ذلك عاما مع الجعالة والاطلاق، ويجعل أجرة المثل ما قرره الشارع، لكن الوجه عدم ذلك.

(1) المبسوط: ج 3 ص 332.
(2) المبسوط: ج 3 ص 333.
(3) الخلاف: ج 3 ص 590 المسألة 18.
(4) المهذب: ج 2 ص 570.
(5) المبسوط: ج 3 ص 334.

[ 115 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال: من جاءني بعبدي من البصرة فله دينار فجاء به من واسط استحق نصف الدينار، لأنه عمل نصف العمل (1). والوجه نسبة أجرة ما عمل إلى الأجرة أجمع لا باعتبار المسافة خاصة. مسألة: المشهور إنه إذا قال: من دخل داري فله دينار فدخلها جماعة استحق كل واحد منهم دينارا، لصدوره عن كل واحد، ولو قال: من رد عبدي فله دينار فرده جماعة استحقوا بأجمعهم دينارا واحدا، لصدوره عن الجميع لا عن كل واحد. وهو جيد، لكن يحتمل التساوي فيستحق الداخلون كلهم دينارا واحدا، لأنه المبذول، والعموم يقتضي التشريك لا الزيادة على المبذول.

(1) المبسوط: ج 3 ص 334.

[ 116 ]

الفصل الخامس في الغصب مسألة: إذا كان المغصوب من ذوات القيم وتلف وجب على الغاصب قيمته يوم التلف، وبه قال ابن البراج (1). وقال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): عليه أكثر القيم من حين القبض إلى وقت التلف. وقيل: القيمة يوم القبض (4)، وهو اختياره في المبسوط (5) أيضا. وليس الخلاف في ناقص القيمة لنقص العين أو تعيبها بل لنقص القيمة السوقية. وبن حمزة (6)، وابن إدريس (7) ذهبا إلى ما قاله الشيخ. وهو الأشهر. لنا: إن الوجب رد العين، والغاصب مخاطب بدفعها إلى مالكها، سواء كانت القيمة زائدة أو ناقصة من غير ضمان شئ من النقص إجماعا، فإذا تلفت وجب قيمة العين وقت التلف، لانتقال الحق إليها لتعذر المبدل، ومع

(1) المهذب: ج 1 ص 436 - 437.
(2) المبسوط: ج 3 ص 73.
(3) الخلاف: ج 3 ص 415 المسألة 29.
(4) شرائع الاسلام: ج 3 ص 240.
(5) المبسوط: ج 3 ص 60.
(6) الوسيلة: ص 276.
(7) السرائر: ج 2 ص 481.

[ 117 ]

ثبوت العين ووجودها لا تتعلق القيمة بالذمة، وإنما المذمة مشغولة برد العين، والانتقال إلى القيمة انتقال إلى البدل، وهو إنما يثبت حال وجوبه وهو حالة التلف. احتج الشيخ بأنه لو تلف وقت الزيادة لكانت مضمونة، وكذا إذا تلف بعدها. والجواب: المنع من الملازمة. مسألة: إذا خلط الغاصب الزيت بأجود قال الشيخ في المبسوط: يتخير الغاصب بين أن يعطيه من عينه أو مثله من غيره، فإن باعه قسم الثمن على قدر الزيتين. ثم قال: والصحيح أن هذا كالمستهلك فيسقط حقه من العين ويصير في ذمة الغاصب، لتعذر الوصول إلى العين فانتقل إلى الذمة، ويكون الغاصب بالخيار بين أن يعطيه من عينه فيلزم المغصوب منه قبوله، لأنه تطوع له بخير من زيته، وبين أن يعطيه مثله من غيره، لأنه كالمستهلك، فإن خلطه بمثله فهو كالمستهلك، والغاصب بالخيار بين أن يعطيه بكيله من عينه أو مثله من غيره. قال: وفي الناس من قال: هو شريكه فيه يملك مطالبته بقسمته يأخذ مثل كيله منه. قال: وهو أقرب، لأنه قدر على بعض عين ماله وبدل الباقي، ولا معنى أن يجبر على مثل من غيره مع وجود بعض العين، كما لو غصب صاعين فتلف أحدهما فإن المغصوب منه يأخذ الموجود وبدل التالف، ولا يلزمه أن يأخذ البدل من الموجود والتالف معا (1). وقال ابن إدريس: إذا مزجه بأجود تخير الغاصب بين أن يعطيه منه ويلزم المغصوب منه قبوله، لأنه تطلى له بخير منه، وبين أن يعطيه مثله من غيره، لأنه [ صار ] بالخلط كالمستهلك، وإن خلطه بمثله فكالأجود، لأنه كالمستهلك. قال:

(1) المبسوط: ج 3 ص 79 - 80.

[ 118 ]

وقال بعض أصحابنا: إنه يكون شريكه، والأول هو الذي يقتضيه أصول المذهب، لأن عين الزيت المغصوب قد استهلكت، لأنه لو طالبه برده بعينه لما قدر على ذلك (1). والوجه عندي أنه يكون شريكا في الموضعين، والزيادة الحاصلة في عين الغصب حصلت بفعل الغاصب فهي للمنصوب منه، لأنها زيادة صفة. لنا: إن عين الغصب موجودة في هذه العين، فلا ينتقل الحق إلى المثل أو القيمة في الجميع مع إمكان حصول العين في البعض. مسألة: إذا صبغ الغاصب الثوب بصبغ منه قال الشيخ - وهو المشهور -: إن للغاصب قلع صبغه، وعليه أرش ما ينقص من الثوب بالقلع (2). والوجه عندي أنه ليس له ذلك إلا بإذن المالك، فإن لم يرض ودفع قيمة الصبغ وجب على الغاصب قبوله، وبه قال ابن الجنيد، لاستهلاك (3) عين الغصب وعدم انتفاعه بصبغه، واستلزام قلع صبغه التصرف في مال الغير بغير إذنه. ومن العجب إيجاب التمكين على المالك من أخذ الصبغ، وإن تعيب ثوبه، وعدم قبول عوض الصبغ منه، وإجبار الغارس المستعير للارض على أخذ قيمة الغرس من المالك إذا دفعها، مع أن المالك هنا أذن في الغرس ولا ضرر عليه بي لا على أرضه في أخذ الغرس، والمالك هنا لم يأذن في الصبغ وعليه ضرر في أخذه من ثوبه. مسألة: لو غصب حبا فزرعه أو بيضة فأحضنها فالزرع والفرخ (4) للمالك،

(1) السرائر: ج 2 ص 482.
(2) المبسوط: ج 3 ص 77.
(3) ق 2: لاستهلاكه.
(4) زوق 2: والحب.

[ 119 ]

وبه قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية (1)، وابن الجنيد، والشيخ في كتاب العارية من المبسوط فإنه قال: إذا كان له حبوب فحملها السيل إلى أرض رجل فنبت فيها كان ذلك الزرع لصاحب الحب، لأنه عين ماله، كما قلناه: فيمن غصب حبا فزرعه أو بيضا فحضنها عنده وفرخت فإن الزرع والفراخ للمغصوب منه، لأنهما عين ماله (2). وكذا قال في كتاب الدعاوى والبينات من الخلاف فقال: إذا غصبت من رجل دجاجة فباضت بيضتين فأحضنتهما هي أو غيرها بنفسها أو بفعل الغاصب فخرج منهما فرخان فالكل للمغصوب منه، لأن ما يحدث عند الغاصب من العين المغصوبة فهي للمغصوب منه، لأن الغاصب لا يملك بفعله شيئا (3). وبه قال ابن إدريس (4). وقال الشيخ في كتاب الغصب من الخلاف (5) والمبسوط (6): إذا غصب حبا فزرعه أو بيضة فاحتضنتها الدجاجة فالزرع والفروخ للغاصب، لأن عين المغصوب قد تلفت، وإذا تلفت فلا يلزم غير القيمة، ومن يقول: إن الفروخ هو عين البيض وأن الزرع هو عين الحب مكابر، والمعلوم خلافه. وقال ابن حمزة: وإن غصب دجاجة فباضت واحتضنت وخرجت فراريج ضمن الجميع، وإن غصب الأرض وزرع ببذره أو الشعير وسمن به دابته أو البيض ووضع تحت دجاجة لم يضمن غير الأجرة وقيمة الشعير والبيض (7).

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 254 المسألة 182.
(2) المبسوط: ج 3 ص 56.
(3) الخلاف: ج 3 ص 359 المسألة 17، طبعة اسماعيليان.
(4) السرائر: ج 2 ص 483.
(5) الخلاف: ج 3 ص 420 - 421 المسألة 38.
(6) المبسوط: ج 3 ص 105.
(7) الوسيلة: 276 - 277.

[ 120 ]

لنا: إن الزرع والدجاجة تكونان من عين المغصوب منه وحدث النماء على ملكه فلا يملكه الغاصب، إذ البيضة بحضن الدجاجة لها لم يخرج عن ملك المالك، وأما الاستحالات الحاصلة في البيضة فإنها صفات حصلت فيها وحصل بسببها استعدادات مختلفة لتكونات متعاقبة إلى أن كمل الاستعداد لخلق صورة الفرخ فخلقها الله تعالى ووهبها إياه، فليس للغاصب ولا للدجاجة فيها أثر البتة. ولأن المقتضي للتمليك إما إحداث فعل أو تجديد، والقسمان باطلان. أما الأول: فلأن الفعل إما من الغاصب أو من الدجاجة، والقسمان باطلان. أما الأول: فلأن الغاصب لم يؤثر سوى الاحضان، وليس ذلك موجبا للتمليك، وإلا لكان إذا أحضنها بدجاجة المالك ملكها، ولكان المالك إذا أذن لغيره في إحضان الدجاجة بالبيضة وهما للمالك ملك الغير، وليس كذلك إجماعا. وأما الثاني: فلأنه لو كان كذلك لكان المالك إذا غصب الدجاجة وأحضنها بيضة من ملكه أن يملكها صاحب الدجاجة، وليس كذلك اتفاقا. وأما الثاني: فلأن تجديد اليد لو كان موجبا للتمليك لكان الغاصب مطلقا مالكا وإن لم يتغير صفته، وليس كذلك بالاجماع. وقول الشيخ: " إن العين قد تلفت " ليس بجيد، فإنها لو تلفت لم يحصل لها نماء، وإنما استحالت وتغيرت صفاتها وخواصها وذاتياتها. وقوله: " من يقول: في الفروج أنه عين البيضة وفي الزرع أنه عين الحب مكابر " خارج عن الانصاف، فإنا لا ندعي أن هذه الأعيان هي تلك الأعيان باقية على الصفات بل إن المواد واحدة، فإن المتغير إنما هو الصفات والخواص وبعض الذاتيات. ونعم ما قال ابن الجنيد: والدجاجة المتولدة عن البيضة، والنخلة المتولدة

[ 121 ]

عن النواة المغصوبة، والغلة عن البذر المغصوب وإن استحالت العين المغصوبة، كأولاد الحيوان المستحيل عن نطفة كانت في الأمهات وقت الغصب محكوما بما استحالت إليه لمالك العين المستحيلة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا حفر الغاصب بئرا وأراد طمها كان له ذلك، رضي المالك أو لم يرض، لأنه حفر في ملك غيره فلا يأمن أن يقع فيها إنسان أو بهيمة فيلزمه ضمانها، هذا إذا لم يبرئه المالك من ذلك، فإن أبرأه المالك من ضمان ما يتعلق به من هذا البئر فهل يبرأ أم لا؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: لا يبرأ، لأنه إبراء عما لا يجب، ولأنه إبراء عما يستحق الغير. والآخر: يصح، وهو الصحيح، لأن الغاصب إنما جنى بالحفر، والحفر نقص حصل على المالك، فإذا أبرأه منه كان سقوط الضمان عنه فيما يقع فيها تبعا لحفره، وازالة الضمان عنه بالتعدي، فكأنه حفرها ابتداء بأمره فسقط الضمان تبعا للأصل (1). وقال ابن إدريس: لو حفر بئرا أجبر على طمها، وللغاصب ذلك وإن كره مالك الأرض، لما في تركه من الضرر عليه بضمان ما يتردى فيها، هكذا ذكره بعض أصحابنا. والأولى عندي أن صاحب الأرض إذا رضي بعد حفره بالحفر ومنعه من الطم فله المنع، فلا يكون الحافر ضامنا لما يقع فيها، لأن صاحب الأرض قد رضي، فكأنه قد أمره بحفرها ابتداء (2). وما قواه ابن إدريس جيد، فإن الضمان يزول وإن لم يبرئه المالك إذا منعه من الطم. مسألة: إذا غصب ما لا مثل له وأتلفه فإن كان من جنس الأثمان فإن لم

(1) المبسوط: ج 3 ص 73 - 74. (2) السرائر: ج 2 ص 485.

[ 122 ]

يكن فيه صنعة كالنقرة فإن خالف جنس نقد البلد - مثل إن أتلف فضة وغالب النقد ذهب أو أتلف ذهبا وغالب النقد دراهم - قال الشيخ: عليه قيمته من غالب نقد البلد، كما لو أتلف ما لا مثل له (1). والوجه إنه يضمن بالمثل، لأنه مثلي، وهو اختيار ابن إدريس (2). وكذا لو نقص كان له أرش النقص، وليس هذا بيعا حتى يثبت فيه الربا، وإن كان غالب نقد البلد من جنسه فإن اتفق الوزن والقيمة أخذ من نقد البلد، وإن اختلفا فكان الوزن أكثر من قيمتها أو بالعكس. قال الشيخ: فله قيمتها، ولكنه لا يمكنه أخذ ذلك من غالب نقد البلد، لأنه ربا فيقوم بغير جنسه ويأخذ قيمته ليسلم من الربا فيأخذ كمال حقه، قاله في المبسوط (3). وقال في الخلاف: إذا غصب ما يجري فيه الربا فجنى عليه جناية استقر أرشها ويرده بعينه وأرش النقص (4). وهو أجود، وبه قال ابن إدريس (5) ونمنع الربا فيه وإن كان فيه صنعة، فإن كان استعمالها مباحا كان وزنها مائة وقيمتها لأجل الصنعة مائة وعشرون. قال الشيخ في المبسوط: إن كان غالب نقد البلد من غير جنسها قومت به، لعدم الربا، وإن كان من جنسه قيل: فيه وجهان: أحدهما: يقوم بغير جنسها، ليسلم من الربا، والصحيح أنه يجوز، لأن الوزن بحذاء الوزن والفضل في مقابلة الصنعة، لأن للصنعة قيمة غير أصل العين، لأنه يصح الاستئجار على تحصيلها.

(1) المبسوط: ج 3 ص 61.
(2) السرائر: ج 2 ص 486.
(3) المبسوط: ج 3 ص 61.
(4) الخلاف: ج 3 ص 416 المسألة 31.
(5) السرائر: ج 2 ص 486 - 487.

[ 123 ]

ولأنه لو كسره إنسان فعادت قيمته إلى مائة كان عليه أرش النقص (1). وهذا صحيح كما قلناه: من أن الربا لا يثبت إلا في البيع. وقال ابن البراج: إن كان نقد البلد من جنسها قومت بغيره، ليسلم من الربا (2). وليس بجيد. مسألة: إذا جنى الغاصب على الدابة كان عليه الأرش، قاله الشيخ في المبسوط (3)، وبه قال ابن البراج (4)، وابن إدريس (5). وقال في الخلاف: عليه في عين الدابة نصف القيمة، وفي العينين كمال القيمة، وكذا كل ما في البدن منه اثنان (6). والوجه الأول. لنا: إنه مال فيجب فيه الأرش كغيره من الأموال، وتحمل الرواية والاجماع - الذي ادعاه الشيخ (7) - على غير الغاصب في إحدى العينين بشرط نقص المقدر عن الأرش. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا جنى على ملك غيره جناية يحيط أرشها بقيمة ذلك الملك كان المالك بالخيار بين أن يمسكه ولا شئ له، وبين أن يسلمه ويأخذ قيمته على الكمال، مثل أن يقطع يدي العبد أو رجليه (8). والوجه إن الغاصب ليس كالجاني في هذا ويجب عليه الأرش، وإن أحاط بالقيمة لا مجوز له أخذ العبد، لأن حمله على الجاني قياس لا نقول به.

(1) المبسوط: ج 3 ص 61.
(2) المهذب: ج 1 ص 436.
(3) المبسوط: ج 3 ص 62.
(4) المهذب: ج 1 ص 437.
(5) السرائر: ج 2 ص 497.
(6) الخلاف: ج 3 ص 397 المسألة 4.
(7) الخلاف: ج 3 ص 397 - 398 ذيل المسألة 4.
(8) المبسوط: ج 3 ص 62.

[ 124 ]

وابن إدريس قال كذلك، فإنه قال: لو غصب عبدا فخصاه فكانت قيمته ألفا فصارت بعد الخصاء ألفين وجب دفع العبد، والألف إلى المالك وهي قيمة الخصيتين، لأنه ضمان مقدر، وقيمتهما قيمة العبد (1). وكذا قال الشيخ في المبسوط (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4): لو مثل به انعتق وكان عليه قيمته. وتبعه ابن البراج (5). وفيه نظر، لأن الأصل بقاء الملك، والتحرير بالتمثيل على خلاف الأصل فيقتصر على مورده، وهو المولى خاصة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7): لو قتله وكانت قيمته أكثر من دية الحر لم يلزمه أكثر من ذلك. والوجه عندي لزوم القيمة وإن زادت على دية الحر، وبه قال ابن إدريس (8). والظاهر أن مراد الشيخ: الجاني دون الغاصب، لأنه أشار في المبسوط إلى ما اخترناه، ولأنه قال: إذا غصب عبدا فقطع آخر يده فإن رجع السيد على الغاصب رجع بأكثر الأمرين مما نقص وأرش الجناية، وإن رجع على القاطع رجع بالأرش وهو نصف القيمة، والزائد في مال الغاصب (9)، لاختصاص

(1) السرائر: ج 2 ص 488.
(2) المبسوط: ج 3 ص 64.
(3) الخلاف: ج 3 ص 398 المسألة 6. (4) المبسوط: ج 3 ص 62.
(5) المهذب: ج 1 ص 437.
(6) المبسوط: ج 3 ص 62.
(7) الخلاف: ج 3 ص 398 المسألة 5.
(8) السرائر: ج 2 ص 492.
(9) المبسوط: ج 3 ص 98.

[ 125 ]

ذلك بالجاني، فلا يتعدى إلى الغاصب، لما فيه من مخالفة الأصل، فإن العبد مال. مسألة: إذا غصب جارية فوطأها مع علمها بالتحريم ورضاها قال الشيخ: لا مهر لها (1)، وبه قال ابن إدريس (2). يحتمل وجوبه، لأنه مال الغير، فلا يجوز التصرف فيه بغير إذنه. احتج بأنه - عليه السلام - نهى عن مهر البغي (3). والجواب: القول بالموجب، والمراد الحرة، إذ لا يسقط حق السيد برضى الجارية، وإن كانت مكرهة وجب لسيدها على الزاني إن كانت ثيبا مهر أمثالها، قاله الشيخ (4)، وابن إدريس (5). وقال: ذهب بعض علمائنا إلى أن عليه نصف عشر قيمتها. قال: والأول وهو الصحيح، لأن ذلك ورد فيمن اشترى جارية ووطأها وكانت حاملا وأراد ردها على بائعها فإنه يرد نصف عشر قيمتها، فلا يقاس عليه غير ذلك (6). وإن كانت بكرا مع جهلها قال في المبسوط: عليه أرش البكارة، وقيل: إنه عشر قيمتها. قال: ورواه أصحابنا. قال: وكذا الحكم لو افتضها باصبعه لزمه أرش البكارة، فإذا جمع بينهما وجبا معا عليه، وإن كانت عالمة بالتحريم فعليه أرش البكارة، لأنه اتلاف جزء وعليه أجرة مثلها من حين القبض إلى حين الرد، وأما المهر فإن كانت مكرهة فلها المهر، وإن طاوعته فلا مهر لها.

(1) المبسوط: ج 3 ص 68.
(2) السرائر: ج 2 ص 488 - 489.
(3) سنن البيهقي: ج 6 ص 6.
(4) المبسوط: ج 3 ص 68. (5) السرائر: ج 2 ص 489.
(6) السرائر: ج 2 ص 489.

[ 126 ]

قال: وفي الناس من قال: لها المهر، لأنه حق لسيدها، فلا يسقط ببذلها، كما لو بذلت ى دها للقطع (1). وقال ابن إدريس: إذا كانت بكرا فإن كانت مكرهة فعليه مهر أمثالها، وما نقص من قيمتها قبل افتضاضها يجمع بين الشيئين: بين المهر وبين ما نقص من القيمة من الأرش، وإن طاوعته فلا مهر، بل عليه ما نقص من قيمتها من الأرش، ولا مهر، لأنها بغي (2). وقد بينا أن الأقوى عندنا لزوم المهر، لأنه تصرف في مال الغير فلا يسقط برضى الجارية. مسألة: لو أكره امرأة حرة على الزنا قال في المبسوط: عليه الحد والمهر معا (3). وقال في الخلاف: لا مهر عليه (4). والحق الأول، وبه قال ابن إدريس (5). لنا: إنه اتلاف منفعة فكان عليه ضمانها، ولهذا لو دخل بها الزوج وجب عليه المهر، فالمكره أولى. احتج الشيخ في الخلاف بأصالة براءة المذمة، فمن عتق عليه المهر فعليه الدلالة (6). والجواب: قد بينا الدليل، فلا يصار إلى الأصل معه.

(1) المبسوط: ج 3 ص 66 - 67.
(2) السرائر: ج 2 ص 489.
(3) المبسوط: ج 3 ص 73.
(4) الخلاف: ج 3 ص 404 المسألة 16.
(5) السرائر: ج 2 ص 489.
(6) الخلاف: ج 3 ص 404 ذيل المسألة 16.

[ 127 ]

ثم إن الشيخ نقل استدلال الشافعي وهو ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وآله - " أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها " فأوجب المهر. وأجاب: بأن هذا يتناول العقد دون الاكراه (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا غصب شيئا بمصر فلقيه بمكة فطالبه به فإن كان لنقله مؤونة فإن اتفقت القيمتان في البلدين كان له المطالبة بالمثل، لأنه لا ضرر عليه، وإن اختلفا فالحكم فيما له مثل وفيما لا مثل له واحد فللمغصوب منه أن يأخذ من الغاصب بمكة قيمته بمصر، أو يدع حتى يستوفي ذلك منه بمصر، لأن في النقل مؤونة والقيمة مختلفة، وكذا القرض. وأما السلم فليس له أن يطالبه بمكة، لأن عليه توفية المال في مكان العقد، ولا له مطالبته بالبدل، سواء كان لنقله مؤونة أو لا، وإن اتفقا عليه لم يجز، لأن أخذ البدل عن السلم في الذمة لا يجوز، لقوله - عليه السلام -: " من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره " (2) وتبعه ابن البراج (3). وقال ابن إدريس: له مطالبة الغاصب بالمثل أين كان، وإن اختلفت القيمتان وإن لم يكن له مثل فله مطالبته بقيمته يوم الغصب دون يوم المطالبة إذا تلف في يوم غصبه، فإن بقي في يده فعليه أكثر القيم إلى يوم الهلاك، فأما ما له مثل فعليه مثله يوم المطالبة، تغيرت الاسعار أو لا، فإن أعوز المثل فالقيمة يوم الاقباض. وهذا تحقيق القول والذي يقتضيه أصول المذهب، وقد ذكر شيخنا في مبسوطه تفاصيل مذهب المخالفين، ونقله ابن البراج في تصنيفه على

(1) الخلاف: ج 3 ص 405 ذيل المسألة 16.
(2) المبسوط: ج 3 ص 76 - 77.
(3) المهذب: ج 2 ص 443.

[ 128 ]

غير بصيرة، والكلام في القرض كالكلام في الغصب سواء لا يفترقان، وكذا الكلام إن كان الحق وجب له عن سلم وقال بعض أصحابنا: لم يكن له مطالبته بمكة، لأن عليه أن يوفيه إياه في مكان العقد، وهو حكاية قول المخالفين دون أن يكون ذلك قولا تقتضيه أصول مذهبنا أو وردت به أخبارنا (1). والحق أن نقول: في الغصب والقرض له المطالبة بالمثل أين كان، وبالقيمة إن لم يكن له مثل ومتى تغيرت القيمة قد بينا أن الأقوى وجوب القيمة يوم التلف، وعند أكثر أصحابنا أكثر القيم، وعند آخرين يوم القبض. أما القرض فإن القيمة المعتبرة فيه يوم القبض وإن كانت العين باقية وليس من ذوات الامثال. والوجه وجوب القيمة في الغصب يوم الدفع في مكانه لا في مكان الغصب إن نقص عن مكان الدفع. وأما السلم فليس له المطالبة به في غير بلد العقد، إلا مع الشرط، فإن اتفقا عليه جاز. وقول الشيخ وابن إدريس ممنوعان. مسألة: لو اختلفا في القيمة قال في المبسوط (2) والخلاف (3): القول قول الغاصب مع يمينه، لأنه منكر فيقدم قوله. وقال في النهاية: القول قول المالك (4). والأول أصح. مسألة: إذا غصب فحلا فأنزاه على شاة نفسه كان عليه أجرة الضراب وله الولد. وقال الشيخ في المبسوط: لا يجب الأجرة على الغاصب، لأن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن كسب الفحل (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 490 - 491. (2) المبسوط: ج 3 ص 75.
(3) الخلاف: ج 3 ص 412 المسألة 26.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 180.
(5) المبسوط: ج 3 ص 96.

[ 129 ]

وما قلناه مذهب ابن إدريس (1)، وهو المعتمد، لأنها منفعة فكان عليه عوضها، والنهي للكراهة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا غصب عبدا فرده وهو أعور واختلفا فقال سيده: عور عندك وقال الغاصب: بل عندك فالقول قول الغاصب، لأنه غارم، فإن اختلفا في هذا والعبد قد مات ودفن فالقول قول سيده أنه ما كان أعور عنده، والفصل بينهما أنه إذا مات ودفن فالأصل السلامة حتى يعرف عيبا فكان القول قول السيد، وليس كذلك إذا كان حيا، لأن العور موجود مشاهد، فالظاهر أنه لم يزل حتى يعلم حدوثه عند الغاصب (2). وقال ابن إدريس: فإن غصب عبدا فرده وهو أعور واختلفا فقال سيده: عور عندك وقال الغاصب: بل عندك قدم قول الغاصب، لأنه غارم، وقال بعض أصحابنا: فإن اختلفا في هذا والعبد قد مات ودفن فالقول قول سيده أنه ما كان أعور، والذي يقوى عندي أن القول قول الغاصب،؟ لأنه غارم في المسألتين معا، والأصل براءة الذمة. وهذا الذي ذكره بعض أصحابنا تخريج من تخريجات المخالفين، والذي يقتضيه أصول المذهب ما ذكرناه (3). والوجه أن نقول: إن كان السيد ادعى بعد موته ودفنه أنه عور عند الغاصب وادعى الغاصب أنه عور عند المالك فلا فرق بين المسألتين، وإن كان أنكره عوره مطلقا قدم قوله، وهو الظاهر من كلام الشيخ، فإنه قال: القول قول السيد أنه ما أعور، والأصل السلامة. ولأنه لولا ذلك لما بقي فرق بين الموت وعدمه.

(1) السرائر: ج 2 ص 492.
(2) المبسوط: ج 3 ص 104.
(3) السرائر: ج 2 ص 495.

[ 130 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا غصب عبدا ومات واختلفا فقال الغاصب: رددته حيا ومات في يد المالك وقال المالك: بل رددته ميتا وأقام كل منهما بينة بما ادعاه سقطتا، وعدنا إلى الأصل، وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم رده، لأن كل واحد منهما يدعي موت العبد عند صاحبه وتكافئا ولا ترجيح فسقطتا، وبقي الأصل، وهو بقاء العبد عند الغاصب حتى يعلم رده، وإن عملنا في هذه المسألة على القرعة كان جائزا (1). وقال في المبسوط: إذا أقام كل منهما البينة عمل بما نذكره في تقابل البينتين، فإن قلنا: إن البينتين إذا تقابلتا سقطتا وعدنا إلى الأصل - وهو بقاء العبد عنده حتى يعلم رده - كان قويا (2). وقال ابن إدريس: تسمع بينة المدعي للموت، لأن الرسول - عليه السلام - جعلها في جنبيه، ولأن بينته تشهد بشئ ربما خفي على بينة الغاصب وهو الموت، ولا إشكال هنا حتى تستعمل فيه القرعة، بل مثاله: رجل غصب مالا ثم قال الغاصب: رددته وقال المغصوب منه: ما رددته فالقول قول المغصوب منه، فإن أقام كل منهما بينة سمعت بينة الغاصب، لأن لبينته مزية على بينة المغصوب منه، لأنها تشهد بأمر قد يخفى على بينة المالك. وكذا لو ادعى قضاء الدين وأنكر المالك وأقام كل منهما بينة سمعت بينة القاضي، لأنها تشهد بشئ قد يخفى على بينة من له الدين. ولا يقول أحد من العلماء أنه تستعمل هنا القرعة، ولا يعاد إلى الأصل وتقابل البينتين وانهما تسقطان (3). وقول ابن إدريس ليس بجيد، لأن القول قول المالك مع عدم البينة فكانت

(1) الخلاف: ج 3 ص 418 المسألة 34.
(2) المبسوط: ج 3 ص 105.
(3) السرائر: ج 2 ص 495 - 496 وفيه: " جنبته ".

[ 131 ]

البينة بينة الغاصب، ولا تسمع، بينة المالك كالداخل والخارج. ويحتمل القرعة، لأن الغاصب أقام بينة بالرد حيا والمالك أقام بينة بالموت وهو أمر زائد على الحياة، والأمران ثبوتيان، إذ الموت وإن كان عدم الحياة إلا أنه عدم ملكة، فهو كالملكة في إن له حظا من الوجود، وهو أمر طارئ على الحياة، فالبينتان شهدتا بأمرين متضادين لا يمكن الجمع بينهما، ولا يخفى أحدهما عن إحدى البينتين، فحصل الاشتباه ووجبت القرعة أو التساقط، والرجوع إلى لاصل وهو عدم الرد. فقول الشيخ بأحدهما ليس بعيدا كما توهمه ابن إدريس، فقول ابن إدريس مدخول، فلا يقتضي بناء على نفسه بإدراك الصواب. مسألة: قد بينا الخلاف في الواجب على الغاصب إذا تلفت العين، وبينا أن المختار عندنا إيجاب المثل في المثلي، فإن تعذر فقيمته يوم الاقباض والقيمة يوم التلف. وقال ابن الجنيد: فإن استهلك الغاصب العين المغصوبة كان ضامنا لها لصاحبها، إما أرفع قيمة كانت لها منذ يوم غصبها إلى أن هلكت، أو المثل لها إن اختار صاحبها ذلك. وهذا يشعر بإيجاب أحد الأمرين في المثلي. والوجه ما قلناه أولا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا غصب أرضا فزرعها كان الزرع للغاصب وعليه الأجرة (1). وهذا هو المشهور بين علمائنا، وكذا الغرس. وقال ابن الجنيد: ولو أحدث الغاصب في العين حدثا من بناء أو زرع أو ما شاكلها وشاء المنصوب أن يدفع إلى الغاصب نفقته على العين التي يحدثها

(1) المبسوط: ج 3 ص 99.

[ 132 ]

في سلعته ويحاسبه باستغلاله والأجرة له ويستحق ما في سلعته مما أحدثه الغاصب كان ذلك له، لقول النبي - صلى الله عليه وآله -: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته، وليس له من الزرع شئ ". لنا: إنه عين مال الغاصب فلا ينتقل عنه إلا برضاه، والحديث لم يحضرني الآن حال رجاله. مسألة: لو غصب مسلم مسلما خمرا فاستهلكه لم يضمنه على الأشهر. وقال ابن الجنيد: يحكم له بقيمتها خلا. لنا: إن هذه عين لا يصح تملكها للمسلم فلا تكون مضمونة عليه. احتج بأن له حق اليد فكان عليه الضمان باتلاف حقه، ولا يصح الضمان بالمثل فيضمن بالقيمة ويجب الخل، لأنه أقرب إلى العين. والجواب: إن حق الامساك للتخليل لا يوجب الضمان. مسألة: قد بينا أن جلد الميت لا يطهر بالدباغ ولا ينتفع به، فلو غصبه غاصب ودبغه وأتلفه لم يكن عليه ضمان، لأنه ليس مالا، هذا هو الأشهر. وقال ابن الجنيد: ولو غصبه (1) جلد ميتة يطهره الدباغ فدبغه الغاصب حكمنا للمغصوب بالجلد المدبوغ ولم يحكم للغاصب بأجرة الدباغ، ولو استهلكه الغاصب حكمنا بالقيمة عليه. لنا: قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) (2) وتحريم الأعيان يتناول جميع المنافع، لاستحالة تعلق التحريم والتحليل بالاعيان، وقد سبق البحث في ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أحبلها الغاصب جاهلا بالتحريم ثم ولدته ميتا لم يضمن الغاصب قيمة الولد، لأنه لا يعلم كونه حيا قبل هذا،

(1) كذا في النسخ.
(2) المائدة: 3.

[ 133 ]

ولأنه ما حال بينه وبين سيده في وقت التصرف. ولو ضربها أجنبي فألقت الجنين ميتا قال: على الضارب الضمان، لأن الالقاء عقيب ضرب بطنها مسقط للولد غالبا، بخلاف ما إذا سقط لنفسه، لأن الأصل الموت حتى يعلم غيره (1). وفي الفرق نظر. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا باع المالك الغصب لم يصح، لأن يده ليست عليه (2). وليس بجيد، بل الأقوى الصحة. فإن احتج بأن القدرة على التسليم شرط، قلنا: لا يلزم من الغصب عدم القدرة. ثم لو سلمنا ذلك وفرضنا إمكان القبض من المشتري أو باع على الغاصب صح، فاطلاق البطلان ممنوع. مسألة: قال في المبسوط: لو هجم على دار غيره وكان صاحبها فيها ضمن النصف، ولو مد زمام الناقة من مكان إلى مكان فإن لم يكن صاحبها عليها ضمنها، وإن كان عليها لم يضمنها، لأنه لم يزل يده عنها (3). وفي الفرق إشكال. والوجه التسوية، فإن جعلنا الضمان منوطا بالاستقلال لم يضمن في الموضعين، وإن جعلناه منوطا باليد ضمن النصف في الموضعين. مسألة: قال الشيخ: لو جنى الغاصب على المملوك بما فيه مقدر في الحر كان مقدرا في المملوك (4). وليس بجيد، بل الواجب أكثر الأمرين من المقدر والأرش، لأنه لما كان

(1) المبسوط: ج 3 ص 66.
(2) المبسوط: ج 3 ص 73.
(3) المبسوط: ج 3 ص 73.
(4) المبسوط: ج 3 ص 62.

[ 134 ]

ملحقا في ضمان اليد بالاموال دون الأحرار وجب أن يكون مضمونا بقدر النقص كالاموال، ولأنه إنما ضمن باعتبار اتلاف المنفعة المملوكة للمالك فضمنها بقيمتها، بخلاف الجاني غير الغاصب، لأنه بالنسبة إليه ملحق بالاحرار، فكل ما لم يكن مضمونا بالجناية على الحر لم يكن مضمونا بالجناية من غير الغاصب على العبد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو أغلى الزيت فنقص فعليه قيمة الناقص، بخلاف العصير، لأن النار لا تعقد أجزاء الزيت، فإذا ذهب بعض العين كان كالتالف. أما العصير فإن فيه أجزاء مائية، فالنار تأكلها وتعقد الأجزاء، ولهذا يثخن وتزيد حلاوته، فكان الذي ذهب لا قيمة له (1). والوجه التسوية بينهما ووجوب عوض التالف فيهما. مسألة: قال الشيخ: إذا غصب طعاما فعفن عنده بطول المكث أو بصب الماء عليه ولم يستقر نقصه فهو كالمستهلك، والأقوى عندي أنه يأخذه ويأخذ أرشه وقت الدفع، ثم كلما تجدد نقص في المستقبل رجع بأرشه حتى يستقر النقص (2). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا خاف وقوع حائط جاز له أن يأخذ جذع غيره بغير أمره فيسنده بلا خلاف (3). وفيه نظر، لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه فلا يكون سائغا. مسألة: إذا باع عبدا ثم ادعاه غيره بعد عتق المشتري وصدقه البائع والمشتري والعبد قال الشيخ: لا يقبل في حرية العبد، لتعلق حق الله تعالى من الجمعة والزكاة والحج والجهاد، فللمدعي مطالبة من شاء (4).

(1) المبسوط: ج 3 ص 81 - 82.
(2) المبسوط: ج 3 ص 82.
(3) المبسوط: ج 3 ص 86.
(4) المبسوط: ج 3 ص 97.

[ 135 ]

والوجه قبول الدعوى، لأن الحرية وإن كانت مشتملة على حق الله تعالى فهي أيضا مشتملة على حق العبد فينفذ في حقه، وحقوقه تعالى مبنية على التخفيف. مسألة: إذا غصب نخلا فأثمر رطبا رده بحاله، فإن تلف قال الشيخ: رد قيمة الرطب، لأنه يضمن بالمثل، وكذا العنب والتفاح ونحوهما، وإن شمسه وتلف فعليه رد مثله، لأن للثمر مثلا (1). وفي الفرق إشكال. مسألة: لو غصب حرا صغيرا فمات بسبب لا منه - مثل لدغ الحية وأكل السبع - قال في المبسوط (2) والخلاف (3): لا ضمان عليه لأصالة البراءة، ولأن الحر لا يضمن باليد، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان. وقال الشيخ في الخلاف: وإن قلنا بقول أبي حنيفة كان قويا، ودليله: طريقة الاحتياط (4). وفي المبسوط في كتاب الجراح: يضمنه (5). وفيه قوة، لأنه قربه من سبب الاتلاف على وجه لا يمكنه الاحتراز فلزمه الضمان، كما لو حفر بئرا فسقط فيها غيره. مسألة: إذا أتلف الذمي على مثله خمرا أو خنزيرا قال الشيخ في المبسوط (6) والخلاف (7): يضمن بالقيمة. وهو الوجه.

(1) المبسوط: ج 3 ص 99 - 100.
(2) المبسوط: ج 3 ص 105.
(3) الخلاف: ج 3 ص 421 المسألة 40.
(4) الخلاف: ج 3 ص 421 ذيل المسألة 4.
(5) المبسوط: ج 7 ص 18. (6) المبسوط: ج 3 ص 100.
(7) الخلاف: ج 3 ص 414 المسألة 28.

[ 136 ]

وقال ابن البراج: إذا غصب نصراني من نصراني خمرا واستهلكها كان عليه مثلها (1). لنا: إن الشرع حرم تملكها على المسلم والكافر، لكنا أمرنا بتقرير الكفار على أحكامهم، فإذا تحاكموا إلينا لم نوجب المثل، لسقوطه في نظر الشرع، فأوجبنا القيمة، لأنه مضمون عندهم. وابن البراج أيضا في آخر باب الغصب (2) قال بما اخترناه وحكيناه عن الشيخ.

(1) المهذب: ج 1 ص 444.
(2) المهذب: ج 1 ص 450.

[ 137 ]

كتاب الإجارة وتوابعها

[ 139 ]

كتاب الإجارة وتوابعها وفيه فصول: الأول في الإجارة مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا استأجر الدار شهرا ولم يقل: من هذا الوقت وأطلق بطلت. وقال ابن البراج (3)، وابن إدريس (4): يجوز. والتحقيق أن نقول: إن كان العرف في الإطلاق يقتضي الاتصال فالحق ما قاله ابن البراج، وإن كان لا يقتضيه فالحق ما قاله الشيخ، لحصول الجهالة على التقدير الثاني دون الأول (5). مسألة: قال في المبسوط (6) والخلاف (7): إذا آجره الدار في شهر مستقبل بعد ما دخل لم يصح فاشترط الاتصال بالعقد. ومنعه ابن البراج (8)، وابن إدريس (9)، وهو الوجه. وأبو الصلاح (10) تابع الشيخ. لنا: الأصل الجواز.

(1) المبسوط: ج 3 ص 230.
(2) الخلاف: ج 3 ص 496 المسألة 13.
(3) المهذب: ج 1 ص 473.
(4) السرائر: ج 2 ص 461.
(5) ز: لا الأول.
(6) المبسوط: ج 3 ص 230.
(7) الخلاف: ج 3 ص 496 المسألة 13.
(8) المهذب: ج 1 ص 473.
(9) السرائر: ج 2 ص 461.
(10) الكافي في الفقه: ص 349.

[ 140 ]

ولأنها معاوضة على مدة معلومة بأجرة معينة فكانت لازمة كالمتصل. ولأن شرط الاتصال يقتضي عدمه فيكون باطلا، وبيان الاقتضاء: إن كل واحد من الازمنة التي يشتمل عليها مدة الإجارة معقود عليها، وليست متصلة بالعقد، فاتصال الجزء الأول منها يقتضي عدم اتصال الآخر به. احتج الشيخ بأن عقد الإجارة حكم شرعي، ولا يثبت إلا بدلالة شرعية، وليس على ثبوت الإجارة دليل، فوجب أن لا يكون صحيحا (1). وجعله دليلا في هذه المسألة والمسألة السابقة. واحتج أبو الصلاح بأن صحة الإجارة يتوقف على التسليم. والجواب عن الأول: بأن الدليل موجود، وهو قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (2) والأصل وغيرهما. وعن الثاني: بالمنع من توقف الصحة على التسليم مطلقا بل وقت الاستحقاق، ونحن نقول بموجبه. والعجب أن ابن إدريس نقل قول الشيخ في هاتين المسألتين في المبسوط، قال: ولم يذكر هل هو قولنا أو قول غيرنا؟! فلا يظن ظان أن ذلك قول لأصحابنا (3). ولعله لم يقف على قول الشيخ في الخلاف، ولا على قول أبي الصلاح، أو لعله نسي ذلك. مسألة: قال الشيخ في المزارعة من المبسوط: إذا استأجر سنة رجع إلى الهلالية (4)، فإن وافق أول الهلال كانت السنة كلها بالاهلة، وإن لم يوافق ذلك أول الهلال عدد الباقي من ذلك الشهر وكان ما عداه بالاهلة ثم يكمل ذلك الشهر الأول من الأخير ثلاثين يوما، وإن قلنا: إنه يكمل بقدر ما مضى من ذلك الشهر كان قويا (5)، وهو يدل على تردده. والأول أقوى عندي.

(1) الخلاف: ج 3 ص 496 ذيل المسألة 13.
(2) المائدة: 1.
(3) السرائر: ج 2 ص 458.
(4) ز: الاهلة.
(5) المبسوط: ج 3 ص 255.

[ 141 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: مال الإجارة يصح أن يكون معلوما بالمشاهدة وإن لم يعلم قدره (1). ومنع ابن إدريس من ذلك (2). وقول الشيخ في النهاية يدل عليه، فإنه قال: لا تصح الإجارة إلا بأجل معلوم ومال معلوم (3)، لأنه غرر، والنبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن الغرر (4). احتج الشيخ بأصالة الصحة. ولأن الغرر منفي، لحصول العلم بالمشاهدة. والجواب: الأصل مدفوع بالجهالة، فإنها مبطلة بالاجماع، وهي متحققة هنا، إذ قد عهد في عرف الشرع أن المكيل والموزون إنما يصح المعاوضة عليهما بعد علمهما بالكيل أو الوزن، ولم يكتف الشارع بالمشاهدة في البيع ولا علة لذلك سوى الجهالة، وهي مانعة في الإجارة. مسألة: قال الشيخ في النهاية (5)، والمفيد في المقنعة (6): إذا قال آجرتك كل شهر بكذا ولم يعين لم تنعقد الإجارة إلا على شهر واحد، وكان ما زاد عليه يلزمه فيه أجرة المثل. وقال في الخلاف: إذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بكذا كانت إجارة صحيحة (7)، وأطلق. والظاهر أن مراده في شهر واحد، لأنه قال في المبسوط: إذا قال: آجرتك كل شهر بكذا كان صحيحا، لأن الشهر معلوم، وقيل: يبطل، لأنه إضافة إلى مجهول، فمن قال: يصح قال: يلزمه شهر واحد، وما زاد عليه فاجرة المثل (8).

(1) المبسوط: ج 3 ص 223.
(2) السرائر: ج 2 ص 459.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 276.
(4) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 739 ح 2194.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 277.
(6) المقنعة: ص 642.
(7) الخلاف: ج 3 ص 490 المسألة 5.
(8) المبسوط: ج 3 ص 223.

[ 142 ]

وقال ابن الجنيد: ولا بأس أن يستأجر الدار كل شهر بكذا وكل يوم بكذا ولا يذكر نهاية الإجارة، لو ذكرها عشرين سنة وأقل وأكثر جاز ذلك. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن ذلك لا يجوز ولا يلزم المسمى، بل الجميع يستحق أجرة المثل، لأنه ما عين أجرة المدة (1)، وهو الأقوى. لنا: إن شرط الصحة إن كان منتفيا انتفت الصحة، والمقدم حق فالتالي مثله، والشرطية ظاهرة. وبيان صحة المقدم إن العلم بقدر المنفعة شرط في الصحة إجماعا، وهي هنا إنما يعلم بالمدة، والمدة مجهولة فجهلت المنفعة، ولا يلزم من مقابلة كل جزء من أجزاء المدة المجهولة بعوض معلوم صيرورة المدة بأجمعها معلومة ولا العوض معلوما. احتج الشيخان بأن التقدير: آجرتك هذا الشهر بدرهم وكذا ما بعده دائما. والجواب: المنع من ذلك. مسألة: اختلف علماؤنا في الموت هل يبطل الإجارة؟ فقال المفيد: الموت يبطل الإجارة (2)، وكذا قال في النهاية (3)، وسلار (4). وقال في الخلاف: الموت يبطل الإجارة، سواء كان موت المؤجر أو المستأجر، وفي أصحابنا من قال: موت المستأجر يبطلها وموت المؤجر لا يبطلها (5).

(1) السرائر: ج 2 ص 461.
(2) المقنعة: ص 640.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 277.
(4) المراسم: ص 196.
(5) الخلاف: ج 3 ص 491 المسألة 7.

[ 143 ]

وفي المبسوط: الموت يفسخ الإجارة، سواء كان الميت المؤجر أو المستأجر عند أصحابنا، والأظهر عندهم إن موت المستأجر يبطلها وموت المؤجر لا يبطلها، وفيه خلاف (1). وقال ابن الجنيد: ولو مات المستأجر قام ورثته مقامه. وقال أبو الصلاح: لا تبطل الإجارة بالموت، ويقوم ورثة كل واحد من المالك والمستأجر مقام مورثه (2). وبه قال ابن إدريس، ونقله عن السيد المرتضى في المسائل الناصرية في المسألة المائتين منها (3). والسيد هناك لم يصرح بما نقله ابن إدريس عنه، بل قال: حيث ذكر العمري: وإنما ورث الورثة هذه المنافع كما يرثون منافع الإجارة (4)، وهو يدل على أن موت المستأجر لا يبطل. وقال ابن البراج: الموت يفسخ الإجارة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت هو المستأجر أو المؤجر، وعمل الأكثر من أصحابنا على أن موت المستأجر هو الذي يفسخها لا موت المؤجر. قال: وقد كان شيخنا المرتضى - رضي الله عنه - سوى بينهما في ذلك، بأن بين أن الوجه فيهما واحد (5). وليس هذا موضع ذكر ذلك فتذكره. وقال ابن حمزة: يبطل بموت أيهما كان (6). والوجه ما قال أبو الصلاح. لنا: إنه حق مالي ومنفعة مقصودة يصح المعاوضة عليها وانتقالها بالميراث

(1) المبسوط: ج 3 ص 224.
(2) الكافي في الفقه: ص 348.
(3) السرائر: ج 2 ص 460.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 260.
(5) المهذب: ج 1 ص 501. (6) الوسيلة: ص 267.

[ 144 ]

وشبهه، فلا يبطل بموت صاحبها كغيرها من الحقوق. ولأن العقد وقع صحيحا فيستصحب حكمه. ولأن العقد ناقل فيملك المستأجر المنافع به والمؤجر مال الإجارة، فينتقل حق كل واحد منهما إلى ورثته. احتج الخالف بأن استيفاء المنفعة يتعذر بالموت، لأنه استحق بالعقد استيفاءها على ملك المؤجر، فإذا مات زال ملكه عن العين فانتقلت إلى ورثته، فالمنافع تحدث على ملك الوارث، ولا يستحق المستأجر استيفاءها، لأنه ما عقد على ملك الوارث، وإذا مات المستأجر لم يمكن إيجاب الأجرة في تركته. والجواب: قد بينا أن المستأجر قد ملك المنافع وملكت عليه الأجرة كاملة وقت العقد، وينتقض ما ذكروه بما لو زوج أمته ثم مات، وأيضا فوجوب الأجرة لا يكون إلا بسبب من المستأجر فوجب في تركته بعد موته، كما حفر بئرا فوقع فيها شئ بعد موته فإنه يضمنه في ماله، لأن السبب كان منه في حال الحياة. واستدل الشيخ في الخلاف على قوله فيه إجماع الفرقة وأخبارهم، فإن ما حكيناه عن بعضهم شاذ لا يعول عليه، وأيضا فإن المكتري دخل على أن يستوفي المنفعة من ملك المكري فكيف يستوفي من ملك غيره؟! (1). والجواب: بمنع الاجماع، فإنا قد بينا أن أكثر الأصحاب لم يتفقوا بالبطلان، ولم يصل إلينا حديث يدل عليه، واستيفاء المنفعة مستحق في هذه العين كما لو باعها. مسألة: قال الشيخان: إذا استأجر شيئا لم يجز أن يؤجره بأكثر مما استأجره، إلا أن يحدث فيه حدثا من مصلحة ونفع إذا اتفق الجنس (2)، وبه

(1) الخلاف: ج 3 ص 492 ذيل المسألة 7.
(2) المقنعة: ص 440، النهاية ونكتها: ج 2 ص 278.

[ 145 ]

قال السيد المرتضى (1) ظاهرا، وهو اختيار سلار (2). وابن الجنيد قال: لا يجوز، إلا أن يكون قد أحدث فيما استأجره حدثا فينتفع المستأجر منه، أو أضاف إليها شيئا من ملكه تكون الزيادة عوضا عنه إذا كان مال الإجارة مما يقع فيه الربا. وبالمنع قال الصدوق في المقنع (3)، وأبو الصلاح (4)، وابن البراج في المهذب (5). وقال المفيد (6)، وابن إدريس (7): بالكراهة دون التحريم، وهو مذهب والدي - رحمه الله - وهو مذهب سلار أيضا (8). ولابن البراج قول آخر قال في الكامل: ومن استأجر الأرض بعين أو ورق وأراد أن يؤجرها بأكثر من ذلك فعلى قسمين: إما أن يكون قد أحدث فيها حدثا - مثل أن حفر ساقية أو كرى نهرا وما جرى مجرى ذلك - أو لا يكون، فإن كان قد أحدث فيها شيئا جاز، وإن لم يكن أحدث لم يجز، لأن الذهب والفضة مضمونان، وإن كان قد استأجرها بغير العين والورق من حنطة أو شعير وغير ذلك جاز أن يؤجرها بأكثر من ذلك إذا اختلف النوع. وهذا القول يعطي أنه لا يجوز مع اختلاف النوع في الورق، وقول المفيد يدل عليه. والوجه الكراهة. لنا: ما رواه أبو المعزا في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يستأجر الأرض ثم يؤجرها بأكثر مما استأجرها، فقال: لا بأس، إن هذا ليس

(1) الانتصار: ص 231.
(2) المراسم: ص 195.
(3) المقنع (الجوامع الفقهية): ص 33.
(4) الكافي في الفقه: ص 346.
(5) المهذب: ج 1 ص 502.
(6) المقنعة: ص 640.
(7) السرائر: ج 2 ص 465.
(8) المراسم: ص 195.

[ 146 ]

كالحانوت ولا الأجير، إن فضل الحانوت والأجير حرام (1). وعن أبي الربيع الشامي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتقبل الأرض من الدهاقين فيؤجرها بأكثر مما يتقبل بها وقوم فيها بخط السلطان، قال: لا بأس به، إن الأرض ليست مثل الأجير ولا مثل البيت، إن فضل الأجير والبيت حرام (2). ولأن المستأجر قد ملك المنفعة، فجاز له نقلها إلى غيره بالزيادة والنقصان، كما جاز بالمساوي والخالف جنسا. قال الشيخ في الاستبصار: هذه الأخبار مطلقة في جواز إجارة الأرض بأكثر مقا استأجرها، وينبغي أن تقيد بأحد أشياء: إما أن نقول: يجوز له إجارتها إذا كان قد استأجرها بدراهم ودنانير معلومة، أو يؤجرها بالنصف أو الثلث أو الربع وإن علم أن ذلك أكثر، لما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل استأجر من السلطان من أرض الخراج بدراهم مسماة أو طعام مسمى ثم آجرها وشرط لمن يزرعها أن يقاسمه النصف أو أكثر أو أقل وله في الأرض بعد ذلك فضل أيصلح له ذلك؟ قال: نعم إذا حفر نهرا أو عمل لهم عملا يعينهم بذلك فله ذلك (3). والثاني: إنه يجوز إذا استأجرها بالثلث أو الربع أن يؤجرها بالنصف، لأن الفضل إنما يحرم إذا كان قد استأجرها بدراهم، لما رواه الحلبي قال: قلت

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 203 ح 895، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الإجارة ح 5 ج 13 ص 260.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 203 ح 894، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الإجارة ح 2 ج 13 ص 259 - 260.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 129 ذيل الحديث 464 وح 465.

[ 147 ]

لأبي عبد الله - عليه السلام -: أتقبل الأرض بالثلث أو الربع وأقبلها بالنصف قال: لا بأس به، قلت: فأتقبلها بألف درهم وأقبلها بألفين، قال: لا يجوز، قلت: كيف جاز الأول ولم يجز الثاني؟ قال: لأن هذا مضمون وذلك غير مضمون (1). والثالث: إنه إنما جاز ذلك إذا أحدث فيها حدثا، وأما قبل ذلك فلا ينبغي ذلك، وهو الأحوط، لما رواه إسماعيل بن الفضل الهاشمي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل استأجر أرضا من أرض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام معلوم فيؤجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا بشئ معلوم فيكون له فضل مما استأجر من السلطان ولا ينفق شيئا أو يؤجر تلك الأرض قطعا قطعا على أن يعطيهم البذر والنفقة فيكون له في ذلك فضل على إجارته وله تربة الأرض أو ليست له؟ فقال: إذا استأجرت أرضا فأنفقت فيها شيئا أو رممت فلا بأس بما ذكرت (2). الرابع: أن يؤجر بعضها بأكثر من مال الإجارة ويتصرف هو في الباقي بجزء من ذلك وإن قل، لما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن رجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها بخمسة وتسعين دينارا ويعمر هو بقيتها؟ قال: لا بأس (3). احتج الشيخ بأنه ربا، وبما تقدم من الأخبار، وأيضا فقد روى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يستأجر الدار ثم يؤجرها بأكثر مما استأجرها، قال: لا يصلح ذلك، إلا أن يحدث فيها شيئا (4).

(1) الاستبصار: ج 3 ص 130 ذيل الحديث 465 وح 466.
(2) الاستبصار: ج 3 ص 130 ذيل الحديث 467 وح 468.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 131 ذيل الحديث 468 وح 469. (4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 209 ح 919، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الإجارة ح 3 ج 13 ص 263.

[ 148 ]

وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام - إني أكره أن استأجر رحى وحدها ثم أؤجرها بأكثر مما استأجرتها، إلا أن يحدث فيها حدثا أو يغرم فيها غرامة (1). والجواب: المنع من الكراهة، فإنه إنما يتحقق في بيع أحد المثلين بالآخر مع الزيادة والكيل والوزن. وعن الأحاديث بالكراهة. وقد روى الحلبي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: لو أن رجلا استأجر دارا بعشرة دراهم وسكن بيتا منها وآجر بيتا منها بعشرة دراهم لم يكن به بأس، ولا يؤجرها بأكثر مما استأجرها، إلا أن يحدث فيها شيئا (2). ولو ثبت الربا في الثاني لثبت في الأول. مسألة: قال ابن البراج في المهذب: إن آجر بعضها بمثل ما استأجرها به وسكن في البعض كان جائزا (3). ولعله استناد إلى حديث الحلبي الذي ذكرناه آخر المسألة السابقة، والشيخ منع من ذلك (4). مسألة: الأقوى عندي أنه إذا استأجر جملا للحج فرض أو حانوتا لبيع البز فيه فيحرق أو يسرق بزه بطلان الإجارة. وقال ابن إدريس: لا تبطل (5). لنا: تعذر استيفاء المنفعة فيبطل، وما ذكرناه قول ابن البراج (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 204 ح 900، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الإجارة ح 5 ج 13 ص 263.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 209 ح 919، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب الإجارة ح 3 ج 13 ص 263.
(3) المهذب: ج 1 ص 474.
(4) المبسوط: ج 3 ص 226.
(5) السرائر: ج 2 ص 462.
(6) المهذب: ج 1 ص 488.

[ 149 ]

مسألة: إذا اختلف المؤجر والمستأجر في قدر الأجرة قال الشيخ في المزارعة من الخلاف: الذي يليق بمذهبنا أن تستعمل فيه القرعة، فمن خرج اسمه حلف وحكم له به، لاجماع الفرقة على أن كل مشتبه يرد إلى القرعة (1). وقال في المبسوط: إذا اختلفا في قدر المنفعة - بأن يقول: أكريتها شهرا أو إلى الكوفة ويقول: بل إلى شهرين أو إلى بغداد - أو في الأجرة قال قوم: يتحالفان، وقال قوم: إن كان قبل مضي المدة تحالفا، وإن كان بعدها في يد المكتري لم يتحالفا وكان القول قول المكري، كما في البيع فالقول قول المشتري إذا كانت السلعة تالفة، وهذا هو الذي يقتضيه مذهبنا، وإن قلنا: يرجعان إلى القرعة فمن خرج اسمه حلف وحكم له به كان قويا (2). وقال ابن الجنيد: إذا اتفقا في المدة والمكان واختلفا في الأجرة فكل منهما يدعي ما يجوز بمثله الإجارة في العرف كان الأجير مدعيا فضل أجرة في مال المستأجر وعليه البينة، وكذلك إن اختلفا في الجنس فيقول الأجير: قفيز حنطة ويقول المستأجر: خمسة دراهم، وهذا إذا انقضت المدة أو ركبت الدابة، وإن كان قبل العمل والركوب ولم يقم بينة ولم يسأل أحدهما يمين الآخر تحالفا وانفسخت الإجارة. وقال ابن البراج: إن لم يكن بينة تحالفا، فإن نكل أحدهما عن اليمين كان القول قول الآخر مع يمينه، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا عن اليمين انفسخ العقد في المستقبل وكان القول قول مالك الدار مع يمينه في الماضي، وإن لم يحلف كان له أجرة مثلها عما سكنه المستأجر (3).

(1) الخلاف: ج 3 ص 521 ذيل المسألة 10.
(2) المبسوط: ج 3 ص 265.
(3) المهذب: ج 1 ص 474.

[ 150 ]

وقال ابن إدريس: القول قول المستأجر وعلى المالك البينة (1)، وهو الوجه. لنا: إنه منكر، ولو أقام كل منهما بينة قدم بينة المدعي، لأن القول قول المنكر وللمخالف وجه، لأن كل واحد منهما مدع باعتبار، وكذا القرعة، وقد تقدما في البيع. مسألة: قال الشيخ في النهاية: ومتى هلكت الدابة بتفريط كان ضامنا لها، وإن اختلفا في الثمن كان على صاحبها البينة، فإن لم يكن له بينة كان القول قوله مع يمينه، فإن لم يحلف ورد اليمين على المستأجر منه لزمته اليمين أو يصطلحا على شئ، والحكم فيما سوى الدابة مما يقع الخلف فيه بين المستأجر والمستأجر منه كانت البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (2). وقال ابن إدريس: القول قول الغارم، لأنه المنكر مع يمينه وعدم البينة وعلى المالك البينة، ولا فرق بين الدابة وغيرها على الصحيح (3)، وهو جيد. مسألة: قال الشيخ في النهاية: الصانع إذا تقبل عملا بشئ معلوم جاز له أن يقبله لغيره بأكثر من ذلك إذا كان قد أحدث فيه حدثا، فإذا لم يكن أحدث فيه حدثا لم يجز له ذلك (4). قال ابن إدريس: مقصود الشيخ مناف لعبارته، لأن الانسان إذا تقبل خياطة ثوب بدينار ثم قبله لغيره بأكثر من الدينار احتاج من أن يغرم من عنده شيئا آخر، ومقصوده أن يستفضل من الأجرة المتقبل بها (5)، وهو حق، لأن الأحاديث تدل عليه.

(1) السرائر: ج 2 ص 464.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 280 - 281. (3) السرائر: ج 2 ص 465.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 281.
(5) السرائر: ج 2 ص 466.

[ 151 ]

روى أبو حمزة في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل؟ قال: لا بأس، قد عمل فيه (1). وفي الصحيح عن حكم الخياط قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أتقبل الثوب بدرهم وأسلمه بأقل من ذلك لا أزيد على أن أشقه؟ قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لا بأس فيما تقبلت من عمل ثم استفضلت (2). ثم اعتذر للشيخ بجعل (من) إما زائدة أو للتبعيض، وقوى الثاني، لاستلزام الأول المجاز، ثم قال: الذي ينبغي تحريره في هذا إن الإجارة إن كانت معينة بعمله لم يجز له أن يعطيه لغيره يعمله، وإن كان في الذمة على تحصيل العمل لا بنفسه فله أن يحصل العمل بنفسه أو بغيره، إلا أنه يكون ضامنا في المسألتين إذا سلمه لغيره، لأن صاحبه لم يرض بأمانة غيره (3). ولم يتعرض لما ذكره الشيخ من المنع بالأقل. والوجه عندي الجواز مع عدم التعيين، لأن المالك استحق عليه العمل المطلق وله الاستنابة فيه فيجوز الاستئجار عليه، ويكون الفاضل له بمقتضى العقدين. وأما الضمان الذي حكم به ابن إدريس ففيه بحث ونظر، فإنه يحتمل عدم ثبوته، لأنه لم يتعد بالتسليم إلى غيره، إذ له ذلك شرعا، فلا يناسب العقوبة الساقطة بالأصل السالم عن المعارض، مع أنه ورد الحديث الصحيح

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 210 ح 924، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الإجارة ح 5 ج 13، ص 266، وفيهما عن ابن مسلم عن أحدهما (ع).
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 210 ح 925، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب الإجارة ح 2 ج 13 ص 265.
(3) السرائر: ج 2 ص 467.

[ 152 ]

بسقوطه، قد روى علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت فما عليه؟ قال: إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسم فليس عليه شئ (1). فإذا أسقط الضمان مع تسليم العين لاستيفاء المنفعة فيها فالأولى إسقاطه مع تحصيل المنفعة للمالك فيها. والشيخ في النهاية (2) قال بما اختاره ابن إدريس. وقال ابن الجنيد: ولو كان الأجير مأمونا فسلم السلعة إلى غيره ليعمل فيها عملا كان لصاحب السلعة أن يطالبه إن اتهم أجيره، وإن كان الثاني مأمونا لم يضمن واحد منهما. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من استأجر أجيرا لينفذه في حوائجه كان ما يلزم الأجير من النفقة على المستأجر دون الأجير (3). والوجه ما قاله ابن إدريس: من أن النفقة على الأجير (4). لنا: الأصل براءة الذمة، ولم يوجد معارض فيكون معمولا به. احتج الشيخ بما رواه سليمان بن سالم، عن الرضا - عليه السلام - عن رجل استأجر رجلا بنفقة مسماة ولم يفسر شيئا على أن يبعثه إلى أرض فما كان من مؤونة الأجير من غسل الثياب أو الحمام فعلى من؟ قال: على المستأجر (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 215 ح 942، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب الإجارة ح 1 ج 13 ص 255.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 281 - 282.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 282.
(4) السرائر: ج 2 ص 468.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 212 ح 933، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الإجارة ح 1 ج 13 ص 250.

[ 153 ]

والجواب: إنه محمول على اشتراط النفقة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرط مستأجر العبد أن يعطيه شيئا من غير علم مولاه لم يلزمه الوفاء به ولا يحل للمملوك أيضا أخذه، فإن أخذه وجب عليه رده على مولاه (1). وقال ابن إدريس: إن أخذ ذلك بهبة فإن كان ذلك القبول منه بإذن مولاه كان للمولى، وإن كان قبوله بغير إذن مولاه كانت الهبة باطلة والملك باق على الواهب (3)، وهو جيد، إلا أن مقصود الشيخ أن الواهب إذا أباحه إياه ودفعه إليه ولم يبق له نظر إلى تملكه فإنه لا يجوز للعبد أن ينتفع به بدون إذن مولاه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من استأجر مملوك غيره من مولاه فأفسد لمملوك شيئا أو أبق قبل أن يفرغ من عمله كان مولاه ضامنا لذلك (3). وقال ابن إدريس: يكون ضامنا لنفسه الأجرة دون أرش ما أفسده (4). وقال أبو الصلاح: ولا يجوز استئجار العبد ولا الأمة ولا المحجور عليه لسفه أو صغر إلا بإذن الولي، وضمان ما يفسدونه عليه (5)، وهو المعتمد. لنا: إن الصانع ضامن لما يفسده، والضمان هنا يتعلق بالعبد بإذن المولى فيكون في ضمانه. أما إنه بإذنه فلأنه إذن في العمل، والإذن فيه يستلزم الإذن في لوازمه ومن جملتها الضمان مع الافساد. وأما الثانية فظاهرة. ويؤيده ما رواه زرارة وأبو بصير في الحسن، عن الصادق - عليه السلام -

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 283 - 284.
(2) السرائر: ج 2 ص 469.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 284.
(4) السرائر: ج 2 ص 469.
(5) الكافي في الفقه: ص 347.

[ 154 ]

قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: في رجل كان له غلام فاستأجره منه صائغ أو غيره، قال: إن كان ضيع شيئا أو أبق منه فمواليه ضامنون (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: من اكترى من غيره دابة على أن يحمل له متاعا إلى موضع بعينه في مدة من الزمان فإذا لم يفعل ذلك نقص من أجرته كان ذلك جائزا ما لم يحط لجميع الأجرة، فإن أحاط الشرط بجميع الأجرة كان الشرط باطلا ولزمه أجرة المثل (2). وقال ابن الجنيد: ولو استأجر على أن يبلغ به في خمسة أيام بخمسين درهما، فإن لم يبلغها كان موضوعا من الأجرة لكل يوم خمسة عشر درهما فبلغه إلى المكان في مدة لا تستغرق الحطيطة للاجرة جاز، فإن استغرقت الحطيطة الأجرة أو كان الشرط عليه أنه إن تأخر عن شرطه لم يكن له أجرة كان الحكم في ذلك الصلح، ولا تسقط الأجرة كلها، ولا يأخذ جميعها. وقال ابن البراج: من استأجر من غيره دابة ليحمل عليها شيئا إلى موضع معين في مدة من الزمان وشرط على المكاري إن لم يفعل ذلك نقص من أجرته كان جائزا، فإن شرط عليه إسقاط جميع الأجرة لم يكن ذلك جائزا. وقال ابن إدريس: الأولى عندي أن العقد صحيح والشرط باطل، لأن الله تعالى قال: " أوفوا بالعقود " (3) وهذا عقد، فيحتاج فسخه إلى دليل، وإلا فالشرط إذا انضم إلى عقد شرعي صح العقد وبطل الشرط إذا كان غير شرعي، وأيضا لا دليل على ذلك من كتاب ولا سنة متواترة ولا إجماع منعقد، ولم يورد أحد من أصحابنا هذه المسألة إلا ها هنا في النهاية، لأنها تضمنت

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 213 ح 936، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الإجارة ح 2 ج 13 ص 251 - 252. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 284.
(3) المائدة: 1.

[ 155 ]

المتواتر وغيره (1). وهذا عجيب، فإنا قد ذكرنا الجماعة الذين ذكروا هذه المسألة. والشيخ - رحمه الله - احتج بما رواه محمد الحلبي في الموثق قال: كنت قاعدا إلى قاض وعنده أبو جعفر - عليه السلام - جالس فأتاه رجلان فقال أحدهما: إني تكاريت ابل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن واشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا، لأنها سوق أتخوف أن يفوتني، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكري لكل يوم احتبسه كذا وكذا وإنه حبسني عن ذلك الوقت كذا وكذا يوما، فقال القاضي: هذا شرط فاسد، وفه كراه، فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر - عليه السلام - فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه (2). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر قال: سمعته يقول: كنت جالسا عند قاض من قضاة المدينة فأتاه رجلان فقال أحدهما: إني تكاريت هذا يوافي بي السوق يوم كذا وكذا وإنه لم يفعل، قال: فقال: ليس له كرى، قال: فدعوته فقلت له: يا عبد الله ليس لك أن تذهب بحقه، وقلت للأجير: ليس لك أن تأخذ كل الذي عليه، إصطلحا فترادا بينكما (3). وقول ابن إدريس بصحة العقد وبطلان المشرط ضعيف، لما بيناه من أن العقد إذا تضمن شرطا باطلا كان العقد باطلا وحينئذ تجب أجرة المثل. مسألة: قال المفيد: القصار والخياط والصباغ وأشباههم من الصناع

(1) السرائر: ج 2 ص 469.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 214 ح 940، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الإجارة ح 2 ج 13 ص 253.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 214 ح 941، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب الإجارة ح 1 ج 13 ص 253.

[ 156 ]

ضامنون لما جنته أيديهم على السلع ويضمنون ما تسلموه من المتاع، إلا أن يظهر هلاكه ويشتهر بما لا يمكن دفاعه أو تقوم لهم بينة بذلك، والملاح والمكاري والحمال ضامنون للامتعة، إلا أن تقوم لهم بينة: بأن الذي هلك منه هلك بغير تفريط منهم ولا تعد فيه (1). وقال المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الصناع كالقصار والخياط ومن أشبههما ضامنون المتاع الذي يسلم إليهم، إلا أن يظهر هلاكه ويشتهر بما لا يمكن دفعه، أو يقوم بينة بذلك وهم أيضا ضامنون لما جنته أيديهم على المتاع بتعد وغير تعد، وسواء كان الصانع مشتركا أو غير مشترك. ومعنى الاشتراك: أن يستأجر الأجير على عمل في الذمة فيكون لكل، أحد أن يستأجره، ولا يختص به بعضهم دون بعض. ومعنى الأجير المنفرد: هو أن من استؤجر للعمل مدة معلومة فيختص المستأجر بمنفعة تلك المدة، ولا يصح لغيره استئجاره فيها (2). وقال الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (،) والنهاية (): لا ضمان عليهم، إلا. فيما يهلك مما أفسدوه أو يكون بشئ من جهتهم أو بتفريط منهم وما أشبه ذلك، فإن هلك من غير ذلك لم يكن عليهم شئ من ذلك. وبه قال أبو الصلاح (6)، وسلار (7). وقال ابن إدريس: اختلف أصحابنا، في تضمين الصناع والملاحين والمكارين فقال بعضهم: هم ضامنون لجميع الامتعة وعليهم البينة، إلا أن يظهر هلاكه ويشتهر بما لا يمكن دفاعه، مثل الحريق العام والغرق والنهب

(1) المقنعة: ص 643.
(2) الانتصار: ص 225، وفيه: " ضامنون للمتاع ".
(3) الخلاف: ج 3 ص 501 - 502 المسألة 25.
(4) المبسوط: ج 3 ص 242.
(5) النهاية ونكتها: ج 2 ص 285.
(6) الكافي في الفقه: ص 347.
(7) المراسم: ص 196.

[ 157 ]

كذلك، وأما ما تجنيه أيديهم على السلع فلا خلاف بين أصحابنا أنهم ضامنون له، وقال الفريق الآخر من أصحابنا وهم الاكثرون المحصلون: إن الصناع لا يضمنون إلا ما جنته أيديهم على الامتعة أو فرطوا في حفاظه، وكذلك الملاحون والمكارون والرعاة، وهو الأظهر من المذهب والعمل عليه، لأنهم أمناء، سواء كان الصانع منفردا أو مشتركا (1). والوجه ما اختاره الشيخ. لنا: الأصل براءة الذمة وعدم الضمان، فإن أيديهم ليست عارية وهم أمناء، فلا يتعلق بهم ضمان إلا مع تعد أو تفريط، كالمستودع وغيره. وما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الصباغ والقصار؟ قال: ليس يضمنان (2). وعن بكر بن حبيب قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: أعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه، قال: إن اتهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شي (3). وعن بكر بن حبيب، عن الصادق - عليه السلام - قال: لا يضمن القصار إلا ما جنت يداه، وإن اتهمته أحلفته (4). احتج المرتضى بإجماع الفرقة، ولأن من خالفنا في هذه المسألة على تباين أقوالهم يرجعون فيها إلى ما يقتضي الظن من قياس أو خبر واحد، ونحن نرجع

(1) السرائر: ج 2 ص 470.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 220 ح 964، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الإجارة ح 14 ج 13 ص 274.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 221 ح 966، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الإجارة ح 16 ج 13 ص 275.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 221 ح 967، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الإجارة ح 17 ج 13 ص 275.

[ 158 ]

إلى ما يقتضي العلم، فقولنا أولى، ومما يمكن أن يعارضوا به ما يروونه عن النبي - صلى الله عليه وآله - من قوله: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وهذا يقتضي ضمان الصناع على كل حال، فإذا خصصوه احتاجوا إلى دليل (1). وما رواه مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال أمير المؤمنين - عليه السلام -: الأجير المشترك هو ضامن، إلا من سبع أو غرق أو حرق أو لص مكابر (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: في رجل حمل مع رجل في سفينة طعاما فنقص، قال: هو ضامن، قلت: إنه ربما زاد، قال: تعلم أنه زاد شيئا؟ قلت: لا، قال: هو لك (3). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: سألته عن قصار دفعت إليه ثوبا فزعم أنه سرق من بين متاعه، قال: فعليه أن يقيم البينة أنه سرق من بين متاعه وليس عليه شئ، وإن سرق متاعه فليس عليه شئ (4). والجواب: منع الاجماع، فإنا قد ذكرنا الخلاف، وقوله - عليه السلام -: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (5) مجاز. أما أولا: فلأن اليد لا يثبت عليها شئ. وأما ثانيا: فلأن الكلام لا يتم إلا باضمار، وهو إما يجب على اليد أو ينبغي أو يستحب فيبقى مجملا. وأما ثالثا: فلأنا نقول بموجبه، فإن اليد يجب

(1) الانتصار: ص 226.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 216 ح 945، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب الإجارة ح 4 ج 13 ص 277.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 217 ح 948، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب الإجارة ح 2 ج 13 ص 277.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 218 ح 953، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الإجارة ح 5 ج 13 ص 272.
(5) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 852 ح 2400.

[ 159 ]

عليها رد ما أخذت مع قيامه فيها وبقائه، والأحاديث محمولة على التفريط والتعدي جمعا بين الأدلة، أو على تأخير المتاع عن الوقت المشترط. وإن كان نوع تفريط، لما رواه الكاهلي في الحسن، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن القصار يسلم إليه الثوب واشترط عليه يعطي في وقت، قال: إذا خالف وضاع الثوب بعد الوقت فهو ضامن (1). مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا استقل البعير أو الدابة بحملها فصاحبها ضامن لما عليها من المتاع (2)، وأطلق. وقال ابن إدريس: إذا فرط في مراعاتهما وحفظهما، فأما إذا راعاهما بغير تفريط في المراعاة لهما فلا شئ عليه من الضمان (3). والشيخ عول في ذلك على رواية الحسن بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا استقل البعير والدابة بحملهما فصاحبهما ضامن (4). وقول ابن إدريس لا بأس به. مسألة: إذا استأجر مرضعة فمات أحد الثلاثة قال الشيخ في المبسوط: تبطل الإجارة، سواء كان الذي مات هو المستأجر - الذي هو أبو المرتضع - أو المرأة أو الصبي (5). وقال ابن إدريس: تبطل الإجارة على المذهبين، والقولين اللذين

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 219 ح 957، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الإجارة ح 7 ج 13 ص 273.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 285.
(3) السرائر: ج 2 ص 471.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 222 ح 972، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب الإجارة ح 10 ج 13 ص 279.
(5) المبسوط: ج 3 ص 238.

[ 160 ]

لأصحابنا معا، أما بموت الطفل والمرضعة فظاهر إذا كانت الإجارة معينة بنفسها، وأما الأب فلأنه المستأجر، ولا خلاف أن موت المستأجر يبطل الإجارة هذا إذا كان الصبي معسرا لا مال له (1). وقد كنا أو لا بينا أن الإجارة لا تبطل بموت أحد المتواجرين وقواه هو فكيف ادعى أنه لا خلاف في أن موت المستأجر يبطلها؟! مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا آجرت المرأة نفسها للرضاع أو غيره بإذن الزوج صحت، وإن لم يأذن لم يصح، لأنه لا دليل على صحتها (2). وفي الخلاف كذلك، ونقل عن الشافعي وجهين هذا أحدهما، والثاني الصحة، غير أنه يثبت للزوج الخيار في الفسخ، واستدل بما قاله في المبسوط، وبأن المرأة معقود على منافعها لزوجها بعقد النكاح، فلا يجوز لها أن تعقد لغيرها فيخل ذلك بحقوق زوجها (3). وتبعه ابن إدريس (4). والوجه عندي الصحة واللزوم إذا لم يمنع شيئا من حقوقه، وإن منع افتقر إلى الاجازة وكان موقوفا على الاجازة لا باطلا من أصله. لنا: الأصل الصحة، وقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (5)، وقول الشيخ: " لا دليل على الصحة " ضعيف، وقوله: " الزوج يملك منافعها " ممنوع، بل إنما يملك منافع الاستمتاع، فإذا لم يمنعه الرضاع لم يكن له عليها سبيل. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من جواز أن يستأجر الرجل زوجته لإرضاع ولده، ويجوز بعد البينونة، لأنها أخذت منه عوضا في مقابلة الاستمتاع وعوضا

(1) السرائر: ج 2 ص 471.
(2) المبسوط: ج 3 ص 239.
(3) الخلاف: ج 3 ص 498 المسألة 18.
(4) السرائر: ج 2 ص 471.
(5) المائدة: 1.

[ 161 ]

آخر في مقابلة التمكين من الاستمتاع (1). وسوغه المرتضى (2)، وابن إدريس (3)، وهو المعتمد. لنا: الأصل الجواز، وقوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن... الآية " (4) وهو عام، والعوض المأخوذ ليس في مقابلة التمكين بل في مقابلة الارضاع، وسواء منع شيئا من حقوقه أو لا، لأنه رضي بذلك، وقد تقدم جوازه مع رضاه. مسألة: قال ابن إدريس: إذا آجر عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها صح، وهل يرجع على السيد بأجرة المثل لما يلزمه من الخدمة بعد الجرية؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: يرجع بأجرة المثل في تلك المدة، والآخر: لا يلزمه، وهو الصحيح، لأنه لا دليل عليه، والأصل براءة الذمة (5). وهذا لفظ الشيخ في المبسوط (6). مسألة: قال الشيخ: إذا استأجر الظئر للارضاع بالنفقة والكسوة صح مع علم القدار بالنفقة والكسوة (7)، وكذا قال ابن إدريس (8)، وهو جيد، لأن الجهالة في أحد العوضين مبطلة، وجذا لو استأجر أجيرا بطعامه. وقال ابن الجنيد: لا بأس باستئجار الانسان بطعامه وكسوته كالظئر والغلام وإن لم يسم قدر اللبن من الظئر ولا قدر الطعام للأجير، أما قدر اللبن فجيد، لأن ذلك مجهول لا يمكن ضبطه، وأما طعام الأجير فممنوع. مسألة: قال في الخلاف: إذا آجر الأب أو الوصي الصبي أو شيئا من ماله

(1) المبسوط: ج 3 ص 239.
(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) السرائر: ج 2 ص 471.
(4) البقرة: 233.
(5) السرائر: ج 2 ص 472.
(6) المبسوط: ج 3 ص 238.
(7) الخلاف: ج 3 ص 497 - 498 المسألة 16.
(8) السرائر: ج 2 ص 471.

[ 162 ]

صحت الإجارة إجماعا، فإن بلغ الصبي قبل انقضاء المدة كان له ما بقي، ولم يكن للصبي فسخه، لأن العقد على غير البالغ أو على ماله وقع صحيحا بلا خلاف، فمن ادعى أن له الفسخ بعد البلوغ فعليه الدلالة (1). وتبعه ابن إدريس (2). وقال في المبسوط: كان له فسخها في ما بقي، وقيل: إنه ليس له ذلك، وهو الأقوى (3). والحق إن له الفسخ. لنا: إن الولاية تابعة للصغير، وقد زال فتزول الولاية، والعقد تابع لها فيزول بزوالها. ولأنه لو عقد عليه مدة يعلم بلوغه في بعضها بطلت في الزائد، وكذا المجهول مع وقوعه، لأن العلم والجهل لا مدخل لهما في ثبوت الولاية وعدمها. مسألة: لو استؤجر العبد سنة ثم مات بعد مضي نصفها قال الشيخ (4)، وتبعه ابن إدريس (5): يصح فيما مضى ويبطل فيما بقي، وله المطالبة بأجرة المثل، فإن تساويا أخذه، وإن كانت أجرة الباقي أكثر استحق الزيادة، مثل أن يكون أجرة الماضي مائة والباقي مائتين فإنه يستحق عليه مائتين وبالعكس. وهذا القول فيه نظر، بل الحق أن ينسب المسمى إلى أجرة المثل ويسقط منه ما قابل المتخلف، وكان الشيخ ذلك. مسألة: إذا قال المالك: أذنت لك في قطعه قميصا وقال الخياط: بل قباء، قال الشيخ في الخلاف في كتاب الوكالة: القول قول الخياط (6).

(1) الخلاف: ج 3 ص 500 المسألة 21.
(2) السرائر: ج 2 ص 472.
(3) المبسوط: ج 3 ص 240.
(4) المبسوط: ج 3 ص 223.
(5) السرائر: ج 2 ص 473.
(6) الخلاف: ج 3 ص 348 ذيل المسألة 11.

[ 163 ]

وفي كتاب الإجارة: القول قول صاحب الثوب (1)، وبه قال ابن إدريس (2). وقال في المبسوط: القول قول الخياط، وقال قوم: القول قول رب الثوب، وهو الصحيح، واحتج بأن الثوب له والخياط مدع للاذن من قطعه القباء فعليه البينة (3). وإذا فقدها فعلى المالك اليمين، ولأنهما لو اختلفا في أصل القطع لكان القول قول رب الثوب، وكذا في صفة القطع، قال في الخلاف: وكنا قلنا فيما تقدم في هذه المسألة إن القول قول الخياط، لأنه غارم، وإن رب الثوب يدعي عليه قطعا لم يأمره به فيلزمه بذلك ضمان الثوب فكان عليه البينة، فإن فقدها وجب على الخياط اليمين، وهذا أيضا قوي (4)، وهذا يدل على تردده. والحق ما ذكره في الخلاف أولا وقواه في المبسوط. تذنيب: إذا ثبت أن القول قول المالك وجب على الخياط الأرش. قال الشيخ في المبسوط: وفي قدره قولان: أحدهما: يلزمه ما بين قيمته ثوبا غير مقطوع وقيمته ثوبا مقطوعا قباء، لأن قطعه قباء غير مأذون له فيه. والثاني ما بين قيمته مقطوعا قميصا وبين قيمته قباء (5). ولم يرجح أحدهما. والوجه عندي الثاني، للاذن في القطع، فلا يقع الضمان على المطلق. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (6) والمبسوط (7): يجوز إجارة الدراهم

(1) الخلاف: ج 3 ص 506 ذيل المسألة 34.
(2) السرائر: ج 2 ص 475.
(3) المبسوط: ج 3 ص 248.
(4) الخلاف: ج 3 ص 506 - 557 ذيل المسألة 34. (5) المبسوط: ج 3 ص 248.
(6) الخلاف: ج 3 ص 510 المسألة 41.
(7) المبسوط: ج 3 ص 250.

[ 164 ]

والدنانير للأصل والانتفاع بها مع بقاء عينها، مثل أن ينثرها ويسترجعها ويضعها بين يديه فيتجمل بها، وغير ذلك. وقال ابن الجنيد: وأكره إجارة الحلي من الذهب والفضة دون غيرهما من الجواهر وغيره، ولو اختلطا لم يكن بذلك بأس، ولو جعل الكري للجوهر والخرز وغيره وجعل الذهب والفضة عارية كان جائزا. وقال ابن إدريس: يصح، لأنه لا مانع منه، ثم قال: والذي يقوى في نفسي بعد هذا جميعه أن الدراهم والدنانير لا يجوز إجارتهما، لأنه في العرف المعهود لا منفعة لهما إلا بإذهاب أعيانهما، ولأنه لا يصح وقفهما، فلو صح إجارتهما صح وقفهما، نعم يصح إجارة المصاغ منهما. قال: وربما حققنا القول في ذلك وأشبعناه في آخر الباب (1). والذي حققه في آخر الباب أنه لا خلاف في أنه لا يجوز وقفهما، لأن الوقف لا يصح إلا في الأعيان التي يصح الانتفاع بها مع بقاء أعيانهما، على ما نبينه في كتاب الوقف. فإذا جاز إجارتها جاز وقفها، وهو لا يجوزه، ولأن من غصب مائة دينار وبقيت في يده سنة لم يلزمه الحاكم بأجرة (2). وتحقيقه مع قلته في نفس الأمر وإدخال " رب " عليه خطأ، أما أولا: فللمنع من الملازمة بين الوقف والاجارة، فإن الوقف يصح إجارته ولا يصح وقفه، نعم كل ما يصح اعارته يصح إجارته. وأما ثانيا: فللمنع من عدم إلزام الغاصب بالاجرة. والتحقيق أن نقول: إن كان لها منفعة مقصودة حكمية صحت إجارتها، وإلا فلا.

(1) السرائر: ج 2 ص 475.
(2) السرائر: ج 2 ص 479.

[ 165 ]

مسألة: قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): إذا استأجر دراهم ودنانير وعين وجه الانتفاع بها كان على ما شرط وصحت الإجارة، وإن لم يعين بطلت الإجارة وكانت قرضا، لأن العادة في دنانير الغير ودراهمه لا ينتفع بها إلا على وجه القرض، وإذا أطلق الانتفاع رجع الإطلاق إلى ما يقتضيه العرف. وقال ابن إدريس: لو قلنا: إنه تصح الإجارة سواء عين جهة الانتفاع أو لم يعين كان قويا، ولا يكون قرضا، لأنه استأجرها منه، ومن المعلوم أن العين المستأجرة لا يجوز التصرف في إذهاب عينها بل في منافعها، فيحمل الإطلاق على المعهود الشرعي، ثم قال: والذي يقوى في نفسي بعد هذا كله بطلان إجارتهما (3). والشيخ عول في ذلك على العرف، وقد ثبت في العرف الشرعي انصراف الإجارة إلى الأعيان فيما الغالب فيه تناولها دون المنافع، كاستئجار المرضعة والشاة للحلب وأجرة الحمام، وكذا هنا لما كانت المنفعة المقصودة الانتفاع بأعيانها كانت الإجارة ماضية لجواز اتلافها وحينئذ يصير قرضا بالاتلاف، وبعد هذا فالوجه على تقدير صحة الإجارة عدم جواز الاتلاف كغيرها من الأعيان. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا استأجر دابة واستوفى حقه أو لم يستوف وأمسك البهيمة بعد مضي المدة فهل يصير ضامنا لها، وهل يجب مؤونتها ومؤونة الرد بعد الاستيفاء أم لا؟ فإنه يجب عليه الرد بعد مضي المدة ومؤونة الرد، وإذا أمسكها وقد أمكنه الرد على حسب العادة صار ضامنا، وإنما قلنا ذلك،

(1) الخلاف: ج 3 ص 510 المسألة 42.
(2) المبسوط: ج 3 ص 250.
(3) السرائر: ج 2 ص 475.

[ 166 ]

لأن ما بعد المدة غير مأذون له في إمساكها، ومن أمسك شيئا بغير إذن صاحبه وأمكنه الرد فلم يرد ضمن، وفي الناس من قال: لا يصير ضامنا، ولا يجب عليه الرد، ولا مؤونة الرد، وأكثر ما يلزمه أن يرفع يده عن البهيمة إذا أراد صاحبها أن يسترجعها، لأنها أمانة في يده، فلم يجب عليه ردها مثل الوديعة (1). وقال ابن الجنيد: وأجرة حمل ما استؤجر ورده على صاحبه على المستأجر إلا أن يشترط ذلك، ولو عين مقدار الأجرة للحمل من جملة مال الإجارة وكان المؤجر أمينا فإن زادت كان على المستأجر، وإن نقصت كانت البقية له. وقال ابن إدريس: الذي يقوى عندي أنه لا يصير ضامنا، ولا يجب عليه الرد إلا بعد مطالبة صاحبها بالرد، لأن هذه أمانة، فلا يجب ردها إلا بعد المطالبة - مثل الوديعة - لأن الأصل براءة الذمة، فمن شغلها بشئ يحتاج إلى دليل، وما ذكره شيخنا في نصرة مذهبه فبعيد، ويعارض بالرهن إذا قضى الراهن الدين ولم يطالب برد الرهن وهلك فلا خلاف إن المرتهن لا يكون ضامنا، وإن كان قال للمرتهن: " أمسك هذا الرهن إلى أن أسلم إليك حقك " فقد أذن له في إمساكه هذه المدة ولم يأذن فيما بعدها نطقا، بل بقي على أمانته وعلى ما كان أولا، وكذلك في مسألتنا (2). وفي ذلك عندي تردد. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا استأجره لخياطة ثوب وقال: إن خطت اليوم فلك درهم وإن خطت في الغد فلك نصف درهم صح العقد فيهما، فإن خاطه في اليوم الأول كان له الدرهم، فإن خاطه في الغد كان له نصف درهم، لأن الأصل جواز ذلك، والمنع يحتاج إلى دليل، وقوله - عليه السلام -:

(1) المبسوط: ج 3 ص 249.
(2) السرائر: ج 2 ص 476 - 477.

[ 167 ]

" المؤمنون عند شروطهم " وفي أخبارهم ما يجري مثل هذه المسألة بعينها منصوصة: وهي أن يستأجر منه دابة على أن يوافي به يوما بعينه على أجرة معينة، فإن لم يواف به ذلك اليوم كان أجرتها أقل من ذلك، وإن هذا جائز. وهذه مثلها بعينها سواء (1). وقال في المبسوط: صح العقد فيهما، فإن خاطه في اليوم الأول كان له الدرهم، وإن خاطه في الغد كان له أجرة المثل: وهو ما بين الدرهم والنصف، ولا ينقص من النصف الذي سمي ولا يبلغ الدرهم (2). وهذا الذي اختاره في المبسوط هو قول أبي حنيفة (3). وقال ابن إدريس: يبطل العقد (4)، وهو الحق. لنا: إنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير فلم يصح، كما لو قال: بعتك بدرهم نقدا وبدرهمين نسيئة. ولأنه مجهول فلا يصح. ولأن الإجارة لم توجب شيئا معينا. وقول الشيخ " بالأصل " ممنوع، إذ يترك لقيام معارض، وفرق بين صورة النزاع وصورة النقل، لأن صورة النقل أوجب عليه أن يوافي به في يوم بعينه، وشرط إن لم يفعل أن ينقص من أجزته شيئا، وصورة النزاع لم يوجب عليه شيئا معينا فتطرقت الجهالة إليه، بخلاف الأول. وتفصيل الشيخ في المبسوط ضعيف، لأن العقد إن صح فله المسمى، وإن بطل فله أجرة المثل، ويكون وجوده كعدمه، كسائر العقود الباطلة.

(1) الخلاف: ج 3 ص 509 المسألة 39.
(2) المبسوط: ج 3 ص 249 - 250.
(3) المغني لابن قدامة: ج 6 ص 87.
(4) السرائر: ج 2 ص 478.

[ 168 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا استأجر لخياطة ثوب وقال: إن خطته روميا - وهو الذي يكون بدرزين - فلك درهم، وإن خطته فارسيا - وهو الذي يكون بدرز واحد - فلك نصف درهم صح العقد. وقال ابن إدريس: يبطل (3)، وهو الحق. لنا: إنه عقد على مجهول لم يتعين فيه العوض ولا المعوض فلا يصح، كما لو قال: بعتك هذا بدرهم وهذا بدرهمين. احتج الشيخ بما تقدم في المسألة الأولى. والجواب: ما تقدم. ثم قال ابن إدريس: وإن قلنا: هذه جعالة كان قويا، فإذا فعل الفعل المجعول عليه استحق الجعل (4). وليس بجيد، لتطرق الجهالة في الجعل، فيجب عليه أجرة المثل. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (5) والخلاف (6): لا يجوز إجارة حائط مزوق أو محكم للنظر إليه والتفرج فيه والتعلم منه، لأنه عبث، والمنع منه قبيح، فإذا لم يجز المنع منه فإجارته قبيحة. وقال ابن إدريس: بالجواز إذا كان فيه غرض، وهو التعلم من البناء المحكم، كما يجوز إجارة كتاب فيه خط جيد للتعلم منه، لأن فيه غرضا صحيحا، ولأنه لا مانع يمنع منه (7).

(1) المبسوط: ج 3 ص 250.
(2) الخلاف: ج 3 ص 510 المسألة 45.
(3) السرائر: ج 2 ص 478.
(4) السرائر: ج 2 ص 478.
(5) المبسوط: ج 3 ص 245.
(6) الخلاف: ج 3 ص 501 المسألة 24.
(7) السرائر: ج 2 ص 479.

[ 169 ]

وقول الشيخ جيد، لأنها منفعة ليس للمالك منع المنتفع بها، فلا يصح إجارتها كالاستظلال بالحائط. وفرق بين المزوق والكتاب، لأن في الكتاب يتصرف المستأجر بالتسليم والتغليب، بخلاف صورة النزاع، ولو فرض عدمهما لم تصح الإجارة كالحائط. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو حبس حرا أو عبدا مسلما فسرقت ثيابه لزمه ضمانها (1). والوجه عندي عدم الضمان في الحر. لنا: أن ثيابه بيده. احتج بأن الحبس كان سبب السرقة، بدلالة لو لم يحبسه لم يسرق ثيابه فوجب عليه الضمان (2). والجواب: إذا اجتمع المباشر والسبب فالحوالة على المباشر في الضمان. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لو استأجره لينقل له خمرا إلى موضع لم تصح الإجارة (3)، وأطلق. والوجه أن يقال: إن كان النقل إلى موضع للتخليل أو الاراقة صح، وإن كان للشرب حرم. مسألة: قال ابن الجنيد: لو آجر الأرض بالثلث والمربع وجزء من الغلة كانت مساقاة، وكان ذلك جائزا. وقال الشيخ في باب المزارعة من كتاب النهاية: ومن استأجر أرضا بالنصف أو الثلث أو الرج جاز له أن يؤجرها بأكثر من ذلك وأقل (4). وهذا

(1) الخلاف: ج 3 ص 503 المسألة 27.
(2) الخلاف: ج 3 ص 503 ذيل المسألة 27.
(3) الخلاف: ج 3 ص 508 المسألة 38.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 266.

[ 170 ]

يشعر بجواز استئجارها بالثلث والربع. وقال الصدوق: لا بأس أن يستأجر الأرض بخمس ما يخرج منها (1). والوجه البطلان إن كان إجارة، وإن كان مزارعة صح، لجهالة العوض، فإنه مبطل للاجارة دون المزارعة، لأن مبناها على التجهيل فلا يبطلها. مسألة: قال ابن الجنيد: فإن كان الاختلاف في المكان وكان المستأجر قد بلغ المكان الأبعد فالقول قوله مع يمينه، وإن كان قبل الركوب ولم يقم لأحدهما بينة ولم يسأل أحدهما يمين الآخر تحالفا وانفسخت الإجارة، وإن كان في المكان الأدنى فعلى المستأجر البينة، لأنه مذع كل على الأجير حقا. وهذا بناء على أصل: وهو أن القول قول ذي اليد مع عدم البينة، والمستأجر لما سار إلى المكان الأبعد فكان النفع حصل في يده فالقول قوله، ولأن المدعي هنا المؤجر. ولو كان في المكان الأقرب كانت المنفعة حاصلة في يده فالقول قوله مع يمينه، وإن كان في المبدأ تحالفا، لأن كل واحد منهما يدعي عقدا. ويحتمل تقديم قول المالك مع يمينه مطلقا. مسألة: إذا هرب الجمال قال الشيخ في المبسوط: يرفع المستأجر أمره إلى الحاكم لينفق على الجمال، فإن لم يكن هناك حاكم فإن لم يشهد أو أشهد ولم يشترط الرجوع فإنه لا يرجع به عليه، وإن أشهد على الانفاق وشرط الرجوع حين الاشهاد فهل له الرجوع؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، لأنه موضع ضرورة، والثاني: لا يرجع، لأنه أنفق عليها بغير إذن صاحبها وإذن من يقوم مقامه وهو الحاكم (2). ولم يختر شيئا. وقال ابن الجنيد: ولو هرب المكاري فاضطر الراكب إلى النفقة على الدابة

(1) المقنع: ص 130.
(2) المبسوط: ج 3 ص 236.

[ 171 ]

أنفق على ذلك بعد إعلام السلطان إن كان في القافلة أو على يد بعض أهل النفقة، وإن اضطر أن ينفق بنفسه كان القول قوله ولزم المكاري، ولو طالب بأجرة لقيامه بذلك لزمت المكاري، وهو جيد، للضرورة. نعم يجب الاشهاد مع تمكنه ونية الرجوع، ولو تعذر الاشهاد كان القول قوله، لأنه يدعي الظاهر، وهو عدم التبرع بالنفقة. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا استأجر انسانا للخدمة لم يكن على الخادم الخدمة في الليل بل في النهار، إلا أن يشترط عليه أو يكون العمل مما يعمل بالليل، والأغلب فيه ذلك، وما عمل في الليل كانت أجرته له، وما كان بالنهار الذي آجر نفسه فيه لغيره كان ذلك للمستأجر، إلا أن يشترط أو يأذن فيه. وفيه نظر، فإن الأولى بطلان الإجارة في ذلك اليوم الذي منع المنفعة فيه، أو نقول: عليه أجرة المثل، أما مال الإجارة فلا. مسألة: المشهور إن أجرة الكيال ووزان المتاع على البائع، لأن عليه توفية المتاع، وأجرة ناقد الثمن ووزانه على المشتري، لأن عليه توفية الثمن. وقال ابن الجنيد: وكل من وجب له حق على غيره ببيع أو غيره فعلى صاحب الحق الذي يريد استيفاءه أجرة مستوفية له، فإن كان الموفي موفيا كل واحد من الشريكين حقه كانت الأجرة وسطا بينهما من نفس العين أو على قدر حقوقهما، فإن كان قصده ما ذكرناه فهو ممنوع، وإن قصد بذلك أجرة الوكيل في الاستيفاء فهو حق. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو حدث حال في بحر احتاج معه الملاح إلى أن يفعل فعلا فيه تلف بعض المتاع ونجاة الركاب ضمن الركاب وأرباب باقي المتاع، والملاح ما أتلفه من المتاع، وأطلق. ولعله اعتمد في ذلك على أنه فعل لمصلحتهم فكان الضمان عليهم، والوجه

[ 172 ]

تعلق الضمان به إن شرع بالرمي وعمن يشاركه في الأمر إن أمره أحد به. مسألة: إذا استأجر للحمل فحمل أزيد قال المفيد: كان عليه أجرة الزيادة بحساب ما إذا استأجرها (1). وليس بجيد، بل الحق أن عليه أجرة المثل للزيادة، ولا اعتبار بالمسمى، لجواز زيادته عن أجرة المثل ونقصانه. مسألة: الأجير المشترك والخاص يضمن كل منهما بجناية أرش النقصان، ولتلفه في التفريط القيمة إن كان من ذوات القيم وقت التلف. وقال في المبسوط (2)، وتبعه ابن حمزة (3): إن تلف بتفريط من غير تعد فيه ضمن القيمة يوم التلف، وإن تلف بتعديه كان عليه أكثر قيمته من يوم التلف، وهو بناء على ضمان الغاصب، وقد سبق. مسألة: روى الشيخ في النهاية عن أبي شعيب المحاملي، عن الرفاعي قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل قبل رجلا يحفر له بئرا عشر قامات بعشرة دراهم فحفر له قامة ثم عجز، قال: يقسم عشرة على خمسة وخمسين جزء، فما أصاب واحدا فهو للقامة الأولى والاثنين لإثنين والثلاثة لثلاثة، وعلى هذا الحساب إلى العشرة (4). فلم يتعرض الشيخ للافتاء بها وعدمه. وقال في المبسوط: يقسط المسمى على أجرة المثل، لأن الحفر يختلف فحفر ما قرب من الأرض أسهل، لأنه يخرج التراب من قرب، وحفر ما هو أبعد أصب، فإن كان أجرة المثل على ما بقي عشرة وفيما حفر خمسة أخذ ثلث المسمى، وقد روى أصحابنا في مثل هذا مقدرا ذكرناه في النهاية (5).

(1) المقنعة: ص 642.
(2) المبسوط: ج 3 ص 242.
(3) الوسيلة: ص 267.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 80.
(5) المبسوط: ج 3 ص 237.

[ 173 ]

وقال ابن البراج: هذه مسألة وردت، وقد ذكرها الشيخ أبو جعفر في كتاب النهاية، قال: وعندي أنه إن أريد إذا قسمت هذه القسمة المذكورة خرج ما يجب في كل قامة على التحقيق، فإن ذلك لا يصح، لأن ذلك من الاصم الذي لا يمكن ذلك فيه، وإن أريد ما خرج على التقريب كان جائزا. وقال ابن إدريس: الأولى ما ذكره الشيخ في المبسوط (1)، وهو المعتمد. وتحمل الرواية على ما إذا كانت الإجارة في ذلك الوقت يقسط على ذلك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو استأجر للرضاع لم يلزمها غيره، فإن شرط في العقد الحضانة مع الرضاع لزمها الأمران، فترضع المولود وتراعي أحواله في تربيته وخدمته وغسل خرقه وغيره من أحواله (2)، وأطلق. وقال ابن الجنيد: إذا شورطت على الرضاع فقط لم يكن عليها غير ذلك، إلا أن يكون قد اشترط دفع الصبي إليها إلى منزلها فيكون عليها تمريحه وغسل ثيابه وما لا بد للصبي منه، إلا أن تشترط هي لذلك أجرة على وليه. وتفصيل ابن الجنيد جيد، إذ الظاهر والعرف يقضي بأن الصبي إذا كان في منزلها افتقر إلى الحضانة وكانت لازمة لها. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا استأجره لحمل عشرة أقفزة من صبرة مشاهدة كل قفيز بدرهم، وما زاد فبحسابه صح، وكذا يصح في البيع لو قال: بعتكها كل قفيز بدرهم، ويفارق إذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم عند من قال: لا يجوز، لأن جملة المدة مجهولة المقدار، وليس كذلك هنا، لأن الجملة معلومة بالمشاهدة (3).

(1) السرائر: ج 2 ص 185. (2) المبسوط: ج 3 ص 238.
(3) المبسوط: ج 3 ص 245.

[ 174 ]

والحق بطلان هذه الإجارة، لأن المشاهدة لا تفي بعلم المقدار، والاجارة وقعت على المقدار العلوم، ولم يحصل، فلا يصح، وقد بينا بطلان بيع الصيرة فيما تقدم. مسألة: إذا قال: استأجرتك لتحمل من هذه الصبرة عشرة أقفزة على أن يحمل ما زاد عليها بحسابه، أو قال: استأجرتك لتحمل الصبرة كل قفيز بدرهم على أن تحمل الصبرة الأخرى على حسابها لم يجز، لأنه في معنى البيعين في بيعة، وذلك منهي عنه، ويقوى عندي أنه يجوز، لأن بيعين في بيعة عندنا جائز. والحق البطلان، لما تقدم من الجهالة لا من بيعتين في بيعة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لا يجوز أن يشترط على المكتري سلفا قائما، وهو عادة الناس ببغداد، لأنهم يشترطون على المكتري سلفا يأخذونه يكون في يد المكري بحاله على وجه الرهن ويرده على المكتري إذا انقضت مدة إجارته، فإن شرط ذلك كان العقد باطلا (1). والوجه عندي جواز ذلك، ولا مانع عنه. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر دارا سنة ولم يسلمها مالكها إليه إلى أن مضى شهر وطلب المستأجر منه تسليمها أو لم يطلب ذلك ثم تحاكما لم يكن للمستأجر الامتناع من قبضها في باقي السنة (2). وليس بجيد. لنا: إن المالك منعه من الانتفاع بعض المدة، فكان له خيار الفسخ، لتبعيض الصفقة عليه. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر دارا بعبد معين فأعتقه مالك الدار قبل أن يتقابضا لم يصح عتقه، وإن كان أعتقه بعد أن سلمه المستأجر إليه

(1) المبسوط: ج 3 ص 252.
(2) المهذب: ج 1 ص 475.

[ 175 ]

وقبل أن يسلم الدار كان العتق جائزا، فإن احترقت الدار وانهدمت أو مات أحد المتواجرين كان على المعتق قيمة العبد، فإن لم يقبض العبد حتى سكن شهرا واحدا ثم أعتقا جميعا العبد وهو بيد المستأجر فإنه يجوز فيه عتق صاحب الدار بقدر أجرة شهر، ويجوز عتق المستأجر فيما بقي منه وينفسخ الإجارة (1). وهذا الكلام ليس بجيد، لأن التقابض ليس شرطا في المالك فنقول: إما أن يملك المؤجر العبد بالعقد أو لا. وعلى التقدير الأول ينفذ عتقه، سواء تقابضا أو لا. وعلى التقدير الثاني لا ينفذ وإن تقابضا. وكذا قوله: (إذا اعتقا جميعا بعد سكنى شهر جاز عتق صاحب الدار بقدر أجرة شهر) ليس بجيد، بل يمضي فيه أجمع، لأنه ملكه بالعقد. مسألة: إذا استأجر حماما قال الشيخ: لا يجوز أن يشترط المالك الانفاق على الحمام، لأنه واجب على المالك، فإذا شرط على المستأجر بطل العقد، لأنه شرط نفقة مجهولة، فإن فعل المكتري ذلك ثم اختلفا في مقدار النفقة كان القول قول المكتري، لأنه أمين (2). وقال ابن البراج: إذا شرط العمارة على المستأجر فسدت الإجارة، لأنه مجهول، وإذا شرط صاحب الحمام على المستأجر عشرة دراهم كل شهر للمرمة زائدة على الأجرة وأمره أن ينفقها عليه جاز، وإذا قال المستأجر: قد انفقتها لم يصدق وكان القول قول صاحب الحمام مع يمينه (3). ولو قيل: بجواز العقد وإن كانت العمارة مجهولة كان وجها، لأن العوضين معلومان، فلا تؤثر الجهالة في الشرط.

(1) المهذب: ج 1 ص 475.
(2) المبسوط: ج 3 ص 251، وفيه: (فإن قبل المكتري).
(3) المهذب: ج 1 ص 478.

[ 176 ]

وقول ابن البراج: " إن القول قول المالك " لا بأس به، لكنه مبني على أن القول قول الوكيل أو لا، وقد سلف. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر حمامين صفقة واحدة فانهدم أحدهما قبل قبضهما كان له ترك الباقي، وإن كان بعد القبض كان الباقي لازما له بحصته من الأجرة، ولو استأجر حماما واحدا فانهدم منه بيت واحد كان له تركه، سواء كان قبل القبض أو بعده، فإن استأجر حماما وعبدا وقبضهما ثم مات العبد لزمه الحمام بحصته (1). ولو قيل: بالتساوي في المسائل الثلاث كان وجها، لتبعيض الصفقة في الجميع. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان الراعي مشتركا فخلط غنم الناس بعضها بعضا فلم يعرف أهلها ما لكل واحد كان القول قوله مع يمينه، فإن قال: لا أعرفها كان ضامنا بقيمتها كلها لاهلها ويكون جميع الغنم له (2). ولعله عول على أنه متلف لكل واحد يتعذر تسليمها إلى مالكها فكان عليه القيمة. والوجه إن الغنم لأربابها، ويقع التداعي بينهم، ويحكم بعد الاشتباه إما بالصلح أو القرعة. مسألة: قال: فإن ادعى واحد منهم غنما معينة كان القول قول الراعي أيضا مع يمينه، فإن نكل عن اليمين سلم ذلك (3). وليس بجيد، لأنه مال الغير فلا يسلم إليه بنكول الراعي. مسألة: إذا استأجر دابة إلى مكان معين فتجاوزه قال في المبسوط: عليه

(1) المهذب: ج 1 ص 478. (2 و 3) المهذب: ج 1 ص 480.

[ 177 ]

المسمى وأجرة مثل الزيادة والضمان (1). وقال ابن البراج: إذا تلفت الدابة بعد التجاوز كان ضامنا لها ولا أجرة عليه فيما زاد بعد المكان الذي عينه، فإن تجاوز بالدابة المكان الذي حده وسلمت كان صاحبها مخيرا بين أن يأخذ منه أجرة المثل وبين أن يضمنه قيمة ما نقص (2) وليس بجيد، والحق إن عليه الأجرة والقيمة معا من غير تداخل، وكذا إن سلمت وردها ناقصة وجب عليه الأجرة وقيمة الناقص، لأنهما أمران واجبان فلا يتداخلان. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر دابة يوما واحدا ثم أمسكها عنده أياما كان صاحبها مخيرا بين أن يأخذ قيمة ما نقصت وبين أن يأخذ أجرة المثل فيما زاد على اليوم (3). وليس بجيد. والتحقيق أن نقول: إن أوجبنا على المستأجر رد العين فأمسكها ولم يردها وجب عليه أجرة المثل في الأيام الزائدة وقيمة ما نقص، ولا يتداخلان كما سبق، وإن أوجبنا الرد على المالك لم يجب على الأجير شئ من أجرة الزيادة ولا قيمة النقصان. مسألة: لو هرب المكاري ومات بعيره فاستأجر الراكب غيره لزمت إجارته الكاري الأول، إلا أن يكون قد تعدى، قاله ابن الجنيد، وتبعه ابن البراج (4). والتحقيق أن نقول: إن كانت الإجارة متعلقة بعين بطلت بموتها وكان له

(1) المبسوط: ج 3 ص 255. (2 و 3) المهذب: ج 1 ص 483.
(4) المهذب: ج 1 ص 485.

[ 178 ]

الرجوع بما قابل المتخلف إن كان دفع، وإن كانت في الذمة كانت الإجارة الثانية لازمة للأول إن كانت بقدر أجرة المثل أو أقل، وإن كانت أزيد كانت الزيادة على المستأجر. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر دابة بدراهم فرد عليه المكاري عند البلوغ إلى ذلك البلد تلك الدراهم وذكر أنها زيوف كان القول قول صاحب الدابة مع يمينه في ذلك 1 (1). وفيه نظر، إذ الأصل براءة الذمة، فلا تسمع دعواه إلا بالبينة، لأن المستأجر منكر، فإن عارض ذلك بأصالة عدم القبض عارضناه بأصالة البراءة. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر دابة إلى موضع معين على أنه إن بلغه في يومين كان لصاحبها أجرة عشرة دراهم، وإن زاد على ذلك كان له خمسة، كان له أجرة مثلها، فإن قال: " إن زدت على اليومين لم يكن لك أجر " لم يجز ذلك، وكان له أجرة مثلها لا يجاوز به عشرة دراهم (2). وقد بينا فيما تقدم الخلاف في ذلك، وإن الواجب أجرة المثل، سواء زادت على المسمى أو لا. مسألة: قال ابن البراج: إذا حمل أجير القصار الثياب فعثر أو سقط فتخرق منها شئ كان على القصار ضمان ذلك (3). والتحقيق: إن الأجير إن فرط ضمن، وإلا فلا ضمان على أحد. مسألة: قال ابن البراج: إذا دفع إلى حائك غزلا وأمره أن ينسجه طول

(1) المهذب: ج 1 ص 486.
(2) المهذب: ج 1 ص 487.
(3) المهذب: ج 1 ص 489.

[ 179 ]

ثمانية أذرع في عرض أربعة فنسجه أكثر أو أقل تخير صاحبه بين أخذه ودفع الأجر إليه إلا في وجه النقصان فإنه يعطيه الأجر بحساب ذلك ولا يتجاوز به ما سمي له، وبين أن يضمنه مثل غزله ويدفع الثوب إليه (1). والوجه إن عليه الأرش، ولا يجب على الحائك أخذ الثوب. مسألة: قال ابن البراج: إذا دفع إلى اسكاف خفا ينعله فأنعله بنعل لا ينعل الخفاف بمثله كان صاحب الخف مخيرا بين أن يضمنه قيمة خفه بغير نعل وبين أخذه، وأن يدفع إليه أجرة مثله، وقيمة النعل لا يتجاوز به ما سماه، وإن كان ينعل بمثله وشرط أن يكون جيدا فأنعله بغير جيد كان مخيرا بين أن يضمنه قيمة الخف وبين أخذه، وأن يعطيه أجرة مثله (2). والوجه أنه لا يجبر العامل على أخذ الخف في الصورتين، بل له أخذ نعله وعليه الأرش. قال: ولو دفع إلى صباغ ثوبا على أن يصبغه بنصف رطل عصفر فصبغه برطل وصاحب الثوب مقر له بذلك كان مخيرا إن شاء ضمنه قيمة الثوب، وإن شاء أخذه ودفع إليه قيمة زيادة العصفر في الثوب مع الأجر (3). والوجه ما تقدم من أنه ليس يجب على الصباغ أخذ الثوب. قال: ولو دفع إلى خياط ثوبا على أن يخيطه له قميصا بدرهم فخاطه قباء كان لصاحب الثوب أن يضمنه قيمته، فإن أراد أخذ القباء وأن يدفع إليه أجر مثله كان له ذلك، ولا يتجاوز ما سمي له (4). وليس بمعتمد، بل لا يجب على الخياط أخذه ودفع قيمته، بل عليه الأرش خاصة.

(1) المهذب: ج 1 ص 491.
(2) المهذب: ج 1 ص 492. (3) المهذب: ج 1 ص 492.
(4) المهذب: ج 1 ص 493.

[ 180 ]

مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر طاحون ماء صح، فإن انقطع الماء كان له بعض الأجرة، فإن استأجرها يوما واحدا وانقطع عنها الماء في ذلك اليوم لم يكن له نقضها، بل يرفع عنه من الأجرة بحساب ذلك (1). والوجه التساوي في الموضعين، وإن له النقض إذا عاد الماء في باقي اليوم. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر من غيره مكانا على نهر ليبني عليه بيتا ويعمل فيه طاحونا ويكون البناء والحجارة والحديد والخشب من عند هذا المستأجر كان جائزا، فإن انقطع ماء النهر وبطلت الرحى فلم تعمل كانت الإجارة لازمة للمستأجر، ولم يكن على المؤجر شئ (2). وفيه نظر، فإن المنفعة التي استؤجر الموضع لها قد بطلت فكان للمستأجر الفسخ، كما لو استأجر أرضا للزراعة فانقطع الماء. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر رحى بآلتها ومتاعها وقل الماء إلى أن أضر ذلك بالطحن وهو يطحن على ذلك نظرت في الضرر فإن كان ضررا فاحشا كان له ترك الإجارة، وإن كان غير فاحش كانت الإجارة لازمة له (3). والأجود أن له الفسخ، سواء كان الضرر فاحشا أو غير فاحش، لأنه يتضرر، وقد قال - عليه السلام -: " لا ضرر ولا إضرار " (4). قال: فإن استأجر رحى بآلتها فانكسر أحد الحجرين أو الدوارة كان له فسخ الإجارة، فإن عمل صاحب الرحى ما انكسر من ذلك أو فسد قبل الفسخ لم يكن له بعد ذلك الفسخ، ولكن يرفع عنه من الأجر بحساب ذلك،

(1) المهذب: ج 1 ص 495.
(2) المهذب: ج 1 ص 495.
(3) المهذب: ج 1 ص 495.
(4) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 784 ح 2340 و 2341.

[ 181 ]

فإن اختلفا في مبلغ العطلة كان القول قول المستأجر، إلا أن يذكر المؤجر ذلك (1). والأجود أن له الفسخ، لتبعيض الصفقة. مسألة: قال ابن البراج: إذا أستأجر صانعا فجنى إنسان على ما في يد الصانع تخير صاحبه بين تضمين الصانع ويرجع الصانع على الجاني، وبين أن يضمنه الجاني وللصانع الرجوع على الجاني، وليس للجاني الرجوع على الصانع (2). وليس بجيد، والوجه اختصاص الضمان بالجاني. نعم لو سلمه الأجير إلى غيره فجنى عليه كان الحكم ما تقدم. مسألة: قال ابن البراج: إذا استأجر عبدا للخدمة شهرا فدفع الأجرة عند انسلاخ الشهر إلى العبد وكان السيد هو الذي أجره لم تبرأ ذمته من الأجرة، وإن كان العبد هو الذي آجر نفسه فقد برئ من ذلك (3). والوجه عدم البراءة في الموضعين، لأن الأجرة مستحقة للمالك، فلا تبرأ ذمته بدون التسليم إليه، إلا مع إذن المالك.

(1) المهذب: ج 1 ص 496. (2) المهذب: ج 1 ص 498.
(3) المهذب: ج 1 ص 501.

[ 182 ]

الفصل الثاني في المزارعة مسألة: قال ابن إدريس: لو شرط على العامل ما يجب على رب الأرض أو بعضه أو شرط المزارع على رب الأرض ما يجب على العامل أو بعضه جاز (1). وهذه العبارة رديئة، فإنه لو شرط العامل الجميع على المالك لم يستحق حصته، إذ لا مقابل لها. وسبب غلطه عدم فهمه لكلام الشيخ في النهاية حيث قال: لو شرط المزارع على المالك جميع المؤونة من البذر وكري النهر وغير ذلك ويكون من جهته القيام بها وبزراعتها وعمارتها جاز (2). وهذا القول حق. مسألة: إذا بلغ نصيب كل واحد منهما ما يجب فيه الزكاة وجبت عليهما. وقال ابن زهرة: كل من كان منه البذر وجبت الزكاة عليه دون الآخر، لأن ما يأخذه كالأجرة (3). قال ابن إدريس: كاتبته وعرفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر - رحمه الله - بأعذار غير واضحة، وأبان بها أنه ثقل عليه الرد، ولعمري أن الحق ثقيل كله. ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه: " إن المزارع مثل

(1) السرائر: ج 2 ص 442.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 269.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 540 س 5.

[ 183 ]

الغاصب للحب إذا زرعه، فإن الزكاة تجب على صاحب الحب دون الغاصب " وهذا من أقبح المعارضات وأعجب التشبيهات. وطول ابن إدريس بما لا فائدة فيه، ثم قال: وقد حقق الشيخ هذه المسألة في مواضع عدة، وقال: الزرع نماء على ملكهما، فيجب على كل واحد منهما الزكاة. قال: وانها السيد نظر إلى ما ذكره شيخنا من مذهب أبي حنيفة في مبسوطه، فظن أنه مذهبنا فنقله في كتابه على غير بصيرة ولا تحقيق، وعرفته أن ذلك مذهب أبي حنيفة ذكره شيخنا في مبسوطه لما شرح أحكام المزارعة، ثم عقب بمذهبنا، وأومأت له إلى المواضع التي حققها شيخنا في كتاب القراض وغيره فما رجع، ومات - رحمه الله - وهو على ما قاله (1). وقول ابن إدريس وإن كان جيدا مستفادا من الشيخ أبي جعفر إلا أن قول ابن زهرة ليس بذلك البعيد بن الصواب. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شرط المزارع أن يأخذ بذره قبل القسمة كان له ذلك، وإن لم يكن شرط ذلك كان البذر عليه على ما شرط (2). وقال ابن إدريس: إذا لم يكن شرط كيف يكون البذر عليه على ما شرط وهو قد نفى أن يكون شرط شيئا؟! إلا أن يريد أنه شرط أن يأخذه بعد القسمة إذا لم يكن شرط أن يأخذه قبل القسمة (3). وهذه مؤاخذة لفظية غير صحيحة، لأنه إذا لم يشرط إخراج البذر وشرط القسمة بالحصة المعلومة فإن البذر يكون من حصة صاحبه على ما شرط من أخذ النصف مثلا أو الثلث. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا استأجر دارا للسكنى وفيها بستان فزرع

(1) السرائر: ج 2 ص 443. (2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 268 - 269.
(3) السرائر: ج 2 ص 447.

[ 184 ]

فيها زرعا وغرس شجرا بإذن المالك ثم أراد التحول عنها وجب على صاحب الدار أن يقوم جميع ما فيها من الزرع أو النخل ويعطي ثمنه للزارع والغارس، وإن لم يكن بإذنه كان له قلعه واعطاؤه إياه (1). والأجود أن يقال: إذا زرع أو غرس بإذنه لم يكن له قلعه إلا مع الأرش، ولا يجبر على دفع القيمة لو امتنع، ولا يجبر الغارس على أخذ القيمة لو امتنع. وقال المفيد: من غصب انسانا على أرضه فزرع فيها كان صاحب الأرض بالخيار إن شاء قلع الزرع وطالب الزارع بقيمة ما نقص من الأرض، وإن شاء أخذ الزرع وكان عليه خراجه (2). مسألة: قال الشيخ في النهاية: من زارع أرضا على ثلث أو ربع وبلغت الغلة جاز لصاحب الأرض أن يخرص عليه الغلة ثمرة كانت أو غيرها، فإن رضي المزارع بما خرص أخذها وكان عليه حصة صاحب الأرض، سواء نقص الخرص أو زاد وكان له الباقي، فإن هلكت الغلة بعد الخرص بآفة سماوية لم يكن عليه للمزارع شئ (3). وقال ابن إدريس: الذي ينبغي تحصيله أنه لا يخلو إما أن يكون قد باعه حصته من الغلة والثمرة بمقدار في ذمته من الغلة والثمرة، أو باعه الحصة بغلة من هذه الأرض، فعلى الوجهين معا البيع باطل، لأنه داخل في المزابنة والمحاقلة وكلاهما باطلان، وإن كان ذلك صلحا لا بيعا فإن كان ذلك بغلة وثمرة في ذمة الاكار - الذي هو المزارع - فإنه لازم له، سواء هلكت الغلة بالآفات السماوية أو الارضية، وإن كان ذلك الصلح بغلة من تلك الأرض فهو صلح

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 271.
(2) المقنعة: ص 637.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 272.

[ 185 ]

باطل، لدخوله في باب الغرر، لأنه غير مضمون، فإن كان ذلك فالغلة بينهما، سواء زاد الخرص أو نقص، تلفت منهما أو سلمت لهما، فليلحظ ذلك، فهو الذي يقتضيه أصول مذهبنا وتشهد به الأدلة، فلا يرجع عنها بأخبار الآحاد التي لا يوجب علما ولا عملا (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه محمد وعبيد الله الحلبيين في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - إن أباه حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها، فلما أدركت الثمرة بعث عبد الله بن رواحة فقوم عليهم قيمة، فقال: إما أن تأخذوه وتعطون نصف الثمرة، وإما أن أعطيكم نصف الثمرة وآخذه، فقال: بهذا قامت السماوات والأرض (2). وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن المزارعة، فقال: النفقة منك والأرض لصاحبها فما أخرج الله عليه من شئ قسم على الشرط، وكذلك قبل رسول الله - صلى الله عليه وآله - خيبر حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها على أن لهم نصف ما أخرجت، فلما بلغ التمر أمر عبد الله بن رواحة فخرص عليهم النخل، فلما فرغ منه خيرهم فقال: قد خرصنا هذا النخل بكذا صاعا فإن شئتم فخذوه وردوا علينا نصف ذلك، وإن شئتم أخذناه وأعطيناكم نصف ذلك، فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض (3). ونحن لا نقول: بأنه بيع حتى يكون مزابنة أو محاقلة، وإنما هو نوع تقبيل

(1) السرائر: ج 2 ص 450 - 451.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 193 ح 855، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب بيع الثمار ح 2 ج 13 ص 18 - 19.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 193 ح 856، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب بيع الثمار ح 2 ج 13 ص 253.

[ 186 ]

وصلح، وكان ذلك سائغا مع الجهل، لأن مبني عقد المزارعة على الجهالة فلم يضر فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بالمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، ويكره أن يزارع بالحنطة والشعير والتمر والزبيب، وليس ذلك بمحظور، فإن زارع بشئ من ذلك فليجعله من غير ما يخرج من تلك الأرض مما يزرعه في المستقبل، بل يجعل ذلك في ذمة المزارع (1). قوله: " ويكره أن يزارع بالحنطة والشعير " إن قصد بذلك المزارعة فهو ممنوع، وإن قصد الإجارة فهو حق. وقال المفيد: المزارعة بالربع والثلث والنصف جائز، كما يجوز بالذهب والفضة (2). وهذه العبارة أشكل من الأولى، فإنه إن قصد بالمزارعة الإجارة لم تصح بالحصة، وإن قصد المزارعة لم تصح بالذهب والفضة. والصحيح إن قصده بالأول المزارعة، وبالثاني الإجارة. مسألة: يجوز أن يستأجر الأرض بالحنطة ويزرعها حنطة على الأشهر، لا مما يخرج منها. وقال ابن الجنيد: من استأجرها بحنطة مضمونة لم يستحب أن يزرعها حنطة. وقال ابن البراج: لا يجوز على كيل معين من جنس ما زرع الأرض، مثل أن يستأجرها بحنطة ويزرع فيها حنطة (3). لنا: إن الأرض تصح المعاملة عليها بجميع الأعواض فصح بما يزرع فيها إذا

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 264 - 265.
(2) المقنعة: ص 636.
(3) المهذب: ج 2 ص 10.

[ 187 ]

لم يشترط الأجرة من الزرع، لعدم الفصل بين الأموال. احتج ابن البراج بما رواه الحلي في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - فال: لا تستأجر الأرض بالحنطة ثم تزرعها حنطة (1). والجواب: المراد " مما يخرج منها "، لما رواه الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن إجارة الأرض بالطعام، قال: إن كان من طعامها فلا خير فيه (2). مسألة: قال ابن البراج: إذا ابتاع الحربي المستأمن أرضا عشرية أو خراجية فسلمها إلى مسلم مزارعة كان جائزا، ويكون ما يخرج بينهما على ما اشترطاه، ويوضع عليه الخراج في أرضه ويجعل ذميا، ولا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب (3). والوجه عدم جعله ذميا، وتمكينه من رجوعه إلى مأمنه، ويكون حكم أرضه حكم مال المستأمن عندنا ينتقض الأمان فيه بموته كغيره من أمواله. قال: ولو ابتاع مسلم تاجر في دار الحرب أرضا ودفعها إلى حربي مزارعة بالنصف فزرعها فلما استحصد الزرع لم يحصد حتى ظفر المسلمون بتلك الدار فافتتحوها عنوة فإن الأرض والزرع لمن افتتحها، وإن كان الزرع حصد ولم يحمل من الأرض حتى افتتح المسلمون الأرض كانت الأرض ونصيب الحربي فيئا للمسلمين، وكان للمسلم نصيبه من الزرع (4). والوجه أن الأرض للمسلم لا يصير فيئا، وكذا الزرع الذي يخصه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 195 ح 863، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب المزارعة والمساقاة ح 3 ج 13 ص 209.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 195 ح 864، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب المزارعة والمساقاة ح 5 ج 13 ص 210. (3 و 4) المهذب: ج 2 ص 18.

[ 188 ]

مسألة: مزارعة الصبي باطلة على الأشهر. وقال ابن البراج: إذا اشترى الصبي التاجر أرضا وحجر أبوه عليه فدفعها مزارعة بالنصف إلى غيره يزرعها ببذره وعمله فعمل على ذلك كان الخارج للعامل وعليه نقصان الأرض، فإن لم يكن في الأرض نقصان كان الخارج بينهما على شرطهما، فإن كان البذر من جهة الدافع كان الخارج للعامل، وعليه غرم البذر في جميع الوجهين، ويغرم نقصان الأرض، وهكذا لو لم يخرج الأرض شيئا (1). والوجه إن شراءه باطل، فإن سوغناه مع الإذن بطلت المزارعة، وكان الحاصل للمزارع إذا كان البذر منه، وعليه أجرة الأرض وأرش النقصان إن نقصت، سواء خرج أو لا، ولو كان البذر من الدافع - وهو الصبي - كان الحاصل له. مسألة: قال ابن البراج: إذا دفع الحر إلى العبد المحجور عليه أو الصبي الحر المحجور عليه أرضا وبذرا مزارعة بالنصف هذه السنة فزرعها وخرج الزرع وسلم العامل كان ما خرج بينهما على ما اشترطاه، فإن مات العبد وهو في عمل الزرع بعد ما استحصد الزرع كان صاحب الأرض ضامنا لقيمته والزرع كله له، وإن مات الصبي في عمل ذلك بعد استحصاد الزرع كان الزرع بينهما على شرطهما، وعلى عاقلة صاحب الأرض دية الصبي، وهكذا الحكم في المعاملة في الشجر (2). وليس بجيد، فإن مع سلامة العامل يكون للعامل أجرة المثل، سواء كان صبيا أو عبدا، لأنها معاملة فاسدة، ولو مات العبد لم يضمن المالك، إلا أن يكون قد تصرف في العبد ويده عليه فإنه يضمنه لمولاه والزرع كله له، وعليه

(1 و 2) المهذب: ج 2 ص 20.

[ 189 ]

أجرة العبد، وكذا حكم الصبي لا يضمنه صاحب الأرض ولا عاقلته، إلا إذا كان في يده، وقلنا: إن الحر يضمن باليد. مسألة: قال ابن البراج: إذا وكل إنسان غيره بأرض له على أن يدفعها مزارعة بالثلث أو بأقل أو بأكثر كان جائزا، إلا أن يدفعها بشئ يعلم فيه محاباة مما لا يتغابن الناس بمثله، وإن كان كذلك لم يجز، فإن زرعها الزارع على ذلك فخرج الزرع كان بين المزارع والوكيل على ما اشترطاه، ولا شئ لصاحب الأرض منه، إلا أنه يضمن المزارع نقصان الأرض ويرجع به على الوكيل، وإن أراد صاحب الأرض ضمن الوكيل، وإن كان ترك فيه ما يتغابن الناس بمثله فالخارج بين المزارع وصاحب الأرض على ما اشترطاه عليه، والوكيل هو الذي يلي قبض نصيب الموكل، وليس لصاحب الأرض أن يقبضه إلا بوكالة، ولو كان صاحب الأرض أمر الوكيل بأن يدفعها مزارعة ويعمل برأيه فيها ولم يسم له سنة ولا غيرها جاز للوكيل أن يدفعها أول سنة وأكثر من ذلك أو بعد هذه السنة ما لم يعزله عن الوكالة، وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض فدفعها الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله وحابى فيها كان ما يخرج بين الوكيل والزارع على الشرط، ويضمن الوكيل البذر لصاحب الأرض، ويضمن نقصان الأرض أيهما شاء، فإن ضمن المزارع رجع به على الوكيل (1). وليس والتحقيق أن نقول: إن كان البذر من صاحب الأرض فالنماء له إذا حابى الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله وللعامل الأجرة، وإن كان البذر من المزارع والحال هذه كان النماء له وعليه أجرة الأرض للمالك، وإن كان البذر من الوكيل فالنماء بينه وبين العامل وعليه الأجرة لصاحب الأرض، ويحتمل أن

(1) المهذب: ج 2 ص 21، وفيه: (على أن يدفعها مزارعة هذه السنة فدفعها مزارعة بالثلث).

[ 190 ]

يكون النماء كله له وعليه أجرة الأرض والعامل. وقوله في القسم الثاني وهو: (ما إذا ترك ما يتغابن الناس بمثله أن القابض هو الوكيل دون صاحب الأرض) لا وجه له، فإن (1) الملك لصاحب الأرض. قوله أخيرا: (إذا كان البذر من صاحب الأرض ودفعها الوكيل بما لا يتغابن الناس بمثله فإن الزرع بين الوكيل والعامل، ويضمن البذر للمالك) ليس بشئ، بل هو للمالك، وللعامل الأجرة على ما تقدم. مسألة: قال ابن البراج: إذا تزوج الرجل المرأة بزراعة أرضه هذه السنة على أن يزرعها ببذرها وعملها فما أخرجت الأرض كان بينهما نصفين كان النكاح جائزا والمزارعة فاسدة، وكان صداقها مثل نصف أجر الأرض، فإن طلقها قبل الدخول بها كان لها ربع أجر الأرض، فإن زرعت المرأة الأرض وأخرجت زرعا أو لم تخرج ولم يطلقها كان الخارج للمرأة، وعليها نصف أجر مثل الأرض، ولم يكن لها صداق على الزوج، والمرأة في الخلع بمنزلة الزوج في النكاح (2). وليس بجيد، فإن الصداق يجب - وهو مهر المثل لا نصف أجر الأرض - لفساد المسمى، وإن طلقها قبل الدخول كان لها المتعة لا ربع أجر الأرض، وإن زرعت كان الخارج لها كله إذا كان البذر منها، وعليها أجرة الأرض، لفساد المعاملة، ولها مهر المثل. مسألة: قال ابن البراج: إذا رهن أرضا بيضاء فزارعه الراهن عليها بالنصف والبذر من المرتهن كان جائزا، ويكون ما يخرج على ما اشترطاه،

(1) ق (2): لأن.
(2) المهذب: ج 2 ص 23.

[ 191 ]

يخرج من الرهن، ولم يكن للراهن إعارتها رهنا، فإن مات الراهن وعليه دين لم يكن هذا المرتهن أحق بها من باقي الغرماء، فإن كان البذر من الراهن كانت المزارعة جائزة، وللمرتهن أن يعيدها في الرهن بعد فراغها من الزرع، لأنه كأنه أعاره الأرض، فإن مات الراهن كان المرتهن أحق من باقي الغرماء قبل انقضاء المزارعة وبعدها (1). والحق أنه لا فرق بين أن يكون البذر من الراهن أو المرتهن في عدم الخروج من الرهن، وفي اختصاص المرتهن بها لو مات الراهن. مسألة: قال ابن حمزة: المزارعة إما صحيحة: وهي ما اجتمع فيها شرطان: تعيين الأجل وتعيين حصة العامل بالسهم مشاعا منسوبا إلى الكل، وإما مكروهة: وهي العقد على كذا منا أو قفيزا أو ما شابه ذلك من غير ما يخرج منها، وفاسدة: وهي ما سوى ما ذكرناه، وإذا كانت المزارعة فاسدة لزم أجرة المثل وسقط المسمى إن كان بالنصف أو الثلث، ولزم إن كان بالامنان والقفزان (2). والتحقيق: إن القسم الذي جعله مكروها ليس مزارعة، بل إجارة محضة. وقوله: " في الفاسدة يلزم المسمى إن كان بالامنان والقفزان " ليس بجيد، بل الواجب أجرة المثل، كما في النصف أو الثلث. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا بأس باشتراك العمال بأموالهم وأبدانهم في مزارعة الأرض واجارتها إذا كان على كل واحد قسط من المؤونة والعمل وله جزء من الغلة، ولا يقول أحدهم: ثلث للبذر وثلث للبقر وثلث للعمل، لأن صاحب البذر يرجع إليه بذره وثلث الغلة من الجنس، وهذا ربا، فإن جعل البذر دينا جاز ذلك.

(1) المهذب: ج 2 ص 26.
(2) الوسيلة: ص 270.

[ 192 ]

وقال ابن البراج: لا يجوز أن يجعل للبذر ثلثا وللبقر ثلثا (1). ولعلهما اعتمدا في ذلك على ما رواه أبو الربيع الشامي، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجل يزرع أرض رجل آخر فيشترط عليه ثلثا للبذر وثلثا للبقر، فقال: لا ينبغي أن يسمي بذرا ولا بقرا، ولكن يقول لصاحب الأرض: إزرع في أرضك ولك منها كذا وكذا نصف أو ثلث أو ما كان من شرط، ولا يسمي بذرا ولا بقرا فإنها يحرم الكلام (2). والوجه الكراهة، ولا ربا هنا، إذ الربا إنما يثبت في البيع خاصة. مسألة: قال ابن الجنيد: لو استحقت الأرض كان للمالك أن يطالب المزارع بقلع الزرع، إلا أن يكون في ذلك ضرر على أهل الزكاة وغيرهم بتلف حقوقهم منه، فإن ضمنه رب الأرض لهم وقلع الزرع كان مخيرا بين أن يأخذ الجزء منه على تلك الحال، وبين أن يضمن الذي على المزارع قيمة نصف الزرع ثابتا ويسلم الزرع كله إليه. والوجه أن للمالك قلع الزرع مطلقا وإن تضرر أرباب الزكاة، ويأخذ أرباب الزكاة نصيبهم من العين إذا تعلقت بها الزكاة، وله الرجوع على الزارع بالاجرة، ويرجع الزارع على الغار. مسألة: منع بعض أصحابنا أن يشترط أحدهما شيئا من الحاصل والباقي يكون بينهما، وعلل بجواز أن لا يحصل الزيادة. والوجه عندي الجواز، وقد نص الشيخ (3) وجماعة، كابن البراج (4)، وابن

(1) المهذب: ج 2 ص 10. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 194 ح 857، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الزارعة ح 10 ج 13 ص 201.
(3) النهاية ونكتها: ج 2 ص 268 - 269.
(4) المهذب: ج 2 ص 12.

[ 193 ]

إدريس (1) وغيرهما إلى جواز اشتراط إخراج البذر أولا. مسألة: لو شرط أحدهما على الآخر شيئا يضمنه لي من غير الحاصل مضافا إلى الحصة، قال الشيخ: يكره (2)، وقيل: بالمنع (3). والأول أقوى عملا لقوله - عليه السلام -: (المؤمنون عند شروطهم) (4). مسألة: لو اختلفا في الحصة فالقول قول صاحب البذر مع يمينه، فإن أقام كل بينة قدمت بينة العامل، لأنه الخارج، ولأن القول قول المالك فالبينة بينة العامل، وقيل: يرجعان إلى القدمة (5). وليس بجيد.

(1) السرائر: ج 2 ص 446.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 273. (3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 150.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(5) شرائع الاسلام: ج 2 ص 153.

[ 194 ]

الفصل الثالث في المساقاة مسألة: المشهور إن المساقاة على شجر له ثمرة. وقال الشيخ في الخلاف: يجوز على البقل الذي يجز جزة بعد جزة، للأصل (1). والأقرب المنع، لأنه معاملة على مجهول، فيصح في موضع الاجماع. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: الكش على صاحب النخل (2). ومنع ابن إدريس ذلك، وأوجبه على العامل، ونسب هذا القول إلى بعض المخالفين، وجعله غير واضح، لعدم الدليل عليه (3). وهو خطأ من ابن إدريس، فإن الشيخ أجل من أن يقلد مؤالفا فكيف يقتد مخالفا؟! وقوله: " لا دليل عليه " خطأ، فإن الدليل قائم، وهو أصالة البراءة، ولأن العامل يجب عليه العمل لا غير، وهذا عين مال فلا يجب عليه. مسألة: إذا بلغت حصة كل منهما النصاب الذي يجب فيه الزكاة وجبت

(1) الخلاف: ج 3 ص 476 المسألة 3.
(2) المبسوط: ج 3 ص 210.
(3) السرائر: ج 2 ص 451.

[ 195 ]

عليهما، وهو اختيار الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2)، وابن إدريس (3). وقال السيد ابن زهرة: لا زكاة على العامل (4) لأنه يأخذ حصة أجره، وقد سبق البحث في باب المزارعة. مسألة: إذا اختلفا في الحصة فالقول قول المالك مع يمينه، فإن أقام كل بينة سمعت بينة العامل دون المالك. وبه قال في الخلاف (5)، وهو قول ابن إدريس (6). وقال في المبسوط: يقرع بينهما (7). والمعتمد الأول. لنا: إن العامل خارج ومدع فالبينة بينته. قال الشيخ: وإذا خرجت القرعة قيل: يحلف، وقيل: لا يحلف، وهو الصحيح، والأول أحوط (8). والتحقيق: إن عليه اليمين إن قلنا: بالقرعة. مسألة: قال الشيخ: يجب على المالك إنشاء الانهار والدولاب والثور الذي يديره (9). وقال ابن إدريس: على العامل آلات السقي وما يتوصل به إليه من الدلاء والنواضح والبقر (10). والوجه ما قاله الشيخ، لأن هذه أصول أموال فلا يجب على العامل. مسألة: قال في المبسوط: إذا ساقاه بالنصف على أن يعمل رب المال معه

(1) الخلاف: ج 3 ص 480 - 481 المسألة 13.
(2) المبسوط: ج 3 ص 220.
(3) السرائر: ج 2 ص 453. (4) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 540 س 3.
(5) الخلاف: ج 3 ص 480 المسألة 12.
(6) السرائر: ج 2 ص 453.
(7) المبسوط: ج 3 ص 219.
(8) المبسوط: ج 3 ص 219.
(9) المبسوط: ج 3 ص 210.
(10) السرائر: ج 2 ص 451.

[ 196 ]

فالمساقاة باطلة، لأن موضوع المساقاة على أن من رب المال المال ومن العامل العمل كالقراض، فإذا شرط على رب المال العمل بطل كالقراض (1). والوجه عندي صحة ذلك، لأنه سوغ أن يشترط العامل على المالك أن يعمل معه غلامه، وأن يكون على المالك بعض العمل وقواه، لأنه لا مانع منه، وهذا هو نفس ذاك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: ساقيتك على هذا الحائط بالنصف على أن أساقيك على هذا الآخر بالثلث بطلت، لأنه بيعتان في بيعة، فإنه ما رضي أن يعطيه من هذا النصف، إلا بأن يرضى منه بالثلث من الآخر، وهكذا في البيع إذا قال: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني عبدك بخمسمائة فالكل باطل، لأن قوله: (على أن تبيعني عبدك بألف) إنما هو وعد من صاحب العبد بذلك، وهو بالخيار بين الوفاء به وبين الترك، فإذا لم يف به سقط، وهذا ما رضي أن يبيعه بألف، إلا بأن يشتري منه العبد بخمسمائة فقد نقصه من الثمن لاجله، فإذا بطل ذلك رددنا إلى الثمن ما نقصناه لاجله، وذلك المردود مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم كان الكل مجهولا، فلهذا بطل. ويفارق هذا إذا قال: ساقيتك على هذين الحائطين بالنصف من هذا وبالثلث من هذا حيث يصح، لأنها صفقة واحدة وعقد واحد، وليس كذلك ها هنا، لأنهما صفقتان في صفقة، ألا ترى أنه لو قال: بعتك هذه داري بألف على أن تبيعني عبدك بمائة بطل الكل، ولو قال: بعتك داري هذه وعبدي هذا معا بألف، الدار بستمائة والعبد بأربعمائة صح، وكان الفصل بينهما ما مضى (2).

(1) المبسوط: ج 3 ص 211.
(2) المبسوط: ج 3 ص 211 - 212.

[ 197 ]

وقال ابن الجنيد: ولا أختار إيقاع المساقاة صفقة واحدة على قطع متفرقة بعضها أشق عملا من بعض، ولا أن يعقد ذلك على واحدة، ويشترط في العقد العقد على الأخرى. والوجه عندي جواز جميع هذه العقود في البيع والمساقاة، وقد مضى البيع وبينا صحته. والشيخ أيضا جوزه في موضع من المبسوط (ا)، وهو الحق، ولا جهالة هنا. مسألة: إذا كان البستان بينهما نصفين فساقي أحدهما الآخر على أن له أزيد من النصف صح إن عين قدر الزيادة، وإن شرط النصف أو ما دون بطلت، لأنه ساقاه بغير عوض، فإن عمل كانت الثمرة بينهما نصفين. قال الشيخ في المبسوط: للعامل أجرة المثل (2). والوجه أنه لا شئ له، لأنه دخل على ذلك. مسألة: إذا ظهر النخل مستحقا بعد أن اقتسما الثمرة وأتلفاها رجع المالك على العامل بنصف الثمرة لا جميعها، قاله الشيخ في المبسوط، لأنه ما قبض الثمرة كلها، وإنما كان مراعيا لها حافظا نائبا عن الغاصب، فعلى هذا لو تلفت كلها بغير تفريط فلا ضمان عليه (3). والأقرب أن عليه الضمان في الموضعين للجميع، ويرجع على الغاصب، لأنه غار. مسألة: قال في المبسوط: إذا ساقاه على أن أجرة الاجراء - الذين يعملون ويستعان بهم - من الثمرة فالعقد فاسد، لأن المساقاة موضوعة على أن من رب المال

(1) المبسوط: ج 3 ص 212.
(2) المبسوط: ج 3 ص 213 - 214.
(3) المبسوط: ج 3 ص 217.

[ 198 ]

المال ومن العامل العمل، فإذا شرط أن يكون أجرة الاجراء من الثمرة كان على رب المال المال والعمل معا، وهذا لا يجوز (1). والأقوى عندي الجواز إذا بقي للعامل عمل، لما بيناه في الماضي. مسألة: المشهور إنه لا بد في المساقاة من الأجل المعين. وقال ابن الجنيد: ولا بأس بمساقاة النخل وما شاكله سنة، وأكثر من ذلك إذا حضرت المدة أو لم تحضر. لنا: إنها معامله على شئ يفتقر إلى الأجل فلا بد من ضبطه. احتج بأن ضبط الثمار يكفي عن الأجل، إذ القصد ذلك. وما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل يعطي الرجل أرضه فيها الرمان والنخل والتفاح فيقول: إسق من هذا الماء واعمره ولك نصف ما أخرج، قال: لا بأس (2). والجواب: المنع، وعن الحديث إن نفي البأس لا يستلزم اللزوم. مسألة: قال الشيخ: كل ما كان مستزادا في الثمرة كان على العامل كالتأبير والتلقيح وقطع السعف اليابس وتسوية الثمرة واصلاح الاجاجين تحت النخل ليجمع الماء فيها وقطع الحشيش المضر بالنخل وكري السواقي وإدارة الدولاب، فإذا بدا صلاحها فعليه اللقاط إن كان مما يلقط، فإذا جف ما فيه جذه وإن كان مما يشمس فعليه اصلاح موضع التشميس والجذاذ والنقل إليه وحفظه في نخله وغيره حتى يقسم، هذا مقتضى عقد المطلق (3). وقال ابن الجنيد: وكل حال يصلح بها الثمرة والزرع، فعلى المساقي عملها

(1) المبسوط: ج 3 ص 217.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 198 ح 876، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب المزارعة والمساقاة ح 2 ج 13 ص 202.
(3) المبسوط: ج 3 ص 209 - 210.

[ 199 ]

إلى أن يبلغ، والزرع إلى حال يؤمن عليها من الفساد، فإذا بلغت صار شريكا، ولم يجب عليه من العمل شئ إلا بقسطه، إلا أن يشترط عليه. والأشهر الأول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: وعلى المالك ما فيه حفظ الأصل - وهو سد الحيطان وانشاء الانهار - فإن شرط على العامل ذلك أو بعضه قال قوم: تبطل المساقاة، لأنه شرط ليس من مصلحة العقد ينافي مقتضاه، والذي يقوى في نفسي أنه لا يمنع من صحة هذا الشرط مانع (1). وقال ابن الجنيد: وليس لصاحب الأرض أن يشترط على المساقي إحداث أصل جديد من حفر بئر أو غرس بأنه لا يكون للمساقي في ثمرته حق ولو جعل له على ذلك عوضا في قسطه، لأن ذلك بيع للثمرة قبل خروجها، فإن جعله بعد ما يحل بيع الثمرة جاز. والوجه ما قواه الشيخ، لقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " (2) سواء جعل له زيادة قسط أو لا، وليس ذلك بيعا. مسألة: قال ابن الجنيد: لو شارك المساقي غيره جاز إذا لم يكن شرط عليه أن يتولى العمل بنفسه وكان شريكا للمساقي بجزء من حقه لا بجزء من الأصل إذا عملا جميعا، فإن تفرد المساقي الثاني بالعمل كله ولم يكن رب النخل جعل إلى المساقي أن يساقي غيره ولا فوض ذلك إليه لم يكن للمساقي الأول أن يأخذ جزء من الغلة وكان له أجرة مثله، فإن عمل فيها جاز ذلك. وقال ابن البراج: إذا دفع إنسان إلى غيره نخلا معاملة هذه السنة بالنصف

(1) المبسوط: ج 3 ص 215. (2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

[ 200 ]

وقال له: إعمل فيه برأيك أو لم يقل ذلك فدفعه العامل إلى آخر معاملة بعشرين وسقا مما يخرج من الثمرة فعمل على هذا كان الخارج بين الأول ومالك النخل نصفين وللآخر على الأول أجرة مثله، ولو كان الشرط في المعاملة الأولى عشرين وسقا لأحدهما بعينه وفي الثانية النصف كان الخارج لمالك النخل وللآخر على الأول أجر عمله وللأول على صاحب النخل أجر ما عمل الآخر، ولا ضمان عليه في ذلك (1). والتحقيق: إن المالك إن أذن للأول في مساقاة الثاني صحت وكان الأول كالوكيل لا حصة له في النماء، وإن لم يأذن فالثمرة للمالك وعليه أجرة المثل للثاني ولا شئ للأول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا مات أحدهما أو ماتا انفسخت المساقاة كالاجارة عندنا، ومن خالف في الإجارة خالف هنا (2). والوجه أنها لا تبطل، كما تقدم في الإجارة. مسألة: قال ابن البراج: إذا أمره أن يأخذ نخلا معينا معاملة فأخذه بما لا يتغابن الناس بمثله لم يلزم الموكل إلا أن يريد، فإن عمله وقد علم بنصيبه أو لم يعلم كان له شرطه (3). والوجه التفصيل، وهو أن العامل إن علم أن الوكيل قد عامل بما لا يتغابن الناس بمثله ورضي بذلك، وإن لم يعلم الحصة صحت المعاملة ولزمته، وإن لم يعلم ذلك بطلت وله أجرة عمله. مسألة: قال ابن البراج: إذا دفع إلى غيره نخلا معاملة على أن يلقحه فما

(1) المهذب: ج 2 ص 17.
(2) المبسوط: ج 3 ص 216.
(3) المهذب: ج 2 ص 22 - 23.

[ 201 ]

خرج كان بينهما نصفين ولم يشترط صاحب الأرض على العامل من العمل والحفظ شيئا غير ذلك نظر، فإن كان النخل يحتاج إلى السقي والحفظ كانت المعاملة فاسدة، فإن لقحه العامل كان له أجرة مثله وقيمة ما لقحه به، وإن كان لا يحتاج إلى حفظ ولا سقي ولا عمل غير التلقيح كانت المعاملة جائزة (1). والوجه التسوية بين الأمرين عملا بالشرط. لا يقال: المساقاة مفاعلة من السقي فلا بد من تحققه. لأنا نقول: فيجب فيما إذا كان النخل مستغنيا عنه اشتراطه أو البطلان، وبالجملة فلا فرق بين الحكمين. قال: فإن كان ذا سقي كان أجود للثمرة إلا أن تركه ليس بمضرة كانت المعاملة أيضا جائزة، وإن كان ترك السقي يضره وينقصه ويفسد بعضه ولا يفسد جميعه فالمعاملة فاسدة (2). والوجه عندي الصحة على ما تقدم. قال: ولو كان ترك اشتراط التلقيح عليه واشترط ما عداه لما جاز، لأن تركه مضرة وقد بقي بعض العمل على صاحب النخل، وهكذا كل عمل لا يصلح النخل إلا به ولم يشترطه على العامل (3). والوجه الجواز، لما بينا من إنه يجوز أن يشترط العامل على المالك بعض العمل. قال: فإن دفعه غير ملقح واشترط التلقيح على صاحب النخل لم يجز، إلا أن يشترط أن يلقحه في هذا الشهر على أن العامل يقوم عليه ويحفظه من أول الشهر الداخل فيكون جائزا (4).

(1 و 2) المهذب: ج 2 ص 24.
(3) المهذب: ج 2 ص 24 - 25.
(4) المهذب: ج 2 ص 25.

[ 202 ]

والوجه جواز الأول، لما سبق. قال: إذا رهن إنسان عند غيره أرضا ونخلا بدين عليه فلما قبضه المرتهن قال له الراهن: إسقه واحفظه ولقحه فمهما خرج فهو بيننا نصفين ففعل ذلك كان الخارج لصاحب النخل والمعاملة فاسدة، وكان للمرتهن أجرة مثله في التلقيح والسقي دون الحفظ، لأن ذلك يلزمه في حق كونه رهنا (1). وليس بجيد، والحق صحة هذه المعاملة، كما لو عامل غيره بإذن المرتهن.

(1) المهذب: ج 2 ص 25 - 26.

[ 203 ]

الفصل الرابع في إحياء الموات مسألة: الاحياء عند الشيخ مغاير للتحجير (1). فالاحياء يختلف، فللدار الحائط والسقف، وللحضيرة الحائط، وللمزرعة نصب المرز وسوق الماء إليها. والتحجير بنصب المرز وغيره، كبناء الحائط في الدار. وكان بعض فقهائنا المتأخرين يسمي التحجير إحياء، وليس بجيد، إذ لا عرف للشارع فيه، وعادة الشرع في مثل ذلك الرد إلى العرف إن كان أو إلى اللغة إن فقد العرف، والاحياء في العرف ما ذكره الشيخ - رحمه الله (3). مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): إذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فإنه أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك وجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب له ولماشيته، ولا يجب عليه بذله لسقي زرعه بل يستحب، وبه قال ابن الجنيد. والوجه الاستحباب في الجميع، وبه قال ابن البراج (5)، إذ لا يجب على

(1) المبسوط: ج 3 ص 273.
(2) المبسوط: ج 3 ص 271.
(3) المبسوط: ج 3 ص 281.
(4) الخلاف: ج 3 ص 531 المسألة 13.
(5) المهذب: ج 2 ص 38.

[ 204 ]

الانسان بذل ماله لغيره. وقد حكم في المبسوط بأن ماء البئر مملوك وله أن يبيعه بالكيل أو الوزن (1). احتج الشيخ بما رواه أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: من منع فضل الماء ليمنع به الكلاء منعه الله فضل رحمته يوم القيامة، قال: وفيه أدلة: أحدها: إنه توعد على المنع فدل على وجوب البذل، الثاني: إنه يجب عليه البذل بلا عوض، الثالث: دل على أن الفاضل هو الذي يجب بذله دون ما يحتاج إليه لنفسه وماشيته وزرعه، الرابع: إنه دل على أنه إنما يجب ذلك للماشية دون غيرها. وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلاء. وروى جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وآله - نهى عن بيع فضل الماء، ولا يمكن حمل ذلك إلا على هذا الموضع (2). والجواب: إن هذه أحاديث لم تثبت عندنا صحتها، ولو ثبت حملت على الكراهية دون التحريم. مسألة: قال ابن الجنيد: وفيما حرز عنه عمود النهر بانصرافه من إحدى جنبي مجراه إلى الجانب الآخر وأحدث من جزيرة متصلة بأملاك الناس في الجانب الذي انصرف عنه كان كل واحد من الملاك مالكا بازائه وعلى حده من تلك الجزيرة. وفيه نظر، لعدم الدليل على ذلك، فإن احتج بأن كل واحد له حق استطراق ومسيل ماء في جميع حده قبل أن يحرز فيبقى بعده، قلنا: فينبغي اشتراط ذلك، ليتم المطلوب.

(1) المبسوط: ج 3 ص 281. (2) الخلاف: ج 3 ص 532 - 533 ذيل المسألة 13.

[ 205 ]

مسألة: قال ابن البراج: إذا أراد بعض الشركاء في النهر أن يعمل جسرا أو يعقد قنطرة أو ما أشبه ذلك لم يجز له ذلك إلا برضى شركائه (1). وقال ابن الجنيد: ولو أراد بعض الشركاء في النهر أن يعقد عليه قنطرة أو يتخذ عليه جسرا أو ينصب فيه معبرا فإن كان الحريم مشتركا أو خاصا لم يكن له ذلك إلا برضى الشركاء، وإن كان الحريم غير مشترك وكان مريد العمل ذلك في حقه وهو بعمله إياه غير آخذ شيئا من مجرى النهر لم يمنع من ذلك، إلا أن يكون النهر كالخندق لمن يمر عليه من العدو وبعمله عليه قنطرة أو جسرا لا يؤمن استباحة العدو إياه. والأول أوجه، والتفصيل الذي ذكره ابن الجنيد لا بأس به. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو لم يجعل أرباب النهر في أعلاه وأسفله إذا كانوا قد أنفذوه إلى عمود أو بحر ماء إذا أرادوا سد الماء عنه لم يجز ولم يخرج منه، وإذا أرادوا فتحه يجري وخرج منه كان في ذلك دليل على تسبيلهم إياه، واخراج مكان مجرى النهر من أملاكهم. وفيه نظر، لأصالة بقاء الملك، ولا تنافي بين فعلهم وملكهم وإن كان دليلا على تسبيل الماء، أما الأرض فلا. مسألة: قال الشيخ: إذا حفر بئرا في الموات ليتملكها، ملكها إذا وصل الماء، لأنه أحياها (2). وقال ابن الجنيد: إذا أراد أحد من المسلمين حفر بئر يتملكها لم يكن ذلك إلا بأمر الإمام أو ولاته، فإن احتفرها بغير إذنهم لم يملكها ولا حريمها وكان كغيره من المسلمين من سبق إلى مائها فانتزعه كان أحق به لسقيه وماشيته.

(1) المهذب: ج 2 ص 41.
(2) المبسوط: ج 3 ص 280.

[ 206 ]

وقول ابن الجنيد جيد، لأن الأرض الموات للامام فلا يجوز إحياؤها إلا بإذنه، والشيخ يسلم المقدمتين. مسألة: المشهور أن حريم بئر المعطن (1) أربعون ذراعا، لما رواه مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: ما بين بئر المعطن إلى بئر المعطن أربعون ذراعا (2). وكذا عن السكوني، عن الصادق - عليه السلام - (3). وقال ابن الجنيد: ولو كان بقرب المكان الذي يريد الحافر حفر البئر فيه بئر عادية محفورة قبل الاسلام وماؤها نابع يمكن شربه بالنزع له، فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أنه قال: حريم البئر إذا كانت حفرت في الجاهلية خمسون ذراعا وإن كانت حفرت في أول الاسلام فحريمها خمس وعشرون ذراعا. والشيخ قد روى في الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام - يقول: حريم البئر العادية أربعون ذراعا حولها (4). وفي رواية خمسون ذراعا، إلا أن يكون إلى عطن أو إلى الطريق فيكون أقل من ذلك خمسة وعشرون ذراعا ".

(1) المعطن: مبرك الإبل ومر بض الغنم حول الماء.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 144 - 145 ح 642، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 6 ج 17 ص 339.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 145 ح 643، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 5 ج 17 ص 339.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 145 ح 645، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 338.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 146 ح 646، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 2 ج 17 ص، 338.

[ 207 ]

مسألة: المشهور أن حد حريم بئر الناضح (1) ستون ذراعا، لرواية مسمع، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: وما بين بئر الناضح إلى بئر الناضح ستون ذراعا (2). وكذا في رواية السكوني، عن الصادق - عليه السلام - (3). وقال ابن الجنيد: ولو كان البلاد مما لا. يسقى الماء فيها إلا بالناضح كان حرم البئر قدر عمقها ممرا له للناضح، وقد جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - إن حريم بئر الناضح ستون ذراعا. قال: وقد يحتمل ذلك قدر عمق الآبار في تلك البلاد التي حكم بذلك فيها. ولا بأس بقول ابن الجنيد وتأويله. مسألة: المشهور أن حريم العين ألف ذراع في الرخوة وخمسمائة في الصلبة، لما رواه عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: يكون بين البئرين إذا كانت الأرض صلبة خمسمائة ذراع، وإن كانت الأرض رخوة فألف ذراع (4). وقال ابن الجنيد: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - إنه يكون بين العينين في الأرض الرخوة ألف ذراع، وفي الأرض الصلبة خمسمائة، وفي بعض الحديث حريم العين خمسمائة ذراع. قال: إذا استنبط الانسان عينا من جبل

(1) الناضح: البعير يستقى عليه الماء.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 144 ح 642، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحياء الموات ح 6 ج 17 ص 339.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 145 ح 643، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 5 ج 17 ص 339.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 145 ح 644، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحياء الموات ح 3 ج 17 ص 338.

[ 208 ]

وأساحها وعمر عليها مواتا بإذن الإمام وأراد مستنبط آخر أن يستنبط بقرب تلك العين عينا لم يجز أن يكون استنباطه إلا فيما يتجاوز الخمسمائة ذراع في الأرض الصلبة، والألف في الأرض الرخوة: وهي البطحاء في العرض من مجرى وادي تلك الناحية. قال: وقد يجوز أن يكون هذان الحدان مما الأغلب بهما زوال الضرر عن العينين جميعا، فإن استيقن الضرر بالعين المستحدثة على ماء العين القديمة لم يطلق له الحفر، فإن حفر فتبين الضرر بذلك، فعموم قوله - صلى الله عليه وآله -: (لا ضرر ولا إضرار) حاظر إقرار الثاني المحدث للضرر على الأول على إضراره به وموجب إزالة الضرر عنه. ولو ادعى الأول ذلك فقد روى عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد - عليهما السلام - إن البئرين يقاسان ليلة ليلة، فإن كانت الأخيرة أخذت ماء الأولى عورت الأخيرة، وإن كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأولى سبيل. والاعتبار الذي ذكره ابن الجنيد من الضرر جيد لما ذكره، ولما رواه محمد بن علي بن محبوب قال: كتب رجل إلى الفقيه - عليه السلام -: في رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أخرى فوقه كم يكون بينهما في البعد حتى لا يضر بالأخرى في أرض إذا كانت صعبة أو رخوة، فوقع - عليه السلام -: على حسب أن لا يضر أحدهما بالآخر (1). مسألة: قال ابن الجنيد: ولو لم يكن لبعض من له على شاطئ النهر أرضون شرب معلوم منه ولا من غيره لخراب أرضه فجحده أهل الشرب من النهر أن يكون له حق في النهر وادعى صاحب الأرض من شركا من النهر قبل

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 146 ح 647، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 343.

[ 209 ]

خرابها وإن النهر محفور فيها وحريمه من جملتها كان القول قول صاحب الأرض مع يمينه، ولو كانت على هذا النهر أرض موات لم يكن لأهل النهر أن يمنعوا من أذن له الإمام في إحيائها إذا أدى ما يجب بقسطها من مصالح النهر، وكان ماؤه يعمهم أجمعين. وفيه نظر، من حيث أن اليد تقضي بالملكية، وهي ثابتة لأهل الشرب، وكذا لهم منع المحيي إذا لم يكن له حق سابق. قال: وحريم النهر محكوم به لأهل الأرض التي على جنبيه، إلا أن تقوم بينة بأنه لأرباب النهر، أو يقع به إقرار أرباب الأرضين بذلك، وليس لهم أن يقطعوا جميع الحريم حتى يدعو منه ما لا يؤمن انفجار الماء فيه على الأغلب، لأن مسنيات النهر كالحصن للماء والوعاء لحفظه للشاربة منه، ولهم أن يغرسوا في الحريم ويزرعوا ويأخذوا من ترابه وأحجاره إن كان فيه ما يؤمن معه الضرر على النهر. وتقديم قول أهل الأرض فيه نظر، وكذا إباحة الغرس على الحريم. قال: ولو اشترى أرضا بشربها واشترط الخيار وفي الأرض زرع قد اشترط المشتري فسقاه أسقط خياره، ولو شرب هو أو توضأ أو أسقى ماشيته فهو على خياره، وهو بناء على أن له أن يسقي الماشية. وفيه نظر. قال: ولو ادعى رجل أرضا يشرب من نهر في الحال وأقام على اللذين (1) هما في يده البينة بصحة دعواه الأرض ولم يقل البينة بأن هذه الأرض مع شربها للمدعي وهو يدعيهما جميعا حكم له بالأرض بشربها، ولو ادعى الشرب دون الأرض فقامت بينة بدعواه لم يحكم له بالأرض. والوجه التسوية بينهما، وإنه لا يحكم له إلا بما تشهد به البينة.

(1) ق 2: الذين.

[ 210 ]

فإن احتج بأن الشرب من حقوق الأرض التابعة لها منعنا تبعيته هنا، لثبوت يد الغير عليه، فلا يعارضها المحتمل. مسألة: قال الشيخ في النهاية: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في سيل وادي مهزور أن يحبس الأعلى على الذي هو الأسفل منه، للنخل إلى الكعب، وللزرع إلى الشراك (1). وقال في المبسوط: روى أصحابنا إن الأعلى يحبس إلى الساق، للنخل والشجر إلى القدم، وللزرع إلى الشراك (2). والذي رواه في التهذيب عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سمعته يقول: قضى رسول الله - صلى الله عليه وآله - في سيل وادي مهزور للزرع إلى الشراك وللنخل إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى أسفل من ذلك (3). إذا عرفت هذا فالمشهور إن الزاي أولا والراء ثانيا، قال الشيخ في المبسوط: مهروز السيل: الموضع الذي يجتمع فيه ماء السيل (4). وقال الصدوق: سمعت من أثق به من أهل المدينة إنه وادي مهزور، ومسموعي من شيخنا محمد بن الحسن - رضي الله عنه - إنه وادي مهروز بتقديم الراء غير المعجمة [ على الزاي المعجمة ] وذكر إنها كلمة فارسية، وهو من هرز الماء، والماء الهرز بالفارسية الزائد على المقدار الذي يحتاج [ إليه ] (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 215 - 216.
(2) المبسوط: ج 3 ص 284. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 140 ح 619، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب إحياء الموات ح 1 ج 17 ص 334.
(4) المبسوط: ج 3 ص 284.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 99 ح 3411.

[ 211 ]

مسألة: حد الطريق في المبتكر سبعة أذرع، وقيل: خمس (1). لنا: رواية مسمع بن عبد الملك، عن الصادق - عليه السلام - قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال: - والطريق إذا تشاح عليه أهله فحده سبعة أذرع. وكذا في حديث السكوني، عن الصادق - عليه السلام - (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أحيا أرضا كان أملك بالتصرف فيها إذا كان ذلك بإذن الإمام، لأن هذه الأرض له. فإن كانت الأرض الميتة لها مالك معروف كان عليه أن يعطي صاحب الأرض طسق الأرض، وليس للمالك انتزاعها من يده ما دام هو راغبا فيها. وإن لم يكن لها مالك وكانت للامام وجب على من أحياها أن يؤدي إلى الإمام طسقها، ولا يجوز للامام انتزاعها من يده إلى غيره، إلا أن لا يقوم بعمارتها كما يقوم غيره، أو لا يقبل عليها ما يقبله الغير (4). وقال ابن إدريس: أورد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته، وهذه أخبار آحاد. قال: ثم قال: ومتى أراد المحيي لأرض من هذا الجنس الذي ذكرناه أن يبيع شيئا منها لم يكن له أن يبيع رقبة الأرض، وجاز له أن يبيع ما له من التصرف فيها. قال: وكل هذه أخبار أحاد أوردها على ما وجدها في كتابه النهاية، والأولى عرضها على الأدلة، فما صححته منها كان صحيحا، وما لم

(1) شرائع الاسلام: ج 3 ص 272.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 144 ح 642، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 6 ج 17 ص 339.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 145 ح 643، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب إحياء الموات ح 5 ج 17 ص 339.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 220 - 221.

[ 212 ]

تصححه كان باطلا مردودا (1). ولم يقل شيئا، ولا اختار مذهبا، وكأنه يمنع، من منع المالك من نزعها من يد المحيي، لأن الانسان مسلط على ماله فلا يحجر عليه فيه. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان الانسان في يده دار أو أرض ورثها عن أبيه عن جده غير أنه يعلم أنها لم تكن ملكا لهم وإنما كانت ملكا للغير ولا يعرف المالك لم يجز له بيعها، بل ينبغي أن يتركها بحالها، فإن أراد بيعها فليبع تصرفه فيها، ولا يبع أصلها على حال (2). وقال ابن إدريس: يمكن أن يكون الوجه في ذلك أن هذه الدار لم يحط علمه بأنها غصب، وإنما قال في الحديث: لم تكن لمورثه، ومن كان بيده شئ ولم يعلم لمن هو فسبيله سبيل اللقطة، فبعد التعريف المشروع - يملك التصرف، فجاز أن يبيع ماله فيها - وهو التصرف الذي ذكره في الخبر - دون رقبة الأرض إذا كانت في الأرض المفتتحة عنوة. وبعد هذا كله فهذه أخبار آحاد أوردها شيخنا في نهايته، لئلا يشذ من الأخبار شئ (3). ويحتمل أن يقال: إن تلك الأرض قد كانت مستأجرة أو مستعارة مع أبيه وجده ولا يعرف أربابها، ويكون المراد ببيع، تصرفه بيع ما أحدثه في الأرض من بناء وغرس، وأطلق عليه اسم التصرف بالمجاز.

(1) السرائر: ج 2 ص 375.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 227 - 228.
(3) السرائر: ج 2 ص 380.

[ 213 ]

الفصل الخامس في الصلح مسألة: الصلح عقد قائم بنفسه على الأشهر، وللشيخ قول في المبسوط: إنه فرع لغيره، ثم قال فيه: إنه ليس فرعا للبيع، وإنما هو عقد قائم بنفسه (1). لنا: قوله - عليه السلام -: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا) (2). وفي الحسن عن حفص بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - قال: الصلح جائز بين الناس (3). والأصل عدم الفرعية. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أتلف رجل على غيره ثوبا يساوي دينارا فأقر له به وصالحه على دينارين لم يصح (4). وكذا قال في المبسوط قال: وكان ربا، وفي الناس من أجازه وهو أبو حنيفة، وهو قوي، لأنا قد بينا أن الصلح ليس ببيع، وإنه عقد قائم بنفسه (5).

(1) المبسوط: ج 2 ص 288 - 289.
(2) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 788 ح 2353، سنن البيهقي: ج 6 ص 65.
(3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 208 ح 479، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الصلح ح 1 ج 13 ص 164.
(4) الخلاف: ج 3 ص 299 المسألة 10.
(5) المبسوط: ج 2 ص 308.

[ 214 ]

وقال ابن الجنيد - عقيب ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لكعب بن مالك وقد تقاضى غريما له: اترك الشطر واتبعه ببقيته فخذه -: وهذا وإن كان مثله لا يجوز في البيوع - بأن يباع الشئ ببعضه من جنسه - فإن في الصلح شبها بالبيوع والاجارة في بعض الأماكن. وقال ابن البراج: لا يجوز، لأنه ربا، وقد أجاز ذلك بعض الناس. والأقوى عندي إنه لا يجوز، لأنه ها هنا إنما يصالحه على بعض ما يستحقه من القيمة لا على الزيادة على ذلك. وقال ابن إدريس: بالجواز (1)، وهو مذهب والدي - رحمه الله - وهو المعتمد. لنا: إن الواجب الثوب، وإنما انتقل الحق إلى القيمة للتعذر، والصلح وقع على الثوب. سلمنا، لكن نمنع بطلانه، للحديث الذي رواه ابن الجنيد، وللأصل أيضا، ولا ربا هنا، لأنه إنما يتحقق في البيع خاصة. ويؤيد ذلك أيضا ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل ضمن ضمانا ثم صالح على بعض ما صالح عليه، قال: ليس له إلا الذي صالح عليه (2). وعموم قوله - عليه السلام -: " الصلح جائز بين الناس " (3). احتج الشيخ بأنه إذا أتلف عليه الثوب وجبت في ذمته قيمته، بدلالة أن له مطالبته بقيمته، ويجبر صاحب الثوب على أخذها، فإذا ثبت أن القيمة هي

(1) السرائر: ج 2 ص 65.
(2) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 206 ح 473، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الضمان ح 1 ج 13 ص 153.
(3) سنن ابن ماجة: ج 2 ص 788 ح 2353، سنن البيهقي: ج 6 ص 65.

[ 215 ]

الواجبة في ذمته فالقيمة ها هنا دينار واحد، فلو أجزنا أن يصالحه على أكثر من دينار كان بيعا للدينار بأكثر منه، وذلك ربا لا يجوز (1). والجواب: ما تقدم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان مع إنسان مثلا عشرون درهما لانسان بعينه ولآخر معه ثلاثون درهما فاشترى بكل واحدة من البضاعتين ثوبا ثم اختلطا فلم يتميزا له بيعا، وقسم المال على خمسة أجزاء، فما أصاب الثلاثة اعطي صاحب الثلاثين، وما أصاب الإثنين اعطي صاحب العشرين (2). وتبعه ابن البراج. وعول الشيخ في ذلك على ما رواه إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب وآخر عشرين درهما في ثوب فيبعث الثوبين فلم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه، قال: يباع الثوبان، فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والآخر خمسي الثمن. قال: قلت: فإن صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: اختر أيهما شئت، قال: قد أنصفه (3). وقال ابن إدريس: إن استعملت القرعة في ذلك كان أولى، للاجماع على أن كل أمر ملتبس فيه القرعة، وهذا من ذاك (4). وليس بجيد، إذ لا إشكال مع ورود النقل، وأيضا هذا المجموع بضاعة لشخصين، لكل واحد منهما قدر معين فيباع ويبسط الثمن على نسبة المالين

(1) الخلاف: ج 3 ص 300 ذيل المسألة 10.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 35 - 36. (3) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 208 ح 482، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الصلح ح 1 ج 13 ص 170.
(4) السرائر: ج 2 ص 69.

[ 216 ]

كغيرهما من الأموال، وكما لو اشتراهما بالشركة مع الإذن، فإن الشركة قد تحصل ابتداء وقد تحصل بالمزج الموجب للاشتباه كما هي هنا، وإذا كانا شريكين كان لكل منهما بقدر رأس المال الذي له، كما لو امتزج طعامان. أو نقول: إن كان الثوبان متساويين فلكل واحد منهما ثوب، إذ قد اشترى بمال كل منهما ثوبا بانفراده، وإن تفاوتا اعطي صاحب الثلاثين الأجود منهما، إذ الظاهر ذلك، فإن جاز خلافه فهو نادر لا اعتبار في نظر الشرع له، فالقرعة لا وجه لها البتة كما توهمه ابن إدريس. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو كان الصلح وقع على إقرار على خدمة عبد سنة فقتل العبد خطأ قبل أن يخدم المدعي بطل الصلح، ولم يجبر أحدهما على تمامه باعطاء غيره ليخدم تلك السنة ولا قيمة الخدمة، وإن كان بعد أن خدم وقتا من السنة لم يبطل الصلح، وكان المدعي بالخيار أن يرجع على المدعى عليه بقيمة خدمة العبد فيما بقي من السنة، أو أن يشتري له المدعى عليه عبدا فيخدمه باقيها، أو أن يمضي من الصلح بقدر ما صح له من الخدمة من قدر الدعوى ويكون في الباقي على حقه، ولو كان الصلح على ذلك وقع على إنكار كان التخيير للمدعى عليه أن يبطل الصلح ويرجع المدعي على خصومته. وكذا القول لو كان الصلح على سكنى بيت فانهدم أو على عبدين فمات أحدهما قبل التسليم أو بعده. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا ادعى دراهم أو دنانير في ذمته فاعترف له بها ثم صالحه بدراهم ودنانير صح الصلح، وهو فرع الصرف، فما صح فيه صح في الصلح وما بطل في الصرف بطل فيه، ولا يجوز حتى يتقابضا، فإن كان المقر به دراهم فصالحه على دنانير معينة أو موصوفة فعينها وقبضها قبل التفرق جاز، ولو قبض البعض وفارقه بطل الصرف فيما لم يقبض، ولو ادعى عليه دراهم فأقر له بها ثم صالحه منها على بعضها لم يجز، لأنه ربا، ولكن إن

[ 217 ]

قبض بعضها وأبرأه من الباقي صح، وكان هذا الصلح فرع الابراء (1). ونحن قد بينا أن الصلح عقد مستقل بنفسه وليس فرعا لغيره، فالأولى جواز ذلك، فإن الربا إنما يثبت في البيع. وابن الجنيد أشار إلى ما اختاره الشيخ، قال: لو كان لرجل على رجل ألف درهم ولآخر عليه مائة دينار فصالحاه من ذلك على ألف درهم وقبضاه فالصلح جائز إذا كان على وجه الحط من صاحب الدراهم والمصارفة من صاحب العين وتقابضوا قبل التفرق وكانت حصة كل منهما مبينة، فإن لم يقع بيان قسم الألف بين صاحب الألف وصاحب المائة مقومة، ويكون صاحب الألف بمنزلة من وضع بعض دينه وأخذ بعضا، ويكون صاحب العين بمنزلة من صارف بجميع ماله بما صار بحقه. فهذا القول موافق للشيخ من حيثية إيجاب التقابض، وجعله فرعا للصرف ومخالف له من حيثية جواز المصالحة على ألف درهم ومائة دينار بألف درهم، فإن هذا لا يجئ على قول الشيخ. مسألة: قال ابن الجنيد: لو اشترى من رجل، أمة بخمسين وقبضها ونقد الثمن ثم ظفر المشتري بعيب واصطلحا على أن قبل البائع السلعة ورد على المشتري تسعة وأربعين دينارا فإن كان البائع أقر بالعيب إنه كان في يديه فدلسه فالصلح منتقض وللمشتري أن يرجع عليه بالدينار، ولو كانت السلعة ثوبا فقطعه المشتري وأقر البائع بالعيب في يده وصالحه على حطيطة لم يلزم المشتري الحطيطة ولا أرش لقطعه، لأن البائع سلطه عليه وعلى قطعه. وفي الحكم الثاني إشكال، أقر به صحة الحطيطة من حيث النقص الداخل بفعل المشتري.

(1) المبسوط: ج 2 ص 304.

[ 218 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: لو صالح امرأته على أن يطلقها على أن ترضع له ولدا سنتين حتى تفطمه، وعلى أن زادها ثوبا بعينه فثمنه قيمة مهر مثلها فقبضت الثوب فاستهلكته وأرضت الصبي سنة ثم مات رجع عليها بنصف قيمة الثوب ونصف مهر مثلها إن كان دخل بها، وإن لم يكن دخل بها رجع عليها بنصف قيمة الثوب وربع مهر مثلها، ولو كانت هي زادته مع الرضاع شاة قيمتها مثل قيمة الثوب رجع عليها بربع مهر مثلها وربع قيمة الثوب إن كانت مدخولا بها، وإن لم تكن مدخولا بها رجع عليها بثمن مهر مثلها وثمن قيمة الثوب، ولو استحقت الشاة وهي مدخول عليها رجع عليها بثلاثة أرباع قيمة الثوب وثلاثة أرباع مهر مثلها، ولو كانت غير مدخول بها رجع عليها بربع مهر مثلها وبقيمة الثوب. وفي صحة هذا الصلح نظر، من حيث أن الصلح إنما يتم على ما يتملك، ولو سلم صحته فقد جعلت في مقابلة الرضاع بضعا وثوبا، فإذا لم يسلم إليه الجميع كان عليها أجرة الرضاع في المدة المتخلفة، ويحتمل ما قاله من الرجوع بنصف المهر، لأنه عوض البضع، وكذا في باقي كلامه نظر. وبالجملة فهذه المسألة لم يتعرض لها أحد من علمائنا غيره. مسألة: قال الشيخ: متى كان لليتامى على إنسان مال جاز لوليهم أن يصالحه على شئ يراه صلاحا في الحال ويأخذ الباقي، ويبرأ بذلك ذمة من كان عليه المال (1). ومنعه ابن إدريس (2)، وقد تقدم ذلك. وقال ابن الجنيد: ولو كان الوصي المدعي حقا لليتيم وله بينة لم يكن له أن يصالح منه على بعض حق اليتيم، ولو لم يكن له بينة وبذل الخصم اليمين

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 96.
(2) السرائر: ج 2 ص 213.

[ 219 ]

جاز الصلح، ومتى وجد الوصي أو اليتيم بينة بحقه انتقض الصلح ورجع على المدعى عليه بحقه، وكان مال الصلح مردودا على المدعى عليه أو مقاصا به من الحق عليه. وفي ذلك نظر، فإنه لو جاز للصبي الرجوع لجاز للبالغ الرجوع، إذ صلح الولي ملزم كصلح الرجل، على أنه لا يخلو من قوة. مسألة: المشهور إن الاقالة شرطها عدم الزيادة والنقصان. وقال ابن الجنيد: لو اصطلحا على أن إقالة البيع بغير عيب كان الصلح على الاقالة موجبا رد الثمن بغير زيادة ولا نقصان، فإن كان وقع على زيادة في الثمن سمح بها البائع من ماله للمشتري جاز ذلك، وكذلك إن كان وقع على نقص، وليس هذا مما يفسخ ما اصطلحا عليه من الاقالة، وبه قال أبو يوسف (1). ولا باس عندي بهذا القول. مسألة: للشيخ قولان في جواز إخراج الرواشن في الطرق النافذة إذا لم تضر بالمارة إذا عارض فيه مسلم، فقال في المبسوط: يجب قلعه (3)، وبه قال ابن البراج. وقال في الخلاف: لا يجب (3)، وهو اختيار ابن إدريس (4)، لجريان العادة به ولم ينكره أحد. وسقيفة بني ساعدة وبني النجار مشهورتان لم ينكرهما أحد من المسلمين، ونفس الطريق غير مملوكة، وإنما يملك المسلمون منافعها دون رقبتها، ولا بأس بهذا القول. احتج الشيخ بأنه حق لجميع المسلمين فإذا أنكر واحد منهم لم يغصب

(1) المغني لابن قدامة: ج 4 ص 343.
(2) المبسوط: ج 2 ص 291.
(3) الخلاف: ج 3 ص 146 المسألة 118، طبعة اسماعيليان.
(4) السرائر: ج 2 ص 66.

[ 220 ]

عليه ووجب قلص (1). مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): إذا تنازعا جدارا بين ملكيهما غير متصل ببناء أحدهما ولأحدهما عليه جذع أو جذوع لم يحكم به له. وقال ابن إدريس: يحكم به لصاحب الجذوع (4)، وهو مذهب والدي - رحمه الله - وهو المعتمد. لنا: إنه متصرف فيه، وله عليه يد دون الآخر، فيحكم مع عدم البينة له بعد اليمين، كغيره من الأموال. احتج الشيخ بقوله - عليه السلام -: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولم يفرق، وأيضا فإن هذا الحائط قبل طرح الجذوع كان بينهما نصفين بلا خلاف، فمن قال: بطرح الجذوع بغير الحكم فعليه الدلالة، بل يقال لصاحب الجذوع: أقم البينة على أنك وضعت هذه الجذوع فيه بحق، فإن أقامها، وإلا كان على حاله قبل وضعها فيه، وأيضا فإن وضع الجذوع يجوز أن يكون عارية، لأن في الناس من يوجب إعارة ذلك وهو مالك، فإنه قال: يجبر على ذلك، لقوله - عليه السلام -: " لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره " (5). والجواب عن الأول: إنا نقول بموجب الحديث، فإن اليمين هنا على المدعى عليه - وهو صاحب الجذوع - لأنه متصرف وذويد، فالقول قوله مع اليمين، وعلى الآخر البينة لأنه مدع وخارج.

(1) المبسوط: ج 2 ص 291.
(2) الخلاف: ج 3 ص 295 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 2 ص 296.
(4) السرائر: ج 2 ص 67.
(5) الخلاف: ج 3 ص 296 ذيل المسألة 4.

[ 221 ]

وعن الثاني: إن التنصيف ثابت مع عدم التصرف، لتساوي نسبتهما إليه، كما لو تداعيا عينا في يدهما أو في يد ثالث لا يعترف لأحدهما فإنهما متساويان في الدعوى، لعدم اليد أو لثبوتها لهما. أما صورة النزاع فإن يد أحدهما ثابتة عليه فكان قوله مقدما، والأصل وضع الجذوع بحق فلا يطالب صاحبها بإقامة البينة على ذلك، إلا أن يثبت الآخر دعواه، والأصل عدم العارية، والتخريج على المذهب الفاسد فاسد. مسألة: إذا تنازع صاحب السفل والعلو في سقف البيت الذي عليه الغرفة ولا بينة قال في المبسوط: حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، فإن حلفا كان بينهما نصفين، والأحوط أن يقرع بينهما، فمن خرج اسمه حلف وحكم له، ولا خلاف أنه لا يجوز لصاحب السفلاني أن يسمر مسمارا في سقف هذا البيت إلا بإذن صاحب العلو، ولا لصاحب العلو أن يتد فيه وتدا إلا بإذن صاحب السفل (1). وقال في الخلاف: يقرع بينهما، فمن خرج اسمه حلف لصاحبه وحكم له به، وإن قلنا: إنه يقسم بينهما نصفين كان جائزا، واستدل بإجماع الفرقة على أن كل مجهول يستعمل فيه القرعة، وهذا من الأمر المشتبه (2). وقال ابن الجنيد - ونعم ما قال -: ولو كان على رأس الدرج روشن ليستطرقه صاحب العلو وهو على منزل صاحب السفل كان الروشن لصاحب العلو، وأجذاع السقف وبواريه وجميع آلة السقف لصاحب العلو. وقال ابن إدريس: يحكم لصاحب الغرفة بالسقف (3)، وهو المعتمد.

(1) المبسوط: ج 2 ص 300.
(2) الخلاف: ج 3 ص 298 المسألة 8.
(3) السرائر: ج 2 ص 67.

[ 222 ]

لنا: إن الغرفة إنما تتحقق بالسقف، إذ هو أرضها، والبيت قد يكون بغير سقف، وقد اتفقا على أن هنا غرفة لصاحبها، وبدون السقف لا غرفة. ولأن تصرفه فيها دون صاحب السفل. وقول الشيخ: " بالقرعة للاجماع " ينافي القسمة التي جوزها في الكتابين. مسألة: المشهور على أن قوله: بعني وملكني إقرار للمدعي، نص عليه الشيخ في المبسوط (1)، بخلاف صالحني. والوجه عندي أنه إقرار بنفي الملك عنه، أما للمدعي فلا، ولهذا لو عاد وأقر به لآخر لم يحكم به للأول. مسألة: قال في المبسوط: ظلمة الطريق بالروشن في النافذ ليس إضرارا (2). والأجود أنه إضرار به، فإن ضعيف البصر يتعذر عليه المشي فيه، فيجب أن يمنع منه. مسألة: قال في المبسوط: إذا أخرج جناحا إلى زقاق غير نافذ لم يجز، لأن أربابه معينون، فإن صالحوه على تركه بعوض يأخذونه منه لم يجز، لأن في ذلك إفرادا للهواء بالبيع، وذلك لا يصح (3). والوجه عندي الصحة، وليس ذلك بيعا على ما تقدم، بل هو عقد قائم بنفسه ليس فرعا على غيره، وقد قوى الشيخ أيضا استقلاله بنفسه (4). مسألة: إذا أمره بوضع الاجذاع على حائطه لم يكن له الرجوع بعد الوضع، قاله الشيخ في المبسوط (5).

(1 و 2) المبسوط: ج 2 ص 291.
(3) المبسوط: ج 2 ص 292.
(4) المبسوط: ج 2 ص 289. (5) المبسوط: ج 2 ص 292.

[ 223 ]

والوجه جواز ذلك، لأنه عارية فله الرجوع، والضرر ينتفي بدفع الأرش، إذ السبب فيه الإذن، والمباشرة ضعفت بالإذن فكان ضامنا للأرش. مسألة: إذا ادعى دارا فأقر له بها ثم صالحه على سكناها سنة قال قي المبسوط: كان ذلك بمنزلة العارية فله الرجوع (1)، وليس بشئ، لما سبق بيانه من استقلال الصلح، وإنه أصل في نفسه ليس فرعا لغيره. مسألة: إذا ادعى دارا في يد رجل فأقر له بها وصالحه منها على خدمة عبد بعينه سنة صح، فإذا أعتقه فقد قال الشيخ في المبسوط: ولا يجب عليه أن يتم الخدمة لمستحقها، ولا يفسخ العتق عقد الصلح على منافعه، وإنما يرجع بأجرة منافعه التي استحقت عليه بعد الحرية، وقيل: إنه لا يرجع بشئ عليه، لأن هذا العبد صار حرا وهو لا يملك قدر ما يستحق من منافعه في حال رقه، فلم يكن له فيها حق، والأول أصح (2). والوجه عندي وجوب إتمام الخدمة على العبد، ولا يرجع على مولاه بشئ، لأن مولاه أعتقه مسلوب المنفعة مستحق الخدمة، فلا يرجع على مولاه بما هو مستحق في ذمته، فكأنه قال: أنت حر وعليك خدمة كذا، ولو قال له ذلك لم يكن له الرجوع عليه بشئ، فكذا هنا. مسألة: قال في المبسوط: إذا تداعيا جدارا مطلقا ولا بينة فأيهما حلف مع نكول صاحبه فهو له، فإن حلفا معا أو نكلا معا حكم به لهما نصفين، لتساويهما في الانتفاع، وإن كان متصلا ببناء أحدهما اتصالا لا يمكن إحداثه بعد البناء كما لو كان لأحدهما عليه عقد أزج أو بناء قبة أو كان متصلا ببناء ملكه في سمكه وحده وعلوه وبنائه ويخالف بناء جاره قدم قوله مع اليمين، وإن استعملنا

(1) المبسوط: ج 2 ص 294.
(2) المبسوط: ج 2 ص 295.

[ 224 ]

القرعة على ما روي في الأمور المشكلة من هذه المسائل كان قويا (1). والمعتمد ما فصله الشيخ أولا، ولا قرعة هنا. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تنازعا في دابة وأحدهما راكبها والآخر أخذ بلجامها ولم يكن مع أحدهما بينة جعلت بينهما نصفين، لعدم دليل على وجوب تقديم أحدهما على الآخر (2). وقال في المبسوط: يحكم بها لأقواهما يدا وآكدهما تصرفا، وهو الراكب، وقيل: إنه يجعل بينهما نصفين، وهو الأحوط (3). وابن إدريس قال بالأول (4). وهو التساوي. والوجه ما قاله في المبسوط من ترجيح الراكب، لكثرة تصرفه وقوته. مسألة: إذا أذن له في وضع الجذوع على جداره ثم استهدم الجدار كان للمعير نقضه، فإذا أعاده قال الشيخ في المبسوط: إذا أعاده بتلك الآلة لم يكن له منعه من رد الخشب والسقف عليه، وإن أعاده بغير تلك الآلة كان له منعه، وقيل: ليس له منعه، والأول أقوى (5). والوجه الأخير. لنا: إنه عارية، وللمالك الرجوع فيها، خصوصا إذا لم يتضمن ضرر المستعير، ولا ضرر هنا، لأن إزالة الجذوع كان سائغا، مع أن الشيخ قال أولا: لو انهدم الحائط أو هدمه المستعير لم يكن له الإعادة إلا بإذن مستأنف (6). وأي فارق في الموضعين سوى مباشرة الهدم في الثاني دون الأول، وتلك لا توجب دوام الاعارة، بل نقول أبلغ من ذلك: وهو إن المالك لو هدم الحائط من غير حاجة لم يكن للمستعير الإعادة، وإن وجب عليه الأرش إن قلنا به. (1) المبسوط: ج 2 ص 295.
(2) الخلاف: ج 3 ص 296 المسألة 5.
(3) المبسوط: ج 2 ص 296 - 297.
(4) السرائر: ج 2 ص 67.
(5) المبسوط: ج 2 ص 298.
(6) المبسوط: ج 2 ص 298.

[ 225 ]

مسألة: قال في المبسوط: إذا حلف ألا يستند إلى هذا الحائط ثم هدم وبنى بتلك الآلة حنث، ويقوى في نفسي أنه لا يحنث، لأن الحائط الثاني ليس هو الأول، لأن الحائط عبارة عن آلة وتأليف مخصوص، ولا خلاف إن تأليفه بطل، ولو حلف ألا يستند إلى خزانة ساجة بعينها وكانت مما تنخلع فخلعت ثم أعيد تركيبها فإنه يحنث بالاستناد إليها، ولا خلاف، لأنها هي التي حلف عليها (1). وفيه نظر، لعدم التأليف المخصوص في الصورتين، فإن فرق بينهما بأن أجزاء الحائط وإن كانت واحدة فإن التأليف مختلف، لأن بعض الأجزاء قد لا تعاد إلى موضعه الأول، فتغاير التأليف بخلاف القطعة من الساج فإنها تثبت في موضعها الأول فاتحد التأليف. قلنا: التأليف هنا واحد بالنوع في الصورتين لا بالشخص، ثم لو كان ذلك معتبرا وجب أن يعتبر في الحائط عدم حفظ الأجزاء مواضعها. قال: ولو حلف ألا يكتب بهذا القلم وكان مبريا فكسرت بريته واستأنف برية أخرى وكتب به لم يحنث وإن كانت إلا بنوبة واحدة، لأن القلم اسم للمبري دون القصبة، وإنما القصبة تسمى قبل البري قلما مجازا، وكذا لو قال: لا أبري بهذه السكين، ثم إنه أبطل حدها وجعل موضع الحد من ورائها وبري بها لم يحنث (2). وفي هذين الحكمين نظر، أقر به الحنث فيهما، عملا بالعرف. مسألة: أوجب الشيخ في المبسوط قسمة الحائط طولا لو امتنع أحد لشريكين وطلبها الآخر، ويقرع بينهما. قال: ولو طلب أحدهما قسمته عرضا قيل: فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر عليه، لأن القرعة لا تدخلها، والثاني - وهو

(1 و 2) المبسوط: ج 2 ص 298.

[ 226 ]

الصحيح -: إنه يجبر عليه، لأنها قسمه ليس فيها إضرار بواحد منهما، إلا أنه إذا قسم قسمة العرض أجبر كل واحد منهما على أخذ ما يليه (1). وعندي في الاجبار على قسمة الحائط على كلا التقديرين نظر، أقر به مراعاة انتفاء الضرر، خصوصا قسمة العرض فإنها توجب أن يأخذ أحدهما حصة من غير قرعة ولا تراض، وذلك مناف للقسمة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو تنازع صاحب البيت والغرفة في حيطان البيت قضي به لصاحب البيت (2). وقال ابن الجنيد: لو كان على رأس الدرج روشن ليستطرقه صاحب العلو وهو على منزل صاحب السفل فإن الروشن لصاحب العلو، واجذاع السقف وبواريه وجميع آلة السقف لصاحب العلو، والحيطان الحاملة له بينهما مع موضعهما من الأرض. وكأنه نظر إلى أن لكل من صاحب العلو والسفل يدا عليه وتصرفا فيه، ولا بأس بهذا القول. مسألة: قال الشيخ: لو صالحه على إبقاء الغصن البارز إلى ملك الغير في الهواء لم يصح إن كان رطبا، لأنه يزيد في كل حال ولا يعرف قدره، وكذا إن كان يابسا، لأنه بيع الهواء من غير قرار، وذلك لا يجوز (3). والوجه الصحة، ونمنع كونه بيعا، لما بينا من أن الصلح عقد مستقل بنفسه. قال: ولو ادعى بيتا في يد رجل فأقر له به وصالحه منه على أن يبني عليه غرفة يسكنها صح، وكان فرعا على العارية، لأنه قال: هذا البيت لك ولكن

(1) المبسوط: ج 2 ص 299 (2) المبسوط: ج 2 ص 300.
(3) المبسوط: ج 2 ص 303.

[ 227 ]

تعيرني أعلاه لابني عليه مسكنا، فيجوز لصاحب البيت أن يرجع فيه ما لم يضع المستعير الخشب (1). وعندي فيه نظر، لما تقدم من أن الصلح جائز على الاقرار، وأنه عقد مستقل بنفسه، ولو كان عارية كان له الازالة أيضا بعد الوضع بالأرش، خلافا للشيخ أيضا، على أن قول الشيخ هنا ليس بردئ، لأن الصلح على الاقرار إنما يكون لازما إذا تضمن معاوضة، وهي منتفية هنا، فكان في الحقيقة عارية. مسألة: قال في المبسوط: إذا ادعى عليه زرعا في يده فأقر له به ثم صالحه منه على دراهم أو دنانير فإن صالحه بشرط القطع فإن كانت الأرض لغير المشتري أجبر على القطع، وإن كانت له لم يجبر، ولو باعه مطلقا فإن لم تكن الأرض للمشتري لم يصح الصلح، وإن كانت له قيل: يبطل الصلح، وقيل: يصح، وهو الأولى (2). وتبعه ابن البراج. والمعتمد صحة الأول أيضا، لأن الزرع مال مملوك تصح المعاوضة عليه فصح مطلقا، ثم إن كانت الأرض للبائع وجب عليه الصبر إلى وقت أخذ الزرع كالبيع، وإن كانت غصبا كان للمالك قلع الزرع ويأخذه المشتري. فقول الشيخ: (بالبطلان) لا وجه له. قال: ولو ادعى على رجلين زرعا فأقر أحدهما بنصيبه له ثم صالحه على ذلك - وهو نصف الزرع - نظر، فإن كان مطلقا من غير شرط القطع فإن كانت الأرض لغير المشتري لم يصح الصلح، وإن كانت له فعلى وجهين سبقا، وإن صالحه بشرط القطع لم يصح، لأن قطع نصفه لا يمكن، فإن لكل واحد منهما

(1) المبسوط: ج 2 ص 304 - 305.
(2) المبسوط: ج 2 ص 306 - 307.

[ 228 ]

حقا في كل طاقة منه، ولا يصح قسمته وقطع نصفه، لأن قسمة الزرع لا تصح، ولا يصح أن يقاسمه ثم يقطعه، لأن قسمة الزرع قبل الحصاد لا تصح (1). والوجه جواز الصلح مطلقا على ما بيناه، وبشرط القطع، ويصح القسمة في الزرع. قال: ولو ادعى على رجل زرعا في أرضه وفي يده ثم أقر له بنصفه ثم صالحه من هذا النصف الذي أقر له به من الزرع على نصف الأرض التي له لم يجز ذلك، لأنه إن لم يشترط القطع لم يجز، وإن شرط لم يجز أيضا، لأنه لا يمكنه قطع القدر الذي شرط قطعه، ولا يجوز شرط قطع الجميع (2). والوجه عندي جواز التقديرين السابقين، وقد سلف. مسألة: قال في المبسوط: لو ادعى رجل على اثنين دارا فأقر له أحدهما بحصته منها وأنكر الآخر حلف وكان النصف له، ثم إن المقر له صالح المدعي من النصف الذي أقر له به على مال صح، ويكون قد اشترى من المدعي النصف، وللمنكر أخذه بالشفعة إن لم يتقدم منه إقرار بكذب المدعي على إقراره بأن شريكه يستحقه لا بالصلح (13. والحق إنه لا شفعة هنا، وإنما فرع الشيخ هذا على قول من يجعل الصلح فرعا لغيره، فإنه يكون هنا فرعا للبيع، لكن الشيخ قوى إنه قائم بنفسه. مسألة: قال الشيخ: إذا كان له على حائط جاره خشبة فرفعها كان له أن يعيدها، لأن الظاهر إن ذلك وضع بحق، وليس لصاحب الحائط أن يمنعه من

(1) المبسوط: ج 2 ص 307. (2) المبسوط: ج 2 ص 308.
(3) المبسوط: ج 2 ص 307.

[ 229 ]

إعادتها، إلا أن يثبت أن ذلك الوضع كان بعارية فيكون له الرجوع فيها (1). وفيه نظر، فإنا نسلم أن الأصل كون الوضع بحق، لكن العارية حق، والأصل عدم التسليط على ملك الغير، إلا بوجه شرعي، ولم يثبت فراعينا الأصلين معا، فكان أولى مما قاله الشيخ.

(1) المبسوط: ج 2 ص 311.

[ 230 ]

الفصل السادس في الشركة مسألة: المشهور بين علمائنا أن شركة الوجوه باطلة، وكذا شركة الأعمال. وقال ابن الجنيد: لو اشترك رجلان بغير رأس مال على أن يشتريا ويبيعا بوجوهما جاز ذلك، ولو اشترك رجلان فكان من عند أحدهما بذر وبقر وعلى الآخر العمل والخراج كانت الشركة جائزة بينهما، ولو اشترك رجلان على أن يعملا عملا لكل واحد منهما فيه منفردا وأن يكون أيديهما جميعا في العمل ويقسم الأجرة بينهما لم أجز ذلك، لأن الأجرة عوض عن عمل، فإذا لم يتميز مقدار عمل كل واحد منهما لم آمن أن يلحق أحدهما غبن أو أن يأخذ ما لا يستحقه، فإن شاركا الفضل أو تحالا أو تحالا أو يضمن أحدهما بالعمل ثم قسمه على الآخر من غير شركة جاز ذلك. والوجه البطلان. لنا: إجماع الفرقة، وخلاف ابن الجنيد غير معتد به، لانقراضه وحصول الاتفاق بعده. ولأن الأصل عدم الشركة، وبقاء حق كل واحد عليه، ولأنه غرر عظيم. ولأن الشركة عقد شرعي فيقف على الإذن فيه. مسألة: ذهب الشيخ إلى أن الشريكين إذا تساويا في المالين تساويا في الربح والخسران، وإن تفاوتا فيه تفاوتا فيهما على النسبة، ولو شرطا التساوي في

[ 231 ]

الربح مع تفاوت المالين، وبالعكس بطلت الشركة، اختاره في المبسوط (1) والخلاف (2)، وبه قال ابن إدريس (3). وقال السيد المرتضى: يصح الشركة ويلزم الشرط (4)، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد. وقال أبو الصلاح: إذا تكاملت الشروط انعقدت الشركة، وأوجب لكل واحد من الشريكين من الربح بمقدار ماله ومن الوضيعة بحسبه، فإن اصطلحوا في الربح على أكثر من ذلك حل تناول الزيادة بالاباحة دون عقد الشركة، ويجوز لمبيحها الرجوع بها ما دامت عينها قائمة، فإن اشترط في عقد الشركة تفاضل في الوضيعة صحت الشركة وبطل الشرط، وكانت الوضيعة بحسب الأموال، إلا أن يتبرع أحد الشريكين على الآخر، فإن كان أحد الشريكين عاملا فجعل له الآخر فضلا في الربح بازاء عمله لم يمض الشرط، وكان للعامل أجرة عمله من الربح وبحسب ماله (5). والحق عندي ما ذهب إليه السيد المرتضى، وهو مذهب والدي - رحمه الله - لنا: قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (6) وإنما يقع الايفاء بها لو أجريت على ما وقعت عليه، وقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (7) والتراضي إنما وقع على ما

(1) المبسوط: ج 2 ص 349.
(2) الخلاف: ج 3 ص 332 المسألة 9.
(3) السرائر: ج 2 ص 400.
(4) الانتصار: ص 227 - 228.
(5) الكافي في الفقه: ص 343.
(6) المائدة: 1.
(7) النساء: 29.

[ 232 ]

شرطاه، فلا يسوغ غيره، لخروجه عن حد التراضي، وقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " (1). واستدل المرتضى أيضا بإجماع الفرقة (2)، وقوله حجة، ونقله دليل، والمعلوم كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا يكون حجة إذا نقل آحادا. ولأن الأصل الإباحة. ولأن في الشركة إرفاقا لكل منهما، وقد لا يرغب أحدهما فيها بدون الزيادة، فلو لم يشرع الجواز لزمت فوات المصلحة الناشئة من المشروعية لغير معنى ولا موجب للانتفاء فوجبت المشروعية، لقيام المقتضي، وهي المصلحة الخالية عن جهات المفسدة. احتج الشيخ بوقوع الاجماع على صحة الشركة مع تقسيط الربح على قدر رأس المال، وليس على جواز خلافه دليل (3). والجواب: قد بينا الأدلة المقتضية للجواز. قال ابن إدريس: هذا ليس بإجارة فيلزمه الأجرة، ولا مضاربة فيلزمه إعطاء ما شرطه، لأن حقيقة المضاربة إن من رب المال المال ومن العامل العمل، وهذا قد عمل فلا وجه لاستحقاقه الفاضل على رأس ماله، فإن شرطا ذلك وعملا قسم الربح على نسبة المالين، وبطل الشرط، ورجع كل منهما بأجرة عمله بعد إسقاط القدر الذي يقابل عمله في ماله، لأنه لم يسلم له ما شرط لنفسه (4).

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(2) الانتصار: ص 228.
(3) الخلاف: ج 3 ص 333 ذيل المسألة 9.
(4) السرائر: ج 2 ص 400 - 401.

[ 233 ]

وهذا ضعيف، لأنه وإن لم يكن أجرة فإنه في معناها، وهو عقد مستقل يسمى شركة لا إجارة ولا مضاربة، ولا خلاف في صحة عقد الشركة، وإنه قائم بنفسه ليس فرعا على غيره، ولا ينحصر العقد الصحيح في الإجارة والمضاربة على ما يوهمه، وأدى إليه نظره الفاسد من حيث حصر وجوه استحقاق الفاضل في هذين. مسألة: إذا باع الشريكان المتاع بثمن معلوم كان لكل واحد منهما أن يطالب المشتري بحقه، فإذا أخذ حقه قال الشيخ في النهاية (1) والمبسوط (2) والخلاف (3): يشاركه فيه الآخر. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا إن كل واحد من الشريكين يستحق على المدين قدرا مخصوصا وحقا غير حق شريكه وله هبة الغريم وإبراؤه منه، فتى أبرأه أحدهما من حقه برئ منه فقط وبقي حق الآخر لم يبرأ منه بلا خلاف، فإذا استوفاه واستقضاه منه لم يشاركه شريكه الذي وهب أو أبرأ أو صالح منه على شئ بلا خلاف، فإن كان شريكه بعد في المال الذي في ذمة الغريم لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب ولم يبرأ فيما يستوفيه منه ويقبضه، ثم عين المال الذي كان شركة بينهما ذهبت ولم يستحقها في ذمة الغريم - الذي هو المدين - عينا لهما معينة بل دينا في ذمته، لكل واحد منهما مطالبته بنصيبه وإبرائه منه وهبته، وإذا أخذه منه وتقاضاه فما أخذ عينا من أعيان مال الشركة حتى يقاسمه شريكه فيها، ولم يذهب إلى ذلك سوى شيخنا أبي جعفر الطوسي في نهايته ومن قلده وتابعه، بل شيخنا المفيد لم يذكر

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 26 - 27.
(2) المبسوط: ج 2 ص 358.
(3) الخلاف: ج 3 ص 336 المسألة 15.

[ 234 ]

ذلك في كتاب له ولا تصنيف، وكذلك السيد المرتضى، ولا تعرضا للمسألة، ولا وضعها أحد من أصحابنا المتقدمين في تصنيف له جملة، ولا ذكرها أحد من القميين، وإنما ذكر شيخنا ذلك في نهايته من طريق أخبار الاحاد، ورد بذلك ثلاثة أخبار: أحدها: مرسل فلا يلتفت إليه، ولو سلم الخبران الأخيران تسليم جدل لكان لهما وجه صحيح: وهو إن المال الذي هو الدين كان على رجلين وأخذ أحد الشريكين وتقاضي جميع ما على أحد الغريمين فالواجب عليه هاهنا أن يقاسم شريكه على نصف ما أخذه منه، لأنه أخذ ما يستحقه عليه وما يستحقه شريكه أيضا، لأن جميع ما على أحد المدينين لا يستحقه أحد الشريكين بانفراده دون شريكه الآخر، فهذا وجه صحيح، فيحمل الخبران على ذلك إذا أحسنا الظن برواتها، فليتأمل ذلك وينظر بعين الفكر الصافي، ففيه غموض (1). والشيخ - رحمه الله - استدل في هذه المسألة بإجماع الفرقة وقال: هذه المسألة منصوصة لهم، ورواياتهم واردة بها، وأيضا فإن المال الذي في ذمة المشتري غير متميز، فكل جزء يحصل من جهته فهو بينهما (2). وهذا القول ليس بعيدا من الصواب، وقياس ابن إدريس القبض على الهبة والابراء غلط، لأن ذلك إسقاط للحق بالكلية فيبقى حق الشريك ضرورة. أما في صورة القبض فليس كذلك، إذ المال مشترك، فإن التقدير ذلك، فإذا دفع إلى أحدهما فإنما دفع عما في ذمته، والدفع إنما هو للمال المشترك فلا يختص به القابض. وقول ابن إدريس: " إنه لم يذهب إلى ذلك أحد من علمائنا المتقدمين "

(1) السرائر: ج 2 ص 402 - 403.
(2) الخلاف: ج 3 ص 337 ذيل المسألة 15.

[ 235 ]

خطأ، فإن ابن الجنيد من متقدمي علمائنا السابقين على الشيخين وقد ذكر هذه المسألة، وقال: لو اقتسما الشريكان فكان بعض المال بأيديهما وبعضه غائبا عنهما فاقتسما الذي بأيديهما واختار كل واحد منهما نصيبه من الغائب، فقضى أحدهما ولم يقض الآخر، فما قضى من المال بينهما. وكذا قال ابن البراج (1) وهو من المتأخرين، وأبو الصلاح (2) أيضا ذكر ذلك، وابن حمزة (3). وليس عدم الذكر موجبا للبطلان. وأما الروايات فأحدها: مرسلة عن أبي حمزة قال: سئل أبو جعفر - عليه السلام - عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما ومنه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما وأحال كل واحد منهما بنصيبه من الغائب ولم يقتض الآخر، قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما، ما يذهب بماله؟ (4). والثانية: في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة (5)، وكذا الثالثة (6) والرابعة (7). وحمله تخصيص لا دليل عليه. وقول ابن إدريس وإن كان لا يخلو من قوة لكنه ليس كما ادعاه من الغموض.

(1) جواهر الفقه: ص 73 المسألة 275.
(2) الكافي في الفقه: ص 344.
(3) الوسيلة: ص 263.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 185 ح 818، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الشركة ح 1 ج 13 ص 179. (5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 186 ح 819، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الشركة ح 1 ج 13 ص 179.
(6) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 186 ح 820، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الشركة ح 1 ج 13 ص 179.
(7) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 186 ح 821، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الشركة ح 2 ج 13 ص 180.

[ 236 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا دفع الانسان إلى غيره متاعا وأمره أن يبيعه فإن ربح كان بينهما، وإن نقص ثمنه عقا اشتراه لم يلزمه شئ، ثم باعه فخسر لم يكن عليه شئ وكان له أجرة المثل، وإن ربح كان لصاحب المتاع الخيار بين أن يعطيه ما وافقه عليه وبين أن يعطيه أجرة المثل (1)، وهو قول المفيد (2)، وتبعه ابن إدريس (3). والوجه إن له الأجرة على التقديرين. مسألة: قال ابن الجنيد: لو اشترى أحد الشريكين من ينعتق عليه من نصيبه وضمن نصيب شريكه إذا لم يرض بسعاية المشتري في نصيبه، فإن لم يكن المشتري عالما كان نصيب شريكه في سعاية المشتري الذي عتق. وهذا يشعر بأن من ملك شقصا من أقاربه لم يقوم عليه، والشيخ خالف في ذلك، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان أحد الشريكين عبدا كانت في حصته ماضية دون حصة شريكه، ومنع الشيخ من ذلك (4)، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى. مسألة: قال ابن الجنيد: لو تلف مال أحد الشركاء قبل انعقاد الشركة باختلاط المالين أو بالافتراق كان ما يتلف من مال صاحبه، وإن كان التلف بعد العقد والافتراق كان من مالهما جميعا. وهو يشعر بأن العقد والافتراق يقومان مقام المزج، وفيه نظر. والأجود أنه لا شركة إلا بالامتزاج، فالتلف قبله من صاحبه.

(1) النهاية ونكتها: ج 2 ص 239.
(2) المقنعة: ص 633. (3) السرائر: ج 2 ص 406.
(4) المبسوط: ج 2 ص 347.

[ 237 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: إذا وقف أحد الشريكين على أن شريكه قد خانه لم يجز له أن يخونه. وقال ابن إدريس: إن ذلك على سبيل الكراهة والأولوية دون التحريم، لأنه إذا تحقق أخذ ماله وعلم ذلك يقينا فله أخذ عوضه (1). والرواية تعطي ما قال ابن إدريس، روى الحسين بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: الرجل يكون له الشريك فيظهر عليه قد اختان منه شيئا أله أن يأخذ منه مثل الذي أخذ من غير أن يبين ذلك؟ فقال: شوه لهما اشتركا بأمانة الله، وإني لأحب له إن رأى منه شيئا من ذلك أن يستر عليه، وما أحب له أن يأخذ منه شيئا بغير علمه (2). وهذا يشعر بالأولوية. مسألة: قال الشيخان: الشركة بالتأجيل باطلة (3). والظاهر إن مرادهما ليس البطلان من رأس بل عدم اللزوم، ولهذا قال المفيد عقيب ذلك: ولكل واحد من الشريكين فراق صاحبه أي وقت شاء (4). وقال أبو الصلاح: ولا تأثير للتأجيل في عقد الشركة، ولكل شريك مفارقة شريكه أي وقت شاء وإن كانت مؤجلة (5). والعبارتان رديئتان. والتحقيق: إن للتأجيل أثر، وهو منع كك منهما عن التصرف بعده، إلا بإذن مستأنف وإن لم يكن له مدخل في الامتناع من الشركة، إذ لكل منهما

(1) السرائر: ج 2 ص 406.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 192 ح 849، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الشركة ح 1 ج 13 ص 178.
(3) المقنعة: ص 633، النهاية ونكتها: ج 2 ص 236.
(4) المقنعة: ص 633.
(5) الكافي في الفقه: ص 344.

[ 238 ]

الفسخ قبل الأجل. مسألة: منع الشيخ في المبسوط من الشركة في العروض، إلا في المكيل والموزون (1). وقال ابن الجنيد: لا يصح الشركة إذا كان لكل واحد منهما متاع، إلا أن يتقارضا بمتاعيهما، فبيع هذا نصف متاعه بنصف متاع هذا، وأطلق. والوجه عندي إن العروض والأمتعة إذا اشتبهت وتساوت قيمتها وحصل بالمزج انتفاء التمايز صحت الشركة بالمزج، كما في الأثمان والمكيل والموزون. مسألة: إذا شارك نفسان سقاء على أن يكون من أحدهما جمل ومن الآخر راوية واستقى فيها على أن ما يرتفع يكون بينهم لم تصح هذه الشركة، لأن من شرطها اختلاط الأموال، وهذا لم يختلط ولا يمكن أن يكون له الإجارة، لأن الأجرة فيها غير معلومة، فالحاصل للسقاء، ويرجع الآخران عليه بأجرة المثل في مالهما من جمل وراوية، قاله ابن إدريس (2). والشيخ أيضا قال ذلك فيه: وقيل: إنهم يقتسمون بينهم أثلاثا، ويكون لكل واحد منهم على صاحبه أجرة ماله، على كل واحد منهما ثلثها، ويسقط الثلث، لأن ثلث النفع حصل له، قال الشيخ: والوجهان قريبان، ويكون الأول على وجه الصلح، والثاني مر الحكم فيه (3). وما قر به الشيخ قريب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط في باب الشركة: إذا أذن رجل لرجل في أن يصطاد له صيدا فاصطاد الصيد بنية أن يكون للآمر دونه قيل: إنه يكون للصياد دون الأمر، لأنه انفرد بالحيازة، وقيل: إنه يكون للآمر، لأنه اصطاد بنيته واعتبرت النية، قال: والأول أصح (4).

(1) المبسوط: ج 2 ص 344.
(2) السرائر: ج 2 ص 404.
(3) المبسوط: ج 2 ص 346.
(4) المبسوط: ج 2 ص 346.

[ 239 ]

وقد قال في باب إحياء الموات فيه: إذا نزل قوم موضعا من الموات فحفروا فيه بئرا ليشربوا منها ويسقوا بهائمهم ومواشيهم منها مدة مقامهم ولم يقصدوا التملك بالاحياء فإنهم لا يملكونها، لأن المحيي إنما يملك بالاحياء إذا قصد تملكه به (1). فاعتبر هنا القصد. وقال في باب الشركة من المبسوط: يجوز أن يستأجر ليحتطب له أو يحتش له مدة معلومة (2). وعندي في ذلك تردد. مسألة: قال في الخلاف: إذا كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما عبدا بانفراده فباعاهما من رجل واحد بثمن واحد لا يصح البيع، لأنه بمنزلة عقدين، لأنه لعاقدين، وثمن كل واحد منهما مجهول، لأن ثمنهما يتقسط على قدر قيمتهما وذلك مجهول، والثمن إذا كان مجهولا بطل العقد، بخلاف ما لو كانا لواحد، لأنه عقد واحد، وإنما بطل الأول من حيث كانا عقدين (3). وقال في المبسوط: إن كانا مختلفي القيمة بطل، وإن تفاوتا صح (4). والقولان ضعيفان عندي، والحق صحة البيع فيهما، سواء كانا متفاوتي القيمة أو متساويي القيمة، لأن الثمن في مقابلة المجموع، والتقسيط الحكمي لا يقتضي التقسيط لفظا، والجهالة أنها يتطرق بالاعتبار الثاني دون الأول، ولهذا لو كان عبدا واحدا ولأحدهما فيه حصة والباقي لآخر ولم يعلم حصة كل واحد منهما فباعاه صفقة واحدة صح البيع، وإن اختلف عوض كل واحد من الحصتين باعتبار اختلافهما وكونهما في حكم العقدين لا يقتضي كونهما عقدين حقيقة، ولهذا لو فسخ في أحدهما لم يكن له إلا رد الآخر، وذلك يدل على اتحاد الصفقة.

(1) المبسوط: ج 3 ص 281.
(2) المبسوط: ج 2 ص 358.
(3) الخلاف: ج 3 ص 335 - 336 المسألة 13.
(4) المبسوط: ج 2 ص 356.

[ 240 ]

الفصل السابع في القراض مسألة: المضارب يستحق ما شرط من نصف الربح أو ثلثه أو غير ذلك، اختاره الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2) والاستبصار (3). وقال في النهاية: له أجرة المثل والربح للمالك، وقد روي أنه يكون للمضارب من الربح بمقدار ما وقع عليه الشرط من نصف أو ربع أو أقل أو أكثر (4). والأول اختيار ابن الجنيد، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6). والثاني اختيار المفيد (7)، وسلار (8)، وابن البراج (9)، وظاهر قول أبي الصلاح (10). لنا: قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (11) وقد حصلت، وقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (12) وقوله - عليه السلام -: " المؤمنون

(1) الخلاف: ج 3 ص 466 المسألة 14.
(2) المبسوط: ج 3 ص 167.
(3) الاستبصار: ج 3 ص 127 ذيل الحديث 454.
(4) النهاية ونكتها: ج 2 ص 237.
(5) الوسيلة: ص 263.
(6) السرائر: ج 2 ص 409.
(7) المقنعة: ص 633.
(8) المراسم: ص 182. (9) المهذب: ج 1 ص 460.
(10) الكافي في الفقه: ص 347.
(11) النساء: 29.
(12) المائدة: 1.

[ 241 ]

عند شروطهم) (1). وما رواه أبو بصير، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة وينهاه أن يخرج به إلى أرض أخرى فعصاه، فقال: هو ضامن، والربح بينهما إذا خالف شرطه وعصاه (2). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شئ، إلا أن يخالف أمر صاحب المال (3). وعن إسحاق بن عمار، عن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن مال المضاربة، قال: الربح بينهما، والوضيعة على المال (4). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة وينهى أن يخرج به فيخرج به، قال: يضمن المال، والربح بينهما (5). احتج الشيخ بأن النماء تابع للأصل بالأصالة فيكون الربح للمالك، ولأنها معاملة فاسدة، لجهالة العوض فيبطل، فيكون الربح لصاحب المال

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1553، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 187 ح 827، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المضاربة ح 10 ج 13 ص 182 - 183.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 187 ح 828، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المضاربة ح 4 ج 13 ص 181.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 188 ح 829، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المضاربة ح 1 ج 13 ص 181.
(5) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 189 ح 836، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب المضاربة ح 5 ج 13 ص 186.

[ 242 ]

وعليه أجرة المثل للعامل لأنه لم يسلم له ما شرط له. والجواب: بمنع فساد هذه المعاملة، والجهالة لا تضر، لجهالة العمل. مسألة: وفي الانفاق في السفر قولان: قال في المبسوط (1) والخلاف (2): كل ما يلزم المضارب في سفره من المؤونة والنفقة من غير إسراف كان على صاحب المال، وإذا ورد إلى البلد الذي فيه صاحب المال كان نفقته من نصيبه. وليس مراده أن النفقة من خاص صاحب المال بل من مال المضاربة، وبه قال ابن الجنيد، وابن البراج (3)، وابن حمزة (4)، وابن إدريس (5)، وهو مذهب والدي - رحمه الله -. وقال في المبسوط: إن نفقته من ماله خاصة دون مال القراض (6). احتج في الخلاف بإجماع الفرقة (7). وفي المبسوط بأنه دخل على أن يكون له من الربح سهم معلوم، وليس له أكثر من ذلك، لأنه ربما لا يربح المال أكثر من هذا (8). والوجه عندي الأول. لنا: إن العامل مشغول بالعمل في مال القراض فكانت النفقة على المال كالعبد المستغرق رقبته في خدمة مولاه، على أنه قد روى علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى - عليهما السلام - قال: في المضاربة ما أنفق في سفره

(1) المبسوط: ج 3 ص 172.
(2) الخلاف: ج 3 ص 461 المسألة 6.
(3) المهذب: ج 1 ص 466.
(4) الوسيلة: ص 264.
(5) السرائر: ج 2 ص 408.
(6) المبسوط: ج 3 ص 172.
(7) الخلاف: ج 3 ص 462 ذيل المسألة 6.
(8) المبسوط: ج 3 ص 172.

[ 243 ]

فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده فما أنفق فمن نصيبه (1). وهو يدل على ما ذكره الشيخ في النهاية، واخترناه نحن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: من أعطى مال يتيم إلى غيره مضاربة فإن ربح كان بينهما على ما يتفقان عليه، وإن خسر كان ضمانه على من أعطى المال (2). وقال ابن إدريس: إن كان هذا المعطي ناظرا في مال اليتيم نظرا شرعيا، إما أن يكون وصيا في ذلك أو وليا فله أن يفعل فيه ما لليتيم الحظ فيه والصلاح، فعلى هذا لا يلزم الولي المعطي الخسران إن خسر المال، وهذا الذي يقتضيه أصول المذهب، وما أورده شيخنا في نهايته خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا على ما كررنا ذلك (3). وهذا القول ليس بجيد، لأن اعطاء القراض تغرير، فربما لزمه الضمان من هذه الحيثية. وقد روى الشيخ عن بكر بن حبيب قال: قلت لأبي جعفر - عليه السلام -: رجل دفع مال يتيم مضاربة، فقال: إن كان ربح فلليتيم، وإن كان وضيعة فالذي أعطى ضامن (4). ويحتمل أن يكون العامل قد فرط في سفره وتعذر تضمينه فيلزم الدافع، لأنه

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 191 ح 847، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب المضاربة ح 1 ج 13 ص 187.
(2) النهاية ونكتها: ج 2 ص 241 - 242.
(3) السرائر: ج 2 ص 411.
(4) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 190 ح 842، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب المضاربة ح 1 ج 13 ص 189.

[ 244 ]

وفي المبسوط: لولي اليتيم أن يدفع مال اليتيم قراضا إلى ثقة فإن دفعه إلى غير الثقة فعليه الضمان (1). وهو يشعر بانتفاء الضمان لو دفعه إلى الثقة. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا دفع إليه ألفا للقراض فاشترى به عبدا للقراض فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه اختلف الناس فيه على ثلاث مذاهب. قال أبو حنيفة ومحمد: يكون المبيع لرب المال، وعليه أن يدفع إليه ألفا غير الأول ليقضي به دينه، ويكون الألف الأول والثاني قراضا وهما معا رأس المال. وقال مالك: رب المال بالخيار بين أن يعطيه ألفا غير الأول ليقضي به الدين ويكون الألف الثاني رأس المال دون الأول، أو لا يدفع إليه شيئا فيكون المبيع للعامل والثمن عليه. ونقل البويطي عن الشافعي: إن المبيع للعامل والثمن عليه، ولا شئ على رب المال، وهو اختيار أبي العباس. قال الشيخ: وهو الذي يقوى في نفسي، لأنه لا يخلو أن يكون الألف تلف قبل الشراء أو بعده، فإن كان التلف قبل الشراء وقع الشراء للعامل، لأنه اشتراه بعد زوال المقراض، وإن كان التلف بعد الشراء فالبيع وقع لرب المال وعليه أن يدفع الثمن من ماله الذي سلمه إليه، فإذا هلك المال تحول الملك إلى العامل وكان الثمن عليه، لأن رب المال إنما فسح للعامل في التصرف في الألف إما أن يشتريه به بعينه أو في الذمة وينقد منه، ولم يدخل على أن يكون له في القراض أكثر منه (2). وقال في المبسوط: إذا دفع ألفا قراضا فاشترى به عبدا للقراض فهلك الألف قبل أن يدفعه قال قوم: إن المبيع للعامل والثمن عليه، ولا شئ على رب المال. وقال قوم: المبيع لرب المال، وعليه أن يدفع إليه ألفا غير الأول

(1) المبسوط: ج 3 ص 199. (2) الخلاف: ج 3 ص 467 - 468 المسألة 15.

[ 245 ]

ليقضي بة دينه، ويكون الألف الأول والثاني قراضا وهما معا رأس المال، وهو الأقوى (1)، وبه قال ابن البراج (2). قال الشيخ: وقال قوم: رب المال بالخيار بين أن يعطيه ألفا غير الأول ليقضي به الدين ويكون الألف الثاني رأس المال دون الأول، أو لا يدفع شيئا فيكون المبيع للعامل والثمن عليه، ثم قال: وإذا سرق المال قبل أن يدفعه في ثمن المبيع قال قوم: يكون للعامل والثمن عليه، ولا شئ على رب المال. وفي الناس من قال: إذا تلف المال قبل الشراء فالبيع للمشتري، لأنه اشتراه بعد زوال عقد القراض، وإن كان بعد الشراء كان الشراء للقراض ووقع الملك لرب المال، لأنه اشتراه، والقراض بحاله، لأن الإذن قائم، فإذا كان الشراء له كان الثمن عليه، فإذا دفع إليه ألفا آخر ليدفعه في الثمن نظر، فإن سلم فلا كلام، وإن هلك فعليه غيره كذلك أبدا، فعلى هذا إذا هلك الأول من الأول ودفع إليه ألفا آخر فدفعه في الثمن فإن الالفين يكونان رأس المال، وهو الصحيح، لأن الألف تلف بعد أن قبضه العامل، فلم يكن من أصل المال، كما لو كان في التجارة (3). وقال المفيد: إذا ابتاع المضارب متاعا لصاحب المال وأراد نقد الثمن فوجد المال قد هلك فنقد من عنده في المتاع كان المتاع له دون صاحب المال، وكان الربح له والخسران عليه، ولم يكن لصاحب المال فيه نصيب على حال (4). وقال ابن إدريس: إن كان المضارب اشترى العبد بثمن في الذمة لا بعين فالعبد للمضارب دون رب المال، ويجب على العامل الذي هو المضارب أن

(1) المبسوط: ج 3 ص 194.
(2) المهذب: ج 1 ص 464.
(3) المبسوط: ج 3 ص 194.
(4) المقنعة: ص 633 - 634.

[ 246 ]

يدفع من ماله ألفا ثمن العبد، والبيع لا ينفسخ، لأن الأثمان إذا كانت في الذمة لا ينفسخ البيع بهلاكها، لأنها غير معينة، وإن اشترى بعين مال الضاربة انفسخ البيع، وكان العبد ملكا لبائعه على ما كان دون العامل ودون رب مال المضاربة، لأن هلاك الثمن المعين يوجب الفسخ. قال: وهذا الذي اخترناه مذهب شيخنا في مواضع كثيرة من كتبه مسائل الخلاف والمبسوط (1). والوجه عندي أن نقول: إن كان المالك أذن له في الشراء بثمن في الذمة فالقول ما قاله في المبسوط، وإن لم يأذن له في ذلك فالقول مما قاله في الخلاف هذا إذا اشترى في الذمة، فإن اشترى بالعين بطل البيع، كما قال ابن إدريس. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2)، وابن إدريس (3): إذا غصب مالا فاتجر به أو كان في يده وديعة أو نحوها فتعدى فيها وأتجر وربح قيل: في الربح قولان: أحدهما: إنه بأجمعه للمالك، وإلا لكان ذريعة إلى غصب الأموال والخيانة في الودائع، فيجعل الربح لصاحب المال صيانة للأموال. والثاني: إن الربح للغاصب خاصة، لأنه إن اشترى بالعين بطل، وإن اشترى في الذمة ملك المشتري المبيع وكان الثمن في ذمته بلا خلاف، فإذا دفع مال غيره فقد قضى دين نفسه بمال غيره فكان عليه ضمان المال فقط والمبيع ملكه حلال له طلق، فإذا أتجر فيه وربح كان متصرفا في مال نفسه، فلهذا كان الربح له دون غيره، وعصمة الأموال تحصل بالخوف من الله تعالى. قال الشيخ: وهذا القول أقوى، والأول تشهد به رواياتنا (4).

(1) السرائر: ج 2 ص 413.
(2) المبسوط: ج 3 ص 181.
(3) السرائر: ج 2 ص 414 - 415.
(4) المبسوط: ج 3 ص 181.

[ 247 ]

وقال ابن إدريس: وهذا القول هو الصحيح الذي تقتضيه الأدلة وأصول المذهب (1). وأقول: وجه الجمع بين القولين أن الشراء إن كان بالعين وربح كان الربح للمالك إن أجاز، أو تعددت العقود وتناقلت الأثمان والمثمنات بحيث لا يمكن تحصيل العين، فإن كان الشراء في الذمة فالربح للغاصب. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (2) والخلاف (3): إذا دفع إليه مالا قراضا وقال له: أتجر به أو قال: اصنع ما ترى أو تصرف كيف شئت فإنه يقتضي أن يشتري بثمن مثله نقدا بنقد البلد. والوجه عندي أن له المبيع كيف شاء، سواء كان بثمن المثل أو لا، وبنقد البلد أو لا، حالا أو لا، لأنه جعل إليه المشيئة، نعم إنه منوط بالمصلحة. مسألة: قال في الخلاف: إذا قال: خذ ألفا قراضا على أن لك نصف ربحها صح ذلك بلا خلاف، وإن قال: على أن لك ربح نصفها كان باطلا، وبه قال الشافعي وأصحابه، وقال أبو ثور: جائز، وحكى أبو العباس ذلك عن أبي حنيفة. دليلنا: إن ما قلناه مجمع على جوازه، ولا دليل على جواز ما قالوه، وإن قلنا بقول أبي ثور كان قويا، لأنه لا فرق بين اللفظين (4). وهذا يدل على تردده. وقال في المبسوط: الصحيح إنه جائز، ولا فرق بينهما، ومن قال: يبطل قال: لأن موضوع القراض على أن ما رزق الله تعالى من ربح كان بينهما على ما

(1) السرائر: ج 2 ص 415.
(2) المبسوط: ج 3 ص 174.
(3) الخلاف: ج 3 ص 462 - 463 المسألة 8.
(4) الخلاف: ج 3 ص 469 المسألة 18.

[ 248 ]

يشترطانه، ولا يربح المال حبة إلا وهو بينهما، فإذا قال: ربح نصفه فسد من الجانبين، من جانب العامل، لأنه يأخذ ربح نصف لا حق لرب المال فيه، ولرب المال ربح النصف الآخر لا حق للعامل فيه، وربما ربح نصفه وانفرد أحدهما به، فلهذا بطل. قال: وهذا ليس بشئ، لأن النصف الذي جعل له ربحه مشاع غير مقسوم فلا درهم فيها إلا وله ربح نصفه (1). مسألة: قال في المبسوط: إذا ادعى العامل رد المال إلى المالك فهل يقبل قوله قيل: فيه قولان: أحدهما - وهو الصحيح -: إنه يقبل قوله (2). والوجه عندي إنه لا يقبل قوله إلا بالبينة، لأنه مدع، فلا تسمع دعواه إلا ببينة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا اشترى من ينعتق على رب المال بإذنه وكان فيه ربح انعتق وضمن للعامل حصة من الربح، وإذا لم يكن ربح انصرف العامل ولا شئ له (3). والوجه الأجرة على التقديرين، لبطلان القراض بالشراء المأذون فيه. مسألة: إذا قارض غيره على النصف فقارض العامل آخر بغير إذن المالك على أن ما رزق الله من ربح كان بينهما نصفين فسد القراض، ومن يستحق الربح؟ قال الشيخ: هذه تبنى على مسألة الغاصب، فمن قال: ربح الغاصب كله لرب المال كان لرب المال من ربح المال النصف، لأنه دخل على أن له نصفه فيه فلا يستحق أكثر مما شرط لنفسه، بخلاف الغاصب لأن رب المال ما شرط لنفسه بعض الربح، والنصف الثاني بين العامل الأول والثاني نصفين، لأنه قال: على أن ما رزق الله تعالى فهو بيننا نصفين، والذي رزقه

(1) المبسوط: ج 3 ص 203 - 204.
(2) المبسوط: ج 3 ص 174 - 175.
(3) المبسوط: ج 3 ص 175.

[ 249 ]

الله تعالى هو النصف، وهل يرجع الثاني على الأول؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع بشي، لأنه يسلم له ما شرط له من الربح، والثاني: يرجع بنصف أجرة مثله، لأنه دخل على أن يسلم له نصف كل الربح فلم يسلم له ما شرط له، فخرج من هذا إن لرب المال نصف الربح والباقي بين العامل الأول والثاني نصفين، وهل للثاني على العامل الأول نصف أجرة مثله؟ على وجهين. ومن قال: ربح الغاصب لنفسه ولا حق لرب المال فيه فعلى هذا ما حكم الربح؟ منهم من قال: إن الربح كله للعامل الأول وللثاني على الأول أجرة مثله، ومنهم من قال: الربح كله للعامل الثاني لا حق للأول فيه، لأنه هو المتعدي في التصرف فهو كالغاصب، وربح الغاصب كله لنفسه. قال: والأول أقوى، لأن العامل الثاني وإن كان متعديا فإنه لما اشترى في ذمته بنية إنه للأول وقع الشراء للأول وحده وملك المبيع كل أحد وكان الربح كله له، لأنه ربح ملكه، ويفارق الغصب، لأن الغاصب اشتراه لنفسه وكان الملك له وحده فلهذا كان الربح له، وللعامل أجرة مثله على الأول، لأنه دخل على أن يسلم له المسمى من الربح، فإذا لم يسلم له كان له أجرة مثله، فعلى هذا لا شئ لرب المال في الربح قولا واحدا ولمن يكون الربح؟ على وجهين: أحدهما: للعامل الثاني ولا شئ لغيره فيه، والثاني: للأول وعليه للثاني أجرة مثله (1). والمعتمد أن نقول: لا يخلو المشتري الثاني إما أن يشتري بالعين أو في الذمة، فإن كان الأول احتمل قويا البطلان، لأنه تصرف غير مأذون فيه، فإن تعددت التجارات أو قلنا: بالصحة فإن كان عالما فالربح كله للمالك ولا شئ له، لأنه دخل عالما بأنه مال الغير فلم يكن مغرورا، وإن كان جاهلا

(1) المبسوط: ج 3 ص 181.

[ 250 ]

احتمل أن يكون له نصف الربح والنصف الآخر للمالك، وإن اشترى في الذمة فالربح بأجمعه له، لأنه ربح فيما اشتراه في ذمته فلم يقع الشراء فيه لغيره، الهم إلا أن يشتريه للمضاربة فيكون للمالك نصف الربح وله النصف. مسألة: إذا دفعا إليه ألفا قراضا على أن له النصف والنصف الآخر بينهما أثلاثا قال الشيخ في المبسوط: يبطل القراض، لأنهما شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في المال فكان فاسدا (1). وقال في الخلاف: يصح (2). والوجه عندي الصحة، عملا بالشرط، سواء قلنا: يجب تساوي الشريكين في الربح عند تساوي المالين أو لا، لأن القراض عقد مستقل بنفسه وقد ثبت على شرط صحيح، فكأنهما اشترطا له من حصة أحدهما الثلثين ومن حصة الآخر الثلث. مسألة: إذا قال المديون: اقبض لي الدين من نفسك وأفرده من مالك فإذا فعلت هذا فقد قارضتك عليه فإن قبض العامل من نفسه وميزه من ماله قال الشيخ: لا يصح القبض ولم ينفع التميز، وتكون ذمته مشغولة كما كانت، والألف المفردة المميزة ملك لمن عليه الدين دون من له الدين، لأن الانسان لا يكون وكيلا لغيره في القبض له من نفسه (3). والوجه عندي صحة التوكيل وصحة الأفراد، أما القراض فلا شك في بطلانه. مسألة: قال في الخلاف (4) والمبسوط (5): إذا قال: خذه قراضا على أن

(1) المبسوط: ج 3 ص 191.
(2) الخلاف: ج 3 ص 466 - 467 المسألة 14.
(3) المبسوط: ج 3 ص 192.
(4) الخلاف: ج 3 ص 465 المسألة 12.
(5) المبسوط: ج 3 ص 184.

[ 251 ]

الربح كله لي كان قراضا فاسدا ولا يكون بضاعة، لأن لفظ القراض يقتضي الشركة في الربح، فإذا شرط الربح لنفسه كان فاسدا، كما لو شرط الربح للعامل. والوجه عندي أنه لا أجرة للعامل، لأنه دخل على ذلك فكان متبرعا بالعمل فلا أجرة له حينئذ. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف على أن يأخذ منه ألفا بضاعة بطل الشرط، لأن العامل في القراض لا يعمل عملا بغير جعل ولا قسط من الربح، وإذا بطل الشرط بطل القراض، لأن قسط العامل يكون مجهولا، لأن المالك إنما جعل له النصف حتى شرط العامل له عملا بغير جعل فيذهب من نصيب العامل قدر ما زيد فيه لأجل البضاعة وهو مجهول، ثم قال: وإن قلنا: إن القراض صحيح والشرط جائز لكنه لا يلزم الوفاء به، لأن البضاعة لا يلزم القيام بها كان قويا (1). وابن البراج جزم بالأول (2). والحق صحة الشرط والعقد، وأي منافاة بين أن يعمل العامل عملا في مال بعوض وفي غيره بغير عوض. لنا: وجود المقتضي - وهو العقد - وقوله عليه السلام: " المؤمنون عند شروطهم " (3) والمانع منتف، لما بينا، فيثبت القراض والشرط، ويجب عليه القيام به، لقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم ". ثم قال الشيخ: ولو دفع إليه قراضا وقال: أحب أن تأخذ بضاعة تعاونني فيه صح، لأن البضاعة ما أخذت بالشرط وإنما تطوع له بالعمل فيها، ألا ترى

(1) المبسوط: ج 3 ص 197، وفيه: " حتى شرط للعامل... ".
(2) المهذب: ج 1 ص 466. (3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

[ 252 ]

إنه لو باع دارا بشرط أن يعطيه المشتري عبدا يخدمه شهرا بطل البيع، ولو قال: ادفع إلي عبدك أيها المشتري ليخدمني شهرا من غير شرط صح البيع (1). والحق عندي صحة البيع في الموضعين. وتبع ابن البراج (2) الشيخ أيضا في هذا الفرع، وليس بجيد. مسألة: قال في المبسوط: إذا دفع إليه ألفا قراضا بالنصف ثم دفع إليه ألفا قراضا بالنصف فإن كان الثاني قبل أن يدور الأول في التجارة صح وكانا معا قراضا بالنصف، وإن كان بعد أن دار الأول لم يصح الثاني (3). والوجه عندي التفصيل: وهو أن المالك إن لم يأمره بالمزج صحا معا وكانا قراضين منفردين، وإن أمره بالمزج فإن كان المال ناضا ألفا ومزجهما اتحدا أيضا، وإن كان فيه ربح أو خسران لم يصح، وكذا إذا لم يكن ناضا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا دفع إليه ألفا قراضا وقال له: أضف إليه من عندك ألفا آخر واتجر بهما على أن الربح بيننا: لك منه الثلثان والثلث لي أو بالعكس فسد، سواء كان الفضل لرب المال أو للعامل، أما لرب المال فظاهر [ الفساد ]، لأن له نصف المال من غير عمل وللعامل العمل ونصف المال، وأما للعامل فلأن المال شركة بينهما والربح في الشركة على قدر المالين لا يفضل أحدا بشئ، فإذا شرط الفضل لأحدهما بطلت (4). وتبعه ابن البراج على ذلك (5)، وليس بجيد. والحق جوازه، لما بيناه في باب الشركة جواز تفاوتهما في الربح مع تساوي المالين والعكس.

(1 و 3) المبسوط: ج 3 ص 197.
(2) المهذب: ج 1 ص 466.
(4) المبسوط: ج 3 ص 198.
(5) المهذب: ج 1 ص 467.

[ 253 ]

ثم لو سلمنا، لكن لم لا يجوز أن تكون الزيادة للعامل ويكون نصيب زائد في مقابلة عمله؟ فلا وجه لفساد المضاربة على هذا التقدير. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يصح القراض إذا كان رأس المال جزافا، لأن القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل على صحة هذا القراض فوجب بطلانه (1). وقال في المبسوط: يبطل، وقال قوم: يصح ويكون القول قول العامل في قدره، فإن أقاما بينتين كان الحكم لبينة المالك، لأنها بينة الخارج، قال: وهذا هو الأقوى عندي (2). وما قواه الشيخ هو الأجود. لنا: الأصل الصحة، وقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " (3) وقد وجد شرط سائغ فيحكم به. مسألة: إذا دفع كل منهما إليه ألفا قراضا فاشترى بأحدهما جارية وبالآخر أخرى واشتبهتا قال في المبسوط: قال قوم: الجاريتان لربي المال بينهما، لأنهما مالهما اختلط بعضه ببعض ويباعان في القراض ويدفع إلى كل واحد منهما نصفه إذا لم يكن في المال فضل، فإن كان فيه فضل أخذ كل واحد منهما رأس ماله واقتسموا الربح على الشرط، وإن كان فيه خسران فالضمان على العامل، لأنه فرط في اختلاط المال، وقال قوم: ينقلب إلى العامل، لأنه لما فرط بالخلط كان كالتفريط منه حال العقد فتكون الجاريتان له وعليه لكل منهما رأس ماله. قال: والأول أقوى، وهو المنصوص لأصحابنا، ولو قلنا: باستعمال المقرعة

(1) الخلاف: ج 3 ص 468 المسألة 17.
(2) المبسوط: ج 3 ص 199.
(3) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.

[ 254 ]

لكان أقوى (1). وقال ابن البراج بالأول (2). وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه الله -: لو استعملنا القرعة في ذلك لكان أقوى (3)، وذلك غير صحيح، لأن القرعة إنما نستعملها فيما يلتبس مما ليس عليه نص، وهذا الموضع منصوص عليه عند أصحابنا، فلا وجه مع ذلك لاستعمال القرعة فيه، وكلا القولين جائز، لأن النص ورد في الثوبين (4) ولم يذكر المضاربة بل الايضاع، وفي طريق الرواية قول، فاختيار الشيخ القرعة ليس بعيدا من الصواب. مسألة: قال ابن البراج: إذا مات صاحب المال والمال في يد العامل وهو في بلد المالك فسافر به المضارب بعد موته كان عليه ضمانه، علم بموته أو لم يعلم، وإن كان في غير بلد صاحب المال ومات في بلده لم يكن عليه ضمان وكانت النفقة إلى أن يبلغ بلد صاحب المال له، وكذا لو مات المالك بعد السفر (5). والوجه التسوية بين سفره من بلد صاحب المال مع جهله بموته وبين سفره من غير بلده في الضمان وعدمه، لأن السفر إن كان موجبا للضمان كانا سواء، وكذا إن لم يكن موجبا. وأما النفقة فليس له أخذها، لبطلان القراض بموت المالك.

(1) المبسوط: ج 3 ص 200.
(2) المهذب: ج 1 ص 468.
(3) المبسوط: ج 3 ص 201. (4) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 208 ح 482، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب الصلح ح 1 ج 13 ص 170.
(5) المهذب: ج 1 ص 466.

[ 255 ]

الفصل الثامن في السبق والرماية مسألة: ذهب الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2) إلى أن عقد الرمي والسبق من العقود الجائزة كالجعالة، لا من العقود اللازمة كالاجارة. وقال ابن إدريس: إنه من العقود اللازمة (3). والوجه الأول. لنا: الأصل عدم اللزوم. ولأنه نوع جعالة، فإن قوله: " من سبق فله كذا " هو عين الجعالة. احتج بقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (4). والجواب: القول بالموجب، فإن الوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه، فإن كان لازما كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل اللزوم، وإن كان جائزا كان الوفاء به العمل بمقتضاه على سبيل الجواز، وأيضا ليس المراد مطلق العقود، وإلا وجب الوفاء بالوديعة والعارية وغيرهما من العقود الجائزة، وهو باطل بالاجماع، فلم يبق إلا العقود اللازمة، والبحث وقع فيه. مسألة: قال الشيخ: الذي يجوز المسابقة عليه النصل والحافر والخف،

(1) المبسوط: ج 6 ص 300.
(2) الخلاف: ج 3 ص 273 المسألة 9، طبعة اسماعيليان.
(3) السرائر: ج 3 ص 149.
(4) المائدة: 1.

[ 256 ]

فالنصل ضربان: [ أحدهما ]: نشابة وهي للعجم، والآخر: السهم وهي للعرب، والمزاريق وهي الردينيات، والرماح والسيوف كل ذلك من النصل. وأما الخف فضربان: إبل وفيلة، وأما البغال والحمير فقال قوم: لا يجوز المسابقة عليه، لأنها لا تكر ولا تفر كالبقر، وقال آخرون: هو جائز، وهو الأقوى، للعموم (1). وقال ابن الجنيد: المجمع عليه مما يكون به القوة على حرب الاعداء في الدين، والنكاية بهم والرهبة، وما به يصل الناس إليهم بأي وجه كان الخيل والإبل من الحيوان، والرمي على القسي بذي النصل من السهام، وقد أجازه قوم بالبراذين والبغال والحمير وغيرها من الحيوان، وهذا يدل على تردده في ذلك. والوجه ما قاله الشيخ، للعموم. مسألة: السبق إن كان من ثالث أو من أحدهما جاز وإن لم يدخل المحلل إجماعا، فإن أخرج كل منهما سبقا وقالا: من سبق فله العوضان قال ابن الجنيد: لم يصح، إلا بالمحلل. وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: (من أدخل فرسا بين فرسين وقد آمن من أن يسبق فهو قمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار) وإذا كان مع أمن أن يسبق يكون قارا فمع عدمه أولى. واشترط أيضا المحلل في النضال. وقال الشيخ في المبسوط: عندي أنه لا يمنع جوازه، لأن الأصل الإباحة (2). ولا بأس بقول الشيخ، والرواية عندنا ضعيفة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط (3) والخلاف (4): الاعتبار في السبق بالكتد

(1) المبسوط: ج 6 ص 290.
(2) المبسوط: ج 6 ص 293.
(3) المبسوط: ج 6 ص 295.
(4) الخلاف: ج 3 ص 273 المسألة 8، طبعة اسماعيليان.

[ 257 ]

أو الهادي عند الأكثر، وقال: شاذ الاعتبار بالأذن، فإذا سبق بها فقد سبق، لقوله - عليه السلام -: " بعثت والساعة كفرسي رهان كاد أحدهما أن يسبق الآخر بأذنه " والأول أقوى لأن أحد الفرسين متى رفع عنقه قليلا كان هو السابق، وإن كانت أذن الآخر أسبق. والخبر ورد على سبيل المبالغة، واختار ابن إدريس (1) قول الشيخ أيضا. وقال ابن الجنيد: ويخط في النهاية خط معترض، فأيما خرج من الخيل خرج بطرف أذنيه قبل صاحبه حكم لصاحبه بالسبق، وكذلك الرواية عن أمير المؤمنين - عليه السلام - أداها عن رسول الله - صلى الله عليه وآله -. وقول الشيخ أقوى، لما ذكر من الاختلاف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تناضلا فسبق أحدهما صاحبه فقال: لك عشرة بشرط أن تطعم السبق أصحابك كان النضال صحيحا والشرط باطلا، لأن الأصل صحته، وإن مضامة الشرط إليه تفسده يحتاج إلى دليل (2). وقال في المبسوط: النضال باطل، وقال قوم: الشرط باطل والنضال صحيح، وهو قوي (3). وقال بعض المتأخرين: يصح الشرط والنضال، ولا بأس به عندي. إذا ثبت هذا فإن قلنا: بصحتهما فلا بحث، وإن قلنا: بفساد الشرط فالأقوى فساد النضال. والشيخ أشار إلى أن فساد الشرط يقتضي فساد النضال في المبسوط، فقال: إذا قال: سبقتك عشرة على أنك إن سبقتني فلك العشرة ولا أرمي أبدا

(1) السرائر: ج 3 ص 148.
(2) الخلاف: ج 3 ص 273 المسألة 10، طبعة اسماعيليان.
(3) المبسوط: ج 6 ص 302.

[ 258 ]

أو لا أرمي شهرا كان باطلا، لأنه شرط ترك ما هو مندوب إليه فكان فاسدا، فإذا فسد الشرط فسد النضال (1)، وهو حسن. مسألة: قال في المبسوط: إذا قال: إن نضلتني فلك عشرة وتعطيني قفيز حنطة كان فاسدا، لأن موضوع النضال على أن الناضل يأخذ ولا يعطي، وهذا قد شرط عليه إذا نضل أن يعطي وهذا فاسد، ولأن كل واحد منهما قد سبق صاحبه ولا محلل بينهما وهذا فاسد (2). والوجهان ضعيفان عندي، أما الأول: فلأن موضوع النضال أن يأخذ الناضل، وهذا قد يحصل مع المعاوضة ضربان، بأن يربح شيئا فيكون مال النضال هنا في الحقيقة الفاضل من المعاوضة لا المجعول كله، ولا شك في أنه لا يشترط في النضال قدرا معلوما من المال. وأما الثاني: فلأنا قد بينا أنه لا يشترط المحلل، وقد قوى هو ذلك أيضا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إن سبق كل واحد منهما صاحبه قال قوم: يقرع بينهما في المبتدئ بالرمي، وقال آخرون: يفسد النضال، والأول أقوى عندي، وإن كان الخرج أحدهما أو غيرهما قال قوم بهذا المخرج إن كان أحدهما، ومن يختاره إن كان غيرهما، وقال قوم: النضال باطل (3). ولم يقو شيئا في هذا التقدير. وقال ابن الجنيد: ولا يحكم لصاحب السبق بالابتداء بالرمي، ولا أن يبتدئ به من شاء إلا أن يشترط ذلك، فإن لم يشترط ووقع التشاح على ذلك أقرع بينهم فأيهم بدر اسمه كان المبتدئ بالرمي وتلاه الآخر يرمي مثل العدد الذي رمى به البادئ.

(1 و 2) المبسوط: ج 6 ص 301.
(3) المبسوط: ج 6 ص 352.

[ 259 ]

وقول ابن الجنيد جيد، وكان الشيخ يميل إليه أيضا، لأنه لم يتعرض في التقدير الثاني حوالة على ما قرره في التقدير الأول. مسألة: إذا قسموا الرجال للنضال فحضر غريب فذكر إنه رام فقسموه فظهر أنه لا يحسن الرمي بطل العقد فيه، قال الشيخ في المبسوط: وفي مقابله، ولو ظهر قلة أصابته لم يكن لأصحابه خيار (1). وقال ابن الجنيد: ولو حضر وقت القسمة أهل الحزبين رجل غريب فاختاره أحدهما لم يكن له الاستبدال به إن لم يجده راميا، ولا لمناضله أن يصرفه إن كان مصيبا. فإن قصد بقوله: " لم يجده راميا " أي جيد الرمي فهو حق، وإلا فالوجه ما قاله الشيخ، على أن قول ابن الجنيد: " لم يكن له الاستبدال " جيد وإن لم يكن راميا، بل يبطل العقد فيه. مسألة: إذا شرطا الخواسق فأصاب السهم الأرض ثم ازدلف وحبى فخرق السن لم يحسب صائبا، إلا أن يكونا اشترطاه احتساب الحوابي والمزدلفة. وقال الشيخ: قال قوم: يعتد به إصابة، وقال قوم: لا يعتد. والأول أقوى (2). وما قواه الشيخ قوي، لوجود الخسق هنا.

(1) المبسوط: ج 6 ص 313.
(2) المبسوط: ج 6 ص 308، وفيه: " وهو الأقوى " بدل " والأول أقوى " أي قوى الثاني لا الأول.

[ 261 ]

كتاب الهبات وتوابعها

[ 263 ]

كتاب الهبات وتوابعها وفيه فصول: الأول في الهبة مسألة: إذا وهب الأب ولده الصغير أو الكبير وأقبضه لم يكن للأب الرجوع في الهبة إجماعا، ولو كانت لغير الولد من ذوي الأرحام للشيخ قولان: أحدهما: إن للواهب الرجوع مع الاقباض، ذكره في الخلاف (1) والمبسوط (2) والتهذيب (3). والثاني: قال في النهاية: الهبة ضربان: ضرب منها لصاحبها الرجوع فيها، وضرب ليس له الرجوع. فأما الذي ليس فيه رجوع فهو كل هبة وهبها الانسان لذي رحمه ولدا كان أو غيره إذا كان مقبوضا، فإن لم يكن مقبوضا جاز له الرجوع فيه، فإن مات كان ميراثا، إلا أن تكون الهبة على ولده ويكونون صغارا فإنه لا يكون له فيها رجوع على حال، لأن قبضه قبضهم، فأما إن كانوا كبارا أو يكونون غير أولاده وإن كانوا صغارا كان له الرجوع فيه ما لم يقبض (4).

(1) الخلاف: ج 3 ص 567 المسألة 12.
(2) المبسوط: ج 3 ص 309.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 157 ذيل الحديث 645.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 133 - 134.

[ 264 ]

والأول مذهب السيد المرتضى (1)، وابن الجنيد، وابن إدريس (2). والثاني مذهب شيخنا المفيد (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5). وقال ابن حمزة: إن وهب من الوالدين وإن علوا ومن الولد وإن نزلوا لم يكن للواهب الرجاع مع الاقباض، وإن وهب من غيرهما من ذوي رحمه ففيه قولان: أحدهما: أن يكون حكمه حكم الوالد والولد، والآخر: أن يكون حكمه حكم الأجنبي (6). ولم يختر أحدهما. والوجه عندي خيرة المفيد - رحمه الله -. لنا: قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (7) وأيضا فإن المتهب قد ملك فلا رجوع له. أما المقدمة الأولى: فإجماعية، إذ لا خلاف في أن المتهب له أن يبيع ويتصرف في الهبة قبل الرجوع بأي تصرف شاء وينتفع بالعين بجميع وجوه الانتفاعات، وهذا هو معنى الملك. وأما المقدمة الثانية: فلأن الأصل بقاء الملك على صاحبه، وعدم نقله عنه إلا بوجه شرعي، وقوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم " (8) ولا تجارة هنا، وليس الباطل إلا كالرجوع من غير موجب.

(1) الانتصار: ص 221.
(2) السرائر: ج 3 ص 175.
(3) المقنعة: ص 658.
(4) المراسم: ص 199. (5) المهذب: ج 2 ص 95.
(6) الوسيلة: ص 379.
(7) المائدة: 1.
(8) النساء: 29.

[ 265 ]

لا يقال: ينتقض ما ذكرتموه بهبة الأجنبي، فإن الدليل قائم فيها، مع انكم تذهبون إلى أن للمالك الرجوع. لأنا نجيب: بأن الاجماع لما فرق بين الولد والأجنبي حكمنا بعدم الملك التام في حق الأجنبي، إذ لو ملك ملكا مستقرا لما خرج عنه بالرجوع، إذ هو معنى الملك المستقر، ولم يثبت الاجماع في هبة ذي الرحم فكان على الأصل من بقاء الملك، وألحقناه بالولد، لاشتراكهما في معنى الموجب، وهو رعاية النسب وحفظ حق ذي الرحم وصلته، بخلاف الأجنبي. وما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر - عليه السلام - قال: الهبة والنحلة يرجع فيهما صاحبهما إن شاء حيزت أو لم تحز، إلا لذي رحم فإنه لا يرجع فيهما (1). وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله وعبد الله بن سنان قالا: سألنا أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟ فقال: تجوز الهبة لذوي القرابة والذي يثاب من هبته، ويرجع في غير ذلك إن شاء (2). والتقريب في الاستدلال من هذا الحديث أنه - عليه السلام - عني بالجواز هنا اللزوم وعدم الرجوع، لوجوه: أحدها: إن السؤال وقع عن الرجوع، فلو لم يرد به ذلك لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز عند العدلية. الثاني: إنه - عليه السلام - فرق بين هذين وبين غيرهما، فأجاب في غيرهما

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 643، وسائل الشيعة: ب 6 ص أبواب الأحكام الهبات ح 2 ج 13 ص 338.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 155، ح 636، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الهبات ح 1 ج 13 ص 338.

[ 266 ]

بأنه يرجع فيكون المراد في هذين عدم الرجوع، وإلا لم يبق للتفضيل معنى. الثالث: إن اللزوم مراد في صورة الثواب بالاجماع، فكذا في القرابة، لأنه شرك بينهما بالعطف بالواو فيشتركان في الحكم. وفي الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إنما مثل الذي يرجع في صدقته كالذي يرجع في قيئه (1). والرجوع في القئ حرام إجماعا فكان المشتبه به كذلك، والعموم ليس مراد الخروج الأجنبي منه بالاجماع فيبقى الباقي، لعدم المعارض، وهذه الأحاديث أصح ما بلغنا في هذا الباب. احتج السيد المرتضى بإجماع الفرقة (2)، وبما رواه داود بن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته هل لأحد أن يرجع في صدقته أو هبته؟ قال: أما ما يتصدق به لله فلا، وأما الهبة والنحلة فيرجع فيها حازها أو لم يحزها وإن كانت لذي قرابة (3). ومثله رواه المعلى بن خنيس، عن الصادق - عليه السلام - (4). والجواب: المنع من الاجماع، فإن الخلاف قائم، والحديث في طريقه قول، وكذا الثاني.

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 155 ح 635، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 4 ج 13 ص 316 - 317.
(2) الانتصار: ص 221.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 157 ح 645، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الهبات ح 3 ج 13 ص 339.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 158 ح 651، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الهبات ح 4 ج 13 ص 339.

[ 267 ]

وابن إدريس (1) تردد بعد تقوية ما ذهب إليه المرتضى إلى تقوية ما ذهب إليه الشيخ في النهاية، وهو يدل على اضطرابه. تذنيب: قال الشيخ في الخلاف: إذا وهب الوالد لولده وإن علا الوالد أو الأم لولدها وإن علت وقبضوا إن كانوا كبارا أو كانوا صغارا لم يكن لهما الرجوع فيه (2). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصل مذهبنا أن هبة الوالد يكون كما قال: وإن علا الوالد، وأما هبة الأم للولد الكبير فإذا قبض فليس لها الرجوع، وأما هبتها لولدها الصغير فلا بد من تقبيض وليه، فإذا قبض الولي إما أبوه أو وصيه فليس لها رجوع، وإذا لم يقبض فلها الرجوع، فليلحظ ذلك (3). وهذه مشاحة لفظية، ومراد الشيخ ذلك فإنه ظاهر. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (4) والمبسوط (5): الهبة على ثلاثة أقسام: هبة لمن فوقه، وهبة لمن هو دونه، وهبة لمن هو مثله، وكلها تقتضي الثواب عندنا، وقال جميع الفقهاء: إنها إن كانت لمن فوقه أو لمن هو مثله لا تقتضي الثواب، وإن كانت لمن هو دونه اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا تقتضيه، وفي الآخر: إنها تقتضيه، وهو قول مالك. وقال أبو الصلاح: الهدية ثلاثة أقسام: قسم يدعو إليها داعي الولاية الدينية فيقصد بها وجهها قربة إليه تعالى فيحرم الرجوع فيها والتعوض عنها، وقسم يدعو إليها داعي المودة الدنيوية والتكرم فيحسن قبولها ولا تجب المكافاة

(1) السرائر: ج 3 ص 175.
(2) الخلاف: ج 3 ص 566 المسألة 11.
(3) السرائر: ج 3 ص 174 - 175.
(4) الخلاف: ج 3 ص 568 المسألة 13.
(5) المبسوط: ج 3 ص 310.

[ 268 ]

عليها، وثالثها أن يدعو إليها الرغبة في العوض عنها وهي مختصة بهدية الأدنى للأعلى في الدنيا، فإن قبلها لزمه العوض عنها بمثلها ولا يجوز التصرف فيها ولما يعوض عنها، وإذا قبل المهدي العوض لم يكن له الرجوع فيها وإن كان دونها، وإن لم يقبل العوض عنها فله الرجوع فيها ما دامت عينها قائمة، وإن بذل له زيادة عليها فإن تصرف فيها فعليه قيمتها، إلا أن يتبرع بالفضل (1). وقال ابن إدريس: الهبة عندنا لا يقتضي الثواب، إلا مع الشرط، واجماع أصحابنا عليه (2). وكأنه لم يفهم مراد الشيخ من ذلك، ودليل الشيخ يدل على مفهومه: وهي أنها لا يلزم إلا بالثواب، سواء كانت للأعلى أو للمساوي أو الأدنى، لأنه عول على روايات أصحابنا. ثم قال: وروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب، فأثبت للواهب حق الرجوع قبل أن يثاب، وأسقط حقه من الرجوع بالثواب وجعله ثوابا على الحقيقة (3). وهذا يشعر بما قلناه نحن وتأولناه، نعم كلام أبي الصلاح مشكل. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا ثبت أن الهبة تقتضي الثواب فلا يخلو إما أن يطلق أو يشترط الثواب، فإن أطلق فأي ثواب يقتضي منه فإنه يعتبر ثواب مثله على ما جرت به العادة، لأن أصل الثواب إنما أثبتناه في الهبة بالعادة وكذلك مقدارها، وإن قلنا: إنه لا مقدار فيها أصلا وإنما هي ما يثاب عنها قليلا كان أو كثيرا كان قويا، لعموم الأخبار وإطلاقها، وإن شرط الثواب فإن كان مجهولا صح، لأنه وافق ما يقتضيه الإطلاق، وإن كان معلوما كان

(1) الكافي في الفقه: ص 328.
(2) السرائر: ج 3 ص 175.
(3) الخلاف: ج 3 ص 569 ذيل المسألة 13.

[ 269 ]

أيضا صحيحا، لأنه لا مانع يمنع منه، وقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " ولم يفصل، والأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل (1). وقال ابن الجنيد: والهبة على العوض المشترطة عينه كالبيع، فإن لم يعينه ولا أوجب على نفسه قبول ما يثاب به فأثابه المعطي بما هو أفضل من قيمة هبته لم يكن للواهب غير عينه، ولم يكن له الرجوع بعد قبض الموهوب له السلعة، والاختيار أن يعطي الموهوب الواهب حتى يرضى تأسيا برسول الله - صلى الله عليه وآله - في اعطائه المهدي له اللقوح حتى رضي، وإن أعطى الموهوب الواهب دون قيمة هبته ولم يرض الواهب به كان للواهب أن يرجع في هبته إن كان شرط العوض، ولو أثاب الموهوب للواهب بشئ فقبله لم يكن للموهوب له الرجوع في ثوابه، ولو امتنع الموهوب له من الثواب وكانت السلعة بحالها كان للواهب الرجوع فيها وأخذها، فإن كانت السلعة نقصت كان له مع أخذها فضل ما بين قيمتها يوم ردها وبين قيمتها يوم أخذها. وقال الشيخ في المبسوط: الهبة تقتضي الثواب على ما يقتضيه مذهبنا، ثم قال: وإذا ثبت هذا فمن قال: لا يقتضي الثواب قال: إذا وهب لم يخل إما أن يطلق أو يشترط الثواب، فإن أطلق فإنها تلزم بالتسليم، وإن أثابه الموهوب له كان ذلك ابتداء هبة ولا يكون بدلا في الحقيقة ولا تتعلق إحدى الهبتين بالأخرى، فإن وقع الاستحقاق في أحدهما واسترجعت لم يؤثر ذلك في الأخرى، فإن شرط الثواب فإما أن يشرط مجهولا أو معلوما، فإن شرط مجهولا بطل العقد، لأنه تمليك عين ببدل مجهول، وهو باطل كالبيع بثمن مجهول، وإن شرط معلوما قيل: يصح، وقيل: لا يصح، ومن قال: يقتضي الثواب فإن أطلق فأي ثواب يقتضي؟ قيل: يثيبه حتى يرضى الواهب، وقيل: قدر قيمة

(1) الخلاف: ج 3 ص 570 - 571 المسألة 14 و 15.

[ 270 ]

الهبة أو مثلها، وقيل: قدر ما يكون ثوابا لمثله في العادة. قال: وهذا هو المعتمد عليه، لأن أصل الثواب إنما يثبت بعقد الهبة اختيارا بالعادة، فإن أثابه لزمته الهبة، وإن لم يثبه لم يجبر على الثواب، لكن يقال للواهب: إما أن تمضي أو تسترجع، فإن وجدها زائدة أخذها مع المتصلة دون الزيادة المنفصلة، وإن كانت تالفة أو ناقصة فمذهبنا أنه لا يرجع بقيمتها إن تلفت ولا بأرش النقصان إن نقصت (1). والمعتمد أن نقول: إن أطلق الهبة لم يجب الثواب، لكن للواهب الرجوع في العين ناقصة أو زائدة زيادة متصلة ما لم يتصرف المتهب على ما يأتي، وإن كانت تالفة فلا رجوع وإن شرط الثواب، وإن أطلق كان إطلاقه منصرفا إلى العادة وإن شرط معينا فإن أثابه إياه لزمته الهبة، وإلا كان للمالك العود في عينه، فإن كانت ناقصة فعليه الأرش، وإن كانت تالفة فعليه المثل أو القيمة، لأنه ملكه بشرط العوض ولم يسلم له فكان له الرجوع في عينه. مسألة: الظاهر من كلام الشيخين - رحمهما الله - إن الاقباض شرط في لزوم الهبة لا في صحتها وانعقادها (2)، وبه قال ابن البراج (3)، وسلار (4)، وابن حمزة (5)، وابن إدريس (6). وقال الشيخ في الخلاف: من وهب لغيره عبدا قبل أن يهل شوال فقبله الموهوب له ولم يقبضه حتى هل شوال ثم قبضه فالفطرة على الموهوب له، لأن الهبة منعقدة بالايجاب والقبول، وليس من شرط انعقادها القبض، وسنبين ذلك في كتاب الهبة. فإذا ثبت ذلك ثبتت هذه بم لأن أحدا لم يفرق بينهما. وفي

(1) المبسوط: ج 3 ص 310 - 311، وفيه: "... اعتبار بالعادة ".
(2) المقنعة: ص 658، المبسوط: ج 3 ص 303.
(3) المهذب: ج 2 ص 95.
(4) المراسم: ص 199.
(5) الوسيلة: ص 378.
(6) السرائر: ج 3 ص 173.

[ 271 ]

أصحابنا من يقول: القبض شرط في صحة الهبة، فعلى هذا لا فطرة عليه ويلزم الفطرة للواهب (1). وقال أبو الصلاح: إنه شرط الصحة (2)، ونقله ابن إدريس عن أكثر علمائنا (3). والوجه الأول. لنا: إنه عقد يقتضي التمليك، فلا يشترط في صحته القبض كغيره من العقود. ولأنه تبرع، فلا يشترط في صحته القبض كالوصية. ولأنه خارج عن مسمى الهبة، ولهذا يبرأ الحالف بمجرد العقد. ولما رواه أبو بصير في الصحيح قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم، والنحل لا يجوز حتى تقبض، وإنما أراد الناس ذلك فأخطأوا (4). واحتج الآخرون بأصالة بقاء الملك، وعدم انتقاله منه، وعدم تأثير العقد في مقتضاه، خرج ما بعد القبض بالاجماع، فيبقى الباقي على الأصلية. وبما رواه أبان بن عثمان، عمن أخبره، عن أبي عبد الله - عليه السلام - فال: النحلة والهبة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال: هي بمنزلة الميراث (5).

(1) الخلاف: ج 2 ص 146 المسألة 182. (2) الكافي في الفقه: ص 222.
(3) السرائر: ج 3 ص 173.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 641، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الهبات ح 4 ج 13 ص 335.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص - 155 ح 637، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الهبات ح 1 ج 13 ص 334.

[ 272 ]

وعن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: قال: الهبة لا تكون أبدا هبة حتى يقبضها (1). والجواب: منع بقاء الأصل مع وجود سبب النقل، والأصل صحة العقد. والرواية مع أنها ضعيفة ومقطوعة السند نقول بموجبها، فإن الهبة بنفسها لا تنقل الملك بل مع القبض، نعم العقد صحيح، لكنه ليس لازما. والرواية الثانية لا يجوز حملها على ظاهرها، وإلا لزم التناقض، بل المراد إن الهبة لا تكون هبة لازمة أبدا حتى تقبض، وهو أولى من إضمار الصحة، فإن ما ليس بصحيح كالمعدوم. مسألة: اختلف علماؤنا في تصرف المتهب هل يوجب لزوم الهبة ويمنع المالك من الرجوع فيها؟ أفتى به الشيخ في النهاية (2)، وأطلق التصرف، وتبعه ابن البراج (3)، وابن إدريس (4). وقال المفيد - رحمه الله -: إذا استهلكت الهبة لم يكن للواهب سبيل إلى الرجوع فيها، وكذلك إن أحدث الموهوب له فيها حدثا لم يكن للواهب ارتجاعها (5). وقال ابن حمزة: إذا خرج الموهوب عن ملك المتهب لم يكن للواهب الرجوع فيها وإن عاد إليه، وإن رهنه المتهب أو كاتبه كتابة مشروطة فانفك الرهن أو عجز العبد كان للواهب الرجوع فيها إن بقي بحاله، فإن تصرف المتهب فيها بأن

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 159 ح 654، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الهبات ج 7 ح 13 ص 336.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 134.
(3) المهذب: ج 2 ص 99. (4) السرائر: ج 3 ص 173.
(5) المقنعة: ص 658.

[ 273 ]

تكون الهبة شجرا فاتخذ منها بابا أو سريرا أو تكون ثوبا خاما فقصره أو أمة فوطأها لم يكن له الرجوع (1). فقسم التصرف إلى ما يحصل معه تغيير في العين أو إحداث شئ فيها، وهذا النوع من التصرف يمنع الرجوع. وإلى ما لا يحصل كالرهن والكتابة، وهذا لا يمنع عنده. وكان ظاهر كلام المفيد يعطيه. وقال سلار: للواهب الرجوع فيما لم يعوض عنه ما دامت العين باقية (2). وكذا قال أبو الصلاح (3)، وأطلق القول، وهذا الإطلاق يعطي جواز الرجوع مع التصرف، إلا أن أبا الصلاح منع من الرجوع في الهدية مع التصرف (4). والوجه الأول. لنا: إن المتهب قد ملك بالعقد والاقباض وظهر أثر الملك بالتصرف فقوى وجود السبب وكان تاما، وإلا لم يتحقق أثره، فلا يتحقق النقل عنه إلا بسبب طارئ، والرجوع ليس سببا هنا، وإلا لكان سببا في غيره. لا يقال: ينتقض بما قبل التصرف فإن السبب موجود، ولأنه سبب في ملك المطلق الثابت مع الجواز واللزوم لا في الاخص، وهو اللازم فإنه عين المتنازع، والرجوع سبب في إزالة الملك كما قبل التصرف فكذا فيما بعده، عملا بالاستصحاب. لأنا نقول: الفرق ثابت بالقيد الذي ذكرناه من ظهور أثر السبب، فلا يقاس عليه ما لم يظهر أثره لضعفه، والأصل لزوم الملك، لانتقاله إلى المتهب، فيدخل تحت عموم قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن

(1) الوسيلة: ص 379.
(2) المراسم: ص 199.
(3) الكافي في الفقه: ص 323.
(4) الكافي في الفقه: ص 328.

[ 274 ]

تكون تجارة عن تراض منكم " (1) وليس الرجوع تجاره ولا عن تراض، والاستصحاب منقوض بمثله وبقوة السبب بظهور أثره، وبما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن الصادق - عليه السلام - قال: أنت بالخيار في الهبة ما دامت في يدك، فإذا خرجت إلى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: من رجع في هبته فهو كالراجع في قيئه (2). احتج الآخرون بأصالة بقاء الملك على صاحبه. وبما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟ فقال: يجوز الهبة لذوي القربى والذي يثاب من هبته، ويرجع في غير ذلك إن شاء (3). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع، وإلا فليس له (4) ". والجواب: الأصل قد زال بتجدد الملك الثاني فيستصحب حكم الثاني، لطريانه على الأول وازالته إياه، والثابت الموجود أقوى تأثيرا من المنفي المعدوم، وتحمل الروايات على ما إذا لم يوجد التصرف. مسألة: إذا كانت الهبة أمة أو دابة حائلا فحملت عند المتهب ولم يتصرف أو تصرف وسوغنا الرجوع معه فرجع الواهب قبل الوضع لم يكن له الرجوع في

(1) النساء: 29.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 158 ح 653، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الهبات ح 6 ج 13 ص 336.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 158 ح 650، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام الهبات ح 3 ج 13 ص 342.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 153 ح 627، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام الهبات ح 1 ج 13 ص 341.

[ 275 ]

الولد، لأنه نماء منفصل عن الأم متجدد في ملك المتهب فأشبه ثمرة الشجرة فلم يكن له الرجوع فيه، كما لو رجع بعد الوضع. وقال ابن حمزة: له الرجوع فيهما (1)، وهو بناء على أن الحمل كالجزء من الأم، وأنه لا حكم له بانفراده. وليس بجيد، على ما سبق. أما الشيخ في المبسوط فإنه قال: إن كانت حاملا وقت الهبة ووضعت قبل الرجوع فمن قال: لا حكم للحمل قال: يرجع في الأم دون الولد، ومن قال: له حكم قال: يرجع فيهما معا، وإن رجع قبل الوضع استرجعها مع الولد على كل حال، وإن كانت حائلا ثم حملت بعد ذلك فإنه ينظر فإن وضعت قبل الرجوع فإنه يرجع في الأم دون الولدة، لأنه نماء حدث في ملك الموهوب له لم يتناوله العقد. وإن كان قد رجع قبل الوضع فمن قال: للحمل حكم فهو كما لو كان منفصلا فيرجع في الأم دون الحمل، ومن قال: لا حكم له رجع فيهما (2). مسألة: إذا وهب المريض شيئا ومات في مرضه مضت الهبة من الثلث عند أكثر علمائنا، وهو اختيار ابن الجنيد، وكذا العتق والوقف. وقال ابن إدريس: يمضي من الأصل (3). لنا: ما رواه السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي - عليهم السلام - أنه كان يرد النحلة في الوصية وما أقر عند موته بلا ثبت ولا بينة رده (4). وعن سماعة، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل يكون

(1) الوسيلة: ص 379. (2) المبسوط: ج 3 ص 358.
(3) السرائر: ج 3 ص 176.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 161 ح 663، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 12 ج 13 ص 380.

[ 276 ]

لامرأته عليه صداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها، قال: لا، ولكن إن وهبت له جاز ما وهبت له من ثلثها (1). وعن سماعة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن عطية الوالد لولده، فقال: أما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، فأما في مرضه فلا يصلح (2). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية، قال: إن كان موسرا فنعم، وإن كان معسرا فلا (3). وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: إذا وهب الدين من المديون كان إبراء بلفظ الهبة، ولا يشترط قبول المبرئ. وقال الشيخ في المبسوط: قال قوم: من شرط صحته قبوله، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله، وهو الذي يقوى في نفسي (4). واختاره ابن زهرة (5)، وابن إدريس (6) أيضا. لنا: قوله تعالى: " فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم " (7) وفي الدية إلا أن يصدقوا.

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 158 ح 652، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أحكام الهبات ح 3 ج 13 ص 340.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 642، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 11 ج 13 ص 384.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 644، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 12 ج 13 ص 384.
(4) المبسوط: ج 3 ص 314.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 541 س 31. (6) السرائر: ج 3 ص 176.
(7) البقرة: 280.

[ 277 ]

ولأن ذلك إسقاط حق، فلا يفتقر إلى القبول كالعتق والطلاق والعفو عن الدية. احتج الشيخ باشتماله على المنة، ولا يجبر على قبولها كهبة العين، ولو لم يعتبر قبوله أجبر على قبول المنة. والجواب: الفرق ثابت بين هبة العين وبين هبة الدين، فإن الأول تمليك والثاني إسقاط، فاعتبر القبول في الأول دون الثاني. مسألة: لو وهب الدين على غير من هو عليه قال الشيخ (1)، وابن إدريس (2). إنه جائز، وهو الوجه، لأنه يصح بيعه والمعاوضة عليه كالعين فصحت هبته، نعم يشترط في اللزوم إلى القبض. وقيل: لا يصح (3)، لأنها مشروطة بالقبض ولا دلالة فيه، سواء قلنا: القبض شرط الصحة أو اللزوم. والشيخ - رحمه الله - في المبسوط منع من وقف الدين، لأن من شرط لزومه القبض، والدين لا يمكن تسليمه ولا يمكن فيه القبض (4). مسألة: المشهور كراهة تفضيل بعض الأولاد في العطية، وعدم التحرم. وقال ابن الجنيد: ليس للأب أن يختار بعض ولده بما لا يساوي بينهم فيه وكذلك لأهل الدين يتساوى قراباتهم منه، إلا أن يكون الخصوص بذلك مكافئا على صنع سلف منه أو في ذمة (5) ما يوجب تفضيله بالعطية، كما يوجب ولايته للوصية.

(1) المبسوط: ج 3 ص 314.
(2) السرائر: ج 3 ص 176.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 229.
(4) المبسوط: ج 3 ص 287.
(5) ز: رتبة.

[ 278 ]

فإن قصد بذلك التحريم فهو ممنوع، للأصل، ولقوله - عليه السلام -: (الناس مسلطون على أموالهم) ولقول الصادق - عليه السلام - لما سأله سماعة عن عطية الوالد لولده، فقال: أما إذا كان صحيحا فهو ماله يصنع به ما شاء، فأما في مرضه فلا يصلح (1). وفي الصحيح عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية، قال: إن كان موسرا فنعم، وإن كان معسرا فلا (2). وإن قصد الكراهة فهو مسلم لما فيه من إثارة التشاجر والتباغض، كما في قصة يوسف - عليه السلام -. إذا عرفت هذا فإن الكراهة إنما تثبت مع المرض والاعسار، لاقتضاء الحديثين ذلك، أما مع عدم أحدهما فلا بأس. مسألة: قال ابن الجنيد: لو مات المتهب وقد استهلك السلعة وشرط عليه الثواب المطلق كان للواهب في مال الميت ما يزيد على قيمتها بأقل قليل، وإن شرط ثوابا معينا كان له ما عينه. ويقرب منه قول ابن حمزة: هو إنه إذا شرط ثوابا صح، فإن أثاب سقط رجوعه عنها، وإن لم يثبت وكانت باقية على ملكه بحالها كان مخيرا بين طلب الثواب والرجوع فيها، وإن تلفت كان له المطالبة بالثواب (3). والوجه أن نقول: إذا شرط ثوابا مطلقا فخير الوارث بين دفع الهبة ودفع ما

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 642، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 11 ج 13 ص 384.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 156 ح 644، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 12 ج 13 ص 384.
(3) الوسيلة: ص 378.

[ 279 ]

يقتضيه الشرط المطلق، فإن شرط ثوابا معينا تخير بين دفعه وبين رد الهبة، لأن شرط الثواب لا يقتضي إيجابه عينا، بل إما إيجابه أو رد العين، ولو كانت العين تالفة كان له رد قيمتها. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كان المتهب غائبا فسلم الواهب العين الموهوبة إلى رسول من قبله وجعل قبضه قبضا للغائب تمت الهبة ولم يرجع ميراثا وإن لم يصل إلى الموهوب، وإن جعل الواهب رسوله رسولا بها إلى الموهوب فمات الواهب قبل أن يقبضها الغائب رجعت ميراثا لورثة الواهب. والحكم الثاني صحيح، أما الأول ففيه نظر، إذ جعل الواهب الرسول وكيلا عن الغائب في القبض لا يصيره وكيلا، فكان قبضه كقبضه لو كان رسولا عنه. مسألة: قد بينا أن الولد إذا كان كبيرا اشترط في لزوم الهبة في طرفه القبض منه سواء الذكر والانثى في ذلك، لأنه كامل فلا يصح قبض غيره عنه، لانتفاء الولاية عليه. وقال ابن الجنيد: هبة الأب لولده الصغار وبناته الذين لم يخرجوا من حجابه وإن كن بالغات تامة وإن لم يخرجها عن يده، لأن قبضه قبضا لهم. وليس بجيد في طرف الإناث، وثبوت ولاية النكاح ممنوعة ولو سلمت لكن لا يقتضي ثبوت الولاية في المال. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أثاب المريض رجلا بعبد لا يملك غيره نظر، فإن كان هبته يتجاوز قدر ثلثي قيمة العبد كان العبد للموهوب له إن كان تسليمه قبل موت المريض، وإن كانت هبة المثاب دون قدر قيمة ثلثي العبد كان الخيار إلى المثاب، إن شاء أعطى النقصان عن ثلثي قيمة العبد وملكه، وإن شاء أخذ ثلث قيمته مضافا إلى قدر ما أعطى مبتدئا للميت من ورثة الميت.

[ 280 ]

والوجه أن يقال: إن أجاز الوارث كان له جميع العبد، وإن لم يجز بطلت الاثابة فيما زاد على الثلث، لأنه محجور عليه فيما زاد على الثلث. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا وهب الوالد لولده وإن علا الوالد، أو الأم لولدها وإن علت وقبضوا إن كانوا كبارا أو كانوا صغارا لم يكن لهما الرجوع فيه (1). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا أن هبة الوالد تكون كما قال، وأما هبة الأم للولد الكبير البالغ، فإذا قبض فليس لها رجوع، وأما هبتها لولدها الصغير فلا بد من تقبيض وليه (2). وهذا حق، والظاهر أن مقصود الشيخ ذلك للعلم به، فلهذا لم يفصل، لظهوره وعدم خفائه. مسألة: لو باع الواهب الهبة بعد الاقباض فيما يصح له الرجوع فيه قال الشيخ في المبسوط: لا يصح البيع، لأنه صار ملكا لغيره (3). والوجه عندي صحة البيع، للأصل، ويكون قد تضمن الرجوع والبيع. مسألة: إذا مات الواهب قبل الاقباض قال الشيخ في المبسوط: لا يبطل الهبة، وقام الوارث مقامه، كالبيع في مدة الخيار (4). من حيث أن الهبة عقد يؤول إلى اللزوم، فلا ينفسخ بالموت، كبيع الخيار. وتبعه ابن البراج على ذلك. مع إنه قال في هبة ذي الرحم: إذا مات قبل قبضها كانت ميراثا (5). والأقرب البطلان. لنا: إنه عقد جائز قبل القبض فانفسخ بالموت، كالوكالة والشركة. وما رواه داود بن الحصين، عن الصادق - عليه السلام - قال: الهبة

(1) الخلاف: ج 3 ص 566 المسألة 11.
(2) السرائر: ج 3 ص 174.
(3) المبسوط: ج 3 ص 304.
(4) المبسوط: ج 3 ص 305. (5) المهذب: ج 2 ص 95.

[ 281 ]

والنحلة ما لم تقبض حتى يموت صاحبها، قال: هو ميراث (1). والفرق ظاهر بينه وبين بيع الخيار، لأنه نوع معاوضة، بخلاف الهبة خصوصا. والشيخ - رحمه الله - ذكر خلافا في المبسوط: إن الملك هل يحصل من حين القبض أو من حين العقد؟ ويكون القبض كاشفا، واختار الأول وجعله الصحيح عنده (2). مسألة: إذا كانت الهبة في يد المتهب بإيداع أو استعارة أو غصب لم يفتقر إلى إذن في القبض ولا إلى مضي زمان يتمكن فيه من القبض على قول بعض علمائنا، وكلام الشيخ في المبسوط يشعر باشتراط مضي الزمان (3). وقال ابن الجنيد: ولو كان لرجل على غيره مال أو وديعة فقال له: قد وهبته لك فافترقا تمت الهبة، ولم يحتج الذي كان عليه أن يدفعه إلى صاحبه ثم يسترده منه، لأن ذلك إبراء الذمة منه، وكذلك هبة أحد الزوجين للآخر من الصداق أو غيره. لنا: إن المقتضي للتمليك هو العقد، إما بشرط القبض أو مطلقا، والقبض كاشف، وقد حصل فثبت المعلول. ولأن القبض حاصل، وليس تجدده شرطا إجماعا، فلا يكون الزمان الذي هو الظرف معتبرا، إذ لا مدخل له في التأثير. يحتمل أن يقال: الشرط هو الاقباض عن الهبة لا القبض المطلق ولا مطلق الاقباض، فإنه لو وهبه ثم أقبضه على جهة الايداع يحصل القبض الذي هو شرط الهبة فافتقر إلى الاقباض، خصوصا قبض الغصب، فإنه أولى

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 157 ح 648، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الهبات ح 1 ج 13 ص 334.
(2) المبسوط: ج 3 ص 304.
(3) المبسوط: ج 3 ص 305.

[ 282 ]

بعدم الاعتداد به. ويمكن الجواب: بأن رضاه بإقرار يده عليه بعد العقد دليل على الرضى بالقبض. مسألة: إذا كان الواهب الولي للصبي فإن كان بغير تولية - كالأب والجد له - قبلها الواهب أيضا، وإن كان بتولية قال في المبسوط: لا يصح أن يقبلها، كما لا يصح أن يبيع من الصبي شيئا بنفسه، أو يشتري منه، وينصب الحاكم أمينا يقبل منه هبته للصبي، فإذا قبلها صحت الهبة (1). والوجه التسوية بينه وبين الأب، لأن له أن يقبل هبة غيره، وكذا يقبل هبة نفسه، لعموم ولايته، فلا وجه لاختصاصها بغيره. والجواب: عما احتج به المنع من حكم الأصل فإن له أن يبيع ويقبل الشراء، وأيضا الفرق فإن المعاوضة قد يحصل فيها التغابن. أما الهبة فإنها عطية محضة، وكانت المصلحة فيها ظاهرة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: هبة المشاع جائزة، ثم إن كان مما لا ينقل كالارض كان القبض هو التخلية، وإن كان مما ينقل كان القبض التحويل، فإن وافق الشريك على أن يقبض المتهب، أو المتهب على أن يوكل الشريك في القبض صح، وإن تعاسرا نصب الحاكم أمينا يقبض الكل، نصفه هبة ونصفه قبض أمانة للشريك حتى يتم عقد الهبة (2). والوجه عندي جعل القبض هنا التخلية أيضا، لأنه مما لا يمكن نقله وتحويله، كأنه لا فرق بين عدم الامكان المستند إلى عدم القدرة الحسية أو عدم القدرة الشرعية، وهو أولى من التحكم في مال الشريك بغير اختياره.

(1) المبسوط: ج 3 ص 305.
(2) المبسوط: ج 3 ص 306، وفيه: " يقبض الكل نصفه قبض هبة... ".

[ 283 ]

الفصل الثاني في الصدقة مسألة: الصدقة لازمة بالاقباض ليس لصاحبها الرجوع فيها بعده، سواء كانت صدقة فرض أو ندب. وقال الشيخ في المبسوط: صدقة التطوع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام، من شرطها الايجاب والقبول، ولا يلزم إلا بالقبض، وكل من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة (1). واختار ابن إدريس الأول (2)، وهو الحق، لأن المقصود بها الثواب وقد حصل، فهي معوض عنها في الحقيقة. وادعى ابن إدريس أيضا الاجماع عليه (3). مسألة: قال الشيخ في النهاية: ما تصدق به الانسان لوجه الله تعالى لا يجوز له أن يعود إليه بالبيع والهبة والشراء، فإن رجع إليه بالميراث كان جائزا (4). وقال المفيد: إذا تصدق على غيره بدار أو أرض أو غيره أو عرض من الاعراض لم يجز له تملكه منه ولا من غيره بهبة أو صدقة، ولا بأس أن يتملكه منه بميراثه عنه من بعده (5). ومنع ابن إدريس من تحريم العود، لعدم الدلالة عليه، فإن المتصدق قد

(1) المبسوط: ج 3 ص 314. (2 و 3) السرائر: ج 3 ص 177.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 134 - 135.
(5) المقنعة: ص 653.

[ 284 ]

ملك العين، فله بيعها على من شاء من المتصدق وغيره. قال: وقد رجع في الخلاف، فقال في كتاب الزكاة: يكره للانسان أن يشتري ما أخرج في الصدقة وليس بمحظور، ثم تعجب من كلام الشيخ في الموضعين (1). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية صحيحة عن منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله - عليه السلام -: إذا تصدق الرجل بصدقة لم يحل له أن يشتريها ولا يستوهبها إلا في ميراث (2). وهي محمولة على الكراهة. والشيخ يطلق لفظة (لا يجوز) على الكراهة كثيرا في النهاية، والرواية غير متنافية، لقول الشيخ على تقدير الكراهية، فإن الحل كما يضاد التحريم كذا يضاد الكراهية، فيصدق على الكراهية عدمه. مسألة: قال ابن البراج: إذا كان على الرجل مهر لزوجته ولها أولاد صغار وله أولاد فتصدق بجميع ما يملكه على أولاده فرارا من المهر كانت الصدقة ماضية، والمهر في ذمته يجب عليه الوفاء به والمطالبة حتى تبرأ ذمته (3). وفي هذا الكلام اضطراب، من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. أما من حيث اللفظ فإنه لا مدخل المقيد في الزوجة بأن لها أولاد، ولا مدخل للقيد في أولادها بالصغر في الحكم الذي ذكره. وقوله: " والمطالبة " لا يمكن عطفها على " الوفاء " ولا معطوف عليه هنا سواه. وأما من حيث المعنى فإن الصدقة يشترط فيها التقرب إلى الله تعالى وايقاعها على وجه الاخلاص، ولا يمكن ذلك مع قصد الفرار، لانتفاء قصد الاخلاص حينئذ.

(1) السرائر: ج 3 ص 174.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 150 ح 614، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أحكام الموقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 318.
(3) المهذب: ج 2 ص 94.

[ 285 ]

الفصل الثالث في الوقف مسألة: المشهور إن الوقف لا يجوز تغييره ولا تبديله ولا نقله عن أربابه. وقال المفيد - رحمه الله -: الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع فيها، إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم والقربة إلى الله تعالى بصلتهم، أو يكون تغيير الشرط في الوقف إلى غيره أرد عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله (1). ومنع ابن إدريس من ذلك، سواء أحدث الموقوف عليه ما يمنع الشرع من معونته أو لم يحدث، لأنه بعد قبضه قد صار ملكا من أملاكه فله حكم سائر أمواله (2). وكلام المفيد - رحمه الله - له محمل: وهو أن يكون الواقف قد شرط شرطا يمتنع بدونه إجراء الوقف على حاله فهنا يخرج الواقف عن اللزوم، أو أن يكون الواقف قد قصد معونة الموقوف عليهم لصلاحهم ودينهم فيخرج أربابه عن هذا يخف إلى حد الكفر. فلقائل أن يقول: يخرج أربابه عن الاستحقاق، لأن الوقف صدقة، ومن

(1) المقنعة: ص 652.
(2) السرائر: ج 3 ص 152.

[ 286 ]

شرط الصدقة التقرب بها إلى الله تعالى، فمن لا يصح التقرب عليه يبطل الوقف عليه. مسألة: سوغ الشيخان بيع الوقف إذا خيف وقوع فتنة بين أربابه أو خرب وتعذرت عمارته. قال في المبسوط: يجوز بيع الوقف إذا خيف خرابه وبطلانه، أو خيف خلف بين الارباب (1). وقال في الخلاف: إذا خرب الوقف ولا يرجى عوده، في أصحابنا من قال: يجوز بيعه، وإذا لم يختل لم يجز بيعه، واستدل بالأخبار (2). وقال المفيد: ليس لأرباب الوقف بعد وفاة الواقف أن يتصرفوا فيه ببيع أو هبة ولا يغيروا شيئا من شروطه، إلا أن يخرب الوقف ولا يوجد من يراعيه بعمارة من سلطان وغيره أو يحصل بحيث لا يجدي نفعا فلهم حينئذ بيعه والانتفاع بثمنه، وكذا إن حصلت بهم ضرورة إلى ثمنه كان لهم حله، ولا يجوز ذلك مع عدم ما ذكرناه من الأسباب والضرورات (3). وقال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن الوقف متى حصل من الخراب بحيث لا يجدي نفعا جاز لمن هو وقف عليه بيعه والانتفاع بثمنه، وإن أرباب الوقف متى دعتهم ضرورة شديدة إلى ثمنه جاز لهم بيعه، ولا يجوز لهم ذلك مع فقد الضرورة (4). وقال الصدوق: إذا وقف على قوم دون عقبهم جاز البيع، وإن وقف عليهم وعلى أولادهم ما تناسلوا ومن بعد على فقراء المسلمين إلى أن يرث الله الأرض

(1) المبسوط: ج 3 ص 287.
(2) الخلاف: ج 3 ص 551 المسألة 22.
(3) المقنعة: ص 652.
(4) الانتصار: ص 226.

[ 287 ]

ومن عليها لم يجز بيعه أبدا (1). وقال ابن البراج: وإذا كان الشئ وقفا على قوم ومن بعدهم على غيرهم وكان الواقف قد اشترط رجوعه إلى غير ذلك إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها لم يجز بيعه على وجه من الوجوه، وإن كان وقفا على قوم مخصوصين وليس فيه شرط يقتضي رجوعه إلى غيرهم - حسب ما قدمناه - وحصل الخوف من هلاكه وافساده أو كان لأربابه حاجة ضرورية يكون بيعه أصلح لهم من بقائه عليهم أو يخاف من وقوع خلاف بينهم يؤدي إلى فساد فإنه يجوز حينئذ بيعه وصرف ثمنه في مصالحهم على حسب استحقاقهم، فإن لم يحصل شئ من ذلك لم يجز بيعه أيضا على وجه من الوجوه (2). وقال سلار: فإن تغير الحال في الوقف حتى لا ينتفع به على أي وجه كان أو يلحق الموقوف عليهم حاجة شديدة جاز بيعه وصرف ثمنه في ما هو أنفع لهم (3). وقال ابن حمزة: ولا يجور بيعه إلا بأحد شرطين: الخوف من خرابه، أو حاجة شديدة بالموقوف عليه، ولا يمكنه معها القيام به (4). وفصل أبو الصلاح (5) كما فضل ابن البراج (6)، وأطلق ابن الجنيد المنع. وقال ابن إدريس: لا يجوز البيع مطلقا (7)، سواء خرب أو لا، وسواء

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 241 ذيل الحديث 5575.
(2) المهذب: ج 2 ص 92.
(3) المراسم: ص 197. (4) الوسيلة: ص 370.
(5) الكافي في الفقه: ص 325.
(6) المهذب: ج 2 ص 92.
(7) السرائر: ج 3 ص 153.

[ 288 ]

خيف وقوع فتنة بين أربابه أو لا. والوجه إنه يجوز بيعه مع خرابه، وعدم التمكن من عمارته أو مع خوف فتنة بين أربابه يحصل باعتبارها فساد لا يمكن استدراكه مع بقائه. لنا: إن الغرض من الوقف استيفاء منافعه وقد تعذرت فيجوز إخراجه عن حده تحصيلا للغرض منه، والجمود على العين مع تعطيلها تضييع للغرض، كما لو عطب الهدي ذبح في الحال وإن اختص بموضع، فلما تعذر المحل ترك مراعاة الخاص لتعذره. ولما رواه علي بن مهزيار في الصحيح قال: كتبت إلى أبي جعفر - عليه السلام -: إن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس ويسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقوفة؟ فكتب - عليه السلام - إلي: أعلم فلانا إني آمره ببيع حقي من الضيعة وإيصال ثمن ذلك إلي، وإن ذلك رأيي إن شاء الله تعالى، أو يقومها على نفسه إن كان ذلك أوفق له. وكتبت إليه: إن الرجل كتب أن بين من وقف بقية هذه الضيعة عليهم اختلافا شديدا وإنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كل إنسان منهم ما كان وقف له من ذلك أمرته؟ فكتب بخطه إلي: وأعلمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل، فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس (1). احتج المانعون بما رواه علي بن راشد قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم فلما وفرت المال خبرت أن الأرض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف، لا تدخل الغلة في

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 130 ح 557، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 5 ج 13 ص 304.

[ 289 ]

مالك، إدفعها إلى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربا، فقال: تصدق بغلتها (1). ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطيلها كالمعتق. والجواب: لا دلالة في الرواية، ونحن نقول بموجبها، فإن المقتضي لتسويق البيع هو الخراب أو وقوع فتنة بين أربابه، والتقدير حصول غلة منها، وعدم المعرفة بأربابها، فانتفى المعنيان، فلهذا نهاه - عليه السلام - عن شرائها. والفرق بين العتق والوقف ظاهر، فإن العتق إخراج عن الملك بالكلية لله تعالى، والوقف تمليك للموقوف عليه لطلب النفع منه. أما أبو الصلاح فكأنه عول على ما رواه جعفر بن حنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أوقف غلة له على قرابته من أبيه وقرابته من أمه [ إلى أن قال: ] فللورثة أن يبيعوا الأرض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال: نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم باعوا (2). فإن مفهوم هذه الرواية عدم التأبيد. إذا ثبت هذا فالأقوى عندي أنه إن أمكن شراء شئ بالثمن يكون وقفا على أربابه كان أولى، فإن اتفق مثل الوقف كان أولى، وإلا جاز شراء مهما كان مما يصح وقفه، وإن لم يمكن صرف الثمن إلى البائعين يعملون به ما شاؤا. ولأن فيه جمعا بين التوصل إلى غرض الواقف في نفع الموقوف عليه على الدوام وبين النص على عدم تجويز مخالفة الواقف حيث شرط التأبيد، وإذا لم يمكن تأبيده بحسب الشخص وأمكن بحسب النوع وجب، لأنه موافق لغرض الواقف

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 130 ح 556، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات: ح 1 ج 13 ص 303.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 133 - 134 ح 565، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 8 ج 13 ص 306.

[ 290 ]

وداخل تحت الأول الذي وقع العقد عليه، ومراعاة الخصوصية بالكلية يقضي إلى فوات الغرض بأجمعه. ولأن قصر الثمن على البائعين يقتضي خروج باقي البطون عن الاستحقاق بغير وجه، مع إنهم يستحقون من الواقف، كما يستحق البطن الأول وتعذر وجودهم حالة الوقف. مسألة: لا يجوز تغيير شرط الواقف بعد لزومه. وقال المفيد: لا يجوز الرجوع في الوقف إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم والقربة إلى الله تعالى بصلتهم، أو يكون تغير الشرط في الوقف إلى غيره أرد عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله (1). لنا: أنه عقد لازم فلا يجوز تغييره عن شرطه وسبيله. احتج المفيد فيما تقدم من الروايات. والجواب: إنها محمولة على تعذر الانتفاع بالعين، إما للخراب أو لخوف الفتنة. مسألة: قال السيد المرتضى: مما انفردت به الامامية القول: بأن من وقف وقفا جاز أن يشترط أنه إن احتاج إليه في حال حياته كان له بيعه والانتفاع بثمنه (2). وقال المفيد: متى اشترط الواقف في الوقف أنه إن احتاج إليه في حياته لفقر كان له بيعه وصرف ثمنه في مصالحه (3). وللشيخ قولان: قال في النهاية: إذا شرط الواقف أنه متى احتاج إلى شئ منه كان له بيعه والتصرف فيه كان الشرط صحيحا، وكان له أن يفعل ما

(1) المقنعة: ص 652.
(2) الانتصار: ص 226.
(3) المقنعة: ص 652.

[ 291 ]

شرط، إلا أنه إذا مات والحال ما ذكرناه رجع ميراثا ولم يمض الوقف (1). وقال في المبسوط: إذا وقف وقفا وشرط فيه أن يبيعه أي وقت شاء كان الوقف باطلا، لأنه خلاف مقتضاه، لأن الوقف لا يباع (2). وقال سلار: فإن اشترط رجوعه فيه عند فقره كان له ذلك إذا افتقر (3). وابن البراج (4) وافق كلام الشيخ في النهاية، وابن حمزة (5) وافق كلامه في المبسوط، وكذا ابن إدريس (6). وقال ابن الجنيد: إذا اشترط الموقف أن له الرجوع فيما أوقف وبيعه لم يصح الوقف. والوجه عندي ما قاله الشيخ في النهاية. لنا: أصالة صحة العقد والشرط معا، ولقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (7) ولقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " (8). وما رواه محمد بن الحسن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد العسكري - عليه السلام - في الوقوف وما روي فيها، فوقع - عليه السلام -: الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله (9). وسأل إسماعيل بن الفضل الصادق - عليه السلام - عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه، من وجوه الخير وقال: إن احتجت إلى شئ

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 119.
(2) المبسوط: ج 3 ص 300.
(5) الوسيلة: ص 370.
(3) المراسم: ص 197.
(6) السرائر: ج 3 ص 156.
(4) المهذب: ج 2 ص 93.
(7) المائدة: 1.
(8) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30. (9) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 129 ح 555، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 295.

[ 292 ]

من المال فأنا أحق به، ترى ذلك له وقد جعله لله يكون له في حياته؟ فإذا هلك الرجل أيرجع ميراثا أو يمضي صدقه؟ قال: يرجع ميراثا على أهله (1). ولأن الوقف المشروط سائغ إجماعا، فإذا زال الشرط الذي علق عليه الوقف لم يكن ماضيا، فإذا كان العقد قابلا للشرط والموقوف عليه قابلا للنقل عنه إلى غيره فأي مانع من خصوصية هذا الشرط. ولأن الوقف تمليك المنافع فجاز شرط الخيار فيه كالاجارة. احتج المانعون بأنه شرط ينافي عقد الوقف فبطل الوقف، لتضمنه شرطا فاسدا. والجواب: المنع من منافاة الشرط العقد، وإنما يكون منافيا لو لم يكن الوقف قابلا لمثل هذا الشرط وهو المتنازع. واحتجاج ابن إدريس بالاجماع خطأ، فإنا قد ذكرنا أن ما صرنا إليه قول أكثر علمائنا، حتى أن السيد المرتضى ادعى الاجماع عليه. واحتج بأن كون الشئ وقفا تابع لاختيار الواقف وما يشترط فيه، فإذا شرط لنفسه ما ذكرناه كان كسائر ما يشرطه. واعترض على نفسه بأن هذا شرط يناقض كونه وقفا وحبسا، بخلاف غيره من الشروط. وأجاب: بأنه غير مناقض، لأنه متى لم يجز الرجوع فهو ماض على سبيله، ومتى مات قبل العود نفذ أيضا نفوذا ثابتا، وهذا حكم ما كان مستفادا قبل عقد الوقف فكيف يكون ذلك نقضا لحكمه وقد بينا أن الحكم باق؟ ولا يجوز قياس الوقف على العتق، لأن القياس باطل، وأيضا الفرق واقع فإن العتق لا يصح دخول شرط ما من الشروط فيه، والوقف يدخله الشرط - كقوله: هذا وقف على فلان فإن

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 146 ح 607، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 3 ج 13 ص 297.

[ 293 ]

مات فعلى فلان - وإذا صح دخول الشرط فيه صح دخول هذا الشرط. ثم اعترض فقال: فإن قيل: فقد خالف أبو علي بن الجنيد فيما ذكرتموه، وذكر أنه لا يجوز للواقف أن يشترط لنفسه بيعه له على وجه من الوجوه، وكذلك فيمن هو وقف عليه أنه لا يجوز له أن يبيعه. ثم أجاب: بأنه لا إعتبار بابن الجنيد، وقد تقدمه إجماع الطائفة وتأخر أيضا عنه، وإنما عول في ذلك على ظنون له وحسابات وأخبار شاذة لا يلتفت إلى مثلها (1). مسألة: القائلون بصحة هذا الشرط في الوقف من علمائنا اختلفوا، فقال الشيخ: إنه يبطل الوقف بعد موت الواقف (2)، ويكون حكمه حكم الحبس، للرواية التي ذكرناها في المسألة السابقة عن إسماعيل بن الفضل، عن الصادق - عليه السلام - (3). وكلام السيد المرتضى فيما نقلناه عنه في مباحثه في المسألة السابقة يعطي جواز هذا الشرط، وإنه يعمل بمقتضاه، فإن رجع الواقف بمقتضى شرطه بطل الوقف عملا بالشرط، وإن لم يرجع ومات كان على حاله، وهو الوجه عندي، عملا بمقتضى العقد، وتحمل الرواية على ما إذا رجع. مسألة: لو كان بيع الوقف أنفع من بقائه قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: يجوز تغيير الشرط في الوقف إلى غيره (4) عملا بالرواية (5). ومنعه ابن إدريس،

(1) الانتصار: 227، وفيه (حسبان) بدل (حسابات).
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 119.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 146 ح 607، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 3 ج 13 ص 297.
(4) المقنعة: ص 652.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 130 ح 557، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 6 ج 13 ص 305.

[ 294 ]

للأصل (1)، وعليه أكثر علمائنا، وهو المعتمد. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وقف وأقبض زال ملكه عنه على الصحيح وملكه الموقوف عليه على الصحيح (2)، واختاره ابن إدريس (3)، ونقل ابن إدريس إنه ينتقل إلى الله تعالى (4). وحكاه الشيخ في المبسوط عن قوم (5). وكلام أبي الصلاح يعطي أنه لا يزيل ملك الرقبة، لأنه قسم الصدقة إلى ما يقتضي تمليك الرقبة وإلى إباحة المنافع، وقسم الثاني إلى الوقف وغيره والوجه عندي الأول. لنا: إن الوقف سبب قطع تصرف الواقف في الرقبة والمنفعة فوجب أن يزول ملكه عنه كالعتق، وينتقل إلى الموقوف عليه، لأنه مال لثبوت أحكام المالية فيه، ولهذا يضمن بالقيمة، فكان ملكا كأم الولد. احتج الآخرون بأن الوقف إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتلك المنفعة فانتقل الملك إلى الله تعالى كالعتق. ولأنه ممنوع من بيعها، فلو ملكها لكان له سبيل إلى إخراجها عنه، لأن الناس مسلطون على أموالهم. والجواب: الفرق بين العتق والوقف ظاهر، فإن العتق إخراج عن المالية بالكلية، وازالة التسلط عن العبد بالنسبة إلى كل واحد. والمنع من البيع لا يقتضي الخروج عن الملك، كأم الولد.

(1) السرائر: ج 3 ص 153.
(2) المبسوط: ج 3 ص 287.
(3) السرائر: ج 3 ص 152. (4) السرائر: ج 3 ص 154.
(5) المبسوط: ج 3 ص 287.
(6) الكافي في الفقه: ص 324.

[ 295 ]

تذنيب: إن قلنا: إن الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه ثبت بشاهد ويمين، لأن المقصود منه المال، وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى لم يثبت بالشاهد واليمين كالعبد لو ادعى العتق. ويحتمل عندي ثبوته بالشاهد واليمين وإن لم ينتقل إليه، لأنه يحلف لتحصيل غلته ومنفعته، فلما كان المقصود من الوقف المنفعة، وهي مال يثبت بالشاهد واليمين بخلاف حرية العبد، لأن المقصود منها تكميل الأحكام. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا تلفظ بالوقف فقال: وقفت أو حبست أو تصدقت أو سبلت وقبض الموقوف عليه أو من يتولى عنه لزم الوقف (1)، وهو يعطي صحة الوقف بأي واحد من هذه الالفاظ. وقال فيه أيضا: ألفاظ الوقف التي يحكم بصريحها قوله: وقفت وحبست وسبلت، وما عداها يعلم بدليل أو بإقراره أنه أراد به الوقف، وذلك كقوله: تصدقت وحرمت وأبدت (2). وكذا قال ابن زهرة (3)، وهو اختيار قطب الدين الكيدري (4). وقال في المبسوط: الذي يقوى في نفسي أن صريح الوقف قول واحد وهو: وقفت لا غير، وبه يحكم بالوقف، فأما غيره من الالفاظ فلا يحكم به إلا بدليل (5). وقال ابن إدريس: الصريح من الالفاظ: وقفت وحبست وسبلت، ثم قال: ومن أصحابنا من اختار القول: بأنه لا صريح في الوقف إلا قوله:

(1) الخلاف: ج 3 ص 537 المسألة 1.
(2) الخلاف: ج 3 ص 542 المسألة 8.
(3) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 540 س 34.
(4) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 12 ص 201.
(5) المبسوط: ج 3 ص 292.

[ 296 ]

وقفت دون حبست وسبلت، وهو الذي يقوى في نفسي، لأن الاجماع منعقد على أن ذلك صريح في الوقف، وليس كذلك ما عداه (1). والوجه ما قاله الشيخ في المبسوط. لنا: أصالة بقاء الملك على صاحبه، وعدم خروجه عنه إلا بوجه شرعي، ولا عرف شرعي هنا سوى صريح الوقف، لاشتراك البواقي بينه وبين غيره، والموضوع، للقدر المشترك لا دلالة على شئ من الخصوصيات بشئ من الدلالات. نعم إذا انضمت القرائن صار كالصريح في صحة الوقف به، إذ القصد المعاني دون الالفاظ الدالة عليها. وقد نص على ذلك أهل البيت - عليهم السلام - قال الصادق - عليه السلام -: تصدق أمير المؤمنين - عليه السلام - بدار له بالمدينة في بني زريق فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث السماوات والأرض، وأسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن وعاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين (2). احتج الشيخ بأن حبست وسبلت ثبت لهما عرف الاستعمال بين الناس، وانضم إلى ذلك عرف الشرع بقول النبي - صلى الله عليه وآله -: إن شئت حبست أصلها (3) وسبلت ثمرتها (4). والجواب: أنه لا دلالة فيه على المطلوب.

(1) السرائر: ج 3 ص 155.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 131 ح 560، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 304.
(3) في النسخ (أصله)، والصحيح ما أثبتناه.
(4) المبسوط: ج 3 ص 291.

[ 297 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: ليس للواقف الأكل من غلة الوقف ولا السكنى، فإن تملك الغلة وأكل كان ذلك رجوعا فيها إذا لم يخرجها من يده، وإن كان قد أخرجها من يده أو كانت في واجب عليه حكم بثمن ما أكله منها وأجرة ما سكنه، وإن كان ما تصدق به غير مخصوص به أحدا بل عام، كالمسجد يخرجه جاز له أن يصلي فيه وأن يأكل عند الحاجة إليه منه، وكره له الأكل منها مع الغنى. وقال الشيخ في المبسوط: إذا وقف عاما مثل أن يوقفه على المسلمين جاز له الانتفاع به بلا خلاف، لأنه يعود إلى أصل الإباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء (1). وقال ابن إدريس: إذا وقف شيئا على المسلمين عامة فإنه يجوز له الانتفاع به عند بعض أصحابنا. قال: لأنه يعود إلى أصل الإباحة، فيكون هو وغيره فيه سواء، هذا إذا كان الوقف عاما كان حكمه كحكم غيره من الناس الفقراء والمساكين، فإن كان ما وقفه دارا أو منزلا وكان وقفه لذلك عاما في سائر الناس - مثل الدور التي ينزلها الحاج والخانات - جاز له النزول فيها، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك على حال. قال: والذي يقوى عندي أن الواقف لا يجوز له الانتفاع بما وقفه على حال، لما بيناه وأجمعنا عليه من أنه لا يصح وقفه على نفسه، وإنه بالوقف خرج عن ملكه، فلا يجوز عوده إليه بحال (2). والوجه عندي أن الوقف إن انتقل إلى الله تعالى - كالمساجد - فإن للواقف الانتفاع به كغيره، من الصلاة فيه وغيرها من منافع المسجد، وإن انتقل إلى الخلق لم يدخل، سواء كان مندرجا فيهم وقت الوقف - كما لو وقف على

(1) المبسوط: ج 3 ص 299.
(2) السرائر: ج 3 ص 155.

[ 298 ]

المسلمين أو على الفقهاء وهو منهم - أو لم يكن، كما لو لم يكن فقيها وقت الوقف ثم صار منهم. لنا: إنه مع الانتقال إلى الله تعالى يكون كغيره، لتساوي النسبة مع جميع الخلق، ولا معنى لاخراجه عنه مع ثبوت المقتضي، وهو الإباحة السالمة عن معارضة وقفه على نفسه، ومع الانتقال إلى من يندرج فيهم لو دخل لكان لدخوله تحت اللفظ العام، فيكون قد وقف على نفسه وعلى غيره فيبطل في حق نفسه، فإن العام يتساوى نسبة أفراده إليه، فلو كان مرادا منه لكان الوقف على نفسه وغيره، وإن لم يكن مرادا لم يدخل في الوقف. احتج الاخرون بأنه وقف صحيح، فيتناول لكل من يدخل اللفظ عملا بإطلاقه، وهو كغيره. والفرق ظاهر بين الوقف عليه بالنصوصية والاندراج تحت العموم، ومع الفرق لا يتم القياس. والجواب: المنع من كونه كغيره، فإن الفرق واقع، إذ يصح الوقف على غيره دونه، ولا فرق بين التنصيص والاندراج في الارادة من اللفظ، والمطلق ممنوع منه فتتساوى جزيئاته في المنع. مسألة: سوغ الشيخان (1) الوقف على الكفار من المسلم إذا كانوا أقارب لا أجانب، سواء كانوا أبوين أو غيرهما من ذوي الأرحام، وكذا أبو الصلاح (2)، وابن حمزة (3). وقال سلار: وقف المؤمن على الكافر باطل، وقد روي أنه إن كان الكافر أحد أبوي الواقف أو من ذوي رحمه كان جائزا، والأول أثبت (4). وكذا قال

(1) المقنعة: ص 653، المبسوط: ج 3 ص 294.
(2) الكافي في الفقه: ص 326.
(3) الوسيلة: ص 370.
(4) المراسم: ص 198.

[ 299 ]

ابن البراج (1). وقال ابن إدريس: يصح وقف المسلم على والديه الكافرين دون غيرهما من الاهل والقرابات وغيرهم، لقوله تعالى: " وصاحبهما في الدنيا معروفا " أما غيرهما فلا يجوز وإن كان قريبا، لأن شرط الوقف القربة، ولا يصح التقرب إلى الله تعالى بالوقف على الكافر. ونسب كلام الشيخ في النهاية من صحة الوقف على الأقارب بأنه خبر واحد أورده الشيخ بلفظه إيرادا لا اعتقادا، كما أورده غيره وإن كان غير عامل بها ولا معتقد لصحتها. ثم قال: والأولى عندي إن جميع ذوي أرحامه الكفار يجرون مجرى أبويه الكافرين في جواز الوقف عليهم، لحظه - عليه السلام - بصلة الأرحام. قال: وكذا أفتي، ثم أمر بلحظه وتأمله (2). ثم نقل بعد ذلك بكلام طويل عن الشيخ في الخلاف: إنه يجوز الوقف على أهل الذمة إذا كانوا أقاربه. قال: وقد قلنا ما عندنا في مثل هذه المسألة أنه لا يجوز الوقف على الكفرة، إلا أن يكون الكافر أحد الوالدين، لأن من صحة الوقف وشرطه نية القربة فيه (3). وهذا يدل على اضطرابه في هذه المسألة، فإنه تارة منع من الوقف على ذوي الأرحام، وتارة سوغه وأخرى منعه. احتج المانعون بقوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم) (4) والوقف عليهم نوع مودة.

(1) المهذب: ج 2 ص 92.
(2) السرائر: ج 3 ص 160.
(3) السرائر: ج 3 ص 166 - 167.
(4) المجادلة: 22.

[ 300 ]

والجواب: المنع. مسألة: عد ابن إدريس من شرائط صحة الوقف أن لا يدخله شرط خيار الواقف في الرجوع فيه، ولا أن يتولاه هو بنفسه (1). والشرط الأول قد مضى البحث فيه وبينا الحق عندنا. وأما الثاني: ففيه اختلال، فإنه لا خلاف في أن الواقف يجوز له أن يشترط في وقفه النظر لنفسه في الوقف، وأن يتولاه بنفسه من الاستغناء، واخراج النماء إلى أربابه على حسب ما يشترطه في الوقف، عملا بالأصل، وبقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " (2). مسألة: عد ابن حمزة في صحة الوقف تسليم الوقف من الموقوف عليه أو من وليه، إلا إذا جعل ولاية الوقف لنفسه مدة حياته (3). وهذا القول يشعر بأنه إذا شرط الولاية لنفسه لم يكن القبض شرطا، وهو ممنوع، لأن القبض شرط، لما رواه عبيد بن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في رجل تصدق على ولد له قد أدركوا، فقال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث (4). وعدم الشرط يستلزم عدم المشروط. احتج بأنه شرط سائغ إجماعا، ولقوله - عليه السلام -: " المؤمنون عند شروطهم " وهو يقتضي عدم اشتراط القبض، وإلا لم تصدق الولاية العامة. والجواب: المنع من الاقتضاء.

(1) السرائر: ج 3 ص 156.
(2) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 371 ح 1503، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المهور ح 4 ج 15 ص 30.
(3) الوسيلة: ص 369.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 145 ح 605، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 5 ج 13 ص 299.

[ 301 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وقف على ولده الموجودين وكانوا صغارا ثم رزق بعد ذلك أولادا جاز أن يدخلهم معهم فيه، ولا يجوز أن ينقله عنهم بالكلية إليهم (1). وأطلق باقي الأصحاب المنع من تغيير الوقف وشرائطه بعد لزومه. وقال ابن البراج: الوقف يجب أن يجري على ما وقفه لمواقف ويشترط فيه، وإذا وقف على ولد موجود وهو صغير ثم ولد له بعده غيره وأراد أن يدخله في الوقف مع الأول كان جائزا، إلا أن يكون قد خص الولد الموجود بذلك وقصره عليه وشرط أنه له دون غيره ممن عسى أن يرزقه من الأولاد فإنه لا يجوز له أن يدخل غيره في ذلك (2). والحق إطلاق الأصحاب، والمنع من إدخال من يولد، إلا مع اشتراط ذلك في متن العقد. لنا: قول العسكري - عليه السلام -: (الوقوف بحسب ما يوقفها [ أهلها ]) (3) ولأنه عقد وقع لازما فلا يجوز تغييره، وإلا لم يكن لازما. وما رواه جميل بن دراج قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل تصدق على ولده بصدقة وهم صغار أله أن يرجع فيها؟ قال: لا الصدقة لله عزوجل (4). احتج الشيخ بما رواه عبد الله بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - في

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 120.
(2) المهذب: ج 2 ص 88 - 89.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 129 ح 555، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 295. (4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 135 ح 570، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 3 ج 13 ص 301.

[ 302 ]

الرجل يجعل لولده شيئا وهم صغار ثم يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده، قال: لا بأس (1). وعن محمد بن سهل، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا - عليه السلام - عن الرجل تصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثم يبدو له بعد ذلك أيدخل معه غيره من ولده؟ قال: لا بأس به (2). والجواب: لا دلالة في الحديثين، فإن الجعل قد يكون بغير سبب موجب، والصدقة قد لا تكون وقفا، فجاز أن ينقل ببعضها ثم ينقله إلى أولاده. وقول ابن البراج لا وجه له، فإن وقفه عليه يقتضي تخصيصه به وإن لم ينص عليه ولا شرط عدم إدخال غيره فيه. مسألة: من شرط الوقف التأبيد، فلو وقف على من ينقرض غالبا كأولاده وأولاد أولاده ولم يجعله منتهيا إلى الفقراء والمساكين أو المساجد أو المشاهد أو غيرهما مما لا ينقرض قال الشيخان (3)، وابن الجنيد: يصح الوقف، وبه قال سلار (4)، وابن البراج (5)، وابن إدريس (6). وقال ابن حمزة: فإن علق على وجه يصح انقراضه كان عمرى أو رقبى أو سكنى أو حبيسا بلفظ الوقف (7).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 135 ح 572، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 3 ج 13 ص 301 وفيهما: عن عبد الرحمن بن الحجاج.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 136 ح 574، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 2 ج 13 ص 301.
(3) المقنعة: ص 665، الخلاف: ج 3 ص 543 المسألة 9.
(4) المراسم: ص 198.
(5) المهذب: ج 2 ص 91.
(6) السرائر: ج 3 ص 165.
(7) الوسيلة: ص 370.

[ 303 ]

وقال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): إذا وقف على من يصح انقراضه في العادة - مثل أن يقف على ولده وولد ولده وسكت - فمن أصحابنا من قال: لا يصح الوقف، ومنهم من قال: يصح. والوجه عندي الصحة. لنا: إنه نوع تمليك وصدقة، فيتبع اختيار المالك في التخصيص وغيره، كغير صورة النزاع، وللأصل. ولأن تمليك الأخير ليس شرطا في تمليك الأول، وإلا لزم تقدم المعلول على العلة. وما رواه أبو بصير قال: قال أبو جعفر - عليه السلام -: ألا أحدثك بوصية فاطمة - عليها السلام -؟ قلت: بلى، فأخرج حقا أو سفطا فأخرج منه كتابا فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد أوصت بحوائطها السبعة العواف والدلال والبرقة والميثب والحسنى والصافية ومال أم إبراهيم إلى علي بن أبي طالب - عليه السلام -، فإن مضى علي فإلى الحسن، فإن مضى الحسن فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي، شهد الله على ذلك والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام، وكتب علي بن أبي طالب - عليه السلام - (3). ويمكن أن يعترض على الحديث بأنها - عليها السلام - علمت عدم انقراض أولادها من النص على الأئمة - عليهم السلام - وإن الدنيا تنقرض مع انقراضهم، ومن قوله - عليه السلام -: " حبلان متصلان لن يفترقا حتى يردا علي الحوض

(1) المبسوط: ج 3 ص 292.
(2) الخلاف: ج 3 ص 543 المسألة 9.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 144 ح 603، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 311.

[ 304 ]

كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (1). احتج المانعون بأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإن كان منقطعا صار وقفا على مجهول فلم يصح، كما لو وقفه على مجهول في الابتداء. والجواب: المنع من الصغرى، والفرق بينه وبين مجهول الابتداء ظاهر، فإن المصرف غير معلوم هناك، وأما هنا فإن المصرف معلوم. مسألة: اختلف الشيخان في الوقف إذا انقرض الموقوف عليهم. فقال الفيد - رحمه الله -: يرجع إلى ورثة الموقوف عليهم (2)، واختاره ابن إدريس (3). وقال الشيخ: يرجع إلى ورثة الواقف (4)، واختاره سلار (5)، وابن البراج (6)، وهو لازم من كلام ابن حمزة حيث جعله عمرى أو سكنى (7). وقال ابن زهرة: يرجع إلى وجوه البر، وقد روي أنه يرجع إلى ورثة الواقف، والأول أحوط (8). وقال ابن الجنيد: وإن لم يكن شرط رجوع الوقف إلى الفقراء أو أبواب الخير الذي لا يبيد أهلها رجع الوقف إلى الأقرب فالأقرب من الموقوف أو كان جعله حبسا محرما أصله لا يملك، وإن لم يكن جعله كذلك رجع ميراثه إلى من يرجع إليه بعد انقراض من سبلت ثمرته عليه كالسكنى وكالطعمة.

(1) مجمع البيان: ج 2 ص 482.
(2) المقنعة: ص 655.
(3) السرائر: ج 3 ص 165. (4) الخلاف: ج 3 ص 543 المسألة 9.
(5) المراسم: ص 198.
(6) المهذب: ج 2 ص 91.
(7) الوسيلة: ص 370.
(8) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 541 س 20.

[ 305 ]

والوجه رجوعه إلى الواقف إن كان باقيا، أو إلى ورثته. لنا: إنه في الحقيقة حبس، لانقراض أربابه، فلا يكون مؤبدا فيرجع إلى ورثة الواقف، لعدم خروجه عنه بالكلية. ولأنه إنما وقف على قوم بأعيانهم، فلا يجوز التخطي إلى غيرهم، لقول العسكري - عليه السلام -: " الوقوف بحسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله " (1). ولأن جعفر بن حنان سأل الصادق - عليه السلام - عن رجل وقف غلة له على قرابته وأوصى لرجل ليس بينه وبينه قرابة بثلاثمائة درهم كل سنة - ثم ساق الحديث - فإن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته - إلى أن قال: - فإذا انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت (2). والظاهر أن الوصية بالوقف أيضا كذلك، وإلا لم يكن لورثة الموصي شئ. احتج المفيد - رحمه الله - بأن الوقف ناقل عن الواقف، فلا يعود إليه إلا بسبب ولم يوجد. ولأنه صدقة فلا يرجع إليه. ولأن الموقوف عليه يملك الوقف على ما تقدم فيورث عنه كغيره، بخلاف البطن الأول فإنه لا يورث عنه وإن كان مالكا، لعدم تمامية الملك في حقه، إذ الوقف إنما يجري على حسب شرط الواقف. والجواب: المنع من كون الوقف مطلقا ناقلا بل المؤبد، وأما ما هو في حكم الحبس فلا، ونمنع كونها صدقة مؤبدة، بل يجري مجرى صدقة العمرى والحبس، ونمنع كون الموقوف عليه مالكا إلا مع التأبيد. ولا بأس بقول ابن

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 129 ح 555، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 1 ج 13 ص 295.
(2) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 133 ح 565، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 8 ج 13 ص 306.

[ 306 ]

زهرة، لانتقال الوقف عن الواقف وزوال ملكه عنه. مسألة: إذا قال: وقفت على أولادي ولم يقل لصلبي ثم على الفقراء قال الشيخ في المبسوط (1)، وابن الجنيد: يختص بالبطن الأول الذين هم لصلبه دون أولاد أولاده، وكذا لو قال: على أولادي وأولاد أولادي اختص بالبطنين الاوليين دون البطن الثالث. وقال المفيد: إذا وقف على ولده ولم يخص بعضا من بعض بالذكر والتعيين كان لولده الذكور والإناث وولد ولدهم (2). فجعل الوقف على الولد وقفا على الولد وولد الولد وإن نزل، وهو قول ابن البراج (3)، وأبي الصلاح (4)، وابن إدريس (5). والوجه عندي التفصيل، وهو أن نقول: إما أن يكون هناك قرينة تدل على اختصاص البطن الأول، كقوله: وقفت على ولدي لصلبي أو الذين يلوني ونحوه، فإنه يختص بالبطن الأول. وإما أن يوجد قرينة تدل على التشريك - كما لو قال: وقفت على ولد فلان وهم قبيلة ليس منهم ولد صلبه، أو قال: على أولادي ولا ولد له من صلبه - أو قال: ويفضل الولد الأكبر أو الأعلم على غيرهم، أو قال: فإذا خلت الأرض من عقبي عاد إلى المساكين، أو قال: على ولدي غير ولد البنات أو غير ولد فلان، أو قال: يفضل البطن الأعلى على الثاني، أو قال: الأعلى فالأعلى، وأشباه ذلك، فإنه يقتضي صرف ذلك اللفظ إلى جميع نسله وعقبه ما تعاقبوا وتناسلوا، وإن تجرد عن القرائن كلها حمل

(1) المبسوط: ج 3 ص 296.
(2) المقنعة: ص 653.
(3) المهذب: ج 2 ص 89.
(4) الكافي في الفقه: ص 326.
(5) السرائر: ج 3 ص 159.

[ 307 ]

على البطن الأول كما قال الشيخ (1). لنا: إنه مع اقترانه بالقرائن يحمل على ما دلت عليه، كغيره من الالفاظ إذا اقترنت بما يخرجها عن حقائقها إلى مجازاتها، ومع تجرده عن القرينة يحمل على ما يدل عليه حقيقة، ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز بغير دليل، ولا شك في أن الولد حقيقة في ولد الصلب المتكون من النطفة المتولد منها ومجاز في ولد الولد، ولهذا يصح سلبه، فيقال: إنه ليس بولدي بل ولد ولدي، وصحة النفي من علامات المجاز. احتج المفيد بأن اسم الولد شامل للولد من الصلب ولولد الولد، لأنه تعالى قال: " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " (2) ودخل فيه ولد البنين وإن سفلوا، وقال تعالى: " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد " (3) فيتناول ولد الولد، وقوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم " (4) وهو شامل للبنت وبنت البنت، وكذا كل موضع ذكر الله تعالى الولد دخل فيه ولد البنين، فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة ينبغي أن يحمل على المطلق من كلام الله تعالى، ويفسر بما يفسر به، وقد خاطب الله تعالى بقوله: " يا بني آدم " (5) و " يا بني إسرائيل " (6) وقال - عليه السلام -: " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا "، وقال: " يخرج بنو النضر بن كنانة " (7) وقال - عليه السلام - عن الحسن والحسين - عليهما السلام -:

(1) المبسوط: ج 3 ص 297. (2 و 3) النساء: 11.
(4) لا النساء: 23.
(5) الاعراف: 31.
(6) البقرة: 40.
(7) سنن البيهقي: ج 10 ص 17، وليس فيه: " وقال: يخرج بنو النضر بن كنانة ".

[ 308 ]

" هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا " (1) وقال - عليه السلام -: " لا تزرموا ابني " (2) أي: لا تقطعوا عليه بوله، وقد كان بال في حجره فهموا بأخذه. والجواب: إن ادعيتم شمول اسم الولد لولد الصلب وولده على سبيل الحقيقة فهو ممنوع، وإلا لزم الاشتراك، وإن ادعيتم مطلق الشمول فهو مسلم، لكن الالفاظ تحمل على حقائقها عند التجرد من القرائن، ولو خلينا والظاهر لم يحكم في شئ مما تقدم بدخول ولد الولد، لكن الأدلة قامت على التشريك في تلك الأحكام، وقوله تعالى: " يا بني آدم " " يا بني إسرائيل " مع عدم الولد للصلب مصروف إلى ولد الولد للقرينة كما تقدم، وكذا الأخبار. مسألة: إذا وقف على أولاده ولم يفضل بعضا على بعض يتساوى الذكور والإناث فيه عند أكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد: يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذا لو قال: لورثتي. لنا: الأصل يقتضي التسوية، فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل، كما لو أقر لهم أو أوصى لهم. احتج ابن الجنيد بالحمل على الميراث. والجواب: القياس عندنا باطل مع ثبوت الجامع فكيف مع عدمه وثبوت الفارق؟ مع أنه قال:. لو جعل الرجل وقفه على ولد أمير المؤمنين - عليه السلام - أو جعلها للقربى منه لا يتوارثون كانت لجميعهم على الرؤوس، لا يفضل فيها ذكر على أنثى. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وقف المسلم شيئا على المسلمين كان ذلك لجميع من أقر بالشهادتين وأركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم

(1) علل الشرائع: ص 211 ح 2.
(2) النهاية لابن الأثير: ج 2 ص 301.

[ 309 ]

والحج وإن اختلفوا في الاراء والديانات (1). وكذا قال ابن البراج (2). وقال المفيد: فإن وقفه على المسلمين كان على جميع من أقر بالله تعالى وبنبيه محمد - صلى الله عليه وآله - وصلى إلى الكعبة الصلوات الخمس واعتقد صيام شهر رمضان وزكاة الأموال ودان بالحج إلى البيت الحرام وإن اختلفوا في المذاهب والآراء (3)، وهو موافق لكلام الشيخ (4)، إلا أن كلامه يعطي أن فعل الصلاة جزء من الاسلام. وقال سلار: يكون لمن صلى إلى القبلة (5). وقال ابن حمزة: وإن عينهم بالاسلام كان لمن أقر بالشهادتين، ولمن هو في حكمه من أطفالهم ومجانينهم (6). وقال أبو الصلاح: لا يحل لمسلم محق أن يتصدق على مخالف للاسلام أو معاند للحق، إلا أن يكون ذا رحم. ثم قال: ويجوز لأهل النحلة الفاسدة من اليهود والنصارى والمجبرة والمشبهة وغيرهم أن يتصدق بعضهم على بعض (7). وقال ابن إدريس: إذا وقف المسلم المحق شيئا على المسلمين كان ذلك للمحقين من المسلمين. واستدل بأن فحوى الخطاب وشاهد الحال يدل عليه، كما لو وقف الكافر وقفا على الفقراء كان ذلك ماضيا في فقراء أهل نحلته خاصة بشهادة دلالة الحال عليه. قال: وما ذكره الشيخ خبر واحد أورده إيرادا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 121.
(2) المهذب: ج 2 ص 89.
(3) المقنعة: ص 654.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 121.
(5) المراسم: ص 198.
(6) الوسيلة: ص 371.
(7) الكافي في الفقه: ص 326.

[ 310 ]

لا اعتقادا، لأنا واياه نراعي في صحة الوقف تقرب به إلى الله تعالى، وبض هؤلاء لا يتقرب الانسان المحق بوقفه عليه (1). والوجه عندي ما قاله ابن حمزة. لنا: الاجماع على جواز الصدقة عليهم وتجويز الوقف عليهم بالخصوصية ولا عبرة، بخلاف من شذ، ولا فرق بين طوائف الاسلام، إلا من ارتكب ما يعلم بطلانه من دين النبي - عليه السلام - كالغلاة والمجبرة، ولو لم يصح التقرب بصلتهم لم يصح ذلك. ونسبة ابن إدريس كلام الشيخ إلى أنه " خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا " قلة تأمل منه، وسوء نظر، وعدم تفطن. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وقف على المؤمنين كان ذلك لمجتنبي الكبائر من أهل المعرفة بالامامة دون غيرهم، ولا يكون للفساق منهم معهم شئ على حال (2). وكذا قال المفيد - رحمه الله - (3) وابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال سلار: يكون للامامية.
(6). وقال ابن إدريس: لا يختص ذلك بالعدل، بل هو عام لجميع المؤمنين العدل منهم والفاسق (7). وهو كقول سلار، لأن الفسق لا يخرج المؤمن عن إيمانه.

(1) السرائر: ج 3 ص 160 - 161.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 121 - 122.
(3) المقنعة: ص 654.
(4) المهذب: ج 2 ص 89.
(5) الوسيلة: ص 371.
(6) المراسم: ص 198.
(7) السرائر: ج 3 ص 161.

[ 311 ]

وقد رجع شيخنا في تبيانه عما قاله في نهايته في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فقال: هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح وغيرها، لأن الايمان لا ينفي الفسق عندنا، وعند المعتزلة أنه خطاب لمجتنبي الكبائر (1). والتحقيق: إن الايمان إن جعلناه مركبا من الاعتقاد القلبي والعمل بالجوارح لم يكن الفاسق مؤمنا، وإن جعلناه عبارة عن الأول كان مؤمنا، وهو الحق عندي. مسألة: قال الشيخان: لو وقفه على الشيعة ولم يميز كان ذلك ماضيا في الامامية والجارودية من الزيدية دون البترية (2). وكذا قال سلار (3)، وابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال ابن إدريس: إذا كان الواقف من إحدى فرق الشيعة - كالجارودية والكيسانية والناووسية والفطحية والواقفية والاثني عشرية - حمل كلامه العام على شاهد حاله وفحوى قوله وخصص به، وصرف في أهل نحلته دون من عداهم من سائر المنطوق به، عملا بشاهد الحال (6). والوجه الأول، عملا بعموم اللفظ. مسألة: قال المفيد: إذا وقفه على الزيدية كان على القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين - عليهما السلام - وإمامة كل من خرج بالسيف بعده من ولد

(1) التبيان: ج 2 ص 81. (2) المقنعة: ص 654، النهاية ونكتها: ج 3 ص 122 - 123.
(3) المراسم: ص 198.
(4) المهذب: ج 2 ص 89.
(5) الوسيلة: ص 371.
(6) السرائر: ج 3 ص 162، وليس فيه: " عملا بشاهد الحال ".

[ 312 ]

فاطمة - عليها السلام - من ذوي الرأي والعلم والصلاح (1). وكذا قال الشيخ (2)، وابن البراج (3). وقال ابن إدريس: هذا الإطلاق ليس بجيد، بل إذا كان الواقف زيديا، فإن كان الواقف إماميا لم يصح الوقف بنا على ما سبق (4). مسألة: إذا وقف على عترته قال ابن إدريس: كان للأخص به من قومه وعشيرته، استدلالا بقول تغلب وابن الأعرابي (5). وقال ابن زهرة (6)، وقطب الدين الكيدري (7): إنه يكون لذريته. واستدل ابن زهرة بقول تغلب وابن الأعرابي، والمصير في ذلك إلى النقل عن أهل اللغة (8). مسألة: قال الشيخان: إذا وقف على عشيرته كان على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس إليه من نسبه (9). وكذا قال سلار (10)، وابن البراج 11، وابن إدريس (12). وقال أبو الصلاح: إذا تصدق على عشيرته أو قومه عمل بالمعلوم من

(1) المقنعة: ص 655.
(2) النهاية نكتها: ج 3 ص 124.
(3) المهذب: ج 2 ص 90.
(4) السرائر: ج 3 ص 162 - 163.
(5) السرائر: ج 3 ص 158.
(6) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 541 س 17.
(7) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 12 ص 202.
(8) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 541 س 17.
(9) المقنعة: ص 655، والنهاية ونكتها: ج 3 ص 126. (10) المراسم: ص 198.
(11) المهذب: ج 2 ص 91.
(12) السرائر: ج 3 ص 164.

[ 313 ]

قصده، فإن لم يعرف مقصوده عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق (1). وقال قطب الدين الكيدري: إذا وقف على عشيرته أو قومه ولم يعينهم بصفة عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق. قال: وروي أنه إذا وقف على عشيرته كان ذلك على الخاص من قومه الذين هم أقرب الناس في نسبه، مع أنه قال عقيب ذلك: إذا وقف على قومه كان ذلك على جميع أهل لغته من الذكور دون الإناث (2). مسألة: إذا وقفه على قومه قال الشيخان: يكون على جماعة أهل لغته من الذكور دون الإناث (3). وتبعهما ابن البراج (4)، وابن حمزة (5). وقال أبو الصلاح: يعمل بالمعلوم من قصده، فإن لم يعرف مقصوده عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق (6). وقال سلار: يكون لجماعة أهل لغته (7). ولم يخص الذكور بالذكر. وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب، ويشهد بصحته الأدلة القاهرة أنه يكون مصروفا إلى الرجال من قبيلته ممن ينطلق العرف أنه من أهله وعشيرته دون من سواهم هذا الذي تشهد به اللغة وعرف العادة وفحوى الخطاب. قال الشاعر: قومي هم قتلوا أميم أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي

(1) الكافي في الفقه: ص 327.
(2) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 2 ص 202.
(3) المقنعة: ص 655، والنهاية ونكتها: ج 3 ص 125 - 126.
(4) المهذب: ج 2 ص 91.
(5) الوسيلة: ص 371.
(6) الكافي في الفقه: ص 327.
(7) المراسم: ص 198.

[ 314 ]

قال: وإنما قلنا: إنه يختص بالذكور، لقوله تعالى: " لا يسخر قوم من قوم... ولا نساء من نساء ". وقال زهير: وما أدري وسوف أخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء قال: وأما الرواية التي وردت " بأن ذلك على جميع أهل لغته " فهي خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا من غير دليل يعضدها من إجماع أو كتاب أو سنة أو دليل أصل، فإذا عدم جميع ذلك وورد خطاب مطلق حمل على العرف، والعرف ما اخترناه (1). والجواب: المنع في ذلك، فإن الشيخين أعرف باللغة ومقاصد العرب، والمرجع في ذلك إليهم. مسألة: إذا وقف على جيرانه قال الشيخان: يكون لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا من جميع الجهات (2). وكذا قال أبو الصلاح (3)، وسلار (4)، وابن البراج (5)، وابن إدريس (6)، وابن زهرة (7)، وابن حمزة (8)، والقطب الكيدري (9). وقيل: ينصرف إلى من يطلق عليه اسم الجار عرفا (10).

(1) السرائر: ج 3 ص 164.
(2) المقنعة: ص 653، والنهاية ونكتها: ج 3 ص 125.
(3) الكافي في الفقه: ص 326.
(4) المراسم: ص 198.
(5) المهذب: ج 2 ص 91.
(6) السرائر: ج 3 ص 163.
(7) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 541 س 19.
(8) الوسيلة: ص 371.
(9) اصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهية): ج 2 ص 202.
(10) شرائع الاسلام: ج 2 ص 215.

[ 315 ]

وقيل: إلى أربعين دارا (1). والمعتمد العرف، لأن الشرع يحمل عليه في غير الحقيقة الشرعية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وقف الانسان مسكنا جاز له أن يقعد فيه مع من وقفه عليهم، وليس له أن يسكن غيره فيه (2). وقال ابن الجنيد: فإن لم يشترط لنفسه الأكل والسكنى مما يتصدق به لم يكن له أن يأكل من الغلة ولا أن يسكن. وقال ابن إدريس: إن كان الوقف عاما على جميع المسلمين جاز ذلك على قول بعض أصحابنا، وإن كان خاصا على قوم بأعيانهم لم يجز للواقف أن يسكن فيه مع من وقفه عليه (3)، وهو المعتمد. لنا: أن الواقف أخرج الملك عن نفسه بالوقف، فلا يجوز له الانتفاع به كغيره. احتج الشيخ بما رواه أبو الجارود، عن الباقر - عليه السلام - وإن تصدق بمسكن على ذي قرابته فإن شاء سكن معهم (4). والجواب: الطعن في السند، وتأويل الرواية بالصدقة بالاسكان المطلق أو بعدم التأبيد، والمعارضة بما رواه طلحة بن زيد، عن الصادق - عليه السلام - عن الباقر - عليه السلام - أن رجلا تصدق بدار له وهو ساكن فيها، فقال: الحين أخرج منها (5).

(1) شرائع الاسلام: ج 2 ص 215.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 129.
(3) السرائر: ج 3 ص 166.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 134 ح 567، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 2 ج 13 ص 296.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 138 ح 582، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ح 4 ج 13 ص 297.

[ 316 ]

قال الشيخ عقيب هذه الرواية: أنه محمول على الاستحباب، لأنا قد بينا في رواية أبي الجارود جواز أن يسكن الانسان دارا أوقفها مع من وقفها عليه، وأن ذلك ليس بمحظور (1). وهذا القول ممنوع. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا انقلعت نخلة من بستان وقف أو انكسرت جاز بيعها، لأنه لا يمكن الانتفاع بهذه النخلة إلا على هذا الوجه (2). وقال ابن إدريس: يمكن الانتفاع بهذه النخلة من غير بيعها، وهو أن يعمل جسرا أو زورقا إلى غير ذلك من المنافع مع بقاء عينها، والوقف لا يجوز بيعه (3). وهذه المنازعة تجري مجرى النزاع اللفظي، لأن الشيخ فرض سلب منافعها على ما ذكره في دليله، وابن إدريس فرض لها منافع غير الثمرة. إذا ثبت هذا فالشيخ لم ينص على مستحق الثمن، وابن الجنيد نبه عليه وقال: يشتري به ما يكون وقفا، وقال: والموقف رقيقا أو ما يبلغ حاله إلى زوال ما سبله من منفعته، فلا بأس ببيعه وإبدال مكانه بثمنه إن أمكن ذلك أو صرفه فيما كان تصرف فيه منفعته أو رد ثمنه على منافع ما بقي من أصل ما حبس معه إذا كان في ذلك الصلاح. وهو الأقوى عندي. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نفقة العبد الوقف في كسبه إذا لم يشترط أو شرطها في الكسب، لأن الغرض بالوقف انتفاع الموقوف عليه، وإنما يمكن ذلك ببقاء عينه، وإنما تبقى عينه بالنفقة فيصير كأنه شرطها في كسبه (4). والوجه عندي أنها على الموقوف عليه، لأنها تابعة للملك والوقف عنده مملوك للموقوف عليه.

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 138 ذيل الحديث 582. (2) الخلاف: ج 3 ص 551 المسألة 23.
(3) السرائر: ج 3 ص 167.
(4) المبسوط: ج 3 ص 288 - 289.

[ 317 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا جنى العبد الموقوف جناية توجب المال لم يتعلق برقبته، لأنه إنما يتعلق برقبة من يباع فيه، وأما رقبة من لا يباع فالارش لا يتعلق بها. إذا ثبت هذا فمن قال: إن الملك ينتقل إليه فهو في ماله، ومن قال: ينتقل إلى الله قيل: من مال الواقف، لأنه الذي منع الرقبة من تعلق الأرش بها، وقيل: يكون في بيت المال كالحر المعسر (1). وقال ابن البراج: يكون في ماله (2). ولم يذكر من يرجع الضمير إليه سوى العبد. وقيل: في كسبه (3)، لأنه أقرب الأشياء إلى رقبته، فإذا تعذر تعلقه برقبته تعلق بما هو أقرب إليه. والوجه عندي الأخير، لأنه لا يجوز إهدار الجناية ولا تعلقها برقبة العبد لتعذر استيفائها منها لتعذر بيعها، ولا تعلقها بالمولى، لأنه لا يعقل عبده فوجب تعلقها بالكسب، ويحتمل تعلقها بالرقبة ويباع فيه كما يقتل في العمد، والبيع أدون من القتل. مسألة: لو جني على العبد الموقوف عليه ووجبت قيمته قال الشيخ في المبسوط: قال قوم: يشترى بها عبد آخر ويقام مقامه، سواء قيل: انتقل ملكه إلى الله أو إليه، لأن حق البطون الآخر تتعلق برقبة العبد، فإذا مات أقيم غيرها بقيمتها مقامها، ومنهم من قال: ينتقل القيمة إليه. قال: وهو الأقوى، لأنا قد بينا إن ملكه له، والوقف لم يتناول القيمة، والأول قول من يقول: ينتقل إلى الله (4).

(1) المبسوط: ج 3 ص 289.
(2) المهذب: ج 2 ص 94.
(3) شرائع الاسلام: ج 2 ص 219.
(4) المبسوط: ج 3 ص 289.

[ 318 ]

والمعتمد إقامة غيره مقامه، لعدم اختصاص البطن الأول بملكه، ولهذا يملك البطن الثاني عن الواقف لا عن البطن الأول، والوقف وإن لم يتناول القيمة لكنها بدل عن العين. مسألة: إذا وقف جارية جاز تزويجها. قال الشيخ في المبسوط: لأنه عقد معاوضة على منفعتها فهو كإجارتها. قال: فإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه - وهو الصحيح - زوجها الموقوف عليه، وإن قلنا: ينتقل إلى الله زوجت هي نفسها، لأنها مالكة نفسها، وعند المخالف يزوجها الحاكم (1). والوجه عندي أنها على تقدير انتقالها إلى الله تعالى يزوجها الحاكم، لأن انتقالها إلى الله تعالى ليس مطلقا عاما، وإلا لم يختص بالبطون، بل في هذا الوجه المعين، ولهم ولاية التصرف، وليس البعض أولى من البعض، فيكون الأمر إلى الحاكم المتولي لأموال الغياب. مسألة: قال ابن الجنيد: أولاد الحيوان المحبوسة يجرون مجرى أمهاتهم في الحبس وتسبيل المنفعة. وقال في المبسوط: ولد الأمة الرقيق قيل: فيه وجهان: أحدهما: يكون طلقا ويكون للموقوف عليه، لأنه نماؤها، فأشبه كسبها وثمرة البستان. والثاني: يكون وقفا كامها، لأن حكم كل ولد ذات رحم حكم أمها كالمدبرة، وكذا ولد الأضحية والهدي، وهو الأقوى (2). والوجه عندي الأول، لأنه نماء، فأشبه الثمرة. مسألة: إذا كان الوقف منقطع الابتداء متصل الانتهاء بأن يقف أولا على

(1) المبسوط: ج 3 ص 289.
(2) المبسوط: ج 3 ص 290.

[ 319 ]

من لا يصح الوقف عليه ثم كل من يصح - كمن يقف على نفسه أو عبده أو المجهول أو المعدوم أو الميت ثم على الفقراء والمساكين - قال الشيخ في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يصح الوقف، لأنه لا دليل عليه، وفي الناس من قال: يصح بناء على تفريق الصفقة، فإذا قال: لا يصح تفريق الصفقة بطل الوقف في الجميع وبقي الوقف على ملك الواقف لم يزل عنه، ومن قال: يصح تفريق الصفقة بطل في حق من لا يصح الوقف عليه وصححه في حق الباقين، وهذا قوي يجوز أن يعتمد عليه، لأنه نقول: بتفريق الصفقة (1). وقال في الخلاف: إذا وقف على من لا يصح الوقف عليه مثل العبد أو حمل لم يوجد أو رجل مجهول وما أشبه ذلك ثم بعد ذلك على أولاده الموجودين في الحال وبعدهم على الفقراء والمساكين بطل الوقف فيمن بدأ بذكره، لأنه لا يصح الوقف عليهم، وصح في حيز الباقين، لأنه يصح الوقف عليهم. واستدل بأنه ذكر نوعين: أحدهما: لا يصح الوقف عليه، والآخر: يصح، فإذا بطل في حيز من لا يصح الوقف عليه صح في حيز من يصح الوقف عليه، لأنه لا دليل على إبطاله، ولا مانع يمنع منه (2). والأقرب عندي البطلان. لنا: لو صح لزم أحد أمور ثلاثة: إما صحة الوقف مع انتفاء الموقوف عليه، أو وقوع الوقف المشروط، أو عدم جريان الوقف على حسب ما شرطه الواقف، والتالي بأقسامه باطلة، فالمقدم مثله. بيان الشرطية: إنه حالة الوقف إما أن يكون هناك موقوف عليه أو لا، والثاني أحد الأقسام، والأول ليس من لا يصح الوقف عليه إجماعا، فيكون

(1) المبسوط: ج 3 ص 293.
(2) الخلاف: ج 3 ص 544 المسألة 10.

[ 320 ]

البطن الثاني، فإما أن يحكم بالوقف عليه من حين العقد وذلك مخالف لما شرطه الواقف، لأنه إنما جعله وقفا على البطن الثاني حال انقراض العبد أو بعد انقراض العبد، وهو قول بصحة الوقف المعلق على الشرط. فأما بطلان التوالي فظاهرة. تذنيب: إذا قلنا: بصحة الوقف فهل تصرف منفعة الوقف إلى من صح في حقهم في الحال أم لا؟ قال الشيخ في المبسوط: ينظر فإن كان الذي بطل الوقف في حقه لا يمكن الوقف على بقائه واعتبار انقراضه - مثل أن يقف على مجهول أو معدوم، لأنه لا يدري كم بقاء ذلك المعدوم والمجهول - فإن منفعة الوقف ينصرف إلى من صح في حقهم في الحال، ونكون أولئك بمنزلة المعدوم الذي لم يذكر في الوقف. وإن كان الموقوف عليه أو لا يمكن اعتبار انقراضه كالعبد، منهم من قال: يصرف إليهم في الحال، لأنه لا مستحق غيرهم وهو الصحيح، ومنهم من قال: لا يصرف إليهم في الحال، لأنه إنما جعل منفعة الوقف لهم بشرط انقراض من قبلهم، والشرط لم يوجد، فيصرف إلى الفقراء والمساكين مدة بقاء الموقوف عليه أو لا، ثم إذا انقرض رجعت إليهم (1). مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وقف وشرط أن يصرف في سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير صرف ثلثه إلى الغزاة والحج والعمرة على ما مضى من الخلاف، وثلثه إلى الفقراء والمساكين ويبدأ بأقاربه وهو سبيل الثواب، وثلثه إلى خمسة أصناف من الذين ذكرهم الله تعالى في آية الصدقة وهم: الفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمون - الذين استدانوا لمصلحة أنفسهم - والرقاب - وهم المكاتبون - فهؤلاء سبيل الخير، ولو قيل: إن هذه الثلاثة

المبسوط: ج 3 ص 293 - 294.

[ 321 ]

أصناف متداخلة لكان قويا، لأن سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير يشترك الجميع فيه (1). وقال في الخلاف: إذا وقف وقفا وشرط أن تصرف منفعته في سبيل الله جعل بعضه للغزاة المطوعة دون العسكر المقاتل على باب السلطان وبعضه في الحج والعمرة، لأنهما من سبيل الله (2). وقال ابن حمزة: وسبيل الله المجاهدون (3). والوجه عندي أنه لا فرق بين أن يذكر سبيل الله وحده وبين أن يقرنه مع سبيل الثواب وسبيل الخير في أنه تصرف إلى كل ما يتقرب به إلى الله تعالى كبناء المساجد والقناطر ومساعدة الفقراء والمساكين، وبالجملة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: وإن وقف مسلم شيئا على عمارة بيعة أو كنيسة أو بيت نار كان الوقف باطلا، وإذا وقف الذمي ذلك جاز وقفه (4). وقال ابن البراج: فإن وقف المسلم شيئا على البيع والكنائس أو شئ من بيوت عبادات الكفار على اختلافهم كان باطلا، فإن وقفه الكافر على ذلك كان ماضيا صحيحا (5). وقال ابن الجنيد: فأما ما وقفه أهل الشرك على الأماكن التي يشركون فيها بالعبادة لغير الله عز وجل - كبيوت النيران والأصنام والقرابين للشمس والكواكب ونحوهما - في أي أرض كانت فملك المسلمون الحكم فيها فإن ذلك

(1) المبسوط: ج 3 ص 294.
(2) الخلاف: ج 3 ص 545 المسألة 12.
(3) الوسيلة: ص 371.
(4) المقنعة: ص 654.
(5) المهذب: ج 2 ص 92.

[ 322 ]

غير ممضي، بل هي لاخراج ملاكها أيديهم عنها خارجة عن ملكهم، ولائمة المسلمين أن يصرفوا غلاتها وثمرها إلى ما يصرفون إليه سهم الله في الغنائم. والمعتمد أن نقول: إن كانت بيوت عبادة لله صح الوقف كالبيع والكنائس وإن كانت بيوت عبادة لغير الله تعالى - كبيوت النيران والأصنام والقرابين للشمس والكواكب - فإن الوقف باطل، وحكمه حكم الأرض المغنومة إذا فتحها المسلمون، لأنه أمرنا بإقرار أهل الذمة على عباداتهم ومواضع تعبداتهم فصح وقفهم عليها كما جاز لهم عمارتها، بخلاف بيوت النيران والأصنام، لأنها ليست مواضع عبادة لله تعالى. مسألة: قد بينا أن الاقباض شرط في الوقف، فإن لم يصادف قبضا بطل. وقال ابن الجنيد: وإذا حبس المالك من المسلمين جميع ماله في حياته وصحته وجواز أمره أو بعضه وأخرج عنه يده وسلمه إلى من وقفه عليه أو إلى قيم يقوم لهم عليه أو أشهد على نفسه بأنه قد أخرج يده عنه صح الوقف، ولم يكن له الرجوع فيه. وهذا يعطي أن الاشهاد يقوم مقام الاقباض، فإن قصد بذلك الحكم بالوقف ظاهرا فهو مسلم، وإن قصد به نفس الأمر فهو ممنوع. وقال أبو الصلاح: وإذا تصدق على أحد الوجوه المذكورة وأشهد على نفسه بذلك ومات قبل التسليم وكانت [ الصدقة ] على مسجد أو مصلحة فهي ماضية، وإن كانت على من يصح قبضه أو وليه فهي وصية يحكم فيها بأحكام الوصايا (1). وفيه نظر، فإنا قد بينا أن القبض شرط، فإذا مات قبل حصوله بطل الوقف والصدقة، ويحتمل ما قاله، لأن عدم رجوعه يدل على الايصاء. وأما

(1) الكافي في الفقه: ص 325.

[ 323 ]

الوقف على المسجد أو المصلحة فالأقرب أنه يشترط قبض المتولي الناظر في تلك المصلحة. مسألة: إذا وقف في مرض الموت مضى من الثلث، وهو اختيار ابن الجنيد. خلافا لابن إدريس (1) حيث جعل المنجزات من الأصل، لما يأتي، ولأنه يؤخر عن الديون فيكون وصية. أما الملازمة فظاهرة. وأما صدق المقدم فلما رواه أحمد بن حمزة أنه كتب إلى أبي الحسن - عليه السلام -: مدين وقف ثم مات صاحبه وعليه دين لا يفي ماله، فكتب - عليه السلام -: يباع وقفه في الدين (2). وسيأتي تتمة الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى. مسألة: القبض شرط في الوقف، سواء الذكر والانثى، الثيب أو البكر مع البلوغ على قول أكثر علمائنا، لما تقدم. وقال ابن الجنيد: وإن كان ذلك على ولد صغار أو ثيب أيم يلي أمرها أبوها صح الوقف أيضا، وقد تقدم مثله في الهبة. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو قال: صدقة لله ولم يذكر من تصدق بها عليه جاز ذلك، وكانت في أهل الصدقات الذين سماهم الله. والشيخ - رحمه الله - قال: إذا قال: هذا وقف ولم يذكر الموقوف عليه بطل الوقف. مع أنه نص على أن الوقف صدقة، وإنه يشترط فيه التقرب إلى الله تعالى (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 176.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 144 ح 601، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات ذيل الحديث 7 ج 13 ص 305.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 119.

[ 324 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: ولو شرط فيه ما لا يصح به ويوجب أن يرجع ميراثا فأمضاه ورثته بعد موته على علم منهم بأن الحق لهم ثم تفرقوا لم يكن لهم الرجوع. وفيه نظر، فإن الوقف إذا وقع باطلا لم يصح بإمضاء الورثة وإجازتهم. والوجه عدم صحة الوقف مع إجازة الورثة إذا وقع باطلا من أصله. مسألة: قال ابن الجنيد: ولا بأس أن يشترط الموقف تطوعا لنفسه ولمن يوليه بعده صدقته الأكل لثمرتها أو لقيمتها إذا لم يجعل له تغيير أصلها وحبسها، وكان آخرها إلى أبواب البر من المساكين وغيرهم. وجماعة من أصحابنا منعوا من عود نفع الوقف إلى الواقف، وقالوا: لا يجوز له أن يشترط إدرار مؤونته ولا الانتفاع بها، لأنها صدقة، فلا يجوز عود نفعها إليه، للأحاديث (1) الدالة على المنع منه. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا قال: هي صدقة لولده ولم يقل: لولد ولدي كانت لولده لصلبه الرجال والنساء دون ولد ولده، فإن ذكر تفرقها، وإلا كان للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك إن قال: لورثتي كانت الغلة كالميراث يتقاسمونها تقاسم الميراث إذا كان قد سبلها وحبس أصلها وحجب الأقرب منهم من بعد، فإن مات أحد من ولده لصلبه رجعت على ولد ولده الأقرب فالأقرب، ولم يرجع إلى اخرة الميت من ولد الموقف، إلا أن يشترط ذلك الموقف. وقد سبق البحث في كيفية التفرقة. وأما تقديم ولد الولد على إخوة الولد فليس بجيد، لأن التقدير أنه وقف على ورثته، وولده أقرب إليه من ولد ولده، ولو كان لفظ الوقف على أولاده وأولاد

(1) تهذيب الأحكام 9 ص 129 ح 554، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات 13 ص 296.

[ 325 ]

أولاده فإن شرك بينهم لم يختص ولد الولد دون أولاد الميت، وإن رتب اختص أولاد الميت به. ثم قال: ولو وقف على ولد أمير المؤمنين - عليه السلام - أو جعلها للقرباء منه لا يتوارثون، كانت لجميعهم على الرؤوس، لا يفضل فيها ذكر على أنثى. والوجه التسوية بين القريب والبعيد. مسألة: إذا جعل الوقف على أولاده أو غيرهم فانقرض جميعهم وكان قد شرط رجوع آخره إلى الفقراء قال ابن الجنيد: رد الوقف إلى قراباته من الفقراء والمساكين، فإن لم يكن فيهم فقير فإلى الغرباء. والوجه التسوية بين القريب والأجنبي، لعموم اللفظ فيهم على التسوية. نعم يستحب تخصيص القريب لو انتشروا واقتضت الحال تخصيص البعض. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان له مولى من فوق - وهو مولى نعمه - فأطلق الوقف على المولى رجع إليه، وإن كان له مولى من أسفل - وهو مولى عتاقه - ولم يكن له مولى من فوق فأطلق الوقف على المولى رجع إليه، وإن كان له مولى من فوق ومن أسفل فأطلق الوقف نظر فإن كان هناك أمارة تدل على أنه أراد أحدهما انصرف إليه، وإن لم يكن انصرف إليهما لأن الاسم يتناولهما (1). وكذا قال في الخلاف: وإذا وقف على مولاه وله موليان مولى من فوق ومولى من أسفل ولم يبين انصرف إليهما، لأن الاسم يتناولهما فيجب صرفه إليهما، كما لو أطلق الوقف على الأخوة انصرف إليهم وإن كانوا متفرقين، وليس ذلك بمجهول، كما أن الوقف على الأخوة ليس بمجهول (2).

(1) المبسوط: ج 3 ص 295.
(2) الخلاف: ج 3 ص 546 المسألة 14.

[ 326 ]

وقال ابن إدريس: إذا وقف على مواليه وله موليان من فوق ومن أسفل ولم يبين انصرف الوقف إليهما، لأن اسم المولى يتناولهما (1). وقال ابن حمزة: إذا وقف على مولاه اختص بمولى نفسه دون مولى أبيه، ولمولاه الذي أعتقه دون مولى نعمته، إلا إذا لم يكن له مولى عتق وكان له مولى نعمة، وإن قال: على موالي دخل فيه مولى العتاقة ومولى النعمة (2). فالوجه أن نقول: إذا عرف بقرينة حالية أو مقالية قصده منهما حمل اللفظ عليه، عملا بالقرينة، وإن انتفت القرائن فإن كان اللفظ مفردا ليس بجمع بطل الوقف، وإن كان جمعا وقلنا: بجواز إرادة معنى المشترك من لفظ الجمع حمل عليهما، وإن قلنا: إن حكمه حكم الواحد بطل. لنا: إنا قد بينا في أصول الفقه أنه لا يجوز إرادة معنى المشترك منه بلفظ واحد (3)، ولا شك إن لفظة مولى من الالفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة، وهي المعتق والمعتق. وقول الشيخ: " إن الاسم يتناولهما " قلنا: إن أردت بذلك على سبيل الجمع فهو ممنوع، لأن الواضع لم يضعه لكلا المعنيين، فيكون استعماله فيهما استعمالا للفظ في غير موضعه الأصلي، والقياس على الأخوة ضعيف، لأن الأخ موضوع لمعنى واحد يتناول المتقرب بالابوين وبأحدهما على سبيل التواطي، بخلاف المولى. وتعليل ابن إدريس يشعر بمتابعته للشيخ. وقول ابن حمزة في الجمع جيد، أما على المفرد فحمله على المعتق ضعيف، وكونه أقوى من المولى من أسفل لأنه يرث، لا يخرج اللفظ عن كونه مشتركا، ولا

(1) السرائر: ج 3 ص 167.
(2) الوسيلة: ص 371.
(3) مبادئ الوصول إلى علم الأصول: ص 76.

[ 327 ]

يوجب ترجيحا في التناول. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وقف على أولاده ثم على أقرب الناس إليه واجتمع بعد أولاده إخوة متفرقون كان الأخ من الأبوين أولى من غيره، لأن الانفراد بميراثه بقرابة تجري مجرى التقدم بدرجة، فيكون الأخوة من الأب والأخوة من الأم بمنزلة بني الأخوة مع الأخ (1). وقال ابن حمزة: إذا قال: على أقرب الناس إلي كان على من هو أولى بميراثه (2). وهو يعطي الاعتبار بالارث، وذلك يستلزم تشارك الأخوة من الأم مع الأخوة من الأبوين، لمشاركتهم في الميراث. وقول الشيخ أقوى. مسألة: إذا قال: وقفت على أولادي فإذا انقرض أولادي وأولاد أولادي فعلى الفقراء. قال الشيخ في المبسوط: إنه قد صرح بالوقف على أولاده أولا وعلى الفقراء والمساكين أخيرا، وأطلق أولاد أولاده فمن الناس من قال: لا يكون لهم في الوقف شئ، لأنه لم يقف عليهم، وإنما اشترط انقراضهم في الوقف على الفقراء والمساكين، فعلى هذا إذا انقرض أولاده وبقي أولاد أولاده صرف ارتفاعه إلى أقرب الناس إليه إلى أن ينقرضوا، فإذا انقرضوا صرف إلى الفقراء. ومنهم من يقول: يكون وقفا على أولاد أولاده بعد انقراض أولاده، لأنه شرط انقراضهم، وذلك بظاهره يقتضي أنه وقف عليهم، فهو كما لو صرح به، فعلى هذا يصرف إليهم بعد الأولاد، فإذا انقرضوا صرف إلى الفقراء، وهذا أقوى (3).

(1) المبسوط: ج 3 ص 297.
(2) الوسيلة: ص 371.
(3) المبسوط: ج 3 ص 298.

[ 328 ]

والوجه عندي الأول، إذ الوقف دل بصريحه على صيرورته إلى أولاده، ثم من بعدهم وبعد أولاد أولاده يصرف إلى الفقراء، ولا دلالة صريحة له على صيرورته بعد أولاده إلى أولاد أولاده. وأما الدلالة الالتزامية فهي منفية هنا أيضا، لإمكان اقتران كلا النقيضين بهذا اللفظ، ويكون اللفظ معه صادقا، فصدقه أعم من اقترانه بالصيرورة إلى أولاد أولاده، ومن اقترانه بعدم ذلك، ولا دلالة للعام على الخاص. قوله: " شرط انقراضهم يقتضي أنه وقف عليهم " قلنا: ممنوع، ولعدم التلازم، ولو كان شرط انقراضهم يقتضي مشاركتهم فأي وجه لترتبهم على الأولاد؟ وهلا شاركوهم؟ فإنه لم يوجد ما يدل على الترتيب، فكأنه قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، فإذا انقرضوا جميعا فعلى الفقراء. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا وقف في مرضه ووهب وأقبض وأعتق وباع وحبى ومات ولم يف الثلث بالجميع بدأ بالأول فالأول (1). والوجه عندي التسوية، وبسط الثلث على الجميع، لأن المريض قصد إعطاء الجميع، بخلاف الوصية المعلق (2) فيها الاعطاء بالموت، على أنه لو نص على عدم التقديم عمل بقوله على ما يأتي. مسألة: قال في المبسوط: ولو كانت العطايا مؤخرة مثل أن يوصي بعتق ووقف وبيع ومحاباة وما أشبه ذلك وقصر الثلث بدأ بالأول فالأول، فإن لم يعلم ذلك قسم بالحصص (3). والوجه أنه يستعمل القرعة هنا، لأنه أمر مشكل، ولأنا نعلم أن فيهم من وصيته باطلة قطعا فلا يجوز مزاحمة غيره به.

(1) المبسوط: ج 3 ص 299. (2) ق 2: المنوط.
(3) المبسوط: ج 3 ص 299.

[ 329 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): فإذا وقف على بني تميم أو بني هاشم صح الوقف، وإن كانوا غير محصورين كالفقراء والمساكين وفي الناس من قال: لا يصح، لأنهم غير محصورين فهو مجهول. ومنع الشيخ الجهالة، لأنهم معينون مثل الفقراء أو المساكين، ولا خلاف في أن الوقف على الفقراء والمساكين صحيح (3). وقال ابن حمزة: لا يجوز الوقف على بني فلان وهم غير محصورين في البلاد (4). والمعتمد الأول. لنا: وقوع الاجماع وثبوت الأخبار الدالين على صحة الوقف على الفقراء والمساكين وعلى المسلمين والمؤمنين، ولا شك في انتشارهم وعدم انحصارهم، والجهل ممنوع كما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: إذا وقف على جيرانه فقد تقدم أنه يكون لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا من جميع الجوانب على قول أكثر علمائنا. وقال ابن البراج: يكون جاريا على من بين داره وبين داره أربعون ذراعا من أربع جوانبها (5). وهذه العبارة غير سديدة لوجهين: الأول: إنه يقتضي قصر الوقف على من بين داره وبينه هذا الحد، فمن قصر عنه لا يكون له نصيب، وهو باطل بالاجماع. والثاني: إنه يقتضي إدخال من هو على حد الأربعين في الوقف، وعبارة باقي الأصحاب على خلافه إن جعلنا الغاية خارجة عن المغيى. مسألة: قال الشيخ في النهاية (6)، وتبعه ابن البراج (7): إذا وقف على

(1) المبسوط: ج 3 ص 299.
(2) الخلاف: ج 3 ص 548 - 549 المسألة 17.
(3) الخلاف: ج 3 ص 549 ذيل المسألة 17.
(4) الوسيلة: ص 370.
(5) المهذب: ج 2 ص 91.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 126. (7) المهذب: ج 2 ص 91.

[ 330 ]

مستحق الخمس كان ذلك على ولد أمير المؤمنين - عليه السلام - وولد العباس وجعفر وعقيل. والحق أنه يكون لأولاد هاشم كافة الذكور والإناث، لأنهم المستحقون للخمس. مسألة: منع الشيخ (1)، وابن إدريس (2) وابن البراج (3)، وأكثر علمائنا من وقف الدراهم والدنانير، لأنه لا نفع يفرض لها، إلا مع اتلافها فأشبهت المأكول والمشروب. وجوز بعض علمائنا وقفها، لإمكان فرض نفع مع بقاء العين، ولهذا صحت إعارتها. مسألة: قد بينا أنه إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده كان ذلك بين أولاد البنين وأولاد البنات، ولو قال: على من انتسب إلي كان لأولاد البنين دون أولاد البنات، فلو قال: على الهاشميين مثلا أو الحسنيين أو الحسينيين أو العلويين كان لأولاد هاشم وأولاد أولادهم الذكور دون أولاد بناته، وكذا لأولاد الحسن والحسين وعلي - عليهم السلام - عند أكثر علمائنا، لأن قوله: " الهاشميين " أراد المنتسبين إلى هاشم، والانتساب إنما يكون بالأب. وقال بعض علمائنا: يكون لأولاد البنات، وهو اختيار السيد المرتضى (4)، لقوله - عليه السلام -: (هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا) (5) إشارة إلى الحسن والحسين - عليهما السلام - والمشهور الأول.

(1) المبسوط: ج 3 ص 288.
(2) السرائر: ج 3 ص 154.
(3) المهذب: ج 2 ص 87.
(4) رسائل الشريف المرتضى المجموعة الرابعة: ص 328.
(5) علل الشرائع: ص 211 ح 2.

[ 331 ]

الفصل الرابع في السكنى مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أسكن إنسان غيره لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره إلا ولده وأهله، ولا يجوز له سواهم، ولا يجوز للساكن أيضا أن يؤاجره، ولا أن ينتقل عنه ويسكن غيره إلا بإذن صاحب المسكن (1). وكذا قال ابن البراج (2). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول المذهب أن له جميع ذلك، وخلافه وإجارته وانتقاله عنه وإسكان غيره معه سوى ولده وامرأته، سواء أذن له في ذلك أو لم يأذن إذا كان أول ما أسكنه قد أطلق السكنى، لأن منفعة هذه الدار استحقها وصارت مالا من أمواله وحقا من حقوقه فله استيفاؤها كيف شاء بنفسه وبغيره، وما أورده شيخنا في نهايته فلا شك أنه خبر واحد، وقليلا ما يورده أصحابنا في كتبهم، فشيخنا المفيد لم يورده في مقنعته، ولا السيد المرتضى، ولا المحصلون من أصحابنا (3). والمعتمد الأول. لنا: إن الأصل عصمة مال الغير وحفظه عن تسلط غير المالك عليه، خرج

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 131.
(2) المهذب: ج 2 ص 102 (3) السرائر: ج 3 ص 169.

[ 332 ]

عنه المسكن بالإذن وأهله وأولاده قضية للعرف، فصار كالمأذون فيه نطقا، بقي الباقي على أصل المنع. والجواب عما ذكره: المنع من الاستحقاق المطلق، بل إنما يستحق على حد ما جعل له وهو السكنى، ولا يتناول الإجارة وغيرها، لعدم الإذن فيه نطقا وعرفا. مسألة: إذا جعل له السكنى مدة حياة الساكن ثم مات المالك لم يكن لورثته إخراج الساكن من المسكن قبل وفاته مطلقا عند أكثر علمائنا. وقال ابن الجنيد: إذا أراد ورثة المالك إخراج الساكن بعد موت المالك نظر إلى قيمة الدار فإن كانت تحيط بثلث الميت لم يكن لهم إخراجه، وإن كان ينقص عنها كان لهم ذلك. لنا: إنه عقد منجز في صحة العاقد فكان ماضيا كغيره من العقود. احتج بما رواه خالد بن نافع البجلي، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار مدة حياته - يعني صاحب الدار - فمات الذي جعل السكنى وبقي الذي جعل له السكنى أرأيت إن أراد الورثة أن يخرجوه من الدار لهم ذلك؟ قال: فقال: أرى أن تقوم الدار بقيمة عادلة وينظر إلى ثلث الميت فإن كان في ثلثه ما يحيط بثمن الدار فليس للورثة أن يخرجوه، وإن كان الثلث لا يحيط بثمن الدار فلهم أن يخرجوه، قيل له: أرأيت إن مات الرجل الذي جعل له السكنى بعد موت صاحب الدار يكون السكنى لورثة الذي جعل له السكنى؟ قال: لا (1). قال الشيخ - رحمه الله -: ما تضمن هذا الخبر من قوله: " يعني صاحب

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 142 ح 594، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب أحكام السكنى والحبيس ح 1 ج 13 ص 331.

[ 333 ]

الدار " حين ذكر أن رجلا جعل لرجل سكنى دار له فإنه غلط من الراوي ووهم منه في التأويل، لأن الأحكام التي ذكرها بعد ذلك إنما يصح إذا كان قد جعل السكنى حياة من جعلت له السكنى فحينئذ يقوم وينظر باعتبار الثلث وزيادته ونقصانه (1). والجواب: الحمل على الوصية. مسألة: قال ابن البراج: السكنى والعمرى والرقبى بمنزلة واحدة، ثم قال: الرقبي أن يقول الانسان لغيره: أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتي، قال: وذهب بعض أصحابنا في الرقبى إلى أنها قول الانسان لغيره: جعلت لك خدمة هذا العبد مدة حياتك أو مدة حياتي، وذلك مأخوذ من رقبة العبد، والأول مأخوذ من رقبة الملك. قال: والذي ذكرناه أو لا هو الظاهر من المذهب والمعول عليه (2). وكذا نقل ابن إدريس (3). وكلاهما أخذا هذا النقل من الشيخ أبي جعفر - رحمه الله - في المبسوط فإنه قال: الرقبى صورتها صورة العمرى، إلا أن اللفظ يختلف، فإنه يقول: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتي، والرقبى يحتاج أن يقول: أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتي، وفي أصحابنا من قال: الرقبى أن يقول: جعلت خدمة هذا العبد لك مدة حياتك أو مدة حياتي، وهو مأخوذ من رقبة العبد، والأول مأخوذ من رقبة الملك (4). وقال ابن حمزة: العمرى: أن يجعل الانسان منفعة داره أو ضيعته لغيره مدة حياة أحدهما، والرقبى: أن يجعل رقبته لغيره مدة معلومة، والسكنى: أن

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 142 ذيل الحديث 594.
(2) المهذب: ج 2 ص 100.
(3) السرائر: ج 3 ص 168.
(4) المبسوط: ج 3 ص 316.

[ 334 ]

يجعل السكنى لغيره مدة عمر أحدهما (1). وقال أبو الصلاح: السكنى: أن يسكن المالك غيره في داره مدة معلومة بغير أجر، فإذا انقضت المدة رجعت الدار إليه. والرقبى: أن يسكنه فيها مدة حياته، فإذا مات المالك انتقلت إلى ورثته، فإن شاؤوا أقروا المراقب على الرقبى، وإن شاؤوا فسخوا. والعمرى: أن يسكنه فيها بغير أجر طول عمره، فإذا مات المعمر والمالك حي رجعت إليه، وإن مات قبل المعمر لم ينفسخ التعمير حتى يموت هو ويرجع الدار إلى ورثة المعمر (2). وهذه اختلافات لفظية. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا جعل الانسان خدمة عبده أو أمته لغيره مدة من الزمان ثم هو حر بعد ذلك كان ذلك أيضا جائزا، وكان على المملوك الخدمة في تلك المدة، فإذا مضت المدة صار حرا، فإن أبق العبد هذه المدة ثم ظفر به من جعل له خدمته لم يكن له بعد انقضاء تلك المدة سبيل (3). وقال ابن إدريس: أورد شيخنا هذه الرواية وهي من أضعف أخبار الاحاد، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لأن التدبير عند أصحابنا بأجمعهم لا يكون إلا بعد موت المولى الذي هو المعتق المباشر للعتق، ويكون بمنزلة الوصية يخرج من الثلث، هذا لا خلاف بينهم فيه، فمن ادعى حكا شرعيا آخر غير هذا يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي (4). وقال ابن الجنيد: إذا قال السيد لعبده: أنت حر على ما شرط يجوز أن يكون قبل وفاة سيده فيعتق بذلك فلم يكن ذلك إلا بعد موت السيد، وكان العبد حرا من غير الثلث، لأن الوصية لا تكون بحال قبل الموت، وذلك مثل

(1) الوسيلة: ص 380.
(2) الكافي في الفقه: ص 363.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 131 - 133. (4) السرائر: ج 3 ص 171.

[ 335 ]

قوله: إذا مات فلان فأنت حر، أو يقول لامته: إذا أرضعت ولدي فأنت حرة، فإن مات السيد قبل فلان خدم العبد الورثة إلى موت فلان ثم هو حر، وإن مات الطفل قبل استتمام رضاعه خدمت الأمة تتمة سنتين من يوم ولد الطفل وعتقت. والمعتمد ما قاله الشيخ. لنا: أصالة الجواز. ولأن المقتضي للابطال ليس جعل الخدمة للغير، لأنه سائغ إجماعا، ولا تأخير التحرير، لأنه جائز في المدبر إجماعا، ولا خصوصية لمن علق التحرير بموته، إذ لا اعتبار بذلك في نظر الشرع، فإن لكل أحد تعليق تحرير عبده بموته، ومعلوم أنه لا مدخل لخصوصيات العبيد ولا خصوصيات المالك. وما رواه يعقوب بن شعيب في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - في الرجل يكون له الخادم تخدمه فيقول: هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست ثم مجدها ورثته ألهم أن يستخدموها قدر ما أبقت؟ قال: إذا مات الرجل فقد عتقت (1). إذا ثبت هذا فالوجه عندي أنه ليس له الرجوع في جعل الخدمة، لأنه رقبى إن قرن به نية التقرب، فهل ينعتق العبد من الأصل أو من الثلث؟ الأقوى إنه ينعتق من الأصل إن كان المالك حيا حال وفاة من علقت الخدمة بموته ومن الثلث إن كان قد مات، وقد نبهنا على ذلك في كتاب القواعد (2). مسألة: قال ابن الجنيد: فإن شرط له مدة حياة المسكون واحتاج المسكن إلى الدار أو دعته الضرورة إلى ثمنها باعها المسكن وشرط على المبتاع سكنى

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 143 ح 596، وسائل الشيعة: ب 11 من كتاب الدبير ح 1 ج 16 ص 81.
(2) قواعد الأحكام: ج 2 ص 110.

[ 336 ]

المسكون إلى أجله، ولو دفع المالك إلى المسكون عوضا عما بقي من وقت شرطه في البيع أو عند حاجة المسكن إلى سكناها جاز ذلك. وهذا يعطي جواز بيع الدار مع الاسكان مدة حياة الساكن. وعول في ذلك على ما رواه الحسين بن نعيم، عن أبي الحسن الكاظم - عليه السلام - قال: سألته عن رجل جعل دارا سكنى لرجل أيام حياته أو جعلها له ولعقبه من بعده هل هي له ولعقبه كما شرط؟ قال: نعم، قلت: فإن احتاج يبيعها؟ قال: نعم، قلت: فينقض بيعه الدار السكنى؟ قال: لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت أبي - عليه السلام - قال: قال أبو جعفر - عليه السلام -: لا ينقض البيع الإجارة ولا السكنى، ولكن يبيعه على أن الذي يشتريه لا يملك ما اشترى حتى تنقضي السكنى على ما شرط وكذلك الإجارة، قلت: فإن رد على المستأجر ماله وجميع ما لزمه من النفقة والعمارة فيما استأجر، قال: على طيبة النفس ويرضى المستأجر بذلك لا بأس (1). وهذا القول لا يخلو من إشكال، فإن أصحابنا منعوا من بيع المسكن الذي تعتد فيه المطلقة بالاقراء، لجهالة وقت الانتفاع، وهذا المعنى متحقق هنا، فإن جعلت السكنى مقرونة بمدة معينة صح البيع، وإلا جاء الاشكال. وللشيخ قول - يناسب ما قاله ابن الجنيد - في المبسوط وهو: إنه إذا أوصى بخدمة عبده على التأبيد جاز لورثة الموصي بيع الرقبة على الأقوى، ونقل المنع عن قوم، لأنها رقبة مسلوبة المنفعة، فهو كبيع الجعلان (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 141 ح 593، وسائل الشيعة: ب 24 من كتاب الإجارة ح 3 ج 13 ص 267.
(2) المبسوط: ج 4 ص 14 - 15.

[ 337 ]

الفصل الخامس في الوصايا مسألة: أطلق الأصحاب عدم جواز رد الوصية إذا لم يعلم الوصي بها حتى يموت الموصي أو يعلم ويرد، ولما يعلم الموصي بالرد، لروايات كثيرة. منها: رواية منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب فليس له أن يرد عليه وصيته، لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره (1). وعن محمد بن مسلم، عن الصادق - عليه السلام - قال: إن أوصى رجل إلى رجل وهو غائب فليس له أن يرد وصيته، فإن أوصى إليه وهو بالبلد فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل (2). والوجه عندي المصير إلى ذلك إن كان قد قبل الوصية أو لا، وإن لم يكن قبل ولا علم جاز له الرجوع، للأصل ولإزالة الضرر الواصل إليه بالتحمل غير المستحق، وقد قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (3)

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 206 ح 816، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 398.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 205 ح 814، ووسائل الشيعة: ب 22 أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 398.
(3) الحج: 78.

[ 338 ]

وقال - عليه السلام -: " لا ضرر ولا ضرار في الاسلام " (1). وتحمل الأحاديث على حصول القبول أو لا، لأنه عقد فلا بد فيه من القبول. وقد نبه الشيخ في المبسوط (2) وفي مسائل الخلاف (3) عليه فقال: إذا قبل الوصية له أن يردها ما دام الموصي حيا، فإن مات فليس له ردها. واستدل بإجماع الفرقة، وبأن الوصية قد لزمته بالقبول. مسألة: لا بد في الوصية من قبول الموصي له، فلو أوصى له بشئ ورده بعد الموت قبل القبول بطلت الوصية، وهل يشترط وقوع القبول بعد الموت؟ نقل ابن إدريس عن بعض علمائنا ذلك، بخلاف الوكالة، لأنها عقد منجز في الحال فجاز القبول فيها، بخلاف قبول الموصى له فإنه لا يعتد به إلا بعد الوفاة، لأن الوصية تقتضي تمليكه في تلك الحال فتأخر القبول إليها (4). وأظنه قصد بذلك السيد ابن زهرة (5)، لأنه نقل كلامه. قال ابن إدريس: ولا أرى بأسا بقبوله قبل الموت وبعده وعلى كل حال، لأنه لا مانع منه (6). والوجه عندي الأول، لأنه وجب له بعد موته، فقبله ليسر محلا للقبول، فأشبه قبل الوصية. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا أوصى له بشئ فإنه ينتقل إلى ملك

(1) سنن البيهقي: ج 6 ص 70. (2) المبسوط: ج 4 ص 63.
(3) الخلاف: ج 4 ص 148 المسألة 21.
(4) السرائر: ج 3 ص 184.
(5) الغنية (الجوامع الفقهية): ص 542 س 18.
(6) السرائر: ج 3 ص 184.

[ 339 ]

الموصى له بوفاة الموصي (1). وقال في المبسوط: إذا أوصى لرجل بشئ فإن ملكه لا يزول عن ذلك الشئ قبل وفاته بلا خلاف، وإذا مات الموصي متى ينتقل الملك إلى الموصى له؟ قيل: فيه قولان: أحدهما: ينتقل بشرطين: وفاة الموصي وقبول الموصى له، فإذا وجد الشرطان انتقل الملك عقيب القبول. والقول الثاني: إنه مراعى إن قبل الوصية تبينا أنه انتقل الملك إليه بوفاته، وإن لم يقبل تبينا أن الملك انتقل إلى الورثة بوفاته، وقيل فيه قول ثالث وهو: إن الملك ينتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي - مثل الميراث - ويدخل في ملك الورثة بوفاته، فإن قبل ذلك استقر ملكه عليه، وإن رد انتقل عنه إلى ورثته. قال: وهذا قول ضعيف لا يفرع عليه بل على الأولين، ثم قال بعد ذلك: الأقوى أن يقال: إن الشئ الموصى به ينتقل إلى ملك الموصى له بوفاة الموصي، وقد قيل إنه بشرطين: بالموت قبول الموصى له، وقيل أيضا: إنه يراعى، فإن قبل علم أنه انتقل بالموت إليه، وإن رد علم أنه بالموت انتقل إلى الورثة. قال: وعلى ما قلناه لو أهل هلال شوال وقد مات الموصي وقد أوصى له بجارية ولم يقبل الموصى له بعد لزمه فطرتها، وعلى القولين الآخرين لا تلزمه (2). وقال في كتاب الفطرة من الخلاف: إذا أوصى له بعبد ومات الموصي قبل أن يهل شوال ثم قبل الموصى له الوصية، إن قبل قبل هلال شوال كانت الفطرة عليه، لأنه حصل في ملكه بلا خلاف، وإن قبل بعده لم يلزم أحدا فطرته. ثم نقل الأقوال الثلاثة للشافعية، ومن جملتها: إنه يزول ملكه عند الموت إلى الموصى له به كالميراث، وإنه دخل في ملك الموصى له بغير اختياره،

(1) الخلاف: ج 4 ص 146 المسألة 18.
(2) المبسوط: ج 4 ص 28 و 33.

[ 340 ]

فإن قبل استقر في ملكه، وإن رد خرج الان من ملكه إلى ورثة الميت لا عن الميت، فعلى هذا يلزم الموصى له فطرته. ثم قال: دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وليس في الشرع دليل ينتقل واحد منهما فيجب تركهما على الأصل (1). وقال ابن الجنيد: فإن اكتسب العبد بعد موت السيد وقبل قبول الموصى له به إياه كان ما اكتسبه تابعا له، وهو يدل على الانتقال بالموت. وقال ابن إدريس: الأقوى في نفسي أنه لا ينتقل بالموت، بل بانضمام القبول من الموصى له لا بمجرد الموت (2). والمعتمد أن نقول: الوصية إن كانت لغير معين - كالفقراء والمساكين - ومن لا يمكن حصرهم - كبني هاشم - أو على مصلحة - كمسجد أو قنطرة أو حج أو مدرسة أو غير ذلك - لم يفتقر إلى قبول، ولزمت بمجرد الموت، لتعذر اعتبار القبول من جميعهم، فسقط اعتباره كالوقف عليهم، ولا يتعين واحد منهم فيكفي بقبوله. وإن كانت لمعين افتقرت إلى القبول، ولا يحصل الملك قبله، لأن القبول معتبر، فحصول الملك له قبل قبوله لا وجه له مع اعتباره. ولأنه تمليك عين لمعين فلم يسبق الملك القبول كسائر العقود. ولأن الموصى له لورد الوصية بطلت، ولو كان قد ملك بمجرد الايصاء لم يزل الملك بالرد كما بعد القبول. ولأن الملك في الماضي لا يجوز تعليقه بشرط مستقبل، لامتناع تقدم المشروط على شرطه. احتج الشيخ بأنه لا يمكن بقاء الموصى به على ملك الميت، لأن الميت لا

(1) الخلاف: ج 2 ص 145 المسألة 180، وفيه: " دليل على شغل واحد منهما ".
(2) السرائر: ج 3 ص 202.

[ 341 ]

يصح أن يملك، لأنه كالحجر، ولا يمكن نقله إلى الورثة بعد الموت، لقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) (1) فجعل لهم الميراث بعد الوصية، ولم يقل: بعد وصية وقبول الموصى له، فلم يبق إلا أن يكون ملكا للموصى له بالموت. ولأن الوصية على مضاهات الإرث من حيث أنه يملك بالموت، ولو حصل بالقبول لافتقر إلى القبول متصلا بالايجاب. نعم جوزنا للموصى له أن يرد الوصية، لئلا يحصل له الملك باختيار غيره قهرا عليه، بخلاف الميراث حيث لا يرد برده. والجواب: إنا نقول: ينتقل إلى الوارث عند موت الموصي بحكم الأصل، فإذا قبل الموصى له وجد تمام السبب الذي أوجده الموصي فانتقل الملك إليه. وقوله تعالى: (من بعد وصية) (2) المراد به وصية مقبولة، لأنه لو لم يقبل لكان ملكا للوارث، وقبل قبولها فليست مقبولة، أو نقول: " ولكم الربع من بعد وصية " أي لكم ذلك مستقرا، وهذا لا يمنع ثبوت ملك غير مستقر، ولهذا لا يمنع الدين من ثبوت الملك في التركة، وهو آكد من الوصية. سلمنا إنه لا يثبت للوارث، فلم لا يبقى على ملك الميت؟ قوله: (لا يملك) قلنا: ممنوع، لبقاء ملكه فيما يحتاج إليه من مؤونة تجهيزه ودفنه وقضاء دينه. ويجوز أن يتجدد له ملك، كما إذا قتل أو نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته، بحيث يقضي ديونه وينفذ وصاياه فهذا يبقى على ملكه، لتعذر انتقاله إلى الوارث، ونمنع وجوب إيصال القبول، لانتفاء فائدته. مسألة: هل يشترط في إجازة الورثة لما زاد على الثلث وفاة الموصي أم لا؟

(1 و 2) النساء: 12.

[ 342 ]

قال المفيد (1)، وابن إدريس (2)، وسلار (3): يشترط ذلك، فلو أجازوا في حياة الموصي كان لهم الرجوع عن الاجازة بعد وفاته. وقال الشيخ - رحمه الله -: لا يشترط، وليس لهم الرجوع بعد موت الموصي عما أجازه حال حياته (4). وبه قال ابن حمزة (5). ورواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح (6)، وأفتى به أبو علي بن الجنيد. وابن أبي عقيل أطلق فقال: فإن أوصى بأكثر من الثلث فأجاز الورثة كان ذلك جائزا، وإن لم يجز الورثة لم يجز إلا الثلث. والمعتمد قول الشيخ. لنا: عموم قوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " (7). ولأن الرد حق للورثة، فإذا رضوا بالوصية سقط حقهم، كما لو رضي المشتري بالعيب. ولأن الأصل عدم اعتبار إجازة الوارث، لأنه تصرف من المالك في ملكه، لكن منع من الزيادة على الثلث إرفاقا بالورثة، فإذا رضي الوارث زال المانع. ولأن المال الموصى به لا يخرج عن ملك الموصي والورثة، لأنه إن برئ كان المال له، وإن مات كان للورثة، فإن كان للموصي فقد أوصى به، وإن كان للورثة فقد أجازوه.

(1) المقنعة: ص 669.
(2) السرائر: ج 3 ص 194.
(3) المراسم: ص 203.
(4) الخلاف: ج 4 ص 144 المسألة 14.
(5) الوسيلة: ص 375 وفيه: نسبته إلى " قيل " وفتواه عكس ذلك.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 200 ح 5461.
(7) النساء: 11.

[ 343 ]

وما رواه منصور بن حازم في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - (1) ومحمد بن مسلم في الحسن، عنه - عليه السلام - في رجل أوصى بوصية وورثته شهود فأجازوا ذلك فلما مات الرجل نقضوا الوصية هل لهم أن يردوا ما أقروا به؟ فقال: ليس لهم ذلك، والوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته (2). وغير ذلك من الأخبار (3). وادعى الشيخ - رحمه الله - في ذلك إجماع الفرقة (4). واحتج ابن إدريس بأنها إجازة في غير ما يستحقونه بعد، فلا يلزمهم ذلك بحال (5). والجواب: المنع من الملازمة. لا يقال: إنها حالة لا يصح فيها ردهم للوصية، فلا يصح فيها إجازتهم. لأنا نقول: الفرق ظاهر، فإن الرد أنها لم يعتبر حال حياة الموصي، لأن استمرار الوصية تجري مجرى تجددها حالا فحالا، بخلاف الرد بعد الموت والاجازة حال الحياة. مسألة: اختلف علماؤنا في الوصية للكافر، فقال في المبسوط: فمن لا يصح له الوصية عندنا الكافر الذي لا رحم له من الميت (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 193 ح 776، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أحكام الوصايا ذيل الحديث 1 ج 13 ص 371.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 193 ح 775، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 371.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 193 ح 777، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أحكام الوصايا ذيل الحديث 1 ج 13 ص 372.
(4) الخلاف: ج 3 ص 144 المسألة 14.
(5) السرائر: ج 3 ص 185.
(6) المبسوط: ج 4 ص 4.

[ 344 ]

وفي الخلاف: الوصية لأهل الذمة جائزة بلا خلاف، وفي أصحابنا خاصة من قيدها إذا كان من قراباته، ولم يشترط الفقهاء ذلك، فأما الحربي فإنه لا يصح الوصية له (1). وقال في النهاية: فإن أوصى إنسان لأحد أبويه أو بعض قراباته شيئا من ثلثه وجب إيصاله إليهم وإن كانوا كفارا ضلالا (2). وقال المفيد: إذا أوصى الانسان لغيره بشئ من ثلثه وجب أن يدفع ذلك إليه حسب ما أوصى به الموصي، وإن كان الموصى له كافرا قال الله تعالى: " فمن بذله بعد ما سمعه فإنها إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " فإن تصدق بماله على كافر وكان من ذوي أرحامه مضت صدقته، لما يجب من صلة الرحم، وإن كان المتصدق عليه ليس بينه وبينه رحم وهو كافر بطلت صدقته وكانت راجعة إلى ماله ومقسومة بين ورثته (3). وقال ابن الجنيد: إذا أوصى بفداء بعض أهله من يد أهل الحرب من أهل الكتاب والمشركين جاز ذلك، ولا نجيز وصيته لحربي. وقال ابن البراج: وذكر أنه إن أوصى لبعض أقاربه وكان الموصى له كافرا كانت الوصية ماضية، والصحيح أن لا يوصي لكافر (4). وقال سلار: الوارث يجوز أن يوصى له، وغير الوارث إن كان قريبا استحب له أن يوصى له بشئ، لأنه محجوب، وأما الأجنبي فضال عن الدين وغير ضال، فالضال قد روي جواز الوصية له، وقد روي خلافه، وهو إلا ثبت (5). وهو يناسب قول المفيد.

(1) الخلاف: ج 4 ص 153 المسألة 26.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 147.
(3) المقنعة: ص 671.
(4) المهذب: ج 2 ص 106.
(5) المراسم: ص 203.

[ 345 ]

وقال أبو الصلاح: إذا أوصى لكافر لا رحم بينه وبينه على جهة الصدقة الواجبة أو المسنونة لم تمض الوصية، وإن كان ذا رحم مضت إذا كانت تبرعا بصلته ولا تمضي الواجبة بحال، فإن أطلق الوصية للكافر والأجنبي ولم يجعلها صدقة أو صرح بكونها مكافأة على مكرمة دنيوية أو مبتدئا بها فهي ماضية (1). وقال ابن إدريس: الوصية تصح للكافر، سواء كان ذا رحم أو غير ذلك، لأنها عطية بعد الموت، وليس من شرطها نية القربة ولا من مصححاتها. وقال بعض أصحابنا: إن الوصية للكافر لا تصح، إلا أن يكون ذا رحم للموصي (2). والوجه صحة الوصية للذمي خاصة، لأصالة الصحة والجواز. ولأنها نوع عطية، فلا فرق بين وقوعها حال الحياة وبعد الوفاة، بل الأول أقوى في العطية. لا يقال: ينتقض بالحربي حيث جازت الهبة له دون الوصية. لأنا نقول: الفرق إن ملك الحربي غير لازم، وماله غير معصوم، ولا يجب دفع ماله إليه، بل يجوز الاستيلاء عليه، بخلاف الذمي. ولو جازت الوصية للحربي لكان إما أن يجب على الموصي الدفع إليه - وهو محال، لما تقدم - أو لا، وهو المطلوب، إذ معنى بطلان الوصية عدم وجوب التسليم. وما رواه محمد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السلام - في رجل أوصى بماله في سبيل الله، قال: إعط لمن أوصى له وإن كان يهوديا أو نصرانيا، إن الله يقول: " فمن بدله بعد ما سمعه... الآية " (3).

(1) الكافي في الفقه: ص 364.
(2) السرائر: ج 3 ص 186.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 201 ح 804، وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب أحكام الوصايا ذيل الحديث 1 ج 13 ص 411.

[ 346 ]

احتج المانعون بأن الوصية نوع مودة فتدخل تحت النهي. والجواب: المنع من الصغرى. مسألة: لو خلف زوجة وبنتا وأوصى بمثل نصيب زوجته الفريضة من تسعة: للزوجة سهم، وللموصى له مثله، وسبعة للبنت. وقال الشيخ: يصح من ثمانية: سهم للزوجة، وسهم للموصى له، وستة للبنت (1). وهو غلط من قلم الشيخ، لاستلزامه خروج الوصية من نصيب البنت لا غير، وليس كذلك، لأن النقص بالوصية هنا سهم واحد يؤخذ من الجميع على نسبة ما لكل واحد منهم. قال - رحمه الله -: ولو أوصى بمثل نصيب البنت فالفريضة من ستة عشر: سهمان للزوجة، وللبنت سبعة، وكذا للموصى له (2). وليس بجيد أيضا، لاستلزامه إدخال النقص على البنت. والحق إنها تخرج من خمسة عشر: سهم للزوجة، وللبنت سبعة، وللموصى له سبعة، لأن أصل الفريضة ثمانية: للزوجة سهم، وللبنت سبعة، وينزل عليهم سبعة أخرى للموصى له إن أجازتا. قال: ولو خلف بنتا وأربع زوجات وأوصى بمثل نصيب إحداهن، فالفريضة من اثنين وثلاثين: للزوجات الثمن أربعة لكل زوجة سهم، وللموصى له سهم آخر، ويبقى سبعة وعشرون للبنت (3). وهو يستلزم ما قلناه من الضعف. والحق أن الفريضة من ثلاث وثلاثين: لكل زوجة سهم، وللموصى له سهم، وللبنت ثمانية وعشرون.

(1) المبسوط: ج 4 ص 6.
(2) المبسوط: ج 4 ص 6.
(3) المبسوط: ج 4 ص 6.

[ 347 ]

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) والخلاف (2): لو أوصى له بنصيب ابنه بطلت الوصية، وقال بعض علمائنا: تصخ الوصية، ويكون بمنزلة ما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه. والمعتمد الأول. لنا: إنه أوصى له بما هو حق الإبن فيبطل، كما لو قال: بدار ابني. احتج الآخرون بأن اللفظ يحمل على مجازه عند تعذر حمله على الحقيقة، ولأنه وصية له بجميع المال في الحقيقة، ولو أوصى له بجميع ماله لم تكن الوصية باطلة. والجواب: الأصل حمل اللفظ على حقيقته مهما أمكن وهو ممكن هنا، وبطلان الوصية لا يقتضي تعذر حمل اللفظ على حقيقته ووجوب صرفه إلى المجاز لتصح الوصية. والفرق بين أن يوصى له بجميع ماله أو يوصي بنصيبه ظاهر، لأنه في الأول لم يضف إليه حق غيره، ولهذا لو قال: أوصيت لفلان بما يستحقه ابني بطلت الوصية، ولو أوصى بجميع المال صحت الوصية وإن كان قد وصى بما يستحقه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: لو قال: أوصيت له بمثل نصيب ابني وله ابن قاتل فالوصية باطلة، لأن الإبن القاتل لا يرث فلا يكون له نصيب، فكأنه قال: أوصيت له بمثل من لا شئ له (3). والوجه عندي ذلك إن كان عارفا بأنه قاتل، وإن القاتل لا نصيب له، ولو جهل أحدهما صحت الوصية.

(1) المبسوط: ج 4 ص 7.
(2) الخلاف: ج 4 ص 137 المسألة 4.
(3) المبسوط: ج 4 ص 7.

[ 348 ]

مسألة: إذا أوصى له بضعف نصيب ابنه كان له مثلاه، فإن أوصى له بضعفيه للشيخ قولان: أحدهما: أنه يكون له أربعة أمثاله، قاله في المبسوط (1). وقال في الخلاف: يكون له ثلاثة أمثاله. واستدل على ما قاله في الخلاف بأن ما قاله مجمع عليه، وليس على الزائد دليل. ولأن الضعف هنا يجب أن يضاف إلى النصيب، والضعف الذي هو مثلاه إذا أضفته إلى نصيبه يكون ثلاثة. ثم قال في الخلاف: والذي يقوى عندي في نفسي مذهب أبي ثور، وهو أربعة أضعافه، لأنا قد دللنا على أن ضعف الشئ مثلاه، فإذا ثناه وجب أن يكون أربعة أمثاله (2). والوجه عندي ما قاله أو لا في الخلاف، لأن ضعف الشئ ضم مثله إليه، فإذا قال: ضعفيه فكأنه ضم مثليه إليه. مسألة: لو أوصى بجزء في من ماله للشيخ قولان: قال في النهاية (3) والخلاف (4): يكون وصية بالسبع، وروي العشر. وفي المبسوط: أصحابنا قالوا في الجزء: إنه سهم من سبعة، وقالوا أيضا: سهم من عشرة (5). وقال المفيد: السبع (6)، وكذا قال ابن الجنيد، وسلار (7)، وابن البراج (8)، وابن حمزة (9). والثاني: قال في كتابي الأخبار: أنه العشر (10)، وبه قال علي بن بابويه

(1) المبسوط: ج 4 ص 7.
(2) الخلاف: ج 4 ص 139 المسألة 6.
(6) المقنعة: ص 673.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 154.
(7) المراسم: ص 204.
(4) الخلاف: ج 4 ص 139 المسألة 7.
(8) جواهر الفقه: ص 150 المسألة 525.
(5) المبسوط: ج 4 ص 8.
(9) الوسيلة: ص 378.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 210 ذيل الحديث 831، والاستبصار: ج 4 133 ذيل الحديث 501.

[ 349 ]

وابنه (1)، وهو المعتمد. لنا: أصالة العدم فيما زاد عليه. ولأنا نعطي من أوصى بمثل نصيب أحد ورثته نصيب أقلهم، عملا بالمتيقن، فكذا هنا، فإن اسم الجزء صادق عليهما في عرف الشرع فيجب حمله على أقلهما، عملا بأصالة بقاء مال الميت على ورثته. وما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: إن امرأة أوصت إلي وقالت: ثلثي يقضى به ديني وجزء منه لفلانة، فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى فقال: ما أرى لها شيئا ما أدري ما الجزء؟! فسألت أبا عبد الله - عليه السلام - بعد ذلك وخبرته كيف قالت المرأة وما قال ابن أبي ليلى، فقال: كذب ابن أبي ليلى، لها عشر الثلث، إن الله تعالى أمر إبراهيم - عليه السلام - وقال: " إجعل على كل جبل منهن جزء " وكانت الجبال يومئذ عشرة، فالجزء هو العشر من الشئ (2). وفي الحسن عن أبان بن تغلب، عن الباقر - عليه السلام - قال: الجزء واحد من عشرة، لأن الجبال عشرة والطير أربعة (3). احتج الآخرون بما رواه ابن أبي نصر في الصحيح قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - عن رجل أوصى بجزء من ماله، فقال: واحد من سبعة، إن الله يقول: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) (4).

(1) المقنع: ص 163.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 208 ح 824، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 442.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 209 ح 826، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 442.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 209 ح 828، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب أحكام الوصايا ح 12 ج 13 ص 447.

[ 350 ]

وعن إسماعيل بن همام الكندي عن الرضا - عليه السلام - في الرجل أوصى بجزء من ماله، قال: الجز من سبعة (1). والجواب: ما ذكرناه أولى، لكثرة الأخبار وزياداتها على هذه وموافقتها للأصل وبعدها عن الاضطراب، إذ في رواية السبع أنها سبع الثلث. روى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أوصى بجزء من ماله، قال: سبع ثلثه (2). قال الشيخ - رحمه الله -: الوجه في الجمع حمل الأخبار الأولة على الوجوب، والأخيرة على الاستحباب، فيلزم أن يخرج واحد من عشرة، ويستحب للورثة أن يخرجوا واحدا من السبعة (3). مسألة: إذا أوصى بسهم من ماله للشيخ قولان: أحدهما في النهاية: إنه الثمن. قال: وقد روي أنه سهم من عشرة، والأول أكثر في الرواية (4). وفي الخلاف (5) وفي المبسوط (6): إنه السدس، وبه قال علي بن بابويه. وقال المفيد - رحمه الله -: إنه الثمن (7)، وهو قول ابن الجنيد، والصدوق (8)،

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 201 ح 829، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب أحكام الوصايا ح 13 ج 13 ص 447.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 209 ح 831، وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب أحكام الوصايا ح 14 ج 13 ص 447.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 210 ذيل الحديث 831.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 154.
(5) الخلاف: ج 4 ص 140 المسألة 9.
(6) المبسوط: ج 4 ص 8.
(7) المقنعة: ص 674.
(8) المقنع: ص 163.

[ 351 ]

وابن البراج (1)، وسلار (2)، وابن إدريس (3)، وهو المعتمد. لنا: ما رواه السكوني في الموثق، عن الصادق - عليه السلام - أنه سئل عن رجل يوصي بسهم من ماله، فقال: السهم واحد من ثمانية (4). ومثله في الحسن عن صفوان، عن الرضا - عليه السلام - (5). احتج الاخرون بما رواه طلحة بن زيد، عن الباقر - عليه السلام - قال: من أوصى بسهم من ماله فهو سهم من عشرة (6). والجواب: رواياتنا أصح طريقا، ومعتضدة بعمل أكثر الأصحاب، فيتعين المصير إليها. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قال: اعطوه كثيرا من مالي فإنه يستحق ثمانين، على ما رواه أصحابنا في حد الكثير (7). وتبعه ابن حمزة (8)، ولم يفسر الكثير. والظاهر أن مرادهما ثمانون درهما كالنذر. وقال الصدوق: إذا أوصى رجل بمال كثير أو نذر أن يتصدق بمال كثير

(1) جواهر الفقه: ص 150 المسألة 525.
(2) المراسم: ص 204.
(3) السرائر: ج 3 ص 187.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 210 ح 832، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 449.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 210 ح 833، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 448.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 211 ح 834، وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 449.
(7) الخلاف: ج 4 ص 1139 المسألة 8.
(8) الوسيلة: ص 378.

[ 352 ]

فالكثير ثمانون فما زاد، لقوله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " وكانت ثمانين موطنا (1). والوجه عندي اختصاص هذا التقدير بالنذر، فللورثة أن يعطوا مهما شاؤوا. وقال في كتاب الاقرار من الخلاف: لو قال: له عندي مال كثير فإنه يكون إقرارا بثمانين، على الرواية التي تضمنت بأن الوصية بالمال الكثير وصية بثمانين (2). وقال ابن إدريس: في قول الشيخ تسامح وتجاوز، إنما الرواية وردت فيمن نذر أن يتصدق بمال كثير، وما وردت بالوصية جملة كافية ولا أوردها أحد من أصحابنا في الوصايا، والذي يقتضيه أصول المذهب ويحكم به الأدلة والاعتبار أن لا نتجاوز بالرواية ما وردت فيه فحسب ولا نعد بها إلى غير النذر، ويرجع في تفسير الكثير إلى المقر، وكذا في الوصية يرجع في تفسير الكثير إليهم (3). مسألة: إذا أوصى له بالمنافع - كخدمة عبده أو غلة بستانه أو ثمرة شجرته - فإن كانت مقيدة كسنة أو أزيد قال الشيخ في المبسوط: قومت المنفعة على الموصى له والأصل على الورثة، وإن كانت مؤبدة قال: يعتبر من الثلث، وكيفية الاعتبار بأن تقوم الرقبة والمنفعة من الثلث. قال: وقال قوم: تقوم الرقبة من ثلثي الورثة وتقوم المنفعة من ثلثه، ومن الناس من قال: يقوم عليه المنفعة وتسقط الرقبة في باب القيمة. قال: وهذا ضعيف عندهم، وهو

(1) المقنع: ص 163.
(2) الخلاف: ج 3 ص 359 المسألة 1.
(3) السرائر: ج 3 ص 188.

[ 353 ]

الأقوى عندي، فمن قال: تقوم الرقبة من الثلثين والمنفعة من الثلث يقول: المنفعة تنتقل إلى الموصى له وتنتقل الرقبة إلى الورثة، ومن قال: تقوم الرقبة والمنفعة قال: ينظر إن خرج العبد من الثلث كان كله للموصى له، وإن خرج بعضه كان له من العبد بقدر ذلك والباقي للورثة، وعلى ما قلناه تقوم المنفعة، فإن خرج من الثلث كان له، وإن لم يخرج كان له منها بقدر الثلث والباقي للورثة (1). وقال ابن إدريس: إن كانت الثمرة والغلة موجودة وقت موته ولم يخلف غير البستان أو غير النخلة فإن البستان أو النخلة تقومان ويعطى الموصى له بالغلة والثمرة بقدر ثلث جميع ما قوم، فإن كانت الثمرة بقدر الثلث فقد استوفى ما أوصى له به، وإن نقصت عن الثلث استوفى في المستقبل من الثمرة تمام الثلث، ويعود ملك الأصول إلى الورثة بعد استيفاء جميع ثلث ما كان في ملك الميت الذي ذكرنا أنه يقوم بعد الموت. وأما خدمة العبد فإن العبد أيضا يقوم وقت الموت ويستخدمه الموصى له بخدمته مدة يكون إجارتها مقدار الثلث، فإذا استوفى الثلث عادت رقبة العبد إلى الورثة. هذا إذا لم يخلف الميت ثلثين كل ثلث بمقدار قيمة الغلة أو الثمرة أو قيمة العبد سوى الثلث الذي هو قيمة الغلة أو الثمرة أو قيمة العبد، فإن كانت الثمرة أو الغلة معدومة فإن الجميع يقوم ويأخذ في المستقبل الموصى له بقدر الثلث مما يخرج البستان أو النخلة إلى أن يستوفي قدر الثلث ويرجعان إلى الورثة (2). واحتج من قال: بتقويم الرقبة، فإن خرجت من الثلث لزمت الوصية في منفعتها، وإن لم يخرج من الثلث لزمت الوصية في منفعة ما يخرج منها، بأن

(1) المبسوط: ج 4 ص 14. (2) السرائر: ج 3 ص 201.

[ 354 ]

منفعة استحقاق العين على التأبيد بمنزلة اتلاف الرقبة، لأن القصد من الأعيان إنما هو المنافع، فيجب أن تقوم الرقبة. ولأن تقويم المنفعة متعذر، لأنها غير معلومة ولا محدودة فلم يمكن تقويمها إلا بتقويم الرقبة. واحتج من قال: بتقويم المنفعة من الثلث والرقبة على الورثة من رأس المال بأن الرقبة تنتقل إلى الورثة كما تنتقل المنفعة إلى الموصى له، فوجب أن تقوم على ما انتقلت إليه كالمنافع. واحتج من قال: بعدم تقوم الرقبة لا على الوارث ولا على الموصى له بأن الرقبة إذا كانت مسلوبة المنافع لا قيمة لها، فإن ما لا منفعة فيه - كالحشرات - لا قيمة لها في الشرع ولا في العادة. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أوصى بخدمة أمته ثم مات لم يكن للموصى له وطؤها، لأنه لا يملكها، ولا لوارث الموصي، لأن له رقبة عرية من المنفعة، لأنها لو وطئت لكان المهر للغير لا للورثة، فإن خالف الموصى له ووطأ وعلقت فالولد حر، لأنه ولد شبهة وتكون أم ولد عندنا (1). والوجه المنع من صيرورتها أم ولد، لأن الوطئ لم يصادف ملكا، فأشبهت الأمة إذا أباحها مالكها. قال: وإن وطأها الوارث فالولد حر ولا حد، لأنه وطئ شبهة كل وتصير أم ولد، لأنها ملكه (2). وهذا التعليل يقتضي خروج الأولى عن كونها أم ولد، إذ لم يصادف الوطئ ملكا. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أوصى بدف من دفوفه لا يصح على

(1) المبسوط: ج 4 ص 16.
(2) المبسوط: ج 4 ص 16.

[ 355 ]

مذهبنا، لأن استعمال ذلك محظور، ونقل عن المخالف جوازه، لأن الدف له منفعة مباحة، لما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف " (1). وقال ابن إدريس: نعم ما قال الشيخ، لأنه من اللعب واللهو، وإن كان قد روي رواية شاذة بأنه مكروه وليس بمحظور (2). وقد مضى البحث في تحريم استعمال الدف في الملاك وعدمه. مسألة: إذا أوصى له بخدمة عبده مدة معينة صح على ما قلناه وقومت المنفعة من الثلث، واستخدم العبد تلك المدة إن خرجت الخدمة من الثلث، وإلا فما ساواه منها، سواء كان للميت مال أو لا. وقال ابن الجنيد: لا بأس بالوصية بعبد واصل غيره لرجل وبمنفعته (3) إذا حددها إلى وقت معلوم لغير من أوصى له بالرقبة إذا خرجت الرقبة من الثلث، فإن لم يكن للميت غير ذلك العبد وكانت الوصية بخدمته سنة خدم الورثة يومين والموصى له يوما حتى يستكمل الموصى له سنة. والوجه ما قلناه أو لا، لأنها وصية صحيحة، فوجب تنفيذها على صفتها إن خرجت من الثلث أو بقدر ما خرج من الثلث منها، كسائر الوصايا أو كالأعيان. مسألة: إذا أوصى بما يقع على المحلل والمحرم انصرف اللفظ إلى المحلل صونا للمسلم عن المحرم، كما إذا أوصى بعود من عيدانه وله عود لهو وعيدان قسي وعيدان عصا وعيدان السقف والبنيان. وقال الشيخ في المبسوط: إطلاق قوله: عود من عيداني ينصرف إلى العود

(1) المبسوط: ج 4 ص 20.
(2) السرائر: ج 3 ص 205.
(3) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: لا بأس بالوصية لعبد أصله لرجل ومنفعته لغيره.

[ 356 ]

الذي يضرب به للهو، لأن ذلك يسمى بالإطلاق عودا في العادة، ثم ينظر فإن كان له منفعة مباحة غير الضرب صحت الوصية، وإن لم يكن له منفعة مباحة ولا يصلح إلا للعب بطلت الوصية (1). والمعتمد ما قلناه، لأصالة الصحة في تصرفات المسلم. وابن حمزة قال: إن أوصى بشئ من نوع فيه ما لا يصح تملكه كانت الوصية بما يصح تملكه، مثل من أوصى بكلب فإنه يستحق كلب صيد أو زرع أو ماشية، أو بطبل فإنه يستحق طبل حرب، وإن أوصى بعود لم يصح (2)، وهو تحكم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: اعطوه قوسا من قسي وله قسي قوس من نشاب - وهو قوس العجم - وقوس نبل - وهو القوس العربي - أو يكون له قوس حسبان - وهو الذي يدفع النشاب في مجرى وهو الوتد مع المجرى ويرمى به - أو يكون له قوس جلاهق - وهو قوس البندق - أو يكون له قوس الندف، فإن هذا بالإطلاق يحمل على قوس النشاب والنبل والحسبان، فإن كان له شئ منها فالورثة بالخيار يعطون أي قوس من هذه الثلاثة شاؤوا، وإن كانت له قسي معمولة وقسي غير معمولة اعطي المعمولة، لأن الاسم يتناول المعمولة لا غيرها، فإن لم يكن له إلا الجلاهق وقوس الندف فالورثة بالخيار يعطون أي القوسين شاؤوا (3)، وبه قال ابن حمزة (4). وقال ابن إدريس: الذي أرى إن الورثة بالخيار في إعطائه أيما شاؤوا من الخمسة الاقواس، وتخصيص كلام الموصي العام يحتاج إلى دليل (5).

(1) المبسوط: ج 4 ص 20.
(2) الوسيلة: ص 376. (3) المبسوط: ج 4 ص 21.
(4) الوسيلة: ص 376.
(5) السرائر: ج 3 ص 206.

[ 357 ]

أقول: ولعل الشيخ - رحمه الله - نقل عرفا نوعيا أو عاميا في أن القوس إنما يطلق حقيقة على إحدى الثلاثة السابقة. مسألة: إذا أوصى بالحج الواجب استؤجر عنه بالنيابة، ومن أي موضع يستأجر؟ قال في النهاية: يستأجر عنه من بلده، فإن قصر استؤجر من ميقات أهله (1). واختاره ابن الجنيد. وقال في المبسوط: يستأجر للنيابة عنه من ميقات أهله (2). وقال علي بن بابويه: إن أوصى بحج وكان صرورة حج من جميع ماله، وإن كان قد حج فمن الثلث، فإن لم يبلغ ثلث ماله ما يحج به عنه من بلده حج عنه من حيث تهيا. وقال ابنه: إن أوصى بحجة فلم يبلغ ماله ما يحج به عنه من بلده حج عنه من حيث تهيأ (3). واختار ابن إدريس الأول، وادعى تواتر الأخبار به (4). والوجه عندي الثاني، لأن قطع المسافة ليس مقصودا في نظر الشرع، ولهذا لو قطع المسافة لا بنية الحج ثم جدد النية عند الميقات أجزأه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: أعتقوا بثلث مالي رقابا وجب شراء ثلاثة أعبد ويعتقون، لأنه أقل الجمع، فإن قصر الثلث عن ثلاثة وزاد على اثنين جعل الرقبتين أكثرهما ثمنا ولا يفضل شيئا (5). وكذا قال ابن البراج (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 164.
(2) المبسوط: ج 4 ص 23.
(3) المقنع: ص 164.
(4) السرائر: ج 3 ص 216.
(5) المبسوط: ج 4 ص 22. (6) المهذب: ج 2 ص 112.

[ 358 ]

قال الشيخ: وفي الناس من قال: يجعل في عبدين وفي جزء من ثالث، وروى أصحابنا أنه إذا أوصى بعتق عبد بثمن معلوم فوجد بأمل منه اعطي البقية ثتم أعتق (1). وقال في الخلاف: ينبغي أن يشترى بالثلث ثلاثة فصاعدا، لأنهم أقل الجمع فإن لم يبلغ وبلغ اثنين فصاعدا وجزء من الثالث فإنه يشترى الاثنان وأعتقا وأعطيا البقية، لاجماع الفرقة، فإن هذه منصوصة لهم (2). والوجه عندي ما نقله عن بعض الناس في المبسوط، والظاهر أنه أراد النقل عن الشافعي (3)، لأن ذلك أحد وجهيه، وهو قول ابن إدريس (4). لنا: إنه أوصى بصرف المال في الرقاب، وأقله ثلاثة على ما قرره، وبالجزء من الثالث يتحقق الجمع، لأنه يستسعى ويكتمل عتقه فيتعين عتقه، بخلاف ما وردت به الرواية من اعطاء العبد الفاضل (5)، لأن هناك قد عمل بمقتضى الوصية بقدر الامكان - وهو عتق عبد واحد - بخلاف صورة النزاع. مسألة: إذا أوصى لقرابته قال الشيخ في النهاية: كان ذلك في جميع ذوي نسبه الراجعين إلى آخر أب له وأم في الاسلام بالسوية (6). وكذا قال المفيد، إلا أنه قال: ولا يرجع على من يتعلق بمن نأى عنهم في الجاهلية (7).

(1) المبسوط: ج 4 ص 22.
(2) الخلاف: ج 4 ص 145 - 146 المسألة 16.
(3) الأم: ج 4 ص 93.
(4) السرائر: ج 3 ص 213.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 216 ح 853، وسائل الشيعة: ب 77 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 410.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 157 - 158.
(7) المقنعة: ص 675.

[ 359 ]

وقال في الخلاف: إذا أوصى بثلثه لقرابته ففي أصحابنا من قال: إنه يدخل فيه كل من تقرب إليه إلى آخر أب وأم في الاسلام. واختلف الناس في القرابة، فقال الشافعي: إذا أوصى بثلثه لقرابته ولأقربائه ولذي رحمه فالحكم واحد، فإنها تنصرف إلى المعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث. قال: وهذا قريب يقوى في نفسي، وليس لأصحابنا فيها نص عن الأئمة - عليهم السلام - (1). وقال في المبسوط: قال قوم: إن هذه الوصية للمعروفين من أقاربه في العرف، فيدخل فيه كل من يعرف في العادة أنه من قرابته، سواء كان وارثا أو غير وارث، وهو الذي يقوى في نفسي. وقال قوم: إنه يدخل فيه كل ذي رحم محرم، فأما من ليس بمحرم له فإنه لا يدخل فيه وإن كان له رحم مثل بني الأعمام أو غيرهم. وقال قوم: إنها للوارث من الأقارب، فأما من ليس بوارث فإنه لا يدخل فيه. والأول أقوى، لأن العرف يشهد به، وينبغي أن يصرف في جميعهم. وفي أصحابنا من قال: إنه يصرف ذلك إلى آخر أب وأم له في الاسلام، ولم أجد به نصا، ولا عليه دليلا مستخرجا، ولا به شاهدا (2). وقال ابن الجنيد: ومن جعل وصيته لقرابته وذوي رحمه غير مسمين كانت لمن تقرب إليه من جهة ولده أو والديه، ولا أختار أن يتجاوز بالتفرقة ولد الأب الرابع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - لم يتجاوز ذلك في تفرقة سهم ذوي القرابة من الخمس. واختار ابن إدريس (3) ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف والمبسوط.

(1) الخلاف: ج 4 ص 150 المسألة 24.
(2) المبسوط: ج 4 ص 40.
(3) السرائر: ج 3 ص 210.

[ 360 ]

وكذا ابن البراج، ونقل عن بعض أصحابنا أنه تصرف فيمن تقرب منه إلى آخر أب في الاسلام. قال: والذي قدمناه هو الأظهر، وليس على المذهب الذي حكيناه دليل ولا نص ولا شاهد يعضده (1). والمعتمد قول الشيخ في الخلاف والمبسوط، حملا للفظ على المعنى العرفي عند تجرده عن الرضع الشرعي، كما هو عادة الشرع في ذلك. مسألة: قال الشيخ في النهاية (2)، والمفيد في المقنعة (3): إذا أوصى بثلث ماله في سبيل الله ولم يسم أخرج في معونة المجاهدين لأهل الضلال والكافرين، فإن لم يحضر مجاهد في سبيل الله وضع في أبواب البر من معونة الفقراء والمساكين وأبنا السبيل وصلة آل الرسول، بل يصرف أكثره في فقراء آل محمد - عليهم السلام - ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ويصرف ما بقي بعد ذلك في وجوه البر. وتبعه ابن البراج في كامله. وقال في المبسوط: إذا أوصى بصرف ثلث ماله في سبيل الله فسبيل الله هم الغزاة، وهم على ضربين: أحدهما: هم المرابطون المترصدون للقتال، فهؤلاء لا يدفع إليهم من الزكاة، لأنه يصرف إليهم أربعة أخماس الغنيمة. والضرب الثاني: هم أصحاب الصنائع الذين إذا نشطوا غزوا ثم عادوا إلى حرفتهم، فهؤلاء يدفع إليهم من الزكاة مع الغنى والفقر، وهكذا الوصية. وفي أصحابنا من قال: إن سبيل الله يدخل فيه مصالح المسلمين كلها، ويدخل فيه الحج وغيره (4). وقال في الخلاف: سبيل الله هم الغزاة المتطوعة دون المترصدين للقتال

(1) المهذب: ج 2 ص 114.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 154.
(3) المقنعة: ص 674.
(4) المبسوط: ج 4 ص 35، وفيه في الضرب الأول: (يدفع إليهم من الزكاة).

[ 361 ]

الذين يستحقون أربعة أخماس الغنيمة. وفي أصحابنا من قال: إن سبيل الله يدخل فيه جميع مصالح المسلمين من بناء القناطر وعمارة المشاهد والمساجد والحج والعمرة ونفقة الحاج والزوار وغير ذلك، دليلنا على هذا أخبار الطائفة، وأيضا فإن جميع ذلك طريق إلى الله تعالى وسبيل إليه، فالأولى حمل اللفظ على عمومها، وكذا الخلاف في آية الزكاة (1). وهو يعطي اختياره للثاني. وقال ابن الجنيد: إذا قال: في السبيل أو في سبيل الله جاز ذلك لأهل الثغور، وأقربهم إليه أولى. وجاز أن يجعل في الحج، لقول رسول الله - صلى الله عليه وآله - لأم معقل - وقد سألته عن ابنها وقد جعل بعيرها في السبيل -: اركبي بعيرك فإن الحج من سبيل الله. وجاز أيضا فيمن كان مرابطا أعداء الله، وحابسا نفسه على جهادهم، والذب عن دين الله والمسلمين. وقال علي بن بابويه: إن شاء جعله لامام المسلمين، وإن شاء جعله في حج أو قربة على قوم مؤمنين. وكذا قال ابنه في المقنع (2). وقال ابن إدريس: يصرف ذلك في جميع مصالح المسلمين، مثل: بناء المساجد والقناطر وتكفين الموتى ومعونة الزوار والحاج وما أشبه ذلك، لاجماع أصحابنا، ولأن ما ذكرناه طرق إلى الله تعالى، فإذا كان كذلك فالأولى حمل لفظة " سبيل الله " على عمومها (3). وهو المعتمد، عملا بإطلاق اللفظ، وحمله في جميع موارده. احتج الشيخ بأن عرف الشرع يقتضي صرف السبيل إلى الغزاة، وحكم كلام الادميين إذا أطلق حكم مما اقتضاه الشرع، والمقدمتان ممنوعتان.

(1) الخلاف: ج 4 ص 148 المسألة 20.
(2) المقنع: ص 164.
(3) السرائر: ج 3 ص 208.

[ 362 ]

مسألة: إذا أوصى لانسان بثلث ماله ثم أوصى بثلث ماله لغيره ولم يجز الورثة قال الشيخ في الخلاف (1) والمبسوط (2): الوصية الثانية دافعة للأولى وناسخة لها. واستدل في الخلاف بإجماع الفرقة والأخبار، وبأنه لو قال: العبد الذي كنت قد أوصيت به لفلان قد أوصيت به لفلان، فإن هذا يكون رجوعا عن الوصية، كذا إذا أطلق يكون رجوعا، لأنه لا فرق بين أن يقيده وبين أن يطلقه (3). وقال في المبسوط: هما وصيتان بثلثي ماله، وهكذا إذا أوصى بعبد بعينه لرجل ثم أوصى لرجل آخر بذلك العبد بعينه فهما وصيتان ويكون الثاني رجوعا عن الأول، وفيهم من قال: لا يكون رجوعا، فمن قال: إنه ليس برجوع إن أجاز الورثة يكون لكل واحد منهما ثلث ماله، وكذا نقول من قال: هو رجوع، ولو رد أحدهما فعلى ما قلناه - من أن الثاني رجوع عن الأول - ينظر، فإن رجع الأول فلا تأثير لرجوعه، لأن الوصية له قد بطلت بالوصية للثاني، وإن رجع الثاني ولم يقبلها رجع المال إلى الورثة، لأن الوصية للأول كان قد بطلت بالوصية الثانية (4). وقال ابن إدريس: إذا أوصى بثلث ماله لشخص ثم أوصى بثلث ماله لغير ذلك الشخص كان الثلث للأخير، وتكون الوصية الثانية ناسخة للأولى، لأن الانسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا ثلث ماله. فإذا أوصى به لانسان ثم أوصى به بعد ذلك لآخر فقد نقل الثلث الذي يستحقه من الأول إلى

(1) الخلاف: ج 4 ص 154 المسألة 28.
(2) المبسوط: ج 4 ص 42.
(3) الخلاف: ج 4 ص 155 ذيل المسألة 28.
(4) المبسوط: ج 4 ص 42.

[ 363 ]

الثاني، لأنه يعلم أنه لا يستحق سوى الثلث. فإذا أوصى به ثم أوصى به فقد رجع عن الأولى، فهذا معنى قول أصحابنا: إنه إذا أوصى بوصية ثم أوصى بأخرى فإن أمكن العمل بهما جميعا وجب العمل بهما، وإن لم يمكن كان العمل على الأخيرة. فأما إذا أوصى بشئ ولم يقل: بثلثي ثم أوصى بشئ آخر ولم يذكر الثلث وأوصى بشئ آخر ولم يذكر الثلث فإن مذهب أصحابنا أن يبدأ بالأول فالأول، ويكون النقصان إن لم يف الثلث داخلا على الأخير، لأنه لما أوصى للأول ما قال: أوصيت له بثلثي، وكذا الثاني والثالث، فظن أن ثلثه يبلغ مقداره جميع من ذكره ويفي بما ذكر، ولم ينقل عن الأول ما أوصى له به وكذا الثاني، فلو علم أنه قد استوفى ثلث ماله لمن أوصى له به ما أوصى بعده بشئ آخر، لأنه يعلم أنه ليس له بعد موته سوى الثلث، فإذا استوفاه دخل النقص على الأخير. فهذا فرق بين المسألتين، فلا يظن ظان اتحادهما، ولا أن مذهب أصحابنا أن الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع، ولا أن الواجب البدأة بالأول فالأول في الجميع، ويدل على ما قلناه قول الشيخ في المبسوط، ونقل ما ذكرناه عنه (1). والمعتمد أن نقول: الموصى به إن كانت أشياء معينة متغايرة أو مطلقة ومعينة، فإنه يبدأ فيه بالأول فالأول، ولا يكون الثاني رجوعا عن الأول، سواء زاد الأول عن الثلث أو قصر عنه، وتكون الفائدة إنه لو أجاز الورثة الجميع نفذت الوصايا كلها. وإن اتحد المعينين كان الثاني رجوعا عن الأول، لامتناع اتحاد المالين في عين واحدة، والثانية ناسخة للأولى قطعا. وإن كانت أشياء مطلقة فإما أن يوجد قرينة تدل على الاتحاد أو على التغاير، أو لا يوجد قرينة تدل على أحدهما. فإن وجدت قرينة دالة على الاتحاد كان الثاني رجوعا

(1) السرائر: ج 3 ص 195 - 196.

[ 364 ]

عن الأول، مثل أن يقول: اعطوا عمرا الثلث الذي أوصيت به لزيد، أو يوصي لزيد بثلث ولعمر وبثلث ثم يقول: هما واحد، أو يقال له عقيب هاتين الوصيتين: قد أضررت بالورثة أو تجاوزت المشروع، فيقول: إنما أوصيت بالثلث، لما تقدم من امتناع تعلق ملكي شخصين بعين واحدة على سبيل العموم. وإن وجدت قرينة تدل على التغاير لم يكن الثاني رجوعا عن الأول قطعا، كما لو قال: اعطوا زيدا ثلث مالي وأعطوا عمرا ثلث مالي بالعطف، أو قال بغير عطف: اعطوا عمرا ثلثا آخر، أو يقول عقيب الوصيتين: قد أوصيت بالثلثين. وإن لم يوجد قرينة تدل على أحدهما - كما لو قال: اعطوا زيدا ثلث مالي اعطوا عمرا ثلث مالي - فالوجه عندي أنه ليس برجوع أيضا، عملا بالاستصحاب، وأصالة البقاء، وعدم المنافاة. ولأنه لو دل على الرجوع فإما بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام، والدلالات الثلاثة منتفية، لإمكان الجمع بينهما. وقول ابن إدريس: " إن الانسان لا يستحق من ماله بعد وفاته إلا الثلث " لا ينافي تجويز الوصية بأزيد من الثلث، فإنها مع الاجازة تنفذ إجماعا، والاجازة ليست ابتداء عطية، بل تنفيذ لفعل الموصي. فقوله: " لا يملك أكثر من الثلث " ضعيف، ولو سلم، لكن نمنع أنه يكون رجوعا لو علم أنه لا يستحق أكثر من الثلث، لأنه يعلم أنه مع الاجازة تنفذ الوصية، فيجوز أن يوصي مستندا إلى تجويز الاجازة. وفرقه بين المطلق والمعين ضعيف، إلا أن يعلم إرادة اتحاد الثلث، فيبقى بمنزلة العين المتحدة في أنه نوع رجوع. ثم إن قول الشيخ: " إنه لو أجاز الوارث يكون لكل واحد ثلث ماله، وكذا يقول من قال: هو رجوع " في غاية الاشكال، فإنه لو أوصى لزيد بشئ ثم رجع عن وصيته وأجاز الورثة الوصية لم يملك الموصى له ما أوصى

[ 365 ]

به، فلو كان الرجوع هنا ثابتا لم يجب للأول شئ. ولأنه لو كان رجوعا فإما باعتبار اتحاد الوصيتين في متعلقهما أو في مقدارهما أو باعتبار استغراق الأول للثلث، فلا يبقى له شئ يتصرف فيه، فإذا تصرف ثانيا كان رجوعا عما تصرف فيه أو لا، كما توهمه ابن إدريس، والتالي بأقسامه باطل، فالمقدم مثله. أما الشرطية فظاهرة. وأما بطلان الأول فلأنا نتكلم على تقدير الإطلاق، وكما يجامع الوحدة كذا يجامع المتعدد مع أولوية الثاني، لما قلناه من أصالة البقاء وصحة الوصية. ولأنه لو أوصى بسدس ماله لزيد وبسدس ماله لعمرو حكم بهما معا، فعرفنا إن الإطلاق لا يقتضي الاتحاد. وأما بطلان الثاني فظاهر أيضا، لإمكان اتحاد الوصايا الكثيرة في المقدار، ولا رجوع هناك إجماعا. وأما بطلان الثالث فلما تقدم من أنه لو أجاز الوارث لزمت الوصيتان. ولأنه نص في المبسوط على أنه لو أوصى لواحد بنصف ماله ولآخر بثلث ماله وللآخر بربع ماله وأجازت الورثة بدأ بالأول فالأول ودخل النقص على الأخير، وإن لم يجيزوا وفي الأول الثلث وسقط الباقون (1). وقال فيه (2) أيضا وفي الخلاف (3): لو أوصى لرجل بكل ماله ولآخر بثلث ماله فأجازوا الورثة أخذ الأول جميع المال وسقط الآخر، ولو بدأ بصاحب الثلث وأجازوا أعطى الأول الثلث وصاحب الكل الثلثين. فلو كان تعميم تصرفه في الثلث يمنع من التصرف في الزائد ويوجب الرجوع

(1 و 2) المبسوط: ج 4 ص 8.
(3) الخلاف: ج 4 ص 142 المسألة 11.

[ 366 ]

- لو حصل - عن الأول لبطلت هذه الأحكام. وابن الجنيد أيضا ذكر هذه الأحكام فقال: ولو ابتدأ الموصي بتعيين الثلث لزيد أو قدمه في الوصية ثم تجاوز الثلث في وصيته ولم يمض الزيادة الورثة بدأ بإنفاذ ما سماه أولا وكان العجز فيما سماه أخيرا، ولو قال: نصف مالي كله لفلان وثلث مالي كله لفلان ولم تجز الورثة كان الثلث لمن بدأ له بالنصف ولم يكن للآخر شئ. مسألة: المشهور أنه إذا أوصى بوصايا يزيد على الثلث أن يبدأ بالأول فالأول، ويكون النقص على الأخير، لأن ترتيبهم في الايصاء يعطي إرادة الترتيب في الاعطاء، لأن حمران سأل الباقر - عليه السلام - عن رجل أوصى عند موته: أعتقوا فلانا وفلانا وفلانا حتى ذكر خمسة فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلثه أثمان قيمة المماليك الذين أمرهم بعتقهم، قال: يقوموا وينظروا إلى ثلثه فيعتق منهم أول من سمى ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس، وإن عجز الثلث كان ذلك في الذين سماهم أخيرا، لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك، ولا يجوز له ذلك (1). وقال ابن حمزة: إذا أوصى لواحد بعد واحد لم يخل من وجهين: إما عطف الثاني بحرف العطف، أو أوصى بكرة لواحد وضحوة لآخر أو غدا. فالأول: إن خرج الجميع من الثلث استحقوه، وإن لم يخرج قدم الأول فالأول حتى يستوفي الثلث، وإن اشتبه أخرج بالقرعة. والثاني: إن خرج من الثلث استحقوا الجميع، وإن لم يخرج قدم الأخير (2).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 197 ح 778، وسائل الشيعة: ب 66 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 457.
(2) الوسيلة: ص 375 - 376.

[ 367 ]

والمعتمد أن نقول: إن نص الموصي على عدم التقديم للأول وأمر بالتشريك قسم الموصى به عليهم بالنسبة، وإن لم ينص على ذلك قدم الأول فالأول. لنا: إن التنصيص على التشريك يوجب علم التقديم، فلو قدم لزم مخالفة الوصية وتبديلها وهو منهي عنه، ومع عدم التنصيص يجب تقديم الأول فالأول، لما تقدم. مسألة: المشهور إن الوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، وهي بالربع أفضل منها بالثلث مطلقا، لقول الصادق - عليه السلام -: من أوصى بالثلث فقد أضر بالورثة، والوصية بالربع والخمس أفضل من الوصية بالثلث (1). وقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: [ لأن ] أوصي بخمس مالي أحب إلي من أن أوصي بالربع، وإن أوصي بالربع أحب إلي من أوصي بالثلث (2). وقال ابن حمزة: إن كان الورثة أغنياء كانت الوصية بالثلث أولى، وإن كانوا فقراء فبالخمس، وإن كانوا متوسطين فبالربع (3). ولا بأس بهذا القول. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا جرح نفسه بما فيه هلاكها ثم وصى كانت وصيته مردودة، ولا يجوز العمل عليها (4). وقال المفيد - رحمه الله -: ومن أحدث في نفسه حدث القتل - من جراح أو شرب سم ونحو ذلك - ثم وصى كانت وصيته مردودة (5). واختاره أبو الصلاح

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 191 ح 769، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 360.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 192 ح 773، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 360.
(3) الوسيلة: ص 375.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 147.
(5) المقنعة: ص 672.

[ 368 ]

أيضا (1)، وابن البراج (2)، ونقله ابن الجنيد رواية عن الصادق - عليه السلام -. وقال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصولنا وتشهد بصحته أدلتنا أن وصيته ماضية صحيحة إذا كان عقله ثابتا عليه (3). والوجه الأول. لنا: إنه سفيه فلا ينفذ تصرفه. ولأنه في حكم الأموات فلا يتصرف في مال غيره. ولأنه قاتل نفسه فلا يتصرف في ماله، كالوارث لو قتله منع منه. ولما رواه أبو ولاد، عن الصادق - عليه السلام - وإن كان أوصى بوصية بعد ما أحدث في نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيته (4). احتج ابن إدريس بأنه عاقل رشيد فتنفذ وصيته كغيره، ولعموم النهي عن تبديل الوصية. وقول ابن إدريس لا بأس به. مسألة: إذا أوصى الانسان لعبده بثلث ماله قال المفيد في المقنعة (5)، والشيخ في النهاية (6): ينظر في قيمة العبد قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أقل من الثلث أعتق واعطي الباقي، وإن كانت مثله أعتق وليس له شئ ولا عليه شئ، وإن كانت القيمة أكثر من الثلث بمقدار السدس أو الربع أو الثلث أعتق بمقدار ذلك واستسعى في الباقي لورثته، وإن كانت قيمته على الضعف من ثلثه كانت الوصية باطلة. وتبعهما ابن البراج في كتابي المهذب (7) والكامل.

(1) الكافي في الفقه: ص 364.
(2) المهذب: ج 2 ص 107.
(3) السرائر: ج 3 ص 197.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 207 ذيل الحديث 820 وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب أحكام الوصايا ذيل الحديث 1 ج 13 ص 441.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 148 - 149.
(5) المقنعة: ص 676.
(7) المهذب: ج 2 ص 107.

[ 369 ]

وقال الشيخ في الخلاف: إذا أوصى لعبد نفسه صحت الوصية وقوم العبد واعتق إذا كان ثمنه أقل من الثلث، وإذا كان ثمنه أكثر من الثلث استسعى العبد فيما يفضل للورثة (1)، وأطلق. وكذا قال أبو الصلاح (2). وقال سلار: إن كانت أقل من الثلث أعتق واعطي ما فضل، وإن كانت أكثر بمقدار الربع والثلث من الثلث أعتق بمقدار الثلث واستسعى في الباقي (3). وقال علي بن بابويه: إذا أوصى لمملوكه بثلث ماله قوم المملوك قيمة عادلة، فإن كانت قيمته أكثر من الثلث استسعى في الفضل ثم أعتق، وإن كانت قيمته أقل من الثلث اعطي ما فضل من قيمته عليه ثم أعتق. وقال ابن الجنيد: لو أوصى للمملوك بثلث ماله فقد روي عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال: إن كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، وإن كان الثلث أكثر أعتق العبد ودفع إليه ما يفضل من الثلث بعد القيمة. ويخرج الثلث من جميع التركة، ولو كانت الوصية للمملوك بمال مسمى لم يكن عتاقه يجوز (4) إخراج ذلك من غير رقبته، ولو كانت جزء من التركة كعشر أو نحوه كان العبد بما ملكه من ذلك الجزء من رقبته محررا وباقيه كما قلنا. واختار ابن إدريس (5) مذهب الشيخ في الخلاف. والمعتمد أن نقول: إن كانت الوصية بجزء مشاع كثلث أو نصف أو ربع قوم العبد واعتق من الوصية، فإن فضل من قيمته شئ سعى في الفاضل للورثة، سواء كان الفاضل ضعف قيمته أو أقل أو أزيد، وإن قصر عتق وأخذ

(1) الخلاف: ج 4 ص 165 المسألة 48.
(2) الكافي في الفقه: ص 365.
(3) المراسم: ص 204.
(4) في المطبوع الحجري: بجواز والظاهر: لجواز.
(5) السرائر: ج 3 ص 198.

[ 370 ]

الفاضل، وإن ساواه عتق ولا شئ له ولا عليه. وإن كانت الوصية بعين بطلت ولا شئ له ولا يعتق منه شئ. لنا: على الحكم الأول: أن الجزء الشائع يتناول نفسه أو بعضها، لأنه من جملة الثلث الشائع، والوصية له بنفسه تصح، والفاضل استحقه بالوصية، لأنه يصير حرا فيملك الوصية، فيصير كأنه قال: أعتقوا عبدي من ثلثي وأعطوه ما فضل منه. وما رواه الحسن بن صالح، عن الصادق - عليه السلام - في رجل أوصى لمملوك له بثلث ماله، قال: فقال: يقوم المملوك بقيمة عادلة، ثم ينظر ما [ بلغ ] ثلث الميت فإن كان الثلث أقل من قيمة العبد بقدر ربع القيمة استسعى العبد في ربع القيمة، وإن كان الثلث أكثر من قيمة العبد أعتق العبد ودفع إليه ما فضل من الثلث بعد القيمة (1). وعلى الثاني: أنه قصد إعطاء عين فلا يجوز التخطي إلى غيرها، لأنه يكون تبديلا للوصية. ولأن العبد لا يملك فلا تصح له الوصية، ولا يمكن أن يحرر من قيمة العين - لما فيه من التبديل للوصية المنهي عنه - ولا مجانا، إذ لا سبب لعتقه. ولأنه إضرار بالوارث وزيادة على الوصية، وعليه يحمل قول أحدهما - عليهما السلام -: (لا وصية لمملوك) (2) فإنه أعم من الوصية لمملوك الغير. والشيخ - رحمه الله - كأنه عول على مفهوم الرواية الأولى، فإنه إذا أمرنا بالاستسعاء عند نقص الثلث عن القيمة بقدر ربع القيمة لزم عدمه مع

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 194 ح 782، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 467.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 216 ح 852، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 467.

[ 371 ]

الزيادة، ودلالة المفهوم ضعيفة على ما عرفت في أصول الفقه (1)، مع أن هذه الرواية ضعيفة السند وليست دالة على المطلوب، فإنه لا يلزم من نفي الاستسعاء بطلان الوصية. مسألة: قال الشيخ المفيد - رحمه الله - في المقنعة: إذا كان على الانسان دين ولم يخلف إلا عبدا أو عبيدا فأعتقهم عند الموت نظر في قيمة العبد أو العبيد وما عليه من الدين فإن كان أكثر من قيمة العبد أو العبيد بطل العتق وبيع العبد وتحاص الغرماء بثمنهم، وكذا إن استوت القيمة والدين، فإن كانت قيمة العبد أكثر من الدين بالسدس أو الثلث ونحو ذلك بيع العبد وبطل العتق، وإن كانت قيمة العبد ضعف الدين كان للغرماء النصف منهم وللورثة الثلث وعتق منهم السدس، لأن لصاحبهم الثلث من تركته يصنع به ما شاء، فوصيته نافذة في ثلث ما يملكه - وهو السدس - بهذا جاء الأثر عن آل محمد - عليهم السلام - (2). وقال في النهاية: إذا أوصى الانسان بعتق مملوك له وكان عليه دين فإن كان قيمة العبد ضعفي الدين استسعى العبد في خمسة أسداس قيمته: ثلاثة أسهم للديان وسهمان للورثة وسهم له، وإن كانت قيمته أقل من ذلك بطلت الوصية (3). وكذا قال ابن البراج (4). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه المذهب أنه لا وصية قبل قضاء الدين، بل الدين مقدم على الوصية، والتدبير عندنا وصية، فلا تمضي الوصية إلا بعد قضاء الدين، فإن عمل عامل بهذه الرواية يلزمه أن يستسعي العبد، سواء

(1) مبادئ الأصول إلى علم الأصول: ص 152، وفيه: " والمفهوم ليس بحجة ".
(2) المقنعة: ص 676.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 149 - 150.
(4) المهذب: ج 2 ص 108.

[ 372 ]

كانت قيمته ضعفي الدين أو أقل من ذلك، لأنه متى كانت قيمته أكثر من الدين بأي شئ كانت فإن الميت - الموصي - قد استحق في الذي فضل عن الدين ثلثه فتمضي وصيته في ذلك الثلث ويعتق العبد ويستسعى في دين الغرماء، وما فضل عن ثلث الباقي للورثة. ولي في ذلك نظر، فإن أعتقه في الحال وبت عتقه قبل موته مض العتق، وليس لأحد من الديان ولا للورثة عليه سبيل، لأنه ليس بتدبير، وإنما هو عطية منجزة في الحال، وعطاياه المنجزة صحيحة على الصحيح من المذهب لا تحسب من الثلث، بل من أصل المال (1). والمعتمد أن نقول: إن أحاط الدين بقيمة العبد بطل العتق، سواء كان قد نجزه في مرض موته أو أوصى به، وإن قصر الدين عن قيمته عتق ثلث الفاضل واستسعى في الباقي. لنا: إن الدين مقدم على الوصية وما هو في حكمها من المنجزات. وما رواه الحلبي في الحسن قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: رجل قال: إن مت فعبدي حر وعلى الرجل دين، فقال: إن توفي وعليه دين قد أحاط بثمن الغلام بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بثمن العبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه وهو حر إذا أوفى (2). احتج الشيخ بما رواه زرارة في الحسن في رجل أعتق مملوكه عند موته وعليه دين، قال: إن كانت قيمته مثل الذي عليه ومثله جاز عتقه، وإلا لم يجز (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 199.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 218 - 219 ح 857، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 423.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 218 ح 856، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 6 ج 13 ص 425.

[ 373 ]

وفي الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق - عليه السلام - في حديث طويل قلت: رجل مات وترك عبدا لم يترك مالا غيره وقيمة العبد ستمائة درهم ودينه خمسمائة درهم فأعتقه عند الموت كيف يصنع فيه؟ قال: يباع فيأخذ الغرماء خمسمائة ويأخذ الورثة مائة، ثم قال: فإن كانت قيمته ستمائة درهم ودينه أربعمائة درهم؟ قال: كذا يباع العبد، فيأخذ الغرماء أربعمائة ويأخذ الورثة مائتين ولا يكون للعبد شئ، قال: قلت: فإن كانت قيمة العبد ستمائة درهم ودينه ثلاثمائة درهم؟ قال: فضحك ثم قال بعد كلام: فالان يوقف العبد ويستسعي، فيكون نصفه للغرماء ويكون ثلثه للورثة ويكون له السدس (1). والجواب: ما ذكرناه أولا، لاعتضاد الرواية بالأصل. مسألة: لو أوصى لأم ولده قال الشيخ في النهاية: تعتق من نصيب ولدها، وتعطى ما أوصى لها به (2). وقال ابن الجنيد: الوصية لأم الولد جائزة، وتعتق من نصيبها أو نصيب ولدها، وتعطى بقية الوصية، فإن كان دون قيمتها ولا ولد لها أعتق منها بقسط وصيتها من قيمتها والباقي من الثلث. وروى ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه أنها تعتق من الثلث وتعطى الوصية (3). وقال ابن إدريس: تعتق من الوصية، وإن قصرت الوصية عن القيمة أعتق الفاضل منها من نصيب ولدها (4). والمعتمد الأول (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 217 - 218 ح 854، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 13 ص 423 - 424.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 151.
(4) السرائر: ج 3 ص 200.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 217 ح 5508.
(5) ق (2): وهو المعتمد.

[ 374 ]

لنا: ما تقدم من أن التركة تنتقل إلى الورثة من حين الموت، فيثبت ملك الولد على جزء من أمه فيعتق عليه وتستحق الوصية. وما رواه في الصحيح عن أبي عبيدة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل كانت له أم ولد له منها غلام فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو بأكثر للورثة أن يسترقوها؟ قال: فقال: لا بل تعتق من ثلث الميت، وتعطى ما أوصى لها به. وفي كتاب العباس تعتق من نصيب ابنها، وتعطى من ثلثه ما أوصى لها به (1). وهذا الموجود في كتاب العباس نص في الباب. احتج ابن بابويه بهذه الرواية (2). وبما رواه أحمد بن أبي نصر في الصحيح، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: نسخت من كتاب بخطه: فلان مولاي توفي ابن أخ له وترك أم ولد له ليس لها ولد فأوصى لها بألف هل تجوز الوصية وهل يقع عليها عتق وما حالها فدتك نفسي؟ فكتب - عليه السلام:: تعتق من الثلث ولها الوصية (3). واحتج ابن إدريس بقوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " فجعل تعالى استحقاق الإرث بعد الوصية والدين بغير خلاف، فإذا أعتقتها من سهم ابنها دون الوصية فقد قدمنا الإرث على الوصية، وهو بخلاف القرآن، وهذه الرواية خبر واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا يعمل بها في الشرعيات،

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 224 ح 885، وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 470.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 216 ح 5507، وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 470.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 مر 217 ح 5508، وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 469، وفيهما: " فلان مولاك ".

[ 375 ]

لأنها لا توجب علما ولا عملا (1). والجواب عن الأول: بحمل الأحاديث على ما إذا أوصى بعتقها أيضا. وعن الثاني: بما تقدم من أن المراد استقرار ملك الوارث، لعدم بقاء التركة على ملك الميت، لعدم صلاحيته للتملك، وعدم انتقالها إلى الديان والموصى لهم إجماعا، وعدم بقائها بغير مالك فيتعين الوارث. ولا نسلم إنا قدمنا هنا الإرث على الوصية، بل نقول: إنها من حين الوفاة تعتق وتحتسب قيمتها على الولد، وهذا لأن العتق مبني على التغليب والسراية، ولهذا لو لم تكن هناك وصية ولا إرث سواها فإنها تعتق على الولد ويستسعى لباقي الورثة مع امتناع تقديم بعض الوارث في الإرث لتساويهم فيه، والأصل ما قدمناه من بناء العتق على التغليب. مسألة: المشهور إن من أوصى بإخراج بعض ولده من ميراثه فإنه لا تنفذ وصيته. قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى الموصي بإخراج بعض الورثة من الميراث لم يلتفت إلى وصيته، وقوله: إذا كان مقرا به قبل ذلك أو كان مولودا على فراشه لم يكن قد انتفى منه في حال حياته (2). وقد روى الصدوق في كتابه عن وصي علي بن السري قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: إن علي بن السري توفي وأوصى إلي فقال - رحمه الله -: قلت: وإن ابنه جعفرا وقع على أم ولد له فأمرني أن أخرجه من الميراث فقال لي: أخرجه فإن كنت صادقا فسيصيبه خبل، قال: فرجعت فقدمني إلى أبي يوسف القاضي فقال له: أصلحك الله أنا جعفر بن علي بن السري وهذا

(1) السرائر: ج 3 ص 200.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 151 - 152.

[ 376 ]

وصي أبي فمره أن يدفع إلي ميراثي، فقال لي: ما تقول؟ فقلت: نعم هذا جعفر بن علي بن السري وأنا وصي علي بن السري، قال: فادفع إليه ماله، فقلت له: أريد أن أكلمك، قال: فادن فدنوت حيث لا يسمع أحد كلامي، فقلت له: هذا وقع على أم ولد لأبيه فأمرني أبوه وأوصاني إلي أن أخرجه من الميراث ولا أورثه شيئا، فأتيت موسى بن جعفر - عليهما السلام - بالمدينة فأخبرته وسألته فأمرني أن أخرجه من الميراث ولا أورثه شيئا، فقال: الله إن أبا الحسن أمرك؟ فقلت: نعم، فاستحلفني ثلاثا ثم قال لي: أنفذ ما أمرك فالقول قوله، قال الوصي: فأصابه الخبل بعد ذلك. قال أبو محمد الحسن بن علي الوشا: رأيته بعد ذلك (1). قال ابن بابويه - عقيب هذه الرواية -: من أوصى الرجل بإخراج ابنه من الميراث ولم يحدث هذا الحدث لم يجز للوصي إنفاذ وصيته في ذلك (2). وهذا يدل على أنه لو فعل ذلك أنفذت وصيته، خصوصا مع أنه نص على أن ما ذكره في كتابه يفتي به ويعمل عليه. والشيخ في الاستبصار قال: هذا الحكم مقصور على هذه القضية لا يتعدى بها إلى غيره (3). وبالجملة العمل بهذه الرواية مشكل، والمعتمد ما ذهب إليه المشهور من علمائنا في ثلثي التركة ويكون الثلث لغيره من الورثة، لأن إخراجه هن تركته يستلزم تخصيص باقي الورثة بهما فيمضي من الثلث. مسألة: تصح الوصية للقاتل على الأشهر.

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 219 ح 5515.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 220 ذيل الحديث 5515، وفيه: (متى أوصى).
(3) الاستبصار: ج 4 ص 139 ج 521.

[ 377 ]

واحتج الشيخ عليه في الخلاف بقوله تعالى: " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين " ولم يفرق، وقوله تعالى: " من بعد وصية يوصي بها أو دين " ولم يفرق، والمنع يحتاج إلى دليل (1). وقال ابن الجنيد: لا وصية لقاتل عمد، لأن فعله مانع له من الوصية كمنعه إياه الميراث. والوجه التفصيل، وهو أنه إن وصى قبل القتل أو ما يوجبه لم يندرج فيه القاتل، كما لو قال: اعطوا أولادي أو اخوتي كذا ثم يقتله أحدهم فإنه يمنع كما يمنع من الميراث، لوجود المقتضي للمنع هناك، وهو مقابلته بنقيض مقصوده من الاستعجال في أخذ المال، ولقضاء العرف بالمنع. أما لو نص عليه بعده وفعل ما يوجب القتل فالأولى الصحة. يبقى الاشكال على هذا التفصيل فيما لو أوصى بلفظ عام بعد فعله ما يوجب القتل يندرج فيه الجاني، والأقوى فيه المنع أيضا عملا بالعرف. مسألة: قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز أن يوصي إلى أجني بأن يتولى أمر أولاده مع وجود أبيه ومتى فعل ذلك لم تصح الوصية، لأن الجد أولى. واستدل بإجماع الفرقة على أن للجد ولاية على ولد الولد، وإذا كانت له ولاية عليه بغير تولية فلا يجوز أن يولى عليه، كما أن الأب لما كانت له ولاية لم يجز أن يولى عليه (2). قال ابن إدريس: ولي في ذلك نظر (3).

(1) الخلاف: ج 4 ص 154 المسألة 27.
(2) الخلاف: ج 4 ص 161 - 162 المسألة 40.
(3) السرائر: ج 3 ص 204.

[ 378 ]

وقال في المبسوط: وإن كان الورثة أولادا فإن كان له أب أوجد فليس له أيضا أن يوصي إلى من يلي عليهم إلا في قدر الثلث وقضاء الديون، لأن الأب والجد لا يليان بتولية، فإن الحاكم لا يلي أمر اليتيم مع وجود الأب والجد، ويلي عليهم مع عدمهما (1). وقوله في الظاهر جيد، وقوله في الخلاف مشكل. وقال في موضع آخر من المبسوط كالخلاف: ويتفرع على ذلك ما لو مات الجد بعد الأب والايصاء، فإن قلنا: لا حكم للوصية البتة كان الأمر إلى الحاكم، وإلا فإلى الولي (2). مسألة: قال الشيخ في الخلاف: من ليس له وارث قريب أو بعيد ولا مولى نعمة لا يصح أن يوصي بجميع ماله ولا أن يوصي بأكثر من الثلث، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وشريك إلى أن له أن يوصي بجميع ماله، وروي ذلك في أحاديثنا. ثم استدل بصحة الوصية بالثلث إجماعا، ولا دليل على الزائد. وروى معاذ بن جبل أن النبي - عليه السلام - قال: إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، ولم يفرق بين أن يكون له وارث أو لا (3). وقال ابن إدريس أيضا: لا يصح إلا في الثلث (4). وقال ابن الجنيد: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام - إلى أن قال: - ومن أوصى بالثلث فقد بلغ المدى، يعني بذلك: إذا كان له ورثة ومن تجاوز ذلك رد إلى الثلث، ولم يجز إلا أن يشاء الورثة، فأما من لا وارث له فجائز أن يوصي بجميعه لمن شاء وفيما شاء مما أبيح الوصية فيه.

(1) المبسوط: ج 4 ص 52.
(2) المبسوط: ج 4 ص 54.
(3) الخلاف: ج 4 ص 166 - 167 المسألة 52.
(4) السرائر: ج 3 ص 204.

[ 379 ]

وقال الصدوق في المقنع: إذا مات الرجل ولا وارث له ولا عصبة فإنه يوصي بماله حيث ما شاء في المسلمين والمساكين (1). والمعتمد الأول، لما تقدم. واحتج الاخرون بما روى السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام - أنه سئل عن الرجل يموت ولا وارث له ولا عصبة، قال: يوصي بماله حيث شاء في المسلمين والمساكين وابن السبيل (2). وقد روى الشيخ (3) والصدوق (4) معا، عن عمار بن موسى، عن الصادق - عليه السلام - قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز له. وتأولاه بأنه إذا لم يكن له وارث قريب ولا بعيد فيوصي به كله. واستدلا بما سبق من حديث السكوني (5). والوجه ترك هذه الرواية، لضعف سندها. مسألة: قال الشيخان (6)، والصدوق (7): إذا أوصى بوصية وجعلها أبوابا فنسي الوصي بابا من الأبواب فليجعل ذلك السهم في وجوه البر. وكذا قال ابن البراج (8). وقال ابن إدريس: قال شيخنا في جواب الحائريات: إذا نسي الوصي

(1) المقنع: ص 167.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 188 ح 754، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 370. (3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 187 - 188 ح 753 وذيله، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الوصايا ح 19 ج 13 ص 370.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 202 ح 5468 وذيله.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 201 ح 5465.
(6) المقنعة: ص 674، النهاية ونكتها ج 3 ص 154 - 155.
(7) المقنع: ص 167.
(8) لم نعثر عليه في المهذب ولعله في الكامل.

[ 380 ]

جميع أبواب الوصية فإنها تعود ميراثا للورثة، ونعم ما قال. وأجاب: فإن كان على تلك الرواية التي ذكرها في النهاية إجماع، وإلا فالأولى أن تعود الباب كالمنسية ميراثا للورثة (1). والمعتمد الأول. لنا: عموم قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه) (2) ودفعه إلى الورثة، وجعله ميراثا تبديل للوصية. وما رواه محمد بن ريان قال كتبت إليه - يعني علي بن محمد عليهما السلام - أسأله عن إنسان يوصي بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع في الباقي؟ فوقع - عليه السلام -: الأبواب الباقية اجعلها في البر (3). ولأنه بالوصية خرج عن ملك الورثة، وقد خفي مالكه ومستحقه، فوجب صرفه في البر كغيره. احتج بأنها وصية بطلت، لامتناع القيام بها فيرجع إلى الميراث. والجواب: المنع من الملازمة، فإن التعيين وإن بطل لكن مطلق الاخراج عن ملك الوارث ثابت. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى الانسان لغيره بسيف كان في جفن وعليه حلية كان السيف له بما فيه وعليه، وإذا أوصى بصندوق لغيره وكان فيه مال كان الصندوق بما فيه للذي أوصى له به، وكذا إن أوصى بسفينة وفيها متاع كانت السفينة بما فيها للموصى له، وكذلك إن أوصى بجراب وكان فيه متاع كان الجراب بما فيه للموصى له إلا أن يستثني ما فيه، هذا إذا كان الموصي عدلا مأمونا، فإن لم يكن عدلا وكان متهما لم تنفذ الوصية

(1) السرائر: ج 3 ص 208. (2) البقرة: 181.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 214 ح 844، وسائل الشيعة: ب 61 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 453.

[ 381 ]

في أكثر من ثلثه من الصندوق والسفينة والسيف والجراب وما فيها (1). والكلام في هذا يقع في مواضع: الأول: اشتراط العدالة في الوصية هنا غير لازم، ولا تمضي الوصية في أكثر من الثلث، سواء كان عدلا مأمونا أو فاسقا متهما. وشيخنا المفيد لم يقيد في المقنعة بالعدالة، بل حكم بخروج ذلك من الثلث مطلقا (2)، وهو الحق. وابن إدريس (3) تابع الشيخ في ذلك أيضا. والظاهر أن الشيخ - رحمه الله - أطلق الوصية على الاقرار، فكان مراده إنه أوصى بتسليم ذلك إليه، لأنه له لا أنه عطية مبتدأة. والشيخ - رحمه الله - عول في هذا القيد على ما رواه عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قال: هذه السفينة لفلان ولم يسم ما فيها وفيها طعام أيعطاها الرجل وما فيها؟ قال: هي للذي أوصى له بها، إلا أن يكون صاحبها متهما، وليس للورثة شئ (4). ولا دلالة فيه على أن الموصي إذا كان عدلا يخرج من الأصل، وإن كان متهما كان من الثلث. الثاني: في ثبوت هذا الحكم إشكال، فإن الوصية تعلقت بالسيف وليس الجفن جزء من مسماه ولا لازما لمعناه، وبالسفينة وليس ما فيها جزء منها ولا لازما لها، وكذا الصندوق والجراب. إلا أن الشيخان (5)، وابن الجنيد، والصدوق (6)، وأبو الصلاح (7)، وابن

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 155 - 156.
(2) المقنعة: ص 675.
(3) السرائر: ج 3 ص 209.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 212 ح 838، وسائل الشيعة: ب 59 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 452.
(5) المقنعة: ص 674 - 675، النهاية ونكتها: ج 3 ص 155 - 156.
(6) المقنع: ص 166.
(7) الكافي في الفقه: ص 365.

[ 382 ]

البراج (1) ذكروا ذلك، واستدلوا بما رواه أبو جميل، عن الرضا - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف وكان في جفن وعليه حلية فقال له الورثة: إنها لك النصل وليس لك المال، قال: فقال: لا بل السيف بما فيه له، قال: قلت: رجل أوصى لرجل بصندوق وكان فيه مال فقال الورثة: إنما لك الصندوق وليس لك المال، قال: فقال أبو الحسن - عليه السلام -: الصندوق بما فيه له (2). وعن عقبة بن خالد، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل قال: هذه السفينة لفلان ولم يسم ما فيها وفيها طعام أيعطاها الرجل وما فيها؟ قال: هي للذي أوصى له بها، إلا أن يكون صاحبها متهما، وليس للورثة شئ (3). وهذه الروايات لم يثبت عندي صحة سندها، والوجه حينئذ التفصيل، وهو أن نقول: إن وجدت قرينة حالية أو مقالية يقتضي دخول المتاع والجفن في الصندوق والسفينة والسيف دخل، وإلا فلا، فلو أوصى للمرتفع عن الايصاء بالكيس خاصة دخل ما فيه، ولو كان وكيلا له يتصرف في أمواله وبيده مال كثير له فأوصى له بصندوق مقفل تشهد العادة بدخول ما فيه في الايصاء دخل المال أيضا، وعليه تحمل الروايات. الثالث: أطلق الشيخ - رحمه الله - الصندوق والجراب (4)، وقيد المفيد - رحمه

(1) لم نعثر عليه في المهذب ولعله في الكامل.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 211 ح 836، وسائل الشيعة: ب 57 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 451.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 212 ح 838، وسائل المشيعة: ب 59 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 452.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 155.

[ 383 ]

الله - الصندوق بالمقفل والجراب بالمسدود والوعاء بالمختوم (1)، وكذا أبو الصلاح إلا أنه بدل الوعاء بالكيس (2)، والصدوق لم يذكر في المقنع سوى الصندوق والسفينة مطلقين (3). الرابع: في تعميم الحكم إشكال، ينشأ من الاقتصار في المنصوص على مورده، ومن تعميم العلة، وليس في الروايات الجراب. وقال ابن الجنيد: وإذا أوصى رجل بشئ يشتمل اسمه على أعيان متصلة به كان جميعها له، كالرجل يوصي لرجل بسيفه فهو له وجفنه وما عليه من الحلية، وكذلك روي عن أبي عبد الله - عليه السلام -. وقال: ولو أوصى بصندوق كان فيه مال فإن الصندوق بما فيه له، وكذلك لو قال: بسفينة وفيها طعام، وكذلك القول في الروشن إذا كان للدار، ولو كانت الوصية بوصف كقوله: جراب هروي أو سلة زعفران كانا جميعا له، فإن قال: ما في الجوالق لم يكن له الجوالق. قال: وقال أبو محمد الحسن: لو أوصى بضيعة ولها ماء من وادي كان الماء تبعا للضيعة. وقال ابن البراج (4): فإن أوصى لغيره بشئ يشتمل اسمه على أشياء متعلقة به مثل السيف، فإنه إذا أوصى له بصندوق كان الصندوق وبما فيه له، إلاء أن يستثني الموصي ما فيه أو شيئا من ذلك، فإن أوصى له بسلة زعفران كانت السلة بما فيها له، فإن أوصى له بضيعة لها شرب كانت الضيعة وشربها له، وكذلك كل ما جرى هذا المجرى إذا كان الموصي عدلا، فإن لم يكن وكان متهما لم تنفذ الوصية في أكثر من ثلثه فيما ذكرناه من الجراب وما جرى مجراه.

(1) المقنعة: ص 674.
(2) الكافي في الفقه: ص 365.
(3) المقنع: ص 166.
4) لم نعثر عليه في المهذب ولعله في الكامل.

[ 384 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى الانسان بشئ معين لأعمامه وأخواله كان لأعمامه الثلثان ولأخواله الثلث (1). ورواه ابن الجنيد عن الباقر - عليه السلام -، وتبع الشيخ ابن البراج. وقال ابن إدريس: إنه يكون بالسوية (2)، وهو المعتمد. لنا: أصالة التسوية، ولأنها ثابتة في الأولاد الذكور والإناث. احتج الشيخ بما رواه زرارة، عن الباقر - عليه السلام - في رجل أوصى بثلث ماله في أعمام له وأخوال له، فقال: لأعمامه الثلثان ولأخواله الثلث (3). والجواب: لعل المراد أنه جعله بينهم على كتاب الله تعالى، والطعن في السند، فإن في طريقها سهل بن زياد وهو ضعيف. لكن قد روى هذا المعنى ابن بابويه في الصحيح عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - (4) ورواه ابن يعقوب في الحسن (5). مسألة: أطلق أصحابنا صحة الوصية للحمل إذا ولد حيا، فإن مات بعد استهلاله كان ما أوصى له به ميراثا لورثته دون ورثة الموصي. وقال ابن إدريس: هذا إذا قبل وارث الحمل المستهل الوصية بعد استهلاله على ما قررناه من إنه متى تنتقل الوصية بموت الموصي أو بموته وقبول الموصى له

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 156 - 157.
(2) السرائر: ج 3 ص 210.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 214 ح 845، وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 454.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 208 ح 548، وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 454.
(5) الكافي: ج 7 ص 45 ح 3 وسائل الشيعة: ب 62 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 454.

[ 385 ]

الوصية (1). ويمكن أن يقال: لا يشترط القبول لفظا بل الرضى، والشارع قد أوجب على الولي القبول، فإن كانت الولاية للشارع حصل القبول، وإن كانت لغيره وجب فعله، فإذا لم يفعل سقط اعتبار ولايته في ذلك وكانت الولاية للشرع وقد حصل بإيجابه. ولأنه إذا لم يرض جرى مجرى القابل الراد بعد قبولها، لاشتراكهما في عدم الصحة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى بعتق نسمة مؤمنة ولم يجد كذلك جاز أن يعتق من أفناء الناس ممن لا يعرف بنصب ولا عداوة لأهل البيت - عليهم السلام - فإن وجدت مؤمنة لم يجز غيرها (2). وقال ابن البراج: فإن أوصى بعتق رقبة مؤمنة لم يجز أن يعتق إلا من كان كذلك، وقد روي أنه إذا لم يوجد هذه الرقبة أعتق من الناس من لا يعرف بنصب ولا عداوة لأهل البيت - عليهم السلام - والذي ذكرناه أحوط. وقال ابن إدريس: الأظهر أنه لا يجزئه غير المؤمنة على كل حال، لقوله تعالى: " فمن بدله بعد ما سمعه " (3) وهو الأقرب. والشيخ - رحمه الله - عول على رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أوصى بثلاثين دينارا يعتق بها رجل من أصحابنا فلم يوجد بذلك، قال: يشتري من الناس فيعتق (4). وابن أبي حمزة ضعيف.

(1) السرائر: ج 3 ص 212.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 162.
(3) السرائر: ج 3 ص 213.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 220 ح 863، وسائل الشيعة: ب 72 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 462.

[ 386 ]

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى بعتق جميع مماليكه وله مماليك يخصونه ومماليك بينه وبين غيره أعتق من كان في ملكه وقوم من كان في الشركة، واعطي [ شريكه ] حقه إن كان ثلثه يحتمل، فإن لم يحتمل أعتق منه بقدر ما يحتمله (1). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: الذي يقوى عندي أنه لا يقوم من في الشركة، بل يعتق منهم بقدر ما يملكه، ولا يعطى شريكه ثمن حصته، وإن احتمل ثلثه [ يحتمل ] ذلك، لأنه بعد موته لا يملك الثلث إذا لم يوص به، لأن الموت يزول به ملكه، إلا ما استثنى من ثلثه، وهذا ما استثنى شيئا (2). وهذا القول أخذه من الشيخ في المبسوط فإنه قال: إذا أوصى بعتق شقص له من عبد ثم مات أعتق عنه ذلك الشقص ولم يقوم عليه نصيب شريكه وإن كان غنيا، لأن ملكه زال عن ماله بالموت، إلا القدر الذي استثناه (3). والمعتمد الأول. لنا: إن الموصى له أوجد سبب السراية في العتق فيوجد مسببه. أما المقدمة الأولى: فلأن العتق في الحقيقة مستند إليه، ولهذا كان ولاؤه له. وأما الثانية: فظاهرة. وما رواه أحمد بن زياد، عن أبي الحسن - عليه السلام - قال: سألته عن الرجل تحضره الوفاة وله مماليك لخاصة نفسه وله مماليك في شركة رجل آخر فيوصي في وصيته: مماليكي أحرار ما حال مماليكه الذين في الشركة؟ فكتب

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 163.
(2) السرائر: ج 3 ص 214.
(3) المبسوط: ج 6 ص 57.

[ 387 ]

- عليه السلام -: يقومون عليه إن كان ماله يحتمل [ ثم ] فهم أحرار (1). وقول الشيخ في المبسوط ممنوع، لأنه أوجد سبب التقويم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أوصى بأن يحج عنه بثلثه حجة حج عنه مرة واحدة بثلثه وإن كان الثلث أزيد من أجرة المثل، ولو قال: حجوا عني بثلثي ولم يقل: حجة وكان الثلث أزيد من أجرة المثل فإن كانت الزيادة يحتمل أن يستأجر بها مرة أخرى وجب، وإن قصرت عن مرة أخرى ردت إلى الورثة، لأن الوصية متى لم تصح في الوجه الذي صرفه فيه رجعت إلى الورثة. والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن فيما قبلها أوصى بأن يحج عنه حجة واحدة بجميع ثلثه، فلهذا لم يراع فيه أجرة المثل (2). وتبعه ابن إدريس (3) على ذلك. وليس بجيد، بل الأولى الصرف في أجرة الحج الأول مع تعذر استئجار حاج به، لعموم قوله تعالى: " فمن بدله " (4) وبمنع عدم إمكان صرف الوصية في وجهها، لإمكان أن يستأجر بأكثر من أجرة المثل. وقال ابن الجنيد: ولو قال: أحجوا رجلا عني بألف وكان الألف أكثر من أجرة من يحج من بلده كان ذلك وصية لذلك الرجل إن حمله الثلث، ولو قال: أحجوا عني بثلثي حجة أو بألف درهم ولم يعين وثلثه يبلغ أحججنا عنه رجلا من بلده، فإن زاد على قدر الحجة صرفنا الزيادة إلى مصالح الحجاج والمنقطع بهم، فإن لم يقل: حجة انصرف جمع ثلثه أو الألف في الحج من بلده

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 222 ح 872، وسائل الشيعة: ب 74 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 463 - 464.
(2) المبسوط: ج 4 ص 24. (3) السرائر: ج 3 ص 214.
(4) البقرة: 181.

[ 388 ]

اثنتين كانت أو أكثر، وإن بقي ما لا يفي بحجة من بلده أعطى من يحج بها من دون بلده، ولو من مكة أو من يعتمر بها منها عنه بعد أن شرط على ما يدفع إليه أن يحرم من خارج الحرم، فإن خالف الوصي ذلك غرم. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أوصى أن يحج عنه ولم يبين كم يحج عنه فإنه يجب أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (1). وتبعه ابن البراج (2). ومنع ابن إدريس من ذلك، بل أوجب إخراج حجة واحدة، إلا أن يقيده بالثلث ويقول: حجوا عني بثلثي. قال: وقد رجع شيخنا عنه في مبسوطه، وحرره كما حررناه (3). والشيخ - رحمه الله - عول على ما رواه محمد بن الحسين بن أبي خالد قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما، فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (4). وعن محمد بن الحسن الأشعري قال: قلت لأبي الحسن - عليه السلام -: جعلت فداك إني سألت أصحابنا عها أريد أن أسألك فلم أجد عندهم جوابا وقد اضطررت إلى مسألتك وإن سعد بن سعد أوصى إلي فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما ولم يفسر فكيف أصنع؟ قال: يأتيك جوابي في كتابك، فكتب - عليه السلام -: يحج ما دام له مال يحمله (5).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 163.
(2) المهذب: ج 2 ص 112.
(3) السرائر: ج 3 ص 214.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 226 ح 889، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 120.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 226 ح 888، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب النيابة في الحج ح 1 ج 8 ص 120.

[ 389 ]

والوجه قول ابن إدريس، وتحمل الروايتان على ما إذا قصد التكرار، وعرف ذلك من فحوى كلامه وإن لم ينص عليه، لما عرف من أن الأمر لا يقتضي التكرار، والأصل براءة الذمة وبقاء المال على الورثة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال الموصي: اعط انسانا كل سنة شيئا معلوما فمات الموصى له كان ما أوصى له لورثته، إلا أن يرجع فيه الموصي، فإن رجع فيه كان ذلك له، سواء رجع فيه قبل موت الموصى له أو بعده، فإن لم يرجع في وصيته حتى يموت ولم يخلف الموصى له أحدا رجعت الوصية على ورثة الموصي (1). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه لامام المسلمين مع قبول الوصية، لأن الانسان لا بد له من وارث، إما من ذوي الانساب أو من ذوي الأسباب (2). والمعتمد الأول. لنا: إنه قد تعذر إنفاذ الوصية فبطل ويرجع إلى ورثة الموصي. وقول ابن إدريس ضعيف، فإن الموصى له بالحقيقة إنما يملك ما أوصى له كل سنة عند حضور الوقت، فلا يكون موروثا للامام - عليه السلام - لضعف حقه. وقال المفيد: إذا أوصى لغيره بشئ من ماله فمات الموصى له قبل الموصي كان ما أوصى به راجعا إلى ورثته، فإن لم يكن له ورثة رجع إلى ورثة الموصي (3). مسألة: سوغ الشيخ في النهاية وصية الصبي في المعروف إذا كان له عشر

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 165 - 166.
(2) السرائر: ج 3 ص 216.
(3) المقنعة: ص 677.

[ 390 ]

سنين إذا كان يضع الشئ في مواضعه، ومردودة في غير البر، ومتى كان سنه أقل من ذلك لم يجز وصيته. قال: وقد روي أنه إذا كان ابن ثمان سنين جازت وصيته في الشئ اليسير في أبواب البر، والأول أحوط وأظهر. وكذا تجوز صدقة الغلام - إذا بلغ عشر سنين - وهبته وعتقه إذا كان بالمعروف في وجه البر، فأما ما يكون خارجا عن ذلك فليس بممضاة على حال (1). وكذا قال ابن البراج (2). وروى الصدوق في كتابه جواز وصيته إذا بلغ عشر سنين في الحسن (3). وقال المفيد: إذا بلغ الصبي عشر سنين جازت وصيته في المعروف في وجوه البر، وكذلك المحجور عليه لسفه إذا أوصى في بر ومعروف جازت وصيته، ولم يكن لوليه الحجر عليه في ذلك، ولا يجوز وصية الصبي والمحجور عليه فيما يخرج عن وجوه البر والمعروف، وهبتهما باطلة، ووقفهما وصدقتهما كوصيتهما جائزة إذا وقعا موقع المعروف (4). وقال سلار: السفيه لا تمضي وصيته، إلا في وجوه البر والمعروف خاصة، والصبي إذا بلغ عشر سنين جازت وصيته أيضا في البر والمعروف خاصة، ولا تمضي هبته ولا وقفه، وكذلك السفيه (5). وقال أبو الصلاح: لا تمضي وصية من لم يبلغ عشر سنين والمحجور عليه، إلا ما تعلق بأبواب البر (6).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 152.
(2) المهذب: ج 2 ص 119.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 196 ح 5450، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 429.
(4) المقنعة: ص 667.
(5) المراسم: ص 203.
(6) الكافي في الفقه: ص 364.

[ 391 ]

وقال ابن الجنيد: إذا أوصى الصبي وله ثمان سنين والجارية ولها سبع سنين بما يوصي به البالغ الرشيد جاز. وقال ابن حمزة: إنما تصح وصية الحر البالغ كامل العقل أو حكمه ونفاذ تصرفه في ماله، وحكم كمال العقل يكون للمراهق الذي لم يضع الأشياء في غير مواضعها، فإن وصيته وصدقته وعتقه وهبته بالمعروف ماضية دون غيرها (1). وقال محمد بن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أن وصية غير المكلف البالغ غير صحيحة، سواء كانت في وجوه البر أو غير وجوه البر، وكذلك صدقته وعتقه وهبته، لأن وجود كلام الصبي غير البالغ كعدمه، ولأنه بلا خلاف محجور عليه غير ماض فعله في التصرف في أمواله بغير خلاف بين الأمة، ولقوله تعالى: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " فأمرنا بالدفع للأموال إليهم بعد البلوغ، وهو في الرجال الاحتلام أو الانبات أو خمس عشرة سنة، وفي النساء الاحتلام أيضا أو الانبات أو بلوغ تسع سنين أو الحمل أو الحيض مع إيناس الرشد، وحده أن يكون مصلحا لماله مصلحا لدينه، ومن أجاز شيخنا وصيته وعتقه وهبته ليس كذلك، ولقوله - عليه السلام -: (رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم) ورفع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لكلامه، وإنما هذه أخبار آحاد، لورودها في النهاية إيرادا (2). إذا عرفت هذا فنقول: شرط الشيخ في جواز الوصية أمورا ثلاثة: بلوغ العشر، ووضعه الأشياء مواضعها، وكونها في المعروف. وسوغ هبته (3).

(1) الوسيلة: ص 372.
(2) السرائر: ج 3 ص 206 - 207.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 152.

[ 392 ]

والمفيد شرط ذلك أيضا، لكن منع من الهبة (1). وسلار كالشيخين في الشرائط، إلا أنه منع من هبته ووقفه (2). وكلام أبي الصلاح مشكل، لأنه يقتضي جواز وصية من بلغ العشر مطلقا، ووصية من نقص عنها في المعروف (3). وأما ابن الجنيد فكلامه أشكل، لأنه ساوى بين البالغ وبين ابن ثمان سنين في الذكر وسبع سنين في الأنثى. والصدوق روى في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق - عليه السلام - إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته (4). وروي عن زرارة، عن الباقر - عليه السلام - قال: إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق وأوصى على حد معروف وحق فهو جائز (5). وروي في الصحيح عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث فاله في حق جازت وصيته، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته (6). وروي في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله - عليه

(1) المقنعة: ص 668.
(2) المراسم: ص 203.
(3) الكافي في الفقه: ص 364.
(4) من لا يحضره الفقه: ج 4 ص 196 ح 5450، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 429.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 197 ح 5451، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 429.
(6) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 197 ح 5452، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 428.

[ 393 ]

السلام - يقول: إن الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك جازت وصيته لذوي الأرحام، ولم تجز للغرباء (1). مع أنه ذكر أنه يثبت في كتابه مذهبه. وقد روى الشيخ عن أبي بصير، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله بشئ في حق جازت وصيته (2). وروى أحاديث كثيرة تدل على ذلك. وهذه الروايات وإن كانت متظاهرة والأقوال مشهورة، لكن الأحوط عدم إنفاذ وصيته مطلقا حتى يبلغ، لعدم مناط التصرف في المال عنه. مسألة: المشهور عند علمائنا كافة إن الوصية تمضي من ثلث المال وتبطل في الزائد إلا مع الاجازة. وقال علي بن بابويه: فإن أوصى بالثلث فهو الغاية في الوصية، فإن أوصى بماله كله فهو أعلم وما فعله، ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى. واحتج على ذلك برواية عمار الساباطي، عن الصادق - عليه السلام - قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز له (3). والرواية ضعيفة السند والدلالة، والمطلوب مستبعد، والأحاديث الصحيحة معارضة لهذه الرواية، مع أن الشيخ حملها على من لا وارث له أو على ما إذا أجاز الورثة (4)، ومع ذلك فهي قاصرة عن إفادة المطلوب، فإنا نقول

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 197 ح 5453، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 428.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 182 ح 732، وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 428.
(3) الاستبصار: ج 4 ص 121 ح 459، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 5 ج 13 ص 382.
(4) الاستبصار: ج 4 ص 121 ذيل الحديث 459.

[ 394 ]

بموجبها، فإن المريض أحق بماله ما دام فيه الروح يفعل فيه ما يشاء في حياته، وإذا أوصى به كله جاز، فإن أجاز الورثة بعد ما أوصى به وإلا فسخت الوصية في الثلثين. وقد روى ابنه في المقنع أن الصادق - عليه السلام - سئل عن رجل أوصى بماله في سبيل الله، فقال: اجعله إلى من أوصى له به، وإن كان يهوديا أو نصرانيا فإن الله عز وجل يقول: " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم " ثم قال عقيب هذه الرواية: ماله هو الثلث، لأنه لا مال للميت أكثر من الثلث (1). مسألة: شرط الشيخ في المبسوط (2)، والمفيد في المقنعة (3)، وابن حمزة (4)، وسلار (5)، وابن البراج عدالة الوصي، ومنعوا من الوصية إلى الفاسق. واستدل في المبسوط عليه بأنها أمانة، والفاسق ليس أهلا لها (6). واضطرب ابن إدريس في قوله، فتارة شرط العدالة، لأنها أمانة فلا تناط بالفاسق، ثم قال بعد ذلك: والذي يقتضيه مذهبنا وتشهد به أصولنا ورواياتنا أن العدالة في الوصي ليست شرطا في صحة الوصية إليه، وإنما ذلك مستحب لا شرط في الصحة، للاجماع على جواز إيداع الفاسق وهي أمانة، فكذا الوصية (7).

(1) المقنع: ص 165، وليس فيه: " ماله الثلث... أكثر من الثلث ".
(2) المبسوط: ج 4 ص 51.
(3) المقنعة: ص 668. (4) الوسيلة: ص 373.
(5) المراسم: ص 202.
(6) المبسوط: ج 4 ص 51.
(7) السرائر: ج 3 ص 189.

[ 395 ]

والأقرب عدم الاشتراط، لأنها نيابة فيتبع اختيار المنوب كالوكالة، نعم أنه مستحب. مسألة: لو تغيرت حالة الوصي بفسق أخرجت الوصية من يده، قاله الشيخ في المبسوط، لأن الفاسق لا يكون أمينا (1). وقال ابن إدريس: وهذا الكتاب معظمه فروع الخالفين، وكلام الشافعي وتخريجاته، ولم يورد أصحابنا في ذلك شيئا لا رواية ولا تصنيفا، والأصل صحة الوصية إليه والاعتماد عليه، مع قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه) وعزله عن الوصية واخراجه منها تبديل وتغيير بلا خلاف (2). مع أنه قال في كتاب الوصايا: فإن مات أو فسق أقام مقامه من يراه (3). والمعتمد الأول. لنا: إن الظاهر من حال الموصي حيث أسند وصيته إلى العدل أنه إنما أسند إليه لعدالته والوثوق بأمانته، فإذا خرج عن حد العدالة خرج عن الاستئمان، إذ الظاهر أنه لو كان حيا لاستبدل به، والنهي عن التبديل ليس عاما لوجوبه إذا خالف المشروع، ونسبة قول الشيخ إلى كلام الشافعي جهل منه وقلة تأمل، فإن كلام الشيح أصل في نفسه، سواء اتفق موافقته للغير أو مخالفته. مع أنه قال: إذا تشاح الوصيان استبدل بهما الحاكم، لأنهما فسقا (4). وقد قدمنا أن بالفسق تخرج الوصية من يده، فإذا كان هذا قول من يخالفه من غير دليل فكيف صار إليه وعول عليه، لكن هذا الرجل كثير الاضطراب

(1) المبسوط: ج 4 ص 52.
(2) السرائر: ج 3 ص 190.
(3) السرائر: ج 3 ص 185.
(4) السرائر: ج 3 ص 191.

[ 396 ]

لا يحصل ما يقوله، فلهذا يقع في التناقض كثيرا. مسألة: منع الشيخ في المبسوط الوصية إلى المدبر والمكاتب والذي تحرر نصفه (1). وجوز المفيد (2)، وسلار (3) الوصية إلى المدبر والمكاتب. وابن حمزة (4)، وابن إدريس (5) وافقا الشيخ في المنع، وهو الوجه، لأنهما داخلان تحت الرق ومندرجان تحت ولاية المولى كالقن، فمنع من الوصية إليهما كالقن. مسألة: إذا جعل الموصي للوصي أن يوصي جاز له ذلك، وإن أطلق وصيته ولم ينص على الايصاء فهل للموصي أن يوصي فيما أوصى إليه؟ قال الشيخ - رحمه الله - في النهاية: نعم، قال: وقال بعض أصحابنا: إنه ليس له أن يوصي إلى غيره بما كان يتصرف فيه، فإذا مات كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم من ينظر في ذلك، فإن لم يكن هناك إمام كان لفقهاء آل محمد - صلى الله عليه وآله - العدول، وذوي الآراء منهم أن يتصرفوا في ذلك إذا تمكنوا منه، فإن لم يتمكنوا فليس عليهم شئ، ولست أعرف بهذا حديثا مرويا (6). وقال في الخلاف: إذا أوصى إلى غيره وأطلق الوصية ولم يقل: إذا مت أنت وصي فلان، ولا قال: فمن أوصيت إليه فهو وصيي، لأصحابنا فيه

(1) المبسوط: ج 4 ص 51.
(2) المقنعة: ص 668.
(3) المراسم: ص 202.
(4) الوسيلة: ص 375.
(5) السرائر: ج 3 ص 189.
(6) النهاية ونكتها: ج 3 ص 141 - 142.

[ 397 ]

قولان: المروي [ أن ] له أن يوصي إلى غيره، وقال بعض أصحابنا: ليس له أن يوصي، فإذا مات أقام الناظر في أمر المسلمين من ينظر في تلك الوصية. دليلنا على القولين: روايات أصحابنا (1). وبجواز الايصاء قال ابن الجنيد، وابن البراج (2). وقد روى ابن بابويه في كتابه في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي - عليهما السلام - رجل كان وصي رجل فمات وأوصى إلى رجل هل يلزم الوصي وصية الرجل الذي كان هذا وصيه؟ فكتب - عليه السلام -: يلزمه بحقه إن كان له قبله حق إن شاء الله تعالى (3). والظاهر أن مراده ب‍ (الحق) هنا حق الايمان. وقال المفيد - رحمه الله -: ليس للوصي أن يوصي إلى غيره، إلا أن يشترط ذلك الموصي، فإن لم يشترط ذلك لم يكن له الايصاء في الوصية، فإن مات كان الناظر في أمور المسلمين يتولى إنفاذ الوصية على حسب ما كان يجب على الوصي أن ينفذها، وليس للورثة أن يتولوا ذلك بأنفسهم، وإذا عدم السلطان العادل في ما ذكرناه من ذلك كان لفقهاء أهل الحق العدول من ذوي الرأي والفضل أن يتولوا ما يتولاه السلطان، فإن لم يتمكنوا من ذلك فلا تبعة عليهم فيه (4). وتبعه أبو الصلاح (5)، وابن إدريس (6)، وهو المعتمد. لنا: الأصل سقوط ولايته بعد موته، وعدم جواز تسليط الغير على الأطفال.

(1) الخلاف: ج 4 ص 162 - 163 المسألة 43.
(2) المهذب: ج 2 ص 117.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 226 ح 5535، وسائل الشيعة: ب 70 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 460.
(5) الكافي في الفقه ص 366.
(4) المقنعة: ص 675 - 676.
(6) السرائر: ج 3 ص 191.

[ 398 ]

ولأن ولايته تتبع اختيار الموصي، وهو مقصور عليه، إذ التقدير ذلك، فالتخطي مناف - لمقتضى الوصية، والرواية غير دالة على المطلوب، لأنها محمولة على ما إذا أوصى الموصي بذلك، ولهذا قال - عليه السلام -: (إن كان له قبله حق) وهو أولى من جعل الحق حق الايمان. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أمر الموصي الوصي أن يتصرف في تركته لورثته ويتجر لهم بها ويأخذ نصف الربح كان ذلك جائزا، وحلال له نصف الربح (1). وتبعه ابن البراج (2). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على ما رواه خالد بن بكير الطويل قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال اخوتك الصغار واعمل به وخذ نصف الربح واعطهم النصف، وليس عليك ضمان - إلى أن قال: فدخلت على أبي عبد الله - عليه السلام - فاقتصصت عليه قصتي، فقال - عليه السلام -: أما فيما بينك وبين الله فليس عليك ضمان (3). وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه سئل عن رجل. أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم فأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال ويكون الربح بينه وبينهم، فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي (4). وقال ابن إدريس: أورد ذلك شيخنا في نهايته، إلا أن الوصية لا تنفذ إلا

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 142 - 143.
(2) المهذب: ج 2 ص 118.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 236 ح 919، وسائل الشيعة: ب 92 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 478. (4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 236 ح 921، وسائل الشيعة: ب 92 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 478.

[ 399 ]

في ثلث المال قبل موته والربح تجدد بعد موته فكيف تنفذ وصيته؟ وقوله فيه وفي الرواية نظر (1). والوجه ما قاله الشيخ، عملا بالرواية والمناسبة للأصول، فإن العادة قاضية بهذه المعاملة فأشبه أجرة المثل، والنظر الذي ذكره ابن إدريس ضعيف. مسألة: قال الشيخ في النهاية: وإذا كان للوصي على الميت مال لم يجز له أن يأخذ من تحت يده، إلا ما تقوم له به البينة (2). وتبعه ابن البراج (3). ونازع ابن إدريس في ذلك وقال: هذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، والذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه يأخذ مما له في يده؟ لأن من له على إنسان مال ولا بينة له عليه ولا يقدر على استخلاصه ظاهرا فله أخذ حقه باطنا، لأنه يكون بأخذ ماله من غير زيادة عليه محسنا لا مسيئا، وقال الله تعالى: " ما على المحسنين من سبيل " (4). والشيخ - رحمه الله - أطلق القول، فلعل للوصي بينة تشهد له بماله ويتمكن من إثبات حقه عند الحاكم، فإن الأولى له إثباتها عنده ولا يستقل بالأخذ. وابن إدريس قيد قيودا لم يذكرها الشيخ. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا باع الوصي شيئا من التركة لمصلحة الورثة وأراد أن يشتريه لنفسه جاز له ذلك إذا أخذه بالقيمة العدل من غير نقصان (5). وتبعه ابن البراج (6). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنه لا يجوز له أن يشتريه

(1) السرائر: ج 3 ص 192.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 143 - 144.
(3) المهذب: ج 2 ص 118.
(4) السرائر: ج 3 ص 192 - 193.
(5) النهاية ونكتها: ج 3 ص 144.
(6) المهذب: ج 2 ص 118.

[ 400 ]

لنفسه بحال، لأن الانسان لا يكون موجبا قابلا في عقد واحد، لأن العقد يكون بين اثنين، ولا يصح ذلك إلا ما خرج بإجماعنا من الوالد إذا اشترى من مال ولده الصغير فلا نقيس غيره عليه بحال، لأنا لا نقول بالقياس في الشرعيات، إلا أن شيخنا أبا جعفر رجع عما ذكره في نهايته، وقال بخلافه في مسائل خلافه في كتاب الوكالة في الجزء الثاني فقال: مسألة: جميع من يبيع مال غيره ستة أنفس: الأب والجد ووصيهما والحاكم وأمين الحاكم والوكيل، لا يصح لأحد منهم أن يبيع المال الذي في يده من نفسه، إلا لإثنين: الأب والجد، ولا يصح لغيرهما، واستدل بإجماع الفرقة والأخبار على أنه يجوز للأب أن يقوم جارية ابنه الصغير على نفسه ويستبيح وطأها بعد ذلك. وروي أن رجلا أوصى إلى رجل ببيع فرس له فاشتراه الوصي لنفسه واستفتى عبد الله بن مسعود فقال: ليس له ذلك، ولا يعرف له مخالف (1). والوجه ما قاله الشيخ. لنا: إنه بيع وقع من أهله في محله فينفذ، أما الملازمة فظاهرة، وأما المقدمة الأولى: فلأنه جائز التصرف فصح أن يقبل الشراء وأن يتملك العين. وما رواه الحسين بن يحيى الهمداني قال: كتبت مع محمد بن يحيى هل للوصي أن يشتري من مال الميت إذا بيع فيمن زاد يزيد ويأخذ لنفسه؟ فقال: يجوز إذا اشترى صحيحا (2). وقوله: (إنه يكون موجبا قابلا في عقد واحد) أي مانع يمنع منه؟ وأي محال لزم عنه؟ لا يقال: الايجاب وضع لنقل الملك عن الموجب، والقبول وضع لنقل

(1) السرائر: ج 3 ص 193.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 245 ح 950 وسائل الشيعة: ب 89 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 475 وفيهما: " الحسين بن إبراهيم ".

[ 401 ]

الملك إلى القابل، فيتضاد الحكمان لو اجتمعا في واحد. لأنا نقول: بمنع المقدمة الأولى، نعم هو موضوع للنقل عن الموجب إن كان مالكا، وعن من يتولى أمره إن كان وليا. وقول ابن مسعود ليس حجة عندنا، مع احتمال أن الأمر بالبيع كان للغير فيستلزم المغايرة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مات الانسان من غير وصية كان على الناظر في أمور المسلمين أن يقيم له ناظرا ينظر في مصلحة الورثة ويبيع لهم ويشتري ويكون ذلك جائزا، فإن لم يكن السلطان الذي يتولى ذلك أو يأمر به جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة فيؤديها من غير إضرار بالورثة، ويكون ما فعله صحيحا ماضيا (1). وتبعه ابن البراج (2). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان يتولى ذلك فالامر فيه إلى فقهاء شيعته - عليه السلام - من ذوي الرأي والصلاح، فإنهم - عليهم السلام - قد ولوهم هذه الأمور، فلا يجوز لمن ليس بفقيه تولي ذلك بحال، فإن تولاه فإنه لا يمضي شئ مما يفعله، لأنه ليس له ذلك بحال، فأما إن تولاه الفقيه فما يفعله صحيح جائز ماض (3). والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على رواية سماعة قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك وعبيد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس (4).

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 144 - 145.
(2) المهذب: ج 2 ص 118.
(3) السرائر: ج 3 ص 193 - 194.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 392 ح 1400، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب المواريث ح 1 ج 17 ص 420.

[ 402 ]

ومع ذلك فقول الشيخ لا ينافي ما ذكره ابن إدريس، لأن كونه ثقة لا ينافي كونه فقيها، فجاز أن يجتمع فيه الوصفان، وترك الشيخ التنصيص على الفقيه للعلم به، إذ من القواعد الكلية تولي الفقهاء مثل هذه الأمور. وقد روى علي بن رئاب في الصحيح - ما يكشف ذلك - عن الكاظم - عليه السلام - أنه سأله عن رجل مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك له غلمانا وجواري ولم يوص كيف ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد وما ترى في بيعهم؟ فقال: إن كان [ لهم ] ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم كان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ قال: لا بأس إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، وليس لهم أن يرجعوا عما يصنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم (1). أو نقول: مع تعذر الفقيه أيضا يجوز المصير إلى ما قاله الشيخ للضرورة، ولأنه محسن بالنظر لهم فلا سبيل عليه. مسألة: قال الشيخ في الخلاف (2) والمبسوط (3): إذا أوصى إلى اثنين وشرط الاجماع على التصرف وعدم تفرد أحدهما به أو أطلق لم يكن لأحدهما التفرد بشئ من الوصية، وإن شرط التفرد جاز. وكذا قال ابن إدريس (4)، وابن حمزة (5). وقال الشيخ علي بن بابويه ما يقارب ذلك، فقال: إذا أوصى رجل إلى

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 239 ح 928، وسائل الشيعة: ب 88 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 474.
(2) الخلاف: ج 4 ص 160 - 161 المسألة 31.
(3) المبسوط: ج 4 ص 53.
(4) السرائر: ج 3 ص 190. (5) الوسيلة: ص 373.

[ 403 ]

رجلين فليس لهما أن ينفرد كل واحد منهما بنصف التركة، وعليهما إنفاذ الوصية على ما أوصى الميت. ونحوه قال أبو الصلاح (1). وقال في النهاية: إذا أوصى إلى نفسين وشرط أن لا يمضيا الوصية إلا بعد أن يجتمعا لم يكن لكل واحد منهما الاستبداد بما يصيبه، فإن تشاحا في الوصية والاجتماع لم ينفذ شئ مما يتصرفان فيه، إلا ما يعود بمصلحة الورثة والكسوة لهم والمأكول، وعلى الناظر في أمور المسلمين حملهم على الاجتماع على تنفيذ الوصية والاستبدال بهم إن رأى ذلك أصلح في الحال، وإن لم يكن الموصي قد اشترط عليهما ذلك جاز لكل واحد منهما أن يستبد بما يصيبه ويطالب صاحبه بقسمة الوصية (2)، وكذا قال ابن البراج (3)، وهو يعطي أنه مع الإطلاق يجوز التفرد. والمعتمد الأول. لنا: إنه شرك بينهما في النظر فلم يكن لأحدهما الانفراد. وما رواه محمد بن الحسن الصفار في الصحيح قال: كتبت إلى أبي محمد العسكري - عليه السلام - رجل أوصى إلى رجلين أيجوز لأحدهما أن ينفرد بنصف التركة والآخر بالنصف؟ فوقع - عليه السلام -: لا ينبغي لهما أن يخالفا الميت، وأن يعملا على حسب ما أمرهما إن شاء الله (4). قال الصدوق - رحمه الله -: والتوقيع عندي بخط الإمام - عليه السلام - (5). ثم روى عن بريد بن معاوية قال: إن رجلا مات وأوصى إلي أو إلى آخر

(1) الكافي في الفقه: ص 366.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 140 - 141.
(3) المهذب: ج 2 ص 116.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 203 ح 5471، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 440.
(5) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 203 ذيل الحديث 5471.

[ 404 ]

أو إلى رجلين فقال أحدهما: خذ نصف ما ترك وأعطني النصف مما ترك فأبى عليه الآخر، فسألوا أبا عبد الله - عليه السلام - عن ذلك، فقال: ذلك له (1). قال الشيخ في كتابي الأخبار: قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه: إن هذا الخبر لا عمل عليه ولا أفتي به وإنما أعمل على الخبر الأول، ظنا منه أنهما متنافيان، وليس الأمر على ما ظن، لأن قوله - عليه السلام -: " ذلك له " ليس في صريحه أن ذلك للمطالب الذي طلب أن يستبد بنصف التركة، وليس يمتنع أن يكون المراد بقوله - عليه السلام -: " ذلك له " يعني الذي أبى على صاحبه الانقياد إلى ما يريده، فيكون تلخيص الكلام أن له أن يأبى عليه ولا يجيبه مسألته، وعلى هذا الوجه لا تنافي بينهما على حال (2). أقول: ويؤيد ما ذهب إليه الشيخ - رحمه الله - إنه أقرب، فعود الضمير إليه أولى، وإن كان الشيخ في النهاية وابن البراج ذهبا إلى ما يعطيه ظاهر كلامهما من جواز التفرد مع الإطلاق فحجتهما هذه الرواية، مع أنها ضعيفة عن الدلالة. مسألة: إذا تشاح الوصيان المشروط اجتماعهما في التصرف والاجتماع قال الشيخ: لم ينفذ شئ مما يتصرفان فيه، إلا ما يعود بمصلحة الورثة والكسوة والمأكول، وعلى الناظر في أمور المسلمين حملهم على الاجتماع على تنفيذ الوصية والاستبدال بهم إن رأى ذلك أصلح في الحال (3). وهذا هو المشهور. وقال أبو الصلاح: فإن تشاحوا رد الناظر في المصالح الأمر في التنفيذ إلى أعلمهم به وأقواهم فيه، وجعل الباقين تبعا له (4).

(1) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 203 ح 5472، وسائل الشيعة: ب 51 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 440.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 185 - 186 ح 746، الاستبصار: ج 4 ص 118 ح 448.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 140 - 141.
(4) الكافي في الفقه: ص 366.

[ 405 ]

وفيه إشكال، من حيث أنه تخصيص لاحدهم بالنظر وقد منعه الموصي من ذلك. مسألة: قال الصدوق: إذا دعى الرجل ابنه إلى قبول وصيته فليس له أن بأبى، وإذا أوصى رجل إلى رجل فليس له إن كان حيث لا يجد غيره، وإذا أوصى رجل إلى رجل وهو غائب عنه فليس له أن يمتنع من قبول الوصية (1). وروي في كتاب من لا يحضره الفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح، من الصادق - عليه السلام - قال: إن أوصى رجل إلى رجل وهو غائب فليس له أن يرد وصيته، وإن أوصى إليه وهو بالبلد فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل (2). وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار، عن الصادق - عليه السلام - في رجل يوصى إليه، قال: إذا بعث بها إليه من بلد فليس له ردها، وإن كان في مصر وجد فيه غيره فذاك إليه (3). وعن علي بن الريان قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - رجل دعاه والده إلى قبول وصيته هل له أن يمتنع من قبول وصية والده؟ فوقع - عليه السلام -: ليس له أن يمتنع (4). والظاهر أن المراد بذلك شدة الاستحباب، إلا في الغائب إذا لم يبلغ

(1) المقنع: ص 164، وليس فيه: " وإذا أوصى رجل إلى رجل فليس له... فليس له أن يمتنع من قبول الوصية ".
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 195 ح 5445، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 398.
(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 195 ح 5446، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 398.
(4) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 195 ح 5447، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 400.

[ 406 ]

الموصي الرد، فإن فيه ما تقدم على أن امتناع الولد نوع عقوق، ومن لا يوجد غيره يتعين عليه، ولأنه فرض كفاية. وبالجملة فأصحابنا لم ينصوا على ذلك، ولا بأس بقوله - رحمه الله -. مسألة: قال المفيد - رحمه الله -: إذا أوصى لعبد له كاتبه جاز مما أوصى له بحساب ما عتق منه، ورجع الباقي إلى مال الورثة (1). وكذا قال سلار (2). وقال ابن البراج: يصح أن يوصي المكاتبة (3)، وهو المشهور. فإن قصد المفيد ب‍ " رجوع الباقي إلى الورثة " من غير أن يسقط من مال الكتاب بقدره بل يكون لهم مجانا لزم إبطال الوصية للمكاتب، سواء كان الموصي المالك أو غيره، وهو مخالف لظاهر فتوى الأصحاب. وإن قصد رجوعه إليهم واسقاط ما يقابله من مال الكتابة فهو حسن، على أن إبطال الوصية لمكاتب الغير المشروط لا يخلو عندي من نظر. مسألة: المشهور إنه لا تصح الوصية لعبد الغير، ولا لمكاتبه المشروط وغير المؤدي. وقال الشيخ في المبسوط (4)، وتبعه ابن البراج (5): إذا أوصى لعبد نفسه أو لعبد ورثته كان ذلك صحيحا، لأن الوصية للوارث عندنا تصح، وكذلك إن أوصى لمكاتبه أو لمكاتب ورثته كانت الوصية صحيحة، ولو وصى لعبد الأجنبي لم تصح الوصية، لما ورد من الخبر في ذلك. وفي كلامه نظر، فإن الوصية للعبد إن كانت وصية للمولى صحت وإن

(1) المقنعة: ص 677.
(2) المراسم: ص 203. (3) المهذب: ج 2 ص 167.
(4) المبسوط: ج 4 ص 61 - 62.
(5) المهذب: ج 2 ص 108.

[ 407 ]

كان العبد لأجنبي، لأنه تصح الوصية له، وإن لم يكن له لم يبق فرق بين الوارث والأجنبي. وبالجملة فهذا التفصيل مشكل. مسألة: قال ابن البراج: إذا قال: " اعطوه دابة من دوابي " أعطوه فرسا، قال: وقيل: يعطوه ما أراد من الخيل ذكرا كان أو أنثى أو من البغال أو من الحمير، ولا يعطى من الإبل والبقر بغير خلاف، لأن ذلك لا يسمى في العرف دابة (1). والمرجع في ذلك إلى أهل اللغة. مسألة: إذا أوصى أن يحج عنه قال ابن البراج: حج عنه من بلده إذا كان في النفقة فضل لذلك، فإن خرج حاجا فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه فإنه يحج عنه من الموضع الذي مات فيه، فإن كان له أوطان مختلفة ومات وهو في السفر وأوصى أن يحج عنه فإنه يحج عنه من أقرب أوطانه إلى مكة، فإن لم يكن له وطن بأن يكون من البادية أو من الركاضة (2) أو من الذين لا يستوطنون موضعا فإنه يحج عنه من حيث مات (3). وهذا التفصيل غريب، وقد تقدم اختيارنا في ذلك. مسألة: قال ابن الجنيد: لا تصح الوصية لمملوك ولا مجنون، فإن أراد الوصية إليه فحق، وإن أراد الوصية للمجنون فهو ممنوع. ثم قال: فأما المكاتب فإنه يجوز من وصيته بقدر ما أعتق منه، وهو يعطي إرادة الثاني. اللهم إلا أن يجعل الوصية بالولاية منوطة بالحرية والرقية، ويبطل نصيب

(1) المهذب: ج 2 ص 111.
(2) المراد منه السائر السائح في الأرض والبلاد، قال الزمخشري في الأساس (ص 249): وركضت النجوم في السماء: سارت.
(3) المهذب: ج 2 ص 113.

[ 408 ]

الرقية كالوصية بالمال، لكن فيه إشكال. مسألة: قال ابن الجنيد: لو خصص بالوصية فقراء فخذ من العرب كان لقبيلتهم، فإن استغنوا كان لمواليهم. وفيه إشكال، ينشأ من أنه تخط عن موضع الوصية. فإن احتج بأن مولى القوم منهم منعنا ذلك. مسألة: المشهور إن الموصى له إذا مات قبل موت الموصي ولم يرجع الموصي عن وصيته فإن الوصية تنتقل إلى ورثة الموصى له. قال المفيد - رحمه الله -: إذا أوصى الانسان لغيره بشئ من ماله فمات الموصى له قبل الموصي بذلك كان ما وصى به راجعا على ورثته، فإن لم يكن له ورثة رجع إلى مال الموصي - إلى أن قال: - ولصاحب الوصية إذا مات الموصى له قبله أن يرجع فيما وصى له به، فإن لم يرجع كان ميراثا لمخلفي الموصى له (1). ورواه ابن بابويه في كتابه (2)، وهو مذهب مشهور للأصحاب. وقال ابن الجنيد: ولو كانت الوصية لاقوام بعينهم مذكورين مشار إليهم، كالذي يقول لولد فلان: هؤلاء، فإن ولد لفلان غيرهم لم يدخل في الوصية، وإن مات أحدهم قبل موت الموصي بطل سهمه. ولا بأس بهذا القول عندي، لأن الوصية عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول، وقد بينا أن القبول المنعقد به هو الذي يقع بعد الوفاة، فصار الموت حينئذ لا عبرة به.

(1) المقنعة: ص 677.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 210 ح 5489، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 409.

[ 409 ]

ويؤيده ما رواه أبو بصير ومحمد بن مسلم معا في الصحيح، عن الصادق - عليه السلام - قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي، قال: ليس بشئ (1). وفي الموثق عن منصور بن حازم، عن الصادق - عليه السلام - قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية إن حدث بي حدث فمات الموصى له قبل الموصي، قال: ليس بشئ (2). وباقي أصحابنا احتجوا بما رواه محمد بن قيس، عن الباقر - عليه السلام - قال: قضى أمير المؤمنين - عليه السلام - في رجل أوصى لآخر والموصى له غائب فتوفي الذي أوصي له قبل الموصي، قال: الوصية لوارث الذي أوصي له. قال: ومن أوصى لأحد شاهدا [ كان ] أو غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي أوصي له، إلا أن يرجع في وصيته قبل موته (3). ولأن القبول حق للموروث فيثبت للوارث بعد موته، كخيار الرد بالعيب. وروايتنا أصح طريقا، فإن محمد بن قيس مقول على جماعة أحدهم ضعيف ولعله الراوي، وخيار العيب حق استقر للموروث فانتقل إلى وارثه، بخلاف لقبول الذي هو جزء السبب فإنه لا ينتقل، كما في قبول البيع والهبة وغيرهما. مسألة: قال ابن الجنيد: لو أوصى بثلثه لرجلين وكان أحدهما حيا والآخر ميتا كان الثلث كله للحي، ولا يرجع إلى الورثة ما أخرجه وصية، كالذي

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 231 ح 906، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 410. (2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 231 ح 907، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب أحكام الوصايا ح 5 ج 13 ص 410.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 230 ح 903، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 409.

[ 410 ]

يوصي لفلان بألف درهم وأن يشتري عنه نسمة بخمسمائة درهم، فلا يصح من ثلثه إلا ما لا يوجد به نسمة. وكذلك لو أوصى بثلثه لرجلين فقبل أحدهما بعد موت الموصي ولم يقبل الآخر. وليس بجيد، لأنه لم يوص للحي إلا بنصف ثلثه، فلا يجوز له أن يزاد عليه، لما فيه من الخالفة والتبديل، بل تبطل الوصية للميت، ويرجع نصيبه إلى ورثة الموصي. مسألة: قال ابن الجنيد: إذا قال السيد: إذا حج عني عبدي فهو حر وكان الثلث يحيط بقيمته لم يكن للورثة منعه من الحج، وعتق إذا حج، وإن كان لا مال للميت غيره كان ثلثاه للورثة ميراثا والثلث موقوف، فإذا سعى في ثلثي قيمته فأداها إلى الورثة قيل له: حج بالثلث من قيمتك، فإن حج عتق وكان ميراثه لورثته، وإن مات قبل أن يحج كان ميراثا لورثة سيده. وفيه نظر، والأولى أن للورثة منعه من الحج، لأنه لم يوص بالحج، بل بالعتق على تقدير الحج، وبموته ينتقل إلى الورثة، فإذا حج بإذنهم تعلقت به الوصية حينئذ. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو أوصى السيد بعتق أمته على أن لا تتزوج فقالت: لا أتزوج فعتقت ثم تزوجت لم يبطل العتق، فإن جعل الحرية لها إن تابت من شرب الخمر أو الغناء فعتقت ثم رجعت في ذلك بطل عتقها. والوجه التسوية بين الحكمين، لأن الشرط في العدم إما الابتداء أو الدوام، وعلى التقديرين يجب التسوية. لا يقال: الشرط في أحدهما مناف لغرض الشارع، فإن التزويج أمر مطلوب للشارع. وفي الآخر موافق لغرضه، فلم يضر وجود ضد الشرط في الأول، بخلاف الثاني. ولأن التوبة يشترط فيها عدم العود، ولم يوجد الشرط فلا تكون التوبة متحققة.

[ 411 ]

لأنا نجيب عن الأول: بأنه لو كان الشرط في الأول مطلوب العدم لم يصح تعليق العتق عليه، ولم يتوقف على تحققه. وعن الثاني: إن التوبة يكفي فيها الندم على ما فات، ولا يجب في تحققها العزم على ترك المعاودة، كما ذهب إليه جماعة من المتكلمين. سلمنا، لكن عدم المعاودة ليست شرطا قطعا، بل العزم على قول بعضهم، فلعل العزم على ترك المعاودة حصل، ولم يحصل ترك المعاودة. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو أوصى نصراني لامة نصرانية إن أقامت على دينها عتقت فأقامت فعتقت ثم أسلمت لم يبطل عتقها، فإن خرجت إلى اليهودية بطل عتقها. وفيه نظر، لأن العتق قد حصل فلا يتعقبه الرق. احتج بأن الاسلام لا يتعقبه كفر، فلما تهودت علم بطلان إسلامها وعدم بقائها على الشرط فبطل العتق. والجواب: المنع من المقدمة الأولى، لقوله تعالى: " إن الذين آمنوا ثم كفروا... الآية " (1). مسألة: قال ابن الجنيد: لو قال: اعطوا فلانا من ثلثي ألف دينار فقال الورثة: إن قيمة الثلث من التركة خمسمائة دينار خيروا بين أن يعطوه ألف دينار وتكون التركة لهم أو يكون شريكا بالثلث في جميع التركة، ولو عجز الثلث لم يكن له غيره. وفيه نظر، والوجه أنه يعطى قيمة الثلث من غير تخيير، لأن الوصية إنما تعتقت بالثلث (2)، والزيادة على الثلث لا تملكها بالوصية، بل بإجازة الوارث إن شاء.

(1) النساء: 137.
(2) في جمع النسخ والطبعة الحجرية: (بالذهب).

[ 412 ]

مسألة: قال ابن الجنيد: لو أوصى رجل بغير خطه ولم يشهد أحدا إلى أن يحضره الموت فقال لجماعة من الشهود بحضرته: قد كتبت وصيتي وتركتها عند زيد فاشهدوا علي بما فيها ثم مات كانت شهادتهم كلهم كشهادتهم على شهادة زيد على الموصي، فإن قال: قد جعلتها على نسختين عند زيد واحدة وعند عبد الله أخرى فاشهدوا علي بما فيهما فأحضر زيد وعبد الله النسختين قامت شهادة الشهود عليه مقام شهادتهم على شاهدين بحق، واختار أن يشهد على كل واحدة شاهدين غير الآخرين، ولو كانت مما قد كتبها بخطه ولم يسترب به جاز للشاهدين أن يشهدا عليه بما فيها إذا أمرهما بذلك، ولو لم يشهد فيها ثم ذكر حالها وأخرجها العدل بعد موته انفذت، ولو لم يقر بالوصية على الشهود وطواها ثم قال: اشهدوا علي بما تضمنته فكتبوا جازت الشهادة، ولو طبع عليها وقال لهم: اشهدوا علي بما فيها فطبعوا مع طابعه جاز لهم أن يشهدوا عليه بما فيها. وفي هذه الأحكام كلها نظر، والأولى المنع في الجميع،. لما يأتي من أنه لا يجوز أن يشهد بمجرد معرفة خطه. مسألة: قال ابن الجنيد: لو كانت الوصية لرجلين فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر لم يرجع نصيب الذي رد على الورثة. وليس بجيد، لأنها وصية قد بطلت فترجع إلى الورثة، كما لو رداها معا. مسألة: قال ابن الجنيد: الأب الرشيد أولى بأمر ولده الأطفال من كل أحد، وكذا الأم الرشيدة بعده. والوجه إن الأم لا ولاية لها على الأطفال على ما تقرر، وهو مذهب علمائنا. مسألة: عطايا المريض المنجزة كالعتق والهبة مع الاقباض والابراء والمحاباة في البيع إذا وقعت في مرض الموت، لعلمائنا قولان:

[ 413 ]

أحدهما: إنها تصح من الأصل، اختاره الشيخ في النهاية (1)، والمفيد في المقنعة (2)، وابن البراج، وابن إدريس (3). وللشيخ قول آخر في المبسوط: إنها من الثلث (4)، وهو قول الصدوق أبي جعفر بن بابويه، وابن الجنيد، ومفهوم قول الشيخ في الخلاف (5)، وهو المعتمد. لنا: ما رواه علي بن عقبة، عن الصادق - عليه السلام - في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك كيف القضاء فيه؟ قال: ما يعتق منه إلا ثلثه، وسائر ذلك الورثة أحق بذلك ولهم ما بقي (6). وعن أبي ولاد قال: سألت الصادق - عليه السلام - عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرئه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له، فيجوز هبتها له، ويحتسب ذلك من ثلثها إن كانت تركت شيئا (7). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن أعتق. لرجل عند موته خادما له ثم أوصى وصية أخرى ألغيت الوصية واعتقت

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 176 - 177.
(2) المقنعة: ص 671.
(3) السرائر: ج 3 ص 221.
(4) المبسوط: ج 4 ص 43.
(5) الخلاف: ج 4 ص 143 المسألة 12.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 194 ح 781، وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أحكام الوصايا ح 13 ج 13 ص 384. (7) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 195 ح 783، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الوصايا ح 11 ج 13 ص 367.

[ 414 ]

الجارية من ثلثه، إلا أن يفضل من ثلثه بما يبلغ الوصية (1). وعن شعيب بن يعقوب في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن الرجل يموت ما له من ماله؟ فقال: له ثلث ماله والمرأة أيضا (2). وفي الصحيح عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن - عليه السلام - ما للرجل من ماله عند موته؟ قال: الثلث، والثلث كثير (3). وفي الصحيح عن زرارة، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ترك الدين ومثله أعتق المملوك واستسعى (4). وعن حفص بن البختري، عن الصادق - عليه السلام - قال: إذا ملك المملوك سدسه استسعى وأجيز (5). وعن الحسن بن الجهم قال: سمعت أبا الحسن - عليه السلام - يقول: في رجل أعتق مملوكا له وقد حضره الموت واشهد له بذلك وقيمته ستمائة درهم وعليه دين ثلاثمائة درهم ولم يترك شيئا غيره، قال: يعتق منه سدسه، لأنه إنما له منه ثلاثمائة وله السدس من الجميع (6).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 197 ح 786، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الوصايا ح 6 ج 13 ص 365.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 191 ح 770، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الحجر ح 1 ج 13 ص 144.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 242 - 243 ح 940، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب أحكام الوصايا ح 8 ج 13 ص 363.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 169 ح 688، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 422 - 423.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 169 ح 689، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 422.
(6) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 218 ح 855، وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب أحكام الوصايا ح 4 ج 13 ص 423.

[ 415 ]

ولو مضى العتق من الأصل لكان مقدما على الدين كالصحيح. ولأن إمضاء الوصية من الثلث مع القول بخروج العطايا المنجزة من الأصل مما لا يجتمعان، والمقدم حق فالتالي باطل. أما صدق المقدمة فبالاجماع والأخبار المتواترة الدالة عليه. وأما بيان عدم الاجتماع فلأن المقتضي لحصر الوصية في الثلث إنما هو النظر إلى حق الورثة والابقاء عليهم، وفي الأحاديث دلالة على التنبيه على هذه العلة وهي موجودة في المنجزات فتساويا في الحكم. ولأن لولا ذلك لالتجأ كل من يريد الزيادة في الوصية على الثلث إلى العطايا المنجزة فيختل حكمة حصر الوصية في الثلث، فيكون وضعه عبثا تعالى الشارع عنه. احتج المخالف بأنه مالك تصرف في ملكه فكان سائغا ماضيا كالصحيح. والجواب: المنع من الملازمة، والقياس باطل في نفسه، والفرق ظاهر. مسألة: اختلف علماؤنا في إقرار المريض إذا مات في مرضه. فقال الشيخ في النهاية: إنه يمضي من الأصل مع عدالة المقر، وانتفاء التهمة في إقراره، ومن الثلث إن كان متهما، سواء الأجنبي والوارث (1). وتبعه ابن البراج، ورواه ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2). وأطلق في المقنع (3) إنه يمضي في حق الوارث من الثلث، ولم يقيد بالتهمة. وقال المفيد - رحمه الله -: إقرار العاقل في مرضه للأجنبي والوارث سواء، وهو ماض واجب لمن أقر له به، وإذا كان على الرجل دين معروف بشهادة قائمة فأقر لقوم آخرين بدين مضاف إلى ذلك كان إقراره ماضيا عليه وللقوم أن

(1) النهاية ونكتها: ج ص 167.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 228 ح 5540 وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 377.
(3) المقنع: ص 165.

[ 416 ]

يحاصوا باقي الغرماء فيما تركه بعد وفاته، وإذا كان عليه دين يحيط بما في يده فأقر بأنه وديعة لوارث وغيره قبل إقراره إن كان عدلا مأمونا، وإن كان متهما لم يقبل إقراره (1). ففرق بين الاقرار بالعين والدين، وشرط القبول بالأول العدالة إذا كان هناك دين يحيط بجميع التركة. وقال سلار: من كان عاقلا يملك أمره فيما يأتي ويذر فاقراره في مرضه كإقراره في صحته (2). فلم يفرق بين الدين والعين، ولا بين الأجنبي والوارث، ولا بين أن يكون المقر مرضيا أو غير متهم في إقراره وبين المتهم، وهو اختيار ابن إدريس (3). وقال ابن حمزة: واقرار المريض إذا كان صحيح العقل مثل إقرار الصحيح، إلا في حق بعض الورثة بشئ إذا كان متهما، فإذا أقر له ولم يكن للمقر له بينة على صحة ما أقر له به كان الاقرار في حكم الوصية (4). والمعتمد الأول. لنا: ما رواه إسماعيل بن جابر في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أقر لوارث له وهو مريض بدين عليه، فقال: يجوز إذا كان الذي أقر به دون الثلث (5). وفي الصحيح عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - قال: قلت: الرجل

(1) المقنعة: ص 662.
(2) المراسم: ص 201.
(3) السرائر: ج 3 ص 217.
(4) الوسيلة: ص 284.
(5) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 160 ح 659، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 3 ج 13 ص 377.

[ 417 ]

يقر الوارث بدين، فقال: يجوز إذا كان مليا (1). وفي الصحيح عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن رجل أوصى لبعض ورثته بأن له عليه دينا، فقال: إن كان الميت مرضيا فاعطه الذي أوصى له (2). وفي الصحيح عن العلا بياع السابري قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: إن المال الذي دفعته إليك لفلانة وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل وقالوا: إنه كان لصاحبتنا مال لا نراه إلا عندك فاحلف لنا ما قبلك شئ أفيحلف لهم؟ فقال: إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متهمة فلا يحلف ويضع الأمر على ما كان، فإنما لها من مالها ثلثه (3). احتج ابن إدريس بالاجماع على أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (4). والجواب: المنع من انعقاد الاجماع على صورة النزاع، فإن الخلاف قائم. سلمنا، لكن الجواز لا ينافي القبول من الثلث مع التهمة. والشيخ - رحمه الله - قال في الخلاف: إذا أقر بدين في حال صحته ثم مرض فأقر بدين آخر في حال مرضه نظر فإن اتسع المال لهما استوفيا معا، وإن عجز المال قسم الموجود منه على قدر الدينين (5).

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 159 ح 655، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 5 ج 13 ص 378.
(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 159 ح 656، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 376.
(3) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 160 ح 661، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 377.
(4) السرائر: ج 3 ص 217.
(5) الخلاف: ج 3 ص 367 المسألة 12.

[ 418 ]

ثم قال: يصح الاقرار للوارث في حال المرض، واستدل بأنه لا مانع منه، والأصل جوازه، ولقوله تعالى: " ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين " والشهادة على النفس هو الاقرار، وذلك عام في جميع الأحوال لكل أحد، والتخصيص يحتاج إلى دلالة، وقوله تعالى: " قالوا أقررنا قال فاشهدوا " وهذه أيضا عامة، وعلى المسألة إجماع الفرقة (1). وتوهمه ابن إدريس (2) رجوعا عما أفتى به في النهاية، وهو غلط، فإن الشيخ قصد بذلك إمضاء الاقرار للوارث، خلافا للجمهور (3)، وإلا فالشيخ أجل من أن يدعي الاجماع على الموضع المختلف فيه، فليس مراده إلا ما قلناه من الاستدلال بإجماع الفرقة على صحة الوصية للوارث والاقرار له. وأما كيفية الامضاء فعلى ما فصله في نهايته، نقلا عن الأئمة - عليهم السلام -. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا أقر الانسان بشئ وقال لوصيه: سلمه إليه فإنه له وطالب الورثة الوصي بذلك، فإن كان المقر مرضيا عند الوصي جاز له أن ينكر ويحلف عليه ويسلم الشي إلى من أقر له به، وإن لم يكن مرضيا لم يجز ذلك له وعليه أن يظهره وعلى المقر له البينة بأنه له، فإن لم يكن معه بينة كان ميراثا للورثة (4). وتبعه ابن البراج. وقال ابن إدريس: هذا غير مستقيم، وأصول مذهبنا بخلافه، وقد دللنا عليه فيما مضى، فالواجب على الوصي أن يسلمه إلى من أقر له به، سواء كان المقر مرضيا أو غير مرضي؟ لأن إقرار العاقل الحر جائز على نفسه، وشيخنا رجع

(1) الخلاف: ج 3 ص 368 المسألة 13.
(2) السرائر: ج 3 ص 217.
(3) المبسوط (للسرخسي): ج 18 ص 31.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 167 - 169.

[ 419 ]

في مسائل خلافه، وهذه أخبار آحاد أوردها في كتاب النهاية على ما وجدها (1). والمعتمد أن نقول: إن كان المقر مرضيا غير متهم سلمه إلى المقر له وحلف عليه للوارث، وإن لم يكن مرضيا كان بحكم الوصية على ما تقدم في المسألة الأولى. والشيخ - رحمه الله - عول في ذلك على حديث العلا الصحيح، وقد تقدم في المسألة السابقة، وهي موافقة لما ذهبنا إليه، إلا أن قوله في المتهم: " عليه أن يظهره " محمول على ما قاله شيخنا المفيد - رحمه الله -: " من استغراق التركة بالدين " (2) فتبطل الوصية حينئذ، أو على إظهار ما يستحق الوارث منه، أو على إظهاره للوارث، لأنه شريك. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان عليه دين فأقر أن جميع ما في ملكه لبعض ورثته لم يقبل إقراره إلا ببينة، فإن لم يكن مع المقر له بينة أعطى صاحب الدين حقه أو لا ثم ما يبقى يكون ميراثا (3). قال ابن إدريس: ما ذكره - رحمه الله - صحيح إذا أضافه إلى نفسه، ولم يقل بأمر حق واجب، فأما إن أطلق إقراره ولم يقل: جميع ما في ملكي أو هذه داري لفلان بل قال: هذه الدار لفلان أو جميع هذا الشئ لفلان كان ذلك صحيحا، سواء كان المقر له وارثا أو غير وارث، في صحة كان إقراره أو في مرض، وعلى جميع الأحوال (4). والحق أن الشيخ - رحمه الله - لم يعتبر ما قاله ابن إدريس هنا، إذ لا

(1) السرائر: ج 3 ص 218.
(2) المقنعة: ص 662.
(3) النهاية ونكتها: ج 3 ص 169.
(4) السرائر: ج 3 ص 218.

[ 420 ]

خصوصية لهذا الموضع بهذا الحكم، بل إنما لم يتقبل إقراره، لأنه في الحقيقة إقرار في حق الغير، فلا يسمع إلا بالبينة. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال: لفلان وفلان لأحدهما عندي ألف درهم، فمن أقام البينة منهما كان الحق له، فإن لم يكن مع أحدهما بينة كان الألف بينهما نصفين (1). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه مذهبنا استعمال القرعة في ذلك دون قسمته، لاجماع أصحابنا المنعقد أن كل أمر مشكل يستعمل فيه القرعة، وإن قلنا: يرجع في التفسير إلى الورثة كان قويا معتمدا (2). وتبع ابن البراج شيخنا الطوسي - رحمه الله - وهو الأقوى. لنا: إنه لا أولوية في تخصيص أحدهما ولا يمكن منعهما معا فوجب أن يقسم بينهما، لأنه لولاه لزم الترجيح من غير مرجح. ولأنه أشبه العين إذا كانت في يد المتداعيين. وما رواه السكوني، عن جعفر، عن علي - عليهما السلام - في رجل أقر عند موته لفلان ولفلان لأحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال، فقال علي - عليه السلام -: أيهما أقام البينة فله المال، وإن لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان (3). ونمنع أنه مشكل مع وجود النقل، والرجوع إلى الوارث ليس بجيد، لأن أخبار الوارث ليس شهادة مقبولة للتهمة ولا إقرار، لأنه إقرار على الوارث في

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 169 - 170. (2) السرائر: ج 3 ص 219.
(3) تهذيب الأحكام: ج 1 ص 162 ح 666، وسائل الشيعة: ب 25 من أبواب أحكام الوصايا ح 1 ج 13 ص 400.

[ 421 ]

حق الغير فلا يسمع أيضا. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا قال الموصي لوصيه: اقض عني ديني وجب عليه أن يبدأ به قبل الميراث، فإن تمكن من قضائه ولم يقضه وهلك المال كان ضامنا له، وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل، وإن كان قد عزل من أصل المال ولم يتمكن من اعطائه أصحاب الديون وهلك من غير تفريط من جهته كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بالدين من الذي أخذوه (1). وتبعه ابن البراج على ذلك (2). وابن إدريس تبعه أيضا، لكن زاد بعد قوله: " وليس على الورثة لصاحب الدين سبيل " إن كان قد صار إليهم من التركة حقهم، وزاد بعد قوله: " وإن كان قد عزل من أصل المال " وقسم الباقي بينهم (3). والمعتمد أن نقول: في الفرض الأول إذا كان قد بقي من المال شئ وأخذه الورثة - سواء كان حقهم أو أزيد أو أنقص - كان لصاحب الدين مطالبة الورثة بأقل الأمرين من حقه ومما صار إليهم، ثم يرجع الورثة على الوصي لتفريطه، لعدم انحصار حق صاحب الدين فيما تلف، وإن حمل المال في قول الشيخ: " وهلك المال " على تلف جميعه قبل أن يصل إلى الوارث منه شئ استقام الحكم وانتظم. والظاهر أن مراد الشيخ وابن البراج ذلك، لكن ابن إدريس لقلة تفطنه زاد ما فسد به الكلام من حيث لا يشعر به. والرواية التي وردت في هذا الباب لا تدل على مطلوبه، فإن الشيخ روى في الصحيح، عن الحلبي، عن الصادق - عليه السلام - أنه قال: في رجل توفي

(1) النهاية ونكتها: ج 3 ص 173 - 174.
(2) المهذب: ج 2 ص 119.
(3) السرائر: ج 3 ص 225.

[ 422 ]

فأوصى إلى رجل وعلى الرجل المتوفى دين فعمد الذي أوصى إليه فعزل الدين للغرماء فوضعه في بيته وقسم الذي بقي بين الورثة فسرق الذي للغرماء من الليل ممن يؤخذ؟ قال: هو ضامن حين عزله في بيته، ويؤدي من ماله (1). ونحن نقول: بموجبها، فإن الوصي ضامن، ولصاحب الدين الخيار في الرجوع عليه أو على الورثة، فإن رجع على الورثة رجع الورثة عليه، واستقر الضمان عليه، وكان هو المؤدي للمال. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا طلق المريض زوجته ورثته ما بينها وبين سنة ما لم يبرأ أو تتزوج ويرثها الرجل ما دامت في العدة، فإن خرجت العدة لم يكن له منها ميراث (2). ولا فرق بين أن يكون التطليقة أولة أو ثانية أو ثالثة وعلى كل حال. وقال ابن إدريس: الصحيح من المذهب والأقوال أنه لا يرثها الزوج في العدة البائنة، وقد رجع شيخنا في مسائل الخلاف وقال: لا يرثها الزوج إلا ما دامت في العدة الرجعية دون البائنة (3). والظاهر أن مراد الشيخ التسوية في الحكم الأول دون غيره. مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا وجدت وصية بخط الميت ولم يكن أشهد عليها ولا أقر بها كان الورثة بالخيار بين العمل بها وبين ردها وإبطالها، فإن عملوا بشئ منها لزمهم العمل بجميعها (4). وقال ابن إدريس: الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنهم إن أقروا بشئ منها

(1) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 168 ح 685، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 417 - 418.
(2) النهاية ونكتها: ج 3 ص 177 - 178.
(3) السرائر: ج 3 ص 222.
(4) النهاية ونكتها: ج 3 ص 178 - 179.

[ 423 ]

وعملوا به وقالوا: إن هذا حسب صحيح أوصى به دون ما عداه مما هو في المكتوب فإنه لا يلزمهم العمل بجميع ما في المكتوب إلا بما أقروا به دون ما عداه، وإنما هذه رواية خبر واحد أوردها شيخنا إيرادا (1). والوجه أنه لا منافاة بين الأمرين، فإن قول الشيخ - رحمه الله - يحتمل العمل بما وجدوه من خطه، لأنه أوصى بذلك مستندين إلى هذا الخط عارفين بصحته، وحينئذ يجب العمل بالجميع. وقد روى الصدوق في كتابه عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي الحسن - عليه السلام - رجل كتب كتابا بخطه ولم يقل لورثته: هذه وصيتي ولم يقل: إني قد أوصيت إلا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصي به هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب - عليه السلام -: إن كان له ولد ينفذون كك شئ يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر أو غيره (2). وليست صريحة فيما قاله الشيخ - رحمه الله -. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا كان له مائتا دينار وأمة تساوي مائة دينار فأعتقها في مرضه وتزوجها وأصدقها مائة دينار ثم مات فإن النكاح جائز، لكنها لا ترث ولا تستحق الصداق، لأن عتق المريض يعتبر من الثلث، ولو أثبتنا لها الصداق لم يبق هناك ثلث ينفذ عتقها فيه، وإذا لم يعتق لم يصح النكاح ولا الصداق، فأبطلنا الصداق حتى يصح العتق والتزويج. ومن قال: لا يعتبر تصرفه من الثلث ينبغي أن قول: إن العتق والتزويج صحيحان وتستحق المهر إن دخل بها، وإن لم يدخل بها كان النكاح باطلا (3).

(1) السرائر: ج 3 ص 222.
(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 198 ح 5456، وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 437.
(3) المبسوط: ج 4 ص 39.

[ 424 ]

والمعتمد أن نقول في هذه المسألة على ما اخترناه: من أن تصرف المريض معتبر من الثلث أنه إذا أمهرها ثلث التركة وقيمتها ثلث آخر أنه يبطل المسمى، لاستلزام ثبوته نفيه، فإن ثبوته فرع صحة النكاح المتوقف على العتق المتوقف على الخروج من الثلث المتوقف على بطلانه، إذ مع ثبوته يزيد الوصية على الثلث، لكن يثبت مهر المثل، لأنه كالأرش وحينئذ لا يمكن أن تعتق بجملتها، وإلا لوجب لها مهر المثل كملا فينقص الثلث عن قيمتها فلا ينفذ العتق فلا يثبت جميع مهر المثل، بل يعتق بعضها ويثبت لها من مهر المثل بأزاء ما عتق وحينئذ يدخلها الدور، إذ نقصان مهر المثل يستلزم زيادة التركة فتزيد الوصية فيزيد مهر المثل. وطريق معرفة القدر المعتق منها أن نقول: إذا فرضنا مهر المثل مساويا لقيمتها وجب أن يعتق ثلاثة أرباعها ويثبت لها ثلاثة أرباع مهر المثل، لأنا نقول: عتق منها شئ ولها من مهر المثل بأزاء ما عتق وللورثة شيئان يقابلان ضعف ما عتق منها، إذ مهر المثل لا يحسب على أحد، بل هو كأرش الجناية، فتبقى التركة في تقدير أربعة أشياء: شيئان لها وشيئان للورثة، ولو كان مهر المثل يساوي نصف قيمتها عتق سبعاها ويثبت لها عن مهر المثل سبع آخر، فنقول: عتق منها شئ ولها من مهر المثل نصف شئ وللورثة شيئان في مقابلة ضعف ما عتق، فتصير التركة في تقدير سبعة أشياء: ثلاثة لها وأربعة للورثة، وعلى هذا وقد ذكرنا في كتاب القواعد والنهاية والتذكرة ومنتهى المطلب فروعا كثيرة في ذلك وغيره من المسائل الجبرية فليطلب من هناك. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا قال: أوصيت لك بثلث مالي إن لم يقدم زيد فإن قدم زيد فقد أوصيت له فإن مات هذا الموصي قبل قدوم زيد صحت الوصية للحاضر، وإن لم يمت حتى يقدم زيد فالوصية لزيد (1).

(1) المبسوط: ج 4 ص 12.

[ 425 ]

وفيه نظر، أقر به أن يقال: لا يشترط قدوم زيد حال حياة الموصي بل متى قدم كان الثلث له، وإن آيس من قدومه بموت وشبهه كان للموصى له، لأن التعليق على القدوم وهو مطلق فلا يتخصص بوجوده. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أوصى لحمل جارية وقال: هو ابن فلان فأتت به ونفاه زوجها باللعان صحت الوصية، لأنه ليس فيه أكثر من انقطاع النسب بين الوالد وولده، فأما من الأجنبي فلا، وقال قوم: هذا خطأ، لأنه إذا نفي الولد باللعان تبينا أنه ليس مخلوقا من مائه، فإن لم يكن مخلوقا من مائه لم يكن موجودا حال الوصية، فلا تصح الوصية له. قال: وهذا قريب (1). والوجه عندي الأول، لأنه أوصى لذات معينة فلا يضر بطلان النسب، نعم لو قال: أوصيت لحملها من زوجها أو لولدها منه فإن الوصية تبطل. مسألة: قال ابن الجنيد: ولو قال: اعطوه دابة من دوابي فماتت دوابه كلها وبقي منها عند وفاته ثلاثة فصاعدا كانت واحدة للموصى له إن حملها الثلث، ولو ماتوا إلا واحدة قبل الموصي بطلت الوصية، وإن ماتت بعده كانت له، وإن قال: من ثلثي أو من مالي كان ذلك له إذا حملها الثلث. وقال بعض علمائنا: إذا قال: اعطوه عبدا من عبيد مماليكي فماتوا إلا واحدا صحت الوصية فيه. والشيخ - رحمه الله - قال: إذا قال: اعطوه عبدا من رقيقي فماتوا إلا واحدا لزمت الوصية فيه (2). وفي قول ابن الجنيد إشكال، لأنا نعتبر النسبة حالة الوصية، فلا يشترط أن يكون له دواب جماعة حالة الموت.

(1) المبسوط: ج 4 ص 13.
(2) المبسوط: ج 4 ص 17.

[ 426 ]

ويمكن أن يحتج له بأن الاعتبار بالنسبة كالاعتبار بالوصف، ولا شك في أن الوصف إنما يعتبر عند التسليم، فلو قال: اعطوه عجلا كان له من صغار البقر عند التسليم، والنسبة وصف في الحقيقة أيضا، ولأنه لو قال: اعطوه من مالي كذا ثم تلف ماله وتجدد له عوضه اعطي من المتجدد، وكذا لو زاد حق خرجت الوصية من ثلثه بعد قصور الثلث عنها. وقول الشيخ لا تصريح فيه بشئ، فإن الرقيق يصدق على القليل والكثير. مسألة: قد بينا أن الأقوى عندنا أن العطايا المنجزة من الثلث كالوصية. إذا تقرر هذا فنقول: إذا اشتمل البيع على محاباة فإن المحاباة تخرج من الثلث، فلا يخلو البيع إما أن يكون مساويا للثمن في الجنس ويكون ربويا أو لا، فإن كان الأول فإن خرجت المحاباة من الثلث أو أجاز الوارث أو برئ البائع صح البيع في الجميع بجميع الثمن، ولو مات الجميع لم يكن القول بصحة الجميع، لمنافاته الحكم بالخروج من الثلث، ولا فساد الجميع، لأنه عقد وقع من أهله في محله فكان معتبرا في نظر الشرع، بل يفسخ البيع في البعض ويصح في الباقي فيدخلها الدور، لأنا نتوقف في معرفة قدر البيع على معرفة قدر ماله، لاشتمال البيع على محاباة لا يخرج من الأصل بل من الثلث، وقدره يتوقف على معرفة قدر المال، لكن معرفة قدر المال يتوقف على معرفة قدر الثمن، لأنه من جملة ماله، ومعرفة قدر الثمن يتوقف على معرفة قدر المبيع بطريق استخراجه بالجبران، بل نقول: لو باع قفيزا يساوي ثلثين بقفيز يساوي عشرة فقد حابى بثلثي التركة، فيجوز البيع في شئ من الأرفع بشئ من الأدون قيمته ثلث شئ، فتكون المحاباة بثلثي شئ يلقى من الأرفع شئ يبقى قفيز إلا ثلثي شئ يعدل مثلي المحاباة وذلك شئ وثلث شئ، فإذا جبرت عدل شيئين، فالشئ نصف القفيز. ولو كان الثمن يساوي خمسة عشر فقد حابى بنصف التركة، فنقول: يجوز

[ 427 ]

البيع في شئ من الأرفع بشئ من الأدون قيمته نصف شئ، فتكون المحاباة بنصف شئ يلقى من الأرفع يبقى قفيز إلا نصف شئ يعدل مثلي المحاباة وذلك شئ، فإذا جبرت وقابلت بقي قفيز، يعدل شيئا ونصفا، فالشئ ثلثا القفيز، فيصح المبيع في ثلثي القفيز بثلثي الثمن. وطريق ذلك: أن يسقط الثمن من قيمة المبيع وينسب الثلث إلى الباقي، فيصح البيع في قدر تلك النسبة، وهو ثلثاه بثلثي الثمن، وهذا القول في هذا القسم مما اتفق عليه القائلون بالحجر على المريض في منجزاته. وأما القسم الثاني: وهو أن يختلف الجنسان أو أن لا يكونا ربويين، فقد ذهب علماؤنا إلى صحة البيع فيما ساوى الثمن، ويكون الباقي محاباة، فتصح من الثلث. فلو باع عبدا قيمته ثلاثين بعشرة صح البيع في ثلثه بعشرة وأخذ ثلثا آخر بالمحاباة، ويرجع إلى الورثة الثلث الآخر، فيأخذ الموصى له ثلثي المبيع بالثمن كله، وليس له خلع الثلث. ولو باعه بخمسة عشر كان للمشتري خمسة أسداس العبد بكل الثمن، لأنه يأخذ نصفه بالبيع وثلثه بالمحاباة، ويبقى سدسه بكل الثمن، ويرجع إلى الورثة. وطريق هذا القول أن ينسب الثمن وثلث المبيع إلى قيمته، فيصح البيع في مقدار تلك النسبة. والحق عندي أنه كالأول، وهو أن يأخذ في الأول نصف المبيع بنصف الثمن، ويفسخ البيع في الباقي. ولأن فيه مقابلة بعض المبيع بقسطه من الثمن عند تعذر أخذ جميعه بجميع الثمن، كما لو اشترى سلعتين بثمن واحد وانفسخ العقد في أحدهما بعيب أو غيره، وكما لو اشترى شقصا أو سيفا فأخذ الشفيع الشقص، وكما لو اشترى قفيزا يساوي ثلاثين بقفيز يساوي خمسة عشر. وقول علماؤنا يستلزم أخذ بعض المبيع بجميع الثمن، وهو مخالف للايجاب، فأشبه ما

[ 428 ]

لو قال: بعتك هذا بمائة فقال: قبلت نصفه بها. ولأنه إذا فسخ البيع في بعضه لوجب أن يفسخه في قدره من ثمنه، ولا يجوز فسخ البيع فيه مع بقاء ثمنه، كما لا يجوز فسخ البيع في الجميع مع بقاء ثمنه. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا رد بعد الموت والقبول وقبل القبض جاز الرد، وفي الناس من قال: لا يصح الرد، لأنه لما قبل ثبت ملكه إما بالموت أو الشرطين، وإذا حصل في ملكه لم يكن له الرد، والصحيح أن ذلك يصح، لأنه وإن كان قد ملكه بالقبول لم يستقر ملكه عليه ما لم يقبضه فصح منه الرد، كما أن من وقف عليه شئ فإنه متى رد صح ذلك وإن كان قد ملك الرقبة والمنفعة أو أحدهما (1). والوجه عندي الأول، لأنه قد ملك بالوصية الجامعة للشرائط، فلا يزول ملكه عنه إلا بسبب ناقل، والرد ليس ناقلا. قوله: " لم يستقر ملكه عليه " قلنا: ممنوع، فإنه عقد لا خيار فيه، بحيث ينقسم إلى مستقر وغيره، والقياس على الوقف باطل، لفساد القياس في نفسه، وقيام الفرق فيه، لأنه إذا رد لم يحصل القبول الذي هو شرط أو جزء، نعم لو قبل ثم رد لم يكن للرد حكم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أوصى له بداره ثم انهدمت الدار قبل الموت وخرجت عن اسم الدار بطلت الوصية، وهو قول مشهور للفقهاء، لأن الاعتبار في الوصية بما يقع عليه الاسم حين لزوم الوصية (2). والوجه عندي التفصيل، وهو أن يقال: إن كان الموصى به مطلقا كأن يقول: اعطوه دارا ثم تخرب دوره فإنه يشتري له دار، وكذا لو قال: اعطوه دارا من دوري فتخرب دوره قبل موته لم يعط شيئا، لأنه قصد اعطاء ما سمي دارا

(1) المبسوط: ج 4 ص 33، وفيه: (بالشرطين).
(2) المبسوط: ج 4 ص 38.

[ 429 ]

على إشكال، وإن كان معينا كأن يقول: اعطوه هذه الدار فتخرب قبل موته فالأقوى هنا أن يعطى العرصة، لأنه أوصى له بمجموع، فلا يبطل البعض منه بفوات الآخر، كما لو قال: اعطوه مجموع العبدين فيموت أحدهما، والأصل فيه الالتفات هنا إلى الدار لا إلى إطلاق الاسم. مسألة: قال الشيخ في المبسوط: العطايا المؤخرة إن كان فيها عتق أو تدبير فعندنا يقدم العتق (1). وقال ابن الجنيد: وإن كان جميعها - يعني الوصايا - تطوعا وفيها عتق بنات (2) معين أو تدبير بدئ به وكانت الوصايا بعده، ولو كانت العتاقة بمال معين فعجز الثلث حاصت (3) العتاقة أصحاب الوصايا في الثلث. والوجه عندي التسوية بين العتق وغيره في اعتبار التقديم والتأخير. ولا حجة في رواية إسماعيل بن همام، عن أبي الحسن عليه السلام " في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته وأعتق مملوكا فكان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع في وصيته؟ قال: يبدأ بالعتق فينفذ " (4) لأنا نقول بموجب الرواية، فإنها قد اشتملت على العتق المنجز، ولا ريب في تقدمه، والنزاع ليس فيه بل في الوصية فيه، والظاهر أن مقصود ابن الجنيد ما قلناه. نقول بموجب الرواية، فإنها قد اشتملت على العتق المنجز، ولا ريب في تقدمه، والنزاع ليس فيه بل في الوصية فيه، والظاهر أن مقصود ابن الجنيد ما قلناه. مسألة: قال في المبسوط: إذا أوصى لمواليه وله موالي من الأعلى والأسفل استويا (5)، وقد تقدم اختيارنا في هذه المسألة في باب الوقف (6) فليطلب من هناك. (1) المبسوط: ج 4 ص 48.
(2) كذا في النسخ.
(5) المبسوط: ج 4 ص 49.
(3) أي الحصص.
(6) يراجع ص 755.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 219 ح 861، وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 458.

[ 430 ]

إلى هنا انتهى الجز السادس - حسب تجزئتنا - ويتلوه الجزء السابع إن شاء الله تعالى وأوله: " كتاب النكاح " نقول بموجب الرواية، فإنها قد اشتملت على العتق المنجز، ولا ريب في تقدمه، والنزاع ليس فيه بل في الوصية فيه، والظاهر أن مقصود ابن الجنيد ما قلناه. مسألة: قال في المبسوط: إذا أوصى لمواليه وله موالي من الأعلى والأسفل استويا (5)، وقد تقدم اختيارنا في هذه المسألة في باب الوقف (6) فليطلب من هناك. (1) المبسوط: ج 4 ص 48.
(2) كذا في النسخ.
(5) المبسوط: ج 4 ص 49.
(3) أي الحصص.
(6) يراجع ص 755.
(4) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 219 ح 861، وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب أحكام الوصايا ح 2 ج 13 ص 458.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية